مظلومية الزهراء

اشارة

المؤلف: السيد علي الحسيني الميلاني

الناشر: مركز الأبحاث العقائدية

الطبعة: ١

الموضوع : العقائد

تاريخ النشر : ١٤٢١ ه_

ISBN: 964-319-261-X

الصفحات: ٨٠

مقدمة المركز

لا يخفي أنّنا لازلنا بحاجة إلي تكريس الجهود ومضاعفتها نحو الفهم الصحيح والافهام المناسب لعقائدنا الحقّة ومفاهيمنا الرفيعة، ممّا يستدعي الالتزام الجادّ بالبرامج والمناهج العلمية التي توجد حالة من المفاعلة الدائمة بين الاُمّة وقيمها الحقّة، بشكل يتناسب مع لغة العصر والتطوّر التقني الحديث.

وانطلاقاً من ذلك، فقد بادر مركز الابحاث العقائدية التابع لمكتب سماحة آية الله العظمي السيد السيستاني _ مدّ ظلّه _ إلي اتّخاذ منهج ينتظم علي عدّة محاور بهدف طرح الفكر الاسلامي الشيعي علي أوسع نطاق ممكن.

ومن هذه المحاور: عقد الندوات العقائديّة المختصّة، باستضافة نخبة من أساتذة الحوزة العلمية ومفكّريها المرموقين، التي تقوم نوعاً علي الموضوعات الهامّة، حيث يجري تناولها بالعرض والنقد

[ صفحه 6]

والتحليل وطرح الرأي الشيعي المختار فيها، ثم يخضع ذلك الموضوع _ بطبيعة الحال _ للحوار المفتوح والمناقشات الحرّة لغرض الحصول علي أفضل النتائج.

ولاجل تعميم الفائدة فقد أخذت هذه الندوات طريقها إلي شبكة الانترنت العالمية صوتاً وكتابةً.

كما يجري تكثيرها عبر التسجيل الصوتي والمرئي وتوزيعها علي المراكز والمؤسسات العلمية والشخصيات الثقافية في شتي أرجاء العالم.

وأخيراً، فإنّ الخطوة الثالثة تكمن في طبعها ونشرها علي شكل كراريس تحت عنوان «سلسلة الندوات العقائدية» بعد إجراء مجموعة من الخطوات التحقيقية والفنيّة اللازمة عليها.

وهذا الكرّاس الماثل بين يدي القارئ الكريم واحدٌ من السلسلة المشار إليها.

سائلينه سبحانه وتعالي أن يناله بأحسن قبوله.

مركز الابحاث العقائدية

فارس الحسّون

[ صفحه 7]

تمهيد

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام علي سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، ولعنة الله علي أعدائهم أجمعين من الاولين والاخرين.

موضوع البحث _ كما طلبتم _ مظلوميّة الزهراء (عليها السلام)،

ولماذا لم تقولوا مناقب الزهراء؟ أو لم تقولوا حياة الزهراء؟ وإنما عنونتم مظلوميّة الزهراء.

قد يقال _ كما قيل _ قضايا الزهراء سلام الله عليها قضايا تاريخية، ولا ينبغي أن تثار، والقضيّة التاريخية قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة.

سنحاول أن نبحث عن هذه القضية بلا أيّ تعصب وتشنج، وإنْ كان الصبر علي ما وقع، وقراءة ما وقع، والحديث عمّا وقع،

[ صفحه 8]

وتحمل ذلك كلّه أمراً صعباً، سترون أنّي لا أذكر شيئاً لا من مصادر القوم فحسب، بل من أعظم مصادرهم، وأشهر كتبهم، وأصح كتبهم، وأسبق كتبهم وأقدمها، سأحاول ذلك قدر الامكان.

ولو كانت قضيةً تاريخيةً فحسب، فحروب رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم)وغزواته كلّها قضايا تاريخية، ومواقف أمير المؤمنين (عليه السلام) في تلك الغزوات والحروب قضايا تاريخية، ومبيت أمير المؤمنين في ليلة الهجرة علي فراش رسول الله قضية تاريخية، وزواج علي من فاطمة الزهراء _ بعد أن ردّ رسول الله غيره _ قضية تاريخية، وحروبه أيضاً قضايا تاريخية، وقضية كربلاء وشهادة الحسين (عليه السلام)وأصحابه وأولاده قضية تاريخية، فلماذا نبحث عنها؟

وحتي عند أهل السنة أيضاً: كون أبي بكر مع رسول الله في الغار قضية تاريخية، صلاته التي يزعمونها في مكان رسول الله في مرضه قضية تاريخية، وهكذا بقية الاُمور التي يستدلّون بها في كتبهم بزعمهم علي فضائل أئمّتهم ومناقب أُمرائهم وخلفائهم.

الحقيقة أنّ قضية الزهراء سلام الله عليها أساس مذهبنا، وجميع القضايا التي لحقت تلك القضية وتأخّرت عنها كلّها مترتبة علي تلك القضية، ومذهب الطائفة الامامية الاثني عشرية بلا قضية الزهراء سلام الله عليها وبلا تلك الاثار المترتبة علي تلك القضية _

[ صفحه 9]

هذا المذهب _ يذهب ولا يبقي، ولا يكون فرقٌ بينه وبين المذهب المقابل.

سنبحث عن قضية الزهراء سلام الله عليها في ضمن مطالب، وهذه المطالب مترتبة، أي كل مطلب منها يترتب علي المطلب الذي قبله، حتي نصل إلي المطلب الاخير، ونستنتج من جميع هذه المطالب، ثم نذكر أهمّ مسائل القضيّة، وسترون أنها قضية علميّة عقائدية مذهبية، لها كلّ التأثير في مصير هذا المذهب، ولها كلّ التأثير في سلوك أبناء هذا المذهب، وإليكم المطالب بالتفصيل:

[ صفحه 11]

احاديث في مقام الزهراء و منزلتها عند الله وعند الرسول

الاحاديث في هذا الباب كثيرة، حتي أن عدّةً من علماء الفريقين دوّنوها في كتب مفردة، وقد انتخبت من تلك الاحاديث هذه الاحاديث التي سأقرؤها، وسترون أن مصادرها من أقدم المصادر وأهمّها:

«فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة»، أو «سيّدة نساء هذه الاُمّة»، أو «سيّدة نساء المؤمنين»، أو «سيّدة نساء العالمين»

هذا الحديث بألفاظه المختلفة موجود في: صحيح البخاري

[ صفحه 12]

في كتاب بدء الخلق، وفي مسند أحمد، وفي الخصائص للنسائي، وفي مسند أبي داود الطيالسي، وفي صحيح مسلم في باب فضائل الزهراء، وفي المستدرك وصحيح الترمذي، وفي صحيح ابن ماجة، وغيرها من الكتب [1] .

ففاطمة سيّدة نساء العالمين من الاوّلين والاخرين.

الحديث الثاني:

في أن فاطمة سلام الله عليها بضعة من النبي:

«فاطمة بضعة منّي من أغضبها أغضبني».

هذا الحديث بهذا اللفظ في: صحيح البخاري، وعدّة من المصادر [2] .

«فاطمة بضعة منّي يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها».

بهذا اللفظ في: صحيح البخاري، ومسند أحمد، وصحيح أبي داود، وصحيح مسلم، وغيرها من المصادر [3] .

[ صفحه 13]

«إنّما فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها».

بهذا اللفظ

في: صحيح مسلم [4] .

«إنّما فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها».

بهذا اللفظ في: مسند أحمد وفي المستدرك وقال: صحيح علي شرط الشيخين، وفي صحيح الترمذي [5] .

«فاطمة بضعة منّي يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها».

بهذا اللفظ في: المسند، وفي المستدرك وقال: صحيح الاسناد، وفي مصادر أُخري [6] .

الحديث الثالث:

«إن الله يغضب لغضب فاطمة ويرضي لرضاها».

هذا الحديث تجدونه في: المستدرك، وفي الاصابة، ويرويه صاحب كنز العمال عن أبي يعلي والطبراني وأبي نعيم، ورواه غيرهم [7] .

[ صفحه 14]

الحديث الرابع:

في أنّ النبي أسرّ إليها أنّها أوّل أهل بيته لحوقاً به.

هذا كان عند وفاته (صلي الله عليه وآله وسلم)، فإنّه دعاها فسارّها فبكت، ثمّ دعاها فسارّها فضحكت [في بعض الالفاظ: فشقّ ذلك علي عائشة أن يكون سارّها دونها] فلمّا قبض رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) حلّفتها عائشة أنْ تخبرها، فقالت: سارّني رسول الله أو سارّني النبي، فأخبرني أنّه يقبض في وجعه هذا فبكيتُ، ثمّ سارّني فأخبرني أنّي أوّل أهل بيته أتْبعه فضحكتُ.

هذا الحديث في: الصحيحين، وعند الترمذي والحاكم، وغيرهما [8] .

الحديث الخامس:

عن عائشة قالت: ما رأيت أحداً كان أصدق لهجة منها غير أبيها.

هذا الحديث تجدونه في: المستدرك وقال: صحيح علي

[ صفحه 15]

شرط الشيخين، وأقرّه الذهبي، وفي الاستيعاب، وفي حلية الاولياء [9] .

الحديث السادس:

عن عائشة أيضاً: كانت إذا دخلت عليه _ علي رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم)_ قام إليها فقبّلها ورحّب بها وأخذ بيدها فأجلسها في مجلسه.

قال الحاكم: صحيح علي شرط الشيخين، وأقرّه الذهبي أيضاً [10]

.

الحديث السابع:

أخرج الطبراني أنّه (صلي الله عليه وآله وسلم)قال لعلي: «فاطمة أحبّ إليّ منك وأنت أعزّ عليّ منها».

قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح [11] .

هذه هي الاحاديث التي انتخبتها، لتكون مقدمةً لبحوثنا

[ صفحه 16]

الاتية، وسنستنتج من هذه الاحاديث في المطالب اللاحقة، وفي الحوادث الواقعة، وهي أحاديث _ كما رأيتم _ في المصادر المهمّة بأسانيد صحيحة، ودلالاتها أيضاً لا تقبل أيّ مناقشة.

ومن دلالات هذه الاحاديث: إنّ فاطمة سلام الله عليها معصومة، بالاضافة إلي دلالة آية التطهير وغيرها من الادلة.

مضافاً إلي أن غير واحد من حفّاظ القوم وكبار علمائهم قالوا بأفضليّة الزهراء سلام الله عليها من الشيخين، بسبب هذه الاحاديث وحديث «فاطمة بضعة منّي» بالخصوص، بل قال بعضهم بأفضليّتها من الخلفاء الاربعة كلّهم، ولا مستند لهم إلاّ الاحاديث التي ذكرتها.

ولاقرأ لكم عبارة المنّاوي وكلامه المشتمل علي بعض الاقوال من كبار علماء القوم، ففي فيض القدير في شرح حديث «فاطمة بضعة منّي» قال: استدل به السهيلي [وهو حافظ كبير من علمائهم، وهو صاحب شرح سيرة ابن هشام وغيره من الكتب]علي أن من سبّها كفر [ولماذا؟ لاحظوا] لانّه يغضبه [أي لانّ سبّها يغضب رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم)! إستدل به السهيلي علي أن من سبّها كفر لانّه يغضبه] وأنّها أفضل من الشيخين.

