ضرورة التفرغ للعمل في سبيل الله

اشارة

اسم الكتاب: ضرورة التفرغ للعمل في سبيل الله
المؤلف: حسيني شيرازي، محمد
تاريخ وفاة المؤلف: 1380 ش
اللغة: عربي
عدد المجلدات: 1
الناشر: موسسه المجتبي
مكان الطبع: بيروت لبنان
تاريخ الطبع: 1421 ق
الطبعة: دوم
بسم الله الرحمن الرحيم
وقل اعملوا
فسيري الله عملكم
ورسوله والمؤمنون
صدق الله العلي العظيم
سورة التوبة: 105

كلمة الناشر

بسم الله الرحمن الرحيم
العمل بما هو هو.. شرف للعامل.
والعمل في سبيل الله.. هو رفعة وشرف وسمو للمؤمن.
وربما أمكننا أن نقسم العمل ببعض الاعتبارات إلي ثلاثة أقسام:
1: العمل في الدنيا من أجل الدنيا، ولكي يحصل العيش الرغيد و الحياة السعيدة فيها، من دون ارتكاب للمحرمات، أي في الحدود الشرعية.
2: العمل في الدنيا لأجل الهوي وما ينتج عنه من الطغيان والفساد والإفساد، وهذه أعمال شيطانية ترمي إلي الشر المحض، وفاعلها يتحول شيئا فشيئاً إلي شيطان بصورة إنسان.
3: العمل في سبيل الله والتفرغ.. وهذا ما يختص به بعض المؤمنين دون غيرهم، فإنه ما من حركة ولا سكون، ولا قول ولا فعل، إلا وينظرون فيها إلي رضاية الله عزوجل، فإن كان مرضيا له فعلوه وإلا تركوه، وكثيراً ما يتركون كثيراً من المباحات وما أشبه للوصول إلي هدفهم السامي وهو الفوز بالدرجات العلا من الجنة.
فالمؤمن لا يعيش في الدنيا وإن كان فيها، لا يعمل فيها من أجلها، بل يجعلها مزرعة للآخرة كما قال الرسول الأعظم صلي الله عليه و اله، لأن الدنيا دار ممر لا دار مقر، وهي دار سفر ورحيل وليست دار مقامة وخلود..
وفي هذا الكراس (ضرورة التفرغ للعمل في سبيل الله) يبين لنا سماحة المرجع الديني الأعلي الإمام الشيرازي (دام ظله) في محاضرة له دور الإنسان الرسالي وما يلزم عليه من التفرغ للعمل والجهاد المتواصل وترك الدنيا وزخارفها.
نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لمرضاته ولما فيه خير الدنيا والآخرة إنه سميع مجيب.
مؤسسة المجتبي للتحقيق والنشر
بيروت لبنان ص ب 6080 شوران
البريد الإلكتروني: almojtaba@shiacenter.com
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي محمد وآله الطيبين الطاهرين.

