التهجير جناية العصر

اشارة

اسم الكتاب: التهجير جناية العصر
المؤلف: حسيني شيرازي، محمد
تاريخ وفاة المؤلف: 1380 ش
اللغة: عربي
عدد المجلدات: 1
الناشر: موسسه المجتبي
مكان الطبع: بيروت لبنان
تاريخ الطبع: 1423 ق
الطبعة: اول
بسم الله الرحمن الرحيم
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ
مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا
لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً
وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
صدق الله العلي العظيم
سورة النحل: الآية 41.

كلمة الناشر

منذ بدايات القرن العشرين والشيعة العراقيون يُضطهدون بأبشع الصور، فكان من صور هذا الاضطهاد عمليات التهجير أو التسفير أو الترحيل أو ما أشبه، وهو أسلوب توارث استخدامه الطغاة الذين مروا علي العراق خاصة فقد جرت أول عملية تهجير في العصر الحديث عام (1923م) إذ قام عبد المحسن السعدون رئيس وزراء العراق آنذاك، بأول عملية إبعاد شملت العديد من العلماء ورجال الدين الشيعة في العراق، فكان منهم: آية الله العظمي السيد أبو الحسن الأصفهاني، وآية الله العظمي الميرزا حسين النائيني، والشيخ مهدي الخالصي وأولاده، وستة وعشرون عالماً آخرون؛ لا لشيء إلا لأنهم وقفوا بوجه الاستعمار وعملائه الذين يريدون تنفيذ أوامر أسيادهم في إخضاع العراق والأمة الإسلامية لسيطرتهم، وقد أدرك العراقيون عامة والعلماء خاصة أن الهدف من ذلك الإبعاد والتسفير والنفي هو إبعاد العلماء عن الساحتين السياسية والعلمية في المجتمع العراقي().
وقد تتالت عمليات التهجير والتسفير لمئات الآلاف من أبناء الشعب العراقي علي أيدي عملاء الاستعمار، ولعل من أشرس هؤلاء العملاء نظام العفالقة بقيادة صدام والبكر، حيث قاموا بأكبر عميلة تهجير في تاريخ العراق أشرسها كانت حملات التهجير خلال الأعوام (1970م) إلي ما بعد عام (1980م)، وقد كانت المرحلة الأخيرة من أشد ما تعرض له الشيعة في العراق من التمييز الطائفي العنصري البغيض. فقد كان الشيعة يستبعدون من الوظائف العليا المهمة في الدولة، وخاصة ما يرتبط بالسلك الدبلوماسي والمؤسسات العسكرية كقيادات الجيش والأجهزة الأمنية المختلفة.
وبلغت قمة ممارسة الاضطهاد والتمييز الطائفي ضد الشيعة حين صدر قرار تم بموجبه إبعاد مئات الآلاف من الشيعة العرب والأكراد ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم، وحجز الذكور منهم ممن بلغوا عمر الرابعة عشر فما فوق في عدة سجون، أشهرها بل أتعسها: سجن أبو غريب وسجن نقرة السلمان، وسجن رقم واحد، وسجن الرضوانية، وسجن الفضيلية،وغيرها، وفيما يلي نص القرار:
استناداً إلي أحكام (الفقرة/ 2) من المادة الثانية والأربعين من الدستور المؤقت قرر مجلس قيادة الثورة بجلسته المنعقدة بتاريخ 7/5/1980م ما يلي:
1: تسقط الجنسية العراقية عن كل عراقي من أصل أجنبي، إذا تبين عدم ولائه للوطن والشعب والأهداف القومية والاجتماعية العليا للثورة (أي: لنظام الحزب الحاكم).
2: علي وزير الداخلية أن يأمر بإبعاد كل من أسقطت عنه الجنسية العراقية بموجب الفقرة (1) ما لم يقتنع بناء علي أسباب كافية بأن بقاءه في العراق أمر تستدعيه ضرورة قضائية، أو قانونية، أو حفظ حقوق الغير، الموثقة رسمياً.
3: يتولي وزير الداخلية تنفيذ هذا القرار.
التوقيع صدام حسين (انتهي).
يبين هذا القرار وبوضوح الموازين المعمول بها والتي يتم علي أساسها تقييم درجة المواطنة والوطنية وأحقية العيش كمواطن في العراق عند النظام الحاكم، فقد كان صدرت سابقاً قرارات تهجير تتضمن تعليمات أخف وطأة وأقل وضوحاً وفيها تمويه مقصود، ولكن عندما تمادي النظام في إجرامه، وقابله ردود فعل دولية ومحلية باردة ليست علي مستوي الجريمة؛ لذا فلعله لهذا السبب، وأسباب أخري أصدر هذا القرار.
أما القرار السابق الذي كان يعمل به فقد كان هذا نصه:
(وزارة الداخلية: 2884 في 10/4/1980م:
لوحظ وقوع أخطاء والتباسات عديدة من قبل أجهزتكم في التسفيرات، وتحديد المشمولين بها والمستثنين من التسفير، توضيحاً للتعليمات السابقة أدناه الضوابط التي يجب العمل بموجبها في هذا الشان:
1 يسفر جميع الإيرانيين الموجودين في القطر وغير الحاصلين علي الجنسية العراقية، وكذلك بمعاملات التجنس أيضا ممن لم يبت بأمرهم.
2 عند ظهور عائلة البعض منها حاصلين علي شهادة الجنسية تشملهم الضوابط إلا إن البعض الآخر مشمولين بقرار التسفير فيعتمد مبدأ (وحدة العائلة خلف الحدود!!) مع سحب الوثائق، أي الجنسية، إن وجدت، والاحتفاظ بها لديكم ومن ثم إرسالها إلي الوزارة مع تزويد الوزارة بقوائم المشمولين بقرارنا هذا ليتسني لنا إسقاط الجنسية عنهم!!.
3 يجري تسفير البعض خاصة العوائل عن طريق القومسيرية، وفي حالة عدم استلامهم يجري تسفيرهم من مناطق الحدود الاعتيادية.
الإستثناءات:
أولا: العسكريين علي مختلف الرتب يسلمون إلي الانضباط العسكري في بغداد للتصرف بهم من قبلها وحسب التعليمات المبلغة إليها.
ثانيا: عدم تسفير الشباب المشمولين بالتسفير المقيمين في القطر، وتزود هذه الوزارة بقوائم تتضمن هوياتهم الكاملة وأعمالهم!.
ثالثا: النساء الإيرانيات المتزوجات من أشخاص عراقيين ترسل قوائم بأسمائهن إلي الوزارة.
رابعا: عدم تسفير الشباب المشمولين بالتسفير الذين أعمارهم من 18 28سنة والاحتفاظ بهم في مواقف المحافظات إلي إشعار آخر.
خامسا: يستثني من التسفير الأرمن الإيرانيين المقيمين في القطر وتزود هذه الوزارة بقوائم تتضمن هواياتهم الكاملة وأعمالهم!!.
سادسا: لا يشمل التسفير اللاجئين السياسيين الإيرانيين.
سابعا: يستثني العرب العربستانيين المقيمين في القطر من التسفير.
ثامنا: عند ظهور أية حالة من غير الواردة أعلاه إعلامنا هاتفيا قبل البت فيها.
نؤكد أمرنا في فتح النار علي من يحاول العودة إلي الأراضي العراقية من المسفرين!. انتهت.
نرجو الاطلاع والعمل بموجبه. وزير الداخلية) (انتهي).
هذا وقد قام جلاوزة النظام بناء علي أوامر أسيادهم بسلب كل ما يدل علي انتماء هؤلاء المهجرين إلي بلدهم من وثائق مثل: البطاقات الشخصية والهويات المهنية، ودفاتر النفوس، وشهادات الجنسية العراقية، وجوازات السفر، ودفاتر الخدمة العسكرية العراقية، وأوراق ملكية دور وعقارات عراقية، ووثائق طابو عثمانية لأراض وبيوت، وهويات غرف التجارة العراقية، وإجازات قيادة سيارات عراقية، وأوامر إدارية تدل علي مناصبهم الحكومية في العراق، ووثائق مدرسية وشهادات تخرج من الكليات والمعاهد العراقية، وغيرها.
وفي إجابة لسؤال أحد الصحفيين حينما سئل سفير نظام صدام في الصين المدعو (عيسي سلمان التكريتي)، عندما سأله الصحفي قائلا: من هم الأكثر في العراق..السنة أم الشيعة؟
أجاب سفير النظام: إن العجم اكثر من العرب في العراق، لكن إذا اجتمع الأكراد والعرب فسيكونون اكثر من العجم.
فسأله أحد الأشخاص من الحضور: هل يعني أن الشيعة في العراق عجم؟!
قال السفير: نعم.
وكرر السائل: ولكنهم موجودون في الحزب بكثرة علي ما اعلم، وانتم في حرب مع الإيرانيين، فكيف ينسجم هذا مع ذاك؟!
فقال عيسي سلمان: إن القيادة تأخذ الاحتياطات اللازمة وتعرف كيف تتصرف مع الشيعة في الحزب والدولة فلا تقلق.
وهذا (فاضل البراك) مدير الأمن العام في ذلك الوقت الذي قتل فيما بعد بيد طاغيته صدام يفسر مفهوم التبعية الإيرانية فيقول: هناك فارسية بالجنسية، وفارسية بالولاء، معترفاً بأن حملة التسفير في أساسها سياسية وطائفية وعنصرية. ومؤكداً أن إجراءات التسفير يحددها فقط معيار الولاء للحزب الحاكم! فمن كان موالياً لهم عدَّ عراقياً حتي لو لم تتوفر فيه ضمانات المواطنة العراقية والشروط القانونية لاكتساب الجنسية العراقية. ومن لم يوال هذا الحزب فهو ليس بعراقي وفقاً لمقاييس صدام وأكد إنه جري تسفير العوائل التي ثبت عدم ولائها للثورة، وإن حملت الجنسية العراقية().
إن حجة النظام في تهجيره للمواطنين علي أنهم غير عراقيين تناقض القوانين العراقية والدستور المؤقت، وتدحضها الوثائق والمستمسكات التي تم سحبها منهم، ومع انه لا يحق لأية دولة أن تنكر علي أفرادها الشعور الوطني، متي شاءت ومتي اقتضت مصلحتها الطبقية لذلك؛ فالمواطن تحميه القوانين والشرائع من بطش الحكام واستبدادهم، فالقانون العراقي رقم (42 لسنة 1924) وقانون الجنسية المعمول به حالياً رقم (43 لسنة 1963م)، والمادة (15/2) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نصت جميعها صراحة علي عدم جواز حرمان الشخص من جنسيته حرماناً تعسفياً لأي سبب كان، كما أن مبادئ القانون الدولي كما أعدتها اتفاقية لاهاي عام (1930م) تجبر الدول كافة علي احترام حقوق المواطنة، وتمنعها من التلاعب في قواعد تنظيم الجنسية، ومراعاة الاتفاقات الدولية والقوانين المعترف بها في مادة الجنسية.
أضف إلي ما سبق فإن أداء الخدمة العسكرية وحده عامل مجز لاكتساب الجنسية العراقية، حسب الفقرة (3/2) من قانون الجنسية رقم (43 لسنة 1963م).. وكذلك قانون رقم (131لسنة 1972م) نص علي أن أداء الخدمة العسكرية يعتبر ولاء للدولة العراقية، وهو مجز لاكتساب الجنسية العراقية والتمتع بكافة حقوق المواطنة.
وتنص المادة (18) من الدستور العراقي المؤقت لعام (1970م) علي أن التملك العقاري محظور علي غير العراقيين إلا ما استثني بقانون، والفقرة (ج/المادة 16) تنص علي أنه لا تنزع الملكية الخاصة إلا لمقتضيات المصلحة العامة، ووفق تعويض عادل حسب الأصول التي يحددها القانون؛ لذا فقد حرص أزلام النظام علي التأكيد بسحب وثائق ومستمسكات المهجرين التي حصلوا عليها بموجب قوانين الجنسية التي تسندها المبادئ المعتمدة في قوانين الجنسية العراقية وهما: مبدأ الدم والولادة في الإقليم، وهو ما يثبت أن المهجرين هم من العراقيين الذين ولدوا في العراق أبا عن جد، إضافة إلي إقامتهم بشكل قانوني، وهذا كاف تماماً لاكتساب الجنسية؛ لذا تعتبر جريمة التهجير مخالفة صريحة لمبادئ حقوق الإنسان في المادة (15) ما يلي:
1 لكل فرد حق التمتع بجنسية ما.
2 لا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفاً أو إنكاراً لحقه في تغييرها.
وهي مخالفة لما ورد في الدستور العراقي المؤقت لعام (1970م)، وتتعارض حتي مع القوانين غير الشرعية التي وضعها النظام لغايات في نفسه، مثلما تتعارض مع التشريعات الإضافية التي أصدرها، والتي كانت أصلاً تتناقض بشكل كلي مع القوانين والأعراف الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.
نعم لقد ضرب نظام العفالقة بكل هذه القرارات والأعراف الدولية إضافة للقرارات المحلية بعرض الحائط، وتلاعب حتي بالقوانين التي أقرها هذا النظام، وأساء استعمال كل القوانين وطبقها بصورة تعسفية.
ولا يخفي أن النظام الحاكم أراد من خلال سحب الوثائق والمستمسكات أن يضع المهجر في وضع عسير ويحرمه من أي سند قانوني، يثبت شخصيته حتي لا يستطيع مواصلة الدراسة إذا كان طالباً، ولا يستطيع مزاولة مهنته، ويتضح التأثير الشديد علي أغلبهم خاصة الأطباء والمهندسين والصيادلة وأساتذة الجامعة والمعاهد والمدارس، فتخلق أمامهم صعوبة في إثبات الشخصية والمؤهلات والمستوي العلمي، كما يجعلهم عاجزين عن السفر والانتقال بحثاً عن مورد رزق، أو وطن يستقرون فيه.
ورغم كل ذلك فقد افلح الكثير من المسفرين في إخفاء وتهريب بعض الوثائق والمستمسكات القانونية التي تدحض دعاوي النظام الحاكم بأنهم أجانب، فمنهم من هرَّب شهادة جنسيته العراقية، وجوازات السفر التي لاتمنح إلا للعراقيين حسب القانون العراقي، ودفاتر الخدمة العسكرية التي تثبت أن المهجر قد أدي الخدمة العسكرية في صفوف الجيش العراقي، وأوراق ملكية لمنازل وعقارات يعود تأريخ إصدار بعضها إلي زمن قديم يتجاوز المائة عام.
وفي هذا الكتاب كما في غيره يسلط الإمام الراحل ? الضوء علي بعض جوانب مأساة التهجير، حيث يبين سماحته بعض أسباب ارتكابها من قبل عملاء الاستعمار، كنظام الطاغية صدام وأمثاله.
كما جاء فيه بعض النماذج من قصص المهجرين والجرائم التي ارتكبت بحقهم، وتعتبر قضية التهجير من القضايا التي حاول الأمام الراحل (أعلي الله درجاته) معالجة أسبابها والتخفيف من معاناة المبتلين بها من شيعة أهل البيت عليهم السلام، وذلك عبر إقامة العديد من المشاريع الإنسانية التي تخفف عنهم وقع هذه المأساة وآثارها.
وقد دأب الإمام الرحل ? مراراً وتكراراً علي إلقاء المحاضرات وبث البيانات الموجهة للمهجرين، ولجمعيات حقوق الإنسان، وللمسلمين عموماً، محذراً من خطورة تمادي النظام في غيه وظلمه، ونتائج ذلك علي الأمة الإسلامية والعربية وهذا ما نشهده اليوم وبات واضحاً للعيان في الواقع المزري من التخبط والفرقة، وسيطرة اليهود الصهاينة والاستعمار علي شعوب ومقدرات هذه الأمة؛ وهذا لم يكن ليحدث لو لم يتسلط نظام كنظام العفالقة علي رقاب المسلمين في العراق، ولو لم تبث أفكار الأحزاب التي صدّرت إلي بلاد الإسلام عبر المستشرقين وتلاميذهم، أمثال عفلق والبيطار وصدام وأضرابهم.
هذا ونظراً لما نشعر به من مسؤولية كبيرة في نشر مفاهيم الإسلام الأصيلة عبر فضح مغالطات أعداء الإسلام قمنا بطبع ونشر هذا الكتاب، الذي كان في الأصل محاضرة قيمة ألقاها الإمام الراحل ? وهو من سلسلة المحاضرات التي راجعها المؤلف. علما بأن مجموع المحاضرات التي ألقاها بلغت عدة آلاف، وذلك خلال أربعة عقود من الزمن وفي أيام تواجده المبارك في العراق والكويت وإيران.
نرجو من المولي جل وعلا أن يوفقنا لنشر ما يتواجد لدينا من مؤلفات الإمام الراحل ? المخطوطة وإخراجها إلي النور، لنتمكن من نشر سلسلة إسلامية كاملة تنقل إلي الأمة وجهة نظر الإسلام تجاه مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية الحيوية بأسلوبه الرائع المميز … إنه نعم المولي ونعم المجيب.
مؤسسة المجتبي للتحقيق والنشر
بيروت لبنان ص.ب: 5951 / 13
البريد الإلكتروني: almojtaba@alshirazi.com
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة علي أعدائهم أجمعين إلي قيام يوم الدين.

جريمة التهجير

قال الله العظيم في كتابه الكريم: ?فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأَكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ?().
لتوضيح الآية المباركة نقول: ? فَالَّذِينَ هَاجَرُوا? إلي المدينة ?وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ? أخرجهم المشركون من مكة، والآية عامة لكل مهاجر من دياره، ومخرج من بلاده ?وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي? لأنهم آمنوا وأطاعوا ?وَقَاتَلُوا? لأجل الله سبحانه ?وَقُتِلُوا? قتلهم الكفار ?لأكَفِّرَنّ? أي: أمحونّ ?عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ? فلا آخذهم بها ?وَلاَدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ? أي تحت نخيلها وقصورها ?ثَوَاباً? أي: جزاءاً لهم ?مِنْ عِنْدِ اللهِ? علي أعمالهم ومشاقهم في سبيله ?وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ? أي: الجزاء الحسن، ليس غيره ممن لايقدر ولايملك الثواب الحسن.
إذا تأمل الإنسان كيف يكون الكفار في هذه النعمة والراحة والسياحة والأسفار، والمسلمون مضطهدون يُخرجون من بلادهم ويؤذون، مع أن الله سبحانه ناصرهم وظهيرهم؟!
فيأتي الجواب في الآية اللاحقة ?لاَ يَغُرَّنَّكَ? وأصل الغرور إيهام حال السرور فيما الأمر بخلافه، فالمعني: لا يوهمنّك يا رسول الله، أن الكفار في سرور ?تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ? فإن تقلبهم لا يعود إليهم بالنفع؛ فإن ذلك ? مَتَاعٌ قَلِيلٌ? أي: يتمتعون بذلك في زمان قليل ? ثُمَّ مَأْوَاهُمْ? مصيرهم ?جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ? أي: ساء المستقر لهم().
إن قضية تهجير مئات الآلاف من المؤمنين من أبناء الشعب العراقي من القضايا المهمة علي الصعيد الإسلامي عامة، وعلي الصعيد العراقي بشكل خاص، فقضية تهجير عشرات الألوف من أبناء الشعب العراقي المظلوم إلي إيران، وبأبشع الطرق التي تنافي الضمير الإنساني، فقد هجّروا وشردوا من ديارهم وسلبت أموالهم، بعد أن مورس بحقهم شتي أنواع التعذيب النفسي والجسدي بما في ذلك التفريق بين العائلة الواحدة، حيث فرقوا بين الزوج وزوجته، والطفل وأبويه، وسفّروا قسماً من العائلة، وتركوا القسم الآخر رهناً للاعتقال في سجون نظام البعث المظلمة، ومارسوا بحق المهجّرين وأقاربهم، ومَن يمتّ لهم بصلة قربي ألواناً أخري من التعذيب الجسدي، كالضرب والإهانات والشتائم والاعتداء علي الأموال والأعراض والأنفس، منتهكين بذلك جميع القوانين والأعراف الإسلامية والدولية، حتي قال بعض المحققين: إنهم أي طغاة العراق فاقوا جميع السفاحين وحشية علي مدي التاريخ قديماً وحديثاً، أمثال:
بني أمية..
وبني العباس..
وهولاكو()..
وجنكيز خان()..
وهتلر()..
ومن أشبه.
فقد جمع أزلام هذا النظام جميع الصفات الإجرامية والأساليب اللاأخلاقية المتمثلة بالسفاحين، وحينما صهر المجرمون في بوتقة واحدة تولد عن هذا الخليط أبشع وأرذل وأخبث نظام عرفه العالم ألا وهو نظام عصابة البعث العراقي الحاكمة.
وفي هذا الكتاب نحاول أن نحيط ببعض المواضيع المتعلقة بهذا الحدث المهم، وسنحاول أيضاً أن نوضح طبيعة النظام الحاكم في العراق، الذي مارس هذه العملية بحق الأبرياء المؤمنين من إخواننا في العراق الجريح، ونبين الأساليب التي استخدمها هذا النظام، والظروف التي استغلها.
كذلك نناشد الروح الإسلامية المغروسة في الضمائر والنفوس الحية في أبناء الإسلام، وأصحاب الضمائر الحية لأحرار العالم للوقوف بوجه هذا النظام والإطاحة به، ومن الله التوفيق().

