شرح نهج البلاغه (سيد محمد حسيني شيرازي)

اشارة

سرشناسه: حسيني شيرازي محمد، شارح
عنوان و نام پديدآور: شرح نهج البلاغه تاليف محمد الشيرازي
مشخصات نشر: قم موسسه الفكر الاسلامي ۱۴۱۰ق = ۱۳۶۸.
مشخصات ظاهري: ۴ ج در دو مجلد)
شابك: بها: ۴۶۰۰ريال دوره‌كامل
وضعيت فهرست نويسي: فهرستنويسي قبلي
عنوان ديگر: نهج البلاغه
موضوع: علي‌بن ابي‌طالب ع، امام اول ۲۳ قبل از هجرت - ۴۰ق -- خطبه‌ها
موضوع: علي‌بن ابي‌طالب ع، امام اول ۲۳ قبل از هجرت - ۴۰ق -- كلمات قصار
شناسه افزوده: علي‌بن ابي‌طالب ع، امام اول ۲۳ قبل از هجرت - ۴۰ق نهج البلاغه شرح
رده بندي كنگره: BP۳۸/۰۲/ح‌۵
رده بندي ديويي: ۲۹۷/۹۵۱۵
شماره كتابشناسي ملي: م‌۶۸-۱۳۷۲

خطبه ها

خطبه 001

[صفحه 11]
(فمن خطبه له) اي للامام اميرالمومنين (عليه‌السلام.. يذكر فيها ابتداء خلق السماء) كيف انشئت من العدم (و الارض) كيف اوجدت من لا شي‌ء (و) ابتداء (خلق آدم) عليه الصلاه و السلام. (الحمد لله) اي ان جنس الحمد له سبحانه، اذ جميع المحامد راجعه اليه (الذي لا يبلغ مدحته) اي مقدار حق مدحه و الثناء عليه (القائلون) الذين يقولون الحمد و يتكلمون به، و ذلك لان نعم الله سبحانه لا تحصي كثره و الانسان مهما حمد و مدح فانه لا يصل الي المقدار الواجب عليه عقلا، او المعني انه حيث كان غير محدود الصفات الحسنه، و الانسان محدود لا يمكن ان يحيط المحدود بغير المحدود (و لا يحصي نعمائه العادون) جمع عاد و هو الذي يعدد و يحسب، اي ان الذين لهم علم بالحساب و العدد لا يتمكنون من احصاء نعمه لكثرتها (و لا يودي حقه المجتهدون) جمع مجتهد، و هو الذي يجهد نفسه و يتعبها في سبيل شي‌ء ما، و المراد هنا المجتهدون في العباده و الطاعه، و انما لا يودون حقه تعالي، لا اعمال العباد في جنب الطافه اليهم اقل من المقدار اللازم و الثمن المتعارف. (الذي لا يدركه بعد الهمم) جمع همه، يعني ان الانسان مهما كانت همته رفيعه و نظره دقيقا فانه لا يدرك كنهه سبحانه،
بل لا يعرف الانسان من الله سبحانه، الا انه موجود له صفات كماليه منزه عن النقائص، اما ما هو؟ و كيف هو … ؟ و امثال ذلك فلا يدرك الانسان شيئا منها (و لا يناله غوص الفطن) جمع فطنه و هي الذكاء و الغوص هو الارتماس في الماء، و غالبا يطلق الغوص، لمن يغوص مريدا اللولو و المرجان- و هذا كنايه- اي ان الاذكياء كلما غاصوا في بحار العلوم و المعارف، لعرفان حقيقته تعالي، و الالتقاط من درر كنهه سبحانه، لا يقدرون علي الوصول و الالتقاط. (الذي ليس لصفته حد محدود) فان صفات الممكن تنقطع، كما نري ذلك في قدرتنا، و علمنا و حياتنا، و سائر صفاتنا، فمثلا انا نقدر علي حمل (مائه كيلو) او نقدر علي النظر ساعه، او نعلم كتابا خاصا، او نحي خمسين سنه، اما الله سبحانه، فلا حد لصفاته فعمله غير محدود بحدود، و قدرته تشمل كل شي‌ء، و حياته ازليه ابديه و هكذا. (و لا) لصفته (نعت موجود) النعت يقال لما يتغير فعلمنا مثلا يتغير من قله الي كثره، او حال الي حال، اما علمه سبحانه فلا تغير فيه (و لا) لصفته (وقت معدود) اي وقت قد عد بالحساب، كان نقول ان علمه مدته خسمه ايام، او الف سنه (و لا) لصفته (اجل) اي وقت (ممدود) اي طويل قد مد كان يقال انه يعلم الاشياء الي حي
ن انقضاء الدنيا، و هذا مع سابقه عبارتان عن شي‌ء واحد، و لكن باعتبارين، فباعتبار آخر المده يقال (اجل) و باعتبار قطعات الزمان يقال (وقت معدود) و الحاصل انه لا يصح ان يقال حد علم الله- مثلا- الموجودات، و لا ان يقال زاد علمه او نقص، و لا ان يقال علمه يبقي خمسين سنه و لا ان يقال علمه ينتهي الي الزمان الفلاني. و لما اتم الامام بيان ذاته و صفاته تعالي.. اتي لبيان بعض مظاهر قدرته سبحانه فقال: (فطر) اي خلق (الخلائق) جميع اصناف الخلق (بقدرته) فان الخلق لا يكون الا بالقدره، و هي الابداع عن اراده (و نشر الرياح) اي بسطها في السماء و الارض من هنا الي هناك و من هناك الي هنا لك (برحمته) حيث ان الرياح- غالبا- رحمه و فضل، لانها تنقي الاجواء، و تصفي المياه، و تربي الاشياء، و تروح عن الانسان (و وتد) اي سكن عن الاضطراب، كالوتد الذي يحفظ الشي‌ء عن السقوط و الاضطراب (بالصخور) جمع صخر، و المراد به الجبل (ميدان) اي اضطراب، من (ماد) اذا اضطرب (ارضه) فان الارض تتفكك و تضطرب، بسبب الحركه و الجاذبيه لو لا الصخور التي هي كالاوتاد لها.
[صفحه 13]
(اول الدين) الدين هو الطريقه، و المراد به هنا الطريقه السماويه التي جائت لهدايه البشر (معرفته) فان الانسان اذا لم يعرف الله فانه لا دين له و ان صلي و صام و بر و انفق، فان من لا يعرف الله كيف يتبع منهاجه؟ (و كمال معرفته التصديق به) بان يبني الانسان بناء اعمليا علي الاذعان و الاعتراف، فان بذلك التصديق يمكن العرفان، و الا فمن عرف قلبا و لم يصدق فهو ناقص المعرفه (و كمال التصديق به) اي بالله (توحيده) بان يوحده الانسان و لا يجعل له شريكا فان من عرف الله و صدق به، لكنه جعل له شريكا كان تصديقه ناقصا، اذ ليس تصديقا بما هو الواقع من جميع الجهات، بل من بعض الجهات. (و كمال توحيده الاخلاص له) فان التوحيد لا يكمل الا اذا الخلص الانسان في سره و باطنه لله تعالي، اما من يوحده و لكن لا يخلص له في اعماله، فان توحيده صوري لا كمال له (و كمال الاخلاص له نفي الصفات عنه) بان لا يجعل الانسان الا له شيئا، و صفاته شيئا آخر، كما هو كذلك في الانسان و صفاته، مثلا زيد شي‌ء و علمه شي‌ء آخر، و ان اقترنا، فمن ولد الله سبحانه و لم يجعل له شريكا من الصنام و ما اشبه، لكنه اثبت هناك صفاتا مغايره للذات، لم يكن مخلصا لله سبحانه اذ يتوج
ه الي الذات و الي الصفات، و هذا هو الذي عبر عنه المتكلمون بانه سبحانه (لا معاني له) اي ان صفاته عين ذاته و انما تنتزع الصفات من الذات باعتبارات، فباعتبار انه يعلم الاشياء يقال عالم، و باعتبار انه يقدر علي الاشياء يقال قادر، لا ان هناك ذات و علم، و ذات و قدره و هذا كما يقال الانسان واحد: زيد، ابو عمرو، ابن خالد، جد محمود، فان هذه الاسامي قد انتزعت عن شي‌ء واحد باعتبارات متعدده، و الحاصل ان من اثبت صفه و ذاتا لم يكن مخلصا في توحيده. ثم بين الامام عليه‌السلام عله التلازم بين التوحيد و نفي الصفات بقوله: (لشهاده كل صفه انها غير الموصوف) فانه لو قال هناك ذات و صفه غير الذات ملاصقه بها- نحو التصاق اوصافنا بذواتنا- دلت الصفه علي غير الموصوف فتحدث الاثنينيه (و شهاده كل موصوف انه غير الصفه) فان كل شي‌ء يشهد- شهاده تكوينيه- علي انه غير الشي‌ء الاخر، ثم فرع الامام عليه‌السلام علي ذلك قوله: (فمن وصف الله سبحانه) بصفه مغايره للذات (فقد قرنه) اي قد قرن الله بشي‌ء آخر- هو الصفه- (و من قرنه) تعالي باوصافه (فقد ثناه) اي جعله اثنينا: الذات، و الصفات (و من ثناه) اي جعل الله اثنينا (فقد جزاه) اي جعله ذا اجزاء، فان الاثنين المتدا
خلين واحد ذو اجزاء، كما ان الانسان واحد ذو اجزاء، و (السكنجبين) واحد ذو اجزاء خل و شهد. (و من جزاه) اي جعله تعالي ذا اجزاء (فقد جهله) اي لم يعرفه حق معرفته، اذا انه عرف اثنينا، و الها ذا اجزاء، و لم يعرف واحدا، و الها بسيطا لا جزء له (و من جهله) تعالي (فقد اشار اليه) اذ الجهل يستلزم ان يعده الانسان كالامور الجسماميه القابله للاشاره الحسيه، او كالامور العقليه- كالجنس و الفصل- القابله للاشاره العقليه، و الله سبحانه منزه عن امثال هذه الاشارات. (و من اشار اليه) (فقد حده) اي جعله محدودا، اذ الاشاره تستلزم التوجه الي ناحيه خاصه، و ذلك يلزم ان تكون تلك الناحيه محيطه بذلك المشار اليه (و من حده) تعالي (فقد عده) اي ادخله تحت التعداد، اذ يكون المشار اليه حينئذ واحدا، و الجانب الاخرثان، و الجانب الاخر ثالث، و هكذا، و الله منزه عن ان يدخل تحت العد، اذ هو الواحد الذي لا ثاني له (و من قال) عن الله: (فيم) اصله (في ما) و اذا دخلت حروف الجر علي (ما) الاستفاهاميه حذف الفها نحو (فيم) و (لم) و (عم) و نحوها … يعني من سئل قائلا (فيم الله)؟ (فقد ضمنه) اي جعله في ضمن شي آخر اذ (في) للظريفه، و المظروف دائما محاط بالظرف محدود، و الله
ليس محدودا. (و من قال) عن الله: (علام)؟ اي سئل (الله علي اي شي)؟ (فقد اخلي منه) اي كان لازم سواله ان بعض الجهات خال عنه تعالي، اذ الشي‌ء الكائن علي شي‌ء آخر يكون الاسفل منه خاليا عنه، كما انك اذا قلت زيد علي الارض كان لازم ذلك خلو باطن الارض من زيد
[صفحه 16]
(كائن) اي ان الله سبحانه موجود (لا عن حدث) اي مبتدائا عن حدوث بان لم يكن ثم كان، كما هو شان سائر الكائنات، و (عن) للمجاوزه (موجود) اي انه سبحانه موجود (لا عن عدم) فلم يكن سابقا معدوما ثم وجد و كان الفرق بين الفقرتين ان الاولي باعتبار الذات- و انها ليست حادثه- و الثانيه باعتبار السابق، و انها لم يسبق عليها العدم، و ان كانتا متلازمتين في النتيجه. و الله سبحانه (مع كل شي‌ء لا بمقارنه) اي ان (المعيه) ليست بمعني اقتران الله بالاشياء، كما هو كذلك في الامور الجسمانيه فاذا قلت زيد مع محمد، كان معناه اقتربانها، بل اقترانه تعالي بالاشياء بمعني انه عالم بها قادر عليها (و غير كل شي‌ء لا بمزايله) اي انه تعالي مغاير للاشياء لكن ليست المغايره بمعني انه تعالي زائل عنها غير مرتبطه بها، كما لو قلنا ان زيدا غير محمد، حيث يراد به انهما جنسان متغايران، بل المغايره هنا بمعني ان له ذاتا و صفاتا، لا تشابه سائر المخلوقات و هو سبحانه (فاعل) للاشياء و مكون لها (لا بمعني الحركات و الاله) يعني انه لا يتحرك اذا اراد ان يفحل شيئا، كما هو كذلك بالنسبه الينا فاذا اردنا ان نفعل شيئا تحركنا حتي نفعله، و هكذا الله تعالي يوجد الاشياء
ابتداء بدون احتياج الي آله توصله الي ذلك الشي‌ء بخلاف البشر الذي يصنع الاشياء بالالات، فينشر الخشب و يثبت الوتد، بالمنشار و المدق و ما اشبه ذلك و انه تعالي (بصير) اي عارف بالاشياء (اذ) اي في زمان (لا منظور اليه من خلقه) اي كان سبحانه متصفا بانه (بصير) في وقت لم يكن مخلوق موجودا، و المراد بالبصير العارف الاشياء، و هذا بخلاف الانسان الذي لا يبصر الا ما هو مخلوق موجود، ثم لا يخفي انه سبحانه لا حاسه له كحواسنا تبصر الاشياء، اما انه هل يراها بذاته، و يسمع بذاته، ام المراد بالسمع و البصر العلم احتمالان، و المرجح لدي- حسب المستفاد من الظواهر- الثاني، و لا ينافي ذلك عدم معرفتنا بالمزايا و الكيفيات، كما لا نعرف سائر صفاته بكنهها، و هو سبحانه (متوحد) اي واحد، و لكن ليست وحدته كوحدتنا، فان الوحده فينا معناها ان هناك غيرنا ممن اذ ابتعد عنا نستوحش، و اذا اقترب الينا نانس، و ليس كذلك سبحانه اذ لا جنس له حتي يانس بقربه و يستوحش لبعده، كما لا قرب و لا بعد للاشياء بالنسبه اليه، و الي هذا اشار عليه‌السلام بقوله: (اذا لا سكن يستانس به) و الاستيناس ضد الوحشه التي تطر علي الانسان حال الانفراد (و لا يستوحش لفقده) بالابتعاد عنه او
فنائه و هلاكه، و (اذ) للعله، بخلاف (اذ) في الجمله السابقه، فانها بمعني الزمان.
[صفحه 17]
(انشاء) سبحانه (الخلق انشائا) و الانشاء غالبا يستعمل في الابداع، و هي الايجاد بدون احتذاء مثال و اتباع الغير (و ابتدئه) اي الخلق (ابتدائا) فكان هو الاول في الخلق لا سابق عليه، و الابتداء اعم- مفهوما- من الانشاء (بلا رويه) هي بمعني الفكر (اجالها) اي اداراها و رددها، فان الانسان اذا اراد ان يعمل شيئا قلب وجوه الراي في ذهنه حتي يستقر علي كيفيه خاصه، و الله سبحانه انما يخلق بلا فكر و ترديد (و لا تجربه استفادها) من غيره بان كان غيره صنع شيئا ثم جعل ذلك الغير قدره له يستفيد من اعماله الكيفيه و المزايا. (و لا همامه نفس) الهمامه بمعني الاهتمام، اي بدون اهتمام حدث في نفسه سبحانه (اضطرب فيها) بان اهتم في الامر مضطربا كما هو الشان في من يريد ان يفعل شيئا عظيما، اذ يهتم و يضطرب فكره (احال الاشياء لاوقاتها) اي انه تعالي احال كل شي‌ء مما يحدث في الكون لوقته، فمثلا احال الفواكه لفصل الصيف، و الامطار لفصل الشتاء و هكذا، و الحاصل انه تعالي جعل لكل شي‌ء وقتا خاصا به، يظهر في ذلك الوقت حسب حكمته البالغه. (و لام بين مختلفاتها) اي جعل الالتئام و الوفاق و الائتلاف بين الاشياء المختلفه كما قرن النفس اللطيفه بالجسم الكث
يف، و قرن الطبائع الاربع بعضها مع بعض في المواليد الثلاثه: فالماء و النار مقترنان و الهواء و الارض ملتمئتان (و غرز غرائزها) جمع غريزه و هي الطبيعه، اي جعل لكل شي‌ء طبيعه خاصه و هذا كقولهم سود السواد، و بيض البياض، اي جعل ذالك الجنس اسود، و هذا الجنس ابيض.. فنري لكل شي‌ء طبيعه خاصه هذا بارد، و ذاك حار، و هكذا (و الزمها اشباحها) جمع شبح، و من الشخص اي الزم سبحانه الغرائز اشخاصها، اي جعل تلك الغرائز في مواد خاصه، حتي يعرف كل ماده بغريزتها فلا تتبدل الغرائز عن الاشباح و لا الاشباح عن الغرائز، كان تكون الطبيعه البارده مره في النار و مره في الماء، او يكون الماء مره بارد اومره حارا- بالطبيعه، و هذا الالزام هو الذي كون القوانين العامه في الكون و الا لم يستقر حجر علي حجر. و كان سبحانه (عالما بها) اي بالاشياء (قبل ابتدائها) و خلقها فكان تعالي يعرف مزايا الاشياء التي يريد خلقها بلا زياده او نقيصه (محيطا) احاطه علم (بحدودها) اجناسها و فصولها و سائر الامور المرتبطه بها (و انتهائها) اي يعلم وقت ما ينتهي كل شي‌ء و يتحول من الوجود الي العدم لانقضاء امده (عارفا بقرائنها) جمع قرينه و هي ما يقترن بالشي‌ء (و احنائها) جمع حنو- ب
الكسر- بمعني الجانب، فمثلا كان سبحانه يعلم (السكر) قبل خلقه، محيطا بانه جسم ابيض حلو، و انه الي اي حين يبقي (حلوا) ثم يذهب حلائه لتمادي الزمان عليه- مثلا- عارفا بانه يقترن بالخل او بما اشبهه، و سائر جوانبه مثل انه لو اقترن بالخل ماذا كان يصير لونه، و ماذا تكون خواصه، و كيف يكون طعمه … ؟
[صفحه 19]
(ثم) بعد العلم و العرفان بالاشياء (انشاء سبحانه فتق الاجواء) جمع جو و هو الفضاء بين السماء و الارض، و اعتبار كل طرف من اطرافه، اوجب جمعه علي الاجواء و معني فتق الاجواء شقها، ان صار محلا لشي‌ء بعد ان كان فضائا بحتا، و الظاهران الفضاء ايضا مخلوق، و ان كان خاليا من كل شي‌ء، و عدم تصور الانسان لحاله قبل الفضاء لا يوجب القول بعدم خلقها، و حاصل هذا الفصل، انه تعالي خلق مائا في الفضاء و خلق ريحا، و موجت الريح الماء، و من ذلك خلق السماوات و الارض. (و شق الارجاء) جمع (رجاء) علي وزن (عصي) بمعني الجانب، اي شق اطراف الفضاء، يجعل الماء فيها، فان الماء يشق الفضاء الممتد في كل جانب (و سكائك الهواء) جمع (سكاكه) علي وزن (تلاقه) بمعني الهواء الملاقي اعالي الفضاء، و هذا كنايه عن ان الفتق كان ذا ارتفاع كما كان ذا طول و عرض و توسع يشتمل الاجواء و الارجاء (فاجري) تعالي (فيها) اي في تلك الاجواء و الارجاء و السكائك (مائا متلاطما تياره) التيار الموج الذي ياتي، يعني ان امواجه كانت متلاطمه تلطم بعضها بعضا، و تصطدم بعضها بالاخر، لشده هيجانها و حركتها (متراكما زخاره) التراكم هو كون الشي‌ء بعضه فوق بعض مع زياده و كثره، و الزخ
ار مبالغه في الزاخر، و هو الممتد المرتفع اي ان الماء كان بعضه فوق بعض في ارتفاع و علو، بخلاف مياه البحار المسطحه- حسب ما يري-. ثم خلق سبحانه قسمين من الريح قسما تحت الماء تحمله و قسما فوق الماء تعصفه و تموجه (حمله) اي الماء (علي متن الريح العاصفه) و هي الشديده الهبوب (و) علي متن (الزعزع) هي الريح سميت به، لانها تزعزع اي تحرك الاشياء الثابته (القاصفه) من قصف بمعني حصم، اي الريح الشديده التي من شانها ان تحطم (فامرها) اي امر الله سبحانه الريح (برده) اي رد الماء عن الهبوط، فان الماء لثقله يهبط لكن الريح جعلت له كالسناد الذي كما ثقل نحو الاسفل حفظته و ردته عن الهبوط (و سلطها) اي سلط الله الريح (علي شده) اي شد الماء كانها وثاق للماء تشد بعضه مع بعض حتي يبقي مجتمعا لا يفترق (و قرنها) اي قرن الله الريح (الي حده) اي حد الماء فكان السطح الاعلي للريح مماسا للسطح الاسفل للماء. (الهواء من تحتها فتيق) يعني ان الهواء من تحت الريح مفتوق مشفوق فان الريح الحامله للماء كانت قد فتقت الهواء حتي اخذت مكانها (و الماء من فوقها دفيق) يعني ان الماء من فوق الريح يتدفق و يتحرك بشده فالريح متوسطه بين الهواء و الماء، و المراد بالهواء اما
الفضاء او الجسم اللطيف الذي يتنفس به و هو غير الريح (ثم) الظاهر انه لترتيب الكلام لا لترتيب المطلب، اذ قد سبق اضطراب الماء و تموجه دفقه (انشاء) اي خلق (سبحانه) مفعول مطلق لفعل محذوف اي انزهه تنزيها، و اسجه سجانا (ريحا اعتقم مهبها) المهب مصدر ميمي بمعني الهبوب و الجري و اعتقم بمعني كانت عقيمه لا تلد، فان مع الرياح ما لا تلقح سحابا و لا شجرا، و منها ما تلقح، و تلك الريح كانت عقيمه لانها لم تكن تلقح بل تحرك الماء فقط. (و ادام مربها) المرب مصدر ميمي من ارب بالمكان، مثل البربه- باب افعال من المضاعف- بمعني لازمه، اي ادام الله الزام تلك الريح لمكانها فلم تكن تسير من هناك، كما هي عاده الرياح، بل كانت في محل واحد لتحريك الماء و تموجه (و اعصف) الله سبحانه (مجراها) اي جري الريح- مصدر ميمي- بمعني اجرائها، و المعني جعل جري تلك الريح شديده، فان العصف بمعني شده الهبوب (و ابعد منشاها) اي جعل محل انشاء تلك الريح بعيدا، و لعلها كانت تاتي من مكان بعيد حتي تصل الي سطح الماء (فامرها) اي امر الله سبحانه تلك الريح- و لعل المراد: الامر تكوينا، لا تشريعا- (بتصفيق الماء الزخار) التصفيق هو التحريك و التقليب، و الزخار هو الممتد المرتفع،
اي بتحريك الماء المذكور سابقا- ذي الارتفاع و الكثره-. (و اثاره موج البحار) اي امر الله تلك الريح بان تثير و تهيج امواج تلك المياه و سماها بحارا، باعتبار قطعها المختلفه (فمخضته مخض السقاء) المخض هو التحريك بشده، كما بمخض السقاء الاستخراج الزبد من اللبن، و السقاء هو الجلد الذي يصنع منه وعاء اللماء و اللبن و الدهن و ما اشبه، اي حركت الريح تلك المياه تحريكا عنيفا كتحريك السقاء (و عصفت) تلك الريح (به) اي بالماء (عصفها) اي مثل عصفها و شده هبوبها (بالفضاء) بمعني ان الريح جعلت تشتد بالماء جيئه و ذهابا، كما تجري في الفضاء بشده و قوه بدون مانع و دافع، فقوله عصفها مفعول مطلق نوعي، نحو جلست جلسه الامير (ترد) الريح (اوله الي آخره) اي اول الماء الي آخره في تمويجه له و تحريكه اياه (و) ترد تلك الريح (ساجيه) من سجي بمعني سكن (الي مائره) من (مار) بمعني تحرك، اي كلما سكن بعض الماء ردته الي المتحرك حتي صار الماء دائم التحرك. (حتي عب عبابه) (عب) بمعني ارتفع اي ارتفع الماء ارتفاعه المقصود، فان التحريك يوجب تدخيل اجزاء الهواء في الماء حتي يرتفع الماء للفرج الحاصله فيه من الهواء (و رمي) الماء (بالزبد) و هو ما يعلو البحر و اللبن لدي
شده هياجها من الماء الذي فيه الهواء، او الدهن المخلوط باللبن (ركامه) اي ارتفاعه، و هو مفعول به (لرمي) اي رمي الماء اعلاه بالزبد، بان تجمع الزبد في اعلا الماء (فرفعه) اي ذلك الزبد و المراد به بخار الماء، و انما سمي زبدا لشبهه به في انه يرتفع من الشي‌ء بسبب الحركه و الحراره، و هذا لا ينافي ما ورد في القرآن الكريم من ان السماوات خلقت من الدخان، اذ المراد بالدخان ذلك ايضا، لشبهه به في المنظر، و اختلاط ذرات المرتفع بالهواء، و قد دلت الادله علي انه لم تكن هناك نار و رماد ليتكون الدخان (في هواء) المراد به جهه العلو (منفتق) قد انشق ذلك السماء بسبب هذا الدخان، فهو مجاز بالمشارفه من قبيل (من قتل قتيلا) اذ الانفتاق كان بسبب الدخان، و هو لا يقال انه لم يكن هناك شي‌ء حتي ينشق؟ اذ الفضاء له وحده متصله فاذا دخله شي‌ء فقد انشق. (و جو) اي رفعه في فضاء (منفهق) اي المفتوح الواسع (فسوي) اي صنع الله سبحانه (منه) اي من ذلك الزبد (سبع سموات) و هذا لا ينافي ما ثبت في علم الفلك الحديث انه ليس هناك الا الفضاء لانه لا شك في ان المدارات للاجرام السياره ممتلئه بالاجسام اللطيفه المسماه في الاصطلاح العلمي (بالغاز) بالاضافه الي احتمال ان ي
كون المراد بالسماوات السبع المجرات و السدم مما ثبت في العلم الحديث (جعل) الله (سفلاهن) اي اسفل السماوات (موجا مكفوفا) اي الممنوع من السيلان، فان (الغاز) الموجود شبيه بالموج، او سمي موجا لتموجه، و هذا- و الجمله الاتيه بيان لقوله عليه‌السلام (سبع سماوات) (و عليا هن) اي السماء الاعلي- و السماء مونث مجازي و لذا جي‌ء لها بالضمير المونث، و ان جاز فيها التذكير ايضا- (سقفا محفوظا) اما بمعني حافظا، لان السماء تحفظ العالم عن الفساد بما اودع فيها من قوي الجاذبيه و نحوها، و في علم الفلك الحديث، قالوا: ان في اعالي الجو طبقه (نتروجينيه) تحفظ الارض من قذائف السماء، او المراد (محفوظا) من وصول الشياطين، و من فساد و الاختلال. (بغير عمد يدعمها) اي ليس للسماء عماد يحفظها عن السقوط و الانهيار (و لادسار) مفرد الدسر، و هو الخيط و المسمار الذين بهما يشد السفينه كما قال سبحانه: (و حملناه علي ذات الواح و دسر) (ينظمها) اي ينظم السماء و يربط بعض اجزائها ببعض (ثم زينها) اي زين الله السماء (بزينه الكواكب) بيان (زينه) اي بزينه هي الكواكب فان الكواكب تزين السماء و تجملها (و) ب (ضياء الثواقب) جمع (ثاقبه) اسم للكوكب لانه بنور، يثقب السماء حت
ي يصل الي الارض (و اجري) الله سبحانه (فيها) اي في السماء (سراجا) اي مصباحا و المراد به الشمس (مستطيرا) اي منتشرا و ذلك باعتبار انتشار ضيائه، و المراد باجرائه جعله يجري (و قمرا منيرا) اي يعطي النور و الضياء، و كل واحد من السراج و القمر (في فلك دائر) اي يدور، و المراد بالفلك المدار الذي يدور فيه الشمس و القمر، و كونه دائرا اما باعتبار ما حمل فيه- بعلاقه الحال و المحل- او باعتبار ما يستصحب هذين الجرمين من الهواء و الغاز لدي الركه. (و سقف سائر) فان السماء الذي هو سقف- تشبيها بسقوف البيوت- يسير باحد الاعتبارين الاولين (و رقيم) اسم من اسماء الفلك سمي به، لانه مرقوم فيه بالكواكب، كاللوح الذي رقم فيه الخط (مائر) اي متحرك كما قال سبحانه: (تمور السماء مورا).
[صفحه 24]
(ثم) بعد خلق السماوات (فتق) و شق سبحانه و تعالي (ما بين السماوات العلا) فان وحده السماء- اي شي‌ء كان- قد انشق بايجاد الملائكه فيها (فملاهن اطوارا) اي اقساما (من ملائكته) و الملك هو الجسم الروحاني اللطيف المنزه عن العصيان، و يسمي ملكا، باعتبار كونه رسولا من قبله سبحانه في الامور، من (الالوكه) بمعني الرساله- و قد ذكر عليه‌السلام اربعه اقسام من الملائكه، هنا. ف (منهم) اي من اولئك الملائكه (سجود) جمع ساجد (لا يركعون) فهم دائما في السجود تعظيما لله سبحانه (و) منهم (ركوع) جمع راكع (لا ينتصبون) اي لا يستقيمون الي القيام، كما هو عاده الراكع (و) منهم (صافون) قد اصطفوا امام عظمه الله سبحانه كما يصطف الجند امام الملك تعظيما و احتراما (لا يتزايلون) عن الاصطفاف، بل هم في حاله الاصطفاف دائما (و) منهم (مسبحون) يسبحون الله- اي ينزهونه عن النقائص- (لا يسامون) اي لا يملون من السام بمعني الملل. (لا يغشاهم) اي لا يعرض علي اولئك الملائكه المذكورين (نوم العين) اي النوم الذي يعرض علي العين، و كان الاضافه لاجل ان لا يتوهم متوهم ان المراد من النوم الفتره- كما يقال فلان نائم يراد بذلك غفلته و عدم ارتقا به لالامر- (و لا) ي
غشاهم (سهو العقول) بان يسهو عن شي‌ء كما يسهو الانسان (و لا فتره الابدان) بان تضعف ابدانهم عن العباده (و لا غفله النسيان) بان يغفلوا عن الشي‌ء بسبب نسيانه فان الملائكه معصومون علي الخطاء و النسيان و ما اشبه.. و قد كان ما سبق هو القسم الاول من اقسام الملائكه، ثم جاء السياق لبيان القسم الثاني بقوله عليه‌السلام (و منهم) اي ان بعضا من الملائكه، (امناء علي وحيه) جمع (امين) و هم الذين ياتون بالوحي الي الانبياء كجبرئيل عليه‌السلام (و السنه الي رسله) جمع لسان، فهم مثل اللسان في التعبير للغير عن القلب، فان الملائكه تاتي بكلام الله الي الرسل عليهم السلام (و مختلفون) الاختلاف هو المراوده بالمجي‌ء و الذهاب (بقضائه و امره) فياتون بالقضاء الذي قضاه الله علي الناس من موت و حياه و سعه رزق و ضنك و ما اشبه، و باوامر الله سبحانه تكوينا او تشريعا، و المراد بهذه الجمله اما ما سابق، او المراد بهم الملائكه الذين ينفذ الله بهم اوامره و تقديراته في هذا العالم كعزرائيل عليه‌السلام الذي يختلف باماته الناس و هكذا. (و منهم) اي و من الملائكه- و هم القسم الثالث- (الحفظه) جمع حافظ مثل كتبه و طلبه جمع كاتب و طالب (لعباده) الذين يحفظونهم عن ا
لعطب و الهلاك ففي الاحاديث ان لله ملائكه يحفظون الناس عن انواع الهلكات فاذا جاء القدر خلوا بينه و بين ذلك الامر المقدر، او المراد من الحفظه الكاتبون الذين يحفظون اعمال العباد و يسجلونها عليهم كما قال سبحانه: (ما يلفظ من قول الالديه رقيب عتيد) (و السدنه) جمع سادن و هو الخادم الحافظ للشي‌ء الذي انيط به (لابواب جنانه) بيدهم مفاتيح الابواب و هم الحافظون عليها. (و منهم) اي و من الملائكه- هم القسم الرابع- (الثابته في الارضين السفلي اقدامهم) اي الطبقات السفلي من الارض (و المارقه) اي الخارجه، من (مرق) بمعني خرج (من السماء العليا) و هي السماء السابعه (اعناقهم) فهم بهذا الطول المدهش (و الخارجه من الاقطار) جمع (قطر) و هو الناحيه (اركانهم) جمع ركن بمعني الجانب اي ان جوانب جسمهم خارجه من اقطار الارض، فبعضها في هذا القطر و بعضها في ذلك القطر و هكذا. (و المناسبه لقوائم العرش) جمع قائمه و هي رجل السرير و العرش هو سرير الملك، و اصله بمعني الارتفاع، و لذا يقال للسقف عرش، و عريش، و قد خلق الله سبحانه كرسيا عظيما جعله مورد لطفه و عنايته، و هي محمله علي اكتاف الملائكه لزياده العظمه و الجلال، كما قال سبحانه: (و يحمل عرش ربك فوقهم
يومئذ ثمانيه) (اكتافهم) فهم خلقوا بحيث ان اكتافهم مناسبه لقوائم العرش طولا و عرضا و صلابه، و الظاهر من السياق ان هولاء الملائكه حقيقه، لا استعاره و لا منافاه بين وجودها و عدم رويتنا و احساسنا، فان الملك جسم نوراني لا يري بالعين المجرده، كالهواء- مثلا- (ناكسه دونه) اي دون عظمه الله سبحانه (ابصارهم) اي انهم خفضوا ابصارهم لجلاله سبحانه، او ان الضمير يرجع الي (العرش) و المال في المعنيين واحد (متلفعون) من (تلفع) بمعني التحف بالثوب (تحته) اي تحت العرش (باجنحتهم) جمع جناح و كان المراد انهم قد التفوا باجنحتهم و جعلوها امام اعينهم خوفا و اجلالا. (مضروبه بينهم) اي بين اولئك الملائكه (و بين من دونهم) من سائر الناس، الذين هم دونهم في الرتبه و العظمه (حجب العزه) فقد شهبت العزه التي احاطت باولئك الملائكه باستار تمنع من مشاهد تهم، كما ان عزه السطان- في الدنيا- توجب احتجابه عن الناس و الحجب جمع حجاب (و استار القدره) اي استار قدره من الله تعالي التي خلقهم بهذه الكيفيه اللطيفه حتي لا يتمكن الانسان من رويتهم او عرفان مزاياهم و خصوصياتهم … و هولاء الملائكه مع قربهم المعنوي منه تعالي (لا يتوهمون ربهم) تعالي (بالتصوير) بان يصوروا
له صوره في اوهامهم و اذهانهم- كبعض جهله الناس الذين ينقشون في اذهانهم لله سبحانه الصوره و الشبح (و لا يجرون) هولاء الملائكه (عليه) تعالي (صفات المصنوعين) كان يصفونه بالولد و الزوجه و الشريك و ما اشبه ذلك من الجهل و العجز و الطيش، مما تصفه الكفار بها تعالي (و لا يحدونه بالاماكن) بان يقولوا انه موجود في السماء، او في الارض، او ما اشبه، حتي يجعلوه محدودا بالمكان المحيط به (و لا يشيرون اليه بالنظائر) بان يقولوا ان الله نظير الانسان او شبيه النور، او نحو ذلك، فان التمثيل و التنظير له بالممكنات يوجب الاشاره اليه، و قد سبق ان صحه الاشاره الي شي‌ء من لوازم امكانه.
[صفحه 28]
(صفه خلق آدم عليه‌السلام) (ثم) لترتيب الكلام، او لترتيب المطلب حيث ان خلق آدم كان بعد خلق السماوات و الارض (جمع) الله (سبحانه) مصدر لفعل محذوف، اي اسبحه سبحانه- بمعني انزهه عن النقائص تنزيها- (من حزن الارض) الحزن علي وزن فلس: الغليظ الخشن (و سهلها) و هو ضد الحزن (و عذبها) هي الارض التي لا ملح فيها (و سبخها) و هي الارض المالحه (تربه) اي ترابا، و لعل حكمه الجمع كانت لاجل تدخيل الطبائع المختلفه في الانسان ليصلح للامتحان اذ لو كان من السهل العذب لما كان فيه استعداد العصيان، و لو كان بالعكس لما كان فيه استعداد الاطاعه (سنها) اي خلطها (بالماء حتي خلصت) اي صارت طينا خالصا (و لاطها) اي خلطها و عجنها (بالبله) اي الرطوبه (حتي لزبت) اي صلبت و تداخلت بعضه في بعض، و الظاهر ان الفرق بين الجملتين ان الاولي لحالته الطينيه و الثانيه لحالته الاستمساكيه، و لذا قال في الاولي (بالماء) و في الثانيه (بالبله) فان الطين اذا عجن عجنا شديدا و مر عليه، زمان صار لازبا صلبا يصلح للقالب و التمثيل. (فجبل) اي خلق (منها) اي من تلك التربه (صوره) المراد بها صوره آدم عليه‌السلام (ذات احناء) جمع (حنو) بالكسر بمعني ما فيه اعوجاج في ا
لبدن كالاضلاع و ما اشبه (و وصول) جمع كثره للوصل، و جمع قلته اوصال، و هي المفاصل سميت بذلك لانها توصل الجسم بعضه ببعض (و اعضاء) جمع عضو كاليد و الرجل (و فصول) لعل بها الاحوال المختلفه كفصل الشباب و فصل الهرم، او المراد ما هو اعم من العضو، فالراس فصل، بينما العين في الراس عضو و هكذا. (اجمدها) اي جعل تلك التربه بعد كونها طينا مره و لا زبه مره اخري- جامده بان يبست (حتي استمسكت) اي تماسكت بعض اجزائها ببعض (و اصلدها) اي جعلها صلدا، و هي الصلبه الملساء (حتي صلصلت) اي تسمع لها صلصله اذا هبت عليها الرياح، كالفخار، و قد كان تصنيع هذا التمثال (لوقت معدود) و هو الوقت الذي ينفخ فيه الروح (و امد معلوم) الامد هو المده من الزمان باعتبار الامتداد، و الوقت هو المده باعتبار كل جزء جزء و لذا قال في الاول (معدود) و في الثاني (معلوم) (ثم) بعد الصنع و مرور تلك المده (نفخ) الله (فيها) اي في تلك التربه (من روحه) اضافه الروح الي الله سبحانه للتشريف، نحو (بيت الله) و (ناقه الله) و المراد بالنفخ، الضغط علي الروح حتي يدخل كالنفخ الذي هو ضغط علي الهواء حتي تدخل في الشي‌ء او تهب علي الشي‌ء. (فمثلت) تلك التربه، من (مثل) علي وزن (كرم) اي قام
منتصبا (انسانا) هو آدم عليه‌السلام (ذا اذهان) جمع (ذهن) و هو قوه التعقل (يجليها) اي يحرك تلك القوي العقليه في الامور لتحصيل وجه الراس فيها و لعل وجه الاتيان ب(الاذهان) جمعا، باعتبار مختلف القوي الباطنه، من مدركه للمبصرات، و المسموعات و المعقولات، و هكذا … (و) ذا (فكر) جمع (فكر) و هو الذي يجيل الذهن و يصرفه من هنا الي هناك- فالمراد بالاذهان المتحرك، و بالفكر المحرك- (يتصرف) الانسان (بها) اي بتلك الفكر في اموره. (و) ذا (جوارح) جمع جارحه، و هي العضو، سمي بالجارحه، لانها تجرح و تفعل (يختدمها) اي يجعلها في حوائجه، كالخادم الذي يستعمله الانسان في حوائجه (و ادوات) جمع (اداه) و هي الاله، و لعلها اعم من الجارحه فانها تصدق علي الاصبع و الجارحه لا تصدق عليها الا بعنايه (يقلبها) اي يحركها في حوائجه و اموره (و) ذا (معرفه) اي عرفان و قوه ادراك (يفرق) الانسان (بها) اي بسبب تلك المعرفه (بين الحق و الباطل) فيعرف الحق، و يعرف الباطل، و هذه القوه غير القوي السابقه (و) ذا (الاذواق) جمع ذوق و اصله ما يدرك بالسان ثم تستعمل في كل شي‌ء يدركه الانسان بالقوي اللامسه او نحوها، كما قال سبحانه: (ذق انك انت العزيز) و قال: (فاذاقها الله
لباس الجوع و الخوف). (و) ذا (المشام) جمع (مشم) و المراد به آله الشم، و لعل الاتيان بالجمع باعتبار افراد الانسان- كما يظهر من قوله و الالوان و الاجناس- او كان المراد المفرد، فان الجنس و الجمع ينوب احدهما مكان الاخر باعتبارات بلاغيه، فينسلخ من الجمع مناه ليستعمل في الفرد كقوله تعالي: (هم الذين يقولون لا تنفقوا علي من عند رسول‌الله) و المراد (ابن ابي) كما ينسلخ من الفرد قيد الوحده ليستعمل في الجنس كقوله تعالي: (ربنا آتنا في الدنيا حسنه) و المراد جنس الحسنه لا حسنه واحده (و) ذا (الالوان) جمع (لون) كالاحمر و الاخضر (و الاجناس) جمع (جنس) كالعربي و التركي و الفارسي، او جنس الحراره و البروده و هكذا- و الاول اقرب- … في حال كون الانسان (معجونا بطينه الالوان المختلفه) يعني ان الانسان قد عجن في اصل طينته بالالوان المختلفه و الظاهر ان المراد باللون القسم، فانه يطلق بمعناه (و الاشباه) جمع شبه، و هو ما يشبه بعضه البعض (الموتلفه) التي الئتلفت بعضها مع بعض. (و الاضداد) جمع (ضد) و هو المخالف للشي‌ء (المتعاديه) التي يعادي بعضها بعضا تكوينا (و الاخلاط) جمع (خلط) و هو ما يخلط اجزائه بعضه ببعض (المتباينه) اي المخالف بعضها بعضا،
ثم بين عليه‌السلام ما وصفه بتلك الاوصاف الاربعه قوله (من الحر و البرد و البله) هي الرطوبه (و الجمود) هو اليبس، فلكل من هذه الاجناس الاربعه لون خاص مخالف للون الاخر، و كل واحد شبيه بالاخر من جهه الائتلاف معه و كونه مخلوقا لاصلاح الجسم و تمشيه الحياه، و كل واحد ضد للاخر من بعض الجهات فالحر ضد البرد، و الرطوبه ضد اليبوسه، و كل واحد مركب من اجزاء صغارو اخلاط تباين بعضها بعضا، قالوا و الانسان مركب من الصفراء و السوداء و البلغم و الدم، و كل واحد منها من العناصر الاربعه الماء و الهواء و النار و التراب.
[صفحه 31]
(و) بعد ما كمل (آدم) عليه‌السلام، و نفخ فيه الروح (استادي الله) اي طلب الاداء و هو اعطاء ما بذمه الشخص (سبحانه) مفعول مطلق لفعل محذوف (الملائكه وديعته) الضمير عائد الي (الله) (لديهم) فقد شبه ما كان بذمتهم من لزوم السجود لادم- حسب امر الله تعالي- بالوديعه المستودعه عند الشخص، و قد طلبها سبحانه لوصول وقت ادائها، حيث قال لهم: (فاذا سويته و نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين). (و عهد وصيته اليهم) اي ما عهده سبحانه اليهم حيث اوصاهم بالسجود لادم، فالسجده وديعه، و الامر بها وصيه اليهم (في الاذعان) و الانقياد (بالسجود له) اي لادم عليه‌السلام (و الخشوع) اي الخضوع (لتكرمته) اي لتكريم الله سبحانه له (فقال) الله (سبحانه) للملائكه (اسجدوا لادم فسجدوا الا ابليس) و كان الامر شاملا له و ان لم يكن من جنس الملائكه (اعترته الحميه) اي عرضت عليه الانفه و الاستكبار (و غلبت عليه الشقوه) ضد السعاده (و تعزز) اي ظن نفسه عزيزا (ب) سبب (خلقه النار) اي كونه مخلوقا من النار، و ان آدم قد خلق من الطين، زاعما ان النار افضل من التراب (و استهون) اي راه هينا خفيفا (خلق الصلصال) اي خلقه الانسان من الصلصال، و هو الطين الذي يبس فسمع له
صليل و صوت و حينذاك طلب ابليس ان يكون منظرا الي يوم يبعثون. (فاعطاه الله النظره) اي البقاء و الانتظار الي يوم الوقت المعلوم (استحقاقا للسخطه) اي انما قبل الله طلب الشيطان ليستحق بذلك الامد السخط و الغضب الشديد من الله بما يصدر منه من الكفر و المعاصي زياده علي عصيانه بترك السجود و هذا عله غائيه، يعني ان الانتظار كان موديا الي استكمال السخط نحو قوله: (فالتقطه الي فرعون ليكون لهم عدوا و حزنا) (و استتما ما للبليه) البليه- و الابتلاء- بمعني الامتحان، اي انما اعطاه الله المهله طلبا لتمام الامتحان فان البقاء يوجب ظهور ما في باطن الانسان من السعاده او الشفاء (و انجازا للعده) اي اراد سبحانه بابقاء الشيطان ان ينجز وعده، و لعله سبحانه كان وعد سابقا ابقاء الشيطان، حتي يكون (اعطائه النظره) انجازا لذالك الوعد، او ان (استحقاقا و استماما) عله لاعطا النظره و (انجازا) عله للابقاء بعد (اعطاء النظره). (فقال) الله سبحانه لذلك (انك) يا شيطان (من المنظرين) الذين انظروا و امهلوا- اي انت من جملتهم، و لعل غيره هم الملائكه و من اشبههم (الي يوم الوقت المعلوم) اي الي اليوم الذي عين فيه وقت اهلاكك المعلوم لديه سبحانه- و هو يوم القيامه، ا
و يوم ظهور الامام المهدي، كما في بعض الاحاديث-.
[صفحه 33]
(ثم اسكن) الله (سبحانه) مصدر لفعل محذوف- كما تقدم- (آدم) عليه‌السلام و عدم ذكر (حواء) في هذه المجالات، لعدم تعلق القصد بها، و انما المقصود بيان اول الخلقه لينتهي الي بعثه الانبياء (دارا) هي الجنه (ارغد فيها عيشه) اي اوسعه بان هي له من جميع الملاذ، كما قال سبحانه: (و كلوا منها رغدا) اي واسعا (و آمن فيها) اي في تلك الدار (محلته) اي محل حلوله فان الجنه دار امان لا خوف فيها من فقر او مرض او جهل او عدو او ما اشبه (و حذره) اي خوف الله سبحانه (آدم) عليه‌السلام (ابليس) اي من الشيطان (و عداوته) له (فاغتره عدوه) اي جعل الشيطان، آدم مغرورا، بما وسوس اليه و حلف له (نفاسه عليه) النفاسه الحسد اي حسدا من الشيطان علي آدم عليه‌السلام (بدار المقام) فان النعمه لها حساد، فحسد الشيطان ان يري آدم في الجنه التي هي دار البقاء و الاقامه الابديه (و) ب(مرافقه الابرار) المرافقه هي البقاء مع الرفيق، و سمي الرفيق بذلك، لرفق كل منهما بصاحبه، و الابرار جمع بر و هو المحسن، فقد حسد الشيطان ان يري آدم مرافقا للملائكه. (ف) لما غره الشيطان (باع) آدم عليه‌السلام (اليقين) الذي قاله الله سبحانه بالمنع من اكل الشجره (بشكه) اي بالشك الذي
القاه الشيطان اليه، فانه سبحانه قال لادم لا تاكل من هذه الشجره تكون ملكا كسائر الملائكه او تكون خالدا، فشك آدم عليه‌السلام في صدقه، لكن الشيطان حلف له: كما قال سبحانه: (فقاسمهما اني لكما لمن الناصحين) فاكل آدم منها اغترارا بكلام ابليس (و) باع (العزيمه) اي العزم الاكيد الذي كان ينبغي له- في اتباع امر الله تعالي- (بوهنه) اي بان وهن آدم و ضعف في انقاذ امر الله تعالي، و المعني انه باع ما كان ينبغي له من العزم في طاعه الله بالضعف في انفاذ امره. (و استبدل) آدم عليه‌السلام (بالجذل) و هو الفرح الذي غمره بكونه في الجنه (و جلا) بالخوف من حلول العقاب، لانه لما اكل الشجره خاف من العقوبه و سخط الله تعالي (و بالاغترار ندما) اي استشعر الندم بسبب ذلك الاغترار فقد كان مغرورا فبدله بالندم، كانه اعطي الغرور و اخذ الندم، كما اعطي الفرح و اخذ الوجل. (ثم) بعد العصيان و الندم (بسط الله سبحانه) و معني البسط اجازه التوبه كانه سبحانه نشر رحمته و بسطها حتي تكون تحت متناول آدم عليه‌السلام (له) اي لادم (في توبته) من (تاب) بمعني رجع، كان العاصي ابتعد عن قربه سبحانه ثم يرجع الي قربه، ثم ان الانبياء معصومون عن العصيان، و انما يعتريهم (ترك
الاولي) و قد كان اولي به آدم عليه‌السلام ان لا ياكل من الشجره، فان امره سبحانه لادم بعدم الاكل كان ارشاديا، كامر الطبيب مريضه بان لا ياكل الطعام الفلاني، بدليل قوله سبحانه: (ان لك ان لا تجوع فيها و لا تعري و انك لا تظماء فيها و لا تضحي) فكان النهي عن الاكل، لبقائه في الجنه في محل راحه و كرامه، و مخالفه الامر الارشادي لا توجب عصيانا و لا عقابا و انما يصل الي المخالف الجزاء الطبيعي (كاكل الحامض و هو مزكوم يصيبه المرض) (و لقاه كلمه رحمته) اي اعطاه و لقنه الكلمه التي اذا، قالها آدم رحمه الله سبحانه، و في الاحاديث، ان المراد بها ان يقسم الله تعالي بحق الخمسه الطيبين محمد و علي و فاطمه و الحسن و الحسين صلوات الله عليهم اجمعين. (و وعده المرد) مصدر ميمي، اي الرد (الي جنته) اي الجنه التي كان فيها و قد اخرج منها بسبب ذلك الاكل من الشجره المنهيه (و اهبطه) اي انزل الله سبحانه آدم (الي دار البليه) اي الدار التي يبتلي فيها الانسان و المراد بالدار، الدنيا، و الابتلاء بمعني الاختبار و الامتحان (و) الي دار (تناسل الذريه) التناسل التوالد، و الذريه الاولاد و الاحفاد، اي ان الدنيا دار يتناسل فيها الانسان، و يعقب الذراري و الاحفا
د.
[صفحه 35]
(و اصطفي) اي اختار الله (سبحانه من ولده) جمع (ولد) اي اولاد آدم عليه‌السلام (انبياء) مرسلين (اخذ) الله تعالي (علي الوحي ميثاقهم) الميثاق هو العهد الاكيد من (وثق) كان يوجب وثاق الانسان و شده شدا محكما، و المعني اخذ عليهم الميثاق ان يبلغوا ما اوحي اليهم (و علي تبليغ الرساله) اي ابلاغ الناس رساله الله سبحانه (امانتهم) و معني (اخذ الامانه) جعل لشي‌ء امانه عند الشخص فكانه اعطي الرساله و اخذ الامانه، فان بلغوا الرساله رد اليهم الامانه فهم ذووا امانه، و ان لم يبلغوا الرساله، لم يرد عليهم الامانه و يبقون بلا امانه- و هذا من بديع البلاغه-. (لما بدل اكثر خلقه) اي خلق الله (عهد الله اليهم) فان الله سبحانه عهد الي الناس ان يومنوا به، و العهد عباره عما اودع فيهم من الفطره الداله علي توحيده و سائر الاصول و المعارف- اجمالا- و قوله: (لما) يراد بذلك ان بعض الانبياء اتوا علي اثر تبديل اكثر الخق، لاكل الانبياء، اذ ان الانبياء تسلسوا من عهد آدم عليه‌السلام، فهذا بالنسبه الي قوله: (و اصطفي) من قبيل بدل البعض من الكل، ثم ان التبديل عباره عن الانكار و عدم الاذعان، في مكان الاعتراف و الاذعان (فجهلوا حقه) اي حق الله عليه
م (و اتخذوا الانداد) جمع (ند) و هو (الضد) و (المثل) و المراد هنا الالهه الباطله (معه) اي مع الله سبحانه (و اجتالتهم) الاجتيال الصرف، اي صرفت الناس (الشياطين عن معرفته) اي معرفه الله تعالي (و اقتطعتهم) اي قطعتهم الشياطين (عن عبادته) تعالي، فلم يسمحوا لهم بالمعرفه و الطاعه. (فبعث) اي ارسل الله (فيهم) اي في الناس (رسله) جمع رسول (و واتر) اي ارسل وترا بعد وتر، و واحدا بعد الاخر (اليهم انبيائه) النبي يقال له (رسول) باعتبار انه يبلغ، و يقال له (النبي) باعتبار يخبر من (انباء) بمعني الخبر (ليستادوهم) اي يطلب الانبياء من الناس اداء (ميثاق فطرته) اي العهد الاكيد المودوع في فطرتهم- و الفطره بمعني الخلقه- فان كل انسان قد اودع في فطرته معرفته سبحانه حتي انه مضطر الي العرفان و ان انكر باللسان و في الاحاديث ان الميثاق كان في عالم (الذر) (و يذكروهم) اي يذكر الانبياء الناس (منسي نعمته) اي نعم الله المنسبه فان الانسان المغمور في النعمه ينساها لالفه بها، فيحتاج الي المذكر حتي يشكر و يذكر. (و يحتجوا) اي الانبياء (عليهم) اي علي الناس (بالتبليغ) بان تتم الحجه عليهم حيث بلغوهم فمن لم يعمل كان مستحقا للنكال و العقاب (و يثيروا) من (
الاثاره) و هي اظهار المخفي، كما يثراب التراب بالمحراث (لهم) اي للناس (دفائن العقول) اي كنوز العقول المخفيه، فان في كل انسان من الطاقات و القابليات قدرا كبيرا فلو الفت و علم و ذكي ظهرت الطاقات مما توجب عماره الدنيا و اسعاد الاخره، و لو اهمل ذهبت سدي لم ينتفع بها في دين و لا دينا. (و يروهم) اي يري الانبياء النسا (الايات المقدره) اي الادله الداله علي الصانع تعالي التي قدرت و خلقت (من سقف) بيان (الايات) (فوقهم مرفوع) و المراد به السماء، كما قال سبحانه: (و جعلنا السما سقفا محفوظا) و كونه سقفا باعتبار انه في جانب العلو كالسقوف في المنازل (و مهاد) هو المحد، شبهت الارض به لانها محل استراحه الانسان كما ان المهد محل استراحه الطفل (تحتهم موضوع) قد وضع و جعل، و المراد به (و معايش) جمع معيشه، و هي ما يستعيش به الانسان (تحييهم) اي توجب حياتهم و بقائهم من الماكل و المشارب و ما اشبه (و اجال) جمع (اجل) و هو الوقت المضروب لانتهاء مده الانسان في الحياه (تفنيهم) اي اذا وصلوا اليها فنوا و هلكوا- و نسبه الافناء الي الاجاز، مجاز كما لا يخفي (و اوصاب) جمع (وصب) و هو (التعب) (تهرمهم) اي تسبب هرمهم و شيخوختهم فان المتاعب تهرم الانسان
(و احداث) جمع (حدث) و هو ما يحدث علي الانسان طول عمره (تتابع) اي تتوارد (عليهم). (و لم يخل) من الخلاء بمعني الفراغ (سبحانه) مصدر لفعل محذوف اي اسبحه تسبيحا (خلقه من نبي مرسل) كان يهديهم الي الحق و الي صراط مستقيم (او كتاب منزل) انزله من السماء فبقي بين اظهر الناس حتي يرشدهم، و ان لم يكن نبي موجودا بل قد ذهب النبي من بينهم بالموت او نحوه (او حجه لازمه) قد لزمت الناس كالعلماء الذين هم ورثه الانبياء و خلفائهم، فيما لم يكن الكتاب ايضا بان حرف و بدل (او محجه قائمه) المحجه هي الطريق الواضح، و معني قائمه القويمه المستقيمه المسلوكه، و لعل المراد بها التقاليد و العادات التي بقيت من عند الرسل مستمره في الامه.. ثم وصف عليه‌السلام الانبياء بقوله: (رسل) اي هم رسل (لا تقصربهم قله عددهم) اي ان قله عددهم لا توجب لهم ان يقصروا في تبليغ الرساله خوفا، كما هو الشان في الناس حيث انهم اذا راو خذلان الناصر و قله العدد لم يقدموا للتبليغ و الارشاد (و لا كثره المكذبين لهم) فانهم مع كثره من يكذبهم لا تنهار اعصابهم ليتركوا واجبهم في الارشاد و الهدايه (من سابق) بيان (رسل) اي رسول سابق (سمي له من بعده) بان اوحي الله تعالي باسم الرسول الذ
ي ياتي من بعده ليبشر به الناس كما بشر موسي و عيسي بالرسول صلي الله عليه و آله و سلم (او غابر) اي رسول لا حق (عرفه من قبله) بان جاء و هو معروف لدي الناس بسبب تعريف النبي السابق له. و حيث ان الديانات السماويه كلها واحده من عنداله واحد كان الانبياء يبشر السابق منهم باللاحق، و يصدق اللاحق منهم السابق
[صفحه 39]
(علي ذلك) التبشير و التعريف للانبياء بعضهم لبعض (نسلت) اي ولدت (القرون) جمع (قرن) و هو مده من الزمان يقترن فيها اعمار الجيل بعضهم لبعض- كمائه سنه، او ثلاثين سنه، او نحو ذلك، حسب اختلاف الانظار- و قد شبهت القرون بمن تتنسل و تتولد، باعتبار مجي‌ء كل قرن عقب قرن سابق (و مضت الدهور) جمع دهر و هو القطعه من الزمان (و سلفت الاباء) فان كل اب يذهب و يموت قد كان معاصرا لنبي سابق مبشر بني لاحق (و خلفت الابناء) فان الاولاد انما يتخلفون ابائهم و هم معاصرون لنبي سابق يبشر باللاحق، او نبي لاحق قد عرف من قبل النبي السابق. (الي ان بعث الله سبحانه) مصدر سبح، اي انزهه تنزيها (محمدا رسول الله صلي عليه و آله و سلم لانجاز عدته) مصدر (وعد) ابدلت الواو بالتاء، فقد كان الله سبحانه وعد الانبياء السابقين بارسال الرسول صلي الله عليه و آله و سلم فانجز بارساله وعده سبحانه (و تمام نبوته) اي و لان تتم النبوه المنسوبه الي الله تعالي بمجي‌ء خاتم الانبياء، و آخر السفراء.. في حالكونه (ماخوذا علي النبيين ميثاقه) اي اخذ الله عهد النبيين بان يبشروا ممهم بالرسول صلي الله عليه و آله و سلم، و الميثاق هو العهد الاكيد، من وثق (مشهوره سماته)
جمع (سمه) بمعني العلامه، من (الوسم) كعده من الوعد، اي ان اوصاف الرسول كانت مشهوره لدي الامم السابقه حيث عرفها الانبياء لهم. (كريما ميلاده) يعني ان ولادته كانت نقيه شريفه، من اصل طاهر، و اباء طيبين (و) الحال ان (اهل الارض يومئذ) اي يوم بعثه الرسول (ملل متفرقه) جمع (مله) و هي الفرقه من الناس، اي فرق مخلتفه العقائد و العادات و التقاليد (و اهواء منتشره) قد كان لكل جماعه هوي و اتجاه بلاحجه او دليل، و التقدير (ذو و اهواء) او مبالغه من قبيل (زيد عدل) (و طوائف متشتته) جمع طائفه، و هي الجماعه من الناس، و التشتت هو التفرق، و الاتيان بثلاث جمل في معني واحد، لتصوير حاله اهل الارض و انقسامهم العجيب في الطوائف (بين مشبه لله بخلقه) اي جماعه قد شبهت الله سبحانه بالمخلوقين، فزعموا ان له ولدا و صاحبه و زوجه و هكذا. (او ملحد في اسمه) من (الحد) بمعني مال اي مائل عن اسم الله سبحانه فجعله بصفات لا تليق به، او بمعني الذين يلحدون فينكرونه سبحانه، و المراد ب(الاسم) المسمي (او مشير الي غيره) بان يشرك معه الها آخر، فالناس بين من يصفه سبحانه بغير اوصافه، و من ينكره، و من يشرك معه غيره (فهداهم) الله (به) اي بالرسول صلي الله عليه و آله و
سلم (من الضلاله) و هي الانحراف عن جاده الهدي (و انقذهم) اي خلصهم الله سبحانه (بمكانه) اي مكان الرسول صلي الله عليه و آله و سلم، و يطلق المكان علي المكين بعلاقه الحال و المحل (من الجهاله) التي عمتهم حول الله سبحانه و صفاته.
[صفحه 41]
(ثم اختار الله سبحانه لمحمد صلي الله عليه و آله و سلم لقائه) و هذا مجاز، من باب تشبيه المعقول. بالمحسوس، و المراد به لقاء كرامته (و رضي له) اي للرسول صلي الله عليه و آله و سلم (ما عنده) اي عنده تعالي، بان اراد ان يمنحه الثواب و الجنه و يخلصه من اتعاب الحياه (و اكرامه) تعالي (عن دار الدنيا) كان الدنيا ليست دار كرامه، و لذا اكرمه عن هذه الحياه المشوبه بالكدورات (و رغب) الله سبحانه (به) اي بالرسول، بمعني رفعه (عن مقاربه البلوي) اي الابتداء الموجود في الدنيا، بان اراد ابعاده عن المصائب و المتاعب (فقبضه) اي قبض الله الرسول صلي الله عليه و آله و سلم (اليه) اي منتهيا القبض الي ثوابه و فضله، في حالكونه صلي الله عليه و آله و سلم (كريما) ذا كرامه و رفعه و جاه (صلي الله عليه و آله) جمله خبريه، يراد بها الانشاء، اي اللهم صل عليه، و معني الصلاه العطف و الرحمه. (و خلف) الرسول (فيكم) ايها الناس (ما خلفت الانبياء في اممها) و المراد ب(ما) الشي‌ء الذي يرجع اليه، للسعاده و الاسترشاد (اذ لم يتركوهم) اي لم يترك الانبياء اممها (هملا) اي مهملين بلا طريق و هدايه (بغير طريق) الي الحق (واضح) ظاهر يعرفه الكل (و لا علم قائم)
اي بدون منار يسنير به الناس ليعرفوا الصحيح عن الفاسد و الهدايه عن الضلاله. (كتاب ربكم فيكم) (كتاب) منصوب علي انه بدل من (ما) المنصوب ب(خلف) اي خلف الرسول صلي الله عليه و آله و سلم فيكم كتاب الله تعالي، و المراد به القرآن، في حال كون ذلك الكتاب (مبينا) بصيغه الفاعل، اي قد بين (حلاله و حرامه) اي ما احل الله و ما حرمه تعال (و فرائضه) اي واجباته (و فضائله) اي ما رغب فيه. و لعل ذلك اشاره الي الاحكام الخمسه التكليفيه ف (الحلال) المباح و (الحرام) المحضور و (الفرائض) الواجبات و (الفضائل) المستحبات، و ترك المكروهات.. و منهم من ادرج المكروه في (الحلال) و (ناسخه) و هو الحكم الذي نسخ غيره و بين انتهاء امده (و منسوخه) و هو الحكم الذي بين انتهاء امده من نسخ الضوء الظل اذا ازاله و ابطله (و رخصه) جمع (رخصه) كغرفه و غرف، و هو ما رخص فيه (و عزائمه) جمع عزيمه و هي التي لا رخصه فيها (و خاصه) و هو ما يخص فردا او طائفه او ما اشبه (و عامه) و هو ما يعم افرادا (و عبره) جمع عبره، و هي ما يعتبر به الانسان من قصص الماضين و احوالهم و ما آل اليه امرهم (و امثاله) جمع (مثل) و هو الشي‌ء يقرب المطلب الي الذهن بتطبيق الكلي علي الفرد (و مرسله)
هو المطلق (و محدوده) هو المقيد، و الفرق بينهما و بين العام و الخاص ان العام يشمل الافراد باللفظ نحو (العلماء) و المرسل يشملها بالهميه نحو (العالم) و في مقابلهما الخاص و المقيد نحو (العلماء العدول) و (العالم العادل). (و محكمه) و هو الذي يعرف المراد منه لظهوره في معني خاص (و متشابه) و هو الذي يتشابه المراد منه بان يتحمل اللفظ لمعنيين او اكثر فلا يعرف ايهما يراد من اللفظ. فالحلال، نحو: (كلوا مما في الارض حلالا طيبا). و الحرام، نحو: (حرمت عليكم الميته و الدم). و الفريضه، نحو: (اقيموا الصلاه و اتوا الزكاه). و الفضيله، نحو: (كاتبوهم ان علمتم فيهم خيرا، و لا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم علي بعض). و الناسخ، نحو: (ااسفقتم ان تقدموا بين يدي نجواكم صدقات). و المنسوخ، نحو: (اذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقه). و الرخصه، نحو: (فمن اضطر في مخصمه غير متجانب لاثم) و العزيمه نحو: (و لا تاكلوا ممالم يذكر اسم الله عليه) و الخاص، نحو: (يا ايها النبي لم تحرم ما احل الله لك). و العام، نحو: (يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله). و العبره، نحو: (الم تر الي الذين بدلوا نعمه الله كفرا). و المثل، نحو: (الله نور السموات و الارض مثل
نوره كمشكاه). و المرسل، نحو: (فك رقبه). و المحدود، نحو: (فصيام شهرين متتابعين). و المحكم، نحو: (فاعلم انه لا اله الا هو). و المتشابه، نحو: (المص). (مفسرا مجمله) اي في حال كون الرسول صلي الله عليه و آله و سلم قد فسر و اوضح ما اجمل في الكتاب، مثلا قال الكتاب: (اقيموا الصلاه) فبين الرسول صلي الله عليه و آله و سلم المراد بالصلاه و اوقاتها و خصوصياتها (و مبينا غوامضه) و الغوامض هي الامور التي يصعب علي الانسان فهمه، و ان لم يكن مجملا في اللفظ، كبعض شئون المبدء تعالي، جمع (غامض) و هو الخفي من الامر، ثم ان ما ذكر في الكتاب و بينه الرسول صلي الله عليه و آله و سلم علي اقسام ف (بين ماخوذ ميثاق في علمه) اي قد اخذ علي العباد العهد و الميثاق بان يعلموه كالاحكام و ما اشبهها (و موسع علي العباد في جهله) بان لا يلزم علمه فمن شاء تعلمه و من شاء لم يتعلمه كالاداب غير الواجبه و كخصوصيات الاخره، فان اللازم تعلم الفرائض و العلم بالاخره في الجمله. (و بين مثبت في الكتاب) اي في ظاهر القرآن الحكيم (فرضه) كقوله سبحانه: (و انكحوا الايامي منكم) و (كاتبوهم ان علمتم فيهم خيرا) مما ظاهره الوجوب لانه بصيغه الامر (و معلوم في السنه) المفسره لل
كتاب الوارده عن الرسول صلي الله عليه و آله و سلم (نسخه) فان الرسول صلي الله عليه و آله و سلم بين فضل الانكاح و المكاتبه لا وجوبهما، و تسميه هذا نسخا بالمجاز، و انما ارتكبنا ذلك لوضوح ان السنه لا تنسخ الكتاب (و واجب في السنه اخذه) بان كان ظاهر السنه وجوب الاخذ به- لما ورد من الامر به الظاهر في الوجوب (و مرخص في الكتاب تركه) بعكس القسم السابق كقوله سبحانه (فمن حج البيت او اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما) مما ظاهره جواز ترك السعي، و لكن السنه دلت علي وجوب السعي- استظهرناه من كلامه عليه‌السلام- و للشارح (ابن ميثم ره) قول آخر هذا نصه. ثالثها ما هو مثبت في الكتاب فرضه معلوم في السنه نسخه و ذلك كقوله تعالي (و اللاتي ياتين الفاحشه من نسائكم فاستشهدوا عليهن اربعه منكم فان شهدوا فامسكوهن في البيوت حتي يتوفاهن الموت او يجعل الله لهن سبيلا و اللذان ياتيانها منكم فاذوهما فان تابا و اصلحا فاعرضوا عنهما) فكانت الثيب اذا زنت في بدء الاسلام تمسك في البيوت الي الممات و البكر توذي بالكلام و نحوه بمقتضي هاتين الايتين، ثم نسخ ذلك في حق الثيب بالرجم و في حق البكر بالجلد و التعذيب بحكم السنه.. و رابعها ما هو بعكس ذلك اي مثبت في ا
لسنه اخذه ماذون في الكتاب تركه و ذلك كالتوجه الي بيت المقدس في ابتداء الاسلام، فانه كان ثابتا في السنه ثم نسخ بقوله تعالي (فنولينك قبله ترضاها فول و جهك شطر المسجدالحرام و حيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره).. اقول و في كلا الامرين مناقشه، و قد ذكرنا ما يظهر من الايه السابقه في (تقريب القرآن) مما لا نسخ معه. (و بين واجب بوقته) كالحج الذي يجب في اشهر الحج (و زائل في مستقبله) فاذا فاتت الاشهر زال الوجوب الفعلي حتي تاتي الا شهر من جديد، و هذا بخلاف الواجبات غير المقيده كالنذور المطلقه و الديون و ما اشبه مما لا وقت لها (و مباين بين محارمه) اي بين احكام مباين بعضها مع بعض في الحرمه و مقدارها (من كبير اوعد عليه نيرانه) كقوله سبحانه (و من قتل مومنا متعمدا فجزائه جهنم خالدا فيها) (او صغير ارصد) اي هي (له غفرانه) اي مغفرته كالصغائر- و بها فسر قوله تعالي (الا اللمم) (و بين مقبول في ادناه) اي يقبل ادني ذلك التكليف و اخفه (موسع في اقصاه) مع انه سبحانه وسع للانسان بان ياخذ باقصي التكليف و اثقله، كما يقبل في كفاره اليمين اطعام عشره مساكين، الذي هو ادني و اخف كفاره علي الانسان و يوسع للانسان في ان لا ياخذ بالادني بل يكسي العشره،
او يعتق رقبه.. و المقصود من هذه الجمل ذكر اقسام الاحكام- في الجمله- بانها مختلفه رتبت حسب المصالح، فلكل حكم لون خاص، ليكون الانسان في سعه و تنوع و ذلك ابعد من الضجر و اقرب الي طبيعه الانسان المياله نحو التلون و التطور.
[صفحه 46]
(منها) اي بعض هذه الخطبه التي سبقت جمل منها (ذكر) عليه‌السلام (في) باب (الحج) فقد كانت الخطبه طويله اسقط الشريف الرضي جمله منها. (و فرض) الله (عليكم) ايها الناس (حج بيته الحرام) اصل الحج القصد، و سمي الحج بذلك لانه القصد الي محل مخصوص و اضافه البيت اليه سبحانه تشريفيه لانه مورد عنايته، و وصفه بالحرام باعتبار كونه ذا حرمه و احترام.. البيت (الذي جعله قبله للانام) يقابلونه في صلواتهم و ذبحهم و يوجهون امواتهم اليه الي غير ذلك مما يجب او يستجب فيه استقبال القبله (يردونه) يقال (ورد) اذا وصل، و يستعمل غالبا في ورود الماء، و الضمير عائد الي البيت (ورود الانعام) اي كما يرد البهائم علي الماء عطاشا، و هذا لبيان شده شوق الناس الي البيت (و يالهون) من (اله) بمعني (فزع) الي يفزعون (اليه) اي الي البيت و يلوذون به (و لوه الحمام) اي كما يفرغ الحمام الي محله عند الخوف، فان الحمام يظهر عليه اثر اللوذ بكثره. (جعله) اي البيت (سبحانه) مصدر لفعل محذوف (علامه) اي دليلا (لتواضعهم) اي تواضع البشر و خشوعهم و خضوعهم (لعظمته) تعالي فان المواقف و الاعمال تدل علي التواضع و الخشوع (و اذعانهم) اي انقيادهم (لعزته) سبحانه اذمن لا ين
قاد لا يذهب الي الحج و لا ياتي بتلك المناسك (و اختار) الله سبحانه (من خلقه سماعا) جمع سامع كزراع جمع زارع (اجابوا اليه) انما عدي ب(الي) لانتهاء الجواب اليه تعالي (دعوته) لهم الي الحج (و صدقوا كلمته) فقد وافق عملهم لما قاله سبحانه من وجوب الحج. و الصدق هو مطابقه شي‌ء لشي‌ء، و منه يسمي الخبر صدقا لانه يطابق الواقع. (و وقفوا) في عرفات و المشعر و مني و المطاف و السعي (مواقف انبيائه) فان الانبياء قد حجوا و وقفوا في تلك المواقف (و تشبهوا) هولاء الحجاج عند طوافهم حول البيت (بملائكته) تعالي (المطيفين بعرشه) من اطاف اذا دار، فان لله تعالي ملائكه يطوفون حول العرش خضوعا و انقيادا. (يحرزون) اي الحجاج (الارباح) جمع ربح و المراد به الثواب (في متجر عبادته) المتجر محل التجاره و مواقف الحج في مكه و حواليها متجر يحصل الانسان فيها علي الثواب، لانها متجر العباده و الطاعه لا المال و الماده (و يتبادرون) المبادره المسابقه، اي يسابق بعض الحجاج بعضا (عند موعد مغفرته) اي عند المحل الذي وعد الله الغفران في ذلك المحل، و التبادر انما هو بالاعمال الصالحه كما قال سبحانه (سارعوا الي مغفره من ربكم) كان من يعمل اكثر يكون اكثر مسارعه لتحصيل ا
لمغفره و المثوبه (جعله) اي جعل الله (سبحانه و تعالي) البيت (للاسلام علما) كالاعلام التي تخفق فياوي اليها الجيش، او المراد بالعلم- الجبل- فهو كالجبل الاشم الذي يلوذ بكنفه الناس من الحر و الجرد و سائر المخاوف. (و) ل (العائذين) جمع عائذ و هو المتسجير (حرما) اي محل امن و سلامه حتي ان الولي للدم لا يتمكن ان ينال المجرم بسوء و هو عائذ بالحرم (فرض) اي اوجب الله سبحانه (حجه) اي حج البيت (و اوجب) سبحانه علي الناس (حقه) اي حق البيت بالحج و الاحترام (و كتب عليكم و فادته) الوفاده الزياره، و معني كتب: فرض اي الزم علي الناس زياره البيت (فقال سبحانه: و لله علي الناس حج البيت) اي حق لله علي الناس ان يحجوا بيته (من استطاع اليه سبيلا) اي تمكن من السير اليه بالزاد و النفقه و ما اشبه، و (من) بدل بعض عن كل، فان الواجب انما هو علي المستطيع (و من كفر) بان لم يحج (فان الله غني عن العالمين) فانه لا يضر الله، و انما يضر نفسه و لا يخفي ان المراد بالكفر هنا و فيما اشبهه انما هو الكفر العملي لا الكفر العقيدي.

خطبه 002

[صفحه 49]
(و من خطبه له عليه‌السلام) اي جمله من خطبه خطبها الامام اميرالمومنين عليه‌السلام (بعد انصرافه) و رجوعه نحو الكوفه (من صفين) و هو اسم مكان بين الفرات و الدجله او من توابع سوريا قرب حلب و قد وقع في هذا الموضع حرب بين الامام اميرالمومنين عليه‌السلام و بين معاويه، و له قصه طويله في التاريخ. (احمده) الضمير عائد الي (الله) تعالي (استتماما لنعمته) اي طلبا لتمامها فان الشكر يوجب زياده النعمه كما قال تعالي لئن شكرتم لا زيدنكم و استتماما ما مفعول له (و استسلاما لعزته) الاستسلام هو الانقياد، فان الحمد يدل علي ان الحامد انقاد لعزته تعالي، و العزه هي الرفعه و الغلبه (و استعصاما) اي طلبا للحفظ و العصمه (من معصيته) اي من عصيانه فان الحمد يوجب زياده الطافه تعالي بالنسبه الي الحامد و اذا كثرت الطافه تعالي بالنسبه الي احد ابتعه عن العصيان (و استعينه) اي اطلب اعانته تعالي (فاقه) اي لاجل الفاقه و الاحتياج (الي كفايته) اي الي ان يكفيني ما احتاج به اليه تعالي (انه) تعالي (لا يضل من هداه) هذا من تتمه الثناء لا انه عله لما تقدم و معني (من هداه) انه تعالي اذا هدي احدا فانه لا يضله، و انكان ربما ضل بسوء عمله. (و لا يئل)
من (وئل) علي وزن (وعد، يعد) بمعني (خلص) (من عاداه) تعالي بمعني ان عدوه المخالف لاوامره لا ينجو من العقاب (و لا يفتقر) اي لا يكون فقيرا (من كفاه) تعالي (فانه) اي الحمد، و هذا تعليل لقوله (احمده) (ارجح ما وزن) اي ارجح الطاعات في ميزان الحسنات (و افضل ما خزن) اي احسن الاشياء التي يخزنها الانسان و يدخرها ليوم حاجته (و اشهد ان لا اله الا الله) فالاصنام و الاوثان و غيرها ليست الهه، بل هو سبحانه الا له (وحده لا شريك له شهاده) هذا حال من (اشهد) (ممتحنا اخلاصها) اي ان كونها خالصه قد امتحنت فان اعمال الانسان تدل علي انه هل يشهد باخلاص، ام ان شهادته سطحيه فاذا دار الامر بين الله و بين غيره يرجح الغير عليه سبحانه (معتقدا مصاصها) مصاص كلشي‌ء خالصه اي ان خالص تلك الشهاده هو المعتقد لنا فعقيدتنا هي الشهاده الخالصه عن شوائب الشرك. (نتمسك بها) اي بهذه الشهاده (ابدا) اي دائما (ما ابقانا) الله سبحانه في الدينا (و ندخرها) اي نجعلها ذخيره (لا هاويل) جمع (اهوال) و هو جمع (الهول) و المراد بذلك ما يخاف منه من بلاء الدنيا و عذاب الاخره (ما يلقانا) في المستقبل كان كلمه الشهاده كنز ينفق الانسان منه لدفع ما يخاف منه، كما يدفع الانسان لد
فع ابتلائات السلاطين و من اليهم (فانها) اي كلمه الشهاده (عزيمه الايمان) اي الامر الضروري بالنسبه الي الايمان حتي انه لا ايمان بدون هذه الشهاده (و فاتحه الاحسان) اي ان كل احسان انما يبتدء بالشهاده، فان من لم يشهد بهذه الشهاده لا يقبل عمله فهو كمن لا احسان له (انما يتقبل الله من المتقين) و (لئن اشركت ليحبطن عملك) و (مرضاه الرحمان) اي موجبه لرضي الله سبحانه عن العبد، و مرضاه مصدر ميمي (و مدحره الشيطان) اي موجبه لدحره، و الدحر الطرد و البعد فان من شهد هذه الشهاده ابتعد الشيطان عنه و مدحره مصدر ميمي ايضا.
[صفحه 51]
(و اشهد ان محمدا عبده) اي عبد الله تعالي (و رسوله) الذي ارسله الي الناس (ارسله) الله تعالي (بالدين المشهور) المراد الدين الظاهر الذي لا خفاء فيه، و منه يسمي المشهور مشهورا لانه ظاهر للناس لا خفاء فيه (و العلم) هو الذي يهتدي به من العلامه، و منه يسمي اللواء علما (الماثور) من (اثر) بمعني ورد، و المراد به هنا الاسلام الذي هو علم للضال يهتدي به الي طريق الحق و السعاده (و الكتاب المسطور) و المراد به القرآن، الذي سطر و كتب، اما في اللوح المحفوظ او في الصحائف لتلاوه الناس (و النور الساطع) اي المتعالي الظاهر، و هذا من باب التشبيه فكما يري الانسان بسبب النور الاشياء المحسوسه كذلك يري بسبب نور الهدايه طريق السعاده و الشقاء. (و الضياء اللامع) عطف بيان للجمله السابقه (و الامر الصادع) يقال صدع بالامر اذا قام به، قال سبحانه (فاصدع بما تومر) و نسبه الي الامر المجاز، فان الامر مصدوع به، و انما الصادع هو الانسان القائم بالامر (ازاحه للشبهات) اي انما ارسله الله سبحانه لاجل ازاله الشبهات، التي هي اسباب ان يشتبه الانسان الحق بالباطل (و احتجاجا بالبينات) جمع (بينه) و هي الحجه الواضحه‌اي لاجل ان يحتج الرسول علي الكفار
و العضات بالادله الواضحه الداله علي خطاهم و انحراف طريقهم. (و تخديرا بالايات) اي لاجل ان يحذرهم و يخوفهم بما يبين لهم من الايات الداله علي علم الله و قدرته و نكاله للظالمين (و تخويفا بالمثلات) المثلات بالفتح ثم الضم جمع مثله بضم الشاد، و هي العقوبات التي حلت بالامم السابقه التي صارت مثلا للناس يذكرونها و يخافون منها، اي ان الرسول يخوف الناس بانهم ان لم يومنوا عوقبوا كما عوقب الامم السابقون المنحرفون (و) قد بعث الرسول في حال كون (الناس في فتن) جمع فتنه، و هي البليه (انجذم) اي انقطع (فيها) اي في تلك الفتن (حبل الدين) و انما يقال للدين (حبل) لانه كالحبل الذي يتعلق به الانسان الموجود في الهاويه، ليجره الذي في فوق، الي الاعلي، و هكذا من تعلق بالدين رفعه الدين الي الدرجات العاليه و السعاده في الدنيا و الاخره. (و تزعزعت) اي تحرك و تزلزلت (سواري) جمع (ساريه) و هي الدعامه و العمود (اليقين) فلا يقين للناس بالمبدء و المعاد (و اخلتف النجر) هو بمعني الاصل اي اختلفت الاصول التي اعتمد الناس عليها، فلا اصل مسلم في العقيده او العاده او النظام يستند الكل اليها، بل كل طائفه ذهبت نحو اصل و معتقد اختارته لنفسها (و تشتت الامر) اي
اختلف فكل يسلك سبيلا و يسير سيرا مخالفا لسير الاخر (وضاق المخرج) شبه الخروج عن الاهواء و التقاليد الفاسده بمن يريد الخروج من شده، لكن الباب ضيق لا يتمكن من الخروج، و ضيق المخرج كنايه عن عدم وضوحه فلا يدري الانسان كيف يخرج من المشاكل و المفاسد. (و عمي المصدر) اي ضاع و خفي محل صدور الناس في تقاليد هم و عقائدهم، كالاعمي الذي لا يبصر، فان الناس انما ياخذون عقائدهم و اعمالهم عن الذي يعرف- فهو مصدرهم- فاذا لم يكن هناك عارف يوخذ عنه، فكان المصدر الذي عليه ان يري فيهدي، قد عمي فلا يبصر، فكيف يتمكن من ابصار غيره؟ (فالهدي خامل) يقال خمل الامر اذا خفي، اي ان الهدي مخفي ليس بظاهر حتي يوخذ به (و العمي شامل) اي عدم معرفه الحق شامل للناس يعمهم (عصي الرحمان) اي عصاه الناس (و نصر الشيطان) و المراد اطاعته في الكفر و العصيان فان ذلك نصر له علي جنود الرحمان (و خذل الايمان) اي ترك و لم يعمل به (فانهارت دعائمه) الانهيار هو السقوط اي سقطت دعامات الايمان و الدعامه ما يستند اليه. (و تنكرت معالمه) التنكر تحول الشي‌ء من حال معروف الي حال منكر، يقال تنكر فلان اذا صار ينكر اصدقائه و معارفه، و المعالم جمع (معلم) و هو موضع العلامه التي يه
تدي بها للطريق، اي ان علائم الايمان قد تنكرت فلم يعرفها الانسان حتي يسير في هدايتها لئلا يضل (و درست) الدروس الانطماس و ذهاب الاثر (سبله) اي طريق الايمان فلا تعرف الطرق لتسلك (و عفت شركه) جمع شركه بالفتحات و هي وسط الطريق، اي اندرست طرق الهدي، فان (عفي) بمعني (درس) (اطاعوا) اي الناس (الشيطان فسلكوا مسالكه) اي طرقه، جمع (مسلك) و هو الطريق المسلوك (و وردوا مناهله) جمع (منهل) و هو مورد الشرب في النهر، اي ورد الناس منهل الشيطان، عوض ان يردوا منهل الحق (بهم) اي بالناس (سارت اعلامه) اي اعلام الشيطان، جمع (علم). (و قام لوائه) اي ان الناس هم السبب لغلبه الباطل علي الحق (في فتن) جمع فتنه و هي البليه اي انهم ساروا في فتن (داستهم) تلك الفتن اي سحقتهم (باخفافها) جمع (خف) و هو رجل البعير مما يمس الارض، فكان الفتنه سحقت الناس حتي ذلوا و هشمت عظامهم (و وطئتهم باضلافها) جمع (ظلف) بالكسر، و هو رجل البقر و الشاه مما يمس الارض و هذا كنايه عن ان الفتن سيطرت علي الناس، من جراء النطماس الهدي، و اتباع سبل الشيطان (و قامت) الفتن (علي سنابكها) جمع (سنبك) كقنفذ و هو طرف (الحافر) فكان الفتنه بعير قامت و سيطرت، بعد ما كانت في ايام (اله
دي) ساقطه مضمحله. (فهم) اي الناس (فيها) اي في الفتن (تائهون) جمع (تائه) و هو الذي ضل الطريق فلا يعرف المسلك (حائرون) جمع حائر و هو المتحير (جاهلون) للحق (مفتونون) قد فتنوا، و المفتون هو الذي استهوته الفتنه و الضلال فتبعها (في خير دار) اي مكه (و شر جيران) و هم عبده الاوثان و الكفار الذين جاوروا بمكه، اي ان اولئك الناس الموصوفون بتلك الاوصاف كانت داره احسن دار، و جيرانهم- او جيرانها- شر جيران (نومهم سهود) اي انهم دائموا الخوف- كما هو من لوازم المجتمع المضطرب- حتي انهم لا ينامون و انما (يسهدون) اي يسهرون من الخوف و كذلك كانت مكه قبل البعثه (و كحلهم دموع) فانهم حيث كانوا دائمي المحاربه: يبكون علي الدوام، حتي كان الدمع كحلهم الملازم لعينهم و هم (بارض عالمها) اي العالم الذي فيها (ملجم) قد الجم و سد لسانه بلجام فلا يتمكن ان يتكلم بالحق خوفا (و جاهلها مكرم) يكرمه الناس اتقاء شره و طبيشه او لانهم علي شاكلته و الناس علي امثالهم اشبه. (و منها) اي استطرد الامام في الخطبه، حتي وصل الي جمله منها (يعني) و هو عليه‌السلام يقصد بالاوصاف الاتيه (آل النبي صلي الله عليه و آله و سلم) و المراد باله: علي و فاطمه و اولاد هما الطاهرو
ن.
[صفحه 55]
(موضع سره) فان الله سبحانه يضع اسراره فيهم، و المراد بالسر هو الامر الذي لا يصلح اظهاره كالاجال و الارزاق و ما اشبه (و لجاء امره) اللجاء ما يلتجاء اليه الناس و يلوذون به، و المعني ان الاوامر تاتي اليهم، فهم مركز الاوامر الصادره من عنده سبحانه، كما ان الاشراف ملجاء الناس و ماواهم (و عيبه علمه) العيبه الوعاء يعني ان الله سبحانه يفيض اليهم بالعلوم فهم محل علمه تعالي (و موئل حكمه) اي مرجع حكم الله تعالي، من ال يول بمعني رجع، و النسبه مجاز، اذ المعني انهم موئل الناس لاستفاده حكم الله تعالي منهم (و كهوف كتبه) جمع كهف و هو المغاره في الجبل، و المراد بالكتب القرآن و كتب الانبياء السابقين و انما قال (كهوف) تشبيها بسعه صدورهم في اكتناز العلوم، و صلابه انفسهم الحاويه لتلك العلوم كالجبال الراسيه. (و جبال دينه) فكما ان الجبل لا يتزلزل، كذلك لا يتزلزل آل محمد عليهم الصلاه و السلام في الامور الدينيه (بهم) اي بال محمد صلي الله عليه و آله و سلم (اقام) الله سبحانه (انحناء ظهره) اي ظهر الدين و انحنائه كنايه من ضعفه، فكما ان المنحني ضعيف و اهن كذلك كان الدين قبل تقويم الرسول و آله، له (و اذهب) الله (ارتعاد) هو تحرك
البدن خوفا (فرائصه) جمع (فريصه) و هي اللحمه بين الجنب و الكتف و بين الثدي و الكتف، ترتعد عند الخوف و الفزع، و هذا كنايه عن ان الدين كان كالخائف، و بالرسول و آله، صار كالامن.
[صفحه 56]
(و منها) اي استطرد الامام في الخطبه حتي وصل الي هذه القطعه (يعني) اي يقصد الامام عليه‌السلام بالاوصاف الاتيه (قوما اخرين) الذين هم ناوئوا آل محمد صلي الله عليه و آله و سلم. (زرعوا الفجور) جعل عليه‌السلام القبائح التي ارتكبوها كزرع زرعوه، و الفجور العصيان (و سقوه الغرور) فان الاغترار بالدنيا لما يري الشخص فهيا من المهله بمنزله السقي، الذي يوجب ريع الزرع و قوته (و حصدوا) اي قطعوا الثمر (الثبور) اي الهلاك فان ثمره الفجور الهلاك، و لعل المراد بهولاء مغتصبي الخلافه كمعاويه و اتباعه و اسياده (لا يقاس به آل محمد صلي الله عليه و آله من هذه الامه احد) فان احدا من المسلمين لا يشبه آل محمد صلي الله عليه و آله في فضلهم و نبلهم و سائر مكارمهم، و لعل الاتيان ب(من هذه الامه) لاجل انه اذا لم يقس بهم احد من الامه، فعدم قياس غير الامه بهم بطريق اولي (و لا يسوي بهم) التسويه التعديل، اي لا يعاد لهم (من جرت نعمتهم عليه ابدا) اي من انعموا عليه، فان المتفضل لا يعادل بمن تفضل عليه فان اليد العيا خير من اليد السفلي، و المراد بنعمتهم فضلهم عليه بالعلم و الارشاد و ما اليهما. (هم) يعني آل محمد صلي الله عليه و آله (اساس الدي
ن) فكما ان البناء لا يقوم الا بالاساس كذلك الدين لا يقوم الا بهم (و عماد اليقين) فكما ان السقف لا يبقي في محله المرتفع الا بالعماد كذلك يقين الناس بامبدء و المعاد و ما اليهما متوقف علي آل محمد صلي الله عليه و آله (اليهم يفي‌ء) اي يرجع (الغالي) الذي غلا في دينه فهم الهادون الراشدون، فمن تجاوز حد العقيده الصحيحه انما يعرف العقيده بسببهم (و بهم يلحق التالي) اي الذي قصر في العقيده، و تاخر في هذا المجال انما يصحح عقيدته بهم. مثلا انهم يقولون بان عيسي عليه‌السلام بشر رسول، فمن غلا و اعتقد الوهيته لابدله ان يرجع اليهم في تصحيح معتقده و من قصر و قال ان عيسي ليس رسولا و انما هو انسان عادي لابد له ان يصل اليهم في معتقده حتي يكون قد خرج من التقصير، و لعل المراد بالغلو و التلو الاعم من العقيده و العمل، فان لكل شي‌ء جانبين افراط و تفريط. (و لهم) اي لال محمد صلي الله عليه و آله (خصائص حق الولايه) فان الولايه العامه علي الناس حق من الله و له خصائص و ميزات ككون الولي معصوما اشجع الناس و احسنهم خلقا و افضلهم و هكذا، و هذا كله مجتمع في آل محمد صلي الله عليه و آله و سلم (و فيهم الوصيه) من الرسول حيث اوصي قائلا اني تارك فيكم خل
يفتين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي ابدا كتاب الله و عترتي اهل بيتي. (و الوراثه) فانهم الذين ورثوا الرسول في مادياته و معنوياته، فان المعنويات تورث بالنطفه و الولاده، و باكتساب الاخلاق من طول المعاشره (الان- اذ- رجع احلق الي اهله) حينما ذهب الخلفاء الثلاثه و صارت النوبه لعلي عليه‌السلام فقد نصبه الرسول يوم غدير خم خليفه من بعده فالمراد ب(الان) عند ممات عثمان، و (اذ) زائده و المراد بالحق الخلافه (و نقل) الحق (الي منتقله) اي المحل الذي انتقل منه.

خطبه 003

[صفحه 59]
(الخطبه الشقشقيه) (و من خطبه) اي بعض خطبه او (من) نشويه (له عليه‌السلام و هي المعروفه) لدي الناس (بالشقشقيه) لقول الامام عليه‌السلام في اخرها (انما شقشقه هدرت) (اما) كلمه تنبيه (و الله) حلف بالله لا علي التقمص بل علي (و انه يعلم) و انما ذكر التقمص مقدمه للقسم له (لقد تقمصها) اي تقمص الخلافه و قد شبه الامام الخلافه بالقميص الذي يلبسه الانسان، لانها تحيط بالانسان احاطه اللباس بالبدن، و لانها جمال و زينه مثل اللباس هو جمال و زينه (فلان) و في بعض النسخ (ابن ابي قحافه) مكان (فلان) و المودي واحد بالاتفاق (و انه ليعلم) اي و الحال ان ابابكر يعلم باني احق بها منه اذ (ان محلي منها) اي من الخلافه (محل القطب من الرحي) الرحي ما يطحن فيه الحبوب و ما اشبه، و القطب هو محور الرحي الذي يدار عليه و بدون القطب لا يتمكن الرحي من العمل و الانتاج يعني ان ابابكر يعلم اني قطب رحي الخلافه، كما كان الامام- بعد الرسول- قطب رحي الاسلام، كما قالت الصديقه الطاهره عليها السلام في خطبتها (دارت بنا رحي الاسلام). فان الاسلام لم يقم الا بسيف الامام كما قال الرسول صلي الله عليه و آله و المع الي ذلك تصريحا او تلويحا مرات عديده فقد ك
ان هو الفاتح في اغلب الحروب الصعبه كبدر واحد و حنين و خيبر و غيرها، كما ان ابابكر و عمر لما كانا يستشيران الامام في امور الفتح و ما اشبه- كما ثبت ذلك في تاريخ الفريقين- كانا في امن من تضعضع الاسلام و هز كيانه داخليا او خارجيا، و لما ال النوبه الي عثمان، و اخذ ياخذ براي عشيرته امثال (مروان) دون الامام اجتاح الاسلام ذلك الاعصار الهائل الذي يكوي المسلمين بناره الي هذا اليوم (ينحدر عني السيل) هذا تشبيه اخر، حيث شبه الامام نفسه بالجبل الاشم الذي يتجمع عليه الامطار و البرد ثم تنحدر عنه الي العيون و الاوديه و البساتين فان العم قد انحدر من الرسول الي الامام و منه انحدر الي غيره، و قد كان الخلفاء قبله ياخذون منه، حتي قال عمر في سبعين موضع (لولا علي لهلك عمر). (و لا يرقي الي الطير) اي لا يطير الطير طيرانا يصل الي لسمو مقامي و قد يتوهم بعض الناس ان تزكيه الانسان نفسه مما لا ينبغي، لكن من المفروض علي الولياء الله ان يدعو الناس الي انفسهم لهداتيهم الي الطريق، و لذا كان الرسل يدعون الناس الي الاعتراف بهم- و هل هناك طريقه اخري الي تعريف انفسهم، و هذا هو السبب في تعريف الرسول لاهل بيته (فسدلت) سدل الثوب ارخائه (دونها) اي دون
الخلافه (ثوبا) و ذلك كنايه عن اني لبست ثوبا اخر غير ثوب الخلافه، لما رايتها مغتصبه (و طويت عنها) اي عن الخلافه (كشحا) هي الخاصره يعني اني اعرضت عن الخلافه، فان الانسان المعرض عن الشي‌ء يطوي و يلف خاصرته نحو التجاه اخر لا فاده اعراضه و عدم الاكتراث بذلك الشي‌ء. (و طفقت) طفق بمعني جعل و شرع (ارتئي) اي شرعت اجيل راييي في الامر، و ماذا ينبغي ان افعل (بين ان اصول بيد جذاء) يقال (صال) اذا حمل نفسه علي الشي‌ء بكل قوه و اقدام، و الجذاء بمعغني المقطوعه، اي هل الافضل ان اعارض القوم و احاربهم بيد مقطوعه- و ذلك كنايه عن عدم الناصر و المعين- (او اصبر علي طخيه) هي الظلمه يقال ليله طخياء اي مظلمه (عمياء) و المراد بذلك الهضم و الظلم الذي صدر منهم بحق الامام و بحق الاسلام، اي اصبر علي هذه الظلمه الشديده و نسبه (عمياء) الي (طخيه) بعلاقه السبب و المسبب، اذ من في (الطخيه) هو الذي لا يبصر. (يهرم) اي يشيب غايه الشيب (فيها) اي في تلك الطخيه (الكبير) اي المسن فان المصائب تسبب هرم الانسان و شيبه لما يرد علي النفس من الالام و المكاره (و يشيب فيها) اي في تلك الطخيه (الصغير) القليل السن (و يكدح فيها مومن) الكدح هو السعي و العمل (حتي يل
قي ربه) فلا راحه للمومن في الطخيه، اذ المومن كلما راي الاسلام في خطر سعي وجد و اجتهد لازاله الخطر (فرايت) بعد اجاله الراي و الترديد بين الامرين (ان اصول، او اصبر) (ان الصبر علي هاتا) اي هذه فانها لغه في (هاتي) للاشاره و المراد بها (الصبر) و الاتيان بالمونث باعتبار (الطخيه) (احجي) اي الزم و اولي من (حجي) بمعني لزمه و رضي به، و ذلك لعدم الناصر (فصبرت و في العين قذي) هذا كنايه عن شده الالم، فان من في عينه (قذي) و هو ما يقع من العين من غبار و نحوه يكون في الم شديد. (و في الحلق شجي) الشجي ما اعترض في الحلق من عظم و نحوه، اي كان حالي كحال من دخل عظم او نحوه في حلقه، حيث يكون في شده الالم لا راحه له و لا قرار (اري تراثي) هو الميراث، اي ما وصل الي من الرسول صلي الله عليه و آله، من الخلافه، او الاعم من ذلك و من (فدك) (نهبا) اي منهوبا قد سبلوه
[صفحه 62]
(حتي مضي الاول) اي ابوبكر (لسبيله) المقدور و هي الموت (فادلي بها) اي ارسل الخلافه كما قال سبحانه (ادلي دلوه) (الي فلان) يعني عمر، و في بعض النسخ (الي ابن ابي‌الخطاب) (بعده) حيث اوصي ابوبكر بان يكون الخليفه من بعده عمر (ثم تمثل) الامام عليه‌السلام (بقول الاعشي) و هو احد الشعراء: (شتان ما يومي علي كورها) (و يوم حيان اخي جابر (شتان) بمعني افترق و (ما) زائد و (كور) الرحل الذي يوضع علي الناقه و (ها) عائد الي الناقه و (حيان) كان سيدا في بني حنيفه مطاعا فيهم و (جابر) اخو حيان اصغر منه يقول الشاعر- و هو اعشي الذي كان ينادم حيان- ان هناك فرقا بعيدا بين يومين مرا علي، ففي يوم كنت علي كور الناقه في السفر في متاعب و زحمات، و في يوم آخر كنت عند حيان في رفاه و راحه.. و لعل وجه تمثيل الامام بهذا البيت ارادته مقارنه يوميه، ففي يوم كان مع الرسول صلي الله عليه و آله و سلم في راحه و عزه و منعه، و في يوم ابتلي ب(عمر) في تعب و نصب و بلاء، او المراد مقارنه يومه بيوم عمر، فيومه موجب للتعب و النصب و غصب الحق و يوم عمر يمر عليه و هو متقمص الخلافه في عز و منعه. (فيا عجبا) اصله (عجبي) و في المنادي المضاف الي اليا يجوز وجوه
خمسه كما قال ابن مالك (و اجعل منادي صح ان يضف ليا) (كعبد عبدي عبد عبدا عبديا) و المعني (يا عجيب احضر فهذا وقتك) او يا قوم التعجب تعجبا، (بينا هو) اي ابوبكر (يستقيلها) اي يطلب الاقاله من الخلافه (في حياته) اي حين كان حيا لانه يعلم عدم قابليته لها، فقد روي علماء العامه و الخاصه ان ابابكر قال (اقيلوني فسلت بخيركم و علي فيكم) (اذ عقدها) اي الخلافه (لاخر) و هو (عمر) (بعد وفاته)؟ فكيف تحمل اثام الخلافه بعد الموت، و هو يري نفسه غير قابل لها و هو في الحيات؟ (لشد ما تشطرا ضرعيها) (اللام) للتعجب و القسم و (شد) من الشديد و المراد الاستمساك بالشي‌ء بكل قوه (تشطرا) اي اخذ كل من ابي‌بكر و عمر شطرا و جزئا (ضرعيها) الضرع هو الثدي و الضمير عائد الي الخلافه. فقد شبه الامام الخلافه بناقه حلوبه- بجامع الانتفاع بالخلافه كالانتفاع بالناقه- و شبه تمسك عمر و ابي‌بكر بالخلافه بنفرين يدران ضرع الناقه بكل شده و استمساك فكانهما تواطيا علي ان لا يخليا بين الناقه و بين صاحبها و انما تمسك كل واحد بضرع من ضرعيها بالشده ليشرب حليبها، و هذه الجمله للتعجب، يعني عجيب هذا الاقتسام الذي تمسكا به بكل شده حيث رشح ابابكر عمر- في يوم السقيفه- و عين ا
بوبكر عمر حال موته، و من غريب الامر التهافت الواقع للعامه في قصه هذا الاستخلاف، فقد رووا ان ابابكر اغمي عليه حال الوصيه علي عمر و هو في السوق، و مع ذلك كانت الوصيه صحيحه- و لم يهجر ابوبكر- كما هجر الرسول- العياذ بالله- حينما راد الوصيه علي عليه‌السلام … ؟ (فصيرها) اي جعل ابوبكر الخلافه (في حوزه) هي المحل الذي يحاز فيه الشي‌ء (خشناء) اي خشنه و المراد بها (عمر) فالخلافه صارت فيه و هو خشن الاخلاق غليظ جاف سريع الغضب (يغلظ كلامها) هي الارض الغليظه التي يصعب المشي‌ء فيها، فقد كان عمر شديد المواجهه يخشي الذي يقابله شره و بذائه لسانه (و يخشن مسها) اي لمسها و الاقتراب منها، و هذا كنايه عن طبع عمر (و يكثر العثار فيها) اي في تلك الارض، يقال (عثر) اذا اصاب رجله حجر او نحوه فالمها او اوجب سقوط الانسان، فان الارض الخشنه يعثر الماشي فيها (و الاعتذار منها) اي يكثر الاعتذار و هذا اشاره لما كان يفعله عمر من المسارعه في الاحكام عن جهل ثم يعتذر منها حين ما كان ينبهه علي عليه‌السلام او احد الصحابه علي خطائه. (فصاحبها) اي الذي يمشي في تلك الارض و يصاحبها (كراكب الصعبه) و هي الناقه العاصيه التي لا تسير سيرا هينا و انما تشمس و توذ
ي الراكب (ان اشنق لها) اي لتلك الناقه و اشنق بمعني جر الزمام لا يقانها و عدم سيرها (خرم) اي سبب شق انفه الذي هو محل الزمام لانها تريد الجري، و الراكب يريد ايقانها بشده- و شق انفها يوجب ضررا علي المالك و اذي لها- (و ان اسلس لها) اي ارخي الزمام حتي تجري الناقه كما تشاء (تقحم) اي ادخلت نفسها في مواضع الهلكه، فلا يدري راكب مثل هذه الناقه ماذا يصنع، هل يشنق ام يسلس؟ و هكذا من يصاحب عمر ان اراد نهيه عن اعماله الفاسده، عاداه و اذاه، و ان سكت عنه ليفعل ما يفعل اورد المسلمين في الهلكه. (فمني الناس) اي ابتلوا و اصيبوا (لعمر الله) قسم بالله، و اصل (عمر) الحيات يقال لعمرك، اي و حتي حياتك، ثم استعمل في القسم مطلقا من دون نظر الي اصل معناه (بخبط) لما كان عليه عمر من الخبط و الخلط في الامور (و شماس) هو اباء الفرس عن الركوب، و هو اشاره الي ان (عمر) لم يكن يطاوع الرفق، بل كان عنيفا في امروه، و كان الناس مبتلون بسوء اخلاقه (و تلون) فانه كان يوم في لون غير لون اليوم السابق، فمره يحارب و مره يصاحب، و هكذا كما هو الشان في كل انسان غير متزن (و اعتراض) هو السير علي خط غير مستقيم اي لم يكن يسير علي خط مستقيم و جاده واضحه. (فصبرت) ع
لي اعمال عمر (علي طول المده) اي مع ان مده خلافته قد طالت (و شده المحنه) التي ابتليت بها من اجله، و قد ذكر كتب السير من الفريقين طرفا من اعمال عمر و ارائه، ممايد هش الانسان
[صفحه 65]
(حتي اذا مضي) عمر (لسبيله) كنايه عن موته و المراد ب(مضي) اراد المضي فان كل واحد من الفعل و الاراده يستعمل بمعني الاخر قال سبحانه (انما يريد الله بكم اليسر) بمعني فعل، و قال (اذا قمتم الي الصلاه) اي اردتم القيام (جعلها) اي جعل عمر الخلامه (في جماعه) سته (زعم اني احدهم) و هم علي عليه‌السلام و عثمان، و طلحه، و الزبير، و عبد الرحمان بن عوف، و سعد، و لفظه (زعم) باعتبار ان محله عليه‌السلام ارفع منهم، لا بمعني (الزعم) المتعارف- كما لا يخفي. و خلاصه حديث الشوري- كما في شرح ابن ميثم- ان عمر لما طعن دخل عليه وجوه الصحابه و قالوا له ينبغي لك ان تعهد عهدك ايها الرجل و تستخلف رجلا ترضاه، فقال لا احب ان اتحملها حيا و ميتا فقالوا افلا تشير علينا؟ فقال اما ان اشير فان اجبتم قلتم؟ فقالوا نعم فقال الصالحون لهذا الامر سبعه نفر سمعت رسول الله صلي الله عليه و آله يقول انهم من اهل الجنه احدهم سعيد بن زيد و انا مخرجه منهم لانه من اهل بيتي و سعد ابي‌وقاص و عبدالرحمان بن عوف، و طلحه، و زبير، و عثمان، و علي، فاما سعد فلا يمنعني منه الا عنفه و فضاضته، و اما عن عبدالرحمان بن عوف فلانه قارون هذه الامه، و اما من طلحه فتكبره و
نخوته، و اما من الزبير فشحه و لقد رايته بالبقيع يقاتل علي صاع من شعير و لا يصلح لهذا الامر الا رجل واسع الصدر. و اما من عثمان فحبه لقومه و عصبيته لهم و اما من علي فحرصه علي هذا الامر و دعابه فيه ثم قال يصلي صهيب بالناس ثلاثه ايام و تخلو السته نفر في البيت ثلاثه ايام ليتفقوا علي رجل منهم فان استقام امر خمسه و ابي رجل فاقتلوه، و ان استقر امر ثلاثه و ابي ثلاثه فكونوا مع الثلاثه الذين فيهم عبدالرحمان بن عوف، و يروي فاقتلوا الثلاثه الذين ليس فيهم عبدالرحمان بن عوف، و يروي فتحاكموا الي عبد الله بن عمر، فاي الفريقين قضي له فاقتلوا الفريق الاخر، فلما خرجوا عنه و اجتمعوا لهذا الامر قال عبدالرحمان ان لي و لابن عمر من هذا الامر الثلث فنحن نخرج انفسنا منه علي ان نختار رجلا هو خيركم للامه فقال اليوم رضينا غير علي فانه اتهمه في ذلك فقال اري و انظر. فلما يئس من رضي علي رجع الي سعد فقال هلم نعين رجلا و نبايعه فالناس يبايعون من بايعته فقال سعد ان بايعك عثمان فانا لكم ثالث و ان اردت ان تولي عثمان فعلي احب الي، فلما آيس من مطاوعه سعد كف عنهم، و جائهم ابوطلحه في خمسين رجلا من الانصار يحثم علي التعين فاقبل عبد الرحمان الي علي عل
يه‌السلام و اخذ بيده و قال ابايعك علي ان تعمل بكتاب الله و سنه رسوله و سيره الخليفتين ابي‌بكر و عمر، فقال علي عليه‌السلام تبايعني علي ان اعمل بكتاب الله و سنه رسوله و اجتهد راي فترك يده، ثم اقبل علي عثمان فاخذ بيده و قال له مثل مقاله لعلي عليه‌السلام فقال نعم فكرر القول علي كل منهما ثلاثا فاجاب كل بما اجاب به اولا فبعدها قال عبدالرحمان هي لك يا عثمان، و بايعه، ثم بايعه الناس. و يرد الاشكال علي عمر من وجوه نذكر بعضها: الاول: ان الخليفه كان معينا من قبل الرسول في قصه (الغدير) و غيرها، فباي حق خالف النص؟. الثاني: انه باي حق عاب جماعه زعم ان الرسول صلي الله عليه و آله مات عنهم راضيا- كما صرح بذلك- و انهم من اهل الجنه؟. الثالث: انه باي حق حكم بتقديم الثلاثه الذين فيهم ابن عوف؟. الرابع: انه باي حق حكم بقتل من خالف الاكثر، و هل اهل الجنه يقتلون لمجرد راي راوه؟. الخامس: انكان امر الخلافه (شوري) فهذا التعيين كان خلاف (الشوري) فاي دليل لرضي المسلمين بذلك، و انكان بالنص فلا نص لهذا الموضوع بهذه الكيفيه؟. كما ان ابن عوف باي معيار دخل سيره الشيخين في الشروط؟ مع ان سيره الشيخين متناقضه، فهذا ولي خالدا، و هذا عزله، و هذا ح
كم بشكل و ذلك بشكل اخر، و هذا اوصي و ذاك جعله شوري، و هكذا.. فكيف يمكن ان يعمل الخليفه براي متناقض؟ ثم هل و في عثمان، ام ضرب بالكل عرض الحائط؟ (فيا لله) اللام للاستغاثه (و للشوري) اي استغيت بالله من (الشوري) و هي المشوره في امر الخلافه، و بالاخص بالكيفيه التي جعلها عمر، فان الشوري غير جائز في الامر المنصوص، فكما لا تجوز المشوره في تحليل الخمر، او اباحه ترك الصلاه، كذلك لا تجوز المشوره في تبديل خليفه، و انما دخل علي عليه‌السلام في الشوري لمصحله اهم و هي تكذيب اولئك الذين قالوا ان النبوه و الخلافه لا تصلحان لبني هاشم، و لاحتمال انقاذ الحق بذلك (متي اعترض الريب) اي الشك (في) حرف جر مضاف الي ياء المتكلم (مع الاول منهم) اي من هولاء و هو ابوبكر، و جعله منهم باعتبار تامرهم علي اغتصاب الخلافه؟ يعني اني لم اكن اقرن بابي‌بكر الذي يعترف كل من اولئك له بالفضل فكيف اقرن بمن دونه؟. (حتي صرت اقرن) و اساوي- بمعني اجعل قرينا- (الي هذه النظائر) جمع نظيير و هو المثيل، اي امثل بعثمان و اشباه عثمان (لكني اسففت اذ اسفوا) يقال اسف الطائر اذا دني من الارض (و طرت اذا طاروا) يعني اني لم اخالفهم- حفظا علي بيضه الاسلام- فكان مثلي مثل طا
ئر في سرب طائر الذي يدنوا الي الارض اذ دنوا منها و يطير و يصعد اذا طاروا و صعدوا. (فصغا) اي مال او استمع و كان الاصل هو الثاني و انما يستعمل بمعني مال، لان الاصغاء يلازم الميل (رجل منهم) من اهل الشوري: و يريد عليه‌السلام بذلك (سعد) (لضغنه) اي عداوته و حسده الكامن في صدره، فقد كان ابن وقاص منحرفا عنه عليه‌السلام، و تخلف عن بيعته بعد قتل عثمان (و مال الاخر) و هو عبدالرحمان بن عوف (لصهره) اي مصاهره الذي كان بينهما ارتباط سببي، و المراد به عثمان فقد كان عبدالرحمان زوجا لام كلثوم بنت عقبه بن ابي معيط و هي اخت عثمان لامه اروي بنت كريز، و لذا اعطي الخلافه لعثمان دون الامام علي عليه‌السلام (مع هن و هن) هذا كنايه عن وجود امور اخري سبب عدم بيعتهم للامام، و لعله عليه‌السلام يشير الي اشتراطهم معه متابعه سيره الشيخين، و تخوفهم من عمله بالحق، فلا يكون لهم نصيب في الملك و ما اشبه ذلك و (هن) اسم لمطلق الاجناس: و يستعمل كثيرا في امور مكروهه.
[صفحه 69]
(الي ان) تمت البيعه لعثمان و (قام ثالث القوم) بعد الشيخين (نافجا حضنيه) النافخ، هوالنافخ و الحضن ما بين الابط و الكشح- اي الخاصره- و هذا كنايه عن اكله لبيت مال المسلمين كالبعير الذي ياكل كل شي‌ء يجده من النبات فينتفخ، و هذا المعني اظهر بقرينه ما ياتي، من ان يكون المراد النفخ تكبرا (بين نثليه) و هو الروث (و معتلفه) و هو محل العلف، فكما ان البهيمه تطوف بين المحل الذي له ما فيه العلف و المحل الذي يبعر فيه، كذلك كان عثمان كل همه جمع اموال المسلمين و اكلها و اشباع اقاربه منها دون ملاحظه مصالح المسلمين، فكانه ياكل هنا و يبعر هناك و هو في التطواف بينهما دون الاشتغال بامر اخر، و قد ذكر (العلامه الاميني) في (الغدير) قائمه ببعض سرفه في اموال المسلمين. (و قام معه) اي مع عثمان (بنوابيه) هم بنواميه اشباه مروان (يخضمون مال الله) الخضم الاكل بملاء الفم كما ياكل البعير النبات (خضمه الابل) اي مثل خضمه الابل و اكلها (نبته الربيع) فكما انها لا تلتفت الي شي‌ء الا الاكل و ياكل في نهم و حرص بجميع فمه كذلك كان عثمان و بنواميه بالنسبه الي اموال المسلمين (الي ان انتكث) اي انتقض، و اصله: ابطال امر مبرم (فتله) اي ما ابرمه
و فتله من الرئاسه و جمع الاموال و السيطره (و اجهز عليه) اي علي عثمان (عمله) اي قتله ما عمل، يقال اجهزت علي الجريح اي قتلته. (و كبت به) من (كبو) اذا سقط و منه الجواد قد يكبو (بطنته) و هي التخمه و الاسراف في الشبع، اي ان اكله للاموال اورث سقوطه فقد جعل عثمان يسي‌ء التصرف في امور المسلمين باكل اموالهم، و تفريقها في اقاربه و فرض سيطرتهم علي رقاب المسلمين بدون مبرر او كفايه منهم للسلطه، و اقصاء خيار الصحابه، و ضربهم و ايذائهم، و تبديل الخلافه الي ملك عضوض، و لذا اجتمع المسلمون من مختلف الامصار- في قصه طويله- و كلما ارادوا ارجاعه عن سيره لم يرجع، فاضطروا الي ان قتلوه ليخلصوا المسلمين و بلاد الاسلام منه، و كان من الكبر المحرضين علي قتله عائشه و طلحه و الزبير و اشباههم حتي ان عائشه كانت تشبهه بيهودي طويل اللحيه يسمي نعتل فتقول (اقتلوا نعتلا قتله الله فقد بدل سنه الرسول وثوبه بعد لم يبل). و بعد ان قتل لم يجرء احد من اهله من دفن جنازته حتي بقي ثلاثه ايام و اخيرا اجتمع بعض بني‌اميه و اهله و دفنوه ليلا في (حش كوكب) و هو بستان كان يتخلي فيه متصل بالبقيع ثم ادخله معاويه في البقيع.. و بعد قتله التف الناس حول الامام علي علي
ه‌السلام يطلبون بيعته و بعد اصرار قبل الامام و كان اول من بايعه طلحه و الزبير، و لكنهما لما رايا ان مطامحهم و مطامعهم في الاماره و السيطره و المال قد انهارت، لعمل الامام بالحق- نكثا بيعته و التحقا بعائشه التي كانت تحسد الامام و تبغضه، و اقاموا حرب الجمل و منها تولدت حرب صفين و منها تولدت حرب النهروان، التي اكتوي المسلمون بنارها الي هذا اليوم.
[صفحه 71]
(فما راعني) اروع الفزع اي ما افزعني (الا و الناس) مقبلون (الي) لاخذ البيعه و المعني ما راعني الا اقبال الناس (كعرف الضبع) الضبع حيوان من نوع السباع تاكل الاموات ان وجدتها، و عرفها الشعر الكثير الذي علي عنقها و هذا تشبيه لتكاثر الناس علي الامام و ازدحامهم عليه (ينثالون) اي يزدحمون (علي من كل جانب) من الجوانب الاربعه (حتي لقد وطي‌ء) اي سبحق بالاقدام لكثره الناس (الحسنان) الامام الحسن و الامام الحسين عليهم‌السلام، كما هو العاده في ان الازدحام اذا كثر يسحق من الي جوانب الشخص المزدحم عليه، و قال بعض ان المراد ب(الحسنان) الا بهامان، فقد كان الامام جالسا حينما انثالوا عليه لمبايعته. (و شق عطفاي) العطف طرف الرداء، سمي به لانه يعطف باستداره البدن، فقد انخرق جانبا رداء الامام من كثره جذب الناس لهما، لاراده الوصول الي الامام و اخذ يده للبيعه، في حال كونهم (مجتمعين حولي) اي اطرافي (كربيضه الغنم) الربيضه الطائفه الرابضه من الغنم، بالتشبيه بها من جهه ان المجتمعين كانوا كالاغتام في عدم الوقار و عدم توازن الحركات- كانهم بهائم، من شده شوقهم و حرصهم علي بيعه الامام- (فلما نهضت بالامر) اي قبلت البيعه و قمت بالاماره
الظاهريه- بعد ما كان عليه‌السلام هو الخليفه من الله و الرسول علي المسلمين- (نكثت) اي نقضت بيعتي (طائفه) و هم اصحاب الجمل كطلحه و الزبير و من اليهما، فقد بايعوا الامام ثم نقضوا بيعته. (و مرقت اخري) المروق هو الخروج، و المراد بهم اهل النهروان- الخوارج- فانهم خرجوا من الدين بعد ما كانوا فيه، كما يمرق السهم من الغرض بعد دخوله فيه (و قسط اخرون) اي فسق، كما قال سبحانه (و اما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا) و المراد بهم معاويه و اصحابه الذين فسقوا و لم يدخلوا في طاعه الامام، بعد مبايعه الناس له، و يحتمل ان يكون المراد بالمقاربه معاويه و اجناد الشام و بالقاسطه الخوارج حسب الترتيب الخارجي، و علي اي تقدير فهذه الاسامي لهولاء من الرسول صلي الله عليه و آله حيث قال للامام عليه‌السلام ستقاتل الناكثين و المارقين و القاسطين. و مجمل القصه ان الامام بويع بالمدينه، اراد طلحه و الزبير منه اماره الكوفه، و البصره فلم يلب طلبهما، فخرجا من المدينه باسم (العمره) و التحقا بعائشه، فاخذوا يالبون الناس علي الامام، و كتبا الي معاويه في الشام و ارادا اقتسام البلاد بين الثلاثه، و ذهبا الي البصره لتوجيه العراق نحوهم، و ذلك سبب تمرد معاويه، حيث ا
ستظهر بهم و اقاما في البصره يفسدان حتي التحق الامام بهما بجيشه، و ركبت عائشه علي (جمل) و جرت المحاربه بين الطرفين مما انتهي الي نصر الامام و قتل طلحه و الزبير و رجوع عائشه الي المدينه خائبه خاسره.. ثم قام (معاويه) لمحاربه الامام و حارب الطرفان في محل يسمي (صفين) و لما قرب انتصار الامام دبر (عمروالعاص) مكيده رفع المصاحف علي الرماح باسم انهم يطلبون حكم القرآن، و انطلت هذه الحيله علي جمله من اصحاب الامام فكفوا عن القتال، و قد اشرف عليه‌السلام علي الانتصار. و اخيرا انتهي الامر الي تحكيم حكمين (ابي موسي الاشعري، و عمرو العاص) فحكم ابو موسي بعزل الامام، و عمرو بنصب معاويه و هنا انشق اولئك الاغرار من اصحاب الامام عليه‌السلام و خرجوا عليه، و من ذلك سموا ب(الخوارج) و حاربوا الامام في محل يسمي (نهروان) و انتصر الامام عليهم، و ان بقيت منهم بقيه عاشوا في البلاد الاسلاميه، و اخيرا قتل واحد منهم و هو (ابن ملجم) الامام عليه‌السلام في محراب مسجد الكوفه (كانهم) اي هولاء الطوائف الثلاث (لم يسمعوا كلام الله سبحانه حيث يقول) في كتابه الكريم (تلك الدار الاخره نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض و لا فسادا و العقابه للمتقين) و ل
ذا لم يعملوا بمقتضاها و ارادوا العلو و افسدوا، و في الحقيقه ان هذه الحلقه من الاضطراب بعد حلقه (السقيفه) من اهم الحوادث التي افسدت البلاد و غيرت مجاري تاريخ المسلمين، و سببت انشقاقهم الي هذا اليوم. (بلي) نفي ل(كانهم لم يسمعوا) (و الله لقد سمعوها) باذانهم (و وعوها) بقلوبهم اي صاروا و عائا لها (و لكنهم) تركوا العمل بها لانه (حليت الدنيا في اعينهم) اي تزينت و اراوها حلوه يقال حليت المرئه اي تزينت بالحلي (و راقهم) اي اعجبهم (زبرجها) اي زينه الدنيا و زخارفها، و لذا تركوا الاخره للتحفظ عليها و النيل من زخارفها
[صفحه 74]
(اما و الذي فلق الحبه) اي شقها و اخرج منها النبات (و براء) اي خلق (النسمه) و هي الانسان او الروح (لو لا حضور الحاضر) الذي حضر لبيعه الامام و الامتثال لا وامره (و قيام الحجه) من الله علي الامام، بان يقول له لم لم تنهض بالامر و قد هي لك الجو (بوجود الناصر) اي بسبب وجود الناصر للامام علي اعدائه. (و) لو لا (ما اخذ الله) (ما) موصوله (علي العلماء ان لا يقاروا) من قر علي الامر اذا لزمه و لم يغيره (علي كظه ظالم) الكظه هي الالم التي يجده الانسان في بطنه من كثره الاكل و امتلاء الطعام (و لاسغب مظلوم) السغب شده الجوع بمعني ان الله عهد الي العلماء ان لا يسكتوا علي ظلم الظالم للمظلوم بان ياكل حقه، فلا يجد المظلوم ما يتقوت به بينما ياكل الظالم حتي يمتلاء و يكظ بطنه- كنايه عن حرمان ذلك و اتخام هذا- (لا لقيت) جواب (لو لا) (حبلها) اي حبل الخلافه (علي غاربها) الغارب الكاهل، فقد شبه الامام الخلافه بالناقه، و القاء الحبل علي الغارب كنايه عن اهمالها و ارسالها و عدم التصدي لها، كما ان مهمل الناقه يلقي حبلها علي كاهلها لتذهب حيث تشاء. (و لسقيت اخرها) اي اخر الخلافه، فقد شبهها الامام بمزرعه سقي اولها (بكاس اولها) فكما تر
كت الامر في ايام ابي‌بكر، كنت اترك الامر بعد عثمان (و لا لفيتم) اي وجدتم انتم- ايها الناس، و انكان الامر كذلك عند الامام حتي بعد قيامه بالامر- (دنياكم هذه) برئاستها و زخارفها (ازهد عندي من عفطه عنز) و هي ما ترسله من انفها، و المراد في ازهد- اي اكثر زهدا و نفره من الدنيا من زهدي في عفطه العنز- فنسبه ازهد الي الدنيا: مجاز كما لا يخفي. انتهت الخطبه. (قالوا) اي الروات (و قام اليه) اي الي الامام عليه‌السلام (رجل من اهل السواد) و المراد به العراق، و سمي سوادا لكثره زرعه، و العرب يسمي الاخضر اسود، لانه يميل اليه (عند بلوغه) اي بلوغ الامام (الي هذا الموضع من خطبته فناوله) اي عطاه (كتابا) قيل كانت فيه اسئل اراد الاجابه عنها (فاقبل) الامام (ينظر فيه) و انقطعت الخطبه (قال له ابن عباس) و المراد به عبدالله علي الظاهر (يا اميرالمومنين لو اطردت) اي لسترسلت (خطبتك) التي كنت تخطبها بان تاتي بالبقيه (من حيث افضيت) اي من حيث انتهت اليه. (فقال) الامام عليه‌السلام (هيهات) كلمه تقال بمعني (ابتعد) اي تبعد المطلب من ان يتم (يا بن عباس تلك) المقاله (شقشقه) هو شي‌ء كالرئه يخرجها البعير من فيه اذا هاج (هدرت) اي خرجت خروج الهدير، و هو
صوت البعير (ثم قرت) اي سكنت فلا زياده عليها (قال ابن عباس فوالله ما اسفت علي كلام قط) اي ابدا (كاسفي علي هذا الكلام) الذي بتر و قطع (الا يكون اميرالمومنين عليه‌السلام بلغ منه) اي من هذا الكلام (حيث اراد) بسبب قطع ذلك الرجل لكلامه.

