الامام الحسن العسكري أبوالقائم من بني‌هاشم (علیهما السلام) سيرة، و تعليق، و تحليل

اشارة

الاهداء

أنا أهدي كتابي هذا لكل أخ يريد أن يعرف الله حق معرفته، وأن يستمع لأوامره، و يدخل محراب طاعته من بابه الكريم التمثل بأئمة أهل بيت النبوة عليهم‌السلام، و الذي عناه الامام الصادق عليه‌السلام بقوله حين قال: «أبي الله أن يجري الأشياء الا بالأسباب: فجعل لكل شي‌ء سببا، و جعل لكل سبب شرحا، و جعل لكل شرح مفتاحا، و جعل لكل مفتاح علما، و جعل لكل علم بابا ناطقا، من عرفه عرف الله، و من أنكره أنكر الله: ذلك رسول الله، و نحن» [1] . فرسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، و أهل بيته عليهم‌السلام، هم باب الله الناطق بعلمه و بأوامره، و لا ينبغي لأحد أن يجهل ذلك أو ينكره. [ صفحه 6] و علي كل امري‌ء أن يتفكر و يتدبر.. (و لتنظر نفس ما قدمت لغد) [2] قبل أن تؤخذ بالحساب و القضاء بعد موقفين لها: في القبر، و يوم الحشر!. و لا مهرب من ذلك.. المؤلف [ صفحه 7]

حول موضوعنا

رب متسائل يقول: لم نزل هذا الكاتب في محطة أئمة أهل‌البيت عليهم‌السلام و لم يغادرها الي ما هو أجدي لحياتنا و أولي؟ و هل قعد به الفكر عن ابتكار مواضيع ذات مساس بحياة الناس الحاضرة، فعكف علي نبش تراث عفت عليه السنون. و نسيه العالمون؟!. أو أنه أفلس عن وضع لبنة حيوية يضعها في مدماك صرح التقدم، فقبع يجتر ماضيا بعيدا لا علاقة له بعصرنا الحاضر المتحضر؟!. فلهذا المتسائل أقول: أولا: أنا ما علي ممن ينظر الي الأمور بمنظار ذي غبشة؟. و ما علي ممن يريد أن يمشي علي يديه - مقلوبا - و رجلاه في الهواء؟. ثم اذا ما قلت له ما قال الله عزوجل: (أفمن يمشي مكبا علي وجهه أهدي أمن يمشي سويا علي صراط مستقيم (22) ( [3] قال: الأهدي أن يمشي مكبا علي وجهه اذا قرر ذلك العلم الحديث في حضارتنا الحديثة الضالة.. و أن يرفض كل غيب لا يقع تحت الحس و اللمس.. [ صفحه 8] فلا علي اذا، و لا عليك ممن مشوا في غبشة الليل و أخذوا مقاعدهم في صفوف المكابرين لله عزوجل، و رضوا برب صنم لأنه محسوس ملموس يقره العلم الحديث. و ثانيا: خل في بالك أنني نزلت في هذه المحطة مختارا، و عن تبصر و تصميم، و ما قعد بي الفكر و لا خانني، بل - علي العكس - هداني الي موضوع مصيري يترتب عليه فلاحنا و نجاحنا في الدارين، و لذلك نشطت الي العمل لكشف الأسس المتينة لأصول العقيدة الصحيحة التي يقوم عليها بناؤنا الاجتماعي المتكامل، لأن أي مجتمع بلا عقيدة يكون مجتمعا مفكك الأوصال، ضعيف الحال، تنعدم فيه القيم و تتدهور الأخلاق.. و ثالثا: أنا لا أكتب عن مجهولين منسيين، و لا عن تراث يمكن أن تمحوه العصور، بل أكتب عن متجاهلين متناسين مظلومين، و أحدث عن سادة قادة خافهم سلاطين الزمان الظالمون، و حكامهم و قضاتهم الجهلة، فلم يعبأوا بسلطان الأرض لأنهم سفراء سلطان السماء، قد قالوا كلمة العدل بوجه الحاكم الظالم و مضوا أنقياء أتقياء أبرارا. و لا يضيرني أن يطلع قارئي فلا يقتنع، بعد أن خلقه الله مخيرا لا مسيرا، ولكنه - في كل حال - سيجد في قراءة هذه الصفحات المشرقة راحة و متعة ان كان لا ينشد الفائدة الجوهرية. فانا قد وفقني الله عزوجل لنزول هذه المحطة الآمنة لأقول للناس: قفوا قليلا و تفكروا كثيرا، و أعيدوا النظر فيما أنتم عليه من السير الذي لا تذرون نهاية مطافه.. فانكم عما قليل موقوفون، و بين يدي ربكم مسؤولون، و لا مفر لكم من مواجهة صعبة تنتهي الي الخلود في النعيم، أو الخلود في العذاب الأليم!. ان اللبنة الأولي في بناء صرح التقدم، هي العقيدة التي بدونها تنعدم [ صفحه 9] شخصية الفرد، و يتهدم كيان المجتمع، و تقترب الانسانية من الحيوانية السافلة. فالعقيدة السليمة من كل شائبة - بعد الايمان بالله و رسوله - هي أن أهل‌البيت عليهم‌السلام، هم سفراء الله في أرضه، و حججه علي عباده - رضينا أم أبينا - و قد فرض الله سبحانه طاعتهم و ولايتهم علي الناس، كما فرض توحيده و التصديق برسوله، و كما أوجب الصلاة و الصوم و غيرهما و الفرض لا يلغيه عدم رضانا به، و لا يجعله تزويق الكلام باطلا. و أنا - بالحقيقة - لا أكتب لأدعو الآخرين لتبني عقيدتي، و لا للأخذ برأيي، و لكنني أكشف عن آثار مجيدة، و أنبش عن تراث شريف مشرف، وأبسط حقائق لا يضرها تكذيب من كذب بها، و لا يبطلها انكار من أنكرها. فقارئي مخير بين الايمان بها و بين اعتبارها ألهية كاتب تريح الأعصاب.. فليقرأني - اذا - و ليعتبرني محققا أو منمقا، محللا أو مضللا، فسيواجه في قراءتي هدأة نفسية ربما وجد فيها مائدة جلي، و عقيدة مثلي، وأئمتنا عليهم‌السلام أشهر من أن يعرفوا، و أسمي من أن يقرظوا، و من يكن فكره أنفذ من فكري و أقدر، و قلمه أرقي من قلمي و أمهر، يعجز أن يحيط بمعانيهم، و يخفق حين محاولة صياغة اللفظ المعبر عما هم عليه في واقع أحوالهم، لأنهم فوق ما نفكر و أسمي مما نتصور!. و لم يكونوا في يوم من الأيام بحاجة الي من يعرف الناس بهم فان عبق الرسالة يفوح من أردانهم، و يدل متنشق نسيم الحق علي أنهم مرتبطون بالسماء ارتباط أولياء أصفياء مختارين، ممتازين عن سائر العالمين. أما الوقوف منهم علي الحياد فانه لا ينجي العباد من سخط الله تعالي، و لا ينجي من سوء المعاد، فلابد من توليهم أو مجافاتهم كما هي الحال في الموالين و المخالفين، و لا أمر بين الأمرين اذ لا يكفي أن يحبهم الانسان و لا يتولاهم و يعمل بعملهم، سأل بعض الأصحاب امامنا الحسن العسكري عليه‌السلام عن الذين وقفوا علي امامة أبي‌الحسن، موسي الكاظم عليه‌السلام، و لم يعترفوا بخلف [ صفحه 10] من بعده هل يتوالاهم أم يتبرأ منهم، فكتب عليه‌السلام: «لا تتوالاهم، و لاتعد مرضاهم، و لا تشهد جنائزهم، (و لا تصل علي أحد منهم مات أبدا) [4] سواء من جحد اماما من الله أو زاد اماما ليست امامته من الله، كان كمن قال: (ان الله ثالث ثلاثة) [5] ان الجاحد أمر آخرنا، جاحد أمر أولنا، و الزائد فينا كالناقص الجاحد أمرنا» [6] . فالمنكر لامامة الامام المنصب من الله، كالمشرك مع الله آلهة أخري و كذلك من زاد اماما غير منصوص عليه. فلا ينظر الي الامام كما ينظر الي الأخ و الصديق و الجار و الحبيب، و لا كما ينظر الي الملك و الحاكم و الرئيس أو أي واحد من البشر،لأن الامام قد برأه الله تعالي بحسب مشيئته لا بحسب مشيئة الآخرين، و صنعه علي عينه، و اصطنعه لنفسه، و جعله مميزا عن بني‌جنسه، مزودا بالعلم و الحكمة ليكون حجته علي المخلوقين، و قد قال الامام الصادق عليه‌السلام: «ان الله عزوجل اذا أراد أن يخلق الامام، بعث ملكا فأخذ شربة من تحت العرش، ثم دفعها الي الامام فشربها. فيمكث في الرحم أربعين يوما لا يسمع الكلام، ثم يسمع الكلام بعد ذلك. فاذا وضعته أمه بعث الله اليه ذلك الملك الذي أخذ الشربة فكتب علي عضده الأيمن (و تمت كلمت ربك صدقا و عدلا لا مبدل لكلماته و هو السميع العليم) [7] . [ صفحه 11] فاذا قام بهذا الأمر - أي بالامامة - رفع الله في كل بلدة منارا ينظر به الي أعمال العباد» [8] . فهل ولد أحد منا - نحن - من شربة صافية من تحت العرش، أم من مني...؟! و هل نسمع الكلام بعد أربعين يوما من وضع نطفنا في أرحام أمهاتنا، و أنت تجد بيننا من لا يسمع الكلام و لا يذعن للحق و هو ابن أربعين سنة؟!. ثق و صدق يا قارئي الكريم أن الأئمة عليهم‌السلام غيرنا، و أنهم يختلفون عنا لأنهم مجهزون بكفاءات و بطاقات ربانية ليست من لوازم حياتنا. و نحن لا تعرف من مواهب الله تعالي لهم الا ما كشفوا لنا عنه، و ما وراء ذلك - مما لم يتوهوا به - فهو أجل و أعظم!. و من أنكر عليهم ما هم فيه و عليه،فليفعل، و ما وجدنا مكابرا عرض السماء لفرط عناده، و لا قدر معاند أن... نور الشمس بمكابرته و يجعل الليل سرمدا. ودعنا من الذين يرفضون ما أراد الله اذا لم يكن ما أراده موافقا لارادتهم!.فان أعجب العجب أن ينكر المسلمون ما أعطاه الله سبحانه لذرية نبيهم صلي الله عليه و آله و سلم و علي خلفائه. و لا أدري ما هو الجواب الذي أعدوه لربهم اذا سألهم عن رفض اختياره، أو اذا سألهم نبيهم عن انكار ولاية أبنائه و مودتهم بعد أن أمره الله تعالي بطلب مودتهم من الناس!. (قل لآ أسئلكم عليه أجرا الا المودة في القربي) [9] فما وادوهم، بل قتلوهم!. [ صفحه 12] ان الذين عاصروا الأئمة عليهم‌السلام و عاشروهم، كانوا أشد معرفة بهم منا، و بمقدار ما عرفوا من فضلهم بمقدار ما حقدت عليهم فئة مسلمة و ناصبتهم العداء طلبا للسلطان الغاشم المغتصب منهم، و طمعا في المناصب الدنيوية التي عاشوا بها علي هواهم من غير دين و لا يقين و أكلوا الأخضر و اليابس و خضموا مال الله خضما، فذلك شأن جميع الذين داروا في فلك السلطان، و أطمعهم الشيطان في العيش و الطيش. و نحن بأي منطق نصد مشيئة الله بمشيئتنا؟. و هل ينجينا في الآخرة أن نقول:(انا وجدنآ ءابآءنا علي أمة - أي طريقة - و انا علي ءاثارهم مهتدون [10] لا، و كلا فان الله تبارك و تعالي قد أمر نبيه صلي الله عليه و آله و سلم بجواب هؤلاء المقلدين مسبقا: (- قل - يا محمد - أولو جئتكم بأهدي مما وجدتم عليه ءابآءكم) [11] ؟ و بذلك تنقطع الحجة و يعيا الجواب. أئمة أهل‌البيت - يا صاحبي - خلقوا علماء حكماء، ليكونوا مل‌ء سفارة السماء، و ليتمكنوا من حمل ثقل مسؤولية رسالتها و أعبائها. فلا تقايسهم بغيرهم، و لا تجعلهم كسائر الناس، فتتعدي بذلك علي ارادة الله عز و علا، و تكون قد تجاوزت مشيئته في خلقه، و قد نبهونا الي كثير مما كانوا عليه لئلا نضل و نضيع. فمن ذلك أن جعيد الهمداني قال: قلت للحسين عليه‌السلام: جعلت فداك، بأي شي‌ء تحكمون؟. قال: يا جعيد، نحكم بحكم آل داود - أي بغير بينة و لا شهود - فاذا عيينا عن شي‌ء تلقانا به روح القدس» [12] . [ صفحه 13] و هذا واحد من ألف مما قالوه عن أنفسهم و مما ستراه طي كتابنا هذا، و هم فوق ذلك كله قطعا، ونحن نخطي‌ء كثيرا حين نقومهم كما نقوم البشر العاديين، فان الطبيب غير المهندس، و المحامي غير المعلم، و المزارع غير التاجر، و الحداد غير النجار.. و العالم غير الجاهل.. و كلهم من البشر في ميزان الخلقة و أطوار الحياة، و هكذا الأئمة المصطفون فانهم غير الآخرين اذ خلقوا معلمين، مفهمين، ملهمين [13] الي جانب أنهم معصومون عن الزلل، مبرؤن من العيب، يحملون كلمة الله الي عباده، و يريدون الخير للكل، و يمحضون النصح للجميع كدعاة للحق و الخير يعملون بما يرضي الرب سبحانه في دار فناء، من أجل نعيم دائم في دار بقاء. و الدنيا عندهم دار ممر و امتحان و موتان، و الآخرة - بنظرهم - هي الحيوان من غير زولان.. قال الامام زين‌العابدين عليه‌السلام: «الامام منا لايكون الا معصوما. و ليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها، و كذلك لا يكون الا معصوما. فقيل له: يابن رسول الله، فما معني المعصوم؟. فقال: هو المعتصم بحبل الله. و حبل الله هو القرآن، لا يفترقان الي يوم القيامة. و الامام يهدي الي القرآن، و القرآن يهدي الي الامام، و ذلك قول الله عزوجل: (ان هذا القرءآن يهدي للتي هي أقوم..)» [14] . فعصمة الامام ملكة ذاتية يفسرها اعتصامه بأحكام القرآن، و عدم مفارقته له. الأمر الذي يحجزه عن مخالفة أوامر الله تعالي و نواهيه، و عن [ صفحه 14] اقتراف صغائر المعاصي أو العمل خلاف الأولي، فضلا عن اعتصامه عن الكبائر مطلقا. و القرآن هو الامام الصامت، و الامام هو القرآن الناطق الذي يفسر و يبين و يهدي الي الأحكام، و بيان الحلال و الحرام. و قد عرف الامام الصادق عليه‌السلام المعصوم بقوله: «المعصوم هو الممتنع بالله من جميع محارم الله، و قد قال الله تبارك و تعالي: (و من يعتصم بالله فقد هدي الي صراط مستقيم» [15] . و لأن أئمتنا هكذا، فانك لا تجد ذاما لهم و.... بل الذم و الشنآن كانا - و مازالا - ينصبان علي أشياعهم و أتباعهم - أحيانا - من أهل العصبية العمياء لا من المنصفين، و لذا قال الامام الصادق عليه‌السلام: «ليس الناصب من نصب لنا أهل‌البيت، لأنك لا تجد أحدا يقول: أنا أبغض محمدا و آل محمد، و لكن الناصب من نصب لكم و هو يعلم أنكم تتولوننا وتتبرأون من أعدائنا» [16] . فالناصب بنظري مقصر عن التوصل الي معرفة الحق، و مسي‌ء الي نفسه لأنه قادر علي أن يتولي: عترة نبيه صلوات الله عليه و آله، و أن يتمسك بذلك الحبل الممدود من السماء الي الأرض، فيتمسك بالعروة الوثقي التي لا انفصام لها، ليتربع في الصف الأمامي من عباد الله الصالحين، و لا يناصب أحدا العداء بعدها لغير أعداء الله تعالي و أعداء رسوله صلي الله عليه و آله و سلم. أما امامنا أبومحمد الحسن العسكري عليه‌السلام الذي عاصر عدة سلاطين ظالمين من العباسيين عصوا الله و أطاعوا شهواتهم، فلم يتركه سلطان آخر [ صفحه 15] زمانه يعيش تمام الثماني و العشرين سنة، بل اغتاله في آخرها ليطفي‌ء نار حقد أسرته علي بني علي عليه‌السلام، و ليقطع نسله و يقف بوجه ولادة ابن يولد من صلبه يدمر الظلم و الظالمين!. و لكنه عليه‌السلام خرج من الدنيا بعد هذا العمر القصير - ريعان الشباب - عن ارهاصتين عظيمتين هما: - الأمجاد الباهرة التي تركها و العمل الجليل الذي قام به بموجب وظيفته الربانية. - و الخلف الصالح الذي ولد خفية عن الأنظار و المترصدين له ليقتلوه فور ولادته، و شاءه الله سيفا صارما يملأ الأرض قسطا و عدلا بعد أن ملئت ظلما و جورا. و قد غادر - سلام الله عليه - الحياة تاركا آثارا مشرفة بهر بها العقول و فتن الألباب، و دل علي ذاته بذاته، و برز سيد عصره رغم قيود السلطان و سدوده، فبالغ أعداؤه في مدحه و اطرائه أكثر مما بالغ بذلك محبوه و موالوه. و ستري في هذا الكتاب المتواضع أشياء من سيرته الكريمة تترك العاقل مفكرا بقدرة الله و بجليل عطاياه لأهل بيت النبوة. فاقرأ - يا عزيزي - كتابي هذا وثائق و حقائق لا خرافات و مسليات، و قل لي بعد ذلك: شكرا لتحفتك، أو عثرا لقضيتك.. و لكن لا تنس أنني لم أقبع سنين طوالا بين الكتب الا من أجلك و لصالحك، و أتمني للناس - جميعا - الهدي الي ما يرضي المولي سبحانه، و أسأله المعونة علي قول الحق للخلق بمنه و كرمه. البياض في آخر سنة 1917 هجرية و سنة 1997 ميلادية [ صفحه 17]

مولد السفير

أجل، ان كل امام هو سفير الله في أرضه. و كما أنه لا يناقش في عظمة الله عز اسمه، و لا في قدرته التي قامت بها السماوات و الأرض، فكذلك لا يناقش في نبوة النبي المرسل منه سبحانه، و لا في اقامة حجة له علي عباده، و لا يجادل في ذلك الا من افترض نفسه شريكا لله عزوجل في مشيئته و اختياره، و أولئك هم الجهلة و المماحكون. و نحن عندما نكتب عن الأئمة عليهم‌السلام، فانما نذكر بتاريخهم الذي حكاه جدهم الأعظم صلي الله عليه و آله و سلم، قبل وجودهم بزمن امتد من السنة الثلاثين الي السنة مائتين و ست و خمسين للهجرة، و ذكر ما يكونون فيه من النعم الربانية، و ما يصيبهم من ظلم الحكام و سلاطين الزمان، و من غالبية أبناء أمته بالخصوص. فكثير ما قال صلي الله عليه و آله و سلم: «انا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة علي الدنيا. و ان أهل بيتي سيلقون من بعدي بلاء و تشريدا و تطريدا» [17] . [ صفحه 18] فقد كتب الله عزوجل علي رسله و أوليائه تحمل الصعاب أثناء أداء رسالاتهم، و قضي أن يمروا في أقسي امتحانات هذه الدنيا لأنهم لا يهادنون حاكما ظالما، و لا يبايعون طاغية زمان الا مكرهين. بل يقفون بوجه الباطل فيلقون من فظاظة أهله كل مكروه، و هم صابرون ماضون في طريق أداء كلمة الحق، و لا يمنعهم التضييق عليهم عن بث دعوة الله ولو وضعوا الشمس في يمينهم و القمر في شمالهم، فيوفيهم الله تعالي في آخرتهم أجر الصابرين الذي يكون بغير حساب، ثم يرفع درجاتهم علي سائر خلقه يوم الدين، و لذلك فانهم عقلوا ما حملوه من الله تعالي، و أعطوا الدنيا ما تستحقه من غير أن يكونوا عبادا لزخرفها و زبرجها، و من دون أن يتمرغوا في غضارة... زائل زوال الظل، يلهي عن نعيم دائم الي أبد الأبد. من ذلك الامتحان القاسي أن أئمتنا عليهم‌السلام عاشوا في ظل ظلمه غاشمين جروهم الي حرب طاحنة مرة، و أقعدوهم في بيوتهم مرة ثانية، و فرضوا عليهم الاقامة الجبرية في جيرة قصور الظلم و الغشم مرة ثالثة، أو جوهم في غياهب السجون مرة بعد مرة، ثم انتهي بهم الحال الي القتل بالسيف أو بالسم في آخر مرة؟!!. و بله ذلك أدوا قسطهم من الواجب السماوي و ثبتوا ثباتا فيه شجاعة الرسل بدءا من جدهم أميرالمؤمنين علي بن أبي‌طالب عليه‌السلام، و انتهاء بالامام الحسن العسكري عليه‌السلام الذي نحن بصدد عرض سيرته المشرقة.. و لكن الضيق الذي عاناه أئمتنا الثلاثة الأخيرون: محمد الجواد، و علي الهادي، و الحسن العسكري صلوات الله عليهم، كان ضيقا فريدا من نوعه، ألزمهم أن يحتجبوا عن الناس و أن يخاطبوا مواليهم بواسطة نواب و وكلاء معتمدين يعملون بتمام السرية و التكتم. و مع ذلك كان يلاقي شيعتهم أشد العذاب حين كان ينكشف أمر علاقتهم بهم، أو أمر الاعتراف بامامتهم، الأمر الذي جعل هؤلاء الأئمة يخفون أمر خلفهم [ صفحه 19] ويسترون عليه سترهم علي أغلي أمانة الهية، فاختلف الناس في تواريخ ولادتهم، و أغمض المؤرخون - عن قصد أو عن خوف - ذكر تفاصيل حياتهم، فوصلنا من ذلك نزر يسير بعضه في غاية الاختصار.. و لكننا حين نمحص ما يقع في يدنا منه، نجد صور تاريخ حافل بالأمجاد، غني بمظاهر العظمة التي هي من صنع الله تعالي لا من صنع البشر. فمع طلوع الفجر، و قبل بزوغ شمس الرابع من شهر ربيع‌الثاني سنة اثنتين و ثلاثين و مائتين للهجرة النبوية الشريفة، و في آخر عهد خلافة «الواثق» العباسي، و أول عهد خلافة «المتوكلون»... سطع نور طلعة المولود المبارك أبي‌محمد، الحسن العسكري عليه‌السلام، فهللت الملائكة، و سبحت الحور،... الامام لمولد الامام، وفاض... و دخل السرور الي قلوب سدنة... فما دونه من سكان السماوات و بعض سكان الأرضين، فعمر قلب لجدين و الأب و الأم بالفرحة الكبري، اذ أنجز الله وعده الذي وعد به عبده و أثلج بذلك صدور جنده المؤمنين. و كان سن أبيه يومئذ ست عشرة سنة و شهورا، فشاع خبر المولود العظيم بين الأولياء و المقربين، و قرت به أعين عباد الله الصالحين، بالرغم من اخفاء مولده و طفولته و نشأته، سترا لأمره بين العامة، شأن آبائه الطاهرين من قبله... ثم بقي بعيدا عن نظر الرقباء، و لا يتشرف برؤيته الا المقربون المؤمنون. ثم حمله أبوه معه الي العراق حين أشخصه الخليفة «المتوكل» اليها سنة ست و ثلاثين و مائتين، و هو في الرابعة و شهور عن عمره الشريف. و كان [ صفحه 20] هو و أبوه و جده يعرف كل واحد منهم بابن‌الرضا عليه‌السلام [18] . و هو الامام الحادي‌عشر الذي نص عليه نبينا صلي الله عليه و آله و سلم من خلفائه الاثني عشر الذين صحح نصه عليهم الخاصة و العامة في عشرات الأحاديث المعتبرة عند كافة الفرق الاسلامية. و لم يوص اليه أبوه عليه‌السلام‌هما الا قبل موته بأربعة شهور، و لم يعلم بذلك الا خواص شيعته كما ستري بعد قليل. أبوه هو الامام علي الهادي عليه‌السلام الذي وفقنا الله سبحانه الي دراسة سيرته في كتاب سبق هذا الكتاب و لا ضرورة لتفصيل أحوال هنا. و اسم أمه سليل [19] المغربية التي كانت من العارفات الصالحات الطاهرات كما وصفها العارفون. و يكفيها شرفا أنها كانت كمفزع للشيعة و ملاذ لهم بعد وفاة زوجها العظيم، و كان يقال لها الجدة اطلاقا لكونها جدة صاحب العصر عجل الله تعالي له الفرج و النصر» و الدليل علي صحة اسمها [ صفحه 21] الذي أثبتناه من سبعة أسماء ذكرها أهل السير، أنه روي عن العالم عليه‌السلام أنه قال: لما أدخلت سليل أم أبي‌محمد عليه‌السلام علي أبيه - الهادي عليه‌السلام، قال: سليل مسلولة من الآفات و العاهات، و الأرجاس و الأدناس - أي خالصة منها - و هي من القانتات الصالحات.. ثم قال لها: سيهبك الله حجته علي خلقه.. يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا» [20] أي يهب ابنها العسكري عليه‌السلام. و قد جاء بشأنها الرفيع سلام الله عليها ما رواه الشيخ الصدوق عن أحمد بن ابراهيم الذي قال: «دخلت علي حكيمة بنت محمد بن علي الرضا، أخت أبي‌الحسن - الهادي - صاحب العسكر عليهم‌السلام، في سنة اثنتين و ستين و مائتين، فكلمتها من وراء حجاب، و سألتها عن دينها - أي عقيدتها في الامامة - فسمت لي من تأتم بهم، ثم قالت و الحجة بن الحسن عليه‌السلام فسمته - أي صاحب الزمان عليه‌السلام، فقلت لها: أين‌الولد؟!. قالت: انه مستور. فقلت: الي من تفزع الشيعة؟!. فقالت: الي الجدة، أم أبي‌محمد عليه‌السلام. فقلت لها: أقتدي بمن وصيته امرأة؟!. قالت: اقتداء بالحسين بن علي. و الحسين بن علي أوصي الي أخته [ صفحه 22] زينب بنت علي عليه‌السلام في الظاهر، و كان ما يخرج عن علي بن الحسين من علم ينسب الي زينب سترا علي علي بن الحسين عليه‌السلام» [21] . فسؤال أحمد بن ابراهيم هو استفهام مستبصر، و تعجبه من كون الوصية امرأة في محله. و كذلك الجواب الحكيم الصادر عن السيدة الجليلة حكيمة بأن تفزع الشيعة الي الجدة الكريمة، فانه جواب لا جواب غيره باعتبار تغيب الامام الحجة عجل الله تعالي فرجه عن الأنظار بأمر الله عز و علا، و الجدة لا تتكلم الا عن علم منه أو من أبيه صلوات الله عليهما. و لقد كان الامام علي بن الحسين عليه‌السلام تحت رقابة أموية شديدة بعد فاجعة كربلاء التي لم تشهد أفظع منها الأرض و لا السماء، و كان ما يخرج عنه، تبلغه عمته السيدة زينب سلام الله عليها لأصحاب العلاقة سترا علي تحركاته و نشاطاته، فكيف بالامم المغيب عن الأبصار بأمر الله، الذي لو ظفر به سلطان زمانه لقتله شر قتلة!!. فلا يجوز أن يبقي شيعته ضائعين في أول عهد غيبته الموحشة الي أن يشتهر أمر نوابه و سفرائه. فلا بد من الاتصال به بادي‌ء بدء، بواسطة أقرب الناس اليه، و ليس أقرب الي ابن السنوات الست من أمه و جدته بعد مضي أبيه، خصوصا و هو بلا أخ أصغر و لا أخ أكبر، و لا عم سوي عمه الكذاب جعفر، الذي لا يؤمن علي سلامته اذا عرف بمكان وجوده. و هذه الرواية ان دلت علي شي‌ء فانما تدل علي أن هذه الجدة ذات شأن عظيم حتي تكون مستأمنة علي حمل السؤال ورد الجواب، في مواضيع يترتب عليها حفظ الدين و حفظ الشيعة. كنية امامنا العسكري عليه‌السلام: أبومحمد، دون سواها. [ صفحه 23] و ولده: القائم المنتظر لدولة الحق في آخر الزمان، و لا ولد له سواه أبدا. و ألقابه: الصامت، و الهادي، و الرفيق، و الزكي، و النقي، و الخالص، و المشفع، و المستودع، و السراج المضي‌ء، و الشافي، و المرضي، ثم العسكري الذي هو أشهر ألقابه. و قد لقب به هو و أبوه لأن المحلة التي كانا يسكنانها بسر من رأي كانت تسمي «العسكر» فلذلك قيل لكل واحد منهما: العسكري. أما صفته: فبين السمرة و البياض. و خاتمه: سبحان من له مقاليد السماوات و الأرض. و بابه: عثمان بن سعيد، ثم الحسين بن روح النوبختي، و قد صارا من سفراء ولده المهدي عجل الله تعالي فرجه و وطد سلطانه. و شاعره: ابن‌الرومي، الشاعر المعروف و المشهور بهذا اللقب. و من ثقاته: علي بن جعفر الذي كان قيما لأبيه عليه‌السلام، و أبوهاشم: داود بن القاسم الجعفري الذي عاصر خمسة من الأئمة عليهم‌السلام، و داود بن أبي‌يزيد النيسابوري. و محمد بن علي بن بلال، و عبدالله بن جعفر الحميري القمي، و أبوعمرو: عثمان بن سعيد العمري - الزيات، و السمان -، و اسحاق بن ابراهيم الكوفي، و أبوالقاسم: جابر بن يزيد الفارسي، و ابراهيم بن عبيدالله بن ابراهيم النيسابوري. و من أصحابه: محمد بن الحسن الصفار، و عبدوس العطار، و سري بن سلامة النيسابوري، و أبوطالب: الحسين بن جعفر الشاقائي، و أبوالبختري: مؤدب ولد الحجاج. و أشهر وكلائه: محمد بن أحمد بن جعفر، و جعفر بن سهيل [ صفحه 24] الصيقلي، و قد أدركا أباه قبله، و لحقا ابنه من بعده [22] . عاش امامنا العسكري في عهد أبيه عليهم‌السلام، ثلاثا و عشرين سنة أغفل. فيها أمره المؤرخون الموالون خوفا علي أنفسهم، و المأجورون طمعا في دنيا الحكام و نيل رضاهم، و حملوا وزر اغماض أكثر الحوادث التي كانت لا ترضي أربابهم الأرضيين.. و لكننا عثرنا علي شي‌ء غير ذي بال اذا قيس بالصورة الحقيقية لسليل بيت الوحي و موضع الرسالة الذي لا فرق بين الكبير و الصغير فيه اذ كان منتجبا لحمل المسؤولية السماوية العظمي. فمن دلائل كرمات امامنا، التي حباه الله تعالي بها، ما حصل له في طفولته المبكرة و حكاه عنه محمد بن عبدالله، ما يلي: «وقع أبومحمد عليه‌السلام و هو صغير في بئر الماء، و أبوالحسن - أبوه - عليه‌السلام في الصلاة، و النسوان يصرخن. فلما سلم أبوه قال: لا بأس. فرأوه و قد ارتفع الماء الي رأس البئر، و أبومحمد علي رأس الماء، يلعب بالماء!» [23] . و لا يحسن بنا أن نقوم ونقعد لهذه الظاهرة العجيبة، المستحيلة في [ صفحه 25] العرف و العادة. بل ينبغي لنا الالتفات حالا الي أن الله تعالي الذي اختار هذه الطفل ليكون اماما منتجبا من لدنه، لا يجعل هذا الامام - في صغره - طائشا كالأطفال، و لا خلق ليلهو و يلعب كأترابه، و لا تزل قدمه كما تزل أقدام أمثاله من الصغار؛ بل شاء سبحانه أن يبدأ ظهور شأنه منذ هذه السن المبكرة، ليطلع الناس علي دلائل اختياره للأمر الكبير، بحادثة غير مألوفة تلفت الأنظار بشكل واضح لا شبهة فيه؛ فكانت هذه الحادثة التي انتشر خبرها و تناقلته الألسن و الأقلام مدة اثني‌عشر قرنا من الزمان.. حتي وصل الينا. ان مناقب حفظة أمر الله و حملة كلمته لا تتعلق بكبر و لا بصغر، و لا تدخل تحت عرف و لا عادة؛ و لو كانت مناقبهم مألوفة من غيرهم لبطل كونها مناقب و كرامات، و لصارت مثل صفات الناس العاديين.. فصفاتهم الكمالية جميعها موهوبة، و صفات غيرهم مكسوبة، و الفرق كبير بين الحالين. و ننبه الي أن مواهب الامام لا يظهرها الله تعالي أثناء وجود أبيه الا في مناسبات ضرورية، اذ من المعلوم أن أي امام لا يتكلم في الأمور العامة في حياة أبيه الا لاعطاء دليل و اظهار كرامة، و حيث يشاء الخالق سبحانه أن تبدو مخايل عظمته - فاذا مضي أبوه و خلع الله تعالي عليه سربال ولايته علي الناس، تحمل أعباء وظيفته و تصدر للفتيا صغيرا كان أو كبيرا. و لتعرف ظلم تلك العهود و قساوة غشمها، تأمل قليلا في حياة امام عاش ثلاثا و عشرين سنة لم يذكر المؤرخون عنها الا كلمات مقتضبات. و لولا الرواة الذين تناقلوا بعض الأخبار شفة فشفة و قلما فقلما لما عثرنا علي ما يبل الأوام، في حين أن أخبار لهو القصور و طيشها و عربدتها و خدمها و جواريها و غلمانها و مغنياتها و راقصاتها تملأ بطون كتب تاريخ هاتيك العهود العفنة التي لا تزال تفوح منها روائح الفسق و الفجور من دور أمراء [ صفحه 26] للمؤمنين حكموا باسم رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم و سموا أنفسهم خلفاء من بعده علي المسلمين!. تزوج الامام العسكري عليه‌السلام في زمن أبيه، و لكنه لم يرزق مولودا في مدي السنوات الست التي قضاها متزوجا في وارف ظله صلوات الله عليه و قبل وفاته. و قصة زواجه كانت آية من الآيات الباهرة، نذكرها للقاري‌ء الكريم كي يري كيف تتم مشيئة الله تعالي اذا أراد أمرا من الأمور. فقد كان بشر بن سلمان النخاس [24] - بائع الجواري - أحد موالي أبي‌الحسن و أبي‌محمد عليه‌السلام. و قد دعاه الامام أبوالحسن الهادي و قال له:... بشر، انك من ولد الأنصار، و هذه الموالاة لاتزال فيكم يرثها خلف عن سلف، و أنتم ثقاتنا أهل‌البيت. و كان قد كتب كتابا لطيفا بخط روي و لغة رومية، و طبع خاتمه عليه. و أخرج شقة صفراء فيها مئتان و عشرون دينارا أعطاه اياها مع الكتاب و أنفذه الي بغداد و قال: احضر معبر الفرات ضحوة يوم كذا، الي أن تبرز للمبتاعين جارية صفتها كذا و كذا، و يأتي موعد البيع. فعند ذلك تعطيها الكتاب. قال - بشر -: ففعلت كذا. فلما نظرت الي الكتاب بكت بكاء شديدا و قالت للنخاس: بعني من صاحب هذا الكتاب!. فما زلت أشاحه - أي أساومه و أحاول الانقاص - في ثمنها حتي استقر [ صفحه 27] الأمر و استوفي مني الدنانير - التي أرسلها معي أبوالحسن عليه‌السلام بلا زيادة و لا نقصان -. و تسلمت منه الجارية مستبشرة، فكانت تلثم الكتاب و تضعه علي خدها. فقلت: تعرفين صاحبه؟!. قالت: أعرني سمعك. أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم، و أمي من ولد الحواريين تنسب الي وصي المسيح شمعون. ان قيصر أراد أن يزوجني من ابن‌أخيه، فجمع من نسل الحواريين ثلاثمائة رجل، و من الملوك و القواد أربعة آلاف، و نصب عرشا مصوغا من أصناف الجواهر فوق أربعين مرقاة. فلما استقام أمرهم للخطبة انهارت الأعمدة، و خر الصاعد علي العرش مغشيا عليه!. فتغيرت ألوان الأساقفة و قالوا: أيها الملك اعفنا من ملاقاة هذه النحوس. فتطير جدي من ذلك، و أمر أن يزوج أخاه - أي أخاالعريس الأول -. فلما فعلوا ذلك حدث علي الثاني ما حدث علي الأول!. فقام جدي و فرق الناس. فرأيت تلك الليلة - في المنام - المسيح و شمعون و عدة من الحواريين قد اجتمعوا في قصر جدي، و نصبوا فيه منبرا من نور يباري السماء علوا و ارتفاعا، فدخل عليهم محمد صلي الله عليه و آله و سلم مع جماعة، فتقدم اليه المسيح فعانقه، و خطب محمد فزوجني من ابنه، و شهد بنو محمد و الحواريون. فلما استيقظت كنت أشفق علي نفسي من اذاعة ما رأيته مخافة القتل. فكتمت ذلك مدة، و مرضت و ضعفت نفسي، و عجزت الأطباء عن دوائي. فقال قيصر: يا بنية، هل يخطر ببالك شهوة؟. [ صفحه 28] فقلت: لو كشفت عمن في سجنك من أساري المسلمين، رجوت أن يهب المسيح و أمه لي العافية. فلما فعل ذلك تجلدت في اظهار الصحة من بدني، و تناولت يسيرا من الطعام، فأقبل علي اكرام الأساري، فأريت أيضا - في المنام - كأن فاطمة الزهراء عليهم‌السلام زارتني، و معها مريم العذارء عليهم‌السلام و ألف وصيفة من وصائف الجنان. فقيل لي هذه سيدة النساء أم زوجك أبي‌محمد، فتعلقت بها و شكوت اليها امتناع أبي‌محمد من زيارتي، فقالت: ان ابني لا يزورك و أنت مشركة بالله، و هذه أختي مريم، فدعي الشرك بالله و قولي أمامنا: أشهد أن لا اله الا الله، و أشهد أن محمدا رسول الله. فلما تكلمت بها ضمتني الي صدرها و طيبت نفسي. وكان بعد ذلك يزورني أبومحمد، ثم أخبرني أن جدك سيسري جيوشا الي قتال المسلمين يوم كذا، فعليك باللحاق به متنكرة في زي الخدم مع عدة من الوصائف من طريق كذا. ففعلت، فوقعت علينا طلائع المسلمين و أخذونا أسيرات، و كان من أمري ما شاهدت. قال بشر: فلما دخلت علي أبي‌الحسن عليه‌السلام قال لها: كيف أراك الله عز الاسلام و شرف أهل بيت نبيه محمد صلي الله عليه و آله و سلم؟!. قالت: كيف أصف لك يا ابن‌رسول الله ما أنت أعلم به مني؟!. قال: فأبشري بولد يملك الدنيا شرقا و غربا، و يملأ الأرض قسطا و عدلا، كما ملئت جورا و ظلما.. يا كافور: ادع لي أختي حكيمة. فلما دخلت عليه قال لها: هاهيه!. فاعتنقتها طويلا. [ صفحه 29] قال - عليه‌السلام -: خذيها الي منزلك، و علميها الفرائض و السنن، فانها زوجة أبي‌محمد، و أم‌القائم» [25] . فبوركت هذه الزوجة الشريفة من زوجة كريمة الأصل، عالية الفصل و الفضل، زفها رسل الله تعالي الي ولي الله في أرضه لا يداني أصله أصل في الأرض!. و لا جرم أن تلد اماما هماما يجمع بين شجرتي النبوة و الوصية، كما يجمع الناس علي العقيدة الواحدة التي تشمل المعمور في آخر الدهور!. و لقد كان امامنا بعد آبائه عليهم‌السلام جميعا، أمين الله علي غيبه، يحوط رسالة السماء النازلة علي خاتم الأنبياء صلي الله عليه و آله و سلم. و قد ألبسه الله تعالي و شاحا من عظمته، فكان مهيبا لم ير أعظم منه جلالة، و لا أغض طرفا، و لا أندي كفا، و لا أشد خشية من الله عزوجل، و لا أكثر صلاة و دعاء، و لا أعظم رجاء، و لا أحق احتراما و اكراما و تبجيلا!. قال عنه القطب الراوندي: «أما الحسن بن علي العسكري، فقد كانت أخلاقه كأخلاق رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم. و كان رجلا حسن القامة، جميل الوجه، جيد البدن، حدث السن، له جلالة و هيبة حسنة، يعظمه العامة و الخاصة اضطرارا: يعظمونه لفضله، و يقدمونه لعفافه و صيانته، و زهده و عبادته، و صلاحه و اصلاحه و كان جليلا نبيلا، فاضلا كريما، يحمل الأثقال - أي الهموم و المصائب - و لا يتضعضع للنوائب. أخلاقه خارقة للعادة، علي طريقة واحدة» [26] . [ صفحه 30] و ذكر الامام المالكي ابن‌الصباغ سيرته عليه‌السلام في سفره النفيس (الفصول المهمة) و ختمها بقوله: «مناقب سيدنا أبي‌محمد، الحسن العسكري، دالة علي أنه السري ابن‌السري، فلا يشك أحد في امامته و لايمتري؛ و اعلم أنه ان بيعت مكرمة فسواه بائعها و هو المشتري!، واحد زمانه غير مدافع، و يسود وحده من غير منازع!. و سيد أهل عصره، و امام أهل دهره. أقواله سديدة، و أفعاله حميدة، و اذا كانت أفاضل زمانه قصيدة فهو في بيت القصيدة، و ان انتظموا عقدا كان مكان الواسطة الفريدة!. فارس العلم الذي لا يجاري، و مبين غوامضه فلا يحاول و لا يماري. كاشف الحقائق بنظره الصائب، مظهر الدقائق بفكره الثاقب، المحدث في سره بالأمور الخفيات، الكريم الأصل و النفس و الذات، تغمده الله برحمته، و أسكنه فسيح جنته، بمحمد صلي الله عليه و آله و سلم آمين» [27] . و قال عنه الشيخ كمال‌الدين، محمد بن طلحة: «أما مناقبه، فاعلم أن المنقبة العليا، و المزية الكبري التي خصه الله جل و علا بها، فقلده فريدها، و منحه تقليدها، و جعلها صفة لا يبلي الدهر جديدها، و لا تنسي الألسن تلاوتها و ترديدها، أن المهدي من نسله المخلوق منه، و ولده المنتسب اليه، و بضعته المنفصلة عنه.. و كفي أبامحمد، الحسن، تشريفه من ربه، أن جعل المهدي من كسبه، و أخرجه من صلبه، و جعله معدودا في حزبه!. لم يكن لأبي‌محمد ولد سواه، و حسبه ذلك منقبة و كفاه!. لم تطل في الدنيا أيام مقامه و مثواه، و لا امتد أمد حياته ليظهر للناظرين مآثره و مزاياه!» [28] . [ صفحه 31] و لو مضينا في نقل ثناء من كتبوا عنه و مدحوه بما هو دون ما فيه، لطال بنا المقام، و لخرجنا عن جوهر موضوعنا و خطة سيرنا في بيان معالم سيرته الكريمة التي تدل علي أنه عظيم مل‌ء معني العظمة في مفهومها العلوي لا الأرضي!. لم يخلف الامام العسكري عليه‌السلام من البشر سوي الامام الثاني‌عشر المنتظر الذي جهد سلاطين الزمان في ترصد ولادته لقتله قبل أن يبصر النور، اذ صح عندهم قول الصادق الأمين صلي الله عليه و آله و سلم بأنه يدمر ملك الظالمين، و ينشر العدل بين العالمين، بيد أنهم لو بذلوا ذلك الجهد في اقامة العدل علي الأرض لكان خيرا لهم لو كانوا يعقلون!. قال السيد ابن‌طاووس: «ان مولانا الحسن بن علي العسكري عليه‌السلام، قد كان أراد قتله الثلاثة ملوك الذين كانوا في زمانه، حيث بلغهم أن مولانا المهدي عليه‌السلام يكون من ظهره عليه‌السلام. و حبسوه عدة دفعات، فدعا علي من دعا منهم، فهلك في سريع من الأوقات..» [29] . لذلك أخفي امامنا مولد ابنه عليه‌السلام‌هما بسبب أنه عاش في عهود صعبة ظالمة كانت شديدة الطلب له، لوضع اليد عليه. و لذا لم يظهر المولود المبارك علي الجمهور، و بقيت حسرة الظالمين المتربصين به لقتله في صدورهم و ماتوا و هم يزدردون غيظهم!. قال عيسي بن صبيح: «دخل الحسن العسكري عليه‌السلام الحبس، و كنت [ صفحه 32] به عارفا. فقال لي: لك خمس و ستون سنة و أشهرا، و يوما - أي أنه عليه‌السلام ذكر عدد الأشهر، و عدد الأيام!. و كان معي كتاب دعاء و عليه تاريخ مولدي، و اني نظرت فيه فكان كما قال. و قال - عليه‌السلام -: هل رزقت من ولد؟. قلت: لا. قال: اللهم ارزقه ولدا يكون له عضدا، فنعم العضد الولد.. ثم تمثل: من كان ذا عضد يدرك ظلامته ان الذليل الذي ليست له عضد قلت: ألك ولد؟. قال: اي والله سيكون لي ولد يملأ الأرض قسطا و عدلا!. فأما الآن فلا. ثم تمثل: لعلك يوما أن تراني كأنما بني حوالي الأسود اللوابد فان تميما قبل أن يلد الحصي أقام زمانا و هو في الناس واحد [30] . (وكان أمر الله مفعولا) [31] . [ صفحه 33] فقد ظهرت طلعة المولود المبارك حسب الوعد رغم تعقب الطغاة مولده لخنقه في المهد!. ثم رآه كثيرون من الثقات و الأبدال و من نساء و رجال. و تسلم أعباء الامامة من أبيه و نصب له وكلاء و... و سفراء؛ [32] و سيأتي اليوم السعيد الذي يراه فيه كل انسان علي رأس حكومة العدل التي لم ترها الأرض الا قرابة أربع سنوات علي عهد جده أميرالمؤمنين عليه‌السلام في الكوفة.. وكان أبوه لا يألو جهدا في تكرار الكلام عنه، قبل مولده، و بعده، ليثبت شيعته علي عقيدتهم بخلفاء رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم الاثني‌عشر، و لايترك فرصة الا و يغتنمها لاذاعة أمره و بيان اسمه و نعته، و ايضاح طبيعة غيبته؛ ثم ما فتي‌ء يشد قلوبهم، و يشدد في تحذيرهم من الشك و الارتياب، ليعلم أنه قد بشر و أنذر من جهة، و ليوقن أنهم صاروا علي علم تام بأمر امامهم الثاني عشر، اذ كان يعرف الشكوك التي سيقعون فيها من بعده، و الجدالات التي سترتفع فيها الأصوات بشأن ابنه صلوات الله عليه و عليه. و قد قال مرة لجماعة من شيعته: «كأني بكم و قد اختلفتم من بعدي بالخلف مني!. ألا ان المقر بالأئمة بعد رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، المنكر لولدي، كمن أقر بجميع أنبياء الله و رسله، ثم أنكر نبوة رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، لأن طاعة آخرنا كطاعة أولنا، و المنكر لآخرنا كالمنكر لأولنا!» [33] مبينا بذلك أن أمر السماء واحد لا يتجزأ، صدر عن واحد أحد، حكيم عليم، من شك فيه، أو شك بأن هذا الأمر ليس من عنده، كان من الأخسرين أعمالا. [ صفحه 34] قال أبوهاشم الجعفري رحمه الله: «قلت لأبي‌محمد، الحسن بن علي العسكري عليه‌السلام: جلالتك تمنعني عن مسألتك، أفتأذن لي أن أسألك؟. فقال: سل. فقلت: يا سيدي، هل لك ولد؟. قال: نعم. فقلت: ان حدث حادث فأين أسأل عنه؟. قال: بالمدينة» [34] . ففي الأخبار الصحيحة السند أنه عجل الله تعالي له النصر و ظهور الأمر، يقضي أكثر أوقاته في المدينة المنورة - يثرب - بجوار حضرة جده الأعظم - صلي الله عليه و آله و سلم. و قال نصر بن علي الجهضمي، و هو من ثقات المخالفين في مواليد الأئمة عليهم‌السلام: «و من دلائل ما جاء عن الحسن بن علي العسكري عند ولادة ابنه: زعمت الظلمة أنهم يقتلونني ليقطعوا هذا النسل؟!! كيف رأوا قدرة القادر؟!. و سماه المؤمل» [35] . و كذلك قال محمد بن عبدالله: «خرج عن أبي‌محمد حين قتل الزبيري: هذا جزاء من اجترأ علي الله [ صفحه 35] في أوليائه!. زعم أنه يقتلني و ليس لي ولد؟!! فكيف رأي قدرة الله فيه؟!. قال: و ولد له ولد، و سماه باسم رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، و ذلك في سنة ست و خمسين و مائتين» [36] . فكذلك كان مولد ذلك السفير الخطير سلام الله عليه. و كذلك كانت نشأته المغمضة الملامح عن قصد للمحافظة علي سلامته، و عن غير قصد، لتعويد شيعته علي مقاساة مرارة غيبته. و هكذا خلف امامنا من بعده خاتم السادة القادة النجباء الأبرار، أوصياء خاتم الأنبياء، و رسل السماء الأطهار، صلوات الله و بركاته و تحياته عليهم أجمعين.. و نحن لظهور أمره و تحقيق نصره بالانتظار ان شاء الله تعالي.. و لن أترك هذا الموضوع قبل أن أبين للقاري‌ء الكريم، كيف أظهر الامام ابنه، وأمر ابنه، للأنام بصورة سرية بارعة بلغت من التكتم مبلغا عظيما و من الاعلام المركز مبلغا أعظم!. ثم أخذ بعدها يستطلع مدي ايمان شيعته بالخبر الميمون، ليكون علي بينة مما يعتقدون. فقد قال أحمد بن اسحاق بن مصقلة: «دخلت علي أبي‌محمد عليه‌السلام فقال لي: يا أحمد، ما كان حالكم في ما كان الناس فيه من الشك و الارتياب؟! - يعني حين أبلغه خبر ولادة الحجة عجل الله تعالي فرجه -. [ صفحه 36] قلت: لما ورد الكتاب بخبر مولد سيدنا عليه‌السلام، لم يبق منا رجل و لا... و لاغلام بلغ الفهم، الا قال بالحق. قال عليه‌السلام: أما علمتم أن الأرض لا تخلو من حجة لله تعالي؟!» [37] . في حديث طويل يمر معنا ما هو بمعناه. و لكتاب الذي كان عليه‌السلام قد بعث به الي أحمد بن اسحاق، هو: «ولدنا مولود، فليكن عندك مستورا، و عن جميع الناس مكتوما. فانا لم نظهر عليه الا الأقرب لقرابته و الولي لولايته. أحببنا اعلامك ليسرك الله به مثلما سرنا به، والسلام» [38] . وبعد ذلك شرع بالسماح للأمناء علي السر برؤيته الكريمة، و بمخاطبته ليوقنوا بالحق، و ليكونوا رسل اعلام منظم موثوق. و لنبدأ بأحمد بن اسحاق بن سعد الأشعري الذي قال: «دخلت علي أبي‌محمد، الحسن بن علي العسكري عليه‌السلام، و أنا أريد أن أسأله عن الخلف من بعده. فقال لي مبتدئا: يا أحمد بن اسحاق، ان الله تبارك و تعالي لم يخل الأرض منذ خلق آدم، و لا يخليها الي أن تقوم الساعة، من حجة لله علي خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض، و به ينزل الغيث، و به يخرج بركات الأرض. فقلت: يا ابن‌رسول الله، فمن الخليفة و الامام بعدك؟. [ صفحه 37] فنهض مسرعا، فدخل البيت، ثم خرج و علي عاتقه غلام كأن وجهه القمر ليلة البدر، من أبناء ثلاث سنين، و قال: يا أحمد بن اسحاق، لولا كرامتك علي الله و علي حججه، ما عرضت عليك ابني هذا.. انه سمي رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، وكنيه الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما!! يا أحمد بن اسحاق، مثله في هذه الأمة مثل الخضر. و مثله مثل ذي القرنين!. و الله ليغيبن غيبة لا ينجو من الهلكة فيها الا من ثبته الله علي القول الثابت بامامته، و وفقه الله للدعاء بتعجيل الفرج. فنطق الغلام بلسان عربي فصيح فقال: أنا بقية الله في أرضه، و المنتقم من أعدائه!. فلا تطلب أثرا بعد عين يا أحمد بن اسحاق!. - أي لا تستقص أخباري لتراني أثناء الغيبة، و اكتف بأنك رأيت الآن و سمعت -. فخرجت مسرورا فرحا.. فلما كان من الغد عدت اليه فقلت له: يا ابن‌رسول الله، لقد عظم سروري بما مننت علي، فما السنة الجارية فيه من الخضر، و من ذي‌القرنين؟!. فقال: طول الغيبة يا أحمد. فقلت: يابن رسول الله، و ان غيبته لتطول؟!. فقال: اي و ربي، حتي يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به، فلا يبقي الا من أخذ الله عهده بولايتنا، و كتب في قلبه الايمان، وأيده بروح منه!. يا أحمد بن اسحاق، هذا أمر من أمر الله، و سر من سر الله، و غيب من غيب الله!. فخذ ما آتيتك و اكتمه، و كن من الشاكرين تكن معنا غدا في عليين» [39] . [ صفحه 38] و لسعد بن عبدالله القمي حديث في هذا الموضوع قال فيه: «جئنا - هو و أحمد بن اسحاق - الي باب دار مولانا عليه‌السلام، فاستأذنا عليه فأذن لنا، فدخلنا الدار. وكان مع أحمد بن اسحاق جراب قد ستره بكساء طبري، و كان فيه مائة و ستون صرة من الذهب و الورق - أي الفضة و العملة المسكوكة - علي كل واحدة منها خاتم صاحبها الذي دفعها اليه. و لما دخلنا وقعت أعيننا علي أبي‌محمد، الحسن العسكري عليه‌السلام، و كان وجهه كالقمر ليلة البدر؛ و قد رأينا علي فخذه غلاما يشبه المشتري في الحسن و الجمال!. و كان علي رأسه ذؤابتان، و كان بين يديه رمان من الذهب قد حلي بالفصوص و الجواهر الثمينة قد أهداه واحد من رؤساء البصرة. و كان في يده قلم يكتب به شيئا علي قرطاس، فكلما أراد أن يكتب شيئا أخذ الغلام يده، فألقي الرمان حتي يذهب الغلام الي ويجي‌ء به؛ فلم يترك يده يكتب ما شاء. ثم فتح أحمد بن اسحاق الكساء، و وضع الجراب بين يدي العسكري عليه‌السلام. فنظر العسكري الي الغلام فقال: فض الخاتم عن هدايا شيعتك و مواليك!. فقال الغلام: يا مولاي، أيجوز أن أمد يدا طاهرة الي هدايا نجسة و أموال رجسة؟!. [ صفحه 39] ثم قال: يا ابن‌اسحاق، أخرج ما في الجراب ليميز بين الحلال و الحرام. ثم أخرج صرة فقال الغلام: هذا لفلان بن فلان من محلة كذا بقم، مشتمل علي كذا و كذا.. الخ..» [40] و الحديث طويل يمر ما هو بمعناه. فالمولود المبارك الذي اختاره الله سبحانه ليكون آية للعالمين في العالمين، و ليقيم دولة الحق و العدل علي الأرض بعد ظلم مئات و مئات السنين، أصبح موجودا، و ذا دلائل ربانية تشير الي أنه آية من آيات ربه، وحجة له علي خلقه أجمعين.. و بعد ذلك أخذ امامنا عليه‌السلام يدرب شيعته علي غيبة ابنه و اختفائه عن أنظارهم بقدرة الله عزوجل؛ فقد حدث يعقوب بن منقوش قائلا: «دخلت علي أبي‌محمد و هو جالس علي دكان - أي مصطبة - في الدار، و عن يمينه بيت عليه ستر مسبل، فقلت له: سيدي، من صاحب هذا الأمر؟. - أي من الخلف و الامام بعدك؟ -. فقال: ارفع الستر. فرفعته، فخرج علينا غلام خماسي له عشر أو ثمان أو نحو ذلك. واضح الجبين، أبيض الوجه، دري المقلتين - شديد بياضهما - شثن الكفين - غليظهما مع قصر - معطوف الركبتين - مائلهما نحو القدم لغلظهما - في خده الأيمن خال - شامة - و في رأسه ذوائب.. فجلس علي فخذ أبي‌محمد، فقال لي: هذا صاحبكم. [ صفحه 40] ثم وثب فقال له: يا بني ادخل الي الوقت المعلوم!. فدخل البيت و أنا أنظر الي. ثم قال لي - الامام عليه‌السلام -: يا يعقوب، انظر من في البيت. فدخلت فيه، فما رأيت أحدا!» [41] . و بهذا و مثله، فتح امامنا عليه‌السلام باب التفكر بقدرة الله تعالي علي تغييب وليه عن أنظار الناس رغم وجوده حاصرا ناظرا فيما هم فيه و عليه!. ثم لما رأي مناسبة أخيرة، قد اجتمع فيها أكثر أصحابه وأمنائه بخدمته، شرفهم برؤيته وأنذرهم بغيبته و حذرهم من الشك و الارتياب بأمر الله و مشيئته. فقد حدث محمد بن معاوية بن حكيم، و محمد بن أيوب بن نوح، ومحمد بن عثمان العمري - و هم من الثقات الأبدال -: قالوا: «عرض علينا أبومحمد ابنه و نحن في منزله، وكنا أربعين رجلا، فقال: هذا امامكم من بعدي، و خليفتي عليكم، فاتبعوه و أطيعوه و لا تتفرقوا فتهلكوا في أديانكم!. أما انكم لا ترونه بعد يومكم هذا!. قالوا: فخرجنا من عنده، فما مضت الا أيام قلائل حتي مضي أبومحمد عليه‌السلام» [42] . [ صفحه 41] أي أنه عليه‌السلام توفي بعد اعلان هذه الوصية التي تدل علي أسلوبه البارع في تعميق فكرة الغيبة في أذهان شيعته، اذ وعدهم - سلفا - بأنهم لن يجتمعوا بامامهم الخلف عليه‌السلام للسؤال و الاستفتاء كما هي العادة بين الامام و تابعيه، بل سيكون اتصالهم به بواسطة أبوابه، و نوابه، و سفرائه الذين يمكن - نادرا - أن يتشرفوا برؤيته أثناء الغيبة الصغري، لينقلوا عنه الأوامر و الأحكام. و هكذا جري امامنا عليه‌السلام علي تعويد أتباعه علي غيبة ابنه الطويلة الموحشة، و أقامه في قلوبهم و بصائرهم، و في صميم عقيدتهم، بعد أن كان قد بدأ نفسه فأخذ يحتجب عنهم - قبل مضيه بسنوات - و صار يفتيهم بواسطة الوكلاء و المعتمدين الذين كان يقبض منهم الأموال، و يعطيهم الأجوبة علي كل سؤال.. ..«قال محمد بن عثمان العمري رحمه الله: «سمعت أبي يقول: سئل أبومحمد، الحسن بن علي عليه‌السلام، و أنا عنده، عن الخبر الذي روي عن آبائه عليهم‌السلام: أن الأرض لا تخلو من حجة لله علي خلقه الي يوم القيامة، و من مات و لم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية؟!. فقال: ان هذا حق. فقيل له: يا ابن‌رسول الله، فمن الحجة و الامام بعدك؟!. فقال: ابني محمد هو الامام بعدي. من مات و لم يعرفه مات ميتة جاهلية!. أما ان له غيبة يحار فيها الجاهلون، و يهلك فيها المبطلون، [ صفحه 42] ويكذب فيها الوقاتون!. ثم يخرج، فكأني أنظر الي الأعلام و الرايات تخفق فوق رأسه!» [43] . و قبل أن نثب لك الي موضوع آخر، نضع بين يديك نموذجا مما خاطب به امامنا العظيم نجله الكريم عليه‌السلام‌هما، في هذا الموضوع، حيث قال له: «يا بني: ان الله جل ثناؤه لم يكن ليخلي أطباق أرضه، و أهل الجد في طاعته و عباده، بلا حجة يستعمل بها، و امام يؤتم به و يقتدي بسبيل سننته و منهاج قصده. و أرجو يا بني أن تكون أحد من أعده الله تعالي لنشر الحق وطي الباطل، و اعلاء الدين، و اطفاء الضلال!. فعليك يا بني بلزوم خوافي الأرض، و اتبع قواصيها؛ فان لكل ولي من أولياء الله تعالي عدوا مقارعا، و ضدا منازعا، افتراضا لثواب مجاهدة أهل نفاقه و خلافه، أولي الالحاد و العناد، فلا يوحشنك ذلك. و اعلم أن قلوب أهل الطاعة و الاخلاص تفزع اليك كالأطيار الي أوكارها؟. و هم معشر يطلعون بمخايل الذلة و الاستكانة، وهم عندالله بررة يتزيون بأنفس مختلفة محتاجة، و هم أهل القناعة و الاعتصام، استبطنوا الدين فوازروه علي مجاهدة الأضداد، و خصهم الله تعالي باحتمال الضيم في الدنيا ليشملهم اتساع العز في دار القرار، و جبلهم علي خلائق الصبر علي موارد أمورك. و كأنك بتأييد نصر الله و قد آن، و تيسير الفرج و علو الكعب و قد حان!. [ صفحه 43] و كأنك بالرايات الصفر، و الأعلام البيض، تخفق علي أثناء أعطافك ما بين الحطيم و زمزم!. و كأنك بترادف البيعة، و تصادف الولي، يتناظم عليك الدر في مثاني العقود، و تصافق الأكف في جنبات الحجر الأسود تلوذ بفنائك من ملاء برأهم الله في طهارة الولادة ونفاسة التربة؛ مقدسة قلوبهم من دنس النفاق، مهدية أفئدتهم من رجس الشقاق، لينة عرائكهم للدين، خشنة ضرائبهم علي المعتدين، واضحة بالقبول وجوههم، نضرة بالفضل عيدانهم، يدينون الحق و أهله!. فاذا اشتدت أركانهم، و تقومت أعمدتهم، قدمت بمكانفتهم طبقات الأمم الي بيعتك في ظلال دوحة بسقت أفنان غصونها علي حافات بحيرة طبرية - و ذلك بعد قتل السفياني -. فعندها يتلألأ صبح الحق، و ينجلي ظلام الباطل، ويقصم الله بك الطغيان، و يعيد معالم الايمان!. فيظهر بك أقسام الآفاق، و يظهر بك السلام للرفاق!. يود الطفل في المهد لو استطاع اليك نهوضا لنهض، ونواشط الوحش لو وجد نحوك مجازا!. تهتز بك أطراف الدنيا بهجة، و تهتز بك أعطاف العز نضرة، و تستقر بواقي الحق في قرارها، و تؤوب شوارد الدين الي أوكارها!. تتهاطل عليك سحائب الظفر، و يخنق كل عدو، و ينصر كل ولي، فلا يبقي علي وجه الأرض جبار قاصد، و لا جاحد فاجر، و لا مارد غائض، و لا شاني‌ء مبغض، و لا معاند كاشح!. (و من يتوكل علي الله فهو حسبه ان الله بلغ أمره قد جعل الله لكل شي‌ء قدرا) [44] . [ صفحه 44] و ليس أسخف ممن يحاول التعليق علي هذه المناجاة - المناغاة، يلفظها الامام للامام في ساعة علوية ينظر أثناءها الأب الي ما وراء الغيب، و يخاطب الابن بلغة عالية عالية ان نحن مدحناها أنزلنا من قيمتها، و ان حاولنا التعليق عليها ذهبنا برونقها و ببهجة مبناها و رونق معناها، لأنها من طراز كلام أميرالمؤمنين عليه‌السلام الذي هو دون كلام الخالق، و فوق كلام المخلوق.. و قبل ختام هذا الموضوع، نلفت نظر القاري‌ء الكريم الي أن الامام العسكري عليه‌السلام كان حكيما غاية الحكمة في اخفاء أمر ابنه العظيم صلوات الله عليه و تحياته و بركاته، سترا لأمره من سلطان غاشم يطلب رأسه و يترصد ولادته، وينكل بأبيه و بشيعته سجنا و تضييقا و قتلا و تشريدا.. ثم استعمل نفس الحكمة في تعريف شيعته بحال ابنه في غيبته، و عودهم علي الاتصال بامامهم عبر الوكلاء و السفراء، و ربطهم بامامهم المغيب علي هذه الطريقة، ثم أخرج لهم كتاب عمل كان نواة الرسائل العملية التي تحتوي الأحكام و الحلال و الحرام التي يصدرها المراجع من مجتهدي الشيعة للشيعة منذ ذلك العصر و الي الظهور المبارك؛ فقد قال محمد بن الوجناء: «كتبنا الي أبي‌محمد عليه‌السلام نسأله أن يكتب، أو يخرج لنا كتابا نعمل به، فأخرج لنا كتاب عمل». و قد تحدث الصفواني عن ذلك الكتاب أيضا؛ و اكتفينا بما ذكرناه. [ صفحه 45]

وعمره القصير!