التركيبة السكانية

بداية نحاول أن نبين التركيبة السكانية للشعب العراقي بشكل موجز وبعد ذلك نسلط الضوء علي الفئة المستهدفة من عملية التهجير اللاإنساني من قبل النظام العراقي!
يتألف الشعب العراقي من مجموعة من القوميات كالعرب، والأكراد، والتركمان، وبعض الأقليات الأخري، والغالبية العظمي من الشعب هم من العرب، وهذه الغالبية أيضاً منقسمة إلي قسمين: عرب عراقيين بالأصل، وعرب سكنوا العراق هم وآباؤهم وأجدادهم وهؤلاء كانوا يُسمون قديماً (بالموالي) وربما كانوا من أصل فارسي أو تركي أو ما أشبه، وقد عاشوا في العراق وولدوا في العراق، وتجنسوا بالجنسية العراقية، وبعضهم لم يمنحوا (شهادة الجنسية العراقية) بالمصطلح الحديث أو أنهم لم يتقدموا بطلبها، وبعضهم كتب في صحيفة أحواله المدنية اسم (تَبَعي). والظاهر أن المسألة هي ذاتها قديماً وحديثاً من حيث التفرقة بين هذا عربي وغير عربي، إذ لم يتغير من الأمر شيئاً إلا لفظة (الموالي) التي كانت السائدة في عصر بني أمية فتحولت إلي التبعية()، واستغل نظام الحكم في العراق هذه اللفظة أي التبعية والتي تتنافي مع الروح والتعاليم الإسلامية التي أُمرنا باتباعها؛ لأن المسلمين كلهم سواسية ولا فرق بينهم وهم أبناء الإسلام، واخوة في الدين، ووطنهم الواحد بلاد الإسلام أينما امتدت فلا يجوز شرعاً إخراج وتهجير وتسفير أحد لمجرد أنه من أصل آخر.
فقد قال تبارك وتعالي: ?إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون?().
وقال عز من قائل: ?يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثي وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ?().
وعن أبي جعفر عليه السلام قال: «لما كان يوم فتح مكة قام رسول الله صلي الله عليه و اله في الناس خطيباً فحمد الله وأثني عليه، ثم قال: أيها الناس، ليبلغ الشاهد الغائب أن الله تبارك وتعالي قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، والتفاخر بآبائها وعشائرها. أيها الناس، إنكم من آدم وآدم من طين، ألا وإن خيركم عند الله وأكرمكم عليه أتقاكم وأطوعكم له، ألا وإن العربية ليست بأب والد ولكنها لسان ناطق، فمن طعن بينكم وعلم أنه يبلغه رضوان الله حسبه، ألا وإن كل دم مظلمة أو إحنة كانت في الجاهلية فهي تظل تحت قدمي إلي يوم القيامة» ().
وقال أبو جعفر عليه السلام: «أصل المرء دينه، وحسبه خلقه، وكرمه تقواه، وإن الناس من آدم شرع سواء» ().
وروي: أن سلمان الفارسي دخل مسجد رسول الله صلي الله عليه و اله ذات يوم، فعظموه وقدموه وصدروه؛ إجلالا لحقه، وإعظاماً لشيبته، واختصاصه بالمصطفي وآله (صلوات الله عليهم) فدخل عمر فنظر إليه فقال: من هذا العجمي المتصدر فيما بين العرب؟
فصعد رسول الله صلي الله عليه و اله المنبر، فخطب فقال:
«إن الناس من آدم إلي يومنا هذا مثل أسنان المشط، لا فضل للعربي علي العجمي، ولا للأحمر علي الأسود إلا بالتقوي..» ().
فأمثال هذه الحواجز والتمايزات اللاإسلامية لا يقرها الدين الحنيف، بل المائز هو الإيمان والتقوي أمام الكفر.
نعود ونقول: إن نظام الحكم في العراق استغل لفظة (التبعية) واتهم العديد من العراقيين بذلك للقيام بعمليات التهجير الواسعة؛ وذلك لتغيير البنية السكانية والمذهبية للشعب العراقي، ولخلق نوع من الإرهاب والظلم الجماعي، بتشتيت وتفريق العوائل المتدينة والملتزمة بالإسلام، بإلصاق التهم والافتراءات الكاذبة عليهم والبعيدة عن الواقع؛ ليجد التبريرات الواهية التي تمكّنه من سلب أموالهم وتعذيبهم، ومن ثم تهجيرهم بكل قسوة ووحشية.
وتجسدت في واحدة من أشدها هذه العمليات الإجرامية، حينما جمع تجار ووجهاء السوق الكبير في بغداد (الشورجة) وسفّرهم إلي خارج العراق، مستولياً علي أموالهم وممتلكاتهم، زاعماً أنهم غير عراقيين، وهكذا عملوا في جميع محافظات العراق وخصوصاً كربلاء المقدسة والنجف الأشرف والكاظمية المشرفة والكوت، وباقي المناطق التي يتواجد فيها الشيعة … ().

سيرة الحزب الحاكم في العراق

إن أي شخص يريد أن يتناول سيرة نظام حزب البعث الحاكم في العراق سيعجز عن الوصف الكامل والدقيق لهذا النظام، ولا أعني بذلك وصف هيكله العام، أو الأفراد المنتمين إليه، أو الجهة التي ساعدت في نشأته، فكل ذلك سهل يسير علي الباحث، ولكن الشيء العسير هو الإحاطة الكاملة بالأعمال الإجرامية التي مارسها أفراد هذا الحزب بحق أبناء الشعب العراقي المسلم، من التعذيب وقتل النفس التي حرمها الله، وهتك الأعراض، وسلب الأموال والممتلكات، وكذلك قيامه بعمليات التهجير الواسعة ضد أبناء شعبنا المظلوم، وما إلي ذلك من الأساليب التي يعجز القلم عن كتابتها، واللسان عن سردها.
ولم يتوقف هذا النظام عن ظلم الشعب العراقي بجميع فئاته عرباً وأكراداً، شيعة وسنة، بل حتي الأقليات الصغيرة لم تسلم من حقده وظلمه وجوره، وكذلك تعدي في ظلمه حدود العراق والشعب العراقي فعم ظلمه الشعوب الأخري، فحربه التي شنها علي إيران أحد دوافعها الرئيسية هو حقده علي الإنسانية بصورة عامة وعلي الشعبين المسلمين العراقي والإيراني بصورة خاصة.
كذلك دخوله في مؤامرات سرية و بعض الأحيان علنية مع القوي الكبري المعادية للإسلام، لضرب الشعب العراقي المسلم، وضرب نهضته الإسلامية المتوقدة.
ومن هذه المؤامرات السرية تعاونه بصورة سرية مع الكيان الصهيوني لضرب الإسلام والمسلمين، ومن مؤامراته العلنية تحالفه مع نظام الشاه لضرب الأكراد في شمال العراق() علي سبيل المثال لا الحصر، ودخل في تحالفات مشبوهة كثيرة لا يسع المجال لذكرها هنا ().

الغاية في وجود الحزب الحاكم

من الطبيعي في نشوء أي فكرة أو نظام أو حزب أو ما إلي ذلك كله، أنه يحتاج إلي علة وغاية لوجوده()، سواء كانت الغاية سامية ونبيلة أم كانت سافلة ورذيلة. وفكرة إيجاد حزب البعث في العراق نشأت بأوامر وتوجيهات الاستعمار الغربي بصورة عامة، والاستعمار البريطاني بصورة خاصة.
أما الغاية من إيجاده في جسد الأمة الإسلامية بصورة عامة، والشعب العراقي بصورة خاصة، فكانت كالتالي:
إن النفوذ الاستعماري لدول الغرب، أعقاب الحربين العالميتين اتخذ أبعاداً خطيرة، وخاصة الدول المنتصرة الحلفاء كأمريكا وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي، ولقد عملت الدول المذكورة بكل ما تستطيع من قوي علي إبقاء دول العالم هناك تحت هيمنتها، فقسمتها إلي مناطق نفوذ لها، فكل دولة أخذت مجموعة من الدول الصغيرة وضمتها إلي سيطرتها، وكان العراق من حصة بريطانيا()، وهذا فيه كلام كثير ذكر في محله.
والدول الاستعمارية عادة تفكر في أسهل وأرخص الأساليب لإدارة شؤون البلاد المستعمرة، إما بطريقة مباشرة بواسطة الاحتلال المباشر، أو بطريقة غير مباشرة، أي بزرع أنظمة وتكتلات من داخل البلاد المستعمرة تدير شؤون البلاد بطريقة تضمن مصالح الدولة الاستعمارية.
مارست بريطانيا الأسلوبين معاً في إدارة شؤون العراق، ففي بداية الأمر استخدمت الأسلوب الأول (التدخل المباشر)، عبر احتلال العراق عسكرياً، وذلك عام (1917م) عندما أكملت الجيوش البريطانية احتلال بغداد وقال قائدها (): (إن جيوشنا
لم تدخل مدنكم وأراضيكم بمنزلة قاهرين أو أعداء بل محررين)، ولكن هذا الأسلوب فشل في إدارة شؤون العراق؛ وذلك للتصدي والمعارضة الشديدة التي أبداها أبناء الشعب العراقي بقيادة العلماء لمخططات الاستعمار ومكائده، إبان ثورة العشرين() التي قادها العلماء المراجع ضد قوات الاحتلال البريطاني وجيوشه التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الأولي أمام دول المحور، ولكنها خرجت منكسرة أمام جهاد الثوار وصمود وصلابة قادة الثورة الذين انضوي تحت قيادتهم كافة أفراد الشعب العراقي وعشائره. وفي ظل هذه الظروف أخذ الإنكليز بالمراوغة والتجئوا إلي الأسلوب الثاني، أي أسلوب زرع التنظيمات والتكتلات الاستعمارية داخل الشعب العراقي لإدارة شؤون البلاد والضغط علي الشعب، ومن ثم عقد اتفاقيات ومعاهدات تمرر عبرها كل مؤامراتها ضد الإسلام والمسلمين عموماً والعراقيين خاصة.
وحتي تستفيد من أغلب خيرات العراق، الطبيعية والصناعية والمعادن والموارد الحيوية من نفط وغاز وفوسفات وكبريت … الخ، وكذلك لتستغل الأيدي العاملة العراقية لصالحها، ولتجميد عقول العراقيين عن التفكير في شؤون بلادهم وكيفية الوصول إلي الهدف المنشود خلقوا للشعب مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية بجعل همهم الوحيد كيفية الحصول علي لقمة العيش، والاحتراز من السيف المسلط عليهم من قبل النظام الحاكم.

الوعي الديني السياسي

من أهم الأسباب التي دعت الاستعمار البريطاني إلي إيجاد نظام تعسفي يدير شؤون العراق ويحكمه بالحديد والنار هو نمو الوعي الديني والسياسي، وظهور الصحوة الإسلامية عند غالبية الشعب العراقي، فأغلبية الشعب العراقي اتحدت تحت لواء علماء الدين المتمثلة في تلك الفترة بمراجع الدين العظام()، وكذلك تعددت قنوات التوعية في المجتمع العراقي، من أمثال الخطباء والشعراء الإسلاميين، وانتشار الكتب والمجلات والموسوعات العلمية، التي تحاول جميعها أن تجعل من الشعب العراقي شعباً واعياً في أمور دينه ودنياه. هذا كله إضافة إلي غايات سياسية أخري جعلت الإنجليز يفكرون في إيجاد نظام يحمل جميع مواصفات الإجرام والتبعية، فزرع نظام حزب العفالقة في جسد الأمة الإسلامية في العراق، ليحقق لهم من المطامع والمصالح ما لم يستطيعوا هم تحقيقه مباشرة وبشكل لم يحلموا به، ومن ذلك يتبين لنا أن غاية وجود هكذا أنظمة في العراق إنما هو لصالح الاستعمار، وليس لصالح الشعب العراقي().
فعلي كافة المسلمين في هذه المعمورة وعلي المسلمين المجاهدين من أبناء شعبنا العراقي المظلوم، وخصوصاً الذي هجّرهم النظام البعثي، ونفاهم عن أراضيهم ومسقط رأسهم، وعلي كافة الخيرين في العالم الوقوف بوجه هذا النظام بكافة الوسائل والإمكانيات؛ لأن خطره ليس علي الشعب العراقي فحسب، بل علي العالم الإسلامي بأكمله، بل وعلي جميع الخيرين ومحبي الإنسانية في العالم، وإن جبين الإنسانية ليندي من تصرفات وأفعال هذا النظام الاستعماري الغادر، وقد قال الإمام الحسين عليه السلام كلمة الفصل حينما انبري مخاطباً الإنسان الذي لا يعمل علي مكافحة الظلم والطغيان: «أما بعد فقد علمتم أن رسول الله صلي الله عليه و اله قد قال في حياته: من رأي سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ثم لم يُغيّر بقول ولا فعل، كان حقيقاً علي الله أن يدخله مدخله …» ().

التهجير وسلوكية الحزب الحاكم

إن من أشد المآسي التي ابتلي بها شعبنا العراقي المسلم، في ظل حكم العفالقة، هي مأساة التهجير اللاإنسانية والتي تتعارض مع أبسط حقوق الإنسان والقوانين والأعراف الدولية، خاصة مع تلك الظروف التي مر بها المهجرون خلال الحملات الهمجية المفتقدة لأبسط معاني الإنسانية.
حيث قام هذا النظام بتهجير مجاميع كبيرة من أبناء هذا الشعب المظلوم، يصل عدد المجموعة الواحدة إلي ألف شخص أو أكثر أو أقل وفي بعض الأحيان عائلة واحدة تهيم علي وجهها في البراري والقفار دون راشد أو دليل في ظروف مأساوية وعبر مناطق حربية حدودية مزروعة بالألغام والمتفجرات، راح ضحيتها عدد كبير من هؤلاء الأبرياء، الذين سفرهم نظام البعث لا لذنب اقترفوه، سوي أنهم من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام ومن أنصار سبط رسول الله الحسين بن علي عليه السلام، لا لأنهم غير عراقيين (تبعية) كما يدعي النظام().
فإن من سلوكية النظام البعثي الحاكم في العراق هو ملاحقة الخيرين ليس في العراق فحسب بل في جميع بقاع العالم.
فالشخص الملتزم صاحب المبادئ الذي يسير مع الحق ويحارب الظلم مستهدف من قبل النظام العراقي. ويستخدم النظام عدة وسائل في سبيل تصفية مثل هؤلاء الأشخاص في العراق، كالإعدام بتهم ملفقة، والسجن مع أشد التعذيب، أو التهجير وسلب الأموال والممتلكات الأخري، كما فعل بهذه الثلة الخيرة من أبناء العراق الجريح، أو الغدر والاغتيال غيلة كما فعل بالأخ الشهيد السيد حسن الشيرازي()..
وغيره().
فالتهجير أسلوب استخدمه طغاة العراق لإرهاب الناس ونشر سيطرتهم علي البلاد ونهب ثروات العراق، ولكنهم جهلوا أن هذا الأسلوب سوف يعود عليهم بالخزي والعار الآن وفي المستقبل، وسوف يسجل التاريخ علي طغاة العراق وفي صفحة بارزة مفصلة جميع أعمالهم الإجرامية، لتكون شاهداً علي تبعيتهم وانحرافهم قال تعالي في كتابه الكريم: ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ?().
ولقد صبغ النظام البعثي العراقي هذه العملية (التهجير)، بصبغة قومية لتبرير أعماله اللاإنسانية، واستمالة بعض الأقلام المتعنتة المأجورة، التي تنادي بالقومية الجاهلية التي تخالف الإسلام.
لذا يلزم علي جميع المثقفين من كتاب وصحفيين ومبلغين في جميع أنحاء المعمورة، وخصوصاً العراقيين منهم، أن يعملوا علي فضح وتعرية أساليب هذا النظام، ففي الحديث الشريف: «من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم» ().
وأذكّر، بل وأحذّر الأخوة المسلمين من مهجّرين وغيرهم من مغبة التقاعس عن العمل، أو التهاون في طريقة التعامل مع هذا النظام، سواء كان بأسلوب مباشر أو بأسلوب غير مباشر، مثل: الكلام لصالحه دون قصد، أو الانخراط في المشاغل الشخصية فقط، وترك المسؤولية الكبري وهي الجهاد في سبيل إسقاط نظام طغاة العراق عبر نشر الوعي والثقافة في جميع أوساط الأمة والتبليغ بالمال والقلم واللسان ونحو ذلك، وتأسيس المنظمة العالمية الإسلامية للدفاع عن الحقوق المهدورة.
قال الله تعالي في كتابه الكريم: ?إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَي إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ?().

العناصر الدخيلة في نظام الحكم

إن النظام الحاكم في العراق عندما قام بتهجير عشرات الألوف من أبناء العراق بحجج وادعاءات واهية وضعيفة، مبنية علي أساس أن هؤلاء المهجرين هم غير عراقيين من الذين لم تدرج أسماؤهم ضمن سجل الأحوال المدنية لسنة (1920م)، وأدّعي بأنهم من أصول فارسية وتركية، فهذا يبطله الواقع؛ لأن أغلب المهجرين هم من حملة الجنسية العراقية، وهم مولودون في العراق أباً عن جد، وقد ساهموا في إعمار وحماية العراق من المخاطر الخارجية والداخلية، وأغلبهم شارك هو أو آباؤه أو أجداده في الثورات التي قام بها أبناء الشعب العراقي ضد المستعمرين الأجانب، وخصوصاً ثورة العشرين التي قامت ضد الاستعمار الإنكليزي.
وإذا كان ما يدعيه النظام صحيحاً بأنه سفّر هؤلاء الخيرين من أبناء العراق لأنهم غير عراقيين، فهذا الإدعاء هو وحده كاف لإدانة هذا النظام؛ فالسؤال الذي يطرح نفسه هو:
إذا كان قرار التسفير أو التهجير مبنياً علي عدم أصالة وانتماء الشخص إلي العراق، أي إذا كان الشخص من غير العراقيين الأصليين فهو معرض للتهجير، فمن أين تأتي الأصالة إلي أزلامه وعناصره المتنفذة، من أمثال:
ميشيل عفلق().
وشبلي العيسمي().
وطارق يوحنا عزيز().
والبيطار().
وحفيد ساسون حسقيل (أحمد حسن البكر)().
وصدام().
فحقيقة هؤلاء الأشخاص تثبت أنهم غير عراقيين، بل إن بعضهم غير عربي أصلاً.
فالشخص الأول في الحزب وهو ميشيل عفلق لا ينتمي للعراق ولا للعروبة في أصل أو فرع، فهو مسيحي غربي، واختلف في ذلك أيضاً، هل هو غربي فرنسي أم غربي يوناني؟ فهو وأبوه ينتميان إلي الديانة المسيحية، أما أمه فهي من الديانة اليهودية، وهو الصديق الحميم لرئيس وزراء إسرائيل (مناحيم بيغن)()، فقد درس معه في مدرسة واحدة، وفي صف واحد.
إضافة إلي ذلك فهو عفلق يُعد من العملاء المخلصين للحكومة البريطانية، وهو أحد الأعضاء الفاعلين لشركة لايف الصهيونية().
أما شخص شبل العيسمي، فهو أيضاً مسيحي وغير عراقي، فهو من أصل سوري، وقد حكم عليه بالإعدام في سوريا، وفرّ إلي العراق.
أما طارق يوحنا عزيز، فهو يدين بالمذهب الآشوري المسيحي.
أما حفيد ساسون حسقيل (أحمد حسن البكر)، فهذا جده يهودي الأصل، عمل تاجراً في سوق بغداد المعروف بسوق (الشورجة)()، وكان يدعي ب(ساسون حسقيل)، وكان يعمل مع أبناء عمومته في نفس السوق (الشورجة) وحصل خلاف بينه وبين أبناء عمومته بشأن بعض المعاملات التجارية فقطع علاقته بهم، وترك العمل في دكانه وغير مجري حياته، فرحل إلي تكريت، وأسلم ظاهرياً في تكريت علي يد أحد علماء السنة يدعي (الشيخ عبد الله)، وأخذ يشتهر بين الناس في تكريت بأنه قد أسلم، وقد تبين فيما بعد أن هذا العمل ما هو إلا خطة استعمارية، ثم بدّل هذا الملا كما يدعي اسمه إلي (أبو بكر) ثم جعلوا ينادونه باسم (بكر)، ثم يولد للبكر هذا ولد يسميه (حسن)، ومن الجدير بالذكر أن أسم (حسن) هو اسم قليل الشياع بين أهل السنة في العراق، فيتضح هنا بأن وضعهم لاسم (حسن) ما كان إلا خطة مدروسة لتضليل أبناء الشعب العراقي، ولكسب عواطف الشيعة، ثم بعد ذلك ولد لهذا، أي ل(حسن) مولود سمي ب(أحمد).
وأما (صدام) فقد تحير العراقيون في إرجاع نسبه، هل هو عربي عراقي أم غير عراقي؟ وهل هو مسلم أو مسيحي أم يهودي أم ماذا؟
فبعضهم يقول: بأن اسم (حسين) هذا ليس هو الاسم الحقيقي لوالده، وكان بعض العراقيين يعرف أباه، ويقول أنه كان يعمل في السفارة البريطانية بصفة خادم، وبعضهم قال: إنما سماه الإنكليز بهذا الاسم حسين لكي لا يستطيع أحد أن يطلع علي اسمه الحقيقي، فنسبه إذن من الأمور المجهولة علي الشعب العراقي، وقيل بأن صدام كان قبل الانقلاب العسكري عام (1968م)، موظفاً صغيراً يعمل في دائرة الكهرباء براتب بسيط، وعندما جيء به من قبل الاستعمار إلي الحكم في العراق ما هي إلا فترة حتي أصبح يعد من أغنياء العالم، والسبب معروف ونحن لسنا بصدد ذلك الآن.
إذن هؤلاء هم عناصر الحزب الحاكم في العراق، ومن علي شاكلتهم أيضاً هذه سيرتهم، فهم بالإضافة إلي أصولهم وأنسابهم غير العراقية، وغير العربية، أو المشكوك فيها أصلاً عملوا علي ظلم الشعب العراقي بكافة الوسائل التي وضعها لهم الاستعمار، وقتلوا وشرّدوا وسجنوا وسلبوا حقوق الشعب كافة، حتي أصبح العراق سجناً كبيراً بفعل تصرفاتهم المشبوهة، بل ويتبجحوا باتهام العراقيين بأنهم غير عراقيين، وغير عرب، فأي الفريقين أولي بالتسفير؟!
هل الأشخاص الذين يعملون في سبيل الله والوطن، وقاوموا الاستعمار وأطماعه هم وآباؤهم وأجدادهم، وضحوا بدمائهم وأموالهم في سبيل الله والإسلام والوطن، أم أولئك البُعداء عن الشعب والوطن المرتبطين بتحالفات مشبوهة وأحزاب تتسر بشعارات مزيفة، والذين عملوا ما عملوا بهذا الشعب من أعمال إجرامية قادت العراق إلي هذا الوضع المتردي والمزري الذي هو فيه الآن().
فجميع الأعراف والقوانين الدولية والمحلية ينددون بهذه الزمرة الطاغية التي ظلمت وشردت وقتلت أبناء الشعب العراقي؛ وذلك لأن الظلم قبيح، وعامل القبيح يستحق الذم والعقاب من قبل جميع العقلاء، فلينتظر حكام العراق مصيرهم الأسود بالقريب العاجل إن شاء الله تعالي قال عز من قائل في كتابه الكريم: ?إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ?().
وقال تبارك وتعالي: ?وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ?().