التفرغ للعمل

علي كل فرد يعيش في المجتمع أن يفّرغ نفسه للعمل في سبيل الله عزوجل، إذا تمكن من ذلك، فإن في ذلك ثواب عظيم من الله سبحانه وتعالي لعبده المؤمن..
وقد ورد في أغلب كتب التاريخ في وصف أصحاب رسول الله صلي الله عليه و اله وأمير المؤمنين عليه السلام أنهم كانوا رهباناً في الليل فرساناً في النهار() أي إنهم كانوا يقضون لياليهم في إقامة الصلاة والعبادة وقراءة القرآن وما أشبه.. وفي النهار يواصلون أيامهم في ساحات الجهاد والعمل في سبيل الله.
والجهاد: يعني إجهاد النفس لأجل طاعة الله سبحانه وتعالي وتحكيم كلمته في الأرض، فكما إن التواجد في ساحة الحرب وجهاد النفس من أنواع الجهاد، فكذلك الجهاد لأجل هداية الناس.. سواء كان عبر الكتابة والخطابة والتبليغ والموعظة الحسنة وإقامة المؤتمرات والندوات وما أشبه.. يعتبر هو الآخر من أنواع الجهاد أيضاً، وهذا لا يكون إلا عبر التفرغ التام للعمل في سبيل الله.
ذلك لأن الفرد الذي يصرف معظم يومه من أجل مكسبه الشخصي وقضاياه الحيوية الخاصة، سوف يكون عادة خائر القوي، متوتر الأعصاب في آخر يومه، وهذا ما يجعله أن لا يتمكن من القيام بمهمة التبليغ والإرشاد للمجتمع كما ينبغي..
فمن الواجب علي الإنسان المسلم الرسالي علي أقل تقدير أن يخصص جزءً من يومه وبعضاً من وقته للعمل في سبيل الله كلما تمكن من ذلك، وبالخصوص في مرحلة الشباب، لما ورد في الحديث الشريف عن رسول الله صلي الله عليه و اله: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتي يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وشبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين كسبه وفيما أنفقه، وعن حبنا أهل البيت» ().
فهذا الحديث يأمرنا بأن نحافظ علي مرحلة الشباب ولا نضيعها في اللهو والأعمال الباطلة، بل نستغلها في أعمال الخير والصلاح والتفرغ ما أمكن في سبيل الله.. ذلك لأن مرحلة الشباب سريعة الزوال، وسريعاً ما يجد الفرد نفسه يعيش في مرحلة الشيخوخة والهرم بعد أن كان في بحبوحة الشباب.
يقول الشاعر:
فتراكضوا خيل الشباب وحاذروا
ان تسترد فانهن عواري
لذا علي المؤمنين بالله وبالذات الشباب منهم أن يتفرغوا لرسالة الله ودينه، كما يتفرغ الكثير من الناس للمبادئ الهدامة والعقائد الباطلة من شيوعية وقومية ومعتقدات وثنية وما أشبه..

وجوب الجهاد

والمشهور بين الفقهاء: إن الاجتهاد واجب كفائي، لكن والدي المرحوم السيد ميرزا مهدي رحمة الله عليه() كان يقول: في زماننا هذا الاجتهاد واجب عيني، أي ان حكمه كحكم الصلاة والصيام الواجبين علي جميع الناس، وقد كان رحمة الله عليه يعلل ذلك بكثرة وجود القوي المنحرفة بين صفوف المسلمين، وضعف القوة الإسلامية بسبب قلة العلماء والفقهاء والمراجع في بلاد الإسلام، لذلك كان يري بان الاجتهاد واجب عيني في هذا الزمن..

من نصائح الوالد

من نصائح الوالد

وإني أذكر كيف كان والدي رحمة الله عليه ينصحني بقلة النوم، وقد كان معدل نومه في شبابه رحمة الله عليه ساعتين ونصف في اليوم الواحد فقط، وكلما كان يأخذه النوم والنعاس وأراد الخلود إلي الراحة كان يذكر نفسه مخاطباً إياها: يا مهدي وذلك هو اسمه رحمة الله عليه إنك ستنام في القبر أحقاباً وأحقابا حتي تصبح عظامك تراباً.. فأخر النوم إلي القبر.
وهكذا كان رحمة الله عليه يجد ويجتهد ويجاهد في سبيل طلب العلم وخدمة الله عزوجل.

في ليلة شديدة البرد

وأتذكر حادثة في هذا المجال.. وهي أننا كنا في ذات ليلة قد توجهنا من النجف الأشرف إلي كربلاء المقدسة، وذلك في أول الليل بعد صلاة المغرب والعشاء حيث صليناهما في الطريق مع الوالد، فتوقفت السيارة في وسط الطريق بين النجف وكربلاء حيث نفذ وقودها وقال السائق إننا مضطرون للبقاء هنا إلي الصباح..
وكان الجو شتاءً قارصاً ولم تكن السيارات تعبر من ذلك الطريق، لذلك أخلدنا إلي الراحة في داخل السيارة فراراً من البرد، لكن الوالد رحمة الله عليه أخذ يتمشي في الصحراء وفي ذلك الجو البارد وإلي الصباح، حتي طلع الفجر وصلينا صلاة الصبح بالتيمم لعدم وجود الماء، وحينما أشرقت الشمس قلت لوالدي: بأنك لم تنم وأخذت تتمشي إلي الصباح مع العلم بأن الليل كان طويلاً حيث إنها ليلة شتوية؟
فأجابني رحمة الله عليه: نعم كنت أريد أن أقرأ شيئاً من القرآن ذلك لأنه كان يحفظ القرآن كاملاً وكان يقرأ في كل صباح من بعد الصلاة إلي شروق الشمس جزءً من القرآن الحكيم بتجويد وصوت رخيم .
فسألته: كم قرأت من القرآن؟
قال: ثمانية أجزاء!

