الكتاب دعامة الحياة

اشارة

اسم الكتاب: الكتاب دعامة الحياة
المؤلف: حسيني شيرازي، محمد
تاريخ وفاة المؤلف: 1380 ش
اللغة: عربي
عدد المجلدات: 1
الناشر: مركز الجواد(ع)
مكان الطبع: قم
تاريخ الطبع: 1424 ق
الطبعة: اول‌

كلمة الناشر

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام علي الهادي البشير والسراج المنير محمّد وآله الطاهرين.
أمّا بعد، فمنذ اللحظة الأُولي التي نزل فيها روح القدس علي الرسول الأعظم صلي الله عليه و اله دعاه إلي القراءة فقال عزّ من قائل: ?اقرأ باسم ربّك الذي خلق ? خلق الإنسان من علق ? اقرأ وربّك الأكرم?().
وليس ذلك فحسب، وإنّما جعل الشارع المقدّس لطلب العلم ونشره منزلة خاصّة في أحاديثه، الأمر الذي يدلّ علي قداسة العلم وشرافته في نظر الشريعة الإسلامية التي جاءت لتخرج الناس من ظلمات الجهل إلي أنوار الهداية.
وقد بقي الشارع المقدّس يؤكّد بشكل حثيث علي تحصيل العلم ونشره بين الناس الذين عاشوا أعواماً طويلة في متاهات الجهل الطويلة التي لا أوّل لها ولا آخر.
ومن أهم ما أكّد عليه الإسلام في دعواه إلي نشر العلم هو الكتاب والكتابة وإلي هذا يشير قوله تعالي: ?ن والقلم وما يسطرون?(). وكذا قوله عزّوجلّ: ?اقرأ وربّك الأكرم ? الذي علّم بالقلم?.
من جانب آخر فإنّ الرسول الأعظم صلي الله عليه و اله وأهل بيته الأطهار عليهم السلام كانوا يؤكّدون في رواياتهم الشريفة علي حفظ الكتب والكتابة، بل إنّ بعضهم كتب شخصيّاً كما هو الحال بالنسبة للصدّيقة الزهراء ? والإمام أمير المؤمنين عليه السلام الذي جمع تفسير القرآن كلّه.
بالإضافة إلي ذلك فإنّ السلف الصالح منذ عهد الأئمّة المعصومين عليهم السلام وبإيعاز منهم كانوا يدوّنون الأحاديث ويدقّقون في الروايات، بل ويكتبون التفاسير والمطالب الفقهية التي كانوا يتلقّونها من أئمّتهم عليهم السلام.
وعلي هذا النهج القويم سار علماؤنا الأعلام فقدّموا الغالي والنفيس من أجل حفظ التراث الإسلامي العريق الذي أوصلته إليهم الأجيال السالفة بسفك الدماء وبذل المهج.
ومن العلماء الأعلام الذين صرفوا عمرهم في الكتابة والتأليف هو سلطان المؤلّفين آية الله العظمي السيّد محمّد الحسيني الشيرازي رحمة الله عليه ذلك المرجع العظيم الذي خدم المسلمين بمؤلّفاته القيّمة خدمة عظيمة.
فقد بلغت مؤلّفاته القيّمة الألف والثلاثمائة كتاب وكراس وفي مختلف المجالات، فضلاً عن تشويقاته المستمرّة للمسلمين علي أن يحملوا القلم ويدوّنوا الحقائق العلمية التي تخدم المجتمعات وتوعيها من الجهل.
وما هذا الكتاب الذي بين يديك أيّها القارئ الكريم إلاّ كشاهد بسيط علي الاهتمام الطائل الذي أولاه المرجع الراحل رحمة الله عليه بالكتاب، حيث كشف فيه عن أسباب التأليف وفوائده وأهميّة الكتب التوعوية خاتماً كتابه بالمهمّة الملقاة علي كل المسلمين إزاء الكتاب، فسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيّاً.
مركز الجواد للتحقيق والنشر
قم المقدسة

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلي الله علي محمد وآله الطاهرين.
إنّ الكتاب هو دعامة الحياة، ولذا فقد اهتم الغربيون ومن إليهم به أكبر اهتمام، بخلاف المسلمين اليوم تماماً، ففي السنة الماضية طبعت ونشرت إسرائيل البالغ عدد نفوسها (أربعة ملايين ونصف) أربعة آلاف وخمسمائة عنوان، أي لكل مليون ألف عنوان، بينما طبعت البلاد العربية ونفوسها ما يقارب ثلاثمائة مليون، ستة آلاف عنوان أي كل ألف كتاب لخمسين مليوناً ()، وذلك لعدم اهتمام المسلمين بالكتاب، بل ذكرت بعض الصحف أنّ (65) مليون إنسان عربي لا يعرفون القراءة والكتابة.
وقد تجاوز عدد الصحف في إسرائيل علي قلّة عدد نفوسهم الصحف في البلاد العربية علي كثرة عدد الشعوب العربية()، ونقلت بعض صحف إيران، أنّ كل فرد إيراني يقرأ في اليوم ثلاثة ثوان فقط، بينما يقرأ الفرد الياباني كل يوم ساعتين ونصف.
وفي الوقت الذي تجد أنّ في كل ألف بيت مسلم لا توجد حتي مكتبة واحدة، وفي العراق الذي يعدّ مهد التشيّع والحضارة لا توجد مكتبة واحدة ذات مليون كتاب، تجد أنّ في الكنجرس الأمريكي بلغ عدد كتب مكتبتها (120) مليون كتاب.
وقد فتحت شخصياً في كربلاء المقدّسة (150) مكتبة للبيع والمطالعة أغلقتها جميعها حكومة البعث وصادرت كل كتبها، كما أغلقت وصادرت سبعين مكتبة بيع افتتحناها في مختلف البلاد العراقية فرعاً لدار نشر القرآن الحكيم في كربلاء المقدسة التي صودرت كتبها أيضاً ().
وعلي كل، فإنّ الحكومات في بلاد الإسلام تحارب الكتب، وحيث إنه لا توجد أحزاب حرّة ولا تعددية ولا حريات، استطاعت الحكومات منع الشعب من الكتب التي يريدها، بل جعلوا الرقابة علي طبع الكتب ونشرها، وقد شكّلت بعضها جماعات كما في الباكستان لقتل أهل العلم باسم: (جماعة الصحابة)، كما لخّص أحد الحكّام القرآن مثل: (أتاتورك)()، وقام أحدهم بحذف لفظة: ?قل? في القرآن بحجّة إنه خطاب للنبي صلي الله عليه و اله وقد توفّي، ناهيك عن حذف عبد الناصر() الآيات المربوطة بإسرائيل مدّعياً أنّها تمدحهم، نسأل الله أن يهدي المسلمين لما فيه رضاه، وأن يوفقنا للاهتمام بنشر الثقافة الإسلامية عبر الكتاب وغيره فإنه دعامة الحياة.
قم المقدسة
محمّد الشيرازي

الكتاب في القرآن الكريم

إنّ كل من يقرأ آيات القرآن الكريم ويتمعّن في دقائقها ومواعظها الكثيرة يجد أنّ هناك أُموراً أساسيّة قد اُشير إليها بشكل مستمر، منها مسألة الكتاب ودوره الأساسي في حركة الرسالات السماوية، ومدي حجّيته في الكثير من المواضع.
فقد ذكرت مفردة (الكتاب) في القرآن الكريم ما يقارب 250 مرّة()، كما أنه جاءت مفردة ?كَتب? و?كُتب? أكثر من عشرين مرة، ناهيك عن سائر اشتقاقات مادة (كَتَبَ) التي منها:
?اكتب? و?اكتتبها? و?تكتبوه? و?تكتبوها? و?ستكتب? و?سنكتب? و?فاكتبنا? و?فاكتبوه? و?فسأكتبها? و?فكاتبوهم? و?فليكتب? و?كاتب? و?كاتباً? و?كاتبون? و?كاتبين? و?كتبتْ? و?كتبتَ? و?كتبنا? و?كتبناها? و?كتبه? و?للكتب? و?ليكتب? و?مكتوباً? و?نكتب? و?يَكتب? و?يُكتب? و?يكتبون?.
الأمر الذي يدلّ علي تأكيد الشارع المقدّس علي قضية الكتاب والكتابة.

معجزة الرسالات المختلفة

وممّا يدلّ علي أهمية الكتاب في تاريخ الرسالات السماوية المختلفة هو أنّ الأنبياء عليهم السلام كانوا يأتون أقوامهم بالكتب المنزلة من عند الله تبارك وتعالي، فقد قال نبي الله عيسي عليه السلام عندما نطق في المهد: ?إنّي عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا?().
وقال تعالي: ?ولقد آتينا موسي الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأُولي?().
وقال سبحانه: ?يا يحيي خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبياً?().
وقال تعالي: ?وما أنزلنا عليك الكتاب إلاّ لتبيّن لهم الذي اختلفوا فيه وهدي ورحمة لقوم يؤمنون?().
وقد اعتاد الناس علي أن يأتيهم المبلّغون بكتب سماوية يستدّلون بها علي صدقهم في دعوتهم، قال تعالي: ?يسألك أهل الكتاب أن تنزّل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسي أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة?().

حجّية الكتاب

وفي الآيات القرآنية المباركة أنّ من الحجج المهمة التي يقيمها الباري تعالي علي عباده ويستدلّ بها عليهم هو الكتاب، فقد قال تعالي: ?وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً اقرأ كتابك كفي بنفسك اليوم عليك حسيباً?().
وقد فسّر الشيخ الطبرسي رحمة الله عليه في تفسيره (مجمع البيان) الآيتين فقال: «ونخرج له يوم القيامة كتاباً» وهو ما كتبه الحفظة عليهم من أعمالهم «يلقاه» أي: يري ذلك الكتاب «منشوراً» أي: مفتوحاً معروضاً عليه ليقرأه، ويعلم ما فيه … «اقرأ كتابك».. قال قتادة: يقرأ يومئذ من لم يكن قارئاً في الدنيا.
وروي جابر بن خالد بن نجيح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يذكر العبد جميع أعماله، وما كتب عليه، حتي كأنه فعله تلك الساعة، فلذلك قالوا: ?يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها?().
«كفي بنفسك اليوم عليك حسيباً» أي: محاسباً، وإنّما جعله محاسباً لنفسه، لأنه إذا رأي أعماله يوم القيامة كلّها مكتوبة، ورأي جزاء أعماله مكتوباً بالعدل، لم ينقص عن ثوابه شيء، ولم يزد علي عقابه شيء، أذعن عند ذلك وخضع، وتضرّع واعترف، ولم يتهيّأ له حجّة ولا إنكار، وظهر لأهل المحشر أنه تعالي لايظلم().
وقال الطبرسي أيضاً في تفسير قوله تعالي: ?وكل شيء أحصيناه كتاباً?(): أي وكل شيء من الأعمال بيّناه في اللوح المحفوظ، ومثله ?وكل شيء أحصيناه في إمام مبين?() وقيل: معناه وكل شيء من أعمالهم حفظناه لنجازيهم به. ثمّ بيّن أنّ ذلك الإحصاء والحفظ، وقع بالكتابة، لأنّ الكتابة أبلغ في حفظ الشيء من الإحصاء، ويجوز أن يكون «كتاباً» حالاً مؤكّدة أي أحصيناه في حال كونه مكتوباً عليهم، والكتاب بمعني المكتوب().
بل إنّ الله تعالي يقسم بالكتاب في سورة الطور حيث قال: ?والطور وكتاب مسطور?() وهذا خير دليل علي قداسة المقسوم به وحجّيته في نظر الشارع المقدّس وإن كان المراد من الكتاب في الآية هو القرآن الكريم.
وقال تعالي ?ن والقلم وما يسطرون?().
فمن كلام للشيخ الطبرسي رحمة الله عليه في تفسير الآية قال فيه: «وكتاب مسطور» أي مكتوب وهو الكتاب الذي كتبه الله لملائكته في السماء، يقرأون فيه ما كان وما يكون. وقيل: هو القرآن مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ، وهو الرق المنشور. وقيل: هو صحائف الأعمال التي تخرج إلي بني آدم يوم القيامة، فمنهم آخذ كتابه بيمينه، ومنهم آخذ بشماله، وهذا كقوله ?ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً?()-().
وفي آية أُخري يقرّ الباري تعالي حجّية الكتاب مقابل ادّعاءات الكافرين ويناشدهم بإتيان حجّتهم التي هي الكتاب فقال عزّ من قائل: ?أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين?() أي حجّة بيّنة علي ما تقولون وتدّعون، وهذا كلّه إنكار في صورة الاستفهام «فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين» المعني: فأتوا بكتابكم الذي لكم فيه الحجّة().
إلي غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالّة علي أهمية الكتاب ودوره في حياة الإنسان.

الإسلام والحث علي الكتابة

عندما بزغ نور الإسلام في أطراف الجزيرة العربية تغيّر الكثير من أُمور المجتمع الجاهلي الذي كان غارقاً في أوحال الضياع، فبعد أن كان الجهل مخيّماً علي عقول الكثير من الناس تخرّج من نفس ذلك المجتمع الكثير من العلماء الذين حملوا رسالة الإسلام وأوصلوا مبادئه إلي أقصي أطراف العالم.
بل إنّ نفس المجتمع الجاهلي الذي لم يكن يتجاوز عدد الذين يعرفون القراءة والكتابة فيه عدد الأصابع أصبح من خيرة المجتمعات في الثقافة والوعي، وهذا كلّه يعود إلي فضل الإسلام الحنيف الذي شوّق إلي تعلّم العلم ونشره.
ومن الأُمور المهمّة التي ينشر العلم من خلالها هي الكتابة التي شوّق الإسلام إليها بشدّة، ففي سورة القلم يقول تعالي: ?ن والقلم وما يسطرون?() وهذا خير دليل علي التأكيد في الإسلام علي الكتابة بل إنّ تسمية سورة القلم بهذا الاسم لها دلالة واضحة الاهتمام بالكتابة.
والملفت للانتباه هو ما ورد في تفسير هذه الآية من روايات جميلة تدلّ علي إنّ الباري تعالي هو أوّل من أمر القلم بالكتابة.
فعن أبي عبد الله عليه السلام أنه لمّا سئل عن تفسير الآية قال: ?أمّا ?ن? فكان نهراً في الجنّة أشدّ بياضاً من الثلج وأحلي من العسل، قال الله عزّوجلّ له: كن مدداً فكان مداداً، ثمّ أخذ شجرة فغرسها بيده ثمّ قال: واليد القوّة وليس بحيث تذهب إليه المشبّهة ثمّ قال لها: كوني قلماً ثمّ قال له: اكتب، فقال له: يا ربّ وما أكتب؟ قال: ما هو كائن إلي يوم القيامة، ففعل ذلك ثمّ ختم عليه وقال: لا تنطقنّ إلي يوم الوقت المعلوم?().
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: ?أوّل ما خلق الله القلم فقال له: اكتب فكتب ما كان وما هو كائن إلي يوم القيامة?().
وعن عبد الرحيم القصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن ?ن والقلم? قال: ?إنّ الله خلق القلم من شجرة في الجنّة يقال لها الخلد، ثمّ قال لنهر في الجنّة: كن مداداً فجمد النهر وكانت أشدّ بياضاً من الثلج وأحلي من الشهد، ثمّ قال للقلم: اكتب، قال: يا ربّ ما اكتب؟ قال: اكتب ما كان وما هو كائن إلي يوم القيامة، فكتب القلم في رقّ أشدّ بياضاً من الفضة وأصفي من الياقوت، ثمّ طواه فجعله في ركن العرش ثمّ ختم علي فم القلم فلم ينطق بعد ولا ينطق أبداً، فهو الكتاب المكنون الذي منه النسخ كلّها أولستم عرباً؟ فكيف لا تعرفون معني الكلام وأحدكم يقول لصاحبه: انسخ ذلك الكتاب، أوليس إنّما ينسخ من كتاب آخر من الأصل، وهو قوله: ?إنّا كنّا نستنسخ ما كنتم تعملون?()» ().

الكتاب في الأخبار الشريفة

كما أنّ هناك روايات عديدة تشير إلي أهمية الكتابة وحفظ الكتب وردت عن الأئمّة الأطهار عليهم السلام الذين كانوا يوصون أصحابهم وشيعتهم بالكتابة والاحتفاظ بالكتب.
منها: ما عن المفضّل بن عمر قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: ?اكتب وبثّ علمك في إخوانك، فإن متّ فأورث كتبك بنيك فإنّه يأتي علي الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلاّ بكتبهم?().
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: ?القلب يتّكل علي الكتابة?().
وعن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ?اكتبوا فإنّكم لا تحفظون حتّي تكتبوا?().
وعن عبيد بن زرارة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ?احتفظوا بكتبكم فإنّكم سوف تحتاجون إليها?().
وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: ?من مات وميراثه الدفاتر والمحابر وجبت له الجنّة?().
وقال رسول الله صلي الله عليه و اله: ?قيّدوا العلم، قيل: وما تقييده؟ قال: كتابته?().
وفي البحار أنّ رسول الله صلي الله عليه و اله أظهر لليهود العديد من المعاجز الدالّة علي نبوّته وصدقه في مدّعاه ثمّ قال لهم وللمسلمين: أوقفتكم علي ما أخبرتكم به؟
قالوا: بلي.
فقال صلي الله عليه و اله: يا معشر المسلمين واليهود اكتبوا بما سمعتم.
فقالوا: يا رسول الله قد سمعنا ووعينا ولا ننسي.
فقال رسول الله صلي الله عليه و اله: الكتابة أذكر لكم().
وعن رجل من قريش من أهل مكّة قال: قال سفيان الثوري: اذهب بنا إلي جعفر بن محمد عليه السلام، قال: فذهبت معه إليه فوجدناه قد ركب دابته، فقال له سفيان: يا أبا عبدالله! حدّثنا بحديث خطبة رسول الله صلي الله عليه و اله في مسجد الخيف قال: ?دعني حتي أذهب في حاجتي فإنّي قد ركبت، فإذا جئت حدّثتك?، فقال: أسألك بقرابتك من رسول الله صلي الله عليه و اله لما حدّثتني، قال: فنزل، فقال له سفيان: مر لي بدواة وقرطاس حتّي أثبته، فدعا به … الخ().
وعن الإمام الحسن عليه السلام أنه دعا بنيه وبني أخيه فقال: ?إنّكم صغار قوم ويوشك أن تكونوا كبار قوم آخرين فتعلّموا العلم، فمن لم يستطع منكم أن يحفظه فليكتبه وليضعه في بيته?().
ونقل العلاّمة المجلسي رحمة الله عليه في معني الحديث: ?من حفظ علي أُمّتي أربعين حديثاً في أمر دينهم بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً?() فقال: والحقّ أنّ للحفظ مراتب يختلف الثواب بحسبها، فأحدها حفظ لفظها سواء كان في الخاطر أو في الدفاتر وتصحيح لفظها واستجازتها واجازتها وروايتها().

الدعوة إلي الكتابة

علي الرغم من أنّ رسول الله صلي الله عليه و اله لم يرد إلينا أنه قد كتب وذلك لفلسفة مذكورة في محلها نعم إنه صلي الله عليه و اله كان يعرف القراءة والكتابة إلاّ أنه كان يؤكّد بشدّة أن يتعلّم المسلمون القراءة والكتابة، بحيث أنه كان يشترط علي اُسراء المشركين تعليم المسلمين القراءة والكتابة مقابل إطلاق سراحهم.
وقد طلب رسول الله صلي الله عليه و اله في أواخر حياته الشريفة أن يأتوه بدواة وكتف ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً () ولكن البعض حال دون ذلك، في قصة مفصلة رواها الفريقان.
وفي التاريخ أنّ الأسري المشركين ممّن لا مال لهم كان الرسول صلي الله عليه و اله يقبل منهم أن يعلّموا عشرة من غلمان المسلمين مقابل تخلية سبيلهم، وعلي أثر هذا الأمر تعلّم زيد بن ثابت الكتابة في جماعة من غلمان الأنصار. بل إنه صلي الله عليه و اله دعا في أحاديثه إلي الكتابة، ومنها أنه صلي الله عليه و اله قال: ?المؤمن إذا مات وترك ورقة واحدة عليها علم تكون تلك الورقة يوم القيامة ستراً فيما بينه وبين النار، وأعطاه الله تبارك وتعالي بكل حرف مكتوب عليها مدينة أوسع من الدنيا سبع مرّات، وما من مؤمن يقعد ساعة عند العالم إلاّ ناداه ربّه عزّوجلّ جلست إلي حبيبي فوعزّتي وجلالي لأسكنتك الجنّة معه ولا أُبالي?().
وقال صلي الله عليه و اله: ?مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء?.
وقال صلي الله عليه و اله: ?إذا كان يوم القيامة وزن مداد العلماء بدماء الشهداء فيرجّح مداد العلماء علي دماء الشهداء?().
وقال صلي الله عليه و اله: ?إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ عن ثلاث: ولد صالح يدعو له، وعلم ينتفع به، وصدقة جارية?().
وقال صلي الله عليه و اله: ?قيّدوا العلم، قيل: وما تقييده؟ قال: كتابته?().
وروي أنّ رجلاً من الأنصار كان يجلس عند النبي صلي الله عليه و اله فيسمع منه صلي الله عليه و اله الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلي النبي صلي الله عليه و اله، فقال له رسول الله صلي الله عليه و اله: استعن بيمينك وأومأ بيده أي خط?().
وعنه صلي الله عليه و اله أنه قال لبعض كُتَّابه: ?ألق الدواة وحرِّف القلم وانصب الباء وفرِّق السِّين ولا تُعوِرِ الميم وحَسِّنِ اللهَ ومُدَّ الرحمن وجَوِّد الرحيم وضع قلمك علي أذنك اليسري فإنّه أذكرُ لك?().

