بحوث فقهیة معاصرة

اشارة

نام کتاب: بحوث فقهیة معاصرة
موضوع: فقه استدلالی
نویسنده: نجفی، بشیر حسین
تاریخ وفات مؤلف: ه ق
زبان: عربی
قطع: وزیری
تعداد جلد: 1
ناشر: دفتر حضرت آیة الله نجفی
تاریخ نشر: 1427 ه ق
نوبت چاپ: اول
مکان چاپ: نجف اشرف- عراق
مقرر: ضیاء زین الدین
تاریخ وفات مقرر: ه ق‌

أمارة سوق المسلمین

اشارة

من الأمارات الشرعیة المعروفة و المشهورة أمارة سوق المسلمین، و هی تعنی الاعتماد علی هذه السوق لإثبات إباحة ما یحتمل الحرمة فیه، و طهارة ما تحتمل نجاسته، و ذکاة ما یحتمل عدم ذکاته.
و هذه الأمارة بعنوانها العام لا إشکال فیها، و هی من ضروریات المجتمع الإنسانی قبل أن تکون من ضروریات المجتمع الإسلامی؛ إذ ما لم ترتب آثار السوق فی مشروعیة ما یوجد فیه من حیث تملکه إیاه أو تذکیته أو طهارته لا تستقیم معیشة الإنسان بالنحو الطبیعی المعهود.
إلا أن ما ینبغی التأمل فیه هو مدی أبعاد هذه القاعدة أو شمولها لحالات من الشک قد لا تجری فیها؛ لأن الأمر یختلف مع من یدخل السوق من الناس فهو:
1- قد یؤمن إیمانا جازما لسبب من أسباب الإیمان الخاصة و العامة بمشروعیة ما فی ید البائع من السلع.
2- و قد تعکس معه الحالة تماما إذ هو قد یؤمن بعدم مشروعیة ما فی ید البائع من السلع لواحد من الأسباب المتقدمة.
3- و قد یغفل غفلة تامة عن الالتفات إلی المشروعیة و عدمها.
4- و قد یشک فی المشروعیة و عدمها و لکن دون قرینة تؤکد أیا من جانبی هذا الشک.
5- و قد یشک فی هذه المشروعیة مع وجود قرینة غیر معتبرة شرعا علی المشروعیة کما لو وجدت کتابة غیر معروفة المستند أو أخبار من لا یوثق بخبره و شبه هذا من القرائن.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 8
6- و قد یؤید الشک بقرینة- غیر معتبرة أیضا- علی عدم المشروعیة فالشارع لا یرتب الأثر علیها إلا أن لها تأثیرها النفسی لدی الشاک و ترجح لدیه جانب العدم.
7 و 8- و قد تکون هاتان القرینتان مما یعتبر شرعا و یرتب الشرع علی أساسهما الحکم فی جانب المشروعیة أو عدمها.
و واضح أن جریان الأمارة إنما هو فی المجال الذی لا یکون فیه علم واقعی أو ما یقوم مقامه شرعا فأمارة سوق المسلمین مع هذه الملاحظة لا یمکن إجراؤها فی کل من الصور الأولی و الثانیة و السابعة و الثامنة؛ إذ فی الأولیین هناک اعتقاد جازم و لا یرجع معه إلی الأمارات، و فی الأخریین هناک دلیل شرعی یرتب الشرع الأثر علیه و إن لم یبلغ إلی درجة العلم الواقعی کما لو قامت البینة الشرعیة علی أحد الاحتمالین.
و لکن التساؤل عن الصور الأربع الأخری هل هی جمیعا مما تطّرد فیه هذه الأمارة أم لا؟
و لعل الإجابة بالإیجاب واضحة فی الصورة الثالثة و الرابعة و الخامسة؛ إذ هی جمیعا مما علم جریان الأمارة فیها، و لکن الموقف یختلف بالنسبة إلی الصورة السادسة حیث تواجد قرائن تؤید الشک فی عدم المشروعیة، أما کقرینة فعلیة فی المبیع أو قرائن عامة فی ذوی السوق من عدم الالتزام و المبالاة فی مصدر جلب تلک السلع و إلی أین تنتهی، و یقع البحث فی فصلین:
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 9‌

الفصل الأول فی أدلة أمارة سوق المسلمین

اشارة

و لاستیضاح الإجابة عن هذا لا بد من ملاحظة ما عرض من أدلة لهذه الأمارة لدی الفقهاء، و مدی دلالتها و استیعابها لصور الشک المتقدمة،

و قد استدل علیها بأدلة:

الأول: الإجماع،

و قد صدرت هذه الدعوی من جملة من الأعلام، إلا أن إثبات أن هذا الإجماع تعبدی مشکل جدا، و لا سیما مع تکاثر الروایات الواردة فی هذه الأمارة، إذ مع وجود الروایات یعتبر الإجماع محتمل المدرک و لا شک، و من المعروف أنه لیس بحجة و إن کان متحققا فعلا بل الحجة أدلته.

الثانی: السیرة العملیة من المتشرعین

کافة خاصتهم و عامتهم منذ العصور الإسلامیة الأولی و حتی الآن.
و هذه السیرة فی الجملة مما لا إشکال فیها إلا أنها دلیل لبّی فلا بد من الاقتصار علی القدر المتیقن منها، و المتیقن هو ورودها فی صورة الغفلة و الشک غیر المعتضد بقرینة علی المشروعیة أو عدمها، و أما ورودها فی صورة الشک مع قرائن تؤید عدم المشروعیة فهذا ما لم یعلم من شأنها إلا أن یدعی عموم السیرة.
إذن فلا یمکن الاستدلال بهذه السیرة علی الحکم مع مثل هذا النحو من الشک.

الثالث: ما رواه الشیخ الکلینی

عن القاسم بن یحیی عن سلیمان بن داود عن حفص بن غیاث عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قال له رجل: إذا رأیت شیئا فی
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 10
یدی رجل یجوز لی أن أشهد أنه له؟ قال: نعم؛ قال الرجل: أشهد أنه فی یده و لا أشهد أنه له فلعله لغیره، فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام: أ فیحل الشراء منه؟ قال:
نعم، فقال أبو عبد اللّه: فلعله لغیره فمن أین جاز لک أن تشتریه و یصیر ملکا لک ثم تقول بعد الملک هو لی و تحلف علیه، و لا یجوز أن تنسبه إلی من صار ملکه من قبله إلیک؟ ثم قال أبو عبد اللّه علیه السّلام: لو لم یجز هذا لم یقم للمسلمین سوق «1».
و استفادة حجیة السوق من هذه الروایة بمناسبة التعقیب الأخیر من محکی قول الإمام علیه السّلام: «لو لم یجز هذا لم یقم للمسلمین سوق» حیث یمکن استفادة أن هذه السوق حجة علی ما فیها، و لا ینبغی السؤال عما یشتری فیها و یباع، و یکفی أن تکون الصبغة العامة فی السوق هی الإسلام لیشرع التصرفات فیها أخذا و عطاء و أکلا و شربا و لباسا و نحو ذلک.
و یلاحظ علی الاستدلال بالروایة:
أولا: أن فی سندها حفص بن غیاث و هو ضعیف- علی المختار «2» - لأنه مخالف للحق فی الاعتقاد و إن قیل إن الأصحاب عملوا بما یرویه لوثاقته و تحرّزه عن الکذب فیما یرویه.
و ثانیا: هی منصبة علی أمارة أخری و هی ید المسلم لا سوق المسلمین؛ إذ إن المقصود فی کل من السؤال و الجواب إنما هو هذه الید، أما سوق المسلمین فقد لوحظت فیها عرضا.
و ثالثا: أن الروایة صدرت فی عصر کان الناس أقرب للالتزام منهم إلیه فی الوقت الحاضر، فصحیح أن العامة مذ انحرفوا فی عقائدهم عن المنهل الروی لحجج اللّه من أهل البیت علیه السّلام، إلا أن ارتباطهم لم ینقطع عن الظواهر الإسلامیة العامة التی تحفظ للإسلام صبغته البارزة فی المجتمع، و من تلک
______________________________
(1) الکافی 7: 384 ب (9) من أبواب الشهادة ح 1، وسائل الشیعة 27: 292 ب (25) من أبواب کیفیة الحکم.
(2) هذا بناء علی ما کان علیه (دام ظله) فیما مضی من عدم العمل بالخبر الموثق، و لکنه تبدل مبناه فیما بعد.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 11
الظواهر مجریات السوق؛ إذ هناک فروق محسوسة بین سوق المسلمین و أسواق غیر هم فی التعامل و التذکیة و شبههما مما یحفظ لتلک المظاهر وجودها، و تسریة حکم هذه السوق إلی حالات ابتعد فیها الناس حتی عن تلک الظواهر قد لا یکون فی محله.
و لکن مما لا ینبغی الغفلة عنه أن الروایة وردت فی موقع الشهادة، و هی إنما ترد فی موقع یأتی التنازع فیه فی مشروعیة ما تحت ید صاحب الید أو عدم المشروعیة، و هذا النزاع یمکن أن یکون قرینة تؤید عدم المشروعیة کما لا یخفی، إذن فالمناقشة الثانیة و الثالثة غیر واردتین، و تبقی المناقشة الأولی من ضعف السند فیها کما ألمحنا.
إذن فالروایة- إن تمت سندا- یظهر منها الإطلاق لجمیع حالات الشک السابقة حتی و إن کانت هناک قرائن علی عدم المشروعیة ما لم تکن تلک القرائن معتبرة شرعا.

الرابع: ما رواه أبو حمزة الثمالی

عن أبی جعفر علیه السّلام (فی حدیث) أن قتادة قال له: أخبرنی عن الجبن، فقال: لا بأس به، فقال: إنه ربما جعلت فیه أنفحة المیت؟ فقال: لیس به بأس إن الإنفحة لیس لها عروق و لا فیها دم و لا لها عظم، إنما تخرج من بین فرث و دم، و إنما الإنفحة بمنزلة دجاجة میتة أخرجت منها بیضة فهل تأکل تلک البیضة؟ قال قتادة: لا و لا آمر بأکلها، قال أبو جعفر علیه السّلام: و لم؟ قال: لأنها من المیتة، قال: فإن حضنت تلک البیضة فخرجت منها دجاجة، أ تأکلها؟ قال: نعم، قال فما حرم علیک البیضة و أحل لک الدجاجة؟
ثم قال: فکذلک الإنفحة مثل البیضة، فاشتر الجبن من أسواق المسلمین، من أیدی المصلین و لا تسأل عنه إلا أن یأتیک من یخبرک عنه «1».
و موضع الدلالة فی الروایة: (فاشتر الجبن من أسواق المسلمین من المصلین..
______________________________
(1) وسائل الشیعة 24: 179 ب (33) من أبواب الأطعمة المحرمة ح 1.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 12
إلخ).
و المتأمل فی هذه العبارة یستوقفه قید (المصلین) فی المسلمین أصحاب السوق، إذ لا بد أن یؤخذ فی القید الاحترازیة و إلا أصبح لغوا، فمعناه أن من علم التزامه بالصلاة حمل سلوکه علی الصحة و إلا فلا.
و من الواضح أن ذکر المصلین لا یقصد به الصلاة بالخصوص فمن علم منه الصلاة أخذ منه دون سؤال و إلا فلا، فإنه لم یقل به أحد و الذی یبدو أن قید الصلاة أخذ کنایة عن الالتزام بتلک المظاهر العامة الحاکمة فی المجتمع الإسلامی، و التی من أبرزها الصلاة، و علی هذه فالروایة أخذت هذا الالتزام قیدا فی حجیة سوق المسلمین، فیمکن اعتبار هذه الروایة مقیدة للإطلاق فی ما سواها من روایات لا تشیر إلی هذا القید، کما هو ظاهر الروایة السابقة لو تم سندها، و إن کانتا مثبتتین.

الخامس: ما رواه سعد عن أبی جعفر

عن الحسین بن سعید عن فضالة عن أبان عن إسماعیل بن الفضل قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام: عن لباس الجلود و الخفاف و النعال و الصلاة فیها إذا لم تکن من أرض المصلین، فقال: أما النعال و الخفاف فلا بأس بها «1».
و فی سندها إشکال من جهة أبان فإنه ابن عثمان و کان ناووسیا «2»، کما لا یخلو السند عن إطلاق یحتاج إلی تقیید فی کل من سعد و أبی جعفر إذ الاحتمال فیهما وارد.
و ظاهرها- کسابقتها- حصر جواز لبس الجلود فی الصلاة فی خصوص ما یجلب من أرض المصلین دون ما یجلب من غیرها و هو أیضا کنایة عن الالتزام بهذه المظاهر العامة، فلا وجه لما احتمله سیدنا الأستاذ دام ظله من أن إطلاق
______________________________
(1) وسائل الشیعة ب (38) من أبواب لباس المصلی ح 3.
(2) هذا بناء علی ما کان علیه دام ظله فیما مضی من عدم العمل بالخبر الموثق و لکنه تبدل مبناه فیما بعد.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 13
المصلین هنا أرید به المسلمین بدلالة الآیة الکریمة: قٰالُوا لَمْ نَکُ مِنَ الْمُصَلِّینَ؛ إذ إن تعبیری المسلمین و المصلین یکونان مترادفین مصداقا بناء علی أن الکفار مکلفون بالفروع کما هم مکلفون بالأصول، و حینئذ یکون نتیجة سؤال السائل عمّا یؤخذ من أرض غیر المسلمین؛ فهذا الاحتمال غیر وجیه لسببین:
الأول: ما ذکرناه فی مباحث الحجة من عدم تمامیة الدلالة فی نفس الآیة علی هذا الاحتمال؛ إذ الکافرون لیسوا مکلفین بالفروع فلا ترادف.
الثانی: - مع التنزل- أن مجری الکلام فی الروایة سؤالا و جوابا إنما هو عن الأخذ من أولئک الذابحین غیر الملتزمین بمبادئ الشرع العامة مما یرجح عدم جریان تذکیتهم وفق الضوابط الشرعیة، و لهذا فإن الصلاة لیست هی المقصودة فی المسألة بل هی أخذت کطریق إلی تحقق عنوان الالتزام بالشریعة و حفظ المظاهر باعتبار ما لها من أهمیة فی هذه المظاهر، فغایة السؤال تکون حینئذ عن شراء الجلود و مشتقاتها ممن لا یلتزمون بأحکام الشریعة فهل أصلی فیها أو لا؟
و لهذا کان تفصیل الإمام علیه السّلام بین النعل و الخف من جانب و غیرهما من جانب آخر؛ لأنهما مما یجوز لبسهما فی الصلاة و إن کانا نجسین بالنجاسة العارضة؛ لأنهما لا یستران العورة.
و الروایة مع هذا المقید تقرب فی الدلالة من سابقتها فی حجیة سوق المسلمین حین یعلم التزامهم بالمظاهر العامة للشریعة دون ما إذا لم یعلم منهم هذا الالتزام.

السادس: ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج،

قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن الفراء أشتریه من الرجل الذی لعلی لا أثق به، فیبیعنی علی أنها ذکیة أبیعها علی ذلک؟ فقال: إن کنت لا تثق به فلا تبعها علی أنها ذکیة إلا أن تقول: قد قیل لی إنّها ذکیة «1».
______________________________
(1) وسائل الشیعة 17: 172 ب (38) من أبواب ما یکتسب منه ح 2.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 14
و الروایة معتبرة السند إلا أن الالتزام بدلالتها منطوقا مشکل، فهی تشترط الوثوق بالتذکیة فی جواز التصرف فی البیع فیما یتوقف علیها، و هذا یعنی إسقاط حجیة سوق المسلمین فالإمام علیه السّلام یقول: (إن کنت لا تثق به فلا تبعها علی أنها ذکیة) و منافاة هذا المنطوق للسیرة التی عرف شمولها لبعض صور المشکوک واضح.
إذن فلا بد من حمل الثقة المطلوبة هنا علی تلک الثقة العامة التی تتأتی من حفظ المجتمع للمظاهر و الرسوم الإسلامیة العامة، لا تلک الثقة الخاصة التی تنشأ من المخالطة و استمرار الاتباع الشخصی لأحکام الدین الحنیف من کل بائع فی السوق بالخصوص.
إلا أنه یمکن القول: إن الروایة بعیدة عن السوق و أمارته و أنها تحکی فقط عن شراء من شخص عابر یشک المشتری فی تصرفاته و التزامه، فهی أجنبیة عما نحن فیه.
هذه نماذج من أدلة هذه الأمارة و قد اتضح من خلالها أن سوق المسلمین لیست حجة علی الإطلاق، بل حجیتها فقط فی حالة معرفة المشتری بالتزام البائعین فیه و حفظهم المظاهر الشریعة و متقیدین بما یحفظ لهذه المظاهر وجودها، و الإطلاق الموجود فی بعض الروایات یمکن تقییده بالقیود الواردة فی بعضها الآخر کما هو واضح من روایة أبی حمزة الثمالی من أمر الإمام أبی جعفر علیه السّلام لقتادة بالشراء، و عدم السؤال من سوق المسلمین الملتزمین بالصلاة کعنوان لالتزامهم بمظاهر إسلامیة المجتمع الذی یکون.
و لئن نوقش فی إمکان تقیید الإطلاقات فی ذلک البعض بمثل هذه القیود فلا أقل من أنها تثیر الشک فی حجیة السوق بدونها، و الشک فی الحجیة یساوق عدم الحجیة کما هو معلوم، فیبقی الإطلاق بحاجة إلی دلیل واضح بجعل الحجیة له دون تلک القیود.

و یضاف إلی ما تقدم روایات أخری یمکن أن تکون مؤیدة للقید المذکور

بحوث فقهیة معاصرة، ص: 15
و نقول: مؤیدة، إذ إن فی سندها ضعفا لا ینهض فی اعتبارها دلیلا شرعیا فمنها:
1- ما رواه الشیخ قدّس سرّه عن أحمد بن محمد عن سعد بن إسماعیل عن أبیه إسماعیل بن عیسی قال: سألت أبا الحسن علیه السّلام عن جلود الفراء یشتریها الرجل فی سوق من أسواق من أسوق الجبل أ یسأل عن ذکاته إذا کان البائع مسلما غیر عارف؟ قال: علیکم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأیتم المشرکین یبیعون ذلک، و إذا رأیتم یصلون فیه فلا تسألوا عنه «1».
و رواه الشیخ الصدوق قدّس سرّه فی الفقیه أیضا.
و الإشکال فی السند یأتی من جهتی کل من سعد بن إسماعیل و أبیه إسماعیل بن عیسی فکل منهما لم یثبت توثیقه، کما یلاحظ أن فی النسخ اختلافا؛ إذ فی مطبوع کل من کتاب الفقیه و التهذیب و الوسائل یوجد فیها (الجبل) إلا أن فی هامش نسخة الفقیه المطبوعة حدیثا نقل عن بعض المخطوطات (الجیل) و (الخیل) و (الحثل)، و فسر الأخیر بهامش المطبوعة القدیمة أنهم طائفة من الیهود «2».
و دلالة الروایة واضحة علی عدم کفایة دعوی الإسلام فی وصف ذوی السوق، بل لا بد من اقتران هذه الدعوی بما یحفظ للشریعة مبادئها فی حیاتهم و بین أظهرهم، و لا سیما الصلاة فیما یبیعونه نوعا.
2- ما رواه الشیخ الکلینی عن علی بن إبراهیم عن أبیه عن إسماعیل بن مرار عن یونس عنهم علیه السّلام قالوا خمسة أشیاء ذکیة مما فیها منافع الخلق: الإنفحة، و البیضة، و الصوف و الشعر، و الوبر، و لا بأس بأکل الجبن کله مما عمله مسلم
______________________________
(1) تهذیب الأحکام 2: 348 ب (17) من أبواب الصلاة، ح 76، وسائل الشیعة 3: 492 ب (50) من أبواب النجاسات ح 7.
(2) من لا یحضره الفقیه 1: 267 ب (39) فیما یصلی فیه و ما لا یصلی فیه من الثیاب ح 39.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 16
أو غیره، و إنما یکره أن یؤکل سوی الإنفحة مما فی آنیة المجوس و أهل الکتاب لأنهم؛ لا یتوقون المیتة و الخمر «1».
و ضعف السند فی الروایة من جهة إسماعیل بن مرار إذ هو ممن لم تثبت وثاقته و إن ادعیت من البعض لروایة من لا یروی إلا عن ثقة عنه، إلا أن هذه الدعوی غیر مسلّمة المدرک فلا تتم.
و دلالة الروایة علی المطلوب تأتی من جهة التعلیل العام الذی بنی علیه الحکم فی کراهة تناول ما فی أیدی الکتابیین لتناولهم المیتة و الخمر و عدم توقیهم منهما، و هذا یعنی شمول الحکم لکل من عرف عنه عدم التوقی و إن کان من المسلمین.
3- ما رواه محمد بن الحسین (الحسن) الأشعری قال: کتب بعض أصحابنا إلی أبی جعفر الثانی علیه السّلام ما تقول فی الفرو یشتری من السوق؟ فقال: إذا کان مضمونا فلا بأس «2».
و واضح أن السؤال کان عن السوق المتعارف بین المسلمین فاللام هی لام العهد الحضوری أی هذه السوق التی ندخلها و الإمام قیّد المشروعیة بضمان التذکیة و لو کان ناشئا من حفظ مظاهر الالتزام بأحکام الإسلام، و إلا کان القید لغوا.
إذن فحصیلة هذه الروایات کافة أن السوق یجب أن یکون للمسلمین و أن لا یکون هؤلاء المسلمون ممن عهد منهم عدم الالتزام- و إن لم یعلم الالتزام- أما إذا عهد منهم التحلل وعد الالتزام فلا ینبغی إجراء حکم سوق المسلمین علیهم.
______________________________
(1) الکافی 6: 260 ب (9) ما ینتفع به من المیتة و ما لا ینتفع به منها.
(2) الکافی 3: 399 ب (60) اللباس الذی تکره الصلاة فیه و ما لا تکره.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 17‌

الفصل الثانی آثار أمارة سوق المسلمین

اشارة

قلنا: إن الأثر الجامع لقاعدة سوق المسلمین بعد اجتماع شرائطها هو البناء علی مشروعیة ما شک فی مشروعیته، و تجمع هذه الکلمة أبعادا ثلاثة بارزة لعل من المجدی الوقوف عند کل منها بالخصوص، و هذه الأبعاد هی:
1- ملکیة ما احتمل عدم ملکیته؛ إذ لا تصح معاملة البیع من دون إحراز أن ما یباع صالح للتملک.
2- طهارة ما احتمل نجاسته؛ لأن بیع النجس لا یصح إلا بشروط معینة.
3- تذکیة ما یشک فی عدم تذکیته، بل حلیة کل ما یشک فی حرمته سواء أ کان من جهة التذکیة أم غیرها.

أما البعد الأول: فإن ملکیة ما احتمل عدم ملکیته هو مفاد کثیر من الروایات

اشارة

سبق بعضها، و یضاف إلیه ما یمکن أن یعد طوائف تشهد علی هذه الملکیة.

الطائفة الأولی: ما ورد فی بیع الرقیق المدعی للحریة،

و لم تکن له بینة علی دعواه فمنها ما رواه:
1- العیص بن القاسم عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: سألته عن مملوک ادعی أنه حر و لم یأت ببینة علی ذلک أشتریه؟ قال: نعم «1».
و الروایة وردت بطریق صحیح لدی کل من الشیخ الطوسی و الشیخ الصدوق رضوان اللّه علیهما، و هی و إن وردت فی المملوک الذکر إلا أن الذکورة لا خصوصیة لها فی الحکم- کما هو واضح.
______________________________
(1) تهذیب الأحکام 7: 69 ب (6) فی ابتیاع الحیوان ح 31، من لا یحضره الفقیه 3: 162 ب (69) البیوع ح 55.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 18
2- المشایخ الثلاثة قدّس سرّه عن حمزة بن حمران قال: قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام، أدخل السوق و أرید أن أشتری جاریة فتقول إنی حرة، فقال اشترها إلا أن تکون لها بینة «1».
و سندها مخدوش بحمزة بن حمران فهو لم یوثق.
و الفرق ما بین دلالتی الروایتین أن فی الأولی عموما یشمل غیر السوق مما یری بأیدی الناس من المالکین، بینما خصصت الثانیة ما یعرض فی السوق من الجواری و لهذا قیل: إن الأولی من أدلة قاعدة الید و الثانیة من أدلة أمارة سوق المسلمین، بینما خلط آخرون فأوردوهما تارة فی أدلة أمارة الید و أخری فی أدلة سوق المسلمین، و لکن سیأتی بیان ما فی هذا الوجه من الاضطراب إن شاء اللّه.

الطائفة الثانیة: ما دل علی حلیة ما لم تعلم حرمته بالذات

و ذکر سوق المسلمین کمورد لهذه القاعدة منها ما رواه:
مسعدة بن صدقة عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال سمعته یقول: کل شی‌ء هو لک حلال حتی تعلم أنه حرام بعینه فتدعه من قبل نفسک، و ذلک مثل الثوب یکون قد اشتریته و هو سرقة أو المملوک عندک و لعله حر قد باع نفسه أو خدع فبیع أو قهرا.. و الأشیاء کلها علی هذا حتی یستبین لک غیر ذلک أو تقوم به البینة «2».
و الروایة ضعیفة السند لوجود مسعدة بن صدقة فیها، و هو ممن لم تثبت وثاقته «3»، و قیل عنه: إنه عامی أو بتری.

الطائفة الثالثة: ما ورد فی ما اشتبه أنه کان سرقة أو خیانة

إذ إن ترتب آثار سوق المسلمین لإثبات الملکیة فیما إذا لم یعلم أنه المسروق بعینه فمنها ما رواه:
1- أبو بصیر قال: سألت أحدهما علیه السّلام عن شراء الخیانة و السرقة، قال: لا، إلا
______________________________
(1) الکافی 5: 213 ب (93) فی شراء الرقیق ح 13.
(2) وسائل الشیعة 17: 336 ب (1) من أبواب البیع و شروطه ح 4.
(3) هذا ما کان (دام ظله) بانیا علیه ثم عدل إلی توثیقه فیما بعد.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 19
أن یکون قد اختلط معه غیره فأما السرقة بعینها فلا «1».
و الروایة معتبرة سندا، و هی تفید المنع فی خصوص ما علم أنه مسروق، و من دون هذا العلم یجری الحکم بتملک البائع له بحجیة سوق المسلمین، و قریب منها مضمرة سماعة «2».
2- قرب الإسناد بسنده عن علی بن جعفر عن أخیه موسی قال سألته عن رجل سرق جاریة ثم باعها یحل فرجها لمن اشتراها؟ قال: إذا أنبأهم أنها سرقة فلا یحل و إن لم یعلم فلا بأس «3».
و الظاهر أن الروایة تامة السند، و هی رتبت حرمة الوطء علی ما إذا أخبر البائع المشتری بذلک بل علی ما إذا أفاده الخبر علما بالسرقة؛ إذ لو کان مجرد الإخبار کافیا لما عقب بقوله علیه السّلام: (و إن لم یعلم فلا بأس)، فهذا التعقیب یعنی أن الشرط إنما ذکر لطریقیته إلی علم المشتری لا أنه هو مناط التحریم؛ و لهذا فلو أخبر البائع و غیره المشتری من دون أن یستوجب هذا الخبر علما لدیه فلا یتأتی الحکم بالحرمة.
و هذا المقدار من الروایات کاف فی الدلالة علی المطلوب بل فیها ما یدل علی إباحة الفرج کما فی تلک الروایات التی تضمنت جواز شراء الرقیق و إن ادعی أنه حر، ما لم یعلم لقرینة من القرائن الموجبة للعلم أنه صادق فی دعواه؛ إذ مع هذا العلم یخرج الأمر عن مجال قاعدة سوق المسلمین کما سبق أن عرفنا.
و هنا إشکال لا بد من استیضاح ما فیه و هو:
أن ما یثبت ملکیة المعروض فی السوق للبائع لیست هی أمارة سوق المسلمین
______________________________
(1) وسائل الشیعة 17: 335 ب (1) من أبواب عقد البیع و شروط ح 4.
(2) وسائل الشیعة 17: 336 ب (1) من أبواب البیع و شروط ح 6.
(3) قرب الاسناد: 267 باب ما یحل من البیوع ح 1064.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 20
بل أمارة الید، فإذا عرض شی‌ء للبیع فی السوق فأقصی ما تدل علیه قاعدة السوق أن عارضه یملک حق التصرف فیه، و أما أن هذا الشی‌ء ملکه هو بالذات فلا تدل علیه البتة، بل هو مجال قاعدة الید، و هذا یعنی أن مورد الأخبار السابقة جمیعها أو معظمها إنما هو قاعدة الید، و لیس سوق المسلمین.
و لمعرفة ما فی الإشکال، و الفرق ما بین القاعدتین، لا بد من التأمل قلیلا فی مفادهما، فنقول:
إن ملکیة إنسان لشی‌ء لا تثبت إلا بعد إحراز أمرین:
1- قابلیة المملوک لأن یتملک شرعا.
2- قابلیة المالک لتملک ذلک المملوک.
و معنی إحراز القابلیة فی الجانبین لیس هو إحراز الإمکان العقلی المطلق، بل المقصود هو الصلاحیة الفعلیة لإضفاء هذه العلاقة الاعتباریة من الجانبین معا فیقال: إن المملوک صالح فعلا لأن یملکه زید و إن زیدا صالح کذلک لملکیة هذا المملوک، و أما إحراز هذه الصلاحیة الفعلیة من واحد من الجانبین فقط دون الجانب الآخر فهو لا یسمح لاعتبار علاقة الملکیة فی المورد، فإثبات أن هذا القلم مثلا صالح فعلا لأن یملکه شخص من الناس لا یقتضی تلک العلاقة؛ إذ إن تلک الصلاحیة وحدها لا تعنی أننی أنا الذی أملک هذا القلم ما لم یحرز صلاحیتی أنا لأن أملکه و بالطرق المشروعیة لدی العقلاء.
و هکذا الأمر بالعکس لو تمت صلاحیتی أنا لأن أملک شیئا من الأشیاء فإن هذا لا یعنی الحکم بأننی أملک هذا القلم بالذات ما لم تکن فی القلم صلاحیة لأن أملکه أنا، و هکذا.
و لهذا نقول: إن الملکیة الاعتباریة و إن لم تکن من مقولة الإضافة- لأنها لا وجود لها وراء الاعتبار- إلا أن مفهوم الملکیة ذاته متقوم بهذه الإضافة؛ لأنه یعنی صورة من صور انتساب شی‌ء لشی‌ء بنحو معین، إذن فلتحقق مفهوم الملکیة لا بد من إحراز المالک و المملوک لکی یرد علیهما اعتبارها و إلا فلا.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 21
و بهذا التقریر الواضح یتبین مورد القاعدتین، فقاعدة سوق المسلمین إنما تثبت الطرف الأول من طرفی الملکیة بمعنی أن هذا الإناء أو هذا اللحم أو الحیوان المعروض فی سوق المسلمین فیه صلاحیة فعلیة لأن یملکه مالک معین إلا أنها تترک تعیین المالک إلی قاعدة الید التی تثبت بدورها أن البائع الذی بیده هذه السلعة المعروضة هو المالک دون غیره.
إذن فکل من القاعدتین تتناول جانبا لا تتناوله القاعدة الأخری مع أن کلا منهما أمارة شرعیة فی مجالها تتناول إثبات مدلولها و لوازمه من دون تدافع، فحین نری مقدارا من اللحم بید زید یعرضه فی السوق تثبت قاعدة الید أن هذا اللحم له و لا یجوز مزاحمته فیه، و تصح کافة تصرفاته المشروعة علیه، و لکن هل أن اللحم بالذات مما یمکن تملکه له کما لو احتمل أنه میتة أو نجس العین؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لیس من مجال قاعدة الید، و إنما هو من مهمة أمارة سوق المسلمین فیصح شراؤه و تملکه و استعمالاته الأخری، کما أن هذه الأمارة لا تتناول الإجابة عن أن زیدا بالذات هو مالک اللحم، و فی کلتا الحالین لا یعنی القدح فی أی من الأمارتین فهما ثابتتان و مثبتتان لمدلولیهما و لوازمهما.
إذن فالأمارتان مختلفتان مفهوما و تطبیقا، فما ذکر من الإشکال غیر تام، و علی أساس هذه التفرقة یتبین مسار الأدلة المتقدمة و مدی دلالتها، فالأمر بعد لا یستحق تطویلا أکثر من هذا، کما لا داعی للبحث فی أن أمارة سوق المسلمین هل هی أمارة علی کون الید أمارة أو لا؟ کما حاول البعض ذلک إذ لا موضوع له بعد هذه التفرقة الواضحة لموردی کل من الأمارتین.

البعد الثانی و الثالث: فی طهارة ما شک فی نجاسته و تذکیة ما احتمل عدم التذکیة فیه

، و قد سبق من الأخبار ما یصرح بهذین البعدین من المشروعیة التی تثبتها سوق المسلمین، و یمکن أن یزاد هنا لإثبات تذکیة و طهارة ما یباع فی السوق ما رواه:
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 22
1- فضیل و زرارة و محمد بن مسلم، أنهم سألوا أبا جعفر علیه السّلام عن شراء اللحوم من الأسواق و لا یدری ما صنع القصابون؟ فقال علیه السّلام کل إذا کان ذلک فی سوق المسلمین، و لا تسأل عنه «1».
2- أحمد بن محمد بن أبی نصر قال: سألته عن الرجل یأتی السوق فیشتری جبة فراء لا یدری أذکیة هی أم غیر ذکیة أ یصلی فیها؟ قال: نعم، لیس علیکم المسألة، إن أبا جعفر علیه السّلام کان یقول: إن الخوارج ضیقوا علی أنفسهم بجهالتهم، إن الدین أوسع من ذلک «2».
و رواه الصدوق قدّس سرّه فی الفقیه بسنده عن سلیمان بن جعفر الجعفری عن العبد الصالح موسی بن جعفر علیه السّلام «3».
3- أحمد بن محمد، عن أحمد بن محمد بن أبی نصر عن الرضا علیه السّلام قال:
سألته عن الخفاف یأتی السوق فیشتری الخف لا یدری أ ذکی هو أم لا، ما تقول فی الصلاة فیه و هو لا یدری أ یصلی فیه؟ قال: نعم أنا أشتری الخف من السوق و یصنع لی و أصلی فیه، و لیس علیکم المسألة «4».
4- ما رواه علی بن جعفر عن أخیه موسی علیه السّلام فی حدیث قال: سألته عن رجل اشتری ثوبا من السوق للبس لا یدری لمن کان هل تصلح الصلاة فیه؟ قال: إن اشتراه من مسلم فلیصل فیه، و إن اشتراه من نصرانی فلا یصل فیه حتی یغسله «5».
______________________________
(1) وسائل الشیعة 16: باب 29 من أبواب الذبائح ح 1.
(2) وسائل ب (50) من أبواب النجاسات ح 3.
(3) من لا یحضره الفقیه 1: 257 ب (39) ما یصلی فیه و ما لا یصلی فیه من الثیاب ح 791
(4) وسائل الشیعة 3: 492 ب (50) من أبواب النجاسات ح 6.
(5) وسائل الشیعة 3: 490 ب (50) من أبواب النجاسات ح 1.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 23
و نحوها روایات أخری، و هی بصریح الأمر بالصلاة فیها و نحوه تدل کذلک علی طهارتها؛ إذ لا تجوز الصلاة فی النجس.

تعقیب

اشارة

من المجدی و الحدیث فی سوق المسلمین قد وصل إلی هذه المرحلة أن نعقب بمسائل أربع مهمة لها مساس بموضوع هذه السوق، و لا ینبغی الغض عنها:

المسألة الأولی: أشار البعض إلی اختلاف بین موضوعی الحلیة و الطهارة فی الحیوان المذبوح

إذ اعتبر أن موضوع الطهارة أوسع من موضوع الحلیة، فلتحقق الحلیة لا بد من إحراز التذکیة بشرائطها المتحققة و لو بأمارة سوق المسلمین، أو حمل استعمال المسلم علی الصحة، و مع الشک من دون تحقق واحدة من الأمارات علیها لا یثبت عنوان التذکیة و لا یصح استعماله فیما یتوقف علی التذکیة.
أما موضوع الطهارة فلم یؤخذ فیه إلا أن لا یحرز أنه میتة، و المیتة عنوان وجودی لا بد لتحققه من شرائط معینة، فما لم یحرز أنه میتة یجری علیه الحکم بالطهارة، و الفرق یتضح فی مورد الشک فی التذکیة فإن أصالة عدم التذکیة تمنع من الالتزام بالتذکیة فیها؛ إذ هی أمر وجودی اشترط فیه فری الأوداج بنحو معین و کیفیة خاصة من التسمیة و الاستقبال و غیرهما، و ما لم یعلم بتحقق هذه الشرائط لا یحکم بالتذکیة.
إلا أن أصالة عدم التذکیة لا تحقق عنوان المیتة التی هی موضوع النجاسة، و من ثم لا یحکم علی ما شک فی تذکیته من الحیوان بأنه نجس بل تبقی أصالة
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 24
الطهارة ثابتة فیه للاستصحاب، و لا مانع من إجراء مثل هذا الاستصحاب؛ لأن المانع یتصور بواحد من أمرین:
1- احتمال تبدل موضوع الاستصحاب بعد القیام بعملیة إزهاق الروح بالنحو الذی لم یحرز أنه تذکیة؛ لأن الموضوع هو الحیوان الحی الذی أخذ فیه العنوانان معا بنحو وحدة المطلوب أی أن الوصف و الموصوف شی‌ء واحد، و مع تخلف الحیاة بهذا النحو المشکوک جمعه للشرائط المعتبرة فی التذکیة یقطع بارتفاع الموضوع؛ لانتفاء المرکب بانتفاء بعض أجزائه، فلا یمکن حینئذ إجراء الاستصحاب لأن شرطه هو بقاء الموضوع.
و لکن هذا الاحتمال غیر وارد إذ لا دلیل علی اعتبار موضوع الاستصحاب بهذا النحو، و إلا لم یمکن القول ببقاء الطهارة حینما تنتفی الحیاة من الحیوان مطلقا و إن کان بالتذکیة، و من المعلوم بطلان هذا اللازم، بل موضوع الطهارة هو ذات الحیوان الخارجی دون حاجة إلی اتصافه بالحیاة أو غیر الحیاة، فهو محکوم بهذه الطهارة ما لم یعلم طرو عنوان المیتة التی هی موضوع النجاسة.
2- احتمال تعارض استصحاب الطهارة باستصحاب عدم التذکیة؛ لأنه قد یحرز به عنوان المیتة التی هی موضوع النجاسة.
و لکن سبق أن عرفنا أن المیتة عنوان وجودی لا بد من إحراز مقتضیاته أیضا، و هو لا یساوق دائما عدم التذکیة، إذن فیبقی الحکم بالطهارة ممکنا مع عنوان عدم التذکیة، و لا مانع من هذا.
إلا أن یقال- کما لا یبعد- إن: موضوع النجاسة و الحرمة هو غیر المذکی و هو معنی المیتة کما یستفاد من بعض أخبار المسألة فلاحظ.

المسألة الثانیة: ما یعرض من السلع فی الأسواق،

اشارة

و لا سیما مع تقدم المدنیة و سهولة النقل و تطور وسائط الحفظ لفترات أطول، و عدم الالتزام من قبل أکثر المورّدین یمکن أن تلحظ فیه حالتان:
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 25‌

الحالة الأولی: أن سوق المسلمین هی المکان الأول الذی تطرح فیه هذه السلعة أو تلک،

کما هو المشاهد فی السلع التی تصنع فی بلاد الإسلام، أو ما یذبح فی هذه البلاد من اللحوم و الأسماک و غیرها، و یجمعها أن لا تکون مجلوبة من غیر بلاد الإسلام و أن أسواق المسلمین هی مبدأ مطرحها للاستهلاک.

الحالة الثانیة: أن تسبق سوق المسلمین سوق أو أسواق أخری تطرح فیها هذه السلع

و من تلک الأسواق تنقل إلی سوق المسلمین، کما یشاهد الآن فی الکثیر من المصنوعات و الألبان و اللحوم و سائر المعلبات و غیرها، و التساؤل الآن: هل أن مثل هذه الحالة مشمولة لأدلة سوق المسلمین المتقدمة أم لا؟
و الذی یبدو أن مصب الروایات الواردة فی أمارة سوق المسلمین و عدم السؤال عما یؤخذ منها هو الحالة الأولی لا الحالة الثانیة، و یری هذا واضحا فی روایة فضیل و زرارة و محمد بن مسلم المتقدمة و قول أبی جعفر علیه السّلام فیها: (إذا کان ذلک فی سوق المسلمین)، و کما سبق أن عهدنا من روایة محمد الأشعری المتقدمة، و أن اللام فیها للعهد الحضوری أی هذه السوق المعهودة لدی المسلمین.
و کما لا لاحظناه من روایة یونس التی حکت کره الإمام علیه السّلام لتناول ما سوی الإنفحة مما یعمل فی آنیة المجوس و أهل الکتاب؛ لعدم توقیهم عن المیتة و الخمر.
و یمکن الاستئناس لهذا الاختصاص بالحالة الأولی بما دل علی شرطیة اعتراف الرقیق نفسه بالرقیة لو عرضه الذمی فی السوق، و عدم کفایة العرض وحده فی تصحیح الشراء کما فی روایة:
عبد الرحمن بن أبی عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن رقیق أهل الذمة أشتری منهم شیئا فقال: اشتر إذا اقروا لهم بالرق «1».
______________________________
(1) وسائل الشیعة 18: 243 ب (1) من أبواب بیع الحیوان ح 1.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 26
و مثلها روایة إسماعیل بن الفضل عن أبی عبد اللّه علیه السّلام «1» و زکریا بن آدم عن الرضا علیه السّلام «2»، و غیرها.
و کذلک ما دل علی عدم جواز شهادة غیر المسلمین علی حیاة ما یخرج بأیدیهم من السمک الذی سبقت ید غیر المسلم عرضه فی سوق المسلمین للبیع علیهم.
و فی هذا المعنی روایات عدیدة منها:
ما رواه عیسی بن عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن صید المجوس فقال:
لا بأس إذا أعطوکه حیا و السمک أیضا و إلا فلا تجوز شهادتهم علیه إلا أن تشهده «3».
و أما الحالة الثانیة حیث یعلم بسبق سوق علی سوقهم، ففیها صور:
1- أن یتحمل المسلم العارف الملتزم مسئولیة ما بیده و یضمن أن ما یبیعه مشروع الاستعمال، من أوجه معینة أو کافة الأوجه و هذه الحالة خارجة عن محل البحث؛ إذ الأمر یعود إلی موجبات الاطمئنان بمثل هذا الضمان الشخصی الذی تحکمه قواعد أخری لیست من مجالنا الآن.
2- أن لا یتعهد البائع المسلم بمشروعیة ما یبیعه- کما هو الغالب فی الأسواق الموجودة- فلا بد أن یلتفت إلی أن سوق المسلمین فرع السوق الأولی، و أن مصب القاعدة إنما هی تلک السوق التی سبق طرح السلعة فیها، فإن جرت فیها حکم بالصحة و إلا فلا کما لو علم بأنها غیر مسلمة.
3- أن تسبق سوق قبل سوق المسلمین قطعا، و لکن لا یعلم شی‌ء عن تلک السوق و إمکان تطبیق القاعدة أو عدم إمکانه هناک، و فی هذه الحالة لا مجال
______________________________
(1) وسائل الشیعة 18: 243 ب (1) من أبواب بیع الحیوان ح 2.
(2) وسائل الشیعة 18: 243 ب (2) من أبواب بیع الحیوان ح 3.
(3) وسائل الشیعة 23: 386 ب (34) من أبواب الصید ح 1.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 27
للجزم بتطبیق أدلة سوق المسلمین فی السوق الفعلی؛ لاحتمال اختصاصها بالسوق التی لم یسبقها سوق أخری کما لا یمکن الجزم بعدم تطبیقها؛ لاحتمال أمامیة إطلاق أدلتها فالأمر مشکل.

المسألة الثالثة: سبق أن أشرنا إلی أن أکثر الروایات المتقدمة إنما ورد فیها عنوان سوق المسلمین،

إلا أن مما یجدر بالانتباه إلیه أن هذا العنوان لیس هو بالذات موضوع الحکم بل هو للغلبة أخذ طریقا لنسبة الحکم إلی الموضوع الذی هو کل بلاد الإسلام، فکل ما یباع و یشتری بل و ما یستعمل فی بلاد الإسلام محکوم بهذا الحکم، فلا اختصاص للسوق فی عدم السؤال و الحلیة و غیرها من الآثار، فلو فرض أن لحما وجد فی ید شخص لیس فی السوق شرع تملکه و تناوله و طهارته سواء أ کان مما یباع أم لم یکن.
و یمکن أن یؤید بروایات أخری منها:
1- ما رواه النوفلی عن السکونی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام: أن أمیر المؤمنین علیه السّلام سئل عن سفرة وجدت فی الطرق مطروحة کثیر لحمها و خبزها و جبنها و بیضها و فیها سکین فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام یقوم ما فیها ثم یؤکل لأنه یفسد و لیس له بقاء، فإذا جاء طالبها غرموا له الثمن، قیل له: یا أمیر المؤمنین لا یدری سفرة مسلم أو سفرة مجوسی، فقال: هم فی سعة حتی یعلموا «1».
و قد وردت هذه الروایة بطریق کل من الشیخ الکلینی و الشیخ الطوسی و البرقی إلا أن هذه الطریق کلها تنتهی إلی النوفلی عن السکونی «2»، و هما ممن لم تثبت وثاقته و إن نقلت دعوی عمل الطائفة بروایات السکونی، و ذهب سیدنا الأستاذ دام ظله إلی توثیقه لوجوده فی أسناد کتاب کامل الزیارات «3»، إلا أننا
______________________________
(1) وسائل الشیعة 3: 493 ب (50) من أبواب النجاسات ح 11.
(2) وردت بسند آخر عن الجعفریات، ینظر: مستدرک الوسائل: 2/ 588.
(3) و قد عدل عن ذلک و اقتصر علی توثیق من یرویه ابن قولویه عنهم من دون واسطة.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 28
لا نری صحة هذه القاعدة.
و الروایة و إن لم تعین بلاد الإسلام إلا أن هذا یعلم من شاهد الحال فیها.
2- ما رواه إسحاق بن عمار عن العبد الصالح علیه السّلام أنه قال: لا بأس بالصلاة فی الفراء الیمانی و فیما صنع فی أرض الإسلام، قلت: فإن کان فیها غیر أهل الإسلام؟ قال: إذا کان الغالب علیها المسلمین فلا بأس «1».
کما یمکن الاستئناس فی هذا العموم لغیر الأسواق بما رواه علی بن جعفر عن أخیه موسی علیه السّلام قال: سألته عن المسلم العارف یدخل فی بیت أخیه فیسقیه النبیذ أو الشراب لا یعرفه، هل یصلح له شربه من غیر أن یسأله عنه؟ فقال: إذا کان مسلما عارفا فاشرب ما أتاک به إلا أن تنکره «2»، و روایات أخری تفید هذا المعنی.