وإذا كانت هذه اللام لام تعليل «لانّه يغضبه»، والعلة إمّا

[ صفحه 17]

معمّمة وإمّا مخصّصة، ولابد أنْ تكون هنا معمّمة، يوجب الكفر، لانّه أي السب يغضبها، فيكون أذاها أيضاً موجباً للكفر، لان الاذي _ أذي الزهراء سلام الله عليها _ يغضب رسول الله بلا إشكال.

قال المنّاوي: قال ابن حجر:

وفيه _ أي في هذا الحديث _ تحريم أذي من يتأذّي المصطفي بأذيّته، فكلّ من وقع منه في حقّ فاطمة شيء فتأذّت به فالنبي (صلي الله عليه وسلم) يتأذّي به بشهادة هذا الخبر، ولا شيء أعظم من إدخال الاذي عليها في ولدها، ولهذا عرف بالاستقراء معاجلة من تعاطي ذلك بالعقوبة بالدنيا ولعذاب الاخرة أشد.

ففي هذاالحديث تحريم أذي فاطمة، وتحريم أذي فاطمة لانّها بضعة من رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم)، بل هو موجب للكفر كما تقدّم.

وقال المنّاوي: قال السبكي: الذي نختاره وندين الله به أنّ فاطمة أفضل من خديجة ثمّ عائشة.

قال المنّاوي: قال شهاب الدين ابن حجر: ولوضوح ما قاله السبكي تبعه عليه المحققون.

قال المنّاوي: وذكر العَلَم العراقي: إنّ فاطمة وأخاها إبراهيم

[ صفحه 18]

أفضل من الخلفاء الاربعة باتفاق [12] .

إذن، لا يبقي خلاف بيننا وبينهم في أفضلية الزهراء من الشيخين، وأن أذاها موجب للدخول في النار.

ثمّ إنّ هذه الاحاديث _ كما قرأنا وسمعتم وترون _ أحاديث مطلقة ليس فيها أي قيد، عندما يقول رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله يغضب لغضب فاطمة» لا يقول إنْ كانت القضية كذا، لا يقول بشرط أن يكون كذا، لا يقول إنْ كان غضبها بسبب كذا، ليس في الحديث أيّ تقييد، إن الله يغضب لغضب فاطمة، هذا الغضب بأيّ سبب كان، ومن أيّ أحد كان، وفي أيّ زمان، أو أيّ وقت كان. وعندما يقول: «يؤذيني ما آذاها»، لا يقول رسول الله: يؤذيني ما آذاها إنْ كان كذا، إنْ كان المؤذي فلاناً، إن كان في وقت كذا، ليس فيه أيّ قيد، بل الحديث مطلق «يؤذيني ما

آذاها».

ودلّت الاحاديث هذه علي وجوب قبول قولها، وحرمة تكذيبها، وقد شهدت عائشة بأنّها سلام الله عليها أصدق الناس لهجةً ما عدا والدها رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم)، ورسول الله قال كلّ هذا وفَعَله مع علمه بما سيكون من بعده.

[ صفحه 19]

في ان من آذي عليا فقد آذي رسول الله

كان المطلب الاوّل في أنّ من آذي فاطمة فقد آذي رسول الله، وهذا المطلب الثاني في أنّ من آذي عليّاً فقد آذي رسول الله، وذاك قوله (صلي الله عليه وآله وسلم): «من آذي عليّاً فقد آذاني».

هذا الحديث تجدونه في: المسند، وفي صحيح ابن حبّان، وفي المستدرك، وفي الاصابة، وأُسد الغابة، وأورده صاحب كنز العمّال عن ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في تاريخه والطبراني، وله أيضاً مصادر أُخري [13] .

[ صفحه 22]

في ان بغض علي نفاق

أخرج مسلم في صحيحه عن علي (عليه السلام) قال: «والذي فَلَقَ الحَبَّةَ وبرأ النَسَمة، إنّه لعهد النبي الاُمّي إليّ [وهل يكون التأكيد بأكثر من هذا؟] أنْ لا يحبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق».

تجدون هذا الحديث بهذا اللفظ أو بمعناه عند: النسائي، والترمذي، وابن ماجة، وفي مسند أحمد، وفي المستدرك، وفي كنز العمال عن عدة من كبار الائمّة [14] .

وفي مسند أحمد وصحيح الترمذي عن أُم سلمة: كان رسول الله يقول [هذه الصيغة تدل علي الاستمرار] كان رسول الله يقول:

[ صفحه 23]

«لا يحب عليّاً منافق ولا يبغضه مؤمن» [15] .

نستفيد من هذه الاحاديث في هذا المطلب: إنّ حبّ علي وحبّ المنافقين لا يجتمعان، لو أنّ أحداً يعتقد حتّي بإمامة علي وولايته بعد رسول الله، إلاّ أنّه لا يبغض المنافقين، هذا الشخص هو أيضاً منافق، وهو مطرود من الطرفين، أي من المؤمنين ومن المنافقين، لانّ المنافقين لا يعتقدون بولاية علي وهذا يعتقد، ولانّ المؤمنين لا يحبّون المنافقين وهذا يحب.

ولا يمكن الجمع بينهما بأيّ حال من الاحوال، وبأيّ شكل من الاشكال.

[ صفحه 24]

في اخبار النبي عليا بان الامة ستغدر به

قال علي (عليه السلام): «إنّه ممّا عهد إليّ النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) أنّ الاُمّة ستغدر بي بعده».

قال الحاكم: صحيح الاسناد، وقال الذهبي في تلخيصه: صحيح [16] ، وقد قرّروا أنّ كلّ حديث وافق الذهبي فيه الحاكم النيسابوري في التصحيح فهو بحكم الصحيحين.

ومن رواة هذا الحديث أيضاً: ابن أبي شيبة، والبزّار، والدارقطني والخطيب البغدادي، والبيهقي، وغيرهم.

[ صفحه 26]

ضغائن في صدور اقوام

أخرج أبو يعلي والبزّار _ بسند صحّحه: الحاكم، والذهبي، وابن حبّان، وغيرهم _ عن علي (عليه السلام) قال: «بينا رسول الله (صلي الله عليه وسلم) آخذ بيدي ونحن نمشي في بعض سكك المدينة، إذ أتينا علي حديقة، فقلت: يا رسول الله ما أحسنها من حديقة! فقال: إنّ لك في الجنّة أحسن منها، ثمّ مررنا بأُخري فقلت: يا رسول الله ما أحسنها من حديقة! قال: لك في الجنّة أحسن منها، حتّي مررنا بسبع حدائق، كلّ ذلك أقول ما أحسنها ويقول: لك في الجنّة أحسن منها، فلمّا خلا لي الطريق اعتنقني ثمّ أجهش باكياً، قلت: يا رسول الله ما يبكيك؟ قال: ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلاّ من بعدي، قال: قلت يا رسول الله في سلامة من ديني؟ قال: في سلامة من دينك».

[ صفحه 27]

هذا اللفظ في: مجمع الزوائد عن: أبي يعلي والبزّار [17] ، ونفس السند موجود في المستدرك وقد صحّحه الحاكم (والذهبي) [18] ، فيكون سنده صحيحاً يقيناً، لكن اللفظ في المستدرك مختصر وذيله غير مذكور، والله أعلم ممّن هذا التصرف، هل من الحاكم أو من الناسخين أو من الناشرين؟ فراجعوا، السند نفس السند عند أبي يعلي وعند البزّار وعند الحاكم، والحاكم يصحّحه

والذهبي يوافقه، إلاّ أنّ الحديث في المستدرك أبتر مقطوع الذيل، لانّه إلي حدّ «إنّ لك في الجنّة أحسن منها» لا أكثر.

وهناك أحاديث أيضاً صريحة في أنّ «الاقوام» المراد منهم في هذا الحديث «هم قريش»، وفي المطلب السادس أيضاً بعض الاحاديث تدلّ علي ذلك، فلاحظوا.

[ صفحه 28]

في ان قريشا هم سبب هلاك الناس بعد النبي

عن أبي هريرة عن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال: «يهلك أُمّتي هذا الحي من قريش»، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «لو أنّ الناس اعتزلوهم».

وعن أبي هريرة أيضاً قال: سمعت الصادق المصدوق يقول: «هلاك أُمّتي علي يدي غلمة من قريش»، فقالوا: مروان غلمة؟ قال أبو هريرة: إن شئت أنْ أُسمّيه، بني فلان، بني فلان.

والحديثان في الصحيحين [19] .

[ صفحه 30]

لم يرو من الضغائن والغدر الا القليل

وهذا المطلب مهم جدّاً، فالغدر الذي كان، والضغائن التي بدت _ التي سبق وأنْ أخبر عنها رسول الله _ لم يروَ منها في الكتب إلاّ القليل، والسبب واضح، لانّهم منعوا من تدوين الحديث، وعندما دُوّن، فقد دوّن علي يد بني أُميّة وفي عهدهم، وهذا حال السنّة، أي السنّة عند أهل السنّة.

ثمّ إنّ من كان عنده شيء من تلك الاُمور التي أشار إليها رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) لم يروه، وإذا رواه لم ينقلوه ولم يكتبوه ومنعوا من نشره، ومن نقله إلي الاخرين، حتّي أنّ من كان عنده كتاب فيه شيء من تلك القضايا، أخذوه منه، أو أخفاه ولم يظهره لاحد، أذكر لكم موارد من هذا القبيل:

قال ابن عدي في آخر ترجمة عبد الرزاق بن همّام الصنعاني

[ صفحه 31]

في كتاب الكامل: ولعبد الرزاق بن همّام [هذا شيخ البخاري] أصناف حديث كثير، وقد رحل إليه ثقات المسلمين وأئمّتهم وكتبوا عنه، ولم يروا بحديثه بأساً، إلاّ أنّهم نسبوه إلي التشيّع، وقد روي أحاديث في الفضائل ممّا لا يوافقه عليها أحد من الثقات، فهذا أعظم ما رموه به من روايته لهذه الاحاديث، ولما رواه في مثالب غيرهم ممّا لم أذكره في كتابي هذا، وأمّا في

باب الصدق فأرجو أنّه لا بأس به، إلاّ أنّه قد سبق عنه أحاديث في فضائل أهل البيت ومثالب آخرين مناكير [20] .

وبترجمة عبد الرحمن بن يوسف بن خراش _ الحافظ الكبير _ يقول ابن عدي: سمعت عبدان يقول: وحمل ابن خراش إلي بندار جزئين صنّفهما في مثالب الشيخين فأجازه بألفي درهم.

فأين هذا الكتاب الذي هو في جزئين؟

قال ابن عدي: فأمّا الحديث فأرجو أنّه لا يتعمّد الكذب [21] .

فالرجل ليس بكاذب، ولو راجعتم سير أعلام النبلاء للذهبي أو راجعتم تذكرة الحفّاظ للذهبي، لرأيتم الذهبي ينقل هذا المطلب، ويتهجّم علي ابن خراش ويشتمه ويسبّه سبّ الذين

[ صفحه 32]

كفروا [22] .

ولا يتوهمنّ أحد أنّ هذا الرجل _ ابن خراش _ من الشيعة، وذلك، لانّ هذا الرجل من كبار علماء القوم ومن أعلامهم في الجرح والتعديل، ويعتمدون علي آرائه في ردّ الراوي أو قبوله، أذكر لكم مورداً واحداً، يقول ابن خراش بترجمة عبدالله بن شقيق، وعند ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب يقول: قال ابن خراش: كان _ عبدالله بن شقيق _ ثقة وكان عثمانياً يبغض عليّاً [23] .