خطبه 004

[صفحه 77]
(بنا) المراد بالضمير الرسول و اهل البيت (اهتديتم) ايها الناس (في الظلماء) اي ظلمه الكفر و المعاصي، فان الانسان الذي لا يعرف الحقيقه يتبه في الظلمات، و الرسول و اهل بيته عرفوا للناس الحقائق، فكانهم حملوا مشاعل النور لهدايه الناس عن ظلمات الحيات ليبصروا الحق و الحقيقه (و تسنمتم العلياء) تسنم ركب سنام البعير، و هو الموضع العالي في ظهره، و المعني ارتقيتم مراقي الشرف و السودد، فقد كانت العرب و سائر اهل الارض في ظلمه حالكه من الكفر و العصيان و المشاكل، كما كانوا خائفين اذلاء (و بنا انفجرتم) اي دخلتم في الفجر (عن السرار) و هو اخر ليله من الشهر يختفي فيها القمر. (و قر سمع) اي صم و هذا دعاء بالصم علي السمع الذي (لم يفقه الواعيه) و هي العبر و المواعظ التي تصرخ بالانسان لتهديه الي السبيل (و كيف يراعي النباه) و هي الخبر بصوت خفي (من اصمته الصيحه) هي الصوت الشديد؟ و المعني ان من اصم سمعه الصيحه- فلم يسمعها- كيف يمكن ان يسمع الصوت الضعيف؟ و لعل هذا اشاره الي ان من لم يعتبر بالقرآن و السنه النبويه كيف يوثر فيه كلام الامام عليه‌السلام، و هو ادون منهما منزله و الذي يويد هذا ان الامام خطب هذه الخطبه بعد مقتل طلحه
و الزبير، و كانه يشير اليهما، و الي ما احدثاه من الفتنه بدون اتعاظ بكلام الله و الرسول و الامام. (ربط جنان) الجنان القلب، و سمي بذلك لاختفائه، من (جن) و المراد الدعاء للقلب الخائف من الله بالرباطه و القوه، فان الشي‌ء اذا كان مربوطا، كان قويا لا يتمكن احد من زحزحته- و لذا كني عن القوه بالربط- (لم يفارقه الخفقان) هو الاضطراب، فان القلب الخائف من الله سبحانه دائم الاضطراب خوفا من ان لا يكون صدر منه شي‌ء يوجب العقوبه و العذاب و هكذا يلازم الخوف من الله الرباطه و القوه فان الانسان اذا عظم الخالق في نفسه صغر ما دونه في عينه.
[صفحه 78]
(ما زلت انتظر بكم) ايها المحتقون بي (عواقب الغدر) فان الانسان الذي يغدر باميره لابد و ان تظهر عواقب غدره من التامر و الافساد و خلع الطاعه و نحو ذلك (و اتوسمكم) التوسم التفرس اي اتفرس فيكم- من حركاتكم و سكناتكم- (بحليه المغترين) اي بعلائم الاشخاص المغرورين، و المغرور هو الذي حلي في عينه شي زائف، و مثله يترك الحق لاجل ذلك، و لذا لا يبعد ان يتركوا الامام لغرورهم و غفلتهم، و يميلوا الي غيره (سترني عنكم جلباب الدين) الجلباب هو الثوب الفضافض الذي تلبسه المرئه، و جلباب الدين احكامه التي توجب ستر الانسان عن السيئات فلا يري اعماله السيئه، يعني ان الذي عصمكم مني فلم اتعرض عليكم بالاذي هو الظواهر الدينيه التي لبستموها. (و بصرني بكم) اي اراني واقعكم و ما خفي في صدوركم (صدق النيه) اي النيه الصادقه الكامنه في صدري فانها تتفرس بواطنكم السيئه، فان الانسان الطاهر القلب يلقي اليه بواطن الاشخاص- من الغيب- فيري كل انسان علي ما هو عليه (اقمت لكم) (اللام) للتاكيد و المعني (اقمتكم) بارشاداتي و نصائحي (علي سنن الحق) و السنن هو الطريق الواضح (في جواد) جمع جاده و هي الطريق (المضله) هي الارض التي يضل سالكها، اي اني اقمتكم
علي طريق في بين الطرق الباطله الكثيره التي يضل الانسان اذا سلكها بلا دليل (حيث تلتقون و لا دليل) اي حيث يلتقي بعضكم ببعض ليتاسئل عن الطريق لكن الكل تائهون لا يعرفون الطريق فلا فائده في التقائهم و تسائلهم. (و) حيث (تحتفرون) الارض للوصول الي الماء لئلا تهلكوا من العطش (و لا تميهون) يقال (اماه) اي اخرج الماء، اي لا تجدون الماء، فالارض مضله، و الدليل مفقود، و الماء غير موجود، فكيف كنتم؟ و هكذا انتم في الامور الدينيه، و قد انقذتكم من مثل ذلك (اليوم انطق لكم العجماء ذات البيان) العجماء هي البهيمه التي لا تتكلم و معني كونها ذات البيان انها مع عدم تكلمها تبين عن الشي‌ء بالدلاله و الاشاره، و مراده عليه‌السلام ب(العجماء) العبر و العظات، التي هي اعجم و لا تنطق و لكنها تدل و تشير الي الامور، فان العبره تدل علي ان من فعل كذا اصابه كذا- لم بين الاسباب و المسببات من الارتباط- و معني انطاقه عليه‌السلام لهم، دلالتهم علي تلك العبر و ارشادهم اليها، كي يعتبروا. (غرب) اي غاب و ضل (راي امري تخلف عني) اي لم يتبعني فان الامام هو الحق، و كل من تخلف عنه علي باطل (ما شككت في الحق مذ اريته) اي من وقت ارانيه رسول الله صلي الله عليه و آل
ه و سلم، فقد كنت الزم الحق، و لذا كان كل مخالف لي علي باطل (لم يوجس موسي عليه‌السلام خيفه علي نفسه) كما قال سبحانه: (فاوجس في نفسه خيفه موسي) اي لم يكن خوف موسي عليه‌السلام علي نفسه و انما خاف من ان يموه السحره علي الناس فلا يقبلوا كلام موسي عليه‌السلام (اشفق) اي اكثر شفقه و خوفا (من غلبه الجهال) و هم السحره (و دول الضلال) جمع دوله و هي السلطه، اي سلطه فرعون، فان موسي كان اخوف ما يخاف هو هذا الامر لا غيره و قد اراد عليه‌السلام بهذا الكلام انه لا يخاف علي نفسه من الظالمين المعادين له و انما يخاف علي انطلاء تمويهاتهم علي الناس فينحرفون عن الحق. (اليوم توافقنا) اي تلاقينا نحن و انتم (علي سبيل الحق و الباطل) فمن سار معي كان علي الحق، و من خالفني كان علي الباطل (من وثق بماء لم يظماء) اي ان من كان واثقا باحد لم يحتج الي غيره فم اللازم ان يحصل الانسان علي الثقه بامامه حتي لا يحتاج الي غيره، و ذلك كما ان الشخص الذي يعلم ان عنده ماء يكفيه للشرب لم يهج به العطش، فان سكون النفس يوثر في الجسد.

خطبه 005

[صفحه 81]
(لما قبض رسول‌الله صلي الله عليه و آله و سلم و خاطبه العباس و ابوسفيان بن حرب في ان يبايعاله بالخلافه). و ذلك ان اباسفيان اراد الفتنه و جعل المسلمين بعضهم يضرب وجه بعض، حتي ينتهز فرصه لارجاع الناس الي الكفر، فجاء و استصحب العباس، و هو لا يعلم بالمكيده- يستنهضان الامام عليه‌السلام للقيام بطلب حقه و اقصاء القوم. (ايها الناس شقوا امواج الفتن بسفن النجاه) فكان الفتن مثل امواج البحر التي اذا غمرت شيئا اغرقته، و سفن النجاه هي الطرق الموصله الي رضوان الله سبحانه، و شقها كنايه عن السير في الطريق القويم الموجب للوصول الي الساحل. (و عرجوا) اي ميلوا و اعزفوا (عن طريق المنافره) اي منافره بعضكم لبعض، و النفره هي الابتعاد عن كره (وضعوا) اي اتركو (تيجان المفاخره) عن روسكم، فان الذي يفتخر كانه شمخ براسه و وضع عليها تاجا من الافتخار كتيجان الملوك، فالامام يامر بالتواضع (افلح من نهض بجناح) اي فاز بالظفر من نهض بالامر و كان له جناح يساعده، و قد كانت الجمل لردع ابي‌سفيان عن المفاخره بعلي عليه‌السلام في قبال اولئك الغاصبين و هذه الجمله و ما بعدها لبيان عذره عليه‌السلام في تركه الامر و عدم نهوضه حيث لا جناح و لا انصا
ر له، و قد شبه الانصار بالجناح، لانه كما يطير الطائر بجناحه كذلك ينهض الناهض بانصاره. (او استسلم) و لم ينهض (فاراح) الناس و اراح نفسه يوقعهم في المهلكه، و لم يوقع نفسه في المذله، يقال قيل لعنتره انك اشجع العرب؟ فقال لست باشجعهم و لكن اقدم اذا ان الاقدام عزما و احجم اذا كان الاحجام حزما (هذا) الذي تدعواني للنهوض به من الامره و الخلافه (ماء آجن) اي كالماء المتعفن الذي لا يستساغ طعمه فان الخلافه تشوبها المكاره و المصاعب و المتاعب (و لقمه يغص بها اكلها) فلا يهناء بها و معني (غص) بالشي‌ء، بقي في حلقه و نشب في لهاته فلم يتمكن من بلعه، كما قال الشاعر (اكاد اغص بالماء الفرات). و بعد ما شبه الامام عليه‌السلام الخلافه بالماء الاجن و اللقمه الصعبه، شبه نفسه بالذي يقطف الثمره قبل النضج (و مجتني الثمره) من (اجتني) بمعني قطف (لغير وقت ايناعها) يعني قبل بلوغها النضج و الكمال، و (اللام) للتاكيد، فان وقت خلافه العام الظاهريه لم يحن بعد اذ لو قام بالامر لم يتبعه الاجماعه قليله، و ذلك يورث الفتنه التي تعصف بالاسلام و لذا ترك الامام حقه، فاذا قمت انا في هذا الوقت كنت (كالزراع بغير ارضه) الذي لا يحصل شيئا من ثمره فان الناس ليسوا
بمحل قابل لخلافه الامام و انما هم محل لابي‌بكر، فانهم الي اشباههم اميل، و قد اخبر القران الحكيم بذلك بقوله: (افان مات او قتل انقلبتم علي اعقابكم). (فان اقل) ان الخلافه لي و انتم غاصبون لها (يقولوا حرص علي الملك) بان يسيطر و يتسلط علي الملك و المنصب (و ان اسكت) فلا اطالب حقي (يقولوا) و المراد ناس آخرون (جزع من الموت) و خاف انه اذا طلب حقه و قامت المحاربه، قتل في سبيل ذلك، فتخلصا من الموت يسكت عن حقه (هيهات) اي شتان بين هذه المزاعم و بين الواقع، فلو طلبت لم يكن طلبي حرصا علي الملك و لو سكت لم يكن سكوتي جزعا من الموت (بعد اللتيا و التي) اي تلك المزعمه الاولي و المزعمه الثانيه اي بعد التجاوز عن هذين الكلامين الباطلين، الحق في ان سكوتي لمصلحه الاسلام، و لو طلبت كان لاجراء الحق و ارجاع الخلافه الي اهلها الشرعي و اللتيا مصغر التي، و تصغيرها شاذ، كما قال ابن مالك (و صغروا شذوذا الذي التي) (و ذامع الفروع منها تاوتي و هذا مثل اصله ان رجلا تزوج بقصيره سيئه الخلق فشقي بعشرتها ثم طلقها و تزوح باخري طويله فكان شقائه بها اشد فطلقها، فقيل له الا تتزوج؟ قال لا اتزوج بعد اللتيا و التي (و الله) ليس السكوت خوف الموت، فانه (لابن
ابي‌طالب) يعني نفسه عليه‌السلام، و اللام، للتاكيد (انس بالموت) اي اكثر انسا بان يموت (من الطفل بثدي امه) فليس لي خوف من الموت (بل) سكوتي لاني (اندمجت) اي انطويت و اشتملت (علي مكنون علم) اي علم مكنون، هو ما اعلم من نتائج الامور و عواقبه و ان الله انما امهل هولاء للامتحان و الاختبار. (لو بحت به) من باح بسره اذا اظهره، اي لو اظهرت ذلك العلم (لاضطربتم) انتم (اضطراب الارشيه) جمع رشاء بمعني الحبل (في الطوي) جمع طويه و هي البئر (البعيده) اي العميقه فكما يكثر اضطراب الحبل فيها عند السقاء- لبعد عمقها- كذلك يكثر اضطرابكم و لو اعلمتكم بما اعلم، فانه عليه‌السلام لو اخبرهم بامتلاك اولئك الامر و ما يسببون من اراقه الدماء و تغيير الاحكام و سوق الناس بالغلظه و الاستيثار بفي‌ء المسلمين و ما الي ذلك لاضطراب المسلمون اشد الاضطراب، كما ان من يخبر ان حاكمه سوف يظلم و يوذي خاف و اضطراب، لكن الامام يسكت عن ذلك كله ابقائا لنظام الاسلام، و لعدم ايجاد حرب داخليه توجب العصف بالاسلام و المسلمين

خطبه 006

[صفحه 85]
(لما اشير عليه بان لا يتبع طلحه و الزبير و لا يرصد لهما القتال) اي لا يرقب و لا يستعد لقتالهما. (و الله لا اكون كالضبع) هو حيوان من السباع ياكل الاموات اذا وجدها (تنام علي طول اللدم) اللدم هو الضرب بشي‌ء ثقيل يسمع صوته، و ضبع مونث سماعي، قال ابوعبيد ياني صائد الضبع فيضرب بعقبه الارض عند باب جحرها ضربا غير شديد- و ذلك هو اللدم- ثم يقول خامري ام عمر (اي الزمي دارك من خامر اذا لزم داره و ام عامر كنيه الضبع) يقول ذلك بصوت ضعيف مكررا فتنام الضبع علي ذلك فيجعل في عرقوبها حبلا، فيجرها و يخرجها (و كان في الصوت تاثيرا و ايحائا) يقول الامام عليه‌السلام لا اكون كالضبع ابقي في المدينه حتي تقوي شوكه طلحه الزبير، فياخذان الامر من يدي، كالضبع المصيده. (حتي يصل اليها) اي الي الضبع (طالبها) الذي يريد صيدها (و يختلها) الختل الخديعه (راصدها) اي الصائد الذي رصدها (و لكني اضرب بالمقبل الي الحق) الذي تبغي (المدبر عنه) اي عن الحق، و هو من خالف الامام (و) اضرب (بالسامع) للحق (المطيع) لاوامري (العاصي) للحق (المريب) ذو الريب في الحق- و الريب بمعني الشك- (ابدا) يعني هذا شاني دائما (حتي ياتي علي يومي) اي مماتي و اليوم المع
د لانتقالي من الحيات الي الدار الاخره. ثم بين عليه‌السلام ان هضم طلحه و الزبير لحقه، ليس اول هضم اصابه، بل قد استمرء الناس حقوقه و هضموا امره منذ امد طويل (فو الله ما زلت مدفوعا عن حقي) اي دفعني الناس عن الحق الذي هو لي (مستاثرا علي) اي ان الناس استاثروا و استبدوا بحقوقي علي ضرري (منذ قبض الله نبيه صلي الله عليه و آله و سلم حتي يوم الناس هذا) (منذ) بمعني الوقت الماض فقد غصب ابوبكر، ثم عمر، ثم عثمان، حقه الشرعي في الخلافه و بعد ذلك جائت عائشه و طلحه و الزبير، و بعدهم معاويه.

خطبه 007

[صفحه 87]
يذم فيها اتباع الشيطان (اتخذوا) اي الكفار و العصات (الشيطان لامرهم ملاكا) الملاك قوام الشي‌ء الذي يملك به، يعني ان قوام امرهم اطاعه الشيطان (و اتخذهم) اي الشيطان (له) اي لنفسه (اشراكا) جمع شرك و هو ما يصاد به فهم آله الشيطان في الاضلال اذ بسببهم يضل سائر الناس (فباض و فرخ في صدورهم) هذا كنايه عن استيطان الشيطان لقلوب هولاء، فان الطير اذا باض و فرخ في مكان فقد اتخذه وطنا لنفسه و ماوي ياوي اليه (ودب) اي تحرك (و درج) اي مشي (في حجورهم) جمع حجر، و هو الحضن، فكما ان الطفل يدب و يدرج في حجر و الديه و يالف بهما الفه شديده كذلك هولاء بالنسبه الي الشيطان (فنظر) الشيطان (باعينهم) و هذا كنايه عن ان نظر هولاء الي المحارم و الشرور اذ نظر الشيطان اليهما، فقد اتحد بهم و امتزج معهم (و نطق بالسنتهم) فكلامهم كلام الشيطان. (فركب) الشيطان (ب) سبب (هم الزلل) جمع زله و هي العثره عن الحق و عدم رسوخ القدم فيه، اي ان الشيطان اوقفهم في مواقف الزله حتي زلوا و لم يثبتوا (و زين لهم الخطل) هو اقبح الخطاء، اي ان الشيطان حسن في نفوسهم الخطايا و الاثام القبيحه، ففعلوا (فعل من قد شركه الشيطان في سلطانه) اي ان الشيطان صار شريكا ل
هم في سلطتهم علي الامور، فما يفعلونه انما يفعلونه باشتراك مع الشيطان حصه له و حصه لهم (و نطق بالباطل، علي لسانه) فلسانهم يتكلم لكن بايحاء من الشيطان و القاء منه اليهم.

خطبه 008

[صفحه 88]
يعني به الزبير في حال اقتضت ذلك الكلام لقد كان المسلمون يقولون لطلحه و الزبير، كيف تنقضان بيعه الامام، و قد بايعتماه طوعا و رغبه بدون اكراه و لا اجبار؟ فكانا يجيبان بانهم انما بايعا بايديهما لا بقلوبهما و يزعمان ان هذا الجواب يبرر موقفهما العدائي من الامام عليه‌السلام و لذا قال الامام عليه‌السلام (يزعم) الزبير (انه بايع بيده و لم يبايع بقلبه) فكان في البيعه مكروها غير راضي (فقد اقر البيعه) اقرارا (و ادعي الوليجه) الدخيله في الامر، ادعائا، و المقر ماخوذ باقراره ما لم يثبت بحجه واضحه خلاف الاقرار (فليات) زبير (عليها) اي علي الوليجه التي ادعاها (بامر يعرف) اي بحجه واضحه معروفه (والا) فان لم يات بالحجه (فليدخل فيما خرج منه) من طاعتي و تسليم الامر الي، فان علي المدعي البينه، و ان لم يقمها كان اللازم، الكف عن ادعائه.

خطبه 009

[صفحه 89]
يصف اصحاب الجمل و انهم اصحاب قول لا اصحاب عمل (و قد ارعدوا و ابرقوا) شبههم عليه‌السلام بالسحاب الذي يرعد و يبرق، الماغا الي المطر فانهم كانوا يقولون و يسبون و يظهرون الشجاعه و البساله (و مع هذين الامرين) الارعاد و الابراق (الفشل) و عدم المحاربه الشديده، فقد اعتزل زبير الحرب و طلحه قتل بدون محاربه معلومه (و لسنا نرعد) بان نقول و نهرج (حتي نوقع) بالعدو و نوسع فيهم القتل و الضرب (و لا نسيل) بالكلام (حتي نمطر) اي نظهر العمل فاننا نجري الامور، لا الاقوال، و هذا هو الحائز بين العاملين و غيرهم- غالبا- فالعاملون يعملون بلا ان يقولا و القائلون لا يعملون، و انما مجرد قول و ثرثره.

خطبه 010

[صفحه 90]
و الغالب ان (الخطبه) تكون مع اعتماد في الاداء، و وقوف او صعود منبر او ما اشبه، و ابتداء بالحمد و الصلاه، بخلاف (الكلام) و هذا هو الذي جعل (السيد) يقول تاره (من خطبه) و اخري (من كلام) و الغالب ان (السيد) يبتر بعض الخطبه او بعض الكلام، مما يراه افصح من سائر جملها و لذا يقول (من..) بالتبعيض (الا) حرف تنبيه، اي ليتنبه السامع (و ان الشيطان قد جمع حزبه) المراد بالشيطان اما حقيقه او كنايه عن شخص و قد ذكروا انه عليه‌السلام خطبه بمناسبه حركه الطلحه و الزبير (و استجلب) اي طلب جلب (خيله و رجله) اي فرسانه و رجالته و هذا اشاره الي قوله تعالي (و اجلب عليهم بخيلك و رجلك) (و ان معي لبصيرتي) لم اتغير بل عرفاني بالامور كما كنت سابقا (ما لبست علي نفسي) التلبيس الاشتباه اي لم اسبب الاشتباه علي نفسي حتي لا ادري هل انا علي الحق ام لا، كما هو الشان في كثير من الناس حيث يقعون في المعارك يتشككون في امر انفسهم (و لا لبس علي) بان شكك لي مشكك فشككت (و ايم الله) اي قسما بالله، فان (ايم) بمعني القسم (لا فرطن) يقال افرطه اذا ملاه حتي فاض (لهم) اي لهولاء المخالفين لي (حوضا انا ماتحه) يقال متح الماء اذا نزح الماء، و المعني اني ا
هي لهم الجيش الجم الذي انا متوليه بحيث (لا يصدرون عنه) اي لا يخرجون عن الماء- كنايه عن انهم يقتلون فلا ينجون بسلامه- (و لا يعدون اليه) اذ لو ماتوا لا يتمكنون من الذهاب و الاياب.

خطبه 011

[صفحه 91]
(لابنه محمد بن الحنفيه لما اعطاه الرايه- اي العلم- يوم الجمل) و انما سمي ابن الحنفيه لان امه امرئه من بني حنفيه و انما قيل له ذلك ليميز عن اولاد فاطمه الزهراء صلوات الله عليهما، و كان شجاعا محبوبا عند الامام عليه‌السلام و اخوانه. (تزول الجبال و لا تزل) يعني يجب ان تكون من الصمود في مقابل الاعداء حتي انك لا تزحزح عنهم، و ان زالت الجبال عن مراكزها (عض علي ناجذك) النواجذ اقصي الاضراس، و اذا عض الانسان علي اسنانه اشتدته اعصاب راسه فكان اكثر عزيمه و اشد شكيمه (اعر الله) من (اعار يعير) اي ابذل بنحو العاريه لله (جمجمتك) اي راسك فانه سبحانه ياخذه هنا و يعطيك هناك، و معني هذا ان يتصمم للقتل (تد) من (وتد) اي اثبت الوتد في الجدار و نحوه (في الارض قدمك) اي اجعلها كالوتد، حتي اذا جائت كتيبه لا تنهزم، فان الوتد ثابت مهما كان الامر (ارم ببصرك اقصي القوم) اي انظر الي اخر معسكر الاعداء، حتي تجد في نفسك العزم علي مقاتله الجمع الكثير، فان الانسان كلما كان اعرف بكثره العدو كان اشد عزما و اقوي قلبا للتقدم و اكثر تقديرا للظروف (و غض بصرك) اي بعد ان نظرت الي اخر القوم ارم بصرك علي الارض لئلا يهولنك السيوف و الرماح المش
رعه نحوك، و هكذ الانسان ذو العزم الراسخ يقدر مقدار الاعداء ثم يشرع من الادني فالادني ناظرا امامه لئلا يضطرب قلبه اذا ابصر غير قدامه (و اعلم ان النصر من عندالله سبحانه) و اذا علم الانسان ذلك اشتد قلبه و ربط جاشه و تضاعف نشاطه و قدرته.

خطبه 012

[صفحه 93]
(لما اظفره الله باصحاب الجمل- بان غلب عليهم و انهزموا- و قد قال له بعض اصحابه وددت ان اخي فلانا كان شاهدنا- اي يري نصرنا عليهم- ليري ما نصرك الله به علي اعدائك؟) (فقال له عليه‌السلام: اهوي اخيك معنا)؟ اي هل ميله و رغبته معنا، و انه يحبنا و يكره اعدائنا؟ (فقال- الرجل- نعم- … ) (قال) - عليه‌السلام- (فقد شهدنا) اي حضرنا في الثواب فانه شريك معنا في الاجر لان الرجل مع من احب (و لقد شهدنا في عسكرنا) اي كان كالحاضر معنا في الثواب و الاجر (هذا) صفه (عسكرنا) (اقوام في اصلاب الرجال) جمع صلب و هو عظم الظهر موضع المني، كما قال سبحانه (يخرج من بين الصلب و الترائب) (و ارحام النساء) المراد بهم الاجنه الذين لم يخرجوا بعد من الرحم (سيرعف بهم الزمان) اي يخرجهم الزمان الي الوجود، و اصل الرعاف الدم الذي يخرج من الانف، فكان الزمان يرعف و رفاعه اولئك المشاركون معنا، لانهم يهوونا و يحبونا و هوائهم معنا (و يقوي بهم الايمان) لانهم ينصرون اميرالمومنين و اهل بيته بالقلم و اللسان و سائر و سائل النصر.

خطبه 013

[صفحه 94]
في ذم اهل البصره و ذلك بعد وقعه الجمل. (كنتم) يا اهالي البصره (جند المراه) يعني عائشه (و اتباع البهيمه) يعني الجمل، فانهم كانوا يتبعون الجمل حيث مال و ذهب و كان الجمل يسمي ب(عسكر) (رغا) الجمل: و هو صوته (فاجبتم) و قدكني عن صوت راكبه بصوته- بعلاقه الحال و المحل- (و عقر) اي قطعت ارجله و جرح (فهربتم) فلا ثبات لكم، و لا ادراك (اخلاقكم دقاق) جميع دقيق و هو الدني‌ء اذا الشي‌ء الدقيق لا يستقر علي حال، و لا يتحمل مختلف الاشياء (و عهدكم شقاق) فانهم عاهدوا الامام عليه‌السلام علي يد و اليه (عثمان بن حنيف) ثم خالفوا فكان عهدكم مخالفه و مشاقه (و دينكم نفاق) تظهرون هنا وجها و هناك وجها. (و ماوكم زعاق) اي مالح و الماء المالح يوثر في اخلاق الانسان حرافه و تغتا (و المقيم بين اظهركم) جمع ظهر، و المعني في وسطكم، فان ظهر الشي‌ء ما يظهر منه مقابل البطن المخفي من كل شي‌ء (مرتهن بذنبه) اي انه ملازم للذنب، اذ لابد و ان يكتسب من اخلاقهم و صفاتهم، فهو كالرهن الملازم للشحص مادام المال لم يود (و الشاخص عنكم) اي المسافر عن بلادهم الي غيرها (متدارك برحمه من ربه) قد ادركته الرحمه و لذا وفق للفرار منهم و من بلدهم (كاني بمسجدكم)
و هو مسجد كبير بين (البصره) الحاليه و (الزبير) ربما قدر بمائه الف (متر) (كجوجو سفينه) و هو صدرها الظاهر للابصار من بعيد. (قد بعث الله عليها) اي علي البصره (العذاب من فوقها) اي الطرف الاعلي منها (و من تحتها) اي من الطرف الاسفل منها، كما قال سبحانه (اذ جاوكم من فوقكم و من اسفل منكم) قالوا و قد غربت البصره مرتين في ايام (القادر بالله) و مره في ايام (القائم بامر الله) كما اخبر الامام عليه‌السلام (و غرق من في ضمنها) اي في داخل بصره. و في روايه: (و ايم الله) اي قسما بالله فان (ايم) بمعني القسم (لتغرقن بلدتكم) اي بصره (حتي كاني انظر الي مسجدها) الذي تقدم ذكره (كجوجوء سفينه) اي صدر السفينه (او نعامه جاثمه) اي واقعه علي وجه الارض، فان شرفات المسجد لعلوها لم يغمرها الماء بل بقيت ظاهره. و في روايه: (كجوجوء طير) اي صدره (في لجه بحر) اي في وسطه، فان الانسان يري الطير الرابض علي ماء البحر و الذي يملاء عين الانسان منه هو الصدر منه. و لعل الامام عليه‌السلام قال ذلك مكررا، فاختلف الروات حسب اختلاف كلام الامام عليه‌السلام، فان العاده قد جرت بان الانسان يذكر الخبر الطريف- تبشيرا و تحذيرا- مكررا في كل منلسبه، و الله العالم. و ف
ي روايه اخري: (بلادكم) يطلق البلاد علي البلد الواحد باعتبار المحلات (انتن بلاد الله تربه) و ذلك لكثره البخار المتصاعد من المياه الموجب للرطوبه و العفونه، بالاضافه الي ان قرب الارض من الماء يوجب عفونتها لاحتباس الا بخره فيها- كما ذكروا في كتاب الطب- (اقربها) اي اقرب البلاد (من الماء) لا نخفاض مستواها حتي انها قريبه من مستوي المياه الداخليه و سطح البحر (و ابعدها من السماء) اي من الرحمه، او المراد (السماء النقي) فان الارض كلما كانت ارفع انت اقرب الي الهواء النقي الذي لم تشبه الابخره و العفونات، و المراد ب(التفضيل) النسبي، لا الحقيقي كما لا يخفي (و بها) اي في بلادكم (تسعه اعشار الشر) هذا عدد يقال للمبالغه، لا للحصر الحقيقي، و المعني ان فيها شر كثير. (المحتبس فيها) اي الباقي- و قد شبه الامام عليه‌السلام بالمحبوس، لانها مثل الحبس في ردائتها- مرتهن (بذنبه) و حذف (مرتهن) لدلاله الكلام عليه (و الخارج) منها انما خرج (بعفو الله) فان بقائه هناك الموجب لتخلفه باخلاقهم معصيه تحتاج الي عفو الله سبحانه للخلاص منها، و من هذا يظهر ان قوله عليه‌السلام (المحتبس..) يراد به: بان الباقي، انما احتبس هناك بسبب ذنب صدر منه (كاني انظر
الي قريتكم هذه) و القريه تطلق في مقابل الصحراء، و ان كانت بلده كبيره، كما قال سبحانه (و ان من قريه الا خلا فيها نذير) (اخرجوهم من قريتكم) (قريتك التي اخرجتك) و كانها سميت قربه لانها (مقري) الضيف (قد طبقها الماء) اي شملها (حتي ما يري منها) اي من القريه (الا شرف المسجد) جمع شرفه و هي ما يبني في اعالي جدار المسجد للزينه (كانه جوجوء طير في لجه بحر) قد سبق تفسير الجملتين.

خطبه 014

[صفحه 98]
قاله عليه‌السلام (في مثل ذلك) لذم اهل البصره (ارضكم) يا اهالي البصره (قريبه من الماء) لا نخفاض مستواها (بعيده من السماء) اي الرحمه او الهواء النقي (خفت عقولكم) تشبيه للعقل بالشي‌ء الخفيف الذي يحركه هبوب الرياح، في مقابل العقول الرزينه التي لا تتحرك بادني حركه و اقل اضطراب و عاصفه (و سفهت حلومكم) اي انكم سفهاء لاكمال لعقولكم (فانتم غرض لنابل) القرض هو الشي‌ء الذي ينصب ليرمي بالسهام، و النابل الضارب بالنبل و هو السهوم، فانهم صاروا غرضا لطلحه و الزبير و عائشه (و اكله لاكل) يعني انكم لا حصانه لكم، حتي ان كل احد يطمع في اكلكم كلقمه سائغه (و فريسه لصائل) اي من صال من السباع و الفريسه هو الحيران الصغير الضعيف الذي يفترسه السباع و صال بمعني هاجم و وثب بقوه.

خطبه 015

[صفحه 99]
فيما رده علي المسلمين من قطائع عثمان فان عثمان كان قد اعطي بعض اراضي المسلمين لا قربائه و من اليهم فلما جاء الامام عليه‌السلام الي الحكم قطع ايدي اولئك الذين استولوا عليها بامر عثمان، و ردها للمسلمين كما كانت لهم. (و الله لو وجدته) اي وجدت المال الذي اقطعه عثمان (قد تزوج به النساء) بان جعله المعطي له مهراو تزوج به امرئه (و ملك به الاماء) بان اشتري به امه (لرددته) فابطلت كونه مهرا و كونه ثمنا لاشتراء الامه، و النكاح لا يمنعني من ابقاء المال المغتصب علي غصبيته، و هذا بيان ان استحلال الفرج بهذا المال لا يلزم الاغتصاب فكيف بسائر التصرفات؟ (فان في العدل سعه) اذ العدل يسع الكل، و لا يوجب التخصيص ببعض دون بعض- كما في الظلم- (و من ضاق عليه العدل فالجور عليه اضيق) فان الانسان انما يفر من العدل خوف ان لا يرضي به اهل المطامع و المطامح، فاذا جار هذا الانسان ارضاء لرغبه اولئك كان الناقون عليه اكثر، و يكون هو في ضيق اشد، كما ان عثمان لما ارضي خاصته ضاق عليه الامر حتي قتل.

خطبه 016

[صفحه 100]
(لما بويع في المدينه) بعد مقتل عثمان (ذمتي بما اقول رهينه) الذمه هي النفس الملتزمه بشي‌ء، اي ان نفسي مرتهنه يصحه ما اقول، فكما ان الرهينه لا تفك الا باعطاء المال المقابل لها، كذلك الذمه لا تفك- و لا يظهر صدق القائل و صحه دعواه- الا بمطابقه كلامه للواقع (و انابه) اي بما اقول (زعيم) اي كفيل بصدق ما اقول- و الجملتان بمنزله الحلف- و متعلق الحلف قوله (ان من صرحت له العبر) جمع عبره، و هي الموعظه التي تقع في الناس فيعتبر بها غيرهم، و معني تصريح العبره دلالتها علي النتيجه (عما بين يديه من المثلات) بمعني العقوبات. اي ان العبر تكشف عن العقوبات التي تقدمت، و معني بين يديه، ما تقدم علي زمانه، كانه امامه، و يعبر عن الاثام ب(بين اليدين) لامتداد الفضاء من ذلك الي بين يدي الانسان. (حجزته التقوي) اي منعته تقواه- و اتقائه عن العذاب- (عن تقحم الشبهات) الشبهه هي ما يشتبه حاله، فلا يدري احل هو ام محرم، و التقحم الدخول بلا رويه، اي ان العبرادت الي ان لا يقتحم هذا الشخص في الشبهه، خوفا من نزول العقاب عليه، فان الشبهه مظنه الخطيئه (الا) فليتنبه السامع (و ان بليتكم) اي ابتلائكم و اختباركم (قد عادت كهيئتها يوم بعث الله
نبيكم صلي الله عليه و آله و سلم) فكما بعث النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) كان موجبا للامتحان العظيم ليظهر المومن و الكافر و المنافق، كذلك اخذ الامام بالزمام اوجب امتحان الناس، و ان ايهم يتبع الحق و ايهم يتبع الباطل. (و الذي) اي قسما بالله الذي (بعثه) اي ارسل الرسول (بالحق) اي ارسالا بالحق، فلم يكن الارسال بالباطل، كارسال الجبابره جلاوزتهم للجور و الطغيان (لتبلبلن بلبله) يقال بلبلت الالسن بمعني اختلطلت اي يخلط بعضكم ببعض، فان الاحداث تخلط الناس اعاليهم بادانيهم، و ادانيهم باعاليهم، او المراد البلبله في الكلام. (و لتغر بلن غربله) هي نخل الدقيق في الغربال، كانهم في الاحداث الاتيه ينخلون فيبقي القوي الايمان، و يسقط الضعيف الايمان، و ان كان الظاهر استوائهما او العكس، قبل الاحداث، فان الاحداث تظهر جواهر الرجال (و لتساطن سوط القدر) السوط تحريك ما في القدر باله و نحوها، يعني تكونون هكذا، (حتي يعود اسفلكم) جاها و رتبه و دينا (اعلاكم) لما فيه من الجوهر الكامن الذي يرتفع عند الاحداث (و اعلاكم اسفلكم) لما فيه من الضعف الموجب لسقوطه من الفتن، كما قال سبحانه (الا في الفتنه سقطوا) تشبيه للسقوط المعنوي بالسقوط الحسي (و ليس
بقن) الي الجهاد و الخير و الفضيله (سابقون) اليها (كانوا) في السابق (قصروا) فلم يبلغوا المقادر الممكن لهم (و ليقصرن سباقون كانوا سبقوا) اي كان اناس في زمن الرسول صلي الله عليه و آله و سلم و هما بعده سباقون الي الفضيله و الجهاد، و في هذا الدور يقصرون في العمل، كالزبير الذين كان من السابقين في نصره الرسول و الامام ثم صار من اعدائه فاورد نفسه النار بذلك. (و الله ما كتمت و شمه) هي الكلمه، اي لم اكتم شيئا من الحق، بل اظهرت الحق كما هو فقد كان عليه الصلاه و السلام هاديا الي الحق امارا بالمعروف نهائا عن المنكر (و لا كذبت كذبه) واحده ابدا، فقد كان عليه‌السلام صريحا غير مجامل في الحق و لا مداهن في العدل (و لقد نبئت) اي اخبرت، و المخبر له هو الرسول صلي الله عليه و آله و سلم (بهذا المقام) الذي اقوم لبيعتكم (و هذا اليوم) الذي تبايعونني فيه، و كان الامام عليه‌السلام اراد بهذا قطع السبيل علي الذين يريدون منه المواربه و المداجات كما اعتادوه عمن سلفه، ثم بين عليه‌السلام ان المخالف له انما يعصي الله سبحانه، فاللازم ان ياخذ بزمام نفسه لئلا يقع في الخطاء (الا) فليتنبه السامع (و ان الخطايا) جمع خطيئه و هي المعصيه سميت بها، لان ا
لانسان ياتي بها غلطا، و الا فالعاقل لا يعفل ما يضره. (خيل شمس) جمع شموس، و هي الفرس التي تمنع ظهرها عن الركوب، و تقتحم في المهالك (حمل عليها) اي علي تلك الخيل- و هو اسم جنس- (اهلها) اي اهل الخطايا و الذنوب، تشبيه للمذنب براكب الفرس الشموس التي لا يامن الانسان منها و (خلعت لجمها) اي افلتت من يد الراكب لجامها الحافظ لها عن تقحم المهالك (فتقحمت بهم في النار) اي ادخلتهم فيها (الا و ان التقوي مطايا) المراد ب(التقوي) الجنس و لذا وصف بالجمع بقوله (مطايا) جمع (مطيه) و هي المركوب، كما قالوا (اهلك الناس الدرهم البيض و الدينار الصفر) (ذلل) جمع ذليل، فان التقوي تمنع الانسان عن المهالك، بعكس الخطايا فانها توردها في المهالك، و لذا شبهت الخطايا ب(الشمس) و التقوي، ب(الذلل). (حمل عليها) اي علي تلك المطايا (اهلها) اي اهل التقوي (و اعطوا ازمتها) جمع زمام، فان الانسان الذي اعطي زمام الخيل حفظها عن السرعه و الحركه غير المرغوبه، و هكذا التقوي كالمطيه التي بيد الانسان زمامها (فاوردتهم الجنه) في سير مريح، و هذا تحريض علي اجتناب المعاصي و الاثام و التزام التقوي في الامور (حق و باطل) فان الله سبحانه حيث جعل الدنيا دار الختبار اسلس قي
اد كل من الحق و الباطل ليختبر فيها الناس كما قال سبحانه (انا هديناه السبيل اما شاكرا و اما كفورا) (و لكل اهل) فبعض يختار الحق و بعض يختار الباطل (فلئن امر الباطل) اي تسنم مقام القياده و الامر و النهي (لقديما فعل) اي فعل الباطل قديما ذلك حيث كان الباطل من قديم الزمان ياخد بزمام الامر و النهي (و لئن قل الحق) اي اتباعه (فلربما) يغلب الباطل مع قلته (و لعل) ياتي يوم يغلب الحق الباطل، كما قال سبحانه (كم من فئه قليله غلبت فئه كثيره باذن الله) (و لقلما ادبر شي‌ء فاقبل) هذا استبعاد منه عليه‌السلام ان يعود الحق الي نصابه كما كان فان الشي‌ء اذا ادبر كان بسبب ذهاب مقوماته، و مع ذهاب المقومات لا يعود كما كان، و كان هذا اشاره الي ما وقع فعلا من عدم رجوع الناس الي سنه الرسول صلي الله عليه و آله و سلم اقول: ان في هذا الكلام الادني من مواقع الاحسان ما لا تبلغه مواقع الاستحسان و ان حظ العجب منه اكثر من حظ العجب به و فيه مع الحال التي و صفنا زوائد من الفضاحه لا يقوم بها لسان و لا يتطلع فجها انسان و لا يعرف ما اقول الا من ضرب في هذه الصناعه بحق و جري فيها علي عرق و ما يعقلها الا العالمون
[صفحه 105]
اي من جمله هذه الخطبه تقسيم الناس الي ثلاثه اقسام (شغل من الجنه و النار امامه) اي ان الانسان الذي يعلم بان امامه احد الامرين: الجنه و النار، يشتغل بذلك عن غيره، فانه لا بدو ان يعمل ليل نهار لتحصيل الجنه و الابتعاد عن النار، و شغل، مبني للمفعول، و نائب الفاعل له (من) و الجمله اما اخباريه، او انشائيه بمعني ان اللازم ان يعمل الانسان دائم الاوقات للاخره، لان امامه اما جنه و اما نار فلا مجال له للاشتغال بامور الدنيا. ثم اخذ الامام عليه‌السلام يقسم الناس الي ثلاثه طوائف (ساع سريع نجا) اي اسرع في السير الي رضوان الله سبحانه نجا بنفسه و فاز بالجنه، و اصل (ساع) (ساعي) و حيث كانت الضمه ثقيله علي الياء حذفت، فالتقي الساكنان فحذف الياء لدلاله الكسره عليها، و اتصلت التنوين بالعين فصار (ساع) (و طالب) لرضوان الله و جناته (بطي‌ء) في سيره فمره يعمل بالخير و مره بالشر (رجا) اي رجا الثواب و الجنان (و مقصر) في العمل (في النار هوي) اي سقط لانه لم يعمل بالواجب و لم يترك المحرم (اليمين و الشمال مضله) اي ان ما زاغ عن جاده الشريعه نحو الافراط و التفريط، ضلال و انحراف عن الحق كالطرفين في الطريق اذا سلكهما الانسان ضل و حا
د عن الجاده الموصله (و الطريق الوسطي) صفه الطريق، لانها مونث ساعي (هي الجاده) الموصله الي الهدف. (عليها) اي علي الجاده (باقي الكتاب و آثار النبوه) اي الكتاب الباقي، و اثر الانبياء، فكان الكتاب و آثار النبوه سارا علي ذلك فمن سار في الجاده كان تابعا لهما (و منها) اي من الطريق الوسطي (منذ السنه) اي ان سنه الرسول صلي الله عليه و آله و سلم تنفذ و تسير من الجاده و تصل للهدف، فالسائر في الجاده سائر علي منهاج السنه (و اليها) اي الي الجاده (مصير العاقبه) اي ان العاقبه المحموده للانسان تصير الي الجاده، اما من كانت عاقبته سيئه فانه يخالف الجاده حتي يصل الي تلك العاقبه السيئه (هلك من ادعي) انه علي الحق و هو يسير في اليمين و الشمال (و خاب) اي خسر (من افتري) و كذب بنسبه اليمين و الشمال، الي الله سبحانه، كاهل الاهواء الباطله الذين ينسبون اعمالهم المنحرفه الي الله سبحانه و رسوله صلي الله عليه و آله و سلم. (من ابدي) اي اظهر (صفحته) اي صفحه وجهه (للحق) اي من بارز الحق صريحا، فان العدو يبدي صفحه وجهه لعدوه (هلك) لان الحق يحطمه و يهلكه (و كفي بالمرء جهلا ان لا يعرف قدره) فان الانسان له قابليه ان يسير في مراقي السعاده حتي يكون ا
عظم السعداء في الدنيا و عظيم الحظ في الاخره، و هذا هو قدر الانسان، فاذا لم يعرف الانسان قدر نفسه ضاعها او الحق بها الشقاوه في الدنيا و الاخره، و اي جهل اعظم من هذا الجهل الموجب لخساره الدنيا و الاخره (لا يهلك علي التقوي سنخ اصل) السنخ النبت، اي ان اصل نبات الانسان لا يهلك اذا كان مقترنا بالتقوي، كما لا يفسد اصل نبات الاشجار اذا و فرت له الارض الصالحه و الماء و الهواء و الضياء (و لا يظماء عليها) اي لا يعطش اذا كان مقترنا بالتقوي (زرع قوم) فالاعمال الخيريه اذا كانت بدون تقوي صاحبها عطشت عطشا يوجب فسادها، فان الله انما يتقبل من المتقين، اما اذا كانت مقترنه بالتقوي لم تعطش بل بقيت ريانه غير فاسده و لا ذابله. (فاستتروا ببيوتكم) اي الزموا البيوت، و لا تعرضوا انفسكم لمقابله الحق، كما هو العاده في ايام الاضطراب و الفوضي، من ان ضعفاء الايمان يسيطر عليهم قاده الباطل، فيبدن صفحتهم للحق و في ذلك هلاكهم (و اصلحوا ذات بينكم) فكان الصله شي‌ء بين الطرفين، اذ صارت بينهما منافره، فسدت، و اصلاحها ارجاعها الي نصابها الصالح الموجب للسعاده و الالفه (و التوبه من ورائكم) تتمكنون من الاتصال بها، كما ان من وراء الانسان يتمكن الافساد
من الاتصال به، و هذا كنايه عن عدم فوت محل التوبه (و لا يحمد حامد الاربه) اذ جميع النعم منه تعالي، و المراد ان اصل الحمد مربوط به، و ان كان اللازم ان يشكر الانسان وسائط النعم كما قال سبحانه (ان اشكر لي و لوالديك) (و لا يلم) من لام يلوم (لائم الا نفسه) و المراد لزوم اشتغال كل انسان بعيوب نفسه عن عيوب الاخرين، و قد اجاد الشاعر في قوله: لسانك لا تبدي به سوئه امرء فكلك سوات و للناس السن و عينك ان اهدت اليك معائبا من الناس قل يا عين للناس اعين

خطبه 017

[صفحه 108]
(في صفه من يتصدي للحكم بين الامه و ليس لذلك باهل) (ان ابغض الخلائق) جمع خليفه، و لعل التانيث باعتبار كونها صفه للنفس (الي الله) و الاتيان ب(الي) لان السوء الموجب للبغض و العداوه - عند الله سبحانه - يبتد من الانسان، و ينتهي اليه سبحانه، كما قال تعالي: (اليه يصعد الكلم الطيب) (رجلان) اي صنفان من الرجال. (رجل و كله الله الي نفسه) فان الانسان اذا راي الهدي فلم يتبعه تركه سبحانه و شانه و لا يلطف به الالطاف الخفيه الموجبه لعونه و مدده، كما ان الاب اذا اعرض ولده عن اطاعته، تركه و شانه، لا يابه به، و لا يعتني بامره، و كان المراد بهذا الصنف الحكام، الجائرون، و المراد بالصنف الثاني العلماء الضالون المضلون. (فهو جائر) اي مائل (عن قصد السبيل) اي وسط الطريق الموصل الي الهدف (مشغوف بكلام بدعه) اي مولع به، قد بلغ حبه شغاف قلبه، و هو غلافه، كما قال سبحانه (قد شغفها حبا) (و دعاء ضلاله) فهو يتكلم بما هو بدع - اي جديد - في الدين و يدعوا الناس الي الضلاله، كمعاويه مثلا الذي كان يتكلم بما ابدع لا بما سنه الرسول صلي الله عليه و آله و سلم، و يدعوا الناس الي نفسه و ضلالاته، لا الي الحق و اهله (فهو قتنه) اي موجب لامتحا
ن (من افتتن به) و تعلق باعماله و اقواله، و الفتنه هي ما توجب تحريف الانسان عن جاده الهدي الي الضلاله (ضال عن هدي من كان قبله) اي قد ضل الطريق فلم يسر علي طريق من قبله من الصالحين (مضل لمن اقتدي به) و اتبعه (في حياته و بعد وفاته) فان من يرسم طريق الضلاله يوجب اضلال الناس سواء كان المضل حيا ام ميتا (حمال خطايا غيره) اي انه كثير الحمل لخطايا الذين اتبعوه، فان من سن سنه سيئه كان له وزرها و وزر من عمل بها الي يوم القيامه (رهن بخطيئته) اي انه مرتهن بعصيانه معاقب عليه، و ليس مطلقا ليرتقي في مراقي السعاده و الكمال. (و رجل) و هو الصنف الثاني، و هم العلماء الضالون المضلون، فان هاتين الطائفتين هما الحكام علي الابدان و العقائد و لذا قال الرسول صلي الله عليه و آله و سلم (طائفتان في امتي اذا صلحتا صلحت امتي و اذا افسدتا فسدت امتي: العلماء و الامراء) و ذلك لان الناس تابعون لمجري حياتهم و مجري تعليمهم - لان الاول يومن ابدانهم و الثاني عقائدهم - فاذا فسد احدهما فسد الناس و اذا صلح صلح الناس (قمش) اي جمع- و اصل القمش جمع التفرق - (جهلا) فمثلا قال بعدم عداله الله كما يقول الاشعري و لعدم حشر الاجساد كما يقول الفلاسفه غير المتاله
ين، و هكذا فما جمعه انما هو جهل، لا علم (موضع في جهال الامه) (موضع) اسم فاعل من اوضع بمعني اسرع، كما قال سبحانه (لا وضعوا خلالكم) اي مسرع بالافساد في جهال الناس، فانهم هم الذين يفسدون بفساده. (عاد) من (عدايعدو) بمعني اسرع، اي مسرع (في اغباش الفتنه) جمع (غبش) بالتحريك، بمعني الظلمه، اي انه يسرع في ظلمات الفتن، بخلاف العاقل فانه لا يذهب في الفتنه بل يتنحي عنها لئلاتصيبه بظلماتها و اثامها (عم) صفه مشتقه من (العمي) (بما في عقد الهدنه) فالهدنه و المسالمه بين الناس- التي يعقدها العقلاء- ذات منافع جمه و مثل هذا الشخص جاهل بما فيه من المصالح، و لذا يسعي للاضطراب و الفتن، و هذه حقيقه يشاهدها الانسان في الظروف الامنه، فان امثال اولئك الجهال يسعون لتحطيمها بظن ان التحطيم يحسن الحال غافلين عن ان الهدنه و المسالمه لا تعقدان الا بشق الانفس و بصعوبات جمه، و انها اذا هدمت ساد الفوضي و الاضطراب. (قد سماه اشتباه الناس) الذين هم في صوره الناس، و ليس لهم حقيقه الانسانيه لعدم انطوائهم علي العلوم و المعارف و لا يميزون بين الصالح و الطالح و الصحيح و الفاسد (عالما و) الحال انه (ليس به) اي ليس بعالم و انما جاهل في صوره عالم (بكر) اي
اصبح (فاستكثر من جمع ما قل منه خير مما كثر) فان مثل هذا العالم شكلا، ياتي كل صباح ليحفظ و يتلقي دروسا من الاضاليل و الاباطيل (حتي اذا ارتوي) اي امتلاء كالعطشان الذي يرتوي من الماء (من آجن) هو الماء المتعفن المتغير طعمه و لونه (و اكتنز) اي جمع في نفسه ما عده كنزا من العلوم (من غير طائل) اي بدون فائده لانه شي‌ء خسيس حقير، فقد جمع اقوالا فارغه و ادله و هميه، و احاديث موضوعه و ما اشبه ذلك (جلس بين الناس قاضيا) ليقضي بينهم في امور الحلال و الحرام و الدعاوي و المرافعات. (ضامنا لتخليص ما التبس علي غيره) فان الذي يجلس مجلس القضاء و الافتاء كان اظهار الضمان ذلك، و معني (تخليص ما التبس) انه يظهر الحق، و يخلصه من بين الشتبهات و المحتملات (فان نزلت به احدي المبهمات) اي جائته احدي القضايا المبهمه المشكله (هيالها) اي لحل تلك المبهمه (حشوا) اي كلاما زائدا فارغا، فان الحشو هو الزائد الذي لا فائده فيه (رثا) اي باليا، ضد الجديد (من رايه) كما هو العاده في الجهال انهم يهيئون كلاما كثيرا في المشكلات للحفظ علي كيانهم امام الناس (ثم قطع به) اي بذلك المهيي‌ء البالي، و جعله المطلب المقطوع به المصاب لكبد الحقيقه (فهو) اي هذا الشخص (م
ن لبس الشبهات) و الشك و الالتباس فيها (في مثل نسج العنكبوت) و هو بيتها، يعني انه شاك في نفسه لا يعلم ان حكمه صحيح او باطل. (لا يدري اصاب ام اخطاء) لانه يعلم ان ادلته و اهيه و انه لمقها تلفيقا (فان اصاب) الواقع في حقيقه الامر (خاف ان يكون قد اخطاء) لانه لا يعلم الصواب و الخطاء عن دليل و مستند (و ان اخطاء) في الواقع (رجا) في نفسه (ان يكون قد اصاب) و هذا تمثيل بليغ لحال الجهلاء المتعرضين للفتوي و القضاء (جاهل) بنفسه و ان تزي‌ء بزي اهل العلم و القضات (خباط جهالات) يقال (خبط) اي سار في الليل علي غير هدي، اي انه يسير في الجهالات بدون دليل و مرشد (عاش) هو الذي ضعف بصره حتي لا يميز بين الامور و انما يري الاشباح (ركاب عشوات) جمع (عشوه) مثله الاول، و هي ركوب الامر علي غير هدي، اي انه يركب الامور و يفتي بها بدون هدايه و دليل (لم يعض علي العلم بضرس قاطع) فان الانسان اذا اراد اختيار (عود) انه لين او صعب، عن عليه فيعرف حقيقته، و الجازم في الامور العلم بها كذلك بخلاف الجاهل الذي لا يدري حقيقه الاشياء اذ لا يقدر علي العض الكامل الشديد ليختبر الامور. (يذري الروايات) اي يطرحها (اذ راء الريح الهشيم) الهشيم ما يبس من النبت و تف
تت اي كما ان الريح تنشر و تفرق الهشيم كذلك هذا الجاهل يطرح ما روي عن الرسول صلي الله عليه و آله و سلم لانه يعتمد علي رايه لا علي الروايات (لا ملي) الملي هو الذي يحسن القضاء و يجيده و هذا الناصب نفسه للقضاء ليس مجيدا (- و الله- باصدار ما ورد عليه) اي بان يحكم في القضيه بما هو الحق، حتي تصدر القضيه عنه و قد بلغت نصابه من الحق و اعطيت حقها من الفصل و الحكم (و لا هو اهل لما فوض اليه) اي للقضاء الذي فوضه الخليفه اليه، فقد كان القضات في زمان من تقدم علي الامام كذلك فانهم بمجرد ان تعلموا بعض روايات الرسول صلي الله عليه و آله و سلم او صحبوه اياما قلائل كانوا يعينون قضاه بلا علم و معرفه (لا يحسب العلم في شي‌ء مما انكره) اي انه اذا لم يعرف شيئا يزعم انه ليس بعلم، و ان العلم منحصر فيما عرفه و هكذا شان الجهال دائما يظنون ان ما لديهم هو العلم، فقط، دون مالدي سواهم. (و لا يري ان من وراء ما بلغ مذهبا لغيره) و فيزعم ان المذهب الحق هو ما ذهب اليه، فكل ما ذهب اليه غيره مما وراء رايه لا قيمه له و لا ثمن له بنظره (و ان اظلم امر اكتتم به) (اظلم امر) بمعني انه جهله حتي كان الامر في ظلمه فلا يري، يعني انه اذا لم يعرف شيئا كتمه و س
تره، كما هو شان الجهال ذوي الاتفه، بخلاف العلماء الراسخين الذين يبحثون و يسئلون عما لا يعلمونه، و لذا قالوا (اذا رايتم العالم يكثر من قوله لا ادري فاقتربوا اليه، فانه عالم، متقي) (لما يعلم من جهل نفسه) فانه يظن ان لو اظهر جهله بعدم اطلاعه علي المساله الفلانيه تبدل راي الناس في كونه عالما فان الانسان الفارغ يخاف ان يظهر للناس امره بخلاف العالم فانه و زين بما لديه و لذا لا يخشي. (تصرخ من جور قضائه الدماء) يعني ان الدماء التي يريقها في الحدود و الديات التي حكم فيها بغير حق تصرخ الي الله سبحانه للانتقام منه، و هذا كنايه عن بطلان احكامه في الدماء (و تعج منه المواريث) العجيج رفع الصوت، اي ان المواريث التي يحكم فيها بغير ما انزل الله ترفع صوتها شاكيه الي الله سبحانه، بانه جار فيها و اعطاها غير اهلها، و حرم اهلها، و حرم اهلها، و المواريث جمع ميراث (الي الله اشكوا من معشر) اي جماعه، و تسمي الجماعه معشرا، لمعاشره بعضهم لبعض (يعيشون جهالا) اي جاهلين بالاحكام و السنه (و يموتون ضلالا) جمع ضال، اي انهم ضالون الي حين المماه لا يهتدون الي السبيل حتي يموتو ابتلك الحاله (ليس فيهم سلعه) اي متاع (ابور) اي اكثر كسادا، من (بارت ال
سلعه، اذ كسدت) (من الكتاب اذ تلي حق تلاوته) اي عمل به كما ينبغي العمل به، و انما جي‌ء بلفظ (التلاوه) لانها طريق الي العمل. (و لا سلعه انفق بيعا و لا اغلي ثمنا من الكتاب) اي القرآن الكريم (اذا حرف عن مواضعه) اي فسر بغير معناه، و لذا يري الانسان كل ذي مبدء باطل ياخذ بايه يفسرها كما يشاء ثم هي عنده افضل شي‌ء، و اذا فسرت كما هو ظاهره كانت بائره يهرب صاحب ذلك المبد منها (و لا عندهم انكر) اي اكثر انكارا (من المعروف) فانهم ينكرون المعروف لانه يصادم مصالحهم (و لا اعرف من المنكر) لانه يوافق ماربهم و امورهم.

خطبه 018

[صفحه 114]
(في ذم اختلاف العلماء في الفتيا) فلقد كان اصحاب الرسول صلي الله عليه و آله و سلم - غالبا - يعملون بارائهم في الامور لقله ماحفظوه من الروايات، و اذا قيل للخليفه بذلك صوت ارائهم جميعا لانه هو الاخر …، يعمل بالراي و يوصي قضائه و ولاته بالعمل بالراي. (ترد علي احدهم) اي علي احد القضات او العلماء (القضيه في حكم من الاحكام) الشرعيه سواء كانت مرتبطه بالقضاء او بيغر القضاء (فيحكم فيها) اي في تلك القضيه (برايه) و حسب فكرته غير المستقات من الكتاب و السنه (ثم ترد تلك القضيه بعينها) لتاكيد كون القضيه الثانيه مثل القضيه الاولي في جميع الجهات (علي غيره) اي غير ذلك القاضي الاول (فيحكم فيها) اي في تلك القضيه (بخلافه) اي بخلاف حكم القاضي الاول (ثم يجتمع القضات بذلك) الحكم، في تلك القضيه (عند الامام الذي استقضاهم) اي طلب منهم ان يكونوا قضاه (فيصوب ارائهم جميعا) فانه يحكم بان كل اولئك مع اختلافهم، علي صواب و سداد، و هذا هو الفرق بيننا نحن- الشيعه- و بين السنه، فان نقول بان حكم الله واحد، و ان من اصابه فقد اصاب الحق، و من لم يصبه فقد اخطاء، لكنه معذور اذا لم يقصر في المقدمات بخلاف السنه القائلين بان المجتهدين المت
خلفين علي صواب كلهم، و ان تناقضوا في الاراء و الفتاوي. ثم يتعجب الامام من انه كيف يمكن ان تكون آرائهم جميعا علي صواب (و الههم واحد) الواو للحال (و نبيهم واحد) هو الرسول صلي الله عليه و آله و سلم (و كتابهم واحد) هو القرآن، فلو كان هذه الثلاثه متعددا امكن الاختلاف، لكن مع الوحده لا يمكن الاختلاف (افامرهم الله- سبحانه- بالاختلاف) اي اختلاف بعضهم مع بعض (فاطاعوه)؟ هذا استفهام انكاري فان الله لم يامر الا بالتحاد و الائتلاف لا بالاختلاف و التعدد في الفتيا (ام نهاهم عنه فعصوه)؟ و لم هذا العصيان بعد النهي؟ قال سبحانه (و لا تكونوا كالذين اختلفوا من بعد ما جائهم العلم) (ام انزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم) اي بهولاء القضات (علي اتمامه)؟ بان يقولوا من عند انفسهم، و لذا استغنوا عن الكتاب و السنه باجتهاد آرائهم، و معلوم ان الراي يختلف باختلاف اصحاب الراي. (ام كانوا) هولاء القضات (شركاء له) اي لله سبحانه (فلهم ان يقولوا) ما شائوا (و عليه) تعالي (ان يرضي)؟ كما هو حال الشريك مع شريكه اذ كل واحد لابد و ان ينفذ آراء شريكه، و الا انفسخت الشركه بينهما (ام انزل الله سبحانه دنيا تاما فقصر الرسول صلي الله عليه و آله و سلم عن تبليغ
ه) للناس (و ادائه) اي اعطاء ذلك الدين (اليهم) اي الي الناس؟ و لذا فما وصل بيد الناس دين ناقص يحتاج الي الاتمام، و اداء القضات بمنزله المتمم له، و لكن هذا خلاف القرآن الحكيم (و الله سبحانه يقول) ما يرد هذا الزعم (ما فرطنا في الكتاب من شي‌ء) اي ما قصرنا في القرآن من امر يحتاج اليه الناس، فان الكتاب قد بين الخطوط العامه لما يحتاج اليه الناس في امور دينهم و دنياهم، و قد شرح الرسول صلي الله عليه و آله و سلم بما كفي الامه، كما قال صلي الله عليه و آله و سلم (ما من شي‌ء يقربكم الي الجنه و يبعدكم من النار الا و قد امرتكم به و ما من شي‌ء يقربكم الي النار و يبعدكم عن الجنه الا و قد نهيتكم عنه). و قال تعالي (فيه) اي في القرآن (تبيان كلشي‌ء) اي بيان كل ما يحتاج الناس من الخطوط العامه لامور دينهم و دنياهم، فاصول التوحيد و العدل و المعاد و الرساله، و العبادات و المعاملات و الفضائل و ما اشبه موجوده في القرآن الحكيم (و) لا تناقض في القرآن تي يقول كل صاحب راي انا اخذت بطرف منه و جانب مما بين فيه و يكون كذلك منشاء الاختلاف فقد (ذكر) سبحانه (ان الكتاب يصدق بعضه بعضا) لا انه يناقض بعضه بعضا (و انه لا اختلاف فيه) اي في الكتاب (فق
ال سبحانه) بهذا الصدد (و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) فان اعظم المنكرين لا يمكن ان يولف كتابا في ظرف ثلاث و عشرين سنه، و يطرء عليه مختلف الاحوال و الاطوار العجيبه، و مع ذلك ياتي بالكتاب الذي الفه في اسلوب واحد و نسق واحد بلا اختلاف و تناقض و تهافت. و قد زعم من لا خبره له و لا معرفه له بالتفسير، ان هذا التحدي منظور فيه، اذ نري كثيرا من الكتب لا اختلاف فيها؟ و هذا زعم الجاهل، فان الايه تقول: (لو كان القرآن) - و المراد بظروفه و ملابساته- لا ان المراد كل كتاب و لو ذو عشرين صفحه و الفه انسان في نصف يوم … اذا فالقرآن لا نقص فيه- كما ذكر ذلك في الايه الاولي- و قد اوضح كلشي‌ء توضيحا- كما ذكر ذلك في الايه الثانيه- و لا يخالف بعضه بعضا- كما ذكر ذلك في الايه الثالثه- و ما هذا شانه لا يمكن ان يسند الخلاف اليه، و مع ذلك كله فالقرآن ذو روعه خاصه و روح عجيبه اخاذه (و ان القرآن ظاهره انيق) حسن معجب بانواع البلاغه و البيان و الاسلوب الحسن و الانسجام المدهش، يقال آنقني الشي‌ء اي اعجبني (و باطنه عميق) فلا يدرك اسراره الا الراسخون في العلم، كالبحر الذي لا يدرك ما فيه الا الغواص الماهر. (لا تنفي عجائبه و لا ت
نقضي غرائبه) فقد اضفي الله سبحانه عليه حاله جده بحيث كلما طالعه الانسان و تلاه رآه عجيبا مدهشا (و لا تكشف الظلمات) اي ظلمات المناهج في الحيات (الابه) اي بالقرآن فانه هو الذي يقرر برامج الحيات السعيده التي تنجي الانسان من ظلمات العقائد، و العادات و الاخلاق و الاعمال و ما الي ذلك، فان الانسان بدون القرآن في ظلمه الجهل لا يرف الطريق الي العقائد الحقه، و الاعمال الحسنه، و الفضائل، و الاحكام الصحيحه، و اذا كان معه القرآن اهتدي الي كل ذلك و تبدد الظلام بنور القرآن الحكيم، فان قلت كيف اختلف العلماء عندنا، في بعض الاحكام … ؟ قلت ذلك اختلاف في فهم الكتاب و السنه لا اختلاف في الاداء، بدون استناد الي كتاب و سنه، بالاضافه الي ضياع كثير من السنه عندنا و لو وصلت الينا السنه كما كانت في زمان الامام، او في زمان اولاده الطاهرين لم يكن اختلاف.

خطبه 019

[صفحه 119]
(قاله للاشعث بن قيس، و هو علي منبر الكوفه يخطب، فمضي في بعض كلامه شي‌ء، اعترضه الاشعث، فقال يا اميرالمومنين: هذه عليك لا لك، فخفض عليه‌السلام اليه بصره، ثم قال عليه‌السلام) قالوا: كان اميرالمومين عليه‌السلام يتكلم في امر الحكمين، فقام رجل من اصحابه، و قال نهيتنا عن الحكومه ثم امرتنا بها، فلم ندر اي الامرين ارشد؟ فصفق عليه‌السلام باحدي يديه علي الاخري و قال هذا جزاء من ترك العقده، و اراد بذلك ان تحكيم الحكمين كان جزائكم حيث تركتم معقد الامر و هو خلافته عليه‌السلام و رضيتم بالتحكيم الذي لا يدري ما عاقبته، فظن الاشعث ان الامام اراد بذلك جزاء نفسه، حيث حارب القوم، فقال الاشعث قوله مريدا بذلك ان هذا الكلام في ضررك يا اميرالمومنين لا في نفعك، فقال الامام: ما يدرك و هنا قول آخر ذكره ابن ميثم، لكن ما ذكرناه هن الاظهر و الله العالم. (ما يدريك) يا اشعث (ما علي مما لي)؟ فانك لم تفهم الكلام حتي تعرف هل انه في ضرري او نفعي (عليك لعنه الله و لعنه اللاعنين) و قد كان اشعث هذا منافقا، و اشترك- اخيرا- هو في قتل الامام، في موامرته مع ابن ملجم، كما اشتركت ابنته (جعده) في قتل الامام الحسن عليه‌السلام، باسقائه السم
الذي بعثه اليها معاويه، و اشترك ابنه (محمد) بن الاشعث في قتل الامام الحسين عليه‌السلام يوم عاشوراء، فقد كان من قواد جيش ابن سعد (حائك ابن حائك) اما حقيقه بان كان هو و ابوه حائكا، فقد كان اهل اليمن يحيكون الاثواب، او مجاز يراد به نقصان العقل، فان الحائك حيث انه مشتغل بالحياكه طول وقته يجمد فكره علي جهه خاصه و لا يتسع افق عقله، و لذا لا يكون له دقه سائر الناس المطلقي الافاق، و لذا ورد نقصان عقل الحائك، هذا بالاضافه الي ان حركات بدن الحائك في حال الحياكه توجب خفه فيه. (منافق ابن كافر) فقد كان اشعث منافقا في اصحاب الامام عليه‌السلام كما كان عبدالله ابن ابي منافقا في اصحاب الرسول صلي الله عليه و آله و سلم يظهر كل منهما الولاء، و يبطنان العداء و كان ابو الاشعث كافرا (و الله لقد اسرك الكفر مره و) اسرك (الاسلام) مره (اخري) فقد وقع بين طائفتين من الكفار مقاتله فغلب الجانب الاخر و اسروا في جمله اسراهم الاشعث، و ارتد الاشعث بعد موت الرسول صلي الله عليه و آله و سلم فقاتله المسلمون و غلبوا عليه و اسروه ابي‌بكر ثم عفا عنه، و تفصيل ذلك كما ذكروا: ان قبيله مراد قتلت قيسا الاشج اباالاشعث فخرج الاشعث طالبا بثار ابيه، فخرجت كن
ده متساندين الي ثلاثه الويه، علي احدها كبش ابن هاني، و علي احدها القشعم بن الارقم و علي احدها الاشعث فاخطاوا مرادا و وقعوا علي بني الحارث بن كعب، فقتل كبش و القشعم و اسر الاشعث و فدي بثلاثه آلاف بعير لم يفد بها عربي قبله و لا بعده و اما اسر الاسلام له فذلك ان بني وليعه لما ارتدوا بعد موت النبي صلي الله عليه و آله و سلم و قاتلهم زياد بن لبيد البياضي الانصاري لجئوا الي الاشعث مستنصرين به فقال لا انصركم حتي تملكوني فتوجوه كما يتوجه الملك من قحطان فخرج معهم مرتدا يقاتل المسلمين و امد ابوبكر زيادا بالمهاجر ابن ابي اميه فالتقوا بالاشعث فتحصن منهم فحاصروه اياما ثم نزل اليهم علي ان يومنوه و عشره من اقار به حتي ياتي ابابكر فيري فيه رايه و فتح لهم الحصن فقتلوا كل من فيه من قوم الاشعث الا العشره الذين عزلهم و كان المقتولون ثما نمائه، ثم حملوه اسيرا مغلولا الي ابي‌بكر فعفي عنه و عمن كان معه و زوجه اخته لم فروه بيت ابي قحافه. (فما فداك من واحده منهما مالك و لا حسبك) اي لم ينفعك اموالك و لا مزاياك في عدم الاسر، فلقد اسرت مع ما كان لك من الاموال و الحسب- كما زعمت- و ليس ذلك الا لانحراف شخصك عن الجاده المستقيمه حتي انك كنت ف
ي كل واحد من الكفر و الاسلام منحرفا عن اهل ملتك (و ان امر دل علي قومه السيف) اي ارشد السيف الي قومه ليقتلهم، فانه كما تقدم فتح باب الحصن حتي هجم المسلمون و قتلوا ثما نمائه رجل من قومه، و كان ذلك منه استيثارا لنفسه و ترجيحا لنجاته علي نجات اقوامه، و ياتي احتمال اخر في هذا (و ساق اليهم الحتف) هو الموت- و اللفظان كنايه- (لحري) اي جدير (ان يمقته الاقرب) اي يغضب عليه اقربائه و عشيرته (و لا يامنه الابعد) اذ من يفعل من قريبه ذلك، لا يامن من شره الاباعد الذين ليسوا من قومه و عشيرته. لكن السيد الشريف الرضي، قال: اراد بقوله عليه‌السلام: دل علي قومه السيف ما جري له مع خالد بن الوليد باليمامه، فانه غر قومه و مكر بهم حتي اوقع بهم خالد و كان قومه بعد ذلك يسمونه (عرف النار) و هو اسم للغادر عندهم انتهي، ثم ان هنا سوالا و هو انه كيف سب الامام عليه‌السلام الاشعث بمثل هذا السب الشديد، و هو النزيه اللسان و الجوارح؟ و قد قال عليه‌السلام لاصحابه: اني اكراه لكم ان تكونوا سبابين- في قصه حرب صفين-؟ و الجواب: ان السب علي نوعين، سب للتشفي و هو امر شخص موقت و سب لهدم الضلال و تعريفه للناس كي لا يتبعوه، فانه نوع من محاربه الباطل و الذي
نهي الامام عنه هو القسم الاول، و ما فعله عليه‌السلام هو من القسم الثاني، و لذا نري القرآن العظيم بينها، يقول: (و لا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) يقول (انكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم) و يقول في وصف بعض الكافرين (عتل بعد ذلك زنيم) و في بعض المنافقين (قاتلهم الله).

خطبه 020

[صفحه 123]
و فيه تخويف الناس من الموت، و ترغيبهم للطاعه (فانكم) ايها الناس (لو عاينتم ما قد عاين من مات منكم) اي ابصرت الاهوال و الشدائد التي عاينها الاموات (لجزعتم و هلتم) هو الخوف و الفزع الشديد، من (و هل) بمعني خاف (و سمعتم) كلام الله سبحانه (و اطعتم) اوامره (و لكن محجوب عنكم ما قد عاينوا) اي مستور ما شاهدوه من الشدائد (و قريب ما يطرح الحجاب) و المراد بذلك حين موت الانسان، فانه يري ما حجب عنه (و لقد بصرتم) اي اريكم الرسول و اريتكم الطريق (ان ابصرتم) بمعني لقد انتفعتم لو اردتم الانتفاع و البصيره (و اسمعتم) المواعظ و الزواجر (ان سمعتم) اي انتفعتم بالمسموعات الدينيه ان اردتم الاستماع لها و العمل بها (و هديتم) هداكم الكتاب و السنه (ان اهتديتم) اي ان اردتم الاهتداء و سلوك الطريق المستقيم. (بحق اقول) هذا كقوله سبحانه (و الحق اقو) اي ان قولي حق مطابق للواقع (لقد جاهرتكم العبر) جمع عبره بمعني الموعظه، اي ان المواعظ ظهرت لكم في جهر، بلاخفاء و تستر (و زجرتم) اي منعتم و نهيتم (بما فيه مزدجر) مصدر ميمي اي بالنواهي المخدره التي تكفي لزجر الانسان عن المعاصي و الاثام (و ما يبلغ عن الله بعد رسل السماء الا البشر) يعني
هل تنتظرون احدا غيري؟ فان تبليغ الاحكام و المواعظ لا يكون الا علي ايدي الرسل، و بعد الرسل يبلغ البشر احكامه و تخويفاته، و قد بلغتكم و انذرتكم و بعضهم فسر هذه العباره، بغير المعني الذي ذكرناه، لكن هذا اقرب.

خطبه 021

[صفحه 124]
يزهد عليه‌السلام، الناس في الدنيا، و يرغبهم في الاخره (فان الغايه امامكم) الغايه هي الجنه و السعاده، و هي في امام الانسان، لان الانسان يسير حتي يصل اليها، (و ان ورائكم الساعه تحدوكم) فكان القيامه كالسائق الذي يسوق الانسان ليوصله الي غايته، و يعبر عن المستقبل بالامام و بالوراء باعتبارين (تحففوا) فعل امر من باب (التفعل) اي خففوا في اثقالكم و ذنوبكم (تلحقوا) بالغايه المترقبه من السعاده و الجنه، و بالصالحين الذين ذهبوا قبلكم و ماتوا في الماضي (فانما ينتظر باولكم اخركم) اي ان الاموات الذين ذهبوا قبلكم، انما هم باقون في البرزخ، ليلحق بهم سائر الناس الاخرون، حتي يذهبوا جميعا الي المحشر للحساب و الجزاء، فانتم لستم هملا، و انما ينتظرونكم للموت و الالتحاق بالسابقين.

خطبه 022

[صفحه 125]
قد بلغ الامام عليه‌السلام خبر الناكثين لبيعته، فخطب هذه الخطبه، مبينا ان الناكثين هم مريقو دم عثمان (الا و ان الشيطان قد ذمر حزبه) اي حثهم و خصهم يقال (ذمر فلانا بالامر) اي حثه عليه (و استجلب جلبه) الجلب علي وزن فرس بمعني ما يجلب من بلد الي بلد، يعني احضر جيشه من هنا و هناك، ليحارب الحق و يلقي الفتن (ليعود الجور) اي الظلم و الباطل (الي اوطانه) اي محاله الاولي التي ازالها الاسلام عنها (و يرجع الباطل الي نصابه) اي اصله، و قد ظهر صدق كلام الامام عليه‌السلام، فقد انقسم المسلمون بهذه الحركه قسمين، فتفرقوا بعد الالفه، و تعادوا بعد الحب و الوداد، و جاء الباطل يسوق معاويه فاخذ مكان الحق و هكذا (و الله ما انكروا) اي هولاء الناكثون لبيعتي كطلحه و الزبير و من لف لفهم (علي منكرا) باني عملت عملا منكرا و لذا هم ينكثون بيعتي و يخرجون علي (و لا جعلوا بيني و بينهم نصفا) النصف- بالكسر- بمعني العدل، اي لم يحكموا العدل بيني و بينهم ليعدوا في الامر، و انما جائوا بالكذب، و المكر، و هم يبتغون وراء ذلك رئاسه و سلطه. (و انهم) في طلبهم بدم عثمان- كما يقولون- (ليطلبون حقا هم تركوه) فانهم تركوا عثمان بين الشرار و الناقمين
عليه (و دما هم سفكوه) فقد كانت عائشه و طلحه و الزبير يصرون علي قتل عثمان و يحرضون الناس حتي ان عائشه كانت تقول (اقتلوا نعثلا قتله الله) و الامام عليه‌السلام كان ياخذ دور الناصح المشفق فيطلب من عثمان اصلاح الامر و يتوسط بين عثمان و بين الشوار، في قضيه طويله مذكوره في التاريخ (فلئن كنت شريكهم فيه) علي الفرض و التقدير (فان لهم) اي لهولاء الناكثين (لنصيبهم منه) فلا حق لهم في ان يطالبوني ما هم شركاء (و لئن كانوا و لوه) اي تولوا قتله و اراقه دمه (دوني) بان لم اكن شريكا معهم- كما هو الواقع- (فما التبعه الا عندهم) التبعه ما يتبع الانسان من الاثم و لوازم السوء من جراء علمه الشي‌ء، يعني ان اللوازم السيئه انما هي من طرف الناكثين لا من جهتي. (و ان اعظم حجتهم) التي يحتجون بها علي- من قتل عثمان- (لعلي انفسهم) لانهم هم المحضرون المسببون (يرتضعون اما قد فطمت) اي انهم يريدون احياء الجاهليه بعد انقضاء اوانها، فان الام اذا فطمت رضيعها فقد انقضي وقت الرضاع (و يحيون بدعه قد اميتت) فان بدع الجاهليه و ضلالاتها قد اماتها الاسلام و هولاء يريدون احيائها بشق عصي المسلمين و القاء الفتن التفرقه فيهم (يا خيبه الداعي) يعني ان الداعي الي ه
ذه البدعه خائب خاسر، و التقدير (يا خيبه الداعي احضري فهذا وقتك) او ياقوم انظروا خيبه الداعي، و لقد كان كما قال الامام عليه‌السلام خاب طلحه و الزبير بان قتلا و استحقا اللعنه في الدنيا و العذاب في الاخره (من دعي)؟ تحقير للداعي، بانه انسان لا قيمه له (و الام اجيب)؟ يعني الذين اجابوه الي اي شي‌ء اجابوه؟ و هذا تحقير للمطلب، و اصل (الي م) (الي ما) فان (ما) الاستفهام يحذف الفها اذا دخل عليها حرف الجر نحو (عم) و (لم) و ما اشبههما. (و اني لراض بحجه الله عليهم) اي بما يحتج عليهم يوم القيامه من ما ارتكبوه من الاثام (و علمه فيهم) فانه سبحانه يعلم ما يفعلون كما هو عالم بنواياهم و سيجازيهم عليها (فان ابوا) اي امتنعوا عن الانقياد للحق و الرجوع الي الطاعه (اعطيتهم حد السيف) اي اجبرت علي مقاتلتهم بنزا للفساد (و كفي به) اي بالسيف (شافيا من الباطل) اذ الباطل الذي لا يرتفع بالنصح و الهدايه لابد و ان يرتفع بالسيف (و ناصرا للحق) فان الحق يغلبه الباطل اذا لم تسنده القوه و المال (و من العجب) (من) للتبعيض، و غالبا ياتي- في مثل هذا الموضع- لشده العجب (بعثهم الي) اي ارسال هولاء الناكثين الي (ان ابرز) اي استعديا علي عليه‌السلام (للطعان
) مصدر من باب المفاعله، فان لهذا الباب مصدرين المفاعله و الفعال (و ان اصبر للجلاد) اي المجالده و المحاربه. (هبلتهم الهبول) هبلتهم اي ثكلتهم، و الهبول المرئه الثكلي التي لا يبقي لها ولد، و هذا دعاء عليهم بالموت حتي لا تند بهم امهاتهم (لقد كنت و ما اهدد بالحرب) اي كنت سابقا بحيث يخشي بطشي، و يعرف الناس شجاعتي فلم يكن يهددني احد بالحرب، لانهم يعلمون اني لا اخافها (و لا ارهب بالضرب) اي لا اخوف بان اضرب و اقاتل، لان الناس كانوا يعلمون اني اقتل و اضرب (و اني لعلي يقين من ربي) و المتيقن لا يخاف الموت لانه يعلم انه لو مات انتقل الي جوار رحمه ربه و تخلص من الدنيا و احزانها و اشجانها و آلامها (و غير شبهه من ديني) فاعرف ان الدار الاخره خير لي من الدنيا.

خطبه 023

[صفحه 129]
(اما بعد) اصله مهما يكن من شي‌ء بعد الحمد و الصلاه، فقلبت (مهما) (اما) و حذفت سائر الكلام و بقي لفظه (بعد) (فان الامر) المراد به الجنس من الاجال و الارزاق، و المناصب، و ما اشبه ذلك (ينزل من السماء الي الارض) كنايه عن ان التقديرات انما تكون في السماء (كقطرات المطر) فكما ان المطر ينزل من السماء كذلك التقديرات، كما قال سبحانه (و في السماء رزقكم و ما توعدون) (الي كل نفس بما قسم لها) اي لتلك النفس، و النفس مونث سماعي (من زياده او نقصان) في كل شي‌ء، زياده المال او نقصانه، زياده العلم و نقصانه، زياده الاولاد او نقصانهم، و هكذا (فاذا راي احدكم لاخيه غفيره) اي زياده و كثره (في اهل او مال او نفس) بان صار له اهل و عشيره، او اموال كثيره، او اولاد و بنين و حفده (فلا تكونن) تلك الغفيره (له) اي لهذا الرائي (فتنه) و امتحانا، بان يحسد هذا الانسان الذي يري اخيه و يعمل للحط منه، كما هو عاده الكثيرين، فانهم اذا راو رفعه اخوانهم في امر من الامور الدنيويه كادو لهم و عملوا لتحطيمهم. و قد قال الامام قوله السابق (ان الامر ينزل … ) تمهيدا لهذا، فان من علم ان الامور بالزياده لاحد من تقدير الله سبحانه، فما السبب في حسده و
كيده لمن زيد له و الزياده لم تكن باختياره و انما باراده الله سبحانه؟ و الذي ينبغي ان يعمل هذا الحاسد و يدعو ليقدر له مثل ما قدر لاخيه، قال سبحانه (و قل اعملوا) (و قال و قال ربكم ادعوني استجب لكم) (فان المرء المسلم البري من الخيانه) هذا تاكيد لقوله (لا تكونن له فتنه) و عله لذلك و حاصله ان المسلم ارفع من ان يحسد غيره، بل اللازم عليه- اذ راي رفعه اخيه- ان ينتظر احد الحسنيين، اما الرفعه له من الله سبحانه في الدنيا، و اما ان يرزق الخير في الاخره، و قوله (فان) ابتداء الكلام و ما ياتي من قوله (كان) خبر له، و قد وصف عليه‌السلام المومن المنتظر لاحد الحسنيين، بعدم الخائن لدينه، لانه اذا خان لم يرج احديهما، فان نصيب الخائن الشقاء و لا السعاده. (ما لم يغش دنائه) اي لم يعمل، من (غشي) بمعني ارتكب و احاط بالشي‌ء، و الدنائه العمل الدني القبيح (تظهر) اي دنائه ظاهره، في مقابل ما لو غشي دنائه جاهلا بكونها دنائه (فيخشع لها اذا ذكرت) اي يخاف من ذكرها و يوجل، فان الانسان العامل للقبيح يخجل من ذكر عمله و يخشع نفسيا من افشائه (و تعزي بها) اي بتلك الدنائه (لئام الناس) فان الدنائه يغر بها الادنياء، و الاغراء هو الالزام للشي‌ء، كان ال
شيطان يغريهم يغويهم و يلزمهم اياها ( … خبر قوله (فان المرء المسلم) و قوله (تظهر … ) جمله معترضه لوصف الدنائه (كالفالج الياسر) الياسر هو المقامر، و الفالج بمعني الظافر و هذا من اضافه الصفه الي الموصوف، فان اصله كان كاليا سر الفالج. (الذي ينتظر اول فوره) اي نجاح، من (فار) اذا غلي، فان الانسان الناجح لعلوه و ارتفاعه، كالمرجل الذي يغلو الي فوق (من قداحه) جمع (قدح) و هو سهم المقامره، فانهم كانوا يكتبون علي السهام اسامي الانصبه او اسامي الاشخاص، فيجعلون بعض السهام اعلي من بعض، و بعض السهام فارغه لا نصيب لها (توجب) تلك القداح (له) اي لهذا الفالج الياسر (المغنم) اي الغنيمه و الفائده و ربح القمار (و يرفع بها) اي بسبب هذه القداح (عنه) اي عن الفالج الياسر (المغرم) اي الغرامه، فهو مصدر ميمي قالوا و كان من ترتيب قمارهم انهم يعدون احد عشر سهما، يكون لسهم نصيب و للثاني نصيبان و للثالث ثلاثه انصبه و هكذا الي السهم السابع الذي له سبعه انصبه، و يجعلون اربعه منها فارغه لا نصيب لها، و يكتبون بذلك فوق السهام، ثم ياتون بجزور عن صاحبها بغير ان يدفعوا اليها قيمتها فينحرونها و يقسمونها عشره اجزاء متساويه. ثم ياتي بشخص تعصب عينه، و
تعطي القداح فيخرج احدها باسم احدهم، فما كان في ذلك السهم من الاجزاء يعطي الي المسمي الاول، و هكذا حتي تتم الاجزاء العشره للابل، و هولاء ياخذون الاجزاء بدون اعطاء ثمن البعير، فمن كان ظافرا خرج له سهم السبعه و دونه السته و هكذا، و بعد تمام اجزاء الجزور، من خرج سهم باسمه لزم عليه ان يغرم من ثمن البعير بمقدار حصص سهمه الخارج باسمه حتي يتم الثمن، و من خرج باسم احدي تلك السهام الفارغه فلا يخسر و لا يربح، مثلا اذا خرج السهم الاول باسم زيد و كان مكتوبا عليه اربعه، اخذ اربعه اجزاء من الجزور، ثم خرج السهم الثاني باسم عمرو و كان مكتوبا عليه سته اخذ سته اجزاء من الجزور ثم اذا خرج السهم الثالث باسم بكروكان مكتوبا عليه سبعه لزم ان يغرم سبعه اعشار ثمن الجزور، و هكذا حتي يتم الثمن و يتم اجزاء الجزور. فكما ان الياسر المقدر له الظفر و النجاح ينتظر الخير، كذلك المسلم البري‌ء من العيب ينتظر احد الحسنين، و هذا من باب تشبيه اهل الدين في فوزهم بالاخره او حسني الدنيا، باهل الدنيا، تقريبا لاذهان اولئك الناس الذين كانوا قريبي عهد بهذه الاعمال المقامريه (و كذلك المرء المسلم البري‌ء من الخيانه) في دينه فان العاصي خائن لنفسه و لدينه (ين
تظر من الله احدي الحسنيين) اي احد الامرين الحسنين (اما داعي الله) اي الموت، الذي يوتي بسبب داعي الله و هو ملك الموت الذي يدعو من قبله سبحانه (فما عند الله خير له) من الدنيا كما قال سبحانه: (و ما عند الله خير). (و اما رزق الله) في الدنيا (فاذا هو ذو اهل و مال) بفضله سبحانه (و معه دينه) اذ لم يحسد غيره الذي راه متفرقا عليه (و حسبه) اي شرفه الذي حصله من علم و فضيله و ما اشبه، فاذا كان المرء من بين احد الحسنيين دنيا او اخره، فما الداعي له الي ان يحسد غيره الذي راه متفوقا عليه، فانه اما ان يبقي- في الدنيا- علي وضعه المنحط حتي ياتيه الموت، فقد حصل علي جزاء الاخره و نعيم الجنه، و اما ان يرتفع من الدنيا بفضله سبحانه، فقد حصل علي خير الدنيا، و من هو الي خبر لا ينبغي ان يحسد الغير، نعم هذا مشروط بكونه نظيفا من الذنوب، كما عبر عنه عليه‌السلام بقوله (ما لم يغض دنائه … ) و قوله (البري‌ئمن الخيانه) و حيث ان جمله الشرط و هي قوله (فان المرء المسلم البري … ) ابتعدت عن الجواب الذي هو قوله (ينتظر … ) كرر الشرط بقوله عليه‌السلام (و كذلك … ) (ان المال البنين حرث الدنيا) اي زرعها الذي يزرعه الانسان في دار الدنيا ثم يري حال زرعه ف
ي الدنيا (و العمل الصالح) الذي يعمله الانسان يري جزائه في الاخره (حرث الاخره و قد يجمعهما الله لا قوام) كما ينسب الي الامام عليه‌السلام قوله (ما احسن الدين و الدنيا اذا اجتمعا) (و اقبح الكفر و الافلاس بالرجل) و اذ بين عليه‌السلام حرمه افتتان الانسان بما يري من نعمه الغير، قال (فاحذروا من الله) اي خافوا منه سبحانه (ما حذركم من نفسه) فانه تعالي حذركم من المعاصي و الاثام كما قال سبحانه (و اياي فارهبون) (و اخشوه خشيه ليست بتعذير) اي خشيه خاليه من الاشياء الموجبه لعذر الانسان، فان الانسان قد يخش الله سبحانه، لانه قد اذنب فيخشي من ذنبه، و قد يخش الله سبحانه بدون ان كان قد اذنب، و انما رفعه مقامه سبحانه توجب الخشيه، فان (تعذير) مصدر (عذر) بمعني لم يثبت له عذر. (و اعملوا في غير رياء و لا سمعه) فلا يكن اتيانكم بالعمل الصالح لاجل ان يري الناس عملكم او يسمعون بما عملتم فيحسنون عملكم، فان الرياء و السمعه يبطلان الاعمال الصالحه (فانه من يعمل لغير الله) اي ياتي بالاعمال الصالحه لكن بدون ان يكون قصده الله سبحانه بل قصده تحسين الناس له (يكله الله الي من عمل له) اي ان الله سبحانه لا يعطيه اجر عمله، و انما ينبغي ان يطلب ثواب ع
مله ممن رائي لاجله، مثلا لو اعطي المال للفقير لاجل تحسين الناس له، كان ثواب انفاقه علي الناس لا علي الله، اذ كيف يعمل الانسان لشخص و يريد جزائه و اجره من اخر؟ (نسئل الله منازل) جمع المنزله (الشهداء) الذين قتلوا في سبيل الله (و معايشه السعداء) في الاخره (و مرافقه الانبياء) بان نكون من اتباعهم في الدنيا حتي نحشر في زمرتهم و نكون رفيقا لهم في الاخره.
[صفحه 134]
(ايها الناس انه لا يستغني الرجل- و ان كان ذا مال- عن عشيرته) اي قبيلته التي جمعهم و اياه احد الاجداد القريبين (و دفاعهم) اي لا يستغني عن دفاع العشيره (عنه بايديهم و السنتهم) فان لكل انسان حساد و اعداء، خصوصا اذا كان نابها عظيما، و العشيره تاخذها الحميه نحو قريبهم فهم يدافعون عنه في المشاكل و الازمات (و هم اعظم الناس حيطه) اي احاطه، كالسور المحيط بالبلد الذي يحفظه من هجوم الاعداء (من ورائه) يحفظونه من مهاجمه الاعداء و همز الحساد و الانداد (و المهم لشعثه) اي اكثر الناس لما و جمعا لتفرقه و انتشاره فان الشعث بمعني الانتشار، فان الانسان باعتبار عرضه و ما له و اهله منتشر في الناس فاذا لم يكن له من يجمع امره، نال كل عدو شيئا منه، و هذا تشبيه بمن انتشر ما له، فاذا لم يكن له من يجمع له ما له ضل بعضه و صار عرضه للنهب. (و اعطفهم عليه) اي يميلون اليه، من العطف بمعني الميل (عند نازله) اي مصيبه نازله و انما قيل نازله، لانها تنزل من السماء، بكونها مقدره هناك (اذا نزلت به) من فقد مال او جاه او اهل او ما اشبه (و لسان الصدق يجعله الله للمرء في الناس) بان يمدحوه و يذكروه بالحسن، و انما سمي لسان الصدق، لان الانسان
النزيه، اذا مدحه الناس كانوا صادقين في مدحهم له و اذا ذموه كانوا كاذبين (خير له من المال يورثه غيره) و هذا كنايه عن لزوم سير الانسان بالسيره الحسنه، و تحليه بالفضائل حتي يبقي له ذكر طيب في الناس، و معلوم ان الذكر الطيب خير من جمع الانسان للمال حتي يبقي بعده، فان المال خاص لبعض الورثه في مده قليله ثم يفني، اما الذكر الحسن فيبقي مدي الازمان، و قد دعا ابراهيم عليه‌السلام قائلا (و اجعل لي لسان صدق في الاخرين).
[صفحه 135]
اي من تلك الخطبه (الا) كلمه تنبيه (لا يعدلن احدكم عن القرابه) بان يهمل قريبه و لا يرعاه بالمال و العطف (يري بها الخصاصه) الخصاصه الفقر، اي اذا راي بقريبه الفقر (ان يسدها) اي يسد تلك الخصاصه، و معني سدها رفعها بالمال، و هذا بدل الاشتمال لقوله (القرابه) اي لا يعدلن احدكم عن سد خصاصه القرابه (بالذي) اي بالمال و الجاه و العون، الذي (لا يزيده ان امسكه) يعني ان امسك ذلك العون عن قريبه لا يزيد الممسك شيئا، ان اموال الدنيا و سائر شئونها اذا امسكها الانسان لا تزيد الانسان شيئا، فان المقدر كائن لا مما له (و لا ينقصه ان اهلكه) يعني لو بذل ذلك المال و اهلكه في سبيل قريبه، لا ينقص منه شي‌ء، و قد تقدم قول الامام عليه‌السلام فيما ينسب اليه. اذا اقبل الدنيا عليك فجد بها علي الناس طرا قبل ان تتفلت فلا الجود مضنيها اذا هي اقبلت و لا البخل مبقيها اذا هي ولت (و من يقبض يده عن عشيرته) اي لا يساعدهم بالمال و العون (فانما تقبض منه) اي من هذا الانسان (عنهم) اي عن العشيره (يد واحده) فان يد الانسان واحده لا اكثر (و تقبض منهم) اي من جانب عشيرته (عنه) اي من هذا الانسان القابض يده (ايد) جمع يد (كثيره) فان الانسان اذا لم يسا
عد الناس كف كل يد المساعده عنه و ليس من العقل ان يكف الانسان يده ليخسر ايادي كثيره (و من تلن حاشيته) بمعني ان يكون انسانا لينا، و الحاشيه الاطراف تشبيه بالشي‌ء اللين جوانبه الممكن لان يداس و يقترب منه (يستدم من قومه الموده) اي يكون يلين الحاشيه طالبا لدوام حب قومه له، فان الناس ينفرون من الشخص الخشن، اما الشخص اللين الهش البش ذو الاخلاق الفاضله، فالناس يجتمعون حوله، لانه لا يوذيهم بلسانه او عمله.

خطبه 024

[صفحه 137]
(و لعمري) (اللام) للقسم و (عمرو) بمعني الحيات و بمعني الدين، اي قسما بحياتي، او قسما بديني- و الاول اقرب- (ما علي من قتال من خالف الحق) اي ليس علي في قتال المخالفين (و خابط الغي) اي داخل الضلال و خالطه (من ادهان) اصله (اندهان) باب افتعال من (الدهن) بمعني المصانعه و المداهنه علي جهه الباطل، كما قال سبحاه (و دوا لو تدهن فيدهنون) كان المصانع يستعمل الدهن ليلين للناس و يلينوا له، كما يستعمل الدهن في الرضوض و ما اشبه لغرض التليين (و لا ايهان) اي الدخول في الوهن، اما بمعني الضعف او المراد به نصف الليل، فيكون كنايه عن التستر و المخاتله، اي لا يدخلني ضعف او لا اتستر و لا اخاتل (فاتقوا الله) خافوا عقابه و نكاله (عباد الله) منادي حذف منه حرف النداء، و عباد جمع عبد، فان لعبد اثنين و عشرين جمعا او اكثر، و مناسبه هذا الكلام لسابقه ان الانسان لا ينبغي له ان يهين في امر الله و اطاعته لمصانعه الناس و مداهنتهم. (و فروا من) عذاب (الله) سبحانه (الي) رحمه (الله) و من عذابه الي رضوانه فكما ان الفاريفر من الشي‌ء المكروه الي الشي‌ء المرغوب فيه، كذلك ينبغي ان يكون الانسان بالنسبه اليه تعالي لغير مما يوجب سخطه من الكفر
و العصيان الي ما يوجب رضوانه من الاطاعه من الايمان (و امضوا) اي سيروا (في) الطريق (الذي نهجه) و اوضحه و جعله (لكم) من الاحكام و الشرائع (و قوموا بما عصبه بكم) اي ربطه بكم و كلفكم بادائه، فان الانسان مربوط بتكاليفه (فعلي) عليه‌السلام، يعني لنفسه الشريف (ضامن) اذا عملتم بما ذكرت لكم (لفلجكم) اي ظفركم، فان الفلج بالمعني الفوز بامرغوب فيه (اجلا) اي في المستقبل، اما المراد في الدنيا، او في الاخره، (و ان لم تمنحوه) اي تعطوا الظفر (عاجلا) سريعا، او في الدنيا، فان الانسان العامل باوامره سبحانه يظفر بالسعاده في الدنيا و لو بعد حين، و في الاخره بكل قطع و يقين.