عاصر الامام العسكري عليه‌السلام ثلاثة من خلفاء بني‌العباس، هم: المعتز، و المهتدي، و المعتمد. فقد كانت في سني امامته بقية ملك المعتز ابن‌المتوكل، ثم ملك المهتدي ابن‌الواثق أحد عشر شهرا و ثمانية و عشرين يوما، ثم ملك المعتمد ابن‌المتوكل عشرين سنة و أحد عشر شهرا! و بعد مضي خمس سنين من ملك المعتمد [45] ، قام هذا الخليفة و من كان حوله من قراصنة الأمة في العصر الظالم بدس السم للامام عليه‌السلام في أول شهر ربيع الأول من سنة ستين و مائتين [46] ، فقبضه الله تعالي اليه شهيدا، و أعد لظالميه ما يستحقونه من جزاء تلك الجريمة النكراء!. و لا أدري ما هو الجواب الذي اعدوه لجده رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، يوم يلقونه بدم ابنه الزكي عليه‌السلام!. [ صفحه 46] و قد علل امامنا عليه‌السلام سبب قتله قبل قتله، اذ قال يوما لبعض أصحابه: «وضع بنوأمية و بنوالعباس سيوفهم علينا، لأنهم كانوا يعلمون أنه ليس لهم في الخلافة حق، فيخافون أن تستقر في مركزها؛ و سعوا في قتل أهل بيت رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم و ابادة نسله طمعا في الوصول الي منع تولد القائم عليه‌السلام أو قتله، فأبي الله أن يكشف أمره لواحد منهم الا أن يتم نوره ولو كره المشركون» [47] . فماذا جني أولئك الحاقدون علي الله تعالي اذ فضل غيرهم عليهم! و ماذا اجتني المحاربون لرسوله صلي الله عليه و آله و سلم اذ بلغ ما جاءه عن ربه، سوي أنهم حملوا أوزار تلك الآثام العظمي ليقابلوا بها الله و رسوله يوم الوقفة الكبري؟!. و لا أعلم كيف وافق معاصروهم من المسلمين، علي ما ادعوه من خلافة نبيهم بعد أن رأوهم يحكمون بخلاف دينه، و ينكلون بذريته و بأصحابه و أتباعه من المؤمنين؟!. و اذا افترضنا أن خلفاء ذلك الزمان: كانوا ملحدين في دين الله من أجل السلطان، فما بال غيرهم من حملة الدين و ذوي العمائم و اللحي من المتفقهين؟!. انه لا عجب أن يضل بعض الناس في الأمة.. و لكن أن تضل الأكثرية بضلال الأقلية فذلك أعجب!. و أن يسكت البعض عن الأمر بالمعروف، فذلك شي‌ء مألوف.. أما أن يسكت جميع ذوي الألباب فذلك أمر يدعو الي الارتياب!. [ صفحه 47] و اذا مر هؤلاء - جميعا - في هذه الدنيا بدون عقاب، فلن ينفلتوا - جميعا - في الآخرة دون حساب... و عقاب!. و لمستفهم أن يقول: لم يشرب الامام السم اذا دس اليه من أعدائه، مازال يعلم ما كان و ما يكون؟. و كيف يلقي بنفسه الي التهلكة، و هو يأمر الناس بعدم جواز ذلك؟!. و هذا الاستفهام في محله.. و لكن نجيب عليه بأمرين تيسرا لنا: أولهما: أن الامام لا يقاس بالبشر العاديين، فان له أحكاما تختلف عن أحكامهم؛ وهي خاصة به كسفير لله في أرضه، مرتبط بأوامر السماء حين ابتداء سفارته و حين انتهائها. و لذلك فانه يستسلم لقضاء الله تعالي و قدره بعد اتمام دوره الريادي و انتهاء أمد وظيفته. و بهذا لا يكون قد ألقي بنفسه الي التهلكة، بل علم سبب موته - كما يعلم أسباب موت الآخرين - كما قدره الله سبحانه له، في حين أن الآخرين يجهلون أسباب موتهم عند حدوثها، حتي ولو كانت تلك الأسباب ناتجة عن رغباتهم، كأن يأكل الواحد أكلة يتسمم منها، أو أن يشرب الثاني علي عطش شديد فيشرق بالماء و يموت، أو أن يتناول الآخر عنبا بشره الي العنب فتسقط حبة في مجري نفسه وتخنقه... أو كأن يهدي أب لابنه سيارة يوم عرسه، فيقودها جذلا فرحا فيصدمها بعمود أو بجدار فيعجنها مع لحمه و دمه و لحم عروسه ودمها.. فيموت هؤلاء - و غيرهم - بقضاء الله تعالي و قدره الذي يجهلونه تمام الجهل، في حين أن الامام يعرف سبب منيته، و لكنه يمتثل أمر مولاه، و يغادر دنياه و أوضارها، الي آخرته ونعيمها و رضوانها، و هو علي بينة من أمره من أوله الي منتهاه في حين أن الآخرين لا يعلمون من ذلك الا قليلا. [ صفحه 48] وكذلك كان شأن أميرالمؤمنين، و شأن ابنه الحسين عليه‌السلام‌هما اللذين برزا الي مضجع القتل امتثالا لقضاء الله تعالي وقدره، و هو شأن أولياء الله تعالي و أصفيائه جميعا، بل ان في المروي عندنا أن المؤمن لا يقبضه الله تعالي اليه، حتي يرضي هو بالموت ويتمناه و يطلبه بعد أن يقابل جحيم الدنيا بنعيم الآخرة، و بعد أن يدرك أن الدنيا سجن المؤمن، و جنة الكافر. و ثانيهما: أن الامام عليه‌السلام أوضح لنا هذه النكتة الدقيقة، و جلا بعض غوامضها التي يوقفنا عندها شيطان الجهل بأوامر الغيب. فقد قال أحمد بن محمد بن ابراهيم بن أبي‌محمود: «قلت: الامام يعلم متي يموت؟. قال - عليه‌السلام -: نعم. فقلت: بحيث ما بعث اليه يحيي بن خالد - البرمكي - برطب و ريحان مسمومين، علم به؟!. قال: نعم. قلت: فأكله و هو يعلم؟! فكيف يكون معينا علي نفسه؟!! فقال: لا يعلم قبل ذلك ليتقدم فيما يحتاج اليه. فاذا جاء الوقت ألقي الله علي قلبه النسيان ليقضي فيه الحكم» [48] . و هكذا يهون الأمر علي المتعجب، اذا أضاف الي ما قلناه بمقالة النسيان التي ذكرها الامام عليه‌السلام في رده علي استهجان صاحبه، مضافا الي أن ذلك يكون قرار انتهاء سفارته علي الخلق، فليس للسفير أن يعترض علي انهاء مدته. [ صفحه 49] و في كل حال لا يجوز أن ينصب لومنا علي القتيل، لئلا نلهو عن القاتل و نكتب في تقريرنا: فر القاتل، و قبضنا علي القتيل!. فبذلك نعذر القتلة و المجرمين: من قابيل، الي يزيد بن معاوية، الي يزيدي كل عصر.. نعم عرف امامنا عليه‌السلام موعد اغتياله لأنه أمر محتوم صادر مبرما من عند ربه عز و علا، فان سفارته الالهية لا بد أن تنتهي في وقت معين لا ينخرم.. تماما كما تنتهي سفارة كل سفير لأية دولة اذا بلغ سن التقاعد و الاعفاء من العمل. و قد أعلم امامنا عليه‌السلام بذلك - أول من أعلم - أمه رضي الله تعالي عنها. فقد روي محمد بن أبي‌الزعفران أنها قالت: «قال لي أبومحمد يوما من الأيام: تصيبني في سنة ستين حزازة - أي غيظ - أخاف أن أنكب فيها نكبة. فان سلمت منها فالي سنة سبعين. فأظهرت الجزع و بكت. فقال - عليه‌السلام.. لا بد من وقوع أمر الله، فلا تجزعي. فلما كان أيام صفر، أخذها المقيم المقعد - أي الحزن الشديد - و جعلت تقوم و تقعد، و تخرج في بعض الأحايين الي الجبل، و تجسس الأخبار، حتي ورد عليها الخبر» [49] . و يبدو لك اللين و الرحمة في كلام الامام عليه‌السلام مع والدته حين لا يفجأها بالأمر فيفجعها بمصيبة واقعة في وقت معين بدقة، بل يترك لها فسحة ينتعش فيه أملها ما بين سنة الستين، و سنة السبعين.. و في الوقت نفسه يورد [ صفحه 50] لنا عبارة: لابد من وقوع أمر الله، التي تحمل كل المعاني التي يمكن أن يدور حولها تفكيرنا لتبرير قبول الامام بالموت و بملاقاة وجه ربه الذي انتدبه لأمره. ثم اختار له جواره في مقعد الصدق بساحة رضوانه. و كذلك قال أحمد بن اسحاق بن مصقلة - في حديث -: «.. ثم أمر أبومحمد عليه‌السلام والدته بالحج في سنة تسع و خمسين و مائتين، و عرفها ما يناله في سنة ستين. ثم سلم الاسم الأعظم و المواريث و السلاح الي القائم الصاحب عليه‌السلام، و خرجت أم أبي‌محمد مع الصاحب» [50] عليه‌السلام‌هما الي مكه: و كان أحمد بن مطهر، أبوعلي، المتولي لما يحتاج اليه الوكيل. فلما بلغوا بعض المنازل من طريق مكة، تلقي... الفوافل فأخبروهم بشدة الخوف و قلة الماء فرجع أكثر الناس، الا من كان في الناحية - أي في قافلة الامامة - فانهم تقدموا... عليهم أمره عليه‌السلام بالنفوذ» [51] . و من الطبيعي أن تنفذ أسرة الامام سلمة لأن علي رأسها ابنه الميمون الطلعه [52] الذي حمل اسم الله الأعظم ومواريث السماء. و يلاحظ أن الامام عليه‌السلام كان بتهيأ للأمر العظيم.. الذي هو لقاء وجه ربه الكريم، و يعد لذلك و يستعد، و يرتب أمور والدته و ابنه قبل أن يرحل عن دار سوء و قرنا، سوء يعلم أنهم سيخيفون نساءه و حواريه بعد تنفيذ مؤامرتهم الخبيثة. [ صفحه 51] و من بعد اخبار أمه رضي الله تعالي عنها بمجمل ما يجري عليه، نوه بذلك لأصحابه في مناسبات شتي. فعن أبي‌غانم، قال: «سمعت أبامحمد عليه‌السلام يقول: في سنة مائتين و ستين تفترق شيعتي. و فيها قبض أبومحمد عليه‌السلام، و تفرقت شيعته و أنصاره. فمنهم من انتهي الي جعفر - أخيه - الذي ادعي الولاية العامة، ومنهم من أتاه و شك، و منهم من وقف علي الحيرة، و منهم من ثبت علي دينه بتوفيق الله عزوجل» [53] . وكان عليه‌السلام قد قال لشيعته في تلك السنة بالذات: «أمرناكم بالتختم في اليمين و نحن بين ظهرانيكم؛ و الآن نأمركم بالتختم في الشمال لغيبتنا عنكم، الي أن يظهر الله أمانا و أمركم، فانه من أدل دليل عليكم في ولايتنا أهل البيت. فخلعوا خواتيمهم من أيمانهم بين يديه، و لبسوها في شمائلهم. و قال عليه‌السلام: حدثوا بذلك شيعتنا» [54] . فما أجمل أن يتميز شيعته عن غيرهم بعلامة فارقة - كالتختم بالشمال - ليعرف بعضهم بعضا دون سؤال و جواب في ذلك الظرف العصيب الذي كانوا يمرون به من ظلم الحكام و غشمهم!. و من البديهي أن من يعرف آجال الناس لا يخفي عليه موعد أجله، فان الأئمة عليهم‌السلام أوتوا علم المنايا و البلايا فيما أوتوه من المواهب الربانية التي اختصهم الله تعالي بها. و كانوا يخبرون الكثيرين بمواعيد موتهم، أو موت [ صفحه 52] من يخصهم، أو موت أحد أعدائهم، لارجما بالغيب، بل قطعا و جزما، لأن ذلك في أيديهم، و في كتاب لديهم مسطور و محفوظ في الصدور، اذ لا يغيب عنهم شي‌ء باذن ربهم عز اسمه، الا الذي لا شأن به لغير الخالق العظيم عزوعلا. .. وبالفعل قد اعتل الامام عليه‌السلام فجأة في أول شهر ربيع الأول من سنة مائتين و ستين، و توفي ليلة الجمعة لثمان خلون منه، متأثرا بالسم الذي جعله خليفة الزمان من جنده كما جعله آباؤه السمامون من قبله.. و دفن في البيت الذي دفن فيه أبوه من دارهما بسر من رأي، بعد أن كان عمره أقل من ثمان و عشرين سنة [55] ، و مقامهما الشريف مزار مقدس الي اليوم، ترتفع قبابه المذهبة في الآجواء، و يؤمه في السنة مئات ألوف المؤمنين الذين يطلبون بذلك البركة و الزلفي لدي سادة الخلق و رواد الحق. و كان مقامه مع أبيه عليه‌السلام ثلاثا و عشرين سنة و أشهرا، و عاش بعده ست سنين، و قيل خمس سنين و ثمانية أشهر و ثلاثة عشر يوما بالضبط، و الله أعلم. قال ابن‌الأثير في تاريخه «الكامل»: «في سنة 260 هجرية توفي الحسن بن علي بن محمد بن علي بن [ صفحه 53] موسي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي‌طالب عليه‌السلام» [56] . ثم - بعد أن ذكره و عرف بنسبه الشريف تفصيلا كما تري - أعمي الشيطان قلبه عن معرفته بالذات، فقل بعد هذا الكلام بقليل: «و فيها توفي أبومحمد العلوي العسكري، و هو أحد الأئمة الاثني عشر علي مذهب الامامية، و هو والد محمد الذي يعتقد أنه المنتظر بسرداب سامراء» [57] . فقد رأي بنظره الأحوال - المائل عن الحق - أن المتوفيين اثنان: أحدهما الحسن بن علي... الخ، و ثانيهما أبومحمد العلوي!. ثم لفرط تجاهله للحق - رمي الشيعة بفرية انتظار خروج امامهم من السرداب بدافع من عصبية أبي‌جهل و أبي‌لهب و بقية الفجار من ذلك الجيش الجرار الذي نافق علي نفسه و علي غيره، فضل وأضل.. و قريب - جدا - هو ذلك اليوم الذي يخرج فيه الامام المنتظر لدولة الحق، ليدمر السراديب و الأنفاق و الملاجي‌ء التي يختبي‌ء فيها من سيفه أولئك المنافقون!. و كذلك قال المسعودي في مروج الذهب: «و في سنة ستين و مائتين قبض أبومحمد، الحسن بن علي عليه‌السلام، في خلافة «المعتمد»، و هو ابن‌تسع و عشرين سنة. و هو أبوالمهدي المنتظر، الامام الثاني عشر، بعد القطيعة من الامامية و هم جمهور الشيعة. و قد تنازع هؤلاء في المنتظر من آل محمد صلي الله عليه و آله و سلم بعد وفاة الحسن بن علي عليه‌السلام‌هما، وافترقوا عشرين فرقة» [58] . [ صفحه 54] و جاء في كتاب «كمال‌الدين» ما نصه: «وجدت مثبتا في بعض الكتب المصنفة في التواريخ، عن محمد بن الحسين بن عباد، أنه قال: مات أبومحمد عليه‌السلام يوم الجمعة مع صلاة الغداة، و كان في تلك الليلة قد كتب كتبا كثيرة الي المدينة... و لم يحضره الا صقيل الجارية - أي أم‌الحجة عجل الله تعالي فرجه - و عقيد الخادم، و من علم الله غيرهما. قال عقيد: فدعا بماء قد أغلي بالمصطكي، فجئنا به. فقال: أبدأ بالصلاة. جيئوني به - أي بالماء للوضوء -. فجئنا به، و بسطنا في حجره المنديل، و أخذ من صقيل الماء فغسل به وجهه و ذراعيه مرة مرة، و مسح علي [رأسه] وقدميه مسحا. و صلي صلاة الصبح علي فراشه. و أخذ القدح ليشرب، فأخذ القدح يضرب ثناياه، و يده ترتعش!. فأخذت صقيل القدح من يده، و مضي من ساعته صلي الله عليه.... الخ...» [59] و الحديث طويل تجده في غير هذا المكان، جزءا من حادثة هي احدي تمثيليات قصر الحكم و الظلم. و اذا أردت أن تشاهد تمثيلية القصر، التي تمت بها عملية الغدر، فسأترك خشبة المسرح ليظهر عليها عدو كاره للامام عليه‌السلام، يروي لك ترتيب المكيدة المحبوكة من قبل الخليفة مع وزرائه، ومستشاريه، وأطبائه، [ صفحه 55] و قواد عسكره، و قضاة الشرع في قصره، ليمثل كل منهم دوره بدقة و اهتمام، و ليوهموا الناس أنهم كانوا حريصين - كل الحرص - علي راحة الامام و سلامته و بقائه حيا!. أجل، يظهر لك علي المسرح خصم للعلويين عنيد، و كاره للامام شديد، فيقدم شهادته التي توضح معالم صورة ما جري يومئذ، بعد مقدمة يبين فيها عظمة الامام عليه‌السلام التي كان يعرفها الموالي و المعادي علي حد سواء.. فقد روي محمد بن يعقوب، عن الحسين بن محمد الأشعري، و محمد بن يحيي، وغيرهما [60] ، أنهم قالوا: «كان أحمد بن عبيدالله بن خاقان [61] علي الضياع و الخراج في قم - أي مديرا للدخل و الضرائب و المال في الناحية، و معتمدا لاستيفاء ذلك - فجري في مجلسه ذكر العلوية و مذاهبهم. و كان شديد النصب و الانحراف عن أهل‌البيت عليهم‌السلام، فقال: ما رأيت و ما عرفت بسر من رأي رجلا من العلوية مثل الحسن بن علي بن محمد بن الرضا، في هديه و سكونه، و عفافه، و نبله، و كرمه، وكبرته عند أهل بيته و السلطان و جميع بني‌هاشم، و تقديمهم اياه علي ذوي السن منهم و الخطورة و كذلك كانت حاله عند القواد و الوزراء و الكتاب و عامة الناس. فأذكر أني كنت يوما قائما علي رأس أبي - أي يحيي بن خاقان، الوزير [ صفحه 56] المقرب - و هو يوم مجلسه للناس، اذ دخل عليه حجابه فقالوا: أبومحمد، ابن‌الرضا بالباب!. فقال بصوت عال: ائذنوا له. فتعجبت مما سمعت منهم، و من جسارتهم أن يكنوا رجلا بحضرة أبي، و لم يكن يكني عنده الا خليفة، أو ولي عهد، أو من أمر السلطان أن يكني عنده. فدخل رجل أسمر اللون، أعين، حسن القامة، جميل الوجه، جيد البدن، حديث السن، له جلالة و هيبة حسنة!. فلما نظر اليه أبي‌قام فمشي اليه خطي؛ و لا أعلمه فعل هذا بأحد من بني‌هاشم و لا القواد و لا بأولياء العهد!. فلما دنا منه عانقه و قبل وجهه و صدره، و أخذ بيده فأجلسه علي مصلاه الذي كان عليه، و جلس الي جنبه مقبلا عليه بوجهه؛ و جعل يكلمه و يكنيه و يفديه بنفسه، و أنا متعجب مما رأي منه، اذ دخل عليه الحاجب فقال: «الموفق» [62] قد جاء. و كان «الموفق» اذا دخل علي أبي‌تقدم حجابه و خاصة قواده فقاموا بين مجلس أبي و بين باب الدار سماطين - أي صفين - الي أن يدخل و يخرج. فلم يزل أبي‌مقبلا علي أبي‌محمد يحدثه حتي نظر الي غلمان الخاصة، فقال حينئذ: اذا شئت فقم جعلني الله فداك يا أبامحمد!. ثم قال لحجابه: خذوا به خلف السماطين حتي لا يراه هذا. - يعني «الموفق» -. فقام، و قام أبي‌فعانقه و قبل وجهه، ومضي. [ صفحه 57] فقلت لحجاب أبي و غلمانه: ويلكم، من هذا الذي كنيتموه بحضرة أبي، و فعل أبي به هذا الفعل؟!. فقالوا: هذا رجل علوي يقال له: الحسن بن علي، يعرف بابن‌الرضا. فازددت تعجبا، و لم أزل يومي ذاك قلقا متفكرا في أمره و أمر أبي، وما رأيت فيه، حتي كان الليل و كانت عادته أن يصلي العتمة، ثم يجلس و ينظر فيما يحتاج اليه من المؤامرات - أي المشاورات - و ما يرفعه الي السلطان. فلما صلي و جلس ونظر، جئت فجلست بين يديه، و ليس عنده أحد. فقال لي: يا أحمد، لك حاجة؟. قلت: نعم يا أبه، فان أذنت لي سألتك عنها. فقال: قد أذنت يا بني، فقل ما أحببت. قلت: يا أبه، من الرجل الذي رأيتك بالغداة فعلت به ما فعلت من الاجلال و الاكرام و التبجيل، و فديته بنفسك و أبويك؟!. فقال: يا بني، ذاك امام الرافضة. ذلك الحسن بن علي، المعروف بابن‌الرضا. و سكت ساعة، و أنا ساكت، ثم قال: يا بني، لو زالت الخلافة عن خلفاء بني‌العباس، ما استحقها أحد من بني‌هاشم غيره!. فانه يستحقها لفضله، و عفافه، و هديه، و صيانته لنفسه، و زهده، و عبادته، و جميل أخلاقه، و صلاحه!. ولو رأيت أباه لرأيت رجلا جليلا نبيلا، فاضلا. فازددت قلقا و تفكرا، و غيظا علي أبي مما سمعت منه فيه، و رأيت من فعله و قوله فيها ما قال.. فلم يكن عندي همة بعد ذلك الا السؤال عن خبره، و البحث عن أمره!. [ صفحه 58] فما سألت أحدا من بني‌هاشم، و القواد، و الكتاب، و القضاة، و الفقهاء، و سائر الناس، الا وجدته عندهم في غاية الاجلال و الاعظام، و المحل الرفيع، و القول الجميل، و التقديم له علي جميع أهل بيته و مشايخهم و غيرهم، و كل يقول: هذا امام الرافضة!. فعظم قدره عندي، اذ لم أر وليا، و لا عدوا، الا و هو يحسن القول فيه و الثناء عليه! [63] . فقال له بعض من حضره في مجلسه من الأشعريين: يا أبابكر، ما حال أخيه جعفر؟. فقال: و من جعفر فيسأل عن خبره؟!. أو يقرن بالحسن؟!. ان جعفرا معلن الفسق، فاجر، ماجن، شريب للخمور، أقل من رأيت من الرجال، و أهتكهم لنفسه، خفيف قليل في نفسه!. [و فيما يلي يبدأ عبيدالله بن خاقان برسم صورة الغدر السلطاني المدبر بليل لاغتيال الامام عليه‌السلام و قتله، فيقول:] لقد ورد علي السلطان و أصحابه في وقت وفاة الحسن بن علي عليه‌السلام ما تعجبت منه، و ما ظننت أنه يكون منه!. و ذلك أنه لما اعتل بعث - أي السلطان - الي أبي أن ابن‌الرضا عليه‌السلام قد اعتل - و ذلك حين أخبره جواسيسه أن سمه قد فعل فعله -. فركب من ساعته فبادر الي دار الخلافة، ثم رجع مستعجلا و معه خمسة من خدام أميرالمؤمنين، كلهم من ثقاته و خاصته، و فيهم «نحرير» [64] فأمرهم بلزوم دار الحسن بن علي و تعرف خبره و حاله!. و بعث الي نفر من المتطببين فأمرهم بالاختلاف اليه و تعاهده صباحا [ صفحه 59] و مساء!. - و هنا تبدو دقة الحبك في المؤامرة النكراء، اذا بدأ دار الخلافة يجمع شهود الزور من كل الفئات! -. فلما كان بعد ذلك بيومين أو ثلاثة، جاءه من أخبره أنه قد ضعف، فركب حتي بكر اليه، ثم أمر المتطببين بلزوم داره، و بعث الي قاضي القضاة - شاهد الزور الأكبر في قصره - فأحضره مجلسه وأمره أن يختار من أصحابه عشرة ممن يوثق به في دينه، و أمانته، و ورعه -!!!! - فأحضرهم و بعث بهم الي دار الحسن و أمرهم بلزومه ليلا و نهارا؛ فلم يزالوا هناك حتي توفي عليه‌السلام. فلما ذاع خبر وفاته، صارت سر من رأي ضجة واحدة: مات ابن‌الرضا!!! و عطلت الأسواق، و ركب بنوهاشم، و القواد، و الكتاب، و المعدلون، و سائر الناس، الي جنازته. و بعث السلطان الي داره من فتشها و فتش حجرها و ختم علي جميع ما فيها!. و طلبوا أثر ولده، و جاؤوا بنساء يعرفن الحمل، فدخلن علي جواريه فنظرن اليهن. فذكر بعضهن أن هناك جارية بها حبل، فأمر بها فجعلت في حجرة، و وكل بها «نحرير» الخادم و أصحابه و نسوة معهم!. - يريد خليفة الزمان أن يطفي‌ء بذلك نور الله، و يقتل وليه في أرضه ارصادا لما جاء عن رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم و حيا من ربه تبارك و تعالي!!!! -. ثم أخذوا بعد ذلك في تهيئته، و كانت سر من رأي يومئذ شبيهة بالقيامة!. فلما فرغوا من ذلك، بعث السلطان الي أبي‌عيسي، ابن‌المتوكل، فأمره بالصلاة عليه [65] فلما وضعت الجنازة للصلاة عليه، دنا أبوعيسي [ صفحه 60] منه، فكشف عن وجهه فعرضه علي بني‌هاشم من العلوية و العباسية، و القواد، و الكتاب، و القضاة، و المعدلين، و قال: هذا الحسن بن علي بن محمد بن الرضا، مات حتف أنفه علي فراشه. حضره من حضر من خدم أميرالمؤمنين و ثقاته: فلان و فلان، و من القضاة فلان و فلان، و من المتطببين فلان و فلان!!! - و تم بذلك اعلان شهادة الزور العظمي -. ثم غطي وجهه، و قام فصلي عليه وأمر بحمله. و حمل من وسط داره، و دفن في البيت الذي دفن فيه أبوه.. - ثم أكمل عبيدالله بن خاقان سرد الرواية قائلا: - فجاء جعفر بعد ذلك الي أبي و قال له: اجعل لي مرتبة أبي وأخي، وأوصل اليك في كل سنة عشرين ألف دينار. فزبره أبي - أي زجره و انتهره - وأسمعه كلاما خشنا كريها، و قال له: يا أحمق، ان السلطان جرد سيفه و سوطه في الذين يزعمون أن أباك وأخاك أئمة لردهم عن ذلك!. وجهد أن يزيل أباك و أخاك عن تلك الرتبة فلم يقدر و لا تهيأ له ذلك!. فان كنت عند شيعة أبيك وأخيك اماما، فلا حاجة بك الي سلطان أن يرتبك مراتبهما و لا غير سلطان. و ان لم تكن عندهم بهذه المنزلة لم تنلها بنا!. و استقله أبي عند ذلك و استضعفه، وأمر أن يحجب عنه. فلم يأذن له بالدخول عليه حتي مات أبي.. .. وخرجنا و الأمر علي تلك الحال، و السلطان يطلب أثر ولد الحسن بن علي حتي اليوم، و هو لا يجد الي ذلك سبيلا، و شيعته مقيمون علي أنه مات و خلف ولدا يقوم مقامه بالامامة» [66] . [ صفحه 61] وبهذه الشهادة المفصلة يظهر لك كيف هب سلطان القصر و من فيه، حين علموا بسريان سمهم في جسم الامام صلوات الله عليه.. فركب الوزير، و أخبر الأمير، و صدرت الأوامر المعجلة، فخرجت فرق الوزراء، و القواد، والكتاب، و القضاة و المعدلين، والمتطببين.. ليكذبوا - جميعا - علي الناس و يقولوا لهم: مات الامام علي فراشه!. فيا ويلهم من الله، في يوم الله!!! ... و لما مات عليه‌السلام غسله ابنه صاحب الزمان عجل الله تعالي فرجه - و حضر غسله عثمان بن سعيد العمري رضي الله عنه وأرضاه، و تولي جميع أمره في تكفينه و تحنيطه و تقبيره. و قال الشيخ علي السيد آبادي في المقنع: «ان الحسن بن علي نص علي ولده الخلف الصالح عليه‌السلام، و جعل وكيله أبامحمد، عثمان بن سعيد العمري، الوسيط بينه و بين شيعته في حياته. فما أدركته الوفاة أمره فجمع شيعته و أخبرهم أن لولده الخلف الصالح الأمر من بعده، و أن أبامحمد، عثمان بن سعيد العمري وكيله، و هو بابه و السفير بينه و بين شيعته، فمن كانت له حاجة قصده كما كان يقصده في حال حياته، و سلم اليه جواريه. [ صفحه 62] فلما قبض عليه‌السلام، تكلم أخوه جعفر و ادعي الامامة لنفسه، و بذل للمعتمد بذلا شاع ذكره، فقال له وزير المعتمد: قد كان «المتوكل» و غيره، يروم مسخ ناموس أخيك فلم يصح لهم. فاستمل أنت شيعته بما تقدر عليه. فلما لم يبلغ غرضه سعي بجواري أخيه و قال: في جملة الجواري جارية اذا ولدت ولدا يكون ذهاب دولتكم علي يده!. فأنفذ «المعتمد» الي عثمان بن سعيد، و أمره أن ينقلهن الي دار القاضي و بعض الشهود - من النساء - حتي يستبرئهن بالوضع. فسلمهن الي ذلك العدل (؟!!) فأقمن عنده سنة، ثم ردهن الي عثمان بن سعيد، لأن الولد المطلوب كان قد ولد قبل ذلك بست سنين، و أظهره أبوه الحسن عليه‌السلام لخاصة شيعته، و أراهم شخصه، و عرفهم بأنه الذي يقصد اليه منه. فلما تسلم عثمان بن سعيد الجواري، و فيهن أم صاحب الأمر عليه‌السلام، نقلهن الي مدينة السلام. وكانت الشيعة تقصده من كل بلد بقصص و حوائج، وكانت الأجوبة تخرج اليهم علي يده» [67] . و قد قال عثمان بن سعيد قدس الله نفسه الزكية لعبد الله بن جعفر الحميري: «ان الأمر عند السلطان أن أبامحمد عليه‌السلام مضي ولم يخلف ولدا، و قسم ميراثه و أخذه من لا حق له به، و صبر علي ذلك. و هو ذا عياله يجولون، و ليس أحد يجسر أن يتعرف اليهم، أو ينبئهم شيئا!» [68] . ذلك أن جعفر بن علي - الكذاب - استولي علي تركة أخيه، و شنع علي أهله و كافة أصحابه بعد أن رفضوا ادعاءه الامامة و لم يجتمع عليه اثنان، [ صفحه 63] فأغري بهم السلطة و جر عليهم و علي عائلة أخيه كل عظيمة من اعتقال و حبس و تهديد و تشريد [69] كما رأيت.. فليعد بنوالعباس وثائق الدفاع عن أنفسهم أمام الله في يوم العدل، حيث يبعثون و في رقابهم أمثال هذه الجرائم الكبري!. فانه (ان كانت الا صيحة واحدة فاذا هم جميع لدينا محضرون، فاليوم لا تظلم نفس شيئا و لا تجزون الا ما كنتم تعملون) [70] . و قال أبوالحسن،علي بن محمد بن حباب: حدثنا أبوالأديان، قال: كنت أخدم الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي‌طالب عليهم‌السلام، و أحمل كتبه الي الأمصار. فدخلت اليه في علته التي توفي فيها صلوات الله عليه، فكتب معي كتبا، و قال: تمضي الي المدائن؛ فانك ستغيب خمسة عشر يوما، فتدخل الي سر من رأي يوم الخامس عشر و تسمع الواعية - أي صراخ الباكية النادبة - في داري، و تجدني علي المغتسل. فقلت: يا سيدي، فاذا كان ذلك، فمن؟! - أي من الامام بعدك؟!. فقال: من طالبك بجواب كتبي فهو القائم بعدي. فقلت: زدني. [ صفحه 64] فقال: من يصلي علي فهو القائم بعدي. فقلت: زدني. فقال: من أخبر ما في الهميان [71] فهو القائم بعدي. ثم منعتني هيبته أن أسأله ما في الهميان، و خرجت بالكتب الي المدائن. وأخذت جواباتها، و دخلت سر من رأي يوم الخامس عشر كما قال لي عليه‌السلام، فاذا أنا بالواعية في داره، و اذا أنا بجعفر بن علي، أخيه، بباب الدار، و الشيعة يعزونه و يهنئونه! فقلت في نفسي: اذا كان هذا الامام فقد حالت الامامة - أي انحرافت عن قصدها - لأني كنت أعرفه يشرب النبيذ، و يقامر في الجوسق - أي القصر - و يلعب بالطيور. فتقدمت فعزيت و هنأت فلم يسألني عن شي‌ء. ثم خرج عقيد - الخادم - فقال: يا سيدي قد كفن أخوك، فقم للصلاة عليه. فدخل جعفر بن علي و الشيعة من حوله، يقدمهم السمان [72] ، و الحسن بن علي قتيل «المعتصم» المعروف بسلمة. فلما صرنا بالدار اذا نحن بالحسن بن علي عليه‌السلام علي نعشه مكفنا. فتقدم جعفر بن علي ليصلي علي أخيه، فلما هم بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة، و بشعره قطط، و بأسنانه تفليج فجبذ رداء جعفر بن علي - أي جذبه و شده - و قال: تأخر يا عم، فأنا أحق بالصلاة علي أبي!. [ صفحه 65] فتأخر جعفر و قد اربد وجهه - أي صار أغبر أسود! - فتقدم الصبي فصلي عليه، و دفن الي جانب قبر أبيه. ثم قال: يا بصري، هات جوابات الكتب التي معك. فدفعتها اليه و قلت في نفسي: هذه اثنتان - أي صار عنده علامتان: الصلاة و طلب الكتب -. و بقي الهميان. ثم خرجت الي جعفر بن علي و هو يزفر، فقال له حاجز الوشاء: يا سيدي، من الصبي؟!. ليقيم الحمية عليه. - كأنه كان ينكر ولادته عليه‌السلام -. فقال: و الله ما رأيته قط، و لا عرفته. فنحن جلوس اذ قدم نفر من قم، فسألوا عن الحسن بن علي، فعرفوا موته، فقالوا: فمن؟. فأشار الناس الي جعفر بن علي. فسلموا عليه و عزوه و هنأوه، و قالوا: معنا كتب و مال، فتقول ممن الكتب؟. و كم المال؟. فقام ينفض أثوابه و يقول: يريدون منا أن نعلم الغيب!. فخرج الخادم فقال: معكم كتب فلان و فلان، و هميان فيه ألف دينار، عشرة دنانير منها مطلسة - أي ذهب أثر نقشها -. فدفعوا اليه الكتب و المال، و قالوا: الذي وجه بك لأجل ذلك هو الامام. فدخل جعفر بن علي علي «المعتمد» وكشف له ذلك. فوجه «المعتمد» خدمه فقبضوا علي صقيل الجارية و طالبوها بالصبي، فأنكرته وادعت حملا بها لتغطي علي حال الصبي، فسلمت الي ابن أبي‌الشوارب القاضي. و جعلت نساء «المعتمد» و خدمه، ونساء القاضي المذكور، يتعاهدن أمرها في كل وقت و يراعونه، الي أن دهمهم أمر «الصفار» [73] . [ صفحه 66] و بغتهم موت عبيدالله بن يحيي بن خاقان فجأة، و خروج صاحب الزنج بالبصرة، فشغلوا بذلك عن الجارية، فخرجت عن أيديهم و الحمد لله رب العالمين» [74] . و كذلك قال ابراهيم بن محمد التبريزي: «دخلت دار أبي‌محمد، الحسن بن علي عليه‌السلام بسر من رأي يوم توفي و أخرجت جنازته، و وضعت و نحن تسعة و ثلاثون رجلا قعود ننتظر - و هؤلاء من الشيعة الأبدال الثقات - حتي خرج علينا غلام عشاري القد - كأن عمره عشر سنين - عليه رداء قد تقنع به. فلما خرج قمنا هيبة له من غير أن نعرفه. فتقدم و قام من الناس و اصطفوا خلفه فصلي عليه. و مشي فدخل بيتا غير الذي خرج منه» [75] . فتبارك الله أحسن الخالقين، الذي ألبس عبده المختار لأمره رداء عليه مسحة من جلاله و عظمته و هيبته، فصار يهاب و يعظم من غير أن يعرف، بل بدافع نفسي ينبعث من العقل الباطني الذي يعمل بمعزل عن ارادة صاحبه!. وأخيرا نضع بين يدي القاري‌ء العزيز روايتين فيهما أسمي معاني المفارقات بين الحق و الباطل، و أوضح البراهين علي أن الله تعالي يتولي أمر أهل بيت الوحي و التنزيل الذين ميزهم عن سائر خلقه بأن جعلهم أمناءه علي كلمة السماء لأهل الأرض. و أعطاهم الجاه و العظمة اللتين لم يستطع أعداؤه و أعداؤهم محوهما في الحياة، و لا طمس آثارهما عند الممات. [ صفحه 67] الرواية الأولي: هي ما حكاه أبوهاشم الجعفري الذي قال: «قال أبومحمد «الحسن بن علي عليه‌السلام: قبري بسر من رأي أمان لأهل الخافقين» [76] . و في قوله صلوات الله عليه أمران لن نتجاوز ذكرهما: الأول: أنه كيف أطلق هذا الكلام المؤكد أن قبره سيكون في سر من رأي، و هو ما يزال في ريعان شبابه و أيام أمله في الحياة (و ما تدري نفس ماذا تكسب غدا و ما تدري نفس بأي أرض تموت) [77] . و الثاني: أنه كيف ضمن لمقامه الشريف هذه الوجاهة عند الله ليؤمه الخائفون المستجيرون فيجدوا عنده الراحة النفسية و الأمن و الاطمئنان الي ما يرضي الخالق عزوجل؟. و بالفعل فان مقامه ومقام أبيه عليه‌السلام‌هما لكذلك!. فهو أمان لأهل الشرق و الغرب، و محجة لمئات ألوف الزوار في كل عام، ومطاف لهم، يقصدونه للتشرف به و ليطلبوا البركة و الزلفي لدي رب الأرباب بتقبيل تلك الأعتاب المقدسة (في بيوت أذن الله أن ترفع و يذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو و الآصال، رجال لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله) [78] . فالله سبحانه أولي بآل الله!. و لا سلطان لغيره تعالي عليهم. لأنه تبارك و تعالي قال: (انا لننصر [ صفحه 68] رسلنا والذين ءامنوا في الحياة الدنيا و يوم يقوم الأشهاد) [79] . وأئمتنا عليهم‌السلام علي رأس الذين آمنوا به. فتأكد نصرهم من عنده عزوجل: في الحياة الدنيا، و في الآخرة، بموجب قوله الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه.. و الرواية الثانية: هي ماحكاه علي بن عيسي الاربلي رحمه الله الذي قال: «حكي لي بعض الأصحاب أن «المستنصر» - الخليفة العباسي - رحمه الله تعالي مشي مرة الي سر من رأي وزار العسكريين عليه‌السلام‌هما [80] ، و خرج فزار التربة التي دفن فيها الخلفاء من آبائه و أهل بيته و هم في قبة خربة يصيبها المطر و درق الطيور - سلحها -، و أنا رأيتها في هذه الحال!. فقيل له: أنتم خلفاء الأرض و ملوك الدنيا، و لكم الأمر في العالم، و هذه قبور آبائكم بهذه الحال، لا يزورها زائر و لا يخطر بها خاطر، و ليس فيها أحد يميط عنها الأدي - أي يزيل الوسخ -!. و قبور هؤلاء العلويين كما ترونها بالستور، و القناديل، و الزوالي - السجاجيد - و الفراشين - الخدم - و الشمع، و البخور، و غير ذلك!!! فقال - «المستنصر» -: هذا أمر سماوي، لايحصل باجتهادنا!. ولو حملنا الناس علي ذلك ما قبلوا و لا فعلوا» [81] . لا و الله لا يقبلون، و لا يفعلون، كما قلت يا «مستنصر»!. ذاك أن [ صفحه 69] خلفاء أسرتك استنصروا بغير الله علي عباد الله و ظلموهم.. و الظلم مرتعه وخيم!. و ان ديار الظالمين خراب.. و قبورهم يباب، ومطارح للأقذار، و مسارح للذباب!. فاني بني‌أمية و بني‌العباس ملكوا الأرض شرقها و غربها قرابة خمسمائة سنة، و كانت سلطتهم ممتدة علي العالمين، و الخطب تستفتح علي المنابر بأسمائهم و بالدعاء لهم، ثم انتهي أمرهم و لم يشد أحد من الخلق الرحال لزيارة قبر من قبورهم - التي أصبح أكثرها مجهولا - و لا نشط لها واحد بقصد بركة أو قربي لله عزوجل، و لا خطر ذلك في خاطر قريب و لا بعيد، و لا محب و لا عدو منذ أيامهم الي أيامنا هذه!. لقد ظهر الفرق.. و (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين) [82] . [ صفحه 70]

هو وصي أبيه

الحسن العسكري هو الامام بعد أبيه علي الهادي عليه‌السلام، و رواة النص عليه كثيرون، منهم: يحيي بن بشار القنبري، و علي بن عمرو النوفلي، و عبدالله بن محمد الأصفهاني، و علي بن جعفر، و مروان الأنباري، و علي بن مهزيار، و علي بن عمرو العطار، و محمد بن يحيي، و أبوهاشم الجعفري، و أبوبكر الفهفكي، و شاهويه بن عبدالله، و غيرهم [83] .. و هؤلاء جميعا من الثقات الأعلام الذين يشار اليهم بين أهل الفضل بالبنان. و ها نحن نعرض لجملة نصوص بهذا الخصوص، رواها جماعة من الأبدال في فترات متفاوتة بعد ايراد أقوال جماعة من ذوي الرأي: قال الشيخ المفيد رحمه الله: «و كان الامام بعد أبي‌الحسن: علي بن محمد عليه‌السلام‌هما، ابنه أبامحمد، الحسن - بن علي عليه‌السلام - لاجتماع خلال الفضل فيه، و تقدمه علي كافة أهل عصره فيما يوجب له الامامة. و يقتضي له الرئاسة في العلم و الزهد، و كمال العقل و العصمة، و الشجاعة و الكرم، و كثرة الأعمال المقربة الي الله جل اسمه، ثم لنص أبيه عليه، و اشارته بالخلافة اليه» [84] . [ صفحه 71] و قال المسعودي: «و اعتل أبوالحسن علته التي مضي فيها صلي الله عليه، في سنة أربع و خمسين و مائتين، فأحضر أبامحمد، ابنه عليه‌السلام، فسلم اليه النور و الحكمة ومواريث الأنبياء، و السلاح، و أوصي اليه، و نص عليه» [85] . و قال أيضا - بعد ايراد أخبار تتعلق بالموضوع -: «و نشأ أبومحمد عليه‌السلام، و قد نص عليه بهذه الأخبار و غيرها عند الخاصة، فقام بأمر الله عزوجل، و سنه ثلاث و عشرون سنة، فظهر من دلائله في اليوم الذي مضي فيه أبوالحسن عليه‌السلام، و هو مثبت في باب الحسن صلي الله عليه» [86] . و قال علي بن عيسي الاربلي عفا الله عنه: «مناقب سيدنا أبي‌محمد، الحسن بن علي العسكري، دالة علي أنه السري بن السري، فلا يشك أحد في امامته و لا يمتري؛ و اعلم أنه اذا بيعت مكرمة، أو اشتريت، فسواه بائعها و هو المشتري.. [هو] واحد زمانه غير مدافع، و نسيج وحده غير منازع، و سيد عصره، و امام أهل دهره، فالسعيد من وقف عند نهيه وأمره.. أقواله سديدة، و أفعاله رشيدة، و سيرته حميدة، و جهوده في ذات الله وكيدة.. [فهو] فارس العلوم الذي لا يجاري، و مبين غوامضها فلا يجادل ولا يماري!. كاشف الحقائق بنظره الصائب، مظهر الدقائق بفكره الثاقب. المطلع بتوفيق الله علي أسرار الكائنات، المخبر بتوفيق الله عن الغائبات، المحدث في سره بما مضي و بما هو آت، الملهم في خاطره بالأمور الخفيات، الكريم الأصل و النفس و الذات، صاحب [ صفحه 72] الدلائل و الآيات و المعجزات!. مالك أزمة الكشف و النظر، مفسر الآيات مقرر الخبر، وارث السادة الخير، ابن الأئمة أبوالمنتظر. و والله أقسم قسما برا، أن من عد محمدا جدا، و عليا أبا، و فاطمة أما، و الأئمة آباء، و المهدي ولدا، لجدير أن يطول السماء علاء و شرفا، و الأملاك سلفا و ذاتا و خلفا!. والذي ذكرته من صفاته دون مقداره، فكيف لي باستقصاء نعوته و أخباره، و لساني قصير، و طرف بلاغتي عسير؟!. يفني الزمان و لا يحيط بوصفهم أيحيط ما يفني، بما لا ينفد؟!» [87] . و صدقت يا ابن‌عيسي الاربلي، فان ما اختصرناه من سجعك الجميل، يبقي دون معني الامام الذي لا ينال غر صفاته الكلام!. والسجع غالبا ما يبدو ثقيلا لما فيه من التعمل و الصناعة. و لكن هذا السجع ذو رجع يلج القلوب بدون اذن، و تستسيغه النفوس لأنه جاء سهلا ممتنعا، بليغا بديعا بمبانيه ومعانيه، و بمن قيل فيه!. و ان خصال أهل بيت النبي صلي الله عليه و عليهم لا يحيط بها وصف مهما تطاولت البلاغة و تأنق القائل في حسن البيان و الصياغة، لأنهم قد جعلهم الخلاق القدير علي غير مثال، فلا حدود لحسن القول فيهم كما أنه لا مجال لبلوغ وصف قدرة الله الكبير المتعال!. و بخصوص النص علي امامته بعد أبيه عليه‌السلام‌هما قال أحمد بن محمد بن رجا، صاحب الترك: «قال أبوالحسن عليه‌السلام: الحسن ابني، هو القائم من بعدي» [88] . و هذه شهادة واحد من قواد جيش القصر، الذي كان من غير العرب، [ صفحه 73] و ممن لا يدور في فلك الامامة و الامام، و لا يعيش في تلك الأجواء.. و لكنه كان موفقا للقول بالولاية رغم وجوده علي رأس حماة سلطان الزمان. و قال يحيي بن يسار العنبري - و قيل: ابن‌بشار القنبري - و هما واحد: «أوصي أبوالحسن: علي بن محمد، الي ابنه الحسن عليه‌السلام، قبل مضيه بأربعة أشهر، و أشار بالأمر اليه من بعده، و أشهدني علي ذلك و جماعة من الموالي» [89] . و قال الصقر بن أبي‌دلف: «سمعت علي بن محمد عليه‌السلام يقول: الامام بعدي الحسن - ابني -. و بعد الحسن ابنه القائم الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا، كما ملئت جورا و ظلما» [90] . و روي عن علي بن ابراهيم مثله، و قال الصقر بن أبي‌دلف أيضا: «سمعت أباجعفر، محمد بن علي الهادي عليه‌السلام يقول: ان الامام بعدي ابني علي، أمره أمري، و قوله قولي، و طاعته طاعتي؛ و الامامة بعده في ابنه الحسن» [91] . [ صفحه 74] و قال عبدالله بن محمد الأصفهاني: «قال لي أبوالحسن عليه‌السلام: صاحبكم بعدي، الذي يصلي علي. و لم نكن نعرف أبامحمد قبل ذلك. فخرج أبومحمد فصلي عليه» [92] . و قال ناصح البادودي: «كتبت الي أبي‌محمد عليه‌السلام أعزيه بأبي‌الحسن، و قلت في نفسي وأنا أكتب: لو قد خبر ببرهان يكون حجة لي!. فأجابني عن تعزيتي، و كتب بعد ذلك: من سأل آية أو برهانا فأعطي، ثم رجع عمن طالب منه الآية، عذب ضعف العذاب!. و من صبر أعطي التأييد من الله. و الناس مجبولون علي جبلة ايثار الكتب المنتشرة؛ فاسأل الملأ - أي السواد و سائر الناس - فانما هو التسليم أو العطب!. و لله عاقبة الأمور» [93] . أي اسأل الناس تجد أن كل من سألته يقول: فلان هو الامام. و الظاهر أن السائل كان علي جانب من العناد فاستعمل معه الامام عليه‌السلام هذه القساوة الظاهرة في جوابه ليخوفه من المخالفة و يرده الي [ صفحه 75] الصواب، بعد أن أخبره عن شي‌ء جال في نفسه و لم يصرح به. فعلمه الامام و أجابه عنه. و عن سعد بن عبدالله، عن هارون بن مسلم، قال: «كتبت الي أبي‌محمد عليه‌السلام بعد مضي أبي‌الحسن عليه‌السلام، أنا و جماعة، نسأله عن وصي أبيه؟. فكتب: قد فهمت ما ذكرتم. و ان كنتم الي هذا الوقت في شك فانها المصيبة العظمي!. أنا وصيه و صاحبكم بعده عليه‌السلام، بمشافهة من الماضي - يقصد أباه -. أشهد الله و ملائكته و أولياءه علي ذلك، فان شككتم بعد ما رأيتم خطي و سمعتم مخاطبتي، أخطأتم حظ أنفسكم و غلطتم الطريق» [94] . و اشهاد الله سبحانه ذوخطر عظيم!. و هو كالقسم يقطع كل نزاع و يفض كل خصام. فكيف به و قد جاء عن امام عقبه باشهاد ملائكة الله تعالي و أوليائه؟!. و هو عليه‌السلام لم يفعل ذلك مع هؤلاء السائلين، الا ليخلصهم من أرجحة علمها منهم فأحب أن يثبتهم علي القول الثابت. و قال المسعودي أيضا: «حدثنا جماعة، كل واحد يحكي أنه دخل الدار - حين وفاة الامام الهادي عليه‌السلام - و قد اجتمع فيها جملة بني‌هاشم من الطالبيين و العباسيين، و اجتمع خلق من الشيعة، و لم يكن ظهر عندهم أبومحمد عليه‌السلام، و لا عرف خبره الا الثقات الذين نص أبوالحسن عندهم عليه، فحكوا أنهم كانوا في مصيبة و حيرة.. [ صفحه 76] فهم في ذلك اذ خرج من الدار الداخلة خادم، فصاح بخادم آخر: يا رياش، خذ هذه الرقعة و امض بها الي دار أميرالمؤمنين، و ادفعها الي فلان و قل له: هذه رقعة الحسن بن علي فاستشرف الناس!!. ثم فتح من صدر الرواق باب، و خرج خادم أسود، ثم خرج بعده أبومحمد عليه‌السلام حاسرا مكشوف الرأس، مشقوق الثياب، و عليه مبطنة بيضاء. و كان وجهه وجه أبيه عليه‌السلام لا يخطي‌ء منه شيئا. و كان في الدار أولاد «المتوكل» و بعضهم ولاة العهود، فلم يبق أحد الا قام علي رجليه!. و وثب اليه أبومحمد «الموفق» فقصده أبومحمد عليه‌السلام، و عانقه ثم قال: مرحبا يابن العم. و جلس بين بابي الرواق، و الناس كلهم بين يديه. و كانت الدار كالسوق بالأحاديث؛ فلما خرج و جلس أمسك الناس، فما كنا نسمع شيئا الا العطسة و السعلة!. و خرجت جارية تندب أباالحسن عليه‌السلام، فقال أبومحمد: ما هاهنا من يكفي مؤنة هذه الجارية؟!. فبادر الشيعة اليها، فدخلت الدار. ثم خرج خادم فوقف بحذاء أبي‌محمد عليه‌السلام، فنهض صلي الله عليه، و أخرجت الجنازة، و خرج يمشي حتي أخرج بها الي الشارع الذي بازاء دار موسي بن بغا، و قد كان أبومحمد صلي عليه قبل أن يخرج الي الناس، ثم صلي عليه لما أخرج «المعتمد». و اشتد الحر علي أبي‌محمد عليه‌السلام و ضغطة الناس في طريقه و منصرفه من الشارع بعد الصلاة عليه، فصار في طريقه الي دكان لبقال رآه مرشوشا - بالماء - فسلم و استأذنه في الجلوس فأذن له و جلس، و وقف الناس حوله. فبينا نحن كذلك اذ أتاه شاب حسن الوجه، نظيف الكسوة، علي بغلة [ صفحه 77] شهباء، علي سرج ببرذون أبيض قد نزل عنه. فسأله أن يركب، فركب حتي أتي الدار فنزل. و خرج في تلك العشية الي الناس، ما كان يخرم عن أبي‌الحسن عليه‌السلام، حتي لم يفقدوا الا الشخص. و تكلمت الشيعة في شق ثيابه، و قال بعضهم: رأيتم أحدا من الأئمة شق ثوبه في مثل هذه الحال؟!. فوقع عليه‌السلام الي من قال ذلك: يا أحمق، ما يدريك ما هذا؟. قد شق موسي علي هارون عليه‌السلام. و قام أبومحمد، الحسن بن علي، مقام أبيه عليه‌السلام‌هما» [95] . أما الذي انتقد شق الامام لثوبه يوم وفاة أبيه، فهو واحد لا أكثر، و قد سماه أبوهاشم الجعفري الذي قال: «خرج أبومحمد في جنازة أبي‌الحسن و قميصه مشقوق، فكتب اليه أبوعون، قرابة نجاح بن سلمة: من رأيت أو بلغك من الأئمة شق ثوبه في مثل هذا؟!. فكتب اليه أبومحمد: يا أحمق، و ما يدريك ما هذا؟!. لقد شق موسي علي هارون» [96] . فكم و كم يخطي‌ء الحق من يحاول انتقاد قول الامام، أو الاعتراض علي فعله!. ان أقل ما يقال فيه أنه أحمق حق الحمق، لأن الامام لا يفعل شيئا غير [ صفحه 78] مباح محلل، و لايعمل ما هو بخلاف الأولي، بل - في كل حال - لا يقوم بالشي‌ء المستهجن الذي يمقته الله تبارك و تعالي. فأقواله نقل عن النبي صلي الله عليه و آله و سلم و أفعاله صورة طبق سنته، و من يعترض عليه يكن اعتراضه صادرا عن حمق من جهة، أو عن جهل بما هو عليه الامام من جهة ثانية، لأنه ينظر اليه نظره الي واحد عادي من البشر. و من الدلائل العظمي علي كونه الوصي السماوي المنتدب من لدن رب الأرباب ليكون حامل كلمته لخلقه، و ناقل أمره و نهيه لعباده، ما حكاه عنه داود بن القاسم، أبوهاشم الجعفري الذي قال: «كنت عند أبي‌محمد عليه‌السلام، فاستؤذن لرجل من أهل اليمن، فدخل عليه رجل جميل، طويل جسيم، فسلم عليه بالولاية، فرد عليه بالقبول، و أمره بالجلوس، فجلس الي جنبي. فقلت في نفسي: ليت شعري من هذا؟. فقال أبومحمد عليه‌السلام: هذا من ولد الأعرابية، صاحبة الحصاة التي طبع آبائي فيها. ثم قال: هاتها. فأخرج حصاة، و في جانب منها موضع أملس. فأخذها، و أخرج خاتمه فطبع فيها، فانطبع!. و كأني أقرأ الخاتم الساعة: الحسن بن علي!. فقلت لليماني: ما رأيته قط قبل هذا؟!. قال: لا والله، و اني منذ دهر لحريص علي رؤيته حتي كان الساعة، أتاني شاب لست أراه فقال: قم فادخل، فدخلت.. ثم نهض و هو يقول: رحمة الله و بركاته عليكم أهل‌البيت (ذرية بعضها [ صفحه 79] من بعض) [97] أشهد أن حقك لواجب كوجوب حق أميرالمؤمنين و الأئمة من بعده صلوات الله عليهم أجمعين، و اليك انتهت الحكمة و الامامة، و انك ولي الله الذي لا عذر لأحد في الجهل به. فسألت عن اسمه؟. فقال: اسمي مهجع بن الصلت بن عقبة بن سمعان، بن غانم ابن أم‌غانم. و هي الأعرابية اليمانية، صاحبة الحصاة التي ختم فيها أميرالمؤمنين عليه‌السلام. فقال أبوهاشم الجعفري في ذلك: بدرب الحصا مولي لنا يختم الحصا له الله أصفي بالدليل، و أخلصا و أعطاه رايات الامامة كلها كموسي، و فلق البحر، واليد، و العصا! و ما قمص الله النبيين حجة و معجزة، الا الوصيين قمصا فمن كان مرتابا بذاك، فقصره من الأمر أن يتلو الدليل و يفحصا.. في أبيات رقيقة تزيد علي هذا المقدار. و قال أبوعبدالله بن عياش: هذه أم غانم صاحبة الحصاة، غير صاحبة الحصاة التي هي أم الندي، حبابة بنت جعفر الوالبية. و هي غير صاحبة الحصاة الأولي التي طبع فيها رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، و أميرالمؤمنين، فانها أم‌سليم، و كانت وارثة الكتب. فهن ثلاث، و لكل واحدة منهن خبر» [98] . و ليس كل من طبع خاتمه علي حصاة انطبع خاتمه فيها!. [ صفحه 80] فان ذلك لا يكون الا بتقدير من الله تعالي لنبي أو وصي كمعجزة دالة علي صدقه في دعوته. و انما أوردنا هذا الحديث هنا لدلالته علي ذلك و لبرهنته علي كون هذه الآية تدل علي امامة الامام؛ و كان الأحري به أن يكون في موضوع عظمة سفير الله. و في هذا الحديث محطات لا بد أن نقف عندها أهمها: أن الامام عليه‌السلام عرف القادم عليه مع حال كونه لم يره في حياته مطلقا. وأنه علم حاجة الزائر من غير أن يذكرها له. و أنه أدرك ما يخطر بنفس أبي‌هاشم، فعرفه بالأعرابي. و كذلك علم بوجود الحصاة مع الأعرابي، و بأن آباءه طبعوا أختامهم الشريفة عليها، ثم طلبها منه قائلا له هاتها، و كأنه علي موعد معه!. وما في ذلك شي‌ء من الضرب بالرمل.. ولا من السحر!. فتأمل، قبل أن تظن بقولي فندا، و احكم، و اقبل بحكم ضميرك و لا تستفت من الناس أحدا. و علي كل حال، فانه يدل علي امامته عليه‌السلام طريق الاعتبار و التواتر الساريين في اثبات امامة من سبقه من آبائه سلام الله عليهم. و قد أوردنا من الأخبار المعتبرة ما يقنع المنصفين. و نحن نختم ما ذكرناه بخبر أخير يحتوي مثلا رائعا للايمان الذي ينبغي أن يكون عليه الناس، حدث به عبدالعظيم بن عبدالله الحسني رضوان الله عليه، و هو - أيضا - يحمل نصا علي امامة سيدنا أبي‌محمد و امامة الخلف من بعده عليه‌السلام فقال: «دخلت علي سيدي علي بن محمد - الهادي - عليه‌السلام. [ صفحه 81] فلما بصر بي قال لي: مرحبا بك يا أباالقاسم، أنت ولينا حقا. فقلت له: يابن رسول الله، اني أريد أن أعرض عليك ديني، فان كان مرضيا ثبت عليه حتي ألقي الله عزوجل. فقال عليه‌السلام: هات يا أباالقاسم. فقلت: اني أقول: ان الله تبارك و تعالي واحد ليس كمثله شي‌ء، خارج عن الحدين: حد الابطال، و حد التشبيه. و الله ليس بجسم و لا صورة، و لا عرض و لا جوهر؛ بل هو مجسم الأجسام، ومصور الصور، وخالق الأعراض و الجواهر؛ و رب كل شي‌ء، و مالكه، و جاعله، و محدثه. و أن محمدا صلي الله عليه و آله و سلم عبده و رسوله، خاتم النبيين، و لا نبي بعده الي يوم القيامة. و أن شريعته خاتمة الشرائع و لا شريعة بعدها الي يوم القيامة، و أقول: ان الامام، و الخليفة بعده، أميرالمؤمنين، علي بن أبي‌طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي، ثم جعفر بن محمد، ثم موسي بن جعفر، ثم علي بن موسي، ثم محمد بن علي، ثم أنت يا مولاي. فقال عليه‌السلام: و من بعدي الحسن ابني، فكيف للناس بالخلف من بعده؟!. فقلت: فكيف ذلك يا مولاي؟!. قال: لأنه لا يري شخصه، و لا يحل لكم ذكره باسمه، حتي يخرج فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما. فقلت: أقررت، و أقول: ان وليهم ولي الله، و عدوهم عدو الله، و طاعتهم طاعة الله، و معصيتهم معصية الله. و أقول: ان المعراج حق، و المساءلة في القبر حق؛ و ان الجنة حق، و النار حق، و الصراط حق، [ صفحه 82] و الميزان حق، و أن الساعة آتية لا ريب فيها، و أن الله يبعث من في القبور. و أقول: ان الفرائض الواجبة بعد الولاية: الصلاة، و الزكاة، و الصوم، و الحج، و الجهاد، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. فقال علي بن محمد عليه‌السلام: يا أباالقاسم: هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده. فاثبت عليه: ثبتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا و الآخرة» [99] . و قسم الامام عليه‌السلام قسم لو تعلمون عظيم!. و اليمين تقبل من السوقة و العوام... فكيف باليمين من الامام؟!. فمن جاء ربه يوم القيامة بمثل هذا الايمان - المذكور في الخبر السابق - رجحت حسناته في الميزان.. و من أنقص فيه، أو زاد فيه، خسرت صفقته بين يدي الرب الديان.. وكان لامامنا العسكري أخ أكبر منه سنا، هو محمد المكني بأبي‌جعفر. و قد بلغ مبلغ الشباب و كان علي جانب عظيم من التدين و الورع، و الهدي و الخلق السمح و غر الصفات. فتوهم الكثيرون من الشيعة أنه سيكون وصي أبيه من بعده، و لكن الله سبحانه اختاره الي جواره الكريم و ثوابه العظيم في ريعان شبابه، لأنه تعالي اختار في سابق علمه أخاه الحسن لأمر الولاية و السفارة.. و نحن هنا نعرض لطائفة من الأخبار التي وردت بهذا الخصوص لعلاقتها بالنص علي الوصية للحسن عليه‌السلام دون غيره. فعن أحمد بن عيسي العلوي - الذي هو من ولد علي بن جعفر الصادق عليه‌السلام، و من أقرب الناس نسبا للامام - قال: [ صفحه 83] «دخلت علي أبي‌الحسن عليه‌السلام بصريا [100] ، فسلمت عليه فاذا نحن بأبي‌جعفر و أبي‌محمد قد دخلا. فقمنا الي أبي‌جعفر نسلم عليه، فقال أبوالحسن عليه‌السلام: ليس هذا صاحبكم. عليم بصاحبكم، و أشار الي أبي‌محمد عليه‌السلام» [101] . فالامام لا يكتم الحق الذي أنزله الله، و لايدع شيعته الا علي هدي من ربهم. و قال علي بن عمر النوفلي: «كنت مع أبي‌الحسن عليه‌السلام في صحن داره، فمر بنا أبوجعفر، فقلت له: جعلت فداك، هذا صاحبنا بعدك؟. فقال: لا، صاحبكم بعدي - ابني - الحسن» [102] . و قد اشتبه علي بن عمر العطار في ختام رواية قال فيها: «دخلت الي أبي‌الحسن العسكري عليه‌السلام، و أبوجعفر ابنه في الأحياء، و أنا أظن أنه الخلف من بعده. فقلت له: جعلت فداك، من أخص من ولدك!. فقال عليه‌السلام: لا تخصوا أحدا حتي يخرج اليكم أمري. [ صفحه 84] فكتبت اليه بعد - أي بعد وفاة أبي‌جعفر -: في من يكون هذا الأمر؟. فكتب الي: في الكبير من ولدي» [103] . «وقال - أي العطار -: و كان أبومحمد أكبر من أبي‌جعفر» [104] . و الظاهر أن العبارة الأخيرة ليست من الرواية أصلا. و ان جواب الامام عليه‌السلام لابن‌العطار كان بعد وفاة ابنه الأكبر: محمد، حيث صار أخوه الحسن الكبير من ولد أبيه الباقين. فاذا حذفت العبارة الأخيرة ظهر الواقع الذي كان. و ها نحن نستعرض ما جري أثناء وفاة أبي‌جعفر و ما بعدها لنعطي صورة عما حدث حينئذ و بعدئذ: فقد حدث ابن أبي‌الخطاب، عند محمد بن أبي‌الصهبان، فقال: «لما مات أبوجعفر، محمد بن علي بن محمد بن علي بن موسي، وضع لأبي الحسن، علي بن محمد، كرسي فجلس عليه، و كان أبومحمد، الحسن بن علي قائما في ناحية. فلما فرغ من غسل أبي‌جعفر التفت أبوالحسن الي أبي‌محمد فقال: يا بني أحدث لله شكرا، فقد أحدث فيك أمرا» [105] . وقال علي بن جعفر: [ صفحه 85] «كنت حاضرا أباالحسن عليه‌السلام لما توفي ابنه محمد، فقال للحسن - عليه‌السلام -: يا بني أحدث لله شكرا، فقد أحدث لك أمرا» [106] . و كذلك قال علي بن عبدالله بن مهران الأنباري: «كنت حاضرا عند مضي أبي‌جعفر، محمد بن علي، فجاء أبوالحسن عليه‌السلام فوضع كرسيا فجلس عليه و حوله أهل بيته، و أبومحمد عليه‌السلام قائم في ناحية. فلما فرغ من أمر أبي‌جعفر التفت الي أبي‌محمد عليه‌السلام فقال: يا بني، أحدث لله تبارك و تعالي شكرا، فقد أحدث فيك أمرا» [107] . و مثلهم قال أحمد بن محمد الحصيبي: «كنت بحضرة أبي‌الحسن عليه‌السلام، و أبومحمد بين يديه، فالتفت اليه فقال: يا بني، أحدث لله شكرا، فقد أحدث فيك أمرا» [108] . و معني هذه العبارة في ذلك الاجتماع الحافل أنها اعلان من الامام عليه‌السلام يلفظه علي الملا بخلافة ابنه الحسن عليه‌السلام من بعده، اذ جدد الله تعالي فيه لطفا و نعمة و اختاره لأمره بعد موت أخيه الذي قبله، لأن [ صفحه 86] المعروف عند الشيعة الامامية كان - بنص الامام الباقر عليه‌السلام - أن الامامة في الولد الأكبر. فلو لم يمض أبوجعفر الذي هو الأكبر لوقع الخلاف بين الشيعة في امامته و امامة الحسن أخيه، كما اختلفوا بعد الامام الصادق عليه‌السلام في امامة ابنيه: اسماعيل، و موسي الكاظم عليه‌السلام. و لكن اسماعيل توفي قبل أخيه قطعا للنزاع. أما جعل الامامة للامام فهو من الله تبارك و تعالي الذي أخذ ميثاق كل واحد منهم عليهم‌السلام في عالم الذر، و ليس للامام الماضي أية ارادة في تنصيب الامام التالي مطلقا كما لا يخفي. و لهذا المعني أشار حديث أبي‌هاشم الجعفري الذي قال: «كنت عند أبي‌الحسن عليه‌السلام بعد مضي ابنه أبي‌جعفر، و اني لأفكر في نفسي، أريد أن أقول: كأنهما - أعني أباجعفر، و أبامحمد عليه‌السلام - في هذا الوقت، كأبي الحسن، موسي الكاظم عليه‌السلام و اسماعيل أخيه، ابني جعفر بن محمد عليه‌السلام، فان قصتهما كقصتهما. اذ كان أبومحمد عليه‌السلام المرجي بعد أبي‌جعفر. فأقبل علي أبوالحسن عليه‌السلام، قبل أن أنطق، فقال: نعم يا أباهاشم، بدا لله في أبي‌محمد بعد أبي‌جعفر ما لم يكن يعرف له، كما بدا لله في موسي بعد مضي اسماعيل ما كشف به عن حاله. و هو كما حدثتك به نفسك و ان كره المبطلون. و أبومحمد هو الخلف من بعدي، عنده علم مايحتاج اليه، و معه آلة الامامة و الحمد لله» [109] . [ صفحه 87] و في هذا الحديث ثلاثة أشياء لا يجوز اهمالها، بل تجب الاشارة اليها لأنها ذات علاقة هامة بالامامة: أولها: أن البدو لله، الذي صرح به الامام هنا: لا يعني أنه بدو في الامامة عن أخ لأخيه بعد أن كانت مقررة له، بدليل أنه سبحانه هو الخالق، و هو الأعلم بما خلق، و بقرينة قول الامام: كما بدا لله فيه ما كشف عن حاله، أي ما أظهر أمره الذي كان خافيا علي الآخرين. و ثانيها: أن الامامة يكون فيها علم خاص واسع شامل لكل ما يحتاج اليه في عصر امامة الامام، بحيث لا يعيا عن جواب في أي موقف كان، لأنه يمنحه علم ما كان و علم ما يكون و لا يحجب عنه علم شي‌ء الا ما استأثر به تعالي لنفسه عزت قدرته. و ثالثها: أن للامامة آلة خاصة و تجهيزات لمركز السفارة، يعطيها الله سبحانه للمختارين من عنده لولاية أمور الناس: كأن يؤيده بلوازم السفارة الربانية من ملائكة يعملون بين يديه و يسددونه و يلهمونه و يحدثونه و كالكشف، و ازالة الحجب، و تقصير المسافات وما أشبه ذلك مما يسهل عمل السفير الالهي و يجعله علي مستوي هذه الوظيفة التي هي سفارة السماء التي لا تضاهيها سفارة مهما بلغت الأجهزة و الآلات التي تعطيها الدولة لسفيرها، من جهة أخري. و في موضوع النص و الوصية بالذات روي أن محمد بن يحيي بن درياب قال: دخلت علي أبي‌الحسن عليه‌السلام بعد مضي أبي‌جعفر - ابنه - فعزيته عنه و أبومحمد عليه‌السلام جالس، فبكي أبومحمد عليه‌السلام، فأقبل عليه أبو [ صفحه 88] الحسن عليه‌السلام فقال: ان الله تبارك و تعالي قد جعل فيك خلفا منه، فاحمد الله» [110] . و كذلك جاء عن محمد بن يحيي و غيره، و عن سعد بن عبدالله كما عن جماعة من بني‌هاشم، منهم الحسن بن الحسن الأفطس، أنهم حضروا يوم توفي محمد بن علي بن محمد، في دار أبي‌الحسن يعزونه. و قد بسط له في صحن داره، و الناس جلوس حوله. فقالوا: قدرنا أن يكون حوله من آل أبي‌طالب و بني‌هاشم - و بني‌العباس - و قريش، مائة و خمسون رجلا، سوي مواليه و سائر الناس، اذ نظر الي الحسن بن علي عليه‌السلام قد جاء مشقوق الجيب حتي قام عن يمينه و نحن لانعرفه. فنظر اليه أبوالحسن عليه‌السلام بعد ساعة و قال: يا بني، أحدث لله شكرا، فقد أحدث - الله - فيك أمرا. فبكي الحسن عليه‌السلام، و استرجع و قال: الحمد لله رب العالمين، و اياه أسأل تمام نعمه علينا فيك، و انا لله و انا اليه راجعون. فسألنا عنه؟. فقيل: هذا الحسن ابنه. و قدرنا له في ذلك الوقت عشرين سنة أو أرجح، فيومئذ عرفناه و علمنا أنه قد أشار اليه بالامامة، و أقامه مقامه» [111] . ومثل ذلك المجلس الذي حوي القاصي و الداني، من ذوي القربي [ صفحه 89] و الأبعدين، و الموالين و المخالفين هو خير مجلس تناسبه اذاعة مثل ذلك الخبر الصادر عن مشيئة الله عز و علا. أما بعد موت أبي‌جعفر رضوان الله عليه، فقد عمد الشيعة الي ايراد الأسئلة - مشافهة و كتابة - كما عمد الامام عليه‌السلام لذلك كذلك، ليطمئنوا الي أمر يخافون أن يشغل بالهم و ليكونوا علي بصيرة و وضوح رؤية بشأن الامام الخلف لأن ذلك من تمام الدين و كمال النعمة من رب العالمين. فعن اسحاق بن اسماعيل النيسابوري، قال: «حدثني شاهويه بن عبدالله الجلاب، قال: كنت رويت دلائل كثيرة [عنه] عليه‌السلام في ابنه محمد. فلما مضي - بقيت متحيرا، وخفت ان كتبت اليه في ذلك فلا أدري ما يكون؟!. فكتبت اليه أسأله الدعاء. - أي أنه لم يعرض لموضوع الخلف من بعده بقصد أن يأتيه جواب فيه كدليل مقنع -. فخرج الجواب بالدعاء لي، و في آخر الكتاب: أردت أن تسأل عن الخلف، و قلقت لذلك. فلا تغتم فان الله عزوجل (و ما كان الله ليضل قوما بعد اذ هديهم حي يبين لهم ما يتقون) [112] و صاحبك بعدي أبومحمد، ابني؛ عنده علم ما تحتاجون اليه. يقدم الله ما يشاء، و يؤخر ما يشاء. قد كتبت بما فيه تبيان لذي لب يقظان» [113] . [ صفحه 90] و ورد أنه عليه‌السلام ختمه يقول الله عزوجل: (ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) [114] . و قال محمد بن يحيي بن رئاب: «حدثني أبوبكر الفهفكي، قال: كتبت الي أبي‌الحسن عليه‌السلام أسأله عن مسائل. فلما نفذ الكتاب قلت في نفسي: ليتني كتبت فيما كتبت أسأله عن الخلف من بعده!. و ذلك بعد مضي محمد، ابنه. فأجابني عن مسائلي، و كتب: وكنت أردت أن تسألني عن الخلف. و أبومحمد، ابني، أصح آل محمد صلي الله عليه غريزة، و أوثقهم عقيدة بعدي. و هو الأكبر من ولدي، اليه تنتهي عري الامامة و أحكامها. فما كنت سائلا عنه، فسله فعنده علم ما يحتاج اليه، و الحمد لله» [115] . و روي هذا الحديث بلسان الفهفكي ذاته، بفرق: فما كنت سائلي، فسله عنه» [116] . و كذلك قال علي بن مهزيار: «قلت لأبي‌الحسن عليه‌السلام: ان كان كون - و أعوذ بالله - فالي من؟. [ صفحه 91] قال: عهدي الي الأكبر من ولدي، يعني الحسن عليه‌السلام». و في رواية ثانية قال علي بن مهزيار نفسه: «قلت لأبي‌الحسن عليه‌السلام: اني كنت سألت أباك عن الامامة بعده، فنص عليك. ففي من الامامة بعدك؟. فقال: الي أكبر ولدي. و نص علي أبي‌محمد عليه‌السلام، ثم قال: ان الامامة لا تكون في الأخوين بعد الحسن و الحسين عليهم‌السلام‌هما». و من الواضح أن السؤالين وجوابيهما، كانا بعد وفاة ابنه الأكبر، أبي‌جعفر، فأصبح الحسن عليه‌السلام من بعده أكبر ولد أبيه. و نحن نختم هذا الموضوع بما قاله علي بن عبدالغفار الذي قال: «لما مات أبوجعفر الثاني - أي الامام الجواد عليه‌السلام - كتبت الشيعة الي أبي‌الحسن، صاحب العسكر عليه‌السلام يسألونه عن الأمر؟. فكتب عليه‌السلام: الأمر لي ما دمت حيا. فاذا نزلت مقادير الله عزوجل أتاكم الخلف. فأني لكم بالخلف من بعد الخلف؟!». يعني أنه بعد موته عليه‌السلام لابد أن يظهر أمر خلفه لسائر الناس لأنهم يرونه رأي العين و يسمعون كلامه. أما الخلف المنتظر فأني لهم ذلك منه؟!. [ صفحه 92]

عظمة سفير الله.... من عظمة الله!

من أراد أن يتكلم عن عظمة أولياء الله و أصفيائه - من أنبياء و أوصياء - يحتاج الي لغة تفوق لغتنا سعة ودقة تعبير، و تحتوي علي مفردات لائقة بأن تنهض بوصف عظمتهم التي تقصر لغتنا عن وصفها رغم سعتها و دقة تعبيرها و غزارة مادتها؛ أو أنه - علي الأقل - يحتاج الي قدرة لغوية لا تتوافر الا للجهابذة و الفصحاء، و الي فكر مبتدع خلاق يستطيع أن يعطي الصور المعبرة عن عظمة الخلاق الذي ابتدعهم - سبحانه - و سواهم علي غير نسق الآخرين.. و الا فانه يبقي مقصرا عن نعتهم بما يليق، و وصفهم بما يدل علي معانيهم و سمو أقدارهم!. فما علي الكاتب عنهم - اذن - الا أن ينظر اليهم بعين الاكبار، و يعترف بالمعجز عن تبيان ما هم عليه من الشأو و علو الشأن، فيقول كما قالت الملائكة لرب العالمين حين (قالوا سبحانك لا علم لنا الا ماعلمتنا) [117] و لا قدرة لنا علي أكثر من ذلك.. و أين نحن عن ادراك عظمة سربلهم بها الله العظيم؟!. [ صفحه 93] لقد قال أبوهاشم الجعفري: «سألت الحسن العسكري عليه‌السلام عن قوله تعالي: (ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه، و منهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات باذن الله) [118] . قال - عليه‌السلام -: كلهم من آل محمد. فالظالم لنفسه - الذي لا يقر بالامام، و المقتصد العارف بالامام، و السابق بالخيرات الامام. فدمعت عيني، و جعلت أفكر في نفسي، في عظم ما أعطي الله آل محمد صلي الله عليه و آله و سلم، و بكيت!. فنظر الي أبومحمد و قال: الأمر أعظم مما حدثت به نفسك من عظيم شأن آل محمد صلي الله عليه و آله و سلم! فاحمد الله أن جعلك متمسكا بحبلهم، تدعي يوم القيامة بهم اذا دعي كل أناس بامامهم!. فأبشر يا أباهاشم، انك علي خير» [119] . الأمر أعظم مما تحدث به النفس!. عبارة قالها الامام عليه‌السلام دون تفصيل يوضح ذلك الأمر، و اكتفي ببيان أهمية التمسك بحبل ولائهم. و معني ذلك أن تحديد عظمتهم لا تتحمله عقولنا و لاتستوعبه أفهامنا ولو تحدثت به نفوسنا و حاولت وصفها ألسنتنا و أقلامنا.. و لذا فاننا سنورد بعض مظاهر عظمة امامنا العسكري صلوات الله عليه، و نعلق علي ما نورده بما نقدر عليه. لا بما ينبغي أن يقال، ثم نترك ما نعجز عنه لتعليق القادرين، و تأمل المتأملين.. [ صفحه 94] قد قيل للامام الصادق عليه‌السلام: «يابن رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، ما منزلتكم من ربكم؟. قال: حجته علي خلقه، و بابه الذي يؤتي منه، و أمناؤه علي سره، و تراجمة وحيه» [120] . و قال عليه‌السلام في حديث آخر: نحن حجج الله علي عباده، و شهداؤه في خلقه، و أمناؤه، و خزانه علي علمه، و الداعون الي سبيله، و القائمون بذلك. فمن أطاعنا فقد أطاع الله» [121] . ففي ما بين أطراف هذه التحديدات الدقيقة، التي تحمل معاني تنوء بها الجبال، ينبغي أن يدور كلام من تجرأ علي الخوض في بيان أسرار عظمتهم المستمدة من عظمة الله عزوعلا!. فجرب أن تطير بخيالك ملايين السنين النورية لتصل الي حدود الكون (اللامحدود).. فاذا وصلت الي أحد حدوده، تصل الي تحديد عظمة جعلها الخالق سبحانه غير محدودة!. قال محمد بن مسلم - في حديث طويل -: «سمعت أباجعفر عليه‌السلام يقول: ... فلم يعلم والله رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم حرفا مما علمه الله، الا علمه عليا عليه‌السلام، ثم انتهي ذلك العلم الينا. ثم وضع يده علي صدره» [122] . فاليهم - صلوات الله و تحياته و بركاته عليهم - ينتهي علم العالمين، ما [ صفحه 95] عرف منه العالمون و ما جهلوه، بل عندهم من العلم ما لا يتحمله أحد غيرهم و لا بدع في أن يعلم السفير عن ملكوت دولته، ما لا يعلمه غيره من الغرباء عن ملكوتها!. فقد روي علي بن حمزة عن أبي‌الحسن موسي بن جعفر عليه‌السلام، قائلا: «سمعته يقول: ما من ملك يهبطه الله في أمره، الا بدأ بالامام فعرض ذلك عليه. و ان مختلف الملائكة من عند الله تبارك وتعالي الي صاحب هذا الأمر» [123] . ذلك أنه جلت قدرته، يطلع أمينه في أرضه، علي ما يقضي فيها، اذ لا يجوز أن يغيب عن السفير علم شي‌ء من ذلك، و الا فما معني سفارته عن السماء؟!. ان الدولة التي تعين سفيرا لها في دولة أخري، لا تمضي أمرا مع تلك الدولة دون علم سفيرها، بل و لا تعرض معها لدرس مشكلة مشتركة الا بمعرفته؛ و اذا أرسلت اليها مندوبا بمهمة ما، فانما يبدأ المندوب بسفير دولته ليطلعه علي رأي دولته، ثم يمضي معه، الي انجاز عمله. فالله تبارك و تعالي حين قضي باهلاك قوم لوط، بعث ملائكة مكرمين، علي رأسهم جبرائيل الأمين عليه و عليهم‌السلام، فنزل الملائكة - أولا و بالذات - علي النبي ابراهيم عليه‌السلام فأخبروه بأمر ربهم، ثم مضوا الي لوط عليه‌السلام فبلغوه المهمة، و أنقذوه - كما أمرهم ربهم - ثم نفذوا ما جاؤوا بصدده. [ صفحه 96] هذا هو العرف الرباني.. و علي نسقه - أيضا - يجري العرف الانساني.. فلا تتعجب من أمر نحن نمارسه علي كوكبنا الأرضي.. و قد قال سورة بن كليب: «قال لي أبوجعفر - الامام الباقر - عليه‌السلام: «والله انا لخزان الله في سمائه و أرضه، لا علي ذهب، و لا علي فضة، الا علي علمه!» [124] . و قال عبدالرحمان بن كثير: «سمعت أباعبدالله - الامام الصادق - عليه‌السلام يقول: نحن ولاة أمر الله، و خزنة علم الله، و عيبة وحي الله...» [125] . فسبحان من له الأمر و النهي، الذي اختص أهل بيت نبيه بأمانة سره في أرضه، و كان من جملة أمره أن جعل لهم هذا الأمر اختصاصا لهم منه دون غيرهم!. و نحن لا نستكثر عطاء ربنا سبحانه. و من استكثر عليهم مواهب ربهم، فقد استكثر ذلك علي العزيز الوهاب. و بخل عليهم بما وهبه لهم!. فعن بريد العجلي قال: «قال الامام الباقر عليه‌السلام في قوله تبارك و تعالي: (فقد ءاتينا ءال ابراهيم الكتاب و الحكمة و ءاتيناهم ملكا عظيما) [126] . جعلنا منهم الرسل، و الأنبياء، و الأئمة. فكيف يقرون في آل ابراهيم، وينكرون في آل محمد صلي الله عليه و آله و سلم؟!! مع أن في تأويل هذه الآية الكريمة أن آل ابراهيم هم نبينا صلي الله عليه و آله و سلم و أهل بيته عليهم‌السلام. قلت: فما معني: (و ءاتيناهم ملكا عظيما)؟!. [ صفحه 97] قال: الملك العظيم أن جعل فيهم أئمة، و من أطاعهم أطاع الله، ومن عصاهم عصي الله؛ فهو الملك العظيم!» [127] . فأرجو لي و لاخواني القراء أن تأتي البيوت من أبوابها، و أن لا نصدم رؤوسنا بالجدران اذا حاولنا دخول البيوت من الحيطان.. و آن لنا أن نختم هذا التمهيد للاطلالة المتواضعة علي مظاهر عظمة امامنا الكريم عليه‌السلام،يقول رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم: «انا، أهل‌البيت، أهل بيت الرحمة، و شجرة النبوة، و موضع الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعدن العلم» [128] . و كفي بذلك تحديدا لفظه نبينا الذي هو أفصح من نطق بالضاد، و الذي لا يتكلم عن عصبية و هوي، بل عن وحي يوحي. روي اسحاق بن يعقوب، عن «بذل» مولاة أبي‌محمد عليه‌السلام، التي قالت: «رأيت عند رأس أبي‌محمد عليه‌السلام، نورا ساطعا الي السماء و هو نائم» [129] . فما هذا النور الساطع من جبين الامام عند النوم؟!. و هل كانت لوجهه هالة كالهالة المشعة التي كانت تعلو وجه جده رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم؟!. [ صفحه 98] نعم، هي هي مع فارق هام يتخلص في أن هالة النبوة كانت ظاهرة للعيان، في حين أن هالة الوصية لا تبدو لسائر الناس اذ ليس من طبيعة أبصارهم أن تري النور الرباني، الذي جعله هيبة و وقارا علي وجه الامام!. و انما بدا ذلك النور لتلك الخادمة البريئة «بذل» - في لحظات ما - لتتحدث للأجيال عن مواهب الرب الجليل، لأهل بيت الوحي و التنزيل، و لتنقل لنا آية من آياتهم و ليس عجيبا أن تصدر عن أمين الله و صفيه و حامل عزائم أمره!. و لا غرو أن يكون ذلك النور نور الايمان الراسخ، ينبعث من وجه العبد الصالح!. أو أنه الخط الأبيض الذي يربطه بالسماء، ويصله بحضرة القدس و البهاء!. أو هو السناء الالهي الذي يتدفق من منابع رحمة الله ليغمر وجه وليه و ينبعث منه ليلا، كما ينبعث نور الشمس من الكوة الي الغرف المظلمة.. و علي أي حال، انها آية خارقة، مستهجنة اذا صدرت عن شخص عادي.. و لكنها، من آل الله، آية من آيات الله لا يعجزه شي‌ء في الأرض ولا في السماء!. فهو سبحانه نور السماوات و الأرض، و لا جرم أن يفيض دفقا من نوره علي جبين من جعله في الأرض عنوانا لقدرته و عظمته. قال أبوهاشم الجعفري: كنت عند أبي‌محمد، فسأله محمد بن صالح الأرميني - الأرمني - عن قول الله عزوجل: (و اذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم علي أنفسهم ألست بربكم قالوا بلي شهدنا..) [130] . [ صفحه 99] فقال أبومحمد: ثبتت المعرفة، و نسوا الموقف، و سيذكرونه. و لولا ذلك لم يدر أحد من خالقه، و لا من رازقه!. فجعلت أتعجب في نفسي من عظيم ما أعطي الله وليه، و جزيل ما حمله!. فأقبل أبومحمد عليه‌السلام علي، فقال: الأمر أعجب مما عجبت منه، و أعظم!. ما ظنك بقوم من عرفهم عرف الله، و من أنكرهم أنكر الله؟!. و لا مؤمن الا و هو لهم مصدق، و بمعرفتهم موقن» [131] . وقد قال في (كشف الغمة) تعليقا علي شرح الامام للآية الكريمة بهذا الايجاز البليغ: «كأن المراد أنه لو لم يعرف الله نفسه لعباده، لكانت معرفته مستحيلة للعباد. و ذلك لضعفهم ونقصانهم عن معرفة خالقهم و رازقهم، لضعف الصور الخيالية من الأشياء المتصورة في الذهن، عن أن يعرف صاحبه، يعني المصور في خياله. مثاله: أنك لو صورت في ذهنك صورة من البستان في صورة خاصة، فهذا البستان يستحيل عليه أن يعرفك، و ليس له ذلك الادراك.. فالمخلوق أيضا أنقص و أضعف من أن يعرف خالقه، الا اذا أوجد الخالق هذه المعرفة فيه، و عرف نفسه به. و لذلك ورد في الحديث، في جواب من سئل أن المعرفة صنع من؟. فقال الامام عليه‌السلام: من صنع الله، ليس للعباد فيه صنع.. و ورد في الدعاء أيضا: اللهم عرفني نفسك.. الخ» [132] . [ صفحه 100] و التعليق حسن، ولكن لا يضاهي قول الامام عليه‌السلام قول، و لا يفسر بلاغته تعليق، لأنه السهل الممتنع البليغ غاية البلاغة.. فلما اعترف بنوآدم - في عالم الذر - بربوبية الخالق اذ سألهم - سبحانه - عن نفسه مستفهما - و هو أعلم منهم بما في نفوسهم - و أجابوا ببلي ثبتت معرفتهم به خالقا رازقا. و لكنهم بعد انتقالهم من خلق الي خلق، غاب عن وعيهم ذلك الموقف ونسوا اعترافهم و جوابهم.. بيد أنهم سيذكرونه حين يقفون بين يديه تعالي للحساب، فيثاب المعترف السامع المطيع، و يجازي المنكر الأصم العاصي: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، و ما عملت من سوء تود لو أن بينها و بينه أمدا بعيدا!) [133] . قال محمد بن الحسن بن ميمون [134] . «كتبت اليه أشكو الفقر؛ ثم قلت في نفسي: قد قال أبوعبدالله - الصادق عليه‌السلام -: الفقر معنا خير من الغني مع غيرنا. و القتل معنا خير من الحياة مع عدونا. فرجع الجواب: ان الله عزوجل يخص أولياءنا اذا تكاثفت ذنوبهم بالفقر، و قد يعفو عن كثير منهم. كما حدثتك نفسك: الفقر معنا خير من الغني مع غيرنا، و القتل معنا خير من الحياة مع عدونا، و نحن كهف لمن التجأ الينا، و نور لمن استبصر بنا، و عصمة لمن اعتصم بنا. [ صفحه 101] من أحبنا كان معنا في السنام الأعلي، و من انحراف عنا فالي النار!» [135] . فليس للانسان - اذن - أفضل من أن يلتجي‌ء الي وارف ظلهم، و يستبصر بنور هدايتهم، و... بهم، فانهم لا يخرجون أحدا من حق، و لا يدخلون أحدا في ضلالة، بل هم سفينة النجاة يوم يغرق الخلق الي شحوم آذانهم بالعرق من مخاوف يوم القيامة و أهواله!. فلا جرم أن يتمسك العاقل بحبل ولائهم، ليكون معهم و في زمرتهم في الجنان و دار الرضوان. و يكفيهم شرفا أن طاعتهم فريضة من فرائض الله عز اسمه، و أن معصيتهم كمعصيته سواء بسواء، لأنهم لا ينطقون الا بأمره، و لا يصدرون الا عن وحيه.. فهم من الناس، و لكنهم ليسوا منهم في ميزان العظمة ومقاييس عطايا الله تعالي!. ولدا فان أي وصف لذاتهم و سماتهم يبدو ركيكا هزيلا مهما بالغ الوصافون بذلك.. و عن الفضل بن الحارث [136] ، أنه قال: كنت بسر من رأي وقت خروج أبي‌الحسن - أي وقت اخراج جنازة الامام الهادي عليه‌السلام - فرأيت أبامحمد عليه‌السلام ماشيا قد شق ثوبه. فجعلت أتعجب من جلالته، و هو له أهل، و من شدة اللون و الأدمة، و أشفق عليه من التعب. فلما كان من الليل، رأيته عليه‌السلام في منامي، فقال: اللون الذي [ صفحه 102] تعجبت منه اختبار من الله لخلقه، يجريه كيف شاء - يختبر فيه كيف يشاء -. و انها لعبرة لأولي الأبصار، لا يقع فيه علي المختبر ذم. و لسنا كالناس نتعب مما يتعبون. نسأل الله الثبات و التفكر في خلق الله، فان فيه متسعا!. ان كلامنا في النوم، مثل كلامنا في اليقظة» [137] . و (انما يتذكر أولوا الألباب) [138] اذا طالعتهم هذه العجائب. فقد تعجب ابن‌الحارث من جلالة الامام عليه‌السلام، و من شدة سمرته، و أشفق عليه من التعب،فيما بينه و بين نفسه و لم يفه بكلمة، و لا نبس ببنت شفقة!. فمن أطلع الامام علي أحاسيسه و همسات صدره حرفا حرفا، و كيف أحس بمشاعره معني معني؟!. لقد جاءه في المنام، و أخبره عن جميع الأفكار التي دارت في خلده واحدا وحدا، و بين له أن أوصياء الله علي عباده لا يتعبون مما يتعب منه الناس، و فذلك له ظهور ذلك اللون علي وجهه ساعة اخراج جنازة أبيه، و أوضح له بعض مظاهر عظمته التي يمتاز بها علي المخلوقين، و أعلمه أن حاله واحدة في المنام و في اليقظة، لأن من رآهم - في المنام - فقد رآهم حقا، كما ورد في الخبر عنهم عليهم‌السلام. فكيف كان ذلك ان لم يكن الامام يؤتي بالكلام، و بالأفكار، و بوساوس الصدور؟!. [ صفحه 103] كان ذلك كذلك قطعا.. و لا داعي للتفكير فيما وراءه، فان سرهم من سر الله، و أمرهم من أمره، و هو العالم بالخفيات، القادر علي اطلاع من يشاء علي ما يشاء.. فبقدرته عزوجل أقدر نوحا علي صنع سفينة النجاة من الغرق، و جعل نار النمرود بردا و سلاما علي ابراهيم، و أعطي موسي عصا لقفت ما أفكوا من السحر، وأنطق عيسي في المهد، و جعل لمحمد صلي الله عليه و عليهم جميعا معجزة القرآن الخالدة علي الدهر، و منح عباده المطيعين أن يقولوا - باذنه - للشي‌ء: كن.. فيكون!. و قال أبوالحسن الايادي: حدثني أبوجعفر العمري رضي الله عنه [139] أن أباطاهر بن بلبل حج فنظر الي علي بن جعفر الهمداني [140] و هو ينفق النفقات العظيمة. فلما انصرف كتب بذلك الي أبي‌محمد عليه‌السلام. فوقع - الامام - في رقعته: قد أمرنا له بمائة ألف دينار؛ ثم أمرنا له بمثلها، فأبي قبولها ابقاء علينا. ما للناس و الدخول في أمرنا فيما لم ندخلهم فيه؟!» [141] . فقد أسقط في يدك يا ايادي!. و مباركة عليك الفروة التي ألبستها فكانت علي طولك، و غمرت أخمص قدميك!. [ صفحه 104] و من تدخل فيما لايعنيه، أصيب بما لا يرضيه. ان كنوز الأرض تحت أيدي الأئمة عليهم‌السلام، و هم لا يعطون الا فيما يرضي الله عزوجل. أماالناس فهذا كنزة للمال و حفظة له، يدخرونه طول العمر.. ثم يتركونه لغيرهم!. في حين أن الامام عليه‌السلام يعطي عمه المائة ألف دينار ليفرقها علي المحتاجين في الحج، ثم يأمر له بمائة ألف أخري، و هو لا يبالي بتلك العطية الكبري اذ يريد أن يكون المال دولة بين الناس، لا مخزونا في صناديق الادخار من أصحاب الغني و ذوي اليسار. هذا هو العطاء البار.. لا عطاء الملوك لمداحيهم و مشبعي غرورهم.. و لغير وجه الله!. دنيانا هذه - يا أيادي - تساوي عفطة عنز عند مولانا أميرالمؤمنين عليه‌السلام ان لم يقم حقا و يبطل باطلا.. و هي كذلك بنظر أبنائه البررة الميامين، لأنهم من طينه وعجينه! لقد أعطي الامام من مال الله، لعباد الله.. لا من مال الأئمة الذي كان يبذره السلاطين علي شهواتهم و ملذاتهم، و علي أهل الفسق و اللهو من مهرجيهم ومغنياتهم.. و علي قدر أهل العزم تأتي العزائم.. يا ايادي. ومن ايادي.. الي نعماني.. فقد روي أن أباالحسين بن علي بن بلال، و أبايحيي لنعماني، قالا: «ورد كتاب من أبي‌محمد ونحن حضور عند أبي‌طاهر بن بلال. فنظرنا فيه، فقال النعماني: فيه لحن، أو يكون النحو باطلا!. و كان هذا بسر من رأي. [ صفحه 105] فنحن في ذلك اذا جاء توقيعه - أي كتاب الامام عليه‌السلام - ما بال قوم يلحنوننا؟!. و ان الكلمة نتكلم بها تنصرف علي سبعين وجها، فيها كلها المخرج و المحجة!. [142] . فنعيما لك يا نعماني بهذا التوبيخ القاسي الذي صفع الامام به وجهك، و سفه به عقلك، وجهل به علمك بالنحو، وأثبت تقصيرك عن معرفة وجه من سبعين وجها ينصرف عليه كلامه الشريف!. قد غاب من ذهنك البليد أنك ترمي باللحن قوما هم أفصح من نطق بالضاد، وكلامهم دون كلام الخالق، و فوق كلام كل مخلوق. و دللتنا - عبر التاريخ - أنك لم تقدر علي اعراب لفظة وردت في جملة قد تشبه قولهم: أكل الكوسي موسي!. فما أنت و هذا المأزق الذي رميت بنفسك فيه، في ميدان امام يري و يعلم ما أنت عليه من وراء الحجب الكثيفة و المسافات البعيدة، و يطلع علي قولك و فعلك و يعلم ما في نفسك، و لا يغيب عنه شي‌ء من صغائرك وكبائرك؟!. لو كنت ذا عقل تنبه بعد هذه الزلة الكبري، لفكرت فيما بينك و بين نفسك: كيف عرف الامام نقدك بهذه السرعة؟. وكيف حرر الرد عليك فألقمك حجرا، ثم بغتك بجوابه و أنت في مجلسك ذاته، و بين أصحابك أنفسهم، ليكون فشلك أشد، و لتكون الصفعة أوجع حين يشمتون بك اذ تسورت محراب قدس امام الدين و الدنيا، و امام الفقه و اللغة و الفتوي!. فابق يا نعماني مثلا مجسدا لكل جاهل حق أئمة: علماء، فصحاء، [ صفحه 106] حكماء، خلقوا معلمين، مفهمين من لدن رب العالمين!. و قال ادريس بن زياد الكفرتوثائي [143] : «كنت أقول فيهم قولا عظيما. - أي أنه كان يغلو في الأئمة عليهم‌السلام -. فخرجت الي العسكر للقاء أبي‌محمد عليه‌السلام. فقدمت و علي أثر السفر ووعثاؤه. فألقيت نفسي علي دكان حمام - مصطبة - فذهب بي النوم. فما انتبهت الا بمقرعة أبي‌محمد عليه‌السلام قدقرعني بها حتي استيقظت!. فعرفته صلي الله عليه فقمت قائما أقبل قدمه وفخذه و هو راكب و الغلمان حوله. فكان أول ما تلقاني به أن قال: يا ادريس!. (بل عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون) [144] . فقلت: حسبي يا مولاي!. و انما جئت أسألك عن هذا. فتركني، و مضي» [145] . لا لوم عليك يا كفرتوثائي.. فمن يفكر في أمورهم الخارقة للطبيعة و العرف، اما أن يهتدي عن طريقهم الي طريقهم السوي.. و اما أن يضل و يقول فيهم قولا عظيما، و العياذ بالله من ذلك!. [ صفحه 107] و لكن قل لي يا كفرتوثائي، و قل لقرائي الكرام: من أخبر الامام عليه‌السلام بما أنت عليه من الغلو؟. و من أنبأه بمجيئك الي سامراء تلك الليلة؟. وكيف علم أنك نائم علي دكان ذلك الحمام بالذات؟!. و ما الذي دله علي ما تكنه في نفسك، و تتصوره في فكرك من الشبهة الضالة التي لم يخاطبك بسواها؟. و كيف اتفق له المرور بك في تلك اللحظة، فألقي اليك بكون الامام «عبدا مكرما» من ربه، لا يسبقه بالقول، بل يعمل بأمره؟!! أجل أيها القاري‌ء الكريم، لا عجب أن يقول ادريس الكفرتوثائي في الأئمة قولا عظيما. فقد عاصرهم، و عاشرهم، و حادثهم فرأي الآيات و المعجزات، و الأعاجيب المدهشات!. و لم يكن مثلنا بعيدا عنهم بعدا زمنيا يتنسم أخبارهم، و يستطلع آثارهم بعين عقله حتي يصل الي شي‌ء مما هم عليه من العظمة و القدرة و العلم باذن ربهم، من غير أن يبالغ في القول و يضل في الرأي. و أنا أقول لمن يحبهم حبا عاطفيا لكونهم أهل بيت النبي صلي الله عليه و آله و سلم، لا رابطة ايمان و ولاء في العقيدة و العمل، أقول له: اياك و الحب العاطفي فانه لايغني من الحق شيئا.. و اياك و الغلو فيهم - أيضا - أو رفعهم الي مرتبة لا يدعونها لأنفسهم.. فانك في كلا الحالين تهلك!. بل اعتقد أنهم أولياء الله تعالي علي عباده، وأمناؤه علي دينه، وشهداؤه علي خلقه، و سفراؤه الذين لا يخفي عنهم خافية في الكون، سوي ما حجبه عن ملائكته، و رسله، و حملة أوامره و نواهيه، و احتفظ به لنفسه عز و علا.. و حينئذ تكون من [ صفحه 108] مواليهم و أشياعهم و أتباعهم العارفين بهم، و من الفائزين برضي الله تعالي، و رضي رسوله الكريم، و رضاهم. و كذلك قال محمد بن هارون: «أنفذني والدي مع بعض أصحاب أبي‌العلا، صاعد النصراني، لأسمع منه ما روي عن أبيه من حديث مولانا أبي‌محمد، الحسن العسكري عليه‌السلام، فأوصلني اليه، فرأيت رجلا معظما، و أعلمته السبب في قصدي، فأدناني و قال: حدثني أبي أنه خرج و اخوته و جماعة من أهله في البصرة الي سر من رأي للظلامة من العامل - أي للشكوي من ظلم الوالي -. فبينما أن بسر من رأي في بعض الأيام، اذ بمولانا أبي‌محمد عليه‌السلام علي بغلة، و علي رأسه شاشة - أي عمامة - و علي كتفه طيلسان. فقلت في نفسي: هذا الرجل يدعي بعض المسلمين أنه يعلم الغيب!. و قلت: ان كان هذا الأمر علي هذا فيحول مقدمة الشاشة الي مؤخرها. ففعل ذلك. فقلت: هذا اتفاق - أي مصادفة -. و لكنه سيحول طيلسانه الأيمن الي الأيسر، و الأيسر الي الأيمن. ففعل ذلك و هو يسير!. و قد وصل الي، فقال: يا صاعد، لم لا تشغل بأكل حيتانك عما لا أنت منه و لا اليه؟!. و كنا نأكل سمكا [146] . [ صفحه 109] فأسلم صاعد بن مخلد بعد أن رأي هذه المعجزة الباهرة، و صار فيما بعد وزيرا للمعتمد» [147] . و لقد أنصف ابن‌مخلد و انتصف لنفسه.. ف (ان النفس لأمارة بالسوء الا ما رحم ربي) [148] و قد شملته رحمة ربه و تولاه بهداه، فاقتنع بأن للامام ميزة عن سائر البشر، وآمن بسره الالهي غير المألوف، و تهضم المعجزة بروح رياضية طيبة تذعن للبرهان، و تصفع الشرك بالايمان. و جدير بالعاقل أن لاتضله العصبية و العناد اذا وضح الحق أمام عينيه، و ظهر الباطل الذي هو عليه، و أن لا يطغي عليه شيطان الهوي و يصرفه عن الهدي و تولي حجج الله في أرضه الذين اختارهم سبحانه لسياسة عباده في بلاده، و حينئذ يكون عقله قد تحكم بالقرار و أورده موارد الاستقرار النفسي. و اذا فكرنا قليلا، رأينا أنه ليس من السهل أن يعرف الامام ما خطر ببال صاعد بن مخلد بالنسبة لتحريك العمامة أولا، أو ما خطر له من رد الطيلسان علي عكس ما كان ثانيا!. فهذا علم من علم الله تعالي، و لا يتسني لغير أوليائه.. و لاينكره عليهم الا أعداء الرحمان، و أسراء الهوي و العصبية.. و روي أن أباجعفر، أحمد القصير البصري، قال: «حضرنا عند سيدنا أبي‌محمد عليه‌السلام بالعسكر، فدخل عليه خادم من دار السلطان جليل، فقال له: أميرالمؤمنين يقرأ عليك السلام و يقول لك: كاتبنا أنوش النصراني [ صفحه 110] يريد أن يطهر ابنين له، و قد سألنا مساءلتك أن تركب الي داره، و تدعو لابنيه بالسلامة و البقاء، فأحب أن تركب، و أن تفعل ذلك، فانا لم نجشمك هذا العناء الا لأنه قال: نحن نتبرك بدعاء بقايا النبوة و الرسالة. فقال مولانا: الحمد لله الذي جعل النصاري أعرف بحقنا من المسلمين!. ثم قال: أسرجوا لنا. فركب حتي وردنا أنوش. فخرج اليه مكشوف الرأس، حافي القدمين، و حوله القسيسون و الشمامسة و الرهبان، و علي صدره الانجيل؛ فتلقاه علي باب داره، و قال له: يا سيدنا، أتوسل اليك بهذا الكتاب الذي أنت أعرف به منا، الا غفرت لي ذنبي في عناك - أي تعبك -. و حق المسيح ابن‌مريم، و ما جاء به من الانجيل من عند الله، ما سألت أميرالمؤمنين مسألتك هذه، الا لأنا وجدناكم في هذا الانجيل مثل المسيح عيسي ابن‌مريم عند الله!. فقال مولانا: الحمد لله. و دخل علي فرسه و الغلامان علي منصة، و قد قام الناس علي أقدامهم!. فقال: أما ابنك هذا فباق عليك. و أما الآخر فمأخوذ عنك بعد ثلاثة أيام، و هذا الباقي يسلم و يحسن اسلامه، و يتولانا أهل البيت. فقال أنوش: و الله يا سيدي ان قولك الحق، و لقد سهل علي موت ابني هذا لما عرفتني أن الآخر يسلم ويتولاكم أهل‌البيت. فقال له بعض القسيسين: مالك لاتسلم؟!. فقال أنوش: أنا مسلم، و مولانا يعلم ذلك. [ صفحه 111] فقال مولانا: صدق. و لولا أن يقول الناس أنا أخبرناك بوفاة ابنك و لم يكن كما أخبرناك، لسألنا الله بقاءه عليك. فقال أنوش: لا أريد يا سيدي الا ما تريد. قال أبوجعفر، أحمد القصير: مات والله ذلك الابن بعد ثلاثة أيام، و أسلم الآخر بعد سنة، و لزم الباب معنا - أي بقي في خدمة الامام - الي وفاة سيدنا أبي‌محمد عليه‌السلام» [149] . أجل، ان كثيرين من النصاري أعرف بحق الأئمة عليهم‌السلام من كثيرين من المسلمين!. و هذا من المفارقات العجيبة التي لا ينبغي أن تكون، باعتبار أن الأئمة أبناء نبي الاسلام علي الأقل، و أن الحياء من الله و من رسوله يقضي علي المسلم بمعرفتهم، خصوصا و ان أمورهم ما كانت خافية علي أحد بالأمس، و لا اليوم.. و لكن هذا أمر درج عليه جماعة من المسلمين، هدانا الله و اياهم للحق المبين. و حدث فطرس، و هو رجل متطبب، و قد أتي عليه مائة سنة و نيف، فقال: «كنت تلميذ بختيشوع - طبيب المتوكل - و كان يصطفيني. فبعث اليه الحسن العسكري عليه‌السلام أن يبعث اليه بأخص أصحابه عنده لتفصيده. فاختارني - بختيشوع - و قال: طلب مني الحسن العسكري عليه‌السلام من يفصده، فصر اليه و هو أعلم في يومنا هذا ممن تحت السماء!. فاحذر أن تعترض عليه فيما يأمرك به. [ صفحه 112] فمضيت اليه. فأمر بي الي حجرة و قال: كن هاهنا حتي أطلبك. و كان الوقت الذي أتيت اليه فيه، عندي جيدا محمودا للفصد. فدعاني في وقت غير محمود له، و أحضر طستا كبيرا عظيما. ففصدت الأكحل - أي العرق الأكحل - فلم يزل الدم يخرج حتي امتلأ الطست!. ثم قال لي: اقطع الدم. فقطعته، و غسل يده و شدها، و ردني الي الحجرة؛ و قدم من الطعام الحار و البارد الشي‌ء الكثير، و بقيت الي العصر. ثم دعاني فقال: سرح. و دعا بذلك الطست. فسرحت، و خرج الدم الي أن امتلأ الطست!. فقال: اقطع. فقطعت، و شده، و ردني الي الحجرة فبت فيها. و لما أصبحت، و ظهرت الشمس، دعاني و أحضر ذلك الطست، و قال: سرح. فسرحت، فخرج من يده مثل اللبن الحليب الي أن امتلأ الطست!. ثم قال لي: اقطع. فقطعت، و شد يده. و تقدم لي بتخت ثياب - أي صرة - و خسمين دينارا و قال: خذ هذا، و اعذر، و انصرف. و أخذت ذلك و قلت: يأمرني السيد بخدمة؟. قال: نعم، بحسن صحبة من يصحبك من دير العاقول. فصرت الي بختيشوع فقلت له القصة. فقال: اجتمعت الحكماء علي أن أكثر ما يكون في بدن الانسان سبعة [ صفحه 113] أمنان [150] من الدم. و هذا الذي حكيت لو خرج من عين ماء لكان عجيبا!!! و أعجب ما فيه اللبن!!! ففكر ساعة.. ثم مكث ثلاثة أيام بلياليها يقرأ الكتب علي أن يجد في هذه القصة ذكرا في العالم، فلم يجد!. ثم قال لي: لم يبق اليوم في النصرانية أعظم في الطب من راهب بدير العاقول. فكتب اليه كتابا يذكر فيه ما جري. فخرجت، فناديته.. و أشرف علي و قال: من أنت؟ قلت: صاحب بختيشوع. قال: معك كتابه؟ قلت: نعم. فأرخي الي زنبلا - أي سلة - فجعلت الكتاب فيه. فرفعه. فقرأ الكتاب، و نزل من ساعته فقال: أنت الرجل الذي فصدت؟!. قلت: نعم. قال: طوبي لأمك!. و ركب بغلا، و مر، فوافينا سر من رأي و قد بقي من الليل ثلثه. قلت: أين تحب: دار أستاذنا، أو دار الرجل؟. فقال: دار الرجل - أي الامام عليه‌السلام -. [ صفحه 114] فصرنا الي داره قبل الأذان. ففتح الباب، و خرج الينا غلام أسود، و قال: أيكما صاحب دير العاقول؟. فقال الراهب: أنا، جعلت فداك. فقال: انزل. و قال لي الخادم: احفظ البغلين. و أخذ بيده، فدخلا. فأقمت الي أن أصبحت و ارتفع النهار. ثم خرج الراهب و قد رمي ثياب الرهبانيين و لبس ثياب بياض، و قد أسلم. قال: خذني الآن الي دار أستاذك. فصرنا الي باب بختيشوع. فلما رآه بادر يعدو اليه، ثم قال: ما الذي أزالك عن دينك؟!. قال: وجدت المسيح، و أسلمت علي يده!. قال: وجدت المسيح؟!! قال: نعم، أو نظيره، فان هذا الفصد لم يفعله في العالم الا المسيح، و هذا نظيره في آياته و براهينه!. ثم عاد الي الامام، و لزم خدمته الي أن مات» [151] . و ما أغني هذه القصة المدهشة عن التعليق، لأن سمات عظمة الامام تتجلي فيها مرحلة مرحلة بوضوح، و لا تخفي علي من كان ذا لب، و ذا انصاف!. [ صفحه 115] و لكننا سنعود اليها لالفات النظر الي بعض خفاياها، بعد ايراد القصة التالية. فقد حدث بمثل القصة السابقة محمد بن الحسن المكفوف، فقال: «حدثني بعض أصحابنا عن بعض فصادي العسكر من النصاري، أن أبامحمد عليه‌السلام بعث اليه يوما في وقت صلاة الظهر فقال لي: افصد هذا العرق، وناولني عرقا لم أفهمه من العروق التي تفصد!. فقلت في نفسي: ما رأيت أعجب من هذا!. يأمرني أن أفصد وقت الظهر و ليس بوقت فصد!. و الثانية عرق لا أفهمه. ثم قال لي: انتظر، و كن في الدار. فلما أمسي دعاني و قال: سرح الدم.فسرحت. ثم قال لي: أمسك، فأمسكت. ثم قال لي: كن في الدار. فلما كان نصف الليل، أرسل الي و قال: سرح الدم. فتعجبت أكثر من عجبي الأول، و كرهت أن أسأله!. فسرحت الدم، فخرج دم أبيض كأنه الملح!. ثم قال لي: احبس. فحبست. ثم قال: كن في الدار. فلما أصبحت، أمر قهرمانه أن يعطيني ثلاثة دنانير، فأخذتها. و خرجت حتي أتيت بختيشوع النصراني - الطبيب - فقصصت عليه القصة. [ صفحه 116] فقال لي: و الله ما أفهم ما تقول، و لا أعرفه في شي‌ء من الطب، و لا قرأته في كتاب!. و لا أعلم في دهرنا أعلم بكتب النصرانية من فلان الفارسي. فاخرج اليه. فاكتريت زورقا الي البصرة، و أتيت الأهواز. ثم صرت الي فارس الي صاحبي فأخبرته الخبر. فقال لي: أنظرني أياما. فأنظرته، لم أتيته متقاضيا، فقال لي: ان هذا الذي تحكيه عن هذا الرجل، فعله المسيح في دهره مرة» [152] . ... ان القصتين قصة واحدة، و أن الثانية جاءت اختصارا للأولي كحكاية حال و دون تفصيل. فهل كان الامام عليه‌السلام يرمي من وراء هذا الفصد الي اظهار كونه أمهر من أطباء عصره؟. أم كان يريد أن يعرف الناس بعرق يفصد و هم لا يفصدونه، و بوقت يصلح للفصد و هم لا يفصدون أثناءه، و في تكرار الفصد ليل نهار و هم لا يفعلونه؟!! لا هذا، و لا ذاك أراده الامام صلوات الله و سلامه عليه.. بل كل ما رمي اليه هو أن يدل الناس علي أن علم الامام فوق علمهم لأنه من علم ربه عزوجل، و أن عظمته سربال من عظمة خالقه جل و علا حيث اصطفاه حافظا لشرعه، و موضحا لمعالم دينه. [ صفحه 117] لقد عمد الامام الي أشهر طبيب في عصره، و الي أمهر فصاد يصطفيه ذلك الطبيب، ثم الي أكبر عالم رباني نصراني في زمنه ففجأهم بحادثة لفتت أنظارهم الي أن الله تبارك و تعالي قال: (نرفع درجات من نشآء و فوق كل ذي علم عليم) [153] فأذعنوا لعلمه، و أيقنوا أن ما عنده فهو من عندالله، و لا يوجد في كراريس الطب و لا في كتب العلوم.. و ستبقي هذه الآية ما بقيت السماوات و الأرض، و مادامت الشمس تطلع و تغرب، لترشد الناس الي أن الامام غير بقية الأنام!. و روي عن أبي‌الحسين، محمد بن هارون بن موسي أنه قال: «حدثني أبي رحمه الله، قال: كنت في دهليز لأبي‌علي، محمد بن همام، علي دكة - وصفها - اذ مر بنا شيخ كبير عليه دراعة، فسلم علي أبي علي، محمد بن همام، فرد عليه‌السلام. فمضي، فقال لي: أتدري من هو هذا؟. فقلت: له. فقال لي: هذا شاكري - أي أجير - لمولانا أبي‌محمد، الحسن بن علي عليه‌السلام. أفتشتهي أن تسمع من أحاديثه عنه شيئا؟. قلت: نعم. فقال لي: أمعك شي‌ء تعطيه؟. فقلت: معي درهمان. [ صفحه 118] فقال: هما يكفيانه، فادعه. فمضيت خلفه، فلحقته بموضع كذا، فقلت: أبوعلي يقول لك: تنشط [154] للمصير الينا؟. فقال: نعم. فجئت به الي أبي علي - ابن‌همام - فجلس اليه. فغمزني أبوعلي أن أسلم اليه الدرهمين. فسلمتهما اليه، فقال لي: ما يحتاج الي هذا.. ثم أخذهما. فقال: يا أباعبدالله، حدثنا عن أبي‌محمد عليه‌السلام بما رأيت. قال: كان أستاذي صالحا من بين العلويين، لم أر مثله قط!. و كان يركب بسرج صفته بزيون - أي غشاؤه سندس - مسكي و أزرق. و كان يركب الي دار الخلافة بسر من رأي في كل اثنين، و خميس. و كان يوم النوبة يحضر من الناس شي‌ء عظيم، و يغص الشارع بالدواب و البغال و الحمير و الضجة، فلايكون لأحد موضع يمشي فيه، و لا يدخل أحد بينهم!. قال: فاذا جاء أستاذي سكنت الضجة، و هدأ صهيل الخيل، ونشيج البغال، و نهاق الحمير، و تفرقت البهائم حتي يصير الطريق واسعا لايحتاج أن يتوقي من الدواب تحفه ليزحمها!. ثم يدخل هناك، فيجلس في مرتبته التي جعلت له. فاذا أراد الخروج، قام البوابون و قالوا: هاتوا دابة أبي‌محمد عليه‌السلام.. فسكن صياح الناس و صهيل الخيل، و تفرقت الدواب حتي يركب و يمضي!. [ صفحه 119] و قال الشاكري: و استدعاه يوما الخليفة، فشق ذلك عليه، و خاف أن يكون قد سعي به اليه بعض من يحسده من العلويين و الهاشميين علي مرتبته. فركب و مضي اليه. فلما حصل في الدار قيل له: ان الخليفة قد قام - أي ترك المجلس العام - ولكن اجلس في مرتبتك أو انصرف. فانصرف، وجاء الي سوق الدواب، و فيها من الضجة، و المصادمة، و اختلاف الناس شي‌ء كثير.. فلما دخل اليها سكنت الضجة و هدأت الدواب؟. و جلس الي نخاس كان يشتري له الدواب، فجي‌ء له بفرس كبوس - أي شديد القوة في شراسة - لا يقدر أحد أن يدنو منه. فباعوه اياه بوكس - أي بنقصان في ثمنه -. فقال لي: يا محمد، قم فاطرح السرج عليه. فقمت، و علمت أنه لا يفعل بي ما يؤذيني. فحللت الحزام، و طرحت السرج عليه، فهدأ و لم يتحرك!. وجئت لأمضي به، فجاء النخاس فقال لي: ليس يباع. - أي أنه رفض بيعه للامام عليه‌السلام، لأنه شموس مؤذ شرس -. فقال لي - أبومحمد عليه‌السلام -: سلمه اليه. فجاء النخاس ليأخذه، فالتفت اليه الفرس التفاتة ذهب منها منهزما!. قال: و ركب و مضينا. فلحقنا النخاس فقال: ان صاحبه يقول له: أشفقت أن يرده. فان كان قد علم ما فيه من الكبس فليشتره. فقال أستاذي: قد علمت. فقال: قد بعتك. [ صفحه 120] فقال لي: خذه. فأخذته، فجئت به الي الاسطبل فما تحرك، و ما آذاني ببركة أستاذي. فلما نزل، جاء اليه و أخذه بأذنه اليمني فرقاه، ثم أخذ بأذنه اليسري فرقاه. قال: فوالله لقد كنت أطرح الشعير له، فأفرقه بين يديه، و لا يتحرك!. هذا ببركة أستاذي. قال أبومحمد: قال أبوعلي بن همام: هذا الفرس يقال له: الصؤول، يزحم بصاحبه حتي يزحم به الحيطان، و يقوم علي رجليه و يلطم صاحبه!. و قال محمد الشاكري: كان أستاذي أصلح من رأيت من العلويين و الهاشميين!. كان يجلس في المحراب فيسجد، فأنام و أنتبه و هو ساجد!. و كان قليل الأكل، كان يحضره التين و العنب و الخوخ وما يشاكله، فيأكل منه الواحدة و الثنتين و يقول: شل هذا الي صبيانكم. فأقول: هذا كله؟! فيقول: خذه، ما رأيت قط أشهي منه!» [155] . ... فلن يرضي عاقل أن تكون الحيوانات أشد التزاما منه بالآداب و... في حضور سفير الله؟!. بل سيقف من حوادث الضجة في السوق، و من حادثة هذا الحصان الشموس الكبوس الصؤول، موقفا لايدع فيه غريزة الحصان تغلب عقل الانسان، و لا يرتضي لنفسه أن يكون دون الحصان أدبا [ صفحه 121] و تهذيبا بين يدي أحد سادة الخلق و دعاة الحق.. و لا بد له من التفكر و التخير ببصيرة و رشد!. و أخيرا نكتفي بالحادثة التالية التي تدل علي عظمة الله سبحانه في عظمة مخلوقه، لنختتم بها ما هو تحت هذا العنوان، فان جميع ما أتاه امامنا عليه‌السلام في حياته العامة و الخاصة يشير الي تلك العظمة التي لم تكن خافية علي ولي حميم، و لا علي عدو زنيم.. فقد روي أن علي بن الحسن بن سابور قال: «قحط الناس بسر من رأي في زمن الحسن الأخير عليه‌السلام، فأمر الخليفة الحاجب و أهل المملكة أن يخرجوا الي الاستسقاء. فخرجوا ثلاثة أيام متوالية الي المصلي يستسقون و يدعون، فما سقوا!. فخرج الجاثليق في اليوم الرابع الي الصحراء، و معه النصاري و الرهبان. و كان فيهم راهب، فلما مد يده هطلت السماء بالمطر!. و خرجوا في اليوم الثاني، فهطلت السماء!. فشك الناس و تعجبوا، و صبوا الي دين النصرانية. - أي مالوا اليه -. فأنفذ الخليفة الي الحسن عليه‌السلام، وكان محبوسا، فاستخرجه و قال: الحق أمة جدك، فقد هلكت!. فقال له: اني خارج في ذلك - من الغد - و مزيل الشك ان شاء الله. فخرج الجاثليق في اليوم الثالث و الرهبان معه. و خرج الحسن عليه‌السلام في نفر من أصحابه. فلما بصر بالراهب و قد مد يده، أمر بعض مماليكه أن يقبض علي يده اليمني، و يأخذ ما بين اصبعيه. [ صفحه 122] ففعل.. و أخذ من بين سبابته و الوسطي عظما أسود. فأخذه الحسن عليه‌السلام بيده ثم قال: استسق الآن!. فاستسقي، و كانت السماء مغيمة فتقشعت، و طلعت الشمس بيضاء!. فقال الخليفة: ما هذا العظم يا أبامحمد؟! قال عليه‌السلام: هذا الرجل عبر بقبر نبي من أنبياء الله، فوقع في يده هذا العظم. و ما كشف عن عظم نبي الا هطلت السماء بالمطر» [156] . و من البديهي أن قصة اكتشاف سر هذا العظم علي يد الامام عليه‌السلام، ليست بأعظم من غيرها من القصص التي جرت علي يديه صلوات الله عليه؛ فان آيات عظمته، و جلالة قدره بالنسبة اليه أمور طبيعية أجراها الباري‌ء سبحانه فيه، و في سلفه و خلفه باعتبار انتجابهم عظماء لأمره العظيم. و لكنها بالنسبة الينا تنبه الغافلين، و تهدي الضالين، و تثبت المؤمنين. و لكن قل لي: كيف لا يحبس الله تعالي المطر عن أمة ضلت عن طريق دينها، و حادت عن سنة نبيها، و حكم فيها الظلمة و العتاة، ثم أودع ابن بنت نبيها في بطن السجن ظلما و عدوانا، و لم يعرف بذلك أحد فاستنكر، و لا دري به فاستكبر، حتي ألجأ الله تعالي ظالمه الي الاستنجاد به ليدرك أمة جده التي كاد يجرفها الضلال!. الجواب علي هذا السؤال، عند خليفة الزمان الضال المضل.. [ صفحه 123]

