وإلي الشباب نقول..

اشارة

اسم الكتاب: وإلي الشباب نقول..
المؤلف: حسيني شيرازي، محمد
تاريخ وفاة المؤلف: 1380 ش
اللغة: عربي
عدد المجلدات: 1
الناشر: مركز الرسول الاعظم(ص)
مكان الطبع: بيروت
تاريخ الطبع: 1420 ق
الطبعة: دوم
بسم الله الرحمن الرحيم(1)
الحمد لله رب العالمين(2)
الرحمن الرحيم(3)
مالك يوم الدين(4)
اياك نعبد و اياك نستعين(5)
اهدنا الصراط المستقيم(6)
صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم والضالين(7)
رجوع إلي القائمة

كلمة الناشر

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمداً كما ينبغي لكرم وجهه، وصلي الله علي المصطفي محمد وعلي آله الطاهرين صلاة لا يحصيها أحد غيره.
أما بعد، يمر الإنسان بمراحل عديدة في عالم التكوين، منها مرحلة النشأة الأولي. وهي عملية الإخصاب أو التقليح التي تحدث للبويضة في الرحم، ثم عملية التحول إلي علقة، ثم العظام، ثم إلي مرحلة الإكساء أي اكتساء العظام باللحم ?فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ?() ويكتمل نشوؤه في ذلك الجوف المظلم المحاط بظلمات ثلاث، بعدها يخرج طفلاً يري عالماً غريباً لم يكن قد اعتاد عليه، ثم يتدرج في حياته، ثم يصبح ذا قوة وقدرة وإمكانيات وطاقة هائلة، وهذه المرحلة هي مرحلة الشباب.
وهي من أهم المراحل التي يمر بها الإنسان، سواء في الجانب الايجابي أم السلبي؛ حيث إن الله سبحانه وتعالي أعطي هذا المخلوق الإمكانيات العقلية والبدنية الهائلة التي بها يستطيع أن يذلل الصعاب ويرتقي المعالي بالهمة العالية والعزم الراسخ.
وهذا مولي الموحدين أمير المؤمنين عليه السلام يخاطب الإنسان ويقول:
وتحسب نفسك جرماً صغيراً
وفيك انطوي العالم الأكبر()
فالعقل وقواه هما الإمكانية التي يسير الإنسان بها أنظمته وقوته الجسدية ويتحكم بها علي طريقه.
ومرحلة الشباب هي المرحلة التي تصبح فيها قوي الإنسان في أوجها وأعلي مراتبها. وهذا ما أثبته علم وظائف الأعضاء وكذلك علم النفس.
فالشباب هم نواة الأمة لأنهم يكونون حلقة وصل بين الطفولة والشيخوخة … فبالشباب تتقدم الأمم حضارياً وعلمياً وتنمو ثقافاتها وتزدهر حضاراتها؛ ولذلك اعتمد الإسلام في بادئ نشوئه علي الشباب أيضاً، إذ نري مصعب بن عمير ذلك الشاب الذي كان يعيش حياة الرفاه والدعة والدلال من الأبوين، كيف رضي بل وسعد بجشوبة العيش في شعب أبي طالب عليه السلام وصارع مرارة حصار قريش للمسلمين، الحصار الذي أخذ من المسلمين مأخذه، وعانوا ما عانوا بسببه، إمعانا في إيذاء الرسول الأعظم صلي الله عليه و اله وأتباعه.
نعم، نري هذا الشاب كيف أنه كُلّف من قبل صاحب الرسالة صلي الله عليه و اله بأن يكون المبلغ الأول والداعية الذكي لهذا الدين الحنيف في عاصمة المستقبل التي يتطلع لها رسول الله صلي الله عليه و اله حيث بعثه لينشر الدعوة في يثرب (المدينة المنورة) نواة الأمة الإسلامية الكبري.
ولو نظرنا إلي واقعة الطف وجدنا أنها ضمت بين أبطالها عدة من الشباب المؤمن المتفاني في سبيل الرسالة وأهل بيت الوحي عليهم السلام، ففي صحراء كربلاء وقفت وجاهدت تلك الثُلة من الشباب جهاد الأبطال الذين لايبالون وقعوا علي الموت أم وقع الموت عليهم.
فيهم: حامل اللواء أبو الفضل العباس عليه السلام، وفيهم أشبه الناس برسول الله صلي الله عليه و اله علي الأكبر عليه السلام، ومنهم وهب الذي كان نصرانياً فأسلم (رضوان الله عليه)، وغيرهم.
فأعطوا أعظم الدروس في البطولة والإيمان الصادق، والثبات علي المبدأ ومناصرة الحق، رغم كل الإغراءات الدنيوية وزخارفها في المعسكر المقابل لمعسكر أبي عبد الله عليه السلام، فإن هذه الثلة الخيرة لم تهن ولم تنكل ولم تتزعزع عن موقفها المشرف قيد أنملة.
حتي قال سيد الشهداء عليه السلام فيهم: ?لا أعلم أصحاباً أوفي ولا خيراً من أصحابي?()، فكانت هذه المواقف المشرفة دروساً وشواهد للأجيال اللاحقة تدل علي عظمة وقوة الشباب المؤمن من تلك الثلة الخيرة.
كذلك موقف الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام في مجلس الطاغوت عبيد الله بن زياد في الكوفة وخطبته عليه السلام في مجلس يزيد (عليه لعائن الله) في الشام، وكيف قلب بخطبه الشريفة الخسارة العسكرية إلي نصر معنوي رفع راية الإسلام عالياً حتي ملك القلوب والعقول ببيانه وحججه الدامغة، وخشي الطاغية يزيد من انهيار ملكه لو استمر الإمام عليه السلام علي هذا النوع من الجهاد، فأبعد الإمام عن عاصمة ملكه، وبقيت النهضة الحسينية المباركة متجددة في ذاكرة التأريخ، ونفوس الأحرار.
وفي هذا الكتاب يبين الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلي الله مقامه) الدور الرائد لشباب الإسلام في إحياء الأمة، ودورهم في أداء الرسالة العظيمة، وبناء الأرض، وفي تعميق أواصر الارتباط بالمبادئ الحقة؛ موضحاً ? لشبابنا المؤمن بعض الأمثلة التي بها يمكن أن يستفيدوا من دروس الماضي لبناء المستقبل الأفضل والعيش الأرغد.
هذا ونظراً لما نشعر به من مسؤولية كبيرة في نشر مفاهيم الإسلام الأصيلة قمنا بطبع ونشر هذه السلسلة القيمة من المحاضرات الإسلامية لسماحة المرجع الراحل (أعلي الله درجاته) والتي ألقاها ? في فترة زمنية قد تتجاوز الأربعة عقود من الزمن في العراق والكويت وإيران..
نرجو من المولي العلي القدير أن يوفقنا لطبع ونشر ما يتواجد منها، وأملاً بالسعي من أجل تحصيل المفقود منها وإخراجه إلي النور، لنتمكن من نشر سلسلة إسلامية كاملة ومختصرة تنقل إلي الأمة وجهة نظر الإسلام تجاه مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية الحيوية بأسلوب واضح وبسيط.. إنه سميع مجيب.
مؤسسة المجتبي للتحقيق والنشر
بيروت لبنان ص.ب: 5955/ 13

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة علي أعدائهم أجمعين إلي قيام يوم الدين.
من وصية للإمام أمير المؤمنين عليه السلام إلي ابنه الحسن عليه السلام:
«وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته» ().
وقال الإمام الصادق عليه السلام: «عليك بالأحداث؛ فإنهم أسرع إلي كل خير» ().
ما هي مكانة الشباب في الشريعة الإسلامية؟
وهل اهتم الإسلام بالشباب؟
وهل هناك مكان للشباب في فكر أهل البيت عليهم السلام؟
إن أمثال هذه الأسئلة تزدحم عادة في أذهان بعض الشباب وهي جميعاً ذات محور واحد وهو: الشباب ومكانتهم ودورهم في هذه الحياة.
وقد يزعم البعض من الناس أن الإسلام لم يعط للشباب تلك الأهمية التي توليها لهم الدول الأوربية والغربية، بل إنه ضيّق الخناق علي كثير من المظاهر الاجتماعية، فكيف الحال بالشباب؟ وما إلي غير ذلك من الشائعات غير الصحيحة، التي يشيعها أعداء الإسلام علي الإسلام ورجالاته.
ومن أجل ما سبق سوف نشير إلي الإجابة علي هذه الاعتراضات ونبين موارد الشبهة فيها، ومن ثم نذكر برنامجاً مبسطاً للشباب المسلم.

الشباب ذخائر الأمم

ينظر الإسلام إلي الشباب علي أنهم ذخائر الأمة، وخط الطاقة المتنامية فيها، وبناة الحضارة، وروّاد الفتح الإسلامي، ولقد اهتم الإسلام بدور الشباب كثيراً.
ويعود السبب إلي أمرين:
أولاً: يمتاز الشباب بفطرة سليمة نقية لم تتلوث بعد بالذنوب وباقي الانحرافات الأخري، مما يساعد علي تنظيم وتعميق علاقتهم مع الله عزوجل، وبالتالي سوف يكونون عناصر مخلصة وفعالة في الأمة.
ثانياً: إن مرحلة الشباب مرحلة جديدة مفعمة بطاقات هائلة، وهي بداية تنامي الآمال والأهداف، يرافقها حماس وفعاليات ونشاطات ذهنية وجسدية عظيمة، لا يمكن الاستهانة بها، فيأتي الإسلام لينظم الفعاليات والنشاطات، ويجعلها تصب في خدمة الأهداف، ومن ثم يقرر الإسلام الأهداف الجيدة والنافعة من غيرها، وهكذا يأخذ بيد الشباب إلي طريق نجاحه في الدنيا والآخرة.
ولقد شهد التاريخ الإسلامي مشاهد كثيرة التي تدل علي الاهتمام البالغ من رجال الإسلام بالشباب، من قبل الرسول الأكرم صلي الله عليه و اله، والأئمة الطاهرين عليهم السلام، والصحابة المنتجبين. نذكر في المقام ما فعله رسول الله صلي الله عليه و اله من تأمير الشاب (أسامة بن زيد) علي جيش المسلمين، وهو في سن الثامنة عشر، مع وجود كبراء الصحابة آنذاك، وأمر أبا بكر وعمر بأن يكونا تحت إمرة أسامة، وأن لا يعصيا له أمراً، وروي أنه صلي الله عليه و اله لعن من تخلّف عن جيش أسامة ثلاث مرات().
وكذلك ما كان يفعله في كافة حروبه صلي الله عليه و اله، فقد كان يعطي الراية بيد علي بن أبي طالب عليه السلام، وقد كان ما يزال شاباً()، ونصّبه وصيّاً له، وقد كان في عمر الشباب أيضاً، كما جاء في الحديث الدار.
روي عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قال: ?لما نزلت هذه الآية ?وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ?() دعاني رسول الله صلي الله عليه و اله فقال: يا علي، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين إلي أن قال فاصنع لنا صاعا من طعام واجعل عليه رجل شاة واملأ لنا عسا من لبن، واجمع لي بني عبد المطلب حتي أعلمهم وأبلغهم ما أمرت به، ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجل أو ينقصونه، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب، فلما اجتمعوا إليه دعا بالطعام الذي صنعت لهم، فجئنا به، فلما وضعته تناول رسول الله صلي الله عليه و اله جذبة لحم فشقها فنتفها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصحفة ثم قال: كلوا بسم الله، فأكل القوم حتي ما لهم بشيء من حاجة ولا أري إلا مواضع أيديهم، وأيم الله الذي نفس علي بيده، إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل مثل ما قدمت لجميعهم.
ثم قال: اسق القوم، فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتي رووا جميعاً، وأيم الله، إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله.
فلما أراد رسول الله صلي الله عليه و اله أن يكلمهم تذرب أبو لهب إلي الكلام، فقال: لهد ما سحركم صاحبكم.
فتفرق القوم ولم يكلمهم النبي صلي الله عليه و اله فقال: الغد يا علي، إن هذا الرجل قد سبقني إلي ما سمعت، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم، فأعد لنا من الطعام مثل ما صنعت، ثم اجمعهم لي ففعلت، ثم جمعتهم له، ثم دعا بالطعام فقربه لهم، ففعل كما فعل بالأمس، وأكلوا حتي ما لهم بشيء من حاجة، ثم قال: اسقهم، فأتيتهم بذلك العس فشربوا حتي رووا منه جميعا، ثم تكلم رسول الله صلي الله عليه و اله فقال: يا بني عبد المطلب، إني والله ما أعلم شبابا في العرب جاء قومه بأفضل من ما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تبارك وتعالي أن أدعوكم، فأيكم يوازرني علي أمري علي أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟
فأحجم القوم عنها جميعاً، قال: قلت وإني لأحدثهم سنا وأرمصهم عينا وأعظمهم بطنا وأحمشهم ساقا، قلت: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه.
فأخذ برقبتي ثم قال: هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لعلي وتطيع?().
وهكذا تكرر التأكيد علي خلافة علي أمير المؤمنين عليه السلام حتي كان يوم الغدير فخطب النبي في أصحابه وقال: ?من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله?().

مصعب بن عمير

وكذلك نري الرسول الأكرم صلي الله عليه و اله في موضع التبليغ للإسلام كان يعتمد علي الشباب أيضاً، فقد أرسل إلي المدينة المنورة مصعب بن عمير ليعلّم الناس أصول الدين والقرآن..
وقد جاء في بعض الروايات أن أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس وهما من الخزرج عندما أسلما علي يد رسول الله صلي الله عليه و اله في مكة قالا: يا رسول الله، ابعث معنا رجلاً يعلمنا القرآن، ويدعو الناس إلي أمرك، فقال رسول الله لمصعب بن عمير، وكان فتي حدثاً مترفاً بين أبويه يكرمانه ويفضلانه علي أولادهم ولم يخرج من مكة، فلما أسلم جفاه أبواه، وكان مع رسول الله صلي الله عليه و اله في الشِعب حتي تغير وأصابه الجهد، فأمره رسول الله بالخروج مع أسعد، وقد كان تعلم من القرآن كثيراً، فخرج هو مع أسعد إلي المدينة ومعهما مصعب بن عمير وقدموا علي قومهم وأخبروهم بأمر رسول الله صلي الله عليه و اله وخبره، فأجاب من كل بطن الرجل والرجلان، وكان مصعباً نازلاً علي أسعد بن زرارة، وكان يخرج في كل يوم فيطوف علي مجالس الخزرج يدعوهم إلي الإسلام فيجيبه الأحداث..().
واستطاع مصعب أن يتوغل بالإسلام إلي قلوب الأوس وبني عمرو بن عوف.. حتي شاع الإسلام بالمدينة وكثر، ولما بلغ رسول الله صلي الله عليه و اله دخول الأوس والخزرج في الإسلام ونشوء قاعدة أمينة لنشر الدعوة الإسلامية أمر أصحابه أن يخرجوا إلي المدينة، ومن هناك انطلقت رايات الإسلام ومفاهيمه الوضّاءة لتخفق علي أرجاء المعمورة، وكان للشباب دوراً فعالاً في تلك الأحداث.
إلي غيرها من الشواهد التاريخية الكثيرة التي تؤكد علي الاهتمام بالشباب، وهذا الأمر ليس محصوراً بالذكور، بل إننا نري الفقه الإسلامي يحرض علي الاهتمام بكلا الجنسين، ويشجعهما علي طلب العلم والاجتهاد فيه، والسعي لبناء مستقبل أفضل. ولا يمنعهم من ممارسة حاجاتهم المشروعة، أو ممارسة بعض الهوايات غير المحرمة، ولكن العنوان العام لكل ذلك هو أن لا تؤدي هذه الأمور إلي الفساد والانحلال الخلقي، وانعدام الحواجز الروحية، والتمرد علي أحكام الله عزوجل، والاستهزاء بالشريعة المقدسة، والإخلال بالواجبات؛ فالإسلام يؤكد علي الحفاظ علي الفطرة والقلب والذهن وسلامة كل منها، لأن الذنوب تعيق الإنسان من الكمال وتؤخره؛ ولذلك فإنه لا تجوز ممارسة الأمور التي تكون سبباً للحرام أو مستلزمة له، حفاظاً علي مسيرة الإنسان التكاملية.

سلوك الشباب

قال تبارك وتعالي: ?ادْعُ إِلي سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ?().
لا يخفي أن سلوك الشباب يختلف عادة عن سلوك الكبار، فلابد أن ننظر لهذا الأمر من زاويتين:
الأولي: كيف نتعامل معهم، وأي طريق نسلك للدخول في عالمهم؟
الثانية: أن نلاحظ سلوك الشباب فيما بينهم، ثم نقوم بسد الثغرات عندهم علي الصعيد الفكري وغيره، وتصحيح ما هو خطأ في حياتهم.
بالنسبة للزاوية الأولي: يقول مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: «لاتقسِروا أولادكم علي آدابكم؛ فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم» ().
حيث يؤكد إمامنا علي نوع المعاملة مع أبنائنا الشباب؛ لأنهم يعيشون في فترة زمانية غير التي عاش فيها الآباء، حيث التغير طرأ علي كل شيء بدءً من الزي والمأكل وشكل المسكن، مروراً بوسائل العلم والعمل، وانتهاءً بتغير الألفاظ وظهور العادات والتقاليد الجديدة، والتي لا تنافي بالطبع الخط الإسلامي العام. وعلي ضوء ذلك، فلابد أن يتغير أسلوب الحوار معهم أيضاً، وإلا فلا معني أن تتغير كل مظاهر الحياة ثم لا نغيّر حوارنا مع الشباب.
وعليه فينبغي أن نفتح آفاقاً رحبة مع أبنائنا الشباب، ونكثر من بناء الجسور التي تربطنا بهم فنلتقي معهم عبرها في كل آن، ونبتعد عن كل حالة أو أسلوب من شأنه أن يشنّج العلاقات معهم، وينفرهم عنّا، لاسيما بعض الأساليب الديكتاتورية، حيث يمارس الأب أو غير الأب دور التسلط علي الشباب، انطلاقاً من قاعدة احترام الكبير، فيسيء إلي الشباب من خلال ما يتمتع به من مقام الأبوة أو غيره، فنلاحظ في أجواء الديكتاتورية مظاهر الضرب، أو الصياح، أو كمّ الأفواه، أو التحجيم لشخصيات الشباب، وإلغاء دورهم في الحياة، وغير ذلك مما هو بعيد كل البعد عن الإسلام. وحينئذ سوف نتوقع أحد الأمرين من الشباب: إما أن يصبحوا ديكتاتوريين في حياتهم، فيمارسون ظاهرة التسلط متي ما سنحت لهم الفرصة، فينعكس ذلك حتي في علاقاتهم مع الناس، مما يجعلهم أفراداً غير مرغوب فيهم، ولا ينسجم معهم أحد.
أو يفلت الشباب من هذه القبضة الحديدية، فيكون له ردّ فعل معاكس، مما يؤدي بهم إلي ممارسة كل ما حرموا منه علي جميع الأصعدة، فقد كانوا يعانون من سحق لشخصياتهم، فيبدؤون بإظهار شخصياتهم عبر مختلف الوسائل والطرق. وعندها تبدو عليهم ظاهرة (حب الظهور)، والرغبة في الشهرة، فتدب في نفوسهم أمراض الكبر والعجب والهوي..
إذن، نحن أمام هاتين الظاهرتين اللتين يقعان نتيجة للأسلوب اللاشعوري مع الشباب. فماذا نعمل؟ وكيف نتحرك معهم لكيلا نقع في هذه المحاذير؟

