فضائل آل الرسول صلي الله عليه و آله و سلم من الصواعق المحرقة

اشارة

مولف: السيد محمد الحسيني الشيرازي

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي محمد وآله الطيبين الطاهرين
ولعنة الله علي أعدائهم أجمعين إلي قيام يوم الدين
وبعد:
فقد حدّثني فضيلة العلاّمة، الخطيب المجاهد، الحاج السيد مرتضي القزويني، دام بقاؤه بعد زيارته لسماحة الإمام المجاهد، فقيد العلم والأدب، آية الله: الحاج السيد عبد الحسين شرف الدين «قُدِّس سرُّه» قائلاً:
إنّ سماحته أخبرني بأنه كان يحاول تلخيص كتاب «الصواعق المحرقة» لابن حجر الهيثمي، واختيار الفصول المختصة بعلي أمير المؤمنين وأولاده الأئمة الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) فقط، ليكون أبلغ للحجّة، وأقطع للعذر، غير أن الحوادث حالت دون بلوغ هدفه ذاك.
فحبّذ سماحته إلي السيد المرتضي أن يقوم بسدّ ذلك الفراغ في المكتبة الإسلامية، لكن السيد المرتضي أخبرني أنه هو الثاني الذي لم تسنح له الفرص لإنجاز تلك الفكرة.. فعزمت – بحول الله تعالي أن أقوم لهذه المهمّة، واستخرت الله تعالي في إنجازها وتوسّلت بالنبي والأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين) ليشفعوا لي إلي الله تعالي في أن يوفّقني للقيام بها، وسألت الله تعالي أن يهدي ثواب هذه الخدمة إلي روح السيّد شرف الدين، وأن يسبغ فضله علي السيد القزويني، والله أسأل العصمة والسداد، إنه وليّ ذلك وهو المستعان.
كربلاء المقدسة
محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي

في إسلامه وهجرته (ع) وغيرهما

أسلم وهو ابن عشر سنين، وقيل: تسع، وقيل: ثمان، وقيل: دون ذلك قديماً، بل قال ابن عباس وأنس وزيد بن أرقم وسلمان الفارسي وجماعة: إنّه أوّل من أسلم، ونقل بعضهم الإجماع عليه، ونقل أبو يعلي عنه قال: بُعث رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) يوم الاثنين وأسلمت يوم الثلاثاء.
وأخرج ابن سعد، عن الحسن بن زيد قال: لم يعبد الأوثان قطّ لصغره(1)، أي: ومن ثّمّ يقال فيه: كرّم الله وجهه.
وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة وأخو رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) بالمؤاخاة، وصهره علي فاطمة سيّدة نساء العالمين، وأحد السابقين(2) إلي الإسلام، وأحد العلماء الربّانيين، والشجعان المشهورين، والزهّاد المذكورين، والخطباء المعروفين، وأحد من جمع القرآن وعرضه علي رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) وعرض عليه أبو الأسود الدؤلي وأبو عبد الرحمن السلمي وعبد الرحمن بن أبي ليلي.
ولمّا هاجر النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) إلي المدينة أمره أن يقيم بعده بمكّة أيّاماً حتّي يؤدّي عنه أمانته والودائع والوصايا التي كانت عند النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) ثم يلحقه بأهله(3)، ففعل ذلك، وشهد مع النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) سائر المشاهد إلاّ تبوك، فإنه (صلي الله عليه وآله وسلم) استخلفه علي المدينة وقال له حينئذ: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسي».
وله في جميع المشاهد الآثار المشهورة وأصابه يوم أحُد ستّ عشرة ضربة، وأعطاه النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) اللّواء في مواطن كثيرة، سيّما يوم خيبر(4)، وأخبر (صلي الله عليه وآله وسلم) أن الفتح يكون علي يده كما في الصحيحين، وحمل يومئذ باب حصنها علي ظهره حتّي صعد المسلمون عليه ففتحوها، وإنهم جرّوه بعد ذلك، فلم يحمله إلاّ أربعون رجلاً(5).
وفي رواية: أنه تناول باباً من الحصن حصن خيبر فتترَّس به عن نفسه، فلم يزل يقاتل، وهو في يده، حتّي فتح الله عليه، ثم ألقاه فأراد ثمانية أن يلقوه فما استطاعوا.

في فضائله (ع)

وهي كثيرة عظيمة شهيرة، حتّي قال أحمد: ما جاء لأحد من الفضائل مثل ما جاء لعليّ.
وقال إسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري: لم يرد في حقّ أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان، أكثر ممّا جاء في علي (عليه السلام).
وقال بعض المتأخرين من ذريّة أهل البيت النبوي: وسبب ذلك والله أعلم أن الله تعالي أطلع نبيّه علي ما يكون بعده مما ابتلي به علي، وما وقع من الاختلاف لما آل إليه أمر الخلافة، فاقتضي ذلك نصح الأمة بإشهاره بتلك الفضائل لتحصل النجاة لمن تمسّك به ممّن بلغته.
ثمّ لمّا وقع ذلك الاختلاف والخروج عليه، نشر من سمع من الصحابة تلك الفضائل، وبثّها نصحاً للأمة أيضاً، ثم لما اشتدّ الخطب واشتغلت طائفة من بني أميّة بتنقيصه وسبّه علي المنابر، ووافقهم الخوارج، لعنهم الله، بل قالوا بكفره، اشتغلت جهابذة الحفاظ من أهل السنة(6) ببث فضائله حتي كثرت، نصحاً للأمة ونصرة للحق.
ثم أعلم أنه سيأتي في فضائل أهل البيت أحاديث مستكثرة من فضائله، فلتكن منك علي ذكر، وقد اقتصرتُ هنا علي أربعين حديثاً لأنها من غرر فضائله:
الحديث الأول:
أخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص وأحمد البزّاز، عن أبي سعيد الخدري، والطبراني عن أسماء بنت عميس، وأمّ سلمة، وحبيش بن جنادة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر بن سمرة، وعلي، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم: أن رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) خلّف علي بن أبي طالب (عليه السلام) في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله تخلّفني في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضي أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسي غير أنه لا نبيّ بعدي.
الحديث الثاني:
أخرج الشيخان أيضاً عن سهل بن سعد، والطبراني عن ابن عمر، وابن أبي ليلي وعمران بن حصين، والبزاز، عن ابن عباس: أنّ رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) قال يوم خيبر: لأعطينّ الراية غداً رجلاً يفتح الله علي يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، فبات الناس يذكرون أي يخوضون ويتحدثّون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا علي رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) كلّهم يرجو أن يُعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: يشتكي عينيه، قال: أرسلوا إليه، فأتِي به، فبصق رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) في عينيه ودعا له فبريء حتي كان كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية.
وأخرج الترمذي عن عائشة: كانت فاطمة أحبّ الناس إلي رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) وزوجها علي أحبّ الرجال إليه.
الحديث الثالث:
أخرج مسلم، عن سعد بن أبي وقاص قال: لمّا نزلت هذه الآية: (ندع أبناءنا وأبناءكم)(7) دعا رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) علياً وفاطمة حسناً وحسيناً، فقال: اللهم هؤلاء أهلي.
الحديث الرابع:
قال (صلي الله عليه وآله وسلم) يوم غدير خم: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه) الحديث.
وإنه رواه عن النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) ثلاثون صحابياً، وإن كثيراً من طرقه صحيح أو حسن.
وروي البيهقي أنه ظهر علي من البعد، فقال رسول الله: هذا سيّد العرب، فقالت عائشة: ألست سيّد العرب؟ فقال: أنا سيّد العالمين وهو سيّد العرب.
ورواه الحاكم في صحيحه عن ابن عباس بلفظ: أنا سيّد ولد آدم وعليّ سيّد العرب. وقال: إنّه صحيح.
الحديث الخامس:
أخرج الترمذي والحاكم وصححه عن بريدة قال: قال رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم): إن الله أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبّهم، قيل: يا رسول الله سمهم لنا، قال: «علي منهم يقول ذلك ثلاثاً وأبو ذر والمقداد وسلمان».
الحديث السادس:
أخرج أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، عن حبيش بن جنادة قال: قال رسول الله: عليّ منّي وأنا من علي، ولا يؤديّ عنّي إلاّ أنا وعلي.
الحديث السابع:
أخرج الترمذي عن ابن عمر: آخي النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) بين أصحابه فجاء عليّ تدمع عيناه، فقال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخِ بيني وبين أحد؟ فقال (صلي الله عليه وآله وسلم: أنت أخي في الدنيا والآخرة.
الحديث الثامن:
أخرج مسلم عن علي قال: والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة أنه لعهد النبي الأمي إلي أنه لا يحبني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق.
وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نعرف المنافقين ببغضهم عليّاً.
الحديث التاسع:
أخرج البزاز والطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله، والطبراني والحاكم والعقيلي في الضعفاء وابن عدي عن ابن عمر، والترمذي والحاكم عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم): أنا مدينة العلم وعلي بابها.
وفي رواية: فمن أراد العلم فيأت الباب.
وفي أخري عن الترمذي عن علي: أنا دار الحكمة وعلي بابها.
وفي أخري عن ابن عدي: علي باب علمي.
وبالغ الحاكم علي عادته، وقال: إن الحديث صحيح وصوّب بعض محقّقي المتأخّرين المطّلعين علي الحديث أنه حديث حسن.
الحديث العاشر:
أخرج الحاكم وصححه عن علي قال: «بعثني رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) إلي اليمن، فقلت: يا رسول الله بعثتني وأنا شاب أقضي بينهم لا أدري ما القضاء؟! فضرب صدري بيده ثم قال: اللهم اهدِ قلبه وثبّت لسانه، فوالذي فلق الحبّة ما شككتُ في قضاء بين اثنين».
قيل: «وسبب قوله: أقضاكم علي، إنّ رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) كان جالساً مع جماعة من أصحابه، فجاءه خصمان فقال أحدهما: يا رسول الله إن لي حماراً وإن لهذا بقرة وإن بقرته قد قتلت حماري، فبدأ رجل من الحاضرين فقال: لا ضمان علي البهائم، فقال (صلي الله عليه وآله وسلم): اقضِ بينهما يا علي، فقال علي لهما: أكانا مرسلين أم مشدودين أم أحدهما مشدوداً والآخر مرسلاً؟ فقالا: كان الحمار مشدوداً والبقرة مرسلة وصاحبها معها، فقال: علي صاحب البقرة ضمان الحمار. فأقرّ رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) حكمه وأمضي قضاءه».
الحديث الحادي عشر:
أخرج ابن سعد عن علي أنه قيل له: ما لك أكثر أصحاب رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) حديثاً؟ قال: «إني كنت إذا سألته أنبأني وإذا سكتُّ ابتدأني».
الحديث الثاني عشر:
أخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف علي جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله: «الناس من شجر شتّي وأنا وعلي من شجرة واحدة».
الحديث الثالث عشر:
أخرج البزار عن سعد قال: قال رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) لعليّ: «لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك».
الحديث الرابع عشر:
أخرج الطبراني والحاكم وصحّحه، عن أمّ سلمة قالت: «كان رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) إذا غضب لم يجترئ أحد أن يكلّمه إلاّ علي».
الحديث الخامس عشر:
أخرج الطبراني والحاكم، عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) قال: «النظر إلي عليّ عبادة»، إسناده حسن.
الحديث السادس عشر:
أخرج أبو يعلي والبزاز عن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم): «من آذي عليّاً فقد آذاني» (8).
الحديث السابع عشر:
أخرج الطبراني بسند حسن، عن أم سلمة، عن رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم): «من أحبّ علياً فقد أحبّني، ومن أحبّني فقد أحبّ الله، ومن أبغض عليّاً فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله».
الحديث الثامن عشر:
أخرج أحمد والحاكم وصحّحه، عن أم سلمة، قال: سمعتُ رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) يقول: «من سبّ علياً فقد سبّني» (9).
الحديث التاسع عشر:
أخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري: أنّ رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) قال لعليّ: «إنك تقاتل علي تأويل القرآن كما قاتلت علي تنزيله».
الحديث العشرون:
أخرج البزاز وأبو يعلي والحاكم عن عليّ قال: «دعاني رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) فقال: إن فيك مثلاً من عيسي، أبغضته اليهود حتي بهتوا أمه، وأحبّته النصاري حتي أنزلوه بالمنزل الذي ليس به، ألا وإنه يهلك فيّ اثنان: محبّ مفرط يقرضني بما ليس في، ومبغض يحمله شنآني علي أن يبهتني».
الحديث الحادي والعشرون:
أخرج الطبراني في الأوسط، عن أمّ سلمة قالت: «سمعتُ رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) يقول: علي مع القرآن والقرآن مع علي، لا يفترقان حتّي يردا عليَّ الحوض».
الحديث الثاني والعشرون:
أخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن عمّار بن ياسر: أن النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) قال لعلي: أشقي الناس رجلان أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي علي هذه – يعني قرنه- حتي يبلّ منه هذه يعني لحيته.
وقد ورد ذلك من حديث علي وصهيب وجابر بن سمرة وغيرهم.
أخرج أبو يعلي عن عائشة، قالت: «رأيت النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) التزم علياً وقبله وهو يقول: بأبي الوحيد الشهيد».
وروي الطبراني وأبو يعلي بسند رجاله ثقاة إلاّ واحد منهم فإنه موثق أيضاً: إنه (صلي الله عليه وآله وسلم) قال له يوماً من أشقي الأولّين؟ قال: الذي عقر الناقة يا رسول الله، قال: صدقت، قال: فمن أشقي الآخرين؟ قال: لا علم لي يا رسول الله. قال: الذي يضربك علي هذه وأشار(صلي الله عليه وآله وسلم) إلي يافوخه.
فكان عليّ (عليه السلام) يقول لأهل العراق أي عند تضجّره منهم: (وددتُ أنه قد انبعث أشقاكم فخضب هذه يعني لحيته من هذه) ووضع يده علي مقدم رأسه.
وصحّ أيضاً أن ابن سلام قال له: «لا تقدم العراق فإني أخشي أن يصيبك بها ذباب السيف، فقال علي: وأيم الله لقد أخبرني به رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم)».
قال أبو الأسود: فما رأيتُ كاليوم قطّ محارباً يخبر بذا عن نفسه.
الحديث الثالث والعشرون:
أخرج الحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري قال: «اشتكي الناس علياً فقام رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) فينا خطيباً فقال: لا تشكو علياً فوالله إنه لأخيشن في ذات الله وفي سبيل الله».
الحديث الرابع والعشرون:
أخرج أحمد والضياء، عن زيد بن أرقم: «إن رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) قال: إني أمرت بسدّ هذه الأبواب غير باب علي، فقال فيه قائلكم، وإني والله ما سددتُ شيئاً ولا فتحته ولكني أمرت بشيء فاتبعته».
الحديث الخامس والعشرون:
أخرج الترمذي والحاكم عن عمران بن حصين: «أن رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) قال: ما تريدون من علي؟! ما تريدون من علي؟! ما تريدون من علي؟! إنّ عليّاً منّي وأنا منه وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي».
الحديث السادس والعشرون:
أخرج الطبراني عن ابن مسعود: «إن النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) قال: إن الله تبارك وتعالي أمرني أن أزوّج فاطمة من عليّ».
الحديث السابع والعشرون:
أخرج الطبراني عن جابر، والخطيب عن ابن عباس: «إن النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) قال: إن الله جعل ذريّة كل نبي في صلبه، وجعل ذريّتي في صلب علي بن أبي طالب».
الحديث الثامن والعشرون:
أخرج الديلمي عن عائشة: «أن النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) قال: خير إخوتي علي وخير أعمامي حمزة».
الحديث التاسع والعشرون:
أخرج الديلمي أيضاً عن عائشة، والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس: «أن النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) قال: السبق ثلاثة: فالسابق إلي موسي يوشع بن نون، والسابق إلي عيسي صاحب يس، والسابق إلي محمد علي بن أبي طالب».
الحديث الثلاثون:
أخرج ابن النجار عن ابن عباس: «أن النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) قال: الصدّيقون ثلاثة: حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجّار صاحب يس، وعلي بن أبي طالب».
الحديث الحادي والثلاثون:
أخرج أبو نعيم وابن عساكر عن أبي ليلي: «أن رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) قال: الصدّيقون ثلاثة: حبيب النجّار، ومؤمن آل يس، قال: يا قوم اتّبعوا المرسلين، وحزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربّي الله، وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم».
الحديث الثاني والثلاثون:
أخرج الخطيب عن أنس: «إن النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) قال: عنوان صحيفة المؤمن حُبُّ عليّ بن أبي طالب».
الحديث الثالث والثلاثون:
أخرج الحاكم عن جابر: «إن النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) قال: علي إمام البررة وقاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله».
الحديث الرابع والثلاثون:
أخرج الدارقطني في الأفراد عن ابن عباس: «أن النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) قال: علي باب حطّة، من دخل منه كان مؤمناً، ومن خرج منه كان كافراً».
الحديث الخامس والثلاثون:
أخرج الخطيب عن البراء، والديلمي عن ابن عباس: «أن النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) قال: علي منّي بمنزلة رأسي من بدني».
الحديث السادس والثلاثون:
أخرج البيهقي والديلمي عن أنس: «أن النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) قال: علي يزهو في الجنّة ككوكب الصبح لأهل الدنيا».
الحديث السابع والثلاثون:
أخرج ابن عدي عن علي: «أن النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) قال: علي يعسوب المؤمنين والمال يعسوب المنافقين».
الحديث الثامن والثلاثون:
أخرج البزاز عن أنس: «أن النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) قال: علي يقضي دَيْني».
الحديث التاسع والثلاثون:
أخرج الترمذي والحاكم: «أن النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) قال: إن الجنّة لتشتاق إلي ثلاثة: عليّ وعمّار وسلمان».
الحديث الأربعون:
أخرج الشيخان عن سهل: «أن النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) وجد علياً مضطجعاً في المسجد وقد سقط رداؤه عن شقه فأصابه تراب، فجعل النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) يمسحه ويقول: قم أبا تراب، فلذلك كانت هذه الكنية أحب الكني إليه، لأنه (صلي الله عليه وآله وسلم) كناه بها».
وأخرج النسائي والحاكم عن علي: «أن النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) قال: إن كل نبي أعطِي سبعة نجباء رفقاء، وأعطيت أنا أربعة عشر: علي والحسن والحسين وجعفر وحمزة» الحديث.
وأخرج ابن المظفر وابن أبي الدنيا عن أبي سعيد الخدري قال: «خرج علينا رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) في مرضه الذي توفّي فيه ونحن في صلاة الغداة(10) فقال: إني تركت فيكم كتاب الله عزّ وجلّ وسنّتي(11)، فاستنطقوا القرآن بسنتي فإنه لن تعمي أبصاركم ولن تزل أقدامكم ولن تقصر أيديكم ما أخذتم بها، ثم قال: أوصيكم بهذين خيراً، وأشار إلي علي والعبّاس، لا يكف عنهما أحد ولا يحفظهما علي إلا أعطاه الله نوراً حتي يرد به علي يوم القيامة».
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن عوف قال: «لما فتح رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) مكة انصرف إلي الطائف فحصرها سبع عشرة ليلة أو تسعة عشرة ليلة، ثم قام خطيباً فحمد الله وأثني عليه ثم قال:
أوصيكم بعترتي خيراً، وإن موعدكم الحوض، والذي نفسي بيده لتقيمن الصلاة ولتؤتن الزكاة، ولأبعثن إليكم رجلاً منّي أو كنفسي يضرب أعناقكم، ثمّ أخذ بيد علي ثم قال: هو هذا».
وفي رواية: «إنه (صلي الله عليه وآله وسلم) قال في مرض موته: أيها الناس يوشك أن أقبض قبضاً سريعاً فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم، ألا أني مخلف فيكم كتاب ربي عزّ وجل وعترتي أهل بيتي، ثم أخذ بيد علي فرفعها فقال: هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتي يردا علي الحوض، فأسألهما ما خلفت فيهما».
وأخرج أحمد في المناقب عن علي قال: «طلبني النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) في حائط فضربني برجله وقال: قم فوالله لأرضيك، أنت أخي وأبو ولدي، فقاتل علي سنّتي من مات علي عهدي فهو في كنز الجنّة، ومن مات علي عهدك فقد قضي نحبه، ومن مات يحبك بعد موتك ختم الله له بالأمن والإيمان ما طلعت شمس أو غربت».
وأخرج الدارقطني: «إن علياً قال للستّة الذين جعل عمر الأمر شوري بينهم كلاماً طويلاً من جملته: أنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم): يا علي أنت قسيم الجنّة والنار يوم القيامة غيري؟ قالوا: اللهم لا».
ومعناه ما رواه عنترة عن علي الرضا «أنه (صلي الله عليه وآله وسلم) قال له: أنت قسيم الجنّة والنار، فيوم القيامة تقول للنار: هذا لي وهذا لك».
وروي ابن السماك: «إن أبا بكر قال له: سمعت رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) يقول: لا يجوز أحد الصراط إلاّ من كتب له عليّ الجواز».
وأخرج البخاري عن علي (عليه السلام) أنه قال: «أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، قال قيس: وفيهم نزلت هذه الآية هذان خصمان اختصموا في ربهم قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: عليّ وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة».

في ثناء الصحابة والسلف (ع)

أخرج ابن سعد عن أبي هريرة قال: قال عمر بن الخطاب: عليّ أقضانا.
وأخرج الحاكم عن ابن مسعود قال: أقضي أهل المدينة عليّ.
وأخرج عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر بن الخطّاب يتعوّذ بالله من معضلة ليس لها أبوالحسن يعني علياً.
وأخرج عنه قال: لم يكن أحد من الصحابة يقول سلوني إلاّ عليّ.
وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود قال: افرض أهل المدينة وأقضاها عليّ وذكر عند عائشة فقالت: إنه أعلم من بقي في السنة.
وقال مسروق: انتهي علم أصحاب رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) إلي عمر(12) وعلي وابن مسعود.
وقال عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة: كان لعلي ما شئت من ضرس قاطع في العلم وكان له القدم في الإسلام والصهر برسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم)، والفقه في السنّة، والنجدة في الحرب، والجود في المال.
وأخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ما أنزل الله: (يا أيّها الذين آمنوا) إلا وعليّ شريفها وأميرها. ولقد عاتب الله أصحاب محمد في غير مكان وما ذكر علياًّ إلاّ بخير.
وأخرج ابن عساكر عنه قال: ما نزل في أحد من كتاب الله تعالي ما نزل في عليّ.
وأخرج عنه أيضاً قال: نزل في عليّ ثلاثمائة آية.
وأخرج الطبراني عنه قال: كانت لعليّ ثماني عشرة منقبة ما كانت لأحد من هذه الأمة.
وأخرج أبو يعلي عن أبي هريرة قال: قال عمر بن الخطاب: لقد أُعطي علي ثلاث خصال لأن تكون لي خصلة منها أحبّ إلي من حمر النعم، فسئل ما هي؟ قال: تزويجه ابنته، وسكناه في المسجد لا يحل لي فيه ما يحل له، والراية يوم خيبر.
وروي أحمد بسند صحيح عن ابن عمر نحوه.
وأخرج أحمد وأبو يعلي بسند صحيح عن علي قال: ما رمدتُ ولا صرعتُ منذ مسح رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) وجهي وتفل في عيني يوم خيبر حين أعطاني الراية.
ولماّ دخل الكوفة دخل عليه حكيم من العرب فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد زيّنت الخلافة وما زيّنتك، ورفعتها وما رفعتك، وهي كانت أحوج إليك منك إليها.
وأخرج السلفي في الطيوديات عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عن عليّ ومعاوية فقال: أعلم أن علياً كان كثير الأعداء ففتش له أعداؤه شيئاً فلم يجدوه فجاءوا إلي رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيداً منهم له.

في نبذ من كراماته وقضاياه وكلماته الدالة علي علوّ قدره (ع)

علماً وحكمةً وزهداً ومعرفةً بالله تعالي
أخرج ابن سعد عنه قال: والله ما نزلت آية إلاّ وقد علمت فيم نزلت وأين نزلت وعلي من نزلت، إن ربي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً ناطقاً.
وأخرج ابن سعد وغيره عن أبي الطفيل قال: قال علي: سلوني عن كتاب الله فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم جبل.
ومن كراماته الباهرة: أن الشمس ردت عليه لما كان رأس النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) في حجره والوحي ينزل عليه وعليّ لم يصلّ العصر، فما سري عنه (صلي الله عليه وآله وسلم) إلاّ وقد غربت الشمس، فقال النبي (صلي الله عليه وآله وسلم): اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس، فطلعت بعد ما غربت.
وحديث ردّها صححه الطحاوي والقاضي في الشفاء، وحسّنه شيخ الإسلام أبو زرعة، وتبعه غيره، وردوا علي جمع قالوا: أنه موضوع ورغم فوات الوقت بغروبها فلا فائدة لردّها في محل المنع، بل نقول كما أن ردّها خصوصية كذلك إدراكك العصر الآن أداء خصوصية وكرامة(13) علي أن في ذلك أعني أن الشمس إذا غربت، ثم عادت هل يعود الوقت بعودها؟ تردداً(14) حكيته مع بيان المتجه منه في شرح العباب، في أوائل كتاب الصلاة.
قال سبط ابن الجوزي: وفي الباب حكاية عجيبة حدثني جماعة من مشايخنا بالعراق: أنهم شاهدوا أبا منصور المظفر بن ازدشير القباوي الواعظ، ذكر بعد العصر هذا الحديث ونمقه بألفاظه، وذكر فضائل أهل البيت، فغطت سحابة الشمس حتي ظن الناس أنها قد غابت، فقام علي المنبر فأومأ إلي الشمس وأنشدها:
لا تغربي يا شمس حتي ينتهي مدحي لآل المصطفي ولنجله
واثني عنانك إن أردت ثنائهم أنسيت إذ كان الوقوف لأجله
إن كان للمولي وقوفك فليكن هذا الوقوف لخيله ولرجله
قالوا: فانجاب السحاب عن الشمس، وطلعت.
وأخرج عبد الرزاق عن حجر المراري قال: قال لي علي: كيف بك إذا أُمرت أن تلعنني؟ قلت: أو كائن ذلك؟ قال: نعم، قلت: فكيف أصنع؟ قال: العني ولا تبرأ مني. قال: فأمرني محمد بن يوسف أخو الحجاج، وكان أميراً من قبل عبد الملك ابن مروان علي اليمن أن ألعن علياً، فقلت: إن الأمير أمرني أن ألعن علياً فالعنوه لعنه الله، فما فطن لها إلا رجل، أي: لأنه إنما لعن الأمير ولم يلعن علياً، فهذا من كرامات عليّ وإخباره بالغيب.
ومن كراماته أيضاً: أنه حدث بحديث فكذبه رجل فقال له: أدعو عليك إن كنت كاذباً، قال: أُدع، فدعا عليه، فلم يبرح حتي ذهب بصره.
وأخرج ابن المدائني عن مجمع: أن علياً كان يكنس بيت المال ثم يصلّي فيه رجاء أن يشهد له أنه لم يحبس فيه المال عن المسلمين، وجلس رجلان يتغديان مع أحدهما خمسة أرغفة، ومع الآخر ثلاثة أرغفة، فمر بهما ثالث فأجلساه، فأكلوا الأرغفة الثمانية علي السواء، ثم طرح لهما الثالث ثمانية دراهم عوضاً عماّ أكله من طعامهما، فتنازعا، فصاحب الخمسة أرغفة يقول: إن له خمسة دراهم، ولصاحب الثلاثة ثلاثة، وصاحب الثلاثة يدعي أن له أربعة ونصفاً، فاختصما إلي علي، فقال لصاحب الثلاث: خذ ما رضي به صاحبك وهو الثلاثة فإن ذلك خير لك، فقال: لا رضيت إلا بمر الحق، فقال علي: ليس في مر الحق إلا درهماً واحداً، فسأله عن بيان وجه ذلك، فقال علي: أليست الثمانية أرغفة أربعة وعشرين ثلثاً أكلتموها وأنتم ثلاث؟ ولا يعلم أكثركم أكلاً فتحملون علي السواء، فأكلت أنت ثمانية أثلاث والذي لك تسعة أثلاث، وأكل صاحبك ثمانية أثلاث والذي له خمسة عشر ثلثاً، فبقي له سبعة ولك واحد، فله سبعة بسبعته، ولك واحد بواحدك، فقال: رضيت الآن.
وأتي برجل فقيل له: زعم هذا أنه احتلم بأمي، فقال اذهب فأقمه في الشمس فاضرب له ظله.

ومن كلامه (ع)

الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.
الناس برؤسائهم أشبه منهم بآبائهم.
لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً.
ما هلك امريء عرف قدره.
قيمة كل امرؤ ما يحسنه.
من عرف نفسه فقد عرف ربّه.
(كذا نسب إليه، والمشهور أنه من كلام يحي بن معاذ الرازي).
المرء مخبوءٌ تحت لسانه.
من عذب لسانه كثر إخوانه.
بالبر يستعبد الحر.
بشّر مال البخيل بحادث أو وارث.
لا تنظر الذي قال وانظر إلي ما قاله.
الجزع عند البلاء تمام المحنة.
لا ظفر مع البغي.
لا ثناء مع الكبر.
لا صحة مع النهم والتخم.
لا شرف مع سوء الأدب.
لا راحة مع الحسد.
لا سؤدد مع الانتقام.
لا صواب مع ترك المشورة.
لا مروءة للكذب.
لا كرم أعز من التقي.
لا شفيع أنجح من التوبة.
لا لباس أجمل من العافية.
لا داء أعيي من الجهل.
المرء عدوّ ما جهله.
رحم الله امرءاً عرف قدره، ولم يتعد طوره.
إعادة الاعتذار تذكر بالذنب.
النصح بين الملأ تقريع.
نعمة الجاهل كروضة علي مزبلة.
الجزع أتعب من الصبر.
المسؤول حر حتي يعد.
أكبر الأعداء أخفاهم مكيدة.
الحكمة ضالة المؤمن.
البخيل جامع لمساويء العيوب.
إذا حلت المقادير ضلت التدابير.
عبد الشهوة أذل من عبد الرقّ.
الحاسد مغتاظ علي من لا ذنب له.
كفي بالذنب شفيعاً للمذنب.
السعيد من وعظ بغيره.
الإحسان يقطع اللسان.
أفقر الفقر الحمق.
أغني الغني العقل.
الطامع في وثاق الذل.
ليس العجب مما هلك كيف هلك، بل العجب مما نجا كيف نجا.
احذروا نفاد النعم فما شارد بمردود.
أكثر مصارع العقول تحت بروق الأطماع.
إذا وصلت إليكم النعم فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر.
إذا قدرت علي عدوك فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه.
ما أضمر أحد شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه، وعلي صفحات وجهه.
البخيل يستعجل الفقر ويعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء.
لسان العاقل وراء قلبه وقلب الأحمق وراء لسانه.
العلم يرفع الوضيع والجهل يضع الرفيع.
العلم خير من المال.
العلم يحرسك وأنت تحرس المال.
العلم حاكم والمال محكوم عليه.
قصم ظهري عالم متهتك وجاهل متنسك، هذا يفتي وينفر الناس بتهتكه، وهذا يضل الناس بتنسكه.
أقل الناس قيمة أقلهم علماً، إذ قيمة كل امريء ما يحسنه.
وكلامه (عليه السلام) في هذا الأسلوب البديع كثير، تركته خوف الإطالة.

ومن كلامه (ع) أيضاً

كونوا في الناس كالنحلة في الطير، ليس في الطير شيء إلا وهو يستضعفها، ولو علم الطير ما في أجوافها من البركة لم يفعلوا ذلك بها.
خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم، فإن للمرء ما اكتسب وهو يوم القيامة مع من أحب.
ومنه: كونوا بقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل، فإنه لن يقل عملٌ مع التقوي، وكيف يقل عمل متقبل.
ومنه: يا حملة القرآن اعملوا به، فإن العالم من عمل بما علم ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم تخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يجلسون حلقاً فيباهي بعضهم بعضاً، حتي أن الرجل يغضب علي جليسه أن يجلس إلي غيره ويدعه، أؤلئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلي الله.
ومنه: لا يخافن أحد منكم إلا ذنبه، ولا يرجو إلا ربه، ولا يستحي من يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم.
ومنه: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد.
ومنه: الفقيه كل الفقيه من لا يقنط الناس من رحمة الله، ولا يرخص لهم في معاصي الله، ولا يؤمنهم عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلي غيره.
ومنه: لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا خير في علم لا فهم معه، ولا في قراءة لا تدبر فيها.
ومنه: ما أبردها علي كبدي إذا سئلت عما لا أعلم(15) أن أقول: الله أعلم.
ومنه: من أراد أن ينصف الناس من نفسه فليحب لهم ما يحب لنفسه.
ومنه: سبع من الشيطان: شدة الغضب، وشدة العطاس، وشدة التثاؤب، والقييء، والرعاف(16)، والنجوي، والنوم عند الذكر.
ومنه: الحزم سوء الظن. وهو حديث ولفظه: إن من الحزم سوء الظن.
ومنه: التوفيق خير قائد، وحسن الخلق خير قرين، والعقل خير صاحب، والأدب خير ميراث، ولا وحشة أشد من العجب.
وقال لما سئل عن القدر: طريق مظلم لا تسلكه، وبحر عميق لا تلجه، سرّ الله قد خفي عليك فلا تفشه، أيها السائل إن الله خلقك كما شاء أو كما شئت! قال: بل كما شاء، قال: فيستعملك كما شاء.
وقال: إن للنكبات نهايات لابد لأحد إذا نكب أن ينتهي إليها فينبغي للعاقل إذا أصابته نكبة أن ينام لها حتي تنقضي مدتها، فإن في دفعها قبل انقضاء مدتها زيادة في مكروهها.
وسئل عن السخاء فقال: ما كان منه ابتداء، فأما ما كان عن مسألة فحياء وتكرم.
وأثني عليه عدوٌّ له فأطراه فقال: إني لست كما تقول، وأنا فوق ما في نفسك.
وقال: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والنغص في اللذة، قيل: وما النغص؟ قال: لا ينال شهوة حلال إلا جاءه ما ينغصه إياها.
وقال له عدوه: ثبتك الله، فقال: علي صدرك.
ولما ضربه ابن ملجم قال للحسن وقد دخل عليه باكياً: يا بني احفظ عني أربعاً وأربعاً، قال: وما هن يا أبتة؟ قال: إن أغني الغني العقل، وأكبر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العجب، وأكرم الكرم حسن الخلق، قال: فالأربع الأخر؟ قال: إياك ومصاحبة الأحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، وإياك ومصادقة الكذاب فإنه يقرب عليك البعيد، ويبعد عليك القريب، وإياك ومصادقة البخيل، فإنه يخذلك في أحوج ما تكون إليه، وإياك ومصادقة الفاجر، فإنه يبيعك بالتافه.
وقال له يهودي: متي كان ربّنا؟ فتغيّر وجهه وقال: كان إذ لم يكن مكان، ولا كينونة، كان بلا كيف، كان ليس له قبل ولا غاية، انقطعت الغايات دونه، فهو غاية كل غاية، فأسلم اليهودي.
وافتقد درعاً وهو بصفّين فوجدها عند يهوديّ فحاكمه فيها إلي قاضيه الشيخ شريح وجلس بجنبه وقال: لولا أن خصمي يهودي لاستويتُ معه في المجلس(17)، ولكني سمعت رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) يقول: لا تسوّوا بينهم في المجالس.
وفي رواية: أصغروهم(18) من حيث أصغرهم الله، ثم ادّعي بها فأنكر اليهودي، فطلب شريح بيّنة من علي، فأتي بقنبر والحسن، فقال له شريح: شهادة الابن لأبيه لا تجوز، فقال اليهودي: أمير المؤمنين قدّمني إلي قاضيه وقاضيه قضي عليه! أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وأن الدرع درعك.
وأخرج الواقدي عن ابن عباس قال: كان مع علي أربعة دراهم لا يملك غيرها فتصدّق بدرهم ليلاً، وبدرهم نهاراً، وبدرهم سراً، وبدرهم علانية، فنزل فيه: (الذين ينفقون أموالهم باللّيل والنهار وسرّاً وعلانية فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون)(19).
وقال معاوية لضرار بن حمزة: صف لي عليّاً، فاعتذر، فقال: أقسمتُ عليك بالله، فقال:
كان والله بعيد المدي، شديد القوي، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطلق الحكمة من لسانه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس باللّيل ووحشته، وكان غزير الدمعة، طويل الفكرة، يعجبه من اللّباس ما قصر، ومن الطعام ما خشُن، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه ويأتينا إذا دعوناه، ونحن والله مع تقريبه إيّانا وقربه منّا لا نكاد نكلّمه هيبة له، يعظم أهل الدين، ويقرّب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخي الليل سدوله، وغارت نجومه قابضاً علي لحيته يتململُ تململ السليم أي اللدّيغ ويبكي بكاء الحزين ويقول: يا دنيا غُرّي غيري إلي تشوّقتِ؟ هيهات هيهات قد باينتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعمركِ قصير، وخطركِ قليل، آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق، فبكي معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك.
وسبب مفارقة أخيه عقيل له، أنه كان يعطيه كلّ يوم من الشعير ما يكفي عياله، فاشتهي عليه أولاده هريساً، فصار يوفر كل يوم شيئاً قليلاً حتي اجتمع عنده ما اشتري به سمناً وتمراً وصنع لهم فدعوا علياً إليه، فلمّا جاء وقدم له ذلك سأل عنه فقصّوا عليه ذلك، فقال: أو كان يكفيكم ذلك بعد الذي عزلتم منه؟ قالوا: نعم، فنقص(20) ممّا كان يعطيه مقدار ما كان يعزل كل يوم، وقال: لا يحلّ لي أزيد من ذلك، فغضب، فحمي له حديدة وقرّبها من خدّه وهو غافل، فتأوّه، فقال: تجزع من هذه وتعرضني لنار جهنّم، فقال: لأذهبنّ إلي من يعطيني تبراً ويطعمني تمراً، فلحق بمعاوية.
وقد قال معاوية يوماً: لولا علم عقيل بأني خير له من أخيه ما أقام عندنا وتركه، فقال له عقيل: أخي خير لي في ديني، وأنت خير لي في دنياي، وأسأل الله خاتمة خير.
وأخرج ابن عساكر: أنّ عقيلاً سأل علياً فقال: إني محتاج وإني فقير فأعطني، قال: اصبر حتي يخرج عطاؤك مع المسلمين فأعطيك معهم، فألحّ عليه فقال لرجل: خذ بيده وانطلق به إلي حوانيت أهل السوق، فقال له: دق هذه الأقفال وخذ ما في هذه الحوانيت، قال عقيل: تريد أن تتّخذني سارقاً، فقال علي: وأنت تريد أن تتّخذني سارقاً؟ أن آخذ أموال المسلمين فأعطيكها دونهم، قال: لأتينّ معاوية، قال: أنت وذاك، فأتي معاوية فسأله فأعطاه مائة ألف، ثم قال: اصعد علي المنبر فاذكر ما أولاك به علي وما أوليتك. فصعد فحمد الله وأثني عليه، ثمّ قال: يا أيّها الناس إني أخبركم أني أردت علياً علي دينه فاختار دينه، وإني أردت معاوية علي دينه فاختارني علي دينه.
وقال معاوية لخالد بن عمر لمَ أحببت علياً علينا؟ قال: علي ثلاث خصال: علي حلمه إذا غضب، وعلي صدقه إذا قال، وعلي عدله إذا حكم، ولمّا وصل إليه فخر من معاوية قال لغلامه اكتب إليه، ثم أملي عليه:
محمد النبي أخي وصهري وحمزة سيّد الشهداء عمّي
وجعفر الذي يمسي ويضحي يطير مع الملائكة ابن أمّي
وبنت محمد سكني وعرسي منوط لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمد ابناي منها فأيّكموا له سهم كسهمي
سبقتكم إلي الإسلام طرّاً غلاماً ما بلغت أوان حلمي
قال البيهقي: إن هذا الشعر مما يجب علي كل أحد متوان في علي حفظه ليعلم مفاخره في الإسلام، ومناقب علي وفضائله أكثر من أن تحصي.
ومن كلام الشافعي:
إذا نحن فضلنا علياً روافض بالتفضيل عند ذوي الجهل
وقال أيضاً:
قالوا ترفضت قلت كلاّ ما الرفض ديني ولا اعتقادي
لكن توليت غير شك خير إمام وخير هادي
إن كان حبّ الوليّ رفضاً فإنني أرفض العباد
وقال أيضاً:
يا راكباً قف بالمحصب من منيً واهتف بساكن خيفها والناهض
سحراً إذا فاض الحجيج إلي مني فيضاً كملتطم الفرات الفائض
إن كان حب الوليّ رفضاً فليشهد الثقلان أني رافضي
قال البيهقي: وإنما قال الشافعي ذلك حين نسبه الخوارج إلي الرفض حسداً وبغياً.
وله أيضاً: وقال المزني: إنك رجل توالي أهل البيت فلو عملت في هذا الباب أبياتاً، فقال:
وما زال كتماً منك حتي كأنني برد جواب السائلين لا عجمُ
واكتم ودّي مع صفاء مودّتي لتسلم من قول الوشاة وأسلمُ