الاقتداء بالعظماء

يلزم علي الإنسان الرسالي أن يقتدي بهؤلاء العظماء فعليه أن يستغل عمره وأن يصرف أوقاته في طاعة الله كما كان يقضي أولئك الكبار أيامهم ويصرفون أوقاتهم في التعب والجد والاجتهاد.
والفرد يجب أن يعي بأن قدرته وعظمته لا تكمن في مدي قوة جسمه ومقدار وزنه، وإلاّ أصبح الإنسان كالغنم، همها علفها، كما في بعض الناس حيث تري الواحد منهم يفرح حينما يزيد خمس كيلوات علي وزنه ويحزن حينما ينقص عن وزنه الطبيعي، وهناك البعض ممن يقوم بوزن نفسه بين فترة وأخري، وكما هو الملاحظ في بداية شهر رمضان، من أجل أن يحافظ علي وزنه من النقصان بسبب الصوم في هذا الشهر المبارك.
فهؤلاء يتصورون أن قيمة الإنسان تكمن في كمية اللحم والعظام التي يحتويها جسمه، وأن الإنسان كلما كان وزنه أكثر كان أفضل من غيره.. بينما هذا التصور خاطئ جداً، فقدر وقيمة الإنسان تكمن في تقواه وفضيلته، وعلمه وجهاده، وحبه للخير، وخدمته للناس.

صاحب ثورة العشرين

ان الإمام الشيخ محمد تقي الشيرازي رحمة الله عليه () صاحب ثورة العشرين الشهيرة، وهو خال والدي رحمة الله عليه، لم يكن وزنه الجسمي كما يقال أكثر من خمسين كيلواً، ولكنه مع ذلك تمكن أن يجابه أكبر قوة عظمي في ذلك الوقت وهي بريطانيا، فاستطاع أن يحارب البريطانيين في العراق وأن يخرجهم منه، حيث إن بريطانيا استعمرت العراق في الحرب العالمية الأولي وأرادت أن تبقي فيه مدة طويلة، كما فعلت في الهند حيث استعمرت الهند لمدة ثلاثمائة سنة، لكنها لم تتمكن من البقاء في العراق ولا لمدة عشر سنوات، بالرغم من قلة عدد سكان العراق حيث كانوا لا يتجاوزون الأربعة ملايين نسمة في ذلك الوقت، وبالرغم من انعدام كافة الوسائل الحضارية من الصناعة المتقدمة والتكنولوجيا المتطورة والآلات الحربية الحديثة الصنع من دبابات وطائرات ومدافع وبوارج، وما أشبه.. في مقابل كل تلك الأسلحة الحديثة التي كانت تمتلكها بريطانيا، والجيش المنظم المسلح والمجهز بأحدث الأسلحة، والقوة البشرية التي كانت تسندها، والتي يصل عددها إلي المليار نسمه من البشر.. بالرغم من كل ذلك استطاع هذا الرجل العظيم الشيخ محمد تقي الشيرازي رحمة الله عليه أن يهزم ويطرد أعظم قوة في العالم آنذاك من بلد مستضعف كالعراق، هذا مع إنه لم يكن نبياً ولا إماماً ولا معصوماً وإنما كان عالماً متقياً مجاهداً في سبيل الله، يخاف الله ويخشاه ويعمل في سبيل رضاه.
قال تعالي: ?ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ? ويرزقه من حيث لا يحتسب?().
وقال عزوجل: ?ومن يتوكل علي الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً?().

حب الدنيا من موانع العمل

إذن علي المؤمنين الحقيقيين أن يفرغوا أنفسهم للعمل الإسلامي وأن لا تخدعهم الدنيا وزخرفها، فإن حب الدنيا وطلبها والسعي من أجل الحصول علي مكاسب مادية فيها، من سيارة أو قصر أو زوجة جميلة أو ما أشبه ذلك، يشكل حاجزاً بين الإنسان المؤمن وبين التفرغ في سبيل الله..
بل يلزم أن نفهم بان هذه كلها تعتبر زينة الحياة الدنيا.. وهي لن تنفعنا ?يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ? إلا من أتي الله بقلب سليم?().
فلا المال ولا المنزل ولا الجاه ولا غيره يجدي شيئاً حينها، سوي عمل الإنسان الصالح الذي قدمه في دار الدنيا، وذلك لا يكون إلا بأن يترك الدنيا وما فيها لأصحابها ويعيش بكل كيانه لله سبحانه فقط وفقط.