المسألة الرابعة: سبق أن کررنا أن قاعدة سوق المسلمین أمارة شرعیة مجعولة من قبل الشارع، أو بالأخری أمارة عقلائیة أیدها الشرع

بضوابط معینة کطریق لتحصیل الواقع؛ و لهذا فإنها مما یثبت لها کافة أحکام الأمارات الشرعیة المجعولة من طریقیتها إلی الواقع، و تقدمها علی الأصول کافة؛ لأن مدلولها کشف تعبدی یرتفع به موضوع الأصل العملی و هو الشک سواء أ کان هذا الأصل تنزیلیا أم غیره، کما أنها تثبت لوازم مدلولها، و سائر الأحکام الأخری التی جعلت للأمارات.
و ینبغی أن یعلم أن أمارة سوق المسلمین کأمارة الید تتقدم علیها الأمارات
______________________________
(1) وسائل الشیعة 4: 456 ب (55) من أبواب لباس المصلی ح 3.
(2) وسائل الشیعة: 17/ 233، باب 6 من أبواب ح 1.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 29
الأخری التی یعتمد علیها فی مقام القضاء کالبینة و الاعتراف؛ لأن مفاد أدلتها الاستناد إلیها حیث لا أمارة، فحالها حال الأصول المحرزة من هذه الجهة و إن کانت مقدمة علی سائر الأصول العملیة.
وَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِینَ* و الصلاة و السلام علی خیر خلقه محمد و آله الطیبین الطاهرین
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 30‌

الرّبا

مقدمة

من البدیهیات المعروفة فی الإسلام حرمة الربا، و قد وردت النصوص الإسلامیة المتواترة فی هذا التحریم و التشدید علیه منذ الأیام الأولی للتشریع فی کل من القرآن الکریم و السنة الطاهرة، فمن کتاب اللّه قوله تعالی:
1- الَّذِینَ یَأْکُلُونَ الرِّبٰا لٰا یَقُومُونَ إِلّٰا کَمٰا یَقُومُ الَّذِی یَتَخَبَّطُهُ الشَّیْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ ذٰلِکَ بِأَنَّهُمْ قٰالُوا إِنَّمَا الْبَیْعُ مِثْلُ الرِّبٰا، وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَیْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا، فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهیٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ، وَ أَمْرُهُ إِلَی اللّٰهِ وَ مَنْ عٰادَ فَأُولٰئِکَ أَصْحٰابُ النّٰارِ هُمْ فِیهٰا خٰالِدُونَ «1».
2- یَمْحَقُ اللّٰهُ الرِّبٰا وَ یُرْبِی الصَّدَقٰاتِ وَ اللّٰهُ لٰا یُحِبُّ کُلَّ کَفّٰارٍ أَثِیمٍ «2».
3- یٰا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ ذَرُوا مٰا بَقِیَ مِنَ الرِّبٰا إِنْ کُنْتُمْ مُؤْمِنِینَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَکُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِکُمْ لٰا تَظْلِمُونَ وَ لٰا تُظْلَمُونَ «3».
4- یٰا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لٰا تَأْکُلُوا الرِّبَوا أَضْعٰافاً مُضٰاعَفَةً وَ اتَّقُوا اللّٰهَ لَعَلَّکُمْ تُفْلِحُونَ وَ اتَّقُوا النّٰارَ الَّتِی أُعِدَّتْ لِلْکٰافِرِینَ «4».
______________________________
(1) سورة البقرة: 275.
(2) سورة البقرة: 276.
(3) سورة البقرة: 278- 279.
(4) سورة آل عمران: 130- 131.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 31
و من السنة الطاهرة ما رواه:
1- هشام بن سالم عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: درهم ربا عند اللّه أشد من سبعین زنیة کلها بذات محرم «1».
2- زرارة عن أبی عبد اللّه علیه السّلام، قال: قلت له: إنی سمعت اللّه یقول: یَمْحَقُ اللّٰهُ الرِّبٰا وَ یُرْبِی الصَّدَقٰاتِ و قد أری من یأکل الربا یربو ماله؟ فقال: أی محق أمحق من درهم ربا؟! یمحق الدین، و إن تاب منه ذهب ماله و افتقر «2».
3- أنس بن محمد عن أبیه عن جعفر بن محمد عن آبائه علیه السّلام عن النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم فی وصیته لعلی علیه السّلام، قال: یا علی، الربا سبعون جزءا فأیسرها مثل أن ینکح الرجل أمه فی بیت اللّه الحرام، یا علی درهم ربا أعظم عند اللّه من سبعین زنیة کلها بذات محرم فی بیت اللّه «3».
4- الصدوق بسنده عن النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم- فی حدیث-، قال: و من أکل الربا ملأ اللّه بطنه من نار جهنم بقدر ما أکل، و إن اکتسب منه مالا لم یقبل اللّه منه شیئا من عمله، و لم یزل فی لعنة اللّه و الملائکة ما کان عنده منه قیراط واحد «4».
5- الطبرسی عن علی علیه السّلام قال: إذا أراد اللّه بقریة هلاکا ظهر فیهم الربا «5»، و قریب منه روی عن الصادق علیه السّلام «6».
______________________________
(1) وسائل الشیعة 18: 117 ب (1) من أبواب الربا ح 1.
(2) وسائل الشیعة 18: 119 ب (1) من أبواب الربا ح 7.
(3) وسائل الشیعة 18: 120 ب (1) من أبواب الربا ح 12.
(4) وسائل الشیعة 18: 122 ب (1) من أبواب الربا ح 15.
(5) مجمع البیان 2: 208 تفسیر سورة البقرة آیة 270.
(6) بلفظ: إذا أراد اللّه بقوم هلاکا ظهر فیهم الربا، وسائل الشیعة 18: 123 ب (1) من أبواب الربا ح 17.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 32
6- الحسین بن زید عن الصادق جعفر بن محمد عن آبائه علیه السّلام فی مناهی النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم أنه نهی عن أکل الربا و شهادة الزور و کتابة الربا و قال: (إن اللّه لعن آکل الربا و مؤکله و کاتبه و شاهدیه) «1».
و بعد، فإن حرمة الربا فی الجملة من الضرورات البدیهیة من التشریع الإسلامی- کما قلنا- و لهذا فلو قیل بکفر کل منکر للضروری لأمکن القول بکفر مستحل الربا و إباحة دمه، و لعل هذا ما یشیر إلیه الإمام الصادق علیه السّلام فیما یرویه عنه:
ابن بکیر قال: بلغ أبا عبد اللّه علیه السّلام عن رجل أنه کان یأکل الربا و یسمیه اللبأ فقال علیه السّلام: لئن أمکننی اللّه منه لأضربن عنقه «2».
2- و ما یرویه محمد بن سنان عن الرضا علیه السّلام فی حدیث: و علة تحریم الربا بعد البینة لما فیه من الاستخفاف بالحرام المحرم و هی کبیرة بعد البیان و تحریم اللّه عز و جل لها، لم یکن إلّا استخفافا منه بالمحرم الحرام، و الاستخفاف بذلک دخول بالکفر «3».
و علیه فما ینبغی الحدیث فیه لیس ثبوت أصل الحکم بل المورد الذی یصدق علیه الربا المحرم؛ لأنه مجال للأخذ و الرد بین الفقهاء، و هم قسموا الربا من هذه الناحیة إلی ما یقع فی المعاوضات و ما یقع فی القرض، و ینبغی الوقوف عند کل من القسمین لتأمل أقوالهم فیه و مدارک هذه الأقوال: فالکلام یقع فی فصلین:
______________________________
(1) الوسائل 12718 ب (4) من أبواب الربا ح 3.
(2) وسائل الشیعة 18: 125 ب (2) من أبواب الربا ح 1.
(3) وسائل الشیعة 8: 121 ب (11) من أبواب الربا ح 11.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 33‌

الفصل الأول فی ربا المعاوضة

اشارة

فی بدایة الحدیث عن ربا المعاوضة ینبغی الالتفات إلی سؤال مبدئی مهم و هو:
هل أن ربا المعاوضة یشمل کافة أصناف المعاوضات أو یختص بالبیع فقط؟
و یجدر الإلفات هنا إلی أن جمیع من قال بالشمول لکافة المعاوضات لم یعن الزیادة فی المنافع و الأعمال بل خصوص الأعیان؛ و لهذا ینبغی الالتفات إلی ما فی بعض الرسائل العملیة من التسامح فی التعبیر کما فی منهاجی کل من السید الحکیم قدّس سرّه و سیدنا الأعظم دام ظله؛ إذ قالا:
(الربا قسمان: الأول ما یکون فی المعاملة و الثانی ما یکون فی القرض)، و المسامحة فی التعبیر واضحة فی أمرین:
الأول: فی جعل القرض قسیما للمعاملة مع أنه معاملة و لا معنی لأن یجعل قسیما لها إلا إذا اعتبرت المعاملة هنا حاکیة عن المعاوضة.
الثانی: فی التعبیر بالمعاملة و المعاوضة بإطلاقها مع أن المراد خصوص ما یجری منها علی الأعیان، إذ إن کلا من السید الحکیم قدّس سرّه و سیدنا الأستاذ دام ظله لم یریدا شمول الحکم للزیادة فی غیر ما یجری فی الأعیان من المعاوضات؛ و لهذا فإن سیدنا الأعظم دام ظله فی المنهاج تبعا للسید الحکیم قدّس سرّه صرح بقوله: (أما إذا لم تکن المعاوضة بین العینین کأن یقول: صالحتک علی أن تهب لی تلک العشرة و أهب لک هذه الخمسة، أو یقول أبرأتک عن الخمسة التی لی علیک بشرط أن تبرئنی عن العشرة التی لک علی و نحوها فالظاهر الصحة) «1».
______________________________
(1) منهاج الصالحین للسید الخوئی 2/ 52.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 34
و علی أی حال فالإجابة عن السؤال المتقدم برزت فی قولین:
الأول: القول بشمول الربا لکافة المعاوضات الجاریة بین الأعیان سواء کانت بیعا أم غیره، و نسب هذا القول إلی المشهور من القدماء و المتأخرین.
الثانی: القول باختصاص الربا المحرم فی البیع فقط، و نسب هذا إلی صاحب السرائر قدّس سرّه و المحقق قدّس سرّه و العلامة قدّس سرّه فی بعض کتبه.
و احتج من قال بشمول حرمة الزیادة فی کافة المعاوضات بعدة أدلة منها:
1- صدق الربا علی کل معاوضة یزید فیها أحد العوضین علی الآخر، و هذا معروف فی الظاهر من إطلاق اللفظ، فما دل علی حرمة الربا فی کافة الآیات و الروایات شامل بإطلاقه لما یجری فی کل معاوضة من الزیادة کما شاهدناه واضحا فی الآیات و الروایات السابقة.
و لمعرفة ما فی هذا الدلیل ینبغی الرجوع إلی ما سبق فی المقدمة من الآیات و الروایات و التأمل فیها لیعرف مبلغ ما تشیر إلیه بهذا الصدد.
فالآیة الأولی لا بد أن یکون الإطلاق فیها مرتبطا بالإطلاق الوارد فیما قبلها؛ لأن قوله تعالی وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَیْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا «1» هو من مقولة الکفار و لیس من المقولة الإلهیة فی التشریع و إن أصر المشهور من الفقهاء علی حکایتها لأصل التشریع، و اعتبار هذه الفقرة من أدلة الحکم الإلهی الشرعی؛ و لهذا أفاضوا فی الاستناد إلی معطیاتها فی بعض موارد الفقه فی أنحاء شتی من المعاملات، و لکنک خبیر بأن السیاق لا یساعده.
و مع التنزل فإن الآیة جعلت الربا مقابل البیع المحلل، و هذا بإطلاقه ینتهی إما إلی تحلیل الزیادة و إن کانت فی البیع مطلقا أی حتی ما یجری فی المتجانسین، و إما إلی تحریم الزیادة حتی فی البیع فی غیر المتجانسین، إذ فی مورد الالتقاء لا
______________________________
(1) البقرة: 275.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 35
بد من تقیید أحد الإطلاقین بالآخر و نتیجة التقیید- لو خلینا نحن و مدلول الآیة- هذا الذی ذکرناه، و هو ما لم یقل به أحد و لا یعقل أن یقول به أحد.
نعم صدر الآیة یمکن الاستدلال به؛ إذ قوله تعالی: الَّذِینَ یَأْکُلُونَ الرِّبٰا.. الآیة «1»، یمکن أن یدعی الإطلاق فیه و یستدل به علی المقصود، و لکن هذا أیضا غیر تام؛ إذ یرد علیه:
أولا: أن الآیة الکریمة إنما وردت لبیان أصل التشریع، و لا یسلم وجود إطلاق فی هذه المرحلة؛ إذ الإطلاق إنما یتم مع إحراز مقدماته الأربع المعروفة و أولها أن یکون المتکلم فی مقام البیان، و البیان هنا منصب علی أصل تشریع الحکم و لیس علی خصوصیات المتعلق، فلم تتم هذه المقدمة الأولی و الأهم.
ثانیا: مع تسلیم وجود مثل هذا الإطلاق فی موضوع الربا فإنه بمعناه اللغوی یشمل کافة موارد الزیادة، و هذا غیر ممکن قطعا؛ إذ من موارد الزیادة ما یکون فی المعاوضة الرابحة فی غیر المتجانسین أیضا، و غیر معقول- کما عرفت- أن یذهب أحد إلی تحریم مثل هذه الزیادة فی أحد العوضین ما لم تتوفر فیها الشرائط المذکورة فی النصوص.
إذن فالأمر هنا یستوجب الرجوع إلی أدلة التحدید الأخری لمفهوم الممنوع من هذه الزیادة، و من دونها یصبح الأمر مجملا و لیس مطلقا کما یتصور المستدل، و سیأتی إن شاء اللّه أن الأدلة حددت منع الزیادة فی خصوص معاوضة البیع و فی المکیل و الموزون فقط من الأعیان، لا کل المعاوضات و لا کل الأعیان.
و بمثل هذه الملاحظة تماما یمکن القول فی قوله تعالی: یٰا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لٰا تَأْکُلُوا الرِّبَوا أَضْعٰافاً مُضٰاعَفَةً «2»؛ إذ البیان أیضا منصب علی أصل تشریع الحرمة، فلا إطلاق فیها لیدّعی شمولها لکافة المعاوضات، و تسلیم الإطلاق
______________________________
(1) البقرة: 275.
(2) آل عمران: 130.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 36
فیها ینتهی إلی الإجمال تماما- کما بینا-، فلا بد من أدلة أخری تعین الزیادة المحرمة.
أما قوله تعالی: یَمْحَقُ اللّٰهُ الرِّبٰا وَ یُرْبِی الصَّدَقٰاتِ «1» فالإنصاف أن فی الاستدلال به علی الشمول من الوهن ما هو أکثر؛ فکل ما فی الأمر أن الآیة بصدد عرض الأثر الوضعی للربا المحرم، فلا إطلاق یتصور فیها للموضوع، بل لو لا العلم القطعی بحرمة الربا من أدلته الأخری لأشکل القول بدلالتها علی حرمة الربا، لأن الأثر الوضعی السیئ لشی‌ء لا یلازم تحریمه دائما، کما أن الأثر الوضعی الحسن لا یلازم الوجوب دائما؛ و لهذا فإننا نری فی الکثیر من النصوص آثارا سیئة لبعض المکروهات ما یفوق ما ذکر لبعض المحرمات، کما ذکر لبعض المندوبات آثار فاقت فی حسنها ما ذکر لبعض الواجبات، و هذا واضح لمن یتعامل مع النصوص، إذن فلا إطلاق فی الاستعمال هنا.
و مع التنزل و اعتبار أن محق الربا یعنی محوه الشرعی، و عدم ترتیب الأثر علی المعاوضة الربویة و هذا یعنی الحرمة أو یلازمها، إلا أن هذا لا یستوجب القول بتحریم کل زیادة و إن لم تکن فی البیع من المعاوضات أو فی غیر المتجانسین من العوضین من المکیل و الموزون؛ إذ النصوص الأخری لا بد من ملاحظتها لاستکمال الصورة، و هذا یعنی افتقار الآیة إلی غیرها من الأدلة الموضحة لما فیها من إجمال.
و الکلام نفسه جار فی الاستدلال بقوله تعالی: یٰا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ ذَرُوا مٰا بَقِیَ مِنَ الرِّبٰا «2»، فأقصی ما تدل علیه الکلمة هنا لزوم ترک ما یبقی لدی الإنسان من الربا المحرم و لکن أی زیادة هذه؟
واضح أن الآیة لم تتعرض لبیان هذه الزیادة، بل لا نظر فی الآیة إلی ما یأکله
______________________________
(1) البقرة: 276.
(2) البقرة: 278.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 37
المرابی قبل توبته من الربا فکیف یتصور فیها الإطلاق المقصود؟!
إذن فلم یتم الاستدلال بواحدة من الآیات علی شمول الحرمة لکل زیادة فی أی معاوضة.
و الاستدلال بالروایات المتقدمة أیضا لا یعدو الاستدلال بالآیات، فهی فی جمیعها لا تعدو مصبا واحدا هو تحریم الربا و تشدید النکیر علیه و الآثار الوضعیة لتناول شی‌ء منه، و هذه النواحی لا علاقة لها ببیان ذات الربا بالإطلاق فیه مع انتفاء التقیید، فالروایات کالآیات مفتقرة فی هذه الناحیة إلی ما یحدد الموضوع فیها.
و هذه الناحیة من هذه الروایات تشبه ما ورد فی روایة علی بن عقبة عن أبیه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: سمعته یقول: النظرة سهم من سهام إبلیس مسموم، و کم من نظرة أورثت حسرة طویلة.
فإن هذا المنطوق الذی یشدد علی النظرة المحرمة لا بد له من دلیل آخر یبین ماهیة هذه النظرة التی لها مثل هذه الأثر السیئ، و إلا فلیس کل نظرة سهما من سهام الشیطان.
إذن فهذه الطائفة من الآیات و الروایات کافة لا دلالة فیها علی شمول الربا المحرم لکل معاوضة؛ إذ لم یتم فیها الرکن الأول للإطلاق.
2- و مما یستدل به علی شمول الربا لکافة المعاوضات ما دل علی حکمة التحریم من أدلة؛ فإن عموم الحکمة یدل علی عموم التحریم، و هذه الطائفة کثیرة جدا و لئن کان بعضها غیر معتبر سندا إلا أن منها ما هو صحیح کذلک، و یکفینا هنا منها ما رواه:
1- هشام بن سالم عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: إنما حرم اللّه عز و جل الربا لکیلا یمتنع الناس من اصطناع المعروف «1».
______________________________
(1) وسائل الشیعة 18: 118 ب (1) من أبواب الربا ح 4.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 38
2- هشام بن الحکم أنه سأل أبا عبد اللّه علیه السّلام عن علة تحریم الربا فقال: إنه لو کان الربا حلالا لترک الناس التجارات و ما یحتاجون إلیه، فحرم اللّه الربا لتنفر الناس من الحرام إلی الحلال و إلی التجارات من البیع و الشراء، فیبقی ذلک بینهم فی القرض «1».
3- زرارة عن أبی جعفر علیه السّلام قال: إنما حرم اللّه (عز و جل) الربا لئلا یذهب المعروف «2».
و هکذا غیرها من الروایات التی تؤکد مثل هذه الحکم لتحریم الربا فلا تختص الحکم بالبیع فقط بل تشمل المعاوضات کافة، فالتحریم حینئذ یجری فیها کذلک.
و الإنصاف أن هذه الطائفة من الروایات أضعف من سابقتها فی الدلالة علی المقصود فهی مع أنها- کما یقول المستدل نفسه- تدل علی بیان الحکمة، و الحکمة لا تبلغ مبلغ العلة التامة التی یدور الحکم مدارها وجودا و عدما لیقال بشمول الحرمة فی کل مورد تتواجد فیه.
و مع فرض کونها علة لا یسع الالتزام بمغزاها؛ إذ إن کثیرا من موارد الزیادة مجری للمعاوضات المباحة کالبیع، مع تأتی جریان تلک العلة أو الحکمة کقوله:
«لئلا یمتنع الناس من اصطناع المعروف»؛ إذ لا مانع من کون البیع عملا معروفا مع أخذ الزیادة؛ لأن الموضوع یختلف حسنا و قبحا باختلاف الجهة، و علیه کیف یتصور شمول الحرمة فی هذه الروایات لجمیع المعاوضات الجاریة فی الأعیان؟!.
3- مما استدل به علی الشمول کذلک: ما دل علی حرمة المعاوضة بین المتجانسین مع زیادة أحد العوضین، دون تعیین هذه المعاوضة فی خصوص
______________________________
(1) وسائل الشیعة 18: 120 ب (1) من أبواب الربا ح 8.
(2) وسائل الشیعة 18: 120 ب (1) من أبواب الربا ح 10.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 39
البیع، و هذه الطائفة کثیرة فمنها ما رواه:
1- أبو بصیر و غیره عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: الحنطة و الشعیر رأسا برأس لا یزاد واحد منهما علی الآخر «1».
2- الحلبی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی حدیث قال: و لا یصلح الشعیر بالحنطة إلا واحدا بواحد «2».
3- محمد بن مسلم عن أبی جعفر علیه السّلام قال: قلت له: ما تقول فی البر بالسویق؟
فقال: مثلا بمثل لا بأس، قلت: إنه یکون له ریع «3» أنه یکون له فضل؟ فقال:
أ لیس له مؤنة؟ فقلت بلی قال: هذا بهذا، و قال: إذا اختلف الشیئان فلا بأس مثلین بمثل یدا بید «4».
و مع أن هذه الطائفة من الروایات هی الأهم فی الاستدلال إلا أنها کذلک غیر ناهضة بالدلالة علی المقصود لأمرین:
أولا: لأن مصب البیان فیها إما اعتبار أصل المجانسة مع التفاضل فی العوضین لتحقق الربا المحرم، أو أن التساوی لا بد منه فی تجانس العوضین لتصحیح عملیة المعاوضة، أو اعتبار أن الحنطة و الشعیر کلیهما جنس واحد، و لیس لواحدة من هذه النواحی أدنی قرب من نوع المعاوضة التی وقعت بها المعاملة الربویة لیقال: إن فی الاستعمال إطلاقا، و ما لم یکن الکلام فی مقام البیان لا تتم فیه أولی مقدمات الحکمة و هی الأساس للقول بالإطلاق مع انتفاء القید.
و ثانیا: لأن الملاحظ فی روایات هذه الطائفة جمیعها التصریح بباء البدلیة فی
______________________________
(1) وسائل الشیعة 18: 138 ب (8) من أبواب الربا ح 3.
(2) وسائل الشیعة 18: 139 ب (8) من أبواب الربا ح 5.
(3) فی نسخة زیادة: أو، و فی أخری: أی. (هامش المخطوط).
(4) وسائل الشیعة 18: 140 ب (9) من أبواب الربا ح 1.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 40
العوضین (رأسا برأس، الحنطة بالشعیر، البر بالسویق)، و هذا یعنی ورودها فی المعاملات التی تتقوم بمفهوم المعاوضة فی الأعیان لا المعاملات التی یکون التعاوض فیها شرطا أو لا حقا للعقد.
و الذی ینظر فی المعاملات الجاریة فی العروض لا یری غیر البیع و ما یلحق به من الفسخ و الإقالة تعتبر فیه المعاوضة مقومة لذات المعاملة و أما الصلح و الهبة المعوضة فلم تؤخذ فیهما المعاوضة رکنا مقوما لذات المعاملة.
فمعنی المعاوضة- کما أشار إلیه العلامة قدّس سرّه فی بعض کتبه و الشیخ الأعظم قدّس سرّه فی مکاسبه و اخترناه فی بابه- أن إنشاء کل من الإیجاب و القبول یقتضی حلول کل من العوضین محل الآخر فی الملکیة، و هذا یعنی أن البائع حین ینشئ البیع فی قوله (بعت) ینشئ فی الحقیقة تملیکه المبیع للمشتری فی الوقت الذی ینشئ فیه تملکه للثمن، و هکذا الأمر بالنسبة للمشتری فإنه بإنشائه القبول ینشئ الملکیتین، و لیس کما قاله البعض من أن إنشاء البائع یعنی تملیکه المبیع للمشتری بینما یعنی قبول المشتری تملیکه الثمن للبائع بل کل منهما یقصد الملکیتین معا، و لهذا فمع اختلال شرائط عوضی المعاملة أو بعضها تبطل المعاملة من أساسها لأنهما رکنان فیها.
و مثل هذا الارتباط لا یقال فی الصلح أو الهبة المعوضة؛ إذ إن حقیقة الصلح تتقوم برفع المنازعة إما فعلا أو حیث یحتمل وقوعها، و کون هذا الرفع یقتضی بذل کل من طرفی المعاملة أو غیرهما ما یتحاشی به الوقوع فی النزاع إلا أن هذا البذل و المعاوضة فیه لم یقصدا أساسا فیها، و لهذا قلنا فی مباحث الصلح: إنه لا دلیل علی نفوذ الصلح ابتداء حیث لا تقع منازعة أو ما یکون منشأ لها، فحین یمر شخص علی بائع توفرت فی بضاعته شرائط البیع و یملک هو من المال ما تتوفر فیه شرائط الثمن و کانا معا ممن توفرت فیهما شرائط المتعاقدین المتبایعین إلا أنهما یعزبان عن البیع إلی الصلح فی المعاملة دون سبب، فلا دلیل علی صحة هذه العاملة کصلح.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 41
و کذلک الهبة المعوضة فإن العوض إنما یؤخذ فی عقدها کشرط و لیس رکنا، فالموجب یقول: و هبتک هذا القلم بشرط أن تهبنی ذلک الکتاب، و لهذا فإن ملکیة الموهوب له تتحقق بمجرد قوله بالهبة و استلامه للموهوب، أما ملکیة الواهب للعوض المشروط فلا تتحقق إلا بعد أن یهبه إیاه الموهوب له المشروط علیه، بخلاف البیع فإن الملکیتین معا تتحققان فی العوضین فی الوقت نفسه الذی تتم فیه أرکان العقد- کما بینا-.
و فرق آخر یتضح معه عدم اعتبار الهبة المعوضة معاوضة هو: أنه مع إطلاق الشرط یصح للموجب له أن یهب الواهب الأول نفس ما وهبه إیاه، فالواهب الأول یقول و هبتک هذا القلم علی أن تهب لی أنت قلما أیضا، فإن القابل یمکنه أن یهب ذات القلم لمن کان الشرط له و لا یکون الأمر من باب اتحاد العوض و المعوض الممنوع فی البیع.
إذن فکل من الهبة و الصلح لا یتحقق فیهما مفهوم المعاوضة کمقوم لذات المعاملة، و أما الفسخ و الإقالة فهما یلحقان بالبیع فیجری فیهما جل شرائطه و أحکامه و منها الربا.
إذن فالطائفة الثالثة کسابقتیها لا تصلح دلیلا علی شمول المعاوضات فی حرمة الربا، فالصحیح اختصاص الحرمة بالبیع فقط حیث به وحده تتم شروط ربا المعاوضة مع اتحاد الجنس و التفاضل بین العوضین.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 42‌

شرائط الربا فی البیع

اشارة

لتحقیق الربا المحرم فی البیع شرطان مشهوران ذکرتهما کتب الفقه و أدلته و هما:
1- وحدة الجنس فی العوضین، فلا ربا فی مختلفی الجنسین.
2- کونهما من المکیل و الموزون، فلا ربا فی المعدود و الجزاف، و لا بد من الوقوف عند کل من الشرطین لملاحظة أبعادهما و بعض ملابساتها.

الشرط الأول: وحدة الجنس فی العوضین.

سبق أن وضح هذا الشرط فی ثنایا الحدیث المتقدم و ضمن ما ذکر فی الروایات السابقة و لا سیما من مفهوم روایات الطائفة الثالثة من أدلة شمول الربا للمعاوضات، و یضاف إلی ذلک ما رواه:
1- عبد اللّه بن سنان قال سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول: کان علی علیه السّلام یکره أن یستبدل وسقا من تمر خیبر بوسقین من تمر المدینة؛ لأن تمر خبیر أجودها «1».
و بنفس المنطوق تقریبا وردت روایات عدیدة ذکرها صاحب الوسائل فی بابها «2».
2- سماعة قال: سألته عن الطعام و التمر و الزبیب فقال: لا یصلح شی‌ء منه اثنان بواحد، إلا أن یصرفه نوعا إلی نوع آخر فإذا صرفته فلا بأس اثنین بواحد «3».
و أما مع اختلاف الجنس فلا مانع من التفاضل کما هو صریح هذه الروایة
______________________________
(1) وسائل الشیعة 18: 151 ب (15) من أبواب الربا ح 2.
(2) وسائل الشیعة 18: 151 ب (15) من أبواب الربا ح 1، ح 2، ح 3، ح 4.
(3) وسائل الشیعة 18: 146 ب (13) من أبواب الربا ح 5.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 43
و غیرها، و منها ما سنذکره من روایة زرارة و الحلبی إن شاء اللّه، و بعد فإن هذا الشرط فی الجملة مما لا یشک فیه أحد.
أما وحدة الجنس فلم یرد فی الروایات تعیین معنی شرعی خاص لها سوی ما ورد فی وحدة الحنطة و الشعیر، و وحدة أصناف التمر، ففی الحنطة و الشعیر- مضافا لما مر- ما رواه:
1- عبد الرحمن بن أبی عبد اللّه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام (فی حدیث) قال: إن الشعیر من الحنطة «1».
2- الحلبی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: و سئل عن الرجل یشتری الحنطة فلا یجد صاحبها إلا شعیرا أ یصلح له أن یأخذ اثنین بواحد؟ قال: لا، إنما أصلهما واحد، و کان علی علیه السّلام یعد الشعیر بالحنطة «2».
و فی التمر روایة عبد اللّه بن سنان المتقدمة، و مثلها أخبار مذکورة فی بابها.
فحیث إن الروایات ذکرت وحدة الصنف فی هذین البابین لا بد أن نقول به و نلتزمه علی الرغم من التفاوت بین الحنطة و الشعیر عرفا و ما بین أصناف التمر من الاختلاف الکبیر جودة و رداءة، أما فی غیر هما من الأصناف کافة فیرجع فیها إلی العرف فهو المحکم فیها فحیث یحکم العرف بوحدة الجنس منع من التفاضل فیه إن کان مکیلا أو موزونا و إلا لم یحکم بالمنع.
و أما فی حالة الشک- حیث لا تکون للعرف کلمة فاصلة فی التعریف-، فلیست هنا قاعدة عامة یرجع إلیها فی کافة الموارد کأصل عملی یعین الوظیفة الشرعیة سوی العمومات- إن أمکن تطبیقها- کقوله تعالی: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ «3»، أو
______________________________
(1) وسائل الشیعة 18: 138 ب (8) من أبواب الربا ح 2.
(2) وسائل الشیعة 18: 138 ب (8) من أبواب الربا ح 4.
(3) المائدة: 1.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 44
وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَیْعَ «1»، و هذه تقتضی صحة المعاملة حیث لا یعلم صدق هذه الوحدة؛ لأنها شرط وجودی للحرمة و البطلان فی البیع الربوی فحیث لم یحرز تحققه لا یمکن الحکم بالبطلان و الربویة.
و یؤید الحکم بالصحة، ما عهد فی السیرة العملیة منذ عهد الرسول صلّی اللّه علیه و آله و سلّم و حتی الآن من عدم التوقف عن البیع و الشراء فی مثل هذه الموارد المشکوکة، إذن فلا بد من الجزم بوحدة الجنس للحکم بالمعاملة الربویة.
أما موارد الشک التی کانت مجال أخذ ورد فالمعروف منها ثلاثة:
المورد الأول: أصناف اللحوم، فهل أن اللحم جنس واحد یشمل کافة أصنافه أو هو یختلف باختلاف الحیوان؟ قال بعض الفقهاء باختلاف جنس اللحم کل نوع بحسب الحیوان الذی یؤخذ منه، و لکن من الممکن أیضا تصنیف الجنس بحسب الفروق السعریة و الرغبة بین الأجناس، و یتوحد علی هذا الأساس لحم الضأن و المعز ذکورا و إناثا فی جنس واحد، بینما یصنف لحم البقر و الجمال کذلک فی جنس آخر، و هکذا.
المورد الثانی: الأصول و الفروع، و قد ذکر سیدنا الأستاذ دام ظله أن القاعدة تقتضی وحدة الفرع مع أصله فی الجنس، و لکننا لم نتعقل منشأ شرعیا لهذه القاعدة، أو عقلیا لا نقاش فیه، کما أن العرف الذی أنیطت به التفرقة ما بین الأجناس لا یری لهذه القاعدة وجودا، فالعرف یری أن الجبن و الحلیب جنسان مختلفان، و الشمع و العسل، و السمک و زیته، کل منها جنس یختلف عن الآخر و إن أخذ بعضها من بعض، إذن فهذه القاعدة التی ذکرها سیدنا الأستاذ دام ظله لم تثبت، و العرف- کما سبق- له کلمة الفصل فی المسألة عندهم.
المورد الثالث: ما إذا کان لماهیة واحدة فردان أحدهما رطب و الآخر یابس
______________________________
(1) البقرة: 275.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 45
کبیع الرطب بالتمر و العنب بالزبیب، و هذه المسألة مورد لأنظار الفقهاء و اختلاف کلماتهم، و سبب الاختلاف هو اختلاف ما ورد فی هذا الباب من الروایات، فطائفة من الروایات تجیز مثل هذا البیع، بینما تدل الطائفة الأخری علی المنع، و من هذه الطائفة ما رواه:
1- الحلبی فی الصحیح عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: لا یصلح التمر الیابس بالرطب، من أجل أن التمر یابس و الرطب فإذا یبس نقص «1».
2- محمد بن قیس فی الصحیح عن أبی جعفر علیه السّلام فی حدیث: أن أمیر المؤمنین علیه السّلام کره أن یباع التمر بالرطب عاجلا بمثل کیله إلی أجل، من أجل أن التمر ییبس فینقص من کیله «2».
3- داود بن سرحان عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: سمعته یقول: لا یصلح التمر بالرطب، إن الرطب رطب و التمر یابس فإذا یبس الرطب نقص «3».
4- داود الأبزاری عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال سمعته یقول: لا یصلح التمر بالرطب، إن التمر یابس و الرطب رطب «4».
و من الطائفة الأخری التی تجیز البیع ما رواه:
1- سماعة فی الموثق قال: سئل أبو عبد اللّه علیه السّلام عن العنب بالزبیب قال لا یصلح إلا مثلا بمثل قال و التمر بالرطب مثلا بمثل «5».
2- أبو الربیع قال: قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام: ما تری فی التمر و البسر الأحمر
______________________________
(1) وسائل الشیعة 18: 148 ب (14) من أبواب الربا ح 1.
(2) وسائل الشیعة 18: 149 ب (14) من أبواب الربا ح 2.
(3) وسائل الشیعة 18: 150 ب (14) من أبواب الربا ح 6.
(4) وسائل الشیعة 18: 150 ب (14) من أبواب الربا ح 7.
(5) وسائل الشیعة 18: 149 ب (14) من أبواب الربا ح 3.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 46
مثلا بمثل قال: لا بأس قلت فالبختج و العنب مثلا بمثل قال: لا بأس «1».
و الروایة محل خدشة لاشتراک أبی الربیع بین الثقة و المجهول إلا أن الروایة الأولی معتبرة بناء علی عدم اشتراط عدالة الراوی.
إذن فالتعارض واضح، و قد حاول البعض علاج هذا التعارض بالحکم بالجواز مع الکراهة حملا منه للنهی الوارد فی الطائفة الأولی علی الکراهة التکلیفیة التعبدیة، و لکن لا شاهد لهذا الحمل سوی تصریح الروایة الثانیة بکراهة علی علیه السّلام لمثل هذه المعاملة، إلا أن الکراهة فی مثل هذه الموارد إنما هی الکراهة النفسیة التی تساوق الحرمة و البطلان، لصریح بعض الروایات بأن علیا لم یکن یکره الحلال، إذن فهو جمع تبرعی لا سند له، فالتعارض باق و لا بد من القول بتساقط الدلالتین و الرجوع إلی عمومات الوفاء بالعقد، و الحکم بمقتضاها الذی یعنی الحلیة و جواز البیع مع عدم التفاضل لوحدة الجنس کما رآه سیدنا الأستاذ دام ظله و جماعة من أجلة الفقهاء.
و لا یعزب عن البال هنا أن نتنبه إلی أن الرطب و التمر و الزبیب و العنب إنما أخذت فی الروایات کأمثلة لموضوع البیان فی الروایات إذ إن الحکم لا یختص بها فهو شامل لکل ما له فردان: أحدهما رطب و الآخر یابس، و هذا الشمول واضح فی عموم التعلیل المذکور فی الطائفة الأولی کقوله علیه السّلام فی روایة داود بن سرحان: «إن الرطب رطب و التمر یابس فإذا یبس الرطب نقص».
و لهذا فالحکم یشمل کافة الفواکه و الأخشاب إذا بیعت بالوزن أو الکیل و لها فردان رطب و یابس و حیث انتهینا إلی الرجوع إلی العمومات المجیزة للبیع فی مثل هذه الحالة یشمل الحکم کذلک کافة ما یتصور للمسألة من أفراد و إن نقصت بعد الیبس.
______________________________
(1) وسائل الشیعة 18: 150 ب (14) من أبواب الربا ح 5.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 47
و ما یمکن أن یعقب به علی هذا الشرط من شرطی الربا الوقوف عند روایة یمکن القول بمعارضتها لأدلة المنع فی الجنس الواحد مع التفاضل فکانت موردا للأخذ و الرد بین الفقهاء، و هی:
ما رواه الشیخ الکلینی عن محمد بن یحیی عن أحمد بن محمد عن محمد بن إسماعیل عن محمد بن الفضیل عن أبی الصباح الکنانی قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن الرجل یقول للصائغ: صغ لی هذا الخاتم و أبدل لک درهما طازجا بدرهم غلة قال: لا بأس «1».
و رواها الشیخ رحمه اللّه فی التهذیب بإسناده عن الحسین بن سعید عن محمد بن الفضیل «2».
و الإشکال فیها من جهة استبدال درهم الغلة و هو من أرادإ أنواع الفضة بدرهم طازج و هو من أحسن أنواعها بإضافة عمل الصیاغة من درهم الغلة، فالمبادلة وقعت علی متحدی الجنس مع فضل العمل.
و قد أفتی جماعة بمضمونها فی موردها خاصة إذ أجازوا مثل هذا الاستبدال فی صیاغة الخاتم فقط دون غیره من الأعمال و المعاملات الأخری و إن کان صیاغة لغیر الخاتم کالسوار و القلادة و شبههما، و یمکن الالتزام بهذا الحکم مع تمام سند الروایة، و لیس فی رجالها من یناقش فیه سوی محمد بن الفضیل، فإنه مشترک بین شخصین أحدهما- کما قیل- محمد بن القاسم بن الفضیل الثقة- و النسبة إلی الجد لیست بعزیزة-، و الآخر هو محمد بن الفضیل و قد ذکره الشیخ الطوسی قدّس سرّه تارة بلقب الأزدی و أخری بلقب الأرزق و ثالثة بلقب الکوفی و رابعة بأنه ابن کثیر، إلا أن ما یکتنف المورد من القرائن یدل علی أن الجمیع واحد، و وصفه الشیخ بالغلو تارة، و ضعفه فی مورد آخر.
______________________________
(1) الکافی 5: 250 ب (115) فی الصروف ح 20.
(2) تهذیب الأحکام 7: 100 ب (8) بیع الواحد بالاثنین و أکثر من ذلک و ما یجوز منه و ما لا یجوز ح 77.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 48
و کذلک ذکره الشیخ النجاشی قدّس سرّه من دون تعقیب له من توثیق أو توهین.
إلا أن المحکی عن الشیخ المفید توثیقه و تعظیمه وعده فی رسالته العددیة محمد بن الفضیل من الفقهاء و الرؤساء الأعلام الذین یؤخذ منهم الحلال و الحرام و الفتیا و الأحکام و لا یطعن علیهم بشی‌ء و لا طریق لذم واحد منهم.
و مع أن سیدنا الأستاذ دام ظله یری توثیق من ورد اسمه فی کتاب کامل الزیارات، و محمد بن الفضیل ممن ورد اسمه فیه إلا أنه انتهی إلی تضعیف الرجل لتعارض الجرح و التعدیل فیه، إذ إن مقتضی القاعدة تقدیم الجرح حکما، قال فی المعجم بعد نقل کلام الشیخ المفید: إلا أن ذلک معارض بما عرفت من تضعیف الشیخ إیاه، إذا لم تثبت وثاقة الرجل فلا یعتمد علی روایته «1».
و لکن یبدو أن سبب تضعیف الشیخ له هو ما رمی به من الغلو، و حیث لم یعرف منشأ لهذا الاتهام مع ما یشاهد من اللهجة المعظمة له من الشیخ المفید قدّس سرّه فیرجح لدی النفس اعتقاد وثاقة الرجل و عظمته و جلالته، فلا یبقی احتمال تردده بین الثقة و غیره کما فی لسان بعضهم.
و بناء علی تمامیة السند لا مانع من العمل بالروایة، و لکن لمعارضتها للروایات الصحیحة المتکاثرة المانعة من التفاضل بین فردی الجنس الواحد لا بد من الاقتصار علی موردها خاصة، فیحکم بالجواز فیه، و لا شک أن الاحتیاط یقتضی ترک هذه المعاملة أیضا للعمومات.

الشرط الثانی: اعتبار الکیل و الوزن فی العوضین

و هذا الشرط أیضا مما لا إشکال فیه، و هو مضمون کثیر من روایات المسألة، فمنها ما رواه:
______________________________
(1) معجم رجال الحدیث 18: 151 رقم (11591).
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 49
1- زرارة عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: لا یکون الربا إلا فیما یکال أو یوزن «1».
2- منصور قال: سألته عن الشاة بالشاتین و البیضة بالبیضتین، قال: لا بأس ما لم یکن کیلا أو وزنا «2».
3- منصور بن حازم عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: سألته عن البیضة بالبیضتین قال: لا بأس به، و الثوب بالثوبین قال: لا بأس به، و الفرس بالفرسین فقال: لا بأس به، ثم قال: کل شی‌ء یکال أو یوزن فلا یصلح مثلین بمثل إذا کانا من جنس واحد، فإذا کان لا یکال و لا یوزن فلا بأس به اثنین بواحد «3».
و حینئذ فحیث لا یکون العوضان من المکیل أو الموزون لا یجری فیهما حکم الربا لو تفاضلا فی البیع و إن کانا من جنس واحد کما هو صریح الروایة الثالثة و غیرها.
و کما یرجع فی تعیین وحدة الجنس إلی العرف- عندهم- حیث لا نص، کذلک الأمر فی اعتبار کون الجنس مکیلا أو موزونا أو غیرهما، فحیث أناط الشرع الحرمة بالکیل و الوزن دون أن یعین ما یکال أو یوزن لا بد من الرجوع حینئذ فیهما إلی صدقهما زمانا و مکانا؛ و لهذا کان لا بد من اختلاف الحکم حیث یختلفان، فالبرتقال الذی کان یباع عدّا فی وقت لا یعتبر التفاضل فیه ربا بخلافه الآن حیث یباع بالوزن، و هکذا فی الخس الذی یباع الآن فی النجف وزنا بینما قد یباع فی غیرها عدا، فبیعه فی النجف مع التفاضل ربا دونه فی البلد الذی یباع فیه عدا، و هکذا، إذن فالرجوع فیه إلی العرف السائد فی بلد البیع و زمانه، و لیس المناط هو المعاملة الشخصیة إذا أوقعت مخالفة لمتداول البلد أو الزمان.
______________________________
(1) وسائل الشیعة 18: 132 ب (6) من أبواب الربا ح 1.
(2) وسائل الشیعة 18: 134 ب (6) من أبواب الربا ح 5.
(3) وسائل الشیعة 18: 153 ب (16) من أبواب الربا ح 3.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 50
و لهذا فما نسب إلی العلامة قدّس سرّه فی تعیین بعض الأصناف من المکیل و الموزون دون أصناف أخری حیث اعتبرها من المعدود غیر قائم علی قاعدة کلیة ثابتة، فلا یتم بقول مطلق، و لعله نظر إلی خصوص ما یجری فی بلده و زمانه إذ لا نص شرعیا علیه.
و هنا تساؤل لعله یرد فی صورة الشک فی التفاضل و التساوی فی العوضین؛ حیث اشترطنا التساوی فی صحة بیع متحدی الجنس حیث یباع مقدار من الحنطة بمقدار منها و یجهل تساویهما أو تفاضلهما وزنا أو کیلا.
و جماعة کثیرة من الفقهاء و منهم سیدنا الأستاذ دام ظله لم یتعرضوا لهذه المسألة بینما ذکرها آخرون و منهم السید الیزدی قدّس سرّه فی ملحق العروة الوثقی، و قد یقال فیها بالصحة اعتمادا علی أن الشبهة موضوعیة.
و لکن سبق منا أن قلنا باختصاص الربا العوضی بالبیع، کما قلنا: إن من شرائط البیع فی المتماثلین جنسا تساویهما مقدارا بنحو یری العرف ارتفاع الغرر الممنوع فی کل معاملة، و ننیط ارتفاع الغرر بالنظرة العرفیة؛ لأن الالتزام بالارتفاع الواقعی للغرر یقتضی بطلان معظم المعاملات إن لم نقل الکل، إذ الدقة الواقعیة فی الأوزان و المکاییل و غیرها من المستحیلات العادیة، إذ إن الحکم بالبطلان لا یختص بعصر خاص أو بلد خاص، بل هو شامل لکافة الأزمان و البلدان حتی ما کان فی عصر الرسول صلّی اللّه علیه و آله و سلّم، و هو ما لا یمکن تصوره من أحد.
إذن فعلی ما اخترناه لا یبقی موضوع لهذا الفرع أصلا، و لا سیما مع ما سیأتی من منع بیع المتجانسین نسیئة حتی مع التساوی؛ إذ التماثل المشروط فی متحدی الجنس یعنی بطلان البیع ما لم تعلم المماثلة، و من دون هذا العلم یحکم بالبطلان؛ إذ المشروط عدم عند انعدام شرطه فلا مورد للشک بل الشک یساوق العدم.
و أما فی المعاوضات غیر البیع کأن تکون بنحو الصلح أو الهبة المعوضة فقد قلنا:
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 51
إنها غیر مشمولة لأدلة الربا، و حینئذ فلا مانع فیها من التفاضل بین متحدی الجنس فضلا عما إذا شک فی التفاضل و التساوی.
نعم، علی مبنی صاحب العروة قدّس سرّه من شمول أدلة الربا لکافة المعاوضات مع البیع أمکن تعقل الشک فیجری فیه ما ذکروه علی مبناهم من احتمال إجراء حکم الشبهة الموضوعیة فیه.
و کما عقبنا الحدیث فی الشرط الأول بالوقوف عند روایة قد یظهر منها معارضتها لأدلة ذلک الشرط نقف هنا کذلک عند روایة یمکن أن تستشف منها هذه المعارضة، إذ کما عرفنا أن مفاد أدلة الشرط الثانی اعتبار الکیل و الوزن فی تحقق الربا، فما لم یکن الجنس مکیلا أو موزونا کأن یکون معدودا أو جزافا لا مانع من التفاضل فیه إذا جعل عوضین فی معاملة بیع، و قلنا: إن هذا مما لا إشکال فیه، إلا أن هنا روایة یرویها محمد بن مسلم فی الصحیح قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن الثوبین الردیئین بالثوب المرتفع، و البعیر بالبعیرین، و الدابة بالدابتین، فقال: کره ذلک علی علیه السّلام فنحن نکره إلا أن یختلف الصنفان، قال و سألته عن الإبل و البقر و الغنم أو أحدهن فی هذا الباب قال: نعم، نکرهه «1».
و معنی الکراهة المبغوضیة المساوقة للحرمة، فتکون هذه الروایة واضحة المعارضة لما سبق من روایات جوزت التفاضل فی غیر المکیل و الموزون کما هو صریح روایتی منصور المضمرة و الثانیة عن أبی عبد اللّه علیه السّلام، و مضمون روایة زرارة کذلک.
و لعل التأمل فی الروایة یقتضی أن الروایة واردة فی مقام التقیة؛ لأن منع التفاضل فی المعدود مسلک بعض المذاهب الأخری، و هذا ما یفسر عدول الإمام علیه السّلام عن بیان الحکم الواقعی بأن نسب الکراهة إلی الإمام علی علیه السّلام،
______________________________
(1) وسائل الشیعة 18: 154 ب (16) من أبواب الربا ح 7.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 52
فلا یمکن العمل بمضمونها.
و الظاهر أن هذا هو الوجه فی الانصراف عن الروایة لا ما قیل من معارضتها لروایة سلمة عن أبی عبد اللّه عن أبیه عن علی علیه السّلام: أنه کسا الناس بالعراق و کان بالکسوة حلة جیدة، قال فسألها إیاه الحسین علیه السّلام فأبی، فقال الحسین: أنا أعطیک مکانها حلتین فأبی، فلم یزل یعطیه حتی بلغ خمسا، فأخذها منه ثم أعطاه الحلة، و جعل الحلل فی حجره، و قال لآخذن خمسة بواحدة «1».
إذ لیس فی الروایة دلالة علی أن ما فعله علیه السّلام کان بیعا فالإمام علیه السّلام کان یکسو الناس مجانا، و حباء، و لما عرف عنه من عدم التفرقة بین الناس لم یرد أن یمیز ولده علی الآخرین بشی‌ء إلا أن إصرار ولده و إبداله الحلة بخمس رفع العائق الذی أوقفه عن إعطائه لولده فأعطاها إیاها.
و مع التنزل و تسلیم أن ما جری بینهما علیه السّلام کان بیعا إلا أن المعاملة جرت بین الوالد و ولده، و سیأتی فی العدید من الروایات- إن شاء اللّه- ما یدل علی انتفاء الربا بین الوالد و ولده، کما فی روایة:
عمرو بن جمیع عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قال أمیر المؤمنین علیه السّلام لیس بین الرجل و ولده و لیس بین السید و عبده ربا «2».
و حینئذ فیمکن أن تکون الروایة التی تحکی فعل علی علیه السّلام و الحسین علیه السّلام من أدلة تلک المسألة.
و علیه یکون المخلص من روایة محمد بن مسلم المتقدمة المتضمنة للکراهة ما ذکرناه من احتمال التقیة، و هو کاف فی رفع الید عنها، و تبقی أدلة جواز التفاضل فی غیر المکیل و الموزون من دون أدنی إشکال.
______________________________
(1) وسائل الشیعة 18: 154 ب (16) من أبواب الربا ح 6.
(2) وسائل الشیعة 18: 135 ب (7) من أبواب الربا ح 1.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 53‌

الفصل الثانی ربا القرض

اشارة

مما لا إشکال فیه و لا ریب تحقق الربا فی القرض، و هو أن یشترط المقرض علی المقترض زیادة علی المبلغ الذی أقرضه إیاه سواء أ کانت الزیادة عینیة- کأن یدفع إلیه مبلغا إضافیا أو عینا أخری- أم حکمیا- کأن یشترط دفع صنف أجود مما أقرضه إیاه-، و قد سبق العدید من أدلة التحریم فی المقدمة و یزاد هنا ما رواه:
1- علی بن جعفر فی (کتابه) عن أخیه علیه السّلام قال: و سألته عن رجل أعطی رجلا مائة درهم یعمل بها علی أن یعطیه خمسة دراهم أو أقل أو أکثر هل یحل ذلک؟ قال: لا، هذا الربا محضا «1».
2- داود الأبزاری عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال لا یصلح أن تقرض ثمرة و تأخذ أجود منها بأرض أخری غیر التی أقرضت منها «2».
و واضح أن الروایة الأولی ذکرت الزیادة العینیة بینما ذکرت الثانیة الزیادة الحکمیة و هی الجودة، کما أنهما شملتا ما یمکن أن تلحظ فیه الزیادة فهی قد تشترط بملاحظة المال المقرض فقط دون ملاحظة الزمن أیضا، کما یمکن أن تشترط بملاحظة الزمن مع المال، فکلما تأخر المال فترة جعلت زیادة إضافیة علی المبلغ.
______________________________
(1) وسائل الشیعة 18: 137 ب (7) من أبواب الربا ح 7.
(2) وسائل الشیعة 18: 144 ب (12) من أبواب القرض ح 1.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 54
فزید قد یقرض عمرا مائة دینار علی أن یردها إلیه مائة و خمسین، و قد یقرضها إیاه علی أن یعطیه فی کل شهر عشرة دنانیر و هکذا، فالمائة فی کلتا الحالین تعتبر رأس المال الذی یستحقه المقرض فی ذمة المقترض و الزیادة هی الربا، سواء عینت علی مقدار المال فقط أو علیه و علی المدة التی یمکث المال لدیه فیها.
و ربا القرض إنما یحرم مع اشتراط هذه الزیادة حین الإقراض کما صرحت به روایات الباب، و منها الروایتان السابقتان، أما ما یدفعه المقترض إلی المقرض دون شرط فلا مانع من استلامه و قد ورد العدید من الروایات فی هذا الشرط منها ما رواه:
1- حفص بن غیاث عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: الربا رباءان: أحدهما ربا حلال و الآخر حرام، فأما الحلال فهو أن یقرض الرجل قرضا طمعا أن یزیده و یعوضه بأکثر مما أخذه بلا شرط بینهما، فهو مباح له و لیس له عند اللّه ثواب فیما أقرضه، و هو قوله عز و جل فَلٰا یَرْبُوا عِنْدَ اللّٰهِ «1»، و أما الربا الحرام فهو:
الرجل یقرض قرضا و یشترط أن یرد أکثر مما أخذه فهذا هو الحرام «2».
2- إسحاق بن عمار عن أبی الحسن علیه السّلام قال: سألته عن الرجل یکون له مع رجل مال قرضا فیعطیه الشی‌ء من ربحه مخافة أن یقطع ذلک عنه فیأخذ ماله من غیر أن یکون شرط علیه، قال: لا بأس بذلک ما لم یکن شرطا «3».
و علی هذین الوجهین تحمل الروایات المطلقة التی وردت فی الباب مما ظاهرها الجواز أو المنع، فمما دل علی المنع:
1- ما روی مرسلا من غیر طرقنا عن الرسول صلّی اللّه علیه و آله و سلّم أنه قال: کل قرض جر
______________________________
(1) سورة الروم: 39.
(2) وسائل الشیعة 18: 160 ب (18) من أبواب الربا ح 1.
(3) وسائل الشیعة 18: 354 ب (19) من أبواب القرض والدین ح 3.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 55
نفعا فهو حرام (ربا) «1».
2- ما رواه یعقوب بن شعیب عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال سألته عن الرجل یسلم فی بیع أو تمر عشرین دینارا، و یقرض صاحب السلم عشرة دنانیر أو عشرین دینارا قال: لا یصلح، إذا کان قرضا یجر شیئا فلا یصلح.
قال و سألته عن رجل یأتی حریفه و خلیطه فیستقرض منه الدنانیر فیقرضه، و لو لا أن یخالطه و یحارفه و یصیب علیه لم یقرضه، فقال: إن کان معروفا ما بینهما فلا بأس، و إن کان إنما یقرضه من أجل أنه یصیب علیه فلا یصلح «2».
و أما ما ورد فی جواز الانتفاع بالقرض فمنه ما رواه:
1- محمد بن عبدة قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن القرض یجر المنفعة، فقال:
خیر القرض الذی یجر المنفعة «3».
2- محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن الرجل یستقرض من الرجل قرضا و یعطیه الرهن إما خادما و إما آنیة و إمّا ثیابا فیحتاج إلی شی‌ء من منفعته «4» فیستأذن فیه فیأذن له، قال إذا طابت نفسه فلا بأس. قلت: إن من عندنا یروون أن کل قرض یجر منفعة فهو فاسد، فقال: أو لیس خیر القرض ما جرّ منفعة؟ «5».
و واضح أن الروایتین المفصلتین مبینتان لما فی هاتین الطائفتین من إجمال؛ فالطائفة الأولی واردة حیث تشترط الزیادة حین القرض، بینما تعنی الطائفة المجوزة موارد عدم الشرط، ففی روایة یعقوب بن شعیب دلالة واضحة علی
______________________________
(1) ینظر: کشف الخفاء و مزیل الإلباس عما اشتهر من الأحادیث علی ألسنة الناس للعجلونی: 2/ 125.
(2) وسائل الشیعة 18: 356 ب (19) من أبواب القرض و الدین ح 9.
(3) الکافی 5: 256 ب (119) القرض یجر المنفعة ح 2، و وسائل الشیعة 18: 355 ب (19) جواز قبول الهدیة و الصلة ممن علیه الدین ح 5.
(4) فی نسخة: أمتعته.
(5) وسائل الشیعة 18: 354 ب (19) من أبواب القرض و الدین ح 4.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 56
الشرط، و فی روایة محمد بن مسلم دلالة علی عدم الشرط واضحة بأدنی تأمل.
إذن فلا بد لحرمة الزیادة التی تؤخذ علی القرض من اشتراطها حین القعد سواء أ کان الشرط صریحا أم ضمنیا.