في وفاته (ع)

سببها أنه لما طال النزاع بينه بين معاوية(21) انتدب ثلاثة نفر من الخوارج: عبد الرحمن بن ملجم المرادي، والبرْك، وعمرو التميمي، فاجتمعوا بمكة وتعاهدوا أو تعاقدوا ليقتلنَّ هؤلاء الثلاثة: عليّاً ومعاوية وعمرو بن العاص ويريحوا العبادَ منهم، فقال ابن ملجم: أنا لكم بعلي، وقال البرك: أنا لكم بمعاوية، وقال عمرو: وأنا لكم بعمرو، وتعاهدوا علي أن ذلك يكون ليلة حادي عشر أو ليلة سابع عشر(22) رمضان، ثم توجه كل منهم إلي مصر صاحبه، فقدم ابن ملجم الكوفة فلقي أصحابه من الخوارج فكاتمهم من يريد ووافقه منهم شبيب بن عجزة الأشجعي وغيره، فلما كانت ليلة الجمعة سابع عشر رمضان سنة أربعين استيقظ عليّ سحراً وقال لابنه الحسن: رأيت اللّيلة رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) فقلت: يا رسول الله ما لقيت من أمتك خيراً، فقال لي: ادعُ الله عليهم، فقلت: اللهم أبدلني بهم خيراً لي منهم وأبدلهم بي شراً لهم منّي.
وأقبل عليه الأوز يصحن في وجهه فطردوهن، فقال دعوهنّ فإنهنّ نوائح، ودخل عليه المؤذن فقال: الصلاة، فخرج علي الباب ينادي: أيها الناس الصلاة الصلاة، فشد عليه شبيب فضربه بالسيف(23) فوقع سيفه بالباب وضربه ابن ملجم بسيفه فأصاب جبهته إلي قرنه، ووصل دماغه، وهرب، فشبيب دخل منزله فدخل عليه رجل من بني أمية فقتله.
وأما ابن ملجم فشدّ عليه الناس من كل جانب، فلحقه رجل من همدان فطرح عليه قطيفه ثم صرعه وأخذ السيف منه وجاء به إلي علي فنظر إليه وقال(24): النفس بالنفس، إذا ما متّ فاقتلوه كما قتلني وإن سلمت رأيت فيه رأيي.
وفي رواية: والجروح قصاص فأمسك وأوثق.
وأقام علي الجمعة والسبت وتوفّي ليلة الأحد، وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر ومحمد بن الحنفية يصبّ الماء، وكفّن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وصلّي عليه الحسن وكبر عليه سبعاً، ودفن بدار الإمارة بالكوفة ليلاً، أو بالغري(25) موضع يزار الآن، أو بين منزله والجامع الأعظم.
أقول: ثم قطعت أطراف ابن ملجم وجعل(26) في قوصرة وأحرقوه بالنار.
وقيل: بل أمر الحسن بضرب عنقه ثم حرقت جيفته أم الهيثم بنت الأسود النخعية، وكان علي في شهر رمضان الذي قتل فيه يفطر ليلةً عند الحسن وليلةً عند الحسين وليلةً عند عبد الله بن جعفر، ولا يزيد علي ثلاث لقم ويقول: أحب أن ألقي الله وأنا خميص.
فلمّا كانت الليلة التي قتل في صبيحتها أكثر الخروج والنظر إلي السماء وجعل يقول: والله ما كَذِبْتُ ولا كُذّبْتُ وإنها الليلة التي وعدتُ، فلمّا خرج وقت السحر ضربه ابن ملجم الضربة الموعود بها كما قدمنا في أحاديث فضائله. وعُمِّي قبر علي لئلا ينبشه الخوارج.
وقال شريك: نقله ابنه الحسن إلي المدينة.
وأخرج ابن عساكر: أنه لمّا قُتل حملوه ليدفنون مع رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) فبينما هم في مسيرهم ليلاً إذ ندَّ الجمل الذي عليه فلم يدرِ أين يذهب ولم يقدر عليه فلذلك يقول جماعة هو في السحاب، وقال غيره: إن البعير وقع في بلاد طيء فأخذوه ودفنوه(27).
وكان لعلي حين دُفن ثلاث وستّون سنة(28). وقيل: أربع وستون. وقيل: خمس وستّون، وقيل: سبع وخمسون، وقيل: ثمان وخمسون.
وسُئل وهو علي المنبر بالكوفة عن قوله تعالي: (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلا)(29) فقال: اللهم غفراً هذه الآية نزلت فيّ وفي عمّي حمزة، وفي ابن عبيدة بن الحرث بن عبد المطّلب، فأما عبيدة فقضي نحبه شهيداً يوم بدر، وحمزة قضي نحبه شهيداً يوم أحد، وأما أنا فأنتظر أشقاها يخضب هذه من هذه، وأشار بيده علي لحيته ورأسه، عهد عهده إليّ حبيبي أبي القاسم (صلي الله عليه وآله وسلم).
ولما أصيب دعا الحسن والحسين فقال لهما: أوصيكما بتقوي الله، ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تبكيا علي شيء زوي منها عنكما، وقولا الحقّ، وارحما اليتيم، وأعينا الضعيف، واصنعا للآخرة، وكونا للظالم خصماً، وللمظلوم أنصاراً، واعملا لله ولا تأخذكما في الله لومة لائم.
ثمّ نظر إلي ولده محمد بن الحنفية فقال له: هل حفظت ما أوصيت به أخويك؟ قال: نعم، فقال: أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير أخويك لعظم حقّهما عليك، ولا تواثق أمراً دونهما.
ثمّ قال: أوصيكما به فإنّه أخوكما وابن أبيكما، وقد علمتما أنّ أباكما كان يحبّه.
ثمّ لم ينطق إلاّ بلا إله إلا الله إلي أن قبض كرّم الله وجهه.
وروي: أنّ علياً جاءه ابن ملجم يستحمله فحمله ثم قال:
أريد حياته ويريد قتلي عَذيرك من خليلك من مراد
ثم قال: هذا والله قاتلي، فقيل له: ألا تقتله؟ فقال: فمن يقتلني؟
وفي المستدرك عن السدّي قال: كان ابن ملجم عشق امرأة من الخوارج يقال لها قطام فنكحها وأصدقها ثلاثة آلاف درهم وقتل علي، وفي ذلك يقول الفرزدق:
فلم أري مهراً ساقه ذو سماحة كمهرٍ قطامٍ بيِّن غير معجم
وفي رواية: من فصيح أعجم.
ثلاثة آلاف وعبد وقينه وضرب علي بالحسام المصمم
فلا مهر أغلي من علي وإن غلا ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم
1 بل لعصمته (عليه السلام). 2 بل أول السابقين.
3 وذلك بعد أن أمره بالمبيت علي فراشه فرضي (عليه السلام) أن يقي بنفسه رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) ووطن نفسه علي الموت، فنزل فيه (عليه السلام): (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، والله رؤوف بالعباد)، «البقرة 207».
4 وقال: لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله علي يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار «الصواعق المحرقة الحديث الثاني من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام».
5 وفي ذلك قال فقيه المعتزلة ابن أبي الحديد في قصيدته العينية:
يا قالع الباب الذي عن فتحه عجزت أكف أربعون وأربع
6 نعم قيض الله رجالاً من أمثال حجر بن عدي الطائي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وميثم التمار، وسعيد ابن جبير وأمثال هؤلاء علي مر التاريخ ممن ضحي بنفسه في بيان فضائله (عليه السلام) وإبلاغ مناقبه ومآثره إلي الأجيال جيلاً بعد جيل.
7 آل عمران 61: (فمن حاجَّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءَنا ونساءَكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله علي الكاذبين).
8 وقال تعالي في كتابه العزيز: (إنَّ الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً) الأحزاب 57.
9 إذا كان الساب لعليّ (عليه السلام) ساباً لرسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) فما حكم من سن سب علي عليه السلام حتي جروا عليه سبعين عاماً؟!
10 وهنا قصة مفصلة لم يتعرض الراوي لها ينبغي مراجعتها في مظانها لنري كيف لم يرتض الرسول (صلي الله عليه وآله وسلم) من صلي بهم الغداة يومئذ حيث جذبه (صلي الله عليه وآله وسلم) من ردائه واستأنف الصلاة بهم.
11 وفي كثير من الأحاديث كتاب الله وعترتي مع أن سنة الرسول (صلي الله عليه وآله وسلم) كما رأيت فيما مر عليك من الأحاديث تؤكد علي اختيار الرسول (صلي الله عليه وآله وسلم) علياً (عليه السلام) بأمر من الله تعالي وصياً وإماماً وخليفة من بعده.
12 لقد اعترف كما رأيت بأن علياً (عليه السلام) اقضاهم. 13 بل ومعجزة أيضاً.
14 لا تردد في ذلك، وهل يتردد في عود الوقت من فاتته العصر، فسافر مثلاً بالطائرة إلي بلد أدرك فيه الوقت بعدم غروب الشمس فيها؟.
15 إن صح منه (عليه السلام) هذا الكلام، فهو تلقين لنا وليس له، لأنه عليه السلام كما مر في الحديث التاسع من فضائله هو: باب مدينة علم الرسول (صلي الله عليه وآله وسلم) وإن علي من يريد العلم أن يأت الباب.
16 في صحة نسبة مثل القيء والرعاف وإنه من الشيطان إلي كلامه (عليه السلام) نظر.
17 و18 بل إن الإمام (عليه السلام) اعترض علي قاضيه لما لم يساو بينهما.
19 البقرة: 274.
20 بل أراد عقيل الزيادة عما كان عليه سهمه من بيت المال كما جاء في نهج البلاغة الخطبة: 224 لا أنه (عليه السلام) نقصه.
21 بل سبب اغتيال الإمام وشهادته (عليه السلام) هو: تآمر الأعداء ومكيدتهم، وعدم وعي الأمة قادتها الحقيقيين، حيث قرنوا ابن عم الرسول ووصيّه وأول السابقين إلي الإسلام والذابّين عن حرم الله ورسوله والمؤمنين بأمثال معاوية وابن العاص.
22 بل ليلة تاسع عشر.
23 بل كان الإمام (عليه السلام) في محراب مسجد الكوفة، وقد دخل في الصلاة وائتمّ الناس به.
24 بل قال له: أبئس الإمام كنت لك حتّي جازيتني بهذا الجزاء؟ فقال وقد دمعت عيناه: يا أمير المؤمنين «أفأنت تنقذ مَن في النار؟» فقال (عليه السلام): صدقت، ثم أوصي به خيراً.
25 بل بالغري حيث مشهده الشريف اليوم.
26 بل اقتصوا منه كما أوصي الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلي ابنه الحسن (عليه السلام) بأنه وليّ الدم وله حقّ العفو، وإذا أراد القصاص فضربة بضربة.
27 قد عرفت أنه بالغري حيث مرقده الشريف إلي اليوم مزار الملايين.
28 وهو الصحيح. 29 الأحزاب: 23.

في خلافته (ع)

هو آخر الخلفاء الراشدين(1) بنص جدّه (صلي الله عليه وآله وسلم) ولي الخلافة بعد قتل أبيه بمبايعة أهل الكوفة، فأقام بها ستة أشهر وأياماً، خليفة حق وإمام عدل وصدق تحقيقاً لما أخبر به جده الصادق المصدوق (صلي الله عليه وآله وسلم) بقوله: الخلافة بعدي ثلاثون سنة(2) فإن تلك الستة أشهر هي المكملة لتلك الثلاثين، فكانت خلافته منصوصاً عليها، وقام عليها إجماع من ذكر، فلا مَرية في حقيقتها.

في فضائله (ع)

الحديث الأول:
أخرج الشيخان عن البراء، قال: رأيت رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) والحسن علي عاتقه، وهو يقول: اللهم إني أحبّه فأحبّه.
الحديث الثاني:
أخرج البخاري عن أبي بكر قال: سمعت رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) علي المنبر والحسن إلي جنبه ينظر إلي الناس مرة وإليه مرة ويقول: إن ابني هذا سيّد، ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين(3) من المسلمين.
الحديث الثالث:
أخرج البخاري عن ابن عمر، قال: قال النبي (صلي الله عليه وآله وسلم): هما ريحانتاي من الدنيا يعني الحسن والحسين.
الحديث الرابع:
اخرج الترمذي والحاكم عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم): الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة.
الحديث الخامس:
أخرج الترمذي عن أسامة بن زيد قال: رأيت رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) والحسن والحسين علي وركيه، فقال: هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إنّي أحبّهما فأحبهما وأحبّ من يحبهما.
الحديث السادس:
أخرج الترمذي عن أنس قال: سُئل رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) أي أهل بيتك أحبّ إليك؟ قال: الحسن والحسين.
الحديث السابع:
أخرج الحاكم عن ابن عباس قال: أقبل النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) وقد حمل الحسن علي رقبته، فلقيه رجل فقال: نعم المركب ركبتَ يا غلام، فقال رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم): ونعم الراكب هو.
الحديث الثامن:
أخرج أبو سعد عن عبد الله بن عبد الرحمن بن الزبير قال: أشبه أهل النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) وأحبهم إليه الحسن، ما رأيته يجيء وهو ساجد فيركب رقبته، أو قال ظهره، فما ينزله حتي يكون هو الذي ينزل، ولقد رأيته وهو راكع فينفرج له بين رجليه حتي يخرج من الجانب الآخر.
الحديث التاسع:
أخرج ابن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: كان رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) يدفع لسانه للحسن بن علي فإذا رأي الصبي حمرة اللسان يهش إليه.
الحديث العاشر:
أخرج الحاكم عن زهير بن الأرقم قال: قام الحسن بن علي يخطب، فقام رجل من أزدشنواة فقال: أشهد لقد رأيت رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) واضعه علي حبوته وهو يقول: من أحبني فليحبه وليبلغ الشاهد الغائب، ولولا كرامة النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) ما حدثت به أحداً.
الحديث الحادي عشر:
أخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي بكر، قال: كان النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) يصلي بنا فيجيء الحسن وهو ساجد وهو ذاك صغير فيجلس علي ظهره مرة وعلي رقبته، فيرفعه النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) رفعاً رقيقاً، فلما فرغ من الصلاة قالوا: يا رسول الله إنك تصنع بهذا الصبي شيئاً لا تصنعه بأحد، فقال النبي (صلي الله عليه وآله وسلم): إن هذا ريحانتي وإن هذا ابني سيد وحسبي أن يصلح الله تعالي به بين فئتين(4) من المسلمين.
الحديث الثاني عشر:
أخرج الشيخان عن أبي هريرة: أن النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) قال: اللهم إني أحبّه وأحبّ من يحبّه، يعني الحسن.
وفي رواية: اللهم إني أحبّه فأحبّه وأحبّ من يحبّه.
قال أبو هريرة: فما كان أحد أحبّ إليّ من الحسن بعد أن قال (صلي الله عليه وآله وسلم) ما قال.
وفي حديث أبي هريرة أيضاً عن الحافظ السلفي قال: ما رأيت الحسن بن علي قط إلا فاضت عيناي دموعاً، وذلك أن رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) خرج يوماً وأنا في المسجد فأخذ بيدي واتكأ عليّ حتي جئنا سوق بني قينقاع، فنظر فيه ثم رجع حتي جلس في المسجد، ثم قال: ادعُ ابني، قال: فأتي الحسن بن علي يشتد حتي وقع في حجره فجعل رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) يفتح فمه ثم يدخل فمه في فمه ويقول: اللهم إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه ثلاث مرّات.
وروي أحمد: من أحبني وأحب هذين، يعني حسناً وحسيناً، وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة..
ورواه الترمذي بلفظ: كان معي في الجنة.

في بعض مآثره (ع)

كان سيداً كريماً حليماً زاهداً ذا سكينة ووقار وحشمة، جواداً ممدوحاً، وسيأتي بسط شيء من ذلك.
أخرج أبو نعيم في الحلية أنه قال: إني لأستحي من ربي أن ألقاه ولم أمشِ إلي بيته، فمشي خمس وعشرين حجة.
وأخرج الحاكم عن عبد الله بن عمر قال: لقد حج الحسن خمساً وعشرين حجة ماشياً، وإن النجائب لتقاد بين يديه.
وأخرج أبو نعيم أنه خرج من ماله مرتين وقاسم الله تعالي ماله ثلاث مرات حتي أنه كان ليعطي نعلاً ويمسك نعلاً ويعطي خفاً ويمسك خفاً.
وسمع رجلاً يسأل ربه عزّ وجل عشرة آلاف درهم فبعث بها إليه.
وجاءه رجل يشكو إليه حاله وفقره وقلة ذات يده بعد أن كان مثرياً، فقال: ما هذا حق سؤالك، يعظم لدي معرفتي بما يجب لك، ويكبر علي ويدي تعجز عن نيلك ما أنت أهله، والكثير في ذات الله قليل، وما في ملكي وفاء لشكرك، فإن قبلت الميسور ودفعت عني مؤنة الاحتفال والاهتمام لما أتكلفه فعلت، فقال: يا ابن بنت رسول الله أقبل القليل، وأشكر العطية، وأعذر علي المنع، فأحضر الحسن وكيله وحاسبه وقال: هات الفاضل، فأحضر خمسين ألف درهم وقال: ما فعلت في الخمسمائة دينار التي معك؟ قال: هي عندي، قال: أحضرها، فأحضرها فدفعها والخمسين ألفاً إلي الرجل واعتذر.
وإضافته هو والحسين وعبد الله بن جعفر عجوزاً فأعطاها ألف دينار وألف شاة، وأعطاها الحسين مثل ذلك، وأعطاها عبد الله بن جعفر مثلهما ألفي شاة وألفي دينار.
وأخرج البزاز وغيره عنه: أنه لما استخلف، بينما هو يصلي إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجر وهو ساجد، ثم خطب أناس، فقال:
يا أهل العراق اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم وضيفانكم ونحن أهل البيت الذين قال الله فيهم: (إنما يريد الله ليُذهِب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً)(5) فما زال يقولها حتي ما بقي أحد في المسجد إلا وهو يبكي.
وأخرج ابن سعد عن عمير بن إسحاق أنه لم يسمع منه كلمة فحش إلا مرة كان بينه وبين عمرو بن عثمان بن عفان خصومة في أرض فقال: ليس له عندنا إلاّ ما أرغم أنفه، قال: فهذه أشد كلمة فحش سمعتها منه.
وأرسل إليه مروان يسبه وكان عاملاً علي المدينة ويسب علياً كل جمعة علي المنبر فقال الحسن لرسوله: ارجع إليه فقل له: إني والله لا أمحو عنك شيئاً مما قلت بأن أسبّك، ولكن موعدي وموعدك الله، فإن كنت صادقاً فجزاك الله خيراً بصدقك، وإن كنت كاذباً فالله أشدّ نقمة.
وأغلظ عليه مروان مرة وهو ساكت ثم امتخط بيمينه، فقال له الحسن: ويحك أما علمت أن اليمين للوجه والشمال للفرج أفّ لك، فسكت مروان.
ولمّا مات بكي مروان في جنازته، فقال له الحسين: أتبكيه وقد كنت تجرعه ما تجرّعه؟ فقال: إني كنت أفعل ذلك إلي أحلم من هذا، وأشار بيده إلي الجبل.
وأخرج ابن عساكر أنه قيل له: أباذر يقول: الفقر أحب من الغني، والسقم أحب من الصحة إليّ، فقال: رحم الله أباذر، أمّا أنا فأقول: من اتكل إلي حسن اختيار الله لم يتمنّ أنه في غير الحالة التي اختار الله له.
وكان عطاؤه كل سنة مائة ألف، فحبسها عنه معاوية في بعض السنين، فحصل له إضاقة شديدة قال: فدعوت بدواة لأكتب إلي معاوية لأذكره نفسي، ثم أمسكت، فرأيت رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) في المنام فقال: كيف أنت يا حسن؟ فقلت: بخير يا أبة، وشكوت إليه تأخّر المال عني، فقال: أدعوت بدواة لتكتب إلي مخلوق مثلك تذكره بذلك؟(6) قلت: نعم يا رسول الله فكيف أصنع؟ فقال: قل: «اللهمّ اقذف في قلبي رجاءك، واقطع رجائي عمّن سواك حتي لا أرجو أحداً غيرك، اللهمّ وما ضعفت عنه قوّتي وقصر عنه عملي ولم تنته إليه رغبتي ولم تبلغه مسألتي ولم يجرِ علي لساني مما أعطيت أحداً من الأولين والآخرين من اليقين فخصّني به يا أرحم الراحمين» قال: فوالله ما أنجحت فيه أسبوعاً حتي بعث إليّ معاوية بألف ألف وخسمائة ألف، فقلت: الحمد لله الذي لا ينسي من ذكره ولا يخيب من دعاه.
فرأيت النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) في المنام فقال: يا حسن كيف أنت؟ فقلت: بخير يا رسول الله، وحدّثته بحديثي، فقال: يا بني هكذا من رجا الخالق ولم يرجُ المخلوق.
ثم دُفن بالبقيع إلي جنب أمه، وكان سبب موته أن زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي دسّ إليها يزيد أن تسمّه ويتزوّجها وبذل لها مائة ألف درهم ففعلت، فمرض أربعين يوماً، فلما مات بعثت إلي يزيد تسأله الوفاء بما وعدها، فقال لها: إنا لم نرضك للحسن فنرضاك لأنفسنا؟
وبموته مسموماً شهيداً جزم غير واحد من المتقدمين كقتادة وأبي بكر بن حفص والمتأخرين كالزين العراقي في مقدمة شرح النقيب.
وكانت وفاته سنة تسع وأربعين، أو خمسين(7)، أو إحدي وخمسين، أو ست وخمسين، ومنهم من قال: سنة تسع وخمسين، وجهد به أخوه أن يخبره بمن سقاه فلم يخبره، وقال: الله أشدّ نقمة إن كان الذي أظن وإلا فلا يقتل بي والله بريء.
وفي رواية: يا أخي قد حضرت وفاتي ودنا فراقي لك وإني لاحق بربي وأجد كبدي تقطع وإني لعارف من أين دهيت، فأنا أخاصمه إلي الله تعالي فبحقّي عليك لا تكلّمت في ذلك بشيء، فإذا أنا قضيت نحبي فقمّصني وغسّلني وكفّني واحملني علي سريري إلي قبر جدي رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) أجدّد به عهداً، ثم ردني إلي قبر جدّتي فاطمة بنت أسد فادفنّي هناك، وأقسم عليك بالله أن لا تريق في أمري بحّة دم.
وفي رواية: إني يا أخي سقيت السم ثلاث مرات لم أسقه مثل هذه المرة، فقال: من سقاك؟ قال: ما سؤالك عن هذا تريد أن تقاتلهم؟ أكل أمرهم إلي الله.
أخرجه ابن عبد البر.
وفي أخري: لقد سقيت السم مراراً ما سقيته مثل هذه المرة، ولقد لفظت طائفة من كبدي فرأيتني أقلبها بعود، فقال له الحسين: أي أخي من سقاك؟ قال: وما تريد إليه أتريد أن تقتله؟ قال: نعم، قال: لئن كان الذي أظن فالله أشد نقمة وإن كان غيره فلا يقتل بي بريء.
ورأي كان مكتوباً بين عينيه قل هو الله أحد، فاستبشر به هو وأهل بيته فقصّوها علي ابن المسيّب، فقال: إن صدقت رؤياه فقلّ ما بقي من أجله، فما بقي إلا أياماً حتي مات.
ودفن عند جدته بنت أسد بقبته المشهورة وعمره سبع وأربعون سنة، كان منها مع رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) سبع سنين، ثم مع أبيه ثلاثون سنة، ثم خليفة ستة أشهر، ثم تسع سنين ونصف سنة بالمدينة.
1 بل إنه (عليه السلام) حسب تنصيص الرسول (صلي الله عليه وآله وسلم) يوم الغدير وغيره: هو الإمام الثاني بعد أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، حيث نص الرسول (صلي الله عليه وآله وسلم) علي أوصياء اثني عشر وقال كما رواه الفريقان: عدد أوصيائي عدد نقباء بني إسرائيل.
2 علي فرض صحّة الحديث له تأويل آخر يطلب من مظانه.
3 لهذا الحديث توضيح وهو: أنّ معاوية وفئته قد نصّ عليهم الرسول (صلي الله عليه وآله وسلم) كما نقله الفريقان: بأنّهم الفئة الباغية، حيث قال لعمّار: تقتلك الفئة الباغية، وقد قتل عمّار في صفّين علي يدي معاوية وفئته، وصدق الله ورسوله.
4 فيه توضيح أشرنا إليه في الحديث الثاني.
5 الأحزاب: 33.
6 إن صحّ الحديث فهو تعليم لنا، وإلا فسبط رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) هو أوسع من ذلك.
7 وهو الصحيح.

زواج علي وفاطمة (ع)

ولنقدم علي ذلك أصله، وهو تزويج النبي (ص) فاطمة من علي كرم الله وجههما، وذاك أواخر السنة الثانية من الهجرة علي الأصح، وكان سنّها خمس عشرة سنة ونحو نصف سنة(1)، وسنّه إحدي وعشرين سنة وخمسة أشهر، ولم يتزوّج عليها حتي ماتت عن أنس، كما عن ابن أبي حاتم، ولأحمد نحوه قال:
جاء أبو بكر وعمر يخطبان فاطمة إلي النبي (ص) فسكت ولم يرجع إليهما شيئاً، فانطلقا إلي علي كرّم الله وجهه يأمرانه بطلب ذلك، قال علي: فقمت أجرّ ردائي حتي أتيت إلي النبي (ص) فقلت: تزوّجني فاطمة؟ قال: وعندك شيء؟ قلت: فرسي وبدني، فقال: أما فرسك فلا بدّ لك منها، وأما بدنك فبعها.
قال (ص): ثم بعتها بأربعمائة وثمانين، فجئته بها فوضعها في حجره فقبض منها قبضة فقال: أي بلال ابتع لنا بها طيباً، وأمرهم أن يجهزّوها، فجعل لها سرير مشروط ووسادة من أدم حشوها ليف، وقال لعلي: إذا أتتك فلا تحدث شيئاً حتي آتيك، فجاءت مع أم أيمن، فقعدت من جانب البيت وأنا في جانب، وجاء رسول الله (ص) فقال: ههنا أخي، فقالت أم أيمن: أخوك وقد زوّجته ابنتك؟ قال: نعم، ودخل (ص) فقال لفاطمة: ائتني بماء، فقامت إلي قعب في البيت فأتت فيه بماء فأخذه ومج فيه ثم قال لها: تقدّمي، فتقدّمت، فنضح بين ثدييها وعلي رأسها وقال: اللهم إني أعيذها بك وذريّتها من الشيطان الرجيم، ثم قال لها: أدبري فأدبرت فصبّه بين كتفيها ثم فعل مثل ذلك لعلي ثم قال: ادخل بأهلك بسم الله والبركة.
وفي رواية أخري عن أنس أيضاً عن أبي الخير القزويني الحاكمي: خطبها بعد أن خطبها أبو بكر ثم عمر فقال: قد أمرني ربّي بذلك، قال أنس: ثم دعاني النبي (ص) بعد أيام فقال: ادعُ أبا بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن وعدّة من الأنصار، فلما اجتمعوا وأخذوا مجالسهم وكان علي غائباً قال (ص):
الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع سلطانه، المرهوب من عذابه وسطوته، النافذ أمره في سمائه وأرضه، الذي خلق الخلق بقدرته وميّزهم بأحكامه، وأعزّهم بدينه، وأكرمهم بنبيّه محمد (ص)، إن الله تبارك اسمه وتعالت عظمته جعل المصاهرة سبباً لا احتقار، وأمراً مفترضاً أوشج به الأرحام أي ألف بينها وجعلها مختلطة مشتبكة، وألزم الأنام فقال عزّ من قائل: (وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان ربّك قديراً)(2) فأمر الله تعالي يجري إلي قضائه وقضاؤه يجري إلي قدره، ولكل قضاء قدر، ولكل أجل كتاب، يمحو الله ما يشاء ويُثبت وعنده أم الكتاب.
ثمّ إنّ الله تعالي أمرني أن أزوّج فاطمة من علي بن أبي طالب، فاشهدوا أني قد زوّجته علي أربعمائة مثقال فضة إن رضي بذلك علي.
ثم دعا (ص) بطبق من بُسر ثم قال: انتبهوا، فانتبهنا، ودخل علي فتبسّم النبي (ص) في وجهه ثم قال: إنّ الله عز وجل أمرني أن أزوّجك فاطمة علي أربعمائة مثقال فضّة، أرضيت بذلك؟ قال: رضيت بذلك يا رسول الله، فقال (ص): جمع الله شملكما وأعزّ جدّكما وبارك عليكما وأخرج منكما كثيراً طيّباً.
قال أنس: فوالله لقد أخرج الله منهما الكثير الطيّب.

في الآيات الواردة في أهل البيت (ع)