مع السلاطين.... و الظالمين

توطئة

قال رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم: «ملك بني‌العباس عسر لا يسر فيه!. لو اجتمع عليهم الترك و الديلم و السند و الهند و البربر لم يزيلوه!. و لا يزالون يتمرغون و يتنعمون في غضارة من ملكهم، حتي يشذ عنهم مواليهم و أصحاب ألويتهم، و يسلط الله عليهم علجا يخرج من حيث بدأ ملكهم - أي من خراسان - لا يمر بمدينة الا فتحها، و لاترفع له راية - أي ضده - الا مزقها، و لا نعمة الا أزالها!. الويل لمن ناواه!. و لا يزال كذلك حتي يظفر و يدفع بظفره الي رجل من عترتي يقول الحق و يعمل به» [157] . و قد حصل زوال دولتهم الأم، و تمزق ملكهم، و لكن جذورا ضاربة في أعماق نفوس أعقابهم لا تزال تنبت عليها ممالك و دول يسري فيها دمهم، و تظهر فيها عصبيتهم. و لا يزال يحصل تفتيتها الي أن تكتمل الصورة التي [ صفحه 124] رسمها خاتم المرسلين الذي يصدر بقوله عن رب العالمين، و لا ينطق الا عن وحي يحمله اليه جبرائيل الأمين، ثم يأتي أمر الله ويكتب الظفر النهائي لولي الله وثمال الباقين الذي يثأر لقومه من سائر الظالمين.. أما العسر الذي لقيه العلويون في ملك العباسيين، فلا يقاس به عسر لقيه أحد، لكثرة ما أنزلوه بهم من الملاحقة و التشريد، و التعذيب و التقتيل، و الدفن علي قيد الحياة، و جعل جثثهم الحية أحجار أساس في مباني قصور الخلفاء و الأمراء!. و قد شذ عنهم مواليهم و خدمهم من الأتراك و غيرهم، فقتلوا منهم عدة سلاطين، ثم حل التمزيق في جسم دولتهم، و زالت خلافتهم، و لكن لم يزل يقوم علي أنقاضها دول ظالمة، شديدة القسوة علي العلويين و علي سائر الشيعة الاماميين؛ و ستدوم الحال علي هذا المنوال الي أن يسلط الله عليهم الخراساني المذكور في الحديث الشريف.. و ذلك قريب بمشيئة الله تعالي. و قد كرر النبي صلي الله عليه و آله و سلم هذا المعني في حديث شريف آخر، اذ قال: «يملك بنوالعباس حتي ييأس الناس من الخير. ثم يتشعب أمرهم، و يكون في الناس شر طويل، و يقوم المهدي» [158] . و كان صلي الله عليه و آله و سلم قد قال لعمه العباس: «ويل لذريتي من ذريتك!. قال له العباس: يا رسول الله، فأختصي؟. قال صلي الله عليه و آله و سلم: انه أمر قد قضي!» [159] - أي قد قدره الله تعالي - و كان لا [ صفحه 125] ينفع الخصاء، لأن عبدالله بن العباس كان قد ولد و صار شابا. و في الواقع ان بني‌العباس - بعد أن صار الملك في أيديهم - ذاقوا حلاوة الحكم و التسلط، فأرادوا اقصاء بني علي عليه‌السلام عن الخلافة لأنهم أحق بها منهم، و صاروا يتبارون في قتلهم ليطفئوا نور الله، و يصوروا للناس أنهم أصحاب الحق في ارث رسول الله و خلافته، عالمين أن الخلافة ان استقرت في مركزها من ذرية النبي صلي الله عليه و آله و سلم، فضح الله أحدوثتهم و كذب زورهم و بهتانهم!. فعمدوا الي البطش و شنوا عليهم حرب ابادة ليقطعوا النسل المتحدر من علي و فاطمة عليه‌السلام‌هما.. و يا ويلهم من يوم العدل! فان يوم العدل علي الظالم، أشد من يوم الظلم علي المظلوم، كما قال أميرالمؤمنين صلوات الله عليه. لقد عاصر امامنا العسكري عليه‌السلام عدة خلفاء من بني‌العباس، و لكنه عايش ثلاثة منهم أثناء امامته، هم: «المعتز» - الذي هو الزبير بن جعفر «المتوكل» - في بقية ملكه. و «المهتدي» - و هو محمد بن الواثق - الذي حكم أحد عشر شهرا و عشرين يوما و قتل. و «المعتمد» - و هو أحمد بن جعفر «المتوكل» - الذي حكم عشرين سنة [160] قتل في أوائلها ولي الله ظلما و عدوانا بسم دسه اليه علي يد بعض وزرائه و كتابه و مشيريه - كما ذكرنا سابقا - ثم عاد بعد هذه الجريمة الكبري - الخليفة و الوزير المشير دون أن يوبخهم ضمير!. و لكننا نقول لهم ما قاله [ صفحه 126] سبحانه و تعالي في محكم كتابه الكريم: (و لكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون، و ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ارديكم فأصبحتم من الخاسرين) [161] . و نحن والله لانكره من الخلفاء و السلاطين الا الظالمين منهم، و لا نعيب من الحاكمين و المتأمرين الا المنحرفين عن جادة الحق المتبعين للباطل. و نمقت كل معاند يجانب الحق و يمارس الباطل، و لذا سمانا الحكام الظالمون بالرافضة، لأننا رفضنا باطلهم الذي كانوا عليه، فتعقبونا بالسجن و القهر و القتل بغية اخضاعنا، فما تنازلنا عن الحق الذي وضعه أئمتنا بين أيدينا، و لا بدلنا سنة نبينا صلي الله عليه و آله و سلم، و لا فارقنا كتاب ربنا عزوجل و لا عترة رسوله الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا، و حملهم كلمته الي الناس. فأعلنوها صريحة في أحلك ظروف حياتهم، وأشد أزمنة ظلمهم، و لم يخافوا في الله لومة لائم. قال بكر بن كرب الصيرفي: «سمعت أباعبدالله - الصادق - عليه‌السلام يقول: ما لهم و لكم؟!! و ما يريدون منكم؟!! و ما يعيبونكم؟!! سموكم الرافضة؟!! نعم، و الله رفضتم الكذب، و اتبعتم الحق!. أما والله ان عندنا ما لا نحتاج الي أحد، و الناس يحتاجون الينا. ان عندنا الكتاب باملاء رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم - و خطه علي بيده - و صحيفة طولها سبعون ذراعا، فيها كل حلال و حرام» [162] . فهؤلاء هم أهل الحق الذين واليناهم و ائتمرنا بأمرهم، لأنهم الواسطة [ صفحه 127] بيننا و بين ما نزل من عندالله تعالي علي رسوله الكريم صلي الله عليه و آله و سلم، فسمينا رافضة بسبب انصياعنا الي الحق باتباع أهله، و رفضنا للباطل و عدم معاونة الظالمين علي ظلمهم.. فما أحسن هذا الاسم الذي يفرق كثيرا عن مناصبة العداء لأهل بيت نبينا الذين أوجب الله سبحانه و تعالي مودتهم، حتي أن الصلاة المفروضة علي العباد يوميا لا تتم بدون ذكرهم و الصلاة عليهم. و انه لو كان بيد العباسيين عهد من رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم بظلم أهل بيته، وحبسهم، و التنكيل بهم.. و قتلهم، لكانت أخذتهم عليهم عاطفة الرحم و القربي، و خجلوا من أنفسهم أن يفعلوا مع أبناء عمومتهم ما فعلوه بهم من المكروه و الكبت و التضييق الذي كان ينتهي بالاغتيال، و لخافوا من التاريخ أن يسجل عليهم تلك الجرائم البشعة التي تبدو صفحة سوداء في تاريخهم، يخجل منها كل من كان عنده ذرة من انسانية أو خلق!. ان الصلاة الواجبة، المفروضة علي الناس فرضا، يتركها كثير من الناس مع شدة وجوبها و ثقلها في ميزان الأعمال. فقد كان الأحري ببني العباس أن يخففوا ظلمهم عن بني علي حتي ولو كان ذلك الظلم مفروضا عليهم فرضا كالصلاة، خجلا من التاريخ الذي يحاسب ان عاجلا، و ان آجلا. و نحن كنا ننتحل لهم الأعذار، و نبرئهم من دمائهم لو أن أهل‌البيت عليهم‌السلام ناوأوهم في ملك، أو نافسوهم علي سلطان. و لكنهم صلوات الله عليهم لم يطلبوا حكما، و لا طمعوا في دنيا، اذ يعرفون أن ملكهم مؤجل، وأن وظيفتهم تنحصر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبحفظ السنة و شرح القرآن و بيان الحلال و الحرام؛ و ليس في سيرة أحد منهم أي دليل علي أنهم مدوا أعناقهم الي كرسي أرضي، أو رفعوا أنظارهم الي عرش دنيوي، لأنهم منتجبون لغير ذلك من أمور الدنيا بموجب مرسوم [ صفحه 128] تعيينهم المساوي سفراء في أرض الله، وأمناء علي ما شرع للناس من معالم دينه.. و مع ذلك لم يتركوا أثناء ممارسة وظيفتهم، و لا... لهم المجال لنشر الدعوة الي الله، لأن ذلك كان يفضح باطل عبيد الدنيا و يزيف ما كان عليه السلطان الذي ركب لمآربه ظهر الشيطان؛ بل فعل بهم ما لم يفعل بأعداء الدين الذين كانوا عند سلاطين الزمان من المقربين، لأنهم سمار كأس و طاس، و رفاق لهو وغناء و فجور و خني.. الي جانب أنه كان (لهم شركاؤا شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله!) [163] من فقهاء السوء المأجورين، و الوزراء و المشيرين، و سائر المفترين علي الله و علي نجبائه من عباده!. و لقائل أن يقول: مازال أئمة أهل‌البيت عليهم‌السلام بهذه المنزلة الربانية العليا، فما بالهم سكتوا في ظل حكم الطواغيت، و صمتوا و لم يحركوا يدا و لا رجلا و لا شهروا سيفا. و في الجواب عن ذلك، أختار أن أقدم قول الامام عليه‌السلام علي كل قول، لأن أهل مكة أدري بالذي فيها. فهم أهل القضية، و عليهم الجواب الذي يوفر علينا سرد الأسباب التي جعلتهم يسكتون. فقد قال حمران بن أعين للامام الباقر عليه‌السلام: يا أباجعفر، أرأيت ما كان من أمر قيام علي بن أبي‌طالب، و الحسن، و الحسين عليهم‌السلام، و خروجهم و قيامهم بدين الله، و ما أصيبوا به من قبل. الطواغيت، و الظفر بهم حتي قتلوا و غلبوا؟!. فقال أبوجعفر عليه‌السلام: يا حمران، ان الله تبارك و تعالي قد كان قدر [ صفحه 129] ذلك عليهم، و قضاه و أمضاه و حتمه؛ ثم أجراه. فتقدم علم من رسول الله اليهم في ذلك، فقام علي، و الحسن، و الحسين صلوات الله عليهم.. و يعلم صمت من صمت منا. ولو أنهم يا حمران - حيث نزل بهم ما نزل من أمر الله و اظهار الطواغيت عليهم - سألوا الله دفع ذلك عنهم و ألحوا فيه، في ازالة ملك الطواغيت، اذا لأجابهم و دفع ذلك عنهم، ثم كان انقضاء مدة الطواغيت و ذهاب ملكهم أسرع من سلك منظوم انقطع فتبدد!. و ما كان الذي أصابهم من ذلك يا حمران، لذنب اقترفوه، و لا لعقوبة معصية خالفوا الله فيها، و لكن لمنازل و كرامة من الله أراد أن يبلغوها. فلا تذهبن منهم المذاهب بك!» [164] . فسير الأئمة عليهم‌السلام مكتوبة قبل وجودهم علي ظهر هذه الأرض و قبل عهودهم. و هي مقضي بها، ممضاة، محتومة من عند الله تعالي، يجب أن تجري بحسب المرسوم لها منه سبحان دون زيادة أو نقصان و لم يحد منهم أحد عما هو مكتوب له، محفوظ بين يديه من عهد رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم من الله تعالي - اليهم - و الدليل علي منحه ذلك أنك ستلاحظ أن السلاطين الثلاثة الذين عاصروا امامة امامنا الكريم عليه‌السلام و كانوا يؤرجحونه بين بيته و سجونهم مدة حياته، قد دعا علي بعضهم في ساعة ضيقه الشديد، فبتر الله سبحانه عمر من دعا عليه و أهلكه علي عجل و لم يمهله طرفة عين.. فالامام في عصره شاهد السماء علي أهل الأرض، قد وهبه الله قدرة خارقة باذنه سبحانه. و لكنه لا يستعملها في ما يخالف قضاء الله تعالي و قدره بحال من الأحوال. فهو شاهد حكيم، و عبد سامع مطيع، لا يعصي الله ما [ صفحه 130] أمره، و يفعل ما يؤمر.. و لذا صمت الأئمة الثمانية الأخيرون في ظل الحكم الظلام بقضاء سابق من ربهم، لينفسح المجال لظهورهم بين الناس، و في الدور، و القصور و ليقولوا كلمة العدل في مجلس الظلم، و ليلقوا الحجة علي الأمير، و الوزير، و المشير، و سائر الناس.. و بذلك كلفهم الله تعالي، لا بأكثر منه.. و نضيف الي هذا، أن طواغيت الحكم الذين عاصرهم الأئمة عليهم‌السلام، كانوا جبابرة فراعنة نماردة لا يتورعون عن قتل النبي و الوصي و كل معارض لسلطانهم دون أن يروا في ذلك مغبة أو بأسا!. في حين أن أئمتنا كانت وظيفتهم منحصرة في الأمر بما أمر الله، و النهي عما نهي عنه، و لا طمع لهم في دار زائلة لاتساوي عندهم قلامة ظفر ان لم يقيموا حقا، أو يبطلوا باطلا. و لقائل آخر أن يسأل العكس و يقول أيضا: ما بال أولئك السلاطين لم يهادنوا أهل بيت النبي صلي الله عليه و عليهم، مع ما كانوا يرونه من آياتهم و بيناتهم، و مع ما كانوا يعرفون من حقهم بولاية أمر الناس؟!. و علي هذا السؤال يجيب التاريخ بالواقع الذي عاشه السلاطين تحت شعار: الملك عقيم!. و أنه لو نازع الابن المدلل أباه ملكه لأخذ الذي فيه عيناه. و قد جري مثل هذا القتل الفظيع الشنيع بين سلاطين بني‌العباس و غيرهم، فالمستنصر - مثلا - قتل أباه المتوكل، و منهم من قتل أخاه أو عمه!. ذلك أنهم غرتهم الحياة الدنيا فتمسكوا بنعيمها، و حرصوا علي بقائها في أيديهم، و حاربوا كل من وقف بطريق دنياهم، و أدنوا كل من وطدها لهم بزوره و بهتانه.. فلم يكن لهم عدو الا أهل الحق الذين لم يجدوا غير اعمال السيف في رقابهم، و قنعوا بتزلف من نفضوا لهم الغبار عن طيلسان ملكهم الغرار!. [ صفحه 131] و كمثل علي ذلك نعرض لك شريطا لمجلس واحد، سجله علي نفسه أبوأشحط، مروان بن أبي‌الجنوب، الذي قال: «أنشدت «المتوكل» شعرا ذكرت فيه الرافضة، فعقد لي علي البحرين و اليمامة - أي ولاه أمرهما لكرهه بالشيعة الامامية! - وخلع علي أربع خلع، وأمر لي «المتوكل» بثلاثة آلاف دينار، فنثرت علي، و أمر ابنه «المنتصر» وسعدا الايتاخي أن يلقطاها لي، ففعلا!. و الشعر الذي قلته: ملك الخليفة جعفر للدين و الدنيا سلامه لكم تراث محمد وبعدلكم تشقي الظلامه يرجو التراث بنو البنا ت، و ما لهم فيها قلامه! و الصهر ليس بوارث و البنت لا ترث الامامه ما للذين تنحلوا ميراثكم، الا الندامه أخذ الوراثة أهلها فعلام لومكم علامه؟ لو كان حقهم لما قامت علي الناس القيامه ليس التراث لغيركم لا و الاله، و لا كرامه! أصبحت، بين محبكم و المبغضين لكم، علامه.. ثم نثر علي بعد ذلك بشعر قلته في هذا المعني، عشرة آلاف درهم» [165] . حقا، أصبحت، يا أباأشحط، علامة فاصلة بين محبي الحق و مبغضيه كما قلت في شعرك!. و انك لشاعر منافق باع آخرته بدنياه.. و أرضي عبدا، حاكما ظالما، و أغضب مولاه: الله!. [ صفحه 132] لقد ولاك «المتوكل» أمر البحرين و اليمامة جزاء كذبك علي الله و رسوله.. فبؤ باثم ما جنيت علي نفسك، و أو الي جهنم خالدا فيها، كلما نضج جلدك بدلك الله جلدا غيره لتذوق و بال أمرك.. و لينتثر الجمر و الشرر من فوق رأسك كما انتثرت دنانير الكذب و التزوير!. لقد أنكرت في البيت الثالث من شعرك كون الحسن و الحسين ابني رسول الله، و جعلت تراث النبي لبني العباس. و رفضت في البيت الرابع وصية النبي لعلي، و أنكرت علي فاطمة الزهراء عليهاالسلام ارثها من أبيها. و في البيت الثامن أقسمت قسما عظيما يوردك جحيما مقيما!. و قلت قولا لم تلفظه شفتا مسلم موتور عبر العصور!. فمن أنت أيها اللكع النذل حتي تقول: و لا كرامة، تقصد بذلك علي بن أبي‌طالب، أخا رسول الله، و فاطمة الزهراء، بضعته الأثيرة الشريفة، سيدة نساء العالمين التي من أغضبها فقد أغضب الله!. يا أباأشحط، كأني بك تتشحط أمعاؤك في السعير و أنت تعب من مائها الذي (يغلي في البطون، كغلي الحميم!) [166] بعد أن تسورت الي محراب أقدس شخصيتين في الاسلام: صهر الرسول، و بنته البتول، و قلت لهما: و لا كرامة!. بفيك ماء الغسلين، و قبحك الله ما أجرأك علي حرمة الله وحرمة رسوله!. و تبا لك، و تعسا لجدك، اذ أطغاك نثر الدنانير، و حملك علي الافتراء.. و الكفر!. [ صفحه 133] فبمثل فريتك علي الله و علي رسوله كان العباسيون و من سبقهم و لحقهم يحملون الناس علي كره الحق ومجانبة أهله، في حين أنهم، هم و المتزلفون لديهم، كانوا يعلمون نفاقهم علي أنفسهم و علي غيرهم من أجل أن يطفئوا بصيص الايمان من قلوب معاصريهم لتسلم لهم دنياهم و ملكهم و قصورهم التي كانت مواخير فسق و فجور، و مقاصف شرب و لهو، و أسواق دعارة و لواط بين آلاف و آلاف الخدم من الجواري و الغلمان!. و بغير ذلك لا يستقيم لباطلهم أمر بوجود من ولاهم الله أمر عباده في أرضه. أما الهمج من البشر - كهذا الشاعر المنافق الذي رد قول رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، حين قال «للمتوكل»: لكم تراث محمد.. ليس التراث لغيركم.. أما هؤلاء الرعاع فلا أكرمهم الله و لا نعمهم، لأنهم خذلوا دعاة الحق و العدل، و أعانوا الظالمين في سبيل المتاع.. و لحس القصاع!..

مع «المستعين» في وهم تاريخي

أرجح أن وهما قد حصل من بعض الرواة أدي الي غلط تاريخي في حوادث جرت لامامنا العسكري عليه‌السلام مع «المعتز» فذكر المؤرخون و الرواة أنها كانت مع «المستعين» و ذلك أن الراوي الأول ذكر اسم «المستعين» بدل اسم «المعتز» فتبعه علي الوهم سائر من بعده ممن نقلوا عنه، فذهبت الأيام بهذا الخطأ حتي اليوم. و قد بنيت ترجيحي - بل تأكيدي - هذا علي أسباب وجيهة أهمها: أولا: أنه ما من امام كان يتعاطي قولا أو فعلا في حياة أبيه مطلقا، و لا كان يقابل الناس، و لا يأمر و لا ينهي، و لا يحتك بالجماهير و لا بالأفراد حتي يؤخذ عليه قول أو نشاط، اذ لا يكون امامان في زمن واحد الا و أحدهما [ صفحه 134] ناطق و الثاني صامت. و لذلك أؤكد أن امامنا العسكري عليه‌السلام لم يباشر أمرا، و لا دخل قصرا بوجود أبيه الامام الهادي سلام الله عليه الذي استغرقت حياته و امامته عهد «المستعين» بكامله، و شطرا كبيرا من عهد «المعتز» الذي ملك ثماني سنوات و ستة أشهر بعد قتل «المستعين» فكيف يتعرض العسكري لنقمة «المستعين» مرارا و هو لم يظهر علي مسرح الحياة في عهده؟! ثانيا: أن بعض الحوادث نسبت «للمستعين» مع أنها وقعت بعد قتله بحوالي خمس سنوات، كقتل محمد بن أبي‌دؤاد، و كدعوة الامام علي الخليفة و بتر عمره فجأة كما ستري. ثالثا: لم تقع تلك الحوادث مع الامام الهادي عليه‌السلام في عهد «المستعين» يقينا، و لا يجوز صرفها اليه، لأن كنية أبي‌محمد العسكري - ابنه - قد وردت في أكثرها مكررة عدة مرات، فدلت علي وقوعها معه لا مع أبيه صلي الله عليهما، أي في غير عهد «المستعين». رابعا: سبق الي شي‌ء من هذا الرأي، الحجة المجلسي رحمه الله، و لكنه تأرجح بين الشك و اليقين و لم يجزم بحال معينة [167] و كذلك الشيخ الطوسي قدس سره التفت الي هذا الوهم التاريخي و قال: اما أن يكون الخليفة غير «المستعين» و اما أن يكون ذلك مع الامام الهادي عليه‌السلام [168] . و من أوضح ما اعتمدنا عليه في رأينا هذا، حادثة أقحم فيها اسم «المستعين» بدل اسم «المعتز» بوهم من راويها الأول، فلحقه علي وهمه الآخرون، و هي في «كتاب الأوصياء» لعلي بن محمد بن زياد الصيمري الذي قال: [ صفحه 135] «لما هم «المستعين» في أمر أبي‌محمد عليه‌السلام بما هم، و أمر سعيدا الحاجب بحمله الي الكوفة، و أن يحدث عليه في الطريق حادثة - أي يقتله قبل وصوله - و انتشر الخبر بذلك في الشيعة فأقلقهم؛ و كان بعد مضي أبي‌الحسن - والده عليه‌السلام - بأقل من خمس سنين، فكتب اليه محمد بن عبدالله و الهيثم بن سيابة: قد بلغنا جعلنا فداك، خبر أقلقنا و غمنا، و بلغ منا. فوقع - عليه‌السلام -: بعد ثلاثة أيام يأتيكم الفرج. فخلع «المستعين» في اليوم الثالث، و قعد «المعتز» و كان كما قال صلي الله عليه» [169] . و كذلك ورد أيضا في الكتاب المذكور: «و حدث محمد بن عمر الكاتب، عن علي بن محمد بن زياد الصيمري، صهر جعفر بن محمود الوزير علي ابنته أم‌أحمد، وكان رجلا من وجوه الشيعة وثقاتهم، مقدما في الكتاب و الأدب و العلم و المعرفة، قال: دخلت علي أبي‌أحمد، عبيدالله بن طاهر و بين يديه رقعة من أبي‌محمد عليه‌السلام فيها: اني نازلت الله عزوجل في هذا الطاغي - يعني «المستعين» - و هو آخذه بعد ثلاث. فلما كان اليوم الثالث فعل به ما فعل، و خلع و كان من أمره ما رواه الناس من احداره الي واسط و قتله» [170] . [ صفحه 136] و قيل: «كان «المعتز» قد بعث سعيد بن صالح الحاجب ليلقي «المستعين» و كان في جملة من حمله الي واسط. فلقيه سعيد و قد قرب من سامراء، فقتله و احتز رأسه و حمله الي «المعتز» و ترك جثته ملقاة علي الطريق» [171] . و قد صرت علي علم بأن ما حدث بعد موت الامام الهادي عليه‌السلام بخمس سنين، قد حدث قطعا بعد موت «المستعين» بأكثر من سبع سنين، لأن الامام الهادي عليه‌السلام عاش بعد «المستعين» و في عهد «المعتز» قرابة ثلاث سنين. و الحقيقة التي لا ريب فيها، هي في ما رواه أبوالهيثم بن عدي الذي قال: «لما أمر «المعتز» بحمل أبي‌محمد، الحسن، الي الكوفة، كتبت اليه: ما هذا الخبر الذي بلغنا فأقلقنا و غمنا؟!. فكتب: بعد ثلاث يأتيكم الفرج ان شاء الله تعالي» [172] . و روي هذا الخبر ذاته عن محمد بن عبدالله هكذا: «لما أمر سعيد - الحاجب - بحمل أبي‌محمد الي الكوفة، كتب اليه أبوالهيثم: ما هذا الخبر... الخ..» [173] . [ صفحه 137] فأنت تري أن النقل الخاطي‌ء غير اسم الخليفة مرة، و بدل اسم الراوي مرة ثانية، الأمر الذي يثبت صحة رأينا الذي أكدناه في أن اسم «المستعين» ورد خطأ - دائما - في عهد امامة امامنا الحسن العسكري عليه‌السلام. و ستري تفصيل ذلك في سيرة «المعتز» عما قريب ان شاء الله تعالي. وننبه الي أن الامام عليه‌السلام لم يحمل الي الكوفة رغم أن سعيدا - الحاجب - قد أمر بحمله اليها وقتله فيها أو قبل بلوغها، لأن الخليفة «المعتز» أراد أمرا، وأراد الله سبحانه غيره، اذ افتدي الله تعالي الامام بالخليفة نفسه الذي قتل بعد صدور أمره الشنيع الذي قدمه بين يديه في ختام حياته الآثمة.. فمما جري علي يد الامام عليه‌السلام من دلائل ولايته الربانية، و أنه بعين الله تعالي كيفما انقلب و تقلب، أن محمد بن أحمد بن داود - دؤاد علي الأصح - كان من جملة شهود الزور في القصور الظالمة، آخذا هذه المهنة الوضيعة عن أبيه قاضي الزمان في عهد «المتوكل» و غيره، فأتقنها و كان من البارعين في جر الأذي للمؤمنين، و في طليعة أعوان المتآمرين علي أنصار الحق كائنا من كانوا. و عملا بوظيفته أذاق أصحاب امامنا مر العيش، و جرعهم الغصص، و نغص عليهم الحياة، و لا حقهم بيده و لسانه في عقر دورهم، و في ظلمات سجون القصر، حتي ضاقوا به ذرعا و شكوا أمره الي الامام أكثر من مرة، فبرز الامام عليه‌السلام الي الله تعالي في ركعتين صلاهما و دعا فيهما علي ذلك الظالم الآثم، ثم انفتل منهما و كتب الي رجل من أصحابه: «يقتل محمد بن داود قبل عشرة أيام. [ صفحه 138] فلما كان اليوم العاشر قتل» [174] . (و ظهر أمر الله و هم كارهون) [175] لوقوعه، و هلكوا مدقوقة أعناقهم، و هم مكرهون علي تلقيه!. و تحدثت بقول الامام الركبان، و عرف ذلك القاصي و الداني.. و أصم أرباب القصور عنه أسماعهم.. بل نكلوا بكل من سمعوه عن لسانه!. و هذا الأمر لم يحدث أيام «المستعين».. بل بعده بسنين. و في كل حال آن لك أن تتعرف الي شي‌ء من حياة «المستعين» لتكون نهايته باب معرفة لخلفه «المعتز» و معرفة من جاء بعدهما. و «المستعين» هو أحمد بن محمد بن «المعتصم» الذي كان و «المتوكل» من أشد الحاكمين ظلما لبني علي عامة، و لأئمة الهدي من أهل بيت النبي صلي الله عليه و آله و سلم خاصة. بويع يوم الأحد لخمس مضين من شهر ربيع الأول سنة ثمان و أربعين و مائتين - أي في اليوم الذي توفي فيه «المنتصر». ثم حمل علي خلع نفسه - علي يد «المعتز» - ليلة الخميس لثلاث مضين من المحرم سنة اثنتين و خمسين و مائتين. ثم بعث اليه «المعتز» من اعترض طريقه في ضواحي سامراء، فقتله و قطع رأسه و حمله اليه في شهر رمضان من تلك السنة [176] . و في عهده كان سبط رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، يترعرع فيما بين السابعة عشرة [ صفحه 139] من عمره و بين الحادية و العشرين، أي أنه كان في مقتبل العمر و ريعان الشباب، و كان «المستعين» و أي خليفة في القصر العباسي يحسب له ألف حساب و حسابا اذا تبين أنه خلف ابيه في الامامة [177] ، لأننا اذا ذكرنا السلاطين و المؤمنين يبتدر الذهن - أول ما يبتدره - جور السلاطين، و ظلمهم للمؤمنين فكيف بسادة المؤمنين و قادتهم من الأئمة الميامين؟!. فالسلاطين تنسحب حياتهم مع الباطل - غالبا - و المؤمنون و قادتهم يعيشون للحق أبدا، و يموتون من أجله. و بنظري ليس أقل عقلا، و لا أضعف ايمانا بالله، من حكام ظلام يختبئون من الله تعالي في ظل أصابعهم، و يأوون الي دهاليز قصورهم المظلمة ليحبكوا المؤامرات الخبيثة من أجل الايقاع بأولياء الله و نجبائه، و الله تعالي رقيبهم المطلع علي مكائدهم و علي ما في ضمائرهم، لأنهم - حينئذ - (يستخفون من الناس و لا يستخفون من الله و هو معهم اذ يبيتون ما لا يرضي من القول!) [178] . (ألا انهم يثنون صدورهم - و يتكأكأون مع جلاوزتهم في دهاليز قصورهم لتقرير ما يغضبه سبحانه - ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون و ما يعلنون!) [179] . (ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم و نجويهم و أن الله علم الغيوب؟!) [180] . انهم مساكين!. و قاصرو التفكير.. و قليلوا الدين؛ لأن ملائكته [ صفحه 140] سبحانه يسجلون عليهم محاضر جلساتهم و خلواتهم في تلك الدهاليز المحصنة، و سيعرضون عليهم تسجيلها يوم النشور!. فقد غاب عنهم قوله عز من قائل: (أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم و نجويهم؟! بلي و رسلنا لديهم يكتبون) [181] و سيجدون ذلك الشريط المصور محضرا بين أيديهم، حين يقفون لذل السؤال بين يدي ذي العظمة و الجلال!. مما لا شك فيه أن حلم اغتيال الامام كان يداعب خيال كل خليفة حل في قصر سلطنة بني‌العباس و تلبس بتاج الملك و تجبس في خيلائه، و كان يتربص المناسبة اللائقة لاغتياله. فمنهم من كان يظفر بتحقيق حلمه و تلطيخ يديه بدمائه الزكية، و منهم من كان يخسأ و يخيب و يفعل الله تعالي به ما يشاء، كما حصل في القصة التالية التي حكاها محمد بن علي بن ابراهيم الذي قال: «حدثني أحمد بن الحارث القزويني، قال: كنت مع أبي بسر من رأي، و كان أبي يتعاطي البيطرة - أي معالجة الدواب - في مربط أبي‌محمد عليه‌السلام. و كان عند «المستعين» بغل لم ير مثله حسنا و كبرا!. و كان يمنع ظهره و اللجام و السرج. و قد كان جمع عليه الرواض فلم يمكن لهم حيلة في ركوبه. فقال له بعض ندمائه: يا أميرالمؤمنين، ألا تبعث الي الحسن بن علي بن الرضا حتي يجي‌ء، فاما أن يركبه، و اما أن يقتله فتستريح منه؟!. فبعث الي أبي‌محمد، ومضي أبي معه. [ صفحه 141] فقال أبي: لما دخل أبومحمد عليه‌السلام الدار كنت معه. فنظر أبومحمد الي البغل واقفا في صحن الدار، فغدا اليه فوضع يده علي كفله - أي مؤخر فخذه - فنظرت الي البغل و قد عرق حتي سال العرق منه!. ثم صار الي «المستعين» فسلم عليه، فرحب به و قربه، و قال: يا أبامحمد، الجم هذا البغل. فقال أبومحمد: الجمه يا غلام. فقال «المستعين»: الجمه أنت. فوضع طيلسانه ثم قام فألجمه، ثم رجع الي مجلسه و قعد. فقال له: يا أبامحمد، أسرجه. فقال لأبي: يا غلام: أسرجه. فقال «المستعين»: أسرجه أنت. فقام ثانية: فأسرجه و رجع الي مجلسه. فقال له: نري أن تركبه. فقال: نعم. فركب من غير أن يمتنع عليه!. ثم ركضه في الدار، ثم حمله علي الهملجة - أي التبختر باعتزاز - فكان يمشي أحسن مشي يكون. ثم رجع فنزل، فقال له «المستعين»: يا أبامحمد، كيف رأيته؟. فقال: يا أميرالمؤمنين، ما رأيت مثله حسنا و فراهة!. ما يصلح مثله الا لأميرالمؤمنين. فقال: يا أبامحمد، فان أميرالمؤمنين قد حملك عليه. - أي وهبه لك -. [ صفحه 142] فقال أبومحمد لأبي: يا غلام، خذه. فأخذه أبي‌فقاده» [182] . و الخطأ في ذكر اسم «المستعين» بدل اسم «المعتز» بدأ من هنا.. علي لسان ابن‌الحارث - ابن‌البيطري -. و يا خليفة المسلمين الذي افتعل قصة البغل ليقتل الامام أو ليحط من شأنه علي الأقل، كما حصل: لم جعلت البغل أسرع منك معرفة بخازن علم الله و أمين وحيه؟!. و لماذا كان هذا الحيوان الأبكم، أذكي من خليفة ينطق و يتكلم؟!. فمذ وضع الامام عليه‌السلام يده الشريفة علي كفل البغل، زخ بعرقه خجلا و هيبة من ملامسة تلك اليد الكريمة لفخذه!. فتواضع للجام، و للسرج.. و اعتز حين علا خيرة الله صهوته فهملج و تبختر، و اختال في الدار أمام المشاهدين، وفقأ حصرمة في عين أميرالمؤمنين و رهطه المتآمرين!. أما أنت، فرأيت اذعان البغل، و عرقه، و طأطأة رأسه للجام، و توطئة ظهره للسرج و للامام.. و لكنك سهوت عن أن ذلك البغل داس عنفوانك، و أذل كبرياءك، و ألقي كيدك في نحرك.. فما ارعويت!، بل كأنك - لوقاحتك و جرأتك علي الله - ما نظرت و لا رأيت.. و لذلك أعطاك البغل قفاه، و أسلم قياده لخادم الامام، و خرج من قصرك بالسرج و اللجام.. و أبقي غصة مرة في صدرك [ صفحه 143] و صدور المشيرين عليك باهانة الامام التي تعمدتها دون خوف من ربك و لا تأنيب من ضميرك. و علي كل حال - أيها المستعين بغير الله - انني أستعين بالله وأحول هذا التقريع اللطيف عنك الي خلفك «المعتز» بغير الله، بعد أن رفس البغل عزته في مجلس انتصر فيه البغل، علي صاحب الأصل!!! فان هذه الحادثة قد جرت علي يده و ان كان اسمك قد حل مكان اسمه بسهو الرواة و المؤرخين الذين تشابه البقر عليهم، لأنك، و خلفك، في شرع سواء بالنظر الي مكايدة حملة كلمة الهدي الي الوري. لقد كان أولئك السلاطين يرون الآيات تلو الآيات، و الخوارق اثر الخوارق، و لكنهم ليس لهم أعين يبصرون بها، و لا أذان يسمعون بها، و لا قلوب يفقهون بها شيئا صدر عن السماء، اذ أبطرهم نعيم العيش، و أضلهم حب الترف فجرفهم الطيش، وخانهم الشرف اذ فعلوا مع أبناء عمومتهم الأفاعيل التي لم يفعلها معهم عدو و لاغريب.. بل ان تلك الآيات كانت تزيدهم اغماض عيون، و صمم آذان، و عمي قلوب، و مكرا علي مكر، و حربا لله و رسوله علي حرب!. قد قال محمد بن اسماعيل العلوي: حبس أبومحمد عليه‌السلام عند علي بن أوتامش - أحد حرسة سجون الخليفة - و كان شديد العداوة لآل محمد عليهم‌السلام، غليظا علي آل أبي‌طالب. و قيل له: افعل به - بالامام عليه‌السلام - و افعل! أي شدد عليه و كن قاسيا مسيئا -. قال: فما أقام الا يوما حتي وضع خديه له!. و كان لا يرفع بصره اليه [ صفحه 144] اجلالا و اعظاما!. و خرج من عنده و هو أحسن الناس بصيرة، وأحسنهم فيه قولا» [183] . فبأي آلاء ربهم يكذبون، و السجان الفظ الغليظ القاسي القلب، وضع خديه للامام خضوعا و تولاه و آمن بما هو عليه قبل أن يتم يومه و ليلته عنده؟! العدو اللدود انقلب الي محب موال بين عشية و ضحاها.. و القريب الآباء و الجدود يبقي مبغضا قاليا معاديا!. انها لاحدي الكبر أن ينجر الانسان بشعرة الشيطان الي مثل هذا الجفاء الشديد، و أن يحقد علي أهل الحق حقدا عنيدا!. بالأمس قال هارون الرشيد المتربب علي أهل الأرض: اذهبي أيتها الغمامة، و أمطري أني شئت، فان خراجك سيأتي الي!. فسمع ذلك أبناؤه، و خلفاؤه. فظنوا أنفسهم آلهة ينازعون الله ملكه و عظمته!. و من عارض حقوقهم فرقبته طعمة للسيف!. فقد كانوا جميعا فراعنة مترببين و أهل دنيا.. و لم يتفق أهل دنيا مع أهل دين قط.. و لا أهل باطل مع أهل حق، و لا أهل ضلال مع أهل هدي.. و لذلك كان ما كان، علي مر الزمان. [ صفحه 145]

ومع «المعتز»

«المعتز» مغتر كغيره ممن سلفه و خلفه!. نعم قد اعتز بغير الله عزوجل و اغتر بالملك و المجد، وخالف فعله اسمه الذي انتحه كآبائه و أبنائه حين تسموا بالضد.. و اغتر بأبهة السلطان، و بالتاج و الصولجان بدليل سيرته حين رصد اهتمامه في قهر أهل الحق؛ اذ يظهر من التاريخ أنه، في غضون أقل من ثلاث سنوات تأمر فيها كان امامنا عليه‌السلام أثناءها يقضي معظم أوقاته ضيفا كريما في سجنه، الي جانب الاقامة الجبرية التي كانت مفروضة عليه بشدة تصل الي مراقبة الداخلين و الخارجين الي بيته، رغم علمه بأن الامام عليه‌السلام منصرف الي العبادة ليله و نهاره، بعيدا عن النشاطات المعادية للسلطان و أهل الدنيا عامة.. قد بويع «المعتز» و له ثمان و عشرون سنة، بعد خلع «المستعين» و قتله بأمره، كفاتحة شر لبدء سلطانه!. و كانت بيعته يوم الخميس لليلتين خلتا من المحرم سنة اثنتين و خمسين و مائتين. ثم دفع ثمن جريمته مع «المستعين» فأمر بخلع نفسه مثله يوم الاثنين لثلاث بقين من رجب سنة خمس و خمسين و مائتين، ومات بعد أن خلع نفسه بستة أيام [184] ، و كان قد استوزر جعفر بن محمد، و كانت الكتب تخرج من القصر باسم صالح بن وصيف كأنه مرسوم بالوزارة لشدة ما أطلق يده [185] . و كذلك قال عنه ابن‌الجوزي و لم يذكر كيفية قتله بالتفصيل. و لكن [ صفحه 146] المسعودي قال: «منهم من قال: منع في حبسه من الطعام و الشراب فمات؛ و منهم من قال: انه حقن بالماء الحار المغلي، فمن أجل ذلك حين أخرج الي الناس وجدوا جوفه وارما. و الأشهر عند العباسيين أنه أدخل حماما و أكره علي دخوله اياه و كان الحمام محميا، ثم منع من الخروج منه. ثم تنازع هؤلاء فمنهم من قال: ترك في الحمام حتي فاضت نفسه، و منهم من ذكر أنه أخرج من بعدما كادت نفسه أن تتلف، فأسقي شربة من ماء بثلج فتناثر كبده فخمد من فوره!. و قيل مات في الحبس حتف أنفه. فموته علي كل حال من ابتكارات أسرته المتخصصة بفنون القتل و التعذيب.. و بالأمس أرسل هو خادمه ليحتز رأس سلفه «المستعين».. و اليوم أدخل هو في حمام «مسجور» و بؤسي له، و لسلفه، في الموقف يوم النشور!. و نعود بك الي قصة الأمر بحمل الامام عليه‌السلام الي الكوفة - لقتله هناك أو في الطريق - و أنه قد صدر عن «المعتز» يقينا، فنقول: قال أحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد: أخبرني أبوالهيثم بن سيابة أنه كتب اليه - عليه‌السلام - لما أمر «المعتز» بدفعه الي سعيد الحاجب عند مضيه الي الكوفة، و أن يحدث فيه ما يحدث في الناس - أي يقتله - بقصر ابن‌هبيرة: جعلني الله فداك، بلغنا خبر قد أقلقنا و بلغ منا!. فكتب عليه‌السلام اليه: بعد ثالث يأتيكم الفرج. [ صفحه 147] فخلع «المعتز» اليوم الثالث» [186] و هذا هو ما روي عن محمد بن عبدالله سابقا. و روي مثله عن محمد بن عبدالله بن بليل - و قيل بلبل خطأ - الذي قال: «تقدم - أي أمر - «المعتز» الي سعيد الحاجب أن أخرج أبامحمد الي الكوفة، ثم اضرب عنقه في الطريق. فجاء توقيعه عليه‌السلام الينا: الذي سمعتموه تكفونه. فخلع «المعتز» بعد ثلاث، و قتل» [187] . و قال محمد بن علي الصيمري: «كتب الي أبومحمد عليه‌السلام: فتنة تظلكم، فكونوا علي أهبة!. فلما كان بعد ثلاثة أيام وقع بين بني‌هاشم و كانت لهم هنة لها شأن. فكتبت اليه: هذه هي؟. قال: لا. و لكن غير هذه، فاحترسوا. فلما كان بعد أيام، كان من أمر «المعتز» ما كان» [188] . و كذلك قال محمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن موسي بن جعفر: «كتب أبومحمد، الحسن، الي أبي‌القاسم، اسحاق بن جعفر الزبيري قبل موت «المعتز» بنحو عشرين يوما: الزم بيتك حتي يحدث الحادث. [ صفحه 148] فلما قتل «بريحة» كتب اليه: قد حدث الحادث، فما تأمرني؟. فكتب اليه: ليس هذا الحادث. [هو] الحادث الآخر. فكان من «المعتز» ما كان» [189] . و السؤال الذي يمكن طرحه الآن هو: هل يعلم الامام الغيب فيوقت للأمور بهذه الدقة العجيبة حتي لكأنه شارك الله تعالي في علمه؟!. و الجواب هو: نعم، ان الامام يعلم بعض الغيب، و لكن لا يشارك الله تعالي لي علمه أحد. و الامام يعلم ذلك الغيب باذن ربه عزوجل، و باقداره علي ذلك؛ لأن البريد السماوي - الدبلوماسي - يأتيه تباعا بلا رقيب، فلا ينزل قضاء هام الي الأرض الا عرفه الامام قبل وقوعه. و قد سبق أن تحدثنا عن هذا الموضوع بتفصيل في كتابنا «الامام المعجزة» و أشرنا اليه هنا - سابقا، و نكتفي الآن بايراد حديثين اثنين فقط في هذا الموضوع: أولهما: ما جاء عن أبي‌ربيع الشامي الذي قال: «قال أبوعبدالله عليه‌السلام: العالم - أي الامام - اذا شاء أن يعلم، علم» [190] . و ثانيهما: ما رواه عمار الساباطي الذي قال: «سألت أباعبدالله عليه‌السلام عن الامام، أيعلم الغيب؟! قال: لا، و لكن اذا أراد أن يعلم الشي‌ء، أعلمه الله ذلك» [191] . [ صفحه 149] أفتري أن حكومة السماء أعجز من حكومات الأرض في ادارة ملكوتها؟!. أم تظن أن سفير الله عزوجل، أقل شأنا من سفراء دولنا، و أضيق صلاحية، و أفقر أجهزة و وسائل اتصال؟!! اذا تخيلت ذلك، أسأت الظن بقدرة ربك عزت قدرته!. أجل أيها «المعتز» ببريق تاج السلطنة: ان من حفر بئرا لأخيه، وقع فيها!. فأمرك لخادم شقي عندك «لا سعيد» بحمل الامام عليه‌السلام الي الكوفة، و قطع عنقه في الطريق أو في قصر بني‌هبيرة، جر عليك ويل الحمام، و أذاقك مر الحمام، و غضب السماء، قبل أن تشفي غليلك من سبط الرسول و ابن‌البتول، و برد غليل قلبك بشربة ماء بالثلج فطرت كبدك و جعلتك تلفظها قطعا قطعا لتري موتك بعينيك فتتضاعف عليك غصصه و آلامه و سكراته!. و لأنت من ذرية بعضها من بعض في الولوغ بدماء الأبرار.. و الامام عليه‌السلام من ذرية بعضها من بعض في انتجاب الواحد القهار. فمن رأيت أقهر لعدوه؟!. الله، أم أنت؟!. قال ربك أيها «المعتز» بغيره (ا دعوني أستجب لكم) [192] فدعا عليك الامام لما أمرت بضرب عنقه.. فدق الله عنقك في غضون ثلاثة أيام.. و حين يدعو الامام، يهدم الله تعالي بدعائه عز كل ظالم متجبر يؤذي [ صفحه 150] عباده الصالحين، لأن بيده اسم الله الأعظم الذي يرديك به قبل أن تفتح فمك اذا أردت أن تتكلم!. فالأئمة عليهم‌السلام ليسوا أربابا و لا آلهة، و لا ادعوا ذلك لأنفسهم، بل عاقبوا من ادعاه بالقتل و الحرق و اللعن. و نحن لا ننظر اليهم بهذا المنظار، و لا يرضون لأحد من مواليهم أن ينسب اليهم ما ليس فيهم. بل يريدوننا معتدلين نقول كانوا عبادا مكرمين.. لا أكثر و لا أقل.. و كشاهد علي ذلك نذكر لك ما حدث به اسماعيل بن عبدالعزيز الذي قال: «قال لي أبوعبدالله عليه‌السلام: ضع لي في المتوضا ماء - أي في المرحاض و بيت الطهور -. فقمت، فوضعت له.. فدخل. فقلت في نفسي: أنا أقول فيه كذا و كذا، و يدخل المتوضأ؟!. أي أنه يغالي فيه و يعتقد بأنه لا يأكل و لا يشرب، و لا يبول و لا يتغوط، و أنه فوق البشر -!. فلم يلبث أن خرج فقال: يا اسماعيل بن عبدالعزيز: لا ترفعوا البناء فوق طاقتنا، فينهدم، - أي لا تجعلونا أربابا من دون الله فينهدم ايمانكم -. و اجعلونا عبادا، عبيدا مخلوقين، و قولوا فينا ما شئتم. قال اسماعيل: كنت أقول فيه و أقول!» [193] - أي أنه كان يضعه فوق مرتبة العبودية لله، و العياذ بالله من ذلك - فعرف الامام ذلك منه دون أن ينطق به و من غير أي تنويه.. [ صفحه 151] فعلم الأئمة من علم ربهم، و مواهبهم من عطاياه و أفضاله.. و هم من خيرة خلقه في أرضه بلا جدال..

و مع «المهتدي»

كانت البيعة «للمهتدي» يوم الأحد لليلة بقيت من رجب سنة خمس و خمسين و مائتين، و له يومئذ سبع و ثلاثون سنة. و لم يستكمل الأربعين لأنه قتل في سنة ست و خمسين و مائتين، أي بعد أن قضي في الخلافة أحد عشر شهرا، و كان قد استوزر عيسي بن فرخانشاه [194] و تمت بيعته بعد سنة و شهور من امامة سيدنا العسكري عليه‌السلام. و في سنتين و شهور من امامته قتل «المهتدي» و خلفه «المعتمد» [195] . و قد قال عنه المسعودي: «ذهب من أمره الي القصد و الدين، فقرب العلماء، و رفع منازل الفقهاء و عمهم ببره. وكان يقول: يا بني‌هاشم دعوني حتي أسلك مسلك عمر بن عبدالعزيز، فأكون فيكم مثل عمر بن عبدالعزيز في بني‌أمية» [196] . و قال عنه المسعودي أيضا: «ذكر محمد بن علي الشريعي، و كان ممن يلي «بالمهتدي» و كان حسن المجلس عارفا بأيام الناس و أخبارهم، قال: كنت أبايت «المهتدي» كثيرا - أي يبيت معه ليلا - فقال لي: أتعرف خبر نوف الذي حكي عن علي بن أبي‌طالب عليه‌السلام حين كان يبايته؟. [ صفحه 152] قلت: نعم، يا أميرالمؤمنين. قال نوف: رأيت عليا عليه‌السلام قد أكثر الخروج و الدخول و النظر الي السماء، ثم قال لي: يا نوف، أنائم أنت؟. قلت: بل أرمقك بعيني منذ الليلة!. فقال لي: يا نوف، طوبي للزاهدين في الدنيا و الراغبين في الآخرة!. أولئك قوم اتخذوا أرض الله بساطا، و ترابها فراشا، و ماءها طيبا و الكتاب شعارا، و الدعاء دثارا!. ثم تركوا الدنيا تركا علي منهاج المسيح عيسي ابن‌مريم عليه‌السلام. يا نوف، ان الله جل و علا أوحي الي عبده المسيح، أن قل لبني اسرائيل: لا تدخلوا بيوتي الا بقلوب خاضعة، و أبصار خاشعة، و أكف نقية؛ و أعلمهم أني لا أجيب لأحد منهم دعوة، و لا لأحد قبله مظلمة» [197] . قال محمد بن علي الشريعي: فوالله لقد كتب «المهتدي» الخبر بخطه، و لقد كنت أسمعه في جوف الليل، و قد خلا بربه، و هو يبكي و يقول: يا نوف، طوبي للزاهدين في الدنيا و الراغبين في الآخرة.. الي أن كان من أمره مع الأتراك ما كان» [198] . و انه لقول جميل - يا مسعودي - صدقت قائله الشريعي حين قاله و رضيت به دون تعليق.. فقد كان يخالفه فعل الخليفة، و يخالفه ما ذكره غيرك من سيرة ابن‌الأربعين الذي كان يتم عقله في الليل فيقول: طوبي للزاهدين في الدنيا و الراغبين في الآخرة!. ثم يفقد رشده في النهار و يتصرف تصرف الأشرار. فكلام الليل - عند هذا الخليفة - يمحوه النهار!. لأنه كان يستحسن في الليل التغني بهذه الجملة، و يستعذب صوته و صداه و هو يردده [ صفحه 153] وحده.. و يسمعه منه الشريعي فيفرح بايمان سيده!. و لكنه لو جرب أن يراقب فعله فرآه يتعامل مع الله جل و علا، كما يتعامل معه المبصرون من الغجر حين يصورون له ملكا لا يبلي و مالا لا يفني، ثم يتبخر ذلك كله بعد خروجهم من مجلسه!. و أنت يا مسعودي ذكرت أن أباهاشم الجعفري - و هو من رؤوس الهاشميين - قال: «كنت محبوسا مع أبي‌محمد - الحسن العسكري عليه‌السلام - في حبس المهتدي، فقال لي - الامام -: يا أباهاشم، ان هذا الطاغي أراد أن يبعث بأمر الله عزوجل في هذه الليلة.. أي أن يقتل الامام عليه‌السلام - و قد بتر الله عمره و جعله للمتولي بعده. فلما أصبحنا شب الأتراك علي «المهتدي» و أعانهم العامة لما عرفوا من قوله بالاعتزال و القدر، فقتلوه و نصبوا مكانه «المعتمد» و بايعوا له. و كان «المهتدي» قد صحح العزم علي قتل أبي‌محمد عليه‌السلام، فشغله الله بنفسه حتي قتل و مضي الي أليم عذاب الله» [199] . فأين «المهتدي» عن تقريب العلماء، و رفع منازل الفقهاء و برهم، و هو يسهر ليله في تدبير المكيدة لقتل الامام، لا في التضرع و الخشوع و التهجد و الناس نيام؟!. و أين «مهتديك»يا شريعي، عما شرعت به من النفاق حين صورته يتقمص في لياليه شخصية الزهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، و وجدناه [ صفحه 154] يفتعل انتحال شخصية علي بن أبي‌طالب عليه‌السلام ثم يبيت ليلته في تدبير قتل ابنه المحبوس في سجنه ظلما و عدوانا؟! و هل الذي يهادن بني‌هاشم و يسلك فيهم مسلك عمر بن عبدالعزيز، يناصب العداء لعترة رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، و يلقي أمين الله في أرضه في غياهب سجنه، و يقضي الليل في تصميم عملية اغتياله؟!. انها لألقاب فارغة من معانيها.. و «المهتدي» يعني الضال، أو الطاغي كما دعاه الامام عليه‌السلام.. و لا تبحث عن بديل لهذا اللقب الذي خلعه عليه ناطق صادق. قال أحمد بن محمد - و روي أيضا عن محمد بن الحسن بن شمون البصري، عمن حدثه -: «كتبت الي أبي‌محمد عليه‌السلام، حين أخذ «المهتدي» في قتل الموالي: الحمد لله الذي شغله عنا، فقد بلغني أنه يتهددك - و يتهدد شيعتك - و يقول: و الله لأجلينكم عن جديد الأرض!. - أي عن وجهها -. فوقع أبومحمد عليه‌السلام بخطه: ذلك أقصر لعمره. عد من يومك هذا خمسة أيام، و يقتل في اليوم السادس بعد هوان و استخفاف يمر به، و ذل يلحقه!. فكان كما قال عليه‌السلام» [200] . [ صفحه 155] فيا طويل العمر، قد قطع الله عمر هذا الطاغي المقسم به سبحانه أن يجلي الشيعة و امامهم عن جديد الأرض.. و أسكنه بقدرته بطن الأرض كومة أشلاء قطعتها سيوف جنده و حماة ملكه!. فكيف رأيت صنع الله في مقمص شخصية علي بن أبي‌طالب، حين كان يتغني بطوبي للزاهدين في الدنيا و الراغبين في الآخرة؟!. القوم - يا شريعي - أبناء القوم.. و ليس فيهم صالح لا في الأمس و لا اليوم. و قولك في زهد «المهتدي» مردود عليك من سيرته.. و ان المسعودي الذي حكي عن تقريبه للعلماء و الفقهاء و برهم، حكي بعدها أنه شرع في قتل مواليه من الترك، فخرجوا عليه و قتلوا صالح بن وصيف، و كان أعظم أمرائه و محل اعتماده في مهماته، و علقوا رأسه في باب «المهتدي» لهوانه و استخفافه!. فتغافل، و لكنهم قتلوه بعد ذلك أقبح قتل» [201] . فهل كان هذا الخليفة «مهتديا» حقا فجرب مع بني‌هاشم و غيرهم سلوك طريقة العدل، أم هو ضال طاغ كذب علي الناس حين ألقي خطاب العرش لتستوسق له الأمور، ثم لما تحكم أعمل سيفه في الرقاب، ففتح عينيه علي سيف مصلت أذاقه الموت الزؤام و يده قابضة علي ساق عرشه، و اليد الأخري تشد علي صولجان الظلم الذي لما هزه في وجه خيرة المؤمنين، أكبه الله علي منخريه و ألحقه بآبائه الأولين؟!. و انه لختار قال، و قال.. ثم خالف فعله قوله فبطش بالموالي و ولغ في دمائهم، فانتفضوا ثأرا لأنفسهم، و انتقضوا علي ظالمهم فقتلوا رئيس أمرائه و علقوا رأسه علي بابه اذلالا له، فأغضي عن ذلك و أغمض - كالثعلب - عينا [ صفحه 156] و فتح أخري ليسلم بريشه.. و لكنه فتح العين الأخري علي بريق سيف النقمة يقد جمجمته و هامته قدا!. و نتابع لطفه بالعلماء، و بره بالفقهاء، و أهل الدين، فنذكر أن الامام عليه‌السلام كان لا يفارق حبسه الا ليعيدوه اليه انتقاما لعباسيته الحاقدة من أبناء علي و فاطمة عليهم‌السلام جميعا، اذ فضلهم الله تعالي عليهم و علي سائر من برأ و ذرأ و جعلهم السادة و القادة الذين تأخذهم السماء بكلتا يديها و مل‌ء عنايتها، لأنهم حفظة شرعها علي الأرض.. فعن محمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن موسي بن جعفر - أيضا - أنه قال: «دخل العباسيون علي صالح بن وصيف - الذي كانت الرسائل و الكتب تصدر عن القصر باسمه - و دخل معهم صالح بن علي و غيره من المنحرفين عن هذه الناحية - أي عن الامامة - فقالوا لابن‌وصيف: ضيق عليه - أي علي الامام - و لاتوسع!. اذ كان يومئذ ضيفا عليه في سجنه -. فقال لهم صالح ما أصنع به، وقد وكلت به رجلين شر من قدرت عليه، فقد صارا من العبادة و الصلاة الي أمر عظيم!. ثم أمر باحضار الموكلين فقال لهما: ويحكما، ما شأنكما في أمر هذا الرجل؟!. يقصد الامام السجين عليه‌السلام -. فقالا له: ما نقول في رجل يصوم النهار، و يقوم الليل كله - يصلي - لا يتكلم و لا يتشاغل بغير العبادة؟!. فاذا نظرنا اليه ارتعدت فرائصنا و داخلنا ما لا نملكه من أنفسنا!. [ صفحه 157] فلما سمع ذلك العباسيون، انصرفوا خائبين» [202] . و لا جرم أن ينقلبوا خائبين.. و ينصرفوا خاسئين غاضبين.. غضب الخيل علي اللجم!. و كان الأحري بهم أن يخرجوا تائبين من ظلم بضعة رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، و نادمين عن سوء تصرفهم بحق العبد الصالح الذي اختاره سبحانه لأمره علي علم منه!. و كذلك كان الأجدر بأمر الأمراء: صالح بن وصيف أن يفي‌ء الي وعيه و يثوب الي رشده، و يتدخل لدي سيده من أجل اطلاق سراح ذلك السجين العظيم المظلوم الذي رمي به في غياهب سجنه و انصرف للهوه و لعبه!. و علي كل حال اسألوا معي صالح بن وصيف هذا - قبل أن ينزلوا رأسه المعلق علي باب قصر سيده «المهتدي» عن سبب حبس سبط الرسول و ابن بنت البتول صلي الله عليه و عليها، و ما هو جرمه المشهود بحق عرش «المهتدي» بارشاد الشيطان الي ما يغضب الديان؟!. بل لا بد أن نسأل هذا الرهط العباسي المنافق المارق من دين الله، بأي ذنب حبس الامام، و بأي فرية منه عليكم جئتم لاهثين تلتمسون التضييق عليه من قبل عميلكم الفاسق الذي سبق مولاه الي سقر، حيث وجد فيها مأوي سيده و مأواه؟!. بكي معاوية بن أبي‌سفيان مرة عندما سمع كلام علي عليه‌السلام لنوف، [ صفحه 158] و تباكي «المهتدي» الي وثنية الأمويين و ايذاء أبناء النبيين مرة ثانية لذلك الكلام، ثم بكي، فعلا، عندما ذاق حر حد الحسام.