حکم ما یؤخذ ربا من الأموال

لا شک فی أن مرتکب الربا عن علم بالحکم و الموضوع مأثوم؛ إذ أدلة التحریم واضحة الدلالة علی الحرمة التکلیفیة، و ربما یمکن عدها من أکبر الکبائر، و لا مجال للشک فی هذا بعد ما ذکرناه من النصوص فی المقدمة التی تشدد النکیر علی هذا العمل، إلا أن من شرائط المؤاخذة علی الحرمة التکلیفیة العلم بالحکم و الموضوع فحیث لا یتحقق العلم و لا سیما حین یکون عن قصور من المکلف فإن المؤاخذة ترتفع و لا شک لأدلة البراءة المعروفة، و تحقیقه موکول إلی محله.
و إنما الکلام فی الأثر الوضعی للمعاملة الربویة حین تقع عن جهل أو حین یرید المکلف التوبة عما عمله حین طیشه و عناده و هو یرید التخلص من آثار تلک المعاملات.
و قد اختلف العلماء فی هذه الناحیة، و لفهم المسألة بصورة أوضح ینبغی التفرقة بین ربا القرض و ربا المعاوضة أو البیع- علی المختار-، فأما ربا القرض فقد وردت النصوص فی صحة القرض و إمکان تناول ما أخذ ربا حین الجهالة أو بعد التوبة حیث لا یتمیز عن سواه أو یعرف صاحبه الذی أخذه منه، فمن الآیات:
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 57
1- قوله تعالی: یٰا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ ذَرُوا مٰا بَقِیَ مِنَ الرِّبٰا إِنْ کُنْتُمْ مُؤْمِنِینَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَکُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِکُمْ لٰا تَظْلِمُونَ وَ لٰا تُظْلَمُونَ «1».
2- فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهیٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَی اللّٰهِ وَ مَنْ عٰادَ فَأُولٰئِکَ أَصْحٰابُ النّٰارِ هُمْ فِیهٰا خٰالِدُونَ «2».
و من الروایات ما رواه:
1- هشام بن سالم فی الصحیح عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: سألته عن الرجل یأکل الربا و هو یری أنه له حلال قال: لا یضره حتی یصیبه متعمدا، فإذا أصابه متعمدا فهو بالمنزل الذی قال اللّه عز و جل «3».
و هو علیه السّلام یشیر بهذا إلی قوله تعالی: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ.
2- الوشاء عن أبی المغراء قال: قال أبو عبد اللّه علیه السّلام کل ربا أکله الناس بجهالة ثم تابوا فإنه یقبل منهم إذا عرف منهم التوبة، و قال: لو أن رجلا ورث من أبیه ما لا و قد عرف أن فی ذلک المال ربا و لکن قد اختلط فی التجارة بغیر حلال کان حلالا طیبا فلیأکله، و إن عرف منه شیئا أنه ربا فلیأخذ رأس ماله و لیرد الربا، و أیما رجل أفاد مالا کثیرا قد أکثر فیه من الربا فجهل ذلک ثم عرفه بعد فأراد أن ینزعه فما مضی فله و یدعه فیما یستأنف «4».
3- الحلبی فی المعتبر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال أتی رجل أبی علیه السّلام فقال: إنی ورثت مالا و قد علمت أن صاحبه الذی ورثته منه کان یربی، و قد أعرف أن فیه ربا و أستیقن ذلک، و لیس یطیب لی حلاله لحال علمی فیه، و قد سألت فقهاء
______________________________
(1) سورة البقرة: 278- 279.
(2) سورة البقرة: 275.
(3) وسائل الشیعة 18: 128 ب (5) من أبواب الربا ح 1.
(4) وسائل الشیعة 18: 128 ب (5) من أبواب الربا ح 2.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 58
أهل العراق و أهل الحجاز فقالوا: لا یحل أکله، فقال أبو جعفر علیه السّلام: إن کنت تعلم بأن فیه ما لا معروفا ربا، و تعرف أهله فخذ رأس مالک، ورد ما سوی ذلک، و إن کان مختلطا فکله هنیئا، فإن المال مالک و اجتنب ما کان یصنع صاحبه، فإن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم قد وضع ما مضی من الربا و حرم علیهم ما بقی، فمن جهل وسع له جهله حتی یعرفه، فإذا عرف تحریمه حرم علیه و وجب «1» علیه فیه العقوبة إذا رکبه کما یجب علی من یأکل الربا «2».
4- محمد بن مسلم فی الصحیح قال: دخل رجل علی أبی جعفر علیه السّلام من أهل خراسان قد عمل بالربا حتی کثر ماله، ثم إنه سأل الفقهاء فقالوا: لیس یقبل منک شی‌ء إلا أن ترده إلی أصحابه، فجاء إلی أبی جعفر علیه السّلام فقص علیه قصته، فقال أبو جعفر علیه السّلام مخرجک من کتاب اللّه فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهیٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَی اللّٰهِ «3»، و الموعظة: التوبة «4».
5- أحمد بن محمد بن عیسی فی نوادره عن أبیه قال: إن رجلا أربی دهرا من الدهر فخرج قاصدا أبا جعفر الجواد علیه السّلام فقال له: مخرجک من کتاب اللّه، یقول اللّه: فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهیٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ «5» و الموعظة هی التوبة، فجهله بتحریمه ثم معرفته به فما مضی حلال و ما بقی فلیتحفظ «6».
و دلالتها علی صحة القرض، و حلیة ما تناوله المرابی فی حالتی الجهل و بعد
______________________________
(1) فی نسخة: وجبت.
(2) وسائل الشیعة 18: 129 ب (5) من أبواب الربا ح 3.
(3) البقرة: 275.
(4) وسائل الشیعة 18: 130 ب (5) من أبواب الربا ح 7.
(5) سورة البقرة: 279.
(6) وسائل الشیعة ب (5) من أبواب الربا ح 10، و فی نسخة (فلیستحفظ)
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 59
التوبة من العصیان واضحة بما لا نقاش فیه، فیجوز له مثل هذا التناول لهذه النصوص، نعم إذا سلم الربا من ماله و علم صاحبه وجب رده إلیه.
و الغریب أن جماعة من أجلة الفقهاء کالسید الیزدی قدّس سرّه حملوا هذه الروایات- مع وضوح دلالتها علی ما ذکرنا- علی المقاصة بالربا عن رأس المال، فأحلوا لمن لم یستطع استرجاع ما أقرضه لآخر أن یأخذ منه الربا و یحتسبه من رأس المال، حتی یستوفی ماله الذی فی ذمة المدین، فیکون أکل المال الربوی بعنوان المقاصة التی تعنی المعاوضة القهریة؛ إذ یرد علیه:
أولا: أن الآیة تصرح بمشروعیة استرجاع رأس ماله من المقترض بعد التوبة؛ إذ یقول تعالی: وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَکُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِکُمْ اللهم إلا أن یدعی دلالتها علی تقدیر المقدار أی إن تبتم فلکم مقدار رءوس أموالکم، و حینئذ فلصاحب المال ما تبقی من رأس المال بعد إخراج ما استلمه فی الربا منه، إلا أن هذا التقدیر مما یحتاج إلی قرینة و هی مفقودة.
ثانیا: أن إمکان حمل جواز أکل الربا علی المقاصة إنما یصح إذا کان ما أکله المرابی مساویا لرأس المال و لیس زائدا أو ناقصا عنه؛ إذ فیه یتحقق معنی المقاصة، و لکن هذا القید لا وجود له فی واحد من الأدلة السابقة بل و لا یمکن احتماله فی بعضها، کما فی روایة الحلبی إذ قال أبو جعفر علیه السّلام: (إن کنت تعلم بأن فیه مالا معروفا ربا و تعرف أهله فخذ رأس مالک ورد ما سوی ذلک، و إن کان مختلطا فکله هنیئا) «1»، و هکذا غیرها.
إذن فما ذکره السید الیزدی قدّس سرّه لا شاهد علیه.
أما ربا البیع فقد ذکرت له احتمالات ثلاثة:
الأول: الحکم ببطلان المعاملة الربویة کلیا، و رجوع کل من العوضین إلی
______________________________
(1) وسائل الشیعة 18: 139 ب (5) من أبواب الربا ح 3.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 60
مالکه، و هو مختار جماعة من الأعلام منهم السید الحکیم قدّس سرّه و سیدنا الأستاذ دام ظله.
الثانی: التفصیل بین کون الزیادة جزءا فتبطل المعاملة و بین کونها شرطا فتصح المعاوضة بناء علی أن فساد الشرط لا یفسد المعاملة؛ فتکون هذه المسألة حینئذ من صغریات تلک المسألة، و هی أن فساد الشرط هل یقتضی فساد المعاملة أو لا؟.
الثالث: الصحة مطلقا و إمکان تناول ما أخذه ربا عن جهل أو عصیان بعد التوبة کما فی الدّین، و مع أننا لم نر من الفقهاء من اتخذ هذا الاحتمال رأیا إلا أنه احتمال وارد.
و منشأ الخلاف فی المسألة و الاحتمالات السابقة هو ما یدعی من شمول الأدلة السابقة المذکورة فی القرض للبیع الربوی أیضا سواء أ کان هذا الشمول بنحو مطلق فتکون أدلة الاحتمال الثالث، أم فی خصوص ما أخذت الزیادة شرطا فیه فتکون من أدلة الاحتمال الثانی.
و لکن قبل الدخول فی ملاحظة دلالة الأدلة علی المطلوب هنا علینا أن نقف علی وجهین من الاختلاف بین ربا القرض و ربا المعاوضة أو البیع.
الوجه الأول: أن ربا القرض- کما سبق أن عرفنا- یعنی أن فی ذمة المقترض مبلغا من المال هو مقدار ما سلّمه المقرض له، مع زیادة معینة محددة أو متصاعدة حسب العقد، فالأول هو ما یسمی برأس المال، بینما الزیادة هی الربا، ففی الربا القرضی یتمیز رأس المال عن الزیادة علیه و مثل هذا التمایز لا یتحقق فی ربا البیع؛ لأن الربا فیه یتصور فی کیفیتین:
الأولی: أن یباع من من الحنطة بمنین منها، و واضح فی هذه الکیفیة أن کلا المنین جعلا ثمنا للبیع، فلیس هنا تمایز بین ما یمکن تسمیته برأس المال مقابل الربا.
الثانیة: أن یباع المن من الحنطة بمن منها مع شرط زیادة عینیة کعمل أو شی‌ء آخر یضاف للمن الثمن، فإن هذه الزیادة و أن تمیزت عن من الحنطة، إلا أن
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 61
العرف یری المجموع- من الشرط و المشروط- ثمنا، و أن هذا التمایز لا یستوجب تسمیة من الحنطة برأس المال و الزیادة وحدها ربا؛ إذ رأس المال یعنی ما یملکه الشخص ملکا طلقا یستطیع التصرف فیه أنی شاء.
الوجه الثانی: أن ربا البیع یحدد مقداره فی البیع، و هو خال من الزیادة التصاعدیة فیه، بینما ربا القرض حیث تلحظ المدة- غالبا- مع المال المقترض، فتزداد الفائدة مع مرور الزمن، فکلما طالت المدة ثبتت نسبتها من الفائدة، و هذا هو الربا المعروف فی زمن الجاهلیة.
و حینئذ- و بملاحظة هذین الوجهین فی الفرق- یتضح أن مصب الأدلة السابقة کلها هو القرض و لیس فیها أدنی علاقة بربا البیع؛ و لهذا فإن محاولة الاستدلال علی تصحیح ربا البیع- مع الجهل- بها غیر تامة البتة.
و أما الآیة الأولی، فهی تأمر بترک ما بقی من الربا، و هذا یعنی وجود استمراریة زمنیة فی الربا، و هی إنما تتفق مع ربا القرض حیث تجعل نسبة الربا علی مدة بقاء المال لدی المقترض، فهناک قسم من الربا مضی استلامه و هناک ما سیستلم فی المستقبل و الآیة تأمر بترکه، و البیع لا یتصور فیه مثل هذه الاستمراریة.
و هذا نفسه متصور فی ذیل الآیة الثانیة التی تعین استحقاق رأس المال بعد التوبة، فهذه التفرقة إنما تصورناها فی ربا القرض سابقا، و التسمیة برأس المال إنما تنطبق علیه.
و یؤید هذا بما ورد فی سبب نزول هذه الآیات إذ روی:
1- الطبرسی قال: روی عن الباقر علیه السّلام: أن الولید بن المغیرة کان یربی فی الجاهلیة و قد بقی له بقایا علی ثقیف فأراد خالد بن الولید المطالبة بعد أن أسلم، فنزلت الآیة «1».
______________________________
(1) وسائل الشیعة 18: 131 ب (5) من أبواب الربا ح 8.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 62
2- علی بن إبراهیم: أنه لما أنزل اللّه الَّذِینَ یَأْکُلُونَ الرِّبٰا لٰا یَقُومُونَ إِلّٰا کَمٰا یَقُومُ الَّذِی یَتَخَبَّطُهُ الشَّیْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ «1» فقام خالد بن الولید إلی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم فقال: یا رسول اللّه: ربی أبی فی ثقیف و قد أوصانی عند موته بأخذه، فأنزل اللّه تبارک و تعالی: یٰا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ ذَرُوا مٰا بَقِیَ مِنَ الرِّبٰا إِنْ کُنْتُمْ مُؤْمِنِینَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ «2» قال: من أخذ الربا وجب علیه القتل، و کل من أربی وجب علیه القتل «3».
3- الطبری فی تفسیره عن السّدی قال: نزلت هذه الآیة فی العباس بن عبد المطلب و رجل من بنی المغیرة کانا شریکین فی الجاهلیة سلفا فی الربا إلی أناس من ثقیف من بنی عمرو، و هم بنو عمرو بن عمار فجاء الإسلام و لهما أموال عظیمة من الربا فأنزل اللّه: (ذروا ما بقی) من فضل کان فی الجاهیة (من الربا) «4».
و قد عقب صاحب المیزان قدّس سرّه علی روایات فی أسباب النزول ذکرها بقوله:
و الروایات فی هذه المعانی کثیرة، و المتحصل من روایات الخاصة و العامة أن الآیة نزلت فی أموال من الربا کانت لبنی المغیرة علی ثقیف، و کانوا یربونهم فی الجاهلیة فلما جاء الإسلام طالبوهم ببقایا کانت لهم علیهم فأبوا عن التأدیة لوضع الإسلام ذلک، فرفع أمرهم إلی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم، فنزلت الآیة «5».
و روایات أسباب النزول و إن لم تکن دلیلا مستقلا فی المقام و لکنها تصلح
______________________________
(1) البقرة: 275.
(2) سورة البقرة: 278.
(3) تفسیر القمی 1: 93 فی تفسیر آیة (273- 280) من سورة البقرة.
(4) تفسیر جامع البیان للطبری 3: 65 فی تفسیر آیة 278 من سورة البقرة.
(5) تفسیر المیزان 2: 426 فی تفسیر آیة (275- 281) من سورة البقرة.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 63
لتأیید ما استظهرناه من الآیة.
و مثل هذه الآیة فی الدلالة روایات کروایة أبی المغراء السابقة «1» فإنها واردة حیث یمکن امتیاز الربا عن رأس المال ثم یختلط أو لا یختلط، و هذا إنما یتصور فی القرض- کما بیناه-.
أما روایة الحلبی ففیها قرائن عدة علی اختصاصها بالقرض منها:
1- تصریحها بأن المورث کان یربی، و هو اصطلاح عرفی یقال لمن یقرض المال بالربا، و لا یقال لمن یبیع الجنس الواحد مثلا بمثلین و أکثر.
2- و تصریحها بامتیاز الربا عن غیره، و هو إنما یکون فی القرض.
3- تصریحها أیضا بتمییز رأس المال عن الربا.
و هذه الفروق موجودة کذلک فی معظم الروایات السابقة، و استشهدت الروایتان الرابعة و الخامسة بالآیة و طبقتها علی القرض خاصة.
هذا، و لکن الروایة الأولی المتقدمة عن هشام بن سالم مطلقة الدلالة بالنسبة لما یؤخذ ربا بالقرض و البیع، و قد وردت نفس هذه الروایة بطریق آخر عن هشام بن سالم أیضا عن أبی عبد اللّه علیه السّلام مع اختلاف بسیط، إلا أن حملها کذلک علی ربا القرض مما لا بد منه لأمرین:
أولا: لوجود قرینة فی نفس الروایة ترجح هذا الحمل و هی قوله (الرجل یأکل الربا و هو یری أنه حلال)، و هذا یعنی وجود شی‌ء لدی الشخص یسمیه ربا إلا أنه إنما أکله لاعتقاده بحلیته، و هذا إنما یتصور فی الربا القرضی فهی تصرح بامتیاز الربا المأکول عن غیره.
ثانیا: مع تسلیم وجود الإطلاق فی الروایة، لا بد من تقییده بما یدل علی الاختصاص بربا القرض من الآیات و الروایات السابقة و فتوی المشهور بل الإجماع المدعی.
______________________________
(1) وسائل الشیعة 18: 128 ب (5) من أبواب الربا ح 2.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 64
إذن فلا دلیل علی تصحیح البیع الربوی، سواء أ کان الربا شرطا فیه أم جزءا، و هذا یعنی بطلان کلا الاحتمالین الثانی و الثالث.
و أما بطلان البیع الربوی فقد استدل علیه بوجوه:
1- الإجماع، و لکن إثبات أنه الإجماع الذی یمکن استکشاف رأی المعصوم فیه غیر تام، و المنقول منه لیس حجة کما هو معروف و مثله لو کان فهو مدرکی أو محتمل المدرک فهو تابع لأدلته.
2- ورود النهی عن أکل ما یأخذه المرابی بالمعاملة الربویة، و النهی یستدعی التحریم إما لنفس الزیادة أو هی مع ما یقابل المبیع، و حیث لا تتمیز فالبیع باطل؛ إذ العوضان رکنان أساسیان فی المبیع کما هو معروف و یرد علی هذا الدلیل:
1- أن النهی إنما ورد فی القرض الربوی لا فی البیع الربوی؛ إذ فی القرض وحده یمکن تمییز الفائدة عن رأس المال، و أما فی البیع فلا یمکن التمییز.
2- أن کبری الدلیل فی نفسها غیر تامة؛ إذ حتی فی ربا القرض حیث یقطع بورود الأدلة لم یمنع النهی عن الزیادة عن حلیة تناوله حین الجهل و بعد التوبة کما سبق.
نعم قد یقال: إن النهی عن الزیادة إنما یسری إلی ذات المعاملة حیث لا یمکن فی البیع تمییز الربا عن الأصل فیها مما یعنی أن النهی عن الزیادة عرفا یستدعی النهی عن کل ما یأخذه المرابی فی المعاملة الربویة، بل کل ما تستوجبه المعاملة من التعاوض و دخول کل من العوضین فی ملک الآخر، کما استفید هذا من مثل قول أبی الحسن علیه السّلام فی روایة إبراهیم بن أبی البلاد: (ثمن الکلب و المغنیة سحت) «1» فتأمل.
3- ما اعتمده صاحب الجواهر قدّس سرّه و جل من تأخر عنه: من أن المعاملات تابعة
______________________________
(1) وسائل الشیعة 17: 123 ب (16) من أبواب ما یکتسب به ح 4.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 65
للقصد، و کلا المتعاملین فی المعاملة الربویة إنما قصدا أن تکون زیادة الثمن فی المتجانسین، فالحکم بالصحة فی مقابل ما یعادل البیع فقط و البطلان فیما زاد عنه من دون سند؛ إذ لم یقصده المتعاملان، و بما أن المعاملة واحدة فلا بد من بطلانها کلیا.
و هذا التوجیه و إن سلم فی نفسه إلا أنه غیر وارد هنا إذ لو جری فی المعاملة الربویة للزم القول ببطلان القرض الربوی أیضا، و هو ما صححته الأدلة الواردة فیه و استوجبت انشغال ذمة المقترض بأصل المبلغ للمقرض.
و لا یقال هنا: إن سبب اشتغال ذمة المقترض إنما هو استیلاؤه ضمنیا علی مال الغیر و هذا یعنی استمرار اشتغال الذمة حتی یؤدی المبلغ المطلوب، و لیس لصحة المعاملة القرضیة الواقعیة بینه و بین المقرض؛ لأن نتیجة مثل هذا الضمان وجوب رد العین ذاتها إلی المقرض، و لا ینتقل منها إلی المثل أو القیمة إلا بعد عدم إمکان رد العین نفسها، و هذا ما لم ینقل عن أحد.
4- ما ورد من أدلة تنهی عن المعاوضة الربویة فی المتجانسین مع التفاضل، و هی صریحة فی النهی عن ذات المعاملة الربویة، و یضاف إلی ما سبق من أدلة ما رواه:
سیف التّمار قال: قلت لأبی بصیر: أحب أن تسأل أبا عبد اللّه علیه السّلام عن رجل استبدل قوصرتین فیهما بسر مطبوخ بقوصرة من تمر مشقق، قال فسأله أبو بصیر عن ذلک فقال: هذا مکروه فقال أبو بصیر: و لم یکره؟ فقال: إن علی بن ابی طالب علیه السّلام کان یکره أن یستبدل وسقا من تمر المدینة بوسقین من تمر خیبر لأن تمر المدینة أدونهما «1».
و مثله روایات فی الباب نفسه، و روایات واردة فی تحریم البیع الربوی منطوقا أو مفهوما، و لا یعقل أن یکون النهی فیها تکلیفیا محضا؛ إذ الظاهر منه النهی
______________________________
(1) وسائل الشیعة ب 15 من أبواب الربا ح 1.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 66
الوضعی أیضا، و هو یساوق الفساد کما هو واضح، إذن فالحق مع من ذهب إلی بطلان البیع الربوی مع قطع النظر عن علم المرابی و جهله.

تأجیل أحد العوضین

ما سبق من الحدیث جوازا و منعا یلاحظ فیه ما کان التسلیم للعوضین فعلیا، أما إذا کان أحدهما مؤجلا فإن هذین العوضین لا یخلو أمرهما من أن یکونا معا من الأثمان کما لو کان البیع صرفا، أو یکونا معا عرضین، أو یکون أحدهما عرضا و الآخر ثمنا، و یلاحظ أن تأجیل کلا العوضین هو من بیع الدین بالدین الممنوع شرعا.
أما لو کانا معا ثمنین فلا شک أن شرطیة فعلیة القبض و الإقباض فی بیع الصرف تمنع من تأجیل التسلیم لأحد العوضین فضلا عن کلیهما؛ إذ من دون هذا التسلیم یصبح البیع باطلا، و هذا مما لا إشکال فیه، و التفصیل موکول إلی بابه.
کما لا إشکال فی جواز التأجیل- فی الجملة- إذا کان أحد العوضین عرضا و الآخر ثمنا؛ إذ هو مورد أدلة السلم و النسیئة، و هما جائزان بشرائطهما المذکورة فی بابهما.
و إنما الکلام فیما إذا کان کلا العوضین عرضین، فهما قد یکونان متجانسین، و قد لا یکونان کذلک، و قد یکونان معا من المکیل و الموزون، و قد لا یکونان کذلک- حیث یکون أحدهما أو کلاهما من المعدود أو جزافا-، فهنا تتصور أربعة فروع ینبغی الوقوف عند کل منها:
1- أن یکونا متجانسین و هما معا من المکیل و الموزون.
2- أن یکونا غیر متجانسین و هما کذلک من المکیل و الموزون.
3- أن یکونا متجانسین و هما معا أو أحدهما من غیر المکیل و الموزون.
4- أن یکونا غیر متجانسین و أحدهما أو کلاهما من غیر المکیل و الموزون.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 67
أما المسألة الأولی: فقد عرف فیها المنع حتی مع عدم التفاضل، و ادعی الإجماع علیه، قال قدّس سرّه فی الجواهر بعد عرض ما فی المختلف بالکراهة، و الاحتیاط بالتسلیم یدا بید عن المبسوط:
و فی الدروس أنه «أول کلامه بإرادة التحریم لأن المسألة إجماعیة»، قلت:
لأنه نفسه منع من بیع الثیاب بالثیاب و الحیوان بالحیوان نسیئة فضلا عما نحن فیه، فمثله حینئذ لا یعد خلافا بعد الإجماع بقسمیه، و ظهور النصوص فی تحقق الربا بذلک بل ستعرف القول بتحققه بذلک مع اختلاف الجنس فضلا عن متحده، انتهی «1».
و لکن سبق أن عرفنا و کما هو مشهور فی علم الأصول أن الإجماع الحجة غیر ممکن التحصیل فی مثل هذه المسائل، و ما ینقل منه غیر حجة و لا سیما مع ما سیأتی من نصوص فی المسألة، فعلی تقدیر الاتفاق من کافة الفقهاء فهو إجماع مدرکی أو محتمل المدرک، و مثله یکون الحجة فیه هو المدرک لا الإجماع، و علیه فلا بد من الالتفات هنا إلی ما یعرض من أدلة أخری غیر الإجماع..
أولها: ما ذکره الشیخ صاحب الجواهر قدّس سرّه فی عبارته السابقة من أولویة المنع فی المتجانسین بعد ثبوت المنع فی غیر المتجانسین بروایات تذکر فی المسألة اللاحقة و نذکر منها ما رواه:
1- محمد بن مسلم فی الصحیح عن أبی جعفر علیه السّلام فی حدیث: إذا اختلف الشیئان فلا بأس مثلین بمثل یدا بید «2».
2- الحلبی فی الصحیح عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال ما کان من طعام مختلف أو متاع أو شی‌ء من الأشیاء یتفاضل فلا بأس ببیعه مثلین بمثل یدا بید، فأما نظرة
______________________________
(1) جواهر الکلام 23: 340- 341.
(2) وسائل الشیعة 18: 140 ب (9) من أبواب الربا ح 1.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 68
فلا یصلح «1».
و هذه الروایة أصرح من سابقتها فی المنع مع الأجل؛ إذ إن المنع فی الأولی استفید من مفهوم القید بعد اعتبار أن الأصل فیه الاحتراز، و هذا یقتضی المنع من البیع فی الأعراض حیث لا یکون التسلیم فعلیا، أما الروایة الثانیة فهی تصرح بالمنع، و مثل هاتین الروایتین روایات أخری أیضا، و هی و إن وردت فی مختلفی الجنس، إلا أنه للأولویة قیل بالمنع فی المتجانسین أیضا کما رأیناه فی عبارة صاحب الجواهر قدّس سرّه السابقة.
و لکن لم یتضح لنا وجه هذه الأولویة المدعاة؛ لأنه إن قصد أن بیع النسیئة یعنی الزیادة الحکمیة فی أحد العوضین من جهة الأجل المضروب فی أحدهما، و هذه الزیادة موجبة للبطلان فی المختلفین، فضلا عن المتحدین فیکون هذا فیهما أولی فیرد علیه:
1- أنه تعلیل تبرعی من دون نص من الشارع.
2- و أنه واهن؛ إذ الروایات تصرح بجواز التفاضل العینی فضلا عن الحکمی فی مختلفی الجنس؛ إذ إن الصحیحتین المتقدمتین تصرحان بصحة المبادلة (مثلین بمثل)، و هذا یعنی أن الزیادة بینهما شی‌ء و الأجل شی‌ء آخر، و التعلیل السابق لا یعلل منع مثل هذا الأجل.
و إن کان یعنی بها ان المنع عن الزیادة الحکمیة مطلقا و لو فی مختلفی الجنس یقتضی المنع عن الزیادة المقداریة مطلقا فممنوعیته أوضح، إذن فما ذکره صاحب الجواهر قدّس سرّه من الأولویة لم یظهر لنا وجهه.
ثانیها: ما استدل به جماعة- منهم السیدان الحکیم قدّس سرّه و سیدنا الأستاذ دام ظله بأن بیع أحد المتجانسین بالآخر نسیئة یستدعی الزیادة الحکمیة فی المؤجل- و إن
______________________________
(1) تهذیب الأحکام 7: 85 ب (8) فی بیع الثمار ح 396، وسائل الشیعة 18: 157 ب (17) من أبواب الربا ح 9.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 69
تساویا مقدارا- فتشمله أدلة الربا و قد أشیر إلی هذا الدلیل فی ضمن فتوی (المنهاج) إذ قال دام ظله فی ربا المعاوضة: (هو بیع أحد المثلین بالآخر مع زیادة عینیة.. أو زیادة حکمیة کبیع عشرین کیلو من الحنطة نقدا بعشرین کیلو من الحنطة نسیئة) «1».
إلا أن هذا الوجه لم یتضح؛ إذ یرد علیه:
أولا: أن تأخیر الأجل لا یعنی الزیادة دائما إذ قد ینعکس الأمر تارة و قد یتساوی، فمن باع منّا من الحنطة الآن لا یستوجب جعل الثمن من الحنطة بعد شهر فیه أن تکون الزیادة الحکمیة حاصلة فی الثمن؛ إذ قد تکون الزیادة فی المبیع الذی یسلم فعلا حین البیع، کما قد یتساوی الأمر فی بعض الحالات، و علیه فلو اعتبرت الزیادة الحکمیة هی المناط فی التحریم لوجب أن یقید الحکم فی حال تحققها لا مطلقا.
و ثانیا: لا دلیل علی أن الزیادة الحکمیة فی أحد العوضین موجبة للتحریم؛ إذ لو کانت هذه الزیادة موجبة للتحریم لما صحّ بیع الحنطة الجیدة منا بمن من الحنطة الردیئة، و لم یقل بالمنع فیه أحد بل إن الروایات صرحت بوحدة الجنس فی الربا بین الحنطة و الشعیر، و هذه الوحدة تعنی إمکان بیع الحنطة الجیدة منا بمن من ردی‌ء الشعیر، و الزیادة الحکمیة فی أحد العوضین هنا مع أنها أوضح مما ذکروه إلا أنها لا تمنع من صحة البیع مع التساوی حیث یمنع من التفاضل لتلافی النقص الحکمی فی المعاملة.
ثالثها: ما رواه محمد بن قیس فی الصحیح عن أبی جعفر علیه السّلام قال: قال أمیر المؤمنین علیه السّلام: لا تبع الحنطة بالشعیر إلا یدا بید، و لا تبع قفیزا من حنطة بقفیزین من شعیر، قال: و سمعت أبا جعفر علیه السّلام یکره وسقا من تمر المدینة بوسقین من تمر خیبر؛ لأن تمر المدینة أجودها قال: و کره أن یباع التمر بالرطب عاجلا بمثل
______________________________
(1) منهاج الصالحین للسید الخوئی 2: 51، کتاب التجارة.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 70
کیله إلی أجل، من أجل أن التمر ییبس فینقص من کیله «1».
و الروایة مما اختص الشیخ قدّس سرّه بروایة صدرها فی التهذیب و اشترک معه الشیخ الصدوق بروایة عجزها؛ إذ روی قدّس سرّه فی الفقیه بسنده عن محمد بن قیس عن أبی جعفر علیه السّلام قال: سمعت أبا جعفر علیه السّلام یقول: (یکره.. إلخ مثله) «2»، و هکذا القید المذکور فی العجز یوضح أن شرطیة التسلیم الفعلی لکلا العوضین مرادة بقوله علیه السّلام فی الصدر: (یدا بید).
فالروایة تدل بوضوح علی بطلان المعاملة نسیئة فی العرضین المتجانسین من المکیل و الموزون، و غریب أن تغیب مثل هذه الروایة عن مثل أولئک الأجلة، إذن فالحکم بالمنع مما لا إشکال فیه.
و أما المسألة الثانیة: فی بیع النسیئة فی غیر المتجانسین إذا کانا من المکیل و الموزون.
فقد سبق المنع عنه فی الدلیل الأول من المسألة السابقة؛ إذ صرح به فی صحیحتی محمد بن مسلم و الحلبی، و مثلها العدید من الروایات الأخری کما فی روایة:
1- سماعة عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: المختلف مثلان بمثل یدا بید «3».
2- عبد اللّه بن سنان قال سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول: لا ینبغی إسلاف السمن بالزیت، و لا الزیت بالسمن «4».
3- الحلبی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام: … قال: و سئل عن الزیت بالسمن اثنین
______________________________
(1) تهذیب الأحکام 7: 87 ب (8) من أبواب بیع الثمار ح 14.
(2) من لا یحضره الفقیه 3: 206 ب (87) ح 25.
(3) وسائل الشیعة 18: 147 ب (13) من أبواب الربا ح 9.
(4) وسائل الشیعة 18: 148 ب (13) من أبواب الربا ح 10.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 71
بواحد قال: یدا بید لا بأس «1».
إذن فلا إشکال فی المنع أیضا، و لا یلتفت إلی ما شکک به البعض فی دلالتها علی المقصود، کما أشار إلیه صاحب الجواهر قدّس سرّه.
و أما المسألتان الثالثة و الرابعة: حیث یکون العوضان أو أحدهما غیر مکیل أو موزون، و کلاهما من الأعراض سواء أ کانا من جنس واحد أم من جنسین مختلفین، فلا مانع من الأجل فیهما، و قد دلت علی جواز النسیئة فیهما روایات صحیحة و صریحة، منها ما رواه:
1- زرارة عن أبی جعفر علیه السّلام قال: البعیر بالبعیرین و الدابة بالدابتین یدا بید لیس به بأس، و قال لا بأس بالثوب بالثوبین یدا بید و نسیئة إذا وصفتهما «2».
2- سعید بن یسار قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن البعیر بالبعیرین یدا بید و نسیئة، فقال: نعم، لا بأس إذا سمیت الأسنان جذعین أو ثنیین، ثم أمرنی فخططت علی النسیئة.
و رواه الشیخ الصدوق و زاد: لأن الناس یقولون: لا، فإنما فعل ذلک للتقیة «3».
3- علی بن جعفر عن أخیه موسی بن جعفر علیه السّلام قال: سألته عن الحیوان بالحیوان بنسیئة و زیادة دراهم ینقد الدراهم و یؤخر الحیوان، قال علیه السّلام: إذا تراضیا فلا بأس «4».
و صراحة هذه الروایات و شبهها تستدعی القول بالجواز فی مثل هذه المعاملة،
______________________________
(1) وسائل الشیعة 18: 146 ب (13) من أبواب الربا ح 4.
(2) وسائل الشیعة 18: 155 ب (17) من أبواب الربا ح 1.
(3) وسائل الشیعة 18: 156 ب (17) من أبواب الربا ح 7 و 8، من لا یحضره الفقیه 3: 205 ب (87) فی الربا ح 20.
(4) وسائل الشیعة 18: 160 ب (17) من أبواب الربا ح 17.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 72
إلا أن صاحب الوسائل صرح بالکراهة فی عنوان الباب الذی عنونه للجواز إذ قال: (باب جواز بیع العروض غیر المکیلة و الموزونة کالدواب و الثیاب بعضها ببعض متماثلة و مختلفة متساویا و متفاضلا و یکره نسیئة) «1».
و الظاهر أنه استند فی هذا الحکم إلی روایات لا تنهض بالمقصود، منها ما رواه:
1- إسماعیل بن الفضل قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام: عن رجل قال لرجل ادفع إلی غنمک و إبلک تکون معی فإذا ولدت أبدلت لک- إن شئت- إناثها بذکورها، أو ذکورها بإناثها؟ فقال: إن ذلک فعل مکروه إلا أن یبدلها بعد ما تولدت و یعرفها «2».
و لکن وجه الکراهة هنا واضح، إذ الجهالة فی المعوض تمنع من صحة البیع، و هذا یعنی أن الکراهة لیست هی الحکم التکلیفی المعروف، بل هی ما یساوق المنع و الحرمة عن مثل هذه المعاوضة التی لم یتم فیها تعیین معالم أحد العوضین بالنحو الذی یرفع الجهالة؛ و لهذا عقب بقوله: (إلا أن یبدلها بعد ما تولدت و یعرفها)؛ إذ فی هذه الحالة ترتفع الجهالة فلا مانع من البیع حینئذ.
2- محمد بن قیس عن أبی جعفر علیه السّلام قال: لا تبع راحلة عاجلا بعشر ملاقیح من أولاد جمل فی قابل «3».
و هذه الروایة أیضا مما لا یمکن الالتزام بها کدلیل لکراهة المبیع نسیئة؛ إذ البیع باطل فمع عدم تولد الإناث یکون اعتبارها کثمن عملا غرریا لا شک فی بطلان المبیع معه، إذن فلا دلیل علی الکراهة التی ادعاها صاحب الوسائل قدّس سرّه.
______________________________
(1) وسائل الشیعة 18: 155 ب (17) من أبواب الربا.
(2) وسائل الشیعة 18: 156 ب (17) من أبواب الربا ح 5.
(3) وسائل الشیعة 18: 157 ب (17) من أبواب الربا ح 10.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 73‌

تعقیب

اشارة

و أخیرا لا بد من التعقیب بمسألتین ذکرتا مع الربا:
أولاهما: کیفیة التخلص من المعاملة الربویة.
ثانیتهما: معالجة ما ورد من الروایات فی نفی الربا بین بعض الناس.

المسألة الأولی: وردت روایات عدیدة فی التخلص من الربا فی البیع بإضافة شی‌ء من غیر المتجانسین إلی کلا العوضین

أو إلی الناقص منهما لیکون الزائد فی الطرف الآخر مقابل هذا الشی‌ء الأجنبی، و هذه الصحة لا إشکال فیها؛ إذ هی متفقة مع القواعد و الروایات الواردة فیها، و منها ما هو معتبر فمنها ما رواه:
1- أبو بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: سألته عن الدراهم و عن فضل ما بینهما فقال: إذا کان بینهما نحاس أو ذهب فلا بأس «1».
2- عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألته عن الصرف فقلت له: الرفقة ربما عجلت فخرجت فلم نقدر علی الدمشقیة و البصریة، و إنما تجوز بسابور الدمشقیة و البصریة؟ فقال: و ما الرفقة؟ فقلت: القوم یترافقون و یجتمعون للخروج فإذا عجلوا فربما لم نقدر علی الدمشقیة و البصریة فبعثنا بالغلة فصرفوا ألفا و خمسین درهما منها بألف من الدمشقیة و البصریة، فقال: لا خیر فی هذا أ فلا تجعلون فیها ذهبا لمکان زیادتها؟ فقلت له: أشتری ألف درهم و دینارا بألفی درهم؟ فقال: لا بأس بذلک إن أبی علیه السّلام کان أجرأ علی أهل المدینة منّی، و کان یقول هذا فیقولون: إنما هذا الفرار لو جاء رجل بدینار لم یعط ألف درهم و لو جاء بألف درهم لم یعط ألف دینار، و کان یقول لهم: نعم الشی‌ء الفرار من الحرام إلی الحلال «2».
______________________________
(1) وسائل الشیعة 18: 163 ب (20) من أبواب الربا ح 2.
(2) الکافی 5: 247 ب (115) فی الصروف ح 9.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 74
3- الحلبی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال، لا بأس بألف درهم و درهم بألف درهم و دینارین، إذا دخل فیها دیناران أو أقل أو أکثر فلا بأس به «1».
و مثلها روایات أخری فالمسألة مما لا إشکال فیها.

المسألة الثانیة: جاء فی أخبار متعددة أنه لا ربا بین الوالد و الوالد و لا بین الزوج و زوجته

و لا بین المسلم و الکافر و لا بین المالک و العبد- بناء علی ملکیته-، و ما یذکر منها فی بابها ما رواه:
1- عمرو بن جمیع عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قال أمیر المؤمنین علیه السّلام: لیس بین الرجل و ولده ربا، و لیس بین السید و عبده ربا «2».
2- عمرو بن جمیع عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قال أمیر المؤمنین علیه السّلام: قال: قال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم لیس بیننا و بین أهل حربنا ربا، نأخذ منهم الف درهم بدرهم و نأخذ منهم و لا نعطیهم «3».
3- یس الضریر عن حریز عن زرارة عن أبی جعفر علیه السّلام قال: لیس بین الرجل و ولده و بینه و بین عبده و لا بین أهله ربا، إنما الربا فیما بینک و بین ما لا تملک، قلت: فالمشرکون بینی و بینهم ربا؟ قال: نعم، قال: قلت: فإنهم ممالیک، فقال:
إنک لست تملکهم إنما تملکهم مع غیرک أنت و غیرک فیهم سواء، فالذی بینک و بینهم لیس من ذلک، لأن عبدک لیس مثل عبدک و عبد غیرک «4».
4- الصدوق قال: قال الصادق علیه السّلام: لیس بین المسلم و بین الذمی ربا و لا بین
______________________________
(1) التهذیب 7: 97 ب (8) بیع الواحد بالاثنین و أکثر من ذلک و ما یجوز منه و ما لا یجوز ح 62.
(2) وسائل الشیعة 18: 135 ب (7) من أبواب الربا ح 1.
(3) وسائل الشیعة 18: 135 ب (7) من أبواب الربا ح 2.
(4) وسائل 18: 135 ب (7) من أبواب الربا ح 3.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 75
المرأة و بین زوجها ربا «1».
5- و قال علیه السّلام: لیس بین الرجل و بین ولده ربا، و لیس بین السید و بین عبده ربا «2».
6- الصدوق بسنده عن علی بن جعفر أنه سأل أخاه موسی بن جعفر علیه السّلام عن رجل أعطی عبده عشرة دراهم علی أن یؤدی العبد کل شهر عشرة دراهم أ یحل ذلک؟ قال لا بأس «3».
کما رواها الشیخ الطوسی قدّس سرّه فی التهذیب بسنده عن محمد بن یحیی، عن بنان بن محمد عن موسی عن القاسم عن علی بن جعفر «4».
و هذه الروایات الواردة فی نفی الربا ضعیفة السند عدا الأخیرة، أما الأولی ففیها عدة أشخاص مجهولون لم یرد فیهم توثیق، و هکذا الثانیة و لو لم یوجد فیهما سوی عمرو بن الجمیع لکفی بهما توهینا؛ إذ هو ممن عده علماء الرجل- کالشیخ الطوسی و النجاشی- من الضعفاء، و کذلک الثالثة؛ إذ فیها یاسین الضریر و هو مجهول الحال، مع أنها أثبتت الربا بین المسلم و المشرک مع أن مال المشرک الحربی مباح للمسلم بل ریب، إلا أن یکون صدر ذلک تقیة أو لأمر لا نعلمه، و الرابعة و الخامسة مرسلتان.
و أما الأخیرة فلیس فی سند الشیخ من یخدش سوی بنان بن محمد، و هو عبد اللّه بن محمد بن عیسی «5»، و قد وثقه سیدنا الأعظم دام ظله علی مبناه لوجود
______________________________
(1) من لا یحضره الفقیه 3: 204 ب (87) فی الربا ح 12.
(2) من لا یحضره الفقیه 3: 203 ب (87) فی الربا ح 11.
(3) من لا یحضره الفقیه 3: 206 ب (87) فی الربا ح 26.
(4) تهذیب الأحکام 7: 30 ب (3) فی بیع المضمون ح 17.
(5) معجم رجال الحدیث 4: 273 فی ترجمة بنان رقم (1895).
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 76
اسمه فی أسناد کامل الزیارات، کما وثقه آخرون لروایة محمد بن یحیی العطار الجلیل دون توقف فیه، إلا أننا لا نری صحة کلا المبنیین فی التواثیق، فلم تثبت وثاقة الرجل.
و أما سند الشیخ الصدوق إلی علی بن جعفر فله طریقان:
الأول: عن أبیه عن محمد بن یحیی العطار عن العمرکی بن علی البوفکی عن علی بن جعفر.
الثانی: محمد بن الحسن بن أحمد بن الولید عن محمد بن الحسن الصفار، و سعد بن عبد اللّه جمیعا عن أحمد بن الحسن بن عیسی و الفضل بن عامر عن موسی بن القاسم البجلی عن علی بن جعفر.
و الطریق الأول صحیح و کذلک الطریق الثانی إذ هو و إن جهل فیه الفضل بن عامر حیث لم یرد فیه توثیق إلا أنه لاشتراکه مع أحمد بن محمد بن عیسی فی الروایة عن موسی بن القاسم البجلی فلا یقدح فی صحته.
إذن فالروایة صحیحة السند إلا أنها واردة فی خصوص ما یعطیه السید للعبد، و هو لا یعنی حلیة الربا؛ إذ قد لا یقال بملکیة العبد مقابل مولاه، فهی غیر ظاهرة فی الربا لقوة احتمال أن یکون الإعطاء بغرض آخر کالتجارة مثلا؛ إذ لا ظهور لکلمة (الإعطاء) فی التملیک إذا کان الآخذ مثل الزوجة و العبد و الولد.
و أما الروایات السابقة فمع ضعفها، یمکن الاعتماد علیها إذا ثبت اعتماد الفقهاء علیها بناء علی کون عمل المشهور من الفقهاء جابرا لضعفها، و لکنا لا نقول به، إلا أن کثرتها قد تفید اطمئنانا لدی البعض بصدور مضمونها بدرجة قد تصل إلی الجزم بتواتر هذا المضمون إجمالا، و إن کانت ضعیفة السند آحادا، و علیه فلا بد لمن یتحقق لدیه مثل هذا الجزم القول بمضمونها و العمل بمقتضاها.
إلا أن هذا العلم الإجمالی بالصدور- لو تحقق- منحل حکما فی بعض موارده حیث یعلم بجواز أخذ الأب من مال ولده حین الضرورة، و هکذا یجوز أخذ
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 77
المسلم من الکافر الحربی بعنوان استنقاذ ما تحت یده لإباحته لکل مسلم بأی طریقة کانت لا من أجل الربا فیهما، و هکذا العبد فهو إما لا یقال بتملکه أو أنه یملک ما أراد له المولی تملکه، و یبقی الأمر ما بین الزوجین فلا دلیل علی حلیة الربا بینهما.
و أما الکافر الذمی الملتزم بشرائط الذمیة فقد أفتی جل أساتذتنا و منهم سیدنا الأعظم دام ظله بإمکان أخذ الربا منه بمقتضی قاعدة الإلزام، قال دام ظله فی المنهاج:
(الأظهر عدم جواز الربا بین المسلم و الذمی، لکنه بعد وقوع المعاملة یجوز أخذ الربا منه من جهة قاعدة الإلزام) «1».
إلا أن قاعدة الإلزام لا یتم القول بجریانها فی المقام؛ إذ هو مشکل جدا؛ لأن القدر المسلم من مواردها:
1- أن یعتقد شخص ممن لا یری مذهب الحق- سواء أ کان یعتقد بأحد مذاهب الإسلام الأخری أم لا یدین بالإسلام- أن ما بیده من المال لیس له و إنما لمن یعتقد الحق حسب ما تقتضیه أحکام مذهبه، فیجوز لهذا أخذه و إن کان لا یتفق مع أحکام مذهب الحق.
2- أن تطلق امرأة ما طلاقا صحیحا علی مذهب مطلقها فبإمکان معتقد الحق أن یتزوجها و إن کان طلاقها باطلا وفق مذهب أهل البیت علیه السّلام لما ورد من الروایات المتکاثرة فیه.
3- فی موارد الضمانات حیث یصح تسلّم ما ضمنه شخص یعتقده الحق علی وفق مذهبه و أن لم یکن جاریا وفق مذهب أهل البیت علیه السّلام.
هذه هی الموارد التی ذکرت لقاعدة الإلزام فی الروایات، أما أن یقع عقد آخر غیر صحیح علی مذهب أهل البیت علیه السّلام ثم یجوز لی العمل بمقتضاه لقاعدة
______________________________
(1) منهاج الصالحین للسید الخوئی 2: 54 الفصل التاسع من کتاب التجارة، مسألة 219.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 78
الإلزام و صحة جریانه وفق رأی الطرف الآخر فهذا ما لم یرد به دلیل علی عمومه.
نعم، استدل لهذه القاعدة بما رواه:
1- الصدوق بسنده عن الرضا علیه السّلام قال: من کان یدین بدین قوم لزمته أحکامهم «1». و رواه الشیخ الصدوق قدّس سرّه فی الفقیه مرسلا.
2- الصدوق عن أبیه عن الحسین بن أحمد المالکی عن عبد اللّه بن طاوس قال: قلت لأبی الحسن الرضا علیه السّلام: إن لی ابن أخ زوجته ابنتی و هو یشرب الشراب و یکثر ذکر الطلاق فقال: إن کان من إخوانک فلا شی‌ء علیه، و إن کان من هؤلاء فأبنها منه فإنه عنی الفراق، قال: قلت: أ لیس قد روی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام أنه قال: إیاکم و المطلقات ثلاثا فی مجلس فإنهن ذوات الأزواج؟ فقال:
ذلک من إخوانکم لا من هؤلاء، إنه من دان بدین قوم لزمته أحکامهم «2».
3- عبد اللّه بن جبلة عن غیر واحد عن علی بن أبی حمزة أنه سأل أبا الحسن علیه السّلام عن المطلقة علی غیر السنة أ یتزوجها الرجل؟ فقال ألزموهم من ذلک ما ألزموه أنفسهم و تزوجوهن فلا بأس بذلک «3».
4- جعفر بن سماعة أنه: سئل عن امرأة طلقت علی غیر السنة ألی أن أتزوجها؟ قال: نعم، قلت له: أ لست تعلم أن علی بن حنظلة روی: إیاکم و المطلقات ثلاثا علی غیر السنة فإنهن ذوات أزواج؟ فقال: یا بنی روایة علی بن أبی حمزة أوسع علی الناس، روی عن أبی الحسن علیه السّلام أنه قال: الزموهم من
______________________________
(1) من لا یحضره الفقیه 3: 295 ب (124) ح 6، وسائل الشیعة 22: 75 ب (30) من أبواب الطلاق ح 10.
(2) وسائل الشیعة 22: 75 ب (30) من أبواب الطلاق ح 11.
(3) وسائل الشیعة 22: 75 ب (30) من أبواب الطلاق ح 5.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 79
ذلک ما ألزموه أنفسهم و تزوجوهن فلا بأس بذلک «1».
و واضح أن مورد هذه الروایات هو الطلاق خاصة، و لا یمکن التعدی إلی غیره إذ لیس فی الروایات دلالة علی العموم، مع أن معظمها ضعیفة السند، ففی الأولی یوجد جعفر بن محمد الأشعری و أبوه و هما مجهولان، و فی الثانیة یوجد الحسین بن أحمد المالکی و عبد اللّه بن طاوس و هما مجهولان أیضا، أما الثالثة فهی مرسلة، و مثلها الرابعة مع أنها فی الوقت نفسه مضمرة.
هذا، و لو استفیدت قاعدة الإلزام من الروایة الثانیة «لزمته أحکامهم» لوجب الاقتصار فیها حیث تکون فیها مصلحة لمن علی مذهب الحق و ضرر علی المعاند، و تصحیح عملیة الربا بینه و بین من علی مذهب الحق لا یصاحب دائما مصلحة لمن علی مذهب الحق و ضررا علیه؛ لأن إعطاء الربا لا یقتضی الضرر دائما و لا سیما حین یرید المعطی تحقیق غایات أخری وراء هذه العملیة کما یلاحظ هذا فی المصارف و البنوک و لا سیما الأجنبیة.
و بالجملة لا عموم للقاعدة، و لو سلم فما یمکن الالتزام به إنما هو فی مورد لا یکون هناک حکم مانع من إجرائها کما فی الأمثلة السابقة فی المواریث و الطلاق و الحلف، أما حیث یوجد نهی عن ارتکاب المورد فلا یقال بصلاحیة هذه القاعدة لتجاوز الحدود الشرعیة، فمع فرض اکتفاء بعض الأدیان أو المذاهب بالمعاطاة فی الزواج لا یعنی لا یعنی صحة تزوج المؤمن بامرأة من ذلک الدین بالمعاطاة بقاعدة الإلزام.
و کیف کان لا دلالة فی الروایات السابقة علی عموم قاعدة الإلزام.
نعم، هنا روایة وردت فی مباحث الحلف و الیمین رواها الشیخ قدّس سرّه بسنده الصحیح عن محمد بن مسلم عن أحدهما علیه السّلام قال سألته عن الأحکام فقال:
______________________________
(1) وسائل 22: 73 ب (30) من أبواب الطلاق ح 6.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 80
فی کل دین ما یستحلفون (یستحلون) به «1».
إذ فی هذه الروایة نسختان إحداهما یستحلفون و الأخری یستحلون فلو قیل بأن هذه هی نسخة الأصل الصحیحة کان معناها التصریح باستحلال ما فی کل دین لمعتنقیه فهی من أدلة قاعدة الإلزام و لکن یرد علیها:
أولا: أنها واردة فی بعض النسخ دون البعض الآخر؛ إذ فیها یستحلفون من الحلف، و یؤید هذه النسخة:
أ- روایة الشیخ قدّس سرّه لها فی مباحث الحلف و الیمین «2».
ب- أن الشیخ قدّس سرّه رواها أیضا فی کتاب الاستبصار «3» بلفظ یستحلفون لا یتسحلون.
و ثانیا: - مع التنزل- فإن الاستحلال بعمومه مما لا یمکن الالتزام به کما هو واضح.
إذن فقاعدة الإلزام لم تصح إلا فیما ذکرنا من الموارد فقط، و إن حاول البعض تعمیمها.
و ینبغی الإلفات أیضا إلی أن عبارة المنهاج السابقة تدل علی جواز استلام الربا من الذمی حیث یری نفسه ملزما بدفع هذا الربا للمسلم، و هو إنما یتم فی ربا القرض لا المعاوضة؛ إذ فیه یمتاز الربا عن غیره کما عرفنا.
و لم یتعرض السید إلی الحکم الوضعی و قاعدة الإلزام فیه مع أن ذلک مما ینبغی.
______________________________
(1) وسائل الشیعة 23: 267 ب (32) من أبواب کتاب الأیمان ح 7.
(2) تهذیب الأحکام 8: 255 ب (4) الأیمان و الأقسام ح 9.
(3) الاستبصار 4: 58 ب (22) فیما یجوز أن یحلف أهل الذمة ح 6.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 81‌

مجهول المالک

اشتهر بین الأعلام أن مجهول المالک مما یحتاج التصرف فیه إلی إذن الإمام أو الفقیه الجامع لشرائط الفتوی، و الالتزام بهذا القید لا دلیل واضحا علیه، و ما ذکر له من الأدلة یمکن المناقشة فیها:
الدلیل الأول: الإجماع، و قد أدعی قیامه علی أن التصرف فی مجهول المالک یحتاج إلی إذن الحاکم الشرعی، إلا أن تعقل هذا الإجماع بالنحو الذی یکون حجة شرعیة بمعنی کاشفیته عن رأی المعصوم علیه السّلام صعب جدا.
الدلیل الثانی: ما رواه فی الکافی عن محمد بن یحیی عن محمد بن أحمد عن موسی بن عمر عن الحجال عن داود بن أبی یزید عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال:
قال رجل: إنی قد أصبت مالا و إنی قد خفت فیه علی نفسی فلو أصبت صاحبه دفعته إلیه و تخلصت منه، قال: فقال له أبو عبد اللّه علیه السّلام: و اللّه أن لو أصبته کنت تدفعه إلیه؟ قال: أی و اللّه، قال: فأنا و اللّه ما له صاحب غیری، قال:
فاستحلفه أن یدفعه إلی من یأمره، قال: فحلف، قال: فاذهب فاقسمه فی إخوانک و لک الأمن مما خفت منه، قال فقسمته بین إخوانی «1».
و الاستدلال بهذه الروایة إنما یتم بناء علی أن المراد بقوله: (و اللّه ما له صاحب غیری) أنه مجهول المالک و لا ولایة لأحد سوی الإمام علیه السّلام علیه.
و لکن أنی یمکن تعیین هذا الاحتمال وحده لیصح الاستدلال بها؛ إذ هنا احتمالات أخری ترد أیضا:
منها: أن المال الملتقط یحتمل أن یکون مال الإمام علیه السّلام نفسه و أجاز الملتقط بالتصدق به.
و منها: أن الولایة المؤمی إلیها فی الروایة تختص بالمال الملتقط و لیس بکل مجهول
______________________________
(1) الکافی 5: 140 ب (49) اللقطة و الضالة ح 7.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 82
المالک، مع أن جریان الحکم فی اللقطة ذاتها مما لا بد من طرحه لمعارضته لأدلة أخری توجب توجیهات أخری فی هذا الحکم، و لا سیما أن الروایة ضعیفة بموسی بن عمر إذ هو مشترک بین الثقة و المجهول.
و الذی ینبغی أن یقال: إن هناک احتمالات عدة ترد فی مجهول المالک:
1- الإبقاء علی المال أمانة بید من وقع لدیه، و هذا مردود لعدم وجود من قال به؛ إذ الفرض إنما هو مع الیأس من الوصول إلی صاحبه، و لزوم الحرج و تعریض المال المحترم للضیاع و التلف.
2- التملک المجانی للمال مع العزم علی دفع البدل لصاحبه لو عرفه.
3- التصدق به علی من یتسحق الصدقة سواء أ کان المستحق هو نفس الشخص الذی کان المال بیده،- فیتملکه بعنوان الصدقة- أم غیره، و فی الحالین تکون الصدقة من دون مراجعة الحاکم الشرعی و لکن مع العزم علی الغرامة لو عرف صاحب المال و لم یرض بالصدقة کما یظهر من مصحح یونس المؤید بخبر علی بن أبی راشد الآتیین.
4- التصدق به کذلک و لکن مع الإذن من الحاکم الشرعی.
و لا ریب أن هذا الاحتمال هو أحوط الجمیع و لا سیما مع تأیید خبر داود المتقدم، و الشهرة المتحققة و إن لم یتم الإجماع السابق، إذن فلا بد من الإذن فی التصرف فی المال المجهول المالک لتحقیق الیقین بالبراءة.
و لکن مع سقوط الخبر المتقدم عن النهوض فی استیعاب مدلوله لکافة صور مجهول المالک؛ لوروده فی خصوص اللقطة- کما عرفنا- و قصور سنده عن الاعتبار، لا یکون فیه أدنی تأیید لهذا الاحتمال، و لا سیما مع ملاحظة جریان أصالة البراءة عن هذا الشرط.
و لکن هذا لا یمنع من التساؤل عن حلیة المال و التصرف فیه لمن وقع بیده المال و هو یعلم أنه لیس له، و له مالک فلا بد من الرجوع إلیه، و المفروض أنه یجهله، فلا مناص من الرجوع إلی ولیّه فیه، و هو الحاکم الشرعی الجامع للشرائط
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 83
المعتبرة، و من دونهما یجب علیه التحفظ علیه ما لم یخف علیه من التلف، و فی هذه الحالة قیل بالتصدق به عن صاحبه، و ادعی تسالم الأصحاب علیه، و لکن هذه الدعوی لا تخلو من مجازفة دون الرجوع إلی الحاکم الشرعی.
و مع ذلک لا یمکن الغض عن الأدلة التی وردت فی جواز التصدق بمجهول المالک مطلقا من دون حاجة إلی الولی الشرعی کما فی:
مصحح یونس بن عبد الرحمن قال: سئل أبو الحسن الرضا علیه السّلام و أنا حاضر- إلی أن قال: - فقال: رفیق کان لنا بمکة فرحل منها إلی منزله و رحلنا إلی منازلنا، فلما أن صرنا فی الطریق أصبنا بعض متاعه معنا فأی شی‌ء نصنع به؟ قال:
تحملونه حتی تحملوه إلی الکوفة، قال: لسنا نعرفه و لا نعرف بلده و لا نعرف کیف نصنع؟ قال: إذا کان کذا فبعه و تصدق بثمنه، قال له: علی من جعلت فداک؟ قال: علی أهل الولایة «1».
و حمل الأمر هنا بالصدقة علی الإذن الخاص من الإمام علیه السّلام بعید، إذ الظاهر أن السؤال عن الحکم الشرعی.
و یؤید هذا الحکم أیضا بخبر أبی علی بن راشد، قال: سألت أبا الحسن علیه السّلام قلت جعلت فداک: اشتریت أرضا إلی جنب ضیعتی بألفی درهم فلما وفیت المال خبرت أن الأرض وقف، فقال: لا یجوز شراء الوقف و لا تدخل الغلة فی مالک و ادفعها إلی من وقفت علیه، قلت: لا أعرف لها ربّا قال: تصدق بغلتها «2».
کما یمکن تأییده بروایة حفص بن غیاث قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن رجل من المسلمین، أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعا و اللص مسلم، هل یرد علیه؟ فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام: لا یرده فإن أمکنه أن یرده علی أصحابه
______________________________
(1) وسائل الشیعة 25: 450 ب (7) من أبواب اللقطة ح 2.
(2) وسائل الشیعة 17: 364 ب (17) من أبواب عقد البیع و شروطه ح 1.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 84
فعل، و إلا کان فی یده بمنزلة اللقطة یصیبها فیعرفها حولا فإن أصاب صاحبها ردّها علیه، و إلا تصدق بها.. إلخ «1».
إذن فللجمع بین الأدلة یمکن القول: بأن التصدق بمجهول المالک هو المتعین، و الاحتیاط الاستحبابی فیه یقتضی استئذان الحاکم الشرعی.
أما التملک المجانی لا بعنوان استلامه کصدقة لمن یستحقه فلم یرد فیه سوی ما یحتمل من:
خبر هشام بن سالم قال: سأل خطاب الأعور أبا إبراهیم علیه السّلام- و أنا جالس- فقال: إنه کان عند أبی أجیر یعمل عنده بالأجرة ففقدناه و بقی من أجره شی‌ء و لا نعرف له وارثا، قال: فاطلبوه، قال: قد طلبناه فلم نجده، قال: فقال:
مساکین- و حرک یدیه- قال: فأعاد علیه، قال: أطلب و اجهد فإن قدرت علیه و إلا فهو فکسبیل مالک، حتی یجی‌ء له طالب فإن حدث بک حدث فأوص به:
إن جاء له طالب أن یدفع إلیه «2».
و استفادة التملک تتأتی من محکی قول الإمام علیه السّلام فیها «فهو کسبیل مالک»، و ما یشکل علیه بأن مورد الروایة الدین و لا یتعدی منه إلی ما سواه لا یلتفت إلیه؛ لأن السؤال کان عن مال خلفه الأجیر ممتازا عن بقیة أموال أبیه و لیس عن اقتراض من الأجیر، و لا سیما مع قوله: (طلبناه فلم نجده)، إلا أن الروایة ضعیفة السند و لا یؤخذ بها، و یرد علیه کذلک:
1- أن محکی قوله علیه السّلام فیها: «فهو کسبیل مالک.. الخ» یقتضی المطالبة بالتحفظ علی المال کما یتحفظ علی بقیة أمواله بقرینة قوله بعد ذلک: «فإن حدث بک حدث فأوص به: إن جاء له طالب أن یدفع إلیه»؛ إذ الأمر بالإعطاء وارد
______________________________
(1) وسائل الشیعة 25: 463 ب (18) من أبواب اللقطة ح 1.
(2) وسائل الشیعة 26: 296 ب (6) من کتاب الفرائض و المواریث ح 1، الکافی 7: 153 ب (49) میراث المفقود ح 1.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 85
علی نفس المال دون ضمان مثله أو قیمته الذی یقتضیه الخلط بالمال الشخصی.
2- و مع التنزل عن هذا فإن حملها علی الإذن الخاص ممکن، فلم ترد لبیان الحکم الشرعی المطلق؛ لأن الإمام علیه السّلام وارث من لا وارث له.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 86‌

ملکیة الدولة

اشارة

هل الدولة- بمختلف أنواعها- تملک أم لا تملک؟
هذا السؤال لیس جدیدا فی الفقه، و نتائجه محل ابتلاء کافة الناس بمختلف طبقاتهم، فلا بد أن یکون للفقیه نظر فیه؛ إذ تتوقف علیه معظم المعاملات، و ما لم یوضع فیه المکلفون فی طریق واضح وقعوا فی الحرج و المشقة الشدیدین.

