اللاعنف منهج وسلوك

اشارة

اسم الكتاب: اللاعنف منهج وسلوك
المؤلف: حسيني شيرازي، محمد
تاريخ وفاة المؤلف: 1380 ش
اللغة: عربي
عدد المجلدات: 1
الناشر: موسسه المجتبي
مكان الطبع: بيروت لبنان
تاريخ الطبع: 1423 ق
الطبعة: اول
بسم الله الرحمن الرحيم
ادْعُ إِلَي سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ
عَنْ سَبِيلِهِ
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
صدق الله العلي العظيم
سورة النحل: 125

كلمة الناشر

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الظروف العصيبة التي تمر بالعالم …
والمشكلات الكبيرة التي تعيشها الأمة الإسلامية..
والمعاناة السياسية والاجتماعية التي نقاسيها بمضض …
وفوق ذلك كله الأزمات الروحية والأخلاقية التي يئن من وطأتها العالم أجمع …
والحاجة الماسة إلي نشر وبيان مفاهيم الإسلام ومبادئه الإنسانية العميقة التي تلازم الإنسان في كل شؤونه وجزئيات حياته وتتدخل مباشرة في حل جميع أزماته ومشكلاته في الحرية والأمن والسلام وفي كل جوانب الحياة..
والتعطش الشديد إلي إعادة الروح الإسلامية الأصيلة إلي الحياة، وبلورة الثقافة الدينية الحيّة، وبث الوعي الفكري والسياسي في أبناء الإسلام كي يتمكنوا من رسم خريطة المستقبل المشرق بأهداب الجفون وذرف العيون ومسلات الأنامل..
كل ذلك دفع المؤسسة لأن تقوم بإعداد مجموعة من المحاضرات التوجيهية القيمة التي ألقاها سماحة المرجع الديني الأعلي آية الله العظمي السيد محمد الحسيني الشيرازي ? في ظروف وأزمنة مختلفة، حول مختلف شؤون الحياة الفردية والاجتماعية، وقد راجعها ? وأضاف عليها، فقمنا بطباعتها مساهمة منا في نشر الوعي الإسلامي، وسدّاً لبعض الفراغ العقائدي والأخلاقي لأبناء المسلمين من أجل غدٍ أفضل ومستقبل مجيد..
وذلك انطلاقاً من الوحي الإلهي القائل:
?لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ?().
الذي هو أصل عقلائي عام يرشدنا إلي وجوب التفقه في الدين وانذار الأمة، ووجوب رجوع الجاهل إلي العالم في معرفة أحكامه في كل مواقفه وشؤونه..
كما هو تطبيق عملي وسلوكي للآية الكريمة:
?فَبَشِّرْ عِبَادِ ? الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبَابِ?().
إن مؤلفات سماحة آية الله العظمي السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره الشريف) تتسم ب:
أولاً: التنوّع والشمولية لأهم أبعاد الإنسان والحياة لكونها إنعكاساً لشمولية الإسلام..
فقد أفاض قلمه المبارك الكتب والموسوعات الضخمة في شتي علوم الإسلام المختلفة، آخذاً من موسوعة الفقه التي بلغت المائة والستين مجلداً، حيث تعد إلي اليوم أكبر موسوعة علمية استدلالية فقهية، ومروراً بعلوم الحديث والتفسير والكلام والأصول والسياسة والاقتصاد والاجتماع والحقوق وسائر العلوم الحديثة الأخري.. وانتهاءً بالكتب المتوسطة والصغيرة التي تتناول مختلف المواضيع والتي تتجاوز بمجموعها ال(1290) مؤلفاً.
ثانياً: الأصالة حيث إنها تتمحور حول القرآن والسنة وتستلهم منهما الرؤي والأفكار.
ثالثاً: المعالجة الجذرية والعملية لمشاكل الأمة الإسلامية ومشاكل العالم المعاصر.
رابعاً: التحدث بلغة علمية رصينة في كتاباته لذوي الاختصاص ك(الأصول) و(القانون) و(البيع) وغيرها، وبلغة واضحة يفهمها الجميع في كتاباته الجماهيرية وبشواهد من مواقع الحياة.
هذا ونظراً لما نشعر به من مسؤولية كبيرة في نشر مفاهيم الإسلام الأصيلة قمنا بطبع ونشر هذه السلسلة القيمة من المحاضرات الإسلامية لسماحة المرجع ? التي راجعها وأضاف عليها وإلا فمجموع محاضرته الإسلامية قد تقارب التسعة آلاف محاضرة ألقاها سماحته في فترة زمنية قد تتجاوز الأربعة عقود من الزمن في العراق والكويت وإيران..
نرجو من المولي العلي القدير أن يوفقنا لنشر ما بقي منها، وإخراجه إلي النور، لنتمكن من إكمال سلسلة إسلامية كاملة مختصرة تنقل إلي الأمة وجهة نظر الإسلام تجاه مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية الحيوية بأسلوب واضح وبسيط.. إنه سميع مجيب.
مؤسسة المجتبي للتحقيق والنشر
بيروت لبنان
ص.ب: 5951/13 شوران
البريد الإلكتروني: almojtaba@alshirazi.com
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة علي أعدائهم أجمعين إلي قيام يوم الدين.

العنف

قال الإمام الباقر عليه السلام: «إن الله رفيق ويحب الرفق ويعطي علي الرفق ما لا يعطي علي العنف» ().

العنف لغة

العنف: أي الخرْق بالأمر و قلة الرفق به، وهو ضد الرفق. عَنُفَ به وعليه يَعْنُفُ عُنْفاً وعنافة وأعْنفه وعنَّفه تعْنيفاً، وهو عنيفٌ إذا لم يكن رفيقاً في أمره. واعْتنف الأمر: أخذه بعنف.
وهو الشدة والمشقّة، وكل ما في الرفق من الخير ففي العنف من الشر مثله.
والعنيف: الذي لا يحسن الركوب و ليس له رفق بركوب الخيل، وقيل: الذي لا عهد له بركوب الخيل، والجمع عُنُفٌ؛ قال:
لم يركبوا الخيل إلا بعدما هرموا
فهم ثقالٌ علي أكتافها عنف
وأعنف الشي‌ء: أخذه بشدَّة. واعتنف الشي‌ء: كرهه، واعْتنف الأرض: كرهها و اسْتوخمها. واعْتنفته الأرض نفسها: نبتْ عليها.
وقال أبو عبيد: اعْتنفْت الشي‌ء كرهْته ووجدت له علي مشقة وعنْفاً. واعْتنفْت الأمر اعْتنافاً: جهلته.
قال: واعتفْت الأمر اعْتنافاً أي أتيته ولم يكن لي به علم.
قال الباهلي: أكلت طعاماً فاعْتنَفَتهُ أي: أنكرتهُ، قال الأزهري: وذلك إذا لم يوافقه.
ويقال: طريق مُعْتنفٌ أي غير قاصدٍ. وقد اعْتنف اعْتنافاً إذا جار ولم يقْصِد، وأصله من اعتنفت الشي‌ء إذا أخذته أو أتيته غير حاذق به ولا عالم، والتعنيف: التعيير واللوم().

العنف والنفس الإنسانية

كثيراً ما نسمع بمصطلح العنف، وتصادفنا في حياتنا اليومية نماذج كثيرة من هذا القبيل، فنلاحظ أحياناً أناساً تثور ثائرتهم لأتفه الأسباب، ويقدمون علي أعمال خطيرة في حالة غضبهم يندمون عليها أشد الندم فيما بعد، وهذه الحالة حيرت عقول أغلب المحللين الاجتماعيين وعلماء النفس.
فالنفس الإنسانية فيها قوي خيره تجر الإنسان إلي عمل الخير والصلاح، وفيها أيضاً قوي عدوانية شريرة تحاول جر الإنسان إلي الأعمال الشريرة، والعنف من المصاديق الظاهرية لتغلب القوي الشريرة في الإنسان علي القوي الخيرة، وهو من المشاكل المهمة التي صادفت الإنسان في سالف الزمان والي يومنا هذا؛ فكثير من الحروب المدمرة وجرائم القتل الفردية والجماعية، وانتشار الحقد والعداوة بين الناس، كان بسبب العنف أو كان العنف السبب الرئيسي فيها، فإن الحرب العالمية الأولي علي سبيل المثال كانت لأسباب عديدة ولكن السبب المباشر علي ما قالوا كان اغتيال ولي العهد النمساوي() في سراييفو بيد أحد الوطنيين الصرب؛ وذلك بسبب النزعة القومية للصرب. فعزمت النمسا علي ضرب النزعة القومية في البلقان والقضاء عليها بإعلان الحرب علي صربيا، وما لبثت أن تداخلت التحالفات واشتعلت الحروب في جميع أنحاء أوروبا وامتدت إلي تركيا والشرق. وفاقت هذه الحرب كل ما سبقها من الحروب هولاً وتدميراً، فقد اشترك فيها نحو (65 مليون) مجند وكان القتلي نحو (9 مليون) من العسكريين ويقدر عدد الضحايا المدنيين بعشرة ملايين هذا عدا المشوهين والجرحي.
ومن ثمة كانت هذه الحرب أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلي الحرب العالمية الثانية التي اشترك فيها نحو (92 مليون) مجند.
وقد اختلف في عدد القتلي الذي قدر بحوالي (49 مليون) قتيل().
هذا في التاريخ الحديث أما في التاريخ القديم فمن الأمثلة علي ذلك هو ما يسمي بحرب داحس والغبراء التي جرت بين قبيلتي عبس وذبيان لخلاف وقع علي سباق بين فرسين عرفت الحرب باسميهما (داحس والغبراء) واستمرت هذه الحرب 40 سنة().
والحرب الأخري حرب البسوس التي استمرت أربعين عاماً من سنة (494 534م) بين بكر وتغلب، والبسوس بنت منقذ التميمية، زارت أختها أم جساس ابن مرة، ومع البسوس جار لها من جرم يقال له: سعد بن شمس ومعه ناقة له، فرماها كليب وائل لما رآها في مرعي قد حماه، فأقبلت الناقة إلي صاحبها وهي ترغو وضرعها يشخب لبنا ودما، فلما رأي ما بها انطلق إلي البسوس فأخبرها بالقصة، فقالت: واذلاه واغربتاه، وأنشأت تقول أبياتا تسميها العرب أبيات الفناء وهي:
لعمري لو أصبحت في دار منقذ
لما ضيم يعد وهو جار لأبياتي
ولكنني أصبحت في دار غربة
متي يعد فيها الذئب يعد علي شاتي
فيا سعد لا تغرر بنفسك وارتحل
فإنك في قوم عن الجار أمواتي
ودونك أذوادي فخذها وآتني
بها حلة لا يغدرون ببنياتي
فسمعها ابن أختها جساس فقال لها: أيتها الحرة اهدئي فوالله لأقتلن بلقحة جارك كليبا، ثم ركب فخرج إلي كليب فطعنه طعنة أثقلته فمات منها، ووقعت الحرب بين بكر وتغلب، فدامت أربعين سنة وجرت خطوب وصار (شؤم البسوس) مثلا ونسبت الحرب إليها وهي من أشهر حروب العرب().

العدوانية وعلاجها

لقد حاول أغلب المحللين الاجتماعيين وعلماء النفس وضع القواعد السلوكية والقوانين الاجتماعية لتنظيم أعمال الإنسان وإيجاد الضوابط المحكمة للسيطرة علي عدوانية النفس الإنسانية أو علي الأقل تحجيم آثارها، ولكنهم فشلوا في علاج هذه الحالة العلاج الشافي والفعّال، وذلك لعدة أسباب منها:
أولاً: إن محاولاتهم العلاجية كانت جزئية ونظرتهم للنفس الإنسانية كانت ضيقة؛ ولهذا كانت أغلب محاولاتهم موضعية ووقتية؛ فقد ركزوا علي جانب واحد من جوانب النفس الإنسانية وحاولوا ربط هذه الحالة به، فبعضهم نسب ذلك إلي الجن والشياطين وما إلي ذلك، أي: ربط حالة العدوانية التي تظهر علي النفس الإنسانية بهذه الموضوعات.
ثانياً: البعض الآخر رد ذلك إلي نفس الإنسان، وقال: إن الإنسان مجبور علي إظهار عدوانيته، لأن نفسه فيها جانب شرير وجانب خير، إلي غير ذلك من التفسيرات غير الصحيحة. وكل هذه الآراء والتبريرات غير صحيحة ولا تعالج عدوانية الإنسان، بل في بعض الأحيان تزيد هذه الآراء من العدوانية؛ لأنه سوف يجد مبرراً لأفعاله العدوانية إما بنسبتها إلي قوي خارجية كالجن والشياطين أو نسبتها إلي نفسه، ولكن من جانب الاضطرار والإجبار.

العلاج الإسلامي

أما الإسلام فقد وضع البدائل، ودل الإنسان علي العلاج الشافي لهذا المرض العضال، فأوجد له تعاليم وسنّ له القوانين التي إذا اتبعها بصورة موزونة وسليمة فانه بلا شك سوف يتغلب علي هذه المشكلة وتهدأ نفسه ويرتاح ضميره أي يصبح هادئاً مطمئناً، وينصح لعلاج الغضب بالتفكر بالآيات والروايات الشريفة التي وردت في ذم الغضب ومدح كظم الغيظ والعفو والحلم ويتفكر في توقعه عفو الله عن ذنبه وكف غضبه عنه ومما روي حول الغضب ما جاء عن أبي جعفر عليه السلام وقد ذكر الغضب عنده فقال عليه السلام: «إن الرجل ليغضب فما يرضي أبداً حتي يدخل النار، فأيما رجل غضب علي قوم وهو قائم فليجلس من فوره ذلك؛ فإنه سيذهب عنه رجز الشيطان، وأيما رجل غضب علي ذي رحم فليدن منه فليمسه، فإن الرحم إذا مست سكنت» ().
وقال بعضهم: «علاج الغضب أن تقول بلسانك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وهكذا أمر رسول الله صلي الله عليه و اله أن يقال عند الغيظ» ().

العمل والتقدم

ومن أسباب العنف الجهل، أما الإسلام فقد أكد علي العلم في آيات وروايات عديدة، كما أكد علي العمل المقترن بالعلم واللاعنف أيضاً.
قال أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: «طلب المراتب والدرجات بغير عمل جهل» ().
وقال عليه السلام: «العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل عنه» ().
إنّ من الواضح والجلي أن سر تقدم الإنسان كفرد، وتقدم المجتمعات والشعوب بصورة عامة وازدهارها مرتبط بالعمل الجاد المتواصل الذي يقوم به الأفراد أو المجتمعات، ولم يحصل أن أمة من الأمم امتلكت ناصية العلم والتقدم والرقي مع تكاسل أفرادها وفتور هممهم، وعدم التفاتهم إلي مسؤوليتهم، وعندما ينتاب أبناء الأمة الفتور والكسل والتقاعس عن العمل يكون مصير أمتهم الجمود والتأخر والتخلف عن مسيرة الأمم المتقدمة، فقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: «من رقي درجات الهمم عظمته الأمم» ().
وقال عليه السلام: «ما رفع إمرأ كهمته ولا وضعه كشهوته» ().
وقال عليه السلام: «ينبغي أن يكون التفاخر بعلي الهمم والوفاء بالذمم والمبالغة في الكرم لا ببوالي الرمم ورذائل الشيم» ().
وقال (صلوات الله وسلامه عليه): «كن بعيد الهمم إذا طلبت، كريم الظفر إذا غلبت» ().
إذن، العمل صفة ملازمة للتقدم والرقي، قال تعالي في كتابه الكريم: ?كُلاً نُمِدُّ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ?(). فقد ذكر سبحانه انه تبارك وتعالي لا يمنع لطفه عن أحد، فهو كما يعطي المؤمن يعطي الفاسق، لكن الفرق في السعادة هنا، فإن الفاسق لا يهنأ بالسعادة، كما أن الآخرة خاصة بالمؤمن فإن ?كُلاً? من المؤمن والكافر ?نُمِدُّ? أي: نعطيهم من الدنيا ?هَؤُلاَءِ? الذين يريدون الآخرة ?وهَؤُلاَءِ? الذين يريدون العاجلة ?مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ? يا رسول الله، أي: نعمته وفضله ?وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً? أي: ممنوعاً فإنه يشمل البر والفاجر().
فليست الملازمة محصورة بأمة من الأمم أو مذهب دون آخر، بل بقدر ما تعطي تأخذ، وبقدر ما تكرس الأمم حياتها للعمل فانها تتقدم، ولا شك في صحة هذا الأمر ومصاديقه أشهر من أن تحصر بأمثلة.