و مع «المعتمد»

«المعتمد» هو أحمد بن جعفر «المتوكل» الذي بويع يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ست و خمسين و مائتين، و هو ابن‌خمس و عشرين سنة، و مات في رجب سنة تسع و سبعين و مائتين، و كانت خلافته ثلاثا و عشرين سنة [203] و لم يكن خيرا من أسلافه لا قولا و لا عملا، ولم تلد الحية الا حية!. و لكنه كان أصدق من الخليفة الذي سبقه و وعد بالعدل و مارس الظلم، لأنه ظهر علي حقيقته و كان «يزيد» العباسيين كما كان ابن‌معاوية «يزيد» الأمويين، اذ كان مشغوفا بالطرب و اللهو، تغلب عليه معاقرة الخمور و محبة أنواع الغناء و الملاهي، كما قال المسعودي و غيره من المؤرخين [204] . و الحق معك يا «معتمد» الزمان، فقد عرفت آخرتك الخاسرة فلم تعمل لها، و استزدت من دنياك، ثم استغثت بالامام ليدعو لك بطول العمر، و أسلمت قيادك لأهل الفسق و البهتان، و رضيت بزينة الحياة الدنيا و غصت في ملذاتها الي أذنيك.. فما أحسن ما صنعت من معاقرة الخمور بعد أن ارتكبت الزلة الكبري حين قعدت مقعد رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم و أنت غير أهل لذلك المنصب! فسواء عليك أتعبدت و تهجدت أم لهوت و فسقت و تعاطيت الآثام كبائرها و صغائرها، لأن النازي علي هذا المنبر بغير حق فليتبوأ مقعده من [ صفحه 159] النار!. ثم أضفت الي تلك الزلة زلة أدهي و أمر حين قتلت الامام الذي فضله الله تعالي عليك و علي سائر الأنام، و بؤت بعارها و شنارها الي يوم الخلود!. و نحن حين نراجع سيرة هذا الخليفة المستهتر، نجد رجلا اطمأن الي الدنيا و ابتاعها بآخرته حين أمن عليها بعد تصريح الامام بطول عمره حين رجاه أن يدعو الله باطالة عمره فبشره بذلك، فتمرغ في موبقاتها و قتل و نكل، و فعل ما لا يجوز أن يفعل، و كأنه سوف لا يسأل!. من فضائل هذا الخليفة الماجن أنه سار علي أثر أسلافه من تعمد التضييق علي أهل الحق، و قتلهم و التنكيل بهم بسبب و بلا سبب.. فقد ناصب الامام عداء أسرته الموروث، و أرجحه بين سجونه مدة معاصرته له، و كان يوكل به من يؤذيه و يجفوه و يفعل معه كل سوء. فعن علي بن محمد أنه سمع بعض أصحابنا يقول: «سلم أبومحمد عليه‌السلام الي نحرير - الخادم الظالم - الذي كان راعي سباع الخليفة و كلابه؛ فكان يضيق عليه و يؤذيه. فقالت له امرأته: ويلك، اتق الله!. لا تدري من في منزلك!. و ذكرت له عبادته و صلاحه، و قالت: اني أخاف عليك منه!. فقال: والله لأرمينه بين السباع!. و استأذن في ذلك، فأذن له، فرمي به اليها و لم يشكوا في أكلها له.. فنظروا الي الموضع ليعرفوا الحال، فوجدوه عليه‌السلام قائما يصلي و هي حوله!. فأمر باخراجه الي داره» [205] . [ صفحه 160] ثم قال علي بن محمد نفسه: «و روي أن يحيي بن قتيبة الأشعري - الذي سلم الامام الي نحرير الخادم الغاشم - أتاه بعد ثلاث مع الأستاذ... نحرير - فوجداه يصلي و الأسود حوله!. فدخل - أي يحيي - الغيل - أي قفص السباع - فمزقوه و أكلوه!. و انصرف نرير من فوره الي «المعتمد» فدخل «المعتمد» علي العسكري عليه‌السلام، و تضرع اليه، و سأله أن يدعو له بالبقاء عشرين سنة في الخلافة. فقال عليه‌السلام: مد الله في عمرك. فأجيب و توفي بعد عشرين سنة» [206] . و قبل التعليق علي هذه التمثيلية - المهزلة، نلفت النظر الي أن الامام عليه‌السلام قال «للمعتمد»: مد الله في عمرك، علي سبيل الاخبار، لأنه علي علم بمقادير الأعمار، فهو يعلم سلفا كم يكون عمره اذ عنده علم البلايا و المنايا؛ و لم يقل له تلك الجملة علي سبيل الدعاء لأنه عليه‌السلام جل عن أن يدعو لظالم بطول العمر. أما نحرير هذا، فكان من أشر خدم القصر و أشرسهم طباعا و أشدهم لؤما علي الامام عليه‌السلام، و علي أتباعه من أهل الحق. و أنت تري أن انذار زوجته له لم يجعله يرق ويلين، بل أثار حقده الدفين فنفذ أمرا خطيرا حين [ صفحه 161] استأذن بالقاء الامام الي السباع.. و أراد ما أراد، و لكن أراد الله تعالي غير ما أراد، فألهمه حقده أن يدخل غيل السباع آمره بذلك فدخل و كان طعمة رخيصة تحت أنيابها التي رصدها الله تعالي لتمزيق لحمه حين أراد هو تمزيق لحم امام الهدي و حجة الله علي الوري.. لقد رميت يا نحرير بالامام الي السباع عنوة، و غصبا عنه.. و رمي الله تعالي بآمرك اليها فكانت فيها نهايته الأليمة.. (و ما رميت اذ رميت و لكن الله رمي!!. ذلكم و أن الله موهن كيد الكافرين) [207] . و أما طويل العمر، و طويل عهد الخلافة، فقد حمل اثما أثقل ظهره، و لم ينفعه طول الأمد كما ستري، لأنه جرع امامنا العسكري الغصص، ثم جعل مطلع العشرين من سني خلافته، أيام تضييق و سجن للامام و لأصحابه و جميع المتعلقين به بسبب أو بنسب.. و انتهت تلك الأيام بسم الامام!. و من كتاب أحمد بن محمد بن العياش، قال: كان أبوهاشم الجعفري حبس مع أبي‌محمد عليه‌السلام، و كان «المعتز» حبسهما مع عدة من الطالبيين في سنة ثمان و خمسين و مائتين. - و الصحيح أن «المعتمد» هو الذي حبسهم يومئذ، لأن «المعتز» كان قد قتل قبل ذلك بثلاث سنين -. و قال: حدثنا أحمد بن زياد الهمداني، عن علي بن ابراهيم بن هاشم، عن داود بن القاسم - يعني: أبي‌هاشم الجعفري - قال: كنت في الحبس المعروف بحبس خشيش في الجوسق الأحمر، [208] . [ صفحه 162] أنا و الحسن بن محمد العقيقي، و محمد بن ابراهيم العمري، و فلان و فلان، اذ دخل علينا أبومحمد، الحسن عليه‌السلام، و أخوه جعفر، فخففنا به. و كان المتولي لحبسه صالح بن وصيف، و كان معنا في الحبس رجل جمحي يقول انه علوي. فالتفت أبومحمد فقال: لولا أن فيكم من ليس منكم لأعلمتكم متي يفرج عنكم، و أومأ الي الجمحي أن يخرج فخرج. فقال أبومحمد: هذا الرجل ليس منكم، فاحذروه!. فان في ثيابه قصة قد كتبها الي السلطان يخبره بما تقولون فيه!. فقام بعضهم ففتش ثيابه، فوجد فيه القصة يذكرنا فيها بكل عظيمة» [209] . و يظهر في هذا الحديث اشتباه و تصحيف يبدوان لمن دقق النظر و لا حظ أن الآمر بالحبس سنة ثمان و خمسين و مائتين هو «المعتمد» الذي كان قد قبر «المعتز» منذ حوالي ثلاث سنين، ثم لاحظ أن رقيب الحبس الذي ذكر اسمه كان قد قتل - هو الآخر - قبل ذلك.. و كان يجوز أن نعتقد أن الآمر بحبسهم هو «المعتز» و أنه لم يكن ذلك سنة ثمان و خمسين و مائتين، لولا أن هذا الحبس الجماعي كان في عهد «المعتمد» بلا ريب. و الدليل علي صحة الاشتباه و التصحيف أيضا، أن الحبس الذي كانوا فيه يعرف بحبس صالح بن وصيف كما صرحت به رواية أخري عن أبي‌هاشم الجعفري الذي قال: [ صفحه 163] «كنت في الحبس الأحمر، المعروف بحبس صالح بن وصيف، مع جماعة منهم أبومحمد، الحسن العقيقي، و محمد بن ابراهيم العمري؛ فحبس أبومحمد عليه‌السلام و أخوه جعفر، فحففنا به، و قبلت وجه الحسن و أجلسته علي مضربة كانت عندي. و جلس جعفر قريبا منه، فقال جعفر: و اشيطناه!. بأعلي صوته، يعني جارية له. فضجره - أي تبرم به و غضب منه - أبومحمد و قال له: اسكت!. و انهم رأوا فيه أثر السكر... ثم ذكر قصة الجمحي و ختمها بقوله: يذكرنا فيها بكل عظيمة، و يعلمه أنا نريد أن نثقب الحبس و نهرب!. ثم زاد فيها قوله: «كان الحسن - عليه‌السلام - يصوم، فاذا أفطر أكلنا معه ما كان يحمله غلامه في جونة مختومة. - أي قدر مقفلة. فضعفت يوما عن الصوم، فأفطرت في بيت آخر علي كعكة و ما شعر بي أحد. ثم جئت فجلست معه، فقال لغلامه: أطعم أباهاشم شيئا فانه مفطر. فتبسمت، فقال: مم تضحك يا أباهاشم؟!. اذا أردت القوة فكل اللحم، فان الكعك لا قوة فيه. فقلت: صدق الله و رسوله و أنتم عليكم السلام. فأكلت. فقال: أفطر ثلاثا، فان المنة - أي القوة - لا ترجع لمن أنهكه الصوم في أقل من ثلاث. فلما كان اليوم الذي أراد الله أن يفرج عنه، جاء الغلام فقال: يا سيدي، أحمل فطورك؟. قال: احمل، و ما أحسبنا نأكل منه. [ صفحه 164] فحمل الطعام الظهر، و أطلق عنه العصر و هو صائم، فقال: كلوا هنأكم الله» [210] . و قبل التحقيق بهذه الرواية نورد رواية ثالثة تناولت قصة حبسه عليه‌السلام في هذا التاريخ بالذات، قال فيها سعد بن عبدالله: «حدثني جماعة، منهم أبوهاشم، داود بن القاسم الجعفري، و القاسم بن محمد العياشي، و محمد بن عبيدالله، و محمد بن ابراهيم العمري، و غيرهم ممن حبس بسبب قتل عبدالله بن محمد العباسي: أن أبامحمد عليه‌السلام، و أخاه جعفرا، أدخلا عليهم ليلا. قالوا: كنا ليلة من الليالي جلوسا نتحدث اذ سمعنا حركة باب السجن، فراعنا ذلك. و كان أبوهاشم عليلا، فقال لبعضنا: اطلع و انظر ما تري. فاطلع الي موضع الباب، فاذا الباب فتح، و اذا هو برجلين قد أدخلا الي السجن، و رد الباب، و أقفل. فدنا منهما، فقال: من أنتما؟!. فقال أحدهما: أنا الحسن بن علي، و هذا جعفر بن علي. فقال لهما: جعلني الله فداكما، ان رأيتما أن تدخلا البيت. و بادر الينا و الي أبي‌هاشم و أعلمنا، و دخلا. [ صفحه 165] فلما نظر اليهما أبوهاشم قام عن مضربة كانت تحته، فقبل وجه أبي‌محمد عليه‌السلام، و أجلسه عليها، فجلس جعفر قريبا منه. فقال جعفر: و اشيطناه!. بأعلي صوته، يعني جارية له. فزجره - أي انتهره - أبومحمد عليه‌السلام و قال له: اسكت!. و انهم رأوا فيه آثار السكر، و أن النوم غلبه و هو جالس معهم، فنام علي تلك الحال» [211] . «فالمعتمد» هو الذي حشد هذا الجمع الغفير من الطالبيين في دهاليز سجنه المظلم يقينا، و ليس «المعتز». و أنت تري الأسلوب الساقط الذي استعمله الخليفة في التجسس، اذ وضع عليهم رقيبا جمحيا سافلا منافقا ادعي أنه علوي ليحملهم بطرق نفاقه الخاصة علي ذكر السلطان بالسوء فيسجل عليهم الأقوال بشكل مضخم يجعل فيه الحبة قبة و يزيد من عنده ما شاء له نفاقه، كتهمتهم بثقب الحبس ليهربوا و هم من علية القوم و من أشراف الناس و أجلائهم و أفاضل علمائهم!. فما أقبح سلطانا تقوم دعائمه علي مثل هذه الوسائل الرخيصة!. و أقبح منه «المعتمد» علي تلك الأساليب و اتخاذ أولئك الأعوان الذين هم من جنود الشيطان.. و أرجو أن لا أكون قد تركت لقارئي الكريم مجالا للشك بأن «المعتمد» كان بطل هذه التمثيلية المخزية. ضع «المعتمد» علي مبتدعات فكره و أبالسة قصره - لا علي الله عز [ صفحه 166] و جل - في لائحة (ان الذين ءامنوا ثم كفروا ثم ءامنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم و لا ليهديهم سبيلا) [212] لأنه لم يشبع نهمه من خضم مال المسلمين في حكم ظالم امتد أمده عشرين سنة، و لا شفي غليله من تعذيب المؤمنين، و تشريدهم، و تقتيلهم!. فقد كرر حبس الامام و أصحابه مرات و مرات، و أذن بالقائه الي السباع و رأي صنع ربه في راعي كلابه و أسوده و تاب من ذلك و من غيره مرارا و تكرارا، و عاد الي أقبح مما كان عليه الفينة بعد الفينة.. ثم انتهي بأن اغتال الامام و لم يرع فيه ذمة القرابة، و لا بنوة النبي صلي الله عليه و آله و سلم، و لا حرمة الدين في قتل سيد المسلمين، رغم أنه تلقب بأميرالمؤمنين، و ارتضي لنفسه مثل هذه الجريمة النكراء التي تهتز لها الأرض و السماء!. .. لقد مر عليك قريبا أنه اعتذر للامام عن حبسه و ظلمه، و خلي سبيله و طلب دعاءه و رضاه و سأله أن يدعو الله ليطيل عمره في الخلافة.. و الآن نطلعك علي ما قاله علم الهدي، السيد المرتضي، في (عيون المعجزات) اذ قال: «روي أنه لما حبسه «المعتمد» و حبس أخاه جعفرا معه، كان قد سلمهما في يد علي نحرير [213] ، و كان يسأل عن أخباره في كل وقت، فيخبره أنه يصوم النهار و يقوم - يصلي - الليل. فسأله يوما من الأيام عن خبره، فأخبره بمثل ذلك. فقال «المعتمد»: امض يا علي الساعة اليه، و أقرئه مني السلام و قل: انصرف الي منزلك مصاحبا. [ صفحه 167] فقال علي نحرير: فجئت الي باب الحسن - في السجن - فوجدت حمارا مسرجا!. و دخلت عليه عليه‌السلام، فوجدته جالسا قد لبس طيلسانه و خفه و شاسيته - و الأصح: شاشيته: أي عمامته -. فلما رآني نهض، فأديت الرسالة. فجاء و ركب. فلما استوي علي الحمار وقف. فقلت له: ما وقوفك يا سيدي؟!. فقال: حتي يخرج جعفر. فقلت له: انما أمرني باطلاقك دونه. فقال لي: ارجع اليه، و قل له: يقول لك: خرجنا من دار واحدة جميعا، و اذا رجعت و هو ليس معي كان في ذلك ما لاخفاء به عنك. فمضي، و عاد فقال له: يقول لك: قد أطلقت جعفرا لك، لأني حبسته بجنايته علي نفسه و عليك، و ما يتكلم به. فخلي سبيله، و مضي معه الي داره» [214] . و هذه هي المرة الأخيرة التي حبس فيه امامنا عليه‌السلام بحسب الظاهر، لأن رقيب السجن علي نحرير خلف أباه في هذه المهمة القبيحة بعد أن نهشت السباع لحم أبيه و عرقت عظامه؛ فان «المعتمد» في تصرفاته علي غير ربه قد أخرج الامام عليه‌السلام من سجنه مصاحبا بالسلامة، بعد أن عرف أن جميع نشاطاته في الدنيا تنحصر في الصوم و الصلاة و العبادة.. ثم أطلق أخاه جعفرا كرمي لعينيه.. و لكنه لاحقه الي البيت بجنود السم الذين حملوا اليه هدية الخليفة الغادرة مكافأة له علي تقواه!!!. [ صفحه 168] و ان قصة هذه النوبة في الحبس روتها أم الامام عليه‌السلام، و نقلها عنها الصيمري، عن الحميري، عن الحسن بن علي بن ابراهيم بن مهزيار، عن محمد بن أبي‌الزعفران، عن أم أبي‌محمد عليه‌السلام، التي قالت: «قال لي يوما من الأيام: تصيبني في سنة ستين و مائتين حزازة - أي غيظ و ضيق - أخاف أن أنكب فيها نكبة. قالت: و أظهرت الجزع، و أخذني البكاء!. فقال: لا بد من وقوع أمر الله، لا تجزعي. فلما كان في صفر سنة ستين، أخذها المقيم المقعد - أي الحزن الشديد و الخوف علي ابنها - و جعلت تخرج في الأحايين الي خارج المدينة، و تجسس الأخبار، حتي ورد عليها الخبر حين حبسه «المعتمد» في يدي علي بن جرين - و الصحيح: علي بن نحرير - و حبس جعفرا أخاه معه. و كان «المعتمد» يسأل عليا عن أخباره.. الي آخر الرواية التي ذكرناها سابقا» [215] . فهذه الروايات الثلاث تتحدث عن حبسه صلوات الله عليه في تاريخ واحد معين - هو حبسه للمرة الأخيرة - حيث قال «المعتمد» أثناءها لابن نحرير: امض اليه الساعة، و أقرئه عني السلام، و قل له: انصرف الي منزلك مصاحبا!. فأي سلام هذا الذي أقرأته اياه يا خليفة زمانه؟!. و أية سلامة صاحبته بها الي منزله؟!. [ صفحه 169] أهما أنك أتبعته بحملة السم تكافي‌ء به صومه و صلاته و عبادته؟!. ما أجرأك علي انتهاك حرمة الله و حرمة رسوله أيها المعتمد علي الشيطان!.. و ما أوقحك في المجاهرة بحرب أوليائه و عباده المؤمنين!. يقول المثل: طلق الحياء، و افعل ما شئت. و أنت لا حياء عندك أصلا.. و لا خوف من رب عزيز مقتدر!. و ان فعلت بالامام ما شئت.. فسيفعل الله تعالي بك ما يشاء. و لن يفوتك عقابه و الخلود في عذابه.. و نقل الصيمري عن المحمودي قوله: «رأيت خط أبي‌محمد عليه‌السلام لما خرج من حبس «المعتمد»: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم و الله متم نورهو لو كره الكافرون) [216] . و هنا قد أشار الامام عليه‌السلام بقوله الكريم الذي قاله لأمه سابقا، الي أمرين: أولهما: أنه علم بنية الخليفة التي عقدها علي قتله بالسم.. و هذا يدل عليه الشطر الأول من الآية الكريمة. و ثانيهما: أنه تم تولد القائم المنتظر عجل الله تعالي فرجه قبل ذلك بست سنين، و غاب ذلك عن علم الخليفة - بقدرة الله - لأنه كان يتربص ولادته ليقتله ساعتئذ.. و يدل علي ذلك الشطر الثاني من الآية الشريفة. و مجمل الآية يحتوي مراد الامام عليه‌السلام بأن الله تعالي بالغ أمره.. [ صفحه 170] و أنه هو المنتصر و لو تراءي للناس أنه المغلوب علي أمره، اذ ظهر أمر الله علي كل حال.. و يا أعداء الله، هل أطفأ أحد منكم نور الشمس؟. و هل انتصرتم علي عباده لما كنتم ضحايا لهاثكم وراء حكام الدنيا؟!. و قد وجد ضحاياكم ما وعدهم ربهم حقا.. فماذا وجدتم أنتم و قد حملتم دماءهم التي ألحقت بكم لعنة التاريخ و خزي الله!. و يا قتلة أبناء الأنبياء.. أنتم و قابيل في الاجرام العظيم سواء.. بؤتم بالحسرة و الخسران في الدارين.. و غضب عليكم الرحمان في الحالين. فماذا أعددتم للجواب بين يدي الله تعالي، و بين أيدي أنبيائه يوم تسألون؟!. [ صفحه 171]

علمه بما يكون

نعم، ان امام الناس، المنصب من الله عزوجل، يعلم ما كان و ما يكون، و لا يخفي عنه ربه تعالي شيئا مما يحدث في أرضه؛ و هو يعلم ذلك اذا أراده، باذن الله عزوعلا، لا بقدرته الشخصية. و اذا شككنا بقدرة الخالق سبحانه علي كل شي‌ء، فذلك منتهي الجهل بقدرته!. و اذا سلمنا بكونه خالقا قادرا علي ايجاد الأنثي و الذكر، و الطويل و القصير، و الذكي و الأحمق، و العاقل و الجاهل - بل قادرا علي خلق مليارات الناس الذين لا تشبه بصمات أصابع أحدهم بصمات أصابع أحد من تلك المليارات، فلا جرم أن نؤمن بقدرته علي خلق واحد من البشر ذي نفس زكية صافية تنعكس عليها الأحداث و الوقائع، فينظر بنور الله، و تنكشف له خفايا الأمور فيخبر عما كان أو يكون بلا أدني جهد، ثم لا يكون ذلك علما بالغيب، بمقدار ما يكون كشفا لشي‌ء من الغيب بمشيئة ربه تبارك و تعالي. و انه عز اسمه (و علم ءادم الأسماء كلها...) [217] أي جميع أسماء جميع الأشياء المخلوقة، علمه اياها دفعة واحدة و دون أن يجعلها دروسا تأتيه درسا بعد درس، بل خلقها معه، و طبعها في حافظته، و أجري لسانه بها، [ صفحه 172] فأنبأ الملائكة بتلك الأسماء في موقف واحد - بقدرة ربه تعالي - و لم يخطي‌ء في تسمية مسمي واحد!. و هو قادر علي أن يجري أمور الامام هذا المجري مضافا الي ما بيده من علم المنايا و علم البلايا و غيرها. قال عمار الساباطي: «سألت أباعبدالله عليه‌السلام عن الامام: أيعلم الغيب؟!. فقال: لا، و لكن اذا أراد أن يعلم الشي‌ء، أعلمه الله ذلك» [218] . و قال علي بن يقطين: «قلت لأبي‌الحسن، موسي عليه‌السلام: علم عالمكم سماع أم الهام؟. فقال: قد يكون سماعا، و يكون الهاما، و يكونان معا» [219] . و قال الحارث بن المغيرة: قلت لأبي عبدالله عليه‌السلام: ما علم عالمكم، أجملة يقذف في قلبه، أو ينكت في أذنه؟. فقال: وحي كوحي أم‌موسي» [220] . و قال عبدالله بن أبان، الزيات: «قلت للرضا عليه‌السلام: ادع لي، و لأهل بيتي. قال: أولست أفعل؟!. و الله ان أعمالكم لتعرض علي كل يوم و ليلة. فاستعظمت ذلك!. [ صفحه 173] فقال: أما تقرأ كتاب الله: (و قل اعملوا فسيري الله عملكم و رسوله و المؤمنون؟!) [221] . فهذه أربع شهادات من أئمة صادقين مصدقين صلوات الله عليهم، لا يدفعها الا مفتر علي الله عز شأنه: الأولي: تفيد أن الامام اذا أراد أن يعلم الشي‌ء، أعلمه الله ذلك. و الثانية: أن علم الامام يكون سماعا في وقت الحاجة اليه، أو الهاما اذا اقتضته الحال. و الثالثة: أن علمه قد يكون قذفا في القلب، أو نكتا في السمع، أو وحيا كوحي أم موسي. و الرابعة: تفيد ما هو أوسع و أشمل، و تدل علي أنه لا يخفي عليه شي‌ء من أمور العباد باذن الله تعالي. و ما من حكم في قضية الا و يكفي فيه شهادة ذوي عدل من الناس، فكيف بأربع شهادات أداها أربعة أئمة أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا؟!. فلا ينبغي للانسان أن يرفض كل شي‌ء يجهل حقيقته، لأن انكار الحقائق الدينية المنزلة من الله، يؤدي بصاحبه الي الكفر - و العياذ بالله -. و أكثر الأمور السماوية لا يطالها التعليل السهل، و لكن سنذكر طائفة أخري من التعليلات الصادرة علي أهلها لنجلو حقيقة هذا الموضوع قبل أن نطوي صفحته دون توضيح: قال عبدالعزيز الصايغ: [ صفحه 174] «قال أبوعبدالله عليه‌السلام: أتري أن الله استرعي راعيا علي عباده، و استخلف خليفة عليهم، يحجب عنه شيئا من أمورهم؟» [222] . و جوابنا: لا. اذ منذ جعل الله تعالي أبانا آدم عليه‌السلام خليفة في الأرض، أعطاه جميع مواهب خلافته فيها، و سائر ما يتعلق بآلة الخلافة و تجهيزاتها، بشكل لاتحيط به عقولنا بيسر لأنه من الأمور الخفية الربانية التي نقصر عن استيعابها كما نقصر عن استيعاب الكون الهائل بسمائه و أرضه و مجراته و نظامه الدقيق!. و قد قال الفضل بن يسار: «سمعت أباعبدالله عليه‌السلام يقول: ان العلم الذي هبط مع آدم لم يرفع. و ان العلم يتوارث؛ و ما يموت منا عالم حتي يخلفه من أهله من يعلم علمه، أو ما شاء!» [223] . فأئمتنا عليهم‌السلام خاتموا أوصياء رسل الله تبارك و تعالي، و لذا كانوا حاملي المواريث السماوية برمتها، و خازني علم الله، و عيبات المعرفة، و أمناء الوحي. قد أعطاهم الله تعالي نفوسا أصفي من المرآة، و أبصارا أنفذ من أشعة «ليزر» التي تخترق الكثافات، فلا تحول دونها المسافات!. ثم جعل لهم أسماعا لا تخفي عنها همسات النفوس، و لا وساوس الصدور، و لا خطرات القلوب و لا ما يدور في الضمائر!. و زودهم بامكانات فسيولوجية تقدرهم علي حمل أمره و لم يجعل منها نصيبا لغيرهم.. فكانوا بدعا في الخلق و الخلق، و معجزا بين البشر، و آية [ صفحه 175] للأنام.. عرفهم - علي حقيقتهم - القليلون، و صدق بهم و بسرهم من كتب الله تعالي في قلبه الايمان و أيده بروح منه. و هذا العلم بما يحدث في كل عصر، خص الله سبحانه به امام ذلك العصر ليكون حجة علي أهله، لأنه سفيره في البلاد، و أميره علي العباد، و أمينه علي الدين، و لا يجوز أن يخفي علي السفير شي‌ء مما يجري في دولته و ملك حكومته. قال عبدالله بن عطاء المكي: «اشتقت الي أبي‌جعفر - أي الامام الباقر عليه‌السلام - و أنا بمكة. فقدمت المدينة، و ما قدمتها الا شوقا اليه؛ فأصابني تلك الليلة مطر و برد شديد!. فانتهيت الي بابه نصف الليل، فقلت: ما أطرقه هذه الساعة، و أنتظر حتي أصبح. و اني لأفكر في ذلك، اذ سمعته يقول: يا جارية افتحي الباب لابن‌عطا، فقد أصابه في هذه الليلة برد و أذي. فجاءت، ففتحت الباب، فدخلت عليه، عليه‌السلام» [224] . فقد علم الامام الباقر صلي الله عليه بمجي‌ء صاحبه، و بالشوق الذي حمله اليه في تلك الليلة الظلماء، و بالمطر و البرد القارس اللذين أصاباه، و بموعد وصوله الي بابه في منتصف الليل، ثم أمر بسرعة استقباله ليستريح مما عاناه من وعثاء سفره!. و لا عجب في ذلك فقد قال المفضل لأبي عبدالله عليه‌السلام: «جعلت فداك، يفرض الله طاعة عبد علي العباد، ثم يحجب عنه خبر السماء؟!. [ صفحه 176] قال: لا، الله أكرم و أرأف بالعباد من أن يفرض عليهم طاعة عبد يحجب عنه خبر السماء صباحا و مساء» [225] . و كذلك قال أبوبصير رحمه الله: ان أباعبدالله عليه‌السلام قال له: «يا أبابصير، انا أهل بيت أوتينا علم البلايا، و المنايا، و الوصايا، و فصل الخطاب؛ و عرفنا شيعتنا كعرفان الرجل أهل بيته!» [226] . و في هذا كفاية لمن يتفكرون.. و لندخل في الموضوع بعد هذه المقدمة التي تلقي ضوءا علي خفاياه و أسراره. فقد قال أبوهاشم الجعفري: «لما مضي - أي مات - أبوالحسن عليه‌السلام، صاحب العسكر. اشتغل أبومحمد، ابنه، بغسله و شأنه، و أسرع بعض الخدم الي أشياء احتملوها من ثياب و دراهم و غيرها. فلما فرغ أبومحمد من شأنه، صار الي مجلسه فجلس، ثم دعا أولئك الخدم فقال: ان صدقتموني فيما أسألكم عنه فأنتم آمنون من عقوبتي؛ و ان أصررتم علي الجحود دللت علي كل ما أخذه كل واحد منكم، و عاقبتكم عند ذلك بما تستحقونه مني. ثم قال: يا فلان، أخذت كذا و كذا، و أنت يا فلان أخذت كذا و كذا. قالوا: نعم. [ صفحه 177] قال: فردوه. فذكر لكل واحد منهم ما أخذه و صار اليه، حتي ردوا جميع ما أخذوه» [227] . و روي هذا الخبر عن محمد بن عبدالله، هكذا: «لما مضي أبوالحسن عليه‌السلام، فأمر أبومحمد عليه‌السلام باغلاق الباب الكبير، ثم دعا بالحريم و العيال و الغلمان، فجعل يقول لواحد واحد: رد كذا و كذا، و يخبره بما أخذه، حتي ما فقد من الخزانة شي‌ء الا رد بعلامته و عينه، و الحمد لله رب العالمين» [228] . و الروايتان - اثنتاهما - تدلان قطعا، علي أن الامام صلوات الله عليه، يري و يعلم كل ما يجري حوله باذن ربه عز اسمه، بل ما يجري في مختلف أطراف المعمور اذا شاء لاقامة حجة، أو لاظهار آية و دلالة. أما الخدم الذين اغتنموا فرصة انشغال الامام عليه‌السلام بتجهيز أبيه صلي الله عليه، و انتهبوا خزانته وسطوا علي ما في بيته، فانهم مساكين يستحقون الشفقة لقصورهم عن فهم ما هو عليه الامام من القدرة الفائقة التي رأوا آثارها منه في كل يوم و كل مناسبة من غير أن يفكروا فيها!. و نحن أيضا مخيرون بين أن نكون مثل أولئك الخدم - العبيد، و بين أن نكون أسياد أنفسنا فنذعن للحق اذا ظهر لنا، بجرأة لا يقف في وجهها شي‌ء.. و الا، فاننا نكون عاجزين عن قطع خيط القطن الذي يربط الشيطان به آنافنا، و يجرنا الي حيث يدري من الضلال، و لا ندري!. [ صفحه 178] و قال محمد بن عبدالله أيضا: «فقد له غلام صغير، فلم يوجد. فأخبر - عليه‌السلام - بذلك، فقال: اطلبوه من البركة: فطلب، فوجد في بركة الدار ميتا» [229] . ثم ذكر الراوي نهب الخزانة الذي تحدثنا عنه -. و توجيههم الي طلب الغلام من البركة لم يكن حدسا، و لا تخمينا. بل هو جزم بأنه قد وقع فيها و مات. فلم يحتمل عليه‌السلام خروج الغلام الي الحديقة، و لا الي الشارع العام، و لا أنه يلعب مع أترابه؛ و لكنه أمرهم بطلبه في البركة، أمر عالم بذلك كمن قد رأي و قد سمع.. و أنه - مذ أخبر بفقد الولد - بدت له صورته - أمان ناظريه - قد مات غريقا في تلك البركة. و ما ذلك علي الله بعزيز، و لا علي وليه و نجيبه بغريب. و حدث أبوقاسم الحبشي قائلا: كنت أزور العسكر في شعبان، في أوله، ثم أزور الحسين عليه‌السلام في النصف. فلما كان في سنة من السنين، وردت العسكر قبل شعبان، و ظننت أني لا أزوره - أي الحسين عليه‌السلام - في شعبان. فلما دخل شعبان قلت: لا أدع زيارة كنت أزورها، و خرجت الي العسكر. [ صفحه 179] و كنت اذا وافيت العسكر أعلمهم برقعة أو رسالة. فلما كان هذه المرة قلت: أجعلها زيارة خالصة لا أخلطها بغيرها. و قلت لصاحب المنزل: أحب أن لا تعلمهم بقدومي. فلما أقمت ليلة جاءني صاحب المنزل بدينارين، و هو يبتسم و يقول: بعث الي بهذين الدينارين و قيل لي: ادفعهما الي الحبشي، و قل له: من كان في طاعة الله، كان الله في حاجته» [230] . فلم يخف أمرك علي صاحب الأمر عليه‌السلام يا حبشي.. و لا خفي عليه وقت وصولك الي سامراء، و لا محل نزولك.. و لا ضل الديناران طريقهما اليك!. ان ولي الله يعرف من كان في طاعة الله، و من كان في معصيته، و لا يغيب عنه شي‌ء من أمر الرعية التي استرعاه ربه اياها. و تلك نعمة من الله سبحانه أنعم بها عليه، ليجعله آية للناس، و دليلا عليه عزوجل، و رمزا لقدرته التي لا يعجزها شي‌ء في الأرض و لا في السماء. و الذي يأخذني العجب منه، هو أنه لماذا لا نكون منصفين مع أن الانصاف يعود علينا بالخير، و نختار الانكار أول ما نختار مع أن انكارنا لا يحول دون قدرة الامام علي معرفة ما يكون، و لا يمنع عنه شيئا من مواهب الله و عطاياه؟!. اننا اذا والينا الامام أو عارضناه، لا يؤثر ولاؤنا و لا معارضتنا علي مركزه الآلهي شيئا. فلم ننصب أنفسنا محامي دفاع عن الباطل، و نتحمس لرفض الحق كلما أعطانا الشيطان جرعة من وسوسته الخبيثة التي تضرنا [ صفحه 180] مرتين: مرة حين نتحمل أوزار انحيازنا الي حزب الشيطان، و مرة أخري - أصعب و أشد وقعا - حين يوبخنا الشيطان اللعين يوم القيامة و يقول: (ان الله وعدكم وعد الحق و وعدتكم فأخلفتكم و ما كان لي عليكم من سلطان الا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم و مآ أنتم بمصرخي!!!) [231] (اني أخاف الله رب العلمين) [232] فلا توجعوا رأسي بكلامكم التافه.. و تفرقوا عني فلست مستعدا لمصارختكم.. فأغلقوا باب الاعتراض و لا ترموني بما ارتكبتموه بسوء اختياركم. فخافوا الله علي أنفسكم في الدنيا أيها الاخوان.. قبل أن تروا خوف الشيطان منه في الآخرة، حين لا ينفعه و لا ينفعكم الخوف!. قال اسماعيل بن محمد بن علي بن اسماعيل بن علي بن عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب: «قعدت لأبي‌محمد عليه‌السلام علي ظهر الطريق. فلما مر بي - قمت في وجهه و شكوت اليه الحاجة و الضرورة، و حلفت له أنه ليس عندي درهم فما فوقه، و لا عشاء ولا غداء. فقال: تحلف بالله كاذبا، و قد دفنت مائتي دينار؟!. و ليس قولي هذا دفعا لك عن العطية!. أعطه يا غلام ما معك. فأعطاني غلامه مائة دينار. ثم أقبل علي فقال لي: انك تحرم الدنانير التي دفنتها أحوج ما تكون اليها. [ صفحه 181] و صدق عليه‌السلام، و كان كما قال. و ذلك أني أنفقت ما وصلني به، و كنت قد دفنت مائتي دينار و قلت: تكون ظهرا أو كهفا لنا. فاضطررت ضرورة الي شي‌ء أنفقه، و انغلقت علي أبواب الرزق، فنبشت عن الدنانير التي كنت دفنتها، فلم أجدها. فنظرت فاذا ابن لي قد عرف موضعها فأخذها و هرب، فما قدرت منها علي شي‌ء!. فكان كما قال» [233] . فهل آمنت يا عباسي بقول الهاشمي عليه‌السلام الذي كذب يمينك بالله بأنك لا تملك درهما و لا عشاء و لا غداء؟!. فلم يكن الامام سلام الله عليه معك حين خبأت المائتي دينار، و مع ذلك ذكرك بها و فضح أمرها!. و لم يخجلك، بل تلطف بحاجتك و لم يعتبر تكذيبك دفعا لك عن عطائه. وثق أن غلامه لو كان يحمل ألف دينار لأمره بدفعها اليك، لأنك طلبت العطاء من سيد المعطين. و اعلم أنه صلوات الله عليه قد وعدك بالحرمان من دنانيرك المخبأة في أشد ظروف حاجتك اليها، ليلقي عليك الحجة بأنه حجة الله الذي لا يفوت علمه شي‌ء باذن ربه.. و ستطالب بالاقرار بذلك بين يدي ربك ان لم تكن قد اتعظت و آمنت!. [ صفحه 182] و قال أبوهاشم الجعفري رحمه الله: «شكوت الي أبي‌محمد عليه‌السلام ضيق الحبس و كلب القيد - أي مسماره الذي يشد به -. فكتب الي: أنت تصلي اليوم الظهر في منزلك. فأخرجت وقت الظهر فصليت في منزلي، كما قال عليه‌السلام. و كنت مضيقا فأردت أن أطلب منه دنانير في الكتاب فاستحييت. فلما صرت الي منزلي وجه الي بمائة دينار و كتب الي: اذا كانت لك حاجة فلا تستح ولا تحتشم، و اطلبها فانك تري ما تحب ان شاء الله تعالي» [234] . فلو كان أمر اخراج هذا السجين الجليل صادرا عن الامام عليه‌السلام، لكان من الصعب أن يضمن تبليغه اياه قبل صلاة الظهر من ذلك اليوم، اذ ربما تأخر الحاجب، أو تباطأ الآمر باخلاء سبيله وقتا ما.. فكيف جزم سلام الله عليه بأنه سيصلي الظهر في بيته لولا رسل ربه الذين يعملون بين يديه و يبلغونه شؤون الناس ساعة فساعة؟!. يدلك علي ذلك أنه عرف حاجة صاحب المعونة فأمده بالمال، بل عرف بما هو أدق من ذلك و أبعد عن تناول الفكر.. اذ عرف احتشامه و حياءه من طلب المعونة و أمره بأن لا يحتشم من الطلب اذا مسته الحاجة الي المال!. فتأمل مليا قبل أن تبدي رأيك بما يتسم [ صفحه 183] به هذا الامام العظيم صلوات الله عليه و تحياته و بركاته من القدرة التي تفوق قدرة البشر!. و عن علي بن محمد بن زياد، أنه خرج اليه توقيع أبي‌محمد عليه‌السلام: «فتنة تخصك، فكن حلسا من أحلاس بيتك. قال: فنابتني نائبة فزعت منها، فكتبت اليه: أهي هذه؟. فكتب: لا.. أشد من هذه!. فطلبت بسبب جعفر بن محمد، و نودي علي: من أصابني فله مائة ألف درهم!» [235] . ان جعفر بن محمد المذكور كان وزير «المعتز» و قد ذكر في حديث «المتوكل» مع الامام الهادي عليه‌السلام حين سأله عن المواطن الكثيرة و ذكرنا ذلك في كتابنا السابق عن «الامام الهادي». و الحلس: هو ما يبسط تحت حر الثياب فتستره و معني: كن حلسا من أحلاس بيتك: أي الزمه و تستر به و لا تغادره لتكشف عن نفسك. ولو سألنا ابن‌زياد هذا: كيف علم الامام بفتنة تخصه بالذات - و قبل وقوعها بزمن - و أجابنا بما يقنع لسألناه، و لكنه لا يعرف من تعليل ذلك الا ما نعرفه من أن الامام يعرف ما كان و ما يكون بمشيئة الله، و أن هذا من بعض قدراته التي منحه الله تعالي اياها.. و اذن فالسؤال الذي يدور دائما حول شي‌ء واحد، ليس له سوي جواب واحد مهما أعملنا الفكر!. ثم لا يفيد الروغان، و لا الفتل و الدوران. [ صفحه 184] و روي علي بن محمد، عن بعض أصحابنا، قال: «كتب محمد بن حجر الي أبي‌محمد عليه‌السلام ليشكو عبدالعزيز بن دلف، و يزيد بن عبدالله. فكتب اليه: أما عبدالعزيز فقد كفيته. و أما يزيد فان لك و له مقاما بين يدي الله عزوجل!. فمات عبدالعزيز. و قتل يزيد محمد بن حجر» [236] . و فيها يبدو اللغز العجيب حين قال الامام عليه‌السلام لابن‌حجر: أما يزيد فان لك و له مقاما بين يدي الله عزوجل!. و كأني بمحمد بن حجر - المظلوم - قد تراءي له ما وراء ذلك اللغز، و تصور نفسه مقتولا بيد عدوه يزيد بن عبدالله، و استعرض موقفه معه و هو يشكوه الي الله تبارك و تعالي و أوداجه تشخب دما!. ان اماما عنده هذه القدرة، و بيده علم المنايا و البلايا الذي ورثه عن آبائه الطاهرين، عن جده الأعظم صلي الله عليه و آله و سلم، لهو حجة لله علي العباد، يخبر عن علم أكيد و ثائقه بيده، محفوظة في صدره.. و أن نحور و ندور و تحوم أذهاننا حول تفسير ذلك و تأويله، فضرب من السفه و محاولة دخول البيوت من ظهورها، في حين أن أبوابها مشرعة للداخلين!. فلا يجوز أن ترتطم رؤوسنا دائما و أبدا بالجدار، و نعمي عن الأبواب المفتحة أمام الأنظار!!. قال علي [237] بن زيد بن علي بن الحسين بن علي: [ صفحه 185] «كان لي فرس، و كنت به معجبا أكثر ذكره في المحافل. فدخلت علي أبي‌محمد عليه‌السلام يوما فقال لي: ما فعل فرسك؟. فقلت: ها هوذا علي بابك، الآن نزلت عنه. فقال: استبدل به قبل المساء ان قدرت علي مشتر، و لا تؤخر ذلك. و دخل علينا داخل فانقطع الكلام. فقمت متفكرا، و مضيت الي منزلي فأخبرت أخي فقال: ما أدري ما أقول لك في هذا؟!. فشححت و نفست - أي بخلت - علي الناس ببيعه. و أمسينا، فلما صلينا العتمة جاءني السائس فقال: يا مولاي نفق فرسك الساعة!. - أي مات -. فاغتممت، و علمت أنه - عليه‌السلام - عني هذا بذلك القول. ثم دخلت علي أبي‌محمد عليه‌السلام بعد أيام و أنا أقول في نفسي: ليته أخلف علي دابة. فلما جلست قال قبل أن أحدث بشي‌ء: نعم، نخلف عليك دابة. يا غلام: أعطه برذوني الكميت. هذا خير من فرسك، و أوطأ، و أطول عمرا» [238] . و ألفت النظر الي أن امامنا عليه‌السلام، قد أمر صاحب هذا الفرس [ صفحه 186] باستبداله لمحض اظهار المعجزة، و لعلمه بأنه لا يفعل ذلك بهذه السرعة، و أنه لو حاول فلن يجد المشتري فورا. و أجزم - كذلك - أنه عرف بأن الفرس سينفق عند صلاة العتمة، و أن نفس صاحبه تشح ببيعه أو استبداله. فلم يشأ أن يفجأه بذلك الخبر المؤذي، و أشار له بما أشار للتنبيه الي انتظار أمر سيحدث. و أؤكد - أيضا- أنه عليه صلاة الله و سلامه، قد أعد برذونه الكميت الذي ضمن له طواعية ظهره، و طول عمره سلفا.. بل علم بأن هذه الآية ستتناقلها الألسنة و الأقلام علي مدي الدوران ليتضح الحق لذي عينين، و ليتجلي أريج الطيب السماوي يفوح من أبيات آل محمد صلي الله عليه و عليهم الي أبد الأبد.. و كذلك حدث علي بن زيد بن علي بن الحسين بن زيد بن علي، نفسه، قائلا: «صحبت أبامحمد عليه‌السلام من دار العامة - أي مجلس السلطان - الي منزله. فلما أتي الدار و أردت الانصراف، قال: أمهل. و دخل ثم أذن لي. فدخلت فأعطاني مائة دينار و قال: اصرفها في ثمن جارية، فان جاريتك فلانة قد ماتت!. و كنت خرجت و عهدي بها أنشط ما كانت!. فمضيت فاذا الغلام يقول: ماتت فلانة جاريتك، الساعة!. فقلت: ما حالها؟!. [ صفحه 187] قيل: شربت ماء، فشرقت فماتت!» [239] . فلا تحزن يا ابن‌زيد، و لا تك في ضيق مما يحل بفنائك!. فبالأمس نفق فرسك، فعوض عليك الامام صلي الله عليه برذونا كميتا قويا، طويل العمر. و اليوم ماتت جاريتك، فوهبك مائة دينار لشراء بديلة عنها.. و علم ذلك دون أن يخبره أحد. و أنا - بعد حادثتيك - أغبطك علي العاطفة النبوية التي أحاطك بها أبومحمد عليه‌السلام، و أبارك لك بالتشرف بخدمته، و الحصول علي عنايته، فانه امام كريم يجبر الحال، و يحفظ الانسان من ذل السؤال، و لا يضطر أحدا لطلب حاجة، بل يقضيها لمجرد أن تجول في خلده، ليدل علي عظمة الله المتجلية في عظمة مخلوقه الكريم!. و عن الراوي السابق نفسه، قال: «دخلت علي أبي‌محمد عليه‌السلام يوما. فاني جالس عنده اذ ذكرت منديلا كان معي فيه خمسون دينارا، فقلقت لها و ما تكلمت بشي‌ء و لا أظهرت ما خطر ببالي. فقال أبومحمد عليه‌السلام: لا بأس، هي مع أخيك، محفوظة ان شاء الله. [ صفحه 188] فأتيت منزلي، فدفعها الي أخي» [240] . فهل وضع امامنا عليه‌السلام و التحيات تلك الدنانير أمانة مع ابن‌زيد، و أمره بأدائها لأخيه، حتي عرف مكانها و ضمن ردها؟!. لا.. فكيف عرف - اذن - مكانها. و ضمن ردها، و آمن صاحبها عليها؟!. و من أين له هذه الثقة بمن وجدها أن يرجعها بلا طلب؟!. قد تجد أسئلة بلا أجوبة قاطعة، الا مثل هذه الأسئلة فان أجوبتها عند كل من يعرفون ماهية الامامة و شأنها العظيم، و يدركون العظمة التي خلعها الله تبارك و تعالي علي أهل بيت النبي صلي الله عليه و آله و سلم من سربال عظمته. قال محمد بن عبدالله: «كتبت اليه أخبره باختلاف الموالي، و أسأله اظهار دليل. - أي أخبره باختلافهم في امامته عليه‌السلام -. فكتب: انما خاطب الله عزوجل أولي الألباب، و ليس أحد يأتي بآية، أو يظهر دليلا، أكثر مما جاء به خاتم النبيين و سيد المرسلين، فقالوا: كاهن، و ساحر كذاب!. فهدي الله من اهتدي، غير أن الأدلة يسكن اليها كثير من الناس؛ و ذلك أن الله جل جلاله يأذن لنا فنتكلم و يمنع فنصمت. و لو أحب الله أن لا يظهر حقا لما بعث النبيين مبشرين و منذرين، يصدعون بالحق في حال الضعف و القوة في أوقات، و ينطقون في أوقات، ليقضي الله أمره و ينفذ حكمه. [ صفحه 189] و الناس في طبقات شتي: فالمستبصر علي سبيل نجاة، متمسك بالحق، متعلق بفرع أصيل، غير شاك و لا مرتاب، لا يجد عنه ملجأ. و طبقة لم تأخذ الحق من أهله، فهم كراكب البحر، يموج عند موجه، و يسكن عند سكونه. و طبقة استحوذ عليها الشيطان، شأنهم الرد علي أهل الحق، و دفع الحق بالباطل (حسدا من عند أنفسهم) [241] . فدع من ذهب يمينا و شمالا، فان الراعي اذا أراد أن يجمع غنمه، جمعها في أهون سعي. ذكرت خلاف موالينا. فاذا كانت الوصية و الكتب فلا ريب. و من جلس مجلس الحكم فهو أولي بالحكم. أحسن رعاية من استرعيت، و اياك و الاذاعة و طلب الرئاسة، فانهما يدعوان الي الهلكة!. ذكرت شخوصك الي فارس فاشخص. خار الله لك. و تدخل مصر ان شاء الله آمنا. و اقرأ من تثق به من موالينا السلام، و مرهم بتقوي الله العظيم، و أداء الأمانة، و أعلمهم أن المذيع علينا حرب لنا!. قال: فلما قرأت: خار الله لك في دخولك مصر ان شاء الله آمنا، لم أعرف المعني فيه. فقدمت بغداد عازما علي الخروج الي فارس فلم يقيض لي، و خرجت الي مصر» [242] . [ صفحه 190] فقد سأل هذا الرجل اظهار دليل علي امامة أبي‌محمد عليه‌السلام ليقطع في الأمر و يتخلص من التردد، فحمله الامام مسؤولية نفسه بأن ينظر في أمرين: أولهما: أن أدلة الامامة لا تخفي علي من ابتغي الهداية، اما بسماع النص من أهل الثقة، و اما بالشياع حيث لا يسأل المرء أحدا عن امام الزمان الا أجيب: هو فلان، سواء أكان المسؤول مواليا أم معاديا؛ فان أشد الناس عداوة لأهل البيت عليهم‌السلام، اذا سألته عن الامام في عصره لقال: لا امام في هذا الزمان الا عند الروافض الذين يعتقدون بامامة فلان. و ثانيهما: أنك اذا سألت - أو سأل الموالي المختلفون - عن الوصية و مواريث النبوة، فلا تكن في ريب أنها معنا لأننا نجلس مجلس الحكم، و ما من أحد أولي به منا. و بعد ذلك أفهمه أن الموالاة لا تكون الا بحسن الاختيار طلبا للنجاة و تمسكا بالحق، ثم عرض له طبقات الناس الثلاث الذين هم: المستبصرون الذين لا يفارقون الحق و لا يدعون ولاية آل محمد صلي الله عليه و عليهم. و المتبعون لأئمة الضلال و قادة السوء، تتقاذفهم الأمواج مع أهواء أئمتهم و قادتهم. و حزب الشيطان الذين أخذهم بأرسنتهم و جرهم الي حرب الحق و نصر الباطل حسدا و حقدا.. و بعد ذلك أمره باتباع الطريق المستقيم، و أن لا ينحرف يمينا و لا شمالا بعد أن عرف حامل المواريث السماء؛ ثم وعظه و أرشده الي حسن [ صفحه 191] سياسة من هم في منطقة وكالته. و وعده بدخول مصر التي ما كانت لتخطر له في بال كجواب عملي يدل علي أنه الامام العالم بما يكون و يحدث في عصره، العارف بما لا يعرفه أحد غيره من البشر. فأنت تري حين تستعرض هذه الأمور، أن معالم الامامة ترشد الي نفسها بنفسها، و تنادي علي قطب رحاها بمل‌ء فيها! فلا تبحث عن الامام بين الأنام، فانه كالشمس لا يحجبها الغمام، كما لا يضيعه بين الناس الزحام، و لا يكسف نوره الرباني ظلام و لا ظلام!. ذكر أبوالقاسم الكوفي في كتاب (التبديل) أن اسحاق الكندي كان فيلسوف العراق في زمانه، أخذ في تأليف تناقض القرآن، و شغل نفسه بذلك و تفرد به في منزله، و أن بعض تلامذته دخل يوما علي الامام الحسن العسكري عليه‌السلام، فقال له أبومحمد عليه‌السلام: أما فيكم رجل رشيد يردع أستاذكم الكندي عما أخذ فيه من تشاغله بالقرآن؟!. فقال التلميذ: نحن من تلامذته، كيف يجوز منا الاعتراض عليه في هذا، أو في غيره؟!. فقال أبومحمد عليه‌السلام: أتؤدي اليه ما ألقيه اليك؟. قال: نعم. قال: فصر اليه، و تلطف في مؤانسته و معونته علي ما هو بسبيله. فاذا وقعت الأنسة في ذلك فقل: قد حضرني مسألة أسألك عنها. فانه يستدعي ذلك منك، فقل له: ان أتاك المتكلم بهذا القرآن - أي [ صفحه 192] الله تعالي - هل يجوز أن يكون مراده بما تكلم به منه، غير المعاني التي قد ظننتها أنك ذهبت اليها؟. فسيقول: انه من الجائز. لأنه رجل يفهم. فاذا أوجب ذلك فقل له: فما يدريك لعله قد أراد غير الذي ذهبت اليه، فتكون واضعا لغير معانيه!. فصار الرجل الي الكندي، و تلطف به الي أن ألقي عليه هذه المسألة. فقال له: أعد علي. فأعاد عليه. فتفكر في نفسه، و رأي ذلك محتملا في اللغة، و سائغا في النظر، فقال: أقسمت عليك الا أخبرتني من أين لك هذا؟!. فقال: انه شي‌ء عرض بقلبي، فأوردته عليك. فقال: كلا، ما مثلك من اهتدي الي هذا، و لا من بلغ هذه المنزلة!. فعرفني من أين لك هذا؟!. فقال: أمرني به أبومحمد عليه‌السلام. فقال: الآن جئت به!. و ما كان ليخرج مثل هذا الا من ذلك البيت!. ثم انه دعا بالنار و أحرق جميع ماكان ألفه» [243] . نعم، لا يعرف الفضل الا أهل الفضل!. فان الاشكال الذي أورده الامام عليه‌السلام علي الكندي في غاية الوجاهة لأن للقرآن الكريم سبعين وجها [ صفحه 193] يجد الانسان في كل واحد منها المخرج، فما أدراك بما أراد الله تعالي من آية ما، و من آية متشابهة أخري؟. و قد أدرك الكندي هذه الحقيقة التي تستعصي علي أفهام الناس معني و مبني مهما بلغت أفهامهم من الدقة و الاستيعاب، فاتخذ موقفا قاطعا كان فيه علي حق مرتين: مرة حين قال لتلميذه: أعد علي كلامك فأعاده.. ففكر مليا و قال له: أقسمت عليك الا أخبرتني من أين لك مثل هذا الكلام؟. ما مثلك من اهتدي الي هذا، و لا من بلغ هذه المنزلة!. فأفاده عن القائل، فقال: ما كان ليخرج مثل هذا الا من ذلك البيت!. و مرة ثانية حين دعا الكندي بالنار و أحرق جميع ما كان ألفه من تناقض القرآن، و مما كان يخالف الواقع في كتاب (لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) [244] بل (و انه لكتاب عزيز) [245] لا يهتدي الي خفاياه الا من هداه الي ذلك الله الذي خلقه و سواه.. فقد علم أن اعتراض تلميذه عليه قد خرج من عيبة علم و معدن معرفة، و أنه يفوح منه شذا النبوة و أريج الرسالة و روح السماء.. فأذعن لما لا جواب عليه لأن الراد علي أهل ذلك البيت صلوات الله عليهم راد علي الله عز و علا.. و الكندي فيلسوف يدرك هذه المعاني قبل غيره من أهل المعرفة. قال محمد بن حمزة السروي: «كتبت علي يد أبي‌هاشم، داود بن القاسم الجعفري، و كان لي [ صفحه 194] مؤاخيا، الي أبي‌محمد عليه‌السلام أسأله أن يدعو لي بالغني، و كنت قد أملقت و قلت ذات يدي، و خفت الفضيحة. فأوصلها، و خرج الجواب علي يده: أبشر فقد أتاك الغني، غني الله تبارك و تعالي مات ابن عمك يحيي بن حمزة، و خلف مائة ألف درهم، و هي واردة عليك، فاشكر الله. و عليك بالاقتصاد، و اياك و الاسراف فانه من فعل الشيطنة!. فورد علي بعد ذلك قادم و معه سفاتج من حران، فاذا ابن عمي قد مات في اليوم الذي رجع الي أبوهاشم بجواب مولاي أبي‌محمد. و استغنيت و زال الفقر عني كما قال سيدي. و أديت حق الله في مالي، و بررت اخواني، و تماسكت بعد ذلك - و كنت مبذرا - كما أمرني أبومحمد» [246] . و روي هذا الحديث عنه بلفظ: «أملقت و عزمت علي الخروج الي يحيي بن محمد، ابن عمي، بحران. و كتبت الي أبي‌محمد عليه‌السلام أن يدعو لي. فجاء الجواب: لا تبرح، فان الله يكشف ما بك، و ابن عمك قد مات. و كان كما قال، و وصلت الي تركته» [247] . و هذا لا ينافي ما سبق، فقد كان حكاية حال عنه. و مثل ذلك ما حدث به علي بن حميد الذراع الذي قال: [ صفحه 195] «كتبت الي أبي‌محمد عليه‌السلام أسأله الفرج مما نحن فيه من الضيق. فرجع الجواب، الفرج سريع، يقدم عليك مال من ناحية فارس. فمات ابن عم لي بفارس ورثته، و جاءني مال بعد أيام يسيرة» [248] . فقد قال عليه‌السلام للسائل الأول: أبشر فقد أتاك الغني!. ثم قال للسائل الثاني: الفرج سريع!. في جوابين قالهما بمل‌ء فيه، و بكامل الثقة و الاطمئنان: و كأنه عليه‌السلام ملأ سفاتج حران بيده دراهم و نقودا من ارث السروي لابن عمه!. أو كأنه حرر ارث ابن‌حميد الذراع بفارس الساعة!. و ليزيد في اطمئنان الأول الي الغني الموعود، أفهمه أنه علي علم باسرافه و تبذيره فأمره بالاقتصاد و عدم التبذير، مشيرا الي أنه عليه‌السلام عارف بدقائق أمور معاصريه، مطلع علي أحوالهم، عالم بما هم عليه. و هذا كله، والله، لو كان من غير الامام، لكان مدعاة للتفكير و العجب؛ و لكنه من الامام ليس بمستغرب لأنه من أبسط دلائل امامته و ولايته لأمور الناس، و كونه يستقي معلوماته من السماء لا من شبكات استخبارات أرضية قد تصدق و قد تكذب!. قال داود بن الأسود: «دعاني سيدي أبومحمد عليه‌السلام، فدفع الي خشبة كأنها رجل باب، مدورة طويلة، مل‌ء الكف، فقال: صر بهذه الخشبة الي العمري - أي الي نائبه الذي صار نائبا لابنه المهدي عجل الله تعالي فرجه -. [ صفحه 196] فمضيت. فلما صرت في بعض الطريق، عرض لي سقاء معه بغل. فزاحمني البغل علي الطريق، فناداني السقاء: ضح علي البغل!. - أي مهلا عليه، و مل عن طريقه -. فرفعت الشخبة التي كانت معي، فضربت بها البغل فانشقت!. فنظرت الي كسرها فاذا فيها كتب - أي رسائل - فبادرت سريعا فرددت الخشبة الي كمي - لتحت ثيابه - فجعل السقاء يناديني و يشتمني، و يشتم صاحبي. فلما دنوت من الدار راجعا، استقبلني عيسي الخادم عند الباب الثاني فقال: يقول لك مولاي أعزه الله: لم ضربت البغل و كسرت رجل الباب؟!. فقلت له: يا سيدي، لم أعلم ما في رجل الباب. فقال: و لم احتجت أن تعمل عملا تحتاج أن تعتذر منه؟!. اياك بعدها أن تعود الي مثلها!. و اذا سمعت لنا شاتما فامض لسبيلك التي أمرت بها. و اياك أن تجاوب من يشتمنا، أو أن تعرفه من أنت!. فانا ببلد سوء، و مصر سوء، و امض في طريقك فان أخبارك و أحوالك ترد الينا!. فاعلم ذلك» [249] . أجل، صدقت يا عيسي الخادم. انكم كنتم ببلد سوء، و مصر سوء.. و لولا ذلك ما دس الامام رسائله في خشبة كأنها رجل باب ليبعث بها الي وكيله مستورة عن أعين الرقباء!. لقد كنتم في دنيا غير دنيا معاصريكم.. فهم فيها مرتاحون منعمون، مستسلمون لما هم فيه من الملذات الزائلة.. و أنتم فيها متعبون، قلقون في دنيا هي سجن المؤمن و جنة الكافر. و أنتم حذرون - ليل نهار - تعملون لحياة دائمة و نعيم لا يزول.. فاعلم ذلك يا داود بن الأسود!. و اعلم - أيضا - بأن [ صفحه 197] أخبارك و أحوالك - و أخبار الناس أجمعين، أكتعين، أبصعين و أحوالهم - ترد علي الامام عليه‌السلام جملة و تفصيلا.. كل يوم!. ضع ذلك في معلومك.. و نحن نضعه في معلومنا أيضا!. فان نظام مملكة السماء تقصر عنه جميع أنظمة ممالك الأرض. و عن علي بن الحسن بن الفضل اليماني، قال: «نزل «بالجعفري» من آل جعفر، خلق كثير لا قبل له بهم!. فكتب الي أبي‌محمد عليه‌السلام يشكو ذلك. فكتب اليه: تكفونهم ان شاء الله تعالي. قال: فخرج اليهم في نفر يسير، و القوم يزيدون علي عشرين ألف نفس، و هو في أقل من ألف، فاستباحهم» [250] . - أي انتصر عليهم و كسرهم شر كسرة -. و المراد بجعفر، جعفر بن أبي‌طالب، الطيار - عليه‌السلام -. و الجعفري: رجل من أولاد جعفر «المتوكل» استبصر بالحق و قال بالولاية و نسب نفسه الي الامام جعفر الصادق عليه‌السلام باعتبار المذهب الذي اعتنقه. و كان الخليفة قد أراد قتل كل من يحتمل أن يدعي الخلافة، فقتل جمعا من الأمراء، و بعث جيشا لقتل «الجعفري» المذكور. فلما أحس أنه حوصر و نزل الجيش بساحته كتب الي الامام عليه‌السلام، و سأله الدعاء لدفع ذلك الاعتداء الخطير، فأجابه بأنه سيكفي أمرهم. [ صفحه 198] و أنت تري أن جواب الامام الملخص بخمس كلمات يحمل آية للمتفكرين، فقد انتصر الجعفري بألف رجل علي عشرين ألفا في جيش شرس مهاجم، و هزمه و استباح ما معه!. و ان عبارة: «تكفونهم ان شاء الله تعالي» كانت دعاء كافيا لقلب مفاهيم تلك المعركة غير المتكافئة!. فان الامام اذا رفع الي ربه أكف الابتهال و الدعاء، تفتح لدعائه أبواب السماء و معاقد العرش، و يكون كأنه قال للشي‌ء: كن، فيكون باذن الله السميع المجيب!. و اذن، فليس انتصار الألف الواحد علي العشرين ألفا بعجيب.. قال أبوالقاسم، ابن‌ابراهيم بن محمد، المعروف بابن‌الحربي: «خرج أبومحمد بن علي من المدينة. فأردت قصده و لم أعلم في أي طريق آخذ. فقلت ليس الا الحسن بن علي عليه‌السلام - أي أنه يرشد الي الطريق ببركته -. فقصدته بسر من رأي. و قد دنوت من بابه و هو مغلق؛ فقعدت انتظارا لداخل أو خارج، فسمعت قرع الباب و كلام جارية من خلف الباب فقالت: يا ابن‌ابراهيم بن محمد، مولاي يقرئك السلام، و معها صرة فيها عشرون دينارا، و يقول: هذه بلغتك الي أبيك. - أي أنها تكفيه حتي يصل الي أبيه -. فأخذت الصرة و قصدت الجبل، و ظفرت بأبي بطبرستان و كان قد بقي من الدنانير واحد، فدفعته اليه و قلت: هذا ما أنفذه اليك مولاك، و ذكرت القصة» [251] . [ صفحه 199] و اذ نقرأ هذه الحادثة البسيطة يوقفنا منها اجلال هؤلاء الأصفياء الذين كانوا يعرفون حق الأئمة عليهم‌السلام حق المعرفة، و ينظرون اليهم قادرين - باذن الله تعالي - علي اجتراح العجائب، و علي انقاذهم في ساعة العسرة، و تخليصهم من مآزق الحياة. فابن‌الحربي - هذا - اشتاق الي سيده و مولاه، فخرج يقصده و يحمله الشوق الي التشرف بخدمته، جاهلا أي طريق يسلك اليه، فاعتمد عليه راجيا أن يرشده الله تعالي - ببركته؛ فكان له ما أراد. و اذ وصل الي بابه - في سر من رأي - وجده مغلقا.. فمن دل الامام عليه‌السلام علي ساعة وصوله اليه؟. و من عرفه أنه هو بذاته - و باسمه و جسمه - قد قعد منتظرا علي الباب؟. و كيف علم أن هذا الرجل يكفيه عشرون دينارا لمصاريف طريقه الي أبيه؟. انها أسئلة يجوز أن ترد حول تصرفات أي واحد من البشر، سوي امام الزمان. ذلك بأنه مسخرة له الملائكة و سائر العوامل الطبيعية، فلا يستعصي عليه شي‌ء، و لا تخفي عليه خافية باذن ربه. و ايراد مثل تلك الأسئلة و التعجبات لا تصدر الا عن جاهل بحق الامام، و بكونه سفيرا ربانيا بين يديه ما لا يحصي من الآلات السماوية و الأجهزة الالهية التي تعمل بسرعة أشد من سرعة البرق، و تطلعه علي الأمور بدقائقها و تفاصيلها، و أنه - الي جانب ذلك - يتمتع بقدرة هائلة علي التلقي و الاعطاء، و أنه.. و أنه من البشر في ظاهر حاله، و فوق البشر بواقعه و بأصل جبلته و خلقه!.. فمن نظر الي امام زمانه نظرته الي عالم كبير من علماء قومه، أو الي عظيم خطير من عظماء بني‌جنسه، أخطأ الهدف و ضل عن جادة الصواب، لأن الامام ليس كذلك.. بل هو فوق ذلك بما لا يحيط به وصف، و بما لا يقع تحت حس و لا وعي. [ صفحه 200] و قال علي بن محمد بن زياد الصيمري: كنت جعلت علي نفسي أن أحمل كل سنة النصف من خالص انتفاع ضيعتين لي بالبصرة، لم يكن في ضياعي أجل منهما و لا أكثر دخلا، الي أبي‌محمد عليه‌السلام. فكانت تزكو غلاتهما و تريع أضعاف الريع قبل ذلك. فأعددت ألفي دينار لأحملها، فوجه الي ابن عمي: محمد بن اسماعيل بن صالح الصيمري بأموال حملتها اليه من أموالي في كتابي، و ما فصلت ماله عن مالي. فورد علي الجواب: وصل ما حملته، و من جملته ما حمله الينا علي يدك الاسماعيلي قرابتك، فعرفه ذلك» [252] . لك الله يا صيمري!. لقد ذقت زكاة غلات ضيعتيك اللتين تضاعف ريعهما حين جعلت علي نفسك أن تحمل النصف الي مولاك أبي‌محمد عليه‌السلام. فما بالك تخلط مالك المرسل اليه، مع مال ابن عمك، دون أن تذكر للامام ذلك؟!. هل فات علمك أنه عليه‌السلام يعرف المال، و مصدره، و صاحبه، و حلاله، و حرامه، و كثيره، و قليله؟!. أم جربت أن تقتنص دلالة بينة علي أنه سلام الله عليه يعلم ذلك؟!. ربما كان ذلك منك من عمد أو عن غير قصد.. و لكن امامنا عليه‌السلام كتب لك عن قصد و تصميم، لتعرف - و نعرف نحن من بعدك - أن الامام ذو عين لا تنام!. و هذه هي وظيفته التي رسمه الله تعالي لها. [ صفحه 201] و قال ابن‌الفرات: [253] . «كان لي علي ابن عم لي عشرة آلاف درهم، فطالبته بها مرارا، فمنعنيها. فكتبت الي أبي‌محمد عليه‌السلام أسأله الدعاء لذلك. فكتب الي: انه راد عليك مالك، و هو ميت بعد جمعة. فرد علي ابن عمي مالي، فقلت له: ما بالك في رده و قد منعتنيه؟!. قال: رأيت أبامحمد عليه‌السلام في المنام فقال لي: ان أجلك قد دنا، فرد علي ابن عمك ماله» [254] . و كذلك قال محمد بن موسي:. «شكوت الي أبي‌محمد عليه‌السلام مطل غريم لي. فكتب الي: عن قريب يموت. و لا يموت حتي يسلم اليك مالك عنده. فما شعرت الا وقد. دق علي الباب و معه مالي. و جعل يقول: اجعلني في حل مما مطلتك. فسألت عن موجبه، فقال: اني رأيت أبامحمد عليه‌السلام في منامي و هو يقول: ادفع الي محمد بن موسي ماله عندك، فان أجلك قد حضر، و اسأله أن يجعلك في حل من مطله» [255] . [ صفحه 202] أحسنتما صنعا: يا ابن عم ابن‌الفرات، و يا غريم محمد بن موسي. فقد قنعتما بأمر جاءكما في المنام، و لم تقولا: أضغاث أحلام!. و لأنتما - و أيم الحق - عارفان بامام زمانكما، و غنيان بولايتكما، و مصدقان بأن كلام أوصياء النبي صلي الله عليه و آله و سلم في المنام، ككلامهم في اليقظة، فقد أعطاهم الخالق سبحانه ما لم يعط أحدا غيرهم من المخلوقين ليكونوا كفاء ما حملهم من أمر أهل أرضه. قال عمر بن أبي‌مسلم: «قدم علينا بسر من رأي رجل من أهل مصر يقال له: سيف بن الليث، لكي يتظلم الي «المهتدي» في ضيعة غصبها شفيع الخادم و أخرجه منها. فأشرنا اليه أن يكتب الي أبي‌محمد عليه‌السلام يسأله تسهيل أمرها. - أي أن يدعو له -. فكتب اليه أبومحمد عليه‌السلام: لا بأس عليك. ضيعتك ترد عليك، فلا تتقدم الي السلطان، والق الوكيل الذي في يده الضيعة و خوفه بالسلطان الأعظم الله رب العالمين. فلقيه فقال الوكيل الذي في يده الضيعة: قد كتب الي عند خروجك من مصر أن أطلبك و أرد عليك الضيعة. فردها عليه بحكم القاضي ابن أبي‌الشوارب [256] و شهادة الشهود: و لم يحتج أن يتقدم الي «المهتدي» فصارت الضيعة في يده و لم يكن لها خبر بعد ذلك» [257] . [ صفحه 203] بقيت ليثا ابن‌ليث يا مصري، و لم تبد ثعلبا.. فقد امتثلت أمر الامام و لم تذل نفسك في الوقوف علي باب السلطان.. و رد الله عليك ضيعتك. و نأسف أننا صرنا نطري من يذعن للحق، و نمدح سامع النصيحة.. لأن الله سبحانه و تعالي قال: (أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون، أم يقولون به جنة بل جآءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون) [258] . بلي والله، نحن نتعجب ممن رأوا الآيات و الدلائل فعاندوا أهل الحق، تعجبنا ممن يعرفون ذلك في عصرنا هذا، و ينحرفون.. و حدث عمر بن أبي‌مسلم - أيضا- عن سيف بن الليث المذكور، قائلا: «قال سيف بن الليث - المصري: خلفت ابنا لي عليلا في مصر عند خروجي منها، و ابنا لي آخر أسن منه كان وصيي و قيمي علي عيالي و في ضياعي. فكتبت الي أبي‌محمد عليه‌السلام أسأله الدعاء لا بني العليل. فكتب الي: قد عوفي ابنك المعتل، و مات الكبير، وصيك و قيمك. فاحمد الله و لا تجزع فيحبط أجرك. فورد علي الخبر أن ابني قد عوفي من علته و مات الكبير يوم ورد علي جواب أبي‌محمد عليه‌السلام» [259] . و الأمر من معدنه ليس عجيبا.. و سبحان من أعطي أئمة أهل [ صفحه 204] البيت عليهم‌السلام ما لم يعط أحدا من العالمين، و جعلهم مستودع حكمته و باب رحمته، و أناط أمرهم بمشيئته و علمهم علم ما كان و علم ما بقي؛ ليكونوا الناطقين بأمره و الأدلاء علي عظمته و جليل قدرته. و قال عمر بن أبي‌مسلم ذاته: «كان سميع المسمعي يؤذيني كثيرا، و يبلغني عنه ما أكره؛ و كان ملاصقا لداري. فكتبت الي أبي‌محمد عليه‌السلام أسأله الدعاء بالفرج عنه. فرجع الجواب: أبشر بالفرج سريعا؛ و يقدم عليك مال من ناحية فارس. و كان لي بفارس ابن عم تاجر، لم يكن له وارث غيري. فجاءني ماله بعدما مات بأيام يسيرة. و وقع - عليه‌السلام - في الكتاب: استغفر الله و تب اليه مما تكلمت به. و ذلك أني كنت يوما مع جماعة من النصاب فذكروا أباطالب، حتي ذكروا مولاي، فخضت معهم لتضعيفهم أمره. فذكرت الجلوس مع القوم؛ و علمت أنه أراد ذلك» [260] . و في رواية ثانية، ورد جواب الامام عليه‌السلام بلفظ: «أبشر بالفرج سريعا؛ و أنت مالك داره». فمات بعد شهر، و اشتريت داره فوصلتها بداري، ببركته» [261] . [ صفحه 205] فلو كنت أنا مكان سميع المسمعي لآذيتك يا عمر بن أبي‌مسلم، اذ لا يليق بمن هو مثلك في الفضل أن يجالس الذاكرين لأبي‌طالب و أبي‌محمد عليهم‌السلام بما لا يحسن ذكره؛ خصوصا و أنت تعلم أن الامام يؤتي بالكلام علي جناح سرعة هائلة.. أي حين حدوثه بالضبط.. و من أي كان!. و علي كل حال، قد مات غريمك، و ملكك الله تعالي داره، الي جانب ارث ابن عمك، لأنه علم منك الايمان، و صدق التوبة. و بغالب ظني أنه قد فاتك أن تعرف أن الامام يعلم جميع ما يحدث في عصره، فحملتك التقية علي مجالسة المناصبين للحق و أهله، ففجأك كتابه عليه‌السلام بمعرفته بما أنت عليه، ليردك الي الصراط القويم. و كذلك قال أبوعلي، عمر بن أبي‌مسلم: «كتبت الي أبي‌محمد عليه‌السلام و جاريتي حامل، أن يسمي ما في بطنها. فكتب: سم ما في بطنها اذا ظهرت!. ثم ماتت بعد شهر من ولادتها، فبعث الي بخمسين دينارا علي يد محمد بن سنان الصواف، و قال: اشتر بهذه جارية» [262] . فأن يعلم انسان ما في الأرحام، و يعرف هل المولود طويل العمر أم‌قصيره، فليس ذلك أمرا بسيطا!. و علي الأخص حينما لا يكون ذلك ضربا [ صفحه 206] بالرمل، و لا حساب جمل، و لا تخمينا. فذلك من علم الله جل و علا الذي (يهب لمن يشآء انثا و يهب لمن يشآء الذكور) [263] فهو سبحانه لا يشاركه في العطاء و الخلق أحد.. و لكنه - من فضله - يطلع أولياءه المقربين علي كثير مما برأ و ذرأ و قضي و قدر، ليسلحهم بما يقنع أنهم حججه علي الناس، و نجباؤه في الخلق، و ليهتدي بهم من يهتدي الي سماع أوامره و نواهيه فيعمل بها و يكون من الفائزين برضاه في دار ثوابه و نعيمه الدائم. فاعجب من كل شي‌ء الا ما كان يخص محمدا و آل محمد صلي الله عليه و عليهم، فانهم بقية الأنبياء و الأوصياء و سادتهم من لدن آدم عليه‌السلام الي أن تقوم الساعة، و عندهم ما كان عند الأنبياء و الأوصياء و زيادة كما مر سابقا؛ و السماء ترفدهم دائما و أبدأ بما يحتاجون اليه من واضح البرهان، و ساطع البيان. و التصديق بذلك مأمول من كل أحد، لأنه مفروض علي كل أحد.. و لكنه لا يكون بالاجبار، بل بالاختيار، ليكون للمختار أجره و ثوابه. فأهل البيت عليه‌السلام - و هم - «هم الشعار - كما قال أميرالمؤمنين عليه‌السلام - أي بطانة النبي صلي الله عليه و آله و سلم - و هم - الأصحاب، و الخزنة، و الأبواب، و لا تؤتي البيوت الا من أبوابها. فمن أتاها من غير أبوابها سمي سارقا!.. فهم كرائم القرآن، و هم كنوز الرحمان. ان نطقوا صدقوا، و ان صمتوا لم يسبقوا» [264] . و أفلح من دخل بيوت النبوة و منازل الوحي من أبوابها، و فاز - والله - فوزا عظيما!. [ صفحه 207] قال جعفر بن محمد القلانسي: «كتبت الي أبي‌محمد، مع موسي بن عبدالجبار، و كان خادما، يسأله عن مسائل كثيرة. و سأله الدعاء لأخ خرج الي أرمينية يجلب غنما؟. فورد الجواب بما سأل. و لم يذكر أخاه فيه بشي‌ء. فورد الخبر بعد ذلك أن أخاه مات يوم كتب أبومحمد جواب المسائل!. فعلمنا أنه لم يذكره لأنه علم بموته» [265] . أفرأيت - يا قارئي الكريم - كيف عرف القلانسي لياقة امامه عليه‌السلام؟!.لقد أجابه سلام الله عليه علي جميع مسائله، و لم يحب أن يذكر أخاه بشي‌ء تاركا له نسمة من الأمل يتلقي بعدها الخبر المؤلم. و قد كان يمكنه أن يعزيه سلفا، و أن يعظه بالصبر لنيل الأجر، و لكن موت الأخ كسر جناح و لذا أعرض الامام عليه‌السلام عن ذكر الأخ و ما أصابه. و حكي القلانسي نفسه قائلا: «كتب أخي محمد، الي أبي‌محمد عليه‌السلام، و امرأته حامل مقرب، أن يدعو الله أن يخلصها، و يرزقه ذكرا، و يسميه. فكتب يدعو الله بالصلاح و يقول: رزقك الله ذكرا سويا، و نعم الاسم: محمد، و عبدالرحمان. فولدت اثنين في بطن؛ أحدهما في رجله زوائد في أصابعه، و الآخر [ صفحه 208] سوي. فسمي واحدا محمدا، و الآخر، صاحب الزوائد، عبدالرحمان» [266] . و يلفت النظر في جواب أبي‌محمد عليه‌السلام أنه قال: رزقك الله ذكرا سويا، لا علي سبيل الدعاء، بل علي سبيل الاخبار، لأنه علم بالتوأمين، و بالعلامة المميزة في أحدهما، و بأن أحدهما غيرخ سوي.. ثم انه أشار في جوابه الي مولودين اثنين، و بين أن أحدهما - السوي - اختار له اسم محمد، و لم يوضح العلامة الفارقة في الولد الآخر، و أمر بتسميته عبدالرحمان. فسبحان الرحمان الذي (و يعلم ما في الأرحام) و يطلع خيرته من خلقه علي شي‌ء من علمه ليجعله آية لأولي الأبصار!. و قال محمد بن همام: «كتب أبي الي أبي‌محمد، الحسن بن علي العسكري عليه‌السلام، يعرفه أنه ما صح له حمل بولد، و يعرفه أن له حملا، و يسأله أن يدعو الله في تصحيحه، و سلامته، و أن يجعله ذكرا نجيبا من مواليهم. فوقع علي رأس الرقعة بخط يده: قد فعل الله ذلك. فصح الحمل ذكرا» [267] . و ليست هذه أولي الدلائل علي مواهب الله تعالي لأهل بيت رسوله الكريم صلي الله عليه و عليهم، فان كل ما صدر عن سليل ذلك البيت يدل علي أنه عبدالله المختار، الحامل لأسرار عظمته سبحانه في خلقه. فان [ صفحه 209] قوله عليه‌السلام: قد فعل الله ذلك، يشير الي كونه خازن علم الله تعالي، و مستودع حكمته في ملكوته الأرض؛ و الا فأية جرأة هي هذه التي يستعملها هذا العبد الصالح المجتبي، و يفوه بها بمل‌ء الثقة مخبرا بأن ربه عزوجل قد وهب سائله ولدا ذكرا بلا أدني ريب؟! القاسم المفسر، عن يوسف بن محمد بن زياد، و علي بن محمد بن سيار، و كانا من الشيعة الامامية، اماميين، و كانت الزيدية الغالبين بأسترآباد، و كنا في امارة الحسن بن زيد العلوي امام يكثر الاصغاء اليهم، تقتل الناس بسعاياتهم، فخشيناه علي أنفسنا، فقصدنا حضرة الامام أبي‌محمد، الحسن بن علي بن محمد، أبي‌القائم عليه‌السلام. فقال: مرحبا بالأوابين الينا، الملتجئين الي كنفنا. قد تقبل الله سعيكما، و أمن روعتكما، و صرتما أمينين علي أنفسكما و أموالكما.. الي أن قال: لا تخافوا السعاة، و لا وعيد المسعي اليه، فان الله عزوجل يقصم السعاة و يلجئهم الي شفاعتكم فيهم (و الحديث طويل) و فيه أن ما أخبر به عليه‌السلام وقع» [268] . من أعطي هذا الامام الكريم شيئا من علمه المكنون، و عرفه بما كان و ما يكون، فأرجع صاحبيه مطمنين آمنين علي النفس و المال، بعد أن كانا خائفين مرعوبين في ظل حاكم يأخذ الناس بالظن و التهمة. في هذه الحادثة أنه - صلوات الله عليه - قد وعد الرجلين بأن يكونا مشفعين عند من هربا منه، و هما ليسا من شيعته و لا من طائفته. [ صفحه 210] (ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذوالفضل العظيم). و نقل أن أباسليمان المحمودي قال: «كتبت الي أبي‌محمد أسأله الدعاء بأن أرزق ولدا. فوقع: رزقك الله ولدا، و آجرك و أصبرك عليه!. فولد لي ابن، و مات» [269] . و الخبر ليس بأغرب مما سبقه، و ان كان يحتوي ذلك التلطف بالتعزية بمولود لن يعيش كثيرا بعد أن يبصر النور. ذلك أن من جعل الله تعالي علمه من علمه، لا يصعب عليه أن يجيب بمثل ذلك بتمام البساطة و التأكيد. لقد ظلم الناس و التاريخ أئمة أهل البيت عليهم‌السلام، و نفسوا عيهم حقهم المكرس من العلاء، المرسوم من رب السماء.. بجرأة علي الله الذي كرس و رسم، قبل أن تكون جرأة عليهم!. فهل نكون من الظالمين مع الظالمين لهم؟!. و روي عن الحجاج بن سفيان العبيدي أنه قال: «خلفت ابني بالبصرة عليلا، و كتبت الي أبي‌محمد أسأله الدعاء له. فكتب الي: رحم الله ابنك، انه كان مؤمنا. فورد علي كتاب من البصرة أن ابني مات في ذلك اليوم الذي كتب الي أبومحمد بموته. و كان ابني شك في الامامة للاختلاف الذي جري بين الشيعة» [270] . [ صفحه 211] فلاحظ أنه علم بموت الولد ساعة موته!. و أن ذلك مما يقرأه في الزبور السماوي المنشور بين يديه. ثم علم - كذلك - أن الولد كان قد شك في الامامة حين اختلاف الشيعة فيها، و أنه اعتدل بعد ذلك و آمن و اهتدي، و ذلك مما علمه الله تبارك و تعالي، لأنه يعرفه - بقدرته - علي كل كبيرة و صغيرة تجري في حكومته الربانية كما تطلع الدولة مندوبها علي ما يجري فيها ليكون علي بينة من سائر أحداثها. و كذلك قال علي بن زيد - المعروف بابن‌رمش -: «اعتل ابني‌أحمد، و كنت بالعسكر و هو ببغداد. فكتبت الي أبي‌محمد أسأله الدعاء. فخرج توقيعه: أوما علم علي أن لكل أجل كتابا؟!. فمات الابن» [271] . بلي يا سيدي و مولاي، يعلم علي بن زيد - و كل انسان أيضا - أن لكل أجل كتابا. و لكن لا يصدق أحد بذلك الأجل حتي يكبه ذلك الأجل علي منخريه!. اذ أين للناس علم كعلمكم، و ايمان بالله تعالي كايمانكم الذي لو وزن بايمان الثقلين لرجح عليه؟!. و لئن جهل حقكم بعض أهل الأرض، فما جهله أحد من أهل [ صفحه 212] السماء!. و سيأتي اليوم المبارك الذي يظهر الله فيه فضلكم لكل انسان، و يدور ذكركم علي كل شفة و لسان حين يظهر أمركم ولو كره الحساد و أهل العناد. و قال محمد بن علي بن ابراهيم الهمداني: «كتبت الي أبي‌محمد عليه‌السلام أسأله التبرك بأن يدعو لي أن أرزق ولدا من بنت عم لي. فوقع: رزقك الله ذكرانا. فولد لي أربعة» [272] . في هذا الجواب الكريم ايجاب.. و فيه بشارة بذكران دون اناث. فكيف يفسر هذا التأكيد القاطع: الذي ان اعتمد فيه علي الدعاء (بقوله: رزقك الله ذكرانا) فكيف ضمن اجابة دعائه و تكفل بالذكران؟!. و ان اعتمد علي علم بأنه سيرزق ذكرانا دون اناث، فكيف علم ذلك الذي لا يعلمه الا الخالق الوهاب؟!. فهل يهب الامام عليه‌السلام لمن يشاء اناثا، و يهب لمن يشاء الذكور، فأعطي سائله أربعة صبيان دون أخوات؟!. لا، لا، و نستغفر الله تعالي الذي جل عن الشريك في خلقه و عطائه!. بل انه عز و علا يعرف أمينه في أرضه بمثل هذه الأمور اذا أراد أن يعرفها. فان الامام - بما معه من امكانيات الهية - هي من عطايا الله الجسام للأنام، من الله تعالي به علينا رحمة بنا، فآمن به قليلون و جحد امامته كثيرون!. و لكن، [ صفحه 213] ويل لمن فارق و ناوأ ذلك العبد المكرم الذي أنعم ربه علينا به ليهدينا الي الحق و الي الصراط المستقيم!. و أنبه الي أنه يخطي‌ء الصواب من يضع الامام فوق مرتبته التي رتبه الله تعالي فيها كما أنه يضل عنه من أنكر أنه مخلوق هكذا اماما منتخبا منتجبا.. قال محمد بن الحسن بن شمون: «كتبت الي أبي‌محمد عليه‌السلام أسأله أن يدعو لي من وجع عيني، و كانت احدي عيني ذاهبة، و الأخري علي شرف ذهاب. فكتب الي: حبس الله عليك عينيك. فأقامت الصحيحة. و وقع في آخر الكتاب: آجرك الله و أحسن ثوابك. فاغتممت بذلك و لم أعرف في أهلي أحدا مات، فلما كان بعد أيام جاءني خبر وفاة ابني طيب، فعلمت أن التعزية له» [273] . و مثله ما روي عن محمد بن درياب الرقاشي الذي قال: «كتبت الي أبي‌محمد أسأله عن المشكاة، و أن يدعو لامرأتي، و كانت حاملا علي رأس ولدها، أن يرزقني الله ولدا ذكرا، و سألته أن يسميه. فرجع الجواب: المشكاة قلب محمد صلي الله عليه و آله و سلم. و لم يجبني عن امرأتي بشي‌ء، و كتب في آخر الكتاب: عظم الله أجرك و أخلف عليك. [ صفحه 214] فولدت ولدا ميتا، و حملت بعده فولدت غلاما» [274] . فسبحان الله الذي (و عنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو و يعلم ما في البر و البحر و ما تسقط من ورقة الا يعلمها و لا حبة في ظلمات الأرض و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين!) [275] . و تقديسا له و تنزيها عن الشريك في العلم و القدرة!. و لكنه - بقدرته المطلقة علم الانسان ما لم يعلم، و بارادته أقدر عباده المختارين علي شي‌ء من علمه (و لا يحيطون بشي‌ء من علمه الا بما شآء) [276] ليكونوا أدلاء عليه و مرشدين الي معالم دينه و ما شرع للناس من آيات أحكامه و فصول قضائه.. و لولا أنه سبحانه تولاهم بعين عنايته لكانوا بشرا لا فرق بينهم و بين غيرهم، و لكنه ميزهم بمواهب جزيلة جليلة، و فضلهم علي سائر براياه، ليكونوا أبواب معرفته، و الناطقين بحكمته الحاملين لأمره، المحتجين علي ذوي العناد من خلقه؛ ثم جعلهم الوسيلة اليه، الدالين عليه تبارك و تعالي. و قد جعل سبحانه امام الناس عيبة علم - كل علم - و لولا ذلك ما آمن ابن‌شمون - باذن الله - علي عينه الصحيحة، و لا عزاه بوفاة ابنه، و لا عزي ابن‌درياب و وعده بخلف، بتمام الثقة و التأكيد. من آمن بالله عزوجل، آمن بكل ما جاء من عنده.. و الدين وحدة كاملة لا تتجزأ.. و حذار أن نكون كبني اسرائيل الذين وبخهم الله تعالي بقوله: [ صفحه 215] (أفتؤمنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا خزي في الحياة الدنيا و يوم القيامة يردون الي أشد العذاب) [277] . و عن علي بن أحمد بن حماد، قال: خرج أبومحمد عليه‌السلام في يوم مصيف و عليه تجفاف و ممطر، فتكلموا في ذلك. - أي خرج بلباس شتاء في يوم صيف حار، فانتقدوه و تعجبوا من تصرفه -. فلما انصرفوا من مقصدهم، أمطروا في طريقهم و ابتلوا، سواه!» [278] . أولي لكم أيها المكابرون فأولي أن تذعنوا للحق اذا ظهر لكم، و أن لا يجركم الشيطان بآذانكم للوقوف بوجه كل ما ينزل من السماء، لأنه لم ينزل عليكم و نزل علي عباد الله المصطفين!. و ما أولي هؤلاء المتكلمين المنتقدين لتصرف الامام عليه‌السلام بأن يبتلوا بالماء و يتلطخوا بالوحل!. لا بل ما أحراهم بأن يجرفهم سيل عنادهم، فان ذلك أجدر بهم من أن يجرفهم تيار الجحود و الالحاد بامامة امام افترض الله تعالي طاعته عليهم، و ولاه أمورهم رأفة بهم!. و لم يجعله جبارا شقيا يخشاه بعضهم من أجل دنياه، و يؤازر حكمه الظالم بعضهم الآخر ابقاء علي شهوة بطنه و فرجه و خضما لما في الدنيا، و أكلا للتراث أكلا لما!!! و لا أعلم كيف خاض هؤلاء في نقد امام عاصروا آياته، و رأوا بيناته، و لم يدعو جهلهم المسيطر عليهم، و لا انتبهوا الي أن انكارهم لامامته، أو اعترافهم بها، لا يؤثر في الواقع الذي قضي به الله تعالي شيئا؛ بل غفلوا عن [ صفحه 216] أن في جحودهم لها وبالا عليهم اذ يكتسبون توبيخ الضمير في الحياة، و سوء المصير بعد الممات!. ألا ان بخر الكروش الملأي بحلال الدنيا و حرامها، رطب مناطق تفكيرهم و كدر صفاءها، و أعمي قلوبهم و بصائرئهم من سائر أرجائها.. و في كتاب (الدلائل) أن أبابكر - لعله الفهفكي - قال: «عرض علي صديق أن أدخل معه في شراء ثمار من نواحي شتي. فكتبت الي أبي‌محمد عليه‌السلام أشاوره: فكتب: لا تدخل في شي‌ء من ذلك. ما أغفلك عن الجراد و الحشف؟!. فوقع الجراد فأفسده، و ما بقي منه تحشف!. و أعاذني الله ببركته» [279] . و الجراد يجرد الأرض من النبات فيأكل الأخضر و اليابس و لا يدع ورقا و لا ثمرا. و الحشف هو ما يضمر من الثمر و ييبس قبل نضجه و يفسد. و صلي الله علي النفس الزكية الصافية التي استشفت من وراء الغيب أسراب الجراد تغزو الأرض فتمسح أخضرها و يابسها، ثم تراءي لها ضمور الثمار و صيرورتها حشفا ضامرا يابسا لا فائدة فيه!. (ان في ذلك لآية لقوم يتفكرون) [280] . و حدث القنبري قائلا: [ صفحه 217] «كان لأبي‌محمد وكيل اتخذ معه في الدار حجرة - غرفة - يكون فيها معه خادم أبيض. فراود الوكيل الخادم الأبيض عن نفسه - أي حاول معه الفعل الشنيع - فأبي الا أن يأتيه بنبيذ - أي شراب هو ماء ينبذ فيه التمر حتي يتخلل فيصير شرابا لذيذا، و لا يكون مسكرا -. فاحتال له بنبيذ، ثم أدخله عليه، و بينه و بين أبي‌محمد عليه‌السلام ثلاثة أبواب مغلقة. قال: فحدثني الوكيل، قال: اني لمنتبه اذ أنا بالأبواب تفتح حتي جاء بنفسه فوقف علي باب الحجرة ثم قال: اتقوا الله يا هؤلاء!. خافوا الله!. فلما أصبحنا أمر ببيع الخادم، و اخراجي من الدار» [281] . قبح الله وجه هذا الوكيل الرذيل!. أتراه ظن نفسه في أحد مواخير قصر سلطان الزمان فحاول هذا الأمر القبيح الذي يجري مثله من عمليات الزني و اللواط في مختلف الدهاليز؟!. أو لم يعلم أنه في حضرة قدس خصها الله تعالي بعنايته فلا يقع فيها سوء و لا ترتكب فيها فاحشة؟!. انه لو كان وكيلا علي الدواب في تلك الدارة الشريفة، لأعلمته الدواب أن لتلك الحضرة قدسا و شرفا لا يمسه دنس!. و لأخبرته الحيوانات الصم البكم بضرورة التزام الأدب في مقام مشرع الأدب و الخلق، و لعرفته البهائم بهيبة من أقامه وكيلا.. فوجده سفيها رذيلا!. [ صفحه 218] و بالحقيقة ان من الناس من هم كالبهائهم بصورة الأوادم!. أفتظن أنهم يفكرون؟ (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ان هم الا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) [282] . و لولا ذلك لعلم هذا الوكيل الوقح و ذلك الخادم السفيل، أنهما في حضرة امام يري ما وراء الجدران،و يسمع همس الوجدان، لأنهما يريان منه في كل ساعة أوضح برهان. و ذكر البرسي في كتابه (مشارق الأنوار) عن الحسن بن حمدان، عن أبي‌الحسن الكرخي، قال: «كان أبي‌بزازا - بائع أقمشة - في الكرخ، فجهزني بقماش الي سر من رأي. فلما دخلت اليها جاءني خادم فناداني باسمي و اسم أبي، و قال: أجب مولاك!. قلت: و من مولاي حتي أجيبه؟!. فقال: ما علي الرسول الا البلاغ. فتبعته، فجاء بي الي دار عالية البناء لا أشك أنها الجنة، و اذا رجل جالس علي بساط أخضر، و نور جماله يغشي الأبصار، فقال لي: ان فيما حملت من القماش حبرتين: احداهما في مكان كذا، و الأخري في مكان كذا، في السفط الفلاني، و في كل واحدة منهما رقعة مكتوب فيها ثمنها و ربحها. و ثمن احداهما ثلاثة و عشرون دينارا، و الربح [ صفحه 219] ديناران؛ و ثمن الأخري ثلاثة عشر دينارا، و الربح كالأول. فاذهب فأت بهما. فرجعت فجئت بهما اليه. فوضعتهما بين يديه، فقال لي: اجلس. فجلست لا أستطيع النظر اليه اجلالا لهيبته!. فمد يده الي طرف البساط و ليس هناك شي‌ء، و قبض قبضة و قال: هذا ثمن حبرتيك، و ربحهما. فخرجت، و عددت المال في الباب، فكان المشتري و الربح كما كتب والدي، لا يزيد و لا ينقص!» [283] . نفسي الفداء لهذا السيد العظيم الذي يعرف مواليه أينما انقلبوا، و كيفما تقلبوا!. لقد علم بوصول الكرخي الي سامراء حين وروده اليها، و عرف مكان نزوله من السوق، و أرسل خادمه ليستحضره، ثم لما مثل بين يديه دله علي مكان الحبرتين في السفط، و أخبره عن ثمن كل واحدة و عن ربحها المقرر من والده، و أمره باحضارهما. و لما جاءه بهما، قبض قبضة من تحت طرف بساط - لم ير الرجل تحته شيئا - كان فيها ثمن السلعتين مع ربحهما بلا زيادة و لا نقصان، و من دون عد سابق!. فكيف تنظر الي هذه الظواهر العجيبة؟. انه تبارك و تعالي سخر (و لسليمان الريح غدوها شهر و رواحها شهر و أسلنا [ صفحه 220] له عين القطر و من الجن من يعمل بين يديه باذن ربه...) [284] في ملك وهبه اياه لم يكن لأحد قبله. أما آل محمد صلي الله عليه و عليهم فقد رفع منزلتهم علي الأوصياء كما رفع منزلة جدهم علي الأنبياء، و جعل عددا لا يحصي من الملائكة يعملون بين أيديهم فيما بين السماء و الأرض و مختلف أصقاعها، حتي أنك لو كشف لك الغطاء لرأيت حول الامام ملكوتا واسعا شاسعا، و لفتحت عينيك علي ما لايخطر في بالك و لا في بال أحد مما هم فيه من السلطة و القدرة الربانية، و ما هو حولهم من الخدم و الموظفين العاملين بأمر ربهم!. و اذا قلت ذلك رماك الناس بالغلو و المبالغة.. و اذا عرفته و كتمته أسأت الي الناس بما أخفيت من الحق و لم تنشر عليهم علمك وكتمت شهادة لها خطرها عند الله.. (و من أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله؟!!) [285] . و لن أكتم شهادة عندي، خدمة للحقيقة، و خدمة لاخواني، ليكونوا علي بينة من أمرهم. و قال أبوعلي المطهري: «انه كتب اليه من القادسية - بلدة قرب الكوفة - يعلمه انصراف الناس عن الحج، و أنه يخاف العطش ان مضي. فكتب عليه‌السلام اليه: امضوا، و لا خوف عليكم ان شاء الله. [ صفحه 221] فمضي من بقي سالمين، و لم يجدوا عطشا و الحمد لله رب العالمين» [286] . (ان الله لا يخفي عليه شي‌ء في الأرض و لا في السمآء) [287] . و ما لا يخفي علي الله سبحانه، لا يخفيه عمن انتدبه مستأمنا علي أمره في أرضه. فلا عجب أن يجزم الامام عليه‌السلام بأن لا خوف علي صاحبه - و لا علي الحجاج - أثناء سفرهم، لأنه يصدر بأمره هذا عن علم، و يتكلم عن رؤية واضحة صادقة من بها عليه ربه عزوجل الذي هو يقدر الأمور و يجريها بحسب مشيئته و تقديره. و انني لأغبط أولئك الأصحاب الذين نعموا بمعاصرة الامام عليه‌السلام، و تولوه و كانوا يعملون بأمره و لا يحيدون عن طريقته المثلي التي تجعلهم مرضيين عند ربهم، و لم يكونوا في المعاندين لما يرونه من الآيات و البينات. قال سعيد بن جناح الكشي: «سمعت محمد بن ابراهيم الوراق السمرقندي يقول: خرجت الي الحج، فأردت أن أمر علي رجل كان من أصحابنا، معروف بالصدق و الصلاح و الورع و الخير، يقال له: يورق اليوشنجاني [ صفحه 222] - نسبة الي قرية في الهراة - و أزوره و أحدث به عهدي. فأتيته، فجري ذكر الفضل بن شاذان، فقال يورق: الفضل بن شاذان شديد العلة، و له بطن - أي أنه مصاب بالاسهال - و هو يختلف في الليل مائة مرة، الي مائة و خمسين مرة!. و قال: خرجت حاجا فأتيت محمد بن عيسي العبيدي، فرأيته شيخا فاضلا، في أنفه اعوجاج هو القنا، و معه عدة رأيتهم مغتمين محزونين، فقلت لهم: ما لكم؟!. فقالوا: ان أبامحمد عليه‌السلام قد حبس. فحججت، و رجعت. ثم أتيت محمد بن عيسي و وجدته قد انجلي ما كنت رأيته به. فقلت: ما الخبر؟. قال: قد خلي عنه. - أي أطلق سراح الامام عليه‌السلام -. فخرجت الي سر من رأي و معي كتاب «يوم و ليلة». فدخلت علي أبي‌محمد عليه‌السلام و أريته ذلك الكتاب فقلت له: جعلت فداك، اني رأيت أن تنظر فيه. فنظر فيه و تصفحه ورقة ورقة و قال: هذا صحيح، ينبغي أن يعمل به. فقلت له: الفضل بن شاذان شديد العلة، و يقولون: انه من دعوتك بموجدتك عليه لما ذكروا أنه قال: وصي ابراهيم خير من وصي محمد صلي الله عليه و آله و سلم. و لم يقل، جعلت فداك، هكذا، كذبوا عليه. فقال: نعم، كذبوا عليه رحم الله الفضل، رحم الله الفضل. فرجعت فوجدت الفضل قد مات في الأيام التي قال أبومحمد عليه‌السلام: رحم الله الفضل» [288] . [ صفحه 223] قد سبق أن قلنا: ان علم المنايا و البلايا يدور علي ألسنة أئمتنا عليهم‌السلام دوران بسم الله الرحمن الرحيم علي ألسنة المصلين، و هو في جملة ما في أيديهم من منن اله عزوجل، و لا يرتاب في ذلك الا المرتاب في امامتهم و اختيارهم لمأمورية أرضية، بانتداب سماوي رباني لا مراء فيه الا عند أهل المراء و الافتراء.. فليس من العجيب - اذن - أن يعرف الامام بموت واحد من شيعته وقت موته. و روي أن رجلا من موالي أبي‌محمد العسكري عليه‌السلام، دخل عليه يوما، و كان حكاك فصوص، فقال: «يا ابن‌رسول الله، ان الخليفة دفع الي فيروزا أكبر ما يكون و أحسن ما يكون، و قال: انقش عليه كذا و كذا. فلما وضعت عليه الحديد صار نصفين، و فيه هلاكي، فادع الله لي. فقال: لا خوف عليك ان شاء الله. فخرجت الي بيتي. فلما كان من الغد، دعاني الخليفة و قال: ان حظيتين اختلفتا في ذلك الفص و لم ترضيا الا أن تجعل ذلك بنصفين بينهما. فاجعله. و انصرفت، و أخذته و قد صار قطعتين، فأخذتهما الي دار الخلافة فرضيتا بذلك، و أحسن الخليفة الي بسبب ذلك فحمدت الله» [289] . و الحظية هي الجارية الأثيرة التي تكون ذات منزلة و مكانة و تقدير عند الرجل. [ صفحه 224] و في رواية مثلها عن كافور - خادم الامام عليه‌السلام، قال: «كان يونس النقاش يغشي سيدنا الامام و يخدمه. فجاءه يوما يرعد فقال: يا سيدي، أوصيك بأهلي خيرا. قال: و ما الخبر؟. قال: عزمت علي الرحيل. قال: و لم يا يونس؟. و هو يبتسم. قال: وجه الي ابن‌بغا بفص له قيمة!. - أي أنه غال لا يقدر بثمن - أقبلت أنقشه فكسرته باثنين، و موعده غدا، و هو ابن‌بغا!. ألف سوط أو القتل!. قال: امض الي منزلك الي غد. فرح فلا يكون الا خيرا. فلما كان من الغد و اتاه بكرة يرعد، فقال: قد جاء الرسول يلتمس الفص. فقال: امض اليه، فلن تري الا خيرا. قال: و ما أقول له يا سيدي؟!. فتبسم و قال: امض اليه و اسمع ما يخبرك به، فلا يكون الا خيرا. فمضي، و عاد يضحك و قال: قال لي يا سيدي: الجواري اختصمن، فيمكنك أن تجعله اثنين حتي نغنيك!. فقال الامام عليه‌السلام: اللهم لك الحمد اذ جعلتنا ممن يحمدك حقا. فأيش قلت له؟!. قال: قلت له: حتي أتأمل أمره. [ صفحه 225] فقال: أصبت» [290] . و قال قال المجلسي رحمه الله في (بحاره) الزاخرة: أوردنا هذه القصة - أي الثانية - بعينها في معجزات أبي‌الحسن الهادي عليه‌السلام، و هو الظاهر و الأصح، لأنه كان من أصحابه عليه‌السلام. و نحن نؤكد صحة قوله، و قد ذكرناه في كتابنا «الامام الهادي» و لم نوردها هنا الا منعا لاعتراض من يراها في سيرة العسكري عليه‌السلام ثم لا يجدها واردة عنده هنا. و هي - أو سابقتها - ان دلت فانما تدل علي معرفة الامام بما كان و ما يكون في الأرض، لأنه أمين الله فيها بالطول و العرض!. و قال أبوالقاسم، علي بن راشد رحمه الله: «خرج رجل من العلويين من سر من رأي في أيام أبي‌محمد عليه‌السلام الي الجبل يطلب الفضل. فلقيه رجل - من همدان - بحلوان، فقال له: من أين أقبلت؟. قال: من سر من رأي. فقال: هل تعرف درب كذا، وموضع كذا؟. فقال: نعم. قال: هل عندك من أخبار الحسن بن علي عليه‌السلام شي‌ء؟. قال: لا. قال: فما أقدمك الجبل؟. قال: أطلب الفضل. [ صفحه 226] قال: لك عندي خمسون دينارا، فاقبضها و انصرف معي الي سر من رأي حتي توصلني الي الحسن بن علي عليه‌السلام. قال: نعم. فأعطاه خمسين دينارا، و عاد العلوي معه. فوصلا الي سر من رأي، و استأذنا علي الحسن بن علي عليه‌السلام. فأذن لهما، و دخلا و الحسن عليه‌السلام قاعد في صحن الدار. فلما نظر الي الجبلي - أي الهمداني - قال له: أنت فلان بن فلان. قال: نعم. قال: أوصي اليك أبوك، و أوصي الينا بوصية فجئت تؤديها. و هي معك أربعة آلاف دينار، هاتها. فقال الرجل: نعم. فدفعها اليه. ثم نظر عليه‌السلام الي العلوي فقال: خرجت الي الجبل تطلب الفضل، فأعطاك الرجل خمسين دينارا فرجعت معه. و نحن نعطيك خمسين دينارا. فأعطاه» [291] . فهل كان الامام العسكري عليه‌السلام مع الرجل العلوي حين خرج الي أرض فارس يطلب الفضل، و رأي ما جري، و سمع ما حدث بين العلوي و الهمداني؟!. أم كان بينه و بين الهمداني حين أعطاه خمسين دينارا ليعود معه الي سر من رأي ليؤدي الأمانة التي يحملها اليه صلوات الله عليه؟!. [ صفحه 227] و كيف عرف بوصية والد الهمداني جملة و تفصيلا. و من عرفه به و باسم أبيه، و بأنه يحمل اليه أربعة آلاف دينار؟!. ان هل، و أم، و كيف، و من، و جميع مثيلاتها من أدوات التعجب و الاستفهام تنفد، و علم الامام عليه‌السلام لا ينفد لأنه من علم خالقه الذي ينفد البحر و لا تنفد كلماته!. (فمن شآء فليؤمن و من شآء فليكفر..) [292] و انما أنا مذكر.. و حدث أبوجعفر، محمد بن عيسي بن أحمد الزرجي، قال: «رأيت بسر من رأي رجلا شابا في المسجد المعروف بمسجد زبيد، في شارع السوق، و ذكر أنه هاشمي من ولد موسي بن عيسي - لم يذكر أبوجعفر اسمه -. و كنت أصلي، فلما سلمت قال لي: أنت قمي أو رازي. قلت: أنا قمي، مجاور بالكوفة في مسجد أميرالمؤمنين عليه‌السلام. فقال لي: تعرف دار موسي بن عيسي التي في الكوفة؟. قلت: نعم. فقال: أنا من ولده. كان لي أب و له أخوان، و كان أكبر الأخوين ذا مال، و لم يكن للصغير مال. فدخل علي أخيه الكبير فسرق منه ستمائة دينار. فقال الأخ الكبير: أدخل علي الحسن بن علي بن محمد الرضا عليه‌السلام و أسأله أن يلطف للصغير، لعله أن يرد مالي، فانه حلو الكلام. فلما كانت وقت السحر بدا لي عن الدخول الي الحسن بن علي عليه‌السلام، [ صفحه 228] و قلت: أدخل علي أسباس التركي، صاحب السلطان، و أشكو له. فدخلت علي أسباس التركي و بين يديه نرد - أي طاولة زهر - يلعب به، فجلست أنتظر فراغه. فجاءني رسول الحسن بن علي عليه‌السلام فقال: أجب. قال الزرجي: فقام معه. فلما دخل علي الحسن قال له: كان لك الينا أول الليل حاجة، ثم بدا لك عنها وقت السحر. اذهب فان الكيس الذي أخذ من مالك رد؛ و لا تشك أخاك، و أحسن اليه، و أعطه؛ فان لم تفعل فابعثه الينا لنعطيه. فلما خرج تلقاه غلامه بوجود الكيس. فلما كان من الغد حملني الهاشمي الي منزله و أضافني. ثم صرخ بجارية و قال: يا غزال - أو يا زلال -! فاذا أنا بجارية حسنة، فقال لها: يا جارية، حدثي مولاك بحديث الميل و المولود. فقالت: كان لنا طفل وجع، فقالت لي مولاتي: ادخلي الي دار الحسن بن علي عليه‌السلام، فقولي لحكيمة [293] تعطينا شيئا يستشفي به مولودنا. فدخلت عليها فسألتها ذلك. فقالت حكيمة: ائتوني بالميل الذي كحل به المولود الذي ولد البارحة، يعني - الحجة - ابن‌الحسن بن علي عليه‌السلام. فأتيت بالميل، فدفعته الي. و حملته الي مولاتي، و كحلت به المولود فعوفي، و بقي عندنا، و كنا نستشفي به، ثم فقدناه. [ صفحه 229] قال أبوجعفر الزرجي: فلقيت في مسجد الكوفة أباالحسن بن برهون البرسي، فحدثته بهذا الحديث عن الهاشمي، فقال: قد حدثني هذا الهاشمي بهذه الحكاية حذو النعل بالنعل سواء، من غير زيادة و لا نقصان» [294] . و ما هذه القصة بفرعيها - الا كمثيلاتها مما سبق و يأتي. و هي دلالة واضحة علي عظمة الله عزوجل الذي جعل أهل بيت الوحي عليهم‌السلام في مرتبة تفوق مراتب البشر علما و حكمة، و عظمة و جلالا، اذ جبلهم علي أن يكونوا خزان علمه و أبواب حكمته ليدلوا عليه و يرشدوا اليه و يكونوا الوسيلة بينه و بين خلقه. قال القطب الراوندي في كتابه: روي أحمد بن محمد، عن جعفر بن الشريف الجرجاني، فقال: «حججت سنة، فدخلت علي أبي‌محمد عليه‌السلام بسر من رأي. و قد كان أصحابي حملوا معي شيئا من المال، فأردت أن أسأله الي من أدفعه؟ فقال قبل أن أقول ذلك: ادفع ما معك الي المبارك خادمي. ففعلت. و خرجت و قلت: ان شيعتك بجرجان يقرأون عليك السلام. قال: أولست منصرفا بعد فراغك من الحج؟ قلت: بلي. قال: فانك تصير الي جرجان من يومك الي مائة و سبعين يوما - و قيل و تسعين يوما - و تدخلها يوم الجمعة لثلاث ليال يمضين من شهر ربيع الآخر [ صفحه 230] في أول النهار. فأعلمهم أني أوافيهم في ذلك اليوم في آخر النهار، فامض راشدا فان الله سيسلمك و يسلم ما معك، فتقدم علي أهلك و ولدك، و يولد لولدك الشريف ولد فسمه الصلت؛ و سيبلغ الله به و يكون من أوليائنا. فقلت: يابن رسول الله ان ابراهيم بن اسماعيل الجلحتي - الجرجاني - هو من شيعتك، كثير المعروف الي أوليائك، يخرج اليهم في السنة من ماله أكثر من مائة ألف درهم!. و هو أحد المتقلبين في نعم الله بجرجان. فقال: شكر الله لأبي‌اسحاق، ابراهيم بن اسماعيل، صنيعه الي شيعتنا و غفر له ذنوبه، و رزقه ذكرا سويا قائلا بالحق. فقل له: يقول لك الحسن بن علي: سم ابنك أحمد. فانصرفت من عنده، و حججت، فسلمني الله حتي وافيت جراجان يوم الجمعة في أول النهار لثلاث ليال مضين من شهر ربيع الآخر علي ما ذكره عليه‌السلام. و جاءني أصحابي يهنئوني، فوعدتهم أن الامام عليه‌السلام و عدني أن يوافيكم في آخر هذا اليوم، فتأهبوا لما تحتاجون اليه، واغدوا في مسائلكم و حوائجكم كلها. فلما صلوا الظهر و العصر اجتمعوا كلهم في داري. فوالله ما شعرنا الا وقد وافانا أبومحمد عليه‌السلام، فدخل و نحن مجتمعون، فسلم هو أولا علينا، فاستقبلناه و قبلنا يده، ثم قال: اني كنت وعدت جعفر بن الشريف أن أوافيكم في آخر هذا اليوم، فصليت الظهر و العصر بسر من رأي و صرت اليكم لأجدد بكم عهدا. و ها أنا قد جئتكم الآن، فاجمعوا مسائلكم و حوائجكم كلها. فأول من ابتدأ المساءلة النضر بن جابر، قال: يابن رسول الله، ان ابني جابرا أصيب ببصره منذ شهر، فادع الله أن يرد اليه عينيه. [ صفحه 231] قال: فهاته. فجاء به، فمسح يده علي عينيه، فعاد بصره. ثم تقدم رجل فرجل يسألونه حوائجهم. و أجابهم الي كل ما سألوه، حتي قضي حوائج الجميع، و دعا له بخير. فانصرف من يومه ذلك» [295] . في هذه الرواية عدة نقاط تسترعي انتباه القاري‌ء، و لا بد من الاشارة اليها: أولاها: أن الامام صلوات الله عليه قال لزائره الجرجاني: ادفع ما معك من المال الي المبارك خادمي، قبل أن يذكر الجرجاني أنه يحمل له مالا، و قبل أن يسأل الي من يدفعه!. فكيف عرف ما حمله اليه، و كيف علم ما أراد الزائر أن يسأله؟!. و الثانية: انه سلام الله عليه أخبر الجرجاني بأنه يعود الي بلده بعد انقضاء مائة و سبعين - أو مائة و تسعين يوما - و أنه يدخلها أول النهار من يوم معين، و شهر معين بالتأكيد!. فكيف ضمن حياة هذا الذاهب الي الحج من ايران فالي العراق فالحجاز ذهابا و اقامة و ايابا لمدة نصف سنة تقريبا، ثم أكد له عودته في وقت معين لا يسبقه و لا يتأخر عنه؟!. و الثالثة: أنه صلي الله عليه بشره بسلامته و سلامة ما معه طيلة هذه المدة، و بأنه سيعود الي أهله و ولده و يكونون بتمام الصحة و العافية. فمن أين له هذه الكفالة و هذا الضمان علي الله تعالي؟!. [ صفحه 232] و الرابعة: قد بشره بولد جديد ذكر - بلا شك في ذلك - و أمره بتسميته. فهل وضعه بيده و علم متي يولد؟!. و الخامسة: أخبره بأن ابراهيم بن اسماعيل يرزق ولدا ذكرا سماه له سلفا!. فكيف عرف حمل امرأة في أقاصي فارس، و كيف علم بما في بطنها؟!. و السادسة: أنه عليه‌السلام وعده بزيارة جرجان عصر يوم وصوله اليها، و أمره بأن يخبر أولياءه من أهلها ليستعدوا للقائه و مساءلته. فكيف ضمن انجاز هذا الموعد بكافة ما يواكبه من أحداث و مفارقات تقع فيما بينه و بين مائة و سبعين - أو مائة و تسعين يوما -؟!. و السابعة: أنه عليه‌السلام وافي أهل جرجان في الموعد المضروب بدقة متناهية!. فعلام استند في ضمان نفسه قرابة نصف سنة، و أنجز الوعد دون أن يخالف بيوم، و لا بساعة، و لا دقيقة؟!. و الثامنة و الأهم: أنه صلوات الله عليه و تحياته و بركاته صلي الظهر و العصر بسر من رأي، ثم وافي جرجان و أهلها بعد أن انتهوا من صلاة العصر في ذلك اليوم بالذات!. فكيف قطع مئات ومئات الكيلومترات، و اجتاز تلك المشقات في ومضة عين و طرفتها؟!!. هذا الي جانب أنه شفي من العمي باذن ربه، و قضي الحوائج، و أجاب علي المسائل.. و عاد الي بلده قبل غياب شمس ذلك النهار!. ان كل واحدة من هذه النقاط تستدعي التفكر و التبصر و تقتضي كثيرا من الكلام و التعليل و التحليل لكي يستوعبها العقل.. و لكنها بصدورها عن الامام المكرسة امامته من ربه عزوجل، لا تحتاج الي أكثر من تسبيح الله تعالي و تنزيهه و تعظيم قدرته، اذ خلق من البشر عبدا صالحا من بيت النبوة، [ صفحه 233] استأمنه علي علمه و النطق بأمره، ليبلغ الناس مشيئته و قضاءه في أرضه، و ينبههم الي أن بين السماء و الأرض بابا مفتوحا، و طريقا معبدا، و حبلا ممدودا من تمسك به نجا، و من لم يأخذ به ضل و هوي.. ثم نحتاج - أيضا الي حمده سبحانه أن أنعم علينا بذلك، و ألهمنا التصديق به، و بما يجري علي لسانه و يده. [ صفحه 234]