طغاة العراق.. أهداف وأساليب

إن الأسلوب الذي تتبعه الأنظمة المستبدة الفاسدة في إدارة شؤون البلاد عادة ما يكون أسلوباً تعسفياً، مبنياً علي الإرهاب والقتل والتشريد والتصفية الروحية والجسدية لمعارضيها، وهذا الأسلوب قريب جداً من أسلوب عمل العصابات العالمية، كعصابة المافيا في إيطاليا ومنظمة الهاغانا الصهيونية وجهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد)، وما شابه ذلك. فهذه الأنظمة الفاسدة والعصابات العالمية تعتمد أسلوب التصفية لكل من يعارضها، وخصوصاً الأشخاص الذين كانوا منتمين إليها ثم خرجوا منها لسبب أو لآخر، مثلاً ينكشف لهم زيف الشعارات والأهداف التي كانت تنادي بها هذه الأحزاب والأنظمة هذا إذا كان دخولهم فيها لجهلهم بأسلوب تلك العصابات وغفلتهم عن ارتباطاتها وأهدافها، أو يقضون علي عملائهم لانتفاء الحاجة إليهم، فتتم تصفيتهم بكافة الوسائل؛ لأن هؤلاء الأشخاص بدخولهم في تلك الأنظمة سوف يطلعون علي أسرار عملها وطريقة تعاملها مع الناس والقضايا، وبما أنها علي باطل فعندما يخرجون سوف يفضحونها ويكشفون للناس باطلها وزيفها وعمالتها؛ ولذا فإن تلك الأنظمة تسعي في قتلهم بكافة الوسائل. ويكون ذلك القتل عبر قتلهم شخصاً أوقتل شخصيتهم أيضاً في كثير من الأحيان.
وهذا الأسلوب نراه واضحاً في تعامل نظام البعث الحاكم في العراق مع عناصره، وهو دليل آخر مع آلاف الأدلة التي تثبت عمالة وهمجية هذا النظام، فقد عمد هذا النظام ومنذ الأيام الأولي لتأسيسه إلي هذا الأسلوب وهو القتل والسجن والتشريد لأغلب معارضيه، بل وأكثر من ثلاثة أرباع أتباعه المنتمين إليه، والذين حاولوا الخروج من هذا الحزب، فأين البعثيون الأوائل من أمثال:
حردان التكريتي()..
وناصر الحاني()..
وإبراهيم الداود..
وعدنان حسين الحمداني()..
ومحمد عايش()..
وعبد الخالق السامرائي، وعبد الوهاب الأسود، وغيرهم().
ألم ينته مصيرهم إلي القتل أو التشريد؟
فهذا (ناصر الحاني) الذي كان يعد من الحزبيين الكبار فيما يسمي بمجلس قيادة الثورة، اختلف في الرأي مع بعض العناصر الرئيسية في الحزب، وتشاجر معهم وهددهم، وقال لهم: سأذهب وأكشف زيفكم وحقيقتكم للشعب العراقي، وأقول لهم: بأن نظامكم عميل للإنكليز، والدليل علي ذلك هو أن السفارة الإنكليزية كانت تمدكم بالمال عن طريقي أنا، فتم قتله في نفس الليلة، وثم إلقاء جثته في منطقة من مناطق بغداد يقال لها: منطقة قناة الجيش.
وهذا (حردان التكريتي) من القياديين في الحزب الحاكم، بمجرد اختلافه معهم تم عزله وعندما هدد بالقتل حاول أن يفشي أسرار طغاة العراق فتمت تصفيته وقتله في دولة الكويت في حادث اغتيال مدبر ولم تشفع له سنوات خدمته لهم.
وذاك (عبد الوهاب الأسود) أيضاً، حاول أن يعمل نفس العمل الذي قام به حردان وناصر الحاني، فتمت تصفيته أيضاً، وهكذا تمت تصفية أكثر من ثلاثة أرباع العناصر الأولي في جهاز حزب البعث العراقي. وهكذا لم تتوقف وحشية هذا النظام علي العناصر التي عملت معه وحاولت كشف زيفه وتبعيته، بحيث جعل ذلك هدفاً لسياسته التعسفية، بل شملت جميع أصناف الشعب العراقي المظلوم.
فعلي جميع الأخوة الأحرار المؤمنين في المعمورة، وخصوصاً الأخوة المؤمنين في العراق الوقوف بوجه هذا النظام الباغي عبر نشر الثقافة والوعي والمطالبة الدولية بحقوقهم المشروعة؛ والله تعالي سوف يعوضهم عن ذلك، حيث قال تعالي في كتابه الكريم: ?الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ?().

أساليب التهجير

استعمل نظام البعث العراقي عدة وسائل وأساليب في تهجير أبناء العراق، نذكر بعضاً منها هنا وبإيجاز:
أولاً: مداهمة بيوت المهجّرين في هدأة الليل، وبصورة همجية، مستعينين برجال الأمن المدججين بالسلاح.
ثانياً: التحايل علي المواطنين لاستدراجهم وتهجيرهم بحجة استجوابهم لمدة عشر دقائق فقط.
ثالثاً: تهجير أعداد كبيرة من المواطنين وهم بملابس النوم.
رابعاً: محاربة المهجرين بطرق الحرب النفسية والإرهاب والتخويف وقذفهم بألفاظ قذرة نابعة من الانحطاط الخلقي لعملاء النظام العراقي الحاكم.
خامساً: حجز الفتيات المسلمات من أبناء شعبنا العراقي في دائرة الأمن الإجرامية، والاعتداء عليهن بعد تهجير عوائلهن.
سادساً: إنزال المهجرين علي مسافات بعيدة عن الحدود الإيرانية، وهم حفاة وفي أراضٍ جبلية وعرة جداً، وفي ظروف جوية رديئة، ولم يسلم من حقدهم حتي الطاعنون في السن والأطفال والمرضي.
سابعاً: مصادرة كافة الأموال المنقولة وغير المنقولة للمهجرين ووضعها تحت تصرف أزلام السلطة.
ثامناً: فصل الشباب الذين تتجاوز أعمارهم الثامنة عشرة عن عوائلهم المهجرة، وحجزهم في معتقلات الأمن الإرهابية، والتجنيد الإجباري لبعضهم، ومن يعارض ذلك يخضع للتعذيب الرهيب وقاموا بإعدام الكثير منهم.
تاسعاً: وضع الألغام في طريق المهجرين، بحيث راح ضحية ذلك العديد من الأبرياء.
نعم، فهذه بعض التصرفات والأعمال الوحشية التي قام بها النظام ضد المهجرين من أبناء العراق المسلم، ولا يتسع المجال إلي ذكر جميع الانتهاكات الوحشية التي اتبعها وما زال يتبعها النظام مع المواطنين؛ فإنها كثيرة جداً، ولا بأس بالإشارة إلي بعضها من باب التعرف علي طبيعة النظام الحاكم في العراق، وليس من باب الحصر.

من أساليب النظام

تعددت أساليب النظام البعثي الحاكم في العراق، في تعذيب معارضيه حتي فاقت جميع أساليب الأنظمة العميلة الأخري، فذلك نظام الشاه العميل() للاستعمار الغربي الأمريكي، كان يعتقل ويعذب أبناء الإسلام في إيران، ويلفق لهم التهم الفارغة، مدعياً بأن هذا شيوعي وذاك متآمر وهكذا؛ وذلك ليبرر للعالم والشعب بأنه أعدم أو اعتقل هؤلاء لعمالتهم (كما يدعي)، ولكن نظام البعث العراقي تجاوز حتي هذا التعامل (أي تبرير عمله في قتل أبناء الشعب العراقي) فإنه يعتقل ويعذب أبناء الشعب العراقي المعارضين لحكمه وعلي الشبهة والظنة، أو كل من يعد من المتدينين الإسلاميين بدون تهمة واضحة موجهة له ولو ظاهرياً، وإليكم هذا النموذج من أساليب التعامل مع المعتقلين، ينقله أحد الناجين من حبالهم، فقال:
في إحدي الليالي المظلمة داهمت عناصر النظام عدة منازل في مدينة كربلاء المقدسة، واعتقلت بعض من فيها، واستشهد إثر المداهمة البعض الآخر، وكان ضمن المعتقلين شخص يعمل في وزارة العدل، اعتقل في منتصف الليل بملابس نومه، وبحجة استجوابه لمدة عشر دقائق ذهبوا به إلي مديرية الأمن العامة، وفي الصباح تم إعدامه أي بعد مرور أقل من (6ساعات) علي اعتقاله ويقول ناقل القصة، الذي كان أحد المعتقلين معه: تم اعتقالنا، وذهبوا بنا إلي بغداد ووضعونا في غرفة لكي تتم محاكمتنا، وشاهدت الذين اعتقلوا معنا في السجن، ولقد عرفت الكثير منهم، ثم سألت عن السبب الذي جاء بنا إلي هنا؟
قالوا: لأجل محاكمتكم.
كنا أربعاً وأربعين شخصاً، وضعونا في غرفة، وأغلقوا الباب علينا، وكان الحاكم جالساً فسأل الحاكم شخصاً يدعي حسين الدلال: ما اسمك؟
فقال: حسين.
ما هو لقبك؟
قال: الدلال.
فقال: أين تسكن؟
قال: كربلاء.
قال: ما هو عملك؟
قال: وكيل لوزارة العدل.
فأصدر الحاكم حكم الإعدام الفوري بحقه بعد انتهائه من هذه الأسئلة!!
ثم اقتيد من قبل ثلاثة من رجال الأمن وذهبوا لتنفيذ حكم الإعدام به.
ثم جاء دوري للتحقيق معي، فسألني الحاكم: ما اسمك؟
وما لقبك؟
وأين تسكن؟
وما هو عملك؟
وبعد استجوابي أمر بإطلاق سراحي، بعد أن أجبت عن هذه الأسئلة، وأخرجوني من باب ثانٍ للسجن.
ويذكر الراوي سبب نجاته من حكم الإعدام فقال: بعد سماع خبر اعتقالي في منتصف الليل، من قبل والد زوجتي، الذي كان شخصاً ثرياً من سكنة كربلاء، ذهب إلي بغداد فوراً ومعه خمسون ألف دينار، وأوصل نفسه إلي أحد الجلاوزة من أعضاء ما يسمي بمجلس قيادة الثورة، بشكل من الأشكال، وأعطي المبلغ المذكور رشوة لهم، فاتصل هؤلاء بالحاكم تلفونياً، وأمروه بإطلاق سراحي فوراً، فأصدر الحاكم العفو عني وأطلق سراحي.
نعم، هكذا يقتل أبناء الشعب علي يد هؤلاء الجلاوزة بدون أي مبرر للقتل، سوي حقدهم عليه وعلي جميع الشعب وعلي الإنسانية ولهذا عارضهم الشعب العراقي المسلم بشكل كبير، وأعطي الشهداء في سبيل ذلك، ولم يركن أو يستكن إلي الظلم والظلمة، بل حاربهم بكل ما يستطيع، قال سبحانه وتعالي في كتابه الكريم: ?إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ?().

من مآسي المهجرين

عند مطالعة بعض القصص والمآسي التي تحمّلها الشعب العراقي في ظل حكم هذا النظام الجائر سنعرف ولو جزئياً مقدار الظلم والانتهاكات الصارخة التي ارتكبت بحقه، ونري لزاماً علي المؤمنين نشرها في العالم أجمع وبيانها علي مستوي منظمات هيئات حقوق الإنسان بالخصوص حتي تكون شاهداً وحجة مع آلاف الشواهد والحجج الأخري علي ظلم واستبداد هذا النظام.
ومن أبرز هذه المآسي والقصص مأساة التهجير والمهجرين التي نحن بصددها الآن.
فقد نقل أحد الإخوة المهجرين عن حادثة مأساوية لإحدي العوائل المهجرة، وكانت هذه العائلة تعيش في إحدي المحافظات الجنوبية في العراق، كانت عائلة متدينة وملتزمة بالتعاليم الإسلامية، شأنها شأن أغلب العوائل العراقية، وهي مكونة من زوجين طاعنين في السن، وخمسة أبناء، مصدر معيشتهم قطعة أرض يزرعونها فتدر عليهم ما يسد رمقهم ويؤمن مصاريف أبنائهم؛ حيث إن أكبرهم شاب في مرحلة الدراسة الجامعية، وأخته طالبة في المرحلة الثانوية، وأما الآخرون فهم صغار لم يبلغوا الحلم بعد.
فكان هذا الشاب ملتزماً دينياً، وكان يحث الشباب الضالين في مجتمعهم وفي محيطهم الجامعي من الطلاب علي عدم الانخداع بأفكار الحزب الحاكم المنحرفة، فيبين لهم مفاهيم الإسلام، ويحثهم علي العمل بالشريعة الإسلامية، ويفضح الأعمال الإجرامية التي يقوم بها النظام ضد أبناء الشعب المسلم، مما أثار حقد جلاوزة النظام وغيظهم عليه، فعنصر كهذا يعكر عليهم صفو حياتهم المليئة بالانحراف والجريمة فهم لا يتركونه لحاله.
لذا قاموا بفصله من الجامعة، ولم يكتفوا بذلك بل اعتقلوه وأرسلوه إلي مراكز التعذيب ليبقي هناك تحت وطأة سياط الجلادين، أما عائلته فقد تم استدعاءها إلي مراكز المخابرات، ومن ثم تم تهجيرها إلي إيران بحجة أنها غير عراقية، فخلفت وراءها ابنها الشاب في سجون النظام، وسكنت هذه العائلة بعد تهجيرها إحدي المناطق الحدودية في إيران، وبعد أن شن هذا النظام حربه علي إيران ودخل المناطق الحدودية الإيرانية، كان من ضمن تلك المناطق الحدودية التي احتلها النظام المنطقة التي تسكنها هذه العائلة، وكعادة النظام عندما يدخل أو يسيطر علي أي شيء يحاول تدميره، فدمر هذه المنطقة وقتل بعض أبنائها وأسر البعض الآخر، وكان ضمن الأسري هذه العائلة المنكوبة، وبعد التحقيق معها في بغداد تبين لجلاوزة النظام أن هذه العائلة هي مهجرة سابقاً، وبعد حجزها عدة أشهر تم تسفيرها إلي إيران مرة ثانية، ولكن بعد أن أخذوا منها ابنتها الشابة هذه المرة، وهكذا فقدت هذه العائلة فردين من أفرادها، إضافة إلي جميع ممتلكاتها من أموال وغيرها، وتعرضها للويلات والتعذيب من قبل هذا النظام الطاغي، والكافر بكل الأعراف الإنسانية والأخلاقية، والذي لا يؤمن بالله العظيم ولا باليوم الآخر.

نحن عراقيون

وهذه قصة أخري بل صورة عن مأساة التهجير يرويها أحد المهجرين، نذكرها باختصار: يقول المهجَّرين:
اكتب قصة تهجيرنا بأمانة وإخلاص دون ذكر اسمي ومكاني، لا خوفاً من أحد بل خوفاً علي أولئك الناس الطيبين الذين رفضوا الظلم ولم تكن لديهم الشجاعة لنصرة الحق، ولأسباب أمنية معروفة للجميع في عراق الظلم والإرهاب، ويبقي أملنا بالعودة كبير، ويكبر كلما زادت سنين الغربة كما يشتاق الزرع للنبع كلما زاد العطش.
هكذا نحن جميعاً وبلا استثناء نحن المهجَّرين أبناء دجلة والفرات، ونحن علي أتم استعداد لأن نموت من أجل كرامة شعبنا ووطننا إذا ما أراد له الأعداء شراً، نضحي من أجله بكل الوسائل الممكنة حتي لو منعنا من دخوله عندما يكون الأمر حق.
تبلغت بضرورة الحضور أمام ضابط الجنسية وذلك من قبل إدارة مدرستي التي أعمل فيها، وبعد مراجعتي للضابط المذكور وجه لي بعض الأسئلة ومن جملتها مَن مِن أهلك تم تهجيرهم؟
فأجبته: بأن والدي البالغ من العمر (70 عاماً) هجّر مع جملة التجار الذين بدأت حملة التهجير الظالمة بهم.
ثم سألني: ما عندك من مستمسكات عراقية؟
فقلت له: إخلاصي للوطن وحبي لأبناء بلدي ومعاداتي للاستعمار وقبور أجدادي. قال: وغير ذلك؟
ففتحت حقيبتي اليدوية وأخرجت له ما عندي من المستمسكات وهي: جواز السفر العراقي العائد لي ولأفراد عائلتي، بطاقات الأحوال المدنية، دفتر إكمال الخدمة العسكرية، ونسخة من ورقة رسمية إقرار بالتملك العقاري (ورقة الطابو لبيتي) وضعت الجميع أمامه.
مدّ يده لأخذها ثم نظر إليّ وارتبك الرجل ولملم وبسرعة جميع المستمسكات ووضعها داخل مظروف، وكتب اسمي عليه وقال: أستاذ الآن هي الحادية عشر ظهراً، ماذا تقول إن تأتي الساعة الثانية بعد الظهر إلي البيت؛ لأنك شملت وعائلتك بقرار التهجير لإيران؟
فأجبته: أخي، لا اعتقد أن الساعات الثلاث كافية لأودع بها أهلي وجيراني وتلاميذي وزملائي وأصدقاء الطفولة، والأهم من كل ذلك إنها لا تكفي لتقبيل كل شبر داسته قدماي من أرض الوطن، ثم كيف تسمح لنفسك أن يأتوا أفرادك إلي بيتي ويأمرونا بالصعود لسيارتهم، هل تعتقد أننا غجر!؟
فرد علي: كما تريد.
فقلت له: غداً صباحاً وفي تمام الساعة الثامنة سأكون وأفراد عائلتي جميعاً عندك في المكتب.
وفعلاً كان ذلك، جلبت أفراد عائلتي وجلست وزوجتي وأختي الخريجة الجديدة، وأخي طالب المعهد وأبنائي السبعة في مكتبه، وبعد أن أتم الإجراءات التي تخص تهجيرنا طلب منا أن ننتقل إلي غرفة مجاورة لمكتبه، وقال: أنتم الآن موقوفون بحكم القانون! لكن لا أستطيع أن أضعكم في غرفة التوقيف، فتفضلوا في هذه الغرفة حتي المساء كي يتم تهجيركم.
بقينا حتي السادسة مساء عندما جاءنا وأخبرني فقال: بأن مسؤول الحزب يريد التحدث إليك وهو الآن يجلس عند مدير الجنسية، ذهبنا جميعاً ودخلنا حيث يجلسون وبدأ الحديث والأسئلة والاستفسارات، ومن جملتها سألني قائلاً: أخي ماذا تقول إن لقبك عربي، وإن هذا من الألقاب العربية والمصنفة ضمن سجلاتنا؟
فقلت له: إذا كان كذلك فلماذا هجّرتم والدي ومن بعده أفراد عائلته، ألم يكن لقبهم عربياً وعراقياً؟
وإذا كنتم تعرفون ذلك فلماذا أنجزتم معاملة تهجيرنا؟
الحقيقة أنا لا أعرف بأي قانون تحكمون الناس، وما هو معيار المواطنة!!
هل الوثائق التي يحملها؟ فإن جميع مستمسكاتنا العراقية بين أيديكم.
وإذا كان معيار المواطنة هو الولاء للوطن فإن ابنتي الصغيرة (7 سنوات) والتي تجلس هي أكثر وطنية منك أيها الرفيق.
عندها قاطعني هذا الرفيق متأثراً من كلامي، قائلاً: كيف أنها أكثر وطنية مني وهي في الصف الأول الابتدائي؟!
قلت له: كن علي ثقة لو أن الأمر معكوس عليك لما تذكرت تراب الوطن كما هي تذكرته، وطلبت من ابنتي الناجحة للصف الثاني الابتدائي أن تثبت للرفيق ادعائي.
فتكلمت بهدوئها وخجلها المعهودين وباللهجة العراقية الدارجة فقالت: عمو الصبح واحنا كاعدين نفطر فكرت اشلون راح انعوف بيتنا وأرضنا وبلدنا، فكمت وجبت كيس نايلون صغير وخليت بيه تراب من كاع حديقتنا حتي إذا رحت إلي إيران أضل أبوس بيه، وبعدين كلت لأبويه كام يبوس بيه ويبجي.
ما ان انتهت ابنتي من حديثها حتي أظهر جلاوزة النظام تأثرهم الواضح أو لعله وكما يقال دموع تماسيح.
ثم عاد هذا الرفيق مسؤول الحزب إلي مكانه، وقال بالحرف الواحد: والله يا أخي، هذي أوامر، وكلش زين نعرفك، عراقي ومواطن شريف لاكن منكدر إنكول: لا، وأنت تعرف قصدي.
فأجبته: لو كنت مكانك لقلت: لا وألف لا، لو كل شريف يقول للخطأ: لا لما استمر الظلم.
… اقتربت الساعة من السابعة والربع مساءً حيث رن جرس التلفون، فردّ عليه الضابط ولم نسمع سوي: نعم سيدي جاهزين وخمس دقائق يكونون عندكم.
بعد انتهاء المكالمة طلب منا الضابط النزول والتوجه إلي سيارة كانت معدة لنا خارج الدائرة، صعدنا وكان لفيف من الأهل والأقارب والأصدقاء ينتظروننا للتوديع من بعيد، نقلنا إلي دائرة أخري قريبة من مديرية الجنسية ودخلنا إلي غرفة كانت تنتظرنا فيها لجنة حزبية وضابط شرطة برتبة كبيرة، وضابطان عسكريان وامرأتان، جلست بعد أداء السلام، ومن معي بقي واقفاً لضيق المكان، وضعوا أمامي ورقة طلبوا وضع بصمة إبهامي عليها، ففعلت دون أن أقرأها، أخرج أحدهم أوراقاً نقدية من حقيبته وطلب مني استلامها، وقال: هذه هدية الحزب والثورة!! فرفضت استلامها، وقلت له: ما هي المناسبة التي يوزع الحزب فيها هداياه؟
فقال: يا أخي خذها أرجوك؛ لأنك ستذهب إلي مكان غريب لا تعرف عنه شيئاً، وعندك عائلة كبيرة!!.
فأجبته: إذا كنت حقاً تؤكد بأنه بلد غريب فلماذا تقتلعوننا من بلدنا وترسلوننا إليه؟ هل قدمنا لكم طلباً بذلك؟
فأجاب كبيرهم: يا أخي متعرف ما نكدر نخالف الأوامر فأرجوك أن تأخذ هذا المبلغ البسيط.
فسألته: كم هو المبلغ؟
فأجاب: بما أن عائلتك كبيرة وعددهم (11 شخصاً) فقد قررنا إعطائكم (500 دينار).
فقلت له: حسناً لقد استلمت المبلغ لأنني وقعت وصل الاستلام، فأرجو استلام المبلغ مني واعتباره تبرعاً من عائلتي لمنظمة التحرير الفلسطينية، ثم استدركت قائلاً: أو لأية جبهة أو منظمة فلسطينية ترتئونها؛ لأن علاقة العراق حينذاك لم تكن ودية مع منظمة التحرير.
وهنا ثارت ثائرة الرفيق المسؤول فقال بغضب: أخي شنو هذا الكلام؟
فقلت له: نحن المهجرين وإخواننا الفلسطينيين وجهان لعملة واحدة، الفلسطينيون هجرتهم العصابات الصهيونية ونحن هجرنا من قبلكم، ولا أقبل هذا المبلغ البسيط بدل قيمة أرض آبائي وأجدادي؛ فليس للأرض والوطن ثمن غير دم الإنسان، ولا تحلو لي جنان الدنيا كلها مثل ما يحلو لي ذلك القبر المظلم المدروس في ثنية من ثنايا أرض وطني الحبيب، عندها خيّم علي الجميع السكون ثم أطرقوا برؤوسهم، أما المرأتان فكان نحيبهما مسموعاً، اقترح الرجل المسؤول أن أقبل المبلغ وأتبرع فيه إلي المنظمة في طهران، وبعد أخذ ورد قبلت المبلغ.
وبعد ذلك أخذونا بعد أن احتجزوا أخي عندهم وفرقوه عنا؛ لأن أخي يبلغ من العمر عشرون عاماً، وقالوا: حسب الأوامر إنه لن يهجر معكم بل يحتجز. ولما سمع أولادي ذلك ولشدة تعلقهم به أجهشوا بالبكاء.
خرجنا من هذه الدائرة حيث نقلونا إلي أحد مراكز الشرطة وهنا أحسست بتوتر شديد ومرارة كبيرة ملأت نفوسنا، وبعد مرور ساعات قضاها الأولاد نوماً علي أرض ممر مركز الشرطة والكبار سكنت شفاههم عن الحركة، وكل منا ينظر إلي وجه الآخر ولسان حالنا يقول: قاتل الله الظلم هل نحن في حلم؟ هل حقيقة أننا نفترش الأرض وعندنا الكثير من البيوت؟ فلماذا نعامل هكذا ونحن العائلة العريقة المعروفة بكل فضيلة؟ لماذا يصل الحقد بالحاكم الجائر لهذه الدرجة؟
صارت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وأخبرونا بأن السيارة جاهزة لنقلكم إلي الحدود الإيرانية، وكانت من النوع الذي يخصص لنقل المجرمين ذات الحاجز المشبك من الداخل، حيث يفصل المجرم عن طاقم الحرس المأمورين، وهنا جن جنون زوجتي والتي كانت في الأيام الأخيرة لوضع مولودها، فصرخت وبعصبية قائلة: ألا تخجلوا من أنفسكم لتنقلونا بمثل هذه السيارة هل نحن مجرمين؟
لم تجد إجابة لسؤالها شافية.
اخترقت السيارة شوارع مدينتنا ونحن نمر من أمام بيوت أهلنا وأصدقائنا، نودعهم وهم نيام لا يعرفون بأن هناك عائلة لها جذورها في هذه الأرض قد اقتلعت، وهي محمولة في سيارة حقيرة لقذفها خارج حدود الوطن.
وبعد مسيرة طويلة استغرقت أربع ساعات ونصف وصلنا المخفر الحدودي، لم يدم بقاؤنا عند المخفر أكثر من ربع ساعة حيث ودعنا آخر قطعة أرض من الوطن ونحن نحمل ذكريات اللوعة والحزن علي فعل بنا هذا النظام الذي ابتلي به العراق. وكانت المسافة بين المخفر الحدودي والخط الدولي الفاصل (500متر) تقريباً، جلسنا عند شاخصة إسمنتية كتب علي وجه منها العراق وعلي الوجه الآخر إيران، ونحن لا نعرف هل نحن ولدنا في الهواء؟!
طلعت علينا شمس تموز من خلف جبال إيران لتشهد المأساة، مأساة أم حامل في أيامها الأخيرة وأطفال أبرياء بعمر الزهور قد ضاق بهم هذا الكوكب الواسع، مرت ساعة وساعتان وثلاث حتي انتصف النهار، ولا أحد من شرطة الحدود الإيرانيين يأتي لنقلنا، واشتدت حرارة الشمس ولم يكن في المكان شجرة أو شيئاً نستظل به، جمعت الأم أولادها الصغار وكان أكبرهم يبلغ من العمر (13 عاماً) جمعتهم تحت عبائتها وبدأت تقص لهم قصصاً قصيرة وهي يائسة خائرة القوي، عسي أن تنسيهم وتبعد عنهم الخوف من المصير المجهول الذي ينتظرهم، طلبت ابنتي الصغيرة قليلاً من الماء، فعندما أردت سكب الماء لها فوجئت بنفاده، حيث كان معنا قربة صغيرة فيها قليل من الماء نزل منها ما يكفي لتبليل الشفاه فقط، عندها رفضت الصغيرة وبإصرار علي أن لا تشربه، فسألتها لماذا؟ فأجابتني: إذا شربت الماء فماذا يبقي لإخواني الصغار إذا عطشوا. لقد أثر هذا الموقف بنفسي كثيراً وأحسست بأن الموت قادم لنا جميعاً.
عندها أخذت اثنين من بناتي الصغيرات واتجهت بهم صوب مخفرنا سابقاً أي: المخفر الحدودي العراقي وأنا ألوّح بقطعة قماش كنت أقي بها طفلتي من حرارة الشمس، ألوّح بها لأفراد المخفر؛ عسي أن يقدموا نحونا لإسعافنا بقليل من الماء، تابعنا نحن الثلاثة مسيرنا نحوهم ونحن منهكي القوي، وأخذ العطش والتعب والخوف من المجهول منا مأخذه، حتي شاهدنا ثلاثة عسكريين يتقدمون نحونا، فالتقينا قريباً من المخفر وكان أحدهم ضابط المخفر والاثنان في حراسته، سألني الضابط وكان الحرج واضحاً عليه: لماذا وكيف دخلت الأراضي العراقية؟ لدينا أوامر من الرئيس صدام بأن نطلق النار عليك وعلي بناتك ونقتلكم؟ يقصد تنفيذ التأكيد الوارد في البرقية السرية لوزير الداخلية، والموجهة إلي الأجهزة الأمنية بخصوص عملية تهجير المواطنين المرقمة (2884 في 10/4/1988) حيث جاء في ذيل هذه البرقية: (نؤكد أمرنا في فتح النار علي من يحاول العودة إلي الأراضي العراقية من المهجرين).
صرخت الطفلتان وطوقتاني بأذرعهما مذعورتين ثم تركتني إحداهما وأمسكت بالضابط متوسلة وهي تصرخ: لا، لا تقتلنا نحن عراقيون. ثم تابع الضابط كلامه فقال: أنا الآن مراقب ومسؤول لعدم تنفيذ أمر إطلاق النار عليكم. فأجبته: إن العطش سيقتل أولادي. فقال: هم سبعة ليمت منهم اثنان، أمس كانت عائلة مات منهم رجل مسن وطفل رضيع دفنهم أهلهم هناك!!
قال ذلك وكأنه يتحدث عن نعاج نفقت، قلت له: ألا تتحمل المسؤولية من أجل أبنائي؟
قال: لا.
قلت: لو كنت مكانك لضحيت بأبنائي السبعة من أجل إنقاذ طفل من أطفالك، وأتحدي كل قوانين الظلم من أجل موقف إنساني، فطلب من الطفلتين السير خلفهم بعد أن طالبني بالرجوع حيث تجلس عائلتي، فزودوا الطفلتان بالماء وعندما عادتا قالتا لي: إن الجنود قالوا لهما: إذا بقيتم علي الحدود إلي الليل تعالوا لنا خلسة كي نزودكم بالغذاء والماء، وكونوا حذرين أن لا يراكم ضابط المخفر. عادت الطفلتان تحملان الماء، فشرب الجميع دون تبذير.
طال انتظارنا وخيم اليأس علي نفوسنا ونحن بانتظار حدوث المعجزة.
وبعد يأس كبير قررت أن أسير داخل الأراضي الإيرانية واستمر بالسير مهما طال الطريق؛ عسي أن اصل إلي قرية أو جماعة أو مخفر، سرت وبصعوبة بالغة، فقد أخذ الأمر مني مأخذه، وبعد أن قطعت مسافة طويلة استغرقت ساعة ونصف وإذا بأربعة شباب ينزلون وبسرعة فائقة من قمة جبل متوسط الارتفاع متجهين نحوي يحملون البنادق الرشاشة، وفهمت منهم أن اقف وأرفع يدي ففعلت، وقاموا بتفتيشي وبعد التأكد سألوني وأفهمتم بأني لا أعرف ما يقولون ولحسن الحظ كان من بينهم جندياً يعرف اللغة العربية من عبادان فترجم لهم أقوالي، بعدها اتصلوا بجهاز اللاسلكي وطلبوا علي الفور سيارة تنقلنا إلي إيران.