في رحاب الأنبياء عليهم السلام

قال تبارك وتعالي: ?لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَري?().
وقال عزوجل: ?فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ?().
يجدر بنا أن ننقل ما ذكره القرآن الكريم عندما يتعرض لشخصية لقمان الحكيم وهو يحاور ولده الشاب، يقول الله تعالي حكاية عن لقمان وهو يربي ويوجّه ابنه : ?وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ?().
وكذلك عندما يتعرض القرآن إلي ذكر إبراهيم الخليل عليه السلام، وهو يسأل ولده إسماعيل عليه السلام عن رأيه: ?يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَي فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَي?().
نلاحظ من خلال هاتين الآيتين كيف كان الحكماء والأنبياء عليهم السلام يتعاملون مع أولادهم، فلقد كانوا يختارون مضافاً إلي أسلوب الحوار والإقناع الفكري، أساليب العاطفة وتنمية هذا الجانب في روح الشاب للحفاظ علي سلامة الفطرة، فلقمان الحكيم لم يطرح حكمه وتوصياته لابنه علي نحو الإلزام والجبر، بل نلمس فيه إشعاراً بالمرونة، ويحاول أن يربط كلامه بجهة أخري وهو الله عزوجل، لكيلا تتبادر إلي ذهن ولده فكرة التسلط، وأنه لو خالف توجيهات والده لحصل علي نتائج غير مرضية، وقساوة من قبل لقمان، بل حاول لقمان بحواره مع ابنه، أن يفهمه أن هذه الصفات لا يحبها الله ولو تركتها ستكون من المقربين منه تعالي، ولكن لو خالفت فلا تحصل إلا علي البعد من الله عزوجل، والحرمان من الفيض الإلهي.
وكذا الأمر في حوار إبراهيم الخليل عليه السلام مع ولده، مع العلم أن رؤيا الأنبياء عليهم السلام حق، وهي أوامر لهم، ولكن مع ذلك يبين إبراهيم الخليل عليه السلام أوامر الله لولده علي نحو الاستفهام؛ ليثير فيه جوانب حب الكمال؛ لأن طاعة الله علي كل حال تزيد الإنسان إشراقاً وكمالاً وقرباً منه تعالي. وكم هو الفرق بين ما قاله إبراهيم عليه السلام لابنه، وبين ما لو قال له مثلاً : (يجب أن أذبحك، ويجب عليك أن تنصاع لهذا الأمر)، فالأسلوب الثاني غير ناجح دائماً، بل لعله يخلق حاجزاً في قلب الشاب فلا ينطلق مع أبيه إلا وهو مكره علي هذا الفعل، أما في الخطاب الأول فتري إسماعيل عليه السلام يتكلم مع أبيه بروحه وكمالاته وإيمانه، وقبل أن ينطق لسانه نطق إيمانه وحبه لله عزوجل، وطاعته لأبيه: ?قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاء اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ?().
فقد روي عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير أنه سمع أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام يذكران: «أنه لما كان يوم التروية قال جبرئيل لإبراهيم عليه السلام: تروه من الماء، فسميت التروية، ثم أتي مني فأباته بها، ثم غدا به إلي عرفات فضرب خباه بنمرة دون عرفة، فبني مسجدا بأحجار بيض، وكان يعرف أثر مسجد إبراهيم عليه السلام حتي أدخل في هذا المسجد الذي بنمرة حيث يصلي الإمام يوم عرفة، فصلي بها الظهر والعصر، ثم عمد به إلي عرفات، فقال: هذه عرفات فاعرف بها مناسكك واعترف بذنبك، فسمي عرفات، ثم أفاض إلي المزدلفة فسميت المزدلفة؛ لأنه ازدلف إليها، ثم قام علي المشعر الحرام فأمره الله أن يذبح ابنه، وقد رأي فيه شمائله وخلائقه وأنس ما كان إليه، فلما أصبح أفاض من المشعر إلي مني، فقال لأمه: زوري البيت أنت، وأحتبس الغلام، فقال: يا بني هات الحمار والسكين حتي أقرب القربان».
فقال أبان: فقلت لأبي بصير: ما أراد بالحمار والسكين؟
قال: أراد أن يذبحه، ثم يحمله فيجهزه ويدفنه، قال الإمام عليه السلام : «فجاء الغلام بالحمار والسكين، فقال: يا أبت أين القربان؟ قال: ربك يعلم أين هو يا بني، أنت والله هو، إن الله قد أمرني بذبحك، فانظر ما ذا تري؟ ?قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاء اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ? قال: فلما عزم علي الذبح قال: يا أبت خمر وجهي وشد وثاقي، قال: يا بني الوثاق مع الذبح! والله، لا أجمعهما عليك اليوم … » ().

روح الشباب

إذن، هناك أساليب لطيفة وجذابة تتلاءم مع روح الشباب، وتنسجم مع منطقهم وعواطفهم، فهذه هي الأساليب التي يلزم أن نتعامل بها معهم.. وعلينا أن نخلق أجواءً للحوار تنفتح فيه قلوب الشباب معنا، وتنمو قدراتهم، ونعلّمهم علي أسلوب الإصغاء، وإعطاء الجواب، والتفكير بتأمل، واحترام الآراء والأشخاص؛ لكي يصبح رصيدهم الروحي أكبر من كل رصيد آخر، فيتعاملوا مع الناس من منطلق المعنويات الإنسانية، فنحافظ بذلك علي سيرهم الاجتماعي وتفكيرهم.
ثم علينا أن نوضح لهم معني الأهداف، والآمال، وما هو دور المبادئ في حياة الإنسان، وكيف يجب أن تكون الأهداف والمبادئ شريفة ومقدسة؛ لكي تكون حركة الإنسان نحوها حركة لها معني، وعندها يضحي الإنسان بروحه من أجل مبادئه فيكون لتضحيته رصيد عند الله، ولا تذهب سدي، إلي غير ذلك مما ينظم توازن الشباب بين أفكارهم وحركاتهم في الحياة علي صعيد الأهداف ومقدماتها.
قال رسول الله صلي الله عليه و اله: «رحم الله من أعان ولده علي بره».
قيل: كيف يعينه علي بره؟
قال: «يقبل ميسوره، ويتجاوز عن معسوره، ولا يرهقه، ولا يخرق به؛ فليس بينه وبين أن يصير في حد من حدود الكفر إلا أن يدخل في عقوق أو قطيعة رحم ثم قال رسول الله صلي الله عليه و اله الجنة طيبةٌ، طيّبها الله، وطيب ريحها يوجد ريحها من مسيرة ألفي عام، ولا يجد ريح الجنة عاق ولا قاطع رحم، ولا مرخي الإزار خيلاء» ().

مع الشباب في عالمهم

قال أمير المؤمنين عليه السلام: «من كان له ولدٌ صبا» ().
الزاوية الثانية التي ينبغي النظر إليها في دراسة شخصية الشباب هي: أن نلاحظ سلوك الشباب فيما بينهم، ثم نرسم تلك البرامج المناسبة لشخصيتهم ونقوم بسد الثغرات عندهم، وهنا يجب علينا أن نتحرك علي مستويين أيضاً:
الأول: التعايش مع الشباب وعدم الابتعاد عن عالمهم المرح.
والثاني: وضع الحلول العملية الميدانية والبرامج التي تطورهم وتوجب سعادتهم الدنيوية والأخروية.
فعندما يريد أحد الأشخاص باعتباره أباً روحياً أو أباً نسبياً أن ينظر للشباب، أو يثقفهم، وبعبارة ثانية: إن من يريد أن يربيهم تربية روحية وثقافية واعية، عليه أولاً أن لا يكون شخصاً غريباً عن عالمهم، ولا عن تفاصيله؛ فعالم الشباب عالم خاص ولهم نمط خاص في الحياة، ولون خاص، ومنطق خاص، وحركة خاصة، وآمال عجيبة، وتصرفات تحتاج إلي موازنة، والي غير ذلك. فعلينا أن لا نهمل هذه الجوانب، مع الالتفات إلي مختصات الذكور ومختصات الإناث.
كما يلزم الالتفات إلي مسألة هامة، وهي: عندما ننطلق مع الشباب علينا أن لا ننطلق من بعض التقاليد الاجتماعية غير الصحيحة، كالذي ينظر إلي الحرية باعتبارها حقاً من حقوق الشباب الذكور فقط، أما بالنسبة إلي الإناث فيعتبرها محرّمة عليهن، وكأن الفتيات لا يسمح لهن بمزاولة حقوقهن المشروعة من التعلم والزواج وما أشبه. فبعض الأعراف ينظر إلي المرأة لا سيما الشابات البواكر علي أنهن متهمات في كل سلوك وكلام وفكر، فيحظر عليهن الخروج والدخول والكلام، بل حتي إبداء وجهات نظرهن، حتي في أمر زواجهن، إلي غير ذلك من التقييدات التي ما أنزل الله بها من سلطان، نعم، لا يجوز الاختلاط المحرم، وكلما يوجب الفساد والإفساد.
إذن، من أراد أن يهدي الشباب إلي الطريق الصحيح عليه أن يدخل إلي عالمهم ويجالسهم ويشاركهم، ويأخذ برأيهم، ويعطيهم فرصة جديدة مع كل خطأ.
فقد قال رسول الله صلي الله عليه و اله: «أ لا أخبركم بشراركم؟».
قالوا: بلي يا رسول الله؟
قال: «الذين لا يقيلون العثرة، ولا يقبلون المعذرة، ولا يغفرون الزلة» ().
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: «إذا عاتبت الحدث فاترك له موضعاً من ذنبه؛ لئلا يحمله الإخراج علي المكابرة» ().

الفتيات المؤمنات نماذج وعبر

في التاريخ الإسلامي هناك الكثير من الفتيات المؤمنات حيث قمن بأدوار مهمة، فإننا نلاحظ من خلال سيرة أئمتنا الهداة عليهم السلام أنهم كانوا يهتمون بإعداد النساء كما يهتمون بإعداد الرجال تماماً لا فرق بينهما.

العقيلة الحوراء زينب عليها السلام

فمثلاً، كانت مولاتنا السيدة زينب عليها السلام شريكة الإمام الحسين عليه السلام في ثورته ونهضته المباركة، وقد كانت عالمة وفقيهة، وتصدت لبيان أحكام الله في الفترة التي كان إمامنا السجاد عليه السلام تحت المراقبة الشديدة حتي قال عليه السلام في حقها: «أنت بحمد الله عالمة غير معلمة وفهمة غير مفهمة..» ().
ومما روي في فضلها عليها السلام أن يحيي المازني قال: كنت في جوار أمير المؤمنين عليه السلام مدة مديدة وبالقرب من البيت الذي تسكنه زينب ابنته، فلا والله ما رأيت لها شخصاً ولا سمعت لها صوتاً، وكانت إذا أرادت الخروج لزيارة جدّها رسول الله صلي الله عليه و اله تخرج ليلاً والحسن عن يمينها والحسين عن شمالها وأمير المؤمنين عليهم السلام أمامها، فإذا قربت من القبر الشريف سبقها أمير المؤمنين عليه السلام فأخمد ضوء القناديل، فسأله الحسن مرة عن ذلك؛ فقال: «أخشي أن ينظر أحدٌ إلي شخص أختك زينب». وهذا قمة العفاف والوقار.
وورد: أن الإمام الحسن عليه السلام لما وضع الطشت بين يديه وصار يقذف كبده سمع بأن أخته زينب تريد الدخول عليه، أمر وهو في تلك الحال برفع الطشت إشفاقاً عليها.
وورد: أن الإمام الحسين عليه السلام كان إذا زارته زينب يقوم إجلالاً لها، وكان يجلسها في مكانه().
وأشهر ما روي عنها عليها السلام من الأخبار روايتها لخطبة والدتها الزهراء عليها السلام التي احتجت بها في موضوع فدك وحق أمير المؤمنين عليه السلام في الخلافة. حيث روي ذلك عنها عليها السلام ابن أبي الحديد في شرح النهج() والمجلسي في البحار() والصدوق في علل الشرايع()، وأبي الفرج الأصفهاني() وغيرهم.
وروي قدامة بن زائدة عن أبيه قال: قال علي بن الحسين عليه السلام: «بلغني يا زائدة أنك تزور قبر أبي عبد الله الحسين عليه السلام أحيانا؟».
فقلت: إن ذلك لكما بلغك.
فقال لي: «فلماذا تفعل ذلك؛ ولك مكان عند سلطانك الذي لا يحتمل أحدا علي محبتنا وتفضيلنا وذكر فضائلنا والواجب علي هذه الأمة من حقنا؟».
فقلت: والله، ما أريد بذلك إلا الله ورسوله، ولا أحفل بسخط من سخط، ولا يكبر في صدري مكروه ينالني بسببه.
فقال: «والله، إن ذلك لكذلك؟».
فقلت: والله، إن ذلك لكذلك، يقولها ثلاثا وأقولها ثلاثا.
فقال: «أبشر، ثم أبشر، ثم أبشر، فلأخبرنك بخبر كان عندي في النخب البحر المخزون، فإنه لما أصابنا بالطف ما أصابنا وقتل أبي عليه السلام وقتل من كان معه من ولده وإخوته وسائر أهله، وحملت حرمه ونساؤه علي الأقتاب، يراد بنا الكوفة، فجعلت أنظر إليهم صرعي ولم يواروا، فعظم ذلك في صدري واشتد لما أري منهم قلقي، فكادت نفسي تخرج، وتبينت ذلك مني عمتي زينب الكبري بنت علي عليهما السلام فقالت: ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي؟
فقلت: وكيف لا أجزع وأهلع وقد أري سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي وأهلي، مصرعين بدمائهم مرملين بالعراء، مسلبين لا يكفنون ولا يوارون، ولا يعرج عليهم أحد ولا يقربهم بشر، كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر؟!
فقالت: لا يجزعنك ما تري؛ فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله صلي الله عليه و اله إلي جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأمة، وهم معروفون في أهل السماوات، إنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرجة، وينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء، لا يدرس أثره ولا يعفو رسمه، علي كرور الليالي والأيام، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا يزداد أثره إلا ظهورا وأمره إلا علوا.
فقلت: وما هذا العهد، وما هذا الخبر؟
فقالت: نعم، حدثتني أم أيمن أن رسول الله صلي الله عليه و اله زار منزل فاطمة عليها السلام في يوم من الأيام، فعملت له حريرة وأتاه علي عليه السلام بطبق فيه تمر، ثم قالت أم أيمن: فأتيتهم بعس فيه لبن وزبد، فأكل رسول الله صلي الله عليه و اله وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام من تلك الحريرة، وشرب رسول الله صلي الله عليه و اله وشربوا من ذلك اللبن، ثم أكل وأكلوا من ذلك التمر والزبد، ثم غسل رسول الله صلي الله عليه و اله يده وعلي يصب عليه الماء، فلما فرغ من غسل يده مسح وجهه، ثم نظر إلي علي وفاطمة والحسن والحسين، نظراً عرفنا به السرور في وجهه، ثم رمق بطرفه نحو السماء ملياً، ثم إنه وجه وجهه نحو القبلة وبسط يديه ودعا، ثم خر ساجداً وهو ينشج، فأطال النشوج وعلا نحيبه وجرت دموعه، ثم رفع رأسه وأطرق إلي الأرض ودموعه تقطر كأنها صوب المطر، فحزنت فاطمة وعلي والحسن والحسين عليهم السلام وحزنت معهم؛ لما رأينا من رسول الله صلي الله عليه و اله وهبناه أن نسأله، حتي إذا طال ذلك، قال له علي، وقالت له فاطمة: ما يبكيك يا رسول الله، لا أبكي الله عينيك؛ فقد أقرح قلوبنا ما نري من حالك؟
فقال: يا أخي سررت بكم سرورا ما سررت مثله قط، وإني لأنظر إليكم وأحمد الله علي نعمته علي فيكم، إذ هبط علي جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد، إن الله تبارك وتعالي اطلع علي ما في نفسك وعرف سرورك بأخيك وابنتك وسبطيك، فأكمل لك النعمة وهنأك العطية، بأن جعلهم وذرياتهم ومحبيهم وشيعتهم معك في الجنة لا يفرق بينك وبينهم، يحبون كما تحب، ويعطون كما تعطي حتي ترضي وفوق الرضا، علي بلوي كثيرة تنالهم في الدنيا، ومكاره تصيبهم بأيدي أناس ينتحلون ملتك ويزعمون أنهم من أمتك، براء من الله ومنك، خبطا خبطاً وقتلاً قتلا شتي مصارعهم نائية، قبورهم خيرة من الله لهم ولك فيهم، فاحمد الله عزوجل علي خيرته وارض بقضائه، فحمدت الله ورضيت بقضائه بما اختاره لكم.
ثم قال لي جبرئيل: يا محمد إن أخاك مضطهد بعدك مغلوب علي أمتك متعوب من أعدائك، ثم مقتول بعدك، يقتله أشر الخلق والخليقة وأشقي البرية، يكون نظير عاقر الناقة ببلد تكون إليه هجرته، وهو مغرس شيعته وشيعة ولده، وفيه علي كل حال يكثر بلواهم ويعظم مصابهم، وإن سبطك هذا، وأومأ بيده إلي الحسين عليه السلام، مقتول في عصابة من ذريتك وأهل بيتك وأخيار من أمتك، بضفة الفرات بأرض يقال لها: كربلاء، من أجلها يكثر الكرب والبلاء علي أعدائك وأعداء ذريتك، في اليوم الذي لا ينقضي كربه ولا تفني حسرته، وهي أطيب بقاع الأرض وأعظمها حرمة، يُقتل فيها سبطك وأهله، وأنها من بطحاء الجنة، فإذا كان ذلك اليوم الذي يقتل فيه سبطك وأهله، وأحاطت به كتائب أهل الكفر واللعنة، تزعزعت الأرض من أقطارها ومادت الجبال وكثر اضطرابها واصطفقت البحار بأمواجها وماجت السماوات بأهلها؛ غضباً لك يا محمد ولذريتك، واستعظاما لما ينتهك من حرمتك، ولشر ما تكافي به في ذريتك وعترتك، ولا يبقي شيء من ذلك إلا استأذن الله عزوجل في نصرة أهلك المستضعفين المظلومين، الذين هم حجة الله علي خلقه بعدك.
فيوحي الله إلي السماوات والأرض والجبال والبحار، ومن فيهن: إني أنا الله الملك القادر، الذي لا يفوته هارب ولا يعجزه ممتنع، وأنا أقدر فيه علي الانتصار والانتقام، وعزتي وجلالي لأعذبن من وتر رسولي وصفيي، وانتهك حرمته وقتل عترته ونبذ عهده وظلم أهل بيته، عذابا لا أعذبه أحداً من العالمين، فعند ذلك يضج كل شيء في السماوات والأرضين بلعن من ظلم عترتك واستحل حرمتك، فإذا برزت تلك العصابة إلي مضاجعها تولي الله عزوجل قبض أرواحها بيده، وهبط إلي الأرض ملائكة من السماء السابعة، معهم آنية من الياقوت والزمرد، مملوة من ماء الحياة وحلل من حلل الجنة، وطيب من طيب الجنة، فغسلوا جثثهم بذلك الماء وألبسوها الحلل، وحنطوها بذلك الطيب، وصلت الملائكة صفاً صفاً عليهم.
ثم يبعث الله قوما من أمتك لا يعرفهم الكفار، لم يشركوا في تلك الدماء بقول ولا فعل ولا نية، فيوارون أجسامهم، ويقيمون رسما لقبر سيد الشهداء عليه السلام بتلك البطحاء، يكون علما لأهل الحق وسببا للمؤمنين إلي الفوز، وتحفه ملائكة من كل سماء مائة ألف ملك في كل يوم وليلة، ويصلون عليه ويطوفون عليه، ويسبحون الله عنده ويستغفرون الله لمن زاره، ويكتبون أسماء من يأتيه زائراً من أمتك، متقربا إلي الله تعالي وإليك بذلك وأسماء آبائهم وعشائرهم وبلدانهم، ويوسمون في وجوههم بميسم نور عرش الله: هذا زائر قبر خير الشهداء وابن خير الأنبياء. فإذا كان يوم القيامة سطع في وجوههم من أثر ذلك الميسم نور تغشي منه الأبصار يدل عليهم ويعرفون به. وكأني بك يا محمد بيني وبين ميكائيل وعلي أمامنا، ومعنا من ملائكة الله ما لا يحصي عددهم، ونحن نلتقط مَن ذلك الميسم في وجهه من بين الخلائق، حتي ينجيهم الله من هول ذلك اليوم وشدائده، وذلك حكم الله وعطاؤه لمن زار قبرك يا محمد، أو قبر أخيك، أو قبر سبطيك، لا يريد به غير الله عزوجل. وسيجتهد أناس ممن حقت عليهم اللعنة من الله والسخط، أن يعفوا رسم ذلك القبر ويمحوا أثره، فلا يجعل الله تبارك وتعالي لهم إلي ذلك سبيلا.
ثم قال رسول الله صلي الله عليه و اله: فهذا أبكاني وأحزنني.
قالت زينب: فلما ضرب ابن ملجم (لعنه الله) أبي عليه السلام ورأيت عليه أثر الموت منه، قلت له: يا أبة، حدثتني أم أيمن بكذا وكذا، وقد أحببت أن أسمعه منك.
فقال: يا بنية الحديث كما حدثتك أم أيمن، وكأني بك وبنساء أهلك سبايا بهذا البلد، أذلاء خاشعين، تخافون أن يتخطفكم الناس، فصبراً صبراً، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما لله علي ظهر الأرض يومئذ ولي غيركم، وغير محبيكم وشيعتكم، ولقد قال لنا رسول الله صلي الله عليه و اله حين أخبرنا بهذا الخبر: إن إبليس (لعنه الله) في ذلك اليوم يطير فرحاً، فيجول الأرض كلها بشياطينه وعفاريته، فيقول: يا معاشر الشياطين، قد أدركنا من ذرية آدم الطلبة، وبلغنا في هلاكهم الغاية، وأورثناهم النار، إلا من اعتصم بهذه العصابة، فاجعلوا شغلكم بتشكيك الناس فيهم، وحملهم علي عداوتهم وإغرائهم بهم وأوليائهم، حتي تستحكموا ضلالة الخلق وكفرهم، ولا ينجو منهم ناج، ولقد صدق عليهم إبليس وهو كذوب، أنه لا ينفع مع عداوتكم عمل صالح، ولا يضر مع محبتكم وموالاتكم ذنب غير الكبائر».
قال زائدة: ثم قال علي بن الحسين عليهما السلام بعد أن حدثني بهذا الحديث: «خذه إليك ما لو ضربت في طلبه آباط الإبل حولاً لكان قليلاً» ().