مع أمير المؤمنين عليه السلام

في الحديث عن الإمام الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده ? قال: «لما أشرف أمير المؤمنين عليه السلام علي المقابر قال: يا أهل التربة ويا أهل الغربة، أما الدور فقد سكنت، وأما الأزواج فقد نكحت، وأما الأموال فقد قسمت، فهذا خبر ما عندما فما خبر ما عندكم؟
ثم التفت عليه السلام إلي أصحابه فقال: لو أذن لهم في الكلام لأخبروكم إن خير الزاد التقوي ().
وهناك آية شريفة تتحدث عن هذا المجال فتقول:
?إنا جعلنا ما علي الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً? وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزا?().
نعم سوف يأتي يوم القيامة، وسيأتي يوم القبر وهو يوم عسير بالنسبة لنا، حيث تحمل جنائزنا إلي المقابر وحينها لا يكون لنا نصير إلا عملنا الصالح، كما يقول الشاعر:
وإذا حملت إلي القبور جنازة
فاعلم بأنك بعدها محمول
والشاعر الآخر يقول:
ان الطبيب له بالطب تجربة
مادام أجل الإنسان تأخير
وحينها نعرف بأننا لم نكن إلاّ في غرور وانخداع بهذه الدنيا، قد خدعتنا الأموال والقصور، وقد غررنا بالجاه والمنصب والمستقبل المادي الشخصي، حيث كان جلّ هدفنا هو الحصول علي شهادة عليا أو مكانة اجتماعية مرموقة أو منصب رفيع وما أشبه..

أبو العتاهية ومجلس هارون

جاء أبو العتاهية إلي هارون العباسي ورآه جالساً في مجلسه الكبير، وقد هيأ فيه الخمور والفجور والغناء والرقص وأصنافاً من الشعراء الذين قال عنهم القرآن الكريم: ?والشعراء يتبعهم الغاوون ? ألم ترا أنهم في كل واد يهيمون ? وأنهم يقولون ما لايفعلون? ().
وكانوا يمدحون هارون العباسي وقصره ويصفونه بإمرة المؤمنين وبأنه خليفة المسلمين! و …
فلما رأي أو العتاهية الشاعر المشهور كل ذلك سكت ولم ينطق بحرف.. إلي أن أمره هارون بأن ينشأ شعراً، فأنشأ أبو العتاهية عدة أبيات من الشعر مما أخرس جميع من في المجلس بما فيهم هارون العباسي الذي أخذ يتظاهر بالبكاء والتوبة أمام الجميع، وما كان بكاءه نابعاً من قلب صاف وإنما كان كبكاء التماسيح.
والأبيات التي أنشدها أبو العتاهية مخاطباً بها هارون كانت:
عشْ ما بداك سالماً
في ظلل شاهقة القصور
يهدي إليك بما اشتهيت
من الرواح إلي البكور
فإذا النفوس ترقرت
في ظل حشرجة الصدور
لعلمت أنك موقناً
ما كنت إلا في غرور
وكان هذا هو واقع هارون ومن حوله من المتملقين والمتزلفين، ولذلك لم يعتبر هارون ولم يخشع قلبه خشوعاً صحيحاً بسبب غروره وغطرسته.
عند ذلك أخذ جعفر البرمكي بسب أبي العتاهية وقال له: انك هدمت المجلس وغيرت الأحوال، حيث بدلت مجلس العيش والطرب والفرح إلي الحزن والبكاء والكآبة، والأمير تأثر كثيراً يعني بذلك هارون .
لكن هارون زجر جعفر وقال له: إن أبا العتاهية قد قال الحق وأنه هو الذي نبهني، أما هؤلاء الشعراء فقد خدعوني، ولكنه كان في قوله هذا كاذباً حيث كان يريد التظاهر بالتقوي والرشاد، لأن كلامه لا ينطبق مع جوره واستبداده الشديد وقتله الألوف من العلويين والشيعة وعلي رأسهم الإمام موسي بن جعفر الكاظم عليه السلام بعد أن سجنه لمدة لا تقل عن أعوام كما تؤكد الروايات علي ذلك.
مضافاً إلي غصبه للحقوق وانتهاكه للحرمات والأعراض وما أشبه.