الآية الأولي:
قال الله تعالي: (إنّما يريد الله ليُذهب عنكُمُ الرّجس أهل البيت ويُطهّرُكُم تطهيراً)(3) أكثر المفسّرين علي أنّها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين، لتذكير ضمير (عنكم) وما بعده، وأهل بيته نسبه، وهم من تحرم الصدقة عليهم، واعتمده جمع ورجحوه، وأيده ابن كثير بأنهنّ سبب النزول وهو داخل قطعاً، أما وحده علي قول أو مع غيره علي الأصح ورد في ذلك أحاديث.
ولنذكر من تلك الأحاديث جملة فنقول:
أخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري: أنها نزلت في خمسة: النبي (ص) وعلي وفاطمة والحسن والحسين.
وأخرجه الطبراني أيضاً.
ولمسلم أنه (ص) أدخل أولئك تحت كساء عليه وقرأ هذه الآية.
وصحّ أنه (ص) جعل علي هؤلاء كساء وقال: اللهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامّتي أي خاصتي أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فقالت أم سلمة: وأنا معهم؟ قال: إنك علي خير.
وفي رواية أنه قال بعد تطهيراً: أنا حرب لمن حاربهم، وسلم لمن سالمهم، وعدوّ لمن عاداهم.
وفي أخري: ألقي عليهم كساءً ووضع يده عليهم ثم قال: اللهمّ إنّ هؤلاء آل محمد، فاجعل صلواتك وبركاتك علي آل محمد إنك حميد مجيد.
وفي أخري: إن الآية نزلت ببيت أم سلمة، فأرسل (ص) إليهم وجلّلهم بكساء ثم قال نحو ما مرّ.
وفي أخري: أنهم جاؤوا واجتمعوا فنزلت، فإن صحّت حمل علي نزولها مرّتين.
وفي أخري: أنه قال: اللهمّ أهلي أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ثلاثاً، وإن أم سلمة قالت له: ألستُ من أهلك؟ قال: بلي؟ وأنه أدخلها الكساء(4) بعد ما قضي دعاءه لهم.
وفي أخري: أنه لما جمعهم ودعا لهم بأطول مما مرّ، قال واثلة: وعليّ يا رسول الله؟ فقال: اللهمّ وعلي واثلة.
وفي رواية صحيحة قال واثلة: وأنا من أهلك؟ قال: وأنت من أهلي(5)، قال واثلة: إنها لمن أرجي ما أرجو.
قال البيهقي: وكأنه جعله في حكم الأهل تشبيهاً بمن يستحق هذا الاسم لا تحقيقاً.
وأشار المحب الطبري إلي أن هذا الفعل تكرّر منه (ص) في بيت أم سلمة وبيت فاطمة وغيرهما، وبه جمع بين اختلاف الروايات في هيئة اجتماعهم، وما جللهم به وما دعا به لهم وما أجاب به واثلة وأم سلمة وأزواجه.
ويؤيّد ذلك رواية أنه قال نحو ذلك لهؤلاء، وهم في بيت فاطمة.
وصحّ عن أم سلمة: فقلت: يا رسول الله أنا من أهل البيت؟ فقال: بلي(6) إن شاء الله.
في الحديث الحسن أنه (ص) اشتمل علي العبّاس(7) وبنيه بملاءة ثم قال: يا ربّ هذا عمّي وصنو أبي وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كستري إياهم بملاءتي هذه، فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت، فقال آمين وهي ثلاثاً.
وقد ورد عن الحسن من طرق تعينها، سنده حسن: وأنا من أهل البيت الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فبينت النسب مراد في الآية كبيت السكني، ومن ثم أخرج مسلم عن زيد بن أرقم أنه لما سئل: أنساؤه من أهل بيته؟ فقال: نساؤه من أهل بيته(8)، ولكن أهل بيته من حرّم الله الصدقة عليهم، فأشار إلي أن نساءه من أهل بيت سكناه الذين امتازوا بكرامات وخصوصيات أيضاً، لا من أهل بيت نسبه، وإنما أولئك من حرمت عليهم الصدقة.
ثم هذه الآية منبع فضائل أهل البيت النبوي لاشتمالها علي قدر من مآثرهم والاعتناء بشأنهم حيث ابتدئت بإنما المفيدة لحصر إرادته تعالي في أمرهم علي إذهاب الرجس الذي هو الإثم أو الشك فيما يجب الإيمان به عنهم وتطهيرهم من سائر الأخلاق والأحوال المذمومة، وسيأتي في بعض الطرق تحريمهم علي النار وهو فائدة ذلك التطهير وغايته، إذ منه إلهام الإنابة إلي الله تعالي وإدامة الأعمال الصالحة، ومن ثّم لمّا ذهبت عنهم الخلافة الظاهرة لكونها صارت ملكاً ولذا لم تتم للحسن عُوضوا عنها بالخلافة(9) الباطنة حتي قال قوم إلي قطب الأولياء في كل لا يكون إلا منهم، وممن قال: يكون من غيرهم الإسناد أبو العباس المرسي كما نقله عنه تلميذه التاج بن عطاء الله، ومن تطهيرهم: تحريم صدقة الفرض بل والنفل علي قول لما لك عليهم لأنها أوساخ الناس مع كونها تنبئ عن ذل الآخذ وعزّ المأخوذ منه.
وعوّضوا عنها خمس الفيء والغنيمة المنبئ عن عزّ الآخذ وذلّ المأخوذ منه.
ومن ثّمّ كان المعتمد دخول أهل النسب في الآية وحكمة ختم الآية بتطهير المبالغة في وصولهم لأعلاه، وفي رفع التجوّز عنه، ثم تنوينه تنوين التعظيم والتكثير والإعجاب المفيد إلي أنه ليس من جنس ما يتعارف ويؤلف.
ثمّ أكّد (ص) ذلك كله بتكرير طلب ما في الآية لهم بقوله: «اللهمّ هؤلاء أهل بيتي» إلي آخر ما مر، وبإدخاله نفسه معهم في العدّ لتعود عليهم بركة اندراجهم في سلكه.
بل في رواية: إنه اندرج معهم جبرئيل وميكائيل إشارة إلي علوّ قدرهم.
وأكّده أيضاً بطلب الصلاة عليهم بقوله: فاجعل صلاتك إلي آخر ما مر.
وأكّده أيضاً بقوله: أنا حرب لمن حاربهم إلي آخر ما مرّ أيضاً.
وفي رواية: إنه قال بعد ذلك: ألا من آذي قرابتي فقد آذاني ومن آذاني فقد آذي الله تعالي.
وفي أخري: والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد بي حتي يحبني ولا يحبني حتي يحب ذويّ، فأقامهم مقام نفسه، ومن ثم صح أنه (ص) قال: إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلُّوا كتاب الله وعترتي.
وألحقوا به أيضاً في قصة المباهلة في آية(قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم)الآية فغدا (ص) محتضناً الحسن آخذاً بيد الحسين وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفهما، وهؤلاء هم أهل الكساء فهم المراد في آية المباهلة كما أنهم من جملة المراد بآية(إنّما يُريد اللهُ ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت).
الآية الثانية:
قوله تعالي: (إنّ الله وملائكته يُصلون علي النبي يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما) صحح عن كعب بن عجزة قال: لما نزلت الآية قلنا: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلّم عليك فكيف نصلّي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صلّ علي محمّد وعلي آل محمد إلي آخره، دليل ظاهر علي أن الأمر بالصلاة علي أهل بيته وبقية آله مراد من هذه الآية، وإلا لم يسألوا عن الصلاة علي أهل بيته وآله عقب نزولها ولم يجابوا بما ذكر، فلما أجيبوا به دلّ علي أن الصلاة عليهم من جملة المأمور به، وأنه (ص) أقامهم في ذلك مقام نفسه، لأن القصد من الصلاة عليه مزيد تعظيمه ومنه تعظيمهم.
ومن ثمّ لمّا أدخل من مرّ في الكساء قال: اللهمّ إنهم منّي وأنا منهم، فاجعل صلاتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك عليّ وعليهم، وقضية استجابة هذا الدعاء أن الله صلّي عليهم معه فحينئذ طلب من المؤمنين صلاتهم عليهم معه.
ويروي: لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء، فقالوا: وما الصلاة البتراء؟ قال: تقولون اللهم صلّ علي محمّد وتمسكون، بل قولوا: اللهم صلّ علي محمد وعلي آل محمد، ولا ينافي ما تقرّر حذف الآل(10) في الصحيحين قالوا: يا رسول الله كيف نصلّي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صلّ علي محمد وعلي أزواجه(11) وذريّته، كما صلّيت علي إبراهيم … إلخ، لأن الآل ثبت في روايات أخر، وبه يعلم أنه (ص) قال ذلك كله فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظه الآخر.
روي أبو داود: من سرّه أن يكتال بالمكيال الأوفي إذا صلّي علينا أهل البيت فليقل: اللهم صلّ علي النبي محمّد وأزواجه(12) أمهات المؤمنين وذريّته وأهل بيته كما صلّيت علي إبراهيم إنك حميد مجيد.
وقولهم: علّمنا كيف نسلّم عليك؟ أشاروا به إلي السلام عليه في التشهّد، كما قاله البيهقي وغيره.
ويدلّ له خبر مسلم: أمرنا الله أن نصلي، فسكت النبي (ص) حتي تمنينا أننا لم نسأله، ثم قال (ص) قولوا: اللهم صلّ علي محمّد وعلي آل محمّد، الحديث.
وزاد آخره: والسلام كما قد علمتم أي: من العلم.
ويروي من التعليم لأنه (ص) كان يعلمهم التشهّد كما يعلمهم السورة.
وصحّ أن رجلاً قال: يا رسول الله أما السلام عليك فقد عرفناه فكيف نصلّي عليك؟ إذ نحن صلينا عليك في صلاتنا صلي الله عليك؟ فصمت (ص) حتي أحببنا أن الرجل لم يسأله فقال: إذا أنتم صلّيتم عليّ فقولوا: اللهمّ صلّ علي محمد النبي الأمي وعلي آل محمد، الحديث.
وصح أيضاً أنه (ص) سمع رجلاً يدعو في صلاته لم يمجّد الله ولم يصلّ علي النبي (ص) فقال: عجل هذا، ثم دعاه فقال له أو لغيره: إذا صلي أحدكم فليبدأ بتمجيد ربّه والثناء عليه، ثم يصلّي علي النبي (ص) ثم يدعو بما شاء ومحل البدأة بالتحميد والثناء علي الله تعالي جلوس التشهّد.
وبهذا كله اتّضح قول الشافعي: بوجوب الصلاة علي النبي (ص) في التشهّد لما علمت منه أنه صح منه (ص) الأمر بوجوبها فيه، ومن أنه صحّ عن ابن مسعود تعيين محلّها وهو بين التشهّد والدعاء، فكان القول بوجوبها لذلك الذي ذهب إليه.
واعلم أن النووي نقل عن العلماء كراهة إفراد الصلاة والسلام عليه، ومن ثّم قال بعض الحفّاظ: كنت أكتب الحديث فاكتب الصلاة فقط فرأيت النبي (ص) في النوم فقال: أما تتم الصلاة في كتابك؟ فما كتبت بعد ذلك إلاّ صليت عليه وسلّمت، ولا يحتج بتعليمهم كيفيّة الصلاة السابقة، لأن السلام سبقها في التشهّد فلا إفراد فيه، وللشافعي:
يا أهل بيت رسول الله حبّكم فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم القدر أنكم من لم يصل عليكم لا صلاة له
فيحتمل لا صلاه له صحيحة، فيكون موافقاً لقوله بوجوب الصلاة علي الآل ويحتمل لا صلاة كاملة فيوافق أظهر قوليه.
الآية الثالثة:
قوله تعالي: (سلامٌ علي آل ياسين)(13) فقد نقل جماعة من المفسّرين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بذلك سلام علي آل محمد، وكذا قاله الكلبي، عليه فهو (ص) داخل بالطريق الأولي أو بالنص كما في: اللهمّ صل علي آل أبي أوفي.
تنبيه:
ذكر الفخر الرازي: أن أهل بيته (ص) يساوونه في خمسة أشياء: في السلام، قال: السلام عليك أيها النبي، وقال: سلامٌ علي آل ياسين، وفي الصلاة عليه وعليهم في التشهّد، وفي الطهارة، قال تعالي: «طه» (14) أي: يا طاهر، وقال: «ويطهّركم تطهيراً» (15)، وفي تحريم الصدقة، وفي المحبّة قال تعالي: (فاتّبعوني يُحببكم الله)(16) وقال: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القُربي)(17).
الآية الرابعة:
قوله تعالي: (وقفوهم إنّهم مسؤولون)(18).
أخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري: أن النبي (ص) قال: (وقفوهم إنهم مسؤولون) أي: عن ولاية عليّ.
وكأن هذا هو مراد الواحدي بقوله: روي في قوله تعالي: (وقفوهم إنّهم مسؤولون) عن ولاية علي وأهل البيت، لأن الله أمر نبيه (ص) أن يعرف الخلق أنه لا يسأله علي تبيلغ الرسالة أجراً إلاّ المودة في القربي، والمعني أنهم يسألون هل والوهم حق الموالاة(19) كما أوصاهم النبي (ص) أم أضاعوها وأهملوها فتكون عليهم المطالبة والتبعة، انتهي.
وأشار بقوله: كما أوصاهم النبي (ص) إلي الأحاديث الواردة في ذلك وهي كثيرة، وسيأتي جملة في الفصل الثاني.
ومن ذلك حديث مسلم عن زيد بن أرقم قال: قام فينا رسول الله (ص) خطيباً فحمد الله وأثني عليه ثم قال: «أمّا بعد أيّها الناس إنّما أنا بشر مثلكم يوشك أن يأتيني رسول ربّي عزّ وجل فأجيبه وإني تارك فيكم الثقلين، أولهما: كتاب الله عزّ وجل، فيه الهدي والنور، فتمسّكوا بكتاب الله عزّ وجل وخذوا به، وحث فيه ورغب فيه، ثمّ قال: وأهل بيتي أذكركم الله عزّ وجل في أهل بيتي ثلاث مرات، فقيل لزيد: من أهل بيته أليس نساءه من أهل بيته؟ قال: بلي إنّ نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم عليهم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: آل علي وآل عقيل وآل عباس(20)، قال: كلّ هؤلاء حرم عليهم الصدقة؟ قال: نعم.
وأخرج الترمذي: أنه (ص) قال: إني تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله عزّ وجل حبلٌ ممدود من السماء إلي الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتّي يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما.
وأخرج أحمد في مسنده بمعناه، ولفظه أني: أوشك أن أدعي فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلي الأرض وعترتي أهل بيتي، وإن اللّطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتي يردا عليّ الحوض فانظروا بم تخلفوني فيهما.
وسنده لا بأس به.
وفي رواية: إن ذلك كان في حجة الوداع.
وفي أخري: مثله يعني كتاب الله كسفينة نوح من ركب فيها نجا ومثلهم أي أهل بيته كمثل باب حطّة من دخله غفرت له الذنوب.
وذكر ابن الجوزي لذلك في العلل المتناهية وهم أو غفلة عن استحضار بقية طرقه، بل مسلم عن زيد بن أرقم أنه (ص) قال ذلك يوم غدير خُم وهو ماء بالجحفة كما مر، وزاد: أذكركم الله في أهل بيتي، قلنا لزيد: من أهل بيته نساؤه؟ قال: لا، أيم الله أن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلّقها فترجع إلي أبيها وقومها، أهل بيته أهله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده.
وفي رواية صحيحة إنّي تارك فيكم أمرين لن تضلّوا إن تبعتموهما وهما: كتاب الله وأهل بيتي عترتي.
زاد الطبراني: إني سألت ذلك لهما فلا تقدموهما(21) فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم.
وفي رواية: كتاب الله وسنتي.
وهي المراد من الأحاديث المقتصرة علي الكتاب(22)، لأنّ السنّة مبيّنة له فأغني ذكره عن ذكرها.
ثم اعلم أن في الحديث التمسّك بذلك طرقاً كثيرة، ورد علي نيف وعشرين صحابياً، وفي بعض تلك الطرق أنه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة.
وفي أخري: أنه قاله بالمدينة في مرضه، وقد امتلأت الحجرة بأصحابه.
وفي أبي: أنه قال ذلك بغدير خم.
وفي أخري: أنه قاله لما كان خطيباً بعد انصرافه من الطائف كما مرّ، ولا يتنافي، إذ لا مانع من أنه كرّر عليهم(23) في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة.
وفي رواية عند الطبراني عن ابن عمر: آخر ما تكلّم به النبي (ص): أخلفوني في أهل بيتي.
وفي أخري عند الطبراني وأبي الشيخ: إن لله عزّ وجل ثلاث حرمات فمن حفظهنّ حفظ الله دينه ودنياه، ومن لم يحفظهنّ لم يحفظ الله دنياه ولا آخرته، قلت: ما هنّ؟ قال: حرمة الإسلام وحرمتي وحرمة رحمي.
وفي رواية للبخاري عن الصديق من قوله: يا أيّها الناس ارقبوا محمّدا (ص) في أهل بيته، أي: احفظوه فيهم فلا تؤذوهم.
وأخرج ابن سعد والملا في سيرته أنه (ص) قال: استوصوا بأهل بيتي خيراً فإني أخاصمكم عنهم غداً، ومن أكن خصمه أخصمه، ومن أخصمه دخل النار، وإنه قال: من حفظني في أهل بيتي فقد اتّخذ عند الله عهداً.
وأخرج الأول: أنا وأهل بيتي شجرة في الجنّة وأغصانها في الدنيا فمن شاء اتخذ إلي ربّه سبيلاً.
والثاني حديث: في كل خلف من أمّتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضّالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ألا وإن أئمتكم وفدكم إلي الله عزّ وجل فانظروا من توفدون.
وأخرج أحمد خبر: الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت.
وفي خبر حسن: ألا إن عيبتي وكرشي أهل بيتي والأنصار، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئتهم.
تنبيه:
سمي رسول الله (ص) القرآن وعترته وهي بالمثناة الفوقية الأهل والنسل والرهط الأدنون ثقلين، لأن الثقل كل نفيس خطير مصون، وهذان كذلك إذ كل منهما معدن للعلوم الدينية والأسرار والحكم العلية والأحكام الشرعية، ولذا حثّ (ص) علي الاقتداء والتمسّك بهم والتعلّم منهم، وقال: الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت.
وقيل: سمّيا ثقلين لثقل وجوب رعاية حقوقهما.
ثم الذين وقع الحث عليهم منهم إنما هم العارفون بكتاب الله وسنّة رسوله، إذ هم الذين لا يفارقون الكتاب إلي الحوض.
ويؤيّده الخبر السابق: ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم، وتميّزوا بذلك عن بقيّة العلماء، لأنّ الله أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وشرّفهم بالكرامات الباهرة، والمزايا المتكاثرة، وقد مرّ بعضها، وسيأتي الخبر الذي في قريش: وتعلّموا منهم فإنّهم أعلم منكم، فإذا ثبت هذا العموم(24) لقريش فأهل البيت أولي منهم بذلك، لأنهم امتازوا عنهم بخصوصيات لا يشاركهم فيها بقية قريش.
وفي أحاديث الحث علي التمسّك بأهل البيت إشارة إلي عدم انقطاع متأهل منهم للتمسّك به إلي يوم القيامة، كما أن الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض كما يأتي، ويشهد لذلك الخبر السابق: في كل خلف من أمّتي عدول من أهل بيتي إلي آخره.
ثم أحق من يتمسّك به منهم(25) إمامهم وعالمهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لما قدمناه من مزيد علمه ودقائق مستنبطاته.
والمراد بالعيبة والكرش في الخبر السابق آنفاً أنهم موضع سرّه وأمانته ومعادن نفائس معارفه وحضرته، إذ كل من العيبة والكرش مستودع لما يخفي فيه مما به القوام والصلاح، لأن الأول لما يحرز فيه نفائس الأمتعة، والثاني مستقر الغذاء الذي به النموّ وقوام البنية.
وقيل: هما مثلان لاختصاصهم بأموره الظاهرة والباطنة، إذ مظروف الكرش باطن والعيبة ظاهر، وعلي كلّ فهذا غاية في التعطّف عليهم والوصيّة بهم.
الآية الخامسة:
قوله تعالي: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا)(26).
أخرج الثعلبي في تفسيرها عن جعفر الصادق (سلام الله عليه) أنه قال: نحن حبل الله الذي قال الله فيه: «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا».
وكان جدّه زين العابدين إذا تلا قوله تعالي: (يا أيها الذين آمنوا اتّقوا الله وكونوا مع الصادقين)(27) يقول دعاءً طويلاً يشتمل علي طلب اللّحوق بدرجة الصادقين والدرجات العليّة علي وصف المحق وما انتحلته المبتدعة المفارقون لأئمّة الدين والشجرة النبوية ثم يقول: وذهب آخرون إلي التقصير في أمرنا احتجوا بمتشابه القرآن فتأوّلوا بآرائهم واتهموا مأثور الخبر إلي أن قال: فإلي من يفزع خلف هذه الأمة وقد درست أعلام هذه الملّة، ودانت الأمة بالفرقة والاختلاف يكفر بعضهم بعضاً، والله تعالي يقول: (ولا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيّنات)(28).
فمن الموثوق به علي إبلاغ الحجّة تأويل الحكم إلي أهل الكتاب وأبناء أئمّة الهدي ومصابيح الدجي الذين احتجّ الله بهم علي عباده ولم يدع الخلق سدي من غير حجّة، هل تعرفونهم أو تجدونهم إلا من فروع الشجرة المباركة وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وبرأهم من الآفات وافترض مودّتهم في الكتاب.
الآية السادسة:
قوله تعالي: (أم يحسدون الناس علي ما آتاهم من فضله)(29).
أخرج أبو الحسن المغازلي عن الباقر (عليه السلام) أنه قال في هذه الآية: نحن الناس والله.
الآية السابعة:
قوله تعالي: (وما كان الله ليُعذّبهُم وأنت فيهم)(30).
وأشار (ص) إلي وجود ذلك المعني في أهل بيته، وأنهم أمان لأهل الأرض كما كان هو (ص) أماناً لهم.
وفي ذلك أحاديث كثيرة يأتي بعضها، ومنها: النجوم أمانٌ لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأمّتي، أخرجه كلّهم.
وفي رواية ضعيفة أيضاً: أهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا هلك أهل بيتي جاء أهل الأرض من الآيات ما كانوا يوعدون.
وفي أخري لأحمد: فإذا ذهب النجوم ذهب أهل السماء، وإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض.
وفي رواية صححها الحاكم علي شرط الشيخين: النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف(31)، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس.
وجاء من طرق عديدة يقوي بعضها بعضاً: إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا.
وفي رواية مسلم: ومن تخلّف عنها غرق.
وفي رواية: هلك، وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل من دخله غُفر له.
وفي رواية: غفر له الذنوب.
وقال بعضهم: يحتمل أن المراد بأهل البيت الذين هم أمان علماؤهم لأنهم الذين يهتدي بهم كالنجوم، والذين إذا فقدوا جاء الأرض من الآيات ما يوعدون، وذلك عند نزول المهدي (عليه السلام) لما يأتي في أحاديثه أن عيسي يصلّي خلفه ويقتل الدجّال في زمنه.
وبعد ذلك تتابع الآيات، بل في مسلم: أن الناس بعد قتل عيسي الدجّال يمكثون سبع سنين ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام، فلا يبقي علي وجه الأرض أحد في قلبه مثقال حبّة من خير أو إيمان إلاّ قبضه فيبقي شراراً في خفت الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً، الحديث.
قال: ويحتمل وهو الأظهر عندي أن المراد بهم سائر أهل البيت(32) فإن الله لما خلق الدنيا بأسرها من أجل النبي (ص) جعل دوامها بدوامه ودوام أهل بيته لأنهم يساوونه في أشياء مرّ عن الرازي بعضها ولأنه قال في حقهم: اللهم إنهم منّي وأنا منهم، ولأنهم رجعة منه بواسطة أن فاطمة أمّهم بضعته، فأقيموا مقامه في الأمان، انتهي ملخصاً.
ووجه تشبيههم بالسفينة فيما مر من أحبهم وعظمهم شكراً لنعمة مشرفهم (ص) وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان، ومرّ في خبر: أن من حفظ حرمة الإسلام وحرمته (ص) وحرمة رحمه حفظ الله تعالي دينه ودنياه، وإلا لم يحفظ دنياه ولا آخرته.
وورد: يرد الحوض أهل بيتي ومن أحبّهم من أمّتي كهاتين السبّابتين، ويشهد له خبر: المرء مع من أحبّ، وبباب حطّة أن الله تعالي جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب أريحاء أو بيت المقدس مع التواضع والاستغفار سبباً للمغفرة وجعل لهذه الأمة مودة أهل البيت سبباً لها كما سيأتي قريباً.
الآية الثامنة:
قوله تعالي: (وإنّي لغفّارٌ لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثمّ اهتدي)(33).
قال ثابت البناني: اهتدي إلي ولاية أهل بيته (عليهم السلام).
وجاء ذلك عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أيضاً.
وأخرج الديلمي مرفوعاً: إنما سمّيت ابنتي فاطمة لأن الله فطمها ومحبّيها عن النار.
وأخرج أحمد: أنه (ص) أخذ بيد الحسنين وقال: من أحبّني وأحبّ هذين وأباهما وأمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة، ولفظ الترمذي: وكان معي في الجنّة.
وأخرج ابن سعد عن علي: أخبرني رسول الله (ص) أن أوّل من يدخل الجنّة أنا وفاطمة والحسن والحسين، قلت: يا رسول الله فمحبّونا؟ قال: من ورائكم.
وأخرج الطبراني بسند ضعيف: أن عليّاً أتي يوماً البصرة بذهب وفضّة فقال: أبيضاً وأصفراً غرّي غيري، غرّي أهل الشام غداً إذا ظهروا عليك، فشقّ قوله ذلك علي الناس فذكر ذلك له، فأذّن في الناس فدخلوا عليه فقال: أن خليلي (ص) قال: يا علي إنك ستقدم علي الله وشيعتك راضين ويقوم عليه عدوّك غضاباً مقمحين في جمع غلّ يده إلي عنقه يريهم الأقماح.
أخرج صاحب المطالب العالية عن علي ومن جملته: أنه مرّ علي جمع فأسرعوا إليه قياماً فقال: من القوم؟ فقالوا: من شيعتك يا أمير المؤمنين، فقال لهم خيراً، ثمّ قال: يا هؤلاء ما لي لا أري فيكم سمة شيعتنا وحلية أهبتنا؟ فأمسكوا حياء، فقال له من معه: نسألك بالذي أكرمكم أهل البيت وخصّكم وحباكم لما أنبأتنا بصفة شيعتكم؟
فقال: شيعتنا هم العارفون بالله، العاملون بأمر الله، أهل الفضائل، الناطقون بالصواب، مأكولهم القوت، وملبوسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، نجعوا لله بطاعته، وخضعوا إليه بعبادته، مضوا غاضّين أبصارهم عما حرّم الله عليهم، واقفين أسماعهم علي العلم بربّهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالّتي نزلت منهم في الرخاء، رضوا عن الله تعالي بالقضاء، فلولا الآجال التي كتب الله تعالي لهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً إلي لقاء الله والثواب، وخوفاً من أليم العقاب، عظم الخالق في أنفسهم، وصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنّة كمن رآها، فهم علي أرائكها متّكئون وهم والنار كمن رآها فهم فيها معذّبون، صبروا أيّاماً قليلة فأعقبهم راحة طويلة، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وطلبتهم فأعجزوها.
أما اللّيل: فصافّون أقدامهم، تالون لأجزاء القرآن ترتيلاً، يعظون أنفسهم بأمثاله، ويستشفون لدائهم بدوائه تارة، وتارة يفترشون جباههم وأكفّهم وركبهم وأطراف أقدامهم تجري دموعهم علي خدودهم، يمجّدون جبّاراً عظيماً ويجأرون إليه في فكاك رقابهم، هذا ليلهم.
فأمّا نهارهم: فحكماء بررة، علماء أتقياء، براهم خوف باريهم، فهم كالقداح تحسبهم مرضي، أو قد خولطوا وما هم بذلك، بل خامرهم من عظمة ربّهم، وشدّة سلطانه، ما طاشت له قلوبهم، وذهلت منه عقولهم، فإذا أشفقوا من ذلك بادروا إلي الله تعالي بالأعمال الزاكية، لا يرضون له بالقليل، ولا يستكثرون له الجزيل، فهم لأنفسهم متّهمون، ومن أعمالهم مشفقون، تري لأحدهم قوّة في دين، وحزماً في لين وإيماناً في يقين، وحرصاً علي علم وفهماً في فقه، وعلماً في حلم وكيساً في قصد، وقصداً في غني، وتجمّلاً في فاقة، وصبراً في شفقة، وخشوعاً في عبادة، وزحمة لمجهود، وإعطاءً في حقّ، ورفقاً في كسب، وطلباً في حلال، ونشاطاً في هدي، واعتصاماً في شهوة، لا يغرّه ما جهله، ولا يدع إحصاء ما عمله، يستبطيء نفسه في العمل وهو من صالح عمله علي وجل.
يصبح وشغله الذكر، وهمّه الشكر، يبيت حذراً من سنة الغفلة، ويصبح فرحاً بما أصاب من الفضل والرحمة، ورغبته فيما يبقي، وزهادته فيما يفني، وقد قرن العلم بالعمل، والعلم بالحلم، دائماً نشاطه، بعيداً كسله، قريباً أمله، قليلاً ذلك متوقّعاً أجله، عاشقاً قلبه، شاكراً ربّه، قانعاً نفسه، محرزاً دينه، كاظماً غيظه، آمناً منه جاره، سهلاً أمره، معدوماً كبره، بيناً صبره، كثيراً ذكره، لا يعمل شيئاً من الخير رياءً، ولا يتركه حياءً.
أولئك شيعتنا وأحبّتنا ومنّا ومعنا، ألا هؤلاء شوقاً إليهم.
فصاح بعض من معه وهو همام بن عباد بن خيثم وكان من المتعبّدين صيحة فوقع مغشياً عليه فحرّكوه، فإذا هو فارق الدينا، فغسل وصلّي عليه أمير المؤمنين ومن معه.
الآية التاسعة:
قوله تعالي: (فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقُل تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكُم ونساءنا ونساءكُم وأنفسنا وأنفُسكُم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله علي الكاذبين)(34).
قال في الكشاف: لا دليل أقوي من هذا علي فضل أصحاب الكساء، وهم: عليّ وفاطمة والحسنان، لأنّهما لمّا نزلت دعاهم (ص) فاحتضن الحسين وأخذ بيد الحسن ومشت فاطمة خلفه، وعليّ خلفها فعلم أنّهم المراد من الآية وأنّ أولاد فاطمة وذرّيتهم يسمّون أبناؤه وينسبون إليه نسبة صحيحة نافعة في الدنيا والآخرة.
ويوضح ذلك أحاديث نذكرها مع ما يتعلّق بها تتميماً للفائدة فنقول:
صحّ عنه عله الصلاة والسلام أنّه قال علي المنبر: ما بال أقوام يقولون أن رحم رسول الله (ص) لا ينفع قومه يوم القيامة، بلي والله إنّ رحمي موصولة في الدينا والآخرة، وإني أيّها الناس فرط لكم علي الحوض.
وفي رواية ضعيفة وإن صححها الحاكم: أنّه (ص) بلغه أن قائلاً قال لبريدة: إنّ محمداً لن يغني عنك من الله شيئاً، فخطب ثم قال: ما بال أقوام يزعمون أنّ رحمي لا ينفع، بل حتي جبأ وحكم أي هما قبيلتان من اليمن، إني لأشفع فأشفع، حتي أن من أشفع له فيشفع حتي أن إبليس ليتطاول طمعاً في الشفاعة.
وأخرج الدارقطني: أنّ علياً يوم الشوري احتجّ علي أهلها فقال لهم: أنشدكم بالله هل فيكم أحد أقرب إلي رسول الله (ص) في الرحم مني، ومن جعله (ص) نفسه وأبناءه أبناءه ونساءه نساءه غيري؟ قالوا: اللهمّ لا، الحديث.
وأخرج الطبراني: أن الله عزّ وجل جعل ذريّة كل نبي في صلبه، وأن الله تعالي جعل ذريّتي في صلب عليّ بن أبي طالب.
وأخرج أبو الخير الحاكمي وصاحب كنوز المطالب في بني أبي طالب: أنّ علياً دخل علي النبي (ص) وعنده العباس، فسلّم فردّ (ص) عليه السلام وقام فعانقه وقبّل ما بين عينيه وأجلسه عن يمينه، فقال له العبّاس: أتحبّه؟ قال: يا عمّ والله لله أشدّ حباً له منّي، إنّ الله عزّ وجل جعل ذريّة كل نبّي في صلبه، وجعل ذريّتي في صلب هذا.
وزاد الثاني في روايته: إنّه إذا كان يوم القيامة دعي الناس بأسماء أمّهاتهم ستراً عليهم إلاّ هذا وذريّته، فإنهم يدعون بأسمائهم لصحّة ولادتهم.
وأبو يعلي والطبراني: أنه (ص) قال: كل بني أنثي ينتمون إلي عصبة إلاّ ولد فاطمة، فأنا وليّهم وأنا عصبتهم، وله طرق يقوي بعضها بعضاً.
بل صح عن عمر أنه خطب أم كلثوم من علي فاعتل بصغرها وبأنه أعدّها لابن أخيه جعفر، فقال له: ما أردت ألباءه ولكن سمعت رسول الله (ص) يقول: كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة ما خلا سببي ونسبي، وكلّ بني أنثي عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة، فإني أنا أبوهم وعصبتهم.
وفي رواية أخرجها البيهقي والدارقطني بسند رجاله من أكابر أهل البيت أن علياً عزل بناته لولد أخيه جعفر، فلقيه عمر فقال له: يا أبا الحسن أنكحني ابنتك أمّ كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله (ص)، فقال: قد حبستهن لولد أخي جعفر، فقال عمر: إنه والله ما علي وجه الأرض من يرصد حسن صحبتها ما أرصد، فأنكحني يا أبا الحسن، فقال: قد أنكحتها(35)؛ فعاد عمر إلي مجلسه بالروضة مجلس المهاجرين والأنصار فقال: هنوني، قالوا: بمن يا أمير المؤمنين؟ قال: بأم كلثوم بنت علي، وأخذ يحدث أنه سمع رسول الله (ص) يقول: كل صهر أوسبب أو نسب ينقطع يوم القيامة إلا صهري وسببي ونسبي وإنه كان لي صحبة فأحببت أن يكون لي معها سبب.
وفي رواية: أن عمر صعد المنبر فقال: أيها الناس إنه والله ما حملني علي الإلحاح علي علي في ابنته إلاّ لأنّي سمعتُ رسول الله (ص) يقول: كلّ حسب ونسب وسبب وصهر ينقطع يوم القيامة إلاّ حسبي ونسبي وسببي وصهري فأمر بها عليّ.
تنبيه:
علم مما ذكر في هذه الأحاديث عظيم نفع الانتساب إليه (ص) ولا ينافيه ما في أحاديث أخر من حثه لأهل بيته علي خشية الله واتقائه وطاعته، وإن القرب إليه يوم القيامة إنما هو بالتقوي، فمن ذلك الحديث الصحيح: أنه لما نزل قوله تعالي: (وأنذر عشيرتك الأقربين) دعا قريشاً فاجتمعوا فعمّ وخصّ وطلب منهم أن ينقذوا أنفسهم من النار إلي أن قال: يا فاطمة بنت محمد يا صفيّة بنت عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئاً غير أنّ لكم رحماً سأبلها ببلاها يعني سأصلها بصلتها ووجد عدم المنافاة كما قاله المحب الطبري وغيره من العلماء أنه (ص) لا يملك لأحد شيئاً لا نفعاً ولا خراً، لكن الله عزّ وجل يملكه نفع أقاربه، بل وجميع أمته بالشفاعة العامة والخاصة، فهو لا يملك إلا ما يملكه له مولاه، كما أشار إليه بقوله: غير أن لكم رحماً سأبلها ببلاها، وكذا معني قوله: لا أغني عنكم من الله شيئاً، أي بمجرد نفسي من غير ما يكرمني به الله من نحو شفاعة أو مغفرة، وخاطبهم بذلك رعاية لمقام التخويف والحث علي العمل والحرص علي أن يكونوا أولي الناس حظاً في تقوي الله وخشيته، ثم أومأ إلي حق رحمه إشارة إلي إدخال نوع طمأنينة عليهم.
ولما خفي ذلك الجمع عن بعضهم حمل حديث «كل سبب ونسب» علي أن المراد أن أمته (ص) يوم القيامة ينسبون إليه بخلاف أمم الأنبياء لا ينسبون إليهم وهو بعيد، وإن حكاه وجهاً في الروضة، بل يؤيّده ما مرّ من استناد عمر إليه في الحرص علي تزوّجه بأم كلثوم وإقرار عليّ والمهاجرين والأنصار له علي ذلك.
ويؤيّده أيضاً ذكر الصهر والحسب مع السبب والنسب كما مر.
وغضبه (ص) لما قيل: إن قرابته لا تنفع علي أن حديث البخاري ما يقتضي نسبة بقية الأمم إلي أنبيائهم فإن فيه يجيء نوح (عليه السلام) وأمته فيقول الله تعالي: «هل بلّغت» فيقول: أي ربّ نعم، فيقول لأمته: هل بلّغكم؟ الحديث. وكذا جاء في غيره.
واعلم أنه استفيد من قوله (ص) في الحديث السابق: أن أوليائي منكم المتقون، وقوله: إنما ولي الله صالح المؤمنين إن نفع رحمه وقرابته وشفاعته للمذنبين من أهل بيته، وإن لم تنتف لكن ينتفي عنهم بسبب عصيانهم ولاية الله ورسوله لكفرانهم نعمة قرب النسب إليه بارتكابهم ما يسوءه (ص) عند عرض عملهم عليه، ومن ثم يعرض (ص) عمّن يقول له منهم يوم القيامة: يا محمد، كما في الحديث السابق.
وقد قال الحسن بن الحسن السبط لبعض الغلاة فيهم: ويحكم أحبّونا لله، فإن أطعنا الله فأحبّونا، وإن عصيناه فأبغضونا، ويحكم لو كان الله نافعاً بقرابة من رسول (ص) الله بغير عمل بطاعته لنفع بذلك من هو أقرب إليه منا(36)، والله إني أخاف أن يضاعف للعاصي منا العذاب ضعفين وأن يؤتي المحسن منا أجره مرّتين وكأنه أخذ ذلك من قوله تعالي: (يا نساء النبي من يأت منكنّ بفاحشة مبيّنة يُضاعف لها العذاب ضعفين) (37).
«خاتمة»:
علم من الأحاديث السابقة اتجاه قول صاحب التلخيص من أصحابنا من خصائصه (ص) أن أولاد بناته ينسبون إليه (ص) وأولاد بنات غيره لا ينسبون إلي جدّهم من الكفاءة وغيرها، وأنكر ذلك القفال وقال: لا خصوصية بل كل أحد ينسب إليه أولاد بناته.
ويرده الخبر السابق كل بني أمّ ينتمون إلي عصبة إلي آخره.
ثم معني الانتساب إليه (ص) الذي هو من خصوصياته أنه يطلق عليه أنه أب لهم وأنهم بنوه حتي يعتبر ذلك في الكفاءة فلا يكافيء شريفة هاشمي غير شريف.
وأما أولاد بنات غيره فلا يجري فيهم مع جدّهم لأمهم هذه الأحكام.
نعم يستوي الجد للأب والأم في الانتساب إليهما من حيث تطلق الذريّة والنسل والعقب عليهم فأراد صاحب التلخيص بالخصوصية ما مر، وأراد القفال بعدمها هذا، وحينئذ فلا خلاف بينهما في الحقيقة.
ومن فوائد ذلك أيضاً أنه يجوز أن يقال للحسنين أبناء رسول الله (ص) وهو أب لهما اتفاقاً، ولا عبرة بمن منع ذلك حتي في الحسنين من الأمويين للخبر الصحيح الآتي في الحسن: إن ابني هذا سيّد.
ومعاوية وإن نقل عنه ذلك لكن نقل عنه ما يقتضي أنه رجع عن ذلك، وغير معاوية من بقية الأمويين المانع لذلك لا يعتد به.
وعلي الأصح قوله تعالي: «ما كان محمد أبا أحد من رجالكم» (38) إنما سبق لانقطاع حلم النبي لا لمنع هذا الإطلاق المراد به أنه أبو المؤمنين في الاحترام والإكرام.
الآية العاشرة:
قوله تعالي: (ولسوف يُعطيك ربُّك فترضي)(39).
نقل القرطبي عن ابن عباس أنه قال: رضي محمد (ص) أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار. وقاله السدي، انتهي.
وأخرج الحاكم وصححه أنه (ص) قال: وعدني ربّي في أهل بيتي من أقر منهم بالتوحيد ولي بالبلاغ أن لا يعذبهم.
وأخرج الملا: سألت ربي أن لا يدخل النار أحد من أهل بيتي فأعطاني ذلك.
وأخرج أحمد في المناقب: أنه (ص) قال: يا معشر بني هاشم، والذي بعثني بالحق نبياً لو أخذت بحلقة الجنّة ما بدأت إلا بكم.
وأخرج الطبري عن علي قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: أول من يرد عليّ الحوض فقراء المهاجرين، فإن صح الأول أيضاً حمل علي أن أُولئك أول من يرد بعد هؤلاء.
وأخرج المخلص والطبراني والدار قطني: أول من أشفع له من أمتي أهل بيتي، ثم الأقرب فالأقرب من قريش ثم الأنصار ثم من آمن بي واتبعني من اليمن ثم سائر العرب ثم الأعاجم ومن أشفع له أولاً أفضل.
وعند البزاز والطبراني وغيرهما أول من أشفع له من أمتي من أهل المدينة ثم أهل مكة ثم أهل طائف.
ويجمع بينهما بأن ذاك فيه ترتيب من حيث القبائل وهذا فيه ترتيب من حيث البلدان، فيحتمل أن المراد البداءة في قريش بأهل المدينة ثم مكة ثم الطائف وكذا في الأنصار ثم من بعدهم ومن أهل مكة بذلك علي هذا الترتيب ومن أهل الطائف بذلك كذلك.
وأخرج تمام والبزاز والطبراني وأبو نعيم: أنه (ص) قال: فاطمة؟ أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها علي النار.
وفي رواية: فحرمها وذريّتها علي النار.
وأخرج الحافظ أبو القاسم الدمشقي أنه (ص) قال: يا فاطمة لم سميت فاطمة قال علي: لم سمّيت فاطمة يا رسول الله؟، قال: إن الله قد فطمها وذرّيتها من النار.
وأخرج النسائي: أن ابنتي فاطمة حوراء آدمية لم تحض ولم تطمث إنما سماها فاطمة لأن الله أفطمها ومحبّيها علي النار.
وأخرج الطبراني بسند رجاله ثقات: أنه (ص) قال لها: إن الله غير معذّبك ولا أحداً من وُلدك.
وأخرج الديلمي وغيره: أنه (ص) قال: نحن بنو عبد المطلب سادات أهل الجنة أنا وحمزة وعلي وجعفر بن أبي طالب والحسن والحسين والمهدي.
وفي حديث ضعيف عن علي: شكوتُ إلي رسول الله (ص) حسد الناس فقال لي: أما ترضي أن تكون رابع أربعة: أوّل من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا(40) وشمائلنا وذريتنا خلف أزواجنا.
وأخرج أحمد في المناقب: إنه (ص) قال لعلي: أما ترضي أنك معي في الجنة والحسن والحسين وذرّيتنا خلف ظهورنا وأزواجنا خلف ذريتنا وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا.
وأخرج الطبراني: أنه (ص) قال لعلي: أول أربعة يدخلون الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وذريتنا خلف ظهورنا وأزواجنا خلف ذريتنا وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا، وسنده ضعيف، لكن يشهد له ما صح عن ابن عباس إن الله يرفع ذرية المؤمن معه في درجته وإن كانوا دونه في العمل، ثم قرأ: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم)(41) الآية.
وأخرج الديلمي: يا علي إن الله قد غفر لك ولذريتك ولولدك ولأهلك ولشيعتك فأبشر فإنّك الأنزع البطين.
وكذا خبر أنت وشيعتك تردون علي الحوض رواء مرويّين مبيضّة وجوهكم، وأن عدوّك يردون علي الحوض ظماء مقبحين.
الآية الحادية عشرة:
قوله تعالي: (إنّ الذين آمنوا وعملوا الصّالحات أولئك هم خيرُ البريّة)(42).
أخرج الحافظ جمال الدين الزرندي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية لما نزلت قال (ص) لعلي: هو أنت وشيعتك، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيّين، ويأتي عدوّك غضاباً مقمحين، قال: ومن عدوّي؟ قال: من تبرّأ منك ولعنك.
وخبر: السابقون إلي ظل العرش يوم القيامة طوبي لهم، قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: شيعتك يا علي ومحبّوك.
وأخرج الدار قطني: يا أبا الحسن أما أنت وشيعتك في الجنّة.
ومن ثم قال موسي بن علي بن الحسين بن علي وكان فاضلاً: عن أبيه، عن جدّه: إنما شيعتنا من أطاع الله ورسوله وعمل أعمالنا.
الآية الثانية عشرة:
قوله تعالي: (وإنه لعلم للساعة)(43).
قال مقاتل بن سليمان ومن تبعه من المفسّرين: إن هذه الآية نزلت في المهدي وستأتي الأحاديث المصرحة بأنه من أهل البيت النبوي، وحينئذ ففي الآية دلالة علي البركة في نسل فاطمة وعلي وإن الله ليخرج منهما كثيراً طيباً وأن يجعل نسلهما مفاتيح الحكمة ومعادن الرحمة.
وسرّ ذلك أنه (ص) أعاذها وذريّتها من الشيطان الرجيم، ودعا لعلي بمثل ذلك، وشرح ذلك كله يعلم بسياق الأحاديث الدالة عليه.
وأخرج النسائي بسند صحيح أن نفراً من الأنصار قالوا لعلي رضي الله عنه: لو كانت عندك فاطمة، فدخل علي النبي (ص) يعني ليخطبها، فسلّم عليه فقال له: ما حاجة ابن أبي طالب؟ قال: فذكرت فاطمة، فقال (ص): مرحباً وأهلاً، فخرج إلي الرهط من الأنصار ينتظرونه فقالوا له: ما ورائك؟ قال: ما أدري، غير أنه قال لي: مرحباً وأهلاً، قالوا: يكفيك من رسول الله (ص) أحدهما قد أعطاك الأهل وأعطاك الرحب، فلما كان بعد ما زوّجه قال له: يا علي إنه لا بدّ للعرس من وليمة، قال سعد رضي الله عنه: عندي كبش وجمع له رهط من الأنصار أصوعاً من ذرة(44)، فلمّا كان ليلة البناء قال: يا علي لا تحدث شيئاً حتي تلقاني، فدعا (ص) ماء فتوضّأ به ثم أفرغه علي علي وفاطمة فقال: اللهم بارك لهما في نسلهما. وفي رواية: شملهما. وفي أخري: شبليهما. قيل: وهو مصحف، فإن صحّت فالشبل ولد الأسد فيكون ذلك كشفاً واطلاعاً منه (ص) علي أنها تلد الحسنين، فأطلق عليهما شبلين، وهما كذلك.
وأخرج أبو علي الحسن بن شاذان: أن جبرائيل جاء إلي النبي (ص) فقال: إن الله يأمرك أن تزوّج فاطمة من علي فدعا (ص) جماعة من أصحابه، فقال: الحمد لله المحمود بنعمته الخطبة المشهورة ثم زوّج عليّاً وكان غائباً. وفي آخرها: فجمع الله شملهما، وطيّب نسلهما، وجعل نسلها مفاتيح الرحمة، ومعادن الحكمة، وأمن الأمّة، فلما حضر عليّ تبسّم (ص) وقال له: إن الله أمرني أن أزوّجك فاطمة علي أربعمائة مثقال فضّة أرضيت بذلك؟ فقال: قد رضيتها يا رسول الله، ثمّ خرّ علي ساجداً لله شكراً، فلمّا رفع رأسه قال (ص): بارك الله لكما وبارك فيكما وأعزّ جدكما وأخرج منكما الكثير الطيّب.
قال أنس: والله لقد أخرج الله منهما الكثير الطيّب.
وأخرج أكثره أبو الخير القزويني الحاكمي.
وأخرج أبو داود السجستاني: أنّ أبا بكر خطبها فأعرض عنه (ص)، ثم عمر فأعرض (ص) عنه فأتيا علياً فنبهاه إلي خطبتها، فجاء فخطبها فقال (ص): ما معك؟ فقال: فرسي وبدني، فقال: أمّا فرسك فلا بدّ لك منه، وأما بدنك فبعها وائتني بها، فباعها بأربعمائة وثمانين ثم وضعها في حجره فقبض منها قبضة وأمر بلالاً أن يشتري به طيباً، ثم أمرهم أن يجهزّوها فعمل لها سرير مشرط ووسادة من أدم حشوها ليف وملأ البيت كثيباً يعني رملاً وأمر أم أيمن أن تنطلق إلي ابنته، وقال لعلي: لا تعجل حتي آتيك ثم أتاهم (ص) فقال لأم أيمن: ههنا أخي، قالت: أخوك وتزوّجه ابنتك؟ قال: نعم، فدخل علي فاطمة ودعا بماء، فأتته بقدح فيه ماء فمجّ فيه، ثم نضح علي رأسها وبين ثدييها وقال: اللهم إني أعيذها بك وذريّتها من الشيطان الرجيم، ثم قال لعلي: ائتني بماء، فعلمت ما يريد، فملأت القعب فأتيته به فنضح منه علي رأسي وبين كتفي وقال: اللهم إنّي أعيذه بك وذريّته من الشيطان الرجيم، ثم قال: ادخل بأهلك علي اسم الله تعالي وبركته.
وأخرج أحمد وأبو حاتم نحوه، وقد ظهرت بركة دعائه (ص) في نسلهما فكان منه من مضي ومن يأتي ولو لم يكن في الآيتين إلاّ الإمام المهدي لكفي، وسيأتي في الفصل الثاني جملاً مستكثرة من الأحاديث المبشرة به.
ومن ذلك ما أخرجه مسلم وأبو داود النسائي وأين ماجة والبيهقي وآخرون: المهدي من عترتي من ولد فاطمة.
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة: لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم لبعث الله فيه رجلاً من عترتي.
وفي رواية: رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما مليت جوراً.
وفي رواية: لمن عدا الأخير، لا تذهب الدنيا ولا تنقضي حتي يملك رجل من أهل بيتي يواطيء اسمه اسمي.
وفي أخري لأبي داود والترمذي: لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتي يبعث الله فيه رجلاً من أهل بيتي، يواطيء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي(45)، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً.
وأحمد وغيره: المهدي منّا أهل البيت يصلحه الله في ليلة.
والطبراني: المهدي منّا يختم الدين بنا كما فتح بنا.
والحاكم في صحيحه: يحل بأمتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلاطينهم لم يسمع بلاء أشد منه حتي لا يجد الرجل ملجأ فيبعث الله رجلاً من عترتي أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً يحبّه ساكن الأرض وساكن السماء، وترسل السماء قطرها وتخرج الأرض نباتها، لا تمسك فيها شيئاً يعيش فيهم سبع سنين أو ثمانياً أو تسعاً، يتمنّي الأحياء الأموات مما صنع الله بأهل الأرض من خيره.
وروي الطبراني والبزاز نحوه، ومنه: يمكث فيكم سبعاً أو ثمانياً، فإن أكثر فتسعاً.
وفي رواية لأبي داود الحاكم: يملك فيكم سبع سنين.
وفي أخري للترمذي: إنّ في أمتي المهدي يخرج ويعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً، فيجيء إليه الرجل فيقول: يا مهدي أعطني أعطني، فيحشي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله.
وفي رواية: فيلبث في ذلك ستاً أو سبعاً أو ثمانياً أو تسعاً من السنين، وسيأتي أن الذي اتّفقت عليه الأحاديث سبع سنين من غير شك.
وأخرج أحمد ومسلم: يكون في آخر الزمان خليفة يحشي المال حشياً ولا يعده عداً.
وابن ماجة مرفوعاً: يخرج ناس من المشرق فيوطؤون للمهدي سلطانه.
وصح أن اسمه يوافق اسم النبي (ص) واسم أبيه، اسم أبيه(46).
وأخرج ابن ماجة: بينما نحن عند رسول الله (ص) إذ أقبل فئة من بني هاشم، فلما رآهم (ص) اغرورقت عيناه بالدموع وتغيّر لونه، قال: فقلت: ما نزال نري في وجهك شيئاً نكرهه، فقال: إنّا أهل بيت اختار الله لهم الآخرة علي الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءً شديداً وتطريداً حتي يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود فيسألون الخير فلا يعطونه فيقاتلون فينصرون فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتي يدفعوها إلي رجل من أهل بيتي فيملؤها قسطاً كما ملئووها جوراً، فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبواً علي الثلج فإن فيها خليفة الله المهدي.
وأخرج نصير بن حماد مرفوعاً: هو رجل من عترتي يقاتل علي سنّتي كما قاتلت أنا علي الوحي.
وأخرج أبو نعيم: ليبعثنّ الله رجلاً من عترتي أفرق الثنايا أجلي الجبهة يملأ الأرض عدلاً، يفيض المال فيضاً.
وأخرج الروياني والطبراني وغيرهما: المهدي من ولدي وجهه كالكوكبخروا
الدرّي، اللّون لون عربي، والجسم جسم إسرائيلي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، يرضي بخلافته أهل السماء وأهل الأرض والطير في الجوّ، يملك عشرين سنة.
وأخرج الطبراني مرفوعاً: يلتفت المهدي وقد نزل عيسي بن مريم (عليه السلام) كأنما يقطر من شعره الماء فيقول المهدي: تقدّم فصلّ بالناس، فيقول عيسي: إنما أقيمت الصلاة لك، فيصلّي خلف رجل من ولدي، الحديث.
وفي صحيح ابن حبان في إمامة المهدي نحوه، وصح مرفوعاً: ينزل عيسي بن مريم فيقول أميرهم المهدي تعال صلّ بنا فيقول: لا، إن بعضكم أئمة علي بعض تكرمة الله هذه الأمة.
وأخرج ابن عساكر عن علي: إذا قام قائم آل محمد (ص) جمع الله أهل المشرق وأهل المغرب، فأما الرفقاء فمن أهل الكوفة، وأما الأبدال فمن أهل الشام.
وصح أنه (ص) قال: يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من المدينة هارباً إلي مكة فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام ويبعث إليهم بعث من الشؤم فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة فإذا رأي الناس ذلك أتاه ابدال أهل الشام وعصائب أهل العراق فيبايعونه، ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب فيبعث إليهم بعثاً، فيظهرون عليهم وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال ويعمل في الناس بسنّة نبيهم (ص) ويلقي الإسلام بجرانه الأرض.
وأخرج الطبراني: إنه (عليه السلام) قال لفاطمة: نبيّنا خير الأنبياء وهو أبوك، وشهيدنا خير الشهداء وهو عمّ أبيك حمزة، ومنّا من له جناحان يطير بهما في الجنّة حيث شاء وهو ابن عم أبيك جعفر، ومنّا سبطا هذه الأمة: الحسن والحسين وهما ابناك؛ يتشعّب منهما قبيلتان ويكون من نسلهما خلق كثير، ومنّا المهدي.
وأخرج ابن ماجة: أنه (ص) قال: لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتي يملك رجل من أهل بيتي يملك جبل الديلم والقسطنطينية.
وأخرج أحمد والماوردي: أنه (ص) قال: أبشروا بالمهدي رجل من قريش من عترتي يخرج في اختلاف من الناس وزلزال، فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً جوراً، ويرضي عنه ساكن الأرض وساكن السماء ويقسم المال صحاحاً بالسويّة، ويملأ قلوب أُمة محمد غني ويسعهم عدله حتي أنه يأمر منادياً فينادي: من له حاجة إليّ؟ فما يأتيه أحد إلاّ رجلٌ واحد يأتيه فيسأله فيقول: أئت السادن حتي يعطيك، فيأتيه فيقول: أنا رسول المهدي إليك لتعطيني مالاً، فيقول: أحش فيحشي ما لا يستطيع أن يحمله فيلقي حتي يكون قدر ما يستطيع أن يحمل فيخرج به فيقول: أنا كنت أجشع أمّة محمد نفساً كلهم دعي إلي هذا المال فتركه غيري فيرد عليه فيقول: إنا لا نقبل شيئاً أعطينا فيلبث في ذلك ستاً أو سبعاً أو ثمانياً أو تسع سنين ولا خير في الحياة بعده.
وقال أبو الحسين الأجري: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها علي المصطفي (ص) بخروجه وأنه من أهل بيته وأنه يملأ الأرض عدلاً وأنه يخرج مع عيسي علي نبيّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام فيساعده علي قتل الدجّال بباب لد بأرض فلسطين وأنه يؤم هذه الأمة ويصلّي عيسي خلفه، انتهي.
وما ذكره من أن المهدي يصلّي بعيسي هو الذي دلّت عليه الأحاديث.
الآية الثالثة عشرة:
قوله تعالي: (وعلي الأعراف رجال يعرفون كلاً بسيماهم)(47).
أخرج الثعلبي في تفسير هذه الآية عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الأعراف موضع عالٍ من الصراط عليه العباس وحمزة وعلي بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين، يعرفون محبّيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسواد الوجوه.
وأورد الديلمي وابنه معاً لكن بلا إسناد أنّ علياً قال: قال رسول الله (ص): اللهمّ ارزق من أبغضني وأهل بيتي كثرة المال والعيال، كفاهم بذلك أن يكثر مالهم فيطول حسابهم وأن تكثر عيالهم فتكثر شياطينهم.
وحكمة الدعاء عليهم بذلك أنه لا حامل علي بغضه (ص) وبغض أهل بيته إلا الميل إلي الدنيا لما جبلوا عليه من محبّة المال والولد، فدعا عليهم (ص) بتكثير ذلك مع سلبهم نعمته فلا يكون إلا نقمة عليهم لكفرانهم نعمة من هُدوا علي يديه إيثاراً للدنيا بخلاف من دعا له (ص) بتكثير ذلك، إذ القصد به كون ذلك نعمة عليهم فيتوصل به إلي ما رتبه عليه من الأمور الأخروية والدنيوية النافعة.
الآية الرابعة عشرة:
قوله تعالي: (قُل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القُربي ومن يقترف حسنةً نزد لهُ فيها حُسناً) إلي قوله: (وهوالذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيّئات ويعلم ما تفعلون) (48).
اعلم أن هذه الآية مشتملة علي مقاصد وتوابع:

تفاسير في آية المودة

المقصد الأول في تفسيرها
أخرج أحمد والطبراني وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس أن هذه الآية لما نزلت قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: عليّ وفاطمة وابناهما.
وروي أبو الشيخ وغيره عن علي كرّم الله وجهه: فينا آل حم آية لا يحفظ مودّتنا إلا كل مؤمن ثم قرأ: «قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربي».
وأخرج البزاز والطبراني عن الحسن من طرق بعضها حسان أنه خطب في خطبة من جملتها: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد (ص) ثم تلا: (واتّبعت ملّة آبائي إبراهيم) الآية، ثم قال: أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، ثم قال: وأنا من أهل البيت الذين افترض الله عزّ وجل مودّتهم وموالاتهم، فقال فيما أُنزل علي محمد (ص): (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربي) ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً، واقتراف الحسنات مودّتنا أهل البيت.
وأخرج الطبراني عن زين العابدين: أنه لما جيء به أسيراً عقب مقتل أبيه الحسين وأُقيم علي درج دمشق قال بعض جفاة أهل الشام: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرن الفتنة، فقال له: ما قرأت (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربي)؟ قال: وأنتم هم؟ قال: نعم، وللشيخ شمس الدين ابن العربي:
رأيت ولائي آل طه فريضة علي رغم أهل البعد يورثني القربا
فما طلب المبعوث أجراً علي الهدي بتبليغه إلاّ المودّة في القربي
وأخرج أحمد عن ابن عباس في (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً) قال: المودّة لآل محمد (ص).
ونقل الثعلبي والبغوي عنه أنه لما نزل قوله تعالي: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربي) قال قوم في نفوسهم: ما يريد الله إلاّ أن يحثّنا علي قرابته من بعده، فأخبر جبرائيل النبي (ص) أنهم اتّهموه(49) فأنزل: (أم يقولون أفتري علي الله كذبا) الآية، فقال القوم: يا رسول الله إنّك صادق، فنزل: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده).
ونقل القرطبي وغيره عن السدي إنه قال في قوله تعالي: (إنّ الله غفورٌ شكور) غفور لذنوب آل محمد(50) شكور لحسناتهم.

المقصد الثاني فيما تضمنته تلك الآية من طلب محبّة آله (ص) وأنّ ذلك من كمال الإيمان

ولنفتتح هذا المقصد بآية أخري ثم نذكر الأحاديث الواردة فيه قال الله تعالي: (إنّ الذين آمنوا وعملوا الصّالحات سيجعل لهُم الرّحمنُ وُدّاً) (51).
أخرج الحافظ السلعي عن محمد بن الحنفية أنه قال في تفسير هذه الآية: لا يبقي مؤمن إلاّ وفي قلبه ودّ لعلي وأهل بيته.
وصح أنه (ص) قال: أحبوا الله لما يغذوا بكم به من نعمة وأحبوني لحبي الله عزّ وجلّ، وأحبوا أهل بيتي لحبي.
وأخرج البيهقي وأبو الشيخ والديلمي أنه(ص) قال: لا يؤمن عبد حتي أكون أحبّ إليه من نفسه وتكون عترتي أحب إليه من نفسه وتكون أهلي أحبّ إليه من أهله وتكون ذاتي أحب إليه من ذاته.
وأخرج الديلمي أنه (ص) قال: أدّبوا أولادكم علي ثلاث خصال: حبّ نبيكم، وحبّ أهل بيته، وعلي قراءة القرآن والحديث.
وصح أن العباس شكا إلي رسول الله (ص) ما يلقون من قريش من تعبيسهم في وجوههم وقطعهم حديثهم عند لقائهم، فغضب (ص) غضباً شديداً حتي احمرّ وجهه وعرق ما بين عينيه وقال: والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتي يحبكم لله ولرسوله.
وفي رواية صحيحة أيضاً: ما بال أقوام يتحدّثون فإذا رأوا الرجل من أهل بيتي قطعوا حديثهم، والله لا يدخل قلب رجل الإيمان حتي يحبهم لله ولقرابتهم منّي.
وفي أخري: والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنّة حتي يؤمنوا ولا يأمنوا حتي يحبوكم لله ولرسوله أترجو مراد شفاعتي ولا يرجوها بنو عبد المطّلب.
وفي أخري: لن يبلغوا أخيراً حتي يحبوكم لله ولقرابتي.
وفي أخري: ولا يؤمن أحدهم حتي يحبكم لحبي، أترجون أن تدخلوا الجنّة بشفاعتي ولا يرجوها بنو عبد المطّلب، وبقي له طرق أخري كثيرة.
وقدمت بنت أبي لهب المدينة مهاجرة فقيل لها: لا تغني عنك هجرتك أنت بنت حطب النار، فذكرت ذلك للنبي (ص) فاشتدّ غضبه ثم قال علي منبره: ما بال أقوام يؤذوني في نسبي وذوي رحمي، ألا ومن آذي نسبي وذوي رحمي فقد آذاني ومن آذاني فقد آذي الله.
أخرجه ابن أبي عاصم والطبراني وابن مندة والبيهقي بألفاظ متقاربة، وسميت تلك المرأة في رواية «دُرّة» وفي أخري «سبيعة»، فأما هما لواحدة اسمان أو لقب واسم أو لامرأتين وتكون القصّة تعددت لهما.
وخرج عمرو الأسلمي وكان من أصحاب الحديبية مع علي إلي اليمن فرأي منه جفوة فلما قدم المدينة أذاع شكايته فقال له النبي (ص): لقد آذيتني، فقال: أعوذ بالله أن أُؤذيك يا رسول الله، فقال: بل من آذي علياً فقد آذاني.
أخرجه أحمد، زاد ابن عبد البر: من أحب علياً فقد أحبني ومن أبغض علياً ومن آذي علياً فقد آذاني ومن آذاني فقد آذي الله(52).
وكذلك وقع لبريدة أنه كان مع علي في اليمن فقدم مغاضباً عليه وأراد شكايته بجارية أخذها من المحسن، فقيل له: أخبره ليسقط علي من عينيه ورسول الله (ص) يسمع من وراء الباب فخرج مغضباً وقال: ما بال أقوام ينتقصون علياً، من أبغض علياً فقد أبغضني، ومن فارق علياً فقد فارقني، إنّ عليّاً منّي وأنا منه، خُلق من طينتي وأنا خُلقتُ من طينة إبراهيم وأنا أفضل من إبراهيم (ذريّة بعضها من بعض والله سميع عليم) (53) يا بريدة أما علمت أن لعلي أكثر من الجارية إلي آخر الحديث. أخرجه الطبراني.
وفي خبر أنه (ص) قال: ألزموا مودّتنا أهل البيت فإنه من لقي الله عزّ وجل وهو يودّنا دخل الجنّة بشفاعتنا والذي نفسي بيده لا ينفع عبداً عمله إلاّ بمعرفة حقّنا(54).
ويوافقه قول كعب الأحبار وعمر بن عبد العزيز ليس أحد من أهل بيت النبي (ص) إلاّ له شفاعة.
وأخرج أبو الشيخ والديلمي: من لم يعرف حق عترتي… فهو لإحدي ثلاث: إما منافق، وإما ولد زانية، وإما امرؤ حملت به أمه في غير طهر.
وأخرج الديلمي: من أحب الله أحبّ القرآن ومن أحب القرآن أحبني ومن أحبني أحب أصحابي(55) وقرابتي.
وأخرج أبو بكر الخوارزمي: أنه (ص) خرج عليهم ووجهه مشرق كدائرة القمر فسأله عبد الرحمن بن عوف فقال: بشارة أتتني من ربّي في أخي وابن عمّي وابنتي بأن الله زوّج علياً من فاطمة، وأمر رضوان خازن الجنان فهزّ شجرة طوبي فحملت دقاقاً يعني صكاكاً بعدد محبي أهل البيت وأنشأ تحتها ملائكة من نور، دفع إلي كل ملك صكاً فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق فلا يبقي محب لأهل البيت إلا دفعت إليه صكاً فيه فكاكه من النار فصار أخي وابن عمّي وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من أمتي من النار.
وأخرج الملا: لا يحبنا أهل البيت إلا مؤمن تقي ولا يبغضنا إلا منافق شقي.
ومرّ خبر أحمد والترمذي: من أحبني وأحبّ هذين يعني حسناً وحسيناً وأباهما وأمهما كان معي في الجنّة.
وفي رواية: في درجتي.
وزاد داود: ومات متبعاً لسنّتي(56).
وفي حديث: من أحبنا بقلبه وأعاننا بيده ولسانه كنت أنا وهو في عليّين، ومن أحبنا بقلبه وأعاننا بلسانه وكفّ يده فهو في الدرجة التي تليها، ومن أحبنا بقلبه وكفّ عنا لسانه ويده فهو في الدرجة التي تليها.

المقصد الثالث فيما أشارت إليه من التحذير من بغضهم (ع)

صح أنه (ص) قال: والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت أحد إلاّ أدخله الله النار.
وأخرج أحمد مرفوعاً: من أبغض أهل البيت فهو منافق.
وأخرج هو والترمذي عن جابر: ما كنا نعرف المنافقين إلاّ ببغضهم علياً.
وخبر: من أبغض أحداً من أهل بيتي فقد حرم شفاعتي، موضوع(57).
وهكذا(58) خبر: من أبغضنا أهل البيت حشره الله يوم القيامة يهودياً وإن شهد أن لا إله إلاّ الله، فهو موضوع أيضاً كما قاله ابن الجوزي(59) كالعقيلي وغير هذين كما مر وما يأتي مغن عنهما.
وأخرج الطبراني مرفوعاً: لا يبغضنا ولا يحسدنا أحد إلا ذيد عن الحوض يوم القيامة بسياط من النار.
وفي رواية له أيضاً من جملة قصة طويلة: أنت السابُّ عليّاً؟ لئن وردت عليه الحوض وما أراك ترده لتجدنه مشمراً حاسراً عن ذراعيه يذود الكفار والمنافقين عن حوض رسول الله (ص) قول الصادق المصدوق محمد (ص).
وأخرج الطبراني: يا علي معك يوم القيامة عصا من عصي الجنّة تذود بها المنافقين عن الحوض.
وأحمد: أعطيت في علي خمساً هنّ أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها، أما واحدة فهو: بين يدي الله حتي يفرغ من الحساب، وأما الثانية: فلواء الحمد بيده آدم ومن ولده تحته، وأما الثالثة: فواقف علي حوضي يسقي من عرف من أمتي، الحديث.
ومرّ خبر: أنه (ص) قال لعلي: إنّ عدوّك يردون عليّ الحوض ظماء مقمحين.
وأخرج الديلمي مرفوعاً: بغض بني هاشم والأنصار كفر ونفاق.
وصحح الحاكم خبر: أنه (ص) قال: يا بني عبد المطلب إني سألت الله لكم ثلاثاً: أن يثبّت أقدامكم، وأن يهدي ضالّكم، وأن يعلم جاهلكم، وسألت الله أن يجعلكم جوداً.
وفي رواية: نجداً من النجدة الشجاعة وشدة البأس نجباء رحماء فلو أن رجلاً صف بين الركن والمقام أي جمع قدميه فصلّي وصام ثم لقي الله وهو مبغض لأهل بيت محمد (ص) دخل النار.
وصحّ أيضاً: أنه (ص) قال: ستة لعنتهم ولعنهم الله وكل نبي مجاب: الزائد في كتاب الله عزّ وجلّ، والمكذب بقدر الله، والمتسلط علي أمتي بالجبروت ليذل من أعز الله ويعز من أذل الله والمستحل حرمة الله.
وفي رواية: لحرم الله والمستحل من عترتي ما حرم الله، والتارك للسنة.
وفي رواية زيادة سابع وهو: المستأثر بالفيء.
وأخرج أحمد عن أبي دجانة كان يقول: لا تبرأ علياًّ ولا أهل البيت، إنّ جاراً لنا قدم الكوفة فقال: ألم تروا هذا الفاسق ابن الفاسق إن الله قتله يعني الحسين فرماه الله بكوكبين في عينيه وطمس الله بصره.
تنبيه:
قال القاضي في الشفاء ما حاصله: من سب آباء أحد من ذريته (ص)، ولم تقم قرينه علي إخراجه (ص) من ذلك، قتل.
وعلم من الأحاديث السابقة وجوب محبة أهل البيت وتحريم بغضهم التحريم الغليظ وبلزوم محبتهم صريح البيهقي والبغوي وغيره إنها من فرائض الدين بل نص عليها الشافعي فيما حكي عنه من قوله:
يا أهل بيت رسول الله حبكم فرض من الله في القرآن أنزله
وفي توثيق عري الإيمان للبزاز عن الإمام الحولي ما حاصله: إن خواص العلماء يجدون في قلوبهم مزية تامة بمحبته (ص)، ثم محبة ذرّيته لعلمهم باصطفاء نطفهم الكريمة، وينبغي الإغضاء عن انتقادهم ومن ثمّ ينبغي أن الفاسق (60) من أهل البيت لبدعته أو غيرها إنما تبغض أفعاله لا ذاته، لأنها بضعة منه (ص)، وإن كان بينه وبينها وسائط.
وأخرج أبو سعيد في النبوة وابن المثني أنه (ص) قال: يا فاطمة إن الله يغضب لغضبك ويرضي لرضاك فمن آذي أحداً من ولدها فقد تعرض لهذا الخطر العظيم، لأنه أغضبها ومن أحبهم فقد تعرض لرضاها.
ولذا صرح العلماء بأنه ينبغي إكرام سكان بلده (ص) وإن تحقق منهم ابتداع أو نحوه رعاية لحرمة جواره الشريف فما بالك بذريته الذين هم بضعة منه؟
وروي في قوله تعالي: (وكان أبوهما صالحاً)أنه كان بينهم وبين الأب الذي حفظ فيه سبعة أو تسعة آباء، ومن ثم قال جعفر الصادق (عليه السلام): احفظوا فينا ما حفظ الله العبد الصالح في اليتيمين وما انتقد ذريته (ص) محب لمحمد (ص).

المقصد الرابع مما أشارت إليه الآية الحث علي صلتهم وإدخال السرور عليهم(ع)

وأخرج الديلمي مرفوعاً: من أراد التوسل إليّ وأن يكون له عندي يد اشفع له بها يوم القيامة فليصل أهل بيتي ويدخل السرور عليهم.
وورد عن عمر من طرق أنه قال للزبير: انطلق بنا نزور الحسن بن علي فتبطأ عليه الزبير فقال: أما علمت أن عيادة بني هاشم فريضة وزيارتهم نافلة.
وأخرج الخطيب مرفوعاً: يقوم الرجل للرجل إلا بني هاشم لا يقومون لأحد.
وأخرج الطبراني مرفوعاً: أنه من اصطنع إلي أحد من ولد عبد المطلب يداً فلم يكافئه بها في الدنيا فعليّ مكافأته غداً إذا لقيني.
زاد الثعلبي في رواية: وحرمت الجنّة علي من ظلمني في أهل بيتي وآذاني في عترتي وفي خبر: أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة: المكرم لذريتي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في أمورهم عندما اضطروا إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه.
وأخرج الملا في سيرته: أنه (ص) أرسل أبا ذر ينادي عليّاً فرأي رحي تطحن في بيته وليس فيها أحد، فأخبر النبي (ص) بذلك فقال: يا أبا ذر أما علمت إن لله ملائكة سياحين في الأرض وقد وكلوا بمعونة آل محمد (ص).
وأخرج أبو الشيخ من جملة حديث طويل: يا أيها الناس إن الفضل والشرف والمنزلة والولاية لرسول الله (ص) وذريته، فلا تذهبن بكم الأباطيل.

المقصد الخامس مما أشارت إليه الآية من توقيرهم وتعظيمهم والثناء عليهم (ع)

ومن ثم كثر ذلك من السلف في حقهم اقتداءً به (ص) فإنه كان يكرم بني هاشم كما مرّ، ودرج علي ذلك الخلفاء الراشدون(61) فمن بعدهم.
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي بكر أنه قال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله (ص) أحب إليّ أن أصل من قرابتي.
وفي رواية: أحب إلي من قرابتي.
وفي أخري: والله لئن أصلكم أحب إلي من أن أصل قرابتي، لقرابتكم من رسول الله ولعظم الذي جعله الله له علي كل مسلم.
وهذا قاله علي سبيل الاعتذار(62) لفاطمة عن منعه إياها ما طلبت منه من تركة النبي (ص).
أخرج أيضاً عنه: ارقبوا محمداً (ص) في أهل بيته.
وصح عنه أيضاً أنه حمل الحسن علي عنقه مع ممازحته لعلي بقوله وهو حامل له «بأبي الشبيه بالنبي» «ليس شبيهاً بعلي» وعلي يضحك.
ويوافقه قول أنس كما في البخاري- عنه: لم يكن أحد أشبه بالنبي (ص) من الحسن، لكنه قال ذلك في الحسين، وطريق الجمع بينهما قول علي كما أخرجه الترمذي وابن حبان عنه: الحسن أشبه برسول الله (ص) ما بين الرأس إلي الصدر، والحسين أشبه بالنبي (ص) ما كان أسفل من ذلك.
وورد في جماعة من بني هاشم وغيرهم أنهم يشبهونه (ص) أيضاً.
وقد ذكرت عدتهم في شرحي لشمائل الترمذي.
وأخرج الدارقطني: أن الحسن جاء لأبي بكر وهو علي منبر رسول الله (ص) فقال: انزل عن مجلس أبي، فقال: صدقت والله إنه لمجلس أبيك (63)، ثم أخذه وأجلسه في حجره وبكي.
ووقع للحسن نحو ذلك مع عمر وهو علي المنبر فقال له: منبر أبيك والله لا منبر أبي(64).
زاد ابن سعد: أنه أخذه فأقعده إلي جنبه وقال: وهل أنبت الشعر علي رؤوسنا إلا أبوك؟ أي أن الرفعة ما نلناها إلا به.
وأخرج العسكري عن أنس قال: بينما النبي (ص) في المسجد إذ أقبل عليّ فسلّم ثم وقف ينظر موضعاً يجلس فيه فنظر(ص) في وجوه الصحابة أيهم يوسع له وكان أبو بكر عن يمينه فتزحزح له عن مجلسه وقال له: ههنا يا أبا الحسن، فجلس بين النبي (ص) وبين أبي بكر فعرف السرور في وجه رسول الله (ص).
وأخرج ابن شاذان عن عائشة: أن أبا بكر فعل نظير ذلك مع العباس أيضاً وتأسي في ذلك به (ص) فقد أخرج ابن البغوي عن عائشة: لقد رأيت من تعظيم رسول الله (ص) عمه العباس أمراً عجيباً.
وأخرج عبد البراق: كان أبو بكر يكثر النظر إلي وجه عليّ، فسألته عائشة فقال: سمعت رسول الله (ص) يقول: النظر إلي وجه عليّ عبادة.
ومر نحو هذا وأنه حديث حسن، ولما جاء أبو بكر وعلي لزيارة قبره (ص) بعد وفاته بستة أيام قال علي: تقدم، فقال أبو بكر: ما كنت لأتقدم رجلاً سمعت رسول الله (ص) يقول فيه: عليّ مني كمنزلتي من ربيّ.
أخرجه ابن السمان.
وأخرج الدارقطني عن الشعبي قال: بينما أبو بكر جالس إذ طلع علي فلما رآه قال: من سرّه أن ينظر إلي أعظم الناس منزلة وأقربهم قرابة وأفضلهم حالة وأعظمهم حقاً عند رسول الله (ص) فلينظر إلي هذا الطالع(65).
وأخرج أيضاً: إنّ عمر رأي رجلاً يقع في علي فقال: ويحكم أتعرف عليّاً؟ هذا ابن عمه، وأشار إلي قبره والله ما آذيت إلاّ هذا في قبره.
وفي رواية: فإنك إن أبغضته آذيت هذا في قبره.
وأخرج أيضاً عن ابن المسيّب قال: قال عمر تحبّبوا إلي الأشراف وتودّدوا واتقوا علي أعراضكم من السفلة، واعلموا أنه لا يتمّ شرف إلاّ بولاية علي(66).
وأخرج البخاري: أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقي بالعباس وقال: اللهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا محمد (ص)إن قحطنا فتسقينا وإنا نتوسّل إليك بعمّ نبينا فاسقنا فيسقون.
وفي تاريخ دمشق: أن الناس كرروا الاستسقاء عام الرمادة سنة سبع عشرة من الهجرة فلم يسقوا، فقال عمر: لأستسقينّ غداً بما يسقني الله به، فلما أصبح عند العباس فدقّ عليه الباب فقال: من؟ قال: عمر، قال: ما حاجتك؟ قال: اخرج حتي نستسقي الله بك، قال: اقعد، فأرسل إلي بني هاشم أن تطهّروا والبسوا من صالح ثيابكم، فأتوه فأخرج طيباً فطيبهم ثم خرج، وعلي أمامه بين يديه، والحسن عن يمينه والحسين عن يساره، وبنو هاشم خلف ظهره، فقال: يا عمر لا تخلط بنا غيرنا، ثم أتي المصلّي فوقف فحمد الله وأثني عليه وقال: اللهم إنك خلقتنا ولم تؤامرنا وعلمت ما نحن عاملون قبل أن تخلقنا فلم يمنعك علمك فينا عن رزقنا، اللهم فكما تفضّلت في أوله تفضّل علينا في آخره.
قال جابر: فما برحنا حتي سحت السماء علينا سحاً فما وصلنا إلي منازلنا إلا خوضاً فقال العباس: أنا المسقي ابن المسقي ابن المسقي ابن المسقي ابن المسقي خمس مرّات فسقي.
وأخرج الحاكم: أن عمر لما استسقي بالعبّاس خطب فقال: يا أيها الناس إن رسول الله (ص)كان يري للعباس ما يري الولد لوالده يعظمه ويفخمه ويبر قسمه، فاقتدوا أيها الناس برسول الله (ص) في عمه العباس فاتخذوه الوسيلة إلي الله عزّ وجل فيما نزل بكم.
وأخرج ابن عبد البر من وجوه عن عمر: أنه لما استسقي به قال: اللهم إنّا نتقرّب إليك بعم نبيّك ونستشفع به فاحفظ فيه نبيّك كما حفظت الغلامين بصلاح أبيهما وأتيناك مستغفرين ومستشفعين، الخبر.
وفي رواية لابن قتيبة: اللهم إنّا نتقرّب إليك بعم نبيّك وبقية آبائه وكثرة رجاله فإنك تقول وقولك الحق: (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً) (67) فحفظتهما لصلاح أبيهما فاحفظ اللهم نبيّك في عمّه فقد دنونا به إليك مستشفعين.
وأخرج ابن أسعد: أنّ كعباً قال لعمر: إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابتهم سنة استسقوا بعصبة نبيهم، فقال عمر: هذا العبّاس انطلقوا إليه فأتاه فقال: يا أبا فضل ما تري ما الناس فيه، وأخذ بيده وأجلسه معه علي المنبر، وقال: اللهم إنّا قد توجّهنا إليك بعمّ نبيّك، ثم دعا العباس.
وأخرج ابن أبي الدنيا: إن عمر لما أراد أن يفرض للناس قالوا له: ابدأ بنفسك، فأبي وبدأ بالأقرب فالأقرب إلي رسول الله (ص) فلم يأت قبيلته إلاّ بعد خمس قبائل، وفرض للبدريّين خمسة آلاف ولمن ساواهم إسلاماً ولم يشهد بدراً خمسة آلاف وللعباس اثني عشر ألفاً وللحسنين كأبيهما، ومن ثم قال ابن عباس: إنه كان يحبهما لأنه فضلهما في العطاء علي أولاده.
وأخرج الدارقطني: أنه قال لفاطمة: ما من الخلق أحدٌ أحبُّ إلينا من أبيك، وما من أحد أحبّ إلينا منك بعد أبيك(68).
وأخرج أيضاً: أنّ عمر سأل عن علي، فقيل له: ذهب إلي أرضه فقال: اذهبوا بنا إليه، فوجدوه يعمل فعملوا معه ساعة ثم جلسوا يتحدّثون فقال له علي: أرأيت لو جاءك قوم من بني إسرائيل فقال لك أحدهم أنا ابن عم موسي (عليه السلام) أكانت له عندك أثرة علي أصحابه؟ قال: نعم، قال: فأنا والله أخو رسول الله (ص) وابن عمّه، قال: فنزع عمر رداءه فبسطه فقال: لا والله لا يكون لك مجلس غيره حتي نفترق، فلم يزل جالساً عليه حتي تفرّقوا.
وأخرج أيضاً: أن عمر سأل علياً عن شيءٍ فأجابه فقال له عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا حسن.
وأخرج أيضاً: أن الحسن استأذن علي عمر فلم يأذن له، فجاء عبد الله بن عمر فلم يأذن له، فمضي الحسن فقال عمر: عليّ به، فجاء فقال: قلت: إن لم يؤذن لعبد الله لا يؤذن لي، فقال: أنت أحق بالإذن منه، وهل أنبت الشعر في الرأس بعد الله إلاّ أنتم؟
وفي رواية له: إذا جئت فلا تستأذن.
وأخرج أيضاً: أنه جاء أعرابيان يختصمان فأذن لعلي في القضاء بينهما فقضي، فقال أحدهما: هذا يقضي بيننا؟ فوثب إليه عمر وأخذ بتلبيبه وقال: ويحك ما تدري من هذا؟ هذا مولاك ومولي كلّ مؤمن، ومن لم يكن مولاه فليس بمؤمن.
وأخرج أحمد: أنّ رجلاً سأل معاوية عن مسألة فقال: اسأل عنها علياً فهو أعلم، فقال: جوابك فيها أحبّ إليّ من جواب علي، قال: بئس ما قلت، لقد كرهت رجلاً كان رسول الله (ص) يعزّه بالعلم عزّاً، ولقد قال له: أنت مني بمنزلة هارون من موسي إلاّ أنه لا نبيّ بعدي(69).
وكان عمر إذا أشكل عليه شيء أخذ منه، وأخرجه آخرون بنحوه لكن زاد بعضهم: قم لا أقام الله رجليك ومحا اسمه من الديوان ولقد كان عمر يسأله ويأخذ عنه ولقد شهدته إذا أشكل عليه شيء قال: هاهنا علي.
وقال عمر بن عبد العزيز لعبد الله بن حسن بن حسين: إذا كانت لك حاجة فاكتب لي بها فإني أستحي من الله أن يراك علي بابي، ولما دخلت عليه فاطمة بنت علي وهو أمير المدينة أخرج من عنده وقال لها: ما علي ظهر الأرض أهل بيت أحب إليّ منكم، ولأنتم أحبّ إليّ من أهل بيتي.
وقال أبو بكر بن عياش كما في الشفاء: لو أتاني أبو بكر وعمر وعلي لبدأت بحاجة علي قبلهما لقرابته من رسول الله (ص) ولأن أخرّ من السماء إلي الأرض أحب إليّ من أن أقدمهما عليه.
ودخل عبد الله بن الحسن المثني ابن الحسن السبط علي عمر بن عبد العزيز وهو حديث السن وله وفرة فرفع عمر مجلسه وأقبل عليه، فلامه قومه، فقال: إن الثقة حدثني حتي كأني أسمعه من في رسول الله (ص)، إنما فاطمة بضعة مني يسرني ما يسرها، وأنا أعلم أن فاطمة لو كانت حية لسرها ما فعلت بابنها.
وأخرج الخطيب أن أحمد بن حنبل كان إذا جاءه شيخ أو حدث من قريش أو الأشراف قدمهم بين يديه وخرج وراءهم، وكان أبو حنيفة يعظم أهل البيت كثيراً ويتقرب بالانفاق علي المتسترين منهم والظاهرين حتي قيل أنه بعث إلي متستر منهم بإثني عشر ألف درهم وكان يحض أصحابه علي ذلك.
ولمبالغة الشافعي فيهم صرح بأنه من شيعتهم حتي قيل كيت وكيت، فأجاب عن ذلك بالنظم البديع وله أيضاً:
آل النبي ذريعتي وهم إليه وسيلتي
أرجو بهم أُعطي غداً بيدي اليمين صحيفتي
وقارف الزهري ذنباً فهام علي وجهه، فقال له زين العابدين: قنوطك من رحمة الله التي وسعت كل شيء أعظم عليك من ذنبك، فقال الزهري: الله أعلم حيث يجعل رسالته، فرجع إلي أهله وماله.