فابن خراش ليس بشيعي، لانّه يوثق هذا الرجل مع تصريحه بأنّه كان عثمانيّاً يبغض عليّاً.

فلا يتوهّم أنّ هذا الرجل _ ابن خراش _ من الشيعة، بل هو من أعلام أهل السنّة ومن كبار حفّاظهم، إلاّ أنّه ألّف جزئين في مثالب الشيخين.

مورد آخر في كتاب العلل لاحمد بن حنبل، قال أحمد: كان أبو عوانة [الذي هو من كبار محدّثيهم وحفّاظهم، وله كتاب في الصحيح اسمه: صحيح أبي عوانة] وضع كتاباً فيه معايب أصحاب

[ صفحه 33]

رسول الله، وفيه بلايا، فجاء سلاّم بن أبي مطيع [24] فقال: يا أبا عوانة، أعطني ذاك الكتاب فأعطاه، فأخذه سلاّم فأحرقه [25] .

ويروي أحمد بن حنبل في نفس الكتاب عن عبدالرحمن بن مهدي [26] قال: فنظرت في كتاب أبي عوانة وأنا أستغفر الله [27] .

فهذا يستغفر الله من أنّه نظر في هذا الكتاب، والشخص الاخر جاء إليه وأخذ الكتاب منه وأحرقه بلا إذن منه ولا رضا.

مورد آخر: ذكروا بترجمة الحسين بن الحسن الاشقر: أنّ أحمد بن حنبل حدّث عنه وقال: لم يكن عندي ممّن يكذب [فهو حدّث عنه وقال: لم يكن عندي ممّن يكذب] فقيل له: إنّه يحدّث في أبي بكر وعمر، وإنّه صنّف باباً في معايبهما، فقال: ليس هذا بأهل أنْ يحدَّث عنه [28] !

أوّلاً:

أين ذاك الباب الذي اشتمل علي هذه القضايا؟ ولماذا لم يصل إلينا؟

وثانياً:

إنّه بمجرَّد أنْ علم أحمد بن حنبل بأنّ الرجل

[ صفحه 34]

يحدّث في الشيخين، وبأنّه صنّف مثل هذه الاحاديث في كتاب، سقط من عين أحمد وأصبح كذّاباً لا يعتمد عليه ولا يروي عنه!

مورد آخر: في ميزان الاعتدال بترجمة إبراهيم بن الحكم بن زهير الكوفي: قال أبو حاتم: روي في مثالب معاوية فمزّقنا ما كتبنا عنه [29] .

روي في مثالب معاوية فمزّقنا ما كتبنا عنه، فراحت تلك الروايات.

وهذا بعض ما ذكروا في هذا الباب.

ثمّ إنّهم ذكروا في تراجم رجال كثيرين من أعلام الحديث والرواة الذين هم من رجال الصحاح، ذكروا أنّه كان يشتم أبا بكر وعمر، لاحظوا هذه العبارة بترجمة إسماعيل بن عبدالرحمن السُدّي [30] ، وبترجمة تليد بن سليمان [31] ، وبترجمة جعفر بن

سليمان الضبعي [32] ، وغير هؤلاء.

ولماذا كان هؤلاء يشتمون؟ هل بلغهم شيء أو أشياء، ممّا

[ صفحه 35]

أدّي وسبّب في أنْ يجوّزوا لانفسهم أن يشتموا ويسبّوا؟ وأين تلك القضايا وماهي؟

وأمّا ما ذكروه بترجمة الرجال وكبار علمائهم وحفّاظهم من شتم عثمان وشتم معاوية، فكثير جدّاً، وأعتقد أنّه لا يحصي لكثرته.

ولقد فشي وكثر اللعن أو الطعن في الشيخين في النصف الثاني من القرن الثالث، يقول زائدة بن قدامة _ ووفاته في النصف الثاني من القرن الثالث _: متي كان الناس يشتمون أبا بكر وعمر؟! [33] .

وكثر وكثر حتي القرن السادس من الهجرة، جاء أحدهم _ وهو الحافظ المحدّث عبد المغيث بن زهير بن حرب الحنبلي البغدادي _ فألّف كتاباً في فضل يزيد بن معاوية وفي الدفاع عنه والمنع عن لعنه، فلمّا سئل عن ذلك، قال بلفظ العبارة: إنّما قصدت كفّ الالسنة عن لعن الخلفاء [34] .

حتي جاء التفتازاني في أواخر القرن الثامن من الهجرة وقال في شرح المقاصد ما نصّه: فإن قيل: فمن علماء المذهب من لم يجوّز اللعن علي يزيد مع علمهم بأنّه يستحقّ ما يربو علي ذلك

[ صفحه 36]

ويزيد؟ قلنا: تحامياً عن أن يرتقي إلي الاعلي فالاعلي [35] .

حتّي جاء كتّاب عصرنا، فألّفوا في مناقب يزيد، وألّفوا في مناقب الحجّاج، وألّفوا في مناقب هند!!

وإنّي أعتقد أنّهم يعلمون بأنّ هذه المناقب والفضائل، والذي يذكرونه في الدفاع عن هؤلاء وأمثالهم، كلّه كذب، وإنّ هؤلاء يستحقّون اللعن، إلاّ أنّ الغرض هو إشغال الكتّاب والباحثين والمفكّرين وسائر الناس بمثل هذه الاُمور، ولكي لا يبقي هناك مجال لان يرتقي إلي الاعلي فالاعلي.

ومن هنا

نفهم: إنّ محاربتهم لقضايا الحسين (عليه السلام)ومحاربتم لمآتم الحسين (عليه السلام) ولقضايا عاشوراء، كلّ ذلك، لئلاّ يلعن يزيد، ولئلاّ ينتهي إلي الاعلي فالاعلي.

[ صفحه 37]

احقاد قريش و بني امية علي النبي و اهل بيته

وهنا ننقل بعض الشواهد علي أحقاد قريش وبني أُميّة بالخصوص، وضغائنهم علي النبي وأهل البيت، حتّي أنّهم كانت تصدر منهم أشياء في حياة النبي (صلي الله عليه وآله وسلم)، ولمّا لم يتمكّنوا من الانتقام من النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) بالذات، انتقموا من أهل بيته لينتقموا منه.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «اللهمّ إنّي أستعديك علي قريش، فإنّهم أضمروا لرسولك (صلي الله عليه وآله وسلم) ضروباً من الشر والغدر، فعجزوا عنها، وحُلت بينهم وبينها، فكانت الوجبة بي والدائرة عليّ، اللهمّ احفظ حسناًوحسيناً، ولا تمكّن فجرة قريش منهما ما دمت حيّاً، فإذا توفّيتني فأنت الرقيب عليهم وأنت علي كلّ شيء شهيد» [36] .

فيقول أمير المؤمنين: إنّ قريشاً أضمروا لرسول الله ضروباً من

[ صفحه 38]

الشر والغدر وعجزوا عنها، والله سبحانه وتعالي حال بينه وبين تلك الشرور أن تصيبه، إلي أنْ توفّي (صلي الله عليه وآله وسلم)، فكانت الوجبة بأمير المؤمنين والدائرة عليه، كما أنّه في هذا الكلام يشير بأنّ قريشاً ستقتل الحسن والحسين أيضاً انتقاماً من النبي.

وقال (عليه السلام) في خطبة له: «وقال قائل: إنّك يا ابن أبي طالب علي هذا الامر لحريص، فقلت: بل أنتم _ والله _ أحرص وأبعد، وأنا أخص وأقرب، وإنّما طلبت حقّاً لي وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه، فلما قرّعته بالحجة في الملا الحاضرين هبّ كأنه بهت لا يدري ما يجيبني به.

اللهم إني استعديك علي قريش ومن أعانهم، فانهم قطعوا رحمي، وصغّروا

عظيم منزلتي، وأجمعوا علي منازعتي أمراً هو لي، ثم قالوا: ألا إنَّ في الحق أنْ تأخذه وفي الحق أن تتركه» [37] .

وفي كتاب له (عليه السلام) إلي عقيل: «فدع عنك قريشاً وتركاضهم في الضلال، وتجوالهم في الشقاق، وجماحهم في التيه، فإنّهم قد أجمعوا علي حربي إجماعهم علي حرب رسول الله قبلي، فجزت قريشاً عنّي الجوازي، فقد قطعوا رحمي وسلبوني سلطان ابن

[ صفحه 39]

أُمّي» [38] .

وروي ابن عدي في الكامل في حديث: فقال أبو سفيان: مثل محمّد في بني هاشم مثل ريحانة وسط نتن، فانطلق بعض الناس إلي النبي (صلي الله عليه وسلم) فأخبروا النبي، فجاء (صلي الله عليه وسلم) _ يعرف في وجهه الغضب _ حتّي قام فقال: «ما بال أقوال تبلغني عن أقوام» إلي آخر الحديث.

هذا في الكامل لابن عدي [39] بهذا النص، والقائل أبو سفيان.

وهو بنفس السند واللفظ موجود أيضاً في بعض المصادر الاُخري، إلاّ أنّهم رفعوا كلمة: «فقال أبو سفيان»، ووضعوا كلمة: «فقال رجل».

لاحظوا مجمع الزوائد [40] .

وعن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب قال: أتي ناس من الانصار إلي النبي (صلي الله عليه وسلم) فقالوا: إنّا نسمع من قومك، حتّي يقول القائل منهم إنّما مثل محمّد مثل نخلة نبتت في الكبا [41] .

والكبا الارض غير النظيفة.

[ صفحه 40]

لكن هذا الحديث أيضاً في بعض المصادر محرّف.

ثمّ إنّ السبب في هذه الضغائن ماذا؟ ليس السبب إلاّ أقربية أمير المؤمنين (عليه السلام) إلي النبيّ (صلي الله عليه وآله وسلم)، فينتقمون منه انتقاماً من النبيّ، مضافاً إلي مواقف أمير المؤمنين (عليه السلام) في الحروب

وقتله أبطال قريش، وهذا ما صرّح به عثمان لامير المؤمنين في كلام له معه عليه الصلاة والسلام، أذكر لكم النص الكامل.

ذكر الابي في كتاب نثر الدرر _ وهو كتاب مطبوع موجود _ وعنه أيضاً ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة عن ابن عباس قال: وقع بين عثمان وعلي كلام، فقال عثمان: ما أصنع إن كانت قريش لا تحبّكم، وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين كأنّ وجوههم شنوف الذهب [42] .

هذه هي الاحقاد والضغائن، ولم يتمكّنوا من الانتقام من رسول الله، فانتقموا من أهل بيته كما أخبر هو (صلي الله عليه وآله وسلم).

وهكذا توالت القضايا، انتقموا من الزهراء وأمير المؤمنين، وانتقموا، وانتقموا، إلي يوم الحسين (عليه السلام) وبعد يوم الحسين (عليه السلام).. وإلي اليوم....