خطبتها عليها السلام في أهل الكوفة

عن حذيم بن شريك الأسدي قال: لما أتي علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام بالنسوة من كربلاء وكان مريضا، وإذا نساء أهل الكوفة ينتدبن مشققات الجيوب، والرجال معهن يبكون، فقال زين العابدين عليه السلام بصوت ضئيل، وقد نهكته العلة: «إن هؤلاء يبكون علينا، فمن قتلنا غيرهم؟!».
فأومأت زينب بنت علي بن أبي طالب عليه السلام إلي الناس بالسكوت.
قال حذيم الأسدي: لم أر والله خفرة () قط أنطق منها، كأنها تنطق وتفرغ علي لسان علي عليه السلام وقد أشارت إلي الناس بأن أنصتوا، فارتدت الأنفاس وسكنت الأجراس، ثم قالت بعد حمد الله تعالي والصلاة علي رسوله صلي الله عليه و اله:
«أما بعد يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر والخذل، ألا فلا رقأت العبرة ولا هدأت الزفرة، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، تتخذون أيمانكم دخلا بينكم، هل فيكم إلا الصلف والعجب والشنف والكذب وملق الإماء وغمز الأعداء، أو كمرعي علي دمنة، أو كفضة علي ملحودة، ألا بئس ما قدمت لكم أنفسكم، أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون.
أتبكون أخي؟ أجل والله، فابكوا، فإنكم أحري بالبكاء، فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فقد أبليتم بعارها ومنيتم بشنارها، ولن ترحضوها أبداً، وأني ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة وسيد شباب أهل الجنة، وملاذ حربكم ومعاذ حزبكم، ومقر سلمكم، وآسي كلمكم، ومفزع نازلتكم، والمرجع إليه عند مقاتلتكم، ومدرة حججكم، ومنار محجتكم، ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم، وساء ما تزرون ليوم بعثكم. فتعساً تعسا، ونكساً نكسا، لقد خاب السعي وتبت الأيدي وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة، أ تدرون ويلكم أي كبد لمحمد صلي الله عليه و اله فرثتم، وأي عهد نكثتم، وأي كريمة له أبرزتم، وأي حرمة له هتكتم، وأي دم له سفكتم، لقد جئتم شيئا إدّا() تكاد السماوات يتفطرن منه، وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا، لقد جئتم بها شوهاء صلعاء عنقاء سوداء فقماء خرقاء، كطلاع الأرض أو ملء السماء، أفعجبتم أن تمطر السماء دما، ولعذاب الآخرة أخزي وهم لا ينصرون، فلا يستخفنكم المهل؛ فإنه عزوجل لا يحفزه البدار ولا يخشي عليه فوت النار، كلا إن ربك لنا ولهم لبالمرصاد.
ثم أنشأت تقول عليها السلام:
ماذا تقولون إذ قال النبي لكم
ماذا صنعتم وأنتم آخر الأمم
بأهل بيتي وأولادي وتكرمتي
منهم أساري ومنهم ضرجوا بدم
ما كان ذاك جزائي إذ نصحت لكم
أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي
إني لأخشي عليكم أن يحل بكم
مثل العذاب الذي أودي علي أرم
ثم ولت عنهم.
قال حذيم: فرأيت الناس حياري قد ردوا أيديهم في أفواههم، فالتفت إلي شيخ في جانبي يبكي، وقد اخضلت لحيته بالبكاء ويده مرفوعة إلي السماء، وهو يقول: بأبي وأمي، كهولهم خير كهول، ونساؤهم خير نساء، وشبابهم خير شباب، ونسلهم نسل كريم، وفضلهم فضل عظيم، ثم أنشد:
كهولكم خير الكهول ونسلكم
إذا عد نسل لا يبور ولا يخزي
فقال علي بن الحسين عليه السلام: «يا عمة اسكتي؛ ففي الباقي من الماضي اعتبار، وأنت بحمد الله عالمة غير معلمة، فهمة غير مفهمة، إن البكاء والحنين لا يردان من قد أباده الدهر».
فسكتت، ثم نزل عليه السلام وضرب فسطاطه وأنزل نساءه ودخل الفسطاط().

السيدة حميدة المصفاة عليها السلام

وكذلك السيدة حميدة زوجة إمامنا الصادق عليه السلام، هي من تلك النماذج الأسوة للشباب فقد كانت عالمة وفقيهة، حيث روي عن أحوالها عليها السلام أنها كانت من أشراف الأعاجم، وكان أبو عبد الله الصادق عليه السلام يأمر النساء بالرجوع إليها في أخذ الأحكام.
فقد روي عن أبي عبد اللّه عليه السلام حينما سئل عليه السلام عن مولود ما يفعل به يوم التروية فقيل: إن معنا صبياً مولوداً فكيف نصنع به؟
قال عليه السلام: «مر أمّه تلقي حميدة فتسألها كيف تصنع بصبيانها».
فأتتها فسألتها كيف تصنع؟
فقالت: «إذا كان يوم التّروية فأحرموا عنه، وجرّدوه وغسّلوه، كما يجرّد المحرم، وقفوا به المواقف، فإذا كان يوم النّحر فارموا عنه واحلقوا رأسه، ثمّ زوروا به البيت ومري الجارية أن تطوف به بين الصّفا والمروة» ().
وفي حديث قال الإمام الباقر عليه السلام: «ما اسمك؟».
قالت: حميدة.
فقال: «حميدةٌ في الدنيا محمودةٌ في الآخرة» إلي أن قال فقال: «يا جعفر، خذها إليك» فولدت خير أهل الأرض موسي بن جعفر عليه السلام().
وقال أبو عبد الله عليه السلام عنها: «حميدة مصفاة من الأدناس، كسبيكة الذهب، ما زالت الأملاك تحرسها حتي أديت إلي، كرامة من الله لي، والحجة من بعدي» ().

السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام

أما السيدة فاطمة المعصومة فهي أيضاً من تلك النماذج الأسوة للشباب في إيمانها وفضلها، فهي أخت الإمام الرضا عليه السلام بنت الإمام الكاظم عليه السلام()، وفي فضلها وفضل زيارتها عليها السلام روي سعد بن سعد، قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن زيارة فاطمة بنت موسي بن جعفر عليهما السلام بقم؟
فقال: «من زارها فله الجنة» ().
وعن الإمام محمد الجواد عليه السلام قال: «من زار قبر عمتي بقم فله الجنة» ().
وقال الإمام الرضا عليه السلام لسعد: «يا سعد، عندكم لنا قبر».
قلت: جعلت فداك، قبر فاطمة بنت موسي عليه السلام؟
قال: «نعم من زارها عارفا بحقها فله الجنة، فإذا أتيت القبر فقم عند رأسها مستقبل القبلة، وكبر أربعا وثلاثين تكبيرة، وسبح ثلاثا وثلاثين تسبيحة، واحمد الله ثلاثا وثلاثين تحميدة» ثم ذكر عليه السلام زيارتها().

سكينة بنت الحسين عليها السلام

أما السيدة سكينة() بنت الإمام الحسين عليه السلام وعزيزته، فقد كانت مشهورة بالعلم والمعرفة والميل الروحي العميق نحو الباري تعالي، كيف لا وهي تربت في بيت الطهر والعفة ومنبع الايمان وبرعاية خامس أصحاب الكساء عليهم السلام وكان أبوها يوليها رعاية خاصة، ووصفها بقوله عليه السلام: «وأما سكينة فغالب عليها الاستغراق مع الله تعالي..» ().
روي: إن اسمها الأصلي آمنة أو أمينة أو أُمامة، وأمها الرباب هي التي لقّبتها بلقب سكينة لسكونها، وهي شقيقة علي الأصغر عليه السلام وحضرت كربلاء وهي في سن العاشرة أو الثالثة عشر. وروي: أن الإمام الحسين عليه السلام لقبها يوم الطف بلقب خيرة النسوان؛ فحينما كان الإمام الحسين عليه السلام يودّع عياله وأطفاله يوم عاشوراء رآها قد اعتزلت النساء جانباً وهي تبكي، فقال لها:
سيطول بعدي يا سكينة فأعلمي
منك البكاء إذا الحمام دهاني
لا تحرقي قلبي بدمعك حسرة
مادام مني الروح في جسماني
فإذا قُتلتُ فأنت أولي بالذي
تأتينه يا خيرة النسوان()
وأحبها الإمام الحسين عليه السلام وأمها الرباب حباً شديداً، وقال فيهما شعراً، جاء فيه:
تحل بها سكينة والرباب
لعمرك إنني لاُحب داراً
وليس للائمي فيها عتاب
أحبهما وأبذل جل مالي
وهي الشريفة الطاهرة المطهرة، والزهرة الباسمة الناظرة، كانت من سيدات نساء عصرها، ومن أحسنهن أخلاقاً، ذات بيان وفصاحة، ولها السيرة الجميلة.
وروي عنها عليها السلام: أنها رأت في منامها وهي بدمشق كأن خمسة نجب من نور قد أقبلت وعلي كل نجيب شيخ، والملائكة محدقة بهم ومعهم وصيف يمشي، فمضي النجب وأقبل الوصيف إلي وقرب مني، وقال: يا سكينة إن جدك يسلم عليك.
فقلت: «وعلي رسول الله السلام، يا رسول رسول الله من أنت؟».
قال: وصيف من وصايف الجنة.
فقلت: «من هؤلاء المشيخة الذين جاؤوا علي النجب؟».
قال: الأول آدم صفوة الله، والثاني إبراهيم خليل الله، والثالث موسي كليم الله، والرابع عيسي روح الله عليهم السلام.
فقلت: «من هذا القابض علي لحيته يسقط مرة ويقوم أخري؟».
فقال: جدك رسول الله صلي الله عليه و اله.
فقلت: «وأين هم قاصدون؟».
قال: إلي أبيك الحسين.
«فأقبلت أسعي في طلبه؛ لأعرّفه ما صنع بنا الظالمون بعده، فبينما أنا كذلك إذ أقبلت خمسة هوادج من نور، في كل هودج امرأة، فقلت: من هذه النسوة المقبلات؟».
قال: الأولي حواء أم البشر، والثانية آسية بنت مزاحم، والثالثة مريم بنت عمران، والرابعة خديجة بنت خويلد، والخامسة الواضعة يدها علي رأسها تسقط مرة وتقوم مرة وتقوم أخري.
فقلت: «من؟».
فقال: جدتك فاطمة بنت محمد أم أبيك.
فقلت: «والله لأخبرنَّها ما صنع بنا».
«فلحقتها ووقفت بين يديها أبكي وأقول: يا أمتاه جحدوا والله حقنا، يا أمتاه بددوا والله شملنا، يا أمتاه استباحوا والله حريمنا، يا أمتاه قتلوا والله الحسين أبانا».
فقالت: «كفي صوتك يا سكينة، فقد أقرحت كبدي وقطعت نياط قلبي، هذا قميص أبيك الحسين معي لا يفارقني حتي ألقي الله به، ثم انتبهت وأردت كتمان ذلك المنام، وحدثت به أهلي فشاع بين الناس» ().
وعاشت السيدة سكينة عليها السلام بعد عودتها من واقعة الطف في كنف الإمام السجاد عليه السلام. وقد عاصرت ثلاثة من الأئمة وهم: الإمام الحسين والإمام السجاد والإمام الباقر عليهم السلام.
توفيت عليها السلام عام (117ه) في المدينة المنورة.

السيدة نفيسة عليها السلام

وكذلك السيدة نفيسة عليها السلام فهي نموذج للعلم والعمل الصالح ومثال التقوي، وأسوة صالحة للشباب، فإنها من تلك الشخصيات العظيمة التي نمت وترعرعت في بيوت آل الرسول الأعظم صلي الله عليه و اله، وهي السيدة نفيسة بنت الحسن الأنور بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام. لقبت ب: نفيسة العلم، ولدت بمكة سنة (154ه) ونشأت بالمدينة، زوّجها أبوها من إسحاق بن الإمام جعفر الصادق عليه السلام وكان يقال له: إسحاق المؤتمن، وكان إسحاق من أهل الفضل والاجتهاد، والورع والصلاح، كيف لا، وهو ابن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أخذ عن أبيه الكثير من علومه وآدابه وأخلاقه، حتي أصبح له شأن ومقام ووثاقة لا تخدش.
وهكذا كان في هذا الزواج المبارك انسجام يتوافق مع ما نشأت عليه السيدة نفيسة من حب الله والانصراف إلي طاعته (جل جلاله). وقد ولدت له (أبا القاسم) و(أم كلثوم)، فاجتمع في هذا البيت نور الحسن ونور الحسين عليه السلام، رويَ عنه الحديث، وكان الراوي إذا حدّث عنه يقول: حدّثني الثقة الرضي إسحاق بن جعفر، وكان له عقب بمصر منهم بنو الرقي، وبحلب بنو زهرة.
وكانت عليها السلام وهي في المدينة لا تفارق حرم جدّها المصطفي صلي الله عليه و الهقارئة ذاكرة باكية، راكعة ساجدة، ضارعة داعية، وقد حجت بيت الله الحرام ثلاثين حجّة، أكثرها مشياً علي الأقدام تقرّباً إلي الله وزلفاً إليه.
شُغف حبّاً أهالي مصر بالسيدة نفيسة، وزاد شوقهم فيها ورغبتهم إليها عندما علموا أنها في الطريق إلي مصر. فخرج لاستقبالها أهالي القاهرة وأعيانها، وكانت بصحبة زوجها (إسحاق المؤتمن)، ونزلت في دار كبير التجار، وبعد فترة استقرت في الدار التي أعدت لها.
وراح الناس بمختلف فئاتهم يترددون عليها وعلي زوجها، يأخذون عنهما العلم والفقه والحديث، فحصلوا بذلك علي الكثير من الثقافة الصحيحة. حتي أصبحت رمزاً للطهارة والقداسة في تلك الديار.
وكان لأخيها يحيي (المتوّج) بنت واحدة اسمها (زينب) انقطعت لخدمة عمتها، تقول: لقد خدمت عمتي نفيسة أربعين سنة، فما رأيتها نامت بليل، أو أفطرت بنهار، إلا في العيد وأيام التشريق، وتقول: كانت عمتي تحفظ القرآن وتفسّره وتقرأه وتبكي.. وهكذا عاشت في مصر معزّزة مكرّمة، ينتهل من نمير علومها أهالي مصر. وكانت مثال الحديث الشريف الوارد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «يا بني، عاشروا الناس بالمعروف معاشرة إن عشتم حنّوا إليكم، وإن متّم بكوا عليكم» ().
وكانت السيدة تحسن وتنفق من مالها علي المرضي والزمني والجذماء، فكانت تجود بما عندها وتؤثر غيرها؛ فتداوي المرضي وتخدمهم، وكان يقصدها العلماء يبتغون عندها العلم النافع.
ورثت السيدة نفيسة عن جدها علي بن أبي طالب عليه السلام الجرأة والشجاعة وعدم الخوف إلا من الله، مهما كان الجبروت والبطش والطغيان، مراعية أدب النصيحة وحسن القول وأدب مخاطبة السلاطين، فقد ذكر: أنه لما ظلم أحمد بن طولون استغاث الناس من ظلمه بالسيدة نفيسة يشكونه إليها، فقالت سائلة: متي يخرج موكب الأمير؟ ثم كتبت رسالة ووقفت بها في طريقه ونادته، فنزل عن فرسه لما عرفها، وأخذ الرسالة ثم قرأ فيها: ملكتم فأسرتم، وقدرتم فقهرتم، وحملتم أمانة الحكم فظلمتم، وردت إليكم الأرزاق فقطعتم، هذا وقد علمتم أن سهام الأسحار نافذة غير مخطئة، لا سيما من قلوب أوجعتموها، وأكباد جوعتموها، وأجساد عريتموها، فمحال أن يموت المظلوم ويبق الظالم. اعملوا ما شئتم فإنا صابرون، وجوروا فإنا بالله مستجيرون، واظلموا فإنا إلي الله متظلمون، ?وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ? () فعدل لوقته عن ظلمه.
أحبها أهل مصر الذين عايشوها ورأوا فيها مكارم الأخلاق فهي سليلة الطهر والعفاف ومحاسن الأخلاق التي تحلي بها أهل بيت النبوة عليهم السلام فكانوا يحبونها حباً شديداً، وقد تعاطفوا معها لما كان يصيب أهل البيت من ظلم وجور علي أيدي الطغاة من حكام ذلك الزمان، وتحركت عواطفهم بالمواساة والاحترام لآل البيت عليهم السلام.

من كراماتها

رويت للسيدة نفيسة عليها السلام كرامات لا تمحي من ذاكرة المصريين، منها قصة تلك الصبية المشلولة التي كانت من بيت يهودي، إذ أنها لا قدرة لها علي الحراك، وكانت أمها تريد الذهاب خارج البيت لقضاء بعض شؤونها، ولم يكن أحد عندها يرعي طفلتها المشلولة، فحملتها إلي منزل السيدة نفيسة، وكان المنزل إلي جوارهم، وطلبت منها أن ترعاها لحين عودتها، فرحّبت بذلك. وأرادت السيدة الجليلة أن تتوضأ وبعد أن توضأت جعلت تبلّ يدها من ماء الوضوء وتمرّ به علي أعضاء تلك الطفلة المشلولة، فزال عنها ما كان بها، بإذن الله وببركة السيدة نفيسة، وهبّت الطفلة تمشي علي رجليها وكأن شيئاً لم يكن بها.
فجاءت أمها، فرأت ابنتها وقد خرجت إليها ماشية، فسألتها فأخبرتها الخبر، فعجبت لذلك وفرحت فرحا عظيماً، وأسلمت وأسرتها علي يد السيدة نفيسة، وأسلم كثير ممن سمع بالخبر.
وروي أن ابناً لامرأة ذمّية أسر في بلاد الروم، فأتت إلي السيدة نفيسة وسألتها الدعاء أن يردّ اللّه ابنها عليها، فلما كان الليل لم تشعر الذمّية إلاّ بابنها وقد هجم عليها دارها، فسألته عن خبره فقال: يا أمّاه لم أشعر إلاّ ويد قد وقعت علي القيد الذي كان في رجلي وقائل يقول: أطلقوه؛ قد شفعت فيه نفيسة بنت الحسن، فوالذي يُحلَفُ به يا أمّاه، لقد كُسر قيدي وما شعرت بنفسي إلاّ وأنا واقف بباب هذه الدار.
فلما أصبحت الذمّية أتت إلي السيدة نفيسة وقصت عليها الخبر وأسلمت هي وابنها وحسن إسلامهما.

وفاتها

توفيت السيدة نفيسة عليها السلام في شهر رمضان سنة (208ه) ودفنت في منزلها وهو الموضع الذي به قبرها الآن، ويعرف بخط درب السباع. وكان الموت لا يغادر لحظة فكرها حتي أنها حفرت قبراً لها في بيتها وكانت تنزله وتقرأ فيه القرآن، وختمت القرآن مائة وتسعين مرة فيه، وتبكي بكاءً عظيماً. ولما أحست بدنو أجلها، كتبت إلي زوجها تطلب حضوره، فاشتدت بها العلة، حتي حلّت عليها أول جمعة من شهر رمضان، فزاد عليها الألم، وهي صائمة، فأشار الأطباء عليها بالإفطار لحفظ قوتها، ولتتغلب علي مرضها فرفضت.
فانصرف الأطباء، معجبين بقوة يقينها وثبات دينها، فسألوها الدعاء، فقالت لهم خيراً ودعت لهم.
وشاءت السيدة نفيسة أن تختم حياتها بتلاوة القرآن الحكيم، وبينما كانت تتلو سورة الأنعام، حتي إذا بلغت قوله تعالي: ?لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ? () غشي عليها. تقول زينب بنت أخيها: ضممتها إلي صدري، فتشهدت شهادة الحق، وصعدت روحها إلي باريها في السماء.
وما إن ذاع خبر وفاتها حتي عج الناس بالبكاء والنحيب، ودخل الحزن بيت كل محب وعارف لفضل هذا البيت الطاهر. ووصل زوجها (إسحاق المؤتمن) القاهرة بعد أن كانت قد فارقت روحها الطاهرة البدن المسجّي. ووصل زوجها إلي مصر وأراد نقلها، إلاّ أنّ أهالي القرية استجاروا بالأمير عند إسحاق ليردّه عما أراد، فأبي، فجمعوا له مالاً جزيلاً حتي وسق بعيره() الذي أتي عليه، وسألوه أن يدفنها عندهم فأبي، فباتوا منه في ألم عظيم، فلمّا أصبحوا اجتمعوا إليه فوجدوا منه غير ما عهدوه بالأمس، فقالوا له: إن لك لشأناً عظيماً؟!
قال: نعم رأيتُ رسول الله صلي الله عليه و اله وهو يقول لي: «رُدّ عليهم أموالهم، وادفنها عندهم. فدفنها في المنزل الذي كانت تسكنه في محلة كانت تعرف قديماً بدرب السباع، وقد بادت هذه المنطقة ولم يبق سوي قبرها. ولأهل مصر اعتقاد بها عظيم، فإنّ الدعاء يستجاب عند قبرها، وقد زار قبرها من العلماء والصالحين خلق لا يُحصي عددهم، وهكذا أصبح قبرها علماً ومزاراً يزوره المحبّون، ويتذاكرون بركات هذه السيدة الجليلة علي أهالي مصر، وما منحتهم من علوم وآداب وما أتحفتهم به من فقه وحديث نبوي. ويتذاكرون تلك الكرامات التي بقيت ذكراها بينهم
نعم، هكذا يجب أن تكون نساء المسلمين وفتياتهم، فضلاً عن رجالهم وشبابهم. فعلي المتصدين الذين يتابعون أمور الشباب أن يتأملوا في تأريخ أهل البيت عليهم السلام، ويبينوا للشباب تلك النماذج الطاهرة والأسوة الحسنة ويعملوا بتلك الخطوات التي رسمها أئمتنا العظام عليهم السلام.