تقدم الغرب

إن الملاحظ للتقدم التقني والحضاري والعمراني لدول الشرق والغرب من غير المسلمين، يجد أن التقدم الذي أحرزته هذه الدول في بعض جوانب الحياة المادية تقنياً وما أشبه كان نتيجة طبيعية؛ لأنها سلكت بعض سبل التقدم وعملت بجد وتواصل، وسبقتنا في هذه الميادين. نحن لدينا القرآن الحكيم، لدينا سيرة النبي الأعظم صلي الله عليه و اله وآل بيته عليهم السلام ولكن تخاذل البعض منا وفتورهم جعلنا نعيش في الهامش فلم نستطع أن نساير ركب التقدم.
إن الله سبحانه وتعالي جعل الدنيا دنيا الأسباب والمسببات؛ إذ لكل معلول علة ولكل نتيجة سبب وطريق، فمن سلك الطريق وكان طريقه صحيحاً وصل إلي النتيجة المطلوبة، والعكس بالعكس. ومن الواضح أن طريق التقدم والتكامل في هذه الحياة هو العمل الجاد، فمن التزم به تقدم حتي لو كان كافراً، ومن تخلي عنه تأخر حتي لو كان مؤمناً، يعني ليس هناك تقدم بدون عمل سليم وجدِّي فقد قال سبحانه وتعالي: ?كُلاً نُمِدُّ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً?().
نحن مسلمون، ويقيناً أننا علي الحق في المبدأ والعقيدة، وطريقنا طريق الحق والمبادئ الإسلامية السمحاء هي التي تضمن السعادة والرفاه للإنسان، ومن كان طريق الحق مسلكه فإن الفلاح والنصر حليفه، فقد قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «من عمل بالحق أفلح» ()، وقال عليه السلام: «العاقل يعتمد علي عمله، الجاهل يعتمد علي أمله» ()، وما هذه النتائج السيئة التي حصلنا عليها إلا نتيجة طبيعية لقلة عملنا وفتور همتنا، فقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: «إن ماضي يومك منتقل وباقيه متهم فاغتنم وقتك بالعمل» ().
وقال عليه السلام: «بادروا أعمالكم وسابقوا آجالكم فإنكم مدينون بما أسلفتم ومجازون بما قدمتم ومطالبون بما خلفتم» ()، فنحن لم نعمل بالقدر الذي يفترض علينا أن نعمله ولذلك سبقتنا الأمم العاملة في كثير من جوانب الحياة.

العمل شعار المؤمن

قال أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: «العمل شعار المؤمن» (). وفي كلام آخر له عليه السلام: «العمل رفيق الموقن» ().
نعم، لكي يلحق المسلمون بركب الأمم المتقدمة لابد لهم من العمل المتواصل الدؤوب وبقدر العمل ستكون النتائج، حيث يقول تعالي: ?وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَ مَا سَعَي?() فإن قوله سبحانه يعني: ليس له من الجزاء إلا جزاء ما عمل دون غيره، فإنه لو لم يعمل شيئاً ما استحق شيئاً لا ثواباً ولا عقاباً().
وفي الآية التي تليها قال الحق تعالي: ?وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَي?() فإنه يراه بنفسه أي جزاء العمل في دار الدنيا جزاءً بالمدح أو بغير ذلك، فإن الدنيا قبل الآخرة دار المكافآت، ولا يجتني الجاني من الشوك العنب كما في المثل ().
فالنتيجة في الدنيا هي الثمرة التي تجنيها الشعوب العاملة من رفعة وتقدم وعز وسيادة، في الوقت الذي تبتلي فيه الشعوب الخاملة بالفقر والتأخر والشعور بالإحباط والتقصير.
يقول أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: «من قصر في العمل ابتلي بالهم..» ().
أما في الآخرة فالعمل ميزان الأعمال حيث يقول تعالي: ?..أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَي?().
وطبيعي أن الذي نقصده بالعمل هو العمل الصالح المثمر، الذي فيه خير الدنيا والآخرة الذي أمرنا به الله تعالي؛ إذ قال عزوجل: ?وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَي اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ?().
فأعمالنا تقع تحت رقابته تعالي، كما أنها تعرض علي رسول الله صلي الله عليه و اله والأئمة الأطهار عليهم السلام فهل من اللائق أن يكون عمل الإنسان يميل إلي العنف بمحضر الرسول الأعظم صلي الله عليه و اله والأئمة الأطهار عليهم السلام؟
فقد قال أبو عبد الله عليه السلام: «ما لكم تسوؤن رسول الله صلي الله عليه و اله؟». فقال رجل: جعلت فداك وكيف نسوؤه؟
فقال: «أما تعلمون أن أعمالكم تعرض عليه، فإذا رأي فيها معصية الله ساءه ذلك، فلا تسوؤا رسول الله صلي الله عليه و اله وسروه» ().
وعن بريد العجلي قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: ?اعْمَلُوا فَسَيَرَي اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ?؟ فقال: «ما من مؤمن يموت ولا كافر فيوضع في قبره حتي يعرض عمله علي رسول الله صلي الله عليه و اله وعلي علي عليه السلام وهلم جرا إلي آخر من فرض الله طاعته» ().

العمل المصحوب باللاعنف

قال الإمام الصادق عليه السلام: «كان فيما أوصي به رسول الله صلي الله عليه و اله علياً عليه السلام: يا علي إلي قوله صلي الله عليه و اله ثلاث من لم تكن فيه لم يقم له عمل: ورع يحجزه عن معاصي الله عزوجل، وخلق يداري به الناس، وحلم يرد به جهل الجاهل» ().
إنّ الإنسان الذي يتولي عملاً من الأعمال أو مسؤولية من المسؤوليات، غالباً ما يواجه ببعض العقبات والصعوبات والمعوقات التي تعترض سير عمله، وقد تكون هذه العقبات مادية أو معنوية. وتختلف ردود أفعال الناس تجاه هذه العقبات من شخص لآخر تبعاً لدرجة الوعي والإيمان الذي يمتلكه الفرد، وتبعاً لتكامل شخصية العامل من ناحية الخبرة والنضوج والهمة فقد قال أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: «قدر الرجل علي قدر همته، وصدقه علي قدر مروته، وشجاعته علي قدر أنفته، وعفته علي قدر غيرته» ().
فقد ينهزم شخص أمام أبسط العقبات؛ لأنه لا يعتقد بامكانية تجاوزها، وقد يصمد آخر أمام أعتي وأشد الصعوبات.
إذن، فالذي يترتب علينا هو أن نهيئ أنفسنا ونعدها إعداداً يمكننا من مجابهة الصعوبات التي تعترض طريق عملنا؛ لنواصل العمل بكل جد ومثابرة.
أما كيف يمكن تجاوز الصعوبات حتي يستمر العمل ويعطي نتائجه؟ فان أهم ما يتطلبه العمل الصحيح الذي يعطي ثماره ويرضاه الله سبحانه وتعالي، هو أن يكون مصحوباً باللاعنف وممتزجاً بالتقوي والورع والأخلاق، روي عن الإمام الباقر عليه السلام قال: «دخل يهودي علي رسول الله صلي الله عليه و اله وعائشة عنده، فقال: السام عليكم، فقال رسول الله صلي الله عليه و اله: عليك، ثم دخل آخر، فقال مثل ذلك، فرد عليه كما رد علي صاحبه، ثم دخل آخر فقال مثل ذلك، فرد رسول الله صلي الله عليه و اله كما رد علي صاحبه، فغضبت عائشة فقالت: عليكم السام، والغضب واللعنة، يا معشر اليهود، يا إخوة القردة والخنازير.
فقال لها رسول صلي الله عليه و اله: يا عائشة، إن الفحش لو كان ممثلا لكان مثال سوء، إن الرفق لم يوضع علي شي‌ء قط إلا زانه، ولم يرفع عنه قط إلا شانه … » ().
وقال رسول اللَّه صلي الله عليه و اله: «ما وضع الرفق علي شيء إلا زانه، ولا وضع الخرق علي شي‌ء إلا شانه، فمن أعطي الرفق أعطي خير الدنيا والآخرة، ومن حُرِمه حرم خير الدنيا والآخرة» ().
لذا يجب أن يخلو عملنا من العنف ويمتاز بالتفاهم والخلق الرفيع واحترام الرأي الآخر، ومتي ما اقترنت هذه الصفات مع عمل أي فرد أو جماعة أو أمة فإنها سترتقي به سلم التقدم والسيادة، فعن أمير المؤمنين علي عليه السلام قال: «إن يهوديا يقال له: حويحر كان له علي رسول الله صلي الله عليه و اله دنانير فتقاضي النبي صلي الله عليه و اله فقال له: يا يهودي، ما عندي ما أعطيك، فقال: إني لا أفارقك يا محمد صلي الله عليه و اله حتي تعطيني، فقال: إذاً أجلس معك، فجلس معه فصلي رسول الله صلي الله عليه و اله في ذلك الموضع الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والغداة،
وكان أصحاب رسول الله صلي الله عليه و اله يتهددونه ويتوعدونه، ففطن رسول الله صلي الله عليه و اله فقال: ما الذي تصنعون به؟ فقالوا: يا رسول الله صلي الله عليه و اله يهودي يحبسك؟! فقال: نهي تبارك وتعالي أن أظلم معاهدا ولا غيره.
فلما ترحل النهار قال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وشطر مالي في سبيل الله. أما والله ما فعلت بك الذي فعلت إلا لأنظر إلي نعتك في التوراة، فإني قرأت في التوراة محمد بن عبد الله، مولده بمكة، ومهاجره بطيبة، وملكه بالشام، وليس بفظ ولا غليظ ولا سحاف() في الأسواق، ولا مرس بالفحش، ولا قول الخطأ. أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وهذا مالي فاحكم فيه بما أراك الله تعالي. وكان اليهودي كثير المال» ().

الغضب

الغضب لغة: نقيض الرضا وهو من مصاديق العنف().
وقد ورد النهي عنه في الروايات الشريفة قال النبي الأعظم صلي الله عليه و اله: «أركان الكفر أربعة: الرغبة والرهبة والسّخط والغضب» ().
وقال الإمام الباقر عليه السلام: «إن الله خلق الجنة قبل أن يخلق النار إلي أن قال: وخلق الرحمة قبل أن يخلق الغضب وخلق الخير قبل أن يخلق الشر..» ().
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: «قال الحواريون لعيسي ابن مريم عليه السلام: يا معلم الخير، علمنا أي الأشياء أشد؟
فقال: أشد الأشياء غضب الله عزوجل. قالوا: فبم يتقي غضب الله؟
قال: بأن لا تغضبوا. قالوا: وما بدء الغضب؟
قال: الكبر والتجبر ومحقرة الناس» ().
نعم، إذا لم يتمالك الإنسان غضبه وتركه يسيطر عليه فعند ذلك تكون أفعاله قريبة إلي الخطأ بنسبة كبيرة، وربما يتحول إلي وحش كاسر يهدم حياته ويضر بحياة الآخرين، فقد قال الإمام الصادق عليه السلام: «الغضب ممحقة لقلب الحكيم وقال من لم يملك غضبه لم يملك عقله» ().
والشواهد الخارجية كثيرة علي ذلك، فتلاحظ الإنسان الغضوب يقدم علي أعمال غير عقلائية، مثلاً يكسر زجاج البيت أو التحف النادرة فيحطم كل ما يصادفه في حالة غضبه، ولكن عندما يهدأ يندم علي كل عمل قام به في حالة غضبه، وهو دليل علي أن تصرفاته لا تكون عن تعقل وإدراك، وإنما تصرف قريب من تصرفات الإنسان المريض (المجنون)، وقد ورد في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام: «الحدة ضرب من الجنون؛ لأن صاحبها يندم، فإن لم يندم فجنونه مستحكم» ().
وقد وصف الغضب بأنه مهما اشتدت نار الغضب وقوي اضطرامها أعمي صاحبه وأصمه عن كل موعظة، فالموعظة لا تؤثر عليه بل تزيده غيظاً؛ لأن نور العقل ينمحي بدخان الغضب الذي ينبعث من غليان دم القلب إلي الدماغ، فصار دماغه ككهف أضرمت فيه نار فاسودَّ جوانبه وامتلأ بالدخان، وكان فيه سراج ضعيف فانطفأ وانمحي نوره، فلا يثبت فيه قدم ولا يسمع فيه كلام ولا تري فيه صورة ولا يقدر علي إطفائه لا من داخل ولا من خارج، فيحرق جميع ما يقبل الاحتراق، فكذلك يفعل الغضب بالقلب والدماغ، وربما يقوي نار الغضب فتغني الرطوبة التي بها حياة القلب فيموت صاحبه غيظاً. ومن آثار هذا الغضب في الظاهر تغير اللون وشدة الرعدة في الأطراف، وخروج الأفعال عن الترتيب والنظام، واضطراب الحركة والكلام حتي يظهر الزبد علي الأشداق وتحمرّ الأحداق، فلو رأي الغضبان في حال غضبه قبح صورته لسكن غضبه؛ حياءً من قبح صورته واستحالة خلقته، وقبح باطنه أعظم من قبح ظاهره؛ لأن القبح منه انتشر إلي الظاهر، فأما أثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش وقبح الكلام، الذي يستحيي منه ذووا العقول ويستحي منه قائله عند فتور الغضب()، لذا قال رسول الله صلي الله عليه و اله عندما رأي قوماً يدحرجون حجراً: «أشدكم من ملك نفسه عند الغضب، وأحملكم من عفا بعد المقدرة» ().

نصائح الأطباء

إن أغلب الأطباء وعلماء الاجتماع ينصحون الإنسان أن لا يقدم في حالة غضبه علي تناول الطعام أو الشراب أو أي عمل ذي أهمية؛ لأن نتائج هذه الأعمال سوف تكون سلبية، فقد ذكرت الأبحاث الحديثة حول موضوع الغضب: إن الغضب كصورة من صور الانفعال النفسي يؤثر علي قلب الشخص الذي يغضب تأثير العدو أو الجري علي القلب، وانفعال الغضب يزيد من عدد مرات انقباضه في الدقيقة الواحدة فيضاعف بذلك كمية الدماء التي يدفعها القلب، أو التي تخرج منه إلي الأوعية الدموية مع كل واحدة من هذه الانقباضات أو النبضات، وهذا بالتالي يجهد القلب؛ لأنه يقسره علي زيادة عمله عن معدلات العمل الذي يفترض أن يؤديه بصفة عادية أو ظروف معينة. وقد لوحظ أن الإنسان الذي اعتاد علي الغضب يصاب بارتفاع ضغط الدم ويزيد عن معدله الطبيعي، كما أن شرايينه تتصلب جدرانها وتفقد مرونتها وقدرتها علي الاتساع لكي تستطيع أن تمرر تلك الكمية من الدماء الزائدة التي يضخها القلب المنفعل؛ لهذا يرتفع الضغط عند الغضب.
كما ذكر أن الغضب المكبوت له مساوئ لا تقل عن الغضب الصريح فقد تصل الحالة إلي الإصابة بمرض السرطان، كما الغضب الصريح قد يؤدي إلي الإصابة بأزمات قلبية قاتلة.
فمادامت نتائج الغضب سلبية إلي هذا الحد وأكثر من ذلك فلندع الغضب ونكون هادئين في جميع تصرفاتنا مع أنفسنا ومع الآخرين حتي نحصل علي نتائج إيجابية مرضية لله عزوجل ورسوله صلي الله عليه و اله ولأنفسنا.