[ صفحه 41]

في بعض ما كان منهم مع علي والزهراء

اشاره

أي في ذكر بعض الضغائن التي بدت، والقضايا التي وقعت، ومن الطبيعي أنْ لا يصلنا كلّ ما وقع، وأنْ لا تصلنا تفاصيل الحوادث، مع الحصار الشديد المضروب علي الروايات والاحاديث، ومع ملاحقة المحدثين والرواة، ومع منعهم من نقل الاحاديث المهمة، وحتي مع حرق تلك الكتب التي اشتملت علي مثل هذه القضايا أو تمزيقها وإعدامها بأيّ شكل من الاشكال.

فإذن، من بعد هذه القرون المتطاولة، ومن بعد هذه الحواجز والموانع، لا نتوقّع أنْ يصل إلينا كلّ ما وقع، وإنّما يمكننا العثور علي قليل من ذلك القليل الذي رواه بعض المحدّثين وبعض

[ صفحه 42]

المؤرخين.

رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) يخبر أهل بيته بأنّ الاُمّة ستغدر بهم، وأنّهم سيظهرون ضغائنهم من بعده، وسينتقمون منه أي: سينتقمون من النبي بانتقامهم من بضعته، لانّها بضعته، والانتقام من الزهراء انتقام من

النبي، وإنّما أبقاها هذه البضعة في هذه الاُمّة ليختبر الاُمّة، وليظهروا ما في ضمائرهم.

ولم تطل المدة، فقد وقع الاختبار، وكانت المدة علي الاشهر أشهُر، ثمّ عادت البضعة إلي رسول الله واتّصلت اللحمة ببدنه المبارك وجسده الشريف، وكلّ ذلك وقع.

ولكنّنا لا نتوقّع أنْ نعثر علي كلّ تفاصيل تلك القضايا، وحتّي لو عثرنا علي الخمسين بالمائة من القضايا يمكننا فهم الخمسين البقيّة.

لقد رأيتم كيف يحرّفون الروايات، حتّي تلك الكلمة القاسية التي يقولها أبو سفيان في حقّ النبي رأيتم كيف يرفعون اسم أبي سفيان ويضعون مكان الاسم كلمة قال رجل، فكيف تتوقّعون أنْ يروي لنا الرواة كلّ ما حدث بعد رسول الله، أو يتمكّن الرواة من نقل كلّ ما حدث؟

وبالرغم من ذلك الحصار الشديد، ومن ذلك المنع الاكيد،

[ صفحه 43]

ومن ذلك الارعاب والتهديد، مع ذلك، تبلغنا أطرافٌ من أخبار ما وقع.

ونحن لا ننقل في بحثنا هذا إلاّ من أهم مصادر أهل السنّة، ولا نتعرّض لِما ورد في كتبنا أبداً، وحتّي أنّا ننقل _ قدر الامكان _ عن أسبق المصادر وأقدمها، فلا ننقل في الاكثر والاغلب عن الكتب المؤلَّفة في القرون المتأخّرة.

فهنا مسائل:

[ صفحه 45]

مصادرة ملك الزهراء و تكذيبها

وإنّنا نعتقد بأنّ تكذيب الزهراء (عليها السلام) من أعظم المصائب، ينقل عن بعض كبار فقهائنا أنّ أحد الخطباء في أيام مصيبة الحسين (عليه السلام)قرأ جملة: «دخلت زينب علي ابن زياد» وأراد أن يشرح ذلك الموقف، فأشار إليه الفقيه الكبير الحاضر في المجلس بالصبر وبالتوقف عن قراءة بقية الرواية، قال: لانّا نريد أن نؤدّي حقّ هذه الجملة: «دخلت زينب علي ابن زياد» وهذه مصيبة، وما أعظمها!! دخلت زينب علي ابن

زياد!!

مجرّد تكذيب الزهراء سلام الله عليها وعدم قبول قولها مصيبة ما أعظمها، ليست القضية قضية فدك، ليست المسألة مسألة أرض وملك، إنّما القضية ظلم الزهراء سلام الله عليها وتضييع حقّها، وعدم إكرامها، وإيذائها وإغضابها وتكذيبها، ولاحظوا خلاصة

[ صفحه 46]

القضية أنقلها كما في المصادر المهمة المعتبرة:

أوّلاً:

لقد كانت فدك ملكاً للزهراء في حياة رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم)، وأنّ رسول الله أعطي فاطمة فدكاً، فكانت فدك عطية من رسول الله لفاطمة.

وهذا الامر موجود في كتب الفريقين.

أمّا من أهل السنة: فقد أخرج البزّار وأبو يعلي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: لمّا نزلت الاية (وَآتِ ذَا الْقُرْبَي حَقَّهُ) دعا رسول الله (صلي الله عليه وسلم) فاطمة فأعطاها فدكاً.

وهذا الحديث أيضاً مروي عن ابن عباس.

تجدون هذا الحديث عن هؤلاء الكبار وأعاظم المحدّثين في الدر المنثور [43] .

ومن رواته أيضاً: الحاكم، والطبراني، وابن النجار، والهيثمي، والذهبي، والسيوطي، والمتقي وغيرهم.

ومن رواته: ابن أبي حاتم، حيث يروي هذا الخبر في تفسيره، ذلك التفسير الذي نصّ ابن تيميّة في منهاج السنة علي أنّه خال من الموضوعات [44] ، تفسير ابن أبي حاتم في نظر ابن تيميّة خال من

[ صفحه 47]

الموضوعات، فهؤلاء عدّة من رواة هذا الخبر.

وقد أقرّ بكون فدك ملكاً للزهراء في حياة رسول الله، وأنّ فدكاً كانت عطيةً منه (صلي الله عليه وآله وسلم) للزهراء البتول، غير واحد من أعلام العلماء، ونصّوا علي هذا المطلب، منهم: سعد الدين التفتازاني، ومنهم ابن حجر المكي في الصواعق، يقول صاحب الصواعق: إنّ أبا بكر انتزع من فاطمة فدكاً [45]

.

فكانت فدك بيد الزهراء وانتزعها أبو بكر.

فلماذا انتزعها؟ وبأيّ وجه؟ لنفرض أنّ أبا بكر كان جاهلاً بأنّ الرسول أعطاها وملّكها ووهبها فدكاً، فهلاّ كان عليه أن يسألها قبل الانتزاع منها؟

وثانياً:

لو كان أبو بكر جاهلاً بكون فدك ملكاً لها، فهل كان يجوز له أنْ يطالبها بالبيّنة علي كونها مالكة لفدك؟ إنّ هذا خلاف القاعدة، وعلي فرض أنّه كان له الحق في أنْ يطالبها البيّنة علي كونها مالكة لفدك، فقد شهد أمير المؤمنين سلام الله عليه، ولماذا لم تقبل شهادة أمير المؤمنين؟ قالوا: كان من اجتهاده عدم كفاية الشاهد الواحد وإنْ علم صدقه!

لاحظوا كتبهم، فهم عندما يريدون أن يدافعوا عن أبي بكر

[ صفحه 48]

يقولون: لعلّه كان من اجتهاده عدم قبول الشاهد الواحد وإن كان يعلم بصدق هذا الشاهد [46] .

نقول: لكنّ رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) قبل شهادة الواحد _ وهو خزيمة ذو الشهادتين _ وخبره موجود في كتب الفريقين، بل إنّه (صلي الله عليه وآله وسلم) قضي بشاهد واحد فقط في قضية وكان الشاهد الواحد عبدالله بن عمر، وهذا الخبر موجود في صحيح البخاري وإنّه في جامع الاصول لابن الاثير: قضي بشهادة واحد وهو عبدالله بن عمر [47] .

أكان علي في نظر أبي بكر أقل من عبدالله بن عمر في نظر النبي؟

وثالثاً:

لو سلّمنا حصول الشك لابي بكر، وفرضنا أنّ أبا بكر كان في شك من شهادة علي، فهلاّ طلب من فاطمة أن تحلف؟ فهلاّ طلب منها اليمين فتكون شهادة مع يمين؟ وقد قضي رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) بشاهد ويمين.

راجعوا صحيح مسلم في كتاب الاقضية [48] ،

وراجعوا صحيح أبي داود [49] بل القضاء بشاهد ويمين هو الذي نزل به جبريل علي

[ صفحه 49]

النبي، كما في كتاب الخلافة من كنز العمّال.

وهنا يقول صاحب المواقف وشارحها: لعلّه لم ير الحكم بشاهد ويمين [50] .

نقول: فكان عليه حينئذ أنْ يحلف هو، ولماذا لم يحلف والزهراء ما زالت مطالبة بملكها؟

وهذا كلّه بغضّ النظر عن عصمة الزهراء، بغضّ النظر عن عصمة علي (عليه السلام)، لو أردنا أن ننظر إلي القضيّة كقضيّة حقوقيّة يجب أن تطبق عليها القواعد المقررة في كتاب الاقضية.

وأيضاً، فقد شهد للزهراء ولداها الحسن والحسين، وشهد للزهراء أيضاً أُم أيمن، ورسول الله يشهد بأنّها من أهل الجنّة، كما في ترجمتها من كتاب الطبقات لابن سعد وفي الاصابة لابن حجر [51] .

ثمّ نقول: سلّمنا، إنّ فاطمة وأهل البيت غير معصومين، وسلّمنا أنّ فدكاً لم تكن بيد الزهراء سلام الله عليها في حياة النبي، فلا ريب أنّ الزهراء من جملة الصحابة الكرام، أليس كذلك؟! تنزّلنا عن كونها بضعة رسول الله، تنزّلنا عن كونها معصومة، لا

[ صفحه 50]

إشكال في أنّها من الصحابة، وقد كان لاحد الصحابة قضية مشابهة تماماً لقضيّة الزهراء، وقد رتّب أبو بكر الاثر علي قول ذلك الصحابي وصدّقه في دعواه.

هذا كلّه بعد التنزّل عن عصمتها، عن شهادة علي والحسنين وأُم أيمن، وبعد التنزّل عن كون فدك ملكاً لها في حياة النبي.

استمعوا إلي القضية أنقلها لكم، ثمّ لاحظوا تبريرات كبار العلماء لتلك القضية:

أخرج الشيخان عن جابر بن عبدالله الانصاري: إنّه لمّا جاء أبا بكر مال البحرين، وعنده جابر، قال جابر لابي بكر: إنّ النبي (صلي الله عليه

وسلم)قال لي: إذا أتي مال البحرين حثوت لك ثمّ حثوت لك ثمّ حثوت لك، فقال أبو بكر لجابر: تقدّم فخذ بعددها.

فنقول: رسول الله ليس في هذا العالم، يدّعي جابر أنّ رسول الله قد وعده لو أتي مال البحرين لاعطيتك من ذلك المال كذا وكذا، وتوفي رسول الله وجاء مال البحرين بعد رسول الله، وأبو بكر خليفة رسول الله، عندما وصل هذا المال أتاه جابر فقال له: إنّ رسول الله قال لي كذا، ورتّب أبو بكر الاثر علي قوله وصدّقه وأعطاه من ذلك المال كما أراد.

هذه هي القضية، وتأمّلوا فيها، وهي موجودة في الصحيحين.

[ صفحه 51]

فلاحظوا ما يقوله شرّاح البخاري، كيف يجوز لابي بكر أنْ يصدّق كلام صحابي ودعواه علي رسول الله، وقد رحل رسول الله عن هذا العالم، ثمّ أعطاه من مال المسلمين، من بيت المال، بقدر ما ادّعاه، ولم يطلب منه بيّنة، ولا يميناً!! لاحظوا ماذا يقولون!!