حقائق عن مداد العلماء

ربما يستغرب البعض من الأحاديث التي تنص علي أرجحية مداد العلماء علي دماء الشهداء يوم القيامة، قال صلي الله عليه و اله: ?مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء?.
وقال صلي الله عليه و اله: ?إذا كان يوم القيامة جمع الله عزّوجلّ الناس في صعيد واحد ووضعت الموازين فتوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء فيرجّح مداد العلماء علي دماء الشهداء?().
بل إنّ الكثير منهم يتساءلون قائلين: كيف يكون مداد العلماء أرجح من دماء الشهداء؟
وهل هناك شيء أفضل من الشهادة؟
ولماذا يرجّح المداد علي الدماء؟
الجواب: إنّ السبب واضح، ذلك لأنّ القلم واللسان هما اللذان يسبّبان تحرّك الناس نحو الجهاد في ميادين القتال، إضافة إلي أنّهما يحفظان الشريعة ويحافظان علي مكتسبات الجهاد في المعارك.
فإنّ مداد العلماء أمثال: الصدوق()..
والمفيد()..
والكليني()..
والمجلسي()..
والمرتضي()..
والعلاّمة()..
والمحقّق()..
والشهيدين().. وغيرهم..
هو الذي أوصل إلينا تعاليم الرسول الأكرم صلي الله عليه و اله وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام وقوانين الإسلام ودساتيره، وهو الذي أوصل إلينا أنباء غزوات النبي صلي الله عليه و اله وجهاده، وأنباء ثورة الإمام الحسين عليه السلام وإستشهاده، إنّ القلم والكتاب هو الذي حفظ لنا كل ذلك، وهو الذي أوصل الثقافة الإسلامية إلينا كاملة غير منقوصة.

الكتاب في تاريخ الشيعة

علي أثر تأكيد أهل البيت عليهم السلام وحثّهم لشيعتهم بحفظ الكتب والكتابة المستمرّة فقد كان في كل ميدان من ميادين العلوم مؤلّفاً شيعياً سبق غيره من المسلمين بالكتابة.
فكتب الكثير من علماء الشيعة في مختلف العلوم ودوّنوا ما حفظوه وتعلّموه من الأئمّة الأطهار عليهم السلام الأمر الذي حفظ لهم التراث الشيعي.
ففي علم (أصول الفقه) تصدّي علماء الشيعة إلي التأليف قبل غيرهم، ودوّنوا العديد من المؤلّفات، فقد ألّف هشام بن الحكم() في مباحث الألفاظ، ويونس() بن عبد الرحمن مولي آل يقطين في التعادل والتراجيح.
وكذا الحال بالنسبة لسائر العلوم حيث ألّف أبو محمّد عبد الله بن جبلة الكناني في الرجال()، وألّف إسماعيل بن مهران السكوني في الأخلاق بعنوان صفة المؤمن والفاجر()، وألّف أُبي بن كعب في فضائل القرآن() وغيرهم الكثير من مؤلّفي الشيعة الذين استجابوا لوصايا أهل البيت عليهم السلام المنادية إلي التأليف فحفظوا لنا التراث الشيعي من الضياع().

من فوائد الكتاب

لا يخفي أنّ للكتاب فوائد كثيرة نذكر بعضها:

نشر الفكر

1 نشر الفكر: فمن خلال الكتاب يستطيع الإنسان من نشر فكره وعقيدته ورأيه وإيصالها إلي الآخرين في مختلف أنحاء العالم خاصّة إذا لاحظنا سهولة انتشار الكتاب في العصور الأخيرة.
ولذا فقد اهتمّ أعداء الإسلام بنشر الكتاب وترويجه بينما تخلّف المسلمون اليوم وتخلّوا عن ذلك حتّي غزاهم العدو بأفكاره وعاداته بل وحتّي في ثقافته.
فقد نقلت بعض المجلاّت: أنّ الاتحاد السوفيتي طبع ووزّع في سنة واحدة، واحداً وعشرين ملياراً من الكتب، وكانت نفوس العالم آنذاك أربع مليارات.
كما أنه ترجم كتاب ماوتسي تونغ (الكتاب الأحمر) إلي أربعمائة لغة رغم عدم مرور حتّي نصف قرن علي تاريخ انتشار (الماركسية المادّية).
وأذاع راديو الكيان الصهيوني قبل سنين أنّ الكتب التي وزّعت علي الإسرائيليين ما يقارب خمسة عشر مليون كتاباً في سنة واحدة() ومعني ذلك أنّ كل إسرائيلي حصل علي ما يقارب خمسة كتب من الطفل الصغير إلي الشيخ الكبير، ناهيك إنّ الصهيونية تسيطر علي أكثر من ألف جريدة خارج إسرائيل، بينها أُمّهات الجرائد العالمية، وذلك أحد أسباب تمكّنها من كسب الرأي العام الغربي بل والعالمي إلي جانبها رغم كونها غاصبة ومحتلة، مع أنّ نفوس اليهود لا يتجاوز العشرين مليون نسمة (أي نسبة 10% من المسلمين). أمّا نحن المسلمين، فبالرغم أنّ عددنا ألفي مليون() وأنّنا أصحاب الحق الشرعي فضلاً عن كوننا مضطهدين محرومين مشرّدين، إلاّ أنّنا لا نحاول إيصال صوتنا إلي العالم بل لا نمتلك حتّي جريدة واحدة واسعة الانتشار تعرف في العالم رغم سعة أفكارنا ومظلوميتنا!
فإسرائيل تعطي لشعبها الفكر المنحرف الظالم، وتكرّس الجهود للمزيد من التسميم الفكري والثقافي، فلماذا لا نعمل في نشر الفكر الواعي لأجل ألفي مليون مسلم ونحن أصحاب حقّ؟
ولعلّ مما يدل علي تراجع المسلمين عن مبادئهم أنّ القرآن الكريم رغم مرور زهاء خمسة عشر قرناً علي نزوله علي نبي الإسلام صلي الله عليه و اله لم تتجاوز ترجماته (230) ترجمة! كما ذكره البعض.

حفظ التراث

2: من فوائد الكتاب حفظ التراث، حيث إنّ الكتاب يحفظ التراث ويصونه من التحريف والتزييف، فاللازم علي كل أمة أن تكتب تاريخها وتجاربها وما أشبه لكي تصل المعارف بأمانة للأجيال القادمة، والشواهد علي ذلك كثيرة ومختلفة، فقد حفظت الكتب الأربعة() أخبار الشيعة وأوصلتها لهم علي مختلف طبقاتهم.
كما حفظ العلاّمة المجلسي والحرّ العاملي() (قدس سرهما) بكتابيهما () القيّمان التراث الشيعي من التلف والضياع…
ومن نعم الله تعالي وعنايته البالغة أنّ أمثال هؤلاء من علماء التشيّع وفّقوا لتدوين التراث وحفظه ولذا فإنّ لهؤلاء الأعلام الفضل في انتشار المذهب الشيعي ورواجه في العالم كما نراه اليوم.

الأجر والثواب

3: من فوائد الكتاب الأجر العظيم، حيث ورد في الأخبار الشريفة أنّ الكتاب هو من الصدقات الجارية التي تعود منافعها علي الإنسان بعد وفاته أيضاً، فعن النبي صلي الله عليه و اله قال: ?إذا مات المؤمن انقطع عمله إلاّ من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له?().

مع صاحب المستدرك

والشواهد علي ذلك كثيرة منها ما نقل في أحوال الحاج النوري() صاحب كتاب (مستدرك الوسائل) أنّه رؤي يتمشّي علي شطّ سامراء في حالة فرح وابتهاج، فسئل عن سبب فرحه؟
فقال: إنّي رأيت البارحة والدتي في قصر كبير من قصور الجنّة ولها أنهار وأشجار ونخيل، ولمّا رأتني والدتي استقبلتني بترحيب كبير، وقالت لي: إنّني بسببك معروفة في هذا العالم ب «مادر آغا» أي والدة السيد العظيم، وإنّك لا تؤلّف كتاباً إلاّ وتأتيني الملائكة به في طبق من نور، فأزداد احتراماً أكثر فأكثر.

رؤيا الإمام الحسين عليه السلام

وقد رأيت ذات مرّة في مدينة قم المقدّسة الإمام الحسين عليه السلام في المنام وكان جالساً في إيوانه الشريف وهو متّجه نحو القبلة والضريح وراءه، وكان بالزي الروحاني في أكمل صورة وأنور جمال، وأمامه في الإيوان قبور مرتفعة عن الأرض كلّ قبر بقدر إصبع أو ما أشبه، وكانت تلك القبور قبور خطباء المنبر الحسيني.
وقد عرفت جملة منهم ممّن كانت عندهم مؤلّفات، فكانوا يخرجون من القبور، ومتي ما شاءوا دخلوه كأموات، وكان لكلّ قبر من تحته أنبوب ممدود إلي الصحن الشريف مُنتَهٍ إلي حوض صغير فيسير الماء داخل الأنبوب إلي الحوض، والناس محتفّون بتلك الأحواض يشربون منها ويتوضّؤون ويغسلون وجوههم وأيديهم. وفي هذا الأثناء خرج أحد الخطباء من قبره وكان من أصدقائنا وتوجّه إلي الإمام عليه السلام وقال: يا بن رسول الله لماذا ليس في قبري أنبوب ولا حوض؟ فرفع الإمام عليه السلام يده اليسري وبسط كفّه، وكأنّه يكتب بيمناه خطاً في كفّه اليسري قائلاً له: أنت لم تكتب كتاباً تتركه من بعدك، ولذا لا حوض لك.
وقد أصررت علي ذلك الخطيب في حياته لكي يؤلّف، لكنّه أبي ولم يكتب شيئاً. الملفت للانتباه إنّني رأيت أنّ لقبر الشيخ عبد الزهراء الكعبي() أيضاً أنبوب إلي حوض له في الصحن الشريف كسائر الخطباء، ففكّرت في أمره فهداني تفكيري إلي أنّ مقتل الإمام الحسين عليه السلام الذي قرأه في يوم عاشوراء طبع بعد وفاته بشكل كتاب مستقل عشرات الطبعات حتّي الآن.

هداية الآخرين

4: من فوائد الكتاب هداية الآخرين، وهذا واضح لكل من يراقب سيرة المهتدين ويتابع أحوال الذين وصلوا إلي درب الهداية بسبب الكتاب، والشواهد علي ذلك كثيرة إلاّ أنه نكتفي بالحادثة التالية:
كان يأتيني شاب قبل ما يقارب ثلاثين سنة إلي ديوانية المسجد في الكويت، وفي إحدي المرات قلت له: من أنت ومن أين وماذا عملك؟
قال: إنّي من فلسطين، واسمي: فلان، وعملي: أستاذ في جامعة الكويت.
قلت له: وما هو مذهبك؟
قال: شيعي.
قلت: وكيف صرت شيعياً؟
قال: إنّ لي عائلة غير شيعية وإنّي اخترت هذا المذهب في جامعة أمريكا.
قلت: وكيف ذلك؟
قال: إنّي كنت أراود مكتبة الجامعة فرأيت فيها كتاباً بعدّة مجلّدات يسمّي بالغدير() فتعجّبت أوّلاً لهذا الاسم فتصفّحته قليلاً ثمّ قرأته من أوّله إلي آخره فعرفت أنه حقّ وراجعت بعض مصادره ممّا كان متوفّراً في تلك المكتبة فظهر لي صحّة ما نقله الغدير ولذا اخترت مذهب أهل البيت عليهم السلام.
ولمّا رجعت إلي فلسطين باحثت بعض علمائنا، وحيث لم أجد له ردّاً علي ما ذكر في الكتاب بقيت مصرّاً علي الطريقة التي اخترتها.

تضحيات من أجل الكتاب

ممّا يؤسف له حقّاً أنّ المسلمين اليوم لا يعرفون قدر التضحيات العظيمة والمعاناة الشديدة التي قدّمتها الأجيال السابقة من أجل حفظ الكتاب وإيصاله لمن بعدهم..
فقد عاني المسلمون سابقاً الكثير من المشاكل حتّي أوصلوا لنا هذا التراث الضخم، وقد جرت من أجله الكثير من الدماء الزاكية وقدّمت الأموال الطائلة حتّي حفظ لنا هذا التراث بهذه الدقّة والمتانة خاصة في ضبط الروايات وتخريجها، حيث بقي الأصحاب يدقّقون بشدّة في نسخها واستنساخها.
يقول أحمد بن محمد بن عيسي:
جئت إلي الحسن بن علي الوشّاء وسألته أن يُخرج إليّ كتاباً لعلاء بن رزين وكتاباً لأبان بن عثمان الأحمر، فأخرجهما.
فقلت: أُحبّ أن أسمعهما.
فقال لي: رحمك الله، ما أعجلك اذهب، فاكتبهما واسمع من بعد.
فقلت له: لا آمن الحدثان().
فقال: لو علمت أنّ الحديث يكون له هذا الطلب لاستكثرت منه، فإنّي قد أدركت في هذا المسجد مائة شيخ، كل يقول: حدّثني جعفر بن محمّد عليه السلام().
وعن حمدويه، عن أيّوب بن نوح: أنه دفع إليه دفتراً فيه أحاديث محمد بن سنان، فقال: إن شئتم أن تكتبوا ذلك فافعلوا، فإنّي كتبت عن محمّد بن سنان ().
ونقل في أحوال علي بن الحسن بن فضّال إنه لم يرو كتب أبيه الحسن مع أنه تلقّاها منه شخصياً وإنّما رواها عن أخويه أحمد ومحمد اللذان نقلا الروايات عن والدهما، وقد اعتذر علي بن الحسن عن عدم نقله للروايات مباشرة عن أبيه بأنه يوم تلقّي الأحاديث عن والده كان صغير السن ولم تكن له معرفة كثيرة بالروايات، فقرأها علي أخويه مرّة أُخري().

من بركات الكتاب

إنّ الذي يتابع الأخبار الشريفة ويحقّق في سيرة العلماء الأعلام يجد أنّ الذين ألّفوا كتباً ودوّنوا ما حصّلوه من العلوم والتجارب قد خلّد ذكرهم وحفظ صيتهم عبر التاريخ.
أمّا الذين رحلوا ولم يكتبوا شيئاً فقلّما تجد أنّ أحداً يذكرهم وإذا ذكروا فهم لا يذكرون كالذين تركوا تراثاً للأجيال اللاحقة، والشواهد علي ذلك كثيرة منها:
ما ذكر في أحوال الشيخ الصدوق وأخيه حيث إنّهما ولدا ببركة دعاء الإمام الحجّة (عجّل الله تعالي فرجه الشريف)، وكلاهما كانا من الذين درسوا علوم آل محمد عليهم السلام إلاّ أنّ العالم اليوم يقوم ويقعد بذكر الشيخ الصدوق رحمة الله عليه بينما قلّما يذكر أخوه وذلك يعود إلي أُمور منها أنّ الصدوق رحمة الله عليه ألّف وكتب وأكثر من الكتابة فبقي التاريخ يفتخر بتراثه القيّم الذي ظلّ العلماء ينهلون منه.

من فوائد الكتاب

من جانب آخر فإنّ من بركات الكتاب المهمّة هو التأثير الإيجابي علي مختلف الناس وقد شاهدت ذلك في حوادث كثيرة ومنها:
إنّني ألّفت كتيباً بعنوان «مَن هم الشيعة» () وبعثت به إلي الحجّ ليطّلع عليه من غمرتهم الحركات المضلّة بدعاياتها ويعرفوا أنّ ما سمعوه عن الشيعة علي لسان أعدائهم لا حقيقة له، لعلّ ذلك يكون سبباً لرجوع الأُخوّة الإسلامية.
وبالفعل، فقد أخبرني أحد الأصدقاء الذين حملوا عدداً من نسخ هذا الكتاب إلي مكّة المكرّمة، فقال: عندما كنت في المدينة المنوّرة احتجت إلي الحمّام، فذهبت إليه، وإثر خروجي منه أعطيت الحمّامي بالإضافة إلي الأُجرة نسخة من هذا الكتاب.
فلمّا قرأ اسم «الشيعة» عليه غضب غضباً شديداً ورمي الكتاب بكلّ انزعاج علي الأرض. فخرجت ولم أقل شيئاً.
وبعد أيّام احتجت إلي الحمّام مرّة ثانية، واضطررت إلي الذهاب إلي نفس الحمّام، ودخلت بحالة اختفاء، فرأيت الحمّامي نفسه جالساً عند الصندوق، وحينما أردت الخروج خفية بعد تقديم المال إليه، التفت إليّ ولم يأخذ منّي، فتعجّبت كثيراً وتصوّرت أنّه لم يعرفني وقلت له: هذه أجرة الحمّام فلماذا لا تأخذها؟
قال: بعد أن ذهبت في المرّة السابقة أخذت أطالع الكتاب بكلّ كراهية وحذر، وإذا بي أقرأ أشياء معكوسة عمّا هو شائع عن الشيعة عندنا، فالشيعة إمّا هم المسلمون وحدهم أو هم أحد المذاهب الإسلامية؟ فحقّقت عن الأمر فتبيّن لي إنّ الشائع عندنا كان كذباً وزوراً وبهتاناً، فغيّرت رأيي في الشيعة.

تأثير كتاب (المراجعات)

كما نقل لي أحد تجّار الحجاز فقال:
قبل أربعين سنة تقريباً كنت أحضر مجلس أحد الوزراء حيث كانت أموري التجارية مرتبطة به فكنت أجلس عنده وكان يستقبل الضيوف كل أسبوع ليلة، وكان يحضر عنده علي الأغلب تجار وهّابيون، وكانوا علي علم بأنّي شيعي فينالون من الشيعة بكل كذب وتُهم وافتراء، وكنت أسكت حيث أضطر إلي ذلك، وعلي قول الشاعر:
إذا لم تجد غير الأسنّة مركباً
فما حيلة المضطر إلاّ ركوبها
ومع الأسف الشديد أنّ الوزير نفسه لم يكن يتوان عن مشاركتهم في ذلك التهجّم.
وذات ليلة وبعدما شرعوا في الكلام ضدّ الشيعة، قال الوزير: اسكتوا لا يحقّ لكم التكلّم ضدّهم إنّهم مثلنا مسلمون، فتعجّب الجميع وتعجّبت أنا أشدّ التعجّب من هذا التحوّل الذي طرأ علي الوزير، ولم يقل أحدهم شيئاً ولم أتكلّم أنا.
يقول التاجر: جلست وجلست حتّي ذهب الجميع فبقيت أنا والوزير فقط، فقلت له: رأيت اليوم منك عجباً، لماذا قلت ما قلت وأنت كنت تشارك أصدقائك في التهجّم علي الشيعة كلّ مرّة.
قال الوزير: يا أخي إنّي كنت علي ضلالة، وصدفة رأيت كتاباً اسمه «المراجعات» () وقرأته كلّه، فرأيت الشيعة علي الحقّ وحدهم، ومن بعد ذلك ليس لي أن أهاجمهم وإنّي لم أر في معاشرتي لهم طوال عمري ما يخالف الأخلاق أو الآداب الشرعية.
نعم هكذا يغيّر الكتاب الواحد نظرة وزير، أليس ذلك دليلاً علي ما نحن بصدده من ضرورة نشر الكتب بين أوساط الناس حتّي يصلح الفاسد ويرأب الصدع.
كما اهتدي الكثير من العلماء والأساتذة من أبناء العامة إلي مذهب أهل البيت عليهم السلام ببركة كتاب (المراجعات) للمرحوم شرف الدين العاملي (رضوان الله عليه) وغيره من الكتب.

معاناة من أجل الكتاب

بما أنّ الكتاب يعد وسيلة ناجحة لإحياء الفكر ونشر العقيدة وتربية المجتمعات وسوقها نحو الكمال فقد ضحّي المسلمون خاصّة الشيعة من أجل نشره وحفظه العديد من التضحيات الجسيمة التي يطول شرحها ويعجز الإنسان عن إحصائها.
ففي العهود السابقة لم يكن الورق كما هو الآن من الكثرة والجودة، وإنّما كانوا يعانون الكثير من المعاناة حتّي يعدّوه للكتابة فكانوا يعتمدون علي الجلود والورق.
فضلاً عن ذلك لم تكن الأقلام كما في عصرنا الراهن، وإنّما كان الناس يستفيدون من القصب وريش الطيور ناهيك عن ندرة الحبر وشحّته بين الناس().
وبالرغم من ذلك كلّه تجد أنّ القدماء كانوا يكثرون من الكتابة حرصاً منهم علي حفظ التراث وإيصاله للأجيال اللاحقة، بحيث إنّ العلاّمة الحلّي كتب ألف كتاب حتّي قالوا في حقّه: إنّه كان يكتب في الأسفار راكباً. وهكذا كان سائر علمائنا الأعلام كالشيخ الطوسي() والصدوق والكليني وغيرهم من أجلاّء الشيعة الذين ملئوا الآفاق بمؤلّفاتهم القيّمة التي بقيت بعدهم تهدي الكثير من الناس عبر الأزمان المختلفة.