الشيخ البلاغي

كما برز من مدرسة أهل البيت عليهم السلام عدد كبير من العلماء الأعاظم والأجلاء، وقد كان من جهادهم وسيرتهم خلال أيام شبابهم ما يصلح أن يكون عبرة للشباب. ومن هؤلاء العلماء الذين بزغ نجمهم في القرن الرابع عشر الهجري، فأناروا ما حولهم بعلمهم وتأليفاتهم، الشيخ جواد البلاغي ?()، فإنه كان من العلماء الأوتاد الذين خدموا الإنسانية بجهدهم العلمي، وتقواهم العملي، فقد نقل لي والدي? () قصة ذكر فيها هذا الشيخ الجليل، فقال: إن الشيخ البلاغي قبل انتقاله إلي حوزة النجف الأشرف كان يواصل دراسته الدينية في حوزة سامراء المقدسة، وكان الراتب الشهري للطلبة في حوزة سامراء قليلاً جداً، كما هي العادة في قلة الراتب الشهري بالنسبة إلي طلاب العلوم الدينية في كل الحوزات العلمية حتي يومنا هذا، وكان الشيخ البلاغي يصبر علي قلة راتبه، ويقتنع بالشيء القليل من المأكل والملبس، ويجعل لذلك نصف مرتّبه، ويدخر النصف الآخر ليقدمه إلي يهودي كان يتعلم منه اللغة العبرية، لغة التوراة القديمة؛ ليري ما هي النسبة بين التوراة المترجمة بالعربية، وبين التوراة الموجودة عند اليهود باللغة العبرية، ويعرف مدي صحة الترجمة وأمانتها من زيفها وبطلانها.
نعم، هكذا قضي الشيخ خيرة عمره، وريعان شبابه في هذا السبيل، حتي تعلم تلك اللغة الصعبة، واكتشف بالفعل الفرق بين الترجمة والأصل، ونص علي موارد الخيانة في الترجمة، وإني شاهدت بعض تلك الموارد في تأليفاته القيمة، حيث يقول مثلاً : إن في اللغة القديمة تزيد كلمة، أو تنقص كلمة، مما يغير المعني بالكامل، وربما يقلب النفي إلي إثبات، والإثبات إلي نفي.
ثم إن الشيخ البلاغي بقي في بغداد مدة كان يتعلم فيها العلوم الرياضية الحديثة: من حساب وجبر وهندسة عند بعض المدرسين، الذين كانوا يدرّسون في المدارس الحكومية، وقد اشتغل بتعلم الرياضيات لملاحظة بعض الأمور الدينية والأهداف الإنسانية، وقد ظهرت آثار هذا العلم في بعض كتبه أيضاً، ولا أعلم هل كان الشيخ يقدم بعض راتبه الشهري إلي هذا المعلم أيضاً أم لا؟
وعلي كل حال: فقد ألّف الشيخ في النجف الأشرف تأليفات مفيدة للغاية، وجميلة جداً، رأيت جملة منها، كالرحلة المدرسية، والهدي إلي دين المصطفي، والتوحيد، والتثليث، وغير ذلك، وهو حسب ما أعلم كان فريداً في هذه العلوم، وحيداً بين أقرانه.

الجانب العملي

هناك بعض الجوانب العملية التي لابد منها للحفاظ علي شبابنا وعلي مسيرتهم في الحياة، نذكر بعض هذه الجوانب:
1: يلزم الاهتمام بالتجمعات الجماهيرية الشبابية، فإنها وسيلة من الوسائل التي يميل إليها الشباب، وبنفس الوقت تكون وسيلة لنشر الثقافة، حيث تتداول فيها الأقوال والأخبار، وهذه التجمعات تارة تكون موجودة، وأخري نحث علي إيجادها؛ لكي نجمع أكبر قدر ممكن من الشباب المشتت الضائع، ولابد أن نصنع برامج بواسطتها يتقدم الشباب خطوات إلي الأمام علي الصعيد الاجتماعي والفكري، فعلينا أن نعمل علي تشكيل مؤسسات أو مجمعات تحتضن وتحتوي الشباب، وتقدم لهم كل ما يحتاجون إليه.
أما إذا كان دورنا سلبياً تجاه الشباب، فمما لا شك فيه أن الأعداء يتحركون ويجعلون تلك الشريحة الكبيرة والمهمة من المجتمع تصب في صالحهم، فيبدؤون بنشر أفكارهم ومبادئهم المنحرفة كالشيوعية() التي جاءت واستوعبت كثيراً من الشباب، وجعلت منهم مبلغين للشيوعية، ثم جاءت الأفكار القومية() وغيرها مما هو بعيد عن الإسلام. وجاءت الجهات المروجة للأفكار الغربية وثقافتها؛ لذا علينا أن نعمل في الواقع الخارجي عملاً يحافظ علي إيمان الشباب ويصب هذا التجمع في خدمة الإسلام.
2: مما يلزم ملاحظته في أمر الشباب وحياتهم تهيئة وسائل الترفيه الجسدية والفكرية المشروعة والممدوحة كالسباحة والفروسية والرماية وما أشبه.
فقد قال رسول الله صلي الله عليه و اله: «علّموا أولادكم السباحة والرماية» ().
وكذلك إنشاء مكتبات خاصة لقراءة الكتب والمجلات المفيدة و …
3: الاهتمام بنشر الفكر الإسلامي الأصيل في أوساطهم، لا سيما المحور العقائدي، لما يشكل أهمية في حياة الشباب، ونكون بذلك قد ضربنا الأسس الفكرية التي تعقد عليها الثقافة والفكر غير الإسلامي، وبنفس الوقت بينا المفاهيم الإسلامية لأبنائنا الشباب بكل وضوح.
أذكر عندما كنا في العراق كانت هناك عشيرة من العشائر العراقية() وبعض أفرادها يمتهن التجارة بين العراق والحجاز، فأحد العلماء كان يشتري كتاب المراجعات() بسعر (100 فلس)، ويعطي أجرة (250 فلساً) لهؤلاء التجار لكي ينقلوا الكتاب إلي الحجاز فيوزع علي الشباب وعلي العلماء هناك، فكانت تعقد حلقات ومجاميع من الشباب المؤمن الواعي يتداول فيها مفردات ذلك الكتاب.
ولا يخفي أن الكتاب يؤثر تأثيراً كبيراً علي حياة الأشخاص، ويغير مسيرة الإنسان علي المستوي الفكري والقلبي العقائدي، ويترك الأثر الواضح في سلوك الإنسان.
ثم إن مسألة الاهتمام بأبنائنا الشباب من المسائل المهمة التي قد تعرض لها أئمتنا عليهم السلام.
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «علموا صبيانكم من علمنا ما ينفعهم الله به لا تغلب عليهم المرجئة برأيها» ().
ويقول الإمام الصادق عليه السلام: «بادروا أحداثكم بالحديث قبل أن تسبقكم إليهم المرجئة» ().
فالإمام يطلب من القواعد الشيعية أن تبادر إلي تغذية الأبناء بالفكر الصحيح والعقائد الحقة قبل أن يسبق أصحاب العقائد والأفكار الفاسدة إليهم.

الكتاب يغيّر

لا ينحصر تأثير الكتاب والقلم علي جيل الشباب فحسب، بل ويتعداه إلي الجميع بما فيهم حتي المحسوبين علي الثقافة والإطلاع، يذكر أحد الأصدقاء عن شخص سوداني كان يعرفه بالولاء المفرط لجمال عبد الناصر() ثم فوجئ بهذا الشخص قد تغير رأيه بحيث اخذ يتهجم عليه وينتقده، فاستحثه ذلك لمعرفة السبب، فسأله عن ذلك؟
فقال: حينما فتحت عيني علي مجريات هذه الدنيا وجدت عبد الناصر حاكماً علي مصر فأعجبني كثيراً؛ لما كان يبث عنه ويشاع ويمجد له، فاعتقدت بآرائه، بل كنت أقدسه واعتبره أفضل رجل علي وجه البسيطة، حتي وقع في يدي كتاب لسيدة مصرية ()، كانت معتقلة في بعض سجون عبد الناصر، وروت فيه المعاناة التي كانت تتعرض لها في السجن من تعذيب جسدي ومحاربات نفسية، ويقول الشخص السوداني : عندما اطلعت علي هذه الجرائم تغيّر اعتقادي بجمال، وأخذت أنظر إليه علي أنه من أسوأ الدكتاتوريين، إنه كان الداعية الكبير للقومية، وإذا كانت سجونه وما يجري فيها من تعذيب علي المظلومين إحدي مقدمات هذه القومية التي يدعو لها فكيف الحال بالنتائج؟!
فكان كل من يخالف أفكاره السياسية يحكم عليه بالسجن، مضافاً إلي صور التعذيب الوحشي والأعمال الشاقة التي يندي لها جبين البشرية.
نعم، كذلك كان جمال ومن أشبه، أو أكثر، كما كان غيره من السابقين عليه واللاحقين، وما ذلك إلا لأنهم انحرفوا عن الجادة والطريقة.. ولكن مع ذلك كله نجد بعض الناس إلي اليوم تنادي باسم جمال، وتؤسس الأحزاب في سبيل ذلك، وتري أفواج الشباب تتناثر من هنا وهناك علي تلك المحافل لتسمع شيئاً من بطولته وأفكاره. ولعل لهم بعض العذر في ذلك التوجه والاندفاع وراء هذه الشخصيات وأصحاب الشعارات؛ وهذا لأننا أخلينا الساحة لهم، فنزلها الناصريون والبعثيون والقوميون وكل يفلسف خطته، ويزين بضاعته، فيما نقبع نحن منعزلين، ثم نلوم هؤلاء الشباب علي انخراطهم في الفئات الضالة!!
إذن، علينا أن نستوعب الشباب أولاً ونحتضنهم، ثم نحثهم ونثير فيهم ظاهرة التأليف والكتابة والتدوين ونشر الأفكار الواضحة للناس. ولا شك أن في كل أمة جيلاً يتحمل حضارة هذه الأمة وميراثها ومسؤولية تطويرها، وهذا الجيل هم الشباب عادة.
«اللهم صل علي محمد وآل محمد.
وتفضل علي علمائنا بالزهد والنصيحة.
وعلي المتعلمين بالجهد والرغبة.
وعلي المستمعين بالاتباع والموعظة.
وعلي مرضي المسلمين بالشفاء والراحة.
وعلي موتاهم بالرأفة والرحمة.
وعلي مشايخنا بالوقار والسكينة.
وعلي الشباب بالإنابة والتوبة.
بحق محمد وآل محمد» ().

من هدي القرآن الحكيم

ينبغي علي كل شاب أن يربي نفسه علي:
1: طاعة الله عزوجل:
قال الله تعالي: ?وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ?().
وقال سبحانه: ?وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ?().
2: عبادته تعالي:
قال عزوجل: ?قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي?().
وقال جل وعلا: ? بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِين?().
3: الاقتداء بالقرآن:
قال الله تعالي: ?قَدْ جَاءكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ? يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَي النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَي صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ?().
وقال سبحانه: ?وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ?().
وقال عزوجل: ?وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ?().
وقال جل وعلا: ?وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًي وَرَحْمَةً وَبُشْرَي لِلْمُسْلِمِين?().
4: التأسي والولاية لرسول الله وأهل بيته عليهم السلام:
قال الله تعالي: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ?().
وقال سبحانه: ?إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ?().
وقال عزوجل: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ?().
5: تعلم العلم:
قال جل وعلا: ? وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً?().
وقال الله تعالي: ?قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ?().
6: العمل الصالح:
قال سبحانه: ?وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ?().
وقال عزوجل: ?إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ?().