و الحدیث فی هذه المسألة یجری فی مرحلتین، إذ لا بد- أولا- من تحریر موقع الملکیة ثم معرفة الحکم بالملکیة و عدمها؛

أما المرحلة الأولی: فلا بد من القول فی البدایة: إن الکلام هنا لیس فی تقویم الدعاوی السلطویة و تمحیص الصائب منها و غیره

و إنما هو- کما قلنا فی مقدمة الحدیث- فی دراسة الواقع التعاملی و عرضه علی الموازین الشرعیة لتصحیح الصحیح منه و الفاسد منه؛ لیکون المکلف المبتلی علی بینة من أمره حین تستدعی الظروف منه التعامل مع هذا الواقع، و لهذا فإن ملکیة الدولة و عدمها لا یختص بنوع أو عدد من الدول بل هو عام یشمل کافة ما لهذه القضیة من مصادیق.
و یمکن تمییز الدول بخطین رئیسین من حیث الملکیة و دعواها:
الخط الأول: هناک من المتسلطین من یری له الملکیة المطلقة لما تحت یده من أراض و أموال و عقارات و معادن و غیرها، و تعترف الرعیة له- طوعا أو کرها- بهذه الدعوی و تصدقها حتی تجریها بینها مجری المسلمات. و طبیعی أن یخرج هذا القسم عن محل النزاع؛ إذ بعد الادعاء من المتسلط و الإقرار من الرعیة لا یبقی هنا مجال للشک فی الملکیة حیث لا یعلم من السلطان تجاوزا علی حق الآخرین أو ظلما لهم، و إلا فلا بد من إرجاع کل حق لصاحبه إن علم، و إلا اعتبر مجهول المالک، و هذا خارج عما نحن فیه؛ إذ الحدیث فی أصل الملکیة و هی
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 87
فی الفرض ثابتة، و ترجع الأملاک بعد السلطان إلی ورثته الشرعیین أو من یملک المنصب بعده.
إلا أن مثل هذا النوع من الدعاوی لا یکاد له وجود فی العالم المعاصر مع خروجه عن البحث.
الخط الثانی: أن لا یبدو من رأس السلطة فی البلد مثل هذا النوع من الدعاوی بل هو- سواء کان شخصا أو هیئة تتکون من عدة أشخاص- یتصرف فیما تحت یده من ممتلکات دون أن یعتبرها ملکا شخصیا صرفا، بل کل ما فی الأمر أنه یری أن من حقه التصرف و الأخذ و العطاء کیفما یشاء أو ضمن حدود یقیده بها القانون الجاری فی الدولة، و هذا النوع هو الغالب فی صور الدول المعاصرة کافة، و فی مثلها لا بد من تشخیص موقع الملکیة إذ هنا مواقع عدیدة تتصور لها:
1- الشعب: و المراد منه- بمناسبة الحکم و الموضوع- الکلی الطبیعی العام الذی یمکن تطبیقه علی کل فرد تتوفر فیه شرائط المواطنة و المقتضیات القانونیة لها سواء أ کان توفرها بالفعل أم فیما سبق أم فیما یأتی من دون تحدید فی جیل أو صنف أو غیر ذلک.
2- القانون: و یعنی به هنا هو ذات النظام المطرد فی الدولة و القائم علی نظریة معینة فی العلاقات الاجتماعیة و الاقتصادیة و السیاسیة.
3- الجهاز الحکومی: و المقصود منه تلک الفئة المعینة من موظفی الدولة الذین أنیطت بهم مسئولیة تطبیق القانون و بلورة النظام علی الصعید الفعلی الواقعی.
4- رأس النظام: و هو ذلک المنصب الذی یتسنم جهاز الدولة، و إلیه تنتهی کافة المسؤولیات القانونیة الفرعیة فی التطبیق.
و یختلف الأساس الاعتباری لهذا المنصب إذ قد یعتبر من جهة:
أ- الولایة الاختیاریة لذات الشعب بارتضائه لشخص معین أو فئة معینة له.
ب- الفرض القهری من قبل المتسلط نفسه أو من قبل آخرین لجمع خطوط تلک
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 88
المسؤولیات.
ج- الجعل الإلهی لشخص معین کما هو الملاحظ فی ولایة الرسول و المنتجبین من الأوصیاء.
و عند تمحیص هذه المواقع نستطیع القول: إن دعوی مالکیة الدولة لا یمکن تطبیقها علی ذات القانون إذ هو- کما قلنا- لا یعنی أکثر من الطریقة التی تنتظم فیها شئون الناس فی هذا البلد أو ذاک و علی أساسها یتعاملون فی مجالات حیاتهم المختلفة، و مثل هذا المعنی لا تتصور مالکیته لشی‌ء من الأشیاء؛ إذ لا معنی لأن یقال: إن هذه الطریقة تملک کذا من الأموال و إن هذا المنهج یملک کذا من الأراضی و العقار.
نعم قد یقال: إن هذا النظام أو القانون هو الذی یحکم البلد الفلانی، إلا أن مثل هذا الإطلاق مجازی کما هو واضح؛ إذ المقصود منه أن رأس الحکم فیه أو جهازه الوظیفی یتبع مثل هذا النظام أو ذلک القانون و یطبقه فی سیاسته مع الرعیة.
کذلک لا معنی للقول بملکیة الجهاز الحکومی، بما هو فئة مسئولة عن تنفیذ القانون و إجراء النظام؛ إذ هذه الحیثیة وظیفیة صرفة کما هو واضح.
فیبقی کل من الموقعین الأول و هو الشعب و الرابع و هو رأس النظام بما هو منصب قابلا لدعوی ملکیة الدولة، و إن کان الأرجح هو ملکیة رأس النظام بقید المنصب لا الشخص، و معنی هذا القید أن المنصب یدخل فی مفهوم المالک بنحو الحیثیة التقییدیة بینما یدخل شخص الرئیس بنحو الحیثیة التعلیلیة؛ إذ لیس من حق هذا الشخص التملک و التصرف فی مملوکات الدولة بعد العزل أو التنازل أو حصول أی عارض جانبه هذا المنصب، کما لا تعود مملوکات الدولة إلی ورثته حین یموت و هو فی السلطة بل الأمر یعود فی الحالتین إلی من یستلم المنصب بعده.
و لعل هذا هو الوجه فی ملکیة الإمام علیه السّلام لسهمه من الخمس؛ إذ منصب
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 89
الإمامة هو المالک لهذا السهم و لیس شخص الإمام علیه السّلام؛ و لهذا فإن ما یترکه علیه السّلام من هذا السهم لا یعود إلی ورثته بل إلی الإمام الذی یلیه.
إذن فملکیة الدولة تتعین فی المنصب الأعلی فیها، حیث یتسلط علی ما تحت یده من أموال لا تخص أفرادا أو جهات معینة یعلم بملکیتها لها؛ إذ فی مثل هذه الحال لا بد من إرجاعها إلیها مع الإمکان، و إلا أجری علیها حکم مجهول المالک بالحکم بالملکیة أو عدمها- کما سبق-.

المرحلة الثانیة: اختلف الفقهاء فی ملکیة الدولة فهل الدولة تملک أو لا؟

اشارة

فبناء علی ملکیتها تعتبر کافة تصرفاتها مشروعة، و یمکن الاعتماد علی تلک التصرفات و تصحیح نتائجها، و أما مع البناء علی عدم الملکیة فیقال بالفضول فی جمیع تلک المعاملات و اعتبارها فی البلاد الإسلامیة من التصرف فی الأحوال مجهولة المالک، و التصرفات هذه مما یحتاج لتصحیحها إلی إذن الحاکم الشرعی، و قد ذهب إلی کل من الرأیین فریق.
و لمعرفة الحکم لا بد من عرض ما یقدم من أدلة فی هذا المجال، و مناقشة ما یحتاج إلی المناقشة لیتضح الحال.

و قد استدل من قال بعدم الملکیة بأمور:

منها: أن الملکیة لا بد فیها من مالک، و النظام لا تعقل مالکیته؛

لأنه یجری مجری الجماد، و أما شخص السلطان فلأنه لم یدع الملکیة و لم تعترف الرعیة له بها فلا یمکن القول بملکیة؛ و لهذا لا ینتقل ما تحت یده من أموال إلی ورثته.
و فیه: أن المالک لا یشترط فیه العقل و القدرة علی التصرف بنفسه و الانتفاع بالمال بشخصه، و إلا لزم إلغاء ملکیة الصغار و المجانین و الحمل عند من یملّک الحمل- کما هو المشهور- کما یلزم عدم ملکیة الموقوف علیه الخاص إذا کان
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 90
عاجزا عن الاستقلال بالتصرف کالمشاهد المقدسة و عزاء سید الشهداء علیه السّلام و شبههما، مع أن المشهور هو ملکیة هذا النوع من الموقوف علیه إذا کان خاصا.
بل و لو اشترطنا القدرة علی التصرف بالمعنی المتقدم لأشکل القول بملکیة المسلمین لمثل الأراضی المفتوحة عنوة و التی هی ملک لطبیعی المسلم إذ هذا الطبیعی بما هو کلی لا یتحقق فی الخارج.
و مما سبق عرفنا أن المالک- لو قیل بملکیة الدولة- هو منصب السلطان لا شخصه؛ و لهذا فإن عدم ادعائه للملکیة بل و دعواه بعدم الملکیة لا یقدح فی أنه مالک له باعتبار منصبه، کما لا یمنع تسنم الشخص لمنصب الرئاسة فی السلطة أن تکون له أملاکه الشخصیة التی یتساوی فیها مع الآخرین قانونیا، و یحکم بما یحکمون به من أصول و نتائج.

و منها: أن الملکیة- سواء اعتبرت إضافة مقولیة حقیقیة أم إضافة اعتباریة لا وجود لها وراء الاعتبار العقلائی- لا بد لها من مقتض،

و مجرد السیطرة الخارجیة لا یقتضیها ما لم تکن هذه السیطرة ناشئة من سبب حقیقی أو اعتباری للملکیة کما هو واضح، و سلطة الدولة فی أی من مواقعها لا تحکی أکثر من هذه السیطرة من دون تحقق الملکیة أو مقتضیها.
و یرد علیه: أن فرض الکلام هنا منحصر فی الأموال التی لا بد لها من مالک، و فی مثل هذه الأموال تکفی السیطرة فی إقرار الملکیة، و اعتبار العقلاء کاف فی ملکیة الدولة لمثل هذه الأموال بمجرد سیطرتها علیها بطریقة مشروعة لدیهم ما لم یرفض الشارع الاعتراف بالملکیة الذی یمکن إحرازه بالأصل مع عدم وجدان دلیل علیه.
نعم لو کانت هذه الأموال من المباحات الأصلیة العامة و ما یتولد منها لم یکف فی اعتبارها مملوکة مجرد السیطرة علیها من دون مقتضی للتملک سواء أ کان هذا من قبل الأفراد أم الدولة.
کذلک لو کانت الأموال مملوکة لآخرین ممن یعترف القانون لهم بالتملک فإن
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 91
هذه الأموال لهم و لم یکف تسلط الآخرین لانتقال هذه الملکیة عنهم من دون مقتض لهذا الانتقال، إلا أن المقصود فی المال الذی تتملکه الدولة هو غیر هذین النوعین بل هو خصوص ما ذکرناه أولا.

و منها: أن اعتبار العقلاء لملکیة ذی السلطة لو فرض تحققه فإن هذا الاعتبار منهم وحده غیر کاف ما لم یمض من الشارع،

و یکفی عدم إحراز الإمضاء الشرعی لسقوط هذا الاعتبار، مع وجود أدلة یستفاد منها عدم الاعتبار الشرعی لملکیته، کتلک الروایات التی تنهی عن دفع الخراج و الواجب من الصدقات بل مطلق الأموال إلیه مع عدم العدالة، فمنها ما رواه:
1- العیص بن القاسم عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی الزکاة: ما أخذوا منکم بنو أمیة فاحتسبوا به، و لا تعطوهم شیئا ما استطعتم، فإن المال لا یبقی علی هذا أن تزکیه مرتین «1».
2- زرارة قال: اشتری ضریس بن عبد الملک و أخوه من هبیرة أرزا بثلاث مائة ألف قال فقلت له: ویلک أو ویحک النظر إلی خمس هذا المال فابعث به إلیه و احتبس الباقی، فأبی علی قال: فأدی المال، و قدم هؤلاء، فذهب أمر بنی أمیة قال: فقلت ذلک لأبی عبد اللّه علیه السّلام فقال مبادرا للجواب هو له هو له، فقلت له: إنه قد أداها فعض علی إصبعه «2».
3- إبراهیم بن أبی محمود عن علی بن یقطین، قال: قلت لأبی الحسن علیه السّلام: ما تقول فی أعمال هؤلاء؟ قال: إن کنت لا بد فاعلا فاتق أموال الشیعة، قال:
فأخبرنی علی أنه کان یجبیها من الشیعة علانیة و یردها علیهم فی السر «3».
______________________________
(1) وسائل الشیعة 9: 252 ب (20) من أبواب مستحق الزکاة ج 3.
(2) وسائل الشیعة 17: 218 ب (52) من أبواب ما یکتسب به ج 2.
(3) وسائل الشیعة 17: 193 ب (46) من أبواب ما یکتسب به ج 8.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 92
4- محمد بن القاسم بن الفضیل قال سألت أبا الحسن الأول علیه السّلام عن رجل اشتری من امرأة من آل فلان بعض قطائعهم و کتب علیها کتابا بأنها قد قبضت المال و لم تقبضه، فیعطیها المال أم یمنعها؟ قال قل له لیمنعها أشد المنع فإنها باعته ما لم تملکه «1».
و لکن الإنصاف أنه یمکن القول: إن هذه الروایات و شبهها أجنبیة عما نحن فیه، و لا یتعین المدّعی فیها؛ إذ إن ما دل علی منع الزکاة کروایة العیص ورد المنع فیها؛ لأن الواجب علی المکلف هو إیصال الحق إلی مستحقیه، و تسلیمه إلی السلطان الجائز تضییع لهذا الحق، مضافا إلی أن الکلام هنا فیما هو تحت ید سلطة الدولة مع عدم العلم بوجود مالک معروف له، و صنف المستحق هنا هو المالک للحق الواجب، فهو أجنبی عن موضع الکلام إذ لا بد من تمکین المالک الشرعی له مع الإمکان.
بل یمکن القول بحمل المنع فی مثل هذه الروایات علی الاستحباب لا الوجوب؛ لما دل علی جواز تسلیم الزکاة إلی عمال السلاطین سواء أمکن الامتناع أم لم یمکن من دون التعویض بما یبرئ الذمة عن الحق الواجب. و هذا یلاحظ من صحیحة یعقوب بن شعیب قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن العشور التی تؤخذ من الرجل أ یحتسب بها من زکاته؟ قال: نعم إن شاء «2».
و بمضمونها أخبار أخری، بل إن صدر روایة عیص بن القاسم المتقدمة یقتضی هذا أیضا.
و أما الروایة الثانیة و شبهها مما یجیز أخذ أموال السلطان الظالم فالظاهر فیها أن هذا الجواب من جهة أنه من أموال الناصب التی یجوز استملاکها بأی وسیلة مع دفع الخمس إلی أهله؛ لأن هبیرة المذکور فی الروایة من عمال بنی أمیة،
______________________________
(1) وسائل الشیعة 17: 333 ب (1) من أبواب عقد البیع و شروطه، ح 2.
(2) وسائل الشیعة 9: 251 ب (20) من أبواب المستحقین للزکاة ح 1.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 93
و کان یبیع من أرزهم، و هم ممن نصب العداء لأهل البیت علیه السّلام، أو لأن الإمام علیه السّلام أراد بالحکم بجواز الأخذ بمقتضی ولایته الشرعیة المطلقة لتضییع بعض ما یعین سلاطین الجوار علی ظلمهم و طغیانهم.
کما یحتمل کذلک أن ما کان لدی ضریس من أموال لم یکن لمالک معین؛ لأنه کان فی تلک الفترة التی تخللت بین حکم بنی أمیة و حکم بنی العباس، و لهذا استطاع زرارة أن یشیر علیه بالامتناع عن التسلیم، و یؤید هذه الاحتمالات روایات کثیرة- سیأتی بعضها- دلت علی صحة شراء ما فی أیدی السلاطین بمضامین مختلفة، ما لم یعلم أن المبیع بعینه یعود إلی شخص محترم المال، و سنذکر کذلک شیئا مما ورد فی صحة تملّک الجوائز و العطایا منهم.
و أما الروایة الرابعة فهی کذلک أجنبیة عما نحن فیه، إذ المرأة التی باعت الأرض لم تکن هی ذات المنصب الرئاسی و أنها- من خلال هذه الوظیفة- باعت ما تحت تصرف المنصب من مال، و إن کانت من بیت متنفذ، بل الذی باعته إنما کانت تدّعی ملکیته الشخصیة لها، و بما أنها ممن نصب العداء لأهل البیت علیه السّلام فیجوز الاستیلاء علیه بأی وسیلة- کما عرفنا-، فحکم الإمام علیه السّلام إنما جاء لتقریر هذا الجواز، أو أن الإمام علیه السّلام یعلم أن الأرض المشتراة لم تکن ملکها، بل من الأراضی الخراجیة التی لاتباع و لا تشتری.
هذا مضافا إلی أنه لا یشترط إحراز الإمضاء من الشارع بل یکفی عدم ثبوت رفضه لاعتبار العقلاء الذی یمکن إحرازه و لو بالأصل- کما أشرنا إلیه-.
إذن فلم یتم دلیل علی نفی الملکیة عن الدولة.

أما القول بالجواز فیمکن الاستدلال علیه بطوائف من الروایات:

الطائفة الأولی: ما دل علی جواز شراء ما فی ید السلطان من الأموال،

و نذکر منها ما رواه:
1- عبد الرحمن بن الحجاج قال: قال لی أبو الحسن موسی علیه السّلام: مالک لا تدخل مع علی فی شراء الطعام إنی لأظنک ضیقا، قال: قلت: نعم، فإن شئت
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 94
وسعت علی، قال: اشتره «1».
2- زرارة فی الروایة المتقدمة «2».
3- معاویة بن وهب، قال: قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام: أشتری من العامل الشی‌ء و أنا أعلم أنه یظلم؟ فقال اشتر منه «3».
4- أبو عبیدة عن أبی جعفر علیه السّلام قال: سألته عن الرجل منا یشتری من السلطان من إبل الصدقة و غنم الصدقة و هو یعلم أنهم یأخذون منهم أکثر من الحق الذی یجب علیهم؟ قال: فقال: ما الإبل إلا مثل الحنطة و الشعیر و غیر ذلک، لا بأس به حتی تعرف الحرام بعینه. قیل له: فما تری فی مصدق یجیئنا فیأخذ منّا صدقات أغنامنا فنقول بعناها فیبیعناها، فما تقول فی شرائها منه؟ فقال: إن کان قد أخذها و عزلها فلا بأس. قیل له: فما تری فی الحنطة و الشعیر یجیئنا القاسم فیقسم لنا حظنا و یأخذ حظه فیعزله بکیل فما تری فی شراء ذلک الطعام منه؟
فقال: إن کان قبضه بکیل و أنتم حضور ذلک فلا بأس بشرائه منه من غیر کیل «4».
5- أحمد بن محمد بن عیسی عن أبیه قال: سئل أبو عبد اللّه علیه السّلام عن شراء الخیانة و السرقة؟ قال: إذا عرفت ذلک فلا تشتره إلا من العمال «5».
و واضح أن نفوذ المعاملة فی کل هذه الروایات و ما یشبهها یقتضی ملکیة السلطان البائع و إلا فلا ینفذ منها شی‌ء.
______________________________
(1) وسائل الشیعة 17: 218 ب (52) من أبواب ما یکتسب به ح 1.
(2) وسائل الشیعة 17: 218 ب (52) من أبواب ما یکتسب به ح 2.
(3) وسائل الشیعة 17: 219 ب (52) من أبواب ما یکتسب به ح 4.
(4) وسائل الشیعة 17: 219 ب (52) من أبواب ما یکتسب به ج 5.
(5) وسائل الشیعة 17: 220 ب (52) من أبواب ما یکتسب به ح 6.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 95‌

الطائفة الثانیة: ما دل علی جواز شراء غلات السلطان ما لم یعلم بأنها مغصوبة بعینها.

1- جمیل بن صالح قال: أرادوا بیع تمر عین أبی ابن زیاد فأردت أن أشتریه، فقلت حتی أستأذن أبا عبد اللّه علیه السّلام، فأمرت مصادفا فسأله فقال له: قل له فلیشتره، فإنه إن لم یشتره اشتراه غیره «1».
و فی هذه الطائفة تنتظم روایة إسحاق بن عمار الموثقة «2»، و مضمرة عبد الرحمن بن أبی عبد اللّه «3».

الطائفة الثالثة: ما دل علی جواز قبول جوائز السلطان و أکل طعامه ما لم یعلم أنه حرام بعینه،

و هی روایات منها ما رواه:
1- أبو ولاد قال: قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام: ما تری فی رجل یلی أعمال السلطان لیس له مکسب إلّا من أعمالهم، و أنا أمر به فأنزل علیه فیضیفنی و یحسن إلی و ربما أمر لی بالدرهم و الکسوة، و قد ضاق صدری من ذلک، فقال لی: کل و خذ منه فلک المهنا و علیه الوزر «4».
2- أبو المغراء قال: سأل رجل أبا عبد اللّه علیه السّلام و أنا عنده فقال: أصلحک اللّه أمر بالعامل فیجیزنی بالدرهم أخذها؟ قال: نعم، قلت و أحج بها؟ قال: نعم «5».
3- أحمد بن محمد بن عیسی عن أبیه عن أبی جعفر علیه السّلام قال: لا بأس بجوائز
______________________________
(1) وسائل الشیعة 17: 220 ب (53) من أبواب ما یکتسب به ح 1.
(2) وسائل الشیعة 17: 221 ب (53) من أبواب ما یکتسب به ح 2.
(3) وسائل الشیعة 17: 221 ب (53) من أبواب ما یکتسب به ح 3.
(4) وسائل الشیعة 17: 213 ب (51) من أبواب ما یکتسب به ح 1.
(5) وسائل الشیعة 17: 213 ب (51) من أبواب ما یکتسب به ح 2.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 96
السلطان «1».
4- الفضل بن الربیع عن أبی الحسن موسی بن جعفر علیه السّلام- فی حدیث- إن الرشید بعث إلیه بخلع و حملان و مال فقال: لا حاجة لی بالخلع و الحملان و المال إذا کان فیه حقوق الأمة، فقلت: ناشدتک اللّه أن لا ترده فیغتاظ، قال:
اعمل به ما أحببت «2».
و حمل هذه الروایات علی إباحة الأئمة علیه السّلام للعناوین السابقة جمیعها من جهة ولایتهم العامة بعید جدا، بل یمتنع هذا الحمل فی بعضها حیث وردت فی بیان الحکم الشرعی الإلهی.
إذن فلهذه الطوائف کافة لا مانع من القول بملکیة الدولة لما تحت یدها من الأموال، ما لم یعلم إباحته العامة أو کان مملوکا للآخرین بنحو ما أشرنا إلیه غیر مرة.

إلا أن هنا ملاحظتین لا بد من الالتفات إلیهما:

الأولی: أن هناک بعض الروایات التی وردت فی التحفظ علی أخذ الصلات من السلطان

کما عرفناه فی روایة الفضل بن الربیع السابقة، فهی قبل الحکم بالإباحة تشیر إلی تحرج الإمام علیه السّلام من قبض ما أرسل إلیه الرشید من المال، و مثلها روایة أخری یرویها عبد اللّه بن الفضل عن أبیه- فی حدیث-: أن الرشید أمر بإحضار موسی بن جعفر علیه السّلام یوما فأکرمه و أتی بها بحقة الغالیة ففتحها بیده فغلفه بیده، ثم أمر أن یحمل بین یدیه خلع و بدرتان دنانیر فقال موسی بن جعفر علیه السّلام: و اللّه لو لا أنی أری من أزوجه بها من عزاب بنی أبی طالب لئلا
______________________________
(1) وسائل الشیعة 17: 218 ب (51) من أبواب ما یکتسب به ح 16.
(2) وسائل الشیعة 17: 216 ب (51) من أبواب ما یکتسب به ح 10.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 97
ینقطع نسله ما قبلتها أبدا «1».
و هکذا روایات أخری.
إلا أن مثل هذه الروایات لا تنفی أصل الملکیة، و جواز التعامل مع الدولة بعنوانه الأولی بل التحفظ فیها إنما ورد لطرو عناوین ثانویة أوجبته، کما هو الواضح من روایة الفضل بن الربیع؛ إذ عزا الإمام علیه السّلام التحفظ فیها لاشتمال الصلة علی المحرم، و هو ما قلناه سابقا من خروجه عن ملکیة السلطان، و هکذا الروایة الثانیة؛ إذ إظهار التحفظ فی الاستلام بهذا النحو کان فیه هدم ما یروم الرشید بناءه فی صلة الإمام علیه السّلام من دعایة و تمویه علی البسطاء، و هکذا بقیة الروایات التی ترد بهذا الصدد فلکل منها محمله.

الثانیة: أن الروایات التی سبق استفادة الجواز منها إنما وردت فی نمط معین من الدول

و هی تلک التی عاصرت صدور تلک الروایات، و یمکن تعیینها بالسلاطین المدعین للخلافة الإلهیة المعتبرین ولایتهم شرعیة بمقتضی نیابتهم عن الرسول الأکرم صلّی اللّه علیه و آله و سلّم أی ما یعادل منصب الإمامة- حسب اعتقادهم-، فالمشروعیة حین تعین بذلک الصنف من الدول لا یصح التعدی منه إلی غیره من دون سند شرعی، بل لا أقل من اعتبار أن هذا النمط هو الذی یتوجه إلیه انصراف تلک الأدلة جمیعا، فثبوت الحکم لما سواه من دول مؤمنة أو غیر مؤمنة- کما هو مقتضی البحث- مما لا یتأتی استفادته من هذه الأدلة، و لیس هنا إطلاق یدعی فیها؛ لأنها جمیعا لیست بصدد بیان هذه الجهة من موضوع الجواز لتتم مقدمات الحکمة، بل کل ما فی الأمر أن الاستدلال للجواز إنما کان للملازمة بین مشروعیة ترتیب النتائج و مشروعیة مقدماتها، إذن فتعدیة الحکم إلی ما سوی ذلک الصنف من السلاطین غیر وجیه.
إلا أن دعوی الانصراف هذه مما لا مقتضی لها إذ وجود نمط معین من
______________________________
(1) وسائل الشیعة 17: 216 ب (51) من أبواب ما یکتسب به ح 11.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 98
السلاطین وقت صدور الأخبار لا یعنی تقیید الاستعمال به، و لا سیما أن الموضوع الذی تذکره الروایات هو (السلطان، العمال) من دون تعقیبه بما یقتضی إرادة صنف معین أو فئة خاصة أو غیر ذلک، و لا سیما بعد أن عرفنا أن الاعتبار العقلائی هو الأساس فی الملکیة، و الروایات إنما تعتبر مؤیده و ممضیة له، فلا حاجة للإطلاق أو مقدمات الحکمة؛ لأن الاعتبار لا یعنی هذا النمط أو ذاک.
إذن فالسلطان مالک لما تحت یده من أموال لا تدخل فی الأموال المباحة الأصلیة و لم یعلم لها مالک معین سواه؛ و لهذا تنفذ تجاراته و معاوضاته و تصرفاته الأخری کافة، أما مع الشک فی الملکیة لبعض ما تحت یده فیمکن رفعه بقاعدة الید، و هی جاریة من دون محذور؛ إذ لم یتم شی‌ء مما ذکروه من الإیرادات.

تعقیب

سبق أن قلنا إن ملکیة السلطان لما تحت یده لا إشکال فیها حین یدعی هو هذه الملکیة لشخصه و تقترن دعواه بتأیید الرعیة، و لم نتعقل أن یکون المالک هو شخص القانون کطریقة تمنهج فیها أمور الدولة، أو الجهاز الحکومی بلحاظ وظیفته فی متابعة تنفیذ القانون، و رددنا المالکیة بین الشعب و منصب الرئاسة، إلا أننا رجحنا ملکیة المنصب لنفوذ تصرفاته وحده مع تأیید العقلاء له بهذا.
و نکمل هنا بیان جهة لا بد منها، و هی أن ملکیة هذا المنصب إنما تعتبر لذات المنصب لا من جهة ولایته علی أمر الشعب؛ إذ لو کان المنشأ هذه الولایة لما صحّت تصرفات السلطان إلا حین تکون مستقیمة مع هذه الولایة کما هو واضح، أی أن تکون لمصلحة الشعب أو تکون- علی الأقل- لیست بذات مفسدة له بینما المشاهد أن کافة التصرفات نافذة لدی العقلاء منه علی أی حال، کما کان الأمر مع أولئک السلاطین الذین عاصروا أئمة أهل البیت علیه السّلام
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 99
و أنفذوا تصرفاتهم کما هو صریح روایة معاویة بن وهب، و روایة أحمد بن محمد بن عیسی المتقدمتین.
و لا یلتفت فی هذه الناحیة إلی ما یعلنه الکثیر من متسلطی الدول من ملکیة الشعب لما تحت أیدیهم و إنهما فی تصرفاتهم إنما یخدمونه و یحاولون نفعه فهذا شی‌ء و الاعتبار العقلائی شی‌ء آخر.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 100‌

المصارف و البنوک

توطئه

اشارة

لفهم الحدیث فی المعاملات المصرفیة بالنحو المطلوب ینبغی تقدیم جهات تمهیدیة عدة من ضروریات مجریات البحث و تطبیقاته و مناقشاته، إلا أن سعة أبعاد هذه الجهات تستوجب اقتصار الوقوف فیها عند النتائج القریبة منها من دون الولوج إلی أعماق تستدعی تشعب الحدیث، و هذا ما حاولناه هنا، فمع أن لکل من تلک الجهات مجال واسع من الحدیث و الاستدلال و المناقشة إلا أننا لم نستطرد فیها سوی ما تعنیه الجهة المطلوبة و ربطها بالحدیث فقط؛ و لهذا فإن ذکرها هنا لا یغنی عن الرجوع إلی مصادرها الذی ینبغی الرجوع إلیها فی کتب الفقه.

الجهة الأولی: لا نقاش فی حرمة الربا

کما هو معلوم لدی المسلمین- بل هو من ضروریات التشریع الإسلامی- و قد وردت الآیات و الروایات فیه کقوله تعالی:
الَّذِینَ یَأْکُلُونَ الرِّبٰا لٰا یَقُومُونَ إِلّٰا کَمٰا یَقُومُ الَّذِی یَتَخَبَّطُهُ الشَّیْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ ذٰلِکَ بِأَنَّهُمْ قٰالُوا إِنَّمَا الْبَیْعُ مِثْلُ الرِّبٰا وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَیْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهیٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَی اللّٰهِ وَ مَنْ عٰادَ فَأُولٰئِکَ أَصْحٰابُ النّٰارِ هُمْ فِیهٰا خٰالِدُونَ «1».
و روی عن الإمام الصادق علیه السّلام أنه قال: درهم ربا عند اللّه أشد من سبعین
______________________________
(1) البقرة: 275.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 101
زنیة کلها بذات محرم «1».
و روی الإمام الصادق عن النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم فی وصیته لعلی علیه السّلام قال: یا علی الربا سبعون جزءا، فأیسرها مثل أن ینکح الرجل أمه فی بیت اللّه الحرام، یا علی درهم ربا أعظم عند اللّه من سبعین زنیة کلها بذات محرم فی بیت اللّه الحرام «2».
و لئن کانت المسألة بمثل هذه الأهمیة و الوضوح فإن الاختلاف فی بعض جزئیاتها لا یطال هذه المسألة الکبری.
و الربا المحرم قد یقع فی البیع و له شرطان:
1- اتحاد جنسی العوضین کالذهب عوض الذهب و الحنطة عوض الحنطة، و وحدة الجنس مفهوم أناطه الشرع بالعرف حیث لم یرد لهذه الوحدة حدود شرعیة یتفرد الشارع بها، فحکم العرف هو النافذ فی المسألة فما رأی العرف أنه جنس واحد حکم بتحریم المفاضلة فی العوضین فی بیعه و إلا فلا.
نعم ورد من الشارع ما دلّ علی فی خصوص اتحاد جنسی الحنطة و الشعیر، و اعتبار کافة أنواع التمر جنسا واحدا، فمن الأول ما روی عن الإمام الصادق علیه السّلام فی حدیث: (ان الشعیر من الحنطة) «3».
و من الثانی ما روی عن أبی جعفر علیه السّلام: یکره وسقا من تمر المدینة بوسقین من تمر خیبر لأن تمر المدینة أجودها «4».
و حینئذ ففیهما فقط لا بد من الوقوف عند هذه الوحدة، أما فی غیرهما فکما
______________________________
(1) الکافی 5: 146 ح 1 ب (51) فی الربا ح 1.
(2) وسائل الشیعة 18: 121 ب (1) من أبواب الربا ح 12.
(3) تهذیب الأحکام 7: 88 ب (8) فی بیع الواحد بالاثنین و أکثر من ذلک و ما یجوز منه و ما لا یجوز ح 16.
(4) من لا یحضره الفقیه 3: 206 ب (87) فی الربا ح 25.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 102
قلنا: إن العرف هو صاحب النظر، فمتی حکم بالوحدة اعتبر التفاضل ربویا و إلا فلا، من دون الالتفات إلی جودة أحد العوضین و رداءة الآخر؛ لأن هاتین الصفتین لا تستوجب خرق هذه الوحدة لأنها لا توجب اختلاف الجنس.
2- أن یکون جنس العوضین من المکیل و الموزون کما فی الأمثلة السابقة، و أما المعدود و الجزاف فلا مانع من التفاضل فیه کما فی الأوراق النقدیة و الکتب و الدور و شبهها.
و المرجع فی الکیل و الوزن أیضا هو العرف الذی تجری فیه المعاملة؛ و لهذا فإن ما یباع کیلا أو وزنا فی بلد ما أو وقت ما تحرم المفاضلة بین العوضین فیه و إن بیع فی بلد آخر أو زمن آخر عدّا أو جزافا، و هکذا العکس بالعکس إذ لا یعتبر البیع ربویا فی المعدود فی وقت ما، و إن بیع فی بلد آخر أو زمن آخر وزنا أو کیلا.
و کما تحرم الزیادة فی البیع الربوی یکون البیع الربوی باطلا، فلا تنتقل ملکیة أی من عوضی المعاملة من صاحبها، و هذا یعنی وجوب الرد علی من وقع بیده أحد العوضین إلی صاحبه الأصلی، سواء أ کان طرفا فی المعاملة الربویة أم لم یکن مع علمه.
و قد یقع الربا فی القرض، و شرط تحققه: أن تکون الزیادة مشروطة لنفع المقرض مشافهة أو ضمنا فالزیادة المشروطة لنفع المقترض لا تعد من الربا المحرم.
و لا فرق فی الزیادة المشروطة للمقرض بین أن تکون عینیة أو حکمیة، فالربا المحرم یتحقق ففی ما لو أقرض سعد محمدا ألفا علی أن یرجعها إلیه بعد سنة ألفا و خمسمائة، کما یتحقق لو شرط علیه عند إقراضه منّا من تمر ردی‌ء أن یرجع إلیه بعد سنة منّا من تمر جید النوع.
کما لا فرق فی أن تکون الزیادة معینة المقدار غیر تصاعدیة کأن یقرضه ألفا علی أن یرجعها إلیه ألفا و مائتین بعد ستة أشهر من وقت التسلیم، أو تجعل الزیادة
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 103
نسبة ثابتة یکون للزمن فیها جزء دخیل فی تضاعفها کلما تأخر الأجل فترة کخمسة بالمائة للشهر الواحد أو أکثر، کما لا فرق أیضا فی أن یکون شرط الزیادة حین العقد أو فی ضمن المدة أو عند التسلیم.
نعم، لو قدم المقترض للمقرض شیئا من طیب نفسه حل للمقرض استلامه من دون ریب و إن کان هذا راغبا و آملا منه ذلک، إلا أنه لم یشترط ذلک فی العقد، و قد روی جعفر بن غیاث عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: الربا رباءان: أحدهما ربا حلال و الآخر حرام، فأما الحلال فهو أن یقرض الرجل قرضا طمعا أن یزیده و یعوضه بأکثر مما أخذه بلا شرط بینهما، فإن أعطاه أکثر مما أخذه بلا شرط بینهما فهو مباح له، و لیس له عند اللّه ثواب فیما أقرضه، و هو قول اللّه عز و جل فَلٰا یَرْبُوا عِنْدَ اللّٰهِ «1»، و أما الربا الحرام فهو الرجل یقرض قرضا، و یشترط أن یرد أکثر مما أخذه فهذا هو الحرام «2».
و لکن هنا فرق بین ربا البیع و ربا القرض فهذا الربا لا یبطل المعاملة القرضیة کما فی ربا البیع، بل المحرم فیه هو الزیادة فقط، فیجوز للمقترض و غیره التصرف فی المال المقترض بالمعاملة الربویة إلا أن المقرض یجب أن یرد ما أخذه من الزیادة لو علمها و علم صاحبها بعینه.
کما لا یشترط أن یکون المال المقترض من المکیل و الموزون بل الحکم بالتحریم یتحقق فی المعدود أیضا؛ و لهذا فهو یقع فی الأوراق المالیة و غیرها من المعدود.
و المعاملات المصرفیة الجاریة تعتمد فی الغالب علی هذه المعاملة الباطلة، فالمهم الآن ذکر الموقف الشرعی فیما یجری فی هذه المعاملات، و ضمن هذه الحدود فقط ستکون وقفتنا مع المسألة- کما قلنا- و لا نحاول اقتراح طرق مصرفیة تنشأ من التوجیه الشرعی لتلک المعاملات.
______________________________
(1) سورة الروم: 39.
(2) وسائل الشیعة 18: 160 ب (18) من أبواب الربا ح 1.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 104‌

الجهة الثانیة: معروف أن المصارف المعاصرة تقوم بأعمال کثیرة جدا لا یمثّل القرض و الاقتراض إلا بعضا منها،

بل إن للأعمال المصرفیة الأخری کالکفالات و الاعتمادات و غیرها ما یفوق القرض و الاقتراض أهمیة و تأثیرا فی الاقتصاد العالمی، و هی فی معظمها مستحدثة بعد عصر التشریع الإسلامی.
و لهذا فلا یؤمل وجود نص أو توجیه إسلامی معین یضع المکلف المسلم فی الموضع المناسب الذی یبتغیه منه التکلیف الإلهی، کما لا یؤمل وجودها فی مباحث السابقین من الفقهاء المسلمین، حیث لم یعلم عنها شی‌ء فی عصور سبقت الانفتاح علی مصائب الحضارة الغربیة الحدیثة؛ إذ لم تکن محل ابتلاء لهم قبل هذه العصور التی تداخلت فیها المعاملات التجاریة لا علی الصعید القطری فقط، بل العالمی أیضا مما تجاوز الحدود الجغرافیة و التشریعیة أیضا، و فرضت نفسها علی المجتمعات کلها فی شتی بقاع العالم بصورة لم یجد معها التقوقع و الانغلاق.
و المجتمع الإسلامی کأی مجتمع آخر فی هذه الدنیا فرضت علیه هذه المعاملات المصرفیة، و أصبحت محل ابتلاء لکل مکلف شاء هو ذلک أم أبی، من حیث یعلم أولا یعلم، و علیه فمن الضروری أن تسمع کلمة التشریع فیها، و وظیفة رجال الإسلام بیان هذه الکلمة بوضوح تبلغ حجته مسامع الأمة.
و لهذا کله کان طبیعیا أن یقع الذین أغلقوا باب الاجتهاد فی مأزق حرج؛ إذ مع فقدان النص الخاص لا بد من استلهام القواعد و الأصول و الأمارات الشرعیة المعروفة لاستنباط الحکم الإلهی منها، و هو ما لا یمکن لغیر الفقیه القیام به.
و لأن کثیرا من معاملات المصرف لا یدخل فی أحد العناوین المعروفة سابقا لم یوفق أولئک الذین حاولوا اعتبارها من جزئیات تلک العناوین المعروفة فی زمن الرسول صلّی اللّه علیه و آله و سلّم و السابقین من المسلمین، و یتعقد الأمر أکثر لو لوحظت تبعیة العقود للقصد التعاملی؛ حیث لا تکون تلک العناوین مقصودة لأی من
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 105
المصرف و العمیل معا فکیف یجری علیهما حکمها؟!
نعم، إن الأعمال المصرفیة و شبهها من المسائل المستحدثة التی تستوجب فتح باب الاجتهاد؛ إذ إن الفقیه لا یعدم الوسائل الشرعیة الموصلة إلی الحکم الشرعی المطلوب من قواعد و أصول و أمارات، و لا ینتهی الأمر إلی القیاس المنهی عنه و خصوصا حین لا تستند العلة المشترکة إلی دلیل شرعی معتبر.
و یمکن القول: إن هذه الأعمال المستحدثة کما تستوجب فتح باب الاجتهاد تشیر إلی عظمة مذهب أهل البیت علیه السّلام الذی سبق المذاهب الأخری فی الوقوف علی هذه القضایا و أرشد متبعیه إلی کلمة الحق فیها.
و غرضنا نحن لا یعدو هذه الناحیة فإننا نحاول استرشاد الهدایة الإلهیة بما رسم لنا من تلک القواعد و الأصول لبلوغ الحکم الشرعی المعذر فی هذه المعاملات، و لا نغمض دور فقهاء أجلة سبقوا فی هذا الطریق فشکر اللّه لهم السعی و جزاهم خیر ثواب العاملین المخلصین.

الجهة الثالثة: أن الإسلام یعترف بالملکیة الشخصیة

اشارة

و أن هذه الملکیة تابعة لأصولها الشرعیة المعتبرة، و ما لم تکن قائمة علی هذه الأصول لا یعترف بملکیة صاحب الید علی ما تحت یده، فالید مع هذا الانحراف الشائع فی المجتمع تعتبر غیر مشروعة المحل، و حینئذ ففی هذه الحالة یجب علی صاحب الید إیصال ما لدیه إلی مالکها مع الإمکان مهما کلف الأمر، و هذا مما اتفقت علیه الآراء الفقهیة کافة، و یؤیده حکم العقل و النقل أیضا.
و هنا صور ینبغی التأکید علیها لعلاقتها بمباحث المصارف، و ربما نقف عندها فی طیات الحدیث، و نحن نستعرضها مع أحکامها حسب المختار من دون الإشارة إلی دلیلها، إذ هو مما یطول معه الکلام، فمن یرغب الاستزادة علیه أن یرجع إلی مواضعها فی کتب الفقه.

الصورة الأولی: أن یکون ما وصل إلی ید المسلم ملکا لکافر حربی لم یهادن المسلمین علی حقن دمه و ماله،

بحوث فقهیة معاصرة، ص: 106
فالمال مباح للمسلم، و له تملکه حیث تصل إلیه یده و بأی وسیلة کانت.

الصورة الثانیة: أن یقع مال المسلم أمانة فی ید آخر،

و لکن من وقع بیده المال لا یستطیع إیصال المال إلی مالکه إما لعدم علمه بمکانه کأن یودع زید لدی عمر مالا ثم یغیب زید غیبة تنقطع بها أخبار عن عمر فلا یعرف عنه شیئا أو أنه لا یعرف من یستطیع بلوغه حتی یئس منه، و إما لعدم علمه بالمالک، کما فی اللقطة أو وصول الحیوان إلی دار آخر و لا یعلم مالک الدار عن مالک الحیوان شیئا، أو وصل إلی أحد شی‌ء بطریق الهواء،
بل حتی فی موارد الغصب و السرقة و الربا حیث یتسلط شخص علی مال شخص آخر بطریق غیر مشروع، إلا أنه بعد التوبة و محاولة العود إلی اللّه لا یعرف عن صاحب المال أو عن مکانه شیئا، ففی جمیع الحالات السابقة یسمی المال فی الاصطلاح الفقهی بالمال المجهول المالک.
و حکم مجهول المالک أن یدفع إلی الإمام علیه السّلام فی حال وجوده و فی العصر الحاضر یدفع إلی نائبه الفقیه الجامع لشرائط الفتوی من الاجتهاد و العدالة، و تبرأ ذمة الدافع، کما یمکن له التصدق به عن مالکه، إلا أنه إذا تصدق به ثم عرف صاحبه أو عرف مکانه فإن رضی بالصدقة فذاک و إلا ضمن له المثل أو القیمة.

الصورة الثالثة: إذا وقع مال تحت ید شخص آخر لا عن طریق مشروع و علم بمقدار المال

وجب إیصاله إلی صاحبه مع العلم به أو إلی وارثه بعد موته، و مع الجهل بالمقدار یجب إعطاء القدر المتیقن، إلا أن یستطیع صاحب المال إثبات الأکثر بطریق عقلائی کقرینة قطعیة أو طریق شرعی کإقامة البینة.

الصورة الرابعة: أن یتردد المالک بین أشخاص متعددین حتی مع العلم بمقدار المال

فهنا للفقهاء (رضوان اللّه علیهم) عدة آراء:
1- وجوب إرضاء الجمیع بأی وجه، و التخلص من مطالبتهم.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 107
2- إجراء حکم مجهول المالک الذی سبق فی الصورة الثانیة.
3- تعیین المالک بالقرعة لأنها لکل أمر مشتبه.
4- توزیع المال معلوم المقدار علی الجمیع بالسویة.
و المختار هو الرأی الأول إذ مقتضی اشتغال الذمة و أدلة الضمان، هو دفع المال إلی مالکه، و حیث یتردد هذا بین أشخاص معدودین وجب إرضاء الجمیع و لکن لا یلزم بخسارة شی‌ء زائد من ماله.

الصورة الخامسة: أن یختلط مال الغیر المأخوذ لا عن طریق مشروع مع ما یملکه الآخذ بطریق مشروع،

و لم یستطع الآخذ تمییز المالین، کما لا یعرف مالک المال، فیجب إخراج خمس مجموع المال المختلط من الحرام و الحلال، و صرف الخمس فی مصارفه المعروفة.
أما حیث یعرف المالک فهو یدخل فی واحدة من الصور المتقدمة، إذ لا بد من تحصیل براءة الذمة من حقه.

الجهة الرابعة: ما یقع تحت ید المکلف من أموال حکومیة قد یعلم أنها- بعینها- مغصوبة من آخرین

فیجری علیها حکم المال المحرم الذی ذکرت بعض صوره فی الجهة المتقدمة، و هکذا لو علم اختلاطها بالمال المحلل، و قد لا یعلم عن مصدرها شیئا، و إن احتمل الحرمة فیها فیجری فیها ما ذکر فی ملکیة الدولة من رأیین معروفین:
أولهما: عدم ملکیة الدولة، و بناء علیه یجری علیه حکم مجهول المالک، و هذا ما رآه الکثیر من الفقهاء القدماء و المعاصرین.
ثانیهما: ملکیة الدولة، و بناء علیه یصبح هذا المال کأی مال مستلم من مالکه مما هو تحت یده و لم یعلم کونه غصبا، و الرأیان معا یجریان فیما یستلم من المصارف الحکومیة کما سیأتی إن شاء اللّه.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 108‌

أقسام البنوک

اشارة

قبل الحدیث فی الأعمال المصرفیة لا بد أن نقف علی أقسام هذه البنوک؛ لاختلاف النتائج فی بعض الأقسام حتی فی المعاملة الواحدة؛ إذ یمکن تطبیق بعض القواعد علی بعض الأقسام فی معاملة ما، بینما لا یمکن تطبیقها فی نفس تلک المعاملة فی أقسام أخری؛ إذ تختلف اللحاظات بین قسم و آخر، و علیه فینبغی استعراض حیثیات هذه الأقسام و ما تستوعبه من صور بنحو مختصر ینیر أمامنا مداخل الحدیث فی الأعمال المصرفیة:

الحیثیة الأولی: تقسیم المصارف بملاحظة مالکها و صاحب رأس المال فیها من حیث کونه محترم المال أو غیر محترم

و هنا ثلاثة أقسام:

الأول: ما إذا کان المالک مسلما،

و لا شک فی احترام ماله، و لا یجوز تملیکه إلا بما یعتبره الشرع من طرق تعاملیة معروفة.

الثانی: إذا کان المالک کافرا ذمیا أو معاهدا یعترف له الإسلام بحرمة المال،

و هو کالقسم السابق محترم المال و لکن فی حدود التزامه بشرائط الذمة أو العهد الذی أخذ علیه بالنحو الذی تذکره کتب الفقه، فلا یجوز امتلاک ماله إلا بالطرق الشرعیة المعترف بها أیضا، أو بما یندرج تحت قاعدة الإلزام بناء علی القول بعمومها لمثل المعاملات.
و ما یذکر من أحادیث فی البحوث القادمة إنما هو فی هذین القسمین من دون القسم الثالث الآتی:

الثالث: أن یکون مالک المصرف کافرا غیر ذمی و لا معاهد،

و هو ما یسمی- بالاصطلاح الفقهی- بالحربی، و فیه یکون مجرد الاستیلاء علی ماله بأی وسیلة کانت کاف فی تملکه؛ إذ لا حرمة لماله کما لا حرمة لدمه؛ و لهذا فإن ما یرد فی البحوث القادمة لا یجری فی هذا النوع من المصارف؛ إذ أخذ فیها احترام ما فی المصرف من أموال، و المعاملة الربویة و إن کانت محرمة مع الحربی علی المختار؛
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 109
لضعف مستند حلیة المعاملة الربویة مع الحربی «1» إلا أن للمسلم بعد وقوع المعاملة أخذ ما یعطیه الکافر الحربی و تملکها من باب الاستنقاذ‌

و بملاحظة هذه الحیثیة کذلک قسموا المصارف إلی أقسام ثلاثة:

الأول: حکومی محض

یتکون جمیع رأس ماله من الأموال الحکومیة فقط، من دون أن یکون لجهات أخری أو أشخاص أی مساهمة فیها.

الثانی: أهلی محض

یمتلک جمیع رأس ماله شخص واحد أو أشخاص متعددون بنحو الشرکة و المساهمة.

الثالث: مشترک بین الحکومة و أناس آخرین علی نحو یمتلک رأس ماله کل من الطرفین بنحو الشرکة و المساهمة.