لا تتكلموا، هذه أوامر صدام!

وهذه قصة أخري يرويها أحد المهجرين من الذين عانوا من جريمة التهجير وذاقوا ظلم ومرارة نظام العفالقة، فيقول:
بدون سابق إنذار فوجئنا بمسلحين يطرقون باب بيتنا، ووقتها كنت وأمي واخوتي الثلاثة وأختي الصغيرة جالسين نتناول طعام الغداء، ففزعنا جميعاً من شدة الطرق علي الباب، وأسرعت لفتح الباب، فاقتحم رجال مسلحون الدار دون استئذان، وهددوا الجميع بعدم القيام بأية حركة، ثم أخبرونا بضرورة الإسراع وتهيئة أنفسنا للذهاب معهم إلي مركز الشرطة، حيث سيتم تهجيرنا إلي إيران، صعقنا جميعاً لهذا الخبر، وأخبرناهم بأننا عراقيون ولدينا كافة المستمسكات العراقية، وقد ولدنا وآباؤنا وأجدادنا في العراق، وليس لنا أي وثائق تربطنا بإيران، ولا نعرف عنها شيئاً لا من قريب ولا من بعيد، فلماذا تفعلون بأبناء الوطن هكذا؟!
فأجابونا بعصبية: لا تتكلموا؛ هذه أوامر الرئيس صدام.
اقتادونا بسيارتهم دون أن يسمحوا لنا بجلب أي شيء معنا، حتي وجبة الغداء بقيت علي الأرض دون أن نكملها، أخذونا إلي سجن رقم واحد السيئ الصيت، وفيه شاهدنا عشرات العوائل جلبوها لنفس الغرض، بقينا عدة ساعات حتي جاء دورنا للتحقيق ولم يستغرق التحقيق الصوري أكثر من (15 دقيقة) حيث أخذوا منا جميع المستمسكات العراقية، وبعدها نقلونا نحن الأخوة الشباب الثلاثة إلي غرفة خاصة وعزلونا عن والدتي وأختي الصغيرة، وقالوا لأمي: سوف تذهبين إلي إيران وابنتك فقط وأما أولادكم سيتم حجزهم؛ لأن هذه أوامر الحكومة.
فلما سمعت أمي هذا الكلام صرخت ثلاث مرات: لا لا لا، وأغمي عليها، افترقنا ولم نعرف عنهم شيئاً، حيث تم اقتيادنا إلي مركز شرطة في منطقة البتاوبين في بغداد وحجزنا فيه مدة (20يوماً) ثم نقلنا إلي سجن أبو غريب الرهيب، تصوروا ثلاثة اخوة يفرقونهم عن أمهم وأختهم ويدخلونهم السجن دون أي ذنب أو جرم!!. دخلنا سجن (صدام) ورأينا جميع غرف السجن الرهيب مليئة بشباب مثلنا وكان عددهم يزيد علي (80 شخصاً)، وهؤلاء كلهم هجرت السلطة عوائلهم.
ما أن مرّ علي بقائنا في السجن (8 أيام) حتي حدثت انتفاضة (5/5/1980) والتي قام بها الشباب العراقي المؤمن ليعلنوا غضبهم بوجه الجلاد، ولقد أضاف هذا اليوم رقماً جديداً في سجل بطولات الشعب العراقي المعروفة، تحطم كل شيء في هذا السجن وأبوابه الحديدية الداخلية القوية لم تصمد أمام عزيمتنا لأكثر من (10 دقائق) فقط أصبح السجن كالبحر تتلاطم فيه الأمواج، وارتبك الحرس وهربوا إلي السطح وبعد مدة قليلة وإذا بالمروحيات تنزل قواتاً من الحرس الجمهوري وبدءوا بإطلاق الرصاص وبشكل عشوائي علينا، وأخذوا ينادوننا بمكبرات الصوت ويدعونا إلي الهدوء وتعهدوا لنا وباسم الطاغية صدام بأنه سيتم إخلاء سبيلنا، وفعلاً وبعد الانتفاضة بيومين تم نقلنا جميعاً وعلي شكل وجبات إلي الحدود الإيرانية، أما الذين هيئوا للانتفاضة فقد تم عزلهم ولايعرف أحد عن مصيرهم شيئاً.

لن نرضي بغير العراق وطناً

وهذه قصة أخري يرويها أحد الأشخاص كان يعمل موظفاً في مديرية التأمين علي الحياة ولم يسعفه عمله في التأمين علي حياته حيث يذكر طريقة تهجيره فيقول: عند الساعة العاشرة والنصف من صباح يوم (19/نيسان/1980) وبينما كنت منهمكا بإنجاز بعض المعاملات التأمين علي الحياة!! اتصلت بي والدتي تلفونياً وهي خائرة القوي، وطلبت مني الحضور وبسرعة إلي البيت؛ لان مجموعة من المسلحين دخلوا عليها وأخبروها بضرورة الذهاب معهم إلي مركز الشرطة لتهجيرها ومن معها إلي إيران.
خرجت من الدائرة بعد أن طلبت إجازة زمنية!! ولما وصلت إلي البيت وجدت أربعة أشخاص بيد كل منهم مسدساً، وكانوا في حالة تأهب وكأنهم دخلوا ليحتلوا موقعاً عسكرياً أو داراً للإذاعة، سلمت عليهم فرد علي أحدهم بعبارات نابية، وطلبوا مني الإسراع للذهاب معهم، فرجوتهم أن يعطوني فرصة كي أتصل بأختي الموظفة في وزارة الزراعة زراعة بلد تطرد منه وأختي الصغيرة في المدرسة وأخي في الصف الثاني المتوسط وولدي في الصف الأول الابتدائي؛ إذ لا يمكن أن نذهب بدونهم، وأخيراً تمكنت بعد عناء شديد من إقناعهم، ولما حضر الجميع صعدنا إلي السيارة المعدة لنا دون أن يسمحوا لنا بحمل أي شيء معنا، سوي جوازات سفرنا وهويات الأحوال المدنية ووثيقة إنهاء الخدمة العسكرية ومستمسكات ثبوتية أخري من أجل سحبها منا وهم ومع كل هذه المستمسكات والأوراق الثبوتية يعتبروننا غير عراقيين حسب ضوابط نظام الطاغية وفعلاً سحبت جميعها من قبلهم، وبعد ساعة واحدة من التحقيق السريع تم نقلنا وثلاث عوائل أخري بواسطة إحدي السيارات إلي مخفر حدودي حيث تم تسليمنا لهم، وبعد التأكد من الأسماء الواردة في كتاب الإبعاد وضعونا علي خط الحدود الفاصل بين العراق وإيران حتي جاءت سيارة تابعة إلي شرطة الحدود الإيرانية ونقلونا بها إلي مركزهم، ومن ثم وضعونا في مخيم محافظة خرم آباد.
نعم، هكذا وببساطة ودون رفة جفن واحدة هجرنا من بلدنا الذي ولدنا فيه نحن آباءنا وأجدادنا، وفرقوا أختي عن خطيبها، وزوجتي عن أمها وأبيها، وصادروا كل ما عندنا حتي بيتنا الذي أكملنا بناءه قبل التهجير بستة اشهر والذي كلفنا جهد العمر.
لقد تم تهجيرنا بهذه الصورة اللاإنسانية رغم كل ما نحمله من مستمسكات ثبوتية عراقية ورغم ولاداتنا المضاعفة حيث ولادة جدي في العراق عام (1881م) وولادة أبي عام (1915م) وولادتي وولادة أبنائي جميعاً ولا نعرف وطناً غير العراق، ولن نرضي بغير العراق وطناً لنا مهما طال الزمن ومهما طال عمر الظالم.

تهجير التجار غيلة

أما قضية تهجير التجار الجماعية فكما يرويها أحد التجار فيقول:
قامت غرف التجارة في بغداد وبقية المحافظات بتوجيه دعوة رسمية تم بها استدعاء كبار تجار الشيعة لاجتماع عاجل، بحجة التباحث والتداول والتشاور في بعض الأمور الاقتصادية بهدف حل أزمة المواد المعيشية التي استعصت علي الدولة.
وهكذا ما أن وصل التجار إلي أمكنة الاجتماعات المزعومة، أصيبوا بالذهول لهول الصدمة؛ إذ تم اعتقالهم فوراً والاستيلاء علي سياراتهم التي قدموا بها، وإذا بهم بعد دقائق داخل قفص محكم الطوق من قبل أزلام الطاغية من أفراد الأمن والاستخبارات وغيرهم. وانهم وقعوا في مكيدة خبيثة خسيسة نصبها لهم الطاغية.
وقبل أن يفيقوا من صدمتهم اقتيدوا بسيارات أعدت لهم خصيصاً إلي مديريات أمن المحافظات وسط إجراءات إرهابية، حيث أفرغت جيوبهم من كل محتوياتها، كالنقود والأوراق الخاصة والأوراق الثبوتية والصكوك والمفاتيح ودفاتر الهاتف، وأجري لكل منهم تحقيقاً سريعاً حيث أخذوا منهم المعلومات مثل: الاسم، العنوان، الرصيد في البنك، الأموال المنقولة وغير المنقولة، المحلات والتجار الذين يتعاملون معهم، عدد الأبناء والاخوة وعناوينهم وعناوين الأقارب حتي الدرجة الرابعة، وبعد الانتهاء من كل هذه الإجراءات الإرهابية سيقوا جماعات جماعات، وتحت حراسة مشددة إلي الحدود، فرموا بالعراء وأمروا بالسير نحو الأراضي الإيرانية، بعدما أبلغوهم بأنهم غير مرغوب في وجودهم في البلد؛ لأنهم حسب زعم الطغاة عجم!!! ويجب أن يعودوا إلي بلادهم، وأنذروهم بأن أي شخص يحاول العودة إلي الوطن، أو يتردد في الحركة إلي إيران فإن النار ستطلق عليه بدون إنذار.
وهكذا تمت مرحلة من مراحل جريمة التهجير المقترنة بكوابيس الإرهاب والرعب للمسلمين العراقيين من شيعة أهل البيت عليهم السلام، حيث جري بها تشريد شعب كامل وتغيير بنيته السكانية ضمن مخطط شرير تكمن في أساسه عقدة الخوف من الشعب ذاته.

تهجير آلاف العوائل

وبعد مدة قصيرة جداً من ترحيل التجار، ودون سابق إنذار وطوال أيام مريرة واجهت آلاف الأسر العراقية البريئة محنة التهجير القسرية، جريمة جناها الطغاة ترسيخاً لسياسة الإرهاب والتمييز القومي والطائفي، حيث تمت مداهمة بيوت الآمنين من قبل قوات الأمن والشرطة ومرتزقة الجيش الشعبي والأجهزة القمعية الأخري، روعت النساء والأطفال وأهانت الأمهات والآباء الذين انتزعوا من أسرتهم وأخرجوا من بيوتهم بالقوة والإكراه بما عليهم من ملابس، بعد أن جردوا من كل ممتلكاتهم ومقتنياتهم كالنقود والمصوغات، وتم الاستيلاء علي أملاكهم من العقارات والأراضي والبساتين بحجة أنها غنائم، ومنعوا من سحب الأموال من المصارف، كما منعوا من إعطاء وكالات لبعض من لعله يقبل أن ينوب عنهم في سبيل تصفية أمورهم المادية، وحرم عليهم أخذ أي زاد أو متاع أو اصطحاب أبسط حاجياتهم، وحذروا بأن كل من يخفي في ملابسه مالاً أو ذهباً سوف يقتل بتهمة سرقة أموال الدولة!.
وبعد ذلك تم عزل الأبناء والاخوة من الشبان الذين تتراوح أعمارهم ما بين (16 28) سنة واحتجازهم، ثم حشرت الأسر المنكوبة من رجال ونساء وأطفال بسيارات شحن، انطلقت بهم إلي الحدود في ساعات الفجر الأولي، وتركوا في البرد والعراء تحت طائلة التهديد بإطلاق النار عليهم حتي الموت إن تلكؤا في المسير، أو حاولوا العودة إلي وطنهم، وأجبروا علي السير علي الأقدام باتجاه إيران، وأمروا أن يعبروا الخط الفاصل بين الدولتين، عبر مناطق جبلية وعرة غير مأهولة، في طقس قاس وسط الثلوج وفي ظروف صعبة، وهم في أشد حالات التعب والإرهاق والخوف.

أكراد العراق

يتوزع الأكراد فيما بين العراق وإيران وتركيا وسوريا ومناطق أخري من العالم، ويبلغ تعدادهم حسب بعض الإحصاءات (25 مليون نسمة) تقريباً موزعين بين هذه البلدان، وأكراد العراق وأسوة بإخوانهم من أفراد الشعب العراقي المظلوم عانوا ما عانوا من النظام الحاكم في العراق.
فجرائم النظام الحاكم بحق الأخوة الأكراد العراقيين هي مما لايمكن حصره بهذه الكلمات القليلة؛ وقد شاطروا إخوانهم الشيعة بما وقع عليهم من الظلم والاضطهاد بكافة أشكاله، فقد ارتكب النظام أبشع الجرائم وأشد أنواع الاضطهاد العنصري البغيض ضدهم؛ فإضافة للسجن والتعذيب والتهجير مورس بحقهم ما يعرف بحملات التعريب، حيث قام جلاوزة السلطة الحاكمة وبأوامر من رأس النظام بتهجير الأكراد من مدنهم وقراهم إلي مدن وقري في جنوب ووسط العراق، وإسكان العرب مكانهم بعد تقديم إغراءات كبيرة لهم، وعند إسكانهم في مناطق العرب تم وضعهم في ظروف معيشية مهينة مجبرين علي امتهان أدني الأعمال في سبيل سد رمق أطفالهم وعيالهم، كما كان يقوم أفراد الحزب الحاكم بالضغط علي الأكراد في سبيل تغيير قوميتهم وإغرائهم بالانتساب إلي القومية العربية، كما قام النظام الحاكم بإصدار الأوامر لجيشه بحرق قري كردية بأكملها وأبادتها عن بكرة أبيها، لمجرد إظهار أي نوع من أنواع المعارضة للنظام أو الاحتجاج علي أساليبه، وهذا كله مخطط له ومنسق مع أسياد النظام من الاستعمار الذين أتوا به ليحكم العراق.

جريمة حلبجة

لعل من أبشع الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب الكردي هي جريمة ضرب مدينة حلبجة الكردية بالأسلحة الكيماوية، حيث قام النظام بجريمته هذه قبل نهاية الحرب التي شنها نظام العفالقة علي إيران، وذلك عندما أشيع للنظام بأن القوات الإيرانية ستدخل مدينة حلبجة بمعونة الأكراد عندها أصدر صدام أوامره بضرب المدينة الآمنة بالأسلحة الكيماوية والغازات السامة، فقتل ما لا يقل عن (5000) مواطن كردي أعزل من السلاح، بينهم مئات الأطفال والشيوخ والنساء الذين لا ذنب لهم، وتعتبر هذه الجريمة من سلسلة الجرائم التي ارتكبت بحق أبناء هذا الشعب بعربه وأكراده وسائر قومياته ().
كما تبعتها سلسلة من الجرائم الخطيرة ضد الأكراد، تمثلت في هدم عدة قري كردية ومسحها عن وجه الأرض بحجة أنها تقع علي الحدود مع إيران، وقام نظام صدام بقتل الآلاف من الأكراد في عمليات تعرف بالأنفال سيئة الصيت، هذا فضلا عن استمرار سياسة التطهير العرقي بحق الأكراد الساكنين في المدن الكردية، وبخاصة من مدينة كركوك عبر اتباع نهج عنصري إجرامي في سبيل تغيير قومية الأكراد().

