اجوبة المسائل الشرعیة

اشارة

نام‌کتاب:اجوبةُ المسائل الشرعیّة
نام مؤلف:آیة اللّه العظمی الشیخ ناصر مکارم شیرازی
مشخصات نشر : قم مدرسه‌الامام علی‌بن‌ابی‌طالب (ع) ۱۳۷۴.
موضوع:آثار فقهی و اصولی
زبان:عربی
تعداد جلد:1

مقدمة: تاریخ و محتویات الکتاب

«السؤال» أنصع ظاهرة للروح الإنسانیة المتعطشة الباحثة عن الحقیقة والنافذة علی التکامل.
و «السؤال» أحد ملامح الجهود والمساعی المضنیة والمتواصلة للإنسان بغیة الوقوف علی أسرار العالم وتفاصیل المجاهیل؛ ومن هنا فإنّ أولئک الذین لا یعیشون هاجس السؤال عن بعض المطالب هم أفراد قلیلو المعلومات وممن یعتریهم العی فی المسائل العلمیة.
وعلی هذا الضوء فإنّ الإسلام بفضله دیناً نهضویاً وحضاریاً منح اتباعه حق السؤال فی مختلف القضایا، کما حث أئمّة الدین الآخرین علی طرح الأسئلة والاستفسارات التی تطارد مختلف المیادین العلمیة؛ غایة الأمر أنّ أجوبة الأفراد عادة ما تتناسب مع مستویاتهم الفکریة واستعداداتهم العلمیة، ولذلک فإنّ أعمق الاجوبة التی ورثناها عنهم الیوم، تتمثل فی تلک التی ساقوها فی أطار ردهم علی أسئلة العلماء والحکماء من أصحابهم.
إنّ سیل الأسئلة والاستفسارات الدینیة أخذ ینهال ویتزاید شیئاً فشیئاً علی مجلة «المدرسة الإسلامیة» الدینیة والعلمیة منذ انطلاقتها؛ ولما کان من المتعذر علی المجلة استعراض کل تلک الأسئلة مع أجوبتها (سیما أنّ بعض الأسئلة تفتقر إلی البعد العام والشمولی أو أنّها لیست بتلک الأهمیّة المطلوبة) فإنّ جانباً کبیراً منها احیل علی قسم
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 6
الردود علی الأسئلة الخاصة والتی یرد علیها من خلال المکاتبات. بینما تکفّلت المجلة بتقدیم الردود الشافیة علی تلک الأسئلة ذات الطبیعة العامة والمفیدة للجمیع.
وقد قام مکتب جیل الشباب للنشر بتنظیم وطبع تلک المجموعة من الأسئلة والردود فی أربعة کتیبات وإعادة طبعها أکثر من مرّة. ونظمت الیوم بهذا المجلد بعد التنقیح وإعادة النظر فی بعض مطالبها. وهنا تجدر الإشارة إلی أنی سطرت بقلمی بعض الأجوبة، بینما قام أخی سماحة الشیخ سبحانی بالرد علی البعض الآخر، وقد أخرجت بهذا الشکل بعد تصنیف الأسئلة المتشابهة. طبعاً نعترف أنّ أجوبة بعض الأسئلة وردت موجزة، لکن لا ینبغی أن ننسی أنّ الأمر لو لم یکن کذلک فلعل بعض الأجوبة تتطلب کتاباً مستقلًا؛ الأمر الذی یتعارض وهدفنا المنشود. وأخیراً نأمل أن یکون هذا الکتاب قد اسدی خدمة لکل من یروم الوقوف بصورة استدلالیة علی المسائل الشرعیة.
قم: الحوزة العلمیة
ناصر مکارم الشیرازی
رجب المرجب عام 1418 ه

القسم الأول معرفة اللَّه و صفاته‌

1 کیف یمکن للعدم أن یفیض الوجود؟

سؤال:
یؤمن الموحدون بأنّ اللَّه خلق العالم من العدم، فکیف یکون العدم مصدراً للوجود؟
الجواب:
السؤال المذکور یمثل أحد شبهات المدرسة المادیة. فزعماء هذه المدرسة یؤمنون بأنّ المادة قدیمة وأزلیة ویزعمون أنّها لم تسبق العدم، وهکذا أنقذوا أنفسهم من الشبهة المذکورة وأثاروها ضدنا فقالوا: إن زعمتهم أنّ المادة لم تکن موجودة ثم وجدت، فهذا یعنی خلق الوجود من العدم، فکیف یکون العدم من الوجود؟
والجواب عن هذا السؤال: إنّ المادیین لم یقفوا علی مراد الموحّدین من قولهم «خلق اللَّه العالم من العدم» وتصوروا «من العدم» من قبیل «من الخشب» أو «من الحدید» فی الأمثلة التالیة: مثلًا یقال هذا الباب والنافذة من الخشب، وهذه الماکنة من الحدید، وهذا البیت من الحجر والطین، وبالطبع فإنّ الخشب والحدید والحجر علة مادیة، والعناصر الثلاثة هی المواد المکونة للباب والنافذة والماکنة، والأشیاء المذکورة صنعت منها، فهی المادة الحقیقیة والأساسیة لها. والحال لیس مراد الفلاسفة المسلمین من قولهم «خلق العالم من
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 10
العدم» بمعنی أنّ العدم منشأ الوجود وأساسه وأنّه المادة المکونة له. بل مرادهم أنّ العالم لم یکن ثم کان، دون أن یکون للعدم أدنی مدخلیة فی ظهوره وتکونه.
وأوضح من ذلک: أنّ المادیین الذین یعتقدون بأنّ ذرات العالم قدیمة وأزلیة وغیر مسبوقة بعدم، ویقابل ذلک الإعتقاد الإسلامی الذی یری حدوث جمیع الذرات وسبقها العدم، اطلقوا تلک العبارة فی أنّ العالم خلق من العدم، أی لو تصفحنا أوراق الوجود وعدنا إلی‌الوراء، فإننا سنبلغ نقطة تنتهی فیها أوراق الوجود وسوف لن یکون هنالک أی مظهر للوجود. والردّ علی هذه الشبهة ما ذکرناه آنفا، ولو اغضضنا الطرف عمّا ذکر، فإنّ هذه الشبهة ترد علی أصحاب النزعة المادیة، ذلک أنّ القدیم عندهم المادة وذرات العالم، وأمّا الصور والأشکال التی تظهر من ترکب هذه الذرات فستکون حادثة قطعاً ومسبوقة بعدم، بمعنی أنّها تکونت من العدم. فملیارات الأحیاء والنباتات مثلًا لها صور جوهریة وأشکال معینة ظهرت من ترکیب الذرات، والقدیم والأزلی من وجهة نظر المادی بالنسبة للإنسان والحیوان والنبات والنجوم إنّما یتمثل فی ذراتها، وأمّا الصورة الخاصة الإنسانیة والشکل الحیوانی والنباتی لکل فرد منها حادث؛ أی لم یکن ثم صار لاحقاً.
مثال آخر: تأخذ بیدک قلما وترسم صورة علی لوح. فالذی کان سابقاً مادة الصورة (القلم) لا نفس الصورة، والصورة شی‌ء لم یکن ثم کان فیما بعد، وعلیه فنحن نطرح هذا السؤال علی المادیین بشأن ظهور الصور فنقول: کیف ظهرت هذه الصور الجوهریة (کالإنسان الخارجی) والعرضیة (کالصورة التی ترسم علی الورقة) من العدم، وکل ما یجیب عنه المادیون بشأن ظهور هذه السلسلة من الصور والأشکال، هو ذاته الذی نجیب عنه بشأن ظهور المادة.

2 هل النظام الذی یسود العالم دلیل علی خلقه؟

سؤال:
إنّ انصع دلیل یستدلون به علی إثبات الصانع هو دلیل النظم، والنتیجة التی ینبغی استنباطها من هذا الدلیل أنّ لهذا العالم منظماً ومدبّراً لتصرفنا وتنظیمنا لأشیاء هذا العالم؛ ولکن لا یمکن استنتاج خالق وصانع لوجودات هذا العالم؟
الجواب:
الواقع أنّ أفضل دلیل علی وجود اللَّه کما ذکر هو برهان النظم، ذلک أنّ النظام والدقّة تطالعنا فی کل جزء من المخلوقات؛ وهذا یدل علی أنّ کل مخلوق إنّما صدر من مبدی‌ء قدیر وعلیم.
وأمّا هل مدبّر مخلوقات هذا العالم ومنظمها خلقها من العدم، فذلک مبحث آخر ثبت فی محلّه باب معرفة اللَّه من خلال عدم أزلیة المادة؛ ذلک لأنّه حین ثبت عدم أزلیة المادة، کان من الضروری أن یکون لها خالق ومدبّر أوجدها من العدم. وخلاصة القول إنّ برهان النظم یقتصر علی إثبات حاکمیة اللَّه تعالی علی عالم الخلیقة؛ وأمّا إیجاد المخلوقات من العدم فإنّما یثبت بدلیل عدم أزلیة المادة.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 12
وقد أثبت الفلاسفة حدوث المادة بواسطة الأدلة الفلسفیة، حیث أصبح حدوث المادة من المسائل الواضحة للعلوم الطبیعیة بعد اکتشاف القانون الثانی للثرموداینمک والأنثروبیة (اضمحلال العالم وانخفاض الحرارة وأنّ جمیع الأجسام تسیر من الحرارة إلی البرودة).
وإلیک بحث مقتضب بهذا الشأن:
إنّ أول من اکتشف حدوث المادة والطاقة عن طریق العلوم الطبیعیة وبرهن علی حدوث عالم الخلیقة هو «اسحاق نیوتن». حیث استنتج من مطالعاته ودراساته: أنّ العالم یسیر من النظم والترتیب إلی العشوائیة والانحلال، وسیأتی الیوم الذی تتساوی فیه حرارة جمیع الأجسام، ومن هنا توصل إلی‌نتیجة مؤداها أنّ لهذا العالم بدایة. ثم اعتقد بعد مطالعته للحرارة أنّ مقداراً من الطاقة فی جمیع التغییرات التی تطرأ علی الحرارة یتحول إلی طاقة ضائعة دون أن تتحول هذه الطاقة الضائعة إلی طاقة یمکن الاستفادة منها (القانون الثانی للثرموداینمک).
وأدرک «بولتزمن» العالم الریاضی المشهور أنّ القانون الثانی للحرارة والحرکة حالة خاصة لقاعدّة کلیة أنّ التحول فی الحرارة فی کافّة الحرکات یتضمن تبدل الطاقة وتبعثر نظام الذرات واضمحلال الخلیقة.
توضیح ذلک: وفقاً لقانون الثرموداینمک الثانی؛ أی قانون الحرارة الذی یصطلح علیه بالأنثروبی فإنّ حرارة الأجسام الحارة تسری إلی الأجسام الباردة، ولا یمکن حدوث العکس تلقائیا. والحقیقة فإنّ الأنثروبی هو نسبة القوّة غیر القابلة للاستفادة إلی القابلة للاستفادة، ومن المسلم به علمیاً أنّ الأنثروبی آخذ بالأزدیاد، ولو کان العالم أزلیاً ولیس له بدایة لتساوت حرارة جمیع الأجسام قبل مدّة مدیدة ولما بقیت قوّة قابلة للاستفادة وبالنتیجة لما حدث أی تفاعل کیمیائی ولانعدمت الحیاة علی الأرض، لکننا نشاهد استمرار التفاعلات الکیمیائیة وتجدد مظاهر الحیاة علی الأرض.
والخلاصة: أنّ العالم یتجه إلی حالة تبلغ فیها الأجسام جمیعاً درجة متشابهة من التسافل وانعدام الطاقة الاستهلاکیة واستمالة الحیاة، ولو لم تکن للعالم بدایة وکان موجوداً
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 13
منذ الأزل، لإنطفأت جذوة المنظومة الشمسیة منذ مدّة بعیدة، ولاضمحلت طاقة الشمس وجمیع کائنات المنظومة الشمسیة- بما فیها الأرض وسکانها- ولانعدم وجود أی عنصر مشع.

3 کیف السبیل إلی الاعتقاد بنظم العالم اللامحدود بهذا العلم المحدود؟

سؤال:
إنّکم تقولون فی الردّ علی مزاعم المادیین بشأن عدم انتظام عالم الخلقة: «إنّما یسع الإنسان أن یحکم بعدم انتظام بعض حوادث العالم إن وقف علی جمیع أسرار الخلق، والحال أنّ معلومات البشریة واکتشافاتها بحکم الصفر إزاء المجهولات». ولعل الطرف المقابل یحتج علیکم بنفس الجواب بشأن إثبات نظام العالم بالاستناد إلی المعلومات الحاضرة فیقول: إنّکم إنّما تستطیعون إثبات نظام العالم حین تقفون علی جمیع أسرار الخلق؛ فکیف تحکمون بحکمة وانتظام هذا العالم اللامحدود بهذا العلم المحدود.
الجواب:
إننا لا نزعم قط أنّ البشریة کشفت بهذا العلم المتطور أسرار العالم کافّة وسبرت أغوار جمیع خفایاه، بل مازال العلماء یؤکدون أنّ معلومات الإنسان کلما إزدادت تضاعفت مجهولاته بنفس تلک الزیادة، وإننا نبغی إثبات: أنّ لهذا العالم (حسبما اکتشفه العلم وأماط عنه اللثام) نظاماً حکیماً ومذهلًا للعقول والألباب؛ غیر أننا لا ننوی الخوض فیما لیس لنا به
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 16
علم. وکل ما نقوله إنّ الدائرة التی أضاء جوانبها العلم مفعمة بالنظم والدقّة، وبالطبع رغم صغر حجم هذه الدائرة إزاء مجموع أسرار عالم الخلقة، إلّاأنّها غایة فی السعة بالنسبة لنا.
وهذا یکفی فی إثبات وجود الخالق العلیم والحکیم؛ ذلک لأنّه لایمکن نسب واحد بالملیار من النظم الذی کشف عنه العلم إلی الصدفة والطبیعة العمیاء؛ بل یمکن اعتباره نموذجاً لدقّة عالم الوجود. ولتقریب المطلب دعنا نستعین بهذا المثال: أفرض إننا ظفرنا بکتاب ضخم للغایة یعود إلی الأزمنة الماضیة، واستطعنا بعد جهد جهید ومساعٍ متواصلة وبالاستفادة من مطالعة مئات الکتب أن ننجح فی إدراک بعض صفحاته، وقد اختزنت هذه الصفحات عالم من الأسرار والحقائق، بل کان کل سطر فیه یثیر العدید من المطالب العمیقة والقیمة یکشف عن عقلیة مقتدرة وفذة، فرغم عدم وقوفنا علی صحة أو سقم مطالب سائر صفحات الکتاب، إلّاأننا نستطیع أن نحکم من خلال هذه الصفحات علی أنّ مؤلف هذا الکتاب نابغة وعبقری فذ، بل نستطیع أن نفهم إجمالًا من هذه الصفحات أنّ ما تبقی منها تفیض بآلاف الأسرار والخفایا العلمیة التی لم نؤهل لحد الآن لإدراکها.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 17

4 هل یمکن إدراک الذات المطلقة؟

سؤال:
هل ذات اللَّه متناهیة أم لا؟ وبغض النظر عن ذلک هل عقلنا وفکرنا متناه فی وظائفه أم لا؟ وهل یسع المتناهی إدراک اللامتناهی؟
الجواب:
للاجابة عن هذا السؤال وأشباهه نلفت انتباه القراء الأعزاء إلی ما یلی:
ثبت فی مباحث معرفة اللَّه وصفاته أنّ اللَّه وجود لا متناهٍ من جمیع الجهات؛ لا متناهٍ من حیث الوجود ولا متناهٍ من حیث العلم والقدرة ولا متناهٍ من حیث الزمان والمکان، فلا یخلو منه مکان، ولا ینعدم فی زمان، ولیس هنالک من شی‌ء لا یعلمه اللَّه ولا فعل یعجزه.
وبناءً علی هذا فاللَّه وجود مطلق ولا متناهٍ من جمیع الجهات وهذا أصل أساسی فی الأبحاث کافّة المتعلقة بصفات اللَّه وبالاستناد إلی هذا الأصل یثبت العلماء صفات اللَّه.
وباستثناء الذات المقدّسة فإنّ کل شی‌ء سواها محدود؛ محدود من حیث الزمان والمکان وسائر الجهات.
ومن البدیهی أنّ الوجود المحدود یعجز عن إدراک الوجود اللامحدود کما هو؛ ومن هنا
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 18
نقول: یستحیل علی البشریة إدراک الذات الإلهیّة المقدسة؛ وکل ما لدینا بشأن هذا الوجود معلومات إجمالیة، نعلم بهذا الوجود، ونعلم أنّ له علماً وقدرة، وینطوی علی صفات الکمال کافّة، لکننا نجهل خصائص وجوده وعلمه وقدرته؛ أی کنه ذاته وصفاته.
ولیس کنه ذاته وصفاته مجهولًا لدینا، بل مجهولة لدینا حقیقة أغلب موجودات هذا العالم المحیطة بنا، فالبشریة لم تقف لحد الآن علی حقیقة «الحیاة». وإننا لا نحسن معرفة الأشیاء إلّامن خلال آثارها فی حین نجهل هویتها الواقعیة والحقیقیة، ولعلنا لا نعیش حتی هاجس التعرف علی حقیقة الأشیاء کافّة بفعل ما نتمتع به من محدودیة ووسائل وأدوات قاصرة. فأفکارنا بمثابة ملعقة إزاء الذات الإلهیّة المقدّسة التی تمثل محیطا متلاطماً، من حیث التصور أن یدرک الوجود الذی یحیط به من جمیع الجهات. وهل یسع الجنین (لو کان له عقل) أن یرسم صورة صحیحة لأُمّه ویتصور شکلها وسائر خصائصها؟ قطعاً لا؛ وذلک لأنّه محاط والأُم محیطة به، رغم محدودیتهما معاً؛ فما ظنک بالإنسان المحاط بالنسبة لإدراک الذات المقدّسة اللامتناهیة المحیطة به؟!
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 19

5 هل اللَّه قوّة؟

سؤال:
هل صحیح ما یقال: (إنّ اللَّه قوّة عظیمة حاضرة فی کل مکان وخالق لجمیع الکائنات)؟
الجواب:
لا یصح اطلاقاً التعبیر عن اللَّه بالقوّة؛ لأنّ ذلک قد یدعو إلی اللبس بشأن سائر قوی الطبیعة، فاللَّه وجود لا متناهٍ من جمیع الجهات، وحاضر فی کل مکان ولیس له صفات کصفات الوجودات الطبیعیة وقد شدد العلماء فی کتبهم «العقائدیة والدینیة» علی وجوب التحفظ عن استعمال أی لفظ تشم منه رائحة التجسم والمادیة بشأن اللَّه تنزیهاً له عن التشبه بأی من الأمور المادیة، ومن هنا لابدّ من التحرز عن استعمال لفظ (القوّة) علی اللَّه، وعلیه لابدّ من القول: إنّ اللَّه لیس بقوّة، بل اللَّه اسمی من المادة والقوّة والطاقة فهو خالقها جمیعاً.

6 کیف یکون کمال توحید اللَّه نفی الصفات عنه؟

سؤال:
جاء فی الخطبة الأولی من نهج البلاغة عن أمیر المؤمنین علیه السلام أنّه قال: «وکمال توحیده الاخلاص له وکمال الاخلاص له نفی الصفات عنه». فکیف یمکن أن یکون نفی الصفات عن اللَّه کمال توحیده؟!
الجواب:
یمکننا أن نقف علی دلیل هذا الموضوع فی کلام أمیر المؤمنین علیه السلام فی هذه الخطبة إذ قال: «لشهادة کل صفة أنّها غیر الموصوف وشهادة کل موصوف أنّه غیر الصفة».
توضیح ذلک: ثبت فی الأبحاث الواردة فی صفات اللَّه أنّ صفاته عین ذاته ولیست زائدة علیها کما هو الحال فی صفات البشر، بمعنی أنّ الذات شی‌ء والصفات شی‌ء آخر بالنسبة للممکنات؛ فمثلًا علمنا غیر ذاتنا وعارض علیها، إلّاأنّ صفات اللَّه لیست کذلک؛ أی أنّ علمه عین ذاته، وبعبارة أخری هی ذات کلّها علم وقدرة وحیاة. وعلیه فمراد الإمام علیه السلام من قوله کمال توحیده نفی الصفات عنه، یعنی نفی الصفات الزائدة علی الذات.
فحین نقول: لدینا علم.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 22
فعلمنا شی‌ء، ونحن شی‌ء آخر، لم نکن عالمین ثم تعلمنا العلم تدریجیاً، ولو کانت لدینا معلومات منذ البدایة، فعلمنا أیضاً غیر وجودنا، أو أنّ ذلک العلم یشکل زاویة من وجودنا علی وجه الدقّة.
وهکذا قدرتنا الکامنة فی عضلاتنا وأعصابنا، إنّما تشکل زاویة أخری من وجودنا، وهذا العلم والقدرة مختلفان ویشکلان زاویتین مختلفتین من وجودنا، فبعقولنا وأرواحنا ندرک ونفهم الحقائق، وبعضلاتنا القویة نرفع الأجسام الثقیلة من الأرض. فصفاتنا لیست عین ذاتنا ولا عین بعضها بعضاً. والأمر لیس کذلک بالنسبة للَّه؛ فذاته عین العلم وعین القدرة وعین الحیاة والإدراک؛ أی أنّ العلم لا یشکل زاویة من ذاته ولا تشکل القدرة زاویة أخری منها، فجمیع ذاته علم وجمیعها قدرة. وعلیه فقدرته أیضاً عین علمه.
ولعل تصور هذا الموضوع یصعب علی الکثیر، ویظنونه ضرباً من الخیال، وبالطبع ربّما لهم بعض الحق؛ لأنّ صفاتنا لیست کذلک، حیث ألفنا الصفات التی یشکل کل منها جانباً من وجودنا وتختلف بعضها عن البعض الأخر، ومن هنا یصعب إدراک الصفات التی تمثل عین الذات، بل یبدو إدراکها مستحیلًا علی بعض الأفراد. ونری من الضرورة بمکان أن نستعین ببعض الأمثلة لتقریب الموضوع إلی الأذهان:
لو تأملنا الضوء وشعاعه، فکل شی‌ء یبدو واضحاً من خلاله. وعلیه فالکاشفیة والایضاح إحدی صفات الضوء، ولکن هل هذه الخاصیة کامنة فی زاویة من وجود الضوء أم لا؟ بل الضوء کله کاشفیة وایضاح.
مثال آخر: تقول أدلة التوحید: إننا مخلوقات اللَّه وهو خالقنا، کما صرحت الأبحاث السابقة بشأن علم اللَّه: إننا معلومون للَّه، أی أنّ اللَّه عالم بوجودنا. واستناداً لما تقدم یرد هذا السؤال: هل مخلوقیتنا ومعلومیتنا للَّه‌والتی تعتبر من صفاتنا یشکل کل منها زاویة من وجودنا أم لا؟
والجواب علی هذا السؤال واضح، فکل وجودنا مخلوق للَّه، کما أنّ کل وجودنا معلوم لتلک الذات المقدّسة. وعلیه فصفة المخلوقیة والمعلومیة غطت جمیع وجودنا، وبعبارة
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 23
أخری اتحدت مع کامل ذاتنا. طبعاً المراد من المثالین المذکورین الابتعاد عن المألوف لدینا من الصفات المتعارفة الزائدة علی الذات، وإدراک الصفات التی تمثل عین الذات. «1»
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 25

7 من خلق اللَّه؟

سؤال:
قد یبدو هذا السؤال مثیراً للدهشة، لأنّ الفیلسوف الانکلیزی المعروف «برتراند رسل» صرح فی أحد کتبه قائلًا: کنت فی شبابی أؤمن باللَّه، وأری برهان «علة العلل» أفضل دلیل علی وجوده، فلکل ما فی العالم علّة، ولو تابعنا سلسلة العلل لوصلنا إلی العلة الأولی التی نسمیها «اللَّه». لکنّی تراجعت لاحقاً عن هذه العقیدة، ذلک لأنّ السؤال الذی یتبادر إلی الأذهان علی ضوء هذا الدلیل: أنّ لکل مخلوق خالق وعلّة، فلا بد أن تکون للَّه‌علّة وخالق، فکیف السبیل إلی حل هذا الإشکال؟
الجواب:
یعتبر هذا الإشکال من الإشکالات المشهورة وفی نفس الوقت الساذجة التی أثارها أصحاب النزعة المادیة. فهؤلاء یقولون بکل بساطة: إن کان اللَّه هو الذی خلق کل شی‌ء، فمن خلق اللَّه؟ ولکن ما الذی دعا الفیلسوف المذکور إلی التعرف علی هذا الإشکال لاحقاً، علی کل حال لابدّ من تسلیط الضوء علی هذا السؤال الذی یساور أذهان العدید من الشباب: ولعل الجواب عن هذا السؤال یتضح من خلال الإلتفات إلی عدّة أمور مهمّة بهذا
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 26
الشأن:
لو سلّمنا لأفکار المادیین واتفقنا مثلًا مع الفیلسوف «رسل»، فهل سنسلم لهذا الإشکال؟ قطعاً لا! ... لماذا؟ لأنّ أصحاب النزعة المادیة یؤمنون بقانون العلیة، فهم یعتقدون بأنّ کل شی‌ء فی عالم الطبیعة معلول لآخر. وعلیه یرد علیهم نفس الإشکال: إن کان کل شی‌ء معلولًا للمادة فما معلول المادة؟ وعلی هذا الأساس (وبالنظر إلی استحالة امتداد سلسلة العلل والمعالیل إلی مالانهایة) فإنّ جمیع الفلاسفة (ربّما فیهم الفلاسفة المادیون والإلهیون) یؤمنون بوجود أزلی (وجود کان موجوداً علی الدوام)، غایة الأمر أنّ المادیین یزعمون أنّ هذا الوجود الأزلی هو «المادة» أو شی‌ء مشترک بین المادة والطاقة، أمّا الموحّدون فیرون أن الوجود الأزلی هو اللَّه، ویتضح من هذا أنّ «رسل» مضطر للإیمان بوجود أزلی (وإن کان المادة). فهل لهذا الوجود الأزلی من علة؟ طبعا لا .... لماذا؟ لأنّ الوجود الأزلی موجود دائماً، والوجود الدائمی لا یحتاج إلی علّة، والوجود الذی یحتاج إلی العلة ما کان معدوماً مدّة ثم اکتسب الوجود لاحقاً (تأمل).
والنتیجة: أنّ وجود مبدأ أزلی ودائمی قول یعتقد به الجمیع، والأدلة العقلیة فی بطلان التسلسل (سلسلة علل ومعالیل لا متناهیة) جعلت جمیع الفلاسفة یقرون بوجود المبدأ الأزلی. وعلیه فلیس هنالک من خلاف بین الفلاسفة الإلهیین والمادیین فی قبول أحدهما لعلة العلل وانکارها من قبل الآخر کما ظن «رسل»، بل یعتقد کلاهما بعلة العلل أو العلة الأولی.
والسؤال المطروح: إذن ما الخلاف بینهما؟ والواقع أنّ اختلافهما یکمن فی أنّ الموحّدین یرون لتلک العلّة علماً وإرادة ویسمون تلک العلّة (اللَّه)، أمّا المادیون فیرونها مسلوبة العلم والإرادة ویسمونها (المادة). أمّا لماذا جهل الفیلسوف «رسل» هذا الموضوع، فلا یسعنا سوی القول أنّه مختص بالعلوم الریاضیة والطبیعیة وعلم الاجتماع، لا فی المسائل الدینیة والفلسفة الأولی (بمعنی معرفة الوجود وآثاره). ویستنتج ممّا سبق أنّ فلاسفة الدین لا یکتفون بدلیل علة العلل لإثبات وجود اللَّه؛ ذلک لأنّ هذا الدلیل لا یرشدنا
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 27
سوی إلی وجود «العلة الأولی» أو بعبارة أخری إلی وجود أزلی یؤمن به حتی الفلاسفة المادیون. بل المسألة المهمّة لدی الفلاسفة إثبات ما بعد العلة الأولی والذی یتمثل فی علمها المطلق التام، وإثبات هذه المسألة یبدو سهلا عن طریق تأمل نظام الوجود والأسرار والعجائب والقوانین الدقیقة التی تحکم السماوات والأرضین وما تضمه من احیاء متنوعة (تأمل).
هذا أول الکلام فی الرد علی الإشکال المذکور.
الموضوع الآخر الذی تجدر الإشارة إلیه أنّ أساس هذا الإشکال فی هذه القضیة (لابدّ من علّة وخالق لکل موجود). والحال هذا لیس قانوناً کلیاً ولا یصح سوی علی الوجودات المسبوقة بالعدم ثم ارتدت حلّة الوجود.
توضیح ذلک: هنالک وجودات لم تکن موجودة سابقاً مثل المنظومة الشمسیة ومن ثم الکائنات الحیة- التی تشمل النبات والحیوان والإنسان- التی یشهد تاریخها علی أنّها لیست أزلیة الوجود، بل لم یکن لها وجود خارجی قبل ملایین السنین ثم اکتسبت الوجود لاحقاً. وممّا لا شک فیه أنّ ظهور هذه الوجودات یتطلب بعض العلل والعوامل، ومن المسلم به أنّ انفصال الکرة الأرضیة عن الشمس (علی ضوء نظریة لابلاس أو سائر النظریات) یعزی إلی عوامل خاصة، سواءً عرفناها أم لم نعرفها.
کما أنّ ظهور الحیاة الأولی فی النبات ثم الحیوان والإنسان إنّما یعزی إلی عوامل معینة، ومن هنا لا یکفّ العلماء عن بذل الجهود بغیة التعرف علی هذه العوامل، ولو لم تکن هنالک من علة لظهور هذه الموجودات، لما کان هنالک من سبب لظهورها فی ملیون سنة أو بضعة ملیارات من السنین، لماذا لم تظهر فی زمان یعادل ضعف هذا الزمان أو نصفه؟ لا شک أنّ وجود زمان معین لظهورها یعدّ أفضل دلیل علی أنّ علّة وجودها إنّما تحققت فقط فی ذلک الزمان.
أمّا إن کان الوجود أزلیاً- سواء کان هذا الوجود الأزلی اللَّه أو المادة- فإنّ مثل هذا
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 28
الوجود لیس بحاجة قط إلی علّة، لیس بحاجة إلی خالق وإله، ذلک لعدم وجود تاریخ لظهوره بحیث تضمن العلة الموجودة، أو کانت العلة معدومة فی ذلک التاریخ. فما کان أزلیاً کان وجوده یفیض من ذاته لا من خارج الذات لیکون محتاجاً إلیه (لابدّ من التأمل). فأنا وأنت والأرض والسماء والمنظومة الشمسیة و ... بحاجة إلی خالق، فوجودنا لیس أزلیاً ولیس من ذاتنا، ولیست العلة الأولی وعلّة العلل لیکون وجودها من ذاتها.
مثال واضح:
یستعین الفلاسفة ببعض الأمثلة لتوضیح کلامهم الفلسفی بغیة تقریب الموضوع إلی الأذهان؛ فیقولون مثلًا: حین ننظر إلی غرفتنا نراها مضیئة.
فنسال أنفسنا: هل الإضاءة من نفس الغرفة؟
ونجیب علی الفور: کلا، ذلک لأنّ الإضاءة إن کانت من نفس الغرفة، فلا ینبغی أن تکون مظلمة فی أی وقت من الأوقات، بینما تراها مضیئة أحیاناً ومظلمة أحیاناً أخری إذن فالإضاءة من مکان آخر. وسرعان ما یقتدح فی أذهاننا أنّ الإضاءة فی الغرفة بفعل الذرات أو الأمواج الضوئیة المشعة فی الغرفة.
ونتساءل ثانیة: ما مصدر اشعاعات الضوء وذراته؟
ونجیب بعد شی‌ء من التأمل أنّ اشعاع ذرات الضوء من ذاتها، فهذه الذرات لم تکتسب ضوئها من شی‌ء آخر، لیس باستطاعتنا الظفر بأی مکان فی العالم فیه ذرات ضوء مظلمة واکتسبت الضوء من موضع آخر. فذرات الضوء مضیئة أینما کانت، والضوء جزء من ذاتها.
نعم یمکن أن تزول هذه الذرات، لکن لا یمکن أن تکون مظلمة وهی موجودة (تأمل).
وعلیه فإن قیل: إنّ إضاءة کل مکان فی العالم معلول للنور، فما علّة ضوء النور؟ نقول فوراً ضوء النور جزء من وجوده. وکذلک حین یقال وجود کل شی‌ء من اللَّه، فمن أین وجود اللَّه؟
نجیب وجوده من ذاته.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 29

8 کیف السبیل إلی الاعتقاد بعلم اللَّه بالحوادث الاتیة؟

سؤال:
إنّکم تقولون فی مبحث «معرفة اللَّه» بشأن علم اللَّه: (إنّ اللَّه عالم بکافة أحداث الماضی والحاضر والمستقبل علی حد سواء)، ولا یشذ شی‌ء عن علمه، وعلمه بکافّة الأمور (علم حضوری، أی أنّ جمیع الأحداث حاضرة عند اللَّه، ولیس هنالک من حجاب بینه وبین الحوادث الماضیة والحاضرة والمستقبلیة).
لیس هنالک من نقاش فی الحوادث الماضیة والحاضرة؛ إلّاأنّ القضیة تبدو صعبة بالنسبة لحوادث المستقبل؛ فکیف یکون حاضراً عند اللَّه ما لم یقع لحدّ الآن ولم یوجد؟
الجواب:
تکفّلت الأبواب الواردة فی مباحث معرفة اللَّه بالردّ علی هذا السؤال وأمثاله. فالفکر البشری المحدود هو الذی صنع بعض المفاهیم کالماضی والحاضر والمستقبل؛ فوجودنا محدود من حیث «الزمان» ومن حیث «المکان»، أی أننا نقع ضمن نقطة معینة من دائرة الزمان والمکان. ومحدودیتنا من حیث المکان خلقت لنا بعض المفاهیم کالقریب والبعید، فلو کان وجودنا یسع جمیع العالم فهل یبقی لدینا من معنی للقریب والبعید؟!
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 30
وهکذا فإنّ محدودیتنا من حیث الزمان ترسم فی أذهاننا صورة للماضی والحاضر والمستقبل. فالحاضر هو الزمان الذی نعیش فیه، والمستقبل هو الزمان الذی یأتی بعدنا، والماضی هو الزمان الذی کان قبلنا، أی أنّ المعیار فی کل مکان هو وجودنا.
وعلیه فما کان زماناً ماضیاً بالنسبة لنا، کان زماناً حاضراً لمن عاش قبلنا بقرن، کما کان مستقبلیاً لمن عاش قبل قرنین، ونستشف ممّا سبق فقدان هذه المفاهیم لمعانیها بالنسبة للوجود اللامتناهی الحاضر فی کل زمان ومکان؛ فهو یری الماضی والمستقبل کالحاضر، وکلها حاضرة عنده علی حد سواء.
فمثلًا: الشخص الذی ینظر من نافذة فی غرفة إلی قافلة من الجمال إنّما یری کل لحظة جملًا، فترتسم صورة فی ذهنه عن الماضی والحاضر والمستقبل لهذه القافلة (لأنّ البوابة التی ینظر من خلالها محدودة)، أمّا الشخص الواقف خارج الغرفة وینظر إلی القافلة فهو یراها تتحرک جمیعاً فی فترة واحدة! بعبارة أخری:
کافّة الأحداث حاضرة لدی الوجود الذی یفوق الزمان والمکان. وما نقوله من أنّ الحوادث المستقبلیة لیست موجودة الآن صحیح، لأنّ «الآن» إشارة إلی الزمان الحاضر الذی نعیشه، إلّاأنّ ذلک لا یعنی عدم وجود المستقبل فی ظروفه، بل کل وجود موجود فی ظرفه ولا یمکن أن تسلب کلیاً من صفحة الوجود، ویمکن القول إنّ حادثة الغد لیست واقعة الیوم، لکنّها لیست غیر موجودة أصلًا (تأمل).
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 31

9 ماذا یعنی جمال اللَّه ولقائه یوم القیامة؟

سؤال:
ثبت فی مبحث معرفة اللَّه أنّ اللَّه لیس بجسم ولا یمکن رؤیته ولا یصح اطلاق أی لفظ علی اللَّه تشم منه رائحة التجسم وعوارض الجسم؛ مع ذلک فقد ورد فی بعض الروایات:
«إنّ اللَّه جمیل یحبُّ الجمال» «1»
والذی یستفاد من هذه العبارة أنّ الرؤیة ممکنة علی اللَّه، لأنّ الجمال من الصفات التی تشاهد بالعین.
کما جاء فی الخبر: «من طلب الدنیا استغناء عن الناس و تعطفا علی الجار لقی اللَّه ...» «2»
. وعلیه فالخبر یشیر إلی جسمیة اللَّه.
الجواب:
أحیاناً ترد بعض العبارات فی الآیات القرآنیة وکلمات أئمّة الدین التی تصور للوهلة الأولی منافاتها مع هذه الحقیقة المسلمة فی نزاهة اللَّه عن التجسیم والرؤیة، من قبیل «یَدُ
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 32
اللَّهِ فَوْقَ أَیْدِیهِمْ» «1»
و «... وَأَنَّ اللَّهَ سَمِیعٌ بَصِیرٌ» «2»
و «أنَّ اللَّهَ یری أعمالَکُم». إلی جانب ذلک هنالک الفرقة التی یصطلح علیها ب «المجسمة» وکما یبدو من اسمها فإنّها تقول بتجسم اللَّه، والسبب الذی یقف وراء هذا الإعتقاد لا یتجاوز النظرة السطحیة لبعض الآیات والروایات. ولکن بالإستناد إلی طائفة کبیرة من الآیات والروایات التی تنفی صراحة أیة عوارض للجسم عن اللَّه وتتحدث عن ذاته المطلقة التی یستحیل إدراک کنهها، یتضح أنّ مراد تلک الآیات والروایات لیس ما یبدو للوهلة الأولی، بل المراد نوع من التشبیه والمجاز.
توضیح ذلک: نعلم أنّ الألفاظ والکلمات وضعت لقضاء الحاجات الیومیة وتدور حول محور الموضوعات المتعلقة بالحیاة الیومیة؛ ولا بد من الإستعانة بهذه الألفاظ لبیان الحقائق المتعلقة بالمبدأ والمعاد واللَّه وصفاته، وعلیه فلا مناص من اللجوء إلی هذه الألفاظ المتعلقة بعالم المادة واستعمالها مع بعض التشبیهات فی معانٍ جدیدة لعالم ما وراء الطبیعة، فمثلًا حین نرید أن نقول إنّ اللَّه عالم بجمیع الحوارات والمحادثات، لیس أمامنا سوی القول إنّ اللَّه سمیع لکل شی‌ء، والمراد هنا من السمیع لیس السمع بالأذن، بل العلم بجمیع الأحادیث، وهکذا بالنسبة للرؤیة وأمثال ذلک.
وعلیه فإن قیل إنّ اللَّه (جمیل) فلیس المراد الجمال الجسمی، بل المراد الکمال الواقعی؛ ذلک لأنّ اللَّه وجود جامع للکمالات کافّة التی تساور أذهاننا والتی لا تساورها، وبالطبع فإنّ هکذا وجود جمیل. وکذلک لقاء اللَّه فی عالم الآخرة لا یعنی رؤیة اللَّه، بل مشاهدة آثار حکومته وقدرته وعدالته (أی ثواب وعقاب الأعمال) والتی تشیر جمیعاً إلی وجوده وآثار صفاته، وقد اعتبرت رؤیة هذه الأثار بمنزلة رؤیة اللَّه. حتی روی عن أمیر المؤمنین علیه السلام أنّه قال: «ما رأیتُ شیئاً إلّاورأیتُ اللَّه قبلَه وبعدَه ومعَه» والمراد رؤیة آثار علم اللَّه وقدرته من خلال رؤیة جمیع الأشیاء.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 33

10 هل یستطیع اللَّه أن یخلق له شبیهاً؟

سؤال:
لا شکّ ولا ریب أنّ اللَّه قادر علی کل شی‌ء «إِنَّ اللَّهَ عَلَی کُلِّ شَیْ‌ءٍ قَدِیرٌ» «1»
والتی لا تفارق مخیلة کل موحد، مع ذلک هنالک بعض المواضیع التی تساور الذهن والتی لا یسع العقل التفکیر فی أنّ اللَّه قادر علیها، فکیف نذعن لقدرته المطلقة ونؤمن بأنّه علی کل شی‌ء قدیر؟
وإلیک بعض النماذج:
1- هل یستطیع اللَّه أن یخلق مثله؟ فإن استطاع فسوف لن یکون من المحال وجود شریکٍ له، وإن لم یستطع فسوف لن یکون قادراً علی کل شی‌ء.
2- هل یستطیع اللَّه أن یدخل هذا العالم العظیم فی بیضة بحیث لا یصغر العالم ولا تکبر البیضة؟ فإن قلتم لا یستطیع فکیف تؤمنون بأنّه علی کل شی‌ء قدیر، وإن قلتم یستطیع فالعقل لا یسعه تصور استیعاب البیضة لهذا العالم مجراته ومنظوماته کافّة.
3- هل یستطیع اللَّه أن یخلق موجوداً لا یقدر علی القضاء علیه أو تحریکه؟ وکلا الصورتین لا تخلو من المحذورین السابقین؛ ذلک أننا إن قلنا لا یستطیع فکیف نؤمن بأنّه
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 34
علی کل شی‌ء قدیر، وإن قلنا یستطیع، نتنکر لمطلقیة قدرته؛ ذلک أنّ اللَّه إن استطاع خلق جسم وعجز عن القضاء علیه أو تحریکه فکیف یکون قادراً علی کل شی‌ء ولا یستطیع أن یعدم أو یحرک جسماً یخلقه؟
الجواب:
لا تبدو هذه الأسئلة جدیدة وقد أثیرت من قبل الناس فی العصور السابقة وأورد أئمّة الدین الأجوبة الشافیة عنها. ولعل الجواب المجمل لکل هذه الأسئلة بعبارة واحدة وهی:
إنّ القدرة مهما کانت مطلقة ولا متناهیة إنّما تتعلق بالشی‌ء الذی یحکم العقل بإمکانه ویؤمن بأنّ هذا الشی‌ء یمکن تحقیقه. أمّا الأشیاء التی لیس لها إمکان ذاتی فهی من الأمور المستحیلة والممتنعة لدی العقل.
توضیح ذلک: أننا حین نقارن أفکارنا فی الخارج نراها نوعین:
النوع الأول: الأفکار التی لا یمانع العقل من وجودها ولا تحتاج فی لباسها لحلة الوجود أکثر من القدرة دون الحاجة إلی شی‌ء أخر، من قبیل عالم الخلق علی سعته وما ینطوی علیه من کائنات ومجرات وکواکب وأقمار و ... والممکنة ذاتها بأجمعها، والتی تکتسب ثوب الوجود فی ظل القدرة الربانیة اللامتناهیة.
النوع الثانی: الموضوعات التی یحکم العقل بإمتناع وجودها، ولیس ذلک بسبب نقص القدرة الموجودة أو عجزها، بل بذاتها تأبی الوجود. بعبارة أخری: أنّ العقل حین یضعها علی طاولة الحکم یدرک استحالة وجود مثل هذه الموضوعات (وإن کانت القدرة الموجودة لامتناهیة) وبالتالی فإنّ الخلل فی ذاتها لا فی موجدها. فلو طلب علی سبیل المثال من خیاط ماهر أن یخیط بدلة عرس لفتاة تزف إلی زوجها من قطع الطابوق أو الخشب، أو من رسام بارع أن یرسم صورة لجناحی طاووس علی أمواج البحر الهادرة، فسیرد الشخصان بالطبع بأنّ هذه الوسائل والأدوات لیست مؤهلة للموضوعات المطلوبة، فلا یمکن خیاطة بدلة من الطابوق أو الخشب، کما لا یمکن رسم صورة علی أمواج البحر.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 35
وما یقال: (لا یمکن خیاطة أو رسم) تفید عدم استعداد المحل ولیاقته لهذا العمل. فقد أدرک الإنسان بحنکته وذکائه إنّ الخشب والطابوق لیسا من أدوات الخیاطة وکذلک استحالة الرسم علی الماء والهواء، وما أکثر ذلک فی الحیاة الیومیة. وعقل کل إنسان یدرک استحالة وجود شی‌ء وعدمه فی نفس اللحظة، أو یکون المصباح مضیئاً ومطفئاً فی نفس الوقت أو أن یکون القدح مملوءاً وفارغاً فی نفس الوقت وما شاکل ذلک ... فإمتناع واستحالة هذه الموضوعات من البدیهیات العقلیة، ولا یسع الإنسان- مهما کان خیالیاً- أن یفترض إمکانیة لوجود مثل هذه الأشیاء. وکل فرد- مهما کانت معلوماته بسیطة- یعلم أنّ 2* 2: 4 ولا یمکن أن یکون 3 أو 5 ویتضح من هذه الأمثلة أنّ الأمور المستحیلة والممتنعة خارجة عن نطاق القدرة علی مثل هذه الأمور، وإنّما تتعلق عادة بالأمور الممکنة التی لها قابلیة الوجود. والآن نعود إلی الأسئلة المذکورة علی علّة عدم تحققها.
یتضح من أدنی تأمل أنّ عدم تعلق القدرة بتلک الأمور کونها جزءاً من المحالات والأمور المحالة خارجة عن دائرة القدرة. فمثلًا وجود مثیل للَّه‌محال، وأثبت العلماء فی بحث صفات اللَّه وحدانیته بالأدلة القاطعة ونفوا عنه أی شریک وشبیه وعدّوا ذلک محالًا، وعلیه ففرض خلق المثیل محال. ومن هنا فإنّ قدرة اللَّه علی خلق شریک له، من قبیل قولنا إنّ اللَّه یستطیع أن یفیض الوجود علی أمر محال. بعبارة أخری: أنّ مفاد خلق اللَّه لموجود مثله أنّ اللَّه یخلق موجوداً واجباً فی الوقت الذی یکون فیه ممکناً، ولا متناهیاً فی ذات الوقت الذی یکون فیه متناهیاً، ویکون له وجود من نفسه فی الوقت الذی لا یمتلک فیه وجوداً من ذاته، وهل هذا إلّاالجمع بین النقیضین الذی قیل إنّه محال عقلیاً. ذلک لأنّ اللَّه إن خلق موجوداً مثله فلابدّ أن یکون ممکناً ومتناهیاً کونه مخلوقاً للَّه‌ولیس له وجود من ذاته، ولکن من حیث إنّه شبیه للَّه‌ومثله فلابدّ أن یکون مثله من جمیع الجهات، أی واجب الوجود ولامتناهٍ وله وجود من ذاته، والجمع بین هذه الصفات المختلفة هو جمع بین النقیضین وهو مُحال.
وکذلک السؤال: هل یستطیع اللَّه جعل العالم فی بیضة هو سؤال عن إیجاد أمر محال،
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 36
ذلک لأنّ العقل یحکم علی أساس سلسلة من الحسابات والمشاهدات أنّ الظرف ینبغی أن یکون أکبر من المظروف ویستحیل استیعاب شی‌ء کبیر فی ظرف أصغر منه. وعلیه فطلب جعل العالم فی بیضة هو طلب لمحال، واتضح ممّا سبق أنّ الأمور المستحیلة خارجة تماماً من دائرة القدرة، والقدرة إنّما تتعلق دائماً بأمر ممکن «1».
وأمّا بشأن السؤال الثالث هل یستطیع اللَّه خلق موجود ولا یقدر علی القضاء علیه، هو الآخر یصدق علیه ما سبق ومن قبیل سؤال أمر محال. فمن حیث کون مثل هذا الموجود مخلوقاً للَّه‌لابدّ أن یکون ممکناً، وکل ممکن عرضة للفناء ذاتاً. فإن افترضنا هذا الموجود یأبی الفناء، فلابدّ أن نفرض فی هذه الحالة أنّه واجب الوجود وبالتالی سیکون الشی‌ء «ممکن» و «واجب» فی نفس الوقت، وبعبارة أخری لابدّ أن یکون ممکناً کونه مخلوقاً للَّه، ولکن من حیث إنّه یأبی الفناء فلابدّ أن یکون واجباً وهذا جمع بین النقیضین.
وکذلک السؤال أن یخلق اللَّه موجوداً لا یستطیع تحریکه هو سؤال جمع بین النقیضین؛ فمن حیث کونه مخلوقاً للَّه‌لابدّ أن یکون محدوداً ومتناهیاً وبالطبع قابل للتحریک، ومن حیث تعذر تحریکه فیفترض أنّه لامتناهٍ ولا محدود، وعلیه فسؤال هذا الأمر هو جمع بین النقیضین.
وخلاصة الجواب: أنّ جمیع هذه الفرضیات محالة وممتنعة وطلب إیجادها یعنی إفاضة الوجود علی الأمور الممتنعة ذاتاً، والأمور الممتنعة خارجة عن دائرة القدرة، ولیست لها عقلیاً قابلیة الوجود. وعلیه لیس هنالک من عجز فی القدرة، بل العجز فی الشی‌ء.
وبعبارة أوضح: العجز فی قابلیة القابل لا فی فاعلیة الفاعل.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 37

11 أعمالنا والعلم الأزلی‌

سؤال:
إنّ اللَّه یعلم منذ الأزل بأنّ الجانی الفلانی سیرتکب جنایة فی لحظة معینة، وعلیه فإنّ هذا العلم سوف یخالف الواقع إن لم یرتکب جنایته. والأمر ربّما یصبح کما تمثله الخیام فی شعره من أنّ الحق یعلم منذ الأزل بشرب الخمر فإن امتنعت عن شرب الخمرة کان علم اللَّه جهلًا.
توضیح السؤال: إنّ اللَّه عالم منذ «الأزل» بما یحدث تدریجیاً فی عالم الوجود، وهو عالم منذ الأزل بحرکة الکواکب فی السموات وحرکة الالکترونات حول مدارات الذرة وحرکة أوراق الأشجار وأمواج البحار وحرکة الأسماک فی أعماق المحیطات. وعلم اللَّه محیط قبل أن یخلق البشر بسلوک الجناة وجرائم العتاة وإراقة الدماء من قبل سفاکی الدماء، ویعلم بکل شخص ماذا سیفعل فی اللحظة الفلانیة، وعلیه فلیس لأی‌شخص من مفرّ من ارتکاب ذلک العمل الذی یعلمه اللَّه ولا یستطیع التخلف عن الإتیان به، ذلک لأنّه إن لم یفعله کان علم اللَّه خلافاً للواقع وبالتالی یصبح علمه جهلًا.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 38
الجواب:
کل ما قیل فی السؤال بشأن علم اللَّه صحیح ومنطقی؛ أی أنّ اللَّه عالم بکل شی‌ء منذ الأزل، إلّاأنّ النتیجة التی رتبت علی ذلک (من أنّ الإنسان مجبر علی القیام بأی من أفعاله) باطلة جملةً وتفصیلًا. ولا بدّ هنا من بیان أمرین لکی تتضح هذه الحقیقة:
1- إنّ حریة الإنسان وإرادته فی القیام بأی عمل یشاء ممّا أجمع علیة عقلاء العالم کافّة، حتی أولئک الذین یرون الأفراد مجبرین علی أفعالهم، یحترمون المبدأ المذکور ویعتقدون أنّهم مختارون فی بعض أفعالهم- ولذلک- إن سمعوا إهانة من شخص أو إن قصّر أحد أولادهم فی القیام ببعض وظائفهم لهبّوا سریعاً لمعاقبته ومؤاخذته علی ما بدر منه.
وبناءً علی هذا لابدّ أن نذعن بأنّ ذلک الفرد الجانی الذی یطعن آخر بسکین فیقتله أو شارب الخمر الذی یتناول الکأس تلو الآخر إنّما یفعل ذلک بمل إرادته واختیاره، ولیس هنالک أی منصف یزعم أنّ فعل الجانی وشارب الخمر غیر اختیاری علی غرار التنفس وهضم الطعام الذی لا یمکن تجنبه بأی شکل من الأشکال. ولو عدنا لأولئک القلّة الشاذة التی تصادر إرادة الفاعل واختیاره وعرضناهم لبعض التجاوزات والإساءات لاستعانوا فوراً بالمراجع القضائیة وطالبوا بمعاقبة المعتدی.
2- إنّ علم اللَّه کما بیّنا سابقاً مرآة للواقع ولایتخلف عنه قط، ولکن لابدّ من الإلتفات إلّا أنّ علم اللَّه إنّما یتعلق بالشی‌ء بالقید والصفة التی له فی الخارج وبالخصوصیة التی یتحقق بها.
توضیح ذلک: أنّ البشریة طیلة حیاتها کانت مبدأ لنوعین من الأفعال؛ طائفة من الأفعال التی یمارسها علی أساس الإرادة والاختیار، فالصبغة الممیزة لهذه الطائفة من الأفعال أنّها «أفعال اختیاریة».
والطائفة الأخری من أفعاله هی «الأفعال اللاإرادیة» أو التی یصطلح علیها ب «الاضطراریة»، من قبیل الدورة الدمویة فی الشریان ونبض القلب وفعالیات الجهاز الهضمی و ... والممیز الرئیسی لهذه الأفعال أنّها «أفعال غیر اختیاریة».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 39
وعلی ضوء المبدأ المسلم الذی ذکرناه- من أنّ علم اللَّه هو الواقع ولا یتخلف عنه أبداً- فإنّ کل فعل من أفعالنا بتلک الخصوصیة والصبغة التی له فی الخارج معلوم لدی اللَّه منذ الأزل، أی أنّ اللَّه یعلم منذ الأزل بأنّ ذلک الفعل المعین سیبدر منّا فی لحظة معینة بمنتهی الاختیار والحریة، وکذلک الطائفة الثانیة من أفعالنا فإنّ اللَّه یعلم منذ الأزل أن فعلًا معیناً سیصدر منّا اضطراراً فی ساعة معینة.
وعلی ضوء هذین المطلبین نخوض الآن فی توضیح الجواب:
أثبت المطلب الأول أنّ طائفة من أفعالنا أرادیة واختیاریة وإننا نملک الحریة التامة فی ترکها أو الإتیان بها. وأثبت المطلب الثانی کما أنّ اللَّه عالم بأصل الفعل، فهو عالم أیضاً بخصوصیته وصفته وأنّه اختیاری أم اضطراری، وبعبارة أخری فإنّ فعلنا بتلک الخصائص والممیزات التی له فی الخارج معلوم عند اللَّه. واستناداً لما مرّ معنا بشأن أفعالنا الأختیاریة نستنتج أنّ اللَّه کان یعلم منذ الأزل بأنّ الشخص الفلانی سیطعن بالسکین فلاناً من الناس بالساعة الفلانیة من الیوم الفلانی بمل إرادته. ومثل هذا العلم السابق (علم اللَّه الأزلی) لا یوجد «إجبار» الإنسان وسلبه الحریة والإرادة، ولا یحق للشخص الجانی أن یتذرع بالعلم الإلهی فیعتبر نفسه مجبراً علی القیام بتلک الجنایة، لأنّ اللَّه لم یکن عالماً بأصل الفعل فحسب، بل کان عالماً بأنّ ذلک الشخص سیرتکب تلک الجنایة باختیاره وحریته (لابدّ من التأمل).
وهذا العلم یؤید ویکشف حریة الإنسان فی قیامه بأفعاله دون أن یوجب أی اجبار علیه؛ ذلک لأنّ هذا العلم الذی یأبی مخالفة الواقع بأی شکل من الأشکال یفید أنّ الإنسان إنّما یقوم بأفعاله علی أساس حریته واختیاره، ولو فرضنا أنّ ذلک الإنسان کان مجبراً علی أفعاله وأنّه یقوم بها دون أدنی اختیار وحریة، لأصبح علم اللَّه مخالف للواقع وکان جهلا.
بعبارة أخری إنّنا إن مارسنا أفعالنا- الحسنة أو السیئة- بحریة واختیار فإنّ علم اللَّه سیکون مطابقاً للواقع، بینما سیخالفه إن کنّا مجبرین علی تلک الأفعال.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 40
شرح أبسط: لعل البیان الفلسفی المذکور یبدو صعباً علی البعض. ولتبسیط الموضوع نستعین بهذا المثال لنری کیفیة الردّ الذی یسوقه من یتذرع بعلم اللَّه الأزلی فی ما یرتکبه بعض الأشخاص من جرائم وجنایات لیلتمسوا لهم الأعذار فی ما یمارسون من ظلم وأثم وهل یعتمدون ذات المنطق فی هذا المثال: فأغلب الأساتذة یستطیعون التکهن بمستقبل تلامذتهم، فالأستاذ الذی یتابع عن کثب مستویات طلّابه ربّما یمتلک رؤیة واضحة تامة عن أولئک الذین سیجتازون الإمتحان ومن یفشل فیه، ولنفترض أنّ الأستاذ یعرف بکسل أحد التلامذة ومدی إهماله وقضائه لوقته فی اللعب دون أن تؤثر فیه نصائحه وإرشاداته وعلیه فإنّ الأستاذ یستطیع أن یحدد نتیجة هذا التلمیذ مسبقاً وسیکون علم الأستاذ مطابقاً للواقع بالطبع، وهنا نتساءل عن السبب الذی یقف وراء فشل التلمیذ فی الإمتحان، أیکمن فی علم الأستاذ أم فی نفس التلمیذ؟ ولو تکهن الأستاذ بنتیجة أخری مغایرة، فهل کان یمکن تحققها بحیث کان ینجح ذلک التلمیذ فی الإمتحان، أم أنّ رسوبه فی الإمتحان کان معلولًا لإهماله وکسله؟ قطعاً لیس هنالک أی عاقل یوعز فشل التلمیذ إلی علم الأستاذ، ویجزم أنّ إهمال التلمیذ کان هو السبب وراء فشله ورسوبه فی الإمتحان.
وهل یشک أحد فی أنّ التلمیذ هو المسؤول عن تقریر مصیره، وأنّه حرّ ومختار فی تحدید النتیجة التی یرغب فیها. والأمر کذلک بالنسبة لعلم اللَّه ومصیر الإنسان وحریته فی أفعاله، مع العلم أنّ هنالک بوناً شاسعاً بین علم الأستاذ ونتیجة تلامذته وعلم اللَّه بعباده، ذلک العلم الأزلی اللامتناهی، مع ذلک فلیس لهذا الفارق من تأثیر فی الجواب، وأنّ أی من العلمین لم تکن له مدخلیة فی النتائج ولا یوجبان سلب الطرف المقابل حریته واختیاره وإرادته.
وخلاصة الکلام: أنّ اللَّه خلق الإنسان وأودعه سلسلة من المواهب والقدرات ومنحه العقل والإرادة والاختیار والحریة وبین له سبیل السعادة والفلاح، وجعل کل إنسان حرّاً فی ما یسلک من سبیل. ونحن بدورنا من یقرر مصیره بمل حریته واختیاره، ولیس لعلم اللَّه أی تأثیر فی تعیین هذا المصیر، ذلک لأنّ هذا العلم لا یسلبنا أی شی‌ء من الحریة والإرادة
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 41
والاختیار. ومن هنا ندرک أنّ ما تمثل به الخیام بشأن شرب الخمر وأنّه مضطر لشربها بعد سبقها بعلم اللَّه الأزلی لم یکن سوی سفسطة، ولعل سبب شیوع هذا اللون من التفکیر لدی المدارس الغربیة لا یعزی سوی إلی إیمانهم بالحریة المطلقة فی ممارسة الذنب والرذیلة والذی لا یعدو کونه خداعاً للنفس والوجدان. فلیست هنالک أیّة قوّة تسوق الإنسان قسراً إلی ممارسة فعل من الأفعال. ولذلک ردّ المرحوم الخواجة نصیر الدین الطوسی الفیلسوف المعروف علی رباعیات الخیام المذکورة لیکشف عن مدی جهل من ینسب مقارنة الرذیلة لعلم اللَّه الأزلی «1».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 43

12 مفهوم البداء

سؤال:
ما المراد من «البداء» الذی یمثل احدی عقائد الشیعة؟ وهل صحیح ما یقال من 0 أنّ الإمام الصادق علیه السلام قال قبل وفاة ولده «إسماعیل» الإمام من بعدی ولدی إسماعیل. ولکن لما توفی قی حیاة الإمام قال: کان للَّه‌بداء فی إمامة ولدی إسماعیل؟!
الجواب:
للأسف أنّ موضوع «البداء» کان من بین المواضیع التی شنع بها المخالفون وحتی بعض علماء المسلمین علی الشیعة فنسبوا لنا بعض القضایا الجوفاء دون أدنی تحقیق ومطالعة بشأن هذا المفهوم حسبما ورد فی مصادر أعلام الطائفة وعلماء العقائد والمذاهب لیتشبثوا بکلمة واحدة وذکروا لها عدّة تفسیرات لا تمت بصلة لعقائد الشیعة.
ومن المسلم به أنّ مثل هذه التفاسیر الشاذة لا تصدر عن عالم ومحقق «حتی وإن کان من المخالفین»، بل لا تصدر سوی عن بعض المتعصبین الذین یفتشون عن بعض الذرائع هنا وهناک لاستغلالها فی تحقیق أغراضهم ومأربهم؛ فهم یتربصون علی الدوام علّهم یسمعون کلمة من الطرف المقابل لیتناولوها علی طریقتهم فیعمدوا إلی ممارسة التضلیل والتشهیر
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 44
وبالتالی شنهم لحربهم الدعائیة ضد هذا المذهب، ولعل لفظ «البداء» من بین هذه الکلمات التی سعوا لتشویهها.
علی کل حال للوقوف علی حقیقة معنی کلمة «البداء» علی ضوء عقائد الشیعة، نلفت الانتباه إلی معنی هذا المفهوم بشکل مختصر. «1» تعنی کلمة البداء فی العربیة: الظهور. قال تعالی فی کتابه العزیز بشأن الظلمة «وَبَدَا لَهُمْ سَیِّئَاتُ مَا کَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا کَانُوا بِهِ یَسْتَهْزِئُون» «2»
. ویقال أیضاً: بدا من فلان کلام فصیح، وتستبدل (من) أحیاناً بحرف (اللام) فیقال: بدا لفلان کلام صحیح. ومعنی العبارة الثانیة نفس معنی العبارة الأولی. فإنّ عرفنا معنی العبارة الآن «بدا لفلان» نعود إلی أصل الموضوع: ما أکثر ما تتوفر لدینا مقدمات عمل معین، ولکن ربّما تطرأ بعض الأحداث المفاجئة وتتغیر الظروف بحیث لا یتمّ ذلک العمل، فیقال هنا إنّ اللَّه لم یُرِدْ حصول هذا العمل، کما یمکن استبدال کلمة «بدا» هنا فیقال: (بدا للَّه أنّه لا یرید هذا). وعلیه لیس المراد (اتضح للَّه) لتستلزم الجهل بالتقدیر الثانی، بل المراد (اتضح لنا من اللَّه). ومن البدیهی أن یخلو هذا الموضوع من القدح؛ وهو الموضوع الذی یقع مراراً طیلة حیاة کل إنسان بحیث یشهد وقوع بعض الأمور غیر المتوقعة، وهذه هی حقیقة «البداء». والآن نری کیف امتزج هذا الموضوع بعقائد الشیعة وأصبح جزءاً منها؟
إننا نعتقد (وتشهد علی ذلک الآیات القرآنیة والأخبار والروایات) بأنّ البلاء قد یستکمل کل مقوماته وقدراته، ولعل هاجس وقوعه یکون قائما، غیر أنّ الناس یلتجئون إلی اللَّه ویتضرعون إلیه ویقلعون عن أفعالهم السیئة وتسود بینهم حالة من التعاون والتعاضد ویقومون بالأفعال الحسنة، فیرفع اللَّه عنهم البلاء ببرکة أفعالهم وهذا بحدّ ذاته أحد مصادیق البداء. وأحیاناً بالعکس حیث تکتمل مقدمات نعمة وخیر، فیأتی الناس ببعض الأعمال التی تحول دون ذلک وهذا هو البداء.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 45
وما أکثر الحالات التی یتغیر فیها مصیر الإنسان أثر أعماله الصالحة والطالحة وهذا أحد امتیازاتنا فی أنّ نعتقد بأنّ مصیرنا یتوقف علی أعمالنا. قد یقال للَّه‌بداء فی الموارد المذکورة وذلک علی ضوء أفکارنا وحساباتنا، لأنّ الإنسان علی أساس محدودیته یتصور الجزم بوقوع الحادثة الفلانیة أو قطعیة عدم وقوعها، وحین یری خلاف ذلک ویقف علی خطأ حساباته یزعم علی ضوء فکره أنّ للَّه‌بداء فی هذه الحادثة، والحال لا یلیق باللَّه البداء بل الإبداء.
والخلاصة فإنّ وقوع الحوادث المفاجئة والتی لا تنسجم مع الظروف القائمة یبدو لنا «بداءً»، أی أنّ الشی‌ء الذی کان خفیاً علینا بدأ الآن؛ إلّاأنّه ابداء من جانب اللَّه، أی اظهار لما أخفاه، وما یستعمل أحیاناً بشأن اللَّه من لفظ بداء بدل ابداء إنّما هو من قبیل المقارنة المذکورة.
وأمّا بشأن إسماعیل ابن الإمام الصادق علیه السلام فقد قال علیه السلام: إنّه کان مقدراً أن یقتل ولدی اسماعیل، فدعوت اللَّه أن یصرف عنه شر الأعداء، فأجاب اللَّه دعائی ولم یقتل، بدا للَّه‌فی اسماعیل. وهذا مضمون حدیث روته مصادر الشیعة ومعناه علی ضوء ما ذکرناه واضح، ولا یرتبط بمسألة إمامة إسماعیل ولا ندم اللَّه تعالی! ولکن کما قلنا إنّ بعض الأفراد المتعصبین الذین یسعون لإستغلال کل حادثة، تشبثوا بکلمة «البداء» وزعموا: (أنّ الشیعة یعتقدون بأنّ اللَّه یندم أحیاناً علی بعض أفعاله فیعید النظر فیها، فکان من المقرر أن یکون إسماعیل ابن الإمام الصادق علیه السلام هو الإمام ثم ندم!). والحال یعتبر علماء الشیعة کل من یؤمن بهذه العقیدة کافراً. فأین الشیعة من هذه التهمة الشنیعة!! ولا ندری ما السبب الذی یجعل مثل هؤلاء الأفراد یتحفظون حتی عن مطالعة کتابٍ واحدٍ من مؤلفات أعلام الطائفة ومحققیهم بهذا الخصوص لیقفو علی الحقیقة فیعلموا: أولًا: ما هو البداء وثانیاً: ماذا کانت قصّة إسماعیل ابن الإمام علیه السلام! أننا نأمل أن تنقشع سحب التعصب الظلماء عن سماء الإسلام وتزول السموم التی ترمی إلی بث الفرقة والتشتت فی صفوف المسلمین التی تشار من قبل المتعصبین من الافراد و الجهال.