فيما أخبر به (ص) في شأن عترته (ع)

قال (ص): إنّ أهل بيتي سيلقون بعدي من أُمتي قتلاً وتشريداً، وإن أشدّ قوماً لنا بغضاً بنو أمية وبنو المغيرة وبنو مخزوم.
صححه الحاكم، وممن وثقه البخاري.
ومن أشد الناس بغضاً لأهل البيت مروان بن الحكم، وكأن هذا هو سرّ الحديث الذي صححه الحاكم: أن عبد الرحمن بن عوف قال: كان لا يولد لأحد مولود إلا أتي به النبي (ص) فيدعو له، فأدخل عليه مروان بن الحكم فقال: هذا الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون.
وروي بعده بيسير عن محمد بن زياد قال: لما بايع معاوية لابنه يزيد قال مروان: سنّة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سنّة هرقل وقيصر، فقال له مروان: أنت الذي أنزل الله فيك: والذي قال لوالديه: أُفّ لكما، فبلغ ذلك عائشة، فقالت: كذب والله ما هو به، ولكن رسول الله (ص) لعن أبا مروان ومروان في صلبه ثم روي عن عمرو بن مرّة الجهني وكانت له صحبة أن الحكم بن العاص استأذن علي رسول الله (ص) فعرف صوته فقال: ائذنوا له، عليه لعنة الله وعلي من يخرج من صلبه إلاّ المؤمن منهم وقليل ما هم يترفهون في الدنيا ويضيعون في الآخرة ذووا مكر وخديعة يعطون في الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق.
قال ابن ظفر: وكان الحكم هذا يرمي بالداء العضال وكذلك أبو جهل، ذكر ذلك كله الدميري في حياة الحيوان.
ومرّ في أحاديث المهدي أنه (ص) رأي فتية من بني هاشم فاغرورقت عيناه وتغيّر لونه ثم قال: إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة علي الدنيا وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءً وتشريداً وتطريداً.
وأخرج ابن عساكر: أول الناس هلاكاً قريش وأول هلاك قريش هلاك أهل بيتي.
ونحوه للطبراني وأبي يعلي.
وأخرج أحمد وغيره ما حاصله: إنه (ص) كان إذا قدم من سفر أتي فاطمة وأطال المكث عندها، ففي مرّة صنعت لها مسكين من ورق وقلادة وقرطين وستر باب بيتها، فقدم (ص) ودخل عليها ثم خرج وقد عُرف الغضب في وجهه حتي جلس علي المنبر، فظنت أنه إنما فعل ذلك لما رأي ما صنتعه، فأرسلت به إليه ليجعله في سبيل الله فقال: فعلت فداها أبوها، ثلاث مرات، ليست الدنيا من محمد ولا من آل محمد ولو كانت الدنيا تعدل عند الله في الخير جناح بعوضة ما سقي منها كافراً شربة ماء، ثم قام فدخل (ص) عليها.
زاد أحمد: أنه (ص) أمر ثوبان أن يدفع ذلك إلي بعض أصحابه وبأن يشتري لها قلادة من عصب وسوارين من عاج وقال: إن هؤلاء أهل بيتي ولا أُحب أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا.
فتأمّل ذلك، تجد الكمال ليس إلاّ بالتحلّي بالزهد والورع والدأب في الطاعات، والتخلي عن سائر الرذالات وليس في التحلي بجمع الأموال ومحبة الدنيا والترفع بها إلاّ غاية المتاعب والنقائص والمثالب، ولقد طلق علي الدنيا ثلاثاً وقال: لقد رقعت مدرعتي هذه حتي استحييتُ من راقعها، ومر في فضائله طرف من ذلك.
وقد وقع الاصطلاح علي اختصاص الذرية الطاهرة ببني فاطمة من بين ذوي الشرف كالعباسيين والجعافرة بلبس الأخضر إظهاراً لمزيد شرفهم.
قيل: وسببه أن المأمون أراد أن يجعل الخلافة فيهم ويدل عليه ما يأتي في ترجمة علي الجواد من أنه عهد إليه بالخلافة فاتخذ لهم شعاراً أخضر وألبسهم ثياباً خضراء لكون السواد شعار العباسيين والبياض شعار سائر المسلمين في جمعهم ونحوها والأحمر مختلف في تحريمه والأصفر شعار اليهود في آخر الأمر ثم انثني عزمه عن ذلك ورد الخلافة لبني العباس فبقي ذلك شعار الأشراف العلويين من بني الزهراء، لكنهم اختصروا الثياب إلي قطعة ثوب خضراء توضع علي عمائمهم شعاراً لهم، ثم انقطع ذلك إلي أواخر القرن الثامن، ثم في سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة أمر السلطان الأشرف شعبان بن حسن بن الناصر محمد بن قلاوون أن يمتازوا علي الناس بعصائب خُضر علي العمائم ففعل ذلك بأكثر البلاد كمصر والشام وغيرهما، وفي ذلك يقول ابن جابر الأندلسي الأعمي نزيل حلب وهو صاحب شرح ألفية ابن مالك المسمي بالأعمي والبصير:
جعلوا لأبناء الرسول علامة أن العلامة شأن من لم يُشهر
نور النبوّة في كريم وجوههم تغني الشريف عن الطراز الأخضر
وقال في ذلك جماعة من الشعراء ما يطول ذكره ومن أحسنه قول الأديب محمد بن إبراهيم بن بركة الدمشقي المزني:
أطراف تيجان أتت من سندس خضر بأعلام من الأشراف
والأشرف السلطان خصّهم بها شرفاً ليعرفهم من الأطراف
1 بل كانت عليها السلام قد أكملت التاسعة من عمرها وذلك لأن ولادتها في السنة الخامسة من البعثة، كما أنه صلي الله عليه وسلم في الخامسة والعشرين من عمره.
2 الفرقان: 54. 3 الأحزاب 33.
4 بل الصحيح هو ما مر: من أنه (ص) قال لها: إنك علي خير ولم يعدها من أهله.
5 الصحيح هو ما أخرجه أحمد عن أبي سعيد الخدري كما في الصفحة السابقة: من أن الآية نزلت في خمسة: النبي (ص) وعلي، وفاطمة، والحسن والحسين (عليهم السلام).
6 و 7 و 8 ومضت الإشارة إلي ما هو الصحيح من ذلك، فإن الآية نزلت في خمس علي ما عرفت.
9 بل جعلهم الله تعالي بنصّ من كتابه خلفاء رسوله باطناً وظاهراً حيث قال تعالي: (إنّما وليّكم الله ورسوله والّذين آمنوا الذّين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) المائدة: 55. ونصّ الرسول (ص) عليهم واحداً واحداً بأسمائهم وألقابهم وقال: عدد أو صيائي كعدد نقباء بني إسرائيل.
10 الأقرب هو التنافي، لأن النبي (ص) هو الذي يستحق الصلاة من الله تعالي ومن كتب الله له الطهارة والعصمة وهم الخمسة الذين نزلت آية التطهير في حقهم ورسول الله (ص) سيدهم.
11 و 12 أهل البيت في آية التطهير كما عرفت نزلت في خمسة ولم تشمل أزواجه (ص).
13 الصافات: 130. 14 طه: 1. 15 الأحزاب: 33.
16 آل عمران: 31. 17 الشوري: 23. 18 الصافات: 24.
19 ومن الموالاة لهم: عدم غمطهم حقهم، وفي مقدمة حقوقهم: الخلافة التي نص الكتاب وصرح به الرسول (ص) بأنها تكون لهم من بعده.
20 قد عرفت مما مضي وما سيأتي أن أهل البيت في هذا الحديث وغيره هو إشارة منه (ص) إلي من عنتهم الآية المباركة بالتطهير.
21 ألا يشمل عدم التقدم عليهم أمر الخلافة؟.
22 والتي تعضد نصوص الكتاب في إمامة علي (عليه السلام) وأولاده الأحد عشر وخلافتهم بعد الرسول (ص).
23 وهو الصحيح. 24 وسيأتي ان المراد: أهل البيت (عليهم السلام).
25 وهل ينسجم التمسك بهم مع الإعراض عن إمامتهم وخلافتهم؟.
26 آل عمران 103. 27 التوبة 119. 28 آل عمران 105.
29 النساء 54. 30 الأنفال 33.
31 نعم، هم أمان من الاختلاف لو اجتمعت الأمة علي إمامتهم وخلافتهم التي كتبها الله لهم بعد نبيه.
32 أهل البيت هم الخمسة الذين عنتهم آية التطهير، وتسعة من ذرية الحسين (عليه السلام) كما نص عليهم الرسول (ص) يوم الغدير وغيره ليكملوا العدة التي أشار إليها الحديث الشريف: عدد أوصيائي عدد نقباء بني إسرائيل.
33 طه 82. 34 آل عمران 61.
35 في الأحاديث الصحيحة أنّ علياً لم ينكحها إيّاه.
36 يعني أبا لهب. 37 الأحزاب: 30. 38 الأحزاب: 40.
39 الضحي: 5.
40 يقول تعالي بالنسبة إلي أزواج النبي (ص): (فإن الله أعد للمحسنات منكنّ أجراً عظيماً). الأحزاب: 29، أي وعد المحسنات منهنّ.
وكذا بالنسبة إلي صحابة النبي (ص) فإنه تعالي يقول: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً) (الفتح: 29).
41 الطور: 21. 42 البيّنة: 7. 43 الزخرف: 61.
44 في الصحيح: أن الأنصار جاءوا بأصوع من البر هدية، فأمر النبي فطحن البر وخبز وذبح الكبش بعد أن اشتري علي (عليه السلام) تمراً وسمناً وصنعه رسول الله (ص) بيده ثم قال لعلي (عليه السلام): ادعُ من أحببت، قال (عليه السلام): فأتيت المسجد وهو غاص بأهله فناديت: أجيبوا إلي وليمة فاطمة بنت محمد صلي الله عليهما وآلهما، فأجابوا.
45 ليس في الصحيح: اسم أبيه اسم أبي، بل مكانه: وكنيته كنيتي.
46 مضت الإشارة إلي أنه ليس في الصحيح اسم أبيه اسم أبي النبي، بل اسمه اسم النبي، وكنيته كنية النبي (ص).
47 الأعراف: 46. 48 الشوري: 23-25.
49 نعم، أنهم اتّهموه، لأنه(ص) لم يكن هو الذي يحثهم علي قرابته من بعده، وإنما الله تعالي هو الذي يحثهم ويحثنا علي قرابته من بعده ويأمرنا بموّدتهم وإطاعتهم.
50 آل محمد هم أهل البيت، وقد شهدت لهم آية التطهير كما عرفت بالطهارة والعصمة من الذنوب بل الله تعالي غفور لذنوب محبّيهم وشيعتهم كما في الصحيح.
51 مريم: 96.
52 وقد قال تعالي: «إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعدّ لهم عذاباً مهيناً». الأحزاب: 57.
53 آل عمران: 34.
54 ومعرفة حقهم (صلوات الله عليهم أجمعين) لا يتمّ إلاّ بمعرفة ما جعله الله لهم علينا في كتابه حيث قال تعالي: (إنّما وليّكم الله)أي: صاحب اختياركم ومن يجب عليكم طاعته، ثم جعل ذلك لرسوله ولوليّه علي أمير المؤمنين والأئمة المعصومين الأحد عشر من بنيه فقال: «ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون» ثم أضاف: «ومن تولّ الله ورسوله والذين آمنوا فإنّ حزب الله هم الغالبون». المائدة: 55 و56.
55 قد عرفت أن المراد الصالحين منهم لقوله تعالي: «وعد الله الذين أمنوا وعملوا الصالحات منهم». الفتح: 29.
56 وفيه تصريح بليغ: بأن اتّباع سنة الرسول(ص) هو اتّباع أهل بيته.
57 لا دليل علي أنه موضوع، بل يدل علي صحّته الروايات المتقدمة مثل: «لا يبغضنا أهل البيت أحد إلاّ أدخله الله النار» فهل الله يدخل النار من هو مستحقّ للشفاعة، أو من هو محروم عنها؟ ومثل: «من أبغض أهل البيت فهو منافق» وقول جابر: «ما كنا نعرف المنافقين إلاّ ببغضهم عليّاً».
58 لا دليل علي أنه موضوع، بل يدل علي صحّته الروايات المتقدمة مثل: «لا يبغضنا أهل البيت أحد إلاّ أدخله الله النار» فهل الله يدخل النار من هو مستحقّ للشفاعة، أو من هو محروم عنها؟ ومثل: «من أبغض أهل البيت فهو منافق» وقول جابر: «ما كنا نعرف المنافقين إلاّ ببغضهم عليّاً».
59 يشهد بصحتها الأخبار الأُخر الواردة بهذه المضامين.
60 قد عرفت: أن أهل البيت الذين عنتهم الآية الكريمة: آية التطهير، شهدت لهم بالعصمة والطهارة من كل رجس ونقص.
61 راجع التاريخ في إبعاد علي عليه السلام من الخلافة، وابتزاز فدك من فاطمة، وإحراق بيتهم عليهم وفيه أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام)!
62 وهل الاعتذار قولاً مع الإصرار علي المنع والقطع عملاً، مقبول؟
63 و 64 لا يخفي أن منبر رسول الله (ص) كناية عن منصب الخلافة.
65 إذا كان علي أعظم حقاً عند رسول الله(ص) في حياة الرسول، فهو أعظم حقّاً بعد ارتحال الرسول أيضاً.
66 نعم، لما أخذ النبي (ص) يوم الغدير بأمر من الله تعالي البيعة لعلي (عليه السلام) بإمرة المؤمنين وبالولاية عليهم من بعده أنزل الله تعالي: «اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام ديناً». المائدة: 3.
67 الكهف: 82.
68 راجع قصّة اقتحام بيت فاطمة (عليها السلام) من دون إذنها مع أنّ رسول الله (ص) كان لا يدخله إلاّ بإذنها.
69 إذا تمّ الاعتراف بحديث المنزلة، فقد تمّ الاعتراف بأنّ عليّاً(عليه السلام) هو الخليفة بعد الرسول (ص) كما كان هارون
خليفة موسي (عليه السلام) إلاّ النبوة، فكيف ينسجم هذا مع ادعائه الخلافة لنفسه ومحاربته علياً (عليه السلام) عليها، وقد
قال رسول الله (ص) لعلي (عليه السلام): «يا علي حربك حربي، وسلمك سلمي».

أربع وأربعون حديثاً في أهل البيت (ع)

الحديث الأول:
أخرج الديلمي عن أبي سعيد: أن رسول الله (ص) قال: اشتد غضب الله علي من آذاني في عترتي.
وورد أنه (ص) قال: من أحب أن يُنسأ أي يؤخر في أجله وأن يمتع بما خوله الله فليخلفني في أهلي خلافة حسنة، فمن لم يخلفني فيهم بتر عمره، وورد عليّ يوم القيامة مسودّاً وجهه.
الحديث الثاني:
أخرج الحاكم عن أبي ذر: أن رسول الله (ص) قال: إن مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك.
وفي رواية للبزاز عن ابن عباس وعن ابن الزبير، وللحاكم عن أبي ذر أيضاً: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق.
الحديث الثالث:
أخرج الطبراني عن ابن عمر: أول من أشفع له يوم القيامة من أُمتي أهل بيتي ثم الأقرب فالأقرب من قريش ثم الأنصار ثم من آمن بي واتّبعني من أهل اليمن ثم من سائر العرب ثم الأعاجم ومن أشفع له أولاً أفضل.
الحديث الرابع:
أخرج الحاكم عن أبي هريرة: أن رسول الله (ص) قال: خيركم خيركم لأهلي من بعدي.
الحديث الخامس:
أخرج الطبراني الحاكم عن عبد الله بن أبي أوفي: أن النبي (ص) قال: سألت ربي ألا أتزوج إلي أحد من أمتي ولا يتزوّج إليَّ أحد من أُمتي إلا كان معي في الجنة(1) فأعطاني ذلك.
الحديث السادس:
أخرج الشيرازي في الألقاب عن ابن عباس: أن رسول الله (ص) قال: سألت ربي ألا أُزوّج إلا من أهل الجنّة(2).
الحديث السابع:
أخرج أبو القاسم بن بشران في أمانيه عن عمران بن حصين: أن رسول الله (ص) قال: سألت ربي ألا يدخل أحد من أهل بيتي النار، فأعطاني.
الحديث الثامن:
أخرج الترمذي والحاكم عن ابن عباس: أن النبي (ص) قال: أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي.
الحديث التاسع:
أخرج ابن عساكر عن علي كرم الله وجهه: أن رسول الله (ص) قال: من صنع إلي أهل بيتي يداً كافأته عليها يوم القيامة.
الحديث العاشر:
أخرج الخطيب عن عثمان: أن رسول الله (ص) قال: من صنع صنيعة إلي أحد من خلَف عبد المطّلب في الدنيا فعليّ مكافأته إذا لقيني.
الحديث الحادي عشر:
أخرج ابن عساكر عن علي: أن رسول الله (ص) قال: من آذي شعرة مني فقد آذاني ومن آذاني فقد آذي الله.
الحديث الثاني عشر:
أخرج أبو يعلي عن سلمة بن الأكوع: أن النبي (ص) قال: النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأُمتي.
الحديث الثالث عشر:
أخرج الحاكم عن أنس: أن رسول الله (ص) قال: وعدني ربّي في أهل بيتي من أقر منهم بالتوحيد ولي بالبلاغ، أن لا يعذبهم.
الحديث الرابع عشر:
أخرج ابن عدي والديلمي عن علي: أن رسول الله (ص) قال: أثبتكم علي الصراط أشدّكم حباً لأهل بيتي ولأصحابي(3).
الحديث الخامس عشر:
أخرج الترمذي عن حذيفة: أنّ رسول الله (ص) قال: إن هذا مَلَك لم ينزل الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء اهل الجنّة وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.
الحديث السادس عشر:
أخرج الترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم: أن رسول الله (ص) قال: أنا حرب لمن حاربهم وسلم لمن سالمهم(4).
الحديث السابع عشر:
أخرج ابن ماجة عن العباس بن عبد المطلب: أن رسول الله (ص) قال: ما بال أقوام إذا جلس إليهم أحد من أهل بيتي قطعوا حديثهم، والذي نفسي بيده لا يدخل قلب امرئ الإيمان حتي يحبهم لله ولقرابتي.
الحديث الثامن عشر:
أخرج أحمد والترمذي عن علي أن رسول الله (ص) قال: من أحبَّني وأحبَّ هذين وأباهما وأمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة.
الحديث التاسع عشر:
أخرج ابن ماجة والحاكم: أن رسول الله (ص) قال: نحن ولد عبد المطلب سادة أهل الجنة، أنا وحمزة وعلي وجعفر والحسن والحسين والمهدي.
الحديث العشرون:
أخرج الطبراني عن فاطمة الزهراء: أن النبي (ص) قال: لكل بني أُنثي عصبة ينتمون إليه إلا ولد فاطمة فأنا وليهم وأنا عصبتهم.
الحديث الحادي والعشرون:
أخرج الطبراني عن ابن عمر: أن النبي (ص) قال: كل بني أُنثي فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإني أنا عصبتهم وأنا أبوهم.
الحديث الثاني والعشرون:
أخرج الطبراني عن فاطمة: أن النبي (ص) قال: كل بني أُنثي ينتمون إلي عصبتهم إلا ولد فاطمة فإني أنا وليهم وأنا عصبتهم وأنا أبوهم.
الحديث الثالث والعشرون:
أخرج أحمد والحاكم عن المسْوَر أن النبي (ص) قال: فاطمة بضعة مني يغضبني ما يغضبها(5) ويبسطني ما يبسطها وإن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري.
الحديث الرابع والعشرون:
أخرج البزاز وأبو يعلي والطبراني والحاكم عن ابن مسعود: أن النبي (ص) قال: فاطمة أحصنت فرجها فحرمها الله وذريّتها علي النار.
الحديث الخامس والعشرون:
أخرج الشافعي وأحمد عن عبد الله بن حنطب قال: خطبنا رسول الله (ص) يوم الجمعة فقال: أيها الناس قدموا قريشاً(6) ولا تقدموها وتعلّموا منها ولا تعلموها.
الحديث السادس والعشرون:
أخرج البيهقي عن جبير بن مطعم: أن النبي (ص) قال: يا أيها الناس لا تتقدموا قريشاً فتهلكوا ولا تخلَّفوا عنها فتضلّوا ولا تعلموها وتعلموا منها فإنها أعلم منكم، لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بالذي لها عند الله عزّ وجلّ.
الحديث السابع والعشرون:
أخرج الشيخان عن جابر: أن النبي (ص) قال: الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمُهم تبع لمسلمهم وكافرهُم تبع لكافرهم(7)، والناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا.
الحديث الثامن والعشرون:
أخرج البخاري عن معاوية: أن النبي (ص) قال: إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلاّ أكبّه الله علي وجهه في النار.
الحديث التاسع والعشرون:
أخرج الطبراني عن ابن عباس: أن النبي (ص) قال: أمان لأهل الأرض من الغرق القوس، وأمان لأهل الأرض من الاختلاف الموالاة لقريش، قريش أهل الله فإذا خالفَتْها قبيلة من العرب صاروا حزب إبليس –والقوس هو المشهور بقوس قزح سمي به لأنه أول ما رؤي في الجاهلية علي قزح جبل بالمزدلفة، أو لأن قزح هو الشيطان، ومن ثَمّ قال عليّ: لا تقل قوس قزح، قزح هو الشيطان، ولكنها قوس الله تعالي هي علامة كانت بين نوح (علي نبيّنا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام) وبين ربّه عزّ وجل وهي أمانٌ لأهل الأرض من الغرق.
الحديث الثلاثون:
أخرج ابن عوفة العبدي: أن النبي (ص) قال: أحبوا قريشاً فإن من أحبّهم أحبّه الله.
الحديث الحادي والثلاثون:
أخرج مسلم والترمذي وغيرهما عن واثلة: أن النبي (ص) قال: إنّ الله اصطفي كنانة واصطفي من بني كنانة قريشاً، واصطفي من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم.
وفي رواية: أن الله اصطفي من ولد آدم إبراهيم واتخذّه خليلاً، واصطفي من ولد إبراهيم إسماعيل، ثم اصطفي من ولد إسماعيل نزاراً، ثم اصطفي من ولد نزار مضرَ، ثم اصطفي من مضر كنانة، ثم اصطفي من كنانة قريش، ثم اصطفي من قريش بني هاشم، ثم اصطفي من بني هاشم بني عبد المطَّلب، ثم اصطفاني من بني عبد المطَّلب.
الحديث الثاني والثلاثون:
أخرج أحمد بسند جيّد عن العباس قال: بلغ رسول الله (ص) ما يقول الناس فصعد المنبر فقال: من أنا؟ قالوا: أنت رسول الله، فقال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطَّلب، إن الله خلق الخلق فجعلني من خير خلقه، وجعلهم فرقتين فجعلني من خيرهم فرقة، وخلق القبائل فجعلني من خيرهم قبيلة، وجعلهم بيوتاً فجعلني من خيرهم بيتاً، فأنا خيركم بيتاً وأنا خيركم نفساً.
الحديث الثالث والثلاثون:
أخرج أحمد والمحاملي والمخلص والذهبي وغيرهم عن عائشة قالت: قال رسول الله (ص) قال جبريل (ع): قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أجد رجلاً أفضل من محمد (ص)، وقلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم.
الحديث الرابع والثلاثون:
أخرج أحمد والترمذي والحاكم عن سعد: أن النبي (ص) قال: من يرد هوان قريش أهانه الله.
الحديث الخامس والثلاثون:
أخرج أحمد ومسلم عن جابر: أن النبي (ص) قال: الناس تبع لقريش في الخير والشر.
الحديث السادس والثلاثون:
أخرج أحمد عن ابن مسعود: أن النبي (ص) قال: أما بعد يا معشر قريش فإنكم أهل هذا الأمر(8) ما لم تعصوا الله فإذا عصيتموه بعث الله عليكم من يلحوكم كما يلحي هذا القضيب.
الحديث السابع والثلاثون:
أخرج أحمد ومسلم عن معاوية: أن النبي (ص) قال: إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله ما أقاموا الدين(9).
الحديث الثامن والثلاثون:
أخرج أحمد والنسائي والضياء عن أنس: أن النبي (ص) قال: الأئمة من قريش(10) ولهم عليكم حق، ولكم مثل ذلك ما إن استرحموا رحموا وإن استحكموا عدلوا وإن عاهدوا وفوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً.
الحديث التاسع والثلاثون:
أخرج الطبراني عن جابر بن سمرة: أن النبي (ص) قال: يكون بعدي اثنا عشر أميراً كلهم من قريش(11).
الحديث الأربعون:
أخرج الحسن بن سفيان وأبو نعيم: أن النبي (ص) قال: أُعطِيَتْ قريش(12) ما لم يُعطَ الناس، أُعطوا ما أمطرت السماء وما جرت به الأنهار وما سالت به السيول.
الحديث الحادي والأربعون:
أخرج الخطيب وابن عساكر عن أبي هريرة: أن النبي (ص) قال: اللهم اهدِ قريشاً فإن عالمها يملأ طباق الأرض علماً، اللهمّ كما أذقتهم عذاباً أذقهم نوالاً.
الحديث الثاني والأربعون:
أخرج الحاكم والبيهقي: أن النبي (ص) قال: الأئمة من قريش أبرارها أُمراء أبرارها وفجّارها أُمراء فجّارها(13).
الحديث الثالث والأربعون:
أخرج أحمد وغيره: أن النبي (ص) قال: انظروا قريشاً فخذوا من قولهم.
الحديث الرابع والأربعون:
أخرج البخاري في الأدب والحاكم والبيهقي عن أُم هاني: أن النبي (ص) قال: فضّل الله قريشاً بسبع خصال، لم يعطها أحداً قبلهم ولا يعطاها أحد بعدهم، فضّل الله قريشاً أني منهم، وأن النبوّة فيهم، وأن الحجابة فيهم، وأن السقاية فيهم، ونصرهم علي الفيل، وعبدوا الله عشر سنين لا يعبده غيرهم، وأنزل الله فيهم سورة من القرآن لم يذكر فيها أحد غيرهم: لإيلاف قريش.
وفي رواية الطبراني: فضّل الله قريشاً بسبع خصال: فضّلهم بأنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبد الله إلا قريشي، وفضّلهم بأن نصرهم يوم الفيل وهم مشركين، وفضّلهم بأن نزلت فيهم سورة من القرآن لم يدخل فيها أحد غيرهم من العالَمين وهي: لإيلاف قريش، وفضّلهم بأنّ فيهم النبوّة والخلافة والحجابة والسقاية.

في الأحاديث الواردة في بعض أهل البيت كفاطمة وولديها (ع)