و یلاحظ أن هذا التقسیم إنما یثمر بناء علی ما جری علیه بعض الأعلام کسیدنا الأستاذ دام ظله و الشیخ حسین الحلی قدّس سرّه من عدم ملکیة الدولة، و اعتبار أن ما تحت یدها- إن لم تکن عادلة- من الأموال مجهولة المالک، فیحتاج تملک أی شی‌ء منها إلی إذن من الحاکم الشرعی، و أما بناء علی المختار من ملکیة الدولة، فلا تجری هذه الثمرة إذ لا فرق بین المصرف الأهلی و الحکومی من هذه الناحیة، إذ لا یحتاج تملک ما یقبض منها إلی إذن من الحاکم الشرعی.
نعم، ربما یتصور الفرق من ناحیة أخری و هی أن ما یسلمه المصرف الأهلی و الحکومی إلی العمیل یتصور علی أنحاء:
1- أن یعلم العمیل بنحو قطعی أو لأمارة شرعیة بأن ما أخذه کان ملکا لمالک المصرف سواء أ کان هو الحکومة أم الأشخاص فإنه یصبح ملکه و له حق التصرف فیه من دون أدنی ریب.
2- أن یعلم العمیل أن ما استلمه کان ملکا لغیر صاحب المصرف، و أنه تسلط علیه بطریق غیر شرعی من غصب أو معاملة باطلة، و حینئذ فإن علم صاحبه
______________________________
(1) و هو مفاد روایة عمرو بن جمیع، ینظر: وسائل الشیعة 18: 135 ب (7) من أبواب الربا، ح 2.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 110
وجب رده إلیه، و إلا اعتبر مجهول المالک فلا بد لتصحیح التصرف فیه من إذن الحاکم الشرعی.
3- أن یعلم العمیل أن ما استلمه من المصرف کان- بعینه- من الأموال الربویة التی یستلمها المصرف من عملائه، فهذه الأموال و إن کانت حراما علی صاحب المصرف إلا أنها بالنسبة للعمیل تدخل فی أحد الاحتمالین السابقین؛ إذ مع علمه بصاحب المال یجب علیه رده إلیه مع الإمکان، و إلا جری فیه حکم مجهول المالک.
4- أن یعلم العمیل أن ما استلمه من المصرف کان مشترکا بین الأموال الربویة و ما یملکه المصرف من أموال بالنسبة إلی صاحب المصرف إلا أنه بالنسبة للعمیل من الحلال المختلط بمجهول المالک حیث لا یعلم صاحب المال أو لا یستطیع إعطاءه حقه، فلا بد لتملکه من إجراء حکم مجهول المالک، و فی هذه الصور جمیعها لا فرق بین المصرف الحکومی و الأهلی علی المختار.
5- أن یشک العمیل بملکیة صاحب المصرف لما استمله منه، و فی هذه الصورة فقط یمکن ادعاء التفرقة بین المصرف الأهلی و الحکومی؛ إذ یمکن تصحیح الاستلام و التملک بقاعدة الید لإثبات ملکیة صاحب المصرف لما تحت یده إذا کان شخصیا أما إذا کان حکومیا فقد یستشکل بإجراء هذه القاعدة؛ لأن نظر الأخبار فیها متجه إلی أحاد الناس أو منصرفة عن الدولة فمنها:
ما رواه حفص بن غیاث عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قال له رجل: إذا رأیت شیئا فی یدی رجل یجوز لی أن اشهد أنه له؟ قال: نعم، قال الرجل: أشهد أنه فی یده و لا أشهد أنه له فلعله لغیره، فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام أ فیحل الشراء منه؟
قال: نعم، فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام فلعله لغیره، فمن أین جاز لک أن تشتریه و یصیر ملکا لک ثم تقول بعد الملک: هو لی و تحلف علیه، و لا یجوز أن تنسبه إلی من صار ملکه من قبله إلیک؟ ثم قال أبو عبد اللّه علیه السّلام: لو لم یجز هذا لم
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 111
یقم للمسلمین سوق «1».
و حینئذ یبقی ما تحت ید الحکومة و ما یتبعها من المصرف الحکومی غیر مشمول لقاعدة الید فلا یحکم بملکیة المصرف الحکومی لما یشک العمیل فی مشروعیته مما یستلمه منه.
إلا أنه حتی مع تسلیم دعوی اختصاص أخبار الید بآحاد الناس أو دعوی انصرافها عن الدولة، فإن الدولة مشمولة بقاعدة الید؛ إذ لا تنحصر أدلة هذه القاعدة بالأخبار لتمنع دلالتها بواحدة من هاتین الدعویین؛ إذ السیرة العقلائیة من کافة الأدیان و الأمم، و السیرة المتشرعیة فی جمیع العصور و الأمصار قائمة علی تصدیق صاحب الید فی دعواه لملکیة ما تحت یده، و لا قصور فیها بالنسبة إلی الحکومات، کما لم یرد ردع من الشارع عنها فیها، فافهم.
إذن فالسلطة مالکة لما تحت یدها کما فی الأفراد تماما، فحیث یشک العمیل فی ملکیة المصرف الحکومی لما استلمه منه حکم بمشروعیة تملک المصرف و صحة استلامه و تملکه للمبلغ، و علیه فلا یختلف فی هذه الصورة أیضا المصرف الحکومی و الأهلی.

الحیثیة الثانیة: الأعمال و الأغراض التی یؤسس لها المصرف و الخدمات التی یقدمها لمؤسسیه و عملائه أو للمجتمع العام کذلک،

اشارة

و یذکر بهذا الصدد کثیر من أقسام البنوک منها:

1- البنوک التجاریة،

و تسمی أیضا بنوک الودائع، و لهذا النوع من البنوک وظیفتان أساسیتان:
أ- قیامه بالتوسط بین المساهمین و المقرضین من جهة و المقترضین من جهة ثانیة، و بتعبیر أدق و أوضح هو یقوم بتجمیع مدخرات المساهمین و العملاء و وضعها فی متناول ذوی الحاجة ممن یروم الاقتراض من أصحاب المشاریع و غیرهم،
______________________________
(1) وسائل الشیعة 27: 292 ب (25) من أبواب کیفیة الحکم و أحکام الدعوی ج 2.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 112
و هذه الوظیفة لا یختلف بها هذا النوع من المصارف عن غیره من الأنواع الآتیة.
ب- إصدار النقود، و هو یعنی إصدار وسائط الدفع، و هذه الوظیفة هی التی یتمیز بها المصرف التجاری عن غیره؛ إذ غیر هذا المصرف لا یمکنه إصدار مثل هذه الوسائط و السندات.

2- البنوک الزراعیة:

و مهمتها منحصرة فی شئون الزراعة و تسلیف المزارعین و تهیئة وسائل إصلاح الأرض من أسمدة و معدات و مکائن، و المساعدة علی تقدیم بذور المحاصیل و أشباه هذه المهمات.

3- بنوک الاستثمار:

و تنحصر وظیفتها فی جمع أموال المساهمین و المقرضین من حملة سنداتها و توظیفها فی جهات معینة تعود علی أصحابها بالنفع کشراء الأسهم التی تعرض فی الأسواق للشرکات و المصانع و غیرها، علی أن یعود نفع هذه الأسهم لکل من المساهمین و المقرضین.

4- بنوک الأعمال:

و هی تشبه- إلی حد کبیر- بنوک الاستثمار؛ لأنها أیضا مما یشتری الأسهم و السندات، إلا أنها تمتاز باستطاعتها المساهمة بإنشاء مشروعات جدیدة یمکن أن تخلق فرص عمل جدیدة؛ و لهذا فإن لمثل هذا النوع من المصارف أهمیة خاصة فی إنعاش الاقتصاد الوطنی و العالمی.

5- البنوک الصناعیة:

هی أیضا شبیهة الغرض بالقسمین السابقین، إذ هی تهتم بالصناعة الوطنیة و تشارک فی إنشاء و تدعیم و شراء و بیع أسهم المؤسسات الصناعیة، و تزید علیها بتقدیمها القروض لأصحاب تلک المؤسسات بضمان عینی- الرهن- أو شخصی.

6- البنوک العقاریة:

و تنحصر مهمتها فی إقراض ذوی الأراضی لبناء المبانی بمواصفات خاصة و شرائط معینة، و هی غالبا ما تنجح فی انتزاع الممتلکات من أصحابها.

7- بنوک التصدیر:

و غایتها تسهیل التجارة من فتح الاعتمادات و تقدیم الضمانات للحکومات و الشرکات الموردة و التجار المستوردین و تحویل المبالغ
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 113
و تهیئة ما یلزم من أمورها من شئون مالیة و إداریة.

8- البنوک الشعبیة:

و هی المصارف التی تنشئها الجمعیات التعاونیة للائتمان و التسلیف مقابل ضمانات عینیة بشروط محددة.

9- البنوک المرکزیة:

و هی التی تصدر عملة الدولة- و رقیة أو غیرها-، و تتعامل مع سائر أنواع البنوک بالاستثمار، و الائتمان و التسلیف و غیرها إذ إلیها ترجع کافة تلک البنوک فی تحصیل ما تدفعه من نقود و ضمانات، فهذا النوع هو بنک البنوک.
و الواقع کما یلاحظ فی خلال الاستطراد المتقدم فی عرض الأنواع السابقة أن تصنیفها فی هذه الغایات و العملیات لیس من جهة اختصاص کل نوع منها بنحو خاص من المعاملات، و إنما اقتضاها التطور الحضاری و الاقتصادی و الصناعی، و إلا فإن جوهر العملیات فی الجمیع واحد، إذ ما عدا ما یختص به البنک المرکزی من إصدار العملات النقدیة و ما یختص به المصرف التجاری من إصدار سندات الدفع فإن الجمیع یشترک فی المعاملات الأخری من قرض و اقتراض و تحویل و غیر ذلک مما سیأتی الحدیث فیه إن شاء اللّه.

10- بنوک الدم و أعضاء الإنسان و نطفته،

و هذا النوع مختلف واقعا عن أنواع المصارف السابقة؛ إذ لا تعلق للحدیث حولها بالمال و المالیات المعروفة، بل فی أجزاء الإنسان و حکم انتزاعها منه حال حیاة الإنسان أو بعد موته، و إمکان زرعها فی آخرین، و ما یتبعه من التلقیح الصناعی مقابل عوض أو لا عن عوض، و ما ینشأ من هذا کله من أحکام شرعیة مبیحة أو مانعة، و سیأتی الحدیث فیها إن شاء اللّه.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 114‌

الودائع المصرفیة

اشارة

الأعمال المصرفیة واسعة و مختلفة الصور و الأنحاء، و لمعرفة حکم کل منها ینبغی الوقوف علی الضوابط العامة لها، و استجلاء ما یمکن تطبیقه من القواعد الشرعیة علیها لمعرفة الحکم الإلهی فیها.

و لعل الودائع المصرفیة هی أشهر العملیات المصرفیة المتعارفة، و هی علی ثلاث صور:

1- الودائع الثابتة:

و هی التی لا یحق للمودع استرجاع ما أودعه من مال قبل مضی مدة معینة، و یتلقی مقابل هذا الإیداع ربحا معینا بنسبة مئویة معروفة کعشرة بالمائة سنویا، علی أن تکون کمیة المال محددة بالحد الأدنی أیضا دون الحد الأعلی؛ إذ للمودع إبقاء المال إلی ما شاء.

2- الودائع غیر الثابتة:

و هی التی یحق للمودع استرجاع المال الذی أودعه متی شاء من دون أخذ زیادة علی المال المودع فلا ربح فیه.

3- التوفیر:

و هو ما لا یشترط فیه حد أدنی حیث یقبل المصرف أی مبلغ یودع فیه و إن قل علی أن یکون للمودع نسبة معینة من الأرباح.
و یلاحظ هنا أن تسمیة مثل هذه العملیات ودیعة لدی المصرف لا ینسجم مع الاصطلاح الشرعی للودیعة؛ للاختلاف ما بین الاصطلاحین، ففی الودیعة الشرعیة لا یجوز التصرف للودعی فی عین المال المودع بالنقل و الانتقال إلا بالوکالة عن المودع، بینما أمر الودائع المصرفیة جمیعها یعود إلی المصرف نفسه، کما أن فوائد الودیعة الشرعیة تعود إلی المودع نفسه لا الودعی بینما فوائد الودائع المصرفیة تعود إلی المصرف لا العمیل، إلی غیر ذلک من فروق.
فالودائع المصرفیة فی الحقیقة- و فی کافة الصور السابقة- إنما هی من القرض و الاقتراض حیث یتملک المقترض المال و یتصرف به أنّی شاء و تعود إلیه
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 115
أرباحه، و هذه الملاحظة مهمة فی المناقشات الآتیة.

الودائع الثابتة:

اشارة

المهم فی الحدیث حول هذه الودائع هو محاولة تصحیح عملیة الإیداع و أخذ الفوائد التی یعطیها المصرف للمودع، إذ سبق أن قلنا: إن عملیة الإیداع فی المصرف هی من عملیات الإقراض و الاقتراض فالشرط الصریح أو الضمنی لأخذ الفوائد علی هذا القرض یکون من العملیة الربویة المحرمة شرعا، و هی باطلة حتی مع المصرف المملوک للکافر الحربی- کما بینا- و إن قال البعض بجوازها إذا کانت الزیادة للمسلم إن لم تکن هناک حرمة لأصل التعامل معه من جهة نواح أخری تمس حیاة المسلمین لما یستلزمه الإیداع فی مثل هذه المصارف من تمکین لمحاربی الإسلام علی تقویة بنیتهم الاقتصادیة و إقدارهم علی استغلال المسلمین، أو استثمار تلک الودائع فی إنعاش بلادهم فی وقت تکون بلاد الإسلام فی حاجة إلی أن تستثمر فیها تلک الأموال بطرق مشروعة.
کما أن تحقق المعاملة الربویة جار- علی المختار من ملکیة الدولة- فی المصارف الحکومیة، نعم بناء علی ما اختاره بعض الأعلام من عدم ملکیتها لما تحت یدها یکون إقراض المصارف من باب إهدار المال أو إتلافه حیث لا یستطیع المودع فی الغالب استرجاع عین ما أودعه؛ لاختلاط الأموال، أما استملاک ما یستلمه العمیل من المصرف فأمره متوقف علی إذن الحاکم الشرعی، لأنه من مجهول المالک، و هذه الملاحظات ینبغی أن یلتفت إلیها فی طیات الحدیث القادم.

و قد حاول الفقهاء تصحیح أصل العملیة و جواز أخذ الأرباح فیها بعدة توجیهات:

التوجیه الأول: أن یبیع العمیل المبلغ الذی یرید إیداعه علی المصرف إلی أجل معین بثمن أکثر منه،

و مثل هذه الزیادة تصح فی المعدود من دون الأجل فضلا عما یکون مع الأجل.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 116
و قد ارتضی هذا التوجیه غیر واحد من الفقهاء کالمرحوم الشیخ حسین الحلّی قدّس سرّه و غیره من المعاصرین، زعما أن هذه المعاملة إنما تحرم من جهة الربا فقط، فحیث یمکن دفع شبهة الربا تصح المعاملة، و یحل التفاوت ما بین المال المودع و المستلم، إلا أن التحقیق عدم صحة هذا التوجیه؛ إذ یرد علیه:
أولا: أننا و إن لم نشترط التلفظ فی إنشاء البیع، فضلا عن أن یکون بلفظ معین إلا أنه مما لا شک فیه أن البیع من المعاملات العقلائیة التی تتقوم بالاعتبار، و هذا الاعتبار إنما یمکن مع قصد الطرفین معا له، دون تفاوت فی غرضیهما، و مثل هذا الشرط غیر متحقق فی العملیة المصرفیة هذه؛ إذ کل من العمیل و المصرف لا یقصدان التعامل البیعی، بل إن العمیل لو قصده فإن المصارف الحالیة لا تقصده، و علیه کیف یمکن تنزیل المعاملة علیه و المتعاقدان لا یقصدانه؟! «1».
و ثانیا: أن من شرائط بیع السلف- الذی نزلت المعاملة علیه- تحدید مدة الأجل المفروضة للثمن بنحو لا یقبل الزیادة و النقصان بینما الأجل فی الودائع الثابتة إنما حدّد فیه الأجل الأدنی، أما الأکثر فلم یذکر بل للعمیل أن یترک المبلغ إلی ما شاء فی المصرف- کما ذکرنا-.
نعم، هنا احتمال قد یذکر لتوجیه الزیادة المستحقة علی المصرف علی أنها شرط للبائع الذی هو المودع بأن المصرف (المشتری) إن أبقی المال عنده و لم یدفعه إلی العمیل کان علیه إضافة تتناسب مع ما یؤخره عن المدة المقررة کأجل أدنی.
إلا أن هذا الاحتمال غیر وجیه؛ لأن الشرط إن کان هو شرط الفعل أی مجرد إعطاء الزیادة لم یستوجب هذا الشرط اشتغال ذمة المصرف بالزیادة و إن وجب الوفاء بالشرط لأدلته، و هذا خلاف واقع المعاملة المصرفیة؛ إذ المصرف نفسه- فضلا عن العمیل و القوانین الجاریة- یری اشتغال ذمته بتلک الزیادة
______________________________
(1) نعم لو قصدا ابتداء هذه المعاملة صحت (منه دام ظله).
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 117
المتصاعدة مع الفترة التی یمکث فیها المبلغ لدیه.
و إن کان الشرط هو شرط النتیجة بمعنی نفس اشتغال ذمة المصرف بالزیادة بمقتضی الشرط، و أن وجوب الأداء إنما کان لهذا الاشتغال المشروط- کما هو السائد فی الأسواق المصرفیة الرائجة- فمثل هذا الشرط لم یرد دلیل علی إمضائه، فهو غیر صحیح. إذن فهذا التوجیه لم یصح.

التوجیه الثانی: أن یکون دفع المال للمصرف بعنوان الودیعة،

و یرد علیه إشکالان:
أحدهما: أن الشریعة الإسلامیة المقدسة لا تسمح بالتصرف بالودائع، و هذا الشرط غیر متصور فی ودائع البنوک؛ إذ هی تتصرف بکل ما تحت أیدیها من أموال تصرفا مالکیا.
و حاول بعضهم التخلص عن هذا بأن المنع إنما یتصور حیث لا یجیز المالک مثل هذا التصرف، و أما مع إذنه و لو کشرط ضمنی- کما هو المتعارف فی إیداعات المصارف- فلا مانع منه کما حاول هذا البعض دفع ما یرد من إشکال و هو:
أن هذا الإذن فی الحقیقة إذن فی التملک، و حینئذ فإن کان مجانیا- کما فی مورد الهبة- لم یستحق المالک علی المصرف شیئا، و إن کان الإذن فیه ضمانیا کان هذا الإذن من موارد الإقراض فیعود علیه ما یشکل علی القرض.
و حاول البعض دفع هذا الإشکال باستبعاد أصل التملک فی هذا الإذن بل مصبّه هو التصرف فقط مع بقاء المال علی ملک المودع، إلا أن هذا القائل التزم بأن نتائج التصرف فی مال العمیل المودع لا تکون له بل للمصرف، فما یشتریه المصرف بهذا المال و ما یربحه تکون له؛ إذ لا یشترط الملکیة فی التصرفات حتی فیما کان کالبیع من عقود المعاوضات.
و لکن هذا التوجیه کما یری واضح الوهن؛ إذ یرد علیه:
أولا: أن اعتبار الملکیة فی مثل البیع مما لا إشکال فیه من أحد، إذ إن مفهوم
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 118
البیع إنما یتحقق فی المعاوضات و لا یمکن تحقیقها إلا بالملکیة علی ما اخترناه فی محله.
و ثانیا: أن استحقاق العمیل للعوض فی ذمة المصرف لا یخرج منشؤه عن واحد من عدة تصورات:
1- ما ذکره المجیب من أن الإذن کان إذنا ضمانیا أی یجوز للمصرف التصرف فی المال علی أن یضمن عوضه للعمیل متی أراد العمیل استرجاع المبلغ، و هذا هو القرض- کما سماه-، فما یؤخذ من المصرف زیادة علی المبلغ یکون من الربا المحرم و هو مما لا إشکال فیه.
2- أن یعد المصرف العمیل بتعویضه متی شاء، و هذا مجرد وعد لا یلزم المصرف الوفاء به؛ إذ لا دلیل علی وجوب الوفاء بالوعد.
3- اشتراط العمیل علی المصرف أن لا یأذن له إلا مع ضمان المصرف للعوض حین الطلب، و مثل هذا الشرط لا یجب الوفاء به لأمرین:
الأول: أنه شرط للفعل فی غیر عقد لازم، فلا یجب الوفاء به و إن قلنا بوجوب الوفاء بالشرط فی العقود اللازمة، مع أنه موضع بحث أیضا و قد ذکرناه فی محله.
الثانی: أن هذا الوجوب- مع التنزل- لا یقتضی أکثر من لزوم الوفاء لا اشتغال ذمة المصرف للعمیل بالمبلغ إلا إذا اعتبر من شرط النتیجة، و هذا لا یصح؛ إذ لا دلیل علی اعتبار شرط النتیجة- کما أشرنا إلیه-.
4- اعتبار إذن العمیل بالتصرف و التزام المصرف بدفع العوض معاملة جدیدة یستحق بموجبها العمیل عوض ما أذن له فی التصرف به، و هذا إنما یصح لو قیل بصحة کل معاملة تجری بین العقلاء و إن لم یرد فیها نص، أو لم تکن معروفة فی زمن التشریع، و هذا التعمیم لا یمکن إثباته إذ لیس هناک أی دلیل علیه.
و ثالثا: أن إذن العمیل للمصرف فی التصرف فی أمواله علی أن یدخل عوضه فی ملک المصرف یعنی أن هذا الإذن إذن فی إتلاف المال، فکیف یستحق عوضه
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 119
علی المصرف؟!
إذن فالإشکال وارد و لا یمکن التخلص منه فإن التصرف مجانی علی القرض، و مع الضمان یکون قرضا، و أما لو لم یکن من هذا و لا ذاک بل هو من الودائع المأذون للمصرف الودعی التصرف فیها فما تنتجه حینئذ من أرباح یکون للعمیل؛ إذ لا مقتضی لتملک المصرف؛ إذ هو لیس إلا وکیلا عنه فی التصرف، إذن فالتوجیه باطل.

التوجیه الثالث: أن هذا النوع من الودائع الثابتة من باب الإباحة بالعوض

إذ یبیح العمیل للمصرف کافة التصرفات فی ماله حتی التصرفات الناقلة و منها تملیک الغیر مقابل الأکثر المؤجل، و الإباحة بالعوض من العقود العقلائیة، و یکفی لإمضائها ما ورد فی أدلة العقود من عمومات و إطلاقات منها قوله تعالی: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ «1» و إِلّٰا أَنْ تَکُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْکُمْ «2».
و یرد علیه:
أولا: ما سبق أن قلناه من منع إمضاء غیر ما عهد من عقود فی زمن التشریع؛ إذ العمومات و الأدلة إنما تجری فی مواردها حیث یستوعبها نظر المتکلم فی البیان، و حیث لم تعهد بعض المعاوضات کیف یمکن القول بشمولها فی العمومات الواردة فی العقود کالآیتین السابقتین؟!
و ثانیا: أن ما یستلمه العمیل من المصرف کأرباح لیس محددا فی کمیة معینة أو أجل معین بل هو کنسبة مئویة متفق علیها تجری مع بقاء المبلغ لدی المصرف من دون ملاحظة ربح المصرف فی تجارته أو خسارته، و مثل هذا النوع من المعاملة لا یصح حتی لو اعتبر کشرط فی ضمن المعاملة لیصح بأدلة الوفاء بالشرط.
______________________________
(1) المائدة: 1.
(2) النساء: 29.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 120
و ثالثا: سبق أن عرفنا أن واقع المعاملة یجب أن یقصد من کلا طرفی العقد لکی تصح المعاملة حتی و لو لم یشترط التلفظ بها، أما إذا لم یقصد هذا الواقع من کلا طرفیها أو من أحدهما فلا یمکن القول بصحتها حیث لا یتحقق مفهوم المعاقدة، و فی الودائع المصرفیة الثابتة حتی لو قیل بإمکان تصحیح الإباحة بالعوض فإنها غیر مقصودة لأی من طرفی المعاملة لا المودع و لا المصرف، و حتی لو حاول بعض العملاء المتشرعین قصدها فی تعامله مع المصرف إلا أن من المؤکد أنها لا تطرأ علی ذهن أصحاب المصرف المتعارف أو العاملین فیه، فلا تقبل دعوی الصحة حینئذ؛ إذ لم یتوارد القصدان علی معاملة واحدة.

التوجیه الرابع: لو سلم أن الودائع الثابتة من باب القرض إلا أن الزیادة فی القرض إنما تحرم حیث یشترط المقرض الزیادة علی المقترض،

أما حیث لا یذکر مثل هذا الشرط فإن للعمیل استلام الزیادة حیث یقدمها المصرف له تفضلا.
و فیه: أن العمیل و إن لم یذکر مثل هذا الشرط مشافهة إلا أن الثانی لما قام بمثل هذا الشرط فی هذا النوع من الإیداع کفی هذا التبانی فی اعتباره کشرط ضمنی لأخذ الأرباح المقررة بل إن هذه الأرباح فی الحقیقة هی الدافع الأول للمالک فی أن یتعامل مع المصرف بمثل هذا النوع من التعامل، فهذا التوجیه لم یرفع حرمة الزیادة.

التوجیه الخامس: اعتبار الزیادة الموجودة فی هذه الودائع من باب الجعالة

أی أن المصرف یجعل علی نفسه دفع نسبة مئویة سنویة معینة لکل من یودع لدیه مالا بشروط خاصة، فالعمیل حینما یودع المال لدی المصرف یستحق علیه الجعل الذی شرطه المصرف علی نفسه.
و فیه:
أن هذا الوجه لم یخرج المال المودع عن الاحتمالین السابقین، فهو إما ودیعة
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 121
فیرد علیه جمیع ما سبق علی التوجیه الثانی السابق، و إما قرض فیرد علیه کذلک أنه مع شرط الزیادة فیه تکون محرمة بأی عنوان کانت.
و یضاف هنا إلی ما سبق من إشکال علی اعتباره ودیعة:
أولا: أن شرائط الجعالة مما لا یتعقل توفرها هنا؛ لأنها إن کانت من المصرف للعمیل فهی فاسدة «1»؛ لأن من شرائط الجعالة أن تکون ممن له المال لا أن تکون ممن یقوم بالعمل، و إن کانت من العمیل للمصرف لما یقوم هذا به من عمل و تجارة و إدارة و غیرها، فهذا یعنی أن الأرباح إنما هی للعمیل، و لا یستحق المصرف شیئا منها، کما أن الخسارة کلها تحتسب علی العمیل لو تحققت، بینما المشاهد فی الواقع الفعلی للمصارف أن هذین مما یخص المصرف لا العمیل.
و ثانیا: أن الجعالة سواء اعتبرت عقدا بین الجاعل و المجعول له أو إیقاعا من الجاعل فلا بد أن یقصدها طرفا المعاملة، و مثل هذا الشرط مفقود فی مثل هذه المعاملات المصرفیة، إذن فهذا التوجیه کسابقاته لم یتم.

و حینئذ و حیث لم یتم واحد من التوجیهات المتقدمة لا یمکن تصحیح عملیة الودائع الثابتة

سواء أ کان المصرف حکومیا أم شخصیا و سواء أ کان مالک المصرف مسلما أم کافرا ذمیا أم غیر ذمی إذ المعاملة الربویة باطلة فی جمیع الحالات.
أما فی حال الاستیلاء القهری علی المال بمثل هذا المعاملة فالأمر لا یخرج عن واحد من احتمالین:
الأول: أن یکون المصرف الذی استلم منه الزیادة حکومیا، فالمسألة فیه مبنائیة؛ إذ مع القول بعدم ملکیة الدولة لا بد من إذن الحاکم الشرعی حتی فی تملک
______________________________
(1) یمکن تصویر الجعالة بأن یجعل المصرف جعلا معینا لمن یقوم بعمل الاستیداع فی المصرف، و تکون استفادة المصرف من ذلک منحصرة فی توفر الودائع لدیه لکسب السمعة و الثقة فی السوق، إلا أنه لبعده عن مفهوم الجعالة لم یلتزم به؛ إذ إن المفهوم منها عرفا- کما هو التحقیق- أن یکون العمل مغایرا لدفع المال.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 122
أصل المال فضلا عن الزیادة؛ إذ الجمیع من الأموال مجهولة المالک، حیث لا یتصور استلام عین ما سلمه العمیل للمصرف منه، أما علی المختار من ملکیة الدولة فالأمر فی الزیادة لا تخرج عن الأطر المتصورة فی المصارف الأهلیة الواردة فی الاحتمال الثانی.
الثانی: أن یکون المصرف أهلیا أو حکومیا مع القول بملکیة الدولة، فالمال یجری فیه ما ذکرناه فی التمهید من صور:
أ- أن یعلم العمیل ملکیة صاحب المصرف لما سلمه من الزیادة أو رأس المال فیحل للعمیل تملکه و التصرف فیه، و لا فرق فی هذا بین أن یکون صاحب المصرف مسلما أو کافرا أو ذمیا أو حربیا.
ب- أن یعلم رجوع المال إلی واحد معین ممن یحترم ماله فیجب علیه تسلیمه إلیه.
ج- أن یعلم رجوعه إلی أحد غیر صاحب المصرف من دون تشخیص المالک المال، و یجری فی المال حکم مجهول المالک.
د- أن یعلم اختلاطه بین ما یملکه المصرف و ما لا یملکه بنحو یرجع إلی واحد من الفرضین السابقین فیکون من باب الشرکة مع العلم بصاحب جزء المال عینا، أو من الاختلاط بمجهول المالک مع عدم العلم به علی التعیین، و یجب التخلص من کل بحسبه.
ه- أن لا یعلم عن مصدر ما أخذه من المصرف، فتجری هنا قاعدة الید، و یعتبر ما استلمه من ملک المصرف، و صح تملکه و التصرف فیه.

الودائع غیر الثابتة:

و تتحقق باستیداع مال لدی المصرف علی أن یکون للعمیل سحبه متی شاء من دون زیادة ربح علی المبلغ، بل المصرف قد یتقاضی بعض المال من العمیل کأجرة للحفظ و ما یقتضیه من شئون إداریة و أعمال متبعة.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 123
و هذه العملیة لیست من الودیعة الشرعیة بل هی من القرض و الاقتراض، و العملیة حیث لا تنطوی علی الربا فلا مانع منها مع أی مصرف أهلی أو حکومی- مع ما قلناه من ملکیة الدولة-؛ إذ یملک المصرف ما یودعه إیاه العمیل، نعم مع القول بعدم ملکیة الدولة یکون الإیداع فی المصرف کإتلاف للمال.
و صحة هذه العملیة جاریة حتی لو اشترط شی‌ء للمصرف؛ إذ الربا المحرم إنما هو المال المشترط للمقرض لا المقترض، فما یشترط للمصرف لقاء حفظه للمال لا مانع منه.
و أما المبلغ الذی یستلمه العمیل عوض المال المودع فیجری فیه ما سبق من احتمالات، فمع کون المصرف أهلیا- أو حکومیا و قلنا بملکیة الدولة- فلا إشکال فی جواز التملک و التصرف فیما یستلمه العمیل من المصرف سواء علم بکون ما استلمه منه أنه للمصرف أو شک فی ذلک حیث یصح التسلیم بقاعدة الید، أما حیث یعلم أنه للغیر فلا بد من الخروج عن عهدته، فإن علم صاحب المال بعینه أرجعه إلیه، و إلا جری علیه حکم مجهول المالک.
نعم، هنا مبنی یمکن به تصحیح استلام ما علم أنه للغیر أیضا ما لم یشخّص مالکه و هو القول بأن تصرف الغاصب فی المال المغصوب إن کان ناقلا یصبح کإتلاف للمال، و أن حق المغصوب منه ینتقل إلی ذمة الغاصب فیملک فیها المثل أو القیمة فهو کما لو أتلف المال حقیقة، و حینئذ فیحل للعمیل الاستلام و التملک، و تبرأ ذمة المصرف من القرض بناء علی ما هو التحقیق من عدم اشتراط الملکیة السابقة فی تحقق الوفاء.
إلا أن هذا التصور لیس معروفا، بل المعروف هو بقاء حق المالک فی العین و إن تعاقبت علیها الأیدی فأی استلام یکون لها لا یکون شرعیا و هو محرم حیث یعلم ملکیة الغیر له، و لا یجوز للعمیل التصرف فی المال بینما تبقی ذمة المصرف مشغولة له بالقرض.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 124
أما فی حالة اختلاط المال بین ما یملکه المصرف و ما لا یملکه، أو بین الحلال و الحرام فیجری فیه ما سبق أیضا من وجوب الخروج عن عهدة ما لا یملکه المصرف إما بالرجوع إلی الحاکم فیما یجهل مالکه أو إلی المالک حیث یعلم بینما یصح التصرف فی ما یملکه المصرف بالذات.
و إن کان المصرف حکومیا، و لم نقل بملکیة الدولة فقد قلنا: إن عملیة الإیداع فی المصرف هی کالإتلاف للمال حیث لا یمکن استرجاع عین المال کما هو الغالب، و أما المال المستلم من المصرف إذا لم یکن عین ما سلّمه هو للمصرف یعتبر مجهول المالک فیجب الرجوع فیه إلی الحاکم الشرعی سواء أ کان من أموال الدولة المعلومة أم ما یشک فی منشأ تسلط الدولة علیها، أم علم أنها للغیر و لم یعلمه بالذات، نعم لو علم أنها لشخص معین وجب ردها إلیه، و کذلک الأمر لو علم بالاختلاط فکل جزء یجری فیه حکمه- کما بینا-.
هذا و لا یخفی إمکان تنزیل هذه العملیة علی البیع أو المعاملة المستقلة أو الجعالة أو الإباحة المعوضة لو أمکن تصحیح واحدة منها، کما سبق عرضه فی الودائع الثابتة.

التوفیر:

و لا یشترط فی حده الأدنی مبلغ معین، فالمصرف یقبل من العمیل أی مبلغ کان و إن قل علی أن یجعل له نسبة معینة من الربح السنوی مثلا، و هذا مجعول لذوی الدخول المحدودة بخلاف الودائع الثابتة، حیث جعلت لذوی الدخول العلیا.
و لا یشترط فی التوفیر مدة لبقاء المال لدی المصرف، فللعمیل سحبه متی شاء، و هو مورد اختلاف آخر مع الودائع الثابتة حیث یجعل لها أجل مسمی.
و قد حاول المرحوم الشیخ الحلی قدّس سرّه و بعض المعاصرین تصحیح عملیة التوفیر بما صححا به الودائع الثابتة و اعتبراها إما عقدا مستقلا مشمولا لاطلاقات
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 125
وجوب الوفاء بالعقد أو راجعا إلی البیع فی الذمة علی أن یشترط البائع (المودع) علی المشتری (المصرف) بأن له الحق فی استحصال الثمن منه متی شاء، و لا مانع من الزیادة إذ التفاضل لا مانع منه فی المعدود.
و قد عرفنا من خلال ما سبق عدم إمکان تصحیحه علی کلا الاحتمالین؛ إذ إن العقد المستحدث لا دلیل علی اعتباره؛ لعدم العلم بشمول الإطلاقات و العمومات لمعاملات لم تعرف فی زمان صدور تلک الأدلة، کما أن شرائط بیع النسیئة لا یمکن جریانها فیه؛ إذ البیع حقیقة لم یقصد من کل من العمیل و المصرف فکیف تنزل المعاملة علیه؟!
ثم إن بیع النسیئة مما لا بد فیه من تعیین الأجل فی العقد، و هو هنا غیر معیّن؛ إذ المفروض أن للعمیل سحب المبلغ متی شاء.
و لو سلم أن التوفیر من بیع النسیئة إلا أن الإشکال یرد علی شرط إمکان استرجاع المبلغ متی شاء المودع ذلک، فهذا الشرط ما هو؟
فإن کان من شرط الخیار کما هو الظاهر من کلماتهم، أی أن للمودع الفسخ متی شاء، فیرد علیه إشکالان:
الأول: أن الفسخ یعنی تمکن المودع من استرجاع عین ماله- مع بقائه- أو قیمته مع التلف أو ما هو بحکمه کاختلاطه بغیره من الأموال بنحو لا یتمیز عن غیره، و إن علم بقاؤه فی ضمن أموال المصرف و المودعین الآخرین کان المال بینهم.
و فی کافة الصور لا یستحق المودع أکثر من الأموال التی أودعها لدی المصرف، و هذا خلاف واقع التوفیر المتعارف فی المصارف الموجودة، إذ من أولیاته إمکان استرجاع العمیل المال مع الأرباح المعینة کنسبة سنویة مئویة محددة.
الثانی: أن شرط الخیار المشروع تحدید مدته بنحو لا یحتمل الزیادة و النقصان، و التوفیر المصرفی لا توجد فیه مثل هذه المدة بل للعمیل سحب ما أودعه متی شاء، کما أن له إبقاءه إلی ما شاء علی أن تحتسب له الزیادة بنسبة متصاعدة، و لیس هذا من شرط الخیار المعروف.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 126
و إن کان الشرط هو تمکن المودع من أخذ ثمن المبیع قبل الوقت المعین إن رفع الید عن بعض ما علی المشتری من أرباح، فمعنی ذلک رجوع التوفیر إلی بیع عمولة بعمولة أخری أزید من الثمن نسیئة إلی مدة معینة مع خیار یجعل للبائع فی أن یطالب المشتری بالثمن قبل الموعد المقرر فی البیع مع رفع الید عن بعض ما یستحقه من الثمن.
و هذا التوجیه خلاف المعروف من عملیة التوفیر المصرفیة إذ لا تقرر فیه مدة معروفة، أما لو فرض فیه تعیین أقل المدة فهو یرجع إلی عملیة الودائع الثابتة و یرد علیها ما ذکر من إشکالات، إذن فالتوفیر غیر صحیح، هذا کله بالنسبة إلی أصل العملیة.
أما بالنسبة إلی ما یستلمه العمیل من مال فیجری فیه ما سبق من الودائع الثابتة من کلام علی التفضیل الذی ذکرناه، و لا داعی للإطالة بالتکرار.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 127‌

المال و منشأ المالیة فی المالیات

اشارة

المال فی اللغة: ما ملکته من کل شی‌ء، کما جاء فی القاموس «1» و تاج العروس «2» و أقرب الموارد و غیرها من کتب اللغة، و الظاهر من أئمة اللغة أن لفظ المال أجوف واوی کما نص علیه فی النهایة فی المادة «3».
و قد یظهر من الراغب فی مفرداته کون أصله (م ی ل) و هو العدول إلی أحد الجانبین قال: و المال سمی بذلک لکونه مائلا أبدا و زائلا، و لذلک سمی عرضا «4».
و فی مجمع البحرین: المال فی الأصل الملک من الذهب و الفضة، ثم أطلق علی کل ما یقتنی و یتملک من الأعیان، و أکثر ما یطلق عند العرب علی الإبل لأنها کانت أکثر أموالهم «5»، و هو موافق لما فی النهایة، و یوهم آخر کلام المجمع أنه أجوف یائی کما فی مفردات الراغب.
و أفاد سیدنا الأستاذ دام ظله:
«.. فی العرف أن المالیة إنما تنتزع من الشی‌ء بملاحظة کونه فی حد ذاته مما یمیل إلیه النوع و یدخرونه للانتفاع به وقت الحاجة، و یتنافسون فیه و یبذلون بإزائه شیئا مما یرغب فیه من النقود و غیرها ضرورة أن منا من الحنطة لیس کالمن من
______________________________
(1) القاموس المحیط: 4: 52 مادة (مول).
(2) تاج العروس 15: 703 مادة (مول).
(3) النهایة لابن الأثیر 4: 372 مادة (مول).
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 478 مادة (میل).
(5) مجمع البحرین 5: 475 مادة (مول).
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 128
التراب، فإن الأول ینتزع منه عنوان المالیة دون الثانی، و أما عند الشرع فمالیة کل شی‌ء باعتبار وجود المنافع المحللة فیه، فعدیم المنفعة المحللة (کالخمر و الخنزیر) لیس بمال.. إلی أن قال: ثم إنه لا وجه لتخصیص المال بالأعیان کما یظهر من الطریحی فی مجمع البحرین، بل المال فی اللغة و العرف یعم المنافع أیضا … إلخ» «1».
و یلاحظ علی ما فی القوامیس: أن تحدید المفهوم بما ملکته من کل شی‌ء غیر منسجم مع الموازین العلمیة لتحدید هذا المفهوم؛ إذ یرد علیه:
أولا: أنه یقتضی توقف المالیة علی الملکیة، و هذا یعنی أن الشی‌ء ما لم یملک لیس مالا، فالمعادن و الجواهر الکریمة و میاه العیون و الأنهار و غیرها من المباحات العامة لیست بمال قبل أن تتملک من أحد، و الوجدان لا یساعده؛ إذ هی مال و إن کانت لا تزال غیر مملوکة.
و ثانیا: لأنّه یقتضی أیضا وجود تلازم خارجی بین المالیة و الملکیة، مع أن هذا التلازم مما ینفیه الواقع المشهود، فکما سبق أن رأینا فی الأمثلة السابقة مالیة المباحات العامة یلاحظ کذلک بعض الأشیاء المملوکة لکنها فی نظر العرف لا تعتبر مالا کما فی حبة الخردل و الحنطة و ذرات التراب و شبهها.
و ثالثا: أنه یستوجب خروج منافع العبید و العقارات و الأشخاص و الأعیان قبل تعلق الملک بها عن مفهوم المال، إلا أن ما یهون الأمر أن الدقة العلمیة غیر مطلوبة من اللغویین؛ إذ جلّ اهتمامهم منصب علی الشائع من استعمالات الکلمة، و لا یؤمل منهم تحدید حقیقی لمفهومها.
و من هنا یظهر أیضا ما فی تعبیر صاحب مجمع البحرین و النهایة مع ظهور اختصاص المالیة لدیهما بالأعیان و هو غیر مسلم.
______________________________
(1) مصباح الفقاهة 2: 3- 4.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 129
و أما ما ذکر فی مصباح الفقاهة فهو و إن کان قد سبقه إلیه بعض الأعلام «1» إلا أنه غیر مسلم أیضا؛ إذ یرد علیه:
1- أن فیه تهافتا واضحا فهو فی حین ینکر علی صاحب مجمع البحرین حصره للمالیة فی الأعیان یکاد یصرح فی طیات حدیثه بهذا الحصر أیضا؛ إذ أخذ فی تعریف المالیة قید الادخار، مع أن المنافع- علی إطلاقها- لیست مما تدخر، و النتیجة هی حصر المالیة بما یمکن ادخاره و هو الأعیان.
2- لیس کل ما یتنافس فیه أفراد النوع أو یبذلون بإزائه شیئا مما یرغب فیه یکون مالا، فإن التلهی لیس مالا شرعیا بل و لا عرفیا، و هکذا منافع الزوجة و المقام الاجتماعی المتمیز و شبهها، فهی مما یرغب به النوع و یبذل بإزائه ما یبذل و هی مع ذلک لیست مالا شرعا و لا عرفا.
3- لم یرد دلیل واحد من قبل الشرع یفکک بین المفهوم العرفی و المفهوم الشرعی للمال أو یعین مفهوما شرعیا له، فالمالیة مفهوم عرفی و المحکم فیها هو العرف و لا یتأثر بالحرمة و الحلیة، فالشرع قد یحکم بحلیة التصرف فی بعض الأشیاء أو الانتفاع بها کالزوجة و الشمس و القمر و شبهها و لا یعتبرها من المال، کما أنه لا یظهر منه خروج کل ما یحرم الانتفاع به عنها و حتی ما مثل به من الخمر و الخنزیر لم یرد دلیل واحد یسلب المالیة عنهما و إن حرم الانتفاع بهما و حرمت المعاوضة علیهما، بل یمکن الاستئناس ببعض الأدلة التی لا یستقیم فیها غیر المفهوم العرفی للمال فیهما، فقد ورد فی:
صحیحة محمد بن مسلم عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی رجل ترک غلاما له فی کرم له یبیعه عنبا أو عصیرا، فانطلق الغلام فعصر خمرا ثم باعه قال: لا یصلح ثمنه، ثم قال: إن رجلا من ثقیف أهدی إلی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم روایتین من خمر فأمر بهما رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم فأهریقتا، و قال: إن الذی حرم شربها حرم ثمنها، ثم قال
______________________________
(1) ینظر: حاشیة المحقق الخراسانی علی المکاسب: 3
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 130
أبو عبد اللّه علیه السّلام: إن أفضل خصال هذه التی باعها الغلام أن یتصدق بثمنها «1».
و نحوها فی المنطوق روایة أبی أیوب «2».
و من الواضح أن الأمر بالتصدق یعنی ملکیة صاحب الکرم لثمن الخمر التی باعها الغلام جهلا و إن حرم التصرف فیه بغیر الصدقة فی خصوص المورد لحرمة المعاملة.
و هنا احتمالا آخر و هو أن الأمر بالتصدق إنما کان لبطلان المعاملة من جهة و عدم معرفة أصحاب الثمن، فیکون من المجهول المالک، و مع هذا لا دلیل علی عدم اعتبار الخمر فیها مالا؛ و لهذا قلنا بإمکان الاستئناس بهذه الروایة و لیس الاستدلال.
و مثل الصحیحة فی الدلالة روایة إسماعیل بن مرار عن یونس فی مجوسی باع خمرا أو خنازیر إلی أجل مسمی ثم أسلم قبل أن یحل المال، قال: له دراهمه، و قال: أسلم رجل و له خمر و خنازیر ثم مات و هی فی ملکه و علیه دین قال:
یبیع دیانه أو ولی له غیر مسلم خمره و خنازیره و یقضی دینه، و لیس له أن یبیعه و هو حی و لا یمسکه «3».
و هذه الروایة صریحة فی ملکیة الخمر و الخنزیر، و لکن لا یعتمد علیها؛ لإضمارها و ورود إسماعیل بن مرار فی سندها و هو لم یوثق.
و مثلها روایة مصدق عن عمار عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی حدیث قال: سئل عن رجلین نصرانیین باع أحدهما من صاحبه خمرا أو خنازیر ثم أسلما قبل أن
______________________________
(1) وسائل الشیعة 17: 223 ب (55) من أبواب ما یکتسب به ح 1.
(2) وسائل الشیعة 17: 223 ب (55) من أبواب ما یکتسب به ح 2.
(3) وسائل الشیعة 17: 227 ب (57) من أبواب ما یکتسب به ح 2.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 131
یقبض الدراهم هل تحل له الدراهم؟ قال: لا بأس «1».
مضافا إلی جملة من الروایات المعتبرة الدالة علی جواز استیفاء الدین مما علم أنه ثمن للخمر و الخنزیر «2».
إذن فالمالیة مفهوم عرفی عقلائی یتحکم فیه اعتبار العقلاء فمتی جری اعتبارهم فی مالیة شی‌ء حکم به و إلا فلا.
و من هنا یظهر ما فی ما ادعاه بعضهم من المالیة الذاتیة لبعض الأشیاء؛ إذ هو مما لا معنی له کما هو واضح حتی فی الذهب و الفضة إذ مالیتهما متقومة باعتبار العقلاء لهما لا بشی‌ء آخر.
کما أن العرف هو المحکم فی قیاس مالیة الأشیاء إذ هی تتفاوت و لا شک فمنّ من الحنطة تختلف مالیته عن منّ من القطن أو من الحدید أو الذهب؛ إذ المقیاس لا یخضع دائما لمدی ما یسدّه المال من حاجة أو ما یکفیه من ضرورة، أو ما یحققه من رغبة؛ لتفاوت هذه الأمور بین إنسان و آخر، بل هو فی جمیع الحالات تابع للاعتبار.
و کان الذهب فی الأزمنة الماضیة هو الشائع فی هذا المقیاس أو هو مع الفضة، أما فی الأزمنة الحدیثة فقد تضاءل هذا الدور أمام العملات النقدیة الصادرة من الدول إذ هی المقیاس البارز حتی لمالیة الذهب و الفضة سواء أ کانت هذه العملات مما یسمی بالعملات العالمیة أم المحلیة.
و یختلف الاعتبار فی هذه العملات أو ما یسمی بالأوراق النقدیة، فقد یقتصر اعتبار الجهة المصدرة فی ورقة معینة علی تحقیق غرض خاص کطوابع البرید و المال و السندات فمالیتها محددة بما عینه الاعتبار لها من غرض، و قد یجعل لها الاعتبار صبغة شمولیة تنسجم مع جمیع أغراض الحیاة و شئونها فی بلد معین
______________________________
(1) وسائل الشیعة 25: 376 ب (34) من أبواب الأشربة المحرمة ح 3.
(2) وسائل الشیعة: ب (60) من أبواب ما یکتسب منه.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 132
کالدینار العراقی و الکویتی و شبههما من العملات المحلیة أو ما هو أوسع دائرة من بلد الإصدار کالعملات الصعبة.

مالیة الأوراق النقدیة:

من الواضح أن الأوراق النقدیة المتعارفة- و مثلها غیرها مما جری استعماله مقیاسا لمالیة الأشیاء کالقطع المعدنیة المسکوکة فی العالم الحدیث- إنما هی مجرد أوراق أو قطع معدنیة لا تحمل فی ذاتها- لو غض النظر عن الاعتبار الخاص فیها- ما عین لها من مالیة فاستحقت من أجلها هذا التنافس المتمیز لاقتنائها و معادلتها بالأموال الأخری کالقماش و الطعام و الشراب و غیرها، و إنما اکتسبت هذه المالیة من اعتبار الجهة المصدرة لها حیث تملک هذه الجهة مثل هذا الاعتبار.
و الوجوه المتصورة فی هذا الاعتبار ثلاثة:
الأول: أن تکون لدی الجهة المصدرة ما یعادل هذه الأوراق المعتبرة من النقود الذهبیة و الفضیة المسکوکة و هی إنما أصدرت هذه الأوراق حاکیة عما تستوعبه خزائنها من تلک النقود، فمقابل کل دینار عراقی مثلا دینار ذهبی أو قضی مسکوک، و هکذا بالنسبة إلی أجزاء الدینار و مضاعفاته.
الثانی: أن تکون لدی الجهة المصدرة سبائک ذهبیة أو فضیة و تکون کل ورقة مما أصدرتها تلک الجهة حاکیة عن مقدار معین من ذلک المال المخزون.
الثالث: أن تکون مالیة هذه الأوراق متقومة بالاعتبار فقط و الدعم المعنوی من الجهة المصدرة التی تملک مثل هذا الاعتبار لما تملکه تلک الجهة من قوة مالیة و سلطة معروفة علی بعض المصانع و الشرکات و الثروات الطبیعیة و الاقتصادیة الأخری، و معنی هذا الدعم هو أن تتعهد هذه الجهة بانتفاع حاملها بما یقابلها
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 133
مما تحت إشراف تلک الجهة من المنافع و الأموال الأخری.
و هذا الوجه هو الشائع فی عملات معظم بلدان العالم حیث شاع أن عملته لا یختص اعتبارها بخصوص ما تملکه الدولة من ذهب أو فضة و إنما بکافة ما فی أرضه من ثروات طبیعیة و اقتصادیة، فورقة الدینار العراقی مثلا غیر حاکیة عن سکة ذهبیة أو مقدار معین من الذهب أو الفضة بل کل مالیتها متقومة بتعهد الدولة العراقیة بدفع ما یقابلها من مالیات الدولة التی تمتلکها أو تحت إشرافها، و هکذا العملات الأخری المعروفة، و هذا لیس غریبا؛ إذ مالیة الذهب و الجواهر الثمینة و شبهها إنما تتقوم بالاعتبار أیضا و إن کانت هی من المعادن إلا أن الفرق أن الاعتبار فی الأوراق النقدیة من جهة معینة بینما هو فی الذهب و الجواهر من تسالم عموم العقلاء؟
و هذا هو الفارق بین هذا الوجه و الوجهین السابقین، فبینما یعنی الوجه الأول و الثانی حکایة الورقة النقدیة إما لمقدارها من العملة المسکوکة من الذهب أو الفضة کما فی الوجه الأول أو لمعادلها من سبائک الذهب و الفضة کما فی الوجه الثانی، و لا یعنی الوجه الثالث سوی اعتبار الورقة من الجهة المصدرة و تعهدها بإمکان استفادة حاملها بما یعادلها من المالیات التی تحت إشراف الدولة.
و طبیعی أن تنشأ فروق تعاملیة کثیرة بین أوجه الاعتبار، کما سیتضح بعضها مما سیأتی إن شاء اللّه.