13 فلسفة البلاء

سؤال:
ما أن تقع بعض الحوادث من قبیل الزلازل والسیول حتی یری الإنسان نفسه أمام بعض التساؤلات من قبیل: «لم تقع بعض الزلازل والهزات الأرضیة والأمراض الفتاکة التی تؤدّی بحیاة الناس؟ ولماذا تقع هذه الحوادث فی مناطق معینة دون البعض الآخر؟ ما فلسفة وقوع مثل هذه الحوادث ونزول البلاء؟ هل هذه الحوادث عفویة للأفراد المذنبین؟ لماذا ...
ولماذا ...؟».
الجواب:
حسب علمنا وما وصلنا من کتب أعلامنا فإنّ مثل هذه الأسئلة کانت تساور العدید من الأفراد- ولا سیما حین وقوع الحوادث الألیمة التی تدعو الإنسان إلی التأمل والتفکیر- حتی أنّ تاریخ الأدیان والعقائد یشیر إلی أنّ البعض تخلی عن عقیدته التوحیدیة ولجأ إلی بعض المدارس المادیة و الإلحادیة أثر عدم تلقیه الأجوبة الشافیة التی تفسر ما لدیه من أسئلة، ذلک لأنّ البعض قد یورد بعض التفاسیر المقیتة التی تنسب هذه الظاهرة المفجعة إلی غضب الطبیعة وما شاکل ذلک، غیر أنّ الحقیقة قد تبدو معکوسة تماماً لو نظرنا لهذه الأمور
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 48
بعین العقل والحکمة.
توضیح ذلک: أنّ أحکامنا التی نصدرها بشأن الربح والخسارة إنّما هی نسبیة علی الدوام، فکل ما کان بمصلحتنا نحسبه مفیداً ونافعاً والعکس بالعکس، دون أن نکترث لانعکاسات الأمر علی صعید المجتمع ومستقبله فربّما تکون مادة کیمیائیة سامة لنا، بینما یمکن أن تکون هذه المادة علاجاً للأخرین وبالعکس ... فهل یشکل ربحنا أو خسارتنا معیاراً حسناً أم قبح ظاهرة معینة، أم ینبغی دراسة الظاهرة من جوانبها کافّة بغیة إصدار الأحکام بشأنها؟ لا بأس بهذا المثال لنقف علی حقیقة هذه القضیة:
قطعاً هنالک بعض الفوائد والأضرار التی یستبطنها هطول الأمطار الغزیرة؛ وأحکام الناس بهذا الشأن ستکون متنوعة. فأولئک الذین یجرف السیل بیوتهم ومزارعهم سیتحدثون بلوعة قائلین: إنّی لأجهل سبب هذا البلاء الذی أصابنی! أمّا أولئک الذین کانت مزارعهم تعانی من شحة المیاه أو تحتاج بعض محاصیلهم لمزید من المیاه، وقد امتلأت ترعهم وجداولهم بالمیاه فلسان حالهم یقول: یالها من نعمة فضیلة، لقد أفاض اللَّه علینا لطفاً وعنایة! والواقع لو تأملنا جمیعاً تأثیرات ذلک المطر لعدوه جمیعاً «أمطار رحمة» لا غضب الطبیعة.
أضف إلی ذلک فإنّ بعض أنواع البلاء نعمة کبیرة نجهل حقیقتها ونغفل عنها، فبعض الأمراض التی تصیب الإنسان مرّة فی حیاته إنّما تحصنه عادة من الإصابة به ثانیة. فلو نظرنا إلی المرض فی ذات اللحظة لاعتبرناه بلاءً، بینما لو أخذنا بنظر الاعتبار انعکاساته علینا باقی عمرنا لرأیناه نعمة. ولعل الفلسفة التی نفهمها من ظهور البلاء یتمثل فی إدراک النعمة. فلا أحد یدرک أننا نغرق فی بحر من النعم الإلهیّة، لکننا لا ندرک أغلب هذه النعم، اللّهم أن نسلب تلک النعمة لبعض الوقت. أفرض أنّ المرض انعدم من العالم، کیف یمکننا أن ندرک نعمة الصحة والعافیة! ولو لم یکن لهذه الأرض حرکة موضعیة فهل کانت ستشهد من قرار! ولو لم یقع الجفاف أحیاناً، فهل کان یسعنا الوقوف علی دور المطر فی الحیاة! وبناءً علی ما تقدم وبغیة لفت انتباه الإنسان إلی النعم التی لا تعد ولا تحصی فتشده إلی اللَّه، إنّما
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 49
تشهد أحیاناً بعض التغییرات لتقودنا إلی إدراک تلک الحقائق. هذه التغییرات الطفیفة والمؤقتة هی التی نصطلح علیها بالبلاء. أولیس فی هذا البلاء عبرة لمن اعتبر؟ وهل یبدو من العجیب أن ننعت هذا البلاء بأنّه نعمة ورحمة. وأمّا لماذا یشمل هذا البلاء بعض المناطق دون الأخری ... ولا تطال بعض الناس ...؟ لابدّ من الإلتفات هنا إلی أنّ هنالک سلسلة من القضایا الطبیعیة تقف وراء ظهور البلاء، فإذا ما توفرت بعض الظروف یظهر البلاء.
فقد جاء فی بعض الروایات أن أحد شرائط نزول البلاء شیاع بعض الذنوب بین الناس، فنحن نقرأ فی دعاء کمیل: «اللهم اغفر لی الذنوب التی تغیر النعم، اللّهم اغفر لی الذنوب التی تنزل البلاء ...». وقال تبارک وتعالی فی محکم کتابه الکریم: «وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِیبَنَّ الَّذِینَ ظَلَمُوا مِنْکُمْ خَاصَّةً» «1».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 51

14 ما معنی القضاء والقدر؟

سؤال:
ما المراد بالقضاء والقدر؟ وإن کان المراد أنّ اللَّه عیّن مصیر کل فرد ولیس لنا من سبیل سوی الإستسلام لهذا المصیر فما معنی الآیة الشریفة: «وَأَنْ لَیْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَی» «1»
فالآیة الکریمة تفید أنّ مصیر الإنسان تابع لإختیاره دون أن یکون للقضاء والقدر تأثیر علی مصیره.
الجواب:
مسألة التقدیر والمصیر من المسائل الواردة فی أدیان أمم العالم کافّة ولا یقتصر الإعتقاد به علی أُمّة وإن کانت الآیات القرآنیة والروایات الإسلامیة أکثر ترکیزاً علی هذا الأمر.
وللأسف فإنّ سوء التفسیر الذی أورده بعض الأفراد لمفهوم القضاء والقدر جعل الآخرین ینظرون بشی‌ء من التشاؤم إلی هذین اللفظین، ولعل البعض یرتعش لمجرّد سماعهما ویری التقدیر الإلهی قضیة خارجة عن قدرتنا وله تأثیر مباشر علی إرادتنا، وقد یکون إیجابیاً أحیاناً فیضطر الإنسان القیام بعمل، وأحیاناً سلبیاً فیصد الإنسان شاء أم أبی عن القیام
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 52
بعمل. فالتقدیر بهذا المعنی- فی أفعال البشر الإختیاریة- لا یعدو کونه خرافة، بل لابدّ من الوقوف علی حقیقة التقدیر فی وسط ومعترک الحیاة، ولا ینبغی عزل التقدیر عن إرادة الإنسان وحریته.
وقد یبدو من الصعب علی بعض الأفراد الذین عاشوا صورة ذهنیة مشوهة للقضاء والقدر قبول هذه النظریة: (لیس هنالک من عنصر فی عالم الوجود باسم القضاء والقدر فی عرض سائر العناصر یلعب دوراً سلبیاً أو إیجابیاً فی إرادة الإنسان)؛ ذلک لأنّ هؤلاء الأفراد اعتادوا علی تعلیق أخطائهم وزلاتهم علی عنصر خارجی أسموه القضاء والقدر لیتنصلوا من مسؤولیة أعمالهم. وأننا لنلمس الیوم مسألة «الحتمیة التأریخیة» التی حلت مکان القضاء والقدر لدی الأوساط الغربیة والأوربیة فینسبون إلیها أخطاءهم کافّة. إلّاأنّ حقیقة الأمر واضحة فی أنّ التقدیر الإلهی لا یحمل أی تأثیر علی إرادة الإنسان، ویتضح هذا الموضوع بجلاء من خلال بیان السنن الإلهیّة فی عالم الوجود والذی یکشف حقیقة القضاء والقدر.
التقدیر الإلهی:
کلما تعرفنا علی التقدیر الإلهی سنری خلو صفحة الوجود من عامل وعنصر حرکی باسم القضاء والقدر خارج إرادة الفاعل؛ والمراد من التقدیر الإلهی السنن القطعیة التی تحکمنا والعالم، وتأثیر هذه السنن قطعی فی سعادة الناس وتعاستهم وأننا أحرار فی اختیار أیة سنة من هذه السنن. وإلیک بعض الأمثلة لتوضیح هذا المطلب:
1- إنّ التقدیر الإلهی بالنسبة للأمّة الخاملة التی تعیش التناحر والنزاع وتوظف إمکاناتها فی المجالات العبثیة ولا تمتلک رؤیة صائبة لأوضاعها والظروف المحیطة بها وتنغمس فی مصالحها الضیقة سوف لن یکون سوی باضمحلالها وانهیارها عاجلًا أم آجلًا.
أمّا التقدیر الإلهی تجاه الأمّة التی تعیش هموم المحرومین والکادحین وتحرص علی ردم التمییز الطبقی واشاعة رفاهیة الإنسان وتحسین وضعه المعاشی والاجتماعی وتمدید
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 53
العون إلی الفقراء والمعوزین من خلال اخراجها للحقوق الشرعیة من أموالها، فسوف لن یکون سوی العزة والکرامة والرقی والإزدهار. والتقدیرات علی درجة من الوضوح بحیث لا یشک فیها أحد من الناس.
وبالطبع فإنّ جمیع الأمم متساویة حیال التقدیرین المذکورین ولیس هنالک أی عامل خارج إرادة هذه الأمم یحملها علی اختیار أی من التقدیرین، ونحن الذین نقرر التقدیر الذی نرید علی ضوء أهوائنا وغرائزنا أو عقلنا وحکمتنا، وسوف لن یکون القضاء والقدر سوی ما اخترناه؛ فاللَّه هو الذی خلق هذه السنن وأمضاها ومنحنا الحریة فی اختیار ما نشاء.
2- والشاب الذی یبدأ حیاته ویتمتع بمزید من الإمکانات والعلم والذکاء وقوّة العضلات یجد نفسه أمام تقدیرین ومصیرین کلاهما قضاء اللَّه وعلیه الإختیار؛ فإن وظف إمکاناته المادیة والمعنویة باتجاه العلم والعمل والمجال التجاری عاش حیاة سعیدة هانئة؛ وإن أساء التصرف فی هذه الإمکانیات ووظفها فی سبیل الرذیلة وشرب الخمر ولعب القمار وسائر الموبقات التی تشل حرکته، إنّما یقود حیاته إلی الشقاء والمعاناة وقضاء العمر فی الهم والغم. وکلا التقدیرین مرتبط باللَّه، لکن الإنسان حرّ فی إختیار أی منهما، والنتیجة المترتبة علی اختیاره قضاء اللَّه وقدره؛ وإن قلع عن مساره منتصف الطریق فقد استبدل مصیره بمصیر آخر وهذا أیضاً بتقدیر اللَّه؛ ذلک لأنّه خلقنا وأذن لنا بالعودة فی منتصف الطریق فندمنا علی ما فرط منّا وبالنتیجة استبدلنا مصیرنا بمصیر آخر.
3- لو راجع المریض الطبیب وتناول الدواء تتحسن صحته، وإن أمتنع عن مراجعة الطبیب أو لم یتناول الدواء فإمّا أن یموت أو یعیش حالة من الألم والمعاناة، وکلا التقدیرین بحکم اللَّه ولنا اختیار أی منهما، وکل ما نختاره هو قضاء اللَّه.
وهکذا یمکنک عزیزی القاری‌ء أن تستعین بمئات الأمثال للقضاء والقدر المتعلق بأفعال الإنسان لتقف علی معنی التقدیر الإلهی بشأن أفعال الإنسان.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 54
کلمات أئمّة الدین:
ما أوردناه فی الأمثلة السابقة یمثل فی الواقع توضیح بعض الأحادیث التی وردت عن النبی الأکرم صلی الله علیه و آله وأهل بیته علیهم السلام بشأن مسألة القضاء والقدر. فقد ورد عن النبی الأکرم صلی الله علیه و آله:
«إنّ خمساً لا یستجاب دعاؤهم، أحدهم من جلس تحت جدار یوشک أن یقع فلا یهرب منه» «1»
. ولعل سر عدم استجابة دعاء هذا الفرد واضحة، ذلک لأنّ مصیر من جلس تحت جدار أعوج ولم یهرب هو الموت، لکنه استسلم باختیاره لهذا المصیر، والحال کان له أن یختار مصیراً آخر.
وقد فرّ أمیر المؤمنین علیه السلام من جدار کان یوشک علی الأنهیار، وحین أنکر البعض علیه ذلک برره بأنّه یفرّ من قضاء اللَّه إلی قدره «إنّ أمیر المؤمنین عدل من عند حائط آخر فقیل له: یاأمیرالمؤمنین أتفرّ من قضاء اللَّه؟ فقال: أفر من قضاء اللَّه إلی قدر اللَّه» «2»
.فأنا حرّ فی اختیار ما شئت، فإن بقیت تحت الجدار وإنهار ومت فذلک بحکم القضاء، وإن فررت وبقیت سالماً فذلک بحکم القضاء أیضاً.
وحین سئل الإمام الرضا علیه السلام عن قضاء اللَّه بشأن الأفعال الحسنة والقبیحة لعباده، رد علیه السلام: إنّ کل عمل من اعمالهم الحسنة والقبیحة بقضاء اللَّه. ثم فسّر علیه السلام ذلک القضاء الواسع- الذی یشمل جمیع أعمال البشر بما فیها الحسن والقبیح- بالنتائج التی تنعکس علی الإنسان فی الدنیا والأخرة فقال: «الحکم علیهم بما یستحقونه علی أفعالهم من الثواب والعقاب فی الدنیا والآخرة» «3».
فهذه الأحادیث تکشف ما أشرنا إلیه من حقیقة القضاء والقدر والتی تفید عدم انفصال القضاء والقدر عن إرادة الإنسان واختیاره، بل القضاء هو تلک السنن الإلهیّة التی تحکم الوجود، والإنسان مختار فی رکوب أی منها، فإنّ اختار کانت نتیجة الإختیار قضاء اللَّه،
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 55
ولیس هنالک من فعل من أفعال الإنسان خارج عن دائرة قضاء اللَّه؛ فإنّ زرع بذور الخیر حصد خیراً بقضاء اللَّه، وإن زرع بذور الشر والنفاق سیذوق مرارة ما زرع بقضاء اللَّه، ولا یخرج أی من أفعاله الخیرة والشریرة عن دائرة قضاء اللَّه وقدره.
القضاء والقدر فی صدر الإسلام:
لقد أدرک المسلمون فی صدر الإسلام مسألة القضاء والقدر بحیث لم یعتبروها منافیة لإختیار الإنسان وحریته فی صنع مصیره. فقد ورد بشأن الفتوحات الإسلامیة أنّ الخلیفة الثانی بلغ الشام فأخبر بانتشار الوباء، فأشار علیه صحبه بالعودة، وکان یهم بالعودة، فاعترض علیه أحدهم أتفرّ من قضاء اللَّه؟ قال: أفر بأمر اللَّه من قدر إلی آخر. فقال أحدهم سمعت رسول اللَّه صلی الله علیه و آله قال: «إن ظهر الطاعون فی منطقة ولم تکن فیها فلا تدخلها، وإن کنت هناک فلا تخرج منها» (حذراً من نقله إلی الآخرین) «1».
ویستفاد من هذا أنّ الإعتقاد بالقضاء والقدر لا یتنافی وقضیة الإختیار والحریة والإرادة، وهنالک بون شاسع بین مسألة الجبر، وإن ذهب بعض المستشرقین إلی أنّ نتیجة الإعتقاد بالقضاء والقدر جبر آخر، فإنّما یعزی ذلک إلی عدم إدراکهم لمضمون المفاهیم الإسلامیة فضلا عن عدم إمتلاکهم أهلیة أصدار الأحکام بشأن بعض الأمور الحساسة. فقد قال «آلبرماله» فی تاریخه:
لم یکن الإسلام أوائل عهده سوی الإیمان بالتوحید والنبوة، وصرح المتکلمون لاحقاً أنّ اللَّه حدد مصیر کل إنسان ولا تغییر فی مشیئته، وهذا ما یصطلح علیه بالجبر «2».
وقال غوستاولبون: ما ورد فی القرآن من آیات فی القضاء والقدر ومذهب الجبر، والإنسان الذی یؤمن بالقدر کمن علق فی الهواء لتبعث به الریح هنا وهناک؛ والإیمان بالقدر
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 56
یسلب الإنسان إرادته واختیاره فی العمل والقول والسکون والحرکة فیفوض زمام أموره لقوة عنیفة، فمثل هذه الأمّة لا تستفید من قدراتها الطبیعیة ولیس لدیها من دافع للسعی والعمل، فهی تتجه من عالم الوجود إلی العدم» «1».
ولعل انتشار هذه التهم والإفتراءات والإستنتاجات الخاطئة فی الأوساط الأوربیة دفعت بالمرحوم السید جمال الدین الأسد آبادی حین أقامته فی باریس إلی تصنیف رسالة فی الدفاع عن مسألة القضاء والقدر لینشرها فی المجلة الأسبوعیة «العروة الوثقی» حیث جاء فیها:
«فظنّ البعض من الأوربیین أنّ لا فرق بین القضاء والقدر والمذهب الجبر، والإنسان الذی یؤمن بالقدر لکن علق فی الهواء لتبعث به الریح هنا وهناک؛ والإیمان بالقدر یسلب الإنسان إرادته واختیاره فی العمل والقول والسکون والحرکة فیفوض زمام أموره لقوّة عنیفة، فمثل هذه الأمّة لا تستفید من قدراتها الطبیعیة ولیس لدیها من دافع للسعی والعمل، فهی تتجه من عالم الوجود إلی العدم» «2».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 57

15 مفهوم السمع والبصر بالنسبة للَّه‌

سؤال:
نقرأ فی کتاب العقائد أنّ من صفات اللَّه السمع والبصر. وهنا یرد هذا السؤال کیف یمکن وصف اللَّه بهاتین الصفتین والحال حقیقة البصر تتمثل فی انعکاس صور الأشیاء فی الشبکیة بواسطة بؤبؤ العین فترسل أعصاب الباصرة هذه الإیعازات إلی الدماغ، کما أنّ حقیقة السمع تکمن فی وصول الأمواج الصوتیة إلی الأذن التی تضم بعض الأعصاب والعظام وتوعز من هنالک إلی الدماغ، فکیف یوصف اللَّه بهاتین الصفتین وهو متنزه عن ذلک؟
الجواب:
إنّ الباصرة والسامعة لدی الإنسان کما مر آنفا، لکن المراد من نعت اللَّه بتلک الصفتین أنّ جمیع المرئیات والمسموعات حاضرة عنده، ولا یغفلها قط، وبعبارة أخری أنّ کل ما یراه الآخرون بعیونهم ویسمعونه بآذانهم إنّما یحصل للَّه‌بعلمه المطلق اللامتناهی. ومن هنا فإنّ علماء العقائد والمذهب إنّما ینسبون حقیقة هاتین الصفتین إلی علم اللَّه اللامتناهی فیقولون:
إنّ النتیجة التی یحصل علیها الإنسان البصیر والسمیع- بعد سلسلة من الفعالیات التی تقوم
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 58
بها أعضاء الباصرة والسامعة- هی الوقوف علی المرئیات والمسموعات، ولو کان هناک وجود کاللَّه تعالی یمکنه الوقوف بصورة أکمل علی المرئیات والمسموعات دون الأعضاء والفعالیات الفیزیائیة لصح نعته بأنه بصیر وسمیع. کما یطلق السمیع والبصیر من الأولی علی الفرد الذی یستطیع إدراک المرئیات والمسموعات- دون الحاجة إلی المقدّمات المذکورة- ذلک لأنّ حقیقة السمع والبصر لدی الإنسان هی إدراک المسموعات والمرئیات.
ولما کان الإنسان بطبیعته المادیة یتعذر علیه القیام بعمل دون الإستعانة بالوسائل المادیة، فلا مناص له من بلوغ النتیجة المطلوبة التی تتمثل فی الوقوف علی المرئیات والمسموعات بواسطة الأعضاء والأدوات المادیة، إلّاأنّ اللَّه أسمی من المادة ولا یحتاج إلی شی‌ء فی الإدراک، والعالم بما فیه حاضر لدیه، فهو السمیع والبصیر دون أیّة مقدمة؛ فجمیع المرئیات والمسموعات حاضرة عنده وعلمه محیط بها.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 59

16 سر خلق الإنسان‌

سؤال:
عادة ما یتساءل أغلب الناس ولا سیما شریحة الشباب: ما سر خلق الإنسان وما الهدف من خلقه؟ وکان هذا السؤال یعشعش فی نفوس أغلبیة هذا الجیل فیدفعهم للبحث عن الجواب الشافی وکأنّ الأفکار التی تساور أذهانهم: أنّ اللَّه غنی ولا متناهٍ ولا یحتاج إلی شی‌ء حتی خلق موجوداً آخر، فلماذا خلق الإنسان وما حاجته لخلقه؟
فإنّ قیل لیس هنالک هدف من خلق الإنسان فلابدّ من الاعتراف فی هذه الحالة بأنّ خلقه کان عبثاً وتعالی اللَّه عن ذلک علواً کبیراً، وإن قیل بأنّ اللَّه خلق الإنسان لهدف فیلزم من ذلک أنّ اللَّه خلق الخلق لرفع حاجة، فی حین أنّ اللَّه منزّه عن کل حاجة!
الجواب:
لابدّ من الإشارة إلی موضوعین مهمّین بغیة الوقوف علی الجواب الشافی لهذا السؤال:
1- لابدّ من الإلتفات بادئ الأمر إلی أنّ هذا السؤال یطرح بصیغة عقدة مستعصیة حین نحصر دائرة الوجود بعالم المادة ونقتصر بالوجود علی الأنظمة المادیة والظواهر الطبیعیة ونری الموت نهایة الحیاة ولا نقرّ بعالم آخر یصطلح علیه بیوم القیامة. فالسؤال فی هذه
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 60
الحالة یتحول إلی إشکال حیث یعمد المرء یسأل نفسه عن سر خلق الإنسان.
لماذا یفتح الإنسان عینیه فی هذا العالم وتطوی صحیفة عمره بعد سنوات- غالباً ما یقضیها بالألم والحسرة والمرارة- ویغادر هذا العالم «من أین جاء ولماذا جاء؟» وماذا کان الهدف من تلک الحیاة التی لم تدم سوی عدّة سنوات وما فلسفة هذه المدّة المؤقتة! ولماذا یطأ الإنسان هذا العالم! ثم تتوقف حرکته بعد استهلاکه لمقدار من الماء والغذاء فیدفن تحت التراب ویتعفن ویتحول فی نهایة المطاف إلی مجموعة عظام، وکأنّه لم یرد علی هذا العالم ویعمر فیه! حقاً تبدو المدرسة المادیة عاجزة إزاء هذه التساؤلات؛ ذلک لأنّها حصرت عالم الوجود بالمادة والظواهر المادیة دون أن تؤمن باللَّه والیوم الآخر، وعلی هذا الأساس فهی لا تری سوی هذه الجدران الأربعة لعالم المادة وکل ما یتحرک فیه، وبالتالی لا یسعها تقدیم أی تفسیر بهذا الشأن دون أن تخفی ذهولها ودهشتها لهول ما یحدث. إلّاأنّ هذه الأسئلة تبدو سهلة بالنسبة لأولئک الذین یعتبرون الحیاة المادیة منزلًا من منازل الحیاة البشریة ویؤمنون بوجود عالم آخر وراء هذا العالم الذی یعتبر مقدمة إلیه وأنّ الموت لیس نهایة الحیاة، بل بوابة للعالم الأخر وقنطرة للفوز بالخلود، وأن تعذر علیهم إدراک هدف خلق الإنسان من خلال ملامحه فی هذا العالم فسیبحثون قطعاً عن هدف خلقهم فی العالم الآخر والحیاة الأبدیة ویقولون بأنّ الهدف من خلق الإنسان فی هذا العالم، إعداده لحیاة أبدیة وخالدة والتی تمثل الهدف النهائی والغایة المطلوبة.
2- الموضوع الآخر الذی ینبغی الإلتفات الیه والذی یعد الخطوة الثانیة لحل السؤال هو: أنّ کل إنسان عاقل إنّما یقوم بأی فعل بغیة تحقیق هدف هو بحاجة إلیه، ذلک لأنّ الإنسان کائن محتاج من رأسه حتی أخمص قدمیه، وبالطبع فإنّه یقوم ببعض الأنشطة والأعمال لیسمو ویتکامل ویلبی حاجته، فمثلًا یتناول الطعام ویشرب الماء ویلبس الثیاب ویتعلم لیلبی بعض حاجاته المادیة والمعنویة. حتی أفعال البر والخیر التی یمارسها من قبیل مساعدته للمحتاجین وتغطیته لنفقات أولاده بغیة التعلیم والتربیة وبنائه للمدارس والمستشفیات، کل ذلک لسد حاجة یشعر بها فی باطنه، وهو یفعل ذلک إمّا للحصول علی
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 61
الأجر والثواب الدنیوی والآخروی الذی بشر به الأنبیاء والرسل، أو لدفع ألم یشعر به أثر رؤیته لبعض الأوضاع المزریة التی یعانی منها الفقراء والمعدومون والتی یرق لها القلب، فهو ینفق بعض رأس ماله لإضفاء السکینة علی وجدانه، أو یفعل ذلک للحصول علی السمعة والشهرة التی یراها سبب تکامله.
وزبدة الکلام: إنّ الإنسان إنّما یقوم بأفعاله إمّا لحصول نفع أو دفع ضرر یشعر به فی ترک العمل ویبحث عن منافعه وتکامله فی کافّة هذه الأفعال إلی درجة أنّه یتعذر أن یقوم الإنسان بعمل من أجل ذات العمل دون أن یأخذ بنظر الاعتبار تکامله المادی والمعنوی «1».
والآن بعد أن وقفنا علی دوافع الإنسان فی أعماله واتضح حصول أعماله لتحقیق هدف، لن تکون نتیجته سوی تکامله الروحی والجسمی، لابدّ أن نسلط الضوء علی هدف اللَّه من أفعاله. صحیح أنّ الذات الإلهیّة منزهة عن فعل اللغو والعبث وأنّها هادفة فی أعمالها کافّة، وقد خلق اللَّه کل کائن لهدف، ولکن ینبغی معرفة الهدف من أفعال اللَّه وماذا یعنی هذا الهدف. فقولنا إنّ خالق الکون إنّما خلق کل کائن فیه لهدف، لا بالمعنی الذی أوردناه بشأن أعمال الإنسان، بل هنالک بون شاسع بین هدف اللَّه وهدف الإنسان من الأعمال. وعلی ضوء الفارق بین اللَّه والإنسان فی أنّ اللَّه غنی وغیر محتاج، والإنسان محتاج مطلق، یتبیّن أنّ الهدف من أفعال اللَّه معانٍ أخری تقابل بالضبط ما ذکر بشأن هدف الإنسان. فلما کان الإنسان فقیراً ومحتاجاً ولا تتوقف حاجاته لخارج ذاته ولو للحظة، کان علیه أن یجد ویجتهد علی الدوام لرفع حاجاته وبلوغ تکامله. ولکن حیث إنّ اللَّه وجود مطلق ولا متناهٍ فالفقر والحاجة لیس لها من سبیل إلی ذاته المقدّسة، ذلک لأنّها تنطوی علی جمیع
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 62
الکمالات. وعلی هذا الأساس ینبغی أن یکون هدفه من أفعاله «إیصال المنافع للآخرین».
وبعبارة أوضح: أنّ اللَّه وجود مطلق وغنی وکامل من جمیع الجهات ولیس للنقص والحاجة من سبیل إلی ذاته المقدّسة، ومن جانب آخر نعلم أنّ أفعاله تستند إلی المصلحة والحکمة وذاته منزّهة عن فعل العبث، وعلی هذا الأساس نستنتج أنّ خلقه للإنسان لم یکن هدفه رفع حاجة عن نفسه، ومن المسلم به أنّ الأمر إنّما یعود إلی نفس الإنسان؛ والهدف إیصال هذا الإنسان إلی کماله المطلوب، دون أن یکون لهذا التکامل الذی یبلغه الإنسان أدنی انعکاس علی ذاته المقدّسة.
التکامل فی عالم الطبیعة:
إنّ مطالعة مجملة فی عالم الخلیقة توقفنا علی حقیقة لالبس فیها، وهی: أنّ العالم بأسره مهد سمو وتکامل المخلوقات وإن تکامل کل مخلوق یتمّ بسبب تکامل مخلوق أسمی.
فمثلًا تشرق الشمس وتنشر حرارتها علی سطح البحار والمحیطات فتبعث بمقدار من میاه البحار إلی الأعلی بهیئة بخار فإذا ارتفع ارتطم به الهواء والریاح لیسوقه إلی المناطق الجافة، ثم یتحول البخار بفعل سلسلة من العملیات الفیزیائیة إلی قطرات مطر تتساقط علی الأرض فتسبغ الحیاة علی سطح الأرض الهامدة فتهتز لتناغم السهول والصحاری فتنثر الزهور والسنابل وتفیض بالعیون والشلالات وتلبس حلتها الخضراء لتسحر بمناظرها الجمیلة الخلابة أبصار الناظرین. ولعل مطالعة هذا الفصل من کتاب الوجود تعلم الإنسان أروع وأسمی درس فی معرفة اللَّه، کما یرشده إلی سنة اللَّه الحکیمة لیری بأم عینیه کل کائن ومخلوق من جماد ونبات وحیوان یحث الخطی نحو کماله بحیث تتجمد هذه الحرکة التکاملیة کل یوم وکل عام لتتحول من صور ناقصة إلی صور متکاملة. فالشجرة العملاقة لم تکن یوماً أکثر من خلیة ثم قطعت مسیرة ضخمة لتتحول إلی ذلک الشکل. وکذلک الجنین فی البیضة الذی شق طریقه فی ظل تدبیر اللَّه وحکمته لیبلغ تلک المرحلة المتکاملة. وکان
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 63
هذا العالم أعظم مهد لبلوغ مختلف الکائنات رقیها وتکاملها.
والإنسان أیضاً جزء من هذه الخلیقة وأروع ثماره القیمة النفیسة مشمول بهذا القانون ویشارک سائر الکائنات مسیرتها التکاملیة، ولیس هنالک من هدف یقف وراء خلقه سوی بلوغ تکامله المنشود؛ وعلیه أن یطوی مسیرته التکاملیة بمحض إرادته واختیاره. بل یمکن القول إنّ العالم برمته خلق لأجله لیوظف إمکاناته کافّة بغیة تکامله. وعلیه فإنّ اللَّه لم یخلق الإنسان لیرفع عنه نقصاً معیناً، بل خلق الإنسان لیبلغ به کماله ورقیه.
وأوضح من ذلک: خلق الإنسان لیبلغ به أسمی درجات الکمال علی مستوی العلم والحکمة والقدرة والإرادة والتفکیر، فیکون بهذه الکلمات المحدودة عاکساً لکلمات الحق المطلقة واللامتناهیة. لقد خلق الإنسان وأودعه استعدادات وقابلیات عظیمة ونصب له الأنبیاء والرسل أمناء علی تعلیمه وتربیته لیبلغ تکامله فی ظل عبودیة اللَّه واتباع أوامره فیکون مستعدا للتفاعل مع تلک الحیاة الأکمل فی العالم الأشمل.
وقد صرحت بعض الآیات القرآنیة والروایات الإسلامیة بما أوردناه سابقاً؛ فالقرآن یصرح بأنّ الهدف من خلق الإنسان هو تلک الحیاة والسعادة الأبدیة الآخرة «أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاکُمْ عَبَثاً وَأَنَّکُمْ إِلَیْنَا لَاتُرْجَعُونَ» «1»
. والمراد عدم التعامل مع الهدف من خلق الإنسان علی ضوء هذه الحیاة المادیة الضیقة، بل لابدّ من النظر إلیه علی ضوء العالم الآخر، ولنعلم أنّه بموته سیواصل مسیرته التکاملیة ویتجه نحو اللَّه الکمال المطلق. ولعل الهدف الذی صرحت به الآیة الشریفة: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِیَعْبُدُونِ» «2». والذی یتمثل بالعبادة لایعنی حاجة اللَّه لطاعة عباده، بل المراد أنّ الإنسان إنّما یبلغ تکامله المنشود من خلال العبودیة وطاعة أوامر اللَّه؛ وهذا ما یقوده بالتالی إلی السعادة الأبدیة، وبالطبع فإنّ الفوز بالحیاة الأبدیة الممزوجة بالسعادة والخیر لتشکل الهدف الغائی والذی لا یدعنا
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 64
نتطلع إلی هدف آخر ویصدنا عن السؤال ثانیة، قد یقال لماذا لم یمنح اللَّه الإنسان کل هذه الکمالات دفعة واحدة، ولماذا خلقه محتاجاً لیبلغ کماله المنشود من خلال السعی والعمل؟
والجواب واضح فی أنّ السمو الأخلاقی إنّما یکون ممدوحاً ویعتبر کمالًا حین یحصل علیه الإنسان بوحی تام من حریته واختیاره وإرادته، وأمّا أن فرض هذا الکمال علی الإنسان فلن یکون فضیلة أخلاقیة وملاکاً للتفاصیل، فمساعدّة الضعفاء واعانة الفقراء وبناء المستشفی إنّما یکون دلیلًا علی التکامل الروحی حین یمارس الإنسان هذه الأفعال بمحض حریته وإرادته، ولو أخذت بعض الأموال قسراً من إنسان وانفقت فی هذا المجال، فهی لیست فضیلة خلقیة له قط ولا یستحق بعمله هذا أی مدح أو ثناء. وبناءً علی هذا فإنّ الإنسان لابدّ أن یسلک بإرادته سبیل الفضیلة لیبلغ تکامله الروحی المنشود.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 65

17 هل الاعتقاد بوجود الشیطان دلیل علی الشرک؟

سؤال:
إننا نذم اتباع الدیانة الزرادشتیة أنّهم مشرکون فهل یعتبر اعتقادنا بوجود الشیطان بصفته مصدر الضلال والشر نوعاً من الشرک؟ کما أننا نذم عقیدة النصاری القائمة علی أساس التثلیث، أو لا یعتبر إیماننا بالنبی وجبرئیل إزاء اللَّه نوعاً من الشرک؟
الجواب:
قطعاً مثل هذه الاستنباطات معلولة لعدم التفسیر الصحیح لمعنی الشیطان أو جبرئیل والنبی. فالإلتفات إلی حقیقة معانی هذه الألفاظ لا یبقی أی غموض وابهام بهذا الشأن.
توضیح ذلک: أنّ الشیطان کسائر الکائنات أحد مخلوقات اللَّه وکان یعرف بطهارته بادئ الأمر، لکن الکبر أهبطه من مرتبته السامیة وألقی به فی مهاوی الفساد، ولیس له من سلطة قسریة علی بنی آدم، إنّما سلطته علی الذین یمکنونه من أنفسهم ویستسلمون لوساوسه ویتبعون ولایته؛ أمّا أولئک الذین یقفون إزائه کالطود الشامخ بفعل إیمانهم باللَّه وإرادتهم القویة فلن تستطیع وساوسه النفوذ إلیهم «إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَی الَّذِینَ یَتَوَلَّوْنَهُ
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 66
وَالَّذِینَ هُمْ بِهِ مُشْرِکُونَ» «1»
ویتضح ممّا قیل إنّ الشیطان لیس وجوداً مستقلًا بالنسبة للَّه ولا خالقاً للشر، بل هو مخلوق ضعیف کسائر المخلوقات، وإن ترکه اللَّه لممارسة وساوسه فذلک لکی لا یمسّ أولیاء اللَّه منه سوء فحسب، بل لیبلغوا بمقاومتهم له أقصی درجات السمو والکمال.
وأمّا الاعتقاد باللَّه وجبرئیل ومحمد صلی الله علیه و آله فلا یشبه نظیره لدی النصاری بالأقانیم الثلاثة- اللَّه والابن والروح القدس- بأی شکل من الأشکال؛ فنحن نؤمن بوحدانیة اللَّه وأنّه خالق عالم الوجود وأنّ کل ما سواه حتی النبی محمد صلی الله علیه و آله وجبرئیل وسائر الأنبیاء والملائکة مخلوق للَّه‌ولیس لهم من أنفسهم أی اختیار فی عالم الوجود، والکل عباده ومنقاد لقدرته.
وجبرئیل حامل وحی اللَّه، ومحمد عبد اللَّه ورسوله وصفیه من خلقه. وقد أشار القرآن الکریم بصفته مصدر جمیع عقائدنا إلی هذه الحقائق علی لسان أغلب آیاته، کما أنّ الشریعة الإسلامیة السمحاء لم تتضمن أیّة عبارة لألوهیة النبی الأکرم صلی الله علیه و آله أو جبرئیل علیه السلام.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 67

18 کیف یکون تعدد الالهة مدعاة لفساد الخلق؟

سؤال:
إنّ أحد أدلة وحدانیة اللَّه أنّ وجود مبدأین فی عالم الخلقة یوجب فساد الأرض والسماء، ولو کان للعالم إلهین فإنّ ذلک یؤدی إلی فساد الخلق.
أولًا: لماذا یوجب تعدد الآلهة فساد عالم الخلقة؟
ثانیاً: ما الضیر أن یتحد خالقان فی خلق العالم وتنظیم شؤونه؟
الجواب:
یمکن توضیح هذا الموضوع من خلال شرحین؛ الشرح العلمی والشرح الفلسفی.
ونشیر بصورة مختصرة إلی هذین الشرحین:
1- یمکن الوقوف من مطالعة کتاب علی أنّ کاتبه شخص واحد أو عدّة أشخاص.
فالکتاب الذی یؤلفه شخص واحد یتصف بنوع من الانسجام فی عباراته ومختلف تعبیراته وکنایاته وإشاراته وعناوینه وأسالیب ربط جمله، وبالتالی هنالک وحدة تحکم جمیع أجزائه؛ لماذا؟ لأنّها تنبع من فکر واحد وتترشح من قلم واحد؛ والحال لیس هنالک مثل هذا التنسیق والانسجام فی الکتاب الذی یشترک فیه اثنان- مهما تطابقت أفکارهما
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 68
وتطلعاتهما- وسیطالعنا الکثیر من الاختلاف فی القضایا المذکورة سابقاً، ولاسیما إن کان هذا الکتاب کبیراً ومسهباً ویتناول بالبحث مختلف الموضوعات حیث سرعان ما تکتشف هذه الحقیقة.
وعالم الخلق الذی یعدّ أعظم کتاب التکوین والذی لا یسع أفراد البشر کافّة حساب عدد صفحاته فضلًا عن مطالعتها، وقد اتفق الجمیع علی أنّ تلک الصفحات تنطوی علی نسق ونظم انعدم مثیله؛ الأمر الذی أیده علماء الفلک والذرة والفیزیاء والکیمیاء والإحیاء، وصرحوا بأنّه یخضع إلی نظام دقیق وغایة فی الاتقان، وهو ذات النظلم الذی یحکم المنظومة الشمسیة والکواکب والمجرّات، إلی جانب القوانین الکلیة التی تشمل جمیع تفاصیل الوجود، وخلاصة القول هنالک نظام واحد متناسق یفرض حکومته علی الوجود برمته. وبالطبع لو کان لهذا العالم أکثر من مدیر لما کان الوضع کما هو علیه ولغاب النظام والانسجام وسوف لن تکون النتیجة سوی فساد نظام الخلیقة.
فقد سأل هشام بن الحکم الإمام الصادق علیه السلام عن الدلیل علی وحدانیة اللَّه فقال علیه السلام:
«إتصال التدبیر وتمام الصنع. کما قال اللَّه: «لَوْ کَانَ فِیهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا یَصِفُونَ» «1»، «2».
2- البیان الآخر الفلسفی والذی وردت الإشارة إلیه فی بعض الآیات القرآنیة وتلخص فی ما یلی: إن کان مع اللَّه إله آخر فی السموات والأرض فإنّ هذین الإلهین إمّا متماثلان ومتشابهان أو مختلفان؛ فإن کانا متماثلین (علی غرار فردان یعدان کفرد واحد أثر اشتراکهما وتشابههما التام) وفی هذه الحالة ینبغی أن یکونا متفقین فی جانب ومختلفین فی جانب آخر؛ وذلک لاستحالة العثور علی موجودین متفقین فی کل شی‌ء دون أن یکون بینهما أدنی اختلاف، فحتی التوأمان المتشابهان فی الشکل واللون والقامة والصوت و ...
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 69
فإنّهما یفترقان فی بعض الأمور.
والنتیجة فی مثل هذا الفرض «الترکیب»؛ الترکیب من «جهة الاشتراک»" ولو الاشتراک فی أصل الوجود ومن «جهة الاختلاف» الذی یوجب التعددیة، وحیث أثبتت البراهین الفلسفیة أنّ اللَّه بسیط فإنّ هذه الفرضیة (إلهان متشابهان ومتماثلان) باطلة. وعلیه سنضطر لمناقشة فرضیة إلهین مختلفین ولیس بینهما أی اشتراک ویتمایزان تماماً من حیث الوجود والذات. وبالطبع لا ینبغی أن ننسی بأنّ اختلافهما فی الذات والوجود یفضی إلی اختلافهما فی الأفعال، فلا یمکن تصور الانسجام بین أفعالهما وهما علی هذه الحالة من الاختلاف وممّا لا شک فیه أنّ تدبیر أحدهما سیکون مخالفاً لتدبیر الآخر، وبالتالی سوف لن تکون نتیجة مثل هذا الاختلاف سوی الفوضی فی نظام الوجود وتشتت الروابط والحلقات التی تحکم عالم الوجود وظهور الخلاف بشأن إدارته وأخیراً تصدع کیانه.
والحال أننا نری عکس ذلک فی عالم الخلیقة، ذلک لأننا إن تأملنا أصغر الکائنات الحیّة سنری حالة من التنسیق والترابط بین هذا الکائن وعالم الوجود وکأنّ الأخیر خلق من أجلها؛ الأمر الذی یکشف بوضوح عن تبعیة کل هذا العالم لإرادة مدبرة واحدة، وهذا ما أشارت إلیه الآیة الحادیة والتسعون من سورة (المؤمنون). وبناءً علی ما تقدم فالدلیل الفلسفی والاستقراء العلمی یثبتان وجود إرادة ومشیئة وذات قدسیة هی التی تحکم عالم الوجود بأسره.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 71

19 هل یحتاج العالم فی بقائه إلی اللَّه؟

سؤال:
یقول بعض القراء الأعزاء هنالک شبهة تطرح الیوم فی الأوساط المادیة ولا نمتلک الردّ الشافی لها؛ رجاءً افیضوا علینا بهذا الشأن: «أننا نقرّ بأنّ نظام الوجود یحتاج فی ظهوره إلی مُبدی‌ء له علم وقدرة، إلّاأنّ دیمومة هذا النظام لیست بحاجة إلی ذلک المبدی‌ء؛ ذلک لأنّ خلق العالم قام علی أساس نظام العلّة والمعلول بحیث یستمر هذا النظام تلقائیاً- سواء کان أم لم یکن ذلک الخالق- فالساعة الدقیقة قد تعمل لسنوات دون أن یکون هنالک من وجود لصانعها، أو المرکبات الفضائیة التی تتابع مسیرتها لسنوات فی الفضاء وترسل لنا الأخبار دون أن یکون هنالک من وجود لصانعها».
الجواب:
إنّ هذه الشبهة لیست جدیدة لیثیرها الیوم المادیون، بل أثیرت سابقاً وقد أجاب عنها الفلاسفة والمتکلمون؛ علی کل حال ترد هذه الشبهة بصیغتین:
الأولی أنّ الوجود أو النظام الخاص یحتاج فی ظهوره إلی علة، لکنه لا یحتاج قط هذه العلة فی بقائه واستمراره، سواء کانت تلک العلة الأولی أم غیرها. وهذا ما اعتقد به بعض
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 72
الفلاسفة القدماء، وظنوا أنّ أی موجود لا یحتاج إلی علة لوجوده کالعمارة التی لا تحتاج فی بقائها إلی المعمار والبناء! فإنّ وردت الشبهة بهذه الصیغة فإنّ الإجابة عنها واضحة.
فبقاء موجود غیر ظهور وجوده.
وبعبارة أوضح: وجود أی شی‌ء فی أی زمان غیر وجوده فی زمان ولحظة أخری
وبقاء الموجودات فی مسیرة الزمان مثل بقاء شکل النهر الذی تستبدل ذرات میاهه دائما، بینما تبقی صورته الظاهریة. بعبارة أخری: کما أنّ الموجود یتألف من أجزاء وکل جزء لا یکون دون علة، فإنّ له من حیث الزمان امتداداً وعمراً یحتاج فی کل لحظة إلی علّة، وعلیه فالشی‌ء الذی لا یحتاج فی دیمومته إلی علة لابدّ أن لا یحتاج إلیها فی ظهوره، ذلک لعدم وجود فارق بین اللحظة الأولی والقادمة.
دعنی أفصل لک أکثر وأوضح:
علی ضوء آخر التحقیقات لفلاسفتنا القدماء والمعاصرین- فی بحث الحرکة الجوهریة وبحث النسبیة- فإنّ الزمان البعد السابع للأشیاء، وعلیه کما یمکن أن یختلف بعد شیئین من حیث الطول والعرض والعمق- أحدهما أکبر والآخر أصغر- کذلک یمکن أن یختلفا من حیث الزمان. وکما یستحیل کبر وصغر أی من أبعاد الجسم دون علة، فإنّ مقدار طول زمان وعمر الأشیاء والحوادث بحاجة إلی علة. إذن إن قلنا إنّ الشی‌ء لایحتاج فی بقائه إلی علة، کأننا قلنا إنّ الجسم الذی یبلغ طوله مئة متر إنّما یحتاج فی المتر الواحد إلی من یوجده والتسع وتسعون متراً الآخر تتولد تلقائیاً، فهل هنالک من یقر بهذا؟
وأمّا بشأن المثال السفسطائی «الساعة وصانعها» وأمثال ذلک فلابدّ من الإلتفات إلی أنّ الساعة إنّما تحتاج فی وجودها إلی علّة کما تحتاج فی دیمومة عمرها إلی العلة، فهی تحتاج فی وجودها إلی الصانع، أمّا فی دیمومة وجودها فإنّها تستمد ذلک من خصائص مکوناتها؛ أی الفلزات المستعملة فیها والتی تمنحها العمر، ومن هنا هنالک فارق فی عمر الساعات علی ضوء اختلاف موادها، وهذا دلیل واضح علی أنّها تحتاج العلة فی وجودها ودیمومتها.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 73
ونتوصل ممّا ذکرنا إلی نتیجة واحدة: کما یتطلب حدوث وظهور الشی‌ء علة، فإنّ دیمومته تحتاج إلی علة أیضاً- سواء کانت علة الظهور ذاتها علة الدیمومة أم غیرها- ومن أنکر الحاجة إلی علة فی دیمومة الحیاة، فقد تنکر لقانون العلیة.
ونرکز الآن علی الجانب الثانی من الشبهة الذی یمثل جوهرها (لابدّ من التأمل) قد یقول البعض: نعترف أنّ کل نظام یحتاج إلی علة فی بدایة ظهوره وفی استمرار حیاته، ولکن لا یلزم أن تکون علة «الحدوث» هی ذاتها علة «البقاء» فما المانع أن یکون المبدأ الأصلی لعالم الوجود قد خلق العالم علی أساس العلم والإرادة، وقد نظم سلسلة العلل والمعالیل الطبیعیة والمنسجمة بحیث یمکنه مواصلة حیاته بصورة تلقائیة؟ کما قیل فی مثال الساعة حیث یصنعها عالم من مواد قویة وتستمر فی عملها بعد وفاته- وبالنتیجة فإنّ عالم الوجود بحاجة فی حدوثه إلی اللَّه، لکن دوام بقائه یتوقف علی سلسلة من العلل الطبیعیة والحرکات الجبریة.
إن ورد السؤال بهذه الصیغة، فلابدّ أن یقال فی الجواب: بالنظر إلی أنّ الزمان هو البعد الرابع للأشیاء، یعنی أنّ کل موجود طبیعی وآثاره تجتاز کل لحظة مرحلة جدیدة من الوجود، بل فی کل لحظة وجود جدید غیر الوجود الأول وغیر الوجود اللاحق، وبعبارة أخری فإنّ العالم مجموعة من الحوادث والصیرورات، وفی هذه الحالة تتضح حاجة الموجود الطبیعی وبقاء خواصه إلی وجود العلة فی کل لحظة؛ علة وجودها أزلی وأبدی وتابع من ذاتها، لا علة تحتاج بدورها إلی علة (لابدّ من التأمل).
ودعنی أوضح حقیقة الموضوع بمثال: لو تأملنا المصباح الکهربائی، فهذا المصباح یحتاج إلی تیار کهربائی، لکن هل یحتاج فی اللحظة الأولی فقط إلی هذا التیار؟ طبعا لا، لأنّ هذا المصباح سینطفئ فوراً أنّ قطعنا عنه التیار ولو للحظة عابرة ولزالت جمیع آثاره من قبیل الضوء والحرارة. ولعل المصباح یستمد طاقة کهربائیة من سلک، ولکن نعلم بأنّ السلک بذاته لا یحتوی علی کهربائیة وهو الأخر یحتاج إلی مصدر کهربائی؛ وعلی هذا الأساس
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 74
نقول إن جمیع موجودات هذا العالم وخواصها وآثارها تحتاج کل لحظة إلی مبدی‌ء أزلی لتستطیع مواصلة بقائها؛ لأننا نعلم بأنّ وجود کل هذه الکائنات لیس من ذاتها؛ فکلها حادثة ومسبوقة بعدم. ونظام هذا العالم أیضاً یعتمد علی علل طبیعیة، لکن هذه العلل لابدّ أن تستبدل إلی علة أزلیة. أی أنّ نور الوجود لابدّ أن یصلها کل لحظة من ذلک المبدأ الأزلی، ولو قطع عنها لحظة لانعدمت. وهذا ما نعبر عنه بأنّ اللَّه فی کل مکان ومع جمیع الأشیاء، ولیس لهذه الأشیاء من دیمومة لوجودها بدونه ولو للحظة. وعالم الوجود لیس عالماً أزلیاً وأبدیاً، بل عالم حادث یستند إلی وجود أزلی وأبدی، وهذا الاستناد جزء من ذات هذا العالم علی غرار استناد المصباح الکهربائی للتیار والذی یعتبر جزء ذاته.
والخطأ الوارد فی قضیة صناعة الساعة هو أنّ الصانع لم یصنع قط موادها الأصلیة، بل رتبها بهذا الشکل، ولو کان صانعها الأصلی الذی أوجدها من العدم لزالت هذه المواد بزواله، وقس علی ذلک البناء والمعمار فهما لیسا صانعی مواد البناء، وإلّا لزالت بزوالهما. ولو أردنا شرح الموضوع علی أساس فلسفی لقلنا: إنّ العالم ممکن الوجود لا واجب الوجود؛ وعلیه فممکن الوجود یحتاج إلی واجب الوجود فی حدوثه وبقائه، ولو استغنی فی بقائه لأصبح واجب الوجود، بینما یستحیل تبدل «ممکن الوجود» إلی «واجب الوجود».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 76