الحديث الأول:
أخرج أبو بكر في الغيلانيات عن أبي أيوب: أن النبي (ص) قال: إذا كان يوم القيامة نادي منادٍ من بطنان العرش: يا أهل الجمع نكسوا رؤوسكم وغضّوا أبصاركم حتي تمر فاطمة بنت محمد علي الصراط، فتمر مع سبعين ألف جارية من الحور العين كمر البرق.
الحديث الثاني:
أخرج أيضاً عن أبي هريرة: أن النبي (ص) قال: إذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ من بطنان العرش: أيها الناس غضّوا أبصاركم حتي تجوز فاطمة الجنة.
الحديث الثالث:
أخرج أحمد، والشيخان، وأبو داود، والترمذي، عن المسور بن مخرمة: أن رسول الله (ص) قال: إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن، ثم لا آذن إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما هي بضعة مني يريبني ما يريبها ويؤذيني ما يؤذيها.
الحديث الرابع:
أخرج الشيخان عن فاطمة: أن النبي (ص) قال لها: بأن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وأنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي فاتقي الله واصبري فإنه نعم السلف أنا لك.
الحديث الخامس:
أخرج أحمد والترمذي والحاكم عن ابن الزبير: أن النبي (ص) قال: إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها.
الحديث السادس:
أخرج الشيخان عنها: أن النبي (ص) قال لها: يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء المؤمنين؟(14).
الحديث السابع:
أخرج الترمذي والحاكم عن أُسامة بن زيد: أن النبي (ص) قال: أحبّ أهلي إليّ فاطمة.
الحديث الثامن:
أخرج الحاكم عن أبي سعد، أن النبي (ص) قال: فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة إلاّ مريم بنت عمران(15).
الحديث التاسع:
عن أبي هريرة: أن النبي (ص) قال لعلي: فاطمة أحبّ إليّ منك وأنت أعزّ عليّ منها.
الحديث العاشر:
أخرج أحمد والترمذي عن أبي سعيد والطبراني عن عمر، وعن علي وعن جابر وعن أبي هريرة وعن أُسامة بن زيد وعن البراء، وابن عدي عن ابن مسعود: أن النبي (ص) قال: الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة.
الحديث الحادي عشر:
أخرج ابن عساكر عن علي وعن ابن عمر، وابن ماجة، والحاكم عن ابن عمر، والطبراني عن قرة، وعن مالك بن الحويرث، والحاكم عن ابن مسعود: أن النبي (ص) قال: ابناي الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خيرٌ منهما.
الحديث الثاني عشر:
أخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان عن حذيفة: أن النبي (ص) قال له: أما رأيت العارض الذي عرض لي قبل ذلك هو ملك من الملائكة لم يهبط إلي الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن ربّه عزّ وجلّ أن يسلّم عليَّ ويبشرني أنّ الحسن والحسين سيّدا أهل الجنّة وأنّ فاطمة سيّدة نساء الجنّة.
الحديث الثالث عشر:
أخرج الطبراني عن فاطمة: أن النبي (ص) قال: أما حسن فله هيبتي وسؤددي، وأما حسين فإنّ له جرأتي وجودي.
الحديث الرابع عشر:
أخرج الترمذي عن ابن عمر: أن النبي (ص) قال: إن الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا.
الحديث الخامس عشر:
أخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي بكرة: أن النبي (ص) قال: إن ابني هذين ريحانتاي من الدنيا.
الحديث السادس عشر:
أخرج الترمذي وابن حبان عن أسامة بن زيد: أن النبي (ص) قال: هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهمّ إني أحبهما فأحبّهما وأحبّ من يحبهما.
الحديث السابع عشر:
أخرج أحمد وأصحاب السنن الأربعة وابن حبان والحاكم عن بريدة: أن النبي (ص) قال: صدق الله ورسوله(إنما أموالكم وأولادكم فتنة)(16) نظرت إلي هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتي قطعت حديثي ورفعتهما.
الحديث الثامن عشر:
أخرج أبو داود عن المقدام بن معديكرب: أن النبي (ص) قال: هذا مني يعني الحسن، والحسين من علي(17).
الحديث التاسع عشر:
أخرج البخاري وأبو يعلي وابن حبان والطبراني والحاكم عن أبي سعيد: أن النبي (ص) قال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة إلا ابنيْ الخالة عيسي بن مريم ويحيي بن زكريّا(18)، وفاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم.
الحديث العشرون:
أخرج أحمد وابن عساكر عن المقدام بن معديكرب: أن النبي (ص) قال: الحسن مني والحسين من علي(19).
الحديث الحادي والعشرون:
أخرج الطبراني عن عقبة بن عامر: أن النبي (ص) قال: الحسن والحسين سيفا العرش وليسا بمعلقين.
الحديث الثاني والعشرون:
أخرج أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي بكرة: أن النبي (ص) قال: إن ابني هذا سيّد ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، يعني الحسن(20).
الحديث الثالث والعشرون:
أخرج البخاري في الأدب المفرد، والترمذي وابن ماجة عن يعلي بن مرة: أن النبي (ص) قال: حسين منّي وأنا منه، أحبّ الله من أحبّ حسيناً، الحسن والحسين سبطان من الأسباط.
الحديث الرابع والعشرون:
أخرج الترمذي عن أنس: أن النبي (ص) قال: أحبّ أهل بيتي إليّ الحسن والحسين.
الحديث الخامس والعشرون:
أخرج أحمد وابن ماجة والحاكم عن أبي هريرة: أن النبي (ص) قال: من أحبّ الحسن والحسين فقد أحبّني ومن أبغضهما فقد أبغضني.
الحديث السادس والعشرون:
أخرج أبو يعلي عن جابر: أن رسول الله (ص) قال: من سرّه أن ينظر إلي سيّد شباب أهل الجنّة فلينظر إلي الحسن.
الحديث السابع والعشرون:
أخرج البغوي وعبد الغني في الإيضاح، عن سلمان رضي الله عنه: أن النبي (ص) قال: سمي هارون ابنيه شبراً وشبيراً وإني سميت ابني الحسن والحسين بما سمي به هارون ابنيه.
وأخرج ابن سعد عن عمران بن سليمان قال: الحسن والحسين اسمان من أسماء أهل الجنّة ما سميت العرب بهما في الجاهلية.
الحديث الثامن والعشرون:
أخرج ابن سعد والطبراني عن عائشة: أن النبي (ص) قال: أخبرني جبريل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض ألطف وجاءني بهذه التربة فأخبرني أن فيها مضجعه.
الحديث التاسع والعشرون:
أخرج أبو داود والحاكم عن أم الفضل بنت الحرث: أن النبي (ص) قال: أتاني جبريل فأخبرني أن أمّتي ستقتل ابني هذا يعني الحسين وأتاني بتربة من تربة حمراء.
وأخرج أحمد: لقد دخل علي البيت ملك لم يدخل عليّ قبلها فقال لي: إن ابنك هذا حسيناً مقتول، وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يُقتل بها، قال: فأخرج تربة حمراء.
الحديث الثلاثون: في استشهاد الإمام الحسين (ع):
أخرج البغوي في معجمه من حديث أنس: أن النبي (ص) قال: استأذن ملك القطر ربّه أن يزورني فأذن له وكان في يوم أم سلمة فقال رسول الله (ص): يا أم سلمة احفظي علينا الباب لا يدخل أحد، فبينما هي علي الباب إذ دخل الحسين فاقتحم فوثب علي رسول الله (ص) فجعل رسول الله (ص) يلثمه ويقبّله، فقال له الملك: أتحبّه؟ قال: نعم، قال الملك: إن أمتك ستقتله وإن شئت أريك المكان الذي يقتل فيه، فأراه فجاء بسهلة أو تراب أحمر فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها.
قال ثابت: كنا نقول أنها كربلاء.
وأخرجه أيضاً أبو حاتم في صحيحه.
وروي أحمد نحوه.
وروي عبد الرحمن بن حميد وابن أحمد نحوه أيضاً، لكن فيه: أن الملك جبريل، فإن صح فهما واقعتان.
وزاد الثاني أيضاً: أنه (ص) شمّها وقال: ريح كرب وبلاء، والسهلة بكسر أوله رمل خشن ليس بالدقاق الناعم.
وفي رواية الملا وابن أحمد في زيادة المسند ما قالت ثم ناولني كفاً من تراب أحمر، وقال: إن هذا من تربة الأرض التي يُقتل بها، فمتي صار دماً فاعلمي أنه قد قُتل، قالت أم سلمة: فوضعته في قارورة عندي وكنت أقول: إن يوماً يتحوّل فيه دماً ليوم عظيم.
وفي رواية عنها: فأصبته يوم قتل الحسين وقد صار دماً.
وفي أخري: ثم قال يعني جبريل: ألا أريك تربة مقتله؟ فجاء بحصيات فجعلهنّ رسول الله (ص) في قارورة، قالت أم سلمة: فلمّا كانت ليلة قتل الحسين سمعتُ قائلاً يقول:
أيها القاتلون جهلاً حسيناً ابشروا بالعذاب والتذليل
قد لعنتم علي لسان ابن داود وموسي وحامل الإنجيل
قال: فبكت وفتحت القارورة فإذا الحصيات قد جرت دماً.
وأخرج ابن سعد عن الشعبي قال: مر علي (ع) بكربلاء عند مسيره إلي صفّين وحاذي نينوي قرية علي الفرات فوقف وسأل عن اسم هذه الأرض فقيل: كربلاء، فبكي حتي بلّ الأرض من دموعه، ثم قال: دخلتُ علي رسول الله (ص) وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قال: كان عندي جبريل آنفاً وأخبرني إن ولدي الحسين يُقتل بشاطيء الفرات بموضع يقال له كربلاء، ثم قبض جبريل قبضة من تراب شمّني إياه فلم أملك عيني أن فاضتا.
ورواه أحمد مختصراً عن علي قال: دخلت علي النبي (ص) الحديث.
وروي الملا: أنّ عليّاً مرّ بقبر الحسين فقال: هاهنا مناخ ركابهم، وهاهنا موضع رحالهم، وهاهنا مهراق دمائهم، فتية من آل محمد يُقتلون بهذه العرصة تبكي عليهم السماء والأرض.
وأخرج أيضاً: أنه (ص) كان له مشربة درجتها في حجرة عائشة يرقي إليها إذا أراد لقي جبريل، فرقي إليها وأمر عائشة أن لا يطلع عليها أحد، فرقي حسين ولم تعلم به، فقال جبريل: من هذا؟ قال: ابني، فأخذه رسول الله (ص) فجعله علي فخذه، فقال جبريل: ستقتله أمتك، فقال (ص): ابني؟ قال: نعم، وإن شئت أخبرتك الأرض التي يُقتل فيها، فأشار جبريل بيده إلي الطفّ بالعراق فأخذ منها تربة حمراء، فأراه إياها وقال: هذه تربة مصرعه.
وأخرج الترمذي أن أم سلمة رأت النبي (ص) باكياً وبرأسه ولحيته التراب فسألته فقال: قتل الحسين آنفاً.
وكذلك رآه ابن عباس نصف النهار أشعثاً أغبراً بيده قارورة فيها دم يلتقطه، فسأله، فقال: دم الحسين وأصحابه لم أزل أتتبعه منذ اليوم فنظروا فوجدوه قد قتل في ذلك اليوم، فاستشهد الحسين كما قال له (ص) بكربلاء من أرض العراق بناحية الكوفة، ويعرف الموضع أيضاً بالطف، قتله سنان بن أنس النخعي، وقيل غيره، يوم الجمعة عاشر المحرّم سنة إحدي وستين، وله ستّ وخمسون سنة وأشهر، ولما قتلوه بعثوا برأسه إلي يزيد فنزلوا أول مرحلة فجعلوا يشربون بالرأس، فبينما هم كذلك إذ خرجت عليهم من الحائط يدٌ معها قلم من حديد فكتبت سطراً بدم:
أترجو أمة قتلت حسيناً شفاعة جده يوم الحساب؟
فهربوا وتركوا الرأس.
أخرجه منصور بن عماد، وذكر غيره: أن هذا البيت وجد بحجر قبل مبعثه (ص) بثلاثمائة، وأنه مكتوب في كنيسة من أرض الروم لا يدري من كتبه.
وذكر أبو نعيم الحافظ في كتاب «دلائل النبوة» عن نصرة الأزدية أنها قالت: لما قُتِل الحسين بن عليّ أمطرت السماء دماً فأصبحنا وجبابنا وجرارنا مملوءة دماً.
وكذا روي في أحاديث غير هذه، ومما ظهر يوم قتله من الآيات أيضاً أن السماء اسودت اسوداداً عظيماً حتي رؤيت النجوم نهاراً ولم يرفع حجر إلاّ وُجِد تحته دمٌ عبيط(21).
وأخرج عثمان بن أبي شيبة: أن السماء مكثت بعد قتله سبعة أيام تري علي الحيطان كأنها ملاحف معصفرة من شدّة حمرتها وضربت الكواكب بعضها بعضاً.
ونقل ابن الجوزي عن ابن سيرين: أن الدنيا أظلمت ثلاثة أيام ثم ظهرت الحمرة في السماء.
وقال أبو سعيد: ما رفع حجر من الدنيا إلاّ وتحته دم عبيط ولقد مطرت السماء دماً بقي أثره في الثياب مدة حتي تقطعت.
وأخرج الثعلبي وأبو نعيم ما مر من أنهم مطروا دماً، زاد أبو نعيم: فأصبحنا وجبابنا وجرارنا مملوءة دماً.
وفي رواية: أنه مطر كالدم علي البيوت والجدار بخراسان والشام والكوفة، وأنه لما جيء برأس الحسين إلي دار زياد سالت حيطانها دماً.
وأخرج الثعلبي: أن السماء بكت وبكاؤها حمرتها، وقال غيره: احمرّت آفاق السماء ستّة أشهر بعد قتله، ثم لازالت الحمرة تُري بعد ذلك.
وإن ابن سيرين قال: أخبرنا أن الحمرة التي مع الشفق لم تكن قبل قتل الحسين.
وذكر ابن سعد: أن هذه الحمرة لم ترَ في السماء قبل قتله.
قال ابن الجوزي: وحكمته أن غضباً يؤثر حمرة الوجه والحق تنزه عن الجسيمة، فأظهر تأثير غضبه علي من قتل الحسين بحمرة الأُفق إظهاراً لعظم الجناية، قال: وأنين عباس وهو مأسورٌ ببدر منع النبي (ص) النوم، فكيف بأنين الحسين؟ ولما أسلم وحشي قاتل حمزة قال له النبي (ص): غيّب وجهك عني فإني لا أحبّ أن أري من قتل الأحبّة، قال: وهذا والإسلام يجبّ ما قبله، فكيف بقلبه (ص) أن يري من ذبح الحسين وأمر بقتله وحمل أهله علي أقتاب الجمال(22).
وما مر من أنه لم ترفع حجر في الشام أو الدنيا إلا رؤي تحته دم عبيط، وقع يوم قتل علي أيضاً كما أشار إليه البيهقي بأنه حكي عن الزهري أنه قدم الشام يريد الغزو، فدخل علي عبد الملك فأخبره أنه يوم قتل علي لم يرفع حجر من بيت المقدس إلا وجد تحته دم ثم قال له: من لم يعرف هذا غيري وغيرك فلا تخبر به، قال: فما أخبرت به إلا بعد موته.
وحكي عنه أيضاً: أن غير عبد الملك أخبر بذلك أيضاً.
قال البيهقي: والذي صح عنه أن ذلك حين قتل الحسين، ولعله وجد عند قتلهما جميعاً، انتهي.
وأخرج أبو الشيخ: أن جمعاً تذاكروا أنه ما من أحد أعان علي قتل الحسين إلا أصابه بلاء قبل أن يموت، فقال شيخ: أنا أعنت وما أصابني شيء، فقام ليصلح السراج فأخذته النار، فجعل ينادي: النار النار وانغمس في الفرات، ومع ذلك فلم يزل به حتي مات.
وأخرج منصور بن عمار: أن بعضهم ابتلي بالعطش، وكان يشرب راوية ولا يروي.
ونقل سبط ابن الجوزي عن السدّي: أنه أضافه رجل بكربلاء فتذاكروا أنه ما تشارك أحد في دم الحسين إلا مات أقبح موتة، فكذّب المضيف بذلك وقال إنه ممن حضر، فقام آخر الليل يصلح السراج فوثبت النار في جسده فأحرقته، قال السدي: فأنا رأيته والله كأنّ حممة.
وعن الزهري: لم يبقَ ممن قتله إلا من عوقب في الدنيا إما بقتل أو عمي أو سواد الوجه أو زوال الملك في مدة يسيرة.
وحكي سبط ابن الجوزي عن الواقدي: أن شيخاً حضر قتله فقط فعمي، فسئل عن سببه، فقال: إنه رأي النبي (ص) حاسراً عن ذراعيه وبيده سيف وبين يديه نطع، ورأي عشرة من قاتلي الحسين مذبوحين بين يديه، ثم لعنه بتكثيره سوادهم ثم أكحله بمرود من دم الحسين فأصبح أعمي.
وأخرج أيضاً: أن شخصاً منهم علّق في لبب فرسه رأس الحسين بن علي فرؤي بعد أيام ووجهه أشدّ سواداً من القار، فقيل له: إنك كنت أنضر العرب وجهاً! فقال: ما مرّت عليّ ليلة حين حملتُ تلك الرأس إلا واثنان يأخذان بضبعي ثم ينتهيان بي إلي نار تأجج فيدفعاني فيها وأنا أنكص فتسفعني كما تري، ثم مات علي أقبح حالة.
وأخرج أيضاً أن شيخاً رأي النبي (ص) في النوم وبين يديه طشت فيها دم، والناس يعرضون عليه فيلطخهم حتي انتهيت إليه فقلت: ما حضرت، فقال لي: هويت! فأومأ إليّ بإصبعه فأصبحت أعمي.
ومرّ أنّ أحمد روي: أن شخصاً قال: قتل الله الفاسق ابن الفاسق الحسين، فرماه الله بكوكبين في عينيه فعمي.
وذكر البارزي عن المنصور: أنه رأي رجلاً بالشام وجهه وجه خنزير فسأله، فقال: أنه كان يلعن علياً كل يوم ألف مرة، وفي الجمعة أربعة آلاف مرة وأولاده معه، فرأيت النبي (ص) وذكر مناماً طويلاً من جملته: أن الحسن شكاه إليه فلعنه فصار موضع بصاقه خنزيراً وصار آية للناس.
وأخرج الملا عن أم سلمة: أنها سمعت نوح الجنّ علي الحسين.
وابن سعد عنها: أنها بكت عليه حتي أغشي عليها.
وروي البخاري في صحيحه والترمذي عن ابن عمر: أنه سأل رجل عن دم البعوض طاهر أو لا؟ فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، فقال: انظروا إلي هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن النبي (ص)، وقد سمعت النبي (ص) يقول: هما ريحانتاي من الدنيا.
وسبب مخرجه: أنّ يزيد لما استخلف سنة ستين أرسل لعامله بالمدينة أن يأخذ له البيعة علي الحسين، ففرّ لمكة خوفاً علي نفسه فسمع به أهل الكوفة، فأرسلوا إليه أن يأتيهم ليبايعوه ويمحو عنهم ما هم فيه من الجور، فنهاه ابن عباس وبيّن له غدرهم وقتلهم لأبيه، وخذلانهم لأخيه، فأبي فنهاه أن لا يذهب بأهله فأبي، فبكي أبن عباس وقال: واحبيباه، وقال له ابن عمر نحو ذلك، فأبي، فبكي ابن عمر وقبّل ما بين عينيه وقال: أستودعك الله من قتيل، ونهاه ابن الزبير أيضاً فقال له: حدَّثني أبي أن لمكة كبشاً به يستحلّ حرمتها، فما أُحبّ أن أكون أنا ذلك الكبش.
ولما بلغ مسيره أخاه محمد بن الحنفية كان بين يديه طشت يتوضّأ فيه فبكي حتي ملأه من دموعه، ولم يبق بمكة إلا من حزن لمسيره، وقدّم أمامه مسلم بن عقيل فبايعه من أهل الكوفة اثنا عشر ألفاً، وقيل: أكثر من ذلك، وأمر يزيد ابنَ زياد فجاء إليه وقتله وأرسل برأسه إليه فشكره وحذره من الحسين، ورأي الحسين في مسيره الفرزدق فقال له: بيّن لي خبر الناس، فقال: أجل علي الخبير سقطت يا ابن رسول الله (ص)، قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء.
وسار الحسين وهو غير عالم(23) بما جري لمسلم حتي كان علي ثلاث من القادسية تلقاه بالخبر ابن يزيد التميمي فقال له: ارجع فما تركت لك خلفي خيراً ترجوه، وأخبره الخبر وقدوم ابن زياد واستعداده له فهمّ بالرجوع(24)، فقال أخو مسلم: والله لا نرجع حتي نصيب بثأرنا أو نقتل، فقال: لا خير في الحياة بعدكم، ثم سار فلقيه أوائل خيل ابن زياد فعدل إلي كربلاء ثامن المحرم سنة إحدي وستين، وكان لما شارف الكوفة سمع به أميرها عبيد الله بن زياد فجهز إليه عشرين ألف مقاتل، فلمّا وصلوا إليه التمسوا منه نزوله علي حكم ابن زياد وبيعته ليزيد فأبي فقاتلوه، وكان أكثر الخارجين لقتاله كاتبوه وبايعوه، ثم لما جاءهم أخلفوه وفرّوا عنه إلي أعدائه إيثاراً للسحت العاجل علي الخير الآجل، فحارب أولئك العدد الكثير ومعه من إخوته وأهله نيف وثمانون نفساً فثبت في ذلك الموقف ثباتاً باهراً مع كثرة أعدائه وعددهم ووصول سهامهم ورماحهم إليه، ولما حمل عليهم وسيفه مصلت في يده أنشد يقول:
أنا ابن عليّ الخير من آل هاشم كفاني بهذا فخراً حين أفخر
وجدّي رسول الله أكرم من مشي ونحن سراج الله في الناس يزهر
وفاطمة أمي سلالة أحمد وعمّي يدعي ذا الجناحين جعفر
وفينا كتاب الله أُنزل صادقاً وفينا الهدي والوحي والخير يذكر
ولولا ما كادوه به من أنهم حالوا بينه وبين الماء لم يقدروا عليه، إذ هو الشجاع القرم الذي لا يزول ولا يتحوّل، ولمّا منعوه وأصحابه الماءَ ثلاثاً قال له بعضهم: انظر إليه كأنه كبد السماء لا تذوق منه قطرة حتي تموت عطشاً، فقال له الحسين: اللهمّ اقتله عطشاً فلم يروَ مع كثرة شربه للماء حتي مات عطشاً.
ودعا الحسين بماء ليشربه فحال رجل بينه وبينه بسهم ضربه فأصاب حنكه فقال: اللهمّ أظمئه، فصار يصيح. الحر في بطنه والبرد في ظهره، وبين يديه الثلج والمراوح وخلفه الكافور وهو يصيح العطش فيؤتي بسويق وماء ولبن لو شربه خمسة لكفاهم فيشربه ثم يصيح فيسقي كذلك إلي أن انقدّ بطنه. ولما استحر القتل بأهله فإنهم لازالوا يقتلون منهم واحداً بعد واحد حتي قتلوا ما يزيد علي الخمسين صاح الحسين: أما ذابّ يذبّ عن حريم رسول الله (ص)، فحينئذ خرج حر بن يزيد بن الحرث الرياحي من عسكر أعدائه راكباً فرسه، وقال: يا ابن رسول الله لئن كنت أول من خرج عليك فإنني الآن من حزبك، لعلّي بذلك أنال شفاعة جدّك، ثم قاتل بين يديه حتي قتل، فلما فني أصحابه وبقي بمفرده حمل عليهم وقتل كثيراً من شجعانهم، فحمل عليه جمع كثيرون منهم حالوا بينه وبين حريمه، فصاح كفّوا سفهاءكم عن الأطفال والنساء فكفوا، ثم لم يزل يقاتلهم إلي أن أثخنوه بالجراح وسقط إلي الأرض، فحزوا رأسه يوم عاشوراء عام أحد وستين ولمّا وضعت بين يدي عبيد الله بن زياد أنشد قاتله:
املأ ركابي فضة وذهبا فقد قتلت الملك المحجّبا
ومن يصلي القبلتين في الصبا وخيرَهم إذ يذكرون النسبا
قتلت خير الناس أماً وأبا
فغضب ابن زياد من قوله وقال: إذا علمت ذلك فلم قتلته؟ والله لا نلت مني خيراً ولألحقنّك به ثم ضرب عنقه. وقتل معه من إخوته وبني أخيه الحسن ومن أولاد جعفر وعقيل تسعة عشر رجلاً، وقيل: أحد وعشرون.
قال الحسن البصري: ما كان علي وجه الأرض يومئذ لهم شبيه. ولما حملت رأسه لابن زياد جعله في طشت وجعل يضرب ثناياه بقضيب ويقول به في أنفه، ويقول ما رأيت مثل هذا حسناً، إن كان لحسن الثغر. وكان عنده أنس، فبكي وقال: كان أشبههم برسول الله (ص)، رواه الترمذي وغيره.
وروي ابن أبي الدنيا أنه كان عنده زيد بن أرقم فقال له: ارفع قضيبك فوالله لطالما رأيت رسول الله (ص) يقبّل ما بين هاتين الشفتين، ثم جعل زيد يبكي، فقال ابن زياد: أبكي الله عينيك لولا أنك شيخ قد خرفت لضربت عنقك، فنهض وهو يقول: أيها الناس أنتم العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة وأمّرتُم ابن مرجانة، والله ليقتلنّ خياركم ويستعبدنّ شراركم، فبعداً لمن رضي بالذلّة والعار، ثم قال: يا ابن زياد! لأُحدّثنك بما هو أغيظ عليك من هذا: رأيت رسول الله (ص) أقعد حسناً علي فخذه اليمني وحُسَيناً علي اليسري ثم وضع يده علي يافوخهما ثم قال: اللهمّ إني أستودعك إيّاهما وصالح المؤمنين، فكيف كانت وديعة النبي (ص) عندك يا ابن زياد؟
وقد انتقم الله من ابن زياد هذا، فقد صح عند الترمذي: أنه لما جيء برأسه ونصب في المسجد مع رؤوس أصحابه جاءت حيّة فتخلّلت الرؤوس حتي دخلت في منخره، فمكثت هنيهة ثم خرجت ثم جاءت ففعلت كذلك مرتين أو ثلاثاً وكان نصبها في محل نصبه لرأس الحسين، وفاعل ذلك هو المختار بن أبي عبيد، تبعه طائفة من الشيعة ندموا علي خذلانهم الحسين وأرادوا غسل العار عنهم، ففرقة منهم تبعت المختار، فملكوا الكوفة وقتلوا الستّة آلاف الذين قاتلوا الحسين أقبح قتلات، وقتل رئيسهم عمر بن سعد، وخصّ شمر قاتل الحسين علي قول بمزيد نكال وأوطؤوا الخيل صدره وظهره، لأنه فعل ذلك بالحسين وشكر الناس للمختار ذلك.
ولما نزل ابن زياد الموصل في ثلاثين ألفاً جهّز له المختار سنة تسع وستّين طائفة قتلوه هو وأصحابه علي الفرات يوم عاشوراء، وبعث برؤوسهم للمختار فنصبت في المحل الذي نصب فيه رأس الحسين، ثم حوّلت إلي ما مر حتي دخلتها تلك الحية.
ومن عجيب الاتفاق: قول عبد الملك بن عمير: دخلت قصر الإمارة بالكوفة علي ابن زياد والناس عنده سماطان ورأس الحسين (ع) علي ترس عن يمينه، ثم دخلت علي المختار فيه فوجدتُ رأس ابن زياد وعنده الناس كذلك، ثم دخلتُ علي مصعب بن الزبير فبه فوجدت رأس المختار عنده كذلك، ثم دخلت علي عبد الملك بن مروان فوجدتُ رأس مصعب كذلك، فأخبرته بذلك فقال: لا أراك الله الخامس ثم أمر بهدمه.
ولما أنزل ابن زياد رأس الحسين وأصحابه جهّزها مع سبايا آل الحسين إلي يزيد، فلمّا وصلت إليه قيل أنه ترحّم عليه وتنكر لابن زياد وأرسل برأسه وبقية بنيه إلي المدينة.
وقال سبط ابن الجوزي وغيره: المشهور أنه جمع أهل الشام وجعل ينكت الرأس بالخيزران، وجُمع بأنه أظهر الأول وأخفي الثاني، بقرينة أنه بالغ في رفعة ابن زياد حتي أدخله علي نسائه.
قال ابن الجوزي: وليس العجب إلا من ضرب يزيد ثنايا الحسين بالقضيب(25)، وحمل آل النبي (ص) علي أقتاب الجمال أي موثقين في الحبال والنساء مكشفات الرؤوس والوجوه وذكر أشياء من قبيح فعله.
وقيل: بل كانت الرأس في خزانته(26) لأن سليمان بن عبد الملك رأي النبي (ص) في المنام يرطفه ويبشره، فسأل الحسن البصري عن ذلك فقال: لعلّك صنعت إلي آله معروفاً؟ قال: نعم، وجدت رأس الحسين في خزانة يزيد فكسوته خمسة أثواب وصلّيت عليه مع جماعة من أصحابي وقبرته، فقال له الحسن: هو ذلك سبب رضاه (ص) عليك، فأمر سليمان للحسن بجائزة سنيّة.
ولما فعل يزيد برأس الحسين ما مر كان عنده رسول قيصر فقال متعجباً: إنّ عندنا في بعض الجزائر في دير حافر حمار عيسي، فنحن نحجّ إليه كلّ عام من الأقطار وننذر النذور ونعظمه كما تعظّمون كعبتكم، فأشهد أنكم علي باطل.
وقال ذمّي آخر: بيني وبين داود سبعون أباً، وإن اليهود تعظّمني وتحترمني وأنتم قتلتم ابن نبيّكم؟
ولما كانت الحرس علي الرأس كلما نزلوا منزلاً وضعوه علي رمح وحرسوه فرآه راهب في دير فسأل عنه فعرفوه به فقال: بئس القوم أنتم هل لكم في عشرة آلاف دينار ويبيت الرأس عندي هذه الليلة؟ قالوا: نعم، فأخذه وغسله وطيّبه ووضعه علي فخذه، وقعد يبكي إلي الصبح ثم أسلم، لأنه رأي نوراً ساطعاً من الرأس إلي السماء، ثم خرج عن الدير وما فيه وصار يخدم أهل البيت، وكان مع أولئك الحرس دنانير أخذوها من عسكر الحسين ففتحوا أكياسها ليقتسموها فرأوها خزفاً وعلي أحد جانبي كل منها: (ولا تحسبنّ الله غافلاً عمّا يعمل الظالمون)(27)، وعلي الآخر: (وسيعلم الذين ظَلموا أيّ منقلب ينقلبون)(28).
وسيق حريم الحسين إلي الكوفة كالأُساري، فبكي أهل الكوفة، فجعل زين العابدين بن الحسين يقول: ألا إنّ هؤلاء يبكون من أجلنا فمن ذا الذي قتلنا؟
وأخرج الحاكم من طرق متعددة أنه (ص) قال: قال جبريل: قال الله تعالي: إني قتلت بدم يحيي بن زكريا سبعين ألفاً وإني قاتل بدم الحسين سبعين ألفاً وقتل هذه العدة بسببه لا يستلزم أنّها كعدد عدة المقاتلين له، فإن فتنته أفضت إلي تعصبات ومقاتلات تفي بذلك.

في الأئمة التسعة من ولد الحسين (ع)