قصص من مأساة حلبجة

قصص من مأساة حلبجة

روي أحد الناجين من هذه الجريمة قائلاً:
لقد غض المجتمع الدولي الطرف عما جري في حلبجة؛ لأن صدام كان آنذاك يحارب إيران، ولكنه اليوم وبعدما أدي ونفذ ما طلب منه من قبل أسياده الإنكليز والأميركيين والصهاينة نراهم اليوم يستغلون معاناة الناس في هذه المدينة ويتاجرون بمآسيهم في سبيل تأليب الرأي العام ضد نظام صدام.
ويضيف الراوي: لقد نجوت من القصف بالغاز بأعجوبة فعندما هاجمت الطائرات العراقية المدينة وذلك في يوم (16 آذار 1988م) وقد كانت مدينة حلبجة تزخر بالحياة والحركة، أتذكر هدير الطائرات التي ألقت قنابل الموت، والقصف الذي نفذ آنذاك أسفر عن مقتل ما لا يقل عن خمسة آلاف مدني علي الفور، غالبيتهم من الأطفال والنساء. ودفن عدد كبير منهم في مقابر جماعية حول التلال المطلة علي المدينة بالقرب من الحدود العراقية الإيرانية.
ويقول: رأيت مشاهد لن أنساها طوال العمر، فقد بدأ القصف بصوت قوي غريب لا يشبه بشيء انفجار القنابل، ثم دخل أحدهم إلي منزلنا صارخا: الغاز، الغاز، وقد صعدنا في السيارة علي عجل وأغلقنا نوافذها، واعتقد أن السيارة سارت علي الجثث الأبرياء، وكان بعض الأشخاص يتقيئون سائلا أخضر اللون وبشرتهم تميل إلي السواد وتصبح متورمة، في حين أن آخرين أصيبوا بهستيريا وراحوا يقهقهون قبل أن يسقطون من دون روح، ثم شممت رائحة تفاح وفقدت الوعي. وعندما استيقظت، كانت الجثث متناثرة حولي بالمئات().

رواية أخري للمأساة

وفي رواية أخري لما جري في حلبجة يقول الراوي:
في الساعات المتأخرة من صباح يوم (16 آذار 1988م)، ظهرت طوّافة تابعة لسلاح الجو العراقي فوق مدينة حلبجة، كانت الحرب الإيرانية – العراقية في سنتها الثامنة وكانت حلبجة علي مقربة من خطوط الجبهة. ويسكنها قرابة ثمانين ألف كردي تعوّدوا العيش علي مقربة من العنف في حياتهم اليومية، وكغيرها من معظم مناطق كردستان العراق، كانت حلبجة في ثورة دائمة ضد نظام صدّام، وكان سكانها من مؤيدي (البيشمرجا)، وهم المقاتلون الأكراد الذين كان يعني اسمهم: أولئك الذين يواجهون الموت.
وعند حوالي الساعة العاشرة، وربما أقرب إلي العاشرة والنصف، شوهدت طوّافة تابعة لسلاح الجو العراقي، غير أن الطوّافة لم تكن تهاجم، كان علي متنها رجال يأخذون صوراً، كان مع أحدهم آلة تصوير عادية وكان آخر يحمل ما كان يبدو أنها آلة تصوير فيديو، دنوا منا كثيراً، ثم ابتعدوا. كان المشهد غريبا؟!
بدأ القصف قبل الحادية عشرة بقليل، أطلق الجيش العراقي المتمركز علي الطريق التي تصل ببلدة سيد صديق، القذائف المدفعية علي حلبجة وبدأت القوة الجوية إلقاء ما كان يعتقد بأنه قنابل النابالم علي المدينة، وعلي الأخص علي المنطقة الشمالية، ركضنا إلي القبو، واختبأنا فيه.
انحسر الهجوم حوالي الثانية بعد الظهر، وصعدنا السلم بكل تأن باتجاه مطبخ البيت الذي كنا فيه لحمل الطعام إلي العائلة، وعند توقف القصف، تغيّر الصوت، لم يكن قوياً، كان أشبه بقطع معدنية تتساقط دون أن تنفجر، لم نعرف سبب هذا السكون.
جمعنا الطعام بسرعة لكن لاحظنا مجموعة من الروائح الغريبة أتت بها الريح إلي داخل المنزل، في البداية، كانت الرائحة كريهة مثل رائحة النفايات، ثم تحولت إلي رائحة طيبة، مثل التفاح المحلّي، ثم مثل البيض، ألقيت نظرة علي طير حجل داخل قفص في المنزل، كان الطائر يموت وقد استلقي جانباً، نظرت خارج النافذة: كان كل شئ هادئاً، لكن الحيوانات الخراف والماعز كانت تنفق، ركضت إلي القبو قلت للجميع: إن ثمة شيئا غير طبيعي.
تملّك الذعر الأفراد الموجودين في القبو، لقد هربوا إلي الطابق السفلي للنجاة من القصف، وكان من الصعب عليهم مغادرة الملجأ، كانت خيوط من النور تدخل إلي الطوابق السفلية من المنازل، لكن الظلام كان يعطي شعوراً غريباً بالراحة، لقد أردنا البقاء مختبئين حتي عندما بدأنا نشعر بالمرض، لقد شعرت بألم في عيني كغرز الإبر، دنت شقيقتي من وجهي وقالت: عيناك كثيرة الاحمرار، ثم بدأ الأطفال بالتقيؤ، واستمروا علي التقيؤ. لقد كانوا يشعرون بألم كبير ويبكون بشدة، كانوا يبكون طوال الوقت، وكانت أمي تبكي ثم بدأ المسنّون بالتقيؤ.
لقد ألقيت الأسلحة الكيماوية علي حلبجة من قبل السلاح الجوي العراقي، الذي أدرك إن أي ملجأ تحت الأرض سوف يصبح شبيهاً بغرفة غاز.
عرفنا أن في الجو مواد كيماوية، أصيبت أعيننا بالاحمرار، كما إن السوائل كانت تخرج من أعين البعض، لقد قررنا الركض. توجهت وأقاربي إلي الخارج بحذر شديد، وأتذكر أني رأيت بقرتنا مستلقية علي جانبها، كانت تتنفس بسرعة كبيرة، كما لو أنها كانت تركض، كانت الأوراق تتساقط من الأشجار مع أنه كان فصل الربيع، لقد مات طير الحجل، كانت هناك سحب من الدخان تصل إلي الأرض وكان الغاز أثقل من الهواء، وكان يدخل إلي الآبار وينزل فيها.
راقبت العائلة اتجاه الريح وقررّت الركض في الاتجاه المعاكس، كانت هناك صعوبة في الركض، لم يتمكن الأطفال من الركض؛ لأنهم كانوا يعانون من شدة المرض وكانوا منهوكي القوي من التقيؤ فحملناهم علي أذرعنا.
أما في المدينة، كانت العائلات الأخري تتخذ نفس القرارات، لقد قرر بعضهم التوجه مع عائلته إلي عناب، وهو مخيم في ضواحي حلبجة يضّم الأكراد الذين هجّروا عندما دمر الجيش العراقي قراهم، وعلي الطريق إلي عناب، بدأ العديد من النساء والأطفال يقضون نحبهم؛ فقد كانت السحب الكيماوية تغطي الأرض، كانت ثقيلة وكنا نراها. وكان الناس يموتون من حولنا، وعندما كان طفل ما يعجز عن السير، كانت الهستيريا تتملك أهله من الخوف، فيتركونه خلفهم. لقد ترك العديد من الأطفال علي الأرض، إلي جانب الطريق، وهكذا الحال بالنسبة للمسنين أيضاً، كانوا يركضون ثم يتوقّفون عن التنفس ويقضون.
كنا نريد الاغتسال أولاً وإيجاد ماء للشرب، وكنا نريد غسل وجوه الأطفال الذين كانوا يتقيئون وكانوا يبكون بشدة ويطالبون بالماء، وكانت هناك بودرة بيضاء علي الأرض، لم نكن نستطيع أن نقرر بالنسبة لشرب الماء أو عدمه، لكن بعض الأفراد شربوا من ماء البئر لشدة عطشهم.
أما القصف فقد كان متواصلا بشكل متقطع بينما طائرات السلاح الجوي تحلق بشكل دائري من فوق، كانت تظهر علي الناس عوارض مختلفة، لمس أحد الأشخاص البودرة، فبدأت تبرز علي جلده فقاقيع.
وصلت إلي المكان شاحنة يقودها أحد الجيران، لقد رمي الناس أنفسهم فيها، وشاهدنا أناساً ممددين متجمدين علي الأرض، كان هناك طفل رضيع علي الأرض بعيداً عن أمه، ظننت أنهما نائمان، لكن يبدو أن هذه الأخيرة رمته أرضاً ثم ماتت، وأظن أن الطفل حاول الزحف لكنه مات هو أيضاً، لقد بدا كأنهم جميعاً نيام.
وبينما كانت سحب الغاز تغطّي المدينة، كان الناس يشعرون بالمرض والضياع. أحد الأشخاص علق في قبوه مع عائلته؛ قال: إن أخاه بدأ يضحك بشكل هستيري ثم خلع ثيابه، وبعدها بقليل مات، مع حلول الليل، بدأ أطفال العائلة يصبحون أشد مرضاً لدرجة لم يعد بإمكانهم التحرك.
في منطقة مجاورة أخري، كان شاب في سن العشرين، قد هالته رائحة حلوة غريبة من الكبريت، وأدرك أن عليه إجلاء عائلته؛ كان هناك حوالي مائة وستين فرداً محشورين في القبو. قال: لقد رأيت سقوط القنبلة، كان ذلك علي مسافة ثلاثين متراً من المنزل أغلقت الباب المؤدي إلي القبو، سمعت أصوات صراخ وبكاء في القبو، وأصبح الناس يجدون صعوبة في التنفس، شوهد أحد الذين أصابهم الغاز وكان ثمة شئ يخرج من عينيه، كان شديد العطش ويطالب بالماء. أما الآخرون في الطابق السفلي من المنزل بدؤوا يشكون من الارتجاف.
ويقول: كان يوم السادس عشر من آذار يوم عقد قران أحد الشبان. وكانت كل الاستعدادات قد تمّت. كانت عروسه بين أول الذين قضوا في القبو، يتذكر عريسها أنها كانت تبكي بشدة، حاولت تهدئتها، قلت لها: إن الأمر هو مجرد قصف مدفعي، لكن رائحته غير الرائحة العادية للأسلحة، كانت ذكية وتعرف ما الذي يجري. لقد ماتت علي السلم، حاول والدها مساعدتها لكن كان قد فات الأوان.
وطال الموت بسرعة أناساً آخرين، حاولت امرأة إنقاذ ابنتها ذات العامين بإرضاعها معتقدة أن الطفلة لن تتنفس الغاز وهي ترضع، لقد رضعت مدة طويلة، وماتت أمها وهي ترضع، لكنها ظلت ترضع. وكان معظم الناس الموجودين في الطابق السفلي من المنزل قد فقدوا الوعي؛ العديد منهم قد مات.

قصة أخري

وهذه قصة أخري يرويها أحد الأخوة الأكراد يبين فيها واحدة من المآسي التي جرت عليهم من نظام الطاغية فيقول:
في الحقيقة عندما يتم الحديث عن جرائم النظام العراقي وانتهاكات حقوق الإنسان في العراق، لا يمكن الإحاطة بهذه الجرائم بكاملها، ولكني سأتحدث بشيء من التفصيل حول إحدي الجرائم، كوني عشت حياة عشرات الآلاف أثناء الترحيل، وأثناء استخدام السلاح الكيمياوي من قبل النظام الجائر ضد المدنيين الأكراد، وهي من الجرائم البشعة التي تعرض لها شعبنا الكردي، وهي من أبشع الصور في انتهاك حقوق الإنسان ارتكبت ضد شعب آمن لم يرتكب جرماً.
فاستخدام السلاح الكيماوي له وقع نفسي كبير علي الناس، ومجرد ذكر هذا السلاح أمامهم يثير فيهم الفزع والحزن العميق، فالتأثير كان كبيراً، وفعلاً في يوم (24/8/1988) أي بعد الإعلان الرسمي لنهاية الحرب بستة عشر يوماً جاءت الأخبار عن وجود نية لهجوم كاسح، السلاح الأول فيه هو السلاح الكيماوي.
إن الليالي من (24/8/1988 ولغاية 28/8/1988) كانت قمة خوف وفزع ومأساة الجماهير، وكانت ليلة (27/8/1988) من أحرج الليالي، وكان العبور محدد بمناطق لايمكن العبور من غيرها، وهي مناطق محفوفة بالمخاطر، فالطريق الذي كان يعبرون منه لم يكن مستوياً، وقد عبر من واحدة من هذه المناطق أكثر من (13 ألف) كردي، ولم يستطع كل المتواجدين في تلك المنطقة أن يعبروا، لأن الوقت لم يسعهم فكان عليهم أن يتراجعوا وعوائلهم المتعبة الخائرة القوي مع المرضي وحيواناتهم وكل ما يملكون، فاضطروا في اليوم التالي إلي التسليم لقوات الحكومة التي كانت تحاصرهم في يوم (28/8/1988).
والحديث عن المأساة التي حصلت في منطقة كَلي بازي، وكَلي بازي هي قرية في البرواري، للذين لم يستطيعوا العبور إلي مناطق أكثر أمناً، حيث تم حصارهم وبعدما رفضوا الاستسلام لقوات النظام تم قتلهم جميعاً، وفي قرية أخري قتل (48) رجلاً بعد أن تمت محاصرتهم ولم يسلموا أنفسهم، وفي قرية زيوه، القريبة من بامرني أيضاً تمت محاصرتها والكثير من سكانها الآن في عداد المفقودين لايعرف عنهم شيء حتي بلغ عددهم المئات ولا يعرف لهم مصير، وبهذه الطريقة صفي هؤلاء الناس.
الممارسة الأخري التي هي بشعة أيضاً: تعامل أجهزة السلطة مع ممتلكات الناس، فقد كانوا يحرقون كل شيء يجدونه في طريقهم، البيوت بكاملها وصولاً للإنسان نفسه.
هذا بعض معاناة الأكراد في العراق، أما من اضطر وهرب إلي تركيا فهناك المعاناة لاتقل مرارة، فواحدة من مناطق المجمعات مجمع ماردين الذي يسمي بالمجمع الرهيب، وهو فعلاً مجمع رهيب وفي هذا المجمع يعيش مايزيد علي (16) ألف مواطن عراقي كردي في ظروف صعبة جداً، تتضمن أشكال من المعاناة والآلام، والتهديد بالتسليم للسلطات العراقية بالقوة، والمحاولات بجرهم لقرارات العفو المزعوم من قبل النظام، هذه القرارات التي يعرفها الجميع بأنها زائفة.

شيعة الأكراد

شيعة الأكراد

وهذه صورة من المعاناة التي كانت تعانيها طائفة أخري من طوائف الشعب العراقي، ألا وهي معاناة شيعة أهل البيت عليهم السلام من الأكراد، حيث تم اعتقالهم وسجنهم وتعذيبهم وتهجيرهم وقتلهم، فصار النظام يطاردهم لأنهم شيعة ولأنهم أكراد.
فطرد أكثر من (300000) مواطن كردي فيلي الشيعة إلي إيران وحجز أموالهم المنقولة وغير المنقولة وحجز نحو (10000) شاب كردي فيلي كرهائن، وذلك خلال سنوات (1970-1982). إلي غيرها من الإحصاءات المذكورة.
يروي أحدهم هذه المعاناة ويقول:
كثيرا ما يدور في خاطر المرء ويسجل ذكرياته عن الأيام الجميلة التي يقضيها ليحتفظ بها للأيام اللاحقة نموذجا، لكننا نحن الأكراد العراقيين لانملك من تلك الذكريات شيئا إلا الحزينة منها، لا بل الكارثية بعد أن ابتلينا بشرور وأعمال الأنظمة المتخلفة التي حكمتنا وتحكمنا منذ تشكيل الدولة العراقية. وخلال العقود الماضية واجهت شرائح المجتمع الكردي صنوفا من الاضطهاد، ومأساة تهجير الأكراد الفيليين هي إحدي أشكال الاضطهاد والتمييز العنصري، ودليل علي الترابط المصيري لمعاناة هذه الشريحة مع واقع معاناة الشعب الكردي في العراق عموما.
فعند الرجوع إلي الماضي القريب وتذكر جريمة التهجير والحملات الظالمة التي طالت الأكراد بعد أن اصدر ما يسمي بمجلس قيادة الثورة القرار (666 في 7/4/1980) والذي سبب إبعاد ما يزيد علي (400 ألف) كردي فيلي من ديارهم وسلب أموالهم.
فقد نكثت السلطات العراقية بوعودها كما هي العادة عندما زرعت بعض الأمل في نفوس آلاف البسطاء بإصدار القرار المرقم (180 في 3/2/1980) الصادر عن مجلس قيادة الثورة علي أساس أنه وبموجب القرار ستمنح شهادة الجنسية العراقية للأكراد الفيليين، لكنها وبدلا من تنفيذ ذلك القرار شرعت باعتقالهم وتسفيرهم إلي إيران، وقامت السلطات بالاستيلاء علي ما كانوا يمتلكونه من أموال وعقارات وأوراق ثبوتية تؤكد أصالة عراقيتهم.
ولا بأس بالإشارة إلي بعض ما كانت تعانيه هذه الشريحة من المجتمع العراقي كنموذج لبعض ما جري في تلك الليالي والأيام المشؤومة التي عاشها أبناء هذه الشريحة، وبما تحملوه من شتي أنواع الإهانات علي أيدي ازلام السلطة الحاكمة في بغداد.
فقد كان أحد الشباب طالباّ في السادس الأدبي، وقبل التسفير كان يأمل في نيل الشهادة في القانون، وكان أحد أعضاء فريق كرة القدم في منطقته، وبعد صدور قرار منح الجنسية بدأ العديد من الأكراد الفيليين بتقديم طلباتهم بحسن نية لنيل شهادة الجنسية العراقية، وكان والد هذا الشاب من ضمنهم وشعروا بسعادة غامرة لهذا الأمر، فقد قال ذات مرة: لقد انهينا المعاملة وطلبوا منا (18) صورة شخصية لكل فرد من العائلة، لكنه وبعد مرور أكثر من شهر بدا هذا الشاب حزينا وقال: يا ليتنا لم نقدم معاملتنا لهذه الشهادة اللعينة، ولم يكن أحد من زملائه وأعضاء الفريق يدركون مغزي حديثه، حتي جاءت الليلة الظلماء التي توقعها وسفّر هذا المسكين مع عائلته المتكونة من والده العليل ووالدته واخوته السبعة.
وبما انه كان أحد الأعضاء الأساسيين في الفريق الكروي للمحلة؛ لذا فانه كان يحتفظ بالكرة دائما في بيته، وبعد أيام من تسفيرهم جاءت لجنة من الحزبيين وسجلوا ما في بيتهم من أثاث ومحتويات لمصادرتها وكأنها غنيمة حرب، وكانت (كرة الفريق) من ضمنها، ولما تقدم أحد أعضاء الفريق بعفوية وطلب من اللجنة إعادة الكرة إلي بقية أعضاء الفريق ردّ أحدهم وبكل حقد قائلا: كيف تلعب بكرة وصاحبها إيراني؟!

قصة أخري

كان أحد الأشخاص يعمل قصابا وكان لديه ثلاثة أطفال، وفي إحدي الليالي قام رجال الأمن بقطع التيار الكهربائي عن الحي فأصبح الجميع في ظلام دامس فأغاروا علي بيت هذا المسكين ولم يمهلوهم كثيراً، بل قاموا بتسفيره فورا، ولما كان يعمل قصابا فقد أبقي في بيته عددا من الخراف للذبح، وبعد أن سفروهم جاءت لجنة المصادرة إلي بيته فكانت فيه أربعة خراف من ضمن الأشياء المصادرة، فقال أحد أعضاء اللجنة بخبث ساخراً: حتي لو تكون الأغنام إيرانية، فنحن لا نسفر الحيوانات بل نسفر أصحابها.
هذه هي بعض تصرفات الحزب الحاكم المتسلط علي رقاب شعبنا في العراق بجميع شرائحه عرباً وأكراداً وأقليات أخري، لكن غضب الله عزوجل علي هؤلاء الظالمين قريب جداً إن شاء الله تعالي، وسوف ينالون جزاءهم العادل، بإذن الله وقدرته، كما وعد في كتابه: ?وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ?().

من الأمويين إلي طغاة العراق

إن التاريخ يعيد نفسه عادةً، فبالأمس كان هناك جانب الشر والظلم والسجون والاستبداد والسيطرة، وتقييد الأيدي، وكم الأفواه، المتمثل في حكم الأمويين، الذين استحوذوا علي سدة الحكم في البلاد الإسلامية بالظلم والطغيان، أمثال معاوية بن أبي سفيان زعيمهم الذي مارس بحق من أبناء الإسلام ألواناً من الظلم والاضطهاد والتعذيب والقتل والتشريد، ولكن في مقابله برز رجال أحرار من رحم الأمة مجاهدين مناضلين ومضحّين بكل غالٍ ورخيص في سبيل إعلاء كلمة «لا إله إلا الله»، ولقد تمركزت تلك الثلة الخيرة من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام في أوساط العراقيين في الكوفة والبصرة وبعض المناطق الإسلامية الأخري.
فمارس والي معاوية علي الكوفة والبصرة آنذاك، وهو (زياد ابن أبيه) () بحقهم ألواناً من التعذيب والسبي والقتل، حتي كثرت العوائل التي تعرضت لظلمهم، وأصبحت تهدد مصير عرش الظالم معاوية بن أبي سفيان، فكتب زياد إلي معاوية يخبره بقرب مصيرهم الأسود، فجاءت الأوامر من البيت الأموي في الشام بتهجير عوائل الشهداء والمجاهدين من العراق إلي خراسان لكي يتخلص منهم بابتعادهم عن مصادر القرار، ولكن النتيجة جاءت عكسية، فازداد السخط علي نظام بني أمية وكثر المعارضون.
تلك كانت صورة الأمس، واليوم نلاحظ نفس الظلم السابق لا يتغير منه شيء، إن لم نقل بأنه أشد وأقوي.. فبالأمس كان الظلم يتمثل ببني أمية ومقره الشام، واليوم يتمثل بالنظام البعثي ومقره العراق.
ولكنهم اليوم نسوا أو تناسوا مصير معاوية الأسود، فبعد الحكم والسيطرة والبطش، وبعد تمتعه بالقصور الفاخرة والجواري العديدة، وما إلي ذلك من وسائل البذخ، كيف أصبح مصيره الآن؟.
فإذا ذكر معاوية ذكرت جميع الرذائل والصفات السيئة، أما إذا ذكر الجانب المقابل له، أي المعارض لحكم معاوية، من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام، وأصحابه من أمثال حجر بن عدي، وميثم التمار، ومالك الأشتر، وسلمان الفارسي، ومحمد بن أبي بكر (رضوان الله عليهم) وغيرهم كثيرون ذكرت معهم الصفات الحميدة التي كانوا يتمتعون بها، والذي استلهموها من سيد الوصيين وقائد الغر المحجلين، علي أمير المؤمنين عليه السلام، فهم أصبحوا مدرسة الخير والصلاح للأجيال يقتدي بها إلي يومنا هذا، فعلي طغاة العراق الاستفادة من هذا الدرس التاريخي، والاعتبار بمن كان قبلهم قبل فوات الوقت، إذا كانوا يملكون ذرة من الإنسانية، ولو أن هذا بعيد علي نظام مثل نظامهم، الذي اقترف ما اقترف من الآثام والمعاصي، التي سوّدت صفحاتهم، ولم تُبقِ لهم عودةً إلي الخير.
إذن، من اللازم علي كافة المسلمين في العالم أن يساندوا إخوانهم في العراق قولاً وفعلاً، وعلي العراقيين المجاهدين في داخل العراق وخارجه، وخصوصاً المهجّرين منهم، أن يعملوا يداً واحدة، ويديموا روافد الجهاد حتي إسقاط هذا النظام الجائر وذلك بعد نشر الوعي وذلك بعد نشر الوعي والثقافة بين صفوف الأمة.
«اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلي طاعتك، والقادة إلي سبيلك، وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة».