منهج اللاعنف في سيرة الرسول صلي الله عليه و اله وأهل بيته عليهم السلام

إنَّ المتتبع لسيرة النبي المصطفي صلي الله عليه و اله وآل بيته الأطهار عليهم السلام يلاحظ بكل وضوح أن منهجهم بعيد كل البعد عن العنف والعصبية، ففي كل الجوانب تجدهم عليهم السلام ميّالين إلي السلم والتفاهم، فلم يدون لنا التاريخ نموذجاً واحداً علي عمل عنيف قاموا به، بل علي العكس فإن جميع أعمالهم كانت مفعمة بالحب والخير والصلاح والاصلاح. فالرسول الأعظم صلي الله عليه و اله رغم الآلام والخطوب التي حفت بحياته نجده باسم الثغر يعامل صديقه وعدوه بصدر رحب ملؤه الحب والحنان، وبهذا الأسلوب استطاع رسول الله صلي الله عليه و اله أن يستميل قلوب الناس إليه وإلي دعوته حتي أعدائه، وبهذه الطريقة اكتسح الظلام الذي كان يعم المعمورة فحرر الفكر من الأوهام الجاهلية وكشف الواقع المشرق للحياة بأسلوبه الهادي الرقيق ولم يستخدم العنف في دعوته، قال تعالي: ?وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ?().
وقال تعالي: ?وإِنَّكَ لَعَلي خُلُقٍ عَظِيمٍ?()، قوله تعالي: ?وإِنَّكَ? لي يا رسول الله ?لَعَلي خُلُقٍ عَظِيمٍ? إذ تحتمل المشاق والمتاعب في التبليغ بكل رحابة صدر، وقد أوذي صلي الله عليه و اله حتي قال: «ما أوذي نبي مثلما أوذيت» ()، فهو صلي الله عليه و اله القائل: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» ()، وكذلك روي عن أبي عبد الله عليه السلام قوله لبحر السقَّاء: «يا بحر، حسن الخلق يسر ثم قال ألا أخبرك بحديث ما هو في يدي أحد من أهل المدينة؟»
قلت: بلي.
قال: «بينا رسول الله صلي الله عليه و اله ذات يوم جالس في المسجد، إذ جاءت جارية لبعض الأنصار وهو قائم، فأخذت بطرف ثوبه، فقام لها النبي صلي الله عليه و اله فلم تقل شيئاً، ولم يقل النبي صلي الله عليه و اله شيئاً، حتي فعلت ذلك ثلاث مرات، فقام لها النبي صلي الله عليه و اله في الرابعة وهي خلفه فأخذت هُدبةً من ثوبه ثم رجعت، فقال لها الناس: فعل الله بك وفعل، حبست رسول الله صلي الله عليه و اله ثلاث مرات لا تقولين له شيئاً، ولا هو يقول لك شيئاً، ما كانت حاجتك إليه؟
قالت: إن لنا مريضاً فأرسلني أهلي لآخذ من هدبة من ثوبه ليستشفي بها، فلما أردت أخذها رآني فقام فاستحييت منه أن آخذها وهو يراني، وأكره أن أستأمره في أخذها فأخذتها» ().
والنماذج علي سيرة النبي المصطفي صلي الله عليه و اله في هذا المجال أكثر من أن تحصي، فمعاملته مع الأعرابي الذي جرّ برده وأثّر ذلك في رقبته الشريفة مشهورة ومتواترة، فقد روي أنس بن مالك قال: إنّ النبي صلي الله عليه و اله أدركه أعرابي فأخذ بردائه فجبذه جبذة شديدة حتي نظرت إلي صفحة عنق رسول الله صلي الله عليه و اله وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال له: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك.
فالتفت إليه رسول الله صلي الله عليه و اله فضحك وأمر له بعطاء().
فهو صلي الله عليه و اله الذي قيل فيه: كان رسول الله حييا لا يسأل شيئا إلا أعطاه، فهو صلي الله عليه و اله: أشد حياء من العذراء في خدرها().
وكذلك معاملة اللين والرفق التي استخدمها صلي الله عليه و اله مع قومه الذين شردوه وكذبوه، فهذا أبو سفيان وزوجته هند وهما من أعداء الرسول الأكرم صلي الله عليه و اله وغيرهما من أمثال وحشي الذي غدر بعم النبي صلي الله عليه و اله حمزة عليه السلام وقتله ومثَّل بجسده الشريف ماذا كان رد
النبي صلي الله عليه و اله عليهم؟
ذهب الأكثر من أرباب التفسير في قوله تعالي: ?إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ?() أن هذه الآية نزلت في المشركين وحشي وأصحابه، وذلك أنه لما قتل حمزة وكان قد جُعل له علي قتله أن يعتق، فلم يوف له بذلك، فلما قدم مكة ندم علي صنيعه هو وأصحابه، فكتبوا إلي رسول الله صلي الله عليه و اله: أنا قد ندمنا علي الذي صنعناه، وليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنا سمعناك تقول وأنت بمكة: ?وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ?()، الآيتان، وقد دعونا مع الله الها آخر، وقتلنا النفس التي حرم الله، وزنينا، فلولا هذه لاتبعناك، فنزلت الآية: ?إِلاَ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً?() الآية، فبعث بها رسول الله صلي الله عليه و اله إلي وحشي وأصحابه.
فلما قرؤوها كتبوا إليه: إن هذا شرط شديد نخاف أن لا نعمل صالحا، فلا نكون من أهل هذه الآية، فنزل: ?إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء?() فبعث بها إليهم فقرؤوها.
فبعثوا إليه: إنا نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته، فنزل: ?يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَي أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً?() فبعث بها إليهم، فلما قرؤوها، دخل هو وأصحابه في الإسلام، ورجعوا إلي رسول الله صلي الله عليه و اله، فقبل منهم. ثم قال لوحشي: «أخبرني كيف قتلت حمزة؟» فلما أخبره قال: «ويحك، غيب وجهك عني»، فلحق وحشي بعد ذلك بالشام، وكان بها إلي أن مات.
وفي خبر آخر أنه صلي الله عليه و اله سأله: «أنك لما أخرجت قلب حمزة ما رأيت فيه؟» قال وحشي: رأيت فيه خرقا ورصعا، فقال: «نعم مات له ابن وبنت، فالابن خرق القلب، والابنة رصعته» ثم قال له: «غيب وجهك عني».
فقال الوحشي: نبي وحقود؟!
فقال: «لست بحقود، ولكني إذا رأيتك تجدد علي حزني بحمزة» فذهب إلي الشام().
ولم يعاقبه النبي صلي الله عليه و اله علي تجاسره هذا.
وروي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «لما كان فتح مكة قال رسول الله صلي الله عليه و اله: عند من المفتاح؟.
قالوا: عند أم شيبة، فدعا شيبة فقال: اذهب إلي أمك فقل لها ترسل بالمفتاح.
فقالت: قل له: قتلت مقاتلنا وتريد أن تأخذ منا مكرمتنا؟
إلي أن قال فوضعته في يد الغلام فأخذه ودعا لأحد المسلمين فقال له: هذا تأويل رؤياي من قبل.
ثم قام صلي الله عليه و اله ففتحه، وستره فمن يومئذ يستر، ثم دعا الغلام فبسط رداءه فجعل فيه المفتاح و قال: رده إلي أمك.
قال: ودخل صناديد قريش الكعبة وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم فأتي رسول الله صلي الله عليه و اله البيت وأخذ بعضادتي الباب ثم قال:
لا إله إلا الله أنجز وعده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، ثم قال: ما تظنون وما أنتم قائلون؟
فقال سهيل بن عمرو: نقول خيرا ونظن خيرا، أخ كريم وابن عم.
قال: فإني أقول لكم كما قال أخي يوسف: ?لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ?() ألا إن كل دم ومال ومأثرة كان في الجاهلية فإنه موضوع تحت قدمي، إلا سدانة الكعبة وسقاية الحاج فإنهما مردودتان إلي أهليهما. ألا إنّ مكة محرمة بتحريم الله لم تحل لأحد كان قبلي ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، فهي محرمة إلي أن تقوم الساعة لا يختلي خلاها ولا يقطع شجرها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد، ثم قال: ألا لبئس جيران النبي كنتم، لقد كذبتم وطردتم وأخرجتم وفللتم ثم ما رضيتم حتي جئتموني في بلادي تقاتلوني، فاذهبوا فأنتم الطلقاء.
فخرج القوم كأنما أنشروا من القبور ودخلوا في الإسلام.
وقال: ودخل رسول الله صلي الله عليه و اله مكة بغير إحرام وعليهم السلاح، ودخل البيت لم يدخله في حج ولا عمرة ودخل وقت الظهر، فأمر بلالا فصعد علي الكعبة وأذن، فقال عكرمة: والله إن كنت لأكره أن أسمع صوت ابن رياح ينهق علي الكعبة، وقال خالد بن أسيد: الحمد لله الذي أكرم أبا عتاب من هذا اليوم أن يري ابن رياح قائما علي الكعبة. قال سهيل: هي كعبة الله وهو يري ولو شاء لغير قال وكان أقصدهم. وقال أبو سفيان: أما أنا فلا أقول شيئا والله لو نطقت لظننت أن هذه الجدر تخبر به محمدا.
وبعث صلي الله عليه و اله إليهم فأخبرهم بما قالوا، فقال عتاب: قد والله قلنا يا رسول الله ذلك فنستغفر الله ونتوب إليه، فأسلم وحسن إسلامه وولاه رسول الله صلي الله عليه و اله مكة» ().
نعم، مع كل هذه الأعمال التي عملها هؤلاء، عفي عنهم الرسول الأكرم صلي الله عليه و اله عندما ظفر بهم في فتح مكة.
فهذه النماذج من الأعمال التي قام بها رسول الإنسانية صلي الله عليه و اله تجاه أعدائه هي دروس وعبر أراد منها صلي الله عليه و اله تعليم الناس المنهج الحق وسلوك طريق اللاعنف.