وزين العابدين: هذا هو الذي خلف أباه علماً وزهداً وعبادة وكان إذا توضأ للصلاة اصفر لونه، فقيل له في ذلك فقال: ألا تدرون بين يدي من أقف. وحكي أنه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة.
وحكي ابن حمدون عن الزهري أن عبد الملك حمله مقيداً من المدينة بأثقلة من حديد ووكّل به حفظة، فدخل عليه الزهري لوداعه فبكي وقال: وددت أني مكانك، فقال: أتظن أن ذلك يكربني، لو شئت لما كان؟ وإنه ليذكرني عذاب الله، ثمّ أخرج رجليه من القيد ويديه الغل ثمّ قال: لا جزت معهم علي هذا يومين من المدينة، فما مضي يومان إلا وفقدوه حين طلع الفجر وهم يرصدونه، فطلبوه فلم يجدوه.
قال الزهري: فقدمت علي عبد الملك، فسألني عنه، فأخبرته، فقال: قد جاء في يوم فقده الأعوان فدخل عليّ فقال: ما أنا وأنت، فقلت: أقم عندي، فقال: لا أحب، ثمّ خرج، فوالله لقد امتلأ قلبي منه خيفة، أي ومن ثمّ كتب عبد الملك إلي الحجاج أن يجتنب دماء عبد المطلب، وأمره بكتم ذلك فكوشف به زين العابدين، فكتب إليه إنك كتبت للحجاج يوم كذا سراً في حقنا بني عبد المطلب بكذا وكذا، وقد شكر الله لك ذلك، وأرسل به إليه، فلما وقف عليه وجد تاريخه موافقاً لتاريخ كتابه للحجاج، ووجد مخرج الغلام موافقاً لمخرج رسوله للحجاج، فعلم أن زين العابدين كوشف بأمره(29) فسرّ به وأرسل إليه مع غلامه بوقر راحلته دراهم وكسوة وسأله أن لا يخليه مع صالح دعائه.
وأخرج أبو نعيم والسلفي: لما حج هشام بن عبد الملك في حياة أبيه أو الوليد لم يمكنه أن يصل للحجر من الزحام فنصب له منبر إلي جانب زمزم وجلس ينظر إلي الناس وحوله جماعة من أعيان أهل الشام، فبينا هو كذلك إذ أقبل زين العابدين، فلما انتهي إلي الحجر تنحّي له الناس حتّي استلم، فقال أهل الشام لهشام: من هذا؟ قال: لا أعرفه، مخافة أن يرغب أهل الشام في زين العابدين، فقال الفرزدق: أنا أعرفه ثم أنشد:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحلّ والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلّهم هذا التقيّ النقيّ الطاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلها إلي مكارم هذا ينتهي الكرم
ينمي إلي ذروة العز التي قصرت عن نيلها عرب الإسلام والعجم
القصيدة المشهورة ومنها:
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله بجدّه أنبياء الله قد ختموا
فليس قولك: مَن هذا؟ بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم
ثم قال:
من معشر حبّهم دين وبغضهم كفر وقربهم منجي ومعتصم
لا يستطيع جواد بُعد غايتهم ولا يُدانيهم قوم وإن كرموا
فلمّا سمعها هشام غضب، وحبس الفرزدق بعُسفان، وأمر له زين العابدين بإثني عشر ألف درهم، وقال: أعذر لو كان عندنا أكثر لوصلناك به، فقال: إنما امتدحته لله لا لعطاء، فقال زين العابدين: إنّا أهل بيت إذا وهبنا شيئاً لا نستعيده، فقبلها الفرزدق ثم هجا هشاماً في الحبس، فبعث فأخرجه.
وكان زين العابدين عظيم التجاوز والعفو والصفح حتي إنه سبّه رجل فتغافل عنه، فقال: له: إياك أعني! فقال: وعنك أعرض، أشار إلي آية: (خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين)(30).
توفّي وعمره سبع وخمسون، منها سنتان مع جدّه عليّ، ثم عشرة مع عمّه الحسن، ثم إحدي عشرة سنة مع أبيه الحسين، وقيل: سمّه الوليد بن عبد الملك(31)، ودُفن بالبقيع عند عمه الحسن، عن أحد عشر ذكراً وأربع إناث.
وإرثه منهم عبادة وعلماً وزهادة.
أبو جعفر محمد الباقر:
سمّي بذلك: من بقر الأرض أي شقّها وأثار مخبآتها ومكامنها، فلذلك هو أظهر من مخبآت كنوز المعارف وحقائق الأحكام والحكم واللطائف ما لا يخفي إلاّ علي منطمس البصيرة أو فاسد الطوية والسريرة، ومن ثَمّ قيل فيه: هو باقر العلم وجامعه، وشاهر علمه ورافعه، صفا قلبه، وزكا علمه وعمله، وطهرت نفسه، وشرف خلقه، وعمرت أوقاته بطاعة الله، وله من الرسوم في مقامات العارفين ما تكل عنه ألسنة الواصفين، وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف لا تحتملها هذه العجالة.
وكفاه شرفاً: أن ابن المديني روي عن جابر أنه قال له وهو صغير: رسول الله (ص) يسلّم عليك، فقيل له: وكيف ذاك؟ قال: كنتُ جالساً عنده والحسين في حجره وهو يداعبه، فقال: يا جابر يولد له مولود اسمه عليّ إذا كان يوم القيامة نادي مناد: ليقم سيّد العابدين فيقوم ولده، ثم يولد له ولد اسمه محمّد فإن أدركته يا جابر فأقرئه مني السلام.
توفّي سنة سبع عشرة عن ثمان وخمسين سنة مسموماً كأبيه.
وهو علويّ من جهة أبيه وأمه، ودفن أيضاً في قبة الحسن والعباس بالبقيع، وخلّف ستة أولاد أفضلهم وأكملهم:
جعفر الصادق:
ومن ثّم كان خليفته ووصيه، ونقل الناس عنه العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان.
وروي عنه الأئمة الأكابر: كيحيي ابن سعيد وابن جريح ومالك والسفيانين وأبي حنيفة وشعبة وأيوب السختياني.
وأمه: فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر كما مرّ.
وسعي به عند المنصور لما حج فلما حضر الساعي به يشهد قال له: أتحلف؟ قال: نعم! فحلف بالله العظيم إلي آخره، فقال: احلفه يا أمير المؤمنين بما أراه؟ فقال له: حلّفه، فقال له: قل برئت من حول الله وقوّته والتجأتُ إلي حولي وقوّتي لقد فعل جعفر كذا وكذا، وقال: كذا وكذا، فامتنع الرجل ثم حلف، فما تمّ حتي مات مكانه، فقال أمير المؤمنين لجعفر: لا بأس عليك أنت المبرأ الساحة المأمون الغائلة، ثم انصرف فلحقه الربيع بجائزة حسنة وكسوة سنيّة وللحكاية تتمّة.
ووقع نظير هذه الحكاية ليحيي بن عبد الله بن المحض بن الحسن المثني بن الحسن السبط بأن شخصاً زبيرياً سعي به للرشيد فطلب تحليفه فتلعثم فزبره الرشيد فتولي يحيي تحليفه بذلك فما أتم يمينه حتي اضطرب وسقط لجنبه فأخذوا برجله وهلك، فسأل الرشيد يحيي عن سر ذلك، فقال: تمجيد الله في اليمين يمنع المعاجلة في العقوبة.
وذكر المسعودي: أنّ هذه القصة كانت مع أخي يحيي هذا الملقّب بموسي الجون وأن الزبيري سعي به للرشيد فطال الكلام بينهما ثم طلب موسي تحليفه فحلفه بنحو ما مرّ، فلمّا حلف قال موسي: الله أكبر حدّثني أبي عن جدّي عن أبيه عن جدّه علي أن النبي (ص) قال: ما حلف أحد بهذه اليمين، أي وهي تقلّدت الحول والقوة دون حول الله وقوّته إلي حولي وقوتي ما فعلت كذا وهو كاذب، إلاّ عجّل الله له العقوبة قبل ثلاث، والله ما كذبت ولا كذبت، فوكل عليَّ يا أمير المؤمنين فإن مضت ثلاث ولم يحدث بالزبيري حادث فدمي لك حلال، فوكل به، فلم يمضِ عصر ذلك اليوم حتي أصاب الزبيري جذام فتورم حتي صار كالزق، فما مضي إلاّ قليل وقد توفّي، ولا أُنزل في قبره انخسف قبره وخرجت رائحة مفرطة النتن، فطرحت فيه أحمال الشوك فانخسف ثانياً، فأخبر الرشيد بذلك فزاد تعجّبه، ثم أمر لموسي بألف دينار، وسأله عن سر تلك اليمين، فروي له حديثاَ عن جده علي عن النبي (ص): ما من أحد يحلف بيمين مجد الله فيها إلا استحيا من عقوبته، وما من أحد حلف بيمين كاذبة نازع الله فيها حوله وقوّته إلاّ عجّل الله له العقوبة قبل ثلاث.
وقتل بعض الطغاة مولاه فلم يزل ليلة يصلي ثم دعا عليه عند السحر فسمعت الأصوات بموته، ولما بلغه قول الحكم بن عباس الكلبي في عمه زيد:
صلبنا لكم زيداً علي جذع نخلة ولم نرَ مهدياً علي الجذع يصلب
قال: اللهمّ سلّط عليه كلباً من كلابك فافترسه كالأسد.
ومن مكاشفاته:
أن ابن عمه عبد الله المحض كان شيخ بني هاشم وهو والد محمد الملقّب بالنفس الزكيّة، ففي آخر دولة بني أمية وضعفهم أراد بنو هاشم مبايعة محمد وأخيه، وأرسل لجعفر ليبايعهما فامتنع، فاتهم أنه يحسدهما فقال: والله ليست لي ولا لهما إنها لصاحب القباء الأصفر(32) ليلعبن بها صبيانهم وغلمانهم، وكان المنصور العباسي يومئذ حاضراً وعليه قباء أصفر(فما زالت كلمة جعفر تعمل فيه حتي نالها وسبق جعفر إلي ذلك والده الباقر، فإنه أخبر المنصور بملك الأرض شرقها وغربها وطول مدّته، فقال له: وملكنا قبل ملككم، قال: نعم، قال: ويملك أحد من ولدي؟ قال: نعم، قال: فمدّة بني أمية أطول أم مدّتنا؟ قال: مدّتكم وليلعبنّ بهذا الملك صبيانكم كما يلعب بالأكرة، هذا ما عهد إليّ أبي، فلما أفضت الخلافة للمنصور بملك الأرض تعجّب من قول الباقر(33).
وأخرج أبو القاسم الطبري من طريق ابن وهب قال: سمعت الليث بن سعد يقول: حججتُ سنة ثلاث عشرة ومائة ولما صلّيت العصر في المسجد رقيت أبا قبيس فإذا رجل جالس يدعو فقال: يا رب، حتي انقطع نفسه، ثم قال: يا حي يا حي يا حي حتي انقطع نفسه، ثم قال: إلهي إني أشتهي العنب فأطعمنيه، اللهمّ وإن برداي قد خلقا فاكسني، قال الليث: فوالله ما استتم كلامه حتي نظرت إلي سلة مملوءة عنباً وليس علي الأرض يومئذ عنب، وإذا بردان موضوعان لم أرَ مثلهما في الدنيا، فأراد أن يأكل، فقلت: أنا شريكك، فقال: ولم؟ فقلت: لأنك دعوتَ وكنتُ أؤمن! فقال: تقدّم وكل، فتقدّمت وأكلتُ عنباً لم آكل مثله قط، ما كان له عجم، فأكلنا حتي شبعنا ولم تتغير السلّة، فقال: لا تدخر ولا تخبئ منه شيئاً، ثم أخذ أحد البردين ودفع إليّ بالآخر، فقلت: أنا بي غني عنه فائتزر بأحدهما وارتدي الآخر، ثم أخذ برديه الخلقين فنزلوهما بيده، فلقيه رجل بالمسعي فقال: اكسني يا رسول الله مما كساك الله فإنني عريان، فدفعهما إليه، فقلت: من هذا؟ قال: جعفر الصادق، فطلبته بعد ذلك لأسمع منه شيئاً فلم أقدر عليه، انتهي.
توفّي سنة أربع وثمانين ومائة مسموماً أيضاً علي ما حكي، وعمره ثمان وستون سنة، ودفن بالقبة السابقة عند أهله عن ستة ذكور وبنت.
منهم: موسي الكاظم:
وهو وارثه علماً ومعرفةً وكمالاً وفضلاً، سمي الكاظم لكثرة تجاوزه وحلمه، وكان معروفاً عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند الله، وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأسخاهم، وسأله الرشيد كيف قلتم: إنّا ذريّة رسول الله (ص) وأنتم أبناء علي؟ فتلا: (ومن ذريّته داود وسليمان)(34)، إلي أن قال: (وعيسي)(35)، وليس له أب، وأيضاً قال تعالي: (فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم)(36) الآية.
ولم يدع النبي (ص) عند مباهلته النصاري غير علي وفاطمة والحسن والحسين فكان الحسن والحسين هما الأبناء.
ومن بديع كراماته: ما حكاه ابن الجوزي والرامهرمزي وغيرهما عن شقيق البلخي: أنه خرج حاجاً سنة تسع وأربعين ومائة فرآه بالقادسية منفرداً عن الناس، فقال في نفسه: هذا فتي من الصوفية يريد أن يكون كلاً علي الناس، لأمضينّ إليه ولأوبّخنّه، فمضي إليه، فقال: يا شقيق(اجتنبوا كثيراً من الظنّ إنّ بعض الظنّ إثم)(37)، الآية، فأراد أن يحالِلَه فغاب عن عينيه فما رآه إلا بواقصة يصلي وأعضاؤه تضطرب ودموعه تتحادر فجاء إليه ليعتذر فخفف في صلاته وقال: (وإنّي لغفّار لمن تاب وآمن)(38)، الآية، فلما نزلوا زمالة رآه علي بئر فسقطت ركوته فيها فدعا فطغي الماء له حتي أخذها فتوضأ وصلي أربع ركعات ثم مال إلي كثيب رمل فطرح منه فيها وشرب، فقال له: أطعمني من فظك ما رزقك الله تعالي، فقال: يا شقيق لم تزل نعم الله علينا ظاهرة وباطنة، فأحسن ظنّك بربّك، فناولنيها فشربت منها، فإذا سويق وسكر ما شربت والله ألذّ منه ولا أطيب ريحاً فشبعت ورويت، وأقمت أياماً لا أشتهي شراباً ولا طعاماً، ثم لم أره إلا بمكة وهو بغلمان وغاشية وأمور علي خلاف ما كان عليه بالطريق.
ولما حج الرشيد سعي به إليه وقيل له: إن الأموال تحمل إليه من كل جانب حتي اشتري ضيعة بثلاثين ألف دينار، فقبض عليه وأنفذه لأميره بالبصرة عيسي بن جعفر بن المنصور فحبسه سنة، ثم كتب له الرشيد في دمه، فاستعفي وأخبره أنه لم يدع علي الرشيد وأنه إن لم يرسل بتسليمه وإلا خلي سبيله، فبلغ الرشيد كتابه فكتب للسندي بن شاهك بتسليمه وأمره فيه بأمر، فجعل له سماً في طعامه، وقيل: في رطب، فتوعك ومات بعد ثلاثة أيام، وعمره خمس وستون سنة.
وذكر المسعودي: أن الرشيد رأي علياً في النوم معه حربة وهو يقول: إن لم تخل عن الكاظم وإلا نحرتك بهذه، فاستيقظ فزعاً وأرسل في الحال والي شرطته بإطلاقه وثلاثين ألف درهم وأنه يخيره بين المقام فيكرمه، أو الذهاب إلي المدينة، ولما ذهب إليه قال: رأيت منك عجباً، فأخبره أنه رأي النبي (ص) وعلّمه كلمات قالها فما فرغ منها إلا وأُطلق، قيل: وكان موسي الهادي حبسه أولاً ثم أطلقه لأنه رأي علياً يقول: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم)(39) فانتبه وعرف أنه المراد فأطلقه ليلاً، فقال له الرشيد حين رآه جالساً عند الكعبة: انت الذي تبايعك الناس سراً؟ فقال: أنا إمام القلوب وأنت إمام الجسوم.
ولما اجتمعا أمام الوجه الشريف علي صاحبه أفضل الصلاة والسلام قال الرشيد: السلام عليك يا ابن عم، سمعها من حوله، فقال الكاظم: السلام عليك يا أبتِ، فلم يحتملها وكانت سبباً لإمساكه له وحمله معه إلي بغداد، وحبسه فلم يخرج من حبسه إلا ميتاً(40) مقيداً ودفن جانب بغداد الغربي.
وكانت أولاده حين وفاته سبعة وثلاثين ذكراً وأنثي: منهم:
علي الرضا:
وهو أنبههم ذكراً وأجلّهم قدراً، ومن ثمّ أحله المأمون محل مهجته وأنكحه ابنته وأشركه في مملكته وفوّض إليه أمر خلافته(41)، فإنه كتب بيده كتاباً سنة إحدي ومائتين بأن علياً الرضا وليّ عهده وأشهد عليه جمعاً كثيرين، لكنه توفي قبله فأسف عليه كثيراً(42)، وأخبر قبل موته بأنه يأكل عنباً ورماناً مبثوثاً ويموت، وأن المأمون يريد دفنه خلف الرشيد فلم يستطع فكان ذلك كله كما أخبرته.
ومن مواليه: معروف الكرخي أستاذ السريّ والسَقطي لأنه أسلم علي يديه وقال الرجل: يا عبد الله ارض بما يريد واستعدّ لما لا بدّ منه، فمات الرجل بعد ثلاثة أيام.
رواه الحاكم.
روي الحاكم عن محمد بن عيسي عن أبي حبيب قال: رأيت النبي (ص) في المنام في المنزل الذي ينزل الحجاج ببلدنا، فسلّمت عليه فوجدت عنده طبقاً من خوص المدينة فيه تمر صَيْحاني فناولني منه ثماني عشرة، فتأوّلت أن أعيش عدّتها، فلمّا كان بعد عشرين يوماً قدم أبو الحسن عليّ الرضا من المدينة ونزل ذلك المسجد وهرع الناس بالسلام عليه فمضيت نحوه فإذا هو جالس في الموضع الذي رأيت النبي (ص) جالساً فيه وبين يديه طبق من خوص المدينة فيه تمر صيحاني، فسلّمت عليه فاستدناني وناولني قبضة من ذلك التمر فإذا عدتها بعدد ما ناولني النبي (ص) في النوم، فقلت: زدني، فقال: لو زادك رسول الله (ص) لزدناك.
ولمّا دخل نيسابور كما في تاريخها وشقّ سوقها وعليه مظلة لا يُري من ورائها تعرض له الحافظان أبو زرعة الرازي ومحمد بن أسلم الطوسي ومعهما من طلبة العلم والحديث ما لا يحصي، فتضرعا إليه أن يريَهم وجهه ويروي لهم حديثاً عن آبائه، فاستوقف البغلة وأمر غلمانه بكف المظلة، وأقر عيون تلك الخلائق برؤية طلعته المباركة فكانت له ذؤابتان مدليتان علي عاتقه، والناس بين صارخ وباك ومتمرغ في التراب ومقبل لحافر بغلته، فصاحت العلماء: معاشر الناس أنصتوا، فأنصتوا واستلم منه الحافظان المذكوران فقال: حدثني أبي موسي الكاظم، عن أبيه جعفر الصادق، عن أبيه محمد الباقر، عن أبيه زين العابدين، عن أبيه الحسين، عن أبيه علي بن أبي طالب قال: حدّثني حبيبي وقرّة عيني رسول الله (ص) قال: حدّثني جبريل قال: سمعت ربّ العزّة يقول(43): لا إله إلا الله حصني فمن قالها دخل حصني ومن دخل حصني أمِن مِنْ عذابي، ثم أرخي الستر وسار، فعُدّ أهل المحابر والدوي الذين كانوا يكتبون فأنافوا علي عشرين ألفاً.
وفي رواية: أن الحديث المروي: الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان. ولعلهما واقعتان.
قال أحمد: لو قرأت هذا الإسناد علي مجنون لبريء من جنّته.
ونقل بعض الحفّاظ: أنّ امرأة زعمت أنها شريفة بحضرة المتوكل، فسأل عمن يخبره بذلك، فدل علي عليّ الرضا فجاء فأجلسه معه علي السرير وسأله فقال: إن الله حرّم لحم أولاد الحسنين علي السباع فلتلق للسباع، فعرض عليها بذلك فاعترفت بكذبها، ثم قيل للمتوكل: ألا تجرّب ذلك فيه، فأمر بثلاثة من السباع فجيء بها في صحن قصره، ثم دعاه فلما دخل بابه أغلق عليه والسباع قد أصمت الأسماع من زئيرها، فلما مشي في الصحن يريد الدرجة مشت إليه وقد سكنت وتمسحت به ودارت حوله وهو يمسحها بكمه، ثم ربضت فصعد للمتوكل وتحدّث معه ساعة ثم نزل ففعلت معه كفعلها الأول حتي خرج، فأتبعه المتوكل بجائزة عظيمة، فقيل للمتوكل: افعل كما فعل ابن عمك، فلم يجسر عليه وقال: أتريدون قتلي؟ ثم أمرهم أن لا يفشوا ذلك.
ونقل المسعودي: أن صاحب هذه القصة هو ابن ابن علي الرضا، هو: العسكري وصوب، لأن الرضا توفي في خلافة المأمون اتفاقاً ولم يدرك المتوكل(44).
وتوفي وعمره: خمس وخمسون سنة عن خمسة ذكور وبنت.
أجلّهم:
محمد الجواد:
لكنه لم تطل حياته.
ومما اتفق أنه بعد موت أبيه بسنة كان واقفاً والصبيان يلعبون في أزقة بغداد إذ مر المأمون ففروا ووقف محمد وعمره تسع سنين، فألقي الله محبّته في قلبه فقال له: يا غلام ما منعك من الانصراف؟ فقال له مسرعاً: لم يكن بالطريق ضيق فأوسعه لك، وليس لي جرم فأخشاك، والظن بك حسن لأنك لا تضر من لا ذنب له، فأعجبه كلامه وحسن صورته فقال له:
ما اسمك واسم أبيك؟ فقال: محمد بن علي الرضا، فترحّم علي أبيه وساق جواده، وكان معه بُزاة للصيد، فلما بعد عن العمار أرسل بازاً علي دراجة فغاب عنه ثم عاد من الجو في منقاره سمكة صغيرة وبها بقاء الحياة فتعجّب من ذلك غاية العجب، ورأي الصبيان علي حالهم ومحمد عندهم ففروا إلا محمداً فدنا منه وقال له: ما في يدي؟ فقال: إن الله تعالي خلق في بحر قدرته سمكاً صغاراً يصيدها بازات الملوك والخلفاء فيختبر بها سلالة أهل بيت المصطفي، فقال له: أنت ابن الرضا حقاً، وأخذه معه وأحسن إليه وبالغ في إكرامه، فلم يزل مشفقاً به لما ظهر له بعد ذلك من فضله وعلمه وكمال عظمته وظهور برهانه مع صغر سنه، وعزم علي تزويجه بابنته أم الفضل وصمم علي ذلك، فمنعه العباسيون من ذلك خوفاً من أنه يعهد إليه كما عهد إلي أبيه، فلما ذكر لهم أنه إنما اختاره لتميّزه علي كافة أهل الفضل علماً ومعرفة وحلماً مع صغر سنه فنازعوا في اتصاف محمد بذلك، ثم تواعدوا علي أن يرسلوا إليه من يختبره.
فأرسلوا إليه يحيي بن أكثم ووعدوه بشيء كثير إن قطع لهم محمداً، فحضروا للخليفة ومعهم ابن أكثم وخواص الدولة، فأمر المأمون بفرش حسن لمحمد، فجلس عليه، فسأله يحيي مسائل أجابه عنها بأحسن جواب وأوضحه.
فقال له الخليفة: أحسنت أبا جعفر، فإن أردت أن تسأل يحيي ولو مسألة واحدة.
فقال له: ما تقول في رجل نظر إلي امرأة أول النهار حراماً، ثم حلت له عند ارتفاعه، ثم حرمت عليه عند الظهر، ثم حلت له عند العصر، ثم حرمت عليه عند المغرب، ثم حلت له العشاء، ثم حرمت عليه نصف الليل، ثم حلت له الفجر؟
فقال يحيي: لا أدري.
فقال محمد: هي أمة نظرها أجنبي بشهوة وهي حرام، ثم اشتراها بارتفاع النهار، فأعتقها الظهر، وتزوجها العصر، فظاهر منها المغرب، وكفّر العشاء، وطلقها رجعاً نصف الليل، وراجعها الفجر.
فعند ذلك قال المأمون للعباسيين: قد عرفتم ما كنتم تنكرون، ثم زوجه في ذلك المجلس ابنته أم الفضل، ثم توجه بها إلي المدينة، فأرسلت تشتكي منه لأبيها إنه تسرّي عليها، فأرسل إليها أبوها إنا لم نزوجك له لنحرم عليه حلالاً فلا تعودي لمثله.
ثم قدم بها يطلب من المعتصم لليلتين بقيتا من المحرم سنة عشرين ومائتين، وتوفي فيها في آخر ذي القعدة ودفن في مقابر قريش في ظهر جده الكاظم، وعمره خمس وعشرون سنة، ويقال: أنه سم أيضا (45) عن ذكرين وبنتين، أجلّهم:
علي العسكري (الهادي)
سمي بذلك لأنه لما وجه لإشخاصه من المدينة النبوية إلي سر من رأي وأسكنه بها وكانت تسمي العسكر فعرف بالعسكري، وكان وارث أبيه علماً وسخاء.
ومن ثمَّ جاءه أعرابي من أعراب الكوفة وقال: إني من المتمسكين بولاء جدِّك، وقد ركبني دَيْن أثقلني حمله ولم أقصد لقضائه سواك، فقال: كم دَينك؟ فقال: عشرة آلاف درهم، فقال: طب نفساً بقضائه إن شاء الله تعالي، ثم كتب له ورقة فيها ذلك المبلغ ديناً عليه، وقال له: ائتني به في المجلس العام وطالبني بها وأغلظ علي في الطلب، ففعل، فاستمهله ثلاثة أيام، فبلغ ذلك المتوكل فأمر له بثلاثين ألفاً، فلما وصلته أعطاءها الأعرابي، فقال: يا ابن رسول الله إن العشرة آلاف أقضي بها أربي، فأبي أن يسترد منه من الثلاثين شيئاً، فولَّي الأعرابي وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته(46).
ومر: إن الصواب في قضية السباع الواقعة من المتوكل أنه هو الممتحن بها وإنها لم تقربه بل خضعت واطمأنت لما رأته، ويوافقه ما حكاه المسعودي وغيره أن يحيي بن عبد الله المحض ابن الحسن المثني بن الحسن السبط لما هرب إلي الديلم ثم أتي به الرشيد وأمر بقتله أُلقي في بركة فيها سباع قد جوعت فأمسكت عن أكله ولاذت بجانبه، وهابت الدنو منه فبني عليه ركن بالجص والحجر وهو حي.
توفي بسر من رأي في جمادي الآخرة سنة أربع وخمسين ومائتين، ودفن بداره، وعمره أربعون وكان المتوكل أشخصه من المدينة إليها سنة ثلاث وأربعين فأقام إلي أن قضي(47) عن أربعة ذكور وأنثي، أجلهم:
أبو محمد الحسن الخالص:
وجعل ابن خلكان هذا هو العسكري(48) ولد سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، ووقع لبهلول معه: أنه رآه وهو صبي يبكي والصبيان يلعبون فظن أنه يتحسر علي ما في أيديهم فقال: أشتري لك ما تلعب به؟ فقال: يا قليل العقل ما للعب خُلِقنا، فقال له: فلماذا خلقنا؟ قال: للعلم والعبادة، فقال له: من أين لك ذلك؟ قال: من قول الله عز وجل: (أفحسبتم إنما خلقناكم عبثاً وإنكم إلينا لا ترجعون)(49).
ثم سأله أن يعظه فوعظه بأبيات، ثم خرَّ الحسن مغشياً عليه فلما أفاق قال له: ما نزل بك وأنت صغير لا ذنب لك؟ فقال: إليك عني يا بهلول إني رأيت والدتي توقد النار بالحطب الكبار فلا تتقد إلا بالصغار أخشي أن أكون من صغار حطب جهنم.
ولما حبس قحط الناس بسر من رأي قحطاً شديداً فأمر الخليفة المعتمد ابن المتوكل بالخروج للإستسقاء ثلاثة أيام فلم يسقوا فخرج النصاري ومعهم راهب كلما مد يده إلي السماء هطلت.
ثم في اليوم الثاني كذلك فشك بعض الجهلة وارتد بعضهم فشق ذلك علي الخليفة فأمر بإحضار الحسن الخالص، وقال له: أدرك أُمَّة جدك رسول الله (ص) قبل أن يهلكوا، فقال الحسن: يخرجون غداً وأنا أزيل الشك إن شاء الله.
وكلّم الخليفة في إطلاق أصحابه من السجن فأطلقهم، فلما خرج الناس للإستسقاء ورفع الراهب يده مع النصاري غيمت السماء، فأمر الحسن بالقبض علي يده فإذا فيها عظم آدمي، فأخذه من يده وقال: استسق، فرفع يده فنزاك الغيم وطلعت الشمس، فعجب الناس من ذلك، فقال الخليفة للحسن: ما هذا يا أبا محمد؟ فقال: هذا عظم نبي ظفر به هذا الراهب من بعض القبور،وما كشف من عظم نبي تحت السماء إلا هطلت بالمطر، فامتحنوا ذلك العظم فكان كما قال وزالت الشبهة عن الناس ورجع الحسن إلي داره، فأقام عزيزاً مكرماً وصلات الخليفة تصل إليه كل وقت إلي أن مات (50)، بسر من رأي ودفن عند أبيه وعمه، وعمره ثمانية وعشرون سنة، ويقال: إنه سمَّ أيضاً، ولم يخلف غير ولده:
أبي القاسم محمد الحجة:
وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، لكن أتاه الله فيها الحكمة ويسمي القائم المنتظر(51).

وصية النبي (ص) بهم (ع)

قال (ص): ألا إن عيبتي التي اوي إليها أهل بيتي وإن كرشي الأنصار فاعفوا عن مسيئهم(52) واقبلوا من محسنهم، حديث حسن.
وفي رواية: ألا أن عيبتي وكرشي أهل بيتي والأنصار فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم(53) أي انهم جماعتي واصحابي الذي أثق بهم وأطلعهم علي اسراري واعتمد عليهم، وكرشي باطني وعيبتي ظاهري وجمالي، وهذا غاية في التعطّف عليهم والوصية بهم، ومعني وتجاوزوا عن مسيئهم: أقيلوهم عثراتهم، فهو كحديث أقيلوا ذوي الهيآت.
وجاء: أن ابن عباس فسرها بما فسر به ابن جبير ورفع ذلك إلي النبي (ص) فقال: قالوا يا رسول الله عند نزول الآية من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: علي وفاطمة وابناهما.
وفي طريق ضعيف أيضاً، لكن لها شاهد مختصر صحيح أن سبب نزول الآية افتخار الأنصار بآثارهم الحميدة في الإسلام علي قريش فأتاهم (ص) في مجالسهم فقال: ألم تكونوا أذلّة فأعزّكم الله بي؟ قالوا: بلي يا رسول الله، قال: ألا تقولون: ألم يخرجك قومك فآويناك؟ أو لم يكذبوك فصدقناك؟ أو لم يخذلوك فنصرناك؟ فما زال يقول لهم حتي جثوا علي الركب وقالوا: أموالنا وما في ايدينا لله ولرسوله، فنزلت الآية.
وفي طريق ضعيف أيضاً: أن سبب نزولها انه (ص) لما قدم المدينة كانت تنوبه نوائب وليس في يده شيء فجمع له الأنصار مالاً، فقالوا: يا رسول الله إنك ابن اختنا، وقد هدانا الله بك وتنوبك نوائب وحقوق وليس معك سعة فجمعنا لك من أموالنا ما تستعين به عليها، فنزلت.
وكونه ابن اختهم جاء في الرواية الصحيحة، لأن أم عبد المطلب من بني النجار منهم.
وفي حديث سنده حسن: ألا إن لكل نبي تركة ووضيعة، وأن تركتي ووضيعتي الأنصار فاحفظوني فيهم.
ويؤيّد ما مر من تفسير ابن جبير أن الآية في الآل، ما جاء عن عليّ كرم الله وجهه، قال: نزلت فينا في الرحم آية لا يحفظ مودّتنا إلاّ كل مؤمن، ثم قرأ الآية.
وجاء ذلك عن زين العابدين أيضاً، فانه لما قتل ابوه الحسين كرم الله وجهه جيء به اسيراً فاقيم علي درج دمشق، فقال رجل من أهل الشام: الحمد لله الذي قتلكم واستاصلكم وقطع قرن الفتنة، فقال له زين العابدين: أقرأت القرآن؟ قال: نعم، فبيّن له: أن الآية فيهم وانهم القربي فيها، فقال: وإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم. أخرجه الطبراني.
وأخرج الدولابي: أن الحسن كرم الله وجهه قال في خطبته: إنّا من أهل البيت الذين افترض الله مودّتهم علي كل مسلم، فقال لنبيّنا (ص): (قل لا أسألكم عليه اجراً إلا المودّة في القربي ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً)(54) واقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت.
وأورد المحب الطبري: انه (ص) قال: إن الله جعل أجري عليكم المودّة في أهل بيتي، واني سائلكم غداً عنهم.
وقد جاءت الوصية الصريحة بهم في عدة أحاديث، منها حديث: إني تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي: الثقلين احداهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلي الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يتفرّقا حتي يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلّفوني فيهما(55) وأخرجه آخرون.
وفي صحيح مسلم وغيره في خطبته قرب رابغ مرجعه من حجة الوداع قبل وفاته بنحو شهر: إني تارك فيكم اولهما كتاب الله فيه الهدي والنور، ثم قال: وأهل بيتي، اذكركم الله في أهل بيتي ثلاثاً، فقيل لزيد بن ارقم راويه: من أهل بيته أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرم الصدقة بعده، قيل: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس رضي الله عنهم، قيل: كل هؤلاء حرم عليهم الصدقة؟ قال: نعم(56).
وفي رواية صحيحة: كأنّي قد دعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين، احدهما اكبر من الآخر: كتاب الله عزّ وجلّ وعترتي: أي بالمثناة فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يتفرقا حتي يردا علي الحوض.
وفي رواية: وانهما لن يتفرقا حتي يردا علي الحوض سألت ربّي ذلك لهما فلا تتقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم.
ولهذا الحديث طرق كثيرة عن بضع وعشرين صحابيا(57) لا حاجة لنا ببسطها.
وفي رواية: آخر ما تكلّم به النبي (ص): أخلفوني في أهلي وسماهما ثقلين إعظاماً لقدرهما، إذ يقال لكل خطير شريف: ثقلاً، أو لأن العمل بما أوجب الله من حقوقهما ثقيل جداً، ومنه قوله تعالي: (إنّا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً)(58) أي له وزن وقدر، لأنه لا يؤدي إلا بتكليف ما يثقل وسمي الإنس والجن ثقلين لاختصاصهما بكونهما قُطّان الأرض وبكونهما فضّلا بالتمييز علي سائر الحيوان.
وفي هذه الأحاديث سيما قوله (ص): انظروا كيف تخلّفوني فيهما، واوصيكم بعترتي خيراً، وأذكركم الله في أهل بيتي: الحث الأكيد علي مودّتهم ومزيد الإحسان إليهم واحترامهم وإكرامهم وتأدية حقوقهم الواجبة والمندوبة، كيف وهم أشرف بيت وجد علي وجه الأرض فخراً وحسباً ونسباً ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنّة النبوية، كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه وعلي وأهل بيته وعقيل وبنيه وبني جعفر.
وفي قوله (ص): لا تتقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم دليل علي أن من تأهل منهم للمراتب العلية، والوظائف الدينية كان مقدما(59) علي غيره ويدل له التصريح بذلك في كل قريش كما مر في الأحاديث الواردة فيهم.
وإذا ثبت هذا الجملة قريش فأهل البيت النبوي الذين هم غرّة فضلهم ومحتد فخرهم والسبب في تمييزهم علي غيرهم بذلك أحري وأحق وأولي(60).
ويؤيد ذلك خبر مسلم: أنه (ص) خرج ذات غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله ثم الحسين فأدخله ثم فاطمة فأدخلها ثم علي فدخله ثم قال: (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)(61).
وفي رواية: اللهمّ هؤلاء أهل بيتي.
وفي أخري: أنّ أم سلمة أرادت أن تدخل معهم فقال (ص) بعد منعه لها: أنت علي خير.
وفي أخري: أنها قالت: يا رسول الله وأنا؟ فقال: أنت من أهل البيت العام بدليل الرواية الأخري، قالت: وأنا؟ قال: أنت من أهلي.
وكذا قال (ص) لواثلة لما قال: يا رسول الله وانا؟ فقال: أنت من أهلي.
وروي انه (ص) قال لعلي: سلمان من أهل البيت، وهو ناصح فاتّخذه لنفسك، فعدّه منهم باعتبار صدق صحبته وعظيم قربه وولائه.
وروي أحمد عن أبي سعيد الخدري: أن الذين نزلت بهم الآية: النبي (ص) وعلي وفاطمة وابناهما.
وكذا اشتمل (ص) بملاءة علي عمه العباس وبنيه وقال: يا رب هذا عمي وصنو أبي وهؤلاء أهل بيتي(62) فاسترهم من النار كستري إياهم بملاءتي هذه فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت آمين آمين آمين.
وحديث مسلم اصح من هذا، وأهل البيت فيه غير أهله في حديث العباس وبنيه المذكور لما مر: أن له إطلاقين: إطلاقاً بالمعني الأعم، وهو ما يشتمل جميع الآل تارة والزوجات أخري، ومن صدق في ولائه ومحبته أخري، وإطلاقاً بالمعني الأخص، وهم من ذكروا في خبر مسلم.
وقد صرح الحسن بذلك فإنه حين استخلف وثب عليه رجل من بني أسد فطعنه وهو ساجد بخنجر لم يبلغ منه مبلغاً، ولذا عاش بعده عشر سنين فقال: يا أهل العراق اتقوا الله فينا فإنّا اُمراؤكم وضيفانكم ونحن أهل البيت الذين قال الله عزّ وجل فيهم: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً)(63) قالوا: ولأنتم؟ قال: نعم.
وأسند المحب الطبري خبراً: استوصوا بأهل بيتي خيراً فإني اخاصمكم عنهم غداً، ومن أكن خصمه أخصمه ومن أخصمه دخل النار.
وصح عن أبي بكر انه قال: أرقبوا محمداً أي احفظوا عهده ووده (ص) في أهل بيته(64).

الحث علي حبهم (ع) والقيام بواجب حقهم

صح أنه (ص) قال: أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي.
وأخرج البيهقي وغيره: لا يؤمن عبد حتي أكون أحب إليه من نفسه، وتكون عترتي أحب إليه من عترته، وتكون ذاتي أحب إليه من ذاته.
وصح: أن العباس قال: يا رسول الله، ان قريشاً إذا لقي بعضهم بعضاً لقوهم ببشر حسن، وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها، فغضب (ص) غضباً شديداً وقال: والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتي يحبكم لله ولرسوله.
وفي رواية لابن ماجة عن ابن عباس: كنا نلقي قريشاً وهم يتحدثون فيقطعون حديثهم، فذكرنا ذلك لرسول الله (ص) فقال: ما بال أقوام يتحدّثون فإذا رأوا الرجال من أهل بيتي قطعوا حديثهم؟ والله لا يدخل قلب رجل الإيمان حتي يحبهم لله ولقرابتهم مني.
وفي أُخري عند أحمد وغيره: حتي يحبهم لله ولقرابتي.
وفي أخري للطبراني: جاء العباس رضي الله عنه إلي النبي (ص) فقال: إنك تركت فينا ضغائن منذ صنعت الذي صنعت أي بقريش والعرب فقال (ص): لا يبلغ الخير أو قال الإيمان عبد حتي يحبكم لله ولقرابتي أترجو سهلب أي حي من مراد شفاعتي ولا يرجوها بنو عبد المطلب.
وفي أخري للطبراني أيضاً: يا بني هاشم إني قد سألت الله عز وجل لكم أن يجعلكم نجباء رحماء، وسألته أن يهدي ضالكم ويؤمن خائفكم ويشبع جائعكم، وإن العباس رضي الله عنه أتي النبي (ص) فقال: يا رسول الله إني انتهيت إلي قوم يتحدثون فلما رأوني سكتوا، وما ذاك إلا أنهم يبغضونا، فقال (ص): أو قد فعلوها، والذي نفسي بيده لا يؤمن أحد حتي يحبكم لحبي أيرجون أن يدخلوا الجنة بشفاعتي ولا يرجوها بنو عبد المطلب.
وفي حديث: إنه (ص) خرج مغضباً فرقي المنبر فحمد الله وأثني عليه ثم قال: رجال يؤذوني في أهل بيتي، والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتي يحبني ولا يحبني حتي يحب ذوي.
وفي رواية للبيهقي وغيره: إن نسوة عيَّرن بنت أبي لهب بأبيها، فغضب (ص) واشتد غضبه فصعد المنبر ثم قال: أيها الناس ما لي أوذي في أهلي؟ فوالله إن شفاعتي لتنال قرابتي.
وفي رواية: ما بال أقوام يؤذونني في نسبي وذوي رحمي؟ ألا ومن آذي نسبي ورحمي فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذي الله.
وفي أخري: ما بال رجال يؤذونني في قرابتي؟ ألا من آذي قرابتي فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذي الله تبارك وتعالي.
وروي الطبراني: إن أم هاني أخت علي رضي الله عنه بدا قرطاها فقال لها عمر: إن محمد لا يغني عنك من الله شيئاً، فجاءت إليه فأخبرته، فقال (ص): تزعمون أن شفاعتي لا تنال أهل بيتي وإن شفاعتي تنال صُداء وحكما أي وهما قبيلتان من عرب اليمن؟.
وروي البزاز: أن صفية عمة رسول الله (ص) توفي لها ابن فصاحت، فصبرها النبي (ص) فخرجت ساكتة، فقال لها عمر: صراخك، إن قرابتك من محمد (ص) لا تغني عنك من الله شيئاً فبكت، فسمعها النبي (ص) وكان يكرمها ويحبها، فسألها فأخبرته بما قال عمر، فأمر بلالاً فنادي بالصلاة فصعد المنبر ثم قال: ما بال أقوام يزعمون قرابتي لا تنفع؟ كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي، فإنها موصولة في الدنيا والآخرة(65). (الحديث بطوله).
وصح أنه (ص) قال علي المنبر: ما بال رجال يقولون: إن رحم رسول الله (ص) لا تنفع قومه يوم القيامة؟ والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وأني أيها الناس فرطكم علي الحوض.
وورد إنما سميت ابنتي فاطمة لأن الله فطمها ومحبيها عن النار.
وأخرج أبو الفرج الأصبهاني: إن عبد الله بن الحسن بن علي رضي الله عنه دخل يوماً علي عمر بن عبد العزيز وهو حَدَث السن، وله وَفرة فرفع عمر مجلسه وأقبل عليه وقضي حوائجه، ثم أخذ بعكنة من عكنه فغمزها حتي أوجعه، وقال: اذكرها عندك للشفاعة، فلما خرج ليم علي ما فعل به فقال: حدثني الثقة حتي كأني أسمعه من رسول الله (ص): إنما فاطمة بضعة مني يسرني ما يسرها وأنا أعلم أن فاطمة لو كانت حية لسرَّها ما فعلت بابنها، قالوا: فما غمزك بطنه وقولك ما قلت؟، فقال: إنه ليس أحد من بني هاشم إلا وله شفاعة، ورجوت أن أكون في شفاعة هذا.
وروي الطبراني: أنه (ص) قال: ألزموا مودَّتنا أهل البيت فإنه من لقي الله وهو يودنا دخل الجنة بشفاعتنا والذي نفسي بيده لا ينفع أحداً عمله إلا بمعرفة حقنا.
وأخرج الطبراني: أنه (ص) قال لعلي كرم الله وجهه: أنت وشيعتك تردون علي الحوض رواءً مرويين مبيضة وجوهكم وأن عدوّكم يردون عليّ ظماء مقمحين.
وفي رواية: إن الله قد غفر لشيعتك ولمحبي شيعتك.
وروي الترمذي: إنه (ص) قال: اللهم اغفر للعباس ولولده مغفرة ظاهرة وباطنة مغفرة لا تغادر ذنباً، اللهم اخلفه في ولده، وكذا دعا (ص) بالمغفرة للأنصار ولأبنائهم وأبناء أبنائهم ولمن أحبهم.
وروي المحب الطبري حديثاً: لا يحبنا أهل البيت إلا مؤمن تقي، ولا يبغضنا إلا منافق شقي.
وأخرج الديلمي: من أحب الله أحب القرآن، ومن أحب القرآن أحبني، ومن أحبني أحب أصحابي(66) وقرابتي.
وحديث: أحبوا أهلي(67) وأحبوا علياً فإن من أبغض أحداً من أهلي فقد حُرِّم شفاعتي.
وحديث: حب آل محمد يوماً خير من عبادة سنة.
وحديث: حبي وحب آل بيتي نافع في سبع مواطن أهوالها عظيمة.
وحديث: معرفة آل محمد براءة من النار، وحب آل محمد جواز علي الصراط، والولاية لآل محمد أمان من العذاب.
وحديث: أنا شجرة، وفاطمة حملها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرها، والمحبون أهل بيتي ورقها في الجنة حقاً حقاً.
وحديث: إن أهل شيعتنا يخرجون من قبورهم يوم القيامة علي ما بهم من العيوب والذنوب، وجوههم كالقمر ليلة البدر.
وحديث: من مات علي حب آل محمد مات شهيداً مغفوراً له تائباً مؤمناً مستكمل الإيمان يبشره ملك الموت بالجنة، ومنكر ونكير يزفانه إلي الجنة كما تزف العروس إلي بيت زوجها، وفتح له بابان إلي الجنة ومات علي السنة والجماعة.
ومن مات علي بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه: آيس من رحمة الله، أخرجه مبسوطاً الثعلبي في تفسيره.
وحديث: من أحبنا بقلبه وأعاننا بيده ولسانه كنت أنا وهو في عليين، ومن أحبنا بقلبه وأعاننا بلسانه وكف يده فهو في الدرجة التي تليها، ومن أحبنا بقلبه وكف عنا لسانه ويده فهو في الدرجة التي تليها.
وأخرج الطبراني وأبو الشيخ حديثاً: إن لله عز وجل ثلاث حرمات، فمن حفظهن حفظ الله دينه ودنياه، ومن لم يحفظهن لم يحفظ الله دينه ولا دنياه، قلت: وماهذا؟ قال: حرمة الإسلام وحرمتي وحرمة رحمي.
وأخرج أبو الشيخ أيضاً والديلمي: من لم يعرف حق عترتي والأنصار والعرب(68) فهو لإحدي ثلاث: إما منافق، وإما لزنية، وإما حملت به أمه في غير طهر.

مشروعية الصلاة عليهم تبعاً للصلاة علي مشرفهم (ص)

صح: يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟ قال: قولوا اللهم صل علي محمد وعلي آل محمد كما صليت علي إبراهيم وعلي آل إبراهيم، الحديث.
وفي بقية الروايات: كيف نصلي عليك يا رسول الله؟ قال: قولوا: اللهم صل علي محمد وعلي آل محمد(69) الحديث.
ويستفاد من الرواية الأولي أن أهل البيت من جملة الآل أو هم الآل، لكن صح ما يصرح بأنهم بنو هاشم والمطلب، وهم أعم من أهل البيت، ومر: أن أهل البيت قد يراد بهم الآل وأعم منهم.
ومنه حديث أبي داود: من سره أن يكتال بالمكيال الأ وفي إذا صلي علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل علي محمد النبي وأزواجه(70) أمَّهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت علي إبراهيم إنك حميد مجيد.
وجاء عن واثلة قال: قال رسول الله (ص) لما جمع فاطمة وعلياً والحسن والحسين تحت ثوبه: اللهم قد جعلت صلاتك ومغفرتك ورحمتك ورضوانك علي إبراهيم وآل إبراهيم إنهم مني وأنا منهم فاجعل صلاتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك عليَّ وعليهم.
قال واثلة: وكنت واقفاً علي الباب فقلت: وعليّ بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فقال: اللهم وعلي واثلة.
وأخرج الدارقطني والبيهقي: من صلي صلاة ولم يصلِّ فيها عليِّ وعلي أهل بيتي لم تقبل منه(71).
وكأن هذا الحديث مستند قول الشافعي: أن الصلاة علي الآل من واجبات الصلاة كالصلاة عليه r، فمستنده الأمر في الحديث المتفق عليه قولوا: اللهم صلِّ علي محمد وعلي آل محمد، والأمر للوجوب حقيقة علي الأصح.
وبقي لهذه الأحاديث تتمات وطرق بيّنتها في كتابي «الدر المنضود».

دعائه (ص) بالبركة في هذا النسل المكرم

روي النسائي في عمل اليوم والليلة، أن نفراً من الأنصار قالوا لعلي: لو كانت عندك فاطمة؟ فدخل علي النبي (ص) يعني ليخطبها، فسلم عليه فقال: ما حاجتك يا ابن أبي طالب؟ قال: ذكرت فاطمة بنت رسول الله (ص)، قال: مرحباً وأهلاً، لم يزده عليها، فخرج إلي الرهط من الأنصار وهم ينتظرونه، فقالوا: ما وراءك؟، قال: ما أدري غير أنه قال لي: مرحباً وأهلاً، قالوا: يكفيك من رسول الله (ص) أحدهما قد أعطاك الأهل وأعطاك الرحب، فلما كان بعد ذلك بعدما زوجه قال: يا علي لابد للعرس من وليمة.
قال سعد: عندي كبش، وجمع له رهطاً من الأنصار، أصوعاً من ذرة(72)، قال: فلما كان ليلة البناء، قال: لا تحدث شيئاً حتي تلقاني، فدعا (ص) بماء فتوضأ منه ثم أفرغه علي عليّ وفاطمة وقال: اللهم بارك فيهما وبارك عليهما وبارك لهما في نسلهما.
ورواه آخرون مع حذف بعضه.