التعامل بالأوراق النقدیة

اشارة

قلنا: إن هناک فروقا فی التعامل بالأوراق النقدیة تبعا للأوجه الثلاثة السابقة فی منشأ مالیة هذه الأوراق، و هذا التعامل قد یکون بنحو بیع الأوراق المالیة و قد یکون بنحو القرض، فهنا موردان یمکن البحث فیهما:

المورد الأول: فی بیع الأوراق المالیة:

بحوث فقهیة معاصرة، ص: 134
ذکر الأعلام- و منهم السید الحکیم قدّس سرّه و سیدنا الأعظم دام ظله- أن مالیة الأوراق النقدیة لو اعتبرت علی الوجه الأول فالبیع فیها یعنی بیع دینار مسکوک بدینار مسکوک؛ إذ الملاحظ فی مالیة الورقة حکایتها عن مسکوک الذهب أو الفضة، و علی هذا لا بد فیه من منع التفاضل بین الثمن و الثمن؛ لأن البیع مع التفاضل فیه یعتبر بیعا ربویا و هکذا الأمر لو اعتبرت المالیة فیها علی الوجه الثانی؛ إذ علیه تعتبر الورقة لحکایتها عن السبائک المخزونة من الذهب أو الفضة أو غیرهما.
أما علی الوجه الثالث، حیث لا مالیة لهذه الأوراق وراء الاعتبار فلا مانع من التفاضل فی البیع فیها؛ إذ هی لا تحکی عن مکیل أو موزون بل هی من المعدود، و لا شبهة فی بیع المعدود مع التفاضل؛ إذ لیس هو من الربا الممنوع شرعا.
و لهذا صرح سیدنا الأستاذ دام ظله بجواز بیع الأوراق النقدیة مع التفاضل لما عرف من أنها- غالبا- جاریة وفق الوجه الثالث من أوجه الاعتبار.
إلا أن مواقع عدیدة للنظر تأتی فیما أفاده أولئک الأجلّة، فما ذکروه من صحة البیع من دون التفاضل لو کانت مالیة العملة جاریة وفق الوجه الأول یرد علیه:
1- أن ورقة العملة حین تعتبر مالیتها لحکایتها عن الذهب و الفضة المسکوکین فمعناه أن البیع فیها یکون من الصرف، و هذا یستوجب التقابض فی المجلس کما هو الشرط فیه، و یبطل البیع من دونه، بینما التقابض فی بیع الأوراق المالیة لنفس الأوراق، و لیس لما تحکی عنه من الذهب و الفضة المسکوکین.
2- لما کانت ورقة العملة حاکیة للمال الحقیقی المسکوک الموجود لدی الجهة المصدرة فمعناه أن هذه الجهة تعترف بأنها مدینة لحاملها بالمقدار المحدد فیها، فیمکن اعتبار هذه الورقة کوصل اعتراف بهذا الدین، فبیع مثل هذه الأوراق یعنی بیع ما فی ذمة الجهة المصدرة، و حین یکون الثمن کذلک کما هو المتصور
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 135
فی أوراقه أیضا فتکون النتیجة فیه من باب بیع ما فی الذمة بما فی الذمة أی من بیع الدین بالدین، و هو ما اشتهر لدی الأعلام بطلانه و تصحیحه یحتاج إلی دلیل.
و غریب من سیدنا الأستاذ دام ظله أن یصحح بیع الأوراق المالیة علی هذا الوجه إن لم یکن مع التفاضل مع وضوح ورود هذین الإشکالین علیه.
و حاول الشیخ حسین الحلّی قدّس سرّه تصحیح هذا البیع مع هذا الوجه علی أساس أن تعهد الدولة بدفع الدینار المسکوک مقابل الدینار الورقی یجعل الدینار الورقی وجودا تنزیلیا للدینار المسکوک و کأنه فی متناول ید حامل الورقة و کأن تسلیم البائع للورقة تسلیم لذات الدینار المسکوک، و هکذا تسلیم المشتری فیتم تقابض المسکوکین تنزیلا و یصح البیع.
و هذا التصویر غریب منه قدّس سرّه؛ إذ یرد علیه:
أولا: أن هذا التعهد یقتضی کون صاحب الدینار الورقی مستولیا علی نفس الدینار الذهبی أو الفضی المسکوک، و هذا معناه أن من یبلغ لدیه مقدار النصاب الشرعی من النقود الورقیة تجب فیه الزکاة؛ إذ هو مالک للنصاب النقدی فعلا، و لا موجب لإسقاط الزکاة عنه، و هذا ما لم یقل به الشیخ الحلی قدّس سرّه؛ إذ هو لا یری وجوب الزکاة فی الأوراق النقدیة، حتی لو اعتبرت مالیتها علی الوجه الأول.
و ثانیا: أن هذا التعهد لا یحقق الاستیلاء شرعا بل لا یکفی لما هو دونه مرتبة، و إن کان النظر فیها مجرد الحکایة عن الذهب و الفضة المسکوکین، فیرد علیه الإشکالان السابقان، و لا یکفی ما ذکره من التوجیه فی التخلص منهما.
و ثالثا: أن هذا التعهد یجعل المالیة فی نفس الأوراق، و هذا یعنی اتحاد هذا الوجه و الوجه الثالث المتقدم؛ إذ لم ینظر فی مالیة الأوراق حکایتها عن مال آخر، سوی تعهد الجهة المصدرة لتلک الأوراق، و علی هذا فلا وجه حینئذ لبحثه قدّس سرّه فی إمکان ثبوت الزکاة لهذه الأوراق أو عدم ثبوتها.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 136
کما لا یمکن تصحیح البیع فی الأوراق النقدیة إذا اعتبرت علی الوجه الثانی المتقدم حتی مع عدم التفاضل علی منهج سیدنا الأعظم دام ظله؛ إذ هو یری أن التبایع فی الذهب و الفضة و إن لم یکونا مسکوکین مما یحتاج إلی التقابض فی المجلس أیضا، و من الواضح أن التقابض فی الأوراق النقدیة للحاکیین عن الذهب و الفضة- بناء علی اعتبار مالیتهما من هذه الناحیة کما هو الفرض- و لیس لذات المعدنین المخزونین.
و کذلک یرد الإشکال الثانی مما یرد علی الوجه الأول؛ إذ بعد فرض تعهد الجهة بأن الورقة تعنی استحقاق مقدارها من الذهب فی ذمتها لحاملها، فالتقابض یعنی قبض کل من البائع و المشتری لسند ذلک الدین الذی فی ذمة تلک الجهة، فهو بیع دین بدین، و هو ما لا دلیل علی اعتباره کما سبق أن عرفنا.
إذن فکل من الوجه الأول و الوجه الثانی لا یصح معهما البیع فی الأوراق النقدیة إلا أن مثل هذه الأوراق مما یقطع بعدم وجودها فی الوقت الحاضر، و لا سیما فی العملات العالمیة، و کل ما یعرف من هذه الأوراق إنما تجری مالیتها علی الوجه الثالث، و لا إشکال فی بیعها و شرائها، حتی مع التفاضل؛ إذ التفاضل إنما یمنع فی خصوص المکیل و الموزون بینما لا تعد الأوراق إلا من المعدود فلا إشکال.
و علی هذا جری الأعلام کالشیخ حسین الحلی قدّس سرّه و السید الحکیم قدّس سرّه و سیدنا الأستاذ دام ظله کما عرفناه منهم و إن تردد السید الحکیم قدّس سرّه فیه و لم نعلم وجه التردد.
إلا أن هنا مسألة أشار إلیها کل من السید الحکیم قدّس سرّه و سیدنا الأعظم دام ظله و هی إمکان بیع دینار شخصی بدینار مع زیادة فی الذمة؛ إذ أفتی سیدنا الأستاذ دام ظله بعدم الجواز حتی مع القول باعتبار مالیة الأوراق وفق الوجه الثالث،
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 137
و استند فی المنع إلی أن التمایز و الاثنینیة بین الثمن و المثمن مما لا بد منه فی البیع و لا یصح البیع من دونه فمع فرض أن الثمن فی الذمة یصبح کلیا طبیعیا، و الکلی الطبیعی یمکن أن یتحد فی المصداقیة مع کافة أفراده و منها ذلک الفرد الذی استلمه المشتری کثمن فی عقد البیع، فحیث یمکن إعطاؤه کثمن للبائع اتحد کل من الثمن و المثمن، فلا تتحقق هذه المغایرة المطلوبة؛ إذ یصبح نفس الدینار المبیع دینار الثمن فیبطل البیع.
و قد حاول بعضهم تصحیح هذا البیع باشتراط شی‌ء تتحقق بموجبه هذه المغایرة کأن یقول البائع: بعتک هذا الدینار المشخص برقم کذا فعلا علی أن تدفع لی غیره فی یوم کذا، أو یقول: بعتک هذا الدینار الذی هو من هذه الفئة- کفئة دینار واحد- علی أن تسلمنی بعد شهر دینارا من فئة أخری- کفئة نصف دینار- و هکذا، فیرتفع الإشکال حیث یغایر مثل هذه الشروط بین الثمن و المثمن.
و یرد علی ما ذکره سیدنا الأعظم دام ظله و من تبعه أن ما ذکروه من دلیل إمکان توحد الثمن و المثمن بانطباق الکلی الطبیعی الذی فی الذمة- و هو الثمن- علی المصداق الخارجی- و هو المثمن- إنما یجری علی بعض آراء الفلاسفة لا الکل؛ فإن فی وجود الکلی الطبیعی رأیین أو أکثر؛
فمنهم من ذهب إلی أن الکلی الطبیعی خارجا هو عین أفراده الموجودة حقیقة مع الغض عن مشخصات کل فرد من هذه الأفراد، فالکلی الطبیعی بالنسبة إلی أفراده کالآباء المتعددین لأبناء متعددین، فمفهوم الأب یتحقق عینا بملاحظة وجود کل ولد- و هو الصحیح-.
و منهم من ذهب إلی أن وجود الأفراد الخارجی إنما هو مشیر إلی وجود الطبیعی و لیس هو عینه، و أنه کالأب الواحد لأبناء متعددین، و أن المضاف إلی هذا الفرد هو عین المضاف إلی ذلک الفرد من دون تغایر، و هذا ما رآه الرجل الهمدانی خلافا لابن سینا- کما قیل-.
و الذی ذکره سیدنا الأستاذ دام ظله إنما یتمشی مع الرأی الأول حیث یمکن مع
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 138
اتحاد المصداق اتحاد الثمن و المثمن، و إن کان أیضا لا یخلو من مناقشة- کما سیأتی-.
أما علی الرأی الثانی فلا مانع من صحة البیع حتی لو اتحد الفرد عنوانا؛ لأن التمایز حاصل فی العقد؛ إذ إن المثمن شخصی و هو عین الدینار الخارجی بینما الثمن هو الوجود الذمی الکلی الطبیعی، و ما الدینار الخارجی إلا مشیر إلی ذلک الکلی و لیس عینه، فتتحقق براءة الذمة بأی دینار یدفع و إن کان هو عین المدفوع مبیعا.
بل حتی علی الرأی الأول؛ إذ إن الکلی الطبیعی هو غیر الفرد الخارجی؛ لأن الفرد الخارجی موجود بوجوده التکوینی القائم علی مکوّناته و علله الخاصة، و أما الکلی الطبیعی فهو عنوان اعتباری ینتزعه العقل من ذلک العنصر المشترک بین الأفراد، و لا شک فی المغایرة بین الوجودین؛ و لهذا صحّ الحمل فی قولنا (زید إنسان) فلو کان زید هو عین الإنسان، لما صحّ مثل هذا الحمل الشائع.
إذن فلا مانع من هذا البیع، و ما ذکره الأعلام لا یصح سندا للتوقف فیه فی القضیة الکلیة، و إن أمکنت المناقشة صغرویا أیضا؛ فإن الوجود الذمی لیس الکلی الطبیعی بل الموجود فی الذمة نحو موجود یحصل بأسبابه و مکوناته فهو فرد مباین للموجود الخارجی تباینا کلیا؛ و لذلک یستحیل حمل أحدهما علی الآخر.

المورد الثانی: فی قرض الأوراق المالیة:

لا شک فی منع التفاضل فی القرض فیها فهو ربوی حتی لو قیل باعتبار مالیتها علی الوجه الثالث؛ إذ لم یحصر منع التفاضل فی خصوص المکیل و الموزون کما فی البیع بل هو شامل حتی للمعدود فیحرم قرض دینار بدینار و ربع علی کافة الأوجه، و هذا ما لا إشکال فیه.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 139‌

تنزیل الأوراق

اشارة

و فیه بحثان:

البحث الأول: فی تنزیل الأوراق النقدیة:

و المراد من هذا التنزیل- کما یظهر من کلماتهم أن یکون لشخص ما فی ذمة آخر مبلغ مائة دینار مثلا لمدة سنة فیبیع الدائن تلک المائة التی فی ذمة المدین حالا لشخص ثالث بأقل من الدین کتسعین دینار علی أن یستوفی المشتری مائة کاملة من الدین فی وقت الاستیفاء.
و لا بد من ملاحظة أن مجال الأخذ و الرد بین الفقهاء فی مثل هذه المعاملة هو خصوص البیع؛ إذ لو کانت بعنوان التنازل عن بعض الدین لمن یستوفیه من المدین فمما لا إشکال فیه، و قد وردت روایات عدة فی جوازه، و الظاهر عدم الإشکال حتی فیما إذا کانت المعاملة بقصد البیع؛ إذ هو لیس فیه ربا البیع و لا ربا القرض، و لا سیما علی الوجه الثالث الذی جرت علیه مالیة الأوراق النقدیة.
نعم لو کان بیع الدین الذی فی ذمة الشخص المدین نسیئة أیضا کأن یقول البائع: بعتک الدین الذی فی ذمة زید- و هو مائة دینار- لمدة سنة بتسعین دینارا لمدة ستة أشهر لم یصح البیع؛ إذ هو من بیع الدین بالدین، و قد عرفنا سابقا عدم صحته، و هذا الوجه کاف فی بطلان البیع، و لا حاجة للتعلیل بحاجة البیع إلی التمایز و المغایرة بین الثمن و المثمن و هو هنا غیر متحقق؛ إذ کل من البیع و الثمن یصدق علیه عنوان فی الذمة؛ إذ هذا التعلیل فی نفسه غیر تام؛ لأن الذمة لیست وجودا خارجیا و إنما هی وجود اعتباری، و التمایز فی الأمور الاعتباریة یکفی فیه الاختلاف فی ذات الاعتبار.
فما یوجد فی ذمة شخص له وجود اعتباری خاص ناشئ من علاقة شخصیة بین شخص و آخر فی معاملة توجب هذا الاعتبار کالبیع و القرض و غیرها، بینما
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 140
الموجود فی ذمة شخص آخر له وجود آخر ناشئ من علاقة أخری، بل لا یتحد هذا الاعتبار حتی فی ذمة الشخص نفسه لشخص واحد آخر ما دامت العلاقة متعددة، فکل من الاعتبارین یختلف عن الآخر و متمیز عنه، فلا إشکال من هذه الناحیة، بل المنع- کما عرفنا و سیأتی- من جهة أنه بیع الدین بالدین، و منعه من مسلّمات المذهب.

البحث الثانی: فی تنزیل الکمبیالات:

اشارة

للکمبیالة أسماء متعددة فی العرف فهی قد تسمّی أیضا: المستند المالی أو الأوراق المالیة غیر النقدیة أو السند، و ربما تعطی هذه الأوراق أسماء خاصة أخری تحت شعار معیّن فی مناسبة من المناسبات.
و علی کل حال فإن التسمیة غیر مهمة، بل المهم هو معرفة ما تعنیه هذه الأوراق فی صعید التعامل المالی.
و یمکن تعریف هذه الورقة بأنها ما کانت تحمل توقیع شخص أو جهة یعترف فیها الموقع بأنه مدین لحاملها بمبلغ معین إلی أجل خاص أو عند الطلب، و أن الموقع مستعدّ لدفع المبلغ حین الأجل أو الطلب.
و لهذا فإن هذه المعاملة لا تختص بالتعامل الفردی بین الأشخاص بل من الممکن جریانها بین الشرکات المساهمة، بل هی قد لا تحوی أی دین غیر التعهد المطلق من الموقع بدفع مبلغ معین لأی شخص یحملها فی وقت یذکر فیها أو حین الطلب، و هذا النوع غالبا ما تصدره الشرکات أو الدول فی أوقات الأزمات المالیة؛ إذ هی تبیعها فی تلک الأوقات علی الناس لاستحصال أثمانها و المساعدة علی تجاوز تلک الأزمات علی أن تقدم الجهة الموقعة بعد ارتفاع تلک الأزمات ما أخذته من مشتری السندات مع زیادة مقررة أو من دونها.
و فی کافة هذه الصور قد تکون تلک السندات الموقع علیها حاکیة عن دین حقیقی بین الموقع و المذکور اسمه فیها، و قد لا تحمل مثل هذه الحکایة؛ إذ قد
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 141
یعترف شخص ما لآخر بدین من دون أساس؛ لسبب من الأسباب، و السند الذی یحمل مثل هذا الاعتراف الکاذب یسمی بکمبیالات المجاملة أو السندات الصوریة أو الکمبیالات الاستنادیة، فزید قد یحتاج تسعین دینارا من خالد إلا أن خالدا لا یستطیع توفیر المبلغ المطلوب له بالفعل فیکتب علی نفسه سندا بأنه مدین لزید بمائة دینار بأجل سنة مثلا.
و تنزیل الکمبیالة یعنی أن صاحب الدّین الذی یحملها قد یبیعها علی شخص ثالث بأقل من المبلغ المذکور فیها أو مساویا له علی أن یستوفی المشتری جمیع ما ذکر فیها من مبلغ فی الحالین کاملا حین یحل أجلها إن کان فیها أجل، فزید فی المثال السابق یبیع سند المجالة من محمد بتسعین دینار فعلا علی أن یستوفی محمد من خالد مائة دینار حین یحل أجلها فیربح محمد من هذه العملیة عشرة دنانیر، و الحال نفسها یمکن تصورها فیما إذا کانت الکمبیالة تحکی عن دین حقیقی؛ إذ للدائن الذی اعترف المدین له أن یبیع المائة بتسعین أو مائة.
و الداعی إلی هذه العملیة قد تکون حاجة الدائن المعترف له أو بالأخری حاملها إلی المبلغ فعلا أو تسهیل الأمر علیه أو غیر ذلک من الأغراض العقلائیة المتعارفة.

و لاختلاف الأمر بین ما إذا کان هناک دین حقیقی و ما إذا لم یکن استدعی أن یجعل الحدیث فی موردین:

المورد الأول: إذا کانت الورقة تحکی عن دین حقیقی فی ذمة الموقع

، و البیع قد یکون:
1- من البیع الحال من دون أدنی دین: حیث یستلم البائع کل الثمن فعلا، و هذا لا مانع منه؛ إذ هو من بیع الدین الحال و هو جائز سواء أ کان مع التساوی أم مع التفاضل إذا کان کل من الدین و الثمن أو أحدهما من المعدود، أما إذا کانا من المکیل و الموزون فلا یجوز البیع؛ إذ المکیل و الموزون لا یجوز بیعهما إلا
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 142
یدا بید سواء أ کانا متجانسین أم مختلفین- کما قررناه فی مباحث الربا-.
نعم ذکر صاحب الجواهر قدّس سرّه أن هناک روایتین تعارضان الحکم المشهور فی جواز بیع الدین بالحال لا بد من الوقوف عندهما:
أولاهما: ما رواه الشیخ الکلینی و الطوسی عن أحمد بن محمد عن الحسن بن علی عن محمد بن الفضیل عن أبی حمزة قال: سألت أبا جعفر علیه السّلام عن رجل کان له علی رجل دین فجاءه رجل فاشتراه منه بعرض ثم انطلق إلی الذی علیه الدین فقال له: أعطنی ما لفلان علیک فإنی قد اشتریته منه کیف یکون القضاء فی ذلک؟ فقال أبو جعفر علیه السّلام: یرد علیه الرجل الذی علیه الدین ماله الذی اشتراه به من الرجل الذی له الدین «1».
ثانیتهما: ما رواه الشیخ الکلینی عن محمد بن یحیی و غیره عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عیسی عن محمد بن الفضیل قال: قلت للرضا علیه السّلام: رجل اشتری دینا علی رجل ثم ذهب إلی صاحب الدین فقال له: ادفع إلیّ ما لفلان علیک فقد اشتریته منه، قال: یدفع إلیه قیمة ما دفع إلی صاحب الدین و برئ الذی علیه المال من جمیع ما بقی علیه «2».
و رواها أیضا الشیخ الطوسی قدّس سرّه بسنده عن محمد بن أحمد بن یحی عن محمد بن عیسی عن محمد بن الفضیل «3».
و سند الروایة الأولی ضعیف؛ فإن فیها الحسن بن علی و هو مشترک بین من ثبت توثیقه و من لم یثبت.
أما الروایة الثانیة- و کذا الأولی- ففیها محمد بن الفضیل و قد اشتهر أنه مشترک
______________________________
(1) الکافی 5: 102 ب (24) بیع الدین بالدین ح 2.
(2) الکافی 5: 102 ب (24) بیع الدین بالدین ح 3.
(3) تهذیب الأحکام 6: 162 ب (81) الدیون و أحکامها ح 410.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 143
بین الثقة و هو محمد بن القاسم بن الفضیل، و غیره، و أنه مردد بین من هو من أصحاب الرضا علیه السّلام و الذی أدرک عصر الإمامین موسی بن جعفر علیه السّلام و الصادق علیه السّلام الذی ضعفه الشیخ و نقل فیه الرمی بالغلو، و بین غیره، و لکنک عرفت فی بعض الأبحاث المتقدمة وثاقة الرجل، و أن تضعیف الشیخ له لعله ناشئ مما رمی به من الغلو، و حیث لم یعرف منشأ لهذا الاتهام مع تعظیم الشیخ المفید قدّس سرّه له فی الرسالة العددیة فیرجح لدی النفس اعتقاد وثاقته، و لا یبقی احتمال تردده بین الثقة و غیره، فتعقیب الشیخ صاحب الجواهر قدّس سرّه علیهما معا بضعف السند فی غیر محله.
إلا أن الکلام فی دلالتهما فحیث ذکرهما صاحب الجواهر قدّس سرّه کروایتین مانعتین من بیع الدین بالحال بینما یبدو من دلالتهما أنهما تجوزان مثل هذا البیع و لا تمنعانه، فروایة أبی حمزة واضحة الدلالة علی هذا؛ إذ محکی قول الإمام علیه السّلام:
«یرد علیه الرجل الذی علیه الدین ما له الذی اشتراه به من الرجل الذی له الدین»، و المقصود بالرد هو الأداء و عبر عنه بالرد؛ لأنه تفریغ للذمة من الدین السابق.
و هکذا الأمر بالنسبة للروایة الثانیة حیث یقول محکی قول الإمام علیه السّلام «یدفع إلیه قیمة ما دفع إلی صاحب الدین» و هو شبه تصریح بصحة البیع؛ إذ معنی القیمة لا یتحقق إلا بتحقق مفهوم البیع.
و الغریب فی الأمر أیضا أن صاحب الوسائل ذکر هاتین الروایتین تحت عنوان (عدم جواز بیع الدین بدین) «1» مع أنه لا دلالة فیهما بل و لا إشارة علی مثل هذا البیع.
و علی أی حال فإن بیع الدین بالحال إذ کانا معدودین أو أحدهما لا إشکال فی جوازه.
______________________________
(1) وسائل الشیعة 18: 347 ب (15) عدم جواز بیع الدین بالدین ح 2 و ح 3.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 144
2- أن یکون البیع مؤجلا: أی فیباع السند الحاکی عن الدین بمبلغ یدفعه المشتری بعد فترة من الزمن تعیّن فی البیع، و هذا من بیع الدین بالدین، و هو مما اتفق علی عدم جوازه- کما قلنا، و یدل علیه ما رواه الشیخ الکلینی بسنده عن طلحة بن یزید عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم: (لا یباع الدین بالدین) «1».
و لیس فی رجال السند من یستشکل فی توثیقه غیر طلحة بن یزید، و قد قال النجاشی فیه أنه عامی له کتاب یرویه جماعة «2»، و أکد الشیخ الطوسی قدّس سرّه هذا الوصف فیه إلا أنه عقب بأن کتابه معتمد «3».
و مهما یکن القول فی الرجل إلا أن من اتفاق الإمامیة بل من مسلماتهم القول بعدم جواز بیع الدین بالدین کما یلحظ هذا من الشهید فی الروضة «4»، فلا توقف فی المسألة.
إذن فلا یجوز بیع السندات المالیة الحاکیة عن دین حقیقی ببیع مؤجل.

المورد الثانی: فی کمبیالات المجاملة

اشارة

و سبق أن قلنا: إن حامل ورقة سند المجاملة لیس دائنا حقیقة لمن وقع علیها، بل کل ما فیها أن الموقع یتعهد بدفع المبلغ المذکور فیها لمن یدفع إلیه الورقة فی وقتها
______________________________
(1) الکافی 5: 102 ب (24) بیع الدین بالدین ح 1.
(2) رجال النجاشی: 297 فی طلحة بن زید رقم (550).
(3) فهرست الشیخ الطوسی: 86، رجال الطوسی: 138 باب الطاء رقم (1464).
(4) قال رضوان اللّه علیه: یصح بیعه بحال لا مؤجل، ینظر: الروضة البهیة فی شرح اللمعة الدمشقیة 4: 19- 20 کتاب الدین.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 145
الذی وقع علیه المبلغ.
ففی المثال المتقدم حین یوقع خالد لزید بمبلغ مائة دینار فهذا التوقیع لا یعنی أنه مدین حقیقة بهذا المبلغ له فلا حکایة فی الکمبیالة عن دین واقعی لیجری فیه ما سبق من حدیث، بل کل ما فی الأمر أن خالدا یتعهد بدفع المبلغ لمن یدفع إلیه الکمبیالة بعد سنة.
و من هنا تبرز أهمیة الحدیث فی هذا النوع من السندات؛ إذ أن بیع مثل هذا النوع یستوجب أسئلة متعددة تفرض نفسها و لا بد فیها من إجابة واضحة حول کل منها:
هل أن بیع مثل هذه السندات صحیح أم لا؟ و لو قیل بالصحة فما وجه هذه الصحة؟
و کیف یستحق مشتری الکمبیالة استیفاء المبلغ المذکور ممن وقع علی السند؟
ثم- علی تقدیر استیفاء المشتری للمبلغ من الموقع- هل یستحق هذا علی البائع شیئا؟
و علی تقدیر القول بالاستحقاق فما وجهه؟
إذن فأی توجیه لتصحیح هذه المعاملة یجب أن یستوفی الإجابة الکاملة عن کل هذه الأسئلة و ما یتفرع عنها، کما یلاحظ أن الإجابة یجب أن تکون فی حدود الواقع المشهود من هذه العملیة لا بمستوی اقتراح طرق جدیدة فی التعامل المصرفی کما قلناه فی منهجنا الذی اتخذناه فی هذه الأبحاث عامة،

و یمکن أن نذکر هنا أوجها أربعة مما قیل لتوجیهها.

الوجه الأول: تنزیل توقیع المتعهد بالدفع علی هذه الورقة بمنزلة التوکیل فی الاستدانة،

و التملک لما یستدینه علیه، أی أن الموقع و کل من وقع له أن یستدین عنه ممن یشتری هذه الورقة منه ثم یتملک البائع المال المستدان و یحوّل الدائن علی الموقع، فمثلا لو وقع زید علی ورقة لحامد بمبلغ مائة دینار فهو قد وکّله بأن یستدین هذا المبلغ من أی شخص یشتری الورقة ثم یمتلک حامد المبلغ علی
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 146
أن یدفع زید المبلغ للمشتری، فلو أن خالدا اشتراها أصبح زید مدینا له حیث یجب علیه تسلیمه إیاه فی الوقت المذکور فیها أو مطلقا، فالتوقیع هنا یحوی فی الحقیقة وکالتین:
الأولی: فی الاستدانة علی ذمة زید.
و الثانیة: فی تملیک حامد المبلغ لنفسه عنه؛ إذ تملّک حامد للمبلغ لا یصح من دون هذه الطریقة.
هذا ما ذکره جملة من الأعلام منهم الشیخ حسین الحلی قدّس سرّه و بعض المعاصرین، إلا أنه غریب؛ إذ یرد علیه:
أولا: أن الغرض إنما هو علاج المعاملات الجاریة بین الناس فعلا لا إنشاء معاملات جدیدة، و المعاملات المعروفة فی تنزیل الکمبیالات إنما تجری کبیع و شراء و لا دلالة فیها علی توکیل.
ثانیا: أن الوکالة عقد جائز و لا یلزم أیا من الموکل أو الوکیل فلکل من طرفی العقد رفع الید عنها متی شاء، و هذا غیر ممکن فی تنزل الکمبیالات؛ إذ العرف و القانون یلزم الموقع بالدفع فی الوقت المحدد أو مطلقا.

الوجه الثانی: اعتبار هذه المعاملة من أبواب الضمان،

فالذی یوقع الکمبیالة یضمن لمن یدفعها إلیه تسلیمه المبلغ المذکور فیها بینما بائع الکمبیالة یعتبر مضمونا عنه و المشتری مضمونا له.
و الضمان هنا مما لا إشکال فیه؛ إذ هو عندنا انتقال المال من ذمة المضمون عنه إلی ذمة الضامن، و لیس من باب ضم ذمة إلی ذمة کما قال به بعض المذاهب الأخری لیقال إن ذمة المضمون عنه لم تشتغل بشی‌ء لتضم إلیها ذمة الضامن فی سندات المجاملة.
نعم هنا إشکال لا بد من ذکره و دفعه لتصحیح هذا التوجیه، و هو أن توقیع الضامن علی السند إنما کان قبل البیع و تحقق الاشتغال الفعلی لذمة المضمون عنه، فکیف یتصور الضمان قبل البیع؛ لأنه من ضمان ما لم یجب و هو باطل؟
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 147
و أجابوا عنه: بأن الضمان لا یشترط فیه ثبوت الدین فی ذمة المضمون عنه؛ إذ لا دلیل علی اعتبار مثل هذا الشرط، و مع التنزل فإن ما یمکن فهمه هو تحقق اشتغال ذمة الناس قبل اشتغال ذمة المضمون عنه، أما هنا فیمکن الالتزام بعدم اشتغال ذمة الضامن قبل بیع المضمون عنه ما لدیه من السند و استلام المبلغ الموقع علیه فالإنشاء فعلی و المنشأ متأخر حتی حصول البیع، و التعلیق بهذا المعنی لا دلیل علی بطلانه.
و هذا الوجه غیر صحیح کذلک لأمرین:
أحدهما: أن الضمان عقد لازم یحتاج إلی إیجاب الضامن و قبول المضمون له و إن لم یحتج إلی اللفظ، إلا أن مفاد العقد و ربط الالتزام بالالتزام لا یتحقق من دون عقد الموجب مع القابل، و فی بیع هذا النوع من سندات المجاملة لم یعقد الضمان بین الضامن الموقع و المضمون له المشتری له، و نحن إنما نقصد من الحدیث هنا معالجة المعاملات الجاریة فی تنزیل الکمبیالات- کما أشرنا-.
ثانیهما: أن العقود تابعة للقصد فالضمان لکی یتحقق لا بد أن یقصد من قبل جمیع أطراف العقد، إلا أن أیّا من ذوی العلاقة فی سند المجاملة لم یقصد الضمان، فیکف یحمل البیع علیه فی السند الصوری؟!
و ما ذکروه من محاولات لرفع الإشکالین لم یکن ذا کفاءة لرفعهما.
هذا، مضافا إلی ورود إشکالات أخری، کالتعلیق فی عقد الضمان، و أنه ضمان ما لم یجب، فتدبر.

الوجه الثالث: اعتبار هذه المعاملة من باب الحوالة و یمکن تصویرها بثلاثة أنحاء:

النحو الأول: أن البائع یبیع المبلغ الموجود فی الکمبیالة بما یستلمه من المشتری

و لکن بدلا من تسلیمه المبلغ المبیع یحیله علی الشخص الذی وقع علی الکمبیالة، و الحوالة هنا صحیحة؛ إذ الموقع و إن کان بری‌ء الذمة حین الحوالة إلا أن الحوالة علی البری‌ء صحیحة عند رجل الفقهاء.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 148
و یرد علیه:
أولا: أن بائع الکمبیالة لا یقصد بیع مبلغ فی ذمته لیحیله علی من وقّع علی الکمبیالة و تشتغل ذمة هذا الموقع بد لا منه، و إنما یقصد- فی المتعارف منها- أن یوقع البیع علی ذمة الموقّع رأسا، فلا قصد للحوالة من البائع.
و ثانیا: أن عقد الحوالة لیس ملزما للمحال علیه إذا کان بری‌ء الذمة حتی لو قیل بتصحیح الحوالة علی البری‌ء بینما العرف و القانون یلزم الموقع علی الکمبیالة بدفع المبلغ فی الموعد المحدد أو مطلقا و إن کان بری‌ء الذمة.
و ثالثا: أن مقتضی الحوالة تبرئة ذمة المحیل عن المال المحال بمجرد تمامیة عقد الحوالة و رضا المحال علیه به؛ و لهذا أجری الفقهاء علی الحوالة تعریفهم بأنها:
تحویل المال من ذمة إلی ذمة أخری، و تبرأ ذمة المحیل و لیس للمحال الرجوع إلی المحیل أبدا.
و مثل هذا التعریف لا یمکن تطبیقه فی بیع سندات المجاملة؛ إذا المشتری إذا لم یتمکن من استیفاء المال من الموقع علی الکمبیالة یرجع إلی البائع علی کل تقدیر، و إن کان لقصور منه، إذن فتوجیه العملیة بالحوالة بهذا النحو غیر تام.

النحو الثانی: أن یکون الموقع محیلا و محالا علیه فی الوقت نفسه،

فهو حین وقّع علی الورقة أحال کل من تصل إلیه علی نفسه أن یدفع المبلغ المذکور فیها فی الموعد المحدّد أو مطلقا، و إن کان وصولها لید حاملها مجانا.
و هذا النحو من الحوالة و إن لم یکن متعارفا إلا أنه یمکن تصحیحه بعموم أدلة الحوالة، و لعل العقلاء لا یشککون فی مثل هذه المعاملة، و لم یرد منعها من الشارع، و یمکن تشبیه مثل هذه الحوالة بأن یقول شخص لآخر: اشتر طعاما لک علی أن یکون الثمن علی و فی ذمتی، فمع تصحیح مثل هذه العملیة تصحّح عملیة تنزیل الکمبیالة السائدة فعلا بین الناس، و لم أجد من تعرض لهذا النحو من التوجیه، و لا إشکال فیه.

النحو الثالث: و هذا أیضا لم أجد من أشار إلیه، و ملخصه: أن الکمبیالة بعد توقیع المتعهد علیها تصبح بنفسها ذاتیة المالیة

بحوث فقهیة معاصرة، ص: 149
بنحو ما ذکرناه فی الورقة النقدیة علی الوجه الثالث- فحیث یکون التوقیع علیها قانونیا کما إذا ثبّت فی إحدی محاکم الدولة أو کان من مصرف أو جهة ذات أهلیة للاعتبار، أصبحت کبقیة الأوراق المالیة النقدیة، غایة الفرق أن الأوراق النقدیة یعتبر المصدّر لها دولة معینة، بینما الکمبیالة یمکن أن یوقعها شخص أو جهة أو مصرف أو غیر ذلک ممن له أهلیة الاعتبار.
و یؤید هذا النحو: بأن المتعارف بین الناس الاعتماد علی هذه الورقة، و جریانها مجری الأوراق النقدیة؛ و لهذا فإن تلفها یکون من نصیب المشتری، و لیس له سبیل إلی تحصیل المبلغ الموجود فیها ممن وقع علیها تماما کمن تلفت منه الورقة النقدیة.
و لما کان أی من هذین النحوین قابلا لتصحیح معاملة تنزیل سندات المجاملة فلا مانع من القول بالصحة لواحد منهما علی سبیل منع الخلو.
و هکذا تستبین الإجابة علی الأسئلة المتقدمة کلها، فالمعاملة صحیحة و لا مانع من جریانها؛ لأن الورقة أصبحت مما له مالیة ذاتیة بمجرد توقیع من له أهلیة التعهد فیستحق المشتری استیفاء المبلغ من الموقع حین یدفعها إلیه، و إلا رجع علی البائع أو من یحق له الرجوع علیه.
و أما حین یمتنع الموقّع من دفع المبلغ فهو یعنی سقوط الورقة عن المالیة فیبطل البیع، و یرجع المشتری علی البائع بالمبلغ الذی سلّمه إیاه، کما لو باعه دینارا تبین عدم صلاحیته للتعامل، و هذا الرجوع إنما هو لبطلان البیع و لیس فسخا له أو موجبا للخیار فیه.
کذلک لا إشکال فی الرجوع علی البائع بناء علی النحوین الأول و الثانی من توجیه الحوالة؛ إذ عدم رضا المحال علیه کاشف عن بطلان الحوالة،
کما لا إشکال فی رجوعه علی البائع بناء علی اعتبارها من الضمان؛ إذ یوجد فیها شرط ضمنی ارتکازی هو أن المشتری یرجع علی البائع بالمبلغ حین یمتنع
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 150
الضامن من التسلیم، و یکون هذا الشرط مشمولا لأدلة الوفاء بالشرط فحیث لا یعطی الضامن المبلغ کان للمشتری خیار الفسخ و استیفاء ما دفعه للبائع من ثمن.
و من هذا یتضح عدم ورود ما احتمله بعض المعاصرین من أن الرجوع إلی البائع یمکن أن یکون من باب المصالحة؛ لعدم تحقق القصد إلیها الذی هو مناط المعاملة مع أن المصالحة إنما تکون فی حال التنازع أو منشئه- علی المختار-، أما هنا فحیث یعتبر عند تنزیل الکمبیالة لازما فلا وجه للتخاصم بعد براءة ذمة البائع سواء اعتبرناه محیلا أو وکیلا أو مضمونا عنه بحسب الاحتمالات الثلاثة المتقدمة.

تعقیب

لعل من الجدیر بالذکر تعقیب الحدیث فی تنزیل الکمبیالات بالتنبیه علی أن هذا التنزیل سواء أ کان فی السندات الحقیقة أم المجاملیة لا مانع منه حین یکون الموقع علیها أو مشتریها شخصا من الناس أو مصرفا أهلیا لا یتعامل بالربا، کما لا إشکال فی بیعها و استلام المبلغ المذکور فیها علی واحد مما سبق من التوجیهات الصحیحة، و یجری مثل ذلک فی المصارف الحکومیة بناء علی ملکیة الدولة.
فالإشکال یرد مع المصارف الحکومیة و الأهلیة المتعاملة بالربا، أو الحکومیة مطلقا مع القول بعدم ملکیة الدولة، فلا بد من ملاحظة الحدیث الذی ذکرناه فی المصارف.
فالمصارف الحکومیة قد یکون رأس المال الذی عین لها من الأنفال أو مما تجبیه من الناس من المصادرات و الضرائب المشروعة، فلا بد من الرجوع إلی الحاکم الشرعی لتصحیح التصرف فیها و إن قیل بملکیة الدولة؛ إذ الأنفال من أموال الإمام و المصادرات و الضرائب من أموال الناس الذین لا یعرف أشخاصهم
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 151
فیعتبر مجهول المالک، و مثلها ما فی هذه المصارف من أرباح غیر مشروعة کنتیجة لبیوع باطلة أو معاملات ربویة و غیرها.
أما إذا کان رأس المال المعین من معاملات الدولة المشروعة و أملاکها الخاصة و لم یختلط بواحد مما سبق فیصح الاستلام کما سبق و التملک مع القول بملکیة الدولة، و إلا فلا بد من إذن الحاکم الشرعی، و أما فی حالة الاختلاط کما هو الواقع الفعلی للمصارف فلا بد من الإذن لتصحیح أی معاملة.
و مثله ما إذا اختلطت الأموال فی المصارف الأهلیة بین ما هو مشروع و ما هو غیر مشروع کما علیه المصارف فعلا لتعاملها بالربا و البیع غیر الصحیح و غیر ذلک، فلا بد أیضا لتصحیح أی استلام و تصرّف من إذن الفقیه الجامع لشرائط الفتوی؛ لاختلاط الأموال بین الحلال و الحرام و مجهول المالک.
و لکن یمکن أن یقال- کما لا یبعد-: إن ما یأخذه الإنسان من أی جهة بمعاملة صحیحة یتملکه فی ظاهر الشرع ما لم یعلم أنه یحرم أخذه شرعا و إلا لما قامت للمسلمین سوق.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 152‌

الکفالات المستحدثة

اشارة

من العملیات المصرفیة المعروفة ما یسمی بالکفالات المستحدثة، و تتأدی هذه العملیة بما إذا اتفق شخص و لیکن (زیدا) مثلا مع مقاول و لیکن (خالدا) علی إنجاز عمل کبناء بیت بسعر معین و وقت معین إلا أن المؤجر لم یطمئن إلی کفاءة المقاول أو إلی صدقه فی وعده و إنجازه العمل فی موعده المقرر و بکافة ما استوعبته المقاولة من اتفاق فی المواصفات و الخصائص، فیطلب المقاول من المصرف کفالته لدی صاحب العمل علی أن یدفع المصرف مبلغا معینا من المال لإتمام العمل علی المواصفات المطلوبة لو أخل المقاول بالمعاهدة فی الوقت و المواصفات علی أن یستوفی المصرف المال من المقاول مع زیادة فائدة معینة علی ما دفع بنسبة مقررة.
و طبیعی أن ترد تساؤلات عدیدة لا بد من الإجابة عنها:
1- هل تصح هذه المعاملات شرعا؟
2- ما حکم ما یحصل علیه صاحب العمل لو أخل المقاول بالاتفاق؟
3- ما حکم الزیادة التی یتقاضاها المصرف من المقاول؟ بل ما حکم رجوع المصرف علی المکفول بما دفعه؟
4- ما حکم نفس العمل المتفق علیه فی هذه المعاملة؟
فهذه جهات أربع ینبغی عرضها علی القواعد الشرعیة لیعلم نظر الشریعة من خلالها:

الجهة الأولی: فی صحة العملیة:

اشارة

قد حاول البعض تصحیح هذه المعاملة من خلال توجیهات حاول تطبیقها علیها و یمکن ملاحظة أهمها:

التوجیه الأول: تنزیل هذه المعاملة علی الوعد الصرف

من البنک من دون أن
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 153
یلزم بدفع شی‌ء حتی لو قصر المقاول فی إنجاز العمل إذ الوعد لا یجب الوفاء به.
و الحق أن هذا التوجیه غیر تام؛ إذ هو:
1- خلاف المشاهدة فی هذه المعاملة؛ إذ المعروف أنه عقد یلزم المصرف بالدفع لما التزم به لصاحب العمل.
2- أنه یعنی عدم اشتغال ذمة المصرف بشی‌ء للمتعهد له فی حال تقصیر المقاول، کما لا یقتضی اشتغال ذمة المقاول للمصرف لو دفع هذا إلی صاحب العمل شیئا لو قصر المقاول، و هذا خلاف واقع المعاملة المعروف، و حینئذ فلا یتم هذا التوجیه.

التوجیه الثانی: اعتبار هذه المعاملة من الجعالة،

و هذا الوجه احتمله الشیخ حسین الحلی قدّس سرّه و غیره من المعاصرین، و التساؤل فی هذا التوجیه عن الجعل ممن هو؟ فقد یقال: إن المقاول هو الذی یضع الجعل للمصرف علی أن یتم العمل بدله لو أخلّ به أو قصر بمواصفاته و شرائطه، و هذا الجعل لتصحیح ما یأخذه المصرف من الزیادة، و هذا الاحتمال یظهر من کلام الشیخ الحلی، إلا أنه مما لا یمکن تصحیحه؛
1- لأن لازمه عدم لزوم ما تعهد به المصرف؛ لأن الجعالة لیست لازمة بالنسبة إلی العامل و إن لزمت بالنسبة إلی الجاعل علی تقدیر قیام العامل بالعمل.
2- و لأن اللازم علی هذا أن یدفع المقاول الجعل للمصرف بمجرد قیام المصرف بالکفالة؛ لأنها هی العمل الذی یقوم به المصرف لو کان عاملا فی الجعالة.
3- و لأن هذه الجعالة لا تستوجب اشتغال ذمة المقاول للمصرف بالزیادة لو دفع هذا شیئا مقابل تقصیر المقاول؛ إذ الجعالة- کما هو المفروض- علی نفس الکفالة کما لا تستوجب اشتغال ذمة نفس المصرف؛ إذ الجعالة لیست لازمة علی العامل لا ابتداء و لا استدامة.
و قد یقال: إن الجعالة کانت من نفس صاحب العمل المتعهد له علی الکفالة،
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 154
و هذا الوجه ضعیف؛ لأن مقتضی الجعالة أن العامل غیر ملزم بالعمل و إن استحق الجعل حین یقوم به، و أن ذمة الجاعل هی التی تشتغل بالمال حینئذ، و هذا یعنی أن المصرف غیر ملزم بالقیام بأی عمل، و أنه هو الذی یستحق علی صاحب العمل ما جعل له فی حال التنفیذ بینما المشاهد فی معاملة الکفالة المستحدثة عکس هذا؛ إذ المصرف هو الذی تشتغل ذمته بالمبلغ فی حال تقصیر المقاول، فهذا الاشتغال غیر مستند إلی دلیل.
ثم- مع فرض تصحیح مثل هذه الجعالة- ما هو الملزم للمقاول المکفول فی العملیة لکی یدفع للمصرف ما دفعه لصاحب العمل مع زیادة الجعل؟
إذ هو أجنبی عن المعاملة، فالعامل هو المصرف و الجاعل هو صاحب العمل، و مقتضی الجعالة أن تشتغل ذمته لا ذمة غیره، إذن فاشتغال ذمة المقاول بلا دلیل، مع ما عرفت من أن الجعالة لا تلزم العامل و إن قلنا إنها عقد- کما هو المختار-.

التوجیه الثالث: تنزیل المعاملة علی المصالحة بین الطرفین.

و التساؤل عن المراد فی هذه المصالحة ما هو؟
لأنه إن أرید بها المصالحة بمعناها اللغوی المنسجم مع التوافق، فهذه لا دلیل شرعیا علی إمضائها إذ لا دلیل علی شرعیة کل اتفاق و إن لم یکن فی ضمن ما عهد من معاملات فضلا عن لزومه.
و إن أرید بها المصالحة بالاصطلاح الشرعی المعروف لدی الفقهاء ففیه:
1- أن القدر المتیقن من مشروعیة هذه المصالحة هو ما یتأتی لرفع النزاع الفعلی أو ما یمکن أن یکون منشأ لمثل هذا النزاع کأن تشتغل ذمة أحد من الناس لآخر و لا یعلمان مقدار المبلغ الذی اشتغلت به الذمة، فیتصالحان لرفع النزاع بینهما، أما حیث لا ترد منازعة فعلا أو احتمالا فلا دلیل علی مشروعیة المصالحة حینئذ؛ إذ لا إطلاق تام فی أدلة الصلح یقتضی مشروعیته فی جمیع الحالات.
2- و مع تسلیمه فإن لزوم الصلح محل بحث لدی الفقهاء، فمن الفقهاء من قال
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 155
بلزومه و منهم من قال بعدمه، بینما المعروف من الکفالة المستحدثة المجراة فی الأسواق المصرفیة، أنها لازمة إذ لیس لأی من أطراف المعاملة الانسحاب منها سواء أ کان هو المصرف أم المقاول أم صاحب العمل، فکل من هؤلاء ملزم بدوره فی المعاملة.
3- ثم إن هذه المصالحة أین موقعها؟
و لا یتعقل أن تکون بین صاحب العمل و المقاول؛ لأن الذی بینهما إنما هو إجارة للقیام بالعمل و لیس هو من المصالحة فی شی‌ء، کما أنها لا تکون بین المصرف و رب العمل؛ إذ هو لا یستحق علی المصرف شیئا قبل تخلف المقاول عما ألزمته به الإجارة من وقت أو مواصفات عمل بینما مقتضی المصالحة هو الاستحقاق بمجرد تمامیة العقد؛ لأن تأخر الأثر عن المؤثر غیر معقول.
و مثل هذا أیضا یقال فی جریانها بین المقاول و المصرف؛ إذ المصرف لا یستحق العمولة قبل دفعه المبلغ لصاحب العمل حین یتخلف المقاول عن العمل، فلا یمکن تصحیح هذا التوجیه أیضا.

التوجیه الرابع: اعتبار هذه الکفالة عقدا مستقلا مستحدثا،

فهو و إن لم یشمل بواحد من عناوین العقود المعروفة إلا أنه یمکن أن یصحح بعمومات و إطلاقات أدلة العقود.
و فیه:
أننا عرفنا و من خلال ما سبق من حدیث ما فی مثل هذه الدعوی من وهن؛ حیث لا یمکن تسلیم شمول العمومات لما لم یعرف من عقود فی زمن التشریع و صدور الأدلة.

التوجیه الخامس: إمکان ترتیب الضمان علی مثل هذه المعاملة،

بدعوی أن المصرف المتعهد یضمن لرب العمل علی المقاول إتمام العمل فی مدة معینة و مواصفات محددة، و إن هو أخل به قدم المصرف من المال ما یتم به العمل، و هذا الضمان لیس مجانیا بل هو یتم لقاء مبلغ معین یأخذه من المضمون عنه
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 156
زیادة علی ما سلمه کأجرة یأخذها لهذا الضمان.
و هذا الضمان یستوجب اشتغال ذمة المصرف بإتمام العمل کما استوجبت الإجارة اشتغال ذمة المقاول به أیضا و ذمة صاحب العمل بالأخرة، و لهذا مطالبة المصرف بالعمل حین یقصر المقاول بتعهده، فالکفالة المصرفیة ضمان لحق المتعهد له الثابت فی ذمة المتعهد و لکنه معلق علی عدم إتمام هذا لما التزم به و تعهد لرب العمل، و لا دلیل علی بطلان مثل هذا التعلیق من العقل و النقل.
و ما ورد فی العتق و الطلاق و النکاح لا یمکن تسریته إلی المورد، کما أن ما ادعی من إجماع لا سبیل إلی إحراز الحجة فیه، إذ المحصل الکاشف عن رأی المعصوم غیر متحقق و ما ینقل منه غیر حجة.
نعم إن المؤاخذة إنما تتصور من جهة الزیادة التی یستوفیها المصرف من المقاول المضمون عنه فإن المشهور من العلماء ذهبوا إلی أن الضامن لا یستحق علی المضمون عنه سوی ما دفعه إلی المضمون له، و یدل علیه ما رواه:
الشیخ رحمه اللّه بسنده عن عمر بن یزید قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن رجل ضمن علی رجل ضمانا ثم صالح علیه قال: لیس له إلا الذی صالح علیه «1».
و مثله رواه بسنده عن محمد بن علی بن محبوب عن بنان بن محمد عن صفوان عن ابن بکیر «2».
و رواها أیضا بسنده عن الحسین بن سعید عن محمد بن خالد عن ابن بکیر إلا أن فیه أنه قال: ثم صالح علی بعض ما صالح علیه «3».
و رواها أیضا الشیخ الکلینی عن محمد بن یحیی، عن أحمد بن محمد بن عیسی
______________________________
(1) تهذیب الأحکام 6: 181 ب (84) من کتاب الدیون و الکفالات و الحوالات و الضمانات ح 7.
(2) تهذیب الأحکام 6: 181 ب (84) الکفالات و الضمانات ح 6.
(3) تهذیب الأحکام 6: 177 ب (083) الصلح بین الناس ح 4.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 157
، عن محمد بن عیسی، عن ابن بکیر، عن عمر بن یزید «1».
و قد ورد الخبر أیضا فی مستطرفات السرائر عن کتاب ابن بکیر «2».
و لکن یرد علیه:
أولا: أن هذه الأخبار بعیدة عن محل البحث؛ إذ موردها حیث لا یقوم الضامن بأی عمل غیر تسدید ما ضمن من مال کما هو المتعارف فی موارد الضمان الأخری حیث لا یدفع جمیع المال و یکتفی ببعضه بنحو المصالحة علیه، و ما نحن فیه یلتزم المصرف الضامن بتسدید جمیع المال المضمون، و إتمام المقاولة رسمیا بإتمام الأعمال الإداریة و الروتینیة أیضا.
و ثانیا: ضعف سندها؛ لأن عمر بن یزید مشترک بین الثقة و غیره، فتصحیح طریق الشیخ إلیه فی الطریق الأول بنحو من الأنحاء لا یفید، و الطرق الأخری مخدوشة ببنان بن محمد؛ إذ هو ممن لم یرد فیه توثیق سوی ما حکی عن الوحید قدّس سرّه فی تعلیقته من استفادة التوثیق من عدم استثناء محمد بن أحمد بن یحیی لروایته؛ إذ هو إشعار منه بالاعتماد علیه بل توثیقه «3»، و کذلک ما جری علیه سیدنا الأعظم دام ظله فی مسلکه المعروف من توثیق من یوجد اسمه فی کامل الزیارات «4»، إلا أن کلا الرأیین مما لا نقول به فیبقی من دون توثیق.
کما یمکن الخدشة فیها من جهة محمد بن خالد فإنه مشترک، و ابن بکیر فإنه کان فطحیا و إن صدرت دعوی صحة ما یرویه.

الجهة الثانیة: فی وجه تصحیح ما یأخذه صاحب العمل من المصرف،

و هذا الوجه تابع لما سبق عرضه من توجیهات لتصحیح هذه المعاملة، فبناء علی
______________________________
(1) الکافی 5: 260 ب (123) من الصلح ح 7.
(2) السرائر 3: 632.
(3) ینظر: معجم رجال الحدیث 4: 273 فی ترجمة بنان رقم (1895).
(4) معجم رجال الحدیث 1: 50 فی المقدمة الثالثة، التوثیقات العامة.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 158
اعتبار المعاملة من باب الجعالة، أو القول بأنها عقد مستقل، فإن صاحب العمل بمقتضاهما یستحق ما تعهد المصرف به من مال حین یتخلف المقاول عن القیام بما التزم به من عمل، و هذا واضح مع القول بصحة التنزیل علی واحد من هذین العقدین لأدلة الوفاء بالعقد، کما هو الفرض.
و الأمر نفسه یجری بناء علی ما اخترناه من تنزیل المعاملة علی الضمان؛ إذ صاحب العمل یستحق بمقتضاه ما ضمن المصرف تقدیمه من مال حین یتخلف المقاول عن تعهده، و هکذا لا إشکال فی صحة استلام صاحب العمل ما یقدمه المصرف بناء علی التوجیه الأول و الثالث أی اعتبارها و عدا صرفا أو مصالحة، إذن فلا إشکال فی هذه الناحیة.
إلا أن مما یستغرب من الشیخ الحلی قدّس سرّه اضطراب حدیثه فی المسألة؛ إذ هو یربط ما بین هذه الکفالة و بین الکفالة بالاصطلاح الشرعی المعروف، و لهذا بدا کأنه یبنی استحقاق المکفول له لما یقدمه المصرف علی الأقوال المذکورة فی تلک المسألة، و یمکن أن یقال فی تصویر الکفالة المصطلحة:
إنه لو کان لنصیر حق علی علی و أراد علی الغیبة إلا أن نصیرا لم یطمئن لغیبته فطلب من یکفله و یتعهد بإحضاره وقت أداء الحق فرضی محمد بکفالته، فحین یحضر محمد علیا لا کلام، أما إذا لم یحضره فإن کان الحق غیر مالی فإن الکفیل لا یلزم بأداء الحق سواء أ کان من حق اللّه کالحدّ أم من حق العباد کالقصاص؛ إذ مثل هذا الحق لا یلزم به سوی مقترف الجریمة.
و إن کان الحق مالیا کالدین و الزکاة- بناء علی إمکان الکفالة فی الحق الإلهی المالی؛ إذ هو مورد خلاف- فهل أن الکفیل یلزم بدفع المال عن المکفول أو لا؟
و المعروف بین الفقهاء عدم إلزام الکفیل بدفع شی‌ء غیر إحضار المکفول مع تمکنه، و نسب هذا إلی المشهور إلا أن بعض الأجلة من العلماء قالوا بإلزام الکفیل بالمال کما یلزم بإحضار المکفول، و اختلف هؤلاء أیضا فمنهم من قال:
إن مقتضی الکفالة إلزام الکفیل بواحد من الأمرین معا و فی عرض واحد علی
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 159
نحو التخییر و منهم من قال: بأن مقتضاها إلزام الکفیل بإحضار المکفول أولا و إلا فیلزم بدفع المال.
و الشیخ الحلی قدّس سرّه حین ربط الکفالة المستحدثة بهذه الکفالة الشرعیة اضطرب کلامه فلم یستعرض المسألة بالنحو اللائق، و هذا غریب منه قدّس سرّه.
و من الوجوه السابقة ظهر أن المسألة أجنبیة عن الکفالة الشرعیة، إذ فی هذه الکفالة إنما یلزم الکفیل بإحضار المکفول سواء أ کان هذا الإلزام فی عرض تقدیم الحق أم أسبق منه درجة فی الترتیب، بینما فی الکفالة المصرفیة المستحدثة- موضوع الحدیث- لا یلزم المصرف مع إخلال المقاول بغیر تقدیم ما یتم به العمل من مبلغ و ینجز بالنحو المطلوب، بنحو ما یضمن للمتعهد له تحقیقه بالمواصفات التی اشترطها فی مقاولته مع المقاول، أما إحضار المتعهد عنه، أو إتمام العمل ذاته فهذا مما لا یلزم به المصرف المتعهد بحال من الأحوال.
و مما یزید الأمر غرابة ما عقب به مقرر بحثه: من أن المصرف المتعهد لو دفع إلی المتعهد له صاحب العمل ما التزم به فهل له أخذ ما أعطاه من المقاول المتعهد عنه أو لا یحق له ذلک؟
فحکم بأن هذا الجواز یعتمد علی إذن المقاول المتعهد عنه فإن کانت المعاملة عن رضاه و إذنه رجع المصرف علیه بما دفعه إلی صاحب العمل و إلا فلا؛ إذ کل هذا أجنبی عما نحن فیه- کما هو واضح-.

الجهة الثالثة: فی المجوز لرجوع المصرف الکفیل علی المکفول بما أعطاه، و الزیادة التی یأخذها،

و هذا المجوز واضح سواء بالنسبة لرأس المال أو الزیادة، بعد أن قیل بتصحیح المعاملة؛
لأنها- بالنسبة إلی رأس المال- إن اعتبرت معاملة مستقلة فإن هذا الرجوع فیه بعض شئون عقدها، و بمقتضی هذا العقد یستحق المصرف الکفیل ما سلمه لصاحب العمل، و لا إشکال فی ذلک، و الأمر کذلک لو اعتبرت من الضمان- کما رجحناه-؛ إذ للضامن حق الرجوع علی المضمون عنه حین یکون الضمان
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 160
بأمره و إن لم یکن الأداء بطلبه، و فرض المسألة هنا هکذا.
و أما بالنسبة إلی الزیادة فالأمر فیها واضح أیضا بناء علی أنها معاملة مستقلة؛ إذ إن الکفیل یمتلک الزیادة بمقتضی عقدها کما أن للضامن أخذ الزیادة کأجرة من المضمون عنه فی مقابل العمل الذی یقوم به، و هذا لیس من الربا فی شی‌ء، کما أن المعاملة لا علاقة لها بالکفالة بمعناها الشرعی المعروف لیرد علیها ما سبق من الإشکال.