منهج أهل البيت عليهم السلام

إن منهج اللاعنف والرفق هو المنهج والسلوك الذي سار عليه آل البيت عليهم السلام، فكل إمام من أئمة الهدي له سفر خالد في مجال اللين والهداية. فالإمام أمير المؤمنين عليه السلام يقول في كتابه لمالك الأشتر عندما ولاه مصر: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر في عهده إليه حين ولاه مصر جباية خراجها وجهاد عدوها واستصلاح أهلها وعمارة بلادها.
أمره بتقوي الله وإيثار طاعته واتباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد إلا باتباعها و لا يشقي إلا مع جحودها وإضاعتها».
ثم قال عليه السلام: «ثم اعلم يا مالك، أني قد وجهتك إلي بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور، وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم، وإنما يستدل علي الصالحين بما يجري الله لهم علي ألسن عباده، فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح، فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك، فإن الشح بالنفس الإنصاف منها فيما أحبت أو كرهت، وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل ويؤتي علي أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضي أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك والله فوق من ولاك وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم».
ثم قال عليه السلام: «ولا تندمن علي عفو، ولا تبجحن بعقوبة، ولا تسرعن إلي بادرة وجدت منها مندوحة، ولا تقولن إني مؤمر آمر فأطاع؛ فإن ذلك إدغال في القلب ومنهكة للدين وتقرب من الغير، وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة أو مخيلة فانظر إلي عظم ملك الله فوقك وقدرته منك علي ما لا تقدر عليه من نفسك، فإن ذلك يطامن إليك من طماحك ويكف عنك من غربك ويفي‌ء إليك بما عزب عنك من عقلك.
إياك ومساماة الله في عظمته، والتشبه به في جبروته، فإن الله يذل كل جبار ويهين كل مختال، أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوي من رعيتك، فإنك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته، وكان لله حرباً حتي ينزع أو يتوب، وليس شي‌ء أدعي إلي تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة علي ظلم، فإن الله سميع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد، وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل وأجمعها لرضي الرعية».
ثم قال عليه السلام: «وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعايب الناس، فإن في الناس عيوباً الوالي أحق من سترها، فلا تكشفن عما غاب عنك منها، فإنما عليك تطهير ما ظهر لك، والله يحكم علي ما غاب عنك، فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره من رعيتك، أطلق عن الناس عقدة كل حقد، واقطع عنك سبب كل وتر، وتغاب عن كل ما لا يضح لك».
ثم قال عليه السلام: «والصق بأهل الورع والصدق، ثم رُضهم علي ألا يطروك، ولا يبجحوك بباطل لم تفعله، فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو وتدني من العزة، ولا يكونن المحسن والمسي‌ء عندك بمنزلة سواء؛ فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة علي الإساءة، وألزم كلا منهم ما ألزم نفسه.
واعلم أنه ليس شي‌ء بأدعي إلي حسن ظن راع برعيته من إحسانه إليهم وتخفيفه المئونات عليهم و ترك استكراهه إياهم علي ما ليس له قبلهم، فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك، فإن حسن الظن يقطع عنك نصبا طويلا، وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده، وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده».
ثم قال عليه السلام: «واعلم أن الرعية طبقات، لا يصلح بعضها إلا ببعض، ولا غني ببعضها عن بعض، فمنها جنود الله، ومنها كتاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل، ومنها عمال الإنصاف والرفق، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس، ومنها التجار وأهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلي من ذوي الحاجة والمسكنة، وكل قد سمي الله له سهمه ووضع علي حده، فريضةً في كتابه، أو سنة نبيه صلي الله عليه و اله عهداً منه عندنا محفوظاً.
فالجنود بإذن الله حصون الرعية، وزين الولاة، وعز الدين وسبل الأمن، وليس تقوم الرعية إلا بهم، ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج، الذي يقوون به علي جهاد عدوهم، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم، ويكون من وراء حاجتهم، ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال و الكتاب، لما يحكمون من المعاقد و يجمعون من المنافع ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها، ولا قوام لهم جميعاً إلا بالتجار وذوي الصناعات، فيما يجتمعون عليه من مرافقهم، ويقيمونه من أسواقهم، ويكفونهم من الترفق بأيديهم ما لا يبلغه رفق غيرهم. ثم الطبقة السفلي من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم، وفي الله لكل سعة، ولكل علي الوالي حق بقدر ما يصلحه، وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك إلا بالاهتمام والاستعانة بالله وتوطين نفسه علي لزوم الحق والصبر عليه فيما خف عليه أو ثقل.
فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك، وأنقاهم جيباً وأفضلهم حلماً، ممن يبطئ عن الغضب، ويستريح إلي العذر، ويرأف بالضعفاء، وينبو علي الأقوياء، وممن لا يثيره العنف، ولا يقعد به الضعف.
ثم الصق بذوي المروءات والأحساب، وأهل البيوتات الصالحة، والسوابق الحسنة. ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة؛ فإنهم جماع من الكرم، وشعب من العرف، ثم تفقد من أمورهم ما يتفقد الوالدان من ولدهما، ولا يتفاقمن في نفسك شي‌ء قويتهم به، ولا تحقرن لطفاً تعاهدتهم به وإن قل، فإنه داعية لهم إلي بذل النصيحة لك وحسن الظن بك. ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالا علي جسيمها، فإن لليسير من لطفك موضعاً ينتفعون به، وللجسيم موقعاً لا يستغنون عنه. وليكن آثر رءوس جندك عندك من واساهم في معونته، وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم، حتي يكون همهم هماً واحداً في جهاد العدو، فإن عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك.
وإن أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد، وظهور مودة الرعية، وإنه لا تظهر مودتهم إلا بسلامة صدورهم ولا تصح نصيحتهم إلا بحيطتهم علي ولاة الأمور، وقلة استثقال دولهم وترك استبطاء انقطاع مدتهم، فافسح في آمالهم، وواصل في حسن الثناء عليهم، وتعديد ما أبلي ذوو البلاء منهم؛ فإن كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهز الشجاع وتحرض الناكل إن شاء الله».
ثم قال عليه السلام: «ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك، ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادي في الزلة، ولا يحصر من الفي‌ء إلي الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه علي طمع، ولا يكتفي بأدني فهم دون أقصاه، وأوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم، وأصبرهم علي تكشف الأمور، وأصرمهم عند اتضاح الحكم، ممن لا يزدهيه إطراء، ولا يستميله إغراء، وأولئك قليل. ثم أكثر تعاهد قضائه، وافسح له في البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته إلي الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك؛ ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك، فانظر في ذلك نظراً بليغاً، فإن هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار يعمل فيه بالهوي، وتطلب به الدنيا.
ثم انظر في أمور عمالك، فاستعملهم اختباراً، ولا تولهم محاباة وأثرة، فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة، وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام المتقدمة؛ فإنهم أكرم أخلاقاً وأصح أعراضاً، وأقل في المطامع إشراقاً، وأبلغ في عواقب الأمور نظراً».
ثم قال عليه السلام: «وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم؛ لأن الناس كلهم عيال علي الخراج وأهله، وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج؛ لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ولم يستقم أمره إلا قليلا، فإن شكوا ثقلا أو علة أو انقطاع شرب أو بالة أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بها عطش، خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم، ولا يثقلن عليك شي‌ء خففت به المئونة عنهم، فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك، وتزيين ولايتك، مع استجلابك حسن ثنائهم، وتبجحك باستفاضة العدل فيهم، معتمداً فضل قوتهم بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم، والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم ورفقك بهم، فربما حدث من الأمور ما إذا عولت فيه عليهم من بعد احتملوه طيبة أنفسهم به، فإن العمران محتمل ما حملته وإنما يؤتي خراب الأرض من إعواز أهلها، وإنما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة علي الجمع، وسوء ظنهم بالبقاء، وقلة انتفاعهم بالعبر».
ثم قال عليه السلام: «ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات وأوص بهم خيراً، المقيم منهم والمضطرب بماله والمترفق ببدنه فإنهم مواد المنافع وأسباب المرافق وجلابها من المباعد والمطارح في برك وبحرك وسهلك وجبلك، وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ولا يجترءون عليها، فإنهم سلم لا تخاف بائقته، وصلح لا تخشي غائلته، وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك».
ثم قال عليه السلام: «ثم الله الله في الطبقة السفلي من الذين لا حيلة لهم، من المساكين والمحتاجين وأهل البؤسي والزمني، فإن في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً، واحفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسماً من بيت مالك، وقسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلد، فإن للأقصي منهم مثل الذي للأدني، وكل قد استرعيت حقه، ولا يشغلنك عنهم بطر، فإنك لا تعذر بتضييعك التافه لإحْكامك الكثير المهم، فلا تشخص همك عنهم ولا تصعر خدك لهم، وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم، ممن تقتحمه العيون وتحقره الرجال، ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع، فليرفع إليك أمورهم، ثم اعمل فيهم بالإعذار إلي الله يوم تلقاه؛ فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلي الإنصاف من غيرهم، وكل فأعذر إلي الله في تأدية حقه إليه، وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه، وذلك علي الولاة ثقيل والحق كله ثقيل، و قد يخففه الله علي أقوام طلبوا العاقبة فصبّروا أنفسهم، ووثقوا بصدق موعود الله لهم. واجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلساً عاماً، فتتواضع فيه لله الذي خلقك وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك؛ حتي يكلمك متكلمهم غير متتعتع، فإني سمعت رسول الله صلي الله عليه و اله يقول في غير موطن: لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع. ثم احتمل الخرق منهم و العي و نح عنهم الضيق والأنَف، يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته، ويوجب لك ثواب طاعته، وأعط ما أعطيت هنيئاً وامنع في إجمال وإعذار».
ثم قال عليه السلام: «وإذا قمت في صلاتك للناس فلا تكونن منفراً ولا مضيعاً، فإن في الناس من به العلة وله الحاجة، وقد سألت رسول الله صلي الله عليه و اله حين وجهني إلي اليمن: كيف أصلي بهم؟ فقال: صل بهم كصلاة أضعفهم، وكن بالمؤمنين رحيماً.
وأما بعد فلا تطولن احتجابك عن رعيتك؛ فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالأمور، والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير، ويقبح الحسن ويحسن القبيح، ويشاب الحق بالباطل، و إنما الوالي بشر لا يعرف ما تواري عنه الناس به من الأمور، وليست علي الحق سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب، وإنما أنت أحد رجلين، إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق، ففيم احتجابك من واجب حق تعطيه، أو فعل كريم تسديه، أو مبتلي بالمنع، فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك، مع أن أكثر حاجات الناس إليك مما لا مئونة فيه عليك من شكاة مظلمة، أو طلب إنصاف في معاملة».
ثم قال عليه السلام: «وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد، وكن في ذلك صابراً محتسباً واقعاً ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع، وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه، فإن مغبة ذلك محمودة.
وإن ظنت الرعية بك حيفاً فأصحر لهم بعذرك واعدل عنك ظنونهم بإصحارك، فإن في ذلك رياضةً منك لنفسك، ورفقاً برعيتك وإعذاراً تبلغ به حاجتك من تقويمهم علي الحق. ولا تدفعن صلحاً دعاك إليه عدوك ولله فيه رضًا؛ فإن في الصلح دعةً لجنودك، وراحةً من همومك وأمناً لبلادك».
ثم قال عليه السلام: «وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة، أو ألبسته منك ذمة، فحط عهدك بالوفاء وارع ذمتك بالأمانة، واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت، فإنه ليس من فرائض الله شي‌ء الناس أشد عليه اجتماعاً مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود، وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين، لما استوبلوا من عواقب الغدر، فلا تغدرن بذمتك ولا تخيسن بعهدك، ولا تختلن عدوك؛ فإنه لا يجترئ علي الله إلا جاهل شقي، وقد جعل الله عهده وذمته أمناً أفضاه بين العباد برحمته، وحريماً يسكنون إلي منعته، ويستفيضون إلي جواره، فلا إدغال ولا مدالسة ولا خداع فيه».
ثم قال عليه السلام: «إياك والدماء وسفكها بغير حلها، فإنه ليس شي‌ء أدعي لنقمة، ولا أعظم لتبعة، ولا أحري بزوال نعمة، وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها، والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام؛ فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه، بل يزيله وينقله، ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد؛ لأن فيه قود البدن. وإن ابتليت بخطأ، وأفرط عليك سوطك، أو سيفك، أو يدك، بالعقوبة، فإن في الوكزة فما فوقها مقتلة، فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي إلي أولياء المقتول حقهم، وإياك والإعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها، وحب الإطراء؛ فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه، ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين. وإياك والمن علي رعيتك بإحسانك، أو التزيد فيما كان من فعلك، أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك، فإن المن يبطل الإحسان، والتزيد يذهب بنور الحق، والخلف يوجب المقت عند الله والناس، قال الله تعالي: ?كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ?()».
ثم قال عليه السلام: «وإياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة والتغابي عما تعني به، مما قد وضح للعيون، فإنه مأخوذ منك لغيرك، وعما قليل تنكشف عنك أغطية الأمور، وينتصف منك للمظلوم، املك حمية أنفك وسورة حدك وسطوة يدك وغرب لسانك، واحترس من كل ذلك بكف البادرة وتأخير السطوة، حتي يسكن غضبك، فتملك الاختيار، ولن تحكم ذلك من نفسك حتي تكثر همومك بذكر المعاد إلي ربك.
والواجب عليك أن تتذكر ما مضي لمن تقدمك من حكومة عادلة، أو سنة فاضلة، أو أثر عن نبينا صلي الله عليه و اله، أو فريضة في كتاب الله، فتقتدي بما شاهدت مما عملنا به فيها، وتجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا، واستوثقت به من الحجة لنفسي عليك؛ لكيلا تكون لك علة عند تسرع نفسك إلي هواها، وأنا أسأل الله بسعة رحمته وعظيم قدرته، علي إعطاء كل رغبة أن يوفقني وإياك لما فيه رضاه من الإقامة علي العذر الواضح إليه وإلي خلقه، مع حسن الثناء في العباد وجميل الأثر في البلاد، وتمام النعمة و تضعيف الكرامة، وأن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة، إنا إليه راجعون، والسلام علي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم الطيبين الطاهرين، وسلم تسليماً كثيراً، والسلام» ().
نعم، بهذا الشكل والنموذج كانت جميع توجيهاته وتصرفاته(صلوات الله وسلامه عليه) مع الناس مبنية علي منهج النصح الهادئ البعيد عن التجريح والعنف، فالخوارج الذين شهروا سيوفهم بوجه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وأصحابه وأقاموا عليه حرباً ضروساً، راح ضحيتها الآلاف من المؤمنين، ومع ذلك رأينا أن التاريخ حفظ لنا: أنه لم يقطع عطاء الخوارج من بيت المال. فهل هناك حرية وأخلاق ولين ورحمة كهذه علي مر التاريخ().
وإنّ من أظهر مصاديق اللاعنف في الحوار والتعامل مع المخالف في الرأي هو ما يتبين ويظهر جلياً في وسيرة أئمة أهل البيت عليهم السلام مع معارضيهم والمخالفين لهم بالرأي بل حتي مع أشد المحاربين، حتي أن المخالف لايقوم عن مجلسهم إلا معترفا بفضلهم وعلمهم مقراً بأن الله جعلهم مستودع علمه وحكمته، فيقوم القائم منهم وهو يردد: الله أعلم حيث يضع رسالة.

هل تعرف الصلاة؟

روي عن أبي حازم قال: قال رجل لزين العابدين عليه السلام: تعرف الصلاة؟ فحملت عليه، فقال عليه السلام: «مهلًا يا أبا حازم، فإن العلماء هم الحلماء الرحماء» ثم واجه السائل فقال: «نعم أعرفها» فسأله عن أفعالها وتروكها وفرائضها ونوافلها حتي بلغ قوله: ما افتتاحها؟
قال: «التكبير».
قال: ما برهانها؟
قال: «القراءة».
قال: ما خشوعها؟
قال: «النظر إلي موضع السجود».
قال: ما تحريمها؟
قال: «التكبير».
قال: ما تحليلها؟
قال: «التسليم».
قال: ما جوهرها؟
قال: «التسبيح».
قال: ما شعارها؟
قال: «التعقيب».
قال: ما تمامها؟
قال: «الصلاة علي محمد و آل محمد».
قال: ما سبب قبولها؟
قال: «ولايتنا والبراءة من أعدائنا».
فقال: ما تركت لأحد حجةً ثم نهض يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته و تواري().

أي شيء تعبد؟

وعن عبد الله بن سنان عن أبيه قال: حضرت أبا جعفر محمد بن علي الباقر ? ودخل عليه رجل من الخوارج فقال: يا أبا جعفر، أي شي‌ء تعبد؟
قال: «الله».
قال: رأيته؟
قال: «لم تره العيون بمشاهدة العيان ورأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يعرف بالقياس ولا يدرك بالحواس و لا يشبه بالناس، موصوف بالآيات معروف بالعلامات، لا يجور في حكمه، ذلك الله لا إله إلا هو» قال: فخرج الرجل وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته().

الموعظة المهذبة

وروي: أن طاوسٌ اليماني دخل علي جعفر بن محمد الصادق عليه السلام وكان عليه السلام يعلم أنه يقول بالقدر، فقال له: «يا طاوس، من أقبل للعذر من الله ممن اعتذر وهو صادق في اعتذاره؟».
فقال له: لا أحد أقبل للعذر منه.
فقال له: «من أصدق ممن قال: لا أقدر وهو لا يقدر؟».
فقال طاوس: لا أحد أصدق منه.
فقال له الصادق عليه السلام: «يا طاوس، فما بال من هو أقبل للعذر لا يقبل عذر من قال لا أقدر وهو لا يقدر؟!».
فقام طاوس وهو يقول: ليس بيني وبين الحق عداوة، والله أعلم حيث يجعل رسالاته فقد قبلت نصيحتك().

إنني أصلحت أمره

وروي: أن رجلا من ولد عمر بن الخطاب كان بالمدينة يؤذي أبا الحسن موسي عليه السلام ويسبه إذا رآه ويشتم عليا عليه السلام، فقال له بعض حاشيته يوما للإمام عليه السلام : دعنا نقتل هذا الفاجر، فنهاهم عن ذلك أشد النهي وزجرهم، وسأل عن العمري فذكر أنه يزرع بناحية من نواحي المدينة، فركب إليه فوجده في مزرعة له فدخل المزرعة بحماره، فصاح به العمري: لا توطئ زرعنا، فتوطأه عليه السلام بالحمار حتي وصل إليه، ونزل وجلس عنده وباسطه وضاحكه، وقال له: «كم غرمت علي زرعك هذا؟».
قال: مائة دينار.
قال: «فكم ترجو أن تصيب؟».
قال: لست أعلم الغيب.
قال له: «إنما قلت كم ترجو أن يجيئك فيه؟».
قال: أرجو أن يجي‌ء مائتا دينار.
قال: فأخرج له أبو الحسن عليه السلام صرة فيها ثلاثمائة دينار وقال: «هذا زرعك علي حاله والله يرزقك فيه ما ترجو».
قال: فقام العمري فقبل رأسه و سأله أن يصفح عن فارطه، فتبسم إليه أبو الحسن وانصرف، قال: وراح إلي المسجد فوجد العمري جالسا فلما نظر إليه قال: الله أعلم حيث يجعل رسالاته، قال: فوثب أصحابه إليه فقالوا له: ما قضيتك قد كنت تقول غير هذا؟!
قال: فقال لهم: قد سمعتم ما قلت الآن، وجعل يدعو لأبي الحسن عليه السلام فخاصموه وخاصمهم، فلما رجع أبو الحسن إلي داره قال لجلسائه الذين سألوه في قتل العمري: «أيما كان خيرا، ما أردتم أم ما أردت؟ إنني أصلحت أمره بالمقدار الذي عرفتم وكفيت به شره» ().

أنت احب خلق الله إلي

وروي المبرد وابن عائشة أن شاميا رآه أي الإمام الحسن الزكي عليه السلام راكباً، فجعل يلعنه والحسن لا يرد، فلما فرغ أقبل الحسن عليه السلام فسلم عليه وضحك، وقال: «أيها الشيخ، أظنك غريبا ولعلك شبهت، فلو استعتبتنا أعتبناك و لو سألتنا أعطيناك ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا أحملناك، وإن كنت جائعا أشبعناك، وإن كنت عريانا كسوناك، وإن كنت محتاجا أغنيناك، وإن كنت طريدا آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حركت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلي وقت ارتحالك كان أعود عليك؛ لأن لنا موضعا رحبا وجاها عريضا ومالا كبيراً».
فلما سمع الرجل كلامه بكي ثم قال: أشهد أنك خليفة الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالاته، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إلي والآن أنت أحب خلق الله إلي، وحول رحله إليه وكان ضيفه إلي أن ارتحل و صار معتقدا لمحبتهم().