بشارتهم (ع) بالجنة

مر في الباب الثاني عدة أحاديث في أن لهم منه (ص) شفاعة مخصوصة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (ص): إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذرّيتها علي النار.
أخرجه تمام في فوائده والبزاز والطبراني بلفظ: فحرمها الله وذريتها علي النار.
وجاء عن علي قال: شكوت إلي رسول الله (ص) حسداً في الناس فقال: أما ترضي أن تكون رابع أربعة: أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا(73) عن أيماننا وشمائلنا وذريتنا خلف أزواجنا.
وفي رواية: إن أول أربعة يدخلون الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وذرارينا خلف ظهورنا وأزواجنا خلف ذرارينا وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا.
وروي ابن السدي والديلمي في مسنده: نحن بنو عبد المطلب سادات أهل الجنة: أنا وحمزة وعلي وجعفر ابنا أبي طالب والحسن والحسين والمهدي.
وصح أنه (ص) قال: وعدني ربي في أهل بيتي من أقر منهم بالتوحيد ولي بالبلاغ أن لا يعذبهم.
وجاء بسند رواته ثقات: أنه (ص) قال لفاطمة: إن الله غير معذبك ولا ولدك.
وروي المحب الطبري والديلمي وولده بلا إسناد حديث: سألت ربي أن لا يدخل النار أحداً من أهل بيتي فأعطاني ذلك.
وروي المحب عن علي قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: اللهم إنهم عترة رسولك فهب مسيئهم لمحسنهم وهبهم لي ففعل، قلت: ما فعل؟ قال: فعله ربكم بكم ويفعله بمن بعدكم.
وفي حديث: يا علي إن الله قد غفر لك ولذريتك ولولدك ولأهلك ولشيعتك ولمحبي شيعتك فأبشر فإنك الأنزع البطين.
وروي أحمد: أنه (ص) قال: يا معشر بني هاشم والذي بعثني بالحق نبياً لو أخذت بحلقة الجنة ما بدأت إلا بكم.
وفي حديث: أول من يرد علي حوضي أهل بيتي ومن أحبني من أمتي.
وصح: أول الناس يرد علي الحوض فقراء المهاجرين الشعث.
وأخرج الطبراني والدارقطني وغيرهما: أول من أشفع له من أمتي أهل بيتي الأقرب فالأقرب، ثم الأنصار ثم من آمن بي واتبعني ثم اليمن ثم سائر العرب ثم الأعاجم.
وفي رواية للبزاز والطبراني وابن شاهين وغيرهم: أول من أشفع له من أمتي أهل المدينة ثم أهل مكة ثم أهل الطائف.

الأمان ببقائهم (ع)

أخرج جماعة خبر: النجوم أمان السماء وأهل بيتي أمان لأُمتي.
وفي رواية لأحمد وغيره: النجوم أمان لأهل السماء فإذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض.
وصح: النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأُمتي من الاختلاف(74) أي المؤدي لاستئصال الأُمة فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس.
وجاء من طرق كثيرة يقوي بعضها بعضاً: مثل أهل بيتي وفي رواية: إنما مثل أهل بيتي، وفي أخري: أن مثل أهل بيتي، وفي رواية: ألا إن مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح في قومه، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق(75).
وفي رواية: من ركبها سلم ومن تركها غرق، وإن مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له.
وجاء عن الحسين: من أطاع الله من ولدي واتبع كتاب الله وجبت طاعته، وعن ولده زين العابدين: إنما شيعتنا من أطاع الله وعمل مثل أعمالنا.
وعن المحب الطبري لأبي معيد في شرف النبوة بلا إسناد حديث: أنا وأهل بيتي شجرة في الجنة وأغصانها في الدنيا، فمن تمسك بها إتخذ إلي ربه سبيلا.
وأورد أيضاً بلا إسناد حديث: في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي، ينفون عن هذا الدين(76) تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، الحديث.
وأشهر منهم الحديث المشهور: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه … إلي آخره.

خصوصياتهم الدالة علي عظيم كراماتهم (ع)

وجاء من طرق بعضها رجاله موثقون أنه (ص) قال: كل سبب ونسب منقطع، وفي رواية: ينقطع يوم القيامة إلا وفي رواية ما خلا سببي ونسبي يوم القيامة، وكل ولد أُم وفي رواية وكل ولد أب فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وعصبتهم.
وفي رواية: لكل بني أم عصبة ينتمون إليه إلا ولد فاطمة، فأنا وليهم وعصبتهم.
وفي رواية: فأنا أبوهم وأنا عصبتهم.
وجاء من طرق يقوي بعضها بعضاً: إن الله عز وجل جعل ذرية كل نبي في صلبه وأن الله تعالي جعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب.
وفي هذه الأحاديث دليل ظاهر لما قاله جمع من محققي أئمتنا أن من خصائصه (ص) أن أولاد بناته ينسبون إليه في الكفاءة وغيرها أي حتي لا يكافيء بنت شريف ابن هاشمي غير شريف وأولاد بنات غيره إنما لينسبون لآبائهم لا إلي آباء أُمهاتهم.
وفي البخاري: إنه (ص) قال علي المنبر وهو ينظر للناس مرة وللحسن مرة: إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمن(77).
قال البيهقي: وقد سماه النبي (ص) ابنه حين ولد وسمي اخوته بذلك.
وعن الحسن بسند حسن: كنت مع النبي (ص) فمر علي جرين من تمر الصدقة فأخذت منه تمرة فألقيتها في فيّ، فأخذها بلعابها ثم قال: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة.
وأخرج أبو داوود والنسائي وابن ماجة وآخرون خبر: المهدي (78) من عترتي من ولد فاطمة.
وفي أخري لأحمد وغيره: المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة(79).
وفي أخري للطبراني: المهدي منا يختم الدين بنا كما فتح.
وروي أبو داود في سننه عن علي كرم الله وجهه أنه نظر إلي ابنه الحسين فقال: إن ابني هذا سيد كما سماه النبي (ص)، وسيخرج من صلبه رجل يسمي باسم نبيكم يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق، يملأ الأرض عدلاً.
وفي رواية: إن عيسي (ع) يصلي خلفه.
وأخرج الطبراني والخطيب حديث: يقوم الرجل لأخيه عن مقعده إلا بني هاشم فإنهم لا يقومون لأحد.
وجاء عن ابن عباس أنه قال: نحن أهل البيت شجرة النبوة ومختلف الملائكة وأهل بيت الرسالة، وأهل بيت الرحمة ومعدن العلم.
أيضاً قال: نحن النجباء وأفراطنا أفراط الأنبياء وحزبنا حزب الله عز وجل، والفئة الباغية حزب الشيطان، ومن سوّي بيننا وبين عدونا فليس منّا.

إكرام الصحابة ومن بعدهم، لأهل البيت (ع)

صح عن أبي كبر أنه قال لعلي كرم الله وجهه: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله (ص) أحب إلي أن أصل من قرابتي.
وحلف عمر للعباس أن إسلامه أحب إليه من إسلام أبيه لو أسلم، لأن إسلام العباس أحب إلي رسول الله (ص).
وأتي عبد الله بن حسن بن حسين عمر بن عبد العزيز في حاجة فقال له: إذا كانت لك حاجة فأرسل أو اكتب بها إلي فإني أستحي من الله أن يراك علي بابي.
وقال أبو بكر بن عياش: لو أتاني أبو بكر وعمر وعلي في حاجة لبدأت بحاجة علي قبلهما لقرابته من رسول الله (ص) ولأن أخر من السماء إلي الأرض أحب إلي من أن أُقدمهما عليه.
ودخلت فاطمة بنت علي علي عمر بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة، فبالغ في إكرامها وقال: والله ما علي ظهر الأرض أهل بيت أحب إلي منكم ولأنتم أحب إلي من أهلي.
وعوتب أحمد في تقريبه لشيعي فقال: سبحان الله رجل أحب قوماً من أهل بيت النبي (ص) وهو ثقة، وكان إذا جاء شريف بل قرشي قدمه وخرج وراءه.
وقال رجل للباقر وهو بفناء الكعبة: هل رأيت الله حيث عبدته؟ فقال: ما كنت أعبد شيئاً لم أره، قال: وكيف رأيته؟ قال: لم تره الأبصار بمشاهدة العيان لكن رأته القلوب بحقائق الإيمان.
وزاد علي ذلك ما أبهر السامعين، فقال الرجل: (الله أعلم حيث يجعل رسالته)(80).
وقارف الزهري ذنباً فهام علي وجهه فقال له زين العابدين: قنوطك من رحمة الله التي وسعت كل شيء أعظم عليك من ذنبك، فقال الزهري: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) فرجع إلي أهله وماله.
وكان هشام بن إسماعيل يؤذي زين العابدين وأهل بيته وينال من علي، فعزله الوليد وأوقفه للناس وكان أخوف ما عليه أهل البيت، فمر عليهم فلم يتعرض له أحد منهم فنادي: (الله أعلم حيث يجعل رسالته).

مكافأته (ص) لمن أحسن إليهم (ع)

أخرج الطبراني حديث: من صنع إلي أحد من ولد عبد المطلب يداً فلم يكافئه بها في الدنيا فعلي مكافأته غداً إذا لقيني.
وجاء بسند ضعيف: أربعة أنا لهم مشفع يوم القيامة: المكرم لذريتي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في أمورهم عندما اضطروا إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه.
وفي رواية من اصطنع صنيعة إلي أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها إذا لقيني يوم القيامة، وحرمت الجنة علي من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي.

إشارته (ص) بما حصل لهم (ع) من الشدة بعده

قال (ص): إن أهل بيتي سيلقون بعدي من أمتي قتلاً وتشريداً، وإن أشد قومنا بغضاً بنو أمية وبنو المغيرة وبنو مخزوم، وصححه الحاكم.
وأخرج ابن ماجة: أنه (ص) رأي فتية من بني هاشم فاغرورقت عيناه فسئل فقال: إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة علي الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءاً وتشريداً وتطريداً، الحديث.
وأخرج ابن عساكر: إن أول الناس هلاكاً قريش وأول قريش هلاكاً أهل بيتي.
وفي رواية: فما بقاء الناس بعدهم؟ قال بقاء الحمار إذا كسر صلبه(81).

التحذير من بغضهم وسبهم (ع)

مر خبر: من أبغض أحداً من أهل بيتي حرم شفاعتي.
وحديث: لا يبغضنا إلا منافق شقي.
وحديث: من مات علي بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله.
وقال الحسن: من عادانا فلرسول الله (ص) عادي.
وصح: أنه (ص) قال: والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا أدخله الله النار.
وروي أحمد وغيره: من أبغض أهل البيت فهو منافق(82).
وفي رواية: بغض بني هاشم نفاق.
وجاء عن الحسن: إياك وبغضنا، فإن رسول الله (ص) قال: لا يبغضنا ويحسدنا أحد إلا ذيد عن الحوض يوم القيامة بسياط من النار.
وفي رواية: من أبغضنا أهل البيت حشره الله يهودياً وإن شهد أن لا إله إلا الله.
وصح أنه قال (ص): يا بني عبد المطلب إني سألت الله لكم ثلاثاً: أن يثبت قائمكم، وأن يهدي ضالّكم، وأن يعلم جاهلكم، وسألت الله أن يجعلكم كرماء نجباء رحماء، فلو أن رجلاً صفن أي من الصفن وهو صف القدمين بين الركن والمقام فصلي وصام ثم لقي الله وهو يبغض آل بيت محمد (ص) دخل النار.
وورد: من سبَّ أهل بيتي فإنما يرتد عن الله والإسلام، ومن آذاني في عترتي فعليه لعنة الله، ومن آذاني في عترتي فقد آذي الله، إن الله حرم الجنة علي من ظلم أهل بيتي أو قاتلهم أو أعان عليهم أو سبّهم، يا أيها الناس إن قريشاً أهل أمانة فمن بغاهم العواثر كبه الله عز وجل لمنخريه مرتين، من يرد هوان قريش أهانه الله، خمسة أو ستَّة لعنتهم، وكل نبي مجاب: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمستحل محارم الله، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والتارك لل سنة.
هذا آخر ما أردنا ذكره من كتاب الصواعق المحرقة لابن حجر، من فضائل آل الرسول صلوات الله عليه وعليهم أجمعين.
فالمرجو من فضله سبحانه أن يوفقنا لخدمة أهل البيت وحبهم، وأن يرزقنا شفاعتهم، وأن يتفضل علي السيدين الأجلين السيد شرف الدين «قدس سره» والسيد المرتضي اللذين كانا السبب في هذا الاستخلاص، من فضله وواسع بره وعطفه وهو المستعان.
كربلاء المقدسة
محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي
1 يقول الله تعالي بالنسبة إلي أزواج النبي (ص): (فإن الله أعدّ للمحسنات منكنّ أجراً عظيماً) «الأحزاب: 29» ولم يعد الأجر العظيم لجميعهن.

الحاشية

2 يقول الله تعالي بالنسبة إلي أزواج النبي (ص): (فإنّ الله أعدّ للمحسنات منكنّ أجراً عظيماً) «الأحزاب: 29» ولم يعد الأجر العظيم لجميعهنّ.
3 وقد تقدّم أن المراد الصالحين من الأصحاب لقوله تعالي: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرةً وأجراً عظيماً) «الفتح: 29».
4 كفي هذا الحديث مقياساً ومعياراً لمعرفة من سالم رسول الله(ص) في أهل بيته من بعده، ومن حارب رسول الله(ص) في أهل بيته من بعده.
5 لقد سجّل التاريخ غضب فاطمة (ع) علي من ابتزّها نحلة أبيها وبلغة ابنيها: الحسن والحسين (ع)، حتّي أنها (ع) أوصت أن لا يحضروا تشييعها والصلاة عليها.
6 من الواضح أنّ ما جاء عن الرسول (ص) من التوصية في حق قريش كان مراده (ص) من قريش: أهل بيته خاصّة الذين نزلت آية التطهير في حقّهم، وشهدت لهم بالعصمة والطهارة، وارتضاهم الله تعالي خلفاء في أرضه من بعد رسوله (ص) حيث قال تعالي: (إنَّما وليُّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون). «المائدة: 55».
7 هذا الحديث لا يشمله ما أشرنا إليه من التوضيح في الحديث الخامس والعشرين، وعدم شموله واضح، لأنه إذا كان في أمر الخلافة فلا معني لأن يكون كافرهم تبعاً لكافرهم، إذ لا خلافة للكافر، فهو إذن في غير هذا الأمر.
8 و 9 و 10 عرفت أن أمر الخلافة والإمامة للحصر الموجود في الآية الكريمة: (إنَّما وليُّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) «المائدة: 55» مختصّة بعلي (ع) والأئمة الأحد عشر من بنيه وهم عليهم السلام معصومون من الذنوب والمعاصي، مطهَّرون من كلِّ رجس ونقص، لشهادة آية التطهير بذلك في حقهم: (إنَّما يريدُ الله ليُذهِب عنكم الرِّجْسَ أهلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطهيراً) «الأحزاب: 33» فالمعصية بعيدة عن ساحة أهل البيت (ع).
11 هذا الحديث يعضد ما صحّ عن رسول الله (ص): بأنّ عدد أوصيائي من بعدي عدد نقباء بني إسرائيل، وكانوا اثني عشر، وهو لا ينطبق إلاّ علي أهل البيت: عليّ والأحد عشر من بنيه (ع).
12 المقصود من قريش هنا هم أهل البيت (ع) خاصّة، لأنهم هم الذين أُعطوا ما لم يعط أحد من الناس، فهل أحد أُعطي العصمة والطهارة غيرهم؟
13 حصرت الآية الكريمة الإمرة والخلافة بعد رسول الله (ص) في أهل البيت الذين عصمهم الله من الفجور، فلا معني لإمارة الفجّار.
14 بل سيّدة نساء العالمين.
15 في الصحيح: أنّ مريم بنت عمران سيّدة نساء عالمها، وفاطمة (ع) سيّدة نساء العالَمين من الأوّلين والآخرين، وهو يقتضي أن تكون (ع) سيّدة نساء أهل الجنّة بلا استثناء، كما مرّ في الحديث الخامس عشر من الفصل الثاني عن رسول الله (ص): بأنّ فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة، وليس فيه استثناء، ويأتي أيضاً في الحديث الثاني عشر من هذا الفصل أيضاً بلا استثناء.
16 التغابن: 15.
17 وصف الكتاب العزيز الحسن والحسين (ع) بأنهما أبناء رسول الله (ص) وذلك في آية المباهلة: (وأبناءَنا وأبناءَكم) «آل عمران: 61» ومرّت أحاديث في الفصل الثاني تؤكّد وتصرّح بذلك، فلا ينبغي إلاّ التسوية بينهما (ع) بأنّهما أبناء الرسول من صلب علي (ع)، إضافة إلي ما سيأتي في الحديث الثالث والعشرين من هذا الفصل، فإنّ فيه مزيد بيان لما قلناه.
18 الصحيح هو ما مرّ من الأحاديث في هذا الفصل القائلة بأنهما (ع) سيّدا شباب أهل الجنّة بلا استثناء، وكذلك بالنسبة إلي أمّهما فاطمة (ع).
19 مضت الإشارة إلي ما فيه، وذلك في الحديث الثامن عشر.
20 مرّ في الفصل الثاني من فضائل الحسن (ع) وفي الحديث الثاني منه توضيح لذلك، فليراجع.
21 الدم العبيط: الطري غير النضيج.
22 وكيف بقلبه (ص) وهو يري ما جري علي أهل بيته من علي وفاطمة والحسن (ع)؟
23 أي: لم يصله (ع) خبر ما جري علي مسلم، وإلاّ فقد سبق في الحديث 28 و29 و30 من هذا الفصل، بأنّ جبرائيل وغيره من الملائكة المقرّبين أخبروا رسول الله (ص) بواقعة الطف وكل جزئياتها، وهو(ص) أخبر بها أهل بيته وذويه عامة، والحسين (ع) خاصّة.
24 إن صحّ الخبر فهو همّ ظاهري لاختبار أصحابه، وشدّ عزمهم علي الشهادة، وإلاّ فهو(ع) كان علي بصيرة من أمره، مصمّماً في عزمه، موطّناً نفسه علي لقاء الله تعالي بالشهادة في سبيله.
25 ليس العجب من يزيد أليس هو الذي كان في حين ضربه ثنايا أبي عبد الله الحسين (ع) يردّده شعر ابن الربعري ويقول:
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
فأهلّوا واستهلّوا فرحاً ثم قالوا يا يزيد لا تشل
قد قتلنا القرم من ساداتهم وعدلناه ببدر فاعتدل
لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل
لست من خندف إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعل!!
26 في الصحيح: أنّ الإمام زين العابدين علي بن الحسين (ع) ألحق الرأس الشريف بالجسد الطاهر ودفنه معه في كربلاء.
27 إبراهيم: 42. 28 الشعراء: 227.
29 الإمام زين العابدين (ع) وكذلك جميع أئمّة أهل البيت الإثني عشر (ع) ورثوا علم هذه الأمور عن جدّهم رسول الله (ص) وهو عن جبريل عن الله تعالي.
30 الأعراف: 199. 31 وهو الصحيح.
32 و 33 قلنا: إن أئمة أهل البيت الإثني عشر (ع) قد ورثوا علم هذه الأمور عن جدّهم رسول الله (ص)، وهو عن جبريل وجبريل عن الله تبارك وتعالي.
34 الأنعام: 84. 35 الأنعام: 85. 36 آل عمران: 61.
37 الحجرات: 12. 38 طه: 82. 39 سورة محمد: 22.
40 وذلك عبر السم الذي أمر به هارون السندي أن يدسّه إليه في طعامه أو في رطب كما مرّ قبل أسطر.
41 تفويض أمر الخلافة ما كان خالصاً لله تعالي، وإنما كان يترصّد المأمون من خلالها أهدافاً سياسية، وأغراضاً شخصية، ولذلك لما لم ينل ما استهدفه من خطته قضي علي حياة الإمام الرضا (ع) بدسّ السم إليه، وذلك في قضية مفصّلة يرجع لمعرفتها إلي مظانّها.
42 إن المأمون أظهر الأسف علي ذلك، ولكنه في الواقع هو الذي سمّه عبر العنب والرمّان المسمومَيْن.
43 هذا الحديث يعضد ما تقدم في بعض التعليقات: من إن علم أئمة البيت عليهم السلام قد ورثوه عن آبائهم عن رسول الله (ص) قد ورثوه عن آبائهم عن رسول الله (ص)، وهو عن جبريل، وجبريل عن الله تبارك وتعالي.
44 وهو الصحيح فإن المأمون كما عرفت هو الذي سم الإمام الرضا (ع).
45 وهو الصحيح، فقد سمه المعتصم العباسي عبر زوجته أم الفضل بنت المأمون.
46 الأنعام: 124. 47 نعم: قضي مسموماً علي يد المعتمد العباسي.
48 بل الصحيح: أنه يقال لكل منهما العسكري حتي عرفا بالعسكريين.
49 المؤمنون: 115.
50 الصحيح: إنه (ع) مات مسموماً علي إثر السم الذي دسه إليه المعتمد العباسي.
51 إن أحاديث هذا الفصل وهو الفصل الثالث الذي يشتمل علي ثلاثين حديثاً مما ينبغي التوقف عنده قليلاً، والتروي فيه، وخاصة الحديث الثلاثون الذي فيه تفصيل عن الإمام الحسين (ع) وعن الأئمة المعصومين التسعة من ذرية الحسين (ع)، حيث جاء فيه، وهو يصف كل واحد منهم: بأنه خلَّف أباه علماً وزهداً وعبادة، أو: كان خليفته ووصيه، أو: وارثه علماً ومعرفة وكمالاً وفضلاً، أو: أتاه الله الحكمة كما في حق الحجة، وأنه يسمي القائم المنتظر، وأمثال ذلك مما ينبئ عن الإعتراف بفضلهم الشامخ، وتفوقهم الكبير من بين الأمة، ومن حسن الحظ، وإتمام الحجة علي الأمة: إن هؤلاء المعصومين التسعة من ذرية الحسين (ع) هم الذين نص عليهم الرسول (ص) بأسمائهم وأسماء آبائهم وألقابهم، وعرّفهم بأنهم ولاة الأمر بعد أبيهم الحسين (ع)، والحسين بعد أخيه الحسن (ع)، والحسن بعد ابيه علي (ع)، وعلي بعد الرسول (ص)، فتكمل عدتهم اثنا عشر إماماً ووصياً كما في المأثور عند الفريقين: من إن عدد الأوصياء عدد نقباء بني إسرائيل، وإذا تم اتفاق الجميع علي الاعتراف بفضلهم، فما يضر لو اتفق الجميع علي الاعتراف بما أنزل الله تعالي فيهم وبلغه رسوله (ص) في حقهم: من إنهم ولاة الأمر من بعده؟.
52 و 53 فاعفوا، أو وتجاوزوا عن مسيئهم، لا يشمل أهل بيت رسول الله (ص)، لما عرفت من نزول آية التطهير في حقّهم.
54 الشوري: 23.
55 لقد قرن رسول الله (ص) أهل بيته بكتاب الله العزيز، وجعلهم عدلاً له، وفيه إشارة بليغة إلي أن لأهل البيت (ع) عند الله ورسوله مقاماً كبيراً يضاهي مقام القرآن عند الله ورسوله، والي أنه كما يجب اطاعة الكتاب العزيز واتّباع أحكامه كذلك يجب إطاعة أهل البيت واتّباعهم، والي انه كما يحرم التقدّم علي الكتاب العزيز وهجره، يحرم التقدّم علي أهل البيت وهجرهم، والي انه كما يكون في اتباع القرآن: الهداية والسعادة والنور، كذلك يكون في اتباعهم (ع)، وإلي انه كما يكون في التخلّف عن الكتاب: الضلال والشقاء فكذلك يكون التخلّف عنهم (ع) ويؤكّد كلّ ذلك قوله (ص): (ولن يفترقا حتّي يردا عليّ الحوض) ولن كما في اللغة لنفي الأبد، أي من المستحيل أن ينفك القرآن عن أهل البيت، أو ينفك أهل البيت عن القرآن، فلم يكن لمسلم التفكيك بينهما باتباع أحدهما دون الآخر، أو الإستغناء بأحدهما عن الآخر.
56 لكن قد عرفت: انّ الكتاب العزيز هو الّذي عرّف أهل بيت رسول الله (ص) في آية التطهير وهم خمسة: النبي (ص) وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين (ع)، ونصّ الرسول (ص) علي تسعة من ذريّة الحسين كما مرّ عليك ذكرهم في الفصل الثالث من الأحاديث الواردة في أهل البيت من هذا الكتاب.
57 يعني: انّ هذا الحديث لكثرة طرقه أصبح متواتراً يورث العلم والاطمينان بصحّته، فلا يحقّ لاحد التشكيك فيه، وهو كاف في بيان وجوب التمسك بالكتاب وبأهل البيت معاً وحرمة التخلّف عنهما أو عن احدهما.
58 المزمّل: 5.
59 و 60 هذا تصريح بما يحكم به العقل السليم، وتقتضيه الفطرة الصحيحة، وهو: تقديم الفاضل علي المفضول وقد قال تعالي من قبل: (أفمن يهدي إلي الحقّ أحقّ أن يتّبع، أمّن لا يهدي إلاّ أن يُهدي فما لكم كيف تحكمون)؟ يونس: 35.
61 الاحزاب: 33.
62 مضي مكرّراً: أن أهل البيت الذين شملتهم آية التطهير هم: النبي (ص) وعلي، وفاطمة، والحسن والحسين، والتسعة المعصومون من ذريّة الحسين (ع) كما مرّت أسماؤهم وصفاتهم قبل هذا الفصل.
63 الأحزاب: 33.
64 وهل كان من حفظ عهده وودّه (ص) في أهل بيته أن ارتكبوا في حقهم ما ارتكبوا حتي خاطبتهم بنت نبيّهم فاطمة (ع) بقولها في خطبتها المعروفة: (… فلمّا اختار الله لنبيّه (ص) دار أنبيائه، ظهر فيكم حسكة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الأقلّين، وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه، هاتفاً بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرّة فيه ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خفافاً، وأحمشكم فألفاكم غضاباً، فوسمتم غير إبلكم، وأوردتم غير شربكم، هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لما يندمل، والرسول لما يقبر …). نعم، هذا والعهد قريب.. والرسول بعد لم يقبر؟؟
65 فيا تري ما كان يصنع رسول الله (ص) لو كان يسمع بكاء حبيبته وبضعته من بعده!
66 و 67 قد عرفت: أن الكتاب العزيز عندما وصف الأصحاب والأزواج ووصل إلي وعدهم المغفرة والأجر العظيم، جاء بلفظة: (منهم) الفتح: 29، و: (منهن) الأحزاب: 29، مما يشير إلي أن مراد الرسول (ص) من حب الأصحاب والأزواج هو ما عناه القرآن، وليس عامتهم.
68 ليس في الصحيح: والأنصار والعرب، بل العترة فقط، لأن القرآن الكريم بعد الشهادة بالطهارة لعترة النبي وأهل بيته (صلوات الله عليه وعليهم) من بين الناس قال: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات: 13، فجعل الحق والتفاضل بالتقوي.
69 وقد مر في الفصل الأول في الآية الثانية من الآيات الواردة فيهم (ع): أنه (ص) قال: لا تصلوا عليَّ الصلاة البتراء، فقالوا: وما الصلاة البتراء؟ قال: تقولون: اللهم صلِّ علي محمد وتمسكون بل قولوا: اللهم صلِّ علي محمد وآل محمد.
70 مرت الإشارة إلي أن المراد الصالحات منهن وذلك لدلالة (منهن) في سورة الأحزاب 29.
71 ومن أجله قال الشافعي كما مر في الفصل الأول:
يا أهل بيت رسول الله حبكم فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم القدر أنكم من لم يصل عليكم لا صلاة له
72 مر الحديث ومرت الإشارة إلي أن الأنصار جاءوا بأصوع من البر وليس الذرة، وذلك هدية.
73 مر كثيراً القول: بأن المراد الصالحات منهن، وذلك لمكان (منهن) في سورة الاحزاب الاية 29.
74 وهذا يشير بصراحة إلي ما جاء في أهل البيت (ع) من قوله تعالي: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) آل عمران: 103، حيث جعل تعالي الاعتصام بهم أماناً من الفرقة والاختلاف بعد أن وصفهم بأنهم حبل الله في الأرض.
75 وهل يا تري هناك تمثيل أبلغ من هذا؟ فإنه كما يخسر الإنسان نفسه ويغرق في البحر إذا تخلف عن السفينة، فكذلك يخسر دينه ودنياه إذا تخلف عن هدي أهل البيت (ع) والتمسك بولايتهم.
76 وفي هذا إشارة إلي إمامة الأئمة الإثني عشر من أهل البيت (ع) الذين مر ذكرهم بأسمائهم وألقابهم في الفصل السابق من هذا الكتاب.
77 هذا الحديث له توضيح مر التعرض له في الحديث الثاني من الفصل الثاني في فضائل الحسن (ع).
78 و 79 المهدي هو الإمام الثاني عشر، واسمه واسم أبيه كما مر عليك في الفصل السابق من هذا الكتاب: «محمد بن الحسن» (ع) الملقب «بالحجة»، والمهدي أيضاً من ألقابه (ع)، وهو البقية الباقية من أهل البيت (ع) وقد مد الله تعالي في عمره ليكون أماناً لأهل الأرض كما جاء في رواية أحمد أوائل باب (الأمان ببقائهم عليهم السلام)، ثم يصلح الله تعالي أمر ظهوره في ليلة، فيظهر لإنجاز وعد الله تبارك وتعالي حيث قال: (ليظهره علي الدين كله) الصف: 9، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بتطبيق الإسلام وأحكام القرآن علي كل الأرض بعد ما مُلئت ظلماً وجوراً.
80 الأنعام: 124.
81 في هذا التمثيل براعة من جهتين:
أ - إن مكسور الصلب يصبح شللاً فلا يمكنه التقدم والرقي.
ب - إن مكسور الصلب من الحيوانات يصبح فريسة لسباع الوحش والطير وهكذا أصبح مثل الأمة لما خذلوا أهل البيت (ع).
82 وقال الله تعالي في كتابه العزيز (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً).

تعريف مرکز القائمیة باصفهان للتحریات الکمبیوتریة

جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ في سَبيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (التوبة/41).
قالَ الإمامُ علیّ ُبنُ موسَی الرِّضا – علـَیهِ السَّلامُ: رَحِمَ اللّهُ عَبْداً أحْيَا أمْرَنَا... َ يَتَعَلَّمُ عُلُومَنَا وَ يُعَلِّمُهَا النَّاسَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَاتَّبَعُونَا... (بَــنـادِرُ البـِحـار – فی تلخیص بحـار الأنوار، للعلاّمة فیض الاسلام، ص 159؛ عُیونُ أخبارِ الرِّضا(ع)، الشـَّیخ الصَّدوق، الباب28، ج1/ ص307).
مؤسّس مُجتمَع "القائمیّة" الثـَّقافیّ بأصبَهانَ – إیرانَ: الشهید آیة الله "الشمس آباذی" – رَحِمَهُ اللهُ – کان أحداً من جَهابـِذة هذه المدینة، الذی قدِ اشتهَرَ بشَعَفِهِ بأهل بَیت النبیّ (صلواتُ اللهِ علـَیهـِم) و لاسیَّما بحضرة الإمام علیّ بن موسَی الرِّضا (علیه السّلام) و بـِساحة صاحِب الزّمان (عَجَّلَ اللهُ تعالی فرجَهُ الشَّریفَ)؛ و لهذا أسّس مع نظره و درایته، فی سَنـَةِ 1340 الهجریّة الشمسیّة (=1380 الهجریّة القمریّة)، مؤسَّسة ًو طریقة ًلم یـَنطـَفِئ مِصباحُها، بل تـُتـَّبَع بأقوَی و أحسَنِ مَوقِفٍ کلَّ یومٍ.
مرکز "القائمیّة" للتحرِّی الحاسوبیّ – بأصبَهانَ، إیرانَ – قد ابتدَأَ أنشِطتَهُ من سَنـَةِ 1385 الهجریّة الشمسیّة (=1427 الهجریّة القمریّة) تحتَ عنایة سماحة آیة الله الحاجّ السیّد حسن الإمامیّ – دامَ عِزّهُ – و مع مساعَدَةِ جمع ٍمن خِرّیجی الحوزات العلمیّة و طلاب الجوامع، باللیل و النهار، فی مجالاتٍ شتـَّی: دینیّة، ثقافیّة و علمیّة...
الأهداف: الدّفاع عن ساحة الشیعة و تبسیط ثـَقافة الثـَّقـَلـَین (کتاب الله و اهل البیت علیهـِمُ السَّلامُ) و معارفهما، تعزیز دوافع الشـَّباب و عموم الناس إلی التـَّحَرِّی الأدَقّ للمسائل الدّینیّة، تخلیف المطالب النـّافعة – مکانَ البَلاتیثِ المبتذلة أو الرّدیئة – فی المحامیل (=الهواتف المنقولة) و الحواسیب (=الأجهزة الکمبیوتریّة)، تمهید أرضیّةٍ واسعةٍ جامعةٍ ثـَقافیّةٍ علی أساس معارف القرآن و أهل البیت –علیهم السّلام – بباعث نشر المعارف، خدمات للمحققین و الطـّلاّب، توسعة ثقافة القراءة و إغناء أوقات فراغة هُواةِ برامِج العلوم الإسلامیّة، إنالة المنابع اللازمة لتسهیل رفع الإبهام و الشـّـُبُهات المنتشرة فی الجامعة، و...
- مِنها العَدالة الاجتماعیّة: التی یُمکِن نشرها و بثـّها بالأجهزة الحدیثة متصاعدة ً، علی أنـّه یُمکِن تسریعُ إبراز المَرافِق و التسهیلاتِ – فی آکناف البلد - و نشرِ الثـَّقافةِ الاسلامیّة و الإیرانیّة – فی أنحاء العالـَم - مِن جـِهةٍ اُخرَی.
- من الأنشطة الواسعة للمرکز:
الف) طبع و نشر عشراتِ عنوانِ کتبٍ، کتیبة، نشرة شهریّة، مع إقامة مسابقات القِراءة
ب) إنتاجُ مئات أجهزةٍ تحقیقیّة و مکتبیة، قابلة للتشغیل فی الحاسوب و المحمول
ج) إنتاج المَعارض ثـّـُلاثیّةِ الأبعاد، المنظر الشامل (= بانوراما)، الرّسوم المتحرّکة و... الأماکن الدینیّة، السیاحیّة و...
د) إبداع الموقع الانترنتی "القائمیّة" www.Ghaemiyeh.com و عدّة مَواقِعَ اُخـَرَ
ه) إنتاج المُنتـَجات العرضیّة، الخـَطابات و... للعرض فی القنوات القمریّة
و) الإطلاق و الدَّعم العلمیّ لنظام إجابة الأسئلة الشرعیّة، الاخلاقیّة و الاعتقادیّة (الهاتف: 00983112350524)
ز) ترسیم النظام التلقائیّ و الیدویّ للبلوتوث، ویب کشک، و الرّسائل القصیرة SMS
ح) التعاون الفخریّ مع عشراتِ مراکزَ طبیعیّة و اعتباریّة، منها بیوت الآیات العِظام، الحوزات العلمیّة، الجوامع، الأماکن الدینیّة کمسجد جَمکرانَ و...
ط) إقامة المؤتمَرات، و تنفیذ مشروع "ما قبلَ المدرسة" الخاصّ بالأطفال و الأحداث المُشارِکین فی الجلسة
ی) إقامة دورات تعلیمیّة عمومیّة و دورات تربیة المربّـِی (حضوراً و افتراضاً) طیلة السَّنـَة
المکتب الرّئیسیّ: إیران/أصبهان/ شارع"مسجد سیّد"/ ما بینَ شارع"پنج رَمَضان" ومُفترَق"وفائی"/بنایة"القائمیّة"
تاریخ التأسیس: 1385 الهجریّة الشمسیّة (=1427 الهجریة القمریّة)
رقم التسجیل: 2373
الهویّة الوطنیّة: 10860152026
الموقع: www.ghaemiyeh.com
البرید الالکترونی: Info@ghaemiyeh.com
المَتجَر الانترنتی: www.eslamshop.com
الهاتف: 25-2357023- (0098311)
الفاکس: 2357022 (0311)
مکتب طهرانَ 88318722 (021)
التـِّجاریّة و المَبیعات 09132000109
امور المستخدمین 2333045(0311)
ملاحَظة هامّة:
المیزانیّة الحالیّة لهذا المرکز، شـَعبیّة، تبرّعیّة، غیر حکومیّة، و غیر ربحیّة، اقتـُنِیَت باهتمام جمع من الخیّرین؛ لکنـَّها لا تـُوافِی الحجمَ المتزاید و المتـَّسِعَ للامور الدّینیّة و العلمیّة الحالیّة و مشاریع التوسعة الثـَّقافیّة؛ لهذا فقد ترجَّی هذا المرکزُ صاحِبَ هذا البیتِ (المُسمَّی بالقائمیّة) و مع ذلک، یرجو مِن جانب سماحة بقیّة الله الأعظم (عَجَّلَ اللهُ تعالی فرَجَهُ الشَّریفَ) أن یُوفـِّقَ الکلَّ توفیقاً متزائداً لِإعانتهم - فی حدّ التـّمکـّن لکلّ احدٍ منهم – إیّانا فی هذا الأمر العظیم؛ إن شاءَ اللهُ تعالی؛ و اللهُ ولیّ التوفیق.