نبذة حول المكتبات الإسلامية

لقد بلغ من شدّة اهتمام المسلمين في العصور السابقة أنّهم كانوا يمتلكون الكثير من المكتبات الضخمة التي ربما لا تملك الكثير من الدول الإسلامية اليوم مثلها.
فقد نُقل أنّ مكتبة العلامة نصير الدين الطوسي() قبل مئات السنين كانت تحتوي علي أربعمائة ألف كتاب، وكان للسيد المرتضي رحمة الله عليه ثمانين ألف مجلّد من المقروءات والمصنّفات والمحفوظات، وقيّموا كتبه فبلغت قيمتها ثلاثين ألف تومان آنذاك عدا الكثير من النفائس التي أُرسلت إلي الأُمراء والوزراء().
وذكر العلامة الآغا بزرك الطهراني: أنّ البيهقي نقل اعتذار الصاحب بن عبّاد() عن الانتقال إلي خراسان لمّا طلبه السلطان آنذاك معتذراً أنّ كتبه العلمية تحمل علي أربعمائة جمل.
وقد صدّق البيهقي هذا الاعتذار وقال: إنّ بيت الكتب الذي في الري دليل علي صدقه فإنّي طالعته بعد إحراق السلطان محمود سبكتكين فوجدت فهرس تلك الكتب عشر مجلّدات().
ونقل العلامة السيد محسن الأمين رحمة الله عليه في أحوال العالم الشيعي النحوي: ثابت بن أسلم الحلبي الذي ذكره الذهبي في وفيّات حدود 460ه فيما حكي عنه فقال: وتولّي خزانة الكتب بحلب لسيف الدولة فقال من بحلب من الإسماعيلية: إنّ هذا يفسد للدعوة وكان قد صنّف كتاباً في كشف عوارهم وابتداء دعوتهم، فحمل إلي صاحب مصر فأمر بصلبه فصلب وأحرقت خزانة الكتب التي بحلب وكان فيها عشرة آلاف مجلّد من وقف سيف الدولة بن حمدان().
بل بلغ من شدّة اعتنائهم بالمكتبات أنّه كان في كل جامع كبير مكتبة، لأنّ من عادة العلماء آنذاك أن يوقفوا كتبهم علي الجامع. فقد نقل: أنّ خزانة الكتب (بمرو) كانت تحوي علي كتب يزدجرد، لأنه حملها إليها وتركها. وكان الملوك يتفاخرون في تلك العهود بجمع الكتب بحيث إنّ ملوك الإسلام الثلاثة الكبار بمصر وقرطبة وبغداد في أواخر القرن الرابع شغفوا شديداً بالكتب؛ فكان الحكم صاحب الأندلس يرسل الرجال إلي جميع بلاد المشرق ليشتروا له الكتب فور ظهورها؛ وكان فهرس مكتبته يتكوّن من أربعة وأربعين كرّاسة، كل منها عشرون ورقة، ولم يكن فيها غير أسماء الكتب. أمّا في مصر فكانت للحاكم العزيز (المتوفّي عام 386ه = 990م) خزانة كتب ضخمة؛ وقد أراد المتأخّرون أن يقدّروا عدد ما كانت تشتمل عليه هذه الخزانة، فقال المقريزي: إنّها كانت تشتمل علي ألف وستمائة ألف كتاب.
وقد عمل علي بن يحيي المنجّم، خزانة كتب عظيمة في ضيعته، وسمّاها خزانة الحكمة؛ وكان يقصدها الناس من كل البلاد، يقيمون فيها ويتعلّمون منها صنوف العلم؛ والكتب مبذولة لهم والصيانة مشتملة عليهم، والنفقة في ذلك من مال علي بن يحيي.
وبالرغم من كل هذا الاهتمام الطائل من المسلمين في العهود السابقة بالكتاب إلاّ أنّ الأجيال الأخيرة ضيّعت هذا التراث وغفلت عن أهميته فأصبحت مكتباتنا اليوم فقيرة إذا ما قسناها إلي مكتبات الغير، فإنّ أكبر المكتبات الإسلامية في العراق وإيران حالياً لاتتجاوز كتبها المليون كتاب علي أكثر تقدير بينما تجد في مكتبة الكونجرس في أمريكا ما يقارب 120 مليون كتاب.
من هنا كان اللازم علينا أن نعود إلي بناء المكتبات وتزويدها بالكتب المفيدة وندعو الناس إلي المطالعة والاستفادة منها ليرتفع مستوي الوعي في أوساطهم.

إتلاف المكتبات

بين الفترة والأُخري كان التراث الإسلامي في مكتبات المسلمين الضخمة يتعرّض لحملات المغرضين والمناوئين الذين كانوا يترصّدون المسلمين ويطاردونهم في شتّي أنحاء العالم.
فقد تعرّض المسلمون وخاصّة الشيعة علي مرّ التاريخ للكثير من الاضطهادات والمضايقات الشديدة التي جعلتهم يفرّون إلي أقصي أطراف العالم حتّي أنّك اليوم لا تكاد تجد بقعة في العالم تخلو منهم.
وعلي أثر هذه الاضطهادات بحقّ المسلمين الموالين كان الكثير من تراثهم يتلف ويباد والشواهد علي ذلك كثيرة منها:
عندما احتلّ هولاكو() بغداد سنة 656ه، أمر بإلقاء الكتب في نهر دجلة، وكانت في إحدي المكتبات مليون مخطوط.
وعندما احتلّ الغرب بلاد الشام سنة 502ه في الحروب الصليبية أحرقوا المكتبات الموجودة بما فيها المكتبة الموجودة في طرابلس، والتي كانت تضمّ ثلاثة ملايين كتاب()، وكان من بين هذه الكتب عدداً لا بأس به من نسخ القرآن الكريم، علماً إنّ قيمة أمثال هذه المكتبات يتبيّن إذا قايسناها بالمكتبات في هذا العصر مع لحاظ الفرق بين العصرين من وجود الورق والدواة وسرعة الطباعة والنشر وانخفاض التكاليف.
وعند ما انتزع الغرب بلاد الأندلس من أيدي المسلمين في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي أحرق جميع المكتبات التي كانت هناك. ما عمله بعض حكّام المسلمين استنصاراً لمذهب دون مذهب آخر، كما فعل ذلك خلفاء بني أُميّة وبني العبّاس وبني عثمان بكتب الشيعة، حتّي إنّ بعضهم كان يلقي برماد الكتب المحروقة في البحر أو النهر أو ينثرها في الهواء تشفّياً منها.
وقد ذكر البعض أنّ ما أحرقه الأسبان من كتب قرطبة بلغ مليوناً وخمسين ألف مجلّد، ناهيك عمّا أتلفوه ممّا عثروا عليه في أقاليم الأندلس().
ونقل أنّ أسقف طليطلة أحرق من الكتب الإسلامية ما يزيد علي ثمانين ألف كتاب، وأنّ الإفرنج لمّا انتصروا علي غرناطة أحرقوا من الكتب النفيسة ما يتجاوز المليون كتاباً().
وأشار بعض المؤرخين المصريين: أنّ المتبقّي من الكتب التي ألّفها المسلمون ليس إلاّ نقطة من بحر ممّا أحرقه الصليبيون، والتتر، والأسبان().
وعند ما أسقط صلاح الدين الأيّوبي الدولة الفاطمية أحرق جميع المكتبات التي كانت في البلاد، فأضرم في بعضها النار وألقي بعضها الآخر في نهر النيل وترك بعضها في صحراء سيناء، فسفت عليها الرياح حتّي صارت تلالاً عرفت بتلال الكتب، كما إنّ حمّامات القاهرة بقيت ستة أشهر تحرق كتب الشيعة لتسخين المياه في مراجلها. ومن تلك المكتبات التي أحرقها، خزانة الكتب التي أنشأها الحاكم الفاطمي «العزيز بالله» سنة 365ه، وكانت تحتوي علي مليون وستمائة ألف كتاب في الفقه والنحو والحديث والتاريخ والطب والكيمياء وغيرها، يقول جورج زيدان في كتابه (تاريخ التمدّن الإسلامي) المجلّد الثاني ص229: كانت تحتوي علي ثمانية عشر ألف كتاب في العلوم القديمة وستّة آلاف وخمسمائة جزء من كتب النجوم والهندسة والفلسفة، وكان فيها «340» ختمة قرآن بخطوط منسّقة مزيّنة بالذهب ومجلّدة بشكل نفيس، وكان فيها «1200» نسخة من تأريخ الطبري.
وكذلك أحرق صلاح الدين دار الحكمة التي أنشأها الحاكم الفاطمي «أمر الله» سنة 395ه، وكانت تضمّ أكثر من مائة ألف كتاب.
يقول صاحب كتاب (تاريخ الكتاب) في القسم الأول ص143) () ما نصّه: وقد سجّلت نهاية العصر الفاطمي بداية انهيار المكتبات الكبري في القاهرة، فقد أدّي النهب والحرائق واللامبالاة إلي القضاء علي قسم كبير من ثروة المكتبات التي كان الخلفاء الفاطميّون وهم من محبّي الكتب قد أنفقوا عليها الكثير من اهتمامهم وثروتهم.

تراث أهل البيت عليهم السلام

علي الرغم أنّ الكثير من التراث الشيعي قد اُتلف علي يد الطغاة والمعاندين الذين أبادوا المكتبات وأحرقوها إلاّ أنّ هناك قسطاً كبيراً منه ما زال في طيّات المخطوطات البعيدة عن أيادي الكثير من الشيعة. فقد سألت العلاّمة السيّد محسن الأمين رحمة الله عليه صاحب كتاب أعيان الشيعة: كم من كتبنا غير مطبوعة؟
فقال: المطبوعة منها عشرة في المائة.
وقال لي أحد العلماء الأعلام معلّقاً علي كلام الأمين: إنّه رحمة الله عليه ذكر ما وجده في المكتبات وإلاّ فإنّه لم يطبع منها (99) في المائة حيث لاحظت مكتبات الشيعة في إيران واليمن والعراق والهند وغيرها.
ويؤيّد ذلك إنّنا إذا ما طالعنا كتب الرجال لوجدنا أنّ أغلب المؤلّفين الكبار كالعلاّمة الحلّي وأمثاله لم يطبع من كتبهم إلاّ القليل.
وذكر البعض أنّ تأليفات العلاّمة المجلسي رحمة الله عليه، قسّمت علي أيّام حياته فكان لكل يوم ألف بيت كل بيت خمسين حرفاً وهذا تأييد من الله عزّوجلّ، لأنّ كتابة ألف بيت كل يوم صعب جداً وهو ممّا لا يمكن صدوره من أكثر الناس إضافة إلي زمان ولادته وطفولته ومرضه وسفره وتدريسه وغير ذلك من الأعذار().
وقيل إنه جري الحديث في أحد الأيام عن العلاّمة الحلّي رحمة الله عليه وأنّ حاصل تأليفاته وتصنيفاته لكل يوم من عمره كلّه ألف بيت، فقال العلامة المجلسي رحمة الله عليه: ونحن أيضاً تأليفاتنا ليست بأقل منه.
فقال له بعض طلاّبه: كلامكم صحيح إلاّ أنّ تأليفات العلاّمة تصنيف وفكر وتحقيق، أمّا تأليفاتكم فتجميع ويقلّ فيها التصنيف.
فقال العلاّمة المجلسي رحمة الله عليه: نعم إنّ العلاّمة اشتغل كثيراً في التصنيف بينما اشتغلت أنا في التأليف().
وقد نقل لي السيّد علي الشبّر (رحمه الله تعالي) أنه ذات مرّة ذهب إلي الكاظمية واستأجر غرفة في فندق، وفي الليل لم يتمكّن من المنام لأنّ الرياح كانت تخفق بشدّة وتضرب بالأوراق، وحيث كان الصوت يأتي من ناحية المرحاض، قال: قمت ونظرت وإذا بكتاب لجدّي واقع في المرحاض، والهواء الذي يخرج منه في طريقه إلي السطح هو الذي يحدث ذلك الضوضاء، قال السيّد علي: فأخذت الكتاب ولمّا نظرت إليه رأيته كتاباً من كتب جدّي مخطوطاً فأخذته وحفظته.
بالطبع إنّ المخطوطات الشيعية ليست فقط لعلمائنا الأعلام في العصور السابقة، بل حتّي في عصرنا الراهن هناك الكثير من المخطوطات لبعض العلماء غير مطبوعة ولم يطّلع عليها أحد أصلاً ومنها ما كتبه أحد العلماء حول الإمام المهدي عليه السلام وقد بلغ مائة جلد لم يطبع منها جلداً واحداً.

إنهم يحاربون الكتاب

لقد تآزرت الحكومات الظالمة عبر العصور المختلفة واتّفقت علي محاربة الكتب التوعوية التي ترشد الشعوب وتوقظهم من غفلتهم.
ولذا فقد حورب الكتاب بشدّة وطورد الكتّاب والمؤلّفين في كل مكان حتّي أصبحوا مشرّدين عن أوطانهم.
وقد شاهدت شخصيّاً كيف أنّ الحكومات المختلفة في بلادنا تحارب الكتب وتحول دون رواجها بين الناس ولو ذكرت القصص الدالّة علي ذلك لاحتاج إلي كتاب مستقل إلاّ أنّني أقتصر علي بعضها:

الرقابة الجائرة

لمّا نجح الانقلاب العسكري الذي قام به عبد الكريم قاسم()
وبأمر من أسياده في العراق، أصبحتُ في قائمة الذين منعت الحكومة طبع كتبهم، إلاّ مع رقابة شديدة، فإنّ الرقابة في زمان عبد الكريم قاسم كانت متشدّدة بحيث لا تجيز حتي طبع مثل تفسير: (تقريب القرآن إلي الأذهان)().
وقد كان لي ممّا كتبته أربعة عشر كتاباً في علوم مختلفة وكنت قد جمعتها تهيئة لطبعها في العراق في مجلّد واحد، وكانت هي من قبيل: شرح دعاء السمات، وشرح كتاب نصاب الصبيان، وكتاب في علم الهيئة والنجوم، وكتاب في علم الهندسة، وكتاب في علم الحساب، وما أشبه ذلك، فصادرته الحكومة في العراق ولم نظفر بعد ذلك عليها حيث كانت النسخة منحصرة في تلك التي قدّمتها للطبع.
وفي حكومة الملكيين في العراق التي كانت برئاسة نوري السعيد()، فإنّي أذكر جيّداً أنّ الأخ الشهيد (تغمّده الله برحمته)() كان يصدّر آنذاك مجلّة باسم: (الأخلاق والآداب) وكان مفادها كاسمها متعرّضاً للأخلاق والآداب فحسب، لكن كلمة واحدة منها فقط وقعت مورداً لإشكال حكومة نوري السعيد حيث ادّعت أنّها استفزازية، مع أنّها لم تكن كلمة سياسية، وإنّما كان ادّعاء الحكومة ذلك ذريعة إلي إغلاق تلك المجلة الأخلاقية والتوعوية، والحكم بسجن مصدّريها والعاملين فيها، وكانوا ما يقارب من عشرة أشخاص، فحكمت علي كل واحد منهم بالسجن ثلاثة أشهر، لكن نوري السعيد نفسه الذي أصدرت حكومته هذا القرار وحكمت علي مصدّري مجلّة الأخلاق والآداب بالسجن، وحاربت بذلك الثقافة والوعي، شملته تعاسة عدم وعي الناس، وعمته بليّة اللاّوعي الراسخ في الشعب، حيث أنّه أُطيح به وبحكومته في انقلاب عسكري مسلّح أودت بحياته وحياة حكومته، وأغلقت ملفّ النظام الملكي في العراق، وذلك علي ما هو معروف من تاريخ الملكيين.
وهذا كان من نتائج محاربة الوعي والثقافة، حيث تمكّن الأسياد بواسطة عدم وعي الناس من تنفيذ انقلاب عسكري، من دون اعتراض أحد من الناس، بينما لم يستطع الأسياد من تنفيذ انقلاب عسكري في بعض البلاد وذلك لوعي الشعوب فيها.
ولا يخفي أنه كانت لنا في العراق خمسة عشر مجلّة، مثل: مجلّة الأخلاق والآداب، ومجلّة صوت المبلّغين، ومجلّة أجوبة المسائل الدينية، وغير ذلك من المجلاّت الأخلاقية والاجتماعية.. وقد ذكرت أساميها كلّها في بعض الكتب التي كتبتها في هذا المجال()، فعمدت الحكومة العراقية وبأمر من أسيادها الناقمين علي الإسلام والمسلمين إلي إغلاق كل هذه المجلاّت الخمسة عشر، ومنعها من الصدور.
والملفت للانتباه أنّ الحكومة بسبب الرقابة طبعت كل كتاب ضدّ العقيدة والأخلاق، في حين أنّها منعت كل كتاب يخدم المجتمع ويدعو إلي التقدّم والازدهار.
ولا غرابة في ذلك إذ أنّ الهدف من الرقابة واضح جدّاً، فهي تريد محو الإسلام، وقد نَظَمتُ هذا البيت في حقّ الرقابة:
في بلادي في بلادي تخنق الدين الرقابة
حيثما يُمرح الإلحاد ولا يخشي ارتقابه()
وأتذكّر عندما كنت في العراق كيف عاقبت الرقابة الموزّعين لمنشور من صحيفة ضدّ إسرائيل، بينما كانت تجيز كل يوم المناشير التي تعلن عن محلاّت الخمور والمباغي السرّية والعلنية والملاهي والمراقص.
وذات مرّة قال لي أحد التجّار وكان من أصدقائنا: بأنه يسعي لتأسيس مصنع لتجميع السيارات وكان يحاول الحصول علي إجازة ذلك من الحكومة، لكنّي قلت له: لا تحاول ذلك، فإنّ حكوماتنا غير مستعدّة لإجازة أمثال هذه الأُمور، لكن الرجل كبقيّة الناس لحسن ظنّه حاول وحاول ذلك لمدّة طويلة من الزمان للحصول علي الإجازة، ثمّ بعد ثلاث سنوات قالت له الحكومة مهدّدة: الأفضل لك أن تترك هذا الأمر، ممّا اضطرّ إلي تركه!.
وقد جدّد حزب البعث سنّة الأوّلين فأخذ جملة من كتبي المخطوطة لعلّها تصل إلي خمسين وجعلها قطعة قطعة، كما ألقي بجملة من كتبي المطبوعة في الشارع أو ما أشبه ذلك.
والبهلوي الأوّل صنع بالكتب الدينية مثل ذلك الصنيع، ناهيك عمّا فعلته إحدي الدول التي أنا فيها بكتبي حيث صادرت نفس تفسير (تقريب القرآن إلي الأذهان) الذي حاربه الملكيون، وكان يبلغ عدد دوراته أكثر من ألف دورة. كما وقد أحرقت الحكومة نفسها كتاباً آخر لي باسم: (هكذا كانت حكومة رسول الله صلي الله عليه و اله وأمير المؤمنين عليه السلام) فقد طبع منها بعد إجازة الرقابة المفروضة فيها علي الكتاب عشرة آلاف نسخة، لكن لمّا عرفت الحكومة بعد إجازة رقابتها بالطبع، بأنّ هذا الكتاب يضرّ بما يزعموه ويدعوه من سياستهم الإسلامية حيث كان الكتاب يوجب وعي المسلمين بالحكم الإسلامي الصحيح الذي طبّقه رسول الله صلي الله عليه و اله والإمام أمير المؤمنين عليه السلام أمروا بمصادرتها وحرقها جميعاً، ومن حسن الحظّ أنّه كانت باقية عندي النسخة المخطوطة الأصلية، وإلاّ لذهب الكتاب نهباً وحرقاً (). كما صادرت نفس الحكومة منّا كتباً متعدّدة، وقد كان من بينها (كلمة أمير المؤمنين عليه السلام) للأخ الشهيد()، إلي غير ذلك ممّا يطول ذكره().
ولا يخفي أنّ هناك فرقاً عظيماً بين الرسول صلي الله عليه و اله الذي قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ عن ثلاث: ولد صالح يدعو له وعلم ينتفع به وصدقة جارية» ().
وبين ما يعمله العديد من حكّام المسلمين من إحراق الكتب العلمية وإفنائها وتعذيب المؤلّفين وقتلهم.
فقد نقل أنّ السلطان الغاشم أمر بضرب (القاضي نور الله) لبعض تأليفاته بالسياط الشائكة رغم علمه الغزير وتقدّمه في السن ومقامه الرفيع بين أهل العلم والمؤمنين، ثمّ وضع في كيس وضرب بالسياط الشائكة مرّة ثانية، ثمّ أُحرق وذرّ رماده في الهواء.
كما قتل السلطان العثماني الشهيد الأول العظيم علماً وديناً والشهيد الثاني الذي كان تلو الشهيد الأول في العظمة والرفعة.
نعم لقد صدق فيهم قول ربّنا تعالي حيث قال: ?أتواصوا به بل هم قوم طاغون?().
وكما أنّ المؤمنين عادة ما يكونوا علي شاكلة واحدة، كذلك الظلمة والمفسدون وإن اختلفت المصاديق.

لا للرقابة

وعلي أيّ حال، فالأصل في الأشياء الإباحة إلاّ إذا ظهر انحرافها، لا العكس، كما أنّ الأصل هو حرية الإنسان في سيره ما لم يظهر أنه يخالف، وكذا بالنسبة إلي الكتب والمجلاّت وما أشبه فهي لا تحتاج إلي إجازة أو رقابة إلاّ إذا كانت مفسدة، هذا بالنظر الشرعي.
أمّا حسب القانون الغربي والعرف السائد عندهم فالكتاب والمجلّة والجريدة هي من ضروريات الحياة التي لا يمكن لأيّة قوّة من منعها.
فاللازم إلغاء الرقابة من بلادنا، كما يلزم أن تتسلّح الأُمّة بالوعي الكامل حتّي تستطيع أن تواجه الانحراف.
ثم إن من الوسائل التي استخدمتها الحكومات الديكتاتورية للتخلّص من الكلمة المكتوبة وإبقاء الشعوب علي جهلها وتخلّفها هو وضع الرقابة علي وسائل الثقافة والإعلام، وعلي الخصوص الكتاب، الذي يعتبر سلاح الشعوب في مواجهة الاستبداد، وسجّل الكفاح المرير في سبيل نشر وتوزيع الكتاب أنبل صفحات التاريخ الثقافية والإنسانية. وقد خسر الكثير من المؤلّفين والناشرين وأصحاب المكتبات والقرّاء في هذه الحرب ممتلكاتهم ومراكزهم الاجتماعية وحتّي رؤوسهم، بينما انتهت الكثير من الكتب إلي منصّات الإحراق والبحيرات والأنهار.
والرقابة علي نوعين:
1: الوقائية، وهي ممارسة الرقابة علي الكتب قبل أن تُرسل للطبع، قيل: أوّل من طبّقها الأساقفة سنة 1485م في مدينة مانيس عندما أصدر رئيس الأساقفة (برتولوفون هنبرغ) مرسوماً بهذا الصدد. وهذا النوع من الرقابة تطورت وأصبح أكثر فعّالية بعد أن أضيف إليه نظام كامل من التهديدات والإجراءات التعسّفية، وشكّلت لجان كثيرة في وزارات الإعلام وظيفتها قراءة الكتب قبل إرسالها للطبع، وكان لهذه اللجان الدور البارز في تحجيم حركة الفكر والمعرفة. ومن تجلّيات هذا القسم هو صدور قوائم بالكتب الممنوعة، ومنع إدخال الكتب إلي البلاد، يقال: إنّ أوّل من استخدم هذا الأسلوب هو الملك البريطاني هنريك الثامن في القرن الخامس عشر الميلادي وتجاهل أسماء بعض الكتّاب والكتب في قواميس الأعلام والمؤلّفات المرجعيّة.
2: العلاجية: وهي ممارسة الرقابة علي الكتب بعد طبعها، ومن تجلّيات هذا القسم حرق الكتب وإلقائها في مياه الأنهار.
إنّ الرقابة بكلا قسميها قد انتشرت في بلاد الإسلام وخلقت جوّاً للمؤلّف حتّي ينقطع عن التأليف، كما حذّرت المطابع بالإغلاق والمصادرة، وحذّرت المواطن من اقتناء هذه الكتب أو قراءتها أو حتّي إعارتها.
ولو أراد العالم الإسلامي أن ينهض ويصل إلي مصاف الدول المتقدّمة أو يتقدم عليها لأن الإسلام يعلو ولا يعلي عليه، فعليه أن يلغي الرقابة، كما ألغي العالم الغربي ذلك في بدايات القرن الثامن عشر الميلادي، فالسويد مثلاً تخلّصت من الرقابة سنة 1766م، والدانمارك سنة 1770م، وهكذا.
وأفضل وسيلة للحدّ من سيطرة الرقابة، هو إيجاد ظروف مناسبة لإزالة الرقابة، ويتمّ ذلك بكتابة الكراريس والكتب حول حرية الطباعة وحرية الكلمة وأهمية الديمقراطية والتعدّدية الحزبية والتنافس الحر، علي أن يكون أسلوب هذه الكتب مهذّباً وسلساً.
وكذلك يتمّ بكتابة مواضيع عن التسامح بين الناس الذين ينتمون إلي أحزاب أو جهات مختلفة ويحملون أفكار متباينة، إلي غير ذلك من الطرق السلمية البعيدة عن العنف.