طب نفسا

وقال الواقدي: كان هشام بن إسماعيل يؤذي علي بن الحسين عليه السلام في إمارته، فلما عزل أمر به الوليد أن يوقف للناس، فقال: ما أخاف إلا من علي بن الحسين ?، فمر به علي بن الحسين عليه السلام وقد وقف عند دار مروان، وكان علي عليه السلام قد تقدم إلي خاصته: «ألا يعرض له أحد منكم بكلمة» فلما مر ناداه هشام: الله أعلم حيث يجعل رسالاته.
وزاد ابن فياض في الرواية في كتابه: أن زين العابدين عليه السلام أنفذ إليه وقال: «انظر إلي ما أعجزك من مال تؤخذ به فعندنا ما يسعك، فطب نفسا منا ومن كل من يطيعنا».
فنادي هشام: الله أعلم حيث يجعل رسالاته().
وشتم بعضهم زين العابدين (صلوات الله عليه) فقصده غلمانه فقال: «دعوه فإن ما خفي منا أكثر مما قالوا» ثم قال له: «ألك حاجة يا رجل؟».
فخجل الرجل فأعطاه ثوبه وأمر له بألف درهم، فانصرف الرجل صارخا يقول: أشهد أنك ابن رسول الله().

أشهد أنك من أولاد الرسل

وكان علي بن الحسين عليه السلام خارجا من المسجد فلقيه رجل فسبه، فثارت إليه العبيد والموالي، فقال علي بن الحسين ?: «مهلا عن الرجل» ثم أقبل عليه فقال: «ما ستر عنك من أمرنا أكثر أ لك حاجة نعينك عليها».
فاستحيا الرجل و رجع إلي نفسه، فألقي عليه خميصة كانت عليه وأمر له بألف درهم، قال: فكان الرجل يقول بعد ذلك: أشهد أنك من أولاد الرسل().

وعنك أغضي

واستطال رجل علي علي بن الحسين عليه السلام فتغافل عنه، فقال له الرجل: إياك أعني، فقال له علي بن الحسين عليه السلام: «وعنك أغضي» ().

ولا يستخفنك الذين لا يوقنون

قال الإمام الصادق: «إن علياً عليه السلام كان في صلاة الصبح فقرأ ابن الكواء وهو خلفه: ?وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَي الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ?.
فأنصت علي عليه السلام تعظيماً للقرآن حتي فرغ من الآية، ثم عاد في قراءته.
ثم أعاد ابن الكواء الآية فأنصت علي عليه السلام أيضاً، ثم قرأ فأعاد ابن الكواء فأنصت علي عليه السلام ثم قال عليه السلام: ?فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ? ثم أتم السورة ثم ركع» ().

اللاعنف عند العلماء

أنشد شاعر قصيدة هجا فيها المرجع الكبير السيد أبو الحسن الأصفهاني ?() من المراجع، وينقل عن الشاعر نفسه أنه قال: في أحد أيام الصيف وكان الوقت ظهراً شديد الحر، وبينما كنت جالساً في منزلي سمعت الباب يطرق وعندما ذهبت وفتحت الباب وإذا بذلك المرجع يقف خلف الباب، فاستغربت كثيراً!
وبعد أن سلم علي قال: أتقبلني أن أكون ضيفك، فقلت له بتعتعة لسان: تفضل.
فدخل، فتحرجت وتألمت كثيراً، وقلت في نفسي: لربما أن السيد سمع تلك القصيدة.
وبعد أن تفقد أحوالي، قال لي: ألا تقرأ لي تلك الأبيات التي أنشدتها، فامتنعت إلا أنني بعد إلحاح السيد وإصراره قرأت القصيدة، ولكني كنت في حالة يرثي لها من الخجل الشديد وبعد إتمام القصيدة وطبقاً لما تعارف عليه الناس هناك في العراق حيث كانوا يكرمون الشعراء وأهل الأدب أخرج السيد ظرفاً من جيبه وناولني إياه قائلاً: خذ هذه الهدية. ثم انصرف، عندئذ عرفت مكارم أخلاقه التي تعلمها من أهل بيت النبوة عليهم السلام وأنه المتخرج من تلك المدرسة الإلهية، فقررت أن لا أعود لمثلها أبداً.
هذا التصرف الذي أبداه هذا العالم الجليل تجاه الشاعر الذي هجاه، لهو نابع عن إيمان صادق ووعي صحيح واتباع لأوامر الله سبحانه وتعالي، واقتداء بسيرة الرسول الأعظم صلي الله عليه و اله والأئمة الهداة عليهم السلام وتطبيقاً لما قال تعالي: ?لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ?() وعلي ضوء ذلك جني ثماره في الدنيا حيث ضمن بأن هذا الشاعر لا يهجوه بعد ذلك وكسب وده واحترامه، وكذلك احترام الناس، فضلاً عن نيل ثواب ذلك العمل في الآخرة.
قال تعالي: ?وَسَارِعُوا إِلَي مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ? الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ..?().

الاختلاف السلبي والإيجابي

قال تعالي: ?وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ?().
وقال تبارك وتعالي: ?وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ?().
إنّ الاختلاف ليس حالة سلبية دائماً، وإنما قد تكون حالة ايجابية محفّزة نحو اختيار السبيل الأمثل والاستفادة من وجهات النظر المختلفة. فالاختلاف حالة طبيعية في حياة الإنسان وخصوصاً في الرأي وهذه سنة الله تعالي في الكون، ولكن نتيجة لقلة الوعي وضيق الصدر يصبح هذا الاختلاف سبباً للتصارع والتصادم بين الناس فيصبح الإنسان نتيجة لذلك عنيفاً في تصرفاته وسلوكه الخارجي بل حتي مع نفسه، ويبني أغلب أموره وعلاقاته علي أساس العنف والخشونة وعدم إبداء المرونة في تقبل الرأي المخالف لرأيه، وهذا هو الاختلاف السلبي.
إذاً الاختلاف علي قسمين: منه سلبي، إذا كان يؤدي إلي صراع وتقاتل، وإيجابي إذا أدي إلي التنافس الشريف المبني علي أساس القواعد السلمية، فمن اللازم علينا أن يكون خلافنا من القسم الثاني إيجابياً وأن نتمتع ببعد نظر وصدر واسع، يتسع لاستقبال الآراء المغايرة لوجهات نظرنا، وأن نستثمر هذا الاختلاف لنخرج بالرأي الصائب ونرتقي إلي هذه الحالة الإيجابية في توظيف الخلاف لخدمة قضايانا الإسلامية فقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: «أضربوا بعض الرأي ببعض يتولد منه الصواب» ().
وقال عليه السلام: «من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ» ().
أما حالة العنف والخشونة الناتجة من الاختلاف السلبي من دون مبرر سوي اختلاف وجهات النظر، فتعني التوقف في بداية المشوار والاصطدام مع الآخرين نتيجة لقلة الوعي وضيق الأفق، وخير شاهد علي ذلك: أننا نري في البلدان التي يحكمها حزب واحد أن هذا الحزب يمسك بزمام الأمور بالقوة والعنف ويفرض وجهة نظره علي كافة الأصعدة ويخضع الآخرين لأسلوب تفكيره، فتكون نسبة الخطأ في اتخاذ مواقفه عالية جداً لأنه ينظر للحياة من زاوية ضيقة؛ لذلك نري ضرورة الاهتمام بآراء ووجهات نظر الآخرين واحترامها، حتي نتمكن من التفاهم حول القضايا المختلف عليها. وعلي العكس من ذلك فإن إهمال وتجاهل آراء الآخرين عند الاختلاف حول القضايا هي التي تؤدي إلي نشوب التباغض ومن ثم خسران العمل.
سئل أحد رؤساء الدول الغربية(): من هو الشخص الذي يستطيع أن يصبح رئيساً للجمهورية من بعدك؟
فقال: ذلك الشخص الذي يتمتع كحد أدني بتحمل اختلاف الرأي.
قال أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: «من جهل وجوه الآراء أعيته الحيل» ().
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: «رأس السياسة استعمال الرفق» ().

أسباب الاختلاف

الاختلاف وخصوصاً في الرأي ينشأ بسبب أمور منها:
1: الاختلاف في الاجتهاد، مثلاً: إن المرحوم الوالد ?() كان رأيه الفقهي أن الكر يساوي 36 شبراً مكعباً من الماء، وكذلك المرحوم السيد عبد الهادي الشيرازي ?()، في الوقت الذي كان المرحوم الحاج حسين القمي ?() يري أن الكر هو ما وصل إلي 43 شبراً مكعباً تقريباً وهناك من الفقهاء من يقول بكون الكر 27 شبراً، والحال أن هؤلاء الفقهاء درسوا معاً، وربما كان أحدهم ملازماً للآخر وربما عاشوا في مكان واحد أيضاً، ولكن مع ذلك كانت اجتهاداتهم مختلفة وهذا أمر طبيعي يرتبط بقدرة الاستنباط الشرعي.
2: الاختلاف في المصالح، هناك اختلاف يحدث أحياناً نتيجة لمصالح الحياة المتباينة. فمثلاً، عندما كنا في كربلاء المقدسة كنا دائماً نستيقظ من النوم مبكراً ونبدأ بممارسة نشاطاتنا اليومية من درس وبحث وتدريس قد يطول إلي منتصف الليل، وعند عودتنا إلي المنزل نكون متعبين جداً فيصادف في هذا الوقت المتأخر من منتصف الليل أن يطرق الباب أناس يطلبون منا أن نقدم لهم بعض الخدمات لرفع الاختلاف الذي حصل فيما بينهم أو لقضاء بعض حوائجهم وتخفيف معاناتهم، وكان ذلك يحول دون راحتنا وراحة عائلتنا، فهنا ينشب التعارض بين المصلحتين وهذا طبيعي، وقد اعتاد الناس عليه بمراجعة أمثالنا لقضاء حوائجهم. أو كمثال آخر في الزمان السابق حيث كان الأطباء يداوون مرضاهم في بيوتهم كما كان هو المعتاد في ذلك الزمان وقد يتضايق الطبيب وعائلته حينما يأتي المريض ليلاً يتأوه من الألم ويبكي فيؤدي ذلك إلي انزعاجهم وسلب راحتهم فيحصل تعارض بين المصالح، مصلحة الطبيب التي هي راحته وراحة عائلته، ومصلحة المريض الذي يريد التداوي ودفع الآلام، وهذه الاختلافات هي من مصالح الحياة الشخصية وهي اختلافات طبيعية.
3: اختلاف العالِم والجاهل، غالباً ما نري الاختلاف قائماً بين العالم والجاهل في كثير من جوانب الحياة حتي المتعلقات الشخصية سواء كان في ما يتعلق بوجهات النظر أو فيما يتعلق بالمأكل والملبس.. فنتيجة العلم أن تكون الآراء متعقلة وموزونة وكذلك كل ما يتعلق به من أمور، ولذا يتصرف الإنسان العالم وفق القوانين والموازين السليمة عادة، علي العكس من الجاهل الذي تكون تصرفاته غير مدروسة عادة، فالعالم تبرز رؤيته وتحليله للحياة بأسلوب يختلف عن الرؤية والتحليل الذي يتبعه الجاهل تماماً، وقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «الجاهل يستوحش مما يأنس به الحكيم» ().
وقال عليه السلام: «الجاهل لا يعرف العالم لأنه لم يكن قبل عالماً» ().
والعالِم مكلف شرعاً أن يرشد الجاهلين ويعلمهم، لا أن يصطدم معهم ويغيضهم، ومما ورد في مسؤولية العالم تجاه الجاهل عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «ما أخذ الله علي أهل الجهل أن يتعلموا حتي أخذ علي أهل العلم أن يُعلموا» ().
وقال عليه السلام: «علي العالم أن يتعلم ما لم يعلم، ويعلم الناس ما قد علم» ().
وهذه الأقسام الثلاثة التي ذكرناها في الاختلاف لا تحتاج أبداً إلي العنف والخشونة وتعالي الأصوات، بل إن هذا سوف يزيد الأمور تعقيداً وصعوبة، وكل اختلاف مرهون بسببه ومراجعة مقدماته بكل لين وفهم المقابل.

اللاعنف والمناظرة

قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «ضبط النفس عند الرغب والرهب من أفضل الأدب» ().
وقال عليه السلام: «طلب التعاون علي إقامة الحق أمانة وديانة» ().
من الأمور التي اعتاد عليها بعض الناس في هذه الأيام عند المناظرة هو علو الصوت وافتعال الضوضاء لإرباك وتخويف الخصم، فتلاحظ عندما يناظر شخص شخصاً آخر يرفع صوته ويفتعل حركات مصطنعة لإخافة الطرف المقابل، وهذا الأسلوب غير صحيح؛ فالغلبة علي الخصم لا تأتي برفع الصوت والجدال غير المجدي، وإنما تأتي بالمناظرة الهادئة المبنية علي الأسس السليمة، وبالجدال الحسن عندما يكون ذلك بحاجة إلي البحث والحوار قال تعالي: ?ادْعُ إِلَي سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ?(). وقال أمير المؤمنين عليه السلام: «اللجوج لا رأي له» ().
وفي كلام آخر له عليه السلام يقول: «الإصرار شر الآراء» ().
وقال عليه السلام: «غير منتفع بالحكمة عقل معلول بالغضب والشهوة» ().
فإذا أردنا أن نصل مع الآخرين إلي الحل الصحيح والاجتماع علي رأي صائب فنحصل علي النتيجة المطلوبة، يلزم علينا أن نسلك طريقاً بعيداً عن العنف ونتبع أسلوب التفاهم بالحكمة والموعظة الحسنة والهدوء في معاملتنا مع الآخرين.
حينئذ نصل موفقين إن شاء الله تعالي إلي الغاية والهدف..