علمه بما في النفوس!

عن الحرث النضري قال: «قال أبوعبدالله - الصادق - عليه‌السلام: اتقوا الكلام فانا نؤتي به!» [296] . و أن يعرف الانسان بالحدس شيئا خفيا، فذلك شي‌ء معقول نلاحظه في حياتنا العامة. و أن يعلم بالفراسة أمرا غامضا مكتوما عن الآخرين، فحالة تقع كثيرا من متفرسين يصيبون كبد الحقيقة غالبا. و لكن أن يعلم واحد من البشر ما في نفس انسان، حاضر أو غائب، كائنا من كان، بالتفصيل التام، و ينقل ذلك بالدقة الحرفية، و يترجم الأفكار، و يبين الأحاسيس، و يلفظ الكلام بمعناه و مبناه دون اختلاف - فذلك علم غير مقدور الا عن طريق مواهب الله عزوجل، لأن ذلك من الغيب بلا شك و لا ريب!. صدق بذلك المكابرون أو كذبوا. بقي أن نسأل: هل يهب الله سبحانه ذلك لأحد من عباده؟. و نجيب بنعم، اذ قال تعالي: (و ما هو علي الغيب بضنين) [297] فلا يبخل [ صفحه 235] به علي عباده المختارين.. فهو سبحانه (عالم الغيب فلا يظهر علي غيبه أحدا، الا من ارتضي من رسول فانه يسلك من بين يديه و من خلفه رصدا) [298] يطلع عبده المنتجب علي شي‌ء من غيبه ثم يوكل به حرسة من الملائكة يحفظونه و يحوطونه بعنايته تبارك و تعالي. و مثل هذا الغيب العجيب الغريب - بنظرنا - يعلمه الامام - كل امام - باذن ربه، فيحكي عن كل ما يدور في نفس جليسه - أو من شاءه - اذا أراد؛ فتظن كأن الجليس يحكي ما في نفسه فلا يزيد و لا ينقص لا من حيث الفكرة، و لا من حيث التعبير، حتي أنه لا يختلف لفظه عن اللفظ الذي فكر به جليسه، و لا يختلف معناه عن معناه!. و من غير المطلوب أن يقتنع كل الناس بهذا الواقع حتي يصير حقيقيا، فان انكار وجود الشي‌ء لا ينفي وجوده و لا يمحو واقعه. و لكن المأمول أن يعترف به سائر المؤمنين بقدرة الله، و لا يهمنا اذا أنكرت الكثرة الكاثرة وجود الله تبارك و تعالي رغم آثار وجوده و قدرته العظيمة الظاهرة في مخلوقاته الحية و الجامدة، و بله ملكوته الواسع اللامحدود، و لا اذا أنكرت الغيب مطلقا، و ما وراء الغيب.. و بزعمي أن الشيطان الذي يلعنه جميع الناس - برهم و فاجرهم - هو أعقل من سائر من يطغيهم و يضلهم، و أقل منهم عنادا و استكبارا علي الحق اذا ظهر جليا أو اتضح بآثاره!. ذلك أن الشيطان اعترف بالله ربا، خالقا، رازقا، واحدا، قهارا لا يفوت قدرته شي‌ء؛ اذ حين أمره بالسجود لآدم عليه‌السلام، و عصاه، لعنه الله و طرده و قرر عقابه، (قال - الشيطان - رب [ صفحه 236] فأنظرني الي يوم يبعثون) [299] فاعترف بربوبيته سبحانه و بعدله و قدرته، و آمن - كذلك - باستحقاقه للجزاء علي معصيته، و طلب النظرة و تأجيل التنفيذ، و (قال أنظرني الي يوم يبعثون) [300] فلم ينكر البعث و لا شك في حدوثه، بل اعترف بالنشور، و باحياء من في القبور، و صدق بالحساب و الثواب و العقاب حين قال ذلك القول.. أما الله عز اسمه، الذي لا يدع حجة عليه لمخلوق، ليثيب و يعاقب باستحقاق، ف (قال - لابليس - انك من المنظرين) [301] (الي يوم الوقت المعلوم) [302] لأنه تعالي لا يفوته فوت. أما أبالسة الناس فمساكين هم و حمقي.. - اذ يرون الحق و يفارقونه، بل و يعارضونه و يحاربونه بوسوسة من عدوهم - ابليس - الذي ما أنكر حقا لله عز و جل، مع أنه صاحب المعصية الكبري!. و ستبدو مسكنتهم، و يظهر حمقهم و خذلانهم حين يرفض ابليس مناقشتهم و يوبخهم علي اطاعة همزه و لمزه و وسوسته و انحرافهم عن الحق.. فيوبخهم قائلا: «ان الله وعدكم وعد الحق و وعدتكم فأخلفتكم و ما كان لي عليكم من سلطن الا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني و لوموا أنفسكم) [303] مما يزيد في عذابهم. فأمر الامام من أمر الله عز و علا، و سره من سره، و ان كان فهم ذلك غير ميسور بالدقة التي يدركه بها كل انسان ببساطة و يأخذه أخذ المسلمات، لأن تهضم ذلك يحتاج الي مقدمات ايمانية عالية. لقد قال الله تعالي: (و لقد خلقنا الانسان و نعلم ما توسوس به نفسه و نحن أقرب [ صفحه 237] اليه من حبل الوريد!) [304] و هو قادر علي ذلك بلا أدني ريب لأنه سبحانه أصدق القائلين؛ ثم هو قادر - الي جانب ذلك - علي أن يعلم ذلك لمن شاء اذا شاء، اذ قال عز من قائل: (.. يعيسي ابن‌مريم: اذكر نعمتي عليك و علي ولدتك اذ أيدتك بروح القدس، تكلم الناس في المهد و كهلا، و اذ علمتك الكتاب و الحكمة و التورية و الانجيل، و اذ تخلق من الطين كهيئة الطير باذني فتنفخ فيها فتكون طيرا باذني، و تبري‌ء الأكمه و الأبرص باذني، و اذ تخرج الموتي باذني!.) [305] . فقد علمه ما لم يعلم و هو في سن الطفولة المبكرة، فكان يتكلم في العقائد و يبين الأحكام، و يرد قول المفترين من الأحبار و الكهان، بل صار بعدئذ يخلق باذن ربه، و يبري‌ء من المرض.. و يحيي الموتي باذن الله جل و عز!. و الذي أقدر عبدا - طفلا - علي ذلك، و علمه علما بهر به العقول و فتن الألباب، يستطيع أن يقدر غيره علي ما شاء اذا شاء، لمصلحة عباده الذين خلقهم و كان أرأف بهم من أنفسهم و من آبائهم و أمهاتهم!. و اذا نقول للمنكرين: أنتم أحرار في انكاركم.. و قد سبقكم في العناد ملايين و ملايين، بل مليارات و فئام و فئام من الأنام، و ستلتقون معهم بأجسادكم كما التقيتم بأفكاركم.. [ صفحه 238] قال سليمان الجعفري: «كنت عند أبي‌الحسن عليه‌السلام، قال: يا سليمان اتق فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله!. فسكت حتي أصبت خلوة فقلت: جعلت فداك، سمعتك تقول: اتق فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله!. قال: نعم، يا سليمان. ان الله خلق المؤمنين من نوره، و صبغهم في رحمته، و أخذ ميثاقهم لنا بالولاية، و المؤمن أخو المؤمن لأبيه و أمه. أبوه النور، و أمه الرحمة!. و انما ينظر بذلك النور الذي خلق منه» [306] . فاذا كان المؤمن - الراسخ الايمان - يتيسر له أن ينظر بنور الله و يجب اتقاء فراسته الصادقة، و الحذر منها، فكيف بأولياء الله المقربين الذين خلقهم سبحانه من نور عظمته، و أعطاهم القدرة التي تفوق قدرات سائر البشر؟!. انهم قد برأهم الله تعالي أهلا للاتيان بما هو عجيب عندنا و غريب علينا.. و هم مخلوقون ليكونوا - هكذا - جديرين بحمل كلمته و أعباء رسالته التي لا تستغني عن الآيات و المعجزات للوقوف بوجه الصادين عن الله و عن سماع كلمته. و ان من يعجب من قدرة الامام علي ذلك، ينكر أمرا من البديهيات التي نراها بيننا في كل زمان و مكان، لأنه سبحانه خلق الطويل و القصير و المتوسط، و جعل منهم القوي و الضعيف، و الذكي و الأحمق، و الذكر و الأنثي، و طبع علي كل واحد من مخلوقاته سمات خاصة من اللون، و الذوق، و المزاج، و العلامات الفارقة، حتي أنك لا تجد بصمات أحد من الناس تشبه بصمات غيره في سائر المعمورة. أفيعييه أن يخلق من شاء كما [ صفحه 239] شاء؟!. لا، و الاعتراض علي ذلك موجه لتحدي قدرته تعالي و مشيئته و اختياره في خلقه ليس الا!!! ان التصديق بأن الامام يعلم ما في النفوس، أمر من المعضلات التي لا تلج الي العقل الا بضخ شديد.. و كذلك كل ما هو من الغيب و مما وراء الغيب، فان العلم الحديث لا يطاله لأنه لا يقع تحت مقدور المجهر و المختبر العلمي.. و لكنه يصدق بالايمان الذي يقذفه الله تعالي في قلوب عباده الصالحين فقط. و قد روي محمد بن مسلم، أن أباجعفر - الباقر - عليه‌السلام قال: «كان علي يعمل بكتاب الله و سنة رسوله. فاذا ورد عليه شي‌ء، و الحادث ليس في الكتاب و لا في السنة، ألهمه الله الحق فيه الهاما. و ذلك والله من المعضلات!» [307] . و كونه من المعضلات يدل علي صعوبة التصديق به: لأنه لا يدخل الآذان دون استئذان، و لكنه يدخلها بعد التفكر و التدبر، ثم يستقر في القلوب و العقول حقيقة لا مراء فيها، لأنه يقع تحت مقدرة الله تعالي بلا ريب و لا شبهة. قال الامام الصادق عليه‌السلام: (انا أنزلنه) نور كهيئة العين علي رأس النبي صلي الله عليه و آله و سلم، و الأوصياء، لا يريد أحد منا علم أمر من أمر الأرض، أو أمر من أمر السماء الي الحجب التي بين الله و بين العرش، الا رفع طرفه الي ذلك النور فرأي تفسير الذي أراد فيه مكتوبا!» [308] . [ صفحه 240] أفيعجز النور الذي يخترق المسافة ما بين الأرض و السماء و الحجب، أن يخترق الكثافة ما بينه و بين صدري و صدرك، و يطلع علي ما في فؤادي و فؤادك من وسوسة و هنبسة؟!. لا.. و ان انكارنا ذلك علي أوصياء خاتم النبيين و سيد المرسلين، ظلم لهم، و سوء ظن بقدرة ربهم، لأننا نعلم أنهم أولي به من برخيا وصي سليمان عليه‌السلام، الذي نقل عرش بلقيس ملكة سبأ من اليمن الي القدس قبل أن يرتد الي سليمان طرفه!. و اذا أنكرناه عليهم أنكرنا معه قدرة ربهم و ارادته المطلقة و حريته في صنع ما يشاء كما يشاء، مع أن بقدرته قامت السماوات و الأرض و الكواكب و المجرات.. بل الكون بما فيه!. فانه سبحانه قادر مريد، لا يكون الا ما يريد.. و نحن - بعقولنا القاصرة عن الاحاطة بمثل هذه الأمور - لا يستطيع خيالنا أن ينفذ من أطراف هذا الكون الهائل - مع سرعة قطعه للمسافات - بل يرتد خاسئا عن تخيل ما وراء مدارات تلك الأطراف و يتقوقع خائبا داخل جمجمة محكمة الاقفال، صلبة العظام، حبسها خالقها عن أن تطال شيئا مما وراء الطبيعة و الكائنات. .. فأنتم يا أولياء الله و نجباءه، بورك لكم بمواهب ربكم التي لا يلغيها عجزنا عن فهمها!. و تعسا و عثارا لمن هلك فيكم قاليا أو غاليا!. و ندخل في الموضوع الذي عنوناه بعد هذا التمهيد المقتضب، فنقف علي باب هيكل قدس امامنا العظيم عليه‌السلام متأملين عظمة الله تعالي الذي ألبسه من رداء عظمته، و أطلعه علي أسرار بريته!. قال أحمد بن محمد بن الأقرع: [ صفحه 241] «كتبت الي أبي‌محمد أسأله عن الامام هل يحتلم؟. و قلت في نفسي بعدما فصل الكتاب: الاحتلام شيطنة، و قد أعاذ الله تبارك و تعالي أولياءه من ذلك. فورد الجواب: حال الأئمة في المنام، حالهم في اليقظة، لا يغير النوم منهم شيئا. و قد أعاذ الله أولياءه، من لمة الشيطان كما حدثتك نفسك» [309] . و لمة الشيطان مسه. و مس الشيطان يكون بينه و بين الامام سد منيع، لأنه معاذ منه بمعاذ قوي عزيز، و حصن من ربه حصين.. و قد قال عز من قائل: (.. ان النفس لأمارة بالسوء الا ما رحم ربي..) [310] فأكد سبحانه أن النفس كثيرة الأمر بالسوء باستعمال صيغة المبالغة و استعمال ان، ولام التوكيد فهي تدعو الي المساوي‌ء و تميل الي الشهوات. و لكنه استثني من ذلك من رحمهم من خلقه و جعلهم معصومين عن كبائر المعاصي و صغائرهم، بعيدين عن السقوط في الزلل كالآخرين، ليكونوا أطهارا مأمونين مصدقين. و لن أذهب في بيان ذلك بعد أن عرضت اليه، و لا أحب أن ألهيك عن المقابلة بين ما دار في نفس ابن‌الأقرع، و بين ما أجاب به الامام عليه‌السلام، مترجما به ما دار في نفس السائل حرفا حرفا.. و ذلك واضح غاية الوضوح. فكيف عرف ما انعقد عليه ضمير سائله، فأوضحه له معني و لفظا؟!. [ صفحه 242] فكر، و تدبر. و حدث سفيان بن محمد الضبيعي فقال: «كتبت الي أبي‌محمد أسأله عن الوليجة، و هو قول الله تعالي: (و لم يتخذوا من دون الله و لا رسوله و لا المؤمنين وليجة؟) قلت في نفسي - لا في الكتاب - من تري المؤمنين هاهنا؟!. فرجع الجواب: الوليجة: الذي يقام دون ولي الأمر. و حدثتك نفسك عن المؤمنين من هم في هذا الموضوع؟. فهم الأئمة الذين يؤمنون علي الله، فيجيز أمانهم، فنحن اياهم» [311] . فالوليجة: هي الوسيلة، أو الواسطة، بأبسط تعبير. و الأئمة عليهم‌السلام هم الشفعاء الذين يطلبون لأوليائهم العفو و الأمان من عذاب الله و نقمته، فيشفعون و يقبل أمانهم. فهل اقتنع القاري‌ء بعلم الامام بما في نفس سفيان كما اقتنع سفيان بذلك؟. اذا حصل له ذلك، عرف أنهم عباد مكرمون، أغدق عليهم بارئهم فيضا من قدرته فجعلهم أصفياءه المعبرين عن أنه قادر أن يجعل ما أراد كما أراد؛ و اقتنع بأن الامام غير المأموم، كما أن العالم غير الجاهل تماما و كمالا. فالامام مسلح بقوي خارقة لا يقف بوجهها شي‌ء باذن ربه و المأموم أعزل من تلك القوي كليا، أو جزئيا في أحسن تقدير.. و مرتبة الامامة [ صفحه 243] يواكبها الكثير الكثير من مقومات الشخصية الفذة و سمو المعني و الذات، و من مختلف الطاقات الفائقة التي تخوله ابتداع العجائب و الغرائب. و لولا ذلك لكانت الامامة سلطة مدعاة لا برهان عليها. و ان الخالق سبحانه حين استخلف أولياءه في أرضه، ميزهم عن سائر عباده خلقا و خلقا و قدرة و تمكنا، ليستطيعوا الثبات في ساحة عناد المكابرين، و لينتصروا - باذنه تعالي - في مواقفهم مع المارقين. و قد قال تعالي اسمه: (انا لننصر رسلنا و الذين ءامنوا في الحياة الدنيا و يوم يقوم الأشهد) [312] و المؤمنون - في الآية الكريمة - هم الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم كما لا يخفي، لأنهم في قمة الهرم من الايمان. لقد كان امامنا العسكري عليه‌السلام - هو و شيعته من ذوي الأقدار - في ضيق شديد من ظلم تلك العهود الغاشمة التي لم تترك كرامة لكريم كما تري في مكان آخر من هذا الكتاب. و لذلك كانت اتصالات الشيعة و نشاطاتهم كلها، تتم بكمال السرية و التكتم، لأن سيوف ظلم معاصريهم من السلاطين كانت مصلتة فوق رؤوسهم لا ترحم أحدا من أهل الحق يقف في وجه باطلهم.. فعن محمد بن عبدالعزيز البلخي، قال: «أصبحت يوما، و جلست في شارع - سوق - الغنم، فاذا أنا بأبي‌محمد عليه‌السلام قد أقبل من منزله يريد دار العامة - أي قصر السلطان - فقلت في نفسي: تري ان صحت: أيها الناس، هذا حجة الله عليكم، فاعرفوه، يقتلونني؟!. [ صفحه 244] فلما دنا مني، و نظرت اليه، أومأ باصبعه السبابة و وضعها علي فيه، أن اسكت!. و رأيته تلك الليلة - في المنام - يقول: انما هو الكتمان أو القتل، فأبقوا علي أنفسكم!» [313] . وننبه في هذه الحادثة الي نقاط عجيبة في بابها: فامامنا عليه‌السلام علم ما نواه صاحبه، فأشفق عليه من تلك المبادرة التي تودي بحياته. ثم لما اقترب منه ألقي عليه التفاتة خاطفة لئلا يكشف عن سر ولائه له، وأومأ اليه باصبعه الشريفة ايماء، لأنه لا يريد مكالمته علي مسمع من الناس الذين يندس بينهم كثير من الرقباء.. و بعد ذلك أراد أن يقف بوجه ولائه المتحمس الذي ربما رماه في المهالك، فزاره في المنام و أفهمه أن المجاهرة بعقيدته المذهبية تجعل رأسه ينداح عن جسده بأهون حال. فما عليه الا أن يبقي علي نفسه و نفوس أصحابه لأن لله أمرا هو بالغه. و لا يفوتن قارئي الكريم أن الامامة قضية ربانية لا شأن فيها للعباد. و لولا ذلك لتمكن كثير من المتحذلقين أن يدعوا امامة الناس لو كان يستقيم لهم الأمر.. و لكن لا، فان الامامة كالقرآن الذي نزل من عند الرحمان، و لم ينزل قرآن غيره من عند غيره، مع أنه تحدي العقول علي مدي الأزمان، فلا تقيسنها بمقاييس غيرها لأنها من صنع الله عز و علا. [ صفحه 245] و قال محمد بن الربيع السائي: «ناظرت رجلا من الثنوية في الأهواز. ثم قدمت سر من رأي و قد علق بقلبي شي‌ء من مقالته. فاني لجالس علي باب أحمد بن الخضيب اذ أقبل أبومحمد عليه‌السلام من دار العامة - دار الخلافة - يوم الموكب. فنظر الي و أشار بسبابته: أحد، أحد - فرد - فوحده!. فسقطت مغشيا علي!» [314] . و الثنوية فرقة تقول بالهين اثنين: واحد للخير، و واحد للشر. و محمد بن الربيع ناظر واحدا من هذه الفرقة في الأهواز التي يفصلها عن سر من رأي مئات الكيلومترات، ثم علق بقلبه شي‌ء من مقالة ذلك المبطل لم يطلع عليه أحد، و لا هو جاهر به. فقل لي بربك كيف تسني للامام أن يعرف جملة أشياء: منها: المناظرة التي جرت بين الرجلين. و منها: ما علق بقلب الرجل من رأي الثنويين. و منها معرفة الامام للرجل و هو في مزدحم الناس علي باب الوزير ابن‌الخضيب، و اشارته اليه بسبابته دون غيره من الحاضرين و قوله له: أحد أحد، فوحده!. فصدقني أن الامام يؤتي بالكلام كما بين الامام الصادق عليه‌السلام ذلك. يحمله اليه ملائكة يعملون بين يديه، هم موظفو السفارة السماوية الذين [ صفحه 246] ينقلون الأخبار و المعلومات بأسرع مما يرتد الطرف، و بأسرع من سرعة النور!. و أنا واثق كل الثقة أن امام الزمان - صاحب العصر عجل الله تعالي فرجه - يعلم الآن أنك تقرأ هذه القصة و يعرف ما يدور في نفسك من تعليق علي ما تقرأه.. كما أنك تري و تسمع ما تريد في أطراف الأرض بمجرد أن تدير زر التلفزيون بين المحطات العالمية ساعة تشاء. و فيما جاء عن الحرث بن المغيرة، و أبي‌بكر الحضرمي، قولهما: «ان أباعبدالله - الصادق - عليه‌السلام قال: ما يحدث فيكم حدث الا علمناه. قلت: و كيف ذلك؟!. قال: يأتينا به راكب يضرب!» [315] - أي يقطع المسافات و يضرب راحلته لتسرع!. و قال علي بن محمد بن الحسن: «وافت جماعة من الأهواز من أصحابنا، و كنت معهم. - أي وصلوا الي سامراء -. و خرج السلطان يريد صاحب البصرة - أي لحرب صاحب الزنج - فخرجنا نريد النظر الي أبي‌محمد عليه‌السلام، فنظرنا اليه ماضيا معه. - لوداع الجيش فقط -. و قعدنا بين الحائطين بسر من رأي ننتظر رجوعه. [ صفحه 247] فرجع، فلما حاذانا و قرب منا، وقف و مد يده الي قلنسوته، فأخذها عن رأسه و أمسكها بيده، و أمر يده الأخري علي رأسه، و ضحك في وجه رجل منا. فقال الرجل مبادرا: أشهد أنك حجة الله و خيرته!. فقلنا: يا هذا، ما شأنك؟!. قال: كنت شاكا فيه، فقلت في نفسي: ان رجع و أخذ القلنسوة عن رأسه، قلت بامامته» [316] . و نقول: ربما كانت بعض هذه الظواهر الخارقة للطبيعة و العادة، غنية عن التعليق؛ لأنها من شدة وضوحها يشوش التعليق بهاءها و وقعها المدهش في النفس!. و هذه الظاهرة من ذلك النوع الآخذ بمجامع القلب.. و علي كل حال كيف أفلسف لك علم الامام عليه‌السلام بما انعقدت عليه نية هذا الشاك في امامته من جهة، و بأنه طلب ظاهرة تبدو من الامام، عينها هو بنفسه، فأدركها الامام و نفذ رغبته لينقذه من التردد و الضياع من جهة ثانية؟!. لا فلسفة عندي، و لا أي تعليق.. فابق مع رونق الحادثة و أثرها الأخاذ في نفسك، اذ مهما قلت لك لا أزيدك علما بأن معاجز الأولياء لا تعلل و لا تحلل، و اذا دخل القلم ليحكي فيها، بطل كونها معجزة، و صارت قضية يمكن وضعها علي وضم التشريح ككل المسائل التي يبرهن عليها. [ صفحه 248] و حدث يحيي بن المرزبان النقيب قائلا: «التقيت مع رجل من أهل السيف - أي جيران الشواطي‌ء - سيماه الخير، فأخبرني أنه كان له ابن عم ينازعه في الامامة و القول في أبي‌محمد عليه‌السلام و غيره. فقلت: لا أقول به أو أري منه علامة. فوردت العسكر - أي سامراء - في حاجة، فأقبل علي أبومحمد عليه‌السلام، فقلت في نفسي متعنتا: ان مد يده الي رأسه فكشفه ثم نظر ورده، قلت به. فلما حاذاني مد يده الي رأسه فكشفه، ثم برق عينيه في، ثم ردهما، ثم قال: يا يحيي ما فعل ابن عمك الذي تنازعه في الامامة؟!. قلت: خلفته صالحا. قال: لا تنازعه، ثم مضي» [317] . و يبدو في هذه الحادثة - المشابهة لما سبقها - ما هو أدل علي قدرة الامام علي معرفة وساوس الصدور. فقد نظر الي يحيي مغضبا، ثم سأله عن ابن عمه، ليضعه في جو خصومته معه بشأن الامامة التي لا تخفي علي أحد.. و بعد ذلك أمره بعدم منازعته في الموضوع بعد أن دل علي ذاته بذاته و برهن علي أنه حجة الله علي الخلق بلا جدال. و ان الأئمة عليهم‌السلام هم أبلغ الناس بعد رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم في القول. و كلامهم ينصرف علي سبعين وجها مقنعا لمن كان عنده المام بفقه اللغة و أصولها. و هم أهل الفصاحة و البلاغة و البيان [ صفحه 249] لأنهم عدل القرآن الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) [318] و الأئمة عليهم‌السلام كذلك. و شبيه بما سبق ما روي عن أبي‌سهل البلخي الذي قال: «كتب رجل الي أبي‌محمد يسأله الدعاء لوالديه، و كانت الأم غالية، و الأب مؤمنا. - أي أن الأم ترفع الامام الي ما فوق مرتبته -. فوقع: رحم الله والدك. و كتب آخر يسأله الدعاء لوالديه،و كانت الأم مؤمنة، و الأب ثنويا. فوقع: رحم الله والدتك» [319] . ذلك أن شيعتهم مكتوبة أسماؤهم عندهم في سجل النفوس الرباني، و محفوظة في ملفات منسقة في أدراج مكاتب السفارة الالهية علي الأرض. فالأم المغالية في تقدير الامام، القائلة بأنه من غير البشر، و أنه - و العياذ بالله - يخلق و يرزق و يقدر الأقدار، لم يكن لها نصيب من الرحمة التي طلبها الامام عليه‌السلام من ربه، لأنها من الهالكين. و كذلك الأب الثنوي الذي آمن بآلهين: أحدهما للخير، و الثاني للشر، حرم هذه النعمة لأنه من المشركين الضالين. فالعب مع من شئت و استعمل الفتل و الدوران، ألا مع ثلاثة، هم: الله تبارك و تعالي، و النبي، و الوصي!. فهؤلاء يؤدي اللعب معهم الي الخسران المبين.. [ صفحه 250] قال أبوبكر الفهفكي: أردت الخروج من سر من رأي لبعض الأمور، و قد طال مقامي بها، فخرجت يوم الموكب، و جلست في شارع أبي‌قطيعة بن داود، اذ طلع أبومحمد عليه‌السلام يريد دار العامة - أي مجلس السلطان -. فلما رأيته قلت في نفسي: أقول له: يا سيدي، اذا كان الخروج من سر من رأي خيرا، فأظهر التبسم في وجهي. فلما دنا مني تبسم تبسما جيدا. فخرجت من يومي. فأخبرني أصحابي أن غريما كان له عندي مال قدم يطلبني. ولو ظفر بي يهتكني لأن ماله لم يكن عندي شاهدا» [320] . - أي لم يكن موجودا -. ما أجمل هذا التبسم المنبعث من رجل الغيب، عن علم الغيب!. و ان فيه لمعني خفيا يصعب ادراكه. و هو غير أن الامام عليه‌السلام ابتسم في وجه الفهفكي، ليشير اليه أن في خروجه من البلد خيرا له. بل هو أنه تبسم تبسما جيدا. من جراء ما قد يصيبه اذا تأخر و تعرض للهتك.. فكأنه عليه‌السلام قال له: اهرب من المأزق الذي ينتظرك، و أطلق ساقيك للريح.. لتستريح!. و قال شاهويه بن عبد ربه: «كان أخي صالح محبوسا. فكتبت الي سيدي أبي‌محمد عليه‌السلام أسأله أشياء. [ صفحه 251] فأجابني عنها، و كتب: ان أخاك يخرج من الحبس يوم يصلك كتابي هذا. و قد كنت أردت أن تسألني عن أمره فأنسيت. فبينا أنا أقرأ كتابه، اذا أناس جاؤوني يبشرونني بتخلية أخي!. فتلقيته و قرأت عليه الكتاب» [321] . ألا انها شاهت وجوه الكثيرين و عميت أبصارهم عن حقيقة ما هم عليه أئمة الهدي من الفضل الرباني يا شاهويه!. فان أبامحمد عليه‌السلام أجابك عن مسائلك، و زاد بأنه كتب لك عما نسيت أن تسأله عنه من أمر أخيك، ثم طابق بين وصول رسالته، و وصول أخيك من الحبس، في يوم واحد!. و هذه من المفارقات العجيبة التي لا تحصل علي يد غير ولي الله المصطفي لأن يكون علما لقدرة الله تعالي، و دليلا علي عظمته و حكمته و اختياره الجميل لبريته، كيلا يضلوا الصراط السوي الذي أراده لهم في دنياهم، ليفوزوا بالنعيم في أخراهم. و حدث أبويوسف الشاعر القصير، شاعر «المتوكل»، فقال: «ولد لي غلام، و كنت مضيقا، فكتبت رقاعا الي جماعة أسترفدهم، فرجعت بالخيبة. قلت: أجي‌ء فأطوف حول الدار طوفة - أي دار الامام عليه‌السلام - و صرت الي الباب. فبينا أنا متفكر اذ جاء أبوحمزة و معه صرة سوداء فيها أربعمائة درهم، و قال: [ صفحه 252] يقول لك سيدي الحسن بن علي عليه‌السلام: أنفق هذا علي المولود، بارك الله لك فيه» [322] . لقد خسرت صفقة مداح «المتوكل» و مداح كل سلطان ظالم!. و اذا كان «متوكلك» قد حشا فمك درا حين مدحته و قلت فيه ما ليس فيه، فان خزنة الناس سيحشونه جمرا جزاء كل كلمة باطل قلتها في حضرته. و أين ذهب الدر الذي كان ينثره علي مداحيه؟. و لم لم تأت القصر حين ولد لك المولود لينثر عليك الدر و المرجان نقطة.. للغلام؟!. فمساكين هم جميع لحسة قصاع الملوك، القانعون من دنياهم بالضحك علي ذقونهم الي أن يتم استهلاك نشاطاتهم في القصور، فيلقون الي المشانق أو المهالك!. و طويل العمر - أيها الشاعر القصير - من خرج من القصر سالما يستجدي الناس ويسترفدهم بعد أن صفقوا له حين كان يوطد لسلطان الظلم!. انك لو طفت من أول أمرك بكعبة الآمال و محط الرحال، لما احتجت معها الي استرفاد و لا سؤال. و أنا أهمس في أذنك - يا أبايوسف -: هل سألت أباحمزة عمن أخبر الامام بوجودك علي بابه، و بحاجتك الي العطاء و الرفد للانفاق علي مولودك الجديد؟!. بل هل فكرت و أنت تتناول الصرة السوداء، كيف علم الامام بمولودك و بحاجتك فبعث اليك ببغيتك، أم بقي قلبك أسود كسواد الصرة؟!. [ صفحه 253] لا، لا بد أنك أرعويت.. و يدهشني من يحور و يدور، و اذا ظهر له الحق انحاز الي صف الباطل و الزور!. فان آيات أهل هذا البيت الطاهر تبدو ظاهرة لكل عين، و لكن حبالة الشيطان تلتف من حول أعناق أهل الباطل كالأرسان!. و بعد هزة البدن التي لقيتها أيها الشاعر «القصير» التفكير، بورك لك بغلامك الذي لا بد أنه كان من أتباع الحق بعد أن دعا الامام عليه‌السلام له بالبركة و اليمن. قال أحمد بن محمد الأنصاري: «وجه قوم من المفوضة و المقصرة كامل بن ابراهيم المدني الي أبي‌محمد عليه‌السلام. قال كامل: فقلت في نفسي: أسأله: لا يدخل الجنة الا من عرف معرفتي و قال بمقالتي؟. فلما دخلت علي سيدي أبي‌محمد نظرت الي ثياب بياض ناعمة عليه، فقلت في نفسي: ولي الله و حجته يلبس الناعم من الثياب، و يأمرنا بمواساة الاخوان، و ينهانا عن لبس مثله؟!. فقال مبتسما: يا كامل!. و حسر عن ذراعيه، فاذا مسح أسود خشن علي جلده، فقال: هذا لله، و هذا لكم» [323] . حقا ان من يعلم ما في السرائر يحير العقول!. [ صفحه 254] و لأول وهلة يعذر المفوضة اذا ضلوا برأيهم و بالغوا في الأئمة عليهم‌السلام، و زعموا أنهم ذوو قدرة فائقة ليست بذات حدود!. فقد كان يصدر من الأئمة ما يفتن الألباب من الآيات التي تجري علي أيديهم فتذهل من لا يتسلح بايمان قوي و عقيدة راسخة، و لا يفرق بين الرب و المربوب، و بين الفرد العادي و السفير السماوي الموهوب.. أنت - يا كامل بن ابراهيم - من مشايخ المفوضة و حاملي لواء مقالتهم في الأئمة عليهم‌السلام، و قد كررت سؤالك هذا علي مسمع أكثر من امام، و سمعت من كل منهم ما يقنع بالحق من دلائل الصدق، فما بالك لا تقلع عما أنت فيه من رأي المفوضين، أو رأي المقصرين عن معرفة حقيقة الامام المختار من الله؟!. ان البراهين علي صدق امامة الامام لا تخفي علي عالم و لا جاهل، و لا يحجبها سر عن أن تتراءي للعيون فيراها الكل، ما عدا العمش الغبش الذين يخالفون الحق حسدا من عند أنفسهم، و ما عدا المتهربين من العمل بأوامر الله تعالي و نواهيه، و من جهاد الكفر و هوي النفس، من الذين قال الله تعالي عنهم لنبيه صلي الله عليه و آله و سلم: (الذين في قلوبهم مرض ينظرون اليك نظر المغشي عليه من الموت فأولي لهم، طاعة و قول معروف!) [324] . و قانا الله تعالي من أن نضل أو نضل عن الحق. و قال أبوهاشم الجعفري: «كنت عند أبي‌محمد عليه‌السلام، و كنت في اضاقة. فأردت أن أطلب منه دنانير فاستحييت. [ صفحه 255] فلما صرت الي منزلي وجه الي بمائة دينار و كتب الي: اذا كانت لك حاجة فلا تستحي و لا تحتشم، و اطلبها يأتك ما تحب ان شاء الله» [325] . و كذلك جاء عن أبي‌هاشم نفسه، قوله: ما دخلت قط علي أبي‌الحسن و أبي‌محمد عليه‌السلام‌هما الا رأيت منهما دلالة و برهانا!. فدخلت علي أبي‌محمد يوما و أنا أريد أن أسأله ما أصوغ به خاتما أتبرك به. فجلست، و أنسيت ما جئت له. فلما ودعته ونهضت، رمي الي بالخاتم و قال لي: أردت فضة فأعطيناك خاتما. ربحت الفص و الكراء!. هناك الله يا أباهاشم. فقلت: يا سيدي، أشهد أنك ولي الله و امامي الذي أدين الله بفضله و طاعته!. فقال: يغفر الله لك يا أباهاشم» [326] . أجل، يغفر الله لك!. و ما دخل أحد غيرك يا أباهاشم الي حظيرة قدس أهل بيت رسول الله صلي الله عليه و آله و عليهم، الا رأي منهم دلالة واضحة و برهانا ساطعا، فان شذا النبوة و الوحي في أردانهم، و عطر الامامة في أعطافهم!. و لو أنصفهم الناس ما اختلف فيهم اثنان، و لكن قاتل الله غرور الدنيا كم أركض البشر وراء هوي النفس، و صرفهم عن آل الله و آل [ صفحه 256] رسوله الأطهار مع أنهم من خير من طلعت عليه الشمس!. فقد علم أبومحمد عليه‌السلام بحاجة ابن عمه الذي كتمها عنه خجلا من هيبته، فابتدره بمائة دينار وصلته الي البيت، و كتب اليه يأمره بأن لا يخجل و لا يحتشم اذا كانت له حاجة من الحاجات. ثم خلع عليه خاتما مصنوعا حين حدثته نفسه بطلب الفص، و وفر عليه الصياغة و الكراء كرما منه عليه‌السلام و تلطفا بابن عمه الجليل النبيل؛ ثم برهن بالدليلين أنه مل‌ء مركزه السماوي الممنوح اليه من ربه عز و سما.. و كلا الأمرين من عجائب الوقائع. و عن أبي‌هاشم الجعفري - أيضا - قال: «قلت في نفسي: أشتهي أن أعلم ما يقول أبومحمد في القرآن، أهو مخلوق، أم غير مخلوق؟. فأقبل علي فقال: أما بلغك ما روي عن أبي‌عبدالله عليه‌السلام، لما نزلت (قل هو الله أحد) خلق له أربعة آلاف جناح، فما كانت تمر بملأ من الملائكة الا خشعوا لها؟!. و قال: هذه نسبة الرب تبارك و تعالي!» [327] . و عنه - كذلك - في رواية ثانية: «خطر ببالي أن القرآن مخلوق، أم غير مخلوق؟. فقال أبومحمد عليه‌السلام: يا أباهاشم، الله خالق كل شي‌ء، و ما سواه مخلوق [328] . [ صفحه 257] فتبارك الله العزيز الوهاب الذي اختار لأمره أمناء في خلقه، و جعلهم عيبة علم و خزنة معرفة!. فان امامنا عليه‌السلام أشار في الرواية الأولي الي خلق القرآن من ناحيتين في جوابه البليغ، اذ أومأ من جهة الي أن سورة الاخلاص المباركة التي يوازي فضلها ثلث فضل القرآن بكامله، هي مخلوقة، محدثة، و لما أنزلها الله تعالي جعل لها أجنحة نورانية لعظم شأنها، ثم أشار من جهة ثانية الي أن هذه السورة هي نسبة الرب سبحانه اذ لم يكن له كفوءا أحد، و هو القديم المتفرد بوحدانيته، و لا يشاركه في قدمه شي‌ء.. أما في الرواية الثانية فصرح عليه‌السلام بأن كل ما سوي الله مخلوق بقدرته و تقديره عزوجل، و لا حاجة للبحث في قدم شي‌ء غيره سبحانه و تعالي. و قال أبوهاشم الجعفري رحمه الله: «قال أبومحمد عليه‌السلام: اذا خرج القائم يأمر بهدم المنائر و المقاصير التي في المساجد. - أي المآذن و الشرف -. فقلت في نفسي: لأي معني هذا؟!. فأقبل علي و قال: معني هذا أنها محدثة مبتدعة، لم يبنها نبي و لا حجة» [329] . و ليس عجيبا أن يعلم الامام عليه‌السلام الاشكال الذي عرض لجليسه فيما بينه و بين نفسه، فأجابه بما رفع الشبهة من نفسه. و لكن العجيب الغريب أنه قد أجاب باللفظ و المعني، و قال له: معني ذلك كذا و كذا!. [ صفحه 258] فهل يصل الفكر الي تعليل علم الامام و فلسفة معرفته الدقيقة الي هذا الحد؟!. يقينا لا.. فانه اذا كان التعليل هنا مستطاعا، فلا فرق اذا بين الامام و بين أي واحد من الأنام. أما اذا امتنع التعليل، و خرست الفلسفة، و عجز الفكر عن البيان، فان ذلك يكون من دلائل الامامة، و من بعض خصائص سفير السماء، و من الشواهد علي قدرة الله العظمي التي بها منح سفراءه العلم بما أراد، و العمل بما قدر و شاء!. لقد كانت المساجد في زمن النبي صلي الله عليه و آله و سلم عريشا كعريش موسي عليه‌السلام، أي بلا شرف و لا مقاصير و بلا مآذن، لأنها أمكنة للعبادة لا للمظاهر فهي مساجد متواضعة يدخلها المسلم خاشعا كأنه يخرج من دنيا الترف و الأبهة، ليدخل الي محراب كأنه باب الخروج من الدنيا، أو باب التوبة و الانابة و الخضوع لله العزيز القدير. و قد ابتدع المسلمون لمساجدهم زخارف و مشارف، و حلوها بفنون التزيين و التلوين، فخرجت عن كونها جوامع تصفو فيها النفس و يخشع فيها القلب.. فلما أحري مساجدنا بأن تعود الي سابق عهدها لتكون باحات تواضع لعظمة الله، و هياكل خضوع لملكوته الكبير، و محاريب صلاة و دعاء و مناجاة تصدر عن القلب و تدخل الي رحاب الرب عز و علا، بدلا من أن تبقي مراكز للضجيج و العجيج و هدير الخطب و الأقوال التي لا يعمل بها قائلوها.. و نحن بانتظار اليوم الميمون الذي يقوم فيه الحق، و يبطل الباطل بكل مظاهره و أشكاله، علي يد نجل بيت النبوة، و موضع الرسالة، و معدن العلم، عجل الله تعالي فرجه و سهل مخرجه.. ثم لا نزال مع أبي‌هاشم الجعفري رضوان الله عليه، فقد قال: [ صفحه 259] «سأل محمد بن صالح الأرميني أبامحمد عليه‌السلام عن قوله تعالي: (لله الأمر من قبل و من بعد..) [330] . فقال عليه‌السلام: له الأمر من قبل أن يأمر به، و له الأمر من بعد أن يأمر به. فقلت في نفسي: هذا قول الله: (ألا له الخلق و الأمر تبارك الله رب العالمين) [331] . فنظر الي، و تبسم، ثم قال: هو كما أسررت في نفسك: (له الخلق و الأمر..) [332] . قلت: أشهد أنك حجة الله، و ابن حجته في أرضه» [333] . سبحان الله! (فانه - وحده - يعلم السر و أخفي) [334] من السر!. و تعظيما له تعالي اذ منح خيرة خلقه أن يعلموا - باذنه - السر و ما هو أخفي من السر، و أعطاهم ما لم يعط أحدا من العالمين!. ف (له الخلق و الأمر) [335] و من لم يعجبه ذلك فليدخل الي مهوي الكفر من باب واسع، و لن يضر الانفسه.. و ان لم يكن له سبحانه الخلق، و الأمر، فكيف يستطيع واحد من خلقه أن يطلع علي خفايا الصدور [ صفحه 260] و مضمرات النفوس و كأنه يقرأها في كفه واضحة السطور؟!. هذه من مميزات حججه من أهل طاعته و قرباه.. و ليست لغيرهم.. و لا تجرأ أن يدعيها أحد غيرهم. و مع أبي‌هاشم الجعفري أيضا في قوله: «سأل محمد بن صالح الأرمني أبامحمد عن قول الله: (يمحوا الله ما يشآء و يثبت و عنده أم الكتاب)؟ [336] . فقال: هل يمحو الا ما كان؟!. و هل يثبت الا ما لم يكن؟!. فقلت في نفسي: هذا خلاف قول هشام بن الحكم بأنه لا يعلم الشي‌ء حتي يكون. فنظر الي أبومحمد شزرا، و قال: تعالي الله الجبار، الحاكم العالم بالشي‌ء قبل كونه فهو الخالق اذ لا مخلوق و الرب اذ لا مربوب، و القادر قبل المقدور عليه!. فقلت: أشهد أنك ولي الله و حجته، و القائم بقسطه، و أنك علي منهاج أميرالمؤمنين عليه‌السلام و علمه!» [337] . فمن يقدر أن يفلسف كيف عرف الامام ما جاش به صدر أبي‌هاشم من ذكر هشام بن الحكم و ما نسب اليه من قول - هو بري‌ء منه -؟!. انه لا يقدر أحد علي ذلك، و لا يعرفه الا من يعترف بأن الامام يكون هكذا، لأنه حامل [ صفحه 261] مواريث السماء و ما نزل علي الأنبياء و الأوصياء. و أيضا و أيضا، قال أبوهاشم الجعفري: «سمعته يقول: ان في الجنة بابا يقال له: المعروف - لا يدخله الا أهل المعروف. فحمدت الله في نفسي، و فرحت بما أتكلف من حوائج الناس. فنظر الي أبومحمد و قال: يا أباهاشم، فدم علي ما أنت عليه، فان أهل المعروف في الدنيا، أهل المعروف في الآخرة. جعلك الله منهم يا أباهاشم، و رحمك!» [338] . فمرحي لتلك النظرة الشريفة الصائبة التي تخترق حجب النفس و شغاف القلب بقدرة ربها عزوجل، و تدرك ما يدور في الأفكار!. و ان عينا تمتد قوة رؤيتها الي ما وراء ذلك، لحرية أن تقدس من الناس كما بوركت من خالقها تعالي، اذ تظهر فيها آثار عظمته سبحانه و مظاهر نعمه التي أفاضها علي صاحبها!. و لو أن الناس أنصفوا الحق لرأوا فيها آيات عجبا، و لكن أبالسة الدنيا لم يدعو امرءا و شأنه في المجاهرة بالكلمة الصادقة التي تهدي الي الحق و الي طريق مستقيم، فبقي ظلم أهل الحق قائما مازال سلطان الباطل رافعا ذيله يجمع أهله من حوله علي موائد الطعام و الشراب، و في مقاصير اللهو و الطرب، و دهاليز الفسق و الفجور!. [ صفحه 262] و أنت يا باب المعروف في الجنة، لن يكون الداخلون اليك كثيرين!. لأن أكثر المتكلفين لحوائج الناس انما يتكلفونها لمصالحهم الشخصية، لا لوجه الله الكريم!. و عن أبي‌هاشم الجعفري كذلك قال: «سأله الفهفكي: ما بال المرأة المسكينة الضعيفة تأخذ سهما واحدا، و يأخذ الرجل سهمين؟!. فقال: لأن المرأة ليس عليها جهاد، و لا نفقة، و لا عليها معقلة - أي ليس عليها غرم مما يلحق القريب من دية الدم حين القتل - انما ذلك علي الرجال. فقلت في نفسي: قد كان قيل لي: ان ابن أبي‌العوجاء سأل أبا عبدالله عليه‌السلام عن هذه المسألة، فأجابه بمثل هذا الجواب. فأقبل أبومحمد عليه‌السلام علي، فقال: نعم، هذه مسألة ابن أبي‌العوجاء، و الجواب منا واحدا اذا كان معني المسألة واحدا، جري لآخرنا ما جري لأولنا؛ و أولنا و آخرنا في العلم و الأمر سواء، و لرسول الله عليه و آله السلام، و لأميرالمؤمنين فضلهما» [339] . نعم، ان لرسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، و لأميرالمؤمنين عليه‌السلام، فضلا علي سائر من برأ الله تعالي و ذرأ من العالمين. و نعم، و بلي، ان ما أجراه الله تعالي لأولكم، قد أجراه لآخركم - يا [ صفحه 263] سادة الخلق؛ و آخركم و أولكم في العلم و الفضل سواء.. و بؤسي لمن جهل أمركم، و ضل عن التمسك بحبل ولائكم، و وقف في وجه حقكم المعطي اليكم من ربكم!. و مما لا شك فيه، أن التعليق علي هذه الرواية يشوه رونقها الفتان بعد أن نري الامام عليه‌السلام يدرك ما جال بفكر صاحبه و يعلم اسم ابن أبي‌العوجاء من جهة، و يعرف مسألته للامام الصادق عليه‌السلام من جهة ثانية، دون أن ينبس صاحبه ببنت شفة!. فتأمل، و احكم.. و اعتقد بما شئت فأنت مخير.. و روي سعد، عن أبي‌هاشم الجعفري، قال: «سمعت أبامحمد عليه‌السلام يقول: من الذنوب التي لا تغفر، قول الرجل: ليتني لا أؤاخذ الا بهذا الذنب!. فقلت في نفسي: ان هذا لهو النظر الدقيق!. ينبغي للرجل أن يتفقد من أمره و من نفسه كل شي‌ء. فأقبل علي أبومحمد عليه‌السلام، فقال: يا أباهاشم، صدقت، فالزم ما حدثت به نفسك، فان الاشراك في الناس أخفي من دبيب النمل علي الصفا في الليلة الظلماء، أو من دبيب الذر علي المسح الأسود!» [340] . و دبيب النمل، و الذر، هو خطاه التي لا تترك أثرا غالبا. و الصفا هو الصخر الصلب الأملس. [ صفحه 264] و المسح هو الثوب الصفيق المصنوع من الشعر. فهل يمكن أن يري أثر دبيب النمل علي الصخر الصلب الأملس، في الليلة الشديدة الظلام؟!. و هل يمكن أن يري خطو الذر علي ثوب من الشعر الأسود؟!. لا، لا.. و هكذا الشرك بالله - و العياذ بالله منه - يدخل في كثير من أعمالنا و أقوالنا بشكل خفي يحتاج الي الحيطة و الورع. و كما أن دبيب النمل، و خطو الذر، لا يظهران علي الصفا و علي المسح الأسود، فان نظر الامام يستطيع أن ينفذ الي النفوس و يطلع علي خفاياها بلا تكلف و لا جهد؛ بل يستطيع أن يري ما نحن عليه من حال في بيوتنا و لو كانت تفصلنا عنه مئات و آلاف الكيلومترات بمشيئة الله تبارك و تعالي، و بما خوله من آلة الامامة و مستلزمات السفارة الأرضية لرب الأرباب الذي يعلم (ما نخفي و ما نعلن و ما يخفي علي الله من شي‌ء في الأرض و لا في السمآء!) [341] . فالامامة مرتبة الهية يختار لها الخالق سبحانه صفوة عباده في كل زمن، و يجهزه بالمعقول و باللامعقول في العرف، ليكون علي مستوي تلك المرتبة، و لتظهر علي يديه آيات تثبت كونه الحجة علي الخلق. و لولا ذلك لصح ما يختاره البشر. و لما افتضحت سيرة كل من اختاروهم لامامتهم و امارتهم عبر الأزمنة و الأمكنة. بورك للامامية الاثني عشرية بمثل امامة أوصياء نبيهم محمد صلي الله عليه و عليهم.. فان محاولة وصفهم غير ممكنة، و التعبير يقصر عن ايضاح [ صفحه 265] ما هم عليه، و لا يصل الي نعتهم بما هم أهله في موازين الاعتبار و التقدير!. و ليس علي القلم بأس ان نبا، و لا علي الكاتب حيف ان كبا، لأن سمو ذواتهم لا يحتويه معني، و لا يتحمله لفظ، و لا يسعه فكر!. قد صنعهم الخالق آية من الآيات لا تفسر، و جعلهم لعظمته و قدرته من أوضح الدلالات التي لا تنكر.. و هنيئا لمن والاهم و فاز برضاهم الذي فيه رضي الله تعالي و رضي رسوله صلي الله عليه و آله و سلم. أما الذنب الذي يستهين به صاحبه و يقول: يا ليتني لم أرتكب غيره، فربما كان من المحقرات من الذنوب التي تؤدي بمرتكبها الي الخسار، اذ لا يتوب العبد منها و لا يقلع عنها لاستهانته بها، فتتراكم عليه السيئات التي ينوء بها ظهره!. و قد قال رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم: اياكم و المحقرات من الذنوب!. فما أحرانا بتفقد أمورنا، و التوبة من صغائر ذنوبنا، و بأن لا نقول: يا ليتنا لا نؤاخذ الا بهذه الصغائر!. و قال محمد بن صالح الخثعمي: «كتبت الي أبي‌محمد أسأله عن البطيخ، و كنت به مشغوفا. فكتب الي: لا تأكله علي الريق، فانه يولد الفالج. و كنت أريد أن أسأله عن صاحب الزنج الذي خرج بالبصرة، فنسيت حتي نفذ كتابي اليه. فوقع: صاحب الزنج ليس منا أهل‌البيت» [342] . [ صفحه 266] و انه لا يروق لي شي‌ء من دلائل امامة أهل‌البيت عليهم‌السلام، أكثر مما يروق لي كلامهم في الطب و الكيمياء و مختلف العلوم التي يتخصص بدراستها المتعلمون عشرات السنين، و مدي العمر.. ثم اذا قال الأئمة في ذلك شيئا، كان قولهم فوق كل قول و قطعت جهينة قول كل خطيب!. فكيف يتسني لهم ذلك، و لم يدرسوا شيئا علي أستاذ؟. و من أين لهم هذه المعرفة بكل علم، كل علم بلا استثناء؟!. و لماذا لم يضع معاصروهم علامات استفهام حول ما قالوه في سائر العلوم، و لا أنكروا عليهم شيئا؟. و بنفس الوقت نقول: لم أغمض التاريخ عينيه، و أصم سمعه عن ذلك، و لم يصلنا منه سوي النزر اليسير؟!. لا تتعب نفسك يا قارئي الكريم باستعمال علامات الاستفهام و التعجب، فان علم الأئمة عليهم‌السلام موهوب غير مكسوب.. و أستاذهم هو خالقهم عز و علا الذي أعطاهم العلم، و الفهم، و الحكمة، و علمهم ما لم يكونوا يعلمون. و قد أعطاهم خلقا و ابتداء، و كما أعطانا الدم الذي يجري في عروقنا، و الحواس التي نتمتع بأحاسيسها، و وهبهم ذلك كما وهبنا مئات الأجهزة التي تعمل لمصلحة حياة أجسامنا.. و يغلبك من يقول: وهبني الله العزيز الوهاب!. و العاقل من يختار لنفسه طريق السلامة.. كي لا يقع في الندامة يوم القيامة. [ صفحه 267] و قال أبوهاشم الجعفري الذي كان مقربا من الامام عليه‌السلام: «سمعت أبامحمد يقول: ان الله ليعفو يوم القيامة عفوا لا يحيط علي العباد حتي يقول أهل الشرك: (و الله ربنا ما كنا مشركين!) [343] . فذكرت حديثا حدثني به رجل من أصحابنا من أهل مكة، أن رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم قرأ: (ان الله يغفر الذنوب جميعا) [344] فقال الرجل: و من أشرك. فأنكرت ذلك، و تنمرت للرجل. فأنا أقول في نفسي اذ أقبل عليه‌السلام علي فقال: (ان الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشآء) [345] بئس ما قال هذا - الرجل - و بئس ما روي!» [346] . أرأيت كيف يستجلي الامام عليه‌السلام ما في نفس صاحبه و يجيب عليه بلا أدني تكلف؟. و هل رأيت - أيضا - كيف يكتشف كذب الرواية من صدقها بعرضها علي كتاب الله و سنة رسوله دون أن يحتاج الي علم رجال، و الي ما قيل لا من قال؟!. ان الامام عليه‌السلام يضع جميع الأمور علي المحك القرآني الكريم، و السنة النبوية الشريفة.. و ما لم يوافقهما يضرب به عرض الجدار، لأنه من [ صفحه 268] البيت المستأمن علي وحي الله تعالي و عزائم أمره. هذا مضافا الي أن الملائكة كانت - و ما زالت - تهبط عليه مراويد من الملأ الأعلي، تحمل التنزيل و أوامر الخالق الجليل الي الملأ الأدني لتسدده و تؤيده في قول الحق، و ليفوز من اتبع أوامره، و يخسر المعاندون.. فلا جرم أن يكون الامام مل‌ء كرسي الانتداب الرباني العظيم للأمر العظيم، و ليكون من بيت السماء و زيته. و عن أبي‌هاشم الجعفري - أيضا - قال: «كتب اليه بعض مواليه يسأله أن يعلمه دعاء. فكتب اليه أن ادع بهذا الدعاء: يا أسمع السامعين، و يا أبصر المبصرين، و يا أعز الناظرين، و يا أسرع الحاسبين، و يا أرحم الراحمين، و يا أحكم الحاكمين، صل علي محمد و آل محمد و أوسع لي في رزقي، و مد لي في عمري، و امنن علي برحمتك، و اجعلني ممن تنتصر به لدينك، و لا تستبدل بي غيري. قال أبوهاشم: فقلت في نفسي: اللهم اجعلني في حزبك، و في زمرتك. فأقبل علي أبومحمد عليه‌السلام، و قال: أنت في حزبه، و في زمرته اذ كنت بالله مؤمنا، و لرسوله مصدقا، و لأوليائه عارفا، و لهم تابعا. فأبشر، ثم أبشر» [347] . [ صفحه 269] أجل، و ليبشر كل من قدر أن يكون مؤمنا بالله تعالي، و بما جاء عنه علي لسان رسوله الكريم، و بهذه العترة الطاهرة التي تحمل هذه القدرة العظيمة علي معرفة ما في النفوس باذن ربها، فان ايمانه بذلك يجعله في حزب الله، و في زمرة الأبرار الأطهار. روي سعد بن عبدالله، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن داود بن القاسم الجعفري، قال: «سئل أبومحمد عليه‌السلام عن قوله تعالي: (ان يسرق فقد سرق أخ له من قبل) [348] و السائل رجل من قم، و أنا حاضر. فقال عليه‌السلام: ما سرق يوسف. انما كان ليعقوب منطقة ورثها من ابراهيم، وكانت تلك المنطقة لا يسرقها أحد الا استعبد. و كان اذا سرقها انسان نزل جبرائيل فأخبره بذلك، فأخذت، و صار عبدا. و ان المنطقة كانت عند سارة بنت اسحاق بن ابراهيم، و كانت سمية أمه. و ان سارة أحبت يوسف و أرادت أن تتخذه ولدا لها. و انها أخذت المنطقة فربطتها علي وسطه ثم أسدلت عليه سرباله، و قالت ليعقوب: ان المنطقة مع يوسف، و لم يخبره بما صنعت صارة لما أراد الله. فقام يعقوب الي يوسف ففتشه، و هو يومئذ غلام يافع، و استخرج المنطقة. فقالت سارة بنت اسحاق: متي سرقها يوسف؟ و أنا أحق بها. فقال لها يعقول: فانه عبدك، علي أن لا تبيعيه و لا تهبيه. [ صفحه 270] قالت: فأنا أقبله، علي أن لا تأخذه مني، و أعتقه الساعة. فأعطاها اياه، فأعتقته. و لذلك قال اخوة يوسف: (ان يسرق فقد سرق أخ له من قبل) [349] . قال أبوهاشم: فجعلت أخيل في نفسي، أفكر و أتعجب من هذا الأمر مع قرب يعقوب من يوسف، و حزن يعقوب عليه حتي ابيضت عيناه من الحزن، و المسافة قريبة. فأقبل علي أبومحمد عليه‌السلام فقال: يا أباهاشم، نعوذ بالله مما جري في نفسك من ذلك، فان الله لو شاء يرفع الساتر من الأعلي ما بين يعقوب و يوسف، حتي كانا يتراءيان ان فعل. و لكن له أجل هو بالغه، و معلوم ينتهي اليه؛ ما كان من ذلك فالخيار من الله لأوليائه» [350] . فأبومحمد صلي الله عليه من أهل التفسير و التأويل، و من الأبيات التي نزل فيها جبرائيل الأمين عليه‌السلام، و نفث في قلوب سكانها الوحي و الايمان، و نفض زغب ريشه علي زرابيها و نمارقها و الجدران!. فهؤلاء لا يبارون في تفسير و لا تأويل، و اذا قالوا لا يرضخ قولهم الي جرح و لا تعديل، لأنهم بالحق ينطقون، و عن ربهم تعالي و جدهم صلي الله عليه و آله و سلم يروون، و لا واسطة بينهم و بينهما تتناولها الأقاويل.. فبوركوا من أولياء أصفياء يعلمون كيف يبرئون أولياء الله و أصفياءه مما اتهمهم به أهل الافك و التضليل، و يعرفون الكثير من وجوه حكمة الله تبارك و تعالي التي لا يدركها أحد غيرهم من العالمين. [ صفحه 271] قال عيسي بن مهدي الجوهري: «خرجت أنا و الحسين بن غياث، و الحسن بن مسعود، و الحسين بن ابراهيم، و حنان بن حنان، و طالب بن ابراهيم بن حاتم، و الحسن بن محمد بن سعيد، و محجل بن محمد بن أحمد بن الخصيب، من حلا الي سر من رأي، في سنة سبع و خمسين و مائتين. فعدنا من المدائن الي كربلاء فزرنا أباعبدالله عليه‌السلام في ليلة النصف من شعبان، فتلقينا اخواننا المجاورين لسيدنا أبي‌الحسن و أبي‌محمد عليه‌السلام بسر من رأي. و كنا خرجنا للتهنئة بمولد المهدي عليه‌السلام، فبشرنا اخواننا بأن المولود كان قبل طلوع الفجر يوم الجمعة لثمان خلون من شعبان [351] و هو ذلك الشهر، فقضينا زيارتنا و دخلنا بغداد فزرنا أباالحسن موسي، و أباجعفر الجواد محمد بن علي عليه‌السلام‌هما، و صعدنا الي سر من رأي. فلما دخلنا علي سيدنا أبي‌محمد، الحسن عليه‌السلام، بدأنا بالتهنئة قبل أن نبدأه بالسلام، فجهرنا بالبكاء بين يديه و نحن نيف و سبعون رجلا من أهل السواد. فقال: ان البكاء من السرور بنعم الله مثل الشكر لها. فطيبوا نفسا، و قروا عينا. فوالله انكم لعلي دين الله الذي جاءت به الملائكة و الكتب. و انكم لكما قال جدي رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم: اياكم أن تزهدوا في فقراء الشيعة، فان لفقيرهم المحسن المتقي، عند الله يوم القيامة شفاعة يدخل فيها مثل ربيعة و مضر. فان كان هذا من فضل الله عليكم و علينا فيكم. فأي شي‌ء بقي لكم؟!. [ صفحه 272] فقلنا بأجمعنا: الحمد لله، والشكر لكم يا ساداتنا. فيكم بلغنا هذه المنزلة. فقال: بلغتموها بالله و بطاعتكم و اجتهادكم في عبادته، و موالاتكم أولياءه، و معاداتكم أعداءه. فقال عيسي بن مهدي الجوهري: فأردنا الكلام و المسألة، فقال لنا قبل السؤال: فيكم من أضمر مسألتي عن ولدي المهدي عليه‌السلام، و أين هو؟. و قد استودعته الله كما استودعت أم‌موسي حيث قذفته في التابوت في اليم الي أن رده الله اليها. فقال طائفة منا: اي والله يا سيدنا، كانت هذه المسألة في أنفسنا. قال: و فيكم من أضمر عن الاختلاف بينكم و بين أعداء الله و أعدائنا من أهل القبلة والاسلام. فاني منبئكم بذلك فافهموه. فقالت طائفة أخري: والله يا سيدنا لقد أضمرنا ذلك. فقال: ان الله عز و جل أوحي الي جدي رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم: اني خصصتك و عليا و حججي منه الي يوم القيامة و شيعتكم بعشر خصال: صلاة احدي و خمسين، و تعفير الجبين، و التختم باليمين، و الأذان و الاقامة مثني و مثني، و حي علي خير العمل، و الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين، و القنوت في ثاني كل ركعتين، و صلاة العصر و الشمس بيضاء، و صلاة مغلسة، و خضاب الرأس و اللحية بالوسمة. فخالفنا من أخذ حقنا و حزبه.. فقال أكثرنا: فرجت عنا يا سيدنا. قال: نعم، و في أنفسكم ما لم تسألوا عنه، و أنا أنبئكم عنه. و هو التكبير علي الميت، كيف كبرنا خمسا، و كبر غيرنا أربعا. [ صفحه 273] فقلنا: نعم يا سيدنا هذا مما أردنا نسأل عنه. فقال عليه‌السلام: أول من صلي عليه من المسلمين عمنا حمزة بن عبدالمطلب، أسد الله و أسد رسوله، فانه لما قتل قلق رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم و حزن و عدم صبره و عزاءه علي عمه حمزة فقال، و كان قوله حقا: لأقتلن بكل شعرة من عمي حمزة سبعين رجلا من مشركي قريش. فأوحي اليه: (و ان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به و لئن صبرتم لهو خير للصبرين) [352] و انما أحب الله جل اسمه أن يجعل ذلك سنة في المسلمين، لأنه لو قتل بكل شعرة من عمه حمزة سبعين رجلا من المشركين، ما كان في قتله حرج، و أراد دفنه، و أحب أن يلقاه الله مضرجا بدمائه، و كان قد أمر أن تغسل موتي المسلمين، فدفنه بثيابه فكان سنة في المسلمين أن لايغسل شهيدهم، و أمر الله أن يكبر خمس و سبعون تكبيرة، يستغفر له بين كل تكبيرتين منها؛ فأوحي الله اليه: اني فضلت حمزة بسبعين تكبيرة لعظمه عندي و بكرامته علي، و لك يا محمد فضل علي المسلمين، و كبر خمس تكبيرات علي كل مؤمن و مؤمنة، فاني أفرض خمس صلوات في كل يوم و ليلة، و الخمس تكبيرات عن خمس صلوات الميت في يومه و ليلته أورده ثوابها و أثبت له أجرها. فقام رجل منا و قال: يا سيدنا، فمن صلي الأربعة؟. فقال: أول من كبرها طريد رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، فان طريده مروان بن الحكم. لأن معاوية وصي يزيد بأشياء كثيرة منها أن قال: اني خائف عليك يا يزيد من أربعة: عمر بن عثمان، و مروان بن الحكم، و عبدالله بن الزبير، [ صفحه 274] و الحسين بن علي، و ويلك يا يزيد فيه. فأما مروان فاذا مت و جهزتموني و وضعتموني علي نعشي للصلاة، فسيقولون لك: تقدم فصل علي أبيك، فقل: ما كنت لأعصي أمره. أمرني أن لا يصلي عليه الا شيخ بني‌أمية الأعمي مروان. فقدمه؛ فتقدم الي ثقات موالينا يحملوا سلاحا مجردا تحت أثوابهم، فاذا تقدم للصلاة و كبر أربع تكبيرات و اشتغل بدعاء الخامسة، فقبل أن يسلم فيقتلوه فانك تراح منه، و هو أعظمهم عليك. فنم الخبر الي مروان فأسرها في نفسه. و توفي معاوية، و حمل علي سريره، و جعل للصلاة. فقالوا ليزيد: تقدم،فقال لهم ما وصاه أبوه معاوية. فقدموا مروان، فكبر أربعا و خرج عن الصلاة قبل دعاء الخامسة؛ فاشتغل الناس الي أن كبروا الخامسة و أفلت مروان بن الحكم منهم. و بقي أن التكبير علي الميت أربع تكبيرات لئلا يكون مروان مبتدعا. فقال قائل منا: يا سيدنا، فهل يجوز لنا أن نكبر أربعا تقية. فقال عليه‌السلام: هي خمس لا تقية فيها: التكبير خمسا علي الميت، و التعفير في دبر كل صلاة، و تربيع القبور، و ترك المسح علي الخفين، و شرب المسكر. فقام ابن‌الخليل القيسي فقال: يا سيدنا، الصلوات الخمس أوقاتها سنة من رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، أو منزلة في كتاب الله تعالي؟. فقال: رحمك الله، ما استن رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم الا ما أمره الله به. فأما أوقات الصلوات، فهي عندنا، أهل البيت، كما فرض الله علي رسوله. و هي احدي و خمسين ركعة في ستة أوقات، أبينها لكم في كتاب الله عز [ صفحه 275] و جل في قوله: (و أقم الصلوة طرفي النهار و زلفا من الليل) [353] و طرفاه: صلاة الفجر، و صلاة العصر. و التزليف من الليل: ما بين العشاءين. و قوله عزوجل: (يا أيها الذين ءامنوا ليستئذنكم الذين ملكت أيمنكم و الذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلث مرات من قبل صلوة الفجر و حين تضعون ثيابكم من الظهيرة و من بعد صلوة العشاء) [354] بين صلاة الفجر و حد صلاة الظهر، و بين صلاة العشاء الآخرة لأنه لا يضع ثيابه للنوم الا بعدها. و قال الله تعالي: (يا أيها الذين ءامنوا اذا نودي للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا الي ذكر الله) [355] و أجمع الناس علي أن السعي هو صلاة الظهر. ثم قال تعالي: (أقم الصلوة لدلوك الشمس الي غسق اليل) [356] فأكد بيان الوقت و صلاة العشاء من أنها في غسق الليل، و هو سواده، فهذه أوقات الخمس الصلوات، فأمره عليه‌السلام بصلاة الوقت السادس، و هو صلاة الليل فقال عزوجل: (يا أيها المزمل، قم اليل الا قليلا، نصفه أو انقص منه قليلا) [357] أو زد عليه الآية، و بين النصف في الزيادة فقال عزوجل: (ان ربك يعلم أنك تقوم أدني من ثلثي الليل و نصفه و ثلثه و طآئفة من الذين معك و الله يقدر الليل و النهار علم ألن تحصوه فتاب) [358] فالله تبارك و تعالي فرض الوقت السادس مثل الأوقات الخمسة. و لولا ثمان ركعات من صلاة الليل لما تمت احدي و خمسون ركعة. فضججنا بين يديه بالشكر و الحمد علي ما هدانا اليه. فقال عليه‌السلام: زيدوا في الشكر، تزدادوا في النعم» [359] . [ صفحه 276] و مما لا شك فيه أن هذه العناية التامة بفقراء الشيعة لا تخفي علي القاري‌ء أثناء مطالعة هذه الحادثة، و انها لم تصدر عن الامام عليه‌السلام مداراة و لا تلطفا، بل هي عناية حقيقية لأن الموالي الفقير القائم بأمور دينه، خير عند ربه من أغنياء الأرض المقصيرين في أمور الدين.. و لأن الفقر مع الأئمة عليهم‌السلام، خير من الغني مع غيرهم كما قالوا في أكثر من مناسبة. و مما يلفت النظر فيها أيضا، أنه - صلوات الله عليه - قد كشف للوافدين عليه جميع ما أضمروه، و قد أطلعهم علي تفاصيل ذلك و علي تفسيره و تأويله قبل أن يطلبوا ذلك منه، كما هي عادة كل امام.. و لو أنصف الناس أنفسهم لما تولوا عن ولاة أمرهم، أحدا، ولما انصرف واحد منهم عن طريق الهدي الي طريق الضلال. و لكن... ستقول نفس: واحسرتا علي ما فرطت في جنب الله!. و سيندم الكثيرون يوم لا ينفع الندم و لا الحسرة!. و عن أبي‌العيناء، محمد بن القاسم الهاشمي، أنه قال: «كنت أدخل علي أبي‌محمد عليه‌السلام، فأعطش و أنا عنده، و أجله أن يدعو بالماء. فيقول: يا غلام اسقه. و ربما حدثت نفسي بالنهوض؛ فأفكر في ذلك. فيقول: يا غلام، دابته!» [360] . و ورد الخبر في مكان آخر هكذا: «قال أبوالعباس، محمد بن القاسم: [ صفحه 277] «عطشت عند أبي‌محمد و لم تطب نفسي أن يفوتني حديثه، و صبرت علي العطش. فقطع الكلام، و قال: يا غلام اسق أباالعباس، ماء» [361] . و حق لك يا ابن‌القاسم أن تجل هذا الامام العظيم و تهابه. فان من كان من شأنه العلم بما في النفوس يهاب و يجل و يرهب! بل يرعب أي جليس لا يحمل نفسا صافية صفاء الزجاجة النقية!. و أكرم به - و هو في هذه الحال - أن يتخذ وليا و اماما سديدا هاديا الي صراط ربه، يكون نعم الهادي، و شفيعا لمواليه نعم الشفيع، يقدمهم الي جنة عالية في اليوم الموعود، في حين أن فرعون كل زمن (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار و بئس الورد المورود!) [362] . فأوصياء محمد صلي الله عليه و عليهم، لا يصح معهم الا الصحيح و من لعب معهم أحرق أصابعه بالنار!. بل أحرق نفسه في الجحيم.. و هم يريدون أتباعهم أصفياء أنقياء أتقياء غاية في الصفاء و التقي و النقاء، ليكونوا شيعتهم بحق و حقيقة، و أما غير المستجمع لهذه الصفات العالية فيعد من مواليهم، لا أكثر.. و هنيئا لمن خرج عن سلطان نفسه و مواريث عصبيته و رواسب أهوائه، و أخلص للحق و اتبع أهله. و ان من يعلم أنني عطشان فيسقيني، أو أنني محتاج فيرفدني، أو أنني مريض النفس فيشفيني، أو ضال فيهديني، لهو - و أيم الله - أولي بأن يكون امامي و سيدي المطاع، و قائدي الحكيم الأحري بالاتباع. [ صفحه 278] قال محمد بن علي بن ابراهيم بن موسي بن جعفر عليه‌السلام‌هما: «ضاق بنا الأمر فقال لي أبي: امض بنا الي هذا الرجل، يعني أبامحمد عليه‌السلام، فانه قد وصف عنه سماحة. فقلت: تعرفه؟ فقال: ما أعرفه، و لا رأيته قط. فقصدناه. فقال لي أبي و هو في طريقه: ما أحوجنا الي أن يأمر لنا بخمسمائة درهم: مائتا درهم للكسوة، و مائتا درهم للدين - و قيل للدقيق - و مائة للنفقة. و قلت في نفسي: ليته أمر لي بثلاثمائة درهم: مائة أشتري بها حمارا، و مائة للنفقة، و مائة للكسوة، فأخرج الي الجبل. - أي الي همدان و قزوين و غيرهما من البلدان الجبلية في فارس -. قال: فلما وافينا الباب، خرج علينا غلامه فقال: يدخل علي بن ابراهيم، و محمد، ابنه. فلما دخلنا عليه و سلمنا، قال لأبي: يا علي، ما خلفك عنا الي هذا الوقت؟!. فقال: يا سيدي، استحييت أن ألقاك علي هذا الحال. فلما خرجنا من عنده، جاءنا خادمه فناوي أبي‌صرة فقال: هذه خمسمائة درهم: مائتان للكسوة، ومائتان للدين، و مائة للنفقة. و أعطاني صرة فقال: هذه ثلاثمائة درهم: اجعل مائة في ثمن حمار، و مائة للكسوة، و مائة للنفقة، و لا تخرج الي الجبل، و صر الي سوراء. فصار الي سوراء، و تزوج بامرأة، فدخله اليوم ألفا دينار؛ و مع هذا يقول بالوقف. [ صفحه 279] فقال محمد بن ابراهيم: فقلت له: ويحك، أتريد أمرا أبين من هذا؟!. فقال: هذا أمر قد جرينا عليه» [363] . و قال علي بن عيسي في «كشف الغمة» عند رواية هذا الحديث - في آخره -: «و قال محمد بن ابراهيم الكردي: فقلت له: ويحك، أتريد أمرا أبين من هذا؟!. فقال: صدقت، و لكنا علي أمر قد جرينا عليه» [364] . ثم عقب قائلا: هذا هو التقليد الذي ذمه الله في كتابه، فقال حكاية عن الكفار: (انا وجدنآء ءابآءنا علي أمة و انا علي ءاثارهم مقتدون) [365] و لا شبهة أن عذاب هؤلاء الذين بلغتهم الدعوة و رأوا الأدلة و المعجزات، أشد بأضعاف مضاعفة؛ بل لا نسبة لهم مع من لم تبلغهم الدعوة، و لا قامت عليهم الحجة. و هذا العلوي لو لم ير امارة، و لا سمع دلالة، كان أحسن حالا منه بعد ذلك!. و (يهدي الله لنوره من يشآء) [366] . و أنا أقول: ان الأقارب كالعقارب، ليس فيهم غير لازب!. - غالبا -. و البغض في الأهل، و الحسد في الجيران!. - في أكثر الأحيان -. [ صفحه 280] و المثل نبي لشدة صدقه و انطباقه علي الواقع. و من لم يصدق فليسأل أبالهب و أباسفيان، و سائر الأمويين و العباسيين، و الكثيرين من العلويين، عن بعض ما فعلوه مع أبناء عمومتهم من أجل سلطة زمنية زالت نعمتها عنهم و حملوا معهم أوزارها.. و لبسوا عارها. و هولاء - علي كل حال - جافوا أبناء عمومتهم من أجل حكم و سلطان، و نافسوهم للوجاهة و الظهور.. فما بال حفيدي الامام موسي بن جعفر عليه‌السلام - اللذين مر ذكرهما - يقفان من الامامة هذا الموقف، مع أن جل أملهما كان ينحصر في تأمين حمار و لقمة عيش؟!. و لم يؤملا شيئا لآخرتهما. فيا من كانت غاية طموحه أن يملك حمارا.. فملكه اياه الامام دون أن يفوه بكلام! أما ارعويت بعد الدلالة التي رأيت؟!. لقد تمنيت جملة أشياء حققها لك بتمامها و سماها لك كما عينتها ليظهر لك صدق امامته بأوضح برهان، فما باليت.. و بقيت متوقفا علي امامة غيره و جريت علي ما جريت!. فاغرب عن وجوه الناس و ارض بمرافقة الحمار الذي تمنيت.. و الذي بعثك الامام راكبا عليه الي سوراء فتزوجت و استغنيت.. و ما اهتديت!. و خذ مكانك الي جانب حمارك بعد أن حرمت نفسك شفاعة ابن‌عمك.. (فاذا نفخ في الصور فلآ أنساب بينهم يومئذ و لا يتسآءلون!) [367] . أنت و أبوك في هذه السن المتقدمة، و ما عرفتما الامام و لا رأيتماه قط الا عندما طمعتما بكرمه، فما الجواب الذي أعددتماه اذا سئلتما عن هذا [ صفحه 281] التقصير مع نفسكما، و مع ابن عمكما، امام زمانكما؟!. و قال الحسن بن طريف: «اختلج في صدري مسألتان أردت الكتابة فيهما الي أبي‌محمد عليه‌السلام؛ فكتبت أسأله عن القائم عليه‌السلام اذا قام بم يقضي؟. و أين مجلسه الذي يقضي فيه بين الناس؟. و أردت أن أسأله عن شي‌ء لحمي الربع [368] فأغفلت خبر الحمي. فجاء الجواب: سألت عن القائم، فاذا قام قضي بين الناس بعلمه، كقضاء داود عليه‌السلام، لا يسأل بينة. و كنت أردت أن تسأل لحمي الربع فأنسيت. فاكتب علي ورقة و علقه علي المحموم: (ينار كوني بردا و سلاما علي ابراهيم) [369] فانه يبرأ باذن الله. فكتبت ذلك، و علقته علي محموم، فبري‌ء و أفاق» [370] . ان الامام القائم من آل محمد عجل الله تعالي فرجه، حجة الله علي خلقه بعد أبيه العسكري عليه‌السلام؛ و هو عالم من علماء أهل هذا البيت الكريم الذي يفوح منه عبق الوحي و يحتوي لديه تراث السماء من سائر الأنبياء. و قد بينا - أكثر من مرة - أن الامام اذا شاء يعلم شيئا أعلمه الله اياه. و من كانت هذه حاله فلا يحتاج الي بينة و لا الي شهود. و قد رأيت آية ذلك في مختلف الفصول السابقة، و في هذا الموضوع بالذات، كما أنك تراه في هذه الرواية [ صفحه 282] حيث وصف الامام لصاحبه دواء لحمي الربع مع أنه لم يطلب ذلك بل نسيه. فسبحان الملك القدوس الذي له في كل شي‌ء آية تدل علي وحدانيته و قدرته!. فقد جعل أهل هذا البيت الكريم آية من آياته ظاهرة البرهان، تمتد مع الزمان و مدي الدوران!. و لو كان أمرهم مصطنعا لزيفته الأيام، و فضحته التجارب علي أيدي جهابذة الفكر و الكلام. و قال محمد بن الحسن بن ميمون: «لقيت من علة عيني شدة، فكتبت الي أبي‌محمد عليه‌السلام أسأله أن يدعو لي، فلما نفذ الكتاب قلت في نفسي: ليتني كنت سألته أن يصف لي كحلا أكحلها!. فوقع بخطه يدعو لي بسلامتها، اذ كانت احداهما ذاهبة. و كتب بعده: أردت أن أصف لك كحلا، عليك أن تصير مع الاثمد كافورا و توتياء، فانه يجلو ما فيها من الغشاء، و ييبس الرطوبة. فاستعملت ما أمرني به عليه‌السلام، فصحت و الحمد لله» [371] . ان أستاذك في مختبر التحليل و التركيب للعلاجات الطبية لم يصرح عن نفسه يا سيدي، يا أبامحمد!. و لكنك أنت دللت عليه ذوي الأبصار و الأفكار.. لو كانوا يعقلون!. فتبارك الواحد الأحد الذي حين اختارك لأمره في أرضه، و زقك العلم زقا، و علمك ما لم تكن تعلم، لتكون الحجة البالغة التي تدفع كل باطل و تزهقه!. [ صفحه 283] و لأنت و آلك، كحل البصائر ضد عمي القلوب و مرض النفوس!. هدي الله تعالي الناس جميعا - و هدانا - بهداكم، لنكون ذوي بصيرة في أمور ديننا و دنيانا، و أخذ بيد الكل لما فيه رضاه في الدارين. قال جعفر بن محمد بن موسي: «كنت جالسا في الشارع بسر من رأي، فمر بي أبومحمد عليه‌السلام و هو راكب، و كنت أشتهي الولد شهوة شديدة. فقلت في نفسي: تري أني أرزق ولدا؟. فأومأ برأسه: نعم. فقلت: ذكرا؟. فقال برأسه: لا. فحمل لي حمل، و ولدت، لي بنت» [372] . بشرت بخير يا جعفر ولو كانت المولودة أنثي!. فقد حقق الله تعالي أملك و أشبع شهوتك للأولاد. و أنا - حين أكتب حادثتك مع الامام عليه‌السلام - أغبطك علي ايمانك بالايماءة المباركة التي بدت من ذلك الرأس الشريف الذي بادلك حديث الأفكار و لغة الأبصار، و بادرك بالجواب الذي ما فيه ارتياب! و هنيئا لناظريك اللذين اكتحلا بالطلعة الكريمة التي هي باب الاطلالة السماوية علي أهل الأرض بالبركة و الرحمة!. [ صفحه 284] و أخيرا قال هارون بن مسلم: «ولد لا بني أحمد ابن، فكتبت الي أبي‌محمد عليه‌السلام، و ذلك بالعسكر، لليوم الثاني من ولادته، أسأله أن يسميه و يكنيه. و كانت محبتي أن أسميه جعفرا، و أن أكنيه بأبي‌عبدالله. فوافاني رسوله في اليوم السابع، و معه كتاب: سمه جعفرا، و كنه بأبي‌عبدالله، ودعا لي» [373] . أنا أتمني أن يدعو لي الامام عليه‌السلام كما دعا لك يا ابن‌مسلم بعد أن عرف برغبتك في الاسم و الكنية و حققها لك.. و أستغفر الله سبحانه مما أسأت، فان الامام عليه‌السلام يدعو لسائر الناس بالهداية اذ خلقه الله تعالي طاهر الذات، كامل الصفات، يدعو لسائر العالمين، شأنه مع أهل عصره كشأن النبي في قومه، يقول: اللهم اهد قومي فانهم لا يعلمون.. قد آمنتم يا هارون بعدما سمعتم و رأيتم، و نحن انما رأينا سوادا في بياض فآمنا.. فاللهم اكتبنا مع الشاهدين، و اجعلنا في عبادك المؤمنين.. و ويل لحكام الظلم الذين رأوا و سمعوا، و ما وعوا!. [ صفحه 285]