من هدي السنة المطهرة

أبلغ الوصايا

قال أمير المؤمنين عليه السلام للإمام الحسن عليهما السلام في وصية كتبها إليه بحاضرين عند انصرافه من صفين:
«من الوالد الفان، المقر للزمان، المدبر العمر، المستسلم للدنيا، الساكن مساكن الموتي، والظاعن عنها غداً، إلي المولود المؤمل ما لا يدرك، السالك سبيل من قد هلك، غرض الأسقام، ورهينة الأيام، ورمية المصائب، وعبد الدنيا، وتاجر الغرور، وغريم المنايا، وأسير الموت وحليف الهموم، وقرين الأحزان، ونصب الآفات، وصريع الشهوات، وخليفة الأموات.
أما بعد، فإن فيما تبينت من إدبار الدنيا عني، وجموح الدهر علي، وإقبال الآخرة إلي، ما يزعني عن ذكر من سواي، والاهتمام بما ورائي، غير أني حيث تفرد بي دون هموم الناس هم نفسي، فصدفني رأيي وصرفني عن هواي وصرح لي محض أمري، فأفضي بي إلي جد لا يكون فيه لعب، وصدق لا يشوبه كذب، ووجدتك بعضي، بل وجدتك كلي، حتي كأن شيئاً لو أصابك أصابني، وكأن الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي. فكتبت إليك كتابي مستظهراً به إن أنا بقيت لك أو فنيت، فإني أوصيك بتقوي الله، أي بني، ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله، وأي سبب أوثق من سبب بينك وبين الله، إن أنت أخذت به. أحي قلبك بالموعظة، وأمته بالزهادة، وقوه باليقين، ونوره بالحكمة، وذللِّه بذكر الموت، وقرره بالفناء، وبصره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر، وفحش تقلب الليالي والأيام، وأعرض عليه أخبار الماضين، وذكره بما أصاب من كان قبلك من الأولين، وسر في ديارهم وآثارهم، فانظر فيما فعلوا، وعما انتقلوا، وأين حلوا ونزلوا، فإنك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبة، وحلوا ديار الغربة، وكأنك عن قليل قد صرت كأحدهم، فأصلح مثواك، ولا تبع آخرتك بدنياك، ودع القول فيما لا تعرف، والخطاب فيما لم تكلف، وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته؛ فإن الكف عند حيرة الضلال خير من ركوب الأهوال، وأمر بالمعروف تكن من أهله، وأنكر المنكر بيدك ولسانك، وباين من فعله بجهدك، وجاهد في الله حق جهاده ولا تأخذك في الله لومة لائم، وخض الغمرات للحق حيث كان، وتفقه في الدين، وعود نفسك التصبر علي المكروه، ونعم الخلق التصبر في الحق، وألجئ نفسك في أمورك كلها إلي إلهك، فإنك تلجئها إلي كهف حريز ومانع عزيز، وأخلص في المسألة لربك فإن بيده العطاء والحرمان، وأكثر الاستخارة، وتفهم وصيتي، ولا تذهبن عنك صفحاً؛ فإن خير القول ما نفع. واعلم أنه لا خير في علم لا ينفع، ولا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه.
أي بني، إني لما رأيتني قد بلغت سنا ورأيتني أزداد وهناً، بادرت بوصيتي إليك، وأوردت خصالا منها قبل أن يعجل بي أجلي دون أن أفضي إليك بما في نفسي، أو أن أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوي وفتن الدنيا، فتكون كالصعب النفور، وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك، ويشتغل لبك لتستقبل بجد رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته، فتكون قد كفيت مئونة الطلب، وعوفيت من علاج التجربة، فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه واستبان لك ما ربما أظلم علينا منه.
أي بني، إني وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم، وفكرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم، حتي عدت كأحدهم، بل كأني بما انتهي إلي من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلي آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضرره، فاستخلصت لك من كل أمر نخيله، وتوخيت لك جميله، وصرفت عنك مجهوله، ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق، وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر ومقتبل الدهر، ذو نية سليمة، ونفس صافية. وأن أبتدئك بتعليم كتاب الله عزوجل وتأويله وشرائع الإسلام وأحكامه وحلاله وحرامه، لا أجاوز ذلك بك إلي غيره، ثم أشفقت أن يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم وآرائهم، مثل الذي التبس عليهم، فكان إحكام ذلك علي ما كرهت من تنبيهك له أحب إلي من إسلامك إلي أمر لا آمن عليك به الهلكة، ورجوت أن يوفقك الله فيه لرشدك، وأن يهديك لقصدك، فعهدت إليك وصيتي هذه.
واعلم يا بني، أن أحب ما أنت آخذ به إلي من وصيتي تقوي الله، والاقتصار علي ما فرضه الله عليك، والأخذ بما مضي عليه الأولون من آبائك، والصالحون من أهل بيتك، فإنهم لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم كما أنت ناظر، وفكروا كما أنت مفكر، ثم ردهم ذلك إلي الأخذ بما عرفوا، والإمساك عما لم يكلفوا، فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا فليكن طلبك ذلك بتفهم وتعلم، لا بتورط الشبهات وعلق الخصومات، وابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك، والرغبة إليه في توفيقك، وترك كل شائبة أولجتك في شبهة، أو أسلمتك إلي ضلالة، فإن أيقنت أن قد صفا قلبك فخشع، وتم رأيك فاجتمع، وكان همك في ذلك هماً واحداً، فانظر فيما فسرت لك، وإن لم يجتمع لك ما تحب من نفسك، وفراغ نظرك وفكرك، فاعلم أنك إنما تخبط العشواء، وتتورط الظلماء، وليس طالب الدين من خبط أو خلط، والإمساك عن ذلك أمثل.
فتفهم يا بني وصيتي، واعلم أن مالك الموت هو مالك الحياة، وأن الخالق هو المميت، وأن المفني هو المعيد، وأن المبتلي هو المعافي، وأن الدنيا لم تكن لتستقر إلا علي ما جعلها الله عليه من النعماء والابتلاء والجزاء في المعاد، أو ما شاء مما لا تعلم. فإن أشكل عليك شيء من ذلك فاحمله علي جهالتك، فإنك أول ما خلقت به جاهلا، ثم علمت، وما أكثر ما تجهل من الأمر، ويتحير فيه رأيك، ويضل فيه بصرك، ثم تبصره بعد ذلك، فاعتصم بالذي خلقك ورزقك وسواك، وليكن له تعبدك، وإليه رغبتك، ومنه شفقتك.
واعلم يا بني، أن أحداً لم ينبئ عن الله سبحانه كما أنبأ عنه الرسول صلي الله عليه و اله فارض به رائداً، وإلي النجاة قائدا، فإني لم آلك نصيحة، وإنك لن تبلغ في النظر لنفسك وإن اجتهدت مبلغ نظري لك.
واعلم يا بني، أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه، ولعرفت أفعاله وصفاته، ولكنه إله واحد كما وصف نفسه، لا يضاده في ملكه أحد، ولا يزول أبداً ولم يزل، أول قبل الأشياء بلا أولية، وآخر بعد الأشياء بلا نهاية، عظم عن أن تثبت ربوبيته بإحاطة قلب أو بصر، فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله، في صغر خطره وقلة مقدرته وكثرة عجزه، وعظيم حاجته إلي ربه في طلب طاعته والخشية من عقوبته والشفقة من سخطه؛ فإنه لم يأمرك إلا بحسن، ولم ينهك إلا عن قبيح.
يا بني، إني قد أنبأتك عن الدنيا وحالها وزوالها وانتقالها، وأنبأتك عن الآخرة وما أعد لأهلها فيها، وضربت لك فيهما الأمثال؛ لتعتبر بها وتحذو عليها، إنما مثل من خبر الدنيا كمثل قوم سفر، نبا بهم منزل جديب، فأموا منزلا خصيباً وجناباً مريعاً، فاحتملوا وعثاء الطريق، وفراق الصديق، وخشونة السفر، وجشوبة المطعم؛ ليأتوا سعة دارهم، ومنزل قرارهم، فليس يجدون لشيء من ذلك ألماً، ولا يرون نفقةً فيه مغرماً، ولا شيء أحب إليهم مما قربهم من منزلهم وأدناهم من محلتهم، ومثل من اغتر بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب، فنبا بهم إلي منزل جديب، فليس شيء أكره إليهم، ولا أفظع عندهم من مفارقة ما كانوا فيه إلي ما يهجمون عليه ويصيرون إليه.
يا بني، اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك، وارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك. ولا تقل ما لا تعلم، وإن قل ما تعلم، ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك. واعلم أن الإعجاب ضد الصواب وآفة الألباب، فاسع في كدحك، ولا تكن خازناً لغيرك، وإذا أنت هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربك. واعلم أن أمامك طريقاً ذا مسافة بعيدة، ومشقة شديدة، وأنه لا غني بك فيه عن حسن الارتياد، وقدر بلاغك من الزاد مع خفة الظهر، فلا تحملن علي ظهرك فوق طاقتك؛ فيكون ثقل ذلك وبالاً عليك، وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل لك زادك إلي يوم القيامة، فيوافيك به غداً حيث تحتاج إليه فاغتنمه، وحمله إياه، وأكثر من تزويده وأنت قادر عليه، فلعلك تطلبه فلا تجده، واغتنم من استقرضك في حال غناك ليجعل قضاءه لك في يوم عسرتك. واعلم أن أمامك عقبةً كئوداً، المخف فيها أحسن حالا من المثقل، والمبطئ عليها أقبح حالا من المسرع، وأن مهبطك بها لا محالة، إما علي جنة أو علي نار، فارتد لنفسك قبل نزولك، ووطئ المنزل قبل حلولك، فليس بعد الموت مستعتب ولا إلي الدنيا منصرف.
واعلم أن الذي بيده خزائن السماوات والأرض قد أذن لك في الدعاء، وتكفل لك بالإجابة، وأمرك أن تسأله ليعطيك، وتسترحمه ليرحمك، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه، ولم يلجئك إلي من يشفع لك إليه، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة، ولم يعاجلك بالنقمة، ولم يعيرك بالإنابة، ولم يفضحك حيث الفضيحة بك أولي، ولم يشدد عليك في قبول الإنابة، ولم يناقشك بالجريمة، ولم يؤيسك من الرحمة، بل جعل نزوعك عن الذنب حسنةً، وحسب سيئتك واحدةً وحسب حسنتك عشراً، وفتح لك باب المتاب، وباب الاستعتاب، فإذا ناديته سمع نداك، وإذا ناجيته علم نجواك، فأفضيت إليه بحاجتك، وأبثثته ذات نفسك، وشكوت إليه همومك، واستكشفته كروبك، واستعنته علي أمورك، وسألته من خزائن رحمته ما لا يقدر علي إعطائه غيره من زيادة الأعمار، وصحة الأبدان وسعة الأرزاق، ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته، فمتي شئت استفتحت بالدعاء أبواب نعمته واستمطرت شآبيب رحمته، فلا يقنطنك إبطاء إجابته، فإن العطية علي قدر النية، وربما أخرت عنك الإجابة؛ ليكون ذلك أعظم لأجر السائل، وأجزل لعطاء الآمل، وربما سألت الشيء فلا تؤتاه، وأوتيت خيراً منه عاجلا أو آجلا، أو صرف عنك لما هو خير لك، فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته، فلتكن مسألتك فيما يبقي لك جماله، وينفي عنك وباله، فالمال لا يبقي لك ولا تبقي له.
واعلم يا بني، أنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا، وللفناء لا للبقاء، وللموت لا للحياة، وأنك في قلعة ودار بلغة وطريق إلي الآخرة، وأنك طريد الموت الذي لا ينجو منه هاربه، ولا يفوته طالبه، ولابد أنه مدركه، فكن منه علي حذر أن يدركك وأنت علي حال سيئة قد كنت تحدث نفسك منها بالتوبة، فيحول بينك وبين ذلك، فإذا أنت قد أهلكت نفسك.
يا بني، أكثر من ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه وتفضي بعد الموت إليه، حتي يأتيك وقد أخذت منه حذرك، وشددت له أزرك، ولا يأتيك بغتةً فيبهرك. وإياك أن تغتر بما تري من إخلاد أهل الدنيا إليها، وتكالبهم عليها، فقد نبأك الله عنها، ونعت هي لك عن نفسها، وتكشفت لك عن مساويها، فإنما أهلها كلاب عاوية، وسباع ضارية، يهر بعضها علي بعض، ويأكل عزيزها ذليلها، ويقهر كبيرها صغيرها. نعم معقلة، وأخري مهملة، قد أضلت عقولها، وركبت مجهولها، سروح عاهة بواد وعث، ليس لها راع يقيمها، ولا مسيم يسيمها، سلكت بهم الدنيا طريق العمي، وأخذت بأبصارهم عن منار الهدي، فتاهوا في حيرتها، وغرقوا في نعمتها، واتخذوها رباً، فلعبت بهم ولعبوا بها، ونسوا ما وراءها. رويداً يسفر الظلام كأن قد وردت الأظعان، يوشك من أسرع أن يلحق.
واعلم يا بني، أن من كانت مطيته الليل والنهار، فإنه يسار به وإن كان واقفاً، ويقطع المسافة وإن كان مقيماً وادعاً. واعلم يقيناً، أنك لن تبلغ أملك، ولن تعدو أجلك، وأنك في سبيل من كان قبلك، فخفض في الطلب، وأجمل في المكتسب، فإنه رب طلب قد جر إلي حرب، وليس كل طالب بمرزوق، ولا كل مجمل بمحروم، وأكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلي الرغائب؛ فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضاً، ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً، وما خير خير لا ينال إلا بشر، ويسر لا ينال إلا بعسر. وإياك أن توجف بك مطايا الطمع فتوردك مناهل الهلكة، وإن استطعت ألا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل؛ فإنك مدرك قسمك وآخذ سهمك، وإن اليسير من الله سبحانه أعظم وأكرم من الكثير من خلقه، وإن كان كل منه. وتلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك، وحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء. وحفظ ما في يديك أحب إلي من طلب ما في يدي غيرك، ومرارة اليأس خير من الطلب إلي الناس، والحرفة مع العفة خير من الغني مع الفجور، والمرء أحفظ لسره، ورب ساع فيما يضره، من أكثر أهجر، ومن تفكر أبصر، قارن أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشر تبن عنهم، بئس الطعام الحرام، وظلم الضعيف أفحش الظلم، إذا كان الرفق خرقاً كان الخرق رفقاً، ربما كان الدواء داءً والداء دواءً، وربما نصح غير الناصح وغش المستنصح.
وإياك والاتكال علي المني؛ فإنها بضائع النوكي، والعقل حفظ التجارب، وخير ما جربت ما وعظك، بادر الفرصة قبل أن تكون غصةً، ليس كل طالب يصيب، ولا كل غائب يئوب، ومن الفساد إضاعة الزاد ومفسدة المعاد، ولكل أمر عاقبة، سوف يأتيك ما قدر لك، التاجر مخاطر، ورب يسير أنمي من كثير، لا خير في مهين ولا في صديق ظنين، ساهل الدهر ما ذل لك قعوده، ولا تخاطر بشيء رجاء أكثر منه، وإياك أن تجمح بك مطية اللجاج. احمل نفسك من أخيك عند صرمه علي الصلة، وعند صدوده علي اللطف والمقاربة، وعند جموده علي البذل، وعند تباعده علي الدنو، وعند شدته علي اللين، وعند جرمه علي العذر، حتي كأنك له عبد، وكأنه ذو نعمة عليك، وإياك أن تضع ذلك في غير موضعه، أو أن تفعله بغير أهله. لا تتخذن عدو صديقك صديقاً فتعادي صديقك، وامحض أخاك النصيحة حسنةً كانت أو قبيحةً، وتجرع الغيظ فإني لم أر جرعةً أحلي منها عاقبةً، ولا ألذ مغبة. ولن لمن غالظك؛ فإنه يوشك أن يلين لك، وخذ علي عدوك بالفضل؛ فإنه أحلي الظفرين، وإن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقيةً يرجع إليها، إن بدا له ذلك يوماً ما. ومن ظن بك خيراً فصدق ظنه، ولا تضيعن حق أخيك اتكالاً علي ما بينك وبينه؛ فإنه ليس لك بأخ من أضعت حقه، ولا يكن أهلك أشقي الخلق بك، ولا ترغبن فيمن زهد عنك، ولا يكونن أخوك أقوي علي قطيعتك منك علي صلته، ولا تكونن علي الإساءة أقوي منك علي الإحسان، ولا يكبرن عليك ظلم من ظلمك؛ فإنه يسعي في مضرته ونفعك، وليس جزاء من سرك أن تسوءه.
واعلم يا بني، أن الرزق رزقان: رزق تطلبه، ورزق يطلبك، فإن أنت لم تأته أتاك، ما أقبح الخضوع عند الحاجة، والجفاء عند الغني، إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك، وإن كنت جازعاً علي ما تفلت من يديك فاجزع علي كل ما لم يصل إليك، استدل علي ما لم يكن بما قد كان؛ فإن الأمور أشباه. ولا تكونن ممن لاتنفعه العظة إلا إذا بالغت في إيلامه؛ فإن العاقل يتعظ بالآداب، والبهائم لا تتعظ إلا بالضرب. اطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين، من ترك القصد جار، والصاحب مناسب، والصديق من صدق غيبه، والهوي شريك العمي. ورب بعيد أقرب من قريب، وقريب أبعد من بعيد، والغريب من لم يكن له حبيب، من تعدي الحق ضاق مذهبه، ومن اقتصر علي قدره كان أبقي له، وأوثق سبب أخذت به سبب بينك وبين الله سبحانه، ومن لم يبالك فهو عدوك، قد يكون اليأس إدراكاً إذا كان الطمع هلاكاً، ليس كل عورة تظهر، ولا كل فرصة تصاب، وربما أخطأ البصير قصده، وأصاب الأعمي رشده، أخّر الشر؛ فإنك إذا شئت تعجلته، وقطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل، من أمن الزمان خانه، ومن أعظمه أهانه، ليس كل من رمي أصاب، إذا تغير السلطان تغير الزمان، سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار، إياك أن تذكر من الكلام ما يكون مضحكاً، وإن حكيت ذلك عن
غيرك.
وإياك ومشاورة النساء؛ فإن رأيهن إلي أفن، وعزمهن إلي وهن، واكفف عليهن من أبصارهن بحجابك إياهن؛ فإن شدة الحجاب أبقي عليهن، وليس خروجهن بأشد من إدخالك من لايوثق به عليهن، وإن استطعت ألا يعرفن غيرك فافعل.
ولا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها؛ فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، ولا تعد بكرامتها نفسها، ولا تطمعها في أن تشفع لغيرها.
وإياك والتغاير في غير موضع غيرة، فإن ذلك يدعو الصحيحة إلي السقم، والبريئة إلي الريب.
واجعل لكل إنسان من خدمك عملا تأخذه به؛ فإنه أحري ألا يتواكلوا في خدمتك، وأكرم عشيرتك فإنهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي إليه تصير، ويدك التي بها تصول.
استودع الله دينك ودنياك، واسأله خير القضاء لك في العاجلة والآجلة، والدنيا والآخرة، والسلام» ().

ما ينبغي للشباب

ما ينبغي للشباب

ينبغي لكل شاب أن يربي نفسه علي:

1: طاعة الله عزوجل

قال رسول الله صلي الله عليه و اله في وصيته لأبي ذر (رضوان الله عليه):
«ما من شاب ترك الدنيا وأفني شبابه في طاعة الله إلا أعطاه الله أجر اثنين وسبعين صديقاً» ().
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: «باكر الطاعة تسعد» ().

2: عبادته تعالي

قال رسول الله صلي الله عليه و اله: «سبعة يظلهم الله عزوجل في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله عزوجل … » ().
وقال الإمام الصادق عليه السلام: «في التوراة مكتوب: يا ابن آدم، تفرّغ لعبادتي أملأ قلبك غني، ولا أكلك إلي طلبك، وعليَّ أن أسد فاقتك، وأملأ قلبك خوفاً مني..» ().

3: الاقتداء بالقرآن

قال رسول الله صلي الله عليه و اله: «.. وأصدق القول وأبلغ الموعظة وأحسن القصص كتاب الله..» ().
وقال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: «من قرأ القرآن وهو شاب مؤمن اختلط القرآن بلحمه ودمه، وجعله الله عزوجل مع السفرة الكرام البررة، وكان القرآن حجيزاً عنه يوم القيامة، يقول: يا رب إن كل عامل قد أصاب أجر عمله غير عاملي، فبلّغ به أكرم عطاياك، قال: فيكسوه الله العزيز الجبار حلّتين من حلل الجنة، ويوضع علي رأسه تاج الكرامة، ثم يقال له: هل أرضيناك فيه؟ فيقول القرآن: يا رب، قد كنت أرغب له فيما هو أفضل من هذا؟ فيعطي الأمن بيمينه، والخلد بيساره ثم يدخل الجنة، فيقال له: اقرأ واصعد درجة؟ ثم يقال له: هل بلغنا به وأرضيناك فيقول: نعم قال ومن قرأه كثيراً وتعاهده بمشقة من شدة حفظه أعطاه الله عزوجل أجر هذا مرتين» ().

4: التأسي والولاية لرسول الله صلي الله عليه و اله وأهل بيته عليهم السلام

قال المصطفي الأمين صلي الله عليه و اله: «حبي وحب أهل بيتي نافع في سبعة مواطن أهوالهن عظيمة: عند الوفاة، وفي القبر، وعند النشور، وعند الكتاب، وعند الحساب، وعند الميزان، وعند الصراط» ().
وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «.. فتأسّ بنبيك الأطهر صلي الله عليه و اله فإن فيه أسوة لمن تأسّي وعزاء لمن تعزي، وأحب العباد إلي الله المتأسي بنبيه، والمقتصُّ لأثره..» ().
وقال الإمام الباقر عليه السلام في قوله تعالي: ?فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقي?() قال: «مودتنا أهل البيت» ().

5: تعلم العلم

قال الرسول الأعظم صلي الله عليه و اله: «تعلموا العلم؛ فإن تعلمه حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لايعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة؛ لأنه معالم الحلال والحرام، وسالك بطالبه سبل الجنة، ومؤنس في الوحدة، وصاحب في الغربة، ودليل علي السراء، وسلاح علي الأعداء، وزين الأخلاء، يرفع الله به أقواما يجعلهم في الخير أئمة يقتدي بهم، ترمق أعمالهم وتقتبس آثارهم، وترغب الملائكة في خلتهم؛ لأن العلم حياة القلوب، ونور الأبصار من العمي، وقوة الأبدان من الضعف، وينزل الله حامله منازل الأحباء، ويمنحه مجالسة الأبرار في الدنيا والآخرة، بالعلم يطاع الله ويعبد، وبالعلم يعرف الله ويوحد، وبه توصل الأرحام ويعرف الحلال والحرام، والعلم إمام العقل، والعقل يلهمه الله السعداء ويحرمه الأشقياء.
وصفة العاقل أن يحلم عمن جهل عليه، ويتجاوز عمن ظلمه، ويتواضع لمن هو دونه، ويسابق من فوقه في طلب البر، وإذا أراد أن يتكلم تدبر، فإن كان خيرا تكلم فغنم، وإن كان شرا سكت فسلم، وإذا عرضت له فتنة استعصم بالله وأمسك يده ولسانه، وإذا رأي فضيلة انتهز بها، لا يفارقه الحياء ولا يبدو منه الحرص، فتلك عشر خصال يعرف بها العاقل.
وصفة الجاهل: أن يظلم من خالطه، ويتعدي علي من هو دونه، ويتطاول علي من هو فوقه، كلامه بغير تدبر، إن تكلم أثم، وإن سكت سها، وإن عرضت له فتنة سارع إليها فأردته، وإن رأي فضيلة أعرض وأبطأ عنها، لا يخاف ذنوبه القديمة، ولا يرتدع فيما بقي من عمره من الذنوب، يتواني عن البر ويبطئ عنه، غير مكترث لما فاته من ذلك أو ضيعه، فتلك عشر خصال من صفة الجاهل الذي حرم العقل» ().
وقال الإمام الصادق عليه السلام: «لست أحب أن أري الشاب منكم إلا غادياً في حالين: إما عالماً أو متعلماً، فإن لم يفعل فرط، فإن فرط ضيع، فإن ضيع أثم، فإن أثم سكن النار والذي بعث محمداً بالحق» ().

6: العمل الصالح

قال أمير المؤمنين عليه السلام: «عليك بصالح العمل فإنه الزاد إلي الجنة» ().
وقال عليه السلام: ?طوبي لمن بادر صالح العمل قبل أن تنقطع أسبابه?().
وقال رسول الله صلي الله عليه و اله: ?الإسلام عريان فلباسه الحياء، وزينته الوقار، ومروءته العمل الصالح، وعماده الورع، ولكل شيء أساس، وأساس الإسلام حبنا أهل البيت?().
وقال صلي الله عليه و اله: ?ما من شيء أحب إلي الله من الإيمان والعمل الصالح وترك ما أمر أن يترك?().
وفي نهج البلاغة عليه السلام: ?إن المال والبنون حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة?().
وقال عليه السلام: ?لا ذخر أنفع من صالح العمل?().
رجوع إلي القائمة