ثمار اللاعنف

قال تعالي: ?فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ? وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ?().
إنّ ثمرة الأعمال تتحدد حسب نوعية الاعمال التي يقوم بها الإنسان فثمرة الخير خير، وثمرة الشر شر، وتعود نتائج هذه الثمرة بالدرجة الأولي علي الإنسان نفسه فاذا عمل عملاً صالحاً فان نتائجه سوف تظهر لنفسه سواء في الدنيا أو في الآخرة أو في كليهما، وكذلك العمل غير الصالح، قال تعالي: ?مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا?().
وأسلوب الرفق واللين (اللاعنف) له نتائج وثمارٌ عملية إيجابية كثيرة منها علي سبيل المثال لا الحصر:
الأول: رضا الله تعالي
قال أمير المؤمنين عليه السلام: «توخ رضا الله وتوق سخطه وزعزع قلبك بخوفه» ().
يلزم أن يكون هدفنا في جميع أعمالنا هو رضا الله سبحانه وتعالي، فالإنسان في هذا الدنيا محاط بكثير من الأمور التي تحاول أن تجرفه إلي الهاوية، فعليه الحذر والحيطة واتباع الأسلوب الهادئ في جميع أموره.
سئل من أحد المراجع كيف أنت؟ قال: كيف بإنسان وضع قدميه في هذه الدنيا من غير اختيار، وهو يودع الدنيا من غير اختيار، وهو بين هذه وتلك جاهل ضعيف حيران.
لذا ينبغي علي الإنسان أن يكون يقظاً ويتجنب اللاعنف وسوء الخلق، وتكون جميع أعماله خالصة لله تعالي طالباً مرضاته تعالي في الغاية والوسيلة علي حد سواء، والقرآن الكريم، وأحاديث المعصومين عليهم السلام هي بحر زاخر بالمعاني والاشارات الظريفة التي لو تمسك بها الإنسان، لوصل إلي سعادته المنشودة، فقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: «تحر رضي الله وتجنب سخطه فإنه لا يد لك بنقمته، ولا غني بك عن مغفرته ولا ملجأ لك منه إلا إليه» ().
وفي كثير من الموارد حث القرآن الكريم، والسنة النبوية علي انتهاج الأسلوب اللين الرقيق؛ لأن في ذلك مرضاة الله تعالي، ومن يرضي الله عنه يجعل له مخرجاً في جميع أموره، فقال تبارك وتعالي: ?وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ? وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَي اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ … ?() فالثمرة الأولي والأساسية في اتباع أسلوب اللاعنف في الحياة هو رضا الله تعالي.
الثاني: الطمأنينة بين الناس
قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «الرفق يؤدي إلي السلم» ().
وقال عليه السلام: «ما استجلبت المحبة بمثل السخاء والرفق وحسن الخلق» ().
وقال عليه السلام: «من ترفق في الأمور أدرك أربه منها» ().
من الثمار الإيجابية لأسلوب اللاعنف في الحياة هو انتشار الأمان والطمأنينة بين الناس، وإذا استثنينا المعارك في زمن رسول الله صلي الله عليه و اله والإمام أمير المؤمنين عليه السلام لأنها كانت دفاعية بتمامها بعد نفاذ كل الطرق السلمية، فكثير من الحروب والصراعات الدولية والقبلية وحتي الشخصية التي قامت في الزمن الماضي وفي زماننا هذا لو بحثنا عن الأسباب التي أدت إليها لوجدنا بأن غالبيتها قامت بسبب التعصب وعدم التعقل (أي العنف والتهور)، ونحن هنا لا نريد ذكر احصائية عن الخسائر والويلات والخسائر البشرية والاقتصادية التي جرتها تلك الحروب والصراعات علي البشرية، وإنما نريد أن نذكر بان هذه الحروب والصراعات كان من الممكن تحاشيها لو أتبع أسلوب التفاهم والحوار بدلاً من أسلوب العنف ولأصبحت هذه الخسائر البشرية والاقتصادية أداة بناء في المجتمعات، فعلينا إذن أن نعتبر من تلك الدروس والعبر التي سطّرها ويسطّرها لنا التاريخ في الماضي وفي وقتنا هذا().
الثالث: محبوبية الإنسان
قال الإمام الصادق عليه السلام: «من كان رفيقاً في أمره نال ما يريد من الناس» ().
من الثمار الايجابية التي يجنيها الإنسان من سياسة اللاعنف في حياته هي محبوبية ذلك الإنسان في المجتمع والتفاف الناس حوله، فسياسة اللين والرفق التي كان الرسول الأعظم صلي الله عليه و اله يتبعها في تعامله مع الناس كان لها الأثر البليغ في دخول الناس في دعوته والالتفاف حوله قال تعالي: ?فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ?().
وهكذا جميع الأئمة الأطهار عليهم السلام الذين جرت الأخلاق السامية في نفوسهم مجري الدم في العروق، فهذا الإمام السجاد عليه السلام، يلتقي به شيخ من أهل الشام، والامام بحالة يرثي لها من الأسر والمعاناة، رجلاه مقيدتان بالحديد علي ظهر الناقة، يُسار به إلي يزيد بن معاوية، ومع هذا كله يقف الشيخ ويأخذ بزمام ناقة الإمام عليه السلام ويوجه له خطاباً عنيفاً ينم عن جهله بحقيقه الأمر، فيقول: الحمد لله الذي قتلكم وفضحكم، واكذب احدوثتكم، وأراح العباد والبلاد منكم.. فيقابل الإمام عليه السلام هذه الخشونة والغلظة بطيب الكلام ولين الأخلاق
فيقول عليه السلام: «يا شيخ هل قرأت القرآن؟».
فقال الشيخ: نعم ما أنت والقرآن؟
فقال عليه السلام: «يا شيخ، هل قرأت: ?قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَي?()؟».
فقال الشيخ: نعم، وما أنت وهذه الآية؟
وذكر له الإمام عليه السلام بعض آيات القربي ثم قال: «يا شيخ، والله نحن القربي!» () فلما استيقن الشيخ وعلم أن هذا هو ابن رسول الله صلي الله عليه و اله وهو مظلوم ثارت ثائرته ضد حكومة بني أمية الطاغية الباغية.
فهذه ثمرة اللاعنف حولت العدو إلي محب، فالإمام السجاد عليه السلام لم تثر ثائرته بوجه هذا الشيخ بل كلمه بلين ورفق حتي استطاع توصيل الحقيقة إليه.
نعم، إن المسلمين بأمس الحاجة إلي أن يعتبروا اللاعنف منهجاً وسلوكاً في جميع أعمالهم..
«اللهم صل علي محمد وآله، وحلني بحلية الصالحين، وألبسني زينة المتقين في بسط العدل، وكظم الغيظ، وإطفاء النائرة، وضم أهل الفرقة، وإصلاح ذات البين، وإفشاء العارفة، وستر العائبة، ولين العريكة وخفض الجناح، وحسن السيرة، وسكون الريح، وطيب المخالقة، والسبق إلي الفضيلة، وإيثار التفضل، وترك التعيير، والإفضال علي غير المستحق» ().

من هدي القرآن الحكيم

اللاعنف سلوك حسن
قال تعالي: ?وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً?().
وقال سبحانه: ?وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ?().
وقال عزوجل: ?وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَي اللهِ?().
بالعمل تنال الدرجات العلي
قال جل وعلا: ?وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ?().
وقال سبحانه: ?وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ?().
وقال تعالي: ?لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَي النُّورِ?().
وقال سبحانه: ?فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً?().
ثمار العمل
قال عزوجل: ?فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ? وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ?().
وقال جل وعلا: ? وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ?().
وقال سبحانه: ?وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ?().
وقال تعالي: ?أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ?().
الاختلاف
قال سبحانه: ?وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ?().
وقال عزوجل: ?مَا كَانَ النَّاسُ إِلاَ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ?().

من هدي السنة المطهرة

الله رفيق يحب الرفق

قال أبو جعفر عليه السلام: «إن الله عزوجل رفيق يحب الرفق، ويعطي علي الرفق ما لا يعطي علي العنف» ().
وقال أبو عبد الله عليه السلام: «إن الله تبارك وتعالي رفيقٌ يحب الرفق، فمن رفقه بعباده تسليله أضغانهم ومضادتهم لهواهم و قلوبهم، ومن رفقه بهم أنه يدعهم علي الأمر يريد إزالتهم عنه رفقاً بهم؛ لكيلا يلقي عليهم عري الإيمان ومثاقلته جملة واحدة فيضعفوا، فإذا أراد ذلك نسخ الأمر بالآخر فصار منسوخاً» ().
وقال أبو جعفر عليه السلام: «قال رسول الله صلي الله عليه و اله: إن هذا الدين متينٌ فأوغلوا فيه برفق، ولا تكرهوا عبادة الله إلي عباد الله؛ فتكونوا كالراكب المنبت الذي لا سفراً قطع و لا ظهراً أبقي» ().
وقال أبو عبد الله عليه السلام: «قال رسول الله صلي الله عليه و اله: يا علي، إن هذا الدين متينٌ فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلي نفسك عبادة ربك، إن المنبت يعني المفرط لا ظهراً أبقي ولا أرضاً قطع، فاعمل عمل من يرجو أن يموت هرماً، واحذر حذر من يتخوف أن يموت غداً» ().

الغضب أول العنف

قال أمير المؤمنين عليه السلام: «من عامل بالعنف ندم» ().
وقال عليه السلام: «لا تغضبوا ولا تعضبوا أفشوا السلام وأطيبوا الكلام» ().
وقال الإمام الباقر عليه السلام: «مكتوب في التوراة فيما ناجي الله عزوجل به موسي عليه السلام: يا موسي أمسك غضبك عمن ملَّكتُك عليه أكفَّ عنك غضبي» ().
وقال الإمام الصادق عليه السلام: «قال رجل للنبي صلي الله عليه و اله يا رسول الله علمني، قال صلي الله عليه و اله: اذهب ولا تغضب، فقال الرجل: قد اكتفيت بذاك، فمضي إلي أهله، فإذا بين قومه حرب قد قاموا صفوفاً ولبسوا السلاح، فلما رأي ذلك لبس سلاحه ثم قام معهم، ثم ذكر قول رسول الله صلي الله عليه و اله: لا تغضب، فرمي السلاح ثم جاء يمشي إلي القوم الذين هم عدو قومه، فقال: يا هؤلاء، ما كانت لكم من جراحة أو قتل أو ضرب ليس فيه أثر فعلي في مالي أنا أوفيكموه، فقال القوم: فما كان فهو لكم، نحن أولي بذلك منكم، قال: فاصطلح القوم وذهب الغضب» ().
وقال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: «إن في التوراة مكتوباً: يا ابن آدم، اذكرني حين تغضب أذكرك عند غضبي، فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظلمت بمظلمةٍ فارض بانتصاري لك فإن انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك» ().
وقال رجل لرسول الله صلي الله عليه و اله: أوصني.
فقال النبي صلي الله عليه و اله: «لا تغضب» ثم أعاد عليه.
فقال: «لا تغضب» ثم قال صلي الله عليه و اله: «ليس الشديد بالصرعة انما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» ().

أخذت باليسير

وعن حنان بن سدير قال: كنت أنا وأبي وأبو حمزة الثمالي وعبد الرحيم القصير وزياد الأحلام حجاجاً، فدخلنا علي أبي جعفر عليه السلام فرأي زياداً وقد تسلخ جلده، فقال له: «من أين أحرمت؟».
قال: من الكوفة.
قال: «ولم أحرمت من الكوفة؟».
فقال: بلغني عن بعضكم أنه قال: ما بعد من الإحرام فهو أعظم للأجر.
فقال: «ما بلَّغك هذا إلا كذاب».
ثم قال لأبي حمزة الثمالي: «من أين أحرمت؟».
فقال: من الربذة.
فقال له: «ولم لأنك سمعت أن قبر أبي ذر بها فأحببت أن لا تجوزه».
ثم قال لأبي وعبد الرحيم: «من أين أحرمتما؟».
فقالا: من العقيق.
فقال: «أصبتما الرخصة واتبعتما السنة، ولا يعرض لي بابان كلاهما حلال إلا أخذت باليسير؛ وذلك لأن الله يسير يحب اليسير ويعطي علي اليسير ما لا يعطي علي العنف» ().

ثمار اللاعنف

قال رسول الله صلي الله عليه و اله: «ما اصطحب اثنان إلا كان أعظمهما أجراً وأحبّهما إلي الله عزوجل أرفقهما بصاحبه» ().
وقال صلي الله عليه و اله: «ما وضع الرفق علي شيء إلا زانه، ولا وضع الخرق علي شي‌ء إلا شانه، فمن أعطي الرفق أعطي خير الدنيا والآخرة، ومن حرمه حرم خير الدنيا والآخرة» ().
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: «من رفق بمصاحبه وافقه، ومن أعنف به أخرجه وفارقه» ().
وقال عليه السلام: «موافقة الأصحاب تديم الاصطحاب، والرفق في المطالب يسهل الأسباب» ().
وقال عليه السلام: «اجملوا في الخطاب تسمعوا جميل الجواب» ().
وقال أبو جعفر الباقر عليه السلام: «من قسم له الرفق قسم له الإيمان» ().
وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «ما استجلبت المحبة بمثل السخاء والرفق وحسن الخلق» ().

نوعية العمل المقبول عند الله

قال رسول الله صلي الله عليه و اله: «ما من عمل أحب إلي الله تعالي وإلي رسوله من الإيمان بالله والرفق بعباده، وما من عمل أبغض إلي الله تعالي من الإشراك بالله تعالي والعنف علي عباده» ().
وقال الإمام زين العابدين عليه السلام في الدعاء: «وأعني علي صالح النية ومرضي القول ومستحسن الأعمال» ().
وفي وصية رسول الله صلي الله عليه و اله لأبي ذر أنه قال: «يا أبا ذر: كن بالعمل بالتقوي أشد اهتماماً منك بالعمل، فانه لا يقل عمل بالتقوي وكيف يقلُّ عمل يتقبل..» ().
وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «لا خير في عمل إلا مع اليقين والورع» ().
وقال الإمام الباقر عليه السلام: «ما من شيء أحب إلي الله عزوجل من عمل يداوم عليه وإن قل» ().

اللاعنف في المعيشة

قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: «أيما أهل بيت أعطوا حظهم من الرفق فقد وسع الله عليهم في الرزق، والرفق في تقدير المعيشة خيرٌ من السعة في المال، والرفق لا يعجز عنه شيء، والتبذير لا يبقي معه شيء، إن الله عزوجل رفيق يحب الرفق» ().
وقال رسول الله صلي الله عليه و اله: «إن في الرفق الزيادة والبركة، ومن يحرم الرفق يحرم الخير» ().
وقال الإمام الصادق عليه السلام: «ما زوي الرفق عن أهل بيت إلا زوي عنهم الخير» ().

اللاعنف في التبليغ

عن هشام بن أحمر عن أبي الحسن عليه السلام قال: قال لي وقد جري بيني وبين رجل من القوم كلامٌ فقال لي: «أرفق بهم، فإن كفر أحدهم في غضبه، ولا خير فيمن كان كفره في غضبه» ().
وقال الإمام الصادق عليه السلام: «إن عيسي عليه السلام لما أراد وداع أصحابه جمعهم وأمرهم بضعفاء الخلق ونهاهم عن الجبابرة، فوجه اثنين إلي أنطاكية فدخلا في يوم عيد لهم فوجداهم قد كشفوا عن الأصنام وهم يعبدونها، فعجلا عليهم بالتعنيف، فشدا بالحديد وطرحا في السجن، فلما علم شمعون بذلك أتي أنطاكية حتي دخل عليهما في السجن وقال: ألم أنهكما عن الجبابرة؟
ثم خرج من عندهما وجلس مع الناس مع الضعفاء، فأقبل يطرح كلامه الشيء بعد الشيء، فأقبل الضعيف يدفع كلامه إلي من هو أقوي منه وأخفوا كلامه إخفاءً شديداً، فلم يزل يتراقي الكلام حتي انتهي إلي الملك، فقال: منذ متي هذا الرجل في مملكتي؟
قالوا: منذ شهرين.
فقال: علي به، فأتوه فلما نظر إليه وقعت عليه محبته، فقال: لا أجلس إلا وهو معي.
فرأي في منامه شيئا أفزعه، فسأل شمعون عنه، فأجاب بجواب حسن فرح به، ثم ألقي عليه في المنام ما أهاله فأولها له بما ازداد به سرورا، فلم يزل يحادثه حتي استولي عليه، ثم قال: إن في حبسك رجلين عابا عليك.
قال: نعم.
قال: فعلي بهما.
فلما أتي بهما قال: ما إلهكما الذي تعبدان؟
قالا: الله.
قال: يسمعكما إذا سألتماه، ويجيبكما إذا دعوتماه.
قالا: نعم.
قال شمعون: فأنا أريد أن أستبرئ ذلك منكما.
قالا: قل.
قال: هل يشفي لكما الأبرص.
قالا: نعم.
قال: فأتي بأبرص فقال: سلاه أن يشفي هذا.
قال: فمسحاه فبرأ.
قال: وأنا أفعل مثل ما فعلتما.
قال: فأتي بآخر فمسحه شمعون فبرأ.
قال: بقيت خصلة إن أجبتماني إليها آمنت بإلهكما.
قالا: وما هي؟
قال: ميت تحييانه.
قالا: نعم.
فأقبل علي الملك وقال: ميت يعنيك أمره؟
قال: نعم ابني.
قال: اذهب بنا إلي قبره فإنهما قد أمكناك من أنفسهما.
فتوجهوا إلي قبره فبسطا أيديهما، فبسط شمعون يديه فما كان بأسرع من أن صدع القبر وقام الفتي فأقبل علي أبيه، فقال أبوه: ما حالك؟
قال: كنت ميتا ففزعت فزعة فإذا ثلاثة قيام بين يدي الله باسطوا أيديهم يدعون الله أن يحييني وهما هذان وهذا.
فقال شمعون: أنا لإلهكما من المؤمنين.
فقال الملك: أنا بالذي آمنت به يا شمعون من المؤمنين.
وقال وزراء الملك: ونحن بالذي آمن به سيدنا من المؤمنين.
فلم يزل الضعيف يتبع القوي فلم يبق بأنطاكية أحد إلا آمن به» ().