الدنيا في القرآن

فالإنسان في غرور وتكبر مادام مرتبطاً بالدنيا ومتشبثاً بها، والقرآن الكريم يصف هذه الحالة بقوله: ?ان وعد الله حق فلاتغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ?().
وقال تعالي: ?زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ?().
وقال سبحانه: ?قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَي وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً?().
وقال عزوجل: ?إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّي إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ?().

الدنيا في الروايات

يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في كلمة جميلة له يصف الدنيا بقوله:
«إن الدنيا عيشها قصير، وخيرها يسير، وإقبالها خديعة، وإدبارها فجيعة، ولذاتها فانية، وتبعاتها باقية» ().
ومما كتبه إلي معاوية قال عليه السلام:
«بسم الله الرحمن الرحيم.. الدنيا تغر وتضر وتمر.. والسلام» ().
وبالفعل كان ذلك، فالدنيا غرّت معاوية وأضرته ومرت عليه مروراً..
وقد ورد في روايات عديدة ذم اتباع الدنيا، قال عيسي بن مريم عليه السلام للحواريين: «يا بني إسرائيل لا تأسوا علي ما فاتكم من دنياكم إذا سلم دينكم، كما لا يأسي أهل الدنيا علي ما فاتهم من دينهم إذا سلمت دنياهم» ().
وعن أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب له عليه السلام إلي عثمان بن حنيف: «.. ألا وإن إمامكم قد اكتفي من دنياه بطمريه، ومن طعامه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون علي ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد، فوالله ما كنزت من دنياكم تبراً، ولاادخرت من غنائمها وقرا، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً، ولاحزت من أرضها شبراً..» ().
وقال رجل للإمام الحسن عليه السلام: «يا بن رسول الله ما بالنا نكره الموت ولا نحبه؟ فقال عليه السلام: إنكم أخربتم آخرتكم، وعمرتم دنياكم، فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلي الخراب» ().

الانسان رهين عمله

الإنسان رهين بعمله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، والعمل الذي يتصوره الإنسان صغيراً جداً يلاقي جزاءه في الآخرة، سواءً كان هذا العمل خيراً أم شراً، قال تعالي: ?فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ? ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره?().

مما يجب علي الشباب

ان من الواجب الملقي علي عاتق الشباب المؤمن في يومنا هذا، وبصورة خاصة وان كانت المسألة تعم الجميع أن يوجهوا طاقاتهم وكفاءاتهم المودوعة في أنفسهم.. وأن يستغلوها لصالح الإسلام، ذلك لأن كل ما يمتلكه الإنسان من عين وأذن وفم ويد ورجل وفكر وعقل وقوة و … هي طاقات أودعها الله سبحانه عند الإنسان وسوف يأتي يوم تُسلب هذه النعم منه.
كما يقول الشاعر:
إنما الدنيا عواري
والعواري مستردة
شدة بعد رخاء
ورخاء بعد شدة
فعلي الشباب أن يصرفوا طاقاتهم كلها، في سبيل الله عزوجل، وفي سبيل إنهاض المسلمين، وفي سبيل تأسيس حكومة ألف وثلاثمائة مليون مسلم، حيث أن الإحصائية التي صدرت مؤخراً تنص علي أن المسلمين بلغ عددهم إلي ألف وثلاثمائة مليون مسلم وليس ألف مليون كما هو المشاع().

مقومات الإنهاض

فاللازم الاهتمام لإنهاض المسلمين، ولا يتحقق ذلك إلا بمقدمات عديدة، منها:
1: وجود22 مليون منظم، أي لكل خمسين إنساناً شخص واحد ينظمهم ويقودهم ويرشدهم لما فيه الخير والصلاح من أمور الدين والدنيا.
2: طباعة ما لا يقل عن 1300 مليون كتاب، أي لكل إنسان مسلم ما لا يقل عن كتاب واحد.
وأقصد بالكتب تلك التوعوية العقائدية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتربوية، والكتب التي تتحدث عن الاستعمار وعن استغلاله لبلاد المسلمين وكيفية الخلاص منه وما أشبه.