آياته و معجزاته

اذا وقعت في يد الانسان قصة خرافية، أو رواية خيالية، أو تمثيلية خلاعية، أقبل علي قراءتها بشغف و تأثر بفصولها و أحداثها أشد تأثر، فمجد البطل مرة، وضحك مع الساخر أخري.. و ربما اضطرب قلبه و فار دمه مع العقدة المتأزمة - بل قد يبكي و تسيل دموعه للكارثة التي يقرأها - مرة ثالثة ثم يخرج من قراءته و هو يندد بالمعتدي، و يشفق علي المظلوم، و لا يفارقه الاحساس بها و التحدث عن وقائعها مدة من الزمن.. أما اذا وضع بين يديه، و في خدمته، تقرير حقائق هامة ذات مساس بسعادته في الدارين، تتعلق بمعرفة «امام» تؤدي معرفته، أو الجهل به، الي جنة لا ينقضي نعيمها، أو نار لا يخمد جحيمها، فانه يزور و يصعر خده و تأخذه عزة اثم، فيشيح بوجهه عنها، و ينصرف عن رؤية ما بذله الكاتب من جهد لصالح اخوانه، و ليخلصهم من حبائل ابليس الذي يجري من الانسان مجري النفس و الدم!. الامامة وظيفة الهية لا شأن للعباد في استصدار مرسومها؛ قد فرض الله تعالي علي العباد معرفتها فرضا، و أوجبها كالصلاة و الصوم و الحج و غيرها، و قضي سبحانه بأن لا يعذر لأحد في جهلها، لأن الامام يكون حجة علي العباد في الدنيا، و شاهدا عليهم في الآخرة بل (يوم ندعوا كل أناس [ صفحه 286] باممهم) [374] ليكون شفيعهم لدي الله تبارك و تعالي يوم الحشر و الحساب فيقول للجنة هذا لك فاسقبليه، أو خصيمهم فيقول للنار: هذا لك فخذيه!. الأمر الذي يقتضي من الانسان وقفة تفكر بمصيره و هو حي قادر علي العمل، قبل أن يقف وقفة ذل و صغار يوم لا تفيد التوبة و لا طلب العودة الي الحياة الدنيا ليعمل ما يرضي ربه، كما أنه لم ينفعه قوله حين يأتيه الموت: (رب ارجعون، لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا انها كلمة هو قآئلها و من ورآئهم برزخ الي يوم يبعثون) [375] و في ذلك البرزخ عذاب أو نعيم، الي أن يقوم الناس لرب العالمين.. و بعدها يكون الخلود الأبدي، اما في نعيم، و اما في جحيم سرمدي!. هذه واحدة، و الثانية أن الشي‌ء المستهجن عند سائر الناس: هو أن يتكلم الانسان حول الآيات و المعجزات. فانهم عند ذلك يستغربون سفاهته، و يقلبون الشفاه و يسخرون!. مع أن الرسول الذي يأتي من عند السلطان بأمر هام لا يصدق اذا لم يكن بيده مستند يقرر مهمته، و لا يعبأ به ان لم يقدم دليلا علي صحة تكليفه، مع أن السلطان حاضر منظور يخاف بطشه. فيكف بالنبي و الوصي اللذين يتكلمان عن غيب غير مرئي، و عن رب غير منظور؟!. النبي و الوصي لا بد لهما من دلائل تثبت صحة أقوالهما، و لا يستغنيان عن الاتيان بخوارق تبين صدق انتدابهما من قبل رب عظيم قادر لا يري، و لكنه ينقذهما في ساعة العسرة، و ينجدهما بالبينات و الآيات التي توضح علاقة اله عظيم قادر بمخلوق مختار للعباد يأتي بما لا يستطيع أن يأتي به العباد. و بذلك يحرك التفكير عند المفكر البصير، و يهدي الله به من كان يخشي سوء المصير و يطمع برضوان خالقه و رازقه جل و علا. [ صفحه 287] فالمعجزة ضرورة للنبي و الوصي، و لا غني لهما عنها، و محتوم عليهما الاتيان بها في مناسبتها و عند تحدي أهل العناد. و اذا هما عجزا عنها، لا يكونان علي حق في دعواهما، و ان هي لم تكن ميسورة لهما بقدرة ربهما فما هما بنبي و لا وصي، لأن الآية و المعجزة من الأجهزة الضرورية في الخلافة الأرضية، أو السفارة السماوية، التي لا تتكلم الا عن غيب لا يثبته الا المعجز. و ان «آلة» تلك السفارة هي الشاهد علي صحة الانتداب الرباني، و البرهان القاطع علي صحة دعوي المنتدب. و قد قال الامام أبوالحسن الهادي عليه‌السلام. «ان الله جعل قلوب الأئمة موردا لارادته، فاذا شاء الله شيئا شاؤوه. و هو قول الله: (و ما تشآءون الا أن يشآء الله!)» [376] . فيكف بقلوب الرسل و الأنبياء؟!. فالآية المعجزة لا تكون من النبي أو الوصي الا باذن الله تعالي و مشيئته و قدرته، و لا يتسني لأحدهما أن يأتي بها في كل حين، بل في موضعها اللائق حيث تترتب المصلحة أو المفسدة و حيث يلهمه الله سبحانه ذلك.. (و ما كان لرسول أن يأتي بأية الا باذن الله..) [377] . و مما لا شك فيه أن الكاتب اذا أراد أن يتكلم في موضوع معجزات امام منصب من الله تعالي، يعجز قلمه، و يكل فهمه و علمه عن ابتداع لغة أو اختيار ألفاظ تنهض بتحليل المعجزة و تعليلها، لأن محاولة بيان حقيقة المواهب الربانية ليست في متناول الفكر المحدود، و لا العقل المحصور في [ صفحه 288] هذه الجمجمة المقفلة بعظام صلبة، و لا الفكر المحبوس في اهاب هذا الجسد الترابي الذي هو أحقر من أن يطال أمور السماء و يصل الي فلسفة الظواهر الغيبية، اذ لا يستطيع أن يثب الي آفاق ما وراء الطبيعة البشرية، بل يقف خاسئا حسيرا مخيرا بين أن يؤمن بغيب، أو أن يتقوقع مع ذوي العقول المتحجرة التي تتيه في الشك، لأنها لا تريد أن تسمع كلام الله. و لا تحاول التصديق بقدرته التي لا يعجزها شي‌ء!. فأين للعقل و الفهم و اللغة و القلم، عن فلسفة ما قاله أبوبصير - مثلا - حين قال: «دخلت علي - كل من - أبي‌عبدالله و أبي‌جعفر عليه‌السلام‌هما، و قلت: أنتما ورثة رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم؟. قال: نعم. قلت: فرسول الله وارث الأنبياء، و علم كل ما علموا؟!. فقال لي: نعم. فقلت: أنتم تقدرون أن تحيوا الموتي، و تبرئوا الأكمه و الأبرص؟!. فقال لي: نعم، باذن الله. ثم قال: أدن مني يا أبامحمد - و هو أعمي كما هو معلوم -. فمسح يده علي عيني و وجهي، و أبصرت الشمس، و السماء، و الأرض و البيوت، و كل شي‌ء في الدار!. قال: أتحب أن تكون هكذا و لك ما للناس و عليك ما عليهم يوم القيامة، أو تعود كما كنت و لك الجنة خالصا؟. قلت: أعود كما كنت. [ صفحه 289] فمسح علي عيني، فعدت كما كنت» [378] . «و قال علي بن الحكم: حدثت بن ابن عمي فقال: أشهد أن هذا حق، كما أن النهار حق» [379] . فأثر مسح يد الامام علي عيني صاحب له أعمي العينين لا يفلسف و لا يعلل. و رؤية هذا الأعمي العينين لقسم كبير من الكون و هو في الدار، لا تفسر و لا تؤول. و كذلك شفاء الأكمه و الأبرص، و احياء الموتي و ما شابهه، لا يمكن ايضاح حقيقته. و أبوبصير - الضرير! - الراسخ الايمان، الواسع المعرفة بماهية الامام، قد سمع و رأي، و اقتنع و وعي.. و كان علي حق حين طلب أن يعود الي العمي مع ضمان الجنة، اذ خاف أن يأخذه غرور السامري الذي خوله الله تعالي صفة معجزة فأضل بها بني اسرائيل في غياب موسي عليه‌السلام، و جعلهم يعبدون العجل الذي صنعه من ذهبهم و حليهم بآية سماوية لم يكن أهلا لأن يحمل ثقلها و مسؤوليتها!. فقد فضل صاحب امامنا عليه‌السلام فقبل بليته في هذه الدنيا مع ضمان الجنة، علي أن يكون سامري هذه الأمة و يقف للحساب موقفا متأرجحا بين رضوان ربه و غضبه. فلا جرم أن تقبل المعجزة دون محاولة تحليلها عقليا و علميا، لأنها لا تقع تحت حس العقل المرهف، و لا تحت مجهر المختبر العلمي، و لا تشبه ما يجري في العرف و العادة، بل هي فوق ذلك كله، لأنها نازلة من فوق!. [ صفحه 290] من الكبير المتعالي الذي لا يدرك بتصور و لا يتخيل بخيال، و لا تفلسف أفعاله، و لا تحدد قدرته، ان ذلك يهبط بأسهم ربوبيته و يخترق حجب قدسيته، تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا. وندخل الآن الي محراب قدس سفارة امامنا أبي‌محمد، الحسن العسكري عليه‌السلام، لنستعرض في بعض الملفات المحفوظة في أدراج مكاتبها مما تركه الرواة لنا رغم ضيق الزمان و ظلم السلطان: فقد قال أبويعقوب اسحاق بن أبان: «كان أبومحمد عليه‌السلام يبعث الي أصحابه و شيعته: صيروا الي موضع كذا و كذا، و الي دار فلان، و فلان، العشاء و العتمة، في ليلة كذا، فانكم تجدوني هناك!. و كان الموكلون به - في الحبس - لا يغادرون باب الموضع الذي حبس فيه عليه‌السلام بالليل و النهار. و كان - الخليفة - يعزل في كل خمسة أيام الموكلين، و يولي آخرين بعد أن يجدد عليهم الوصية بحفظه - أي محبوسا مضيقا عليه - و التوفر علي ملازمة بابه. فكان أصحابه و شيعته يصيرون الي الموضع، و كان عليه‌السلام قد سبقهم اليه، فيرفعون حوائجهم اليه، فيقضيها لهم علي منازلهم و طبقاتهم، و ينصرفون الي أماكنهم بالآيات و المعجزات.. و هو عليه‌السلام في حبس الأضداد!» [380] . و انها لمعجزة خارقة حقا!. [ صفحه 291] اذ كيف يتأتي للامام السجين الموضوع تحت الرقابة الشديدة العنيدة، أن يخرج من الحبس الثقيل الأقفال، الموصود الأبواب، المرصود بالحرسة الشرسين، ثم لا يراه أحد ذاهبا، و لا آيبا؟!. فمن أين كان يخرج، و يدخل؟!. و كيف كانوا يسهون عنه طيلة غيابه، و هم ساهرون علي حراسته و التضييق عليه؟!. لا جواب يفي بكل هذه الأسئلة، الا اذا استطعنا أن نجيب علي عمل برخيا وصي سليمان عليه‌السلام حين أتاه بعرش بلقيس من اليمن الي القدس بأقل مما تطرف العين.. فالآية عمل رباني ينسحب تحت قوله عزوجل للشي‌ء: كن، فيكون. و لا يوصل الي فهمها تفكير و لا تقدير لأنها فوق المعقول.. و بهذا كانت معجزة. و كما أنه سبحانه و تعالي لا تدركه الأبصار، و لا تحدد كنهه العقول، فكذلك ما يجري باسمه الأعظم علي أيدي عباده المنتجبين. فصدقني و أرح نفسك من البحث عن تعليلها، ثم آمن بها أو ارفضها اذا شئت.. و قد حدث الثقات الأبدال: يونس بن ظبيان، و المفضل بن عمر، و أبوسلمة السراج، و الحسين بن نوير بن أبي‌فاختة، قالوا: «كنا عند أبي‌عبدالله عليه‌السلام، فقال: لنا خزائن الأرض و مفاتيحها؛ ولو شئت أن أقول برجلي: أخرجي ما فيك من الذهب لأخرجت!. فمال باحدي رجليه، فخطها في الأرض خطا، فانفجرت الأرض!. ثم مال بيده، فأخرج سبيكة ذهب قدر شبر، فتناولها!. [ صفحه 292] فقال: انظروا فيها جسا و حسا، لا تشكوا!. - أي تيقنوا من صحة ما ترون -. ثم قال: انظروا في الأرض.. فاذا سبائك في الأرض كثيرة، بعضها علي بعض يتلألأ!. فقال له بعضنا: جعلت فداك، أعطيتم كل هذا، و شيعتكم محتاجون!. فقال: ان الله سيجمع لنا و لشيعتنا الدنيا و الآخرة، فيدخلهم جنات النعيم، و يدخل عدونا الجحيم» [381] . و مثل هذه المعجزة، ما رواه علي بن راشد، عن أبي‌هاشم الجعفري قدس الله روحيهما، حين قال: «شكوت الي أبي‌محمد، الحسن بن علي عليه‌السلام الحاجة، فحك بسوطه الأرض فأخرج منها سبيكة فيها نحو الخمسمائة دينار، فقال: يا أباهاشم، خذ، واعذرنا» [382] . فبوركت تلك الأيدي التي تعمل بمشيئة ربها و قدرته ما يجعل الناس بين مصدق مؤمن، و مكذب كافر بما يصدر عن ارادة الله العزيز الجبار الذي يرعي أولياءه المقربين ليميز بينهم و بين الآخرين، و تكون كلمتهم هي العليا و المسموعة التي تهدي للتي هي أقوم. [ صفحه 293] و روي أبوهاشم الجعفري - المذكور - أنه ركب أبومحمد الي الصحراء فركبت معه، فبينما كان يسير قدامي و أنا خلفه، اذ عرض لي فكر في دين كان علي قد حان أجله، فجعلت أفكر في أي وجه قضاءه؟. فالتفت الي و قال: الله يقضيه. ثم انحني علي قربوس سرجه فخط بسوطه خطة في الأرض، فقال: يا أباهاشم، انزل فخذ واكتم. فنزلت و اذا سبيكة ذهب، فوضعتها في خفي و سرنا!. فعرض لي الفكر فقلت: ان كان فيها تمام الدين، و الا فاني أرضي صاحبه بها، و يجب أن ننتظر في وجه نفقة البيت، و ما نحتاج اليه من كسوة و غيرها. فالتفت الي، ثم انحني ثانية فخط بسوطه مثل الأول، ثم قال: انزل و خذ واكتم. فنزلت فاذا بسبيكة - فضية - فجعلتها في الخف الآخر و سرنا يسيرا، ثم انصرف الي منزله. و انصرفت الي منزلي، فجلست فحسبت ذلك الدين و عرفت مبلغه ثم وزنت سبيكة الذهب فخرج بقسط الدين ما زادت و لا نقصت!. ثم نظرت ما نحتاج الي لشتوتي من كل وجه، و تعرفت مبلغه الذي لم يكن بد منه علي الاقتصاد بلا تقتير و لا اسراف، ثم وزنت سبيكة الفضة فخرجت علي ما قدرته، ما زادت و لا نقصت» [383] . فعلل و حلل، و فسر اذا استطعت أن تبلغ الأسباب!. أو أذعن و سلم [ صفحه 294] فان فرعون لم يستطع أن يطلع الي اله موسي، بل ابتلعه بحر عناده و كفره بآيات ربه!. ثم لا تنس تذكر أشياء في هذه الرواية، منها: ان الامام عرف ما فكر به صاحبه، و علم مقدار دينه، و أن سبيكة الذهب كانت بمقدار الدين، ما زادت و لا نقصت!. و أن سبيكة الفضة كانت كفاء لوازم الشتاء دون زيادة و لا نقصان!. فكيف قدر ذلك الامام يا تري؟!. و كيف جاءت كل سبيكة وافية بالحاجة بلا أكثر و لا أقل؟!. و بالأخير، ان ذلك كان بلا طلب.. و دون اعمال فكر و اجراء حسابات قام بها الامام لتسديد حاجة صاحبه.. بل تم كله بعلم الله الذي يعلم السر و أخفي.. صدق أن هذا الفعل لا يصدر عن رجل عادي.. و لا يكون الا بتدخل سماوي مائة بالمائة!. أو كذب بذلك و خذ مقعدك بين صفوف المكابرين (الظآنين بالله ظن السوء) [384] . و قال محمد بن عياش: «تذاكرنا آيات الامام عليه‌السلام، فقال ناصبي - أي مبغض للامام و الاماميين -: اذا أجاب عن كتاب أكتبه بلا مداد - أي بلا حبر -. علمت أنه حق. فكتبنا مسائل، و كتب الرجل بلا مداد علي ورق و جعله في الكتاب، و بعثنا اليه. [ صفحه 295] فأجاب عن مسائلنا، و كتب علي ورقته اسمه و اسم أبويه. فدهش الرجل!. - أي ذهل و غاب كالمغمي عليه - فلما أفاق اعتقد الحق» [385] . فبأي نظر أمد الله سبحانه هاتين العينين الشريفتين اللتين تريان ما لا يري؟!. و كيف اخترق بصر الامام صلوات الله و سلامه عليه، حجب الظلال الوهمية التي رسمها الناصبي علي ورقته البيضاء؟!. و لم لم يشتبه و يكتب غير اسم أمه و أبيه بعد اسمه؟!. و كيف عرف أن تلك الورقة البيضاء كانت كتابا مسطورا بلا مداد، و ينبغي أن يجاب عليه؟!. و كيف عرف أنه طلب منه كتابة اسمه و اسم أبويه؟!. و بأي آلاء هذا الامام يكذب الناصبي بعد حدوث هذه الآية منه، ولو كان نصبه أعظم من جبل قاف؟!. فاعذر معي هذا الناصبي اذا ذهل و غاب كالمغمي عليه حين رأي جواب رسالته.. وثق - يا أخي - أن الأئمة يؤتون بالكلام ولو همس به في الظلام، و كان في طي الغيم؛ و أن خدم سفارتهم الالهية يعملون بين أيديهم بسرعة فوق الالكترونية، و بأشد من سرعة النور والكهرباء، ليظلوا مسددين من ربهم، و مؤيدين بنصره!. [ صفحه 296] و من العجيب مثلا أن يقرأ الامام رسالة كتبت علي ورق بلا حبر!. و من سمع بذلك يحتاج الي تأمل طويل و تفكر عميق في فضل الله تعالي الذي حبا به ذلك الامام العظيم!. فان السامع ان استطاع أن يتهضم هذه القدرة الخارقة التي وهبه الله تعالي اياها، استطاع أن يطمئن الي صدق وقائع السماء و أن يؤمن بالمعاجز ايمان عجائز، و يناقش فيه نقاش عارفين. أما اذا عبس و بسر، و أدبر و استكبر عن سماع أمثالها، فانه - حينئذ - لا يكون ممن نتعاطي معه الكلام علي أساس أن الله سبحانه قادر علي فعل ما يشاء كما يشاء. أما آية الآيات العظمي في موضوعنا، هذا، فهي في ما حكاه أبوهاشم الجعفري الذي قال: «دخلت علي أبي‌محمد عليه‌السلام و هو يكتب كتابا، فحان وقت الصلاة الأولي، فوضع القلم من يده و قام عليه‌السلام الي الصلاة، فرأيت القلم يمر علي باقي القرطاس من الكتاب و يكتب، حتي انتهي الي آخره، فخررت ساجدا!. فلما انصرف من الصلاة - أخذ القلم بيده، و أذن للناس» [386] . فزت يا أباهاشم بسجودك للحق لما رأيته، كما فاز سحرة فرعون حين جاؤوا متحمسين لظهور انتصارهم أمام فرعونهم (فألقوا حبالهم و عصيهم و قالوا بعزة فرعون انا لنحن الغالبون) [387] فتحركت الحبال و العصي بسحرهم و خاف الناس (فألقي موسي عصاه فاذا هي تلقف ما يأفكون) [388] فعرف السحرة [ صفحه 297] أن عمله ليس سحرا بل معجزة (فألقي السحرة ساجدين، قالوا ءامنا برب العالمين) [389] . فما أحسن العقل اذا قاد صاحبه الي الهدي!. و ما أقبحه اذا أورده موارد الردي!. و ان قلما يمر علي الورق وحده و تديره أنامل الغيب، لهو أدعي للتبصر و التفكر بآيات مخلوق أعطاه ربه تعالي ما لم يعط غيره من معاصريه.. ولتريح بالك نقول: ان سكرتير السفارة الالهية قد تولي اتمام الرسالة حين انصرف الامام عليه‌السلام الي صلاته، و قد يكون ملكا موكلا لا قدرة لعيوننا علي رؤيته كما أنها لا قدرة لها علي رؤية ملكين كريمين يرافقان كل واحد منا، و يسجلان علينا أعمالنا و أفعالنا صوتا و صورة كتصوير الفيديو - يكون كتابا منشورا بين أيدينا يوم القيامة، فقد قال سبحانه في كتابه الكريم: (انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) [390] . و علي كل حال، فان حكاية قراءة رسالة كتبت علي الورق بلا مداد، و حكاية قلم يكتب علي الورق وحده و دون يد تمسكه، آيتان جديرتان بأن يؤخذا بعين الاعتبار عند كل مؤمن بقدرة الله تبارك و تعالي!. روي عن علي بن جعفر، عن حلبي - هكذا بالأصل - قال: «اجتمعنا بالعسكر، و ترصدنا لأبي‌محمد عليه‌السلام يوم ركوبه - أي يوم خروجه الي دار السلطان - [ صفحه 298] فخرج توقيعه: ألا لا يسلمن علي أحد، و لا يشير الي بيده، فانكم لا تأمنون علي أنفسكم!. قال: و الي جانبي شاب، فقلت: من أين أنت؟. قال: من المدينة. قلت: ما تصنع هاهنا؟. قال: اختلفوا عندنا في أبي‌محمد عليه‌السلام، فجئت لأراه و أسمع منه، أو أري منه دلالة ليسكن قلبي، و اني لولد أبي‌ذر الغفاري. - أي من ذريته رضوان الله عليه -. فبينما نحن كذلك، اذ خرج أبومحمد عليه‌السلام مع خادم له. فلما حاذانا نظر الي الشاب بجنبي فقال: أغفاري أنت؟. قال: نعم. قال: ما فعلت أمك حمدوية؟. فقال: صالحة. و مر..، فقلت للشاب: أكنت رأيته قط، و عرفته بوجهه قبل اليوم؟!. قال: لا. قلت: فينفعك هذا؟. - أي هل تكفيك هذه الدلالة علي امامته؟. -. قال: و دون هذا» [391] . أتري أنه كان بين الامام عليه‌السلام و بين حمدوية خبز و ملح؟!. يقينا، لا.. و اذن، فقد أعطي الغفاري دلالة كافية قاطعة.. و بحسب الظاهر أن أم [ صفحه 299] الغفاري كانت مؤمنة صالحة و ربما كانت قد ناقشت ابنها كثيرا بشأن امامة العسكري عليه‌السلام فلم يقتنع، أو أنها هي التي دفعته الي قطع هذه المسافة بين الحجاز و العراق ليستطلع أمر الامام و لئلا تبقي متوقفة علي امامة غيره. و لم يفتك - طبعا - أن أبامحمد عليه‌السلام قد عرف الشاب الغفاري من بين مئات الواقفين علي جانبي الطريق، و انتقاه بذاته من بينهم و ذكر هويته مع أنه لم يره قبل ذلك مطلقا لأنه في اقامة جبرية داخل حرم سامراء في السجن الكبير، اذ هو في بيته، أو في سجن الحاكم الظالم. و حدث محمد بن الحسن بن ذوير، عن أبيه، قال: «كان يغشي أبامحمد العسكري بسر من رأي كثيرا. و أنه أتاه يوما فوجده قد قدمت اليه دابته ليركب الي دار السلطان و هو متغير اللون من الغضب. و كان بجنبه رجل من العامة اذا ركب دعا عليه و جاء بأشياء يشنع بها عليه. و كان عليه‌السلام يكره ذلك. فلما كان في ذلك اليوم، زاد الرجل في الكلام و ألح، فسار الي مفرق الطريقين، و ضاق علي الرجل أحدهما - أحد الطريقين - من كثرة الدواب، فعدل الي طريق يخرج منه و يلقاه فيه. - أي يلقي الامام عليه‌السلام ليتابع التشنيع عليه -. فدعا عليه‌السلام بعض خدمه و قال له: امض و كفن هذا. - أي غطه بثوب حين يموت -!. فتبعه الخادم. فلما انتهي عليه‌السلام الي السوق، خرج الرجل من الدرب ليعارضه، و كان في الموضع بغل واقف، فضربه البغل فقتله!. [ صفحه 300] و وقف الغلام فكفنه كما أمره، و سار عليه‌السلام، و سرنا» [392] . و هكذا قتل البغل النغل، العتل الزنيم!. و ليس لهذا النغل الذي يكايد ولي الله، الا هذا البغل الذي لبطه فأرداه قتيلا شهيد حافر أوردته سوء عقباه!. و قالت له الحافر: هذا جزاء من افتري من اللؤماء علي الأولياء و الأصفياء!. فما أرخص قوتك أيها الرجل، و ما أهونك علي رجل بغل أوردتك حافرها حفرة من حفرة من حفر جهنم!. و مع ذلك فقد أمهلك الله تعالي كثيرا حين كنت تترصد باب علمه و خازن معرفته لتعيبه و تشتمه، و لكن البغل الكريم لقاك حتفك و لم يطق صلفك، حين رأي الامام يبعث الغلام ليكفنك بعد موتك بضربة حافره!. فما أشقاها ميتة تحت حافر بغل!. و ما أسوأ جراء من نصب اختياره في مقابل اختيار ربه!. (ان في ذلك لآية و ما كان أكثرهم مؤمنين) [393] . و كنا نقول بموت ذلك الرجل صدفة - كما يقول الطبيعيون - لولا أن الامام عليه‌السلام قد أعد لتكفينه سلفا، وأمر خادمه بذلك مسبقا. و ننتقل بك الي قتيل آخر من أعداء الحق، أرداه دعاء الامام - عليه‌السلام - فقد قال علي بن سليمان بن رشيد العطار البغدادي: [ صفحه 301] «كان عروة بن يحيي يلعنه أبومحمد عليه‌السلام. و ذلك أنه كانت لأبي‌محمد عليه‌السلام خزانة و كان يليها علي بن راشد رضي الله عنه، فسلمت الي عروة فأخذها لنفسه، ثم أحرق باقي ما فيها، يغايظ بذلك أبامحمد عليه‌السلام. فلعنه و بري‌ء منه و دعا عليه، فما أمهل يومه ذلك و ليلته حتي قبضه الله الي النار!. فقال عليه‌السلام: جلست لربي في ليلتي هذه كذا و كذا جلسة - أي صلي و قام و قعد و دعا - فما انفجر عمود الصبح، و لا انطفأ ذلك النهار حتي قتل الله عروة لعنه الله» [394] . و ان جلسة الامام لربه، لتخيف العاقل و تطيح بالجاهل، اذ ليس لها من الله من واق و لا دافع!. فمذ حاول عروة مغايظة الامام، رفع سلام الله يديه لربه داعيا مبتهلا، فأذاق عدوه طعم الموت الزؤام.. و بعث به الي سعير كلما نضج فيه جلده بدله الله سبحانه جلدا غيره ليذوق و بال أمره بلا انقضاء أمد.. و الي أبد الأبد!. و قد كان هذا العتل الزنيم قد كذب علي امامنا عليه‌السلام، و علي أبيه من قبله، و اختلس أموالهما و أظهر من النصب ما لا يوصف. و كان الأولي بعروة أن يستمسك بالعروة التي لا انفصام لها، فان أهل البيت عليهم‌السلام هم حبل الله الممدود بين السماء و الأرض و من أخذ به نجا، و من استنكف و أبي ضل و هوي!. و لقد اختارهم الله تعالي علي علم، و جعلهم هداة للناس و شفعاءهم في يوم الجزاء، فما فارقوا كتابه المجيد، [ صفحه 302] و لا رسوله الكريم، و لا حادوا عن أمر ربهم في أشد ظروفهم ضيقا و حرجا، و لم يصانعوا حاكما و لا هابوا ظالما، و لم يدوروا الا في فلك مرضاته سبحانه و طاعته. و قال أحمد بن محمد الأقرع: «حدث أبوحمزة، نصر الخادم فقال: سمعت مولاي أبامحمد عليه‌السلام غير مرة - أي أكثر من مرة - يكلم غلمانه، و فيهم ترك، و روم، و صقالبة!. فتعجبت من ذلك و قلت: هذا ولد بالمدينة و لم يظهر لأحد حتي مضي أبوالحسن - أبوه - عليه‌السلام و لا رآه أحد، فكيف هذا؟! أحدث نفسي بذلك. فأقبل علي فقال: ان الله تبارك و تعالي أبان حجته من سائر خلقه، و أعطاه معرفة كل شي‌ء، و هو يعرف اللغات و الأنساب، و الآجال و الحوادث، و لولا ذلك لم يكن بين الحجة و المحجوج فرق» [395] . و بهذا أبان الامام عليه‌السلام السر و جلا الشك و الارتياب، و انقطع كل سؤال و جواب.. فالله تعالي خير المعلمين (علم الانسان ما لم يعلم) [396] و هو قادر علي أن يخلق عالما مثلما هو قادر علي أن يخلق جاهلا أميا. و لو كان حجة الله [ صفحه 303] علي خلقه مثلي و مثلك - يا قارئي العزيز - ما كان من فرق بين الجاهل و بين من ترعرع في أحضان المدارس و الكليات و الجامعات، و لكانت الدولة الكبري تأتي براعي البقر و ترسله سفيرا لها في دولة كبري أخري، و لما احتاجت الي واحد يتقن عدة لغات، و يحسن جملة علوم و ثقافات، و يتمتع بشخصية فذة و وجه مقابلة لائق.. فنحن نعيش هذه الوقائع و نعرف أن المنتدب لتمثيل دولته يكون من خيرة رجالها علما و معرفة و عقلا و تدبيرا و حنكة، فلا يجوز أن نتعجب من اختيار الله لتمثيل ملكوته العظيم، عظيما لا يشبهه أحد من معاصريه الذين يعاشرهم و يحيا معهم.. و لا بد - اذا- من وجود فرق بين اختيار الله تعالي و اختيار الخلق،كما أنه لا بد أن يختلف الفارق بين الاختيارين، لاختلاف قدرة الخالق عزوجل و قدرة المخلوق!. و اذن، فلو كان في الأرض ألف لغة، لوجب أن يخلق الله حجة له علي أهل الأرض يعرف الألف لغة و أن يجعله مفطورا علي النطق بها جميعا كما خلق مفطورا علي امتصاص ثدي أمه اذا جاع: أو علي الأكل والشرب اذا جاع و عطش، أو علي النوم اذا نعس.. أما كون الامام عليه‌السلام ولد بعيدا عن أبيه، و لم يظهر علي أحد من معاصريه، و لم يره بشر و لا جلس بين يدي أستاذ، فان ما ينسحب علي غيره من الخلق لا ينسحب عليه، لأن علمه موهوب له من ربه، غير مستفاد من غيره، و هو يزقه زقا بقدرة ربه. قال أحمد بن اسحاق: «دخلت علي أبي‌محمد عليه‌السلام، فسألته أن يكتب لأنظر الي خطه فأعرفه اذا ورد. [ صفحه 304] فقال: نعم. ثم قال: يا أحمد، ان الخط سيختلف عليك ما بين القلم الغليظ و القلم الدقيق، فلا تشكن. ثم دعا بالدواة، فقلت في نفسي: أستوهبه القلم الذي كتب به. فلما فرغ من الكتابة أقبل يحدثني و هو يمسح القلم بمنديل الدواة ساعة، ثم قال هاك يا أحمد، فناولنيه. - أي أعطاه القلم قبل أن يطلبه منه -!. فقلت: جعلت فداك: اني أغتم بشي‌ء يصيبني في نفسي. و قد أردت أن أسأل أباك فلم يقض لي بذلك. فقال: و ما هو يا أحمد؟. فقلت: سيدي، روي لنا عن آبائك أن نوم الأنبياء، علي أقفيتهم، و نوم المؤمنين علي أيمانهم. و نوم المنافقين علي شمائلهم، و نوم الشياطين علي وجوههم. فقال عليه‌السلام: كذلك هو. فقلت: يا سيدي، اني أجهد أن أنام علي يميني فلا يمكنني، و لا يأخذني النوم عليها. فسكت ساعة، ثم قال: يا أحمد ادن مني. فدنوت منه، فقال: أدخل يدك تحت ثيابك - أي أخرج يدك من الكم -. فأدخلتها. فأخرج يده من تحت ثيابه و أدخلها تحت ثيابي، فمسح بيده اليمني علي جانبي الأيسر، و بيده اليسري علي جانبي الأيمن، ثلاث مرات. [ صفحه 305] فقال أحمد: فما أقدر أن أنام عن يساري منذ فعل بي ذلك عليه‌السلام، و ما يأخذني نوم عليها أصلا!» [397] . و اذا قال أحمد بن اسحاق ذلك، فقد قاله الثقة الجليل الذي كان موفد القميين علي الامام عليه‌السلام، و علي أبيه من قبله؛ و قد روي عنهما. مضافا الي أنه اعتني به صاحب العصر و الزمان عجل الله تعالي فرجه فشرفه بأن كتب اليه أكثر من مرة.. فقد علم امامنا عليه‌السلام ما في نفس ابن‌اسحاق من الرغبة في أخذ القلم الذي كتب به للتبرك به، فمسحه بعد الكتابة و قدمه اليه دون طلب!. ثم لما شكا اليه عدم استطاعته أن ينام علي جنبه الأيمن. أمر يديه الشريفتين علي جنبيه، فتغيرت بذلك طبيعته و لم يأخذه نوم علي يساره بعد ذلك أصلا!. فبوركت يد المسيح عليه‌السلام التي كانت تشفي المرضي و تحيي الموتي باذن الله!. و بوركت معها أيدي سائر أولياء الله و أصفيائه التي تحمل مواريث السماء و تفعل بقدرة ربها ما تشاء اذ يشاء!. و ان لسانا جعله الله تعالي يستمر علي التلفظ باسم الله الأعظم، لتنجده حكومة السماء عند اللأواء، و ترفده قدرة رافع السماء و باسط الأرض بما لا يقدر عليه الا هو تبارك و تعالي.. فلا تذهبن بك المذاهب.. و لا تشرق، و لا تغرب، لئلا تعيش في ضياع، و تدور في فراغ.. [ صفحه 306] و قال محمد بن الحسن بن شمون: «كتب اليه ابن عمنا محمد بن زيد يشاوره في شراء جارية نفيسة، بمائتي دينار لابنه. فكتب: لا تشترها، فان بها جنونا، و هي قصيرة العمر مع جنونها. فأضربت عن أمرها، ثم مررت بعد أيام و معي ابني علي مولاها، فقلت: أشتهي أن أستعيد عرضها و أراها. فأخرجها الينا. فبينما هي واقفة بين أيدينا، حتي صار وجهها في قفاها!. فلبثت علي تلك الحال ثلاثة أيام و ماتت» [398] . فمن الذي كشف للامام عليه‌السلام عن جنون الجارية؟. و كيف عرف قصر عمرها؟. لا جواب علي جميع الأسئلة المتشابهة حول علم الامام و آياته الا جواب واحد، و هو أن ولي الله علي العباد ليس ساحرا و لا عرافا و لا ضاربا بالرمل، بل هو عالم متخرج من جامعة السماء الالهية الكبري؛ و هو من جملة علمائها المنتجبين الأصفياء، يحمل منها شهادة كفاءة لمركزه كأمين في الأرض علي تركة السماء، لا يكون الا فوق مستوي أهل زمانه مهما كان فيهم من علماء و فقهاء و فلاسفة و جهابذة فنون. و مما لا شك فيه أن ابن‌شمون قد امتثل أمر الامام العسكري صلوات الله عليه، و كذلك ابنه الذي كان له هوي بالجارية التي لا ريب أنها كانت جميلة فاتنة بالنظر الي ثمنها الغالي، و لأن الجنون غالبا ما يحل بالفاتنات. أما لماذا اشتهيا أن يستعيدا عرضها ليرياها مرة ثانية، فان الدافع الي [ صفحه 307] ذلك كان الهيا محضا لينكشف صدق ما قاله الامام عليه‌السلام. و لولا أنهما عادا لرؤيتها، لما عرفنا أنها مجنونة، و قصيرة العمر، و لبقيت الحكاية مجهولة عندنا، و لما اشتهرت هذه الآية الكريمة المدهشة عبر الدهور. آيات الامام - كل امام - من آيات الله، و معاجزه لا تحدث الا باذن ربه و قدرته، و قبل أن تنكر عليه شيئا من ذلك، أنكره علي الله!. و العياذ به سبحانه من هجر القول -. و روي أبويعقوب يوسف بن زياد، و علي بن زياد رضي الله عنهما، قالا: «حضرنا ليلة علي غرفة الحسن بن علي بن محمد عليهم‌السلام، و قد كان ملك الزمان له معظما، و حاشيته له مبجلين، اذ مر علينا والي البلد، والي الجسرين، و معه رجل مكفوف، و الحسن بن علي مشرف من روزنته - أي نافذته - فلما رآه الوالي ترجل عن دابته اجلالا له. فقال له الحسن بن علي عليه‌السلام: عد الي موضعك. فعاد و هو معظم له، و قال: يابن رسول الله، أخذت هذا في هذه الليلة علي باب حانوت صيرفي، فاتهمته بأنه يريد نقبه و السرقة منه، فغضبت عليه. فلما هممت بأن أضربه خمسمائة، و هذا سبيلي في من أتهمه ممن آخذه ليكون قد شقي ببعض ذنوبه قبل أن يأتيني من لا أطيق مدافعته. فقال لي: اتق الله، و لا تتعرض لسخط الله، فاني من شيعة أميرالمؤمنين و شيعة هذا الامام أبي‌القائم بأمر الله. فكففت و قلت: أنا مار بك عليه، فان عرفك بالتشيع أطلقت عنك، و الا قطعت يدك و رجلك بعد أن أجلدك ألف سوط!. وجئتك يابن رسول الله، فهل هو من شيعة علي كما ادعي؟. [ صفحه 308] فقال الحسن بن علي عليهماالسلام: معاذ الله، ما هذا من شيعة علي، و انما ابتلاه في يدك لاعتقاده في نفسه أنه من شيعة علي عليه‌السلام. (فقلت:) كفيتني مؤنته الآن، أضربه خمسمائة ضربة لا حرج علي فيها. فلما نحاه بعيدا قال: ابطحوه!. فبطحوه، و أقام عليه جلادين: واحدا عن يمينه، و آخر عن شماله، و قال: أوجعاه. فأهويا عليه بعصيهما، فكانا لا يصيبان استه شيئا، انما يصيب الأرض. - أي لا يصيبان مؤخرته -. فضجر - الوالي - من ذلك و قال: ويلكم، تضربون الأرض!. اضربوا استه. فذهبوا يضربون استه، فعدلت أيديهم فجعل يضرب بعضهم بعضا و يصيح و يتأوه!. فقال لهم: ويحكم، أمجانين أنتم، يضرب بعضكم بعضا؟. اضربوا الرجل. فقالوا: ما نضرب الا الرجل و ما نقصد سواه، و لكن تعدل أيدينا حتي يضرب بعضنا بعضا. فقال: يا فلان، و يا فلان، و يا فلان، حتي دعا أربعة، و صاروا مع الأولين ستة، و قال: أحيطوا به. فأحاطوا به فكان يعدل بأيديهم و ترفع عصيهم الي فوق، و كانت لا تقع الا بالوالي. فسقط عن دابته و قال: قتلتموني، قتلكم الله.. ما هذا؟! [ صفحه 309] قالوا ما ضربنا الا اياه. ثم قال لغيرهم: تعالوا فاضربوا هذا. فجاؤوا يضربونه بعد. فقال: يا ويلكم، اياي تضربون!. قالوا: لا و الله لا نضرب الا الرجل. قال الوالي: فمن لي هذه الشجات برأسي و وجهي و بدني ان لم تكونوا تضربوني؟!. قالوا: شلت أيماننا ان كنا قصدناك بضرب. و شيعة علي هم الذين يقتدون بعلي في اكرام اخوانهم المؤمنين، ما عن قولي أقول لك هذا، بل عن قول محمد عليه‌السلام؛ فذلك قوله: (و عملوا الصلحات) قضوا الفرائض كلها بعد التوحيد و اعتقاد النبوة و الامامة، و أعظمها فرضان: قضاء حقوق الاخوان في الله، و استعمال التقية من أعداء الله» [399] . و لا اخال قارئي الكريم يخفي عليه ما في هذه الحادثة من اعجاز ظاهر، قد قضي الله تعالي بأن يكون، ليبين الامام عليه‌السلام تأويله من جهة، و ليكشف عن أسراره من جهة ثانية، و ليعرف سائر العالمين - لا الوالي فقط - أنه صلوات الله عليه هو حجة الله تعالي في أرضه من جهة ثالثة، ثم - بالأخير- ليوضح الفرق بين الشيعي و المولي - المحب الذي يهوي الامام و لا يعمل بما يأمر و ينهي - و ليهدي الناس الي الصراط السوي. [ صفحه 310]