القسم الثانی الأنبیاء والأولیاء

1 کیف یتکیف القانون الإسلامی الثابت مع العالم المتطور؟

سؤال:
هنالک حرکة تطور وإزدهار تعیشها المجتمعات، فکیف یمکن إدارة شؤون هذه المجتمعات المتغیرة بقوانین الإسلام الثابتة؟
الجواب:
یساور هذا السؤال ذهن کل فرد له أدنی معرفة بالعلوم الاجتماعیة ولمس عن قرب تغییر عادات وتقالید وتقنیة المجتمعات. وناهیک عن ذلک، فإنّ هذا السؤال من بین الأسئلة التی طرحت بشأن خاتمیة النبوّة فی الإسلام، وقد وردت أبحاث مسهبة بهذا الشأن من قبل العلماء الأعلام، کما تضمّنت المدرسة الإسلامیة عدداً من هذه الأبحاث. «1»
ولعل هذا السؤال بعض الإیرادات التی أثارها بعض المسیحیین. فمثلًا البروفسور «جان الدر» أورد هذا السؤال فی مقام إلتماسه العذر لعدم إتیان المسیح بالقوانین الاجتماعیة للبشریة فی مقدمة کتابه «تراث الکتاب المقدس» وقال: لا یمکن إدارة المجتمعات المتطورة بسلسلة من القوانین الأبدیة، ومن هنا فوّض المسیح للمجتمعات سن
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 78
قوانینها لتکیفها مع عجلة الزمن.
وکأنّ هذا البروفسور «جان الدر» أراد أن یدافع عن نقص المسیحیة الراهنة ویتعرض للإسلام الذی یتبنی القوانین والمقررات الاجتماعیة. والحق أنّ أنصار المسیحیة عجزوا عن تقدیم تفسیر منطقی لإفتقار المسیحیة الراهنة لإطروحة جامعة للحیاة. علی کل حال ما ینبغی أن یقال فی جواب هذا السؤال أنّ فی الإسلام نوعان من القوانین:
1- قوانین ثابتة وعامة وبالتالی أبدیة ودائمیة ولیس للتغییر من سبیل إلیها.
2- قوانین متحرکة ومتطورة تتماشی وتغیر الظروف والمقتضیات، والمهم بیان ملاک القوانین الثابتة والمتغیرة وتمییزهما عن بعضهما.
التوضیح: أن القوانین الثابتة والتی تأبی التغییر وقد نصت علیها المصادر الفقهیة الإسلامیة إنّما تتعلق بذلک القسم من القضایا الأخلاقیة والشؤون الاجتماعیة والحقوق المدنیة والجزائیة التی تستند إلی الاصول الفطریة والغرائزیة الإنسانیة الثابتة والتی تشترک فیها کافّة المجتمعات البشریة- أمّا تلک السلسلة من المقررات المرتبطة بالشرائط الزمانیة والمکانیة الخاصة والنسبیة فی المجتمعات، فقد تکفّلت القوانین الإسلامیة بطرح المبادئ الکلیة، والتی یتمّ تعیین جزئیاتها من قبل المعنیین المسلمین علی ضوء حاجة المجتمعات والأمم. ولتوضیح نماذج هاتین الحالتین وبیان ملاک القوانین الثابتة والمقررات المتغیرة، لابدّ من الإلتفات إلی الآتی:
إنّ لکل إنسان- بغض النظر عن الظروف الزمانیة والمکانیة المختلفة- غرائز ومتطلبات تعکس وتبیّن وجوده وتمیزه عن الحیوانات، وهذه الغرائز- والتی یصطلح علیها بالأمور الفطریة- تشکل جزءاً من حقیقة وجوده والتی لا یعتریها التغییر بفعل الزمان. فمثلًا الإنسان موجود اجتماعی خلق لأن یعیش بصورة جماعیة. کما یحتاج فی حیاته إلی تشکیل أُسرة ویتعذر علیه دون هذا المجتمع المصغر ممارسة حیاته. وبناءً علی هذا فإنّ المبدأین؛ أی حیاة الإنسان فی ظل هذا المجتمع «الکبیر» و «الصغیر» تشکلان جزء حقیقته الوجودیة ولا تنفصلان عنه قط؛ وعلی هذا لابدّ من ثبات القوانین المتعلقة بإقرارالنظم وبسط العدالة
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 79
الاجتماعیة والعلاقات الحقوقیة للأفراد ووظائف الزوج والزوجة إزاء بعضهما؛ ذلک لأنّ قضیة «اجتماعیة» الإنسان لن تتأثر بفعل التطورات التی تجتاح حیاة المجتمعات البشریة؛ وعلیه فالقوانین التی تتعامل مع مسألة اجتماعیة تأبی التغییر بأی شکل من الأشکال. إلی جانب ذلک فإنّ حیاة الإنسان قائمة علی أساس قانون التکامل خلافاً لسائر الکائنات والأحیاء التی تعیش بصورة جماعیة کالنحل والنمل، ومن هنا فإنّ القوانین المتعلقة بأصول تکامل المجتمع لابدّ أن تکون ثابتة ولا تعرف من معنی للتغییر.
والعلاقة القائمة بین الوالدین والأطفال علاقة فطریة وطبیعیة، فالقوانین التی تسن بهذا الخصوص- کالإرث والتربیة- لابدّ أن تکون ثابتة وأبدیة. وهنالک العدید من هذه النماذج التی تدل علی أنّ الفطرة والغرائز المتأصلة لدی الإنسان تشکل محور القوانین الإسلامیة، صحیح أنّ صورة المجتمع تشهد تغیّراً کل عصر، لکن إنسان القرن العشرین هو نفسه إنسان القرن العاشر من حیث الفطرة والغریزة والدوافع الطبیعیة الثابتة، وأنّ غرائزه وخصائصه الوجودیة تأبی التبدل والتغییر. وعلی هذا الأساس وضع الإسلام مقرراته الثابتة فی هذه المجالات من قبیل حقوق أبناء المجتمع وعلاقاتهم الاجتماعیة والروابط الأُسریة والزواج والتجارة والأمور المالیة. وبغض النظر عن ذلک فإنّ هنالک سلسلة من المصالح والمفاسد الفردیة والاجتماعیة الثابتة التی لا یعتریها التغییر مع مرور الزمان، فلابدّ لهذه الأمور من قوانین ثابتة؛ علی سبیل المثال أنّ الکذب والخیانة والتحلل والتفسخ الأخلاقی سیئة علی الدوام ممیتة لروح المجتمع.
ومن هنا فإنّ حرمتها أن تکون أبدیة ودائمیة، ذلک لأنّ المجتمع قد یعیش حالة من الرقی والتطور إلّاأنّ أضرار هذه الأفعال لا تتبدل؛ کما أنّ القوانین ذات الصلة بتهذیب النفس والفضائل الأخلاقیة والملکات النفسیة کالقیام بالتکلیف والحس الإنسانی ورعایة العدل ومئات الخصال ینبغی أن تکون أبدیة ودائمیة ولیس للتغییر والتبدل من سبیل إلیها.
وعلیه فإنّ القوانین الواردة بشأن هذه المسائل وأمثالها والتی سنّت قبل ألف واربعمئة سنة علی ضوء الفطرة والغرائز البشریة بالاستناد إلی واقعیة خاصة ترتکز علی معرفة حقیقة
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 80
الإنسان وتقییم غرائزه سوف تتمکن من إدارة المجتمع الراهن والمجتمعات القادمة علی أحسن ما یرام. هذا بشأن القوانین الثابتة.
إضافة إلی الغرائز الثابتة والمتجذرة لدی الإنسان هنالک بعض الأمور التی تتأثر بالظروف الزمانیة والمکانیة وتتغیر تبعاً لتغیرها. وعلیه فلابدّ أن تکون المقررات ذات الصلة بهذه الأمور متغیّرة؛ وعلی هذا الأساس فإنّ الإسلام لم یضع أحکاماً معینة لهذا النوع من المواضیع، فهی متکیفة والظروف المستجدة. طبعا تغیر هذه المواضیع وتبدلها لا یعنی عدم شمولها بأی قانون، بل لابدّ من استخراج هذا القسم من المقررات من خلال سلسلة من المبادئ الکلیة. ونستعین ببعض الأمثلة لتوضیح حقیقة الموضوع:
مثلًا لا یمکن للحکومة الإسلامیة أن تتخذ موقفاً معیناً فی ارسائها لعلاقاتها مع البلدان الخارجیة، فقد تتطلب الظروف أحیاناً التعامل والانطلاق من الصداقة والود وإشاعة أواصر الصداقة وتعزیز العلاقات التجاریة، بینما تقتضی بعض الظروف حالة من التشدد بما فی ذلک قطع العلاقات وایقاف التبادلات التجاریة وتعلیقها لمدّة من الوقت، ولعل أبرز مصداق لذلک قضیة تحریم التنباک التی لجأ إلیها أحد کبار المراجع إزاء دولة استعماریة محتکرة.
کما لیس للإسلام من أحکام خاصة بشأن المسائل الدفاعیة ونوع الأسلحة الحربیة وکیفیة التعامل مع استقلال البلاد وسیادتها والحیلولة دون طمع الأعداء فیها: بل لابدّ أن تتعامل الحکومة الإسلامیة مع بعض المقررات والأحکام علی ضوء الأوضاع والظروف القائمة وتتخذ کل ما من شأنه ضمان مفاهیم الإسلام.
وعلی هذا الأساس فإنّ الإسلام وضع أصلًا کلیاً بشأن تقویة البنیّة الدفاعیة دون الخوض فی نوع الأسلحة والتکتیک فقال: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ...» «1»
. وقوله فی ذیل الآیة من ضرورة أعداد القوّة یهدف إلی بیان المصداق السائد آنذاک، وذلک لأنّ أقوی وسیلة آنذاک کانت الخیول. کما لم یضع مقررات بشأن القضایا المرتبطة بالثقافة
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 81
وتطویر العلوم وکیفیة حفظ الأمن القومی وبسط الإستقرار و ... وأوکل ذلک إلی الحکومة الإسلامیة. فقد اکتفی الإسلام بالحث علی تعلم العلوم النافعة وطالب بتنمیة الثقافة الإسلامیة والإنسانیة، ذلک لأنّ وسائل طلب العلم وکیفیة النهوض به متغیرة علی ضوء الظروف الزمانیة والمکانیة وتطور الأوضاع. وهنا لابدّ من الإلتفات إلی أنّ تشخیص الأحکام الثابتة من المتغیرة من اختصاص مراجع الدین، ولا یمکن لأی‌شخص ابداء وجهة نظره بهذه الأمور دون الرجوع إلی العلماء الأعلام.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 83

2 القرآن وختم النبوة

کیف یشهد القرآن علی ختم النبوّة بنبی الإسلام؟
سؤال:
یسأل أغلب الأفراد أنّ مسلمی العالم یجمعون علی أساس کتابهم السماوی علی أنّ النبی الأکرم صلی الله علیه و آله هو خاتم الأنبیاء وآخر السفراء الذین بعثوا لهدایة البشر، وان دینه وکتابه و قرآنه هو آخر الأدیان والکتب السماویة. نرجو أن تبیّن لنا أین صرح القرآن بختم النبوّة بغیة غلق الباب علی الشکوک التی ربّما تساور أذهان الأفراد المغرضین.
الجواب:
لابدّ من الإلتفات بادئ ذی بدء إلی أنّ الشرائع السماویة وإن بدت للوهلة الأولی کشرائع مختلفة فیتصور الإنسان أنّ أدیاناً متعددة عرضت علی البشریة وأنّها منفصلة عن بعضها البعض الآخر ولا تشترک فی بعض المبادئ والأصول؛ إلّاأنّ حقیقة الأمر خلاف ذلک؛ فالواقع هنالک وحدة فی شریعة نبی اللَّه نوح علیه السلام. «1» مع الشریعة التی نادی بها خاتم
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 84
الأنبیاء، کما أنّ هنالک الکثیر من جهات الشبه بینهما، وبالتالی جعلت جمیع الشرائع بمثابة شریعة واحدة مرتبطة مع بعضها تکاملت بمرور الزمان وتکاملت المجتمعات لتعرض فی نهایة المطاف علی البشریة بصیغة دین جامع یغنی البشریة عن أی تشریع وتقنین. ومن هنا أعلن القرآن الکریم منذ الیوم الأول أن لیس هنالک أکثر من دین شرّع للبشریة، هوالدین الإسلامی «1». وسوف لن یقبل من أی إنسان تبعیته لغیر هذا الدین «2».
کما فند القرآن الکریم أفکار تلک الطائفة التی نسبت إبراهیم بطل التوحید إلی الیهودیة أو النصرانیة وصرّح بأنّه کان مسلماً «3».
وبناءً علی هذا فالشرایع السماویة فی الحقیقة شریعة واحدة وقد تکاملت أثر تکامل المجتمعات البشریة وظهور المتطلبات العصریة، لتتبلور فی خاتمة المطاف بتلک الشریعة التی بعث بها خاتم الأنبیاء، والواقع نستطیع أن نشبه هذه الشرایع بالصفوف التی تبدأ بالمدرسة الابتدائیة وتنتهی بدراسة الدکتوراه.
أدلّة ختم النبوة:
تعتبر مسألة خاتمیة النبی الأکرم صلی الله علیه و آله للأدیان من وجهة نظر علماء المسلمین من
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 85
ضروریات الدین الإسلامی المقدّس، والتی یدرکها حتی الفرد الأجنبی بفعل اتصاله بالمجتمعات الإسلامیة، ویستحیل وجود فرد یعیش فی الأوساط الإسلامیة ولم تطرق سمعه قضیة ختم النبوّة، وهذا بحدّ ذاته أحد الأدلة علی اختتام النبوّة بنبی الإسلام صلی الله علیه و آله.
ولو أغضضنا الطرف عن ضروریة هذه المسألة وإجماع المسلمین فی أنحاء العالم کافّة علیها، فهنالک بعض الآیات القرآنیة التی أشارت صراحة إلی هذه المسألة ومنها الآیة الشریفة: «مَا کَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّنْ رِّجَالِکُمْ وَلَکِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِیِّینَ وَکَانَ اللَّهُ بِکُلِّ شَیْ‌ءٍ عَلِیماً» «1»
. وللوقوف علی مفاد الآیة لابدّ من توضیح للفظ «الخاتم»؛ فالخاتم فی اللغة العربیة تطلق علی الأشیاء التی تختتم بها آخر الرسالة. فالختم فی الماضی یعادل توقیع الیوم، کما یعمدون فی الوقت الراهن إلی ختم الوثائق والکتب المهمّة بالإضافة إلی التوقیع، کما نری الختم شائعاً الیوم لدی دوائر الدولة والشخصیات الرسمیة. ویدل الختم بالإضافة إلی صحة سند ما ورد فی الکتاب علی اختتام السند أو الوثیقة، وبالتالی فإنّ اعتبار الکتاب یتوقف علی ختمه. کما کانوا فی السابق یستفیدون من القیر أو الطین الخاص «2» لأحکام غلق العلب التی تضم بداخلها بعض الأشیاء کالعسل والخل وأنواع السوائل، ثم یختمونه لیکون دلیلًا علی عدم التلاعب به «3».
وخلاصة القول فقد قیل فی المصادر العربیة بشأن تفسیر الخاتم: ما یختم به. وإن اطلق اللفظ فی العربیة علی الخاتم المعروف فذلک لأنّهم کانوا یختمون به فی السابق، ولاسیما السلاطین والملوک وزعماء القبائل الذین کانوا یخطون أسماءهم علی خواتمهم ویختمون به. وحین عزم النبی الأکرم صلی الله علیه و آله علی توسیع دعوته ومکاتبة السلاطین والملوک وإیفاد السفراء، أمر أن یعدوا له خاتماً وینقش علیه «محمد رسول اللَّه» وکان یختم به کل کتبه. «4»
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 86
وبناءً علی ما تقدم فإنّ المعنی الابتدائی للخاتم لیس ما یتختم به فی الید، بل مفاده الأولی الوسیلة التی یختم بها الکتاب والوثیقة والسند، وإن اطلق علی الخاتم المعروف لأنّهم کانوا یستفیدون منه فی عملین. وتنتشر الیوم العدید من الأختام فی البلدان العربیة التی تصنع من الفلزات والجلاتین والتی تستعمل فی ختم الکتب والوثائق الرسمیة.
وعلی هذا الأساس یتضح معنی «خاتم النبیین»؛ لأنّ مفاد ذلک أنّ محمد صلی الله علیه و آله شخصیة ختمت به أبواب النبوّة التی فتحت بوجه البشریة منذ زمان آدم حتی زمانه، وقد انتهی هذا الفیض الإلهی إثر غنی المجتمع البشری عن نبی ودین جدید، وکما یعلن بالختم انتهاء مضامین الکتاب، فقد أعلن ببعث نبی الإسلام صلی الله علیه و آله انتهاء هذا الفیض واختتام هذه النبوّة الإلهیة. وکأن وجوده بمثابة الختم الذی اختتم به هذا الباب وإلی الأبد.
التصرف المستهجن فی معنی الخاتم:
یبدو من المضحک ما أوردته بعض الفرق الضالة بشأن «خاتم النبیین» حیث حاولت اغواء اتباعها فی أنّ المراد من «خاتم» فی الآیة هو هذا الخاتم، والهدف من تشبیه النبی بالخاتم بیان مکانته بین سائر الأنبیاء؛ فکما یکون الخاتم زینة للید، فإنّ نبی الإسلام کان زینة لسائر الأنبیاء. ویبدو هذا التفسیر علی درجة من الضعف بحیث عمد زعیم هذا المسلک فی بعض کتبه إلی تفسیر الخاتم بمعناه الصحیح وهجر ذلک التأویل الشاذ «1». طبعاً لا یحق لمفسّر القرآن أن یبتدع ما یشاء من معانٍ للمفردات القرآنیة، ویتحتم علیه مراعاة الاستعمالات اللغویة السائدة لدی العرب؛ والحال لم ترد لفظة الخاتم فی العربیة بمعنی الزینة قط، فلا یقال أبداً: إنّ فلان خاتم أخوته، علی أنّه زینتهم، ولو کان الهدف کون النبی زینة الأنبیاء لانبغی أن تکون الاستعمالات الشائعة من هذا القبیل لیقال إنّ نبی الإسلام
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 87
«تاج» و «اکلیل» الأنبیاء. لقد فهم المسلمون هذا المعنی من لفظ الخاتمیة فبل أربعة عشر قرناً، کما ورد مثل هذا الاستعمال فی الروایات الإسلامیة.
فقد قال الإمام الصادق علیه السلام: «إنّ اللَّه ختم بنبیّکم النبیین، فلا نبی بعده، وختم بکتابکم الکتب فلا کتاب بعده، وأنزل فیه تبیان کل شی‌ء» «1»
. کما تصرف البعض الآخر عبثاً فی لفظ «الخاتم» فزعم أنّ الخاتم فی الآیة بمعنی الختم، لکن الهدف من وصف النبی الأکرم صلی الله علیه و آله بخاتم الأنبیاء هو تصدیق من سبقه من الأنبیاء؛ فکما یفید الختم صحة مضامین الکتاب، فإنّ نبی الإسلام یصدق دعوة جمیع الأنبیاء.
ولا یبدو هذا التغییر الأجوف أحسن من سابقه، صحیح أنّ الختم یشهد بصحة الکتاب، إلّا أنّ العرب لم تقل للشاهد خاتم، بحیث یقال الخاتم للشخص الذی یختم الرسالة أو یشهد علی حادثة.
وناهیک عمّا سبق فإنّ تصدیق الأنبیاء لیس من مهام نبی الإسلام، وکل نبی لاحق لا یصدق النبی قبله فحسب، بل یصدق جمیع من سبقه من الأنبیاء. فقد قال اللَّه تعالی علی لسان المسیح علیه السلام: «وَإِذْ قَالَ عِیسَی ابْنُ مَرْیَمَ یَا بَنِی إِسْرَائِیلَ إِنِّی رَسُولُ اللَّهِ إِلَیْکُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَیْنَ یَدَیَّ مِنَ التَّوْرَاةِ ...» «2»
، کما ینبغی أن نلتفت إلی أنّ الآیات القرآنیة الدالّة علی الخاتمیة لا تقتصر علی الآیة المذکورة، وهنالک العدید من الآیات التی صرحت بخاتمیة رسالة النبی الأکرم صلی الله علیه و آله وقد آثرنا عدم التعرض لها مراعاة للإختصار.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 89

3 هل کانت الشرائع السابقة ناقصة؟

سؤال:
نعلم أنّ الدین الإسلامی هو الدین الجامع والشامل للبشریة جمعاء ویلزم من هذا أنّ الأدیان السابقة کافّة بالنسبة للإسلام ناقصة، وهنا یرد هذا السؤال: کیف أنزل اللَّه للأقوام السابقة دیناً ناقصاً، واللَّه تبارک وتعالی منزّه عن إرسال دین ناقص؟!
الجواب:
تفید أدلة عمومیة وشمولیة الدین الإسلامی أن لا سبیل بعد بزوغ شمس الإسلام الذی یروم تکامل البشریة مادیاً ومعنویاً سوی باتباع هذا الدین. طبعاً کان کل دین من الأدیان السابقة فی عهده منهجاً حقاً لتکامل الإنسان وشده إلی اللَّه وقد طوی الإنسان مسیرته نحو السمو والتکامل الروحی والمعنوی فی ظل تلک الأدیان؛ إلّاأنّ ابلاغ الدین الإسلامی- بصفته الدین العالمی وخاتم الأدیان- أصبح من غیر الصحیح اتباع أی من الأدیان السابقة، ولیس لغیر هذا الدین من سبیل لإیصال الأمّة إلی تکاملها المطلوب. ولکن کان کل دین فی زمانه أکمل دین للناس.
وللتوضیح أکثر نقول: إنّ مجموع الأدیان السماویة بمثابة مختلف الصفوف فی کلیة
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 90
یخوضها الطالب الجامعی فی دراسته؛ فالذی یتعلمه الطالب الجامعی فی السنوات الأولی رغم أنّه أساس وصحیح فهو إعداد للصفوف والمراحل المتقدمة والتی تعدّ مکملة للمراحل السابقة. وبناءً علی هذا فإنّ دروس کل مرحلة تعدّ أفضل البرامج بالنسبة للطالب فی تلک المرحلة، ولو لم یکن لک (کأن تطبق دروس المراحل المتقدمة فی السنوات الأولی) فسوف لن تکون النتیجة سوی ضیاع الوقت؛ والعکس صحیح لو طبقت الدروس الأولی وعرضت علی طلبة المراحل المتقدمة.
فهل هنالک من یستطیع القول إنّ دروس المرحلة الأولی ناقصة، أم لابدّ من القول أنّ برامج ودروس کل مرحلة تعدّ أرقی الدروس بالنسبة للطالب فی تلک المرحلة، وکل ما یتعلمه هو إعداد المرحلة المتقدمة. وعلی هذا الأساس نحکم بأنّ الأدیان السابقة کانت کاملة فی وقتها لهدایة المجتمع وإیصاله إلی الکمال المطلوب. وبالطبع فإنّ نسخ الإسلام لما سبقه من أدیان وکونه الدین الجامع والشامل بالنسبة لسائر الأدیان لا یعنی أنّ تلک الأدیان لم تکن علی حق أو کانت ناقصة وغیر صحیحة؛ ذلک لاستحالة نقصان الدین الذی یصدر عن اللَّه الحکیم لهدایة البشر، بل کل دین فی عصره کامل وحق وکافٍ لإیصاله الأمّة آنذاک إلی مرتبة السمو والکمال.
لکن لابدّ من التفکیر فی الإنسان المتکامل والذی ینشد بلوغ ذروة الکمال المادی والمعنوی وفسح المجال أمامه لیسلک سبیلًا یمکنه من نیل ذلک التکامل. وعلی هذا الضوء توالت الأدیان السماویة الواحد تلو الآخر لتهذیب الإنسان فی مختلف المراحل لتختتم بالدیانة الإسلامیة التی تتربع علی عرش تکامل الأدیان.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 91

4 دین أجداد نبی الإسلام صلی الله علیه و آله‌

سؤال:
ماذا کان دین آباء و أجداد النبی الأکرم صلی الله علیه و آله، وما المراد من قولهم أنّهم کانوا علی دین إبراهیم الخلیل علیه السلام، ولماذا لم یعتنقوا دین المسیح؟
الجواب:
علی ضوء المدارک والأخبار التی وصلتنا عن الأئمّة علیهم السلام فإنّ آباء النبی الأکرم صلی الله علیه و آله کانوا موحّدین جمیعاً، وهذا المراد من کونهم علی ملّة إبراهیم علیه السلام؛ لأنّ إبراهیم کان أحد أبطال التوحید الرافضین للشرک والوثنیة، وجهاده واضح فی سبیل التوحید والعبودیة ونبذ الشرک والوثنیة، ومن هنا نعتنا القرآن نحن المسلمین باتباع إبراهیم رغم تبعیتنا للشریعة الإسلامیة ومراده من ذلک التوحید الخالص.
والدین الوحید الذی کان سائداً فی الحجاز والقبائل العربیة وله اتباع هو دین إبراهیم علیه السلام؛ بل کانت بعض سنن إبراهیم شائعة بین الوثنیین، وتصطلح العرب علی دین إبراهیم بالدیانة الحنفیة؛ بینما لم تکن الدیانة الیهودیة والنصرانیة تتمتع بذلک النفوذ فی الحجاز، وکانت أقلیة یهودیة ونصرانیة تقطن فی المدینة وخیبر والیمن، وعلی أساس هذه
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 92
القرائن یمکن القول إنّ آباء النبی الأکرم صلی الله علیه و آله وأجداده کانوا علی دین إبراهیم علیه السلام.

5 هل کان نبی الإسلام صلی الله علیه و آله یقرأ ویکتب؟

سؤال:
کتب السید عبد اللطیف رئیس معهد المطالعات الثقافیة فی مقاله بشأن النبی الأکرم صلی الله علیه و آله أعرب فیها عن اعتقاده المعزز بالأدلة بأنّ النبی الأکرم صلی الله علیه و آله کان یقرأ ویکتب قبل البعثة وما تسالم علیه المسلمون من أنّه أمّی ظلم فاحش، فهل هذا الکلام صحیح؟
الجواب:
نری قبل مناقشة أدلة الکاتب المذکور ضرورة توضیح مراد المسلمین من أمّیة النبی الأکرم صلی الله علیه و آله بغیة إزالة الشبهات الواردة بهذا الشأن.
1- إننا نعتقد أنّ: النبی صلی الله علیه و آله کان أکمل البشریة علماً وعملًا، وکتابه السماوی وقوانینه وأحکامه ومواعظه ونصائحه وکافّة تعالیمه شهادة حیة علی علومه ومعارفه الدینیة الخارقة.
2- ونعتقد أیضاً أنّ: النبی صلی الله علیه و آله کان ملماً بأسرار عالم الخلقة والقوانین کافّة التی تحکم عالم الوجود، الأمر الذی لا ینکره القاصی والدانی فضلًا عن المسلمین کافّة.
3- ونعتقد أیضاً أنّ: ذلک النبی العظیم إنّما استلهم عن طریق الوحی الکمالات کافّة
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 94
وتعلم کل هذه الدروس والمعارف فی مدرسة النبوة ولم یتتلمذ قط علی ید معلم ویأخذ عنه العلم؛ ذلک لأنّ النبوة لیست نبوغاً فردیاً واجتماعیاً یمکن الحصول علیه عن طریق التعلیم والتعلم، بل هی هبة إلهیّة تمنح لمن یستحقها من العباد.
4- والمسلمون علی ضوء الأقرار بما ذکر یقولون: إنّ النبی الأکرم صلی الله علیه و آله کان أمّیاً، ویقصدون بالأمّی أنّه لم یتعلم ویتتلمذ، لا أنّه لم یکن ذا علم ومعرفة، ولعل الخطأ یکمن هنا، لأنّ «عدم التتلمذ» لا یعنی عدم کسب العلم، فالأنبیاء العظام لم یتعلموا لدی أحدٍ من البشر، لکنّهم کانوا أعظم المعلمین فی عالم الإنسان. فآدم علیه السلام لم یتعلم لدی أحد، إلّاأنّ القرآن الکریم کان یصرّح بأنّه معلم الملائکة (ورد تفصیل هذا الموضوع فی الآیات 28- 32 من سورة البقرة). فإن کان المراد من تعلم النبی سعة إطلاعه وکمال علمه عن طریق الوحی، فهذا ما صدقه جمیع المسلمین، وإن کان المراد تتلمذه کالآخرین علی ید اساتذة فإنّ الحیاة العظیمة للنبی وصریح آیات القرآن ترفض ذلک تماماً.
5- یعتقد المسلمون أنّ: النبی الأکرم صلی الله علیه و آله لم یقرأ کتاباً قبل بعثته ولم یکتب صفحة، وقد أشار القرآن إلی هذا الموضوع صراحة فی الآیة 48 من سورة العنکبوت: «وَمَا کُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ کِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِیَمِینِکَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ» وسیرد تفصیل هذا المطلب فی الردّ علی أدلة الکاتب.
هل کان النبی صلی الله علیه و آله یقرأ ویکتب بعد البعثة أم لا؟ لیس هنالک من رأی قاطع مئة بالمئة بهذا الشأن، والمشهور أنّه صلی الله علیه و آله کان عملیاً لا یقرأ ولا یکتب، وکان الآخرون هم الذین یتولون کتابة الکتب والرسائل التی کان ینشئها وهذا ما تؤیده الروایات الإسلامیة. نعم یعتقد بعض الأعلام أنّ عدم قراءة النبی وکتابته لیست دلیلًا علی عدم قدرته علی الکتابة والقراءة، ذلک لأنّ القراءة والکتابة من الکمالات التی لا یستطیع أحد أن یزعم أنّ النبی صلی الله علیه و آله کان فاقداً لذلک الکمال وإن لم یستعمله.
وقد صرّح العلّامة المجلسی رحمه الله فی البحار فی فصل «الحدیبیة» أنّه لیس هنالک من شک فی قدرة النبی صلی الله علیه و آله علی القراءة والکتابة، فکیف لا یحیط علماً بهذه الحروف من له کل هذه
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 95
المعجزات والکرامات والعلوم والمعارف «1».
ونخوض الآن فی هذا الموضوع وهو: هل تثبت أدلة ذلک الکاتب الهندی أنّ النبی الأکرم صلی الله علیه و آله کان متعلماً؟ وهل تثبت أنّه کان قادراً قبل وبعد البعثة علی القراءة والکتابة وهل استغل تلک القدرة أم لا؟
نخوض الآن فی أدلة الکاتب المذکور:
1- یقول: لقد ظن بعض المفسّرین بغیة إثبات قدسیة کتاب اللَّه وعدم تصرف النبی صلی الله علیه و آله فیه إلی أنّه لم یکن یحسن القراءة والکتابة، والحال من بعث من جانب اللَّه لا یتصرف مطلقاً فی کلام اللَّه سواء کان متعلماً أم غیر متعلم.
الجواب: إنّ هذا الکلام عجیب ولیس هنالک مثل هذا الرأی فی المصادر المعتبرة لعلماء الدین، وسمو الأنبیاء الروحی والذی یصطلح علیه بالعصمة هو المانع الحقیقی من تصرفهم فی کلام اللَّه لا فقدانهم للعلم. نعم ذهب بعض المسلمین علی ضوء الآیة الشریفة «الَّذِینَ یَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِیَّ الْأُمِّیَّ ...» «2»
. إلی تفسیر الأمّی بالمعنی المذکور. وقد ارتکب الکاتب خطأین فی تفسیره لمعنی «الأمّی» وعلة وصف النبی الأکرم صلی الله علیه و آله بهذه الصفة؛ الأول أنّه اعتقد أنّ سبب اعتبار النبی أمّیاً کان حفظ القرآن من التصرف من قبل النبی صلی الله علیه و آله، والحال کانت العلة غیر ذلک؛ والثانی تصوره أنّ معنی الأمّی هو عدم القراءة والکتابة، والحال معنی الأمّی عدم التتلمذ وعلی ضوء اصطلاح اللغویین (من لا یقرأ ولا یکتب» «3» والفارق بین المعنیین کبیر جدّاً.
2- یقول: وصف القرآن النبی بالقول «وَیُعَلِّمُهُمْ الْکِتَابَ وَالْحِکْمَةَ ...». «4»
ولعل أدنی ما یلزم من یرید تعلیم الآخرین مضمون کتاب أن یمسک بالقلم ویکتب، أو علی الأقل یقرأ ما خط بالقلم.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 96
الجواب: یمکن أن یقال إنّ النبی صلی الله علیه و آله کان قادراً علی القراءة والکتابة- وإن لم یستفد من تلک القدرة حتی بعد البعثة الشریفة- لکن هذه الآیة لا تثبت مدعی الکاتب؛ لأنّ طریقة تعلیم الأنبیاء لیس علی غرار معلمی المدارس؛ فالنبی الأکرم صلی الله علیه و آله کان یمارس وظیفته الخطیرة (التعلیم والتهذیب) من خلال حفظه للآیات القرآنیة، وهذا الأسلوب فی التربیة والتعلیم لا یتوقف علی القراءة والکتابة علی ورق أو سبورة.
وخطأ الکاتب هنا فی أنّه تصور اسلوب الأنبیاء فی التربیة والتعلیم کنظیره لدی المعلمین والمدرسین، والحال کانت سیرة الأنبیاء- لاسیما سیرة رسول اللَّه صلی الله علیه و آله خلاف ذلک.
3- یقول: إنّ القرآن الکریم نصیر العلم والقلم حیث قال: «الَّذِی عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ یَعْلَمْ» «1»
حتی أنزل اللَّه إحدی السور القرآنیة فی مکة واسماها سورة «القلم»؛ وبناءً علی هذا فهل یعقل أنّ النبی اجتنب التعامل بالقلم وهو المأمور بتعلیم القرآن الذی یساند القلم!
الجواب: ذکرنا سابقاً أنّ القدرة علی القراءة والکتابة کمال یتصف به النبی، واستعماله وممارسته کمال آخر، إلّاأنّه صلی الله علیه و آله کان یتحفظ عن القلم علی أساس بعض المصالح الکبری.
فلو کان رسول اللَّه صلی الله علیه و آله یطالع کتاباً ویکتب رسالة لتذرع خصوم الدعوة ومنکرو النبوة بأنّ رسالته التوحیدیة وکافّة تعالیمها وأحکامها إنّما أفرزته مطالعاته ومتابعاته لکتب الماضیین ولا تمت بصلة للَّه‌والوحی والعالم الآخر.
وقد أشار القرآن صراحة إلی هذه الحقیقة فقال: «وَمَا کُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ کِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِیَمِینِکَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ» «2»
ورغم السیرة النبویة التی تشهد بعدم تعلمه فإنّ طائفة من الیهود اتهمته بالتعلم من غیره ومطالعته لکتب الماضین: «وَقَالُوا أَسَاطِیرُ الْأَوَّلِینَ اکْتَتَبَهَا فَهِیَ تُمْلَی عَلَیْهِ بُکْرَةً وَأَصِیلًا* قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِی یَعْلَمُ السِّرَّ فِی
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 97
السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ کَانَ غَفُوراً رَحِیماً» «1»
فلم یسلم صلی الله علیه و آله من هذه التهمة رغم مجانبته للقراءة والکتابة؛ ولو افترض مطالعته للکتب وکتابتها لکانت حربة بید خصوم الدعوة ولقالوا فیه ما شاءوا! یذکر أنّ النبی صلی الله علیه و آله توقف لدقائق حین کان فی الثانیة عشرة من عمره مع قافلة قریش عند راهب خلال مسیرته إلی الشام وقد استغل المستشرقون ذلک فأقاموا الدنیا واقعدوها لیزعموا بکل وقاحة أنّ محمداً إنّما تعلم کل هذه الحقائق من ذلک الراهب خلال تلک المدة الوجیزة.
4- یقول: قال القرآن بشأن النبی صلی الله علیه و آله: «رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ یَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً» «2»
فظاهر الآیة یشیر إلی أنّ تلاوته للقرآن من خلال القراءة لا الحفظ.
الجواب: ممّا لا شک فیه أنّ حامل الوحی (جبرئیل) لم یکن یتلو القرآن قراءة، وکان یلقیه علی القلب الطاهر للنبی (دون أن تکون هناک کتابة) حیث قال تعالی: «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِینُ* عَلَی قَلْبِکَ لِتَکُونَ مِنَ الْمُنذِرِینَ» «3»
ولابدّ أن یری هنا تلک الکتابة التی زعم الکاتب المذکورکان النبی صلی الله علیه و آله یقرأها ماذا کانت؟ فهل سلم جبرئیل الأمین النبی کتابة؟
طبعاً هذا الأمر یتعارض صراحة مع الآیة المذکورة؛ ذلک لأنّ قلب النبی وروحه القدسیة کانت مرکز نزول القرآن؛ فإمّا کان النبی یکتب، أو کان یملی والآخرون یکتبون وکان النبی صلی الله علیه و آله یتلو من خلال القراءة؟ قطعاً أنّ النبی کان یحفظ ما تنزل علیه من آیات.
فبإذن اللَّه لم یکن بحاجة لأن یکتب أو یملی ویکتب له آخر، وکتاب الوحی إنّما کانوا یکتبون القرآن لهم وللآخرین لا للنبی صلی الله علیه و آله. ومن هنا لم یرد فی التواریخ والسیر أنّ النبی الأکرم صلی الله علیه و آله کان یکتب القرآن، أو یأمر بأن یکتبوا له القرآن ویقرأه. وعلی هذا الأساس فإنّ
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 98
المراد من تلاوة الصحف المطهرة فی الآیة هی التلاوة حفظاً، وتلاوة الصحیفة والذی یصطلح علیه ب «تلاوة الکتاب» تستعمل بکلا المعنیین- کتابة وحفظاً- فی العرف واللغة.
وبناءً علی هذا فلفظ «التلاوة» لیس دلیلًا علی القراءة والکتابة، ومن ذلک أننا نقول لمن یقرأ حفظاً لبعض أشعار المتنبی أنّه قرأ بضع أبیات من القصیدة الفلانیة، کما نقول قرأ فلان البیان الذی اصدرته المؤسسة الدینیة بمناسبة کذا وکذا، والحال لم یقرأه من خلال کتابة وکان یحفظه حفظاً. والآیة المذکورة علی غرار سائر الآیات النازلة بشأن النبی والتی تصفه بأنّه «یَتْلُوا عَلَیْهِمْ آیَاتِهِ ...» «1»
وتتضح هذه الحقیقة سیما بالإلتفات إلی سیرة النبی الذی کان دیدنه تلاوة القرآن حفظاً.
5- ذکر الکاتب المذکور طائفة من الروایات والنصوص التاریخیة تحت عنوان (النبی معلم) فی أنّ النبی صلی الله علیه و آله ساند العلم والمعرفة والکتابة؛ علی سبیل المثال أوجب طلب العلم وجعله فریضة علی کل مسلم ومسلمة، حتی فضل طلاب العلم علی المستغرقین فی العبادات المندوبة، فبنی المراکز التعلیمیة «الصفة» التی کان یتعلم فیها المسلمون، وطلب من أسری معرکة بدر اطلاق سراحهم مقابل تعلیم کل أسیر منهم لعشرة من المسلمین.
ثم خلص بعد ذلک إلی هذه النتیجة: هل هناک من یعتقد أنّ ذاک الزعیم الذی یعیش کل هذا الحرص علی العلم والتعلیم أن یحرم نفسه من معطیات القراءة والکتابة؟!
الجواب: کل ما نقله الکاتب المحترم من الشواهد التاریخیة والمصادر الإسلامیة صحیح، لکنها لا تثبت مدّعاه (فی أنّ النبی صلی الله علیه و آله کان یقرأ ویکتب قبل وبعد البعثة)؛ ذلک أن هنالک عدّة طرق وأسالیب لیست خافیة علی احد فی مساندة الإسلام للعلم والمعرفة.
والبحث هل استغل النبی الأکرم صلی الله علیه و آله قبل وبعد البعثة تلک القدرة لیمارس القراءة والکتابة خلافاً لما صرحت به الآیة 48 من سورة العنکبوت؟ وهل کان اسلوب تعلیم النبی علی غرار المعلمین المعاصرین الذین یدرسون من خلال الکتاب؟ أم کان اسلوبه التعلیمی علی ضوء تلاوة الآیات القرآنیة وتعلیم الحلال والحرام وافاضة التعالیم الإسلامیة واسداء النصح والإرشاد؟ للوقوف علی المزید بشأن (أمّیة) النبی صلی الله علیه و آله یمکن الرجوع إلی کتاب (بین یدی مدرسة الوحی) الذی یخوض بالتفصیل فی هذه القضیة.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 99

6 ما کان الهدف من معراج النبی صلی الله علیه و آله؟

سؤال:
استهلت سورة الإسراء بالآیة الشریفة: «سُبْحَانَ الَّذِی أَسْرَی بِعَبْدِهِ لَیْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَی الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِی بَارَکْنَا حَوْلَهُ لِنُرِیَهُ مِنْ آیَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِیعُ الْبَصِیرُ» «1».
لماذا عرج اللَّه بنبیّه المصطفی صلی الله علیه و آله؟ فلو قلنا إنّ اللَّه أراد أن یریه مکانه، فذلک لیس بالصواب، لأنّ اللَّه لا یحویه مکان وهو فی کل مکان؛ وإن کان المراد تعریفه بالکواکب والمجرات وأبرز مناظر عالم الخلقه، فالقضیة لا تخلو من إشکال؛ ذلک لأننا نحن المسلمون نؤمن بأنّ النبی الأکرم صلی الله علیه و آله والأئمّة علیهم السلام کانوا یعلمون بکل شی‌ء وکل مکان.
الجواب:
أولًا: لابدّ من الإلتفات إلی أنّ الآیة الأولی من سورة الإسراء تسکت عن عروج النبی الأکرم صلی الله علیه و آله إلی السموات لتقتصر علی حرکة النبی الأکرم صلی الله علیه و آله من المسجد الحرام إلی المسجد الأقصی، ولکن یمکن استفادة هذا المطلب من آیات أخری کالآیات الشریفة:
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 100
«عَلَّمَهُ شَدِیدُ الْقُوَی ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَی وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَی ... عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَی عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَی إِذْ یَغْشَی السِّدْرَةَ مَا یَغْشَی مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَی لَقَدْ رَأَی مِنْ آیَاتِ رَبِّهِ الْکُبْرَی «1»
فهذه الآیات تتحدث صراحة عن عروج النبی صلی الله علیه و آله إلی السماء، إلّاأنّ الإیة الأولی من سورة الإسراء تتحدث عن بدایة هذه المسیرة التی حصلت علی الأرض، وکان الهدف من هذه المسیرة (کما وردت الإشارة فی الطائفتین من الآیات المذکورة) إلی رؤیة آیات اللَّه الکبری فی عالم الخلق.
ومن البدیهی أنّ تلک المشاهدة مشاهدة حضوریة ولا یمکن لموجود له جسم أن یعیش المشاهدات الحضوریة إلّابحضوره عند الموجود الذی یرید مشاهدته، وما ذکرته من أنّ النبی صلی الله علیه و آله عالم بکل شی‌ء بدون العروج إلی السموات فإنّ هذا العلم یختلف تماماً عن المشاهدة عن قرب، وبالضبط کاطلاعنا علی حادثة تقع فی منطقة بینما لم نکن فی موقع الحادثة فنراها بأم أعیینا، طبعاً هنالک تأثیر أعمق فی وجود الإنسان للحضور فی الموقع ومشاهدة الحادثة، بینما لیس هنالک مثل هذا التأثیر بفعل العلم الغیبی.
وبناءً علی هذا فإنّ اللَّه تعالی أراد لنبیّه الأکرم صلی الله علیه و آله أن یری عن قرب آثار عظمته ویفیض معرفة علی قلبه المقدسّ، ولو تصور شخص أنّ النبی الأکرم صلی الله علیه و آله کان یستطیع أن یری من الأرض بهذه العین المجرّدة آثار عظمة اللَّه فی العوالم العلیا لکان مجانباً للصواب ومخالفاً للحقیقة؛ فقد کان للنبی من حیث الجسمیة خصائص الجسمانیات وعالم المادة، وهنالک حدّ معین لقدرة الرؤیة البصریة.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 101

7 هل یستطیع الشیطان النفوذ إلی الأنبیاء؟

سؤال:
أعلن القرآن الکریم صراحة أنّ اللَّه خاطب الشیطان لیس لک من سبیل إلی عبادی المخلصین، فی حین تسلل الشیطان إلی آدم علیه السلام واغواه! رغم أنّ آدم علیه السلام من عباده المخلصین ومن أصفیاء اللَّه، ومن المسلم به أنّ من نال مرتبة (صفی اللَّه) قد اجتاز مرحلة العبودیة الحقة؟
الجواب:
ما خاطب اللَّه به الشیطان أنّه لا یستطیع إغواء عباد اللَّه ویزین لهم الفواحش والحرمات وبالتالی سوقهم إلی الکفر والمعصیة. والفعل الذی صدر من آدم علیه السلام فی الجنّة لم یکن عملًا شیطانیاً، بل لم یکن أکثر من ترک الأولی. والإنسان بصورة عامة هو الذی یسمح برغبته للشیطان بالتسلل إلی قلبه، وإلّا فلیس له من سلطان قسری علینا، والأنبیاء بالطبع لا یدعونه ینفذ إلی قلوبهم.
بعبارة أوضح: المراد من «سلطان» الشیطان هو أن یستحوذ علی قلب الإنسان أثر ضعف إیمانه وعدم مبالاته، وبالتالی یزین له مقارفة الذنب، ولیس للشیطان مثل هذه
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 102
السلطة علی روح الأنبیاء القدسیة. وقضیة أکل آدم من الشجرة المحظورة کان من باب ترک الأولی، لا أنّها کانت محرمة علیه.
وقد کشف أعلام الطائفة بالأدلة العقلیة الواضحة عن عصمة الأنبیاء من الذنوب، ومن أراد الوقوف علی المزید بشأن قصة آدم علیه السلام وأدلة عصمة الأنبیاء فلیراجع کتاب (الزعماء العظماء).
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 103

8 عصمة الأنبیاء

اشارة

سؤال:
ما فلسفة عصمة الأنبیاء، وهل عصمتهم هبه إلهیّة صرفة، أم أنّهم نالوا هذه المرتبة بفضل أعمالهم؟
الجواب:
إنّما تستند عصمة الأنبیاء (الابتعاد عن الذنب والخطأ والنسیان) إلی کمالاتهم المعنویة والروحیة. فمما لا شک فیه أنّ الحالة المعنویة للإنسان هی التی تقف وراء أعماله الحسنة والسیئة، فالحالة الروحیة المتسافلة کالجهل وعدم الإیمان بالمبدأ والمعاد وطغیان الغرائز وما شابه ذلک إنّما تفرز الانحراف والمعصیة، کما أنّ العلم والمعرفة والإیمان وتهذیب النفس والتقوی والورع یحول دون ارتکاب الإثم ویفضی إلی الأعمال الصالحة والإنسانیة.
ویتمتع الأنبیاء علی المستوی الروحی والمعنوی بقوة إیمان وعلم ومعرفة عظیمة، وکان هذان العاملان من أهم العوامل الروحیة التی قمعت مقدمات الذنب والانحراف لدیهم؛ فالإنسان حین یقف علی قبح الذنب وعواقبه الوخیمة علی سعادته الأبدیة، وحین یبلغ ورعه مرتبة لا تجعل لعناصر الذنب الباطنیة والظاهریة من تأثیر علیه، فإنّ هذا الفرد
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 104
یستحیل علیه مقارفة الذنب. وهنا یرد هذا السؤال: کیف ومن أین تتأتی هذه الحالة الروحیة التی تفرز العصمة لدی الأنبیاء؟ لابدّ من الالتفات إلی أنّ هذه الکمالات الروحیة معلولة لعدّة عوامل محوریة ورئیسیة وهی:

1- الوراثة

أثبتت علوم الدین أنّ بعض الاستعدادات الروحیة لکسب الفضائل والکمالات الإنسانیة، بل حتی بعض الخصائص والصفات إنّما تنتقل بالوراثة من جیل لآخر، والأسر التی ینتمی إلیها الأنبیاء من الأسر الطاهرة والنجیبة التی ورثت بمرور الزمان خزینا من الکمالات والفضائل الروحیة فکانت تنتقل حسب الوراثة من جیل إلی آخر، والتاریخ أشار فی أکثر من موقع إلی هذه الحقیقة، مثلًا بالنسبة لأسر نبی الإسلام صلی الله علیه و آله فإنّ التاریخ یشیر إلی أنّه ولد وترعرع فی أشرف قبائل العرب «قریش» ومن أشرف قریش عشیرة بنی هاشم، المشهورة بالصدق والشجاعة والکرم والغیرة والمروءة وأداء الأمانة، ومن هنا کانت موضع احترام کافّة القبائل العربیة. وآباء النبی صلی الله علیه و آله وأجداده کما یفید التاریخ من الأفراد المعروفین بالإیمان والشرف والصلاح. وبناءً علی هذا فإنّ مسالة «الوراثة» خلقت فی الأنبیاء استعداداً خاصاً لاستلهام الکمالات الروحیة، فکان ذلک الاستعداد بمثابة أساس یمکنه بالإضافة إلی عوامل أخری کالتربیة والتهذیب أن یستقطب الفضائل لدی هؤلاء الأفراد.

2- التربیة فی نقل الفضائل والکمالات‌

العمل الثانی فی الکمالات الروحیة للأنبیاء ما نصطلح علیه بالتربیة فأسر الأنبیاء کانت تتحلی بکمالات وفضائل استطاعت تربیتهم علیها لتکمل استعدادهم الوراثی بغیة کسب الکمالات الروحیة، فطبعوهم علی الإیمان والشجاعة والفطنة.

3- عوامل مجهولة

یؤمن علماء النفس والطبیعة من خلال تحقیقاتهم بشأن علل الشخصیة الروحیة للأفراد- غیر الوراثة والتربیة- بسلسلة من العلل المجهولة التی قد تؤثر فی الجینات التی تحدد بعض الصفات فتؤدی إلی العدید من الحالات والقوی الروحیة الخارقة لدیهم، ویعتقد علماء النفس والطبیعة أنّ هذه العلل تحدث طفرات فی النطفة، وتؤدّی هذه الطفرات إلی ظهور خصال غریبة لدی هؤلاء الأفراد والتی تسبغ علیهم کمالًا روحیاً معیناً.

4- الهبة الإلهیّة

بالإضافة إلی العوامل الثلاثة المذکورة هنالک عامل مهم آخر هو الفیض الإلهی وعنایته الخاصة بالأنبیاء. والعوامل السابقة تمنح المعصوم قدرة واستعداداً بحیث یشمل بفیض اللَّه وعنایته الخاصة. وعلی ضوء هذا الفیض الربانی تصبح قواه الروحیة أعظم تاثیراً وشدّة.
وهذه الإفاضة تفعل کمالاته الروحیة وتتبعها بکمالات أخری وهذا اللطف الإلهی الخاص یوجب قوّة إیمان الأنبیاء ومعارفهم وبصیرتهم، وقوة الإیمان وسعة العلم تقمع عوامل المعصیة لدی المعصوم، وتفرز حالة طارئة، وهکذا تتظافر کل هذه العوامل لتحصن المعصوم من مقارفة الذنب والمعصیة. والجدیر بالذکر أنّ شخص المعصوم یتمتع فی کل هذه المراحل بحریة تامة فی الإرادة وعصمته اختیاریة تماماً. وسنخوض فی هذه التفاصیل عند الاجابة عن السؤال القادم. ولا نری من ضرورة للتذکیر بأنّ ما قیل ثابت بحق الأئمّة الطاهرین علیهم السلام.

9 هل عصمة الأئمّة فضل؟

سؤال:
العصمة ملکة تحصن الإنسان من مقارفة الذنب والخطأ والإنحراف، وعلیه فإنّ الأفراد الذین یتحلون بهذه الملکة لا یقدرون علی الإتیان بالمعصیة وبالتالی سوف لن یکون لعصمتهم من فضل.
الجواب:
إنّ عصمة الأنبیاء من الذنوب والمعاصی لیست بخارجة عن إرادتهم واختیارهم قط، بل عصمتهم إرادیة واختیاریة تستند إلی العلم والإیمان.
توضیح ذلک: إنّ العصمة من الذنوب من لوازم العلم والإیمان بمفاسدها، طبعاً هذا لا یعنی أنّ کل علم بلوازم الذنب ومفاسده یفضی إلی العصمة، بل لابدّ أن تکون حقیقة العلم علی درجة من الوضوح بحیث یقف الإنسان ببصیرته علی آثار الذنب، وعلی هذا الأساس یکون صدور الذنب منه بصیغة «محال عادی» لا «محال عقلی» وللوقوف علی حقیقة الأمر نستعین بهذا المثال:
لکل واحد منا عصمة إزاء سلسلة من الأعمال الخارجیة التی تکلفنا حیاتنا، وهذه
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 108
العصمة معلولة لعلمنا بمثل هذه الأعمال؛ مثلًا إذا کانت هنالک دولتان متخاصمتان ومتجاورتان بحیث ینتشر بینهما حرس حدود کل منهما ویستفیدون من الأضواء الکاشفة والکلاب البولیسیة وربّما تزرع کل منهما الألغام علی أراضیها، فإنّ أحداً من الناس لا یفکر فی تجاوز هذه الحدود فضلًا عن الأقدام عملیاً علی تجاوزها کونها تکلفه حیاته؛ وعلیه فلدی الإنسان عصمة إزاء هذا العمل. وأقرب من ذلک مثلًا هنالک عصمة یتحلی بها الإنسان إزاء شرب السم أو الإمساک بالسلک الکهربائی أو تناول الطعام المتبقی من شخص مریض مصاب بمرض الجذام أو السل، سیما إن کان له علم بعدوی المرض، فهو لا یقترب قط من هذه الأعمال، وصدور مثل هذه الأعمال من الإنسان یبدو محالًا عادیاً، وسبب هذه العصمة تجسد لوازم تلک الأعمال، فهذه اللوازم تخترق بصره وبصیرته بحیث لا یفکر فی القیام بهذه الأعمال، فضلا عن ارتکابها.
وإننا لنلاحظ بعض الأفراد الذین لا یتحرجون من أکل مال الیتیم، ولکن هنالک بالمقابل من یتحرز عن أکل دینار من الحرام؛ فلم لا یحتفظ الأول عن أکل مال الیتیم بینما یأبی الثانی ما دون ذلک؟ طبعاً سبب ذلک أنّ الشخص الأول إمّا أنّه لا یؤمن أصلًا بتبعات هذا النوع من العصیان، أو حتی وإن امتلک الإیمان والاعتقاد، فإنّ حبّه للمادیات تحول إلی حجاب غلیظ ضرب علی بصیرته بحیث یحول دون رؤیته لتلک الآثار والتبعات؛ أمّا الشخص الثانی فله إیمان راسخ بتبعات الذنب بحیث یری کل قطعة من مال الیتیم جمرة من جهنم، ولیس هناک من عاقل یأکل نارا؛ ذلک لأنّه یری بعلمه الثاقب وبصیرته کیف تتبدل تلک الأموال إلی نیران محرقة، وعلی هذا الضوء تکون له عصمة من ذلک الذنب. والقرآن یصف أولئک الذین یخزنون الذهب والفضة ولا یخرجون حقوقها الشرعیة بأنّها تحمی بجهنم یوم القیامة لتسلط علی وجوههم وجباههم وظهورهم «یَوْمَ یُحْمَی عَلَیْهَا فِی نَارِ جَهَنَّمَ فَتُکْوَی بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا کَنَزْتُمْ لِانفُسِکُمْ فَذُوقُوا مَا کُنتُمْ تَکْنِزُونَ». «1»
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 109
والأن لو تمثل بعض مالکی الکنوز هذه الصورة وشاهدوا بأعینهم کیف یعاقب زملاؤهم، ولو حذروا من هذا العقاب بالنسبة لثرواتهم التی یمتلکونها وکیف ستکون علیهم وبالًا، قطعاً سیغیرون أسلوبهم وتعاملهم. وهنالک بعض الأفراد فی هذا العالم علی درجة من الإیمان بمضمون هذه الآیة دون مشاهدة صورة العذاب الإلهی بحیث لا یقل أثراً عن شهوده، وحتی لو رفع الغطاء الدنیوی عن أعینهم لما کان هنالک من تغییر فی إیمانهم. فمثل هؤلاء الأفراد یمتلکون نوعاً من العصمة إزاء هذه المعصیة (کنز الذهب والفضة).
فلو کان هنالک أفراد أو طائفة یتصفون بهذه الحالة إزاء عقاب جمیع المعاصی، وقد اتضح لهم عذاب اللَّه وألیم عقابه بحیث لم یعد لزوال الحجاب وإنعدام المسافات المکانیة والزمانیة أدنی تأثیر علی إیمانهم واعتقادهم، وعلی هذا الأساس فإنّ لهؤلاء الأفراد نوعاً من العصمة إزاء جمیع الذنوب والمعاصی، فهم لیسوا فقط لا یقارفون الذنب فحسب، بل لایفکرون فیه.
وبناءً علی هذا فإنّ للعصمة فی هذه الموارد أثر مباشراً للإیمان والعلم القاطع بعقاب الأعمال، ولکل فرد نوع من العصمة إزاء بعض هذه الموارد. والواقع أنّ الأنبیاء یتمتعون بعصمة تامة وشاملة أثر إحاطتهم العلمیة بعقاب الأعمال وعلمهم بعظمة اللَّه، وعلی ضوء هذا العلم فقد قمعت عندهم کافّة دوافع الذنب وطغیان الغریزة، فهم لا ینتهکون حدود اللَّه.
هذا هو مقام العصمة من الذنب الذی یتمتع به الأنبیاء والأئمّة علیهم السلام وأصلها الإیمان والعلم والمعرفة والتسلط علی النفس وعلو الهمة.
أفلیست هذه العصمة فضیلة؟ وهل یستطیع هؤلاء إرتکاب الذنب؟ قطعاًیستطیعون، إلّا أنّهم لا یستغلون هذه الاستطاعة أبداً. فربّما یمکن لشخص محترم أن یسرق إبریق جاره أن تسلّق الجدار، لکنّه لا یفعل ذلک أبداً. والطبیب یسعه أن یشرب ماءً مملوءاً بالمکروبات، لکنّه لا یشربه، وهذا الفرد لیس بعاجز عن الشرب «1».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 111

10 هل هنالک من منافاة بین العصمة والاستغفار؟

سؤال:
رغم أننا نعلم بأنّ الأنبیاء والأئمّة علیهم السلام معصومون من الذنب ولا یصدر منهم أی خلاف، مع ذلک ورد فی بعض الأدعیة عنهم أنّهم یعترفون بذنوبهم ویسألون اللَّه العفو عنهم.
ففی دعاء کمیل مثلًا یتضرع علی علیه السلام إلی اللَّه بهذا الدعاء: «اللَّهُمَّ اغفر لِی الذّنوبَ الّتی تَهتِکُ العِصَمَ ... اللَّهُمُّ اغفِر لِی کُلَّ ذَنْبٍ أَذْنَبْتُهُ وَکُلَّ خَطِیئَةٍ أَخْطأتُها!». فهل مرادهم من هذه الأدعیة الأمّة لتتعرف علی أدب مناجاة اللَّه وکیفیة طلب المغفرة بهذه العبارات، أم أنّ هنالک حقیقة معینة فی تلک العبارات؟
الجواب:
لقد إلتفت العلماء الأعلام إلی هذا الإشکال منذ قدیم الزمان فذکروا عدّة أجوبة لعلها تتفق جمیعا علی حقیقة واحدة، وهی أنّ للذنوب والمعاصی بُعد «نسبی» فی مثل هذه الموارد، فهی لیست من قبیل الذنوب المطلقة والعادیة.
توضیح ذلک: هنالک توقعات مختلفة فی جمیع القضایا الاجتماعیة والأخلاقیة والعلمیة والتربویة والدینیة. وسنکتفی هنا بذکر مثال واحد من بین مئات الأمثلة لتوضیح
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 112
الموضوع: لو تطوع عدد من الأفراد لمشروع خیری کبناء مستشفی مثلًا للفقراء، فالعامل الذی له دخل محدود ومع ذلک یتبرع بمبلغ ما لهذا المشروع فإنّه یحظی بتقدیر الآخرین، ولکن لو تبرع بهذا المبلغ رجل ثری، فهو لیس فقط لا یستحق التقدیر فحسب، بل ینقم علیه الجمیع ویذمونه؛ أی أنّ التبّرع الذی یمدح علیه شخص، یذم علیه شخص آخر! مع أنّ هذا المذموم لم یرتکب أی جرم من الناحیة القانونیة. وفلسفة هذا الموضوع کما أشرنا سابقاً:
أنّ ما یتوقع من کل فرد یتوقف علی إمکاناته من قبیل العقل والعلم والإیمان وبالتالی إمکانیته وقدرته.
فلربّما کان القیام بعمل من فرد یمثل عین الأدب والخدمة والحب والعبادة، لکنّه یمثل فی نفس الوقت من شخص آخر عین إساءة الأدب والخیانة وخلاف المحبّة والتقصیر فی العبادة والطاعة! والآن علی ضوء هذه الحقیقة، نأخذ بنظر الاعتبار الأنبیاء والأئمّة علیهم السلام ونقیم أعمالهم علی أساس تلک المنزلة العظیمة: فهؤلاء مرتبطون مباشرة بمبدأ عالم الوجود وقلوبهم تنبض بعلمه المطلق اللامتناهی، وهنالک العدید من الحقائق الواضحة لهم والخافیة علی غیرهم، فهم قد بلغوا ذروة العلم والإیمان والتقوی، وزبدة الکلام فهم یعیشون حالة من القرب الإلهی بحیث لا یغفلون عن معبودهم طرفة عین. وبناءً علی هذا فما کان مباحاً أو مکروها علی غیرهم یبدو محرّماً علیهم! والذنوب التی تنسب إلیهم من خلال بعض الآیات والروایات والأدعیة ووقوفهم لطلب العفو والمغفرة من هذا القبیل؛ أی أنّ مقامهم المعنوی وعلمهم وإیمانهم علی درجة من الرفعة بحیث إنّ أدنی غفلة فی أبسط عمل إنّما تعدّ معصیة، ولعلنا نقف علی هذه الحقیقة من الخیر المعروف «حسنات الأبرار سیئات المقربین» «1».
وقد أورد الفیلسوف الجلیل المرحوم الخواجة نصیر الدین الطوسی جواباً للإشکال المذکور وهو: «أنّ الإنسان إن ارتکب حراماً أو ترک واجباً، ولابدّ أن یتوب وینزع عن معصیته، وهذا القسم من الذنوب لعامة الأفراد. ولکن إن ترک أمراً مستحباً وأتی بفعل
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 113
مکروه فهذا من الذنوب أیضاً ولابدّ من الأستغفار، وهذا الذنب والأستغفار بالنسبة للأفراد المعصومین من القسم الأول من الذنوب. والذنوب التی نسبها القرآن والروایات لبعض الأنبیاء علیهم السلام کآدم وموسی ویونس و ... من هذا القبیل، ولیست من الطائفة الأولی، ولو إلتفت فرد لغیر اللَّه واشتغل بأمور الدنیا وغفل عن التوجه إلی اللَّه فإنّ أهل المعرفة یعتبرون ذلک نوعاً من الذنوب، ولابد من التوبة منها وسؤال اللَّه المغفرة. ومن هذا القبیل أیضاً ذنوب نبیّنا وأئمتنا والتی یقرون بها فی أدعیتهم ویستغفرون اللَّه منها، وهی لیست من النوع الأول والثانی من الذنوب» «1».
ونری من الضروری لإکمال الجواب أن نتعرض هنا إلی الموضوع الذی ساقه أحد أعلام الشیعة المرحوم «علی بن عیسی الأربلی» فی الجزء الثالث من کتابه النفیس «کشف الغمة فی معرفة الأئمّة» ضمن بیانه لسیرة موسی بن جعفر علیهما السلام فقال:
«کان للإمام الکاظم علیه السلام دعاء فی السجود یقرّ فیه بالمعصیة و یسأل اللَّه المغفرة» «2».
فکنت أفکر فی معناه وأقول: کیف یتنزل عمّا تعتقده الشیعة من القول بالعصمة، و ما اتضح لی ما یدفع التردد الذی یوجبه فاجتمعت بالسید السعید رضی الدین أبی الحسن علی بن موسی بن طاوس فذکرت له ذلک فقال: إنّ الوزیر مؤید الدین العلقمی سألنی عنه فقلت:
کان یقول هذا لیعلم الناس، ثم إنّی فکرت بعد ذلک فقلت: هذا کان یقوله فی اللیل، ولیس عنده من یعلمه. ثم سألنی عنه الوزیر مؤید الدین محمد بن العلقمی فأخبرته بالسؤال الأول والذی قلت والذی أوردته علیه، و قلت: ما بقی إلّاأن یکون یقوله علی سبیل التواضع وما هذا معناه، فلم تقع منی هذه الأقوال بموقع، ولا حلّت من قلبی فی موضع، ومات السید فهدانی اللَّه إلی معناه ووفقنی إلی فحواه بعد السنین المتطاولة من کرامات الإمام موسی بن جعفر علیه السلام ومعجزاته. و تقریره أنّ الأنبیاء و الأئمّة علیه السلام تکون أوقاتهم مشغولة باللَّه تعالی، وقلوبهم مملوءة به، وخواطرهم متعلقة بالملأ الأعلی، کما قال علیه السلام: «أُعبد اللَّه کأنّک تراه
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 114
فإن لم تره فإنّه یراک». فهم أبداً متوجهون إلیه و مقبلون بکلّهم علیه، فمتی انحطوا عن تلک الرتبة العالیة والمنزلة الرفیعة، إلی الاشتغال بالمأکل والمشرب والتفرغ إلی النکاح وغیره من المباحات عدّوه ذنباً واعتقدوه خطیئة واستغفروا منه. وإلی هذا أشار صلی الله علیه و آله: «إنّه لیران علی قلبی وإنّی استغفر بالنهار سبعین مرّة» «1».
والعبارة المعروفة «حسنات الأبرار سیئات المقربین» وأمثالها إشارة لهذه الحقیقة التی أوضحناها.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 115

11 هل یجتهد الأئمّة فی الأحکام؟

سؤال:
ما عقیدة علماء الإسلام بشأن الأحکام التی وصلتنا عن النبی الأکرم صلی الله علیه و آله وخلفائه المعصومین علیهم السلام؟ وهل یجتهدون فی بیان بعض الأحکام کسائر الفقهاء؟ وما ذکرناه بالقول بعض الأحکام، ذلک لعدم وجود الاجتهاد فی النصوص القرآنیة الصریحة أو الأحادیث النبویة الصحیحة.
الجواب:
هذا السؤال یتعلق بعلم الکلام حیث ورد بصورة مفصلة فی فصل النبوة والإمامة فی کیفیة علم النبی صلی الله علیه و آله والأئمّة علیهم السلام، نورده هنا باختصار، فعلماء المسلمین لا یرون للنبی صلی الله علیه و آله والأئمّة علیهم السلام من اجتهاد فی بیان الأحکام، ویعتقدون بأنّهم لا یحصلون علی الأحکام الشرعیة بواسطة الاجتهاد، ومقامهم فی بیان الأحکام أسمی من الاجتهاد.
فالقرآن فی سورة «النجم» یصف کلام النبی صلی الله علیه و آله بالوحی الذی یلقی إلیه بواسطة الملک. «1» والذی یتعرف علی الحقائق عن طریق الوحی لا یحتاج قط إلی الاجتهاد واستنباط الأحکام من الأصول. ویصدق هذا الکلام علی الأئمّة المعصومین علیهم السلام؛ فهؤلاء
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 116
وإن لم یرتبطوا بالوحی، إلّاأنّ علومهم غیبیة، فهم یبیّنون الأحکام التی لم یقلها النبی الأکرم صلی الله علیه و آله إثر عدم وجود المقتضی أو انتفاء المانع. فلیس هنالک من حجاب بینهم وبین الأحکام الشرعیة، وقد ألهمهم اللَّه بلطفه وعنایته کل ما یحتاجه العباد من أحکام إلی یوم القیامة «1».
وعلی هذا الأساس فلیس هنالک من معنی لاجتهادهم فی الأحکام، لأنّ الاجتهاد فی الأحکام وظیفة من لا یستطیع التوصل إلی الأحکام دون استفراغ الوسع وتطبیق القواعد الأصولیة والفقهیة، وربّما لا یتوصل إلیها حتی بعد تحمل المشقة والعناء، أمّا النبی الأکرم صلی الله علیه و آله الذی یتلقی الأحکام من طریق الوحی ینفتح علی المتطلبات البشریة کافّة من حیث الأحکام والمعارف من خلال مجاریها الصحیحة، فإنّ مثل هذا الشخص سوف لن یحتاج إلی الاجتهاد ورد الفرع إلی الأصل واستنباط الجزئیات من الکلیات. کما أنّ أوصیاء النبی یعلمون حلال اللَّه وحرامه وأحکامه کافّة، والذی تتضح له واقعیة الأحکام بکل خصائصها لغنی عن الاجتهاد.
نوضح أکثر: الاجتهاد یلازم عدم الاطلاع القطعی علی الأحکام الواقعیة، والأفراد الذین یقفون بصورة قطعیة علی الأحکام عن طریق الوحی أو وراثة النبی صلی الله علیه و آله لیسوا بحاجة إلی الاجتهاد.
لکن علماء العامة یؤمنون باجتهاد الخلفاء فی أغلب الأحکام، وقد وردت آراؤهم بصورة مفصلة فی کتب «العقائد والمذاهب»، ولعل السبب الذی دعاهم إلی هذا الاعتقاد ما نقلوه من أخطاء عن الخلفاء ولم یکن لهم من توجیه لذلک سوی إن اعتبروهم مجتهدین کالفقهاء بحیث یخطئون أحیاناً فی بیان الأحکام، ویبدو لهم أنّ خطأ الخلفاء فی بیان الأحکام إنّما کان بسبب احتهادهم، ولترسیخ هذه النظریة توسع بعضهم فی هذا البحث لیسلط الضوء علی علم النبی صلی الله علیه و آله ویخلص فی خاتمة المطاف إلی أنّ النبی الأکرم کان یجتهد فی الأحکام التی لم یرد فیها نص شرعی!
هذا بیان مختصر للموضوع والتفاصیل فی مباحث" العقائد والمذاهب".