پي نوشتها

() سورة المؤمنون: 14.
() مجمع البحرين: ج1 ص122 باب الألف.
() مثير الأحزان: ص52 المقصد الثاني.
() وسائل الشيعة: ج21 ص478 ب84 ح27635.
() الكافي: ج8 ص93 كتاب الروضة ح66.
() انظر بحار الأنوار: ج30 ص427 ب22 وفيه: قال المجلسي ?: قال أصحابنا رضوان اللّه عليهم: كان أبو بكر وعمر وعثمان من جيش أسامة، وقد كرّر رسول اللّه صلي الله عليه و اله لمّا اشتدّ مرضه الأمر بتجهيز جيش أسامة ولعن المتخلّف عنه، فتأخّروا عنه واشتغلوا بعقد البيعة في سقيفة بني ساعدة، وخالفوا أمره، وشملهم اللعن، وظهر أنّهم لا يصلحون للخلافة. إلي أن قال روي البلاذري في تاريخه وهو معروف ثقة كثير الضبط بريء من ممالأة الشيعة: أنّ أبا بكر وعمر كانا معا في جيش أسامة. وروي سعيد بن محمد بن مسعود الكازراني من متعصّبي الجمهور في تاريخه: أنّ رسول اللّه صلي الله عليه و اله أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدي عشرة، فلمّا كان من الغد دعا أسامة بن زيد، فقال له: ?سر إلي موضع مقتل أبيك فأوطئهم مدّ الخيل، فقد وليتك هذا الجيش? فلمّا كان يوم الأربعاء بدأ رسول اللّه صلي الله عليه و اله فحمّ وصدع، فلمّا أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواء بيده، ثم قال: ?أغز بسم اللّه في سبيل اللّه، فقاتل من كفر باللّه?. فخرج وعسكر بالجرف، فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزاة، فيهم أبو بكر وعمر وسعد بن أبي وقّاص وسعيد بن زيد وأبو عبيدة وقتادة بن النعمان، فتكلّم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام علي المهاجرين الأوّلين؟!، فغضب رسول اللّه صلي الله عليه و اله غضباً شديداً، فخرج وقد عصّب علي رأسه عصابة وعليه قطيفة، فصعد المنبر فحمد اللّه وأثني عليه، ثم قال: «أمّا بعد، أيّها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأمير أسامة، ولئن طعنتم في تأميري أسامة فقد طعنتم في تأميري أباه من قبله، وأيم اللّه، إنّه كان للإمارة لخليقا، وإنّ ابنه من بعده لخليق للإمارة، وإن كان لمن أحبّ الناس إليّ فاستوصوا به خيرا فإنّه من خياركم». ثم نزل فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول، وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودّعون رسول اللّه صلي الله عليه و اله ويمضون إلي العسكر بالجرف، وثقل رسول اللّه صلي الله عليه و اله، فلمّا كان يوم الأحد اشتدّ برسول الله صلي الله عليه و اله وجعه، فدخل أسامة من معسكره والنبيّ صلي الله عليه و اله مغمي عليه، و في رواية: قد أصمت وهو لا يتكلّم، فطأطأ رأسه فقبّله رسول اللّه صلي الله عليه و اله، فجعل يرفع يديه إلي السماء ثم يضعهما علي أسامة. قال: فعرفت أنّه يدعو لي، ورجع أسامة إلي معسكره، فأمر الناس بالرحيل، فبينا هو يريد الركوب إذا رسول أمّه أمّ أيمن قد جاءه يقول: إنّ رسول اللّه صلي الله عليه و اله يموت.. إلي آخر القصّة.
وقال المجلسي ?: وروي ابن أبي الحديد في شرح النهج، عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري، عن أحمد بن سيّار، عن سعيد بن كثير، عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عبد الرحمن: أنّ رسول اللّه صلي الله عليه و اله في مرض موته أمّر أسامة بن زيد بن حارثة علي جيش فيه جلّة المهاجرين والأنصار، منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجرّاح وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير، وأمره أن يغير علي مؤتة حيث قتل أبوه زيد، وأن يغزو وادي فلسطين، فتثاقل أسامة وتثاقل الجيش بتثاقله، وجعل رسول اللّه صلي الله عليه و اله يثقل ويخف ويؤكّد القول في تنفيذ ذلك البعث، حتّي قال له أسامة: بأبي أنت وأمّي، أ تأذن لي أن أمكث أيّاما حتّي يشفيك اللّه تعالي؟
فقال: «اخرج وسر علي بركة اللّه تعالي».
فقال: يارسول الله صلي الله عليه و اله إنّي إن خرجت وأنت علي هذه الحال خرجت وفي قلبي قرحة منك. فقال: «سر علي النصر والعافية».
فقال: يا رسول الله صلي الله عليه و اله إنّي أكره أن أسأل عنك الركبان؟.
فقال: ?أنفذ لما أمرتك به?..
ثم أغمي علي رسول اللّه صلي الله عليه و اله، وقام أسامة فجهّز للخروج، فلمّا أفاق رسول
اللّه صلي الله عليه و اله سأل عن أسامة والبعث، فأخبر أنّهم يتجهّزون، فجعل يقول: ?أنفذوا جيش أسامة، لعن اللّه من تخلّف عنه?.. ويكرّر ذلك، فخرج أسامة واللواء علي رأسه والصحابة بين يديه، حتّي إذا كان بالجرف نزل ومعه أبو بكر وعمر وأكثر المهاجرين، ومن الأنصار أسيد بن حضير وبشر بن سعد.. وغيرهم من الوجوه، فجاءه رسول أمّ أيمن يقول له ادخل فإنّ رسول اللّه صلي الله عليه و اله يموت، فقام من فوره فدخل المدينة واللواء معه، فجاء به حتي ركزه بباب رسول اللّه صلي الله عليه و اله ورسول اللّه صلي الله عليه و اله قد مات في تلك الساعة، قال: فما كان أبو بكر وعمر يخاطبان أسامة إلي أن مات إلا بالأمير. شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: ج6 ص52 ذكر أمر فاطمة? مع أبي بكر.
() انظر الإرشاد: ج1 ص78 فصل في ذكر غزاة أحد.
() سورة الشعراء: 214.
() تفسير فرات الكوفي: ص 301 من سورة الشعراء ح406.
() عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج2 ص47 ب31 ح183.
() إعلام الوري بأعلام الهدي: ص57 الركن الأول ب3 الفصل7.
() سورة النحل: 125.
() شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، الحكم المنسوبة لأمير المؤمنين عليه السلام: ج20 ص267 ح102.
() سورة يوسف: 111.
() سورة الأعراف: 176.
() سورة لقمان: 18.
() سورة الصافات: 102.
() سورة الصافات: 102.
() الكافي: ج4 ص207 باب حج إبراهيم وإسماعيل وبنائهما البيت ح9.
() الكافي: ج6 ص50 باب بر الأولاد ح6.
() الكافي: ج6 ص50 باب بر الأولاد ح4.
() مستدرك الوسائل: ج9 ص57 ب108 ح10195.
() شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: ج20 ض333 الحكم المنسوبة ح819.
() بحار الأنوار: ج45 ص164 ب39 ضمن ح7.
() انظر كتاب (زينب الكبري عليها السلام) للشيخ جعفر النقدي المتوفي 1370 ه: ص39؛ وذكر في أحوالها عليها السلام عن (الطراز المذهب): إن شؤونات زينب الباطنية ومقاماتها المعنوية كما قيل فيها: إن فضائلها وفواضلها، وخصالها وجلالها، وعلمها وعملها، وعصمتها وعفتها، ونورها وضياءها، وشرفها وبهاءها تالية أمها عليها السلام ونائبتها عليها السلام.
وعن (جنات الخلود) ما معناه: كانت زينب الكبري في البلاغة والزهد والتدبير والشجاعة قرينة أبيها وأمها عليهما السلام فإن انتظام أمور أهل البيت بل الهاشميين بعد شهادة الحسين عليه السلام كان برأيها وتدبيرها عليها السلام.
وقال ابن عنبة في (أنساب الطالبيين): زينب الكبري بنت أمير المؤمنين علي عليه السلام، كنيتها أم الحسن، تروي عن أمها فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلي الله عليه و اله، وقد امتازت بمحاسنها الكثيرة، وأوصافها الجليلة، وخصالها الحميدة، وشيمها السعيدة، ومفاخرها البارزة، وفضائلها الظاهرة.
وعن الحافظ جلال الدين السيوطي في (رسالته الزينبية): ولدت زينب في حياة جدها رسول الله صلي الله عليه و اله، وكانت لبيبة جزلة عاقلة لها قوة جنان، فإن الحسن ولد قبل وفاة جده بثمان سنين، والحسين بسبع سنين، وزينب الكبري بخمس سنين (صلوات الله عليهم أجمعين).
وعن النيسابوري في (رسالته العلوية): كانت زينب ابنة علي عليه السلام في فصاحتها وبلاغتها وزهدها وعبادتها كأبيها المرتضي عليه السلام وأمها الزهراء عليها السلام.
وعن كتاب (فاطمة بنت محمد صلي الله عليه و اله) قال: وأما زينب بنت فاطمة عليها السلام فقد أظهرت أنها من أكثر آل البيت جرأةً وبلاغةً وفصاحةً، وقد استطارت شهرتها بما أظهرت يوم كربلاء وبعده من حجة وقوة وجرأة وبلاغة، حتي ضُرب بها المثل وشهد لها المؤرخون والكتاب.
وعن كتاب (الحسين بن علي عليه السلام): ومما يجب أن يُصار إلي ذكره في هذا الباب ما ظهر من زينب بنت فاطمة وأخت الحسين عليه السلام من جرأة وثبات جأش في مواقفها هذه، يوم المعركة، وعند ابن زياد، وفي قصر يزيد.
وعن الصدوق محمد بن بابويه (طاب ثراه): كانت زينب عليها السلام لها نيابة خاصة عن الحسين عليه السلام، وكان الناس يرجعون إليها في الحلال والحرام حتي برئ زين العابدين عليه السلام من مرضه.
وقال الطبرسي: إن زينب عليها السلام روت أخباراً كثيرة عن أمها الزهراء عليها السلام.
وقال أبو الفرج: زينب العقيلة هي التي روي ابن عباس عنها كلام فاطمة (صلي الله عليها) في فدك، فقال: حدثتني عقيلتنا زينب بنت علي عليه السلام، وتفسير العقيلة في النساء السيدة، كعقال في الرجال يقال للسيد. قال ابن منظور: (العقيلة من النساء: الكريمة المُخدّرة، وعقيلةُ القوم: سيّدُهم،.وعقيلة كُلّ شيء: أكْرمُه، وهي في الأصل المرأة الكريمة النفيسة، ثم اسْتُعْمل في الكريم من كل شيء من الذوات والمعاني، ومنه عقائل الكلام. وعقائل البحر: درره، واحدته عقيلة. والدُّرّة الكبيرةُ الصافيةُ: عقيلةُ البحر، وعقائل الإنسان: كرائمُ ماله. قال الأزهري: العقيلة الكريمة من النساء، والجمع العقائلُ) انتهي. انظر لسان العرب: ج11 ص458 مادة عقل.
وروي: أنها في طفولتها كانت جالسة في حجر أبيها عليه السلام يلاطفها بالكلام فقال لها: «يا بنيّ قولي: واحد».
فقالت: «واحد».
فقال لها: «قولي اثنين».
فسكتت.
فقال لها: «تكلّمي يا قرة عيني».
فقالت عليها السلام: «يا أبتاه ما أطيق أن أقول اثنين بلسان أجريته بالواحد» فضمّها (صلوات الله عليه) إلي صدره وقبّلها بين عينيها، انتهي.
وقالت عليها السلام لأبيها: «أتحبنا يا أبتاه؟».
فقال عليه السلام: «وكيف لا أحبكم وأنتم ثمرة فؤادي؟!».
فقالت عليها السلام: «يا أبتاه، إن الحب لله تعالي والشفقة لنا».
وقال السيد نور الدين الجزائري في كتابه المسمي ب(الخصائص الزينبية): إن زينب عليها السلام كان لها مجلس في بيتها أيام إقامة أبيها عليه السلام في الكوفة، وكانت تفسّر القرآن للنساء، ففي بعض الأيام كانت تفسر?كهيعص? (سورة مريم: 1) إذ دخل أمير المؤمنين عليه السلام عليها فقال لها: «يا نور عيني، سمعتك تفسرين ?كهيعص? للنساء؟» فقالت: «نعم» فقال عليه السلام: «هذا رمز لمصيبة تصيبكم عترة رسول الله صلي الله عليه و اله» ثم شرح عليه السلام لها المصائب، فبكت بكاءً عالياً (صلوات الله عليها).
وعن بعض المقاتل المعتبرة، عن مولانا الإمام السجاد عليه السلام أنه قال: «إن عمتي زينب من تلك المصائب والمحن النازلة بها في طريقنا إلي الشام ما تركت نوافلها الليلية».
وفيه أيضاً: إن الحسين عليه السلام لما ودّع أخته زينب عليها السلام وداعه الأخير قال لها: «يا أختاه لا تنسيني في نافلة الليل».
وفي (مثير الأحزان): قالت فاطمة بنت الحسين عليه السلام: «وأما عمتي زينب فإنها لم تزل قائمة في تلك الليلة أي العاشرة من المحرم في محرابها تستغيث إلي ربها، فما هدأت لنا عين، ولا سكنت لنا رنة».
وروي عن الإمام زين العابدين عليه السلام أنه قال: «إن عمتي زينب كانت تؤدي صلواتها من قيام، الفرائض والنوافل عند سير القوم بنا من الكوفة إلي الشام، وفي بعض المنازل كانت تصلي من جلوس، فسألتها عن سبب ذلك؟ فقالت: أصلي من جلوس لشدة الجوع والضعف منذ ثلاث ليال؛ لأنها كانت تقسّم ما يصيبها من الطعام علي الأطفال؛ لأن القوم كانوا يدفعون لكل واحد منا رغيفاً واحداً من الخبز في اليوم والليلة».
() شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج16 ص211 ف1.
() بحار الأنوار: ج29 ص218 ضمن باب11.
() علل الشرائع: ج1 ص248 ب182 ح2.
() مقاتل الطالبيين: ص60 عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
() كامل الزيارات: ص260 ب83 فضل كربلاء وزيارة الحسين عليه السلام.
() الخفر: شدة الحياء، وامرأة خفرة: حيية، متخفرة، وخفير القوم: مجيرهم الذي هم في ضمانه ماداموا في بلاده. انظر كتاب العين للفراهيدي: ج4 ص253 مادة (خفر).
() أي: أمراً فظيعاً، انظر كتاب العين: ج8 ص100 مادة (ودد).
() الاحتجاج: ج2 ص303 خطبة زينب بنت علي ?.
() وسائل الشيعة: ج11 ص286 ب17 ح14817.
() الكافي: ج1 ص476 باب مولد أبي الحسن موسي بن جعفر عليه السلام ح1.
() الكافي: ج1 ص477 باب مولد أبي الحسن موسي بن جعفر عليه السلام ح2.
() نقل العلامة المجلسي عن الحسن بن محمد القمي في (تأريخ قم) قال: أخبرني مشايخ قم عن آبائهم: أنه لما أخرج المأمون الرضا عليه السلام من المدينة إلي مرو لولاية العهد في سنة مائتين من الهجرة، خرجت فاطمة أخته تقصده في سنة إحدي ومائتين، فلما وصلت إلي ساوة مرضت، فسألت: كم بينها وبين قم؟ قالوا: عشرة فراسخ، فقالت: احملوني إليها، فحملوها إلي قم وأنزلوها في بيت موسي بن خزرج بن سعد الأشعري، قال: وفي أصح الروايات، أنه لما وصل خبرها إلي قم استقبلها أشراف قم وتقدمهم موسي بن خزرج، فلما وصل إليها أخذ بزمام ناقتها وجرها إلي منزله، وكانت في داره سبعة عشر يوما، ثم توفيت رضي الله عنها، فأمر موسي بتغسيلها وتكفينها، وصلي عليها ودفنها في أرض كانت له، وهي الآن روضتها، وبني عليها سقيفة من البواري إلي أن بَنَتْ زينب بنت محمد بن علي الجواد عليه السلام عليها قبة، قال: وأخبرني الحسين بن علي بن الحسين بن موسي بن بابويه عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد: أنه لما توفيت فاطمة رضي الله عنها وغسلت وكفنت حملوها إلي مقبرة بابلان، ووضعوها علي سرداب حفر لها، فاختلف آل سعد في من ينزلها إلي السرداب، ثم اتفقوا علي خادم لهم صالح كبير السن يقال له: قادر، فلما بعثوا إليه رأوا راكبين مقبلين من جانب الرملة وعليها لثام، فلما قربا من الجنازة نزلا وصليا عليها، ثم نزلا السرداب وأنزلا الجنازة ودفناها فيه، ثم خرجا ولم يكلما أحدا وركبا وذهبا، ولم يدر أحد من هما، وقال: المحراب الذي كانت فاطمة رضي الله عنها تصلي فيه موجود إلي الآن في دار موسي، ويزوره الناس. انظر بحار الأنوار: ج48 ص290 ب12 ح9.
ونقل عن كتاب (لواقح الأنوار في طبقات الأخبار): ولدت فاطمة بنت موسي بن جعفر عليها السلام في المدينة المنورة عام (179ه) وقيل سنة 183ه وهو ضعيف وتوفيت في العاشر من ربيع الثاني في سنة إحدي ومائتين في بلدة قم.
ولا يزال المحراب الذي كانت تصلي في عليها السلام إلي يومنا هذا يؤمه الناس للصلاة والدعاء والتبرك، ويقع في مسجد عامر في شارع (جهار مردان) بقم المقدسة. ويعد مشهد السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام في مدينة قم المقدسة اليوم من المشاهد المشهورة في العالم الإسلامي، وهو مبني علي طراز إسلامي رائع، ويقصده محبو أهل البيت ? من مختلف ديار الإسلام للزيارة والتوسل والدعاء، وببركة السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام أنشأت حوزة علمية كبيرة تعج بأعداد غفيرة من كبار المراجع وطلبة العلم، يختلفون إلي عشرات المدارس الدينية وفي مراحل مختلفة ومن أقطار شتي، فهي اليوم جامعة علمية ودينية يتخرج منها آلاف الطلبة كل عام، حتي أصبحت مدينة قم مدينة العلم والاجتهاد. ويذكر في بعض كتب التأريخ أن القبة الحالية التي علي قبرها بنيت عام
(529 ه) بأمر شاه بيكم بنت عماد بيك، وأما تذهيب القبة مع بعض الجواهر الموضوعة علي القبر فهي من آثار السلطان فتح علي شاه القاجاري.
() وسائل الشيعة: ج14 ص576 ب94 ح19850.
() كامل الزيارات: ص324 ب106 ح2.
() انظر بحار الأنوار: ج99 ص265 ب1 ح4.
() هي سكينة بنت أبي عبد الله الحسين عليه السلام أمها الرباب بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن حليم بن خباب بن كلب الكلبية، وكانت الرباب من خيار النساء وأفضلهن، والرباب هذه بعد رجوعها إلي المدينة خطبها الأشراف من قريش فكانت تقول: والله لا كان لي حمو بعد رسول الله صلي الله عليه و اله وعاشت بعد الحسين عليه السلام سنة ثم ماتت حزنا وكمداً علي سيد الشهداء عليه السلام ولم تستظل بعده بسقف، ولدت سنة (43 ه) وتوفيت سنة (117ه) زوجها عبد الله بن الحسن عليه السلام، راجع أعيان الشيعة: ج6 ص449.
() مقتل الإمام الحسين عليه السلام: ص277 والسيدة سكينة بنت أبي عبد الله عليه السلام: ص43 للمقرم.
() مقتل الإمام الحسين عليه السلام لأبي مخنف: ص194.
() مثير الأحزان: ص104 المقصد الثالث.
() بحار الأنوار: ج75 ص76 ب16 ح47.
() سورة الشعراء: 227.
() سورة الأنعام: 127.
() وسق: الوَسْقُ والوِسْقُ: مِكْيَلَة معلومة، وقيل: هو حمل بعير، وهو ستون صاعاً بصاع النبي صلي الله عليه و اله، وهو خمسة أَرطال وثلث، فالوسْقُ علي هذا الحساب مائة وستون مَناً؛ وقيل: الوَسْقُ بالفتح، ستون صاعاً وهو ثلاثمائة وعشرون رطلاً عند أهل الحجاز، وأَربعمائة وثمانون رطلاً عند أَهل العراق علي اختلافهم في مقدار الصاع والمُدِّ، والأَصل في الوَسْق الحَمْل؛ وكل شي‌ء وسَقَتْه، فقد حملته. وقيل: الوَسْق هو حِمْل البعير، والوِقْرُ حمل البغل أَو الحمار. وقيل: الوَسْق العِدْل، وقيل: العِدْلان، وقيل هو الحِملُ عامة، والجمع أوْسُقٌ ووُسوق. انظر لسان العرب: ج10 ص378 مادة «وسق».
() الشيخ محمد جواد بن الشيخ حسن طالب البلاغي النجفي الربعي (نسبة إلي ربيعة القبيلة المشهورة) (1282 1352ه).
من مشاهير علماء الشيعة في عصره، علامة جليل ومجاهد كبير ومؤلف مكثر. كان من بيت علم وفضل وأدب (آل البلاغي)، معروف بالصلاح والتقوي، ولد في مدينة النجف الأشرف ونشأ بها، فأخذ المقدمات عن الأعلام الأفاضل فيها، وحضر دروس الخارج علي الشيخ طه نجف والخراساني والشيخ آقا رضا الهمداني وحضر علي الميرزا محمد تقي الشيرازي عشر سنين، له ? مؤلفات رائعة ونادرة وقف بها قبال النصاري وأمام تيار الغرب الجارف حينذاك، فمثل لهم سمو الإسلام علي جميع الملل والأديان. كان معروفاً بخلوص النية وإخلاص العمل إلي الله حتي أنه كان لايرضي أن يوضع اسمه علي مؤلفاته عند طبعها.
من أشهر آثاره المطبوعة: (الهدي إلي دين المصطفي صلي الله عليه و اله) في الرد علي عبدة الثالوث، و(أنوار الهدي) في إبطال بعض الشبه الالحادية، و(الرحلة المدرسية) في الرد علي الملل الخاطئة وقد ترجم إلي الفارسية، و(نصائح الهدي) في الرد علي البابية، و(أعاجيب الأكاذيب) في بيان مفتريات النصاري، و(التوحيد والتثليث) في الرد علي النصاري أيضاً، و(إبطال فتوي الوهابيين) في هدم قبور البقيع، وغيرها من الآثار الجليلة تناهز (42) مصنفاً، وقد ترجمت بعض مؤلفاته إلي الإنجليزية للاستفادة من مضامينها الراقية. عرف عنه ? أنه كان يجيد اللغة العبرانية والفارسية والانجليزية. توفي ليلة الاثنين في (22 شعبان سنة 1352 ه) في النجف الأشرف فشيع تشييعاً يليق بمقامه الرفيع، ودفن في الحجرة الثالثة الجنوبية من الطرف الصحن الشريف. انظر نقباء البشر في القرن الرابع عشر: القسم الاول من ج1 ص323 بالرقم 663.
() هو الميرزا مهدي بن الميرزا حبيب الله بن السيد آقا بزرك بن السيد ميرزا محمود بن السيد إسماعيل الحسيني الشيرازي، فوالد السيد الميرزا مهدي هو ابن أخ المجدد الشيرازي صاحب ثورة التنباك الشهيرة، ولد في مدينة كربلاء سنة (1304ه) وظل بها إلي سنين شبابه الأولي فدرس علي أساتذتها مقدمات العلوم من نحو وصرف وحساب ومنطق وسطوح الفقه والأصول، ثم سافر إلي سامراء واشتغل فيها بالبحث والتحقيق والتدريس لفترة طويلة ثم إلي مدينة الكاظمية، سافر بعدها إلي مدينة كربلاء وبقي فيها فترة من الزمن مواصلاً الدرس والبحث، إلي أن انتقل إلي النجف الأشرف وأقام بها ما يقرب من عشرين عاماً.
درس الخارج علي أيدي فحول العلماء والمراجع في عصره أمثال: السيد الميرزا علي آغا نجل المجدد الشيرازي، والشيخ محمد تقي الشيرازي، والعلامة الآغا رضا الهمداني صاحب (مصباح الفقيه)، والسيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي صاحب (العروة الوثقي) وغيرهم.
كان يحضر في كربلاء المقدسة بحثاً علمياً في غاية الأهمية يسمي في الحوزة ببحث ال(كمباني) تحت رعاية المرحوم السيد الحاج آغا حسين القمي ? وكان البحث يضم جمعاً من أكابر ومشاهير المجتهدين في كربلاء.
بعد وفاة السيد القمي سنة 1366ه استقل بالبحث والتدريس واضطلع بمسؤولية التقليد والمرجعية الدينية ورجع الناس إليه في أمر التقليد.
له عدة مؤلفات منها: ذخيرة العباد، ذخيرة الصلحاء، الوجيزة، تعليقة علي العروة الوثقي، رسالة حول فقه الرضا، كشكول في مختلف العلوم.
أثناء فترة تنامي المد الشيوعي في عهد حكومة عبد الكريم قاسم في العراق، بادر ? إلي استنهاض همم مراجع الدين الكبار في النجف الأشرف لاتخاذ موقف جماعي قوي إزاء الخطر الإلحادي علي العراق، فالتقي بالمرجع الديني الكبير السيد محسن الحكيم ? وأصدر الأخير فتواه الشهيرة بتكفير الشيوعية.
توفي ? في الثامن والعشرين من شهر شعبان سنة (1380ه) وشيع جثمانه في موكب مهيب قلما شهدت كربلاء مثله، ودفن في مقبرة العالم المجاهد الشيخ الميرزا محمد تقي الشيرازي في صحن الروضة الحسينية الشريفة، وأقيمت علي روحه الطاهرة مجالس الفاتحة والتأبين بمشاركة مختلف فئات وطبقات المجتمع استمرت لعدة أشهر.
() الشيوعية: مذهب سياسي يهدف إلي القضاء علي الرأسمالية والملكية الخاصة. وتعد الشيوعية من أشد المذاهب الاشتراكية تطرفاً، وتتميز بأنها حركة ثورية تري أن تحقق إنشاء مجتمع يتساوي أفراده في الحقوق لا يكون إلا باستعمال القوة المسلحة؛ فهي لذلك تحارب الديمقراطيات وخاصة التي تشجع الرأسمالية.
يرجع ظهور الحركة الشيوعية في روسيا إلي عام (1903م) عندما انشق أتباع كارل ماركس إلي معسكرين: إصلاحي وراديكالي بزعامة لينين. فلما حاز هذا الأخير الأغلبية عرف بحزب الأغلبية التي يعبر عنها في الروسية بكلمة: بولشفيك، ومن هذا قامت العلاقة اللفظية بين البولشفية والشيوعية التي هي مذهب سياسي.
تميزت سياسة لينين (ومن بعده تروتسكي) بمحاولة نشر المبادئ الشيوعية في العالم باستخدام القوة، وذلك بتشجيع الثورة بين الطبقات العاملة في المجتمعات الرأسمالية
كما وضحه ماركس في الإعلان الشيوعي لهذا تناهض الشيوعية القوميات والديانات، وتطلب من الشيوعي الولاء التام لعقيدته ولزعمائه.
كما أصبحت سياسة الدول الرأسمالية لاسيما الولايات المتحدة تهدف إلي حصر الشيوعية، والعمل علي وقف تسللها وغل يديها عن اكتساب مناطق نفوذ جديدة، فأقامت الأحلاف والقواعد العسكرية علي حدود الدول الشيوعية، كما منحت الدول التي يخشي وقوعها في نطاق نفوذ الشيوعية قروضاً وإعانات لرفع مستواها الاجتماعي أو لتقوية دفاعاتها، وقد كانت الحرب الكورية والفيتنامية أمثلة لهذا الصراع العقائدي بين الرأسمالية والشيوعية.
تعرف الدول الشيوعية بدول الديمقراطيات الشعبية أو الدول الاشتراكية، في حين أطلق الغرب عليها اسم دول الستار الحديدي أو الدول البلشفية أو الدول الحمراء، ومع أن اتحاد الجمهوريات السوفيتية يعتبر قاعدة العالم الشيوعي إلا أن المبادئ الشيوعية كما صورها ماركس لم توضع موضع التطبيق الكامل فيها، بل أن الساسة السوفييت بعد وفاة لينين وفي مقدمتهم ستالين لم يروا ضيراً في الانحراف عن المبادئ الماركسية بعض الشيء، وانتهاج سياسة مرنة في معالجة التطبيقات الاقتصادية كحقوق الملكية الخاصة، ومن ثم بدأ الانشقاق العقائدي في المعسكر الشيوعي فاعتبرت الصين الشعبية (ومعها ألبانيا) أن الاتحاد السوفيتي قد تنكر للمبادئ الماركسية الأصيلة، كما سبق أن كان الانشقاق في المعسكر الشرقي بسبب الخلاف حول مدي تبعية الدول الاشتراكية لموسكو، وعلي هذا الأساس نشبت الحرب الباردة في داخل المعسكر الشيوعي بين الاتحاد السوفييتي ويوغوسلافيا. انظر القاموس السياسي: ص704 «شيوعية».