اللاعنف السياسي

سياسة العنف
كانت سياسة رسول الله صلي الله عليه و اله وكذلك أمير المؤمنين علي اللين والسلم واللاعنف، أما الذين تقمصوا الخلافة فلم يسيروا علي سيرة الرسول صلي الله عليه و اله، فعن ابن عباس قال: بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلي علي عليه السلام حين قعد عن بيعته. وقال: ائتني به بأعنف العنف!().
وورد في قصة أبي ذر أنه: كتب عثمان إلي معاوية أن احمل أبا ذر علي ناب صعبة وقتب، ثم ابعث معه من ينجش به نجشا عنيفا حتي يقدم به عليّ، قال الراوي : فحمله معاوية علي ناقة صعبة عليها قتب ما علي القتب إلا مسح، ثم بعث معه من يسيره سيرا عنيفا.
قال: وخرجت معه فما لبث الشيخ إلا قليلا حتي سقط ما يلي القتب من لحم فخذيه وقرح، فكنا إذا كان الليل أخذت ملائي فألقيتهما تحته، فإذا كان السحر نزعتها مخافة أن يروني فيمنعوني من ذلك().

لا للعنف

عن أبي جعفر عليه السلام عن أبيه عليه السلام أن علياً عليه السلام كان يقول: «لا قطع علي أحد تخوف من ضرب ولا قيد ولا سجن ولا تعنيف إلا أن يعترف، فإن اعترف قطع، وإن لم يعترف سقط عنه لمكان التخويف» ().
وقال الإمام الرضا عليه السلام في تفسير قوله تعالي: ?فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ?(): «عفواً من غير عقوبة ولا تعنيف ولا عتب» ().

اللاعنف دائماً

قال أبو عبد الله عليه السلام لبريد بن معاوية: «بعث أمير المؤمنين عليه السلام مصدقاً من الكوفة إلي باديتها، فقال له: انطلق يا عبد الله وعليك بتقوي الله وحده لا شريك له، ولا تؤثرن دنياك علي آخرتك، وكن حافظاً لما ائتمنتك عليه، راعياً لحق الله فيه، حتي تأتي نادي بني فلان. فإذا قدمت فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم، ثم امض إليهم بسكينة ووقار حتي تقوم بينهم فتسلم عليهم، ثم قل لهم:
يا عباد الله، أرسلني إليكم ولي الله لآخذ منكم حق الله في أموالكم، فهل لله في أموالكم حق فتؤدوه إلي وليه؟
فإن قال لك قائل: لا، فلا تراجعه، فإن أنعم لك منعم منهم فانطلق معه من غير أن تخيفه أو تعده إلا خيراً، فإذا أتيت ماله فلا تدخله إلا بإذنه فإن أكثره له، فقل له: يا عبد الله أتأذن لي في دخول مالك، فإن أذن لك فلا تدخل دخول متسلط عليه فيه ولا عنف به، فاصدع المال صدعين ثم خيره أي الصدعين شاء، فأيهما اختار فلا تعرض له، ثم اصدع الباقي صدعين ثم خيره فأيهما اختار فلا تعرض له، ولا تزال كذلك حتي يبقي ما فيه وفاء لحق الله عزوجل في ماله، فإذا بقي ذلك فاقبض حق الله منه، فإن استقالك فأقله، ثم اخلطهما واصنع مثل الذي صنعت أولا حتي تأخذ حق الله في ماله، فإذا قبضته فلا توكل به إلا ناصحاً شفيقاً أميناً حفيظاً غير معنف بشي‌ء منها، ثم احدر ما اجتمع عندك من كل ناد إلينا نصيّره حيث أمر الله عزوجل، فإذا انحدر بها رسولك فأوعز إليه أن
لا يحول بين ناقة وبين فصيلها ولا يفرق بينهما، ولا يصرن لبنها فيضر ذلك بفصيلها، ولا يجهد بها ركوباً، وليعدل بينهن في ذلك، وليوردهن كل ماء يمر به، ولا يعدل بهن عن نبت الأرض إلي جواد الطرق في الساعة التي فيها تريح وتغبق، وليرفق بهن جهده حتي تأتينا بإذن الله صحاحاً سماناً، غير متعبات ولا مجهدات، فنقسمهن بإذن الله علي كتاب الله وسنة نبيه صلي الله عليه و اله علي أولياء الله، فإن ذلك أعظم لأجرك وأقرب لرشدك، ينظر الله إليها وإليك وإلي جهدك ونصيحتك لمن بعثك وبعثت في حاجته، فإن رسول الله صلي الله عليه و اله قال: ما ينظر الله إلي ولي له يجهد نفسه بالطاعة والنصيحة لإمامه إلا كان معنا في الرفيق الأعلي».
ثم بكي أبو عبد الله عليه السلام ثم قال : «يا بريد، والله ما بقيت لله حرمة إلا انتهكت، ولا عمل بكتاب الله ولا سنة نبيه في هذا العالم، ولا أقيم في هذا الخلق حد منذ قبض الله أمير المؤمنين عليه السلام ولا عمل بشيء من الحق إلي يوم الناس هذا ثم قال: أما والله لا تذهب الأيام والليالي حتي يحيي الله الموتي ويميت الأحياء ويرد الحق إلي أهله ويقيم دينه الذي ارتضاه لنفسه ونبيه فأبشروا ثم أبشروا فوالله ما الحق إلا في أيديكم» ().

اللاعنف من صفات المؤمن

وصف أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام المؤمن بهذه الصفات فقال:
«يا همام، المؤمن هو الكيس الفطن، بشره في وجهه، وحزنه في قلبه، أوسع شيء صدراً، وأذل شيء نفساً، زاجر عن كل فان، حاض علي كل حسن، لا حقود ولا حسود، ولا وثَّاب ولا سبَّاب، ولا عياب ولا مغتاب، يكره الرِّفعة، ويشنأ السمعة، طويل الغم، بعيد الهم، كثير الصمت، وقور ذكور، صبور شكور، مغموم بفكره، مسرور بفقره، سهل الخليقة، لين العريكة، رصين الوفاء، قليل الأذي، لا متأفك ولا متهتك، إن ضحك لم يخرق، وإن غضب لم ينزق، ضحكه تبسم، واستفهامه تعلم، ومراجعته تفهم، كثير علمه، عظيم حلمه، كثير الرحمة، لا يبخل ولا يعجل، ولا يضجر ولا يبطر، ولا يحيف في حكمه، ولا يجور في علمه، نفسه أصلب من الصلد، ومكادحته أحلي من الشهد، لا جشع ولا هلع، ولا عنف ولا صلف، ولا متكلف ولا متعمق، جميل المنازعة، كريم المراجعة، عدل إن غضب، رفيق إن طلب، لا يتهور ولا يتهتك ولا يتجبر … » ().

اللاعنف مع الحيوان

قال رسول الله صلي الله عليه و اله: «إن الله رفيق يحب الرفق ويعين عليه فإذا ركبتم الدواب العجف فأنزلوها منازلها، فإن كانت الأرض مجدبة فانجوا عنها، وإن كانت مخصبة فأنزلوها منازلها» ().
وقال صلي الله عليه و اله: «لا تضربوا وجوه الدواب وكل شيء فيه الروح؛ فإنه يسبّح بحمد الله» ().
وعن إبراهيم بن علي عن أبيه قال: حججت مع علي بن الحسين?، فالتاثت عليه الدابة في سيرها، فأشار إليها بالقضيب ثم قال: «آه لولا القصاص» ورد يده عنها().
وقال أبو جعفر عليه السلام: «إذا سرت في أرض خصبة فارفق بالسير، وإذا سرت في أرض مجدبة فعجل بالسير» ().

أهمية العمل

قال رسول الله صلي الله عليه و اله: « … والعمل كنز، والدنيا معدن … » ().
وقال الإمام الباقر عليه السلام: « … وما تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع» ().
وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «العلم يرشدك والعمل يبلغ بك الغاية» ().
وقال الإمام الكاظم عليه السلام: «يا هشام إن كل الناس يبصر النجوم ولكن لا يهتدي بها إلا من عرف مجاريها ومنازلها، وكذلك أنتم تدرسون الحكمة ولكن لا يهتدي بها منكم إلا من عمل بها» ().
رجو ع إلي القائمة