من هدي القرآن الحكيم

بث روح الأخوة:
قال تبارك وتعالي: ?وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَتَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَي شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ?().
وقال سبحانه: ?إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَيَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَي أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَي أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ?().
قال جل وعلا: ?وَإِلَي عَادٍ أَخَاهُمْ هوداً?().
قال سبحانه: ?وَإِلَي ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً?().
قال عزوجل: ?وَإِلَي مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً?().
قال الله تعالي: ?إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ? ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ ? وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَي سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ? لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ? نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ?().
الهجرة والتهجير
قال تعالي: ?وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلاَجْرُ الآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ? الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَي رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ?().
قال سبحانه: ?وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ? لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ?().
قال جل وعلا: ?وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَي اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَي اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً?().
قال عزوجل: ?لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ?().
حرمة الركون إلي الظالمين وإعانتهم
قال عزوجل: ?وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَي الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ?().
قال تعالي: ?وَلَوْ تَرَي إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَي بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلاَ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ?().
قال سبحانه: ?وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ?().
قال جل وعلا: ?قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ?().
الظالم والمظلوم
قال عزوجل: ?وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَي يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً?().
قال سبحانه: ?وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ?().
قال تعالي: ?لاَ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَ مَنْ ظُلِمَ?().
قال جل وعلا: ?وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً?().

من هدي السنة المطهرة

الهجرة والتهجير

قال رسول الله صلي الله عليه و اله: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وإن الهجرة تهدم ما كان قبلها …» ().
وقال صلي الله عليه و اله: «تهادوا تزدادوا حباً وهاجروا تورثوا أبنائكم مجداً …» ().
وقال صلي الله عليه و اله: «مَن فر بدينه من أرض إلي أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد صلوات الله عليهما وآلهما» ().
وفي قوله تعالي: ?يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ?() قال أبو عبد الله عليه السلام: «معناه إذا عصي الله في أرض أنت فيها فاخرج منها إلي غيرها» ().
وقال رسول الله صلي الله عليه و اله: «إذا أعسر أحدكم فليضرب في الأرض يبتغي من فضل الله ولا يَغُمَّ نفسه» ().
وقال رسول الله صلي الله عليه و اله: «سافروا تصحوا وجاهدوا تغنموا وحجوا تستغنوا» ().
وقال الإمام الصادق عليه السلام: «إن الله تبارك وتعالي ليحب الاغتراب في طلب الرزق» ().
وسئل رسول الله صلي الله عليه و اله: أي الهجرة أفضل؟ قال صلي الله عليه و اله: «من هجر السيئات» ().
وقال الإمام الصادق عليه السلام: «يقول أحدكم إني غريب إنما الغريب الذي يكون في بلاد الشرك» ().
وسئل أبو عبد الله عليه السلام: عن الكبائر؟ قال عليه السلام: «أكبر الكبائر الشرك وعقوق الوالدين والتعرّب بعد الهجرة …» ().
وقال الإمام الصادق عليه السلام: «ليس من المروءة أن يحدث الرجل بما يلقي في سفره من خير أو شر» ().
وقال الإمام الصادق عليه السلام: «قال رسول الله صلي الله عليه و اله: ألا أنبئكم بشر الناس؟ قالوا: بلي، يا رسول الله. قال: من سافر وحده، ومنع رفده، وضرب عبده» ().

جزاء الظالمين

قال رسول الله صلي الله عليه و اله: «يقول الله عزوجل أشتد غضبي علي من ظلم من لا يجد ناصراً غيري» ().
وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «من ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده» ().
وقال الإمام الصادق عليه السلام: «من ارتكب أحداً بظلم بعث الله عزوجل من يظلمه بمثله أو علي ولده أو علي عقبه من بعده» ().

بث روح الأخوة

قال رسول الله صلي الله عليه و اله: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً إن يكُ ظالماً فأردده عن ظلمه وان يكُ مظلوماً فانصره» ().
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: «إنما أنتم إخوان علي دين الله، ما فرق بينكم إلا خبث السرائر، وسوء الضمائر فلا توازرون ولا تناصحون ولا تباذلون ولا توادون» ().
وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «أيها الناس، من عرف من أخيه وثيقة دين وسداد طريق، فلا يسمعن فيه أقاويل الرجال، أما إنه قد يرمي الرامي، وتخطيء السهام ويحيل() الكلام» ().
وعن أبان بن تغلب قال: كنت أطوف مع أبي عبد الله عليه السلام فعرض لي رجل من أصحابنا كان سألني الذهاب معه في حاجة فأشار إلي، فكرهت أن أدع أبا عبد الله عليه السلام وأذهب إليه، فبينا أنا أطوف إذ أشار إليّ أيضاً فرآه أبو عبد الله عليه السلام فقال: «يا أبان إياك يريد هذا؟» قلت: نعم إلي أن قال قال: «فاذهب إليه» قلت: فاقطع الطواف؟ قال: «نعم» قلت: وإن كان طواف الفريضة، قال: «نعم» قال: فذهبت معه … ().

جزاء إعانة الظالمين

قال رسول الله صلي الله عليه و اله: «إذا كان يوم القيامة نادي منادٍ أين الظلمة وأعوانهم، من لاق لهم دواة، أو ربط لهم كيساً، أو مد لهم مدة قلم، فاحشروهم معهم» ().
وقال أبو جعفر عليه السلام في حديث: « … فاذا ظهر إمام عدل فمن رضي بحكمه وأعانه علي عدله فهو وليه، وإذا ظهر إمام جور فمن رضي بحكمه وأعانه علي جوره فهو وليه» ().
وقال أبو عبد الله عليه السلام: «قال عيسي بن مريم لبني إسرائيل: لا تعينوا الظالم علي ظلمه فيبطل فضلكم» ().
وقال عليه السلام: «من أعان ظالماً علي مظلوم لم يزل الله عزوجل عليه ساخطاً حتي ينزع عن معونته» ().

الظالم والمظلوم

قال أمير المؤمنين عليه السلام: «يوم المظلوم علي الظالم أشد من يوم الظالم علي المظلوم» ().
وقال أبو عبد الله عليه السلام: «من عذر ظالماً بظلمه سلط الله تعالي عليه من يظلمه، فإن دعا لم يستجب له ولم يأجره الله علي ظلامته» ().
وعن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه ? قال: «ما يأخذ المظلوم من دين الظالم أكثر مما يأخذ الظالم من دنيا المظلوم» ().
قم المقدسة
محمد الشيرازي
رجوع إلي القائمة