مع مواليه و معاصريه

دأب الامام الحسن العسكري عليه‌السلام - منذ عهد ولايته المبكر - علي تربية مواليه تربية خلقية ايمانية عالية لا يتمتع بها غيرهم، ليكونوا مثلا يحتذي و مثالا يقتدي. و هذا من صميم وظيفته الربانية الرامية الي اصلاح الفرد و المجتمع اصلاح معاش و اصلاح معاد. و لكنه صلوات الله عليه، تحمل أعباء امامة الناس في عهد ظلم و ضيق من السلطان و أهل الزمان، و قاسي مرارة حياة مراقبة ترصد جميع أقواله و أفعاله و تحركات شيعته و مواليه، بل لاقي صعوبات من المتوقفين عن القول بامامته بعد مضي أبيه، و ذاق عناء من جمعهم حول كلمة الحق؛ فقد خرج في بعض توقيعاته الشريفة عند اختلاف قوم من شيعته في أمره - أوائل عهده الميمون -: «ما مني أحد من آبائي بمثل ما منيت به من شك هذه العصابة في!. فان كان هذا الأمر أمرا اعتقدتموه ودنتم به الي وقت ثم ينقطع، فللشك موضع. و ان كان متصلا ما اتصلت أمور، فما معني هذا الشك؟!» [400] . [ صفحه 311] و لا يخفي علي أحد ما في هذه الرسالة من حرقة و أسي، و من غصة في الصدر الكبير الذي يسع كل أمر خطير. ذلك أن شيعة أبيه اختلفوا في هل هو الامام المنصوص عليه أم لا؟. الا الذين سمعوا النص من فم أبيه أو من وثقوا بشهاداتهم. و قد سبق و مر بك تهويش أخيه جعفر الكذاب، و مساعدة أبواق الدعاية المنحرفة لتحويل الامامة عن مركزها، فأبي الله تعالي الا أن يظهر أمره. و نحن نلاحظ أنه سلام الله عليه، قد أخرج هذا التوقيع - عاتبا و مؤنبا - لشدة حرصه علي لم شمل الشيعة كيلا يضيعوا مع الضائعين، لأن من مات و لم يعرف امام زمانه، مات ميتة جاهلية، و من أنكر واحدا من الأئمة فكأنما أنكر الجميع، بل كأنه أنكر نبوة محمد صلي الله عليه و آله و سلم، و نعوذ بالله من ذلك!. من نماذج تعاليمه سلام الله عليه لشيعته ما قاله لهم في واحدة من رسائله، و هي هذه: «أوصيكم بتقوي الله، و الورع في دينكم، و الاجتهاد لله، و صدق الحديث، و أداء الأمانة لمن ائتمنكم برا أو فاجرا، و طول السجود، و حسن الجوار، فبهذا جاء محمد صلي الله عليه و آله و سلم. صلوا عشائركم، واشهدوا جنائزهم، و عودوا مرضاهم، و أدوا حقوقهم. فان الرجل منكم اذا ورع في دينه، و صدق في حديثه، و أدي الأمانة، و حسن خلقه مع الناس، قيل هذا شيعي، فيسرني ذلك. اتقوا الله و كونوا زينا، و لا تكونوا شينا. جروا الينا كل مودة، وادفعوا عنا كل قبيح!. فانه ما قيل فينا من حسن [ صفحه 312] فنحن أهله، و ما قيل فينا من سوء فما نحن كذلك. لنا حق في كتاب الله، و قرابة من رسول الله، و تطهير من الله لا يدعيه غيرنا الا كذاب!. أكثروا ذكر الله، و ذكر الموت، و تلاوة القرآن، و الصلاة علي النبي صلي الله عليه و آله و سلم؛ فان الصلاة علي رسول الله عشر حسنات. احفظوا ما وصيتكم به، و أستودعكم الله، و أقرأ عليكم السلام» [401] . ما أروع أن يتحلي الانسان بهذه الصفات الطيبة التي طلب الامام عليه‌السلام من أصحابه أن يتصفوا بها!. انه بذلك يعيش سعيدا، و يموت حميدا، و يرضي ربه تعالي الذي يواجهه بعد موت هو لاقيه، و حساب هو منتظره، و مصير محتوم اما الي جنة النعيم في جوار الحي القيوم، و اما الي نار ماؤها كالمهل يغلي في البطون، و طعامها الضريع و الزقوم. و الشيعي حين يكون شيعيا حقا، يلفت نظر الناس الي الأدب الرفيع الذي يتحلي به، و الي التدين العملي الصحيح الذي يمارسه، و يجلب لأئمته مودة الآخرين و تقديرهم، لما بثوا في قلوب أتباعهم من روحية عالية، و مزايا خلقية سامية، فان من العار علي الشيعي أن يكون منافقا، و من الشنار أن يكون مرائيا في دينه و في معاملاته، ثم يقول - بكل وقاحة - أنا شيعي أترسم خطي أهل بيت النبي صلي الله عليه و عليهم؛ فانهم في هذه الحال يرفضون هويته و انتسابه اليهم، لأنهم مطهرون من كل عيب و مبرأون من كل ريب، و من ادعي امامة الناس سواهم - عد كاذبا مفتريا، ضالا مضلا.. و كتب عليه‌السلام الي أهل قم و آبة: «ان الله تعالي بجوده و رأفته قد من علي عباده بنبيه محمد بشيرا [ صفحه 313] و نذيرا، و وفقكم لقبول دينه، و أكرمكم بهدايته، و غرس في قلوب أسلافكم الماضين رحمة الله عليهم، و أصلابكم الباقين - تولي كفايتهم و عمرهم طويلا في طاعته - حب العترة الهادية؛ فمضي من مضي علي و تيرة الصواب، و منهاج الصدق، و سبيل الرشاد. فوردوا موارد الفائزين، و اجتنوا ثمرات ما قدموا، و وجدوا غب ما أسلفوا. و منها: فلم يزل نيتنا مستحكمة، و نفوسنا الي طيب آرائكم ساكنة، و القرابة الواشجة بيننا و بينكم قوية؛ وصية أوصي بها أسلافنا و أسلافكم، و عهد عهد الي شباننا و مشايخكم، فلم يزل علي جملة كاملة من الاعتقاد، لما جعلنا الله عليه من الحال القريبة، و الرحم الماسة. يقول العالم سلام الله عليه اذ يقول: المؤمن أخو المؤمن لأمه و أبيه» [402] . و لا يخفي ما في هذه الرسالة من عاطفة شريفة تفيض بالخلق السمح، و تبين آثار تلك الروابط المتينة بين الامام و المأموم حتي أنها تصل الي درجة القرابة و الأخوة الحقيقية؛ اذ يعتبر امامنا العسكري عليه‌السلام أن حب المتشيع لعترة النبي صلي الله عليه و آله و سلم، هو الذي ينعقد ولاية لهم، و يوجد هذه الصلة و تلك اللحمة الواشجة بين أهل بيت الوحي الهادين و مواليهم المهديين؛ بل لقد أنزل العلاقة منزلة القرابة القريبة و الرحم الماسة.. و هذه هي روح الاسلام الجامعة التي تكسر كل حاجز بين السيد و المسود، و تلغي جميع القيود و تجعل المؤمن أخا للمؤمن مهما كان جنسه و لونه، طبقا لقول نبينا الأعظم صلي الله عليه و آله و سلم: لا فضل لعربي علي أعجمي الا بالتقوي. و لا ينبغي أن نسهو عن هذه الطريقة الفذة في حسن التربية و التوجيه لمن اعتنق التشيع. فقد أوضح أن معتنقه يجب أن يتخلق بالآداب الرفيعة التي [ صفحه 314] تجعله ممتازا علي غيره تقوي و صلاحا و عمقا في العقيدة، و صدقا في القول و العمل، و تطبيقا لمبادي‌ء الدين الذي أنزله رب العالمين. و قد قال عليه‌السلام: «أعرف الناس بحقوق اخوانه، و أشدهم قضاء لها، أعظمهم عند الله شأنا. و من تواضع في الدنيا لاخوانه، فهو عند الله من الصديقين و من شيعة علي بن أبي‌طالب حقا. و لقد ورد علي أميرالمؤمنين عليه‌السلام أخوان له مؤمنان: أب و ابن، فقام اليهما و أكرمهما، و أجلسهما في صدر المجلس و جلس بين أيديهما. ثم أمر بطعام، فأحضر فأكلا منه. ثم جاء قنبر - خادمه - بطست و ابريق خشب و منديل، و جاء ليصب علي يد الرجل ماء، فوثب أميرالمؤمنين عليه‌السلام فأخذ الابريق ليصب علي يد الرجل. فتمرغ الرجل بالتراب و قال: يا أميرالمؤمنين، يراني الله و أنت تصب علي يدي؟!. قال - عليه‌السلام -: اقعد واغسل يدك، فان الله عزوجل يراك، و أخوك الذي لا يتميز عنك و لا يتفضل عليك، يخدمك، يريد بذلك خدمة [هي] في الجنة مثل عشرة أضعاف عدد أهل الدنيا، و علي حسب ذلك في ممالكه فيها. فقعد الرجل، فقال له، علي عليه‌السلام: أقسمت عليك بعظيم حقي الذي عرفته و بجلته، و تواضعك فيه بأن ندبني لما شرفك به من خدمتي لك، لما غسلت مطمئنا كما كنت تغسل لو كان الصاب عليك قنبرا!. ففعل الرجل. فلما فرغ، ناول محمد بن الحنفية و قال: يا بني، لو [ صفحه 315] كان هذا الابن حضرني دون أبيه، لصببت علي يده - و لكن الله يأبي أن يسوي بين أب و ابنه اذا جمعهما مكان. لكن قد صب الأب علي الأب، فليصب الابن علي الابن. فصب محمد بن الحنفية علي الابن. ثم قال الحسن العسكري عليه‌السلام: فمن اتبع عليا عليه‌السلام علي ذلك، فهو شيعي حقا» [403] . بأبي و أمي امامنا العسكري العظيم ما أحسن ما يريد أن يكون عليه شيعته من الأدب الرفيع. و من منا يستطيع أن يصنع ما صنع علي، غير علي عليه‌السلام الله و تحياته و بركاته؟. و هل كان أميرالمؤمنين - حقا - لا يتميز عن ضيفه الذي صب له الماء علي يديه ليغسلهما بعد الطعام؟!. و اذن أين نضع العلم، و الفضل، و السابقة، و الجهاد، و خلافة رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، و ولاية أمور المؤمنين، و أمورا أخري يمتاز بها علي علي سائر الأنام، الي جانب الصحبة، و أخوة الرسول، و منزلته منه، و كونه ربيبه و صهره علي سيدة نساء العالمين عليهاالسلام؟!. ان عليا سلام الله عليه يتميز عن سائر البشر بعد رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، و لكنه لا يتفضل علي مؤمن، و لا يتعالي علي موال له، بل يتواضع للكبير و للصغير و لو كان خليفة يقسم الذهب و والفضة بين الناس و يأكل خبز الشعير.. و يجلس علي الحصير، و يلبس الثوب الصفيق القصير لئلا تأخذه خيلاء الآخرين التي تذهب بكرامتهم. [ صفحه 316] ان ما فعله أميرالمؤمنين عليه‌السلام مع ضيفه، فعله مرة واحدة في الزمان - عيسي بن مريم عليه و علي أمه السلام يوم صب الماء علي أرجل حوارييه ليعلمهم معني التواضع و الأخوة في الدين و فناء الذات فيما يرضي الله عزوجل.. ثم فعله مسيح هذه الأمة الذي أقام الاسلام بسيفه، و بلسانه، و بسيرته، و كان نموذجا فردا بين خلق الله أجمعين.. و علي مثل هذا النمط الرائع كان الامام العسكري عليه‌السلام يربي أصحابه و يخلق شيعته. قال جعفر بن محمد بن حمزة العلوي: «كتبت الي أبي‌محمد، الحسن بن علي بن محمد بن الرضا، أسأله: لم فرض الله تعالي الصوم؟. فكتب الي: فرض الله تعالي الصوم ليجد الغني مس الجوع. ليحنو علي الفقير» [404] . أجل، لهذا فرضه الله سبحانه و تعالي، و لكننا اذا مسنا جوع الصوم، هلعنا و هرعنا الي الطبيب لنجد مخرجا صحيا يخلصنا من الصوم و من مس جوعه. فان بطوننا تشغلنا عن الفقير، و تلهينا عن التفكير بالحنو عليه و بالشفقة علي أي محتاج، و ان نحن صمنا، جمعنا لموائد افطارنا أطايب المآكل و المشارب، ثم رمينا ما بقي عنا في القمامات مع الزبل و الأقذار من غير أن يخطر لنا الفقير ببال.. ثم مننا علي الله أن صمنا.. له!. أما الفقير فانه - بمفهومنا الحاضر - يجب أن يذهب و يشتغل ليعيش!. [ صفحه 317] و لسنا حاضرين لأن نعمل و نطعمه من تعبنا و جنانا، و لا نحن ملزمون بتموينه علي حساب عرق جبيننا!. و لا يجوز أن يبقي عالة علي الآخرين!. و أما شهر رمضان فهو ضريبة علينا أداؤها، و ليس بشهر توبة و انابة و عبادة.. و فراقه عندنا عيد!. و من لا يصدق بأننا مسلمون نبرز له هويتنا، لأن اسلامنا بالهوية، و نحن نرفض كل ما يحول دون شهوات بطوننا و فروجنا.. و جيوبنا، حلالا كان أو حراما. و قال بعض أهل المدائن: «كتبت الي أبي‌محمد عليه‌السلام: روي لنا عن آبائكم عليهم‌السلام، أن حديثكم صعب مستصعب، لا يحتمله ملك مقرب، و لا نبي مرسل، و لا مؤمن امتحن الله قلبه للايمان؟. فجاء الجواب: انما معناه أن الملك لا يحتمله في جوفه حتي يخرجه الي ملك مثله، و لا يحتمله نبي حتي يخرجه الي نبي مثله، و لا يحتمله مؤمن حتي يخرجه الي مؤمن مثله. انما معناه: أن لا يحتمله في قلبه من حلاوة ما هو في صدره حتي يخرجه الي غيره» [405] . و قد كتبنا موسعا حول معني هذا الحديث في كتابنا «الامام المعجزة» و لن نكرر ذلك هنا. و الامام العسكري كآبائه عليه و عليهم‌السلام يبتغي من وراء قول الحق أن يسمع قوله سائر الناس، لأنه امام كل الناس، و يحب الخير و الهدي لجميع الناس. [ صفحه 318] و هو هنا، اذ يقول الحق في جوابه الذي اختصر فيه معني الحديث، يحمل المدائني - و جميع من يبلغه هذا الحديث - مسؤولية نقله و نقل أحاديثهم الكريمة، الي غيرهم، راميا الي الفائدة المرجوة من جهة، و الي استقطاب دعاة الخير في جميع قواعده - قواعد الحق و الخير - ليعملوا في سبيل اذاعة كلمة الحق التي تحملها أخبارهم، و لتعميم عمل الخير الذي يدعون اليه، و لتترابط القواعد و الدعاة فيما بينها برباط أخوة الايمان العتيد، و ليقوموا جميعا بحمل دعوة السماء الكريمة من واحد الي واحد و من جيل الي جيل، حتي يعم الهدي و الخير سائر المعمور، و تسيطر شريعة الله تعالي التي ترسي قواعد العدل و الهدي الالهيين. و قال محمد بن القاسم، المفسر: «حدثنا أحمد بن الحسن الحسيني، عن الحسن بن علي، عن أبيه، عن محمد بن علي، عن أبيه، عليهم‌السلام، قال: «دخل موسي بن جعفر علي رجل قد عرق في سكرات الموت و هو لا يجيب داعيا. فقالوا له: يابن رسول الله، و ددنا لو عرفنا كيف الموت؟. و كيف حال صاحبنا؟. فقال: الموت هو المصفاة، يصفي المؤمنين من ذنوبهم - فيكون آخر ألم يصيبهم، كفارة آخر وزر بقي عليهم. و يصفي الكافرين من حسناتهم؛ فيكون آخر لذة أو راحة تلحقهم، و هو آخر ثواب حسنة لهم. و أما صاحبكم هذا فقد نخل من الذنوب نخلا، و صفي من الآثام [ صفحه 319] تصفية، و خلص حتي نقي كما ينقي الثوب من الوسخ، و صلح لمعاشرتنا أهل البيت في دارنا، دار الأبد» [406] . و بالاسناد السابق، عنه عليه‌السلام، قال: «دخل علي بن محمد عليه‌السلام - أي والده الامام الهادي - علي مريض من أصحابه و هو يبكي و يجزع من الموت. فقال له: يا عبدالله، تخاف من الموت لأنك لا تعرفه!. أرأيتك اذا توسخت و تقذرت، و تأذيت من كثرة القذر و الوسخ عليك، و أصابك قروح و جرب، و علمت أن الغسل في حمام يزيل ذلك كله، أما تريد أن تدخله فتغسل ذلك عنك؟!. أو ما تكره أن لا تدخله فيبقي ذلك عليك؟!. قال: بلي، يابن رسول الله. قال: فذاك الموت، هو ذلك الحمام. و هو آخر ما يبقي عليك من تمحيص ذنوبك، و تنقيتك من سيئاتك!. فاذا أنت وردت عليه، و جاوزته، فقد نجوت من كل غم و هم و أذي، و وصلت الي كل سرور و فرح. فسكن الرجل، و استسلم و نشط؛ و غمض عين نفسه، و مضي لسبيله!» [407] . و أنت تري أن أئمة أهل البيت عليهم‌السلام خزنة علم الله تعالي؛ و هم لا ينطقون الا بوحيه الذي نزل علي رسوله صلي الله عليه و آله و سلم. و عندهم علم ما كان و ما يكون، ثم يرفدهم بارئهم عز و علا بعلم ما هو آت، ليثبت أنهم حججه علي خلقه، و شهداؤه علي بريته، فيلهمهم لكل موضوع تفسيره الذي أراده الخالق تعالي و لا يدرك حكمته الا أمثالهم من الأولياء، فيجعلون مرارة [ صفحه 320] الموت حلوا في لهاة المؤمن حين يعللون له معني آلام النزع و يبينون له أن الاغماضة الهادئة التي تبدو من الكافر عند موته هي آخر لذائذ حياته في هذه الدنيا، ثم يعقبها العذاب الدائم الذي لا أمد له و لا نهاية. و انما دخل كل من الامامين - الكاظم و الهادي - علي ذينك المحتضرين بدافع رباني، ليبلغا كيت و كيت مما رأيت عن الموت، و لينذرا الناس شر تلك النومة التي ما بعدها قومة الا الي النعيم الدائم، أو الجحيم المقيم!. فعملهما امتداد لرسالة جدهما الأكرم صلي الله عليه و آله و سلم، و اقامة للدين، و تأثيل للعقيدة. و هو من صميم وظيفة وصي النبي و خليفته، لا كما سار «خلفاء المسلمين» من اجازة المداحين و الشعراء، و نثر الجواهر و الدرر علي رؤوس الراقصات و تحت أرجلهن، و اغداق العطاء علي أهل اللهو و الفسق و الغناء!. ولو استعار الأحمق الجاهل فكر جاره العاقل العالم لحظة من يومه، لأدرك الفرق الشاسع بين من نصبه الله تعالي لأمره، و بين من نصب نفسه أو نصبه غيره للأمر و النهي طمعا في دنياه.. و لكن، من عذيري ممن لا يتنازل عن عصبيته حين يظهر له الحق الذي يخالف هواه؟!. قال أبوهاشم الجعفري رحمه الله: «أدخلت الحجاج بن سفيان العبدي علي أبي‌محمد عليه‌السلام، فسأله عن المبايعة، - يعني بيع النقد بالنقد - قال: ربما تواضعت الناس، فتواضعتهم المواضعة الي الأصل؟. قال - عليه‌السلام -: لا بأس، الدينار بالدينارين، معه خرزة. - أي خرزة ثمينة من الأحجار الكريمة يوازي ثمنها أقل من دينار كما لا يخفي، لا خرزة مبتذلة -. [ صفحه 321] فقلت في نفسي: هذه شبه ما يفعله المربيون. فالتفت الي فقال: انما الربا الحرام، ما قصدته. فاذا جاوز حدود الربا و زوي عنه فلا بأس الدينار بالدينارين يدا بيد، و يكره أن لا يكون بينهما شي‌ء يوقع عليه البيع» [408] . و هذه المسألة في غاية الدقة في باب المبايعة. و هي لا تحلل ربا حرمه الله تعالي، لأنه تفترض وجود شي‌ء يوازي ثمنه أقل من قيمة الزيادة بقليل، تشجيعا للدائن علي رحمة المحتاج و قضاء حاجته، لا بقصد الربا من كليهما؛ و قد ورد عن الامام الصادق عليه‌السلام ما معناه: «ما أحب الي نفسي أن أستقرض من جاري رغيفا، و أرد له رغيفين». لا بقصد الزيارة و الربوية، بل تنشيطا للناس علي القرض و الاقتراض، و علي فتح باب الخير و الانتفاع فيما بينهم، و ليجد المحتاج وسيلة لقضاء حاجته فيهدي الي من يقضيها له هدية يمكن أن يطيقها. و في كل حال كان أهل الاحتياط يحذرون العمل بهذه الطريقة هربا من الوقوع في الربا. أما اليوم فاننا نعاني مشكلة المال المختلط بالحرام من جراء التعامل الربوي مع المصارف الحديثة، و قد صدق فينا قول رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم: «يأتي علي أمتي زمان تتعامل فيه بالربا حتي لا يبقي بيت الا و يصل اليه منه غباره!». والله تعالي - وحده - هو المنجي من الهلكة في هذا العصر الذي تفشي فيه الربا تفشيا هائلا... [ صفحه 322] و قال الحسن بن طريف: كتبت الي أبي‌محمد أسأله: ما معني قول رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم لأمير المؤمنين: من كنت مولاه، فعلي مولاه؟. قال: أراد بذلك أن جعله علما يعرف به حزب الله عند الفرقة» [409] . صلي الله عليك و سلم يا سيدي يا رسول الله ما أفصح لسانك، و ما أجلي بيانك!. فكما أنك كنت - و ما زلت - علما يعرف المؤمن بك و بربك، و يمتاز عن الكافر بالله و عابد الطاغوت، فان وصيك عليه‌السلام قد جعله الله عز اسمه علما يعرف به من عمر قلبه بالايمان، ممن فهم الدين مظاهر و لقلقة لسان!. فأنت - بفضل الله عليك - خاتم الأنبياء و سيدهم؛ و هو - بنعمة الله و فضله - خاتم الأوصياء و سيدهم.. (ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذوالفضل العظيم)» [410] . جعلنا الله سبحانه من المؤمنين بكما، المصدقين بسركما و جهركما، و بسر أبنائكما الطاهرين. و قال الحسن بن طريف - أيضا: «كتبت الي أبي‌محمد عليه‌السلام، و قد تركت التمتع ثلاثين سنة، و قد نشطت لذلك. و كان في الحي امرأة وصفت لي بالجمال، فمال اليها قلبي، و كانت [ صفحه 323] عاهرة - أي زانية - لا تمنع يد لامس، فكرهتها. ثم قلت: قد قال: تمتع بالفاجرة فانك تخرجها من حرام الي حلال. فكتبت الي أبي‌محمد أشاوره في المتعة، و قلت: أيجوز بعد هذه السنين أن أتمتع؟. فكتب: انما تحيي سنة، و تميت بدعة، و لا بأس. و اياك و جارتك المعروفة بالعهر، و ان حدثتك نفسك أن آبائي قالوا: تمتع بالفاجرة تخرجها من حرام الي حلال!. فهذه - امرأة معروفة بالهتك!. و هي جارة، و أخاف عليك استفاضة الخبر فيها!. فتركتها، و لم أتمتع بها. و تمتع بها شاذان بن سعد، رجل من اخواننا و جيراننا، فاشتهر بها حتي علا أمره و صار الي السلطان، و غرم بسببها مالا نفيسا، و أعاذني الله من ذلك ببركة سيدي» [411] . نعم، لم يجرك يا ابن‌طريف من هذه الفضيحة، الا نهي الامام عليه‌السلام لك!. و سلام الله و تحياته و بركاته علي ذلك الامام العظيم، الواسع الصدر، الذي لم يغضب عليك يا ابن‌الستينات حين عرف برغبتك في التمتع بامرأة عاهرة مشهورة بالفجور، بعد أن ذر قرن الشيب في فوديك، بل نصحك بكل هدوء لأنه يعلم أن الله تعالي قيضك لتسأل هذا السؤال فنعرف نحن و غيرنا فتوي الامام عليه‌السلام بهذا الموضوع، فقد سبقك الي ما شابه سؤالك كثيرون بدافع من الله سبحانه، ليكشف لنا وجوه الصواب في الأحكام.. و لست بأجرأ ممن سأل الامام الصادق عليه‌السلام قائلا: [ صفحه 324] هل يجوز للرجل أن يقبل فرج امرأته؟. فقال عليه‌السلام: لا بأس. فأبان لنا حكما من الأحكام لا يعرفه الكثيرون؛ و قد كان هؤلاء الأصحاب خير وسيلة بين الامام عليه‌السلام، و بين قواعده الشعبية و أتباعه في استخراج الكنوز المحفوظة عنده و عند آبائه صلوات الله عليهم. ان امامنا العسكري عليه‌السلام - ككل سفير لله تعالي في أرضه - لم يعمل الا في حدود ما أنزل الله سبحانه؛ و قد جعله معصوما عن الزلل لا يفعل الا ما هو الأولي في جميع الأمور، و لا يفوه بكلمة، و لا يأتي بحركة الا في دائرة مرضاة خالقه عزوجل. فلا بد أن نذعن لما يصدر عنه - حتي ولو عجزنا عن تفسير كل أقواله و أفعاله - باعتبار مركزه الحصين الذي تحركه مشيئة ربه، و تؤيده قدرته، و تحوطه عنايته. فاستمع الي القصة التالية و تأمل بنتيجتها مليا، لتري طريقته الفذة التي كان يؤدب بها شيعته و يصلح به أفراد مجتمعه: «قال الحسن بن محمد القمي: «رويت عن مشايخ قم، أن الحسين بن الحسن بن جعفر بن محمد بن اسماعيل بن جعفر الصادق عليه‌السلام، كان بقم يشرب الخمر علانية؛ فقصد يوما لحاجة باب أحمد بن اسحاق الأشعري، و كان وكيلا في الأوقاف بقم، فلم يأذن له، و رجع الي بيته مهموما. فتوجه أحمد بن اسحاق الي الحج، فلما بلغ سر من رأي استأذن علي أبي‌محمد، الحسن العسكري عليه‌السلام، فلم يأذن له!. فبكي أحمد لذلك طويلا، و تضرع حتي أذن له. [ صفحه 325] فلما دخل قال: يابن رسول الله، لم منعتني الدخول عليك و أنا من شيعتك و مواليك؟!. قال عليه‌السلام: لأنك طردت ابن‌عمنا عن بابك. فبكي أحمد، و حلف بالله أنه لم يمنعه من الدخول عليه الا لأن يتوب عن شرب الخمر. قال: صدقت، و لكن لا بد من اكرامهم و احترامهم علي كل حال، و أن لا تحقرهم، و لا تستهن بهم لانتسابهم الينا، فتكون من الخاسرين. فلما رجع أحمد الي قم أتاه أشرافهم، و كان الحسين معهم. فلما رآه أحمد وثب اليه و استقبله و أكرمه، و أجلسه في صدر المجلس!. فاستغرب الحسين ذلك منه و استبعده و سأله عن سببه؟!. فذكر له ما جري بينه و بين العسكري عليه‌السلام في ذلك. فلما سمع ذلك ندم من أفعاله القبيحة و تاب منها، و رجع الي بيته و أهرق الخمور و كسر آلاتها و صار من الأتقياء الورعين و الصلحاء المتعبدين. و كان ملازما للمساجد، معتكفا فيها حتي أدركه الموت، و دفن قريبا من مزار فاطمة - المعصومة، في قم - رضي الله عنهما» [412] . أفرأيت الي ما رمي اليه الامام من وراء الحث علي اكرام بني رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم؟!. و رأيت - أيضا - كيف هجم السيد الي بيته و كسر آلات الخمر، و أهرق ما فيها حين أثيرت فيه عاطفة قرباه من نبي الأمة صلي الله عليه و آله و سلم و أعيدت اليه كرامة تلك القربي فرجع الي الصواب؟!. [ صفحه 326] فانك لا تكرم سيدا لمحض قرباه من النبي صلي الله عليه و آله و سلم، الا حركت في نفسه مشاعر اصلاح نفسه ليكون جديرا بهذه القربي الشريفة. و أنت كلما قلت للسيد. أهلا بابن رسول الله و مرحبا.. أكرموا ابن‌رسول الله.. احفظوا رسول الله في نسله.. كلما نبهت بنيه الي ذلك الشرف الذي يحملونه بانتسابهم اليه؛ اذ يرون أن المنتسب اليه يبجل و يحترم كرمي لعينيه صلي الله عليه و آله و سلم؛ الأمر الذي يجعلهم يعيدون النظر في سلوكهم، و يعملون علي تكميل صفاتهم و اصلاح أوضاعهم ليكونوا علي مستوي القرابة الكريمة.. و هذا ما ابتغاه الامام العسكري عليه‌السلام من وراء تنبيه صاحبه الجليل أحمد بن اسحاق الي هذا المعني، فرد الحسين بن الحسن الي حظيرة الاسلام و خلصه من النار و الصغار... و هكذا كان شأنه مع أفراد كثيرين. أما مع أحمد بن هلال المتصوف الضال المضل، فقد كان موقف الامام 5 حاسما حازما لأنه لا يصانع الا وجه ربه عز و علا، و لا تنطلي عليه زندقة المتصوفين و كفرهم بالله عن طريق مظاهر الزهد الديني الكاذب الذي يتسترون به و يسترون كفرهم و فجرهم، لأن من مبادئهم أن تنتهي مراتبهم بمشاركة الله تعالي في ربوبيته، و بالاتحاد معه، تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا!. فقد قال محمد بن يعقوب: خرج الي العمري في توقيع طويل اختصرناه: .. و نحن نبرأ من ابن‌هلال لعنه الله، و ممن لا يبرأ منه!. فأعلم الاسحاقي و أهل بلده مما أعلمناك من حال هذا الفاجر و جميع من كان سألك أو يسألك عنه» [413] . [ صفحه 327] فالامام عليه‌السلام يعرف حال الناس جميعا، و يعلم حال أصحابه فردا فردا مثلما يعرفون أنفسهم؛ و لا تشتبه عليه أمورهم بحسن مظاهرهم لأنه يعلم الظواهر و يطلع علي السرائر. و ابن‌هلال - لعنه الله - كان من المتشيعين، و قد أخذ في الزهد و انحرف و صار من المتصوفين المارقين من الدين، فخشي الامام عليه‌السلام أن يغتر به مواليه، فبصرهم بحاله، فحذرهم من أن يندس بينهم مثل هذا المرتد الكافر، فتبرأ الي الله منه و طلب أن يتبرأوا منه و لا يعاشروه. و قد قال أحمد بن ابراهيم المراغي: «ورد علي القاسم بن العلا نسخة ما كان خرج من لعن ابن‌هلال، و كان ابتداء ذلك أن كتب - الامام - عليه‌السلام الي قوامه بالعراق: احذروا الصوفي المتصنع!. قال: و كان من شأن أحمد - بن هلال - أن حج أربعا و خمسين حجة، عشرون منها علي قدميه. و كان رواة أصحابنا بالعراق لقوه و كتبوا منه، فأنكروا ما ورد في مذمته، فحملوا القاسم بن العلا علي أن يراجع في أمره، فخرج اليه: قد كان أمرنا نفذ اليك في المتصنع ابن‌هلال - لا رحمه الله - بما قد علمت. لم يزل لا غفر الله له ذنبه و لا أقال عثرته؛ دخل في أمرنا بلا اذن منا و رضي، يستبد برأيه فيتحامي من ديوننا، و لا يمضي من أمرنا اياه الا بما يهواه و ما يريده - أرداه الله في نار جهنم - فصبرنا عليه حتي بتر الله عمره بدعوتنا. [ صفحه 328] و كنا قد عرفنا خبره أقواما من موالينا في أيامه - لا رحمه الله - و أمرناهم بالقاء ذلك الي الخاص من موالينا، و نحن نبرأ الي الله من ابن‌هلال لا رحمه الله، و ممن لا يبرأ منه!. و أعلم الاسحاقي، سلمه الله و أهل بيته، مما أعلمناك من حال أمر هذا الفاجر، و جميع من كان سألك و يسألك عنه من أهل بلده و الخارجين، و من كان يستحق أن يطلع علي ذلك، فانه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يؤديه عنا ثقاتنا. و قد عرفوا بأننا نفاوضهم سرنا و نحمله اياه اليهم و عرفنا ما يكون من ذلك ان شاء الله. قال: و قال أبوحامد: فثبت قوم علي انكار ما خرج فيه، فعاودوه فيه، فخرج: لا شكر الله قدره، لم يدع المرزئة بأن لا يزيغ قلبه بعد أن هداه، و أن يجعل ما من به عليه مستقرا و لا مستودعا. و قد علمتم ما كان من أمر الدهقان عليه لعنة الله، و خدمته و طول صحبته، فأبدله الله بالايمان كفرا حين فعل ما فعل، فعاجله الله بالنقمة و لم يمهله» [414] . فبوركت عين لا تنام عن رعاية أشياعها و أتباعها، و لا تغضي عن كبيرة و لا صغيرة الا أعارتها اهتمامها، حياطة علي الرعية و اعتناء بشؤونها، و صونا للقضية التي تبقيها علي أحسن حال في كل حال.. فابن هلال واحد من مئات ألوف القضاة و المنحرفين في ذلك العصر، و لكن الامام عليه‌السلام لاحظ مساسا له بجماعته، و ثقة كانت لهم به قبل انحرافه و كفره، فأبلغهم حقيقة حاله التي صار اليها لينزعوا ثقتهم فيه؛ و لو كان كالآخرين من البعداء عن شيعته لما اعتني بأمره و لا قال فيه كلمة واحدة خاصة به.. فشيعته هم موضع [ صفحه 329] اهتمامه أولا و بالذات، لأنهم يتبعون الصراط المستقيم الذي هو عليه من عند ربه تبارك و تعالي.. و عن أبي‌يعقوب، و أبي‌الحسن، أنهما قالا: «حضرنا عند الحسن بن علي، أبي‌القائم، عليه‌السلام؛ فقال له بعض أصحابه: جاءني رجل من اخواننا الشيعة قد امتحن بجهال العامة، يمتحنونه في الامامة، و يحلفونه، فكيف يصنع حتي يتخلص منهم؟. فقلت له: كيف يقولون؟ قال: يقولون: أتقول ان فلانا هو الامام بعد رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم؟ فلا بد لي أن أقول: نعم، و الا أثخنوني ضربا. فاذا قلت: نعم، قالوا لي: قل: والله. فقلت لهم: نعم. فقلت: اذا قالوا: والله، قل: ولي، أي تريد: عن أمر كذا، فانهم لا يميزون، و قد سلمت. فقال لي: فان حققوا علي فقالوا: قل: والله، و بين الهاء؟. فقلت: قل: والله، برفع الهاء، فانه لا يكون يمينا اذا لم يخفض. فذهب، ثم رجع الي فقال: عرضوا علي و حلفوني، فقلت كما لقنتني. فقال له الحسن عليه‌السلام: أنت كما قال رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم: «الدال علي الخير، كفاعله». لقد كتب لصاحبك بتقيته بعدد كل من استعمل التقية من شيعتنا و موالينا و محبينا، حسنة، و بعدد من ترك التقية منهم حسنة، لو قوبل بها ذنوب مائة سنة لغفرت!. و لك بارشادك اياه، مثل ما له» [415] . [ صفحه 330] و قد ورد في الخبر الصحيح أن الامام عليه‌السلام، قال: «التقية ديني و دين آبائي؛ من لا تقية عنده، لا دين له». و هذا حق، لأن التقية - في حال أنها لا تعني الرياء و لا الكذب، و لا الظهور علي غير الحقيقة - بل تعني أكثر ما تعني توفير الشحناء، و ازالة البغضاء، و تحسم الجدل الضار الفاتك بوحدة المسلمين، و تعمل علي تصفية القلوب ليكون سائر المسلمين يدا واحدة علي من سواهم، و اخوانا متحابين لا تفرق بينهم مذاهبهم. و أنا لا أعرف لماذا يجب أن ينصب المرء نفسه محرر أديان و مذاهب، فيبرر عمل هذا و يشجب عمل ذاك، فيثير بذلك النعرات الطائفية و العنعنات المذهبية، و ينفر القلوب و يفرق بين المسلمين و ينقض وحدتهم؟!. ما من أحد مكلف بذلك، فانه يوجد الفتن، و يقطع آصرة الروابط القلبية بين أبناء الدين الواحد، و ليس ذلك من الايمان في شي‌ء!.. و تلاحظ في جواب الامام عليه‌السلام تركيزا علي الالتزام بالتقية التي تنجي الأمة من الخلاف و الاختلاف، و توحد الصفوف و توجد الائتلاف، و تجمع القلوب تحت راية لا اله الا الله، محمد رسول الله، التي ترهب العدو، و تحفظ بيضة الاسلام، وتتيح للمسلمين أن يمارسوا أعمالهم التعبدية بمل‌ء الحرية و الأمان.. و لذلك - و لذلك فقط - جعل الله تعالي للمتاقي هذا الأجر العظيم و هذا العدد الوافر من الحسنات. «حكي بعض الثقات بنيسابور، أنه خرج لاسحاق بن اسماعيل - الذي كان من أهل الثقة عند الامام عليه‌السلام، ترد عليه تواقيعه الشريفة؛ خرج اليه - من أبي‌محمد عليه‌السلام توقيع: [ صفحه 331] يا اسحاق بن اسماعيل، سترنا الله و اياك بستره، و تولاك في جميع أمورك بصنعه. قد فهمت كتابك رحمك الله. و نحن بحمد الله و نعمته، أهل بيت نرق علي موالينا، و نسر بتتابع احسان الله اليهم و فضله لديهم، و نعتد بكل نعمة ينعمها الله عزوجل عليهم. فأتم الله عليكم بالحق - نعمته -. و من كان مثلك ممن قد رحمه الله و بصره بصيرتك، و نزغ عن الباطل و لم يعم في طغيانه؛ فان تمام النعمة دخول الجنة. و ليس من نعمة، و ان جل أمرها و عظم خطرها، الا و الحمد لله - تقدست أسماؤه - عليها يؤدي شكرها. و أنا أقول: الحمد لله مثل ما حمد الله به حامد الي أمد الأمد، بما من عليك من نعمته و نجاك من الهلكة، و سهل سبيلك علي العقبة، و أيم الله انها لعقبة كؤود، شديد أمرها، صعب مسلكها، عظيم بلاؤها، طويل عذابها، قديم في الزبر الأولي ذكرها!!. و لقد كانت منكم أمور في أيام الماضي - يعني أباه - الي أن مضي لسبيله صلي الله علي روحه. و في أيامي هذه - أمور - كنتم فيها غير محمودي الشأن و لا مسددي التوفيق!. و اعلم يقينا يا اسحاق أن من خرج من هذه الحياة الدنيا أعمي، فهو في الآخرة أعمي و أضل سبيلا!. انها يابن اسماعيل ليس تعمي الأبصار، و لكن تعمي القلوب التي في الصدور. و ذلك قول الله عزوجل في محكم كتابه حكاية عن الظالم: (رب لم حشرتني أعمي و قد كنت بصيرا؟. قال الله عزوعلا -: كذلك أتتك ءاياتنا فنسيتها و كذلك اليوم تنسي) [416] . [ صفحه 332] و أي آية يا اسحاق أعظم من حجة الله عزوجل علي خلقه - يعني امام الزمان - و أمينه في بلاده، و شاهده علي عباده، من بعدما سلف من آبائه الأولين من النبيين، و آبائه الآخرين من الوصيين، عليهم أجمعين السلام و رحمة الله و بركاته؟!. فأين يتاه بكم؟!. و أين تذهبون كالأنعام علي وجوهكم؟!. عن الحق تصدفون، و بالباطل تؤمنون، و بنعمة الله تكفرون، أو تكذبون!!! فمن يؤمن [417] ببعض الكتاب و يكفر ببعض، فما جزاء من يفعل ذلك منكم، و من غيركم، الا خزي في الحياة الدنيا الفانية، و طول عذاب - في - الآخرة الباقية، و ذلك والله الخزي العظيم!. ان الله بفضله و منه لما فرض عليكم الفرائض، لم يفرض عليكم ذلك لحاجة منه اليكم، بل رحمة منه، لا اله الا هو، عليكم، ليميز الخبيث من الطيب، و ليبتلي ما في صدوركم، و ليمحص ما في قلوبكم، و لتتسابقوا الي رحمته، و لتتفاضل منازلكم في جنته. ففرض عليكم الحج و العمرة، و اقام الصلاة، و ايتاء الزكاة، و الصوم، و الولاية. و كفي بهم - أي بالأئمة عليهم‌السلام - بابا ليفتحوا أبواب الفرائض، و مفتاحا الي سبيله، و لولا محمد صلي الله عليه و آله و سلم، و الأوصياء من بعده، لكنتم حياري كالبهائم لا تعرفون فرضا من الفرائض!. و هل تدخل مدينة الا من بابها؟!. فلما من عليكم باقامة الأولياء بعد نبيه، قال الله عزوجل لنبيه صلي الله عليه و آله و سلم: (اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا) [418] و فرض عليكم لأوليائه حقوقا أمركم بأدائها اليهم ليحل لكم ما وراء ظهوركم من [ صفحه 333] أزواجكم و أموالكم، و مآكلكم و مشاربكم، و يعرفكم بذلك النماء و البركة و الثروة؛ و ليعلم من يطيعه منكم بالغيب. قال الله عزوجل: (قل لآ أسئلكم عليه أجرا الا المودة في القربي) [419] و اعلموا أن من يبخل فانما يبخل علي نفسه و أن الله هو الغني، و أنتم الفقراء، لا اله الا هو. و لقد طالت المخاطبة فيما بيننا و بينكم فيما هو لكم و عليكم!. و لولا ما يجب من تمام النعمة من الله عزوجل عليكم - يعني بالولاية و الايمان بعد الاسلام - لما أريتكم مني خطا، و لا سمعتم مني حرفا من بعد الماضي عليه‌السلام - يعني أباه -. أنتم في غفلة عما اليه معادكم!. و من بعد (الثاني) رسولي و ما ناله منكم حين أكرمه الله بمصيره اليكم، و من بعد اقامتي لكم ابراهيم بن عبده [420] وفقه الله لمرضاته، و أعانه علي طاعته، و كتابي الذي حمله محمد بن موسي النيسابوري، والله المستعان علي كل حال. و اياكم أن تفرطوا في جنب الله فتكونوا من الخاسرين. فبعدا و سحقا لمن رغب عن طاعة الله، و لم يقبل مواعظ أوليائه!!!. و قد أمركم الله بطاعته، لا اله الا هو، و طاعة رسوله صلي الله عليه و آله و سلم، و بطاعة أولي الأمر عليهم‌السلام، فرحم الله ضعفكم و غفلتكم، و قلة صبركم عما أمامكم!. فما أغر الانسان بربه الكريم؟!. فاستجاب الله دعائي فيكم، و أصلح أموركم علي يدي، فقد قال جل جلاله: (يوم ندعوا كل أناس باممهم) [421] و قال جل جلاله: (و كذلك [ صفحه 334] جعلنكم أمة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا) [422] و قال جل جلاله: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر) [423] . فما أحب أن يدعو الله جل جلاله بي، و لا بمن هو في أيامي، الا حسب رقتي عليكم، و ما أنطوي عليه لكم من حب بلوغ الأمل في الدارين جميعا، و الكينونة معنا في الدنيا و الآخرة. فقد - يا اسحاق، يرحمك الله و يرحم من هو وراءك - بينت لك بيانا، و فسرت لك تفسيرا، و فعلت بكم فعل من لم يفهم هذا الأمر قط، و لم يدخل فيه طرفة عين، و لو فهمت الصم الصلاب بعض ما في هذا الكتاب، لتصدعت قلقا و خوفا من خشية الله، و رجوعا الي طاعة الله عزوجل!. فاعملوا، من بعد، ما شئتم، فسيري الله عملكم، و رسوله، و المؤمنون، ثم تردون الي عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون، و العاقبة للمتقين، و الحمد لله رب العالمين، و صلي الله علي محمد و آله أجمعين [424] . و أنت رسول، يا اسحاق، الي ابراهيم بن عبده وفقه الله أن يعمل بما ورد عليه في كتابي مع محمد بن موسي النيسابوري ان شاء الله، و رسولي الي نفسك، و الي كل من خلفك ببلدك أن تعملوا بما ورد عليكم في كتابي مع محمد بن موسي النيسابوري ان شاء الله. و يقرأ ابراهيم بن عبده كتابي هذا علي من خلفه في بلده، حتي لا يتساءلوا، و بطاعة الله يعتصموا، و الشيطان، بالله، عن أنفسهم يجتنبوا و لا [ صفحه 335] يضيعوا!. و علي ابراهيم بن عبده سلام الله و رحمته، و عليك يا اسحاق، و علي جميع موالي السلام كثيرا، سددكم الله كثيرا برحمته. و علي كل من قرأ كتابنا هذا من موالي من أهل بلدك، و من هو يناحيتكم و نزع عما هو عليه من الانحراف، فليؤد حقوقنا الي ابراهيم؛ وليحمل ابراهيم بن عبده الي الرازي رضي الله عنه، أو الي من يسمي له الرازي، فان ذلك من أمري و رأيي ان شاء الله. و يا اسحاق، اقرأ كتابي علي البلالي رضي الله عنه - أي علي بن بلال - فانه الثقة المأمون العارف بما يجب عليه. واقرأه علي المحمودي عافاه الله، فما أحمدنا لطاعته!. فاذا وردت بغداد فاقرأه علي الدهقان وكيلنا و ثقتنا و الذي يقبض من موالينا و كل من أمكنك من موالينا فأقرئهم هذا الكتاب، و ينسخه من أراد منهم نسخة ان شاء الله، و لا يكتم هذا عمن شاهده من موالينا، الا من شيطان مخالف لكم، فلا تنثرن الدر بين أظلاف الخنازير و لا كرامة لهم!. و قد وقعنا في كتابك بالوصول و الدعاء لك و لمن شئت، و قد أجبنا سيدا [425] عن مسألته و الحمد لله كثيرا. سترنا الله و اياكم يا اسحاق بستره، و تولاك في جميع أمورك بصنعه، والسلام عليك و علي جميع موالي و رحمة الله و بركاته، و صلي الله علي سيدنا النبي صلي الله عليه و آله و سلم تسليما كثيرا» [426] . و التعليق علي هذه الرسالة الكريمة يفقدها رونقها و بلاغتها و يحط من [ صفحه 336] منزلتها الرفيعة الحافلة بأسمي المعاني و أعلي المباني، و الخوض في تحليل مواضيعها سخيف سخف من يقول للامام: أحسنت، اذا سمع قوله الشريف البليغ.. نعم يلفت النظر فيها حدب الامام عليه‌السلام علي مواليه، و رأفته بهم و اشفاقه عليهم، و حرصه علي أن لا يميلوا يمينا و لا شمالا، و أن يبقوا ثابتين علي الولاية التي بها نجاتهم يوم ينفخ في الصور. «و مما كتب - صلوات الله عليه - الي الشيخ الجليل علي بن الحسين بن بابويه القمي: اعتصمت بحبل الله. بسم الله الرحمن الرحيم، و الحمد لله رب العالمين، و العاقبة للمتقين، و الجنة للموحدين، و النار للملحدين، و لا عدوان الا علي الظالمين، و لا اله الا الله أحسن الخالقين، و الصلاة علي خير خلقه محمد و عترته الطاهرين. أما بعد: أوصيك يا شيخي و معتمدي و فقيهي، أباالحسن، علي بن الحسين القمي - وفقك الله لمرضاته، و جعل من صلبك أولادا صالحين برحمته - بتقوي الله و اقام الصلاة، و ايتاء الزكاة، فانه لا تقبل الصلاة من مانع الزكاة. و أوصيك بمغفرة الذنب، و كظم الغيظ، و صلة الرحم، و مواساة الاخوان و السعي في حوائجهم في العسر و اليسر، و الحلم عند الجهل، و التفقه في الدين، و التثبت في الأمور، و التعاهد للقرآن، و حسن الخلق، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر؛ قال الله تعالي: (لا خير في كثير [ صفحه 337] من نجويهم الا من أمر بصدقة أو معروف أو اصلح بين الناس..) [427] و اجتناب الفواحش كلها. و عليك بصلاة الليل، فان النبي صلي الله عليه و آله و سلم أوصي بها عليا عليه‌السلام فقال: يا علي، عليك بصلاة الليل، و من استخف بصلاة الليل فليس منا!. فاعمل بوصيتي، وأمر جميع شيعتي بما أمرتك به أن يعملوا عليه. و عليك بالصبر و انتظار الفرج، فان النبي صلي الله عليه و آله و سلم قال: أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج؛ و لا تزال شيعتنا في حزن حتي يظهر ولدي الذي بشر به النبي صلي الله عليه و آله و سلم، و أنه يملأ الأرض قسطا و عدلا، كما ملئت جورا و ظلما. فاصبر يا شيخي و معتمدي، يا أباالحسن، وأمر جميع شيعتي بالصبر، (ان الأرض لله يورثها من يشآء من عباده و العاقبة للمتقين) [428] والسلام عليك، و علي جميع شيعتنا، و رحمة الله و بركاته، و حسبنا الله و نعم الوكيل، نعم المولي، و نعم النصير، و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين» [429] . و في هذه الرسالة الشريفة نقاط هامة منها: أولا: التركيز علي ترسيخ العقيدة الاسلامية الصحيحة قولا و عملا. و ثانيا: الأمر بالتحلي بالأخلاق الرضية، و التعاليم الانسانية الرفيعة، ليكون الشيعي زينا لسادته و قادته أئمة الهدي، لا شينا عليهم؛ و ليكون النموذج الأعلي المرتضي عند ربه عزوجل. [ صفحه 338] و ثالثا: تدريب الشيعي علي الصبر الطويل في انتظار فرج الامام القائم المهدي عجل الله تعالي فرجه، مع الالماح الي طول الغيبة و الانتظار، مستشهدا بالآية الكريمة الدالة علي أن ظهوره المبارك لن يكون الا في آخر الزمان، لأن الله سبحانه يورث ملك أرضه لمن يشاء في آخر فترة الغيبة الموحشة، ثم يجعل الملك - الذي يعقب كل ملك - للمتقين، بعد أن يملك البر و الفاجر و يعجز الكل عن اقامة العدل في الأرض؛ ثم يملك القائم المنتظر عجل الله تعالي فرجه و يبدل الظلم بالقسط، و الجور بالعدل، فلا يقول فلان و لا فليتان: لو ملكت لعدلت مثله.. و المضي في ذكر ما حوته هذه الرسالة يبدو هزيلا في جنب عظمتها، و لذلك ندع القاري‌ء يجيل فكره في مضمونها ليستخرج مكنونها و تأنس نفسه لشرح كلام سادة الكلام.. [ صفحه 339]

من فلسفته و أفكاره

حول القرآن الكريم

ورد عنه عليه‌السلام في تفسيره، عن آبائه، عن النبي صلي الله عليه و آله و سلم - في حديث قال فيه بالنسبة للقرآن الكريم فيما قال: «أتدرون متي يتوفر علي المستمع و القاري‌ء هذه المثوبات العظيمة؟. اذا لم يقل في القرآن برأيه، و لم يجف عنه، و لم يستأكل به، و لم يراء به. و قال: عليكم بالقرآن، فانه الشفاء النافع، و الدواء المبارك، عصمة لمن تمسك به، و نجاة لمن اتبعه. ثم قال: أتدرون من المتمسك به الذي له بتمسكه به هذا الشرف العظيم؟. هو الذي أخذ القرآن و تأويله عنا أهل البيت، و عن وسائطنا السفراء عنا الي شيعتنا، لا عن آراء المجادلين. أما من قال في القرآن برأيه، فان اتفق له مصادفة صواب، فقد جهل في أخذه من غير أهله، و كان كمن سلك مسبعا من غير حفاظ يحفظونه، فان [ صفحه 340] اتفقت له السلامة فهو لا يعدم من العقلاء الذم و التوبيخ، و ان اتفق له افتراس السبع فقد جمع الي هلاكه سقوطه عند الخيرين الفاضلين، و عند العوام الجاهلين. و ان أخطأ القائل في القرآن برأيه، فقد تبوأ مقعده من النار، و كان مثله مثل من ركب بحرا هائجا بلا ملاح و لا سفينة صحيحة، لا يسمع بهلاكه أحد الا قال: هو أهل لما لحقه، مستحق لما أصابه» [430] . و اذا أنت أجلت طرفك بين سطور هذا الكلام البليغ، أخذتك الفتنة بضرب المثل و بهرتك الروعة في براعة اختياره، و حسبته منزلا من المنزل لقوة مبناه، و سمو معناه، و لشدة مطابقته للواقع الذي حكاه!. و ان أنا عمدت الي الكلام حول المثلين اللذين ضربهما بالنسبة لمن يقول في القرآن برأيه - أصاب، أو أخطأ - شوهت بكلامي معني المثلين، و قوضت بناءهما المتين، و أفقدتهما جمال الأداء و حقيقة مطابقتهما للقائل برأيه مخطئا كان أو مصيبا. فأعد قراءتهما مرة بعد مرة لتشم أريج الفصاحة المحمدية و شذا البلاغة العلوية، و تعيض في جو عبق لا يصدر الا عن السماء.. والحديث السابق صدر عن نبينا العظيم صلي الله عليه و آله و سلم، و هو لا يقول الا عن وحي يوحي..فويل لمن يقول في القرآن: رأيي كذا، و رأيي كذا، فان القرآن الكريم (و ما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم..) [431] . قال أبوهاشم الجعفري: [ صفحه 341] سمعت أبامحمد عليه‌السلام يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم أقرب الي اسم الله الأعظم من سواد العين الي بياضها» [432] . و ورد هذا الحديث الشريف عن بعض آبائه عليهم‌السلام بلفظه، و البسملة خبر ما يبدأ به كل عمل، و لا يحسن بالمسلم أن يشرع بشي‌ء - مهما كبر أو صغر - الا بعد أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، اذ ورد عن النبي صلي الله عليه و آله و سلم، و عن أهل بيته الأطهار عليهم‌السلام، أن كل عمل لا يبدأ بها يعتبر أبتر أقطع!. فكيف اذا علمنا أنها أقرب الي اسم الله الأعظم من سواد العين الي بياضها؟!. و اذا قال الامام انها كذلك، فلا ينبئك مثل خبير. و قد حدثنا أبويعقوب، يوسف بن محمد بن زياد، و أبوالحسن، علي بن محمد بن سيار، و كانا من الشيعة الامامية - عن أبويهما - عن الحسن بن علي بن محمد عليه‌السلام، في قول الله عزوجل: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: الله هو الذي يتأله اليه عند الحوائج و الشدائد كل مخلوق، عند انقطاع الرجاء من كل من هو دونه، و تقطع الأسباب من جميع ما سواه. نقول: بسم الله الرحمن الرحيم: أي أستعين علي أموري كلها بالله الذي لا تحق العبادة الا له، المغيث اذا استغيث به والمجيب اذا دعي. و هو ما قاله رجل للصادق عليه‌السلام: [ صفحه 342] يابن رسول الله دلني علي الله ما هو؟. فقد كثرت علي المجادلون و حيروني. فقال له: يا عبدالله، هل ركبت سفينة قط؟. قال: نعم. قال: فهل كسر بك، حيث لا سفينة تنجيك، و لا سباحة تغنيك؟!. قال: نعم. قال: فهل تعلق قلبك هناك، أن شيئا من الأشياء قادر علي أن يخلصك من ورطتك؟. قال: نعم. قال الصادق عليه‌السلام: فذلك الشي‌ء هو الله، القادر علي الانجاء حيث لا منجي، و علي الاغاثة حيث لا مغيث. ثم قال الصادق عليه‌السلام: و لربما ترك بعض شيعتنا في افتتاح أمره: بسم الله الرحمن الرحيم، فيمتحنه الله بمكروه لينبهه علي شكر الله تبارك و تعالي و الثناء عليه، و يمحق عنه وصمة تقصيره عند تركه قول: بسم الله الرحمن الرحيم» [433] . و تفسير الامام العسكري عليه‌السلام لقوله تعالي: بسم الله الرحمن الرحيم الرحيم، هو من خير ما تفسر به البسملة باختصار. فالباء في أولها تعني الاستعانة بذكر اسمه تعالي الذي هو رحمان يعطف علي خلقه، و رحيم شديد الرحمة لهم، اذ يستجيب لدعائهم و يرأف بهم كبارا و صغارا. [ صفحه 343] قال محمد بن القاسم الاسترآبادي المفسر: «حدثني يوسف بن محمد بن زياد، و علي بن محمد بن سيار، عن أبويهما، عن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي‌طالب عليهم‌السلام في قول: (اهدنا الصراط المستقيم) [434] قال: أدم لنا توفيقك الذي به أطعناك في ماضي أيامنا، حتي نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا. و الصراط المستقيم هو صراطان: صراط في الدنيا، و صراط في الآخرة. و أما الصراط المستقيم في الدنيا فهو ما قصر من الغلو، و ارتفع عن التقصير، و استقام فلم يعدل الي شي‌ء من الباطل. و أما الطريق الآخر فهو طريق المؤمنين الي الجنة، الذي هو مستقيم لا يعدلون عن الجنة الي النار، و لا الي النار سوي الجنة» [435] . و عنه عليه‌السلام - أيضا - في قوله سبحانه: (اهدنا الصراط المستقيم) [436] قال باختصار: «أرشدنا للزوم الطريق المؤدي الي محبتك، و المبلغ الي رضوانك و جنتك، و المانع من أن نتبع أهواءنا فنعطب، أو نأخذ بآرائنا فنهلك» [437] . يقول المتفيهقون: كلام الملوك ملوك الكلام. [ صفحه 344] و نحن نقول: كيف بالكلام و قد صدر عن ملوك الكلام بين الأنام، و مالكي ناصية العلم وفقه اللغة، و حملة علم التفسير و التأويل عن رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، عن الرب الجليل عز شأنه؟!. كلام أهل بيت النبوة امام كل كلام.. و عنده يكل كل كلام و ينقطع كل خصام.. و لن نزيد علي ذلك.. قال محمد بن القاسم الاسترآبادي، المفسر: «حدثني يوسف بن محمد بن زياد، و علي بن محمد بن سيار، عن أبويهما، عن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي‌طالب عليهم‌السلام في قول الله عزوجل: (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم و لا الضآلين) [438] : أي: قولوا: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك و طاعتك، و هم الذين قال الله عزوجل: (و من يطع الله و الرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهدآء و الصلحين و حسن أولئك رفيقا) [439] و حكي هذا بعينه عن أميرالمؤمنين عليه‌السلام. ثم قال: ليس هولاء المنعم عليهم بالمال و صحة البدن، و ان كان كل هذا نعمة من الله ظاهرة، ألا تري أن هؤلاء قد يكونون كفارا أو فساقا؟. فما ندبتم أن تدعوا بأن ترشدوا الي صراطهم، و انما أمرتم بالدعاء بأن ترشدوا الي صراط الذين أنعم الله عليهم بالايمان [بالله] و تصديق رسوله، و بالولاية [ صفحه 345] لمحمد و آله الطاهرين، و أصحابه الخيرين المنتجبين، و بالتقية الحسنة التي يسلم بها من شر عباد الله، و من الزيادة في آثام أعداء الله وكفرهم، بأن تداريهم و لا تغريهم بأذاك و أذي المؤمنين، و بالمعرفة بحقوق الاخوان من المؤمنين. فانه ما من عبد و لا أمة والي محمدا و آل محمد عليهم‌السلام، و عادي من عاداهم، الا كان قد اتخذ من عذاب الله حصنا منيعا و جنة حصينة. و ما من عبد و لا أمة داري عباد الله فأحسن المداراة فلم يدخل بها في باطل، و لم يخرج بها من حق، الا جعل الله عزوجل نفسه تسبيحا، و زكي عمله، و أعطاه بصيرة علي كتمان سرنا، و احتمال الغيظ لما يسمعه من أعدائنا، و ثواب المتشحط بدمه في سبيل الله!. و ما من عبد أخذ نفسه بحقوق اخوانه، فوفاهم حقوقهم جهده، و أعطاهم ممكنه، و رضي عنهم بعفوهم، و ترك الاستقصاء عليهم فيما يكون من زللهم، و اغتفرها لهم، الا قال الله له يوم يلقاه: يا عبدي، قضيت حقوق اخوانك و لم تستقض عليهم فيما لك عليهم، فأنا أجود و أكرم و أولي بمثل ما فعلته من المسامحة و الكرم، فاني أقضيك اليوم علي حق ما وعدتك به، و أزيدك من فضلي الواسع، و لا أستقصي عليك في تقصيرك في بعض حقوقي.. قال: فيلحقه بمحمد و آله، و يجعله في خيار شيعتهم. ثم قال: قال رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم لبعض أصحابه ذات يوم: يا عبدالله، أحب لله، و أبعض في الله، و وال في الله، و عاد في الله!. فانه لا تنال ولاية الله الا بذلك، و لايجد رجل طعم الايمان و ان كثرت صلاته و صيامه حتي يكون كذلك. و قد صارت مؤاخاة الناس يومكم هذا أكثرها في الدنيا، عليها يتوادون، و عليها يتباغضون، و ذلك لا يغني عنهم من الله شيئا. فقال الرجل: يا رسول الله، فكيف لي أن أعلم أني قد واليت و عاديت في الله؟. و من ولي الله حتي أواليه، و من عدوه حتي أعاديه؟. [ صفحه 346] فأشار له رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم الي علي عليه‌السلام، فقال: أتري هذا؟. قال: بلي. قال: ولي هذا ولي الله، فواله. و عدو هذا، عدو الله، فعاده. و وال ولي هذا ولو أنه قاتل أبيك [و ولدك]، و عاد عدو هذا، ولو أنه أبوك و ولدك» [440] . فالهداية الي طريق المنعم عليهم بالتوفيق لدين الله تعالي و طاعته، لا يؤدي الي غير محمد صلي الله عليه و آله و سلم، و لا الي غير أهل بيته الأخيار الأبرار الذين اختصهم الله تعالي بالوصية، و حملهم مواريث السماء و تركات الأنبياء. وجعلهم حججه علي البرية، و لا ينتفع من يحور و يدور، لأنه سبحانه لم ينعم نعمة علي أحد كنعمته علي الأنبياء و أوصيائهم، فكيف بمن كانوا خاتمي الأنبياء والأوصياء وسادتهم؟!. و من أذهب الله تعالي عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا!. و لا أكتم قارئي الكريم، أنه لا قرابة بين الله تعالي و بين أحد من الناس، و لا مناص من وقفة حساب دقيق بين يديه تعالي، بحيث لا تخفي عليه خافية.. (ولتنظر نفس ما قدمت لغد) [441] قبل أن تسأل عن التقصير بحق من اختارهم الله تعالي علي علم لولاية أمور العباد.. «و قال عليه‌السلام في قوله تعالي: (ختم الله علي قلوبهم و علي سمعهم و علي أبصرهم غشوة و لهم عذاب عظيم) [442] : [ صفحه 347] أي وسمها بسمة يعرفها من يشاء من ملائكته اذا نظروا اليها، بأنهم - أي الكافرين - لما أعرضوا عن النظر فيما كلفوه، و قصروا فيما أريد منهم، و جهلوا بما لزمهم الايمان به، فصاروا كمن علي عينيه غطاء لا يبصر ما أمامه. فان الله عزوجل يتعالي عن العبث و الفساد، و عن مطالبة عباده بما منعهم بالقهر عنه. فلا يأمرهم بمغالبته، و لا بالمصير الي ما قد صدهم بالقسر عنه. ثم قال: (و لهم عذاب عظيم): يعني في الآخرة: العذاب المعد للكافرين. و في الدنيا أيضا لمن يريد أن يستصلحه بما ينزل به من عذاب الاستصلاح، لينبهه لطاعته؛ أو عن عذاب الاصلاح، ليصيره الي عدله و حكمته» [443] . و مجمل ما قصده الامام عليه‌السلام، هو أن الله سبحانه لم يختم علي قلوب الكافرين و أسماعهم حين خلقهم، و لا جعل علي أبصارهم غشاوة سلفا. بل كان ذلك بعد أن اختبرهم فقصروا في تأدية التكاليف، و كفروا بما أمرهم بالايمان به، و قد تعالي سبحانه عن أن يخلق الكافر كافرا فيكفر مقهورا علي كفره، كما أنه جل و سما عن أن يصد كافرا طلب طريق الايمان و العمل الصالح مقسورا مغلوبا علي أمره.. و لكنه حين يشذ عبده عن طريق أتباع أوامره و نواهيه، شذوذا يعلم سبحانه أن لا عودة له عنه، يختم علي قلبه و سمعه، و يعتبره في حكم المفروغ منه لأنه سادر في غيه و ضلاله. و أما أنه سبحانه استعمل الفعل: ختم بصيغة الماضي، فهو للدلالة علي أن أمر الختم معلوم عنده تعالي، مؤكد في سابق علمه اذ لا يخفي عليه ما تكون عليه حال ذلك العبد الضال طيلة حياته علي الأرض. [ صفحه 348] «و عن يوسف بن محمد بن زياد، و علي بن محمد بن سيار - أيضا - عن أبويهما، عن الحسن - العسكري - بن علي، عن أبيه: علي بن محمد، عن أبيه: محمد بن علي، عن أبيه: علي بن موسي، عن أبيه: موسي بن جعفر، عن أبيه: جعفر بن محمد، عن أبيه: محمد بن علي، عن أبيه: علي بن الحسين عليهم‌السلام، في قول الله تبارك و تعالي: (الذي جعل لكم الأرض فراشا و السمآء بنآء..) [444] . قال: جعلها ملائمة لطباعكم، موافقة لأجسادكم، فلم يجعلها شديدة الحمي و الحرارة فتحرقكم، و لا شديدة البرودة فتجمدكم، و لا شديدة طيب الريح فتصدع هاماتكم، و لا شديدة النتن فتعطبكم، و لا شديدة اللين كالماء فتغرقكم، و لا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في حرثكم، و أبنيتكم، و قبور موتاكم!. و لكنه عزوجل جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به؛ تتتماسكون، و تتماسك عليها أبدانكم و بنيانكم. و جعل فيها من اللين ما تنقاد به لدوركم و قبوركم و كثير من منافعكم. فلذلك جعل الأرض فراشا لكم. ثم قال عزوجل: (والسمآء بنآء) أي سقفا محفوظا من فوقكم، يدير فيها شمسها و قمرها و نجومها لمنافعكم. ثم قال تعالي: (و أنزل من السمآء مآء) [445] يعني المطر ينزله من علو يبلغ قلل جبالكم، و تلالكم، و هضابكم، و أوهادكم [446] ،، ثم فرقه رذاذا، [ صفحه 349] و وابلا، و هطلا - وطلا [447] - لتنشفه أرضوكم. فلم يجعل ذلك المطر نازلا عليكم قطعة واحدة فيفسد أراضيكم، و أشجاركم، و زروعكم، و ثماركم. ثم قال عزوجل: (فأخرج به من الثمرات رزقا لكم) [448] يعني مما يخرجه من الأرض رزقا لكم (فلا تجعلوا لله أندادا) [449] أي: أشباها و أمثالا من الأصنام التي لا تعقل، و لا تسمع، و لا تبصر، و لا تقدر علي شي‌ء (و أنتم تعلمون) أنها لا تقدر علي شي‌ء من هذه النعم الجليلة التي أنعمها عليم ربكم تبارك و تعالي» [450] . فأنت تري أن أهل بيت الوحي و التنزيل عليهم‌السلام، هم أهل القرآن و البيان، و مصدر التفسير و التأويل، و لذلك فان قولهم في القرآن لا يجاريه قول انسان، لأنهم لا يبتدعون شيئا من بنات أفكارهم، و لا ينطقون الا عن أمر الله تعالي، أو بما جاء به عنه رسوله الكريم صلي الله عليه و آله و سلم، فالآخذ عنهم مستق من نبع عليين، لأنه آخذ عن رب العالمين و رسوله العظيم الذي لا ينطق عن الهوي، لا عن رأي شخصي يختلط فيه نور هدي القرآن بظلمة نفس الانسان المفسر لكتاب ربه برأيه!. فان معاني القرآن فيها من العمق و الاعجاز ما يستعصي علي الحذلقة و الفذلكة و تفويف الكلام كما لا يخفي. [ صفحه 350] «و عنه عليه‌السلام في قوله تعالي: (و منهم أميون لا يعلمون الكتاب الآ أماني..) [451] . ان الأمي منسوب الي أمه، أي: هو كما خرج من بطن أمه، لا يقرأ و لا يكتب.. (لا يعلمون الكتب) المنزل من السماء، و لا المتكذب به، و لا يميزون بينهما (الآ أماني) أي: الا أن يقرأ عليهم و يقال لهم: ان هذا كتاب الله و كلامه، لا يعرفون ان قري‌ء من الكتاب خلاف ما فيه (و ان هم الا يظنون) [452] أي: ما يقرأ عليهم رؤساؤهم من تكذيب محمد صلي الله عليه و آله و سلم في نبوته و امامة علي عليه‌السلام سيد عترته، و هم يقلدونهم مع أنه محرم عليهم تقليدهم (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله) [453] تعالي!. هؤلاء القوم هم اليهود، كتبوا صفة زعموا أنها صفة محمد صلي الله عليه و آله و سلم، و هي خلاف صفته؛ و قالوا للمستضعفين منهم: هذه صفة النبي المبعوث في آخر الزمان: انه طويل، عظيم البدن و البطن، أهوف - أي جسيم - أصهب الشعر، و محمد صلي الله عليه و آله و سلم بخلافه؛ و هو يجي‌ء بعد هذا الزمان بخمسمائة سنة!. و انما أرادوا بذلك أن تبقي لهم علي ضعفائهم رئاستهم، و تدوم لهم اصابتهم، ويكفوا نفوسهم مؤونة خدمة رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، و خدمة علي عليه‌السلام و أهل بيته و خاصته، فقال الله عزوجل: (فويل لهم مما كتبت أيديهم و ويل لهم مما يكسبون) [454] من هذه الصفات المحرفات و المخالفات لصفة محمد صلي الله عليه و آله و سلم و علي عليه‌السلام: الشدة لهم من العذاب في أسوء بقاع جهنم!. و ويل لهم: الشدة في العذاب ثانية، مضافة الي الأولي، [ صفحه 351] مما يكسبون من الأموال التي يأخذونها اذا أثبتوا عوامهم علي الكفر بمحمد صلي الله عليه و آله و سلم، و الحجة لوصية و أخيه علي بن أبي‌طالب عليه‌السلام، ولي الله!. ثم قال عليه‌السلام: قال رجل للصادق عليه‌السلام: فاذا كان هؤلاء القوم من اليهود لا يعرفون الكتاب الا بما يسمعونه من علمائهم، لا سبيل لهم الي غيره، فيكف ذمهم بتقليدهم و القبول من علمائهم؟. و هل عوام اليهود، الا كعوامنا يقلدون علماءهم؟!. فقال عليه‌السلام: بين عوامنا و علمائنا، و عوام اليهود و علمائهم، فرق من جهة، و تسوية من جهة: أما من حيث استووا، فان الله قد ذم عوامنا بتقليدهم علماءهم كما ذم عوامهم. وأما من حيث افترقوا، فلا. قال: بين لي يابن رسول الله. قال عليه‌السلام: ان عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح، و بأكل الحرام، و الرشي، و بتغيير الأحكام عن واجبها بالشفاعات و العنايات و المصانعات؛ و عرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون به أديانهم؛ و أنهم اذا تعصبوا أزالوا حقوق من تعصبوا عليه، و أعطوا ما لا يستحقه من تعصبوا له من أموال غيرهم، و ظلموهم من أجلهم، و عرفوهم يقارفون المحرمات، و اضطروا بمعارف قلوبهم الي أن من فعل ما يفعلونه فهو فاسق لا يجزو أن يصدق علي الله، و لا علي الوسائط بين الخلق و بين الله!. فلذلك ذمهم لما قلدوا من قد عرفوه، و من قد علموا أنه لا يجوز قبول خبره، و لا تصديقه في حكايته، و لا العمل بما يؤديه اليهم عمن لم [ صفحه 352] يشاهدوه؛ و وجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، اذ كانت دلائله أوضح من أن تخفي، و أشهر من أن لا تظهر لهم. و كذلك عوام أمتنا، اذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، و العصبية الشديدة، و التكالب علي حطام الدنيا و حرامها، و اهلاك من يتعصبون عليه و ان كان لاصلاح أمره مستحقا، و بالترفرف بالبر و الاحسان علي من تعصبوا له و ان كان للاذلال و الاهانة مستحقا، فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء، فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله بالتقليد لفسقة فقهائهم. فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا علي هواه، مطعيا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه، و ذلك لا يكون الا بعض فقهاء الشيعة، لا جميعهم. فانه من ركب من القبائح و الفواحش مراكب فسقة العامة، فلا تقبلوا منا عنه شيئا، و لا كرامة!. و انما كثر التخليط فيما يتحمل عنا - أهل البيت - لذلك، لأن الفسقة يتحملون عنا فيحرفونه بأسره بجهلهم، و يضعون الأشياء علي غير وجهها لقلة معرفتهم. و آخرون يتعمدون الكذب علينا، ليجروا من عرض الدنيا ما هو زادهم الي نار جهنم!. و منهم قوم نصاب لا يقدرون علي القدح فينا، يتعلمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجهون به عند شيعتنا، و ينتقصون بنا عند نصابنا ثم يضيفون اليه أضعافه و أضعاف أضعافه من الأكاذيب علينا التي نحن براء منها، فيتقبله المستسلمون من شيعتنا علي أنه من علومنا، فضلوا و أضلوا، و هم أضر علي ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد علي الحسين بن علي عليه‌السلام و أصحابه!. فانهم يسلبونهم الأرواح و الأموال، و هؤلاء هم علماء السوء، الناصبون، المتشبهون بأنهم لنا موالون، و لأعدائنا معادون، و يدخلون الشك و الشبهة علي ضعفاء شيعتنا فيضلونهم و يمنعونهم عن قصد الحق المصيب. لا جرم أن من علم الله من قلبه، من هؤلاء القوم، أنه لا [ صفحه 353] يريد الا صيانة دينه، و تعظيم وليه، ثم يتركه في يد هذا المتلبس الكافر، و لكنه يقيض له مؤمنا يقف به علي الصواب، ثم يوفقه الله للقبول منه، فيجمع الله - له - بذلك خير الدنيا و الآخرة، و يجمع علي من أضله لعنا في الدنيا، و عذابا في الآخرة. ثم قال: قال رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم: أشرار علماء أمتنا: المضلون عنا، القاطعون للطرق الينا، المسمون أضدادنا بأسمائنا، الملقبون أندادنا بألقابنا، يصلون عليهم و هم للعن مستحقون، و يلعنوننا و نحن بكرامات الله مغمورون، و بصلوات الله و صلوات ملائكته المقربين علينا، عن صلواتهم يستغنون!. ثم قال: قيل لأميرالمؤمنين عليه‌السلام: من خير خلق الله بعد أئمة الهدي و مصابيح الدجي؟. قال: العلماء اذا صلحوا. قيل: فمن شرار خلق الله بعد ابليس، و فرعون، و نمرود، و بعد المتسمين بأسمائكم، و المتلقبين بألقابكم، و الآخذين لأمكنتكم، و المتآمرين - المتأمرين - في ممالككم؟. قال: العلماء اذا فسدوا. هم المظهرون للأباطيل، الكاتمون للحقائق. و فيهم قال الله عزوجل: (أولئك يلعنهم الله و يلعنهم اللعنون، الا الذين تابوا [455] .. (... [456] . و لا تشكن بأن أي تعليق علي هذا الكلام يفسد روعته و يشوه بلاغته.. فليترك ليجيل كل قاري‌ء فيه فكره، و يتمتع بمعناه و بغرر محتواه. و لن [ صفحه 354] أرفع يدي عن القول فيه قبل أن أشير الي قول أميرالمؤمنين عليه‌السلام بأن من شرار خلق الله تعالي هم المسمون بأسمائهم و الملقبون بألقابهم و الآخذون لأمكنتهم، و هم أمراء المؤمنين علي مر زمن الخلافة الاسلامية الذي امتد مئات و مئات السنين.. «و عن أبي‌يعقوب، يوسف بن محمد بن زياد، و أبي‌الحسن، علي بن محمد بن سيار، أنهما قالا: قلنا للحسن، أبي‌القائم عليهم‌السلام: ان قوما عندنا يزعمون أن هاروت و ماروت ملكان اختارتهما الملائكة لما كثر عصيان بني‌آدم، و أنزلهما الله مع ثالث لهما الي الدنيا، و أنهما افتتنا بالزهرة و أرادا الزني بها، و شربا الخمر، و قتلا النفس المحرمة، و أن الله يعذبهما ببابل، و أن السحرة منهما يتعلمون السحر، و أن الله مسخ هذا الكوكب الذي هو الزهرة!. فقال الامام عليه‌السلام: معاذ الله من ذلك!. ان الملائكة معصومون، محفوظون من الكفر و القبائح بألطاف الله!. فقال عزوجل فيهم: (لا يعصون الله مآ أمرهم و يفعلون ما يؤمرون) [457] و قال: (و له من في السموات و الأرض و من عنده - يعني الملائكة - لا يستكبرون عن عبادته و لا يستحسرون، يسبحون الليل و النهار لا يفترون) [458] و قال في الملائكة: (بل عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون، - الي قوله: - مشفقون) [459] . كان الله قد جعل هؤلاء الملائكة خلفاء في الأرض، و كانوا كالأنبياء [ صفحه 355] في الدنيا و كالأئمة، أفيكون من الأنبياء قتل النفس، و الزني، و شرب الخمر؟!. ثم قال: أولست تعلم أن الله لم يخل الأرض من نبي أو امام من البشر؟. أو ليس يقول: (و مآ أرسلنا من قبلك - يعني الي الخلق - الا رجالا نوحي اليهم من أهل القري) [460] فأخبر أنه لم يبعث الملائكة الي الأرض ليكونوا أئمة و حكاما، و انما أرسلوا الي أنبياء الله. قال: قلنا له: فعلي هذا لا يكون ابليس ملكا!. فقال: لا، بل كان من الجن. أما تسمعان الله تعالي يقول: (و اذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا الا ابليس كان من الجن..)؟! [461] فأخبر أنه كان من الجن! و هو الذي يقول: (و الجآن خلقنه من قبل من نار السموم) [462] . و قال الامام عليه‌السلام: يحدثني أبي، عن جدي الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليه‌السلام، عن رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم: أن الله اختارنا، معاشر آل محمد، و اختار النبيين، و اختار الملائكة المقربين، و ما اختارهم الا علي علم منه بهم: أنهم لا يواقعون ما يخرجون به عن ولايته و ينقطعون به من عصمته و ينضمون به الي المستحقين لعذابه و نقمته. قالا: فقلنا: فقد روي لنا أن علينا صلوات الله عليه لما نص عليه رسول الله بالامامة، عرض الله ولايته علي فيام و فيام [463] من الملائكة فأبوها، فمسخهم الله ضفادع!. فقال: معاذ الله!. هؤلاء المكذبون علينا. الملائكة هم رسل الله، [ صفحه 356] كسائر أنبياء الله، الي الخلق. أفيكون منهم الكفر بالله؟!. قلنا: لا. قال: فكذلك الملائكة، ان شأن الملائكة عظيم، و ان خطبهم لجليل!» [464] . و ان لقول الامام عليه‌السلام لشذا يعبق من كلماته و حروفه، فلا تكاد تسمعه حتي تحس بروح و ريحان الوحي ينتشران منه، فتذعن للحق طوعا أو كرها!. ذلك أن المختار لهذا المركز الرباني العظيم، ينسجم دائما مع روح رسالة السماء، و لا يحيد عن دستور ربه قيد شعرة؛ بل يدور - دائما و أبدا - في فلك معين من قبل من اختاره سبحانه لامامة الخلق، بنظام أدق من نظام الكواكب و الأفلاك التي خلقها الرحمان سائرة علي نمط لا يختل نظامه البتة مازالت مأمورة بالدوران!. و أنت تلاحظ أنه، كما برأ القرآن الكريم مريم العذراء عليهم‌السلام مما رميت به، برأ الامام عليه‌السلام هاروت و ماروت مما نسب اليهما من المعاصي الجسام. التي ألصقها بهما المفسرون حين ذكروا قصتهما بشكل تخريف و تجديف!. و ما كان لغيره صلوات الله عليه أن يحتج بمثل ما احتج به من القرآن الكريم و القول السديد الذي يسد فاه كل عنيد.. و الراد علي الامام، كالراد علي رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم.. و كالراد علي الله عزوعلا.. «وعنه عليه‌السلام: كذبت قريش و اليهود بالقرآن، و قالوا: (هذا سحر مبين) [465] . [ صفحه 357] فقال الله: (الم، ذلك الكتاب..) [466] أي: يا محمد، هذا الكتاب الذي أنزلناه عليك، هو بالحروف المقطعة التي منها: ألف، لام، ميم!. و هو بلغتكم و حروف هجائكم، فأتوا بمثله ان كنتم صادقين و استعينوا بسائر شهدائكم!. ثم يبين أنهم لا يقدرون عليه بقوله: (قل لئن اجتمعت الانس و الجن علي أن يأتوا بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا) [467] . ثم قال الله: (الم) هو هذا القرآن الذي افتتح ب: ألم، هو (ذلك الكتاب) الذي أخبرت به موسي عليه‌السلام فمن بعده من الأنبياء فأخبروا بني‌اسرائيل أني سأنزل عليك يا محمد كتابا عربيا عزيزا (لا يأتيه البطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد [468] . (لا ريب فيه) [469] : لا شك فيه لظهوره عندهم، كما أخبرهم أنبياؤهم أن محمدا أنزل عليه كتاب لا يمحوه الباطل، يقرأه هو وأمته علي سائر أحوالهم. (هدي) [470] بيان من الضلالة (للمتقين) [471] الذين يتقون الموبقات، و يتقون تسليط السفه علي أنفسهم، حتي اذا علموا ما يجب عليهم علمه، عملوا بما يجلب لهم رضا ربهم. قال: و قال الصادق عليه‌السلام: ثم الألف حرف من حروف، و قولك [ صفحه 358] الله، دل (بالألف) علي قولك: الله، و دل (باللام) علي قولك الملك العظيم المظاهر للخلق أجمعين، و دل (الميم) علي أنه المجيد المحمود في كل أفعاله. و جعل هذا القول حجة علي اليهود، و ذلك أن الله لما بعث موسي بن عمران، ثم من بعده من الأنبياء الي بني‌اسرائيل، لم يكن فيهم قوم الا أخذوا عليهم العهود و المواثيق: لتؤمنن بمحمد العربي الأمي، المبعوث بمكة، الذي يهاجر الي المدينة، يأتي بكتاب، من الحروف المقطعة افتتاح بعض سوره، تحفظه أمته، فيرأونه قياما و قعودا، و مشاة، و علي كل الأحوال. يسهل الله عزوجل حفظه عليهم، و يعرفون بمحمد صلي الله عليه و آله و سلم أخاه و وصيه علي بن أبي‌طالب عليه‌السلام، الآخذ عنه علومه التي علمها، المتقلد عنه [الأمانة] و الامامة التي قلدها، و مذلل كل من عاند محمدا بسيفه الباتر، و مفحم كل من جادله، و خاصمه بدليله القاهر. يقاتل عباد الله علي تنزيل الكتاب حتي يقودهم الي قبوله طائعين و كارهين. ثم اذا صار محمد صلي الله عليه و آله و سلم الي رضوان الله عزوجل، وارتد كثير ممن كان أعطاه ظاهر الايمان، و حرفوا تأويلاته، و غيروا معانيه و وضعوها علي خلاف و جوهها، قاتلهم بعد ذلك علي تأويله، حتي يكون ابليس الغاوي لهم هو الخاسي‌ء الذليل المطرود المغلوب. قال: فلما بعث الله محمدا و أظهره بمكة، ثم سيره منها الي المدينة و أظهره بها. ثم أنزل عليه الكتاب، و جعل افتتاح سوره الكبري ب: ألم، يعني: (الم، ذلك الكتاب الذي أخبرت أنبيائي السالفين أني سأنزله عليك يا محمد لا ريب فيه) فقد ظهر كما أخبركم به أنبياؤكم أن محمدا صلي الله عليه و آله و سلم ينزل عليه كتاب مبارك لا يمحوه الباطل، يقرأه هو و أمته علي سائر أحوالهم، ثم اليهود يحرفونه عن جهته، و يتأولونه علي خلاف وجهه، و يتعاطون الي علم ما قد طواه الله عنهم من حال آجال هذه الأمة، وكم مدة ملكهم. فجاء [ صفحه 359] الي رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم جماعة، فولي رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم عليا عليه‌السلام يخاطبهم. فقال قائلهم: ان كان ما يقول محمد حقا، فقد علمنا كم قدر ملك أمته؛ هو احدي و سبعون سنة، الألف: واحد، و اللام: ثلاثون، و الميم: أربعون. قال علي عليه‌السلام: فما تصنعون ب (المص) و قد أنزلت عليه؟!. فقالوا: هذه أكثر. هذه احدي و ستون و مائة سنة. قال: ما تصنعون بما أنزل عليه: (المر)؟!. قالوا: هذه مئتان و احدي و سبعون سنة. فقال علي: فواحدة من هذه، أو جميعها، له؟. فاختلط كلامهم - فبعضهم قال: له واحدة منها. و بعضهم قال: بل يجمع له كلها، و ذلك سبعمائة و أربع سنين، ثم يرجع الملك علينا. فقال علي عليه‌السلام: أكتاب من كتب الله عزوجل نطق بهذا، أم آراؤكم دلتكم عليه؟!. فقال بعضهم: كتاب الله نطق بهذا. و قال آخرون منهم: بل آراؤنا دلتنا عليه. فقال علي عليه‌السلام: فأتوا بكتاب من عند الله نطق بما تقولون. فعجزوا عن ايراد ذلك. و قال للآخرين: فدلوا علي صواب هذا الرأي. فقالوا: رأينا دليله علي أن هذا حساب الجمل. فقال علي عليه‌السلام: فكيف دل علي ما تقولون و ليس في هذه الأحرف [الا] ما اقترحتم دون بيان؟. [ صفحه 360] أرأيتم ان قيل لكم: ان هذه الحروف ليست دالة علي هذه المدة لملك أمة محمد صلي الله عليه و آله و سلم و لكنها دالة علي أن عدد ذلك لكل واحد منكم و منا، بعدد هذا الحساب دراهم أو دنانير؟!. و علي أن لعلي كل واحد منكم دينا عدد ماله مثل عدد هذا الحساب؟!. أو أن كل واحد منكم قد لعن بعدد هذا الحساب؟!. قالوا: يا أباالحسن، ليس شي‌ء مما ذكرته منصوصا عليه في (الم) و (المص) و (الر) و (المر). فان بطل قولنا لما قلنا، فاذا بطل قولك لما قلت. فقال خطيبهم و منطيقهم: لا تفرح يا علي بأن عن اقامة حجة علي دعوانا. فأي حجة علي دعواك، الا أن تجعل عجزنا حجتك؟!. فاذا: مالنا حجة فيما نقول، و لا لكم حجة فيما تقولون. قال علي عليه‌السلام: لا سواء!. ان لنا حجة هي المعجزة الباهرة. ثم نادي جمال اليهود: يا أيها الجمال اشهدي لمحمد و لوصيه عليه‌السلام‌هما. فتبادرت الجمال: صدقت يا وصي محمد، و كذب هؤلاء اليهود!. فقال علي عليه‌السلام: هؤلاء جنس من الشهود!. يا ثياب اليهود اشهدي لمحمد و وصيه!. فنطقت ثيابهم كلها: صدقت صدقت يا علي، نشهد بأن محمدا رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم حقا، و أنك يا علي وصيه حقا!. لم يثبت لمحمد قدم في مكرمة الا و طأت علي موضع قدمه بمثل مكرمته. و أنتما شقيقان من أشرف أنوار الله تعالي؛ تميزتما اثنين، و أنتما في الفضائل شريكان الا أنه لا نبي بعد محمد صلي الله عليه و آله و سلم. [ صفحه 361] فعند ذلك خرست اليهود، و آمن بعض النظارة منهم برسول الله صلي الله عليه و آله و سلم، و غلب الشقاء علي اليهود و سائر النظارة الآخرين. فذلك ما قال الله تعالي: (لا ريب فيه)؛ انه كما قال محمد، و وصي محمد عن قوله محمد صلي الله عليه و آله و سلم، عن قول رب العالمين. ثم قال: (هدي): بيان و شفاء (للمتقين) من شيعة محمد و علي، انهم اتقو أنواع الكفر فتركوها، و اتقوا الذنوب الموبقات فرفضوها، واتقوا اظهار أسرار الله تعالي، و أسرار أزكياء عباده الأوصياء بعد محمد صلي الله عليه و آله و سلم فكتموها، و اتقوا سر العلوم عن أهلها المستحقين لها، و فيهم نشروها» [472] . و علق الصدوق عليه الرحمة و الرضوان علي هذا بقوله: «و الأحاديث في نشر علوم مولانا الامام [الحسن العسكري] عليه‌السلام، يضيق بها المقام، و كفاك بتفسيره عليه‌السلام فانه مائة و عشرون مجلدا كما ذكره بعض الأعلام» [473] . و اذا قال الصدوق لا يبقي لأمثالنا قول في هذا المجال.. و اذا كان تفسير امامنا عليه‌السلام يبلغ مائة و عشرين مجلدا، فمعني ذلك أن الجوهر صدر من معدنه، فقد روي عن جده أميرالمؤمنين عليه‌السلام أنه قال: لو شئت لأوقرت أربعين بعيرا في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم. و لا عجب أن يكون ذلك من باب مدينة علم رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم. غير أن شهادة جمال اليهود و شهادة ثيابهم لا ننكرها اذ جاءت بعد التحدي الوقح و تكذيب القرآن و اللعب بتأويله حسب الأهواء. و قد مر به من هو أسبق منا و أعلي كعبا و لم يعلق عليه بشي‌ء ألا تري في القرآن الكريم أن الكافرين حين ينكرون سيئاتهم [ صفحه 362] يوم القيامة يشهد عليهم سمعهم و أبصارهم و جلودهم. قال تعالي في كتابه العزيز: (حتي اذا ما جآءوها شهد عليهم سمعهم و أبصرهم و جلودهم بما كانوا يعملون) [474] . «و خرج من عند أبي‌محمد عليه‌السلام، في سنة خمس و خمسين و مائتين، كتاب ترجمته - أي اسمه -: كتاب: المنقبة، و قيل كتاب: المقنعة - يشتمل علي أكثر من علم الحلال و الحرام - و أوله: أخبرني علي بن محمد بن علي بن موسي الخ... و ذكر الخيبري في كتاب سماه: مكاتبات الرجال، عن العسكريين، قطعة من أحكام الدين» [475] . و ننبه القاري‌ء الكريم الي أن كتابه - عليه‌السلام - المذكور في أعلاه، كان أول نموذج للرسائل العملية التي يجب أن يضعها مراجع الشيعة لمقلديهم في مختلف عصور غيبة صاحب الأمر عجل الله تعالي فرجه، ليعملوا بحسب ما فيها من أحكام الدين، فانه يعلم بأنهم قادمون علي غيبة طويلة موحشة، فعلم مراجعهم علي وضع رسائل تلك الأحكام في ما يأتي من الأعوام.

بعض ما روي عنه

عن الحافظ البلاذري، قال: «حدثنا الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسي، امام عصره عند الامامية بمكة، قال: [ صفحه 363] حدثني أبي: علي بن محمد، المفتي، قال: حدثني أبي: محمد بن علي، السيد المحمود، قال: حدثني أبي: علي بن موسي، الرضا، قال: حدثني أبي: موسي بن جعفر، المرتضي، قال: حدثني أبي: جعفر بن محمد، الصادق، قال: حدثني أبي: محمد بن علي، الباقر، قال: حدثني أبي: علي بن الحسين، السجاد زين‌العابدين، قال: حدثني أبي: الحسين بن علي، سيد شباب أهل الجنة، قال: حدثني أبي: علي بن أبي‌طالب، سيد الأوصياء، قال: حدثني محمد بن عبدالله، سيد الأنبياء، قال: حدثني جبرائيل، سيد الملائكة، قال: قال الله عزوجل سيد السادات: اني أنا الله لا اله الا أنا فمن أقر لي بالتوحيد دخل حصني، و من دخل حصني أمن من عذابي» [476] . و قال الحاكم: «لمن نكتب الا هذا عن هذا الشيخ» [477] . و صلي الله علي هذا الشيخ الذي خلع عليه الحافظ البلاذري، و جميع معاصريه، هذا اللقب الكبير الذي يوحي للسامع بشيخوخة متقدمة في السن حتي ليكاد يعطيه ستين سنة فما فوقها، مع أنه كان يومئذ في مطلع شبابه و أول ربيع عمره لأنه لم يعش سوي ثمان و عشرين سنة قضي منها ست [ صفحه 364] سنوات - من عمره - في الاقامة المرصودة في سامراء، و الحديث سبق تلك الفترة يقينا.. و لكن، كيف كان شيخا؟. انه شيخ الفقهاء من بني‌هاشم و غيرهم، و سيد سادات الأمة، و نجل الأئمة الأبرار الأطهار سلام الله عليهم، الذين تلقوا علمهم عن جدهم الأعلي، سيد الوري صلي الله عليه و آله و سلم، و رووا بهذه السلسلة الذهبية عن الله تبارك و تعالي، الذي هو أصدق القائلين، والذي (لا يغفر أن يشرك به) [478] كما نص كتابه الكريم و قرآنه العظيم (و يغفر ما دون ذلك لمن يشآء و من يشرك بالله فقد افتري اثما عظيما) [479] . فاللهم اجعلنا من موحديك المنزهين لك عن الشريك والند، العاملين بأوامرك، المنتهين عن نواهيك، لنفوز بنعمة التوحيد قولا و عملا.. انك أنت أكرم الأكرمين. و قال أبوالفرج في كتابه المسمي ب: «تحريم الخمر»: «أشهد بالله لقد سمعت أباعبدالله الحسين بن علي يقول: أشهد بالله لقد سمعت عبدالله بن عطاء الهروي يقول: أشهد بالله لقد سمعت عبدالرحمان بن أبي‌عبيدة، البيهقي يقول: أشهد بالله لقد سمعت أباعبدالله الحسين بن محمد، الدينوري يقول: [ صفحه 365] أشهد بالله لقد سمعت محمد بن علي بن الحسين، العلوي يقول: أشهد بالله لقد سمعت أحمد بن عبدالله، السبيعي يقول: أشهد بالله لقد سمعت الحسن بن علي، العسكري يقول: أشهد بالله لقد سمعت أبي: علي بن محمد يقول: أشهد بالله لقد سمعت أبي: محمد بن علي بن موسي، الرضا، يقول: أشهد بالله لقد سمعت أبي: علي بن موسي يقول: أشهد بالله لقد سمعت أبي: موسي يقول: أشهد بالله لقد سمعت أبي: جعفر بن محمد يقول: أشهد بالله لقد سمعت أبي: محمد بن علي يقول: أشهد بالله لقد سمعت أبي: علي بن الحسين يقول: أشهد بالله لقد سمعت أبي: الحسين بن علي يقول: أشهد بالله لقد سمعت أبي: علي بن أبي‌طالب عليه‌السلام يقول: أشهد بالله لقد سمعت محمدا رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم يقول: أشهد بالله لقد سمعت جبرائيل يقول: أشهد بالله علي اللوح المحفوظ أنه قال: سمعت الله يقول: شارب الخمر كعابد الوثن!» [480] . و عنا لأمر جميع من يشربون الخمر من أمة محمد صلي الله عليه و آله و سلم، الحاملين هوية الاسلام، و الاسلام منهم بري‌ء!. و ان سند هذا الحديث - والحديث [ صفحه 366] الذي سبقه - لتقشعر منهما الأبدان لأنهم ينبهان الغافل و يوقظان المتغافل، اذ تحس و أنت تقرأهما بعد قسم اليمين علي ثانيهما تسعة عشر راويا، فيهم عشرة من أئمة الهدي، و علي رأسهم سيد الأنبياء، و سيد ملائكة السماء، تحس أن كل يمين من أيمانهم يقطع الظهر!. فاسمع يا شارب الخمر!. «و سئل عليه‌السلام عن الموت ما هو؟. فقال: التصديق بما لا يكون!. حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الصادق عليه‌السلام، قال: ان المؤمن اذا مات لم يكن ميتا، فان الميت هو الكافر.. ان الله عزوجل يقول: (يخرج الحي من الميت و يخرج الميت من الحي..) [481] يعني المؤمن من الكافر، و الكافر من المؤمن» [482] . و قد فسر المجلسي رحمه الله قول الامام عليه‌السلام: «الموت هو التصديق بما لا يكون» بقوله: أي هو أمر التصديق به تصديق بما لا يكون، اذ المؤمن لا يموت بالموت، و الكافر أيضا كذلك لأنه كان ميتا قبله، و ظاهر المعني: أن التصديق بما لا يكون، أي بالأمر المحال، فان المحال بمنزلة الموت. و هو فعل الأحمق لا عقل له، و قد روي أن الصادق عليه‌السلام قال: اذا أردت أن تختبر عقل الرجل في مجلس واحد، فحدثه في خلال حديثك بما لا يكون. فان أنكره فهو عاقل، و ان صدقه فهو أحمق. و قد قال أميرالمؤمنين عليه‌السلام: [ صفحه 367] «فقد العقل فقد الحياة، و لا يقاس الا بالموت» [483] . و نحن نقول: يمكن أنه عليه‌السلام قد قصد بقوله: «الموت هو التصديق بما لا يكون، أن الانسان عند حلول موته، يصدق بأمور خفي عليه ما فيها و ما وراءها، من أن المؤمن يخرج من سجن الي جنة وارفة الظلال، و أن الكافر يخرج الي نار ذات جحيم و اشتعال، و أن التصديق أخذ موضعه من نفس كل منهما عند الموت، و بعده.. و كانا يظنان أن ذلك لا يقع، و أنه من المحال أن ينتقل هذا من سجن الي جنة فور موته و أن ينقل ذاك من جنة الدنيا الي عذاب الآخرة بمجرد خروج روحه!. و ان الذي يتسجي للموت، يصدق - حينئذ - بأنه سيموت كما مات غيره. و أن هذا الأمر الذي كان يحيد عنه.. و يظن أنه ربما نجا منه، و بالتالي أنه لا يكون بالنسبة اليه.. قد وصل اليه، و جاء دوره و أخذ يتذوق سكراته و مرارة طعمه!. و حينئذ فقط يصدق بما وراء الموت، أي بأمر لا يكون، و هو ما وعد به ربه، و كذب به أكثر العباد. و في كل حال من أين لنا أن ندرك ما رمي اليه الامام عليه‌السلام بالضبط و الدقة!.