پي نوشتها

() سورة التوبة: 122.
() سورة الزمر: 17-18.
() وسائل الشيعة: ج15 ص269 باب 27 ح20478.
() انظر لسان العرب: ج9 ص257 مادة «عنف»، ومجمع البحرين: ج5 ص104 مادة «عنف».
() هو الأرشيدوق فرنسوا فردينان.
() انظر المنجد في الاعلام: ص316 الحرب العالمية 1 (28/7/1914 11/11/1918م) حرف «الحاء».
() المنجد في الاعلام: ص236 داحس والغبراء مادة «الدال».
() الغدير: ج4 ص122 البيان.
() الكافي: ج2 ص302 باب الغضب ح2..
() انظر بحار الأنوار: ج70 ص272 ب132 ضمن ح22..
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص157 ق6 ب4 الفصل 4 ح2960.
() بحار الأنوار: ج2 ص36 ب9 ح43.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص448 ق6 ب4 الفصل 8 ح10270.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص448 ق6 ب4 الفصل 8 ح10271.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص448 ق6 ب4 الفصل 8 ح10280.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص448 ق6 ب4 الفصل 8 ح10276.
() سورة الإسراء: 20.
() انظر تقريب القرآن إلي الأذهان للإمام الشيرازي ?: ج15 ص31، سورة الإسراء.
() سورة الإسراء: 20.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص155 ق1 ب6 الفصل 4 ح2926.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص151 ق1 ب6 الفصل 4 ح2781.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص151 ق1 ب6 الفصل 4 ح2788.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص152 ق1 ب6 الفصل 4 ح2795.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص151 ق1 ب6 الفصل 4 ح2777.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص151 ق1 ب6 الفصل 4 ح2779.
() سورة النجم: 39.
() انظر التبيان في تفسير القرآن: ج9 ص435 سورة النجم.
() سورة النجم: 40.
() تقريب القرآن إلي الأذهان للإمام المؤلف ?: ج27 ص57، سورة النجم.
() نهج البلاغة، قصار الحكم: 127.
() سورة آل عمران: 195.
() سورة التوبة: 105.
() أمالي الشيخ المفيد: ص196 المجلس 23 ح29.
() وسائل الشيعة: ج16 ص113 ب101 ح21123.
() الخصال: ج1 ص124 باب الثلاثة ح121.
() مستدرك الوسائل: ج8 ص222 ب38 ح9307.
() بحار الأنوار: ج16 ص258 ب9 ح43.
() مستدرك الوسائل: ج11 ص292 ب27 ح13064.
() في مستدرك الوسائل: ولا سخاف، انظر: ج13 ص407 ب17 ح1.
() الجعفريات: ص182 كتاب التفسير.
() وقد غضب عليه غضباً ومغضبةً، وأغضبته أنا فتغضَّبَ، وغضب له: غضب علي غيره من أجله ورجلٌ غضبٌ، وغَضُوبٌ، وغُضُبٌّ، بغير هاء، وغُضُبَّة وغَضُبَّة بفتح الغين وضمها وتشديد الباء وغضبان: يغضبُ سريعاً، وقيل شديد الغضب، والأنثي غَضْبي وغضوب، لسان العرب: ج1 ص648 مادة «غضب».
() الكافي: ج2 ص289 باب في أصول الكفر وأركانه ح2.
() الكافي: ج8 ص145 حديث محاسبة النفس ح116.
() وسائل الشيعة: ج15 ص362 ب53 ح20745.
() الكافي: ج2 ص305 باب الغضب ح13.
() نهج البلاغة، الحكم: 255.
() انظر سفينة البحار: ج2 ص320 باب الغين بعده الضاد.
() تحف العقول: ص45 ما روي عنه في قصار المعاني.
() سورة الأنبياء: 107.
() سورة القلم: 4.
() انظر تقريب القرآن إلي الأذهان: ج29 ص33.
() مستدرك الوسائل: ج11 ص187 ب6 ح1.
() الكافي: ج2 ص102 باب حسن الخلق ح15.
() مكارم الأخلاق: ص17 ب1 الفصل2 في تواضعه وحيائه صلي الله عليه و اله.
() مكارم الأخلاق: ص17 ب1 الفصل3 في تواضعه وحيائه صلي الله عليه و اله.
() سورة النساء: 48.
() سورة الفرقان: 68.
() سورة مريم: 60.
() سورة النساء: 48.
() سورة الزمر: 53.
() نور البراهين: ج2 ص428 تفسير آية ?إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه?.
() سورة يوسف: 92.
() بحار الأنوار: ج21 ص132 ب26 ضمن ح22.
() سورة الصف: 3.
() نهج البلاغة، الكتاب: 53 كتبه عليه السلام للأشتر النخعي لما ولاه علي مصر وأعمالها حين اضطرب أمر أميرها محمد بن أبي بكر، وهو أطول عهد كتبه واجمعه للمحاسن وقد أخذنا منه مقتطفات تفيد المطلب.
() انظر مستدرك الوسائل: ج11 ص65 ب24 ح9، ولمعرفة المزيد من سياسة اللاعنف للنبي الأعظم صلي الله عليه و اله وأمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) والأئمة الأطهار ? راجع كتاب (السياسة من واقع الإسلام) لسماحة المرجع الدين آية الله العظمي السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله).
() مستدرك الوسائل: ج4 ص113 ب5 ح5.
() بحار الأنوار: ج4 ص26 ب5 ح1.
() أعلام الدين: ص317 ومن كلام الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام.
() بحار الأنوار: ج48 ص102 ب5 ح7.
() المناقب: ج4 ص19 فصل في مكارم أخلاقه عليه السلام.
() بحار الأنوار: ج46 ص94 ب5 ح84.
() بحار الأنوار: ج46 ص95 ب5 ضمن ح84.
() كشف الغمة: ج2 ص101 ذكر الإمام الرابع أبي الحسن علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام.
() المصدر السابق.
() تهذيب الأحكام: ج3 ص35 ب3 ح39.
() هو السيد أبو الحسن بن السيد محمد بن السيد عبد الحميد الموسوي الأصفهاني ولد سنة (1284ه) في أصفهان، هاجر إلي النجف الأشرف أواخر القرن الثالث عشر، أقام في كربلاء المقدسة مدة، وبعد وفاة السيد محمد كاظم اليزدي رحمة الله عليه رشح رحمة الله عليه للزعامة الدينية، وبعد وفاة الشيخ أحمد كاشف الغطاء رحمة الله عليه والشيخ الميرزا حسين النائيني رحمة الله عليه تهيأ له رحمة الله عليه التصدي للمرجعية العامة. توفي ? في ذي الحجة عام (1365ه) في الكاظمية ونقل جثمانه إلي النجف ودفن في الصحن العلوي الشريف.
انظر معارف الرجال: ج1 ص46 الرقم 21.
() سورة الأحزاب: 21.
() سورة آل عمران: 133-134.
() سورة الروم: 22.
() سورة المطففين: 26.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص442 ق6 ب4 الفصل 1 ح10063.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص442 ق6 ب4 الفصل 1 ح10073.
() هو الرئيس الفرنسي شارل ديغول (1890-1970م) قائد فرنسي ورجل دولة، دعا إلي مقاومة الألمان، رئيس الجمهورية (1959-1969م) له مذكرات.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص443 ق6 ب4 الفصل 1 ح10109.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص342 القسم 4 ب2 الفصل 4 ح7830.
() هو السيد الميرزا مهدي الحسيني الشيرازي ? ولد في كربلاء المقدسة (1304ه)، كان ? عالماً تقياً، ورعاً عابداً، زاهداً كثير الحفظ، جيد الخط، وكان صاحب كرامات، وهو ? من خيرة تلاميذ الشيخ محمد تقي الشيرازي (قائد ثورة العشرين في العراق)، توفي في (28 شعبان عام 1380ه) ودفن في الحرم الحسيني الشريف.
() هو السيد عبد الهادي بن السيد ميرزا إسماعيل بن السيد رضي الدين الشيرازي النجفي، ولد في سر من رأي عام (1305ه) في السنة التي توفي بها والده الحجة، هاجر إلي كربلاء المقدسة وحضر علي بعض علمائها، تخرج علي الشيخ ملا محمد كاظم الآخوند الخراساني والميرزا محمد تقي الشيرازي وشيخ الشريعة الاصفهاني، وقد كان رحمة الله عليه عالماً محققا منقبا، ذا رأي صائب، قوي الحافظة أديباً شاعراً توفي في عام (1382ه).
() هو السيد آغا حسين بن السيد محمود بن محمد بن علي الطباطبائي القمي الحائري من أجلاء العلماء ومشاهير المراجع. ولد في قم في (1282ه) وهاجر إلي مدينة النجف الأشرف سنة (1311ه) لتكميل تحصيل العلوم الشرعية فحضر بحث الميرزا حبيب الله الرشتي والشيخ محمد كاظم الآخوند الخراساني والسيد محمد كاظم اليزدي، وفي (1321ه) تشرف إلي سامراء فحضر بحث الميرزا محمد تقي الشيرازي عشر سنين حتي ارتوي من معين فضله وفي سنة (1331ه) هبط مشهد الرضا عليه السلام في خراسان واشتغل بالتدريس والإمامة ونشر الأحكام، رشح للزعامة العامة بعد وفاة السيد أبو الحسن الأصفهاني في (1365ه) ومال الناس إليه في إيران والعراق وغيرهما. توفي ببغداد في يوم الأربعاء 14 ربيع الأول (1366ه) ودفن في النجف الأشرف في الصحن الشريف.
له ? تسع رسائل فتوائية، منها: مجمع المسائل والزخيرة الباقية في العبادات والمعاملات ومناسك الحج وذخيرة العباد وهداية الأنام وغيرها. انظر طبقات أعلام الشيعة: الكرام البررة: ج2 ص653 تحت الرقم 1089.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص74 ق1 ب1 الفصل 6 ح1144.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص74 ق1 ب1 الفصل 6 ح1143.
() نهج البلاغة، قصار الحكم: 478.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص43 ق1 ب1 الفصل 2 ح88.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص238 ق3 ب2 الفصل 1 ح4800.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص71 ق1 ب1 الفصل 14 ح977.
() سورة النحل: 125.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص65 ق1 ب1 الفصل 12 ح852.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص65 ق1 ب1 الفصل 12 ح854.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص65 القسم 1 ب1 الفصل 12 ح863.
() سورة الزلزلة: 7-8.
() سورة الجاثية: 15.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص203 ق2 ب3 الفصل 2 ح4008.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص203 القسم 2 ب3 الفصل 2 ح4009.
() سورة الطلاق: 2-3.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص244 ق3 ب2 الفصل 2 ح4979.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص244 ق3 ب2 الفصل 2 ح4991.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص244 ق3 ب2 الفصل 2 ح4987.
() في إحصائية ذكرتها جريدة العالم الإسلامي (العدد 1314/ محرم 1414) تقول: إن عدد الحروب الرئيسية التي شهدها العالم بلغ 149 حرباً وكان عدد الضحايا 23،142،000 مليون نسمة؛ وفي إحصائية عن الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت طوال ثمان سنوات ذكرت جريدة القبس الكويتية في (2/4/1988م) أن: مقدار الديون المستحقة علي العراق حتي عام (1987م) بلغت 90 مليار دولار، و400 مليار دولار إجمالي خسائر الحرب العراقية الإيرانية، و2 مليون قتيل وجريح سقطوا في هذه الحرب.
() الكافي: ج2 ص120 باب الرفق ح16.
() سورة آل عمران: 159.
() سورة الشوري: 23.
() راجع اللهوف: ص176 المسلك الثالث.
() الصحيفة السجادية: من دعائه عليه السلام في مكارم الأخلاق ومرضي الأفعال.
() سورة البقرة: 83.
() سورة العنكبوت: 46.
() سورة الأنفال: 61.
() سورة الأحقاف: 19.
() سورة الأنعام: 132.
() سورة الطلاق: 11.
() سورة الكهف: 110.
() سورة الزلزلة: 7-8.
() سورة النور: 55.
() سورة البقرة: 82.
() سورة ص: 28.
() سورة هود: 118.
() سورة يونس: 19.
() الكافي: ج2 ص119 باب الرفق ح5.
() الكافي: ج2 ص118 باب الرفق ح4.
() الكافي: ج2 ص86 باب الاقتصاد في العبادة ح1.
() وسائل الشيعة: ج1 ص110 ب26 ح270.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص458 ق6 ب5 الفصل1 ح10473.
() وسائل الشيعة: ج12 ص59 ب34 ح15642.
() الكافي: ج2 ص303 باب الغضب ح7.
() الكافي: ج2 ص304 باب الغضب ح11.
() الكافي: ج2 ص304 باب الغضب ح10.
() تحف العقول: ص47 وروي عنه صلي الله عليه و اله في قصار هذه المعاني.
() الاستبصار: ج2 ص162 ب93 ح5.
() الكافي: ج2 ص120 باب الرفق ح15.
() مستدرك الوسائل: ج11 ص292 ب27 ح13064.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص436 ق6 ب3 الفصل 3 ح9998.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص436 ق6 ب3 الفصل 3 ح9984.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص436 ق6 ب3 الفصل 3 ح9979.
() وسائل الشيعة: ج15 ص269 ب27 ح20480.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص244 ق3 ب2 الفصل 2 ح4991.
() بحار الأنوار: ج72 ص54 ب42 ضمن ح19.
() الصحيفة السجادية، من دعائه عليه السلام في يوم عرفة.
() مكارم الأخلاق: ص468 ب12 الفصل 5 في وصية رسول الله صلي الله عليه و اله لأبي ذر الغفاري ?.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص156 ق1 ب6 الفصل 4 ح2942.
() الكافي: ج2 ص82 باب استواء العمل والمداومة عليه ح3.
() وسائل الشيعة: ج15 ص270 ب27 ح20481.
() وسائل الشيعة: ج15 ص271 ب27 ح20486.
() وسائل الشيعة: ج15 ص271 ب27 ح20487.
() وسائل الشيعة: ج15 ص271 ب27 ح20488.
() بحار الأنوار: ج14 ص252 ب18 ح44.
() بحار الأنوار: ج28 ص388 ب4 تتميم.
() بحار الأنوار: ج31 ص274 ب20 نكير أبي ذر.
() تهذيب الأحكام: ج10 ص128 ب8 ح128.
() سورة الحجر: 85.
() بحار الأنوار: ج75 ص357 ب26 ح12
() بحار الأنوار: ج41 ب107 ح36.
() الكافي: ج2 ص226 باب المؤمن وعلاماته ح1.
() الكافي: ج2 ص120 باب الرفق ح12.
() وسائل الشيعة: ج11 ص485 ب10 ح1532.
() الإرشاد: ج2 ص144 باب ذكر طرف من الأخبار لعلي بن الحسين عليه السلام.
() بحار الأنوار: ج61 ص215ب8باب حق الدابة عليي صاحبها ضمن ح21.
() أعلام الدين: ص341، أربعين المؤلف ح28.
() الكافي: ج2 ص74 باب الطاعة والتقوي ح3.
() غرر الحكم ودرر الكلم: 45 ق1 ب1 الفصل 2 ح144.
() تحف العقول: ص392 ما روي عن الإمام الكاظم عليه السلام وصيته عليه السلام لهشام وصفته للعقل.

تعريف مرکز القائمیة باصفهان للتحریات الکمبیوتریة

جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ في سَبيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (التوبة/41).
قالَ الإمامُ علیّ ُبنُ موسَی الرِّضا – علـَیهِ السَّلامُ: رَحِمَ اللّهُ عَبْداً أحْيَا أمْرَنَا... َ يَتَعَلَّمُ عُلُومَنَا وَ يُعَلِّمُهَا النَّاسَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَاتَّبَعُونَا... (بَــنـادِرُ البـِحـار – فی تلخیص بحـار الأنوار، للعلاّمة فیض الاسلام، ص 159؛ عُیونُ أخبارِ الرِّضا(ع)، الشـَّیخ الصَّدوق، الباب28، ج1/ ص307).
مؤسّس مُجتمَع "القائمیّة" الثـَّقافیّ بأصبَهانَ – إیرانَ: الشهید آیة الله "الشمس آباذی" – رَحِمَهُ اللهُ – کان أحداً من جَهابـِذة هذه المدینة، الذی قدِ اشتهَرَ بشَعَفِهِ بأهل بَیت النبیّ (صلواتُ اللهِ علـَیهـِم) و لاسیَّما بحضرة الإمام علیّ بن موسَی الرِّضا (علیه السّلام) و بـِساحة صاحِب الزّمان (عَجَّلَ اللهُ تعالی فرجَهُ الشَّریفَ)؛ و لهذا أسّس مع نظره و درایته، فی سَنـَةِ 1340 الهجریّة الشمسیّة (=1380 الهجریّة القمریّة)، مؤسَّسة ًو طریقة ًلم یـَنطـَفِئ مِصباحُها، بل تـُتـَّبَع بأقوَی و أحسَنِ مَوقِفٍ کلَّ یومٍ.
مرکز "القائمیّة" للتحرِّی الحاسوبیّ – بأصبَهانَ، إیرانَ – قد ابتدَأَ أنشِطتَهُ من سَنـَةِ 1385 الهجریّة الشمسیّة (=1427 الهجریّة القمریّة) تحتَ عنایة سماحة آیة الله الحاجّ السیّد حسن الإمامیّ – دامَ عِزّهُ – و مع مساعَدَةِ جمع ٍمن خِرّیجی الحوزات العلمیّة و طلاب الجوامع، باللیل و النهار، فی مجالاتٍ شتـَّی: دینیّة، ثقافیّة و علمیّة...
الأهداف: الدّفاع عن ساحة الشیعة و تبسیط ثـَقافة الثـَّقـَلـَین (کتاب الله و اهل البیت علیهـِمُ السَّلامُ) و معارفهما، تعزیز دوافع الشـَّباب و عموم الناس إلی التـَّحَرِّی الأدَقّ للمسائل الدّینیّة، تخلیف المطالب النـّافعة – مکانَ البَلاتیثِ المبتذلة أو الرّدیئة – فی المحامیل (=الهواتف المنقولة) و الحواسیب (=الأجهزة الکمبیوتریّة)، تمهید أرضیّةٍ واسعةٍ جامعةٍ ثـَقافیّةٍ علی أساس معارف القرآن و أهل البیت –علیهم السّلام – بباعث نشر المعارف، خدمات للمحققین و الطـّلاّب، توسعة ثقافة القراءة و إغناء أوقات فراغة هُواةِ برامِج العلوم الإسلامیّة، إنالة المنابع اللازمة لتسهیل رفع الإبهام و الشـّـُبُهات المنتشرة فی الجامعة، و...
- مِنها العَدالة الاجتماعیّة: التی یُمکِن نشرها و بثـّها بالأجهزة الحدیثة متصاعدة ً، علی أنـّه یُمکِن تسریعُ إبراز المَرافِق و التسهیلاتِ – فی آکناف البلد - و نشرِ الثـَّقافةِ الاسلامیّة و الإیرانیّة – فی أنحاء العالـَم - مِن جـِهةٍ اُخرَی.
- من الأنشطة الواسعة للمرکز:
الف) طبع و نشر عشراتِ عنوانِ کتبٍ، کتیبة، نشرة شهریّة، مع إقامة مسابقات القِراءة
ب) إنتاجُ مئات أجهزةٍ تحقیقیّة و مکتبیة، قابلة للتشغیل فی الحاسوب و المحمول
ج) إنتاج المَعارض ثـّـُلاثیّةِ الأبعاد، المنظر الشامل (= بانوراما)، الرّسوم المتحرّکة و... الأماکن الدینیّة، السیاحیّة و...
د) إبداع الموقع الانترنتی "القائمیّة" www.Ghaemiyeh.com و عدّة مَواقِعَ اُخـَرَ
ه) إنتاج المُنتـَجات العرضیّة، الخـَطابات و... للعرض فی القنوات القمریّة
و) الإطلاق و الدَّعم العلمیّ لنظام إجابة الأسئلة الشرعیّة، الاخلاقیّة و الاعتقادیّة (الهاتف: 00983112350524)
ز) ترسیم النظام التلقائیّ و الیدویّ للبلوتوث، ویب کشک، و الرّسائل القصیرة SMS
ح) التعاون الفخریّ مع عشراتِ مراکزَ طبیعیّة و اعتباریّة، منها بیوت الآیات العِظام، الحوزات العلمیّة، الجوامع، الأماکن الدینیّة کمسجد جَمکرانَ و...
ط) إقامة المؤتمَرات، و تنفیذ مشروع "ما قبلَ المدرسة" الخاصّ بالأطفال و الأحداث المُشارِکین فی الجلسة
ی) إقامة دورات تعلیمیّة عمومیّة و دورات تربیة المربّـِی (حضوراً و افتراضاً) طیلة السَّنـَة
المکتب الرّئیسیّ: إیران/أصبهان/ شارع"مسجد سیّد"/ ما بینَ شارع"پنج رَمَضان" ومُفترَق"وفائی"/بنایة"القائمیّة"
تاریخ التأسیس: 1385 الهجریّة الشمسیّة (=1427 الهجریة القمریّة)
رقم التسجیل: 2373
الهویّة الوطنیّة: 10860152026
الموقع: www.ghaemiyeh.com
البرید الالکترونی: Info@ghaemiyeh.com
المَتجَر الانترنتی: www.eslamshop.com
الهاتف: 25-2357023- (0098311)
الفاکس: 2357022 (0311)
مکتب طهرانَ 88318722 (021)
التـِّجاریّة و المَبیعات 09132000109
امور المستخدمین 2333045(0311)
ملاحَظة هامّة:
المیزانیّة الحالیّة لهذا المرکز، شـَعبیّة، تبرّعیّة، غیر حکومیّة، و غیر ربحیّة، اقتـُنِیَت باهتمام جمع من الخیّرین؛ لکنـَّها لا تـُوافِی الحجمَ المتزاید و المتـَّسِعَ للامور الدّینیّة و العلمیّة الحالیّة و مشاریع التوسعة الثـَّقافیّة؛ لهذا فقد ترجَّی هذا المرکزُ صاحِبَ هذا البیتِ (المُسمَّی بالقائمیّة) و مع ذلک، یرجو مِن جانب سماحة بقیّة الله الأعظم (عَجَّلَ اللهُ تعالی فرَجَهُ الشَّریفَ) أن یُوفـِّقَ الکلَّ توفیقاً متزائداً لِإعانتهم - فی حدّ التـّمکـّن لکلّ احدٍ منهم – إیّانا فی هذا الأمر العظیم؛ إن شاءَ اللهُ تعالی؛ و اللهُ ولیّ التوفیق.