ما هو الأمل

ونحن كلنا أمل في أن يأتي يوم وهو قريب بإذن الله سبحانه وتعالي يكون لكل المسلمين حكومة واحدة عالمية..
وأن يكونوا أمة واحدة، كما كانوا في السابق..
وأن تزال وتتلاشي هذه الحدود الجغرافية المصطنعة فيما بينهم، والتي أوجدها الاستعمار من أجل تمزيق وحدة الأمة..
وأن ترجع الأخوة الإسلامية فيما بين المسلمين، حتي يصبح العربي والعجمي والهندي والتركي و … كلهم إخوة، كما في القرآن الحكيم: ?إنما المؤمنين إخوة?()..
وأن تسود القوانين والتشريعات الإسلامية إلي حيزّ التطبيق وتنزل في واقع البلاد الإسلامية.. وذلك مثل قانون الحريات، وقانون الضرائب الشرعية غير الباهظة، وقانون الأرض لله ولمن عمرها، وغيرها من القوانين.. سواء بالنسبة إلي المعاملة أو العبادة أو العائلة أو الدولة أو الأمة، أو غيرها.
وهذا الأمل يتحقق باذن الله تعالي، ولكن لن يأتي ذلك إلا عبر التفرغ التام للعمل في سبيل الله عزوجل.
أما حين نلتهي بالأماني الفارغة والتخيلات الكاذبة، فان ذلك لن يغير من واقعنا شيئاً.
فعلي الرساليين في كل مكان أن يعزموا علي التفرغ والتجرد من الدنيا والالتحاق بركب المجاهدين العاملين في سبيل الله من أجل تحقيق ذلك الهدف المنشود والأمل الكبير.
فان في ذلك عزة للإسلام والمسلمين، وعزة لأنفسهم ذاتهم، حيث إن الأمة إذا كانت قوية وعزيزة، فهذا يعني عزة أفرادها وقوتهم، وكذلك العكس، أي إذا كانت الأمة ذليلة منحطة كان الأفراد بدورهم أذلاء منحطين..
فإذا تفرغ المؤمنون للعمل الرسالي وجمعوا كلمتهم ووحدوا صفوفهم، انطلاقاً من الآية الكريمة: ?ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص?() وجعلوا من أنفسهم قدوة ومثالاً يحتذي بهم في مجال الخير والعمل الصالح، فحينها يمن الله بالنصر علي الأمة، وحينها يري المؤمنون رؤوسهم مرفوعة وهم يمتلكون حكومة إسلامية واحدة عالمية، ذات ألف وثلاثمائة مليون مسلم.
ولا غرابة في ذلك، فإن الأمور كلها بيد الله، وهو علي كل شيء قدير.. قال تعالي في القرآن الكريم: ?قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك علي كل شيء قدير?().
نسأل الله سبحانه وتعالي أن يرينا ذلك قريباً عاجلاً، وما ذلك علي الله بعزيز.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام علي المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلي الله علي محمد وآله الطيبين الطاهرين.
قم المقدسة
محمد الشيرازي
رجوع إلي القائمة

پي نوشتها

() راجع نهج البلاغة: الخطبة 193 ومن خطبة له عليه السلام يصف فيها المتقين، وراجع بحار الأنوار: ج41 ب101 ح17، وفيه عن علي بن الحسين عليه السلام قال: صلي أمير المؤمنين عليه السلام الفجر ثم لم يزل في موضعه حتي صارت الشمس علي قيد رمح وأقبل علي الناس بوجهه فقال: والله لقد أدركت أقواماً يبيتون لربهم سجداً وقياماً يخالفون بين جباههم وركبهم، كأن زفير النار في آذانهم … الحديث.
() أمالي الصدوق: ص39 ح9.
() هو آية الله العظمي المقدس السيد ميزرا مهدي الحسيني الشيرازي، من كبار العلماء والمراجع، ولد في 15 شعبان 1304 ه في كربلاء المقدسة، وتوفي في 28 شعبان 1380ه ودفن في الحرم الحسيني الشريف.
() آية الله العظمي المرجع الديني الأعلي الشيخ محمد تقي الشيرازي (قدس سره) المتوفي عام 1338ه.
() سورة الطلاق: 2 3.
() سورة الطلاق: 3.
() سورة الشعراء: 88 89.
() أمالي الشيخ الصدوق: ص107 المجلس الثالث والعشرون ح1.
() سورة الكهف: 7 8.
() سورة الشعراء: 224 226.
() سورة فاطر: 5.
() سورة آل عمران: 14.
() سورة النساء: 77.
() سورة يونس: 24.
() غرر الحكم ودرر الكلم: ص127 الفصل الأول ح2160.
() راجع غرر الحكم ودرر الكلم: ص135 الفصل الأول ح2347، وروضة الواعظين: ص441 مجلس في ذكر الدنيا.
() بحار الأنوار: ج14 ص304 ب21 ح16.
() بحار الأنوار: ج33 ص473 ب29 ح686.
() بحار الأنوار: ج44 ص110 ب21 ح1.
() سورة الزلزلة: 7 8.
() آخر الاحصاءات تؤكد علي أن المسلمين بلغوا المليارين، عام 2001م.
() سورة الحجرات: 10.
() سورة الصف: 4.
() سورة آل عمران: 26.