12 ما المراد بالأنبیاء أولی العزم؟

سؤال:
من هم الأنبیاء اولو العزم علیهم السلام، وما هی کتبهم؟
الجواب:
مشهور أعلام الشیعة أنّ عدد الأنبیاء مئة وأربعة وعشرون ألف نبی، وإنّ مئة وثلاثة عشر منهم کانوا رسلًا- أی لهم مهمّة خاصة- بغض النظر عن مقام النبوّة. ویمتاز منهم خمسة أنبیاء یسمون «أولو العزم»، ویتصف دین هؤلاء الأنبیاء بالعالمیة والشمولیة. «1» وهم حسب الترتیب الزمانی: نوح وإبراهیم وموسی وعیسی ومحمد علیهم السلام، وکتبهم: صحف نوح وصحف إبراهیم والتوراة والإنجیل والقرآن.
ورغم أنّ کتب الأنبیاء السابقین اعتراها الضیاع أو تغیّرت ماهیّتها بحیث لم یبق سوی بعض معالمها- وبشکل محرف- إثر تقادم الزمان واغراض المعاندین، إلّاأنّ القرآن الکریم ظلّ منذ نزل علی قلب رسول اللَّه صلی الله علیه و آله إلی زماننا الحاضر غضاً طریاً وسیبقی کذلک.

13 ما عدد الأنبیاء الذین سمّاهم القرآن؟

سؤال:
ما أسماء الأنبیاء الذین ذکروا فی القرآن؟
الجواب:
بالإضافة إلی اسم النبی الأکرم صلی الله علیه و آله فقد ورد ذکر خمسة وعشرین نبیّاً فی القرآن وهم:
آدم، إبراهیم، إدریس، إسحاق، إسماعیل، إلیاس، أیوب، داود، ذو الکفل، زکریا، سلیمان، شعیب، صالح، عزیر، عیسی، لوط، موسی، نوح، هارون، هود، الیسع، یحیی، یعقوب، یوسف ویونس علیهم السلام.

14 هل عیسی ابن اللَّه؟!

سؤال:
هنالک برنامج دینی یبثه التلفاز الأمریکی عن الکنیسة الکاثولیکیة یوم الأحد؛ والقساوسة یدعون بدعاء خاص لبعض الافراد الذین حال المرض دون حضورهم الی الکنیسة هو: اللّهم إنّا نؤمن بک، ولیس لک سوی عیسی، وإننا نؤمن بابنک عیسی! هذه هی عقیدة المسیحیین بشأن عیسی علیه السلام. وأرید أن أعرف ما الدلیل الذی یجعلنا نحن المسلمون ننکر أنّ عیسی هو ابن اللَّه؟
الجواب:
قد یبدو هذا السؤال عجیباً بالنسبة لمن یدرک منطق الإسلام بشأن معرفة اللَّه، لکنّه لیس کذلک لمن یعیش فی البیئة غیر الإسلامیة وله إرتباط بالنصاری الذین یؤمنون بالأقانیم الثلاثة (اللَّه والابن والروح القدس) ویتحدثون عن «الإله الأب» و «الإله الابن».
ونری- قبل الخوض فی الجواب- توضیح الحقیقة التی یریدها المسلمون من کلمة «اللَّه» وما هو مرادهم منها؟ فکل من لدیه أدنی علم بالعقائد الإسلامیة یدرک أنّ «اللَّه» علی ضوء وجهة النظر الإسلامیة مبدأ جامع لصفات الکمال کافّة ومنزّه عن کل نقص وعیب
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 122
وحاجة وحدود، وکل ما فی الکون محتاج إلیه وهو الغنی المطلق. ومن البدیهی أنّ مثل هذا الإله لا یحتاج إلی أحد ولیس له أجزاء ذهنیة وخارجیة، ولیس لهذا الإله أن یلد أو یولد ولیس له زوجة ولا تحدّه عن حدود الزمان والمکان. «1» لأنّ أیّاً من هذه الأمور إن کانت فی اللَّه فإنّه یهبط من درجة الألوهیة لیصبح مخلوقاً.
مثلًا لو کان کسائر الموجودات المادیة مرکباً وله أجزاء- کأن نقول الماء مرکب من عنصرین هما الاوکسجین والهیدروجین- سیکون محتاجاً فی وجوده إلی تلک الأجزاء، وسوف لن یترکب دون هذه الأجزاء، وهذا المعنی لا ینسجم مع إلوهیته بصفته «مصدر الوجود» و «خالق الکون» وعلی هذا الأساس فإنّ المسیحیین الذین یعتقدون بأنّ عیسی ابن اللَّه إنّما یهبطون باللَّه من درجة الألوهیة بهذه العقیدة ویضعونه فی مصاف سائر المخلوقات.
کیف یمکن للَّه‌الذی یتنزّه عن الترکب أن یفقد جزءً منه بشکل عیسی الذی یتصف کسائر أفراد البشر بالجسم والمادة، بحیث یصبح ابن اللَّه، واللَّه أبوه (لابدّ من التأمل). ولما شعر المسیحیون بأنّ هذا الموضوع «أنّ عیسی ابن اللَّه» لا ینسجم مع أساسیات العلم والعقل، اضطروا لتأویل الموضوع لیفسّروا بنوّة عیسی بأحد هذه المعانی:
1- لما کان خلق عیسی خرقاً للعادة ودون أن یکون له أب، کما کانت أفعاله تستند إلی أنواع المعجزات والقدرات الخارقة للعادة، ومن هنا یمکن القول إنّ عیسی مظهر تجلی اللَّه ولذلک نعته اللَّه بالابن، أو حیث إنّ اللَّه کان شدید الحبّ لعیسی فقد دعاه إبنه.
ویرد علی هذا التوجیه إشکالان هما:
أ) تناقضه مع صریح العهد الجدید الذی یقول: لکن حیث تکامل الزمان بعث اللَّه ابنه الذی ولد من امرأة. ویتناقض مع عقائد عامة المسیحیین الواردة فی رسالة نیقیّة العقائدیة:
«إننا نؤمن بالرب الواحد الأب، القادر المطلق، خالق المرئیات وغیر المرئیات، وعیسی المسیح ابن الرب، مولود من الأب، المولود الوحید من ذات الأب، ربّ من ربّ ونور من نور
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 123
وإله حقیقی من إله حقیقی وهو مولود لا مخلوق مولود من ذات هی ذات الربّ ...»، ذلک لأنّ العبارات المذکورة صریحة فی أنّ عیسی المسیح ابن اللَّه، وکما ینفصل نور عن نور فقد انفصل عیسی عن اللَّه واستقر فی رحم مریم، ومن هناک ورد إلی هذا العالم لهدایة الناس والأخذ بأیدیهم إلی شاطئ السعادة.
ب) إن استند الخلق لغیر أب أو إنطوت حیاة الشخص علی بعض المعجزات وکانت کافیة فی أن یسمی ذلک الشخص بابن اللَّه، فإنّ ذلک سوف لن یقتصر علی عیسی؛ فآدم علیه السلام ولد من دون أب وأم، کما ملئت حیاة الأنبیاء کابراهیم وموسی ونوح علیهم السلام و ... بأنواع المعاجز والکرامات، کما أنّ اللَّه یحبّهم جمیعاً، وعلیه فلابدّ من الاصطلاح علیهم جمیعاً بأبناء اللَّه.
2- التوجیه الآخر ما یقال: المراد من أنّ عیسی ابن اللَّه أنّ اللَّه حل فی جسد عیسی کما تحلّ الحرارة فی الماء. وهذا التوجیه لا یشکل هروباً من أصل الإشکال فحسب، بل هو استجارة بالرمضاء من النار؛ ذلک لأنّه کما ذکر فی مستهل البحث، إنّ اللَّه لیس بجسم ولا یحدّ بزمان ولا مکان، فاللَّه الوجود المحض والغنی عن الزمان والمکان، فکیف یمکن أن یحلّ ویتحد بجسد إنسان کعیسی وهو یأکل الطعام ویشرب وینام ویحدّ بالزمان والمکان کسائر أفراد البشر؟! فهل یمکن استیعاب ماء البحر رغم محدودیته فی قدح صغیر، فإن قیل لا یمکن، فکیف یمکن حصر اللَّه غیر المحدود فی جسد عیسی البشری المحدود؟!
علی کل حال، موضوع بنوة عیسی للَّه‌لیس خارجاً عن العقل والمنطق فحسب، بل من کان لدیه أدنی علم بالعقائد الإسلامیة فإنّ بعض هذه الأسئلة تثیر لدیه نوعاً من الغرابة، علی غرار استغرابه ممن یسأل: لماذا لا یتناول اللَّه الطعام ویمشی و ...؟!

15 ظهور الفرق المسیحیة الثلاث‌

سؤال:
هنالک عدّة فرق فی الدیانة المسیحیة، إلّاأنّ أشهرها ثلاث هی «الکاثولیکیة» و «الارثودوکسیة» و «البروتستانتیة»! فما الاختلاف بین هذه الفرق ومتی ظهرت؟
الجواب:
الکاثولیک ومعربها «الجاثلیق» تطلق علی فرقة من المسیحیین الذین یرون البابا زعیمهم الروحی. وکان الأساقفة سواسیة؛ إلّاأنّ بعض أساقفة المراکز الکبری کالأسکندریة وأنطاکیا والقسطنطینیة وروما تزعموا ما حولهم من الکنائس. واصطلح علی أساقفة الکنائس الثلاث الأولی ب «البطریارق» وأسقف روما بالبابا.
والکنیسة الرومانیة أصبحت أعظم شهرة فی العالم منذ ألّف «بولس» رسالته؛ ولم یکتفِ البابا بزعامة أکبر کنیسة فی العالم، حیث سعوا للتسلط بالتدریج علی الکنائس العالمیة کافّة، واستندوا إلی أنّ عیسی استخلف «بطرس» فکان أول أسقف لروما، وعلی هذا الأساس کان خلیفة «بطرس» لابدّ أن یکون خلیفة عیسی فی الأرض فیمارس سلطته علی جمیع الکنائس. وادعی «لیو» فی القرن الخامس زعامته لکافّة الکنائس المسیحیة، وقد
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 126
سلّم له أغلب أساقفة المغرب؛ بینما امتنع بطارقة القسطنطینیة وأنطاکیا وأساقفة الکنائس الإیرانیة عن الإعتراف بمقامه وزعامته؛ وقد أدّی هذا الإمتناع إلی ظهور الانفصال بین الفصائل اللاتینیة المغربیة والکنائس الیونانیة والسریانیة الشرقیة.
وما زالت هاتان الکنیستان منفصلتان إلی الیوم؛ إحداهما الکنیسة الأرثودوکسیة الیونانیة التی انتشرت فی الیونان وروسیا، والأخری الکنیسة الکاثولیکیة الرومانیة التی استفحلت فی اوربا وامریکا. فهاتان الکنیستان تتفقان فی اصل العقیدة، إلّاأنّهما اختلفا فی قضیة سلطنة البابا؛ بالإضافة إلی الاختلاف فی بعض الأمور الثانویة.
أمّا البروتستانتیة کما یبدو من معناها (الإعتراض) فهی اسم فرقة کثیرة الأتباع الیوم؛ وظهرت هذه الفرقة اثر اعتراضها علی أسلوب الباباوات وتهافت رجال الدین المسیحیوین علی جمع الثروات وبیع «صکوک الغفران» وفرض بعض القیود علی المتعلمین. والواقع أنّ هذه الفرقة «اصلاحیة» لتهذیب المسیحیة ممّا فرضه علیها بعض الأساقفة والباباوات وزعیم هذه الفرق «مارتن لوثر» المصلح الکبیر فی عالم المسیحیة. ففی 31/ 12/ 1517 م لصق ورقة علی جدار کنیسة «ویتنبرک» أعرب فیها عن غضبه وسخطه تجاه بیع صکوک الغفران وسائر انتهاکات القساوسة لیعتبرها مجانبة للمنطق. فلما علم البابا أمر باحضاره إلی روما، فتمرد علیه، فکفره لؤی العاشر عام 1520 م. فقام «لوثر» بأحراق ورقة تکفیره بشجاعة حظیت بثناء الآخرین، ثم ترجم الکتاب المقدس «العهد الجدید» إلی الألمانیة وأفنی عمره فی التألیف وإصلاح الکنائس الخاضعة لنفوذه.
وأخیراً رغم استطاعت الفرق البروتستانتیة ممارسة الإصلاح فی المسیحیة، وأنکرت بیع الجنان وصکوک الغفران والرهبنة وأمثال ذلک، وامتناعها عن الإعتراف بزعامة البابا، مع ذلک لم تستطع الخروج عن حالة جمود المسیحیة بشأن «التثلیث» وسائر المسائل الخاطئة.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 127

16 ما غسل التعمید؟

سؤال:
ما المراد من غسل التعمید، وما کیفیته؟
الجواب:
غسل التعمید أحد السنن الدینیة المسیحیة، ویزعمون أنّه کان قبل المسیح، وکل من یقوم بهذا الغسل فإنّه یؤدّی به إلی الطهارة من أی دنس ووقف النفس فی طاعة اللَّه. مع ذلک قال مؤلف کتاب «القاموس المقدس»: «إنّ المسیح لم یعمد أحداً» «1».
وهناک خلاف بین المسیحیین بشأن کیفیة غسل التعمید؛ فالبعض یقول بوجوب غمر البدن فی الماء، ویقول البعض الآخر بضرورة غمس البدن فی الماء ثلاث مرات، وأخیراً یقال: إنّ غسل التعمید للکبار الذین یستطیعون الإعتراف بالذنب عند القسیس؛ ومن هنا فإنّ الأطفال یعفون من هذا العمل؛ بینما یقول البعض بوجوب تعمید الأطفال ویعتقدون بکفایة رش البدن بالماء، لأنّ هذا العمل (رش الماء علی الأطفال) إشارة إلی الغسل مع الروح القدس ویکفی قدر من الماء باسم الأب والابن والروح القدس. وبناءً علی هذا فإنّ غسل التعمید لمن کان مسیحیاً سبب طهارته من الذنب، کما یعتبر هذا الغسل بالنسبة
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 128
للأطفال والمسیحیین الذین لم یعمدوا أو الأفراد الذین یعتنقون هذا الدین حدیثاً دلیلًا علی الدخول فی الدین المسیحی.
کیفیة غسل التعمید:
یسود الیوم جمیع الکنائس غسل التعمید الموحد وبهذه الصیغة:
یقوم القس بمل ظرف بالماء ویضیف إلیه أحیاناً مقداراً من الدهن والملح، ثم یخاطب من یروم تعمیده أمام الجمیع قائلًا: «إعلم أنّ المسیحیة عبارة عن الاعتقاد بأنّ اللَّه یترکب من ثلاثة أصول أزلیة الأب والابن والروح القدس؛ إذن عیسی الرب وابن الرب وانعقد بهیئة بشر فی رحم أمّه مریم؛ فهو إله من جوهر أبیه وإنسان من أمّه وقد صلب ثم حیی بعد ثلاثة أیّام و (کان أربعین یوماً بین الناس) ورفع إلی السماء وجلس یمین الرب وسیشهد بإیمانک یوم القیامة ذلک الرب المقتول».
وهنا ینبغی أن یرد الطرف المقابل بلی، فیقوم القس مباشرةً بصب الماء علی الشخص ویقول بصوت مرتفع أعمدک باسم الأب والابن والروح القدس ثم یجفف وجهه بمندیل، فتغفر ذنوبه فی هذه اللحظة أو یصبح مسیحیاً بصورة رسمیة.
ویعمد الصبی فی الیوم الثامن، حیث یأتی الوالدان بصبیهما إلی الکنیسة، فیخاطبه القس بالعبارات السابقة ویلبی الوالدان بدل الطفل «1».
ولو تأمل کل منصف تشریفات غسل التعمید لرآه مشحوناً بسلسلة من الخرافات، نشیر إلی جانب منها:
أولًا: إنّ الذنب نوع من الأنحراف الروحی والأخلاقی ولا تزول آثاره قط دون تصفیة الروح والتوبة الحقیقیة والتربیة الأخلاقیة والإنابة إلی اللَّه، ورش الماء بعد خلطه بالدهن (بلسان) والملح لیس من شأنه تصفیة روح الإنسان وغسل قلبه، ولو عاش الإنسان توبة حقیقیة من الذنب وندم علی ما فرط منه لما کان بحاجة إلی هذه الخرافات. فالإسلام یعتبر
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 129
ندم الشخص انعکاساً لطهارته من الذنب، ولا یؤمن أبداً بأن ینتهک المذنب ستره لیبوح لآخر بذنوبه لیکون واسطة وسببا لغفرانها.
ثانیاً: الإیمان بالتثلیث- وبهذه الصراحة- شرک علنی لیس من شأنه أن یکون وسیلة للطهر فحسب، بل یبعد الإنسان عن حقیقة التوحید، وبالطبع أنّ العقیدة التی تستند إلی هذه الخرافات سوف لن تکون وسیلة للنجاة والتربیة، بل لا تؤدّی سوی إلی الانحراف والضلال، والحق أنّه لمن دواعی الدهشة والذهول أن یتکلم هؤلاء بهذه العبارات التی تفید الکفر صراحة ویزعمون أنّها ستطهرهم من الذنب.
ولعل رؤیة واضحة تبدو لنا ممّا تقدم عن واقعیة الدین الإسلامی المقدس، فالإیمان بمبادئ هذا الدین لا یتوقف علی أی من هذه الخرافات، وکل فرد أینما کان آمن بوحدانیة اللَّه ونبوة النبی صلی الله علیه و آله سیکون مسلماً واقعیاً ویتساوی فی الحقوق مع سائر المسلمین، وعلیه فلیس هناک داعٍ لأن یحضر عند شخص لیسمع تلقیناته ویصدق بخرافاته.

17 بشارة المسیح بنبی الإسلام‌

سؤال:
هل ورد فی الأناجیل بشارة المسیح بالنبی صلی الله علیه و آله کما ورد فی القرآن وأنّ اسمه «أحمد»؟
الجواب:
الآیة الشریفة الواردة فی القرآن بهذا الشأن «... وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ یَأْتِی مِنْ بَعْدِی اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَیِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِینٌ» «1».
یقول المحققون إنّ هذه البشارة وردت فی انجیل یوحنا فی الأبواب 14 و 15 و 16 وقد أخبر المسیح عن انجیل «یوحنّا» بمجیئ شخص من بعده یدعی «فارقلیط» وتفید أغلب القرائن أنّ المراد به نبی الإسلام، ونرانا مضطرین لتوضیح المطلب بذکر بعض النصوص المذکورة فی بعض الأناجیل:
«إن کنتم تحبوننی فالتزموا بأحکامی وسأطلب من الأب أن یبعث لکم" فارقلیط" آخر وسیبقی معکم إلی الأبد. أنّه روح الحق والصدق وسوف لن یصدقه العالم، لأنّهم لا یرونه
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 132
ولا یعرفونه، لکنه یعرفکم، لأنّه سیبقی معکم وبینکم» «1».
«لقد قلت لکم هذا الکلام حین کنت معکم، إلّاأنّ ذلک" فارقلیط" الذی سیبعثه الأب بأسمی، سیعلمکم کل شی‌ء وسیذکرکم بکل ما قلته لکم» «2».
«لقد أخبرتکم به قبل ظهوره لتؤمنوا به حین ظهوره» «3».
«سابعث لکم من جانب الأب ذلک الفرقلیط وسیشهد لی فهو روح الصدق» «4».
«أقول بحق من المفید لکم أن أذهب ولو لم أذهب فإنّ ذلک «الفارقلیط» سوف لن یأتیکم، فإن ذهبت سأبعثه لکم، فإن جاء سیلزم العالمین بالذنب والصدق والإنصاف:
بالذنب لأنّهم لا یؤمنون بی، وبالصدق لأنّی أذهب إلی أبی، وسوف لن تروننی، وبالإنصاف لأنّ الحکم سیجری علی رئیس هذا العالم، وسیکون لدی الکثیر لأقول، لکنکم لا تستطیعون تحمل ذلک الآن، لکنّه إن جاء سیرشدکم إلی الحقیقة لأنّه لا ینطق عن نفسه، بل سیتکلم بکل ما یسمع. وسینبئکم عن المستقبل وسیثنی علیَّ، لأنّه سیجزیکم بکل ما یجده منی. کلما کان من الأب فهو منی ولذلک قلت لکم سیجزیکم بکل ما یأخذه منی». «5»
ولدینا هنا قرائن واضحة فی أنّ المراد من «فارقلیط هو النبی محمد» الذی یأتی بعد المسیح لا روح القدس:
1- لابدّ من الألتفات أولًا إلی أنّ المستفاد من بعض التواریخ المسیحیة أنّه کان من المسلّم بین مفسّری الإنجیل قبل انبثاق الدعوة أنّ فارقلیط هو النبی الموعود، حتی استغله البعض وزعم أنّه الفارقلیط الموعود. مثلًا: «منتسر» المرتاض الذی عاش فی القرن
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 133
المیلادی الثانی، ادّعی النبوة فی آسیا الصغری عام 187 وقال: أنا فارقلیط الذی بشر به عیسی ویتبعه الناس «1».
2- یستفاد من الآثار والتواریخ الإسلامیة المعتبرة أنّ الزعامات السیاسیة والدینیة المسیحیة کافّة کانت تتطلع إلی أیّام بعثة النبی الأکرم صلی الله علیه و آله إلی النبی الموعود الذی بشر به الإنجیل، ومن هنا لما قدم سفیر النبی وسلّم رسالته إلی ملک الحبشة، التفت إلی السفیر وقال: أشهد أنّه النبی الذی ینتظره أهل الکتاب، وکما أخبر موسی عن نبوّة المسیح، فقد بشر المسیح بنبی آخر الزمان وذکر علاماته «2».
وحین تسلم قیصر رسالة النبی، أجاب بأنّه کان یعلم بظهور نبی آخر الزمان، لکنّه ظن أنّه سیظهر من الشام ... «3» فالذی یستفاد من هذه النصوص التاریخیة أنّهم کانوا ینتظرون نبیّاً، ولا شک فی أنّ هذا الانتظار یستند إلی الإنجیل.
3- الخصائص التی ذکرها المسیح ل «فارقلیط» والنتائج المترتبة علی ظهوره، تفید بما لا یقبل الشک أنّ المراد به النبی الموعود، والتی تجعل من المتعذر تفسیره بروح القدس.
وتوضیح ذلک:
أ) ابتدأ المسیح کلامه بالقول: «إن کنتم تحبوننی فالتزموا بأحکامی، وسأطلب من أبی لیبعث لکم" فارقلیط" آخر».
أولًا: أنّ تذکیر المسیح بحبّه یفید عدم استجابة أمّته لمن یبشر به بالمجیئ بعده، ولذلک یحاول من خلال إثارة عواطفهم دفعهم لطاعته، ولو کان المراد به روح القدس کما فسّره أصحاب الإنجیل لما احتاج هذه المقدمة. لأنّ روح القدس أن هبط فسوف یستحوذ علی القلوب والأرواح بحیث لا یدع لأحد من مجال لإنکاره، أمّا إن کان هو النبی الموعود، فهنالک حاجة ماسة لهذه المقدمة؛ ذلک لأنّه لیس للنبی الموعود من سبیل فی التأثیر علی القلوب سوی من خلال الوعظ والإرشاد، وعلی هذا الأساس تؤمن به طائفة وتکفر به
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 134
طائفة أخری ولم یکتف المسیح بهذا، حیث قال فی الآیة 29 من الباب 14 (لقد أخبرتکم به قبل ظهوره لتؤمنوا به حین ظهوره)، فی حین لا یحتاج الإیمان بالروح القدس إلی الوصیة فضلًا عن هذا الکتاب.
ثانیاً: قال: «سیبعث لکم فارقلیط آخر» فإن فسّرناه بنبی آخر کان الکلام تاماً، أمّا إن قیل المراد به روح القدس، فلفظ «آخر» لا یخلو من تکلف، ذلک لأنّ روح القدس واحد ولا معنی للآخر.
ب) «سیذکرکم بکل ما قلته لکم»" 26: 14" وسیشهد لی (الباب 15، العبارة 26). قیل إنّ الروح القدس هبط علی الحواریین بعد خمسین یوماً من صلب عیسی، فهل نسیت هذه الصفوة تعلیماته کافّة خلال هذه المدّة القصیرة لیعلمهم روح القدس تلک التعالیم ثانیة؟ وما حاجة حواریی المسیح لشهادته لیشهد علی المسیح! أمّا إن کان المقصود به النبی الموعود فسیکون معنی العبارتین صحیحاً؛ ذلک لأنّ أمة المسیح نسیت أغلب تعالیمه بفعل تقادم الزمن والأیادی التی امتدت إلی الإنجیل، لقد جاء محمد صلی الله علیه و آله بکل تلک التعالیم وشهد بنبوّة عیسی علیه السلام وقال: کان نبیّاً مثلی وبرأ أمّه ممّا وجه إلیها من التهم وبرأ عیسی من دعوی الالوهیة.
ج) «لو لم أذهب فإنّ ذلک الفارقلیط سوف لن یأتیکم» (7: 15) فقد اشترط مجیئ فارقلیط بذهابه، فإن کان المراد روح القدس فإن نزوله علیه وعلی الحواریین لم یکن مشروطاً بذهابه؛ لأنّ المسیحیین یعتقدون بإن الروح القدس نزل علی الحواریین الذین وجههم المسیح للوعظ «1».
وعلیه فإنّ نزوله لم یکن مشروطاً بذهابه قط؛ أمّا إن قیل إنّ المراد به نبی صاحب شریعة- وشریعة عالمیة- فإنّ مجیئه سیکون مشروطاً بذهاب المسیح ونسخ شریعته.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 135
د) وردت أمور ثلاثة أثر نزول «فارقلیط» هی: (أنّه یلزم «1» العالم بالذنب والصدق والإنصاف؛ بالذنب لأنّهم لا یؤمنون بی) (8: 16). وتعلم علی ضوء عقیدة المسیحیین أنّ «روح القدس» نزل علی الحواریین بعد 50 یوماً من صلب عیسی وأنّه لم یلزمهم قط بالذنب والصدق والإنصاف، ویستفاد من ذیل الآیة أنّه ینزل علی المنکرین لا الحواریین الذین لا یکذبون المسیح قط. لکن إن قلنا إنّ المراد نبی الإسلام الموعود، فإنّ کل هذه الخصائص مجتمعة فیه.
ه) «سیشهد فارقلیط لی- المسیح-» (26: 15).
«سیخبرکم بالمستقبل وسیثنی علی» (13: 16).
فالشهادة للمسیح تکشف أنّه لیس الروح القدس، لأ، الحواریین لیسوا بحاجة لتصدیقه، کما أنّ المراد من أنّه سیمنحه الجلال، فهو المدح والثناء من النبی الموعود للمسیح وإکماله شریعته، فأی جلال أعظم من هذا.
ولعل تأمل هذه القرائن یرشدنا إلی الحقیقة التی توصل إلیها محققو الإسلام، طبعاً لا تقتصر القرائن علی ما ذکر، وهنالک الکثیر.
وفی الختام ننقل موضوعاً أوردته الموسوعة الفرنسیة الکبری: ج 23 ص 4174 بهذا الشأن حیث جاء فیها:
«محمد مؤسس الدین الإسلامی ورسول اللَّه وخاتم النبیین؛ وکلمة محمد تعنی کثیر الحمد ومن مادة حمد بمعنی التجلیل والتحمید. والاسم الآخر المشتق من مادة حمد هو أحمد والذی یحتمل أنّ مسیحیی الحجاز استعملوه بحق فارقلیط. وهکذا ذهب المفکرون
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 136
الإسلامیون إلی أنّ المراد من ذلک اللفظ البشارة بظهور نبی الإسلام. وقد أشار القرآن فی سورة الصف صراحة إلی هذا الموضوع» «1».
إستعنا فی هذا الموضوع بالکتاب القیم «أنیس الأعلام» تألیف فخر الإسلام.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 137

18 ولادة مریم‌

سؤال:
تظهر الحیاة (خلیة النطفة) فی ظل ترکیب جزئین أساسین هما (الأسبرماتوزوئید) و (الأوفل) وهذا الترکیب (اللقاح) فی أنّ الخلیة الجنسیة الأنثویة لیست قادرة لوحدها فی خلق الحیاة (النمو والتغذیة والتقسیم). وعلی ضوء هذا الأصل العلمی المسلم، فکیف حملت السیدة مریم بولدها المسیح علیه السلام دون زواج وجماع؟! والحال لا تستطیع الخلیة الجنسیة الأنثویة تولید حیاة بمفردها؟!
الجواب:
نود أن نُذکِّر بعدم کلیة الأصل المذکور قبل الخوض فی موضوع حمل السیدة مریم؛ لأنّ الحیاة إنّما تتولد من لقاح خلیتین جنسیتین، وربّما تتعذر بالإکتفاء بخلیّة واحدة، إلّاأنّ التجربة أشارت إلی وجود محرکات أخری غیر الأسبرماتوزوئید تستطیع إزالة الاختلافات الفسلجیة للبویضة وتسوقها إلی الإنقسام ووجود حالات الولادة البکر تدعم ذلک.
فالعلماء یقولون إنّ بویضات بعض الکائنات لها القدرة علی النمو دون القیام بعملیة
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 138
اللقاح، ویطلق علی الأحیاء التی تتکاثر بهذه الطریقة الأحیاء الولودة البکر. ولعلنا نلمس نموذج ذلک فی بعض الأحیاء مثل نجمة البحر ودودة القز. وملکة النحل لا تغشی الزنبور سوی مرّة واحدة طیلة عمرها فتتحول البویضات المرکبة من خلیة جنسیة أنثویة إلی عاملات، أمّا البویضات التی لا تترکب من خلایا جنسیة أنثویة فهی تخرج من الجهاز التناسلی للملکة دون عملیة اللقاح وتواصل نموها وتتحول إلی زنابیر ذکریة.
أضف إلی ذلک فإنّ بعض الأحیاء المجهریة کالمیکروبات والبکتریا والفایروسات تتکاثر دون عملیة لقاح. کما تتکاثر الأمیبا عن طریق الإنشطار.
وتوصل بعض العلماء إلی حقیقة قدرة بعض النساء علی الحمل والإنجاب دون الجماع وصرحوا بأنّ بعض الغدد لدی المرأة یمکنها التکاثر والإنجاب دون الحاجة إلی عملیة اللقاح.
فیتضح ممّا مرّ أنّ بعض النساء البکر یمکنها الولادة دون لقاح وقد تحققت هذه القضیة لدی البعض منهنّ وعلی هذا الأساس تتضح قضیة حمل السیدة مریم علیها السلام دون عملیة اللقاح. وقد صرح القرآن الکریم بشأن المراحل الابتدائیة لحملها قائلًا: «فَأَرْسَلْنَا إِلَیْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِیّاً* قَالَتْ إِنِّی أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْکَ إِنْ کُنتَ تَقِیّاً* قَالَ إِنَّمَآ أَنَا رَسُولُ رَبِّکِ لِاهَبَ لَکِ غُلَاماً زَکِیّاً* قَالَتْ أَنَّی یَکُونُ لِی غُلَامٌ وَلَمْ یَمْسَسْنِی بَشَرٌ وَلَمْ أَکُ بَغِیّاً* قَالَ کَذَلِکِ قَالَ رَبُّکِ هُوَ عَلَیَّ هَیِّنٌ» «1»
، وعلیه لا یستبعد أن تکون هنالک بعض العوامل المجهولة التی أثرت علی الخلایا الجنسیة للسیدة مریم کسائر المحرکات فأوجبت الولادة والنمو.
وبالطبع فإنّ الهدف من ولادة السید المسیح علیه السلام أنّ اللَّه خلق بشراً کمظهر لقدرته فکانت ولادته المجازیة لیتمّ الحجّة علی بنی اسرائیل الذین لم یستجیبوا للأنبیاء الذین بعثوا من بعد موسی بن عمران علیه السلام. «2» فاللَّه الذی خلق مادة الحیاة الأولی وأول خلیة حیة، واللَّه الذی
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 139
خلق أول بشر دون عملیة لقاح، یستطیع وعلی أساس الهدف المذکور خلق نبی عظیم ورجل کامل لتکون ولادته الإعجازیة دلیلًا دامغاً علی قومه المعاندین.
بعبارة أخری: نمو الخلیة الأنثویة فی رحم الأُم إنّما یتمّ أحیاناً لا دائماً عن طریق اللقاح، وهذه علة عادیة ألفناها، لکننا لا نمتلک الدلیل علی امتناعها من طریق آخر. بل من الممکن أن تکون هنالک بعض العلل التی یمکنها تربیة الخلیة الأنثویة وتجعلها جاهزة للقیام بوظیفة الحیاة، وإن کانت هذه العلل خافیة علینا بفعل معلوماتنا الناقصة عن أسرار الحیاة، فهی لیست بخافیة علی العلیم الحکیم القادر سبحانه.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 141

19 هل نذرت أم مریم أن یکون ولدها راهباً؟!

سؤال:
نعلم بحرمة الرهبانیة الدائمة- ولاسیما علی عهد مریم (أم عیسی)- فلماذا نذرت ذلک امرأة عمران حین کانت حاملًا (أم مریم) إن رزقها اللَّه ولداً؟
الجواب:
إنّ أُم مریم لم تنذر مثل ذلک أبداً، بل نذرت إن وهبها اللَّه ولداً أن تجعله خادماً لبیت المقدّس لا راهباً، فتحرره من خدمة الأب والأم لیتفرغ لخدمة المسجد. وقد أشار القرآن إلی ذلک فقال: «إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّی نَذَرْتُ لَکَ مَا فِی بَطْنِی مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّی إِنَّکَ أَنْتَ السَّمِیعُ الْعَلِیمُ» «1».
یقول المفسرون إنّ المراد من کلمة «محرراً»" خادم المعبد، وسبب اطلاق المحرر علی خادم الأماکن المقدّسة، أنّه معفو من القیام بسائر الخدمات الاجتماعیة والقیام علی شؤون الأب والأُم. وعلیه فالنذر کان خدمته، ولم ترد فیه أیّة إشارة إلی الرهبانیة، فالرهبانیة بمعنی هجران الدنیا والرغبة عن الزواج وهی خلاف قانون الخلقة، ومحظور فی الشرائع کافّة.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 143

20 شق القمر

سؤال:
یقال: إنّ إحدی معجزات النبی الأکرم صلی الله علیه و آله شقّ القمر، فهل هذا صحیح؟
الجواب:
لابدّ من تسلیط الضوء علی جوانب هذه القضیة کافّة بغیة إیضاحها:
1- هل یمکن أن ینشق القمر وهو بهذا الحجم الهائل ثم یعود إلی حالته الأولی؟
2- إن کان ذلک ممکناً، فهل لدینا من دلیل قاطع علی وقوع هذا الأمر علی عهد رسول اللَّه صلی الله علیه و آله کاحدی معجزاته؟
3- إن کان هنالک من دلیل علی وقوع المعجزة فما تفاصیللها؟
المبحث الأول:
یکفینا للتعرف علی إمکانیة انشقاق القمر من وجهة نظر العلم المعاصر أن نشیر إلی بعض الانفجارات والانشقاقات التی تشهدها المنظومة الشمسیة.
أ) الاستروئیدات أحجار کبیرة تدور حول المنظومة الشمسیة، ویعبر عنها أحیاناً
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 144
بکرات صغیرة تشبه السیارات، وقد یبلغ قطر بعضها 25 کیلومتراً. ویعتقد العلماء أنّ هذه القطعات بقایا سیارة کبیرة کانت تتحرک ضمن مدار بین المریخ والمشتری، ثم انشقت أثر بعض العوامل المجهولة، وهذا نموذج من الانشقاق فی الأجرام السماویة.
ب) الشهب قطعات صغیرة تائهة تدور بسرعة فائقة فی مدارات خاصة حول الشمس، وأحیاناً تتقاطع مع مدار الکرة الأرضیة فتنجذب نحو الأرض. ویقول العلماء إنّها بقایا مذنبات انفجرت إثر بعض العوامل المجهولة، وهذه أیضاً نموذج آخر للانشقاق الحاصل فی الأجرام السماویة.
ج) علی ضوء نظریة (لابلاس) وأغلب علماء الفلک فإنّ ظهور المنظومة الشمسیة کان نتیجة لوقوع انشقاق عظیم حدث فی الشمس، فقد کانت کل هذه السیارات التی کان مرکزها الشمس کتلة واحدة بادئ الأمر، ثم انفصلت کل واحدة بالتدرج؛ إلّاأنّ هناک خلافاً بین علماء الفلک بشأن العوامل التی أدّت إلی الانفصال والانشقاق، ولکن أقرّ جمیع العلماء بإمکانیة حصول الانشقاق فی کرات المنظومة الشمسیة.
ونستنتج ممّا سبق أنّ: أصل وقوع الإنشقاق فی الکرات السماویة ممکن، والعلم لا ینکر ذلک، بل وضع قواعد الهیئة الجدیدة علی هذا الأساس. ومن البدیهی أنّ حصول هذا الأمر فی ای من الکرات یتطلب قوة هائلة تبدو معروفة علی ضوء بعض الفرضیات فی بعض الموارد ومجهولة فی البعض الآخر. ومن المسلم به فی شق القمر أنّه کانت هنالک عوامل خفیة استطاعات إیجاد ذلک التأثیر، وبالنظر إلی أنّ کل من تطرق إلی شق القمر یدعی باستناد النبی إلی القوی التی تفوق العادة فإنّ أحد لم یزعم أنّ النبی قام بذلک العمل بهذه القوة البشریة العادیة. ویبقی هنا موضوع واحد هو التئام أجزاء القمر بعد الانشقاق. ولحل هذه القضیة یکفی أن نعلم أنّ الإنشقاق لم یکن شدیداً وعظیماً لأننا نعلم حسب (قانون نیوتن) بوجود قوّة التجاذب بین أی جسمین، وأنّ هذه الجاذبیة تتناسب طردیاً مع حاصل ضرب الکتلتین ومربع المسافة بینهما، فکلما کانت المسافة قصیرة إزدادت الجاذبیة وعلیه
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 145
فإنّ هذه الأجزاء تنجذب إلی بعضها کلما قربت المسافة بینها «1».
هذا من وجهة نظر الهیئة الجدیدة؛ أمّا من وجهة نظر الهیئة القدیمة وامتناع الخرق والإلتئام فی الأجرام الفلکیة التسعة فلاحاجة لبحثها بعد أن فند العلم الحدیث تلک النظریة.
ونستنتج ممّا سبق أنّه لیست هنالک من استحالة یذکرها العلم بشأن حادثة شق القمر.
المبحث الثانی:
إنّ أول دلیل علی وقوع معجزة شق القمر، الآیة القرآنیة الشریفة: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ* وَإِنْ یَرَوْا آیَةً یُعْرِضُوا وَیَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ* وَکَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَکُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ» «2».
وقد قال مفسّرو الفریقین إنّ الآیات المذکورة واردة بشأن قضیة شق القمر وهی المعجزة التی حدثت علی عهد النبی الأکرم صلی الله علیه و آله، ومن تلک التفاسیر الشیعیة: تفسیر البیان، ومجمع البیان، وأبو الفتوح الرازی، ومنهج الصادقین، والصافی، والبرهان، ونور الثقلین، وشبّر، ومن التفاسیر العامة: تفسیر الطبری، والدر المنثور، والفخر الرازی، والبیضاوی، والکشاف، وفی ظلال القرآن. وصرح المرحوم الطبرسی صاحب مجمع البیان فی ذیل الآیات المذکورة أنّ المفسرین کافّة یعتقدون بأنّ الآیات واردة فی معجزة شق القمر علی عهد النبی صلی الله علیه و آله. کما قال الفخر الرازی إنّ جمیع المفسرین یؤمنون بأنّ آیة شق القمر وقعت علی عهد رسول اللَّه صلی الله علیه و آله.
أضف إلی ذلک فقد وردت أکثر من 40 روایة فی مصادر الفریقین بشأن شق القمر. وبناءً علی هذا فلیس هنالک من شک فی نزول الآیات المذکورة بشأن وقوع معجزة «شق القمر».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 146
المبحث الثالث:
ما یستفاد من الآیات المذکورة والروایات أنّ المعجزة وقعت علی عهد النبی الأکرم صلی الله علیه و آله إثر طلب المشرکین؛ أی أنّ القمر انشق بقوّة خارقة «قدرة اللَّه» وعاد ثانیة إلی حالته السابقة.
أمّا خصوصیات تلک الواقعة التی وردت فی بعض الکتب والتی یحتمل صحتها، تتطلب أبحاثاً مسهبة، نتحفظ عن الخوض فیها لعدم ضرورة معرفة تلک الخصوصیات. ولابدّ أن نذکر فی الختام أنّ هذه الواقعة وعلی غرار نظیراتها لم تکن بمأمن عن أیدی المحرفین والوضاعین، فأغرقوها بمختلف الخرافات، ومنها مثلًا أنّ نصف القمر هبط ودخل فی کم النبی وخرج من طرفه الأخر. ولم ترد هذه الأمور فی أی من المصادر المعتبرة للفریقین.
ونحاول الآن الرد علی الشبهة التی وردت فی السؤال:
لو کان شق القمر حقیقة لانبغی ذکره فی التواریخ العالمیة، والحال لیس له من ذکر فی هذه التواریخ. ولکی یتضح الجواب عن هذا السؤال، لابدّ من الإلتفات إلی الأمور التالیة:
أولًا: لابدّ من الإلتفات إلی تعذر رؤیة القمر فی نقاط الکرة الأرضیة کافّة، بل یمکن رؤیته من قبل نصف الکرة الأرضیة.
ثانیاً: أنّ أغلب الناس فی هذا النصف إنّما یغفلون عن الحوادث التی تشهدها الأجرام السماویة، سیما أنّهم ینامون بعد منتصف اللیل. وعلیه فسوف لن یشهد الحادثة أکثر من ربع العالم.
ثالثاً: ما الضیر فی أن تکون السماء ملبدة بالغیوم فی مختلف نقاط العالم حین وقوع تلک الحادثة.
رابعاً: أنّ الحوادث السماویة التی تجلب انتباه الأفراد حین تکون من قبیل الصاعقة المصحوبة بالرعد أو الخسوف والکسوف اللذین یرافقهما قلّة الضوء ولمدّة طویلة نسبیاً.
وقلما تلفت تلک الحادثة المفاجئة والعابرة والتی لم یرافقها بعض الآثار انتباه الأفراد، فهل هنالک من دافع لتأمل السماء فی اللیالی الاعتیادیة التی یطلع فیها القمر ویغیب؟
خامساً: کانت وسائل النشر والتدوین التاریخی آنذاک محدودة جدّاً ولم تکن کما هی
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 147
علیه الیوم بحیث تنتشر حادثة کهذه کسرعة البرق.
سادساً: لا یبدو التاریخ القدیم واضحاً فی أغلب معالمه، بل هو ملیئ بالنقاط الغامضة والمبهمة، فمثلًا (زرادشت) أحد الشخصیات التاریخیة المعروفة والذی امتد نفوذه إلی مناطق شاسعة آنذاک، لکن مازالت تفاصیل ولادته ووفاته وموضع ولادته وسائر خصائص حیاته مجهولة إلی الیوم، بل ینکر البعض حتی وجوده. فإن کانت تلک البلدان القریبة العهد غافلة إلی هذه الدرجة عن تدوین تاریخها، فما بالک بتدوین تلک الحادثة آنذاک من قبل البلدان الأوربیة.
أضف إلی ذلک لم تکن هناک من خطة للمؤرخین فی تدوین الأحداث کافّة، لأننا نقطع بأنّ تاریخ البشریة شهد وقوع مئات الزلازل والعواصف الکاسحة التی دمرت العدید من المناطق، بینما لم یفرد لها التاریخ سطوراً فی صفحاته ولو عدنا لتفسیر الطبری لرأینا 30 روایة بشأن معجزة شق القمر، إلّاأنّ صاحب هذا التفسیر الذی دون تاریخه المعروف بتاریخ الطبری لم یتطرق إلی هذه الحادثة. وعلی هذا الضوء فإنّ عدم ذکر هذه الحادثة فی التواریخ لا یبدو مستغرباً، کما لا یعتبر دلیلًا علی عدم وقوعها. جدیر بالذکر فقد أفاد بعض المحققین أنّ هذه الحادثة وردت فی بعض التواریخ، علی سبیل المثال جاء فی کتاب «تاریخ الملائکة» فی المقالة الحادیة عشرة أنّ أهالی منطقة میلبار الهندیة شهدوا واقعة شق القمر علی عهد رسول اللَّه صلی الله علیه و آله وذکروا فی کتبهم أنّ حاکم تلک المنطقة ثبت له بعد التحقیقات التی أجریت بهذا الشأن أنّ الموضوع المذکور کان أحد معاجز نبی الإسلام صلی الله علیه و آله؛ وعلیه فلا یمکن القول إنّ الحادثة لم تذکر فی التاریخ. کان ما سبق خلاصة البحث بشأن مسألة شق القمر التی یمکن إثارتها بهذا الخصوص «1».

القسم الثالث أوصیاء النبی صلی الله علیه و آله‌

1 کیف التفت علی علیه السلام فی صلاته للسائل؟

سؤال:
ورد فی سیرة أمیر المؤمنین علی علیه السلام أنّه لم یلتفت فی صلاته لسهم سل من رجله من شدة الخشوع و التوجه الی اللَّه، لکننا نسمع أنّه کان واقفاً للصلاة وقد التفت إلی سؤال فقیر فتصدق بخاتمه؛ فکیف الجمع بین الحالتین؟
الجواب:
لابدّ من الإلتفات إلی الفارق الکبیر بین «سل السهم من الرجل» و «التصدق بالخاتم علی الفقیر»؛ لأنّ سل السهم من الرجل له بعد شخصی ومادی صرف وبعید عن التوجه التام للَّه والاستغراق فی ذاته. أمّا الإلتفات إلی الفقیر المحروم فی مسجد النبی صلی الله علیه و آله والذی کان یسترحم ویستغیث، إنّما کان عملًا ربانیاً وتقربیاً وینسجم مع التوجه للَّه. فالواقع أنّه لم یکن متوجها لنفسه؛ لأنّ التوجه إلی الفقیر، توجه للَّه‌لا للنفس.
بعبارة أخری أنّ إغاثة عباد اللَّه وإعانة الفقراء والضعفاء یعدّ من العبادات الکبری وهومن سنخ الصلاة تلک الشعیرة العظمی؛ وعلیه فلیس من العجیب أن ینفذ ذلک الفقیر بصرخاته الموجعة إلی قلب علی علیه السلام أثناء الصلاة، لینهمک تلک العبادة بأخری تهدف إلی
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 152
رضی اللَّه، وقد کان علی درجة من الاخلاص بحیث نزلت فیه آیة بحق علی علیه السلام «1».

2 هل نزلت هذه الآیة بحق علی علیه السلام؟

سؤال:
یعتقد علماء الشیعة وأغلب علماء العامة أنّ الآیة الشریفة: «الْیَوْمَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِینَکُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَیْکُمْ نِعْمَتِی وَرَضِیتُ لَکُمُ الْإِسْلَامَ دِیناً ...» «1»
نزلت یوم الغدیر، فی حین یتحدث صدر و عجز الآیة عن بیان أحکام الحلال والحرام؛ فکیف ینسب مطلب خلال الآیة لقضیة لیس لها أدنی ارتباط بصدرها وعجزها؟
الجواب:
لقد أذعن أغلب رواة الحدیث والسیر والتاریخ، مثل: الطبری وابن مردویه وأبی نعیم الأصفهانی والخطیب البغدادی وأبی سعید السجستانی وأبی الحسن المغازلی وأبی القاسم الحاکم الحسکانی وابن عساکر الدمشقی والخطیب الخوارزمی وابن الجوزی وشیخ الإسلام الحموینی وابن کثیر الشامی و ... بنزول الآیة فی یوم «الغدیر» وهم من الرواة والمؤرخین المعتبرین لدی العامة؛ فإن أضفنا هذه الروایات إلی الأخبار الواردة عن أهل بیت النبی صلی الله علیه و آله یصبح نزول الآیة فی الغدیر قطعیاً.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 154
أمّا مسألة ترتیب الآیات الذی خلق العدید من المشاکل للمفسّرین فی مباحثهم فلا یبدو علی درجة من الغرابة؛ ذلک لأنّ ترتیب نزول السور والآیات القرآنیة یختلف تماماً مع ترتیبها الفعلی؛ مثلًا، السور التی نزلت فی المدینة والتی ینبغی أن تعقب السور المکیة والعکس بالعکس، بینما القضیة لیست کذلک حتی أنّ بعض الآیات فی السورة نزلت فی مکة وبعضها الآخر فی المدینة، وربّما کانت هنالک فاصلة زمانیة تمتد لسنوات خلال نزول آیتین من السورة. ولو تأملنا سبب نزول الآیات أو التفتنا علی الاقل إلی ما کتب اعلی السور القرآنیة لاستغنینا عن أی ایضاح؛ فهنالک بعض السور التی یصطلح علیها بالسور المدنیة، فی حین نزلت بعض آیاتها فی «مکة»، کسورة الأنفال المدنیة بجمیع آیاتها سوی الآیات من 20 إلی 26 نزلت فی مکة، والعکس کثیر أیضاً کسورة الشعراء والکهف وأمثالهما.
وعلیه فترتیب الآیات وإرتباطها مع بعضها لا یعدّ بالنسبة لنا سنداً محکماً إزاء الروایات والأحادیث القطعیة. وهذا هو نهج الأعلام فی تفسیر القرآن، وتؤیده شواهد کثیرة.
فالقرآن لیس علی غرار التألیف البشری بحیث یخوض فی موضوع ویتابعه إلی آخره، بل القرآن مجموعة من الآیات التی نزلت من اللَّه بالتدریج وحسب الأحداث المتنوعة ولتحقیق أهداف مختلفة، فلربّما تضمّ السورة مواضیع مختلفة ومقاصد متعددة، ومن هنا لا یمکن جعل ما قبل الآیة وما بعدها دلیلًا علی موضوع معین، کما یمکن أن تکون جمیع آیات السورة کسلسلة متصلة الحلقات، بینما لا تکون کذلک أحیاناً، وعلی هذا الأساس فإنّ المشکلة تبدو محلولة، فأغلب الآیات وسط السورة قد لا تبدو مناسبة مع بدایتها ونهایتها. «1» وإن سعی بعض المفسرین لإیجاد حالة من التناسب والإرتباط، ولعل الأمر لا یخلو من تکلّف، لأنّ جمیع آیات السورة- علی فرض نزولها فی مکة أو المدینة- لم تنزل دفعة واحدة، بل نزلت علی ضوء بعض المقتضیات، ولربّما کان لکل آیة سبب نزول. وعلیه
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 155
فلیس هنالک من مبرر لأن ترتبط جمیع آیات السورة مع بعضها لتبدو کسلسلة متصلة. ولعل هناک من یقول: ما ذکر لحد الآن یختص بإرتباط السور والآیات مع بعضها البعض، إلّاأنّ الآیة تتضمن خصوصیة لا یمکن حلّها من خلال الشرح السابق وهی:
إنّ الشرح المذکور أثبت عدم ضرورة إرتباط آیات سورة معینة، ولکن لا یثبت عدم ترابط عبارات الآیة الواحدة. والآیة التی نبحثها من هذا القبیل، فإن کانت العبارة «الیوم اکملت لکم» نزلت فی ولایة علی علیه السلام، فارتباطها مقطوع بصدر الآیة وعجزها الوارد فی بیان أحکام الحلال والحرام، وعلی هذا الأساس لا یبدو التوضیح السابق کافیاً لرفع الإشکال. ولتوضیح الجواب نری ضرورة ذکر هذه الآیة (بدایتها ووسطها ونهایتها):
1- (حُرِّمَتْ عَلَیْکُمْ الْمَیْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِیرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَیْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّیَةُ وَالنَّطِیحَةُ وَمَا أَکَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَکَّیْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَی النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذلِکُمْ فِسْقٌ ...» «1».
2- «الْیَوْمَ یَئِسَ الَّذِینَ کَفَرُوا مِنْ دِینِکُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْیَوْمَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِینَکُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَیْکُمْ نِعْمَتِی وَرَضِیتُ لَکُمُ الْإِسْلَامَ دِیناً ...» «2».
3- «فَمَنِ اضْطُرَّ فِی مَخْمَصَةٍ غَیْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِیمٌ» «3».
ومرادنا من الإتیان بالآیات الثلاث أنّ القسم الثانی- سواء کانت الآیة نازلة فی علی علیه السلام أم فی موضوع آخر، وسواء نزلت یوم الغدیر أو عرفة- کلام مستقل وسط الآیة.
وإلیک بعض القرائن التی تؤید هذا المطلب:
1- لو رفع القسم الثانی من هذه الأقسام الثلاثة، فسوف لن یکون له أی تأثیر علی إرتباط القسم الأول بالثالث. والخلاصة بضم ذیل الآیة إلی صدرها تکون هنالک آیة کاملة برفع الآیة الثانیة فلیس هنالک من مساس بارتباط الآیة، وهذه شهادة أنّ القسم المذکور
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 156
کلام مستقل ومنفصل (بغض النظر عن الموضوع النازل فیه) وسط الآیة.
2- تکرر مضمون هذه الآیة فی سورة البقرة والأنعام والنحل، ولم یرد القسم الثانی فی هذه الآیة فی السور المذکورة. ونورد هنا بعض النماذج:
«إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَیْکُمُ الْمَیْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِیرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَیْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَیْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَیْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِیمٌ» «1»
. وتشتمل هذه الآیة علی أکثر ما ذکر فی القسم الأول والثالث من الآیة المذکورة للبحث، ولکن لم یرد شی‌ء عن القسم الثانی وهذا القسم مستقل لیس له من علاقة بما قبله وبعده.
3- الروایات المتکفلة بسبب نزول الآیات بینت انفصال القسم الثانی عن صدر الآیة وذیلها، فقالت مثلًا: «الیوم یئس ...» نزلت یوم الغدیر أو عرفة وهذا دلیل علی استقلالیتها.
وعلی هذا الأساس فإن صرحت الروایات الصحیحة عن الفریقین بأنّ هذه الآیة نزلت یوم الغدیر بشأن ولایة علی علیه السلام فإنّ صدر وذیل الآیة لا یمکنه صدنا عن الاعتقاد بمضمون الأحادیث؛ لأنّ هذا القسم کلام مستقل وارد فی موضوع لیس له من إرتباط بما قبله وبعده.
4- إنّ تدبر مضمون الآیة یرشدنا إلی أنّه لا یصدق سوی علی الولایة ولا یحفظ إرتباط عبارات القسم الثانی إلّافی حالة اعتبارنا أنّ سبب نزولها هو الإمامة. فالقسم الثانی للآیة یتضمّن مطلبین وهما: أنّه خلال یوم معین یئس الکفّار من التغلب علی المسلمین، کما کمل فیه دین اللَّه، والآن لابدّ من ملاحظة ماکان ذلک الیوم الذی شهد وقوع حادثین؟ ونورد هنا ما قیل فی ذلک الیوم أو ما یساور الذهن بشأنه:
أ) یوم البعثة: قطعاً لم یقع الحادثان فی هذا الیوم؛ ذلک لأنّ الکفّار لم ییأسوا آنذاک، کما لم یکتمل الدین فضلًا عن بیان أحکامه.
ب) یوم فتح مکة: هذا الاحتمال کسابقه، لأنّ فتح مکة کان فی السنة الرابعة للهجرة، والحال کانت أغلب العهود التی عقدها المسلمون مع الکفّار قائمة، وکان الکفّار یقیمون مراسمهم الجاهلیة فی الحج، وعلیه لم یکن الیأس مستولیاً علی الکفّار، کما لم یکمل الدین
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 157
آنذاک، ولدینا بعض الأحکام التی بینت بعد فتح مکة.
ج) یوم البراءة: الیوم الذی تلی فیه علی علیه السلام سورة براءة علی المشرکین، ورغم یأس المشرکین فی شبه الجزیرة عن تحقیق أی نصر، إلّاأنّ بیان الأحکام لم یکتمل فی ذلک الیوم؛ فبعض الأحکام کالحدود والقصاص نزلت لاحقاً فی هذه السورة- المائدة- وعلینا أن نعرض یوماً وقعت فیه الحادثتان.
د) یوم عرفة: هذا ما اختاره أغلب مفسّری العامة واستدلوا علیه ببعض الروایات؛ إلّا أننا نعتقد أنّ ذلک الیوم هو الآخر لم یستوعب الحادثتین، حیث لابدّ أن نری هویة الکفّار الذین یئسوا من غلبة المسلمین، فإن کان المراد کفّار قریش أو عامة کفّار شبه الجزیرة، فمما لا شک فیه أنّ یأسهم کان فی یوم آخر؛ ذلک لأنّ قریش یئست یوم فتح مکة وسائر الکفّار بعد قراءة سورة براءة، لا فی یوم عرفة، وإن کان المراد الکفّار علی الأرض کافّة- سواء فی الجزیرة العربیة أو غیرها- فالحق لم یشعر أحد بهذا الیأس الشامل حتی الدقائق الأخیرة من عمر النبی الأکرم صلی الله علیه و آله. وبغض النظر عن ذلک، ما المراد من تکمیل الدین؟ هل المقصود تعلیم أحکام الحج؟ فمن الواضح أنّ الدین لا یکتمل بتعلیم واجبات عمل معین. أم أنّ المراد بیان الحلال والحرام المبین فی هذه السورة (المائدة)؟ والحال تعرّف المسلمون علی ضوء أقوال العامة علی أغلب الأحکام کارث الکلالة والربا بعد یوم عرفة.
وعلیه لابدّ من الإعتراف بأنّ المراد یأس معین مصحوب بإکمال الدین، وقد حصل هذان الموضوعان بنصب الوحی فقط، ذلک لأنّ أغلب الآیات القرآنیة تشهد علی أنّ الکفّار کانوا یطمعون علی الدوام بدین المسلمین، وکان حلمهم الأخیر صدهم عن دینهم وإعادتهم إلی دین أبائهم «وَدَّ کَثِیرٌ مِنْ أَهْلِ الْکِتَابِ لَوْ یَرُدُّونَکُمْ مِّنْ بَعْدِ إِیمَانِکُمْ کُفَّاراً ...» «1»
وهنالک العدید من الآیات بهذا الخصوص. إلّاأنّ أتباع الدین کانوا فی ازدیاد والکفّار فی تراجع، وکان أملهم الأخیر السیطرة علی مقدرات المسلمین حیث لا عقب لصاحب الرسالة؛ وعلیه سینهار صرح الحکومة الإسلامیة عقب وفاته وتعود لهم العزة و الغلبة کما
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 158
کانوا فی السابق.
وقد صور القرآن هذه الحقیقة نقلًا عن المشرکین إذ قال: «أَمْ یَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَیْبَ الْمَنُونِ» «1»
. کانت هذه الأطروحة الأخیرة التی تحقق أمانی الکفّار، ولکن کان الیوم الذی نصب فیه وصیه من بعده قد ملأ أرکان الکفر بالیأس وخیبة الأمل، وإضافة إلی الیأس الذی خیم آنذاک علی المشرکین والکفّار فقد تجذر الإسلام واکتسب دیمومته وبقاءه، وهکذا أکمل النبی الأکرم صلی الله علیه و آله دین اللَّه من خلال ترسیخه لعوامل استقراره وبقائه- أی نصب الإمام- ومن هنا یتضح معنی القسم الثانی من الآیات وإرتباطها.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 159

3 هل انطلق علی علیه السلام من المدینة إلی المدائن فی لیلة واحدة؟

سؤال:
ورد فی بعض الأخبار أنّ أمیرالمؤمنین علیّاً علیه السلام انطلق خلال لیلة واحدة بطی الأرض من المدینة إلی المدائن حین وفاة سلمان الفارسی رحمه الله فغسله ودفنه، وعاد صباحاً إلی المدینة، فهل یمکن هذا مع أنّ المسافة بین المدینة والمدائن أکثر من مئة فرسخ؟
الجواب:
نعلم أنّ سرعة حرکة الأجسام لیست متساویة فسرعة الفرس أقل من سرعة السیارة والقطار، وسرعة السیارة لا یمکن مقارنتها بسرعة الطائرة، ولیس سرعة الطائرة بشی‌ء إزاء سرعة حرکة الأرض حول الشمس (الحرکة الانتقالیة) التی تبلغ ثلاثین کیلومتراً بالثانیة؛ وبالتالی لیس هنالک من نسبة لمقارنة سرعة الأرض بسرعة الضوء البالغة ثلاثمئة ألف کیلومتر بالثانیة. طبعاً قبیل اختراع السیارة والقطار والطائرة کان الناس لا یؤمنون بسرعة تبلغ عشرات أو مئات الفراسخ فی الساعة، ومن الواضح أنّ هذا المحال عادی لا عقلی، ومن الممکن أن یخترع فی المستقبل جهاز تبلغ سرعته سرعة حرکة الأرض حول الشمس أو حرکة الألکترون حول النواة المرکزیة للذرة أو أکبر من ذلک. وحین اتضح أنّ هذا المحال
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 160
لیس عقلیاً، فمن المسلم به أنّ اللَّه قادر بلطفه وعنایته علی أن یحمل شخصاً خلال لیلة من المدینة إلی المدائن ویعیده ثانیة، بل إننا لنؤمن حسب المصادر الدینیة المعتبرة فی المعراج الجسمانی لرسول اللَّه صلی الله علیه و آله، ونقر بذلک علی قدرة اللَّه المطلقة الغنیة عن الحدود.
وإننا لنؤمن بالکثیر من المطالب التی ذکرها القرآن علی أساس هذه القدرة؛ فمثلًا قبل أن تصل بلقیس ملکة سبأ إلی سلیمان علیه السلام، أراد سلیمان علیه السلام أن یریها معجزة لیشدّ قلبها إلی اللَّه، فقال لمن حوله «قَالَ یَا أَیُّهَا المَلَؤُا أَیُّکُمْ یَأْتِینِی بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ یَأْتُونِی مُسْلِمِینَ* قَالَ عِفْریتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِیکَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَّقَامِکَ وَإِنِّی عَلَیْهِ لَقَوِیٌّ أَمِینٌ* قَالَ الَّذِی عِنْدَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْکِتَابِ أَنَا آتِیکَ بِهِ قَبْلَ أَنْ یَرْتَدَّ إِلَیْکَ طَرْفُکَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّی» «1».
وبالطبع لا یمکن التعامل مع المعجزات والکرامات من خلال المعاییر المادیة والإمکانات البشریة المحدودة؛ فالإعجاز أمر خارق للعادة وینطلق عن قدرة اللَّه اللامتناهیة.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 161

4 هل هبط نجم علی سطح دار علی علیه السلام؟

سؤال:
لقد سمعنا مراراً أنّ الرسول الأکرم صلی الله علیه و آله أخبر أنّ نجماً سیهبط فی لیلة معینة فمن حط علی سطح داره فهو زوج ابنته الزهراء علیها السلام، وأنّ ذلک النجم هبط فی تلک اللیلة علی سطح دار علی علیه السلام، بینما نعلم أنّ النجوم تکبر الأرض بکثیر، فما المراد من هذه الروایة؟
الجواب:
علی فرض صحة الروایة، ربّما یکون المراد هبوط شهاب صغیر لا نجم وکرة سماویة، لأننا نعلم بعدم إمکانیة ذلک.