الجهة الرابعة: فی ما یترتب علی المعاملة من الأعمال بالقیاس إلی المتعهد و المتعهد له،

فإذا حصل الاتفاق بین مقاول و صاحب عمل علی أن ینجز المقاول العمل المعین ضمن فترة محددة، و هو إن تأخر کان علی الکفیل إعطاء مقدار معین من المال علی أن یکون هذا المقدار غرامة علی تأخیر إنجاز العمل من قبل المقاول المکفول، فله احتمالان:
الأول: أن یعنی به أن استئجار المقاول لإنشاء مصنع- مثلا- بحیث یکون علی المقاول إتمامه علی أی حال فی ضمن المدة المحددة، أو ما بعدها إلا أن صاحب العمل یشترط علی المقاول أنه إن تأخر عن تلک الفترة المحددة دفع له مقدارا من المال معینا فی ذمة الکفیل (المصرف).
و طبیعی أن هذا الاحتمال لا یخلو من الإشکال؛ لأن اشتغال ذمة المصرف الکفیل إن کان هو الشرط و العمل بمقتضاه فهو من باب شرط النتیجة، و قد سبقت الإشارة مرات إلی عدم وجود ما یدل علی اعتباره أو صحته، و إن کان الاشتغال إنما هو من جهة الضمان فهذا إنما یستقیم علی رأی العامة الذین یعنون بالضمان أنه ضم ذمة إلی ذمة، و أما بناء علی اعتباره بأنه نقل المال من ذمة المضمون عنه إلی ذمة الضامن فهو لا یستقیم؛ لأن ذمة المقاول لم تشتغل بشی‌ء لینتقل إلی ذمة المصرف الضامن.
الثانی: أن یکون معناه لیس هو اشتغال ذمة الضامن کما فی الوجه السابق بل الشرط هو دفع المال المعین إلی صاحب العمل حین لا یتم المقاول ما تعهد به
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 161
من عمل ضمن الفترة المحددة، و الحکم بالصحة هنا لا مانع منه؛ إذ إن صاحب العمل یستلم المال من المصرف الکفیل علی أن یرجع المصرف علی المقاول بما دفعه مع الزیادة المقررة التی صححنا أخذها کأجرة علی عملیة التسلیم.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 162‌

فتح الاعتمادات

اشارة

یعنی بعملیة فتح الاعتمادات هو ضمان أحد المصارف تسدید ثمن ما یشتریه أحد التجار المستوردین من بائع مصدّر قی مقابل مبلغ معین من المال، و غالبا ما یکون هذا بین دولتین أو مصدر و مستورد من دولتین مختلفتین، و قد یجری فی البلد الواحد و ذلک بأن یرید أحد التجار شراء بضاعة من أحد الباعة، إلا أن هناک من الظروف ما یحول بینه و بین دفع الثمن نقدا للبائع، أو أن هناک ما یحول دون وصول البضاعة المشتراة إلا بطرق معینة، أو توجد رغبة لدی البائع بضمان ثمن ما یروم تصدیره، أو أن من مقتضیات دولة معینة الإشراف المباشر للحکومة علی الحرکة الاقتصادیة فی تلک الدولة و تنسیق الاستیراد و التصدیر وفق متطلبات معینة أو نحو ذلک.
و هذه الأمور جمیعها تستدعی ضمان أحد المصارف تسلیم الثمن للبائع حین یسلّم البضاعة للمشتری أو العکس، و لقاء هذه العملیة یأخذ المصرف مبلغا من المال بنسبة مئویة معینة عوضا عما یقوم به من أعمال و اتصالات.
و قد یکون من شئون هذه العملیة أیضا أن المشتری حین لا یدفع الثمن له یقوم المصرف نفسه ببیع البضاعة بثمن یراه مناسبا، و یستوفی ما سلمه للبائع من الثمن و ما جعله لنفسه من ربح، و یلاحظ هنا أن التاجر غالبا ما یفتح الاعتماد بعد اتفاقه مع البائع علی نوع البضاعة و مواصفاتها و کمیتها، فعملیة البیع تتم بین المصدر و المستورد إلّا أن فتح الاعتماد یتم من أجل تسدید المبلغ و ضمان وصول البضاعة.
و تسجل البضاعة باسم المصرف لتسهیل الأمور الضریبیة و الروتینات الرسمیة المشار إلیها حیث یقوم المصرف بما یستوجبه العقد من کافة هذه الشؤون لقاء مبلغ معین.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 163
هذه خلاصة لعملیة فتح الاعتماد‌

و البحث فیها یقع فی مرحلتین:

اشارة

الأولی: فی ما یمکن القول به من مشروعیة هذه العملیة، و تحت أی عنوان یمکن أن تندرج.
و الثانیة: فی مشروعیة عمل المصرف لو باع البضاعة علی تقدیر عدم دفع المشتری ما سلمه المصرف للبائع من ثمن، و هل یصح شراء ما یبیعه المصرف فی هذه الحال؟

المرحلة الأولی: فی توجیهات عدة حاول الفقهاء تنزیل هذه المعاملة علیها لبیان مشروعیتها:

الأول: الجعالة

و یظهر من الشیخ الحلی قدّس سرّه المیل إلیه، و ارتضاه بعض المعاصرین و هو غریب؛ لأن الجعالة لیست لازمة علی العامل مطلقا لا قبل شروعه فی العمل و لا بعد شروعه فیه؛ إذ له أن یترکه متی شاء و إن قیل بلزومها علی الجاعل حیث یشرع العامل بالعمل- کما رآه بعضهم-.
و فی عملیة فتح الاعتماد لا یخلو أن یکون الجاعل هو المستورد و المصرف هو العامل، و حینئذ فمقتضی الجعالة أن لا یلزم المصرف بإتمام مقتضیات العملیة، و هو خلاف المعروف؛ إذ إن المصرف ملزم قانونا بالإتمام و لا شک.
أو یکون العکس: أی أن یکون الجاعل هو المصرف و العامل هو التاجر المستورد، و هذا غیر متصور؛ إذ کیف یتصور أن یکون التاجر هو العامل مع أنه المنتفع فی عملیة فتح الاعتماد بعمل المصرف، و المصرف هو الذی یأخذ الأجرة لقاء ما یقوم به من عمل؟
و لو غض عن هذا فإن مقتضی عملیة فتح الاعتماد إلزام التاجر بإتمام العملیة و مقتضیاتها و عقد الجعالة لا یستوجب هذا الإلزام کما قلنا.
إذن فتنزیل عملیة فتح الاعتماد علی الجعالة غیر تام.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 164‌

الثانی: القرض،

هکذا احتمل البعض و لهذا عقب علیه ببطلان المعاملة إذ هی مما یدخله الربا، فالتاجر المستورد یقترض من المصرف ما سلمه المصرف للبائع المصدر سواء أ کان فی داخل البلاد أم خارجها أما الزیادة التی یأخذها المصرف فهی من الربا الممنوع فی القرض، و هو یستوجب بطلان المعاملة.
إلا أن هذا المحتمل عقب بإمکان توجیه أخذ الربح لمشروعیته و بأن المصرف إنما یأخذه کأجرة لما یقوم به من عمل و استخدام اسمه فی البضاعة المستوردة و استلامها و إبلاغ التاجر بوصولها، أو غیر ذلک من عملیات إداریة و مصرفیة، و جمیعها من الأعمال المحترمة التی تستحق أخذ الأجرة علیها، إذن فالمصرف یقوم بعدة أعمال منها الإقراض و منها هذه العملیات کلها و ما یأخذه المصرف یمکن اعتباره أجرة علیها.
إلا أن هذا التوجیه إنما تتصور صحته لو اعتبرت الزیادة لقاء ما یقوم به المصرف من عمل و لیس مطّردا کنسبة مئویة معینة علی المبلغ المدفوع، إلا أن المعروف من عملیة فتح الاعتماد أن الزیادة إنما تجعل مطّردة مع المبلغ و لیس لقاء ما یقوم به المصرف من عمل، فمشکلة الربا فی القرض لا یمکن تدارکها بحال مع هذا الاحتمال.

الثالث: البیع الصرف،

و ذلک بأن یتفق التاجر المستورد مع المصرف و یکلفه هو باستیراد البضاعة التی یعینها له و بمواصفات خاصة من مصدّر معین علی أن یتعهد التاجر فی الوقت نفسه بأن یدفع له مبلغ الشراء مع زیادة محددة لقاء العملیة، و هذه العملیة بیعیة صرفة بین المستورد و المصرف، و یمکن إدراجها فی بیع المرابحة؛ إذ إن التاجر یطلب من المصرف شراء تلک البضاعة و یتعهد هو بشرائها منه لقاء ربح معین، و هی عملیة صحیحة دلت علیها بعض الأخبار منها ما رواه:
1- ابن سنان عن أبی عبد اللّه علیه السّلام: قال: لا بأس بأن تبیع الرجل المتاع لیس
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 165
عندک تساومه ثم تشتری له نحو الذی طلب ثم توجبه علی نفسک ثم تبیعه منه بعد «1».
2- معاویة بن عمار قال: قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام: یجیئنی الرجل یطلب (منی) بیع الحریر و لیس عندی منه شیئا فیقاولنی علیه و أقاوله فی الربح و الأجل حتی نجتمع علی شی‌ء ثم أذهب فأشتری له الحریر فأدعوه إلیه. فقال: أ رأیت إن وجد بیعا هو أحب إلیه مما عندک أ یستطیع أن ینصرف إلیه و یدعک، أو وجدت أنت ذلک أ تستطیع أن تنصرف إلیه و تدعه؟ قلت: نعم، قال: فلا بأس «2».
و حین نتصور عملیة فتح الاعتماد المصرفیة بهذا النحو بجعلها من صغریات هذه المسألة، فلا مانع حتی من أخذ الزیادة؛ إذ هی من الأرباح البیعیة المباحة، إلا أن من شرائط هذه المسألة أن التاجر غیر ملزم بإتمام المعاملة بل هو إن شاء اشتری و إن شاء لم یشتر کما أن المصرف غیر ملزم بالبیع، و هذا یختلف عن واقع عملیة فتح الاعتماد المصرفیة المعروفة، إذ کلا الطرفین ملزمان فیها بإتمامها.

الرابع: الضمان،

و ذلک بأن یتفق التاجر المستورد مع البائع المصدّر مباشرة أو بواسطة بعض وکلائه علی نوعیة البضاعة و مواصفاتها و کمیتها، و تتم المعاملة البیعیة بینهما، و من ثم یطلب التاجر من المصرف فتح الاعتماد.
و هذه الحالة هی الشائعة فی هذه العملیة، و لکن الحقیقة أنها لا یمکن تنزیلها إلّا علی الضمان حیث یضمن المصرف للمصدّر ما ثبت فی ذمة التاجر المستورد من ثمن کما یضمن للتاجر وصول البضاعة، و یقوم بموجب العقد بإتمام ما تستوجبه عملیة الاستیراد من رسوم و عملیات إداریة، و الزیادات التی یأخذها المصرف
______________________________
(1) وسائل الشیعة 18: 48 ب (8) من أبواب أحکام العقود ح 1.
(2) وسائل الشیعة 18: 50 ب (8) من أبواب أحکام العقود ح 7.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 166
إنما هی مقابل هذه العملیات کلها، أما البضاعة فهی ملک خالص للمشتری.
أما حیث لا یوفی التاجر المستورد ما حقّ علیه، و یضطر المصرف لبیع البضاعة فإن عمله هذا یکون من المقاصة أو ینزل علی الرهن حیث تکون البضاعة رهنا لدی المصرف مقابل ما دفعه المصرف للبائع المصدّر من ثمن، و هذا لا إشکال فیه إلا من ناحیة واحدة سبقت الإشارة إلیها فی مبحث الکفالة المستحدثة، و هی ما اشتهر بین الفقهاء- بل لم یعرف له مخالف- من أن الضامن لیس له علی المضمون عنه سوی ما دفعه للمضمون له، و هذا یقتضی عدم استحقاق المصرف سوی ما دفعه البائع المصدّر من ثمن من دون زیادة بینما المعروف فی فتح الاعتماد أن للمصرف زیادة معینة علی ما یدفعه کنسبة ثابتة؛ و لهذا کان فتح الاعتمادات من أهم مصادر التمویل المصرفی فی مختلف أنحاء العالم.
و یستند المشهور فی الحکم المتقدم إلی ما رواه:
الشیخ رحمه اللّه بسنده عن عمر بن یزید قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن رجل ضمن عن رجل ضمانا ثم صالح علیه قال: لیس له إلا الذی صالح علیه «1».
و رویت بطرق أخری ذکرناها و بینا الخدشة فی سندها فی بحث الکفالات المستحدثة فراجع.
و لکن الإنصاف- مع قطع النظر عن سندها- أن الروایة أجنبیة عما نحن فیه؛ لأن موردهما ما إذا دفع الضامن إلی المضمون له أقل مما ضمنه فی العقد من دون خسارة أخری أو عمل محترم یقوم به یستحق من أجله الأجرة، أما فی عملیة فتح الاعتماد المصرفیة فإن المصرف یدفع للبائع المصدر کل ما یستحق من ثمن البضاعة الذی اتفق علیه مع المشتری و یقوم بأعمال أخری مصرفیة و إداریة محافظة علی البضاعة و إیصالها إلی التاجر المستورد و غیر ذلک، و هذه کلها
______________________________
(1) تهذیب الأحکام 6: 181 ب (84) الکفالات و الضمانات ح 7.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 167
أعمال و أمور تستوجب أجرة و لم تشملها الروایتان المتقدمتان و إن قلنا بصحتهما و عملنا بهما فی موردهما.
إذن فعملیة فتح الاعتماد یمکن تصحیحها باعتبارها من الضمان فلا تشکل من جهة أخذ الزیادة؛ لأنها لیست من القرض و لا من بیع المتجانسین.
نعم، هنا ملاحظة مهمة ینبغی الالتفات إلیها و هی أن المعروف من عملیة فتح الاعتماد هی تصاعد نسبة الفائدة التی یأخذها المصرف بملاحظة کل من المبلغ و المدة التی تبقی ذمة التاجر المستورد مشغولة به، فالفائدة السنویة و لتکن 20% مثلا تتصاعد کلما تضاعف المبلغ فی ذمة التاجر المستورد إذا دفعه المصرف للبائع، کما تتصاعد کلما تأخر هذا التاجر بالوفاء به، إلا أن هذا لا یستوجب إشکالا ما دامت المعاملة ضمانیة و لم تکن من القرض- کما بینا-.

الخامس: الحوالة،

بمعنی أن یکون التاجر محیلا للبائع المصدّر علی المصرف فیکون هذا محالا علیه، فالتاجر یشتری البضاعة من البائع ثم یحیله فی قبض الثمن علی المصرف.
و المصرف تارة یکون مشغول الذمة للتاجر المستورد قبل عملیة فتح الاعتماد، و قد لا یکون، ففی الحالة الأولی تکون من الحوالة علی مشغول الذمة للتاجر المستورد، بینما تکون فی الحالة الثانیة من الحوالة علی البری‌ء.
و بما أن الحوالة تختلف عن القرض فإن الربا لا یدخلها، و لا سیما مع قیام المصرف بما تستوجبه عملیة فتح الاعتماد من مستلزمات و إن عینت الزیادة کنسبة مئویة متصاعدة مع کمیة المبلغ و المدة التی یتأخر فیها فی ذمة التاجر المستورد، إلا أن هذا لا یستوجب إشکالا، و لعل هذا التوجیه أسلم من تنزیل المعاملة علی الضمان، و إن اعتبرنا الضمان صحیحا أیضا کما سبق.

السادس: الشرط

أی أن یشترط البائع أو المشتری أو کل منهما أن یکون
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 168
المصرف هو المستلم للبضاعة و المسلم للثمن ثم یفتح الاعتماد لتحقیق ذلک الشرط، فما یجری بین البائع المصدّر و التاجر المستورد معاملة بیعیة بینما ما یجری بین التاجر و المصرف هو معاملة إجارة، و ما یدفعه التاجر للمصرف من الزیادة هو أجرة له علی ما یقوم به من عمل إلا أن هذا الاحتمال بعید.
و لا بد من التنبیه فی النهایة علی أن هذه الاحتمالات کافة إنما تجری مع المصرف الأهلی المحض أو الحکومی کلا أو جزءا بناء علی المختار من ملکیة الدولة لما تحت یدها من أموال، أما مع البناء علی ما اختاره الأعلام من عدم ملکیة الدولة لما تحت یدها فقد تقدم أن له حدیثا آخر سبق فی المقدمة سواء کان المصرف کله حکومیا أو بعضه.

المرحلة الثانیة: فی صحة بیع المصرف للبضاعة التی دفع ثمنها

و لم یعرف التاجر المستورد ما دفعه المصرف من ثمن و رسوم أو ما استحقه علیه من أجرة.
و الحدیث فی هذه المرحلة قد اتضح مما سبق؛ إذ لا مانع من تصدی المصرف للبیع کما لا إشکال فی شرائها منه؛ إذ له حق المقاصة، کما أن توقیع التاجر المستورد علی عملیة فتح الاعتماد مع علمه باستلزامها مثل هذا البیع عند تأخره عن دفع ما علیه یعتبر کتوکیل للمصرف فی البیع لاستیفاء حقه.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 169‌

التأمین

اشارة

من القضایا التعاملیة التی شاعت فی العالم فی العصور المتأخرة قضیة التأمین، فلا یکاد یخلو بلد من البلدان من هذه المعامل، و یعنی بها أن تتعهد جهة من الجهات- و غالبا ما تکون إحدی الشرکات أو فرع من فروع المصارف- بتعویض الضرر الذی تحدثه الحوادث فی إحدی النفوس أو فی أموال معینة مقابل بدل محدد یدفع لتلک الجهة.
و التأمین المعروف نوعان:
1- تأمین علی الحیاة.
2- تأمین علی الأموال کالمصانع و الطائرات و العقار و غیرها، و أرکانه المعروفة أربعة:
1- الجهة المتعهدة و یعبر عنها (بالمؤمن)- بالکسر و تشدید المیم- و هی الجهة التی تتعهد بتلافی الضرر و دفع التعویض حین حدوث ما یستوجب التلافی و التعویض.
2- المال أو النفس التی یؤمن علیها أی أن تکون هی موضوع عملیة التأمین، فلو تعرضت لحادث من الحوادث کالموت فی النفس أو غرق أو حرق أو تلف من أحد الأسباب التی تذکر فی العقد وجب علی الجهة المتعهدة- بمقتضی العقد- دفع التعویض أو تلافی الضرر.
3- المؤمن له، و هو الشخص أو الجهة التی تستحق التعویض الذی تدفعه الجهة الأولی عند حدوث ما یستوجب دفع التعویض.
4- المال الذی یدفع للجهة الأولی کأجرة علی العملیة أو عوض عنها، و هذا المال قد یدفع مرة واحدة و قد یدفع أقساطا سنویة حسب ما یتفق علیه الطرفان.
فزید- مثلا- حینما یرید التأمین علی سیارته التی یملکها یتفق مع مصرف أو شرکة تأمین علی إجراء العقد لفترة معینة- کعشر سنوات- مقابل أن تأخذ
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 170
الجهة المتعهدة بدلا عن هذه العملیة کألفی دینار مثلا یسلمها زید دفعة واحدة أو أقساطا سنویة، فلو تعرضت هذه السیارة لحادث الطرق أو سرقة أو حریق أو غیر ذلک فی فترة العقد فإن الشرکة تدفع لزید قیمة السیارة التی عینت فی عقد التأمین کمبلغ عشرة آلاف دینار مثلا، أو تدفع إلی ورثته لو توفی زید فی تلک الفترة.
و مثل هذا کذلک التأمین علی الحیاة، فلو أراد شخص أن یؤمن علی حیاته بمبلغ معین کعشرة آلاف دینار مثلا لفترة عشرة سنوات لو تعرض لحادث من الحوادث أو علی بعض أطرافه أو أعضاء جسمه مقابل أن یدفع للشرکة ألفی دینار دفعة واحدة أو أقساطا معینة، فحین تتعرض حیاته أو أطرافه المؤمن علیها فی فترة التأمین تدفع الشرکة له أو لورثته المبلغ المؤمن علیه.
و طبیعی أن تختلف شروط التأمین بحسب الشرکات أو الدول أو الأشخاص أو الظروف التی تکتنف العملیة، إلا أن العناصر العامة فی العملیة متشابهة و تجمعها هذه الأرکان الأربعة المتقدمة، فهی موجودة فی کافة عملیات التأمین مهما اختلفت الأنواع- حسب التتبع-.

و هنا جهات رئیسیة لا بد من الحدیث عنها:

الجهة الأولی: هل هذه العملیة مشروعة أم لا؟

حاول الشیخ الحلی قدّس سرّه تصحیح عملیة التأمین بإرجاعها إلی الضمان تارة و إلی الصلح أخری، و إلی الهبة المعوضة بشرط الخسارة ثالثة، أو جعلها عقدا مستقلا یمکن أن یصحح بما فی أدلة العقود من عمومات.
و لکن المناقشة واردة فی معظم هذه التصورات.
أما جعلها عقدا مستقلا فقد سبق أن العقود المستحدثة التی لم تعرف فی زمن صدور الأدلة الشرعیة لا دلیل علی شمول تلک الأدلة لها؛ إذ هی غیر مقصودة فی البیان لیشملها الإطلاق کما هو واضح.
و هکذا إرجاع العملیة إلی الصلح فإن أدلته لا شمول فیها لکافة المعاملات غیر
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 171
تلک التی تعنی بالإصلاح بین الناس و رفع الخصومة الفعلیة أو المتوقعة حیث یمکن أن یکون الموضوع منشأ لها ما لم یرفع، و ما یقال من شمول الصلح لکافة المعاملات لا أثر له فی أدلة الصلح.
و أما الهبة المعوضة بشرط الخسارة بمعنی أن ما یدفعه طالب التأمین إنما هو هبة منه للجهة التی أجری معها العقد، و یشترط علیها أن تدفع عوضا عما یجعله فی عهدتها من مال أو حیاة إن حدث له حادث یستوجب ضررها أو تلفها، و هذا التوجیه و إن أمکن تصوره نظریا إلا أنه یرد علیه عدة إیرادات:
الأول: ما کررناه مرارا من أن معنی العقد لا بد أن یقصد من کل من طرفی العقد، و مثل هذه الهبة لم تقصد من أی من الطرفین فی المعاملات الشائعة.
الثانی: أن مثل هذه المعاملة التأمینیة تخالف ما عرف من الهبة و درج علیه الناس و وردت فیه الأدلة؛ و لهذا فإن الأدلة قاصرة الدلالة عن تصحیحها.
الثالث: أن الهبة المعوضة ملزمة لکل من طرفی العقد، و تنزیل عملیة التأمین علیها یقتضی لزومها علی کل من طالب التأمین و المتعهد به، و لکن المعروف أن هذه العملیة غیر لازمة بالنسبة إلی طالب التأمین؛ فإن له أن یمتنع عن تسدید أقساط التأمین، و حینئذ یفقد عقد التأمین ما حصل له من أثر، و لا یلزم المتعهد بدفع التعویض المطلوب، و هذا لا یتطابق مع مقتضی الهبة المعوضة.
و غریب من الشیخ الحلی قدّس سرّه أن یذکر مثل هذا الاحتمال مع هذه الملاحظات الواضحة.
و أما الضمان فقد جهد الشیخ الحلی قدّس سرّه و بعض المعاصرین علی تنزیل عملیة التأمین علیه، و الظاهر أن هذا التنزیل ممکن و لا ریب فیه، إلا أنهما عقبا بالتساؤل عن ضرورة وجود مضمون عنه فی عقد الضمان حیث لا یتراءی لهما وجود مضمون عنه فی عملیة التأمین فلیس فیها غیر الجهة المتعهدة و هی الضامن و المستحق للتعویض و هو المضمون له، و أما المضمون عنه فلا یوجد، فإن قیل بضرورة وجود المضمون عنه کشرط أو رکن لصحة الضمان أشکل القول
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 172
بتنزیل التأمین علیه، و خلصا إلی نفی ضرورة تصور المضمون عنه لتصحیح عملیة الضمان فی التأمین.
و لکن هذا التعقیب لیس فی محله؛ إذ یمکن اعتبار طالب التأمین مضمونا عنه و فی الوقت نفسه هو مضمون له باعتبار حیثیتین مختلفتین، فهو من حیث إنه یستفید من عملیة الضمان (التأمین) مضمون عنه، و من حیث کونه الذی یدفع إلیه تعویض ما یقع علی المضمون من ضرر هو مضمون له، فطالب التأمین حیث لا یرید لسیارته أن تذهب هدرا یؤمن علیها لیحتفظ بالفائدة فیها حین تتعرض لحوادث تؤدّی بها، فهو من حیث احتفاظه بهذه الفائدة مضمون عنه و حیث یقع الحادث و تدفع الجهة المؤمنة تعویضها یکون هو المضمون له.
هذا بالنسبة إلی تصور المضمون عنه فی عملیة التأمین، و لکن قد یرد تساؤل عن أن وجود المضمون عنه هل هو ضروری أو غیر ضروری فی عملیة الضمان فیکون أجنبیا عن مورد الحدیث؟
و للجواب عن ذلک لا بد من الإشارة إلی أن للضمان معنیین:
أحدهما: المعنی المتعارف فی الفقه، و الذی عرف بأنه: نقل المال من ذمة إلی ذمة أخری، و هذا التعریف هو مما تسالم علیه علماء الإمامیة، و فی مثله یرد التساؤل المتقدم هل أن وجود المضمون عنه ضروری کرکن فی عملیة الضمان أو شرط فیها أو لا هذا و لا ذاک.
ثانیهما: هو التعهد بدفع عوض ما لم یجب دفع المعوض فیه کما فی ضمان قیمة العین المستعارة حین تتلف لا عن تقصیر و إن کان بآفة سماویة، فالضمان هنا لیس من نقل المال من ذمة إلی ذمة أخری بل هو التعهد بخسارة العوض.
و هذا المعنی من الضمان موجود فی کلمات الفقهاء بل هو موجود فی لسان بعض الروایات، کما ورد فی العاریة حیث روی:
الشیخ قدّس سرّه فی التهذیب بسنده عن الحلبی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: صاحب الودیعة و البضاعة مؤتمنان و قال: إذا هلکت العاریة عند المستعیر لم یضمنه إلا
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 173
أن یکون قد اشترط علیه «1».
و مثلها العدید من روایات الباب «2».
و علی أی حال فإن الضمان بهذا المعنی مما لا إشکال فی صحته، و ینزل التأمین علی هذا المعنی الثانی من الضمان فلا حاجة حینئذ لتصور مضمون عنه فی هذا المعنی.
و یمکن أن تصحح عملیة التأمین کذلک بتنزیلها علی الجعالة، فالتأمین- کما قلنا- لیس لازما بالنسبة لطالب التأمین، فهو بدفعه الأقساط التی تطلبها منه الجهة المتعهدة یعتبر کالعامل فی الجعالة فیستحق ممن له العمل ما جعل له، فکأن تلک الجهة تجعل لمن دفع لها مالا معینا القیام بتعویض مال أو حیاة شخص معین إن تعرض لبعض الحوادث المتلفة خلال فترة معینة، فهی لازمة بالنسبة لتلک الجهة علی تقدیر قیام العامل بما علیه من دفع المال المعیّن، إما مرة واحدة أو أقساطا بینما یبقی لطالب التأمین حق الانسحاب متی شاء قبل تأدیة تمام جمیع المال.
إذن فعملیة التأمین صحیحة علی أحد الوجهین الأخیرین.

الجهة الثانیة: یلاحظ أن هناک اختلافا بین شرکات التأمین و الهیئات التأمینیة الأخری

التی تتعاطی هذه العملیة، ففی بعضها لیس لطالب التأمین سوی مبلغ التعویض الذی التزمت الجهة المتعهدة بدفعه حین حصول حادث یستوجب دفع هذا التعویض.
و هذا لا کلام فیه سوی ما سبق من التوجیه، و قد قلنا بصحته إما بتنزیله علی الضمان أو الجعالة إلا أن عملیات التأمین الشائعة الآن لا تقتصر علی هذا الدفع فقط، بل إن الجهات المتعهدة غالبا ما تدفع أرباحا معینة لما یدفع إلیها من أموال کنسبة مئویة سنویة، فطالب التأمین له الحق فی استلام هذه النسبة طردیا
______________________________
(1) تهذیب الأحکام 7: 165 ب (17) العاریة ح 805.
(2) تهذیب الأحکام 7: 164- 165 ب 017) ح 798 و ح 802 و 803 و غیرها.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 174
مع مقدار ما یسلمه لتلک الجهة من أموال، و طبیعی أن یتساءل عن مشروعیة هذه الأرباح و عن الوجه فیها.
و یبدو أن الشیخ الحلی قدّس سرّه لم یجد توجیها لمثل هذا الربح المدفوع؛ و لذلک ردده بین القرض و المضاربة، و لما کان لکل من الوجهین ملابساته لم یکن تصحیح استلام الربح علی واحد منهما.
فعلی تقدیر اعتبار ما یدفعه طالب التأمین للجهة المتعهدة من القرض کانت الفائدة و لا شک من الربا المحرم؛ إذ القرض مع شرط الفائدة محرم من دون إشکال، فلو کانت الشرکة مملوکة لأشخاص أو قیل بملکیتها للحکومة و قلنا بملکیة الدولة کانت الأرباح من الربا، و أما إذا کانت مملوکة للدولة و قلنا بعدم ملکیتها لما تحت یدها من أموال کان ما یستلم من شرکة التأمین من الأموال مجهولة المالک فیرجع بها إلی الحاکم الشرعی کما اختاره هو قدّس سرّه.
و کذلک لو اعتبر ما یدفعه طالب التأمین لتلک الجهة من المضاربة فإن الإشکال یرد علیه بأن من شرائط مال المضاربة- علی المشهور و ادعی علیه الإجماع- أن یکون من نقدی الذهب و الفضة المسکوکین، و ما یدفع من الأوراق النقدیة لا یحقق مثل هذا الشرط فلا تکون مضاربة.
و هذا التردید- أو بالأحری التردد- من الشیخ الحلی قدّس سرّه غریب فکل من القرض و المضاربة غیر محتمل هنا؛ إذ من شرائط القرض أن یعاد المبلغ للمقرض بعد فترة زمنیة محددة، و لا یوجد مثل هذا الشرط فی مبالغ التأمین؛ إذ هی إما لا تعاد لطالب التأمین البتة، أو أنها تعاد فی فترة غیر محددة، نعم یمکن إعادة المبلغ فی بعض صور التأمین النادرة، إلا أن القضیة لیست کلیة.
و أما المضاربة فمع غض النظر عما سبق من إشکال فإن من شرائطها اقتسام الربح حین یتحقق بین العامل و صاحب المال کما لا تجبر الخسارة بالأرباح التی تحصل بعدها، و هذا مفقود فی المال الذی یدفع للجهة المؤمنة؛ إذ هذه تدفع أرباحا معینة لمن یدفع إلیها المال من العملاء سواء أتجرت به أم لم تتجر و سواء
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 175
ربحت فی معاملاتها به أم خسرت، و سواء کثر الربح أم قل فهی تدفع تلک النسبة مع غض النظر عن کل تلک الاحتمالات، إذن فالمعاملة أجنبیة عن المضاربة کلیة.
هذا مع أن الشیخ الحلی قدّس سرّه قد صحح عملیة التأمین بتنزیلها علی الهبة المعوضة أو الضمان، و حینئذ فما یدفع للجهة المتعهدة إما هبة أو أجرة للضمان، و فی الحالتین لا قرض فیهما و لا مضاربة، فهو ملک لتلک الجهة و من أموالها، أما ما تعطیه تلک الجهة من الأرباح فهو إما هبة أو جزء من التعویض الذی ضمنته لطالب التأمین، و فی الحالین لا إشکال فی جواز الاستلام.

الجهة الثالثة: هناک نوع من التأمین یعبر عنه بالتأمین بالمقابل

و هو أن یشترک جماعة من التجار أو ذوی المصانع و المصالح فی جمع کمیة معینة من المال تکون مشترکة بینهم، و یفتح بها معاملات لاستدار أرباح لهم، و تکون الغایة الأولی من جمع هذا المال هو جبران خسارة من یخسر منهم أو یتعرض لحادث یستوجب تلف تجارته أو مصانعه، فهل یمکن تصحیح هذه العملیة أو لا؟
و الشیخ الحلی قدّس سرّه کأنه لم یجد منفذا یصحح علی أساسه هذه العملیة، إلا بجعلها عقدا مستقلا، و لکننا حیث لم نر شمولا فی إطلاقات أدلة العقود یستوعب مثل هذه العملیات المستحدثة فلا نقول بصحة کل عقد مستحدث ما لم یندرج فیما عهد من معاملات فی زمن أدلة العقود.
إلا أن هذا النوع من التأمین یمکن أن یدخل فی الضمان بمعناه الثانی المتقدم؛ إذ إن أولئک الذین جمعوا ذلک المال لهذا الغرض کان کل واحد منهم قد تعهد بدفع حصة معینة من خسارة من یخسر منهم حین تحققها، کما أنه یمکن تنزیلها علی الهبة فکل منهم یهب جزءا من عوض تلک الخسارة، إذن فلا إشکال فی هذا النوع من التأمین کذلک.

الجهة الرابعة: من أنواع التأمین کذلک ما یسمی بالتأمین علی التأمین،

و صورته أن تطلب إحدی شرکات التأمین الصغری التأمین علی نفسها من شرکة أکبر
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 176
مقابل بدل معین تدفعه إلیها، و الغایة من هذه المعاملة توزیع ما یصیبها من خسارة بینها و بین تلک الشرکة الکبری، فتکون بمأمن من الإفلاس لو تکاثرت الحوادث التی تستوجب دفع مبالغ التعویض مرة واحدة أو فی أزمنة متعاقبة، و بالأخص حین یمتنع بعض العملاء عن دفع ما علیهم من أقساط التأمین، فحین تشترک هی و تلک الشرکة الأکبر فی دفع التعویض کان شبح الإفلاس عنها أبعد.
بل إن التأمینات قد تترامی حیث تؤمن الشرکة نفسها لدی شرکة أخری و تؤمن هذه الشرکة نفسها لدی أخری و هکذا، بل قد یدور التأمین علی الشرکة الأولی، فتؤمن کل من الشرکات نفسها لدی الأخری، و لا مانع من کل هذه العملیات بعد أن صححنا عملیة التأمین نفسها بواحد من الوجهین المتقدمین وَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِینَ* و صلی اللّه علی محمد و آله الطاهرین.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 177‌

مصرف الدم و الأعضاء و النطف

اشارة

سبق أن قلنا فی مقدمة الحدیث عن المصارف إن هذا النوع من المصارف لا یتفق مع الأنواع الأخری إلا بإطلاق الاسم فقط؛ إذ العنصر المشترک بین هذا النوع و الأنواع الأخری مفقود، فبینما تعتمد تلک الأنواع علی المال و المالیات و تصریف شئونها بنحو ما سبق من الحدیث هناک لا یکاد یمثل المال فی هذا النوع أی عنصر رئیسی بل الحدیث فیه منصب علی جواز انتزاع هذه الأجزاء من الإنسان و الحیوان، أو جواز المعاوضة علیها أو زرعها فی أجسام الآخرین، و شبه هذه النواحی.
و نظرا لاختلاف الحدیث فی الدم و قسیمیه، و اختلاف الحدیث کذلک بین الأعضاء و النطفة کان لا بد من إفراد کل واحد من هذه فی فصل مستقل، فیقع الکلام فی فصلین:
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 178‌

الفصل الأول فی مصرف الدم

اشارة

و لا بد من الوقوف فی الحدیث فیه علی أمور:

الأمر الأول: فی جواز أخذ الدم من الإنسان الحی و الحیوان الحی کذلک،

أما فی الإنسان فیمکن الاستدلال علی إباحة أخذ الدم منه بأدلة الإباحة العامة؛ إذ هی مما یمکن جریانها فی المورد إذا لم یعارضها من الأدلة ما یمکن به رفع الید عن شمولها لمثله کما أن مقتضی البراءة إباحة مثل هذا العمل، و لا نری إشکالا فیه.
إلا أن البعض کالسید محسن الأمین أصر علی القول بالحرمة تبعا للشهید قدّس سرّه فی القواعد؛ إذ أفتی بحرمة جرح الإنسان نفسه لعدم العلم بإباحة الجرح و حرمة إیذاء النفس «1»، و ما استدل به أو ما یمکن أن یستدل به علی هذه الحرمة أوجه:
الأول: استقلال العقل بحکمه علی قبح إیذاء النفس مما یکشف عن الحکم الشرعی بالحرمة أیضا.
و فیه: أن الحکم العقلی بالقبح و إن سلم فی الجملة إلا أن المتیقن منه ما إذا کان الجرح من دون وجود غرض عقلائی مبیح لتحمل مثل هذا الإیذاء، و یکفینا ما نراه من تحمل صلحاء البشریة الکثیر من المشاق و الشدائد من أجل إصلاحها أو التعبد للّه، فهذا خیر دلیل علی انتفاء حکم العقل بالقبح فی هذه الحال بل إن هذا التحمل دلیل علی حکم العقل بحسن التعرض للأذی لو ترتب علیه غرض أهم، و کم من الروایات التی وردت فی تحمل النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم المشاق و الشدائد فی سبیل إنجاح ما حمل من مسئولیة حتی استوجب منه أن یشد
______________________________
(1) القواعد و الفوائد 1: 231- 232.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 179
حجر المجاعة علی بطنه؟ و قد و قام صلّی اللّه علیه و آله و سلّم للعبادة حتی تورمت قدماه، و نزل فی حقه: طه مٰا أَنْزَلْنٰا عَلَیْکَ الْقُرْآنَ لِتَشْقیٰ «1»، و نزل فی حقه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم قوله تعالی: وَ وَضَعْنٰا عَنْکَ وِزْرَکَ الَّذِی أَنْقَضَ ظَهْرَکَ «2»، إلی الکثیر مما ورد فی هذا المعنی.
و کذلک الروایات الواردة فی أحوال أئمة الحق علیه السّلام و مبلغ ما تحملوه علیه السّلام من محن و شدائد فی سبیل إعلاء کلمة اللّه أو فی عبادة خالقهم، و منها ما ورد فی حج الحسنین علیه السّلام کثیرا من المرات مشیا علی الأقدام و النجائب تقاد بین أیدیهما «3».
و یدخل بهذا الصدد ما ورد فی فضل زیارة الحسین علیه السّلام مشیا علی الأقدام علی الزیارة رکوبا «4»، أو ما ورد من أن «أفضل الأعمال أحمزها» «5»، بل و یدخل فی هذا الکثیر من التکالیف الشرعیة التی لا بد لإتمامها من المشقة و الکلفة کالحج و الصوم و الجهاد و شبهها.
و بعد، فالعقلاء فی شئونهم لا یستنکرون تحمل المشاق مع الاطمئنان العادی بعدم العطب؛ إذ لم ینکروا علی التجار رکوبهم البحر طلبا للربح و الثروة.
إذن فحکم العقل فی قبح إیذاء النفس غیر مسلم إلا فی مورد لا یکون هناک من الأغراض العقلائیة ما یعادل ذلک الإیذاء و یستوجب المشقة، فلو کانت هناک
______________________________
(1) سورة طه: 1- 2.
(2) سورة الانشراح: 2- 3.
(3) جاء فی مختصر تاریخ دمشق 7: 23- 24.. و لقد حج الحسن بن علی خمسا و عشرین حجة ماشیا و أن النجائب لتقاد معه و فی نفس الجزء ص 129 و ورد أن الحسین بن علی حج ماشیا خمسا و عشرین حجة و نجائبه تقاد معه.
(4) تصحیح اعتقادات الإمامیة 5: 96 ب (48) فی زیارة الحسین بن علی صلوات اللّه علیه و شرائطها.
(5) بحار الأنوار 67: 191 ب (53) النیة و شرائطها.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 180
نفس محترمة لا تنقذ إلا بکمیة من الدم لا تؤدّی بحیاة المتبرع و لا یصاب من أجل إخراجها بضرر لا یحتمل لا یمکن القول بحرمة إخراج مثل هذه الکمیة لحکم العقل، بل یمکن القول بالعکس فیه کما رأینا.
الثانی: قول النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم: لا ضرر و لا ضرار «1» بدعوی شموله لحرمة کافة أنحاء الإضرار بالنفس و الغیر، و لا شک أن الجرح و إخراج الدم من تلک الأنواع من الإضرار.
و فیه: أن منطوق هذه الأحادیث کالصریح فی أن المحرم إنما هو الإضرار بالغیر من دون رضاه، و یشهد بهذا التوجیه مورد الروایات الوارد فیها مثل هذا المنطوق کما فی قصة سمرة بن جندب المشهورة مع النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم کما رواه:
زرارة فی الموثق عن أبی جعفر علیه السّلام قال: إن سمرة بن جندب کان له عذق فی حائط لرجل من الأنصار، و کان منزل الأنصاری بباب البستان، و کان یمر إلی نخلته و لا یستأذن، فکلّمه الأنصاری أن یستأذن إذا جاء، فأبی سمرة، فلما تأبی جاء الأنصاری إلی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم فشکا إلیه و خبره الخبر، فأرسل إلیه رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم و خبره بقول الأنصاری و ما شکا و قال: إن أردت الدخول فاستأذن فأبی، فلما أبی ساومه حتی بلغ له من الثمن ما شاء اللّه فأبی أن یبیع، فقال:
لک بها عذق مذلل فی الجنة، فأبی أن یقبل، فقال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم للأنصاری:
اذهب فاقلعها وارم بها إلیه، فإنه لا ضرر و لا ضرار «2».
إذن فلا شمول فی قاعدة لا ضرر لمثل هذا المورد کما هو واضح.
الثالث: دعوی استقراء أقوال الفقهاء فی موارد متعددة من الفقه یستکشف منها حرمة الإضرار بالنفس دائما و من هذه الموارد:
أ- قولهم بوجوب دفع الضرر المحتمل أو المظنون.
______________________________
(1) کنز العمال 4: 59 ح 9498، المقنع للصدوق: 537، و الکافی 5: 281 ب (138) ح 4.
(2) تهذیب الأحکام 7: 133 ب (10) ح 36.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 181
ب- سقوط التکلیف باحتمال الضرر احتمالا یعتد به.
ج- بطلان الصوم مع المرض أو ظنه ظنا یعتد به.
د- حرمة السفر مع الضرر المحتمل فیه.
و لکن یرد علی الأول من هذه الموارد أن الضرر المراد فیه هو الضرر الأخری وی أو العقاب الإلهی لا کل ضرر، و قد سبق أن من الأحکام ذاتها ما بنی علی المشقة و الجهد کالجهاد و الحج و غیرهما.
و أما المورد الثانی فهو لیس من محل الکلام؛ إذ سقوط التکلیف مع احتمال الضرر إنما هو من موارد الامتنان الإلهی علی العباد، فحیث یکون فی الإلزام ضرر و مشقة من اللّه علی العباد یرفع هذا الإلزام عنهم.
و یلاحظ هنا أن هذا الارتفاع لیس لکل تکلیف إلهی کما عبر عنه، بل هو خصوص التکلیف الإلزامی و إلا فإن التکالیف غیر الإلزامیة لا ترتفع بهذا العسر و الحرج کما أن إباحة الأشیاء لا ترتفع بالضرر ما لم تصل المشقة فیه إلی حد العطب و التهلکة أو خوفها، و ما نحن فیه من هذا القبیل کما هو الفرض، إذ لا إشکال فی حرمة إخراج الدم فی حال تأدیته إلی التهلکة و الموت أو خوفهما.
و أما مثال الصوم فهو أجنبی کذلک عما نحن فیه؛ إذ إن عدم المرض أخذ فی موضوع التکلیف به کما صرحت الآیة به فَمَنْ کٰانَ مِنْکُمْ مَرِیضاً أَوْ عَلیٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَیّٰامٍ أُخَرَ «1»، فحیث یکون المکلف مریضا لا یتحقق فیه موضوع الصوم فلا یصح منه کما لو کان مسافرا.
و الکلام نفسه یأتی مع حرمة السفر فی حال احتمال الضرر؛ إذ لم یقل أحد بحرمته ما لم یصل الضرر إلی حد التهلکة فیه أو احتمالها، و لا کلام لنا فی هذه الحالة کما أشرنا.
______________________________
(1) البقرة: 184.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 182
الرابع: ما روی مرسلا عن الباقر علیه السّلام: فبعد أن قسم فیه ما أخرجته الأرض إلی ثلاثة أقسام ذکر عنه علیه السّلام قوله: و کل شی‌ء من هذه الأشیاء فیه غذاء للإنسان و منفعه و قوة فحلال أکله، و ما کان منها فیه المضرة فحرام أکله إلا فی حال التداوی … «1»
و فیه- مع قطع النظر عن ضعف السند لما فیها من إرسال-:
أولا: أن هذه الروایة ناظرة إلی حکمة حلیة ما هو محلل من الطعام، و حرمة ما هو محرم منه، مما یعنی أن الشارع المقدس لم یحلل شیئا إلا لما فیه من نفع کما أنه لم یحرم شیئا إلا لما فیه من مضرة و هذا أجنبی عما نحن فیه.
ثانیا: أن الروایة نفسها صرحت بجواز تناول ما هو محرم و ضار عند الضرورة کما لو استوجبه التداوی من علة، و لعل هذا یقرب مما نحن فیه إذ إخراج الدم و إن حرم حیث ینتفی الغرض العقلائی المحلل إلا أنه یباح حیث تقتضی الضرورة إخراجه کما لو توقف علیه إنقاذ نفس محترمة فی وقت لا یسبب خللا فی جسم صاحبه.
الخامس: ما رواه الشیخ الکلینی و غیره عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی حدیث مطول:
«و لکنه خلق الخلق و علم عز و جل ما تقوم به أبدانهم و ما یصلحهم فأحله و أباحه تفضلا منه علیهم به تبارک و تعالی لمصلحتهم، و علم ما یضرهم فنهاهم عنه و حرمه علیهم، ثم أباحه للمضطر و أحله له فی الوقت الذی لا یقوم بدنه إلا به فأمره أن ینال منه بقدر البلغة لا غیر ذلک» «2».
و یرد علیه ما أوردناه علی الحدیث المتقدم فهو بصدد بیان الحکمة فیما حلل من الأطعمة و حرم منها، و لیس لبیان حرمة کل ضرر و لا سیما إذا ترتب علی ترکه ضرر أعظم، کما أن فی الروایة نفسها شواهد علی هذا تستبین لمن یراجع
______________________________
(1) مستدرک الوسائل 16: 361 ب (32) من أبواب الأطعمة ح 1 نقلا عن دعائم الإسلام 2: 122.
(2) الکافی 6: 245 ب (1) من أبواب الأطعمة ح 1.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 183
الروایة.
کما یلاحظ أن الروایة نفسها تعقب بحلیة ما حرم من أجل رفع الضرورة المستوجبة لارتکاب المحرم، و ما نحن فیه قریب من هذا- کما قلنا-.
إذن فسحب الدم مباح حیث لا مانع شرعیا منه حین یکون لسحب الدم فائدة عقلائیة کإنقاذ نفس محترمة.

الأمر الثانی: فی ثبوت الغرامة علی استخراج الدم من الإنسان.

یلاحظ أن مورد الأدلة علی ثبوت الغرامة فی الجروح یختص بصورة عدم رضا الشخص الذی یجنی علیه به و لا أقل من انصرافها عن غیر هذا المورد، و مثلها أدلة القصاص فهی جمیعها واردة فیما إذا فقد المجنی علیه أحد أعضائه أو أصیب ببعض الجراح من دون رضا منه، و أما إذا تولی ذلک بنفسه مباشرة أو تسبیبا فلا دلیل علی الغرامة فی مورده.
و ینبغی الانتباه إلی أن کلا من الأمرین الأول و الثانی مختصان بالإنسان الحی.

الأمر الثالث: فی جواز أخذ الدم من المیت و الغرامة علیه.

أما الجواز فیلحظ فیه أن سحب الدم من المیت قد یکون بعد رضا منه نفسه قبل وفاته و قد یکون من دون وجود مثل هذا الرضا.
فلو أحرز الرضا منه قبل وفاته لجری فیه ما سبق فی الأمر الأول من الحدیث، فلا إشکال فی الجواز، أما لو لم یحرز هذا الرضا فقد یستدل علی الجواز فیه بعدة أدلة:
الأول: أدلة الإباحة، و لا تعارضها أدلة حرمة إیذاء المسلم فإنها لا تعمه؛ لفقدان الحیاة فی المیت التی هی منشأ الألم فی الإنسان الحی فتبقی أدلة الإباحة من دون معارضة.
الثانی: ما رواه الحسین بن زرارة فی المعتبر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی حدیث: قال و سأله أبی و أنا حاضر: عن الرجل یسقط سنه فیأخذ سن إنسان میت فیجعله
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 184
مکانه؟ قال: لا بأس «1».
و مثلها أرسلت عن زرارة عن أبی عبد اللّه علیه السّلام «2».
و الاستدلال بذلک إنما یتم بإلغاء الخصوصیة فیثبت الحکم فی الدم و بقیة الأعضاء التی سیأتی الحدیث فیها فی محله.
و لکن یرد علی هذا الاستدلال:
أولا: أن مناط الحرمة لیس هو الإیذاء لتنتفی عند انتفائه فی المیت؛ إذ لا دلیل علی هذا.
و ثانیا: أن هذا الاستدلال لو تم فهو معارض بالأخبار التی ساوت بین حرمة المسلم میتا و حرمته حیا بل إن منها ما عظّم حرمة المیت علی حرمة الحی، و من تلک الأخبار:
1- ما رواه الشیخ الکلینی مرسلا عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قلت له: رجل قطع رأس میت، قال: حرمة المیت کحرمة الحی «3».
2- ما رواه بسنده عن أبی جعفر علیه السّلام فی حدیث وفاة الإمام الحسن علیه السّلام و دفنه قال: إن اللّه حرم من المؤمنین أمواتا ما حرم منهم أحیاء «4».
3- ما رواه الشیخ الطوسی قدّس سرّه عن مسمع کردین: قال سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن رجل کسر عظم میت فقال: حرمته میتا أعظم من حرمته و هو حی «5».
إذن فلا یمکن القول بالجواز حیث لم یسبق رضا من المیت قبل وفاته.
______________________________
(1) وسائل الشیعة 24: 183 ب (33) من أبواب الأطعمة المحرمة ح 12.
(2) وسائل الشیعة 4: 417 ب (31) من أبواب لباس المصلی ح 4.
(3) الکافی 7: 344 ب (40) من کتاب الدیات ح 3.
(4) الکافی 1: 363 ب (67) من کتاب الحجة ح 3.
(5) تهذیب الأحکام 10: 239 ب (23) فی دیة عین الأعور … ح 13.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 185
و أما الغرامة فیلتفت فیها أیضا إلی سبق رضی المیت قبل الوفاة فیجری فیها ما سبق من الحدیث فی الأمر الثانی؛ إذ مع هذا الرضا لا یحرز جریان الغرامة فی المسألة.
و أما إذا لم یسبق هذا الرضا منه فالمورد ممّا تجری فیه أدلة الغرامة من دون إشکال، و حتی لو قیل بجواز سحب الدم فی هذه الحالة فإن ما استدل به علی هذا الجواز لا یرفع أدلة الغرامة؛ إذ لیس فیها إطلاق من هذه الجهة کما لا إطلاق فی قوله تعالی: فَکُلُوا مِمّٰا أَمْسَکْنَ «1» علی طهارة موضع إمساک کلاب الصید لفریستهن فلا بد من تطهیره حینئذ، کذلک هنا فلا بد من الغرامة لشمول أدلتها للمورد کما هو واضح.

الأمر الرابع: فی بیع الدم.

و الظاهر أن هذا البیع مما لیس به بأس؛ إذ غایة ما یمکن الاستدلال به علی الجواز أمور منها:
1- ما رواه الشیخ الصدوق قدّس سرّه و الشیخ الکلینی رحمه اللّه بسندهما عن أبی یحیی الواسطی رفعه قال: مرّ أمیر المؤمنین علیه السّلام بالقصابین فنهاهم عن بیع سبعة أشیاء من الشاة: نهاهم عن بیع الدم.. إلخ «2».
و فیه: مضافا إلی ضعف السند ظهوره- بقرینة أن الخطاب کان للقصابین- فی أن المنع إنما هو لأجل الأکل المحرم شرعا؛ لأنه هو الفائدة المتعارفة فی تلک الزمنة لا سیما فی الذبیحة.
2- عموم التعلیل فیما رواه الشیخ الکلینی بسنده عن محمد بن مسلم عن أبی عبد اللّه فی حدیث، قال: إن رجلا من ثقیف أهدی إلی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم
______________________________
(1) المائدة: 4.
(2) الخصال للصدوق 2: 341 باب السبعة ح 4، الکافی 6: 256 ب (7) حکم الذبائح ح 2.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 186
روایتین من خمر فأمر بهما رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم فأهریقتا و قال: إن الذی حرم شربها حرم ثمنها «1».
و مثله ما رواه الشیخ قدّس سرّه فی التهذیب عن أبی بصیر «2».
و یرد علیه:
1- عدم ظهور منطوق هذه الروایات فی التعلیل فضلا عن استفادة قاعدة کلیة تقتضی حرمة بیع کل ما حرم أکله أو شربه.
2- لو سلمت استفادة مثل هذا التعلیل فإنه یقتضی النهی عن بیع کل ما حرم أکله کالطین و الحجر و شبههما مع أن هذا لم یقل به أحد.
3- یعارض هذا التعلیل بما ورد فی جواز بیع الدهن و الزیت النجسین للاستصباح مع حرمة أکلهما، فقد روی الشیخ قدّس سرّه بسنده عن معاویة بن وهب و غیره عن أبی عبد اللّه علیه السّلام: فی جرذ مات فی زیت ما تقول فی بیع ذلک؟ قال:
بعه و بینه لمن اشتراه لیستصبح به «3».
کما روی عبد اللّه بن جعفر فی قرب الإسناد عن إسماعیل بن عبد الخالق عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال سأله سعید الأعرج السمان و أنا حاضر عن الزیت و السمن و العسل تقع فیه الفأرة فتموت کیف یصنع به؟ قال: أما الزیت فلا تبعه إلا لمن تبین له فیبتاع للسراج، و أما الأکل فلا، و أما السمن فإن کان ذائبا فهو کذلک … إلخ «4».
هذا، و ما ینبغی الانتباه إلیه أن النهی عن الأعیان إنما یحمل علی الجهة المقصودة
______________________________
(1) الکافی 5: 232 ب (107) بیع العصیر و الخمر ح 2.
(2) تهذیب الأحکام 7: 123 ب (9) الغرر و المجازفة و شراء السرقة و ما یجوز من ذلک و ما لا یجوز.
(3) تهذیب الأحکام 7: 117 ب (9) فی الغرر و المجازفة و شراء السرقة و ما یجوز من ذلک و ما لا یجوز.
(4) قرب الإسناد: 128 ح 448.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 187
منها فی المتفاهم العرفی الشائع؛ إذ لا معنی للنهی عن ذات العین، کما أن توسعة مجال النهی لما هو أوسع من الشائع العرفی یحتاج إلی قرائن أخری وراء الإطلاق، و حیث لا قرینة لا یمکن القول بالشمول؛
و لهذا فقوله تعالی: حُرِّمَتْ عَلَیْکُمْ أُمَّهٰاتُکُمْ … «1» لا یراد منه غیر حرمة النکاح، کما أن قوله تعالی: حُرِّمَتْ عَلَیْکُمُ الْمَیْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِیرِ وَ مٰا أُهِلَّ لِغَیْرِ اللّٰهِ بِهِ … «2» إنما یعنی به حرمة تناول هذه الأشیاء من أکل و شرب لا کلّ الانتفاعات بها؛ لأن التناول هو المقصود الشائع بها.
و الکلام نفسه یجری فیما لو کان النهی بسبب معروف شائع من شئون المتعلق أو مستلزماته؛ إذ لا بد من تعین هذا الشائع من تلک الشؤون و المستلزمات دون غیره، إذ هو مما یحتاج إلی قرینة أخری وراء الإطلاق، فالنهی عن ثمن الجاریة المغنیة هو النهی عن تملکه فیما لو کان الغناء قیدا فی بیع هذه الجاریة لا فیما إذا بیعت لغیره من المنافع المحللة، و هکذا النهی عن بیع الخمر و الدم و المیتة و غیرها، فالمحرم منه ما لو کان البیع لقصد الشائع من تلک الاستعمالات المحرمة، و کذلک النهی عن بیع أوانی الذهب و الفضة، فإن المحرم من هذا البیع ما إذا حصل من أجل الاستعمال المحرم منها، أما إذا بیعت کل هذه من أجل غایات أخری محللة فلا یتناولها التحریم.
و دم الإنسان- مورد الحدیث- من هذا القبیل، فحیث لا یمنع تزریق هذا الدم فی جسم المحتاج إلیه لا تکون أدلة تحریم بیع الدم شاملة لمثل هذا البیع کما لاحظناه فی الاستعمالات الأخری لما منع من بیعه.
و من هنا تتضح الإجابة عن شبه هذه الروایات التی تذکر لتحریم المبیع کذلک کروایة دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد علیه السّلام أنه قال فی حدیث: و ما کان
______________________________
(1) النساء: 23.
(2) المائدة: 3.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 188
محرما أصله منهیا عنه لم یجز بیعه و لا شراؤه «1».
و کذلک النبوی المشهور: إن اللّه إذا حرم شیئا حرم ثمنه «2».
فإن تحریم البیع و الثمن إنما هو لحرمة الغایات مما یباع و یشتری؛ و لهذا لم یقل أحد بأن مثل هذه الأدلة تحرم بیع الطین و الحجر؛ إذ إن لهما من المنافع المحللة ما یستحق بذل الثمن بإزائهما و إن حرم أکلهما، کما أن التوجیه المتقدم یوضح فرق ما بین کلب الهراش الذی منع بیعه حیث لا فائدة محللة فیه و کلب الصید و الماشیة اللذین أجیز بیعهما لما فیهما من فائدة.
کما یتضح ما فی جزم الشیخ الأنصاری قدّس سرّه فی المکاسب بحرمة بیع الدم، و ما فی دعوی الاتفاق التی نقلت فی کتاب النهایة و الإرشاد و التنقیح؛ إذ هی تعتمد- کما یبدو- علی الأخبار المتقدمة التی علمنا توجیهها.
و یؤید ما ذکرنا حکمهم بجواز المعاوضة علی الدم الطاهر مع تصور منفعة محللة فیه؛ إذ المناط واحد فی الحالین فلا معنی لهذه التفرقة.