يقول الكرماني في كتابه الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري وهو من أشهر شروح البخاري يقول: وأمّا تصديق أبي بكر جابراً في دعواه، فلقوله (صلي الله عليه وسلم): «من كذب عَلَيّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار»، فهو وعيد، ولا يُظنّ بأنّ مثله _ مثل جابر _ يقدم علي هذا [52] .

فإذا كنتم لا تظنّون بجابر أنْ يقدم علي هذا الشيء، ويكذب علي رسول الله، بل بالعكس، تظنّون كونه صادقاً في دعواه، فهلاّ ظننتم هذا الظن بحقّ الزهراء _ بعد التنزّل عن كلّ ما هنالك كما كرّرنا _ وقد فرضناها مجرّد صحابيّة كسائر الصحابة!

ثمّ لاحظوا قول ابن حجر العسقلاني في فتح الباري يقول: وفي هذا الحديث دليل علي قبول

خبر الواحد العدل من الصحابة ولو [لو هذه وصلية] جرّ ذلك نفعاً لنفسه [53] .

[ صفحه 52]

فالحديث يدلّ علي قبول خبره، لان أبا بكر لم يلتمس من جابر شاهداً علي صحة دعواه، وهلاّ فعل هكذا مع الزهراء التي أخبرت بأنّ رسول الله نحلني فدكاً، أعطاني فدكاً، ملّكني فدكاً!!

ويقول العيني في كتاب عمدة القاري في شرح صحيح البخاري قلت: إنّما لم يلتمس شاهداً منه _ أي من جابر _ لانّه عدل بالكتاب والسنّة، أمّا الكتاب فقوله تعالي: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) وقوله تعالي: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)، فمثل جابر إنْ لم يكن من خير أُمّة فمن يكون؟ وأمّا السنّة فلقوله (صلي الله عليه وسلم): «من كذب عَلَيّ متعمداً....

لاحظوا بقية كلامه يقول: ولا يظن بمسلم فضلاً عن صحابي أنْ يكذب علي رسول الله متعمّداً [54] .

فكيف نظن بجابر هكذا؟ فكان يجوز لابي بكر أنْ يصدّق جابراً في دعواه، فلِمَ لم يصدق الزهراء في دعواها؟ وهل كانت أقل من جابر؟ ألم تكن من خير أُمّة أُخرجت للناس؟ أيظن بها أن تتعمّد الكذب علي رسول الله؟ وأنت تقول: لا يظن بمسلم فضلاً عن صحابي أنْ يكذب متعمّداً علي رسول الله؟

أقول:

ما الفرق بين قضية جابر وقضية الصدّيقة الطاهرة

[ صفحه 53]

سلام الله عليها، بعد التنزّل عن كلّ ما هنالك، وفرضها واحداً أو واحدة من الصحابة فقط؟ ما الفرق؟ لماذا يعطي جابر؟ ولماذا يكون الخبر الواحد هناك حجة؟ ولماذا لا يكذَّب جابر بل يصدّق ويترتّب الاثر علي قوله بلا بيّنة ولا يمين ولا ولا؟ ولماذا؟ ولماذا؟ ولماذا؟

إذن، هناك شيء آخر...

إذن، من وراء القضيّة _

قضيّة الزهراء _ شيء آخر...

فرجعت فاطمة خائبة إلي بيتها...

ثمّ جاءت مرّةً أُخري لتطالب بفدك وغير فدك من باب الارث من رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم)، لانّ فدكاً أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب بالاجماع، وكلّ ما يكون كذا فهو ملك لرسول الله بالاجماع، وكلّ ما يتركه المسلم من ملك أو من حق فإنّه لوارثه من بعده بالاجماع، والزهراء أقرب الناس إلي رسول الله في الارث بالاجماع.

هذه مقدمات أربع، وكلّها مترتبة متسلسلة.

أخرج البخاري ومسلم عن عائشة _ واللفظ للاوّل _ إنّ فاطمة (عليها السلام) بنت النبي أرسلت إلي أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله (صلي الله عليه وسلم)، ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي عن خمس خيبر،

[ صفحه 54]

فقال أبو بكر: إنّ رسول الله قال: «لا نورّث ما تركنا صدقة»، إنّما يأكل آل محمّد في هذا المال، وإنّي والله لا أُغيّر شيئاً من صدقة رسول الله عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله، ولاعملنّ فيها بما عمل به رسول الله. فأبي أبو بكر أن يدفع إلي فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة علي أبي بكر فهجرته، فلم تكلّمه حتّي توفّيت، وعاشت بعد النبي ستّة أشهر، فلمّا توفّيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلّي عليها، وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة [55] .

وقضية مطالبة الزهراء بفدك وغير فدك من باب الارث قضية كتبت فيها الكتب الكثيرة منذ قديم الايّام، وخطبتها سلام الله عليها في هذه القضية خطبة خالدة تذكر علي مدي الايّام، وهنا أيضاً نسأل ونتسائل فنقول:

كيف يكون إخبار أبي سعيد وابن عباس وشهادة

علي والحسنين وغيرهم في أن رسول الله أعطي فدكاً للزهراء، هذه الاخبارات والشهادات كلها غير مقبولة، ويكون خبر أبي بكر وحده في أنّ الانبياء لا يورّثون مقبولاً؟ لاحظوا آراء العلماء في هذه القضيّة، فلقد اختلفت آراؤهم واضطربت كلماتهم اضطراباً

[ صفحه 55]

فاحشاً، وكان أوجه حلّ للقضيّة أنْ يقال بأنّ الخبر متواتر، ولم يكن أبو بكر لوحده الراوي لهذا الخبر، وإنّما أبو بكر أحد الرواة من الصحابة، وهنا نقاط:

النقطة الاُولي:

كيف لم يسمع هذا الحديث أحد من رسول الله؟ ولم ينقله أحد؟ وحتّي أبو بكر لم يُسمع منه هذا الخبر والاخبار به عن رسول الله إلي تلك الساعة؟

النقطة الثانية:

كيف لم يسمع أهل بيته هذا الحديث؟ وحتّي ورثته لم يسمعوا هذا الحديث؟ ولذا أرسلت زوجاته عثمان إلي أبي بكر يطالبن بسهمهنّ من الارث! هلاّ قال لهنّ عثمان _ في الاقل _ إنّ رسول الله قال كذا؟ ولماذا مشي إلي أبي بكر وبلّغه طلب الزوجات؟

وهنا كلمة لطيفة للفخر الرازي سجّلتها، هذه الكلمة في تفسيره يقول: إنّ المحتاج إلي معرفة هذه المسألة ما كان إلاّ فاطمة وعلي والعباس، وهؤلاء كانوا من أكابر الزهاد والعلماء وأهل الدين، وأمّا أبو بكر فإنّه ما كان محتاجاً إلي معرفة هذه المسألة، لانّه ما كان ممّن يخطر بباله أنّه يورّث من الرسول، فكيف يليق بالرسول أن يبلّغ هذه المسألة إلي من لا حاجة له إليها، ولا يبلّغها

[ صفحه 56]

إلي من له إلي معرفتها أشدّ الحاجة؟ [56] .

النقطة الثالثة:

إنّه لو تنزّلنا عن كلّ ذلك، فإنّ دعوي تواتر الخبر كاذبة، لانّهم ينصّون علي انفراد أبي بكر بهذا الخبر، وقد ذكروا ذلك

في مباحث حجّية خبر الواحد، ومثّلوا بهذا الخبر من جملة ما مثّلوا، وإن كنتم في شك من ذلك فارجعوا إلي: مختصر ابن الحاجب [57] ، والمحصول في علم الاصول [58] للفخر الرازي، والمستصفي في علم الاصول [59] للغزّالي، والاحكام في أصول الاحكام [60] للامدي، وكشف الاسرار في شرح اصول البزدوي [61] للبخاري، وغير هذه الكتب.

مضافاً إلي هذا، هناك في الاحاديث أيضاً شواهد علي انفراد أبي بكر بهذا الحديث، فراجعوا مثلاً: كتاب كنز العمال [62] .

وحتّي المتكلّمون أيضاً يقرّون بانفراد أبي بكر بهذا الحديث،

[ صفحه 57]

فراجعوا: شرح المواقف، [63] وشرح المقاصد [64] ، بل أقول في:

النقطة الرابعة:

إنّ أبا بكر أيضاً ليس من رواة هذا الحديث، لا أنّه منفرد به، بل إنّ هذا الحديث موضوع، وضعه بعض الناس دفاعاً عن أبي بكر، وأبو بكر في تلك القضيّة لم يكن عنده جواب، حتّي بهذا الحديث لم يستدل، وهذا ما يقوله الحافظ عبدالرحمن بن يوسف ابن خراش، إنّه يقول: هذا الحديث باطل، وضعه مالك بن أوس بن الحدثان».

وهو الراوي للقصّة، فلقد ذكر الحافظ ابن عدي بترجمة الحافظ ابن خراش المتوفي سنة 283 ه_ الذي ألّف جزئين في مثالب الشيخين قال: سمعت عبدان يقول: قلت لابن خراش: حديث ما تركنا صدقة؟ قال: باطل، أتّهم مالك بن أوس بالكذب [65] .

فكيف يريدون رفع اليد عن محكمات القرآن الحكيم بخبر موضوع يحكم ببطلانه هذا الحافظ الكبير، الذي لاجل هذا الحكم بالنسبة إلي هذا الحديث، ولاجل تأليفه جزئين في مثالب

[ صفحه 58]

الشيخين، رموه بالرفض، ومع ذلك كلّ كتبهم مملوءة بأقواله وآرائه في الحديث والرجال.

لاحظوا كيف يتهجّم

عليه الذهبي يقول: هذا والله الشيخ المعثّر الذي ضلّ سعيه، فإنّه كان حافظ زمانه، وله الرحلة الواسعة والاطلاع الكثير والاحاطة، وبعد هذا فما انتفع بعلمه [وكأنّ الانتفاع بالعلم يكون فيما إذا كان ما يقوله في صالح القوم!!] فلا عتب علي حمير الرافضة وحوافر جزّين ومشغري» [66] .

هذه بلاد في جبل عامل في جنوب لبنان من المناطق الشيعية البحتة، فلا عتب علي حمير الرفضة أو الرافضة وحوافر جزّين ومشغري!!

فظهر أن هذه القضية _ قضية غصب فدك وتكذيب الزهراء وأهل البيت _ من جملة القضايا التي أخبر عنها رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم)، وإنّ الفؤاد ليقطر دماً عندما يكتب الانسان الحرّ الابي مثل هذه القضايا أو يقرؤها أو يرويها، ولكن أُريد أنْ اُسيطر علي أعصابي، وأقرأ لكم القضايا بقدر ما توصّلت إليه، لتكونوا علي بصيرة أو لتزدادوا بصيرة.

[ صفحه 60]

احراق بيتها

اشاره

وقد ذكرنا أنّ القوم قد منعوا من نقل القضايا والحوادث، وجزئيّات الاُمور، وتفاصيل الوقائع، أتتوقّعون أن ينقل لكم البخاري أنّ فلاناً وفلاناً وفلاناً أحرقوا دار الزهراء بأيديهما؟! بهذا اللفظ تريدون؟! لقد وجدتم البخاري ومسلماً وغيرهما يحرّفون الاحاديث التي ليس لها من الحسّاسيّة والاهميّة ولا عشر معشار ما لهذه المسألة.