5 ما فلسفة صلح الإمام الحسن علیه السلام وقتال الإمام الحسین علیه السلام؟

سؤال:
إنّ الأئمّة علیهم السلام و اولیاء الدین أوصونا بالدفاع عن حقّنا قدر المستطاع وأن لا نرضخ للظلم ونواصل حیاتنا بکرامة، فقد قال الإمام الحسین علیه السلام: «إنّ الدعی ابن الدعی رکز فینا بین اثنتین، بین السلة والذلة وهیهات منّا الذلة».
ومن الواضح أنّ مراده من کلمة «منّا» نهج أهل بیت العصمة والطهارة. فکیف صبر أخوه الحسن علیه السلام علی ممارسات معاویة الذی لا یقل فساداً عن یزید؟
الجواب:
للوقوف علی نهضة الإمام الحسین علیه السلام وصلح أخیه الإمام الحسن علیه السلام لابدّ من تأمل الجوانب التاریخیة کافّة وأوضاع وظروف زمانیهما، لتتضح أسرار ذلک «الصلح» وتلک «النهضة». صحیح أنّ معاویة لم یکن أحسن من یزید، إلّاأنّ التاریخ یشهد بأنّ معاویة کان مخادعاً ومراوغاً، وکان یسعی للتغطیة علی أفعاله وتضلیل العوام. ولعل أحد نماذج ذلک منعه تلک الهزیمة المنکرة فی صفین حین حملوا المصاحف علی الرماح؛ أمّا خلیفته الطائش والساذج- یزید- فقد کان یفتقر إلی کیفیة إدارة شؤون الأمّة، فضلًا عن عدم إیمانه
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 164
بمبادئ الإسلام، فلم یراع حتی ذلک الحد الأدنی الذی کان یراعیه معاویة. فقد کان ینتهک أحکام الدین علانیة ولا یأبه بالمقدّسات ویمارس المنکرات بکل وقاحة.
وفی ظل هذه الظروف تأهب عموم المسلمین للقیام والإطاحة بجهاز بنی أمیة. وعلی هذا الضوء نهض الإمام الحسین علیه السلام لیفضح هذه السلالة أمام الرأی العام ولیطردها من أذهان المسلمین، غیر أنّ الأوضاع لم تکن کذلک علی عهد معاویة. ولو کان الإمام الحسن علیه السلام فی عصر یزید لنهض بالأمر، ولو کان الحسین علیه السلام علی عهد معاویة لعقد الصلح کما یری ذلک بعض العلماء. والدلیل علی ذلک أنّ الإمام الحسین علیه السلام صبر علی معاویة عشر سنوات بعد أخیه ولم یشهر سیفه علیه، لکنه ما أن سمع بوفاة معاویة وخلافة یزید حتی بدأ نهضته وأعلن قتاله منذ رفض مبایعته، ولم یستقر حتی ضحی بنفسه فی رمضاء کربلاء لإعلاء کلمة الدین والقضاء علی بنی أمیة.
ویتضح ممّا سبق أنّ السکوت إزاء حکومة معاویة الذی کان یراعی نسبیاً الحدود الإسلامیة- وحفظاً لدماء المسلمین- لم یکن من مصادیق الذلة. والموضوع المهم الآخر والذی ینبغی إضافته إلی ما سبق: أنّه طبق شواهد التاریخ فإن وضع السیاسة الخارجیة للمسلمین علی عهد معاویة کانت تقتضی ذلک الصلح؛ ذلک لأنّ امبراطور روما الشرقیة کان یتابع عن کثب الإقتتال الداخلی للمسلمین ویعدّ العدة لاختراق حدود البلاد الإسلامیة ثأراً لهزائمه السابقة أن تجدد القتال بین الإمام الحسن علیه السلام ومعاویة، ولو حدث ذلک لکانت ضربة قاصمة توجه إلی الإسلام والمسلمین. حقاً أنّ تلک الظروف دفعت بالإمام المجتبی علیه السلام لعقد الصلح وإفشال مخططات الأعداء.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 165

6 هل کان للإمام المجتبی علیه السلام عدّة زوجات‌

سؤال:
لقد نسب طائفة من المؤرخین والمحدثین للإمام المجتبی علیه السلام قضیة تعدد الزوجات، فذکروا أنّه کان کثیر التزوج من النساء فیتزوج الواحدة تلو الأخری بعد طلاقها، فذهبوا علی هذا الأساس إلی شهرته بین الناس بتعدد الزوجات، فهل من صحة لهذا الموضوع؟
الجواب:
لما کانت دراسة الجوانب الشخصیة لکل فرد تساعد علی إدراک خصائص حیاته وما یکتنفها من غموض، نرانا مطالبین بتسلیط الضوء قبل کل شی‌ء علی الجوانب الخلقیة للإمام الحسن المجتبی علیه السلام- ولو علی سبیل الاختصار- لنمیط اللثام عن واقع الإمام بغیة ایضاح الموضوع- لقد ترعرع هذا الإمام فی أطهر وأسمی أسرة لیتربی فی أحضان الزهراء البتول علیها السلام وأمیر المؤمنین علی علیه السلام. فکانت له بعض الخصائص الفریدة والخصال السامیة.
وکان ولیّاً ربانیاً یستغل إمکاناته کافّة لاعانة الضعفاء والفقراء ونیل رضی اللَّه. حج بیت اللَّه خمساً وعشرین مرّة ماشیاً رغم ما کان له من راحلة لیعیش أدب الخشوع والتواضع للَّه. «1»
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 166
وکان أعبد أهل زمانه، کما کان یتغیر لونه إن ذکر اللَّه أو یوم القیامة وما بعد الموت. وکان یرتجف کالسعفة حین یقف بین یدی اللَّه ویناجی اللَّه بما یکشف عن عمق خشیته وحبّه للَّه الذی لا یغیب عنه أبداً «1».
هذا غیض من فیض سمو الإمام المجتبی علیه السلام والذی وردت تفاصیله فی کتب السیرة وعلی ضوء ما تقدم فلا یبدو من الصحیح التسلیم بأنّ هذا الإمام الذی یتصف بکل هذه الخصال ویعیش تلک العبودیة المحضة أن یشهد ذلک الإقبال علی الزواج الذی یفوق الحد المعقول کما ذکر بعض المؤرخین.
أبناء الإمام الحسن علیه السلام:
یلزم من الزعم المذکور أن یکون للإمام العدید من الأولاد، ولم یکن الأمر کذلک، ولعل العدد الاعظم الذی ذکره المؤرخون بلغ الثلاثة والعشرین «2».
فقال الیعقوبی و کان للحسن من الولد 8 ذکور «3».
وابن شهر آشوب «13» «4».
وابن خشاب «11» «5».
والطبرسی «16» «6».
وبینما ذکر المرحوم الشیخ المفید رحمه الله المعروف بدقّته فی هذه الأبحاث أنّ أبناء الإمام من البنین والبنات هم «15» «7». وقال بذلک صاحب کتاب العدد نقلًا عن المرحوم العلامة
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 167
المجلسی والذی یقول بتعدد زوجات الإمام علیه السلام «1».
وعلیه فإنّ أکبر عدد ذکره المؤرخون لأولاد الإمام علیه السلام هو «23». وهذا یدل علی أن لا أساس لموضوع تعدد الزوجات المنسوب للإمام فی بعض الکتب- ولعلنا نری بعض الأفراد ممن لهم العدید من الأولاد- دون تعدد زوجاتهم- واحتمال تعدد زوجات الإمام علیه السلام لکنهنّ عقیمات ضعیف، ولا قیمة لمثل هذه الاحتمالات فی مناقشة القضایا التاریخیة. وعلی ضوء هذا العدد المذکور من الأولاد، أفلا تبدو قضیة نسب مئات الزوجات للإمام علیه السلام تهمة کاذبة؟ ثم ألا تدعونا هذه الوثائق التاریخیة إلی الاعتقاد بأنّ هذه الأخبار من وضع عناصر بنی أمیة ممن لهم تجربة بهذا الخصوص؟ ومن هنا ینبغی علینا التحفظ فی ترویج هذه الأخبار التی تخدم أعداء أهل البیت علیهم السلام.
وإضافة إلی عدم إقرار المؤرخین بتعدد زوجات الإمام علیه السلام، فلیس هنالک مَن احصی أسماءهن، بینما اکتفوا بذکر طائفة محدودة، وسنشیر هنا إلی کیفیة زواج الإمام علیه السلام منهن.
ولعل المضحک ما نسبه بعض المحدثین للإمام علیه السلام أنّه تزوج من عشرات النساء، وذکروا أنّهنّ سرن حفاة خلف جنازة الإمام علیه السلام بعد شهادته «2».
وبالطبع فإنّ خواء هذا الزعم یبدو واضحاً من خلال نظرة الإسلام لکشف المرأة عن قدمها وسط الأجانب. فلو حدث ذلک فی أجواء المدینة لتذرع به فقهاء العامة الذین یتربصون الدوائر بأهل البیت علیهم السلام. أضف إلی ذلک فإنّ عصمة الزوجیة تنقطع بالطلاق، فکیف تشترک هؤلاء النسوة فی تشییع جنازة الإمام علیه السلام وقد طلقهنّ قبل وفاته؟ أفلا یدلنا هذا الأمر علی أنّ تعدد زوجات الإمام علیه السلام من هذا القبیل من الأخبار؟
حل المسألة:
لو افترضنا حقیقة ما نسب للإمام علیه السلام من تعدد الزوجات، فلابدّ أن نقول بأنّ مسلمی ذلک
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 168
العصر کانوا یشعرون بالفخر والإعتزاز من مصاهرة نبی الإسلام، ومن هنا کانوا یتبرکون بتزویج بناتهم من سبطه فیکتفون بالعقود الشرعیة، وعلیه فهؤلاء النساء کن یفتخرن بعقدهن علی الإمام علیه السلام لغرض تحقیق الهدف المذکور.
والاحتمال السائد أیضاً أنّ عدد من الزوجات اللاتی نسبن إلی الإمام علیه السلام کن من النساء اللاتی لا مأوی لهن وقد کفلهن الإمام علیه السلام فتزوج بهنّ ظاهریاً بغیة تفادی استحقار الآخرین لهنّ «1».
وأحد الشواهد علی ذلک ما ذکره ابن الجوزی من أنّ عبداللَّه بن عامر طلق زوجته، فلما انتهت عدتها تزوجها الإمام علیه السلام، وبعد مدّة أتاها لاسترداد أمانة کانت لدیها، فقال له الإمام علیه السلام: لقد تزوجت مطلقتک حتی تزول خلال هذه المدّة ما بینکم من عداوة، ولک أن تتزوجها الآن «2».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 169

7 لماذا نحارب الفساد؟

إنّ أحد شروط ظهور المهدی علیه السلام اتساع الفساد فی الأرض
فلماذا نحارب الفساد؟
سؤال:
ورد فی الأحادیث المتواترة «1»: أنّ المهدی علیه السلام سیظهر ویملأ الأرض قسطاً وعدلًا بعد أن تمتلئ ظلماً وجوراً وفساداً. وعلیه سیکون ظهور الإمام حین انتشار الفساد فی العالم، ومن هنا فلابدّ لنا من تمهید السبیل لظهور الإمام علیه السلام وذلک من خلال الإسهام فی توسیع رقعة الفساد، وإلّا فإننا سنسهم فی تأخیر انطلاقة نهضة ذلک المصلح الغائب!
الجواب:
أولًا: لابدّ من الإلتفات إلی أنّ شرط ظهور الإمام علیه السلام لا یقتصر قط علی اتساع حجم
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 170
الفساد فی صفوف المجتمع البشری، بل یستحق المجتمع ظهور الإمام علیه السلام إن بلغ المرحلة المطلوبة من النضج الفکری والسمو الروحی. وقد استفاضت کتب العقائد والمذاهب بالعوامل التی تحول دون الظهور والتی تتمثل فی الاستعدادات الفکریة والروحیة ولو زالت هذه العوامل لزالت أسباب الغیبة ولظهر الإمام علیه السلام.
وللفیلسوف العلّامة المرحوم نصیر الدین الطوسی ثلاث عبارات بهذا الشأن فی کتابه «تجرید العقائد» نوردها مع توضیح مختصر:
1- وجوده لطف
فوجود الإمام المعصوم- ظاهراً کان أم غائباً- نعمة معنویة علی المجتمع البشری ووسیلة للتقریب من طاعة اللَّه وعبودیته؛ ذلک لأنّ الإمام هو الهادی إلی اللَّه، کما أنّه الواسطة فی وصول الفیض الإلهی، وهدایة الإمام- وإن کان غائباً- للأفراد المستحقین متواصلة وإن لم یروه ویعرفوه.
2- وتصرفه لطف آخر
وإن ظهر الإمام علیه السلام وخاض فی الإرشاد والهدایة وتسلم زمام الأمور فإنّ ذلک یعدّ نعمة أخری وهنا لا تنتفع بوجوده طائفة فحسب، بل المجتمع البشری کافّة الذی یتمتع بوجوده بصفته مظهر العدل والقسط ومطبق الأحکام الإسلامیة.
3- وعدم ظهوره بسببنا
وإن لم یمارس دوره فی شؤون المجتمع وظلّ فی غیبته فذلک لبعض الموانع التی یزرعها الناس فی طریقه، والناس هم السبب فی سلب هذه النعمة، ولو استعد الناس للحکومة العالمیة- القائمة علی أساس الفضیلة والأخلاق والعدل والقسط ورعایة الحقوق والأحکام الشرعیة- لظهر قطعاً، ولیس هنالک من توقف للفیض الالهی، بل المجتمع هو الذی یؤخر الظهور والحکومة الحقة. «1» وعلیه فاتساع الفساد وسیادة الانحراف لا یعد شرطاً منحصراً لظهور الإمام، بحیث لا نفکر سوی فیه ونسعی لنشره، بل هنالک سبیل أقرب
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 171
یتمثل فی التحلی بالاستعداد والأهلیة لدی المجتمع. وبعبارة أخری هنالک شرطان للزعامة هما:
1- وجود الزعیم.
2- إستعداد المجتمع للتفاعل مع الزعیم.
والحق لو تحقق الشرط الثانی من قبل المجتمع، لتکفل اللَّه بایجاد الشرط الأول.
ثانیاً: إنّ اتّساع الفساد فی صفوف المجتمع البشری لیس الهدف الأصلی، بل هو عامل لظهور المهدی علیه السلام وإصلاح المجتمع؛ لأنّه حین یعم الظلم والجور الأرض ویعانی المجتمع من مختلف الانحرافات والمفاسد وتعصف به الخطوب والمحن ویعیش مختلف التجارب التی تفید عجز الإنسان عن حل تلک المشاکل من خلال اعتماده علی قوته وما یسنّه من قوانین تعجز عن إیصاله إلی العدل والاستقرار، آنذاک یعیش الاستعداد الفکری التام للتفاعل مع مشروع الزعیم الربّانی الذی یشفیه من کل داء ویأخذ بیده إلی السعادة والفلاح.
یبدو أنّه لیس هنالک من نهضة إصلاحیة دون قاعدّة فکریة خصبة، وقانون «العرض والطلب» الاقتصادی ساری المفعول فی الجانب الاجتماعی، فما لم یکن لدی المجتمع طلب، لا یبدو لأی‌عرض معنوی ومادی من ثمن.
ولکن هل القاعدّة الفکریة والاستعداد الروحی یکفیان للنهضة الإصلاحیة والعالمیة التی تهدف تحقیق الحکومة العالمیة علی أساس العدل والقسط والقیم الأخلاقیة ورعایة المقررات والأحکام الشرعیة، أم أنّ هذه الأرضیة الفکریة بحاجة إلی قاعدّة أخری تحیل هذا التغییر الفکری إلی انقلاب یزیل الموانع کافّة التی تعترض سبیل النهضة. ولا تؤید ذلک التجارب فحسب، بل أغلب الروایات الواردة بشأن نهضة هذا المصلح العالمی تفید صراحة أنّ ثورة آخر حجة للَّه‌بعد التاهب الفکری، تتطلب قوة تزول فی ظلها الموانع کافّة التی تعترض سبیل النهضة، حتی صرحت بذلک الأحادیث التی تحدثت عن الأنصار والأصحاب وعددهم، واقتران نهضة الإمام بالقوة والقدرة التامة- ومن هنا یتوجب علینا تفعیل الشرط الثانی فی إعداد الأعوان والأنصار والجند المضحین الذین یحملون أرواحهم
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 172
علی أکفّهم فی سبیل تحقیق الأهداف السماویة، ولا یتحقق هذا الهدف إلّامن خلال تظافر جهود جمیع المصلحین، والتفانی من أجل رفد المجتمع بالأفراد الصالحین.
ثالثاً: بغض النظر عمّا سبق، لابدّ أن نعین موقعنا من تلک النهضة. ومن الطبیعی أننا إن أسهمنا فی إفساد المجتمع، فسنکون من أولئک الذین ستحطمهم ثورة المهدی علیه السلام، وإن أسهمنا فی إصلاح المجتمع، فسنکون من جند الإمام علیه السلام. وعلیه فلو سلّمنا بأنّ إشاعة الفساد ستمهد السبیل إلی ظهور الإمام، فالواقع أنّ ذلک الظهور سیشکل خطراً علینا.
أوَلیس نهضة الإمام تهدف إلی القضاء علی الفساد والظلم؟ فکیف ننتفع بنهضته من خلال إشاعة الفساد؟ ونخلص ممّا سبق إلی أنّ الإسهام فی إشاعة الفساد أو السکوت علیه بغیة ظهور المهدی علیه السلام لا یبدو صحیحاً. ولعل هذه النظرة والمغالطة إنّما یسوقها أولئک الذین یسعون إلی الهروب من المسؤولیة ومقارفة أنواع المفاسد.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 173

8 هل یتنافی نشوب حرب عالمیة ثالثة مع ظهور المصلح العالمی؟

سؤال:
کثُر الجدل فی الأوساط العالمیة بشأن مخاطر الحرب العالمیة الثالثة، وأنّ هذه الحرب إن قامت فسوف لن تبقی کائناً حیاً فی العالم، وغالباً ما یرد هذا الکلام علی لسان زعامات بلدان الشرق والغرب. وانطلاقاً من الإیمان بالقدرة المطلقة للَّه، فهل یمکن لبعض الأفراد عدیمی الإیمان أن یحیلوا الدنیا إلی تراب إرضاء لأحلامهم التوسعیة، وهل یتنافی ذلک مع عقیدة المسلمین بصورة عامة والشیعة خاصة یتطلعون إلی عالمیة الإسلام، ویرون أنّ المصلح الحقیقی- إمام العصر أرواحناه فداه- سیصلح هذا العالم الفاسد؟
الجواب:
غالباً ما تنطوی التکهنات بشأن وقوع الحرب النوویة علی جانب الحدس والتخمین، وطالما کانت الأحداث السیاسیة خارجة عن نطاق القانون، فإنّه یتعذر التکهن قطعیاً بهذا الأمر. والقدر المسلم به احتمالیة وقوع الحرب العالمیة الثالثة فی الظروفف الراهنة، کما لا یستبعد أن تکون هذه الحرب نوویة، إلّاأنّ أحداً لا یستطیع الزعم بأنّه یمکن تفادی هذه الحرب، کما لا یمکن الجزم بأنّ هذه الحرب ستکون نوویة، ذلک أنّ اللَّه قد یعید زعامات
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 174
البلدان إلی رشدهم، فیتأملوا الأحداث فیتورعوا عن کل ما من شانه تاجیج هذه الحرب، أو یحرمون علی الأقل الاستفادة من الأسلحة الذریة.
وعلیه لیس هنالک من منافاة بین هذه التکهنات بشأن نشوب حرب عالمیة ثالثة و عقیدة عامة المسلمین وبخاصة الشیعة علی ضوء المصادر الدینیة المعتبرة فی انتظار المصلح العالمی الذی ینهض بهذه المهمّة من جانب اللَّه فیرسی قواعد الحکومة العالمیة ویملأ الأرض بالعدل بعد أن یجتث جذور الظلم؛ ذلک لأنّه حسب ما ذکرنا أنّ تلک التکهنات لا تستند إلی أساس قطعی، وهی مجرّد احتمالات تفرزها الظروف السائدة، وکما أشرنا سابقاً فإنّه لا یستبعد أن تکون الاضطرابات والإرباکات القائمة بغیة تأهب عالم البشریة للانفتاح علی الحکومة الربّانیة، ذلک لأنّ العالم المادی سیضطر للتفاعل مع الحکومة الربّانیة بعد أن یلمس عجز المدارس المادیة عن إصلاح المجتمع البشری، فضلًا عن تفاقم الأوضاع تدریجیاً، وإن تحدثنا من حین لآخر عن احتمال نشوب الحرب العالمیة الثالثة، فعلی أساس احتمالیة هذا الأمر إن ترکت مقدرات الإنسان لهذه الأجواء المادیة، ولعل هذا الاحتمال کاف لسوق الإنسان لإعادة النظر فی الطریق الذی یسلکه الیوم.

9 هل تتنافی هذه الآیة مع طول عمر إمام الزمان علیه السلام؟

سؤال:
قال تعالی فی الآیة 68 من سورة یس: «وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَکِّسْهُ فِی الْخَلْقِ أَفَلَا یَعْقِلُونَ» فکیف تنسجم هذه الآیة مع طول عمر إمام العصر والزمان علیه السلام؟
الجواب:
إنّ الآیة المذکورة توضح حقیقة قانوناً إلهیاً وقضیة طبیعیة؛ أی أنّ الإنسان بعد أن یبلغ مرحلة من مسیرته التکاملیة، یعود شیئاً فشیئاً إلی فقدان قواه الواحدة بعد الأخری والرجوع إلی یومه الأول فی العجز والضعف. ویمثل «منحنی الضعف والقدرة قانوناً عاماً لجمیع الکائنات الحیّة والتی سیکون هذا مصیرها علی أساس مسیرتها الطبیعیة، إلّاأنّ قضیة طول العمر- رغم ثبوت إمکانها علی ضوء القوانین العلمیة- تنطوی علی بعد استثنائی. بعبارة أخری أنّ العمر الذی یناهز الألف سنة وأکثر للإنسان لا یبدو محالًا طبقاً للقوانین العلمیة، بدلیل أنّ العلماء منهمکون ببعض المطالعات بشأن قضیة إطالة عمر الإنسان ویبشروننا أنّهم سیوفقون یوماً لمضاعفة عمر الإنسان بالأسالیب والطرق العلمیة، وهذا بحدّ ذاته دلیل علی کون مسألة طول العمر ممکنة ومعقولة.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 176
ولکن لا یمکن التنکر إلی أنّ لطول العمر هذا بُعداً استثنائیاً، ولم یوفق لها الإنسان لحد الآن من خلال الطرق الاعتیادیة، وبناء علی هذا فإنّ اللَّه تعالی وهب أحد صفوته طول العمر لإصلاح المجتمع البشری وسینهض ویجعل العالم واحة للعدل والقسط. ومن الواضح أنّ الآیة المذکورة الواردة بشأن عامة الأفراد لا تشمل هذا الفرد الذی یتمتع بوضع استثنائی بعید عن القضایا العادیة.
والخلاصة فإنّ اللَّه الذی منح ذلک الفرد مثل هذا العمر وحفظه طیلة هذه المدّة، هو الذی یحول دون آثار طول العمر من ضعف وعجز وعودة إلی الوراء، وهذا لا یتنافی قط والآیة المذکورة التی تتعامل مع الأفراد العادیین.

10 ما المراد ب «الغیبة الصغری» و «الغیبة الکبری»؟

سؤال:
إننا نسمع من الخطباء ونقرأ فی الکتب الدینیة أنّ لإمام الزمان علیه السلام غیبتین صغری وکبری، فما المراد بهاتین الغیبتین؟ ولم سمیت إحداهما بالصغری والأخری بالکبری؟
الجواب:
توفی الإمام الحادی عشر لدی الشیعة الحسن العسکری علیه السلام سنة 260 ه، فانتقلت الإمامة وزعامة الأُمّة بأمر اللَّه تعالی إلی ولده الموعود علیه السلام. ولم یبلغ من العمر أکثر من ست سنوات حین توفی والده، وقد غاب بإذن اللَّه لأنّ أعداء الإمام عزموا علی قتله مهما کان الثمن. وکان باستطاعة خواص شیعته أن یطرحوا علیه أسئلتهم ویحصلون علی أجوبتها من خلال سفرائه الأربعة، واستمر هذا الوضع حتی عام 329 ه وانتهت السفارة بوفاة السفیر الرابع، فأسندت مهمّة بیان الأحکام الشرعیة وشؤون الأمّة کافّة إلی کبار الفقهاء بصفتهم نواب الإمام واختتمت النیابة الخاصة المحصورة فی فرد معین.
وقد بدأت الغیبة الصغری من عام 260 ه- وهو العام الذی توفی فیه الإمام العسکری علیه السلام- وانتهت عام 329 ه- وهو العام الذی توفی فیه آخر سفرائه- فیصطلح علی غیبته منذ ذلک
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 178
الیوم لحد الآن بالغیبة الکبری، وعلة التسمیة واضحة؛ لأنّ الشیعة فی الغیبة الأولی وإن حرموا من مشاهدة الإمام، إلّاأنّ خواص الإمام کانوا یتصلون به ویعرضون علیه مختلف الأمور، بالإضافة إلی أنّها کانت قصیرة، ومن هنا یطلق علی هذه الغیبة بالصغری. ولکن بعد وفاة آخر السفراء، فقد أغلق هذا الطریق علی الأمّة وأصبح الفقهاء مراجع الأمّة فی شؤونها الدینیة والدنیویة، وإثر انقطاع الإتصالات الخاصة کافّة وطول مدّة زمان غیبة الإمام فقد أطلق علیها الغیبة الکبری.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 179

11 من هم نواب إمام الزمان «عج»؟

سؤال:
یقال إنّ لولی العصر علیه السلام بعض السفراء فی الغیبة الصغری یوصلون المستجدات والأمور الضروریة للإمام. رجاء بینوا لنا نبذة عنهم؟
الجواب:
کان الإمام علیه السلام یتصل بالأمّة فی غیبته الصغری من خلال سفرائه الأربعة و یقضی أغلب حاجاتهم عن طریق وکلائه. وهم:
1- عثمان بن سعید العمری من قبیلة بنی عمرو بن عامر. کان من أتباع الأئمّة منذ الحادیة عشرة فصحب الإمامین الهادی والعسکری علیهما السلام، کما کان الوکیل الخاص للإمام العسکری علیه السلام. کان ثقة الإمام علیه السلام وخلفه ولده محمد بن عثمان، حتی قال فیه علیه السلام: «العمری وابنه ثقتان فما أدّیا إلیک عنّی فعنی یؤدّیان وما قالاه لک فعنی یقولان، فاسمع لهما واطعهما فهما الثقتان المأمونان». وکان الإمام العسکری علیه السلام قلّما یأذن لأحد برؤیة المهدی علیه السلام، وکان العمری ممن رآه کراراً فی داره. ومن أراد الوقوف علی سیرته فلیراجع
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 180
کتب الرجال «1»، وبالطبع لا یوجد تاریخ دقیق لوفاته «2».
2- محمد بن عثمان بن سعید، وهو ابن السفیر الأول والذی یعدّ السفیر الثانی ووکیل الإمام علیه السلام حیث أدرک الإمام العسکری علیه السلام وکما ورد فی الحدیث السابق فإنّه وأباه ثقتا الإمام. وکانت مدّة سفارته أطول وأوسع وکان یوصل رسائل الشیعة دائماً إلی الإمام علیه السلام ویأتیهم بالأجوبة التحریریة، وتوفی عام 304 أو 305 ه «3».
3- حسین بن روح الذی اشتهر فی زمانه بالعقل والدرایة، وکان من مقرّبی سفیر الإمام الثانی محمد بن عثمان؛ وقد فوض إلیه مهمّة السفارة وتوفی عام 326 ه «4».
4- علی بن محمد السمری وهو آخر سفراء الإمام علیه السلام حیث کتب له الإمام کتاباً صرح فیه أنّه آخر سفرائه ولیس له نصب أحد بعده! توفی فی النصف من شعبان عام 329 ه وأغلقت السفارة بوفاته لتبدأ الغیبة الکبری، «5» ومنذ ذلک الحین کان الإمام علیه السلام یفند أی زعم بالنیابة الخاصة.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 181

12 فلسفة غیبة المهدی علیه السلام‌

سؤال:
نعلم أنّ المهدی- الحجّة بن الحسن العسکری علیه السلام- غاب عن الأنظار عام 260 ه وقد مرّت لحد الآن ألف سنة علی هذه الغیبة؛ والذی نرید أن نعرفه: ما فلسفة هذه الغیبة الطویلة؟
الجواب:
لابدّ من الإلتفات بادئ الأمر إلی أنّ غیبة الإمام عن أنظارنا لا تعنی أنّه یعیش فی عالم آخر غیر عالمنا، أو تبدل وجوده الجسمی إلی وجود غیر مرئی کأمواج الأثیر؛ بل معنی غیبته أنّه یعیش بین الناس وأنّهم یرونه، لکنهم لا یعرفونه، وهو یعیش عیشة طبیعیة.
أمّا لماذا طالت غیبته وما فلسفة ذلک؟ فلابدّ من القول: هنالک اختلاف کلی بین مشروع الإمام ومشروع الأنبیاء وسائر الأوصیاء، فمشروعه لیس تشریعیاً، بل مشروعه إجرائی للعالم کافّة؛ بمعنی له مهمّة تطبیق جمیع المبادئ الإسلامیة فی العالم وبسط العدل والقسط بین صفوفه. صحیح أنّ الأنبیاء والأوصیاء نفذوا جانباً من هذا المشروع، إلّاأنّ هذه القضیة لم تتخذ بعداً عالمیاً وشمولیاً بفعل غیاب الاستعداد عن أغلب ابناء العالم.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 182
ومن الواضح أنّ تطبیق هذا المشروع الثوری العالمی الذی یهدف إلی بسط العدل والقسط وإشاعة الحق إنّما یتطلب بعض الشرائط والمقدمات التی لا تتحقق سوی من خلال تقادم الزمان وتکاملها من جمیع الجوانب، ونشیر إلیها هنا وهی:
1- الاستعداد الروحی
لابدّ أن یکون المجتمع البشری متعطشاً لتطبیق المبادئ المذکورة، وما لم یکن لدی الناس «طلب» فسوف لن یکون هنالک أی تأثیر لأی‌مشروع مادی ومعنوی. وبالطبع فإنّ قانون العرض والطلب لا یقتصر علی الصعید الاقتصادی، بل هو نافذ فی المجالات الاجتماعیة والسیاسیة. طبعاً إنّ تقادم الزمان وفشل القوانین المادیة وظهور الأزمات العالمیة الخانقة واتجاه البشریة نحو الحرب سیتعب البشریة ویفهمها هذه الحقیقة حیث أنّ القوانین المادیة والمنظمات التی یصطلح علیها بالدولیة لیست عاجزة عن حل مشاکلها ومعاناتها وبسط العدل والقسط فی ربوع العالم فحسب، بل إنّ هذا التعب والیأس سیعدّها للتفاعل مع الثورة الشاملة، ونعلم أنّ هذا الموضوع بحاجة إلی وقت لتثبت التجارب المریرة عجز الأنظمة المادیة والمدارس البشریة کافّة فی بسط العدل وإحقاق الحق وإرساء قواعد الأمن والإستقرار، وبالتالی سیظهر لدی البشریة هذا الطلب إثر ذلک الیاس والإحباط لتحقیق الأهداف الربّانیة ویتمهد السبیل لخوض ثورة عالمیة من قبل رجل ربانی «1».
2- تکامل العلوم والثقافات البشریة
من جانب آخر هنالک حاجة ماسة لرقی العلوم والثقافات الاجتماعیة بغیة قیام حکومة عالمیة علی أساس العدل والقسط؛ وهذا لا یتحقق دون التقدم الفکری وتقادم الزمان. حیث
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 183
یتعذر انبثاق الحکومة العالمیة التی یسود العدل والقانون فیها أنحاء العالم کافّة وتتمتع البشریة فیها بالامتیازات الإسلامیة الفردیة والاجتماعیة کافّة دون وجود ثقافة تقدمیة فی جمیع الشؤون الإنسانیة، وهذا بدوره یتطلب مزیداً من الوقت.
3- تکامل وسائل الإتصالات
وتتطلب هذه الحکومة أیضاً وسائل إتصالات متکاملة لیمکن من خلالها اطلاع المجتمعات علی المقررات والمبادئ الإنسانیة من خلال عدّة طرق وبأقصی مدّة زمنیة؛ وهذا ما لا یتحقق دون رقی العجلة الصناعیة ومرور الزمان.
4- استقطاب الطاقات البشریة
بغض النظر عن کل ما سبق فإنّ النهوض بهذا الهدف والتخطیط لهذه الثورة یتطلب طاقات بشریة فاعلة، تشکل فی الواقع جیش الثورة العالمیة، کما أنّ تشکیل هکذا جیش وظهور هؤلاء الأفراد المضحین إنّما یتوقف أیضاً علی تقادم الزمان. ولعل ما ورد فی الروایات بشأن فلسفة طول مدة غیبة الإمام فی اختبار الناس وتمحیصهم إشارة إلی هذا الأمر؛ ذلک لأنّ الامتحان علی ضوء المنطق الإسلامی لا یعنی کشف الأمور الخفیة علی غرار الامتحانات العادیة، بل المراد منه إعداد الأفراد وخلق الصفات السامیة لدیهم «1».
وبالتالی فإنّ هذه العوامل الأربعة «2» بحاجة إلی مرور زمان مدید وتطور فی کافّة مرافق الحیاة واستعداد روحی وفکری لدی الناس بغیة قبول الحکومة العالمیة القائمة علی أساس الحق والعدالة؛ ومن ثم ینفذ هذا المشروع من قبل الإمام المهدی علیه السلام والحال یمکنه أن
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 184
یعیش بصورة طبیعیة حتی یأذن له اللَّه بممارسة الثورة العالمیة؟ وهناأن نقول إنّ الإمام یعیش بصورة طبیعیة کسائر الناس، لکنه یتمتع بعمر طویل، والفرق بینه وبین جمیع الأئمّة علیهم السلام، أنّه حین کان یأفل نجم إمام یبزغ نجم آخر، بینما لیس الأمر کذلک بالنسبة للمهدی علیه السلام، فهو آخر الأوصیاء والمدخر لتطبیق المشروع.
وعلیه لابدّ أن یعیش بصورة مجهولة حتی ینهض بهذه المهمّة. طبعاً ما ذکرناه کان بشأن فلسفة غیبة الإمام «عج» وعلة معیشته بصورة مجهولة، وأمّا منافع غیبة الإمام وکیف یستفید منه الناس فهذا موضوع آخر خارج البحث و خارج عن تطاق السؤال المذکور.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 185

13 هل یشبه دعاء الندبة عقائد الکیسانیة؟!

سؤال:
قرأنا فی کتاب أنّ فی دعاء الندبة عبارات لا تنسجم مع عقائد الشیعة الإمامیة وتشبه عقائد الفرق الکیسانیة. وإلیک العبارة الواردة فی الکتاب: أشیر فی دعاء الندبة إلی هذه المسألة حیث یسأل: «لیت شعری این استقر بک النوی، بل أی أرض تقلک أو ثری؟
أبرضوی أم ذی طوی ...؟». لا أدری لماذا یبحث هذا الدعاء الذی یقرأ الیوم فی أغلب المحافل الدینیة ویخاطب فیه إمام الزمان «و قد شاع کثیراً فی السنوات الاخیرة و شکلت حلقات خاصة لهذا الامر» فلماذا یطلب المهدی فی ذی طوی ورضوی الذی یعتبر موضوع محمد بن الحنفیة (إمام زمان الفرقة الکیسانیة) حیث تعتقد هذه الفرقة أنّه غاب عن الأنظار فی هذا الجبل وسیظهر منه فیندبه أتباعه ویتضرعون عند هذا الجبل لیقوم بالأمر.
وبغض النظر عن عدم إرتباط قضیة المهدی علیه السلام بهذا الجبل سواء فی حیاته أو غیبته الصغری أو الکبری أو ما بعد الظهور، فإنّ غیبته لیست بمعنی لجوئه إلی مکان معین، بل له حضور فی کل مکان ونحن الذین لا نتعرف علیه، وبناء علی ذلک فالسؤال عن مکانه الخفی لا ینسجم ظاهراً مع غیبة المهدی الموعود علیه السلام لدی الإمامیة والمطالعة الدقیقة لمتن دعاء الندبة الذی یذکر ائمتنا صراحة و حسب ترتیب اسمائهم، و بعدالامیر علیه السلام والحدیث عن
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 186
فضائله ومناقبه یخاطب فجأة ودون واسطة الامام الغائب، فیلح فی طرح هذا السؤال. علی کل حال نطرح هذا السؤال کمطلب علمی فقط و لیس حکماً قطعیاً.
الجواب:
إنّ دعاء الندبة حقّاً من الأدعیة العمیقة والسامیة. فهو غایة فی الفصاحة والبلاغة من حیث المضمون فلابدّ من القول أنّه دعاء علمی وثوری وعقائدی وسیاسی وفی نفس الوقت مفعم بالأحاسیس المرهفة، فإن أُدرکت مفاهیمه یمکن أن تلهم الأمّة مقومات المواجهة الاجتماعیة ومناهضة الظلم (طبعاً بشرط الإدراک، لا بصیغة التحذیر).
فقد استهل الدعاء بالإشارة إلی فلسفة بعثة الأنبیاء، ومن ثم إشارة عابرة إلی سیرتهم واختلاف درجاتهم، مروراً إلی فلسفة بعثة الأنبیاء، ومن ثم إشارة عابرة إلی سیرتهم واختلاف درجاتهم، مروراً بالترکیز علی نبی الإسلام صلی الله علیه و آله وعظم منزلته، إلی الإسهاب فی إمامة وصی النبی صلی الله علیه و آله علی علیه السلام علی ضوء الأدلة القاطعة والروایات والآیات المتفق علیها من قبل الفرق الإسلامیة کافّة، کما وردت الإشارة إلی أسباب قیام جماعة من الأمّة ضد أهل البیت علیهم السلام وبالتالی ما تعرضوا له من قتل ونفی ودعوة الأئمّة الواحد تلو الآخر، بحیث تشد القلوب نحو نهضة المهدی علیه السلام، ومن ثم یبدأ خطاب الإمام علیه السلام بسیاق یفیض بالحب والحنان والعواطف الإنسانیة، ویختتم الدعاء بشرح المشروع الإصلاحی والثوری للإمام علیه السلام وشی‌ء من التضرع والاستغاثة. هذا من حیث مضامین الدعاء. أمّا ما تصوره البعض من أنّ هذا الدعاء یشبه عقائد الکیسانیة فمرفوض تماماً.
وهنا لابدّ من تسلیط الضوء علی بعض خصائص الفرقة الکیسانیة، ومن ثم نرد من مضمون الدعاء علی التصور السابق:
«الکیسانیة»: کما وردت فی بعض کتب العقائد والمذاهب، کانت فرقة شیعیة إمامیة، اعتقدت بامامة محمد بن الحنفیة بعد الإمام الحسین علیه السلام، وقیل سموا بالکیسانیة نسبة لأحد أنصار هذه الفرقة ویدعی «کیسان» الذی کان یزعم حبّ علی علیه السلام، وقیل إنّ کیسان أحد
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 187
ألقاب المختار بن أبی عبیدة أحد أتباع هذه الفرقة. ورغم تفرع هذه الفرقة، إلّاأنّ الطائفة المشهورة منها تعتقد بأنّ محمد بن الحنفیة حی الآن ویعیش فی جبل «رضوی» أطراف المدینة، وهو المهدی الموعود.
وأنشد شاعرهم «کثیر» بهذا الشأن:
ألا إنّ الأئمّة من قریشٍ وُلاةُ الحق أربعة سواءُ
علیٌّ والثلاثة من بنیه هم الأسباط لیس بهم خفاءُ
وسبط لا یذوق الموت حتی یقود الخیل یقدمها الولاءُ
یُغیّب لا یُری فیهم زماناً برضوی عنده عسل وماءُ
أشار الشاعر فی أبیاته إلی علی علیه السلام وأبنائه الثلاثة، ثم أشار إلی غیبة محمد الحنفیة فی جبل «رصوی». طبعاً أتباع هذه الفرقة الیوم قلائل، وغالباً ما نعثر علی أسمائهم فی کتب تاریخ الأدیان. ونعود الآن إلی أصل الموضوع:
فدعاء الندبة یفند عقائد الکیسانیة وینسجم تماماً مع عقائد الشیعة الإمامیة:
1- نقرأ فی ثلاث عبارات من دعاء الندبة بشأن نسب المهدی «عج»: «وابن خدیجة الغراء» و «ابن فاطمة الکبری» و «جدته الصدیقة الکبری فاطمة بنت محمد». فهو ابن خدیجة وفاطمة علیها السلام. والحال لیست هنالک من نسبة لمحمد بن الحنفیة بخدیجة وفاطمة بنت النبی صلی الله علیه و آله، فأمّه «خولة الحنفیة بنت جعفر بن قیس، ولا رابطة لها بخدیجة أو فاطمة الزهراء علیها السلام». وعلیه فمن العجیب أن یُشبّه دعاء الندبة بعقائد الکیسانیة، ولو فرضنا الشبهة لکلمة «رضوی»- ولیس من شأنها إثارة شبهة کما ستری- فإنّ هذه العبارات الثلاث یمکنها آزالة أیّة شبهة.
2- ورد فی هذا الدعاء بعد عبارة ابن أبناء الحسین «صالح بعد صالح وصادق بعد صادق، أین السبیل بعد السبیل، أین الخیرة بعد الخیرة، أین الشموس الطالعة، أین الأقمار المنیرة، أین الأنجم الزاهرة، أین أعلام الدین وقواعد العلم، أین بقیة اللَّه ...؟».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 188
فهذه العبارات تقول صراحة إنّ بعد الإمام الحسین علیه السلام عدّة أئمّة سینهض الواحد تلو الآخر لإصلاح الأمّة والدعوة إلی اللَّه وبسط العلم والمعرفة حتی یصل آخر حجة لیخاطب بصیغة المفرد. فهل هناک من شبه بعقائد الکیسانیة، الذین لا یرون لولد الحسین علیه السلام من مقام ولا یعترفون بامام بعد محمد بن الحنفیة؟
أوَلیسَ من العجب أن یقال انقطع الموضوع بعد ذکر ولایة علی علیه السلام وأغمض عن الأئمّة واقتصر الکلام علی المهدی وهذا ینسجم مع عقائد الکیسانیة! أو لا تکفی هذه العبارات العشر المتسلسلة سائر الأئمّة کونها لا تصرح بأسماء الأئمّة علیهم السلام؟ وهل عشر عبارات قلیلة فی ردّ عقائد الکیسانیة؟!
3- إننا نخاطب ولی العصر فی هذا الدعاء قائلین: «بنفسی أنت من مغیب لم یخل منّا، بنفسی أنت من نازح ما نزح عنّا» فنراه بیننا وقریب منّا، وهذا یشیر إلی أنّ غیبته لیست من قبیل وجود لا مرئی وغائب عن الأنظار فی مکان معین، بل یتردد بصورة غیر معروفة فی الأوساط دون أن یکون له مکان ثابت.
4- اتضح ممّا ذکرنا أنّ فقرات هذا الدعاء تفند الواحدة تلو الأخری العقائد الخرافیة للفرقة الکیسانیة، وتنطبق تماماً علی عقائد الشیعة الإمامیة. ولا تبقی سوی کلمة «رضوی» فی إحدی عبارات الدعاء والتی تتضح من خلال الرجوع إلی المصادر الإسلامیة (لابدّ من التأمل).
توضیح ذلک: کتب صاحب معجم البلدان یاقوت الحموی: إنّ «رضوی ... جبل فی أطراف المدینة ورضوی (علی وزن رجبی) منسوب إلیه، وقال النبی الأکرم صلی الله علیه و آله بشأن هذا الجبل: رضوی جبل رضی اللَّه عنه. ثم قال بعد أن ذکر سائر الجبال المقدسة: قال عرام بن أصبع السلمی: رضوی جبل یبعد مسیرة یوم عن ینبع وسبعة منازل عن المدینة وقد أخبرنی من سار إلی هذا الجبل أنّ فیه ماءً کثیراً ونخیلًا وهذا هو الجبل الذی تعتقد الکیسانیة: أنّ محمد بن الحنفیة مقیم فیه وهو حی». وأمّا «ذی طوی» الذی ورد بعد جبل رضوی فی دعاء الندبة، فأحد الجبال الواقعة أطراف مکة علی طریق «تنعیم» ویبعد فرسخاً عن مکة وتری
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 189
منه بیوت مکة.
وجاء فی الخبر عن الإمام الباقر علیه السلام: أنّ القائم علیه السلام یرد مکة عن طریق ذی طوی فیجتمع عند الکعبة بصحبه بعدد جنود بدر ومن هنالک یبدأ نهضته.
ونستنتج ممّا سبق أنّ رضوی جبل مقدّس وورد فی أحادیث النبی الأکرم صلی الله علیه و آله:
«وقدسیة أرض أو جبل أو الحجر الأسود مثلًا بسبب الأحداث المهمّة التی شهدها طیلة التاریخ ویرتبط بتضحیات أولیاء اللَّه هناک».
وعلیه فإنّ جبل رضوی ورد فی أحادیث النبی صلی الله علیه و آله قبل أن یرد فی عقائد الکیسانیة. بل لعل اختیار الکیسانیة لهذا الجبل بغیة إضفاء القدسیة علی عقائدهم الباطلة. وعلیه فإن وردت کلمة رضوی فی دعاء الندبة فلابدّ من إعادتها إلی جذورها الأصلیة فی أحادیث النبی صلی الله علیه و آله لا عقیدة الکیسانیة.
والشاهد الآخر علی هذا الکلام ذکر جبل «ذی طوی» القریب من مکة؛ فلیس هنالک من علاقة لذی طوی بعقائد الکیسانیة، وبغض النظر عمّا سبق فإنّ کلمة «أم غیرها» الواردة فی دعاء الندبة دلیل علی أن لیس للمهدی «عج» من موضع خاص خلافاً لعقائد الکیسانیة ویتردد علی بقاع العالم کافّة وعلی غرار جدّه النبی صلی الله علیه و آله الذی کان یتردد أحیاناً علی جبل النور وغار حراء، وأحیاناً أخری عند الکعبة وبین المسلمین فی مکة والمدینة؛ فالمهدی علیه السلام أحیاناً هنا وهناک وأخری بیننا.
وأخیراً نأمل فی المستقبل ممن یحاول إثارة مثل هذه الشبهات فی أن یبدی حسن نیّته بالرجوع إلی المختصین بهذا الشأن ممن بذلوا فیه جهودهم فإن لم یتلقوا منهم الاجابات الشافیة، فلهم أن یثیروها بکل حریة، ولکن إن سمعوا أجوبتها فلا یمسّوا الرأی العام.
وهنا تجدر الإشارة إلی طبع کتیب هوجم فیه سند الدعاء ومتنه وهذا ما یثیر الدهشة.
فقد أورد صاحب الکتیب بعض الإشکالات بأسلوب مستهجن لا یبدو أی منها صحیحاً، وحیث لا تتطلب بعض الأبحاث العلمیة فإننا نکتفی باستعراض نماذج منها.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 190
الإشکال الأول علی نص دعاء الندبة: لم ورد فی الدعاء بشأن إبراهیم علیه السلام: «وسألک لسان صدق فی الآخرین فأجبته وجعلت ذلک علیاً» ثم أشکل بأنّ العبارة جعلت ذلک علیاً ولا تنسجم قط مع العبارة السابقة (وکأنّ المستشکل تصور أنّ المراد به علی علیه السلام). إلّا أنّ معنی العبارتین یبدو واضحاً تماماً من خلال القرآن؛ فالقرآن یفید أن إبراهیم سأل اللَّه تعالی: «وَاجْعَلْ لِی لِسَانَ صِدْقٍ فِی الْآخِرِینَ» «1».
وقال فی موضع آخر بشأن إبراهیم وإسحاق ویعقوب: «وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِیّاً» «2»
والعبارة الواردة فی الدعاء تتضمن هاتین الآیتین. فما العیب فی هذا الاقتباس؟
وهل هنالک من مجال للإشکال؟
الإشکال الآخر علی نص الدعاء: العبارة: «ثم جعلت أجر محمد صلواتک علیه وآله مودّتهم فی کتابک فقلت لا أسألکم علیه اجراً إلّاالمودة فی القربی»، تتناقض مع ما ورد فی القرآن «قُلْ لاأَسأَلُکُم عَلَیهِ أجراً» «3».
والطریف أن العبارة القادمة فی الدعاء ردت علی هذا الإشکال بالآیة: «وقلت: «مَا سَأَلْتُکُمْ مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَکُمْ»» «4»
؛ ذلک لأنّ مودة أهل البیت علیهم السلام وسیلة لکسب علومهم ومعارفهم وهداهم. فالواقع أنّ النبی صلی الله علیه و آله لم یسأل الناس أجراً علی الرسالة وما سأله فنفعه لهم. وخلاصة القول إنّ متن الدعاء فصیح ولا محل لهذه الإشکالات.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 191

14 الإسلام والشفاعة

سؤال:
هل فی الإسلام شفاعة أم لا؟ إن کانت هناک شفاعة فکیف سبیلها إلی اللَّه؟ فلعل الشفاعة نوع من الواسطة! ونتیجتها الحصول علی موقع دون استحقاق.
الجواب:
هنالک شفاعة فی الإسلام وهی من المفاهیم الإسلامیة المسلّمة، ویعلم کل من لدیه أدنی معرفة بالقرآن والسنّة بقطعیة الشفاعة لمن یستحقها ولا مجال للشک والریب فیها.
وقبل الخوض فی الأدلة النقلیة علی الشفاعة، لابدّ من توضیح حقیقتها لیعلم فرقها عن الواسطة.
فالشفاعة لغة تعنی ضم شی‌ء لآخر، واصطلاحاً بمعنی مساعدّة أولیاء اللَّه (الأنبیاء والأئمّة والصلحاء) لانقاذ الأفراد الذین ارتکبوا الأخطاء طیلة حیاتهم. وبالطبع فإنّ المساعدّة لانقاذ المذنبین لها صورتان: إحداهما تشبه الواسطة التی تدعو إلی الظلم، والأخری درس وتهذیب ونافذة أمل ووسیلة تکامل. فإن کان الفرد المشمول بالشفاعة یفتقر لأی‌أهلیة واستحقاق فهذا نوع من الظلم وتشجیع علی الخطیئة وممارسة الجریمة.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 192
وهذه شفاعة مرفوضة والأمل بهذه الشفاعة یدفع بالأفراد إلی عدم التورع عن ارتکاب أیّة جنایة، ومن المسلم به أنّ الآیات لا تنشد مثل هذه الشفاعة التی یدینها العقل والمنطق. أما إن شمل بعض المذنبین بشفاعة الشفعاء یوم القیامة لإیمانهم باللَّه وعلاقتهم بأولیائه، فإنّ هذه الشفاعة لا تنطوی علی أی ظلم، بل هی عین العدل ووسیلة تربویة وعودة الأفراد المذنبین عن حالة التذبذب.
وتوضیح ذلک: إنّ شفاعة أولیاء اللَّه کما یصرح القرآن تتوقف علی إذن اللَّه ولیس لأحد من شفاعة دون إذن اللَّه تعالی. ومن هنا یتضح أنّ إذن اللَّه سبحانه لیس اعتباطاً، وهذا الإذن یشمل من یستحق العفو والصفح، وإن قارف بعض الذنوب فإنّها لا تصل إلی حدّ الطغیان والتجبر، وإن ضعفت علاقته باللَّه فهی لم تنقطع. وعلیه فالبشارة بالشفاعة بهذا المعنی تحذیر للأفراد الذین یقارفون أحیاناً بعض المعاصی بالعودة إلی ذاتهم والکفّ بأسرع وقت عن ممارساتهم ودیمومة علاقتهم بربّهم وعدم الابتعاد عن قبس الشفاعة، وإلّا فلیس هنالک من سبیل للنجاة. ولا یخفی تأثیر هذا الشعور فی عودة الأفراد إلی الطریق المستقیم وإعادة النظر فی أعمالهم الخاطئة، فهو بمثابة الأمل فی إضاءة الحیاة ممّا علق بها من ظلام.
وقد دلت التجربة علی أنّ نافذة الأمل إن فتحت بوجه المجرمین وشعروا بالأمل أو النجاة إن هم أعادوا النظر فی أعمالهم الخاطئة فإنّ أغلبهم سوف یقلع عمّا هو علیه ویعود إلی رشده وصوابه. ولعلنا نلمس ذلک فی قوانین العقوبات العالمیة التی تتضمن قوانین العفو عن السجناء وکبار المجرمین المحکومین بالسجن المؤبد، وسرّ ذلک فسح المجال أمام الآخرین للکفّ عن أخطائهم، ولولا هذا الأمل لما کان هناک ما یدعو هؤلاء الأفراد للاقلاع عن الجریمة.
فالشفاعة بالنسبة للأفراد المستحقین لا تعدو کونها بارقة أمل بغیة إعادة النظر فی الحیاة الدینیة والأخلاقیة، وتختص بأولئک الذین أبقوا علی علاقتهم باللَّه وأولیائه، بینما لا تشمل هذه الشفاعة أولئک الذین أدبروا عن اللَّه وأفنوا أعمارهم فی مقارفة الذنوب والمعاصی. ویمکن بیان الفارق بین هذین الصنفین بالمثال التالی: أفرض أنّ جنوداً أُمروا
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 193
بفتح قلعة علی سفح جبل حیث تحظی هذه القلعة بأهمیّة فی حفظ بلدهم من العدوان الخارجی، وقد زودهم آمر ماهر بکل الوسائل التی یحتاجونها فی الصعود إلی الجبل وفتح القلعة فأمرهم بالصعود. فکانت هنالک فئة من الجنود استقرت عند بدایة الجبل ولم تطع الأوامر، وأخری إمتثلت الأمر وباشرت الصعود فکان فیها بعض الأفراد الضعاف الذین یتوقفون فی بعض المواقع ویصعب علیهم بمفردهم تجاوز بعض النقاط الصعبة، فما کان من هذا الآمر إلّاأن مدّ ید العون لأولئک الضعاف وأخذ بأیدیهم لیعبروا تلک النقاط الصعبة.
فهذه المساعدّة والمعونة شفاعة نحو الأفراد السائرین علی الطریق، ولا مانع من أن یعلن الآمر قبل الصعود بأنّه سیقف إلی جانبهم فی المواقع الصعبة حتی یحققوا الهدف. فهذا الإعلان المسبق یبعث الأمل فی نفوسهم نحو تحقیق الهدف. فهل الشفاعة بقصد إنقاذ الأفراد حثّ علی الذنب ونوع من الظلم!
القرآن والشفاعة:
یمکن تقسیم الآیات الواردة فی الشفاعة إلی ثلاث طوائف:
1- الآیات النافیة للشفاعة مثل: «وَاتَّقُوا یَوْماً لَاتَجْزِی نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَیْئاً وَلَا یُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا یُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ یُنصَرُونَ» «1».
2- الآیات التی تقتصر بالشفاعة علی اللَّه تعالی: «مَا لَکُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِیٍّ وَلَا شَفِیعٍ ...» «2».
3- الآیات التی تصرح بوجود الشفعاء الذین یشفعون بإذن اللَّه تعالی: «مَنْ ذَا الَّذِی یَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ...» «3»
. و «یَوْمَئِذٍ لَاتَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِیَ
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 194
لَهُ قَوْلًا» «1»
. فهذه الآیات تثبت وجود الشفعاء یوم القیامة الذین یشفعون بإذن اللَّه للمذنبین وأنّ اللَّه سیقبل شفاعتهم «2».
وهکذا یتضح موقف من یشکل أو ینفی الشفاعة علی ضوء الآیات القرآنیة الواردة فی الشفاعة.
الآیات النافیة للشفاعة:
یتضح الهدف من الطائفة الأُولی من الآیات التی تنفی الشفاعة من خلال الأخذ بنظر الاعتبار العقائد الخرافیة السائدة لدی الوثنیین بشأن شفاعة الأصنام؛ حیث کان یزعم أولئک أنّ الأصنام شفعاؤهم عند اللَّه: «وَیَقُولُونَ هؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ» «3».
وأغلب الآیات التی تنفی أساس الشفاعة ترتبط بهذا النوع الذی کان یؤمن به عرب الجاهلیة. ومن هنا حین نقل القرآن فی الآیة 43 و 44 من سورة الزمر شفاعة الأوثان فندها وذکر الشفاعة للَّه: «أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ ...* قُلْ للَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِیعاً ...».
أمّا هدف سائر الآیات التی تنفی حسب الظاهر الشفاعة فهو إدانة التصورات الباطلة للیهود؛ لأنّ هؤلاء کانوا یتصورون أنّهم سینالون شفاعة أخیارهم لأنّهم کانوا أنبیاء ومهما ارتکبوا من ذنوب. وکانوا یتصورون بإمکانهم فداء ذنوبهم، علی غرار سلوکهم فی الدنیا عن طریق الرشوة والهدیة لتزویر الحقیقة وتغییر رأی القاضی.
فالقرآن الکریم یفند هذا الزعم لیعلن عدم وجود الواسطة والشفاعة والفداء یوم القیامة ولیس هنالک ما ینجی الإنسان سوی عمله فیقول: « «وَاتَّقُوا یَوْماً لَاتَجْزِی نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَیْئاً وَلَا یُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا یُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ یُنصَرُونَ» «4»
. وعلیه
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 195
فآیات الطائفة الأولی والثانیة ناظرة لعقائد الجاهلیة والیهود بقرینة ما قبلها وما بعدها من الآیات، وهی منفصلة عن الطائفة الثالثة التی تثبت الشفاعة إجمالًا. ولیست هنالک من منافاة بین تلک الطائفة من الآیات (الطائفة الثانیة) التی تعتبر الشفاعة من اللَّه تعالی
والطائفة الثالثة التی تشیر إلی وجود الشفعاء الذین یشفعون بإذن اللَّه تعالی لأنّ الشفاعة أساساً من اللَّه وللآخرین بإذنه.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 197