ووصلت الشيوعية إلي البلاد الإسلامية ومنها العراق، حيث تغلغلت الأفكار الشيوعية بين أوساط البسطاء من الجماهير في العراق عبر عملاء الاستعمار، الذين طبّلوا وزمروا كثيراً لتلك الأفكار المزيفة والشعارات الفارغة، فأخذ كثير من السذج والبسطاء من الناس يطالبون بتحقيق العدالة الاجتماعية وفق مبدأ الشيوعية، وعلي اثر ذلك شعر الإمام الراحل ? الذي كان عمره الشريف لم يتجاوز الثلاثين والكثير من العلماء بمسؤوليتهم تجاه تلك الأفكار الفاسدة والآراء المنحرفة فتصدوا لها عبر وسائل عديدة، موضحين أن الإسلام وحده هو القادر علي تحقيق العدالة الاجتماعية. وقد ذكر الإمام الراحل بعض تلك الأساليب التي اتبعها في مواجهة الشيوعية، وذلك في كتاب (تلك الأيام) نشر مؤسسة الوعي الإسلامي، ووصف بعض ما مر علي المجتمع نتيجة ظهور تلك الأفكار فقال:
عندما قام قاسم بالانقلاب العسكري وأسقط الملكية سمح للحزب الشيوعي بالعمل والتحرك بحرية، فانتشر الشيوعيون في كل مكان وملؤوا البلاد ضجيجاً وصراخاً، وأخرجوا النساء من بيوتهن وطالبوهن بالتظاهر أمام الرجال، وكانوا يعتدون عليهن في العلن، أضف إلي ذلك أنّهم كانوا يرمون الأفاعي والعقارب الحية علي المخالفين لهم، وكانوا يقطّعون أجسام المعارضين في الشوارع قطعة قطعة، ويحرقون المعارض لهم وهو حي بعد أن يسكبوا عليه النفط أو البنزين، أو يعلّقوا المعارض لهم حيّاً كان أو ميّتاً علي قنارة القصابين ثم يقطعوه بالساطور أو بعض أجزائه، وكذا يمدّون الضحية علي الأرض بعد أن يربطوه بالحبال ثم يُداس بالسيارة الثقيلة المعدّة لتسوية الأرض والتي تسمّي بالرولة (المحدلة).
ومن أساليبهم أنّهم كانوا يضعون سيارتين في جهتين متخالفتين، ويربطون قدمي المعارض لهم أو الذي يشكّون أنه معارض إلي السيارتين، إحدي القدمين إلي هذه السيارة والأخري إلي السيارة الثانية، ثم تتحرك السيارتان في الاتجاهين المختلفين، فينشق الضحية وهو حيّ إلي نصفين. إلي أن قال ويفعلون المنكرات، وكان يحدث ذلك في بلد المقدسات، بلد الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء المقدسة.
عندما حدثت تلك الفجائع في مدينة كربلاء المقدسة علي يد الشيوعيين، قررنا تشكيل وفد لزيارة العلماء في مدينة النجف الأشرف، لأجل التنسيق مع علمائها الأعلام للوقوف حيال الهجمة الشيوعية الشرسة التي تجتاح البلاد، وكان يرافقني السيد محمد صادق القزويني والشيخ جعفر الرشتي والسيد مرتضي القزويني وعلماء آخرون في حدود العشرين شخصاً. وأول من التقينا به الشيخ محمد رضا المظفر ? وكان إنساناً معطاءاً، طيّب النفس، جليل القدر، يحب خدمة الآخرين، وهو الذي أسس «كلية الفقه» التي لازالت قائمة، وكان من رأي الشيخ المظفر أن ندعو الآخرين إلي مجلس موسَّع، فأبدينا موافقتنا لاقتراحه.
وأسرع العلامة المظفر في تهيئة مكان الاجتماع الذي حضره علماء النجف من المرتبة الثانية والثالثة وكانوا قرابة الأربعين عالماً وفقيهاً بما فيهم من السادة آل بحر العلوم والسادة آل الصدر وآل راضي ومن أشبههم.
وجري حوار طويل في ذلك الاجتماع، حول ضرورة التصدي للهجمة الشيوعية، وإن السكوت عنهم سيترك آثاراً وخيمةً؛ لأن الشيوعيين قائلون باللاءات الخمسة لا للدين، لا للفضيلة، لا للملكية الفردية، لا للعائلة، لا للحرية وإذا لم نقف قبالهم فإنهم سيفعلون ما فعلوا في موسكو؛ لأن شيوعية العراق فرع للشيوعية الأمميّة التي تنتمي إلي موسكو.
والشيوعيون في العراق لم يكن بيدهم زمام الأمور، وإنما كانوا ألعوبة تحرّكهم أصابع السفارة البريطانية في بغداد، وهذا ما أكده السفير البريطاني بعد فترة من انتهاء عهد عبد الكريم قاسم، حيث كتب السفير في صحيفة الحياة اللبنانية مقالاً جاء فيه:
إننا سمحنا لخروج الشيوعيين إلي الساحة، أما الحكم في الأصل كان بأيدينا. وهو العمل نفسه الذي يقوم به الإنجليز في بعض البلدان الإسلامية الأخري، فالذي حدث في أفغانستان كان علي غرار ما حدث في العراق.
وكان المطلوب من الشيوعيين أن يجنِّدوا جميع طاقاتهم للعبث بمقدرات العراق، وكانت العشائر العراقية وقتها ذات قوة لا يستهان بها، والحوزة العلمية وعلماؤها ومفكّروها أقوياء ولهم نفوذ علي العشائر، والمثقفون الإسلاميون أقوياء كذلك، وأثمرت تلك الاجتماعات التي عقدت في النجف الأشرف، فتمخضّت في النهاية عن تشكيل «جماعة العلماء» وكانوا جميعاً من علماء المرتبة الثانية والثالثة، وسارع علماء الدرجة الأولي إلي تأييدهم، أمثال: والدي ? والسيد الحكيم ? وبقية المراجع العظام. بدأت هذه الجماعة في نشاطها المعادي للشيوعية بإصدار المنشورات اليومية ونشرت عدة بيانات في عدة صحف.
وفي المقابل أبدت الحكومة ردود فعل سريعة، فأسس عبد الكريم قاسم «جماعة العلماء الأحرار «برئاسة الشيخ عبد الكريم الماشطة وكان ذا علاقة وطيدة مع الشيوعيين، وقد جمع حوله لفيفاً من أصحاب المظاهر لا المباديء الذين ينقصهم العلم والتقوي.
وقد استطاع أن يجمعهم بالمال ويشتري مواقفهم بالإغراءات، وكانت هذه الجماعة تؤيد مواقف الحكومة الشيوعية، وقد وضعت الدولة إمكانياتها الإعلامية من صحف ومجلات وإذاعة وتلفزيون في خدمة هذه الجماعة، التي لم تكن تمتلك أي رصيد جماهيري، إذ لم يكن بمقدورهم إقامة مجالس شعبية كبيرة، حيث ليس هناك من هو علي استعداد للمشاركة في نشاطاتهم، واستمر هذا الحال علي هذا المنوال حتي مقتل عبد الكريم قاسم، فاختفت هذه الجماعة من الوجود وهرب بعض أفرادها وانزوي الباقي.
واستمرت اتصالاتنا بالمراجع العظام، وكنّا نزورهم ونزوّدهم بأخبارنا ونشاطاتنا، ونستمدّ منهم العون، لوقف المدّ الشيوعي.
وفي إحدي السفرات كانت لنا زيارة إلي المراجع كالسيد محسن الحكيم والسيد الحمامي والميرزا عبد الهادي الشيرازي (قدّست أسرارهم) وآخرين، وكان هؤلاء المراجع العظام متفاوتين في التحمّس ضدّ الشيوعيين، بين مهتم بحماسة وغير مهتم، وكان البعض يقول: إن الشيوعيين هم صنيعة الغرب وإنهم سيضمحلون بسرعة.
وكان رأينا أنّ علينا أن نقوم بواجبنا الشرعي، ومسؤليتنا الدينية في التصدّي للمنكر مهما كانت أسبابه ودوافعه.
وكان لنا لقاء مع وزير الاقتصاد في حكومة عبد الكريم قاسم، وقد تمّ في مقبرة والدي في حرم الإمام الحسين عليه السلام، حيث كان مكان تدريسي ولقاءاتي، وقد حضر هذا اللقاء لفيف من الأصدقاء، وقد دونت مقتطفات من هذا الحوار في منشور، قد وزّع في حينه علي المعنيين. وقد ناقشت الوزير حول موضوع الاقتصاد الإسلامي، وقلت له: لماذا لا تقدمون علي تطبيق الاقتصاد الإسلامي؟
فقال لي: وقد بدت عليه آثار التعجب، ما هو الاقتصاد الإسلامي؟
قلت: الاقتصاد الإسلامي: اقتصاد مستقل، ليس اقتصاداً شيوعياً ولا اقتصاداً رأسمالياً ولا اقتصاداً اشتراكياً، بل له خصائص وميزات معينة تفرزه عن المذاهب الاقتصادية الأخري، وقد كتب فقهاؤنا معالم هذا الاقتصاد في كتبهم.
قاطعني وفي حالة استغراب قال: مثلاً!
قلت: يقول الله سبحانه في محكم كتابه: ? فَلَكُمْ رُؤوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ
وَلاَ تُظْلَمُونَ? (سورة البقرة: 279)، ثم أردفت قائلاً: انظر إلي إحدي كتبنا الفقهية، فقد ضم هذا الكتاب أكثر من خمسين موضوعاً اقتصادياً.
ازداد تعجبه وقال في حالة دهشة: خمسين موضوعاً؟
قلت: نعم، كتاب (جواهر الكلام) الذي يتضمن موضوعات عن البيع والرهن والإجارة والإعارة والمساقات والمزارعة والمضاربة و … وطفقت أعدد له عناوين المعاملات في الفقه الإسلامي، فازداد انبهاره.
ثم أفصح عن انبهاره هذا بقوله: لم اسمع من قبل بكل الذي قلته.
أجبته: أمر طبيعي إنك لا تعرف شيئاً عن الاقتصاد الإسلامي؛ لأنك لم تدرس شيئاً عن هذا الاقتصاد في المدارس بكافة مراحلها، وعندما دخلت إلي كلية الاقتصاد درستَ كل شيء إلا الاقتصاد الإسلامي، وإنك لو تصفّحت المنهج الدراسي فإنك
لا تجد شيئاً عن الإسلام بكافة حقوله، ولو وجدت شيئاً فهو صور ولقطات مشوّهة عن التاريخ الإسلامي، عن الحروب والصراعات، وعن بطش الخلفاء وبطرهم، وما أشبه ذلك، وهي أمور ليس فيها أية فائدة لمن يريد التعرف علي حقيقة الإسلام، بل هي تسبب عنده الاشمئزاز والنفور. أما الأمور المفيدة للمجتمع وبالأخص الأمور الحياتية، فلا تجد في هذه الكتب شيئاً عنها؛ لذا أري من الضروري إضافة الاقتصاد الإسلامي إلي المناهج الدراسية وعلي الخصوص كلية الاقتصاد ليُدرَّس إلي جانب الألوان الأخري من الأنظمة الاقتصادية، وشيئاً فشيئاً يتم تطبيق هذه القوانين، حتي يتم إزالة الفقر والفاقة من المجتمع، فعند تطبيق الاقتصاد الإسلامي سوف لن تجد فقيراً ولن تجد شخصاً بدون مسكنٍ، وما أشبه ذلك.
وضربت له مثالاً ببلد أوربي وهو النَرويج، وقلت له: في هذا البلد الأوربي ينعدم الفقراء، بينما تجد الفقراء والمساكين والمتكففين في بلادنا أينما ذهبت وبالمئات، ناهيك عن الفقراء الآخرين الذين لا يسألون الناس إلحافاً.
ثم ذكرت له قصة من التاريخ الإسلامي عن مدينة (نيشابور) وكانت سابقاً مدينة علمية كبيرة وذات شأن كبير في العالم الإسلامي وفيها كثافة سكانية عالية، كما يظهر من رواية ورود الإمام الرضا عليه السلام والتفاف أربعة وعشرين ألف عالم وصاحب قلم وتأليف حوله ليكتبوا ويدونوا الأحاديث التي يمليها عليهم، فأية مدينة كبيرة تلك التي يتواجد فيها أربعة وعشرون ألف عالم في ذلك الزمان؟
دخل رجل فقير إلي هذه المدينة ولما كان فقيراً وجائعاً مدَّ يده إلي الناس طالباً منهم المساعدة، فلم يعطه أحدٌ شيئاً، وقالوا له: ليس في بلدنا فقير ومحتاج، وإن أهل البلد لا يعطونك؛ لأنّ عطاءهم سيشجعك علي الفقر والاستجداء.
فقال لهم: إني جائع، فدلوه علي مكان يستطيع فيه أن يسدّ رمقه.
ثم قال لهم: أريد مكاناً للنوم.
فقالوا له: المكان الذي تطلبه مخصص للعجزة والمعوقين، أما أنت فإن كنت منهم، فإنهم سيعطونك مكاناً في تلك الدار ويمنحونك ما تحتاج إليه من طعام وكساء، أما إذا كنت قادراً علي العمل، فإنهم سيمنحونك فرصة الاشتغال والعمل.
ثم قالوا له: ليس في مدينتنا من يتكفف طالما كان كل شيء مهيئاً له.
وهو علي ما يبدو حال بقية البلاد الإسلامية لا يختلف عن حال هذه المدينة إلي أن قال: من هذا المنطق اهتم الإسلام بالاقتصاد ووضع حلولاً لمشاكل البشر الاقتصادية.
ثم خاطبت الوزير: وأنتم من مصلحتكم إن أردتم البقاء، ومن مصلحة البلاد أن تفكروا بتقدمها، وأن تطبّقوا بنود الاقتصاد الإسلامي واحداً تلو الآخر.
قال الوزير بعد أن أصغي لكلامي: الإسلام غير قابل للتطبيق.
قلت له: هذه العبارة يكررها الذين يجهلون حقيقة الإسلام في كل زمان ومكان. ثم أضفت: أي جزء من الإسلام غير قابل للتطبيق؟ هل وجدت شيئاً من الإسلام غير قابل للتطبيق؟ كلامك أيها الوزير يخالف مقولة النبي الأكرم صلي الله عليه و اله: «حلال محمد حلال إلي يوم القيامة وحرامه حرام إلي يوم القيامة» (انظر بصائر الدرجات: ص148 ب13 ح7) ليس في الإسلام بندٌ واحدٌ غير قابل للتطبيق.
صحيح أن هناك حالات نعمل فيها بقانون «لا ضرر ولا ضرار» أو قانون «الأهم والمهم»، وهذا لا يعني خروجاً عن الإسلام بل يعني الدخول من الإسلام إلي الإسلام؛ لأن هذه القوانين من واقع وصلب الإسلام.
سمع الوزير كلامي وقال: إنشاء الله سأخبر الزعيم عبد الكريم قاسم بهذا الموضوع ثم قام وودعنا متوجها إلي بغداد. انظر كتاب (تلك الأيام) للإمام الراحل: ص126. وأيضاً راجع في هذا الباب: كتاب الفقه، السياسة: ج106 كتاب مباحثات مع الشيوعيين، والقوميات في خمسين سنة، وماركس ينهزم، وغيرها.
() القومية: في الاصطلاح السياسي يقصد بها جملة العوامل المعنوية التي تربط جماعة إنسانية وتضمها في إطار وحدة تعرف بالوحدة القومية، وتعرف هذه الجماعة باسم: الأمة، فمن ثم كانت العلاقة بين القومية والأمة، وبين الأمة والدولة، التي هي تنظيم سياسي يمثل شعباً ذا وحدة قومية يعيش في إقليم معين.
وقد اجتاحت العالم منذ أوائل القرن التاسع عشر لاسيما في أوروبا وتحت تأثير الثورة الفرنسية والثورة الصناعية، حركات قومية كانت تهدف إلي استثارة الروح الوطنية عند عدد من الشعوب، التي كانت إما طامحة في الاستقلال، مثل دول البلقان، أو طامحة في الوحدة السياسية مثل ألمانيا وإيطاليا، باعتبار أن هذا الهدف السياسي لا يتحقق إلا بعد تثبيت أسس الوحدة القومية؛ لهذا كان من وسائلها نشر اللغة القومية وتراثها الفكري، فنشأ حينذاك ما عرف باسم حرب الثقافات وإحياء التقاليد الموروثة والفنون الشعبية، والإشادة بأحداث التاريخ حلوها ومرها، ورفع الشعارات والتغني بالأمجاد الوطنية، وقد مر العالم العربي بهذه المراحل في طريق الدعوة إلي الوحدة القومية بعد أن تحقق لأكثر هذه الدول استقلالها السياسي. انظر القاموس السياسي: ص942 «القومية».
أما القومية العربية فهي حركة سياسية فكرية متعصبة، تدعو إلي إقامة دولة موحدة للعرب، علي أساس رابطة الدم والقربي واللغة والتاريخ، في مقابل رابطة الدين التي تجمع بين المسلمين كافة، وقد تولدت هذه الحركة من خلال دعاة الفكر القومي الذين ظهروا في أوروبا. ولا يخفي أن أكثر رعاة القومية هم من المستشرقين وتلاميذهم، أمثال ميشيل عفلق وأضرابه. وكانت بدايات الفكر القومي الوطن العربي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تمثلت ببعض الحركات السرية أنشأت من أجلها الجمعيات والخلايا في استانبول عاصمة الخلافة العثمانية، ثم أصبحت حركات علنية عبر جمعيات أدبية اتخذت دمشق وبيروت مقراً لها، ثم ظهرت في المؤتمر العربي الأول الذي عُقد في باريس سنة (1912م) كحركة سياسية واضحة الأهداف والمعالم.
وكانت دعوة القومية العربية محصورة في بداياتها في نطاق الأقليات الدينية غير المسلمة، وعدد محدود من المسلمين الذين تأثروا بها، وأصبحت تياراً شعبياً عاماً حين تبني الدعوة إليها ميشيل عفلق وجمال عبد الناصر وغيرهم، حيث سخروا لها أجهزة الإعلام الواسعة، وإمكانيات الدولة.
كما يعد (ساطع الحصري المتوفي 1968م) داعية القومية العربية وأهم مفكريها وأشهر دعاتها، وله مؤلفات كثيرة تعد الأساس الذي تقوم عليه فكرة القومية العربية، ويأتي بعده في الأهمية النصراني (ميشيل عفلق) أحد مؤسسي (حزب البعث).
ومن أهم مقومات القومية العربية هي: اللغة العربية، والدم، والتاريخ المشترك، والأرض، والآلام والآمال المشتركة، أما الدين فإنه مستبعد من مقومات القومية العربية، وربما يحارب بشراسة؛ لأنه بزعمهم يُفرّق العرب ولا يوحدهم، وفي هذا يقول شاعرهم:
وسيروا بجثماني علي دين بَرهم
هبوني عيداً يجعل العرب أمة
وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم
سلامٌ علي كفر يوحد بيننا
ومن المعروف عن القوميين وأهدافهم ودعواتهم أن غرض الكثيرين منهم الدعوة إلي فصل الدين عن الدولة، وإقصاء أحكام الإسلام عن المجتمع، والاستعاضة عنها بقوانين وضعية ملفقة من قوانين غربية وشرقية، ولا يخفي أن الاستعمار يساعد علي وجود هذه الدعوات وذلك لإبعاد المسلمين والعرب منهم خاصة عن دينهم، وتشجيعاً لهم علي الاشتغال بقوميتهم، والدعوة إليها.
() الكافي: ج6 ص47 باب تأديب الولد ح4.
() عشيرة الخوالف.
() للمؤلف الإمام شرف الدين الموسوي العاملي ?. جاء في مقدمة إحدي طبعات هذا الكتاب القيم التي كتبها الشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي: هو حوار مكتوب دار بين المؤلف وشيخ الجامع الأزهر الشيخ سليم البشري حول الإمامة، ويكاد يجمع قراؤه علي أنه الكتاب الأول من نوعه الذي يدعو إلي الوحدة الإسلامية عن طريق الحق متجسداً بالإمامة، وقد أقبل عليه المتشيعون وأهداه بعضهم إلي بعض.
وقد أهدي نجل المؤلف الراحل السيد صدر الدين شرف الدين طبعة جديدة من الكتاب إلي الإمام الراحل السيد حسين الطباطبائي البروجردي في عام (1380ه) فقال الأخير: كنت أظن أن الدهر عقم عن مثل الشيخ المفيد، حتي قرأت المراجعات.
وجاء في تحليل الشيخ عبد الله العلايلي لكتاب المراجعات: لا يتيسر لباحث محقق أن يخرج بكتاب مثل المراجعات إلا إذا كان من الأعلام الشوامخ، وكانت لديه مكتبة إسلامية، قد عكف فيها خمسة عشر عاماً. ونتيجة للإقبال الشديد عليه طبع منه طبعات كثيرة.
() وسائل الشيعة: ج21 ص478 ب84 ح27634.
() وسائل الشيعة: ج17 ص331 ب105 ح22690.
() هو جمال الدين عبد الناصر حسين (1918 1970م) عسكري وسياسي مصري، رئيس جمهورية مصر منذ عام (1956م)، ولد في سنة (1918م) أكمل دراسته الابتدائية عام (1931م) وبعد حصوله علي شهادة الثانوية القسم الأدبي عام (1936م) التحق بمدرسة الحقوق وانتقل منها إلي الكلية الحربية التي تخرج منها عام (1938م) برتبة ملازم ثان.
قال عبد المنعم عبد الرؤوف في مذكراته: كان جمال عبد الناصر يتردد علي مركز الإخوان المسلمين لسماع حديث الثلاثاء منذ عام (1942م)، وفي أوائل عام (1946م) بايع الإخوان المسلمين علي التضحية في سبيل الدعوة الإسلامية مجموعة من الضباط منهم جمال عبد الناصر. عين مدرسا بكلية الأركان الحربية عام (1951م) وفي أثناء ذلك كان يقوم بتنظيم الجهاز السري لمنظمة الضباط الأحرار، ووضع التدابير لانقلاب عام (1952م) علي حكم الملك فاروق.
يقول أحد رفاقه وهو خالد محي الدين: بدأت علاقة عبد الناصر بالمخابرات الأمريكية منذ آذار (مارس) عام (1952م) أي قبل قيام الثورة بأربعة أشهر. وتحدث اللواء محمد نجيب أول رئيس لمصر بعد الثورة عن هذه العلاقة في مذكراته، وأنهم هم الذين كانوا يرسمون له الخطط الأمنية ويدعمون حرسه بالسيارات والأسلحة الجديدة.
استلم وزارة الداخلية ثم رئاسة الوزراء، ثم رئيساً لمصر عام (1956م) من أشهر دعاة القومية العربية في العصر الحديث، أعلن قيام الجمهورية العربية المتحدة عام (1958م) مع سوريا، ثم الانفصال عام (1962م)، وفي عام (1964م) عقد اتفاقية وحدة مع عبد السلام عارف رئيس الجمهورية العراقية، وفي سنة (1967م) تم العدوان الإسرائيلي ما عرف وقتها بنكسة حزيران، فتنحي عبد الناصر عن الحكم بسبب الهزيمة، عدل عن قراره وبقي في منصبه. يقول حسن التهامي وهو من أقرب المقربين لعبد الناصر: إن عبد الناصر هو الذي أمر القوات المصرية بالانسحاب إلي الضفة الغربية من قناة السويس عام (1967م). وأن عبد الناصر هو الذي دس السم لعبد الحكيم عامر، في بيت عبد الناصر نفسه. (الأهرام 5/8/1977م).
قال حسين الشافعي وهو أحد الضباط الأحرار الذين قاموا بالانقلاب العسكري سنة (1952م) في محاضرة له: انقلوا عني: أن الجيش المصري لم يحارب في معركة (1967م) بل هزم بسبب الإهمال والخيانة، وأقول الخيانة وأضع تحتها عشرة خطوط.
شارك في الحرب اليمنية التي قتل فيها الآلاف من الشعب المصري المسلم.
أعلن الحرب علي الاتجاه الإسلامي في الداخل والخارج، وعذب قادة التنظيمات الاسلامية عذاباً نكراً، قتل أغلبهم بعد محاكمات صورية.
كما دأب علي الوقوف دائماً في صف أعداء الإسلام ومناصرة سياستهم فأيد نهرو في مواقفه ضد باكستان، وأيد نيريري الذي قام بمذبحة ضد مسلمي زنجبار، وأيد مكاريوس الذي كافح من أجل إضاعة حقوق المسلمين في قبرص، أحيا جاهلية القرن العشرين بإثارة نعرة القومية العربية وإعلان الحرب علي ملوك البلدان الإسلامية وتشجيع المؤامرات الانقلابية.
توفي عبد الناصر سنة (1970م) بعد أن غرقت مصر في الديون وبعد أن خرب مصر سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً، وملأ العالم العربي بالشعارات الجوفاء.
نشأت في ظل حكم جمال عبد الناصر الحركة الناصرية، وهي حركة قومية عربية، واستمرت بعد وفاته واشتقت اسمها من اسمه وتبنت الأفكار التي كان ينادي بها، وهي: الحرية والاشتراكية والوحدة، وهي نفس أفكار الأحزاب القومية اليسارية العربية الأخري كحزب البعث.
() هي زينب محمد الغزالي الجبيلي ولدت في سنة (1917م) بإحدي قري محافظة البحيرة بمصر، وقد كان والدها من علماء الأزهر الشريف، ونشأت في قرية (ميت يعيش) بالدقهلية، من أسرة غلب عليها العمل بالتجارة.
من مؤسسي المركز العام للسيدات المسلمات، ثم مسؤولة الأخوات المسلمات في جماعة الإخوان المسلمين.
تعاطفت زينب الغزالي مع انقلاب عام (1952م) في البداية وقت أن كانت القيادة بيد اللواء محمد نجيب، وكان ذلك لفترة قصيرة حيث تغيرت الرؤية بعد ذلك؛ لأن الثورة أظهرت معارضتها للتيار الإسلامي، وقد صدرت عدد من الأحكام بالإعدام علي رموزه في مصر.
وقد ذكر أنها رفضت طلباً لجمال عبد الناصر بمقابلتها، قائلة: أنا لا أصافح يداً تلوثت بالدماء، فكانت بداية العداوة، فلاقت من التعذيب والسجن ما لاقت علي يد رجاله، ودبروا لاغتيالها في حادث سيارة أسفر عن كسر فخذها، حاولوا تجنيدها في الاتحاد الاشتراكي إلا أنها رفضت، فصدر قرار بحل مركز السيدات المسلمات، وإيقاف إصدار مجلة السيدات المسلمات. وبعد أن عرف ارتباطها بالتيار الإسلامي في مصر اعتقلت زينب الغزالي عام (1965م)، ودخلت السجون فلاقت فيها صنوف من العذاب من الصلب، والصعق بالكهرباء، والتهديد بهتك العرض، والتعليق في السقف، والضرب بالسياط، وإطلاق الكلاب المتوحشة، والنوم مع الفئران والحشرات، والحرمان من الطعام والشراب، وانتهاك الكرامة الإنسانية والآدمية، فضلا عن السب بأفحش الألفاظ، وإغراق الغرف والزنازين المقيمين فيها بالماء، وظلت في السجن لمدة (6 سنوات) بأمر من جمال عبد الناصر، ثم أفرج عنها أنور السادات بوساطة من الملك فيصل ملك السعودية.
لها مؤلفات منها: أيام من حياتي، نحو بعث جديد، نظرات في كتاب الله، مشكلات الشباب والفتيات، إلي ابنتي، وغيرها، ولها مقالات في الصحف والمجلات العربية والإسلامية
() مصباح الكفعمي: ص280 ف29 دعاء مروي عن الإمام المهدي ?.
() سورة النساء: 13.
() سورة النور: 52.
() سورة الزمر: 14.
() سورة الزمر: 66.
() سورة المائدة: 15-16.
() سورة الأنعام: 155.
() سورة الأعراف: 157.
() سورة النحل: 89.
() سورة النساء: 59.
() سورة المائدة: 55.
() سورة التوبة: 119.
() سورة طه: 114.
() سورة الزمر: 9.
() سورة النمل: 19.
() سورة البروج: 11.
() نهج البلاغة، الكتب: 31 من وصية له عليه السلام للحسن بن علي ? كتبها إليه بحاضرين عند انصرافه من صفين.
() مكارم الأخلاق: ص466 ب12 ف5.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص183 ق2 ب2 ف1 ح3455.
() الخصال: ج2 ص342 باب السبعة ح7.
() الكافي: ج2 ص83 باب العبادة ح1.
() أمالي الشيخ الصدوق: ص487 المجلس 74 ح1.
() الكافي: ج2 ص603 باب فضل حامل القرآن ح4.
() أمالي الشيخ الصدوق: ص10 المجلس3 ح3.
() نهج البلاغة، الخطب: 160.
() سورة البقرة: 256.
() المناقب: ج4 ص2 فصل في المقدمات.
() تحف العقول: ص28 ما روي عنه صلي الله عليه و اله في طول المعاني.
() الفصول المهمة في معرفة الأئمة: ج1 ص470 ب3 ح10.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص154 ق1 ب6 الفصل4 ح2879.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص154 ق1 ب6 الفصل4 ح2878.
() الكافي: ج1 ص430 باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية ح85.
() بحار الأنوار: ج64 ص71 ح37.
() نهج البلاغة، الخطب: 23. تهذيب الفقراء.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص154 ق1 ب6 الفصل4 ح2883.