تعريف مرکز القائمیة باصفهان للتحریات الکمبیوتریة

جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ في سَبيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (التوبة/41).
قالَ الإمامُ علیّ ُبنُ موسَی الرِّضا – علـَیهِ السَّلامُ: رَحِمَ اللّهُ عَبْداً أحْيَا أمْرَنَا... َ يَتَعَلَّمُ عُلُومَنَا وَ يُعَلِّمُهَا النَّاسَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَاتَّبَعُونَا... (بَــنـادِرُ البـِحـار – فی تلخیص بحـار الأنوار، للعلاّمة فیض الاسلام، ص 159؛ عُیونُ أخبارِ الرِّضا(ع)، الشـَّیخ الصَّدوق، الباب28، ج1/ ص307).
مؤسّس مُجتمَع "القائمیّة" الثـَّقافیّ بأصبَهانَ – إیرانَ: الشهید آیة الله "الشمس آباذی" – رَحِمَهُ اللهُ – کان أحداً من جَهابـِذة هذه المدینة، الذی قدِ اشتهَرَ بشَعَفِهِ بأهل بَیت النبیّ (صلواتُ اللهِ علـَیهـِم) و لاسیَّما بحضرة الإمام علیّ بن موسَی الرِّضا (علیه السّلام) و بـِساحة صاحِب الزّمان (عَجَّلَ اللهُ تعالی فرجَهُ الشَّریفَ)؛ و لهذا أسّس مع نظره و درایته، فی سَنـَةِ 1340 الهجریّة الشمسیّة (=1380 الهجریّة القمریّة)، مؤسَّسة ًو طریقة ًلم یـَنطـَفِئ مِصباحُها، بل تـُتـَّبَع بأقوَی و أحسَنِ مَوقِفٍ کلَّ یومٍ.
مرکز "القائمیّة" للتحرِّی الحاسوبیّ – بأصبَهانَ، إیرانَ – قد ابتدَأَ أنشِطتَهُ من سَنـَةِ 1385 الهجریّة الشمسیّة (=1427 الهجریّة القمریّة) تحتَ عنایة سماحة آیة الله الحاجّ السیّد حسن الإمامیّ – دامَ عِزّهُ – و مع مساعَدَةِ جمع ٍمن خِرّیجی الحوزات العلمیّة و طلاب الجوامع، باللیل و النهار، فی مجالاتٍ شتـَّی: دینیّة، ثقافیّة و علمیّة...
الأهداف: الدّفاع عن ساحة الشیعة و تبسیط ثـَقافة الثـَّقـَلـَین (کتاب الله و اهل البیت علیهـِمُ السَّلامُ) و معارفهما، تعزیز دوافع الشـَّباب و عموم الناس إلی التـَّحَرِّی الأدَقّ للمسائل الدّینیّة، تخلیف المطالب النـّافعة – مکانَ البَلاتیثِ المبتذلة أو الرّدیئة – فی المحامیل (=الهواتف المنقولة) و الحواسیب (=الأجهزة الکمبیوتریّة)، تمهید أرضیّةٍ واسعةٍ جامعةٍ ثـَقافیّةٍ علی أساس معارف القرآن و أهل البیت –علیهم السّلام – بباعث نشر المعارف، خدمات للمحققین و الطـّلاّب، توسعة ثقافة القراءة و إغناء أوقات فراغة هُواةِ برامِج العلوم الإسلامیّة، إنالة المنابع اللازمة لتسهیل رفع الإبهام و الشـّـُبُهات المنتشرة فی الجامعة، و...