15 هل استدل أمیر المؤمنین علیه السلام علی خلافته بحدیث الغدیر؟

سؤال:
کلّنا نعلم أنّ رسول اللَّه صلی الله علیه و آله أعلن یوم الغدیر خلافة أمیر المؤمنین علیه السلام وأوجب علی جمیع المسلمین طاعته، وهنا یرد هذا السؤال: إن کان الأمر کذلک فلماذا لم یستدل الإمام بهذا الحدیث علی إثبات إمامته؟
الجواب:
خلافاً لفرض السؤال فإنّ الإمام استدل بهذا الحدیث فی أکثر من موقع علی خلافته، فکان یذکره کلّما سنحت الفرصة حتی رسخه فی قلوب الناس. ولم یقتصر ذلک علی الإمام، بل استدل بحدیث الغدیر الزهراء علیها السلام والحسن والحسین علیهما السلام وکبار المسلمین مثل، عبداللَّه بن جعفر وعمار بن یاسر والأصبغ بن نباتة وقیس بن سعد وعمر بن عبدالعزیز والخلیفة العباسی المأمون وحتی الخصوم کعمرو بن العاص و ... وعلیه فالاستدلال بحدیث الغدیر کان منذ عهد الإمام علیه السلام وما تلاه. ونشیر هنا إلی بعض الاستدلالات:
1- تحدّث الإمام علیه السلام یوم الشوری (التی عینها الخلیفة الثانی وکانت بالشکل الذی لا تکون الخلافة من نصیب علی، حین مال عبدالرحمن بن عوف إلی عثمان، عن بطلان رأی
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 198
الشوری فقال: أقول ما لا یسع أحد انکاره حتی قال: ناشدتکم اللَّه هل فیکم من قال فیه رسول اللَّه صلی الله علیه و آله: «من کنتُ مولاه فهذا علی مولاه، اللّهم وال من والاه وانصر من نصره لیبلغ الشاهد الغائب» «1»
طبعاً لا یقتصر استدلال الإمام بحدیث الغدیر علی هذه الواقعة.
2- ذات یوم خطب الناس بالکوفة وقال: ناشدتکم اللَّه من شهد یوم الغدیر وسمع مقالة النبی صلی الله علیه و آله فلیشهد. فنهض ثلاثون وشهدوا أنّهم سمعوه من رسول اللَّه صلی الله علیه و آله. وهنا لابدّ من الإلتفات إلی أنّ ذلک الیوم کان بعد خمس و عشرین سنة من یوم الغدیر. بالإضافة إلی أنّ بعض الصحابة لم یکونوا فی الکوفة أو توفوا قبل ذلک، ولعل البعض تحفظ عن الشهادة لبعض الأسباب وإلّا لکان العدد أکثر من ذلک.
وقد ذکر المرحوم العلّامة الأمینی فی کتابه «الغدیر» مصادر هذا الحدیث فمن أرادها فلیراجع (کتاب الغدیر) «2».
3- اجتمع علی عهد عثمان مئتان- من المهاجرین والأنصار- فی مسجد النبی وتحدثوا فی عدّة أمور، حتی بلغوا فضائل قریش وسوابق المهاجرین، وکان کل یفتخر ببعض رجالات قریش. وکان علی علیه السلام یسمع ولا یتکلم. فأقبل الناس علیه وسألوه أن یتکلّم.
فخطب وتحدث عن قرابته من رسول اللَّه صلی الله علیه و آله ثم قال: إنّ رسول اللَّه صلی الله علیه و آله قال: عهد اللَّه إلیَّ أمراً وأخشی أن یکذبنی بعض الناس، ألا إنّ اللَّه أمرنی بالابلاغ: أیّها الناس: أنا أولی بالمؤمنین من أنفسهم، ثم أخذ بیدی وقال: «من کنت مولاه فهذا علی مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» فهل سمعتم ذلک. قالوا: بلی. فقام سلمان وسأل رسول اللَّه: کیف ولایة علی علینا؟ فقال صلی الله علیه و آله: «ولاؤه کولائی من کنت أولی به من نفسه فعلی اولی به من نفسه» «3».
4- واستدلت الزهراء علیها السلام بالحدیث حین دافعت عن حقّها فی ذلک الیوم التاریخی، ثم
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 199
قالت لصحابة النبی: أنسیتم یوم الغدیر حین قال النبی صلی الله علیه و آله لعلیّ: «من کنت مولاه فهذا علی مولاه»؟ «1»
5- لما عزم الحسن بن علی علیه السلام علی صلح معاویة خطب الناس وقال: ان اللَّه اکرمنا أهل البیت بالاسلام و طهرنا من الرجس ثم قال: ناشدتکم اللَّه هل سمعتم رسول اللَّه صلی الله علیه و آله قال لعلی: انت منی کهارون من موسی. کما سمع المسلمون و رأوا انه اخذ بید علی علیه السلام یوم الغدیر و قال: من کنت مولاه فعلی مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه «2».
6- خطب الحسین علیه السلام حین خطب الصحابة فی مکة فقال ناشدتکم اللَّه هل سمعتم ما قال النبی لعلی یوم الغدیر و نصبه للإمامة وقال: لیشهد الحاضر الغائب. فقالوا: بلی.
اضف الی ذلک فقد استدل بهذا الحدیث علی خلافة الامام طائفة من صحابة النبی صلی الله علیه و آله مثل عمار بن یاسر و زید بن ارقم و عبداللَّه بن جعفر والاصبغ بن نباته وغیرهم «3».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 200

القسم الرابع القیامة والمعاد

1 لِمَ یعاقب اللَّه عباده؟

سؤال:
لِمَ یعذب اللَّه المذنبین فی جهنم رغم غناه المطلق وقاهریته، وما الهدف من هذا العذاب فی الآخرة؟
الجواب:
أولًا: لابدّ من الإلتفات إلی أنّ الثواب والعقاب یوم القیامة علی ضوء الآیات والروایات نتیجة قطعیة لأعمالنا الدنیویة وسنلمس هذه النتیجة شئنا أم أبینا. علی غرار أعمال البشر فی هذا العالم التی تنطوی علی سلسلة من الملازمات الضروریة، مثلًا الشخص الذی یدمن المخدرات لابدّ أن یعیش المعاناة طیلة حیاته، کما لابدّ أن یعانی مدمن الخمر من بعض الأمراض التی تصیب قلبه وکبده، وهکذا فإنّ لأعمالنا الصالحة والطالحة آثاراً ولوازمَ ستنکشف فی ذلک الیوم، وعلیه فإنّ جانباً مهمّاً من الثواب والعقاب ولید أعمالنا وأثر مباشر لممارساتنا ولیس لنا حق الإعتراض، ولو أسّسنا حیاتنا علی أُسس صحیحة وسلیمة فسوف لن نشهد أیّة نتیجة مریرة، وکما لا تتنافی نتائج أعمالنا فی هذا العالم مع غنی اللَّه ورحمته، فإنّ نتائج أعمالنا ستکون کذلک یوم القیامة.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 204
ثانیاً: إنّ الثواب والعقاب یوم الجزاء ضامن تطبیق التعالیم السماویة وینطوی علی بعد تربوی، فاللَّه تعالی بوعده ووعیده الحق دعی عباده لأفعال الخیر وحذرهم من أفعال الشر.
ولن یکون لهذا الوعد من فاعلیة إلّاحین یکون حتمیاً، ولو احتمل عدم الوقوع لفقد دوره التربوی، وسوف لن یکون هنالک من مسوغ لأن یحتمل الفرد بعض التکالیف الثقیلة ویبادر إلی الخیرات أو یمتنع عن أکثر القبائح.
فالثواب والعقاب الالهی یمکنه ضمان اجراء احکام السماء و تعالیمها حین تکون وعود قطعیة تأبی الخلف و دون ان یتسلل إلیها أی‌نوع من احتمال التخلف و ان اللَّه منزه عن عدم العمل بوعده.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 205

2 هل القیامة قیامة جمیع الأمم فی یوم واحد؟

سؤال:
نعلم أنّ قروناً کثیرة مرّت علی البشریة وانقرضت عدّة أقوام وأُمم، فهل من شاهد علی قیام قیامتهم، أم أنّ قیامة الجمیع واحدة، والخلاصة هل قیامة الأُمم کافّة فی یوم واحد، أم أنّ لکلٍ قیامته؟
الجواب:
هنالک عدّة آیات تشیر إلی أنّ قیامة الجمیع فی یوم واحد. وإلیک بعض نماذج الآیات:
«إِنْ کُلُّ مَنْ فِی السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِی الرَّحْمنِ عَبْداً* لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً* وَکُلُّهُمْ آتِیهِ یَوْمَ الْقِیَامَةِ فَرْداً» «1».
ویقول أیضاً: «یَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِینَ إِلَی الرَّحْمنِ وَفْداً* وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِینَ إِلَی جَهَنَّمَ وِرْداً» «2»
بالإضافة إلی سائر الآیات.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 207

3 کیف سیکون موقف الجهال یوم القیامة؟

سؤال:
کیف سیکون مصیر الأشخاص الذین یعیشون فی بعض المناطق الأوربیة والأمریکیة ولم یسمعوا منذ ولدوا سوی عقائد آبائهم، ولیس لدیهم أی علم بما وراء بلدانهم؟
الجواب:
طبعاً هؤلاء الأفراد سوف لا یعذورن إن کانت لهم فرصة للتحقیق عن الدین الحق وقصّروا فی استغلالها، نعم یعذورن إن لم تکن لدیهم فرصة، أو سعوا قدر استطاعتهم للتعرف علی الدین الحق لکنهم لم یبلغوه، أی أنّ اللَّه سوف لن یعاقبهم إلّاأنّهم مکلّفون بالعمل بما علموا من حقائق، مثلًا لابدّ أن یعملوا علی أساس ما یشهد به عقلهم من وجود اللَّه، وقبح الظلم وحسن العدل وسوء الفساد والانحراف الأخلاقی. وعادة ما یطلق علی هؤلاء الأفراد «المستضعفون» وللمفسرین عدّة أبحاث بشأن هذه الطائفة، کما وردت عدّة روایات بهذا الشأن، فمن أراد المزید فلیراجع المصادر «1».

4 هل یمکن أن یکون الیوم الواحد خمسین ألف سنة؟

سؤال:
هل صحیح ما یقال إنّ یوم القیامة خمسین الف سنة؟ کیف یکون الیوم الواحد خمسین ألف سنة؟
الجواب:
لابدّ من الإلتفات إلی أنّ اللیل والنهار والسنة لا یقتصر علی مقدار الزمان فی الظروف الفعلیة لسکان الأرض، بل هنالک فارق کبیر بالنسبة لهذا الزمان فی العوالم الأخری مثلًا فی «عطارد» أقرب السیارات للشمس فإنّ السنة فیه بمقدار ثمان وثمانین یوماً لدینا (أی أنّ عطارد تدور حول الأرض مرّة کل ثمان و ثمانین یوماً) وفی «الزهرة» المجاورة للأرض فإنّ السنة فیها تعدل مئة وخمسة وعشرین یوماً.
وفی کوکب «نبتون» ثامن سیارة لمنظومتنا الشمسیة فإنّ السنة فیه تعدل سنتنا بمئتین وتسع وأربعین مرّة، وهنالک فارق کبیر حتی فی قطبنا الشمالی والجنوبی فی اللیل والنهار مع سائر المناطق، وکل یوم ولیل تقریباً ستة أشهر، واللیل والنهار فی القمر خمسة عشر یوماً تقریباً. وعلی هذا الأساس لا یستبعد أن تکون الأوضاع فی ظل ظروف القیامة بحیث
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 210
یکون الیوم بمقدار خمسین ألف سنة کما فی حسابنا الزمنی، کما أشار إلی ذلک القرآن الکریم. فالمستفاد من الآیات أنّ تغییراً جذریاً یصیب الکون یوم القیامة «یَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَیْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ...» «1».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 211

5 المعاد الجسمانی والروحانی «1»

سؤال:
لم یرفض الفقهاء «المعاد» و «المعراج» الروحی بینما قال بذلک بعض قدماء الفلاسفة وأقاموا علیه الأدلة والبراهین؟
الجواب:
طبعاً لیس مراد من ینکر المعاد الروحی اقتصاره علی الجسمانی، بل المراد المعاد الروحی والجسمی، أی ستعود الروح والجسم یوم القیامة وتذوقان الثواب والعقاب ونتائج الأعمال. وقد اعتبر هذا الأمر من المسلمات لدی الفلاسفة المتأخرین. وهنالک عدّة آیات صرحت بالمعاد الجسمی الذی ورد شرحه فی الکتب العقائدیة، ومن تلک الآیات أواخر سورة یس التی بیّنت الموضوع بعدّة طرق.
أمّا بشأن انکار المعراج الجسمانی فلابدّ من الإلتفات إلی أنّ هذه النظریة کانت علی أساس فرضیة (بطلیموس) فی الأفلاک، حیث کان یعتقد بأنّ الأفلاک التسعة کطبقات البصل بعضها فوق بعض تأبی الاجتیاز ویستحیل فیها الشق، ومن هنا فقد اعتقدوا باستحالة
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 212
عبورها بهذا البدن المادی، ومن الطبیعی أن تبطل هذه العقیدة علی ضوء بطلان الفرقیة المذکورة وظهور النظریات الجدیدة.

6 هل یؤجر المفکرون والمخترعون یوم القیامة؟

سؤال:
هنالک جهود جبارة بذلها بعض العلماء والمفکرین، فالعالم (فادیسون) اکتشف الکهرباء و (غالیلو) التلسکوب وقضایا مهمّة فی الهیئة و (غوتمبرک) الطباعة فأسدوا خدمات جلیلة للبشریة فهل یؤجرون علیها یوم القیامة، أم لا أجر لهم کونهم لیسوا مسلمین؟
الجواب:
قبل أن نبیّن رأی الإسلام بهذا الخصوص، لا بأس فی أن نشیر إلی بعض الآراء بهذا الشأن:
1- یری البعض جقّ الأجر لکل عمل یعود بالنفع علی المجتمع، ولا فرق فی ذلک بین الموحد والمشرک والمسلم وغیر المسلم، وأنّ اللَّه لا یفرّق بین عباده بهذا الشان. فهؤلاء یقولون: لیس للإیمان باللَّه ورسالة خاتم الأنبیاء تأثیر فی العمل، والعمل الصالح یعود بالنفع علی المجتمع دائماً سواء صدر من مسلم أم مشرک.
2- بالمقابل هناک طائفة أخری تنفی أدنی أجر لهذه الأعمال وإن کانت بنیّة صافیة لأنّها لا تنطلق من عقائد سلیمة، وعلیه فلیست هنالک من قیمة لهذه الأعمال. ولکن یبدو الرأیین
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 214
المتقابلین غیر صحیحین، وهنالک الرأی الثالث المنطقی وهو:
لکل عمل صالح بعدان:
1- بعد شخصی ونفعی یعود لنفس الإنسان.
2- بعد اجتماعی یعود نفعه علی عامة الناس.
فإن کان هدف المخترعین الذین بذلوا ویبذلون جبارة للتوصل إلی اختراع معین، هو الحصول علی شهرة بین الناس أو الحصول علی عائدات مادیة إزاء الاختراع، فقد حصلوا علی ما یرومون وحققوا هدفهم، ولا داعی لأن ینتظروا أجراً یوم القیامة، ذلک لأنّهم بهذا الهدف لم ینشدوا رضی اللَّه وخدمة المجتمع، بل کانت الشهرة والمادة هما الدافع من وراء ذلک الجهد وقد ظفروا بهما- أمّا إن کان الدافع فی تلک الأنشطة العلمیة والجهود الفکریة والخدمات الاجتماعیة هو القیام ببعض المنجزات فی سبیل رفاهیة عباد اللَّه والقضاء علی الصعوبات التی تواجههم فی حیاتهم والتخفیف من أعبائهم، فمما لا شک فیه أنّ لهم أجرهم وثوابهم یوم القیامة، والعدل الإلهی یقتضی إثابتهم.
وقد ورد فی الأخبار أنّ حاتم الطائی سیؤجر یوم القیامة رغم أنّه کان وثنیاً ولم یؤمن بالأدیان السماویة، کونه یرعی المحروم ویغیث المحتاج ویُقرء الضیف. «1» طبعاً هنالک عدّة طرق تمکننا من الوقوف علی نیّة المخترع لنعلم هل کان الدافع الذی یقف وراء أنشطته مادیاً وشخصیاً أم معنویاً وإنسانیاً. فالعلماء الذین إذا اقترح علیهم العمل فی مصانع إنتاج الأسلحة الجرثومیة والإبادة الجماعیة مقابل دخل أکثر من دخلهم، إن عملوا فی صناعة الأدویة، فلبوا الاقتراح، فإنّ مثل هؤلاء الأفراد سوف لن یؤجروا عند اللَّه مهما اکتشفوا واخترعوا، ذلک لأنّهم یفتقرون إلی الدوافع الربّانیة والإنسانیة وأمّا إن ضحّوا بتلک الإغراءات المالیة وواصلوا أعمالهم خدمة للمجتمع فسوف یؤجرون ویثابون.

القسم الخامس فلسفة الأحکام والمسائل الفقهیة

1 هل یحق لنا السؤال عن فلسفة الأحکام؟

إن کان لنا مثل هذا الحق فهل له حدود؟
یعتبر بحث فلسفة الأحکام والمقررات الشرعیة الإسلامیة من أهم الأبحاث المطروحة الیوم وتشکل القسم الأعظم من أسئلتنا وأجوبتنا. فکل شخص یسأل نفسه لماذا أصلی وأحج بیت اللَّه، لماذا الربا محرم فی الإسلام، ما فلسفة حرمة لحم الخنزیر، لماذا یجیز الإسلام تعدد الزوجات، وما علة استعمال الأوانی الذهبیة والفضیة و ...؟
لقد طرح هذا البحث سابقاً فی مجلة المدرسة الإسلامیة وکتب بعض الأعلام عدّة أبحاث رائعة ومفیدة بهذا الشأن، ویعتقد البعض أنّه لا ینبغی البحث عن فلسفة الأحکام، بینما یری البعض الآخر العکس وأنّ هنالک ضرورة فی إدراک فلسفة الأحکام. وأمّا رأینا إن لم تستغربوا صحة الرأیین السابقین. فإننا نمتلک ولا نمتلک هذا الحق، أی أنّ استدلال کل طائفة صحیح ومقبول فی قسم معین لا بصورة کلیة.
توضیح ذلک: تشیر مطالعة المتون الإسلامیة- القرآن وأحادیث النبی الأکرم صلی الله علیه و آله والأئمّة الأطهار علیهم السلام- وکلمات الصحابة إلی أنّ بحث فلسفة الأحکام کان سائداً بینهم فی عصرهم، ولابدّ أن یکون کذلک. ذلک لأنّهم یرون الأسلوب القرآنی أسلوباً منطقیاً واستدلالیاً فیعطون لأنفسهم الحق فی التحری عن فلسفة الأحکام. والإسلام یتحدث عن
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 218
اللَّه الوجود المطلق واللامتناهی من حیث العلم والقدرة والغنی عن کل ما سواه، وکل أفعاله تستند إلی حکمة معینة- علمنا أم لم نعلم- ولا یشوبها أی عبث ولغو ولهو وقد بعث الأنبیاء لدعوة الناس إلی الحق والعدل- ولعل هذه الصورة التی یقدمها الإسلام تشجعنا علی تحری فلسفة الأحکام والأسرار الدخیلة فی مصیرنا وسعادتنا.
وبالطبع فإننا نخطی‌ء أن تصورنا اقتصار أسلوب القرآن علی الاستدلال فی «أصول الدین» والقضایا العقائدیة دون «فروع الدین» و «المسائل العلمیة» فنحن نری القرآن یردف تشریع الصوم بالقول: «لَعَلّکُم تَتَّقُونَ» «1»
فیذکر فلسفة الصوم علی أنّها التقوی من الذنب والتی تحصل فی ظل تربیة النفس من تلک الریاضة الإسلامیة. ویقول بشأن المسافرین المعفوین من الصوم: «یُرِیدُ اللَّهُ بِکُمُ الیُسْرَ وَلا یُرِیدُ بِکُمُ العُسْرَ» «2»
فیذکر فلسفة ذلک بنفی العسر والحرج والمشقة.
ویقول بشأن تحریم القمار والخمر: «إِنَّمَا یُرِیدُ الشَّیْطَانُ أَنْ یُوقِعَ بَیْنَکُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِی الْخَمْرِ وَالْمَیْسِرِ وَیَصُدَّکُمْ عَنْ ذِکْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ» «3»
. ویقول بشأن التعفف عن النظر إلی الأجنبیة: «ذَلِکَ أزکی لَهُم» «4».
وبشأن عدم دخول المشرکین إلی المسجد الحرام: «یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِکُونَ نَجَسٌ فَلَا یَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ...» «5».
وبشأن الفیی‌ء (بعض أموال بیت المال) وعلة اختصاصه ببیت المال وصرفه فی موارد عامة: «کَیْ لَایَکُونَ دُولَةً بَیْنَ الْأَغْنِیَاءِ مِنْکُمْ» «6»
. وهکذا سائر الأمور التی لا مجال لذکرها.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 219
کما تشیر السنّة إلی أنّ النبی الأکرم صلی الله علیه و آله والأئمّة الأطهار علیهم السلام کانوا یخوضون فی ذکر أسرار وفلسفة الأحکام بادی‌ء الأمر أو بعد السؤال، وکتاب علل الشرائع للمحدث المرحوم الصدوق- کما یبدو من اسمه- مجموعة من هذه الأخبار. وعلیه فحین تری القرآن والأئمّة الذین یخوضون فی أکثر من موقع فی بیان فلسفة الأحکام، فإنّ ذلک دلیلًا علی منحنا الحق فی الخوض فی هذه الأمور. ونخلص إلی هنا فی حقنا بالسؤال عن أسرار الأحکام علی ضوء القرآن والسنّة وروایات الأئمّة علیهم السلام.
ولو تصور أن ذکر فلسفة الأحکام یمکن أن تحد من أهمیتها وصرامتها وعمومیتها فإنّ ذلک التصور خاطی‌ء، بل بالعکس فإنّ إشباع تطلعات عقل الإنسان وروحه تجعل تلک الأحکام جزءاً من ضروریاته واحتیاجاته لا بصفتها أحکام تعبدیة جافّة. ومن جانب آخر فإننا نعلم بأنّ معلوماتنا محدودة مهما تقادم الزمان، فنحن لا نعلم کل شی‌ء، ولو کنّا نعلم لتوقفت قافلة العلم، وعدم علمنا هذا هو الذی یدفع العلماء لحث الجهود بغیة کشف المجهولات. ونعلم أنّ الأحکام الشرعیة تصدر من علم اللَّه اللامتناهی، من ذلک المبدأ المنفتح علی حقائق الوجود کافّة وسیان عنده الماضی والمستقبل والغیب والشهود. وعلی هذا الأساس فهل یسعنا توقع إدراک فلسفة الأحکام کافّة؟ فإن کان الأمر کذلک فما الحاجة إلی تشریع الأنبیاء للأحکام؟ وهل نعلم بکل أسرار الوجود والقوانین التی تحکمه؟
والأحکام التشریعیة لیست منفصلة عن حقائق الخلق والتکوین، فمعلوماتنا فی المجالین محدودة. ونستنتج من البحثیین:
إنّنا نستطیع إدراک الفلسفة الإلهیّة فی کل عصر وزمان علی ضوء ما لدینا من معلومات.
ومفهوم ذلک إننا لا نستطیع تعلیق طاعة الأحکام الشرعیة علی إدراک فلسفتها، ذلک لأننا نکون قد زعمنا عدم محدودیة علمنا وجعلناه بمصاف علم اللَّه وهذا ما لا ینسجم مع أیّ منطق.
وزبدة الکلام: البحث عن فلسفة الأحکام شی‌ء وطاعة هذه الأحکام شی‌ء آخر ولا یتوقف الثانی علی الأول أبداً.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 220
وإننا نبحث فی فلسفة الأحکام لنقف علی آثارها وأهمیتها، لا لنری هل ینبغی العمل بها أم لا؟ فالقضیة أشبه بالطبیب الحاذق الذی یقدم بعض الایضاحات لأدویة معینة، لنقبل علیها ونتفاعل معها، لأنّ استعمالها مشروط بذلک التوضیح، ذلک لأنّه ینبغی أن نکون أطباء أیضاً.
جدیر بالذکر أنّ المراد من دراسة أسرار الأحکام أن تحوک بعض الخیالات لتفسیر بعض الأحکام الشرعیة وتزعم أنّ هذه هی فلسفة وأسرار هذا الحکم أو ذاک، کأن نعتبر الصلاة مثلًا ریاضة بدنیة وحرکات سویدیة والأذان وسیلة لتقویة الحبال الصوتیة والصوم کنظام لإضعاف البدن والحج وسیلة لمساعدّة البدو والرکوع والسجود ریاضة للعمود الفقری! کلا لیس المراد ذلک؛ ذلک لأنّ هذه الخزعبلات المضحکة لا تشدّ أحداً إلی الأحکام، بل تدفع لفقدانها قیمتها واعتبارها.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 221

2 کیف نتعامل مع فلسفة الأحکام‌

یفید منطق القرآن الکریم ونهج الأئمّة الأطهار علیهم السلام أنّ لکل مسلم الحق فی تحری أسرار وفلسفة الأحکام. إلّاأنّ هذا لا یعنی أن نعرض بعض الأمور التی تساور أذهاننا کفلسفة لحکم دون أیّة ضابطة ودلیل. ذلک أنّ الکلام العبثی فی الواقع عبارة جافة ومقیتة. إذن کیف نتعامل مع هذه القضیة؟ ما یجدر ذکره أنّ إمتثال الأحکام الشرعیة کما نعلم لا یضیف شیئاً إلی جلال اللَّه وکبریائه ولا تحط المعصیة من عظمته، کما قال أمیر المؤمنین علی علیه السلام: «لا تضرّه معصیة من عصاه ولا تنفعه طاعة من اطاعه». فهو مطلق الوجود، وکل ما لدینا منه، وهو الغنی عن کل شی‌ء، وکل ما یأتینا من خزائنه وبمقدار معین کما یراه: «وَإِنْ مِنْ شَیْ‌ءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» «1»
فهل یسع القطرة أن تضیف شیئاً إلی البحر، أم هل یسع مرآة صغیرة إفاضة الضوء علی الشمس. وعلیه فإن کانت هنالک من فائدة فی هذه الأحکام فهی لنا.
ومن جانب آخر لسنا جسماً فقط لیکون کل حکم من اللَّه لتربیة أجسامنا وصحتنا، ولا روحاً فقط لیکون الهدف المعنوی هو فلسفة تشریعها. بل نحن جسم وروح والأحکام تتعامل معهما. وعلیه فنحن نتحرّی الفوائد الطبیة أو الموانع الاقتصادیة والمادیة فی
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 222
الأحکام الشرعیة ونری حتی الصلاة والدعاء والمناجاة کوسیلة لتسکین آلامنا الروحیة واضطراباتنا ومعاناتنا ومن یبحث عن شی‌ء آخر فهو علی خطأ، کما یخطی‌ء ذلک الذی یتصور حتی استحباب لبس الثیاب النظیفة وتقلیم الأظافر وإزالة آثار العنکبوت وعدم الشرب من الآنیة المکسورة یتعلق بالآثار الأخلاقیة والمعنویة والروحیة، بل بعض الأحکام الإسلامیة شرعت لأمور أخلاقیة وتکامل روحی، وبعضها الآخر لنظم الحیاة المادیة، وأغلبها تنطوی علی البعدین. نعود الآن لأصل الموضوع لنری الضابطة التی ینبغی اعتمادها فی التعامل مع فلسفة الأحکام.
فالأحکام الشرعیة تقسم إلی أربعة:
1- الأحکام الواضحة فلسفتها للجمیع منذ بعثة النبی الأکرم صلی الله علیه و آله وکلّ أدرک بعضها حسب علمه، وقد تقننت بغیة إمتثالها من قبل الجمیع، کحرمة الکذب والخیانة والتهمة وقتل النفس والسرقة والظلم والاحتکار والتطفیف فی المیزان والأمر بالعدالة والصدق وإعانة الضعفاء والعمل والمثابرة وبر الوالدین والإحسان إلی الجار وما شابه ذلک، والتی یدرک فلسفتها کل فرد بغض النظر عن معلوماته.
2- الأحکام التی لم تتضح فلسفتها للناس- وأحیاناً لعلمائهم آنذاک- وقد أشیر إلیها فی القرآن أو کلمات الأئمّة، مثلًا ربّما لا یعلم الناس آنذاک الفلسفة الثلاثیة الأبعاد (الأخلاقیة والاجتماعیة والصحیة) للصوم لذلک أشار القرآن إلی تأثیره التربوی والأخلاقی فقال:
«لَعَلّکُم تَتَّقُونَ» «1»
وأشار الإمام الصادق علیه السلام إلی تأثیره الاجتماعی فقال: «لیستوی به الفقیر والغنی» وقال النبی صلی الله علیه و آله: «صوموا تصحوا». ونظیر هذه الأحکام کثیر ممّا وردت الإشارة إلی أسرارها فی متون الآیات وأحادیث النبی صلی الله علیه و آله والأئمّة علیهم السلام، وکما أشرنا سابقاً هناک کتاب بهذا الخصوص «علل الشرائع» لأحد کبار المحدثین «الشیخ الصدوق»، کما ذکر المحدث المعروف «الشیخ الحر العاملی» فی بدایة کل فصل من کتابه وسائل الشیعة فلسفة بعض الأحکام.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 223
ولکن لابدّ من الإلتفات إلی أنّ ذکر هذه الأسرار والمنافع استناداً لتناسبه مع المستوی الفکری للناس لیس بمعنی انحصار تلک الفلسفة فی ما ذکر ولا یمنع من استثارة الفکر لإدراک المزید.
3- الأحکام التی تنکشف فلسفتها بفعل التقدم والرقی البشری ومرور الزمان ویسعنا اعتبارها دلیلًا علی عظمة وأصالة هذه الأحکام السماویة. مثلًا الآثار البدنیة والروحیة والاجتماعیة الضارة للمشروبات الکحولیة إلی جانب تأثیرها علی الجینات والجنین والتی کشفها الیوم العلم، أو الاختلالات العصبیة والوفیات الناشئة من جلسات القمار، أو الأخطار التی یفرزها التقسیم غیر العادل للثروات، والاضرار الاقتصادیة والأخلاقیة للربا والتی أحصتها المصادر ذات الصلة.
ولکن لابدّ من الإلتفات إلی موضوع فی غایة الأهمیّة وهو أنّ أی إفراط وأحکام خاطئة وضیق أفق ورؤی کاذبة والأهم من کل ذلک تحمیل القوانین المسلمة بعض الفرضیات غیر المبرهنة علمیاً، إنّما یبعدنا فراسخ عن الحقیقة ویقودنا إلی متاهات کبیرة بدل تعریفنا بأسرار وفلسفة الأحکام. وعلیه فما لم یبرهن العلم علی ویکسبه صیغة حسیة لا ینبغی جعله أساساً فی توضیح فلسفة الأحکام.
4- الطائفة الأخیرة من الأحکام التی لم تکن واضحة منذ بدایتها، کما لم ترد إشارة إلیها فی المتون الإسلامیة ولم تظفر بأسرارها لحدّ الآن ونماذج ذلک عدد رکعات الصلاة وحد نصاب موارد الزکاة التسعة وبعض مناسک الحج.
هل ستمیط الأجیال القادمة اللثام عنها بتقدم العلم والمعرفة؟
هل کلف آخر أوصیاء النبی الأکرم صلی الله علیه و آله بتوضیحها وتفسیرها؟
هل لهذه الأحکام بعد انضباطی؟
هل هی أسرار لا یسع حتی العلم فی المستقبل سبر أغوارها؟ ... لیس لدینا أی علم بذلک؛ وکل ما نعلمه أنّ الطائفة الرابعة من الأحکام وعلی غرار سابقاتها واجبة التنفیذ ...
فهی تستند جمیعاً إلی مصدر واحد. وأدلة إمتثالها ثابتة بالأدلة القطعیة.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 225

3 لماذا نقلد فی المسائل الدینیة؟

یفتح الإنسان عینه علی هذا العالم ولا یعلم شیئاً، فیضطر إلی الاستفادة من تجارب الآخرین ویغترف من علومهم ومعارفهم، ذلک لأنّه بحاجة إلی هذا العلم فی مسیرته الشائکة فی هذه الحیاة.
ولعل الحیاة تقوم علی أساس محورین؛ العلم والعمل، والعمل یحتاج إلی العلم، وعلیه فالخطوة الأولی تبدأ بالعلم. وهنا یستمد الإنسان من إحدی غرائزه والتی تکشف له طریق الکمال والسعادة وهی غریزة «الاقتباس» و «التقلید» یتعلم من والدیه شیئاً فشیئاً النطق وآداب الجلوس والقیام ویطوی کل یوم مرحلة من مراحل الحیاة وینفتح کل یوم علی العلوم والمعارف وأفکار الآخرین لیتعرف علی موجودات هذا العالم ویقف علی وظائفه.
لکن لابدّ من الإلتفات إلی أنّ التقلید لأفکار الآخرین بصورة کلیة لیس صحیحاً، بل للتقلید أقسام هی:
1- تقلید الجاهل للجاهل
من الواضح أنّ هذا التقلید بغض النظر عن عدم إیصاله الإنسان إلی السعادة، فهو یهوی به إلی البؤس والشقاء، والمؤسف أنّ فی مجتمعنا العدید من الأفراد الذین یقلدون سائر الأُمم فی أخلاقها بصورة عمیاء. فهم یقلدونهم فی إرتداء الثیاب وتناول الأطعمة وتسمیة الأولاد
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 226
و ... بالإضافة إلی اتباعهم فی إشاعة الفواحش والمنکرات وأسلوب التفکیر والإعتقاد تحت مسمیات شتی.
وقد وردت عدّة آیات فی ذمّ هذا النوع من التقلید، ومنها ما قاله الوثنیون لرسلهم: «إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَی أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَی آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ» «1».
2- تقلید العالم للجاهل
وواضح أنّ هذا القسم أسوأ من سابقه وأخطر، ذلک لأنّ العالم یجب أن ینطلق من علمه لیعمل بوظیفته وهذا أقبح تقلید بأن یتخلی العالم عن علمه ویتبع الآخرین.
3- تقلید العالم للعالم
طبعاً لا ینبغی أن یقلد العالم آخر مثله فی العلم وینبغی علیه العمل بعلمه، ومن هنا ذکر الفقهاء، إن بلغ العالم الاجتهاد یعمل باجتهاده. ولذلک یکتبون فی إجازات الاجتهاد «یحرم علیه التقلید» ولابدّ أن یعمل حسب رأیه، وبالطبع هذا لا یتنافی مع استشارته لسائر العلماء فی المسائل العلمیة، بل المراد استقلالیة العالم فی القرار وعدم الاستسلام لآراء الآخرین دون تریث.
4- تقلید الجاهل للعالم
هذا القسم من التقلید ما تقتضیه الفطرة والعقل والمنطق السلیم، وعلی أساس هذا العقل والمنطق تذهب إلی المعمار فی بناء عمارة وإلی الخیاط لخیاطة الملابس وإلی الطبیب حین المرض. والخلاصة فإنّ العقل والمنطق والفطرة یرشدنا إلی کل مختص بمجاله. وهذا هو المنطق الذی یدعونا للرجوع إلی الفقهاء لتقلیدهم فی الأحکام الشرعیة. الفقهاء الذین أجهدوا أنفسهم لسنوات فی کسب العلوم والمعارف حتی نالوا مرتبة الاجتهاد، أی أصبحت لدیهم القدرة علی استنباط الأحکام الشرعیة وتزوید الناس بها. وهم الفقهاء المنصبون من قبل أئمّة الدین بغیة ضمان سعادة الناس وفلاحهم.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 227
جدیر بالذکر، للعلوم البشریة عدّة فروع، وربّما ینبغ العالم فی فروع دون أن یعلم شیئاً عن فرع آخر، وعلیه لابدّ له من الرجوع فی ذلک الفرع إلی المختص به. فالطبیب أو المهندس البارع فی تخصصه، ربّما یرد منطقة ویبحث عن زقاق فلا یجده فینبغی أن یسأل الآخرین لیدلّوه علیه. أو مثلًا، یمرض شخص مختص بعلم الفلک، فلابدّ له من مراجعة الطبیب، کما یجب علیه إمتثال أوامر الطبیب دون نقاش. ویتضح مما سبق علیة ضرورة تبعیة الناس للمجتهد، ذلک لأنّ المجتهد متخصص فی عدّة علوم أساسیة فی الاجتهاد والفقاهة من قبیل الصرف والنحو واللغة والکلام والمنطق والتفسیر والرجال والدرایة والحدیث والأصول والفقه. ولعلک تری کتاباً صغیراً یسمی (الرسالة العملیة) ولا تدری أنّ هذه الرسالة حصیلة عمر الفقیه وقد سطرها بجهود جبارة ومعاناة شاقة ووضعها تحت تصرف الأمّة. فالاجتهاد لیس قضیة سهلة، بل الاجتهاد یعنی المعرفة بالأحکام السماویة کافّة ذات التأثیر المباشر علی الحیاة الفردیة والاجتماعیة.
الشیخ مرتضی الأنصاری رحمه الله الذی یعتبر أحد العظماء ومن مفاخر مراجع مدرسة الإسلامیة یقول فی کتابه (الرسائل) بشأن الاجتهاد: «رزقنا اللَّه الاجتهاد الذی هو أشدّ من طول الجهاد».
یذکر أنّ تقلید المجتهد یختص بالفروع لا الأصول، بعبارة أخری لابدّ أن یقف المکلّف بنفسه علی دلیل معرفة اللَّه سبحانه والنبی الأکرم صلی الله علیه و آله لأنّها من أصول الدین، ولکن بعد قبول هذه الأصول علی أساس الدلیل والمنطق یأتی دور الفروع وعلیه أن یرجع إلی المتخصصین بالعلوم الدینیة، حیث یتعذر علیه إدراک المصادر الدینیة کالقرآن والحدیث وسائر المصادر.
کما أنّ تقلید المجتهدین لا یصح فی المسائل الإسلامیة القطعیة کوجوب الصلاة والحج والأمر بالمعروف والنهی عن المنکر وحرمة الکذب والخیانة وشرب الخمر والقمار، ذلک لأنّها من الأمور المعلومة للجمیع ولا تحتاج إلی تقلید، وعلیه فالتقلید یقتصر علی الأحکام الفرعیة غیر القطعیة.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 229

4 لماذا نعبد اللَّه ما فلسفة الصلاة والصوم والحج؟

سؤال:
لم نعبد اللَّه ونعلم أنّ اللَّه لیس بحاجة إلی عبادة أحد؟ إنّه غنی عن الجمیع، والجمیع محتاج إلیه، ولو احتاج لعبادتنا فإنّ ذلک لا ینسجم مع مقام اللَّه.
الجواب:
یمکن الاجابة عن هذا السؤال بصورتین «إجمالیة» و «مفصلة».
الاجابة المجملة: إن کان الهدف من عبادتنا تلبیة حاجة للَّه‌وإیصال نفع إلیه، یرد السؤال المذکور فی أنّ اللَّه وجود مطلق ولا متناهٍ ومنزّه من کل نقص وحاجة، فما حاجته لعبادتنا؛ ولکن إن کان الهدف من عبادته تکاملنا، فسیکون أمره بالعبادة لطف ورحمة وإرشاد إلی الکمال والسعادة.
الاجابة المفصلة: لکل عبادة وعمل یهدف رضی اللَّه سلسلة من الآثار الفردیة والاجتماعیة القیمة، وهی فی الواقع أعظم وسیلة تربویة وأخلاقیة، للأسباب التالیة:
أولًا: إنّ العبادة تثیر لدی الإنسان الشعور بالشکر والتقدیر، فشکره للنعم التی زوده بها
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 230
اللَّه دلیل جدارته بما أفیض علیه من ألطاف.
ثانیاً: إنّ العبادة والخضوع للَّه‌أساس تکامل الإنسان الروحی، فأی تکامل أسمی من أن ترتبط روحنا بالکمال المطلق «اللَّه» وتستلهم قدرته اللامتناهیة فی القیام بوظائف العبودیة فتؤهله لمناجاة اللَّه. وتظهر هذه المزایا التی أشرنا إلیها باختصار فی العبادات کافّة التی تتمّ بصورة صحیحة، مع العلم أنّ لکل عبادة کالصلاة والصوم والحج و ... آثارها ومیزاتها الخاصة بها، ونشیر هنا إلی بعض أسرار هذه العبادات علی نحو الاختصار لتتضح لنا فائدة هذه العبادات والتی لا یحتاجها اللَّه.
أسرار الصلاة:
1- الصلاة توجب ذکر اللَّه
إنّ ذکر اللَّه أفضل وسیلة للسیطرة علی الغرائز الجامحة والحیلولة دون روح الطغیان.
فالمصلی یذکر اللَّه دائماً؛ اللَّه العلیم بکل صغیرة وکبیرة، والعلیم بکل ما یساور أذهاننا ویخطر علی قلوبنا، وإنّ أقل ما یفعله هذا الذکر اعادة الاعتدال إلی اهوائنا وتطلعاتنا، کما أنّ الغفلة عن ذکر اللَّه وتناسی ثوابه وعقابه توجب ظلمة العقل والتفکیر. فالإنسان الغافل لا یفکر فی عاقبة أفعاله ولا یعرف من حدود لارضاء غرائزه الجامحة ورغباته، والصلاة هی التی تذکره خمس مرّات یومیاً باللَّه وتدفع عنه ظلمة الغفلة.
حقاً إنّ ذکر اللَّه أفضل السبل للسیطرة علی غرائز الإنسان المتجذرة فی أعماقه فیعیده إلی رشده وصوابه، ومن هنا یعرض القرآن لأحد أسرار ذکر اللَّه فیقول: «أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِکرِی» «1».
2- الابتعاد عن المعصیة
إنّ المصلی مضطر لاجتناب أغلب المعاصی بغیة صحّة صلاته وقبولها، فمثلًا أحد شرائط الصلاة إباحة الوسائل المستعملة فی الصلاة من قبیل ماء الوضوء والغسل والثیاب
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 231
والمکان، وهذا یدفعه لمجانبة الحرام والجد فی کسب الحلال، ذلک لأنّه من الصعف أن یتقید الإنسان بحلّیة ما له صلة بالصلاة ویهمل الأمور الأخری وهذا ما أشارت له الآیة الشریفة «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَی عَنِ الفَحشاءِ وَالمُنکَرِ» «1»
. سیما إن إلتفت المصلی إلی أنّ شرط قبول الصلاة التزام المصلی بأداء الزکاة والحقوق الشرعیة واجتناب الغیبة والکبر والحسد وشرب الخمر، واستحضار النیّة والتوجه إلی اللَّه.
ومن هنا شبّه رسول اللَّه صلی الله علیه و آله الصلاة بعین الماء التی یغتسل منها الإنسان کل یوم خمس مرّات فهل یبقی علیه شی‌ء من الدرن. وهکذا من یصلی کل یوم خمس مرّات یطهر قلبه من الرجس والدرن.
3- النظافة والصحة
یعمد المصلی إلی الوضوء عدّة مرّات کل یوم وأحیاناً الغسل، وعلیه سیکون بالتالی فرداً نظیفاً بعیداً عن کل وساخة. وعلیه فالصلاة عامل مساعد للأمور الصحیة.
4- الانضباط والدقّة
لکل صلاة وقت معین، وعلی المصلی أن یأتی بصلاته فی تلک الأوقات، ومن هنا فإنّ هذه الشعیرة الإسلامیة تساعد علی الإنضباط والدقّة فی الوقت. خاصة أنّ المصلی ینبغی أن ینهض لصلاة الصبح قبل طلوع الشمس، فهو یستهل یومه بنشاط فضلًا عن الهواء الطلق والنقی الذی یستنشقه. ولا تقتصر الآثار التربویة الفردیة للصلاة فی ما ذکر، ولیس ذلک إلّا غیض من فیض أسرار هذه العبادة العظیمة.
الأسرار الاجتماعیة للصلاة:
إنّ الصلاة فی الأوقات المعیّنة نموذج لوحدة الأمّة الإسلامیة ولحمتها؛ ذلک لأنّ المسلمین کافّة یستقبلون القبلة فی أوقات معینة وبآداب خاصة، وهذا بدوره یکشف عن اتحاد الأمّة بفضل تلک الشعیرة. وعلل هذه الوحدة تتضح أکثر فی صلاة الجماعة وانتظام
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 232
صفوفها، ولسنا بحاجة لتوضیح أهمیّة هذا الاتحاد المعنوی. ورغم عدم إقتصار الأسرار والفوائد الاجتماعیة والتربویة للصلاة علی ما ذکر، إلّاأنّ ذلک یکفی لبیان عظمة أسرار هذه الفریضة.
قبسات من أسرار الصوم:
الصوم أحد الفرائض الإسلامیة، ولعل أحد آثاره التربویة أنّه یضع حدّاً «لحکومة العادة والشهوة» علی الإنسان وینقذه من عبودیته للرغبات النفسانیة. فأخطر وأسوأ الحکومات حکومة الرغبة السیئة وعبودیة النفس، ولعل أبسط رغبة- کإدمان التدخین- یسی‌ء إلی عزّة النفس فضلًا عن سائر الرغبات. والإنسان الحر من لا تحکمه آیة عادة شاذة، ویقمع بإرادته کل نوع من هذه العادات، ومثل هذه الحریة والإرادة بحاجة إلی صمود ومقاومة إنّما یفرزها الصوم.
وبغض النظر عن ذلک فإنّ الصوم إحیاء للعواطف الإنسانیة. فالفرد الثری الذی یقضی عامه علی الموائد الغناء ولا یعلم بالجائع الذی یعیش سنته جائعاً کالصائم، إنّما یتذکر هذا الفرد حین صومه وجوعه طیلة النهار فیدرک وضعه، وبالتالی تتفعل عواطفه الإنسانیة فیفکر فی ردم هذه الهوة وإعانة الفقراء والضعفاء.
حقاً أنّ صوم شهر رمضان أحد ملامح المساواة والاتحاد؛ ذلک لأنّ جمیع الطبقات- بما فیها الغنی والفقیر- تولی ظهرها لرغباتها وغرائزها طیلة هذا الشهر الشریف.
فلسفة الحج:
العبادة العظیمة الأخری «الحج»، والحج شعیرة اجتماعیة تؤدّی فی أیّام معینة وأماکن معینة من السنة. ویغض النظر عن ترسیخ هذه العبادة لعلاقة العبد بربّه، فإنّها یمکن أن تعود علی المجتمع الإسلامی بمختلف المنافع، وذلک لأنّه:
أولًا: إنّ هذه العبادة تبدأ بتجرّد تام من خلال ارتداء قطعتین متواضعتین من القماش
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 233
لتفعل مساواة العباد عند اللَّه، ولعل هذا أعظم حلم إنسانی فی أن یأتی الیوم الذی تزول فیه عوامل التفاضل الکاذبة من قبیل العِرق واللون واللغة والثروة ویعیش فیه الجمیع حالة المساواة أمام اللَّه سبحانه. فالحج یسوق المؤمنین للتخلی عن الإمتیازات الاجتماعیة ویشعرهم أنّها لیست وسیلة للتفاضل.
ثانیاً: إنّ ذلک الاجتماع العظیم الذی یعدّ أعضائه الممثلین الحقیقیین للشعوب الإسلامیة یعتبر مؤتمراً سنویاً لمسلمی العالم والذی یعقد کل سنة فی هذه الأرض المبارکة.
والإسلام لیس سلسلة من القوانین الأخلاقیة والسنن التربویة التی لا تنشد سوی إصلاح روح الآخرین لینأی بنفسه بعیداً عن المؤتمرات والتجمعات السنویة والاجتماعات الاسبوعیة والیومیة للأحزاب السیاسة ودعوته لتشکیل هذا المؤتمر السنوی فی هذه الأرض الطیبة. وبالطبع فإنّ هذا المؤتمر سینضوی تحته الأحزاب والحرکات السیاسة العالمیة، غایة الأمر أنّ الزعماء السیاسیین التفتوا أخیراً إلی أهمیّة هذه الموضوعات، بینما سبقهم الإسلام أربعة عشر قرناً حین خطط لمثل هذه المؤتمرات.
والمفکرون الذین یحضرون الاجتماع المذکور یسعهم الاطلاع علی آخر التطورات التی یشهدها العالم الإسلامی، فیتدارسوا کیفیة تحسین أوضاع المسلمین وتطهیر البلاد الاسلامیة من العناصر المناهضة للحریة والاستقلال و بالتالی رقیهم فی المجالات کافّة.
ولیت شعری أی اجتماع أفضل من أن یکون أعظم حلقة وصل لمسلمی العالم کافّة بحیث یطلع زعماء الدین علی أوضاع الأمّة الإسلامیة لمعالجة مشاکلها ومواجهة المؤامرات التی تحاک ضدّها.
لا شک فی أنّ هذا المؤتمر یمکنه أن یلعب دوراً فی خدمة الوضع الاقتصادی والثقافی للمسلمین؛ ذلک لأنّ المفکرین والمختصین یمکنهم- بعد أداء فریضة الحج- الجلوس فی موقع هادی‌ء لتبادل الآراء وطرح الخطط اللازمة بشأن الأمور الاقتصادیة والثقافیة الإسلامیة. إنّ مؤتمر الحج کان وما زال ملهماً لأغلب الحرکات التحرریة والنهضات
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 234
العظیمة التی قام بها أبناء الإسلام؛ ذلک لأنّ نطفة أغلب الثورات الإسلامیة التی هدفت إلی الاطاحة بحکومات الظلم إنّما عُقدت فی رحم أیّام الحج. کانت هذه قبسات من أسرار الحج، وما زال الوقت مبکراً لأن یقف العالم علی أسرار الحج وأهمیّته کما قال أحد الأعلام.
ونستنتج ممّا سبق أنّ لکل الشعائر الإسلامیة أسراراً تعود مباشرة علی الإنسان الذی یأتی بها أو المجتمع الذی یعیش فیه.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 235

5 لماذا یجب تقلید الأعلم؟

سؤال:
ورد فی الرسائل العملیة وجوب تقلید الأعلم، فما منشأ هذا الحکم؟
الجواب:
موضوع تقلید الأعلم من المسائل المعروفة بین مشهور الفقهاء وقد ذکروا له عدّة أدلة، إلیک بعض نماذجها الواضحة. فتقلید الجاهل للعالم ناشی‌ء من السیرة العقلائیة العالمیة، بمعنی رجوع الأفراد فی الأُمم کافّة إلی الآخرین من أصحاب الاختصاص فی المسائل التی لا یحیطون بها علماً؛ مثلًا، الأفراد الذین لیس لدیهم علم بالأمور الطبیة إن مرضوا کان علیهم الرجوع إلی الطبیب، والأفراد الذین لا یجیدون فن العمارة إنّما یرجعون إلی المهندس المعماری فی بناء العمارات. ومن الطبیعی إن برز خلاف فی وجهات النظر بین متخصصین، کأن یعتقد طبیب بعلاج معین لمرض ما ویعتقد طبیب آخر بعلاج آخر لنفس المرض، فمن المعلوم أنّ المریض إنّما یتبع الطبیب الذی بتمتع بالمزید من المعلومات الطبیة وعمق التجربة مقارنة بغیره، وبالتالی الأعلم من غیره.
وهذا أسلوب منطقی اتفقت علیه الشعوب کافّة. وهذا أحد أدلة لزوم تقلید الأعلم، کما
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 236
ذکر الفقهاء أدلة أخری لا مجال لذکرها.

6 لما نورد أذکار الصلاة بالعربیة؟

سؤال:
لماذا یجب أن نؤدّی الصلاة بالعربیة والحال لکل أمّة لغتها التی تستطیع بها مناجاة اللَّه، إلّا یتنافی هذا الأمر مع عالمیة الإسلام؟
الجواب:
یبدو أنّ أداء الصلاة بالعربیة أحد ملامح عالمیة الإسلام، ذلک لأنّ الجماعة التی تنتظم فی صف واحد وتعمل فی جبهة واحدة لابدّ لها من لغة موحدة تتفاهم بها؛ أی لابدّ أن تکون لهم «لغة عامة» بالإضافة إلی لغتهم الأُم، ولا تتمّ وحدة الجماعة دون ذلک.
ویری بعض المفکّرین أنّ البشریة لن تذوق السعادة ما لم ینتظم العالم کبلد، ولتفعیل هذا الموضوع طرحت بعض المشاریع ومنها اقتراح لغة عالمیة- والخلاصة فإنّ أداء الصلاة بلغة واحدة من قبل جمیع المسلمین هو رمز وحدة المسلمین ولحمتهم، وبالنظر إلی أنّ اللغة العربیة باعتراف المعنیین أوسع وأشمل اللغات فإنّ المسلمین کافّة یمکنهم اعتبارها اللغة العالمیة والوسیلة المتحدة للتفاهم، أضف إلی ذلک فإنّ أداء الصلاة بصیغة معینة یصونها من التحریف ومن حشوها بالخرافات والمطالب الجوفاء، ومن هنا یتوجب علی کل مسلم
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 238
التعرف علی هذه اللغة قدر استطاعته، لیعلم ماذا یناجی ربّه.
وخلاصة الکلام کما تعتبر مسألة التوحید إحدی أسس الأصول الدینیة فإنّ الصلاة باتّجاه قبلة واحدة وفی أوقات معینة وبلغة موحدة، نموذج لهذه الوحدة. ولو تأملنا مؤتمر الحج وتلک الجماعة الکبیرة التی تصرخ مع بعضها رغم اختلاف السنتها وألوانها «اللَّه أکبر» لوقفنا علی عمق هذه الشعیرة، ولک أن تتصور مدی الفوضی والهرج والمرج لو نطق بها کل فرد حسب لغته.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 239

7 لماذا یجب علینا استقبال القبلة عند الصلاة؟

سؤال:
لماذا یجب علینا استقبال القبلة عند الصلاة بینما نحن نعلم أنّ اللَّه فی کل مکان؟
الجواب:
استقبال القبلة فی الصلاة لا یعنی أنّ اللَّه یوجد فی مکان معین، فقد صرّح بذلک القرآن ضمن الآیات المتعلقة بالقبلة «وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَیْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» «1»
والآیة «قُلْ للَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ» «2»
؛ بل کون الإنسان جسماً ومن خصائصه الاتجاه نحو جهة معینة عند الصلاة، مع ذلک سعی الإسلام لتوظیف هذه المسألة لصالح هذه العبادة (الصلاة)، فنحن نعلم أنّ الکعبة أقدم مرکز توحیدی، والبیت الذی بناه إبراهیم الخلیل علیه السلام بطل التوحید وشدّت إلیه الأنبیاء والأولیاء کافّة، فالتوجه إلی هذا المرکز التوحیدی توجه للَّه- صحیح أنّه لیس للَّه‌مکان، إلّاأنّ من یقف أمام هذا المرکز فهو أقرب إلی اللَّه من عدّة جهات وکأنّه یری نفسه حاضرة عنده.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 240
إضافة إلی ذلک فإنّ توجه مسلمی العالم کافّة إلی هذا المکان المقدّس خمس مرّات یومیاً یرسخ فی نفوسهم روح الوحدة والإلفة ویربط الشرق الإسلامی بغربه ویبرز عظمة المسلمین، وبالتالی یعکس جوهر التعالیم الإسلامیة بصیغة وحدة هدف وعقیدة.