خطبه 025

[صفحه 139]
كان قوم بصنعاء من شيعه عثمان يعظمون قتله، فبايعوا عليا عليه‌السلام علي دخل فلما اختلف الناس عليه عليه‌السلام بالعراق و كان العامل له عليه‌السلام علي صنعاء عبيدالله بن العباس و علي الجند بها سعيد بن نمران، ثم قتل محمد بن ابي‌بكر بمصر و كثر غارات اهل الشام تكلم هولاء و دعوا الي الطلب بدم عثمان فانكر عليهم عبيدالله بن العباس و تظاهروا بمنابذه علي عليه‌السلام، فحبسهم فكتبوا الي اصحابهم الجند، فعزلوا سعيد بن نمران عنهم و اظهروا امرهم فانضم اليهم خلق كثر اراده مع الصدقه، فكتب عبيدالله و سعيد الي اميرالمومنين عليه‌السلام يخبر انه الخبر فكتب عليه‌السلام الي اهل اليمن و الجند كتابا يهددهم فيه و يذكرهم الله تعالي، فاجابوه انا مطعيون ان عزلت عنا هذين الرجلين عبيدالله و سعيدا، ثم كتبوا الي معاويه فاخبروه فوجه اليهم بسر بن ارطات، و كان فظا سفاكا للدماء، فقتل في طريقه بمكه داود و سليمان ابني عبدالله بن العباس، و في الطائف عبدالله بن المدان. و كان صهرا لابن عباس ثم انتهي الي صنعاء، و قد خرج منها عبيدالله و سعيد و استخلفها عليها عبدالله بن عمرو بن اراكه الثقفي و قتله بسر، و اخذ صنعاء فلما قدم ابن عباس و سعيد عل
يا عليه‌السلام بالكوفه عابهما علي تركهما قتال بسر فاعتذرا اليه بضعفهما عنه، فقام عليه‌السلام الي المنبر ضجرا من مخالفه اصحابه له في الراي، و انشاء الخطبه … قال السيد (ره) و قد تواترت عليه الاخبار باستيلاء اصحاب معاويه علي البلاد، و قدم عليه عاملاه علي اليمن، و هما عبيدالله بن العباس و سعيد بن نمران لما غلب عليها بسر بن ارطات، فقام عليه‌السلام الي المنبر ضجرا بتثاقل اصحابه عن الجهاد و مخالفتهم له في الراي فقال: (ما هي الا الكوفه) اي ليس في يدي علي نحو التام و الاستقلال الا مدينه الكوفه (اقبضها و ابسطها) اي هي تحت تصرفي اتصرف فيها كما اشاء، كما يتصرف الانسان في الثوب الي تحت يده بالقبض و البسط فان الامام كان لا يعتمد علي جند سائر البلاد التي كانت في تصرفه و تحت ديده، و ان كانت هي كثيره حتي ذكروا انه كان للامام عليه‌السلام الف عامل علي البلاد، و كان الخارج عن حوزته- قبل قصه مصر و اليمن- الشام فقط، ثم توجه الامام عليه‌السلام بالخطاب الي الكوفه قائلا (ان لم تكوني) يا كوفه (الا انت) تحت تصرفي (تهب اعاصيرك) الجمله صفه، يعني ان لم يكن ملكي الا الكوفه التي تهب اعاصيرها، و هي جمع اعصار، ريح تهب و تمتد من الارض الي ال
سماء فيها الغبار الكثير، وهب الاعاصير كنايه عن اختلاف الاراء الموجود في الكوفه (فقبحك الله) اي جعلك الله قبيحا، و هذا جواب (ان) و ذلك مثل ان يقال: ان لم يكن الا انت فلا تكن، و قد اراد الامام عليه‌السلام من ذلك اظهار ضجره و بيان قله ما يعتمد عليه من ملكه. (و تمثل) الامام عليه‌السلام (بقول الشاعر): (لعمر ابيك الخير، يا عمرو انني علي و ضر من ذا الاناء قليل) الوضر هو غساله السقاء و القصعه و بقيه الدسم في الاناء، و عمر ابيك، اي قسما بحياته، و الخير صفه للاب من باب (زيد عدل) و المراد ان الذي بقي عليه من الملك مما اعتمد عليه، كالوضر الباقي في الاناء الذي هو شي‌ء قليل، في مقابل الاناء الممتلي بالماء او الطعام
[صفحه 141]
(ثم قال عليه‌السلام) (انبئت) اي اخبرت (بسرا) ابن ارطات و كان سفاكا من عملاء معاويه (قد اطلع اليمن) اي بلغها و تمكن منها، و قد فعل بسر بيمن ما تقدم بعضه، و قد دعا عليه‌السلام بقوله (اللهم اسلبه عقله و دينه) فجن من دعاء الامام عليه‌السلام و كان يلتقم بفيه عذرته، بعد ان غلوا يديه لئلا ياكل القاذورات (و اني و الله لا ظن ان هولاء القوم) اي معاويه و اتباعه (سيد الون منكم) اي ستكون لهم الدوله، عوضا عنكم (باجتماعهم علي باطلهم) اي بسبب انهم مجتمعون علي امرهم الباطل و هو التمسك بطاعه معاويه (و تفرقكم عن حقكم) فان اهل الكوفه كانوا متفرقين عن الامام عليه‌السلام، لا يطيعون اوامره. (و بمعصيتكم) اي عصيانكم- فان المعصيه هنا مصدر ميمي- (امامكم) اميرالمومنين، عصيانه (في الحق) الذي يامر به (و طاعتهم) اي اصحاب معاويه (امامهم) معاويه (في) الامر (الباطل) الذي يامر به (و بادائهم الامانه الي صاحبهم) فلو امرهم بشي‌ء انجزوا ما قال بدون ايه خيانه (و خيانتكم) فواحد منكم يشرد و واحد منكم ينهب المال و هكذا كما اتفق في اصحاب الامام عليه‌السلام (و بصلاحهم في بلادهم) فانهم يحبون بلادهم و يصلحونها و يجلبون اليها الخير (و فسادكم)
فان اهل الكوفه كانوا بالعكس (فلو ائتمنت احدكم علي قعب) القعب القدح الضخم (لخشيت ان يذهب بعلاقته) اي يده. و هنا امران لابد من التنبيه عليهما … الاول ان جماعه زعموا ان معاويه كان ذا سياسه رفيعه، و بذلك تمكن من الاستيلاء علي اجهزه الحكم، دون الامام عليه‌السلام، و الثاني ان الحق لا يتمكن من اخذ القياد امام الباطل، و لذا لم يتمكن الامام من ذلك، لكن الزعمان باطلان، فان معاويه كان لايبال باي اثم ارتكب و من المعلوم ان الانسان المحدود بحدود الشرع لا يتمكن من مثل ذلك، فالامر له يكن الا لصوصيه و نهبا و سفكا، و لا حكومه و سياسه … اما ان الحق لا يتمكن فيكذبه الوجدان بل الحق اقوي من الباطل في الاداره، كما راينا الرسول صلي الله عليه و آله و سلم ادار الامور و تغلب علي الباطل، و كما راينا غير الرسول صلي الله عليه و آله و سلم من الحكام العادلين. و هنا يبقي سئوال انه لم انهزم الامام امام معاويه؟ و الجواب ان الله سبحانه جعل الامام امتحانا، و لذا لم يكن مامورا الا بالسير الدقيق ليميز الخبيث من الطيب، كما ان عيسي المسيح عليه‌السلام انهزم امام قوي اليهود، و هكذا بعض الانبياء الاخرين. (اللهم اني قد مللتهم) اي القوم (و ملوني) فان ا
لناس لا يستعدون للمداقه و لذا يملهم الحاكم الدقيق و يملونه، اي يحصل لهم منه السام و الضجر و الملل (و سئمتهم و سئموني) و هي بمعني الملاله، و كانها رتبه بعد الملل (فابدلني بهم خيرا منهم) و المراد الانبياء و الصلحاء في الاخره (و ابدلهم بي) اي بعوضي (شرا مني) عقوبه لاعمالهم، و التفضيل منسلخ عن معني الفضل، كما هو كثير في هذا الباب، او المراد الشريه في الاصطلاح المتعارف (اللهم مث) من (ماث) بمعني (اذاب) (قلوبهم كما يماث الملح في الماء) و ذلك كنايه عن ازاله القوه و الصلابه عنها، فان القلب اذا لم يقو، جر الانسان كل شر، اذ قوه القلب هي مبعث العزه و السعاده و سائر الفضائل، فقد كان الامام عليه‌السلام يريد من اهل البلاد عامه ان يكونوا مستقيمين في جاده الشرع بحيث لا يحيدون عنها قيد شعره، فاذا راي منه ذلك اظهر التضجر منهم، و الا فقد كان للامام عليه‌السلام من خيره الاصحاب ما يضرب بهم الامثال، و قد ضمن لثلاثين الف منهم الجنه، و كانوا يسمون بشرطه الخميس- كما في منتهي المقال للمامقاني- و هذه الادعيه و التضجرات انما هي بالنسبه الي المنحرفين. (اما و الله لوددت) اي اجببت (ان لي بكم) اي عوضكم (الف فارس من بني فراس بن غنم) و هم قبي
له مشهوره بالشجاعه، و منهم ربيعه حامي الضعن حيا و متيا و لم يحم الحريم احد و هو ميت غيره، عرض له فرسان من بين سليم، و معه ضعائن من اهله يحميهن وحده فرماه احد الفرسان بسهم اصاب قلبه فنضب رمحه في الارض و اعتمد عنيه و اشار اليهن بالمسير فسرن حتي بلغن بيوت الحي و بنو سليم قيام ينظرون اليه لا يتقدم احد منهم نحوه خوفا منه حتي رمو فرسه بسهم فوثبت من تحته فسقط و تبين للقوم انه كان ميتا منذ اصابته السهم. (هنالك لو دعوت اتاك منهم فوارس مصل ارميه الحميم) يعني لو دعوت بني‌فراس لرفع الضيم، اتاك جماعه مهم راكبين خيولهم- فان الفارس الشجاع الراكب للخيل- و هم مثل سحب الصيف في السرعه، فان (ارميه) جمع (رمي) و هو السحاب سمي به لانه يرمي به في الهواء، و الحميم وقت الصيف، من (حم) بمعني الحراره (ثم غزل عليه‌السلام من المنبر).

خطبه 026

[صفحه 144]
(ان الله بعث محمدا صلي الله عليه و آله و سلم نذيرا للعالمين) اي لينذر الناس و يخوفهم من الكفر و المعاصي، و المراد بالعالمين، الانس و الجن، و من في الكرات الاخري، الي يوم القيامه (و امينا علي التنزيل) اي كان موتمنا علي القرآن و الوحي لا يزيد فيهما و لا ينقص منهما (و انتم معشر العرب علي شر دين) و هو الكفروا لشرك فانه شر طريقه، اذ لا يعتقد صاحبها بالا له و لا بالانبياء و لا بالمعاد، فقد كان ذلك صبغه العرب بصوره العموم و ان كان فيهم اليهودي و المجوسي و المسيحي، و فئه قليله، علي دين ابراهيم عليه‌السلام (و في شر دار) اذ كان دارهم- و هي مكه- محلا للاوثان و الاصنام و الشرك و الفسوق و العصيان (منيخون) من اناخ بالمكان اذا اقام به، و في بعض النسخ (متنخون) من باب التفعيل علي وزن (مصرفون) و هو بالمعني السابق (بين حجاره خشن) جمع خشناء بمعني الخشونه ضد اللين، و حيث ان المراد بالحجاره الجنس، جي‌ء لها بوصف الجمع (و حيات) جمع حيه (صم) جمع صماء و هي التي تمشي في طريقها لا تلوي علي شي‌ء كالانسان الاصم الذي لا يزجره الصحيه. فان اراضي الحجاز لبعدها عن الماء، و قربها الي خط الاستواء، تكون الشمس فيها اكثر اشراقا و حرار
ه فتتصلب حجارتها اكثر، و تكون حياتها اخشن (تشربون) الماء (الكدر) الذي غيره البقاء الطويل، و امال لونه الي الكدره لعدم توفر المياه لديهم، الامياه الغدران و الابار و الامطار و ما اشبه (و تاكلون الجشب) هو الطعام الغليظ، او الذي لا ادام معه (و تسفكون) اي تريقون (دمائكم) بعضكم يريق دماء بعض (و تقطعون ارحامكم) فلا تواصلوهم بالبر و الاحسان (الاصنام فيكم منصوبه) تجعلونها للعباده و الخضوع لها (و الاثام) جمع اثم و هو المعصيه (بكم معصوبه) اي مشدوده بكم، فانتم ملازمون لها، ملازمه احد الشيئين المشدودين للاخر. لقد كان العرب كذلك قبل الاسلام، حتي من الله عليهم بالرسول، فانتشروا في الارض و استبدلوا باماكنهم الحاره ذات الاحجار و الصلال اراياف الشام و العراق و ايران و غيرها، و صاروا ساده يجبي اليهم الخير من كل مكان، بل فوق ذلك فقد ارتفع مناخهم بكل وسائل الراحه، كما نشاهد اليوم في الحجاز فقصور مشيده، و حدائق، و مياه عذبه، و خيرات كل شي‌ء.
[صفحه 146]
(فنظرت فاذا ليس لي معين) يعينني لاخذ حقي من الذين جلسوا مجلسي بعد الرسول صلي الله عليه و آله و سلم (الا اهل بيتي) من ابناء عمومتي و اولادي و من اليهم (فضننت بهم عن الموت) اصل الضن البخل، و المراد هنا تحفطت عليهم ان لا يموتوا في سبيل امري، اذا انا حاربت القوم، و لقد كان في اسباب عدم نهضه الامام، ذلك فلو قتل الامامان الحسن و الحسين انقطعت الامامه (و اغضيت علي القذي) القذي ما يقع في العين من ذرات التراب و ما اشبه فيوذي العين اذيه كثيره، و الاغضاء هو الاغماض، و ذلك كنايه عن شده تالمه عليه‌السلام من الغاصبين لمكانه (و شربت علي الشجي) هو ما يعترض في الحلق من عظم و نحوه مما يوذي الانسان اذيه كبيره، و الشرب عليه اكثر ايذائا، حيث لابد للانسان من الشراب (و صبرت علي اخذ الكظم) الكظم، الحلق، اي اني كنت كالشخص الذي اخذ حلقه …، من جهه اولئك الذين تقدموا علي، و في شده كشده الاختناق (و علي امر) اي كثر مراره (من طعم العلقم) اي الحنظل.
[صفحه 146]
و منها: اي بعض هذه الخطبه، و فيه ذم ابن العاص (و لم يبايع) عمرو بن العاص معاويه (حتي شرط ان يوتيه علي البيعه ثمنا) بان يوليه مصر لو تمت له و خرجت منيد الامام عليه‌السلام (فلا ظفرت يد البايع) هذا دعاء علي البائع و هو معاويه بعدم الظفر و الفوز (و خزيت امانه المبتاع) هو عمرو بن العاص الذي ابتاع ملك مصر بالبيعه لمعاويه، و معني خزيت، ذلت و سفلت، و المراد بالامانه الدين الذي جعله الله امانه عند الناس ليري كيف يودونها هل بحق ام يبيعونها بمقابل عرض زائل (فخذوا) يا اهل الكوفه- بعد ما عرفتم الامر بالنسبه الي اهل الشام- (للحرب اهبتها) اي استعدادها، و الحرب مونث سماعي (و اعدوا لها عدتها) اي لوازمها من سلاح و نحوه، و العده هي ما يهيئها الانسان لملاقات العدو (فقد شب) اي اشتغل (لظاها) اي نار الحرب، و اللظي هي النار المشتعله (و علا سناها) اي ضوئها، و هذا كنايه عن قرب الحرب (و استشعروا الصبر) اي اجعلوه شعاركم، فان الانسان المصمم علي الصبر ينجح (فانه) اي الصبر (ادعي الي النصر) اي كثر دعوه، فان الانسان الصابر لا يفر من الميدان بل يصمد كلف الامر، و الصمود سر النجاح.

خطبه 027

[صفحه 148]
و قد خطب عليه‌السلام هذه الخطبه حين بلغه ان جيش معاويه غزي بعض مملكته. قالوا: ورد الي الامام شخص من اهل الانبار يخبره ان سفيان بن عوف الغامدي قد ورد في خيل معاوي الي الانبار و قتل عامله حسان بن حسان البكري فصعد عليه‌السلام المنبر و خطب الناس و قال: ان اخاكم البكري قد اصيب بالانبار و هو مغتر، لا يخاف ما كان و اختار ما عندالله علي الدنيا، فانتدبوا اليهم حتي تلاقوهم فان اصبتم منهم طرفا انكلتموهم عن العراق ابدا ما بقوا. ثم سكت رجاء ان يجيبوه بشي‌ء فلم يفه احد منهم بكلمه فلما راي صمتهم نزل و خرج يمشي راجلا حتي احاط به قوم من اشرافهم و قالوا يا اميرالمومنين الا ترجع و نحن نكفيك؟ فقال: ما تكفوني و لا تكفون انفسكم فلم يزالوا به، حتي ردوه الي منزله، فبعث سعيد بن قيس الهمداني في ثمانيه الاف في طلب سفيان من عوف فخرج حتي انتهي الي ادني ارض قنسرين فاتوه فرجع، فخرج الامام مغضبا يجر ردائه حتي اتي النخيله و معه الناس فرقي رباوه من الارض فحمدالله و اثني عليه و صلي علي النبي صلي الله عليه و آله و سلم ثم قال: (اما بعد) اصله مهما يكن من شي‌ء بعد الحمد و الصلاه، فابدلت (مهما) ب(اما) و حذفت الجمله، و بقي لفظ (بعد) دا
لاعليها (فان الجهاد باب من ابواب الجنه) و هذا تشبيه، اذ كما ان باب الدار منفذ اليها، كذلك الجهاد منفذ الي الجنه، و سميت الجنه جنه، لتسترها بالاشجار، ماخوذه من (جن) بمعني استتر (فتحه الله لخاصه اوليائه) جمع ولي و هو المحب الموالي، و معني ذلك انه لا يوفق للجهاد الا خواص عباد الله الصالحين (و هو لباس التقوي) فكما ان اللباس يقي الانسان من الحر و البرد، و تجمله بين الناس، كذلك التقوي تقي الانسان من المعاصي و تجمله بين الناس لتحليه- بسببها- بالفضائل (و درع الله الحصينه) اي التي تحصن الانسان و تحفظه عن الاثام و المعاصي، و عن النار النكال في الاخره، و الدرع مونث سماعي (و جنته) هي (المجن) او بمعني وقايته (الوثيقه) التي يوثق بها. (فمن تركه) اي الجهاد (رغبه عنه) اي تنفرا عنه، و ذلك لا يكون الا بعد اجتماع الشرائط اذ الترك عند فقدها، ليس رغبه عنه، و انما لعدم امكانه و توفر شرائطه (البسه الله ثوب الذل) لان الاعداء يتسلطون عليه فيذل (و شمله البلاء) الشمله هي ما يشتمله الانسان و يلبسه، فان الاعداء اذا تسلطوا علي الانسان احاطوه بانواع البلاء في ماله و عرضه و سائر اموره، حتي كانه لبس شمله منه (و ديث) من (ديثه) باب التفعيل بمع
ني (ذلله) اي ذل (بالصغار) مقابل الكبر (و القمائه) يقال (قمي) الرجل، علي وزن (كرم) اي ذل و اهين (و ضرب علي قلبه بالاسداد) جمع سد، هو الحجاب الذي يحول بين الانسان و بين الحسنات الموجب الهلاكه في الدنيا و الاخره، فان الانسان لا يلبث ان يعتاد المنكرات و الاثام، و في ذلك كل شقاء و بليه. (و اديل الحق منه) اي اخذ انتقام الحق منه، حيث لم ينصره، و انتقام الحق بما يفعله سبحانه به من شقاء الدنيا و نار الاخره من (ادال) بمعني اخذ الدوله و ذلك (ب) سبب (تضييع الجهاد) و عدم القيام به في مقابل الباطل، و قد صار اهل الكوفه كما قال الامام عليه‌السلام حيث سيطر عليهم معاويه- بعد مده- فاذلهم بما لا فوقه ذله، بينما انهم لو كانوا يجاهدون فينصرون الامام و ولده الحسن عليهما السلام لكانوا امنع من عقاب الجو (و سيم الخسف) الخسف الذل و المشقه و سيم بمعني كلف، اي كلفه الباطل ما يذله و ما يشق عليه (و منع النصف) بمعني العدل، اي لم يعدل الاعداء فيه، بل يظلمونه و يجورون عليه.
[صفحه 150]
(الا) فليتنبه السامع (و اني قد دعوتكم) يا اهل الكوفه (الي قتال هولاء القوم) معاويه و اصحابه (ليلا و نهارا و سرا و اعلانا) اي جهارا (و قلت لكم اغزوهم) بالذهاب الي بلادهم لاستلابها منهم (قبل ان يغزوكم) و يستلبوا منكم بلادكم و يغيرون عليكم في بلادكم (فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم) عقر الدار و سطها (الا ذلوا) فان الانسان اذا بقي في داره لم يستعد للقتال، فاذا جائه جيش مستعد غلب علي اهل الدار، فاذلهم، بخلاف الانسان الذي يستعد للجهاد و الغزو، فانه لا يمكن ان يغزي في داره، لانه خارج متطلع مستعد، فاذا لاقاه جيش كان كفوا له (فتواكلتم) اي اوكل الامر بعضكم الي بعض (و تخاذلتم) اي تنحي كل واحد منكم ناحيه (حتي شنت الغارات) جمع غاره، و هي الدفعه من هجوم العدو، و شنها: الهجوم (عليكم) فقد امر معاويه جيشه بان ينالوا اطراف بلاد الامام لالقاء الرعب في قلوب الامه (و ملكت عليكم الاوطان) فقد كان جيش معاويه يسيطر علي بعض اطراف البلاد. و قد ذكر اهل السياسه، ان بعض الناس فيه طبيعه الاستعلاء يحب الترفع بالمال و الجاه و ما اشبه، و منهم رعاع يتبع الساده حيثما يوجهونهم، فمن جبل علي الاستعلاء بيده قلوب الرعاع، فاذا جلبه الانس
ان الي نفسه باشباع رغبته من اعطاء المال، او منح المنصب، تبع الانسان و جر اتباعه نحوه، و اذا اراد الانسان ان يعطي كل ذي حق حقه، اغضب، فان تمكن جاهر بالعداء و المبارزه، و ان لم يتمكن نافق و انتهز الفرص للنيل من كرامه الانسان، و هذا هو السر، لكثره اعداء الانبياء سواء غلبوا ام غلبوا، فانهم كانوا يريدون الحق، و اعطاء كل ذي حق حقه، و عدم منح الباطل شيئا، فكان ذلك غضب الذين يرون لانفسهم فضلا، فيحاربونهم او ينافقون اذا لم يجدوا للحرب سبيلا. و حيث ان الامام كان ينهج منهاج الانبياء، لم يكن اشراف قومه يطيعونه و يكفونه الامر، بخلاف معاويه الذي كان يعمل بما يقوي سلطانه، فمثلا لو كان الامام اعطي طلحه و الزبير الكوفه، و البصره، و معاويه الشام، و عائشه عشره الاف درهم كل سنه- كما اعطاها عمر، خلافا للعدل- لاستقامت له الامور، لكنه عليه‌السلام كان يري ان ذلك كله باطل، و لذا انقض هولاء عليه، بخلاف ابي‌بكر، الذي يمنح الفاسق الزاني (خالد بن الوليد) منصبا، و يسميه سيفا، و عمر الذي يعطي عائشه الاف الدراهم جورا في العطاء، و عثمان الذي يقرب بني‌اميه و يركبهم روس المسلمين و يبعد اباذر العظيم، و معاويه الذي يعطي مصر ابن النابغه عمرو بن ا
لعاص في سبيل تقويه سلطانه … نعم قد تساعد الظروف احدا، فيتمكن ان يسلح نفسه ليعمل الحق، و يسيطر علي اصحاب الاطماع حتي لا يتمكنوا من القيام ضده علنا، و يتولد من ذلك النفاق، كما تمكن الرسول صلي الله عليه و آله و سلم من ذلك، و لذا كثر المنافقون حوله، حتي نزلت فيهم آي من الذكر الحكيم. (و هذا اخو غامد) هو سفيان بن عوف من بني غامد قبيله من اليمن بعثه معاويه لشن الغارات علي اطراف العراق تهويلا لاهلها (قد وردت خيله الانبار) هو بلده عراقيه كما ذكروا (و قتل حسان بن حسان البكري) و الي الامام عليه‌السلام علي هناك (و ازال خيلكم عن مسالحها) جمع مسلحه و هي الثغر سمي بذلك لانه محل السلاح (و لقد بلغني ان الرجل منهم) اي من جيش معاويه (كان يدخل علي المرئه المسلمه و) المرئه (الاخري المعاهده) اي المسيحيه و اليهوديه اللتين في عهد الاسلام و ذمته (فيتنزع حجلها) اي خلخالها و هو الذهب و الفضه المصنوع لزينه الرجل (و قلبها) هو السوار زينه اليد (و قلائدها) جمع قلاده ما تلبسها المرئه في عنقها للزينه (و رعاثها) جمع (رعثه) بمعني القرط ما يلبس في الاذن (ما تمتنع) تلك المرئه المسلوبه (منه) اي من ذلك الرجل الناهب (الا بالاسترجاع) بان تقول (انا
الله و انا اليه راجعون) ان تردد صوتها بالبكاء (و الاسترحام) بان تطلب رحمه و شفقته لعدم ان ينالها بمكروه. (ثم انصرفوا) جيش معاويه (وافرين) تامين عددهم لم ينقص احدهم بالقتل (ما نال رجلا منهم كلم) اي جرح، لانه يقابلهم احد من جيش العراق و رجاله (و لا اريق لهم دم) اي لم يجرحهم احد حتي يراق علي الارض دمهم و هذا مما يشجع اولئك الغزات علي اعاده الغزو و الارهاب لانهم لم يروا مقابله و مقاتله (فلو ان امرئا مسلمامات من بعد هذا) الحادث (اسفا) اي حزنا (ما كان به) اي بسبب موته (ملوما) فلا يلام علي موته لم قد مات؟ (بل كان به) اي بالموت (عندي جديرا) اي حقيقا حريا
[صفحه 153]
(فيا عجبا) اي يا عجبي و المنادي المضاف الي الياء يجوز فيه تبديل ياء المتكلم بالالف، كما قال ابن مالك (و اجعل منادي صح ان يضف ليا) (كعبد عبدي عبد عبدا عبديا) و المنادي اما محذوف بمعني يا قوم اعجب انا او هو هو المنادي اي يا عجبي احضر فهذا و قتك (و الله يميت القلب) و يخمد فيه النشاط (و يجلب الهم) و الحزن و هذه جمله معترضه بين العجب و المتعجب منه. (من اجتماع هولاء القوم) اي معاويه و اصحابه (علي باطلهم) الذي دعوي الخلافه و الاستقلال في الاماره و سائر اعمالهم المنكره (و تفرقكم عن حقكم) فان لكم آراء مختلفه لا تجتمعون علي الطاعه، كاجتماع اولئك و لقد كان بامكان الامام ان يجمعهم علي الطاعه بمنع الروساء منهم ما يريدون و قتل المعارضين حتي يصفوله الجو لكن كان ذلك خلاف الحق و لذا كف الامام عنه بل اراد عليه‌السلام ان يجمعهم الحق فلم يجتمعوا (فقبحا لكم) منصوب بفعل محذوف اي قبح الله قبحا لكم (و ترحا) الترح مقابل الفرح بمعني الهم و الحزن (حين صرتم غرضا) هو ما يجعل في محل ليجرب الرمات مقدار اصابتهم الهدف فيرميه كل واحد منهم (يرمي) فانكم مثل الغرض في تناول كل احد عليكم بالسوء و الهجوم. (يغار عليكم) اي يهجمكم اصحاب
معاويه (و لا تغيرون) فلا تهجمون معاويه و بلاده (و تغزون) اي يغزوكم العدو (و لا تغزرن) فانكم لا تردون الاعتداء بمثله (و يعصي الله) يعصيه معاويه و اصحابه (و ترضون) فان السكوت علامه الرضا (فاذا امرتكم بالسير اليهم في ايام الحر) كالصيف (قلتم) معتذرين (هذه حماره القيظ) اي شده الحر فان حماره بمعني ذلك، و القيظ فصل الصيف (امهلنا يسبخ عنا الحر) التسبيخ التخفيف و التسكين، و معناه حتي يخف الحرفان السفر و القتال في ايام الحراشد وقعا علي الانسان (و اذا امرتكم بالسير اليهم في الشتاء) و ايام البرد (قلتم) معتذرين (هذه صباره القر) بمعني البرد، و الصباره شده برد الشتاء (امهلنا ينسلخ) و يذهب (عنا البرد) فان الهواء البارد يوذي الانسان المسافر. (كل هذا) تقولون (فرارا من الحر و القر) اي البرد، و نصب فرارا، لكونه مفعولا لاجله (فاذا كنتم من الحر و القر تفرون) و لا تريدون السفر و القتال فيهما (فانتم و الله من السيف افر) اي ااكثر فرارا و لعل قوله (كل هذا) علي نحو الاستفهام الانكاري، لاعلي نحو الجمله الخبريه، فالمعني الانكار عليهم بكون فرارهم- كما يقولون- من الحر و البرد و انما من القتال (يا اشباه الرجال) جمع شبه اي انتم في شكل الرجا
ل (و لا رجال) ليس فيكم حقيقه الرجوليه فان الرجل يكون ذا غيره و حميه و انقه من ان يغار ويهان و يذل (حلوم الاطفال) اي فيكم عقول الاطفال التي لا تقدر الاشياء قدرها الحقيقي (و عقول ربات الحجال) جمع (ربه) و هي المرئه العروسه التي في الحجله، فان عقلها غير كامل و لا ناضج لانها جديد العهد بالدخول في مزدحم الحيات، حتي ان العجوز اعلي منها عقلا و تجربه. (لوددت اني لم اركم) بان لم اكن سافرت من الحجاز الي العراق لا راكم (و لم اعرفكم) ثم بين ذلك بقوله (معرفه) اي اني معرفتي لكم معرفه (- و الله- جرت ندما) الي (و اعقبت) اي خلفت (سدما) اي هما واسفا (قاتلكم الله) دعاء عليهم بان يهلكهم الله و انما جي‌ء بباب المفاعله، لان الاصل قتل احد لاحد، انما يكون من طرفين كل يريد قتل صاحبه، و ان كان هذا المعني مفقودا في اهلاك الله سبحانه، كما قال سبحانه (قاتلهم الله اني يوفكون) (لقد ملئتم قلبي قيحا) هذا تشبيه فان الحمل المتقيح يتالم و يشتد وجعه، و هكذا قلب الامام عليه‌السلام كان متالما منهم اشد التالم كالمكان المجروح المتقيح. (و شحنتم صدري غيظا) الشحن هو الملاء، اي ملئتم، و انما نسب الي الصدر لان القلب الذي هو محل النفس في الصدر، و الغيظ هو
الحزن علي الامر مع اراده الانتقام و الدفع (و جرعتموني نغب) جمع نغبه مثل جرعه لفظا و معني (التهمام) بمعني الهم (انفاسا) جمع نفس، اي اشربتموني بعدد انفاسي جرعا من الهم و الحزن بما فعلتم من المعصيه و مخالفه الامر (و افسدتم علي رايي بالعصيان و الخذلان) فقد عصيتموني و تركتم او امري، و الخذلان هو ترك الشخص وحده بلا نصره و اعانه (حتي لقد قالت قريش ان ابن ابي‌طالب رجل شجاع و لكن لا علم له بالحرب) لانه لو كان عالما بالحرب لم يغلبه معاويه و لم تدر قريش ان عدم نصرتي انما هي من اصحابي الذين لا يطيعون او امري و يخذلونني (لله ابوهم) كلمه تعجب و استغراب، و اصلها التعجب عن شي‌ء حسن، نحو (لله دره) فان الشي‌ء او الشخص الذي لله يكون حسنا جميلا، و من المعلوم ان اب الانسان لو كان حسنا في افعاله سري ذلك الي اولاده فان الولد سر ابيه. (و هل احد منهم) اي من قريش (اشد لا) اي للحرب- و هي مونث سماعي- (مراسا) مصدر (مارسه) اي عالجه و زامله، حتي عرف جميع خصوصياته (و اقدم فيها) اي في الحرب (مقاماني) اي قياما بشئونها و خوضا فيها (لقد نهضت فيها) اي في الحرب (و ما بغلت العشرين) من العمر (و ها) للتبنيه (انا ذا) الانسان السابق المقدم (قد ذرفت ع
لي الستين) اي زدت عليها (و لكن لا راي لمن لا يطاع) فان اصحابي اذا لم يطيعوني لا ينفذ رايي حتي يتبين ان ارائي مصيبه و خططي في الحرب تفوق خطط معاويه و من ماثله من الانتهازيين و (لا اري) نفي الحقيقه مجازا اي لا يفيد راي من لا يطاع رايه.

خطبه 028

[صفحه 157]
و فيها التحذير من الدنيا و الترغيب في الاخره و الوعظ و الزجر (اما بعد) اصله مهما يكن من شي‌ء بعد الحمد و الصلاه، فبدلت (مهما) ب(اما) و حذفت سائر الجمله ما عدا (بعد) (فان الدنيا قدا دبرت) فان الانسان اذا جاء الي الدنيا، كانت الدنيا معدبره عنه اذ في كل ساعه ينقص من عمره جزء و تتاخي الدنيا عنه (و اذنت بوداع) اي اعلنت بانها تودع اهلها للرحيل عنهم، و اذانها ما تري الناس من مصرع ابائهم او صدقائهم (و ان الاخره قد اشرفت باطلاع) الاطلاع هو الاتيان فجئه، يقال اطلع فلان علينا اي اتانا فجئه و اشراف الاخره قربها، فان كل يوم تتقدم الاخره الي الانسان بمقدار تاخر الدنيا عنه (الا و ان اليوم المضار) محل ضمور الخيل، فان الخيل اذ اريد المسابقه عليها تضمر لتهزل فتتمكن من الجري سريعا، و المعني ان الانسان في الدنيا كالخيل في محل الاضمار فان عمل بما يجب عليه سبق هناك و ان لم يعمل تاخر. (و غدا) اي يوم القيامه (السابق) اي المسابقه، لانه يعرف هناك من السابق الي الجنه- باختلاف درجاتها- و من التاخر الي النار- باختلاف دركاتها- (و السبقه) هي الغايه التي يجب علي السابق ان يصل اليها- و سياتي في كلام السيد معني اخر له- (الجنه)
فان السابق يفوز بها (و الغايه النار) فان الموطن الاخير الذي ينتهي اليه الانسان الذي لم يعمل هي النار … ثم عطف الامام عليه‌السلام الي العظه و التحذير (افلا تائب من خطيئته)؟ استفهام ترغيبي يريد الامام عليه‌السلام الترغيب في التوبه (قبل منيته) اي قبل موته (الا عامل لنفسه) اي لنجاتها و خلاصها (قبل يوم بوسه) البوس سوء الحاله، و اشتداد الحاله (الا) فليتنبه السامع (و انكم في ايام امل) يامل كل حسن العاقبه (من ورائه اجل) اي من وراء الامل الموت. (فمن عمل في ايام امله) في الدنيا (قبل حضور اجله) و موته (فقد نفعه عمله) لانه يري ثوابه في الاخره (و لم يضره اجله) اذ غير العامل يضره اجله، لما يلاقي من الاهوال و العذاب (و من قصر في ايام امله) بان لم يعمل كما ينبغي (قبل حضور اجله) و موته (فقد خسر عمله) الذي عمل من الاثام و المعاصي (و ضره اجله) لانه يبتلي هنا لك بالعذاب و النكال (الا فاعلموا) ايها الناس (في الرغبه) اي في السراء و الحالات الحسنه (كما تعملون في الرهبه) اي في الضراء و الحالات السيئه، فان من عاده الانسان ان ينسي الله سبحانه حاله السراء و يذكر حاله البوس و الشدائد (الا و اني لم اركالجنه نام طالبها) (نام) بمعني (له
يعمل) (و لا) رايت (كالنار نام هاربها) اي الذي يخاف منها، و هذا كنايه لعدم العمل الموجب للجنه و الخلاص من النار مع عظم الامرين- بما لاعظم فوقهما-. (الا و انه من لا ينفعه الحق) بان لم يتبعه لينتفع به (يضره الباطل) اذ هناك طرفان فمن لم يلتحق بطرف الحق لابد و ان يلتحق بطرف الباطل و يضره ذلك فان لم يجد يبخل، و من لم يقدم يحجم، و من لم يشجع يجبن و هكذا (و من لم يستقم به الهدي) اي لم ينفعه الهدي فلم يقمه عن الاعوجاج و الضلال (يجر به الضلال الي الردي) اي الهلاك، كما قال سبحانه (انا هديناه السبيل اما شاكرا و اما كفورا) (الا) فليتنبه السامع (و انكم قد امرتم بالظعن) اي الرحيل عن الدنيا (و دللتم علي الزاد) اي دلكم الكتاب و السنه علي لوازم هذا السفر الطويل و هو تقوي الله و العمل الصالح (و ان اخوف ما اخاف عليكم) اي اشد الاشياء التي اخافها عليكم (اثنتان) اي خصلتان (اتباع الهوي) الهوي ميل النفس الي الملذات حلالا كانت او حراما، و اتباع الهوي غالبا يردي الانسان. (و طول الامل) بان يامل الانسان البقاء في الدنيا طويلا فان الانسان اذا امل البقاء الطويل يقترف الاثام و يقول سوف اتوب و بعد لامر انقلع (فتزودوا من الدنيا) اي خذوا زادكم
للاخره (ما تحرزون) اي تحفظون (انفسكم) عن النار (به) اي بذلك الزاد (غدا) في الاخره، يقال حرز نفسه اذا حفظها عن العطب و الهلاك. قال السيد الشريف الرضي (ره): اقول: لو كان كلام ياخذ بالاعناق الي الزهد في الدنيا و يضطر الي عمل الاخره لكان هذا الكلام، و كفي به قاطعا لعلائق الامال، و قادحا زناد الاتعاظ الازدجار، و من اعجبه قوله عليه‌السلام: (الا و ان اليوم المضمار و غذا السباق و السبقه الجنه و الغايه النار) فان فيه مع فخامه اللفظ و عظم فدر المعني و صادق التمثيل و واقع التشبيه سرا عجيبا و معني لطيفا و هو قوله عليه‌السلام: (و السبقه الجنه و الغايه النار) فخالف بين اللفظين لاختلاف المعنيين. و لم يقل السبفه النار كما قال: البسقه الجنه لان الاستباق انما يكون الي امر محبوب و غرض مطلوب و هذه صفه الجنه و ليس هذا المعني موجودا في النار نعوذ بالله منها فلم يجز ان يقول و السبقه النار بل قال و الغايه النار، لان الغايه ينتهي اليها من لا يسره الانتهاء و من سيره ذلك، فصلح ان يعبر بها عن الامرين معا فهي في هذا الموضوع كالمصير و المال، قال الله تعالي: (قل تمتعوا فان مصيركم الي النار) و لا يجوز في هذا الموضع ان يقال سبقتكم (بسكون ال
باء) الي النار فتامل ذلك فباطنه عجيب و غوره بعيد و كذلك اكثر كلامه عليه‌السلام (و في بعض النسخ) و قد جاء في روايه اخري (و السبقه الجنه) بضم السين، و السبقه عندهم اسم لما يجعل للسابق اذا سبق من مال او عرض و المعنيان متقاربان لان ذلك لا يكون جزاء في فعل الامر المذموم و انما يكون جزاء علي فعل الامر المحمود.

خطبه 029

[صفحه 161]
و قد خطب عليه‌السلام بهذه الخطبه حين بلغه ان الضحاك اغار علي الحجاج بامر معاويه و ذلك ان معاويه لما سمع باختلاف الناس علي علي عليه‌السلام و تفرقهم عنه و قلته من قتل من الخوارج بعث الضحاك بن قيس في اربعه الاف فارس و امره بالنهب و الغاره علي اطراف بلاد الامام لالقاء الرعب و الخوف في قلوب الناس لينفضوا عن علي عليه‌السلام، فان الناس اذا راو ضعف القياده لم يلتفوا حولها فاقبل الضحاك يقتل و ينهب حتي مر بالثعلبيه فاغار علي الحاج فاخذ امتعتهم و قتل عمرو بن عميس بن مسعود ابن اخي عبدالله بن مسعود صاحب رسول‌الله صلي الله عليه و آله و سلم و قتل معه ناسا من اصحابه فلما بلغ عليا عليه‌السلام ذلك استصرخ اصحابه علي اطراف اعماله و استشارهم للقاء العدو فتلكئوا فخطبهم بهذه الخطبه: (ايها الناس المجتمعه ابدانهم) فبعضهم تلو بعض (المختلفه اهوائهم) اي ارائهم فلكل واحد منهم راي خاص به (كلامكم يوهي) اي يضعف (الصم) جمع (اصم) و هو من الحجاره الصلب شبه بالاصم الذي لا يوثر فيه الكلام لفقد سمعه (الصلاب) جمع صلب و هو الشديد القوي اي ان كلامكم بقوته و بريقه يوثر في الحجر فيوهيه (و فعلكم) المنبي‌ء عن ضعفكم و عدم عزمكم علي الامر (
يطمع فيكم الاعداء) فان الاعداء اذا راوا قولهم خافوا و اذا راوا فعلهم المنبي‌ء عن ضعفهم طمعوا (تقولون في المجالس كيت و كيت) اي كذا و كذا، و هذا كنايه عن قولهم انما نعمل بالاعداء و نهجم عليهم و نبيدهم و ما اشبه ذلك و (كيت) لا يستعمل الا مكررا بدون حرف العطف او معه (فاذا جاء) وقت (القتال) و المبارزه (قلتم حيدي حياد) هذه كلمه يقولهاالهارب في من مصطلحهاتهم عند الفرار من الحرب من (حاد) بمعني مال و ااغرب، كانه يطلب من الحرب ان تميل عنه و لا تصيبه باذاها اي ميلي ميلا (ما عزت دعوه من دعاكم) اما جمله خبريه اي ليست عزيزه دعوته لانكم تخونون و لا تنصرون او دعاء عليهم بان يكونوا اذ لاء حتي لا يعتمد احد عليهم، لان الرئساء اذ راوا تفرقهم لم يعتمدوا عليهم (و لا استراح قلب من قاساكم) اي رافقكم لانكم تخالفونه فهو في تعجب دائم منكم (اعاليل) جمع اعلال، جمع علل، جمع عله، و هو مرض و نحوه مما يتعلل به الانسان (باضاليل) جمع اضلوله و هو الباطل اي انكم تتعللون لخذلانكم و تفرقكم بالف باطل و ضلال (و سئلتموني) لفراركم عن الحرب (التطيل) في موعد الحرب بان تتاخرون عن النفور اليها، فانكم تدفعون الحرب عن انفسكم (دفاع ذي الدين) اي المديون (المط
ول) اي الكثير المطل- و هو تاخير اداء الدين بغير عذر- اي انكم في دفع الحرب عن انفسكم تشبهون دفاع المديون الدين عن نفسه بلا عذر وجهه، و انما فرارا عن الاداء فقط. (لا يمنع الضيم) اي الظلم (الذليل) فان الانسان الذليل لا قوه له حتي يتمكن من دفع الظلم و الوقوف دون الظالم لئلا يظلم (و لا يدرك الحق لا بالجد) في مقابل الهزل، فان العمل الجدي هو الذي يسبب ادراك الحق و الوصول اليه، و في هاتين الجملتين تلميح الي انهم اذ لاء غير جادين في اعمالهم (اي دار بعد داركم تمنعون) اي اذا لم تدافعوا عن بلادكم فعن اي بلاد تدافعون؟ و هذا تحريض لهم علي الدفاع لان الاغاره و قعت علي بلادهم (و مع اي امام بعدي تقاتلون)؟ فان الامام عليه‌السلام كان جامعا بشرائط الامامه فلو كان الانسان يدافع عن امامه لكان الامام عليه‌السلام احق الناس بالدفاع عنه (المغرور- و الله- من غررتموه) فان الذي يخدع بكم، هو المخدوع الكامل، اذ لا تمدون اليه يد العون ابدا، فهو كامل الغرور اذ غره من لم يف له بشي‌ء اصلا (و من فاز بكم) بان صار رئيسكم (فقد فاز- و الله- بالسهم الاخيب) و هو من سهام الميسر الذي لا حظ له و اخيب تفضيل من الخيبه بمعني الفشل و عدم الفوز. (و من رمي ب
كم) كنايه من معاضدتهم في الحرب كالرامي الذي يعتمد علي سهمه و رميه في الحرب (فقد رمي بافوق ناصل) (الفوق) موضع الوتر من السهم، و الا فوق السهم المكسور فوقه و الناصل العاري عن النصل، و هي الحديد الي تغرز في الجسم علي راس خشب السهم يعني ان من رمي باهل الكوفه فكانما رمي بسهم لا يثبت في الوتر حتي يرمي، و ان رمي به لم يقتل احدا اذ لا نصل له (اصبحت- و الله- لا اصدق قولكم) فيما تقولون، فان الانسان لا يصدق كثير القول، الذي لا يعمل ابان العمل (و لا اطمع في نصركم) لعلمي بخذلانكم (و لا اوعد العدوبكم) الايعاد هو وعد الشي‌ء اي لا اتمكن تهديد العدو بان لي جنود الكوفه لعلمي بعدم نصرتكم (ما بالكم)؟ استفهام انكاري اي لا دواء لدائكم النفسي. (ما طبكم)؟ استفهام انكاري، اي لا يمكن شفائكم من مرض التفرق و التشتت و عدم الاستقامه و عدم العمل (القوم) اصحاب معاويه الذين ياتمرون باوامره الباطله (رجال امثالكم) فلما ذا لا تكونون مثلهم في العمل و الاقدام؟ (اقولا بغير عمل)؟ استفهام انكاري اي هل تقولون قولا- بانما نفعل كذا و كذا- بغير ان تعملون بقولكم (و غفله من غير ورع)؟ اي انكم غافلون عن شئون دنياكم، لا مثل غفله الناس المتقين الذين غفلتهم ع
ن الدنيا انما هي لاشتغالهم بامور الاخره (و طمعا في غير حق)؟ اي انكم تطمعون طمعا في المال حين تقسيم بيت‌المال، و في الجاه و المنصب بغير ان يكونوا مستحقين لذلك، لانهم لا يعملون حيي يستحقوا المزيد من الفي‌ء و المناصب الرفيعه في الدوله.

خطبه 030

[صفحه 165]
في معني قتل عثمان يفصل عليه‌السلام فيه حديث قتله و انه لم قتل؟ (لو امرت به) اي بقتل عثمان (لكنت قاتلا) لان السبب كالمباشر في الفعل (او نهيت عنه) اي عن قتله (لكنت ناصرا) له فان الامام حيث نصح الطرفين و لم ينفع فيهما النصح اعتزل الامر فلم يامر و لم ينه و ان كان المجرم في الامر عثمان حيث خالف وعده و اراد الفتك بالطالبين للاصلاح في قصه طويله- راجع الغدير للاميني- (غير ان من نصره لا يستطيع ان يقول) في مقام ترجيح نفسه علي قاتليه (خذله من انا خير منه) فمروان- مثلا- لا يتمكن ان يقول انا خير من الثائرين لاني نصرت عثمان و هم خذلوه فان نصره رجل مثل عثمان لا يوجب مدحا للناصر (و من خذله) كالثائرين (لا يستطيع ان يقول نصره من هو خير مني) كان يجعلوا مروان، خيرا من انفسهم، اذ نصره عثمان لا توجب خيريه الناصر من الخاذل، و من هذا الكلام يفهم ان الامام عليه‌السلام كان ناقما علي عثمان و علي ناصريه، اذ لم يعكس الامر في الفقره الثانيه. (و انا جامع لكم امره) اي امر قتل عثمان، و معني (جامع) ملخص لكم الواقعه (استاثر) عثمان اي استبد بارائه (فاساء الاثره) فان المستبد برايه الذي يسلك طريق الحق لا غضاضه عليه، اما المستبد الم
سي‌ء فانه يستحق كل لوم و اثم (و جزعتم) عن اعماله و استبداده (فاساتم الجزع) اذ الجزع اورث قتلا سبب انقسام المسلمين و لعله لو كان الجزع مع الحنكه و التروي- اكثر مما تروا و صبروا- لكان افضل اذ لعله حصلوا علي مخرج من الامر (و لله حكم واقع) في الدنيا، او المراد حكمه في الاخره (في المستاثر) و هو عثمان (و الجازع) و هم الثوار، فانه يعاقب- في الاخره- المخطي‌ء منهما كما انه ترك الامر بالاختيار و الاراده- في الدنيا- حتي وقع ما وقع كما هو شانه سبحانه حيث جعل الدنيا دار اختبار و اختيار و ليمتحن الناس علي اعمالهم.

خطبه 031

[صفحه 167]
و قد ارسل عليه‌السلام عبدالله بن عباس الي الزبير يطلب عنه الرجوع عن الحرب و ذلك قبل وقوع حرب الجمل (لا تلقين) يابن عباس (طلحه فانك ان تلقه) من (لقي) بمعني المواجهه و المكالمه حول رجوعه عن الحرب (تجده كالثور عاقصا قرنه) من عقص الشعر اذا قتله و لواه و هذا كنايه عن كبريائه، فان الثور الذي يلوي قرنه- طبيعيا- فيه من القوه البدنيه شي‌ء كثير و هكذا المتكبر فيه من الكبر النفسي شي‌ء غير قليل (يركب الصعب) اي الامور الشاقه و ركوبها كنايه عن اقدامه عليها (و يقول هو الذلول) الذلول الابل اليسير الذي لا يوذي صاحبه، مقابل الصعب، يعني انه لكبره يستهين بالامور الصعبه، و هذا غير استسهال الانسان في سبيل الحق امرا مشكلا، فان الاول كبرياء، و الثاني علو همه- و بينهما فرق واضح (و لكن) يابن عباس (الق الزبير) ابن العوام (فانه الين عريكه) هي بمعني الطبيعه، و اصل العرك دبغ الجلد بالدلك و نحوه، كانه يوجب لينه و نضجه بخلاف الجلد الذي لم يدبغ. (فقل له) اذا لقيته (يقول لك ابن خالك) يعني نفسه عليه‌السلام و علي ابن خال الزبير لان اباطالب و صفيه ام الزبير من اولاد عبدالمطلب بن هاشم (عرفتني بالحجاز) حيث بايعتني، فان الانسان المبا
ئع لابد و ان يعرف المبائع له و الا لم يبايعه (و انكرتني بالعراق) حيث جئت لمحاربتي و المحارب لابد و ان ينكر فضل الانسان و الا لم يحارب (فما عدا مما بدا) يقال عداه الامر بمعني صرفه و بدا بمعني ظهر، و (من) للاستبداء اي ما الذي صرفك مما ظهر منك- في الحجاز- من بيعتي؟ و قد كان الجواب واضحا فانه صرفه حب الرئاسه و قد قال الرسول الاعظم صلي الله عليه و آله و سلم: حب المال و الجاه ينبتان النفاق في قلب الرجل المومن كما ينبت الماء البقل.

خطبه 032

[صفحه 169]
و فيها يصف زمانه بالجور و يقسم الناس الي اقسام (ايها الناس انا قد اصبحنا في دهر عنود) الدهر قطعه من الزمان، و قد يطلق علي الزمان كله، و عنود من (عند) علي وزن (نصر) بمعني جار، و وصف الدهر بالعنود، باعتبار ما يقع فيه من الجور بعلاقه الحال و المحل، نحو جري النهر و الدنيا لم تخل من الجور، و لكن قد يكون الجور ظاهرا شاملا و قد يكون قليلا غير ظاهر، و قد كان زمان الامام عليه‌السلام، من القسم الاول، لكثره الفتن فيه في البلاد الاسلاميه (و زمن كنود) اي الكفور ثم بين الامام عليه‌السلام سبب ذلك بقوله (يعد فيه المحسن مسيئا) لان طبائع الناس اذا مالت الي الاسائه نفرت من الاحسان فيعدون العامل به مسيئا (و يزداد الظالم فيه عتوا) اي تكبرا و تجبرا، لما يجد من الانصار و الاعوان (لا ننتفع بما علمنا) من عاده البلغاء ان ينسبون الي انفسهم القضايا العامه، تليينا للموقف، و بيانا للعموم. (و لا نسال عما جهلنا) من الاحكام و الاداب (و لا نتخوف قارعه) هي الخطب العظيم ينزل علي الناس من قحط او غلاء او امراض او تسلط الاعداء او ما اشبهه، و سميت قارعه لانها تقرع الناس بالشده، و القلوب بالفزع (حتي تحل بنا) ثم فصل الامام عليه‌السلام
احوال الناس، استدلالا لما ذكره من كون الدهر عنودا … الخ (فالناس علي اربعه اصناف منهم) اناس فاسدون في انفسهم و قلوبهم و انما لا يفسدون لضعفهم و هم (من لا يمنعه الفساد) اي من الفساد (الامهانه نفسه) من (هان)، بمعني ذل و خف اي خمولها و عدم وجود انصار و قوه بهما يفسد (و كلاله حده) اي ضعف سلاحه عن القطع يقال كل حد السيف اذا ضعف سلاحه عن القطع يقال كل حد السيف اذا ضعف عن القطع (و نضيض وفره) النضيض القليل و الوفر المال اي قله ماله فليس له مال يصرفه في افساده و شهوات نفسه. (و منهم المصلت لسيفه) يقال اصلت سيفه، اي جره و شهره علي الناس، يعني انه مبطل قوي يشهر سيفه في وجه المحق (و المعلن بشره) اي المظهر شره (و المحلب بخيله و رجله) اي جمع انصاره ممن له فرس و ممن هو راجل و هذا كنايه عن جمعه انصاره لمكافحه الحق و اظهار الباطل (قد اشرط نفسه) اي هياها و اعدها للفساد (و اوبق) اي اهلك (دينه) بما عمل من الاثام (لحطام) هو المتكسر من النبات بعد اليبس و قد شبه الدنيا بذلك لان مال اخرها الي ذلك (ينتهزه) اي يختلسه و يحصل عليه (او مقنب) طائفه من الخيل (يقوده) يعني انه انما ما فعل اما للجاه بان يحصل عل الحطام، و اما للجاه بان يرئس فئ
ه، هم كالخيل التي بقودها الانسان الي حيث ما يريد (او منبر يفرعه) اي يعلوه من (فرع المنبر) اذا علاه بان يحصل علي منصب الجمعه و الجماعه و الخطابه، و كان (المقنب) للاماره و هذا للفقاهه و القضاء و نحوهما. (و لبئس المتجر) مصدر ميمي (ان تري) ايها الانسان (الدنيا لنفسك ثمنا) اي بئست التجاره تجاره من يتاجر للدنيا، لانه يراها ثمنا لا تعابه و اعماله مع ان الدنيا دار رحيل و زوال، فاللازم ان يعمل الانسان فيها للاخره لان يعمل لها (و) تري الدنيا (ممالك عند الله) اي من ثواب الذي لك عند الله سبحانه (عوضا) بان تترك الثواب و تاخذ الدنيا بدله (و منهم من يطلب الدنيا بعمل الاخره) فانه يصلي لرياء، و يدرس للشهره و ينفق لجلب الانظار الي نفسه و هكذا يعمل اعمال الاخره، و لكن ينوي بها تحصيل الدنيا (و لا يطلب الاخره بعمل الدنيا) فان الانسان يتمكن ان يجعل ضروريات الامور الدنيويه من قبيل الاكل و المقاربه و التجمل للاخره فياكل للتقوي علي العباده و يقارب لامر الله تعالي و حفظ نفسه عن الاثام و يتجمل لتقويه الحق بتحصيل الشوكه له، و هكذا. (قد طامن) فعل من الطمانينه، اي خفض (من شخصه) اي تواضع لان يخدع الناس بانه انسان خائف من الله، مع انه في قل
به يريد بذلك اصطياد السذج و تمكين نفسه في قلوب البسطاء (و قارب من خطوه) بان يمشي بخطي متقاربه تشبها بالصالحين، ليخدع الناس بانه منهم (و شمر من ثوبه) اي رفعه من الارض، ليظهر انه متقي يتجنب من ان يمس ذيله الاراضي المحتمله للنجاسه (و زخرف من نفسه للامانه) اي زين نفسه بزينه الصالحين، كالخضاب، و لبس الخواتيم و ما اشبه ذلك، كل ذلك لان يري صلاحه، فياتمن الناس به، و يجعلوه في محل القدس و التقوي (و اتخذ ستر الله) له بان لم يظهره سبحانه علي حقيقته و خداعه (ذريعه) اي وسيله (الي المعصيه) لانه مخادع، يريد بهذه الاعمال النيل من الدنيا و الرئاسه علي الناس فقد جعل مظاهر الدين وسيله لاصطياد الدنيا. (و منهم من اقعده عن طلب الملك ضوله نفسه) اي صغرها، فهو انما يترك طلب الملك لا تورعا و خوفا من التلوث بالاثام بل لان نفسه ضئيله حقيره لا ترتفع الي معالي الامور (و انقطاع سببه) اي لا اسباب له بها يتوصل الي الملك من مال و قوه و عشيره و ما اشبه (فقصرته الحال) الحال يجوز فيه التذكير و التانيث (علي حاله) اي حصرته ضوله نفسه علي حاله الذي هو فيه بدون ان يترقي و يرتفع (فتحلي) اي تزين (باسم القناعه) بان اظهر نفسه: انه قانع لا يريد الملك، مع
انه يعلم في قراره نفسه، انه غير قادر (و تزين بلباس اهل الزهاده) بان اظهر نفسه زاهدا في الامر غير راغب في الملك (و) الحال انه (ليس من ذلك) الذي يظهره من القناعه و الزهد (في مراح و لا مغدي) المراح المحل الذي تائوي اليه الماشيه بالليل و المغدي المحل الذي تاوي اليه بالنهار و هذا كنايه عن انه لا محل له في صف الزهاد، في اي وقت من الاوقات. (و بقي رجال) ليس اولئك في صف الاقسام الاربعه السابقين (غض ابصارهم) اي غمضها (ذكر المرجع) اي المعاد، فان خوفهم من يوم القيامه اوجب ان يغضوا ابصارهم عن شهوات الدنيا و متعها (و اراق دموعهم) اي اسلبها (خوف المحشر) فان الانسان اذا خاف من شي‌ء خوفا كثيرا بكي (فهم بين شريد) يشرد من الناس خوف ان يشترك معهم في عصيان يرتكبونه (ناد) هو الهارب من الجماعه الي الوحده (و) بين (خائف) من الله و هو في المجتمع (مقموع) اي مقهور قد اشتمل علي ذل العبوديه (و) بين (ساكت مكعوم) من (كعم البعير) اذا شدفاه لئلا ياكل او يوذي باسنانه، اي ان الخوف قد شد فاه فلا يتكلم خوفا من ان يجلب اليه الكلام عصيانا و اثما. (و) بين (داع) يدعو الله سبحانه او يدعو اليه تعالي (مخلص) لا يريد بذلك غير وجهه (و ثكلان) الثكل الحزن ع
لي فقد بعض الاشياء المحبوبه (موجع) اي انه محزون حزنا شديدا علي فقد بعض المراتب منه في الاخره، لانه يري نفسه مقصرا امام عطمه الله سبحانه (قد اخملتهم التقيه) يقال اخمله اي اسقط ذكره، فلا ذكر له بين الناس، و التقيه هي اتقاء المعاصي، فان الانسان المتقي يتجنب عن المجتمعات خوف الوقوع في المعاصي، فيخمل ذكره، لان الناس لا يحتلفون الا بمن عاشرهم (و شملتهم الذله) اي ذله العبوديه و الطاعه لله تعالي. (فهم في بحر اجاج) اي بحر مالح و هذا كنايه عن عدم انسياقهم وراء شهواتهم حتي يلتذون بالمعاصي كالتذاذ اهل الدنيا (افواهم ضامزه) من (ضمز) بمعني (سكن) اي لا تتكلم كثيرا (و قلوبهم قرحه) اي مجروحه و هذا كنايه عن تالم قلوبهم خوفا من الاخره، و تالمها لما يرون من الكفر و العصيان في الناس (و قد وعظوا) الناس بامرهم بالتقوي (حتي ملوا) اي ملهم الناس و سئموا من كلامهم- هذا اذا كان الفعل بالبناء للمفعول- اما لو كان بالبناء للفاعل، فالمعني انهم ملوا من كثره الوعظ و اخذهم السام (و قهروا) اي قهرهم الاعداء (حتي ذلوا) فان الاعداء اذا قهرهم ذلوا، اذ الانسان المقهور ذليل في نفسه (و قتلوا حتي قلوا) اي قتل منهم الاعداء حتي قل عددهم و هذا تحفيز للاخ
يار علي مقارعه الاشرار و ان قهروهم و قتلوا منهم. (فلتكن الدنيا في اعينكم) ايها الناس (اصغر من حثاله القرظ) الحثاله القشاره و ما لا خير فيه كالثقل و نحوه و القرظ ورق السلم يدبغ به فان حثاله القرظ لا قيمه لها اطلاقا و لا ينظر اليها احد نظر الاعتبار (و قراظه الجلم) الجلم هو المقراض يجز به الصوف و نحوه، و قراضته ما يسقط منه عند القرض و الجز (و اتعظوا) اي خذوا العبره و الوعظ (بمن كان قبلكم) من الناس الذين اسلبهم الدهر نعمهم (قبل ان يتعظ بكم من بعدكم) بان يسلب الدهر نعمكم فتكون عبره و موعظه للذين ياتون من بعدكم (و ارفضواها) اي الدنيا (ذميمه) اي في حال كونها مذمومه فلستم ترفضون شيئا ممدوحا بل شيئا مذموما (فانها قد رفضت من كان اشغف بها منكم) اي اشد تعلقا بالدنيا منكم فانهم مع تعلقهم بالدنيا و حبهم الشديد لها، لم تف الدنيا بهم، و انما اهلكتهم و ابادتهم.

خطبه 033

[صفحه 176]
عند خروجه لقتال اهل البصره قال عبدالله بن عباس دخلت علي اميرالمومنين عليه‌السلام بذي قار و هو يخصف نعله، فقال: لي ما قيمه هذه النعل؟ فقلت لا قيمه لها. فقال: و الله لهي احب الي من امرتكم الا ان اقيم حقا او ادفع باطلا ثم خرج فخطب الناس فقال: (ان الله بعث محمدا صلي الله عليه و آله و ليس احد من العرب يقرا كتابا) اي كتابا سماويا صحيحا فان الكتب السماويه كانت قد حرفت، كما قال سبحانه (يحرفون الكلم) (و لا يدعي نبوه) و هذا كنايه عن عدم وجود نبي مرشد بين العرب فلم يكونوا يهتدون سبيلا، اذ الحق يظهر اما بالكتاب او بالنبي، و قد فقدت العرب كليهما (فساق الناس) الي الحق (حتي بواهم) اي اعطاهم المحل و المنزل (محلتهم) اي منزلهم اللائق بالانسان من الالتزام، بالعقائد الحقه و الفضائل و الاداب، و الاعمال الصالحه و النظام الصحيح (و بلغهم منجاتهم) اي محل نجاتهم (فاستقامت قناتهم) القناه هي الرمح، و المعني صاروا بعد الاعوجاج مستقيمين، و الاعوجاج هو في العقيده و الشريعه و سائر العادات و الملابسات (و اطمانت صفاتهم) اي ان صفاتهم كانت متزلزله لا رسوخ و لا ثبات فيها، اذ كانت الفوضي تشملهم، فهذا صفته الوئد و ذاك صفته الرحم، و
كل يفتخر بما اوتي و هكذا. (اما و الله ان كنت) (ان) مخففه من الثقيله، اي اني كنت (لفي ساقتها) و هي موخره الجيش التي تسوق الجيش حتي لا يبقي منه احد لا يسير جمع سائق (حتي تولت) اي فرت (بحذا فيرها) اي بجميعها فكان الامام عليه‌السلام كان في موخر جيش الكفر يسوقه نحو الايمان او الانهزام لئلا يبقي حدا امام حركه الاسلام، و الظاهر ان الظمائر عائده لي الجاهليه (ما عجزت) عن المقاومه (و لا جبنت) بان اخاف من كثره الاعداء (و ان مسيري هذا لمثلها) اي ان سيري الي قتال اهل البصره مثل تلك المسيره في زمان الرسول صلي الله عليه و آله و سلم لان كلا السيرين لمكافحه الباطل (و لا نقبن الباطل) النقب هو الثقب (حتي يخرج الحق من جنبه) فكان الباطل لباس، غشي به الحق فاذا نقب، فيه خرج من جنبه الحق، حتي يظهر للناس (ما لي و لقريش) يعني عليه‌السلام طلحه و الزبير و امثالهما من حاربوا الامام و نصبوا له العداء، و اصل الكلمه للاستفهام ثم استعملت للانكار و التقريع علي المقابل. (و الله لقد قاتلتهم) تحت رايه الرسول في حالكونهم (كافرين) بالله و اليوم الاخر (و لا قاتلنهم) الان في حال كونهم (مفتونين) قد فتنتم زهره الحياه الدنيا و زخرفها، و ان اظهر و الاس
لام (و اني لصاحبهم) اي الذي حاربهم (بالامس) في زمن الرسول صلي الله عليه و آله و سلم (كما انا صاحبهم اليوم) و هذا كنايه عن عدم تغيره عليه‌السلام عن الحاله التي كانت عليها في زمان الرسول صلي الله عليه و آله و سلم.

خطبه 034

[صفحه 178]
في استنفار الناس الي اهل الشام روي انه عليه‌السلام خطب بهذه الخطبه بعد فراغه من امر الخوارج، و قد كان قام بالنهروان بحمدالله و اثني عليه و قال: اما بعد فان الله تعالي قد احسن نصرتكم فتوجهوا من فوركم هذا الي عدوكم من اهل الشام فقالوا له قد نفذت نبالنا و كلت سيوفنا ارجع بنا الي مصرنا لنصلح عدتنا و لعل اميرالمومنين يزيد في عددنا مثل من هلك منا لنستعين به؟ فاجابهم عليه‌السلام يا قوم ادخلوا الارض المقدسه التي كتب الله لكم و لا ترتدوا علي ادباركم الايه، فتلكوا عليه و قالوا ان البرد شديد فقال عليه‌السلام انهم يجدون البرد كما تجدون اف لكم ثم تلاقو له تعالي: قالوا يا موسي ان فيها قوما جبارين الايه، فقام منهم ناس و اعتذروا بكثره الجراح في الناس و طلبوا ان يرجع بهم الي الكوفه اياما ثم يخرج بهم فرجع بهم غير راض فانزلهم نخيله و امرهم ان يلزموا معسركهم و يوطنوا علي الجهاد انفسهم و يقلوا زياره اهلهم فلم يقبلوا و جعلوا يتسللون و يدخلون الكوفه حتي لم يبق معه الا القليل منهم، فلما راي ذلك دخل الكوفه فخطب الناس و قال ايها الناس استعدوا لقتال عدو في جهادهم القربه الي الله و درك الوسليه عنده قوم حيادي عن الحق لا ينص
رونه موزعين بالظلم و الجور لا يعدولون به و حفاه عن الكتاب نكب عن الدين يعمهون في الطغيان و يتبعكون في غمره الضلال فاعدوا لهم ما استطعتم من قوه و من رباط الخيل و توكلوا علي الله و كفي بالله وكيلا؟ قال الراوي فلم ينفروا فتركهم اياما ثم خطبهم بهذه الخطبه فقال: (اف لكم) (اف) كلمه تضجر و ماياتي بعده يظهر المراد من الضجر (لقد سئمت) السام الملاله (عتابكم) اي ان اعاتبكم في الامر لما اري من انحرافكم (ارضيتم بالحياه الدنيا من الاخره عوضا)؟ استفهام انكاري، كيف رضيتم ان تكون الدنيا بدلا من الاخره بان تركتم اعمال الاخره، للحصول علي دنيا زائله، و التنعم بملذاتها (و بالذل من العز خلفا) اي هل رضيتم ان تذلوا تحت امره معاويه عوض العز الذي انتم فيه (اذا دعوتكم الي جهاد عدوكم) يعني معاويه و اتباعه (دارت اعينكم) بمعني اضطربت من الخوف و الجزع، فان الانسان الخائف يلتفت يمينا و شمالا ليجد مهربا من الخوف الذي احاط به (كانكم من الموت في غمره) غمره الموت شده كربه فان الانسان اذا كان في حال الاحتضار، تدور عينه ليجد مخلصا مما هو فيه و سميت (غمره) لانه يغمر الانسان و يغشاه كالماء الذي يغمر الغريق. (و) كانكم (من الذهول) الفزع و النسيان فا
ن الخائف ينسي اموره لتوجه ذهنه الي المخوف عنه (في سكره) كالانسان الذي شرب الخمر فسكرو لا يشعر بشي‌ء (يرتج عليكم) يقال رتج الباب اذا غلقه (حواري) اي كلامي و المعني يغلق فهمه عليكم (فتعمهون) من العمه و هو شده العمي، اي تتحيرون في كلامي بماذا تجيبون؟ و هذا شان الخائف الذي يخاف الجانبين جانب التصديق و جانب الانكار، فانهم كانوا يخافون ان يقبلوا كلام الامام فيقعوا في مشكله الجهاد، و يخافون ان يردوا، كلامه خوف الرعيه من السلطه (و كان قلوبكم مالوسه) من المس بمعني اختلط بالجنون (فانتم لا تعقلون) الامر و لا تدركون الواقع. (ما انتم) ايها القوم (لي بثقه سجيس الليالي) اي ما دامت الليالي، فان سجيس بمعني (ابدا) (و ما انتم بركن يمال بكم) اي يمل الانسان اليكم لتحفظوه من كوارث الزمن، و انما جي‌ء به (باء) الجر دون (الي) لاشراب الفعل معني (يصول) … انتم (زوافر عز) جمع (زافره) و هي ركن البناء و عشيره الرجل و انصاره … اي يحتاج الانسان (اليكم) لانكم لا تنصرون من استعان بكم (ما انتم الا كابل ضل رعاتها) فان الابل اذا ضل راعيها، تفرقت و تشتتت، و كانت عرضه لكل و هكذا كان اهل الكوفه فهم مختلفوا الاراء مشتتوا الافكار فكلما جمعت) تلك ا
لابل الضاله رعاتها (من جانب) لتنتظم تحت نظام (انتشرت من) جانب (اخر) اذ لا تنقاد الا بالراعي دون سواه من يريد جمعها. (لبئس- لعمر الله-) اي قسما بالله، فان (عمر) بمعني الحيات ثم استعمل لمطلق القسم (سعرنار الحرب انتم) اي ما توقد به الحرب و هذا كنايه عن استعدادهم للحرب لجبنهم و فساد رايهم (تكادون) اي يكيد الاعداء عليكم (و لا تكيدون) لهم بالاستعداد لمحاربتهم و مقاتلتهم (و تنقص اطرافكم) بان يغير معاوين علي اطراف بلادكم فيسلبها و ياخذها (فلا تمتعضون) الامتعاض الغضب الكثير (لا ينام عنكم) اي ان الاعداء ساهرون علي اذا كم و الكيد بكم (و انتم في غفله) عنهم لاحباط موامراتهم (ساهون) كالانسان الذي يسهو عن الامر فلا يبالي به (غلب- و الله- المتخاذلون) يعني ان الذين يخذل بعضهم بعضا، و يترك احدهم نصره الاخر، يغلبون علي ايدي اعدائهم (و ايم الله) حلف بالله، و يجوز في (ايم) وجوه كثيره منها (ايمن). (اني لا ظن بكم ان لو حمس الوغي) الوغي الحرب، و معني حمس، اشتد اشتعل (و استحر الموت) اي بلغ في النفوس غايه حدته، بان كثرت القتلي و شاع الموت في الحرب (قد انفرجتم) اي تفرقتم (عن) اطراف (ابن ابي‌طالب) يعني نفسه الكريمه (انفراج الراس) اي كما
ينفرج الراس من البدن، الذي لا التيام بعده و لا حيات الانسان بعد ذلك (و الله ان امرا يمكن عدوه من نفسه) بان لا ياخذ للعد و عدته بل يسهل في الامر حتي يسيطر العدو عليه بسبب انه ترك الحزم و لم يات باللازم للحرب، حتي (يعرق) اي ياكل العدو (لحمه و يهشم) اي يكسر (عظمه و يفري) اي يشق و يقطع (جلده) و هذا كنايه عن شده تسلط العدو حتي انه يفعل فيه ما يشاء (لعظيم عجزه) اذ يدل ذلك علي انه عاجز كمال العجز، و الا لم يسمح بالعدو ان يفعل به ذلك. (ضعيف ما ضمت عليه جوانح صدره) جوانح جمع جانحه و هي الضلع، و تسمي بذلك لانها كالجناج للانسان، في طرفه، و المراد ب(ما ضمت) القلب، اي انه ضعيف القلب غير مقدام و ترك عدوه حتي يسيطر عليه (انت) ايها السامع (فكن ذاك) الانسان العاجز (ان شئت) فلك الخيار في ان تفعل بنفسك ما تشاء (فاما انا فو الله دون ان اعطي ذلك) اي امكن العدو و من نفسي حتي اعطيه ما يريد (ضرب بالمشرفيه) هي السيف سمي بها نسبه الي (المشارف) و هي بلده كانت تصنع السيوف الجيده (تطير منه) تذكير الضمير باعتبار السيف (فراش الهام) الهام الراس و فراشه العظام الرقيقه المفروشه عليه. (و تطيح) اي تسقط (السواعد) جمع ساعد و هو اليد (و الاقدام)
جمع قدم و هو الرجل (و يفعل الله بعد ذلك ما يشاء) من نصرتي و عدمها و هذا من التعليمات الراقيه للناس حيث يجب عليهم ان لا يسلموا للذل مهما كانت النتائج بل يقدمون بما تمكنوا من قواهم، و الامر بعد ذلك بيد الله سبحانه
[صفحه 183]
(ايها الناس ان لي عليكم حقا) بصفتي اميركم (و لكم علي حق) بصفتكم رعيتي (فاما حقكم علي فالنصيحه لكم) اي انصحكم و ارشدكم الي سعاده الدنيا و الاخره (و توفير) اي تكثير (فيئكم) اي الخراج و مال بيت‌المال (عليكم) لسد حوائجكم و توفير الفي‌ء باستعمال اساليب توجب زيادته، من الامر بزراعه الارض و التعمير و ما اشبه مما يوجب زياده الحقوق المقرر في الاسلام (و تعليمكم) الاحكام (كيلا تجهلوا) شيئا (و تاديبكم) و هي التزكيه العلميه (كيما تعلموا) فان الانسان بالتاديب يعلم، اما بالتعليم فان صور الاشياء تنقش في ذهنه- فقط-. ثم لا يخفي ان قوام الامور في المجتمع الصالح هذه الاربعه، النصيحه، التعليم و التربيه، و المال (و اما حقي عليكم فالوفاء بالبيعه) بعدم نكثها و فعل ما ينافيها (و النصيحه في المشهد و المغيب) اي تعلمون لي فعل الناصح سواء كنت حاضرا او غائبا و ذلك ب(الدعايه) الحسنه- علي ما هو الاصطلاح في هذا اليوم و المشهد و المغيب مصدر ان ميميان، بمعني الشهود و الغيبه (و الاجابه) لي (حين ادعوكم) بان تحضروا حين اريدكم لامر (و الطاعه حين امركم) بامر و قد جعل الامام اربعه حقوق لهم و اربعه حقوق له، و هذه هي قوام المجتمع الصالح ا
لذي يسعد فيه الراعي و الرعيه علي حد سواه.

خطبه 035

[صفحه 184]
بعد التحكيم و مجمل القصه ان معاويه لما راي ان جيش الامام سينتصر علي جيشه مما يسبب له الهزيمه التجاء الي عمرو بن العاص يستشيره في الامر، فاشار عليه برفع المصاحف علي الرماح، و طلب جند الامام الي تحكيم القرآن، و ذلك لكي يستعيد جيش معاويه انفاسه، لعل هذه المكيده تقع في اصحاب الامام موقعها، و تمنع اصحابه عليه السلام عن موصله القتال فرفعوا المصاحف علي الرماح يطلبون رد الحكم الي كتاب الله و كانت الحرب اكلت من الفريقين فانخدع القراء و جماعه اتبعوهم من جيش علي عليه‌السلام و قالوا دعينا الي كتاب الله و نحن احق بالاجابه اليه فقال لهم اميرالمومنين عليه‌السلام انها كلمه حق يراد بها باطل انهم ما رفعوها ليرجعوها الي حكمها انهم يعرفونها و لا يعملون بها و لكنها الخديته و الوهن و الميكده اعيروني سواعدكم و جماجمكم ساعه واحده فقد بلغ الحق مقطعه و لم يبق الا ان يقطع دابر الذين ظلموا و خالفوا و اخلتفوا فوضعت الحرب او زارها و تكلم الناس في الصلح. و قد قررا تحكيم حكمين حم من جانب الامام و حكم من جانب معاويه يحكمان بما في الكتاب فعين الامام ابن عباس لكن القوم لم يقبلوا ابن عباس و اختاروا- بدون رضي الامام ابا موسي الاشعر
ي و قد حذرهم الامام مغبه الامر لكنهم لم يسمعوا لكلامه- و اختار معاويه ابن العاص و تشاور الحكمين في الامر، ثم خدع ابن المعاصي الاشعري و قا له انا نخلع الاميرين ليرجع الامر شوري يختار المسلمون من شائوا، فقام الاشعري و خلع الامام، ثم قام ابن العاص و قال لقد رايتم- ان صاحبكم قد خلع صاحبه- يعني الامام- لكن انا نصبت صاحبي معاويه اميرالمومنين فتنازع القوم علي غير جدوي، و قد صاركما اراد معاويه فلما ان سمع الامام بذلك امتعض امتعاضا شديدا و خطب بهذه الخطبه: (الحمد لله و ان اتي الدهر) اي الزمان (بالخطب) هو الامر العظيم (الفادح) اي الثقيل، من فدحه الدين اذا اثقله، يعني انا نحمد الله في كل حال، حتي في حال الضراء، كما وقع الان من نتيجه امر الحكمين، و تدبير ابن العاص لهذه المكيده (و الحدث) هو الامر الحادث (الجليل) اي العظيم (و اشهد ان لا اله الا الله لا شريك له ليس معه اله غيره) و هذه الجمله تاكيد للجمله السابقه (و ان محمدا عبده و رسوله) و الظاهر ان كونه عبده يراد به الاعتراف بالوهيته تعالي في مقابل اقوال المسيحيين ان عيسي اله يعبد مع الله تعالي (صلي الله عليه و آله) جمله خبريه اريد بها الدعاء (اما بعد) اصله مهما يكن من شي
ء بعد الحمد و الصلاه قلبت (مهما) (اما) و حذفت الجمله باستثناء لفظه (بعد) (فان معصيه الناصح الشفيق) هو الذي يشفق علي الانسان اي يخاف عليه ان يتاذي بموذي (العالم المجرب) الذي جرب الامور و عرف نتائج الاعمال (تورث الحيره) اي توجب المعصيه تحير الخالف له اذ المخالفه تول الي ما لا يحمد. (و تعقب الندامه) اي ان يندم المخالف (و قد كنت امرتكم في هذه الحكومه) اي نصب حكمين لانهاء امر القتال (امري) بانها مكيده معاويه للفرار من الحرب و التخلص، من الانهزام الذي ظهرت بوادره لمعاويه و اصحابه (و نخلت) اي اخلصت تشبيه بما ينخل من الدقيق و نحوه لان يظهر خالصه (لكم مخزون رايي) اي الراي الحصيف الذي كان مخزونا في صدري (لو كان يطاع لقيصر امر) هذا مثل، و قصير اسم رجل، و اصل المثل ان (جذيمه) كان قتل ابا (الزباء) ملكه الجزيره فبعثت اليه بعد حين انها تريد ان تتزوج به- خدعه- و سئلته القدوم عليها فاجابها الي ذلك و خرج في الف فارس و خلف باقي جنوده مع ابن اخته عمرو بن عدي و كان قصير اشار الي جذيمه ان لا يتوجه اليها فلم يقبل رايه فلما قرب جذيمه من الجزيره استقبله جنود بالعده و لم يرمنهم اكراما له، فاشار اليه قصير بالرجوع عنها و قال انها امرئ
ه و من شان النساء الغدر فلم يقبل فلما دخل عليها غدرت به، و قتلته، فعندها قال (قيصر) لا يطاع لقصير امر. فذهبت مثلا لكل ناصح عصاه الاخر و قد كان مصيبا في رايه، و جواب لو محذوف اي لو كان يطاع لقصير امر، لراي الناس عاقبه امره الحسن (فابيتم) اي خالفتم (علي) رايي (ابا المخالفين) اي كانكم مخالفون لي اعداء معي، لا كانكم انصاري و اصحابي (الجناه) جمع الجاني و هو الذي يجني علي اخر (و المنابذين) من بنذ بمعني طرح امر الطرف المقابل (العصات) جمع عاصي (حتي ارتاب الناصح بنصحه) يعني ان مخالفتهم كانت بحيث شك الناصح في ان نصيحته هل هي صحيحه ام لا؟ و هذا كنايه عن شده مخالفتهم- لا انه عليه‌السلام شك في صحه نصيحته- و ذلك لان الانسان اذا راي الاجماع علي خلافه شك في صحه مقاله و رايه لانه يستبعد انهم جميعا علي خطاء و انه و حد علي الصواب. (و ضن) اي بخل (الزند) و هو الحجر الذي يصك باخر فيخرج منه النار (بقدحه) اي باخراجه النار، و هذا كنايه امساكه عليه‌السلام بارائه المصيبه المضيئه النافعه فان الانسان اذا راي عصيان الناس لرايه لا يظهر ارائه ضنابها ان تذهب سدي (فكنت) انا (و اياكم كما قال) دريد بن الصحه (اخو هوازن) اي انه من تلك القبيله في
بيان انهم عصوه فراوا عاقبه عصيانهم. (امتركم امري بمنعرج اللوي فلم تستبينوا النصح الاضحي الغذ) (منعرج اللوي) اسم مكان اي اني امرتكم بنصيحتي في ذلك المكان و انتم خالفتموني، و لم تعلموا صدق كلامي الا غدا عند الضحي حيث فات الاوان.

خطبه 036

[صفحه 188]
في تخويف اهل النهروان قد روي ان رسول‌الله صلي الله عليه و آله و سلم بينا هو يقسم بعض الغنيمه جائه رجل من بني تميم يقال له (ذو الخويصره) فقال اعدل يا محمد صلي الله عليه و آله و سلم فقال قد عدلت فقال له ثانيه اعدل يا محمد فانك لم تعدل فقال ويلك من يعدل اذا لم اعدل فقام عمر و قال يا رسول‌الله ائذن لي في ضرب عنقه؟ فقال صلي الله عليه و آله و سلم دعه فسخرج من ضيضي‌ء هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميه يخرجون علي خير فرقه من الناس تحتقر صلاتكم عند صلاتهم و صومكم عند صومهم يقرئون القرن‌ان لا يجاوز تراقيهم، فيهم رجل اسود مخدج اليد احدي يديه كانها ثدي امرئه او بضعه، قد يقتلهم اولي الفريقين بالحق، و قد كانت الخوارج من اصحاب الامام عليه‌السلام خرجوا عليه عند نهر قرب الكوفه يسمي (النهروان) و قد كان سبب خروج هولاء فهو انه عليه‌السلام لما قهره اصحابه علي التحكيم و اظهروا عنه الرضا به بعد ان حذرهم و وعظهم فلم يلتفوا الي نصحه و انذاره كتبوا كتاب التحكيم و اخذه الاشعث بن قيس فطاف به علي اصحاب معاويه فرضوا به. و طاف به علي اصحاب علي عليه‌السلام فرضوا به حتي مر برايات عنزه و كان مع علي عليه‌السلام منه
م بصفين اربعه الاف فارس فلما قرا الكتاب عليهم قال فتيان منهم لا حكم الا لله ثم حملا علي اصحاب معاويه فقتلا، فهما اول من حكم و هكذا اخالف جماعات و قالوا لا حكم الا لله، فرجع الاشعث فاخبر الامام عليه‌السلام بذلك فاستصغر قدرهم، فلما بلغهم امر الحكمين مارا.. الا و الناس يتنادون من كل جانب لا حكم الا الله الحكم لله يا علي لا لك و قد كنا اخطانا حين رضينا بالحكمين فرجعناه الي الله و تبنا فارجع انت و تب الي الله كما تبنا و الا برئنا منك فابي عليه‌السلام الرجوع و قال و يحكم ابعد العهد نرجع؟ فما نصنع بقوله تعالي: و اوفوا بعهد الله اذا عاهدتم الايه و ابت الخوارج الا تضليل التحكيم و الطعن فيه فبرئوا من علي عليه‌السلام ثم كان اجتماعهم ب(حروراء) فسماهم عليه‌السلام لذلك بالحروريه فناظرهم بها فرجع الفان ثم مضرا الي نهروان و كان اميرهم عبدالله بن الكوا، و حين القتال (الراسي) فسار الامام اليهم فخطبهم فلم ينفع فيهم الكلام فقاتلهم حتي افناهم الاعده قليله منهم فروا. (فانا لكم) ايها الخوارج (نذير) اي منذر مخوف (ان تصبحوا صرعي) جمع صريع، و هو القتيل الذي يقع مصروعا طريحا (باكناف) جمع كنف بمعني الطرف (هذا النهر) الذي كان قرب الكوفه،
و كان يسمي بالنهروان (و باهضام) جمع هضم و هو المنخفض من الوادي (هذا الغائظ) الغائط ما سفل من الارض: و انما يسمي المدفوع بذلك لعلاقه الحال و المحل (علي غير بينه) اي دليل واضح (من ربكم) اي ان قتلكم لاحجه في خروجكم، فهناك معاقبون علي فعلكم فخسر الدنيا و الاخره (و لا سلطان مبين) اي دليل واضح و حجه ظاهره (معكم) في خروجكم علي، و لعل الثاني شامل للادله الظاهريه، و ان لم تكن حجه من عند الله في الواقع (قد طوحت) اي توهت و الفتكم في المتاهمه و الضلاله (بكم الدار) اي دياركم فخروجكم ليس الي الطريق حتي تهتدون سبيلا و تصلون الي غايه سعيده، و انما الي متاهه و ضلال. (و احتبلكم) اي اوقعكم في حبالته- و هي شرك الصائد الذي يصيد به- (المقدار) اي الامر الذي قدر لكم، و المقدار، هو المسافه الزمنيه المحدده يسر الناس فيها حتي يصلوا الي زمان موتهم، فكان القدر احاط بهم كما تحيط الحباله بالصيد (و قد كنت نهيتكم عن هذه الحكومه) اي التحكيم في امر الخلافه، فان الامام عليه‌السلام كان يري زيفها و انها مكيده، و هل يعين الحكم لفصل الامر، في ان الحق لعلي عليه‌السلام او لمعاويه؟ (فابيتم علي) اي خالفتم كلامي و رايي (اباء المخالفين) اي كانهم مخالفون
لا اعداء، لا كانكم انصاري و اوليائي (المنابذين) من نبذ، بمعني طرح و يسمي المعادي منابذا، لانه يطرح الطرف المقابل و لا يبالي به (حتي صرفت رايي الي هواكم) اي اجبرت لا سلاس قيادكم (و انتم معاشر اخفاء الهام) الهام الراس، و خفه الراس كنايه عن عدم وجود العقل فيه ليرشد الانسان الي الصلاح. (سفهاء الاحكام) اي ان لكم عقول السفهاء و السفيه ضد الرشيد فهو الذي ليس له عقل لتدبير اموره (و لم ات- لا ابالكم-) جمله معترضه، و هذه كلمه تستعمل لكل من المدح و الذم، فكونها مدحا، باعتبار ان من لا اب له يملك امر نفسه فليس تحت طاعه غيره و كونها ذما باعتبار ان من لا اب له لا كافل له- و هي دعاء في صوره الخبر- (بجرا) اي شرا، اي ان امر هذا التحكيم كان منكم و لم ات انا شرا، حتي تخرجون علي و تحاربونني (غيري جنا و انا المعاقب فيكم) (فكانني سبابه المتقدم) (و لا اردت لكم ضرا) حتي تريدون الانتقام مني و هكذا عاده الجهال دائما، انهم يصرون علي الامر، فاذا راوا نتائجه السيئه القوا باللائمه علي العاقل الذي كان يخالفهم.

خطبه 037

[صفحه 191]
يجري مجري الخطبه و معني جريه مجري الخطبه انه انشاء بذلك الاسلوب و قد اشرنا سابقا الي ان الخطبه انما هي في مجمع من الناس و تبتدء بالحمد و تنشاء باتكاء صوت، و في مرتفع و ما اشبه ذلك. (فقمت بالامر) اي بامر الاسلام بالجهاد في ميادين القتال و الصبر و الثبات (حين فشلوا) و اصابهم الوهن و الضعف، فان الخلفاء الذين تقدموا علي الامام و كثيرا من صنايد الاصحاب كانوا يفرون عن القتال و ينهزمون في مواقع الخوف (و تطلعت) اي ظهرت (حين تقبعوا) التقبع هو الاختفاء ضد التطلع و الظهور (و نطقت) اي تكلمت بالحق في محل الخوف عن اظهار الحق (حين تعتعوا) التعتعه الاضطراب في الكلام (و مضيت بنور الله حين وقفوا) اي اني سرت نحو الهدف من اظهار الاسلام و اعلاء كلمته حين وقف القوم، كما قال سبحانه (و اذا اظلم عليهم قاموا) (و كنت اخفضهم صوتا) و هذا كنايه عن رباطه جاشه عليه‌السلام و قوه قلبه فان الخائف يرفع صوته جزعا و هلعا اما المطمئن الشجاع، فانه يتكلم بكل هدوء و اطمينان. (و اعلاهم فوتا) الفوت السبق، اي ارفع مقاما منهم من حيث السبق الي كل فضيله (فطرت بعنانها) هذا كنايه عن سرعه سيره عليه‌السلام نحو الفضيله، فالعنان زمام الفرس، و معني
طرت اني جريت جريا سريعا كالطائر في السرعه، اخذا بعنان الفضيله (و استبددت) الاستبداد بالشي‌ء الاختصاص به (برهانها) الرهان هو الجمل الذي يقرر لمن سبق في مضمار المسابقه، و هذا كنايه عن تقدمه عليه‌السلام عليهم في الفضائل، و كنت في حاله الاضطراب و الخوف (كالجبل) الثابت (لا تحركه القواصف) جمع قاصفه و هي الكارثه المهلكه (و لا تزيله العواصف) جمع عاصفه و هي الريح الشديده الهبوب، يعين ان المخاوف و الاضطرابات لم تكن توثر في جهادي و عملي، بل كنت لا ابالي بها مهما بلغت. (لم يكن لاحد في مهمز) الوقيعه، اي لم اكن مورد اللوقيعه، اذ لا نقص في و هذا من قبيل (لا ريب فيه) يعني ان القرآن ليس محلا للريب و ان ارتاب فيه المبطلون (و لا لقائل في مغمز) الغمز هو الاشاره بالسوء نحو احد، و هو مصدر ميمي و كذلك المهمز (الذليل عندي عزيز) اي انزله منزله الاعزاء (حتي اخذ الحق له) ثم اتركه و شانه (و القوي عندي ضعيف) لا ابالي بقوته و لا اخاف بطشه و سطوته (حتي اخذ الحق منه) للذي سلب حقه، و هذان كنايه عن انه لا يبالي الا بالحق، فهو ياخذ من الغاصب ليوفره علي المغصوب منه، و ان كان الاول قويا و الثاني ضيعفا (رضينا عن الله) سبحانه (قضائه) اي الذي حكم
بان نكون نحن ساده و امراء و جعلنا بمنزله تكون محلا لهجوم الاعداء، يدا و لسانا (و سلمنا لله امره) فلم نرد امره فينا و التسليم عباره عن عدم معارضه الانسان قلبا او لسانا مع ما قدر الله من الامور، قالوا و قد قال الامام عليه‌السلام ذلك حينما اتهمه بعض الناس في انبائاته الغيبيه و قالوا انه يكذب. (اتراني اكذب علي رسول‌الله صلي الله عليه و آله)؟ اي كيف اكذب عليه فيما اخبر عنه من الاخبار الغيبيه (و الله لانا اول من صدقه) فان الانسان انما يهون عنده نسبه الاقوال الكاذبه الي احد اذا كان غير معتقد بذاك الشخص، غير عزيز عنده، اما من يكون عنده عزيز افلا ينسب اليه خبرا مكذوبا حتي اذا ظهر كذبه سقطت منزلته عن القلوب (فلا اكون اول من كذب عليه) اي نسب اليه قولا عن المستقبل، بالكذب قالوا ان الامام عليه‌السلام لما قال سلوني قبل ان تفقدوني فو الله لا تسئلوني عن فئه تضل مائه و تهدي مائه الا انبئتكم بناعقها و سائقها، قام اليه انس النخعي فقال اخبرني كم في راسي و لحيتي طاقه شعر؟ فقال و الله لقد حدثني حبيبي ان علي كل طاقه شعر من راسك ملك يلعنك و ان كل طاقه شعر من لحيتك شيطانا يغوبك و ان في بيتك سخلا يقتل ابن رسول‌الله، و قد كان قاتل الح
سين عليه‌السلام (سنان بن انس) في ذلك الوقت طفلا يدرج. (فنظرت في امري) بعد ممات الرسول صلي الله عليه و آله و سلم- و كان هذه الجمله باعتبار قوله او مصدق به- (فاذا طاعتي) علي الناس (قد سبقت بيعتي) عليهم، فان الله سبحانه وجب علي الناس طاعتي، قبل ان ياخذ الرسول منهم البيعه لي في غديرخم (و اذا الميثاق) اي العهد الاكيد (في عنقي لغيري) و هو الله سبحانه يعني انه اخذ علي الميثاق بان اقوم باعباء الخلافه و لذا تعرضت للامر و الا لم اكن اوقع نفسي في ميثاق الخلافه و معارضتها، و قد يحتمل في الجملتين معان اخر و الله العالم بمراد اوليائه.

خطبه 038

[صفحه 195]
(و انما سميت الشبهه) و هو الامر المشكل وجهه هل هو حلال ام حرام (شبهه لانها تشبه الحق) فلا يعلم انها حق ام باطل؟ (فاما اولياء الله) اي احبائه اذا وقعوا في الشبهه (فضياوهم فيها اليقين) اي يستضيئون باليقين العام الذي لهم في الامور، فاذا كانت الشبهه من مصاديق الباطل تركوها، و اذا كانت من مصاديق الحق اقتحموا فيها، الشبهه التي اثارها معاويه حول ادانه الامام بقتل عثمان، يكون موقف اولياء الله منها: انهم سمعوا من الرسول صلي الله عليه و آله و سلم قوله: (علي مع الحق و الحق مع علي) و لذا يضربون بالشبهه عرض الحائط (و دليلهم سمت الهدي) اي طريقه فان الهدي باد العلاقه في ان الامام علي الحق و لو فرض انه اشترك في قتل عثمان لانه دائم المواظبه عي التقوي و الحيطه في صغريات الامور فكيف بكبرياتها. (و اما اعداء الله) الذين لا يريدون اتباع الحق (فدعاوهم فيها) اي في الشبهه (الضلال) اي انما يدعون الي الضلاله (و دليلهم العمي) اي انهم كالذين يتقدمه اعمي في القياده حتي يوردهم موارد الهلكه لانه لا يبصر الطريق (فما ينجو من الموت من خافه) كانه تفريع علي عدم اتباع الشبهه، بغير هدي، لان الناس عرضه للموت فلا ينبغي للانسان ان يهدم
اخرته دنيا زائله فالانسان و ان خاف الموت لابد و ان يلاقيه (و لا يعطي البقاء من احبه) اي احب البقاء الابدي فكل نفس هالك الا وجهه، و ما كان لبشر من قبلك الخلد.

خطبه 039

[صفحه 196]
(منيت) اي ابتليت (بمن لا يطيع اذا امرت) بالجهاد و نحوه (و لا يجيب اذا دعوت) … جامع او اقدام او احجام (لا ابالكم) كلمه تستعمل في المدح- باعتبار ان الذي لا اب له يملك امر نفسه- و في الذم- باعتبار ان من لا اب له تسوء تربيته و لا ظهر له، و هذا دعاء بالخير او الشر، و انكانت في صوره جمله خبريه و بالقرينه يعرف المراد (ما تنتظرون بنصركم ربكم)؟ و هذا استفهام استنكاري اي ليس هناك احسن من نصر الله، فانه موجب للسعاده في الدنيا، و الاخره، فهل بعد ذلك انتظار آخر؟ (اما دين يجمعكم؟) علي كلمه واحده حتي تجاهدون في سبيلها (و لا حميه) اي انفه و رفعه نفس (تحمشكم؟) اي تغضبكم حتي تقوموا بالانتقام من اعدائكم؟ من حمشه اي ساقه بغضب. (اقوم فيكم مستصرخا) اي اطلب صرختكم و انتصاركم لي، فان الناصر يصرخ للمنصور له حتي يسمع الصوت من هو بعيد فياتي للنصره (و اناديكم متغوثا) اي قائلا و اغوثاه، و الغوث هو الذي يغيث الانسان و ينقذه من ايدي اعدائه (فلا تسمعون لي قولا) اي سماعا نافعا تعلمون بحسبه (و لا تطيعون لي امرا) فيما امركم به (حتي تكشف الامور) اصله تنكشف حذفت احدي تائيه علي قاعده المضارع اذا اجتمعت في اوله تائان (عن عواقب المسم
اه) اي ان الامور في المسقبل تظهر عن العواقب التي توجب المساه و الحزن و الذي يسوء (فما يدرك بكم ثار) اثار هو الدم المراق ظلما، اي انكم لستم انصارا مجدين حتي يدرك الموتور ثاره بسببكم. (و لا يبلغ بكم مرام) المرام المقصد اي لا يبلغ الانسان بنصركم مقصده اذ انتم لا تنتضرونه (دعوتكم الي نصر اخوانكم) فقد خطب الامام عليه‌السلام بهذه الخطبه بعد ان اغار نعمان بن بشير علي عين التمر احد اعمال الامام عليه‌السلام و قد كان المستنهض همم اصحابه حتي يلاحقوا المغيرين فتثاقلوا، فعاتبهم بهذه الخطبه (فجرجرتم جرجره الجمل الاسر) الجرجره صوت يردده البعير في حنجريه و الاسر صفه للبعير الذي اصيب بداء السرر و هو مرض في سرته ينشاء من الدبره التي تصيب البعير، و اذا مرض بذلك اظهر صوتا رخيما شجيا يدل علي الضعف و الوهن و المرض (و تثاقلتم) التثاقل هو التعاجز باظهار ثقل عن الحركه (تثاقل النضو) هوالمهزول من الابل (الادبر) هو البعير المجروح في ظهره من القتب و نحوه (ثم خرج الي منكم) بعد الدعوه و الصرخه (جنيد) تصغير جند اي جند قليل (متذائب) كانه الشمعه المذابه التي لا سمن لها (ضعيف). (كانما يساقون الي الموت) من الخوف و الوجل (و هم ينظرون) فان الذي
يري الموت بعينه يكون بطوئه في الحركه اكثر و مظاهر الوجل و الخوف عليه اظهر.

خطبه 040

[صفحه 199]
في الخوارج لما سمع قولهم: لا حكم الا لله فقد قال الخوارج ذل يريدون ان التحكيم في تعيين الخليفه ليس بصحيح فمن حكم فهو كافر- علي اصلهم الفاسد من ان كل مرتكب ذنب فهو كافر حلال الدم- و قد كان هذا الكلام منهم خطائا انه، اذا لم يقبل الناس حكم الله في تعيين الخليفه- كما لم يقبلوا الامام بعد تعيين الله له- و لم يجلس اهل الحل و العقد لتعينه، فمن ياتري يقود الامه؟ هل يبقون بلاحاكم، و هو موجب للفوضي و الفساد ام يتركون الامر حتي يسيطر عليه كل غاشم، و هذا اسوء و اكثر فسادا … ثم انا نقعد ان الله سبحانه عين الحاكم و هو الرسول ثم الامام ثم الفقيه الجامع للشرائط، و اذا تعدد الفقيه كان الامر لا علمهم علي قول المشهور، او يعين بالاقتراع و نحوه- الي كلام طويل ليس هنا محل ذكره- اما الا الانتخابات فلم تكن من الاسلام في يوم من الايام- خصوصا بهذه الصوره الديمقراطيه الرجعيه السائده في هذا اليوم-. (كلمه حق يراد بها باطل) يعني ان كون الحكم لله كلمه حق، اذ المشرع هو الله وحده لا الناس و انما استعملوا هذه الكلمه- الخوارج- في نفي تعيين الحاكم، و هذا غير مربوط بتلك الكليه، فان الحكم غير الحاكم، فالكلي صحيح و التطبيق باطل (نع
م انه لا حكم الا لله) و من احسن من الله حكما؟ و من لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون (و لكن هولاء يقولون) ذلك و يريدون (لا امره الا لله) اي لا حاكم الا الله، و الحاكم الذي يسوس الرعيه غير الحكم و الشريعه فالكبري استعمالها في هذه الصغري من باب المغالطه (و انه لابد للناس من امير) يدير شئونهم و يفصل قضاياهم (بر او فاجر) فالبر يدير الشئون حسب موازين الاسلام و التقوي، و الفاجر يدير الشئون حسب ارائه او اراء الناس، لكنه يحفظ المجتمع في الجمله عن الانهيار و الفوضي (يعمل) للاخره (في امرته، المومن) اي ان المومن في اماره الامير و حكومته يعمل لاجل اخرته (و يستمتع فيها) اي في امره الامير- ايا كان- (الكافر) اي ان الكفار تحت اماره الامير يستمتعون بما قدر لهم من انواع الاستمتاعات في الدنيا، بدون اضطراب و فوضي (و يبلغ الله فيها) اي في امره الامير (الاجل) اي ينتهي كل شي‌ء الي اجله الطبيعي، و ذلك بخلاف ما لو عاش الناس بلا امير فان الاضطراب يتقص الاجال (و يجمع به) اي بالامير (الفي‌ء) اي المال اللازم لتمشيه الامور و المصالح العامه، فانه لو يكن جبر و كره قلما استعد احد ان يعطي الحقوق الماليه، و سمي المال فيئا، باعتبار ان ال
مال لله عند الناس فاذا اخذه و لي الامر فقد فاء اي رجع الي الله. (و يقاتل به) اي بالامير (العدو) اذ الامير هو الذي يجمع الناس لمحاربه الاعداء (و تامن به) اي بالامير (السبل) جمع سبيل و هو الطريق، فان اللصوص و قطاع الطرق انما يخافون باس الحكومات و السلطات (و يوخذ به) اي بسبب الامير، الحق (للضعيف من القوي) الذي لا يخاف الا السلطه (حتي يستريح به) اي بالامير (بر) اذ يعيش في كنفه في امن و سلام (و يستراح من فاجر) يريد اذي الناس و اشاعه الفوضي في البلاد. (و في روايه اخري: انه عليه‌السلام لما سمع تحكيمهم) اي قولتهم السابقه بانه لاحكم الا لله، حيث جعلوا الحاكم الله تعالي … قال: (حكم الله انتظر فيكم) اي اني منتظر ان يحكم الله بقتلهم فاقتلهم حسب امره، فاني مطبق ما ذكروا من انه لا حكم الا لله، (و قال: اما الامره) اي الاماره (البره) اي الصالحه (فيعمل فيها التقي) بجميع موازين التقوي لانه لا يخاف احدا و لا يمنعه عن العمل مانع (و اما الامره الفاجره) التي لا تعمل بموازين الاسلام (فيمتتع فيها الشقي) كما قال سبحانه قل تمتعوا فان مصيركم الي النار، فقد قرر الله سبحانه لكل انسان مده امتحان و وفر عليه في تلك المده اسباب البقاء- حسب
المصالح في كثرتها و قلتها- فامره الفاجر توفر هذه الوسيله الامتحانيه للانسان، فهي امتحان للفاجر الامير، كما انها امتحان للشقي الذي يشقي بما وفر له من الاسباب فلا عذر له غدا بانه ان امهل احسن (الي ان تنقطع مدته) المقرره لبقائه فيها (و تدركه منيته) اي موته.

خطبه 041

[صفحه 202]
(ان الوفاء توام الصدق) التوئم هما الولدان اللذان يتكونان في الرحم معا، فكما انهما معافي الرحم لا يفارق احدهما الاخر، كذلك الوفاء و الصدق، اذ الوفاء قسم من الصدق، فان من يعطي عهدا ثم يفي به، كان صادقا في اعطائه العهد، بخلاف الذي لا يفي، و لا يفي الانسان الذي له ملكه الصدق، كما انه لا يصدق الا الذي يفي اذا عاهد (و لا اعلم جنه اوقي منه) اي من الوقاء فانه احفظ للانسان من سائر اقسام الجنه و الوقايه، اذ الانسان الوفي يكون كثير الاصدقاء و المدافعين، فهم يقونه من كل محذور، (و لا يغدر) بنقض العهد (من علم كيف المرجع) اي من كان عالما باحوال الاخره، اذ العالم بذلك يعلم و خامه العاقبه للغادر فلا يغدر و لا ينغض العهد و الوفاء. (و لقد اصبحنا في زمان قد اتخذ اكثر اهله) الظاهر ان المراد بالاكثريه بالنسبه الي من بيدهم العقد و الحل (الغدر كيسا) اي عقلا و سياسه و دهائا فقد كثر في زمن الامام عليه‌السلام الغادرون الذين غدروا بشرائط الايمان او ببيعه الامام عليه‌السلام (و نسبهم اهل الجهل) الذين يجهلون عواقب الامور (فيه) اي في الزمان، او في الغدر، اي الجاهلون في هذا الزمان، او الجاهلون بعواقب الغدر (الي حسن الحيله) و ا
نه حيله حسنه اذ الانسان الوفي قديري اشتباه رايه فوفائه يلزم المكروه بخلاف الغادر الذي يتخلص من التبعه لما عهد بالغدر (ما لهم) يحكمون هكذا؟ (قاتلهم الله) دعاء عليهم بالهلاك، و كان الاتيان بباب المفاعله لاجل ان اصل المقاتله من طرفين، فكل يريد قتل صاحبه. (قد يري الحول) اي البصير بتحويل الامور القادر علي الخروج من المشاكل (القلب) العارف بتقليب الامور القادر علي ان يقلب الامر ليخرج من الازمه (وجه الحليه) و يعرف طريق الخلاص (و دونه مانع من امر الله) لهو لا يفعل شيئا لان الله امره بلزوم عمله (و نهيه) فلا يغدر مثلا لان الله نهي عن الغدر (فيدعها) اي الحيله (راي عين) اي في حال كونه قد راها راي العين، فليس عدم عمله لجهله بالمخرج و انما لمانع له عن ذلك (بعد القدره عليها) اي علي وجه الحيله (و ينتهز اي يستلب و ياخذ (فرصتها) اي فرصه وجه الحيله (من لا حريجه له في الدين) الحريجه التحرج و التحرز من الاثام و قد كان الامام عليه‌السلام كذلك فكان بامكانه كل شي‌ء لكنه لم يكن يفعل لما يري من الروادع الدينيه، بخلاف غرمائه الذين كانوا يفعلون كل شي‌ء في سبيل النيل من المال او المنصب.

خطبه 042

[صفحه 204]
(ايها الناس ان اخوف ما اخاف عليكم) اي ان اكثر الاشياء خوفا عليكم، بان تقعوا فيه و يوجب سلب دنياكم و آخرتكم (اثنتان) اي خصلتان الاولي (اتباع الهوي) بان يتبع الانسان ميوله النفسيه التي تامره بالملذات و المشتهيات المحرمه، (و) الثانيه (طول الامل) بان يكون الانسان طويل الامل يمني نفسه بالبقاء في الدنيا طويلا (فاما اتباع الهوي فيصد) اي يمنع (عن الحق) اذ الحق غالبا في ضد الهوي، فاذا كان الانسان متبعا لهواه منع عن العمل بالحق و ذلك يوجب شقاوه الدنيا و الاخره (و اما طول الامل فينسي الاخره) اذ الانسان اذا طال امله اشتغل بامور الدنيا و انغمس في ملذاتها و ذلك يوجب نسيان الاخره، فقد ورد ان الدنيا و الاخره ضرتان كلما ارضيت احديهما، سخطت الاخري (الا) فليتنبه السامع (و ان الدنيا قدولت) اي ادبرت (حذاء) اي ماضيه سريعه التصرم و الانقضاء و ذلك لان دنيا كل احد تسير سيرا سريعا، و ان ظنها بطيئا، و لذا لا تمر الليالي و الايام الاوقد انقضت المده، و تمت الايام الموقته لكل احد. (فلم يبق منها) اي من الدنيا (الاصبابه) هي البقيه من الماء و اللبن التي تبقي في الاناء معرضه للصب (كصبابه الاناء) و مهما راي الانسان باقي عمره طوي
لا فانه بنظر الواقع، ليس اكثر من صبابه الاناء (اصطبها) اي تركها (صابها) اي تاركها، و هذا لتاكيد معني النفره عن الدنيا، فكما ان بقيه الماء لا شان لها كذلك بقيه ايام الدنيا (الا) فليتنبه السامع (و ان الاخره قد اقبلت) و كل آت مقبل، و كلما مضي يوم من ايام الدنيا، اقتربت الاخره بمقدار يوم (و لكل منهما) اي من الدنيا و الاخره (بنون) فبنو الدنيا من يهتمون لها و بنو الاخره و بنو الاخره من يستعدون لاجلها (فكونوا) ايها الناس (من ابناء الاخره) العاملين لاجلها. (و لا تكونوا من ابناء الدنيا) بان تصرفوا همتكم لاجلها غافلين عن الاخره (فان كل ولد سيحلق بامه يوم القيامه) فمن كان من ابناء الدنيا يلحق بالدنيا و يلقي في جهنم و من كان من ابناء الاخره يلحق بالاخره و يذهب الي الجنه (و ان اليوم عمل و لا حساب) اذ كل عامل خير او شر لا يحاسب من عند الله سبحانه و لا يجازي ما يستحق من الجزاء (و غدا حساب و لا عمل) فبالموت ينقطع العمل و يحاسب كل فريق بما عمل، و هذا تحريض علي مبادره الانسان علي الاعمال الصالحه قبل ان ياتي يوم لا يجد فيه مجالا الي العمل. (اقول) هذا منكلام السيد الرضي (ره) (الحذاء: السريعه، و من الناس من يرويه جذاء) اي مقطوعه
خيرها، من جذ بمعني قطع.

خطبه 043

[صفحه 206]
و قد اشار عليه اصحابه بالاستعداد للحرب بعد ارساله جرير بن عبدالله البجلي الي معاويه فقد كان الامام عليه‌السلام ارسل جرير الي معاويه بكتاب احتجاجي حول الخلافه، و بيان ان شقه للعصي بلا عذر، و لما كان الظاهر لدي اصحاب الامام ان معاويه اطماع، لا انه ممن يريد الحق، اشاروا علي الامام في المحاربه، قبل ان يرجع جرير بالجواب، لكن الامام عليه‌السلام لم يقدم علي ذلك، و قال هذا الكلام: (ان استعدادي لحرب اهل الشام) بان اعد العده للمحاربه (و جرير عندهم) الواو للحال (اغلاق للشام) اي اغلاق لابواب السلم في وجوههم (و صرف لاهله) اي اهل الشام (عن خير) في اطاعه الامام (ان ارادوه) فان الانسان اذا استعد لمحاربه احد صمم الطرف المقابل علي المحاربه و كان ذلك موجبا لتبعيده عن سبل الخير الذي يحتمل ان يسلكها لو لم يحاربه (ولكن قد وقت لجرير وقتا) اي حددت له موعدا (لا يقيم بعده) اي بعد انتهاء ذلك الوقت (الا مخدوعا او عاصيا) فاعل يقيم (معاويه) اي ان اقام بعده الوقت علي المخالفه، لم يخل حاله عن احد امرين اما انه قد خدع و غر، فلا ياتي الي الطاعه، و اما انه عاص، و في كلا الحالين قد اتممت الحجه، و لا غضاضه في المحاربه، بعد ذلك (و
الراي عندي مع الاناه) اي ان نصبر حتي نري العواقب راي العين ثم نقدم في الامر (فارودوا) من الارواد و هو السير برفق (و لا اكراه لكم الاعداد) اي لا مانع من ان تستعدوا للحرب، ولكن لا تحاربوا حتي تظهر العاقبه. (و لقد ضربت انف هذا الامر و عينه) و هذا مثل يراد به الاستقصاء في البحث و الطلب، فكما ان من يضرب عين انسان و انفه فقد هزمه بتغيير ملامحه و تشويهه كذلك من يستقصي في الامر، فكانه غلب علي الامر و هزمه، فلم يبق خاف عصيا عليه لا يدري ما هو، و المراد بهذا الامر: امره مع معاويه (و قلبت ظهره و بطنه) و هذا تشيه آخر، فان الانسان اذا اراد الاطلاع علي الشي‌ء يقلبه ظاهرا و باطنا حتي لا يبقي شي‌ء معضلا لا يعرفه بل يطلع علي خفاياه كما اطلع علي ظاهره (فلم ار الا القتال) بان نقاتلهم حتي امحو الكفر عن بلاد الاسلام (او الكفر) فانهم ان بقوا قلبوا الامه كافرين، و قد صرح بذلك معاويه في خبر ينقله (مغيره) انه قال لا اجوز عن اخماد بني‌هاشم حتي امحو اسم الرسول صلي الله عليه و آله و سلم، كما ان ولده يزيد قال (لعبت هاشم بالملك فلا) (خبر جاء و لا وحي نزل) و كذلك الوليد بعض ذويهم في قوله (اذا ما جئت) ربك يوم حشر) (فقل يا رب مزقني الوليد).
ثم بين الامام عليه‌السلام جواب عذر معاويه- في عدم البيعه- بانه يطلب دم عثمان، بقوله (انه قد كان علي الناس و ال) اي عثمان (احدث احداثا) اي ابدع بدعا في الاسلام (و اوجد للناس مقالا) اي فتح علي نفسه باب ان يقال المسلمون فيه كل شر، فان الانسان اذا عمل سيئا فتح علي الناس الي نفسه باب النقد و الاقوال السيئه (فقالوا) اي قال الناس فيه ما قالوا و اخذوا يعددون بدعه و احداثه (ثم) لما لم يروا منه تغييرا للمفاسد (نقموا) و غضبوا عليه (فغيروا) بان اجتمعوا قتلوه، فلست انا فاعل ذلك حتي يعتذر معاويه عن عدم بيعتي، بانه يطلب بذلك دم عثمان، و انما يريد و الخلافه، و يطرقها من هذا الباب مستغلا عواطف السذج البسطاء.

خطبه 044

[صفحه 209]
(لما هرب مصقله بن هبيره الشيباني الي معاويه و كان قد ابتاع سبي بني‌ناجيه من عامل اميرالمومنين عليه‌السلام و اعتقهم فلما طالبه) الامام عليه‌السلام (بالمال) الذي اشتري السبي (خاس به) اي خان بالمال (و هرب الي الشام). و قصه ذلك انه كان الخريت بن راشد الناجي احد بني‌ناجيه مع اميرالمومنين عليه‌السلام في صفين و نقض عهده بعد صفين: فصار مع الخوارج و نقم عليه في التحكيم و خرج يفسد الناس و يدعوهم للخلاف فعبث اليه اميرالمومنين عليه‌السلام كتيبه مع معقل بن قيس الرياحي لقتاله مع من انضم اليه من بعض المسلمين الذن ارتدوا الي المسيحيه و من اشبههم فادركته الكتيبه بسيف البحر بفارس، و بعد دعوته الي التوبه و ابائه قبولها شدت الكتيبه عليه و علي جيشه فقتل و قتل معه كثير من قومه و سبي من ادرك في رحالهم من الرجال و النساء و الصبيان فكانوا خمسمائه اسير، و لما رجع معقل بالسبي مر علي مصقله بن هبيره الشيباني، و كان عاملا لعلي عليه‌السلام علي اردشير خره، فبكي اليه النساء و الصبيان و تصايح الراجال يستغيثون في فكاكهم فاشتراهم هبيره من معقل بخسمائه الف درهم، ثم استدعاه الامام عليه‌السلام الي الكوفه فجاء فدفع مائتي الف، و بقي ع
ليه الباقي فخاف من طلب الامام له، ففر الي معاويه. (قبح الله مصقله) هذا دعاء عليه بان يقبحه الله تعالي، و ان كان في قالب الجمله الخبريه (فعل فعل السادات) فان الانسان السيد يعطف علي الضعفاء، و يفك الاسراء (و فر فرار العبيد) اذ العبد اذا لم يجد للعسر يسرا فر، لانه لا علاقه له بشي‌ء، اما السيد فانه لا يفر بل يبقي و يفصل الامر، و ان كان فيه له عسر و شده (فما انطق مادحه) اي انه بفعله فعل السادات جعل الناس يمدحونه، لكنه ما انطقهم (حتي اسكته) فان الانسان اذا عمل سيئا بعد عمل حسن، لم يمدحه احد لان السيئات تحب الحسنات (و لا صدق واصفه) فمن كان يصفه- سابقا- بالفضله كان فعله مصدقا له (حتي بكته) التبكيت هو الاسكات بعنف و تقريع (و لو اقام) في مقامه و لم يفر (لاخذنا ميسوره) اي المال الذي كان في ميسوره متيسرا عنده (و انتظرنا بماله وفوره) اي زياده ماله في المستقبل حتي ناخذ منه الباقي، فلم نكن نضيق عليه.