لماذا تقدّم الآخرون؟

هناك أسباب كثيرة وراء تقدّم الآخرين وبقاء المسلمين علي ما نراه اليوم من التخلّف الثقافي وقلّة الوعي، كان منها اهتمامهم بالكتب وشدّة اعتنائهم بتوعية شعوبهم عبر مفردات التوعية من الكتب وغيرها وترويج كل ما يبعث الوعي في بلادهم.
ففي أحد الأيّام التقيت بصديق من التجّار الذي كان يمتهن المتاجرة مع اليابان، ويذهب بين فترة وأُخري إليها، وأحياناً كان عمله يتطلّب أن يبقي فيها ثلاثة أشهر، فسألته ذات مرّة عن سبب تقدّم اليابان هذا التقدّم الهائل، مع أنّ اليابان كانت وإلي قبل نصف قرن تقريباً أي بعد الحرب العالمية الثانية، علي أثر دمار الحرب وغيرها من البلاد المتأخّرة وكانت البضائع اليابانية في العراق تعدّ من البضائع غير الجيّدة وخاصّة بالقياس إلي البضائع الغربية المتقدّمة، بحيث كان الناس لا يقبلون عليها ما دام كان يوجد في السوق مشابهاً لها من البضائع الغربية المتطورة.
فأجابني قائلاً: إنّ لتقدّم اليابان أسباباً كثيرة والتي شاهدته منها هو: اهتمامهم الكبير شعباً وحكومة بثقافة الكتاب والمطالعة، حتّي أنّك إذا دخلت اليابان تجد في المطار مكتبة، وفي الحديقة العامّة مكتبة، وفي عيادات الأطباء مكتبة، وفي مكاتب المهندسين مكتبة، وفي السيارات مكتبة، وفي الباصات مكتبة، وفي القطارات والباخرات والطائرات مكتبة، وهكذا.. وإذا دخلت البيت الياباني وجدت في الصالون مكتبة، وفي غرفة الاستقبال مكتبة، وفي غرفة الطعام مكتبة، وفي غرفة المنام مكتبة، وفي غرفة الاجتماع مكتبة، وحتي في بيت الخلاء والمرافق الصحية أيضاً مكتبة صغيرة بحيث إذا أراد الإنسان أن يجلس لقضاء الحاجة بمقدار دقيقة أو دقيقتين، طالع بذلك المقدار من الوقت واغتنم تلك الفرصة.
كما إنّك إذا ركبت الطائرة أو الباخرة، أو السيارة أو القطار، وجدت كل إنسان جالس في هذه الوسائل المعدّة للنقل والمواصلات مشغولاً بالمطالعة، يعني: أنه قد اغتنم فرصة الركوب لمطالعة كتاب أو مجلّة أو جريدة أو ما أشبه ذلك.
كان ذلك الصديق التاجر يقصّ عليّ مشاهداته عن اليابان وثقافة اليبانيين ومكتباتهم التي تفوق عدد نفوسهم، فمرّ علي خاطري مأساتنا في العراق، حيث أسّسنا في كربلاء المقدّسة ما يقرب أربعين مكتبة بدائية للمطالعة في المساجد والمدارس وما أشبه ذلك، فأغلقت الحكومة كل تلك المكتبات، وكذلك أغلقت الحكومة العراقية ما أسّسناه من مكتبة عامّة تفتح أبوابها علي الجميع، وكنّا قد سمّيناها باسم: (مكتبة القرآن الحكيم العامّة)، لتزويد مكتبات العراق ومختلف بلاد العربية والإسلامية بالكتب والمطبوعات والمعلومات الدينية والثقافة العامّة، فعمدت الحكومة العراقية إلي إغلاق هذه المكتبة: مكتبة الأُم العامّة وكل تلك المكتبات التي كانت تتجاوز السبعين مكتبة، في كربلاء المقدّسة وفي مختلف المدن العراقية، وإضافة إلي إغلاقها صادرت الحكومة كل كتبها وجميع ما فيها!.
علي كل فقد اعتني غيرنا بالكتاب وتماهلنا نحن عنه ولذا تقدّموا عنّا، فقد قرأت أنّ الغربيين لمّا أرادوا التخلّص من الدوقات والكنيسة المنحرفة ألّفوا عشرين ألف عنوان كتاب بمختلف اللغات، ممّا سبّب لهم التخلص منها والتقدم العلمي، ولم أعرف كم طبعوا منها.
وقد قرأت أنّهم ترجموا الإنجيل إلي ألف لغة ونشروها في جميع أنحاء العالم!
وأنه تصرف في إحدي الدول الغربية في العام الواحد 200 مليار دولار للإعلام بمختلف أنواعه().
وقد طبعت بريطانيا مباشرة وتسبيباً لتأييد (أتاتورك) عشرة آلاف كتاب في تركيا وفي بعض البلاد العربية والأوربية وغيرها، كما طبع أهل الغرب وما إليه مائة ألف كتاب حول الديمقراطية للتخلّص من ديكتاتورية الحكام، وقد أثّرت الفئتان من الكتب كل أثر أراده المؤلّفون لها.
خلاصة القول إنّ للكتاب أثراً هائلاً في توجيه القارئ حقّاً كان أو باطلاً، صحيحاً أو فاسداً، إلاّ إذا كان القارئ قد تركّز علي ما لا يزيله عن نظره، ولذا كان الفقهاء ينصحون من يريد قراءة الفلسفة: أن يقرأها عند عالم بصير له خبرة قوية في الكتاب والسنّة حتّي لا يسبّب بعض مطالبها انحراف ذهنه عن الحقّ.

بين المسلمين والغربيين

إن المسلمين بحكامهم حاربوا الكتاب، ولكن الغربيين لم يحاربوا الكتب فقط بل أتاحوا الحريات وشوّقوا إلي نشر الكتب والصحف والمجلاّت وما شابه ذلك.
ففي أحد الأيام حرّضت نفرين من أصدقائنا علي أن يستقرّا في باريس ويعملا معاً لإخراج مجلّة هناك للمسلمين الذين يتواجدون في فرنسا ويبلغ عددهم خمسة ملايين نسمة تقريباً، وذلك حسب الإحصاء الرسمي، فذهبا إلي وكيل وزير الثقافة والإعلام هناك وقالا له إنّهما يريدان إجازة إصدار مجلة إسلامية مواصفاتها كذا وكذا..
فضحك وكيل الوزير قائلاً لهما: هل أنتما مسلمان شرقيان؟
قالا: نعم.
قال: إصدار المجلّة في بلادنا في حكم دخول السوق وشراء كيلو من التفاح أو الليمون، حيث إنه يحق لكل إنسان ذلك، والشرط الوحيد لتعامل كل إنسان مع الآخرين هو: أن لا يتعدّي الشخص علي حقوق الناس فلا يضربهم بالسكين مثلاً، ولا يتورط بالتفجيرات وحياكة المؤامرات، وما أشبه ذلك، وكل ما لم يكن من هذا القبيل فهو لا يحتاج إلي إجازة.

كتاب (ماذا في كتب النصاري)

وقد كتبت كتاباً باسم: (ماذا في كتب النصاري؟)() وقد ترجم إلي عدّة لغات، وترجمه أحد الأصدقاء إلي اللغة السواحلية، وجاءني أحد تجّار أفريقيا ذات مرّة قائلاً إنّي وزّعت هذه الترجمة إلي خمسمائة عائلة مسيحية أو أكثر وعندما اطّلعوا علي ما في كتبهم أسلم مئات العوائل منهم.
يقول التاجر، وبعد ذلك طلبني وزير المعارف هناك وقال: إنّ بلدنا ديمقراطي ولكل إنسان أن يوزّع ما يشاء من الكتب، لكنّي أرجوك أن لا توزّع هذا الكتاب بعدُ وذلك لأنّ المسلمين والمسيحيين يعيشون في هذا البلد بسلام ونشر هذا الكتاب إثارة للمسيحيين، وأخاف أن يحدث ما يكدّر صفو التعايش بسلام بينهما.
ولعلّ من المفارقات الملحوظة بين المسلمين وغيرهم هو أنّنا غالباً لا نشجّع علي الكتاب، وأنا منذ نصف قرن أؤكد علي دور الكتاب وضرورته ولكن التجاوب كان دون المستوي المطلوب بكثير.
مع أن النبي صلي الله عليه و اله وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام وكذلك القرآن الكريم يشجّع دائماً علي العلم والوعي والثقافة والقراءة والكتابة.
وقد تكلّمت مع أحد الأخيار من أصدقائي وهو من التجار المؤمنين ويظهر أنّه من مقلّدي حول ضرورة نشر الكتاب ودوره ساعة من الزمن، وتكلّم معه آخران أيضاً حول الموضوع نفسه، كلنه لم يؤثّر فيه حتّي لطبع كتاب واحد، بينما تكلّمت معه ذات مرّة ثانية كلاماً عابراً لم يستغرق عشر دقائق في تأسيس مسجد كان يكلّف آنذاك قبل خمسة عشر عاماً مليونين، فأظهر فوراً الاستعداد لذلك وأعطي المال بسرعة.

دول الغرب لا تستطيع منع الكتاب

وقد بلغت علاقة غير المسلمين بالكتاب من المتانة بحيث إنّ أعظم السلطات في تلك البلاد لا تستطيع أن تحول دون انتشار الكتاب.
فقد حاولت بريطانيا أن تمنع كتاباً يضرّ نشره بالسياسة البريطانية وقواعدها الاستعمارية، فعقد مجلس الوزراء للبحث في ذلك، والتصويت علي منع الكتاب، لكنّه لم يفلح في ذلك، ولم يصل إلي نتيجة، وخرج الكتاب إلي الأسواق رغم محاولة رئيسة الحكومة البريطانية من منعه.
كما أنّ حكومة إسرائيل لم تتمكّن أن تمنع كتاب: (المحدال) مع أنّها دعت الكنيست ومجلس الوزراء وغير ذلك لمنع هذا الكتاب الواحد الذي كتب لأجل الإطاحة بإسرائيل وإراءة أفضل الطرق لمحوها من الوجود، فباءت الحكومة بالفشل، ولم توفّق لمنع الكتاب، لأنّ قانون مطبوعاتهم لم يسمح لها بذلك، ورأت أنّ الطريق الوحيد هو إرضاء المؤلّف والقائمين بالطبع والنشر وإغرائهم بالمال وإقناعهم بسحب الكتاب من السوق، لكن المعنيين بأمر الكتاب لم يرضوا بالسحب ونشروا الكتاب وبيع علناً في إسرائيل. ثمّ إنّ بعض المترجمين الفلسطينيين ترجم هذا الكتاب إلي اللغة العربية وانتشرت الترجمة في البلاد الإسلامية والعربية ممّا يتسنّي لكل إنسان اقتناؤه، وقد حصلت أنا علي نسخة منها وقرأتها.
نعم إذا احتاج الغرب في التخلّص من نير القرون الوسطي إلي (عشرين ألف عنوان كتاب) احتجنا نحن الآن إلي (مأتي ألف) عنوان مع أنّ النسبة بين احتياجات ذلك الزمان وزماننا أبعد وأبعد.

الكتاب دعامة التقدّم

إحدي الأسباب الرئيسة لتقدّم غير المسلمين كما نراه اليوم هو اهتمامهم بالكتاب وتشويقهم المستمر لنشر الفكر التوعوي لأجيالهم من خلال طبع الكتب وما شابهها من المطبوعات، وقد رأيت في تقرير إنّ الكتاب المقدّس عند المسيحيين قد ترجم إلي ألف لغة، ولكن القرآن الحكيم قد ترجم إلي بضع وأربعمائة لغة فقط.
وقرأت في مجلّة «العربي» () الكويتية: أنّ ترجمة حياة «محمّد إقبال اللاهوري» () قد كتبت في خمسة آلاف كتاب وكراس بمختلف اللغات.
وفي بعض المجلات المغربية(): أنّ الحكومة الهندية جمعت آثار «غاندي» () في ثلاثمائة مجلّد.
وقد ألّفت امرأة غربية (114) كتاباً، طبع كتاب واحد منها ب (103) لغة، وطبع من كتبها مئات الملايين، وقد رأيت نسخة منها باللغة العربية.
وبالمقابل فقد حرم المسلمون من الكتاب وفرضت الرقابات الشديدة علي المؤلّفات في البلاد الإسلامية حتّي أصبح امتلاك البعض من الكتب يضاهي الكبائر العظيمة. وقد رأيت عندما كنت في العراق منذ قيام الجمهورية في انقلاب عبد الكريم قاسم إلي هذا اليوم، حيث يمرّ أكثر من أربعين سنة، كيف أنّ شبح الرقابة بقي جاثماً علي الصدور.

ثروات المسلمين.. إلي أين؟

ممّا يؤسف له حقّاً أنّ ثروات المسلمين وخيراتهم الطائلة بدل أن تصرف في خدمة العقيدة ونشر الكتب القيّمة التي تبين للعالم فكر أهل البيت عليهم السلام ومعارفهم، صرفت في الأمور التي لا تنفع المسلمين إن لم تصرف في الأمور الضارّة.
ففي بعض الإحصاءات: أنّ عدد الأُمّية في العالم العربي عام 1996م بلغ 105 ملايين، ومن المتوقّع أنّ عددهم سيصبح في عام 2010 ما يقارب 115 إلي 120 مليون أُمّي().
ونقل أنّ 47 % من السكّان العرب البالغين كانوا يجهلون القراءة والكتابة وذلك في منتصف التسعينات، وفي بعض التقارير أنّ نسبة الذين يعرفون القراءة والكتابة في العالم العربي هي: 7 / 54 وهي أقلّ نسبة في العالم().
كما أنّ أكثر من نصف سكّان الهند وباكستان وبنجلاديش وأفريقيا من الأُمّيين.
وقد قرأت تقريراً حول نسبة التعليم والدخل المعيشي للكثير من الدول وكان يشير بأنّ النسبة غير متكافئة جداً، فبدل أن ترتفع نسبة المثقّفين المتعلّمين في البلاد نجد أنّ الكثير منها تعاني مشكلة الأُمّية والتراجع الثقافي الملموس.
بالطبع ليس هذا بغريب، إذ أنّ الحكومات تسخّر خيرات المسلمين لصالح الحكّام وشراء أسلحة الدمار التي يتكالبون علي شرائها من الغرب().
ففي بعض التقريرات وجدت أنّ لصدام أربعين قصراً وقد بلغت تكاليف إحدي قصوره ما يقارب الأربع مليارات بينما يبقي الشعب العراقي المظلوم يعاني من الفقر والأُمّية.
ومن الواضح أنّ بقاء الجهل بين الشعوب الإسلامية وانتشار الأُمّية بين صفوفهم هو في صالح الحكومات المستبدة، فإنّ بقاء الناس بجهلهم خير من أن يعوا الحقائق ويطالبوا الحكّام بالعدالة وتطبيق القوانين الإسلامية.
بل إنّني شاهدت كيف أنّ الحكومات تحارب الواعين من الناس وذلك في قصص عديدة منها:

الساعة المثالية

إنّ شاباً من شباب العراق استطاع أن يصنع ساعة دقيقة ومضبوطة تعمل بلا نابض ولا جهاز نابضي، فلمّا عرفت به الحكومة العراقية آنذاك، استدعته بحجّة أنّها تريد مكافأته عليها، فلمّا ذهب بالساعة إلي بغداد، أخذت الحكومة الساعة وعاقبت الصانع، ثم لم نسمع بعد ذلك عن الصانع الشاب شيئاً، وبالطبع إنّه مات بحادث اصطدام مصطنع أو ما أشبه، مما دبّرته الحكومة للقضاء عليه وعلي صنعته.

محرّك بلا وقود

كما إنّي أتذكّر أيضاً أستاذنا في العراق السيّد الكاشاني رحمة الله عليه () فإنّه صنع جهازاً محرّكاً يعمل بدون وقود، فعرضه علي الحكومة العراقية وطلب منها المعونة في تطويره وتكميله، فلم تعبأ به.
فاضطرّ إلي أن يكاشف به بعض البلاد الغربية ويطلب مساعدتها، لكن الحكومة العراقية منعت من مساعدته وضيّقت عليه حتّي توفّي (رحمه الله تعالي) وذلك قبل أربعين سنة تقريباً، فمات ومات علمه معه ودفن مع صاحبه تحت التراب.

طب الأعشاب والعقاقير

وأتذكّر أيضاً كيف أنّ الحكومة العراقية كانت تحارب الطب القديم في العراق الذي كان قد اعتاده الناس ودأبت عليه المجتمعات في ذلك الزمان والذي كان يعالج المرضي ببساطة وسهولة، ويعرض عليهم خدماته بلا تكلفة ولا مماطلة، فكانت تسجن الأطباء وتلقي بعقاقيرهم الطبّية في الشارع.
كما كانت الحكومة تقضي علي (العلق) الدويبة التي تمتصّ الدم الزائد من الإنسان، بإدّعاء أنّها خرافة، بينما قرأت في بعض التقريرات الحديثة أنّ أمريكا تشتري لمستشفياتها (العلق) من فرنسا وذلك بمبلغ عشرة دولارات لكل (علقة) وفرنسا تشتري هي بنفسها (العلقة) من روسيا كل علقة بدولارين.
وكذلك كان الأمر في إيران، فقد كانت الحكومات الإيرانية هي الأخري أيضاً تمنع الطب القديم، مع أنّ إيران مهد صالح للأعشاب الطبّية حتّي ذكر خبراء طب الأعشاب في كتبهم الطبّية: أنّ أرض إيران ينبت فيها مائة ألف قسم من الأعشاب الطبية النافعة.
وكان هناك زمن البهلوي الأول طبيباً حاذقاً يعالج المرضي بالعقاقير والأعشاب، ويصدر جريدة خاصّة في هذا الشأن، فكانت الحكومة الإيرانية تلاحقه وتطارده حتّي اختفي عن الأعين والأبصار، ولم يعلم هل أنّها قتلته بحادث اصطدام مفتعل، أو بوسيلة أخري دبّرتها له فقضت عليه.

الباكستان عندما انفصلت عن الهند

وفي باكستان مثلاً عندما انفصلت من الهند وصارت مستقلّة لذاتها وشكّلت حكومة إسلامية لنفسها، طلب رئيس حكومتها محمد علي جناح() من أحد أصدقائه المتخصّصين في علم الاقتصاد، والذي كان قد غادر باكستان وسكن الغرب، ليعود إلي باكستان فيشاركه في حكومته الجديدة، ويشغل منصب وزارة المالية والاقتصاد.
فلبّي الصديق المسلم، والمتخصّص في علم الاقتصاد طلب صديقه القديم الرئيس محمّد علي جناح، وعاد إلي باكستان بعد أن صفّي أُموره هناك في المهجر، لكنّه عندما هبطت به الطائرة في مطار باكستان فوجئ قبل نزوله من الطائرة بتسليم رسالة رسمية من الرئيس جاء فيها ما مضمونه:
صديقي العزيز! لقد تحمّلت عناء السفر والعودة إلي بلدك باكستان الإسلامية، فأهلاً ومرحباً بك، غير إنّي انصرفت عمّا كنت قد اقترحته عليك من التصدي لمنصب وزارة المالية والاقتصاد، وفضّلت أن تكون مواطناً لنا كبقية المواطنين، ثمّ وقّع تحته بالتوقيع التالي:
أخوك: الرئيس محمّد علي جناح.
كانت هذه الرسالة كالصاعقة تنزل علي قلب هذا الصديق المسلم، والمتخصّص في علم الاقتصاد، وكالعاصفة تعصف بروحه ونفسه، وتأخذ بهواجسه وعواطفه، وتدعوه إلي الرجوع في أرض المهجر، والعودة إلي بلاد الغرب، فرجع من حيث أتي، وهو متألّم ممّا جري، ومتأسّف علي ذلك، وأخذ يتحرّي عن الحقيقة الكامنة وراء دعوته، ويتطلّع إلي الأسباب التي انتهت بالاعتذار منه، فهو يعرف صديقه الرئيس كاملاً، ويعلم بأنّه وفي وشفيق، فلماذا دعاه للوزارة ثم اعتذر منه قبل أن يلتقي به؟ إنه أمر مريب، يتطلّب التحقيق والتعقيب، فعقّب ذلك وواصل تحقيقاته عنه حتّي وصل إلي النتيجة التالية:
إنه لمّا درس الاقتصاد في الجامعة وأكمل دراسته بنجاح قدّم حينئذ للحصول علي شهادته الجامعية في الاقتصاد، تحقيقاً دقيقاً كتبه عن الاقتصاد الربوي وآثاره السيّئة في المجتمعات، وأضراره الفادحة علي الناس، وأثبت بالأرقام أنه من الأسباب الرئيسية لسيطرة البلاد الاستعمارية علي البلاد الإسلامية، حيث إنّ المستعمرين يفقّرون البلاد الإسلامية بسبب الحروب وغيرها، ويضطرونهم إلي أخذ السلفة من الدول الاستعمارية والاستقراض منها مع فوائد كبيرة وباهضة، وبمجرد الاستقراض يدخل البلد المستقرض بشعبه وثرواته في سيطرة البلاد المقرضة، ويكون من مستعمراته لكن مغلّفاً وتحت ستار الاستقلالية، وذلك لما يفرض عليه من فوائد ضخمة وأرباح مضاعفة، وخاصّة إذا تأخّر موعد تسديد الديون، حيث تتضاعف الفوائد إلي عدّة أضعاف مقدار أصل الدَين.
ثمّ يري أنه قد واصل بحثه في تحقيقه ذلك بقوله: إنّ الإسلام كان يعرف هذه الويلات التي تجرّها الربا علي الشعوب، ولذلك حرّمها وحرّم التعامل بها، وجعل معاطيها معلناً للحرب علي الله ورسوله.
ثمّ إنه بعد أخذ شهادته العالية في الاقتصاد، يقدّم دراسته التحقيقية هذه، التي كتبها في فلسفة تحريم الإسلام الاقتصاد الربوي، التي تعرّض فيها لبعض الأضرار والويلات الناجمة من تعاطي الربا، إلي الطبع والنشر.
فلمّا خرج إلي عالم النور وانتشر في الأسواق، وصلت نسخة منه إلي وزارة الاستعمارات البريطانية آنذاك، وذلك عبر أياديهم المتسلّلة في الأوساط الاجتماعية، والمنتشرة في كل البلاد الإسلامية حتّي هذا اليوم، أو إلي وزارة الخارجية عبر السفارات المتواجدة اليوم في كل العواصم، فإنّهم قد أوكلوا فيها من يبعث لهم كل كتاب جديد يصدر إلي الأسواق، وقد وصل بالفعل هذا الكتاب إلي وزارة الاستعمارات البريطانية، وبعد المطالعة والتعرّف علي موضوعه الذي رأوه يناقض مصالحهم الاستعمارية خطّوا عليه بالقلم الأحمر، وحذّروا من وصول صاحب الكتاب إلي منصب وزاري، أو مقام اقتصادي، خوفاً من تطبيق الاقتصاد الإسلامي الناهض للاقتصاد الربوي الاستعماري والذي يعرّض منافعهم الاستعمارية وأطماعهم السياسة للخطر.
ولمّا أرسل الرئيس جناح، طلباً إليه يدعوه لتصدّي منصب وزارة الاقتصاد، اطّلعت وزارة الاستعمارات البريطانية عبر أياديها المتسلّلة في الأوساط الحاكمة علي ذلك، فعملت وبكل جدّية وخفاء، وبواسطة عملائها المتسلّلين في صفوف القيادات العليا والمقدّسين من كافّة الطبقات وخاصّة الحاكمة منها، علي تغيير رأي جناح بالنسبة إلي صديقه، حتّي استطاعت وبكل حذاقة من إقناع جناح علي إعلان انصرافه عمّا كان ينويه من تسليم حقيبة وزارة المالية والاقتصاد إلي صديقه المتخصّص في الاقتصاد، وإبلاغ انصرافه وبسرعة فائقة إلي ذلك الصديق، وهو بعد لم ينزل علي أرض المطار ولم يواجهه بعد أو يلتق به.
وهكذا اكتشف هذا العالم الاقتصادي الذي كان صديقاً لجناح، أسرار المؤامرة الاستعمارية، التي استهدفته بالذات، وتمكّنت من إقصائه عن استلام حقيبة وزارة المالية والاقتصاد في حكومة إسلامية يرأسها صديقه القديم جناح، فقضت السلطات الاستعمارية بذلك علي طاقاته بعد تجميدها، وحرمت الشعب الباكستاني المسلم من إصلاحاته الاقتصادية.