إنّ إحراق بيت الزهراء من الاُمور المسلّمة القطعيّة في أحاديثنا وكتبنا، وعليه إجماع علمائنا ورواتنا ومؤلّفينا، ومن أنكر هذا أو شكّ فيه أو شكّك فيه فسيخرج عن دائرة علمائنا، وسيخرج عن دائرة أبناء طائفتنا كائناً من كان.

أمّا في كتب أهل السنّة، فقد جاءت القضيّة علي أشكال، وأنا

[ صفحه 61]

قد رتّبت القضايا والروايات والاخبار في المسألة ترتيباً، حتّي لا يضيع عليكم الامر ولا يختلط، وحتّي

تكونوا علي يقظة ممّا يفعلون في نقل مثل هذه القضايا والحوادث فإنّ القدر الذي ينقلونه أيضاً يتلاعبون به، أمّا الذي لم ينقلوه، أمّا الذي منعوا عنه، أمّا الذي تركوه عمداً، فذاك أمر آخر، فالذي نقلوه كيف نقلوه؟ وسأذكر لكم ما يتعلّق بهذه المسألة تحت عناوين:

التهديد بالاحراق

بعض الاخبار والروايات تقول بأنّ عمر بن الخطّاب قد هدّد بالاحراق، فكان العنوان الاول التهديد، وهذا ما تجدونه في كتاب المصنّف لابن أبي شيبة، من مشايخ البخاري المتوفي سنة 235 ه_، يروي هذه القضيّة بسنده عن زيد بن أسلم، وزيد عن أبيه أسلم وهو مولي عمر، يقول:

حين بويع لابي بكر بعد رسول الله، كان علي والزبير يدخلان علي فاطمة بنت رسول الله، فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم، فلمّا بلغ ذلك عمر بن الخطّاب، خرج حتّي دخل علي فاطمة فقال: يا بنت رسول الله، والله ما أحد أحبّ إلينا من أبيك، وما من أحد أحبّ إلينا بعد أبيك منك، وأيم الله ما ذاك بمانعي إنْ اجتمع هؤلاء

[ صفحه 62]

النفر عندك أن أمرتهم أن يحرّق عليهم البيت [67] .

وفي تاريخ الطبري بسند آخر:

أتي عمر بن الخطّاب منزل علي، وفيه طلحة والزبير [هذه نقاط مهمّة حسّاسة لا تفوتنّكم، في البيت كان طلحة أيضاً، الزبير كان من أقربائهم، أمّا طلحة فهو تيميّ] ورجال من المهاجرين فقال: والله لاُحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلي البيعة، فخرج عليه الزبير مصلتاً سيفه، فعثر فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه [68] .

وأنا أكتفي بهذين المصدرين في عنوان التهديد.

لكن بعض كبار الحفّاظ منهم لم تسمح له نفسه لانْ ينقل هذا الخبر بهذا المقدار بلا تحريف، لاحظوا كتاب الاستيعاب لابن عبد

البر، فإنّه يروي هذا الخبر عن طريق أبي بكر البزّار بنفس السند الذي عند ابن أبي شيبة، يرويه عن زيد بن أسلم عن أسلم وفيه:

إنّ عمر قال لها: ما أحد أحبّ إلينا بعده منك، ثمّ قال: ولقد بلغني أنّ هؤلاء النفر يدخلون عليك، ولان يبلغني لافعلنّ

[ صفحه 63]

ولافعلن [69] .

نفس الخبر، بنفس السند، عن نفس الراوي، وهذا التصرف! وأنتم تريدون أنْ ينقلوا لكم إنّه أحرق الدار بالفعل؟ وأيُّ عاقل يتوقّع من هؤلاء أنْ ينقلوا القضيّة كما وقعت؟ إنّ من يتوقّع منهم ذلك إمّا جاهل وإمّا يتجاهل ويضحك علي نفسه!!

المجيء بقبس او بفتيلة

وهناك عنوان آخر، وهو «جاء بقبس» أو «جاء بفتيلة» هذا أيضاً أنقل لكم بعض مصادره:

روي البلاذري المتوفي سنة 224 في أنساب الاشراف بسنده: إنّ أبا بكر أرسل إلي علي يريد البيعة، فلم يبايع، فجاء عمر ومعه فتيلة، فتلقّته فاطمة علي الباب، فقالت فاطمة: يابن الخطّاب، أتراك محرّقاً عَلَيّ بابي؟! قال: نعم، وذلك أقوي فيما جاء به أبوك [70] .

وفي العقد الفريد لابن عبد ربّه المتوفي سنة 328: وأمّا علي والعباس والزبير، فقعدوا في بيت فاطمة حتّي بعث إليهم أبو بكر

[ صفحه 64]

[ولم يكن عمر هو الذي بادر، بَعَثَ أبو بكر عمر بن الخطّاب] ليخرجوا من بيت فاطمة وقال له: إنْ أبوا فقاتلهم، فأقبل بقبس من نار علي أنْ يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت: يابن الخطّاب، أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم، أو تدخلوا ما دخلت فيه الاُمّة [71] .

أقول:

وقارنوا بين النصوص بتأمّل لتروا الفوارق والتصرّفات.

وروي أبو الفداء المؤرخ المتوفي سنة 732 ه_ في المختصر في أخبار البشر الخبر إلي:

وإنْ أبوا فقاتلهم، ثمّ قال: فأقبل عمر بشيء من نار علي أن يضرم الدار [72] .

احضار الحطب ليحرق الدار

وهذا هو العنوان الثالث، ففي رواية بعض المؤرّخين: أحضر الحَطَب ليحرّق عليهم الدار، وهذا في تاريخ المسعودي (مروج الذهب) وعنه ابن أبي الحديد في شرح النهج عن عروة بن الزبير، إنّه كان يعذر أخاه عبدالله في حصر بني هاشم في الشِعب، وجمعه

[ صفحه 65]

الحطب ليحرّقهم، قال عروة في مقام العذر والاعتذار لاخيه عبدالله ابن الزبير: بأنّ عمر أحضر الحطب ليحرّق الدار علي من تخلّف عن البيعة لابي بكر [73] .

«أحضر الحطب» هذا ما يقوله عروة بن الزبير، وأولئك يقولون «جاء بشيء من نار» فالحطب حاضر، والنار أيضاً جاء بها، أتريدون أنْ يصرّحوا بأنّه وضع النار علي الحطب، يعني إذا لم يصرّحوا بهذه الكلمة ولن يصرّحوا! نبقي في شك أو نشكّك في هذا الخبر، الخبر الذي قطع به أئمّتنا، وأجمع عليه علماؤنا وطائفتنا؟!!

المجيء للاحراق

وهذه عبارة أُخري: إنّ عمر جاء إلي بيت علي ليحرّقه أو ليحْرقه.

وبهذه العبارة تجدون الخبر في كتاب روضة المناظر في أخبار الاوائل والاواخر لابن الشحنة المؤرخ المتوفي سنة 882 ه_، وكتابه مطبوع علي هامش بعض طبعات الكامل لابن الاثير _ وهو تاريخ معتبر _ يقول: إنّ عمر جاء إلي بيت علي ليحرّقه علي من

[ صفحه 66]

فيه، فلقيته فاطمة فقال: أُدخلوا فيما دخلت فيه الاُمّة.

هذا، وفي كتاب لصاحب الغارات إبراهيم بن محمّد الثقفي، في أخبار السقيفة، يروي عن أحمد بن عمرو البجلي، عن أحمد ابن حبيب العامري، عن حمران بن أعين، عن أبي عبدالله جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قال: «والله ما بايع علي حتّي رأي الدخان قد دخل بيته».

كتاب السقيفة لهذا المحدّث الكبير لم يصلنا، نقل هذا المقطع عن

كتابه المذكور: الشريف المرتضي في كتاب الشافي في الامامة.

وعندما نراجع ترجمة هذا الشخص _ إبراهيم بن محمّد الثقفي المتوفي سنة 280 أو 283 ه_ _ نري من مؤلّفاته كتاب السقيفة وكتاب المثالب، ولم يصلنا هذان الكتابان، وقد ترجم له علماء السنّة ولم يجرحوه بجرح أبداً، غاية ما هناك قالوا: رافضي.

نعم هو رافضي، ألّف كتاب السقيفة وألّف كتاب المثالب، ونقل مثل هذه الاخبار، روي مسنداً عن الصادق أبي عبدالله جعفر بن محمّد: والله ما بايع علي حتّي رأي الدخان قد دخل بيته.

وممّا يدلّ علي صحّة روايات هذا الشخص _ إبراهيم بن محمّد الثقفي _ ما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني قال: لمّا صنّف كتاب

[ صفحه 67]

المناقب والمثالب أشار عليه أهل الكوفة أن يخفيه ولا يظهره، فقال: أيّ البلاد أبعد عن التشيّع؟ فقالوا له: إصفهان _ إصفهان ذاك الوقت _، فحلف أنْ يخفيه ولا يحدّث به إلاّ في إصفهان ثقةً منه بصحة ما أخرجه فيه، فتحوّل إلي إصفهان وحدّث به فيها [74] .

ذكره أبو نعيم الاصبهاني في أخبار اصبهان.

في هذه الرواية: «والله ما بايع علي حتّي رأي الدخان قد دخل بيته»، وأولئك كانوا يتجنبون التصريح بهذه الكلمة، صرّحوا «بالحطب» صرّحوا «بالنار» صرّحوا «بالقبس» صرّحوا «بالفتيلة» صرّحوا بكذا وكذا، إلاّ أنّهم يتجنّبون التصريح بكلمة إنّه وضع النار علي الحطب، وتريدون أنْ يصرّحوا بهذه الكلمة؟ أما كانوا عقلاء؟ أما كانوا يريدون أن يبقوا أحياء؟ إنّ ظروفهم ما كانت تسمح لهم لانْ يرووا أكثر من هذا، ومن جهة أُخري، كانوا يعلمون بأنّ القرّاء لكتبهم والذين تبلغهم رواياتهم سوف يفهمون من هذا الذي يقولون أكثر ممّا يقولون، ويستشمّون من هذا الذي

يذكرون الاُمور الاُخري التي لا يذكرون، أتريدون أنْ يقولوا بأنّ ذلك وقع بالفعل ويصرّحوا به تمام التصريح، حتّي إذا لم تجدوا التصريح الصريح والتنصيص الكامل تشكّون أو تشكّكون، هذا والله لعجيب!

[ صفحه 68]

اسقاط جنينها

وروايات القوم في هذا الموضع مشوشة جدّاً، يعرف ذلك كلّ من يراجع رواياتهم وأقوالهم وكلماتهم.

لقد نصّت رواياتهم علي أنّه كان لعلي (عليه السلام) من الذكور ثلاثة أولاد: حسن، وحسين، ومحسن أو محسِّن أو محسَّن، وكان رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) قد سمّي هؤلاء بهذه الاسامي تشبيهاً بأسماء أولاد هارون: شَبَر شُبير ومشبّر، وهذا موجود في: مسند أحمد [75] ، وموجود في المستدرك وقد صحّحه الحاكم [76] ، والذهبي أيضاً

[ صفحه 69]

صحّحه [77] ، وموجود في مصادر أُخري.