خطبه 045

[صفحه 211]
(الحمد لله غير مقنوط من رحمته) القنوط هو الياس، اي لست مايوسا من رحمته تعالي (و لا مخلو من نعمته) يعني ان نعمه سبحانه دائم التهطال علي (و لا مايوس من مغفرته) اي اني آمل وراج ان يغفرلي، و هذا لا ينافي عصمته عليه‌السلام، فان الانبياء و الائمه عليهم‌السلام حبث كانوا يرون انفسهم في محضر الله سبحانه كانوا يعدون الضروريات الجسديه خلاف الاولي، فكانوا يستغفرون منها- كما ذكرنا ذلك مفصلا في- تقريب القرآن- (و لا مستنكف عن عبادته) الاستنكاف هو الاستكبار اي لا اتكبر عن عبادته سبحانه و طاعته (الذي لا تبرح منه رحمه) اي ان رحمته دائمه لا تنقطع، من برح بمعني زال، و (منه) للنشر، و في بعض النسخ (له) مكان (منه) (و لا تفقد له نعمه) فان نعمه سبحانه متواتره دائمه لا يفقدها الانسان، في وقت من الاوقات. ثم عطف عليه‌السلام الي الدنيا فقال (و الدنيا دار مني لها الفناء) اي قدر لها، فان الله سبحانه خلق الدنيا دار متوسطه ينتقل منها الانسان الي الاخره (و لاهلها منها الجلاء) اي الخروج، فبالموت يخرج الانسان من هذا العالم الي عالم آخر، و ان بقي روحه و جسده (و هي) اي الدنيا (حلوه خضره) فمذاقها حلو، و منظرها خضر يانع حالب (و قد عج
لت للطالب) اي اسرعت اليه، فان من طلب الدنيا اسرعت الدنيا اليه- في كثير من الاحيان- او المراد انها عاجله (و التبست بقلب الناظر) اي ان الدنيا اختلطت بقلب الذي ينظر اليها، فان محبتها داخله في القلب (فارتحلوا عنها باحسن ما بحضرتكم من الزاد) اي هيئوا لانفسكم احسن الزاد الذي تتمكنون منه، لتنتقلوا منها في يوم انتقالكم، و قد استصحبتم احسن الزاد، و هو الايمان بالله و العمل الصالح (و لا تسئلوا فيها فوق الكفاف) اي فوق المقدار الذي يكفيكم، حتي يكون عليكم حسابه و وباله (و لا تطلبوا منها) اي من الدنيا (اكثر من البلاغ) اي الذي يبلغكم الي الاخره، حتي تكونوا خزانا لغيركم، و عليكم وبال المفاضل.

خطبه 046

[صفحه 213]
عند عزمه علي المسير الي الشام فان معاويه ابدي العصيان للامام و جهز الجيش لمقاتلته عليه‌السلام فسار اليه الامام بجيشه و التقيا في ارض تسمي (صفين) و طالت الحرب مده مديده، انتهت بالتحكيم. (اللهم اني اعوذ بك من وعثاء السفر) اصل (اللهم) يا الله، حذف حرف النداء، و عوض عنه (الميم) و الوعثاء المشقه (و كابه المنقلب) الكابه الحزن، و المنقلب مصدر ميمي بمعني الانقلاب، اي الرجوع، بمعني ان لا نرجع محزونين، للحوق الانهزام بنا (و سوء المنظر في الاهل و المال) بان اري منظرا يسوئني في اهلي او مالي، و ذلك يكون بموت بعض الاهل او مرضهم، او انحرافهم، و نقصان المال و ما اشبه (اللهم انت الصاحب في السفر) اي تصحب عنايتك و رعايتك المسافر فلا يصيبه اذي (و انت الخليفه هي الاهل) اي تبقي رعايتك خلفا للمسافر، عند اهله لئلا يصيبهم مكروه (و لا يجمعهما) اي الاستصحاب للمسافر و البقاء عند اهله (غيرك) فان غير الله سبحانه لا يقدر علي هذا الجمع بين المتنافيين- بالنسبه الي الاجسام- (لان المستخلف) الذي بقي و استخلف (لا يكون مستصحبا) للمسافر الذاهب (و المستصحب) الذي مع الانسان في السفر (لا يكون مستخلفا) اي باقيا، فان الاجسام لا بدلها من
مكان، و لا يمكن لها الكون في مكانين.

خطبه 047

[صفحه 215]
في ذكر الكوفه (كاني بك) اصله كاني اري بواسطتك، و الشي‌ء اذا صار علي حاله راي الانسان تلك الحاله بواسطه ذلك الشي‌ء (يا كوفه) و مثل هذا الخطاب، للسامعين، و ان كان موجها نحو شي‌ء لا يعقل (تمدين مد الاديم العكاظي) عكاظ كان سوقا للعرب قرب الطائف يجتمعون اليه من اول شهر ذي القعده ليتعاكضوا- اي يتفاخروا- كل بما لديه من فضيله او ادب فكان يباع فيه كل شي‌ء، و كان اكثر ما يباع فيه (الاديم) و هو الجلد المدبوغ، و لذا نسب اليه، و المعني انه كما يمد الاديم (كالمطاط) كذلك تديمين انت يا كوفه بواسطه العسف و الحروب و الانقلابات و الثورات (تعركين بالنوازل) جمع نازله و هي المصيبه الشديده سميت بذلك لانها تنزل من السماء، و العرك الذلك (و تركبين بالزلازل) جمع زلزله، و هي الامر الذي يوجب الاضطراب و التحريك العنيف، اي ان الزلازل تركبك، و تكون فيك. (و اني لاعلم انه ما اراد بك جبار سوا الا ابتلاه الله بشاغل) اي بما يشغله عنك، من مرض او موت او ما اشبه مما يصرفه عنك، و المراد الجبار الظالم الذي يجبر الناس علي ما يريد (و رماه بقاتل) اي بامره يقتله و يهلكه و هنا لا باس بذكر امور ثلاثه علي وجه الايجاز. الاول- ان كل دوله قامت
دفعه لابد و ان تمحي من الحيات دفعه اذا لم يكن فيها صلوح البقاء، و ان كان فيها صلوح البقاء لابد و ان تضطرب اضطرابها كثيرا، و الدوله الاسلاميه حيث قامت فجائه، و كان فيها صلاحيه البقاء اصابها اضطرابات كثيره بعد موت الرسول صلي الله عليه و آله و سلم، و في زمن عثمان، و في زمن الامام عليه‌السلام، و ذلك لان ولاده الحيات الجديده حيث تعارض الحيات السابقه توجب التعارض فان كان في الحيات الجديده صلاحيه البقاء تقدمت علي الحيات السابقه و الا خنقت و تقدمت الحيات السابقه عليها. و حيث ان كوفه كانت من المراكز المهمه كانت محلا للاضطرابات. الثاني- ان كوفه محترمه باحترام المسجد و احترام كونها مذفن الامام عليه‌السلام و لذا ما اراد الجبارون بها سوا من قتل اهلها او تشريدهم او ايذائهم الا كان ذلك خلافا للحرمتين و لذا يدافع الله سبحانه عنهم. الثالث- ان كوفه كانت محلا للاضطرابات مثل اضطراب الثوار في زمن عثمان و اضطراب الخوارج في زمن الامام عليه‌السلام، و اضطراب (زياد) في زمن معاويه، و اضطراب (ابن زياد) في زمن يزيد، ثم (المختار) ثم (مصعب) الي غير ذلك من الاضطرابات الكثيره التي دامت حوالي قرن، اما ابتلائهم فقد روي الموروخون ان زياد رمي با
لفالج و ابنه عبيدالله رمي بالجذام، و الحجاج اصابه داء في مقعده و تورات الديدان الكبار في بطنه حتي اهلكته خنفسانه لدغت استه و عمرو بن هبيره و ابنه يوسف اصابهما البرص و خالد القسري ضرب و حبس حتي مات جوعا، و مصعب و يزيد المهلب قتلا، و هكذا …

خطبه 048

[صفحه 217]
عند المسير الي الشام ان الامام عليه‌السلام لما اراد الذهاب الي صفين لمقاتله معاويه بعث زياد بن النصر و شريح بن الهاني في اثني‌عشر الف فارس مقدمه له و امرهم ان يلزموا شاطي‌ء الفرات فاخذوا شاطئها من قبل البر مما يلي الكوفه حتي بلغوا (عانات)،- و الملطاط- هو جنب الشاطي‌ء الفرات ثم خرج عليه‌السلام من الكوفه و انتهي الي المدائن فحذرهم و وعظهم ثم سار عنهم و خلف عليهم عدي ابن حاتم و تبعه ثمانمائه رجل تحت لواء عدي و خلف ابنه زيد عليهم ثم تبعه زيد باربعمائه آخرين ثم التحق المقدمه بالامام عليه‌السلام حتي تلاقي الجيشان في صفين. (الحمد لله كلما وقب ليل) اي دخل الليل (و غسق) اي اشتدت ظلمته (و الحمد لله كلما لاح نجم) اي اظهر في السماء (و خفق) اي غاب، او تموج بسبب هبوب الهواء (و الحمد لله غير مفقود الانعام) اي ان نعمه لا تفقد بل تستمر و تتوالي (و لا مكافي‌ء الافضال) اي ان الانسان لا يتمكن ان يكافي‌ء، فضله و احسانه، اذ لا يملك الانسان شيئا ليرده علي الله سبحانه في مقابل فضله و رحمته (اما بعد فقد بعثت مقدمتي) اي مقدمه جيشي- كما مر- (و امتهم بلزوم هذا الملطاط) هو حافه الوادي و شفيره و ساحل البحر (حتي ياتيهم امري)
و انهم ماذا يصنعون (و قد اردت ان اقطع هذه النطفه) اي الفرات لان الامام عليه‌السلام عبره الي المدائن، و النطفه هي المال القليل، و لذا سمي المني بالنطفه، و لعل تسميته بها توهينا له في مقام عزم الامام عليه‌السلام (الي شر ذمه منكم) اي جماعه منكم، و هم اهل المدائن (موطنين اكناف دجله) اي الذين اخذوا الوطن في جوانب نهر دجله، فان اكناف جمع كنف و هو الطرف. (فانهضهم معكم الي عدوكم) اي اجعلكم يتعاونون معكم لمحاربه معاويه (و اجعلهم من امداد القوه لكم) الامداد جمع مدد و هو ما يتقوي الجيش به من الرجال و السلاح.

خطبه 049

[صفحه 219]
(الحمد لله الذي بطن خفيات الامور) معني بطن الخفيات علمها، و خفيات الامور، ما خفي علي الحواس من اعماقها، و من ما غاب عنها، كاعماق البحار، و كنه الانسان و الحيوان، و ابعاد السماء و ما اشبه ذلك كله (و دلت عليه) تعالي (اعلام الظهور) جمع علم، و هو علامه الشي‌ء الداله عليه، و المراد بها الادله الظاهره، التي تدل عليه سبحانه من السماء و الارض و النجوم و المياه و غيرها، فان كل شي‌ء ظاهر يدل علي ان له الها قادرا عالما حكيما (و امتنع علي عين البصير) فان الانسان المبصر لا يشاهده و لا يراه لا في الدنيا و لا في الاخره لفقد شرائط الرويه بالنسبه اليه كما ذكروه في علم الكلام، و الاتيان بلفظه (البصير) للتعميم، نحو (و لا طائر يطير بجناحيه). (فلا عين من لم تره ينكره) اذ العين انما تنكره غير المبصر اذا لم يدل عليه دليل، و قد دلت الادله علي وجوده تعالي (و لا قلب من اثبته يبصره) اي المثبت لوجوده تعالي لا يتمكن من رويته، و المراد ان غير الرائي لا يتمكن من انكاره و المثبت لا يتمكن من ابصاره (سبق في العلو) السبق بالنسبه الي الاوليه، و السبق بالنسبه الي الاوليه، و السبق بالنسبه الي العظمه، فهو قبل كل عال، كما انه اعلي من
كل عال رتبه (فلا شي‌ء اعلي منه) فان المخلوق لا يمكن ان يكون اعلي من الخالق (و قرب في الدنو) الي الاشياء دنو علم و قدره (فلا شي‌ء اقرب منه) حتي انه سبحانه اعلم بالانسان و اقدر علي الانسان، من الانسان بالنسبه الي نفسه. (فلا استعلائه) اي علوه (باعده عن شي‌ء من خلقه) كما هو الشان في الاجسام فلكما علي جسم علي جسم ازدار ابتعادا عنه (و لا قربه) تعالي الي الاشياء (ساواهم في المكان به) اذ ليس القرب هنا بمعني القرب الجسمي حتي بكون المتقارب الي الشي‌ء مساويا له في المكان، بل كما تقدم علو معنوي و قرب بالعلم و القدره و الاحاطه (لم يطلع العقول علي تحديد صفته) فان عقل الانسان لا يتمكن من ادراك صفته سبحانه، اذ المدرك يحيط بالمدرك، و الله سبحانه لا يحاط بذاته و لا اوصافه لانها غير متناهيه و الشي‌ء المتناهي لا يحيط بما لا يتناهي (و لم يحجبها عن واجب معرفته) يعني ان العقل و ان لم يطلع علي كنه صفاته تعالي، ولكنه يعرف مقدارا قليلا- مما وجب ان يدرك و يعرف- فالعقل يدري انه تعالي عالم قادر حكيم- مثلا- و ان لم يك يدرك حقائق هذه الاشياء. (فهو) سبحانه (الذي تشهد له اعلام الوجود) اي ادلته، و المراد بها المجودات، لانها اعلام و ادلته علي
وجوده تعالي (و في كل شي‌ء له آيه) (تدل علي انه واحدا) (علي اقرار قلب ذي الجحود) يعني ان الانسان الذي يجحد و ينكر وجوده باللسان، فانما هو مقر بالقلب، لما يعرف من اعلام الوجود و الايات الكونيه، كما قال سبحانه (و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم) فالشهاده انما وصلت الي قلب الجاحد، و لم يتمكن الجاحد، ان يدفع قلبه حتي لا يعترف، فانما هو مضطر الي الاذعان (تعالي الله) اي ترفع (عما يقوله المشبهون به) فهو ارفع من مزاعم الوثنيين الذي يشبهون الله بخلقه، و مزاعم الذين يظنون ان الله جسم اوله صفات الاجسام (و الجاحدون) اي المنكرون (له) فانه ارفع عن الانكار، فلا يمكن انكاره (علوا كبيرا) اي علوا زائدا.

خطبه 050

[صفحه 221]
(انما بدء وقوع الفتن) جمع فتنه، اي ابتداء وقوعها (اهواء تتبع) بان يتبع ملقي الفتنه هواه صارفا نظره عن الحق و الدين (و احكام تبتدع) بان يبتدع الشخص حكما جديد احدثه من نفسه، يجمع له انصارا حتي يصطدم بالمحقين و يسبب الفتنه و الاضطراب (يخالف فيها) اي في تلك الاحكام (كتاب الله) سبحانه (و يتولي عليها) اي علي تلك الاهواء و الاحكام (رجال رجالا) بان يستعين الاناس المبتدعون باناس آخرين (علي غير دين الله) يعني ان التولي و النصره ليس علي دين الله، و انما علي الهوي و البدعه (فلو ان الباطل خلص من مزاج الحق) اي كونه ممازجا و مخلوطا بالحق، بان كان الباطل في جانب و الحق في جانب آخر (لم يخف) الباطل (علي المرتادين) اي الطالبين للحقيقيه و الحق، من ارتاد بمعني طلب، و المراد به طالب الحق، (و لو ان الحق خلص من لبس الباطل) بان لم يلبس علي الحق لباس الباطل (لا نقطعت عنه) اي عن الحق (السن المعاندين) فان الذين يعاندون الحق انما يمدون السنتهم الي الحق، بالطعن فيه من جهه الباطل الذي صار لبساله، باعمال الذين يلبسون الحق بالباطل، و حاصل الفقرتين انه لو كان الباطل معلوما اجتنبه الناس، و لو كان الحق ظاهرا لم يلبسه الناس بالباطل
لم يجد المبطلون طعنا في الحق، اذ الحق لا طعن فيه (ولكن يوخذ من هذا) اي الحق (ضغث) اي قبضه و مقدار (و من هذا) اي الباطل، (ضغث) و الفاعل لذلك اهل الباطل، فان اهل الحق لا ياخذون الا الحق (فيمزجان) و يخلط احدهما بالاخر (فهنا لك يستولي الشيطان علي اوليائه) اي احبائه و التعابعين له، بان ياخذون الباطل باسم الحق و يطعنون في الحق، لانه ملبوس بالباطل (و ينجو) من التردي (الذين سبقت لهم من الله الحسني) اي الذين علم الله سبحانه انهم لهم الصفه الحسني، فلا ياخذون الا بالحق.

خطبه 051

[صفحه 223]
لما غلب اصحاب معاويه اصحابه عليه‌السلام علي شريعه الفرات الصفين و منعوهم من الماء و ذلك انه وقع في (صفين) اوجب زحزحه اصحاب الامام عليه‌السلام عن النهر فلما انزاحوا عنه استولي عليه اصحاب معاويه و منعوا اصحاب الامام من الماء. (قد استطعموكم القتال) اي طلبوا منكم ان تطعموهم، و ذلك لان عملهم ذلك كان في معني طلب القتال (فاقروا علي مذله) اي اما ان تقروا علي الذل و لا تحاربهم (و تاخير محله) اي تاخير المنزله عن رتبه الشرف و الشجاعه و الدفاع عن الحقوق (او رووا) من الارتواء بمعني الشرب من الماء الي ان يذهب الظماء و يمتلي البطن من الماء (السيوف من الدماء) بتكثير القتل فيهم (ترووا من الماء) لانهم اذا وجدوا السيف انزاحوا عن الماء (فالموت في حياتكم مقهورين) اي ان الانسان المقهور ميت، و ان كان في الظاهر حيا، و انما يطلق علي الميت، لانه لا يظهر منه اثار الحياه التي هي حمايه الوقار و الشهامه و الشجاعه (و الحيات في موتكم قاهرين) لان القاهر تبقي اثاره الحيويه و ذكر الجميل بعده، و ذلك ثمره الحيات. (الا) فليتنبه السامع (و ان معاويه قادلمه من الغواه) اللمه الذين يجمعون من اللم بمعني الجمع و الغوات جمع غاوي، بمعني الض
ال (و عمس عليهم الخبر اي اخفي الحقيقه عليهم (حتي جعلوا نحورهم اغراض المنيه) نحور جمع نحر، و اغراض جمع غرض و هو الهدف كانهم استعدوا لان يموتوا في سبيل معاويه، و هذا تحريض لاصحابه عليه‌السلام لقتالهم و بيان مقدار صمود اولئك حتي يقدروا موقفهم فان بيان مقدار استعداد العدو موجب للاستعداد في الطرف المقابل.

خطبه 052

[صفحه 225]
في التزهيد في الدنيا، و نعم الله علي الخلق (الا) فلينتبه السامع (و ان الدنيا قد تصرمت) اي انقطعت و ذهبت (و اذنت) اي اعلمت (بوداع) بانها تذهب و تنقضي (و تنكر معروفها) اي صار المعروف قليلا حتي انه ينكر و لا يعرف، و هذه الجمله و اشباهها بالنسبه الي كل زمان و اهل كل قرن، اذا انقلبت احوالهم من حسن الي سي‌ء و قد كان هذا زمان الامام عليه‌السلام حيث ان عصره بالنسبه الي عصر الرساله كان كذلك (و ادبرت) الدنيا (حذاء) اي مسرعه في الذهاب و الرحيل (فهي تحفز) اي تدفع (بالفناء) اي نحو الموت (سكانها) الذين هم ساكنون فيها في حيات و عيش (و تحدوا) الدنيا اي تسوق (بالموت جيرانها) الذين يجاورونها فالدنيا سائقه و الموت عصاها و الهلاك الغايه (و قد امر) اي صارموا نحو اظلم بمعني صار الظلام (منها) اي من الدنيا (ما كان حلوا) هذا كنايه عن المشاكل التي حدثت فيها (و كدر منها) اي من الدنيا (ما كان صفوا) اي تغير لونه من الصفاء الي الكدوره (فلم يبق منها الاسمله) هي بقيه الماء في الحوض و نحوه (كسمله الاداوه) هي المطهره التي يتطهر بها و ذكر ذلك لتاكيد الحقاره (او جرعه) هي المقدار الذي يتجرعه الانسان مره واحده (كجرعه المقله) المقل
ه حصات كان المسافرون يضعونها في الاناء ثم يصبون الماء فيه الي ان يغمرها و يتناول كل منهم مقدار ما غمره، يفعلون ذلك لتسويه القسمه فيما شح مائهم (لو تمززها) التمزز الامتصاص قليلا قليلا (الصديان) هو العطشان (لم ينقع) اي لم يرو من العطش (فازمعوا) اي عزموا، يا (عباد الله الرحيل) فان مريد السفر يخفف حمله و يهتم بالامر، و ليس كالضاعن الذي لا يبالي. (عن هذه الدار المقدور علي اهلها الزوال) اي ان الله سبحانه قدر و حكم علي زوال اهلها و عدم بقائهم فيها (و لا يغلبنكم فيها) اي في الدنيا (الامل) فتاملون البقاء الطويل، و تهتمون بها (و لا يطولن عليكم الامد) بان اذا رايتم انه قد طال امدكم و مدتكم في البقاء، تركنون اليها و تنسون الاخره (فو الله لو حننتم) التحنن العطف و الميل (حنين الوله) جمع واله، و هي الابل التي فقدت ولدها، كما ياتي جمع والهه ايضا (العجال) جمع عجول و هي الابل التي فقدت ولدها، و كان الوصفين باعتبارين انها والهه و انها تعجل في الامر للحصول علي ولدها (و دعوتم بهديل الحمام) هديله صوته الشجي لفقد الفه (و جارتم) اي دفعتم اصواتكم، من الجوار و هو الصوت المرتفع (جوار متبتلي الرهبان) المتبتل المنقطع للعباده، و الرهبان
جمع راهب، و هو الخائف، غلب علي المسيحي المنقطع عن الدنيا الي العباده. (و خرجتم الي الله) اي الي محل تعبدونه فيه (من الاموال و الاولاد) لئلا تتعلقون بعلائقها فتصرفكم عن العباده (التماس القربه اليه) اي لاجل طلب التقرب اليه تعالي، و المراد تقرب المنزله و المرتبه، فانه سبحانه منزه عن المكان (في ارتفاع درجه عنده) بان يتفضل عليكم برفع الدرجات في الاخره (او غفران سيئه احصتها) اي اثبتها (كتبه) جمع كتاب، و هو ما يدرج فيه اعمال اخلائق (و حفظها رسله) و هم الملائكه، كما قال سبحانه (ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد) (لكان قليلا) جواب (لو) (فيما ارجو لكم من ثوابه) فان ثوابه سبحانه شي‌ء عظيم جدا، حتي انه لا يخطر بقلب بشر من كثرته و عظمته- كما المح الي ذلك بعض الاحاديث- (و اخاف عليكم من عقابه) اذ عقابه لا يطاق، و ما كان كذلك كان اللازم ان يدئب الانسان للفرار منه، و النيل من الثواب. (و الله لو انماثت قلوبكم انمياثا) انماث بمعني ذاب، و هذا كنايه عن انكسار النفس خوفا و وجلا تشبيها للمعقول بالمحسوس (و سالت عيونكم) اي دموعها، من قبيل سال الميزاب- لعلاقه الحال و المحل- (من رغبه اليه) الي ثوابه و رضاه تعالي (او رهبه منه) اي خوفا
من نكاله و سخطه (دما) فان الانسان اذا بكي كثيرا جف ماء عينيه و يوجب الضغط اخراج الدم من اماقه (ثم) لترتيب الكلام لا ترتيب الموضوع (عمرتم في الدنيا ما الدنيا باقيه) اي الي آخر ايام الدنيا و (ما) بمعني (المده) (ما جزت اعمالكم عنكم) جواب (لو) و مفعول (جزت) ما ياتي من قوله (انعمه) يعني انكم لو كنتم كذلك، لم تكن تجزي اعمالكم في مقابل نعمه تعالي، فكيف اذا لم تكونوا كذلك؟. (و لو لم تبقوا شيئا من جهدكم) هذه جمله معترضه بين الفعل و هو (جزت) و بين المفعول و هو (انعمه) و انما جئي بهذا الاعتراض لانه من تتمه الكلام السابق، يعني انكم لو علمتم بمنتهي طاقتكم مع ذلك لا تودون حق نعم الله سبحانه (انعمه عليكم العظام) هذا مفعول (جزت) و ترتيب الكلام هكذا: لو انماثت قلوبكم و لم تبقوا شيئا من جهدكم، ما جزت اعمالكم انعمه العظام (و هداه اياكم للايمان) فالهدايه نعمه تشريعيه، و سائر النعم نعم تكوينيه، و اني للانسان، ان يقوم باداء حق هذه النعم التي لا تقابل بشي‌ئ؟
[صفحه 229]
في ذكر يوم النحر، و صفه الاضحيه (و من تمام الاضحيه) هي منسوبه الي الاضحي، اذا كان ذبحها وقت الضحي في اليوم العاشر من ذي‌الحجه، او الي يومين بعدها ايضا، و معني (من تمامها) ان ما يذكره عليه‌السلام من الشروط شرائط او اداب (استشراف اذنها) اي طولها، و ذلك كنايه عن عدم نقصها خلقه او عارضا، يقال استشرف الرجل اذ ارتفع (و سلامه عينها) بان لا تكون عوراء و نحوها (فاذا سلمت الاذن و العين سلمت الاضحيه و تمت) بمعني ان الشرط المهم، الذي يمكن خلافه في الاضاحي قد وجد، و هذا لا ينافي في اشتراط امور اخر- كما ذكر في الفقه- (و لو كانت عضباء القرن) اي مكسورته (تجر رجلها الي المنسك) و هذا كنايه عن عرجتها و المنسك المذبح.

خطبه 053

[صفحه 230]
و قد كان يمنع اصحابه من قتال اهل الشام- في صفين- ليبتدء القوم بذلك، و لاتمام الحجه (فتداكوا) من باب التفاعل، بمعني التزاحم، كانه يدك بعضهم بعضا (علي تداك الابل الهيم) جمع هائم، و هي الواله عطشا (يوم وردها) اي يوم شربها الماء، فان الابل في ذلك اليوم تتزاحم بعضها بعضا تزاحما عجيبا (قد ارسلها) اي اطلقها علي الماء (راعيها) فلا ينظم صفوفها (و خلعت مثانيها) جمع مثني و مثناه و هو الحبل الذي يعقل به البعير، اي ان الحبال قد فكت عنها (حتي ظننت انهم قاتلي) و معني ظننت ان المحل كان محل الظن، فان شده الازدحام يوجب ان يداس الانسان، و ان يضيق عليه التنفس مما يوجب زهاق الروح (او بعضهم قاتل بعض لدي) لعين السبب الذي ذكر، و كثيرا مات في الزحام بعض الناس- و هذه الجمله مقدمه، لبيانه عليه‌السلام جواز قتال هولاء، اذا انهم انما يحاربون اماما عين بهذه الكيفيه من الالحاح و الاصرار. (و قد قلبت هذا الامر) اي قلبت وجوه الراي في مقاتله هولاء القوم (بطنه و ظهره) و هذا من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، فكما ان من يريد اختبار شي‌ء يقلب اطرافه، كذلك من يريد الاقدام علي عمل مهم لينكر في وجوهه و محتملاته (حتي منعني النوم) اي ان الن
كر منعني عن النوم (فما وجدتني) اي لم اجد نفسي (يسعني الا قتالهم) اي لا يجوز لي ذلك، لانهم اهل الباطل (او الجحود) اي الانكار (بما جائني به محمد صلي الله عليه و آله و سلم) فان من ترك قتال البغات كان منكرا لامر الرسول صلي الله عليه و آله و سلم بلزوم قتالهم كما قال سبحانه (فان بغت احديهما علي الاخري فقاتلوا التي تبغي حيت تفي‌ء الي امر الله). (فكانت معالجه القتال) اي اعالجه و اقاسي مشقاته (اهون) و ايسر (علي من معالجه العقاب) في الاخره، الناشي‌ء عن مخالفه الله و الرسول الله صلي الله عليه و آله و سلم (و موتات الدنيا) اي اهوالها و شدائدها الشبهيه بالموت صعوبه و اذيه- مما تسببها الحرب- (اهون علي من موتات الاخره) التي تسببها مخالفه الله و الرسول صلي الله عليه و آله و سلم، و هذا كنايه عن انه يري قتالهم، ولكنه انما لا يقدم لمصالح اخر، كما ذكر بعضها، فليس في تاخيره عليه‌السلام قتالهم ترددا و شكا، و انما مصلحه و حكمه.

خطبه 054

[صفحه 232]
و قد استبطاء اصحابه اذنه لهم في القتال بصفين فلقد كثر الحاح اصحاب الامام عليه‌السلام له بان ياذن لهم في قتال اهل الشام فكان لا ياذن لهم، حتي زعم بعضهم ان الامام يكره من الموت المحتمل و زعم آخرون انه شاك في جواز قتالهم فقال عليه‌السلام: (اما قولكم: اكل ذلك كراهيه الموت؟) اي كل المنع عن القتال لاجل ان الامام يكره الموت (فو الله) ليس كذلك اذ (ما ابالي) اي لا اهم (ادخلت الي الموت او خرج الموت الي) هذا تشبيه للموت بسبع في و جاره يدخل الانسان اليه تاره فيفترسه، و يخرج هو الي الانسان مره فيقتله، فانه قد يهاجم الانسان، فكانه دخل الي الموت، و قد يهاجم فكان الموت دخل عليه (و اما قولكم) ان في عدم اذني (شكا في) جواز قتال (اهل الشام ف) ليس كذلك اذ (و الله ما دفعت الحرب يوما الا و انا اطمع ان تلحق بي طائفه) من اصحاب معاويه (فتهتدي بي) اي بسببي الي الحق فان الخداع لا يلبث ان يزاح فيظهر الحق (و تعشو) يقال عشا الي النار اذا ابصرها ليلا فقصدها (الي ضوئي) و يكون ذلك سببا لنجاتهم من النار (و ذلك) اي الصبر لعل طائفه يهتدون (احب الي من ان اقتلها علي ضلالها و ان كانت) تلك الطائفه حينذاك (تبوء باثامها) اي تحمل خطاياه
ا، فتاخيري للرفق لا لخوف الاثم.

خطبه 055

[صفحه 234]
يبن موقف اصحاب الرسول و صبرهم و ثباتهم حتي تمكنوا من اعلاء كلمه الاسلام (و لقد كنا مع رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم) في بدء الاسلام (نقتل آبائنا و ابنائنا و اخواننا و اعمامنا) يريد بذلك انهم كانوا مستعدين لان يضحوا في سبيل الاسلام باقرب اقربائهم (ما يزيدنا ذلك) القتل للاقارب (الا ايمانا و تسليما) فلم نكن نجد في انفسنا غضاضه في الاسلام و الايمان، بل كنا نزيد صمودا فان الانسان كلما فدي شيئا باشياء ثمينه لديه يزداد ذلك الشي‌ء قربا عنده و منزله لديه (و مضيا علي اللقم) هو جاده الطريق (و صبرا علي مضض الالم) اي لذعته و شدته، فكنا نزداد صبرا و استقامه بكثره المجاهده و تفديه الارقاب (و جدا في جهاد العدو) فتقوي انفسنا علي الجهاد اكثر فاكثر. (و لقد كان الرجل منا و) الرجل (الاخر من عدونا يتصاولان) اي يطلب كل واحد منهما ازهاق روح الاخر، فان التصاول هو ان يحمل كل قرن علي قرنه يريد قتله (تصاول الفحلين) من الشاه (يتخالسان انفسهما) اي يريد كل منهما ان يختلس روح الاخر و يسلبه عن بدنه (ايهما يسقي صاحبه كاس المنون) المنون هو الموت و قد شبه بكاس الخمر من جهه ان كلا منهما يوجب انتقال الانسان من حال الي حال فا
لخمر توجب ذهاب العقل و الموت يوجب ذهاب الروح (فمره) يكون الغلب (لا من عدونا) فنغلبهم (و مره لعدونا منا) فيكون الغلب لهم (فلما راي الله صدقنا) في الجهاد و المثابره و انا ماضون سواء غلبنا او غلبنا (انزل بعدونا الكبت) اي الذل و الخذلان (و انزل علينا النصر) حتي انتصرنا عليهم في نهايه المطاف. (حتي استقر الاسلام) فان لم يخف ازالته و محوه عن الوجود (ملقيا جرانه) جران البعير مقدم عنقه من مذبحه الي منحره، و البعير اذا نام آمنا القي جرانه علي الارض، و هذا كنايه عن استقرار الاسلام و عدم الخوف عليه من الاعداء (و متبوا اوطانه) يقال تبوء الدار اذا حعلها منزلا و ماوي له، يعني ان الاسلام اتخذ لنفسه اوطانا هي محل اجتماع المسلمين و دارا منهم (و لعمري) اي قسما بحياتي- فان عمر بمعني الحيات- (لو كنا ناتي) في سبيل الاسلام مثل (ما اتيتم) انتم اليها المعاصرون لي، من الضعف و الجبن و الوهن (ما قام للدين عمود) فكما ان الخباء يقوم بالعمود كذلك الدين يقوم بشعائره و احكامه (و لا اخضر للايمان عود) كنايه عن عدم حياته، فان الشجر اذا لم يخضر عوده كان دليلا علي موته. (و ايم الله) ايم بمعني القسم- و فيه لغات- اي قسما بالله سبحانه (لتحتلبنها دم
ا) الاحتلاب اخراج ما في الضرع من اللبن بالحلب، و الضمير في (لتحتلبنها) عائد الي ما يفهم من قوله (ما اتيتم) و هو (الاعمال) اي تستنتجون من اعمالكم شيئا سيئا كما ان من يحتلب الناقه فياتي الدم مكان الحليب يكون وبالا عليه (و لتتبعنها) اي تندمون علي وهنكم و ضعفكم و قد كان كما ذكره الامام عليه‌السلام فان وهنهم اوجب قتل الامام عليه‌السلام و استيلاء معاويه مما نكل بهم تنكيلا ذريعا، و تنابعت عليهم الفتن و المصائب.

خطبه 056

[صفحه 237]
وصف به معاويه بن ابي‌سفيان و استيلائه علي الحكم (اما) للتنبيه (انه سيظهر عليكم) اي يتسلط عليكم يا اهل الكوفه، كما قال سبحانه (انهم ان يظهروا عليكم يرجموكم) (بعدي رجل رحب البلعوم) اي واسع مجري الحلق، و ذلك كنايه لكثره اكله، و كبر لقمته (مندحق البطن) اي عظيم البطن بارزه (ياكل ما يجد) من الملك، و من الطعام، فان معاويه كان كثير الاكل بعد ما دعا عليه الرسول صلي الله عليه و آله و سلم بقوله: اللهم لا تشبع بطنه، كما انه كان حريصا علي توسيع سيطرته (و يطلب ما لا يجد) من الماكل، و الاملاك، (فاقتلوه) لانه غاصب ظالم مفسد (و لن تقتلوه) هذا اخبار عنه عليه‌السلام بانهم لم يفعلوا ذلك، و ان كان مستحقا للقتل و لو كان المسلمون قتلوه يوم وجدوه لم يجرهم الي تلك الويلات التي يقاسي المسلمون عواقبها الي يومنا هذا، و الي ظهور الامام الحجه عليه الصلاه و السلام (الا) فتنبهوا (و انه سيامركم بسبي) فقد كان معاويه لعنه الله يامر بسب الامام و شتمه، لاسقاط منزلته عن القلوب- ولكن: ابي الله الا ان يتم نوره-. (و) يامركم (بالبرائه مني) بان تبرئوا مني باطنا، فان السب لساني، و البرائه باطنيه (فاما السب فسبوني) و قد اباح الاسلام اظها
ر السب باللسان لانقاذ الحياه، كما ورد في قصه عمار انه نال الرسول صلي الله عليه و آله و سلم بلسانه حينما اجبره المشركون علي ذلك، فانزل الله سبحانه (الا من اكره و قلبه مطمئن بالايمان) و قال له الرسول صلي الله عليه و آله و سلم: ان عادوا فعد (فانه) اي السب (لي زكاه) اي تطهير عند الله سبحانه، فان الله يرفع درجه الامام- و ذلك مشابه للتطهير- بما يناله من السب، و مضافا الي ذلك انه زكاه للامام في الدنيا، اذ المظلوم يلتف الناس حوله اكثر (و لكم نجاه) عن القتل الذي ينزله معاويه بكم ان امتنعتم عن سبي (و اما البرائه) القلبيه (فلا تتبرئوا مني) و لا تقطعوا ودكم وصلتكم القلبيه عني. لا يقال كيف يمكن قطع الصله القلبيه عن الشخص مع انه امر قلبي ليس باختيار الانسان ايجاده او افنائه، فكيف يقع ذلك مورد النهي؟ فان الجواب واضح اذ الود كسائر الامور القلبيه- غالبا- قابله للايجاد و الافناء بالتفكر و العنايه و جمع الادله و الشواهد، و لذا تري الانسان يحب انسانا ثم اذا اراد ان يبغضه تمكن من ذلك بقطع صلاته منه اولا ثم التجنب عنه و جمع النقد و النقص له، و هكذا بالعكس (فاني ولدت علي الفطره) اي فطره الاسلام، فقد ورد ان كل مولود يولد علي الفطره
لا ان ابويه هما اللذان يهودانه و ينصرانه و يمجسانه- و هذه الجمله كمقدمه للجمله الثانيه- اذ كل انسان يولد علي الفطره اما الانسان الذي ولد علي الفطره وراعي فطرته الي اخير حياته فذلك خاص بمن لم يشرك (و سبقت) الناس (الي الايمان) حيث كان الامام عليه‌السلام اول الناس ايمانا (و الهجره) مع الرسول صلي الله عليه و آله و سلم الي المدينه، فلا يوجد في ما يبرر البرائه مني، لاني متصل الايمان و الاطاعه.

خطبه 057

[صفحه 240]
كلم به الخوارج، حين زعموا الامام قد كفر لانه رضي بالتحكيم، و طلبوا منه ان يتوب عن كفره!! (اصابكم حاصب) هي ريح شديده تحمل الحصباء اذا اصابت الانسان اعطبته و الجمله دعاء عليهم بالهلاك (و لا بقي منكم ابر) اي رجل يقوم بتابير النخل و اصلاحه، من ابر النخل اذا لقحه، و هذا دعاء عليهم بالفناء جميعا (ابعد ايماني بالله) الهمزه للاستفهام الانكاري (و جهادي مع رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم اشهد علي نفسي بالكفر) اي كيف اشهد و انا اول المومن و اول مجاهد فان الكافر لا يكون مومنا و لا مجاهدا (لقد ضللت اذا و ما انا من المهتدين) (اذا) اي اذا كان الامر كذلك و هذا اقتباس من القرآن الحكيم (فاوبوا شر ماب) اي ارجعوا عن دينكم الي شر مرجع و هو الكفر (و ارجعوا علي اثر الاعقاب) جمع عقب، و اثرها العلائم التي تتركها علي الارض عند المشي، و ذلك لتاكيد كون الرجوع في نفس المسير الذي ساروا فيه، و الامر في المقامين للتهديد، و اظهار التضجر. (اما انكم) ايها الخوارج (ستلقون بعدي ذلا شاملا) اي ذلا يشملكم فقد وضع آل اميه فيهم السيف و عمموهم بالذل بلا هواده و لا رحم و هذا طبيعي بالنسبه الي من يجرء الي اولي الامر، فان ولي الامر، ا
ذا كان منصفا و كان معارضه و قحا، جر ذلك الي ذله في المستقبل لعدم تحمل كل رئيس القحه من الناس (و سيفا قاطعا) كنايه عن قتلهم بايدي الروساء من بعد الامام عليه‌السلام (واثره) هي الاختصاص بالملك دون الخوارج بعدم اشراكهم في دائر او عمل او مال (يتخذها الظالمون فيكم سنه) اي عاده مستمره لا يحيدون عنها.

خطبه 058

[صفحه 242]
لما عزم علي حرب الخوارج و قيل له: انهم قد عبروا جسر النهروان و ذلك ان الامام عليه‌السلام بشر بان الخوارج قد ولوا و عبروا النهر فاعطوه اقفيتهم، و العدو اذا كان قفاه في طرف الانسان كان غزوه اسهل و الوقيعه فيه ايسر، لكن الامام عليه‌السلام يعلم الغيب عرف كذب الخبر، و كان كما اخبر (مصارعهم) اي مواضع و قوعهم قتلي علي وجه الارض (دون النطفه) اي قبل الفرات و النطفه اصلها الماء القليل، و لذا يقال للمني (نطفه) و استعملت في الماء الكثير اما بعلاقه … او باعتبار قياسه الي ماء البحر (و الله لا يفلت منهم عشره) اي لا ينجوا من الخوارج عشره فانهم قتلوا جميعا باستثناء تسعه منهم (و لا يهلك منكم) اصحابي (عشره) فانه قتل منهم ثمانيه اشخاص فقط.

خطبه 059

[صفحه 243]
و لما قتل الخوارج، قيل له: يا اميرالمومنين هلك القوم باجمعهم (كلا و الله) (كلا) للردع اي انهم لم يهلكوا جميعا (انهم نطف في اصلاب الرجال) نطف جمع نطفه، و اصلاب جمع صلب، و هو فقار الظهر، سميت بذلك لصلابتها، و المني مستقر في الصلب (و قرارات النساء) اي ترابئهن و هي عظام الصدر، كما قال سبحانه (يخرج من بين الصلب و الترائب) و هذا كنايه عن انهم يمتدون و يخرجون من آبائهم الي الوجود، و قد كان كما اخبر الامام فان بعض الخوارج لم يقتلوا ثم اخذوا يكثرون بالتوالد و باغواء الناس حتي قتلوا الامام و افسدوا بلاد الاسلام، و بقوا الي يومنا هذا (كلما نجم) اي ظهر (منهم قرن) اي فئه، و سميت قرنا لكونها شبيها به في ظهوره اول ما يظهر من اجزاء الحيوان (قطع) اي استئصل، و ذلك لانهم كانوا ضد السلطات دائما، كما عرف الامام عليه‌السلام من طبيعتهم (حتي يكون آخرهم) اي مال آخرهم ان يصبحوا (لصوصا سلابين) فانهم اذا لم يتمكنوا من مواجهه السلطات علنا التجئوا الي الجبال و الصحاري يسلبون الناس و يفسدون في الارض.

خطبه 060

[صفحه 244]
(لا تقتلوا الخوارج من بعدي) و انما نهي عن قتلهم لانه علم عدم ولايه الامر- بعده- من يستحقه، و من المعلوم انه لا يجوز لغير الوالي الشرعي قتل الناس كذا قيل لكن فيه نظر لما ذكره عليه‌السلام من التعليل بقوله (فليس من طلب الحق فاخطاه … الباطل فادركه) فان الخوارج كانوا قد طلبوا الحق، لكنهم اخطئوه، بخلاف معاويه و اصحابه الذين ارادوا الباطل فاصابوه و هنا اسئله. الاول- انه عليه‌السلام كيف قتلهم، مع انه نهي عن قتلهم؟ الثاني- هل انهم كانوا علي خطاء معذورين؟ الثالث- هل لا يجوز قتل المخطي‌ئ؟ و الجواب اما عن الاول، انه انما قتلهم لانهم اثاروا الفتن و خرجوا علي امام الزمان و مثل هولاء يجب قتلهم في الشريعه، و انما نهي عن قتلهم علي تقدير بقائهم متفرقين لا يثيرون قلاقل و فتن، و الكلام و ان كان مطلقا لكن لابد من حمله علي ذلك جمعا بين الادله. و اما عن الثاني، انهم كانوا علي خطاء لكنهم لم يكونوا معذورين لتمام الحجه عليهم، و من المعلوم الفرق بين المخطي‌ء الذي يريد الحق، و الذي يريد الباطل. و اما عن الثالث، فبانه لا يجوز قتل المخطي‌ء الذي لا يتم علي الحجه اما من تمت عليه الحجه فقتله جائز مباح اذا تجمعت اسباب الجواز. ق
ال الشريف الرضي- في معني قوله عليه‌السلام كمن طلب الباطل فادركه- (يعني معاويه و اصحابه).

خطبه 061

[صفحه 246]
- لما خوف من الغيله- (الغيله) القتل علي غفله من المقتول، فقد كان ابن ملجم لعنه الله المح الي انه يريد قتل الامام عليه‌السلام، و قالوا للامام في ذلك لكن الامام لم يكن يبالي بل قال في جواب الناس (و ان علي من الله جنه حصبنه) اي وقايه تحصنني عن القتل و تحفظني من الاغتيال مادام لم يات وقتي (فاذا جاء يومي) اي يوم موتي (انفرجت عني) اي ابتعدت الجنه عني و الانفراج هو الانشقاق كني بذلك عن ابتعاد الجنه (و اسلمتني) حتي اموت (فحينئذ) اي حين الانفراج و التسليم (لا يطيش السهم) من طاش السهم بمعني انحرف عن الغرض و المراد سهم المنيه (و لا يبرء الكلم) اي الجرح اي لا يطيب بل يفعل المقدور اثره، لا يقال لو علم الامام عليه‌السلام ان ابن ملجم قاتله كيف جاز ان يتركه و شانه؟ اذ الجواب واضح فان القصاص قبل الجنايه لا يجوز.

خطبه 062

[صفحه 247]
- في التزهيد- (الا) فليتنبه السامع (و ان الدنيا دار لا يسلم منها الا فيها) اي ان السلامه من عواقب الدنيا لا تكون الا في الدنيا فان الانسان اذا عمل صالحا و هو في الدنيا نجي من شرورها و عواقبها، و ان لم يعمل صالحا حال كونه فيها ابتلي بعواقبها السيئه (و لا ينجي بشي‌ء كان لها) اي ان العمل الذي يعمل لاجل الدنيا لا يكون فيه النجات و انما النجات بما يعمل للاخره (ابتلي الناس بها) اي بالدنيا (فتنه) اي لاجل الاختبار و الامتحان (فما اخذوه منها لها) اي ان الشي‌ء الذي اخذوه من الدنيا، لاجل الدنياهم من المال و الجاه و ما اشبه (اخرجوا منه) لان الموت اذا جاء اخرج الانسان مما هيئه من ملاذه و شهواته (و حوسبوا عليه) فان الانسان يحاسب علي ما جمع من الدنيا. (و ما اخذوه منها لغيرها) مما قدموه لاخرتهم من الانفاق و العمل الصالح (قدموا عليه) فان الانسان يذهب نحو اعماله الصالحه التي ارسلها الي آخرته في حياته (و اقاموا فيه) اي بقوا مخلدين في النعيم الذي قدموه لانفسهم (و انها) اي الدنيا (عند ذوي العقول) الذين لهم عقول سليمه لا تخالطها الشهوات (كفي الظل) اي الظل الذي يفي‌ء و هو ظل ما بعد الزوال، او المراد الظل الذي يفي‌ء،
و هو ما قبل الزوال مما تنسخه الشمس، و هذا اقرب معني و الاول اظهر لفظا (بينا تراه) اي ذلك الظل (سابغا حتي قلص) اي انقبض (و زائدا حتي نقص) و الدنيا هكذا لا تلبث ان تزول و تعدم كان لم يكن شيئا مذكورا.

خطبه 063

[صفحه 249]
- في التزهيد- (فاتقوا الله) اي خافوا عقابه، و ذلك باتيان اوامره و الاجتناب عن زواجره (عباد الله) هذا تذكير بانهم عبيد و يجب علي العبد ان يتقي سيده و يخافه (و بادروا اجالكم باعمالكم) اي اعملوا قبل ان يوافيكم الاجل فكان الانسان و الاجل يتبادران فالانسان يريد ان يعمل قبل ان يموت و الموت يريد ان ياخذ الانسان قبل ان يعمل (و ابتاعوا) اي اشتروا (ما يبقي لكم) من الاخره (بما يزول عنكم) من الدنيا، و ذلك بان يصرف الانسان جسمه و ماله في مرضات الله حتي ينال الاخره (و ترحلوا) اي انتقلوا، و المراد به هنا لوازم الانتقال و هو تهيئه الزاد للاخره (فقد جد بكم) اي حثثتم للرحيل، يقال جد به السير اي اسرع في المسير (و استعدوا للموت) بتهيئه الامور اللائقه للاخره (فقد اظلكم) تشبيه لقربه بالشي‌ء الذي يظل الانسان لانه اقترب اليه حتي انه صار علي راسه و القي ظلاله عليه (و كونوا قوما صيح بهم) و الصائح هم الانبياء و الائمه و الصلحاء حيث ارادوا تنبيهم عن نومهم الذي هم فيه فقد شبه الانسان بالنائم الذي لا يعمل صالحا و لا يدفع شرا عن نفسه (فانتبهوا) اي تيقظوا و قاموا من القوم. (و عملوا ان الدنيا ليست لهم بدار) اي دار بقاء (فاستب
دلوا) اي باعوا هذه الدار و اشتروا الدار الاخره (فان الله سبحانه لم يخلقكم عبثا) اي بلا غايه و غرض حتي يهملكم (و لم يترككم سدي) اي مهملا بلا تكليف، حتي لا يريد منك شيئا (و ما بين احدكم و بين الجنه) ان كان من اهلها (او النار) ان كان من اهلها (الا الموت ان ينزل به) فاذا مات دخل في الجنه او في النار و هذا تحريض علي العمل لقرب الغايه التي يراها الانسان نتيجه اعماله (و ان غايه تنقصها اللحظه) المراد بالغايه المده، فان مده بقاء الانسان في الدنيا تنقصها كل لحظه من لحظات الانسان اذ العمر مركب من لحظات، فكلما نقصت لحظه انتقص منه جزء (و تهدمها الساعه) فان كل ساعه تهدم جزا من اجزاء العمر (لجديره بقصر المده) اي حقيق بان تكون ذات مده قصيره (و ان غائبا) و المراد به الموت او امور الاخره (يحدوه) اي يسرعه ليحضر (الجديدان) و هما (الليل و النهار) سميا بذلك لان كلا منهما يتجدد كل يوم (لحري) اي حقيق (بسرعه الاوبه) اي الرجوع فكان كل واحد من الليل و النهار اذا جاء و مضي سبب وصول الغائب و لذا استعار عليه‌السلام لذلك لفظه (يحدو). كما ان لفظه (الاوبه) من باب التشبيه، و الا فالموت لم يكن سابقا، حتي يطلق عليه (اب) بمعني رجع، او باعتبار ك
ون الانسان كان سابقا جمادا فهو ميت، كما قيل في قوله تعالي (ربنا امتنا اثنتين و احييتنا اثنتين) (و ان قادما) هو الموت او امور الاخره، مما يقدم علي الانسان- من باب التشبيه- (يقدم بالفوز) الابدي و ذلك اذا كان الانسان من اهل الصلاح (او الشقوه) اذا كان الانسان طالحا (لمستحق) ذلك القادم (لافضل العده) اي ان يعد الانسان له افضل عده حتي توجب تلك العده ان يقدم بالفوز، لا بالشقوه. (فتزودوا) اي خذوا الزائد، و هو ما يهيئه المسافر من ماكل و سائر اللوازم، لئلا يبقي في سفره خاليا عن ما يحتاج اليه (من الدنيا) بالاعمال الصالحه، و الحال انتم (في الدنيا) فان زاد الاخره انما يحصل في حال كون الانسان في الدنيا (ما تحرزون) اي تحفظون عن العذاب و السخط (به) اي بذلك الزاد (انفسكم غدا) عند الموت و بعده- و جعله غدا باعتبار مقابله اليوم الذي هو مجموع عمر الانسان في الدنيا-. (فاتقي عبد ربه) اي خاف من ربه، فلم يعص، و هذا و ما بعده اوامر، في صوره الماضي، و النكته في اخراج الامر هذا المخرج كثره شوق الامر الي المامور به حتي كانه وقع و مضي، كما انه قد ياتي الاخبار عن المستقبل بصوره الماضي نحو (نفخ في الصور) لاجل مثل ذلك (نصح نفسه) و النصح هو ان
يظهر الانسان ما يوجب سعاده الطرف، و كان الانسان بالعمل الصالح يكون ناصحا للطرف، فطرف ناصح و طرف منصوح- و السر ان الانسان يجد في نفسه ازدواجا، و لذا يكون فيها تجاذب و تدافع، نحو كل عمل خير او شر، هذا يامر و هذا ينهي (قدم توبته) بمعني انه لم يوخر، حتي يفلت الزمام من يده (و غلب شهوته) اي اشتهائه بالمعاصي و الاثام و ما يوجب بعده من ساحه القرب. (فان اجله) الذي يوجب انتقاله من الدنيا الي الاخره (مستور عنه) اذ لا يعلم الانسان انه اي وقت يموت، فاللازم ان يقدم امره حتي اذا جائه الاجل بغته لا يحسر و لا يتاسف، (و امله) الذي يترجاه لمستقبله من الخير الدنيوي (خادع له) يخدعه فربما لا يصل الي امله، كما هو الكثير (و الشيطان موكل به) اي هو كالموكل الذي يلاحظ اموره و يوجهه نحو الضلال (يزين له المعصيه) فيبين له فوائدها، و يصرف نظره عن مضارها (ليركبها) اي يرتكبها و قد شبه تسلط الانسان علي المعصيه بالراكب المسلط علي المركوب (و يمنيه) اي يبين الشيطان للانسان ان التوبه ممكنه في المستقبل (ليسوفها) اي ليوجلها، من (سوف). (حتي تهجم منيته) اي الموت، و معني الهجوم الورود دفعه (عليه اغفل ما يكون) اي في حال كون الانسان اكثر غفله من كل وقت
(عنها) اي عن المنيه، و كونه اغفل باعتبار ان الانسان اذا تمادي في العصيان، يزداد غفله علي غفله، حتي انه في وقت المنيه اكثر الاوقات غفله (فيا لها حسره) (يا) حرف نداء، و (اللام) للاستغاثه، و راجع الي (الحسره)، و انما قدم الضمير للتهويل فان ذكر الصريح بعد التلويح اوقع في النفس، لتعطش القلب الي الاظهار بعد الاخفاء، (و حسره) تميز، و المعني، ايتها الحسره احضري فهذا وقتك، و هذا حكايه حال الذي تاتي اليه المنيه و هو اغفل ما يكون، اذا يتحسر اشد الحسره، و الحسره التاسف و الندامه، لما فات وقته، و لا تدارك لضرره. (علي كل ذي غفله) اي ان هذه الحسره الهائله انما هي للانسان الغافل عن آخرته (ان يكون عمره عليه حجه) يحتج الله سبحانه بعمره عليه فيقول (او لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر و جائكم النذير؟) (و ان توديه ايامه) التي جعلت له لاجل سعادته (الي الشقوه) الي شقاء ابدي في الاخره (نسئل الله سبحانه) منصوب علي تقدير فعل محذوف، اي اسبحه سبحانه، بمعني انزهه تنزيها عن النقائص (ان يجعلنا و اياكم ممن لا تبطره نعمه) اي لا توجب بطره و طغيانه و نسيانه الاخره، كما قال سبحانه (ان الانسان ليطغي ان راه استغني) و معني (لا يجعلنا) ان يلطف بنا ا
لالطاف الخفيه حتي نتجنب عن الطغيان (و لا تقصر به عن طاعه ربه غايه) اي ان بلوغ بعض الغايات الدنيويه لا تسبب تقصيره عن طاعه ربه حتي لا يطيع لانه يريد الوصول الي امر دنيوي (و لا تحل به بعد الموت ندامه) بان يندم علي تقصيره في الدنيا و تركه اوامر ربه (ولا كابه) و هي الحزن و انقباض النفس من الالام و الاحزان.

خطبه 064

[صفحه 254]
يذكر فيها بعض صفات الله سبحانه و تعالي (الحمد لله الذي لم يسبق له حال حالا) كان يكون موجودا قبل ان يكون عالما، و ان يكون عالما قبل ان يكون قادرا، و هكذا، كما هو صفه الخلق، ان تتقدم بعض صفاتهم علي بعض صفاتهم الاخر، و السر في ذلك ان الله سبحانه كامل منذ الازل لا نقص فيه، و انه لا يطرء عليه الزمان، حتي يكون بعض اموره المرتبطه به مقدمه علي بعضها الاخر، و لذا قال عليه‌السلام (فيكون اولا قبل ان يكون آخرا) فان الله سبحانه لا زمان له حتي يعتبر في بعض احواله (اولا) و في بعض احواله (آخرا) بل هو هو، لا اعتبار للاوليه و الاخريه فيه تعالي. (و يكون ظاهرا قبل ان يكون باطنا) كما هو الشان في الاشياء فانها ظاهره ثم تبطن مثلا الشي‌ء الكائن علي وجه الارض يحتف به الغبار و ما اشبه حتي يبطن، و هكذا، و هذا من باب احد المثالين، فانه تعالي ليس باطنا قبل ان يكون ظاهرا، كما هو الشان في الاشياء فانها باطنه ثم تظهر، كالاعشاب و المعادن و ما اليها، و معني كونه تعالي ظاهرا انه معروف لدي العقل بالايات و الادله، كالاشياء الظاهره التي يراها الانسان، و معني كونه سبحانه باطنا انه مخفي الكنه لا تصل العقول الي كنه معرفته، الحاصل انه
في حال واحد اظهر باعتبار، و باطن باعتبار، لا انه ظاهر ثم يبطن او بالعكس (كل مسمي بالوحده) اي الاشياء المتفرده التي تطلق عليها الوحده، كالانسان الواحد، و الشجره الواحده (غيره) تعالي (قليل) لانه في مقابل الكثره، بخلافه سبحانه فانه مع وحدته اقوي من كل شي‌ء. (و كل عزيز غيره) سبحانه (ذليل) اذ عزته وقتيه اضافيه، لا عزه له، و لا داوم لعزته بخلافه تعالي فان عزته من ذاته، و هي دائمه لازوال لها (و كل قوي غيره) تعالي (ضعيف) بذاته، و ان كان قويا بالاضافه، مثلا يقال فلان قوي، يراد ان له اهلا او منصب او مالا او قوه جسديه، و كل هذه اشياء خارجه عنه طارئه عليه، يمكن زوالها، فهو ضعيف بذاته، بخلافه سبحانه فان قوته من ذاته و ليست مضافه، و لا محدوده بقدر، و لا موقته بزمان (و كل مالك غيره مملوك) فكونه مالكا لا يوجب سيادته بعد انه بذاته مملوك لله تعالي، اما الله تعالي، فهو المالك بقول مطلق الذي لا مالك له. (و كل عالم غيره متعلم) قد تعلم العلم، فان الانسان حين ياتي الي الدنيا ليس بعالم و انما يحصل العلم، بخلافه سبحانه فانه عالم بذاته لم يتعلم العلم من احد (و كل قادر غيره يقدر و يعجز) اي يقدر علي شي‌ء و يعجز عن شي‌ء، و يقدر في وقت و
يعجز في وقت بخلافه سبحانه فانه قادر علي كل شي‌ء في كل زمان، لا حد لقدرته (و كل سميع غيره يصم) اي لا يسمع (عن لطيف الاصوات) اي الاصوات الضعيفه، بخلافه سبحانه فانه يسمع كل صوت و ان كان في منتهي الاخفات و اللطافه (و يصمه كبيرها) فان الصوت الهائل يوجب صمم الانسان لخرقه محل السماع (و يذهب عنه ما بعد منها) اي ان الاصوات البعيده لا يسمعها الانسان، و هذا بخلافه سبحانه، فان الاصوات الهائله والخافته و البعيده و القربيه كلها متساويه عنده تعالي، اذ ليس سمعه بالاله و الجسميه حتي يفترق الامر عنده. (و كل بصير غيره) سبحانه (يعمي عن خفي الالوان) اي الالوان المختلفه في خلايا الاجسام او الالوان الضعيفه، فان العين لا تدرك الا الالوان الظاهره الشديده، و لذا نري بالمجهرات الالوان الضعيفه بينما لا نراها بالعين المجرده، و هناك الوان لا تري حتي بالمجهر (و لطيف الاجسام) اي الاجسام الدقيقه، كالجراثيم الصغيره، و الذرات، و قد توصل العلم الي اختراع (المكرسكوبات) ولكنها لا تري الادق من مدي المجهر، و هذا بخلافه سبحانه فانه يري كل جسم و كل لون و ان كان في غايه الدقه و نهايه اللطافه و الخفاء (و كل ظاهر غيره باطن) فان الاشياء مهما كانت معروفه
، فانها مستوره عن كثير الناس، و الظهور هو الانكشاف بعكس البطون، و هذا واضح فان الاشياء الظاهره حتي الشمس و القمر مخفيان عند الاعمي، بخلافه سبحانه فانه ظاهر لدي الجميع باثاره و صنايعه. و يحتمل ان يكون المراد ان وجود الاشياء- هو ظهورها- ليس بذواتها، فانها في ذواتها باطنه- اي معدومه- و انما ظهورها بالله سبحانه، بخلافه سبحانه فانه ظاهر بذاته، لا بطون و لا عدم له منذ الاول الي الابد (و كل باطن غيره) سبحانه (غير ظاهر) فان الشي‌ء المخفي و الشي‌ء المعدوم غير ظاهر و لا منكشف للناس، و ذلك بخلافه سبحانه فانه مع كونه باطنا ظاهر بالايات و الادله (لم يخلق) تعالي (ما خلقه) من جميع الاكوان (لتشديد سلطان) اي لاجل ان تقوي سلطته كما هو الشان في الناس فانه سلطتهم تقوي اذا كان ما يملكون كثيرا، من غير فرق بين كون الممتلكات الجند او المال او الاراضي. (و لا تخوف من عواقب زمان) بان خاف ان يدرو زمانه الي زمان سي‌ء فخلق ما خلق يكون له ذخيره في يوم حاجته و زمان فقره- كما هو الشان في الانسان- (و لا استعانه) اي لم يخلق ما خلق لان يستعين به (علي ند) اي اي مثل (مثاور) اي المحارب، من (ثار) بمعني هاج للحرب و الوثوب، فانه سبحانه لا ند له و لا
خوف له من احد (و لا شريك مكابر) بان يكون له شريك يريد ان يستعلي عليه، فخلق ما خلق، لاجل تحفظ مقامه من ان يعلو عليه شريكه (و لا ضد منافر) اي مغالب بان يريد الضد ان يغلبه في الرفعه و العلو فيخلق الله ما يخلق لئلا يتمكن ذلك الضد من منافرته، يقال نافره في الحسب اي غلبه، و (الند) و (الضد) متقابلان، و فرقهما مع الشريك عدم شراكه زين، بخلاف هذا، فالشراكه وصف عرضي تطرء علي كل من الضد و الند. (ولكن) الاشياء (خلائق) لله (مربوبون) اي مملوكون، فانه مفعول من (رب) و الرب الحقيقي- اي المربي في جميع المراحل- هو المالك (و عباد داخرون) اي اذلاء، لا ضديه و لا نديه و لا شراكه لهم مع الله سبحانه (لم يحلل) الله (في الاشياء فيقال هو) تعالي (كائن) فيها، فانه سبحانه منزه عن المكان، اذا المكان من عوارض الحادث، و الله سبحانه ازلي، و قوله (فيقال هو كائن) اي كائن بهذا النحو، اذ ليس المراد نفي كونه (كائنا) بقول مطلق (و لم يناء) اي لم يعبد الله سبحانه (عنها) اي عن الاشياء (فيقال هو منها) اي من الاشياء (بائن) اي منفصل، و ليس كالجسم الذي ان حل في شي‌ء كان كائنا فيه، و ان لم يحل كان بائنا، لان الحلول و البينونه متقابلان في الاجسام كالعقل و ال
جنون، بالنسبه الي الانسان و الملتحي و المرد بالنسبه الي الرجال، اما الله سبحانه فليس بمثل ذلك حتي يلزم ان يتصف باحدي الصفتين علي سبيل منع الخلو، بل هو مقترب الي الاشياء بالعلم و الاحاطه، مبتعد بالمهيه و الحقيقه، (لم يوده) اي لم يثقل عليه (خلق ما ابتداء) يقال آده الامر اذا لثقله و اتعبه و هذا بخلاف الناس فانهم اذا عملوا عملا ثقل الامر عليهم بعد ذلك لما لذلك الشي‌ء من التبعه (و لا تدبير ماذرا) (ذرا) بمعني خلق، اي ان تدبير امور المخلوقين لا يثقل عليه سبحانه، لان قدرته و علمه عامان لا حد لهما، حتي اذا وصل الشي‌ء الي مرتبه يوجب ثقلا عليه تعالي (و لا وقف به عجز عما خلق) بان يكون له مقدار من القدره، حتي اذا اعملها انتهت و عجز عما سوي ذلك (و لا … دخلت (عليه) تعالي (شبهه فيما قضي و قدر) كما هو صفه الانسان اذا عمل عملا … راي بعض النقائص فيه تدخله الشبهه هل كان مصيبا فيما عمل ام لا. (بل) امره سبحانه (قضاء متقن) لا تدخله الشبهه (و علم محكم) لا حد له و لا وقوف و لا تزلزل (و امر مبرم) من (ابرم) بمعني فتل الحبل (فتلا محكما (المامول مع النقم) يعني انه سبحانه و ان انزل النقمه بعيد من عباده، لا ينقطع رجاء ذلك العبد عنه تعال
ي، لانه يعلم ان الانزال لمصلحه، و ليس كالناقمين الذين اذا نقموا قطعوا خيرهم و برهم (و المرهوب مع النعم) يعني انه تعالي مع انه ينعم، مرهوب، اذ اعماله وفق الحكمه و الصلاح، و ليس كالانسان الذي اذا انعم علي شخص كان ذلك دليلا علي انه لا يعذبه.

خطبه 065

[صفحه 260]
في تعليم اصحابه كيفيه القتال، قالوا، و قد قال هذا الكلام في صفين، ليله الهرير، او غيرها (معاشر المسلمين) منادي محذوف منه حرف النداء، و هو جمع معشر، بمعني الجماعه (استشعروا الخشيه) اي لا زموها في حال الحرب، فان الانسان الذي يخشي من الله سبحانه- بان يفكر حتي يوجد في نفسه الخشيه، الذ هو معني استشعروا- يعمل بجد و اخلاص مما يقدم الامر الذي بيده و لا يقف لخوف من الناس او مارب، من مارب الدنيا (و تجلببوا السكينه) من الجلباب، و هو الثوب الطويل الذي تلبسه المرئه فوق ثيابها لستر جميع جسدها، و ذلك كنايه بان يكون الانسان موقرا من قرنه من قرنه الي قدمه، فلا يتحرك حركات غير لائقه، و لا يضحك او يصيح او ما اشبه مما لا يناسب السكينه و الوقار، و ذلك مما يوجب انشغال النفس بالامور التافهه فلا يتركز الذهن في انجاح الامر بخلاف، المتجلبب بالسكينه. (و عضوا علي النواجذ) جمع ناجذ و هو اقصي الاضراس، و لكل انسان اربعه نواجذ، و هي التي تنبت بعد البلوغ و تسمي سن العقل، و العض علي النواجذ يوجب قوه اراده الانسان، لازدياد الحراره في اعصاب الراس، و الحراره تلازم شده البطش، ثم ذكر عليه‌السلام عله جميع ما ذكر، او عله الامر الاخير
بقوله (فانه انبي للسيوف عن الهام) اي موجب لابعيده سيف العدو، و الذي افهم من هذا الكلام انه كنايه عن ما يلازم تلك الصفات او اللصفه الاخيره من قوه الانسان، و بعض الشراح فسروه بقولهم انه اذا عض الانسان علي ناجذه كانت هامته اصلب علي مقاومه السيف، فكان انبي عنها و ابعد عن التاثير فيها. (و اكملوا اللامه) هي الدرع، او مطلق آلات الحرب، و اكمالها، الاتيان بها كاملا، لزياده التهي‌ء للحرب (و قلقلوا السيوق) اي جربوها بالاخراج و الادخال مرارا (في اغمادها) جمع غمد و هو قراب السيف (قبل سلها) اي اخراجها في حال الحرب، و انما يفعل ذلك لئلا يعصي السيف حال الحرب فلا يخرج من غمده و يكون الغلب للعدو حيث انه مسلح، و هذا اعزل (و الحظوا الخزر) الخرز النظر، و معني لحظه، القائه قويا نظر مغضب، فان الانسان اذا لحظ لحظا قويا بخزر هاج غضبه فيكون اقدر علي القتال (و اطعنوا الشزر) الشزر هو الطعن في الجوانب يمينا و شمالا، و المراد بذلك تكثير الطعن بالضرب يمينا و شمالا، حتي يحمي و طيس الحرب و يكون التسلط لهم علي الاعداء، فان الانسان المهاجم بقوه يرهب العدو مما يوجب الظفر و النصر للانسان و الانهزام للعدو. (و نافحوا بالظباء) النفح هو الضرب، و ظب
ا جمع ظبيه و هي طرف السيف وحده، و لعل هذا لاجل عدمه الاقتراب كثيرا من العدو حتي يوجب انشغال الانسان و لا يتمكن من اباده العدو، بل يكون المحارب بعيدا عن عدوه بقدر ما يصل اليه طرف سيفه لا سيفه اجمع، او المراد المحاربه بالسيف دون الرمح و النبل فان المحاربه به اوجب لا لقاء الهزيمه في العدو (و وصلوا السيوف بالخطا) اي تقدموا نحو العدو بخطوات و انتم تضربونه بالسيف فانه يوجب الهزيمه في العدو لما يجد من الجرئه و الجساره، و من عاده الناس ان يهزموا اذا راوا التصميم و الاقدام (و اعلموا انكم بعين الله) اي انه سبحانه ينظر اليكم و الي اعمالكم، و ذلك اوجب للاقدام، و الخوف من الانهزام. (و مع ابن عم رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم) اي انكم، مع الحق، و الانسان الذي علم انه مع الحق يكون اربط جاشا و اقوي قلبا، لانه يعلم ان قتل او قتل كان مصيره الجنه و الثواب (فعاودوا الكر) بان كلما رايتم طرفا من جيش الاعداء اهجموا عليهم، و هذا مما يوجب النصر لان الاستمرار في العمل يضمن نجاحه (و استحيوا من الفر) اي لا تفروا امام الاعداء و اخجلوا من الفرار (فانه) اي الفرار من الزحف (عار في الاعقاب) جمع عقب، فان الاولاد و الاحفاد يعيرون بفرار آب
ائهم (و نار يوم الحساب) كما قال سبحانه: (و من يولكم منهم يومئذ دبره.. فقد باء بغضب من الله و ماواه جهنم) (و طيبوا عن انفسكم نفسا) اي ادفعوا هذه النفوس لتاخذوها بدلها نفسا اخري في يوم القيامه منعمه مكرمه. (و امشوا الي الموت مشيا سجحا) بمعني سهلا، و هذا تحريض لهم علي اقتحام غماد الحرب غير مبالين بالموت المحتمل، و معني السير السل ان لا يكون فيه تباطي‌ء و احجام (و عليكم) ايها الناس (بهذا السواد الاعظم) المراد به جماهير اهل الشام الذين كانوا في ركاب معاويه، و ذلك كنايه عن اقتحام وسط الحرب لا التناوش من اطرافها و جوابنها فان القاء الانسان في وسط الحرب اقرب لهزيمه الطرف (و الرواق المطنب) الرواق الفسطاط، و المطنب بمعني المشدود بالاطناب و المراد به خيمه معاويه الواقعه في وسط الجماهير (فاضربوا ثبجه) الثبج الوسط (فان الشيطان كامن في كسره) اي في وسط هذا الرواق، و المراد به معاويه، او ان المراد ان الشيطان اتما يبث كيده و مكره من هناك، و المراد بالكسر الشق الاسفل، و لعل وجه التخصيص بذلك ان الاوامر تصدر من شقوق الخيمه السفلي، فهو تمثيل لطيف. (قد قدم) الشيطان (للوثبه يدا) حيث يريد ان يقفز للامام اذا وجد الفرصه، (و اخر للنكو
ص رجلا) اي انه ينظر الي المعركه فان وجد هزيمه من الطرف وثب الي الامام، و ان وجد صلابه ارتد الي الخلف، فان نكص بمعني رجع (فصمدا صمدا) اي ثبوتا ثبوتا، و هذا تحريض لهم علي الثبوت و عدم الفرار من مقابله العدو (حتي يتجلي لكم) اي يظهر (عمود الحق) اي وسطه القوي، فان المحن توجب الريب و الشك في الحق فاذا انزاحت ظهر الحق جليا لا غبار فيه و لا شبهه تعتريه (و انتم الاعلون و الله معكم و لن يتركم اعمالكم) اي لا ينقصكم شيئا من جزائها.

خطبه 066

[صفحه 264]
(قالوا لما انتهت الي اميرالمومنين عليه‌السلام انباء السقيفه) التي اجتمع فيها جماعه من الناس (بعد وفات رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم) لاختيار الخليفه عليهم خلافا لما امره الرسول و فعله من نصب علي خليفه علي المسلمين من بعده. (قال عليه‌السلام: ما قالت الانصار؟) فقد اختلف في السقيفه المهاجرون و الانصار، كل يريد الخلافه لنفسه. (قالوا: قالت) الانصار: (منا امير و منكم) ايها المهاجرون (امير). (قال عليه‌السلام: فهلا احجتم عليهم) اي علي الانصار، و هذا لفظه ردع و تانيب (بان رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم وصي بان يحسن الي محسنهم و يتجاوز عن مسيئهم؟ و الظاهر ان المراد من حديث الرسول صلي الله عليه و آله و سلم التجاوز عن الاسائه التي لا توجب حكما شرعيا من حد او تعزيرا او ما اشبه- كما لا يخفي-. (قالوا: و ما في هذا من الحجه عليهم)؟ اي كيف يحتج بهذا علي الانصار؟ و كيف يكون كلام الرسول صلي الله عليه و آله و سلم موجبا لبطلان امارتهم التي ارادوها.؟ قال عليه‌السلام (لو كانت الاماره فيهم لم تكن الوصيه بهم) اي ان الاماره لو حلت لهم، و صاروا امراء لم يكن معني لتوصيه الرسول، فان الوصيه دائما تكون للامير بان ير
اعي سائر الناس، فلو كان الانصار امراء، كان اللازم ان يوصيهم الرسول صلي الله عليه و آله و سلم بان يعطفوا علي الناس لا ان يوصي الرسول صلي الله عليه و آله و سلم بان يعطف عليهم. ثم قال عليه‌السلام (فماذا قالت قريش)؟ اي المهاجرون، في جواب كلام الانصار. (قالوا: احتجت) لكونها احق بالخلافه (بانها شجره الرسول صلي الله عليه و آله و سلم) لانهم من عشيرته، و العشيره بعضهم اولي ببعض في الامور، كما قال سبحانه (و اولي الارحام بعضهم اولي ببعض في كتاب الله). (قال عليه‌السلام: احتجوا بالشجره و اضاعوا الثمره) فالثمره آل البيت، و علي راسهم الامام عليه‌السلام، يعني انه كانت الخلافه بالقرابه، لكان الامام احب بها من سائر قريش، لان المقصود بالشجره الثمره، فاللازم ان تكون الخلافه له عليه‌السلام لا لغيره- و بهذا الكلام ابطل الامام خلافه كل من الانصار و المهاجرين-.

خطبه 067

[صفحه 268]
(لما قلد محمد به ابي‌بكر (مصر) فملكت عليه و قتل) فقد كان الامام اميرالمومنين ارسل (محمدا) الي مصير ليكون واليا عليها، و بعث معاويه عمرو بن العاص الي مصر في سته الاف فارس، فاقتل الطرفان، و انهزم (محمد) لما قتل عسكره، و اوي الي خرجه، فارسل اليه عمرو من وجده هناك و قتله و ادخله جوف حمار ميت و احرقه فبلغ الخبر الامام عليه‌السلام فتاثر تاثرا كبيرا، و قال هذه الكلمه. (و قد اردت توليه مصر هاشم بن عتبه) دون محمد بن ابي‌بكر، فقد كان محمد شابا قليل الخبره، و لذا غلبه عمرو بمكره و دهائه (و لو وليته) اي هاشم (اياها) اي مصر (لما خلي لهم العرصه) اي عرصه مصر، واصل العرصه فناء الدار، و كل بقعه واسعه بين الدور (و لا انهزم الفرصه) اي لم تاتهم فرصه الغلبه علي مصر و استلابها من محمد، و لعل الامام عليه‌السلام كان ولي محمدا، و لم يول هاشما لمحذور كان هناك، و هذا لا ينافي علمه بالواقع، و ليس هذا تاسفا بل اخبارا، و قد جعل- قبله عليه‌السلام- رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، خمسين من الرماه علي الشعب باحد، فلم يمتثلوا امره، و اوجبوا تلك المصاعب العديده له صلي الله عليه و آله و سلم. (بلا ذم لمحمد بن ابي‌بكر) اي ان ذ
لك ليس ذما لمحمد، فان الانسان اذا خانته الاقدار و الظروف ليس مذموما بعد ان بذل جهده، فقد ساعد في هزيمه محمد دهاء عمرو بن العاص و مكره، و كثره موالي عثمان في مصر، حتي انضموا الي جنود الشام و اجبوا هزيمه اهل العراق من اتباع محمد والي الامام (و لقد كان الي حبيبا) اي كان محمد محبوبا لدي لكونه مطيعا لله و الرسول و لقد كان من النساك و الزهاد علي حداثه سنه (و كان لي ربيبا) اي ابن زوجتي فقد كانت (اسماء) زوجه (جعفر بن ابي‌طالب) و ولدت له (عبدالله) ثم لما قتل عليه‌السلام تزوجها (ابوبكر بن ابي‌قحافه) فاولدها (محمدا) و لما مات ابوبكر، تزوجها الامام عليه‌السلام، فكان محمد ربيب الامام، اي ابن زوجته.

خطبه 068

[صفحه 270]
و فيه يوبخ اصحابه علي عدم الاطاعه- (كم اداريكم) المدارات المماشات مع الطرف بحيث لا يعاقبه الانسان و لا يقاطعه و ان اوجب ذلك- و الناس دائما منحرفون عن اي زعيم- و بالاخص اذا كان ملازما للعدل و الحق- و انما الفرق اي الزعيم اذا كان معاشرا لهم ظهر له من انحرافهم ما يولمه، و ان لم يكن معاشرا لهم لم يظهر، لكن الزعماء الالهيين لابد لهم من معاشره الناس لتقويمهم، فتبقي توجيهاتهم عبر الابد (كما تداري البكار) جمع بكر و هو الفتي من الابل (العمده) و هو الابل الذي انفضخ باطن سنامه لكن ظاهره سلم، فان الانسان يداري هذا الابل لئلا يكثر جرحه، و هكذا كان الامام يداري اصحابه الذين سلمت ظواهرهم و امتلئت بالنفاق بواطنهم (و الثياب المتداعيه) اي الخلقه التي قد انخرقت، فان الانسان لا يقدر ان يلبسها كما يلبس البزه الجديده، بلا مبالات و لا مدارات. (كلما حيصت) اي خيطت تلك الثياب (من جانب) من جوانبها المشقوقه (تهتكت) اي تخرقت (من) جانب (آخر) لتداعيها و تهالكها (اكلما اطل عليكم) اي اشرف عليكم (منسر) هو القطعه من الجيش، التي تتقدم امام الجيش الكثير (من مناسر اهل الشام) فقد كان معاويه يوالي ارسال الجيوش لغزو اطراف بلاد الامام
عليه‌السلام لادخال الرعب في قلوب شيعته (اغلق كل رجل منكم بابه) كنايه عن تخفيه خوفا من ان يري فيكلف الجهاد و الذهاب لرد العاديه (و انجحر) معني دخل في الحجر (انجحار الضبه) هي نوع من حيوان البر شبيه بالقط- نوعا ما- (في جحرها) اي ثقبها، فانها اذا رات الانسان خافت و اختلفت في دارها التي حفرها في جوف الارض (و) تخفي (الضبع) هو حيوان سبع (في وجارها) اي بيتها و يقال لبيت الضبع و جار. (الذليل- و الله- من نصرتموه) لان نصرتهم كانت قليلا تغني فكان الذي ينصروه بتلك النصره الضئيله ذليلا لتغلب الاعداء عليه (و من رمي بكم) اي من جعلكم كالسهم يرمي به اعدائه (فقد رمي بافوق ناصل) الافوق من السهام ما كسر فوقه اي موضع الوتر منه و الناصل العاري من النصل- و هو حديده الرمح التي ترتكز في الخشب و تدخل في الانسان لدي رميمه بالسهم- و من المعلوم ان السهم اذا كان مكسور الفوق عاريا من النصل لم يوثر في الرميه (و انكم- و الله- لكثير في الباحات) جمع باحه و هي الساحه (قليل تحت الرايات) جمع رايه و هي العلم الذي يرفع للقتال اي انكم لكثرتكم تملئون كل ساحه اما اذا كان وقت القتال تفرون فلا يوجد منكم الا القيل. (و اني لعالم بما يصلحكم و يقيم اودكم) ا
لاود الاعوجاج، و مراده عليه‌السلام بذلك السيف و الشده، فان الناس يعتدلون اذا راوا الشده من الحكام و الاستبداد، كما تمكن حجاج من الحكم في اهل الكوفه عشرين سنه، لما كان عليه من الشده و اخذ البري‌ء و السقيم و الاسراف في الدماء، و هكذا غيره ممن جعل الشده لنفسه ديدنا (ولكني لا اري اصلاحكم بافساد نفسي) فان الجنوح الي سياسه الشده يوجب الظلم المفسد للظالم اذ يفسد عليه دنياه و آخرته فان قلت كيف ينبغي ان يعمل الرئيس؟ قلت- العدل و انما لم يستقيم الامر للامام لانه جاء عقيب فساد شامل و بعد الثورات- غالبا- لا يستقيم الامر للروساء. (اضرع الله خدودكم) اي اذل وجوهكم، و هذا دعاء عليهم بالذله و الهوان و قد استجيب دعاء الامام عليه‌السلام (و اتعس جدودكم) التعس الانحطاط و الهلاك، و جدود جمع جد بمعني الحظ، اي احلطها حتي لا يكون لكم حظ من السعاده و الرفاه (لا تعرفون الحق كمعرفتكم الباطل) و هذا كنايه من عدم اتباعهم للحق، فانه لو عرف الانسان الحق، لاتبعه، اما اذا لم يتبعه كان كمن لم يعرفه (و لا تبطلون الباطل) اي لا تمحقونه و تعدمونه (كابطالكم الحق) و قد ملو قل الامام عليه‌السلام هما وقيحا من جزاء اعمالهم الباطله مما اوجب ان يدعو عليهم
، و يوبخهم بهذه الجمل.

خطبه 069

[صفحه 273]
في سحره اليوم الذي ضرب فيه- السحره، و السحر الاعلي القريب من الفجر (ملكتني عيني و انا جالس) اي غلبني النوم في حال جلوسي- و هذا كنايه لطيفه، فان الانسان اليقظ يملك عينه اذ يديرها كيفما اراد، اما الانسان النائم فان عينه تملكه اد تسيطر عليه فلا يتمكن من فتحها و غمضها و ارسالها كيف شاء (فسنح) اي ظهر في المنام (لي رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم) و قد كان رويته للرسول صلي الله عليه و آله و سلم حقيقه فان الشيطان لا يتمثل بالرسول و الائمه كما في بعض الاحاديث، و ان ورد احاديث آخر بخلاف ذلك- كما في الوسائل- فقلت يا رسول الله: ماذا لقيت من امتك من الاود و اللد) الاود الاعوجاج و اللد الخصومه، و هذا استفهام لبيان الانزعاج و اشمئزاز، و اضافه الامه الي الرسول صلي الله عليه و آله و سلم، ليس في معرض التوهين- كما قد يقول الانسان ذلك في معرض توهين المضاف‌اليه- بل في مقام التعجب عن انحراف المضاف، بانهم كيف انحرفوا مع ان موهلات الاستقامه موجوده فيهم لانهم من امه الرسول صلي الله عليه و آله و سلم. (فقال) صلي الله عليه و آله و سلم في المنام (ادع) يا علي عليه‌السلام (عليهم) جزائا لسوء اعمالهم (فقلت ابدلني الله- ب
هم-) الباء للبدل، اي عوضا عنهم (خيرا منهم) و هذا لا يدل علي وجود الخير فيهم، فان. مثل هذا اللفظ كنايه عن الخلاص الي الخير، و ان كان الاصل فيه التفضيل (و ابدلهم بي) اي اعطائهم بدلا مني (شرا لهم مني) و هذا ايضا منسلخ فيه معني الفضل، فلا يدل علي وجود شرفي الامام عليه‌السلام، و قد استجاب الله سبحانه دعاء الامام عليه‌السلام، حيث قتل الامام فالتحق بالرفيق الاعلي- الذي هو خير له منهم- كما سلط عليهم معاويه الذي هو شر لهم، قال سبحانه (اصحاب الجنه خير مقاما) و قال بالنسبه الي اصحاب النار (شر مكانا) قال السيد الشريف رحمه الله (يعني بالاود: الاعوجاج … و باللدد: الخصام، و هذا من افصح الكلام) فان المعوج المخاصم من اشد البلاء.

خطبه 070

[صفحه 275]
في ذم اهل العراق لقد كان الامام عليه‌السلام يبين مقدار علمه، بانه لو ثنيت له الوساده لحكم بين كل طائفه حسب مذهبهم، و انه يتمكن من الجواب عن كل سوال- ذلك لبيان منزلته التي خصها الله سبحانه به- فكان المنافقون من اصحابه يكذبونه، و في احدي المناسبات انشا هذه الخطبه. (اما بعد) اي مهما يكن من شي‌ء بعد الحمد و الصلاه- كما تقدم- (يا اهل العراق) و من المعلوم ان مثل هذه المخاطبات، ذما او مدحا- انما يراد بها فئه خاصه من الناس، لاكلهم، و انما يخاطب بالعام، لان السكوت و الموافقه- غالبا- دليلان للرضا (فانما انتم كالمرئه الحامل) لا تدخل تاء التانيث في الحامل و الحائض، لعدم الاشتراك في هذين الوصفين بين الرجل و المرئه فلا احتياج للتاء الفارقه (حملت فلما اتمت) الحمل بان انقضت المده (املصت) اي القت ولدها ميتا (و مات قيمها) اي القائم بامور معيشتها و حفظها و هو الزوج، (و طال تايمها) اي خلوها عن الزوج فان (الايم) المرئه او الرجل الذي لا زوج لهما، و جمعه (ايامي) كما قال سبحانه (انكحوا الايامي منكم) (و ورثها) حين ماتت (ابعدها) اي لااباعد، اذ لا زوج لها، و لا ولد، حتي يكون ارثها للقريب سببا او نسبا، فهي في حالتي الحيا
ت و الممات مضاعه مهانه. و وجه الشبهه بين الطرفين ان اهل الكوفه حاربوا مع الامام اهل الصفين، حتي اذا قرب النصر التجئوا الي التحكيم الذي اوجب لهم ذلا في المستقبل حين حيات الامام- بغارات اهل الشام- و بعد مماته، فالامام و هو القيم لهم قتل، و النصر الذي كان كالولد كفيلا بتابين سعاده مستقبلهم و عزهم و استقلالهم و عدم ذلهم تحت لواء معاويه، فقدره، بسوء صنيعهم في قصه التحكيم، و اغترارهم بمكيده معاويه. (اما و الله) حرف تنبيه (ما اتيتكم) اي ما جئت اليكم يا اهل العراق- من الحجاز- (اختيارا) بان اختار مجاورتكم، علي جوار الحجاز (ولكن جئت اليكم سوقا) فلو لا وقعه الجمل، و ان طلحه و الزبير و عائشه جائوا الي العراق يفسدون اهلها، ما جاء الامام الي هنا (و لقد بلغني انكم تقولون: علي يكذب) فيما يخربه، و فيما يدعي انه يعلم … - بما حباه الله به سبحانه- (قاتلكم الله) هذا دعاء عليهم بالموت و انما جي‌ء من باب المفاعله، لان اصل في القتل في الحرب ان يكون من الجانبين لان كل يريد قتل الاخر، او شبه اراده الله موتهم، و ارادتهم عدم موتهم بالمقاتلين، الذين يريد احدهما قتل صاحبه و يريد الصاحب قتله (فعلي من اكذب)؟ هذا بيان لعدم الداعي علي الكذب
(اعلي الله) اكذب؟ (ف) لا يمكن هذا اذ (انا اول من آمن به) و المومن و المكذب طرفا نقيض (ام علي نبيه) محمد صلي الله عليه و آله و سلم؟ (فانا اول من صدقه) و المصدق و المكذب لا يجتمعان. و كان المراد ان كونه عليه‌السلام اول مومن بالله و مصدق برسوله، دال علي قوه ايمانه و القوي الايمان لا يهوي في مهوي الكذب، و الا فمجرد اوليه في شي‌ء لا يلازم عدم الكذب بعد ذلك، لمصالح في نظر الكاذب، كما ان الظاهر كون المراد ان اخباراته عن الغيب و ما اشبه اما عن الله او عن الرسول فلو كان كلامه كذبا لكان افتراء علي احدهما، و هو مناف لكونه عليه‌السلام اول مومن مصدق- بالتقريب المتقدم- فلا مجال لان يقال ان كونه كاذبا في اخباراته لا يلازم كونه كذبا علي الله او الرسول، حتي يكون ابطاله كونه كاذبا علي احدهما ابطالا لكونه كاذبا (كلا و الله) ليس الامر علي ما زعمتم من اني كاذب (ولكنها) الضمير يعود الي (لهجه) المتاخره باعتبار ما يفهم من الكلام السابق: من اخباراته عليه‌السلام. (لهجه غبتم عنها) اي ضرب من الكلام الذي يلهج- اي يتكلم- به، متصفه بان السامعين غابوا عنها حين علمها الامام من كلام الله و الرسول صلي الله عليه و آله و سلم، و كل غائب عن شي‌ء ل
ا يدركه- و ليس الشاهد كالغائب- (و لم تكونوا من اهلها) فان الامام يعرف كليات الامور و يقدر علي تطبيقها علي المصاديق و الجزئيات اما من سواه فليس من اهل ذلك، و قد قال عليه‌السلام علمني رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم الف باب من العلم ينفتح من كل باب الف باب، فكان الجمله الاولي- اي لهجه غبتم- للالف المعلم، و الجمله الثانيه- اي لم تكونوا- للمليون المنفتح من ذلك الالف (و يلمه) اصل هذه الكلمه (ويل) (امه) و هو دعاء علي الشخص، بان يموت حتي تصاب امه بمصيبه، نحو (ثكلته امه) و كان المراد دعاء علي من يقول: بان الامام يكذب، بان الامام يكذب، بان تصاب به امه (كيلا بغير ثمن) اي يكيل الكلام جزافا، كما اذا كال شخص مالا بيغر ثمن، او المراد ان الامام يكيل لهم الكلام الحسن من الاخبارات الغيبيه و العلوم، بدون ان ياخذ منهم بدلا و ثمنا، و مع ذلك هم يكذبونه (لو كان له وعاء) اي لو كان لهذا العلم الذي افيضه عليهم حمله يعونها و يقبلونها برحابه الصدر و التصديق، و جواب لو محذوف اي لافدتهم من العلوم كثيرا، لكن لا وعاء صالح له او هو متعلق ب(كيلا) اي الكيل بغير ثمن لو اجد له وعاء (و لتعلمن نباه بعد حين) اي صدق من اقول، بعد زمان، و كان كم
ا قال عليه‌السلام، فكل اخبار انه ظهر صدقها، ولكن بعد فوات الاوان.

خطبه 071

[صفحه 278]
(علم فيها الناس الصلاه علي رسول الله صلي الله عليه و آله) (اللهم) اصله (يا الله) حذف حرف النداء، و عوض عنه الميم (داحي المدحوات) اي باسط الاشياء المبسوطه، و المراد منها الارضين، فانها منبسطه صالحه للسكني و الزراعه و ما اشبه (و داعم المسموكات) من سمك بمعني رفع، و المراد من المسموكات السماوات التي رفعت عن الارض، في النظر، و ان كانت محيطه بالارض، في الواقع، و الدعم بمعني الحفظ و الاقامه، كما قال سبحانه: ان الله يمسك السماوات و الارض ان تزولا (و جابل القلوب علي فطرتها) جبل بمعني خلق، و الفطره هي كيفيه الخلقه التي يسير المخلوق عليها في دور كونه في هذه النشائه، اي انه سبحانه خلق القلوب كلا بفطره خاصه و كيفيه مخصوصه. (شقيها و سعيدها) اي سواء القلوب شقيه او سعيده، فانه سبحانه هو الذي خلقها و انما الشقوه و السعاده طرت عليها بعد ان خلقها سبحانه مختاره تقدر علي اكتساب اي الامرين (اجعل) يا الله (شرائف صلواتك) الصلاه هي العطف و تلك من الله سبحانه انزال الرحمه، و شرائفها هي الرحمات الوسيعات، فان للرحمه انواعا و الوانا بعضها فوق بعض (و نوامي بركاتك) البركه هي الخير المستقر من برك الابل اذا نام، في مقابل الخي
ر الزائل، و النوامي جمع ناميه، و هي الخير الذي ينمو و لا يبقي جامدا، لا يزيد (علي محمد عبدك و رسولك) و كان تقديم العبد للاعتراف بكونه مملوكا له سبحانه، زياده في تمجيده سبحانه (الخاتم لما سبق) من النبوات و رسالات السماء، فانه صلي الله عليه و آله و سلم ختمها لا نبي بعده كما قال سبحانه (ولكن رسول الله و خاتم‌النبيين). (و الفاتح لما انغلق) فقد كانت القلوب منغلقه بالضلال لا يدخل فيها الحق و لا يخرج منها الخير، كما ان ابواب السعاده كانت منغلقه، و انما فتحها الرسول صلي الله عليه و آله و سلم، بمناهجه و تعاليمه (و المعلن الحق بالحق) فان الشخص قد يعلن الحق الباطل، بان يجعل الباطل وسيله لاظهار الحق، و قد يجعل الحق وسيله لاظهار الحق، مثلا قد يدعي مشتري الدار من زيد- لدي الترافع- بانه ورثها من آبائه حتي يصل الي حقه الذي هو ملكيه الدار، و قد يقول انه اشتراها من زيد و يقيم البرهان عليه (و الدافع جيشات الاباطيل) جيشات جمع جيشه من جاش القدر اذا ارتفع غليانها، و اباطيل جمع باطل، كان الاباطيل كانت تغلي و تفور فدفعها الرسول صلي الله عليه و آله و سلم. (و الدامغ) من ذمغه بان ضربه علي راسه حتي بلغ دماغه (صولات الاضاليل) الصوله هي
السطوه، و ضاليل جمع ضلال، فان لضلال سطوه و هجوما، و الرسول صلي الله عليه و آله و سلم دمغها حتي لا تتحرك و لا تبدي حياه (كما حمل فاضطلع اي فعل تلك الامور السابقه من الختم و الفتح و الاعلان و الدفع و الدمغ- كما حمل- اي كما حمله الله سبحانه و اراد منه بغير زياده او نقصان، و الاضطلاع النهوض بالامر، بكل قوه و قدره، من الضلاعه بمعني القوه (قائما) اي في حال كونه صلي الله عليه و آله و سلم قائما (بامرك) و هذا كنايه عن اداء الامر، فان الانسان القائم يتمكن من العمل اكثر من الانسان القاعد (مستوفزا) اي مسارعا مستعجلا (في مرضاتك) اي رضاك، فان المراضه مصدر ميمي (غير ناكل) الذي ينكص و يتاخر (عن قدم) القدم بمعني المشي الي الحرب و قد يستعمل في مطلق الاقدام تشبيها. (و لا واه في عزم) الواهي الضعيف، اي لم يكن عزمه ضعيفا حتي يتردد في الاقدام و الاحجام، او السكوت و الكلام (واعيا) اي فاهما فهما صحيحا (لوحيك) فلا يكون بليدا في فهمه، او ناسيا له (حافظا لعهدك) و المراد به الاحكام، فانه سبحانه عهد الي الرسول بتبليغ الاحكام و ارشاد الانام (ماضيا علي نفاذ امرك) اي عاملا لتنفيذ امر الله و تطبيقه في الناس بلا مبالات او تلكوء (حتي اوري) اي ا
ظهر الضياء، من اوري الزند بمعني قدحه حتي خرج ناره (قبس القابس) القبس شعله من النار، و المقابس الذي يطلب النار، اي ان الرسول صلي الله عليه و آله و سلم اظهر شعله النار لمن اراد اخذها، و هذا كنايه عن انه صلي الله عليه و آله و سلم اظهر متطلبات الذين يريدون الحق (و اضاء الطريق للخابط) الخابط هو الذي يسير ليلا في الظلام علي غير هدي، خارجا عن الجاده، فقد كان الناس في الجاهليه يخبطون و لا يرون طريق الحق، فاضاء لهم الرسول صلي الله عليه و آله و سلم الطريق، حتي اخذوا يسيرون في طريق السعاده. (و هديت به) صلي الله عليه و آله و سلم (القلوب) نسبه الهدايه الي القلوب لانها مركز الهدايه و مبعثها (بعد خوضات الفتن) خوضات جمع خوضه، و هي الولوج في الشي‌ء، كان القلوب كانت تخوض في التفن مره بعد مره، فنجت ببركه الرسول صلي الله عليه و آله و سلم عن الخوض، و الفتنه هي الامر المشتبه الذي يوجب شقاء الدنيا و الاخره (و اقام) صلي الله عليه و آله و سلم (موضحات الاعلام) اي الاعلام الموضحه للطريق، من اضافه الصفه الي الموصوف، و اعلام جمع علم هو الشي‌ء المنصوب الذي يعرف به الطريق، او كل شي‌ء يدل علي امر، كالرايه في الحرب، و اسم الشي‌ء الذي هو علم
له، و هكذا (نيرات الاحكام) اي الاحكام النيره بمعني الواضحه، لا كالاحكام المنحرفه التي هي مبهمه الوجه غير مطابقه الحق. (فهو) صلي الله عليه و آله و سلم (امينك) اللهم (المامون) الذي لا يخون في اداء الرساله الملقات علي عاتقه (و خازن علمك المخزون) لقد كان علم الله سبحانه بالشريعه و طريق السعاده مخزونا محفوظا لديه سبحانه، ثم حمله تعالي الرسول صلي الله عليه و آله و سلم، فصار الرسول صلي الله عليه و آله و سلم بذلك خازنا و حافظا لهذا العلم، كخازن المال، الذي بيده خزينته اي محل حفظه و ايداعه (و شهيدك) اي الذي تستشهد به علي الناس كما قال تعالي (و يكون الرسول عليكم شهيدا) (يوم الدين) بمعني الجزاء، و المراد به يوم القيامه، اذ يستشهد بالرسول صلي الله عليه و آله و سلم في ذلك اليوم لمن آمن و عمل صالحا، و علي من كفر او عمل سيئا (و بعيثك بالحق) اي الذي بعثته و ارسلته، ارسالا بالحق، مقابل ارسال الظلمه رسلهم بالباطل. (و رسولك الي الخلق) اي الذي ارسلته اليهم لهدايتهم، و المراد بالخلق اما العام او الانس و الجن فقط (اللهم افسح له) اي للرسول (مفسحا) اي محلا فسيحا واسعا (في ظلك) المراد به الاخره، و هذا دعاء بان يعطي الرسول صلي الله ع
ليه و آله و سلم هناك اماكن رحمه و قصورا واسعه، و (ظلك) كنايه فكما ان الانسان اذا ذهب في ظل شي‌ء، عند الهاجره يستريح، كذلك من كان تحت لطف الله و عنايه فانه يستريح من الاتعاب و الاوصاب (و اجزه مضاعفات الخير) اي الخير المضاعف و هو الذي يماثل اضعاف و اجر الانسان (من فضلك) فان اعطاء الاجر من الله سبحانه فضل، اذ لا يستحق الانسان في مقابل عمله شيئا، فكيف بمضاعفات الخير؟ (اللهم اعل علي بناء البانين بنائه) هذا كنايه علي اظهار دينه علي سائر الاديان حتي يكون دينه ارفع في الانظار من اديانهم، كما ان البناء الارفع يكون اعلي من سائر الابنيه. (و اكرم لديك منزلته) بان تكون له منزله و مقام كريم، يكرم صاحبها (و اتمم له نوره) اما كنايه عن الارتفاع، فكما ان الاتم نورا- من المصابيح- يكون اظهر و ارفع، كذلك الذي يلطف به سبحانه بجزيل لطفه و اما حقيقه بان يراد اعطاء النور- بمعناه اللغوي-، و هذا اشاره الي قوله تعالي (اتمم لنا نورنا) و المراد بالاتمام اعطاء النور التام بالقدر اللائق بالمعطي له (و اجزه من ابتعاثك له) اي اعطه جزاء بعثته، فان لرسول الشخص جزائا في مقابل تعبه (مقبول الشهاده) اي اجعل جزاء بعثك له: ان تقبل شهادته فيما يشهد به
، و هذا من اضافه الصفه الي الموصوف، اي اجعل جزائه الشهاده المقبوله. لا يقال ان الله سبحانه يفعل ذلك، بدون دعاء الداعي، فالداعي من قبيل تحصيل الحاصل؟ لانا نقول، الظاهر ان المراد بمثل هذا الدعاء التعميم في الامر، بان يكون المعطي اعم و اشمل، و لا منافات بين اعطائه سبحانه له صلي الله عليه و آله و سلم اصل هذه الامور بالاستحقاق و اعطائه له صلي الله عليه و آله و سلم الزائد الدعاء، و لذا قال المحققون ان التصليه توجب رفعه درجه الرسول صلي الله عليه و آله و سلم، فان الطاف الله سبحانه لا اخر لها، فكلما صلي عليه مصل رفعت درجته (و مرضي المقاله) بان يكون قوله مرضيا، عند الله يرتب عليه الاثر، و هذا اما اعم من (مقبول الشهاده) او المراد به ما يقابل ذلك، من سائر الاقوال التي لا ترتبط بالشهاده (ذا منطق عدل) اي في حال كونه صلي الله عليه و آله و سلم ذا كلام مستقيم، فليس جزائه صلي الله عليه و آله و سلم ب(مقبول الشهاده و مرضي المقاله) اعتباطا، و هذا كما يقول احدنا للاخر، اقبل كلام زيد، فانه صادق (و خطه فصل) اي ان طريقته في القول و العمل فصل بين الحق و الباطل يفصل بينهما، فلا يلتبس احدهما بالاخر، و لا يلبس الحق بالباطل. (اللهم اجمع ب
يننا و بينه في برد العيش) البرد مقابل الحرب، تقول العرب عيش بارد، اي لا حرب فيه، او مقابل الحر، و حيث ان الحر يوذي غالبا، جعل كنايه عن الاذيه، و المراد بذلك (الجنه) اذ لا حرب فيها و لا اذي، و هذا دعاء لالتحاق الداعي بالرسول صلي الله عليه و آله و سلم في الجنه (و قرار النعمه) اي النعمه القاره التي لا زوال لها (و مني الشهوات) المني، جمع منيه و هي ما يتمناها الانسان من الوان الراحه و السعاده، و الشهوات ما يشتهيها الانسان (و اهواء اللذات) فان الانسان يهوي اللذه (و رخاء الدعه) الدعه سكون النفس و اطمينانها بالخير، و في ذلك رخاء، لا ضيق له و لا ضنك فيه (و منتهي الطمانينه) اي الاطمينان و استقرار النفس، و الجنه منتهي ذلك، اذ لا زوال لها و لا اضمحلال (و تحف الكرامه) جمع تحفه، و هي ما يتحف به الانسان، من الاشياء الثمينه النادره.

خطبه 072

[صفحه 285]
قاله لمروان بن الحكم بالبصره … قالوا اخذ مروان بن الحكم اسيرا يوم الجمل فاستشفع الحسن و الحسين عليهماالسلام الي اميرالمومنين عليه‌السلام اي طلب منهما ان يشفعا له عند الامام في خلاصه و فكه (فكلماه فيه فخلا سبيله) اي اطلق الامام سراحه بشفاعه الحسنين (فقالا له: يبايعك يا اميرالمومنين)؟ هذا استفهام طلبي اي اطلب منه البيعه (فقال عليه‌السلام): (او لم يبايعني بعد قتل عثمان)؟ هذا استفهام انكاري لبيان ان بيعته لا تنفع و لا تقف دون غدره ان اراد الغدر، فانه قد بايعني بعد قتل عثمان، و مع ذلك غدر و خرج محاربا، و ايه قيمه لمثل هذه البيعه الغادره؟. (لا حاجه لي في بيعته) فان بيعته و عدمه سواء (انها كف يهوديه) تشبيه لكف مروان بكف اليهود، حيث من طينتهم الغدر و الخيانه، و اذ لا يستقيمون علي عهدهم (لو بايعني بكفه لغدر بسبته) السبت الاست، قالوا ان سفهاء اهل الجاهليه كانوا اذا بايعوا احدا و عهدوا معه ثم ارادوا نقضه ضرطوا و اشاروا الي مقعدهم، و هذا بيان لسفاله مروان حتي انه كاولئك لا تنفع بيعته (اما) للتنبيه (ان له امره) اي اماره علي المسلمين (كلعقه الكلب انفه) هذا تصوير لقصر مده اماره مروان، و المراد بلعقه انفه ل
حسه اياه، و التشبيه بذلك لكونه في معرض الذم، و قد ذكر المورخون ان مروان بويع بعد يزيد بن معاويه، و كانت مده امرته اربعه اشهر و عشره ايام او سته اشهر. (و هو ابوالاكبش الاربعه) اكبش جمع كبش، و هو رئيس القوم، شبه بكبش الغنم الذي يتقدم عليه، فقد تولي اربعه اولاد لمروان الو لايات فولي عبدالملك بن مروان الخلافه و محمد بن مروان الجزيره و عبدالعزيز بن مروان مصر و بشر بن مروان العراق، و يمكن ان يراد بالاكبش اولاد عبدالملك بن مروان فقد كان لعبدالملك اربعه اولاد كلهم ولوا الخلافه احدهم بعد الاخر، و هم الوليد و سليمان و يزيد و هشام ابناء عبدالملك بن مروان، و لم يتفق في الخلافه قبلهم و بعدهم اربعه اخوه ولوها تباعا (و ستلقي الامه) الاسلاميه (منه) اي من مروان (و من ولده يوما احمر) كنايه عن كثره ظلمهم و سفكهم للدماء، و قد كان كما قال الامام عليه‌السلام، و يكفي ان يعرف الانسان ان حجاج و هو والي احدهم علي العراق قتل من المسلمين مائه و عشرين الفا مع قطع النظر عن سجونه المرعبه التي كانت تحتوي علي ثمانين الف انسان.

خطبه 073

[صفحه 287]
لما عزموا علي بيعه عثمان بعد قتل عمر و قصه الشوري (لقد علمتم) الظاهر كون الخطاب موجها الي اصحاب الشوري الذين رشحوا عثمان للخلافه دون الامام عليه‌السلام (اني احق الناس بها) اي بالخلافه (من غيري) و ذلك لنص رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم عليه، بالاضافه الي موهلاته الشخصيه التي لم يكن و لا بعضها في سواه (و و الله لا سلمن) اي اكون مسالما في مقابل المحارب (ما سلمت امور المسلمين) اي مادام كانت امور المسلمين تجري علي ظواهر الاسلام (و لم يكن فيها جور الا علي خاصه) فان انتزاع الخلافه من الامام عليه‌السلام كانت له مضرات ثلاثه: الاولي- كونه جورا علي الامام. الثانيه- كونه جورا علي المسلمين حيث حرموا عن عدل الامام و فضله. الثالثه- ما رافقه من اقسام الجور علي الامه كضرب من لا يستحق الضرب و اخذ مال من لا يستحق اخذ ماله و هكذا. لكن الامام عليه‌السلام تنازل عن حقه الشخصي بالنسبه الي نفسه و بالنسبه الي حرمان المسلمين حيث كانت ظواهر الاسلام محفوظه و حيث انه لم يكن يقدر علي النهوض الا بايجاد انشقاق داخلي بين المسلمين ربما اودي بالاسلام نفسه، اما ما رافق الامر من الجور و الخروج عن خطه الاسلام فكان الامام يعارض
و يحارب كما فعل في زمن معاويه، و لا يقال ان المنصب للامام الهي فلا يصح التنازل عنه لان التنازل اذا كان اعتباطا كان خلافا للشريعه اما التنازل اذا لم يجد الامام الانصار الكافي و كان القيام ذا خطر اكبر فالتنازع هو المتعين لترجيح اقل الضررين. (التماسا لاجر ذلك و فضله) اي ان تسليمي انما هو رجاء ان يعطيني الله سبحانه لهذا العمل الذي هو للابقاء علي الاسلام اجرا و فضلا (و زهدا) اي و لاجل الزهد و النفور (فيما تنافستموه) من زخرفه) تشبيه للخلافه بالذهب الذي يتنافس فيه الناس (و زبرجه) هو الزينه، اي اني زاهد فيما يتنافس فيه اهل الشوري من المنصب و المال التابعين للخلافه.

خطبه 074

[صفحه 289]
لما بلغه اتهام بني‌اميه له بالمشاركه في دم عثمان فقد تذرع معاويه و ذويه الي اتهام الامام بدم عثمان ليجدوا مبررا لقتاله و خلع طاعته، طمعا منهم في الملك و السيطره. (او لم ينه بني‌اميه علمها بي) علمها فاعل، و اميه مفعول، و المراد ب (اميه) بنو اميه، فان القبيله كثيرا ما يطلق عليها اسم جدها الاعلي، و المعني ان علم بني‌اميه بي لم ينههم (عن قرفي) اي عن ان يعيبوني، فان القرف بمعني العيب، و هذا استفهام استنكاري، اي اكيف يعيبني بنو اميه و هم يعلمون برائتي من دم عثمان، و تحرجي من اراقه الدمائ؟ (او ما وزع الجهال) اي منع جهال بني‌اميه (سابقتي) في الاسلام و التحرج عن العصيان و ارتكاب الماثم و ما ينافي الفضيله و (سابقتي) فاعل (وزع) (عن تهمتي) اي اتهامي بدم عثمان، ثم الامام عليه السلام سلي نفسه بما يشعر بان آل اميه لو اعرضوا عن وعظه فقد اعرضوا عن وعظ الله سبحانه بقوله: (و لما وعظهم الله به ابلغ من لساني) (الام) في (لما) للتاكيد و القسم، اي ان وعظ الله سبحانه، بالاجتناب عن سوء الظن، و الهمز و اللمز، و القول بغير علم، و الاجتناب عن الغيبه خاصه، ابلغ من وعظي لهم، و قوله (ابلغ) خبر (لما) (انا حجيج المارقين) اي خص
ميهم الذي احتج عليهم، و المارق هو الخارج، و المراد به هنا الخارج عن الدين بنكث بيعه الامام، و المخالفه له في اثاره الفتن، و خلق الاضطراب (و خصيم الناكثين المرتابين) اي الذين ارتابوا و شكوا في الامر، و المراد بذلك اما في الاخره، او الاعم منها و من الدنيا (و علي كتاب الله تعرض الامثال) يعني ان كل شي‌ء يماثل شيئا احدهما حتي و الاخر باطل- كخلافه الامام و نقض الناكثين- انما يعرض علي كتاب الله ليعرف ايهما حق و ايهما باطل و مادام الكتاب يصدق اعمال الامام و اقواله، فمن خالفه علي باطل (و بما في الصدور تجازي العباد) و هذا كنايه عن ان مخالفوه يعلمون ان الامام علي حق و انهم علي باطل، و انما تخالف اعمالهم و ما في قلوبهم، كما قال سبحانه (و جحدوا بها و استيفنتها انفسهم) و قال (يعرفونه كما يعرفون ابنائهم).

خطبه 075

[صفحه 291]
(رحم الله امرا سمع حكما) من احكام الاسلام (فوعي) اي ادركه و حفظه ليعمل به، قوله (رحم الله) دعاء بصوره الاخبار، اي اللهم ارحم، و ذلك للتشويق، و للدعاء بالرحمه لمن كان كذلك (و دعي الي ارشاد) اي ما يوجب رشده (فدنا) اي اقترب الي الداعي، ليسترشد به و ياخذ بقوله (و اخذ بحجزه هاد) الحجزه معقد الازار، و هذا تشبيه للمعقول بالمحسوس فكما ان الانسان اذا اراد النجاه من المواقع المزدحمه، ياخذ بحزام انسان قوي لئلا يضل او يعطل، كذلك من اراد النجاه من مزالق الدنيا و عقوبات الاخره، يتبع الذي يهديه الي الحق (فنجا) و لم يهلك و لم يضل. (راقب ربه) اي لا حظ في كل عمل يعمله ربه راض عنه ام لا، كالذي يراقب السلطان لئلا يصدر عنه ما يخالفه فيقع في العقاب و اللوم (و خاف ذنبه) فان الذي يخاف الذنب- سواء عمله ام لم يعمله- لابد و ان يتجنب عنه، كالذي يخاف من الاسد فانه يهرب منه و لا يقترب اليه (قدم) الي آخرته عملا (خالصا) عن الرياء و الاثم (و عمل) عملا (صالحا) مقابل العمل الفاسد، و ذلك بالملازمه العرفيه يدل علي عدم العمل الفاسد (اكتسب مذخورا) فان اجر الاخره و درجاتها مذخوره باقيه- ليست عاجله فانيه- و اكتسابها انما هو بالعمل الم
حرز لها (و اجتنب محذورا) اي المحرم الذي حذره الله عنه (رمي غرضا) فكان العامل الدنيا يطيش سهمه اذ لا يصل هدف الذي هو السعاده الابديه، بخلاف الذي يعمل للاخره (و احرز عوضا) اي حصل علي عوض عمله، و هو سعاده الاخره، و لم يذهب عمله هباء منثورا، كاعمال اهل الدنيا. (كابر) اي غالب (فحيث يريد الهوي به شرا غالبه فغلبه، و انصرف عن ذلك الشر (و كذب مناه) (مني) جمع (منيه) و هي ما يتوقعه الانسان من الخير علي اعماله، او بدون ان يعمل، و انما ينتظر الصدفه لتاتي بالامنيه، و الاماني غالبا سراب خادع تمنع الانسان عن العمل الصالح ثم لا يعرف الانسان بعد ذلك انه كان مخدوعا، لم يصل الي الامنيه، و ذهب عمره ضياعا، و ذلك بخلاف من يكذب مناه فانه يعمل صالحا، و معني التكذيب عدم الانخداع بما يترائي له من الاماني (جعل الصبر مطيه نجاته) فان الانسان في الدنيا يلاقي مشاكل و صعوبات، فاذا جعل الصبر قرينه- كالمطيه التي يركب الانسان عليها لتسهل له قطع المسافه- لم تمر الايام الاوقد انحلت المشكله و حصلت الغايه المرجوه … اذا لم يصبر بان جزع او ترك ما بيده من العمل الصالح او نحو ذلك فاتته … متوخاه. (و التقوي مده وفاته) اي الامر الذي اعده لاخرته، فان ات
قاء المعاصي خير زاد للاخره (ركب الطريقه الغراء) اي النيره الواضحه، و المراد بركوبها، العمل بها، (و لزم المحجه) اي الطريقه (البيضاء) اي الواضحه اللامعه، فان البياض واضح لا لوث فيه و لا غموض (اغتنم المهل) اي المهله التي امهل فيها، و المراد به ما بقي من عمره، و اغتنام العمر عباره عن العمل فيه لاجل السعاده و الاخره (و بادر الاجل) اي سابقه، كالذي يسبق الاخر ليفوز بالجائزه، فكان الاجل يريد اختطاف الانسان و الحيلوله بينه و بين العمل الصالح، و الانسان يعمل مبادرا لئلا يقع في مخالبه قبل اتمام عمله الذي يوجب سعادته (و تزود من العمل) اي عمل صالحا ليكون زاده في الاخره.