الكتاب وإحياء التراث

من فوائد الكتاب والكتابة هو حفظ التراث وصيانته من التحريفات ليصل إلي الأجيال اللاحقة البعيدة عن عصر ظهور الإسلام. فلولا أنّ أعلام المسلمين كتبوا الكتب ودوّنوا التراث الإسلامي لضاع المسلمون اليوم ولحرّف الإسلام تماماً كما هو الحال بالنسبة لسائر الديانات الأُخري.
فلولا الشيخ الكليني رحمة الله عليه وجهوده المكثفة من أجل تأليف كتابه القيّم الكافي الشريف لضاع الكثير من روايات الشيعة، ولولا جهود الصدوقين والشيخ الطوسي وأمثالهم من مفاخر الإمامية لتغيّرت معالم المذهب.
من هنا نذكر القصص التالية لتدل علي شدّة معاناة أمثال هؤلاء العلماء الأعلام ومثابرتهم عبر التأليف وغيره من أجل حفظ تراث أهل البيت عليهم السلام وإيصاله للأجيال اللاحقة.

نذر أن يكتب تفسيراً

في سنة (548ه) توفّي صاحب كتاب تفسير «مجمع البيان» وهو أمين الإسلام أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي() في سبزوار، ونقلت جنازته إلي المشهد الرضوي المقدس، ودفن في المقبرة المعروفة ب «قتلكاه».
وقد نقل صاحب «روضات الجنّات» عن صاحب «رياض العلماء»، قال: ومِن عجيب أمر هذا الطبرسي بل من غريب كراماته، ما اشتهر بين الخاص والعام، أنّه قد أصابته السكتة، فظنّوا به الوفاة، فغسلوه وكفّنوه ودفنوه ثمّ رجعوا، فلمّا أفاق وجد نفسه في القبر، وقد سدّ عليه سبيل الخروج عنه، من كل جهة، فنذر في تلك الحالة أنه إذا نجي من تلك الداهية، ألّف كتاباً في «تفسير القرآن».
فاتّفق أنّ بعض النبّاشين قصده لأخذ كفنه، فلمّا كشف عن القبر أخذ الشيخ بيده، فذهل النبّاش ممّا رآه، ثمّ تكلّم معه، فازداد ذهولاً، فقال له: لا تخف أنا حي، وقد أصابتني السكتة فدفنوني، ولمّا لم يقدر علي النهوض والمشي من غاية ضعفه حمله النبّاش علي عاتقه، وجاء به إلي بيته الشريف، فأعطاه خلعة وأولاه مالاً جزيلاً، وتاب علي يده النبّاش، ثم إنه بعد ذلك وفي بنذره وشرع في تأليف كتاب «مجمع البيان».
وتنسب هذه القضية أيضاً إلي فتح الله الكاشي، حيث قيل إنه ألّف بعد نجاته من تلك الواقعة تفسيره الكبير، المسمّي ب «منهج الصادقين».

مع العلامة الحلي

يعتبر العلاّمة الحلّي رحمة الله عليه من نوادر الزمان الذين قلّما يجود بمثلهم الدهر، حيث كان عالماً فقيهاً جامعاً مجدّداً للدين، أقام الشريعة ودافع عن حريم التشيّع رغم كثرة المخالفين له.
ومن ميزات هذا العالم الجليل أنّه كان كثير التأليف والكتابة حتّي نقل في أحواله أنه كتب ألف كتاب رغم اشتغاله الدائم بالتعليم والتدريس والأسفار ومناظراته مع الجمهور.
وقد نقل في أحواله العديد من القصص المفيدة الدالّة علي عظمة شخصيّته وغزارة علمه، منها أنه كان لا يدع أيّة لحظة من عمره تذهب هباء، بل كان يستفيد من اللحظات والدقائق ولذا فإنه كان يكتب في أسفاره وهو راكب.
فممّا ذكر في أحواله أنه كان في أيام الخميس يقصد كربلاء المقدّسة من الحلّة وهو علي حماره ويرجع يوم الجمعة، لكنّه كان إذا ذهب إلي كربلاء ورجع لا يترك الوقت يذهب سدي بل ينتهزه للكتابة وهو علي دابته ممّا سبّب عدم تمكّن أحد من قراءة خطّه إلاّ ولده فخر المحقّقين فإنه هو الذي بيّض مسودّات والده التي كتبها علي الدابة، واليوم بعد مضي ما يقارب سبعة قرون قد بقي العلاّمة الحلّي رحمة الله عليه علماً من الأعلام في الحوزات العلمية.

مع صاحب الجواهر

إنّ صاحب الجواهر رحمة الله عليه () قد أتعب نفسه الشريفة ليل نهار حتّي خلّف كتابه (الجواهر) الذي يعتبر محطّ استفادة للكثير من العلماء، وقد نقل في أحواله: أنه كان له ولد طيّب بار بوالده مجدّ في توفير معيشته فمات هذا الولد فحزن صاحب الجواهر عليه حزناً كبيراً وظلّ يفكّر في أمرين
الأول: أنه من يعيّشه حتي يتم الجواهر فإنه لا يريد الاشتغال بالمعاش ليذهب من وقته.
الثاني: أنه ما هو مصيره في الآخرة، هل هو من أهل السعادة أو لا؟ لأنه في الغالب يكون الأمر مجهولاً للإنسان بالنسبة إلي الدار الباقية.
وحيث إنّ وفاة هذا الولد كان قريباً من الليل وضعت جنازته في البيت حتّي يأتي الصباح ويجتمع المشيعون لتجهيزه، فأخذ صاحب الجواهر الورق والقلم والكتاب والمحبرة كعادته في كل ليلة، ولكنه قد جلس علي جنازة ولده وأخذ يكتب ويبكي، ويكتب ويبكي، وهكذا حتّي الصباح، ثمّ لمّا نقلوا الجنازة إلي الحرم المقدّس كان صاحب الجواهر في التشييع ولمّا دخل إلي الصحن سمع هاتفاً غيبياً يقول له (نحن خير لك منه، ونحن خير له منك) وكان الأمر كما سمع فإنه قد درّ عليه الرزق من بعد الولد ممّا سبّب إتمام الجواهر بدون أن يشتغل بالمعاش وقد صار علماً من علماء المسلمين يذكر إلي اليوم في الحوزات العلمية رحمه الله.
وكذلك ينقل في أحواله أنه كان إذا ذهب إلي المقبرة لأجل قراءة الفاتحة للأموات استصحب معه الكتاب والورق والقلم والمحبرة فإذا جلس هناك عند قبر ولده أو سائر القبور أخذ يكتب الجواهر حتي في هذه المدّة القصيرة، فكان بعد قراءة الفاتحة والسورة يشتغل بالتأليف حيث كان يري اشتغاله بالعلم أولي من قراءة سائر المستحبات.
وقد ورد في حديث عن رسول الله صلي الله عليه و اله خاطب به أبا ذرّ قائلاً: يا أبا ذرّ ?ساعة في مذاكرة العلم أحب إلي الله من قراءة القرآن كلّه اثنا عشر ألف مرّة?().

استقامة في طلب العلم

كان الحاج الميرزا مهدي النراقي رحمة الله عليه() صاحب كتاب «معراج السعادة» وكتب أُخري في أيّام التحصيل بمنتهي الفقر وخلو اليد لدرجة لا يتمكّن معها مِن تهيئة فانوس للمطالعة، وكان يستفيد مِن ضياء الفوانيس الموجودة في أماكن أُخري من المدرسة.
ومع هذه الشدّة والضيق في المعاش كان شديد التعلّق والرغبة بطلب العلم، حتّي أنّ الرسالة التي كانت تأتيه من موطنه لا يفتحها ولا يقرأها خوفاً من أن يكون فيها مطلب يكون باعثاً لتشتّت حواسه، ويمنعه من الدرس، وكان يضع الرسائل مختومة كما هي تحت البساط.
وكان أبوه (أبو ذرّ) قد قتل، فكتبوا إليه يخبرونه بقتله، فوضع كعادته الرسالة تحت البساط أسوة ببقية الرسائل، وبعد أن يأس منه الأهل والأقارب كتبوا إلي أستاذه وأخبروه بالحادثة وطلبوا منه أن يخبره بالأمر، وأن يرسله إلي قرية نراق لأجل إصلاح أمر التركة والورثة.
فلمّا حضر النراقي رحمة الله عليه الدرس أخذ بيده الأستاذ وكان مغتمّاً، فسأله النراقي: لماذا أراك مغتمّاً وحزيناً؟
أجاب الأُستاذ: ينبغي عليك الذهاب إلي نراق.
فقال النراقي: لأجل مَن؟
قال: إنّ والدك كان مريضاً.
فقال النراقي: إنّ الله سيحفظه ويعافيه، فابدأ بالدرس.
فصرّح الأُستاذ إليه بمقتل والده، وأمره أن يتوجّه إلي نراق.
فامتثل الأمر وذهب ولم يبق أكثر من ثلاثة أيام هناك ثم عاد بعدها، وعلي هذا المنوال كان النراقي رحمة الله عليه يطلب العلم حتّي بلغ مكانة سامية فيه.
وممّا نقل في أحواله رحمة الله عليهأيضاً أنّه كان يطالع ويؤلّف ولم يكن عنده ضياء يستضيء بنوره، ولذا كان يذهب إلي بيت الخلاء في المرافق العامّة ويؤلّف.

الكتابة تحت ضوء القمر

كان السيّد نعمة الله الجزائري رحمة الله عليه () من تلامذة العلاّمة المجلسي رحمة الله عليه المقرّبين، وقد تحمّل الكثير من الصعاب والمشقّات في طلب العلم، وفي أوائل أيام تحصيله لمّا لم يكن متمكّناً من تهيئة سراج، كان يستفيد من ضوء القمر للمطالعة، حتّي ضعف بصره من كثرة المطالعة والكتابة علي نور القمر، وكان يضع في عينيه من التربة المقدّسة لسيّد الشهداء عليه السلام طلباً لتقوية نور بصره، وببركة تلك التربة فقد قوي نور بصره.
الجدير ذكره أنّ المحدّث القمّي رحمة الله عليه() لمّا نقل هذه الحكاية قال: حينما يستولي الضعف علي عيني نتيجة زيادة المطالعة والكتابة، أتبرّك بتربة مراقد الأئمّة الأطهار عليهم السلام، وأحياناً أمسح كتب الأحاديث والأخبار عليها، والحمد لله أنّ عيني إلي الآن في غاية القوّة والإبصار، آملاً أن ينوّر الله عيني في الدنيا والآخرة ببركتهم.

الكتابة في ساحات الجهاد

تناول العلامة السيد الأمين رحمة الله عليه في كتابه «أعيان الشيعة» الجدّ والسعي المتواصل للسيد جواد العاملي صاحب «مفتاح الكرامة» قائلاً: كان رحمة الله عليه في الجد وتحصيل العلم قليل النظير، وقد أفني عمره في الدرس والتدريس والبحث والمطالعة والتأليف وخدمة الدين، وكان يستغرق وقته ليلاً ونهاراً في ذلك، دون أن يحدث له ضعف أو اضطراب، وكان مشغولاً بالبحوث العلمية حتي في أيام الأعياد وليالي القدر من شهر رمضان، واستمرّ علي هذه الحال حتي سنّ الشيخوخة وكلّه رغبة ونشاط في هذا المضمار، وكان لا ينام من الليل إلاّ قليلاً، ولمّا سئل: ما هي أفضل أعمال ليلة القدر؟
أجاب: بإجماع علماء الإمامية هو الاشتغال بطلب العلم.
وفي أيام محاصرة النجف من قبل الوهّابية بين سنوات (1331 و1336ه) كان العلماء مع الأهالي يقومون بالدفاع عن المدينة، وفي الوقت الذي كان يشارك العلماء في الجهاد والمحافظة علي المدينة ووسائل الدفاع وتشجيع المجاهدين والحرّاس وترغيبهم، تراه لا يفتر قلمه عن التأليف والتدريس، فقد كتب في تلك اللحظات رسالة في وجوب الدفاع عن النجف، كما استمرّ في كتابة بعض مجلّدات «مفتاح الكرامة» مثل: مجلّد الضمان والشفعة والوكالة وكان له من العمر حدود السبعين.
ومن الشواهد الجليلة علي جدّه في التأليف: أنه في نهاية العديد من مجلّدات «مفتاح الكرامة» تراه يكتب: (قد تمّ الفراغ منه ليلة كذا) وذكر في مجلّد الوقف (قريب منتصف الليل)، والمجلّد الثاني من الطهارة (في الربع الأخير من الليل) ومجلّد الوكالة (بعد منتصف الليل) ومجلّدين من الشفعة (في الليل) وبعض المجلّدات الأُخري (في ليلة القدر) أو (ليلة عيد الفطر).
وفي آخر مجلّد الإقرار من «مفتاح الكرامة» كتب: في شهر رمضان من هذه السنة كتبت ثمانية أو تسعة أو عشرة أجزاء من الأبحاث، إضافة إلي الأعمال الأُخري التي أقوم بها في شهر رمضان، وما تركت الكتابة إلاّ لبعض المؤثّرات التي كانت سبباً للتعطيل.
ونقل حفيده السيد جواد بن السيد حسن فقال: كانت ابنة صاحب «مفتاح الكرامة» سيّدة جليلة القدر ومشهورة بالتقوي والعبادة وكانت قد عاشت خمسة وتسعين عاماً من العمر، دون أن تعاني من ضعف الحواس أو عدم القدرة، وكانت تقول: إنّ والدي ما كان ينام الليل إلاّ قليلاً من الوقت، ولم يتّفق لي أن رأيته وهو نائم بل كان مستيقظاً علي الغالب مشغولاً بالمطالعة والكتابة.
ونقل حفيده الشيخ رضا بن زين العابدين العاملي الذي كان مدّة في بيته وكان ينام بعد الفراغ من مطالعاته في الليالي فقال: كنت أري جدّي يقظاً ومشغولاً بعمله، وكان يلتفت إلي حفيده ويقول: ما هذا العشق بالنوم، وهذا المقدار الذي نأخذه من النوم يكفينا، وكان يضع رأسه علي يده، ويغفو إغفاءة قصيرة جدّاً، ثم يعود إلي عمله، وأحياناً يوقظ حفيده لصلاة الليل، ويقوم هو بالمطالعة.
وكان معروفاً بين العلماء في زمانه وحتي موته بالدقّة والضبط وصفاء الذات، وكان يرجع إليه كبار العلماء لحلّ المسائل المشكلة فيأخذون منه الجواب أو يطلبون منه تأليفاً في ذلك، وكان تأليف كتبه بالتماس أساتذته: كالشيخ جعفر كاشف الغطاء، والسيد صاحب الرياض وغيرهم (قدس الله أسرارهم).

كتاب التفسير حتي في الحرب

روي في وصف المرحوم الآقا نور الدين العراقي رحمة الله عليه أنه كان من أهل الكشف والكرامات ومن أهل الحقيقة، وكان في جبهة الحرب، يأخذ القلم والورق ويكتب تفسير القرآن!
وهذا يدل علي شدة ضبطه، فلو كان غيره لاشتبه في كلامه اليومي، ولم يميّز المبتدأ عن الخبر فكيف تكون مشاعر الإنسان في داخل جبهة الحرب بهذه الكيفية، ولكن هذا الشخص كان جالساً يقرّر ويضع التصاميم، ويكتب تفسيراً مثل هذا بكل دقّة وإتقان.
وكم يؤسف له أنّ الانشغالات منعته من إكمال هذا التفسير وكان في ذلك الوقت في مدينة «أراك» وكانت ترد عليه الأسئلة والاستفتاءات من الأطراف والأكناف والقري، إضافة إلي المراجعات في الأُمور الأُخري.
ولم يكن المرحوم الآقا نور الدين في المسائل محتاجاً إلي كتاب، فكل هذه الاستفتاءات التي ترد عليه، لم يذكر أنه قال: ائتوني بالكتاب الفلاني حتي أري ما فيه، بل كان حاضر الجواب، وحتّي عند كتابة تفسيره لم يكن لديه كتاب لغة وتاريخ وتفسير، بل كتبه بعقله ومحفوظاته من العلوم.

مع مؤلّف كتاب إظهار الحقّ

نقل أنّه ظهر من بين علماء الهند، عالم انتهج نهج الشيخ محمّد جواد البلاغي، ولكن لا في فضح اليهود وإبطال خرافاتهم، بل في كشف المسيحيين، فقد ألّف كتاباً جميلاً في هذا المجال وسمّاه: (إظهار الحقّ) وهو كتاب مطبوع وموجود في الأسواق. وقد نقل لي ذات مرّة السيّد حسن آقا مير المشهور، صاحب كتاب (الإمامة الكبري): أنّه كان يذهب إليه في داره في النجف الأشرف، وكان يراه رحمة الله عليه في حرّ النجف الشديد يتجنّب النزول إلي السرداب ويقول: إنّ النزول إلي السرداب يوجب الكسل للإنسان، ويؤخّره عن أعماله، ويثبّطه عن أداء واجبه، وإنّما كان يجلس في غرفة من غرفات داره وكانت حارّة شديدة الحرارة، ويأخذ في التأليف.
يقول السيّد حسن حاج آقا مير رحمة الله عليه:
وكان العالم المذكور أستاذي في كتاب المكاسب، فقد درست بعضاً من مكاسب الشيخ الأنصاري رحمة الله عليه عنده.
وقال أيضاً عنه: إنّه كان مع جهده اللاّمنقطع وسعيه الحثيث مصاباً بمرض نفث الدم، ولكن لم يكن ذلك صادّاً له عن مواصلة أعماله، ومتابعة تأليفاته.

مع المحدث القمي

نقل ناقل عن المرحوم الشيخ عباس القمّي رحمة الله عليه فقال: كنت أذهب من مدينة (أراك) إلي (قم المقدسة) في سيارة لي وإذا بي أري الشيخ عباس القمّي في أثناء الطريق في الصحراء المقفرة جالساً علي الأرض وهو يكتب، فتقدّمت إليه وسلّمت عليه وقلت له: شيخنا ماذا تفعل في هذه الصحراء المقفرة وكيف جئت إلي هنا ومن جاء بك وما هذا الذي تكتب؟
فقال رحمة الله عليه: كنت في سيارة قاصداً من أراك إلي قم وفي أثناء الطريق تعطّلت السيارة فجاء السائق وأمر بنزولي قائلاً: إنّ توقّف السيارة من شؤمك فانزل وأرحنا، ثم أنزلني قهراً، فنزلت مكرهاً آنذاك وفكّرت أن أشرع بالتأليف بدل أن يذهب وقتي هدراً.
كانت هذه القصة في أيام البهلوي الأول() الذي حارب الدين ورجال العلم بأمر من أسياده المستعمرين الذين جاءوا به.
قال الرجل: فقلت للشيخ وكم لك في هذه الصحراء؟
قال: ما يقارب الساعتين.
قال: فأخذته في سيارتي وجئت به إلي قم.

وقفة أُخري مع القمّي رحمة الله عليه

ونقل أيضاً في أحوال المحدّث القمّي رحمة الله عليه أنّه سافر مع جماعة من التجار إلي سوريا، فكان رحمة الله عليه منكبّاً علي التأليف والمطالعة باستثناء أوقات الصلاة والزيارة، وحينما كان رفقاؤه يخرجون للتنزّه يصرّون عليه أن يخرج معهم، إلاّ أنّه كان يأبي ذلك، بل كان رحمة الله عليه يسهر الليل في المطالعة والتأليف.