- مِنها العَدالة الاجتماعیّة: التی یُمکِن نشرها و بثـّها بالأجهزة الحدیثة متصاعدة ً، علی أنـّه یُمکِن تسریعُ إبراز المَرافِق و التسهیلاتِ – فی آکناف البلد - و نشرِ الثـَّقافةِ الاسلامیّة و الإیرانیّة – فی أنحاء العالـَم - مِن جـِهةٍ اُخرَی.
- من الأنشطة الواسعة للمرکز:
الف) طبع و نشر عشراتِ عنوانِ کتبٍ، کتیبة، نشرة شهریّة، مع إقامة مسابقات القِراءة
ب) إنتاجُ مئات أجهزةٍ تحقیقیّة و مکتبیة، قابلة للتشغیل فی الحاسوب و المحمول
ج) إنتاج المَعارض ثـّـُلاثیّةِ الأبعاد، المنظر الشامل (= بانوراما)، الرّسوم المتحرّکة و... الأماکن الدینیّة، السیاحیّة و...
د) إبداع الموقع الانترنتی "القائمیّة" www.Ghaemiyeh.com و عدّة مَواقِعَ اُخـَرَ
ه) إنتاج المُنتـَجات العرضیّة، الخـَطابات و... للعرض فی القنوات القمریّة
و) الإطلاق و الدَّعم العلمیّ لنظام إجابة الأسئلة الشرعیّة، الاخلاقیّة و الاعتقادیّة (الهاتف: 00983112350524)
ز) ترسیم النظام التلقائیّ و الیدویّ للبلوتوث، ویب کشک، و الرّسائل القصیرة SMS
ح) التعاون الفخریّ مع عشراتِ مراکزَ طبیعیّة و اعتباریّة، منها بیوت الآیات العِظام، الحوزات العلمیّة، الجوامع، الأماکن الدینیّة کمسجد جَمکرانَ و...
ط) إقامة المؤتمَرات، و تنفیذ مشروع "ما قبلَ المدرسة" الخاصّ بالأطفال و الأحداث المُشارِکین فی الجلسة
ی) إقامة دورات تعلیمیّة عمومیّة و دورات تربیة المربّـِی (حضوراً و افتراضاً) طیلة السَّنـَة
المکتب الرّئیسیّ: إیران/أصبهان/ شارع"مسجد سیّد"/ ما بینَ شارع"پنج رَمَضان" ومُفترَق"وفائی"/بنایة"القائمیّة"
تاریخ التأسیس: 1385 الهجریّة الشمسیّة (=1427 الهجریة القمریّة)
رقم التسجیل: 2373
الهویّة الوطنیّة: 10860152026
الموقع: www.ghaemiyeh.com
البرید الالکترونی: Info@ghaemiyeh.com
المَتجَر الانترنتی: www.eslamshop.com
الهاتف: 25-2357023- (0098311)
الفاکس: 2357022 (0311)
مکتب طهرانَ 88318722 (021)
التـِّجاریّة و المَبیعات 09132000109
امور المستخدمین 2333045(0311)
ملاحَظة هامّة:
المیزانیّة الحالیّة لهذا المرکز، شـَعبیّة، تبرّعیّة، غیر حکومیّة، و غیر ربحیّة، اقتـُنِیَت باهتمام جمع من الخیّرین؛ لکنـَّها لا تـُوافِی الحجمَ المتزاید و المتـَّسِعَ للامور الدّینیّة و العلمیّة الحالیّة و مشاریع التوسعة الثـَّقافیّة؛ لهذا فقد ترجَّی هذا المرکزُ صاحِبَ هذا البیتِ (المُسمَّی بالقائمیّة) و مع ذلک، یرجو مِن جانب سماحة بقیّة الله الأعظم (عَجَّلَ اللهُ تعالی فرَجَهُ الشَّریفَ) أن یُوفـِّقَ الکلَّ توفیقاً متزائداً لِإعانتهم - فی حدّ التـّمکـّن لکلّ احدٍ منهم – إیّانا فی هذا الأمر العظیم؛ إن شاءَ اللهُ تعالی؛ و اللهُ ولیّ التوفیق.