خطبه 076

[صفحه 294]
(ان بني‌اميه ليفوقونني) اي يعطونني من المال قليلا قليلا، و اصل التفويق ان يعطي الفصيل امه لتدر ثم يمنع عنها لتحلب، فيكون ما يحصل الفصيل من حليب امه قليلا قليلا، و هذا تشبيه لنفسه عليه‌السلام بالفصيل الذي لا يعطي الدر كاملا (تراث محمد صلي الله عليه و آله و سلم) المراد ما خلفه الرسول صلي الله عليه و آله و سلم من السيطره و الحكم، و وجه الشتبيه ان بني‌اميه و علي راسهم معاويه لم يسمحوا لحكم الامام حكما مطلقا، و انما اخذ الامام منهم السيطره شيئا فشيئا، فقد انضموا الي الجمل فاسترد الامام منهم البصره و ما والاها ثم اوجدوا قصه صفين، فاسترد الامام منهم بعض اجزاء البلاد، و سببوا تكون الخوارج فاسترد الامام منهم السيطره (تفويقا) للمبالغه في الاعطاء قليلا قليلا، لانه مصدر تاكيدي. (و الله لئن بقيت لهم) ذكر (لهم) لان البقاء لا يستلزم التمكن، فكانه عليه‌السلام قال لئن بقيت قادرا عليهم (لانفضنهم) النفض تحريك الشي‌ء بعنف ليطير منه ما لصق به، من تراب و نحوه (نفض اللحام) اي بائع اللحم- كالقصاب و نحوه- (الوذام) جمع وذمه و هي القطعه من الكرش و نحوها (التربه) اي التي اصابها التراب، فان القصاب اذا جعل الكرش و المعمي عل
ي الارض فتلطخت بالتراب، نفضها نفضا شديدا اذا اخذها، ليزيل التراب و القذر الذي لصق بها من الارض و انما شبهه بذلك، تحقيرا لهم، و تشبيها لما احتووها بالتراب و القذي، و قد جرت عاده القصابين، علي جعل الكرش و نحوها علي الارض، ثم نفضها لدي اخذها. قال السيد الرضي (ره) (التراب الوذمه و هو علي القلب) من قبيل عرضت الناقه علي الحوض و قول الشاعر: (فلما ان جري سمن عليها كما طينت بالفدن السياعا) فان الوذمه تترب، لا ان التراب يوصف بالوذمه، ثم قال السيد (ره): (ليفوقونني: اي يعطونني من المال قليلا قليلا كفواق الناقه و هو الحلبه الواحده من لبنها) التي تعطي له لتدر الام، ثم اذا درت فصل عنها لتحلب (و الوذام جمع وذمه و هي الحزه من الكرش و او الكبد) الحزه القطعه (تقع في التراب فتنفض) و قد اراد الامام عليه‌السلام بذلك انه يسلبهم ما احتووه من السلطه و المال بغير حق.

خطبه 077

[صفحه 296]
(اللهم اغفر لي ما انت اعلم به مني) لقد كان الانبياء و الائمه عليهم‌السلام يرون ما يصدر عنهم من انواع المباح، بل حتي الضروريات الجسديه، خلاف ما يليق بعظمه الله سبحانه، و ان لم تكن تلك معاصي شرعيه، كما يري الانسان مد رجله امام المجتمع خلاف اللائق الموجب للاعتذار، و ان كان مضطرا الي ذلك لالم في الرجل او نحو ذلك، و علي هذا كان استغفارهم، و المراد بما انت اعلم، الخلاف الذي يكون الله سبحانه اعلم به من العبد، فان علم الله بالاشياء انفذ و اقوي حتي من علم نفس العامل (فان عدت) الي ترك الاولي (فعد علي بالمغفره) مصدر ميمي لمغفر، بمعني عفي من الذنب و ستره (اللهم اغفر لي ما وايت) اي وعدت، من وي‌ء وزن رمي (من نفسي و لم تجد له وفاء عندي) بان وعدت ان اترك تلك المخالفه، ثم اف بذلك. (اللهم اغفر لي ما تقربت به اليك بلساني ثم خالفه قلبي) كان شكر الله بلسانه، ثم سخط علي احواله و ما فيه من ضيق باطنا (اللهم اغفر لي رمزات الالحاظ) جمع رمز، بمعني الاشاره، و الالحاظ جمع لحظ و هو باطن العين و المراد طلب الغفران من الاشارات التي تصدر عن العين خلاف مرضاته سبحانه،- و المراد هنا ما كان تركا للاولي، كما تقدم- (و سقطات الالفاظ)
اي الالفاظ الساقطه عن درجه الاعتبار و طريقه الادب، كاللغو من الالفاظ و الهدر من الكلمات (و شهوات الجنان) الجنان القلب، سمي بذلك لاختفائه، و منه سمي الجن و الجنين و المجن و ما اشبه، و المراد بشهوات الجنان الميول القلبيه الي غير الفضيله، و ان كان مباحا (و هفوات اللسان) جمع هفوه و هي الزله و لعل الفرق بين هذا و بين قوله سقطات الالفاظ، ان ذاك اشبه بالعمد، و هذا اشبه بالسهو.

خطبه 078

[صفحه 298]
قاله لبعض اصجابه لما عزم علي المسير الي الخوارج فقال له يا اميرالمومنين ان سرت في هذا الوقت خشيت ان لا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم، فقال عليه‌السلام: للردع عن التبوء عن المستقبل بعلم النجوم، ما ياتي، و علم النجوم هوالعلم باحوال الارض و من عليها، من اختلاف حركات النجوم و قد كان لهذا العلم اصل، ثم اندرس، و لم يبق منه الا امور ناقصه تطابق الواقع احيانا و تخالفه كثيرا، و لذا فلا يصح الاخبار بذلك، و لا الجزم، و لا ترتيب الاثر، كما ذكر في الفقه. (اتزعم) اي هل تظن ايها المخبر عن علم النجوم (انك تهدي) و ترشد الناس (الي الساعه التي من سار فيها صرف عنه السواء) بان لا يصيبه مكروه، لان سيره كان في ساعه حسنه (و تخوف من الساعه التي من سار فيها حاق) اي احاط و حل (به الضر) اي الضرر لانه سار في ساعه نحسه (فمن صدق بهذا) الذي تزعم عن علمك (فقد كذب القرآن) لان القرآن يقول: و ما تدري نفس ماذا تكسب غدا و ما تدري نفس باي ارض تموت، ان قلت فماذا هذا الذي نري من مطابقه بعض الاخبارات للمستقبل، قلت: ذلك من باب الصدفه لا الكليه، و من علم فليس يتمكن من القطع- الا من باب قطع الانسان غير العادي- اذ لا يعلم الانسان الاسباب
و المسببات من جميع وجوهها و خصوصياتها، و من ادعي ذلك فهو جاهل او متجاهل. (و استغني عن الاعانه بالله في نيل المحبوب و دفع المكروه) فان الانسان اذا علم المستقبل بحيث لا يغير و لا يبدل كما هو مقتضي اخباره القطعي لم يك موقع ليطلب من الله سبحانه ان يتفضل عليه بما يريده من الامور المحبوبه، او بما يخشاه من الامور المكروهه، و هذا خلاف ضروري الاسلام من الدعاء و الرجاء و الخوف و ما اشبه (و تبتغي) ايها المنجم المخبر عن المستقبل (في قولك) اخبارا عن مستقبل مخاطبك (للعامل بامرك ان يوليك الحمد) اي ان يحمدك لما كشفت له عن المستقبل المحبوب، او المستقبل المكروه، فاجتنبه لقولك، فلم يقع فيما يكره (دون ربه) تعالي لانك افدته من افادته سبحانه، اذ لو لا انت لوقع في المحذور، فانت الدافع الوحيد للمحذور. (لانك بزعمك) الزعم يستعمل كثيرا لماظنه الانسان واقعا و ليس بواقع (انت هديته) و ارشدته (الي الساعه التي نال فيها النفع) فلو لا انت لم نيل النفع (و امن الضر) و لو لا انت لوقع في الضرر. ثم لا يخفي ان المنجم الذي اخبر الامام عليه‌السلام كان علي خطاء، لان الامام خرج الي الخوارج و ظفر عليهم فقد بددهم و كسر شوكتهم و انتصر عليهم. ثم اقبل عليه
السلام علي الناس فقال: (ايها الناس اياكم و تعلم النجوم) (اياكم) للتحذير، اي احذركم من تعلم النجوم، و المراد النجوم التي توجب الاخبار عن المغيبات لا النجوم التي تعرف بها الازمان، فقد قال الامام عليه‌السلام: انما العلوم اربع علم الفقه لحفظ الاديان و علم النجوم لحفظ الازمان و علم النحو لحفظ اللسان و علم الطب لحفظ الابدان، و لذا استثني عليه‌السلام عن التحذير بقوله: (الا ما يهتدي به في بر او بحر) فان النجوم دليل الانسان في الليالي المظلمه الي كيفيه السير نحو المقصد، كما قال سبحانه (و بالنجم هم يهتدون) و الظاهر ان هذا من باب المثال، و الا فكل اهتداء جائز بالنجم، مثلا اكثر الزارع يهتدون بالنجوم لاوقات الزرع و نحوه (فانها) اي النجوم- و المراد تعلم التنجيم- (تدعو الي الكهانه) و هي تقويه النفس تقويه خاصه للاتصال بالشياطين و الارواح غير المرئيه، ثم تلقي الاخبار المستقبله منها، فقد تصدق تلك الاخبار و قد تكذب. و انما كانت النجوم تدعوا الي الكهانه لان النجم كثيرا ما يحلوله اطلاعه عن المستقبل بواسطه النجوم- خصوصا اذا صدقت جمله من اخباره الموجب لعلو منزلته عند الناس- و ذلك يجره الي الاستزاده من هذا النحو من العلم مما يوجب
تتبعه لمظانه، و من مظانه الكهانه لانها توجب الاطلاع علي المستقبل ايضا- بزعمه- (و المنجم كالكاهن) لان كلا منهما يخبر عن المستقبل بادله حدسيه لكن الاول يستدل بالنجوم عليه و الثاني يستدل بالارواح غير المرئيه عليه (و الكاهن كالساحر) و الفرق بين الكهانه و السحر، ان الاول مجرد الاطلاع عن المستقبل بواسطه الارواح و الثاني التاثير في الناس تاثيرا غريبا بواسطه الارواح كعقد الرجل عن حليلته و ما اشبه ذلك، و كلاهما من واد واحد حيث يستعين الانسان لكشف مستقبله او تاثيره بالارواح غير المرئيه. (و الساحر كالكافر) لان كليهما خارج عن اطاعه الله سبحانه، فانه سبحانه حرم السحر لما يترتب عليه من الضرر، كما نهي عن الكفر، و لذا ورد في الحديث ساحر المسلمين يقتل، و لو انفتح باب السحر لسبب اضرارا كثيره في المجتمع كما لا يخفي، و قد حدث لبعض اقربائنا انه طرد ساحره عن بيته، كانت تراودهم بحكم الجوار فاغتاظت الساحره، و ارادت الاضرار برئيس البيت الطارد لها، ثم قالت اني لا اسحر نفس الطارد- لما له من النعمه علي- و انما اضره في عنيه و اعميه، فلم تمض الامده يسيره، و اذا بالطارد رمدت عيناه و عميتا، و بقي كذلك حتي مات- رحمه الله تعالي عليه- و قد كشف
العلم الحديث جانبا كبيرا من الامور المرتبطه بالارواح، كما تجده في كتاب (علي حاف العالم الاثيري) لبعض الغربين (و الكافر في النار) و بقياس المساوات: المنجم في النار (سيروا علي اسم الله) و هكذا خرج الامام لحرب اهل النهروان بدون الاعتناء الي ذلك المنجم، و ظفر رغما علي اخباره بانه يخشي انه لا يظفر بمراده.

خطبه 079

[صفحه 302]
خطبها (بعد حرب الجمل في ذم النساء) و ذلك لان الرئيس في تلك الحرب كانت امرائه و هي- عائشه- فاراد عليه‌السلام بيان فشل رايهن حتي لا يعتمد عليهن في مشوره خصوصا في الامور العظيمه، و قد ثبت في العلم الحديث ضعف اجهزه المرئه العقليه، و انها عاطفيه مما لا يمكن ان يستند اليها بالامور العظام. و لذا نري العالم- و ان هرج حولها و حول مساواتها للرجل- لم يستند اليها بمنصب روساء الحكومات و ما اشبه بل المناصب العظام كلها مستنده الي الرجال فهذه امريكا، و انكلترا، و المانيا، و فرنسا، و الاتحاد السوفياتي، و غيرها كل روساء حكوماتها رجال، و ان ملئوا العالم صياحا بتساويها مع الرجل، و هكذا في سائر المناصب المهمه كمجلس الاعيان و الوكلاء. (معاشر الناس) جمع (معشر) و هو الجمع، و هذا منادي محذوف عنه حرف النداء (ان النساء نواقص الايمان) شرعا، و ذلك تبع لنقصان عقولهن كما سيائي، و المراد بنقص الايمان عدم ادراكهن الايمان الكامل الذي يتمكن الرجل ان يتوصل اليه (نواقص الحظوظ) جمع حظ و هو الامر الذي يسعد الانسان، و هذا ايضا شرعي تبع لنقصان عقولهن و ضعف اجهزتهن خلقه (نواقص العقول) و هذا خلقي، فقد خلق الله تعالي المرئه لشئون المنزل ف
هي بين اداره بيت، و حمل و ولاده، و تبعا لذلك جعل فيه العاطفه القويه حتي تحنو علي المنزل و الاولاد، و بهذه النسبه من قوه العاطفه تقل القوه العقليه المتوفره في الرجل (فاما نقصان ايمانهن فقعودهن عن الصلاه و الصيام في ايام حيضهن) (الحيض دم تراه المراه في كل شهر غالبا) اذا صارت بالغه و لم تبلغ سن الياس، و اقل الحيض ثلاثه ايام، و اكثره عشره ايام، و البلوغ يتحقق فيها بدخولها في العاشره و الياس يتحقق في القرشيه و النبطيه ببلوغ السنين و في غيرهما ببلوغ الخمسين. و لعل الحكمه في سقوط الصلاه و الصيام عنهن التعويض بذلك عن مرضهن، فان الحيض مرض كما قال سبحانه (و يسئلونك عن المحيض قل هو اذي) و كما قرر ذلك علم الطب، ثم لا يخفي ان هذا النقصان ليس مما يوجب نقصان اجرهن في الاخره، و لذا تكون زوجات اهل الجنه، في منازل ازواجهن. (و اما نقصان حظوظهن فمواريثهن علي الانصاف من مواريث الرجال) كما قال سبحانه (للذكر مثل حظ الانثيين) و هذا غالبي و الا فربما صار حظها مساويا او اكثر من الرجل و الحكمه في تقليل حظها ان مونتها اقل فالام و البنت و الزوجه- و هن غالب النساء- نفقاتهن علي الولد و الاب و الزوج (و اما نقصان عقولهن) و قد استدل الامام لذ
لك بدليل شرعي بقوله (فشهاده امراتين كشهاده الرجل الواحد) في كثير من ابواب الشهاده، كما يعرفها المطلع علي الفقه، و لو لم تكن المرئه ناقصه العقل لم تكن شهادتها كذلك. (فاتقوا) ايها الناس (شرار النساء) و لا تملكوهن ازمه الامور، فان الناقص اذا كان شرا و ملك اوجب الفساد و التبار، و لذا قال الرسول صلي الله عليه و آله ذل قوم وليتهم امرئه (و كونوا من خيارهن علي حذر) لان الخير العملي لا يوجب تبدلا في الخلقه، فمثلا السفيه اذا كان خيرا لا يوجب كونه خيرا رشدا و حصافه في عقله و تصرفاته (و لا تطيعوهن في المعروف) بان لا يكون عملكم بالمعروف صادرا عن اطاعتهن، بل صادرا عن انفسكم و حسن المعروف الذاتي (حتي لا يطمعن في المنكر) فان الانسان اذا راي نفسه مطاعا، تدرج من الامر بالحسن الي الامر بالقبيح.

خطبه 080

[صفحه 305]
في تعريف الزهد في الدنيا و تعيين الزاهد (ايها الناس: الزاهاده قصر الامل) بان لا يكون الانسان طويل الامل، و معني طول الامل ان يامل الانسان ان يبقي في الدنيا طويلا و يرغب في نعيم الدنيا، فان ذلك يوجب التكالب عليها مما ينسي الاخره فلا يعمل العمل اللائق بها (و الشكر عند النعم) لان الزاهد نظره الي الاخره و كلما كان نظر الانسان الي الاخره يكون متوجها الي الله سبحانه مما يوجب شكره لكل نعمه للالتفات الحاصل له، و ذلك دون غير الزاهد الذي هو اقل التفاتا او عديم الالتفات (و الورع عن المحارم) اي الاجتناب عنها، فان الزاهد يعرف عظم خطر المحرمات فيجتنب عنها بخلاف غير الزاهد (فان عزل ذلك) الزهد (عنكم) اي لم تكونوا زاهدين في الدنيا معرضين عنها- فان عزب بمعني غرب و بعد- (فلا يغلب الحرام صبركم) بان تقتحموا المحرمات حسب شهوه النفس، و لا تتمكنوا من كف النفس عن الشهوه، اذ في اقتحام المحرمات نكالا و عقابا. (و لا تنسوا عند النعم شكركم) بان تتركوا الشكر اطلاقا، فان هناك واسطه بين الشكر المطلق و نسيان الشكر اطلاقا، كما ان هناك واسطه بين الزهاده و بين ارتكاب المحرمات، و الامام عليه‌السلام يامر باتباع الوسط اذا لم يتسني ل
لانسان المرتبه الراقيه من الزهد و الشكر (فقد اعذر الله اليكم) يقال اعذرت الي فلان بمعني اقمت لنفسي عنده عذرا و معني اعذر الله، انه تعالي اقام العذر حتي اذا عاقب يكون قد اتم الحجه، و لم يكن عقابا بلا بيان (بحجج مسفره) من اسفر اذا بان و ظهر (ظاهره) تاكيد لمسفره، و الحجج هي الانبياء و الائمه الذين نصبهم لهدايه العباد و ارشاد الناس لئلا يقول احدكم لم اك اعلم لزوم الشكر او خطر المحرمات (و كتب بارزه العذر) اي كون تلك الكتب السماويه ظاهره في اتمام الحجه الموجبه لان يكون لله عذرا في عقابكم اذا خالفتم (واضحه) ليست بغامضه، و لا يعيده من متناول الناس.

خطبه 081

[صفحه 307]
(في صفه الدنيا، لتزهيد الناس فيها) (ما اصف من دار اولها عناء) اي تعب و نصب، و (ما) استفهاميه، و كون اول الدنيا عناء واضح فان الانسان لا يردها الا بصعوبه في الحمل و الوضع و ما اشبه (و اخرها فناء) اي عاقبه الناس فيه ان يموت او عاقبه نفس الدنيا ان تنفي عند قيام الساعه و دار لا تبقي ينبغي ان يزهد فيها لعدم قيمه حقيقيه للشي‌ء الذي يفني و لا يدوم (في حلالها حساب) اذ يحاسب الله سبحانه يوم القيامه كل ما عمل الانسان من خيرا و شر و المراد بالحلال- علي الظاهر- كل ما ليس بحرام، بقرينه المقابله (و في حرامها عقاب) و نكال (من استغني فيها) غناء في المال او الجاه او ما اشبه (فتن) بمعني انه يعرض عن الذي يجب عليه بالنسبه الي ما اعطاه الله تعالي، فاذا صار صاحب مال بخل او صاحب جاه لم يقض الحوائج و تكبر، او صاحب علم لم يبذل و شمخ بانفه و هكذا. (و من افتقر فيها حزن) و من المعلوم لزوم النفره عن شي‌ء يوجب كلا طرفيه المشقه و الانحراف. (و من ساعاها) اي سعي لاجلها (فاتته) اي تفوته الدنيا، فان الدنيا لا تحصل بالسعي و انما بالتقدير و النصيب كما قال الشاعر: جري قلم القضاء بما يكون فسيان التحرك و السكون و هذا غالبي، لا دائمي
. كا ان قوله (ع) (من استغني الخ) غالبي، فان هذه الحمل علي نحو القضيه الطبيعيه لا الكليه كما لا يخفي، و قد تفسر هذه الجمله بان فاتته بمعني سبقته فانه كلما نال الانسان شيئا فتحت له ابواب الامال فيها فلا يكاد يقضي مطلوبا واحدا حتي يهتف به الف مطلوب، و الذي ذكرناه اظهر في معني الجمله. (و من قعد عنها) اي عن الدنيا (و اتته) اي اتته الدنيا، فليس حصولها بالسعي، و ان كان للسعي مدخلا، و لذا نري: كم عاقل عاقل اعيت مذاهبه و جاهل جاهل تلقاه مرزوقا هذا الذي ترك الانسان يذعن ان هناك من خلق الاشياء تدقيقا (و … بها) اي جعل الدنيا اله البصيره ليري بها الاشياء و يعتبر بها الامور كيف تصرف و تنتقل من حال الي حال (بصرته) اي ارته الامور مجاريها و مصايرها، فلا يغتر بها لمعرفته حقيقتها (و من ابصر اليها) بان جعل غايه نظره الدنيا يتطلب جاهها و مالها و عزها (اعمته) و تسبب له الهلاك، فان النظر الي الدنيا كالنظر الي المراه قد تكون نظره اليه و قد تكون نظره استقلاليه.

خطبه 082

[صفحه 310]
(و هي من الخطب العجبيه و تسمي الغراء) و كونها عجيبه لاشتمالها علي غرائب احوال الانسان في النشائين بعبارات بليغه، و اساليب بديعه، قد بلغ الامام عليه‌السلام عمق احوال الدنيا و احوال الاخره. (الحمد لله الذي علا) اي ترفع (بحوله) و قدرته، و لا يخفي ان صفات الذات اذا صيغت في قالب الفعل انسلخ الفعل بالنسبه اليها عن الزمان، فاذا قيل (علم الله) او (علا) او (قدر) او ما اشبه لا يراد بها انه صار الي تلك الصفات بعد ان لم يكن، بل المراد نسبه المصدر الي الذات، بمعني انه عالم قادر عال، و هكذا، بل قد ذكر المحقق الخراساني في الكفايه ان الفعل لا وضع له للزمان، و انما ينصرف منه ذلك انصرافا حسب القرينه العامه، و المعني ان قدرته العامه هي الموجبه لكونه سبحانه عاليا رفيعا، اذ ذو القدره فوق ما لا قدره له، (و دنا) اي قرب الي الخلق قربا معنويا بالاطلاع و الاحسان (بطوله) اي بفضله و كرمه فكما ان المتفضل قريب الي المتنعم قربا حسيا كذلك الله سبحانه قريب الي الخلق قربا معنويا (مانح كل غنيمه و فضل) فان كلما يغتنمه الانسان من خير و ما ياتيه من فضل و احسان فانه من الله سبحانه (و كاشف كل) بليه (عظيمه) فانه تعالي هو الذي يزيل ال
مكاره، و انما قيل (كشف) تشبيها للمكاره بالغاشيه التي تغشي الانسان فاذا ازيلت فقد كشفت (و ازل) هو الضيق و الشده (احمده علي عواطف كرمه) العطف هو الميل نحو الغير، و نسبته الي الكرم مجاز من باب علاقه السبب و المسبب لان الكرم لا يعطف و انما الشخص يعطف (و سوابغ نعمه جمع سابغه و هي النعمه الشامله من سبغ الظل اذا عم و شمل. (و اومن به) اي بالله سبحانه (اولا باديا) اي في حال كونه تعالي اول الاشياء لا شي قبله او معه، و كونه باديا اي ظاهرا لاخفاء فيه (و استهديه) اي اطلب هدايته في حال كونه (قريبا) الي الانسان بالعلم و القدره (هاديا) يهدي الناس من الظلمات الي النور و من الباطل الي الحق (و استعينه قادرا قاهرا) فانه يتمكن من عون الانسان لقدرته و يتمكن لقهر الصعاب و تذليلها (و اتوكل عليه) التوكل هو تفويض الامر الي الله سبحانه ليتولي انفاذه و امضائه (كافيا) يكفي من كل شي‌ء (ناصرا) ينصر من طلب النصره منه في اموره (و اشهد ان محمدا صلي الله عليه و آله عبده و رسوله) و كان الشهاده بكونه صلي الله عليه و علي آله عبده لئلا يغال محبيه فيرفعوه فوق درجته، و ان كان هذا غير خاص به اذ كل انسان عبد له تعالي. (ارسله) تعالي الي البشر و معني ا
لارسال تحميل الرساله، و ان لم يكن هناك تحرك من محل الي محل اخر (لانفاذ امره) اي ايصال امر الله تعالي الي المامورين (و انهاء عذره) العذر هو الحجه، و المعني ابلاغ احكام الله تعالي الذي يوجب الحجه من الله علي الناس حتي اذا لم يعملوا و عاقبهم كان ذلك بعد اتمام الحجه (و تقديم نذره) النذر جمع نذير و هو التخويف، و المعني ان يبيين الرسول المخوفات للناس، و انما سمي تقديما باعتبار ان ذكرها مقدم علي وجودها الخارجي فالرسول يبين ان من زنا- مثلا- فعليه كذا من العقاب، فقد قدم الانذار علي العقاب الذي يشتمل الزاني.
[صفحه 312]
(اوصيكم عباد الله بتقوي الله) اي اتقائه و الخوف منه (الذي ضرب لكم الامثال) جمع مثل، و هو ما يذكر مما اصاب الاوليين الذين عصوا و خالفوا الاوامر، او المراد مطلق المثل الذي جي‌ء به لتوضيح الكلام. (و وقت لكم الاجال) جمع اجل و هو اخر مده الانسان، او مده كونه في الحيات، و المراد ان الله سبحانه جعل للبشر وقتا محدودا بلا زياده او نقصان (و البسكم الرياش) و هو اللباس الجميل الذي يتزين به الانسان، و المراد اما الالبسه و اما صوره الانسان التي بها جمال الانسان علي سائر انواع الحيوان (و ارفغ لكم المعاش) يقال رفغ عيشه رفاغه اي اتسع، اي انه سبحانه اوسع عليكم ما تعيشون به من مال و ماكول و مسكن و ما اشبه (و احاطكم بالاحصاء) اي انه سبحانه احصاكم و يعلم تعدادكم، و العالم محيط بالعلوم معني، كما ان السور محيط بالبلد خارجا (و ارصد لكم الجزاء) اي اعده لكم فكل انسان يلقي جزائه (و اثركم) اي اختاركم (بالنعم السوابغ) جمع سابغه و هي الواسعه، فان الله سبحانه اختار الانسان لاعطائه اعظم النعم مما لم يفعله بالملائكه و سائر مخلوقاته. (و الرفد الروافغ) الرفد جمع رفده و هي العطيه، و الروافغ جمع رافغه و هي المتسعه (و انذركم بالحجج
البوالغ) جمع بالغه اي الحجه الواصله اليكم (و احصاكم عددا) فهو يعلم عددكم (و وظف لكم مددا) اي جعل لكم مده و امتدادا في الحيات لا تتجاوزون عنه، و لعل التكرار لئلا يتوهم لمبالغه في قوله (وقت لكم الاجال) (و احاطكم بالاحصاء) فان الذهن يستبعد علم احد بكل انسان و ان تكون الاوقات المختلفه بالجعل و التوظيف فالتكرار للاثبات و التاكيد و التركيز (في قرار خبره) اي ان الاحصاء و التوظيف في مستقر- هو الدنيا- جعل ذلك للاختبار و الامتحان (و دار عبره) فان الدنيا دار الاعتبار و الاتعاظ. (انتم مختبرون فيها) فان الله سبحانه يمتحن الانسان في الدنيا (و محاسبون عليها) اي يحاسبكم علي الدنيا، و المراد الحساب علي تعاطي الانسان الدنيا (فان الدنيا رنق مشربها) الرنق هو الكدر، و هذا كنايه عن الام الدنيا، و همومها، فهي مثل الماء الكدر الذي لا يهناء شاربه و قوله (فان) ب (الفاء) تفريع علي قوله (اوصيكم) كانه عليه‌السلام قال اتركوا لذات الدنيا فانها كدر (ردغ مشرعها) المشرع المحل الذي يتمكن الانسان من الوصول الي ماء النهر و نحوه و الردغ الكثير الطين و الوحل (يونق منظرها) اي يعجب منظر الدنيا، فان الانسان اذا نظر اليها اعجبته و ظن انها بدون الام و
هموم (و يوبق) اي يهلك (مخبرها) اي الاخذ بها، فان من ياخذ بالدنيا بلا احتراز و توفي يهلك لما يصيبه من الاثام و المعاصي. (غرور حائل) اي ان الدنيا غرور يحول و يزول فلا يبقي، و حمل (غرور) علي الدنيا مبالغه، مثل (زيد عدل) و حائل من حال يحول اذا زال و لم يبق (و ظل زائل) اي ان الدنيا كالظل الذي تنسخه الشمس فلا يبقي و انما يمكث برهه (و سناد مائل) السناد ما يستند اليه الانسان فان كان ثابتا قائما استقر المستند اليه، و ان كان مائلا مشرفا علي الوقوع كان المستند اليه في معرض السقوط (حتي اذا انس نافرها) النافر من الحيوان الذي لا يئنس، و انس النافر كنايه عن التعب لاجل الايلاف، كما يتعب من يريد تذليل الحيوان الوحش ليانس (و اطمان ناكرها) اي الذي ينكر الدنيا، و هو كنايه عن الاطمينان و الاستقرار الذي يحصل للانسان بعد جهد و جد، من جهه الملاذ و المكانه الاجتماعيه و ما اشبه. (قمصت) الدنيا (بارجلها) يقال قمصت الدابه اذا رافعت يديها معا و طرحتهما، و في ذلك طرح للراكب لانه يميل الي الخلف بهذا العمل (و قنصت باحبلها) اي اصطادت بالشباك التي بسطتها لاقتناص الناس، و ذلك عن ايجاد المشاكل لهم، او اماتتهم (و اقصدت باسهمها) جمع سهم اي ارسلت
سهامها الي هذا الانسان المطمئن حتي تجرحه و توذيه (و اعلقت المرء اوهاق المنيه) الاوهاق جمع وهق و هو شي كان يستعمله اللصوص اذا ارادوا التسلق، فهي حبال في راسها عصي معقوفه، يطرحونها علي الحائط ثم يتسلقونها و تسمي بالفارسيه (كمند) يعني ان الدنيا تطرح علي المرء حبال الموت لتجره نحو الفناء و الهلاك، او بمعني يصعد الموت اليه بسبب الوهق. (قائده له الي ضنك المضجع) اي تقود الدنيا الانسان الي ضيق القبر، فان الضنك بمعني الضيق (و وحشه المرجع) فان الانسان يستوحش من الاخره لعدم انسه بها (و معاينه المحل) اي مشاهده مكانه في الاخره (و ثواب العمل) اي جزاء ما عمله في الدنيا، فان (ثوب) بمعني جزاه، قال تعالي (هل ثوب الكفار) (و كذلك الخلف يعقب السلف) فانه تذهب الاجيال جيلا بعد جيل، و كلها تبتلي بالدنيا، بما ذكر لها من الاوصاف (لا تقلع المنيه اختراما) اقلع عن الشي امتنع عنه، و الاخترام الموت اي لا تمتنع المنيه عن اهلاك الاحياء، بل الموت جاد مستمر في اهلاك الناس. (و لا يرعوي الباقون اجتراما) اي لا يكف الناس الباقون عن اقتراف الاثام و الجرائم، فانهم لا يعتبرون بموت ابائهم و اسلافهم ليكفوا عن الذنب و يكفروا في المصير (يحتذون مثالا) اح
تذي، بمعني اقتدي و المعني ان الباقين يقتدون في اعمالهم اثار السابقين مثلا بمثل، بلا ارعواء و لا انقلاع (و يمضون ارسالا) جمع رسول و هو القطيع من الخيل و الابل و الغنم، اي ان الناس كالاغنام يسير بعضهم اثر بعض (الي غايه الانتهاء) اي الي غايه هي انتهاء الانسان في الحيات (و صيور الفناء) علي وزن تنور مشتق من صار بمعني مصير الشي و ما يول اليه امره (حتي اذا تصرمت الامور) اي انقضت امور هذا العالم مما قدرها الله سبحانه (و تقضت الدهور) جمع دهر و هو مده طويله من الزمان و معني تقضت انقضت و تمت (و ازف النشور) اي اقترب يوم القيامه، و يسمي بالنشور لنشر الناس فيه بعد الممات (اخرجهم) الله سبحانه (من ضرائح القبور) جمع ضريح و هو الشق وسط القبر، و اصله من ضرحه، بمعني دفعه، و سمي بذلك لعلاقه الحال و المحل فان الميت مدفوع الي هناك او باعتبار انه يدفع دون ضرح الشق (و اوكار الطيور) جمع وكر و هو مسكن الطير، فان بعض الطيور ياكل الاموات و يجمع اجزائهم من عظام و نحوها في مساكنها (و اوجره السباع) جمع وجار و هو مسكن السبع و نحو فان السباع تاكل الاموات و تبقي فضلاتهم في محلاتها (و مطارح المهالك) جمع مطرح و هو محل طرح الشي‌ء اي الاماكن التي
طرحت فيها اجزاء اولئك الاموات، و هلك فيها الناس. في حال كون الناس (سراعا الي امره) تعالي، اي يسرعون لحضور القيامه و سراع جمع سريع (مهطعين) اي مسرعين عن الهطع بمعني ارع (الي معاده) اي المحل الذي قرره الله سبحانه لعود الانسان و هو المحشر، و الفرق بين الجملتين ان الاولي بالنسبه الي امره تعالي. و الثانيه بالنسبه الي المحشر، و انكانت النتيجه واحده (رعيلا) اي في حال كون البشر كالرعيل، و هي القطعه من الخيل، شبهوا بها لتلاحق جماعات الناس بعضهم ببعض كما تتلاحق قطع الخيل (صموتا) اي ساكتين لا يتكلمون لخوف الموقف، في حال كونهم (قياما) جمع قائم فان الدهشه تمنعهم عن الاستراحه و الجلوس (صفوفا) مصطفين كل صنف صف (ينفذهم البصر) و الظاهر ان المراد انه لا مخفي منهم بل كلهم في صحراء واحده بارزون حتي ان الانسان اذا نظر اليهم يحيط بهم بغير ان يمنع عن رويتهم مانع من ستر او حجاب او مخباء او ما اشبه ذلك. (و يسمعهم الداعي) فان الذي يدعوهم من قبله سبحانه يسمع جميعهم فلا يخرج احد منهم من قبضته سبحانه (عليهم لبوس الاستكانه) هي بمعني الخضوع و اللبوس ما يلبس، و هذا كنايه عن انهم خاضعون منتهي الخضوع حتي كانهم لابسون لباس الخضوع من راسهم الي
اقدامهم (و ضرع الاستسلام) الضرع الوهن و الخشوع و الاستسلام تسليم الامر، فهم خاضعون لامر الله تعالي، حيث لا قوه تمنعهم عن حكمه (و الذاله) فهم اذلاء لا عزه لهم و لا منعه (قد ضلت الحيل) جمع حيله و هي العلاج للتخلص من المشكله التي يقع الانسان فيها، اي انهم لا حيله لهم لدفع مكاره يوم القيامه فقد انقطعت الحيل التي كانوا يباشرونها في دار الدنيا و ضلت كنايه عن فقدانها (و انقطع الامل) فلا رجاء لهم في غيره سبحانه و تعالي. (و هوت الافئده) جمع فواد. و معني هرت اضطربت، فان الانسان اذا راي مهول حس في قلبه انه يهوي الي الاسفل، في حال كون تلك القلوب (كاظمه) قد كظمت غضبها لانه لا منفد للغضب هناك (و خشعت الاصوات) اي خفيت كما قال سبحانه: (و خشعت الاصوات للرحمان فلا يسمع الا همسا) (مهينمه) الهينمه الكلام الخفي، فان من طبع الانسان ان يتكلم عند المخوف بالهمس و الاخفات، و كانه لئلا يظهر شخصه فيبتلي بما يخاف منه و يخشاه (و الجم العرق) فان الانسان اذا عرق كثيرا جرت المياه من راسه الي طرف فمه فكانه لجام علي فيه، او المراد انهم يعرقون حتي يبلغ العرق من اقدامهم الي افواههم فهم في بحر من عرقهم. (و عظم الشفق) اي الخوف (و ارعدت الاسماع) ا
ي عرتها الرعده، فان الانسان اذا سمع صوتا مزعجا يحس برعده في اذنه (لزبره الداعي) من زبره معني زجره، و المراد بالداعي الملك الذي يدعو الناس بشده (الي فصل الخطاب) اي الخطاب الفاصل بين الحق و الباطل (و مقابضه الجزاء) اي قبض جزاء اعمالهم، و كانه جي‌ء من باب المفاعله، لان الانسان يعطي العمل و ياخذ الجزاء فذلك اخذ و اعطاء (و نكال العقاب) عطب بيان ل (نكال) او هو اشد انواع العقاب، فمن باب اضافه الخاص الي العام نحو (خاتم فضه) (و نوال الثواب) يقال ناله اذا وصل اليه، و من المعلوم ان الخوف ليس من الثواب، و انما الخوف من انه هل يعاقب او يثاب فالجملتان تحكيان شيئا واحدا متعلقا للخوف، لا ان الخوف يتعلق بكل واحد منهما استقلالا.
[صفحه 319]
(عباد مخلوقون اقتدارا) اي خلقهم الله تعالي بقدرته (و مربوبون اقتسارا) المربوب هو المملوك، و الاقتسار من القسر بمعني الجبر (و مقبوضون احتضارا) اي يقبضهم الله سبحانه حال احتضارهم و هو حاله الموت (و مضمنون اجداثا) جمع جدث و هو القبر، اي ان البشر لا يملك من امره شي‌ء فهو مخلوق بدون اختياره، و يملك ناصيته الله سبحانه في هذه الحياه فلا يملك من امره صحه و لا مرضا و لا غني و لا فقرا، و لا سائر الشون التكوينيه، ثم اذا اراد سبحانه ان يميته اماته بدون اختياره و اقبره في المحل الذي قدره له (و كائنون رفاتا) اي حطاما مهشمه مبعثره، تتفرق اجزائهم، كاليابس من الحشيش (و مبعوثون افرادا) كما قال سبحانه: (لقد جئتمونا فرادي كما خلقناكم اول مره) فان كل انسان يحشر وحده ليس معه عشيرته و افراد اسرته. (و مدينون جزاء) اي مجزيون بجزاء اعمالهم، فان الدين بمعني الجزاء قال تعالي: (مالك يوم الدين) و قال الشاعر: (و لا انت دياني فتحزوني) (و مميزون حسابا) كل يحاسب علي عمله مميزا عما سواه فلا تزر وازره وزر اخري (قد امهلوا) امهلهم الله سبحانه في الدنيا (في طلب المخرج) اي الخروج من الذنوب و المعاصي بالتوبه و العمل الصالح (و هدوا سبيل
المنهج) اي ارشدهم الله سبحانه الي الطريق الواضح للسعاده، فان النهج هو الطريق الواضح، و المراد بذلك الشريعه الاسلاميه التي توصل بسالكها الي الجنه و السعاده. (و عمروا مهل المستعتب) (المستعتب) هو الذي يطلب رضاه، من استعتبه اذا استرضاه، و المعني ان الله سبحانه اعطي الانسان من العمر بمقدار مهله المستعتب فانك اذا استرضيت شخصا و طلبت منه ان يرضي تفسح له في المجال. (و كشفت عنهم سدف الريب) السدف جمع سدفه بمعني الظلمه، و الريب جمع ريبه و هي الشبهه اي ان ظلم الشبهات قد كشفت عن الناس ببركه الادله و الحجج التي اقامها الانبياء فلا شبهه لا حد في الضلال و الانحراف (و خلوا لمضمار الجياد) اي تركوا في مجال من اعمارهم يتمكنون به من التسابق الي الخيرات، فان المضمار هو المكان و الزمان الذين يضمر فيهما الخيل، فانه اذا اريد السباق، جوع الخيل ليضمر و يهزل فيتمكن من العدو و لا يمنعه السمن من الركض و الجياد جمع جواد و هو الفرس (و) خلوا ل (رويه) اي اعمال الفكر في الامر (الارتياد) بمعني طلب ما يراد ما يختاره الانسان، و المعني انهم امهلوا، فلم يوخذوا سريعا، حتي لا يكون لهم مجال فكر و عمل. (و) خلوا ل (اناه المقتبس المرتاد) الاناه التوئده
مقابل العجله، و المقتبس الذي اخذ قبسا من الضياء- كمصباح او نحوه- و المرتاد الذي يريد شيئا، فان الانسان اذا طلب شئيا في الليل، و بيده مصباح يستنير به ليظفر بمطلبه تاني في الحركه و الطلب، و المعني ان الناس في الدنيا امهلوا كمثل هذه المهله و هذا كنايه عن طول الامل (في مده الاجل) اي في امتداد الاجل المضروب للانسان في الحياه، و هذا يتعلق بقوله (خلوا) اي انهم ابقي عليهم في هذه المده (و مضطرب المهل) اي مده الاضطراب، و هو بمعني الاختلاف مجيئا و ذهابا (فيا لها امثالا صائبه) (يا) حرف نداء و (اللام) للاستغاثه و (ها) تعود الي الامثال، باعتبار ذكرها سابقا، كان المتكلم يستغيث بالامثال لتحضر فيفهمها السامع، و يستجيب لدعوه القائل. (و مواعظ شافيه) اي انها عظات تشفي من داء الجهل و العصيان (لو صادفت قلوبا زاكيه) اي قلوبا ذات زكات و طهاره، فان من القلوب ما لا تنفعها المواعظ لكونها كالاراضي المالحه التي لا تنبت شيئا و من القلوب بعكس ذلك (و اسماعا واعيه) تعي و تستوعب الحق و هذا كنايه عن النفوس الواعيه، و الا فالسمع اله- كما لا يخفي- (و اراء عازمه) اي تعزم علي الحق، فان بعض الناس لا ملكه لهم تسبب عزمهم علي الامور الخيره، و بالعكس
من ذلك بعض الناس الذين لهم عزم قوي و اراده شديده (و البابا حازمه) جمع لب، و هو العقل، و الحازم هو المقدر للامور المعطي كل شي‌ء قدره، فلا يفوته شي‌ء مما ينبغي الاخذ له و العمل به. (فاتقوا الله) اي خافوه، بمعني لا تعصوه (تقيه من سمع) الموعظه (فخشع) اي خضع الله سبحانه فاطاع اوامره (و اقترف فاعترف) الاقتراف تعاطي الذنب، و حيث ان الاعتراف فيه نوع خضوع و ندم، كان الاعتراف بالذنب لديه تعالي حسنا (و وجل) اي خاف الاخره (فعمل) ما يوجب سعادته (و حاذر) اي خاف الفوت (فبادر) اي سارع الي العمل الصالح (و ايقن) اي تيقن بصدق ما اخبره الانبياء حول امور الاخره (فاحسن) في العمل (و عبر) اي عرضت عليه اسباب العبره (فاعتبر) اي اتعظ و انزجر (و حذر) اي خوف من العذاب و النكال (فازدجر) اي انتهي عن المعاصي و الاثام (و اجاب) داعي الله (فاناب) اي رجع عن طريقته السابقه الضاله، و انما اخذ يتبع الداعي عن قبله سبحانه. (و رجع عن اعماله السابقه (فتاب) الي الله توبه نصوحا (و اقتدي) بالصالحين كالانبياء و الائمه (فاحتذي) اي رسم خطاهم و جعل عمله طبق عملهم (و اري) اي راه الانبياء طريق الهدايه (فراي) الطريق المنجي المسعد، بمعني اتبعه، فان من اري فلم ي
عتني، فكانه لم ير، فان البصير الذي لا يعمل بمقتضي ما يبصر، و الاعمي سواء (فاسرع) نحو عمل الخير (طالبا) للنجاه (و نجا) من المهالك بحزمه (هاربا) اي في حال كونه هاربا عن المعاصي و الاثام (فافاد ذخيره) افاد و استفاد بمعني واحد، اي استفاد الذخيره الصالحه التي يدخرها لاخرته في دنياه (و اطاب سريره) اي طيب باطنه، فلم يكن قلبه اثما و لا منطويا علي الرذائل (و عمر معادا) اي عمل ما يوجب تعمير آخرته و سعاده محشره (و استظهر زادا) اي حمل الزاد لاخرته، تشبيها بالمسافر الذي يحمل زاده، يقال استظهر، بمعني جعل الزاد فوق ظهره. (ليوم رحيله) الذي يرحل فيه من الدنيا الي الاخره (و وجه سبيله) اي لطريقه الذي يسلكه الي الاخره، و اضافه الوجه اليه للتوضيح (و حال حاجته) و هو ما بعد الموت الذي يحتاج الانسان فيه الي العمل الصالح (و موطن فاقته) اي محل فقره (و قدم) العمل الصالح (امامه لدار مقامه) فان الانسان يقم في الاخره الي الابد اذا لا زوال لها و لا اضمحلال، بخلاف الدنيا فانها دار زوال و انتقال (فاتقوا الله عباد الله) منادي حذف منه حرف النداء (جهه ما خلقكم له) اي توجهوا الي الناحيه التي خلقتم له، و هي جهه العمل الصالح، و الاجتناب عن المحرم
ات و الاثام، فكانه قال اعلموا متقين لتلك الجهه (و احذروا منه) اي خافوا من الله سبحانه (كنه ما حذركم من نفسه) لقد حذرنا سبحانه من معاصيه، و حيث ان كنه الشي‌ء نهايته من جهه السر، اعير بمعني النهايه و الغايه، اي احذروه غايه الحذر. (و استحقوا منه) اي اعملوا عملا تستحقون بذلك العمل (ما اعدالكم) في الاخره من انواع المثوبات (بالتنجز لصدق ميعاده) تنجز الوعد طلب وفائه، و صدق المعياد مطالبه الخارج للوعد، بان يفي بما وعد، و المعني انهم يستحقون الوفاء بالوعد الذي وعدهم سبحانه باعطائهم الجنه و الرضوان (و الحذر من هول معاده) معطوف علي التنجز، اي احذروا من اهوال معاده- باجتناب المعاصي حتي تستحقون ما اعدالكم، و حاصل المعني لتمام الجمله (اطلبوا) و (احذروا) لتستحقوا ما اعدلكم.
[صفحه 323]
(منها) اي بعض تلك الخطبه، و قد حذف الشريف ما بين الفقرتين، كما هو دابه حيث انه يجمع المختار من كلامه عليه‌السلام، الي كلما وصل اليه. (جعل) الله سبحانه (لكم اسماعا لتعي) اي تدرك (ما عناها) اي اهمها، فان الانسان يصرف سمعه فيما يهمه لا في كل شي‌ء (و ابصارا لتجلو) من جلاعن المكان، بمعني فارقه (عن عشاها) العشي ظلمه تعرض للعين بالليل. اي تفارق الظلمه الي البصيره، و ذلك كنايه عن رويه الحق (و اشلاء) جمع شلو و هو عضو الجسد (جامعه لاعضائها) فان لكل عضو من اعضاء الانسان اعضاء مثلا في اليد الاصابع و الكف و العضد و هكذا، فكل شلو جامع لاعضاء (ملائمه) تلك الاشلاء (لا حنائها) جمع حنو بالكسر، و هو كل ما اعوج عن البدن، و المراد تناسب الاعضاء للمفاصل و المنعطفات (في تركيب صورها) اي في حال كون الا شلاء ملابسا لتركيب الصور فلكل عضو صوره خاصه و هيئه مخصوصه (و مدد عمرها) فان لكل عضو عمر خاص به، فالانسان تعمر اقل، و العين و الاذن قد تعمران اقل من سائر الاعضاء، فيصبها العمي و الصمم. (بابدان) اي ان تلك الاشلاء و سائر جهات الجسم ملابسه بالبدن (قائمه بارفاقها) جمع رفق بالكسر، و المراد بها المنافع، فان البدن قائم بمنافعه، و
معني ذلك ان قيام البدن بسبب وصول المنافع اليه، او ان البدن ياتي لنفسه بما ينفعه (و قلوب رائده) اي طالبه (لارزاقها) فان القلب يصرف همه لطلب الرزق للاشلاء (في) حال كون تلك الابدان بما يتبعها في (مجللات نعمه) من جلله بمعني غطاه اي ان نعمته سبحانه تغمر الانام، فهو من اضافه الصفه الي الموصوف (و موجبات مننه) اي النعم التي هي منه منه سبحانه علي البشر مما توجب الشكر (و حواجز عافيته) اي عافيته التي تحجز و تمنع الانسان ان يوصل اليه سوء. (و قدر لكم اعمارا سترها عنكم) فان الانسان لا يعلم قدر عمره (و خلف لكم عبرا) جمع عبره و هي ما يوجب اعتبار الانسان و تبصره حتي لا يقع في المحذور و المشكله (من آثار الماضين) فان اخبار السالفين الباقيه للاجيال توجب لهم تبصرا و عبره (قبلكم، من مستمتع خلاقهم) الخلاق النصيب، اي نصيبهم الذي اوجب استتماعهم بالحياه، فان ما وصلنا من اخبار نعم الماضين، مثلا، موجب لان نعتبر فلا نغتر اذا راينا مقبله علينا (و مستفسح خناقهم) الخناق حبل يخنق به، فاذا كان فيه سعه و فسحه لم يجعل الهلاك بالمختوق، و هذا كنايه عما نعمله من طول مده حياه الماضين اي انهم كانوا ذوي اعمار طويله، و مع ذلك لم يتوبوا، و اخذوا فاهلك
وا- مثلا-. (ارهقتهم) اي اهلكتهم و اعجلت بهم (المنايا) جمع منيه و هي الموت (دون الامال) اي قبل ان يصلوا الي امانيهم (و شذ بهم عنها) اي عن الامال و معني شذ بهم، بعدهم (تخرم الاجال) الخرم بمعني القطع و الشق، اي ان اجالهم التي اهلتكم بعدتهم عن الوصول الي المالهم، و اضافه (نخرم) الي (الاجال) من اضافه المصدر الي الفاعل (لم يمهدوا) اي لم يهيئوا وسائل راحتهم في الاخره (في) حال (سلامه الابدان) بل صرفوا ابدانهم السليمه في اللهو و اللعب (و لم يعتبروا في انف الاوان) انف الاوان، بمعني اوله، يقال امر انف، اي اول لا شي‌ء قبله و كانه ماخوذ من الانف الذي هو اول الجسم نتوا (فهل ينتظر) بعد اولئك، و الاستفهام للانكار (اهل بضاضه الشباب) البضاضه امتلاء البدن و قوته و رونقه (الاحواني الهرم) الهرم الشيخوخه، فانها موجبه للحنو، اي الميل نحو الضعف و العجز (و اهل غضاره الصحه) الغضاره طيب العيش فان الصحيح طيب العيش (الانوزال السقم) جمع نازله، فان السقم ينزل بالانسان (و اهل مده البقاء) اي الذين لبقائهم مده و امتداد (الا آونه الفناء) آونه الشي وقته (مع قرب الزيال) مصدر ازليه، اي قرب زوال الانسان عن الدنيا و انتقاله الي الاخره (و ازوف) اي
اقتراب من ازف بمعني اقترب (الانتقال) من هذه الدار (و علز القلق) العلز كالرعده ياخذ المريض، فان الانسان قد يكون مطمئنا هادي البال، ثم ينقلب حاله الي القلق و الاضطراب. (و الم المضض) هو بلوغ الحزن الي القلب، فان ذلك يولم الانسان اشد الايلام، و المراد بهذه الجمله و سابقها و لاحقها اما وقت الموت و اما وقت تبدل النعم الي شده و ضنك نحو (حواني الهرم) و (غصص الجرض) هو الريق، و غصص جمع غصه، و هي عدم نزول الماء الي الجوف لافه في الحنجره او شبه ذلك (و تلفت الاستغاثه) فان الانسان المحتضر يتلفت الي من حوله مستغيثا بهم (بنصره الحفده) جمع حفيد و هو الحاشيه للانسان من صديق و معين و اولاد و نحوهما، اي يستغيث لينصره الحفيد مما به من الكرب و الهم (و الاقرباء) جمع قريب (و الاعزه) جمع عزيز (و القرناء) جمع قرين و هو قرين الانسان في عمره، او عمله، او ما اشبه (فهل دفعت الاقارب) ما نزل بالمرء من الكرب و المصائب، و هذا استفهام انكاري، اي انهم لا يتمكنون من الدفع. (او نفعت النواحب) جمع ناحبه و هي الباكيه لمصيبه الانسان (و قد غودر) اي ترك و بقي (في محله الاموات رهينا) اي مرهونا محبوسا، فلا رجوع له (و في ضيق المضجع) اي القبر، فان القبر م
حل ضجعه الانسان (وحيدا) لا احد معه الا عمله (قد هتكت الهوام جلدته) الهوام جمع هامه، و هي الحيوان الصغير كالدود و النمل و ما اشبه، او ما له سم كالحيه و الافعي، فانها تشق جلد الانسان لتاكل من لحمه و تشرب من دمه (و ابلت) من البلاء مقابل الجده (النواهك) جمع ناهكه، و هي التي تضعف الانسان و توذيه (جدته) و هذا كنايه عن تغير جسمه و تبدل طراوته (و عفت) اي محت و اذهبت (العواصف) جمع عاصفه، و هي الريح الشديده الهبوب (اثاره) فان القبر يندرس بالعواصف (ومحا الحدثان) الي الليل و النهار (معالمه) جمع معلم، و هو ما يستدل به، و المراد اما معالم جسده، او معالمه في الخارج. (و صارت الاجساد) بعد الموت (شحبه) من الشحوب بمعني الذبول (بعد بضتها) اي امتلائها بالسمن و النضاره، يقال بض الماء اذا ترشح قليلا قليلا، فكان الجسم الممتلي يترشح بالماء (و العظام نخره) اي باليه (بعد قوتها) و صلابتها (و الارواح مرتهنه بثقل اعبائها) جمع عب‌ء بمعني الثقل، يعني ان الارواح التي خرجت عن الاجساد هناك في تعب و الم لما فعلت في دار الدنيا، فهي كالرهينه التي ليست منافعها لصاحبها (موقنه بغيب انبائها) فان الاخبار التي تقال لها في الدنيا- و قد كانت تشك فيها- صا
رت يقينا هناك اذ شاهدت احوال الاخره خيرها و شرها (لا تستزاد من صالح عملها) اي لا يطلب منها زياده العمل الصالح لان محل العمل قد فات بعد الموت بخلاف حال الحياه، فان الانسان يطلب بزياده العمل في حال كونه في الدنيا. (و لا تستعتب) اي لا يطلب منها قديم العتبي اي التوبه (من سي‌ء زللها) اي الاعمال السئيه التي عملها في حال الحياه، و الزله هي العمل السي‌ء سمي بذلك لايهام ان الانسان يزل حين يرتكبه، لا انه يعمله قاصدا، كما يسمي خطاء الايهام ذلك ايضا (اولستم) ايها السامعون (ابناء القوم و الاباء) لهم، و قد ماتوا و بقيتم انتم (و اخوانهم و الاقرباء) و هذا استفهام الفاتي (تحتذون امثلتهم) اي تفعلون مثل ما فعلوا (و تركبون قدتهم) اي تسيرون في طريقتهم التي ساروا فيها، فان القده بمعني الطريقه (و تطوون جادتهم) اي تسيرون في المحل الذي ساروا فيه، و المعني لماذا لا تعتبرون؟ و انكم مثلهم في ان الموت يشملكم عن قريب. (فالقلوب قاسيه عن حظها) اي انها صلبت فلا يدخلها الحظ، و هذا كنايه عن عدم العمل بما يوجب اسعادها (لاهيه عن رشدها) فانها مشغوله باللهو ذاهله عن الرشد (سالكه في غير مضمارها) المضمار هو المحل الذي يضمر فيه الخيل لتتهيا للسباق،
و اذا سلكت في غير تلك المضمار فاتها السبق، و هكذا الانسان الذي لا يعمل بما يسعده (كان المعني) اي المقصود بالاوامر و الزواجر (سواها) فهي لا تهتم بما يوجب سعادتها، و يدفع عنها (و كان الرشد في احراز دنياها) اي جمعها و حفظها لا في احراز الاخره، و لذا لا تهتم الا بالدنيا
[صفحه 329]
(واعلموا) ايها الناس (ان مجازكم) اي محل عبوركم، من (جاز) اذا عبر (علي الصراط) و هو جسر بين المحشر و بين الجنه، تحته النار، فمن عمل صالحا جازه و من عمل سيئا وقع في النار. (و مزالق دحضه) جمع مزلق، و هو الموضع الذي يقع فيه الانسان لعدم استواء الطريق، و الدحض مقابل الرفع، اي ان في الصراط محلات يزلق فيه الانسان الي النار (و اهاويل زلله) جمع اهوال، و هو جمع هول، فان الانسان اذ زل خاف و هاله الامر (و تارات اهواله) جمع ثاره، و هي المره، اي ان في الصراط اهوال مكرره يتلو بعضها بعضا (فاتقوا الله تقيه ذي لب) اي صاحب عقل يعمل عقله ليري مستقبله (شغل التفكر قلبه) اي التفكر في مصيره و سائر اموره (و انصب الخوف بدنه) اي اتعبه، من النصب التعب (و اسهر التهجد غرار نومه) غرار النوم النوم القليل الذي يتقطع بالسهر، و معني اسهر التهجد؟ ازال قيام الليل للعباده نومه القليل المتقطع. (و اظماء الرجاء) اي رجاء الثواب (هواجر يومه) جمع هاجر و هي الساعه الحاره في النهار و المعني انه يصوم اشتياقا الي الثواب، في الايام الحاره (و ظلف) اي منع (الزهد) في الدنيا (شهواته) فلا ينساق مع ما يشتهي (و ارجف الذكر بلسانه) اي يحرك الذكر لسانه،
كان في لسانه رجفه من كثره ذكر الله سبحانه (و قدم الخوف) اي خاف في الدنيا، مقدما علي خوف الاخره (لامانه) اي لان يومن هناك، فان الخائف في الدنيا يعمل صالحا لياتي آمنا يوم القيامه (و تنكب) اي مال من شي‌ء (المخالج) جمع مخلج، و هو الطريق المنشعب عن الجاده المودي الي الهلكه (عن وضح السبيل) اي السبيل الواضح، و المعني ان المخلج عن وضح السبيل، يتنكبها، فلا يسلكها، بل يسلك الجاده المستقيمه التي هي الشرع. (و سلك اقصد المسالك) اي اعدل الطرق الموديه (الي النهج المطلوب) اي الشي‌ء المطلوب، و هو الجنه و الثواب (و لم تفتله) من فتله بمعني صرفه، اي لم تصرفه عن الجاده الواضحه (فاتلات الغرور) اي الاشياء الموجبه للانصراف التي يبعث عليها غرور الانسان بالدنيا (و لم تعم عليه مشتبهات الامور) اي ان الامور المشتبهه بالحل و الحرمه، لا تشتبه عليه و انما يعرف الصواب من الانحراف، و معني (لم تعلم) لم تخف، بعلاقه ان الاعمي يخفي عليه الامر، كما قال سبحانه (فعميت عليهم الانباء) (ظافرا بفرحه البشري) اي انه فاز- بسبب تلك الاتعاب- بفرح بشاره السعاده و نيل رضي الله و درجات الاخره (و راحه النعمي) بمعني سعه العيش و نعيمه الذي يناله في الاخره فان ذلك
موجب للراحه الابديه. (في) حال كونه بعد الفوز و الراحه في (انعم نومه) اي النوم الهني‌ء الذي لا مخاوف و لا وساوس لديه (و امن يومه) اي ان يرمه اكثر آمنا من سائر ايامه السالفه و سائر ايام الناس (قد عبر معبر العاجله) اي الدنيا فقد شبهت بالقنطره لان الانسان يعبر منها الي الاخره (حميدا) اي في حال كونه محمودا غير مذموم (و قدم الاجله) اي الاخره (سعيدا) قد سعد بسبب ما عمله سابقا في دار الدنيا (و بادر) اي اسرع في عمل الحسنات (من) جهه (وجل) و الخوف من العذاب و النكال، فالخوف اوجب ان يبادر الي عمل الصالحات (و اكمش) اي اسرع (في مهل) اي في وقت كونه ذا مهله، و هو في الدنيا. (و رغب) الي الاخره و الثواب (في طلب) فلم تكن رغبته مجرده، و انما هي مع العمل الصالح (و ذهب عن هرب) اي انصرف عن المحرمات، هربا منها و خوفا من تبعاتها (و راقب في يومه) و هو في الدنيا (غده) بمعني انه عمل لاخرته (و نظر قدما) اي سابقا (امامه) الذي هو الاخره، بمعني انه نظر الي الاخره، فلم يغفل عنها (فكفي بالجنه ثوابا و نوالا) النوال ما يناله الانسان من خير و سعاده (و كفي بالنار عقابا و وبالا) الوبال تبعه الاعمال الانسان السيئه، اي ان ذين الامرين يكفيان في سوق
الانسان نحو الاعمال الصالحه، و ردعه عن الاعمال السيئه (و كفي بالله منتقما) لمن عصاه (و نصيرا) لمن اطاعه (و كفي بالكتاب) اي القران (حجيجا) اي ما يحتج به علي الانسان، فاذا عمل شيئا قال له: الم يكن القران نهاك عنه؟ (و خصيما) اي خصما لمن خالفه.
[صفحه 331]
(اوصيكم بتقوي الله الذي اعذر بما انذر) اي انه سبحانه حيث انذر الناس بالعقاب لمن خالف و اتي بالمحرمات، فقد ترك مجال عذر المعتذر، فمن عصي كان عن علم و عمل، و معني (بما) بسبب انذاره، فان (ما) مصدريه (و احتج بما نهج) اي احتج علي العباد، بسبب ما وضح لهم من الاحكام و الشرائع (و حذركم) اي اخافكم (عدوا) هو الشيطان (نفذ في الصدور خفيا) فان الشيطان حيث كان جسما لطيفا ينفذ في داخل الانسان، فيوسوس في القلب الذي هو في الصدر، و لذا ورد ان الشيطان يجري من ابن آدم مجري الدم (و نفث) اي قال و تكلم (في الاذان نجيا) اي كلاما خفيا، من (النجوي) و هذا تشبيه للذي يناجي، لا ان الانسان يسمع كلام الشيطان (فاضل) الانسان عن سبيل الحق (واردي) اي اهلك، من (الردي) بمعني الهلاك. (و وعد فمني) اي صور الاماني و الغايات الحسنه- كذبا- كان قال اذا عملت هذا الحرام فزت بالمال او المنصب او ما اشبه (و زين) اي حسن في نظر الانسان (سيئات الجرائم) اي المعاصي السيئه فان الزاني و الشارب و اللاعب- و غيرهم- يري ان عمله حسنا (و هون) اي قال ان المعصيه الفلانيه هينه لا خوف منها (موبقات العظائم) المعصيه المهلكه، اي المعاصي العظيمه الموجبه للهلاك (حت
ي اذا استدرج قرينته) قرينه الشيطان هي النفس الاماره، فان الشيطان يقترن معها، و الاستدراج هو ان يجلب الشيطان الانسان درجه درجه من الصلاح الي الفساد (و استغلق رهينته) اي جعل الشي المرهون- و هو النفس التي هي رهينه بعملها- بحيث لا يمكن فكها، كالبيت المغلق الذي لا يفتح. (انكر مازين) فان الشيطان لا يبقي صديقا وفيا للعاصي، بل يعاديه، و يقول (ما انا بمصرخكم ما انت بمصرخي) (و استعظم ما هون) فيقول للعاصي لماذا فعلت تلك المعصيه العظيمه، بينما كان الشيطان قد هون العصيان في نظر العاصي قبل ذلك (و حذر ما امن) اي انه يخوف عن المعصيه، بعد ما قال انه لا خوف منها، و انها محل الامان، فلا يحلق الانسان منها تبعه.
[صفحه 333]
(و منها في صفه خلق الانسان) (ام) بمعني بل، للانتقال من وصف الشيطان الي وصف الانسان (هذا الذي انشائه) الله سبحانه (في ظلمات الارحام)، فان الجنين في ظلمه البطن و الرحم و المشيمه و الجلد (و شغف الاستار) جمع شغاف، نحو سحاب و سحب، و هو في الاصل غلاف القلب، ثم استعمل لكل غلاف، و المراد بالاستتار هي التي ذكرناها مما يحتوي علي الجنين، في حال كونه (نطفه دهاقا) من دهق اذا صب بقوه، فان المني يخرج من الرجل يقوه و دفق (و علقه محاقا) فان المني بعد استقراره في الرحم و مضي مده عليه ليكون كالعلقه، و هي الدوده التي تمص الدم، و معني محاقا، انه ممحوق فيه الصوره، اذ لا صوره انسانيه له (و جنينا) يسمي الولد بذلك مادام في الرحم، لاختفائه، من جن اذا اظلم و اختفي (و راضعا) اذا خرج من بطن امه فاخذ يرتضع اللبن من ثديها. (و وليدا) بعد الرضيع (و يافعا) و هو الغلام (ثم منحه) اي اعطاه الله سبحانه (قلبا حافظا) يحفظ الاشياء، فان الالوان و الطعوم و الاشكال و سائر الامور انما تحفظ بالقلب، و لذا اذا راها الانسان عرفها (و لسانا لافظا) يلفظ و يتكلم (ليفهم) الانسان الاشياء (معتبرا) بها اي ان ياخذ العبره (و يقصر) عن الرذائل اي يمتنع من
ها (مزدجرا) اي ممتنعا منها بسبب العقل (حتي اذا قام اعتداله) بمعني اعتدل و استوي و كمل مشاعره الظاهره و الباطنه (و استوي مثاله) و هذا عباره اخري عن الجمله الاولي و كان للانسان مثالا اذا بلغ ذلك القدر كان مستويا غير زائد و لا ناقص، و الاصل و استوي علي مثاله، او علي القلب نحو (طينت بالفدن السياعا) (نفر مستكبرا) اي تنفر من الله سبحانه و احكامه، لكبر فيه و نخوه في راسه. (و خبط سادرا) الخبط هو الخلط بين الصحيح و السقيم، و السادر المتحير الذي يمشي بلا هدايه يعني يتناول الاثام و المعاصي كالخابط السادر (ماتحا) يقال متح الماء اذا نزعه من البئر (في غرب) هو الدلو العظيمه (هواه) اي انه يملاء دلو حياته من الملذات و المشتهيات من غير مراعات للاحكام الشرعيه (كادحا) الكدح شده السعي و العمل الدائب (سعيا لدنياه) فانه يخصص عمله و سعيه الدائب الدنيا بلا ان يعمل للاخره شيئا (في لذات طربه) الطرب خفه تعرض الانسان حال شده الفرح (و بدوات اربه) بدوات جمع بدئه و هي ما بدا و ظهر من الراي، و ارب جمع اربه و هي الحاجه اي انه يمضي فيما يبدوله من الرغائب، بدون ان يتقيد بشريعه او دين. (لا يحتسب رزيه) المصيبه، اي انه لا يكفر في احتمال وقوع مصيب
ه عليه كما هو شان الغافلين اللاهين (و لا يخشع) اي لا يخضع (تقيه) من الله و خوفا من عقابه من اتقي بمعني خاف و اجتنب المحذور (فمات في فتنته) اي افتتانه بالدنيا و ملذاتها (غريرا) اي في حال كونه مغرورا، قد ظن بقاء الدنيا و لذاتها (و عاش في هفوته) اي خطاه و زلته (يسيرا) فان عمر الدنيا مهما طال يسير (لم يفد) من افاد بمعني استفاد (عوضا) من دنياه و اعماله، لانه لم يصرف عمره في التجاره و الثواب بل في المعصيه و العقاب (و لم يقض) اي لم يات (مقترضا) اي فريضه فرضها الله سبحانه (دهمته) اي غشيته و ورد عليه فجاه (فجعات المنيه) الفاجعه المصيبه النازله، و المنيه هي الموت، فان الانسان اذا مات ابتلي بعده رزايا و مصائب اذا لم يعمل في الدنيا لاخرته و لعل المراد بفجعات المنيه المصائب المتقدمه التي تنزل الانسان قبل الموت. (في غبر جماحه) غبر جمع غابر، كطلب جمع طالب، الجماح العتو و النفوذ اي انه حيث جمع و عتي في سابق عمره اتاه الموت الموجب لمصيبته و رزيته (و سنن) اي طريق (مراحه) المرح شده الفرح و البطر (فظل) في الدنيا، قبل ان تدهمه المنيه، حال اغتراره و غفلته (سادرا) حائرا ماضيا في الشر (و بات ساهرا) ليله في الم و تعب (في غمرات الالام
) كان الالم يغمره و يتجاوز راسه، كالماء الذي يغمر الانسان (و طوارق) جمع طارقه و هي النازله التي تنزل بالانسان ليلا، علي حين غفله و غره (الاوجاع و الاسقام) الوجع الالم، و السقم المرض، و بينهما عموم من وجه، فمن اصطدم جسمه بشي‌ء بلا ان يحدث فيه مرضا، وجع غير سقيم، و من ابتلي بالسل- مثلا- سقيم غير وجع. (بين اخ. شقيق) قيل للاخ شقيق لانه شق الانسان، كالغصن الذي هو شق الغصن الاخر (و والد شفيق) الشفقه الخوف، و يقال للمحب شفيق، لانه يخاف من تضرر الانسان بالاضرار (و داعيه) من النساء كالام و الاخوات و الزوجه (بالويل جزعا) تقول يا ويلي، من تالمها و جزعها علي الرجل المريض الذي هو قريبها (و لادمه) اي ضاربه (للصدر قلقا) فان الانسان- خصوصا المرئه- اذا اشتدت به المصيبه ضرب صدره (و المرء) العاصي الذي وصف سابقا (في سكره) من سكرات الموت فان الموت اذا نزل غطي علي عقل الانسان، كما تعطي الخمره (ملهيه) اي تلهيه السكره و تشغله عن الالتفات الي اهله و اقربائه. (و غمره كارثه) الغمره ما يغمر الانسان من الماء او ما اشبه، و المراد هنا الشده التي تحيط بالعقل و الراس مما يحول دون الانسان و دون التعقل و التفهم و الكارثه المصيبه الشديده (و ا
نه موجعه) من الانين الذي يطلقه المريض من شده الوجع، و وصفها بموجعه لكونها من شدتها توجع و تولم من حول المريض (و جذبه) اي جذب الموت لروحه، او جذبه به للنفس بشده (مكربه) اي موجبه للكرب و الالم (و سوقه) اي سوق الموت له، كانه يجعل بروحه لتخرج من جسده (متعبه) تورث تعبه و نصبه (ثم) بعد ان راي تلك الشدائد و الاهوال في حال الاحتضار (ادرج) اي وضع (في اكفافه) المعده لانتقاله الي الاخره (مبلسا) من ابلس بمعني يئس، فانه حينذاك ييئس و يندم و لا يجد مهربا و لا مفزعا. (و جذب من المغتسل، يجذب جثته المشيعون، في حال كونه (منقادا) لهم سلسا) اي سهلا لعدم قدرته علي الامتناع (ثم القي علي الاعواد) اي الجنازه فقد كان من المتعارف رص الاعواد و حمل الميت عليها (ريجع و صب) اي الراجع الي الاخره، رجوع تعب و اذيه، حيث انه لم يعمل في الدنيا ما يوجب راحته (و نضو) بمعني المهزول (سقم) اي انه هزيل من الاسقام و الالام التي شاهدها عند الاحتضار و بعد الموت (تحمله حفده الولدان) اي احفاده من بناته و ابنائه، و الحفيد ابن الابن، و ابن البنت، و المراد الاعوان، و علي هذا فالولدان صفه الحفده (و حشده الاخوان) الحشده المسارعون في التعاون من الاقرباء و القر
ناء و الاصدقاء، يحملون جنازته (الي دار غربته) و هي القبر، فانه فيها غريب عن الاهل و الاصدقاء (و منقطع زورته) بحيث لا يزار، اي تنقطع زيارته. (حتي اذا انصرف المشيع) الذي شيعه الي قبره، و تبعه (و رجع المتفجع) اي اهله الذين فجعوا به (اقعد في حفرته) فان نكيرا و منكرا يقعدان الميت في القبر، و المراد اقعاد ما يتعلق بجسمه من بقايا الروح الذي كان ممدودا بمد جسمه، لا انه يقعد جسمه. (نجيا) اي ليناجي، و يتكلم خفيا، لا يعرف كلامه الاحياء، و لذا شبه بالنجوي (لبهته السوال) اي حيرته، فان السوال الذي يوجه الي الميت موجب لتحيره كيف يجيب؟ هل بالصدق فيعذب، ام بالكذب فيفضح؟ (و عثره الامتحان)، فان امتحانه هناك- هل عمل صالحا ام لا؟ يوجب عثرته، و رسوبه. (و اعظم ما هنالك) من المصائب و الالام (بليه نزول الحميم) و هو الماء الحار، فان الانسان اذا كان عمل الموبقات و المعاصي في الدنيا، يكون شرابه هنالك من الماء الحار الغلي، فهو في عذاب و نكال من هذه الجهه، او المراد نزوله في محل حار، فان القبر لغير الصالح حفره من حفر النيران- كا ورد في الحديث- (و تصليه الجحيم) من صلاها اذا وردها و وصل اليها (وفورات السعير) السعير النار الملتهبه، و فوزتها
و زبانيتها (وسورات الزفير) الزفير صوت النار عند توقدها، و السوره الصوله و الشده فان النار اذا زفرت كانت كالهاجم الصائل (لا) هناك (فتره مريحه) فان العذاب لا يفترعن اهل النار، حتي يستريحو (و لا دعه) اي راحه (مزيحه) تزيح عنهم العذاب و النصب الذي يلحقهم من الالم و الحرق. (و لا قوه حاجزه) اي تحجزو تمنع العذاب من ان يصل اليهم (و لا موته ناجزه) الناجزه الحاضره اي لا موت حاضر، حتي يموتوا فيستريحوا من العذاب، كما قال سبحانه (و ياتيه الموت من كل مكان و ما هو بميت) و قال (لا يموت فيها و لا يحيي) (و لا سنه) هي اول النوم (هي اول النوم (مسليه) اي تسليهم و تلهيهم، فان النعاس يخفف آلام الانسان، بل هم (بين اطوار الموتات) فان كل لون من الوان العذاب في الشده و الصعوبه كالموت، كما قال سبحانه (و ياتيه الموت من كل مكان) (و عذاب الساعات) فان لكل ساعه عذابا و نكالا (انا بالله عائذون) اي مستجيرون من النار، و من العاقبه السيئه.
[صفحه 339]
ثم توجه الامام عليه‌السلام، الي وعظ اهل الدنيا باسلوب اخر، بقوله: (عباد الله) حذف منه حرف النداء لوضوحه (اين الذين عمروا) اي طالت اعمارهم في الدنيا (فنعموا) اي تنعموا بانوع النعم (و عملوا) علمهم الانبياء خيرهم و شرهم (ففهموا) و ادركوا، فلم يكونوا جاهلين، ولكن مع ذلك انحرفوا و عصوا (و انظروا) اي امهلوا في الدنيا (فلهوا) اي اشتغلوا باللهو و اللعب دون العمل الصالح الموجب لسعادتهم (و سلموا) من الامراض و المخاوف (فنسوا) الاخره، و لم ينتهزوا سلامتهم للعمل الصالح (امهلوا طويلا) فان عمر الانسان طويل بالنسبه الي تمكنه من الاعمال الصالحه (و منحوا) اي اعطوا (جميلا) من المال و الجاه و سائر نعم الدنيا (و حذروا) عذابا (اليما) اي و لما موجعا- اذا عصوا- (و وعدوا) بالجنه و الرضوان قدرا (جسيما) كبيرا، اذا اطاعوا. (احذروا) ايها الناس (الذنوب المورطه) اي المهلكه التي توقع الانسان في الهلكه (و العيوب المسخطه) اي التي توجب السخط و الغضب، و المراد بالعيوب المعاصي، يا (اولي الابصار و الاسماع) فانتم تبصرون و تسمعون الان (و العافيه) البدنيه و ما اشبه (و المتاع) اي امتعه الدنيا و اثاثها (هل من مناص) عن الموت و العقاب- لمن
عصي- (او خلاص) بان كان الانسان اذا وقع في الشده الاخرويه يتمكن الخلاص منها، و الاستفهام للانكار (او معاذ) يستعيد به الانسان (او ملاذ) يلوذ و يلتجي‌ء اليه (او فرار) يتمكن من الفرار من العذاب (او محار) اي مرجع الي الدنيا بعد فراقها، من حار (ام لا) لا نجات و لا خلاص، فاذا كان (لا) (فاني توفكون) اي كيف تصرفون عن الحق الي الباطل و عن الطاعه الي المعصيه، من افك بمعني انصرف. (ام اين تصرفون) في طريقكم عن الحق الي المتاهه (اما بماذا تغترون) فلا احد منجي و لا شي‌ء مفيد (و انما حظ احدكم من الارض ذات الطول و العرض) هذا كنايه عن سعه الارض (قيد قده) اي مقدار طوله، فان الانسان لا ينام الا في القبر الذي بمقدار قامه الانسان، في حال كونه (متعفرا) العفر التراب (علي خده) فان خده يوضع علي التراب ارض القبر، اعلموا (الان) يا (عباد الله و الخناق مهمل) الخناق الحبل الذي يخنق به الانسان و المراد ب (مهمل) عدم شده علي العنق (و الروح مرسل) في بدن الانسان غير مقبوض (في فينه) اي حال (الارشاد) اي قد ارشدتم الي العمل الصالح (و راحه الاجساد) فان اجسادكم ليست في النار و العذاب و الاتعاب. (و باحه) باحه الدار ساحتها (الاحتشاد) اي الاجتماع علي ا
لبر و التعاون علي الخير و المعني انكم في الدنيا تتمكنون من الاجتماع و العمل الصالح بالتعاون، لتمهيد آخرتكم (و مهل البقيه) اي في مهله من بقايا عمركم، و ان كان ذهب بعضه فان في باقيه كفايه (و انف) اي المستانف (المشيه) اي الاراده، و المعني انكم ان اردتم استيناف ارادتكم للعمل الصالح لتمكنتم (و انظار التوبه) بحيث لكم وقت للتوبه عما سلف منكم من الاثام، فقد امهلكم الله و انظركم للتوبه، (و انفساح الحوبه) الحوبه الحاله، اي اتساع حالتكم (قبل الضنك) هو الضيق (و المضيق) مصدر ميمي اي قبل ان يضيق وقتكم فلا وقت يكفي للتوبه و عمل الخير (و) قبل (الروع) اي الخوف الذي يحيطكم في حاله الموت و في القبر (و الزهوق) اي الاضمحلال، و الفناء من الدنيا (و قبل قدوم الغائب المنتظر) اي الموت (و اخذه العزيز المقتدر) الاخذه، بمعني العقاب، بعلاقه السبب و المسبب، و العزيز المقتدر و هو الله سبحانه.

خطبه 083

[صفحه 342]
في ذكر عمرو بن العاص و قد كان يقول لاهل الشام انما اخرنا عليا لان فيه هزلا لا جد معه (عجبا لابن النابغه) عجبا منصوب بفعل مقدر، اي اتعجب تعجبا، و النابغه هي المرئه الزانيه، من نبغ اذا ظهر كان الزانيه تظهر و تشتهر، بينما سائر النساء في خفاء و ستر، و قد كانت ام عمرو بن العاص زانيه مشهوره (يزعم) قائلا (لاهل الشام ان في دعابه) اي المزاج و اللعب، و قد كان الامام عليه‌السلام يمازح احيانا- و كان مزاحه بالحق- كما كان الرسول صلي الله عليه و آله و سلم يمازح، و يستجب المزاح للمومن، فانه ينشط النفس، و يذهب بالكسل، و من الغريب ان التاريخ حفظ للرسول مزاحات، و لم يحفظ للامام عليه‌السلام ذلك (و اني امرء تلعابه) اي كثير اللعب (اعافس) اي اعالج الناس بالمزاح من عفس اذا مازح (و امارس) الممارسه المعالجه بالقرص و المصارعه و نحوهما (لقد قال باطلا) فاني بعيد عما ذكر (و نطق اثما) اي في حال كونه عاصيا لله سبحانه في نسبه الكذب الي (اما) فلينتبه السامع (- و شر القول الكذب-) هذه جمله معترضه تمهديه للجمله التاليه، مدخوله (اما) (انه) اي ابن العاص (ليقول) الكلام (فيكذب) في القول، و الفاء للترتيب ذكرا و الا فقوله هو كذبه الذي ي
قوله. (و يعد) بالشي‌ء (فيخلف) و لا يفي بوعده (و يسئل) من طرفه الشي‌ء (فيلحف) اي يلح في السوال، و هذا من الخصال المذمومه، و لذا وصف الله سبحانه المتقين بضده قوله (لا يسئلون الناس الحافا) (و يسئل) اي يسئله الناس العطيه و العون (فيبخل) اي لا يعطي السائل شيئا (و يخون العهد) الذي يعهده في الحرب و نحوه (و يقطع الال) هي بمعني القرابه، اي يقطع الرحم (فاذا كان عند الحرب فاي زاجر و آمر هو) اي انه محرض للحرب و امر و ناهي (مالم تاخذ السيوف ماخذها) اي مالم تتحرك السيوف للقتال، و ما لم تشتبك الجيوش (فاذا كان ذلك) بان اخذت السيوف ماخذها و اشتبك القتال (كان) اجبن الناس، و هكذا شان الجبناء فانهم اهل الكلام و ليسوا اهل عمل. و لذا كان ابن العاص اذا اشتبك الحرب (اكبر مكيدته ان يمنح القرم) اي يظهر للشجاع الذي جاء لمنازلته و مقاتله (سبته) اي استه فقد بارز ابن العاص يوم صفين، فقابله الامام عليه‌السلام و لما راي ابن العاص انه لا مفر من ضربه الامام القي بنفسه علي الارض و اخرج عورته امام الامام لما كان يعلم من اعراض الامام عن النظر فنجي لذلك، و اشتهر بعتيق استه، و قد كان مثل ذلك في اصحاب معاويه فكانوا يبدون عوراتهم اذا راوان لا مفر ل
هم حتي قال الشاعر: افي كل يوم فارس تندبونه له عوره وسط العجاجه باديه (اما و الله اني ليمنعني من اللعب) المنسوب الي كذبا (ذكر الموت) فان الانسان الذاكر للموت مشتغل بامر الاخره. (و انه) اي ابن العاص (ليمنعه من قول الحق نسيان الاخره) و المراد تركه لها و عدم اعتقاده بها، و لذا يكذب (انه) اي ابن العاص (لم يبايع معاويه) و لم يكن من انصاره في باطله الا لاجل الدنيا (حتي شرط ان يوتيه) اي يعطيه معاويه (اتيه) علي وزن عطيه لفظا و معني (و يرضخ له) الرضخ العصيه التي تعين لمن فعل شيئا (علي ترك الدين) و نقض خلافه الامام، و محاربته (رضيخه) و المراد بذلك ولايه مصر، فقد شرط ابن العاص علي معاويه ان نصره فغلب علي الامام و استولي علي مصر، ان يمنحه حكومه مصر، فقبل معاويه الشرط و لما استولي علي مصر و في له اولا- حيث كان ضعيفا لم يجد بدا من اظهار الوفاء- ثم لما توفي معاويه خان، كما هو مذكور في التواريخ (و ما خائن الا سيبلي بخائن).

خطبه 084

[صفحه 345]
(اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له) قد بتراول الخطبه، حيث ان الشريف- كما ذكر- لا يريد الا ذكر المختار من الخطب، لاكلها (الاول لا شي قبله) فانه سبحانه قبل جميع الاشياء، و الاوليه ليست زمانيه، اذ لا زمان له تعالي كما تقرر في محله (و الاخر لا غايه له) كما هو مقتضي وجوب الوجود، اذ لا يتطرق العدم في واجب الوجود اطلاقا، و الا كان خلفا (لا تقع الاوهام) المراد بالاوهام الافكار، لا الوهم مقابل الظن (له) تعالي (علي صفه) اذكنهه سبحانه مجهول فانا نعلم ان الله سبحانه عالم- مثلا- اما كيفيه علمه فلا ندركها، كما انا نعلم- في اضعف من ذلك- ان فلانا عاقل، اما ما هو العقل فلا نعلمه، و هكذا (و لا تقعد القلوب منه علي كيفيه) القعود كنايه عن استقرار الحكم فكما ان الشخص القاعد مستقر، كذلك العالم بالشي‌ء مستقر النفس، و الفرق بين الجملتين ان الاولي بالنسبه الي الاوصاف و الثانيه بالنسبه الي الذات، فان ذاته تعالي مجهوله لا يدركها العقل. (و لا تناله التجزئه) فليس له تعالي اجزاء حسيه، كاجزاء الانسان من يد و رجل و ما اشبه، و لا اجزاء عقليه كالجنس و الفصل (و التبعيض) بان يكون له ابعاض، و هذا اما عطف بيان، و اما يراد به ا
لجزء من الشي‌ء الواحد، كالجزء من الدم مثلا، في مقابل التجزئه التي هي جزء من الشي‌ء كاليد من الانسان (و لا تحيط به الابصار و القلوب) فلا يراه احد و لا يعرفه احد لان الرويه محاله في حقه، و العرفان غير ممكن اذ الانسان محدود فلا يحيط بغير المحدود و الالزم الخلف.
[صفحه 346]
(و منها): اي بعض الخطبه (فاتعظوا) يا (عباد الله بالعبر النوافع) عبر، جمع عبره، و هي التي يشاهدها الانسان، مما تشع الاعتبار و التذكير، و نوافع جمع نافعه، يعني التي تنفعكم في دنياكم و اخراكم (و اعتبروا بالاي) جمع ايه، و المراد بها آيات القرآن الحكيم، او كل دليل (السواطع) جمع ساطعه، و هي الظاهره اللامعه (و ازدجروا) اي امتنعوا عن المحرمات (بالنذر) جمع نذير (البوالغ) جمع بالغه، يعني النواهي و الانذرات التي بلغتكم (و انتفعوا بالذكر) اي بما يذكركم (و المواعظ) التي ترشدكم الي طريق الصلاح. (فكان قد علقتكم) اي تعلقت بكم (مخالب) جمع مخلب و هو اظافر الطيور المفترسه (المنيه) بمعني الموت، و هذا من باب التشبيه (و انقطعت منكم علائق الامنيه) فالانسان اذا علم بقرب موته انقطعت علائقه الدنيا، و امانيه فيها (و دهمتكم) اي حلت بكم حلولا مفاجئا (مفظعات الامور) اي شدائدها يقال امر فظيع اذا كان شديدا مولما (و) دهمتكم (السياقه الي الورد المورود) اي سوقكم الي الموت، فقد شبه الموت بالماء الذي يرده الانسان ليشربه، فان الورد هو الماء الذي يورد للشرب، و المورود صفه له (و كل نفس معها سائق) يسوقها (و شهيد) يشهد بما عملت. (سائق ي
سوقها الي محشرها) اي محل جمع الناس للمحاسبه، فانه اسم مكان من حشر بمعني جمع (و شاهد يشهد عليها بعملها) في الدنيا من خيرا و شر.
[صفحه 347]
(و منها) اي من تلك الخطبه (في صفه الجنه) المعده للمتقين (درجات متافضلات) فان بعض منازلها اعلي من بعض (و منازل متفاوتات) في الكرامه، فبعضها اكرم من بعض (لا ينقطع نعيمها) فان النعيم ابدي، لا زوال له و لا اضمحلال (و لا يظعن) اي لا يرتحل (مقيمها) فان الانسان فيها باق ابد الابدين (و لا يهرم خالدها) فان اهل الجنه في حاله اشباب الي الابد (و لا يياس) اي يحتاج- من البوس- (ساكنها) اذ لا يحتاج الانسان هناك الي شي‌ء الا و هو حاضر عنده.

خطبه 085

[صفحه 5]
(قد علم) الله سبحانه (السرائر) جمع سريره، و هي القلب والضمير، فان جميع النوايا التي ينويها الانسان يعلمها سبحانه و تعالي (و خبر) اي اطلع و علم (الضمائر) جمع ضمير، و هذا عطف بيان للجمله السابقه، تاكيدا (له الاحاطه بكل شي‌ء) و معني احاطته استيلاه بالعلم و القدره (و الغلبه لكل شي‌ء) فهو غالب علي جميع الاشياء (و القوه علي كل شي‌ء) فهو القوي الغالب المحيط، و لا يخفي اختلاف مفهومات الصفات المذكوره. (فليعمل العامل منكم) ايها الناس (في ايام مهله) و هي ايام كونه في الدنيا، فان له مهله فيها للعمل الصالح (قبل ارهاق اجله) اي ان يرهقه و يستاصله (و في فراغه قبل اوان شغله) المراد بالفراغ اما الفراغ في الدنيا، قبل الاخره، او وقت فراغه، فان الانسان قد يكون فارغا، و قد يكون مشغولا. (و في متنفسه) اي وقت امكان التنفس، و هو ما دام حيا (قبل ان يوخذ بكظمه) الكظم هو الحلق (و ليمهد) اي يهيي مكانه في الاخره (لفنسه و قدومه) و ذكر القدوم لانه من اهول الاجوال (و ليتزود) بالعمل الصالح (من دار ظعنه) اي الدنيا التي يظعن و ينتقل منها (لدار اقامته) اي الاخره التي يبقي فيها ابد الابدين
[صفحه 6]
(ف) احذروا (الله الله) كرر للتاكيد، يا (ايها الناس فيما استحفظكم من كتابه) اي جعلكم حفيظا عليه، فاحفظوه و حفظه عباره عن‌العمل به. (و استودعكم من حقوقه) اي جعلكم محلا لوديعته التي هي حقوقه عليكم، و المراد بها الاحكام الشرعيه، فانها حق الله علي الناس، و هي ودائعه تعالي عندهم (فان الله سبحانه لم يخلقكم عبثا) اي بلا غايه و لا مقصد حتي لم يكن عليكم تكليف (و لم يترككم سدي) اي فلا تكليف، و سدي بمعني الاهمال (و لم يدعكم في جهاله) لا تعرفون الاصول و الفروع بل علمكم بسبب الانبياء (و لا عمي) فان الانسان الجاهل كالاعمي الذي لا يبصر. (قد سمي آثاركم) اي كتب قبل ان تعملوها، و هذا كنايه عن علمه سبحانه بما يعملون او المراد انه تعالي بين اعمالهم و حددها لكن الاول اقرب (و علم اعمالكم) اي جعل العلامه علي اعمالم، او علمكم اياها حتي لا تجهلوها (و كتب آجالكم) اي مده بقائكم في الدنيا (و انزل عليكم الكتاب) المراد به اما جنس الكتب المنزله علي الانبياء او خصوص القرآن الحكيم (تبيانا) اي بيان- قالوا و التبيان اكثر افاده من البيان- (لكل شي‌ء) و المراد بذلك انه تعالي بين في القرآن الخطوط العامه للحياه السعيده، لا انه ذكر كل جزئ
ي جزئي من الامور (و عمر فيكم نبيه) محمد صلي الله عليه و آله و سلم (ازمانا) اي اعطي العمر لنبيه ليكون بينكم مده مديده (حتي اكمل) سبحانه (له) صلي الله عليه و آله (و لكم- فيما انزل من كتابه- دينه) اي اكمل دينه، بسبب القران و الاحكام المنزله فيه. (الذي رضي لنفسه) بمعني انه سبحانه ارتضاه دينا لنفسه، اي طريقه يصل الخلق منها الي مرضاته (و انهي اليكم) اي اوصل اليكم (علي لسانه) اي لسان الرسول صلي الله عليه و آله و سلم (محابه من الاعمال) اي الاعمال التي يحبها سبحانه و محاب جمع محب مصدر ميمي، او اسم مكان اي مكان حبه (و مكارهه) اي الاعمال التي يكرهها (و نواهيه و اوامره) و لعل الفرق ان المحاب اعم من الاوامر لانها تشمل حتي المتسحبات بخلاف الاوامر، و كذا النسبه بين المكاره و النواهي. (و القي اليكم المعذره) اي ما يوجب عذركم ان اطعتموه و عذره- في عقابكم- ان عصيتموه، لانه بين لكم فخالفتم (و اتخذ عليكم الحجه) و هي ما يحتج به المولي علي العبد- ان خالف- و العبد علي المولي- ان اطاع - (و قدم اليكم بالوعيد) اي بين لكم العقاب الذي ياتيكم ان خالفتم. (و انذركم بين يدي عذاب شديد) اي قبل عذاب شديد، الذي هو عذاب الاخره، فان معني (بين يدي
) قبل الشي‌ء و قدامه (فاستدركوا) اي ادركوا فلا يفوتكم (بقيه ايامكم) بالعمل الصالح و التوبه (و اصبروا لها) اي اجعلوا لانفسكم الصبر في الاعمال التي تعملونها في بقيه الايام (انفسكم) مفعول اصبروا، و معني تصبير النفس امرها بالصبر (فانها) اي بقيه الايام (قليل في كثير الايام التي تكون منكم فيها الغفله) (في) بمعني النسبه، يعني ان ما بقي من الايام قليل بالنسبه الي الايام الماضيه التي غفلت عن الله فيها، و انما كانت قليله بالنسبه الي مجموع الناس بالنسبه الي المجموع، و انكانت الايام الباقيه بالنسبه الي الشاب اكثر من الايام الماضيه، او الكلام (خطابي) لتهوين امر الصبر لديهم كما جرت عاده البلغاء في تهوين المشاق للناس حتي يركبوها. (و التشاغل عن الموعظه) اي عدم الاعتناء بها، و هذا عطف علي قوله (الغفله) (و لا ترخصوا لانفسكم) اي لا تبيحوا لها عمل المحرمات، فان الانسان يوحي الي نفسه بالخير و الشر و النفس تعمل حسب تلك الايحاات (فتذهب بكم الرخص) التي ارخصتموها لانفسكم (فيها) اي في الانفس (مذاهب الظلمه) جمع ظالم، اي تسير النفس كما يسير الظالمون في ارتكاب المحرمات، و ترك الواجبات (و لا تداهنوا) المداهنه اظهار خلاف ما في الضمير مجام
له للعاصي (فيهجم بكم الادهان علي المصيبه) فان الانسان لو داهن يكون مصيره الي النار التي هي اعظم المصائب، و ذلك لان المداهنه خلاف الامر بالمعروف و النهي عن المنكر، و قد قال الامام المرتضي صلوات الله عليه: امرنا رسول الله ان نلاقي اهل المعاصي بوجوه مكفهره، او المراد مداهنه الانسان مع نفسه.
[صفحه 9]
يا (عباد الله ان انصح الناس لنفسه اطوعهم لربه) اي اكثرهم اطاعه، و انما كان انصح لانه يهيي‌ء لنفسه احسن المقامات في الاخره (و ان اغشهم لنفسه) اي كثرهم غشالها (اعصاهم لربه) لانه يهيي‌ء لها مستقبلا سيئا (و المغبون من غبن نفسه) فان من يغبن نفسه باعمال توجب لها هوانا و عقابا، فانه احق باسم المغبون من المغبون في معاملته، فان خسارات المعامله وقتيه و خساره النفس ابديه (و المغبوط) الذي يغبطه الناس و يتحسرون علي مقامه الرفيع (من سلم له دينه) بان لم يفسد بالمعاصي و الاثام، (و السعيد) الذي نال السعاده (من وعظ بغيره) بان راي غيره تضرر من المعاصي فلم يعمل بها، فانه ادرك السعاده بدون ضرر. (و الشقي من انخدع لهواه) فان الهوي والميول النفسيه الي الشهوات تخدع الانسان و من استسلم لهواه فقد شقي و استحق العقاب (و غروره) اي النفس التي تغره و تزين له العصيان. (و اعلموا ان يسير الرياء شرك) الرياء هو ان يعمل الانسان الاعمال الصالحه ليراه الناس فيمدحوه، و هذا شرك لان المرائي عمل لغير الله سبحانه، و اتخذ مع الله ربا آخر، زعمه ضارا نافعا. (و مجالسه اهل الهوي) الذين ينساقون وراء هواهم و شهواتهم (منساه للايمان) اي توجب نسيان ال
ايمان، فان الايمان يضعف اذا كثر علي النفس ما يخالف الايمان مما يقوله و يعمله اهل الهوي- فان الطبع سارق- (و محضره للشيطان) فان الشيطان يحضر عند اهل الهوي و المعصيه (جانبوا الكذب) اي تجنبوا عنه (فانه) اي الكذب (مجانب للايمان) اذ الايمان يامر بالصدق و ينهي عن الكذب. (الصادق علي شرف منجاه) اي ان صدقه يوجب نجاته (و كرامه) اي تكريم الله و الناس له، فان الصدق فضيله يمدحها الناس. (و الكاذب علي شفا) (شفا) جرف الوادي، مما اشرف علي السقوط (مهواه) اي هوي في المشكله و السقوط (و مهانه) عند الله سبحانه و عند الناس فانهم مهما عرفوا ان فلانا كذب سقط من اعينهم، فهو قريب الوقوع و المهانه عند الناس (و لا تحاسدوا) و هو ان يتمني الانسان لزوال نعمه المتنعمين و لذا يعمل لزوالها بالتنقيص لهم و الحط من شانهم (فان الحسد ياكل الايمان كما تاكل النار الحطب) اذ الحسد موجب لحبط الاعمال، هذا بالاضافه الي ان المجتمع المتحاسد لايزال ياخذ في السقوط و الهوي حتي يصل الهاويه اذ افراده عوض ان يشتغلوا بالرفعه والترفيع مشغولون بالتخفيض. (و لا تباغضوا) بان يبغض بعضكم بعضا (فانها) اي المباغضه (الحالقه) التي تحلق و تزيل كل خير و سعاده (و اعلموا ان الام
ل يسهي العقل) اي يوجب سهوه و ذهوله، اذ الذي يامل الاشياء البعيده لا يعمل حسب اوامر العقل من العمل الصالح و اخذ الحيطه والحذر، لانه يرجو بقائه الطويل، (و يسني الذكر) اي يوجب ان لا يذكر الانسان ربه، اذ يترقب ان يتوب في كبره و آخر عمره، كما هو المشاهد في الناس طوال الامل (فاكذبوا الامل) اي اذا قال لكم انتم تبقون في الدنيا مده مديده، اعملوا عمل من لا يبقي الا مده قليله، كما قال الامام الحسن عليه‌السلام اعمل لاخرتك كانك تموت غدا (فانه غرور و صاحبه) اي صاحب الامل (مغرور) قد خدع، و اري ما ليس بحقيقه.

خطبه 086

[صفحه 12]
في بيان صفات المتقين و صفات الفساق يا (عباد الله من احب عباد الله اليه) فالذين هم في الدرجه الاولي من الحب جماعه منهم من ياتي وصفه، و لذا جي‌ء ب (.من) التي هي للتبعيض (عبدا اعانه الله علي نفسه) بان كان مسلطا علي النفس، يقودها حيث مراضي الله لا ان النفس تقوده الي الشهوات، و ليس معني اعانه الله جبره سبحانه، بل توفيقه الخاص الذي يتوقف علي المجاهده قبلا كما قال سبحانه (و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا). (فاستشعر الحزن) اي جعل الحزن شعارا لنفسه. و الشعار هو اللباس اللاصق بالبدن سمي بذلك لاتصاله بالشعر، يعني انه دائما حزين، لما يعلم من صعوبه المستقبل و الموقف في الاخره. (و تجلبب الخوف) اي جعل الخوف من الاهوال المستقبله في الاخره جلبابا له و الجلباب هو الثوب الساتر الذي يكون فوق جميع الثياب و الحزن قلبي بخلاف الخوف الذي يظهر اثره علي الاعضاء والجوارح و ان كان مصدره القلب ايضا. (فزهر) اي اضاء (مصباح الهدي في قلبه) فان الانسان الخائف من الاخره يوجد في قلبه حاله تبعثه علي الخير و الواجب و تمنعه عن الشر و المحرم. (و اعد القري) هو ما يهيي‌ء للضيف، و المراد به العمل الصالح (ليومه النازل به) و هو يوم الموت
او يوم الاخره، يعني انه يستعد للقاء الله تعالي (فقرب علي نفسه البعيد) الذي هو الموت، فهو يراه قريبا يستعد له، بينما يراه سائر الناس بعيدا لا يعمل لاجله (و هون الشديد) اي الاعمال الشديده الموجبه لنجاته فانه يراها هينه لما يعلم من حسن عاقبتها (نظر) الي الامور بدقه و اعتبار (فابصر) لا يعمي عن المصلحه و المفسده حيث ان الناس يخلطون بين الحق و الباطل- فكانهم غير مبصرين-. (و ذكر) الله سبحانه (فاستكثر) من الذكر، اي ذكر ذكرا كثيرا، او استكثر من العمل الصالح. (و ارتوي) اي شرب حتي امتلا من الماء (من عذب فرات) و المراد به العلوم الصالحه لانه شبيه بالماء العذب السائل الذي يتلذذ الانسان بشربه و تكون له عقبي محموده (سهلت له موارده) جمع مورد و هو محل الورود في الماء. فان الانسان الذي يبتغي الحق يسهل عليه التمسك بالاحكام و تعلم شرائع الاسلام بينما يصعب ذلك علي غيره (فشرب نهلا) النهل هو الشرب الاول يعني انه ارتوي بشربه الاول، فلم يحتج الي تكرر الشرب (و سلك سبيلا جددا) هي الارض الصلبه المستويه التي يسهل السلوك فيها فان جاده الشرع واضحه قويمه (قد خلع) اي طرح من راسه (سرابيل الشهوات) جمع سربال و هو الثوب. (و تخلي من الهموم) التي
اشتغل بها اهل الدنيا، فان الانسان الذي صرف نظره الي الاخره، لا يهتم للامور الدنيويه كثيرا حتي يهتم لها (الا هما واحدا انفرد) لهذا الانسان (به) و هو هم الاخره، و انما كان منفردا لان اهل الدنيا لا يشاركونه في هذا الهم (فخرج من صفه العمي) فان الانسان الذي لا يميز بين الحق و الباطل و الحرام و الحلال هو و الاعمي سواء في عدم رويه الاشياء لكن عمي الاعمي ظاهري و هذا اعمي معني (و مشاركه اهل الهوي) لا يشاركهم في ارتكاب المحضورات لمجرد هوي نفسه (و صار من مفاتيح ابواب الهدي) فان الناس اذا ارادوا الهدايه سالوا من هذاالانسان فكان الهداي بيت له باب اذا اريد دخوله لزم فتحه بالمفتاح الذي هو هذا الانسان المتقي (و مغاليق) جمع مغلاق و هو ضد مفتاح (ابواب الردي) اي الهلاكه، لانه يسد علي‌الناس الفساد و الشر، فهو كالمغلاق. (قد ابصر طريقه) المودي به الي الجنه (و سلك سبيله) لانه يسلك نفس ذلك السبيل بخلاف من يعلم و يفعل خلاف ما يعلم فانه ابصر الطريق لكنه تنكب السبيل. (و عرف مناره) هوالمحل الذي ينصب في الطريق و يجعل عليه النور ليلا ليهتدي الماره (و قطع غماره) جمع غمر - بالفتح- و هو معظم البحر يعني انه عبر بحار المهالك الي سواحل النجات.
(و استمسك من العري باوثقها) عري جمع عروه، فقد شبه الاسلام بكوزذي عري اذا تمسك الانسان باحداها من الشرب منه، و اوثق تلك العري عروه التقوي. (و من الحبال بامتنها) فكان السعاده في محل مرتفع و ادلي منه حبال ليصعد الناس بها الي ذلك المحل، و اقوي الحبال هو حبل التقوي، و هذان اقتباس من قوله تعالي: (فقد استمسك بالعروه الوثقي) و قوله سبحانه: (و اعتصموا بحبل الله جميعا) (فهو من اليقين علي مثل ضوء الشمس) فكان ان ضوء الشمس واضح لا لبس فيه كذلك يقين هذا الانسان بالاخره و ما وراء الطبيعه (قد نصب نفسه لله سبحانه في ارفع الامور) فان الانسان اذا التزم جاده الشرع و جد و اجتهد عرف الاحكام و فهم طرق الاسلام فهو لقربه منه سبحانه و احتواه لاحكامه كالمقرب عند الملك الذي له مكانه رفيعه عند الملك (من اصدار كل وارد عليه) يعني انه اذا ورد عليه مساله من مسائل الدين يتمكن من الجواب عنها جوابا صحيحا فيصدر السوال بعد ان ورد عليه (و تصيير كل فرع الي اصله) لانه يعرف اصول الاسلام و فروعه فاذا سال عنه من فرع تمكن من ارجاعه الي اصله، لا الي غير اصله، فيعرف مثلا ان هذا الفرع من (اصل: كل شي‌ء حلال) او (اصل: قف عند الشبهه). فهو (مصباح ظلمات) اذ ظل
مات الجهل تنكشف بسببه (كشاف عشاوات) جمع غشاوه و هو سوء البصر، اي انه يكشف عن اصحاب العشاوات الظلمات التي في ابصارهم، و هذا كنايه عن توضيحه الامور الملتبسه التي التسبت علي الذين ليس لهم حظ وافر من الدين (مفتاح مبهمات) التي ابهمت و اشكلت فانه يفسرها و يبينها و يظهرها (دفاع معضلات) جمع معضله و هي المشكله التي يصعب حلها، فانه يحلها و يدفع اعضالها و يسهل فهمها (دليل فلوات) جمع فلات و هي الصحراء الواسعه، فكان ان الدليل يرشد الضال عن الطريق في الصحراء، فكذا الانسان المتقي يرشد الناس الي طريق الحق في متاهات الحياه (يقول) الجواب، او الحكم (فيفهم) المخاطب، لوضوح بيانه (و يسكت) فيمان كان الجواب موجبا لمضره، او التكلم موجبا لشر (فيسلم) من عواقب الكلام. (قد اخلص لله) في اعماله، فلا يعمل الا له سبحانه (فاستخلصه) اي جعله سبحانه خالصا لنفسه بان اولاه عنايته و لطفه و جعله من خاصته (فهو من معادن دينه) فكان ان معدن الذهب محله كذلك هذا الانسان محل الدين، اذ هوالعالم به. (و اوتاد ارضه) فان الارض انما تكون موضع رحمه الله بواسطه الاختيار. و لو لا هم لصرف الله سبحانه لطفه عن اهل الارض، فهم كالوتد الحافظ لالواح الخشبه بعضها مع بعض (
قد الزم نفسه العدل) اي بان يعدل في جميع الامور (فكان اول عدله نفي الهوي عن نفسه) اي لا ينساق وراء الاهواء. اذ الانسياق وراء الهوي ظلم و تعد بالنسبه الي النفس، لاخراجها بذلك عن سعادتها الي شقائها (يصف الحق) اي يبين ما هو الحق من الاشياء (و يعمل به) هو لا انه يامر الناس بالبر و ينسي نفسه. (لا يدع للخير غايه الا امها) اي قصدها اي انه يقصد نهايه كل خير، مثلا نهايه الخير في باب الصلوات، اي ياتي بالنوافل، و في الزكاه ان يزكي من ارباح التجاره و هكذا، فهو لا يقتنع باول الخير دون غايته (و لا مظنه الا قصدها) فكلما ظن وجود الخير تبعه حتي ينال من الخير، مثلا يظن ان هذا الشخص فقير و في اعانته مثوبه، فيعطيه و هكذا. (قد امكن الكتاب من زمامه) اي اعطي زمامه للكتاب حتي يذهب به الي حيث الاحكام الشرعيه، و هذا كنايه عن اتباعه للكتاب الحكيم (فهو) اي القرآن (قائده) الذي يقوده (و امامه) الذي ياتم هذا الشخص به (يحل) هذا الانسان (حيث حل ثقله) ثقل المسافر متاعه، و ثقل القرآن اوامره و زواجره، يعني ان هذا الشخص يتبع القرآن في كل حكم (و ينزل) هذا الشخص (حيث كان منزله) اي منزل القرآن، و فيه استعاره لطيفه.
[صفحه 18]
و لما اتم عليه‌السلام صفات المتقين شرع في صفات الفساق بقوله: (و اخر قد تسمي عالما) اي سمي نفسه عالما (و ليس به) اي ليس بعالم (فاقتبس) اي اخذ (جهائل) جمع جهاله، و المراد ما ظنه علما و هو في الحقيقه جهل (من جهال) لانهم لو كانوا علما لم يعطوا الجهل باسم العلم (و اضاليل) اي ضلالات، و هي ما ظن انها هدايات و ليست كذلك (من ضلال) من اناس ضالين، و لو لا انهم ضالون لم يعطوا الضلالات (و نصب للناس شركا) هو الحباله التي يصاد بها الطير و السمك و نحوهما (من حبائل غرور) فكان للخدعه حبالات تنظم حتي تكون شركا (و قول زور) اي الكذب، فقد نظم اموره المكذوبه والمزوره لصيد الناس و جعلهم من حفدته و مراجعيه. (قد حمل الكتاب) الي القرآن الحكيم (علي آرائه) فمثلا يحمل قوله تعالي (الي ربها ناظره) علي ان الله سبحانه قابل للرويه بالبصر، و هكذا (و عطف الحق) اي آماله (علي اهوائه) فكلما اشتهاه قال انه الحق و اخذ يستدل لذلك (يومن) الناس (من) الذنوب (العظائم) فيقول ان هذه الذنوب لا خوف منها (و يهون كبير الجرائم) اي المعاصي الكبيره، فيجعلها هينا لا اهميه لها، و لا اثم عظيم في فعلها (يقول) بلسانه لخداع الناس (اقف عند الشبهات) ليزكي نفس
ه و يري للناس شده ورعه حتي انه يقف عند الامور المشتبهه و لا يعمل بها احتياط (و) الحال انه (فيها) اي في تلك الشبهات (وقع) اذ ليس له احتياط و ارعواء و تقوي (و يقول) لتزكيه نفسه (و اعتزل البدع) التي تجددت مما ليست من الدين و نسب اليه (و بينها اضطجع) اي نام، كنايه عن انغماره فيها. (فالصوره صوره انسان) في الخلقه (و القلب قلب حيوان) لا يدرك و لا يفهم (لا يعرف باب الهدي فيتبعه) لانه انحرف عن الهدايه، و عدم المعرفه لما اوقع نفسه في الشهوات (و لا) يعرف (باب العمي) والضلاله (فيصد عنه) و يمتنع عن الدخول فيه (و ذلك) الانسان (ميت الاحياء) لانه حي بدنا ميت روحا، فكما لا ياتي من الميت الخير كذلك لا ياتي من هذا الانسان، ثم اشار عليه‌السلام الي انفتاح باب الحق حتي ان الذي لا يلجه فانما بسبب نفسه (فاين تذهبون) ايها الناس في ترككم الحق و اتباعكم الباطلل (و اني توفكون) افك بمعني انصرف، اي الي اين تنصرفون، عن الحق. (و الاعلام قائمه) اعلام جمع علم و هو الذي ينصب في الطريق بفاصله ليعلم منه الجاده و المراد اعلام الحق التي يستدل بها عليه (و الايات) الداله علي رضي الله سبحانه و امره و نهيه (واضحه) لا لبس فيها (و المنار) و هو المحل ال
ذي يوضع عليه المصباح ليلا للاهتداء نحو الطريق، و المراد به هنا الجنس و لذا قال عليه‌السلام: (منصوبه) موجوده (فاين يتاه بكم) من التيه بمعني الضلاله، اي الي اين يذهب الشيطان بكم منحرفا عن الجاده (بل كيف تعمهون) من العمه و هو اشد العمي (و) الحال انه (بينكم عتره نبيكم) اي اهله و ذريته الذين هم خلفائه و القائمون مقامه. (و هم ازمه الحق) جمع زمام، و هو الشي‌ء الذي يقاد به الحيوان فكانهم ازمه للحق لقود الناس الي السعاده (و اعلام الدين و السنه الصدق) اي ان كلامهم عين الصواب، و فيه استعاره لطيفه. (فانزلوهم باحسن منازل القرآن) احسن منازل القرآن هو القلب، و المراد حب اهل البيت و تقديرهم، كما يقدر القرآن و يحترم، او المراد باحسن ما انزلهم القرآن حيث قال (الا الموده في القربي) و المراد من (الاحسن) حينئذ، كما يراد من قوله: (ياخذوا باحسنها) (و ردوهم) من ورد الماء اذا نزل المشرعه لشربه اي اغترفوا من بحار علومهم (ورود) اي مثل ورود (اليهم العطاش) الهيم جمع هائم و هو الابل الشديد العطش و عطاش جمع عطشان. (ايها الناس خذوها) الضمير للقصد و الشان، اي خذوا هذه الجمله التي تاتي، و هذا لتاكيد التمسك بالعتره لان الرسول صلي الله عليه و
آله و سلم نص عليهم (عن خاتم النبيين صلي الله عليه و آله و سلم) فانه قال: (انه يموت من مات منا) اهل البيت (و ليس بميت) لبقاء آثاره، و اشعاع روحه الطاهره من عالم الاخره الي عالم الدنيا. (و يبلي من بلي منا) اي يفقد شخصه و يدفن تحت التراب (و ليس ببال) لبقاء ذكره الجميل، قال الشاعر: (و الذكر للانسان عمرثان) (فلا تقولوا بما لا تعرفون) فان وجود الائمه عليهم‌السلام موجب لمضاعفه عذاب من يقول في الاحكام بما لا يعلم (فان اكثر الحق فيما تنكرون) و من كان لا يعرف اكثر الحق كيف يحق له ان يتكلم من عند نفسه، و الاعلام قائمه و المراد ب(تنكرون) اما (تجهلون) بقرينه (لا تعرفون) كما هو الظاهر، و هذا واضح لان غالب الناس يجهلون اكثر الاحكام، و اما بمعني (تخالفون) من الانكار، و هذا لان الحقائق الكونيه شرعيه و غيرها خافيه علي غالب الناس، و يظنون خلافها. (و اعذروا) اي لا تلوموا (من لا حجه لكم عليه) اي لا دليل لكم علي انه اخطا (و انا هو) المراد بقول (اعذروه) (الم اعمل فيكم بالثقل الاكبر) الثقل هو المتاع النفيس، و هذا اشاره الي قوله صلي الله عليه و آله و سلم: (اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي اهل بيتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا م
ن بعدي) و انما كان القرآن الثقل الاكبر، لانه عباره من مجموع الاحكام الالهيه التي منها مساله الامامه. (و اترك فيكم الثقل الاصغر) فان الامام قد خلف الحسنين عليهماالسلام، و هما من الثقل الاصغر، قدوه للناس و اماما لهم، بالايصاء بهما و الزام التمسك لهما. (و ركزت) اي اثبت (فيكم رايه الايمان) ببيان اصول الاسلام و شرح عقائده. (و وقفتكم علي حدود الحلال و الحرم) ببيان الفروع و شرح الاحكام (و البستكم العافيه من عدلي) فانتم في عافيه من الظلم. (و فرشتكم) اي بسطت لكم (المعروف من قولي و فعلي) فانهما كانا من المعروف الذي يستريح الانسان تحت لوائه، و فيه تشبيه بالارض المفروشه التي يتهنا الانسان بالتقلب عليها. (و اريتكم كرائم الاخلاق) من عدل و فضيله و سخاء شجاعه و وفاء و غيرها، و الارائه كانت بالقول و بتجليه عليه الصلاه و السلام بها و المراد هنا الثاني قرينه قوله (من نفسي) و ان كان يحتمل الاعم، فان القول ايضا من النفس (فلا تستعملوا الراي) و القياس في الاحكام الشرعيه- بدون اتباع الكتاب و العتره- (فيما لا يدرك قعره البصر) فان الاحكام لا ينال البصر مغزاها (و لا تتغلغل) اي لا تدخل (اليه الفكر) اذا العين و الفكر قاصران عن اكتناه ال
حياه حتي يتمكنا من معرفه احكام الله المقرره لكل جزئي جزئي من جزئيات الحياه الوسيعه.
[صفحه 23]
(منها): ثم ذكر الامام عليه‌السلام ما يكون بعده من الاحداث، و قد حذف الشريف (ره) وسط الخطبه (حتي يظن الظان) اي الذي يظن خطاء (ان الدنيا معقوله) من العقال و هو شد ركبه البعير- كنايه عن استقرارها- (علي بني‌اميه) لا تتجاوز عنهم (تمنحهم) اي تعطيهم الدنيا (درها) اي لبنها (و توردهم) من ورود الماء، اي ان الدنيا اذا ارادت سقي بني‌اميه توردهم (صفوها) اي المحل الصافي من الماء (و) يظن الظان انه (لا يرفع عن هذه الامه سوطها و سيفها) كنايه عن حكومتهم، فهم دائموا الحكومه و السلطه علي الناس. (و كذب الظان لذلك) اي دوام ملك بني ميه (بل هي) المنحه التي تمنحهم الدنيا (مجه) هي نقطه العسل، او من مج الشراب اذا قذفه من فيه (من لذيذ العيش) و قد شبه بالمجه تحقيرا لها و تشبيها لقصر مدتها (يتطعمونها برهه) اي زمانا قصيرا (ثم يلفظونها) اي يتركونها (جمله) فلا يبقي في ايديهم شي‌ء منها.