الحرب الثقافية

علي الرغم من أنّ أعداء الإسلام أتاحوا المجال علي مصراعيه أمام رواج الكتاب في بلادهم إلاّ أنّهم في نفس الوقت أخذوا يحاربون الكتب الإسلامية والتوعوية في بلادنا، وعمدوا إلي نشر كتبهم المنحرفة بين المسلمين ليتأثّروا بثقافتهم ويتبعوهم في عقيدتهم، فبدؤوا حرباً ثقافية ضد المسلمين.
ومع الأسف الشديد فقد نجحوا في خطتهم هذه بشكل ملحوظ وذلك بمعونة الحكّام الظلمة في البلاد الإسلامية، فابتعد المسلمون عن الكتب وانعكفوا علي شهواتهم وملذّاتهم، وربما مشاكلهم ومآسيهم.
والملفت للانتباه هو شدّة صمودهم واستقامتهم علي باطلهم وتراجع المسلمين عن التبليغ لعقيدتهم ونشر الكتب الإسلامية التوعية الداعية إلي الحقّ رغم أحقّيتهم وتسديد الباري تعالي لهم.
وهذه نماذج من اهتمامهم علي نشر ثقافتهم بين المسلمين حتي أصبحوا يتبعونهم ويسيرون علي نهجهم.

كيف نشروا المسيحية؟

قبل ستين سنة تقريباً كنت في النجف الأشرف وكان يأتي في كل عيد إلي النجف مسيحي من بغداد ويقف في السوق الكبير ويعطي كل من يشاهده كتاب العهدين المحمّل علي عاتق حمّال ثمّ يرجع.
علماً أنّهم يعلمون أنّ الكثير من المسلمين خاصة في المناطق المقدّسة ومراكز العلم أمثال النجف الأشرف وكربلاء المقدّسة وقم المقدّسة ومشهد والكاظمين وسامراء وغيرها من البقاع المباركة من الصعب جدّاً أن يتأثّر أهل هذه المناطق بالمسيحية إلاّ أنّهم يصرّون علي نشر كتبهم والتبليغ لعقيدتهم.

من أنشطة الوهّابيين

نقل لي أحد الأصدقاء الذين وفّقوا للحجّ وتشرّفوا إلي زيارة بيت الله الحرام قبل سنوات القصّة التالية قائلاً: لقد التقيت بعضو من أعضاء إدارة توزيع الكتب في المدينة المنوّرة وطلبت منه شيئاً من الكتب.
فقال لي: أظنّك رجل دين؟
قلت: نعم.
قال: اذهب إلي المخزن وخذ ما شئت من الكتب.
قال: فذهبت إلي المخزن وإذا بي أري بناية ضخمة، ومكاناً واسعاً جدّاً وهو يشتمل علي ردهات وصالات مملوءة من أرضها إلي سقفها بالكتب المتنوّعة وباللغات المختلفة من العربية والفارسية والتركية والهندية والإندونيسية وغيرها.
قال: فأخذت جملة من تلك الكتب وبقدر ما يمكنني حمله وخرجت، ثمّ جئت بها إلي قم وقد قدّرت سعرها بالعملة المحلّية في ذلك الوقت فكانت ما يقارب من عشرين أو ثلاثين ألف تومان.
أقول: لقد رأيت أنا بعض تلك الكتب وطالعتها، فوجدتها تدعو إلي الوهّابية وتزرع الفُرقة بين المسلمين، وتؤلّب بعض المسلمين ضدّ بعض، يعني: علي خلاف ما أمر الله به وبلّغ له رسوله صلي الله عليه و اله من قوله تعالي: ?وإنّ هذه أُمّتكم أُمّة واحدة?() وقوله سبحانه: ?واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا?().
كما ذكرت بعض الصحف(): إن السعودية قدمت بليون دولار لرابطة العالم الإسلامي وهي رابطة وهابية.

هكذا يروجون كتبهم

نقل أحد علماء طهران الذي يناهز عمره الثمانين، فقال: قبل حوالي 70سنة وكنت آنذاك طفلاً أذهب إلي الكتاتيب، في إحدي المدن المقدّسة في العراق، بينما كنت أذهب في الصباح الباكر إلي المدرسة إذا بي أري في السوق الكبير ازدحاماً وتجمّعاً كبيراً، فاتّجهت إلي مركز التجمّع وإذا بي أري رجلين يحمل أحدهما علي رأسه كمية من الكتب وهو يعطي كل رجل كتاباً، وكان رفيقه يعطي لكل إنسان أخذ كتاباً عشر روبيات، أي ما يعادل مثقالاً من الذهب، ذلك اليوم.
يقول: تقدّمت وأخذت كتاباً وعشر روبيات، وأنا لا أعرف ماهية الكتاب، وعندما رجعت إلي الدار وأعطيته لمن في المنزل تبيّن أنه كتاب يبشّر للمسيحية!

حملات التنصير في بنغلادش

كتبت أخيراً إحدي الصحف عن جمعية خيرية تنصيرية في أمريكا بأنّها أرسلت إلي بنغلادش مائتي ألف كتاب، وقد وزّعت تلك الكتب علي ما يقارب من أربعة آلاف إنسان أو أكثر، وذلك بغية تنصيرهم وتبديل دينهم وعقيدتهم، علماً بأنّ بنغلادش بلدة مسلمة وشعبها مسلم إلاّ ما شذّ وندر.
ومن المعلوم: أنّ ظاهرة توزيع الكتب التي دأبت عليها جمعيات التبشير والتنصير ليست ظاهرة بتراء، وإنّما وراء هذه الظاهرة دعوة إلي الكنيسة، وإلي طقوسها العبادية، وإلي اعتناق المسيحية والانسلاخ عن الإسلام.

من أساليب التبليغ

أرسلت صديقاً إلي شمال العراق، للتبليغ في شهر رمضان، وبعد أن رجع سألته عمّا شاهد هناك؟
قال: جاء مسيحي ومعه عربة مليئة بالعهدين يقودها حمّال، فكان يعطي لكل إنسان كتاباً ومعه مائة دولار، وهكذا حتّي أتمّ كل ما في العربة.

تبليغ بالإجبار

ذات مرّة رجعت من مرقد الإمام الكاظم عليه السلام قاصداً كربلاء المقدسة فوقفت السيارة أمام الإشارة الحمراء علي الجسر وإذا بي أري حفنة من الكتب وكانت عشرة تلقي في السيارة التي كنت راكباً فيها، وفي كل سيارة سيارة واقفة بالانتظار، وكان الملقي مسيحي له ملابس المسيحية، ولمّا رجعت إلي كربلاء رأيت أنّها كتب مختلفة مسيحية ولعلّ قيمتها كانت فوق الدينار() في ذلك اليوم.

التبشير إلي المسيحية

نقل لي بعض الأصدقاء القصّة التالية فقال: كنت أعمل في سوق الصفّارين ببغداد وهو سوق كبير، والعاملون فيه كلّهم مسلمون، وكنت واحداً من الصفّارين وقد كان دأب أحد المسيحيين أن يأتي كل أسبوعين أو كل شهر مثلاً، ويقدّم لكل صفّار كتاباً وربما كان الكتاب مجلّداً ضخماً بقيمة دينار كامل، وعندما كان المبشّر المسيحي يخرج من السوق، كان الصفّارون يلقون الكتب في النار (في الكورة التي يستخدمونها لأعمالهم، حيث إنّهم يعلمون أنّها كتب منحرفة).
يقول الأخ: فكّرت ذات مرّة أن أقول للمسيحي واقع الحال حتّي يمتنع عن الاستمرار في توزيع الكتب، وبالفعل عندما جاء ووزّع الكتب وأراد الذهاب تبعته وقلت له: إنّك تعلم أيّها المبشّر المسيحي إنّ هؤلاء مسلمون وهم يحرقون هذه الكتب التي تعطيها لهم، فلماذا تفعل ذلك إذ أنّها جهود لا طائل فيها ولا ثمرة لها؟
قال: فتبسّم المسيحي وقال: إنّي أعلم ذلك منذ اليوم الأول لأنّي رأيت بطرف عيني إحراقهم للكتب!!
فقلت له: إذن ما الداعي لما تفعل؟
قال: صحيح إنّ هؤلاء يحرقون الكتب ولكن ربما لا يحرق أحدهم الكتاب، فيذهب به إلي داره فيقع الكتاب في يد ابنه أو ابنته، فيطالعه أو تطالعه، وربما يؤثّر عليهما ولو جزئياً، وهذا ربح لنا!!.
هكذا يضحّون بالمال والأتعاب والطاقات في سبيل تحريف شخص واحد!؟
هؤلاء يعملون هكذا.
أمّا نحن فإنّنا لم نستطع تثقيف حتي شبابنا وفتياتنا وهذا هو سبب تأخّرنا، ولذا تجد الكثير من المسلمين لا يعرفون شيئاً عن الفكر الإسلامي: في السياسة والاجتماع والاقتصاد وعلم النفس والإدارة والأسرة وغيرها من تعاليم الإسلام، كما لا يعرفون شيئاً عن كيفية عمل المستعمرين في بلادنا وأساليبهم وخططهم، ولايعرفون كيف يواجهونهم ويسدّون الطريق عليهم.

محاربة الكتب المفيدة

كنت في العراق مهتّماً بإرشاد الناس وتوعيتهم ليعرفوا ما يدور وراء الكواليس من خطط استعمارية، علّهم يشعرون بالحالة المتردّية للمسلمين، وبهذا الصدد كنت أنشر الكتب التي توضّح هذه الحقيقة، مثل كتاب «التبشير والاستعمار» وكتاب «مذكرات الداكوركي» وكتاب «مذكرات مستر همفر» وكتاب «بروتوكولات حكماء صهيون»، وصرفت بعض اهتمامي لطبع الكتاب الأخير، وبعد أن نشرناه في المكتبات نفذ بسرعة ممّا أثار تعجّبي، كيف ينفذ هذا الكتاب بهذه السرعة؟
وأوعزت لطبعه ثانية، وبعد أقلّ من شهر نفذ أيضاً.
وفي مرّة ثالثة طبعته ووزّعته علي المكتبات، ثمّ بعد أسبوع من ذلك جاءني شاب مثقّف فأرشدته إلي شراء هذا الكتاب، وبعد أن ذهب رجع وقال: قد بحثت في المكتبات فلم أجد منه نسخة واحدة.
فتعجبت كثيراً وتحقّقت بنفسي في الأمر، كيف ينفد الكتاب بهذه السرعة في مدّة قصيرة، وأخيراً اكتشفت إنه كلّما طبع الكتاب جاء البعض إلي المكتبات ليشتروا جميع النسخ، وبالقرائن عرفت أنّهم عملاء اليهود، فإنّ اليهود وإن تركوا العراق وغيره من البلدان الإسلامية بعد اغتصاب فلسطين لكن أبقوا عملاءهم من أجل تنفيذ أمثال هذه الأُمور، ثمّ بعد ذلك منعت رقابة السلطة في العراق هذا الكتاب.
هكذا يسعي عملاء الغرب جاهدين لإبعاد المسلمين عن ثقافة الحياة.

خاتمة

واجبنا تجاه الكتاب

في ختام هذا الكتاب لا بأس أن نشير إلي بعض المسؤوليات المهمّة علي عاتق المؤمنين الكرام تجاه الكتاب الذي ينبغي لهم أن يستخدموه كسلاح ناجح في مقاومة عدوّهم اللدود المتمثّل بالجهل، علّهم يعيدون مجدهم الأول الذي شيّده آباؤهم في العهود السابقة.

التشويق علي نشر الكتب

1: نشر الكتب والحث عليه.
من عادتي المستمرّة أنّني أشوّق كل من التقي به علي الكتابة والتأليف، وطبع الكتب الإسلامية المفيدة ونشرها، لكي ينتشر الوعي الديني وتحفظ الأجيال المسلمة من الانحراف.
ومن فضل الله تعالي أنّ كثيراً منهم استجابوا لنصائحي وعملوا بها، فلمّا كنّا في مدينة كربلاء المقدّسة شوّقت بعض الأخوة وساعدتهم ففتحنا أول مكتبة أهلية عامّة لأجل المطالعة في المدرسة الهندية الكبري، وقد سمّيناها ب «المكتبة الجعفرية».
كما أصدرنا مجلّة تجيب علي كافّة الأسئلة الإسلامية التي ترد إليها، وسمّيت المجلّة باسم (أجوبة المسائل الدينية).
وهكذا مجلات أخري عديدة.
وبالإضافة إلي ذلك فقد أسّسنا مؤسّسة (طبع ونشر الكتب الدينية) وكان لها من الفروع أكثر من سبعين فرعاً.
فضلاً عن سائر المشاريع الثقافية والمؤسسات التوعوية التي قامت علي أكتاف المؤمنين الأخيار الذين كنّا نشوّقهم إلي خدمة الدين ونشر فكر أهل البيت عليهم السلام.
ولا يخفي أنه فقد واجهنا في ذلك الكثير من المضايقات حتي من بعض الشيعة، فضلاً عن الحكومات التي بقيت تطاردنا وتزاحم أصدقاءنا إلي أن اعتقلت بعضهم وسجنتهم وعذبتهم، حتي اضطررت إلي الخروج من وطني مقهوراً ().

دعم الكتب

2: ليس هناك شك أنّ نشر الكتب وترويجها في مختلف أنحاء العالم يحتاج إلي ميزانية ضخمة تستوعب قدر الكتب المراد طبعها.
وحيث إنّ المسلمين يحتاجون إلي ثلاثة مليارات من الكتب علي الأقل، فإنّ طبع هكذا حجم من الكتب يستدعي تأسيس هيئات ومنظّمات عالمية تدرس هذه المسؤولية بجدّية وتضع الخطط اللازمة لها علّها تصل إلي بعض الحلول المفيدة في ذلك.
كما ينبغي علي المثقفين منا أن يحرّكوا الآخرين وينشروا هذه الفكرة بين أوساطهم موضّحين مدي أهمية الكتاب ودوره الحسّاس في نشر الوعي بين الشعوب المسلمة التي أصبحت في أشدّ الفقر من الناحية الثقافية.
بالطبع فإنّ من يتصدّي لمثل هذه المشاريع سيلاقي الكثير من المضايقات إلاّ أنه بعد التوكّل علي الله تعالي والتوسّل الشديد بأهل البيت عليهم السلام سيجد أنّ الأمر غير مستحيل وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام: ?قدر الرجل علي قدر همّته?().
وقال عليه السلام: ?من طلب شيئاً ناله أو بعضه?().
وقد شاهدت كيف أنّ البعض كان يدعم الكتب وذلك لمّا كنّا نشتري الكتب الدينية المطبوعة في القاهرة بثلث الثمن، فسألت عن البائع وهو السيد سعيد الزيني() من أين هذه الكتب بهذا الرخص؟
قال: في القاهرة وقّف ثري ثلثه من أجل رخّص الكتاب، والشيك موجود في المصرف، فالطابع يأخذ الثلثين من الوقف المذكور ويبيع الكتاب بالثلث.

الكتب الجيبية

3: كما ينبغي للمؤمنين الكرام أن يركّزوا علي الكراريس الصغيرة فهي سريعة الانتشار، وسهلة المطالعة، وقليلة التكلفة، وسهلة الحمل.
ولعلّ الحكمة في توزيع القرآن الكريم إلي سور صغيرة هو رغبة الناس في مطالعة القطع الصغيرة التي تنتهي بسرعة، وإلاّ فلو كان القرآن كلّه متصل علي نسق واحد ربما لم يكن لقراءته هذا الشوق عند عامّة الناس.
وقد دعت اليهود كما في كتاب (بروتوكولات حكماء صهيون) إلي ضرورة جعل الضريبة علي مثل هذه الكتب لأهميتها وخطورتها.
فهذه الكتب ك «السندويشة» التي يسهل تناولها.
وقد نقل لي أحد الأصدقاء الذين سافروا إلي أوروبا: أنّ من عادة المجتمع الأوربي صرف أوقاتهم في المطالعة، فتجدهم وهم في القطارات أو الحدائق أو في عيادات الأطباء أو في أي مكان عام وبأيديهم كتب صغيرة يطالعون فيها.
إنّ لمثل هذه الكتب دورها وتأثيرها الخاص علي ذهن الإنسان حتّي لو نسي ما قرأه، فإنه يبقي تموجات ذلك في لا وعيه، وذلك الأثر المنتقل إلي اللاّوعي هو الذي يسير بحياة الإنسان نحو ذلك الاتّجاه ولو نسبياً.
فمثلاً إذا عقدت مجلساً حسينياً في بيتك أو في المسجد تستطيع أن توزّع في اليوم الأخير عدداً من الكتب الصغيرة، فإنّ تكاليف طباعتها قليلة بالقياس إلي الكتب الكبيرة، فإذا اعتاد أصحاب المجالس علي توزيع الكتب خصوصاً في مواسم التبليغ تصبح الفائدة أكثر، وربما غيّرت مجري الأُمم في مدّة عقد من الزمان أو أقل، وما ذلك علي الله بعزيز.

الحثّ علي الكتابة

4: من الأُمور المهمّة الحري بالمسلمين أن يدعوا إليها ويحثّوا عليها هي الكتابة والانشغال بالتأليف في شتّي المجالات المفيدة.
فإذا تواصي المسلمون بالكتابة وتعاهدوها فيما بينهم فإنّ الكثير من الكفاءات والقدرات المغمورة ستظهر وهذا ما شاهدته شخصياً في حياتي.
فقد دعوت الكثير من الناس إلي التأليف فكانوا يعتذرون بأعذار غير مقبولة إلاّ أنّهم بعد تأكيدنا عليهم وتشويقنا إيّاهم أصبحوا من الكتّاب الجيدين().
وفي الحقيقة أنّ المسلمين إذا حثّوا علي التأليف والكتابة يكونون قد اقتدوا بأئمتهم الطاهرين عليهم السلام الذين أكّدوا في أحاديثهم الشريفة علي الكتابة وأوصوا أصحابهم ومحبّيهم بها وقد مر بعض تلك الأحاديث.

تأسيس المكتبات

5: ومن الجدير بالمسلمين اليوم وهم يواجهون الحرب الثقافية علي مختلف أنواعها أن يهتّموا بالمكتبات الضخمة التي تحفظ لهم الكتب وتحتضن القرّاء وتزوّدهم بالثقافة اللازمة.
من جانب آخر من المفترض أن يكون لهذه المكتبات مراسلين وموظفين يغتنمون لها الكتب الجديدة من مختلف أنحاء العالم ويزوّدونها بالإصدارات الحديثة في شتّي العلوم.
ومن الضروري أن تضم هذه المكتبات مختلف الكتب وبلغاتها المتعدّدة ليستفيد منها الجميع وليس أهل لغة خاصّة.
بطبيعة الحال أنّ تأسيس مكتبات كهذه يحتاج إلي جهود جبّارة وطاقات كثيرة إلاّ أنّ الناس إذا أحسّوا بالمسؤولية وعملوا بوظيفتهم الشرعية سيكون إنشاء هذه المكتبات غير صعب.

إحياء الكتب

6: كما ينبغي للمسلمين الذين بلغ عددهم ملياري مسلم أن يشكّلوا الهيئات والمؤسسات الضخمة التي تتكفّل بإحياء الكتب المفيدة التي نساها الناس أو لم تخرج إلي النور، فيجدّدون طباعتها ويعيدون إعدادها وتحقيقها ليستفيد منها القرّاء في العالم.
علماً أنّ مثل هذه المؤسسات تحتاج إلي أفراد يجوبون العالم بحثاً عن الكتب المفيدة التي ضاعت من أيدي الناس مخطوطة كانت أو مطبوعة، ثم يرسلونها إلي المؤسسات التحقيقية والمطبعات لتعاد طباعتها من جديد.
فإنّ الكثير من الكتب لا توجد في متناول الأيدي، وأصبحت مجهولة عند الناس مع حاجتهم الشديدة إليها، وإلاّ ماذا يعني أنّ العلاّمة الحلّي والمجلسي (قدس سرهما) لهما من المؤلّفات ما يقارب الألف كتاب ولم يصلنا إلاّ القليل منها مع علمنا بفائدة كتبهما وحاجة الناس إلي أمثال هذه المؤلّفات؟
بالطبع هناك الكثير من مؤلّفات علمائنا الأعلام بقيت مخطوطة ولم يهتمّ بها أحد حتّي ضاعت وتلفت وحرم المسلمون من الاستفادة منها، لذلك فإنّ الخدمة التي تقوم بها هذه المؤسسات هي في غاية الأهمية.
نسأل الله عزوجل أن يوفقنا للاهتمام بهذا الجانب فإن الكتاب دعامة الحياة.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام علي المرسلين والحمد لله رب العالمين، وصلي الله علي محمد وآله الطيبين الطاهرين.
قم المقدسة
محمد الشيرازي
رجوع إلي القائمة