تعريف مرکز القائمیة باصفهان للتحریات الکمبیوتریة

جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ في سَبيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (التوبة/41).
قالَ الإمامُ علیّ ُبنُ موسَی الرِّضا – علـَیهِ السَّلامُ: رَحِمَ اللّهُ عَبْداً أحْيَا أمْرَنَا... َ يَتَعَلَّمُ عُلُومَنَا وَ يُعَلِّمُهَا النَّاسَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَاتَّبَعُونَا... (بَــنـادِرُ البـِحـار – فی تلخیص بحـار الأنوار، للعلاّمة فیض الاسلام، ص 159؛ عُیونُ أخبارِ الرِّضا(ع)، الشـَّیخ الصَّدوق، الباب28، ج1/ ص307).
مؤسّس مُجتمَع "القائمیّة" الثـَّقافیّ بأصبَهانَ – إیرانَ: الشهید آیة الله "الشمس آباذی" – رَحِمَهُ اللهُ – کان أحداً من جَهابـِذة هذه المدینة، الذی قدِ اشتهَرَ بشَعَفِهِ بأهل بَیت النبیّ (صلواتُ اللهِ علـَیهـِم) و لاسیَّما بحضرة الإمام علیّ بن موسَی الرِّضا (علیه السّلام) و بـِساحة صاحِب الزّمان (عَجَّلَ اللهُ تعالی فرجَهُ الشَّریفَ)؛ و لهذا أسّس مع نظره و درایته، فی سَنـَةِ 1340 الهجریّة الشمسیّة (=1380 الهجریّة القمریّة)، مؤسَّسة ًو طریقة ًلم یـَنطـَفِئ مِصباحُها، بل تـُتـَّبَع بأقوَی و أحسَنِ مَوقِفٍ کلَّ یومٍ.
مرکز "القائمیّة" للتحرِّی الحاسوبیّ – بأصبَهانَ، إیرانَ – قد ابتدَأَ أنشِطتَهُ من سَنـَةِ 1385 الهجریّة الشمسیّة (=1427 الهجریّة القمریّة) تحتَ عنایة سماحة آیة الله الحاجّ السیّد حسن الإمامیّ – دامَ عِزّهُ – و مع مساعَدَةِ جمع ٍمن خِرّیجی الحوزات العلمیّة و طلاب الجوامع، باللیل و النهار، فی مجالاتٍ شتـَّی: دینیّة، ثقافیّة و علمیّة...
الأهداف: الدّفاع عن ساحة الشیعة و تبسیط ثـَقافة الثـَّقـَلـَین (کتاب الله و اهل البیت علیهـِمُ السَّلامُ) و معارفهما، تعزیز دوافع الشـَّباب و عموم الناس إلی التـَّحَرِّی الأدَقّ للمسائل الدّینیّة، تخلیف المطالب النـّافعة – مکانَ البَلاتیثِ المبتذلة أو الرّدیئة – فی المحامیل (=الهواتف المنقولة) و الحواسیب (=الأجهزة الکمبیوتریّة)، تمهید أرضیّةٍ واسعةٍ جامعةٍ ثـَقافیّةٍ علی أساس معارف القرآن و أهل البیت –علیهم السّلام – بباعث نشر المعارف، خدمات للمحققین و الطـّلاّب، توسعة ثقافة القراءة و إغناء أوقات فراغة هُواةِ برامِج العلوم الإسلامیّة، إنالة المنابع اللازمة لتسهیل رفع الإبهام و الشـّـُبُهات المنتشرة فی الجامعة، و...
- مِنها العَدالة الاجتماعیّة: التی یُمکِن نشرها و بثـّها بالأجهزة الحدیثة متصاعدة ً، علی أنـّه یُمکِن تسریعُ إبراز المَرافِق و التسهیلاتِ – فی آکناف البلد - و نشرِ الثـَّقافةِ الاسلامیّة و الإیرانیّة – فی أنحاء العالـَم - مِن جـِهةٍ اُخرَی.
- من الأنشطة الواسعة للمرکز:
الف) طبع و نشر عشراتِ عنوانِ کتبٍ، کتیبة، نشرة شهریّة، مع إقامة مسابقات القِراءة
ب) إنتاجُ مئات أجهزةٍ تحقیقیّة و مکتبیة، قابلة للتشغیل فی الحاسوب و المحمول
ج) إنتاج المَعارض ثـّـُلاثیّةِ الأبعاد، المنظر الشامل (= بانوراما)، الرّسوم المتحرّکة و... الأماکن الدینیّة، السیاحیّة و...
د) إبداع الموقع الانترنتی "القائمیّة" www.Ghaemiyeh.com و عدّة مَواقِعَ اُخـَرَ
ه) إنتاج المُنتـَجات العرضیّة، الخـَطابات و... للعرض فی القنوات القمریّة
و) الإطلاق و الدَّعم العلمیّ لنظام إجابة الأسئلة الشرعیّة، الاخلاقیّة و الاعتقادیّة (الهاتف: 00983112350524)
ز) ترسیم النظام التلقائیّ و الیدویّ للبلوتوث، ویب کشک، و الرّسائل القصیرة SMS
ح) التعاون الفخریّ مع عشراتِ مراکزَ طبیعیّة و اعتباریّة، منها بیوت الآیات العِظام، الحوزات العلمیّة، الجوامع، الأماکن الدینیّة کمسجد جَمکرانَ و...
ط) إقامة المؤتمَرات، و تنفیذ مشروع "ما قبلَ المدرسة" الخاصّ بالأطفال و الأحداث المُشارِکین فی الجلسة
ی) إقامة دورات تعلیمیّة عمومیّة و دورات تربیة المربّـِی (حضوراً و افتراضاً) طیلة السَّنـَة
المکتب الرّئیسیّ: إیران/أصبهان/ شارع"مسجد سیّد"/ ما بینَ شارع"پنج رَمَضان" ومُفترَق"وفائی"/بنایة"القائمیّة"
تاریخ التأسیس: 1385 الهجریّة الشمسیّة (=1427 الهجریة القمریّة)
رقم التسجیل: 2373
الهویّة الوطنیّة: 10860152026
الموقع: www.ghaemiyeh.com
البرید الالکترونی: Info@ghaemiyeh.com
المَتجَر الانترنتی: www.eslamshop.com
الهاتف: 25-2357023- (0098311)
الفاکس: 2357022 (0311)
مکتب طهرانَ 88318722 (021)
التـِّجاریّة و المَبیعات 09132000109
امور المستخدمین 2333045(0311)
ملاحَظة هامّة:
المیزانیّة الحالیّة لهذا المرکز، شـَعبیّة، تبرّعیّة، غیر حکومیّة، و غیر ربحیّة، اقتـُنِیَت باهتمام جمع من الخیّرین؛ لکنـَّها لا تـُوافِی الحجمَ المتزاید و المتـَّسِعَ للامور الدّینیّة و العلمیّة الحالیّة و مشاریع التوسعة الثـَّقافیّة؛ لهذا فقد ترجَّی هذا المرکزُ صاحِبَ هذا البیتِ (المُسمَّی بالقائمیّة) و مع ذلک، یرجو مِن جانب سماحة بقیّة الله الأعظم (عَجَّلَ اللهُ تعالی فرَجَهُ الشَّریفَ) أن یُوفـِّقَ الکلَّ توفیقاً متزائداً لِإعانتهم - فی حدّ التـّمکـّن لکلّ احدٍ منهم – إیّانا فی هذا الأمر العظیم؛ إن شاءَ اللهُ تعالی؛ و اللهُ ولیّ التوفیق.