خطبه 087

[صفحه 24]
و قد ذكر الامام عليه‌السلام فيها ما يسبب هلاك الناس (اما بعد) و الاصل مهما يكن من شي‌ء بعدالحمد و الصلاه (فان الله لم يقصم جباري دهر قط) قصمه بمعني كسره ظهره، و المراد اباده الجبارين و سلب النعمه عنهم (الا بعد تمهيل) بان امهلهم مده يتمكنون فيها من الانابه و الرجوع (و رخاء) بان انعم عليهم فقابلوا نعمه بالاسائه (و لم يجبر عظم احد من الامم) بان رفعهم بعد ضعفهم و انعشهم بعد ذلهم و هوانهم و قد كني عليه‌السلام عن ذلك بجبر العظم (الا بعد ازل و بلاء) الازل: الشده، اي ان الشده توجب الانعاش فان بعد العسر يسرا، و هذا الامر طبيعي كسابقه، فان الجبارين يشتغلون بالملاهي و الفساد و هما مسببا و ثبه الناس لازالتهم كما ان الادله يفكرون و يجمعون قواهم لرفع الهوان عن انفسم، و هما سبب التقدم و السعاده (و في دون) اي في اقل من (ما استقبلتم من عتب) اي عتب الزمان، و اذلاله لكم. (و ما استدبرتم من خطب) اي ما مربكم من الاحداث و الخطوب الجسيمه، و الخطب هو الامر العظيم الذي ينزل بالانسان كالرزيه و المصيبه و ما اشبه (معتبر) مبتدا خبره قوله (في دون) اي ان اذلال الزمان لكم و انزال الخطوب بكم كاف لان تعتبروا، لانكم صرتم من مصاديق
الجمله السابقه (و لا يجير عظم احد..) (و ما كل ذي قلب بلبيب) و هذا كالحث لهم علي العمل و النهوض، اي ان كل انسان ليس بعاقل، فكانوا انتم عقلاء فيما يجب عليكم من النهضه و القيام. (و لا كل ذي سمع) اي اذن (بسميع) اي بواعي ما يسمع ليعتبر به، او بمعني انه يمكن ان يكون اصم. (و لا كل ناظر) اي عين (ببصير) باحد المعنيين السابقين. (فيا عبجا) اي يا عجب احضر فهذا وقتك، و الالف في آخر الكلمه بدل من ياء المتكلم قال ابن مالك: و اجعل منادي صح ان يضف ليا كعبد عبدي عبد عبدا عبديا (و مالي لا اعجب) فان المكان مكان تعجب و استغراب (من خطا هذه الفرق) فقد تولدت في زمان الامام فرق دينيه كل يدعي انه المحبوب عند الله سبحانه المتبع لامره و نهيه من خوارج، و عثمانيه، و محايده، و صوفيه، و ما اشبه (علي اختلاف حججها في دينها) فلكل حجه مزعومه لعمله بطريقته الخاصه به (لا يقتصون اثر نبي) لانهم لو تمسكوا باقوال النبي صلي الله عليه و آله و سلم التي منها (علي مع الحق و الحق مع علي) لم يختلف منهم اثنان (و لا يقتدون بعمل وصي) فان الامام كان وصيا و خليفه فيهم، فلو لم تكن اقوال النبي صلي الله عليه و آله و سلم، كان اللازم اتباع الوصي مهما كان (و لا يومنو
ن بغيب) فانهم لو آمنوا بالله و اليوم- و هما غائبان عن الحواس- ايمانا صادقا، كان ايمانهم زاجرا لهم عن اتباع الميول و الاهواء (و لا يعفون عن عيب) اي لا يكفون عن عيوبهم، بل هم سائرون في المعائب و النقائص فان معني عف كف. (يعملون في الشبهات) اي الامور المشتبهه التي لا يعلم حلها من حرامها و حقها من باطلها (و يسيرون في الشهوات) اي ميولهم و اهوائهم بلا مراعاه للشريعه (المعروف عندهم ما عرفوا) و انكان مخالفا للحق (و المنكر عندهم ما انكروا) و انكان موافقا للحق. (مفزعهم في المعضلات الي انفسهم) المفزع الملجا الذي يلجا اليه الانسان في مهماته، و المعضله المشكله الدينيه والدنيويه، و المراد انهم لا يرجعون الي الامام في حل مشاكلهم (و تعويلهم) اي اعتمادهم (في المبهمات) اي الامور المبهمه الخفيه (علي آرائهم) فهم لا يرجعون الي الكتاب و السنه و التعره (كان كل امري‌ء منهم امام نفسه) فلا يحتاج الي امام و مقتدي (قد اخذ منها) اي من نفسه (فيما يري) من آرائه في المشاكل (بعري و ثقات) فهو قد تمسك بعروه نفسه، و وثق بذاته (و اسباب محكمات) فكان الحبل الذي تمسك به مما ينتهي الي نفسه حبل محكم لا انفصام له.

خطبه 088

[صفحه 27]
حول الرسول الاعظم صلي الله عليه و آله و سلم و اتباعه عليه‌السلام له صلي الله عليه و آله. (ارسله) الله سبحانه (علي حين فتره من الرسل) الفتره الفاضله بين الشيئين، فقد جاء الرسول صلي الله عليه و آله بعد ما انقضي عن رساله عيسي حوالي خمسمائه سنه، لا كانبياء بني‌اسرائيل الذين ارسلوا تباعا. (و طول هجعه من‌الامم) الهجوع النوم، كان الامم كانت نائمه عن المعارف الحقه و المعلومات الالهيه فجاء النبي صلي الله عليه و آله و سلم لا يقاظهم و اعاده الحق الي نصابه. (و اعتزام) اي غلبه (من الفتن) فان الفتته تقوم كلما تقلص الدين من النفوس اذ الدين خير رادع عن الفتن و اسبابها و جذروها. فاذا ذهب الدين انتشر الامر بين اهواء الناس مثلا الدين يقرر ان مهر السنه خمسمائه درهم، اما اذا لم يكن دين فقانون يغالي فيه الي حدود مدهشه، و قانون يخفض منه الي حدود زهيده و هكذا. (و تلظ من الحروب) تلظت الحرب، اي اشتعلت، و التهيت، و كلما بعد الناس عن الدين كثرت الحروب، لانها و لائد الفتن، و عدم استقرار النظام، و هما من ثمار عدم الدين. (و الدنيا كاسفه النور) فكما ان النور اذا كان، يري الانسان الاشياء كذلك الدين سبب لرويه المضار و المصالح و
الخيرات و الشرور، فاذا فقذ الذين لم يكن للدنيا نور (ظاهره الغرور) الناس مخدوعون بها اذا ثقافه دينيه لهم حتي يخرجوا عن الاغترار الي التبصر و التفكر (علي حين اصفرار من ورقها) فالدنيا كالشجره اذا كانت مع دين كانت مخضره للنشاط و الحياه و الصفحه التي يولدها الدين فيها، و الا كانت بالعكس (و اياس من ثمرها) فان الدنيا اذا كانت مضطربه لا تثمر الثمر المطلوب منها من التقدم و الامن و الرخاء. (و اغورار من مائها) كنايه عن عدم النضاره و البهجه، او ان هذه الجمله علي نحو الحقيه فان انحراف الارض عن مناهج السماء توجب عدم جريان الانهار، و قله الثمار، و اصفرار الاشجار، و هذا كما انه مربوط بالامور الغيبيه كذلك مربوط بالمناهج فان الدين يوسع آفاق الفكر، و يضع المناهج الصحيحه، و يوجب التعاون و كل ذلك موجب لعماره الارض. (قد درست) اي خلقت و بليت (منار الهدي) المنار المحل الذي يوضع عليه المصباح، ليري الانسان طريقه، في اليل، و هذا جنس و لذا جي‌ء بالفعل مونثا، كالمثل (اهلك الناس الدرهم البيض و الدينار الصغر) (و ظهرت اعلام الردي) اي رايات الضلاله الموجبه للهلاك و الشقاء. (فهي) اي الدنيا (متهجمه لاهلها) من تهجم بمعني استقبله بوجه عابس كريه
(عابسه) اي قابضه اشمئرازا (في وجه طالبها) لا تسعد الطالب و لا تفي بما يريد الانسان من الخير و السعاده (ثمرها الفتنه) فان المناهج اذا انحرفت- و ذلك من جراء عدم الانبياء و سلطه الجبارين- كثرت الفتن و الاضطرابات (و طعامها الجيفه) فقد كانوا ياكلون الجيف، لقله ارزاقهم. (و شعارها الخوف) اي كان الناس يخاف بعضهم من بعض، و الشعار هو الثوب اللاصق بالشعر من الجلد- و منه سمي شعارا- و شبه به الخوف لانه في قلب الانسان لاصق به، و ذلك لان الاضطراب يوجب خوف جميع افراد الانسان بعضهم من بعض. (و دثارها السيف) الدثار هو الثوب الذي يلبس فوق الشعار، و المجتمع اذا كان خائفا كان يحمل السلاح وقايه لنفسه عن الاعداء. اقول: و قد عادت في ايامنا هذه الحاله- كما قال الامام عليه‌السلام- حيث ابتعد الناس عن الاحكام، و هذا طابع عام لزمان الجاهليه. (فاعتبروا عباد الله) اي خذوا العبره- للعمل الصالح - من تلك الفتره المظلمه، و الاعتبار انما هو لعدم اعاده تلك الظروف، بسبب ترك احكام الله سبحانه. (و اذكروا تيك) الاعمال السيئه و العقائد الباطله (التي آباوكم و اخوانكم بها مرتهنون) فانهم رهائن اعمالهم فاذ قد كانوا اسائوا خسروا السعاده في الدنيا و الاخره
، فلا تعلموا مثل اعمالهم حتي يصيبكم مثل ما اصابهم (و عليها محاسبون) في الاخره (و لعمري) هذا حلف بنفسه الشريفه (ما تقادمت بكم و لا بهم) بالاباء و الاخوان (العهود) فانكم تذكرون عهد ما قبل الرساله و الفجائع التي كنتم و كان آبائكم جميعا فيها (و لا خلت) اي لم تمضي، من خلا بمعني مضي (فيما بينكم و بينهم) اي بين الاباء و الاخوان (الاحقاب) جمع حقب ثمانون سنه او اكثر (و القرون) القرن هو مده جيل واحد، فقالوا مائه، و قالوا اقل. و المعني: ان الاباء والاخوان الذين كانوا في تلك الظلمات، قريبون منكم زمانا، فهم بين اب و اخ و جد و ما اشبه. (و ما انتم اليوم من يوم كنتم في اصلابهم ببعيد) و انما الفصل اقل من خمسين سنه، و اصلاب جمع صلب و هو العظم الذي في ظهر الانسان، و هو محل مني الرجل، قال سبحانه: (يخرج من بين الصلب والترائب). (و الله ما اسمعهم) اي الاباء و الاخوان الذين عاصروا قبل الرساله و حين الرساله و راوا الزمانين (الرسول شيئا) من الحكم و الاحكام و المواعظ والنصائح (الا و‌ها انا ذا اليوم مسمعكموه) اي ابين لكم ما بين الرسول لابائكم و اخوانكم. (و ما اسماعكم اليوم بدون اسماعهم بالامس) يعني انكم تسمعون كما كان اصحاب الرسول صلي
الله عليه و آله يسمعون فاللازم ان تعملوا كما كانوا يعملون (و لا شقت لهم الابصار) حيث ان البصر محاط بالوجه الممتد، فكانه قد شق في وسط شي‌ء متسو (و لا جعلت لهم الافئده) جمع فواد و هو القلب (في ذلك الاوان) اي اوان حياه الرسول صلي الله عليه و آله و سلم. (الا و قد اعطيتم مثلها في هذا الزمان) فانتم و اياهم سواء في وجوب العمل كما اني كالرسول صلي الله عليه و آله في الوعظ و الارشاد. (و الله ما بصرتم بعدهم) اي بعد اصحاب الرسول صلي الله عليه و آله و سلم (شيئا جهلوه) حتي يكون عذركم في عدم العمل انهم انما عملوا لانهم جهلوا عفو الله و غفرانه- مثلا- و انتم عالمون بذلك فتعلمون انه لا اهميه للعمل (و لا اصفيتم به) اي بشي‌ء (و حرموه) بان يكون سبب عدم عملكم انكم مخصوصون بامر ينجيكم، مما لم يكن لاولئك ذلك الامر. بل انتم احق بالعمل (و) ذلك لانه (لقد نزلت بكم البليه) اي المصيبه و هي التفرق و التشتت و الفتن التي نجمت من سوء تصرف عثمان الذي ادي الي قتله (جائلا) من الجولان و هو الحركه (خطامها) هو ما يجعل في انف البعير لينقاد به، و هذا كنايه عن الاضطراب و عدم الاستقرار، فان البعير اذا كان جائل الخطام كان غير متجه الي وجهه معينه (رخوا
بطانها) البطان حزام يجعل تحت بطن البعير، ليستقر القتب فوق ظهره، فاذا كان رخوا القي الراكب غثا و ارهاقا (فلا يغرنكم ما اصبح فيه اهل الغرور) اي لا يخدعكم عن الايمان و العمل الصالح ما ترون من نعمه اهل الدنيا، فتظنون ان ترك الدين يودي الي الخير و النعمه (فانما هو) اي ما فيه اهل الغرور من النعم (ظل ممدود) لا حقيقه له و لا بقاء بل (الي اجل معدود) قد عدت مدت بقائها، ثم تزول بموتهم، او زوال نعمتهم.

خطبه 089

[صفحه 33]
و هي مشتمله علي اوصاف الله سبحانه، و عظيم مخلوقاته (الحمد لله المعروف من غير رويه) فان الله تعالي معروف لدي عباده باثاره و ان لم يره احد. (و الخالق من غير رويه) اي انه خلق الاشياء بدون ترو و تفكر و امعان نظر (الذي لم يزل قائما دائما) فلم يخل منه وقت و كان قائما منذ الازل، اي عالما قادرا حيا من غير نوم و لا كسل و ما اشبهه (اذ لا سماء ذاب ابراج) جمع برج، و هو القطعه من السماء التي تظهر، و من ذلك سمي برجا، فان برج بمعني ظهر (و لا حجب ذات ارتاج) جمع رتج و هو الباب العظيم و المراد بالحجب و هو جمع حجاب- ما جعله الله سبحانه من الحجب علي العرش، كالملوك الذين يجعلون الحجب من دون سريرهم، و ان كان الله سبحانه ليس جسما، و انما هو للتشريف و العظمه (و لا ليل داج) اصله (داجي) بمعني مظلم (و لا بحر ساج) اصله (ساجي) بمعني ساكن، فان للبحار سكونا في مقابل الانهار التي تجري. (و لا جبل ذو فجاج) جمع فج، و هو الطريق في الجبل (و لا فج) اي طريق (ذو اعوجاج) فان الطريق في الجبل غالبا يكون ذو التوائات و اعوجاجات (و لا ارض ذات مهاد) اي تمهد و قابليه للسكون (و لا خلق ذو اعتماد) اي ذو قصد و اراده يعتمد عليها في اعماله، او است
ناد الي محل (ذلك) الله العظيم المتصف بما ذكر من الصفات (مبتدع الخلق) الذي خلقهم ابتداء بدون مثال و احتذاء ما سبق من الامثال (و وارثه) لان الخلق يفني و يبقي الله سبحانه مالكا لما يبقي منهم- كالوارث الذي يتملك ما يبقي من المورث- (و اله الخلق) لا معبود لهم سواه (و رازقه) و الرزق اعم من الماكول و الملبوس و غير هما. (و الشمس و القمر دائبان) اي متحركان بحركه مستمره بلا توقف (في مرضاته) اي حسب ارادته تعالي و امره، فان الكون لا يتحرك و لا يسكن الا حسب امره سبحانه (يبليان كل جديد) و هذا اسناد مجازي فان البقاء موجب للبلاء، او حقيقي فان للنيرين مدخلا في تفرق الاجزاء الموجب للبلاء (و يقربان كل بعيد) فان البعيد الزماني يقرب بمرور الايام و الليالي الحاصلات من حركات النيرين (قسم ارزاقهم) اي ارزاق الناس (و احصي آثارهم) اي عدد اثر كل انسان و ما يبقي منه و يخلفه بعده (و اعمالهم) التي يعملونها (و عدد انفاسهم) فهو سبحانه يعلم عدد نفس كل انسان (و خائنه اعينهم) اي لمحات اعينهم التي تلمح بالخيانه الي مال الناس و عرضهم و ما اشبه. (و ما تخفي صدورهم من الضمير) اي السر الذي ينوونه بقلوبهم، فان الصدر وعاء للقلب (و مستقرهم) اي محل استقر
ارهم قبل المجي‌ء الي الدنيا، و هي ارحام النساء (و مستودعهم) اي المحل الذي يودعون فيه قبل المجي‌ء الي الدنيا و المراد به اصلاب الرجال، و انما سمي الصلب مستودعا، و الرحم مستقرا، لمكث الانسان في الرحم اكثر من مكثه في الصلب، و قد بين الامام المراد من اللفظين بقوله (من الارحام و الظهور) فان الصلب في ظهر الرجل، و هو محل المني قبل افرازه (الي ان تتناهي بهم الغايات) يعني ان علمه سبحانه باحوال البشر يبتدء من حين كونهم في الاصلاب الي آخر ايامهم في الحياه حيث ينتهون الي الغايه المقدره لهم، و العباره من (القلب) الذي هو من فنون البلاغه، نحو عرضت الناقه علي الحوض، فان الغايه لا تنتهي بهم، بل ينتهون الي الغايه. (هو) الله سبحانه (الذي اشتدت نقمته علي اعدائه في سعه رحمته) فان من يعاديه سبحانه بترك اوامره، و ارتكاب نواهيه تكون النقمه و العذاب عليه شديدا، مع انه تعالي واسع الرحمه والمغفره (و اتسعت رحمه لاوليائه في شده نقمته) و هاتان صفتان تلفت الانظار، لما بينهما من التتافي عند المخلوقين، فان الانسان اذا رضي غمض عن اعدائه و اذا غضب لم ينج من غضبه احبائه، لكنه سبحانه يكل لكلشي‌ء بكيله و يضع كل شي‌ء في موضعه (قاهر من عازه) اي قص
د مشاركته تعالي في عزته بان يقهر السلاطين و اصحاب الاموال و من اليهم ممن لهم شراكه- اسميه- في صفه من صفاته سبحانه، او المراد الفراعنه و من اليهم ممن يدعون الربوبيه (و مدمر) اي مهلك (من شاقه) اي عاداه، كانه في شق و جانب، و الله سبحانه في جانب و شق آخر. (و مذل من ناواه) اي عاداه (و غالب من عاداه) فان الله سبحانه يغلب علي اعدائه كما قال (كتب الله لاغلبن انا و رسلي). (و من توكل عليه) بان وكل اموره الي الله سبحانه- و هذا لا ينافي العمل بل العمل من التوكل لانه مما امر به الله تعالي (كفاه) اي تفضل عليه بانجاز امره. (و من ساله اعطاه) و هذه القضايا طبيعيه، لا كليه فلا ينافيها عدم تطبيقها علي بعض المصاديق لمصالح خاصه كما نقول العقار الفلاني مقوي للقلب فانه لا ينافي عدم تقويته في بعض الناس. (و من اقرضه) اي اعطي الله قرضا و هو عباره عن صرف المال او النفس او ما اشبه في امره سبحانه كما قال (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) (قضاه) اي ارجع سبحانه اليه ما اقرض، في الدنيا او الاخره. (و من شكره) اي شكر آلائه و نعمه (جزاه) اعطاه جزاء الشكر،
[صفحه 36]
يا (عباد الله زنوا انفسكم) امر من (الوزن) و المراد عرضه علي الشريعه ليعلم مطابقتها لها و عدم مطابقتها، كما يعرض الجنس علي المقدار ليعلم كميته (قبل ان توزنوا) في الاخره، حيث اذا ظهرت خفه وزنكم لم يكن لكم محل للتدارك (و حاسبوها قبل ان تحاسبوا) ليروا هل انها ادت ما وجب عليها ام لا، حتي اذا ظهر عدم ادائها تداركتم (و تنفسوا) اي اعملوا و التنفس كنايه عنه (قبل ضيق الخناق) الحبل الذي يوضع في عنق من يراد خنقه و اهلاكه، فان الحبل اذا ضيق لم يتمكن المخنوق من التنفس و هكذا الانسان اذا مات لم يتمكن من‌العمل المريح لنفسه، كما يريح النفس للجسم (و انقادوا) اي اتبعوا الاوامر، كالدابه التي تنقاد لصاحبها (قبل عنف السياق) و المراد به الموت الذي يسوق الانسان بعنف الي الاخره. (و اعلموا انه من لم يعن علي نفسه) بان يجمع قواه و عقله ليغلب علي شهوات نفسه و لذاتها (حتي يكون له منها) اي من نفسه (واعظ) بان كانت نفسه يقظه تعظه عند كل زله و ترشده (و زاجر) ترجزه عن المعاصي (لم يكن له من غيرها زاجر و لا واعظ) فان النفس المنحرفه لا ينفعها مواعظ الاولين و الاخرين، لانه اذا لم يكن للنفس حاله تهيي‌ء و استعداد لم تقبل النصح و الارشاد
مهما كان الناصح عظيما.

خطبه 090

[صفحه 38]
(تعرف بخطبه الاشبحاح و هي من جلائل خطبه عليه‌السلام) (و كان ساله سائل ان يصف الله حتي كانه يراه عيانا فغضب عليه‌السلام لذلك) و الاشباح جمع شبح، و هو الشخص، و كان التسميه بهذا الاسم لسوال ذلك الشخص من الامام عليه‌السلام، روي مسعده بن صدقه عن الصادق عليه‌السلام، انه قال خطب اميرالمومنين هذه الخطبه علي منبر الكوفه و ذلك ان رجلا اتاه فقال له يا اميرالمومنين صف لنا ربنا لنزداد له حبا و به معرفه، فغضب و نادي: الصلاه جامعه، فاجتمع الناس حتي غص المجسد باهله، فصعد المنبر و هو مغضب متغير اللون، فحمد الله و اثني عليه و صلي علي النبي صلي الله عليه و آله ثم خطبها. اقول: لعل غضب الامام عليه‌السلام كان لاجل كون السئوال تعنتا، كما هو كثير عند الجهله، لا يريدون بذلك الفهم و انما تجيب انفسهم، و انما اجاب الامام لموقفه من الحاضرين الذين شهدوا السئوال، فان العالم يفهم الحقيقه من التعنت اما غيره فلا يدرك، فعدم الجواب يحمل علي سوء الاخلاق او العجز او (الحمدلله الذي لا يفره) من (فرر) (يفر) علي وزن وعد يعده اي لا يزيده (المنع) عن العطاء (و الجمود) جمد مقابل سال، فان العطيه تسيل، و المنع ملازم للجمود (و لا يكديه) اي
لا يفقره (الاعطاء و الجود) فان الكون يتكون بلفظه (كن) او اراده معناها، فكيف يمكن الوفر و الفقر بالنسبه الي من ارادته هكذا (اذ كل معط) غيره سبحانه (منتقص) اي موجب لنقصه عما اعطاه (سواه) تعالي، و لفظه (اذ) تعليل لما ربما يسئل: بانه كيف الله هكذا، و نشاهد ان غيره ليس كذلك؟ (و كل مانع مذموم ما خلاه) هذا عليه لقوله (لا يفره) فانه دفع لدخل مقدر، هو انه تعالي اذا (لا يفره المنع) فلماذا يمنع؟ (و هو المنان بفوائد النعم) اي ان اعطائه منه محض، لا ان احد يستحق منه تعالي شيئا و اضافه الفوائد الي النعم للبيان. (و عوائد المزيد و القسم) عوائد جمع عائده و هي النعمه العائده الي الانسان و سميت عائده تفولا بانها لا تكون مره واحده، بل تعود مره بعد مره، و القسم جمع قسمه و هي ما قسمها الله سبحانه للخلق من ضروب المنافع و الارزاق (عياله الخلق) اي الذين يعيلهم و يدير شئونهم جميع الخلق، (ضمن ارزاقهم) بان يوصلها اليهم، ما دام قدر لهم رزقا (و قدر اقواتهم) بان كتب في اللوح و علم بان لكل احد اي قدر من الرزق (و نهج) اي اوضح و بين (سبيل الراغبين اليه) اي الذين يرغبون الوصول الي ثوابه و رضوانه (و الطالبين ما لديه) من الكرامه و الجنه و النعيم
. (و ليس بما سئل باجود منه بما لم يسال) فان وجوده حسب الصلاح و الحكمه لا حسب السوال، و ان كان احيانا يعطي السائل بما لا يعطي الساكت، لكن ذلك ليس الا لان السوال عله للحكمه و الصلاح و هذا بخلاف البشر الذين هم يجودون بالمسئول بما لا يجودون بغير المسئول. (الاول الذي لم يكن له قبل فيكون شي‌ء قبله) فان الله سبحانه ازلي، لا شي‌ء قبله اطلاقا، حتي العدم (و الاخر الذي ليس له بعد فكون شي‌ء بعده) فهو تعالي ابدي لا (بعد) يتصور بعده حتي يتصور المظروف الذي في ذلك (البعد). (و الرادع اناسي الابصار) جمع انسان و هو ما يري وسط البصر ممتازا عن السواد في لونه (عن ان تناله او تدركه) النيل الوصول، و الادراك التميز فقد يكون الانسان يري شيئا باجمال لكن لا يدركه بتفضيل، و قوله (الرادع) مجاز، و الا فهو سبحانه غير قابل للرويه اطلاقا. (ما اختلف عليه دهر) بان تمر عليه الايام، و الشهور و الاعوام، فان هذه امور حادثه و الامور الحادثه لا تحتوي علي القديم (فيختلف منه الحال) بان يكون حاله في السنه الفلانيه غير حاله في السنه التاليه و هكذا فان اختلاف الاحوال تابع لاختلاف الازمان و الامكنه و الصفات، فاذا انتفي الزمان انتفي المكان و الصفه الزائده
(و لا كان) تعالي (في مكان) خاص (فيجوز) و يمكن (عليه الانتقال) فلا زمان و لا مكان له تعالي، لانهما حادثان و الحادث لا يحتوي علي القديم (و لو وهب) و اعطي للنبي (ما تنفست عنه معادن الجبال) قالوا بان الجواهر و المعادن تتكون من الحراره المتصاعده من جوف الارض، فانها تحرك المواد الثمينه الي الخارج و تنضجها، و لذا شبه عليه‌السلام بالتنفس. (و ضحكت عنه اصداف البحار) فان الصدف ينقلق كالانسان الضاحك حتي يظهر ما فيه من اللولو و ما اشبه (من فلز اللجين) الفلز المعادن التي تذاب بالنار، كالذهب و الفضه و ما اشبه، و اللجين الفضه (و العقيان) الذهب (و نثاره الدر) اي ما ينثر في الاعراس و نحوه من الدر الذي هو حصاه شفافه ثمينه (و حصيد المرجان) و هو نبات ينبت في الحبر فيحصده الغواصون (ما اثر ذلك) الاعطاء و الهبه لجميع الاشياء الثمينه (في جوده) بان يعتريه بخل فان الجواد اذا اعطي امواله اثر ذلك فيه بخلاف حيث يريد الابقاء لنفسه و ليس كذلك الله سبحانه، لانه لا يحتاج و لان خلق امثال ما وهب بيده (و لا انفد سعه ما عنده) اي لم يوجب لملكه و قدرته نفادا بل يخلق من جديد. (و لكان عنده) تعالي (من ذخائر الانعام) مما يملك خلقه، او في سائر الكواكب
و المجرات والعوالم (ما لا تنقده مطالب الانام) اي لا تعدمه طلبات الناس لان ملك الله سبحانه لا يدرك وسعته و عظمته (لانه الجواد الذي لا يغيضه) اي لا ينقصه من غاض الماء اذا نزل و فني (سئوال السائلين) فاعطاء اسالتهم لا يوجب نفاد ما عنده (و لا يبخله) اي لا يوجب بخله (الحاح الملحين) و اصرارهم علي العطاء، بخلاف الناس فانهم ان كثر عليهم الطلب و الالحاح مما اوجب ذهاب اكثر اموالهم فانه يوجب بخلهم لخوفهم من الفقر و العدم ان تعادوا في الجود والاعطاء.
[صفحه 42]
(فانطر ايها السائل) يريد عليه‌السلام به من ساله ان يصف ربه- كما مر في اول الخطبه - (فما دلك القرآن عليه من صفته) تعالي، ككونه عالما قادرا سميعا بصيرا خالقا رازقا الي غيرها (فائتم به) اي اقتد بالقران في وصفه تعالي بتلك الصفات (و استضي‌ء بنور هدايته) اي بنور هدايه القران في ما يجوز علي الله تعالي من الصفات و النعوت) (و ما كلفك الشيطان علمه) بان الهم في نفسك بان تصف الله سبحانه بتلك الصفه التي لم تذكر في القرآن- و المراد بالقرآن الاعم من ما جاء به النبي و الائمه عليهم‌السلام، فان ذلك من باب المثال- و لذا قال عليه‌السلام (مما ليس في الكتاب عليك فرضه) اي ثبوته، فان احكام الكتاب و مناهجه ثابته للناس (و لا في سنه النبي صلي الله عليه و آله و ائمه الهدي) الاثني‌عشر، و المراد ذلك و ان لم يوجد بعضهم بعد، فقد اخبر النبي بهم و امر باتباعهم (اثره) بان لم يرد عنهم. (فكل علمه) و هل انه صحيح ام لا؟ (الي الله سبحانه) و لذا قال الفقهاء ان صفات الله توقيفيه لا يجوز اطلاق صفه عليه الا اذا ورد، حتي فيما كان الفعل من تلك الماده موجوده في الكتاب او السنه مثلا لا يصح اطلاق (زارع) عليه تعالي، مع انه ورد (اانتم تزرعونه ام
نحن الزارعون) (فان ذلك) الايكال الي الله تعالي و عدم التكلم حول الصفه التي لم تذكر (منتهي حق الله عليك) و معني منتهي الحق، انه ليس لك واجب آخر بالنسبه الي هذا الموضوع غير السكوت. (و اعلم) ايها السائل (ان الراسخين في العلم) يقال رسخ بمعني ثبت و الراسخ هو الذي تعلم كثيرا حتي ثبت في العلم و علم النتائج، بخلاف غيره الذي لا يعلم النتائج و هو منها في شك، لعدم قوه علمه و كثره مراسه، حتي يعض علي العلم بضرس قاطع. (هم الذين اغناهم عن اقتحام) اي الدخول في (السدد) جمع سده، و هي باب الدار و الفاصله (المضروبه دون الغيوب) اي الاشياء الغائبه عن الادراك و الحواس، و السدد استعاره (الاقرار) فاعل اغناهم (بجمله ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب) اي انهم يعترفون بالمجهول لديهم اجمالا: بانا نعترف بكل غيب، و لا يتكلفون الفحص عما لا طريق لهم اليه، حتي ربما يوجب ذلك تنكبهم الطريق الحق، و سلوكهم في متاهات الضلاله (فمدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول) اي اتباع و الاخذ بالبحث (ما لم يحيطوا به علما) حيث قال سبحانه: (و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا). (و سمي) الله سبحانه (تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخا) فان
الانسان الراسخ في العلم يعرف ما يقدر مما لا يقدر فيحوم حول ما يقدر و يترك ما لا يقدر بخلاف غير الراسخ الذي يظن ان كلشي‌ء في متناوله فيتعمق في الممكن و المحال. (فاقتصر علي ذلك) الايمان بالجمله و ترك التعمق (و لا تقدر عظمه الله سبحانه علي قدر عقلك) فان العقل محدود، و الله سبحانه غير محدود، و لا يمكن للمحدود الاحاطه بغيرالمحدود، و الا لزم الخلف (فتكون من الهالكين) لانك بذلك تذعن بخلاف الواقع، و ذلك كفر،
[صفحه 44]
ثم ابتداء عليه‌السلام ببيان ما تقدم باسلوب آخر بقوله: (هو القادر الذي اذا ارتمت الاوهام) اي ذهبت الاوهام و الافكار، من الرمي، و جواب (اذا) قوله (ردعها) (لتدرك منقطع قدرته) منقطع الشي‌ء منتهاه، لانه ينقطع عند ذلك الحد، اي ارادت الاوهام ان تعرف منتهي قدره الله تعالي، كما يعرف الانسان ان منتهي قدره زيد- في حمل الاثقال مثلا- مائه كيلو، و في المعارف الي كتاب المعالم و هكذا. (و حاول الفكر المبرا من خطرات الوساوس) بان كان الفكر صحيحا سليما، لا مريضا بالوسواس، فان مثله ابعد عن الادراك، لانه يتشكك في كلشي‌ء (ان يقع عليه) اي يدركه و يفهمه، في حالكونه تعالي (في عميقات غيوب ملكوته) الملكوت، مبالغه في الملك، يعني انه سبحانه الملك العظيم الغائب عن الادراك كنهه. (و تولهت) التوله اشتداد الحب، من (وله) بمعني اشتياق (القلوب اليه) تعالي (لتجري) القلوب- اي لتفهم- (في كيفيه صفاته) و انها كصفات المخلوقين، ام لا (و غضمت) اي خفيت (مداخل العقول) بان كان العقل يدخل من مداخل ضيقه جدا، حتي ان مداخله كانت غامضه خفيه- و هذا استعاره لمنتهي الدقه- (في حيث لا تبلغه الصفات) اي بلغت تلك المداخل في الدقه الي حيث لا يمكن ان توصف لدق
تها. (لتناول علم ذاته) بان يتناول بالعلم، ذاته تعالي، و انها كيف هي و ما هي (ردعها) اي ردع الله سبحانه تلك الاوهام و القلوب و العقول التي ارادت كشف ذاته تعالي، و المراد بالردع، قصورها عن الوصول (و هي تجوب) اي تسير في (مهاوي سدف الغيوب) مهاوي جمع مهوي، و هو محل التردي من فوق الي تحت، و سدف جمع سدفه و هي القطعه من الليل المظلم، كان العقل و الفكر و الوهم، تتردي في ظلمات الغيب بدون ان كانت وصلت الي المطلوب (متخلصه اليه سبحانه) اي حينما ارادت التخلص و الوصول الي ذاته تعالي، بان تعرف كنه الذات (فرجعت) العقول و الاوهام و القلوب (اذ جبهت) يقال جبهه اذا ضرب علي جبهته ليردعه و يرديه (معترفه بانه) سبحانه (لا ينال بجور الاعتساف) الجور الظلم، و الاعتساف سلوك غير الجاده، كان الفكر و ما اليه تنكبوا الطريق و ساروا علي غير الجاده، اذا رادوا معرفه كنهه تعالي. (كنه معرفته) نائب فاعل (لا ينال) (و لا تخطر ببال اولي الرويات) الرويه الفكر، اي اصحاب الفكر و العقل (خاطره) اي الصفه الخاطره التي تخطر بالبال (من تقدير جلا عزته) اي فهم مقدار عزته سبحانه. (الذي ابتدع الخلق علي غير مثال امتثله) اي اوجد الخلق، ايجاد ابتداع، لا ايجاد اقتداء
بغيره، فانه لم يكن مثال اقتفاه سبحانه في خلقه. (و لا مقدار احتذي) اي اقتدي (عليه) اي علي ذلك المقدار، فلم يقس سبحانه مقدار خلقه بمقدار سابق فهو المبدع في اصل الخلق، و في مقدار الخلق (من خالق) متعلق ب (مثال) اي لم يكن مثال من خالق اخر (معهود كان قبله) تعالي. (و ارانا) سبحانه (من ملكوت قدرته) اي الملك العظيم الذي هو آثار قدرته تعالي (و عجائب ما نطقت به آثار حكمته) كان آثار حكمه الله- في خلقه- السنه تنطق بالعجائب. (و اعتراف) عطف علي قوله (ملكوت) اي ارانا من اعتراف (الحاجه من الخلق الي ان يقيمها بمساك) ما يمسك الشي‌ء (قوته) (من الخلق) و (الي) متعلقان ب(حاجه) اي ان حاجه الخلق الي من يقوم بشئونه (ما دلنا) مفعول (ارنا) اي ان الله سبحانه ارانا بواسطه الملك الوسيع، و الاثار الكثيره، و احتياج الخلق، دليلا علي ذاته المقدسه (باضطرار قيام الحجه له) متعلق ب(دلنا) (علي معرفته) متعلق ب(دلنا) اي دلنا علي معرفته، بسبب ان قيام الحجه يضطر الانسان الي العلم و العرفان. (و ظهرت في البدائع التي احدثها) و اوجدها من العدم (آثار صنعته) فاعل ظهرت (و اعلام حكمته) عطف علي الفاعل، فالبدائع دليل علي الصنع و علي الحكمه (فصار كل ما خلق) من
صنوف المخلوقات (حجه له) تعالي يحتج بها علي العباد- ان تركوا الاذعان به- (و دليلا عليه) يدلنا علي وجوده سبحانه و الا فلو لم يكن موجودا فمن اين هذه الاثار البديعه و الصنائع المحكمه؟ (و ان كان) ما خلق (خلقا صامتا) كالجمادات و الحيوانات و النباتات (فحجته) اي حجه ذلك الخلق، و الاضافه الي المعفول (بالتدبير ناطقه) اي انها تنطق بانها من فعل مدبر حكيم، و معني نطقها دلالتها علي ذلك (و دلالته) عطف علي حجه (علي المبدع قائمه) فان الاثر يدل علي الموثر و انكان صامتا غير ناطق.
[صفحه 48]
(فاشهد) يا الله (ان من شبهك بتباين اعضاء خلقك) اي بخلقك المتباين الاعضاء من عين و لسان و اذن و غيرها. (و تلاحم) اي اتصال (حقاق مفاصلهم) حقائق جمع حق بضم الحاء بمعني راس العظم عند المفصل، و المفصل موضع اتصال العظمين (المحتجبه) تلك الحقائق (لتدبير حكمتك) فان حكمته سبحانه اقتضت احتجاب المفاصل تحت اللحم و الجلد، لئلا تصاب باذي (لم يعقد غيب ضميره علي معرفتك) خبر (ان) اي ان ضمير الغائب الباطن لم يصل الي معرفته سبحانه، لانه شبهه تعالي بما ليس شبيها به (و لم يباشر قلبه اليقين) فاعل يباشر و (قلبه) مفعول (بانه لا ند) و لا شريك (لك) لان الله اذا كان شبيها بالانسان او الحيوان كانا شريكين له، اذ المتشابهان مشتركان في الحكم و الند يستعمل بمعني المثل، و بمعني الضد. (و كانه لم يسمع) الي القرآن العظيم حيث يبين (تبروء التابعين) لاهل الضلاله (من المتبوعين) في القيامه (اذ يقولون: (تالله ان كنا لفي ضلال مبين اذ نسويكم برب العالمين) (التاء) للقسم و (ان) مخفقه من‌الثقيله، و (مبين) بمعني الظاهر الواضح، و (نسويكم) بمعني نقول بالتساوي بينكم و بين الله سبحانه (كذب العادلون بك) يا رب، و معني العادلون: الذين عدلوا بك غيرك، و
قالوا بالتعادل و التساوي بين الخالق و المخلوق (اذ شبهوك باصنامهم فقالوا ان (الله) اله، كما ان (الاصنام) الهه (و نحلوك) اي عطوك (حليه المخلوقين) اي صفاتهم الخاصه بين الجسميه و ما اشبه (باوهامهم) متعلق ب (نحلوك) اي كانت النحله بالوهم و الخيال، لا للحقيقه و الواقع. (و جزاوك تجزئه المجسمات بخواطرهم) فان الاجزاء خاصه بالاجسام و القول بان لله شريكا يوجب التجزئه، لان الشركاء لهم جهه جامعه و جهه فارقه (و قدروك) اي قاسوك (علي الخلقه المختلفه القوي بقرائح عقولهم) قرائح جمع قريحه، و هي ما يقترحها الانسان، اي ان عقولهم اقترحت قياسك علي الخلق الذين تختلف قواهم، و الله سبحانه ليس ذا قوي مختلفه، و انما هو ذات واحد لا اجزاء له و لا قوي تتحكم فيه. (و اشهد ان من ساواك بشي‌ء من خلقك فقد عدل بك) اي سواك بغيرك و جعلك معاد لا له (و العادل بك كافر بما تنزلت به محكمات آياتك) فان آيات الله المحكمه- غير المتشابهه- دلت علي ان الله سبحانه لا شبه له كقوله (ليس كمثله شي‌ء) و قوله (و لم يكن له كفوا احد) (و نطقت عنه) اي عن قبل عدم التشبه و المعادله- اي ان النطق من هذه الجهه- (شواهد حجج بيناتك) البينات جمع بينه و هي الادله الواضحه و المعني
ان الادله الواضحه التي هي حجه تشهد- ناطقه- انك لست كغيرك حتي تكون صفاتك كصفات سائر المخلوقين. (و انك انت الله الذي لم تتناه في العقول) اي لم تكن متناهيا محدودا في عقول الناس، اي لا تدركك العقول (فتكون في مهب فكرها مكيفا) اي فتتكيف و تتلون- بلون فكر العقول، اذ العقل اذا احتوي علي شي‌ء فانما يلونه بلون المعقوليه، و قوله (مهب) من باب الاستعاره كان الفكر كالريح التي تهب و لها مهب خاص. (و لا في رويات خواطرها) جمع رويه و هي الفكر (فتكون محدودا) بحد الفكر (مصرفا) تصرفك العقول، و تحوم حولك. و حيث ان الله سبحانه منزه عن صفات المخلوقين، و اغلب الناس يصورونه بتصاويرهم، و يظنون انه سبحانه كمثل بعض مخلوقاته اكد الامام في هذه الخطبه و في سائر خطبه بضروب التاكيد علي تشبهه بالخلق، و افرغ المطلب في قوالب متعدده، و في سائر خطبه بضروب التاكيد علي تشبه بالخلق، و افرغ المطلب في قوالب متعدده، و في الحقيقه ان‌الطريقه الدينيه الوحيده التي تنزه الله سبحانه عما لا يليق به هي طريقه اهل البيت عليهم‌السلام الذين عرفوه سبحانه في حدود المعرفه البشريه، اما كنه معرفه الله سبحانه، فمن المتسحيل ادراكه، و ذلك لدليل واضح هو انه سبحانه غير محدود
، و العقل محدود، المحدود لا يشتمل علي غير المحدود، و الالزم الخلف، و دليل المقدمتين (الله غير محدود، و العقل محدود) واضح لا يحتاج الي البيان.
[صفحه 51]
(و منها) (قدر) الله سبحانه (ما خلق) من صنوف المخلوقات، و معني قدر، انه لم يخلق اعتباطا، و انما عن مقدار معين لحكمه خاصه (فاحكم تقديره) اذ وضع كلشي‌ء موضعه اللائق به (و دبره) التدبير التخطيط للمستقبل حتي ياتي الشي‌ء كما يراد (فالطف تدبيره) و لطف التدبير عباره عن دقته بحيث لا يبقي فراغ لحاجات الشي‌ء (وجهه لوجهته) اي سيره في المسير اللائق به فيها (فلم يتعد) ذلك الشي‌ء الموجه (حدود منزلته) اي الحدود التي انزله الله فيها (و لم يقصر دون الانتهاء الي غايته) فان كل شي‌ء من المخلوقات لابد و ان يصل الي الغايه التي عينها الله سبحانه، مثلا غايه ارتفاع النخل كذا مترا، فانه لا يقصر عن الوصول الي ذلك الارتفاع الذي عينه الله سبجانه له (و لم يستصعب) اي لم ير الامر صعبا (اذ امر بالمضي علي ارادته) اي ارادته تعالي- و هذا كسابقه انما هو بالنسبه الي التكوينيات. (و كيف) يتمكن الشي‌ء من مخالفته سبحانه (و انما صدرت الامور) المرتبطه بهذا الشي‌ء (عن مشيئته) تعالي، فاذا لم يشاء شيئا لم يكن له تكون و صدور اطلاقا (المنشي اصناف الاشياء بلا رويه فكر) الاضافه بيانيه (آل) الله تعالي (اليها) اي الي تلك الرويه، بخلاف البشر فانه يعم
ل الاشياء بعد التفكر فيرجع الي ما فكر ثم يعمل (و لا قريحه) هي ما يقترحه الانسان و ينشئه في صقع ذهنه ثم ياتي به خارجا (غريزه) هي الصفه المنطبعه في الانسان (اضمر) الله تعالي (عليها) اي علي تلك القريحه بان اضمر اقتراحا ثم ابداه في حال الوجود. (و لا تجريه افادها) هو بمعني استقادها (من حوادث الدهور) كالانسان الذي يستفيد من الحوادث فيصحح افكاره و اعماله. (و لا شريك اعانه علي ابتداع عجائب الامور) فان الله لا شريك له، حتي يكون له معين في الخلق بل هو وحده خلق جميع ما خلق (فتم خلقه) اي خلق المخلوق، بالله وحده، و الفاء تفريع علي (المنشي‌ء) (و اذعن لطاعته) فاعل اذعن (الخلق) المستفاد من (خلقه) (و اجاب الي دعوته) فانه تعالي كلما اراد، كان (و لم يعترض دونه) اي دون الخلق و الانقياد (ريث المبطي‌ء) اي مده مهله الذي يبطي‌ء في الاجابه، فانه تعالي بمجرد ان اراد شيئا كان ذلك الشي‌ء بلا تمهل و بطوء (و لا اناه المتلكي‌ء) الاناه، الصبر و التوئده، و التلكو التباطي و التعلل في عدم الاطاعه (فاقام) اله سبحانه (من الاشياء اودها) اي اعوجاجها، و هذا كنايه عن عدم الاعوجاج في المخلوقات (و نهج) اي عين و رسم (حدودها) و مزاياها. (و لائم) من الم
لائه، بمعني جعل التناسب و الالتئام (بقدرته) سبحانه (بين متضادها) اي متضاد الاشياء، فالنار المتضاده للماء جمع بينهما الله تعالي، و هكذا. (و وصل اسباب قرائنها) اي جعل اسباب القرائن موصوله بعضها ببعض حتي تجتمع قرينه كلشي‌ء مع ذلك الشي‌ء (و فرقها) اي الاشياء (اجناسا مختلفات في الحدود) كالارتفاع و الانخفاض (و الاقدار) كالكبر و الصغر (و الغرائز) اي الطبائع، كاليبوسته و الرطوبه، (و الهيئات) كالاحمر و الاصفر و الاشكال المختلفه، و ما ذكرناه من باب المثال، و الا فالالفاظ اعم، هي (بدايا خلائق) بدايا جمع بدي‌ء بمعني المصنوع، من (بدء) اي خلائق مصنوعه (احكم) الله تعالي (صنعها) فليس في صنعها خللا و فسادا. (و فطرها علي ما اراد و ابتدعها) بلا مشارك، و مضاد في ارادته سبحانه فلا يكون المصنوع وفق ارادته تعالي.
[صفحه 54]
(منها) في صفه السماء (و نظم بلا تعليق) بشي‌ء (رهوات) جمع رهوه و هي المحل المرتفع، اي بلا ان يعلق السماء بواسطه الحبائل بالاعالي، كما هي العاده في تعليق الاشياء بالمرتفعات (فرجها) جمع فرجه، و هي المحل الخال، اي فرج السماوات، و ما بينها من الفضاء و السعه (و لاحم) اي الصق (صدوع) جمع صدع و هو الشق (انفراجها) اي الصق بعض السماوات ببعض حتي لا انفراج هنا، و حيث ان الشي‌ء ملاء الفضاء متصله صح هذا التعبير كما يصح التعبير السابق اختلاف الطبقات العليا في الغلظه و الخفه (و وشج) اي شبك (بينها) اي بين المساوات (و بين ازواجها) اي امثالها ففي كل سماء انجم و كواكب و اجرام و معني التشبيك جعل بعضها في بعض. (و ذلل للهابطين بامره) و هم الملائكه (و الصاعدين باعمال خلقه) فان اعمال الخلق تصعد بسبب الملائكه الي السماء (حزونه) اي صعوبه (معراجها) اي العروج الي السماوات، فان العروج و النزول مشكلان لكن الله سهل للملائكه ذلك (و نادها) اي السماوات (بعد اذ هي دخان) فقد خلقت السماوات من بخارالماء كما قال سبحانه (ثم استوي الي السماء و هي دخان، فقال لها و للارض: ائتيا طوعا او كرها، قالتا اتينا طائعين) و انما عبر عن البخار بالدخان
للمشابهه، فان الاول ذرات الماء المختلطه بالهواء، و الثاني ذرات الرماد- كذا قالوا- (فالتحمت عري اشراجها) التحمت اي اتصلت، و عري جمع عوره، و اشراج الوادي ما انفسح منه، اي اتصلت القطعات من الدخان حتي صارت سماء ملتحمه، و الاتيان ب (عري) لان كل قطعه كالعروه في انها تمسك لقصد اتصالها بالقطعه الاخري. (و فتق) اي فصل (بعد الارتتاق) اي الاتصال (صوامت ابوابها) جمع صامت كفي به عن الانغلاق، و المعني ان الله سبحانه فتح ابواب السماء بعد انغلاقها، و المراد بذلك جعل فيها ابوابا لنزول الملائكه و صعودهم (و اقام رصدا) و هو ماء يرصد و يرقب الحركات (من الشهب) جمع شهاب، و هو النار التي تري في الليل في السماء (الثواقب) جمع ثاقيه سميت الشهب بذلك لانها تثقب الفضاء حين انقضاضها (علي نقابها) جمع نقب و هو الخرق و المراد بالخرق المحل الممكن لاستراق السمع في السماوات، و قد قال سبحانه (الا من خطف الخطفه فاتبعه شهاب ثاقب) و هو كما ورد، ان الشياطين يصعدون اعالي الجو لاستراق كلمات الملائكه، فمن استرق منهم شيئا من الكلام رمي بالشهاب الذي يحرقه، و قد دل العلم الحديث علي ان الجو محل لسكونه الارواح الخيره و الشريره، كما في كتاب (علي حافه العالم ا
لاثيري) كما دل العلم الحديث علي ان الارض معرض للقذائف الجويه التي لو لا الطبقه (النتروجينيه) المحطمه للقذائف لاصيب اهل الارض بعنت كبير كما في كتاب (بصائر جغرافيا). (و امسكها) اي حفظ الله السماء (من ان تمور) اي تضطرب (في خرق الهواء) اي في الفضاء، فان الارض كره معلقه في الهواء، لا تضطرب و لا تمور خلاف سيرها المقدر لها، و قوله (خرق) من باب التشبيه (بايده) اي بقوته و الاصل انها جمع (يد) و حيث ان اليد آله قوه الانسان، استعملت بمعني القوه. (و امرها ان تقف) اي لا تفارق مدارها، في مقابل الاضطراب (مستسلمه لامره) فهي تطيع الله سبحانه كما قال سبحانه، (فقال لها و للارض ائتيا طوعا او كرها، قالتااتينا طائعين). (و جعل) الله سبحانه (شمسها آيه) اي دليلا علي وجوده تعالي (مبصره) اي توجب ابصار الناس للاشياء (لنهارها) اللام متعلق بجعل، اي جعل لاجل النهار الشمس مبصره. (و) جعل (قمرها آيه ممحوه) قد محي فيه النور فليس له نور كالشمس، او المراد المحو الذي يشاهد في القمر (من ليلها) الظاهران الجار متعلق ب (ممحوه) اي المحو من الليل (فاجراهما) اي حركت الشمس و القمر (في مناقل) جمع منقل، و هو محل الانتقال، و المراد به البروج التي يسير فيها
النيران (مجراهما) اي مجل جريانهما (و قدر سيرهما) التقدير جعل الشي‌ء بقدر معلوم (في مدراج درجهما) مدراج جمع مدرج، و هو محل الدرج بمعني الحركه، و درج بمعني الدرجه، اي ان الله سيرهما في درجاتهما في السماء. (ليميز بين الليل و النهار بهما) فاذا طلعت الشمس كان النهار، و اذا غابت، و ظهر القمر كان الليل. (و ليعلم عدد السنين و) ليعلم (الحساب بمقاديرهما) فان كل دوره يوم و كل ادوار خاصه للقمر شهر، و هكذا، و بهما يعرف السنه، كما يعرف اوقات المحاسبه، في مواعيد الاجال (ثم علق) الله سبحانه (في جوها) اي في جو السماء، اي وسطها، و المراد بالسماء الفضاء (فلكها) اي افلاك السماء و المراد بالافلاك مدارات الكواكب (و ناط بها) اي علق بالسماء (زينتها) اي ما هو زينه السماء، و المراد الكواكب، كما قال سبحانه (انا زينا السماء الدنيا بزينه الكواكب) (من) بيان ل(زينتها) (خفيات دراريها) جمع دري، و هو الكوكب الوضاء كالدر و الظاهر ان المراد بها النجوم الصغار (و مصابيح كواكبها) اي الكواكب التي هي كالمصابيح اشراقا، و المراد بها الكواكب الكبار التي تضي‌ء في الليل. (و رمي مسترقي السمع) اي الشياطين الذين يعلون الي قرب الملائكه فيستمعون الي كلامهم،
خفيه، و لذا سمي اشراقا فان الملائكه لا تريد ان يسمع الشياطين كلامها (بثواقب شهبها) الي الشهب الثاقبه كما تقدم (و اجراها) اي سير الكواكب (علي اذلال) جمع (ذل) بالكسر و هو محجه الطريق (تسخيرها) اي سخرها في الطرق المقدره لها، بحيث لا تحيد عن تلك الطرق (من ثبات ثابتها) فان بعض الكواكب ثابته في محلاتها كاكثر الكواكب (و مسير) اي سير، فانه مصدر ميمي (سائرها) و هي الكواكب السبع السياره- او الاكثر من السبع- كما في العلم الحديث. (و هبوطها و صعودها) فان الكوكب ما دام لم يصل الي خط نصف النهار فهو صاعد فاذا انحدر عنه فهو هابط (و نحوسها و سعودها) فان بعض الكواكب علامه السعد و بعضها علامه النحس، كما ان الهواء الشرقيه- في بلادنا- علامه الامراض، و الغريبه بالعكس، فقد جعل الله سبحانه لكل شي‌ء علامه، لا ان الكوكب بنفسه سعد او نحس.
[صفحه 59]
(و منها) في صفه الملائكه عليهم‌السلام (ثم خلق سبحانه لاسكان سماواته) اي الفضاء، كما قال سبحانه (و انزلنا من السماء ماء طهورا) و قال في وصف الطير (سخرات في جو السماء). (و عماره الصفيح الاعلي) اي الصفحه الاعلي مقابل الصفيح الاسفل، و هو الارض (من ملكوته) اي من ملكه، فان (ملكوت) لتعظيم الملك (خلقا بديعا اي قسما جديدا (من ملائكته) فان الملائكه قسم جديد من الخلق (و ملاء بهم) اي بالملائكه (فروج فجاجها) جمع فج و هو الطريق و فروج جمع فرجه، و هي السعه، اي السعه ما بين طرق السماء (و حشا بهم) اي جعلهم في وسط السماء- من الحشو- (فتوق) جمع فتق و هو الانفصال في الشي‌ء (اجوائها) اي فضائاتها، جمع (جو) بمعني الفضاء. (و بين فجوات تلك الفروج) الكائنه في السماء (زجل المسبحين منهم) الزجل الصوت المرفوع، فان الاصوات الملائكه ترتفع بالتسبيح له سبحانه، و عدم سماع الانسان لاصواتهم، لعدم قابليه صماخه، كما ان الاصم لا يسمع اصواتنا لعدم قابليه صماخه (في حظائرالقدس) جمع حظيره، و هو المحل الخضر الذي يسور بسور، و لذا سمي حظيره- من حظر بمعني منع- و القدس بمعني النزاهه و الطهاره (و سترات) جمع ستره و هو الثوب الذي يعلق للستر (الحجب)
جمع حجاب، و الاضافه للبيان، فان هناك حجبا عما ورائه تشبيها بالحجب التي تنصبها الملوك لستر داخلته عن الاعين. (و سرادقات المجد) جمع سرادق، و هو ما يمد علي صحن البيت فيغطيه عن الريح و الحر و البرد و الانظار (و وراء ذلك) الذي ذكر من الحجب و السرادقات (الرجيح) اي الزلزله و الاضطراب من رج بمعني تحرك (الذي تستك) اي تصم (منه الاسماع) لشده الصوت او الكيفيه، و المراد بالرجيج ما تقدم من (الزجل) و (الرجيج) في الاعراب عطف بيان ل(ذلك) و (و وراء) خبر لقوله: (سبحات) اي ان وراء تلك الاصوات طبقات. (نور تردع الابصار عن بلوغها) لقوه النور و شدته (فتقف) الابصار (خاسئه) اي مطروده، من خسوء بمعني طرد (علي حدودها) فان العين لا تتمكن ان تري اكثر من قابليتها. و لا يخفي انه ليس هناك جسم او ما يشبه بل هذا محل التشريف، كما جعل سبحانه الكعبه محل تشريفه- في الارض- جعل الحجب و الانوار و العرش و ما اشبه محل تشريفه في السماء، و الا فمن زعم انه سبحانه جسم اوله محل، او انه اقرب الي مكان من مكان، فقد اشرك بالله، و تاه في متاهات الكفر. (و انشاهم) اي اوجد الله تعالي الملائكه (علي صور مختلفات) كما ان الانسان علي صور مختلفه (و اقدار متفاوتات) فلكل ق
در و مزايا (اولي اجنحه) جمع جناح، و جناحهم من جنسهم، لا من جنس اجنحه الطير، الا اذا شائوا التشكل بالطيور (تسبح) الملائكه (جلال عزته) اي انهم ينزهون الله سبحانه عما هو اجل و اعز منها- كالجسميه و الولد و ما اشبه-. (لا ينتحلون) اي لا ينسبون لانفسهم (ما ظهر في الخلق من صنعته) تعالي كافراد الانسان الذين ينسبون الي انفسهم خلق الله سبحانه، كاذلين ادعوا الربوبيه و نحوهم. (و لا يدعون انهم يخلقون شيئا مما انفرد) الله تعالي (به) اي بخلقه (بل) الملائكه (عباد مكرمون) اكرمهم الله سبحانه (لا يسبقونه بالقول) كنايه عن انهم مطيعون له تعالي، فلا يقولون شيئا قبل ان يريده تعالي (و هم بامره) سبحانه (يعملون) و هذا اقتباس للايه الكريمه في وصف الملائكه. (جعلهم فيما هنا لك) (ما) زائده للتزيين (اهل الامانه علي وحيه) فانهم امناء الله سبحانه في انزال الوحي علي انبيائه (و حملهم الي المرسلين) اي جعلهم يحملون من قبله تعالي الي انبيائه (ودائع امره و نهيه) الاضافه للبيان، اي امره و نهيه التي هي ودائعه عند الملائكه ليودوه الي الانبياء. (و عصمهم) اي حفظهم (من ريب الشبهات) اي الشبهه في الاله، كما يشك فيه سبحانه بعض الناس (فما منهم) اي ليس احد م
ن الملائكه (زائع) اي مائل منحرف (عن سبيل مرضاته) مصدر ميمي اي عن طريق رضاه تعالي (و امدهم بفوائد المعونه) بان اعلنهم علي طاعته. (و اشعر قلوبهم) اي الهمها (تواضع اخبات السكينه) الاخبات بمعني الخضوع، فان النفس الساكنه المطمئنه خاضعه خاشعه، بخلاف النفس الجموحه (و فتح لهم) تعالي (ابوابا ذللا) جمع ذلول خلاف العصب (الي تماجيده) جمع تمجيده، و هو المدح، فانهم يسهل عليهم تمجيده و تسبيحه تعالي، و ليسوا كالبشر يوجب ذلك صعوبه و تعبا عليهم. (و نصب لهم منارا) جمع مناره، و هي المحل المرتفع الذي يوضع فيه المصباح لهدايه السائر ليلا (واضحه علي اعلام) اي ادله (توحيده) فكلهم يوحدون الله سبحانه، و ليسوا كالبشر بين شاك و مقر و منكر (لم تثقلهم موصرات الاثام) اي مثقلاتها، من (الاصر) بمعني الثقل، فانهم لا يذنبون لانهم معصومون (و لم ترتحلهم) بقال ارتحله اذا وضع عليه الرحل ليركبه (عقب الليالي و الايام) جمع عقبه و هي النوبه، و تضاف الي الليل و النهار لتعاقبهما، اي لم يتسلط عليهم تعاقب الليالي و الايام لتفنيهم و تهرمهم (و لم ترم الشكوك) من (رمي يرمي) (بنوازعها) جمع نازعه، و هي القوس لانها تنزع الوتر للرمي (عزيمه ايمانهم) اي صلابه ايمانه
م، و المعني انهم لا يشكون بعد الايمان، كما يحدث ذلك لبعض الناس. (و لم تعترك الظنون) اي لم تعرض الظنون و الاوهام (علي معاقد يقينهم) كان لليقين عقدا في القلب- و لذا يقال له عقيده- (و لا قدحت) اي ظهرت، و اصل القدح صك الحجر بعضه ببعض لاخراج النار (قادحه الاحن) جمع احنه و هي الحقد و الضغينه (فيما بينهم) فليس بينهم عداوه و بغضاء (و لا سلبتهم الحيره) في الله (ما لاق) اي الشي‌ء الذي لصق (من معرفته) سبحانه (بضمائرهم) اي ان الحيره لاتسلب عقيدتهم بالله، كما قد يكون في البشر، حيث يتحيرون في الله بعد المعرفه (و) لا سلبتهم الحيره (ما سكن- من عظمته و هيبه جلالته- في اثناء صدورهم) فانهم يعظمونه سبحانه و يهابون منه و لا يزول ذلك من صدورهم (و لا تطمع فيهم الوساوس) الوسوسه التردد في الامر و الشك فيه (فتقترع) من الاقتراع بمعني ضرب القرعه. (برينها) الرين الدنس (علي فكرهم) كان الوسوسه تقترع لتري المحل المناسب لدنسها) و الاتيان بالاقتراح، من جهه شباهه الوسوسه بترديد الاقتراع، و حاصل المعني ان الوسوسه لا تدنس افكارهم (منهم) اي بعض الملائكه، في الخلقه (من هو في خلق الغمام الدلح) جمع دالح و هو الغمام الثقيل بالماء، اي ان شكله كشكل ال
غمام ذي المطر (و في عظم الجبال الشمخ) جمع شامخ و هو المرتفع (و في قتره) اي خفاء (الضلالم الابهم) اي الشديد الظلمه، يعني انهم بتلك العظمه سود شديد السواد، و ذلك للارهاب و التخويف، و لا يخفي ان الارواح- التي من جنسها الملائكه- ليست من الماديه بحيث تحس بالحواس، او تصادم مع سائر الماديات المحسوسه، فلا يقال اذا كانت الملائكه هكذا فلماذا لا نحس بها. (و منهم من خرقت اقدامهم تخوم الارض السفلي) تخوم جمع تخم يفتح التاء و هي باطن الارض، اي اعماقها، اي ان اقدامهم في اعماق الارض (فهي كرايات) اي اعلام (بيض) جمع بيضاء في مقابل اولئك الملائكه السود (قد نفذت في مخارق الهواء) مخارق جمع مخرق، و هو محل الخرق اي انها تخري الهواء، حيث تخرج من الارض الي ناحيه الفضاء (و تحتها) اي تحت اولئك الملائكه (ريح هفاقه) اي الساكنه الطيبه (تحبسها) اي تحبس تلك الريح اولئك الملائكه (علي حيث انتهت) تلك الملائكه، اي تحبسها علي منتهاها، فلا تمتد اولئك الملائكه (من الحدود المتناهيه) المعينه لها، فلا تتحرك عن اماكنها، كما ان الريح تحبس الرايه عن‌التعدي عن حدودها، بالالتواء و ما اشبه. (قد استفرغتهم اشغال عبادته) اي ان اشتغالهم بعباده الله سبحانه افرغ
هم عن الاشتغال بغير العباده فلا يشتغلون بشي‌ء آخر (و وصلت حقائق الايمان) اي الايمان الحقيقي (بينهم) اي بين اولئك الملائكه (و بين معرفته) تعالي، كان الايمان خيط متصل بين الله سبحانه و بينهم (و قطعهم الايقان به) اي اليقين بالله سبحانه (الي الوله) هو شده الاشتياق (اليه) تعالي، و معني (قطعهم) ان اليقين سبب قطعهم عن كلشي‌ء الي الاشتياق فهم مشتاقون الي الاستزاده من معرفته (و لم تجاوز رغباتهم ما عنده) اي ان رغبتهم الي ما عنده تعالي لم تجاوز (الي) رغبتهم في (ما عنده غيره) فهم راغبون اليه فقط (قد ذاقوا حلاوه معرفته) و حلاوه المعرفه ابتهاج يحصل للنفس حتي يري الانسان ان كل حلاوه ما دونها. (و شربوا بالكاس الرويه) التي تروي و تطفي‌ء العطش (من محبته) تعالي (و تعكنت) العكنه الطي الذي في البطن من السمن (من سويداء قلوبهم) هي مجمع الروح في القلب، و تعتبر كمركز للقلب (و شيجه خيفته) الوشيجه عرق الشجره و اريد بها هنا بواعث الخوف من الله سبحانه، اي ان بواعث الخوف النابعه من سويداء قلوبهم تجمعت كالعكن (فحنوا) اي ثنوا (بطول الطاعه) الباء سبيه (اعتدال ظهورهم) فهم في حاله ركوع (و لم ينفد) من النفاد بمعني الخلاص و التمام (طول الرغبه ا
ليه) تعالي (ماده تضرعهم) فان رجائهم لم يعدم خوفهم منه سبحانه. (و لا اطلق عنهم عظيم الزلفه) اي قربهم منه تعالي- قربا معنويا- (ربق خشوعهم) جمع ربقه و هي حبل فيه عده عري تربط فيها الحيوانات المتعدده، فانهم مع قربهم خاشعون له سبحانه اعناقهم في ذل العبوديه (و لم يتولهم الاعجاب) من اعمالهم (فيستكثروا ما سلف منهم) كما هو الغالب في افراد الناس حيث يحسنون اعمالهم السابقه فيظنون كثرتها و كفايتها (و لا تركت لهم استكانه الاجلال) اي خضوعهم لجلال الله و عظمته (نصيبا في تعظيم حسناتهم) فانهم لا يعظمون حسناتهم لما يعلمون من عظمه الله و جلاله فان الشخص اذا نظر الي عظم الطرف يستقل عمله تجاهه (و لم تجر الفترات فيهم) الفتره من الفتور عن العمل كسلا و مللا (علي طول دووبهم) من دائب في العمل بمعني بالغ فيه و اجتهد حتي جهد نفسه. (و لم تغض رغباتهم) من غاض الماء اذا نزل في الارض حتي لم يبق منه شي‌ء اي ان رغبتهم في الطاعه لا تفني (فيخالفوا عن رجاء ربهم) فان الرغبه اذا غاضت لم يرج الانسان المرغوب فيه، فلا يعمل لاجله (و لم تجف) من الجفاف بمعني اليبس (لطول المناجاه) و التكلم مع الله سرا (اسلات السنتهم) جمع اسله و هي طرف اللسان، حتي تقف عن
ذكره تعالي. (و لا ملكتهم الاشغال) بمعني منعتهم اشغالهم (فتنقطع بهمس الجوار) الهمس الصوت الخفي، و الجوار الصوت، الصوت الرفيع تضرعا، (اليه) سبحانه (اصواتهم) اي ان الاشتغال يوجب تبدل ضراعتهم الجهريه الي الهمس فان الانسان المشغول بامر ما يهمس صوته عاده، لانصراف القوه الي ناحيه اخري. (و لم تختلف- في مقاوم الطاعه-) جمع مقام اي مقامات الطاعه (مناكبهم) جمع منكب، فانهم في صفوف معتدله، حتي ان مناكبهم مصطفه لا تقدم لبعضها علي بعض، و هذا يدل عي التادب. (و لم يثنوا الي راحه التقصير في امره رقابهم) فان الشخص اذا اراد الاستراحه ثني رقبته لتمديدها و دفع الكسل و النصب عنها، و هذا تقصير بالنسبه اليه سبحانه فالملائكه لم يفعلوا ذلك و انما رقابهم ممتده دائما في الضراعه و الاستكانه. (و لا تعدو) اي لا تسطو (علي عزيمه جدهم) اي جهدهم في الطاعه (بلاده الغفلات) اي الغفله البليده، فانهم دائمو الجد بغير غفله و فتور. (و لا تنتضل) يقال انتضلت الابل اذا رمت بايديها في السير سرعه (في هممهم) في العباده و الطاعه (خدائع الشهوات) اي الشهوات الخادعه للانسان، و المعني ان الشهوات لا تسير سيرا سريعا في اهتمامهم بالعباده، حتي تنقص من طاعتهم. (قد اتخ
ذوا ذا العرض) اي الله سبحانه (ذخيره ليوم فاقتهم) اي حاجتهم و لعل المراد بذلك يوم العرض الاكبر، اذ كل نفس تحضر هناك للمحاسبه، و هو اشد ايام الانفس حاجه و فقرا (و يموه) اي قصدوه (عند انقطاع الخلق الي المخلوقين برغبتهم) فهم يرغبون اليه تعالي بينما سائر الخلق يرغبون الي مخلوق مثلهم لقضاء حوائجهم، فقوله (برغبتهم) متعلق ب(انقطاع). (لا يقطعون امد) اي طول (غايه عبادته) اي ان عبادتهم لا تنتهي الي الغايه حتي يستريحوا بانهم عملوا الي الغايه المطلوبه منهم (و لا يرجع بهم) رجوعا من الطاعه الي الكسل (الاستهتار بلزوم طاعته) الاستهتار التولع الزائد، اي ان ولعهم بلزوم الطاعه لا يسبب لهم رجوعا، كما هي العاده في الناس، فان الولع الزائد بالشي‌ء يولد في انفسهم غفوه و اشمئزازا. (الا الي مواد من قلوبهم غير منقطعه من رجائه و مخافته) مواد جمع ماده و هي التي تمد الشي‌ء، و الاستثناء منقطع، اي انهم كلما اطاعوا اذ دارت فيهم بواعث الاطاعه من الرغبه و الرهبه الموجودتين في قلوبهم، و الحاصل انه لا يرجع ولع الملائكه بالطاعه، الا الي الزياده، و ذلك للمواد الموجوده في قلوبهم الموجبه للزياده (لم تنقطع اسباب الشفقه منهم) الشفقه الخوف (فينوا) من (
وني) بمعني كسل و ضعف (في جدهم) و اجتهادهم في الطاعه. (و لم تاسرهم الاطماع) اي اطماع خارجيه (فيوئثروا) و يقدموا (و شيك السعي) اي السعي الوشيك و هو السعي الضعيف، مقابل السعي الحثيث، فان الوشيك بمعني القريب (علي اجتهادهم) و سعيهم الحثيث في الطاعه فان الانسان اذا طمع في شي‌ء قل سعيه في غيره، و الملائمه لا طمع لهم في غير الله سبحانه كي يخف سعيهم في طاعه الله تعالي. (و لم يستعظموا ما مضي من اعمالهم) اي لا يعدونه عظيما (و لو استعظموا ذلك) العمل الماضي منهم (لنسخ الرجاء منهم) اي ابطل الرجاء- الذي يحدث من استعظام العمل، فان الشخص اذا راي عمله عظيما صار رجائه كبيرا- (شفقات و جلهم) اي تارات خوفهم، جمع شفقه، و هي التاره من الخوف، فان الرجاء اذا عظم، قل الخوف. (و لم يختلفوا في) محبه (ربهم) و طاعته (ب) سبب (استحواذ الشيطان) و استيلائه (عليم) فان الشيطان لا يجد اليهم سبيلا (و لن يفرقهم سوء التقاطع) اي التحاسد و التشتت فيما بينهم. (و لا تولاهم) اي اخذهم (غل التحاسد) اي الحسد الكائن في النفس فان الغل هو الحسد الكامن في النفس. (و لا شعبتهم) اي فرقتهم (مصارف الريب) جمع ريبه، اي صروف الريبه الذي يصرف بالانسان، فان الشك يوجب صرف
الانسان عن اتجاهه، و ذلك يوجب التفرق. (و لا اقتسمتهم اخياف) جمع خيف بمعني الناحيه (الهمم) جمع همه اي ان النواحي المتشته من الافكار و الاهتمامات لا توجب تفرقهم- كما في البشر- اذ لا هم مختلفه لهم، و انما هم جميعهم شي‌ء واحد (فهم اسراء ايمان) قد جمع الايمان بالله كلهم تحت لواء واحد، كالاسير الذي لا يتمكن من الانفكاك و الانطلاق (لم يفكهم من ربقته) اي ربقه الايمان و هي الحبل فيه عري لاعناق البهم تربط بها لتنخرط في حبل واحد و يسهل سوقها (زيغ) اي انحراف (و لا عدول) عن الحق (و لا وني) اي وهن و ضعف (و لا فتور) اي فاصله و كساله بين العمل. (و ليس في اطباق السماء) اي طبقاتها المختلفه، و المراد اجزائها (موضع اهاب) هو جلد الحيوان، اي قدر جلد (الا و عليه ملك ساجد) لله (او ساع حافد، خفيف سريع السير فيما امره الله فالسماء ممتلئه بالملائكه (يزدادون علي طول الطاعه) اي علي انهم في الطاعه طول اوقاتهم (بربهم علما) و هذا خلاف الانسان فان طول طاعته لاحد، يزداده تنفرا و اشمئزازا، لما يبدو له من نقائصه (و تزداد عزه ربهم في قلوبهم عظما) فعظمته سبحانه لا تزال تنمو في انفسهم.
[صفحه 71]
(و منها في صفه الارض و دحوها علي الماء) اي بسطها عليه (كبس) الله (الارض) اي ضغط بالارض و جعلها (علي مور) المور التحرك الشديد (امواج مستفحله) اي هائجه صعبه، فان الله سبحانه خلق الماء اولا ثم جعل فوقه الارض ضاغطا للارض علي الماء، حيث كانت الامواج الهائجه تعلوا الماء (و) علي (لجج) جمع لجه، و هي معظم الماء و وسطه (بحار) من الماء، و التيان بالجمع باعتبار قطعها المختلفه و الا كانت بحرا واحدا (زاخره) من زخر اذا امتلا (تلتطم اواذي) جمع لذي و هو اعلي المرج (امواجها) جمع موج و هو ما يعلوا البحر من المياه المختلطه بالهواء، و معني التطامها ضرب بعضها بعضا بشده (و تصطفق) اي تضطرب و تهتز (متقاذفات اثباجها) جمع ثبح- كفرس- ما بين الكاهل و الظهر، و استعير لا عالي الموج، و معني اصطفاقها اضطرابها الموجب لقذف بعضها علي بعض. (و ترغو) تلك البحار، اي تعطي الرغوه (زبدا) بيان لترغو، اي تخرج الزيد (كالفحول) من الابل (عند هياجها) فان الابل اذا اهتاج اخرج من فمه الزبد لما يخلط من الهواء باللعابات اللزجه الكائنه في فمه (فخضع جماح) اي استعلاء (الماء المتلاطم) الذي يلطم بعضه بعضا (لثقل حملها) اي حمل الارض (و سكن هيج) اي هيجان (
ارتمائه) من (رمي) اي اضطرابه و قذقه للامواج (اذ وطئته) اي وطئت الارض الماء (بكلكلها) بمعني الصدر (و ذل) الماء (مستخذيا) اي منسكرا مسترخيا (اذ تمعكت) التمعك تمرغ الدابه في التراب (عليه) اي علي الماء (بكواهلها) اي كواهل الارض، و الكاهل بين العضد و العنق، و المراد هنا الثقل، يعني ان الارض لما القت بثقلها علي الماء، ذل الماء فلم يضطرب و لم يهتز- كما كان- (فاصبح) الماء (بعد اصطخاب) افتعال من الصخب بمعني رفع الصوت (امواجه) فان للامواج صوتا و صياحا (ساجيا) من سجي بمعني سكن (مقهورا) ذليلا قد قهرته الارض (و في حكمه الذل) الحكمه ما احاط بحنكي الفرس من لجامه (منقادا اسيرا) لا يقدر علي التحرك و الاضطراب. (و سكنت الارض مدحوه) من الدحو بمعني البسط (في لجه تياره) اي معظم تيار الماء، و التيار هو الماء الجاري بشده (و ردت) الارض (من نخوه باوه) اي زهوه (و اعتلائه) اي تعاليه، فان الماء كان كالزاهي المتعال، فلما القيت الارض عليه رجع عن ذلك، بل سكن و هدء. (و شموخ انفه) يقال شمخ بانفه اذا تكبر (و سمو) اي ارتفاع (غلوائه) اي نشاطه و تكبره، فان الغلواء بمعني تجاوز الحد. (و كعمته) اي كعمت الارض الماء، يقال كعم البعير اذا شد فاه لئلا ي
عض او ياكل (علي كظه جريته) الكظه ما يعرض من امتلاء البطن بالطعام، فالماء الذي كان يجري في تياره، كان كثيرا متراكما كالشخص المتلي‌ء طعاما (فهمد) اي سكن الماء (بعد نزقاته) النزقه الطيش (و لبد) اي قام و سكن (بعد زيفان و ثباته) الزيفان التبختر في المش، و الوثبه الطفره، كان الماء كان يطفر من هنا الي هنا متبخترا. (فلما سكن هياج الماء) اي اضطرابه (من تحت اكنافها) اي اطراف الارض، فان الاكناف جمع كنف بمعني الطرف و الناحيه (و) من (حمل) الماء ل(شواهق الجبال) جمع شاهقه و هي المرتفعه (الشمخ) جمع شامخ و هو المرتفع (البذخ) جمع باذخ و هو المرتفع الضخم (علي اكتافها) اي اكتاف الارض، الاموجب لثقل الارض علي الماء. (فجر) اي اظهر الله سبحانه (ينابيع العيون) جمع ينبوع و هو محل الماء العذب المجتمع تحت الارض (من عرانين انوفها) عرانين جمع عرنين- بالكسر- و هو ما صلب من عظم الانف، و المراد اعالي الجبال (و فرقها) اي الانهار النابعه (في سهوب) جمع سهب بمعني الفلات (بيدها) جمع بيداء و هي الصحراء، و كان المعني الصحاري الواسعه (و اخاديدها) جمع اخدود و هي الحفر المتسطيله في الارض، كمجاري الانهار. (و عدل حركتها) اي حركات الارض، فان الارض لوجود
ثقل عليها تتحرك و تضطرب، اضطراب السفينه في الماء (بالراسيات) جمع راسيه و هي الجبل (من جلاميدها) جمع جلمود و هو الحجر الصلب. (و ذوات الشناخيب) جمع شنخوب و هو راس الجبل (الشم) جمع اشم و هو الرفيع (من صياخيدها) جمع صيخود و هو الصخره الشديده (فسكنت) الارض (من الميدان) اي التحرك و الاضطراب (لرسوب الجبال) اي نفوذ الجبال في اعمال الارض (في قطع) جمع قطعه (اديمها) اي سطحها، تشبيها بالجلد (و تغلغلها) التغلغل المبالغه في الدخول، و الضمير للجبال (متسربه) التسرب الدخول في الشي‌ء (في جوبات خياشيمها) جوبات جمع جوبه و هي الحفره، و خياشيم جمع خيشوم و هو منفذ الانف الي الراس. (و ركوب الجبال اعناق سهول الارضين) السهل ضد الجبل، و ركوب الاعناق و كنايه عن التسلط، فان الراكب علي عنق البعير اكثر تسلطا عليها (و جراثيمها) هي ما سفل عن السطح فان الجبال داخله في اجواف الارض، و الارضين- جمعا- باعتبار قطعها المختلفه. (و فسح) الله سبحانه، اي اوسع (بين الجو) اي الفضاء (و بينها) اي بين الارض (و اعد الهواء متنسما) آله للتنفس، و النسيم ما يشرح النفس و يبرد حراره البدن و القلب (لساكنها) اي ساكن الارض و لو لا الهواء لم يتمكن الانسان من العيش عل
ي وجه الارض. (و اخرج اليها) اي الي الارض (اهلها) من الانسان و الحيوان و النبات (علي تمام مرافقها) اي بعد ان اكمل جميع وسائل الحيات و العيش اخرج و اظهر سكان الارض، و مرافق جمع مرفق، بمعني اسباب الرفق، و المراد اسباب العيش و وسائل الحياه المريحه. (ثم لم يدع) سبحانه (جرز الارض) و هي الاراضي التي لاتمر عليها مياه العيون فتنبت النبات (التي تقصر مياه العيون عن روابيها) جمع رابيه و هي الارض المرتفعه التي لا يصل اليها مياه الانهار و العيون. (و لا تجد جداول الانهار) جمع جدول و هو النهر (ذريعه) اي وسيله (الي بلوغها) لارتفاع الارض و انخفاض النهر (حتي انشا لها) و اوجد من اجل تلك الاراضي المرتفعه (ناشئه سحاب تحيي مواتها) الموات ما لا يزرع من الارض، و ناشئه بمعني المنشائه، و انما جي‌ء بهذه اللفظه، لان السحاب ينشاء رويدا رويدا حتي يكون ركاما كثيفا (و تستخرج) تلك الناشئه (نباتها) بالهطول عليها (الف) الله سبحانه (غمامها) هو السحاب (بعد افتراق لمعه) جمع لمعه و هي القطعه البيضاء من السحاب، سميت بها لانها تلمع لبياضها (و تباين قزعه) جمع قزعه و هي القطعه من الغيم، فان قطع السحاب تتجمع من هنا و هناك و يتصل بعضها ببعض حتي تكون سحا
با كثيفا. (حتي اذا تمخصت) اي تحركت تحركا شديدا كما يتحرك اللبن في السقاء (لجه المزن) اللجه معظم الماء، و المزن السحاب، و ضمير (فيه) راجع الي المزن، فان الماء يتمخض في السحاب، حتي يهطل، و حيث ان السحاب ماء مخلوط بالهواء صح جعل السحاب ظرفا، و الماء مظروفا (و التمع برقه في كففه) جمع كفه و هي الحاشيه و الطرف، فان البرق يظهر من اطراف السحاب غالبا. (و لم ينم وميضه) اي لمعانه (في كنهور) كسفرجل القطعه العظيمه من السحاب (ربابه) هي السحاب الابيض، اي لم يسكن البرق في هذا السحاب المحمل بالماء، بان تتابعت البروق- و ذلك قرب نزول المطر-. (و متراكم سحابه) السحاب المتراكم هو الكثير الذي اجتمع من تجمع القطع الكثيره (ارسله) اي ارسل الله تعالي المطر (سحا) اي صبا متلاحقا (متداركا) يدرك بعضه بعضا. (قد اسف) اسف: دنا من الارض لثقله (هيدبه) ما تهدب منه الي الارض اي ما تدل (تمريه الجنوب) اي تستخرج رياح الجنوب ما في السحاب من الماء، من مري الناقه اذا مسح علي ضرعها ليحلب لبنها (درر) جمع (دره) بالكسر، و هي اللبن (اهاضيبه) جمع اهضاب، و هو جمع هضبه، و هي المطره فالسحاب كالبقره، و ما تدل منه كالضرع، و الجنوب كالحالب، و الامطار التي تنزل مت
داركه، كالحليب. (و دفع شابيبه) جمع شئبوب، و هي الدفعه القويه، من المطر (فلما القت السحاب) و حيث ان السحاب للجنس. جي‌ء بالفعل مونثا (برك بوانيها) البرك الصدر و البواني ما يلي الصدر من الاعضاء، فالسحاب كالحيوان الذي يلقي علي الارض بصدره و اضلاعه- و المراد بذلك انه انزل ما فيه من الامطار-. (و) القت (بعاع) الثقل الكائن فيه من الامطار (ما استقلت) السحاب (به) اي بذلك البعاع، اي حملته (من العب‌ء) اي الحمل (المحمول عليها) فقد حملها الله سبحانه المطر. (اخرج) الله سبحانه (به) اي بذلك المطر النازل (من هوامد الارض) جمع هامده و هي الميته التي لا نبات فيها (النبات) و هو كل ما ينبت ماكولا كان او غير ماكول (و من زعر الجبال) جمع ازعر و هو الموضع القليل نباته (الاعشاب) جمع عشب و هو النبات الذي لا ساق له (فهي) اي الارض (تبهج) من البهجه و هي الفرح و السرور (بزينه رياضها) فكانه فرحه مسروره بالبساتين و الاعشاب المزينه لها. (و تزدهي) اي تعجب و تتبختر (بما البسته) الفعل مبني للمجهول، و الملبس هو الله سبحانه، او السحاب (من ريط) جمع ريطه بالفتح و هي كل ثوب رقيق لين (ازاهيرها) جمع ازهار و هو جمع زهره بمعني النبات، او بمعني الورده (و ح
ليه ما سمطت) الارض (به) الضمير عائد الي (ما) و سمط بمعني علق عليه (من ناضر انوارها) جمع نور بالفتح بمعني الزهر، و الناضر ذو النضره، اي البهجه و الجمال (و جعل ذلك) الذي يخرج من الارض (بلاغا للانام) البلاغ ما يتبلغ به الانسان من القوت، و الانام بمعني الناس (و رزقا للانعام) جمع نعم من غنم و ابل و بقر و ما اشبه (و خرق الفجاج) الطرق (في آفاقها) اي آفاق الارض، او آفاق الفضاء، جمع افق، و معني خرق، اوجد الطرق التي تخرق الهواء او الارض. (و اقام المنار) اي محل الاناره (للسالكين) الذين يريدون الذهاب من محل الي محل (علي جواد طرقها) جواد جمع جاده، و هي الطريق الواضح و الضمير للارض، و المراد بالمنار العلائم الدلاله علي الطريق، من الكواكب، و الجبال، و الرياح و ما اشبه مما تدل علي اتجاه الطرق و البلاد.
[صفحه 79]
(فلما ممهد ارضه) جعلها قابله للسكني (و انفذ امره) بمعني خلق ما اراد (اختار آدم عليه‌السلام خيره من خلقه) (خيره) مصدر تاكيدي (و جعله اول جبلته) اي اول خليقته، فانه اول جنس البشر (و اسكنه) اي آدم عليه‌السلام (جنته) و هل هي جنه الدنيا او جنه الاخره فيه خلاف (و ارغد) اي اوسع في هناء (فيها) اي في الجنه (اكله) اي ما ياكله (و او عز اليه) اي اخبره و انباه (فيما نهاه عنه) من اكل الشجره. فقال (لا تقربا هذه الشجره فتكونا من الظالمين). (و اعلمه ان في الاقدام عليه) اي علي ما نهاه (التعرض لمعصيته) و المراد عصيان الامر الارشادي لا المولوي الذي هو معصيه حقيقه (و المخاطره بمنزلته) اي جعل منزلته في خطر الزوال، لانه اذا اكل من الشجره خرج من الجنه. (فاقدم) آدم عليه‌السلام (علي ما نهاه) الله (عنه) من اكل الشجره، و ذلك بتغرير الشيطان و حلفه له بانه له عليه‌السلام لمن الناصحين (موافاه لسابق علمه) تعالي، اي كان الاقدام موافقا لما علمه سبحانه من السابق، فانه تعالي يعلم كل شي‌ء يقع في المستقبل (فاهبطه) اي انزل آدم عليه‌السلام من درجته (بعد التوبه) اي تاب آدم عن زلته (ليعمر ارضه بنسله) و ذريته، و الا كانت الارض خاليه عن ال
بشر. (و ليقيم الحجه به) اي بواسطه آدم عليه‌السلام (علي عباده) فان الانبياء حجه علي الخلق اذا عصوا (و لم يخلهم) اي العباد (بعد ان قبضه) اي امات آدم عليه‌السلام (مما يوكد عليهم حجه ربوبيته) فان العقل دل علي الربوبيه، و الانبياء يوكدون ذلك (و يصل بينهم) اي بين العباد (و بين معرفته) بسبب الانبياء. (بل تعاهدهم) الله سبحانه (بالحجج علي السن الخيره من انبيائه) اي ارسل علي العباد الحجه بعد الحجه علي لسان المختارين من الانبياء (و متحملي ودائع رسالاته) فان الرساله وديعه من الله سبحانه عند انبيائه ليودوها الي عباده (قرنا فقرنا) و المراد به مده عمر جيل من الناس، و سمي قرنا لاقتران اعمار بعضهم ببعض، و في مدته خلاف من ثلاثين، الي المائه، و ذلك بمختلف الاعتبارات، و المشهور عند الان اطلاقه علي المائه. (حتي تمت بنبينا محمد صلي الله عليه و آله حجته) اذ لا نبي بعده ياتي بحجه جديده (و بلغ المقطع) اي النهايه التي لا شي‌ء بعده (عذره) فانه فيما لو خالف الناس لم يكن من الله سبحانه. (و نذره) جمع النذير، الذي يخوف بالعقب علي المخالفين. (و قدر) سبحانه (الارزاق فكثرها) لبعض (و قللها) لاخر، و معني التقدير التخطيط كراكب السياره الذي هو م
ضطر في السير الي اتجاه السياره، بينما هو مختار في عمله داخل السياره، و لذا ورود لا جبر و لا تفويض بل امر بين الامرين. (و قسمها) اي الارزاق و ذلك بعد التقدير- (علي الضيق و السعه فعدل فيها) فلم يكن احد الامرين ظلما اذ الظلم ان يمنع الانسان احدا حقه، و لا حق لاحد علي الله سبحانه، و انما قسم بالاختلاف (ليبتلي) اي يمتحن (من اراد) امتحانه (بميسورها و معسورها) فهل يصبر المعسور له و هل يشكر الميسور لاجله؟ (و ليختبر بذلك) الاختلاف (الشكر و الصبر من غنيها و فقيرها) الضمير راجع الي العباد و يجوز الاتيان بضمير المونث باعتبار (الجماعه) كما قال ابن مالك (و التاء مع جمع سوي السالم من) (مذكر كالتا مع احدي اللبن) او راجع الي الارزاق- مجازا-. (ثم قرن) سبحانه (بسعتها) اي سعه الارزاق (عقابيل) جمع عقبوله بمعني الشدائد (فاقتها) اي الفقر، فان السعه دائما معرضه للزوال و اتيان الضيق مكانها (و بسلامتها) اي سلامه الارزاق (طوارق آفاتها) جمع طارقه و هي المصيبه النازله دفعه فقد لا يتضيق الرزق و لكنه يكون بشده و صعبوه. (و) قرن سبحانه (بفرج) جمع فرجه (افراحها) جمع فرح و انما قال (فرج) لان الانسان يفرح في الفرجه و السعه (غصص اتراحها) جمع غص
ه، و اتراح مقابل افراح. (و خلق) سبحانه (الاجال) اي مده اقامه كل انسان في دار الدنيا (فاطالها و قصرها) بان جعل مده بعض طويلا، و مده بعض قصيرا (و قدمها و اخرها) فذو الاجال القصيره يقدم اجل هذا علي ذاك، و كذلك في الاجال الطويله. (و وصل بالموت اسبابها) اي حبال الاجال، كان لكل مده موصوله بحبل حتي ينتهي الحبل بيد الموت، فاذا انتهت المده جر الموت الحبل و اختطف الانسان المنقضي اجله. (و جعله) اي الموت (خالجا) اي جاذبا (لاشطانها) جمع شطن علي وزن فرس بمعني الحبل الطويل، شبه به الاعمار الطويله- كما ذكرنا- (و قاطعا لمرائر) جمع مريره و هي الحبل بفتل علي اكثر من طاق (اقرانها) جمع قرن و هو الحبل يقرن به بعيران، و هذا من اقوي الحبال، و مع ذلك الموت يقطعه فيقع الانسان المتصل به في هوه الفناء.
[صفحه 83]
هو سبحانه (عالم السر من ضمائر المضمرين) الذين يضمرون الاشياء في مكنونهم فانه سبحانه يعلمها. (و) من (نجوي المتخافتين) التخافت المكالمه سرا يعني انه سبحانه يعلم نجواهم. (و) من (خواطر رجم الظنون) فان الظن اذا وقع علي شي‌ء، فكانه قد رجم ذلك الشي‌ء، و الخاطر هو الشي‌ء يخطر ببال الانسان. (و عقد) جمع عقده (عزيمات) جمع عزيمه مما يعزم الانسان عليه (اليقين) فاليقين كالشي‌ء المعقود بالقلب الذي ينوي الانسان له و يعزم عليه، يعني انه سبحانه يعلم الظنون و يعلم اليقين، و هما سران في ضمير الانسان. (و مسارق) جمع مسرق، و هو مصدر ميمي (ايماض) اللمعان الذي ياتي من اشاره العين، قال الشاعر امرئه في الرمضان الماضي تقطع الحديث بالايماضي اي باشاره العين (الجفون) جمع جفن، يعني انه سبحانه يعلم سرقه النظر، و ان لم يدرك ذلك الناس الذين بحضره من يسرق في نظره. (و) يعلم (ما ضمنته اكنان القلوب) جمع كن بالكسر، و هو كل ظرف يستتر فيه الشي‌ء و المراد انه يعلم المعلومات الموجوده في زوايا القلوب (و غيابات) اي اعماق (الغيوب) التي هي غائبه عن الحواس كالاشياء المستوره تحت الارض و نحوها. (و) يعلم (ما اصغت) الاصغاء بمعني الاستماع (لاستراقه
مصائخ الاسماع) مصائخ جمع مصاخ، و هو محل الاصاخه، اي ثقبه الاذن، اي انه يعلم ان فلانا يسترق السمع، او يعلم المطلب الذي يسترق السمع لاجله. (و مصائف) جمع مصيف، و هو محل الاقمه في الصيف (الذر) النمل، اي يعلم محل النمل في الصيف- تحت الارض- فان النمل تغير مكانه في الصيف عن مكانه في الشتاء. (و مشاتي الهوام) جمع هامه، و هي كل حيوان صغير يعيش في الحجر، و المشاتي جمع مشتي، و هو محل الاقامه شتاء. (و) يعلم (رجع الحنين) اي ترديد الحنين الذي يظهرها اصحاب المصائب (من المولهات) اي النساء الوالهه الحزينه اليت اصيبت بمصيبه. (و) يعلم (همس) اي الصوت الخافت من (الاقدام) فانه سبحانه يعلمها و يسمعها. (و) يعلم (منفسح الثمره) مكان نموها، من فسح (من ولائج) جمع وليجه بمعني البطانه (غلف) جمع غلاف و هو القشر المحيط به (الاكمام) جمع (كم) بالكسر، و هو غطاء الفواد و وعاء الطلع، يعني انه سبحانه يعلم محل نمو الثمره في داخل غلاف الوعاء المقرر للثمار. (و) يعلم (منقمع الوحوش) اي موضع اختفاء الحيوانات الوحشيه- غير الانسيه- من انقمع بمعني اختفي. (من غيران الجبال) جمع غار، و هي الثقبه الواسعه في الجبل يختفي فيها الحيوان (و اوديتها) جمع الوادي، و ه
و المحل المنفسح في الجبال و (من) بيان لمنقمع. (و) يعلم (مختباء) اي محل اختباء- بمعني الاختفاء- (البعوض بين سوق الاشجار) جمع ساق و هو اسفل الشجره (و الحيتها) جمع لحاء و هو قشر الشجره. (و) يعلم (مغرز الاوراق) اي محل غرزها اي نباتها (من الافنان) اي الغصون. (و) يعلم (محط الامشاج) جمع مشيج، من مشج اذا خلط، و المراد المني، لانه مخلوط من اجزاء مختلفه- انفصلت كل جزء من جزء من البدن- لتكون بها اجزاء مختلفه للانسان و الحيوان، و (محط) بمعني المحل الكائن فيه المني (من مسارب الاصلاب) جمع مسرب، و هو المحل الذي يتسرب و يدخل فيه المني، و اصلاب جمع صلب، في ظهر الرجل. (و) يعلم (ناشئه الغيوم) اي المنشا من السحاب، الذي لم يتلاحم بعد (و متلاحمها) اي ما اتصل بعضه ببعض كاللحم المتصل اجزائه. (و) علم (درور) اي الهطول و النزول- كدر احليب- (قطر السحاب) اي الامطار (في متراكمها) اي السحاب الذي بعضه فوق بعض. (و) يعلم (ما تسفي الاعاصير) يقال سفت الريح التراب، اي ذرته و حملته، و العاصير جمع اعصار، و هي ريح تثير السحاب، او تقوم من الارض كالعمود (بذيولها) فان ذيول الريح تعمل ما تعمل، اما معظمها فهي في الفضاء. (و) يعلم ما (تعفو الامطار) اي تم
حو (بسيولها) و هو المطر الغزير الذي يشكل مياها كثيره تسيل، فتخرب البناء و ما اشبه. (و) هو عالم ب (عوم) من عام اذا دخل، و جر (عوم) لانه عطف علي قوله (السر) المضاف اليه ل(عالم) و انما جئنا ب(يعلم) في الجمل السابقه، للايضاح، و الا فالكل عطف علي (السر) (نبات الارض في كثبان الرمال) جمع كثيب، و هو التل الصغير من الرمل. (و) عالم ب(مستقر ذوات الاجنحه) اي محل الطيور (بذرا) جمع ذروه و هي القمه باعلي الشي‌ء (شناخيب الجبال) جمع شنخوب بمعني الراس. (و) عالم ب(تغريد ذوات النمطق) يقال غرد الطائر اذا رفع صوته كانه يغني (في دياجير الاوكار) جمع ديجور و هو شده الظلمه، و اوكار جمع وكر بيت الطائر، و انما سمي (دوات المنطق) لانه نطقها. (و) يعلم (ما اوعبته) اي جمعته (الاصداف) جمع صدف و هو القشره التي يخرج منها اللولو (و حضنت عليه امواج البحار) يعني ان الامواج تحضنت ذلك الشي‌ء كتحضن الام ولدها، و ذلك مثل العنبر الذي تربيه البحار. (و) يعلم (ما غشيته سدفه ليل) اي ظلمته، و غشاه بمعني حواه (او ذر) اي طلع (عليه شارق نهار) اي ضياء النهار. (و) يعلم (ما اعتقبت) اي تعاقبت و توالت (عليه اطباق الدياجير) جمع طبق، و دياجير جمع ديجور بمعني الظلمه،
كان ظلمات الليل كالاغطيه التي تغطي علي الاشياء طبقا بعد طبق (و سبحات النور) جمع سبحه اي درجاته و اضوائه. (و) هو سبحانه عالم ب(اثر كل خطوه) اي ما يبقي بعدها علي الارض مما يدل علي مرور ذي روح هنا. (و) عالم ب(حس كل حركه) المراد بحسها صوتها، او حالتها الموجوده فيها (و رجع كل كلمه) اي جواب الكلمه، او ترديدها في الهواء. (و) عالم ب(تحريك كل شفه) بالكلام (و مستقر كل نسمه) اي كل انسان، اي يعلم ان كل انسان اين يستقر في حال سكونه. (و) عالم ب(مثقال) اي ثقل (كل ذره) و هي التي تري في ضوء الشمس الداخل من كوه في محل مظلم. (و) عالم ب(هماهم) جمع همهمه، و هي الصوت الذي لا يميز (كل نفس هامه) اي التي تهم. (و) يعلم سبحانه (ما عليها) اي علي الارض (من ثمر شجره) حين وقوعه عليها (او ساقط ورقه) اي اوراق الاشجار التي تسقط علي الارض (او قراره نطفه) اي قرارها في الرحم (او نقاعه دم) ما ينقع من الدم في اجزاء البدن، اي يجتمع في النقره التي في العروق و ما اشبه (و مضغه) و هي اللمحه التي تشبه اللحم الممضوغ بالاسنان، فان المضغه تنقع في الرحم، او انها عطف علي نقاعه، اي يعلم سبحانه كل مضغه. (او ناشئه خلق) اي الخلق الذي ينشا و يخرج من العدم الي ال
وجود (و سلاله) اي الخلاصه التي تخلص من الاشياء، او المراد الاصفاء (لم يلحقه) سبحانه (في ذلك) العلم بهذه الاشياء (كلفه) و صعوبه كما هو كذلك في الانسان فان الانسان لا يعلم شيئا الا بعد تكلف و مشقه (و لا اعترضته في حفظ ما ابتدعه) و اوجده (من خلقه عارضه) تمنعه عن الابتداع و الايجاد، كما قد يمنع الانسان شي‌ء عما يريد ان يعمله و يوجده (و لا اعتورته) الاعتوار العروض (في تنفيذ الامور و تدابير المخلوقين ملاله و لا فتره) اي كسل و ضعف كما يعترض الانسان، اذا استمر في عمل طويل (بل نفذ فيهم علمه) اي علم الامور داخلها و خارجها، كالشي‌ء الذي ينفذ في شي‌ء، فيدخل باطنه (و احصاهم عده) فانه سبحانه يعلم عددهم (و وسعهم عدله) فانه يعدل بالنسبه الي جميع المخلوقين، و معني العدل وضع كلشي‌ء موضعه (و عمرهم فضله) فان احسانه سبحانه شمل جميعهم (مع تقصيرهم عن كنه) اي ما يستحق من (ما) اي العباده التي (هو اهله).
[صفحه 89]
(دعاء) (اللهم انت اهل الوصف الجميل) اي اهل لان توصف بالجميل (و التعداد الكثير) فان اوصافه سبحانه كثيره (ان تومل) اي يرجو فضلك الناس (فخير مومل) لانه لا افضل منه سبحانه في الرجاء و الامل (و ان ترج فاكرم مرجو) هو الذي يترقب الانسان منه الخير (اللهم و قد بسطت لي) من فضلك (فيما) اي في النعم التي (لا امدح به) الضيمر عائد الي (ما) المراد به (النعم) (غيرك) فانك المتفضل فكيف امدح سواك (و لا اثني) اي لا امدح، من الثناء بمعني الاطراء (به) اي بسبب تلك النعم، و الضمير عائد الي (ما) (علي احد سواك) و المراد انقطاعه عليه‌السلام بالحمد له وحده. (و لا اوجهه) اي اوجه المدح (الي معادن الخيبه) اي المحلات التي تخيب الانسان اذا رجاها و المراد منهم ما سوي الله سبحانه (و مواضع الريبه) اي الشك، فان المخلوق موضع شك في انه هل يتفضل ام لا؟ (و) قد (عدلت) يا رب (بلساني عن مدائح الادميين) اي المنسوبين الي آدم عليه‌السلام (و الثناء علي المربوبين المخلوقين) و انما نسب العدل اليه تعالي، لانه وحده تفضل، فلم يبق مجالا لتفضل غيره حتي يستحق المدح معه تعالي، و هذا من باب النسبه الي السبب، و المراد بهذه الجمل، السبب الاول الحقيقي في ال
انعام، و الا فلكل منعم من الناس حق المدح و الثناء. (اللهم و لكل مثن) اي عامل للثناء، مادح لشخص (علي من اثني عليه مثوبه) اي ثواب و جزاء، فانه مصدر ميمي (من جزاء) بقدر الثناء (او عارفه من عطاء) اي عطاء معروف اكثر من الجزاء (و قد رجوتك) يا الهي (دليلا علي ذخائر الرحمه) اي ان الرجاء هو ان تدلني علي الرحمه المدخره عندك للصالحين (و كنوز المغفره) اي غفران الذنب. (اللهم و هذا مقام) اي انا قائم في هذا المقام (من افردك بالتوحيد) اي جعلك واحدا لا شريك لك (الذي هو لك) و هذا لتاكيد ان التوحيد ليس اغراقا، و انما حقيقه واقعه في مقابل صفات المخلوقين التي قد يدعي الانسان انها لهم، و ليست واقعا بل اغراقا و مبالغه و تملقا (و لم ير مستحقا لهذه المحامد) جمع محمده، مصدر ميمي بمعني الحمد (و المادح غيرك) و قوله (و لم) عطف علي (افردك). (و بي فاقه) اي حاجه شديده (اليك لا يجبر مسكنتها) المسكنه شده الفقر التي توجب سكون صاحبها عن الحركه التجاريه و الزراعيه و ما اشبه- مما يتحرك بها اهل الثروه- (الا فضلك) و احسانك (و لا ينعش من خلتها) اي فقرها، و الانعاش ما يوجب النشاط و الحركه (الا منك) اي احسانك (و جودك) بالاعطاء و الاكرام (فهب لنا في ه
ذا المقام) الذي انا فيه (رضاك) بان ترضي عنا (و اغننا) باعطائنا حوائجنا (عن مد الايدي) اي بسطها للاستعطاء (الي سواك) اي غيرك (انك علي كل شي‌ء قدير).

خطبه 091

[صفحه 92]
(لما اريد علي البيعه بعد قتل عثمان) (دعوني و التمسوا غيري) اي اطلبوا للبيعه غيري، ليكون رئيسا علي المسلمين (فانا مستقبلون امرا له وجوه و الوان) اي في الخلافه- بعد مقتل عثمان- اضطرابات و ارتباكات، فان اراد الخليفه ان يعمل بالكتاب و السنه و العدل و الحق، يقوم في وجوهها المعارضون الذين اعتادوا الرشوه و الظلم و هضم حقوق الضعفاء، و ان اراد الخليفه الانحراف و مسايره الظالمين كما فعل عثمان، كان حائدا عن الكتاب و السنه. و حيث ان الامام لا يريد الا الحق كان يعلم عدم استقامه الامر له ف(لا تقوم له) اي لهذا الامر الذي هو الخلافه (القلوب) اي لا تتحد في الالتفاف حوله (و لا تثبت عليه العقول) بل العقول التي تقبله اول الامر ترده آخر الامر (و ان الافاق قد اغامت) اي غطيت بالغيم، و هذا كنايه عن خروج الامر عن الحاله الطبيعيه، كما تخرج الافاق بالغيم عن ذلك. (و المحجه) اي الطريق (قد تنكرت) اي ذهبت معالمها فلا تعرف (و اعلموا اني ان اجبتكم) الي قبول الخلافه الظاهريه (ركبت بكم ما اعلم) اي سرت بكم في طريق الحق، كما يركب القائد الناس في مراكبه (و لم اصغ) اي لا اسمع (الي قول القائل) الذي يقول في ما يشاء (و عتب العاتب) الذي
يعتب لماذا تركت سيره الخلفاء (و ان تركتموني) و لم تبايعوني (فانا كاحدكم) في انه لا تبعه عليكم مني، و لا افسد الامر عليكم. (و لعلي اسمعكم و اطوعكم لمن وليتموه امركم) اي للخليفه الذي تنصبونه (و انا لكم وزيرا) بان تجعلون الخليفه غيري (خير لكم مني اميرا) اي خليفه. و لا يقال: كيف جاز للامام ان يرفض الخلافه؟ لانه يقال: الامام لم يرفض و انما بين طريقته في هذه الاسلوب- فالاسلوب مجاز عن الطريقه لا انه رفض حقيقي- و لذا قال في الاخير (خير لكم) اي من جهه الدنيا، لا انه خير في نظر الواقع و الحقيقه، و الله اعلم.