پي نوشتها

() انظر تاريخ العراق السياسي: ج2 ص296.
() مجلة ألف باء العراقية/حزيران/1980م.
() سورة آل عمران: 195.
() تفسير تقريب القرآن: ج4 ص88 سورة آل عمران.
() هولاكو (نحو 12171265م) مغولي مؤسس دولة المغول الإيلخانية في إيران سنة (1251م) حفيد جنكيز خان، أخضع أمراء الفرس والإسماعيلية في قلعة (الموت) (1256م) لحكمه، قضي علي الخلافة العباسية في بغداد (1258م) واحتل سورية، هاجم المماليك جيشه في عين جالوت وأبادوه (1260م)، عرف عنه وعن جيشه البطش والفتك الشديد بمن يقف في طريق إقامة دولتهم.
() جنكيز خان (1167 1227) اسمه تيوجين بن يشوكي، مؤسس الإمبراطورية المغولية، أخضع جميع الدول بين الصين والبحر الأسود، اشتهر من سلالته (باتوخان) و(هولاكو) و(تيمور لنك).
() أدولف هتلر (1889-1945م) سياسي ألماني ولد في النمسا، دخل الحزب العمالي الألماني (1919م) وأصبح زعيمه، وسماه الحزب الوطني الاشتراكي أي النازي (1921م) حاول القيام بعصيان مسلح في ميونخ عام (1923م) ففشل وسجن، وفي السجن وضع كتابه (كفاحي) عرض فيه مذهبه العنصري العرقي، الذي صار شعار النازية، أصبح مستشاراً عام (1933م) ثم رئيس الدولة المطلق (1934م)، أقام نظاماً ديكتاتورياً بوليسياً احتل فيه البوليس السري مركز القيادة الإرهابية، أدت به سياسته التوسعية إلي احتلال رينانيا (1936م) والنمسا وتشيكوسلوفاكيا وبولونيا، أشعل الحرب العالمية الثانية عام (1939م) ثم هزم من قبل قوات الحلفاء وانتحر هو وزوجته في برلين عام (1945م).
() أصدر الإمام الراحل بيانات عدة حول جريمة التهجير، منها ما هو موجه إلي جمعيات حقوق الإنسان، ومنها ما هو موجه إلي المهجرين، حيث يوصيهم بالصبر والعمل الجاد في سبيل الله عزوجل؛ انظر كتاب مجموعة بيانات آية الله العظمي الحاج السيد محمد الحسيني الشيرازي إلي الشعب العراقي المسلم، طبع وتوزيع علماء الدين المجاهدون في العراق.
() في ظل النظام الحاكم في العراق أصبحت لفظة (التبعية) أو (التبعي) تهمة عظيمة وسبة كبيرة، يرتعب منها ويحاول أن يبتعد عنها أي عراقي، حتي وصل الحال إلي أن يُجبر الزوج علي تطليق زوجته؛ لأنها من أصول غير عربية تبعية والزوجة تنفصل عن زوجها لأنه من أصول غير عربية، بل كان الموظف في دوائر الدولة يطرد من وظيفته إذا لم يبادر إلي تطليق زوجته التبعية وكذلك الموظفات، كما أن النظام استغل بعض ضعاف النفوس من التبعية فعملوا لدي دوائر أمن النظام بصفة عملاء وجواسيس؛ لإثبات الولاء الأعمي واللامحدود للنظام العفلقي حتي لو أدي بهم ذلك إلي الوشاية بأقربائهم.
هذا وقد أصدر ما يسمي بمجلس قيادة الثورة قراراً ظاهره ترغيب الزوج بتطليق زوجته إذا كانت من التبعية الإيرانية، وباطنه وهو الواقع الإجبار علي ذلك، والشواهد من الواقع الملموس كثيرة، وفيما يلي نص القرار:
(القرار المرقم 474 في 15/4/1981.
استنادا إلي أحكام الفقرة (1) من المادة الثانية والأربعين من الدستور المؤقت قرر مجلس قيادة الثورة بجلسته المنعقدة بتاريخ 5/4/1981مايلي:
1- يصرف للزوج العراقي المتزوج من امرأة من التبعية الإيرانية مبلغ قدره أربعة آلاف دينار إذا كان عسكريا، وألفان وخمسمائة دينارا إذا كان مدنيا في حالة طلاق زوجته أو في حالة تسفيرها إلي خارج القطر.
2-يشترط في منح المبلغ المشار إليه في الفقرة (1) من هذا القرار ثبوت حالة الطلاق أو التسفير بتأييد من الجهات الرسمية المختصة وإجراء عقد زواج جديد من عراقية.
3-يتولي الوزراء المختصون تنفيذ هذا القرار.
التوقيع
صدام حسين / رئيس مجلس قيادة الثورة)
وصدر قرار آخر تأكيداً لتنفيذ القرار السابق، وتوضيحاً لبعض من يلتبس عليه الأمر، وهو فيما يلي:
(كتاب مجلس قيادة الثورة – مكتب أمانة السر – السري والشخصي في 31/12/1981:
نشير إلي قرار مجلس قيادة الثورة المرقم 474 في 15/4/1981 نقرر ما يلي:
1- يصرف المبلغ المشار إليه في القرار أعلاه للمتزوج من إيرانية قبل نفاذ القرار المذكور ممن يبادر إلي طلاق زوجته وعدم العودة لمطلقته، ولا يصرف المبلغ في حالة الزواج من إيرانية بعد نفاذه ولو بادر بتطليقها بعد ذلك.
2- عند إيقاع الطلاق تقوم وزارة العدل بإشعار وزارة الداخلية لتقوم الأخيرة من جانبها بتسفير المطلقة المذكورة إلي خارج القطر لاحظ الفرق بين النص السابق وبين هذه الفقرة.
3- يلزم الشخص الذي استفاد من قرار مجلس قيادة الثورة أعلاه بعدم الزواج ثانية من إيرانية، وفي حالة زواجه يسترد منه كافة المبلغ.
() سورة الأنبياء: 92.
() سورة الحجرات: 13.
() مستدرك الوسائل: ج12 ص88 ب75 ح13596.
() مستدرك الوسائل: ج12 ص88 ب75 ح12597.
() بحار الأنوار: ج22 ص348 ب10 ح46.
() بدأ صدام جريمته تلك بالمكر والخداع، التي تدل علي انحطاطه الخلقي ودمويته، فبوقت واحد من شهر نيسان عام (1980م) وباتفاق سري مسبق، ووفق خطة أعدت بإحكام، قامت غرف التجارة في محافظات العراق بتوجيه دعوة رسمية تم بها استدعاء كبار تجار الشيعة لاجتماع عاجل، بحجة التباحث في بنود قانون تجاري جديد تزمع الحكومة إصداره، والتداول والتشاور في الأمور الاقتصادية بهدف حل أزمة المواد المعيشية التي استعصت علي الدولة، وبعد أن وصل التجار إلي أمكنة الاجتماعات المزعومة، تم اعتقالهم فورا والاستيلاء علي سياراتهم التي قدموا بها، وسيقوا جماعات جماعات، وتحت حراسة مشددة إلي الحدود، فرموا بالعراء وأمروا بالسير نحو الأراضي الإيرانية، بعدما أبلغوهم بأنهم غير مرغوب بهم في البلد لأنهم عجم، ويجب أن يعودوا إلي بلادهم، وأنذروهم بأن أي شخص يحاول العودة إلي الوطن، أو يتردد في الحركة إلي إيران فإن النار ستطلق عليه بدون إنذار!.
وهذا كله لا لشيء سوي أنهم يتولون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأهل البيت? أي: لأنهم من الشيعة.
() في الخامس من أيلول عام (1975م) وقعت الحكومة العراقية مع شاه إيران الاتفاقية المعروفة باتفاقية الجزائر، وقد وقعها عن العراق صدام التكريتي الذي كان نائباً لرئيس الجمهورية، وتقضي هذه الاتفاقية بأن يوافق العراق علي المطالب الإقليمية للشاه في المياه والأراضي العراقية علي الأخص الملاحة في شط العرب، في مقابل وقف الشاه مساندته للأكراد في ثورتهم علي النظام الحاكم، بل ومحاصرتهم وتقديم المعلومات عنهم للنظام الحاكم مما سبب أشد انتكاسة مرت بها الحركة الكردية، فشرَّد وقتل عشرات الآلاف من الأكراد الآمنين.
() الحزب الحاكم في العراق منذ (17/ تموز/ 1986م) هو حزب البعث الحزب الوحيد الحاكم وهو حزب قومي علماني يدعو إلي الانقلاب الشامل في المفاهيم والقيم العربية لصهرها وتحويلها إلي التوجه الاشتراكي، شعاره المعلن (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة). وأهدافه: (الوحدة، والحرية، والاشتراكية)!!
ففي سنة (1932م) عاد من باريس قادماً إلي دمشق كل من ميشيل عفلق وهو نصراني ينتمي إلي الكنيسة الشرقية، وصلاح الدين البيطار، وذلك بعد الدراسة العالية في فرنسا علي يد كبار المستشرقين، ومن أشهر هؤلاء المستشرقين لويس ماسنيون الذي قال عن عفلق: هو أخلص تلميذ تتلمذ علي يدي. فعادا عفلق والبيطار محملين بأفكار قومية وثقافة غربية، فعملا في مجال التدريس، ومن خلاله أخذا ينشران أفكارهما بين الزملاء والطلاب والشباب. وأصدر تجمع أنشأه عفلق والبيطار مجلة الطليعة بالاشتراك مع الماركسيين سنة (1934م) وكانوا يطلقون علي أنفسهم اسم (جماعة الإحياء العربي).
وفي نيسان (1947م) تم تأسيس حزب تحت اسم (حزب البعث العربي)، وكان من المؤسسين: ميشيل عفلق، صلاح البيطار، جلال السيد، زكي الأرسوزي، كما أصدروا مجلة باسم البعث.
وفي سنة (1953م) اندمج كل من حزب (البعث العربي) و حزب (العربي الاشتراكي) الذي كان يقوده أكرم الحوراني في حزب واحد أسمياه (حزب البعث العربي الاشتراكي).
استولي أحد أجنحة الحزب المنشقة علي السلطة في العراق بعد أحداث دامية سارت علي النحو التالي:
في الرابع عشر من شهر تموز عام (1958م) حدث انقلاب علي النظام الملكي بقيادة عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، فقتل الملك فيصل الثاني وولي عهده عبد الإله ومن عثر عليه من أفراد العائلة المالكة، ونوري السعيد وأعوانه، فاسقط النظام الملكي، وبذلك انتهت الملوكية في العراق، ودخل العراق دوامة الانقلابات العسكرية.
وبعد عشرة أيام من نشوب الثورة وصل ميشيل عفلق إلي بغداد وحاول إقناع أركان النظام الجديد بالانضمام إلي الجمهورية العربية المتحدة (سوريا ومصر) ولكن الحزب الشيوعي العراقي أحبط مساعيه ونادي بعبد الكريم قاسم زعيما أوحد للعراق. وفي اليوم الثامن من شهر شباط لعام (1963م) قام حزب البعث بانقلاب علي نظام عبد الكريم قاسم، وقد شهد هذا الانقلاب قتالاً شرسا وأحداثاً دموية رهيبة في بغداد وأغلب مدن العراق، وبعد نجاح هذا الانقلاب تشكلت أول حكومة بعثية، وسرعان ما نشب خلاف بين الجناح المعتدل والجناح المتطرف من حزب البعث في العراق فاغتنم عبد السلام عارف هذه الفرصة وأسقط أول حكومة بعثية في تاريخ العراق في (18/ تشرين الثاني/ 1963م) وعين عبد السلام عارف أحمد حسن البكر أحد الضباط البعثيين نائباً لرئيس الجمهورية، وأوصي ميشيل عفلق بتعيين صدام حسين عضوا في القيادة القطرية لفرع حزب البعث العراقي. وبعد مقتل عبد السلام عارف في حادث الطائرة المدبر في عام (1966م) استلم أخوه عبد الرحمن عارف رئاسة الجمهورية في العراق الذي اتّسم حكمه بالتدهور الاقتصادي والمعاشي وبالتمييز الطائفي والعنصرية والقبلية، وكان يتأثر بالمحيطين به ويثق بهم، ويتبني عادة رأي آخر من يقابله.
نحي عن السلطة بعدما أوعزت المخابرات الأمريكية والبريطانية إلي عبد الرزاق النايف وإبراهيم الداود وأحمد حسن البكر بتغيير السلطة في العراق، حيث نفي إلي تركيا.
ففي (17/ تموز/ 1968م) قام حزب البعث العراقي بالتحالف مع ضباط غير بعثيين بانقلاب أسقط نظام عبد الرحمن عارف، وفي اليوم الثلاثين من الشهر نفسه طرد حزب البعث كافة من تعاونوا معه في انقلابه، وعين أحمد حسن البكر رئيساً لمجلس قيادة الثورة ورئيسا للجمهورية وقائدا عاما للجيش، وأصبح صدام التكريتي نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة، ومسؤولاً عن الأمن الداخلي.
وتمت تصفيات عديدة في صفوف قادة الحزب كان بطلها ومخططها صدام التكريتي، ففي سنة (1970م) تم اغتيال الفريق حردان التكريتي في الكويت، الذي كان من أبرز أعضاء حزب البعث العراقي وعضواً في مجلس قيادة الثورة، ونائبا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرا للدفاع. وفي عام (1971م) تم اغتيال فؤاد الركابي، وكان المنظر الأول للحزب، وأحد أبرز قادته في العراق وقد تم اغتياله داخل السجن. وفي عام (1973م) جري إعدام ناظم كزار رئيس جهاز الأمن الداخلي وخمسة وثلاثين شخصا من أنصاره، وذلك في أعقاب فشل انقلاب قاموا به. وفي عام (1975م) وقعت الحكومة العراقية مع شاه إيران الاتفاقية المعروفة باتفاقية الجزائر. وفي عام (1979م) أصبح صدام التكريتي رئيسا للجمهورية العراقية بعد إعفاء البكر من جميع مناصبه وفرض الإقامة الجبرية عليه في منزله، ثم قتله صدام بحقنة ترفع نسبة السكر لديه بواسطة الدكتور صادق علوش، وذلك عام (1982م). وفي العام نفسه 1979م قام صدام بحملة إعدامات واسعة طالت أكثر من ثلث أعضاء مجلس قيادة الثورة وأكثر من خمسمائة عضو من أبرز أعضاء حزب البعث العراقي. وفي العام نفسه أقدم صدام علي إعدام كل من: غانم عبد الجليل وزير التعليم، ومحمد محجوب وزير التربية، ومحمد عايش وزير الصناعة، وصديقه الحميم عدنان الحمداني، والدكتور ناصر الحاني، ثم قتل مرتضي سعيد الباقي تحت التعذيب، وقد سبق لكل من الأخيرين أن شغلا منصب وزير الخارجية، وقد بلغ عدد من أعدمهم صدام خلال أقل من شهر واحد ستة وخمسين شخصاً من كبار أعضاء حزبه، ولم يبق علي قيد الحياة من الذين شاركوا في انقلاب عام (1968م) سوي عزت الدوري وطه الجزراوي وطارق حنا أو يوحنا عزيز.
وفي يوم (22/ أيلول/ 1980م) شن صدام حربه علي إيران بعد إلغائه اتفاقية الجزائر التي وقعها مع الشاه التي أسفرت عن سقوط ما يزيد علي النصف مليون من شباب العراق وأكثر من سبعمائة ألف من المعاقين والمشوهين، هذا غير جيش الأرامل والأيتام والمعاقين الذين خلفتهم الحرب، وغير من أعدموا بسبب رفضهم المشاركة بهذه الحرب الغبية كما سماها أحد المحللين السياسيين إضافة إلي نفقات الحرب التي تجاوزت مائتي ألف مليون من الدولارات، وكذلك تجميد كل تنمية طوال مدة زمنية تجاوزت الثماني سنوات، بعد ذلك خرج صدام بعد كل هذه التضحيات ليعلن للعالم أن حربه مع إيران كانت خطأ، وأن الحق كل الحق في العودة إلي الاتفاقية المبرمة بينهما اتفاقية الجزائر.
وفي أثناء حربه مع إيران أنزل بالمواطنين الأكراد أبشع أنواع القتل والبطش والتنكيل والإبادة باستخدام الغازات السامة والكيماوية وقنابل النابالم الحارقة بصورة همجية لم تعرف حرمة لشرع ولا لدين ولا لمروءة ولا لشرف.
وقد ذاق الشعب العراق الأمرّين علي يد هذا النظام وجلاوزته عقب الهزيمة المنكرة في حرب الخليج الثاني، عندما قام النظام باجتياح دولة الكويت واستباح أرضها وطرد شعبها وخرب منشآتها ونهب متاجرها وقتل أبناءها وفجّر آبار النفط فيها، فقادت الولايات المتحدة تحالفاً أخرج الجيش العراقي وتم طرده من الكويت، الأمر الذي أنزل به هزيمة كاسحة راح ضحيتها مئات الآلاف من جنود الجيش العراقي، وجعله يستسلم في ذلة وخنوع ويوافق علي كل شروط قوات الحلفاء، بعد أن دك الطيران كافة المنشآت والمرافق في العراق وتركها خرابا في معركة غير متكافئة أطلق عليها أسم (عاصفة الصحراء) ورجعت الحكومة الكويتية من منفاها ومارست سلطاتها. وثار الشعب العراقي في انتفاضة كبيرة عرفت بالانتفاضة الشعبانية، حيث حررت خمسة عشر مدينة من مدن العراق الثمانية عشر، وبعد مساندة من أسياده المستعمرين ومؤمرات بعض دول الجوار وانقطاع الإمدادات عن الثوار بدأت الكفة تميل لصالح قوات النظام فقام بالبطش الشديد بالشعب المغلوب علي أمره، وأمر هذا الطاغية جنده أن يدكوا بمدافعهم مدنا بأكملها علي رؤوس من فيها من النساء والأطفال والشيوخ والرجال، وانتهكوا حرمة العتبات المقدسة في كربلاء والنجف.
فقام هذا الطاغية بقمع الانتفاضة الشعبانية، ونكّل بالثوار أشد تنكيل، فقد قدرت أعداد الضحايا بما يزيد علي خمسمائة ألف قتيل وقيل مليون بالإضافة إلي الآف المفقودين والمحتجزين في السجون لا يعرف لهم خبر.
هذا بعض ما جناه العراق من الطغاة الذين تسلطوا علي رقاب شعبه وتمكنوا من التصرف بثرواته وخيراته.
أما عن سلوكيات ومبادئ حزب البعث في العراق، فقد نادي مؤسس الحزب بضرورة الأخذ بنظام الحزب الواحد؛ لأنه وكما يقول عفلق: إن القدر هو الذي حملنا هذه الرسالة، وخولنا أيضا حق الأمر والكلام بقوة والعمل بقسوة لفرض تعليمات الحزب.
ومن ثم لا يوجد أي مواطن عراقي يتمتع بأبسط قدر من الحرية الشخصية أو السياسية في قبال ذلك؛ فكل شيء في دولة العراق يخضع لرقابة بوليسية صارمة، وتشكل دوائر المباحث والمخابرات والأمن قنوات الاتصالات الوحيدة بين المواطنين والنظام.
وتركز سياسة الحزب علي قطع كافة الروابط بين العروبة والإسلام، وتنادي بفصل الدين عن السياسة، والمساواة بين شريعة حمورابي وشعر الجاهلية وبين الدين الإسلامي.
وادعت سياسة الحزب أن تحقيق الاشتراكية شرط أساسي لبقاء الأمة العربية ولإمكان تقدمها، مع أن النتيجة الحتمية للسياسة الاشتراكية التي طبقت في العراق لم تجلب الرخاء للشعب، ولم ترفع مستوي الفقراء، ولكنها ساوت الجميع في الفقر، وبعد أن كان العراق قمة في الثراء ووفرة الموارد والثروات، أصبح بطيش الحزب الحاكم عاجزاً عن توفير القوت الأساسي لشعبه، كما قام بتجريد الدستور العراقي من كل القوانين التي لها صلة بالإسلام، فأصبحت العلمانية هي دستور العراق، ومعتقدات صدام وحزبه ومبادئه هي مصدر التشريع لقوانينه.
لقد ورد في التقرير المركزي للمؤتمر القطري التاسع المنعقد ببغداد عام (1982م) ما يلي: وأما الظاهرة الدينية في العصر الراهن فإنها ظاهرة متخلفة في النظرة والممارسة.
ولذلك فقد اتجه صدام التكريتي وحزبه إلي إعلان الحرب علي الإسلام والعاملين له في كافة المجالات، ولسان حاله: وكنت امرءً من جند إبليس فارتقي بي الحال حتي صار إبليس من جندي.
فقام بقتل العلماء ومهاجمة الحوزات العلمية، وأصدر أوامره بإغلاق مئات المساجد والحسينيات والمراكز الإسلامية في العراق؛ لمجرد أن الشباب المسلم يلتقي فيها، وقام بإلقاء القبض علي من يتردد إليها، وتتابعت القرارات بإعدام الآلاف من الشخصيات الإسلامية.
وأحال الكثيرين من أساتذة الجامعات إلي التقاعد، ثم قدمهم إلي المحاكمة، وصدرت بحقهم أحكام مختلفة بسجنهم لفترات طويلة.
كما قام بالجرائم التالية:
محاربة ارتداء الحجاب الإسلامي بين الفتيات المسلمات.
تشجيع العلاقات غير الشرعية بين الفتيان والفتيات.
فتح النوادي الليلية وتشجيع الفساد في كافة المجالات.
تقديم معونات سخية لكل من يقوم بفتح محلات اللهو والرذيلة، حتي أصبحت مظاهر الفجور والعهر تكسو بعض الشوارع والأسواق، وحانات الخمر تملأ الأزقة والأحياء.
وكان هذا النظام من آخر الدول التي قبلت الانضمام لمنظمة المؤتمر الإسلامي بعدما شعر بعزله إسلامياً، ولم يلتزم بقرارات المؤتمر عملياً.
كما دأب علي دعم النظم العلمانية ضد كل من يرفع شعار الإسلام سواء في لبنان أو كشمير أو فلسطين أو قبرص أو أفغانستان، وهكذا في كل قضية إسلامية أخذ موقعه إلي جانب القوي المعادية للإسلام.
وقد جلب من وسائل التعذيب في سجون ومعتقلات بلاده ما تقشعر لهوله الأبدان، وعرف عن جلاوزته أنهم يلجئون إلي أبشع وسائل التعذيب شناعة وقساوة في سبيل انتزاع الاعترافات من المساجين أو ثنيهم عن معتقداتهم، حتي فاق كل طغاة التأريخ في الإرهاب من أمثال الحجاج وزياد بن أبيه وابنه وهارون ومن شاكلهم في الجرم والإجرام.
وقد اتضحت سياسة طغاة العراق وكذبهم في المناداة بالوحدة وانكشفت أطماعهم في السعي للهيمنة علي العالم العربي عن طريق الضم بالقوة، حيث بدأ بمنطقة الخليج، وتسببت في انهيار وعجز الأمة العربية بمختلف مؤسساتها ومنظماتها عن ردع العدوان الإسرائيلي.
وفضحت أطماع وتوجهات هذا الحزب لاحتلال السعودية الكويت ودول الخليج العربي، بعدما وجهوا صواريخهم لضرب المدن في الجزيرة العربية، وقاموا بنسف آبار النفط في الكويت وإضرام النار فيها. وغير ذلك من الويلات والمآسي التي جرت علي الشعب العراقي الذي ابتلي بهذا النظام.
لا شك أنه بشخص صدام التكريتي ونظامه قد انكشف زيف وكذب ادعاءات وشعارات الحزب الحاكم في العراق وأصبح مرفوضا علي المستوي المحلي والعربي والإسلامي، بسبب أسلوبه الهمجي في التعامل مع جيرانه وأشقائه ومواطنيه، كما أصبح صدام ممقوتا من حيث جبلته الشريرة وغريزته العدوانية المسعورة، وجنون العظمة المسيطر علي تصرفاته، ولجوئه إلي المخادعة بعد أن انكشفت نواياه الخبيثة في التعامل مع شعبه وفي حربه مع إيران، ثم في انقلابه علي الكويت الداعمة له في حربه السابقة.
ومن الملاحظ أن كلمة الدين لم ترد مطلقا في صلب الدستور العراقي. وان كلمة الإيمان بالله علي عموميتها لم ترد في صلب الدستور، لا في تفصيلاته، ولا في عمومياته، مما يؤكد علي الاتجاه ضد الديني في الحزب الحاكم في العراق، حتي في بناء الأسرة لا يشيرون إلي تحريم الزني ولا يشيرون إلي آثاره السلبية.
أما في السياسة الخارجية لا يشيرون إلي أية صلة مع العالم الإسلامي. ولا يشيرون إلي التاريخ الإسلامي الذي أكسب الأمة العربية مكانة وقدرا بين الشعوب.
ورغم تظاهر الحزب بالمطالبة بإتاحة أكبر قدر من الحرية للمواطنين فإن ممارساته القمعية فاقت كل تصور وانتهكت كل الحرمات ووأدت كل الحريات وألجأت الكثيرين إلي الهجرة والفرار بعقيدتهم من الظلم والاضطهاد.
والنظام الحاكم في العراق يتطلع إلي استلام السلطة في جميع أرجاء الوطن العربي؛ باعتبار ذلك جزءا لا يتجزأ من طموحاته البعيدة، وقد أدت بهم هذه الرغبة العارمة إلي السقوط في حمأة الإنذار المقنع والتهديد السافر والعدوان الصريح، وربما يكون حزب صدام وزمرته أسوأ ما شهده التاريخ في هذا البلد.
() المقصود من العلة: الموجد، والمقصود من الغاية: الهدف.
() وذلك عبر اتفاقية سايكس بيكو (1916م) وهي اتفاقية سرية تم إبرامها في الفترة من (9-16/5/1916م) بين فرنسا وبريطانيا العظمي، بموافقة روسيا القيصرية، وأطلق عليها في البدء (الاتفاقية الإنكليزية الفرنسية الروسية) أو اتفاقية (سايكس بيكو سازانوف) نسبة إلي ممثلي الدول الثلاث المعنية، وقد تم بموجب هذه الاتفاقية، التفاهم علي تقسيم سورية ولبنان والعراق وفلسطين وبعض الأراضي التركية فيما بين هذه الدول وتعتبر هذه الاتفاقية المشروع الذي اعتمدت عليه فرنسا وبريطانيا لتقسيم المشرق العربي فيما بعد.
ففي نهاية القرن التاسع عشر أنجزت الدول الاستعمارية التخطيط الجدي لتصفية الإمبراطورية العثمانية وتصفية تركتها، وقد مثل السير مارك سايكس الجانب البريطاني للمفاوضات وجورج بيكو الجانب الفرنسي ووافق عليها سيرغي سازانوف وزير الخارجية الروسي، وبعد اندلاع الثورة البلشفية في روسيا عام (1917م) قامت القيادة البلشفية بكشف كافة الاتفاقيات والمعاهدات السرية التي كانت الحكومة القيصرية قد عقدتها ومنها اتفاقية (سايكس بيكو سازانوف) وهذا مما أثار الرأي العام العربي حيث فوجئ الأمير الهاشمي حسين بن علي شريف مكة بأمر الاتفاقية، وحين سأل عن صحتها أنكر البريطانيون ذلك واتهموا تركيا بالسعي لبث الفرقة بين العرب والإنكليز.
واستغلت بريطانيا انسحاب روسيا من الاتفاقية ووجود قواتها بكثافة في فلسطين والعراق فأخذت تناور علي فرنسا لإجبارها علي التخلي عن جزء من حصتها ونفوذها في المشرق العربي لصالح بريطانيا، وبعد صراع خفي دبلوماسي بين حليفي الأمس تم التوصل إلي حل وسط تمثل في توقيع اتفاقية معاهدة جديدة بين البريطاني لويد جورج والفرنسي جورج كليمنصو في (15/9/1919م) وكانت هذه الاتفاقية هي الأساس الذي استند إليه مؤتمر سان ريمو في (1920م) وما صدر عنه من معاهدات واتفاقات.
()قائد القوات البريطانية التي احتلت بغداد في (11 آذار 1917م) هو الفريق السير ستانلي مود، حيث أذاع في بيان بعد إكماله احتلال بغداد فقال: (إن جيوشنا لم تدخل مدنكم وأراضيكم بمنزلة قاهرين أو أعداء بل محررين) أي من الحكم العثماني. مات في (18 تشرين الثاني 1917م) اثر تسمم أصيب به، أقيم له تمثال أمام السفارة البريطانية بجانب الكرخ في بغداد. انظر (الحقائق الناصعة في الثورة العراقية سنة 1920 ونتائجها).
() هي ثورة عارمة ضد الاستعمار الإنكليزي في العراق عام (1338ه 1920م)، حيث اصدر قائد الثورة الإمام الشيخ محمد تقي الشيرازي ? والذي كان المرجع الأعلي للطائفة، فتواه الشهيرة ضد التواجد الإنكليزي في العراق مما اضطروا للخروج بعد الخيبة والانكسار، وهذا نص الفتوي: (مطالبة الحقوق واجبة علي العراقيين ويجب عليهم في ضمن مطالبتهم رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنكليز عن قبول مطالبهم) انظر (الحقائق الناصعة في الثورة العراقية سنة 1920م ونتائجها): ص192- 195).
() فقد كان في العراق وحده من المراجع الكبار الذين كان لهم الدور الكبير والمؤثر في السياسة الدولية كالمجدد الشيرازي والميرزا محمد تقي الشيرازي والسيد أبو الحسن الأصفهاني والشيخ كاظم الخراساني والسيد الحبوبي والسيد الحكيم وغيرهم من كبار العلماء.
() وهو واضح وجلي ويظهر بوضوح لما آل إليه أمر الأمة الإسلامية والعراق خصوصاً في هذه السنين، حيث أدخل في حربين خاسرتين استنزفت طاقات وموارد العراق البشرية والمادية، أولها الحرب التي هاجم فيها إيران واستمرت ثمان سنوات وذهب ضحيتها مليوني إنسان من الشعبين العراقي والإيراني ومئات المليارات من الدولارات كخسائر مادية، والحرب الأخري عندما أقدم النظام علي احتلال الكويت، حيث أدي ذلك إلي تجمع قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، فقامت بإخراج العراق من الكويت ووضع العراق تحت حصار طويل الأمد، وكلفت هذه الحرب مئات الآلاف من الخسائر البشرية ودمرت البنية التحتية للبلد ويرزخ الآن علي كاهل العراق من الديون ما يزيد علي مئات المليارات من الدولارات، وهذا كله نتيجة وجود هذه الأحزاب العميلة.
() بحار الأنوار: ج44 ص381 ب37 ما جري عليه ? بعد بيعة الناس ليزيد بن معاوية إلي شهادته صلوات الله عليه …
() انظر ما نصت عليه قرارات التهجير التي أصدرها التي ذكرناها سابقاً النظام الحاكم تتضح الأهداف والغايات.
() آية الله الشهيد السيد حسن بن السيد الميرزا مهدي الشيرازي ?، ينحدر من أسرة اشتهرت بالعلم والفضيلة والتقوي ومكافحة الاستعمار. وُلد في مدينة النجف الأشرف عام (1354ه). درس السطوح العليا علي يد العلماء الكبار أمثال والده آية الله العظمي الميرزا مهدي الشيرازي ? وآية الله العظمي السيد محمد هادي الميلاني? وآية الله العظمي الشيخ محمد رضا الأصفهاني ?. اشتهر في الأوساط العلمية بالعلم والفقاهة والذوق الأدبي والعمل الدؤوب.
كان من طليعة المحاربين للحكومات الجائرة التي تعاقبت علي العراق بالفكر واللسان والعمل، فتعرَّض لمضايقات عديدة وللاعتقال والتعذيب. ترك العراق مهاجراً إلي لبنان وسوريا عام (1390ه) واستمر في نشاطه العلمي والديني والفكري والسياسي، علي أرض المهجر وتعريف ظلامة الشعب العراقي للعالم. فأسس المدارس الدينية والمراكز الإسلامية والحسينيات، فأسس الحوزة العلمية الزينبية في سوريا عام (1393ه) بتوجيه من أخيه الإمام الراحل ? وكان يدرِّس فيها بحث خارج الفقه والأصول، وأسس مكتب جماعة العلماء في لبنان عام (1397ه) ومدرسة الإمام المهدي ? ودار الصادق ? وغيرها.
اغتيل ? برصاصات عملاء نظام الطغاة الحاكم في العراق بمدينة بيروت عام (1400ه).
خلّف آثاراً مطبوعة ومخطوطة منها: موسوعة الكلمة في 25 مجلداً تتضمن: كلمة الله (جل جلاله)، وكلمة الإسلام، وكلمة الرسول الأعظم ?، وكلمة الإمام المهدي ?، كما ألف كتاب (خواطري عن القرآن) الذي يقع في ثلاثة مجلدات، والاقتصاد الإسلامي، ودواوين شعرية، والعمل الأدبي، والأدب الموجه، والشعائر الحسينية، وغيرها، للتفصيل راجع كتاب (حضارة في رجل) للسيد عبد الله الهاشمي، وكتاب (أسرة المجدد الشيرازي) لنور الدين الشاهرودي، و(الراحل الحاضر) لمؤسسة المستقبل للثقافة والإعلام و(الموجز الجامع) للشاهرودي والفدائي.
() كالعلامة الشهيد السيد محمد مهدي بن آية الله العظمي الإمام السيد محسن الحكيم? الذي ولد في النجف الأشرف سنة (1353ه) واستشهد في السودان علي يد عملاء مأجورين لطغاة العراق في عصر يوم الأحد (27 جمادي الأولي 1408ه) المصادف (17 كانون الثاني 1988م).
() سورة الأنعام: 123.
() الكافي: ج2 ص164 باب الاهتمام بأمور المسلمين والنصيحة لهم ح5.
() سورة الممتحنة: 9.
() ميشيل عفلق مسيحي من أم يهودية مواليد دمشق (1910م)، أحد مؤسسي حزب البعث مع صلاح الدين البيطار وأكرم الحوراني وغيرهم، سافر إلي باريس عام (1928م) للدراسة فتخصص بدراسة تاريخ الثورات وتاريخ الأديان، وكان تحت رعاية المستشرق الفرنسي لويس ماسنيون الذي يعتبره من أحسن تلاميذه المؤمنين بأفكاره، وفي عام (1932م) عاد إلي دمشق مع صلاح البيطار وامتهنا التدريس ليبثا من خلاله أفكارهما الغربية والقومية في المجتمع، بين الطلاب والأساتذة، وفي عام (1941م) أسس حركة الإحياء العربي.
ترك التدريس ليتفرغ لتأسيس حزبه الذي أعلن عنه في (7 نيسان عام 1974م)، وبعد الإنشقاقات التي حصلت داخل الحزب عام (1966م) مال عفلق مع الجناح الدموي للحزب في العراق وكان راعيه وعرابه، وفي عام (1989م) سافر إلي باريس للعلاج فهلك في إحدي مستشفيات باريس بعد عملية جراحية، أعيدت جثته إلي بغداد وقبر فيها، فعمل له النظام الحاكم ضريحاً لكي لاينسي العراقيون أبرز رموز مأساة الأمة الإسلامية والعراق، فتظل شاخصة أمام العراقيين!!.
() شبلي العيسمي سوري ولد عام (1930م)، عمل وزيرا للإصلاح الزراعي ثم وزيرا للمعارف، ثم وزيرا للثقافة والإرشاد القومي (1963م-1964م) في سوريا عضو القيادة القومية لحزب البعث. ونائبا للأمين العام لحزب البعث عام (1965م)، انضم إلي جناح حزب البعث في العراق.
() طارق حنا عزيز، أو طوني حنا عزيز، مسيحي، صحفي سابق، عضو في القيادة القومية لحزب البعث العراقي عام (1977م) بعد تصفيات واغتيالات لأغلب أعضاء الحزب الحاكم في العراق ما يسمي بمجلس قيادة الثورة إذ قاد صدام التكريتي بعد عزله للبكر رئيس الجمهورية آنذاك حملة اعدامات طالت أبرز أعضاء الحزب الحاكم، ولم يبق علي قيد الحياة اليوم ممن شاركوا في انقلاب (1968 تموز) سوي عزت الدوري، وطه الجزراوي، وطارق حنا عزيز..!!
تقلد مناصب عديدة في جهاز النظام الحاكم أهمها وزارة الخارجية ونائب لرئيس مجلس الوزراء.
() صلاح الدين سوري أحد المؤسسين لحزب البعث مع عفلق واكرم الحوراني وغيرهم، درس في باريس مع رفيقه عفلق، عاد عام (1932م) أو (1933م)، عمل كل في مجال التدريس، ومن خلاله أخذ ينشر أفكاره الغربية والقومية؛ ترك التدريس ليتفرغ لحزبه، من المؤسسين لحزب البعث عام (1947م)، رئيساً للوزراء عام (1963م) في حكومة قيادة الثورة في سوريا.
() أحمد حسن البكر، من مواليد تكريت عام (1914م)، تقلّد منصب رئاسة الوزراء في حكومة عبد السلام عارف، ثمّ منصب رئيس الجمهورية في العشرين من ربيع الثاني (1388ه/17 تموز عام 1968م) إثر انقلاب دبره علي عبد الرحمن عارف، بعد إيعاز من أسياده الإنكليز والأمريكان والصهاينة. منح نفسه رتبة مهيب أعلي رتبة في الجيش بعد الانقلاب، منح أقرباءه وأصهاره وأبناء عشيرته وبلدته رتباً عالية دون استحقاق. تحكمت الطائفية والعصبية إبان حكمه للعراق وتدهورت الزراعة وتردّت الصناعة وملئت السجون بالمجاهدين والأحرار. عرف بلؤمه وغدره حتي بأقرب أصدقائه، نحي عن الحكم إثر انقلاب دبره عليه زميله في الإجرام صدام التكريتي بتاريخ (16 تمّوز عام 1979م) بعد أن حكم العراق 11 عاماً. قتله صدام بحقنة ترفع نسبة السكر لديه بواسطة الدكتور صادق علوش، وذلك عام (1982م).
() صدام التكريتي، طاغوت العراق في العصر الحديث وأتعس نموذج للدكتاتوريين، صاغه الغرب وفق متطلبات المنطقة وظروفها السياسية، وحافظ علي أمنه الشخصي في أدق الظروف وأحلك اللحظات، ولد عام (1939م) في قرية العوجة جنوب تكريت، نشأ نشأة غير سوية بشهادة كل من عرفه، انتمي إلي حزب البعث واشترك مع بعض عناصر الحزب في محاولة فاشلة لاغتيال عبد الكريم قاسم عام (1959م) هرب إلي سوريا ومنها إلي مصر. وخلال فترة بقائه في القاهرة، كثر تردده علي السفارة الأمريكية، فقد ذكر في صحيفة الشرق الأوسط عن أحد كبار المسؤولين العرب، بأن الرئيس عبد الناصر قد أخبر المسؤول العربي عام 1969 أن صدام حسين هو رجل أمريكا الأول في المنطقة، وإنه كان دائم التردد علي السفارة الأمريكية بالقاهرة، وأن المخابرات المصرية قد صورت ورصدت كل تحركاته واتصالاته بالسفارة الأمريكية.
اشترك في انقلاب (17 تموز 1968م)، وكان المنفذ الأول لتصفية الحساب مع مجموعة عبد الرزاق النايف بعد ثلاثة عشر يوما من انقلابهم، حيث تمت تصفية غير المرغوب فيهم، وفي عام (1970م) أصبح صدام نائباً لمجلس قيادة الثورة ورئاسة الجمهورية في حال غياب البكر عن البلاد. وفي عام (1979م) أصبح رئيساً للجمهورية بعد إقصاءه البكر عن الحكم.
هاجم إيران عام (1980م) فاندلعت حرب الخليج الأولي التي استمرت ثمان سنوات. احتل الكويت عام (1990م) فاندلعت حرب الخليج الثانية، فقامت قوات الحلفاء بقيادة أمريكا بتدمير العراق ووضعه تحت حصار طويل الأمد. انتفض الشعب فقمع صدام انتفاضة الشعب العراقي بوحشية لا مثيل لها، فقد قدرت أعداد من قتلوا وأعدموا واختفوا ما يزيد علي 500 ألف وقيل مليون عراقي.
() رئيس الوزراء الإسرائيلي الاسبق، في عهده تم اتفاق عرف بمعاهدة (كامب ديفيد) وهي معاهدة صلح إسرائيل مع مصر في عهد أنور السادات برعاية أميركا.
() وفي رسالة للبابا بولس الأول إلي عفلق قال له فيها: إنك خدمت المسيحية أكثر من أغلب الرهبان!!.
() وهو سوق كبير وقديم يقع في بغداد، كان التجار اليهود هم المسيطرون فيه علي الأعمال التجارية، وفيه قبر الشيخ الحسين بن روح النائب الخاص للإمام الحجة?.
() وإن كان لهم تأريخ في العراق فتاريخهم يشهد علي عمالتهم وخياناتهم وغدرهم بالأمة الإسلامية والعربية والعراق.
() سورة هود: 81.
() سورة آل عمران: 178.
() حردان عبد الغفار التكريتي، عسكري عراقي عرف بتعلقه بالموبقات، أكمل دراسته الثانوية في مدينة سامراء ثم واصل دراسته الجامعية في بغداد، عين كنائب القائد العام للقوات المسلحة عام (1963م)، اشترك مع أحمد حسن البكر وصالح مهدي عماش في ضرب ما عرف بالحرس القومي عام (1963م) وتحالفهم مع عبد السلام عارف رئيس الجمهورية في حينه، فعينه الأخير وزيراً للدفاع. اشترك في انقلاب (17 تموز عام 1968م). اغتيل في الكويت عام (1971م) وقاد عملية الاغتيال حمودي العزاوي المستشار السابق في السفارة العراقية في الكويت، وقام صدام بإرسال عبد الكريم الشيخلي وزير الخارجية آنذاك بطائرة خاصة لتهريب قتلة حردان
() كان سفيراً للعراق في لبنان قبل انقلاب (1968م) حيث تم التنسيق عن طريقه وعن طريق (بشير الطالب) الملحق العسكري في السفارة مع الأمريكان والبريطانيين والانقلابيين لغرض تجنيدهم ويعتبر عرّاب إنقلاب (تموز 1968م)، عين وزيراً للخارجية بعد الانقلاب، تمت تصفيته علي يد رجال السلطة في أحد شوراع بغداد.
() الصديق الحميم لصدام غدر به كما غدر بغيره.
() كان وزيراً للصناعة والمعادن.
() هؤلاء وغيرهم تمت تصفيتهم علي مراحل عديدة، كان منها لمّا نحي البكر عن السلطة فقد افتعل صدام أزمة ووجه ضربة قاضية لأبرز أعضاء القيادة القطرية بعد أن شعر بتحسسهم من تنحية البكر، فكانت مجزرة شملت الكثير من القياديين البعثيين والضباط والكادر المتقدم، إذ نفذ حكم الإعدام بكل من:
محمد عايش حمد، محيي عبد الحسين مشهدي، عدنان حسين عباس الحمداني، محمد محجوب مهدي الدوري، غانم عبد الجليل سعودي، خالد عبد عثمان الكبيسي، طاهر احمد أمين، وليد محمود سيرت، غازي إبراهيم أيوب، نوري حمودي أحمد، عبد الخالق إبراهيم خليل السامرائي، ماجد عبد الستار فاضل، وليد صالح محمد الجنابي، وليد إبراهيم إسماعيل الأعظمي، إبراهيم عبد علي جاسم الدليمي، بدن فاضل عريبي، إسماعيل محمود إبراهيم النجار، نافع حسين علي الكبيسي، حازم يونس عبد القادر، وخليل إبراهيم القصاب.
وقد أقام النظام محكمة أصدرت أحكاماً وصلت إلي الحكم بالسجن المؤبد علي المئات غير هؤلاء.:
() سورة التوبة: 20.
() محمد رضا بهلوي (1919-1980م) شاه إيران المخلوع (1941م) خلفاً لأبيه رضا ومستمراً في نهجه الظالم، ثار عليه الشعب، ترك البلاد (1979م) توفي في مصر.
() سورة الحجرات: 15.
() وتمت هذه الجريمة بواسطة قائد المنطقة الشمالية من قبل نظام العفالقة وهو المسمي (علي حسن المجيد) الذي اشتهر بعد هذه الجريمة باسم (علي كيمياوي) وقد صور له فلم فيديو يوثق تهديده بضرب الأكراد بالأسلحة الكيماوية.
() أصدرت (143) منظمة وجمعية كردية وعربية متمركزة في بلدان عديدة، بيانا شجبت فيه الشركات والمؤسسات الألمانية التي زودت النظام العراقي بالغازات الكيميائية السامة، وطالبت الحكومة الألمانية بتعويض ذوي الضحايا وإعادة بناء حلبجة وتنظيف البيئة الكردستانية من الآثار السلبية للأسلحة الكيميائية. وفيما يلي نذكر فقرات من البيان:
في ذكري قصف مدينة حلبجة بالأسلحة الكيميائية من قبل النظام العراقي نطالب:
أولاً: بما أن أكثرية الشركات التي ساعدت نظام صدام في صنع وتخزين الأسلحة الكيميائية، كانت شركات ألمانية، لذا نطالب الحكومة الألمانية ب:
1- تعويض الأضرار الجسدية، النفسية والمادية لضحايا القصف الكيميائي في مدينة حلبجة وباقي مناطق كردستان التي تعرضت للقصف بالأسلحة الكيميائية من قبل النظام العراقي، والتي يصل تعدادها إلي نحو (75 قرية) ومنطقة وموقع.
2- تنظيف البيئة الكردستانية من الآثار السلبية للأسلحة الكيميائية.
3- إعادة بناء مدينة حلبجة بالكامل.
ثانياً: نساند جهود الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني والبرلمان الأوربي ونطالب المجتمع الدولي بإنشاء محكمة دولية لمحاكمة مجرمي الحرب العراقيين من أمثال صدام وحاشيته، وذلك لارتكابهم الجرائم التالية بحق الشعب العراقي والشعب الكردي علي وجه الخصوص.
1- قصف مدينة حلبجة بالأسلحة الكيميائية بتاريخ (16/3/1988) وقتل (5000) مواطن كردي في هذه المدينة من الأطفال والنساء والشيوخ.
2- قتل وإفناء أثر (182000) مواطن كردي من الأطفال والنساء والشيوخ في عمليات الأنفال، وذلك خلال أشهر شباط إلي أيلول من عام (1988م).
3- طرد نحو (300000) مواطن كردي فيلي الشيعة إلي إيران وحجز أموالهم المنقولة وغير المنقولة وحجز نحو (10000) شاب كردي فيلي كرهائن، وذلك خلال سنوات (1970-1982).
4- إفناء أثر (8000) مواطن كردي (ذكور) من عشيرة بارزان الساكنين في مجمع (قوشتبه) القسري القريبة من مدينة أربيل، وذلك عام (1983م).
5- تنفيذ سياسة التطهير العرقي بحق الكرد في محافظة كركوك، وديالي، ونينوي، وأربيل، وطرد بما يزيد علي (700000) مواطن كردي من أماكن سكناهم الأصلية وإسكان العرب محلهم، وذلك منذ عام (1963م) وحتي اليوم.
كما ومنذ عام (1991م) وأمام مرأي ومسمع منظمات الأمم المتحدة العاملة في كردستان، طرد النظام أكثر من (100000) مواطن كردي وذلك من المناطق الكردستانية الخاضعة لسيطرته إلي المناطق المحررة من كردستان، وجري ترحيل عشرات الآلاف من الكرد إلي المناطق الوسطي والجنوبية من العراق. وبموازاة هذه العملية تمارس أجهزة النظام القمعية وباستمرار الضغوط علي الكرد الساكنين تحت سيطرتها وذلك بهدف إجبارهم علي تغيير هويتهم القومية من الكردية إلي العربية.
6- تخريب البيئة الكردستانية عن طريق: تدمير (4500) قرية ومدينة، بما فيها الآلاف من المساجد والكنائس والمعابد واستعمال الأسلحة الكيميائية في (75) موقع من أنحاء كردستان، وطمر وتفجير عدد هائل من عيون الماء العذب، وزرع الملايين من الألغام تحت سطح الأرض في أنحاء كردستان، وذلك خلال السنوات (1978-1988م).
7- اغتصاب النسوة الكرديات في السجون أو في أثناء العمليات العسكرية إزاء سكان القري الآمنين، حيث أن في سنة (1991م) في أثناء الانتفاضة وقعت في يد الأحزاب الكردستانية آلاف الوثائق التي تبين بأنه كان هناك الآلاف من عناصر الأجهزة الأمنية العراقية كانت وظيفتهم عبارة عن (مغتصب) ولدي منظمة (ميدل ايست ووج) ومنظمات إنسانية عالمية أخري مئات من هذه الوثائق.
8- تدمير البيئة في الجنوب، وذلك عن طريق ردم وتجفيف مساحات شاسعة من أهوار الجنوب تقدر بعدة آلاف من الكيلومترات المربعة، وذلك لغرض قتل الحياة فيها وإجبار المعارضة في الجنوب للابتعاد عن تلك المناطق. انتهي.
علماً بأن ما فعله النظام في الجنوب العراقي من القتل والتشريد لا يقل مأساة عما ارتكبه في المناطق الكردية، ولكن لم تكن لها تغطية إعلامية لتبين للعالم عمق المأساة.
() ذكر الخبراء أن الطيران العراقي أمطر حلبجة بخليط من العناصر الكيميائية تتضمن الغاز المسيل للدموع المكثف وغاز الخردل وعنصر (في اكس) المتلف للأعصاب،. وكان العراق قد زود آنذاك بالأسلحة الكيماوية من جانب الدول الغربية وخصوصا الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا.
وقد سببت هذه المأساة الكثير من التأثيرات الجانبية للغاز، وظهر العديد من الأمراض التي تفتك بأهالي مدينة حلبجة حتي الآن وهذه الأمراض هي: التشوه المنغولي، الربو، الإجهاض، ولادة الأجنة الميتة، أمراض الجلد والرئتين المزمنة، سرطان الدم، التشوهات في الحلق.
وتشير دراسة بريطانية أجريت إلي أن حالات التشوه الخلقي هذه في كردستان العراق تفوق بمعدل خمس مرات المعدلات المعهودة في مناطق أخري. ويؤكد الأطباء المحليون أن عدد الإصابة بالأمراض الوراثية في إزدياد. وقد تراجع عدد سكان حلبجة اليوم كثيرا مقارنة مع ما كان عليه قبل العام (1988). كما هو مرشح لمزيد من التراجع أيضا.
() سورة إبراهيم: 42.
() زياد بن أبيه كما سمته عائشة وهو زياد، يقال له تارة: زياد بن أمة، وتارة زياد بن سمية، وأخري زياد بن أبيه، استلحقه معاوية فقيل له: زياد بن أبي سفيان، وكان يقال له: أبو المغيرة، لحق بمعاوية، بعدما كتب له كتاباً يستعطفه منه وقد قال عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان شعراً أغضب معاوية فقال:
ألا أبلغ معاوية بن حرب
لقد ضاقت بما تأتي اليدان
أتغضب أن يقال: أبوك عف
وترضي أن يقال: أبوك زان
فاشهد أن رحمك من زياد
كرحم الفيل من ولد الأتان
وأشهد أنها حملت زياداً
وصخراً من سمية غير دان
قال ابن شحنه الحنفي: في سنة (44ه) استلحق معاوية زياداً وأثبت نسبه من أبي سفيان بشهادة أبي مريم الخمّار أنه زني بسمية البغي وحملت منه، وكان زياد ثابت النسب من عبيد الرومي، وشق ذلك علي بني أمية، ولاه معاوية البصرة والكوفة وخراسان وسمنان والهند والبحرين وعمان، وظلم وفجر وقويت به شوكة معاوية، وكان معاوية وعماله يسبون علياً ? علي المنابر، وكان من عادة حجر ابن عدي إذا سبوا علياً عارضهم وأثني عليه، ففعل كذلك في إمرة زياد للكوفة فأمسكه وأرسل به مع جماعة من أصحابه إلي معاوية فأمر بقتله وثمانية من جماعته فقتلوا بقرية مرج عذراء قرب دمشق، وعظم ذلك علي المسلمين، انتهي.
وكان زياداً هذا يتتبع الشيعة وهو بهم عارف، فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون وصلبهم علي جذوع النخل وطردهم وشردهم.
خلف زياد ابن أبيه ابنه عبيد الله بن مرجانة الذي كان والياً علي الكوفة وما جري منه علي الإمام الحسين ? وأهل بيته وشيعته أشهر من أن يذكر. انظر الكني والألقاب: ج1 ص301 (ابن زياد).
() سورة آل عمران: 103.
() سورة الحجرات: 10 11.
() سورة الأعراف: 65.
() سورة الأعراف: 73.
() سورة الأعراف: 85.
() سورة الحجر: 45 49.
() سورة النحل: 41.
() سورة الحج: 59.
() سورة النساء: 100.
() سورة الحشر: 8.
() سورة هود: 113.
() سورة سبأ: 31.
() سورة الأنعام: 129.
() سورة القصص: 17.
() سورة الفرقان: 27.
() سورة الشوري: 8.
() سورة النساء: 148.
() سورة الإسراء: 33.
() نهج الفصاحة: ص106 ح530.
() نهج الفصاحة: ص239 ح1190.
() بحار الأنوار: ج19 ص31 ب6.
() سورة العنكبوت: 56.
().بحار الأنوار: ج19 ص35 ب6.
() مستدرك الوسائل: ج13 ص58 ب25 ح14744.
() وسائل الشيعة: ج11 ص345 ب2 ح14976.
() من لا يحضره الفقيه: ج3 ص156 باب المعايش والمكاسب ح3571.
() مستدرك الوسائل: ج11 ص277 ب23 ح13001.
() وسائل الشيعة: ج15 ص101 ب36 ح20069.
() الخصال: ج2 ص411 باب الثمانية ضمن ح15.
() مكارم الأخلاق: ص253 الباب9 الفصل4.
() وسائل الشيعة: ج11 ص409 ب30 ح15126.
() بحار الأنوار: ج72 ص311 ب79 ح12.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص456 ق6 ب5 ف1 ح10401.
() بحار الأنوار: ج72 ص313 ب79 ح23.
() نهج الفصاحة: ص111 ح561.
() نهج البلاغة، الخطب: 113 من خطبة له في ذم الدنيا.
() يحيل: يتغير عن وجه الحق.
() نهج البلاغة، الخطب: 141 من كلام له ? في النهي عن سماع الغيبة.
() الكافي: ج2 ص171 كتاب الإيمان والكفر ب8 ح8.
() بحار الأنوار: ج72 ص372 ب82 ح17.
() مستدرك الوسائل: ج12 ص108 ب80 ح13650.
() مستدرك الوسائل: ج12 ص109 ب80 ح13651.
() وسائل الشيعة: ج16 ص57 ب80 ح20969.
() نهج البلاغة: الحكم 241.
() ثواب الأعمال: ص273 باب عقاب من ظلم.
() ثواب الأعمال: ص272 باب عقاب من ظلم.