پي نوشتها

() سورة العلق: 1 - 3.
() سورة القلم: 1.
() فقد جاء في مجلة (النبأ) العدد 23 _ 24 سنة 1419ه 1998م: إنّ إسرائيل تنشر من الكتب عدداً يماثل كل ما ينشره العالم العربي مجتمعاً، مع العلم أنّ سكّان إسرائيل خمسة ملايين فقط والعرب 250مليون إنسان.
() نقل أنّ نسبة انتشار الصحف لكل ألف من السكّان في الجزائر 46 وفي اليمن 17 وفي سوريا 18 وفي مصر 64 وفي السعودية 54 وفي إسرائيل 81. العربي العدد 481 ص77 ديسمبر 1998م.
() راجع كتاب (كفاحنا) و(عشت في كربلاء) حيث أشار المؤلّف رحمة الله عليه إلي طائفة من مشاريعه في العراق.
() مصطفي أتاتورك (1881 1938م) مؤسس الجمهورية التركية وأوّل رئيس لها، قام بنشر المفاسد في بلاده وغيّر كتابة اللغة التركية من الحرف العربي إلي الحرف اللاتيني.
() جمال عبد الناصر (1918 1970م) رجل دولة مصري، قلب الحكم علي الملك فاروق (1982م) رئيس الجمهورية عام (1958م) حتّي وفاته.
() مفردة (الكتاب) تشمل الألفاظ التالية الواردة في القرآن الكريم: ?الكتابَ? 80 مرة، ?الكتابِ? 83 مرة، ?الكتابُ? 8 مرات، و?كتابَ? 5 مرات، و?كتابِ? 7 مرات، و?كتابُ? مرتين، ?كتابٍ? 17 مرة، و?كتابٌ? 19 مرة، و?كتاباً? 12 مرة، و?كتابك? مرة، و?كتابنا? مرة، و?كتابه? 5 مرات، و?كتابها? مرة، و?كتابهم? مرة، و?كتابيَه? مرة، و?لكتاب? مرة. و?بالكتاب? 5 مرات، ?بكتاب? 3 مرات، ?بكتابكم? مرة، ?بكتابي? مرة.
() سورة مريم: 30.
() سورة القصص: 43.
() سورة مريم: 12.
() سورة النحل: 64.
() سورة النساء: 153.
() سورة الإسراء: 13 – 14.
() سورة الكهف: 49.
() راجع مجمع البيان: ج6 ص230 – 231.
() سورة النبأ: 29.
() سورة يس: 12.
() مجمع البيان: ج10 ص245.
() سورة الطور: 1 - 2.
() سورة القلم: 1.
() سورة الإسراء: 13.
() مجمع البيان: ج9 ص271 – 272.
() سورة الصافات: 156 – 157.
() مجمع البيان: ج8 ص335.
() سورة القلم: 1.
() علل الشرائع: باب142 ص402 ح2.
() تفسير القمّي: ج2 ص198.
() سورة الجاثية: 29.
() تفسير القمّي: ج2 ص379.
() الكافي: ج1 ص53، باب رواية الكتب والحديث وفضل الكتابة والتمسّك بالكتب ح11.
() وسائل الشيعة: ج27 ص81 ح33260.
() الكافي: ج1 ص52 ح9.
() مشكاة الأنوار: ص142 الفصل التاسع في الحثّ علي الكتابة والتكاتب.
() إرشاد القلوب: ج1 ص176.
() منية المريد: ص267.
() بحار الأنوار: ج17 ص345.
() الكافي: ج1 ص403 ح2.
() بحار الأنوار: ج2 ص152 باب فضل كتابة الحديث وروايته ح37.
() انظر وسائل الشيعة: ج27 ص94 ح33305.
() بحار الأنوار: ج2 ص157.
() انظر بحار الأنوار: ج16 ص134، والبحار: ج22 ص468 وص 472 باب وصيته? عند قرب وفاته، والإرشاد: ج1 ص184، وإعلام الوري: ص135، وشرح نهج البلاغة: ج10 ص219، وج12 ص87، وكشف اليقين: ص472، و …
() وسائل الشيعة: ج27 باب وجوب العمل بأحاديث النبي ? ص95 ح33308.
() الأمالي للطوسي: ص521، المجلس: 18، ح1149.
() مستدرك الوسائل: ج12 ص230 باب استحباب إقامة السنن الحسنة ح13960.
() بحار الأنوار: ج2 ص151 باب فضل كتابة الحديث وروايته ح35.
() بحار الأنوار: ج2 ص152 باب فضل كتابة الحديث وروايته ح36.
() مستدرك الوسائل: ج4 ص371 ب45 ح4972.
() من لا يحضره الفقيه: ج4 ص398 ح5853.
() هو محمد بن علي بن الحسين بن موسي بن بابويه القمّي، كنيته أبو جعفر، ولد ببركة دعاء الإمام الحجّة (عجل الله فرجه) وتوفّي عام 381ه. ألّف الكثير من المؤلّفات القيّمة وعلي رأسها كتابه الشريف (من لا يحضره الفقيه) وكتاب (مدينة العلم) الذي فُقد من بعده وحرم المسلمون من الاستفادة منه.
() هو أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان بن عبد السلام العكبري الملقّب بالشيخ المفيد، من أجلّ مشايخ الشيعة ورئيسهم وأستاذهم، وفضله أشهر من أن يوصف، انتهت رئاسة الإمامية إليه في وقته، ولد سنة (336ه) وتوفّي (413ه) دفن في داره ونقل إلي مقابر قريش بالقرب من جانب رجلي الإمام الجواد عليه السلام، له تصانيف عديدة منها: الرسالة المقنعة، والأركان في دعائم الدين، والإيضاح في الإمامة، والإرشاد، والإفصاح، والعيون والمحاسن، يقول عنه الشيخ الطوسي رحمة الله عليه: وكان يوم وفاته يوماً لم يُر أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه وكثرة البكاء من المخالف له ومن المؤالف. راجع روضات الجنّات: ج6 ص153 بالرقم576.
() هو محمّد بن يعقوب الكليني الملقّب بثقة الإسلام والمكنّي بأبي جعفر، ألّف كتابه الشريف (الكافي) خلال 20 عاماً وحكي عن ابن الأثير أنه قال في كتابه جامع الأُصول: أنّ من خواص الشيعة أنه يظهر لهم علي رأس المائة سنة هجرية مجدّد لمذهبهم ففي رأس المائة الثانية كان الإمام الرضا عليه السلام وعلي رأس المائة الثالثة كان محمّد بن يعقوب الكليني. ويعتبر الكليني أوّل من بَوّبَ الأخبار، وقد توفّي 329 أو 328 وهي سنة تناثر النجوم إلي الأرض ودفن في بغداد في مقبرته في باب الكوفة.
() هو الملاّ محمّد بن باقر بن الملاّ محمّد تقي بن مقصود علي المجلسي، ولد عام 1037ه، له العديد من المؤلّفات القيّمة وأشهرها كتابه الشريف (بحار الأنوار) الذي حفظ به تراث الشيعة من الضياع، وقد توفّي عام 1111ه ودفن في أصفهان.
() هو سيّد علماء الأمّة ومحيي آثار الأئمّة ذو المجدين أبو القاسم علي بن الحسين بن موسي بن محمّد بن موسي بن إبراهيم بن الإمام موسي الكاظم المشهور بالسيد المرتضي وبعلم الهدي، جمع من العلوم ما لم يجمعه أحد، له تصانيف مشهورة منها: الشافي في الإمامة، وكتاب الطيف والخيال، وكتاب الغرر والدرر، وله ديوان شعر يزيد علي عشرين ألف بيت، وهو أخ السيّد الشريف الرضي رحمة الله عليه. ولد سنة (355ه) وتوفّي سنة (436ه) ودفن في بيته. وقيل إنه خلّف بعد وفاته (80 ألف مجلّداً) من مقروءاته ومصنّفاته ومحفوظاته، أنظر الكني والألقاب: ج2 ص482 (علم الهدي).
() الحسن ويقال الحسين بن يوسف بن علي بن المطهّر الحلّي ويعرف بالعلاّمة: من أئمّة الشيعة وأحد كبار العلماء نسبته إلي مدينة الحلّة في العراق وفيها مولده ومسكنه ومدفنه، له كتب كثيرة منها: تبصرة المتعلّمين في أحكام الدين، وتهذيب طريق الوصول إلي علم الأصول، والأحكام في معرفة الحلال والحرام، ومختلف الشيعة في أحكام الشريعة، وأنوار الملكوت في شرح الياقوت. انظر روضات الجنّات: ج2 ص268 بالرقم (198).
() هو جعفر بن يحيي بن حسن بن سعيد الهذلي الملقّب ب (نجم الدين والمحقّق) والمكنّي بأبي القاسم، ولد عام 638ه وتوفّي عام 726ه ونقل بعض أنّ وفاته عام 676ه، من تأليفاته القيّمة هو كتاب (شرائع الإسلام) الذي طرح فيه 12 ألف مسألة.
() وهما الشيخ شمس الدين محمّد بن مكّي بن محمّد بن حامد العاملي الذي استشهد عام 876ه. والشيخ زين الدين نور الدين علي بن أحمد بن جمال الدين بن تقي الدين صالح وقد استشهد في عام 975ه أو 976ه وقد ترك بدنه ثلاثة أيّام ثمّ رموه في البحر.
() كان هشام يكنّي أبا محمّد وهو مولي بني شيبان كوفي وقد نزل بغداد ولقي الإمام الصادق عليه السلام والإمام الكاظم عليه السلام وله عنهما روايات كثيرة، وروي عنهما ? فيه مدائح جليلة وكان ممّن فتق الكلام في الإمامة وهذّب المذهب بالنظر وكان حاذقاً بصناعة الكلام حاضر الجواب.
() كان وجهاً من وجوه الشيعة عظيم المنزلة وقد أشار إليه الإمام الرضا عليه السلام في العلم والفتيا، وكان ممّن بذل له علي الوقف مال جزيل فامتنع من أخذه وثبت علي الحقّ.
() عبدالله بن جبلة الكناني: عدّه الشيخ الطوسي (رضوان الله عليه) في رجاله من أصحاب الإمام الكاظم عليه السلام، وقال النجاشي عنه: عبدالله بن جبلة بن حنان بن الحرّ الكناني أبو محمّد ثقة.. وكان فقيهاً ثقة مشهور له كتب منها: كتاب الرجال، كتاب الصفة في الغيبة، كتاب الصلاة، كتاب زكاة الفطرة، كتاب الطلاق، كتاب المواريث، كتاب النوادر.
() قال الشيخ الطوسي في الفهرست: إسماعيل بن مهران بن محمّد بن أبي نصر السكوني.. ثقة معتمد عليه، روي عن جماعة من أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام ولقي الإمام الرضا عليه السلام وروي عنه وصنّف مصنّفات كثيرة.
() أُبي بن كعب: عدّه الطوسي في رجاله من أصحاب رسول الله ? وقال: يكنّي أبا المنذر، شهد العقبة مع السبعين وكان يكتب الوحي، آخي رسول الله ? بينه وبين سعيد بن زيد، وقال الطباطبائي: إنّه من الإثني عشر الذين أنكروا علي أبي بكر تقدّمه وجلوسه مجلس رسول الله ?.
() راجع كتاب (تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام) للعلامة السيّد حسن الصدر حيث تطرّق قدّس سرّه إلي أسبقية الشيعة في التأليف والكتابة في مختلف العلوم وقد دحض بذلك بعض الإدّعاءات الخاوية الرامية للشيعة بأنّهم لا مصنّفات لهم وأنّهم تأخّروا عن غيرهم في التصنيف والتأليف.
() هذا فضلاً عن البرامج الثقافية الأُخري التي منها المجلات والصحف والأقلام وغيرها من وسائل الإعلام المستخدمة لإفساد الشعوب المسلمة.
() راجع كتاب (عندما يحكم الإسلام) للدكتور عبد الله النفيسي الصفحة الأخيرة.
() الكافي، من لا يحضره الفقيه، الاستبصار، تهذيب الأحكام.
() هو الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي الجبعي المشهور بالحرّ العاملي، ولد سنة 1023ه وتوفّي سنة 1104ه ودفن في إيوان المشهد الرضوي. خلّف ثمانية وعشرين مؤلّفاً كبيراً وسبعة وعشرين منظومة وحاشية، ومن مؤلّفاته وسائل الشيعة، إثبات الهداة، أمل الآمل.
() بحار الأنوار، وسائل الشيعة.
() بحار الأنوار: ج2 ص22 باب ثواب الهداية والتعليم ح65.
() هو الميرزا حسين بن الميرزا محمّد تقي بن الميرزا علي محمّد بن تقي النوري الطريحي من أعاظم علماء الشيعة وكبار رجال الإسلام في هذا القرن، ولد في 18 شوال 1254 في قرية (يالو) من قري نور إحدي كور طبرستان ونشأ فيها يتيماً، له عدّة هجرات إلي العراق وحضر دروس كبار العلماء أمثال الشيخ الأنصاري حيث درس درسه أشهر قلائل ولازم المجدّد الشيرازي حتّي توفّي المجدّد، وقد توفّي النوري رحمة الله عليه ليلة الأربعاء لثلاث بقين من جمادي الثانية (1320ه) ودفن في مدينة كربلاء المقدّسة داخل الصحن الشريف وكان يوم وفاته مشهوداً حزن فيه عامّة الناس لا سيّما العلماء الأعلام.
() ولد في كربلاء المقدّسة سنة 1327ه وانتهل العلوم والمعارف الإسلامية من معين مدارسها الدينية، وبلغ مكانةَ عالية في الخطابة الحسينية، واتّسم بالصفات الحسنة كالكرم والشجاعة والإقدام. واشتهر بقراءته لمقتل الإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء. اغتيل بالسمّ عبر القهوة سنة 1394ه من قبل الحكومة البعثيّة في العراق. من مؤلّفاته: قتيل العبرة.
() كتاب (الغدير) للعلاّمة المحقّق الشيخ عبد الحسين الأميني رحمة الله عليه يقع في عشرين مجلّداً طبع منها 11جلداً، ألّفه رحمة الله عليه خلال عشرين سنة وعاني من أجل تأليفه الكثير من المضايقات وضحّي بالغالي والنفيس من أجله، وهو يعتبر من خيرة مؤلّفات الشيعة الإمامية التي تثبت أحقّية أهل البيت عليهم السلام وصحّة عقائدهم.
() وهذا يدل علي دقّتهم في نقل الأحاديث حيث كانوا لا يدوّنون إلاّ المسموعات بالطرق الصحيحة.
() رجال النجاشي: ص28.
() رجال الكشي: ص507.
() راجع رجال النجاشي: ص181.
() وكان ذلك قبل أربعين عاماً تقريباً.
() للإمام السيّد عبد الحسين شرف الدين رحمة الله عليه، والكتاب عبارة عن رسائل متبادلة بين رئيس الأزهر آنذاك الشيخ سليم البشري وبين آية الله السيّد شرف الدين حول الإمامة سنة 1330ه. ولد السيّد شرف الدين سنة 1290ه في مدينة الكاظميّة في العراق، ويعدّ من تلاميذ الشيخ محمّد كاظم الخراساني، تصدّي للاستعمار الفرنسي في لبنان، فطاردته القوّات الفرنسية، وتعرّض للاغتيال عدّة مرّات وأُحرق بيته ومكتبته وكتبه الخطّية التسعة عشر التي لم يتسنّ لها أن تري النور. توفّي في الثامن من جمادي الثانية سنة 1377ه وترك عدّة مؤلّفات مطبوعة، منها: الفصول المهمّة في تأليف الأُمّة، أبو هريرة، أجوبة مسائل موسي جار الله، النص والاجتهاد، فلسفة الميثاق والولاية، رسالة كلامية، المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة.
() في العصور السابقة كانت الحركة الكتابية تختلف عمّا عليه الآن، فلو أردنا أن نستعرض تطوّر الكتابة في العصور السابقة من الرسوم والنقوش علي الجدران والمواد الصلبة ثمّ إلي نظام الإشارات، كما كان يستخدمه البابليّون والسومريّون في الألف الثانية قبل الميلاد ثمّ إلي الحروف المسماريّة، أو نستعرض أدوات الكتابة أو موادها وطريقة تحضيرها، أو نستعرض كيفية نسخ الكتاب أو طبعه أو توزيعه، أو نستعرض قدم النصوص الكتابيّة أو المكتبات العامّة والخاصّة وما تحتويها من مخطوطات، أو نستعرض الرقابة ومسير الكتّاب أو أنواع الكتب وأحجامها وأشكالها لطال بنا المقام، وبإشارة نقول:
كانت الكتابة تتمّ علي ألواح الخشب والطين والمواد الصلبة والجلود وورق البردي، وكانت بعض الدول تستخدم أعواد البامبو ودروع السلاحف والعظام والحرير ولحاء النخيل والقشرة الرقيقة البيضاء لثمرة البتولا للكتابة. وكانت الأقلام الكتابيّة عبارة عن أقلام القصب وريش الطيور والأقلام المعدنيّة، وكان تحضير الحبر الأحمر والأسود يتمّ بصعوبة وكانت الأواني التي يتمّ حفظ الحبر فيها تصنع من الفخار أو البرونز، فعلي سبيل المثال إنّ تحضير الأرقام الطينيّة يتمّ عبر وضع كميّة من الطين في إناء الماء لغرض تصفيته من الحصي والمواد الثقيلة، حيث تترسّب هذه المواد في القاع، أمّا القش وفتات الخشب وما أشبه فإنّها تطفو علي السطح، فبعد إزالة ما يطفو يأخذ الطين بعد ترك ما هبط منه نحو الأسفل، وكان يتراوح حجم الطين من «5 – 6» سم إلي «25 – 30» سم من حيث الارتفاع. وكان الكتّاب ينقشون الإشارات والرموز علي الطين النقي ثم يوضع تحت أشعّة الشمس إلي أن تجفّ ثمّ يحفظ في الخوابي الطينيّة أو ترتّب علي الرفوف.
وتحضير الجلود للكتابة يتمّ عبر غطس جلود الغنم والماعز ثلاثة أيّام في ماء الجير، لكي يذوب عنها الشحم وبقايا اللحم، وبعد ذلك يزال الصوف عنها وتشدّ ثمّ تترك مدّة من الزمن لكي تجفّ تماماً، وفي النهاية تؤخذ الجلود لتصقل من الطرفين وتقطع علي شكل مربّعات. وكانت الكتابة تتمّ علي الطرفين. وأقدم نصّ كتب علي الجلود عُثر عليه في مصر، يرجع إلي القرن الخامس عشر قبل الميلاد. وانتشر استعمال الجلود بكميّات كبيرة في القرن التاسع قبل الميلاد في مصر والعراق، ومنهما انتقل إلي البلاد الأُخري.
أمّا تحضير الورق البردي فيتمّ عبر أخذ ساق النبات وتقسيمها إلي شرائح طويلة ثمّ توضع الشريحة فوق الأُخري بشكل متصالب وتغمر في المياه ثمّ تجفّف تحت أشعّة الشمس، وتصقل بعد ذلك وتسوّي أطرافها بحيث لا يبعد طول الصفحة 25 – 30سم. وكانت الكتابة تتمّ علي شكل أعمدة علي طول الشريط وتتّصل ببعضها. وكان في بادئ الأمر يستخدم الجبس في طلاء الورق لئلاّ ينتشر الحبر في موضع الكتابة وبعد ذلك أُستخدم الصمغ الذي يصنع من الأشنة أو النشاء. واستخدم ورق البردي في الألف الرابعة قبل الميلاد في مصر، ويعتقد البعض إنّ تاريخه يعود إلي منتصف الألف الرابعة قبل الميلاد في مصر، علماً إنّ مصر كانت أكبر مصدّر لهذا الورق. وانتهي استعمال هذا النوع من الورق في القرن الثالث عشر الميلادي حيث حلّ محلّه الورق الجديد، وكانت بغداد ودمشق تعتبران مصدراً مهمّاً لصناعة هذا الورق ومنهما انتقل إلي أوروبا.
() هو أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي شيخ الطائفة، جليل القدر، عظيم المنزلة، ثقة عين صدوق، عارف بالأخبار والرجال، والفقه والأُصول، والكلام، والأدب، وجميع الفضائل تنسب إليه. ولد في شهر رمضان سنة (385ه) وتوفّي في شهر محرّم سنة (460ه) ودفن بالمشهد الغروي المقدّس، له مؤلّفات كثيرة منها: المجالس المشتهر بالأمالي، الغيبة، المصباح الكبير، المصباح الصغير، الخلاف، المبسوط، الفهرست، والرجال، … الخ. انظر روضات الجنّات: ج6 ص216 باب ما أوّله الميم.
() هو المحقّق المتكلّم الحكيم المتبحّر الجليل، محمّد بن محمّد بن الحسن الطوسي رحمة الله عليه صاحب كتاب تجريد العقائد، وكتاب التذكرة النصيرية، وكتاب تحرير أقليدس وتحرير المجسطي وشرح الإشارات والفصول النصيرية والفرائض النصيرية والأخلاق الناصرية وكثير غيرها، ولد رحمة الله عليه بمشهد طوس في سنة 597ه، وتوفّي في سنة 672ه ودفن في مقابر قريش في الكاظمية. انظر روضات الجنّات: ج6 ص300 باب ما أوّله الميم.
() راجع كتاب قصص العلماء، للتنكابني: ص432.
() هو أبو القاسم، إسماعيل بن عبّاد بن العبّاس الملقّب بالصاحب (الأصفهاني) ولد سنة 326ه، سمّاه بالصاحب الأمير أبو منصور بويه ركن الدولة لمّا صاحبه إلي بغداد عام 347ه، ولمّا تولّي أبو منصور الحكومة استدعي الصاحب من أصفهان وولاّه الوزارة. تميّز الصاحب بالأدب الرفيع حتّي صار أحد أقطاب الأدب العربي، وقد عدّ بعضهم له سبعاً وثلاثين مؤلّفاً طبع منها اثني عشر كتاباً.
() الذريعة إلي تصانيف الشيعة: ج6 ص256.
() أعيان الشيعة: ج8 ص8.
() هولاكو (نحو 1217 – 1265م) مغولي مؤسس دولة المغول الإليخانية في إيران سنة 1251م حفيد جنكيز خان، أخضع أُمراء الفرس والإسماعيلية في قلعة (الموت) 1256م، قضي علي الخلافة العباسية في بغداد 1258م واحتل سورية. هاجم المماليك جيشه في عين جالوت وأبادوه 1260م. انظر المنجد في الأعلام حرف (الهاء).
() راجع تاريخ التمدّن الإسلامي: ج3 ص51.
() راجع التراتيب الإدارية: ج2 ص453 – 454.
() التراتيب الإدارية: ج2 ص454.
() التراتيب الإدارية: ج2 ص454 – 455.
() للدكتور الكسندر ستيبتشفيتش
() ولا يخفي أنّ الإمام الشيرازي نفسه قسّمت عدد صفحات كتبه علي أيّام عمره، فظهر أنّه رحمة الله عليه كان يؤلّف أكثر من 25 صفحة في كل يوم. راجع كتاب (الوصايا الأخيرة).
() قصص العلماء للتنكابني: ص221 – 222.
() عبد الكريم قاسم محمّد بكر الزبيدي من مواليد (1914م) بغداد، التحق بالكلّية العسكرية في عام (1932م). شارك في حرب فلسطين عام (1948م) في جبهة الأردن، انتمي لتنظيم الضبّاط الأحرار عام (1956م). قام بانقلاب عسكري عام (1377ه – 1958م)، أطاح بالحكم الملكي، قتل أغلب أفراد العائلة الملكية بما فيهم الملك فيصل الثاني، أعلن الحكم الجمهوري. ألغي المظاهر الديمقراطية كالبرلمان والتعدّدية الحزبية ما عدا الحزب الشيوعي الذي أضحي الحزب المحبّب للسلطة، وألغي الحكم المدني. استمرّ حكمه قرابة أربع سنوات ونصف تقريباً. تعرّض في عام (1963م) لانقلاب عسكري دبّره عبدالسلام عارف مع مجموعة من الضبّاط البعثيين أمثال أحمد حسن البكر وعبدالكريم فرحان وصالح مهدي عمّاش وغيرهم، أُعدم رمياً بالرصاص مع بعض رفاقه في دار الاذاعة في التاسع من شباط 1963م.
() وهو تفسير مزجي ومختصر مبسّط يفهمه الجميع، ويشتمل علي ميزات لم توجد في سائر التفاسير إلاّ نادراً، طبع مرتان (ثلاثون جزءً في 10 مجلّدات) في بيروت لبنان عام 1400ه، إلاّ الأجزاء الثلاثة الأخيرة (28 و29 و30) حيث طبعت ثلاث مرّات كانت أُولاها في النجف الأشرف – العراق عامي 1385ه و1387ه.
() نوري سعيد صالح السعيد من مواليد بغداد عام (1306ه / 1888م)، أصبح رئيساً للوزراء بين عام (1349 / 1377ه – 1930 / 1958م) لأربع عشرة دورة، ووزيراً للدفاع في خمس عشرة دورة، ووزيراً للخارجية في إحدي عشرة دورة، ووزيراً للداخلية في دورتين. أحد عملاء بريطانيا في العالم العربي، وضع إمكانات العراق وقدراته تحت تصرّف البريطانيين، وكانت سياسته مبنية علي نظرية (خذ وطالب) وعلي التحالف مع الإنجليز وجعل العراق ضمن التكتلات الدولية والتبعية الاقتصادية للاستعمار، وجعل العراق سوقاً لمنتجات الدول الاستعمارية ومصدراً لمواده الخام. أسّس في الخمسينيات حزب الاتحاد الدستوري لدعم وزارته، وكان حزبه وحزب صالح جبر (الأُمّة الاشتراكي) لا يختلفان من الناحية التنظيمية والفكرية عن بعضهما، فالاثنان مواليان للإنجليز وأغلب أعضائهما من القطاع الموالي للإنجليز، وكانا يتنافسان أحياناً ويختلفان في بعض المسائل الداخلية. انتحر بعد أن أطلق النار علي نفسه عام (1377ه / 1958م) وقيل قتل، من مؤلّفاته: استقلال العرب ووحدتهم.
() هو المفكّر الإسلامي الكبير آية الله الشهيد السيّد حسن الشيرازي (1354 – 1400ه) الأخ الأصغر للإمام المؤلّف رحمة الله عليه.. وقد كتب مقالات عديدة (في مجلّة الأخلاق والآداب التي كانت تصدر من مدينة كربلاء المقدّسة منذ عام (1377ه)) منها: (زيارة العتبات) و (الإسلام يعالج مشكلة الطبقات) وغيرهما..
() راجع كتاب (عشت في كربلاء) و(كفاحنا) للمؤلّف رحمة الله عليه.
() راجع كتاب في بلادي ص34.
() الكتاب الذي صودر كان باسم (روش حكومت بيامبر وأمير مؤمنان) بالفارسية، وقد صادرتها السلطات الإيرانية من المطبعة وأحرقتها جميعاً، ثم طبع الكتاب بعد سنوات عديدة في بلد آخر باسم (برتوي از حكومت بيامبر ? وأمير مؤمنان عليه السلام.
() صادرت السلطات الإيرانية في مطار طهران الدولي (مطار مهرآباد) النسخة الخطية لكتاب (كلمة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام) لآية الله الشهيد السيّد حسن الشيرازي رحمة الله عليه وذلك في تاريخ 27/6/1995م، من أحد المشايخ الذي كان قد أتي بالكتاب من لبنان وسوريا.
() ومن الكتب التي صادرتها السلطات الإيرانية، وأتلفت جميع نسخها المطبوعة: (الفقه: الدولة الإسلامية) ثم طبع الكتاب في بيروت.
() مستدرك الوسائل: ج12 ص230 ح13960
() سورة الذاريات: 53.
() الدولة هي أمريكا، وقد ورد هذا التقرير في مجلة فارسية نشرت عام 1998م.
() أشار المؤلّف رحمة الله عليه في هذا الكتيب إلي ما وقع من تحريف في كتب النصاري وبين أهم اعتقاداتهم المنحرفة بالله تعالي وبأنبيائه وكيف أنّهم حرّفوا النصرانية التي جاء بها نبي الله عيسي (علي نبيّنا وآله وعليه السلام).
() انظر مجلّة العربي العدد 403.
() من شعراء وفلاسفة الهند، ولد سنة 1876م ومات سنة 1938م، وله عدّة مؤلّفات باللغتين الأوردية والفارسية.
() انظر مجلّة «دعوة الحقّ» المغربية.
() موهانداس كرامساند غاندي (1869 – 1948م) زعيم وطني هندي ومصلح اجتماعي ورائد فلسفة اللاّعنف في الحياة السياسية في عصره، ولد في مدينة (بوربند) الواقعة في مقاطعة غوجارات الهندية، لقّب ب (المهاتما) أي (النفس السامية) أو (القدّيس)، دعا إلي تحرير القارة الهندية من سيطرة الاستعمار الإنجليزي بالطرق السلمية والمقاومة السلبية بعيداً عن العنف، قامت الأسس العقائدية والفكرية لنضاله علي خلفيات دينية واقتصادية وسياسية في آن واحد، وهو في هذا المضمار قد تأثّر بالتعاليم من الكتب السماوية مثل (القرآن الكريم) و (الإنجيل) والتعليمات الروحية الهندوسية وبعدد من المؤلّفات، كما لا ينسي دور والدته في تربيته الدينية وبناء شخصيته أيام طفولته وصباوته، وقد تأثّر تأثّراً عميقاً بقضية عاشوراء التي استشهد فيها الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه وسبي أهل بيته عليهم السلام حتّي قال مقولته الشهيرة: (تعلّمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر)، أدّت جهوده الحثيثة إلي استقلال الهند عام 1947م، كتبت عن شخصيته أكثر من ثلاثمائة كتاب، اغتاله برهماني متعصّب في عام (1948م).
() راجع مجلة العربي: العدد 475 يونيو 1998م.
() راجع مجلة النبأ: العدد 28 ص38 السنة الرابعة.
() فقد جاء في بعض الإحصاءات أنّ إيران وحدها تنفق سنوياً 3 بلايين دولار علي شراء الأسلحة والمعدات العسكرية إضافة إلي الإنفاق الكبير علي أجهزة الأمن وحماية النظام. الحياة العدد 12548 ص11.
() السيّد زين العابدين الكاشاني، توفّي عام 1375ه ودفن في قم المقدّسة.
() جناح، محمّد علي سياسي وأديب باكستاني، ولد عام 1876 وتوفّي سنة 1948م وقد كان رئيس (الحلف الإسلامي) ومؤسّس دولة باكستان وأول رئيس لها عام (1947م).
() فضل بن حسن بن فضل الطبرسي أبو علي الملقّب بالأمين، عالم فاضل جليل القدر له مؤلّفات منها تفسير مجمع البيان وتفسير جامع الجوامع الذي يقع في أربعة مجلّدات. ونقل أنّه لمّا شرع في تفسيره مجمع البيان كان عمره قد تجاوز الستين، ولمّا شرع بتفسيره الجامع كان قد تجاوز من العمر السبعين، وله تفسير موجز في مجلّد واحد، وله كتاب إعلام الوري، توفّي رحمة الله عليه عام 548ه ودفن في المشهد الرضوي.
() الشيخ محمّد حسن بن الشيخ باقر ولد في حدود سنة 1200 أو 1202ه حسب تقدير الآغا بزرك الطهراني رحمة الله عليه، وقد نشأ وترعرع في أحضان أُسرة علمية عريقة من حيث الأُمّهات والآباء. وقد شهدت الحوزات العلمية في عصره ازدهاراً واضحاً وكان للشيخ دور واضح في هذه الحركة العلمية. وقد ألّف الشيخ حسن رحمة الله عليه مؤلّفات عديدة أبرزها هو كتابه (الجواهر) تلك الدورة الفقهية العظيمة التي بقيت كمركز استفادة للطلاّب والفقهاء علي مرّ الزمان.
() بحار الأنوار: ج1 ص203 _ 204 ب2 ح21.
() الملاّ مهدي النراقي ابن أبي ذرّ النراقي الكاشاني، كان عالماً فائقاً لعلماء عصره، درس ثلاثين عاماً عند الملاّ إسماعيل الخاجوئي وله مؤلّفات قيّمة منها: القوامع في الفقه، والأنيس، والمعتمد، والتجريد، ومحرق القلوب في مصائب أهل البيت عليهم السلام.
() السيّد نعمة الله ابن السيّد عبدالله ابن السيّد محمّد الجزائري، ولد في المنطقة الجنوبية من ايران سنة 1050ه وتوفّي في الثالث والعشرين من شوال 1112ه، وكان عالماً فاضلاً ومحقّقاً مدقّقاً ومتضلّعاً في اللغة العربية وآدابها وفي الفقه والحديث، ويعدّ من تلاميذ المجلسي والسيّد هاشم البحراني والفيض الكاشاني.
ترك ثلاثاً وأربعين كتاباً وتعليقة منها: غاية المرام في شرح تهذيب الأحكام، شرح روضة الكافي، البحور الزاخرة في شرح كلام العترة الطاهرة، أُنس الوحيد في شرح التوحيد، الأنوار النعمانية في معرفة النشأة الإنسانية.
() هو الشيخ عبّاس محمّد رضا القمّي عالم عامل ثقة عدل متتبّع بحّاثة عصره أمين مهذّب زاهد عابد صاحب المؤلّفات المفيدة، تتلمّذ علي الشيخ حسين النوري صاحب مستدرك الوسائل، له مؤلّفات كثيرة منها كتاب هداية الأحباب وكتاب الفوائد الرضوية وكتاب الكني والألقاب ومفاتيح الجنان في الأدعية والزيارات لأئمّة الهدي، توفّي عام 1359ه.
() رضا خان بهلوي (1295 1363ه = 1878 1944م) شاه إيران عام (1343 1359ه) كان ضابطاً من ضباط الجيش الإيراني، أطاح بأسرة قاجار الحاكمة وأعلن نفسه شاهاً علي إيران عام (1925م) وحكم البلاد بالاستبداد ثمّ اضطرّ إلي التنازل عن العرش لابنه محمّد رضا بهلوي.
() سورة المؤمنون: 52.
() سورة آل عمران: 103.
() انظر صحيفة الحياة، العدد 12603 ص24، الاثنين 1 أيلول (سبتمبر) 1997 الموافق 29 ربيع الآخر 1418ه.
() كانت القيمة الشرائية للدينار الواحد آنذاك ما يعادل ألف خبزة تقريباً.
() أشار سماحة الإمام الراحل رحمة الله عليه إلي مقتطفات من هذه المضايقات في مقدّمة كتابه «مباحثات مع الشيوعيين» فقال: وبالمناسبة فلا بأس أن أشير في مقدّمة هذا البحث إلي التهم التي تلقّيتها.. في الجملة مع تحفّظي علي نظافة الكلام فإنّي لا أريد أن أجرح أحداً، ولذا تماسكت عن ذكر الأسماء وبعض الخصوصيات التي ربما تكون مؤشّرة إلي ما يوجب الجرح.
ذات مرّة اجتمعنا عدّة من الأصدقاء لتأسيس مكتبة في المدرسة الهندية في كربلاء المقدّسة باسم المكتبة الجعفرية، فقالوا: إنّهم يريدون استملاك كتب الناس بهذه الحجّة، وقالوا: إنّ هذا العمل هدم لموازين أهل العلم.
واجتمعنا لإخراج مجلّة (أجوبة المسائل الدينية) فقالوا: إنّهم شكّلوا لجنة (سلوني قبل أن تفقدوني) وقالوا: هذا فضح لرجال الدين لأنّ المثقفين يستشكلون إشكالات تعجزون عن الجواب عنها. وذلك يسبّب فشل الدين ورجال الدين.
ولمّا أن قررنا تأسيس (الجمعية الخيرية الإسلامية) قالوا: هذا هدم لحوزة الطلبة في كربلاء لأنه يسبّب جرّ أهل العلم إلي التجدّد.
وحين اشتركنا لتأسيس (مطبعة أهل البيت عليهم السلام) قالوا: إنّ هذا العمل يوجب تسليط الفسّاق علي المتديّنين حيث إنّ المطبعة توجب تحرّك الأقلام المنحرفة.
ولمّا أن طبعت (وسائل الشيعة ومستدركاتها) قالوا: هذا هدم للتشيّع لأنّ المستدرك كلّه ضعيف، وقد تعب علماء الشيعة لإخراج الضعاف عن منهج التشيّع فهذا إرجاع إلي الوراء.
ولمّا طبعت كتاب (هكذا الشيعة)، قالوا: هذا تفرقة وطائفية.
ولمّا طبعت كتاب (مقالات) قالوا: نفران أفسدا العراق (عبد الكريم قاسم) بثورته و(محمّد) بتأليفه المقالات.
ولمّا طبعت كتاب (الفقه) قالوا ليس له.
وحين خرج كتاب لي في الأحاديث، قالوا إنه تأليف والده لكنّه لم يرد أن ينسبه إلي نفسه فنسبه إلي ابنه.
ولمّا أخرجنا مجلّة (الأخلاق والآداب)، وكان في عدد من أعدادها تهجماً علي الاستعمار قرّر (نوري السعيد) غلق المجلّة، وسجن القائمين بها ثلاثة أشهر.
ولمّا أخرجنا (المنشورات الدورية) في المناسبات الدينية، قالوا: إنّها تموّل من (دولارات أمريكية).
ولمّا كتبت مقالاً ضدّ الشيوعية في مجلّة (رسالة الشرق) الكربلائية قالوا: إنّها تموّل من (النقطة الرابعة) وقد أقاموا الدنيا وأقعدوها ضدّ المجلّة وضدّي وضدّ المشتركين في تحرير المجلّة.
ولمّا أن اشتركنا في تأسيس مؤسّسة (النشر الإسلامي) قالوا: كل الناس يعرفون الإسلام والتشيّع فما الداعي إلي صرف الوقت والمال في أمثال هذه الأمور.
ولمّا أن كتبنا أي كتاب قالوا ما فائدة هذا الكتاب (فالوصول) لا يحتاج إليه لأنّ الكفاية في غني بسبب حواشيها عن الوصول و (الجواهر) لم يدع مجالاً (للفقه) وشرح (العلاّمة علي التجريد) أغني الناس عن (القول السديد) وهكذا وهلم جرّا.
ولمّا أسّسنا المكتبات، قالوا أوجد القرّاء فما فائدة المكتبات بلا قرّاء (وعند الشيخ كتب من أبيه) (مسطّرة ولكن ما قراها).
() نهج البلاغة: قصار الحكم 47.
() نهج البلاغة: قصار الحكم 386.
() السيّد سعيد أحمد بن السيد جعفر السيد حسين زيني، ينتمي إلي أُسرة معروفة بالفضل، يعود نسبه إلي الإمام الحسن بن علي عليه السلام كتبي مشهور، له مشاعر طيبة وروح لطيفة محمود السيرة، وكان سياسياً واعياً وله علاقات مع بعض السياسيين وكان في نفس الوقت وكيلاً للسيد الحكيم ومن ثم وكيلاً للسيد الخوئي (قدّس سرّهما) في مدينة كربلاء المقدّسة.
() وقد أحصي بعض المهتمين الكتب التي ألفت ببركة حث الإمام الشيرازي رحمة الله عليه وتأكيده فتجاوزت الخمسة آلاف عنوان.