خطبه 092

[صفحه 94]
(اما بعد) اي بعد الحمد و الصلاه (ايها الناس فاني فقات عين الفتنه) فقا العين بمعني قلعها، و الظاهر ان المراد بالفتنه فتنه الخوارج، حيث ان اجتثاثهم كان صعبا جدا، اذا انهم كانوا يتظاهرون بالاسلام و الزهد فلم يكن احد يجترء علي تكفيرهم و محاربتهم لو لا الامام الذي كان اشد ملازمه منهم لاحكام الاسلام، و ازهد منهم عند الخاص و العام، و هذا شي‌ء واضح فان الذين يتظاهرون بالدين لا يتمكن من اسقاط منزلتهم و زحزحتهم الا الاشد تمسكا و الاقوي اخذا و احتمل ان يراد بالفتنه جميع الفتن التي وقعت في زمان الامام، التي لو لا الامام لم يتمكن احد من قلعها. (و لم يكن ليجتري عليها) اي علي الفتنه و اجتثاثها (احد غيري) لما ذكرنا (بعد ان ماج) شمل و اضطرب (غيهبها)، اي ظلمتها، بان شملت ظلمتها الناس حتي الاخيار، فان بعض الفتن تشمل الخواص كما تشمل العوام. (و اشتد كلبها) الكلب داء يصيب الكلاب و يسمي حينئذ بالكلب العقور، فاذا عض احدا مات، ان لم يسرع الي الدواء، و كان امر الخوارج هكذا يفسد الناس بمجرد وصوله اليهم. و اذا كنت الامام القادر علي امور الدنيا و الدين (فاسالوني) عن كل تشائون (قبل ان تفقدوني) بالموت و الخروج من بين اظهركم.
(فو الذي نفسي بيده) قسم بالله سبحانه الذي نفس الامام بيده يوجهها كما يشاء (لا تسالوني عن شي‌ء فيما بينكم و بين الساعه) اي يوم القيامه، و انما سميت بالساعه، لتجدد الساعه هناك- و كما يقال فعلا (ساعه الصفر) البتداء الثورات- (و لا) تسئلوني (عن فئه) اي جماعه (تهدي مئه و تضل مئه) الواو بمعني او، و انما خصص هذا بالذكر، لان ابتداء الكلام كان في الخوارج الذين اضلوا الناس. (الا انباتكم) اي خبرتكم (بناعقها) اي الداعي الي تلك الهدايه، او الضلاله- المفهوم من قوله تهدي و تضل-. (و قائدها) الذي يقود اولئك المائه، و يحتمل ان يراد بالضمير في (ناعقها): المائه، علي ضرب من المجاز (و سائقها) و الفرق ان القائد هو الذي يتقدم، و السائق هو الذي يتاخر. و انما لم يذكر الامام عليه‌السلام متعلق (لا تسالوني) اكتفاء بذكر متعلق (و لا عن فئه) علي حد قول الشاعر (نحن بما عندنا و انت بما عندك راض و الراي مختلف) و قوله (علفتها تبنا و ماء باردا). (و مناخ ركابها) المناخ بضم الميم محل بروك القافله، من اناخ، و ركاب الراكب، مقابل راجل. (و محط رحالها) اي المحل الذي يحط رحل الابل و الفرس و من المعلوم ان محل الاناخه: غير محط الرحال. (و من يقتل من اهلها)
اي اهل تلك الفئه (قتلا) في مقابل الموت (و من يموت منهم موتا) في مقابل القتل (و لو قد فقد تموني و نزلت بكم كرائه الامور) جمع كريهه و هي الامور الشديده التي لا يعلم حلها و علاجها (و حوازب الخطوب) جمع حازب و هو الامر الصعب، و خطوب جمع خطب و هي الداهيه والامر الشديد. (لا طريق كثير من السائلين) اطرق براسه اذا نكسه فلم يرفعه تحيرا، و هذا كنايه عن تحيرهم في الامر لا يدرون من يحل لهم المشكله و يرشدهم طريق الصواب. (و فشل كثير من المسوولين) لا يعلمون الجواب و لا يهتدون الي طريق الصواب (و ذلك اذا قلصت حربكم) اي تمادت و استمرت، و اصل التقلص التقبض يعني عدم انفراجها و انكشاف غمتها. (و شمرت عن ساق) فان الانسان اذا اراد الجد في العمل رفع ثوبه عن ساقه- و هو التشمير- لئلا يمنعه فاضل الثوب عن الاسراع في العمل، و الجمله تشبيه بهذا الانسان، كنايه عن جد الحرب و استعارها. (و ضاقت الدنيا عليكم ضيقا) بان لا تجدوا مفرا و ملجا عن المشكله و الكارثه (تستطيلون معه) اي مع ذلك الضيق. (ايام البلاء عليكم) فان الانسان الواقع في البليه يستطيل الايام، و بالعكس الانسان الذي في الهناء و الرفاه. (حتي يفتح الله لبقيه الابرار منكم) و الفتح و ان كان
عاما لكنه انما ياتي بملاحظه الابرار و لذا نسب اليهم.
[صفحه 97]
(ان الفتن اذا اقبلت شبهت) يعين يشتبه فيها الحق بالباطل، و يلبس الباطل لباس الحق فيغر به من قلت معرفته، و ضئلت تجربته. (و اذا ادبرت) بان انزاحت (نبهت) و دلت علي مواقع الخطا فيها فان الانسان يفكر و يرجع اليه صوابه فيري موقع الحق من الباطل. (ينكرن) اي الفتن، و المعني لا يعرف كونها فتنه و باطلا (مقبلات) اي في حال اقبالها (و يعرفن مدبرات) فيعرف الناس- لدي ادبار الفتن- انها كانت فتنه و باطلا (يحمن) اي الفتن. (حوم الرياح) اي مثل حركه الرياح، من حام بمعني دار. (يصبن) الفتن (بلدا و يخطئن بلدا) فتشمل الفتنه بلدا دون بلد كما ان الرياح تشمل بلدا دون بلد. (الا ان اخوف الفتن عندي عليكم فتنه بني‌اميه) و ذلك لانهم حرفوا الاسلام باسم الاسلام، و حيث كانت السلطه بايديهم، تمكنوا من ارساخ قواعد الكفر في المجتمع، مما كوي المسلمون بنارها الي يومنا هذا بعد اربعه‌عشر قرنا- و قد كانت الجمل السابقه من قوله (ان الفتن) مقدمه لهذه النتيجه-. (فانها فتنه عمياء) كالاعمي الذي لا يبصر الطريق فيضل و يسقط في المهاوي (مظلمه) و هذان وصفان لشده جهاله الحق فيها و اختلاطه بالباطل. (عمت خطتها) لانها كانت رئاسه عامه للبلاد الاسلاميه فلا من
جي لاحد منها (و خصت بليتها) لال البيت عليهم‌السلام، حيث انها كانت ضدهم، او المراد خصت بليتها اهل الحق، و ليست كالفتن التي تشمل اهل الحق و اهل الباطل. (و اصاب البلاء من ابصر فيها) اي في تلك الفتنه، فان من عرف انها فتنه و اراد تجنبها الي الحق نزل به بلاء الاضطهاد من بني‌اميه. (و اخطا البلاء من عمي عنها) اي من لم يبصر انها فتنه فجاراها و سايرها، فانهم لم يكونوا يتعرضون لمن لم يعارضهم. (و ايم الله لتجدن) ايها المسلومن (بني‌اميه لكم ارباب سوء بعدي) اي قاده سوء يعملون سوء و يامرونكم بالسوء. (كالناب الضروس) الناب الناقه المسنه، و الظروش السيئه الخلق التي تعض بضرسها حالبها (تعذم) اي تعض (بفيها و تخبط بيدها) اي تضرب الارض و تخلط الحسن بالسيي‌ء. (و تزبن) اي تضرب (برجلها) فترفس الناس و تكسر الاشياء و هكذا. (و تمنع درها) اي حليبها فلا تعطي اللبن (لا يزالون بكم) اي بنو اميه (حتي لا يتركوا منكم) احدا (الا نافعا لهم) يويدهم (او غير ضائر بهم) لا ينهاهم عن المنكر. (و لا يزال بلاوهم) يتمادي و يستمر (حتي لا يكون انتصار احدكم منهم) اذا اراد كفهم عن ظلمه، او اخذ حقه منهم. (الا كانتصار العبد من ربه) اي سيده فكما لا يتمكن العبد ان
ينتصر من سيده كذلك لا تتمكنون من الانتصار عليهم. (و) انتصار (الصاحب من مستصحبه) اي التابع من متبوعه و الذليل ممن اذله (ترد عليكم) ايها الناس (فتنتهم) اي فتنه بني‌اميه (شوهاء) قبيحه المنظر، اي مشوه الخلقه (مخشيه) اي مخوفه مرعبه. (و قطعا جاهليه) فانهم يعيدون الاخلاق الجاهليه، فكل خلق منها كقطعه من قطع الجاهليه قبل الاسلام (ليس فيها) اي في فتنتهم (منار هدي) محل للنور يعرف به الطريق. (و لا علم يري) اي دليل يسير عليه السائر، يراه فيسير نحوه لئلا يضل. (نحن اهل البيت) المراد الائمه الطاهرون (منها) اي من فتنه بني‌اميه (بمنجاه) اي في محل نجاه لا تشملنا، و هذا تحريض للناس للتمسك باهل البيت اذا ارادوا النجاه من تلك الفتنه- بمعني عدم الوقوع في الباطل و لاثم.- (و لسنا فيها بدعاه) جمع داعي، فان اهل البيت كانوا مخالفين لبني‌اميه لا داعين اليهم. (ثم يفرجها الله عنكم) بزوال ملكهم (كتفرج الديم) هو الجلد، اي كما يسلخ الجلد عن اللحم (بمن) اي يكون الفرج علي يد من (يسومهم خسفا) اي يذل بني‌اميه، يقال سامه خسفا اذا اذله (و يسوقهم عنفا) يريد بالسوق تنحيتهم عن اريكه السلطه و المراد باولئك آل عباس، و ليس هذا مدحا لهم بل نقلا و حكايه،
كما قال سبحانه عن بخت نصر (بعثنا عليكم عبادا لنا اولي باس شديد). (و يسقيهم بكاس مصبره) اي مملوئه الي اصبارها- جمع صبر بمعني الحاشيه و الطرف- و هذا كنايه عن الوان الانتقام منهم و تعميم التعذيب و الاستيصال لهم (لا يعطيهم الا السيف) كنايه عن سعه القتل فيهم فلا امان لهم (و لا يحلسهم) اي لا يلبسهم يقال احلس البعير اذا البسه الحليس و هو الكساء الذي يوضع علي ظهره- (الا الخوف) يعني انه يغشي فيهم الخوف. (فعند ذلك تود قريش- بالدنيا و ما فيها- لو يرونني) فان ابامسلم انما قام في مقابله الامويين لنصره العلويين، فكانت قريش تود ان تري الامام لتعطيه حقه، و قوله: (بالدنيا) اي كانوا يحبون رويته عليه‌السلام في مقابل اعطائهم الدنيا و ما فيها. (مقاما واحدا و لو قدر جزر جزور) الجزور الناقه التي تجزر اي تنحر، اي ان قريش تود رويتي و لو بمقدار نحر بعير- في مقام واحد- فان الانسان في السراء يحب ان يري اصحابه و اهله ليري سرورهم خصوصا اذا كان السرور لمن ظلم (لاقبل منهم) اي اتسلم و آخذ من قريش. (ما اطلب اليوم بعضه فلا يعطونني) هولاء القوم- من النصفه و الحق- اي يحبون ان يروني لا قبل منهم السلطه العامه مما اطلب اليوم بعضه، فان الامام علي
ه‌السلام كان يطلب ضم الشام- الذي هو بعض السلطه- فلا يعطيها معاويه، و في بعض الشروح تفسير (تود قريش) يحب بني‌اميه لذلك- لكن ما ذكرناه اظهر، و الله العالم.

خطبه 093

[صفحه 102]
و فيها وصف الله و الرسول و آل البيت عليهم‌السلام، ثم الوعظ و الارشاد. (فتبارك الله) من برك بمعني ثبت، اي انه سبحانه ثابت لا يزول، و منه سميت البركه، لانها تبقي و لا تفني بسرعه (الذي لا يبلغه بعد الهمم) جمع همه، اي ان الهمه البعيده لا تبلغ كنه معرفته سبحانه لتعذرها علي البشر (و لا يناله حدس) هو الظن (الفطن) جمع فطنه بمعني الذكاء. (الاول الذي لا غايه له) اي لا آخر لوجوده تعالي (فينتهي) و ينعدم (و لا آخر له فينقضي) و كانه بالنسبه الي ذات الشي‌ء، و الوصف السابق باعتبار ظرفه، مثلا اذا سار زيد الي الكوفه فالكوفه غايه، و اذا كان عمره الي ذلك الوقت فله آخر هناك- و الا فالوصفان بمعني واحد، او يتكلف: بان لا غايه بمعني (لا ابتداء).
[صفحه 102]
(منها) في وصف الانبياء (فاستودعهم) الله، اي اودعهم (في افضل مستودع) اي اصلاب الرجال (و اقرهم في خير مستقر) اي ارحام النساء (تناسختهم) اي تناقلتهم (كرائم الاصلاب) اي الاصلاب الكريمه، و الصلب في ظهرالرجل موضع مائه (الي مطهرات الارحام) اي ارحام النساء المطهره عن الزنا و الكفر و ما اشبه، فمثلا الرسول صلي الله عليه و آله و سلم اودع في صلب آدم عليه‌السلام ثم انتقل الي رحم (حواء) و هناك اودع في صلب (هابيل) و انتقل الي رحم (زوجته) و هلم جرا. (كلما مضي منهم) اي من الانبياء (سلف) بان مات احدهم (قام منهم بدين الله) اي لاقامه دينه (خلف) يخلف مكانه ليودي رسالته ربه (حتي افضت) اي انتهت (كرامه الله) بالنبوه (الي محمد صلي الله عليه و آله فاخرجه) اي الرسول (من افضل المعادن منبتا) المنبت اسم مكان بمعني محل النبات، و المراد (بني‌هاشم). (و اعز الارومات) جمع ارومه بمعني الاصل (مغرسا) موضع الغرس (من الشجره التي صدع منها انبيائه) يقال صدع فلانا اذا قصده لكرمه، اي خصهم بالنبوه و المراد بها شجره ابراهيم عليه‌السلام الذي تفرع منه انبياء بني‌اسرائيل الكثار و غيرهم. (و انتخب) اي اختار (منها) اي من تلك الشجره (امنائه) المام
ونين علي تبليغ الشريعه (عترته) عتره الرجل اهله الاقربون، اي ان اهل بيت الرسول صلي الله عليه و آله (خير العتر) جمع عتره (و اسرته) رهطه و جماعته (خير الاسر) جمع اسره (و شجرته خير الشجر) الشجر للجنس و الشجره للفرد نحو تمر و تمره، و بقر و بقره (نبتت) شجره الرسول صلي الله عليه و آله (في حرم) مكه (و بسقت) اي ارتفعت (في كرم) فلكهم كرماء اذكياء (لها فروع طوال) لامتداد ذريه الرسول صلي الله عليه و آله. (و ثمره لا تنال) اي ان عزه و سودده لا ينال فلا يتمكن احد من الصول الي هذه المرتبه الرفيعه (فهو امام من اتقي) لانه صلي الله عليه و آله المعلم و المرشد و الاسوه. (و بصيره) اي سبب بصيره (من اهتدي) الي الحق (سراج) اي مصباح (لمع) و اشرق (ضووه) فكما يضي‌ء المصباح كذلك الرسول صلي الله عليه و آله يضي‌ء بالارشاد و الهدايه. (و شهاب) هو النيزك يري بالليل ينبقض في السماء (سطع) اي ارتفع (نوره) فرآه كل احد (و زند) هو ما يقدح من الحجر لاخراج النار (برق لمعه) اي نوره (سيرته القصد) يعني التوسط في الامور بلا افراط و لا تفريط (و سنته) اي طريقته (الرشد) لاغي في سنته صلي الله عليه و آله و سلم. (و كلامه الفصل) بين الحق و الباطل (و حكمه العد
ل) لا يجور في الحكم او ان احكامه كلها عادله لا انحراف فيها (ارسله) الله سبحانه (علي حين فتره من الرسل) الفتره الزمان بين الرسولين (و هفوه) اي انحراف الناس (عن العمل) الصالح (و غباوه) اي جهل (من الامم) بما يصلح دنياهم و آخرتهم.
[صفحه 105]
(اعملوا) ايها الناس (رحمكم الله) دعاء في صوره الجمله الخبريه (علي اعلام بينه) اي واضحه، و المراد بالاعلام، احكام الكتاب و السنه، فانها اعلام لطريق الحق و الهدي. (فالطريق) الي الحق (نهج) واضح مستقيم (يدعوا الي دار السلام) فاعل يدعو (الطريق) و دار السلام هي الجنه، لانها دار سلامه، كما قال سبحانه: (لهم دار السلام عند ربهم). (و انتم في دار مستعتب) اي طلب العتبا- بمعني الرضا- فان الدنيا دار يطلب من الانسان- فيها- اي يرضي ربه، و هذا كنايه عن ان للانسان وقت للعمل الصالح. (علي مهل) اي مهله من العمل (و فراغ) فلا اشتغال للانسان لا يتمكن من العمل الصالح بسببه (و الصحف) جمع صحيفه- التي يكتب فيها عملكم- (منشوره) فلكم امكان ان تزيدوا و تنقصوا في اعمالكم. (و الاقلام جاريه) بالكتابه لكم او عليكم، فيمكنكم التدارك (و الابدان صحيحه) لا مرض فيها (و الالسن مطلقه) لا خرس لها، و الجملتان من باب الغالب- كما لا يخفي- (و التوبه مسموعه) لا كالاخرهه التي لا تقبل التوبه فيها (و الاعمال مقبوله) فمن عمل صالحا قبل منه و رفع به درجته.

خطبه 094

[صفحه 106]
في فضيله الرسول صلي الله عليه و آله (بعثه) الله سبحانه (و الناس ضلال) جمع ضال (في حيره) لا يعرفون طريق الصواب (و خابطون في فتنه) اي كانوا يخوضون في الفتن لا يهتدون الي الحق، و لا يجدون للخلاص سبيلا (قد استهوتهم الاهواء) اي ان الميول و الشهوات اخذتهم الي جانبها (و استزلتهم الكبرياء) اي ادت كبريائهم و انصرافهم عن الحق الي الزله و السقوط في المفاسد. (و استختهم الجاهليه الجهلاء) اي جعلتهم الجاهليه خفيفا، تسوق بهم الي المهالك و المضار، و الجاهليه صفه لاقوام ما قبل الرساله، حيث كان الناس يغوطون في بحارالجهل و الاثام، و الجهلاء مبالغه في وصفها بالجهل. (حياري) جمع حيران (في زلزال من الامر) اي ان امورهم لم تكن مستقره بل مضطربه. (و بلاء من الجهل) فجهلهم كان بلاء عليهم (فبالغ) الرسول (صلي الله عليه و آله في النصيحه) لهم بترك الكفر و الاثام (و مضي علي الطريقه) الصحيحه يدعو الناس لا تباعه. (و دعا الي الحكمه و الموعظه الحسنه) اي دعا الناس بان يكونوا حكماء عارفين، و يعظون الناس موعظه حسنه، لا عنف فيها و لا تجهم، و لا ايذاء

خطبه 095

[صفحه 107]
(فيها حمد الله، و تمجيد الرسول صلي الله عليه و آله) (الحمد لله الاول فلا شي‌ء قبله فهو واجب الوجود، فهو ازل، و لا شي‌ء غيره الا ممكن الوجود، فيسبق عدمه وجوده، مهما طال به الزمن في طرف الازل، (و الاخر فلا شي‌ء بعده) لانه سبحانه يبقي بعد فناء جميع الاشياء و الدليل عليه هو (وجوب الوجود) كما ذكرنا. (و الظاهر فلا شي‌ء فوقه) و المراد بالظاهر العالي منزله الرفيع قدرا، و لذا وصفه عليه‌السلام بقوله (فلا شي‌ء فوقه) اي من حيث الرتبه و الشرف. (و الباطن فلا شي‌ء دون) في تبطن الاشياء و عرفان كنهها، و المراد البطون بالعلم، لا بالمكان- كما هو واضح.
[صفحه 108]
(منها في دكر الرسول صلي الله عليه و آله) (مستقره) صلي الله عليه و آله و سلم، اي محل قراره، و هو مكه، او المراد رحم امه صلي الله عليه و آله (خير مستقر) فان مكه هي ام القري، و بيت الله الحرام، و ان اريد قرار نطفته، فلطهاره والده الرسول صلي الله عليه و آله و اصالتها. (و منبته) اي آبائه الذين نبت صلي الله عليه و آله منهم (اشرف منبت) لانهم المختارون لهذا الرسول العظيم (في معادن الكرامه) فاجداده صلي الله عليه و آله كانوا كرماء اذكياء، كانهم معدن لهذا الوصف. (و مماهد) جمع ممهد، و المراد المهد- فهو اسم مكان من امهد اي هيي‌ء المكان الحسن للاستقرار- (السلامه) فان الرسول صلي الله عليه و آله كان من آباء كلهم سالمون عن الفكر و السفاح و سائر الارجاس. (قد صرفت نحوه افئده الابرار) اي ان قلوبهم مصروفه نحوه صلي الله عليه و آله لاتخاذ العلم و العمل منه، فانهم ياتسون به و يتقدون بسيرته و سنته (و ثنيت اليه) صلي الله عليه و آله. (ازمه الابصار) ازمه جمع زمام، و انثناء الازمه كنايه عن تحول الابصار اليه، كما ان انثناء ازمه الدابه انما يكون اذا اريد تحولها الي اتجاه آخر. (دفن) الله سبحانه (به) اي بالرسول صلي الله عليه و
آله (الضغائن) اي الاحقاد، بما اوجد في قلوبهم من المحبه و الالفه. (و اطفا به الثوائر) جمع ثائره، و هي العداوه التي تثور و تثب للاضرار (الف) الله سبحانه (به) صلي الله عليه و آله (اخوانا) فجعل كل مسلم اخا للاخر- كما قال تعالي: (انما المومنون اخوه). (و فرق) سبحانه (به) صلي الله عليه و آله (اقرانا) الذين كانوا يالفون علي الشرك و العصيان، فمن آمن منهم فرق عمن بقي علي كفره. (اعز) سبحانه (به) صلي الله عليه و آله (الذله) التي كانت تشمل العرب و سائر الناس، فيما قبل الاسلام. (و اذل) سبحانه (به) صلي الله عليه و آله (العزه) للكافرين و العصاه فاصبحوا اذلاء بعد ان كانوا اعزه. (كلامه) صلي الله عليه و آله (بيان) للحق، ليس هدرا و لغوا. (و صمته لسان) فان سكوته صلي الله عليه و آله دليل علي العدم و الترك. فاذا سكت عن شي‌ء دل علي انه ليس بمنكر، لان قوله و فعله و تقريره كلها حجه.

خطبه 096

[صفحه 110]
في حال اصحابه، و حال اصحاب الرسول صلي الله عليه و آله (و لئن امهل) الله (الظالم) و لم يعجل في عقابه (فلن يفوت اخذه) اي لا يذهب عنه تعالي ان ياخذه و ينتقم منه (و هو) سبحانه (له) اي الظالم (بالمرصاد) هو موضع الرصد و الترقب، كانه سبحانه واقف في طريق الظالم يراقبه حتي اذا وصل اليه- و حان وقته- اخذه اخذ عزيز مقتدر. (علي مجاز طريقه) المجاز محل العبور، من جاز بمعني مر (و بموضع الشجا) الشجي ما يعترض في الحلق من عظم و نحوه (من مساع ريقه) اي ممره من الحلق، فان ماء الفم يمر من الحلق بسهوله الي الباطن، و هذا تمثيل لقرب ترقب الله سبحانه للظالم، حتي كانه سبحنه في حلقه، فاذا اراد اخذه جعل هناك شجي فلا يتمكن من شر الماء. (اما و الذي نفسي بيده) اي الله سبحانه الذي روح الانسان تحت قدرته و هذا حلف فيها نكته لطيفه-. (ليظهرن) اي ليغلبن و ليتسلطن (هولاء القوم) معاويه و اتباعه (عليكم ليس لانهم اولي بالحق منكم) حتي ينطبق عليهم (الحق يعلو و لا يعلي عليه). (و لكن لاسراعهم الي باطل صاحبهم) معاويه اي انه اذا امرهم بامرا اسرعوا في تلبيته فينتهزون كل فرصه، و العامل- دائما- مقدم علي الكسول العاطل (و ابطائكم عن حقي) اي عن ال
حق الذي امركم به. (و لقد اصبحت الامم تخاف ظلم رعاتها) جمع الراعي، اي حكامها، فان الناس يخافون من ظلم السلاطين و الحكام. (و اصبحت) بالعكس من ذلك (اخاف ظلم رعيتي) بان تظلمني في عدم الاطاعه، و عدم السير علي الخطه التي انهجها لهم (استنفرتكم للجهاد) اي طلبت منك النفر و السير للجهاد مع اهل الشام (فلم تنفروا) و لم تسيروا. (و اسمعتكم فلم تسمعوا) اي اسمعتكم سوء العاقبه اذا لم تحاربوا هولاء. لكنكم ما اطعتم كالذي لا يسمع. (و دعوتكم) الي الحق (سرا) فرادي و في الخلوات (و جهرا) جماهيرا و في الاجتماعات (فلم تستجيبوا) و لم تقبلوا النصح و الارشاد. (و نصحت لكم) فيما ينفعكم (فلم تقبلوا) نصحي و لم تسيرا وفق منهجي (اشهود كغياب)؟ استفهام انكار، اي كيف انت حاضرون في حال كونكم- في عدم الانتفاع كالغائبين الذين لا يسمعون الكلام (و عبيد كارباب) ان العبد يحتاح الي الاخافه في الاطاعه، و هولاء كانوا عبيدا لكنهم كارباب لا رب لهم و هذا الكلام في غايه الجمال و البلاغه في الازدراء بهم. (اتلو) اي اقرء (عليكم الحكم) جمع حكمه و هي الموعظه (فتنفرون منها) بعدم العمل بعضا مينها (و اعظكم بالموعظه البالغه) التي تبلغ غايه الارشاد و الايضاح (فتتفرقون
عنها) اي لا تجتمعون علي الاخذ بها و الاتعاظ منها. (و احثكم) اي احرضكم (علي جهاد اهل البغي) اي اهل الظلم و هم معاويه و اتباعه (فما اتي علي آخر قولي) في الحث و التحريض (حتي اراكم متفرقين) يذهب كل فريق الي داره و محله (ايادي سبا) جمع ايدي، و هي النعمه، اي كما تفرقت نعم (سبا) و هي مدينه في اليمن، حكا القرآن الحكيم قصتها في قوله (لقد كان لسبا في مسكنهم آيه)، و قيل غير ذلك، ثم صار (ايادي سبا) مثلا في شده التفرق و الاختلاف. (ترجعون الي مجالسكم) بلا اهتمام للجهاد (و تتخادعون) اي يخدع بعضكم بعضا (عن مواعظكم) التي وعظتكم بها، فلا ترون لها قيمه و ثمنا. (اقومكم) بالنصح و الارشاد و جعمكم (غدوه) اي صباحا (و ترجعون الي عشيه) اي ليلا (كظهر الحنيه) اي القوس، سميت بها لا نحنائها (عجز المقوم) عن تقويمكم، و هذا جمله خبر للتافيف و التضجر (و اعضل المقوم) اي استصعب و عصي من يراد قوامه و استقامته. (ايها) الجماعه (الشاهده ابدانهم) اي الحاضره في محضري (الغائبه عقولهم) كنايه عن عدم رشدهم و ادراكهم (المختلفه اهواوهم) فلكل هوي و ميل و اتجاه، بلا اجتماع علي الحق (المبتلي بهم امراوهم) فان امراء العراق ما كانوا يعلمون ماذا يصنعون بهولاء، و
لذا دل التاريخ علي كثره التقلبات في هذه البلاد بما يقل مثلها في سائر المدن و البلاد. (صاحبكم) يعني الامام ب(الصاحب) نفسه الطاهره (يطيع الله) في اوامره و نواهيه (و انتم تعصونه) بالمخالفه و التفرق و اتباع الاهواء. (و صاحب اهل الشام) و هو معاويه (يعصي الله) فلا يطيع اوامره و زواجره (و هم يطيعونه) في باطله (لوددت) اي احببت. (- و الله- ان معايه صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم) المصارفه تعويض نقد بنقد آخر (فاخذ مني عشره منكم و اعطاني رجلا منهم) فان الدينار- كان- يعادل عشره دراهم و المراد ان رجلا من اهل الشام- في الاطاهه خير من عشره منكم، فالجيش المكون من مائه منهم- مثلا افضل في القوه و المنعه من جيش مكون من الف منكم. (يا اهل الكوفه منيت منكم) اي امتحنت بواستطكم و ابتليت بكم (بثلاث) من الخصال السيئه التي فيكم (و اثنتين) اي خمس خصال سيئه، و انما فرقهما لان الاثنتين شكل آخر، من غير شكل الثلاث، و ان كان الجميع خصال سوء اما الثلاث (صم ذوو اسماع) اي ان اسماعكم لا تنفع، فانتم كالانسان الاصم الذي لا ينتفع بسمعه و صم جمع اصم، و هو من فقد حاسه السمع. (و بكم) جمع ابكم و هو الذي لا يقدر علي التكلم (ذوو كلام) و حيث ان كلامهم لا
ينفع فهم كالابكم الذي لا يتلكم اذ عدم الكلام و الكلام غير المفيد سواء. (و عمي) جمع اعمي (ذوو ابصار) و الحاصل ان اسماعكم و ابصاركم و السنتكم لا ياتي منها الخير فوجودها كعدمها … و اما الاثنتان (لا احرار صدق) اي ليس احدكم حرا صادقا، و انما حريتكم مكذوبه لان عملكم عمل العبد (عند اللقاء) في الحرب، فالعبد يفر، لانه لا يهمه من كان سيده، سيده الاول او خصمه، اما الحر فانه يعلم اذا غلب يكون عبد الخصمه، و لذا يصمد امام الاعداء (و لا اخوان ثقه) اي اخوان يثق بكم الانسان (عند البلاء) فانكم تتجانبون اصدقائكم اذا نزلت بهم البلاء، لانطوائكم علي الرذيله. (تربت ايديكم) اي اصابت التراب، و هذا دعاء عليهم بعدم الخير، لان الانسان اذا ذهب الي العمل فقد يجد العمل، و قد لا يجد فكانه اصابت يده التراب الذي لا ينفع، و لم تصب عملا نافعا. (يا اشباه الابل) المتصفه بانها (غاب عنها رعاتها) فان الابل اذا غاب عنها الراعي تفرقت اشد التفرق (كلما جمعت من جانب) فيما كان الجمع من غير الراعي لها (تفرقت من جانب آخر) لعدم انتظام امرها. و عدم اتحاد اهوائها. (و الله- لكاني بكم) اي هكذا اراكم و اظنكم (فيما اخال) اي فيما اظن، فان (خال) بمعني (ظن) (ان لو
حمس) اي اشتد (الوغي) اي الحرب (و حمي) اصار حارا (الضراب) اي القتال، و حرارته كنايه عن شدته (و قد انفرجتم) اي تفرقتم (عن ابن ابي‌طالب) يعني الامام عليه‌السلام نفسه. (انفراج المراه عن قبلها) كما تبدي النساء عورتها لدي الوضع عند الولاده، او لدي ملاقات السلاح، لانها تذهل عن امرها، حتي انها لا تعرف انكشاف قبلها اذا فرت و قد صرح الامام بهذا اللفظ ليوجد فيهم الانفه و الحميه لعلهم يانفون عن مثل هذا التشبيه القبيح، و المراد التشبه في فرارهم بالمراه المنفرجه لا ان المقصود جميع اطراف التشبيه فتامل. (و اني) لا يهمني امركم في ذات نفسي، و انما انصح لكم، اذ اني (لعلي بينه من ربي) فانا اعرف احكام الله سبحانه. (و منهاج من نبيي) اعلم سنه الرسول صلي الله عليه و آله. (و اني لعلي الطريق الوضاح القطه لقطا) اي آخذ الحق كما ياخذ الانسان اللقطه الثمينه من بين ما لا ثمن له، فان الحق واحد و الباطل ضروب مختلفه.
[صفحه 116]
(انظروا) الي (اهل بيت نبيكم فالزموا سمتهم) اي طريقهم (و اتبعوا اثرهم) في الاعمال و الاقوال و العقائد (فلن يخرجوكم من هدي) الي الضلاله (و لن يعيدوكم في ردي) اي الهلاك، و الاعاده باعتبار ما كان الناس عليه في زمن الجاهليه. (فان لبدوا) اي اقاموا علي امر (فالبدوا) اي اقيموا عليه من (لبد) بمعني (اقام). (و ان نهضوا) بالحرب، او ما اشبه (فانهضوا) و هذا كنايه عن اتباعهم في كل الامور (و لا تسبقوهم) بان تسرعوا في الامر فيما تانوا فيه، كان يحاربوا و اهل البيت يرون وجوب المسالمه (فتضلوا) عن الطريق. (و لا تتاخروا عنهم) كما لو قام اهل البيت بالحرب، فلم ينهض معهم الناس، فانهم تاخروا عنهم- فان التقدم و التاخر يعتبر بالسلوك، تشبيها له بالمشي- (فتهلكوا) بالعصيان و توجبوا علي انفسكم العقاب و النيران. (لقد رايت اصحاب محمد صلي الله عليه و آله و سلم فما اري احدا منكم يشبههم) في الطاعه و السبق الي الخير و الفضيله- و المراد بهم المومنون حقا، لا المنافقون،- كما لا يخفي-. (لقد كانوا يصبحون شعثا) جمع اشعث و هو الذي لم يمشط راسه فتداخل شعره (غبرا) جمع اغبر و هو المعفر الراس، فان القيام بالليل و كثره الركوع و السجود يسبب ذلك،
و المراد انهم كانوا عبادا زهادا (و قد باتوا) ظلوا الليل كله (سجدا) جمع ساجد (و قياما) جمع قائم (يراوحون) المرواحه بين عملين هي ان يعمل هذا مره و ذاك مره (بين جباههم) جمع جبهه (و خدودهم) جمع خد، يعني انهم كانوا يضعون جبهتهم و خدهم علي الارض خضوعا- هذه مره، و ذاك اخري- و ذلك كنايه عن ادمان الصلاه و الاستكانه (و يقفون علي مثل الجمر) اي مثل الواقف علي جمر النار (من ذكر معادهم) فان الانسان اذا خاف شديدا، كان كالواقف علي الجمر في ضربان القلب، و عدم استقرار الجسد. (كان بين اعينهم) اي في جباههم (ركب المغزي) جمع ركبه، و المعزي، جمع معز، فان كثره السجود توجب يبس الموضع و استدارته و انعقاد الثفنه، و تخصيص المعزي لان ركبها اشد يبوسه (من طول سجودهم) لله سبحانه. (ذا ذكر الله هملت) اي جرت (اعينهم) دموعا (حتي تبل) اعينهم (جيوبهم) من كثره البكاء، فان الخائف الشديد الخوف، و الراغب الشديد الرغبه، اذا ذكر لديهم المخوف منه او المرغوب اليه بكوا. (و مادوا) اي اضطربوا- عند ذكر الله سبحانه- (كما يميد الشجر يوم الريح العاصف) اذا هبت الرياح الشديده (خوفا من العقاب) لئلا يكون من اهله (و رجاء للثواب) تمنيا ان يكونوا من مستحقيه.

خطبه 097

[صفحه 118]
في وصف بني‌اميه (و الله لا يزالون) اي يبقون (حتي لا يدعوا) اي لا يتركوا (لله محرما الا استحلوه) اي اتوا به كانه حلال (و لا عقدا) مما عاهد الله البشر (الا حلوه) و لم يفوا به، او المراد عقودهم مع الناس، و هذا اضافي بمعني انهم لا يبالون بالمحرمات و العقود، لا استغراقي حقيقي. (و حتي لا يبقي بيت مدر) و هو المبني من طوب و حجر و نحوهما (و لا وبر) و هو الخيام المضروبه من اوبار الابل و نحوها (الا دخله ظلمهم) فان الضرائب و ما اشبه تدخل كل بيت. (و نبا به سوء رعيهم) يقال نبا به المنزل اذا لم يوافقه فارتحل عنه، يعني ان سوء اداره بني‌اميه يوجب ابتعاد الناس عن دارهم فرار من الظلم. (و حتي يقوم الباكيان يبكيان) المراد جنسان من الباكي (باك يبكي لدينه) حيث ان بني‌اميه يحاربون الدين (و باك يبكي لدنياه) حيث يستبدون بالسيطره علي الدنيا فلا يجعلون لاحد منها نصيبا. (و حتي تكون نصره احدكم من احدهم) اي اذا اراد الانتصار (كنصره العبد من سيده) الذي لا يتمكن الانتصار منه و التغلب عليه (اذا شهد اطاعه و اذا غاب اغتابه) هذا بيان لكيفيه النصره، فان العبد حيث لا يتمكن من الانتصار يكون حاله هكذا، اذا حضرالمولي اطاعه- خوفا و جبرا
- و اذا غاب المولي، اغتابه العبد و بين مظالمه و اذاه له. (و حتي يكون اعظمكم فيها) اي في حكم بني‌اميه (عناء) تعبا و صعوبه (احسنكم بالله ظنا) اذ الانسان الحسن الظن بالله يعمل من اجله سبحانه، و بنو اميه مخالفون لمن اطاع الله سبحانه و لذا يضطهدوه و يوذوه اكثر من غيره. (فان اتاكم الله بعافيه) سلامه عن شرهم (فاقبلوا) و اشكروا الله عليها (و ان ابتليتم) ببلائهم (فاصبروا) حتي ياتي الله بامره (و العاقبه للمتقين) الذين يتقون الاثام و المعاصي.

خطبه 098

[صفحه 120]
في التزهيد في الدنيا (نحمده) تعالي (علي ما كان) من تهطال نعمه علينا قديما (و نستعينه من امرنا علي ما يكون) ليكون سبحانه عونا لنا في ما ياتي (و نساله المعافاه في الاديان) بان يتفضل علينا بعافيه ديننا عن الاخطار (كما نساله المعافاه في الابدان) بان يعافي بدننا من الامراض.
[صفحه 120]
يا (عباد الله اوصيكم بالرفض لهذه الدنيا) اي تركها و عدم الاقبال عليها (التاركه لكم و ان لم تحبوا تركها) فان الدنيا تترك الانسان عند الموت و تاخذ عنه نعيمها، و ان لم يحب الانسان الا البقاء، و دوام النعمه (و المبليه لاجسامكم) فان الانسان يبلي في القبر و يصير ترابا. (و ان كنتم تحبون تجديدها) اي تجديد الدنيا، فهي من النقيض لكم حيث انكم تخدمونها و هي نسي‌ء اليكم فما اجدر بالانسان ان يترك ما هذا شانه. (فانما مثلكم و مثلها) اي مثلكم في الدنيا (كسفر) بمعني جماعه مسافرين (سلكوا سبيلا) اي ساروا في طريق (فكانهم قد قطعوه) و وصلوا الي الغايه التي من اجلها سافروا (و اموا علما) اي قصدوا جبلا- او علامه- (فكانهم قد بلغوه) و هكذا الدنيا حيث انها محدوده لابد و ان تنتهي عن قريب، و لذا فمن الافضل ان لا يعتمد الانسان عليها (و كم عسي المجري) مركوبه (الي الغايه ان يجري اليها) اي الذي يريد ان يجري الي تلك الغايه (حتي يبلغها) متعلق ب(كم عسي) اي، مقدار من المده يرجو- الذي يجري مركوبه الي غايه يريد ان يرجي اليها- حتي يبلغ تلك الغايه؟ و هذا استفهام للتحقير، فان ماله غايه لابد من الوصول اليها، و ان كانت المسافه بعيده. (و ما
عسي) اي ما يومل (ان يكون بقاء) اي بقائه (من له يوم لا يعدوه) فان لكل انسان يوم لا يعدو ذلك اليوم، بل اذا وصل اليه انتهي عمره و انتقل الي الاخره، و الاستفهام للتحقير لبيان قله الامر المومل اذا كان له آخر و غايه (و) الحال انه (طالب حثيث) يحث و يحرض علي السير (يحدوه) يسوقه و يسيره (في الدنيا حتي يفارقها) و الطالب الحثيث هو امر الله سبحانه فالامر آخر، و طالب يحدو … فكم يبقي الانسان و الحال هذه؟ (فلا تنافسوا) التنافس التغالب علي الشي‌ء (في عز الدنيا و فخرها) بان يريد كل منكم ان يعلوا علي صاحبه في العز و الفخر. (و لا تعجبوا بزينتها و نعيمها) اي لا تفرحوا و لا ترضوا عن زينه الدنيا و نعيمها، لانه سراب خادع لا دوام له و لا بقاء (و لا تجزعوا) الجزع ضد الصبر (من ضرائها) اي الاضرار التي تلحق بكم من الدنيا (و بوسها) شدائدها (فان عزها و فخرها الي انقطاع) فلابد ان ياتي زمان لا عز لكم فيه و لا فخر حيث ذهبا بسبب او بالموت (و ان زينتها و نعيمها الي زوال) و فناء (و ضرائها و بوسها الي نفاد) اي خلاص و تمام، من نفد اذا فني (و كل مده) خيرا كانت او شرا (فيها) اي في‌الدنيا (الي انتهاء) قال الشاعر: رايت الدهر مختلفا يدور فلا حزن يدو
م و لا سرور و قد بنت الملوك به قصورا فما بقي الملوك و لا القصور (و كل حي فيها الي فناء) فكيف يعتمد العاقل علي مثل هذه الدنيا؟ ام كيف يحزن ليوسها؟ او يفرج لنعيمها؟ (او ليس لكم في آثار الاولين) ممن كان من قبلكم (مزدجر) اي ما يسبب الانزجار و الارتداع عن الاقبال علي الدنيا، فها هم قد فنوا و مضوا و هذه آثارهم. (و في آبائكم الماضين) الذين ماتوا (تبصره و معتبر) اي ما يوجب التبصر و الاعتبار، بان تعرفوا من مضيهم حال الدنيا و انها لا تفي و لا تبقي علي احد (ان كنتم تعقلون) اي ان كنتم تعقلون لاعتبرتم بابائكم و الاولين ممن كان قبلكم، (اولم تروا الي الماضين منكم لا يرجعون)؟ فهل ترجعون رجوعا لكم اذا فنيتم و لذا تعتمدون علي الدنيا (و الي الخلف الباقين لا يبقون) فهل ترجون بقاء بعد ما ترون من هلاك خلفاء السابقين- الذين يعاصرونكم-؟ (او لستم ترون اهل الدنيا يصبحون و يمسون علي احوال شتي)؟ جمع شتيت بمعني احوال مختلفه، و ذلك مما يدل علي دم بقاء الدنيا علي حال و انما انتقالها من حال الي حال (فميت يبكي) له (و آخر يعزي) و هو من يرتبط بالميت حيث يعزونه الناس و يسلونه في مصابه (و صريع) اي من نام علي فراش العله، كان المرض صرعه (مبلتي)
ابتلي بالداء و المرض. (و عائد) للمريض (يعود) اي يزوره و يسال من احواله (و آخر) محتضر في آخر ساعاته (بنفسه يجود) اي يعطي نفسه لله سبحانه، يقال جاد بنفسه اذا قارب الموت. (و طالب للدنيا و الموت يطلبه) فهو في عين الايغال في الدنيا يبتعد عنها بطلب الموت له (و غافل) عن الاخره (و ليس بمغفول عنه) بل له حساب دقيق (و علي اثر الماضي) من الناس (ما يعضي الباقي) (ما) مصدريه، اي يكون مضي الباقين في الدنيا. (الا) للتنبيه (فاذكروا) ايها الناس (هادم اللذات) و هو الموت الذي يهدم لذات الانسان في هذه الحياه، و من المعلوم ان ذكر الموت يوجب ابتعاد الانسان عن الشهوات لانه يوجد في نفس الذاكر ملكه عزوف عن الدنيا (و منغص الشهوات) يقال نغص عيشه اذا افسده (و قاطع الامنيات) جمع امنيه بمعني الامال، فكان الاماني متصله بالانسان و الموت يقطع خيوطها (عند المساوره) متعلق بما ذكروا، و المساوره المواثبه كان الانسان يثب علي العمل القبيح فياتي به (للاعمال القبيحه) المحرمه في الشريعه. (و استعينوا الله علي اداء واجب حقه) اي اطلبوا منه سبحانه الاعانه كي يودوا حقه حتي يعينكم (و) اداء الواجب (ما لا يحصي من اعداد نعمه و احسانه) فان الانسان لا يتمكن ان ي
حصي عدد نعم الله سبحانه.

خطبه 099

[صفحه 125]
في رسول الله و اهل بيته الاطهار (الحمدلله الناشر في الخلق فضله) فانه سبحانه عمم فضله و احسانه في جميع خلقه (و الباسط فيهم بالجود يده) فكما ان الانسان اذا اراد ان يعطي احدا شيئا مد يده- اي بسطها- ليناوله، كذلك الله سبحانه، من باب تشبيه المعقول بالمحسوس تقريبا الي الذهن و الا فلا يد لله سبحانه فانه منزه عن الجسم و عن عوارض الجسم. (نحمده في جميع اموره) و من نعمه او بلاء فانه لا يفعل شيئا الا حسب الصلاح فيستحق بذلك حمدا و ثناء (و نستعينه علي رعايه حقوق) اي نطلب منه تعالي ان يعيننا حتي نودي حقه- الذي هو اطاعته و عبادته. (و نشهد ان لا اله غيره و ان محمدا عبده و رسوله) و تقديم (عبده) للاعتراف بمقام الالوهيه و التخضع لدي جنابه تعالي. (ارسله) سبحانه (بامره صادعا) يقال صدع بالامر اي قام به، واصل الصدع الكسر كانه يكسر الباطل ليبني مكانه صرح الحق. (و بذكره ناطقا) اي بان يذكره سبحانه، او بذكره الذي هو قرانه (فادي) رساله ربه (امينا) بغير ان يزيد فيه او ينقص. (و مضي رشيدا) اي مع الرشد لم يتغير عما كان عليه، و هذا خلاف كثير من الناس الذين يبتدئون في الاعمال بنظافه و نزاهه، لكن في آخر الامر يتورطون و يرتطمون
في الغي و الانحراف. (و خلف فينا رايه الحق) و هي الكتاب و العتره كما قال (صلي الله عليه و آله) اني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي اهل بيتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ابدا. (من تقدمها مرق) اي خرج عن الدين، و معني التقدم الزياده علي ما شرعه الله سبحانه. (و من تخلف عنها زهق) اي اضمحل و هلك، و التخلف بعدم اتيان ما شرع الله من الاحكام. (و من لزمها) اي لزم الرايهه (لحق) بالحق بدون تقدم او تاخر (دليلها) شرع الامام عليه‌السلام في بيان دليل يعرف به رايه الحق حتي لا يجتمع الناس تحت رايه الباطل بظن انها الحق. (مكيث الكلام) اي رزين يمكث في قوله، فلا يسرع في الجواب، و ذكر الحلول للمشاكل و انما يمكث. (بطي‌ء القيام) اي لا يقوم بامر الا بعد بطي‌ء و تريث و تفكر. (سريع اذا قام) فاذا تبين وجه الحق نهض في تنفيذه مسرعا بلا تلكوء و بطوء- و كان الامام عليه‌السلام يصف بذلك حال نفسه. (فاذا انتم النتم له رقابكم) الان رقبته كنايه عن الخضوع له عليه‌السلام، لان الرقبه تكون طوع امره و نهيه، لا تبقي صلبه لا تعتني بامره و نهيه. (و اشرتم اليه باصابعكم) بان كان مشهورا بينكم يشار اليه بالاصابع (جائه الموت فذهب به) يعني اذا تم الاسلام
بالامام بان صار مطاعا مشتهرا توفي. و بعد الوفاه تمضي مده حتي يقوم قائم آل محمد عليه‌السلام (فلبثتم بعده ما شاء الله) من المده الطويله بلا امام قائم (حتي يطلع الله لكم) اي يخرج لكم (من يجمعكم) تحت لواء الحق (و يضم نشركم) يجمع المتفرق منكم (فلا تطمعوا في غير مقبل) الي الزعامه، كالائمه الذين لم يقوموا بالامر، فانهم لم يقبلوا نحو الزعامه و انما لزموا دورهم (و لا تياسوا من مدبر) كالامام المهدي الذي ادبر بغيبته عنهم (فان المدبر عسي) اي لعل (ان تزل احدي قائمتيه) اي رجليه و الزله كنايه عن عدم القيام بالامر. (و تثبت الاخري) كنايه عن عدم الانقطاع مطلقا و انما التاخير لمصالح. (و) بعد ذلك (ترجعا) القائمتان (حتي تثبتا جميعا) بان تكمل شرائط القيام فيقوم باذن الله سبحانه. و لا يخفي ان الكلام لا يدل علي عدم قيام لواء الحق قبل ظهور الامام عليه‌السلام و انما الحق الكامل يكون بظهوره، ثم ذكر عليه‌السلام لزوم استمرار الحجه و ان لم يقم الامام بالزعامه.
[صفحه 128]
(الا ان مثل آل محمد صلي الله عليه و آله كمثل نجوم السماء) ثم بين وجه التمثيل بقوله: (اذا خوي) اي غاب (نجم طلع نجم) و النجوم لا تزال في السماء سواء كان الليل و كانت ظاهره او كان النهار و كانت مستوره. (فكانكم قد تكاملت من الله فيكم الصنائع) جمع صنيعه بمعني النعمه، اي النعم (و اراكم) الله سبحانه (ما كنتم تاملون) بظهور الامام المهدي عليه‌السلام.

خطبه 100

[صفحه 129]
و هي تشتمل علي الملاحم، و تسمي الحرب بالملحمه، لانها محل اللحم الذي يحصل من القتل، فان اجزاء الانسان اذا قطعت كانت لحما و سميت به، و ملاحم جمع محلمه. هو سبحانه (الاول قبل كل اول) فكلما يسمي بالاول، يكون الله سبحانه (اولا) قبله (و الاخر بعد كل آخر) فكلما يسمي بالاخر يكون الله سبحانه (آخرا) بعده (ب) سبب (اوليته) و قدمه علي الاشياء (وجب ان لا اول له) اذ لو كان له تعالي اول، لم يكن هو الاول، بل ما سبقه الاول بقول مطلق-. (و ب) سبب (آخريته) و بقائه بعد الاشياء (وجب ان لا آخر له) اذ لو كان له تعالي آخر، لم يكن هو الاخر، بل ما يتاخر عنه هو الاخر- بقول مطلق-. (و اشهد ان لا اله الا الله شهاده يوافق فيها السر الاعلان) لا كشهاده المنافقين الذين يشهدون ظاهرا لا باطنا، او شهاده الكفار الذين (جحدوا بها و استيقنتها انفسهم) يشهدون باطنا لا ظاهرا.
[صفحه 130]
(و القلب اللسان) فكلاهما يشهدان بالوحدانيه و يعترفان بالربوبيه. (ايها الناس لا يجرمنكم) اي لا يسبب جرمكم و عصيانكم (شقاقي) اي معاندتي، لان الانسان ربما يريد معانده غيره فيوقعه العناد في الاثم و عصيان الله سبحانه. (و لا يستهوينكم) يقال استهواه اذا اماله عن طريق الصواب، اي لا يميلكم عن طريق الحق (عصياني) بان يكون عصيانكم لي سببا لميلكم عن‌الحق، كما ربما يوقع المعاند نفسه في العصيان و المهلكه عنادا لشخص آخر، و قد كان في الكوفه اناس يعاندون الامام فيركبون كل صعب و ذلول في سبيل معاندته. (و لا تتراموا بالابصار) اي تغامز بعضكم ببصره مع بعض اشاره الي كذبي (عند ما تسمعونه مني) من الاخبار المغيبه. (فو الذي فلق الحبه) اي شقها ليخرج منها النبات. (و برا النسمه) اي خلق الانسان (ان الذي انبئكم به) اي اخبركم من الامور المستقبله، انما هو (عن النبي الامي) منسوب الي ام‌القري (صلي الله عليه و آله ما كذب المبلغ) اي الرسول، فيما اخبرني (و لا جهل السامع-) يعني نفسه عليه‌السلام. (و لكاني) اللام للقسم، لتاكيد الامر (انظر الي ضليل) شديد الضلال (قد نعق بالشام) اي صاح، و الغالب استعماله في الاهانه، لان النعيق صوت الحمار، و
في المراد ب(الضليل) خلاف و الا شبه انه عبدالملك، و انما كان مبدء نعقه بالشام. (و فحص براياته) اي ركز لها، كما يفحص الطائر- اي يبحث بحرجوئه- عن الارض، ليزيح التراب عنها ليبيض (في ضواحي) جمع ضاحيه، بمعني الطرف (كوفان) اي الكوفه، و قد كان عبدالملك قد خرج امر العراق و الحجاز و فارس و مناطق اخري من يده، و خلع بقيه ولات فلسطين و غيرها، و وثب في الشام بعض الامويين ضده، فتمكن من استرداد الملك من ايديهم بالبطش و الشده، و هذا كنايه عن استيلائه علي العراق بعد قتله لمصعب بن الزبير الذي كان واليا من قبل اخيه عبدالله. (فاذا فغرت فاغرته) اي انفتح فمه، يقال فغر الفم اذا انفتح- و انما جي‌ء بالمونث باعتبار النفس، كانها تريد الالتهام لكل شي‌ء- و الفم دليل علي فغر النفس- (و اشتذت شكيمته) الشكيمه هي الحديده المتعرضه في اللجام في فم الدابه، و اذا كانت الدابه قويه تكون شكيمتها شديده و هذا كنايه عن قوه (الضليل). (و ثقلت في الارض و طاته) اي عظم سلطانه حتي كب علي الناس، كانه شي‌ء ثقيل واقع عليهم (عضت الفتنه ابنائها) و المراد بابناء الفتنه الداخلين فيها ممن وثب علي الامر و خالف سلطته (بانيابها) جمع ناب، و هو الضرس المتصله بالضواحك و ا
نما نسب العض اليها، لانها اشد في الايلام و القطع، لحده راسها. (و ماجت الحرب) اي اضطربت الحرب في كل مكان، كما يموج البحر (بامواجها) و انما شبه بالموج، لان الفتنه تبتدء صغيره ثم تكبر و تتوسع، و هكذا الموج. (و بدا) اي ظهر (من الايام كلوحها) اي عبوسها و شدائدها، من عبس وجهه اذا قبضه اشمئزازا. (و من الليالي كدوحها) جمع كدح و هو الجرح و اثر الخدش، و هو كنايه عن الشده (فاذا اينع زرعه) اي نضج و كمل، و هو كنايه عن كمال استيلاء (الضليل). (و قام علي ينعه) اي حاله نضجه بان استقام الامر له (و هدرت شقاشقه) الشقشقه هو ما يخرج البعير من الزبد لدي هياجه، و هدرت اي خرجت، و هذا كنايه عن كمال الفتنه و وصولها حال الاهتياج. (و برقت بوارقه) جمع بارقه و هي البرق، او السيف لانه يبرق و التانيث باعتبار كونه حديده. (عقدت رايات الفتن المعضله) اعضل الامر اذا اشكل (و اقبلن) تلك الرايات (كالليل المظلم) في عدم رويه الانسان وجه الحق لكثره اضطراب الامور و تداخل الحق و الباطل. (و البحر الملتطم) الذي يلتطم بعض مائه ببعض و يتداخل امواجه من كثره الاضطراب و الحركه. (هذا) اي خذ هذا الخبر عن المسقبل، و قد كان الامر كما اخبر الامام عليه‌السلام فان عب
دالملك لما سيطر علي الامر بعث الحجاج واليا علي العراق فعقد رايات الفتن و اخذت عراق تموج بمظالم الحجاج من قتل و نهب و ما اشبه ذلك، و حارب الخوارج عده مرات، ثم عطف الامام عليه‌السلام الي الكوفه يخبر عما تكون عليه في المسقبل بقوله: (و كم يخرق الكوفه من قاصف) من قصف اذا اشتد صوته، يقال قصفت الريح اذا اشتد صوتها. و المراد ان الكوفه تري اضطرابات و فتنا (و يمر عليها) اي الكوفه (من عاصف) و هو الريح الشديد، سمي به، لانه يعصف اي يهب بشده و قد كان كما قال الامام عليه‌السلام، فبعد الامام جاء معاويه ثم المختار ثم مصعب، ثم عبدالملك، و هكذا. (و عن قليل تلتف القرون بالقرون)، لعل المراد قرون اهل الحق من الشيعه بقرون اهل الباطل من ابتاع معاويه (و يحصد القائم) فان معاويه اخذ يحصد الحكم القائم في زمان الامام عليه‌السلام. (و يحطم المحصود) فقد كان معاويه يحطم الشيعه بالقتل و الاسر و حرق الدور و ما اشبه، هذا ما يمكن ان يستفاد من الخطبه و العلم عند الله و عند اوليائه عليهم‌السلام.

خطبه 101

[صفحه 134]
(يجري هذا المجري)- اي في ذكر الملاحم و الاخبار المستقبله (و ذلك) اي يوم القيامه (يوم يجمع الله في الاولين و الاخرين (فان جميع الخلائق يجتمعون في يوم القيامه (لنقاش الحساب) اي الاستقصاء والدقه في المحاسبه، من ناقشه اذا داقه و حاسبه حسابا دقيقا. (و جزاء الاعمال) ليجزي كل انسان بما عمل ان خير فخير و ان شرا فشر، في حال كون الناس (خضوعا) كانهم من شده خضوعهم قطعه من الخضوع، نحو (زيد عدل) و في حال كونهم (قياما) جمع قائم، و هذا دليل الشده، اذ الانسان الذي في الامن و الرفاه يجلس وقت المحسابه اما الخائف فهو يقف. (قد الجمهم العرق) اي وصل العرق الي افواهم من الكثره كانه لجام في فمهم. (و رجفت) اي اضطربت (بهم الارض) كما قال سبحانه (اذا زلزلت الارض زلزالها). (فاحسنهم حالا من وجد لقدميه موضعا) يستقر فيه، و هذا اما علي الحقيقه لبيان ضيق المحشر، و اما علي المجاز لبيان الاضطراب، فان المضطرب لا يدري اين يقف فهو كمن لا يجد لقدميه موضعا (و لنفسه متسعا) اي مكانا وسيعا لا يتاذي بضيقه.
[صفحه 135]
(و منه) ثم عطف الامام عليه‌السلام الي ذكر الملاحم- بعد ذكر بعض احوال القيامه- و كانه عليه‌السلام ذكر احوال القيامه تمهيدا ليتخد الانسان حذره- في الفتن- من ذلك اليوم، فلا يخوض في الفتنه خوضا بلا مبرر مشروع (فتن كقطع الليل المظلم) فكما لا يري الانسان مقصده في الليل، كذلك لا يري الانسان الحق في الفتنه. (لا تقوم لها قائمه) اي لا تنجح تلك الفتنه، و لعل المراد بها فتنه صاحب الزنج الذي زعم انه من آل الرسول، و التف حوله العبيد، و اخذ يقتل و ينهب و يسلب في البصره و ما والاها، و لكنها لم تنجح اخيرا، فقد حاربها الاخيار و الاشرار علي حد سواء حتي سقط قتيلا و ذهبت حركه ادراج الرياح. (و لا ترد لها رايه) اي ان اعلامها لا ترد و انما تتقدم الي حيث يريد، و ذلك كنايه عن عموم فسادها و توسعها (تاتيكم) هذه الفتنه (مزمومه) تشبيه لها بالناقه المهيئه للركوب التي لها زمام (مرحوله) اي ولها رحل، و ذلك كنايه عن استعدادها التام للافساد (يحفزها) اي يحثها و يحرضها. (قائدها) و هو صاحب الزنج- علي ما ذكر- (و يجهدها راكبها) اي ان راكبي تلك الفتنه يجهدونها للتغلب علي الامر- و هذا كنايه عن شده باسهم و اهتمامهم البالغ في الحركه و الوث
وب علي البلاد (اهلها) اي اهل تلك الفتنه القائمون باشعالها (قوم شديد كلبهم) اي ضراوتهم و قساوتهم، كالكلب المتهارش (قليل سلبهم) اي ملكهم الذي يستولون عليه او المراد انهم ليسوا من اهل الثروه و المال، و قد كان كذلك فان غالب احزاب صاحب الزنج كانوا من العبيد لاشداء القليلي المال. (يجاهدهم في سبيل الله قوم) كان المراد بهم الاهالي الخيرون، لا ان القصد حربهم مع الخلفاء (اذله عند المتكبرين) فان ذوي الدين من اهل البصره و ما والاها حاربوهم، لما رواوا فيهم من الانحراف عن الشريعه- كما ذكر في التواريخ- و كونهم اذله، باعتبار ان السلطات الجباره- غالبا- لا تهتم بحركات اهل الدين و لا تري فيها فائده، اذ ان اعتمادها علي رجالها و سلاحها، فلا تري للدين اهميه و لذويه غني و فائده. (في الارض مجهولون) ليس لهم معروفيه اصحاب المناصب و الرتب من اهل السلطان. (و في السماء معروفون) لانهم اخيار ابرار لهم فيمتهم عند الله سبحانه) فويل (فويل لك يا بصره عند ذلك) فقد كانت الفتنه في البصره و امتدت الي اهواز و عبادان و اخيرا قضي عليها الموفق العباسي. (من جيش من نقم الله) كان الله سبحانه اراد الانتقام من اهل البصره، فقد كثر فيها الفساد قبل ظهور صاحب
الزنج، كما هو العاده في الثورات، فانها و لائد فساد عام في السلطه و الاجتماع. (لا رهج له) اي لا غبار لهذا الجيش، فانه كانت ثوره داخليه، لا عساكر و جيوش (و لا حس) اي الجلبه و الاصوات المختلفه التي تتولد من حركه الجيش. (و سيبتلي اهلك) يا بصره (بالموت الاحمر) علي يد صاحب الزنج، ففي بعض التواريخ انه قتل ثلاثمائه الف شخص (و الجوع الاغبر) الموجب لتغير الوجه، كان عليه غبار، اذا الجوع يذهب بطلاوه الوجه و نضارته، فقد فقد الناس في فتنه صاحب الزنج اقواتهم، حتي اشتد بهم الجوع، و قد ذكر ابن ميثم في الشرح تمام هذه الخطبه و هي طويله فلتراجع.

خطبه 102

[صفحه 138]
في التزهيد في الدنيا (ايها الناس انظروا الي الدنيا نظر الزاهدين فيها) و الزهد في الدنيا عباره عن اتخاذها مقرا دائما و التناول منها كيف ما كان من دون رعايه الحلال و الحرام، اما التمتع بطيبات الدنيا فان ذلك لا ينافي الزهد قال الله سبحانه: (قل من حرم زينه الله التي احرج لباده و الطيبات من الرزق؟ قل هي للذين آمنوا في الحياه الدنيا). (الصادفين عنها) من صدف بمعني اعرض (فانها) اي الدنيا (و الله- عما قليل) (ما) زائده لتاكيد معني القله (تزيل) اي تفني و تهلك (الثاوي) اي الذي اتخذها مثوي و محلا (الساكن) فيها (و تفجع) افجعه الامر اذا نزل به ما يوجب ذهاب مال او اهل او ما اشبه. (المترف) الذي له ترف و هو التزيد من التمتع و الاسراف فيه (الامن) في محله و مكانه (لا يرجع ما تولي منها) اي من الدنيا (فادبر) عن الانسان، (و لا يدري) اي لا يعلم (ما هو آت منها) اي بماذا ياتي الدنيا بخير او شر (فينتظر) اي حتي ينتظره الانسان (سرورها مشوب بالحزن) فان الانسان لابد و ان يحزن لجانب من جوانب الدنيا و انكان فرحا بجانب آخر. (و جلد الرجال) اي قوتهم و منعتهم (فيها) اي في الدنيا، ينتهي (الي الضعف و الوهن) عطف بيان للضعف. (فلا يغر
نكم كثره ما يعجبكم فيها) اي اذا حصل لديكم كثره من النعم الموجبه لرضاكم لا يغركم ذلك (لقله ما يصحبكم منها) من تكل الكثره، او من الدنيا، فان اصطحاب الدنيا للانسان في مده قليله.
[صفحه 139]
(رحم الله امرئا تفكر) في امر نفسه و زوال الدنيا (فاعتبر) اي اخذ العبره، و هي معرفه حقيقه الدنيا، و انها دار انقضاء لا دار بقاء (و اعتبر فابصر) فان الابصار ياتي بعد الاعتبار. (فكان ما هو كائن من الدنيا) و موجود فعلا (عن قليل لم يكن) لانه يفني و الفاني كانه لم يكن ابدا، اذ لا اثر له. (و كان ما هو كائن من الاخره) مما سيصل الي الانسان (عما قليل لم يزل) اذ يبقي الي الابد. (و كل معدود) اي ما يعد، و له اخر (منقض) اي ينقضي و يفني- كالدنيا (و كل متوقع) ما يترقب وقوعه- كالاخره- (آت) ياتي لا محاله (و كل آت قريب دان) من (دني) بمعني اقترب.
[صفحه 140]
(و منها) (العالم من عرف قدره) بان علم بان له قيمه و وزنا، و انه يتمكن ان يحصل علي اعالي الدرجات بسبب العمل الصالح. (و مفي بالمرء جهلا الا يعرف قدره) لان هذا اعظم انواع الجهاله، و انكان عالما في جميع العلوم. (و ان من ابغض الرجال الي الله لعبدا و كله الله الي نفسه) بان لم يلطف به الالطاف الخفيه، لتركه طريق الهدي، و مثله مثل انسان له ولدان اعطي واحد منهما الف دينار ليتجر به فاتجر احدهما و ربح فاحبه الوالد و زاد له في الاعطاء و الاكرام، و قامر الاخر فخسر فتركه الوالد و شانه لا يابه به و لا يعطيه بعد ذلك شيئا، فانه سبحانه اعطي الانسان القوه و العقل فان صرفهما في سيبل الخير زاده هدي و تقوي و ان صرفهما في الشر تركه و ما يعمل حتي يوصله الي آخر درك في الهاويه. في حال كون ذلك العبد (جائرا) اي مائلا (عن قصد السبيل) اي وسط طريق الهدي (سائرا بغير دليل) فلا يتبع الانبياء و الائمه في سيره في الحياه. (ان دعي الي حرث الدنيا) اي زرعها و ما يوجب انمائها (عمل) طلبا للدنيا (و ان دعي الي حرث الاخره) و ما يوجب الفوز بها من الاعمال الصالحه (كسل) و وهن لعدم رغبه له فيها (كان ما عمل له) من امور الدنيا (واجب عليه) حتي اذا
لم يعمله عوقب (و كان ما وني) و كسل (فيه) من عمل الاخره (ساقط عنه) مع ان الامر بالعكس.
[صفحه 141]
(و منها) (و ذلك) اي آخر الزمان (زمان لا ينجو فيه) اي من شره (الا كل مومن نومه) اي كثير النوم، و ذلك كنايه عن عدم مشاركه الاشرار، كالانسان النائم الذي لا يشارك الناس في اعمالهم (ان شهد) اي حضر في مجتمع الناس (لم يعرف) اي لا يعرفه الناس لعدم اختلاطه بهم. (و ان غاب لم يفتقد) اي لم يسال عن احواله احد لعدم صداقتهم معه، و هكذا يكون الاخيار عند غلبه الاشرار، لانهم يقطعون عنهم بعد رويتهم عدم فائده النصح فيهم، و هذا لا ينافي وجوب التصدي لاحكام الاسلام الموجب للشهره و العز، فان لكل واحد من الامرين ظرفا خاصا، بل ينبغي للمومن ان يتصدي لان يكون اماما للمتقين كما قال سبحانه: (و اجعلنا للمتقين اماما). (اولئك) الموصوفون بتلك الاوصاف (مصابيح الهدي) فكما يوجب المصباح هدايه الناس الي حوائجهم في الظلمه، كذلك هولاء ادله الناس الي الحق في ظلمه الجهل و الاثم. (و اعلام السري) هو السير ليلا، شبه به السير في ظلمه الكفر و العصيان فانهم اعلام و ادله لمن يريد الاستناره و الهدايه في ظلمات الجهل و الباطل. (ليسوا بالمساييح) جمع مسياح و هو الذي يسير في الناس بالفساد (و لا المذاييع) جمع مذياع و هو من يذيع الفاحشه (البذر) جمع بذو
ر و هو كثير السفه (اولئك بفتح الله لهم ابواب رحمته) في الدنيا بالسلامه، و في الاخره بالجنه. (و يكشف عنهم ضراء نقمته) فلا تنزل عليهم نقمته سبحانه اذا نزلت بالاشرار بل ينصرف عنهم ضر النقم و اذاه.
[صفحه 142]
(ايها الناس سياتي عليكم زمان يكفا فيه السلام) اي يترك الاسلام فلا يعمل به (كما يكفا الاناء بما فيه) فكما ان الانسان اذا كفي‌ء جعل اعلاه اسفله. كذلك يقلب الاسلام- و هو مجاز عن انقلاب اهل الاسلام- و هذا كزماننا حيث ان السلام لا يعمل به الا في مجال بعض العبادات. (ايها الناس ان الله قد اعاذكم) اي امنكم (من ان يجور عليكم) فانه سبحانه لا يظلم احدا (و لم يعذكم من ان يبتليكم) اي يمتحنكم فانه سبحانه يمتحن كل احد، فاللازم ان يخاف الانسان من الفشل في الامتحان، و ياخذ عدته و يعمل صالحا لينجح لدي الامتحان. (و قد قال جل من قائل): (ان في ذلك لايات و ان كنا لمبتلين) (ان) مخففه من الثقيله و الابتلاء بمعني الامتحان.

خطبه 103

[صفحه 143]
(و قد تقدم مختارها ب) شكل (خلاف هذه الروايه) (اما بعد) اصله مهما يكن من شي‌ء بعد الحمد و الصلاه، ثم خفف الي لفظه (اما بعد) (فان الله سبحانه بعث محمدا صلي الله عليه و آله و) الحال انه (ليس احد من العرب يقرا كتابا) سماويا قرائه صحيحه، فان الكتب السابقه قد حرفت و بدلت فما كان منها في ايدي الناس كانت محرفه باطله. (و لا يدعي نبوه و لا وحيا) اليه من جانبه سبحانه، و مراد الامام عليه‌السلام بهذه الجمله بيان حالتهم في الضلاله و الجهاله، فان خبر السماء اما ان يصل بواسطه الوصي و النبي، و اما بواسطه الكتاب الصحيح و كلاهما كان مفقودا في زمان بعثه الرسول (ص) (فقاتل) صلي الله عليه و آله (بمن اطاعه) اي بسبب المومنين (من عصاه) من الكافرين. (يسوقهم) اي الناس (الي منجاتهم) مصدر ميمي اي الي نجاتهم (و يبادر بهم الساعه ان تنزل بهم) اي يعجل بهم السير حتي يومنوا و يعملوا صالحا، حتي لا يفاجئهم الموت قبل التنزيه و التزكيه، فكانه صلي الله عليه و آله و الساعه يبادر كل منهما لاختطاف الناس. (يحسرالحسير) اي يكمل الذي يكل عن العمل للاخره، من حسر فلان اذا اعيي و كل (و يقف الكسير) اي المكسور بعض اعضائه (فيقيم) صلي الله و عليه و
آله (عليه) اي علي كل واحد منهما (حتي يلحقه غايته) التي هي الايمان و العمل الصالح، و المعني ان من ضعف ايمانه او فسد عمله فتراخي في السير في سبيل المومنين للوصول للسعاده و النجاه فان النبي صلي الله عليه و آله كان يقيم عليه و ينتظره و يعالج مرضه حتي يوصله بقافله المومنين، تشبيها بقائد القافله الذي يلاحظ الضعفاء و اهل المرض لئلا يبقوا في الطريق، و يكونوا عرضه الهلاك (الا هالكا لا خير فيه) فمن دعاه صلي الله عليه و آله و سلم فلم تنفع فيه الدعوه و عاند و اصر فانه يتركه و شانه، و تسميه هالكا علي نحو المجاز بالمشارفه. (حتي اراهم) صلي الله عليه و آله و سلم (منجاتهم) مصدر ميمي اي نجاتهم (و بواهم) اي احلهم (محلتهم) اي المحل اللائق بهم (فاستدارت رحاهم) كنايه عن حسن احوالهم، فان دوران الرحي يوجب الطحن الموجب لرفاه الانسان في ماكله و طعامه (و استقامت قناتهم) هي الرمح، فاذا كان معوجا لم يتمكن المحارب من الغلبه، اما اذا استقام تمكن من الغلبه علي عدوه. (و ايم الله) قسم بالله سبحانه (لقد كنت من ساقتها) اي ساقه جيش الكفر، يعني كنت في آخرها اضربها و افتك فيها، و كونه في الساقه كنايه عن مطاردها باجمعها، لا مطارده جانب خاص فقط (حت
ي تولت) اي الجيش، و التانيث باعتبار الجماعه، او الكتيبه، او ما اشبه، و معني تولت (انهزمت) (بحذافيرها) اي باجمعها (و استوسقت) اي اجتمعت (في قيادها) اي قياد الرسول صلي الله عليه و آله لها بمعني اطاعه العرب للرسول صلي الله عليه و آله في ما يامر و ينهي. (ما ضعفت و لا جبنت و لا خنت) فلم يكن لي نكوص عن الجهاد في سبيل الاسلام بسبب ضعف في البدن، او ضعف في النفس، او ضعف في الايمان، فان الجبن من ضعف النفس، و الخيانه من ضعف الايمان (و لا وهنت) الوهن اعم من الضعف، فان الانسان قد گتن‌اسل عن امر و ان لم يكن ضعيفا في بدنه و قوته. (و ايم الله لابقرن) اي اشقن (الباطل) كانه غلاف علي الحق، فاذا شق ظهر الحق (حتي اخرج الحق من خاصرته) اي جانبه، يعني انا في هذا الحال كما كنت مع الرسول صلي الله عليه و آله و سلم، فلا اهتم بالباطل الملتف علي الحق، كما لم اكن اهتم بالباطل المحارب مع الحق.

خطبه 104

[صفحه 146]
فيها صفات الرسول صلي الله عليه و آله و تهديد بني‌اميه، و موعظه الناس (حتي بعث الله محمدا صلي الله عليه و آله) اي كانت الاحوال مظلمه حتي بعث صلي الله عيله و آله (شهيدا) يشهد علي الناس بما عملوا (و بشيرا) يبشر من امن و اطاع بالثواب (و نذيرا) ينذر من خالف بالعقاب، في حال كونه صلي الله عليه و آله (خير البريه طفلا) اذ كان صادقا امينا طاهر المولد، كريم الاصل (و انجبها كهلا) اي اكثرها نجابه في حال تقادم السن لم يقترف اثما او باطلا او ما يخالف العفاف- كما كان الشان لدي كهول الجاهليه- (و اطهر المطهرين شيمه) الشيمه الخلق، اي انه صلي الله عليه و آله و سلم كان متحليا بطهاره الاخلاق، و عدم دنسه بالرذائل (و اجود المستمطرين ديمه) المستمطر السحاب الذي يطلب منه المطر، و (ديمه) بمعني السحاب، اي انه صلي الله عله و آله كان اجود الناس في الاعطاء لمن طلب منه العون و العطاء، قالوا: الديمه المطر الذي لا رعد فيه و لا برق، فهو افضل انواع السحاب- لانه يشبه المتواضع في مطره- و لعل الاتيان بهذه اللفظه للدلاله علي اعطاء الرسول و فيضه بلا من او اذي او جلبه. (فما احلولت لكم) يا بني‌اميه (الدنيا) بان صارت لكم حلوا، من زمان عثم
ان (في لذتها و لا تمكنتم من رضاع اخلافها) جمع خلف بالكسر حلمه ضرع الناقه، اي ما تمكنتم من در لذات الدنيا و جمع مشتهياتها. (الا من بعد ما صادفتموها) اي الدنيا (جائلا خطامها) تشبيه للدنيا بالناقه التي لا راكب لها في تحول الحبل الذي يوضع في انفها كالزمام لتقاد به (قلقا و ضينها) الوضين حزام الناقه الذي يشد تحت بطنها لبقاء السرج عليها حتي لا يتاذي الراكب، و لا يقلق من ركوبها، يعني ان الدنيا كانت قلق الوضين لا صاحب لها يسوي سرجها. و الحاصل انكم لم تحصلوا علي الدنيا بالاتعاب و الجهد- كما فعل الرسول صلي الله عليه و آله- و انما حصلتم عليها حين لا داعي لها، و هي مستعده لالقاء زمامها بكل ايدي، فقد كان عثمان هكذا غير مبال بالامر يتسلطوا عليه كل حيال انتهازي. (قد صار حرامها) اي حرام الدنيا (عند اقوام) كعثمان و حاشيته (بمنزله السدر المخضود) السدر هو النبق، و المخضود المقطوع الشوك، و منشي الاغصان من ثقل الجمل لكثره الثمره، و المراد كثره لذتها، يعني انه قد اختلط الحرام بالحلال، و صار الحرام شيئا سائغا شهيا لديهم، فان الركوب علي الدنيا في هذا الحال ايسر لان الجائي يتمكن من نيل اللذه كيفما كانت، بخلاف ما لو كان الحرام محظورا
فان الوصول الي اللذه المحلله شي‌ء صعب. (و حلالها بعيدا غير موجود) اي ليس بموجود في قربكم، لا انه ليس بموجود اطلاقا (و صادفتموها) اي وجدتموا الدنيا. (- و الله- ضلا ممدودا) يتهني المتفي‌ء فيه، و ذلك كنايه عن لذتها و سعتها (الي اجل معدود) اي مده قد عدت تعدادا، فلا بقاء لها- و هذا لبيان واقع حال الدنيا، لا من تتمه المطلب-. (فالارض لكم شاغره) اي فارغه، قد شغرت و خلت عن القائد المحامي (و ايديكم فيها) اي في الدنيا، او في الارض (مبسوطه) قد وسع عليكم عثمان بما تشتهون بلا حساب و لا عقاب (و ايدي القاده) جمع قائد (عنكم مكفوفه) مقبوضه، فان عثمان قد منع الناس العلماء كالامام، و ابي‌ذر و امثالهما من وضع حد لاستهتار بني‌اميه (و سيوفكم عليهم) اي علي القاده (مسلطه) بمعني انه كانت لكم السلطه بما منحكم الخليفه فالقاده بالحق اتباع و انتم امرائهم. (و سيوفهم) اي القاده (عنكم مقبوضه) لا تتمكن من ايقافكم علي حدكم و منعكم عن الاستهتار و الالتذاذ بكل ما تشتهون من الحرام و الفساد. ثم اشار عليه‌السلام الي تهديد بني‌اميه بعقاب الله تعالي (الا ان لكل دم) يراق بغير حق (ثائرا) يثور للانتقام ممن اراق الدم (و لكل حق) مضاع (طالبا) يطلبه ممن قد
اضاعه. (و ان الثائر في دمائنا) التي ارقتموها يا بني‌اميه، يوم صفين و الجمل و نهروان (كالحاكم في حق نفسه) فان دمائنا حق للثائر الذي هو الله سبحانه، و هو هذا لبيان انه تعالي لا يسامح في الطلب و العقاب، لانه حكم في حق هو له سبحانه، اذا الامام و اصحابه كانوا منفذين لامره تعالي (و هو) اي الثائر (الله الذي لا يعجزه من طلب) اي لا يتمكن مطلوبه من تعجيزه بالفرار او الاعتصام بالقوه، حتي لا يتمكن سبحانه من الانتقام منه و جزائه بالعقاب و الادانه (و لا يفوته من هرب) اذ لا يمكن الهروب منه تعالي. (فاقسم بالله، يا بني‌اميه عما قليل) (ما) زائده، لتاكيد التقليل (لتعرفنها) الي الدنيا (في ايدي غيركم) كما صارت لبني‌عباس و غيرهم (و في دار عدوكم) اي ان السلطه تكون في دار اعدائكم الذين هم (المختار) و (المصعب) و (آل عباس) و (العلويون) و من اشبههم.
[صفحه 150]
(الا و ان ابصر الابصار) اي اشد الابصار رويه (ما نفذ من الخير طرفه) فكانه شعاع يخرج من العين فاذا نفذ طرف الشعاع في الخير، كان شديد الابصار و اذا نفذ في الشر- بان نظر البصير الي الشر و اراده- كان البصر ضعيفا كليلا، و هذا تحريض علي ان يصرف الانسان نظره في الخير و الحق، لا في الباطل و الشر (الا ان اسمع الاسماع) اي اشد الاسماع سمعا (ما وعي التذكير) اي احتوي علي التذكير (و قبله) بان عمل به. (ايها الناس) ثم نحي عليه‌السلام نحو وعظ النس و ارشادهم (استصبحوا) اي اطلبوا المصباح و الضياء (من شعله مصباح واعظ متعظ) اي يعمل هو بوعظه، فان الاطيمنان انما يكون بمثل هذا الواعظ حتي يتبين من عمله انه متاثر بما يقول (و امتاحوا) اي استقوا الماء، يقال امتاح اذا استقي (من صفوعين) اي الماء الصافي النابع من عين (قد روقت) اي صفت، من راق (من الكدر) و المراد استقاء الحلم من نفسه الكريمه عليه‌السلام. يا (عباد الله لا تركنوا) اي لا تعتمدوا (الي جهالتكم) بان لا تحصلوا علي العلم و انما تسيروا في جهالتكم (و لا تنقادوا لاهوائكم) تسيركم حيث تشاء (فان النازل بهذا المنزل) اي المعتمد علي هواه (نازل بشفاجرف هار) (شفا) طرف الوادي، و (
جرف) المحل الذي يجرفه السيل و ما اشبه. و يسقطه و (هار) اصله (هاري) بمعني المتهدم او المشرف علي الانهدام، اي ان التمكل علي هواه في محل السقوط و الانهيار (ينقل اردي) اي الهلكه (علي ظهره من موضع الي موضع) هذا كنايه عن كونه موجبا لاضلال الناس، لانه ينقل الجهاله الي المستشير، فهو هالك و ينقل الهلاك الي غيره. (لراي يحدثه بعد راي يريد ان يلصق ما لا يلتصق) الظاهران (اللام) متعلق ب(يريد) اي ان هذا الجاهل المعتمد علي هواه يريد- بسبب ارائه التي يحدثها مره و مره- ان يلصق الاشياء و يجمع بين شتاتها، فان الجهال لا يعلمون الاسباب و النتائج، و انما يجمعون بين جهالات لالصاقها، و حيث لا قدر لهم في العلم لهم كل يوم راي في التوجيه. مثلا من يري الكون و لا علم له بالواقع تاره يقول انه خليق الصدفه، و اخري يقول تجمع السدم، و ثالثه يقول انه من الاثير، و هكذا، و الحق في خلاف ذلك كله. (و يقرب ما لا يتقارب) اي يجعل بعض الاشياء قريبا الي بعضها الاخر و مرتبطا به، بينما لا تقارب بينهما، كما قرب (دارون) بين الانسان و القرد. (فالله الله) منصوب بفعل مقدر اي اذكروا الله، او خافوا الله (ان تشكوا الي من لا يشكي شجوكم) الشجو الهم و الحاجه، و الاشك
اء، ازاله شكوي المشتكي، اي لا ترفعوا الشكوي الي من لا يزيل همكم و شكواكم، و هذا لبيان ان لا ياخذوا الحلول في المشاكل من غيره عليه‌السلام، لانه شكايه الي من لا يحل المشكله و لا يزيل الهم. (و) الي من (لا ينقض برايه ما قد ابرم لكم) اي المشكله التي وقعتم فيها كانها مبرمه مفتوله، تحتاج الي النقض و الفل حتي تنجوا منها، فلا تشكوا الي من لا يتمكن من نقض هذه المشكله، فلا يقدر ان ينقض برايه- ما قد ابرم و اشكل، ثم بين عليه‌السلام دفع ما ربما يتوهم من انه لا يتدخل في بعض الامور فيكف يامر بالارجاع اليه وحده، و ذلك لبيان ان المقصود من الارجاع الي نفسه في هذه الامور التي يذكرها، لا سائر الشئون. (انه ليس علي الامام الا ما حمل من امر ربه) اي اداء الرساله التي حملها الله سبحانه علي لسان نبيه، ثم بين ذلك بقوله (الا بلاغ في الموعظه) بان يبلغ الناس الموعظه النافعه لهم. (و الاجتهاد في النصيحه) بان يتعب نفسه في نصح الناس و ارشادهم (و الاحياء للنسه) اي طريقه الرسول صلي الله عليه و آله و سلم. (و اقامه الحدود علي مستحقيها) ممن قد ارتكب اثما او جريمه. (و اصدار السهمان) جمع سهم، بمعني النصيب من الحقوق الماليه (علي اهلها) المتسحقين، ففي
هذه الامور يراجع الامام و لا يرجع الي غيره اما سائر الامور فليس من مهمه الامام، فانه ليس علي الامام الا ما حمل، و الاعتراض علي الناس انما هو: لماذا ترجعون الي غير الامام في هذه الامور؟ و لا يخفي ان هذه الخمسه شامله لكل شئون الدنيا و الدين، بضرب من التعميم، كشمول (اصدار السهمان) للمصالح العامه حتي مثل تبليط الشوارع لان اهل المدينه يستحقون ذلك، و هكذا. (فبادروا العلم) اي اسرعوا في اخذ العلم من الامام (قبل تصويح) اي جفاف (نبته) بموت صاحب العلم. (و من قبل ان تشغلوا بانفسكم عن مستثار العلم) المستثار مصدر ميمي اي اثاره العلم، من آثاره، بمعني اظهر، فكان العلم في العام مخفي، يتمكن الانسان من اثارته و اظهاره بالسوال (من عند اهله) و المراد به نفسه الزكيه. (و انهوا عن المنكر و تناهوا عنه) اي انتهوا بانفسكم عنه (فانما امرتم بالنهي بعد التناهي) فان النهي عن الشي‌ء انما يوثر بعد ان يتناهي الانسان- بنفسه- عن ذلك الشي‌ء قال سبحانه: (لم تقولون ما لا تفلعون؟ كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون) و قال: (قوا انفسكم، و اهليكم، نارا) فقدم حفظ النفس- علي حفظ الاهل قال الشاعر: لا تنه عن خلق و تاتي مثله عار عليك اذا فعلت، شديد

خطبه 105

[صفحه 154]
و فيها فضل الاسلام، و فضائل الرسول، و لوم اصحابه (الحمدلله الذي شرع الاسلام) اي نهجه و جعله دستورا للحياه (فسهل شرائعه لمن ورده) حيث رفع السعر و الحرج فضلا منه و منه، و لم يشرع الاحكام الضرريه، الا في مواضع الضروره- مما خيره اعم- كالجهاد و ما اشبه. (و اعز اركانه) اي جعل اركان الاسلام عزيزه (علي من غالبه) اي من غالب الاسلام، و اراد دحضه، فان احكام الاسلام من القوه و العصمه بحيث لا يتمكن احد من نقضه او دحضه، او المراد باركان الاسلام، حكومته، يعني ان الحكومه الاسلاميه لا تغالب. (فجعله) اي الاسلام (امنا) اي محل امان و اطمينان (لمن علقه) اي تعلق به (و سلما لمن دخله) فان الداخل في الاسلام يسعد و يسلم من شرور الدنيا و الاخره- و هذا حكم طبيعي فلا ينافي ذلك عدم انطباق الكليات المذكوره علي بعض الافراد، كما ان قول الطبيب العقار الكذائي مقو، طبعي لا ينافيه عدم التقويه في عبض الامزجه. (و برهانا) اي حجه (لمن تكلم به) اي من حاج بالاسلام غلب علي خصمه. (و شاهدا لمن خاصم به) فان المسلم اذا خاصم اجدا في امر، و اتي من الاسلام دليلا علي وجه نظره، صار شاهدا له، لقوه احكامه و تطابقها للواقع. (و نورا لمن استضاء به)
فمن يريد الضياء للخروج عن ظلمه الجهل، كان الالسلام مرشدا له الي الخير و الصلاح. (و فهما لمن عقل) اي موجب لدرك الاشياء و فهمهما علي حقيقتهما لمن اراد التعقل و الفهم، لان الاسلام بين الخطوط العامه للكون و الحياه. (و لبا) اي عقلا (لمن تدبر) فكما ان بالعقل يفهم الانسان الاشياء كذلك، بالاسلام يفهم الحقائق فهو كاللب في كونه آله الادراك. (و آيه) اي دليلا (لمن توسم) اي تفرس و المتوسم هو الذي يدرك الخفايا بالادله و العلامه، و هكذا الاسلام، فان الانسان يعلم الامور المستقبله بواسطه الاسلام. (و تبصره لمن عزم) اي من عزم امرا، و لم يعلم النتيجه كان الاسلام مبصرا له، لان الاسلام يري النتائج المترتبه علي المقدمات. (و عبره لمن اتعظ) اي من اراد الاتعاظ، فان الاسلام بما بين من القصص و التواريخ يكون عبره له. (و نجاه) عن مشاكل الدنيا و الاخره (لمن صدق) بالاسلام بان يكون عمله موافقا له. (و ثقه لمن توكل) علي الاسلام، اي ان من فوض اموره علي الاسلام بان جعله منهاجه في الحياه كان الاسلام ثقه له لا يخونه، و لا يسلمه الي المعاطب و المهالك. (و راحه لمن فوض) امره الي الاسلام، لانه يعلم ان كلشي‌ء يصيبه ففيه الخير فهو في راحه و اطمينان (و
جنه) اي وقايه (لمن صبر) فان الصابر- حسب امر الاسلام- يقي نفسه من المهالك (فهو) اي الاسلام (ابلج) اوضح (المناهج) جمع منهاج و هو الطريق كان الطرق الي الحياه السعيده في الدنيا و الاخره كثيره اوضحها و انورها الاسلام (و اوضح الولائج) جمع وليجه، و هي ما يلج و يدخل فيه الانسان لحفظه عن الاخطار (مشرف المنار) المشرف هو المكان الذي يرتفع عليه الانسان ليطلع علي ما ورائه، و المنار محل الاناره لاضائه الطريق اي ان مناره مرتفع، فاذا استضاء الانسان به راي الي آخر الطريق. (مشرق الجواد) جمع جاده و هي الطريق الواضح، اي ان طريق الاسلام ظاهر، من اشرق اذا ظهر و استبان و انار (مضي‌ء المصابيح) فان مصابيح الاسلام وهن احكامه تضي‌ء و تنير طريق السعاده لمن طلبها. (كريم المضمار) المضمار محل تضمير الخيل للسباق، و معني كونه كريما ان الانسان اذا اضمر خيله هناك، سبق عند المسابقه، و هذا كنايه عن ان الذي يربي في الاسلام نفسه يسبق الاخرين في نيل السعاده. (رفيع الغايه) فان غايته سعاده الدنيا و الاخره، و هذا ارفع الغايات و اسماها (جامع الحلبه) الحلبه خيل تجمع من كل مكان للانتصار كانها الحليب الذي يجمع من جسد الحيوان عند الدر، و المراد يكون الاسل
ام جامع الحلبه انه يجمع جميع فنون السعاده لانتصار الانسان علي المشاكل و انواع الشقاء. (متنافس السبقه) السبقه العوض الذي يعين للسابق في ميادين التغالب بالخيل و شبهها، و الاسلام يتنافس و يزاحم الناس بعضهم بعضا في النيل لسبقته التي هي الجنه، لانها انفس الاشياء التي يستبق الناس لاجلها. (شريف الفرسان) اي ان الداخلين في الاسلام الذين يتسابقون شرفاء لانهم انما تسابقوا في اشرف شي‌ء. (التصديق) لله و الرسول و الائمه (منهاجه) اي طريق الاسلام. (و الصالحات مناره) اي الشي‌ء ينير الطريق الي السعاده- ليس مصباحا و انما- الصالحات، فانها تنير طريق الحق (و الموت غايته) اي ان الاسلام لا ينتهي الا بالموت، و الا فاللازم علي المسلم ان يعمل باستمرار حتي يموت. (و الدنيا مضماره) فاللازم ان يعمل الانسان مادام في الدنيا، لا مثل مضمار الخيل، الذي هو ايام قلائل. (و القيامه حلبته) اي محل الحصول علي السبقه (و الجنه سبقته) اي جزاء السابقين العاملين بالاسلام، و من المحتمل ان تكون هذه الجمل تفسيرا للجمل السابقه، لا جملا مستانفا- علي نحو ما فسرناه-.
[صفحه 158]
(حتي اوري) اي اوقد (قبسا) اي شعله من النور (لقابس) الذي يريد الاقتباس و المعني ان الرسول صلي الله عليه و آله اظهر الاحكام النيره، التي هي شعله من النور في طريق الحق، لطلاب الحق و السعاده. (و انار علما) اي وضع له نارا في راس علم- اي الجبل- (لحابس) هو الذي حبس ناقته حيره لا يدري اين الطريق، فقد كانت العرب تضع النيران في روس الجبال للاشاره الي الطريق- في الليل- ليستنير بها المتحيرون من القوافل و غيرهم، و هذا تشبيه لحال الرسول صلي الله عليه و آله، و حال المتحيرين في بيداء الجهل و الضلال (فهو) اي الرسول صلي الله عليه و آله. (امينك المامون) لا يخونك اذا ائتمنته و قلدته دينك و منهاجك، اي اتبعته في اوامره و زواجره. (و شهيدك يوم الدين) الدين بمعني الجزاء، و يوم الدين هو يوم القيامه، فان الرسول صلي الله عليه و آله يشهد لمن عمل بما عمل، كما قال سبحانه: (و يكون الرسول عليكم شهيدا). (و بعيثك) اي المبعوث لك (نعمه) اي انعاما من الله سبحانه علي البشر (و رسولك) اي المرسل اليك، ارسالا (بالحق) لا بالباطل (رحمه) اي ترحما و تفضلا من الله علي الناس. (اللهم اقسم له) اي الرسول (مقسما) اي نصيبا (من عدلك) و هذا دعاء لاعط
ائه سبحانه للرسول ما يستحق في مقابله اعماله. (و اجزه مضاعفات الخير) اي الخير المضاعف (من فضلك) و احسانك زياده علي العدل و الاستحقاق. (اللهم اعل علي بناء البانين بنائه) كنايه عن ارتفاع دينه حتي يكون ارفع الاديان، كما قال سبحانه: (ليظهره علي‌الدين كله). (و اكرم لديك) المراد القرب معنا لا حسا- لاستحالته في حقه سبحانه- (نزله) هو ما يهي‌ء للضيف من ماكل و ما اشبه لراحته و معني اكرامه ما يوجب تكريمه و تفضيله. (و شرف عندك منزلته) بان تكون له منزله شريفه رفيعه (و آته) اي اعطه (الوسيله) اي السبب الذي يوصله الي ما يشاء (و اعطه السناء) الرفعه و النور (و الفضيله) بان يكون له فضل و زياده علي من عداه. (و احشرنا) اي اجمعنا من حشر بمعني جمع (في زمرته) اي في جماعته صلي الله عليه و آله الخاصين به (غير خزايا) جمع خزيان، من خزي اذا ارتكب شيئا يوجب الخجل و القباحه (و لا نادمين) بان لاتخذ لنا حتي نعمل اعمالا توجب الخزي و الندم- في الاخره- (و لا ناكبين) نكب الطريق اذا عدل عنه، اي لا نكون عادلين عن طريق الحق. (و لا ناكثين) نكث العهد اذا نقضه و لم يف به (و لا ضالين) قد انحرفنا عن الطريق و ضللنا (و لا مضلين) اضللنا الناس (و لا مفتونين
) قد فتنتنا الدنيا بزخارفها، فغررنا بها. (اقول و لعل الامام ذكرهما في مناسبتين)
[صفحه 160]
(و قد بلغتم) ايها المسلمون (من كرامه الله لكم) حيث اكرمكم بالاسلام (منزله تكرم بها) اي بسبب تلك الكرامه (اماوكم) بعد ما كان السعاده- في زمن الجاهليه في خوف و اهانه- (و توصل بها جيرانكم) اي يتفقد الانسان جاره، و كل ذلك الامر الاسلام و تربيته الناس علي ذلك. (و يعظمكم من لا فضل لكم عليه) فان الكفار كانوا يعظمون المسلمين لما راو فيهم من الرفعه و السمو، بدون ان يكون سبب ذلك فضلا من المسلمين عليهم (و لا يد) اي لا نعمه (لكم عنده) و انما قيل للنعمه (يد) لانها آله اعطائها - غالبا-. (و يهابكم من لا يحاف لكم سطوه) اي بطشا و عقابا، فان الانسان يحترم العالم و يهابه و ان لم يخف بطشه و عذابه، و قد كان الكفار يهابون المسلمين بمثل هذه الهيبه (و لا لكم عليه امره) اي اماره و سلطه (و قد ترون عهود الله منقوضه) قد نقضها الكفار، لعدم دخولهم في الاسلام، او نقضها اصحاب معاويه (فلا تغضبون) و لا تنهون عن المنكر (و انتم لنقض ذمم) جمع ذمه و هي العهد- (آبائكم تانفون اي تترفعون انفسكم من ان تري ذمه آبائكم منقوضه فتنهون عن ذلك و تخاصمون الناقض. (و كانت امور الله عليكم ترد) فالناس يسالون منكم عن الاحكام (و عنكم تصدر) فانتم تجيب
ون عنها (و اليكم ترجع) في موارد اختلاف الناس في حكم من احكام الله (فمكنتم الظلمه) جمع ظالم و هو الذي لا يعمل باحكام الله تعالي (من منزلتكم) بان تركتم منزلتكم حتي استولي عليها الضالمون (و القيتم اليهم) اي الي الظلمه. (ازمتكم) جمع زمام و هو ما يقاد به الدابه، يعني انكم بعد ان كنتم تاخذون بقياد الناس اخذ الناس بقيادكم، و هذا مما يويد كون الكلام في مقابل معاويه و اصحابه- لا الكفار-. (و اسلمتم امور الله في ايديهم) بعد ما كانت في ايديكم (يعملون في الشبهات) بدون ان يروا وجه الحق فيتبعوه (و يسيرون في الشهوات) يعملون حسب لذاتهم و شهواتهم لا حسب اوامر الله. (و ايم الله لو فرقوكم تحت كل كوكب) بان باعدوا بينكم بهذا المقدار من البعد للخلاص منكم. (لجمعكم الله لشر يوم لهم) اي لقهرهم و الانتقام منهم، كما فعل سبحانه في قصه (المختار) و (التوابين) و ما اشبه، و هذا الكلام تقويه للشيعه في القيام باخذ حقهم.

خطبه 106

[صفحه 162]
في بعض ايام صفين (و قد رايت جولتكم) معاشر اصحابي اي جولانكم و حركتكم في الحرب (و انحيازكم) اي تقهقركم و ابتعادكم (عن صفوفكم) خوفا من عسكر الشام (تحوزكم) اي تشتمل عليكم (الجفاه) جمع الجافي: من الجفاء بمعني الظلم (الطغام) اوغاد الناس. (و اعراب اهل الشام) الذين لا ثقافه لهم و لا حضاره و هذا عتب علي اصحابه … كيف يذلون امام جيش معاويه، و يبتعدون عن صفوفهم. (و) الحال (انتم لهاميم) جمع لهيميم بمعني السابق من الخيل و الانسان (العرب) اي السباقون الي كل فضيله (و يافيخ الشرف) جمع يافوخ و هو فوق الراس حيث يجتمع عظما الموخر و المقدم. (و الانف المقدم) وصف توضيحي لتاكيد معني الشرف (و السنام الاعظم) السنام هو ما علي ظهر البعير مما هو اعلا اعضائه يشبه به في ارفعه و السمو. (و لقد شفي و حاوح صدري) جمع وحوحه صوت الصدر اذا كان متالما و هو صوت معه بحح (ان رايتكم باخره) اي في جوله آخره (تحوزونهم كما حازوكم) بان اشتلمتم عليهم و احطتم بهم و الاحاطه بالعدو و دليل الغلبه اذ لا مفر للمحاط فمن اين توجه ياتيه الحراب (و تزيلونهم عن موافقهم كما ازالوكم) في الجوله السابقه (تحسونهم (حسا) اي قتلا (بالنصال) هو المبارات في الرمي
(و شجرا) اي طعنا (بالرماح) جمع رمح (تركب اولاهم اخرهم) لفرارهم من ايديكم فان الجمع اذا ارادوا الفرار وقع بعضهم علي بعض كانه راكب عليه (كالابل اليهم) جمه هائمه و هي العطشانه (المطروده) التي تطرد من الماء فانها من شده و العطش و خوف الطرد اذا فرت ركبت بعضها علي بعض (ترمي) تلك الابل (عن حياضها) جمع حوض و هو محل الماء (و تذاد) اي تمنع (عن مواردها) جمع مورد و هو محل ورودها لشرب الماء.

خطبه 107

[صفحه 164]
(و هي من خطب الملاحم) و قد مر معني الملاحم (الحمدلله المتجلي) اي المظهر نفسه (لخلقه ب) سبب (خلقه) فان الخلق هو الاثر الدال علي الخالق (و الظاهر لقلوبهم) لا لابصارهم لانه سبحانه لايري (بحجته) اي بما استدل به و احتج علي وجوده سبحانه. (خلق الخلق من غير رويه) اي تفكر و تدبر لانه لا يحتاج الي الفكر (اذ كانت الرويات لا تليق الا بذوي الضمائر) اي الذين لهم قلوب و اجزاء كالناس: اما الله المنزه عن ذلك فلا يتروي و لا يفكر لخلوه سبحانه عن الاعضاء و الجوارح. (و ليس) سبحانه (بذي ضمير في نفسه) اي ليس لنفسه اي ذاته ضمير و سر (خرق علمه) اي نفذ (باطن غيب السترات) جمع ستره: و هي ما يستر به اي الباطن الغائب المستور. (و احاط) علمه سبحانه (بغموض عقائد السريرات) اي المخفي من عقائد الناس الكائنه في سريرتهم- اي ضمائرهم-.
[صفحه 165]
(اختاره) الله سبحانه (من شجره الانبياء) فان الرسول صلي الله عليه و آله و سلم ينتهي نسبه الي ابي‌الانبياء ابراهيم عليه‌السلام. (و مشكاه) الكره التي يوضع فيها المصباح (الضياء) و الاضافه للبيان كان هذه السلسله التي منها النبي كون يشع منها ضياء الوحي و النبوه (و ذوابه) الناصيه (العلياء) اي العلو فهو صلي الله عليه و آله و سلم في اعلي مراتب العلو. (و سره البطحاء) البطحاء الارض المستويه و المراد هنا مكه و السره يراد بها الوسط اي انه صلي الله عليه و آله و سلم من افضل بيت في مكه. (و مصابيح الظلمه) فان آباء الرسول كانوا اهل حق و دين يضيئون الطريق للجاهل و الضال. (و ينابيع الحكمه) جمع ينبوع، و هو العين، كانهم كانوا عيون الحكم يتفجر منهم مما يفيد الناس و يهديهم الي السعاده و الخير.
[صفحه 166]
(و منها) ثم وصف الامام عليه‌السلام نفسه بقوله: (طبيب دوار بطبه) اي انه يدورهنا و هناك و معه طبه- الذي هو العلم- لعله يجد مريضا يريد العلاج عن مرض الجهل فيشفيه بارشاده و هدايته. (قد احكم مراهمه) جمع مرهم و هو الدواء الشافي للدمل و نحوه (و احمي مواسمه) جمع ميسم و هو المكوات التي يكوي بها المريض اذا عجز عن الشفاء بغيره و (احمي) بمعني اوقد عليه النار حتي حمي، و ذلك كنايه عن استعداده للشفاء بحيث لايحتاج الي الاحماء اذا وجد من احتاج الي الكي (يضع ذلك) الطب (حيث الحاجه اليه) اي في كل مكان محتاج الي الشفاء (من قلوب عمي) جمع اعمي و هو القلب المصروف عن الله سبحانه. (و آذان صم) جمع صماء و هي التي لا تصغي الي الموعظه (و السنه بكم) جمع ابكم و هو اللسان الذي لا ينطق بالحق. (متتبع) اي ذلك الطبيب (بدوائه مواضع الغفله) اي انه يذهب الي الناس الغافلين عن الاخره (و مواطن الحيره) اي المتحيرون عن الله و عن احكامه. (لم يستضيئوا بانورا الحكمه) اي انهم لم يهتدوا- قبله عليه‌السلام- بالنور الساطع من الحكم الاسلاميه (و لم يقدحوا) اصله ضربا الحجر علي الحجر لاخراج النار (بزناد العلوم الثاقبه) فانهم لم يتناولوا العلوم التي تث
قب الجهل لتصل الي محض الحق (فهم في ذلك) الجهل- المستفاد من الكلام- (كالانعام السائمه) التي ترعي الاعشاب بلا علم و لا درايه و انما همها بطنها (و الصخور القاسيه) اي الصلبه التي لا تتفجر منها الانهار و لا تنبت النبات فليست محل خير.
[صفحه 167]
(قد انجابت) اي ظهرت (السرائر) جمع سريره، و المزاد بها الامور الراقعيه المستوره (لاهل البصائر) الذي لهم قلوب و قاده بصيره، و المراد بذلك اما نفسه عليه‌السلام، اي قد ظهرت لي كوامن الامور، فيكون هذا مقدمه لما يخبر به بعد من الاخبار المتسقبله، او ان المراد ان اهل البصره ظهر لهم الحق بما بينه عليه‌السلام فمن لم يظهر له انما كان لتقصيره كقولنا (وضح الحق لذي عينين). (و وضحت محجه الطريق) اي وسطه الواضح (لخابطها) اي السائر عليها و المعني ان مريد السير قد وضح له الحق (و اسفرت الساعه) اي القيامه (عن وجهها) اي اظهرت عن نفسها و ذلك بمجي‌ء علائمها، فقد قال الرسول صلي الله عليه و آله و سلم (بعثت انا و الساعه كهاتين) و اشار صلي الله عليه و آله و سلم الي اصبعيه. (و ظهرت العلامه) للساعه (لمتوسمها) المتوسم هو المتفرس الذي يري العلامه فيغرف ذا العلامه، و هذا فذلكه لبيان فتنه مستقبله هي من اشراط الساعه. ثم الظاهر ان الامام وجه الخطاب الي المعاصرين لتلك الفتنه الذين لا يقومون باخمادها، بقوله: (ما لي … ) لا انه خطاب الي اصحابه لعدم المناسبه اللهم الا ان يقال وجه الخطاب عتابهم في عدم اخذهم بهذه العلوم التي يفيض بها صدر
الامام، و عدم اعتنائهم لها. (ما لي اراكم) و هذا عتاب لهم، في مكان (ما لكم) و انما ينسب الاستفهام الي نفسه للاشاره الي ان المطلب من الغرابه بحيث يمكن ان يكون المتكلم اشتبه في الرويه فهم غير مقصرين و انما رآهم المتكلم مقصرين اشتباها منه (اشباحا) جمع شبح و هو الجسد بلا روح (بلا ارواح) اجسام مرئيه بلا ارواح مدركه. (و ارواحا بلا اشباح) هذا من تتمه التانيب اي انكم ناقصون كالروح بلا جسد، او الجسد بلا روح الذي لم ينفع كل واحد منهما دون الاخر، و هذا كما يذم ذا اللسانين، و انكان احد لسانيه حسنا. (و نساكا) جمع ناسك و هو الزاهد (بلا صلاح) اي انكم غير زاهدين، و انما تظهرون الزهد و الصلاح (و تجارا بلا ارباح) اي تعملون بلا ثمر، لان اعمالكم للدنيا التي لا ربح حقيقي لها. (و ايقاظا) جمع يقظ (نوما) جمع نائم اي انكم في الظاهر ايقاظ لكن لعدم درككم للامور و عدم عملكم عملا مثمرا، كالنوم. (و شهودا) جمع شاهد و هو الحاضر (غيبا) جمع غائب، اي انكم حاضرون جسما، غائبون قلبا. (و ناظره عمياء) تنظرون بالعيون لكنكم كالاعمي لا تدركون الحقائق، و عمي جمع (اعمي) (و سامعه صماء) جمع اصم. (و ناطقه بكماء) جمع ابكم و المعني لا تنتفعون بابصاركم و اسما
عكم و السنتكم
[صفحه 169]
(رايت ضلاله قد قامت) لعله اشاره الي آخر الزمان- كالوقت الذي نحن فيه- (علي قطبها) تمثيل الاستحكام اي تلك الضلاله، حتي ان لها رحي و مدارا و قطبا، تدور بانتظام، لا انها شي‌ء وقتي و جوله تنتهي بسرعه. (و تفرقت) تلك الضلاله (بشعبها) اي انتشرت بفروعها فلها شعب و فروع (تكيلكم) اي تاخذكم للهلاك كيلا (بصاعها) آله الكيل، كان تلك الفتنه عامه حتي انها تكال الناس كيلا، لا انها خاصه ببعض الناس كما ان الامر كذلك في زماننا هذا. (و تخبطكم) من خبط الشجر اذا ضربه بالعصي ليسقط ورقه، او من خبط البعير بيده الارض اذا ضربها بيده، و هذا اقرب (بباعها) و هو مد اليدين، و ذلك كنايه عن شمول الفتنه لجميعهم (قائدها) اي قائد تلك الفتنه، و كان المراد الحكام (خارج من المله) اي من شريعه الاسلام. (قائم علي الضله) اي الضلاله (فلا يبقي- يومئذ-) اي في ذاك اليوم (منكم الاثفاله كثفاله القدر) الذي يبقي بعد ذهاب الخالص الطيب من الطعام، يعني ان الباقين ليسوا الا شرارا قد ذهب خيارهم (او نفاضه) ما يسقط بالنفض. (كنفاضه العكم) هو لمظ تجعل فيه المراه ذخيرتها، فاذا تمت الذخيره نفضت العكم لتنفضها من بقايا الزد الباقيه في ثنايا نسيج العكم. (تعرككم)
الفتنه، و هو الدلك الشديد (عرك الاديم) هو الجلد، يدلك شديد ليمتد و هو كنايه عن شده وطاء الفتنه، و تحريكها لهم تحريكا عنيفا. (و تدوسكم) الفتنه (دوس الحصيد) اي الحب المحصود فانه يداس بشده ليتفرق قشره عن لبه (و تستخلص) الفتنه (المومن من بينكم) و نسبه استخلاص الفتنه المومن، لانها هي السبب في كمال ايمانه حيث يبقي في كل الهزاهز بدون انحراف او تنكب. (استخلاص الطير الحبه البطينه) اي السمينه (من بين هزيل الحب) اي غير سمينه. ثم توجه الامام عليه‌السلام بالخطاب الي اهل ذلك الزمان الذين يقعون في‌الفتنه، بقوله: (اين تذهب بكم المذاهب) جمع مذهب، و هي الطرائق التي تتولد في الفتن و يدعوا كل انسان اتباعه الي طريقه خاصه. (و تتيه بكم الغياهب) جمع غيهب و هو الظلمه، كان الظلمات تسبب ظلالهم و تيههم. (و تخدعكم الكواذب) اي الاقوال الكاذبه (و من اين توتون) كان اعوان الفتنه ياتون الي الناس لاظلالهم، و هذه الاستفهامات للانكار. (و اني توفكون) اي كيف تنصرفون عن‌الحق؟ من افك بمعني انصرف، ثم بين الامام عليه‌السلام ان تلك الفتنه لا تبقي و انما تذهب و تضمحل بعد مده بقوله (فلكل اجل) اي مده (كتاب) قد كتب الاجل في ذلك الكتاب فلا يزيد علي ما كتب
و لا ينقص عنه. (و لكل غيبه) لاحد او شي‌ء (اياب) و رجوع و هكذ يرجع الاسلام بعد الفتنه التي تسبب غياب احكامه و نظامه. (فاستمعوا من ربانيكم) العارف بالله سبحانه، منسوب الي (رب) و المراد نفسه الكريمه (و احضروا قلوبكم) للادراك و الفهم، لتعرفوا ذلك الزمان و علائمه. (و استيقظوا) اي لا تكونوا كالنائم (ان هتف) اي صاح الرباني (بكم) لايقاظكم، حتي لا تقعوا في الفتنه من غير درايه (و ليصدق رائد اهل) الرائد هو الذي يتقدم القوم المسافرين يرتاد لهم موضع كلاء و ماء، و هذا امر بالقاده، بان يتحفظوا علي الناس في ذلك الزمان لئلا يضل الاتباع بلا علم (و ليجمع) الرائد (شمله) اي جماعه فلا يتركهم نهبا للفتن و الضلالات (و ليحضر) الرائد (ذهنه) ليعرف مواقع الفتن و الضلاله (فلقد فلق) اي شق و فاعله الضمير العائد الي الامام عليه‌السلام (لكم الامر) اي بينه لكم لئلا تضلوا. (فلق الخرزه) فكما ان الخرزه اذا شقت روي ما في جوفها كذلك اوضح الامام لكن باطن الامر، حتي لا يبقي شي‌ء مشتبه (و قرفه) اي قرف الامر، اي قشره، و اوضحه (قرف الصمغه) اي مثل تقشير الصمغه، فانها اذا تقشر يظهر ما في بطنها بجلاء، لكونها شفافه، ثم بين الامام عليه‌السلام علائم تلك الف
تنه و ما يصحبها من الموبقات و الاثام بقوله: (فعند ذلك) الزمان (اخذ الباطل ماخذه) جمع ماخذه اي جميع المحلات الممكنه اخذها (و ركب الجهل مراكبه) و المراد تفشيه و اتساعه بين الناس (و عظمت الطاغيه) اي سلطه السلطان الطاغي، و التانيث باعتبار النفس، او ان التاء للمبالغه. (و قلت الداعيه) الي الهدي (وصال الدهر) اي هجم علي الناس بالفقر و البلاء و المرض و ما اشبه. (صيال السبع العقور) الذي اذا عقر، موضعا سبب الما كثيرا و مرضا، اي مثل صوله الحيوان المفترس الذي صار مع ذلك عقورا (و هدر فنيق الباطل) شبه الفتنه بالبعير اذا هدر، فان (فنيق) الفحل من الابل (بعد كظوم) اي كظم و امساك، فان اهل الباطل في دوله الحق ساكنون خوفا من اهله اما اذا قامت الفتن، فاهل الباطل يشرعون في الحركه و الصياح و الدعوه و الافساد (و تواخي الناس) اي آخي بعضهم بعضا (علي الفجور) فيتخد الخليل خليله فاجره، او خليلا فاسقا، حيث لا اخوه تجمعهم الا الفسق (و تهاجروا علي الدين) اي اذا كان احدهم متدينا هاجره صديقه. (و تحابوا علي الكذب) اي احب بعضهم بعضا، لانه كذب في نفعه (و تباغضوا علي الصدق) اي ان احدهم اذا صدق و قال الحق، غضب عليه آخر، و ابغضه لانه صدق (فاذا كان
ذلك) حال الناس (كان الولد غيظا) اي موجبا لغيظ ابويه لانه يكون للولد اتجاه آخر غير اتجاه الابوين، فان الاسلام هو الذي يوحد الاتجاهات و يظلل العائله بالالفه و الوداد، فاذا انفصم انفصمت العلائق (و المطر قيظا) المراد ان المطر ياتي في الصيف حيث لا ينفع، او ان المطر يكون كالمطر في القيظ لعدم الاستفاده منه، حيث تكون الامور الزراعيه بالمكائن و الالات- كما في حالنا هذا-. (و تفيض اللئام فيضا) اي يكثرون كما يفيض الماء و يكثر، و ذلك لان المجتمع اذا صار فاسدا كثر فيه الفاسدون و قل الصالحون (و تغيض الكرام) من غاض الماء اذا غار في الارض (غيضا) و ذلك كنايه عن قلتهم. (و كان اهل ذلك الزمان ذئابا) اي كالذئاب في اختطاف الخيرات، و عدم المبالات بالحرام و الحلال، و سوء العواقب. (و سلاطينه سباعا) كالسبع في افتراس الناس و قتلهم و نهشهم (و اوساطه) اي المتوسطون من اهل ذلك الزمان (اكالا) لا يعرفون الا الاكل و ذلك كنايه عن عدم اهتمامهم الا بانفسهم. (و فقراوه) اي فقراء ذلك الزمان (امواتا) اي كالاموات في عدم وسائل العيش لهم، اذ الاغنياء لا يرحمونهم، و الدوله لا تهتم بهم، بخلاف ما لو كان الاسلام آخذا بالزمام (و غار الصدق) اي نضب و ذهب. (و
فاض الكذب) اي كثر و زاد كما يفيض الماء (و استعملت الموده باللسان) اي انه يذهب الود من القلوب و انما يكون لود الحب باللسان فقط (و تشاجر) اي عادي (الناس) بعضهم بعصضا (بالقلوب) و هي صفت النفاق (وصاز الفسوق نسبا) فالفسق يكون هو سبب التواصل- كما يكون النسب سبب التواصل- فمثلا يتصادق الناس علي المنكرات و المحرمات، و يحتمل ان يكون المراد ان الزنا و ما اشبهه يكون سببا للنسب. (و) يكون (العفاف) و النزاهه (عجبا) اي موجبا لعجب الناس كيف عف و تنزه فلان؟ (و لبس الاسلام لبس الفرو مقلوبا) فقلب الناس يحب الاسلام و عليهم اسمه اما ظاهرهم فظهر كفر و نفاق.