من حكمه الخالدة

ان حكمه و أفكاره عليه‌السلام من صميم وظيفة الامام و المعلم و المربي الديني و هو الي جانب كونها حكما و أفكارا عالية، تحتوي توجيهات تربوية خص بها جماعة من أصحابه مرة، و أفرادا منهم مرة ثانية، و أطلقها في مجالس و مناسبات مرة ثالثة، كمثل قوله: [ صفحه 368] - «حب الأبرار للأبرار، ثواب للأبرار. و حب الفجار للأبرار، فضيلة للأبرار، و بغض الفجار للأبرار، زين للأبرار، و بغض الأبرار للفجار، خزي علي الفجار» [484] . - «لا تمار فيذهب بهاؤك. و لا تمازح فيجترأ عليك!». - «من رضي بدون الشرف من المجلس، لم يزل الله و ملائكته يصلون عليه حتي يقوم». - و هذا من التواضع و عدم حب الظهور، كما لا يخفي، لأنه قال عليه‌السلام أيضا: - - «من التواضع السلام علي من تمر به، و الجلوس دون شرف المجلس». - «التواضع نعمة لا يحسد عليها». - «من الجهل الضحك من غير عجب». - «من الفواقر التي تقصم الظهر - أي الدواهي التي تكسر فقرات الظهر - جار ان رأي حسنة أخفاها، و ان رأي سيئة أفشاها». - «ليست العبادة كثرة الصيام و الصلاة، و انما العبادة كثرة التفكر في أمر الله». - «ان الوصول الي الله عزوجل سفر لا يدرك الا بامتطاء الليل!». - أي بركوب الليل و في ذلك صورة بديعة لمن يقضي الليل في الصلاة، و العبادة قائما و قاعدا و راكعا و ساجدا -. - «بئس العبد عبد يكون ذا وجهين و ذا لسانين، يطري أخاه شاهدا - أي حاضرا - و يأكله غائبا!، ان أعطي حسده، و ان ابتلي خانه». [ صفحه 369] - «من كان الورع سجيته، و الكرم طبيعته، و الحلم خلته، كثر صديقه و الثناء عليه، و انتصر من أعدائه بحسن الثناء عليه». - «الغضب مفتاح كل شر». - «ان للجود مقدارا فاذا زاد عليه فهو سرف، و للحزم مقدارا فاذا زاد عليه فهو جبن، و للشجاعة مقدارا فاذا زاد عليه فهو تهور!. كفاك أدبا لنفسك تجنبك ما تكره من غيرك». - «حسن الصورة جمال ظاهر، و حسن العقل جمال باطن». - «أقل الناس راحة الحقود». - «من أكثر المنام رأي الأحلام!» - أي أن طالب الدنيا كالنائم. و ما يظفر به منها يقعده و يحلم بغيره، فيكون كالحلم بعد الحلم -. - «أورع الناس من وقف عند الشبهة». - «أعبد الناس من قام علي الفرائض». - أي أقام علي أدائها و لم يهادن بها مرة واحدة في عمره، لأنه يعتبرها فرائض راتبة، واجبة الأداء في كل حال، و في أوقاتها بالذات. - «أزهد الناس من ترك الحرام.». - «أشد الناس اجتهادا من ترك الذنوب». - و هذا من جهاد النفس الذي هو الجهاد الأكبر كما سماه رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم -. - «اذا نشطت القلوب فأودعوها، و اذا نفرت فودعوها». - يعني: خذوا العلم و انشطوا للعبادة حين اقبال القلوب علي ذلك، و دعوها في هدنة اذ رأيتم بها ضعفا و فتورا -. [ صفحه 370] -«انكم في آجال منقوصة، و أيام معدودة، و الموت يأتي بغتة!». - «من يزرع خيرا يحصد غبطة، و من يزرع شرا يحصد ندامة!. لكل زارع ما زرع». - «لا يسبق بطي‌ء بحظه، و لا يدرك حريص ما لم يقدر عليه..». - «من أعطي خيرا فالله أعطاه، و من وقي شرا فالله وقاه». - «المؤمن بركة علي المؤمن، و حجة علي الكافر». - «قلب الأحمق في فمه، و فم الحكيم في قلبه». - «لا يشغلك رزق مضمون، عن عمل مفروض». - «من تعدي في طهور، كان كناقضه». - و هذا أمر بالاعتدال و عدم اتباع وسوسة الشيطان في الطهور، لأن باب الطهارة واسع في شرع الاسلام -. - «ما ترك الحق عزيز الا ذل، و لا أخذ به ذليل الا عز!». - «صديق الجاهل تعب..». - «خصلتان ليس فوقهما شي‌ء: الايمان بالله، و نفع الاخوان». - «جرأة الولد علي والده في صغره، تدعو الي العقوق في كبره!». - «ليس من الأدب اظهار الفرح عند المحزون». -«خير من الحياة، ما اذا فقدته بغضت الحياة!. و شر من الموت، ما اذا نزل بك أحسست بالموت!». - «جعلت الخبائث في بيت، و الكذب مفاتيحها!». - «رياضة الجاهل، ورد المعتاد عن عادته، كالمعجز». [ صفحه 371] - «لا تكرم الرجل بما يشق عليه». - «من وعظ أخاه سرا فقد زانه، و من وعظه علانية فقد شانه». - «ما من بلية الا ولك نعمة تحيط بها». -«ما أقبح المؤمن أن تكون له رغبة تذله!» - «لو عقل أهل الدنيا خربت!». - لأنهم يزهدون بها و لا يعيرونها أي اهتمام -. و الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي خير خلقه محمد و آله الطيبين الطاهرين المعصومين.

پاورقي

[1] بصائرالدرجات ج 1 ص 6.
[2] سورة الحشر: 18.
[3] سورة الملك: 22.
[4] سورة التوبة: 84.
[5] سورة المائدة: 73.
[6] كشف‌الغمة ج 3 ص 220 - 219 و بحارالأنوار ج 50 ص 275 - 274 و هو مروي عن أحمد بن مطهر، و هو كذلك في اثبات الهداة ج 6 ص 329.
[7] سورة الأنعام: 115.
[8] حليةالأبرار ج 2 ص 480 و بصائرالدرجات ج 9 ص 439 و اثبات الوصية ص 118 اختلاف يسير في اللفظ و هو في أكثر مصادر بحثنا.
[9] سورة الشوري: 23. [
[10] سورة الزخرف: 22.
[11] سورة الزخرف: 24.
[12] بصائرالدرجات ج 9 ص 423.
[13] عقدنا فصلا خاصا بهذا الموضوع في كتابنا «الامام المعجزة».
[14] معاني الأخبار ص 132 و الآية الكريمة في الاسراء: 9.
[15] معاني‌الأخبار ص 132 و الآية الكريمة في آل عمران: 101.
[16] معاني‌الأخبار ص 365.
[17] بحارالأنوار ج 52 ص 219 و 221 و 285 و 204 و ينابيع المودة ج 3 ص 109 و هو في أكثر مصادر بحثنا.
[18] قيل انه ولد في عاشر شهر ربيع‌الأول، و قيل في شهر رمضان، كما أنه قيل: ولد سنة احدي و ثلاثين و مائتين، و قيل سنة ثلاث و ثلاثين و مائتين. و ذكر بعضهم أنه ولد بسامراء خطا، و الأصح في ذلك كله هو ما ذكرناه. فانظر الارشاد ص 125 و بحارالأنوار ج 50 من ص 232 الي ص 238 و اعلام‌الوري ص 349 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 421 و 422 و 423 و الكافي ج 1 ص 503 و كشف الغمة ج 3 من ص 192 الي ص 223 و الفصول المهمة من ص 284 الي ص 290 و اثبات الوصية ص 207 و في تاريخ الأمم و الملوك ج 11 ص 31 قال: قدم مع والده الي سامراء سنة 233 ه. خطأ. و انظر موجز تواريخ أهل‌البيت ص 210 و ص 211 و وفاة الامام العسكري ص 4 و الأنوار البهية ص 250 و مدينة المعاجز ص 572 و تذكرة الخواص ص 376.
[19] قيل انها كانت تدعي: حديث أو حديثه، أو حريبة، و ريحانة، أو غزل المغربية، و يقال لها الجدة كما ذكرنا، و ما اخترناه هو الأصح قطعا. فانظر بحارالأنوار ج 50 من ص 235 الي ص 248 و الارشاد ص 315 و اعلام الوري ص 349 و الكافي ج 1 ص 503 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 421 الي ص 423 و الفصول المهمة من ص 284 الي ص 290 و كشف الغمة ج 3 من ص 192 الي ص 220 و موجز تواريخ أهل‌البيت ص 211 و اثبات الوصية ص 217 و 218 و الأنوار البهية ص 250 و تذكرة الخواص ص 376.
[20] اثبات الوصية ص 207 و موجز تواريخ أهل‌البيت ص 211.
[21] الأنوارالبهية ص 251 - 250.
[22] أنظر بحارالأنوار ج 20 من ص 235 الي ص 238 و ص 310 و الارشاد ص 315 و اعلام‌الوري ص 349 و الكافي ج 1 ص 203 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 من ص 421 الي ص 423 و الفصول المهمة من ص 284 الي ص 290 و كشف‌الغمة ج 3 من ص 192 الي ص 220 و موجز تواريخ أهل‌البيت ص 211 و اثبات الوصية ص 218 - 217 و المحجة البيضاء ج 4 ص 321 و تذكرة الخواص ص 376 و الأنوار البهية ص 250 و قيل كان نقش خاتمه: أنا الله شهيد أو: ان الله شهيد. و ما ذكرناه هو المرجح عندنا.
[23] بحارالأنوار ج 50 ص 274 و الأنوار البهية ص 257 و اثبات الهداة ج 6 ص 348 - 347.
[24] هو من ولد أبي‌أيوب الأنصاري، صاحب رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم.
[25] مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 441 - 440 عن غيبة الطوسي من ص 124 الي ص 128 و هو في مدينة المعاجز ص 581 - 580 و اثبات الهداة ج 6 ص 299 - 298.
[26] الأنوار البهية ص 251.
[27] الفصول المهمة ص 290.
[28] كشف‌الغمة ج 3 ص 194 و في المحجة البيضاء ج 4 ص 321 ما عدا الفقرة الأخيرة نقلا عن مطالب السؤل ص 88.
[29] الأنوار البهية ص 261.
[30] الأسود اللوابد: هي الأسود ذوات اللبد. و الأسد ذو اللبدة هو ذو الشعر المتراكب علي عنقه و بين كتفيه، و هي تجعل له منظرا مهيبا. أما الحصي - هنا - فهي العدد الكثير. و يقال: نحن أكثر منهم حصي، أي: أكثر عددا. و قد قال الأعشي: و لست بالأكثر منهم حصي و انما العزة للكاثر و انظر الخبر في بحارالأنوار ج 50 ص 276 - 275 عن الغيبة للطوسي ص 123 و هو في الفصول المهمة ص 288 والأنوار البهية ص 258 - 257 و في كشف الغمة ج 3 ص 293 شي‌ء منه و هو في مدينة المعاجز ص 577 - 576 و اثبات الهداء ج 6 ص 97.
[31] سورة النساء: 47 و سورة الأحزاب: 37.
[32] أنظر كتابنا «يوم الخلاص» تجد ذلك مفصلا.
[33] بحارالأنوار ج 52 ص 160 و اعلام الوري ص 412.
[34] الأنوارالبهية ص 258.
[35] بحارالأنوار ج 50 ص 314 عن مهج الدعوات ص 345 و عن الغيبة للطوسي ص 144 و ص 149.
[36] اعلام‌الوري ص 414.
[37] بحارالأنوار ج 50 ص 314 عن مهج الدعوات ص 345 و عن الغيبة للطوسي ص 144 و ص 149 و هو في مدينة المعاجز ص 572 و اثبات الهداة ج 6 ص 297.
[38] بحارالأنوار ج 51 ص 26 و ج 52 ص 23.
[39] اعلام‌الوري ص 412 و كشف‌الغمة ج 3 ص 316 و المحجة البيضاء ج 4 ص 339 عن الغيبة للطوسي ص 146 و هو في ينابيع المودة ج 3 ص 120 و اثبات الهداة ج 6 ص 297 ومدينة المعاجز ص 573 و مصادر أخري أشرنا اليها في كتابنا «يوم الخلاص».
[40] الاحتجاج ج 2 ص 462 - 461.
[41] اعلام الوري ص 412 و كشف‌الغمة ج 3 ص 417 و بحارالأنوار ج 52 ص 22 و ينابيع‌المودة ج 3 ص 124 و مدينة المعاجز ص 573 ومصادر غيرها ذكرناها في كتابنا «يوم الخلاص».
[42] كشف‌الغمة ج 3 ص 317 و اعلام الوري ص 414 وبحارالأنوار ج 51 ص 349 و ج 52 ص 29 و الكافي ج 1 ص 329 عن الغيبة للطوسي ص 217 و هو في ينابيع المودة ج 3 ص 123 - 122.
[43] بحارالأنوار ج 51 ص 160 و اعلام‌الوري ص 415 و انظر بقية مصادره في كتابنا «يوم الخلاص».
[44] وفاة العسكري من ص 48 الي ص 50 و بحارالأنوار ج 52 ص 35 وتراجع مصادره في كتابنا «يوم الخلاص».
[45] غلط بعض القائلين بأنه توفي في زمن المعتز، اذ كان يومها في أول عهد امامته.
[46] أنظر اعلام الوري ص 349 و بحارالأنوار ج 50 ص 237 و ص 238 و الفصول المهمة من ص 284 الي ص 290 ومناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 422 و كشف‌الغمة ج 3 ص 220 وموجز تواريخ أهل‌البيت ص 212 و الأنوار البهية ص 267 - 266 و وفاة العسكري ص 33.
[47] راجع مصادره في كتابنا «يوم الخلاص».
[48] بصائرالدرجات ج 10 ص 484.
[49] بحارالأنوار ج 50 ص 314 - 313 و ص 331 - 330 و بصائر الدرجات ج 10 ص 482 و اثبات الوصية ص 215 و هو في الأنوار البهية ص 272 ما عدا آخره.
[50] أي مع المهدي عجل الله تعالي فرجه.
[51] بحارالأنوار ج 50 ص 314 عن مهج‌الدعوات ص 345 و عن غيبة الطوسي ص 144 و ص 149 و الأنوار البهية من 272 و مدينة المعاجز ص 571 و اثبات الهداة ج 6 ص 313.
[52] أي مع المهدي عجل الله تعالي فرجه.
[53] اثبات الوصية ص 213 و هو كذلك في اثبات الهداة ج 6 ص 298 - 297 و بعض المصادر السابقة لهذا الرقم، و في الأنوار البهية ص 273.
[54] تحف‌العقول ص 263 - 262.
[55] قيل انه عليه‌السلام عاش و عشرين سنة، و توفي في شهر ربيع الآخر. فانظر الكافي ج 8 ص 503 و اعلام الوري ص 349 و ص 360 و بحارالأنوار ج 50 من ص 234 الي ص 238 و الارشاد ص 315 ومناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 422 و الفصول المهمة من ص 214 الي ص 290 و كشف الغمة من ص 194 الي ص 227 و هو أيضا في أهل‌البيت ص 212 و ص 213 و اثبات الوصية ص 218 و وفاة العسكري ص 4 و الأنوار البهية ص 266 و ص 273.
[56] الكامل لابن‌الأثير ج 7 ص 90.
[57] المصدر نفسه.
[58] مروج الذهب ج 4 ص 112 و بحارالأنوار ج 50 ص 336.
[59] بحارالأنوار ج 50 ص 332 - 330 نقلا عن كمال‌الدين ج 2 ص 150 - 149 و هو في وفاة العسكري ص 37 و الأنوار البهية ص 271 رواية عن أبي‌سهل، اسماعيل بن علي النوبختي، و هو كذلك في اثبات الهداة ج 6 ص 311.
[60] و روي هذا الحديث عن سعد بن عبدالله الذي قال: حدثنا من حضر موت الحسن بن علي العسكري، الخ....
[61] هو ابن‌يحيي بن خاقان، الوزير المقدم عند العباسيين، و قد قتل هو و المتوكل معا لما أفرطا في الظلم و الغشم.
[62] الموفق هو أحمد بن المتوكل، و كان صاحب جيش المعتمد و أخاه.
[63] في المحجة البيضاء ج 4 ص 322 الحديث الي هنا فقط.
[64] نحرير: كان خادم المعتمد الخاص. و هو من أشقي خدمه و أخبثهم، ومن أشدهم كرها للامام عليه‌السلام خاصة، و لشيعته عامة.
[65] هذه الصلاة حصلت بعد أن صلي عليه ابنه الحجة القائم بالحق في البيت كما ستري في الاكمال باسناده عن أبي‌الأديان ج 2 ص 475.
[66] أنظر هذا الخبر في بحارالأنوار ج 50 من ص 225 الي ص 229 نقلا عن كمال‌الدين ج 1 من ص 120 الي ص 125 و هو في الكافي ج 1 من ص 503 الي ص 506 و اعلام‌الوري من ص 357 الي ص 359 و الأنوار البهية من ص 267 الي ص 270 و كشف‌الغمة ج 3 من ص 197 الي ص 199 و الارشاد من ص 315 الي ص 320 و حلية الأبرار ج 2 من ص 486 الي ص 490 و الفصول المهمة من ص 288 الي ص 289 و وفاة العسكري من ص 33 الي ص 35 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 423 - 422 و في تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 503 ذكر وفاته و الصلاة عليه و دفنه و تختلف بعض ألفاظه في بعض المصادر.
[67] الأنوارالبهية ص 272.
[68] المصدر السابق ص 273.
[69] أنظر ذلك مفصلا في الارشاد ص 322 و بحارالأنوار ج 50 ص 334 و كشف‌الغمة ج 3 ص 223 و اعلام الوري ص 360 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 422 و الأنوار البهية ص 273 باختلاف يسير في التطويل و التقصير، و اللفظ و التعبير.
[70] سورة يس: 54 - 53.
[71] الهميان: كيس تجعل فيه الدراهم، و يشد علي وسط الجسم، و هو ما يسميه العامة: الكمر.
[72] السمان: مر ذكره و صفته و هو من سفراء الامام عليه‌السلام، و عجل الله تعالي فرجه و هو عثمان بن سعيد العمري.
[73] الصفار: هو يعقوب بن ليث الصفار الذي خرج علي العباسية و سلطانها بثورة مذكورة في كتب التاريخ بتفصيل.
[74] بحارالأنوار ج 50 ص 333 - 332 نقلا عن كمال‌الدين ج 1 ص 152 - 150 و في بحارالأنوار ج 52 ص 49 بعضه، و كذلك في وفاة العسكري من ص 38 الي ص 40 و ص 44 و ينابيع المودة ج 3 ص 145 و مدينة المعاجز ص 574 - 573.
[75] بحارالأنوار ج 52 ص 5 و الارشاد ص 330.
[76] الأنوار البهية ص 274 و هو في مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 426 برواية الحسين بن روح قدس الله تعالي روحه، رواية عن أبي‌الحسن عليه‌السلام، والد امامنا الذي نحن بصدد عرض سيرته الكريمة. و في هذا دليل علي صحة صدور هذا القول عن الامامين عليه‌السلام‌هما لأن قبريهما في سر من رأي و في مقام واحد.
[77] سورة لقمان: 34.
[78] سورة النور: 37 - 36.
[79] سورة المؤمن: 51.
[80] المستنصر هو ابن‌المتوكل الذي كان شديد الظلم للعلويين و للأئمة عليهم‌السلام بصورة خاصة - و أم المستنصر - شيعية، و قد تأثر بها أولا، ثم ازداد تعلقا بالتشيع لما رآه من الحق عند الأئمة، و لما لمسه من تعصب أبيه و ظلمه لهم.
[81] الأنوارالبهية ص 274 و هو في مصدره الأساسي في كشف الغمة ج 3 ص 309.
[82] سورة لقمان: 11.
[83] مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 422.
[84] الارشاد ص 315 وكشف‌الغمة ج 3 ص 194 و الفصول المهمة ص 284.
[85] اثبات الوصية ص 205 و اثبات الهداة ج 6 ص 323.
[86] اثبات‌الوصية ص 209.
[87] كشف الغمة ج 3 ص 224 - 223.
[88] بحارالأنوار ج 50 ص 242 نقلا عن الغيبة للطوسي ص 130 و هو في اثبات الوصية ص 209 و اثبات الهداة ج 6 ص 276.
[89] الارشاد ص 315 و الفصول المهمة ص 284 و بحارالأنوار ج 50 ص 246 عن الغيبة للطوسي ص 130 و هو في اعلام الوري ص 351 و الكافي ج 1 ص 325 و حلية الأبرار ج 2 ص 505 و كشف‌الغمة ج 3 ص 194.
[90] حلية الأبرار ج 2 ص 510 - 509 مكررا و بحارالأنوار ج 50 ص 239 نقلا عن كمال‌الدين ج 2 ص 51 و عن كفاية الأثر ص 326.
[91] بحارالأنوار ج 50 ص 239 نقلا عن كمال‌الدين ج 2 ص 50 و هو في اثبات الهداة ج 4 ص 276.
[92] كشف‌الغمة ج 3 ص 195 و حليةالأبرار ج 2 ص 505 و بحارالأنوار ج 50 ص 240 نقلا عن كمال‌الدين ج 2 ص 263 و هو في ص 244 - 243 و في الارشاد ص 315 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 423 - 422 و الكافي ج 1 ص 332 و اعلام الوري ص 350 و ص 351 و ص 352 و بصائرالدرجات ص 273 و وفاة العسكري ص 4 و تحف‌العقول ص 361 و الأنوارالبهية ص 264 - 263 و اثبات الهداة ج 6 ص 271.
[93] اثبات الوصية ص 209.
[94] المصدر نفسه.
[95] اثبات الوصية من ص 205 الي ص 207 و اثبات الهداة ج 6 ص 273.
[96] كشف الغمة ج 3 ص 208 و وفاة العسكري ص 28 و هو في مدينة المعاجز ص 579 عن الفضل بن الحارث.
[97] سورة آل عمران: 34.
[98] اعلام الوري ص 353 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 441 و بحارالأنوار ج 50 ص 303 - 302 و غيبة الطوسي ص 132 و كشف‌الغمة ج 3 ص 208 و لم يذكر أبيات الشعر، و في ص 222 - 221 مع الأبيات، و هو أيضا في اثبات الوصية ص 211 باختصار آخره، و في وفاة العسكري ص 17 - 16 كاملا.
[99] حليةالأبرار ج 2 ص 509 - 508 و بعض مصادر بحثنا. [
[100] صريا: مزرعة له عليه‌السلام بظاهر المدينة المنورة.
[101] الارشاد ص 317 و بحارالأنوار ج 50 ص 242 نقلا عن الغيبة للطوسي ص 130 و هو في اثبات الهداة ج 6 ص 276.
[102] كشف‌الغمة ج 3 ص 315 و اعلام‌الوري ص 350 و بحارالأنوار ج 50 ص 242 و ص 243 و ص 289 نقلا عن الغيبة للطوسي ص 129 و ص 130 و هو في اثبات الوصية ص 208 و حلية الأبرار ج 2 ص 205 و هو مكرر في ص 510 باختلاف يسير، و هو في وفاة العسكري ص 4 و اثبات الهداة ج 6 ص 270 و ص 276.
[103] حلية الأبرار ج 2 ص 506 و بحارالأنوار ج 50 ص 244 و كشف‌الغمة ج 3 ص 195 و اعلام‌الوري ص 350 و ص 351 ومناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 422 و ص 423 و الكافي ج 1 ص 226 و الارشاد ص 316.
[104] المصدر نفسه.
[105] بحارالأنوار ج 50 ص 247 عن الغيبة للطوسي ص 131 و ص 132 و وفاة العسكري ص 5.
[106] حلية الأبرار ج 4 ص 506 - 505 و بحارالأنوار ج 50 ص 244 و اعلام الوري ص 350 و الارشاد ص 165 و كشف‌الغمة ج 3 ص 195 و اثبات الهداة ج 6 ص 270.
[107] حلية الأبرار ج 2 ص 55 و بحارالأنوار ج 50 ص 241 و اعلام‌الوري ص 350 و بصائرالدرجات ج 10 ص 473 و في كشف‌الغمة ج 3 ص 125 روي عن أحمد بن محمد بن عبدالله بن مهران و هو كذلك في الارشاد ص 316 - 315.
[108] و هو في اثبات الهداة ج 6 ص 271 و قد قيل: الحصيبي، و الحضيني و ما ذكرناه هو الأصح.
[109] بحارالأنوار ج 50 ص 241 و كشف‌الغمة ج 3 ص 196 و حليةالأبرار ج 2 ص 507 و الارشاد ص 317 و اعلام الوري ص 356 - 350 و اثبات الوصية ص 207 باختلاف يسير، و هو في وفاة العسكري ص 6 و اثبات الهداة ج 6 ص 271.
[110] حليةالأبرار ج 2 ص 507 و بحارالأنوار ج 50 ص 242 و الكافي ج 1 ص 328 و الارشاد ص 317 - 316 وكشف‌الغمة ج 3 ص 196 ووفاة العسكري ص 524 و اثبات‌الهداة ج 6 ص 271.
[111] حلية الأبرار ج 2 ص 507 - 506 و كشف‌الغمة ج 7 ص 196 - 195 و اعلام الوري ص 351 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 423 وبحارالأنوار ج 50 ص 245 و الكافي ج 1 ص 326 و ص 327 و الارشاد ص 316 و هو في اثبات الوصية ص 207 باختلاف يسير.
[112] سورة التوبة: 115.
[113] بحارالأنوار ج 50 ص 246 نقلا عن الغيبة للطوسي ص 131 و هو في حلية الأبرار ج 2 ص 507 و ص 508 مكررا. و في الكافي ج 1 ص 328 و الارشاد ص 317 و في اعلام الوري ص 351 ملخصا، و كشف‌الغمة ج 3 ص 196 و اثبات الوصية ص 209 - 208 و اثبات الهداة ج 1 ص 272 و ص 277 - 276.
[114] سورة البقرة: 106.
[115] حليةالأبرار ج 2 ص 508 - 507 و بحارالأنوار ج 50 ص 242 و الكافي ج 1 ص 326 و ص 327 و الارشاد ص 317 و كشف‌الغمة ج 3 ص 196 و المحجة البيضاء ج 4 ص 321 و اعلام الوري ص 351 بزيادة: و معه آلة الامامة، و هو كذلك في اثبات الهداة ج 6 ص 274.
[116] المصدر نفسه.
[117] سورة البقرة: 32.
[118] سورة فاطر: 32.
[119] كشف‌الغمة ج 3 ص 209 - 208 و بحارالأنوار ج 50 ص 259 - 258 نقلا عن مختار الخرائج و الجرائح ص 239 و هو في وفاة العسكري ص 28 و اثبات الهداة ج 6 ص 327 - 326 و مدينة المعاجز ص 577.
[120] بصائرالدرجات ج 2 ص 61.
[121] المصدرالسابق ج 2 ص 62.
[122] المصدر السابق ج 6 ص 295.
[123] المصدر السابق ج 2 ص 95.
[124] المصدر السابق ج 1 ص 104.
[125] المصدر السابق ج 2 ص 105.
[126] سورة النساء: 54.
[127] بصائرالدرجات ج 1 ص 36.
[128] المصدر السابق ج 1 ص 56.
[129] كشف‌الغمة ج 3 ص 276 و بحارالأنوار ج 50 ص 272 نقلا عن مختار الخرائج و الجرايح ص 215 و هو في اثبات الهداة ج 6 ص 337.
[130] سورة الأعراف: 172.
[131] كشف‌الغمة ج 3 ص 210 - 209 و التعليق في هامش ص 210 و الخبر في اثبات الوصية أيضا ص 262 و في مدينة المعاجز ص 578 و اثبات الهداة ج 6 ص 333.
[132] أنظر المصدر السابق فقد أشرنا الي مورده.
[133] سورة آل عمران: 30.
[134] ورد: ابن‌شمون خطأ، فهو ابن‌ميمون، أنظر رجال الكشي ص 448.
[135] كشف‌الغمة ج 3 ص 211 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 435 و بحارالأنوار ج 50 ص 299 و اثبات الهداة ج 6 ص 328 و مدينة المعاجز ص 572.
[136] و ورد: الفضل بن الحرث، و ما ذكرناه هو الصحيح و كلاهما واحد.
[137] بحارالأنوار ج 50 ص 301 - 300 عن رجال الكشي ص 481 و هو في مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 434 و مدينة المعاجز ص 578.
[138] سورة الرعد: 19.
[139] هو أحد وكلاء الامام و ابنه عليه‌السلام‌هما.
[140] هو ابن الامام جعفر الصادق وأخو الامام الكاظم عليه‌السلام.
[141] بحارالأنوار ج 50 ص 306 (نقلا عن الغيبة للطوسي ص 141 و ص 226) و هو مكرر في بحارالأنوار ج 50 ص 289 باختلاف يسير، و هو في مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 425 - 424.
[142] اثبات الوصية ص 214 و اثبات الهداة ج 6 ص 347.
[143] نسبة الي كفرتوثا التي هي قرية كبيرة في الجزيرة.
[144] سورة الأنبياء: 27 - 26.
[145] مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 429 و بحارالأنوار ج 50 ص 284 - 283 ومدينة المعاجز ص 578.
[146] بحارالأنوار ج 50 ص 281.
[147] المصدر السابق.
[148] سوره يوسف: 53.
[149] حليةالأبرار ج 2 ص 498 ومدينة المعاجز ص 584 - 583 و اثبات الهداة ج 6 ص 343.
[150] أمنان: جمع: منا. و هو كيل يكال به السمن و غيره من السوائل، أو ميزان يوزن به رطلان. مثناه: منوان، و الجمع: أمنان.
[151] حليةالأبرار ج 2 ص 496 - 495 نقلا عن الخرائج ص 213 و هو في بحارالأنوار ج 50 من ص 260 الي ص 262 و وفاة العسكري من ص 10 الي ص 13 و الأنوارالبهية من ص 255 الي ص 257 و مدينة المعاجز ص 565 و اثبات الهداة ج 6 ص 317 - 316.
[152] حلية الأبرار ج 2 ص 497 و الكافي ج 1 ص 513 - 512 و في مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 389 ذكره في معاجز جده الامام محمد الجواد عليه‌السلام، و في ص 437 أشار اليه اشارة فقط، و هو في بحارالأنوار ج 50 ص 261 - 260 في الهامش، نقلا عن الكافي.
[153] سورة يوسف: 76.
[154] في بعض المصادر: تنبسط في المصير الينا. أي هل يسرك المصير الينا؟.
[155] حليةالأبرار ج 2... الي ص 502 و في... أبي‌طالب ج 4 ص 434 ذكره باختلاف يسير و... في بحارالأنوار ج 50 من ص 251 الي ص 253 نقلا عن الغيبة... حيث رواه عن أبي‌علي بن همام، عن شاكري - أجير - لأبي‌محمد عليه‌السلام، و في اثبات الهداة ج 6 من ص 307 الي ص 309 رواه عن جماعة...، و هو في مدينة المعاجز ص 568.
[156] كشف‌الغمة ج 3 ص 219 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 425 و حليةالأبرار ج 2 ص 503 - 502 نقلا عن الخرائج ص 214 و هو في بحارالأنوار ج 50 ص 271 - 270 و المحجة البيضاء ج 4 ص 333 و اثبات الهداة ج 6 ص 319 و مدينة المعاجز ص 575.
[157] بحارالأنوار ج 52 ص 270 و انظر جملة مصادره في كتابنا «يوم الخلاص».
[158] أنظر مصادره في كتابنا «يوم الخلاص» في موضوع: الخراساني.
[159] بحارالأنوار ج 18 ص 119.
[160] أنظر اعلام الوري ص 349 و بحارالأنوار ج 50 ص 237 و ص 238 و الفصول المهمة من ص 284 الي ص 290 ومناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 422 و كشف‌الغمة ج 3 ص 308.
[161] سورة فصلت: 22 و 23.
[162] بصائرالدرجات ج 3 ص 149 و بعض مصادر بحثنا.
[163] سورةالشوري: 21.
[164] بصائرالدرجات ج 3 ص 125.
[165] الكامل لابن‌الأثير ج 7 ص 32 - 31.
[166] سورة الدخان: 46 - 45.
[167] بحارالأنوار ج 50 ص 266.
[168] كشف‌الغمة ج 3 ص 220.
[169] اثبات الوصية ص 211 - 210 عن مهج‌الدعوات ص 341 وبحارالأنوار ج 50 ص 313 - 312 و اثبات الهداة ج 6 ص 307.
[170] بحارالأنوار ج 50 ص 313 و هو في ص 250 - 249 نقلا عن مختار الخرائج و الجرائح ص 211 و ص 297 و ص 298 و ص 313 و عن الغيبة للطوسي ص 132 و عن مهج‌الدعوات ص 342 و هو في مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 430 و كشف‌الغمة ج 3 ص 218 مروي عن عمر بن محمد بن زياد الصيمري، و سمي أباأحمد: عبدالله بن طاهر، و هو في المحجة البيضاء ج 4 ص 332 و اثبات الهداة ج 6 ص 306.
[171] مروج الذهب ج 4 ص 79.
[172] الفصول المهمة: ص 285.
[173] كشف الغمة ج 3 ص 206 و ص 292 و بحارالأنوار ج 50 ص 295.
[174] مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 437 و الكافي ج 1 ص 506 و كشف‌الغمة ج 3 ص 200 و الارشاد ص 320 و بحارالأنوار ج 50 ص 278 و المحجة البيضاء ج 4 ص 323 و مدينة المعاجز ص 562 و اثبات الهداة ج 6 ص 281.
[175] سورة التوبة: 48.
[176] اثبات الوصية ص 211 و كشف الغمة ج 3 ص 220 و مروج الذهب ج 4 ص 60 و أكثر مصادر التاريخ.
[177] المصدر السابق.
[178] سورة النساء: 108.
[179] سورة هود: 5.
[180] سورة التوبة: 78.
[181] سورة الزخرف: 80.
[182] الكافي ج 1 ص 507 و الارشاد ص 322 - 321 و حلية الأبرار ج 2 ص 500 - 499 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 438 و بحارالأنوار ج 50 ص 266 - 265 و كشف الغمة ج 3 ص 206 و المحجة البيضاء ج 4 ص 325 - 324 و وفاة العسكري ص 25 - 24 و في الأنوار البهية ص 262 ذكر الحادثة مجملة، و هي في مدينة المعاجز ص 562.
[183] بحارالأنوار ج 50 ص 307 و كشف‌الغمة ج 3 ص 209 و في الكافي ج 1 ص 508 ذكر اسمه: نارمش، خطأ، و هو في الارشاد ص 322 و اعلام الوري ص 360 - 359 و المحجة البيضاء ج 4 ص 325 و مدينة المعاجز ص 563 - 562 و اثبات الهداة ج 6 ص 285 و في تاريخ الأمم و الملوك ج 11 ص 86 ذكر أنه أوتاش، و أنه قتل سنة 249 ه. و هو الصحيح.
[184] مروج الذهب ج 4 ص 80 و غيره من مصادر التاريخ.
[185] المصدر السابق ج 4 ص 84.
[186] بحارالأنوار ج 50 ص 251 نقلا عن الغيبة للطوسي ص 134 و هو في مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 432 - 431 عن محمد بن بلبل، و في المحجة البيضاء ج 4 ص 328.
[187] المصدر السابق.
[188] كشف‌الغمة ج 3 ص 207 و بحارالأنوار ج 50 ص 298 و اثبات الهداة ج 6 ص 331.
[189] الكافي ج 1 ص 506 و بحارالأنوار ج 50 ص 277 و كشف الغمة ج 3 ص 200 و الارشاد ص 320 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 437 - 436 و المحجة البيضاء ج 4 ص 323 و اثبات الهداة ج 6 ص 281.
[190] بصائرالدرجات ج 7 ص 315.
[191] المصدر السابق.
[192] سورة المؤمن: 60.
[193] بصائرالدرجات ج 5 ص 241.
[194] مروج‌الذهب ج 4 ص 36 و أكثر مصادر التاريخ.
[195] اثبات الوصية ص 209.
[196] مروج‌الذهب ج 4 ص 103.
[197] نهج‌البلاغة رقم 104 من الحكم و المواعظ.
[198] بحارالأنوار ج 50 ص 316 - 315 و مروج الذهب ج 4 ص 107 - 106.
[199] اثبات‌الوصية ص 215 و بحارالأنوار ج 50 ص 303 نقلا عن الغيبة للطوسي ص 133 - 132 و هو في ص 313 نقلا عن مهج‌الدعوات ص 343 و هو في مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 430 و مدينة المعاجز ص 579.
[200] الارشاد ص 324 و اثبات الوصية ص 213 - 212 و الكافي ج 1 ص 510 و كشف‌الغمة ج 3 ص 204 و اعلام الوري ص 356 و بحارالأنوار ج 50 ص 308 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 436 بفارق يسير، و هو في وفاة العسكري ص 30 و المحجة البيضاء ج 4 ص 327 و مدينة المعاجز ص 264 و ص 580 - 579 و اثبات الهداة ج 6 ص 290.
[201] مروج‌الذهب ج 4 ص 84.
[202] الارشاد ص 324 و اعلام الوري ص 360 و كشف‌الغمة ج 3 ص 204 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 429 و الكافي ج 1 ص 512 باختلاف يسير، و هو في بحارالأنوار ج 50 ص 309 - 308 و حلية الأبرار ج 2 ص 485 ووفاة العسكري ص 31 - 30 و الأنوار البهية ص 261 - 260 و المحجة البيضاء ج 4 ص 328 - 327 و اثبات الهداة ج 6 ص 284 و مدينة المعاجز ص 15.
[203] مروج‌الذهب ج 4 ص 101 و بقية مصادر التاريخ.
[204] مروج الذهب ج 4 ص 131 و بقية مصادر التاريخ.
[205] الارشاد ص 325 - 324 و الكافي ج 1 ص 513 و كشف‌الغمة ج 3 ص 205 - 204 و اعلام الوري ص 360 و اثبات الوصية ص 215 و حلية الأبرار ج 2 ص 485 و بحارالأنوار ج 50 ص 268 و ص 309 مكررا، و هو في مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 430 و المحجة البيضاء ج 4 ص 328 و وفاة العسكري ص 31 و الأنوار البهية ص 261 و مدينة المعاجز ص 565 و ص 579 و اثبات الهداة ج 6 ص 295 - 294.
[206] مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 430 و بحارالأنوار ج 50 ص 309 و مدينة المعاجز ص 579.
[207] سورة الأنفال: 17 و 18.
[208] الجوسق الأحمر: هو القصر الذي بني للمقتدر في دارالخلافة، و في وسطه بركة من الرصاص ثلاثون ذراعا في عشرين.
[209] اعلام‌الوري ص 354 و بحارالأنوار ج 50 ص 312 و الفصول‌المهمة ص 287 و المحجة البيضاء ج 4 ص 334 - 333 و وفاة العسكري ص 18 - 17 و اثبات الهداة ج 4 ص 314 - 313 و مدينة المعاجز ص 579.
[210] اعلام‌الوري ص 355 - 354 و بحارالأنوار ج 50 ص 255 - 254 نقلا عن مختار الخرائج و الجرائح ص 239 - 238 و هو في كشف‌الغمة ج 3 ص 223 - 222 و الأنوارالبهية ص 252 و في ص 261 أشار الي مضمونه، و هو في مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 433 نصفه الأول و ص 439 نصفه الثاني، و هو في اثبات الوصية ص 215 و الفصول المهمة ص 287 و هو في المحجة البيضاء ج 4 ص 334 - 333 و مدينة المعاجز ص 577 و وفاة العسكري ص 18 - 17.
[211] بحارالأنوار ج 50 ص 307 - 306 عن الغيبة للطوسي ص 147.
[212] سورة النساء: 137.
[213] في بحارالأنوار ذكر أن اسمه: علي جرين، و هو خطأ.
[214] حلية الأبرار ج 2 ص 486 - 485 و مدينة المعاجز ص 572.
[215] بحارالأنوار ج 50 ص 314 - 313 و هو في ص 331 - 330 الي قوله: ورد عليها الخبر، نقلا عن مهج الدعوات ص 343 و هو كذلك في بصائر الدرجات ص 484.
[216] سورة الصف: 8 و التوبة: 33 و الخبر في بحارالأنوار ج 50 ص 314 نقلا عن مهج الدعوات ص 344 و هو في اثبات الوصية ص 217.
[217] سورة البقرة: 31.
[218] بحارالأنوار ج 7 ص 288 و ص 289 و الاختصاص ص 286 و هو في بصائر الدرجات كما أشرنا في مكان آخر، و في كثير من مصادر بحثنا.
[219] المصدر السابق.
[220] المصدر السابق.
[221] بصائرالدرجات ج 9 ص 429 و مصادر أخري. و الآية الكريمة في التوبة: 105.
[222] بصائرالدرجات ج 3 ص 122 و بعض مصادر هذا الكتاب.
[223] المصدر السابق ج 3 ص 114 ومصادر أخري كثيرة.
[224] بصائرالدرجات ج 5 ص 253 - 252.
[225] المصدر السابق ج 3 ص 123.
[226] المصدر السابق ج 6 ص 267.
[227] بحارالأنوار ج 50 ص 259 و ص 295 بلفظ آخر، و هو كذلك في كشف‌الغمة ج 3 ص 292 و المحجة البيضاء ج 4 ص 328 و اثبات الهداة ج 6 ص 331.
[228] اثبات الوصية ص 210 - 209 و كشف‌الغمة ج 3 ص 206 باختلاف يسير.
[229] كشف الغمة ج 3 ص 206 و ص 292 مكررا، و بحارالأنوار ج 50 ص 295 و اثبات الهداة ج 6 ص 331 و في مدينة المعاجز ص 567 رواه المعلي بن محمد بن عبدالله.
[230] بحارالأنوار ج 50 ص 272 نقلا عن مختار الخرائج و الجرائح ص 315 و مدينة المعاجز ص 576 - 575 و اثبات الهداة ج 6 ص 320.
[231] سورة ابراهيم: 22.
[232] سورة الحشر: 16.
[233] الارشاد ص 323 و الفصول المهمة ص 286 و الكافي ج 1 ص 510 - 509 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 432 و اثبات الوصية ص 214 و كشف‌الغمة ج 3 ص 203 و اعلام‌الوري ص 352 وحليةالأبرار ج 2 ص 492 - 491 و بحارالأنوار ج 50 ص 281 - 280 و وفاة العسكري ص 29 - 28 و الأنوار البهية ص 260 - 256 و المحجة البيضاء ج 4 ص 327 - 326 و مدينة المعاجز ص 571 و اثبات الهداة ج 6 ص 289 - 288.
[234] مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 432 و كشف‌الغمة ج 3 ص 200 و الارشاد ص 322 و الكافي ج 1 ص 508 و وفاة العسكري ص 26 - 25 و الأنوارالبهية ص 252 و حليةالأبرار ج 4 ص 492 و بحارالأنوار ج 5 ص 267 و هو أيضا في اعلام الوري ص 154 و اثبات‌الهداة ج 6 ص 211 و المحجة البيضاء ج 4 ص 326 و مدينة المعاجز ص 563 و اثبات الهداة ج 6 ص 256.
[235] كشف‌الغمة ج 3 ص 207 و بحارالأنوار ج 50 ص 297 و اثبات الهداة ج 6 ص 332.
[236] مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 432 و الكافي ج 1 ص 513 و بحارالأنوار ج 50 ص 286.
[237] هو علي الأحول، و أبوه زيد النسابة الملقب بالشبيه. كان فاضلا صنف كتاب «المقاتل» المبسوط في علم النسب، و اليه تنتهي سلسلة عظيمة. و هو من ولد الحسين الملقب بذي الدمعة ابن‌زيد الشهيد، ابن‌زين‌العابدين عليه‌السلام.
[238] كشف‌الغمة ج 3 ص 204 - 203 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 431 - 430 و حليةالأبرار ج 2 ص 483 و بحارالأنوار ج 50 ص 267 - 266 نقلا عن مختار الخرائج و الجرائح، و هو في اعلام الوري ص 352 و المحجة البيضاء ج 4 ص 327 و مدينة المعاجز ص 564 - 563 و اثبات الهداة ج 6 ص 289 و الكافي ج 1 ص 510 و الارشاد ص 324 - 323 و اثبات الوصية ص 415 و وفاة العسكري ص 30 - 29.
[239] كشف‌الغمة ج 3 ص 218 و حليةالأبرار ج 2 ص 423 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 431 و بحارالأنوار ج 50 ص 264 نقلا عن مختار الخرائج و الجرائح ص 214 و هو في المحجة البيضاء ج 4 ص 332 - 331 و اثبات الهداة ج 6 ص 318 و مدينة المعاجز ص 575.
[240] بحارالأنوار ج 50 ص 272 نقلا عن مختار الخرائج و الجرائح ص 215 و هو في مدينة المعاجز ص 576 و اثبات الهداة ص 321.
[241] اشارة الي الآية 109 من سورة البقرة، و مفادها أن أهل الكتاب يحبون أن تعودوا كفارا مثلهم بعد أن رأوا الحق معكم، حسدا من عند أنفسهم.
[242] اثبات الوصية ص 207 و كشف‌الغمة ج 3 ص 207 - 206 باختلاف يسير، و هو في بحارالأنوار ج 50 ص 297 - 296 نقلا عن مختار الخرائج و الجرائح ص 291، و هو في تحف‌العقول ص 361 باختصار، و هو في مدينة المعاجز ص 576.
[243] الأنوار البهية ص 263 - 262 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 424 و بحارالأنوار ج 50 ص 311 الي قوله: سائغا في النظر.
[244] سورة فصلت: 42.
[245] سورة فصلت: 41.
[246] بحارالأنوار ج 50 ص 292 و كشف‌الغمة ج 3 ص 214 و الفصول المهمة ص 286 - 285.
[247] مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 429 و مدينة المعاجز ص 579 و اثبات الهداة ج 6 ص 335.
[248] اثبات الوصية ص 213.
[249] مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 428 - 427 و بحارالأنوار ج 50 ص 283 و مدينة المعاجز ص 578.
[250] الارشاد ص 322 و الكافي ج 1 ص 508 و بحارالأنوار ج 50 ص 280 و كشف‌الغمة ج 3 ص 302 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 431 و المحجة البيضاء ج 4 ص 325 و اثبات الهداة ص 285 - 284 و مدينة المعاجز ص 562.
[251] مدينة المعاجز ص 578.
[252] اثبات‌الوصية ص 217.
[253] في المحجة البيضاء رواه عن يحيي بن المرزبان النقيب.
[254] كشف‌الغمة ج 3 ص 219 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 429 و بحارالأنوار ج 50 ص 284 و المحجة البيضاء ج 4 ص 333 - 332 و مدينة المعاجز ص 578 و ص 579 و اثبات الهداة ج 6 ص 339.
[255] مصادر الرقم السابق ذاتها.
[256] ابن أبي‌الشوارب هو أحمد بن محمد بن عبدالله الأيوبي؛ كان قاضي بغداد من عهد «المتوكل» الي زمن «المقتدر» و توفي سنة 317 ه.
[257] الكافي ج 1 ص 511 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 433 - 432 و بحارالأنوار ج 50 ص 286 - 285 و مدينة المعاجز ص 564 و اثبات الهداة ج 6 ص 291 - 290.
[258] سورة المؤمنون: 70 - 69.
[259] الكافي ج 1 ص 511 و بحارالأنوار ج 50 ص 292 و كشف‌الغمة ج 3 ص 214 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 433 و مدينة المعاجز ص 564 و اثبات الهداة ج 6 ص 291.
[260] بحارالأنوار ج 50 ص 274 نقلا عن مختار الخرائج و الجرائح.
[261] كشف‌الغمة ج 3 ص 212 و بحارالأنوار ج 50 ص 289 و المحجة البيضاء ج 4 ص 329 و اثبات‌الهداة ج 6 ص 323 و ص 334 و مدينة المعاجز ص 576.
[262] بحارالأنوار ج 50 ص 284.
[263] سورة الشوري: 49.
[264] نهج‌البلاغة - الخطبة رقم 154.
[265] اثبات الوصية ص 211 و كشف‌الغمة ج 3 ص 208 و بحارالأنوار ج 50 ص 298 و في اثبات الهداة ج 6 ص 333 روي الحادثة محمد بن عبدالجبار.
[266] أنظر مصادر الرقم السابق و مدينة المعاجز ص 571 و اثبات الهداة ج 6 ص 333 - 330.
[267] بحارالأنوار ج 50 ص 302 - 301 و عن رجال النجاشي ص 295 قال هارون بن موسي: أراني أبوعلي بن همام الرقعة و الخط و كان محققا. و الظاهر أن الحمل كان محمد بن همام نفسه. و الخبر موجود أيضا في مدينة المعاجز ص 572.
[268] اثبات الهداة ج 6 ص 340.
[269] كشف‌الغمة ج 3 ص 218 و بحارالأنوار ج 50 ص 269.
[270] بحارالأنوار ج 50 ص 274 نقلا عن مختار الخرائج و الجرائح ص 215 و هو في كشف‌الغمة ج 3 ص 212 و اثبات الوصية ص 213 و مدينة المعاجز ص 576 و اثبات الهداة ج 6 ص 323.
[271] كشف‌الغمة ج 3 ص 218 و بحارالأنوار ج 50 ص 269 و المحجة البيضاء ج 4 ص 332 و اثبات الهداة ج 6 ص 338.
[272] كشف الغمة ج 3 ص 218 و بحارالأنوار ج 50 ص 269 و المحجة البيضاء ج 4 ص 332 و اثبات الهداة ج 6 ص 338.
[273] الكافي ج 1 ص 560 و في مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 432 روي عن أشجع بن الأقرع، و كذلك في بحارالأنوار ج 50 ص 285 و مدينة المعاجز ص 564 و اثبات الهداة ج 6 ص.
[274] بحارالأنوار ج 50 ص 289 و كشف‌الغمة ج 3 ص 214 و اثبات‌الوصية ص 213 و اثبات الهداة و مدينة المعاجز ص.
[275] سورة الأنعام: 59.
[276] سورة البقرة: 255.
[277] سورة البقرة: 85.
[278] مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 439 و بحارالأنوار ج 50 ص 288 و مدينة المعاجز ص 580.
[279] كشف‌الغمة ج 3 ص 213 و بحارالأنوار ج 50 ص 290 و اثبات الهداة ج 6 ص 334 و مدينة المعاجز ص 564.
[280] سورة النحل: 11 و 69.
[281] بحارالأنوار ج 50 ص 285 - 284 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 433 و الكافي ج 1 ص 511 و فيه: يحيي القشيري بدل يحيي القنبري، و هو في اثبات الهداة ج 6 ص 292.
[282] سورة الفرقان: 44.
[283] بحارالأنوار ج 50 ص 315 - 314 نقلا عن مشارق الأنوار، للبرسي، و هو كذلك في اثبات الهداة ج 6 ص 331 - 330 و مدينة المعاجز ص 583.
[284] سورة سبأ: 12.
[285] سورة البقرة: 140.
[286] الكافي ج 1 ص 508 - 507 و الارشاد ص 322 و بحارالأنوار ج 50 ص 279 و كشف الغمة ج 3 ص 202 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 431 و المحجة البيضاء ج 1 ص 325 و اثبات الهداة ج 6 ص 284 و هو في مدينة المعاجز ص 562 عن علي بن مطهر، و هو الأصح ظاهرا، و هو أيضا في ص 579.
[287] سورة آل عمران: 5.
[288] بحارالأنوار ج 50 ص 300 - 299 عن رجال الكشي ص 452 - 451 و الوسائل م 18 ص 71.
[289] بحارالأنوار ج 50 ص 276 و اثبات الهداة ج 6 ص 329 - 328.
[290] مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 427 و بحارالأنوار ج 50 ص 282.
[291] حلية الأبرار ج 2 ص 494 و بحارالأنوار ج 50 ص 295 و كشف‌الغمة ج 3 ص 216 رواية عن أبي‌القاسم، كاتب راشد، و هو كذلك في وفاة العسكري ص 20 - 19 و في المحجة البيضاء ج 4 ص 330 و اثبات الهداة ج 6 ص 337.
[292] سورة الكهف: 29.
[293] حكيمة هي المرأة الجليلة الشريفة: بنت الامام الجواد و عمة الامام العسكري و هي مدفونة في مقام العسكريين الي جانب أم‌القائم عليهم‌السلام جميعا.
[294] بحارالأنوار ج 50 ص 248 - 247 نقلا عن كمال‌الدين ج 2 ص 195 - 194 و هو في اثبات الهداة ج 6 ص 304.
[295] كشف‌الغمة ج 3 ص 318 - 317 و بحارالأنوار ج 50 من ص 262 الي ص 264 نقلا عن مختار الخرائج و الجرائح ص 413 و المحجة البيضاء ج 4 ص 331 - 330 و اثبات الهداة ج 6 ص 318 - 317 ووفاة العسكري ص 22 - 21.
[296] بصائر الدرجات ج 8 ص 396.
[297] سورة التكوير: 24.
[298] سورة الجن: 26 و 27.
[299] سورة الحجر: 36 و ص: 79.
[300] سورة الأعراف: 14.
[301] سورة الأعراف: 15 و الحجر: 37 و ص: 80 و 81.
[302] سورة الحجر: 38 و ص: 81.
[303] سورة ابراهيم: 22.
[304] سورة ق: 16.
[305] سورة المائدة: 110.
[306] بصائر الدرجات ج 2 ص 80.
[307] المصدر السابق ج 2 ص 231.
[308] بصائرالدرجات ج 9 ص 442.
[309] الكافي ج 1 ص 509 و كشف‌الغمة ج 3 ص 213 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 431 و الأنوار البهية ص 257 و بحارالأنوار ج 50 ص 290 نقلا عن مختار الخرائج و الجرائح، و هو في اثبات الوصية ص 214 و اثبات الهداة ج 6 ص 287.
[310] سورة يوسف: 53.
[311] اثبات الوصية ص 214 - 213 و الآية الكريمة في براءة: 16 و هو في الكافي ج 1 ص 508 و بحارالأنوار ج 50 ص 295 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 432 و مدينة المعاجز ص 563 و اثبات الهداة ج 6 ص 285.
[312] سورة المؤمن: 51.
[313] بحارالأنوار ج 50 ص 290 نقلا عن مختار الخرائج و الجرائح، و هو في كشف الغمة ج 3 ص 213 - 212 و الكافي ج 1 ص 509 و المحجة البيضاء ج 4 ص 329 و اثبات الهداة ج 6 ص 322، قال: في شارع القمر، و هو كذلك في مدينة المعاجز ص 576.
[314] الكافي ج 1 ص 511 و قد ورد في غيره من المصادر اسم الشيباني، و الشامي، خطأ، فهو السائي، نسبة الي ساية التي هي قرية من قري مكة، أو واد بين الحرمين، و هو أيضا في مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 426 و بحارالأنوار ج 50 ص 293 و كشف الغمة ج 3 ص 215 و هو في مدينة المعاجز ص 564 عن السائي.
[315] بصائرالدرجات ج 8 ص 396.
[316] كشف‌الغمة ج 3 ص 216 - 215 و بحارالأنوار ج 50 ص 294 و اثبات‌الوصية ص 216 و المحجة البيضاء ج 4 ص 330 - 329 و اثبات الهداة ج 6 ص 321 - 320 و مدينة المعاجز ص 568.
[317] بحارالأنوار ج 50 ص 270 و كشف الغمة ج 3 ص 219 - 218 و المحجة البيضاء ج 40 ص 332 و مدينة المعاجز ص 572 و ص 78 و اثبات الهداة ج 6 ص 260.
[318] سورة فصلت: 42.
[319] كشف‌الغمة ج 3 ص 216 و بحارالأنوار ج 50 ص 294 و هو في اثبات الهداة ج 6 ص 336.
[320] بحارالأنوار ج 50 ص 253 نقلا عن مختار الخرائج و الجرائح ص 215 و هو في مدينة المعاجز ص 576 و اثبات الهداة ج 6 ص 332 - 321.
[321] بحارالأنوار ج 50 ص 288 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 438.
[322] حليةالأبرار ج 2 ص 494 - 493 و الكافي ج 1 ص 512 و بحارالأنوار ج 50 ص 294 و كشف‌الغمة ج 3 ص 216 مع اختلاف يسير في اللفظ في بعض المصادر، و هو في اثبات الهداة ج 6 ص 337 - 336.
[323] بحارالأنوار ج 50 ص 253 نقلا عن الغيبة للطوسي و هو في اثبات الهداة ج 6 ص 311 - 310 و في مدينة المعاجز ص 271 - 263.
[324] سورة محمد: 20 و 21.
[325] اثبات‌الوصية ص 213 و اعلام الوري ص 354 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 439 و الأنوارالبهية ص 252 و مدينة المعاجز ص 263 و ص 571 و اثبات الهداة ج 6 ص 286.
[326] كشف‌الغمة ج 3 ص 212 - 211 و المحجة البيضاء ج 4 ص 329 و اثبات الهداة ج 6 ص 3 و مدينة المعاجز ص 564 و ص 577 و حلية الأبرار ج 2 ص 493 - 492 مكررا برواية ثانية، و بحارالأنوار ج 50 ص 254 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 437 و اعلام الوري ص 356 و الكافي ج 1 ص 514 ما عدا العبارة الأولي، و هو في الأنوار البهية ص 222 - 221 و ص 255 أوله.
[327] بحارالأنوار ج 50 ص 254 نقلا عن مختار الخرائج و الجرائح ص 239.
[328] بحارالانوار ج 50 ص 258 و مناقب آل ابي‌طالب ج 4 ص 436 و مدينة المعاجز ص 577 و اثبات الهداة ج 6 ص 325.
[329] مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 437 و بحارالأنوار ج 50 ص 250 نقلا عن الغيبة للطوسي ص 132 و هو في كشف الغمة ج 3 ص 208 و اعلام‌الوري ص 355 و اثبات‌الوصية ص 215 و اثبات‌الهداة ج 6 ص 306 و مدينة المعاجز ص 566 و مصادر أخري.
[330] سورة الروم: 4.
[331] سورة الأعراف: 54.
[332] سورة الأعراف: 54.
[333] كشف‌الغمة ج 3 ص 209 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 436 و بحارالأنوار ج 50 ص 257 نقلا عن مختار الخرائج و الجرائح ص 239 باختلاف يسير و هو من اثبات الهداة ج 6 ص 316 و مدينة المعاجز ص 577.
[334] سورة طه: 7.
[335] سورة الأعراف: 54.
[336] سورة الرعد: 34.
[337] مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 436 و كشف‌الغمة ج 3 ص 120 و بحارالأنوار ج 50 ص 257 نقلا عن مختار الخرائج و الجرائح ص 299 باختلاف يسير في بعض الألفاظ، و اثبات الهداة ج 6 ص 312، و هو في مدينة المعاجز ص 577 و ص 578 مع زيادة.
[338] كشف‌الغمة ج 3 ص 210 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 432 و اعلام‌الوري ص 356 و الفصول المهمة ص 285 و الأنوارالبهية ص 253 و بحارالأنوار ج 50 ص 258 نقلا عن مختار الخرائج و الجرائح ص 239 و اثبات الهداة ج 6 ص 315 و مدينة المعاجز ص 567.
[339] اعلام‌الوري ص 355 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 437 و الأنوارالبهية ص 253 - 252 و كشف‌الغمة ج 3 ص 211 - 210 و بحارالأنوار ج 50 ص 256 - 255 نقلا عن مختار الخرائج و الجرائح ص 239 و اثبات الهداة ج 6 ص 296 و مدينة المعاجز ص 566.
[340] كشف‌الغمة ج 3 ص 210 و بحارالأنوار ج 50 ص 250 عن الغيبة للطوسي ص 133 و هو في مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 439 و مدينة المعاجز ص 567 و اثبات الهداة ج 6 ص 306 و اثبات الوصية ص 212 و اعلام الوري ص 356- 355 و الأنوار البهية ص 253 و ص 256 أوله، و كذلك هو في تحف‌العقول ص 361 و في الفصول المهمة ص 285 و هو في مدينة المعاجز ص 278.
[341] سورة ابراهيم: 38.
[342] بحارالأنوار ج 50 ص 293 و كشف‌الغمة ج 3 ص 215 - 214 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 429 - 428 و صاحب الزنج كان يزعم أنه علي بن محمد بن أحمد بن عيسي بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي‌طالب عليه‌السلام. و قد تحدث عنه أميرالمؤمنين عليه‌السلام قبل مولده، و وصف حركته و فعله بالبصرة، و تكلم عن جيشه. فانظر شرح نهج‌البلاغة لابن أبي‌الحديد ج 2 ص 311 و الخبر في مدينة المعاجز أيضا ص 579 و اثبات الهداة ج 6 ص 336.
[343] سورة الأنعام: 23.
[344] سورة الزمر: 53.
[345] سورة النساء: 48.
[346] بحارالأنوار ج 50 ص 257 - 256 نقلا عن مختار الخرائج و الجرائح ص 239 و اثبات الهداة ج 6 ص 326 - 325 و مدينة المعاجز ص 17.
[347] بحارالأنوار ج 50 ص 299 - 298 و اعلام‌الوري ص 355 و كشف‌الغمة ج 3 ص 211 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 439 و اثبات الهداة ج 6 ص 315 و مدينة المعاجز ص 567 - 566.
[348] سورة يوسف: 77.
[349] سورة يوسف: 77.
[350] مدينة المعاجز ص 583 - 582 و اثبات الهداة ج 6 ص 328 - 327.
[351] هذا خطأ في التحديد، فقد ولد ليلة الجمعة في الخامس عشر من شعبان سنة خمس و خمسين و مائتين.
[352] سورة النحل: 127 - 126.
[353] سورة هود: 114.
[354] سورة النور: 58.
[355] سورة الجمعة: 9.
[356] سورة الاسراء: 78.
[357] سورة المزمل: 3 - 1.
[358] سورة المزمل: 20.
[359] مدينة المعاجز ص 585 - 584.
[360] بحارالأنوار ج 50 ص 272 و الكافي ج 1 ص 512 و مدينة المعاجز ص 564 و اثبات الهداة ج 6 ص 294 - 293.
[361] مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 439 و بحارالأنوار ج 50 ص 288 و مدينة المعاجز ص 580.
[362] سورة هود: 98.
[363] كشف‌الغمة ج 3 ص 201 - 200 و الكافي ج 1 ص 507 و وفاة العسكري ص 27 - 26 و الأنوارالبهية ص 259 - 258 و حلية الأبرار ج 2 ص 491 - 490 و الارشاد ص 321 - 320 و المحجة البيضاء ج 4 ص 324 - 323 و مدينة المعاجز ص 12 و اثبات الهداة ج 6 ص 282.
[364] المصدر السابق.
[365] سورة الزخرف: 23.
[366] سورة النور: 35.
[367] سورة المؤمنون: 101.
[368] حمي الربع تأخذ يوما و تدع يومين، ثم تجي‌ء في اليوم الرابع.
[369] سورة الأنبياء: 69.
[370] الكافي ج 1 ص 509 و كشف الغمة ج 3 ص 203 و بحارالأنوار ج 50 ص 264 و اعلام‌الوري ص 357 و الارشاد ص 323 و المحجة البيضاء ج 4 ص 326 و مدينة المعاجز ص 563 و اثبات الهداة ج 6 ص 288 - 287.
[371] مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 435 و بحارالأنوار ج 50 ص 299 و اثبات الهداة ج 6 ص 341 و مدينة المعاجز ص 573.
[372] كشف‌الغمة ج 3 ص 216 و اثبات الوصية ص 217 و روي مثله عن أبي‌سليمان، داود بن عبدالله، نقلا عن المالكي، عن ابن‌الفرات في كشف‌الغمة ج 3 ص 206 و بحارالأنوار ج 50 ص 268 نقلا عن مختار الخرائج و الجرائح ص 314 و هو كذلك في اثبات الهداة ج 6 ص 320 - 319 و في مدينة المعاجز ص 574.
[373] كشف‌الغمة ج 3 ص 206 و بحارالأنوار ج 50 ص 296 و المحجة البيضاء ج 4 ص 328 و اثبات‌الهداة ج 6 ص 332 - 331.
[374] سورة الاسراء: 71.
[375] سورة المؤمنون: 99 و 100.
[376] سورة الانسان: 30 و التكوير: 29 و الخبر في بصائر الدرجات ج 10 ص 517.
[377] سورة المؤمن: 78.
[378] بصائر الدرجات ج 6 ص 269.
[379] المصدر السابق.
[380] بحارالأنوار ج 50 ص 340 و مدينة المعاجز ص 572.
[381] بصائر الدرجات ج 8 ص 374.
[382] الارشاد ص 192 و حلية الأبرار ج 2 ص 391 و كشف الغمة ج 3 ص 202 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 431 و المحجة البيضاء ج 4 ص 325 و اثبات الهداة ج 6 ص 282 و مدينة المعاجز ص 562 و هو في الكافي ج 1 ص 507 بلفظ قريب، و كذلك في بحارالأنوار ج 50 ص 279.
[383] بحارالأنوار ج 50 ص 259.
[384] سورة الفتح: 6.
[385] مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 440 و بحارالأنوار ص 289 - 288 و فيه: محمد بن عباس، بدل: محمد بن عياش و مدينة المعاجز ص 581 - 578 - 577 و الأنوار البهية ص 254.
[386] بحارالأنوار ج 50 ص 504 نقلا عن عيون المعجزات، و هو في الأنوار البهية ص 255 - 254 و مدينة المعاجز ص 571 و اثبات الهداة ص 342.
[387] سورة الشعراء: 44.
[388] سورة الشعراء: 45.
[389] سورة الشعراء: 47 - 46.
[390] سورة الجاثية: 29.
[391] بحارالأنوار ج 50 ص 270.
[392] بحارالأنوار ج 50 ص 277 - 276 و اثبات الهداة ج 6 ص 244 - 243 و ص 306 - 305 و مدينة المعاجز ص 579 و في مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 430 روي الحديث عن أبي‌الحسن الموسوي الخيري، عن أبيه.
[393] سورة الشعراء: 8 و 67 و 103 و مكررة فيها مرارا.
[394] بحارالأنوار ج 50 ص 301 عن رجال الكشي ص 180 و في مدينة المعاجز ص 579 روي عن الفضل بن الحارث.
[395] كشف‌الغمة ج 3 ص 203 - 202 و الكافي ج 1 ص 509 و اثبات الوصية ص 214 و بحارالأنوار ج 50 ص 268 نقلا عن مختار الخرائج و الجرائح، و هو في مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 428 و اعلام‌الوري ص 357 - 356 و الارشاد ص 323 - 322 و الأنوارالبهية ص 259 و المحجة البيضاء ج 4 ص 326 و مدينة المعاجز ص 563 و اثبات الهداة ص 287 - 286.
[396] سورة العلق: 5.
[397] الكافي ج 6 ص 214 - 213 و هو في الأنوار البهية ص 220 الي نصفه الأول، و كذلك في بحارالأنوار ج 50 ص 287 - 286 و مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 434 و اثبات الهداة ج 6 ص 295 و مدينة المعاجز ص 565.
[398] اثبات الوصية ص 213 و اثبات الهداة ج 6 ص 349 - 348.
[399] مدينة المعاجز ص 570.
[400] تحف‌العقول ص 361.
[401] مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 425 و بحارالأنوار ج 50 ص 317.
[402] مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 425 و بحارالأنوار ج 50 ص 317.
[403] الاحتجاج ج 2 ص 461 - 460.
[404] كشف‌الغمة ج 3 ص 193.
[405] معاني الأخبار ص 188.
[406] معاني الأخبار ص 289.
[407] المصدر السابق ص 290.
[408] بحارالأنوار ج 50 ص 288 نقلا عن مختار الخرائج والجرائح ص 236 و مدينة المعاجز ص 577 و اثبات الهداة ج 6 ص 327.
[409] كشف‌الغمة ج 3 ص 214 - 213 و بحارالأنوار ج 50 ص 291 - 290 و وفاة العسكري ص 24.
[410] سورة الجمعة: 4.
[411] كشف‌الغمة ج 3 ص 214 - 213 و بحارالأنوار ج 50 ص 291 - 290 و وفاة العسكري ص 24 و اثبات الهداة ج 6 ص 335 - 334.
[412] بحارالأنوار ج 50 ص 324 - 323.
[413] الارشاد ص 322 و اعلام‌الوري ص 359 و بحارالأنوار ج 50 ص 307 نقلا عن الغيبة للطوسي ص 228.
[414] بحارالأنوار ج 50 ص 319 - 318 نقلا عن رجال الكشي ص 450 - 449.
[415] الاحتجاج ج 2 ص 460.
[416] سورة طه: 126 - 125.
[417] في تحف‌العقول: أو تكونون ممن يؤمن ببعض الخ...
[418] سورة المائدة: 3.
[419] سورة الشوري: 23.
[420] أحد أصحابه و أصحاب أبيه.
[421] سورة الاسراء: 71.
[422] سورة البقرة: 143.
[423] سورة آل عمران: 110.
[424] الي هنا موجود في تحف‌العقول من ص 359 الي ص 361.
[425] و في نسخة في أجبنا شيعتنا.. و الذي أثبتناه هو الأصح.
[426] بحارالأنوار ج 50 من ص 319 الي ص 323 نقلا عن رجال الكشي من ص 481 الي ص 485 و هو في تحف‌العقول من ص 359 الي ص 361 ما عدا القسم الأخير منه.
[427] سورة النساء: 114.
[428] سورة الأعراف: 128.
[429] الأنوارالبهية ص 265 - 264 و في مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 423 - 422 لم يذكر الفقرة الوسطي، و كذلك في بحارالأنوار ج 50 ص 318 - 317.
[430] الوسائل م 18 ص 149 و هو في ص 19 منه ما عدا جزءا يسيرا.
[431] سورة آل عمران: 7.
[432] اثبات‌الوصية ص 212 و تحف‌العقول ص 361 و الفصول المهمة ص 285 و كشف‌الغمة ج 3 ص 210.
[433] معاني‌الأخبار ص 5 - 4 و التوحيد للصدوق ص 231 - 230 و زاد العبارة الختامية فقط.
[434] سورة الفاتحة: 6.
[435] معاني‌الأخبار ص 33.
[436] سورة الفاتحة: 6.
[437] الوسائل م 18 ص 30.
[438] سورة الفاتحة: 7.
[439] سورة النساء: 69.
[440] معاني‌الأخبار ص 37 - 36.
[441] سورة الحشر: 18.
[442] سورة البقرة: 7.
[443] الاحتجاج ج 2 ص 456 - 455.
[444] سورة البقرة: 22.
[445] سورة البقرة: 22.
[446] قلل: مفردها: قلة، و هي قمة الجبل، و تلال: مفردها: تلة، و هي ما ارتفع قليلا عن وجه الأرض، و هضاب: جمع هضبة، و هي أرفع من التلة، و الأوهاد: جمع وهدة و هي الأرض المنخفضة عن وجه الأرض أقل من الوادي.
[447] الرذاذ: المطر الضعيف الصغير القطرات، و الوابل: المطر الشديد الكبير القطرات، و الهطل: المطر الدائم الذي ينزل بغزارة و يدوم، و الطل: هو الندي.
[448] سورة البقرة 22.
[449] سورة البقرة: 22.
[450] التوحيد ص 404 - 403 و الاحتجاج ج 2 ص 456.
[451] سورة البقرة: 78.
[452] سورة البقرة: 78.
[453] سورة البقرة: 79.
[454] سورة البقرة: 79.
[455] سورة البقرة: 160 - 159.
[456] الاحتجاج ج 2 من ص 456 الي ص 458.
[457] سورة التحريم: 6.
[458] سورة الأنبياء: 19 و 20.
[459] سورة الأنبياء: 26 و 27 و 28.
[460] سورة يوسف: 109.
[461] سورة الكهف: 50.
[462] سورة الحجر: 27.
[463] الفئام: بفتح الفاء و كسرها: الجماعة الكثيرة جدا من الناس و غيرهم، فوق ألوف المليارات عددا.
[464] الاحتجاج ج 2 ص 459 - 458.
[465] سورة النمل: 13 و الأحقاف: 7 و الصف: 6.
[466] سورة البقرة: 1 و 2.
[467] سورة الاسراء: 88.
[468] سورة فصلت: 42.
[469] سورة البقرة: 2.
[470] سورة البقرة: 2.
[471] سورة البقرة: 2.
[472] حليةالأبرار ج 2 من ص 480 الي ص 482 و معاني‌الأخبار من ص 24 الي ص 28.
[473] المصدر السابق.
[474] سورة فصلت: 20.
[475] مناقب آل أبي‌طالب ج 4 ص 424 و بحارالأنوار ج 50 ص 310.
[476] كشف‌الغمة ج 3 ص 194 - 193.
[477] المصدر السابق.
[478] سورة النساء: 48 و 116.
[479] سورة النساء: 48.
[480] تذكرة الخواص ص 376 و الأنوار البهية ص 324.
[481] سورة الروم: 19.
[482] معاني الأخبار ص 291 - 290.
[483] المصدر السابق.
[484] تجد هذا و ما بعده الي آخره في تحف‌العقول من ص 362 الي ص 364.

تعريف مرکز القائمیة باصفهان للتحریات الکمبیوتریة

جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ في سَبيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (التوبة/41).
قالَ الإمامُ علیّ ُبنُ موسَی الرِّضا – علـَیهِ السَّلامُ: رَحِمَ اللّهُ عَبْداً أحْيَا أمْرَنَا... َ يَتَعَلَّمُ عُلُومَنَا وَ يُعَلِّمُهَا النَّاسَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَاتَّبَعُونَا... (بَــنـادِرُ البـِحـار – فی تلخیص بحـار الأنوار، للعلاّمة فیض الاسلام، ص 159؛ عُیونُ أخبارِ الرِّضا(ع)، الشـَّیخ الصَّدوق، الباب28، ج1/ ص307).
مؤسّس مُجتمَع "القائمیّة" الثـَّقافیّ بأصبَهانَ – إیرانَ: الشهید آیة الله "الشمس آباذی" – رَحِمَهُ اللهُ – کان أحداً من جَهابـِذة هذه المدینة، الذی قدِ اشتهَرَ بشَعَفِهِ بأهل بَیت النبیّ (صلواتُ اللهِ علـَیهـِم) و لاسیَّما بحضرة الإمام علیّ بن موسَی الرِّضا (علیه السّلام) و بـِساحة صاحِب الزّمان (عَجَّلَ اللهُ تعالی فرجَهُ الشَّریفَ)؛ و لهذا أسّس مع نظره و درایته، فی سَنـَةِ 1340 الهجریّة الشمسیّة (=1380 الهجریّة القمریّة)، مؤسَّسة ًو طریقة ًلم یـَنطـَفِئ مِصباحُها، بل تـُتـَّبَع بأقوَی و أحسَنِ مَوقِفٍ کلَّ یومٍ.
مرکز "القائمیّة" للتحرِّی الحاسوبیّ – بأصبَهانَ، إیرانَ – قد ابتدَأَ أنشِطتَهُ من سَنـَةِ 1385 الهجریّة الشمسیّة (=1427 الهجریّة القمریّة) تحتَ عنایة سماحة آیة الله الحاجّ السیّد حسن الإمامیّ – دامَ عِزّهُ – و مع مساعَدَةِ جمع ٍمن خِرّیجی الحوزات العلمیّة و طلاب الجوامع، باللیل و النهار، فی مجالاتٍ شتـَّی: دینیّة، ثقافیّة و علمیّة...
الأهداف: الدّفاع عن ساحة الشیعة و تبسیط ثـَقافة الثـَّقـَلـَین (کتاب الله و اهل البیت علیهـِمُ السَّلامُ) و معارفهما، تعزیز دوافع الشـَّباب و عموم الناس إلی التـَّحَرِّی الأدَقّ للمسائل الدّینیّة، تخلیف المطالب النـّافعة – مکانَ البَلاتیثِ المبتذلة أو الرّدیئة – فی المحامیل (=الهواتف المنقولة) و الحواسیب (=الأجهزة الکمبیوتریّة)، تمهید أرضیّةٍ واسعةٍ جامعةٍ ثـَقافیّةٍ علی أساس معارف القرآن و أهل البیت –علیهم السّلام – بباعث نشر المعارف، خدمات للمحققین و الطـّلاّب، توسعة ثقافة القراءة و إغناء أوقات فراغة هُواةِ برامِج العلوم الإسلامیّة، إنالة المنابع اللازمة لتسهیل رفع الإبهام و الشـّـُبُهات المنتشرة فی الجامعة، و...
- مِنها العَدالة الاجتماعیّة: التی یُمکِن نشرها و بثـّها بالأجهزة الحدیثة متصاعدة ً، علی أنـّه یُمکِن تسریعُ إبراز المَرافِق و التسهیلاتِ – فی آکناف البلد - و نشرِ الثـَّقافةِ الاسلامیّة و الإیرانیّة – فی أنحاء العالـَم - مِن جـِهةٍ اُخرَی.
- من الأنشطة الواسعة للمرکز:
الف) طبع و نشر عشراتِ عنوانِ کتبٍ، کتیبة، نشرة شهریّة، مع إقامة مسابقات القِراءة
ب) إنتاجُ مئات أجهزةٍ تحقیقیّة و مکتبیة، قابلة للتشغیل فی الحاسوب و المحمول
ج) إنتاج المَعارض ثـّـُلاثیّةِ الأبعاد، المنظر الشامل (= بانوراما)، الرّسوم المتحرّکة و... الأماکن الدینیّة، السیاحیّة و...
د) إبداع الموقع الانترنتی "القائمیّة" www.Ghaemiyeh.com و عدّة مَواقِعَ اُخـَرَ
ه) إنتاج المُنتـَجات العرضیّة، الخـَطابات و... للعرض فی القنوات القمریّة
و) الإطلاق و الدَّعم العلمیّ لنظام إجابة الأسئلة الشرعیّة، الاخلاقیّة و الاعتقادیّة (الهاتف: 00983112350524)
ز) ترسیم النظام التلقائیّ و الیدویّ للبلوتوث، ویب کشک، و الرّسائل القصیرة SMS
ح) التعاون الفخریّ مع عشراتِ مراکزَ طبیعیّة و اعتباریّة، منها بیوت الآیات العِظام، الحوزات العلمیّة، الجوامع، الأماکن الدینیّة کمسجد جَمکرانَ و...
ط) إقامة المؤتمَرات، و تنفیذ مشروع "ما قبلَ المدرسة" الخاصّ بالأطفال و الأحداث المُشارِکین فی الجلسة
ی) إقامة دورات تعلیمیّة عمومیّة و دورات تربیة المربّـِی (حضوراً و افتراضاً) طیلة السَّنـَة
المکتب الرّئیسیّ: إیران/أصبهان/ شارع"مسجد سیّد"/ ما بینَ شارع"پنج رَمَضان" ومُفترَق"وفائی"/بنایة"القائمیّة"
تاریخ التأسیس: 1385 الهجریّة الشمسیّة (=1427 الهجریة القمریّة)
رقم التسجیل: 2373
الهویّة الوطنیّة: 10860152026
الموقع: www.ghaemiyeh.com
البرید الالکترونی: Info@ghaemiyeh.com
المَتجَر الانترنتی: www.eslamshop.com
الهاتف: 25-2357023- (0098311)
الفاکس: 2357022 (0311)
مکتب طهرانَ 88318722 (021)
التـِّجاریّة و المَبیعات 09132000109
امور المستخدمین 2333045(0311)
ملاحَظة هامّة:
المیزانیّة الحالیّة لهذا المرکز، شـَعبیّة، تبرّعیّة، غیر حکومیّة، و غیر ربحیّة، اقتـُنِیَت باهتمام جمع من الخیّرین؛ لکنـَّها لا تـُوافِی الحجمَ المتزاید و المتـَّسِعَ للامور الدّینیّة و العلمیّة الحالیّة و مشاریع التوسعة الثـَّقافیّة؛ لهذا فقد ترجَّی هذا المرکزُ صاحِبَ هذا البیتِ (المُسمَّی بالقائمیّة) و مع ذلک، یرجو مِن جانب سماحة بقیّة الله الأعظم (عَجَّلَ اللهُ تعالی فرَجَهُ الشَّریفَ) أن یُوفـِّقَ الکلَّ توفیقاً متزائداً لِإعانتهم - فی حدّ التـّمکـّن لکلّ احدٍ منهم – إیّانا فی هذا الأمر العظیم؛ إن شاءَ اللهُ تعالی؛ و اللهُ ولیّ التوفیق.