8 لِمَ نصلی الصلوات الخمس فی ثلاثة أوقات؟

سؤال:
لم نجمع بین الظهرین والعشائین، بینما لکل صلاة وقت معین، وکان أولیاء الدین یأتون بکل صلاة فی وقتها، أی فی خمسة أوقات؟
الجواب:
لا ریب ولا شک فی أنّ إقامة الصلوة فی خمسة أوقات وأداء کل صلاة فی وقت الفضیلة کانت منهج النبی الأکرم صلی الله علیه و آله والأئمّة الأطهار علیهم السلام وعامة المسلمین الأوائل، فکانوا غالباً ما یصلون فی خمسة أوقات.
لا نقاش فی هذا الأمر، ولکن هل «التفریق» بین الصلوات- کما یقول بذلک أغلب علماء العامة- واجب أم مستحب کسائر المستحبات التی یکون فیها الإنسان مخیّراً بین الإتیان بها أو ترکها ویعتقد علماء الشیعة وعلی ضوء الأحادیث الواردة بشأن فعل النبی صلی الله علیه و آله وروایات الأئمّة علیهم السلام وتبعاً لظواهر القرآن أنّ التفریق بین الصلوات مستحب وکانوا یوصون الآخرین بالتفریق بین الصلوات فإنّ أداء کل صلاة فی وقت فضیلتها مستحب وهو أفضل، مع ذلک یمکن ترک هذا المستحب، وهذا هو معنی المستحب.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 242
وبالطبع فإنّ الجمع بین الصلوات لا یعنی أننا نصلی الواحدة فی وقت الأخری مثلًا لو جمعنا العشائین، فهذا لا یعنی أننا أدّینا العشاء فی غیر وقتها، بل أدّینا الصلاتین فی وقتهما المشترک؛ ذلک لأنّ وقت الصلاتین منذ أول الغروب إلی منتصف اللیل (سوی أنّ أول الغروب بمقدار ثلاث رکعات یختص بصلاة المغرب، ومن الأخیر بمقدار أربع رکعات یختص بصلاة العشاء وسائر الأوقات مشترکة بین الصلاتین) فإن صلّینا العشاء مع المغرب- أی أول اللیل- أو أخرنا المغرب إلی آخر اللیل مع العشاء فإنّنا نکون بذلک قد صلّینا المغرب والعشاء فی وقتهما، ولکن یستحب للمصلی أن یأتی بصلاة المغرب أول اللیل وصلاة العشاء بعد زوال الشفق، وإن لم یلتزم بهذا الشرط فقد ترک مستحبّاً.
لماذا یجوز الجمع بین الصلاتین؟
دلیلنا علی جواز الجمع بین الصلوات، الروایات الواردة عن الإمام الصادق علیه السلام «1». ولکن ینبغی الإلتفات إلی أنّ نقل هذه الأحادیث والروایات لا یقتصر علی محدثی الشیعة، بل روی محدّثو العامة أحادیث جواز الجمع- حتی بدون عذر- عن النبی صلی الله علیه و آله واسندوا أکثر من عشر روایات إلی ابن عباس ومعاذ بن جبل وعبداللَّه بن مسعود وعبداللَّه بن عمر، نکتفی هنا بالإشارة إلی بعضها:
1- روی احمد بن حنبل عن ابن عباس «صلی رسول اللَّه صلی الله علیه و آله الظهر والعصر جمیعا والمغرب والعشاء جمیعاً من غیر خوف ولا سفر» «2».
2- کما روی عن طریق جابر بن زید قال: «صلُیتُ مع رسول اللَّه صلی الله علیه و آله الظهر والعصر والمغرب والعشاء جمیعاً» کما روی هذا الحدیث عن ابن عباس بعبارات مختلفة.
3- وروی فی کتابه عن عبداللَّه الشقیق أنّ ابن عباس خطب الناس حتی ظهرت النجوم فنهض رجل من بنی تمیم وقال: الصلاة الصلاة. فقال له ابن عباس: أنا أعرف بسنّة
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 243
النبی صلی الله علیه و آله، فقد رأیت النبی صلی الله علیه و آله وقد جمع الظهرین والعشائین. قال الراوی: أصابنی الشک فسألت أبا هریرة فصدق ما رواه ابن عباس «1».
4- أفرد المحدّث المعروف مسلم بن الحجاج القشری المتوفی سنة 261 ه فی صحیحه باباً أسماه «جمع الصلاة فی الحضر» وذکر أربع روایات أسند ثلاثاً منها لابن عباس وأخری لمعاذ بن جبل. «2» ومضمون هذه الروایات مشابه لما أوردنا، بالإضافة إلی هذه النقطة أنّ الراوی سأل عن علة الجمع، فأجاب «أراد أن لا یحرج أمّته». وورد هذا التعلیل فی روایات الشیعة وکذلک ما روی عن الإمام الصادق علیه السلام فی هذا الباب «3».
5- لا یقتصر رواة هذه المسألة (الجمع بین الصلاتین) علی ابن عباس ومعاذ بن جبل، بل روی «الطبرانی» عن «عبداللَّه بن مسعود» أنّ رسول اللَّه صلی الله علیه و آله جمع الظهرین والعشائین حتی لا یحرج أمّته «4»:
کما روی ذلک عن عبداللَّه بن عمر وقال: صلی رسول اللَّه صلی الله علیه و آله جمعاً من غیر سفر حتی لا یحرج أمّته «5».
هذه طائفة من الأحادیث التی رواها العامة فی مصادرهم والتی تفید أنّ التفریق بین الصلوات أمر مستحب، ولو شعرنا بأنّ مراعاة هذا الاستحباب یقدح بأصل أداء الفریضة سنترکه بأمر رسول اللَّه صلی الله علیه و آله ونجمع بینهما.
ولعل الأوضاع السائدة الیوم فی أغلب المناطق تشیر إلی حرج من جرّاء الالتزام بهذا الاستحباب، وربّما یؤدّی ذلک إلی استثقال البعض للصلاة. واستناداً إلی سنّة النبی صلی الله علیه و آله یمکن مراعاة «الأهم» وترک مسألة التفریق، وهذا ما علیه الآن أغلب فقهاء العامة، إلّاأنّهم یتحفظون عن ابداء آرائهم مراعاة لبعض الأمور «6».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 245

9 کیف تصدّ الصلاةُ الإنسانَ عن الذنب؟

سؤال:
أحد آثار الصلاة علی ضوء القرآن أنّها تصدّ الإنسان عن المعاصی حیث قال تعالی:
«وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَی عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْکَرِ» «1»
مع ذلک یلاحظ أغلب المصلین الذین یقارفون الفحشاء ولم تؤثر الصلاة علی أقوالهم وأفعالهم، فکیف تفسرون الآیة؟
الجواب:
لابدّ من الإلتفات إلی أنّ العامل الأساسی الذی یصدّ الإنسان عن الفاحشة والمنکر هو الإیمان وذکر اللَّه. فالإنسان الغافل لا یفکر فی عاقبة أفعاله ولا یری من حدود لارضاء رغباته وغرائزه.
وبالعکس فإنّ الذکر یحول دون طغیاننا وانتهاکنا للحدود، فاللَّه یعلم بکل صغیرة وکبیرة تصدر منّا. فذکر اللَّه هو العامل الطبیعی والفاعل الذی یسیطر علی غرائزنا وتطلعاتنا اللامشروعة، وهکذا ذکر مقام أولیاء اللَّه والعقاب والثواب. فالقرآن الکریم یصف أولیاء اللَّه
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 246
بالقول: «رِجَالٌ لَّاتُلْهِیهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَیْعٌ عَنْ ذِکْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِیتَاءِ الزَّکَاةِ» «1»
وبالطبع فإنّ الغفلة عن اللَّه توجب ظلمة العقل والوجدان.
قال أمیر المؤمنین علیه السلام بشأن الذکر: «إنّ اللَّه جعل الذکر جلاءً للقلوب، تسمع به بعد الوقرة وتبصر به بعد العشوة وتنقاد به بعد المعاندة» «2»
. فالإمام علیه السلام یعتبر الغفلة نوعاً من صمم القلوب وعمادها والتی توجب معاداة الإنسان للحق وتمرده علیه، بینما یری الذکر نور البصیرة ووعی القلوب الذی یکبح الغریزة ویصدها عن الطغیان.
وبناءً علی هذا فإنّ الغافل عن اللَّه وثوابه وعقابه کالأعمی والأصم الذی یرکب الفرس، فمما لا شک فیه أنّ الفرس سیرمی به وسط الودیان والمتاهات، أمّا أصحاب الذکر فهم یرون نتائج أعمالهم فیستمعون الحق ویجانبون الباطل. وقد أوصی الإمام الباقر علیه السلام أحد أصحابه فقال: «ذکر اللَّه علی کل حال وهو أن یذکر اللَّه عند المعصیة یهم بها فیحول ذکر اللَّه بینه وبین المعصیة» «3».
وقال الأصبغ بن نباتة قال أمیر المؤمنین علی علیه السلام: «أذکر اللَّه فی موضعین، عند المصیبة وعند المعصیة فإنّ ذکر اللَّه یحول بین الإنسان وبین المعصیة».
طبعا ذکر اللَّه علی درجات، فأحیاناً یبلغ الذکر مرحلة یحصن الإنسان من کل معصیة فیصبح ارتکاب الذنب محالًا عادیاً، ویتصف هؤلاء الأفراد بقلوب واعیة ونفوس طیبة وبصائر عالیة وآذان صاغیة وأرواح طائعة، ولعل أغلب الناس یحرزون متوسط الذکر، فمثلًا هنالک بعض الأفراد الذین یرتکبون بعض المعاصی لکنهم لا یسفکون دماً أو یأکلون مال یتیم أو ینتهکون عرض أحد؛ لأنهم یعلمون عذاب اللَّه الألیم علی هذه المعاصی فلدیهم مقاومة لمثل هذه المعاصی. وأحیاناً یکون ذکر اللَّه علی درجة من الضعف بحیث لا یحجز
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 247
الإنسان عن کثیر من المعاصی. حیث یکون الذکر مجرّد أرضیة لترک الذنب، إلّاأنّها سرعان ما تزول بفعل بعض العوامل القویة.
الصلاة وسیلة الذکر:
إنّ أحد أسرار الصلاة أنّها تذکر الإنسان باللَّه، وهذا ما صرّح به القرآن الکریم حین قال «وأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِکرِی» «1»
. طبعا لما کانت الصلاة عبادة ولابدّ من الإتیان بها بقصد القربة فهی توجب ذکر اللَّه. وبغض النظر عن ذلک فإنّ المصلی یتلفظ بأذکار کلها تدعو إلی ذکر اللَّه؛ فمثلًا نقرأ سورة الفاتحة فی الصلاة التی تتضمن حمد اللَّه وبیان صفاته وأفعاله، ومن ثم طلبات عباده، وسائر أذکار الصلاة علی هذا المنوال. والأثر الذی تترکه الصلاة فی أرواحنا وقلوبنا هو تقویة روح الإیمان والتوجه إلی اللَّه، ولهذا التوجه بالطبع درجات وهو لا یعدو أکثر من أرضیة لدی الأفراد الذین لا یتورعون عن الذنوب ولیس علّة تامة.
بعبارة أخری مراد القرآن من قوله: «إِنَّ الصّلاةَ تَنْهَی عَنِ الفَحْشاءِ وَالمُنکَرِ» «2»
لیس عصمة جمیع المصلین من الفاحشة، بل المراد أنّ الصلاة توجب ذکر اللَّه والتوجه إلی مقام الربوبیة والأثر الطبیعی لمثل هذا التوجه حث الإنسان علی الطاعة وترک المعصیة، ولکن ربّما کانت هنالک بعض العوامل التی تقضی علی ذلک الأثر بسبب ضعف التوجه إلی اللَّه. «3» والخلاصة لو کانت الصلاة صلاة حقیقیة لحالت دون الفواحش والمنکرات، وکلّما کانت الصلاة أکمل کان تأثیرها أعظم.
وناهیک عما سبق فإنّ الصلاة تصد المصلّی عملیاً عن أغلب الذنوب، کما تخلق لدیه الأرضیة لترک الذنوب، لأنّ المصلّی مضطر لاجتناب معظم الذنوب بغیة قبول صلاته، فأحد
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 248
شرائط الصلاة مثلًا اباحة ماء الوضوء ولباس المصلی ومکان الصلاة، وهذا ما یؤدّی به بالتدریج لتفادی الذنب وترک الکسب الحرام، فقلّما نجد من یتقید بحلیة الصلاة ومقارفة حرمة ما.
والشاهد علی ذلک أنّ تارکی الصلاة إنّما یترکون سائر الفرائض کالصوم والحج والزکاة ولا یمیزون بین الحلال والحرام والطاهر والنجس «1». والخلاصة فإنّ للصلاة أثر تربوی- سواء کان قویاً أم ضعیفاً- فی المصلین، والذی یعتمد علی کیفیة الالتزام بالصلاة والمحافظة علی أدائها وروحها.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 249

10 ما علّیة صلاة الآیات؟

سؤال:
لماذا تجب صلاة الآیات عند الخسوف والکسوف والزلزلة والصاعقة وشدّة الریاح والأصوات السماویة الرهیبة؟
الجواب:
هنالک أمران لتشریع صلاة الآیات حین الکسوف والخسوف:
1- یری الإنسان أنّ للشمس والقمر والمنظومة الشمسیة نظاماً عجیباً، فالشمس تبعث بأشعتها إلی الاحیاء کافّة لتنمو وتتکامل، والقمر یضی‌ء لنا اللیل ویحصی لنا الزمان بحرکته المنتظمة؛ الأمر الذی جعل الإنسان البسیط یعتقد بحکومة هذین الکوکبین لعالم النباتات والجمادات والکائنات الحیة، ومن هنا ظهرت عبادة الشمس والقمر، حیث اعتقد البعض أنّ الحاکمیة المطلقة للشمس والقمر بدل حاکمیة اللَّه.
وقد وجه بطل التوحید إبراهیم الخلیل علیه السلام أشدّ صفعة لعقیدة هؤلاء من خلال إثباته لانقیاد هذه الکرات للقوانین التی تحکم الوجود «1» واستدل علی کونها مخلوقة من خلال افولها (غروبها) وخفائها عن الأنظار، والکسوف والخسوف علامة أخری علی مخلوقیتها
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 250
ومحدودیتها إزاء الخالق، وتفید أنّها لا تملک أیّة استقلالیة فی ارسالها لأشعتها، وبالتالی هنالک من یسیرها ویسیطر علیها.
وعلیه فالکسوف والخسوف أفضل دلیل علی مخلوقیة ومحدودیة الشمس والقمر إزاء الإرادة المطلقة التی تحکم عالم الوجود.
وحین نواجه ظاهرة الخسوف والکسوف- الظاهرة التی ترشدنا إلی الإذعان بانقیاد هذه الأجرام إلی الإرادة القاهرة، کما ترسخ لدینا الاعتراف بالخالق المهیمن علی کل شی‌ء- یثار لدینا حسن الإیمان فنصلّی صلاة الآیات ونسجد للَّه‌ونعرب عن خضوعنا الباطنی.
علی غرار بطل التوحید إبراهیم علیه السلام الذی خلص إلی ذات النتیجة بعد افول تلک الأجرام والتی نخلص إلیها فی الکسوف والخسوف فقال: «إِنِّی وَجَّهْتُ وَجْهِیَ لِلَّذِی فَطَرَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِیفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِکِینَ» «1».
2- أضف إلی ذلک حین تستجد بعض الأوضاع المخیفة والمفاجئة فی السماء، فإنّ بعض الناس یلجأون إلی سلسلة من الأمور الخرافیة ویرون أنّ هذه الأعمال مؤثرة فی رفع هذه الحادثة، والإسلام بتشریعه لصلاة الآیات حین الخسوف والکسوف إنّما یصد الناس عن هذه الإنحرافات ویلفت انتباههم إلی المصدر الذی تستند إلیه الحوادث والظواهر کافّة، بالإضافة إلی أنّها تمنح الإنسان الأمن والهدوء والسکینة إزاء هذه الحوادث.

11 لِمَ یجب علی المرأة ستر بدنها عند الصلاة؟

سؤال:
لِمَ یجب علی المرأة ستر بدنها عند الصلاة واللَّه عالم بالسر والعلن لکل موجود؟
الجواب:
لا شک فی أنّ اللَّه عالم بکل شی‌ء والغیب والشهود لدیه سیان، إلّاأنّ الإنسان یری نفسه حین العبادة بین یدی اللَّه ویناجیه ویتضرع إلیه، وعلیه لابدّ أن یرتدی أحسن الثیاب ومن الواضح أنّ الثوب التام الکامل- أی ثوب العفة والحشمة یعکس جوهرها- هو أنسب لباس عند العبادة. حتی بالنسبة للرجال فإنّ الصلاة بالبدن العریان لا تبطل ولکنّها تنأی به بعیداً عن الخضوع والتواضع للَّه‌بل الأفضل بالإضافة إلی ستر الواجب أن یصلی بلباس یفید الاحترام والخضوع، فمثلًا لیس من الصواب الصلاة بالملابس لداخلیة ومن الأفضل أن یرتدی بعض الثیاب رغم کفایتها.

12 ما علّة نجاسة المشروبات الکحولیة؟

سؤال:
لم اعتبر الفقهاء فی رسائلهم، المشروبات الکحولیة نجسة، والحال أنّ الکحول مضاد للتعفن ویقضی علی المکروبات، فما حکمة کونه نجسة؟
الجواب:
إنّ ما حکم الإسلام بنجاسته ینطوی علی عدّة عوامل:
الطائفة الأولی الأشیاء النجسة ذاتاً ومصدر العدید من الأمراض- کالبول والدم و ...- فأوجب الإسلام اجتنابها.
الطائفة الثانیة: الأشیاء غیر النجسة ظاهریاً، لکنّها نجسة معنویاً، فعدّها الإسلام غیر طاهرة- کالکفّار- فربّما یکون الکافر طاهر ونظیف ظاهریاً، ولکن کما قیل فی جواب السؤال السابع عشر حیث له عقائد منحرفة فهو ملوث روحیاً ولا یطهر هذا التلوث مهما تنظف ظاهریاً- وقد حکم الإسلام بنجاسته لحفظ عقائد المسلمین لیحول دون الاختلاط به فیحافظون علی طهارتهم الروحیة، ولو لم یحکم بنجاسته واذن بالارتباطات کافّة به
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 254
لتأثر العدید من الأفراد الضعاف بأفکاره وعقائده «1».
أضف إلی ذلک فإنّ الاختلاط التام به یدعو إلی تغلغله فی المجتمعات الإسلامیة وتتسع الخطط الاستعماریة، أمّا الاختلاط المحدود فلم ینه عنه الإسلام واذن بالانفتاح التجاری والعلمی علی هذه الطائفة.
الطائفة الثالثة: الموضوعات التی لا تتضمن ما سبق لکنها أساس سلسلة من المفاسد الاجتماعیة والفردیة کالمشروبات الکحولیة صحیح أنّ الکحول مضاد للتعفن، إلّاأنّ شرب هذا الکحول یؤدّی إلی العدید من الاختلالات. ولذلک حکم الإسلام بنجاسته لیحول بالتالی دون استعماله من قبل الناس. فالإنسان المسلم إن عَلِم بنجاسة شی‌ء سعی إلی الابتعاد عنه، ومن الواضح أنّ لهذا الأمر تأثیر عمیق فی عدم التلوث بالمشروبات الکحولیة، وهذا بحدّ ذاته حرب شعواء علی المشروبات الکحولیة «2».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 255

13 ما الفارق بین العرق والبول؟

سؤال:
«البول» و «عرق البدن» کلاهما مواد زائدة، فَلِمَ کان أحدهما نجساً والآخر طاهراً، مع العلم أنّ ترکیبهما الکیمیائی متشابه؟
الجواب:
لابدّ من الإلتفات إلی أنّ البول والعرق متشابهان من حیث الترکیب الکیمیائی، إلّاأنّهما یختلفان فی عدّة أمور، وهذا الاختلاف یمکن أن یؤدّی إلی اختلافهما فی الحکم، لأنّه کما سنری أنّ البول یحتوی علی بعض المواد السامة التی لا وجود لها فی العرق.
توضیح ذلک: یترکب البول من المواد الآتیة:
1- الیوریا 2- حامض الیوریک 3- الأورات 4- الأوروبیلین 5- حامض الهایبوریک 6- الاروکرم والأوروبیلین وکلاهما من ألوان البول 7- المواد المعدنیة و «الکلوکوز» فی مرض السکر.
ویترکب العرق من المواد الآتیة:
1- الیوریا 2- حامض الیوریک 3- الأورات 4- المواد المعدنیة؛ وعلیه فالمواد اللونیة
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 256
وحامض الهایبوریک وکلاهما سام ودرجة سمیة فیهما عالیة نسبیاً لیسا موجودین فی الترکیب الکیمیائی للعرق، والعرق یخرج من مسامات الجلد والتبخر مباشرة وهذا التبخر یمنع نشوء المکروبات علی سطح البدن، بینما تبقی مختلف المکروبات فی البول. ومن هنا یمکن فهم حکم الشریعة بنجاسة البول وطهارة العرق. لأنّه؛
أولًا: یقتصر وجود المواد السامة علی البول، ولا وجود لها فی العرق.
ثانیاً: مقدار الیوریا فی البول أضعاف ما هو علیه فی العرق والذی یحتوی علی مواد سامة.
ثالثاً: حیث یتبخر العرق فلا یترک مجالًا للمکروبات علی الجسم.
رابعاً: ترکیبات البول تعدل عشرة أضعاف ترکیبات العرق غلظة، ونعلم أنّ هذا الفارق یمکن أن یجعل أحدهما ضارّاً والآخر خالیاً من الضرر. وبغض النظر عمّا سبق فإنّ اجتناب العرق أمر فی غایة الصعوبة ویوجب العدید من المعاناة، ولیس البول کذلک.

14 ما فلسفة غسل المیت وغسل مسّ الأموات؟

سؤال:
ما فلسفة غسل الأموات وغسل مسّ الأموات؟ لم أمر الشرع بغسل من یموت، ومن لمسه قبل الغسل وجب علیه الغسل؟
الجوب:
کما ذکرنا کراراً أنّ فلسفة بعض الأحکام الإسلامیة لیست واضحة لنا، ولکن بمرور الزمان وتکامل العقل البشری وتقدم العلوم فإنّ فلسفة العدید من الأحکام ستتضح، وربّما تتضح مستقبلًا فلسفة البعض منها.
وأمّا بشأن السؤال فیمکن القول: إنّ أحد أسرار غسل مسّ المیت هو احترام المیت لدی جمیع الشعوب علی غرار احترامه حین کان علی قید الحیاة. ورغم أنّ الإسلام أبطل العدید من الممارسات الإنحرافیة للأقوام السابقة إزاء الموتی، لکنّه یعتقد بضرورة رعایة حرمة الأموات بما فیها غسلهم وتکفینهم ودفنهم؛ وعلی هذا الضوء فإنّ موضوع غسل المیت وسائر التشریفات نوع من رعایة حرمة الموتی.
بعبارة أخری إنّ الإسلام ینظر بإکبار إلی الإنسان ویسعی لرفع قیمته بمختلف الوسائل،
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 258
بحیث لم یتخلّ عنه حتی بعد حیاته، فشرع بعض القوانین التی لا تسمح لأحد بإنتهاک حرمة المیت المسلم، بل لا تسمح بالتجاوز علی قبره.
أضف إلی ذلک حیث یری الإسلام أنّ الموت لیس نهایة الحیاة، بل نافذة علی عالم آخر والنزول فی عالم آخر والنزول جوار الرحمة الإلهیّة، فقد أمر بنظافة وطهارة الموتی وارتدائهم الثیاب المتواضعة الطاهرة وتوسد التراب، لیکون هذا العمل رمز بقاء الحیاة الحقیقیة وامتدادها «هذه فلسفة غسل المیت».
غسل مسّ المیت:
لابد من ذکر بعض الامور قبل ان نخوض فی أصل الجواب:
1- عادة ما تثار عواطف وأحاسیس قرابة المیت اثر فقدهم لفرد من أفراد الاسرة العزیز علیهم و علیه فلا یسعهم رؤیة قطع ارتباطهم به فجأة. وهؤلاء یفعل أنسهم وحیهم له یرومون حتی بعد الموت تقبیله واخذه باحضانهم الحنونة.
2- و هذه النقطة واضحة ایضاً فی ان بدن الافراد المیتین یکون ملوثا بانواع المکروبات اثر المرض أو التسمم و فقدان القوة الدفاعیة، والاقتراب منه یستیطن عدة مخاطر من الناحیة الصحیة.
3- لم ینبر الاسلام قط لمواجهة و منافحة احاسیس الانسان و عواطفه، او یتجاهل نزعاته العطبیعیة، بل یوجد تلک العواطف والاحاسیس ضمن مسیرة خاصة. وبالالتفات الی هذه الامور یمکن الاستنتاج: ان الاسلام و بغیة الحیلولة دون تلوث کافة الافراد- سیما المتبقین للمیت- بانواع المکروبات والاصابة بمختلف الامراض التی یمکن ان تنتقل عدواها إلیه من الجسد الخالی من الروح و فی نفس الوقت بتحریم مس المیت لم یتصد لعواطفهم واحاسیسهم المستثارة فقد اورد مشکلة قانونیة؛ فقد أمر بالغسل کل من یمس بدن المیت او یتصل بجسده بأی نحو من الانحاء. لاشک ان هذا القانون رغم حده من تماس الاحیاء بالاموات و حال دون اصابتهم بانواع الامراض المحتملة، لکنه لم یتجاهل
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 259
عواطفهم واحاسیسهم، وکلما تعطل هذا المشکل القانونی المؤثر فی عدم حدوث التماس فان «غسل مس المیت» سیکون أفضل وأبسط اسلوب غسل لدفع المکروبات المحتملة.
قد یشکل البعض ان غسل مس المیت ان اوجد مشکلة قانونیة و بغیة الحیلولة دون الاصابة بالامراض، فلم لایوجب مس بدن المیت بعد غسله والاتصال به الغسل؟ و یبدو ان هذا الاشکال سطحیاً و الرد علی ذلک واضح، لأن غسل المیت بالماء المخلوط بالسدر والماء المخلوط بالکافور و بالماء الخالص عنصر مؤثر ضد التعفن وتنظیف المیت و علی الاقل سوف تنعدم الاخطار المحتملة قبل الغسل لمدة معینة. و من البدیهی فی هذه الحالة انهم سیدفنون المیت بعد مدة من الاتیان بالمراسم المذکورة و سینتفی احتمال بروز المیکروبات الجدیدة و انتقالها للانسان. و ما قیل فی غسل الاموات و غسل مس المیت جانب من فلسفة هذه الاحکام؛ و لعل هنالک العدید من النقاط الخفیة علینا لحد الان.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 261

15 لماذا یحرم أبناء الزنا من بعض المناصب؟

سؤال:
إننا نعلم بأنّ الأبناء الذین یولدون من علاقات غیر شرعیة لیس لهم أی ذنب، مع ذلک ذمّت بعض الروایات الإسلامیة هؤلاء وحجرت علیهم بعض المناصب الاجتماعیة المهمّة کالقضاء وإمامة الجماعة والفتوی و ... فکیف یتعرض شخص لکل هذا الذم وهو لم یرتکب أی ذنب ولمجرّد کون والدیه آثمین!
أضف إلی ذلک فإنّ البعض یقول إنّ هؤلاء الأفراد لا یدخلون الجنّة ولا ینعمون بالسعادة، فهل هذا الکلام صحیح، رغم إننا نعلم بأنّ اللَّه حکیم ولا یحاسب أحداً بذنب آخر «ولا تزر وازرة وزر أخری ؟
الجواب:
نورد بعض النقاط المهمّة فی البحث قبل الخوض فی الجواب:
1- لما کانت الروابط اللامشروعة تقضی علی العلاقات الحقوقیة والقضایا المالیة للأب والابن، فإنّ جذور النسبة والعواطف العائلیة التی تشکل أساس المجتمع تصاب بالشلل؛ فالزانیة لا تعلم بالرجل الذی عقد نطفته فی رحمها، وبالتالی لا یعرف الولد من هو أبوه،
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 262
ناهیک عن عشرات المفاسد الأخلاقیة والنفسیة والاجتماعیة والتربویة والعائلیة والمالیة والعاطفیة التی یفرزها الزنا، کل ذلک یدعو الأنبیاء والمشرعین بما فیهم المشرع البشری إلی تحریم الأعمال المنافیة للعفة وخطر العلاقات الجنسیة الشاذة.
2- هنالک عدّة ضوابط لتنظیم عملیة الزواج الشرعی، وعلیه فالعلاقات اللامشروعة تعدّ «مخالفة للقانون» و «انتهاکاً لحرمة إنسانیة الإنسان» ولذلک یشعر الآثمون بنوع من الاضطراب والقلق الذی یفرزه العمل الفاحش، ولو لم یحیه هذا الشعور لاندفع نحو التمرد العلنی وتجاوز القوانین.
3- إنّ الأبناء وعلی ضوء قانون الوراثة یرثون القضایا النقیة والفکریة لآبائهم وأُمهاتهم، فکما یرثون خصائصهم البدنیة من قبیل لون العین والشعر والوجه، فإنّهم یرثون خصائصهم الشخصیة مثل: الغضب والحدة والمرونة والطغیان وما إلی ذلک. والواقع أنّ الوراثة أساس مستقبل الأفراد والصانعة لجانب مهم من شخصیتهم وإعدادهم لمصیرهم.
والذی نخلص إلیه ممّا سبق أنّ أبناء الزنا غالباً ما یرثون روح الطغیان والتمرد علی القانون والعصیان عن آبائهم وأمهاتهم لیکونوا أکثر استعداداً من غیرهم لمقارفة الجریمة وممارسة العدوان، ولذلک فإنّ سوء التعلیم الفردی أو الوسط الشاذ یکفی لإثارة روح العدوان لدیهم وتجسیدها علی أرض الواقع.
أمّا بشأن حرمانهم من المناصب الاجتماعیة، فإضافة إلی ما قیل سابقاً بخصوص وضعهم الروحی، فالأمر لا یعدو کونه احتیاطاً منطقیاً بهدف حفظ المصالح الاجتماعیة، إلی جانب کون الإسلام یولی أهمیة فائقة للتصدی لهذه المناصب الحساسة، ومن هنا لا یسمح بشغل هذه المناصب لمن یتصف ببعض نقاط الضعف والسوابق السیئة.
ولکن لا ینبغی أن یفهم ممّا سبق أنّ مجرّد کون الفرد ابن زنا فذلک یعنی حرمانه من السعادة وتعذر انفتاحه علی التربیة الإسلامیة الصحیحة. فابن الزنا کسائر الأفراد یمتلک الإرادة فی اختیار الطریق، کما یستطیع تنمیة جانب الفضیلة فی نفسه فیکتب اسمه فی
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 263
الجنان. فهذا الفرد لیس شریر ومنحرف بالفطرة ولا یسعه الرفع من شأنه، بل کما قال الإمام الصادق علیه السلام: «إنّ ولد الزنا یستعمل إن عمل خیراً جزی به وإن عمل شراً جُزی به».
وعلیه فالذم الذی ساقه الإسلام بشأن ابن الزنا إنّما یهدف إلی تحذیره من صعوبة وخطورة موقفه ویرشده إلی ضرورة الإلتفات إلی نفسه وبذل الجهود لتجاوز الأزمة والوصول إلی شاطی‌ء الأمان والسعادة، لا أنّ عوامل التعلیم والتربیة لا تجدی معه نفعاً وأنّه لا محالة من أهل النار.
بعبارة أخری إنّ الأولاد الذین ینحدرون من علاقات شاذة علی غرار الأطفال الذین یولدون من آباء مرضی مصابین بالسل وما شابه ذلک، فمثل هؤلاء الأطفال أکثر عرضة للاصابة بهذه الأمراض، وعلیه لابدّ لهم من المبادرة إلی علاجها، وأبناء الزنا یمتلکون عادة شیئاً من الاستعداد لانتهاک حرمة القانون ومقارفة الذنب والمعصیة فإن غاب التعلیم الصحیح والتربیة وضعفت لدیهم الإرادة والعزم سقطوا فی وادی الجریمة. وعلی هذا فإنّ المصلحة العامة تقتضی اتخاذ بعض الإجراءات الإحترازیة بما فیها التحفظ عن منحهم بعض المناصب الخطیرة.
وأمّا ما تصوره البعض من أنّ أبناء الزنا سوف لن یذوقوا طعم السعادة فهو تصور خاطی‌ء، بل هم کسائر الأفراد باستطاعتهم أن یکونوا سعداء أو أشقیاء. والجدیر بالذکر أنّ أبناء الزنا إن صمدوا إزاء الذنوب والمعاصی کان لهم مقام أرفع من نظرائهم، ذلک لأنّهم جهدوا أنفسهم أکثر وأشمل.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 265

16 أضرار لحم الخنزیر

سؤال:
ما هی الأضرار الکامنة فی لحکم الخنزیر لیحرِّمه الإسلام، مع العلم أنّ المسیحیین یحبّونه حبّاً جمّاً؟
الجواب:
ثبت الیوم أنّ لحم الخنزیر أخطر ممّا کان یتصور، فهنالک الأخطار الأخلاقیة (عن طریق الهورمونات) والأخطار الصحیّة. ونشیر هنا إلی أحد أضراره الصحیّة حیث یؤدّی إلی الإصابة بالمرض المعروف وما نذکره هنا ترجمة لمقالة مصدر علمی أمریکی ارسلت لنا من قبل الدکتور محمد غفرانی.
***
مرض خطیرنا شی‌ء من لحم الخنزیر:
فقد تسلّمت المنظمات الطبیة عدّة تقاریر من الأطباء بشأن المرض المعروف «تریشینوزیس» والخطیر فهو مرض طفیلی ناشی‌ء من دودة صغیرة شعریة الشکل. وهذه
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 266
الدودة تقضی دورة حیاتها فی جسد الخنزیر وسائر الحیوانات، ولعل کل من تناول لحم خنزیر مصاب کان عرضة للإصابة بهذا المرض، إلّاأنّ حساسیة الإنسان بهذا الخصوص کبیرة- علی سبیل المثال، لو تناول الدب لحم الخنزیر فإنّه یصاب بالمرض بسرعة، کما یصاب به من تناول لحم الدب- وعادة ما یصاب الإنسان. إن تناول لحم خنزیر لیس بناضج (ولا یسع أحد الزعم أنّه تناول لحم خنزیر مطبوخ بصورة تامة) ذلک لأنّه یلاحظ الآن بعض الإصابات إثر تناول اللحم المطبوخ بالوسائل الحدیثة وقد إشار إلی ذلک صاحب المقالة.
وتفید بعض الدراسات أنّ فئة صغیرة من بین 25 ملیون شخص مصابون بهذا المرض الطفیلی بدت علیهم الأعراض، بنحو بارز بصورة کامراض سریریة بینما بقی مجهولًا لدی الاطباءه کثر من الف اصابة! کما خمن ان 25 ملیون حالة مرضیة من قبل المرضی الذین ثبت هذا الطفیلی فی عضلات بدنهم ان 16000 فقط بینت حالاتهم المرضیة بصورة واضحة فی العیادات، بحیث توفی منهم خمسة بالمئة بسبب شدة التلوث.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 267

17 ما علّة نجاسة الکافر؟

سؤال:
ما فلسفة حکم الإسلام بنجاسة أتباع سائر الأدیان «الکفّار» وعدم جواز الاختلاط المسلمین بهم (والحال ربّما یکونون أکثر مراعاة للنظافة والأمور الصحیة من سائر المسلمین)؟ طبعاً لابدّ استبعاد أنّ الاختلاط بهم ربما یؤدّی إلی الانحراف الفکری لبعض المسلمین، فالإسلام دین الواعین لا المغفلین!.
الجواب:
صحیح أنّ الإسلام دین الواعین لا المغفلین، لکن إن کان المراد أنّه دین جماعة معینة فلیس الأمر کذلک، بل هو دین للجمیع؛ وإن کان المراد أنّ الواعین أکثر انفتاحاً علی التعالیم الإسلامیة فذلک صحیح أیضاً، إلّاأنّ ذلک لا یعنی إهمال القوانین الإسلامیة للأفراد من ذوی الاطلاع المحدود وعدم الإلتفات إلی أوضاعهم.
وکما أشرنا سابقاً فإنّ نجاسة الکفّار قطعاً نجاسة معنویة وباطنیة؛ لا تظهر آثارها علی أجسامهم، وأحد فوائد ذلک حفظ عقائد أغلب المسلمین من جراء الاختلاط وما یسببه من انحراف وضلال فکری، ولیس فی هذا الأمر من جدید فأغلب المصلحین یوصون عامة
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 268
الأفراد بالابتعاد عن الاختلاط بالمنحرفین والضالین، غایة ما هنالک أنّ الإسلام بیّن هذا الموضوع بصیغة الحکم بنجاسة الکفّار، من جانب آخر نری أنّ الإسلام أذن بإقامة العلاقات الاقتصادیة والتجاریة معهم علی ضوء بعض الشروط، لکنه لم یسمح بالجلوس معهم علی مائدة، بالتالی أراد الاستفادة من منافعهم والحذر من أضرارهم الأخلاقیة والعقائدیة من جرّاء الاختلاط بهم.
طبعاً نحن لا نقول إنّ الواعین من المسلمین یمکنهم الاختلاط بهم، کلا فلیس فی الأحکام الإسلامیة من استثناء وهی عامة، وعمومیتها سبب حفظها، وإلّا لزعم کل فرد أنّه مطلع ولا یری من ضرر فی اختلاطه بالکفّار فینتهک حرمة الأحکام الشرعیة (لابدّ من التامل). وبغض النظر عمّا سبق فإنّ أغلب الکفّار لا یتورعون عن النجاسات کالدم ولحم الخنزیر والمشروبات الکحولیة، وعلیه فحیاتهم بالتالی مجموعة نجاسات، وبغیة تفادی هذه النجاسات عدهم الإسلام نجساً لیتحفظ المسلمون عن الإختلاط بهم حفظاً لهم من النجاسة.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 269

18 لماذا الجزیة؟

سؤال:
المراد من بعثة النبی الأکرم صلی الله علیه و آله إرشاد الناس وهدایتهم،، إلّاأننا نری بعض المقررات الإسلامیة التی لا تنسجم مع الهدف الأصلی للدین- الإرشاد إلی الصراط المستقیم- من قبیل فرض الجزیة علی الیهود والنصاری، والحال الجزیة قضیة مادیة، ثم کیف یشجعهم الإسلام علی البقاء علی معتقداتهم وأدیانهم المحرفة؟
الجواب:
إنّ أحد امتیازات الإسلام عدم إکراهه الغیر علی اعتناقه، کما ورد ذلک فی الآیة 256 من سورة البقرة «لااکْرَاهَ فِی الدِّینِ قَدْ تَبَیَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَیِّ». وسرّ ذلک واضح فی أنّ الإسلام انطلق فی دعوته منذ الیوم الأول علی أساس المنطق والدلیل والبرهان ومحاربة الوهم والخرافة، وسلاحه عرض الحقیقة وایقاظ الرای العام، فما حاجته للإکراه وهو یمتلک ذلک السلاح الذی استقطبه الواعون من الأفراد؟
والواقع أنّ العقیدة والإیمان الحقیقی یتطلب مقدمات وأُسساً معینة ما لم تحصل فی ظلّ الإدراک والبصیرة والاختیار، فمن المحال أن یشق الإیمان سبیله إلی القلب، ولو فرض
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 270
بالقوّة لما استقر فی القلب، ولما تجاوز اللسان، وبالتالی لیس لهذا الإیمان من قیمة فی الإسلام. فالإسلام یستقطب الأفراد الأوفیاء لمبادئه المقدّسة ولا یتخلون عنها أبداً، وهذا الإیمان لا یفرزه إلّاالمنطق والدلیل.
أمّا الجزیة فهی ضرائب سنویة یدفعها أهل الکتاب للدولة الإسلامیة، وسبب فرض هذه الضرائب أنّ بلدانهم تدار من قبل المسلمین، أو أنّهم یعیشون کأقلیة فی المجتمع الإسلامی، والدولة الإسلامیة مسؤولة عن توفیر الأمن والدعم والحمایة لهم، ومن هنا ینبغی جبایة الضرائب من کل فرد لم یقر بالإسلام لتصرف فی سبیل رفاهه وحفظ ماله وعرضه وحیاته، ناهیک عن عدم اشتراک هؤلاء الأفراد فی المعارک التی یخوضها المسلمون ضد أعدائهم.
وتفید الشواهد التاریخیة أنّ الأموال التی کانت تجبی من أهل الذمّة لم تؤخذ بالقوة والاکراه والیک نماذج من ذلک:
1- إنّ «عبادة بن الصامت» حین دعی المصریین والأقباط إلی الإسلام کان یخیّرهم بین اعتناق الإسلام أو دفع الجزیة ویؤمنهم علی أموالهم وأعراضهم والدفاع عنهم تجاه الأعداء.
2- حین انتصر المسلمون علی الروم انیری أهل حمص لدفع الجزیة ثم أراد المسلمون فسخ عقدهم مع نصاری حمص بموافقة الطرفین، وعرضوا علیهم إعادة ما استلموه منهم من أموال. فرد علیهم أهل حمص بأنّهم لا یرضون بفسخ العقد بعد أن لمسوا عدالتهم وتقواهم التی لا یمتلکها الروم، وأعربوا عن استعدادهم للقتال إلی جانب المسلمین.
3- إنّ مقدار الجزیة التی عینها رسول اللَّه صلی الله علیه و آله بالنسبة لنصاری نجران توضح حقیقة الموضوع، حیث تقرر أن یدفعوا سنویاً ثلاثة آلاف «حلّة» وقیمة کل حلّة أربعون درهماً خلال دفعتین، ألفان فی شهر صفر وألف فی رجب، کما صالح رسول اللَّه صلی الله علیه و آله أهل «أذرح» علی أن یدفعوا مئة دینار سنویاً. حقاً إنّ هذه الأموال لا تبدو کثیرة إزاء حفظ أموالهم وأعراضهم وأرواحهم.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 271

19 ثیاب الإحرام‌

سؤال:
لماذا یجب أن تکون ثیاب الإحرام متواضعة وغیر مخیطة؟
الجواب:
مراسم الحج من العبادات الجماعیة التی ینبغی أن تتمّ فی ظلّ تجرّد تام، ولذلک اکتفی بقطعتین من القماش ونهی عن ارتداء الثیاب المتعارفة التی تعکس الامتیاز والاختلاف، وهکذا یتجسد ذلک الیوم الذی تتطلع إلیه البشریة فی طرح عوامل الامتیاز الفارغة کافّة.
بعبارة أخری الحج أروع مظاهر مساواة الناس أمام اللَّه، ومن هنا کان لابدّ من التخلی عن الثیاب المدعاة للتفاخر لتسود المساواة الجمیع.

20 لماذا تتلف لحوم الأضحیات؟

سؤال:
ما القصد من الذبح فی عید الأضحی بأرض منی رغم عدم الاستفادة الصحیحة من هذه الأضحیات ودفنها فی التراب؟
الجواب:
نعلم أنّ أحد مناسک الحج نحر الأضحیة فی العاشر من ذی الحجة، وهذه فریضة إسلامیة صریحة، واحد أسرارها احیاء تلک التضحیة العظیمة التی قدمها بطل التوحید إبراهیم الخلیل علیه السلام. فقد أمر اللَّه نبیّه إبراهیم علیه السلام أن یذبح ولده فی منی قربة إلی اللَّه تعالی- طبعاً کان ذلک الأمر امتحاناً ویهدف إلی إثبات جدارة ذلک الولی الربانی، ولذلک حین إمتثل الأمر أمره اللَّه سبحانه بذبح کبش بدلًا من ولده.
وقد اثبت استعداده لامتثال الأمر وطاعة اللَّه. أنّ روح الطاعة والتضحیة لدیه فی ظلّ الإیمان کانت أقوی حتی من عواطف الأبوة. وحجاج بیت اللَّه الحرام إنّما یستحضرون إخلاص إبراهیم وتضحیته ورسوخ إیمانه بذبحهم فی منی، وهکذا یعلم أحدهم الآخر دروس التضحیة والإخلاص بهذا العمل، وکأنّهم یقولون عملیاً: ولی اللَّه من یضحی بکل
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 274
شی‌ء فی سبیل اللَّه، کما فعل ذلک العبد الصالح، وهذا قبس من أسرار الذبح فی منی.
والآن لابدّ أن نری رأی الإسلام بهذه الأضاحی، وما وظیفة المسلمین بهذا الخصوص؟
للجواب عن هذا السؤال، نری من الضروری الرجوع إلی القرآن، حیث تضمّنت سورة الحج آیة تأمر جمیع من کان فی منی یوم الأضحی بالذبح فقالت: «وَأَطْعِمُوا البائِسَ الفَقیرَ» «1»
، وفی آیة أخری «فَکُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا القانِعَ وَالمُعْتَرَّ» «2».
وأوصت الرسائل العملیة حجاج بیت اللَّه الحرام بجعل لحم الشاة ثلاثة أقسام: قسم لهم وآخر للمؤمنین وثالث للمحتاجین. وتفید هذه التعلیمات أنّ المراد من ذبح الحیوانات بالإضافة إلی سلسلة الفوائد المعنویة المذکورة سابقاً، هو أن یکون هنالک استهلاک صحیح لهذه الذبائح وأن لا یفعل ما یؤدّی إلی الاسراف والتبذیر.
والیوم وظیفة الحجاج والدول الإسلامیة اتخاذ بعض التدابیر للاستفادة الصحیحة من هذه اللحوم، وهذه الوظیفة الإسلامیة تنسجم مع سائر الأهداف. فلابدّ من إنشاء برادات مجهزة بدلًا من دفنها تحت التراب لیتمّ الاستفادة منها کما بین القرآن الکریم. ففی السنوات السابقة التی لم یکن الحجاج بهذا العدد، کانت اللحوم تستهلک بصورة صحیحة، وعلیه لما تطورت الیوم وسائل النقل والمواصلات، فلابدّ من توظیف بعض الوسائل الحدیثة للحیلولة دون اتلاف هذه اللحوم والأخذ بنظر الاعتبار الأهداف الإسلامیة وأن تمنع أنواع التبذیر والاسراف کافّة، وإن کان هنالک من تقصیر فإنّما یتحمل مسؤولیته المسلمون.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 275

21 لماذا کانت قراءة «الکتب الضالة» حرام؟!

سؤال:
إنّ الإسلام دین العلم والمعرفة، فلماذا یُحرّم بعض الکتب «کتب الضلال»؟
الجواب:
نعلم أنّ الإسلام دین العلم والمعرفة، ویحث هذا الدین السماوی الناس علی کسب العلوم والمعارف، ویعتبر رقی الفرد والمجتمع مرهوناً بالعلم والمعرفة، ولکن فی نفس الوقت یرکز الإسلام علی نقطة أساسیة وهی، کما ینبغی حفظ المجتمع من الأخطار المادیة کالأمراض المعدیة، فلابدّ من حفظه من عوامل الانحراف الفکری والمعنوی. والأفراد فی المدنیة المعاصرة أحرار فی اعتناق أیّة عقیدة وفکر منحرف ما لم یخل بالنظام المادی للمجتمع، غیر أنّ القضیة لیست کذلک فی الإسلام، حیث یسعی الإسلام لخلق مجتمع یحث الخطی نحو التکامل المعنوی والأخلاقی.
وعلی هذا الأساس یتضح سبب حظر الإسلام لقراءة کتب الضلال التی تمس العقیدة والخلق الأصیل. فلو کانت قراءة هذه الکتب سیاحة للجمیع فما الضمان لعدم الانحراف الفکری والأخلاقی؟
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 276
ومن هنا لم یسمح الإسلام بتداول ونشر کتب الضلال فی الأوساط العامة، بکل حریة و تطالع من قبل عامة الناس مع ذلک وعلی ضوء تبنی هذا الدین للعلم والمعرفة، فإنّ الإسلام لم یحظر مطالعة هذه الکتب علی العلماء الذین یمتلکون القدرة علی تمییز الحق من الباطل.
ولیس للعلماء حق مطالعة هذه الکتب فحسب، بل یجب علیهم مطالعتها لیتعرفوا علی منطق الخصوم کما ورد فی هذه الکتب فیهبوا لتفنیده بالطرق الصحیحة، والتاریخ الإسلامی حافل بالعدید من الاحتجاجات بین علماء الدین وخصومهم من غیر المسلمین، وقد خاض بعض الأعلام فی جمع هذه المناظرات من قبیل صاحب کتاب «الاحتجاج» «1»، وهذا دلیل علی أنّ حرمة کتب الضلال فی الإسلام لیست بمعنی قتل حریة الفکر ومناهضة العلم؛ حیث کان أئمّة الدین یعتمدون المنطق والبحث الحر فی الردّ علی العقائد الخاطئة، لا من خلال خلق الارهاب الفکری والعقائدی.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 277

22 لماذا لا یمکن اعطاء القرآن لغیر المسلم؟

سؤال:
بما أنّ کتابنا السماوی القرآن هادی الأُمم ونبراس المجتمعات البشریة، وعلیه لابدّ أن ینفتح علیه کافّة الناس- المسلم وغیر المسلم- لیستضیئوا بتعالیمه ویهتدوا إلی الحق، إلّا أنّ الکتب الفقهیة تشیر إلی عدم إمکانیة إهدائه للکافر أو تزویده بنسخة منه.
الجواب:
إن کان الهدف من تزوید غیر المسلم بالقرآن یتمثل فی هدایته إلی الإسلام والتعرف علی تعالیمه فلا مانع من ذلک، بینما یحظر ذلک ما لم یتضمن الهدف المذکور، ذلک لأنّ أعظم شهادة علی أحقیة الإسلام والمعجزة الخالدة لنبی الإسلام هو القرآن بصفته الوثیقة الحیّة التی تبعث بأشعتها إلی جمیع العصور، وإنّ إحدی طرق الانتفاع به فی أن یطبع بطبعة لطیفة وتوزع فی أنحاء العالم لیتعرف الباحثون عن حقیقة الإسلام من خلال الآیات القرآنیة؛ وهذا بحد ذاته شهادة قیمة علی مضامین هذا الکتاب الغنی عن الزمان والمکان ویستقطب المجتمعات البشریة.
وقد أوصی القرآن الکریم رسول اللَّه صلی الله علیه و آله أن استجاره مشرک حتی أثناء القتال بأن یأمنه
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 278
حتی یسمع کلام اللَّه وإن أراد العودة وجب علیه إعادته «1».
ومن هنا یتوجب علی کل فرد مراعاة حرمة القرآن، وإن احتمل انتهاک حرمته من غیر المسلم فلیس له أن یعطیه، وإن کان عنده وجب علینا السعی لاستعادته منه. ویبدو أنّ رأی الفقهاء من عدم اعطاء القرآن للکافر علی هذا الأساس، لا علی أساس أنّه یمکن هدایته.
وخلاصة القول لابدّ من استنقاذ القرآن من متناول الأیدی الأثیمة، اللّهم إلّاأنّ احتمل هدایتهم ففی هذه الحالة یمکن تزویدهم بالقرآن الکریم.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 279

23 علة التصعب فی إثبات بعض الجرائم‌

سؤال:
لماذا تجب أربع شهادات فی الزنا؟ إلّایدعو هذا إلی ازدیاد الأعمال المنافیة للعفة علی ضوء التصعب فی إثبات الجرم؟ وبغض النظر عن ذلک، لماذا أُلغیت هنا هذه القاعدّة «اقرار العقلاء علی أنفسهم جائز» فإن اعترف شخص بالزنا ثلاث مرّات فلا یقبل منه حتی یأتی بالرابعة؟
الجواب:
للقانون الإسلامی صورة خاصة بشأن عقوبة الزنا حیث تضمن بعض الأمور؛ یعنی أنّه جعل عقوبة هذه الأفعال شدیدة وثقیلة، فمن جانب تبدأ بالجلد والنفی وفی بعض الحالات بالاعدام، ومن جانب آخر تصعب فی طریقة إثبات هذه الجریمة حتی جعل شهود الزنا ضعف شهود سائر الجرائم، کما لم یکتف باقرار الشخص لمرّة واحدة وضم هذین الأمرین لبعضهما- تشدید العقوبة والتصعب فی إثبات الجریمة- أضفی وضعاً خاصاً علی هذا القانون الجزائی، بمعنی تحلی هذا القانون بتأثیره النفسی فی الحیلولة دون ارتکاب الأفراد لهذا النوع من الخطایا، وفی نفس الوقت لا یشمل الکثیر من الأفراد عملیاً.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 280
بعبارة أخری إنّ المراد من وضع هذه القوانین، منع الأفراد من ارتکاب هذه الجریمة، لا إعدامهم والقضاء علیهم. وهذا الأثر یترتب علی ثقل نوع العقوبة، ذلک أنّ مرتکب الجریمة یتصور العقوبة الصارمة فتأخذه حالة من الخوف والخشیة لما یحتمل من عقاب؛ الأمر الذی یحول دون ارتکابه للذنب.
وغالباً ما نری تعیین بعض العقوبات الشدیدة کالإعدام لارتکاب بعض کبار الذنوب- من قبیل بیع المخدرات- ورغم أنّ هذه العقوبات خاصة بظروف معینة، إلّاأنّ احتمال توفر شرائطه یلعب دوراً کبیراً فی روح مرتکبی الجریمة.
والخلاصة فإنّ القوانین الجزائیة الإسلامیة شرعت بالشکل الذی تسهم فی الحیلولة دون ارتکاب الجریمة، وتبعد الکثیر فی نفس الوقت عن الشمول بها. وعلی هذا الأساس فإن تنفیذ عقوبة الإعدام فی موضع معین تترک آثارها علی أفکار سائر المرتکبین، ذلک أنّ مجرّد احتمال تنفیذ هذه العقوبة بهم یوماً کافٍ لهم.

24 لماذا یذبح الحیوان علی أساس بعض الشرائط؟

سؤال:
هنالک بعض الشرائط التی ذکرتها الشریعة عند الذبح مثل قطع الأوداج والبسملة بحیث تحرم لحومها دون الإتیان بهذه الشرائط، بینما یستهلک أغلب الناس هذه اللحوم دون الإلتفات إلی ذلک ولا یشکون من شی‌ء، رجاءً بیّنوا لنا تأثیر هذه الشرائط؟
الجواب:
یبدو أنّ الشریعة أرادت أن تکفّل ثلاثة أمور بهذه الشرائط:
الأول: الابتعاد عن دیدن الوثنیین الذین یذبحون باسم أوثانهم، ومن هنا عدت البسملة إحدی خططها للقضاء علی جذور الوثنیة.
الثانی: اکتشف الطب المعاصر العدید من الأضرار للتغذی علی الدم استناداً لبقاء الدم علی الذبیحة الخارج منها وبغض النظر عن ذلک فإنّ الدم ملی‌ء دائماً بأنواع المکروبات وثبت بالتجربة أنّ التغذی علی الدم یخلق ملکات خبیثة عند الإنسان، ومنها ضعف العاطفة والظلم وقسوة القلب.
الثالث: الإسراع فی إماتة الحیوان وإبعاده عن التعذیب والذی لا ینسجم مع الروح
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 282
الإنسانیة. وهذا العمل لا یتسنی إلّامن خلال قطع الأوداج الأربعة.
هذه خلاصة للأمور الثلاثة التی تضمن بشرائط الذبح الإسلامی.

25 فلسفة الختان‌

سؤال:
ما فلسفة الختان من الناحیة الصحیة؟
الجواب:
الجواب عن هذا السؤال واضح للأسباب التالیة:
1- غالباً ما یلاحظ التعفن والالتهاب بین الغشاء ورأس العضو التناسلی لدی الأفراد الذین لا یختتنون، فالختان یزیل هذا الالتهاب.
2- تفید الاحصاءات الطبیة أنّ نسبة الإصابة بسرطان العضو التناسلی أکثر لدی الأفراد الذین لا یختتنون. طبعاً ینبغی الدقّة فی عملیة الختان بالنسبة للأطفال الرضع حیث ربّما یؤدّی إلی جرح رأس العضو ممّا یؤدی إلی احتمالیة ضیق الفتحة فی منتهی المجاری البولیة.