تعريف مرکز القائمیة باصفهان للتحریات الکمبیوتریة

جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ في سَبيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (التوبة/41).
قالَ الإمامُ علیّ ُبنُ موسَی الرِّضا – علـَیهِ السَّلامُ: رَحِمَ اللّهُ عَبْداً أحْيَا أمْرَنَا... َ يَتَعَلَّمُ عُلُومَنَا وَ يُعَلِّمُهَا النَّاسَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَاتَّبَعُونَا... (بَــنـادِرُ البـِحـار – فی تلخیص بحـار الأنوار، للعلاّمة فیض الاسلام، ص 159؛ عُیونُ أخبارِ الرِّضا(ع)، الشـَّیخ الصَّدوق، الباب28، ج1/ ص307).
مؤسّس مُجتمَع "القائمیّة" الثـَّقافیّ بأصبَهانَ – إیرانَ: الشهید آیة الله "الشمس آباذی" – رَحِمَهُ اللهُ – کان أحداً من جَهابـِذة هذه المدینة، الذی قدِ اشتهَرَ بشَعَفِهِ بأهل بَیت النبیّ (صلواتُ اللهِ علـَیهـِم) و لاسیَّما بحضرة الإمام علیّ بن موسَی الرِّضا (علیه السّلام) و بـِساحة صاحِب الزّمان (عَجَّلَ اللهُ تعالی فرجَهُ الشَّریفَ)؛ و لهذا أسّس مع نظره و درایته، فی سَنـَةِ 1340 الهجریّة الشمسیّة (=1380 الهجریّة القمریّة)، مؤسَّسة ًو طریقة ًلم یـَنطـَفِئ مِصباحُها، بل تـُتـَّبَع بأقوَی و أحسَنِ مَوقِفٍ کلَّ یومٍ.
مرکز "القائمیّة" للتحرِّی الحاسوبیّ – بأصبَهانَ، إیرانَ – قد ابتدَأَ أنشِطتَهُ من سَنـَةِ 1385 الهجریّة الشمسیّة (=1427 الهجریّة القمریّة) تحتَ عنایة سماحة آیة الله الحاجّ السیّد حسن الإمامیّ – دامَ عِزّهُ – و مع مساعَدَةِ جمع ٍمن خِرّیجی الحوزات العلمیّة و طلاب الجوامع، باللیل و النهار، فی مجالاتٍ شتـَّی: دینیّة، ثقافیّة و علمیّة...
الأهداف: الدّفاع عن ساحة الشیعة و تبسیط ثـَقافة الثـَّقـَلـَین (کتاب الله و اهل البیت علیهـِمُ السَّلامُ) و معارفهما، تعزیز دوافع الشـَّباب و عموم الناس إلی التـَّحَرِّی الأدَقّ للمسائل الدّینیّة، تخلیف المطالب النـّافعة – مکانَ البَلاتیثِ المبتذلة أو الرّدیئة – فی المحامیل (=الهواتف المنقولة) و الحواسیب (=الأجهزة الکمبیوتریّة)، تمهید أرضیّةٍ واسعةٍ جامعةٍ ثـَقافیّةٍ علی أساس معارف القرآن و أهل البیت –علیهم السّلام – بباعث نشر المعارف، خدمات للمحققین و الطـّلاّب، توسعة ثقافة القراءة و إغناء أوقات فراغة هُواةِ برامِج العلوم الإسلامیّة، إنالة المنابع اللازمة لتسهیل رفع الإبهام و الشـّـُبُهات المنتشرة فی الجامعة، و...
- مِنها العَدالة الاجتماعیّة: التی یُمکِن نشرها و بثـّها بالأجهزة الحدیثة متصاعدة ً، علی أنـّه یُمکِن تسریعُ إبراز المَرافِق و التسهیلاتِ – فی آکناف البلد - و نشرِ الثـَّقافةِ الاسلامیّة و الإیرانیّة – فی أنحاء العالـَم - مِن جـِهةٍ اُخرَی.
- من الأنشطة الواسعة للمرکز:
الف) طبع و نشر عشراتِ عنوانِ کتبٍ، کتیبة، نشرة شهریّة، مع إقامة مسابقات القِراءة
ب) إنتاجُ مئات أجهزةٍ تحقیقیّة و مکتبیة، قابلة للتشغیل فی الحاسوب و المحمول
ج) إنتاج المَعارض ثـّـُلاثیّةِ الأبعاد، المنظر الشامل (= بانوراما)، الرّسوم المتحرّکة و... الأماکن الدینیّة، السیاحیّة و...
د) إبداع الموقع الانترنتی "القائمیّة" www.Ghaemiyeh.com و عدّة مَواقِعَ اُخـَرَ
ه) إنتاج المُنتـَجات العرضیّة، الخـَطابات و... للعرض فی القنوات القمریّة
و) الإطلاق و الدَّعم العلمیّ لنظام إجابة الأسئلة الشرعیّة، الاخلاقیّة و الاعتقادیّة (الهاتف: 00983112350524)
ز) ترسیم النظام التلقائیّ و الیدویّ للبلوتوث، ویب کشک، و الرّسائل القصیرة SMS
ح) التعاون الفخریّ مع عشراتِ مراکزَ طبیعیّة و اعتباریّة، منها بیوت الآیات العِظام، الحوزات العلمیّة، الجوامع، الأماکن الدینیّة کمسجد جَمکرانَ و...
ط) إقامة المؤتمَرات، و تنفیذ مشروع "ما قبلَ المدرسة" الخاصّ بالأطفال و الأحداث المُشارِکین فی الجلسة
ی) إقامة دورات تعلیمیّة عمومیّة و دورات تربیة المربّـِی (حضوراً و افتراضاً) طیلة السَّنـَة
المکتب الرّئیسیّ: إیران/أصبهان/ شارع"مسجد سیّد"/ ما بینَ شارع"پنج رَمَضان" ومُفترَق"وفائی"/بنایة"القائمیّة"
تاریخ التأسیس: 1385 الهجریّة الشمسیّة (=1427 الهجریة القمریّة)
رقم التسجیل: 2373
الهویّة الوطنیّة: 10860152026
الموقع: www.ghaemiyeh.com
البرید الالکترونی: Info@ghaemiyeh.com
المَتجَر الانترنتی: www.eslamshop.com
الهاتف: 25-2357023- (0098311)
الفاکس: 2357022 (0311)
مکتب طهرانَ 88318722 (021)
التـِّجاریّة و المَبیعات 09132000109
امور المستخدمین 2333045(0311)
ملاحَظة هامّة:
المیزانیّة الحالیّة لهذا المرکز، شـَعبیّة، تبرّعیّة، غیر حکومیّة، و غیر ربحیّة، اقتـُنِیَت باهتمام جمع من الخیّرین؛ لکنـَّها لا تـُوافِی الحجمَ المتزاید و المتـَّسِعَ للامور الدّینیّة و العلمیّة الحالیّة و مشاریع التوسعة الثـَّقافیّة؛ لهذا فقد ترجَّی هذا المرکزُ صاحِبَ هذا البیتِ (المُسمَّی بالقائمیّة) و مع ذلک، یرجو مِن جانب سماحة بقیّة الله الأعظم (عَجَّلَ اللهُ تعالی فرَجَهُ الشَّریفَ) أن یُوفـِّقَ الکلَّ توفیقاً متزائداً لِإعانتهم - فی حدّ التـّمکـّن لکلّ احدٍ منهم – إیّانا فی هذا الأمر العظیم؛ إن شاءَ اللهُ تعالی؛ و اللهُ ولیّ التوفیق.