تعريف مرکز القائمیة باصفهان للتحریات الکمبیوتریة

جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ في سَبيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (التوبة/41).
قالَ الإمامُ علیّ ُبنُ موسَی الرِّضا – علـَیهِ السَّلامُ: رَحِمَ اللّهُ عَبْداً أحْيَا أمْرَنَا... َ يَتَعَلَّمُ عُلُومَنَا وَ يُعَلِّمُهَا النَّاسَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَاتَّبَعُونَا... (بَــنـادِرُ البـِحـار – فی تلخیص بحـار الأنوار، للعلاّمة فیض الاسلام، ص 159؛ عُیونُ أخبارِ الرِّضا(ع)، الشـَّیخ الصَّدوق، الباب28، ج1/ ص307).
مؤسّس مُجتمَع "القائمیّة" الثـَّقافیّ بأصبَهانَ – إیرانَ: الشهید آیة الله "الشمس آباذی" – رَحِمَهُ اللهُ – کان أحداً من جَهابـِذة هذه المدینة، الذی قدِ اشتهَرَ بشَعَفِهِ بأهل بَیت النبیّ (صلواتُ اللهِ علـَیهـِم) و لاسیَّما بحضرة الإمام علیّ بن موسَی الرِّضا (علیه السّلام) و بـِساحة صاحِب الزّمان (عَجَّلَ اللهُ تعالی فرجَهُ الشَّریفَ)؛ و لهذا أسّس مع نظره و درایته، فی سَنـَةِ 1340 الهجریّة الشمسیّة (=1380 الهجریّة القمریّة)، مؤسَّسة ًو طریقة ًلم یـَنطـَفِئ مِصباحُها، بل تـُتـَّبَع بأقوَی و أحسَنِ مَوقِفٍ کلَّ یومٍ.
مرکز "القائمیّة" للتحرِّی الحاسوبیّ – بأصبَهانَ، إیرانَ – قد ابتدَأَ أنشِطتَهُ من سَنـَةِ 1385 الهجریّة الشمسیّة (=1427 الهجریّة القمریّة) تحتَ عنایة سماحة آیة الله الحاجّ السیّد حسن الإمامیّ – دامَ عِزّهُ – و مع مساعَدَةِ جمع ٍمن خِرّیجی الحوزات العلمیّة و طلاب الجوامع، باللیل و النهار، فی مجالاتٍ شتـَّی: دینیّة، ثقافیّة و علمیّة...
الأهداف: الدّفاع عن ساحة الشیعة و تبسیط ثـَقافة الثـَّقـَلـَین (کتاب الله و اهل البیت علیهـِمُ السَّلامُ) و معارفهما، تعزیز دوافع الشـَّباب و عموم الناس إلی التـَّحَرِّی الأدَقّ للمسائل الدّینیّة، تخلیف المطالب النـّافعة – مکانَ البَلاتیثِ المبتذلة أو الرّدیئة – فی المحامیل (=الهواتف المنقولة) و الحواسیب (=الأجهزة الکمبیوتریّة)، تمهید أرضیّةٍ واسعةٍ جامعةٍ ثـَقافیّةٍ علی أساس معارف القرآن و أهل البیت –علیهم السّلام – بباعث نشر المعارف، خدمات للمحققین و الطـّلاّب، توسعة ثقافة القراءة و إغناء أوقات فراغة هُواةِ برامِج العلوم الإسلامیّة، إنالة المنابع اللازمة لتسهیل رفع الإبهام و الشـّـُبُهات المنتشرة فی الجامعة، و...
- مِنها العَدالة الاجتماعیّة: التی یُمکِن نشرها و بثـّها بالأجهزة الحدیثة متصاعدة ً، علی أنـّه یُمکِن تسریعُ إبراز المَرافِق و التسهیلاتِ – فی آکناف البلد - و نشرِ الثـَّقافةِ الاسلامیّة و الإیرانیّة – فی أنحاء العالـَم - مِن جـِهةٍ اُخرَی.
- من الأنشطة الواسعة للمرکز:
الف) طبع و نشر عشراتِ عنوانِ کتبٍ، کتیبة، نشرة شهریّة، مع إقامة مسابقات القِراءة
ب) إنتاجُ مئات أجهزةٍ تحقیقیّة و مکتبیة، قابلة للتشغیل فی الحاسوب و المحمول
ج) إنتاج المَعارض ثـّـُلاثیّةِ الأبعاد، المنظر الشامل (= بانوراما)، الرّسوم المتحرّکة و... الأماکن الدینیّة، السیاحیّة و...
د) إبداع الموقع الانترنتی "القائمیّة" www.Ghaemiyeh.com و عدّة مَواقِعَ اُخـَرَ
ه) إنتاج المُنتـَجات العرضیّة، الخـَطابات و... للعرض فی القنوات القمریّة
و) الإطلاق و الدَّعم العلمیّ لنظام إجابة الأسئلة الشرعیّة، الاخلاقیّة و الاعتقادیّة (الهاتف: 00983112350524)
ز) ترسیم النظام التلقائیّ و الیدویّ للبلوتوث، ویب کشک، و الرّسائل القصیرة SMS
ح) التعاون الفخریّ مع عشراتِ مراکزَ طبیعیّة و اعتباریّة، منها بیوت الآیات العِظام، الحوزات العلمیّة، الجوامع، الأماکن الدینیّة کمسجد جَمکرانَ و...
ط) إقامة المؤتمَرات، و تنفیذ مشروع "ما قبلَ المدرسة" الخاصّ بالأطفال و الأحداث المُشارِکین فی الجلسة
ی) إقامة دورات تعلیمیّة عمومیّة و دورات تربیة المربّـِی (حضوراً و افتراضاً) طیلة السَّنـَة
المکتب الرّئیسیّ: إیران/أصبهان/ شارع"مسجد سیّد"/ ما بینَ شارع"پنج رَمَضان" ومُفترَق"وفائی"/بنایة"القائمیّة"
تاریخ التأسیس: 1385 الهجریّة الشمسیّة (=1427 الهجریة القمریّة)
رقم التسجیل: 2373
الهویّة الوطنیّة: 10860152026
الموقع: www.ghaemiyeh.com
البرید الالکترونی: Info@ghaemiyeh.com
المَتجَر الانترنتی: www.eslamshop.com
الهاتف: 25-2357023- (0098311)
الفاکس: 2357022 (0311)
مکتب طهرانَ 88318722 (021)
التـِّجاریّة و المَبیعات 09132000109
امور المستخدمین 2333045(0311)
ملاحَظة هامّة:
المیزانیّة الحالیّة لهذا المرکز، شـَعبیّة، تبرّعیّة، غیر حکومیّة، و غیر ربحیّة، اقتـُنِیَت باهتمام جمع من الخیّرین؛ لکنـَّها لا تـُوافِی الحجمَ المتزاید و المتـَّسِعَ للامور الدّینیّة و العلمیّة الحالیّة و مشاریع التوسعة الثـَّقافیّة؛ لهذا فقد ترجَّی هذا المرکزُ صاحِبَ هذا البیتِ (المُسمَّی بالقائمیّة) و مع ذلک، یرجو مِن جانب سماحة بقیّة الله الأعظم (عَجَّلَ اللهُ تعالی فرَجَهُ الشَّریفَ) أن یُوفـِّقَ الکلَّ توفیقاً متزائداً لِإعانتهم - فی حدّ التـّمکـّن لکلّ احدٍ منهم – إیّانا فی هذا الأمر العظیم؛ إن شاءَ اللهُ تعالی؛ و اللهُ ولیّ التوفیق.