خطبه 108

[صفحه 175]
في صفه الله و ذكر الملائكه و بيان الخلق و الاشاره الي البعث (كل شي‌ء خاشع) اي خاضع (له) تعالي، حتي الذين لا يعترفون به خاضعون تكوينا لارادته. (و كل شي‌ء قائم به) اي ان قوام كل شي‌ء و وجوده حسب ارادته سبحانه، حتي اذا صرف عنهم الاراده فنوا و عدموا. (غني كل فقير) فان غني الفقراء- فيما هم فيه اغنياء، كالصحه، و الامن، و الوجود، و ما اشبه- انما هو بسببه و فضله تعالي او المراد ان كل شي‌ء فقير في ذاته- لكونه ممكنا- و انما غناه و وجدانه لشي‌ء من الله سبحانه. (و عز كل ذليل) فان الذليل يعتز بان له الها عظيما عزيزا، او الذي ذكرنا في الفقره السابقه بمعني ان الذليل ذاتا عزه بالله. (و قوه كل ضعيف) فالقوه التي للضعفاء انما هي بالله، او علي المعني الذي ذكرناه سابقا. (و مفزع كل مهلوف) المفزع محل الفزع و الالتجاء، و الملهوف، هو الذي نابه امر و عرضت له كارثه، فان كل مضطر يلتجا اليه سبحانه لكشف ضره و تعويض خسارته. (من تكلم سمع) الله سبحانه (نطقه) اينما كان و كيفما تكلم (و من سكت) و لم ينطق (علم سره) و ما يدور في ضميره (و من عاش) في‌الدنيا (فعليه) تعالي (رزقه) حتي يموت (و من مات فاليه) سبلحانه (منقلبه) مصدر ميمي اي
انقلابه و رجوعه و معني (اليه) الي جزائه و المحل الذي اعده له، اذ هو سبحانه منزه عن المكان. ثم التفت عليه‌السلام عن الغيبه الي الخطاب- الذي هو من فنون البلاغه- بقوله: (لم ترك) من (راي) و (الكاف) للخطاب (العيون فتخبر عنك) اخبارا بالرويه، بان تحكي للنفس صورتك و كيفيتك. (بل كنت) يا رب (قبل الواصفين من خلقك) فان الناس القادرين علي الوصف هم مخلوقون لك و الاتيان بلفظه (بل) لعله لدفع ايهام ان (مالا يري لا يكون) بعدم رويته ليس لعدم كونه فانه كائن بل قبل كل شي‌ء (لم تخلق الخلق لوحشه) كما يتوحش الانسان من الانفراد، فيكسب مونسا (و لا استعملتهم) اي امرتهم بالعمل، او جئت بهم الي الوجود و اعطيتهم ما اعطيتهم (لمنفعه) لك من ورائهم (و لا يسبقك) في الفرار (من طلبت) تشبيه بمن يسبق طالبه فرارا فلا يدركه الطالب عجزا (و لا يفلتك) اي لا ينفلت منك (من اخذت) كما ربما ينفلت الناس من ايدي خصمائهم. (و لا ينقص سلطانك من عصاك) اذ سلطانه كائن علي الجميع، سواء عصي العاصي ام اطاع المطيع، لعدم خروج شي‌ء من تحت امره، و قبضه قدرته سبحانه. (و لا يزيد في ملكك من اطاعك) لان الملك كائن لا يتسع و لا ينقبض، و انما الامر بالاطاعه لمنفعه المطيع (و لا ي
رد امرك) اي تقديرك (من سخط قضاوك) فمثلا من سخط لضيق رزقه، لا يرد سخطه ضيق رزقه الذي قضاه سبحانه له. (و لا يستغني عنك من تولي) اي اعرض (عن امرك) بان عصاك، فان الانسان احتياج محض اليه سبحانه (كل سر عندك) يا رب (علانيه) اي ظاهر غير مستور. (و كل غيب) اي ما غاب عن الحواس (عندك شهاده) اي حاضر مشهود، لان الله مطلع علي جميع الاشياء ظاهرها و باطنها، حاضرها و غائبها. (انت الابد) اي باقي دائما (لا امد لك) اي لا مده لك، حتي اذا بلغت الي تلك المده انقضي اجلك. (و انت المنتهي) اي انتهاء جزاء كل انسان اليك (لا محيص) اي لا مفر (عنك) و لا يتمكن احد من ان لا يصل اليك (و انت الموعد) الموعد محل الوعد، اي ان الانسان وعد ان يصل اليك- و الموعد غير المنتهي مفهوما- (لا منجي) اي لا نجات (منك الا اليك) بان يتضرع الانسان اليك لنجاته من سخطك. (بيدك) اي بقدرتك و تحت امرك (ناصيه كل دابه) الناصيه مقدم الجبهه، و انما خص بذلك، لان الشخص اذا اخذ بشعر انسان لا يتمكن الماخوذ من الانفلات، و يتمكن من توجيهه كيفما شاء. (و اليك مصير) مصدر ميمي اي صيروره (كل نسمه) اي كل انسان (سبحانك) مفعول مطلق لفعل محذوف، اي اسبحك سبحانك، و المعني انزهك تنزيها عن ا
لنقائص (ما اعظم ما نري من خلقك) فان ما يري من مخلوقاته سبحانه عظيم فكيف بما لا يري (و ما اصغر عظيمه) اي عظيم المخلوقات (في جنب قدرتك) فان قدره الله سبحانه لاتحد بحد. (و ما اهول ما نري من ملكوتك) اي ان كبر الملكوت- بمعني الملك- موجب للهول و الدهشه (و ما احقر ذلك) الخلق و الملك- الذي نراه- (فيما غاب عنا من سلطانك) و ملكك (و ما اسبغ نعمك في الدنيا) فان نعمه سبحانه في الدنيا سابغه واسعه (و ما اصغرها في نعم الاخره) (في) بمعني النسبه فان نعم الاخره من الكثره بحيث ان نعم الدنيا لا شي‌ء بالنسبه اليها.
[صفحه 179]
(من ملائكه اسكنتهم سماواتك) فان الملائكه اجسام لطيفه مقرها الطبقات العليا من الفضاء (و رفعتهم عن ارضك) فليسوا من سكان الارض- كالانسان- (هم اعلم خلقك بك) هذا اضافي بالنسبه الي عامه الناس و الاجنه و الحيوانات، لا انه حتي بالنسبه الي النبي صلي الله عليه و آله و سلم و الائمه عليهم‌السلام (و اخوفهم لك) اي اكثر الخلق خوفا منك (و اقربهم منك) قرب منزله، لا قرب مكان- فانه تعالي منزه عن المكان-. (لم يسكنوا) اي الملائكه (الاصلاب) جمع صلاب و هو محل المني في ظهر الرجل (و لم يضمنوا الارحام) جمع رحم، و هي محل الولد في الام. (و لم يخلقوا من ماء مهين) اي حقير و المراد به النطفه (و لم يشعبهم) من شعبه بمعني اهلكه (ريب المنون) المنون الفوت، و ريبه عمله، و المعني انهم لا يموتون- كما يموت الانسان- او ان (المنون) الدهر، و (ريبه) صرفه اي لا تنالهم صروف الدهر من قوه و ضعف و غني و فقر و ما اشبه (و انهم) اي الملائكه و هذا متعلق بقوله (لو عاينوا) و الجمله في الوسط اعتراض (علي مكانهم منك) اي قربهم للطفك و فضلك يا رب (و منزلتهم عندك، اي مكانتهم الرفيعه (و استجماع اهوائهم فيك) اي ليست لهم اهواء متشته متفرقه- كالانسان- و انما
كل فكرهم و نظرهم عنده سبحانه و مصرفوه في عظمته و طاعته. (و كثره طاعتهم لك) فانهم دائما في طاعه الله سبحانه (و قله غفلتهم عن امرك) اما حقيقي، بان كان لهم غفله قليله منه سبحانه، او كنائي، ان لم تكن لهم غفله (لو عاينوا) متعلق بقوله سابقا (و انهم). (كنه ما خفي عليهم منك) اي كنه ذاتك و صفاتك (لحقروا اعمالهم) فان الانسان كلما اطلع علي عظمه الله سبحانه حقر عمله في جنب عظمته تعالي. (و لزروا علي انفسهم) اي عابوها و حقروها لانها لا تعمل الا قليلا (و لعرفوا انهم لم يعبدوك حق عبادتك و لم يطيعوك حق طاعتك) فان ذلك غير معقول بالنسبه الي المخلوقات.
[صفحه 180]
ثم توجه الامام عليه‌السلام الي الانكار علي الناس العصات الذين اعرضوا عنه تعالي، و قدم علي ذلك مقدمه بقوله: (سبحانك) اللهم (خالقا و معبودا) اي انت خالق الخلق، و انت الاله المعبود بالحق (بحسن بلائك عند خلقك) الباء للسببيه، اي ان التسبيح بسبب حسن امتحان الله سبحانه فانه تعالي انما اختبر عباده اختبارا حسنا سهلا لا عسر فيه و لا صعوبه (خلقت دارا) اي الجنه (و جعلت فيها مادبه) هي ما يضع من الطعام للمدعوين، و المراد نعيم الجنه. ثم فسر عليه‌السلام ذلك بقوله: (مشربا و مطعما) مصدران ميميان اي شرابا و طعاما (و ازواجا) للنساء رجالا و للرجال نساء (و خدما) جمع خادم. (و قصورا و انهارا و زروعا) جمع زرع و هو التبات و الشجر (و ثمارا) اي فواكه. (ثم ارسلت داعيا) هو النبي صلي الله عليه و آله و سلم. او مطلق الدعات فالمراد الجنس (يدعوا اليها) اي الي تلك الدار. (فلا الداعي اجابوا) اي لم يجب الناس الداعي- و المراد الاغلبيه منهم- (و لا فيما رغبت رغبوا) فانهم لم يرغبوا في نعيم الجنه (و لا الي ما شوقت اليه اشتاقوا) جهلا منهم و عتوا (اقبلوا علي جيفه) المراد منها الدنيا (افتضحوا باكلها) الا فتضاح ظهور نوايا الشخص السيئه و نفس
يته الدنيئه. (و اصطلحوا علي حبها) اي صالح بعضهم بعضا، بان لا ينكر احدهم علي آخر، في حب الدنيا (و من عشق شيئا) كما عشق الناس الدنيا (اعشي بصره) اي اعماه، فان المحب لا يري الا الصفات المحبوبه اما الصفات الذميمه فيغض عنها. (و امرض قلبه) فان القلب اذا لم ير الشر، فهو مريض لخروجه من جاده الاستقامه (فهو ينظر بعين غير صحيحه) و المراد من النظر ليس الرويه و انما الادراك النفسي (و يسمع باذن غير سميعه) فان سمع حسنه اخذها، و ان سمع سيئه تصام عنها. (قد خرقت الشهوات عقله) فامتلاء بالشهوات بعد ان كان العقد لا ينفذ فيه شي‌ء حتي يكون علي حد ذاته يدرك الاشياء و يميزها بميزان عادل صحيح (و اماتت الدنيا قلبه) فان القلب الحي هو الذي يفر من السي‌ء و ياوي الي الحسن، اما القلب اذا مات، كان كالانسان الميت الذي لا يفر من الضار و لا يجلب النافع. (و ولهت) اي اشتاقت اشتياقا زائدا (عليها) اي علي الشهوات (نفسه فهو عبد لها) اي للشهوات (و لمن في يده شي‌ء منها) فكما ان العبد يتبع سيده كذلك هذا الانسان يتبع شهواته و من يمكن ان يحصل علي الشهوات بواسطته (حيثما زالت) اي مالت الشهوات (زال) هذا الشخص (اليها) الي الشهوات (و حيثما اقبلت) و اتجهت تلك
الشهوات (اقبل عليها) يدور معها. (و لا يزدجر) اي لا ينتهي (من الله) اي من جهه امره سبحانه (بزاجر) اي بسبب زاجر عن قبله تعالي (و لا يتعظ منه) تعالي (بواعظ) اي بسبب و واعظ من طرفه سبحانه. (و) الحال (و) الذي اتبع الشهوات غافلا عن الاخره (يري الماخوذين علي الغره) الذين ماتواه و اخذهم الله سبحانه للحساب و الجزاء غفله و بغته بدون سابق انذار (حيث لا اقاله) بان يقيلهم الله سبحانه عثراتهم (و لا رجعه) الي الدنيا ليتداركوا ذنوبهم بالطاعه و الانابه (كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون)؟ من احوال الاخره و سيئات ما عملوا، و الاستفهام للتعجيب و التذكير (و جائهم من فراق الدنيا ما كانوا يامنون) (من) بيان (ما) اي انهم كانوا يامنون فراق الدنيا، فجائهم الفراق بغتته و خطفهم من مامنهم (و قدموا من الاخره) بيان (علي) (علي ما كانوا يوعدون) من العقاب و الحساب الذي كانوا يوعدونه فلا يصدقونه.
[صفحه 184]
(فغير موصوف ما نزل بهم) من اهوال و الشدائد فانها لعضمها لا تاتي في درج البيان و الوصف (اجتمعت عليهم سكره الموت) فان للموت حاله كحاله السكران اذ يغطي علي عقله من شده اهوال الموت (و حسره الفوت) اي فوت اوان الطاعه الموجبه للخلاص و الفوز (ففترت لها) اي لتلك السكره و الحسره (اطرافهم) فان الانسان يضعف عصبه عند الشدائد و المخاوف (و تغيرت لها الوانهم) اذ الخوف يوجب هجوم الدم نحو الباطن فيصفر الوجه. (ثم ازداد الموت فيهم ولوجا) اي دخولا، لان الموت امر تدريجي ياتي جزئا جزئا (فحيل بين احدهم) المراد كل واحد من هولاء الموصوفين كما قال سبحانه: (يود احدهم لو يعمر الف سنه) (و بين منطقه) حتي انه لا يتمكن ان يتكلم. (و انه لبين اهله) ممدود في حاله السكرات (ينظر ببصره) اليهم (و يسمع باذنه) كلامهم لكنه لا يقدر لي التكلم (علي صحه من عقله و بقاء من لبه) اي عقله كل ذلك مما يزده حسره (يفكر فيم) اصله (في ما) و اذا دخلت حروف الجر علي (ما) حذف الالف نحو (عم) و (لم) و ما اشبه (افني عمره)؟ حيث لم يحصل علي الغايه الحسنه (و فيم اذهب) و اعدم (دهره) بلا فائده و لا تجاره رابحه. (و يتذكر) في ذلك الحال (اموالا جمعها) طيله حياته و ق
د (اغمض في مطالبها) اي ما يطلبه تلك الاموال من الشقاء و السعاده، لانه اغمض بصره في كون تلك الاموال من الحرام او الحلال. (و اخذها) اي تلك الاموال (من مصرحاتها) الصريح هو الذي لا لبس فيه و لا اشتباه (و مشتبهاتها) اشتبه حله بحرامه (قد لزمته تبعات جمعها) جمع تبعه، و هي العقوبه و المشكله تتبع التصرف السي‌ء من جهه الجمع و معني لزمته ان استحق العقاب. (و اشرف علي فراقه) اي مفارقه تلك الاموال (تبقي) تلك الاموال (لمن ورائه) اي يبقي من بعده من الورثه و نحوهم (ينعمون فيها) اي يتنعمون في تلك الاموال (و يتمتعون بها) التمتع اخذ المتعه (فيكون المهنا) من (هناء) و هو ما اتاك من خير بلا صعوبه و مشقه (لغيره) و هو الوارث (و العب) اي الثقل، الذي هو الذنب (علي ظهره) فان الوارث لا يعلم بكون المال حراما، و لذا يجري اصل الصحه و يتناوله في هناء (و المرء) المورث (قد غلقت رهونه) اي استحقها مرتهنها (بها) اي بتلك الاموال. (فهو يعض يده) كنايه عن اسفه (ندامه علي ما اصحر له) اي ظهر له، و اصله البروز الي الصحراء لانه يظهر فيها (عند الموت من امره) اي امر نفسه (و يزهد) هذا الانسان المحتضر (فيما كان يرغب فيه ايام عمره) لانه يظهر له في ذلك الحال
عدم فائده المال و ما اشبه، و لذا ينفر عنه، بينما كان في السابق يرغب فيه (و يتمني) حال الموت (ان) الشخص (الذي كان يغبطه بها) اي يغبط هذا المحتضر بسبب تلك الاموال (و يحسده عليها) و الفرق بين الغبطه و الحسد ان الغبطه تمني المرء ان يكون لنفسه مثل ما لغيره و الحسد تمني المرء زوال نعمه الغير. (قد حازها) اي ملكها ذلك الحاسد و الغابط (دونه) لانه راي و بال تلك الاموال فيقول يا ليت كانت لغير حتي لا اوخذ باثمها و تبعتها (فلم يزل الموت يبالغ في جسده) و يوهن قواه. (حتي خالط لسانه سمعه) اي شارك السمع اللسان في العجز عن القيام بوظيفته فقد كان قادرا علي الاستماع غير قادر علي التكلم و الان صار لا يقدر علي الاستماع ايضا (فصار بين اهله لا ينطق بلسانه و لا يسمع بسمعه) و انما يبقي له البصر. (يردد طرفه بالنظر في وجوهم) ينظر الي هذا مره و الي ذاك اخري (يري حركات السنتهم) مما يدل علي انهم يتكلمون بشي‌ء (و لا يسمع رجع) اي صوت (كلامهم) لان الموت قد شمل اذنه، و في هذا الحال زياده الحسره و كثره الغصه. (ثم ازداد الموت التياطا) اي اختلاطا (به فقبض بصره كما قبض سمعه) و لسانه من ذي قبل (و خرجت الروح من جسده) و مات. (فصار جيفه) اي كالجيفه،
و هذا مجاز بالمشارفه (بين اهله) و تكرار هذه الكلمه لا شفاق (قد اوحشوا من جانبه) اي من جهته (و تباعدوا من قربه) اذ الناس يخافون من الميت و يتعبدون عنه (لا يسعد باكيا) بالبكاء معه، اي لا يشاركهم في احزانهم كما كان يشارك معهم في حال حياتهم (و لا يجيب داعيا) يدعوه. (ثم حملوه الي مخط) اي مكان قد خط لقبره (في الارض و اسلموه فيه) اي في ذلك المخط (الي عمله) بمعني انه يبقي و عمله الذي قدمه في اليحاه فانكان خيرا سعد و انكان شرا شقي. (و انقطعوا عن زورته) اي زيارته، فلا يزورونه، و يبقي هناك في القبر رهن عمله
[صفحه 187]
(حتي اذا بلغ الكتاب اجله) اي الذي كتبه الله سبحانه لبقاء الاموات في القبور، اجله: اي مدته (و) بلغ (الامر مقاديره) جمع مقدار، اي امر الله في البقاء في القبر مقداره الذي قدره و عينه. (و الحق اخر الخلق باوله) بان مات الجميع (و جاء من امر الله ما يريده من تجديد خلقه) باحيائهم و جمعهم في عالم الاخره (اماد السماء) اي حركها (و فطرها) اي شقها و صدعها، و المراد تبديد نظام السماء، و هذا جواب (اذا) (و ارج الارض) من الرجه بمعني الحركه (و ارجفها) اي زلزلها (و قلع جبالها) عن مواضعها (و نسفها) اي ازالها (و دك بعضها بعضا) الدك الضرب (من هيبه جلالته) سبحانه. (و مخوف سطوته) اي سلطته المخوفه، و الالفاظ اما علي الحقيقه، انكانت الجبال تشعر، او كنايه. (و اخرج) الله سبحانه (من فيها) اي في الارض من الاموات (فجددهم بعد اخلاقهم) جمع خلق، بمعني البلي، و انما جي‌ء بالجمع، باعتبار كل شخص شخص (و جمعهم بعد تفرقهم) في اماكن متعدده من الارض. (ثم ميزهم) اي جعل كل جماعه ذات عمل متشابه، متميزه عن الجماعه الاخري (لما يريد) سبحانه (من مسالتهم عن خفايا الاعمال) اي الاعمال التي عملوها خفيه (و خبايا الافعال) جمع خبيئه و هي الخفيه (و جع
لهم فريقين) مختلفين (انعم علي هولاء) بالجنه و المغفره (و انتقم من هولاء) بالنار و العقاب. (فاما اهل طاعته فاثابهم بجواره) و المراد مجاوره رضاه و لطفه- فانه سبحانه منزه عن المكان-. (و خلدهم في داره) اي جعلهم خالدين باقين ابد الابدين (حيث لا يظعن) اي لا يرحل (النزال) جمع نزال، اي ليس لهم انتقال من الاخره (و لا تتغير بهم الحال) في سرور دائم و عيش رغد. (و لا تنوبهم الافزاع) جمع فزع بمعني الخوف، و نابه بمعني ادركه (و لا تنهالهم الاسقام) جمع سقم بمعني المرض (و لا تعرض لهم الاخطار) جمع خطر، و هو ما يوجب ذهاب محبوب من محاب الانسان. (و لا تشخصهم الاسفار) جمع سفر، اي ليس لهم سفر، و اشخصه بمعني اذهب به، و السفر حيث فيه المشقه لا يوجد في الجنه (و اما اهل المعصيه فانزلهم شر دار) و هي جهنم (و غل الايدي) لهم (الي الاعناق) حيث يجمع بينهما في الغل (و قرن النواصي) جمع ناصيه مقدم الراس (بالاقدام) يجمع بينهما زياده في العذاب و النكال. (و البسهم سرابيل القطران) سرابيل جمع سربال و هو الثوب، و القطران شي‌ء كالدهن له رائحه كريهه تسرع فيه النار (و مقطعات النيران) اي الالبسه المقطعه من النار (في عذاب قد اشتد حره) حتي ان حراره النار
في الدنيا الا شي‌ء بالنسبه اليه- كما ورد-. (و باب) لجهنم (قد اطبق) و سد (علي اهله) اي اهل العذاب (في نار لها كلب) اي هيجان (و لجب) اي صوت مرتفع (و لهب) اي شعله (ساطع) عال (و قصيف) هو الصوت الشديد. (هائل) يوجب الهول و الوحشه (لا يظعن) اي لا يسافر و لا يرحل (مقيمها) اي المقيم في تلك النار فانها ابديه دائمه (و لا يفادي اسيرها) اي في الدنيا (و لا تفصم) اي لا تنقطع (كبولها) جمع كبل بمعني القيد (لا مده للدار فتفني) كما تنفني الدنيا (و لا اجل للقوم) اي مده لبقائهم هناك (فيقضي) ذلك الاجل، و يتخلصوا من العذاب.
[صفحه 190]
(قد حقر الدنيا و صغرها) اي راها حقيره صغيره لا اهميه لها و لا شان لامرها. (و اهون بها) اي راها هونا (و هونها) اي راها يسيرا. (و علم) صلي الله عليه و آله و سلم (ان الله زواها) اي صرف الدنيا (عنه) صلي الله عليه و آله و سلم (ان الله زواها) اي صرف الدنيا (عنه) صلي الله عليه و آله و سلم (اختيارا) اي اختيار للرسول الابتعاد عن الدنيا (و بسطها لغيره) كالكفار و الفراعنه (احتقارا) للدنيا، فانها ليست بشي‌ء مهم حتي يمنع عن الاشرار. (فاعرض) الرسول صلي الله عليه و آله و سلم (عنها) اي عن الدنيا (بقلبه) فلم يحبها (و امات ذكرها عن نفسه) فلم يكن يحدث نفسه بالنيل منها (و احب ان تغيب زينتها عن عينه) فان الانسان اذا لم ير الشي‌ء المرغوب فيه، لم يتمناه (لكي لا يتخذ منها رياشا) اللباس الفاخر و ما اشبهه (او يرجو منها) اي من الدنيا (مقاما) و منصبا (بلغ) صلي الله عليه و آله (عن ربه معذرا) اي ما يوجب العذر من طرفه سبحانه، اذا عذب العاصي بعد البلاغ. (و نصح لامته منذرا) لهم مخوفا عن عذاب الاخره (و دعا الي الجنه مبشرا) بالثواب لمن اطاع.
[صفحه 191]
ثم عطف الامام الي اهل البيت عليهم‌السلام بقوله: (نحن شجره النبوه) اي المتفرعون من تلك الشجره (و محط الرساله) اي محل حط الرساله السماويه. (و مختلف الملائكه) اي محل اختلافهم و ذلك بهبوطهم و صعودهم من اختلف اليه اذا جاء و ذهب. (و معادن العلم) فكما ان المعدن محل الشي‌ء الثمين الذي يتكون فيه كذلك الائمه عليهم‌السلام محلات للعلم الكثير. (و ينابيع الحكم) جمع ينبوع و هي العين، و الحكمه العلم بمواضع الاشياء و مناسبات الامور (ناصرنا و محبنا) و ان لم يتمكن من نصرنا (ينتظر الرحمه) من الله سبحانه لانه امر بحبنا و نصرتنا (و عدونا و مبغضنا ينتظر السطوه) و العذاب من الله تعالي.

خطبه 109

[صفحه 192]
في اركان الاسلام (ان افضل ما توسل به المتوسلون الي الله سبحانه) الوسيله هي السبب الذي يتسبب به الي شي‌ء محبوب (الايمان به) اي بالله (و برسوله) اي تصديقه فانه احسن الوسائل التي يتقرب الانسان بها الي لطف الله و رحمته. (و الجهاد في سبيله) بالمال و النفس و سائر ما يبذله الانسان في سبيل اقامه امر الاسلام. (فانه) اي الجهاد (ذروه الاسلام) اي اعلي احكام الاسلام و ذلك لانه الشي‌ء الوحيد الذي يوجب وجود الاسلام في الناس، و بقائه (و كلمه الاخلاص) اي الشهاده بالوحدانيه- و هذا غير الايمان فان الايمان لا ينافي الاشراك، فانه ايمان باثنين- (فانها الفطره) اي الخلقه فان الخلقه الخاليه عن الشوائب و الشبهات اذا نظر الي الكون و فهم وحده النظام فيه لابد و ان يعترف بالوحدانيه (و اقام الصلاه) اي الاتيان بها بحدودها و شروطها (فانها المله) اي انها اعظم ركن من اركان المله الاسلاميه- اي طريقتها- و لعظمها فكانها هي المله بالذات. (و ايتاء الزكاه) اي اعطائها (فانها فريضه واجبه) ثابته في الشريعه. (و صوم شهر رمضان فانه جنه) اي وقايه (من العقاب) كالجنه للمحارب التي تقيه من الاعداء. (و حج البيت و اعتماره) اي العمره (فانهما ينفيان
الفقر و يرخصان الذنب) اي يغسلان الذنب. (و صله الرحم) بان يصل الانسان ارحامه فلا يتطعمهم (فانها) اي الصله (مثراه في المال) اي موجبه للثروه (و منساه في الاجل) اي توجب تاخيره، من نسي اذا تاخر. (و صدقه السر) اي اعطاء الصدقه سرا بحيث لا يعلم بها احد (فانها تكفر الخطيئه) اي توجب محو الذنب. (و صدقه العلانيه) بان يتصدق الانسان في العلن- مع التحفظ علي الاخلاص- (فانها تدفع ميته السوء) اي الموت السي‌ء كالغرق و الحرق و الهدم و ما اشبه. (و صنائع المعروف) اي صنع الشي‌ء الحسن كاعانه الفقراء و مساعده اهل الحاجه و السعي في زواج العزاب و ما اشبه ذلك (فانها تقي) اي تحفظ الانسان عن (مصارع الهوان) اي السقطات الموجبه للهون و الذله، كذهاب مال الانسان و منصبه و تشتت امره و ما اشبه ذلك.
[صفحه 194]
(افيضوا في ذكر الله) الافاضه الدخول، و معني الجمله المواظبه علي الذكر (فانه احسن الذكر) لانه موجب لاناره القلب و مرضات الرب و ثواب الاخره. (و ارغبوا فيما وعد) الله (المتقين) و الرغبه فيه بالعمل الصالح المودي اليه (فان وعده اصدق الوعد) لا خلف فيه و لا زياده او نقصان (و اقتدوا بهدي نبيكم) هديه اي طريقته الرشيده الموجبه للوصول الي الغايه. (فانه افضل الهدي) لانه موصل الي السعاده في الدارين. (و استنوا بسنته) اي ابتغوا سنته (فانها اهدي السنن) اي احسن السنن هدايه، و لعل الفرق بين الجملتين ان الاول خاصه بسيرته الشخصيه صلي الله عليه و آله و سلم، و الثانيه عمامه لما شرعه صلي الله عليه و آله و سلم من الاحكام و بينه من طريق السعاده. (و تعلموا القرآن فانه احسن الحديث) اذ هو جامع لخير الدنيا و سعاده الاخره. (و تفقهوا فيه) بمعرفه تفسيره و تاويله (فانه ربيع القلوب) فان فهم القران موجب لازدهار القلوب كما يزدهر الربيع بالخضورات (و استشفوا بنوره) اي اطلبوا الشفاء من ظلمه الجهل بنورالقرآن الموجب لمعرفه الحقائق الكونيه و الشرعيه (فانه شفائالصدور) من ظلمه الجهل، فان الجهل من اشد الامراض. (و احسنوا تلاوته) اي قرائه ال
قرآن (فانه احسن القصص) اذ فيه القصص الحقه الموجبه للهدايه و التبصر، و لما ذكر الامام عليه‌السلام لزوم الاتيان للمذكورات، بعد ما تلبس الانسان لباس الاسلام، بين انه بدون العمل بهذه الامور، و الاكتفاء بالعلم بها، موجب للخسران. (فان العالم العامل بغير علمه) كان علم بوجوب الصلاه و الزكاه و الحج و حسن الصدقه و التلاوه، لكنه لا يعمل بما يعلم (كالجاهل الحائر) الذي يتحير في وجه الخير و طريق السعاده (الذي لا يستفيق من جهله) اي لا يتخلص من جهله، فان العلم انما هو للعمل فاذا لم يكن عمل كان العالم كالجاهل (بل الحجه عليه اعظم) لانه ترك العمل بعد المعرفه، و الحجه علي الجاهل: انه لم يتعلم؟ (و الحسره له) في فوات الخيرات عنه (الزم) اي اكثر لزوما من الحسره علي الجاهل (و هو) العالم التارك للعمل (عند الله الوم) اي اشد لوما، فان لوم الله سبحانه له اكثر من لومه للجاهل، و انكانا كلاهما يشتركان في اللوم.

خطبه 110

[صفحه 196]
في ذم الدنيا (اما بعد) اي بعد الحمد و الصلاه (فاني احذركم الدنيا) اي اخوفكم من الوقوع في حبائلها و شهواتها (فانها حلوه خضره) لها طعم حسن و لون جذاب. (حفت بالشهوات) اي ان الشهوات احاطت بالدنيا، و ذلك كنايه انها تلازم الشهوات، و تخالطها (و تحببت) اي تقربت الي الناس (بالعاجله) اي كونها غير اجله، و انما عاجله ياخذها الانسان بدون ترقب و الناس يحبون العاجله. (و راقت) اي تزينت (بالقليل) اي بشي‌ء قليل من المال و الجاه، في مقابل درحات الاخره، و نعيمها الكثير (و تحلت) من الحلي، اي تزينت (بالامال) فان الانسان يامل المستقبل الخير، و هي زينه الدنيا حتي ان الانسان اذا لم يرج مستقبلا زاهرا، لم يكن لدنياه حليه. (و تزينت بالغرور) اي ان زينه الدنيا كذب لا اساس لها، و انما هي غرور و خداع اذ زينتها ليست الا صوريه زائله (لا تدوم حبرتها) الحبره السرور و النعمه (و لا تومن فجعتها) اي ان الانسان لا يومن ان تصيبه مصيبه و فجيعه (غراره) كثيره التغرير و الخداع (ضراره) كثيره الضرر (حائله) اي متغيره تنقلب من حال الي حال (زائله) تزول و تنقضي (نافده) تنفد و تنتهي (بائده) اي هالكه. (اكاله) تاكل كل شي‌ء بافنائها له (غواله) اي مه
لكه من غال بمعني اهلك (لا تعدو) يتاتي متعلقه في قوله (ان تكون) و الجمله في وسطهما اعتراض. (- اذا تناهت الي امنيه اهل الرغبه فيها) اي اذا اتت باماني الناس و آمالهم (و الرضا بها-) لانها جائت بامانيهم (ان تكون) متعلق ب(لا تعدوا). (كما قال الله تعالي سبحانه) اي ليست اكثر من هذا المثل المذكور في القرآن الكريم (كماء انزلناه من السماء) اي المطر و المراد بالسماء جهه العلو (فاختلط به نبات الارض) هذا في غايه البلاغه، حتي كان الماء لم ينشاء النبات، و انما صرف اختلاط- لبيان السرعه في التكون دليلا علي سرعه الدنيا- (فاصبح هشيما) الهشيم النبت اليابس المتكسر، و في هذا ايضا من البلاغه ما لا يخفي حتي كانه لم يكن فصل بين اختلاط الماء بالنبات و بين ان يصبح هشيما- الا بمقدار (الفاء)-. (تذروه الرياح) اي تنقله من مكان الي مكان (و كان الله علي كل شي‌ء مقتدرا) فهو سبحانه قادر علي هذه التبديلات و التحويلات في سرعه خاطفه (لم يكن امروء منها) اي من الدنيا (في حبره) اي سرور و حبور (الا اعقبته) اي اعقبت الدنيا ذلك الشخص (بعدها) اي بعد الحبره (عبره) بان بكا بعد السرور فان (العبره) بمعني (الدمعه). (و لم يلق) امرء (في سرائها) اي افراح الدنيا
(بطنا) كان الدنيا مقبله عليه فبطنها بطرف ذلك الانسان (الا منحته) الدنيا (من ضرائها) اي ضررها و بوسها (ظهرا) بان ادارت الدنيا له ظهرها و انقلبت عليه. (و لم تطله) الطل المطر، اي لم تمطر علي احد (فيها) اي في الدنيا (ديمه) هي مطر يدوم في سكون بلا رعد و لا برق (رخاء) بان صار رخي البال الكثير النعم دائمها (الا هتنت عليه) اي امطرت، من الهتن بمعني الصب (مزنه) بمعني المطر (بلاء) اي انصبت عليه البلاء، كما انصب عليه الرخاء. (و) الدنيا (حري) اي حقيق (اذا اصبحت له) اي لاحد منتصره) نصرته علي اعدائه (ان تمسي) الدنيا (له) اي لذلك الشخص (متنكره) كالذي لا يعرفه فتنقل الانتصار الي جانب آخر (و ان جانب) اي طرف (منها) اي من الدنيا (اعذوذب) اي صار عذبا فراتا (و احلولي) اي صار حلوا (امر منها جانب) اي صار مرا (فاوبي) اي صار كثير الوباء، و هو مرض قتال (لا ينال امروء من غضارتها) اي نعمتها و سعتها (رغبا) اي رغبته و ميلا. (الا ارهقته) الدنيا، و الارهاق تحميل العمل الموجب للتعب و النصب (من نوائبها) جمع نائبه و هي المصيبه الشديده (تعبا) بان اوقعته في التعب بعد الراحه (و لا يمسي) الانسان (منها) اي من الدنيا (في جناح امن) كانه في اعلي مراتب
الامن، عي جناح طائر- هو الامن- (الا اصبح علي قوادم خوف) جمع قادمه و هي ريشات كبار في مقدم جناح الطائر، و هذا تشبيه لشده الخوف لان الكائن علي القوادم في معرض السقوط، الدنيا (غراره) كثيره الخدع (غرور ما فيها) فان كل ما فيها- لزواله- كانه غرور و خدعه (فانيه) هي اي الدنيا (فان من عليها) من الانسان و غيره (لا خير في شي‌ء من ازوادها) جمع زاد (الا التقوي) فان اتقاء الله و المعاصي هو الذي يبقي الي الاخره. (من اقل منها) اي اخذ القليل من الدنيا (استكثر مما يومنه) اي كان امنه كثيرا، اذ كلما قل جانب كثر الجانب الاخر (و من استكثر منها) اي اكثر من الدنيا (استكثر مما يويقه) اي يهلكه (و زال) اي انتقل (عما قليل) (ما) زائده لتاكيد معني القله (عنه) اي عما استكثر من الدنيا. (كم من واثق بها) اي بالدنيا ظن انها تبقي له (فجعته) اي افقدت منه ما يحبه من امور الدنيا، كالاهل و المال و المنصب و ما اشبه. (و) كم من (ذي طمانيه) اي اطمينان (اليها قد صرعته) اي اوقعته علي الارض المذله و العدم (و) كم من (ذي ابهه) اي عظمه و رفعه (قد جعلته) الدنيا (حقيرا) بان اذهبت ابهته. (و) كم من (ذي نخوه) اي افتخار و اعتزاز بما لديه من العز و الشرف (قد ردته)
اي ارجعته الدنيا (ذليلا) بان ارغمت انفه (سلطانها دول) ينتقل من هذا الي ذاك و هكذا جمع دوله و هي انقلاب الزمان. (و عشيها رنق) اي كدر فانه مشوب بالالام و الاسقام (و عذبها اجاج) اي مالح شديد الملوحه، اذ في عين عذوبه جانب اجاج في جانب (و حلوها صبر) هو عصاره شجر مره. (و غذاوها سمام) جمع سم و هو ما يوجب قتل الانسان اذا شربه، اي ان غذاء الدنيا مشوب بالسم. (و اسبابها رمام) و هي القطعه الباليه من الحبل، جمع رمه: اي ان يتمسك بها من الدنيا، و يجعل سببا للوصول الي هدف و غايه، بال منقطع (حيها بعرض موت) اي في معرض ان يفني و يموت (و صحيحها بعرض سقم) اي معرض للمرض. (ملكها مسلوب) يسلب من يد المالك اما بالحوادث او بالموت (و عزيزها مغلوب) بغلبه آخر عليه او غلبه الموت. (و موفورها منكوب) اي ما كثر من الدنيا و وفر مصاب بالنكبه اي في معرض المصيبه و الشديده التي تذهب بذلك الكثير. (و جارها محروب) اي من جاور الدنيا و كان فيها فانه بصيبه الحرب- علي وزن فرس- اي السلب و النهب.
[صفحه 201]
(الستم) ايها الناس (في مساكن من كان قبلكم) من الامم في حالكونهم (اطول) منكم (اعمارا و ابقي آثارا) فانهم لقوه آثارهم بقيت الي هذا الوقت، كقلعه حلب و غيرها (و ابعد آمالا) فانهم حيث كانوا اطول اعمارا، كانت آمالهم اعبد من هولاء. (و اعد عديدا) اي اكثر تعدادا للعدد و الاشخاص (و اكثف) اي اكثر (جنودا) و الخطاب اما عام، او خاص بالنسبه الي المخاطبين. (تعبدوا) اي عبدوا (للدنيا اي تعبد) و عبادتهم لها بمعني خضوعهم لزخارفها كما يخضع العابد للمعبود. (و اثروها) اي قدموها علي سائر الاشياء (اي ايثار) و هذا اللفظ للتعظيم، اي ايثارا عظيما. (ثم ظعنوا عنها) اي انتقلوا (بغير زاد) من العمل الصالح (مبلغ) يبلغهم ذلك الزاد الي الاخره، و هذا كنايه عن بقائهم بعد الموت فقراء عن العمل، فاهلكهم العذاب، كما ان من لا زاد له في السفر يهلكه الجوع و العطش. (و لا ظهر) اي دابه يركبون ظهرها (قاطع) يقطع الطريق و يوصلهم الي الغايه المنشوده (فهل بلغكم ان الدنيا سخت لهم نفسا بفديه) بان اعطتهم انفسهم في مقابل فداء اخذته منهم، اي هل ابقتهم الدنيا، ام اهلكتهم؟ (او اعانتهم) لدي الشدائد و الموت (بمعونه) اسدتها اليهم لاخراجهم من الشده (او احسنت
لهم صحبه) بان حفظت كرامتهم و حقوقهم؟ كلا! (بل ارهقتهم) اي اتعبتهم الدنيا (بالقوادح) جمع قادحه و هي مرض يقع في الاسنان فيبددها و يفسدها. (و اوهنتهم) اي اضعفتهم (بالقوارع) جمع قارعه، و هي المصيبه الشديده التي تقرع الانسان و تحطمه. (و ضعضعتهم) اي حركتهم و ذللتهم (بالنوائب) جمع نائبه و هي المصيبه (و عفرتهم للمناخر) جمع منخر بمعني الانف، اي كبت انوفهم في التراب، من (العفر) بمعني التراب. (و وطئتهم الدنيا (بالمناسم) جمع منسم و هو رجل البعير، اي داست الدنيا عليهم بارجلها. (و اعانت) الدنيا (عليهم ريب المنون) اي الموت لما اراد اخذهم اعانت الدنيا الموت لاختطافهم و اهلاكهم. (فقد رايتم) ايها الناس (تنكرها) كانها لاتعرفهم (لمن دان لها) اي خضع للدنيا بصرف اوقاته في طلبها و تجميلها (و) لمن (اثرها) اي قدم الدنيا علي الاخره (و اخلد لها) اي ركن اليها (حتي ظعنوا) اي ارتحلوا (عنها لفراق الابد) اي مفارقه لا رجوع اليها. (و هل زودتهم الدنيا، اي اعطتهم الزاد (الا السغب) اي الجوع (او احلتهم الا الضنك) اي الضيق، اي احلتهم في محل ضيق (او نورت لهم الا الظلمه) اي ارتهم الظلمه باسم النور. (او اعقبتهم الا الندامه) فان الانسان يندم علي ما
اخذ من الدنيا (افهذه) الدنيا (توثرون) لها علي الاخره، بعد هذه الاوصاف؟ و الاستفهام للانكار (ام اليها تطمئنون)؟ اي ببقائها و دوامها (ام عليها تحرصون) لجمعا و اقتنائها. (فبئست الدار) الدنيا (لمن لم يتهمها) بالخيانه و الغدر (و لم يكن فيها علي وجل) و خوف (منها) اما من اتهمها و وجل منها و عمل الاخرته فنعمت الدار هي اذا الانسان يحصل علي الاخره فيها. (فاعلموا) ايها الناس (- و انتم تعلمون-) جمله معترضه (بانكم تاركوها) عند الموت (و ظاعنون) اي مسافرون (عنها) الي الاخره (و اتعظوا فيها) اي خذوا الموعظه في الدنيا (ب)الكفار (الذين قالوا) تبجحا و اغترارا (من اشد منا قوه)؟ ظانين ان قوتهم عن باس الله فيهم و عن الموت ان ينزل بهم. (حملوا الي قبورهم) بالجنائز (فلا يدعون ركبانا) جمع راكب: اي لا يقال لهم الناس انهم راكبون- حين ما حملوا في الجنائز- اذ الراكب هو من ركب اختيارا. (و انزلوا الاجداث) جمع جدث و هو القبر (فلا يدعون ضيفانا) جمع ضيف اي لا يقال لهم: انهم ضيوف، لان الضيف ليس بهذه الكيفيه. (و جعل لهم من الصفيح) بمعني وجه الارض، فانه يستعمل في كل شي‌ء عريض، او المراد بالصفيح (اللبن) (اجنان) جمع جنن بمعني القبر. (و من التراب اك
فان) فان اكفانهم تبلي و لا تبقي الا القبر مشتملا عليهم (و من الرفات جيران) الرفات العظام الباليه، اي ان جيرانهم عظام سائر الاموات (فهم جيره) جمع جار (لا يجيبون داعيا) ان دعاهم احد لم يتمكنوا من اجابته (و لا يمنعون ضيما) اي ظلما ينزل بهم، فلو اذا هم احد لم يتمكنوا من دفعه. (و لا يبالون مندبه) اي لا يهتمون بندبه احد لهم (ان جيدوا) اي مطروا، من جاره الغيث (لم يفرحوا) كما يفرح اهل الدنيا بالمطر لنماء زروعهم و ثمارهم. (و ان قحطوا) اصابهم القحط، بان لم يمطر السحاب (لم يقطنوا) لعدم تضررهم بالقحط (جميع و هم آحاد) فان ابدانهم مجتمعه في المقابر لكنهم آحاد، حيث لا صله و لا تزاور و لا تعارف بينهم، و هذا بالنسبه الي ابدانهم اما ارواحهم فهي مستانسه بعضها ببعض انكانوا متقين- كما ثبت بالضروره من الدين-. (و جيره) اي بعضهم جار بعض لتجاور قبورهم (و هم ابعاد) احدهم يبعد عن الاخر. (متدانون) اي بعضهم قريب من بعض (لا يتزاورون) اي لا يزور احدهم الاخر (و قريبون) في النسب او في المزار (لا يتقاربون) اي لا يقرب بعضهم من بعض. (حلماء قد ذهبت اضغانهم) اي انهم كالحليم الذي لا يضغن و لا يحقد احدا (و جهلاء) اي انهم كالجهال، لان علمهم قد سلب
عن اجسادهم (قد ماتت احقادهم) فان الجاهل يحقد، لكن هولاء لا يحقدون. و يحتمل ان يكون المراد ان حليمهم لا يضعن و جاهلهم لا يحقد، علي خلاف ما كانوا في الدنيا. (لا يخشي فجعهم) اي لا يخاف احد ان يفجعوه و يصيبوه باذي، او لا يخاف ان ينفجع احد منهم بفجيعه. (و لا يرجي دفعهم) بان يدافعوا عن الاحياء كما كانوا يدافعون في حال حياتهم. (استبدلوا بظهر الارض بطنا) فتركوا ظهر الارض، و ناموا في بطنها. (و بالسعه ضيقا) فكانوا في سعه الدنيا فصاروا في ضيق القبور (و بالاهل غربه) فقد كانوا في اهلهم ثم صاروا غرباء. (و بالنور ظلمه) فقد كانوا في نور الشمس و القمر، ثم صاروا في ظلمه القبر. (فجاوئوها كما فارقوها) اي رجعوا الي الارض بعد مفارقتهم لها، فان الانسان كان ترابا ثم نباتا، ثم انسانا، ثم يرجع الي حاله التراب كما كان سابقا. (حفاه عراه) اي جائوها في حال عدم التنعل، و عدم اللباس (قد ظعنوا عنها باعمالهم) اي سافروا عن الارض، و المراد مسافره ارواحهم (الي الحياه الدائمه و الدار الباقيه) و هي الجنه او النار. (كما قال سبحانه: كما بدانا اول خلق نعيده) اي كما ابتدنا خلق الانسان من التراب، نعيده في التراب (وعدا علينا) اي ان هذا وعد لازم علينا ا
ن نفي به (انا كنا فاعلين) لذلك.

خطبه 111

[صفحه 207]
في امتناع وصف الاله و (ذكر فيها ملك الموت و توفيه النفس) (هل تحس) ايها الانسان (به) اي بملك الموت (اذا دخل منزلا) لقبض الارواح؟ (ام هل تراه اذا توفي) اي امات (احدا) من الناس (بل كيف) يدخل ملك الموت في بطن النساء و (يتوفي الجنين في بطن امه) (توفي) متعد، فاعله ملك الموت، قال سبحانه: (الله يتوفي الانفس) و حكي ان احدا قال وراء جنازه (من المتوفي)؟ بصيغه الفاعل، فقال الامام اميرالمومنين- و كان حاضرا-: الله، فتعجب الرجل فقال الامام (الله يتوفي الانفس). (ابلج) اي يدخل الملك (عليه) اي علي الجنين (من بعض جوارحها) اي من بعض اعضاء المراه، جمع جارحه بمعني العضو (ام الروح اجابته) اي اجابت ملك الموت حين طلبها من الخارج (باذن ربها) (الروح) مونث سماعا (ام هو) اي الملك القابض لروح الجنين (ساكن معه) اي مع الجنين (في احشائها) اي في بطنها؟ (كيف يصف الهه من يعجز عن صفه مخلوق مثله)؟ اي ملك الموت، فان من لا يقدر وصف المخلوق لا يقدر وصف الاله، بالاولي،.

خطبه 112

[صفحه 209]
في ذم الدنيا (و احذركم) اي اخوفكم ايها الناس من (الدنيا فانها منزل قلعه) اي محل انقلاع و عدم استقرار (و ليست بدار نجعه) اي ليست محط الرحال، فان النجعه بمعني طلب الكلاء في موضعه، فان القوافل كانوا يطلبون لمنزلهم محلا ذا كلاء، فاذا لم يجدوه لم ينزلوا. (قد تزينت بغرورها) اي ازدانت للناس بالخداع و الغرور لا بالواقع و الصدق، بمعني ان زينتها ليست صادقه (و غرت) اي خدعت الناس (بزينتها) الزائله. (دار هانت علي ربها) لا قيمه لها عند الله سبحانه (تخلط حلالها بحرامها) بمعني ان جعل سبحانه فيها من النوعين (و خيرها بشرها و حياتها بموتها و حلوها بمرها) و لو كانت عزيزه عنده سبحانه لم يجعلها الا محلا للخيرات فقط، كما ان الانسان اذا اصطفي شيئا لم يجعل فيه الا الخير. (لم يصفها الله تعالي لاوليائه) اي لم يجعلها صافيه لهم عن الاكدار و الالام (و لم يضن بها) سبحانه، اي لم يمنعها (علي اعدائه) و هم الكفار و العصاه. (خيرها زهيد) اي قليل (و شرها عتيد) اي حاضر (و جمعها ينفد) اي يخلص و يتم (و ملكها يسلب) يسلبه الفناء (و عامرها يخرب) فان العماره مهما كانت محكمه يسري اليها الخراب و الفناء. (فما خير دار تنفض) اي تهدم (نقض البن
اء) اي كما ينهدم النباء، و الاستفهام للانكار، يعني لا خير في مثل هذه الدار. (و) ما خير (عمر يفني فناء الزاد) فكما يفني الماكول يفني عمر الانسان و ينتهي (و) ما خير (مده تنقطع انقطاع السير) فكما ان السائر ينقطع سيره بعد مده كذلك تنقطع مده بقاء الانسان في الدنيا بعد زمان مقدر له. (اجعلوا ما افترض الله عليكم) من الواجبات و ترك المحرمات (من طلبكم) فكما انتم تحصلون علي مطالبكم الدنيويه- من اكل و شرب و لباس و ما اشبه- بكل حرص و اشتياق، فكذلك اجعلوا فرائض الله هكذا. (و اسالوه من اداء حقه ما سالكم) اي اطلبوا من الله سبحانه ان يوفقكم لاداء ما فرضه عليكم- الذي هو حقه- و معني (ما سالكم) الشي‌ء الذي طلبه منكم. (و اسمعوا دعوه الموت اذانكم) اي اسمعوا اذانكم دعوه الموت لكم، و هذا كنايه عن تملي الانسان بقضيه الموت (قبل ان يدعي بكم) اي قبل ان تدعون الي الموت.
[صفحه 211]
(ان الزاهدين في الدنيا تبكي قلوبهم) كنايه عن حزنها (و ان ضحكوا) بوجوهم (و يشتد حزنهم) الباطن (و ان فرحوا) في الظاهر. يكثر مقتهم انفسهم) اي غضبهم علي افنسهم- لانها لا تطاوعهم فيما يريدون من الاعمال- (و ان اغتبطوا بما رزقوا) اي غبطهم غيرهم بما رزقهم اله سبحانه من الحظ في الطاعه و العباده (قد غاب عن قلوبكم) ايها الناس (ذكر الاجال) اي الموت فلا تذكرونه. (و حضرتكم كواذب الامال) اي الامال الكاذبه التي لا تصلون اليها، فانها نصب اعينكم تسعون لها (فصارت الدنيا املك بكم من الاخره) ازمتكم بيد الدنيا كانكم ملك لها. (و) صارت (العاجله) اي الدنيا العاجله (اذهب بكم) اي اكثر تسييرا لكم نحوها (من الاجله) اي الاخره التي هي موجله. ثم مثل الامام عليه‌السلام لكون الدنيا اخذه بزمامهم، لا الدين، بقوله: (و انما انتم اخوان علي دين الله) كما قال سبحانه: (انما المومنون اخوه). (ما فرق بينكم الا خبث السرائر) اذ حب المال و الجاه و ما اشبه يوجب التحاسد و التفرقه (و سوء المضائر) اي النوايا السيئه (فلا توازرون) اي لا يتعاون بعضكم بعضا، من (وزر) (و لا تناصحون) لا ينصح بعضكم بعضا (و لا تباذلون) لا يبذل الغني منكم للفقير (و لا تواد
ون) لا يحب احدكم الاخره. (ما بالكم تفرحون باليسير من الدنيا)؟ اي لماذاتفرحون بدنيا يسيره (تدركونه) اي اذا ادركتم ذلك اليسير. (و لا يحزنكم الكثير من الاخره تحرمونه) اي تحرمون منه بسوء صنيعكم او كسلكم عن القيام بما يوجب حيازتكم له، كعدم مسارعتكم في الاتيان بالمندوبات و الفضائل (و يقلقكم) اي يسبب اضطرابكم (اليسير من الدنيا يفوتكم) بان يذهب عنكم بعد حيازتكم له، او بعد رجاء ان تحوزوه (حتي يتبين ذلك) الاضطراب (في وجوهكم) بانقباضها (و) في (قله صبركم عما زوي) اي ابتعد (منها) اي من الدنيا (عنكم) فان قله الصبر تظهر في حركات الانسان. (كانها) اي الدنيا (دار مقامكم) داركم التي تقيمون فيها الي الابد (و كان متاعها باق عليكم) متاع الدنيا: ما يتمتع الانسان به فيها من لباس و رياش و ما اشبه. (و ما يمنع احدكم ان يستقبل اخاه بما يخاف) عليه (من عيبه الا مخافه ان يستقبله بمثله) اي انكم لا تذكرون معائب اخوانكم لهم، حتي يتجنبون عنها لانكم تخافون ان ذكرتم عيوبهم، ان يذكروا لكم عيوبكم و لذا يسكت كل واحد منكم عن عيب الاخر، و تبقي العيوب بلا اصلاح لها. (قد تصافيتم) اي صافي بعضكم بعضا (علي رفض الاجل) الذي هو الاخره (و حب العاجل) الذي هو
الدنيا (و صار دين احدكم لعقه علي لسانه) كاللعوق فان الدين في اللسان، لا في القلب، فقد قال الامام الحسين عليه‌السلام: (الناس عبيد الدنيا و الدين لعق علي السنتهم). تصنعون بالنسبه الي اوامر الله سبحانه (صنيع من قد فرغ من عمله و احرز) اي حاز و ادرك (رضي سيده) فان الانسان الذي عمل ما وجب عليه و احرز رضي مولاه، يستريح و لا يهتم، و اهل الدنيا هكذا يصنعون، بلا مبالاه باوامره سبحانه.

خطبه 113

[صفحه 214]
في وعظ الناس (الحمد لله الواصل الحمد بالنعم و النعم بالشكر) فان من حمده سبحانه تفضل عليه بالنعمه، ثم طلب من الناس- علي نعمه- الشكر، فالشكر تابع للنعمه، و النعمه تابعه للحمد. (نحمد) سبحانه (علي آلائه) جمع (الي) بمعني النعمه (كما نحمده علي بلائه) اي المصائب، فانها اما تطهير للذنوب، او موجبه للاجر، و كلاهما لطف يستحقان حمدا. (و نستعينه) اي نطلب اعانته (علي هذه النفوس) اي نفوسنا، بان يساعدنا لنتغلب عليها (البطاء) جمع بطي، اي التي تبطي (عما امرت به) فان الانسان يتكاسل عن فعل الطاعات (السراع الي ما نهيت عنه) اي تسرع الي ارتكاب المحرمات. (و نستغفره) اي نطلب غفرانه (مما احاط به علمه) اي علمه من المعاصي التي ارتكبناها (و احصاه كتابه) اي عده كتابه الذي كتب فيه اعمالنا، فان علمه سبحانه (علم غير قاصر) بل يدرك جميع الاشياء (و) كتابه سحبانه (كتاب غير مغادر) لا يغادر- اي لا يترك- عملا الا كتبه، كما قال سبحانه: لا يغادر صغيره و لا كبيره الا اخصاها). (و نومن به ايمان من عاين الغيوب) المراد بالغيوب، ذاته سبحانه، فكما لو فرض انه كان مرئيا، كان ايمان الانسان به ايمانا قويا، كذلك نومن به الان ايمانا قويا. (و وقف عل
ي الموعود) و هو يوم القيامه، و من المعلوم ان الايمان بالحشر، من الايمان بالله (ايمانا نفي اخلاصه الشرك) فان الايمان الخالص يلازم نفي الشرك. (و) نفي (يقينه الشك) فان الايمان قد يكون ظنا فلا ينفي الشك- اي الاحتمال- اما اذا كان يقينا كان منافيا للشك. (و نشهد ان الا اله الا الله وحده لا شريك له، و ان محمدا عبده و رسوله صلي الله عليه و آله و سلم) و الشهاده بعبوديه الرسول بالاضافه الي انه نوع تشريف له لانه عبد لله العظيم، لنفي مزعمه الوهيته صلي الله عليه و آله و سلم، كما زعم النصاري بالنسبه الي المسيح، او الولاده كما زعم اهل الكتاب بالنسبه الي عزير و المسيح عليهماالسلام. (شهادتين) حال من نشهد (تصعد ان القول) الحسن الي السماء، بمعني انهما توجبان له قبولا (و ترفعان العمل) الصالح (لا يخف ميزان توضعان) اي الشهادتان (فيه) فانه يثقل بالحسنات. (و لا يثقل ميزان ترفعان عنه) لان العمل الصالح بدون الشهادتين غير مجد
[صفحه 216]
(اوصيكم عباد الله بتقوي الله) اي الخوف منه الموجب لاتيان الواجب و ترك الحرام (التي هي الزاد) الموجب للوصول الي الغايه المنشوده (و بها المعاد) الحسن. ثم فسر عليه‌السلام المراد من الزاد و المعاد بقوله: (زاد مبلغ) كاف لان يوصل الانسان الي الاخره بسلام. (و معاد منجح) يوجب نجاح الانسان و فوزه بالجنه (دعا اليها) اي الي تلك التقوي (اسمع داع) اي اكثر الداعين اسماعا (و وعاها) اي احتفظ بها و اخذها (خير واع) فان كل انسان محتفظ بالتقوي فهو خير راع لانه وعي احسن شي‌ء (فاسمع) الناس (داعيها) اي الرسول صلي الله عليه و آله و سلم (و فاز) و ظفر بسعاده الدارين (واعيها) الذي وعاها. يا (عباد الله ان تقوي الله حمت) اي منعت من (حمي) بمعني منع (اولياء الله محارمه) اي المحرمات، لان من خاف حقيقه اجتنب الحرام (و الزمت قلوبهم مخافته) اي الخوف منه تعالي، و (مخافه) مصدر ميمي بمعني الخوف. (حتي اسهرت) التقوي (لياليهم) هذا من الاسناد المجازي، اي اسهروا في الليالي (و اظمات هواجرهم) جمع هاجره و هي الساعه الحاره في وسط النهار، و المراد انهم قاموا الليالي عباده، و صاموا النهار حتي عطشوا في الساعات الحاره. (فاخذوا الراحه بالنصب) اي ا
خذوا علي راحه الاخره بتعب الدنيا: (و الري) في الاخره (بالظماء) في الدنيا (و استقربوا الاجل) اي راوه قريبه (فبادروا العمل) حتي لا يدركهم الاجل و بعد لم يعملوا عملا كافيا. (ثم ان الدنيا دار فناء و عناء) اي صعوبه و تعب (و غير) اي تغيرات (و عبر) اي اشياء توجب الاعتبار و التنبه (فمن الفناء) (من) لبيان (ان الدهر موتر قوسه) اي جعل لقوسه الوتر ليرمي بها الناس فيهلكهم (لا تخطي‌ء سهامه) التي يرميها نحو الناس، و المراد بالسهام اسباب الموت. (و لا توسي جراحه) اي لا تداوي من اسوت الجرح بمعني داريته (يرمي) الدهر (الحي بالموت) فيموت (و الصحيح بالسقم) فيمرض (و الناجي بالعطب) اي الهلاك، فيهلك، بعد نجاته من شديده، و الدهر (اكل) للناس (لا يشبع) من اكله (و شارب) للدماء (لا ينقع) بالشرب، لرفع عطشه. (و من العناء) اي التعب الموجود في الدنيا (ان المرء يجمع ما لا ياكل) فتعبه عليه بدون ان يكون له (و يبني ما لايسكن) بل يسكنه غيره (ثم يخرج الي الله) المراد الي الدار التي اعدها الله سبحانه للحساب و الجزاء (لا مالا حمل) مما جمعه (و لا بناء نقل) مما بناه و لم يسكنه. (و من غيرها) اي من تغير الدنيا و تقلبها (انك تري المرحوم مغبوطا) اي ان الا
نسان الذي يرحمه الناس لفقره او نحوه، يغبط بعد زمان لتجدد الغنا له او نحو ذلك. (و) تري (المغبوط مرحوما) فمن كان يغبط لماله او جاهه او نحو ذلك يصبح مرحوما يرحمه الناس لفقده اسباب السعاده و الاغتباط. (ليس ذلك) الرحم له (الا نعيما زل) و انتقل منه (و بوسا نزل) عليه (و من عبرها) اي اسبابها الموجبه للعبره (ان المرء يشرف علي امله) حتي يقال انه وصل اليه (فيقتطعه) عن امله (حضور اجله) حيث يختطفه الموت فلا يصل الي امانيه. (فلا امل يدرك و لا مومل) اي صاحب الامل (يترك) علي حاله. (فسبحان الله) كلمه تستعمل بمعني التعجب، و الاصل فيها: ان النزاهه عن التغير لله لا لغيره (ما اغر سرورها) فانما ان سرورها غرور محض. (و اظماء ريها) فان ارتواء الانسان فيها من الماء عطش، لانه امل اليه (و اضحي فيئها) الفي‌ء الظل، و الاضحاء البروز الي الشمس، اي ان فيئها زائل بمجي الشمس مكانه. (لا جاء يرد) فان الموت و السقم و الذله و ما اشبهها اذا قدر مجيئها لا يرد. (و لا ماض يرتد) فان من مضي لا يرجع (فسبحان الله ما اقرب الحي من الميت) اذ كل حي قريب من الموت. (للحاقه به) اي التحاق الحي بالميت، بعد ان مات (و ابعد الميت) الذي مات (من الحي) الذي بقي (لانقطا
عه عنه) فان الانسان اذا مات له ميت انقطع عنه، فلا يرجع الميت اليه ابدا.
[صفحه 219]
(انه ليس شي‌ء بشر من الشر) اي باكثر شرا من الشر نفسه (الا عقابه) فالسرقه مثلا شي‌ء، و عقابها اكثر شرا منها (و ليس شي‌ء بخير من الخير) اي باحسن من الخير (الا ثوابه) الذي يبقي. (و كل شي‌ء من الدنيا سماعه اعظم من عيانه) مثلا اذا سمع الانسان ان البحر الكذائي عظيم، فاذا شاهده رآه اصغر مما في نفسه، و هكذا بالنسبه الي سائر الاشياء- والسر ان نفس الانسان خلقت اعظم من جميع ما في الدنيا-. (و كل شي‌ء من الاخره عيانه اعظم من سماعه) مثلا الجنه اذا شاهدها الانسان راها اعظم مما سمع، و كذلك سائر امور الاخره- و العله ان النفس خلقت اصغر من امور الاخره-. (فليكفكم من العيان السماع) اي اكتفوا بسماع الاخره- في العمل- عن عيانه الذي هو اعظم منه (و من الغيب الخبر) اي من الغيب الذي غاب عنكم من امور الاخره، الذي سمعتم من خبرها. و اعلموا ان ما نقص من الدنيا و زاد في الاخره) كالمال الذي ينفقه الانسان في سبيل الله (خير مما نقص من الاخره و زاد في الدنيا) كما لو لم يعط الزكاه- مثلا-. (فكم من منقوص) نقص ماله الدنيوي (رابح) لانه‌ي زاده في آخرته (و) كم من (مزيد خاسر) زاد ماله الدنيوي، لكنه خاسر اذ خسره في الاخره. (ان الذي امرتم به
اوسع من الذي نهيتم عنه) هذا لبيان ان الانسان اذا اخذ بالواجبات- التي هي اضداد المحرمات- كان في سعه، بخلاف ما اذا اراد الا خد بالمحرمات فليس العمل الصالح صعبا، بل العكس صعب فمثلا امر الانسان بالعدل و نهي عن الظلم، و العدل اوسع لانه يوجب العمران و التقدم و الائتلاف مما يزيد في سعه العالم، بخلاف العظلم الذي بعكس ذلك كله. (و ما احل لكم اكثر مما حرم عليكم) مثلا احل للانسان اكثر انواع الاشربه- التي تعدوا الالاف- في حين لم يحرم عليه الا الخمر و ما اشبهها، و هكذا. (فذروا) اي اتركوا و دعوا (ما قل لما كثر) ففي الكثير غني عن القليل (و) ذروا (ما ضاق لما اتسع) فان في السعه كفايه عن الضيق (قد تكفل) الله (لكم بالرزق) بمعني ان الرزق لابد و ان يصل الي الانسان فقليل من السعي كاف، فان غالب الرزق انما يكون بعمل الله سحبانه، كالانهر، و الهواء، و الضياء و النبات، و ما اشبه. (و امرتم بالعمل) الصالح للاخره، فان الانسان لا يحصل علي الاخره الا بالعمل. (فلا يكونن المضمون لكم طلبه) اي ما ضمن الله ان يطلبه لكم و هو الرزق (اولي بكم من المفروض عليكم عمله) و هو ما يوجب لكم القربي الي الله سبحانه و تحصيل الجنه، و انما قال عليه‌السلام: (اولي
بكم) لان الانسان اذا اولي شيئا اهتماما كان بحسب المترائي (اولي به). (مع انه- و الله- لقد اعترض الشك و دخل اليقين) اي جاء الشك و دخل في اليقين، فان اليقين بكون الله سبحانه كفيل بالرزق خالطه الشك، و لفظه (مع) لبيان انه: اقول لكم الكلام السابق، مع اني اعلم، انه قد اعترض الشك، و (و الله) لتاكيد علمه عليه‌السلام بذلك. (حتي كان الذي ضمن لكم) و هو الرزق (قد فرض عليكم) بان تحصلوه (و كان الذي قد فرض عليكم) و هو العمل (قد وضع عنكم) فلم يجب عليكم الاتيان به. ثم لا يخفي ان مثل هذه الكلمات انما هي للحد من نشاط الذين يصرفون كل اوقاتهم في طلب الدنيا بدون اعتناء بالاخره، كما هو اغلب الناس، فلابد من كثره التاكيد ليعتدل الامر، و الا فطلب الحلال من المفروض علي الانسان، كما هو ضروري من ضروريات الدين. (فبادروا العمل) اي عجلوا للعمل للاخره (و خافوا بغته الاجل) اي يباغتكم و يفجئكم الاجل بدون تهيئه زاد من العمل الصالح. (فانه لا يرجي من رجعه العمر ما يرجي من رجعه الرزق) فان فائت العمولا يرجع، و اما ما يفوت من الرزق فمن الممكن تعويضه. (ما فات اليوم من الرزق رجي غدا زيادته) بان يزاد المقدار الفائت علي ما هو موجود عند الانسان. (و ما ف
ات امس من العمر لم يرج اليوم رجعته) و تغييرا يساق في (الغد، و اليوم) بملاحظه البلاغه (الرجاء مع الجائي) اي الممكن مجيئه و هوالرزق (و الياس مع الماضي) الذي لا يعوض و هو العمر. (فاتقوا الله حق تقاته) اي حق تقواه و هو اجتناب المحرمات و الاتيان بالواجبات. (و لا تموتن الا و انتم مسلمون) اي ليكن موتكم مع الاسلام الكامل، فان في ذلك السعاه الابديه.

خطبه 114

[صفحه 223]
(في الاستسقاء) و هو طلب (السقيا) اي نزول المطر (اللهم قد انصاحت) اي جفت (جبالنا) و جفاف الجبل يوجب عدم جريان العيون، و جفاف ما عليها من النباتات. (و اغبرت ارضنا) اي صار فيها الغبار لجفافها (و هامت دوابنا) اي عطشت من الهيام بمعني العطش. (و تحيرت) الدواب ما تدري كيف تروي انفسها (في مرابضها) جمع مربض، و هو محل الدابقي (و عجت) اي الدواب، و العجيج صوت فيه حزن (عجيج الثكالي) جمع (ثكلي) و هي المراه التي مات ولدها (علي اولادها) التي عطشت. (و ملت) الدواب (التردد في مراتعها) جمع مرتع و هي محلات الرعي، فانها ملت و عجزت عن كثره ما ترددت في المراتع طلب للماء. (و) ملت (الحنين الي مواردها) جمع مورد و هو محل شرب الماء اي اخذت تحن و تعطف علي موارد الماء (اللهم فارحم انين الانه) اي الحيوانات التي تان من العطش. (و حنين الحانه) اي الحيوانات التي تحن و تعطف. (اللهم فارحم حيرتها) اي تحير تلك الحيوانات (في مذاهبها) جمع مذهب، و هو محل الذهاب (و انينها في موالجها) جمع مولج و هو المدخل و المراد مرابضها. (اللهم خرجنا اليك) فان دعاء الاستسقاء و صلاته في الصحراء، و المعني تجردنا عن الوطن نحو رحمتك (حين اعتكرت علينا) اي عكر
ضد صفا (حدابير السنين) جمع حدبار و هي الناقه المهزوله شبهت بها السنه المجدبه. (و اخلفتنا مخائل) جمع مخيله و هي السحابه التي تظهر انها ماطره ثم لا تمطر، (الجود) المطر، و معني الاخلاف انها لا تفي بما اظهرت من اراده الامطار: (فكنت) اللهم و (الرجاء للمبتئس) ابتئس اي مسته الباساء (و البلاغ للملتمس) يقال التمس الشي اذا طلبه، و البلاغ الي الكفايه (ندعوك حين قنط الانام) اي يئسوا من المطر و الماء (و منع الغمام) عن المطر. (و هلك السوام) جمع سائمه و هي البهيمه الراعيه (ان لا تواخذنا باعمالنا) بان يكون مظهر مواخذتك لنا قطع المطر. (و لا تاخذنا بذنوبنا) لعل الفرق بين (المواخذه) و (الاخذ) ان الاول بمعني المحاسبه و الثاني بمعني العقاب. (و انشر علينا رحمتك بالسحاب المنبعق) يقال انبعق المزن اذا انفرج عن المطر. (و الربيع المغدق) اعدق المطر بمعني كثر مائه، و المراد بالربيع الفصل المقابل للفصول الاخر (و النبات المونق) آنق النبات اي اسر و افرح لكثره نمائه و حسن منظره، سحابا. (سحا) اي صبا (و ابلا) اي شديد المطر (تحيي به ما قد مات) من الاراضي، و احياء الارض انما يكون بالنبات (و ترد به ما قد فات) اي مضي، كان اخضرار الارض رد لمافات.
(اللهم) اسقنا (سقيا منك) اي من طرفك و لطف (محييه) لاراضينا (مرويه) تروي الانسان و الحيوان و النبات و الارض (تامه) لا نقص فيها (عامه) تعم الجميع (طيبه) لا توجب مرضا او نحوه (مباركه) توجب البركه الي النمو و الزياده (هنيئه) تكون بلا كدر و لا تعب (مريعه) اي خصيبه توجب الخصب. (زاكيا نبتها) اي ينمو نبات تلك المطره (ثامرا) اي آتيا بالثمر (فرعها) اي اغصان تلك النباتات (ناضرا) من النضاره بمعني البهجه (ورقها) بان يكون شديد الاخضرار. (تنعش بها الضعيف من عبادك) اي توجب له القوه (و تحيي بها الميت من بلادك) فان المطر يوجب الحركه للنبات و ذلك شبيه بالحياه. (اللهم) اسقنا (سقيا منك تعشب بها) اي بتكل السقيا (نجادنا) جمع نجد و هو ما ارتفع من الارض (و تجري بها وهادنا) جمع وهده و هي ما انخفص من الارض، اي تجري بالماء. (و يخصب بها جنابنا) الخصب ضد الجدب، و الجناب الناحيه (و تقبل بها ثمارنا) من الاقبال بمعني الظهور و الخروج. (و تعيش بها مواشينا) جمع ماشيه، و هي الابل و البقر و الغنم، بان لا تموت من الظماء. (و تندي بها اقاصينا) اي اطراف البلاد البعيده، جمع قاصيه. (و تستعين بها ضواحينا) جمع ضاحيه اي النواحي التي لها سكان كالارياف (من
بركاتك الواسعه) متعلق ب(سقيا) و (عطاياك الجزيله) اي الكثيره العظيمه (علي بريتك المرمله) اي الفقيره. (و وحشك) اي الحيوانات المتوحشه (المهمله) في الحصاري لا راعي لها و لا كفيل. (و انزل علينا سماء) اي مطرا- بعلاقه الظرف و المظروف- (مخضله) من اخضل بمعني ابتل. (مدرارا) يدر و ينزل باستمرار (هاطله) يقال هطل المطر اذا نزل باستمرار (يدافع الودق منها الودق) الودق المطر، و الجمله كنايه عن استمراره بشده، حتي كان كل قطره تدافع القطره السابقه عليها حتي تنزل (و يحفز) اي يدفع و يحث (القطر منها القطر) فكل قطره محفزه للقطره المتقدمه عليها. (غير خلب برقها) البرق الخلب ما يظهر ان في سحابه المطر ثم لا ينزل المطر. (و لا جهام) هو السحاب الذي لا مطر فيه (عارضها) ما يعرض في الافق من الحساب. (و لا قزع) هو القطع الصغار من السحاب (ربابها) هو الحساب الابيض (و لا شفان) الشفان الريح البارده اي لا ذات ريح بارده (ذهابها) جمع ذهبه و هي المطره القليله، اي لا تكون امطارها القليله ذات ريح بارده فان ذلك مما يضر الزرع و يوذي الانسان. (حتي يخصب لامراعها المجدبون) يقال اخصب القوم اذا نالوا الخصب و هو كثره العشب، و الامراع الاخصاب، و المجدب الذي نال
ه الجدب اي الحقط و المعني حتي يكثر عشب اهل الجدب لا مراع تلك المطره. (و يحيا ببركتها المسنتون) اي الذين اصابتهم السنه- بمعني الحقط- و حياتهم بكثره الماء و العشب و ما يتبع ذلك. (فانك) يا رب (تنزل الغيث) اي المطر (من بعد ما قنطوا) اي قنط الناس و يئسوا من نزوله. (و تنشر رحمتك) اي تعمه للناس (و انت الولي الحميد) الذي يحمد افعاله فلا يذر عباده يهلكون جدبا و قحطا.

خطبه 115

[صفحه 229]
(ارسله) الله سبحانه، و المراد الرسول صلي الله عليه و آله و سلم (داعيا الي الحق و شاهدا علي الخلق) فانه صلي الله عليه و آله و سلم يشهد عليهم يوم القيامه بما فعلوا، كما قال سبحانه: (و يكون الرسول عليكم شهيدا). (فبلغ رسالات ربه) انما جمع (رسالات) باعتبار كل رساله رساله (غير وان) من (وني) بمعني تباطي و تكاسل (و لا مقصر) في الاداء. (و جاهد في الله) اي في سبيل اقامه دين الله (اعده‌ئه) اي اعداء الله. سبحانه- الذين لا يمتثلون اوامره-. (غير واهن) من الوهن بمعني الضعف اي لم يضعف في الجهاد (و لا معذر) هو من يعتذر كاذبا، بلا عذر له واقعا، اي لم يعتذر الرسول صلي الله عليه و آله و سلم في ترك الجهاد باعذار كاذبه، و هو صلي‌الله عليه و آله و سلم (امام من اتقي) لانه صلي الله عليه و آله و سلم مقتدي الناس الذين يخافون الله تعالي (و بصر من اهتدي) اي اسباب بصيره المهتدين، كانه بصرهم الذي يرون به سبيل الحق.
[صفحه 230]
(منها): (لو تعلمون ما اعلم) من احوال الاخره (مما طوي عنكم غيبه) اي اخفي عليكم، كالصحيفه التي تطوي و تلف فلا يعلم ما فيها. (اذا لخرجتم الي الصعدات) جمع صعيد بمعني الصحراء لتركتم منازلكم هائمين في الصحاري، فان الخائف كثيرا يهيم في الفلوات. (تبكون علي اعمالكم) التي اسلفتموها من المعاصي او التي لم تحصلوا من ورائها الثواب. (و تلتدمون) الالتدام الضرب علي الصدر او الوجه للنياحه حزنا علي مفقود (علي انفسكم) اي تضربون اجسامكم جزعا. (و لتركتم اموالكم لا حراس لها) اي اهملتموها، فان من خاف خوف شديدا لم يابه بالمال. (و لا خالف عليها) اي ليس عليها من يخلفكم، (و لهمت كل امري نفسه) اي لحزنت نفس كل امرء علي شخصه فلم يحزن لما سواها. (لا يلتفت الي غيرها) من الاهل و الاقارب و الاصدقاء (و لكنكم نسيتم ما ذكرتم) اي ذكركم الله سبحانه من اهوال القيامه. (و امنتم ما حذرتم) حذركم الله سبحانه من النكال و العقاب (فتاه عنكم) اي ضل عنكم (رايكم) الموجب لارشادكم الي الخوف من الاخره. (و تشتت) اي تفرق (عليكم امركم) فان الانسان الذي لم يجمع فكره في اتجاه واحد، يتيه الحق و يسهر عن الصواب. (و لوددت) اي اني احب (ان الله فرق بيني و بين
كم) لانكم لا تهتمون بالاخره. (و الحقني بمن هوا حق بي منكم) يعني الرسول صلي الله عليه و آله و سلم و الانبياء و الاوصياء، و كونهم احق بالامام، لانه و اياهم علي منهاج واحد، بخلاف المخاطبين. (قوم و الله ميامين) جمع ميمون (الراي) في رايهم اليمن و السعاده (مراجيح الحلم) لهم حلوم راجحه لا طيش لهم و لا سرعه في الامور. (مقاويل بالحق) جمع مقوال اي كثير القول بالحق (متاريك للبغي) جمع متراك مبالغه في الترك، اي كثيروا الترك للظلم. (مضوا قدما) اي مضوا في امامي الي الاخره، فان (قدم) بمعني المضي في الامام (علي الطريقه) الصحيحه (و اوجفوا) الوجيف سير سريع اي اسرعوا (علي المحجه) بمعني الطريق، و المراد سرعتهم في عمل الصالحات. (فظروا) اي فازوا (بالعقبي الدائمه) اي العاقبه الحسنه المستمره- اي الجنه- (و الكرامه البارده) اي هنيئه، فانهم كانوا اذا حصلوا علي الشي‌ء بالحرب، كانت (جاره) و الا سموها (بارده) و ذلك المزيد في الهناء، حيث لم يتعب عليها تعبا زائدا. (اما و الله ليسلطن عليكم غلام ثقيف) اي الحجاج بن يوسف الثقفي الذي كان واليا عليهم من قبل عبدالملك بن مروان. (الذيال) اي الطويل الذيل، فقد كان لكبره يطول ثيابه- كعاده الجبارين- (ال
ميال) الكثير الميل عن الحق الي الباطل، او المائل المتبختر في مشيته. (ياكل خضرتكم) كنايه عن تبديل لاحوالهم الحسنه الي الحاله السيئه (و يذيب شحمتكم) كنايه عن تضعيفه اقواهم، كما ان من يذاب شحم جسده يهزل و يعضف. (ايه ابا وذحه) ايه اسم فعل للاستزاده من الشي‌ء، كانه عليه‌السلام قال: استزد يا حجاج من امرك- علي نحو الكنايه بكونه لا مزيد علي ما يفعل من الخراب و الفساد-.

خطبه 116

[صفحه 233]
يوبخ البلخاء بالمال و النفس (فلا اموال بذلتموها للذي رزقها) اي رزقكم تلك الاموال، و معني البذل له تعالي بذلها في سبيله. (و لا انفس خاطرتم بها للذي خلقها) في سبيل الجهاد و الامر بالمعروف و النهي عن المنكر (تكرمون بالله علي عباده) اي تكونون اعزه بسبب الله سبحانه- بانتسابكم اليه بايمانكم و علمكم و مااشبه- علي عباد الله، و انما جي‌ء ب(علي) لمعني الترفع. (و لا تكرمون الله في عباده) و معني اكرام الانسان له تعالي، ان يجله بالدعوه اليه، و غرس عظمته تعالي في نفوس الناس. (فاعتبروا بنزولكم منازل من كان قبلكم) اي انكم كائنون في منازل آبائكم السابقين الذين ماتوا و خلفتموهم من بعدهم، فانكم سوف تكونون مثلهم، و هذا تحريض لبذل النفس و المال، فانهما الي انقطاع، و قد قال الامام الحسين عليه‌السلام: و انكانت الابدان للموت انشئت فقتل امرء بالسيف في الله افضل (و) اعتبروا ب(انقطاعكم اوصل اخوانكم) فان اقرب اخوانكم اليكم من انقطع عنكم بالموت، و انتم عن قريب تكونون مثلهم، فسارعوا في الاعمال الصالحه.

خطبه 117

[صفحه 234]
في مدح اصحابه و تحريضهم علي العمل (انتم) معاشر اصحابي (الانصار علي الحق) اي ينصر بعضكم بعضا في الحق. (و الاخوان في الدين) فالاخوه بينكم اخوه دينيه، لا قبليه او نسبيه او ما اشبه. (و الجنن) جمع جنه (يوم الباس) اي يوم الشده فانتم تحفظون البلاد و العباد في يوم الكريهه و الشده. (و البطانه دون الناس) بطانه الرجل خواصه، و هو تشبيه ببطانه الثوب التي تلو جسده، اي انتم الخواص لي، دون سائر الناس. (بكم) اي بسببكم (اضرب المدبر) عن الحق الي الباطل (و ارجو طاعه المقبل) فان المقبل انما يقبل بواسطه الدعايه و بواسطه الخوف و هما يتمان بالانصار و الاصحاب. (فاعينوني بمناصحه خليفه من الغش) اي ينصح بعضكم بعض في سبيل المصلحه الاسلاميه، بدون ان يظهر النصحيه و يبطن الغش، كما هو كثير في المرائين و المنافقين. (سليمه من الريب) اي ليست محل شك و ارتياب، كما ربما تكون النصحيه بحيث يرتاب الانسان من نوايا صاحبها. (فو الله اني لاولي الناس بالناس) اي اني اولي بهم من انفسهم، فاذا امرتهم بامر و ارادوا غير ذلك يلزمهم اتباع امري و ترك ارادتهم لاجلي، و هذه الجمله لتاكيد لزوم الاعانه له عليه‌السلام عليهم، حيث انه عليه‌السلام اولي بهم م
ن انفسهم، فاعانته عليهم اولي من الانصراف الي شئون انفسهم.

خطبه 118

[صفحه 236]
(و قد جمع الناس و حضهم علي الجهاد فسكتوا مليا) اي سكوتا طويلا فلم يجيبوه و قد كان ذلك حين ما كان يغير اصحاب معاويه علي اطراف بلاد الامام، فكان عليه‌السلام يريد استنفارهم لرد الاعتداء. (فقال عليه‌السلام): (ما بالكم) اي اي شي‌ء سبب سكوتهم (امخرسون انتم)؟ من الخرس بمعني عدم التمكن من التكلم (فقال قوم منهم: يا امير المومنين، ان سرت سرنا معك) (فقال عليه‌السلام: ما بالكم لا سددتم لرشد) هذا دعاء عليهم بعدم التوفيق، فان التسديد بمعني التوفيق، و الرشد الهدايه (و لا هديتم لقصد) اي لطريق المني الذي هو قصد- اي وسط- (اني مثل هذا ينبغي لي ان اخرج)؟ فان شان الخليفه ان يخرج الي محاربات مهمه، لا مناوشات مختصره، فكيف تقولون ان تخرج نخرج؟ (انما يخرج في مثل هذا رجحل ممن ارضاه) و اراه اها لصد العدو (من شجعانكم) جمع شجاع، (و ذوي باسكم) الباس بمعني الشده، اي صاحب الشده الذي يتمكن من الدفاع. (و لا ينبغي لي ان ادع الجند و المصر) اي المدينه (و بيت المال و جبايه الارض) اي جمع الخراج و المقاسمه من الارض. (و القضاء بين المسلمين) في حقوقهم (و النظر في حقوق المطالبين) الذين يطلبون عزل وال، او نصب وال، او سعد ثغراو ما اشبه.
(ثم اخرج في كتيبه) اي جماعه قليله من الجيش، من كتب بمعني جمع، و يقال للكاتب كاتب لانه يجمع الكلمات بعضها الي بعض. (اتبع) كتيبه (اخري) من العدو (اتقلقل) اي اتحرك (تقلقل القدح) هو السهم قبل ان يوضع له الريش (في الجفير) الكنانه التي توضع فيها السهام (الفارغ) الذي لا سهم فيه، فان السهم اذ كان بلا ريش، وضع في الكنانه الفارغه، تقلقل و صوت، و هذا تشبيه لحاله عليه‌السلام لذلك القدح الذي يكون وصفه غير لائق به. (و انما ان اقطب الرحا) فان الرحي يدور علي القطب (تدور علي و انا بمكاني) مقيم لا ان اخرج الي هنا و هناك (فاذا فارقته) اي مكاني (استحار) اي تردد و اضطرب (مدارها) اي مدار الرحي (و اضطرب ثفالها) هو الشق الاسفل من حجري الرحي. (هذا) الذي ذكرتم من خروجي (لعمر الله) اي قسما بالله (الراي السوء) الذي لا يصلح المضي عليه (و الله لو لا رجائي الهشاده عند لقائي العدو- لو قد حم لي لقاوه-) (حم) بمعني قدر (لقربت ركابي) اي احضرت ابلي التي هي للركوب (ثم شخصت عنكم) اي سافرت من بلدكم و تركتكم متخليا عنكم (فلا اطلبكم) للنصره او ما اشبه (ما اختلف جنوب و شمال)- بمعني الي الابد- و المراد بالاختلاف هبوب رياح الجهتين، يخلف احداهما الاخري
(انه لا غناء) و لا فائده (في كثره عددكم مع قله اجتماع قلوبكم) فان الاجتماع بالابدان لا ينفع ذا تفرقت القلوب. (لقد حملتكم) اي اريتكم و حرضتكم (علي الطريق الوضاح التي لا يهلك عليها الا هالك) اي غير الشخص الذي تمكن الفساد عن طبعه فلا يهتدي ابدا. (من استقام) في سلوك هذا الطريق (فالي الجنه و من زل) و عطب و لم يستقم (فالي النار) و هذا الكلام من الامام عليه‌السلام بيان، لانه عليه‌السلام فعل ما ينبغي له، فقد اتم الحجه عليهم و اراهم طريق الرشاد، فان لم يستقيموا كان ذلك من انفسهم، بعد تمام الحجه.

خطبه 119

[صفحه 239]
في بيان بعض فضله، و وعظ الناس (تالله) حلف بالله (لقد علمت تبليغ الرسالات) اي اعلم كيف يلزم ان يبلغ الخليفه، ان يبلغ رسالات ربه، مما امنه النبي لديه. (و اتمام العدات) جمع (عده) بمعني الوعد، اي اعلم كيف يلزم ان يتم الخليفه ما وعده، بلا خلف و لا نقض. (و تمام الكلمات) اي اعلم كيف يلزم ان يتم الخليفه كلامه الذي تكلم به، و هذا يلح الي التعرض بمن تصدي للخلافه بدون ان يعلم ذلك، و ان يعمل به فلم يعرفوا كيف يبلغون رسالات الله، بل كانوا يقولون لو لا علي لهلك عمر، كما لم يعرفوا كيف يتمون المواعيد، اذا كان وعدهم جهلا، فاذا وقعوا في مازق خالقوا الوعد، كما لم يعرفوا كيف يخرجون عن الكلام الذي تكلموا به، لترائي المحذور لديهم في وسط الكلام. (و عندنا اهل البيت) منصوب علي الاختصاص، اي اخص اهل بيت رسول الله صلي الله عله و آله و سلم (ابواب الحكم) الحكمه وضع الشي‌ء في موضعه (و ضياء الامر) فالامور لدينا ظاهره واضحه لا تخفي و لا تشتبه. (الا و ان شرائع الدين واحده) لا تناقص فيها و لا تخالف، فما كان ليفعله الخلفاء من التناقض في الاحكام فواحد ينصب خالدا و واحد يعزل، و واحد يري الحد و آخر يري خلافه- مثلا- خلاف شريعه الاسل
ام. (و سبله قاصده) اي مستقيمه متوسطه لا افراط فيها و لا تفريط (من اخذ بها) اي بسبل الدين (لحق) الغايه (و غنم) المثوبه. (و من وقف نها) بان لم يسير في طريق الحق (ضل و ندم) لما يلحقه من الاثم و العقاب.
[صفحه 240]
(اعملوا ليوم) هو يوم القيامه (تذخر له الذخائر) فان الانسان يدخر الاعمال لذلك اليوم الذي هو احوج ايامه. (و تبلي) اي تظهر (فيه) اي في ذلك اليوم (السرائر) جمع سريره، بمعني ضمير الانسان و سره، فان الانسان في الدنيا مخفي ضميره، و ما كان يعمل و ينوي، اما في ذلك اليوم فيظهر ضميره علي الملاء. (و من لا ينفعه حاضر لبه) اي عقله الحاضر لديه فعلا (فعازبه) اي عازب لبه، و العازب المنحاز الذي لا يدرك (عنه) اي عن النفع (اعجز) فانك اذا لم تستفد من عقلك الحاضر فهل تستفيد من عقل ليس لك؟ (و غائبه) اي غائب اللب، و هو الذي يترقب في المتسقبل (اعوز) اي اشد عوزا و عدما في عدم الاستفاده منه، و هذا لمن يوخر الامر معتذرا بعدم ادراك عقله فعلا، و لعله يدركه في المستقبل، و المعني التحريض علي العمل حالا، و عدم ترك العمل رجاء عقل يحصل، او رجاء عقل مستقبل. (و اتقوا نارا حرها شديد) فلا تعصوا لتبتلوا بها (و قعرها بعيد) فان عمقها كثير (و حليتها) اي زينتها التي توضع في العنق و اليد و الرجل (حديد) اي الغل و القيود (و شرابها صديد) و هو شي‌ء يشبه قيح الجرح، و في الخير يخرج من فروج الزناه. (الا) فتنبهوا (و ان اللسان الصالح يجعله‌الله تعا
لي للمرء في الناس) بان يكون لسانهم حسنا بالنسبه الي الشخص لانه عمل الصالحات، فيحمده الناس (خير له من المال يورثه من لا يحمده) و هذا تحريض علي ان يعمل الانسان صالحا و يصرف امواله في سبل الخير، فانه يوجب محمده الناس بخلاف ما لو ترك العمل و اشتغل بجمع الاموال، فانه يورثه الورثه، و غالبا، لا يحمد الوارث المورث، بل يصرف ماله بلا ذكر حسن منه له.

خطبه 120

[صفحه 242]
بعد ليله الهرير (و قد قام اليه رجل من اصحابه فقال: نهيتنا عن الحكومه ثم امرتنا بها فما ندري اي الامرين ارشد) فان معاويه لما رفع المصاحف، كف اصحاب الامام عن الحرب، ثم الزموه ان يقبل اقتراح معاويه، بان يكون من طرف الامام حكم، و من طرف معاويه حكم، يجلسان لينظرا في امر المسلمين و يحلا المشكله، لكن الامام لم يقبل حتي اجبروه و راي الامام لو لم يقبل التحقوا بمعاويه- كما فعلوا من بعد بالامام الحسن عليه‌السلام- فقبل الامام، ثم عين الامام الحكم لكنهم لم يقبلوا حكم الامام- و هو ابن‌عباس- بل انتخبوا اباموسي الاشعري، و اجبروا الامام علي القبول، و جلس الحكمان، و خدع ابن العاص اباموسي، و لما راوا فشل الحكمين، جاء المغفلون من اصحاب الامام ليلقوا تبعه التحكيم علي الامام، قائلين: كيف نهيتنا اولا عن التحكيم، ثم امرتنا به؟ فان كان النهي صحيحا فلماذا امرت بعد ذلك؟ و انكان الامر صحيحا فلماذا نهيتنا اولا؟ (فصفق عليه‌السلام احدي يديه علي الاخري ثم قال): (هذا) اي فشلكم انتم المغفولون، الذين انطلت عليكم حيل معاويه (جزاء من ترك العقده) اي ما حصل عليه التعاقد، فقد تعاقد الامام اصحابه علي حرب معاويه، لكنهم تركوا الحرب عن
د حيله ابن‌العاص برفع المصاحف. (اما و الله لو اني حين امرتكم بما امرتكم به) من الاستمرار في الحرب و عدم تركها لحيله ابن‌العاص. (حملتكم علي المكروه) اي نفذت امري بكل شده و صلابه، و ان كرهتم ذلك (الذي يجعل الله فيه خيرا) فان تنفيذ الامام لرايه- و لو بكره من اصحابه مما جعل اله فيه الخير لاصابه راي الامام عليه‌السلام الهدف. (فان استقمتم هديتكم) هذه الجمله و الجملتان بعدها، لبيان كيفيه تنفيد الامام لرايه و المعني ان كنتم مطيعين بينت لكم طريق الصواب. (و ان اعوججتم) بان اردتم العصيان (قومتكم) بالقوه و العقاب (و ان ابيتم) التقويم (تداركتم) بقتل العصاه و اخراجهم من زمه الجيش (لكانت الوثقي) هذا جواب (لو) اي لو اني نفذت راي بكل صوره، لكانت الطريقه الوثقي- مونث اوثق- و ذلك لنجاح هذه الطريقه و كفالتها لانتصار الامام علي الاعداء. (و لكن بمن) اقوم العصاه؟ (و الي من) ارجع في مساعدتي عليكم؟ (اريد ان اداوي بكم) داء التفرق و عدم الاطاعه (و انتم دائي) فمنكم التفرق و عدم الاطاعه. (كناقش الشوكه بالشوكه) اي كمن يريد اخراج الشوكه بسبب الشوكه، فانها تالم جسمه اكثر (و هو يعلم ان ضلعها معها) الضلع الميل، اي ان الانسان يعلم ان ميل الشو
كه الي جنسها، لا الي جسد الانسان، فربما انسكرت الشوكه في الجسم و صارت مع الشوكه السابقه اوجبت الالم اكثر، و هذا بيان لحال اصحابه بان ميل المطيعين ايضا مع العاصين، فكيف يالج ببعضهم بعضا، و لا يخفي ان السواد دائما هكذا، و ان كان الخواص علي خلاف ذلك. (اللهم قد ملت اطباء هذا الداء الدوي) وصف للداء للمبالغه، مثل ليله ليلاء، و معني ملاله الاطباء ياسهم عن العلاج. (و كلت) اي تعبت و عجزت (النزعه) جمع نازع هو الذي ينزع الماء من البئر (باشطان) جمع شطن و هو الحبل (الركي) جمع ركيه و هي البئر اي ان من يريد نزع الماء من هذه البئر بواسطه الحبل قد كل، و ذلك كنايه عمن يريد نزع الهدي من قلوب الناس، و جريه علي جوارحهم. (اين القوم الذين دعوا الي القرآن) دعاهم الرسول الي العمل بالقرآن (فقبلوه) و عملوا به (و قرووا القران فاحكموه) اي احكموا قرائته و احكامها العلم به (و هيجوا الي القتال) اي هاجهم الرسول صلي الله عليه و آله و سلم، بمعني آثارهم (فولهوا) اي تحركوا نحوها تحرك الشخص الواله الذي يشق الشي‌ء (و له اللقاح الي اولادها) اي مثل وله اللقاح، جمع لقوح و هي الناقه (و سلبوا السيوف اغمادها) بمعني جروها عن الغمد للجهاد. (و اخذوا باطرا
ف الارض زحفا زحفا) اي سيرا سيرا (و صفا صفا) فهنا صف من المجاهدين و هناك صف، حتي استولوا علي اطراف الارض و جوانبها (بعض هلك) في الحرب بان قتل (و بعض نجا) رجع سالما غانما (لا يبشرون بالاحياء) اي اذا قيل لاولئك المجاهدين ان فلانا بقي حيا و لم يقتل في المعركه لا يفرحون بحياته، لانهم لا يرون في الموت حزنا و هما، اذ يعلمون ان القتل في سبيل الله شرف و مثوبه (و لا يعزون عن الموتي) اي اذا مات قريب احدهم في الجهاد، لا يعزيه اصحابه بموت قريبه لانهم لا يرون الموت في سبيل الله فجيعه تستحق ان يعزي قريب الميت، بسبب موت قريبه. (مره العيون من البكاء) من خوف الله سبحانه، جمع امره و هو من فسد عينه (خمص البطون من الصيام) جمع اخمص بمعني الضامر الهزيل (ذبل الشفاعه) ذبل جمع ذابل به معني اليابس، و شفاه جمع شفه (من الدعاء) فان المكثر (من الدعاء) و الكلام يبيس فمه، لتبخر الماء بالحراره الحاصله من الحركه. (صفر الالوان من السهر) اي سهر الليل بالصلاه و القرآن و الدعاء، جمع اصفر. (علي وجوهم غبره الحاشيعن) فان الانسان الحاشع ينكسر وجهه خشوعاء او المراد الغبار الحاصل من السجود علي الارض (اولئك) الذين وصفتهم بتلك الاوصاف (اخواني الذاهبون) ال
ي الحياه الاخري. (فحق لنا ان نظما اليهم) كما يظما الانسان و يتطلب الماء (و نعض الايدي) اسفا (علي فراقهم) فان الانسان المتاسف يعض علي اصابعه ليخفف من همه. (ان الشيطان يسني لكم طرقه) سناه بمعني سهله (و يريد ان يحل دينكم عقده عقده) كما تحل عقد الخيط، و المراد تركهم لشريعه شريعه من شرائع الاسلام. (و يعطيكم ب) عرض (الجماعه) و الاجتماع (الفرقه) و التفرق (فاصدفوا) اي اعرضوا (عن نزغاته) جمع نزغه، بمعني الحث (و نفثاته) كانه ينفث اي ينفخ في قلب الانسان و يحثه علي العصيان. (و اقبلوا النصحيه منن اهداها اليكم) يويد نفسه الكريمه عليه‌السلام فانه كان يهدي النصحيه اليهم. (و اعقلوها) اي احبسوا النصحيه (علي انفسكم) بمعني ملازمه النفس لها، و عدم تركها تذهب ادراج الاهمال.

خطبه 121

[صفحه 247]
قاله للخوارج و قد خرج الي معسكرهم و هم مقيمون علي انكار الحكومه (فقال عليه‌السلام): (اكلكم) ايها المنكرون للحكومه (شهد معنا صفين) اي حضر في تلك الواقعه التي صارت سببا لظهور الخوارج اثر قصه التحكيم؟. (فقالوا: منا من شهد و منا من لم يشهد) لانه التحق بخوارج صفين جماعه اخري من اثر دعايه الخوارج. (قال): (فامتازوا فرقتين) اي جماتين (فليكن من شهد صفين فرقه و من لم يشهدها فرقه حتي اكلم كلا بكلامه) فلان الانسان الحاضر في محل ليس كالغائب. (و نادي الناس) اي اخذوا يتكلمون و يصيحون- كما هي العاده في المثل هذه المواقف. (فقال امسكوا عن الكلام) اي اسكتوا (و انصتوا لقولي) اي استمعوا (و اقبلوا بافئدتكم) جمع فواد بمعني القلب (الي فمن نشدناه شهاده) اي طلبنامنه ان يشهد (فليقل بعلمه فيها) اي في تلك الشهاده (ثم كلمهم عليه‌السلام بكلام طويل) (منه) (الم تقولوا عند رفعهم المصاحف) زاعمين انهم يدعون الي حكم القرآن في حال كون رفعهم كان (حيله و غيله) اي اغتيالا بمعني اخذ الطرف بالمكروه فجئه و بدون سابق علم. (و مكرا) اي احتيالا للفرار من الحرب (و خديعه) اي غشا لاصحاب الامام عليه‌السلام: (اخواننا) متعلق ب(تقولوا) (و اهل دع
وتنا) اي ان اهل الشام اخوان لنا في الدين، و اهل دعوه الاسلام- مثل نحن- (استقالونا) اي طلبوا منا ان نقيلهم و نترك الحرب معهم (و استراحوا الي كتاب الله سبحانه) اي طلبوا الراحه الي الكتاب ليريحهم الكتاب تعب الاختلاف و الاشقاق (فالراي القبول منهم و التنفيس عنهم) يقال نفس عنه اذا رفع همه و غمه. (فقلت لكم: هذا) الذي يطلبون (امر ظاهره يمان و باطنه عدوان) لانهم يريدون بذلك وقف القتال ليستعيدوا نشاطهم و يبدوا به من جديد، قاصدين استمرار تعديهم. (و اوله رحمه) لانه توقيف للقتال و استراحه (و آخره ندامه) حيث تندمون بترككم، لهم و قد اشرفتم علي الانتصار (فاقيموا علي شانكم) اي المحاربه (و الزموا طريقتكم) في عدم انهاء القتال. (و عضوا- علي الجهاد- بنواجذكم) هي الطواحن فاذا عض الانسان عليها قويت اعصاب راسه، و يكون اكثر استعداد للحرب لتزيد الحراره في الراس، الدافعه نحو الاقدام. (و لا تلتفتوا الي ناعق نعق) اي صائح صاح، و المراد به ابن‌العاص الذي دعا الي ترك المحاربه و تحكيم القرآن (ان اجيب) ذلك الناعق الي ما دعي (اضل) اتباعه (و ان ترك ذل) لانهزام معسكره و انبطال امره. (و قد كانت هذه الفعله) اي صارت هذه الهيئه من الفعل، فان (فعله)
بالفتح بمعني الهيئه (و قد رايتكم اعطيتموها) اي انتم الذي اعطيتم هذه الصوره للواقعه بعصيانكم امري في استمرار القتال، و التحاكم الي كتاب الله- الذي رفع ابن‌العاص حيله و مكرا. ثم بين الامام عليه‌السلام انه سواء قبل انهاء الحرب و الاحتكام الي الكتاب او لم يقبل كان علي حق، لان الكتاب في الحالين معه. (و الله لئن ابيتها) اي هذه الفعله- يعني انهاء الحرب- (ما وجبت علي فريضتها) اي لم يكن واجب علي انهاء الحرب، و فريضتها يعني ثبوت الفعله- و قد اريد بالفعله انهاء الحرب. (و لا حملني الله ذنبها) اي لم يكن علي ذنب في اباء انهاء الحرب، اذ كان آباء الامام لمصلحه المسلمين و الاسلام. (و و الله ان جئتها) اي الفعله بمعني انهاء الحرب، اي قبلت الانهاء و تركت الحرب باختياري. (اين للمحق الذي يتبع) فكانت دعوه ابن‌العاص في اتباع الكتاب لا تضرني اذ الكتاب يعيني خلفا و قائدا (و ان الكتاب لمعي ما فارقته مذصحبته) اي لم اخالف احكامه من يوم اسلمت- حسب الظاهر فلم اكن اخشي ان اتحاكم الي الكتاب، و انما كان ابائي لاني اعلم بمكيده القوم. (فلقد كنا مع رسول الله صلي الله عليه و آله) نتبع الكتاب حيث الوقت حرج و الازمه شديده- فكيف نفارق الكتاب في هذا
الظرف، و ليس الامر بذلك التحرج. (و ان القتل ليدور علي الاباء و الابناء) بمعني ان المسلم كان يقتل اباه الكافر و ابنه الكافر. (و الاخوان و القرابات) فلم نفر من الميدان و لم نخالف الكتاب انسياقا مع العواطف (فما نزداد علي كل مصيبه و شده الا ايمانا) فان الانسان كلما ضحي بشي‌ء غال لديه، في سبيل هدف خاص يزداد تعلقه بذلك الهدف. (و مضيا علي الحق) نمضي في سبيل الحق بلا رجوع او ارتداد (و تسليما للامر) الذي امرنا الله سبحانه من اقسام الفرائض (و صبرا لي مضض الجراح جمع جرح و مضضها المها. (و لكنا) اليوم ليس الامر بتلك العصوبه (انما اصبحنا نقاتل اخواننا في الاسلام) و هو اهون علي النفس عن قتال الاباء و الابناء (لما دخل فيه) اي في اسلام هولاء الاخوان (من الزيغ و الاعوجاج) حيث خلفوا طاعه ولي الامر و انضووا تحت لواء الباطل. (و الشبهه و التاويل) حيث يشبهون الباطل بالحق و يولون الحق بغير معناه. و الحاصل انا علي منهاج واحد فقد كنا نقاتل في اول الاسلام لارساء دعائم الاسلام، و نقاتل الان لتقويم ما اعوج من امره، و الهدف في كلا الامرين واحد. (فاذا طمعنا في خصله) اي في امر (يلم الله به شعثنا) اي يجمع به تفرقنا، و ذلك بدخول هولاء في الط
اعه و نبذهم العناد و العصيان. (و نتداني بها) اي نقترب بسبب تلك الخصله بعضنا من بعض (الي البقيمه فيما بيننا) اي الي بقيه الاسلام التي يتمسك الطرفان بها (رغبنا فيها) اي في تلك الخصله (و امسكنا عما سواها) من الاختلافات التي لا تعود الي جوهر الاسلام، و تقدير الكلام: فاذا طمعنا في لم الشعث، حاربنا رغبه في الاجتماع، و قد تحصل ان الامام عليه‌السلام احتج عليهم بامرين: الاول: انهم هم الذين طلبوا الحكومه فلم يكن ذلك من الامام عليه‌السلام. الثاني: ان الامام سواء حارب او انهي المحاربه فهو علي حق، فان محاربه الامام كانت للاسلام، فلا ماخذ عليه، و تركه كان للرجوع الي حكم القرآن، و القرآن يعينه دون عدوه.

خطبه 122

[صفحه 252]
(قاله لاصحابه في ساحه الحرب) بصفين و فيه تعليمهم لكيفيه المحاربه (و اي امري‌ء منكم) معاشر اصحابي (احس من نفس رباطه جاش) اي قوه القلب (عند اللقاء) اي لقاء العدو (و راي من احد من اخوانه فشلا) و ضعفا (فليذب عن اخيه) فليدافع عنه (بفضل نجدته) اي شجاعته (التي فضل بها عليه) اي فضل بتلك الشجاعه علي اخيه (كما يذب عن نفسه) و هذا بالنتيجه عائد الي نفسه لان نصره الانسان تتوقف عمل نصره اقرانه جميعا. (فلو شاء الله لجعله مثله) في ضعف القلب و الفشل، فاذا تفضل الله عليه بالشجاه فليشكر ربه في بذلها لصديقه الفاشل الضعيف. (ان الموت طالب حثيث) اي يطلب الناس بشده (لا يفوته المقيم) في محله (و لا يعجزه الهارب) الذي يهرب من الموت و هذا الكلام من الامام دفع، لان يقول القوي اني اخاف ان نصرت اخر ان اقتل دونه. (ان اركم الموت القتل) لان الانسان لابد ان يموت، فاذا قتل في سبيل الله ادرك الثواب، و اذا مات، لم يدرك ثوابا، و الامر كائن لا محاله، فلماذا لا يدرك الانسان ما فيه فضل. (و الذي نفس ابن ابي‌طالب بيده) هذه حلف بالله سبحانه، مع اشتماله علي التهديد- انكان المطلب علي خلاف الواقع-. (لالف ضربه بالسيف) في سبيل الله (اهون علي م
ن ميته علي الفراش) و معني الهوان، كونه محبوبا لدي، لما اعلم من الثواب فيه.

خطبه 123

[صفحه 253]
(و منه) اي بعض هذا الكلام (و كاني انظر اليكم) معاشر المحاربين في ركابي (تشكون كشيش الضباب) جمع ضب و هو حيوان معروف، فانها اذا ازدحمت سمع لجلودها صوت خاص، يسمي بالكشيش، و المراد حكايه حال اصحابه عند الهزيمه من جيش الاعداء، و لعل ذلك بعد قتله عليه‌السلام و سيطره معاويه علي البلاد. (لا تاخذون حقا و لا تمنعون ضيما) اي ظلما (قد خليتم و الطريق) اي خلي لكم الطريق، فان القوم يسيرون في طريق الدنيا، اما طريق الاخره، فقد خلي لكم. (فالنجاه للمقتحم) اي للذي يسلك طريق الاخره، و انما سماه اقتحاما لما في طريق الاخره من الشدائد (و الهلكه) اي العقاب و العذاب (للمتلوم) اي للمتباطي و المتوقف، و هو الذي لا يسلك طريق الاخره.

خطبه 124

[صفحه 254]
(و منه): في حثهم علي القتال (فقدموا الدارع) اي ليكن الذي لبس الدرع في مقدمه الصفوف لعدم تاذيه بنبال القوم و رماحهم (و اخروا الحاسر) الذي لا درع له (و عضوا علي الاضراس) اي اضغطوا بعضها علي بعض (فانه) الي العض (انبي للسيوف عن الهام) من بنا السيف اذا رفعته الصلابه من موقعه فلم يقطعه، فان الانسان اذا عض علي نواجذه تصلبت اعصاب راسه و جلدته، فيكون اقوي في الصلابه و يقل تاثير السيف علي راسه حينئذ، وهام، جمع هامه، بمعني الراس. (و التووا في اطراف الرماح) اي اذا جائكم طرف رمح الاعداء، فاميلوا ذلك الجانب و اعطفوه، حتي لا يصل اليكم الرمح. (فانه) اي الالتواء (امور للاسنه) اسنه، جمع سنان، و هو المرح، و معني امور: اشد فعلا للمور، اي الاضطراب، لان الانسان اذا التوي، اضطرب جانبه المقصود بالرمح فلم يتمكن الرمح من النفوذ فيه، بل انزلق عنه (و غضوا الابصار) و الظاهر ان المراد بالغض تضييق الجفون ليري قليلا، لا الغمض، (فانه) اي الغض (اربط للجاش) اي اكثر تقوينا للقلب (و اسكن للقلوب) فان الانسان اذا نظر الي الاعداد هاله كثرتهم و اضطرب قلبه و خاف اما اذا غض بصره لم ير الا ما امامه و ذلك شي‌ء قليل فيقوي قلبه في المحاربه.
(و اميتوا الاصوات) اي لا تتكلموا (فانه اطرد للفشل) فان المتكلم يذهب بعض قواه فيكون اقرب الي الفشل، اما الساكت فقواه متجمعه في باطنه مندفعه نحو عمله فيكون اطرد للفشل. (و رايتكم) اي لو انكم (فلا تميلوها) فان ميل الرايه موجب لريبه البعيد فيظن انها مشرفه علي السقوط (و لا تخلوها) اي لا تفعلوا بها ما يوجب خللا، لان الرايه علامه البقاء و الاستمرار في الجهاد. (و لا تجعلوها الا بايدي شجعانكم و المانعين الذمار منكم) الذمار ما يلزم علي الانسان حفظه من عرض او مال او ما اشبه، اي الاشخاص الذين لهم نفسيه منع الذمار عن الاعداء فانهم اكثر ايثارا للنفس في سلب التحفظ علي كيانهم، فلا يتخلون علي اللواء بمجرد خوف او تعب. (فان الصابرين علي نزول الحقائق) اي الذين يصبرون اذا نزلت بهم نازله (هم الذين يحفون براياتهم) اي يكتنفون بها و يحيطون حولها لئلا تسقط فيفشلوا و يلاموا. (و يكتنفونها حفا فيها) اي جوانبها اي يدورون في جوانبها تحفظا لها عن الاعداء. (ورائها و امامها) تفسير لحفا فيها (و لا يتاخرون عنها فيسلموها) بيد الاعداء (و لا يتقدمون عليها) بان يجعلونها وراء ظهرهم (فيفردوها) فان افراد الرايه محل خطر السقوط الذي فيه انهزام الجيش. (ا
جزا امرو قرنه) فعل ماضي بمعني الامر، و اجزء بمعني يكفي، اي فليكف كل شخص منكم قرنه- اي مثله- من الاعداء (و آسي اخاه بنفسه) اي ليواسي اخاه بنفسه، بان يقدم له ما يتمكن من العون. (و لم يكل قرنه الي اخيه) بان يفر هو من مقابله قوه من الاعداء، حتي يذهب القرن الي صديقه (فيجتمع عليه) اي علي ذلك الصديق (قرنه و قرن اخيه) فان الكافر اذا لم يجد المسلم الذي كان يقاتله لوي عنانه الي مسلم آخر، فيجتمع علي ذلك المسلم كافران. (و ايم الله) حلف بالله سبحانه (لئن فررتم من سيف العالجه) اي سيف الدنيا، الذي بايدي اعدائكم فرار من خوف الموت (لا تسلموا من سيف الاخره) اي عذاب الله سبحانه المهيي‌ء لمن فر عن الزحف (و انتم لهاميم العرب) جمع لهميم، و هو السابق من الانسان او الخيل، اي السابقون الي كل خير، فان الكوفه كانت معروفه بالبساله و الشجاعه. (و السنام الاعظم) السنام ما علي ظهر البعير من الارتفاع، يمثل به المترفع (ان في الفرار موجده الله) اي غضبه (و الذل اللازم) فان الانسان الذي ينتصر عدوه عليه يلزمه الذل و العار (و العار الباقي) حتي بعد موته، حيث يذكر فيعير. (و ان الفار لغير مزيد في عمره) فان العمر لا يطول بالفرار، كما لا يقصر بالوقوف
(و لا محجوز بينه و بين يومه) المقدر فيه موته، اي لا يتمكن من ان يحجز و يمنع عن الموت اذا جاء وقته. (الرائح الي الله) المراد الميت الذي له عمل صالح- كالمشهد في س