فيبقي السؤال: هل كان لعلي ولد بهذا الاسم أو لا؟ قالوا: كان له ولد بهذا الاسم... فأين صار؟ وما صار حاله؟ يقولون بوجوده ثمّ يختلفون، أتريدون أن يصرّحوا تصريحاً واضحاً لا لبس فيه ولا غبار عليه؟! إنّه في القضايا الجزئيّة البسيطة يتلاعبون بالاخبار والاحاديث، كما رأينا في هذه المباحث، وسنري في المباحث الاتية، وفي مثل هذه القضيّة تتوقّعون أن يصرّحوا؟ نعم، عثرنا علي أفراد معدودين منهم قالوا بالحقيقة وواجهوا ما واجهوا، وتحمّلوا ما تحمّلوا.

أحدهم: ابن أبي دارم المتوفي سنة 352 ه_.

قال الذهبي بترجمته: الامام الحافظ الفاضل أبو بكر أحمد بن محمّد السري بن يحيي بن السري بن أبي دارم التميمي الكوفي الشيعي [أصبح شيعياً!!] محدِّث الكوفة، حدّث عنه الحاكم، وأبو بكر ابن مردويه، ويحيي بن إبراهيم المزكِّي، وأبو الحسن ابن الحمّامي، والقاضي أبو بكر الجيلي، وآخرون. كان موصوفاً بالحفظ والمعرفة، إلاّ

أنّه يترفّض [لماذا يترفّض؟] قد ألّف في الحطّ علي بعض الصحابة» [78] .

[ صفحه 70]

لا يقول أكثر من هذا: ألّف في الحطّ علي بعض الصحابة، فهو إذنْ يترفّض.

ولو راجعتم كتابه الاخر ميزان الاعتدال فهناك يذكر هذا الشخص ويترجم له، وينقل عن الحافظ محمّد بن أحمد بن حمّاد الكوفي الحافظ أبي بشر الدولابي [79] فيقول: قال محمّد بن أحمد بن حمّاد الكوفي الحافظ _ بعد أن أرّخ موته _ كان مستقيم الامر عامّة دهره، ثمّ في آخر أيّامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب، حضرته ورجل يقرأ عليه: إنّ عمر رفس فاطمة حتّي أسقطت بمحسن [80] .

كان مستقيم الامر عامّة دهره، لكنّه في آخر أيّامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب، فهو _ إذن _ خارج عن الاستقامة!!

أتذكّر أنّ أحد الصحابة وهو عمران بن حصين _ هذاالرجل كان من كبار الصحابة، يثنون عليه غاية الثناء، ويكتبون بترجمته إنّ الملائكة كانت تحدّثه، لعظمة قدره وجلالة شأنه [81] _ هذا الشخص عندما دنا أجله، أرسل إلي أحد أصحابه، وحدّثه عن رسول الله بمتعة الحج _ التي حرّمها عمر بن الخطّاب وأنكر عليه

[ صفحه 71]

تحريمها _ ثمّ شرط عليه أنّه إنْ عاش فلا ينقل ما حدّثه به، وإنْ مات فليحدّث [82] .

نعم، كان هذا الرجل مستقيم الامر عامّة دهره، لا ينقل مثل هذه القضايا، اقتضت ظروفه أن لا ينقل، ولذا كان مستقيم الامر عامة دهره!! ثمّ في آخر أيّامه عندما دنا أجله وقرب موته، حينئذ جعل يُقرأ له المثالب ومنها هذا: «دخلت عليه ورجل يقرأ» فلولا دخول هذا الشخص عليه لما بلغنا هذا الخبر أيضاً،

اتفق أنْ دخل عليه هذا الراوي ووجد رجلاً يقرأ له هذا الخبر، وذلك في أواخر حياته، حتّي إذا مات، أو حتّي إذا أوذي أو ضرب فمات علي أثر الضرب، فقد عاش في هذه الدنيا وعمّر عمره.

ورجل آخر هو: النظّام، إبراهيم بن سيّار النظّام المعتزلي المتوفي سنة 231 ه_.

هذا أيضاً ينصّ علي وقوع هذه الجناية علي الزهراء الطاهرة وجنينها، وهذا الرجل كان رجلاً جليلاً، وكان من المعتزلة

[ صفحه 72]

الجريئين الذين لا يخافون ولا يهابون، وله أقوال مختلفة في المسائل الكلامية، تذكر في الكتب، وربّما خالف فيها المشهور بين العلماء، وكانت أقواله شاذّة، إلاّ أنّه من كبار العلماء، ذكروا عنه أنّه كان يقول: إنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتّي ألقت الجنين من بطنها، وكان يصيح عمر: أحرقوا دارها بمن فيها، وما كان بالدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين.

وممّن نقل عنه هذا: الشهرستاني في الملل والنحل، والصّفدي في الوافي بالوفيات [83] ، ويوجد قوله هذا في غير هذين الكتابين.

وممّن عثرنا عليه: ابن قتيبة صاحب كتاب المعارف، لكن لو تراجعون كتاب المعارف الموجود الان لا تجدون هذه الكلمة، الكتاب محرّف.

ابن شهرآشوب المتوفي سنة 588 ه_ ينقل عن كتاب المعارف قوله: إنّ محسناً فسد من زخم قنفذ العدوي [84] .

أمّا في كتاب المعارف الموجود الان بين أيدينا المحقق!! فلفظه: أمّا محسن بن علي فهلك وهو صغير [85] .

وتجدون في كتاب تذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي يقول:

[ صفحه 73]

مات طفلاً [86] .

لكن البعض الاخر منهم _ وهو الحافظ محمد بن معتمد خان البدخشاني وهذا من المتأخرين، وله كتب منها نُزل الابرار

فيما صحّ من مناقب أهل البيت الاطهار، يقول بأنّه مات صغيراً [87] .

وعندما نراجع ابن أبي الحديد، نراه ينقل عن شيخه _ حيث حدّثه قضية هبّار بن الاسود، وأنتم مسبوقون بهذا الخبر، وأنّ هذا الرجل روّع زينب بنت رسول الله فألقت ما في بطنها _ قال شيخه: لمّا ألقت زينب ما في بطنها أهدر رسول الله دم هبّار لانّه روّع زينب فألقت ما في بطنها، فكان لابدّ أنّه لو حضر ترويع القوم فاطمة الزهراء وإسقاط ما في بطنها، لحكم بإهدار دم من فعل ذلك.

هذا يقوله شيخ ابن أبي الحديد.

فيقول له ابن أبي الحديد: أروي عنك ما يرويه بعض الناس من أنّ فاطمة روّعت فألقت محسناً؟ فقال: لا تروه عنّي ولا ترو عنّي بطلانه [88] .

نعم لا يروون، وإذا رووا يحرّفون، وإذا رأوا من يروي مثل هذه القضايا فبأنواع التهم يتّهمون.

[ صفحه 74]

كشف بيتها

وكشف القوم بيت فاطمة الزهراء، وهجموا علي دارها، وهذا من الاُمور المسلّمة التي لا يشكّ ولا يشكّك فيها أحد حتّي ابن تيميّة، ولو أنّ أحداً شكّ، فيكون حاله أسوأ من حال ابن تيميّة، فكيف لو كان يدّعي التشيّع أو يدّعي كونه من ذريّة رسول الله وفاطمة الزهراء؟

ورووا عن أبي بكر أنّه قال قبيل وفاته: إنّي لا آسي علي شيء من الدنيا إلاّ علي ثلاث فعلتهنّ ووددت أنّي تركتهنّ، وثلاث تركتهنّ وددت أنّي فعلتهنّ، وثلاث وددت أنّي سألت عنهنّ رسول الله.

وهذا حديث مهم جدّاً، والقدر الذي نحتاج إليه الان:

أوّلاً: قوله: وددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وإن

[ صفحه 75]

كانوا قد غلقوه علي الحرب.

ثانياً: قوله: وددت

أني كنت سألت رسول الله لمن هذا الامر فلا ينازعه أحد.

أترونه صادقاً في تمنّيه هذا؟ ألم يكن ممّن بايع يوم الغدير وغير يوم الغدير من المواقف والمشاهد؟

وأمّا هذا الخبر _ خبر تمنّيه هذه الاُمور _ ففي: تاريخ الطبري، وفي العقد الفريد لابن عبد ربّه، وفي الاموال لابي عبيد القاسم بن سلاّم المحدّث الحافظ الكبير الامام، وفي مروج الذهب للمسعودي، وفي الامامة والسياسة لابن قتيبة [89] .

ولكن هنا أيضاً يوجد تحريف، فراجعوا كتاب الاموال، فقد جاء فيه بدل قوله: وددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة، هذه الجملة: وددت أنّي لم أكن فعلت كذا وكذا.

يحذفون الكلام ويضعون بدله كلمة: كذا وكذا!!

أتريدون أنْ ينقلوا الحقائق علي ما هي عليه؟ وممّن تريدون هذا؟ وممّن تتوقّعون؟.

أمّا ابن تيميّة، فلا ينكر أصل القضيّة، ولا ينكر تمنّي أبي بكر،

[ صفحه 76]

وإنّما يبرّر!! لاحظوا تبريره هذه المرّة يقول: إنّه كبس البيت لينظر هل فيه شيء من مال الله الذي يقسمه ليعطيه للمسلمين!!

وكذلك يفعلون!!

وكذلك يقولون!!

ذكرنا مسألة فدك، وإحراق البيت، وإسقاط الجنين، وكشف البيت وهجومهم علي البيت بلا إذن وأنّهم فعلوا ما فعلوا!!

[ صفحه 78]

قضايا اخري

وبقيت أُمور أتعرّض لها باختصار:

الامر الاوّل:

إنّ فاطمة سلام الله عليها ماتت ولم تبايع أبا بكر، ماتت وهي واجدة علي أبي بكر، وهذا موجود في الصحاح وغيرها، وقد قرأنا نصّ الحديث عن عائشة.

أترون أنّها ماتت بلا إمام؟ ماتت ولم تعرف إمام زمانها؟ وماتت ميتة جاهلية وهي التي فضّلوها علي أبي بكر وعمر؟ وهي التي قالوا بأنّ إيذاءها كفر ومحرّم؟ ماتت بغير إمام ميتةً جاهلية؟ أيقولها أحد؟ فمن كان إمامها؟

الامر

الثاني:

إنّ عليّاً (عليه السلام) لم يؤذن أبا بكر بموت الزهراء، ولم يخبره بأمرها، ولم يحضر لا هو ولا غيره للصلاة عليها.

[ صفحه 79]

وأنتم تعلمون أنّ الصلاة علي الميّت في تلك العصور كانت من شؤون الخليفة، ومع وجود الخليفة أو أمير المدينة لا يحقّ لاحد أنْ يتقدّم للصلاة علي ميّت إلاّ بإذن خاص، ولذا لمّا دفنوا عبدالله بن مسعود بلا إذن وبلا إخبار من عثمان، أرسل عثمان إلي عمّار بن ياسر وضرب عمّار لهذه الغاية، ولهذا السبب، وله نظائر كثيرة.

فكان عدم إخباره أبابكر للحضور للصلاة رمزاً وعلامةً لرفض إمامته وخلافته.