الأمر الخامس: فی حکم سحب الدم و الغرامة مع عدم رضا صاحب الدم.

ما سبق من الحدیث فی الأمرین الأول و الثانی إنما کان مع رضا صاحب الدم، و أما إذا لم یرض فإن هذا الشخص قد یکون معصوم الدم و قد لا یکون.
فإن کان غیر معصوم الدم أی کان کافرا حربیا فاقدا لأحد عواصم الدم المعروفة جاز سحب الدم منه من دون إثم أو غرامة؛ إذ لا کرامة لدمه مع فقدها جمیعا فیه، و هذه العواصم التی تذکر فی کتب الفقه هی:
1- الإیمان.
______________________________
(1) دعائم الإسلام 2: 18 فصل (2) ذکر ما نهی عن بیعه ح 23.
(2) مسند أحمد 1: 247 و 293 بلفظ: إن اللّه عز و جل إذا حرم علی قوم أکل شی‌ء حرم علیهم ثمنه، مستدرک الوسائل 13: 73 ب (6) أبواب ما یکتسب به ح 8 نقلا عن عوالی اللئالی.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 189
2- عدم نصب العداء للنبی و آله الطاهرین علیه السّلام.
3- بذل الجزیة ممن یکتفی بها من الکفار کالیهود و النصاری، و المجوس- علی قول ضعیف-.
4- المهادنة مع شرائطها المفصلة فی محلها.
5- الأمان أو شبهة الأمان و هو ما یسمی أیضا بالذمام.
6- النزول علی حکم الإمام أو من یختاره الإمام.
و أما إذا کان معصوم الدم لواحد من هذه الأمور فلا شک فی حرمة سحب الدم منه کما لا شک فی ثبوت الدیة إذا کان السحب من مسلم غیر ناصبی،
و الظاهر أن مقدار هذه الدیة یتحدد بنوع الجرح الذی یعمله الساحب فی جسم المسحوب منه و تعیّب أو عدم تعیب العضو الذی سحب منه الدم.
فإن کان السحب- کما هو المتعارف- بإنفاذ إبرة التزریق المعروفة و لم یؤد إلی عیب العضو فالظاهر أن الدیة هنا هی عشر دیة الرجل أی مائة دینار شرعی «1»، استنادا إلی ما رواه:
الشیخ الکلینی قدّس سرّه فی الصحیح عن یونس عن أبی الحسن علیه السّلام فی قضاء أمیر المؤمنین علیه السّلام فی دیة جراحة الأعضاء ضمن حدیث: و أفتی فی النافذة إذا أنفذت من رمح أو خنجر فی شی‌ء من الرجل فی أطرافه فدیتها عشر دیة الرجل مائة دینار «2».
و لصحة هذه الروایة یقدم الأخذ بها علی ما رواه الشیخ قدّس سرّه عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: قضی أمیر المؤمنین فی النافذة تکون فی العضو ثلث دیة ذلک
______________________________
(1) الدینار الشرعی یساوی ثلاثة أرباع المثقال الصیرفی من الذهب المسکوک أو ما یعادله وزن ثمانی عشرة حبة حمص و هی القیراط الصیرفی.
(2) الکافی 7: 324 ب (35) دیة الجراحات و الشجاج ح 5.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 190
العضو «1».
لأن هذه الروایة ضعیفة السند، فالشیخ رحمه اللّه یرویها بسنده عن سهل بن زیاد عن محمد بن الحسن بن شمون «2» عن الأصم «3» عن مسمع، و کل من محمد بن الحسن بن شمون و الأصم ضعیف، فقد عبرت کتب الرجال عن الأول بأنه کان واقفیا ثم غلا، و کان ضعیفا جدا فاسد المذهب لا یلتفت إلیه و لا إلی مصنفاته، و عن الثانی بأنه ضعیف غال لیس بشی‌ء له کتاب فی الزیارات یدل علی خبث عظیم و مذهب متهافت، و کان من کذابة أهل البصرة.
أما الشیخ الکلینی فیروی نفس هذه الروایة بالسند نفسه عن مسمع «4» إلا أن فی بعض نسخه توجد کلمة (الناقلة) بدل کلمة (النافذة)، و هی النسخة المثبتة فی الأصل و فی الوسائل کذلک «5»، و هو مما یزید فی وهن هذه الروایة إذ لم یعلم منها أیّ من النوعین.
و یلاحظ هنا أن هذا الحکم ممن تستوی فیه المرأة مع الرجل؛ إذ المناصفة إنما یرجع إلیها حیث تصل الدیة إلی ثلث دیة الرجل و أما قبله فلا فرق بینهما، و یدل علی هذا الحکم العدید من النصوص منها ما رواه:
الشیخ الکلینی بسنده عن أبی بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: جراحات المرأة
______________________________
(1) تهذیب الأحکام 10: 257 ب (26) دیات الشجاج و کسر العظام و الجنایات فی الوجوه و الرؤوس و الأعضاء ح 15.
(2) رجال النجاشی: 335 فی ترجمة محمد بن الحسن بن شمون رقم (899).
(3) قال عنه النجاشی: عبد اللّه بن عبد الرحمن الأصم المسمعی بصری، ضعیف غال لیس بشی‌ء، رجال النجاشی: 217 فی ترجمته رقم (566).
(4) الکافی 7: 325 ب (35) من أبواب الدیات ح 12.
(5) وسائل الشیعة 29: 380 ب (2) من أبواب دیات الشجاج و الجراح ح 7.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 191
و الرجل سواء إلی أن تبلغ ثلث الدیة، فإذا جاز ذلک تضاعفت جراحة الرجل علی جراحات المرأة ضعفین «1».
کما لا یبعد شمول الحکم للذمی أیضا لما دل علی ذلک من أخبار، و أن دیته أقل من دیة المسلم، و تعیینها بثمانمائة درهم کما فی روایة:
محمد بن قیس عن أبی جعفر علیه السّلام فی حدیث قال: دیة الذمی ثمانمائة درهم «2».
و فی روایة ابن مسکان عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال دیة الیهودی و النصرانی و المجوسی ثمانمائة درهم «3».
إلی غیرهما من روایات المورد.
أقول: ما دل علی هذا وارد فی دیة النفس سوی واحدة منها واردة فی عین الذمی، ففی روایة برید العجلی قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن رجل مسلم فقأ عین نصرانی، قال: إن دیة عین النصرانی «4» أربعمائة درهم «5».
و أخری رواها الشیخ قدّس سرّه بسند ضعیف عن أبی عبد اللّه علیه السّلام أن أمیر المؤمنین علیه السّلام قضی فی جنین الیهودیة و النصرانیة و المجوسیة عشر دیة أمه «6».
أما تعدیة الحکم إلی الجراح فقد یقال بأنه قیاس غیر معتبر، إلا أن تصریح الروایات بأخذ النسبة المعینة من دیة الرجل کدیة لأنواع تلک الجراح یعنی ثبوت تلک النسبة نفسها فی دیة الذمی کذلک، فحیث ثبت أن مقدار هذه هی
______________________________
(1) الکافی 7: 298 ب (20) من أبواب الدیات ح 11.
(2) وسائل الشیعة 29: 217 ب (13) من أبواب دیات النفس ح 3.
(3) وسائل الشیعة 29: 217 ب (13) من أبواب دیات النفس ح 2.
(4) فی نسخة: الذمی.
(5) وسائل الشیعة 29: 218 ب (13) من أبواب دیات النفس ح 4.
(6) تهذیب الأحکام 10: 169 ب (14) من القود بین الرجل و النساء و المسلمین و الکفار.. ح 45.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 192
ثمانمائة درهم کانت نسبة العشر هی المتعینة فی الجراحات النافذة التی هی موضوع الحدیث، فالمقدار یحدد فیه بثمانین درهما.
و هذا هو ظاهر کلام المحقق فی الشرائع «1»، کما أن أصالة البراءة عن الأکثر تقتضی ذلک، و هو الأظهر کما أنه مختار الشیخ قدّس سرّه فی النهایة «2».
هذا، و یحتمل القول بأن جرح إبرة التزریق الذی یحصل حین سحب الدم لبساطته مما تنصرف عنه الأدلة السابقة التی وردت فی نفوذ مثل الخنجر و الرمح فلا یقال بشمول تلک الأدلة لجرح هذه الإبرة، و علیه فلا بد من الالتزام بما یعینه الحاکم الشرعی من حکومة، أو حکم العدلین الذی ورد فی صحیحة عبد اللّه بن سنان عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال فی حدیث: و ما کان جروحا دون الاصطلام فیحکم به ذوا عدل منکم، وَ مَنْ لَمْ یَحْکُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِکَ هُمُ الْکٰافِرُونَ «3».
هذا کله مع عدم حصول عیب فی العضو المسحوب منه الدم أما لو تعیب هذا العضو فلا بد من دیته المقررة له فی الشریعة؛ لأن مثل هذا الشخص مجنی علیه یستحق مثل تلک الدیة کاملة.
و یضاف إلی الدیة أیضا فی جمیع الحالات السابقة ثمن الدم المسحوب فیعطی إلی المسحوب منه؛ لأنه ملکه بحسب العرف فتشمله أدلة الضمان بما فیها من إطلاق.
______________________________
(1) شرائع الإسلام 4: 279 فی لواحق باب الدیات.
(2) النهایة للشیخ الطوسی: 749 کتاب الدیات.
(3) وسائل الشیعة 29: 389 ب (9) من أبواب دیات الشجاج و الجراح ح 1.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 193‌

الأمر السادس: فی الشخص الذی یستحق الدیة.

لا شک أن الذی یستحق الدیة و قیمة الدم هو المجنی علیه الذی سحب منه حال حیاته و إن کان التسلیم بعد الوفاة فهو کبقیة أمواله التی تعود میراثا بعد إخراج الدیون و الثلث.
أما لو کان السحب بعد الوفاة فالظاهر أن الأمر کذلک فیها أیضا لعموم أدلة مصارف الدیات، إلا أن هنا روایة ذکرت أن مصرف الدیة للإمام علیه السّلام کما ذکرت أخری أن مصرفها هو الصدقة أو الحج عن المیت المجنی علیه، فقد روی إسحاق بن عمار عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال قلت: میت قطع رأسه؟ قال: علیه الدیة.
قلت: فمن یأخذ دیته؟ قال: الإمام، هذا للّه، و إن قطعت یمینه أو شی‌ء من جوارحه فعلیه الأرش للإمام «1».
و روی محمد بن الصباح عن بعض أصحابنا عن أبی عبد اللّه علیه السّلام- فی حدیث- أن المنصور سأله إلی أن قال: فسأله عن الدراهم لمن هی؟ لورثته أم لا؟ فقال أبو عبد اللّه علیه السّلام لیس لورثته فیها شی‌ء إنما هذا شی‌ء أتی إلیه فی بدنه بعد موته، یحج بها عنه أو یتصدق بها عنه أو تصیر فی سبیل من سبل الخیر..
الحدیث «2».
و روی الحسین بن خالد عن أبی الحسن علیه السّلام قال: سئل أبو عبد اللّه علیه السّلام فی حدیث.. قلت فمن قطع رأس میت أو شق بطنه أو فعل به ما یکون فیه اجتیاح نفس الحی فعلیه دیة النفس کاملة؟ فقال: لا، و لکن دیته دیة الجنین فی بطن أمه قبل أن تلج فیه الروح، و ذلک مائة دینار، و هی لورثته، و دیة هذا هی له لا للورثة. قلت: فما الفرق بینهما؟ قال: إن الجنین أمر مستقبل مرجو نفعه،
______________________________
(1) وسائل الشیعة 29: 326 ب (24) من أبواب دیات الأعضاء ح 3.
(2) وسائل الشیعة 29: 325 ب (24) من أبواب دیات الأعضاء ح 1.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 194
و هذا قد مضی و ذهبت منفعته، فلما مثل به بعد موته صارت دیته بتلک المثلة له لا لغیره.. یحج بها عنه و یفعل بها أبواب الخیر و البر من صدقه أو غیره..
الحدیث «1».
إلا أن هذه الروایات کلها ضعیفة السند، فلا یمکن رفع الید عن عمومات أدلة مصرف الدیة بها، فترجع هذه الدیة إلی بقیة أموال المیت الأخری.
______________________________
(1) وسائل الشیعة 29: 325 ب (24) من أبواب دیات الأعضاء ح 2.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 195‌

الفصل الثانی مصرف الأعضاء

اشارة

و تفصیل الحدیث فی هذا الفصل لا بد من عرضه ضمن جهات رئیسة:

الجهة الأولی: فی جواز انتزاع بعض أعضاء الإنسان و الحیوان.

اشارة

و یتصور هذا الانتزاع ضمن حالات متعددة:

الأولی: أن یکون صاحب العضو راضیا بانتزاع ما یؤخذ منه

من دون أن یؤدی بحیاته و علی أن یکون الانتزاع فی حال الحیاة، و لا مانع فی هذه الحالة من انتزاع العضو سواء أ کان الواهب مسلما أم کافرا، و سواء أ کان کافرا معصوم الدم أم غیر معصومه، و سواء توقفت علیه حیاة الشخص المحتاج أم لم تتوقف؛ إذ مع الرضا لا مانع فی کافة الحالات.

الثانیة: أن لا یرضی صاحب العضو بانتزاعه و کان مسلما أو کافرا عصم دمه،

فلا یجوز الانتزاع منه و إن لم یود بحیاته.
نعم لو توقف حیاة النفس المحترمة علی ذلک العضو و لم یکن الانتزاع مما یؤدی بحیاة الحی أصبحت الهبة من الواجب الکفائی علی کل من یمکن زرع عضوه فی جسم تلک النفس المحترمه التی یخاف تلفها.
و أما إذا کان الانتزاع مما یؤدی بحیاة الحی فلا إشکال فی عدم الجواز؛ لأنه من إلقاء النفس فی التهلکة، و هو محرم عقلا و کتابا و سنة، إلا أن یکون المفتقر إلی ذلک العضو ممن یجب التضحیة لأجله، فتأمل.
و بهذا یظهر ما فی ما یستشم من بعضهم من إدراج المورد فی مسألة التزاحم و عند التعادل یرجع إلی التخییر فیتخیّر صاحب العضو بین الاحتفاظ بحیاته و الامتناع عن السماح بانتزاع العضو منه و بین إنقاذ حیاة المفتقر إلیه بالسماح به؛ لأن المورد لیس من موارد التخییر بل هو من دوران الأمر بین الحرمة و الوجوب.

الثالثة: أن لا یرضی صاحب العضو بانتزاعه منه و لم یکن محقون الدم

بأحد
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 196
العواصم المذکورة فی الفصل السابق، فلا ریب فی جواز أخذ العضو منه؛ إذ لا حرمة له سواء احتیج لزرعه فی جسم مسلم أم غیره.
و یمکن الإشارة إلی أن الکلام نفسه یجری بالنسبة إلی أعضاء الحیوان فإن کان مملوکا لمسلم أو کافر عصم ماله لا یجوز انتزاعه إلا برضاه، و أما إذا لم یملک أو کان مملوکا لمن لم یعصم ماله فلا إشکال فی الجواز، و إن توقفت علیه حیاة النفس المحترمة وجب بذله بنحو الوجوب الکفائی.

الرابعة: أن یقتطع العضو من المیت الکافر الذی لم یعصم دمه

بأی من حواقن الدم المعروفة، و لا إشکال فی جواز الاقتطاع سواء سبق منه الرضا أم لا، و لا یلتفت إلی ما أدعی بأنه تمثیل محرم دلت علیه معتبرات الروایات التی تروی فی هذا المضمار منها:
ما رواه الشیخ الکلینی بسنده عن معاویة بن عمار قال: أظنه عن أبی حمزة الثمالی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: کان رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم إذ أراد أن یبعث سریة دعاهم فأجلسهم بین یدیه ثم یقول: سیروا باسم اللّه و باللّه و فی سبیل اللّه و علی ملة رسول اللّه لا تغلوا و لا تمثلوا و لا تغدروا.. الحدیث «1».
و مثله فی المضمون حدیث مسعدة بن صدقة عن أبی عبد اللّه «2».
إذ یرد علی هذا أن حاجة الحی إلی العضو المنتزع ترفع الحرمة و إن کان هذا الاقتطاع فی واقعه لا یخرج عن المثلة؛ إذ من فسرها فی اللغویین لم یقیدها بغرض التشفی و العقوبة، قال فی النهایة: یقال: مثلت بالحیوان أمثل به مثلا إذا قطعت أطرافه و شوهت به، و مثلت بالقتیل إذا جدعت أنفه أو أذنه أو مذاکیره أو شیئا من أطرافه «3»، و قریب منه ما
______________________________
(1) الکافی 5: 29 ب (8) من أبواب الجهاد ح 1.
(2) الکافی 5: 31 ب (8) من أبواب الجهاد ح 8.
(3) النهایة فی غریب الحدیث و الأثر 4: 294 مادة (مثل).
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 197
فی تاج العروس. «1»
و حینئذ فلا شاهد علی تقییدها بأحدهما کما قاله بعضهم، نعم قد یکونان غایتین لأکثر ما یقع خارجا من اقتطاع الأطراف و وقائع المثلة إلا أن هذا لا یستوجب تقیید المفهوم أو الحرمة به، و لکن الحاجة إلی العضو مما یمنع القول بالحرمة؛ لأهمیة الحی علی المیت، من دون فرق بین أن یکون الشخص الذی یحتاج إلیه مسلما أو کافرا معصوم الدم.
نعم أما إذا کان کافرا غیر معصوم الدم و کان المیت مسلما فلا یجوز الاقتطاع إذ هو لا حرمة له ما لم یکن معصوم الدم.

الخامسة: إذا کان المیت مسلما سبق منه رضا فی حال حیاته فلا مانع من انتزاع العضو منه؛

إذ لا دلیل علی حرمة الانتزاع بعد الموت فی حال سبق الرضا منه، و ما دل علی أن حرمة المیت المسلم کحرمته حیا کما سبق فی الفصل السابق منصرف عن هذا المورد؛ لأنه هو الذی سمح بإسقاط حرمة نفسه بعد الموت بإذنه بانتزاع ذلک العضو من جسده «2»، و مثله ما إذا کان کافرا محقون الدم.

السادسة: أن یکون المیت مسلما و لکن لم یسبق منه إذن فی حال حیاته،

و الظاهر حرمة قطع شی‌ء من جسده، و قد سبق عرض عدة روایات تؤکد أن حرمة المیت کحرمة الحی، بل إن بعضها شدد علی التحریم حتی عظّم حرمة المیت علی الحی، و لا أثر هنا الرضا الوارث بهذا الاقتطاع، فإن الحرمة ثابتة و إن رضی الوارث بذلک، کما أن مجرد حاجة الحی إلی ذلک العضو لا ترفع الحرمة ما لم تصل الضرورة فیها إلی الحد الذی یبیح المحذور؛ إذ مع هذه الحال لا مانع من انتزاع العضو من المیت؛ لأدلة الاضطرار کقوله تعالی: فَمَنِ اضْطُرَّ غَیْرَ بٰاغٍ وَ لٰا عٰادٍ فَلٰا إِثْمَ عَلَیْهِ «3».
______________________________
(1) تاج العروس 15: 683 مادة (مثل).
(2) هذا، و لکنه دام ظله تراجع أخیرا عن ذلک و اعتبر إذنه غیر نافذ؛ نظرا إلی أنه یعتبر فی نفوذ الإذن صلاحیة الآذن للتصرف فی متعلق الإذن فی ظرفه.
(3) البقرة: 173.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 198
و الأمر نفسه یجری فی الکافر معصوم الدم؛ إذ لا شک فی حرمة انتزاع أحد أعضائه بعد موته و عدم سبق الإذن منه و کون دیته أقل من دیة المسلم لا یبیح الاقتطاع منه.
و یمکن التعقیب علی هذه الأمور بتماثل الحکم فی الحیوان و اقتطاع أحد أعضائه بعد موته فإن کان مملوکا لمسلم أو کافر عصم ماله اشترطت إجازته فیه، و موته لا یستوجب رفع ملکیة صاحبه عنه، و إلا لم تشترط کما إذا کان مملوکا لغیر معصوم المال أو لم یکن مملوکا لأحد.

الجهة الثانیة: فی جواز معاوضة أحد علی الأعضاء المنتزعة منه.

و لا إشکال فی جواز المعاوضة علی الأعضاء بنحو یکون تسلیم العوض بعنوان الهبة طلبا لرضا صاحب العضو بانتزاع عضوه لا أن یکون ثمنا له، سواء أ کان الانتزاع فی حال الحیاة أم بعد الموت.
أما إذا کانت المعاوضة بعنوان البیع، فإن وقع علی العضو قبل اقتطاعه من جسم البائع فالظاهر أنه لا مانع من هذه المعاوضة حینئذ؛ لأن ما یعتمد علیه فی المنع إنما هو ما دل علی حرمة بیع المیتة و أن ثمنها سحت، و العضو قبل الاقتطاع لیس من المیتة کما أن العرف و العقلاء یرونه من المالیات فلا مانع من بیعه سواء سمح باقتطاعه حال حیاته أم اشترط انتزاعه بعد الموت.
و أما بعد الانتزاع فالظاهر جواز بیعه کذلک؛ لأن هذا العضو المنتزع و إن أصبح من المیتة إلا أنه سبق أن بینا أن حرمة بیع المیتة إنما تثبت حیث تنتفی الفوائد المحللة- کما سبقت الإشارة إلیه- و أما مع وجود مثل هذه الفائدة- کما هو الفرض هنا- فلا مانع کما قلناه أیضا فی بیع الدم، و سیأتی تفصیل للحدیث فیه إن شاء اللّه فی الجهة الثالثة الآتیة.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 199‌

الجهة الثالثة: فی بیع ما ینتزع من المیت من أعضاء.

اشارة

إذا لم یبح شخص حال حیاته أن یقتطع منه أحد أعضائه مجانا أو لم یستلم ثمنه حال الحیاة و لکن- لسبب من الأسباب المبیحة أو غیر المبیحة- اقتطع ذلک العضو منه فهل یجوز بیعه لیزرع فی جسم الحی أو لا یجوز؟
و الکلام نفسه یجری فی الحیوان حیث لا یسمح المالک بالاقتطاع حال حیاة الحیوان- إن کان مملوکا- فهل له المعاوضة علیه بعد موته؟ و کذلک فیما إذا لم یکن الحیوان مملوکا.
و فی الحقیقة أن هذا السؤال ینحل إلی ثلاثة أسئلة کل منها مجال للحدیث فیقع السؤال:
1- عن جواز الانتفاع بهذه الأعضاء المنتزعة من المیت.
2- و عن صلاحیتها للبیع فی هذه الحال.
3- و عن من له الحق فی البیع و تملک الثمن.
کما أن کل واحد من هذه الأسئلة یقع ضمن فرضین؛ إذ قد یفرض العضو مما لا تحله الحیاة بمعنی أنه لا یؤلم صاحبه لو اقتطع منه و إن کان اقتلاعه مؤلما کالشعر و الظفر و السن، و قد یفرض أنه من الأعضاء التی تحلها الحیاة کالکلیة و العین و القلب و شبهها، فلا بد من تفصیل الکلام فی کل من الفرضین:

الفرض الأول: فی العضو الذی لا تحله الحیاة.

الجهة الأولی: فی جواز الانتفاع بالعضو المأخوذ من المیتة،

أما فی الحیوان فلا مانع منه و إن أخذ من المیت فی هذه الحال؛ لأن ما لا تحله الحیاة إن أخذ من حیوان طاهر یعتبر طاهرا و إن کان هذا الحیوان میتا، و قد دلت علی طهارته روایات منها ما رواه:
1- الشیخ الکلینی بسنده عن الحسین بن زرارة عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: الشعر
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 200
و الصوف و الوبر و الریش و کل نابت لا یکون میتا «1».
2- الشیخ بسنده عن الحلبی عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: لا بأس بالصلاة فیما کان من صوف المیتة، إن الصوف لیس فیه روح «2».
أما ما دل علی اشتراط التذکیة فی الانتفاع بسن الشاة و هی ما رواه:
الحلبی قال: سألته علیه السّلام عن الثنیة تنفصم و تسقط أ یصلح أن تجعل مکانها سن شاة؟ قال: إن شاء فلیضع مکانها سنا بعد أن تکون ذکیة «3».
فلا بد من حمله علی أن الذکاة المطلوبة هنا هی الطهارة بالغسل، أو حمل الحکم علی کراهة استعمال السن غیر مذکی الأصل، و إن أبت الروایة مثل هذین الحملین فلا بد من طرحها؛ إذ عموم التعلیل فی روایة الحلبی شامل للسن أیضا، کما أنه مشمول للعموم فی قوله علیه السّلام فی روایة الحسین بن زرارة.. و کل نابت لا یکون میتا.
و أما فی الإنسان فجواز الانتفاع بما لا تحله الحیاة منه مما لا إشکال فیه، و قد سبق فی الأمر الثالث من الفصل المتقدم معتبرة الحسین بن زرارة عن أبی عبد اللّه علیه السّلام قال: و سأله أبی و أنا حاضر عن الرجل یسقط سنه فیأخذ سن إنسان میت فیجعله مکانه؟ قال: لا بأس «4».
و لکن لا بد أن نستعید هنا ما ذکرناه فی الجهة الأولی من أن جواز الانتفاع بأحد أجزاء المیت المسلم لا یعنی جواز الانتزاع من جسمه من دون سبق رضاه أو استدعته الضرورة، کما لا یعنی سقوط الدیة التی تقرر علیه، و مثله ما إذا کان المیت کافرا محقون الدم کالذمی و شبهه.
______________________________
(1) الکافی 6: 260 ب (9) ما ینتفع به من المیتة و ما لا ینتفع به منها ح 3.
(2) تهذیب الأحکام 2: 345 ب (17) فیما یجوز الصلاة فیه من اللباس و المکان و ما لا یجوز ح 62.
(3) وسائل الشیعة 3: 514 ب (68) من أبواب النجاسات ح 5.
(4) وسائل الشیعة 24: 183 ب (33) من أبواب الأطعمة المحرمة ح 12.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 201‌

الجهة الثانیة: فی صحة بیع الجزء الذی لا تحله الحیاة.

و الحکم فی هذه الحالة واضح؛ إذ بعد الحکم بجواز الانتفاع بهذه الأعضاء سواء انتزعت من الحیوان أو الإنسان فلا مانع من إجراء المعاملة علیها؛ لأن التعامل علیها یصبح مسألة عقلائیة حینئذ.

الجهة الثالثة: فیمن یتملک هذه الأعضاء و یستحق الثمن

و الحکم فیها أیضا واضح من خلال ما سبق من حدیث فإن کان العضو منتزعا من الحیوان و کان هذا مملوکا لشخص محترم المال فلا شک بأن ملکیة هذا العضو تعود لمالکه؛ إذ هو لم یخرج عن ملکیته فله حق التصرف فیه و بیعه ان شاء.
أما إذا کان الحیوان مملوکا لغیر محترم المال أو لم یکن مملوکا لأحد کانت أعضاؤه من المباحات العامة التی تتملک بالحیازة أو الاستیلاء.
أما إذا کان العضو منتزعا من المیت- و المفروض أنه لم یبح لأحد انتزاعه- فإن کان المیت مسلما أو ممن عصم دمه لا بد من دفع الدیة سواء مع مخالفة الحکم الشرعی بالتحریم أو حیث تستدعی الضرورة المبیحة حیث تتوقف حیاة النفس المحترمة- کما قلنا-.
و مصرف هذه الدیة هو ما قلناه فی الفصل السابق؛ إذ یرجع إلی بقیة ما یترکه المیت من مواریث، و لا یلتفت إلی ما ورد من رجوعها إلی الإمام علیه السّلام فی هذه الحال، أو اعتبارها من مصارف سبل الخیر التی تصرف فی الحج و أبواب البر لضعف هذه الروایات.
أما الذی یتملک الأعضاء فی هذه الحال فسنستوفی الحدیث فیه إن شاء اللّه فی موقعه من الفرض الثانی.

الفرض الثانی: فی الأعضاء التی تحلها الحیاة.

اشارة

و لا بد فی هذا الفرض أیضا من ملاحظة الجهات الثلاث التی ذکرناها فی الفرض السابق.

الجهة الأولی: فی جواز الانتفاع بالمیتة و أجزائها،

و الکلام یقع کذلک بالنسبة إلی
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 202
الحیوان تارة و إلی الإنسان أخری.
أما الحیوان فالمعروف بین الفقهاء أنه لا یجوز الانتفاع بالمیتة النجسة، و قد استدل علی هذه الحرمة بما رواه:
1- علی بن أبی المغیرة فی الصحیح، قال: قلت لأبی عبد اللّه علیه السّلام: المیتة ینتفع منها بشی‌ء؟ فقال: لا «1».
2- الکاهلی فی المعتبر قال: سأل رجل أبا عبد اللّه علیه السّلام و أنا عنده عن قطع ألیات الغنم فقال: لا بأس بقطعها إذا کنت تصلح بها مالک، ثم قال: إن فی کتاب علی علیه السّلام أن ما قطع منها میت لا ینتفع به «2».
3- أبو إسحاق عن أبی الحسن علیه السّلام قال: کتبت إلیه أسأله عن جلود المیتة التی یؤکل لحمها ذکیا؟ فکتب علیه السّلام: لا ینتفع من المیتة بإهاب و لا عصب … «3».
إلا أن هذه الطائفة معارضة بما دل علی جواز الانتفاع بالمیتة، و هی کثیرة منها ما رواه:
1- محمد بن إدریس قدّس سرّه فی آخر السرائر نقلا من کتاب جامع البزنطی صاحب الرضا علیه السّلام قال سألته عن الرجل یکون له الغنم یقطع من ألیاتها و هی أحیاء أ یصلح أن ینتفع بما قطع؟ قال: نعم یذیبها و یسرج بها و لا یأکلها و لا یبیعها «4».
2- أبو بصیر عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی حدیث: أن علی بن الحسین علیه السّلام کان یبعث إلی العراق فیؤتی مما قبلکم بالفرو فیلبسه، فإذا حضرت الصلاة ألقاه و ألقی القمیص الذی یلیه، فکان یسأل عن ذلک فقال: إن أهل العراق یستحلون لباس
______________________________
(1) وسائل الشیعة 24: 184 ب (34) من أبواب الأطعمة المحرمة ح 1.
(2) وسائل الشیعة 24: 71 ب (33) من أبواب الذبائح ح 1.
(3) وسائل الشیعة 24: 71 ب (33) من أبواب الأطعمة المحرمة ح 7 و فی سنده (عن الفتح بن یزید الجرجانی بدل أبی إسحاق) و فی نسخة من الاستبصار: عن أبی إسحاق).
(4) وسائل الشیعة 24: 73 ب (30) من أبواب الذبائح ح 4.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 203
جلود المیتة و یزعمون أن دباغه ذکاته «1».
و مقتضی الأصل جواز الانتفاع بالمیتة حیث لا تعتبر الطهارة، کما هو مختار الشرائع و النافع، و هو ما عن کاشف الرموز قدّس سرّه و العلامة قدّس سرّه فی الإرشاد حیث أفتوا بجواز الاستقاء بجلود المیتة لما لا یستعمل فی الصلاة و الشرب، و عن التنقیح أیضا المیل إلیه.
و أما الأخبار المانعة من الاستفادة بالمیتة فهی- علی کثرتها- یمکن حملها علی الانتفاع بما یشترط فیه الطهارة کالصلاة و الأکل، أو حملها علی الکراهة، فما دل علی الجواز نص غیر قابل للتصرف فی دلالته، و زرع الأعضاء لیس من تلک المنافع التی یشترط فیها الطهارة فلا مانع منه حینئذ.
و أما ما یؤخذ من الإنسان المیت مما تحله الحیاة فإنه أیضا مشمول لأدلة الإباحة العامة فیمکن الانتفاع به من دون مانع، و ما دل علی المنع لا یتناول مثل هذه الانتفاعات.

الجهة الثانیة: فی بیع العضو الذی کانت تحله الحیاة من المیت.

و المشهور فی مثل هذا العضو عدم جواز البیع، و الذی یمکن أن یستدل به علی هذا المنع أمور:
الأول: أن الشارع قد أسقط مالیة المیتة و من ثم إمکان تملکها من قبل أحد، و المالیة و الملکیة من شروط صحة البیع، و فیه:
أولا: عدم وجود دلیل معتبر علی اشتراطهما فی البیع، و لا سیما وجودهما قبل وقوع البیع؛ إذ یکفی وجودهما المقترن بوقوع البیع کما فی بیع الکلی و عمل الحر- علی رأی من ینکر مالیته أو ملکیته قبل وقوع المعاملة علیه-.
و ثانیا: المستفاد من الأدلة- علی تقدیر تمامیتها- عدم جواز البیع و عدم جواز أکل الثمن، و هذا أعم من المدعی؛ إذ من الممکن تصور المالیة و الملکیة لما یحرم بیعه.
______________________________
(1) وسائل الشیعة 3: 502 ب (61) من أبواب النجاسات ح 3.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 204
الثانی: أن ما تحله الحیاة من المیتة نجس، و إن کان الحیوان طاهرا حال حیاته، و بیع النجس غیر جائز.
و فیه: أنه لا دلیل علی المنع من بیع النجس کالثوب و الدهن و شبههما للانتفاع به فیما لا تشترط الطهارة فیه کالسراج بالدهن أو الزیت.
الثالث: أن المیتة لا یجوز الانتفاع بها فیکون أکل ثمنها أکلا بالباطل.
و فیه ما سبق معرفته من عدم تمامیة المقدمة الأولی؛ إذ سبق أن المیتة یمکن الانتفاع بها و لا سیما هذه الأعضاء التی تقتطع لزراعتها فی أجسام الأحیاء التی نحتاجها.
الرابع: قیام الإجماع علی عدم جواز البیع.
و فیه: أنه لو سلم أن هناک اتفاقا علی القول بالحرمة إلا أنه إجماع مدرکی یستند إلی استفادة العلماء ذلک مما ورد بهذا الصدد من الروایات و لیس إجماعا تعبدیا.
الخامس: الأخبار الواردة التی تحرم بیع المیتة، منها:
1- ما سبق ذکره من روایة محمد بن إدریس عن جامع البزنطی صاحب الرضا علیه السّلام و فیه یقول علیه السّلام عما یؤخذ من ألیات الغنم من دهن:.. و یسرج بها و لا یأکلها و لا یبیعها «1».
2- ما رواه الحسن بن شعبة فی تحف العقول مرسلا عن الصادق علیه السّلام: و أما وجوه الحرام من البیع و الشراء و کل أمر یکون فیه الفساد مما هو منهی عنه من جهة أکله و شربه أو کسبه أو نکاحه أو ملکه أو إمساکه أو هبته أو عاریته أو شی‌ء یکون فیه وجه من وجوه الفساد نظیر البیع بالربا لما فی ذلک من الفساد أو البیع للمیتة..
إلخ «2».
3- و قریب منه ما رواه فی المستدرک عن کتاب فقه الرضا «3».
______________________________
(1) وسائل الشیعة 24: 72 ب (30) من أبواب الذبائح ح 4.
(2) تحف العقول: 245 جوابه علیه السّلام عن جهات معایش العباد.
(3) مستدرک الوسائل 13: 63- 65 ب (2) من أبواب ما یکتسب به ح 1.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 205
4- ما رواه کتاب دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد عن أبیه عن آبائه عن علی علیه السّلام أن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم نهی عن بیع الأحرار و عن بیع المیتة.. إلخ «1».
5- ما رواه فی المستدرک عن النبی صلّی اللّه علیه و آله و سلّم و أن اللّه تعالی إذا حرم علی قوم أکل شی‌ء حرم علیهم ثمنه «2».
و الروایات کلها سوی معتبرة البزنطی مما لم تثبت صحته، و هذه المعتبرة لا بد من حملها؛
إما علی المنع من البیع من دون إعلام المشتری کما هو حال المنع عن بیع الجلد المشکوک التذکیة علی المسلم من دون إعلامه بالحال کما یدل علیه ما رواه الشیخ قدّس سرّه بسنده عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبد اللّه علیه السّلام عن الفراء أشتریه من الرجل الذی لعلی لا أثق به فیبیعنی علی أنها ذکیة، أبیعها علی ذلک؟
فقال: إن کنت لا تثق به فلا تبعها علی أنها ذکیة إلا أن تقول: قد قیل لی أنها ذکیة «3».
أو حملها- و مثلها غیرها مما ورد فی حرمة البیع- علی بیع ما لا منفعة محللة له غالبة بقرینة ضم الحرمة إلی المنع من البیع، و بمناسبة الحکم و الموضوع؛ و لهذا فحیث تتصور لبعض المحرمات مثل هذه المنافع الشائعة لا یقال بحرمة بیعها کالتراب و الحجر و الدم الطاهر و العذرة للتسمید و شبهها، و طبیعی أن زرع العضو المقتطع من المیتة فی جسم الحی الذی یحتاج إلیه هو أحد تلک المنافع المحللة، فلا یقال بحرمة بیع هذه الأعضاء و إن أخذ من إنسان أو حیوان میتین.
کما یمکن حملها علی الکراهة جمعا بینها و بین ما دل علی حلیة بیع المیتة فقد روی:
______________________________
(1) دعائم الإسلام 2: 18 فصل (2) ذکر ما نهی عن بیعه ح 22.
(2) مستدرک الوسائل 13: 73 ب (6) من أبواب ما یکتسب به ح 8.
(3) تهذیب الأحکام 7: 120 ب (9) الغرر و المجازفة و شراء السرقة و ما یجوز من ذلک و ما لا یجوز ح 57.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 206
1- الحلبی فی الصحیح قال: سمعت أبا عبد اللّه علیه السّلام یقول: إذا اختلط الذکی و المیت باعه ممن یستحل المیتة و أکل ثمنه «1».
2- الحلبی أیضا عن أبی عبد اللّه علیه السّلام أنه سئل عن رجل کان له غنم و بقر و کان یدرک الذکی منها فیعزله و یعزل المیتة، ثم إن المیتة و الذکی اختلطا کیف یصنع به؟
قال: یبیعه ممن یستحل المیتة، و یأکل ثمنه فإنه لا بأس به «2».
و قد أفتی بمضمون هاتین الروایتین فی النهایة و الوسیلة و الجامع- علی ما حکی عنه- و فی الحدائق عن المجلسی قدّس سرّه القول بجواز بیع المیتة؛ لأدلة الجواز و عدم تمامیة الإجماع علی المنع.
3- ما ورد فی جواز بیع العجین بالماء النجس، فعن حفص بن البختری عن أبی عبد اللّه علیه السّلام فی العجین من الماء النجس کیف یصنع به؟ قال یباع ممن یستحل المیتة «3».
و لیس الاستدلال بالروایة من باب القیاس، بل إن تخصیص الإمام علیه السّلام جواز البیع ممن یستحل المیتة یعنی أن موردیهما من ملاک واحد.
و قد حاول البعض- کالمحقق قدّس سرّه و العلامة قدّس سرّه- حمل هذه الروایات علی البیع الصوری؛ إذ هو فی الحقیقة من باب استنقاذ المال من الکافر، إلا أن هذا الحمل لا موفقیة فیه؛ إذ یمکن أن یکون مستحل المیتة من الذمیین محترمی المال، بل هذا هو المورد الغالب فی المجتمع المسلم حین صدور هذه الروایات.
و حاول آخرون تصحیح البیع بقصد البائع المسلم أجزاء المیتة التی لا تحلها الحیاة فی العقد من الصوف و العظم و الشعر و نحوها.
و لکن مع هذا القصد لا موجب لتخصیص البیع ممن یستحل أکل المیتة فقط؛ إذ مع هذا القصد یصح البیع حتی مع المشتری المسلم.
______________________________
(1) وسائل الشیعة 24: 187 ب (36) من أبواب الأطعمة المحرمة ح 1.
(2) وسائل الشیعة 24: 187 ب (36) من أبواب الأطعمة المحرمة ح 2.
(3) وسائل الشیعة 17: 100 ب (7) من أبواب ما یکتسب به ح 3.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 207
کما حاول آخرون تصحیحه بقصد بیع المذکی فی العقد فقط، و هذا الحمل یظهر ما فیه کذلک من الالتفات إلی أن البیع مع هذا القصد صحیح حتی مع المسلم، مع أنه مناف لإطلاق بعض الروایات و لا سیما الروایة الثالثة الواردة فی العجین؛ إذ المجموع أصبح نجسا فلا یمکن قصد البعض دون البعض؛ إذ لا تمایز بین النجس و الطاهر.
و لا یمکن تصحیح المعاملة بقاعدة الإلزام؛ إذ حققنا فی مورد القاعدة عدم جریانها فی العقود.
و دعوی لزوم الرجوع إلی مطلق ما دل علی حرمة بیع المیتة بعد سقوط ما دل علی جواز بیعها بالمعارضة لا وجه لها إذ یرد علیه:
أولا: أن ما دل علی الجواز معارض لما ورد فی المنع، و التعارض حین یستوجب التساقط لا بد من حصوله فی الطرفین، و حینئذ یرجع إلی أدلة الإباحة العامة.
و ثانیا: لو فرض اختصاص دلیل الجواز بالمیتة المختلطة بالمذکی فالمورد لیس هو التعارض بل التخصیص، و علیه فلا بد من تخصیص أدلة المنع بروایات التجویز.
و ثالثا: لا وجه لترجیح دلیل المنع علی دلیل الجواز؛ إذ کل ما فی الأمر أن هنا شهرة اعتبرت مرجحة للمنع إلا أن الشهرة المرجحة- لو سلم أصل المبنی- هی المطلقة التی تزیل الریب و الشک، و ما نحن فیه لیس من هذه الشهرة؛ إذ لم یعلم من الأصحاب العمل بروایات المنع مطلقا، و إلا لمنعوا من بیع میتة غیر ذی النفس السائلة؛ إذ هی مشمولة للعموم، مع أنهم حکموا بالجواز فیها.
إذن فالصحیح أنه لا مانع من بیع المیتة حیث تکون لها منافع عقلائیة محللة کالاستفادة من أعضائها فی زرعها فی أجسام الأحیاء.

الجهة الثالثة: فیمن یمتلک العضو المنتزع من المیت.

و خلاصة القول فیه: أن العضو إن کان منتزعا من إنسان مملوک أو حیوان کذلک فالثمن و لا شک للمالک کما هو مقتضی القاعدة و الأخبار المتقدمة.
أما إذا کان العضو قد انتزع من إنسان حر فاقد للعواصم أو حیوان غیر مملوک فهو کالمباحات الأصلیة یملکه من یجوزه، فله تعود التصرفات کافة و منها البیع و امتلاک الثمن.
بحوث فقهیة معاصرة، ص: 208
و إذا کان العضو من إنسان حر محقون الدم فیحتمل فیه أوجه؛ أن یتملکه الشخص الذی یعطی الدیة، و لا یبعد إجراء حکم المباحات الأصلیة فیه أیضا فیملکه الذی یحوزه بالاقتطاع، و قریب من کذلک تصور عدم إمکان تملکه من أحد إلا أن الحائز أو البنک الذی یحتفظ به یمتلک حق الاختصاص فقط.

الجهة الرابعة: حکم ما یزرع من الأعضاء.

إذا زرع العضو فی جسم حی أو میت فیحکم بأنه من الجسم المزروع فیه إذا التحم به أو اختلط المزروق فی جسم من یزرق فیه، فلو کان العضو مزروعا فی جسم إنسان مسلم حکم بطهارته الذاتیة و إن کان مبانا من المیت، و إن کان الاحتیاط یستدعی غسل العضو قبل استخدامه فیما یعتبر الطهارة فیه، و لا یجری الاستصحاب هنا لیقال بالنجاسة الثابتة له حال الموت لتبدل الموضوع بعد الالتحام و سریان الحیاة.
و کذلک الأمر فیما لو زرع عضو من حیوان نجس العین فی جسم حیوان طاهر، أو عضو من الکافر فی جسم الإنسان المسلم أو عضو من حیوان محرم الأکل فی جسم حیوان محلل، ففی جمیع الحالات یحکم بأنه من الجسم المزروع فیه بعد التحامه و حکم العرف بالجزئیة، و هکذا لو کان العکس فی جمیع هذه الصور، و الأمر نفسه فی تزریق الدم.
أما قبل الالتحام و صدق الجزئیة فإن رأی العرف الدقیق أنه لا یزال جزءا من الحیوان أو الإنسان الذی أخذ منه جری علیه حکمه أیضا، و أما مع الشک و عدم البت بالأمر فحیث لا یعلم تبدل الموضوع لا بد من جریان الاستصحاب و الحکم علیه بما کان یحکم به قبل الزرع.
هذا، و آخر دعوانا أَنِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِینَ، و صلی اللّه علی محمد و آله الطیبین الطاهرین‌

تعريف مرکز القائمیة باصفهان للتحریات الکمبیوتریة

جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ في سَبيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (التوبة/41).
قالَ الإمامُ علیّ ُبنُ موسَی الرِّضا – علـَیهِ السَّلامُ: رَحِمَ اللّهُ عَبْداً أحْيَا أمْرَنَا... َ يَتَعَلَّمُ عُلُومَنَا وَ يُعَلِّمُهَا النَّاسَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَاتَّبَعُونَا... (بَــنـادِرُ البـِحـار – فی تلخیص بحـار الأنوار، للعلاّمة فیض الاسلام، ص 159؛ عُیونُ أخبارِ الرِّضا(ع)، الشـَّیخ الصَّدوق، الباب28، ج1/ ص307).
مؤسّس مُجتمَع "القائمیّة" الثـَّقافیّ بأصبَهانَ – إیرانَ: الشهید آیة الله "الشمس آباذی" – رَحِمَهُ اللهُ – کان أحداً من جَهابـِذة هذه المدینة، الذی قدِ اشتهَرَ بشَعَفِهِ بأهل بَیت النبیّ (صلواتُ اللهِ علـَیهـِم) و لاسیَّما بحضرة الإمام علیّ بن موسَی الرِّضا (علیه السّلام) و بـِساحة صاحِب الزّمان (عَجَّلَ اللهُ تعالی فرجَهُ الشَّریفَ)؛ و لهذا أسّس مع نظره و درایته، فی سَنـَةِ 1340 الهجریّة الشمسیّة (=1380 الهجریّة القمریّة)، مؤسَّسة ًو طریقة ًلم یـَنطـَفِئ مِصباحُها، بل تـُتـَّبَع بأقوَی و أحسَنِ مَوقِفٍ کلَّ یومٍ.
مرکز "القائمیّة" للتحرِّی الحاسوبیّ – بأصبَهانَ، إیرانَ – قد ابتدَأَ أنشِطتَهُ من سَنـَةِ 1385 الهجریّة الشمسیّة (=1427 الهجریّة القمریّة) تحتَ عنایة سماحة آیة الله الحاجّ السیّد حسن الإمامیّ – دامَ عِزّهُ – و مع مساعَدَةِ جمع ٍمن خِرّیجی الحوزات العلمیّة و طلاب الجوامع، باللیل و النهار، فی مجالاتٍ شتـَّی: دینیّة، ثقافیّة و علمیّة...
الأهداف: الدّفاع عن ساحة الشیعة و تبسیط ثـَقافة الثـَّقـَلـَین (کتاب الله و اهل البیت علیهـِمُ السَّلامُ) و معارفهما، تعزیز دوافع الشـَّباب و عموم الناس إلی التـَّحَرِّی الأدَقّ للمسائل الدّینیّة، تخلیف المطالب النـّافعة – مکانَ البَلاتیثِ المبتذلة أو الرّدیئة – فی المحامیل (=الهواتف المنقولة) و الحواسیب (=الأجهزة الکمبیوتریّة)، تمهید أرضیّةٍ واسعةٍ جامعةٍ ثـَقافیّةٍ علی أساس معارف القرآن و أهل البیت –علیهم السّلام – بباعث نشر المعارف، خدمات للمحققین و الطـّلاّب، توسعة ثقافة القراءة و إغناء أوقات فراغة هُواةِ برامِج العلوم الإسلامیّة، إنالة المنابع اللازمة لتسهیل رفع الإبهام و الشـّـُبُهات المنتشرة فی الجامعة، و...
- مِنها العَدالة الاجتماعیّة: التی یُمکِن نشرها و بثـّها بالأجهزة الحدیثة متصاعدة ً، علی أنـّه یُمکِن تسریعُ إبراز المَرافِق و التسهیلاتِ – فی آکناف البلد - و نشرِ الثـَّقافةِ الاسلامیّة و الإیرانیّة – فی أنحاء العالـَم - مِن جـِهةٍ اُخرَی.
- من الأنشطة الواسعة للمرکز:
الف) طبع و نشر عشراتِ عنوانِ کتبٍ، کتیبة، نشرة شهریّة، مع إقامة مسابقات القِراءة
ب) إنتاجُ مئات أجهزةٍ تحقیقیّة و مکتبیة، قابلة للتشغیل فی الحاسوب و المحمول
ج) إنتاج المَعارض ثـّـُلاثیّةِ الأبعاد، المنظر الشامل (= بانوراما)، الرّسوم المتحرّکة و... الأماکن الدینیّة، السیاحیّة و...
د) إبداع الموقع الانترنتی "القائمیّة" www.Ghaemiyeh.com و عدّة مَواقِعَ اُخـَرَ
ه) إنتاج المُنتـَجات العرضیّة، الخـَطابات و... للعرض فی القنوات القمریّة
و) الإطلاق و الدَّعم العلمیّ لنظام إجابة الأسئلة الشرعیّة، الاخلاقیّة و الاعتقادیّة (الهاتف: 00983112350524)
ز) ترسیم النظام التلقائیّ و الیدویّ للبلوتوث، ویب کشک، و الرّسائل القصیرة SMS
ح) التعاون الفخریّ مع عشراتِ مراکزَ طبیعیّة و اعتباریّة، منها بیوت الآیات العِظام، الحوزات العلمیّة، الجوامع، الأماکن الدینیّة کمسجد جَمکرانَ و...
ط) إقامة المؤتمَرات، و تنفیذ مشروع "ما قبلَ المدرسة" الخاصّ بالأطفال و الأحداث المُشارِکین فی الجلسة
ی) إقامة دورات تعلیمیّة عمومیّة و دورات تربیة المربّـِی (حضوراً و افتراضاً) طیلة السَّنـَة
المکتب الرّئیسیّ: إیران/أصبهان/ شارع"مسجد سیّد"/ ما بینَ شارع"پنج رَمَضان" ومُفترَق"وفائی"/بنایة"القائمیّة"
تاریخ التأسیس: 1385 الهجریّة الشمسیّة (=1427 الهجریة القمریّة)
رقم التسجیل: 2373
الهویّة الوطنیّة: 10860152026
الموقع: www.ghaemiyeh.com
البرید الالکترونی: Info@ghaemiyeh.com
المَتجَر الانترنتی: www.eslamshop.com
الهاتف: 25-2357023- (0098311)
الفاکس: 2357022 (0311)
مکتب طهرانَ 88318722 (021)
التـِّجاریّة و المَبیعات 09132000109
امور المستخدمین 2333045(0311)
ملاحَظة هامّة:
المیزانیّة الحالیّة لهذا المرکز، شـَعبیّة، تبرّعیّة، غیر حکومیّة، و غیر ربحیّة، اقتـُنِیَت باهتمام جمع من الخیّرین؛ لکنـَّها لا تـُوافِی الحجمَ المتزاید و المتـَّسِعَ للامور الدّینیّة و العلمیّة الحالیّة و مشاریع التوسعة الثـَّقافیّة؛ لهذا فقد ترجَّی هذا المرکزُ صاحِبَ هذا البیتِ (المُسمَّی بالقائمیّة) و مع ذلک، یرجو مِن جانب سماحة بقیّة الله الأعظم (عَجَّلَ اللهُ تعالی فرَجَهُ الشَّریفَ) أن یُوفـِّقَ الکلَّ توفیقاً متزائداً لِإعانتهم - فی حدّ التـّمکـّن لکلّ احدٍ منهم – إیّانا فی هذا الأمر العظیم؛ إن شاءَ اللهُ تعالی؛ و اللهُ ولیّ التوفیق.