ولكن القوم يعلمون بهذا، القوم يعلمون بأنّ عدم صلاة أبي بكر علي الزهراء دليل علي عدم إمامته، فوضعوا حديثاً بأنّ عليّاً أرسل إلي أبي بكر، فجاء أبو بكر وجاء معه عمر وعدّة من الاصحاب وصلّوا علي الزهراء، واقتدي علي بأبي بكر في تلك الصلاة، وكبّر أبو بكر أربعاً في تلك الصلاة!! لاحظوا الكذب!! أنقل لكم هذا النص:

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني بترجمة عبدالله بن محمّد بن ربيعة بن قدامة القدامي المصيصي: أحد الضعفاء، [هذا الشخص أحد الضعفاء] أتي عن مالك [مالك بن أنس] بمصائب منها: عن جعفر بن محمّد.

يتقوّلون علي أهل البيت ويضعون الاخبار عن أهل البيت

[ صفحه 80]

أنفسهم! وكم له من نظير، ولي مذكّرات من هذا القبيل، إنّهم كثيراً مّا يضعون الاشياء عن لسان أهل البيت، عن لسان أمير المؤمنين وأبنائه، وعن لسان ولده محمّد بن الحنفيّة ينقلون كثيراً من الاشياء، عندي مذكّرات في هذا الباب.

وهذا الخبر: عن جعفر بن محمّد يرويه عن أبيه الباقر عن جدّه قال: توفّيت فاطمة

ليلاً، فجاء أبو بكر وعمر وجماعة كثيرة، فقال أبو بكر لعلي: تقدّم فصلِّ، قال لا، لا والله لا تقدّمت وأنت خليفة رسول الله، فتقدّم أبو بكر وكبّر أربعاً [90] .

هذا من مصائب أُمّتنا، أنْ لا تنقل القضايا كما هي، وتوضع في مقابلها موضوعات.

الامر الثالث:

وكان دفنها ليلاً بوصية منها، لتبقي مظلوميّتها علي مدي التأريخ، وخطاب أمير المؤمنين رسول الله (صلي الله عليه وآله وسلم) عند دفنها يكشف للتاريخ جوانب كثيرة من المصائب والحقائق، وحقيق علي كلّ مؤمن أن يراجع تلك الخطبة لامير المؤمنين عند دفن الزهراء سلام

[ صفحه 81]

الله عليها.

يقول ابن تيميّة في مقام الجواب: كثير من الناس دفنوا ليلاً.

ولكن فاطمة أوصت أن تغسّل ليلاً وأنْ تدفن ليلاً، وأنْ لا يخبر أحد ممّن آذاها.

[ صفحه 82]

كلمة الختام

هذا ما اقتضي الوقت وساعد عليه التوفيق علي نحو الاستعجال، أنْ أذكر لكم هذه القضايا، بنحو خطوط عريضة، وعلي شكل عناوين، ولم أتعرّض لكثير من الجزئيّات والتفاصيل والاقوال والروايات في هذه القضايا، كما لم أنقل شيئاً عن أهل البيت، وعن شيعة أهل البيت، وعمّا في كتب الاماميّة في هذه القضايا.

ولعلّ فيما ذكرت كفاية لهداية أُولي الالباب، ومن يكون بصدد التحقيق عن هذه القضايا بإنصاف.

وصلّي الله علي محمّد وآله الطاهرين.

پاورقي

[1] الخصائص للنسائي: 34، الطبقات 2 / 40، مسند أحمد 6 / 282 حلية الاولياء 2/39، المستدرك 3 / 151.

[2] صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب مناقب قرابة الرسول ومنقبة فاطمة (عليها السلام).

[3] مسند أحمد 4 / 328.

[4] صحيح مسلم، باب مناقب فاطمة (عليها السلام).

[5] مسند أحمد 4 / 5، المستدرك 3 / 159.

[6] المستدرك 3 / 158، مسند أحمد 4 / 323.

[7] المستدرك علي الصحيحين 3 / 153، كنز العمال 13 / 674، 12 / 111.

[8] صحيح البخاري كتاب بدء الخلق، صحيح مسلم فضائل فاطمة، صحيح الترمذي، المستدرك 4 / 272.

[9] المستدرك علي الصحيحين 3 / 160، حلية الاولياء 2 / 41، الاستيعاب 4 / 1896.

[10] المستدرك علي الصحيحين 3 / 154.

[11] مجمع الزوائد 9 / 202.

[12] فيض القدير في شرح الجامع الصغير 4 / 421.

[13] مسند أحمد 3 / 483، المستدرك 3 / 122، مجمع الزوائد 9 / 129، أُسد الغابة والاصابة بترجمته عن عدّة من الائمة، كنز العمال 11 / 601.

[14] مسند أحمد 1 / 84، 128، صحيح مسلم كتاب الايمان، كنز العمال 13 / 120 رقم 36385.

[15] مسند أحمد 6 / 292.

[16] المستدرك علي الصحيحين 3 / 140، 142.

[17] مجمع

الزوائد 9 / 118.

[18] المستدرك علي الصحيحين 3 / 139.

[19] وأخرجه أحمد 2 / 324، 288، 299، 520.

[20] الكامل في الضعفاء 6 / 545.

[21] الكامل في الضعفاء 5 / 519.

[22] سير أعلام النبلاء 13 / 509، تذكرة الحفاظ 2 / 684، ميزان الاعتدال 2 / 600.

[23] تهذيب التهذيب 5 / 223.

[24] الامام الثقة القدوة، من رجال الصحيحين. سير أعلام النبلاء 7/428.

[25] كتاب العلل والرجال 1 / 60.

[26] الامام الناقد المجوّد سيد الحفاظ. سير أعلام النبلاء 9 / 192.

[27] كتاب العلل والرجال 3 / 92 الطبعة الحديثة.

[28] تهذيب التهذيب 2 / 291.

[29] ميزان الاعتدال في نقد الرجال 1 / 27.

[30] تهذيب التهذيب 1 / 274.

[31] تهذيب الكمال 4 / 322.

[32] تهذيب التهذيب 2 / 82 _ 83.

[33] تهذيب التهذيب 3 / 264.

[34] سير أعلام النبلاء 21 / 161.

[35] شرح المقاصد 5 / 311.

[36] شرح نهج البلاغة 20 / 298.

[37] نهج البلاغة، الخطبة: 172.

[38] شرح نهج البلاغة 16 / 151.

[39] الكامل في الضعفاء 3 / 28.

[40] مجمع الزوائد 8/215.

[41] مجمع الزوائد 8 / 215.

[42] شرح نهج البلاغة 9 / 22.

[43] الدر المنثور في التفسير بالمأثور 4 / 177.

[44] منهاج السنّة 7 / 13.

[45] الصواعق المحرقة: 31.

[46] شرح المواقف 8 / 356.

[47] جامع الاصول 10/557.

[48] صحيح مسلم 5 / 128.

[49] صحيح أبي داود 3/419.

[50] شرح المواقف 8 / 356.

[51] الاصابة في معرفة الصحابة 4 / 432.

[52] الكواكب الدراري في شرح البخاري 10 / 125.

[53] فتح الباري في شرح البخاري 4 / 375.

[54] الكواكب الدراري في شرح البخاري 10 / 125.

[55] عمدة القاري في شرح البخاري 12 / 121.

[56] صحيح البخاري باب غزوة خيبر، صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير.

[57]

المختصر في علم الاصول 2 / 59 بشرح العضد.

[58] المحصول في علم الاصول 2 / 85.

[59] المستصفي في علم الاصول 2 / 121.

[60] الاحكام في أصول الاحكام 2 / 75 و 348.

[61] كشف الاسرار 2 / 688.

[62] كنز العمال 12 / 605 ح14071.

[63] شرح المواقف 8 / 355.

[64] شرح المقاصد 5 / 278.

[65] الكامل في الضعفاء 5 / 518.

[66] تذكرة الحفّاظ 2 / 684، وانظر: سير أعلام النبلاء 13 / 509، ميزان الاعتدال 2/600.

[67] المصنف لابن أبي شيبة 7/432.

[68] تاريخ الطبري 3 / 202.

[69] الاستيعاب في معرفة الاصحاب 3 / 975.

[70] أنساب الاشراف 1/586.

[71] العقد الفريد 5/13.

[72] المختصر في أخبار البشر 1 / 156.

[73] مروج الذهب 3 / 86، شرح ابن أبي الحديد 20 / 147.

[74] لسان الميزان 1 / 102.

[75] مسند أحمد 1 / 118.

[76] المستدرك علي الصحيحين 3 / 165.

[77] المستدرك علي الصحيحين. ذيله.

[78] سير أعلام النبلاء 15 / 576.

[79] سير أعلام النبلاء 14/309.

[80] ميزان الاعتدال 1/139.

[81] الاصابة في معرفة الصحابة 3 / 26.

[82] نصّ الخبر: عن مطرف قال: بعث إليّ عمران بن حصين في مرضه الذي توفّي فيه، فقال: إنّي محدّثك بأحاديث، لعلّ الله أنْ ينفعك بها بعدي، فإنْ عشت فاكتم عَلَيّ وإنْ متُّ فحدّث بها إنْ شئت، إنّه قد سُلّم علي، واعلم أنّ نبي الله (صلي الله عليه وسلم) قد جمع بين حج وعمرة، ثمّ لم ينزل فيها كتاب الله، ولم ينه عنها نبي الله، فقال رجل برأيه فيها ما شاء. راجع باب جواز التمتّع من الصحيحين، وهو في المسند 4/434.

[83] الملل والنحل 1 / 59، الوافي بالوفيات 6 / 17.

[84] مناقب آل أبي طالب 3 / 358.

[85] المعارف: 211.

[86] تذكرة

خواص الامة: 54.

[87] نزل الابرار بما صحَّ من مناقب أهل البيت الاطهار: 74.

[88] شرح نهج البلاغة 14 / 192.

[89] كتاب الاموال: 131، الامامة والسياسة 1 / 18، تاريخ الطبري 3 / 430، العقد الفريد 2 / 254.

[90] لسان الميزان 3 / 334.

تعريف مرکز

بسم الله الرحمن الرحیم
جَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
(التوبه : 41)
منذ عدة سنوات حتى الآن ، يقوم مركز القائمية لأبحاث الكمبيوتر بإنتاج برامج الهاتف المحمول والمكتبات الرقمية وتقديمها مجانًا. يحظى هذا المركز بشعبية كبيرة ويدعمه الهدايا والنذور والأوقاف وتخصيص النصيب المبارك للإمام علیه السلام. لمزيد من الخدمة ، يمكنك أيضًا الانضمام إلى الأشخاص الخيريين في المركز أينما كنت.
هل تعلم أن ليس كل مال يستحق أن ينفق على طريق أهل البيت عليهم السلام؟
ولن ينال كل شخص هذا النجاح؟
تهانينا لكم.
رقم البطاقة :
6104-3388-0008-7732
رقم حساب بنك ميلات:
9586839652
رقم حساب شيبا:
IR390120020000009586839652
المسمى: (معهد الغيمية لبحوث الحاسوب).
قم بإيداع مبالغ الهدية الخاصة بك.

عنوان المکتب المرکزي :
أصفهان، شارع عبد الرزاق، سوق حاج محمد جعفر آباده ای، زقاق الشهید محمد حسن التوکلی، الرقم 129، الطبقة الأولی.

عنوان الموقع : : www.ghbook.ir
البرید الالکتروني : Info@ghbook.ir
هاتف المکتب المرکزي 03134490125
هاتف المکتب في طهران 88318722 ـ 021
قسم البیع 09132000109شؤون المستخدمین 09132000109.