26 فسلفة المحلّل‌

سؤال:
لماذا یحتاج الرجل إذا طلق زوجته ثلاثاً إلی المحلّل؟
الجواب:
اتفق علماء الإسلام تبعاً للقرآن علی أنّ الرجل إن طلق زوجته ثلاثاً لا یجوز الزواج بها ثانیة إلّابعد أن ینکحها رجل آخر. وإلّا فالزوجة حرام علیه ما لم تتمّ هذه العملیة.
وتبدو فلسفة هذا الشرط واضحة، ذلک لأنّ الأسلام أراد أن یحد من ظاهرة الطلاق بهذا الشرط، وأن لا یتخذ الطرفان هذا الأمر کألعوبة (یطلق بعضهما الآخر متی شاءا ویعودا إلی الزواج متی شاءا) لأنّه:
أولًا: حیث یرید الرجل التطلیقة الثالثة فلربّما ینصرف عنها إن علم بأنّه إن أراد الزواج منها وجب أن تنکح زوجاً غیره، فالأمل لا ینفک عن الزوج والزوجة فی الرجوع، غیر أنّ هذا الأمل یزول فی التطلیقة الثالثة. ولعل هذا الأمر هو الذی حال دون اقدام الکثیر من الأزواج علی التطلیقة الثالثة.
ثانیاً: من شأن قضیة المحلّل أن تستثیر عواطف الرجل وتحرک غیرته وشهامته بحیث
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 286
یبعد عن ذهنه شبح الطلاق، ذلک لأنّ غیرة الرجل لا تسمح له بأن ینکح زوجته التی قضی معها عمراً، أحد غیره، وعلیه فالإسلام أراد بهذا التشریع (المحلّل) الابقاء علی عش الحیاة الزوجیة دافئاً وبعیداً عمّا یعکر صفوه، وبالتالی الحیلولة دون وقوع الطلاق. ولابدّ فی الختام من ذکر هذه النقطة وهی: إنّ الزواج من شخص آخر ربّما یدفع أحیاناً بالمرأة لتفعیل رغبتها بزوجها الأول، لا تظفر بالرفاهیة والدعة التی عاشتها فی بیت زوجها الأول، وهکذا فهی دائمة المقارنة بین الزوج الأول والثانی، الأمر الذی یشبعها حسرة وندامة وحنیناً إلی زوجها الأول.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 287

27 المخاطر الجسمیة والنفسیة للشذوذ الجنسی نظریة عالم نفس حاذق بهذا الشأن‌

سؤال:
هل الإستمناء مضر؟
الجواب:
رغم سعی بعض المغفلین من الأطباء والسذج من علماء النفس إلی إظهار عملیة «الإستمناء» المشؤومة بالعملیة الخالیة من الضرر، إلّاأنّ العدید من الرسائل التی وصلتنا من المصابین بهذه الممارسة إضافة إلی الشواهد الحسیة والخارجیة، تفید أنّ هذه الآراء الجوفاء تهدف إلی استغفال الشباب والتنکر للحقائق الملموسة.
ونذکر هنا مقالة تخصصیة مقتبسة من مجلة العلم العدد 13 لعالم النفس المشهور «الدکتور جهرازی» لتکون الجواب الشافی لهذا السؤال.
یواجه الشباب بعض المسائل الغامضة ومنها «المسألة الجنسیة» فی الواقع فی هذه المرحلة من السن التی تتبلور فیها الغرائز الجنسیة، ویکتشف الشاب حقیقة هذه الغریزة بعد
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 288
جولة من البحث، فإنّ أی إثارة من شأنها اشعال غریزة الشهوة لدیه. وفی السابق کان الشبان وعلی ضوء «التربیة الدینیة والآداب والالتزامات الاجتماعیة» یلتزمون بمبادی‌ء تجعلهم یسیطرون علی هذه الغریزة الجنسیة.
أمّا الیوم «1» فهنالک أثر کبیر للصور الخلیعة فی الأزقة والشوارع والبیوت والإعلانات الدعائیة ومشاهدة الأفلام والمجلات والصحف وبعض المشاهد السینمائیة والتلفزیونیة والقصص المسهمة فی إثارة هذه الغریزة، وبالتالی إصابت الشباب بطغیان الغریزة الجنسیة؛ الأمر الذی أدّی فی خاتمه المطاف إلی حصول حالة الإنزال فی النوم والتی تبعث اللذة، فساقت الشباب إلی مصیبة الإستمناء. ویعتقد بعض الأطباء وعلماء النفس بأنّ الإستمناء أمر طبیعی وحاجة لدی الإنسان والحیوان، إلّاأنّ هؤلاء غفلوا عن الأضرار التی یستبطنها هذا العمل إن تکرر خلال بضعة أسابیع، وتنعکس مخاطره علی الصعیدین الجسمی والنفسی وللأسف فإنّ هذه الممارسة تتشدد بالتدریج وحیث تکون متیسرة للشاب فهی تسوقه إلی التعود علیها لیمارسها عدّة مرّات خلال مدّة قصیرة.
العواقب الخطیرة للإستمناء:
تفید أغلب الدراسات التی حصلت فی السنوات الأخیرة، ولا سیما التحقیقات التی أجریناها علی أکثر من ألف شاب، أنّ موضوع الإستمناء لا ینبغی أن یعد مسألة بسیطة (لابدّ من الدقّة) ولابدّ من ذکر فسلجة الغدد الجنسیة قبل ایضاح هذا المطلب: فأحد علامات البلوغ خروج المنی من خلایا غدد الخصیتین. ولکل قطرة منی ملایین البیوض الذکریة «اسبرما توزئید» ومایع لزج خاص یترشح من تلک الغدد ویرد کیس المنی الواقع خلف المثانة بواسطة مجری المنی. فیمتلی‌ء کیس المنی ویمتص البدن مقداراً منه یکون مؤثراً فی نمو قامة الشاب ومثیراً لغرائزه الجنسیة؛ ولکن ینبغی إخلاء معظمه بغیة الانجاب.
وبالنسبة للشبّان الذین لا یشهدون إثارات جنسیة بفعل التزامهم الدینی فحین یمتلی‌ء
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 289
کیس المنی إنّما یخرج عادة بصیغة احتلام عند النوم فیعیش حالة الاتزان البیولوجیکی، وعلیه فلیس هنالک قلق علیهم.
وأمّا الشباب الذین یتعرضون إلی الإثارات الجنسیة ویعیشون حالة من الحرمان فیتصورون أنّ الطریق الوحید أمامهم هو الإستمناء، وحیث یشعرون عقب هذه العملیة بنوع من الهدوء فعادة ما یکررون هذه الممارسة؛ فإن تکررت ومورست لأکثر من مرّة فی الأسبوع تظهر حالة من الاختلال النفسی والجنسی لدی هؤلاء الشبّان.
وتوضیح ذلک: حین تشبع الغریزة الجنسیة بصورة طبیعیة من خلال الزواج، فإنّ الإثارات الجنسیة التی تحصل من اللمس والمشاهدة تنعکس علی الدماغ فتخلق حالة من تفعیل الغریزة لدیه فیمارس هذا العمل بصورة طبیعیة. بینما القضیة معکوسة تماماً فی الإستمناء وتستبدل عوامل الإثارة الطبیعیة بالتخیل والتصور للمناظر الخاصة واللمس الموضعی، وبهذا یبرز انحراف جنسی فإن تکرر هذا العمل وترسخ الانعکاس المنحرف فی کیان الشاب فإنّه سیؤدّی إلی عجزه إن أراد أن یمارس العمل الجنسی بصورة طبیعیة؛ ذلک لأنّ النظام الطبیعی لاشباع الغریزة قد اختل عنده، ومن هنا یشعر بالعجز والفشل حین إرادة الزواج والطریق المشروع.
الاختلالات الجنسیة لدی المصابین بالإستمناء:
النقطة المهمّة التی ینبغی الإلتفات إلیها هنا: کما ذکرنا فإنّ البدن یمتص مقداراً من المواد الجنسیة المترشحة (المنی) وتؤدّی إلی نمو الشاب، فهی لیست مؤثرة فی نموه البدنی فحسب، بل تؤثر حتی فی نموه الروحی. وحین تخرج هذه المواد إثر الإستمناء المتکرر، فبعض النظر عن ظهور الاختلال فی النمو الجنسی المتکامل، فإنّه یؤدّی إلی الضعف فی الشخصیة وخواء الإرادة وانحسار القدرة والخجل والانهزامیة. ولایضاح حقیقة هذین الموضوعین لا بأس بذکر بعض النماذج ومن لسان المصابین بهذا الانحراف والذین فشلوا فی زواجهم أو لم یتلذذوا بزوجاتهم:
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 290
قال أحد الشبّان المتزوجین: «إنّی أحبّ زوجتی حبّاً جمّاً، ولکن مع الأسف لا أجد اللذة من معاشرتها وهذا ما یُؤلمنی».
وقال امرأة متزوجة: «لقد مضی علی زواجنا ثلاثة أشهر ولمن لا أدری لماذا کأنی فی نظر زوجی خشبة یابسة فقط دون أن یرغب إلیّ».
قال أحد الشبان المتزوجین: «کنت أُمارس هذه العملیة حین بلوغی، ولم أفلح بعدها فی التوفیق إلی الزواج، بینما کنت أثار فی الوحدة وجموح الخیال».
وقال شابان بعد أن راجعانی إنّهما عاجزان عن مجامعة زوجتیهما بعد أن تصورا هذه العملیة وهما یشعران بالحرج الشدید».
وهناک شاب آخر: «لم یفلح فی الاقتراب من زوجته بعد أن عقدها وقد مضی علیها ستة أشهر».
جدیر بالذکر أنّ الشبّان المتقوقعین والإنعزالیین أکثر عرضة للإصابة بهذا البلاء، ومن هنا فإنّ الشبّاب مطالبون بالابتعاد عن العزلة والاختلاط مع الصالحین من أقرانهم.
ضعف الشخصیة والوسواس:
الضرر الآخر الذی یصیب الشبان من هذه العادة السیئة، حالة الندم التی تعتریهم بعد الانتهاء منها فیعاهدون أنفسهم علی عدم تکرارها، لکنّهم سرعان ما یعودون إلیها فی أقرب فرصة سانحة- وبالطبع فإنّ حالة العهد والعودة هذه تؤثر علی نفوسهم وتؤدّی بهم إلی ضعف الشخصیة وغیاب الإرادة والشک والوسواس.
وزبدة الکلام فإنّ الإستمناء یغیر النظام النفسی فی المسائل الجنسیة ویقدح فی الشعور باللذة ویخیل بالقدرة وینتهی إلی الشعور بالتصاغر والحقارة واختلال الشخصیة، وبغض النظر عن ذلک یفعل فعله فی النمو البدنی (انتهی قول الدکتور جهرازی).
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 291
ملاحظة مهمّة:
للحیلولة دون ظهور هذه المخاطر، یتوجب علی الشبّان الوقوف بحزم ضد هذه الممارسة بأمل ورجاء وعدم الشعور بالخوف والتردد، فیسعون أولًا إلی الابتعاد عن کافّة عوامل الإثارة من قبیل الصور الخلیعة والأفلام المبتذلة، ومن ثم اختیار الأصدقاء الصالحین واجتناب العزلة والنوم لوحدهم فی الغرفة وممارسة بعض الریاضات المفیدة ولیملأوا أوقات فراغهم، ومقاطعة أصحاب السوء وممارسة العادات الحسنة، وعدم الإستسلام إلی الطروحات المفرضة لبعض ما یسمی بالأطباء وعلماء النفس الذین یخدعون أنفسهم والآخرین. ومن أراد المزید بهذا الشأن فلیطالع کتابنا «المشاکل الجنسیة للشباب».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 293

28 الزواج و تطابق الدم‌

سؤال:
هل هنالک من ضرر صحی فی زواج المتماثلین فی الدم (الأقارب)؟
الجواب: «1»
بعد ثمان سنوات من التحقیق اکتشف (مندل) قبل قرن بعض القوانین فی الوراثة نشرحها هنا ببساطة. لو حصل جماع بین فأرة بیضاء وأخری رمادیة لولدت منها فأرة رمادیة، کما ینتج منهما لاحقاً فئران رمادیة وبیضاء. ویطلق علی اللون الأبیض أو الرمادی هنا (الصفة). وکما ذکرنا فإنّ فئران المرحلة الأولی کافّة رمادیة اللون، أی تظهر إحدی صفات الوالدین وتتنحی الأخری ویصطلح علی الصفات الأولی «السائدة» والأخری المخفیة «المتنحیة». ویقال للعامل الذی ینتج الصفة (اللون الرمادی أو الأبیض) «الجین» والذی ینتقل من الأباء إلی الأبناء بواسطة الخلایا التناسلیة بالوراثة وإن ولد الحیوانات من صفات متساویة کان خالصاً.
ومن المسلّم به أنّ هذا الحیوان سیکون خلایا تناسلیة متساویة من حیث الصفة،
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 294
وبالنتیجة فإنّ تزاوج عنصرین خالصین یؤدّی دائماً إلی ابناء یشبهون تماماً والدیهم من حیث الصفات وأمّا إن لم تکن الصفات متساویة فسیکون ذلک الحیوان «هجینا» فالفئران الرمادیة فی المثال الأول «هجینة» لأنّ کل واحدة لدیها جینات تنتج اللون الرمادی وأخری اللون الأبیض؛ ولا شک فی أنّ الخلایا التناسلیة سوف لن تکون متشابهة ومتساویة، بل سیکون 50% منها تحتوی علی الجینات المنتجة للون الرمادی و 50% الأبیض ومن الطبیعی أنّ الهجین دائماً ینتج هجیناً لا یشبه والدیه من حیث الصفات.
وعلی ضوء هذه المقدمة فی علم الوراثة نخوض الآن فی الجواب عن السؤال:
ثبت الیوم احتمال بعض الأخطار الناشئة من الزواج من فرد فی أسرة تحمل بعض الأمراض الوراثیة. ذلک لأنّ احتمال ظهور ذلک المرض الوراثی فی الأبناء من جراء ذلک الزواج أکثر من غیره بالنسبة للأبناء من الزواج الأجنبی (إلیک توضیح مفصل بهذا الشأن) لو تزوج فردان مصابان بمرض وراثی فإنّ جمیع الأبناء سیحملون جینات غیر طبیعیة، وبعبارة أخری یکونون هجناء. وعادة ما یکون مرض الأبناء أشدّ من مرض الوالدین بحیث ربّما یموتون قبل الولادة ولو لم یمتلک أحد الوالدین هذا «الجین» المنتج لذلک المرض الوراثی فسوف لن یصاب الأبناء بالمرض ولن یکون مرضهم أشدّ من الوالدین وعلی هذا الأساس وردت الوصایا بالزواج من الأجانب، ولکن لابدّ من الإلتفات إلی هذه النقطة إن لم یکن أی من الزوجین مصاب بمرض وراثی فسوف لن یحمل الزواج أی خطر.
وعلیه فلا یصح ما تصوره البعض من أنّ الزواج من الأقارب مضر تماماً، بل الضرر فقط إن کان هنالک مرض وراثی، غایة الأمر ورعایة للاحتیاط الأفضل عدم الزواج من الأقارب عند الشک، ومن هنا نهت بعض الروایات عن الزواج من بنت العم وابن العم.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 295

29 الموسیقی فی الإسلام‌

سؤال:
لِمَ حرم الإسلام الموسیقی وما فلسفة هذا التحریم؟
الجواب:
رغم أنّ انتشار أنواع الموسیقی الذی حال دون توصل العدید من الأفراد إلی التفکیر الخاطی‌ء الذی یتمسک به البعض «تداول کل شی‌ء دلیل علی صحته» فإنّهم لیسوا مستعدین للتوقف عند الآثار السیئة والمشؤومة للموسیقی. أمّا الأفراد الواقعیون فلن یکتفوا بذلک فهم یجدّون ویسعون بغیة الوقوف علی الحقائق رغم سماعها:
الموسیقی جدیرة بالتأمل من عدّة جوانب:
1- من حیث الأضرار البدنیة والاثار السیئة التی تنعکس علی الجهاز العصبی للإنسان.
قال الدکتور «ولف ادلر» بهذا الخصوص: «إنّ أروع وأفضل النغمات الموسیقیة تترک بصماتها السیئة علی أعصاب الإنسان؛ ولا سیما حین حرارة الجو».
وقال الدکتور «الکسیس کارل» عالم الأحیاء الفرنسی: «إنّ الاشباع الهمجی للشهوة قد
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 296
یحظی بأهمیّة، ولکن لیس هنالک شی‌ء عبثی أکثر من حیاة تفنی فی اللهو، وممّا لا شک فیه أنّ الازمة الفکریة إنّما یفرزها التردد علی السینما وسماع المذیاع».
لابدّ من التعامل مع الموسیقی علی غرار سائر المخدرات؛ ذلک أنّ آثارها المخدرة ممّا لا یسع انکاره؛ کما أنّ التخدیر علی أنواع والإنسان یستطیع تخدیر أعصابه بعدّة طرق.
فالتخدیر یکون أحیاناً بواسطة الأکل والشرب؛ کالمشروبات الکحولیة التی تشل الأعصاب وتعطل العقل عن الإدراک- وأحیاناً أخری بواسطة الاستنشاق کذرات مادة الهیروئین التی تسری إلی البدن عن طریق الأنف وتخدر الأعصاب.
وأخیراً هنالک التخدیر بواسطة الأذن من خلال استماع الموسیقی التی تبلغ ذروتها أحیاناً فیخرج الإنسان من توازنه الطبیعی. وعلی هذا الأساس فإنّ الموسیقی وسیلة تخدیر لا غیر وتحتوی علی أضراره کافّة. ولعل النشوة التی یشعر بها الأفراد من الموسیقی هی هذا التخدیر، والذی یبلغ أشدّه أحیاناً فیدفع بالإنسان للقیام بحرکات لا تبدو عادیة. مثلًا حین تتضاعف قوّة التخدیر یُسلب الإنسان القدرة علی القضاء الصحیح، فقد لا یمیز بین الحسن والسی‌ء. وربّما یتفاعل مع الأصوات والنغمات الموسیقیة فیرتکب بعض الأفعال التی تخرجه من حظیرة الإنسانیة.
ولا اعتقد بأنّ هذا الکلام یحتاج إلی تقریب وتوضیح، فکل فرد یری ما تفعله هذه الموسیقی والرقص الجماعی الذی یمارسه الرجال مع النساء بهذا الاختلاط وکیف یفقدون صوابهم ویتنازلون عن إنسانیتهم ولا یتحرجون عن ارتکاب أی عمل مشین.
فأی تخدیر أعظم من هذا! فالإنسان إن استسلم لهذه النغمات الموسیقیة فستسیطر علی أعصابه حالة من الضعف والاسترخاء، ولا یعد یتصور سوی الشهوة والغرام؛ فیغیب عقله ولبّه ویذوب لدیه الشعور بالمفاهیم المقدسة کالرأفة والحنان والمروءة والعفة والحیاء والأمانة والمساواة والإخاء والمجد والعظمة والجهد والمثابرة والاستقامة علی الطریق.
لا ریب ولا شک فی أنّ الکحول والموسیقی من أعظم آلات تهییج الرجال والنساء وإثارة الشهوة والتی عادة ما یلجأون الیها بهدف تخدیر أعصابهم. صحیح أنّ الإسلام لا
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 297
یمنع الإنسان من أیّة لذّة طبیعیة، غیر أنّه یحول دون تلک اللذائذ العابرة بواسطة تخدیر الأعصاب وإثارة الشهوات والتی تخرج الإنسان من طوره الإنسانی الطبیعی.
الحدود الأخلاقیة للموسیقی:
ممّا لا شک فیه أنّ أحد عوامل الانحطاط الأخلاقی هو هذه الأمور إلی جانب الأشرطة الصوتیة الموسیقیة التی تهدف إلی إشاعة الفاحشة ومجانبة العفة، بالإضافة إلی تلک الأصوات الأنثویة الدافئة المطربة التی تؤجج نیران الشهوة لدی الرجال وبخاصة الشبّان.
ثم هل للَّه‌من مکان فی تلک القلوب الطائشة الملیئة بالشهوة والإثارة؟! وهل تعیش هذه القلوب حالة من الانکسار تجاه الضعفاء والمحرومین بعد أن طفحت بانغام الموسیقی والألحان المطربة؟ وهل یمکن للشریعة أن تفتی بحلّیة شی‌ء یفضی إلی کل هذه المفاسد؟!
النتیجة: للنغمات الموسیقیة آثار سیئة من حیث تخدیرها للأعصاب، کما لها آثارها السلبیة من الناحیة الأخلاقیة بتأجیجها لسعیر الشهوة لدی الشبّان. کما ثبت صحیّاً أنّ للوفیات المفاجئة عدّة عوامل، أحدها سماع الموسیقی؛ لأنّ الموسیقی عامل إثارة، والإثارة تقضی علی توازن الأعصاب، وبالتالی فهی مدعاة إلی حصول السکتة القلبیة والدماغیة.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 299

30 فلسفة الإمتحان الإلهی‌

سؤال:
قال تعالی «الَّذِی خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَیَاةَ لِیَبْلُوَکُمْ أَیُّکُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» «1»
، وهنا یرد هذا السؤال: إنّما یحتاج إلی الإمتحان من لا یعرف مصیر عمل معین، فما حاجة اللَّه للإمتحان وهو العالم بالسرّ والعلن فی السماء والأرض؟
الجواب:
إنّ للإمتحان الإلهی هدف آخر، فالإنسان یلجأ إلی الإمتحان والاختبار إثر نقصه العلمی للوقوف علی حقیقة معینة وإماطة اللثام عنها، إلّاأنّ هذا الأمر محال علی اللَّه، فهو العلیم بکل شی‌ء، فإمتحانه لأهداف أخری نوجز البعض منها:
1- الهدف من الإمتحان تربیة العباد وتنمیة استعداداتهم.
توضیح ذلک: إنّ الإنسان حین یرد العالم یودع سلسلة من الاستعدادات والإمکانات والطاقات المذهلة؛ فالکمالات الإنسانیة والفضائل الأخلاقیة کافّة کامنة کاستعداد لدیه وقد عجنت بها فطرته، إلّاأنّ هذه الاستعدادات کالمصادر المودعة فی الأرض لا تظهر دون
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 300
إثارتها ببعض الوسائل الخاصة لتخرج من حیز القوّة إلی الفعل- ومن الطبیعی ما لم تظهر هذه الطاقات سوف لن یکون هنالک تکامل وفضیلة، وبالتالی ما یتبعها من ثواب وعقاب.
ومثل هذا الإمتحان یهدف إلی تربیة الإنسان وتهذیبه وتنمیة المکارم لدیه؛ ولولا هذا الإمتحان لما ظهرت لدی الإنسان هذه الطاقات ولما استحق من تقدیر وثواب. وقد أوجز أمیر المؤمنین علیه السلام بیان هذه الحقیقة حین قال: «لَا یَقُولَنَّ أَحَدُکُمْ: «اللَّهُمَّ إِنِّی أَعُوذُ بِکَ مِنَ الْفِتْنَةِ» لِأَنَّهُ لَیْسَ أَحَدٌ إِلَّا وَ هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَی فِتْنَةٍ، وَ لکِنْ مَنِ اسْتَعَاذَ فَلْیَسْتَعِذْ مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ».
ثم قال علیه السلام فی بیانه للهدف من الإمتحان: «لِیَتَبَیَّنَ السَّاخِطَ لِرِزْقِهِ، وَ الرَّاضِیَ بِقِسْمِهِ. وَ إِنْ کَانَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَ لکِنْ لِتَظْهَرَ الْأَفْعَالُ الَّتی بِهَا یُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ» «1»
فالإمام علیه السلام یری الهدف من الإمتحان ظهور الطاقات الباطنیة کافعال خارجیة، فیتبین استحقاق الأفراد للثواب والعقاب، وإلّا فالصفات الباطنیة (دون العمل الخارجی) لا یترتب علیها أی ثواب أو عقاب، وبالتالی لا یحصل فی الواقع تکامل. فمثلًا حین ابتلی اللَّه خلیله إبراهیم علیه السلام بذبح ولده إسماعیل، لم یکن الهدف الاطلاع هل یطیع إبراهیم الأمر أم لا؛ بل الهدف تربیة روح الطاعة والتسلیم للأوامر الإلهیّة لدی إبراهیم وإخراجه لحیز الفعل، فیتجه إبراهیم علی هذا الأساس لطی مسیرته التکاملیة (لابدّ من الدقة والتامل).
ولذلک یمتحن اللَّه عباده ببعض الصعاب: «وَلَنَبْلُوَنَّکُمْ بِشَیْ‌ءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِینَ» «2»
. ما نقوله من أنّ إمتحان اللَّه لعباده وتنمیة الصفات الفاضلة لدیه، لا یعنی حمل الأفراد قسراً وقطعاً لبلوغ هذا الهدف وتنمیة مکارم الأخلاق لدیهم؛ بل المراد أنّ الإمتحان الإلهی یخلق الأرضیة الخصبة للتربیة والتهذیب فی الوسط الاجتماعی؛ فمن أراد السعادة استغل هذه الإمکانات إلی أقصی ما
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 301
یمکن، وبالعکس هنالک من یسی‌ء استغلالها فیعمد إلی الصفات السیئة فیفشل فی الإمتحان.
2- الهدف الآخر من الإمتحان الإلهی المتعلق بالجماعة معرفة الصالح من الأفراد والفاسد والمؤمن والمنافق. ویشیر القرآن إلی هذه النقطة بصفتها «تمحیص» ویقول «وَلِیُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِینَ آمَنُوا وَیَمْحَقَ الْکَافِرِینَ» «1».
3- الهدف الثالث إتمام الحجّة علی من یکثر زعمه وینعدم فعله حیث تظهر فی الإمتحان حقیقته. ولعل عدم الإمتحان یجعل هؤلاء الأفراد یوغلون فی غیهم ویضلون الآخرین، وهکذا تتکشف أقنعتهم بالإمتحان، وکما قیل «عند الإمتحان یکرم المرء أو یهان».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 303

31 التراب الممزوج بالمکروبات‌

سؤال:
صرّحت الشریعة بالتیمم عند الوضوء والغسل حین انعدام الماء، فکیف یمکن التیمم بالتراب الحامل للمکروبات؟
الجواب:
أشارت العلوم الطبیعیة إلی حصانة التراب الطاهر من المکروبات، حیث لا تستطیع مواصلة حیاتها فی التراب الطاهر، وتأتی هذه الحصانة من الکائنات المجهریة الموجودة فی التربة. فهذه الأحیاء مقاومة للمکروبات، بحیث لو دفنت جثّة محملة بملایین المکروبات لهبّت هذه الأحیاء لتفسیخها والقضاء علیها.
وعلیه وخلافاً لما یتصور فإنّ التربة الطاهرة لیست مصانة من المکروبات، بل هی مقاومة لها وقاضیة علیها عاجلًا أم آجلًا، ومن هنا فإنّ التربة الطاهرة بعد الماء- الذی یعدّ أهم وسیلة للغسل الطبیعی ومقاومة المکروبات- أحد العوامل المطهرة من المکروبات.
ویتضح من خلال الإلتفات إلی هذه الحقیقة انسجام الأمر الشرعی بالتیمم- حین فقدان الماء- مع العلوم الطبیعیة والنقطة الأساسیة هنا تأکید الآیة القرآنیة الواردة فی التیمم علی
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 304
طهارة التراب «فَتَیَمَّمُوا صَعِیداً طَیِّباً» «1»
. إلی جانب ذلک هنالک تأکیدات الروایات بهذا الخصوص والتی نهت عن التیمم بالتراب الذی یتردد علیه الناس. «2» الأمر الذی یشیر إلی طهارة التربة الخالیة من المادة وتلوث الأخری
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 305

32 الصغائر والکبائر

سؤال:
کیف السبیل إلی تمیز الصغائر والکبائر؟
الجواب:
یستند تصنیف الذنوب إلی صغائر وکبائر إلی القرآن، ومن ذلک الآیة الشریفة: «إِنْ تَجْتَنِبُوا کَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُکَفِّرْ عَنْکُمْ سَیِّئَاتِکُمْ ...» «1»
، والآن نری معیار الصغائر والکبائر.
فالفقهاء یقولون: کل ذنب- مهما کان- کبیراً کونه مخالفة لأوامر اللَّه. إلّاأنّ المعیار فی تشخیص الذنوب لیس فی استنادها لعصیان اللَّه؛ إلّاأنّ جمیع الذنوب کبائر علی ضوء هذا المعیار؛ بل المعیار مقارنة بعض الذنوب مع بعضها الآخر. وعلی أساس هذا المعیار فإنّ الذنوب علی نوعین؛ صغیرة وکبیرة.
وهنالک عدّة طرق للتعرف علی النوعین المذکورین منها ما تصارف بین العلماء فی العذاب الذی وعد به القرآن، فالکبیرة مثل قتل النفس التی قال بشأنها القرآن «وَمَنْ یَقْتُلْ
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 306
مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِیهَا ...» «1»
. کما أضاف بعض العلماء قیداً اخر فقالوا:
الکبیرة ما وعد علیها بالعذاب، أو علی الأقل ورد النهی عن ارتکابها؛ فهنالک العدید من الذنوب التی لم یتوعد اللَّه علیها، بینما ورد النهی عنها کراراً. مثلًا النص القرآنی الوارد بشأن الربا «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ...» «2»
کافٍ فی کون الربا من الکبائر، بالاستناد إلی هذا النهی الأکید والمنع الشدید.
وعلی هذا الأساس فإنّ صغر وکبر الذنب لیس مسألة نسبیة، بل لکل طائفة من هذین الصنفین من الذنوب حدود، ولا یمکن لمعصیة أن تکون صغیرة وکبیرة فی آن واحد؛ فإن ورد الوعید علی مرتکبها بالعذاب أو ورد النهی عنها فهی کبیرة، وبخلافه فهی صغیرة.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 307

33 هل الصغائر والکبائر نسبیة؟

سؤال:
یزعم البعض أنّ الصغائر والکبائر نسبیة، أی یمکن أن یکون الذنب من الکبائر، ولکن بالمقارنة مع سائر الذنوب من الصغائر کالسرقة إن قورنت بالقتل العمد.
وعلی ضوء النسبیة فالعفو یشمل الذنوب کافّة: « «إِنْ تَجْتَنِبُوا کَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُکَفِّرْ عَنْکُمْ سَیِّئَاتِکُمْ ...» «1»
وعلیه فجمیع الذنوب مغفورة سوی الشرک حیث لا ذنب أکبر منه لیغفر فی ظل ذلک الذنب. وعلیه ستغفر ذنوب کل من لم یشرک باللَّه!.
الجواب:
تتضح الاجابة عن هذا السؤال ممّا سبقه؛ فکما ذکرنا أنّ تصنیف المعاصی إلی صغائر وکبائر تقسیم واقعی، لا علی أساس النسبیة ومقارنتها مع بعضها، الآیة المذکورة تشیر إلی هذا، ومتی ابتعد الإنسان عن الکبائر فإنّ اللَّه یتجاوز عن صغائره، وحدود هذین الصنفین من المعاصی مختلف ولا یشبه بعضهما الآخر.
وعلیه فاجتناب الکبائر یوجب غفران الصغائر لا الکبائر (کما ینبغی الإلتفات إلی أنّ تکرار الصغائر یصبح کبائر).
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 309

34 عدد الکبائر

سؤال:
ما عدد الکبائر من الذنوب؟
الجواب:
هنالک عدّة طرق للتعرف علی الکبائر، نشیر إلی اثنتین منها:
1- کل فعل توعد اللَّه فاعلیه فی القرآن بالعذاب- سواء صرّح بذلک علانیة أم علی سبیل الإشارة والنهی المؤکد والمکرر- فهو کبیرة.
2- ما ورد عن روایات أشار فیها الأئمّة الأطهار علیهم السلام إلی عددها من قبیل الکتاب الذی بعث به الإمام الرضا علیه السلام إلی المأمون العباسی. کما روی الأعمش ما ذکره الإمام الصادق علیه السلام من الکبائر، وسائر الروایات.
ونشیر هنا إلی الطائفة العظمی من الکبائر کما وردت فی الآیات الکریمة والروایات الشریفة، ونسأل اللَّه أن یوفقنا جمیعاً لاجتنابها.
1- قتل النفس 2- الزنا 3- الخمر 4- ترک الصلاة 5- أکل مال الیتیم 6- الفرار من الزحف 7- الربا 8- القمار 9- أنواع الظلم 10- اللواط 11- مساعدّة الظالم 12- اعانة
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 310
الظالم 13- التهاون فی حقوق الناس 14- الکذب 15- الخیانة 16- محاربة أولیاء اللَّه 17- عقوق الوالدین 18- الافتراء 19- الغیبة 20- الاستخفاف بعقاب اللَّه 21- الاستخفاف بالحج 22- التکبر 23- الاسراف والتبذیر 24- أکل لحم الخنزیر 25- أکل المیتة 26- أکل ما لم یذکر اسم اللَّه علیه 27- أکل الدم 28- الیأس من رحمة اللَّه 29- التطفیف 30- الاصرار علی الصغائر 31- ترک الزکاة 32- قطع الرحم 33- نقض العهد 34- کتم الشهادة 35- الحنث فی الیمین.
هذه طائفة من الکبائر ویری العلماء أنّها أکثر من ذلک.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 311

35 الکذب المصلحة

سؤال:
ما حکم الکذب المصلحة وهل کان یمارسه الأنبیاء والأوصیاء علیهم السلام؟
الجواب:
الکذب سی‌ء بذاته وهو سبب العدید من المصائب والاختلالات فی المجتمعات الراهنة، حتی ورد فی الروایات عن بعض الأئمّة الأطهار علیهم السلام: أنّ الکذب مفتاح سائر المعاصی!
نعم، هنالک بعض المواضع التی یدعو فیها الصدق إلی فساد معین ربّما یزول عند الکذب. مثلًا، حین یحدث خلاف بین شخصین ویتکلم أحدهما خلف الآخر بما یعیبه ولو أفشینا ذلک لظهرت فتنة وبعض الأضرار المهمّة، فمن الطبیعی أنّ الصدق هنا لیس مطلوباً، ولا یوجد عاقل یقول بضرورة الصدق هنا، فهذا قانون مسلم لدی العقلاء فی أنّ ما کان ضرره أعظم من صلاحه وجب اجتنابه.
والقوانین الإسلامیة من جانبها سایرت هذه القضیة العقلائیة، فأجازت الکذب فی هذه الحالات. ولکن لابدّ من الإلتفات إلی أمرین:
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 312
الأول: أنّ لهذا الموضوع استثناء ولا یجوز الکذب سوی فی ظل بعض الظروف الحرجة، ولا ینبغی تذرع البعض بالکذب المصلحة أو من أجل تحقیق بعض المنافع الشخصیة.
الثانی: أنّ الإسلام یشدد کثیراً علی عدم اللجوء إلی الکذب وأوصی بالتوریة «1»؛ وهذا ما أفتی به مشهور الفقهاء. والمراد من التوریة أن یقول کلاماً فی بعض المواقع الحرجة یفهم السامع منه عکس ما یضمر، مثلًا یسألنا شخص هل تکلم أحد ضدی؟ فنجیبه: لا، ومرادنا أنّه لم ینطق أحد بهذه العبارة- وإن قال ذلک بعبارة أخری ولکن السامع یفهم من کلمة «لا» أنّ احداً لم یتکلم ضده.
وإن ورد مثل ذلک فی کلمات أئمّة الدین علیهم السلام- بمقتضی الضرورة وحفظ أموال الناس وأعراضهم وأرواحهم ومنع الخلافات والفتن- فإنّما هو من باب التوریة قطعاً- جدیر بالذکر إن تکلم الإنسان صدقاً فی الموارد التی وظیفته فیها الکذب أو التوریة وحدث بعض الفساد فهو مسؤول.
ومن الواضح أنّ القرآن لا یتضمّن أی کذب غیر مصلحة ولا توریة؛ أی لیس هنالک مثل هذه الضرورة بشأن الایات والأحکام الشرعیة.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 313

36 ضرب المرأة

سؤال:
هل صحیح أنّ الکریم القرآن أجاز ضرب المرأة إن قصّرت فی حقوق الزوجیة؟
الجواب:
لا شک فی أنّ الإسلام أسدی خدمات جلیلة للمرأة وله حق کبیر فی أعناقهن، وقد اعترف بعض أعداء الإسلام مثل بعض کتّاب تاریخ المدنیة الغربیة «کرین برنتون» و «جون کریستوفر» و «روبرت لی وولف» فی کتاب تاریخ الحضارة الغربیة وأسسها فی الشرق بأنّ النهضة الإسلامیة دفعت من شأن المرأة، قد أمر القرآن الکریم بذلک: «وَعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ» «1»
و «هُنَّ لِبَاسٌ لَّکُمْ وَأَنْتُم لِبَاسٌ لَّهُنَّ» «2».
أمّا الروایات فقد أکّدت علی حسن معاملة المرأة ونهت حتی عن التعبیس بوجهها «لا یقبح لها وجها» کما أمر النساء یحسن التبعل.
وأمّا بشأن تنبیه النساء، فقد صرّح القرآن بأن یعتمد الرجل مع زوجته أسلوب النصح
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 314
والوعظ بادی‌ء الأمر، ومن ثم هجرها فی المضجع، فإن لم یفلح ذلک فله أن یضربها دون ضرب المبرِّح، فمن الطبیعی أن یکون ذلک استثناء وکأنی به کالعملیة الجراحیة أن استعصت حالة المریض. بل لو تمرد الزوج وقصّر فی الحقوق الزوجیة فللحکومة الإسلامیة أن تتبع معه ذات الأسلوب.
الجدیر بالذکر هنالک حالة من الماشوزیة- حسب نظریة علماء النفس- لدی بعض النساء والتی تشتدّ أحیاناً حتی تصبح أزمة نفسیة، فالتنبیه البدنی یبدو ضروریاً فی مثل هذه الحالات. کما ینبغی الإلتفات إلی أنّ التنبیه المذکور لا یعنی إیذاء المرأة بحیث یحمر بدنها أو یزرق أو یسبب بعض الجروح.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 315

37 الإسلام والتلقیح الصناعی‌

سؤال:
ما رأی الإسلام بالتلقیح الصناعی؟ (المراد من التلقیح الصناعی إدخال نطفة الرجل فی رحم المرأة فتحمل دون مجامعة).
الجواب:
تبدو هذه العملیة قدیمة بالنسبة للحیوان والنبات، لکنّها جدیدة بالنسبة للإنسان، والدافع من ذلک عدم القدرة علی الإنجاب، بینما تکون المرأة جاهزة للحمل، فیسعیان إلی إلقاء نطفة الزوج أو غیره فی رحم المرأة بغیة الحصول علی طفل یشد کیان الزوجیة.
وقد حظیت هذه المسألة بمناقشة مراکز التشریع العالمیة کبریطانیا وفرنسا ومصر وسائر البلدان. فقد قرر مجلس العموم البریطانی تشکیل لجنة من الحقوقیین لیحققوا بشأن هذا الموضوع. إلّاأنّ الفرنسیین اوعزوه لرضی الزوج والزوجة. أما البابا فقد حرمه، کما اعتبره مفتی مصر أسوأ من التبنی المحظور فی الإسلام.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 316
وللتلقیح الصناعی صورتان:
الصورة الأولی أن یلقی بنطفة الزوج فی رحم زوجته، فلیس هنالک من إشکال فقهی، لأنّ الطرفین شرعیان ومن حقّهما أن یکون لهما ولد، ولا فرق هنا بینَ أن تتمّ العملیة عن طریق المجامعة أو الوسائل الطبیة. وبالطبع لابدّ من السعی فی التلقیح الصناعی إلی عدم وقوع الحرام. فلا یقوم بذلک مثلًا رجل أجنبی، بل یتولی الأمر الزوج.
الصورة الثانیة: أن یلقی بنطفة رجل آخر فی رحم الزوجة، فهذا ما لا یجوز علی أساس الشریعة التی تحترم عقد الزوجیة، وهذا ما صرح به الفقهاء وورد بشأنه بعض الروایات فی باب الزواج والتی تدفع للافتاء بالحرمة. وبغض النظر عن ذلک فإنّ هذا العمل لا یصح علی ضوء الموازین الشرعیة والأخلاقیة والاجتماعیة والعاطفیة ویتضمّن بعض المفاسد منها:
1- مثل هذا العمل یسوق المرأة إلی التحلل والتفسخ، لأنّه یشجعها علی المجامعة غیر المشروعة، حیث تفکر مع نفسها ما الفرق بین أن تلقح صناعیاً من قبل نطفة أجنبی أو یجامعها الأجنبی، ولو حملت لادّعت أنّها لقحت صناعیاً.
2- من الناحیة الاجتماعیة فإنّ هذا العمل یخل بکیان الأُسرة ویصدعها ویضیّع النسب، لأننا نعلم بأنّ أحد مفاسد الجماع اللاشرعی اختلاط الأنساب.
3- لا ینبغی اهمال دور العاطفة فی تربیة الأولاد وتأمین حالتهم المعاشیة، ذلک لأنّ العاطفة هی التی تدفع الأب لتربیة ولده وتحمل تکالیف معیشته، ولا تتفعل هذه العاطفة إلّا حین یکون الولد قطعة من أبیه، أمّا إن شعر أنّه من رجل آخر فما الداعی لتحمل معاناته.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 317

38 ما حکم منع المرأة من الحمل‌

سؤال:
هل یجیز الإسلام منع النساء من الحمل؟
الجواب:
وردت عدّة وصایا فی الإسلام تحث علی زیادة النساء حتی قال رسول اللَّه صلی الله علیه و آله:
«تزوجوا فإنّی مکاثر بکم الأُمم حتی بالقسط». وسرّ ذلک واضح فقوة الأُمّة تکمن بالدرجة الأولی فی عددها، والأُمّة القلیلة السکان ضعیفة عادة، وبالعکس فإنّ زیادة السکان تکون سبباً للقوّة رغم إثارتها لبعض المشاکل من قبیل أزمة السکن والغذاء. ومن هنا فإنّ أغلب الدول العظمی ذات تعداد سکانی کبیر. وعلیه فعملیة منع الحمل لا تبدو مطلوبة إسلامیاً (اللّهمّ إلّاأن تکون هنالک مشاکل اجتماعیة وتربویة)، مع ذلک لم یحرمها الإسلام.
فقد أفتی أغلب الفقهاء بجوازها فی حالة رضی الطرفین، بل أجازها البعض حتی دون رضی الزوجة. فالواقع أبقی الإسلام الباب مفتوحاً أمام المسلمین، فإن اقتضت الضرورة منع الحمل- کالضعف وعجز المرأة وسائر المشاکل- ولکن ینبغی الإلتفات إلی أنّ کل ذلک
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 318
حیث لم تعقد النطفة، أما إن عقدت فالإسقاط حرام، ولو کان انعقاد النطفة لیوم واحد، فالعملیة بعد ذلک إسقاط وهی حرام.

39 ما حکم اسقاط الجنین اللقیط؟

سؤال:
هل من دیّة علی من یسقط الجنین غیر المشروع علی غرار الإسقاط المشروع؟
الجواب:
لا یجوز إسقاط الجنین مطلقاً- مشروعاً کان أم غیر مشروع- وعلیه فلا فرق هنا بین الاثنین. والقضیة هنا أنّ دیّة السقط غیر المشروع إن التفت الطرفان إلی عدم شرعیة فعلیهما لا تصل إلیها، بل إلی بیت المال، بینما تصل إلی الورثة إن کان شرعیاً، إلّاأنّ یقدم أحد الوارثین- کالأب أو الأم- علی الإسقاط، فیحرم الارث کالقاتل.

40 ضخ الدم‌

سؤال:
یزرق الیوم الدم لبعض الأفراد وربّما یکون من رجل إلی امرأة أجنبیة، أو بالعکس، فهل من إشکال؟
الجواب:
حیث لا دلیل علی المنع فلا إشکال طبق القواعد الفقهیة، ولکن الأفضل أن یکون من الرجل للرجل والمرأة للمرأة، ولکن لا حرمة کما ذکرنا.

41 اخلاص النیة والعمل‌

سؤال:
صرح الفقهاء بضرورة إخلاص نیّة المصلی فی العمل وأن لا یدفعه للعمل سوی طاعة اللَّه، وعلیه فالصلاة للریاء والشهرة باطلة حیث تفتقر إلی النیّة الخالصة. وعلی ضوء هذه القاعدّة تبطل الصلاة بالإجبار والإکراه، لأنّ دافعه لم یکن طاعة اللَّه، والحال هنالک إجبار فی بعض البلدان الإسلامیة علی إقامة الصلاة- ولا سیما الجماعة- فما حکم ذلک؟
الجواب:
بغض النظر عن الأبحاث المسهبة للعلماء بشأن ماهیة العبادة، وبعض مبانیها لا تنسجم مع الإکراه والإجبار، ویبدو أنّ هذا السنخ من العبادات وإن شرع إثر الإکراه والإجبار، إلّاأنّ أثر الإکراه یأخذ بالزوال شیئاً فشیئاً حتی یصبح عادیاً ودافعه طاعة اللَّه، فعلی فرض أنّ بعض الصلوات تبتدی‌ء بالإکراه فهی باطلة، ولکن منذ إزالة الإکراه فإنّ أعماله خالصة النیّة وبغض النظر عن ذلک یمکن القول أنّ هؤلاء الأفراد لیسوا مجبورین قبل ذلک لیلتحقوا بصفوف الجماعة، وفی هذه الحالة یستطیع هؤلاء الأفراد أن یعقدوا نیّتهم للصلاة ویحصلوا علی ثوابها، فمتی أتی بهذه الصلاة کانت صحیحة، لأنّها تستند إلی النیة والرغبة.

42 جمع صلاتی الظهر والعصر

سؤال:
کیف نصلی العصر أحیاناً أوائل الظهر- بعد أداء صلاة الظهر- بینما لم یحن العصر لحدّ الآن، وکیف نصلی الظهر أحیاناً فی آخر الوقت والحال مضی الظهر؟
الجواب:
لابدّ من الإلتفات إلی أنّ لصلاة الظهر والعصر وکذلک المغرب والعشاء وقت خاص ووقت مشترک، والمراد من الوقت الخاص ما لا یمکن الإتیان بالصلاة خارجه، مثلًا مقدار الأربع رکعات من أول الظهر مختصة بصلاة الظهر، والأربع رکعات من آخر الظهر مختصة بالعصر، وما بین هذین الوقتین مشترک بین الظهر والعصر.
کما ینبغی الإلتفات إلی أنّ لکل من الصلاتین فضیلة بحیث لو أتینا بها فیه حصلنا علی ثواب أکثر. مثلًا فضیلة صلاة الظهر منذ بدایة الظهر حتی یصبح ظل الشخص بطوله، ففی هذه الحالة تمّت فضیلة الظهر ودخل العصر. وعلیه فتسمیة هاتین الصلاتین باسم الظهر والعصر من حیث وقت فضیلة الصلاتین، لا من حیث الوقت المشترک. فمن صلّی العصر أوائل الظهر فقد أدّی الصلاة فی وقتها ونیّته فی صلاة العصر، أی أصلی صلاة من حیث
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 326
الفضیلة وقتها العصر.
وعلی أیّة حال أن یؤخرها ویأتی بها- وقت العصر وقت الفضیلة.
وکذلک من یصلی الظهر اواخر النهار فانه یأتی بها فی الوقت المشترک و نیته لصلاة الظهر کون وقت فضیلتها الظهر، وهکذا صلاة المغرب والعشاء من حیث الوقت «المختص» و «المشترک» و «الفضیلة».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 327

43 هل للصلاة من دخل فی قبول سائر الأعمال؟

سؤال:
قرأت فی کتاب إشکالًا علی المسلمین: روی علماء المسلمین فی کتبهم الفقهیة أنّ الصلاة ما لم تقبل لن تقبل سائر الأعمال، کما ذکرت فی الکتاب بعض شرائط الصلاة لیست متوفرة فی أحد من الناس! وإن صارت فلیست صحیحة، وعلیه فعباداتهم وأعمالهم باعترافهم طیلة عمرهم سوف لن تقبل. فکیف تردّون علی هذا الإشکال؟
الجواب:
أولًا: یتضح من کتب الفقه أنّ الشرائط المذکورة لیست ثقیلة بحیث لا یمتثلها أحد، بل یستطیع أغلب الناس احرازها علی ضوء التفاتهم لأعمالهم، ویمکنک تأیید ذلک بالرجوع إلی الرسالة العملیة، وعلیه فلا تصح هذه النسبة للإسلام.
ثانیاً: قبول الصلاة وسائر الأعمال درجات عند اللَّه؛ أی ممکن أن لا تحصل عبادة علی المقبولیة العلیا لکن تتوفر فیها سائر الشرائط؛ فکل عبادة صحیحة قطعاً لها درجة من القبول. وعلی هذا الضوء سیکون قبول سائر الأعمال علی غرار قبول الصلاة.
بعبارة أوضح، إن کانت الصلاة صحیحة وطبق الوصایا الشرعیة ستکون مقبولة عند اللَّه؛
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 328
غایة الأمر کلّما کان الإنسان أطهر قلباً وأبعد عن الظلم کان قبول صلاته أکبر؛ ذلک لأنّ قیمة کل فعل بقیمة فاعله.

44 الصوم والصلاة فی المناطق القطبیة

سؤال:
... یقول بعض المادیین أو غیر المسلمین کیف الإسلام دین عالمی بینما لا تطبق تعالیمه إلّا فی وسط کوسطنا؟ فمثلًا لا یصح الأمر بالصلاة والصوم فی المناطق القریبة من القطب الشمالی والجنوبی التی تمتاز بطول لیلها ونهارها (فبعض المناطق ستة أشهر نهار وأخری لیل)؟
الجواب:
إنّ الإسلام تکهن بذلک وشرع أحکامه لتطبق فی کل مکان.
توضیح ذلک: ذکر فقهاؤنا ذلک فی کتبهم والتی تبحث جزئیات الأحکام الإسلامیة مثلًا ذکر صاحب «العروة الوثقی» «1» هذه المسألة وأفتی بأنّ هؤلاء الأفراد مکلّفون بالإتیان بالصوم والصلاة طبق المناطق المعتدلة. أی علیهم ملاحظة طول اللیل والنهار فی ذلک الفصل (بصورة متوسطة) فی المناطق المعتدلة فیصوموا ویصلوا علی أساسه.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 330
وبعبارة أوضح فإنّ سکنة المناطق القطبیة «1» حین ترتفع الشمس إلی السماء یعتبرون ذلک «نهاراً» وحین تهبط وتقترب من الأفق ویقل ضوؤها یعتبرونه «لیلًا»، وهکذا یکون من السهل تمییز اللیل من النهار، ولو نصبنا شاخصاً علی الأرض فأن بلغ ظلّه أقل حدّ فهو «الظهر» وحین یبلغ أقصی حدّ فهو منتصف اللیل.
و بهذه الطریقة تحل مشکلة تحصیل الظهر و منتصف اللیل. ولو علمنا مقدار اللیل والنهار فی المناطق المعتدلة آنذاک، مثلًا نعلم فی اول الصیف ان الایام بصورة متوسطة اربع عشرة ساعة و اللیالی عشر ساعات فیستضح الصوم والصلوات الخمسة تماماً (تأمل).
وعلیه فقد اتضح تکلیف الصوم والصلاة فی الایام الطویلة. اما الاوقات التی تطول فیها اللیالی فلابد من الالتفات الی ان الجو لیس بوتیرة معینة فی الاربع وعشرین ساعة، فاحیانا مظلم واحیانا أخری مشرق، لأن الشمس تقترب أحیاناً من الافق فیکون الجو مثل مابین الطلوعین أو أعمق قلیلًا، وأحیاناً أخری تبتعد الشمس و یظلم الجوّ ففی هذه اللیالی یمکن تشخیص «منتصف اللیل» و «الظهر» من وضع حرکة النجوم و بعدها عن الافق و کذلک ظلمة و اشراقة الجو، حیث یمکن الاتیان بالوظائف الشرعیة من خلال الاخذ بنظر الاعتبار مقدار متوسط لیل و نهار المناطق المعتدلة. واتضح مما تقدم ان الاحکام الاسلامیة و منها وظیفة الصلاة والصوم لاتختص بوسط معین ولابد من الاتیان بها فی کافة المناطق «2».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 331

45 الصلاة اوّل الوقت‌

سؤال:
صرح بعض العلماء بأنّ إمام العصر أرواحنا فداه یصلی أوّل وقت الصلاة فمن صلی فی هذا الوقت قبلت صلاته ببرکته، لکننا نعلم بأنّ الأوقات والآفاق مختلفة وربّما کان لبلد عدّة آفاق، ففی الموضع الذی یصلی فیه الإمام طبق أفقه لا آفاق سائر الأماکن فکیف تحلون هذا الإشکال؟
الجواب:
مراد من استدل بذلک أداء الصلاة فی أول الوقت لها وجه مشترک مع صلاة إمام العصر علیه السلام؛ لأنّ صلاته علیه السلام فی أوّل الوقت وببرکة وجه الاشتراک هذا تکون فضیلة لصلاة سائر الأفراد، وبالطبع لیس لاختلاف الآفاق من تأثیر علی هذا الموضوع.
وبعبارة أخری لیس المراد الإتیان بالصلوات فی زمان واحد، بل المراد الاتحاد فی «عنوان واحد» بمعنی «أداء الصلاة فی أوّل الوقت» ولکن کل حسب أفقه.

46 الغناء

سؤال:
هل کل صوت عذب وجمیل کالغناء حرام؟
الجواب:
قطعاً لیس کذلک، لأنّ الروایات الإسلامیة وسیرة المسلمین تؤکد علی تلاوة القرآن والأذان بصوت عذب، والغناء المحرم الصوت المنسجم ومجالس الفسق والفجور والمعصیة والفساد.
بعبارة أخری الصوت الذی یثیر القوی الشهویة لدی الإنسان بحیث یشعر فی ظلّه بحاجة إلی الرقص والفجور والفساد! والجدیر بالذکر أحیاناً «النغمة» تکون غناءً ولهواً وباطلًا، ومضمونها أشعار غرام وطرب، وأحیاناً أخری تکون غناء فقط، بحیث یقرأ أشعار عمیقة أو آیات قرآنیة ودعاء ومناجاة تناسب مجالس اللهو والفساد فهو حرام فی الحالتین.
(لابدّ من التامل).
طبعاً للغناء مصادیق مشکوکة (کسائر المفاهیم) بحیث لا یدری الإنسان هل الصوت الفلانی یتناسب ومجالس الفسق والفجور أم لا؟
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 334
فیحکم هنا طبق أصل البراءة حلّیته (بعد العلم الکافی بالمفهوم العرفی للغناء طبق التعریف المذکور).
ویتضح من هنا أنّ لا دلیل علی حرمة الأصوات والنغمات الحماسیة التی تنسجم مع میادین القتال أو الریاضة و ما شابه ذلک.

47 حکم الشطرنج‌

سؤال:
هل من إشکال فی اللعب بالشطرنج؟ إذا کان من غیر رهن؟ بل یمکن القول إنّه یحول أحیاناً دون لعب القمار. کما أنّ الشطرنج ریاضة فکریة عالمیة. أرجو بیان رأیکم؟
الجواب:
المشهور بین الفقهاء حرمة اللعب بصورة عامة بآلات القمار- حتی دون الاشتراط- ولعلّ فلسفة هذا الموضوع أنّ التعامل مع هذه الالات یؤدّی بالانسان- شاء أم أبی- إلی القمار، لاسیما بالنسبة للعب الشطرنج حیث تواترت الأخبار عن الأئمة علیهم السلام التی منعت استعمال آلات هذه اللعبة- کیفما کان العنوان- ولکن بالنظر إلی تحول شکل الشطرنج فی الوقت الراهن بحیث إکتسب صبغة ریاضة فکریة فی معظم مناطق العالم لیصبح بالتالی کریاضة فی میادین الریاضة العالمیة، فلا إشکال فیه ما لم ینطوی علی ربح وخسارة والروایات واردة حین کان من آلات القمار.
فالأحکام تابعة علی الدوام للموضوعات، فالخمر نجس، وحرام لکنّه یطهّر ویحلّ إن تبدّل إلی خلّ، فهل تغیّر حکم اللَّه؟ طبعاً لا، بل تغیّر الموضوع، او تبدّل الدم لبنا أو تحوّل
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 336
الماء النجس فی عروق الشجرة إلی ثمرة، فالحکم یتغیّر فی جمیع هذه الموارد وذلک تبعاً لتغیر الموضوع. أفلا ینبغی تبدل حکم الشطرنج إن خرج من صیغة القمار وتحوّل إلی وسیلة ریاضیة (طبعا بشرط ان لا یتضمّن ربح وخسارة مالیة) وبالطبع أنّ نظر إلیه لحد الان فی بعض المناطق کآلة قمار فلایجوز اللعب به.

48 کیف یصلّی الناطقون باللاتینیة

سؤال:
لو أسلمَ أبناء البلدان اللاتینیة وأرادوا الصلاة والدعاء، فهل یسعهم تعلم العربیة بطریقة التجوید؟
الجواب:
کلّنا نعلم بأنّ أغلبیة أبناء هذه البلدان هم من الناس الدارسین فلیست هنالک من صعوبة علیهم فی تعلم الصلاة والقرآن، ولعل أغلبهم یتعلمون العربیة للاستشراق، مثلنا حین نحاول تعلم لغتهم ونتکلم بلهجتهم.
وأمّا تلک الأقلیة فلهم أن یتعلموا علی قدر استطاعتهم واللَّه لا یکلفهم أکثر من طاقتهم- ففی الوقت الذی یجب فیه علی الجمیع أداء الصلاة والقرآن بالعربیة، مع ذلک فتکلیف کل فرد یتوقف علی قدرته واستطاعته- فالاسلام لا یکلف احدا فوق طاقته ووسعه.

49 السجود عند قبر الإمام‌

سؤال:
هل یجوز السجود علی قبور الأئمّة علیهم السلام؟
الجواب:
یختص السجود باللَّه ولا یجوز لغیره کائناً من کان، فمن فعل ذلک فمن باب الجهل بمبانی الدین ولابدّ من تنبیهه إلی عدم جواز السجود للإمام علیه السلام.
ولکن ینبغی الالتقات إلی أنّ السجود علی التربة المأخوذة من الأماکن المقدّسة لا تعنی السجود لصاحبها، بل طبقاً للروایات والأخبار فإنّ السجود علی هذه التربة بغیة الخضوع والخشوع للَّه (علی أن لا یکون موضع السجود ممّا یؤکل أو یلبس أو من المعادن) والتربة الحسینیة تربة طاهرة حَظِیَت بشرف وقدسیة حین سالت علیها دماء الحسین علیه السلام لنصرة دین اللَّه.
واستناداً إلی مبادی المحاکاة والتداعی فإنّ السجود علی تربة کربلاء یثیر لدی المصلی مشاهد تضحیة سید الشهداء علیه السلام ویوقظ القلوب ویربی فیها حب التضحیة والفداء.

50 ما حکم هذه الریاضات‌

سؤال:
هل بعض الریاضات الثقیلة کالملاکمة محرّمة فی الإسلام، وهل تجوز لأولئک الذین یحترفونها کمهنة؟
الجواب:
جمیع الریاضات والأنشطة البدنیة کافّة المفیدة لسلامة البدن والتی تخلو من الخطر جائزة ما لم تتضمن أعمالًا خلافیة. وحیث حظر الإسلام کل عمل یتضمن خطراً أعلی الشخص أو غیره، ولا تخلو الملاکمة من الخطر فهی ممنوعة.
و علیه لابد من الحذار من هذه الریاضات وکما نعلم فقد خلقت هذه الریاضة العدید من الضحایا و قد فقد الکثیر حیاته فی هذا المجال. و علی هذا الاساس ففی الریاضات النافعة- ان عاد نفعها علی المجتمع- فلااشکال فیها والا فهی لیست جائزة.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 343

51 أسئلة مسلم أمریکی‌

بعث إلینا مسلم أمریکی بعدّة أسئلة نافعة نوردها مع أجوبتها:
سؤال 1:
المقررات المتعلقة بالزواج والطلاق مختلفة فی مختلف الولایات الأمریکیة، إلّاأنّ أصولها واحدة تقریباً، فما تکلیف المسلمین الأمریکیین بالنظر إلی عدم وجود وکیل مسلم یقوم بعقد الزواج؟ من یستطیع تقنین هذه المسألة، وهل من الضروری اعطاء المهر للمرأة؟
الجواب:
یستطیع الرجل والمرأة فی أمریکا توکیل من یمکنه إجراء صیغة العقد، فإن أجری الصیغة أصبحت قانونیة شرعاً، وإن تعذر علیهما ذلک یمکنهما إجراء العقد بنفسیهما، ولهما أن یعقدا بالانجلیزیة إن تعذرت العربیة، ولیس من الضروری تعیین المهر حین العقد وللمرأة أن تطالب بالمهر الذی یناسب وضعها بعد العقد. وعلیه فالمهر ضروری، ولکن تستطیع المرأة التنازل عن المهر أو بعضه.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 344
سؤال 2:
هل یمکن أداء صلاة الجمعة لیلًا أو یوم الأحد کون الجمعة یوم عمل فی البلدان الغربیة، وهل یجوز الاستفادة من وسائل الموسیقی فی المسجد؟
الجواب:
لابدّ من الإتیان بصلاة الجمعة فی وقتها کسائر الأحکام الإسلامیة، ولا یمکن الإتیان بها فی أی وقت آخر. ولا یجوز الاستفادة من الآلات الموسیقیة مطلقاً فضلًا عن استعمالها فی المسجد.
سؤال 3:
هل یجب علی المسلمة الأمریکیة التی ترید الصلاة فی المسجد إرتداء ثیاب معینة أم تکفیها ثیابها العادیة؟ إن کان الجواب بضرورة إرتداء غیر ثیابها فما سبب ذلک.
الجواب:
لا یجب علیها ذلک والواجب علیها ستر البدن غیر الوجه والکفین.
سؤال 4:
کل من نطق بالشهادتین فهو مسلم، فإن کان شرط الإسلام فقط هذا، فهل یعتبر هو المقیاس لإسلامیة الفرد؟ مثلًا کیف یُعدّ الشخص مسلماً وهو لا یصلی ولا یصوم ولا یزکی ولا ینتهی عن المعاصی؟
الجواب:
الإسلام مراحل؛ المرحلة الأولی التوحید والنبوّة والمعروفة بالشهادتین؛ والمراحل لأخری الالتزام بأحکام الإسلام وما یوصل الفرد إلی السعادة، أی العقیدة والإیمان المقرون
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 345
بالعمل.
وعلیه فمن نطق بالشهادتین ولم یمتثل الأحکام فلا تجری علیه سوی أحکام الإسلام الاجتماعیة، لا أنّه مسلم اصیل یأمل الوصول إلی السعادة.
سؤال 5:
هل یجب الختان علی الأمریکی البالغ إن أسلم (ما لم یکن مختوناً)؟
الجواب:
الختان واجب علی المسلمین، ویجب حتی علی من أسلم بعد البلوغ.
سؤال 6:
لمن ینبغی أن یدفع المسلم الأمریکی الزکاة وکیف یحسبها من راتبه الشهری؟
الجواب:
لا زکاة علی الراتب الشهری، لکن هنالک واجب آخر هو (الخمس) وبالنظر إلی أنّ الوسط الأمریکی تجاری وصناعی، فهذا الحکم یشمل عادة دخل المسلم الأمریکی، فالشخص الذی له مرتب شهری ودخل مشمول بالخمس فعلیه أن یحسب کل عائداته السنویة، ویطرح منها نفقاته السنویة ویخمس الباقی فی بیت المال. جدیر بالذکر أن نصف الخمس- أی العشر- یعطی لفقراء السادة الذین تحظر علیهم الزکاة، والعشر الآخر یصرف فی المصالح الإسلامیة بإجازة المجتهد العادل ومن یتقاضی مرتباً شهریاً یستطیع أن یقسم المبالغ السنویة کافّة التی یجب فیها الخمس علی اثنی عشر شهراً ویدفع کل شهر قسماً منها.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 346
سؤال 7:
نظمت الأوضاع الاقتصادیة هنا بحیث یضطر الفرد لشراء حاجاته کالدار والسیارة و ...
بالاقساط، فما وظیفة المسلم الأمریکی وهو یعلم أنّ فی هذه المعاملة ربّح لا یقرّه الإسلام؟
الجواب:
المحرم فی الإسلام هو القرض مع الربح، مثلًا یقترض شخص مبلغاً من آخر بشرط أن یدفع أکثر فهذا ربا وحرام، أمّا شراء السلع ودفع ثمنها بالأقساط فلا یعدّ ربا، ولا إشکال حتی مع کون قیمة النسیئة أکثر من النقد.
سؤال 8:
هل یجوز للمسلم الأمریکی الرجوع إلی المحاکم الأمریکیة؟
الجواب:
إن توقف استنقاذ الحق علی الرجوع إلی المحاکم الأمریکیة جاز له ذلک.
سؤال 9:
یجوز للمسلم أن یتزوج من الکتابیة ولیس للمسلمة ذلک، فإن کان هذا صحیحاً فما علّة ذلک؟ وإن حرّم الإسلام الزواج من المشرکة أفلم یحرم الزواج من النصاری الذین یعتقدون بالتثلیث والوهیة المسیح وشفاعة البابا؟ إلّاینبغی تعریف المسیحی کما هو؟ کما یقال إنّ الزواج من الملحدین حرام، فهل یستطیع المسلم الزواج من شیوعیة؟ وهل یجوز الزواج من کاثولیکیة فیجبر علی إقامة المراسم من قبل قس کاتولیکی فی الکنیسة ویوقع سنداً بالتزام أولاده بتعالیم الکاثولیکیة؟
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 347
الجواب:
للمسلم الزواج المؤقف فقط من الکتابیة، وفلسفة عدم جواز الزواج الدائم من النساء لأنّهنّ غالباً ما یخضعن فی وسطهن للتأثیر الفکری للرجال ولعلهنّ تخترن عقائدهم وأفکارهم، وعلیه فالمسلمة لو تزوجت من کتابی ربّما تتأثر بأفکاره وتهتز عقائدها، ومن هنا لا ینبغی للمسلمة الزواج من غیر المسلمین، والأمر لیس کذلک بالنسبة للرجل، وهنالک فارق بین المسیحی والمشرک، فالإسلام لا یعترف بالشرک قط، ویمکن توضیح الفارق فی أمرین:
1- إنّ المشرک والوثنی لا یقرّ بالنبوة الأصل الثانی بعد الإیمان بوجود اللَّه فی الادیان السماویة کافّة، وعلی هذا الأساس فلا سبیل لقبوله التعالیم السماویة والهدی للسعادة الأخرویة.
2- شرک الوثنیین ظاهر وجلی، خلافاً لشرک النصرانیة الأضعف من سابقه، ورغم التثلیث فهم یتحدثون عن الوحدة ویزعمون أنّ التثلیث لا یقدح بها (مع أنّ ذلک تناقض مرفوض). والزواج من الملحد لا یجوز، وعلیه لیس للمسلم الزواج من ملحدة وکذا المسلمة. فمن اعتبر اللَّه عقیدة نظریة فهو ملحد ولا یجوز الزواج منه. ولیس لمسلم حق التعهد بأن یصبح اولاده نصاری فی المستقبل.
سؤال 10:
هل للمسلم الأمریکی حضور أعیاد سائر الأدیان سیما عید الفصح وعید المیلاد وبعث التهانی والهدایا وما شابه ذلک ...؟
الجواب:
لیس من الصحیح للمسلم إشاعة السنن والآداب غیر الإسلامیة وحضور هذه المناسبات، بالإضافة إلی أنّ بعض هذه الأعیاد لا تستند إلی أساس صحیح وترافقها بعض
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 348
المراسم المحظورة، فعلی المسلم أن یشیع السنن الإسلامیة.
سؤال 11:
هل تجوز بعض مراسم الدفن السائدة فی امریکا کاستعمال المواد الکیمیاویة للحیلولة دون تعفن المیت ووضعه فی تابوت؟ هل یجب أن یکون الکفن أبیضاً؟ وهل یمکن الاستفادة من الثیاب العادیة؟ وهل یجوز إحراق جسد المیت؟ وهل تجوز إقامة مراسم عزاء المسلم فی الکنیسة؟ ... وما تکلیف المسلم البعید عن المسجد فی هذه الأمور؟
الجواب:
الکفن للمسلم- حسبما ورد فی الشریعة- واجب، فلا یجوز دفنه بالثیاب العادیة، ولا ضرورة لأن یکون الکفن أبیضاً. وإحراق جسد المیت حرام ولابدّ من دفنه فی التراب وکیفیته أن یُواری الثری ولا یظهر منه شی‌ء بحیث لا تشم رائحته ویصان من الحیوانات.
ولا مانع من استعمال المواد الکیمیائیة للحیلولة دون التعفن- ما لم یتضمن إهانة للمیت المسلم- وکذلک وضعه فی التابوت بعد القیام بمراسم الدفن وما لم یکن تقلیداً لأسلوب أتباع سائر الأدیان. من الأفضل أن لا تقام مراسم عزاء وتشییع المیت فی الکنیسة، و یمکن لمن کان بعیداً عن المسجد إقامتها فی أماکن أخری أو فی البیوت أو الامتناع عن إقامة المراسم.
سؤال 12:
هل أستطیع أکل اللحوم فی المطاعم مع جهلی بها؟ عادة لا اطمئنان بأنّ الذبح شرعی، فما العمل؟ هل یمکن للمسلم أن یدفع أکثر ویتناول من ذبیحة الیهود؟
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 349
الجواب:
لا یجوز تناول اللحوم فی الأوساط غیر الإسلامیة إلّاإن کان بائعاً أو صاحبها مسلماً.
ولو اشتری المسلم اللحوم من غیر المسلم، وأیقن بأنّه مطابق للشرع فلا مانع من تناوله، وتحرم علی المسلم ذبیحة الیهود والنصاری.
سؤال 13:
کیف یعد المسلم الأمریکی أسباب الحج وما مقدار التکالیف؟
الجواب:
علی کل مسلم الحج إن کان قادراً ولدیه أموال فائضة علی تکالیفه السنویة، وللوقوف علی مقدمات السفر من قبیل أموال الذهاب والإیاب وجواز السفر فلابدّ من مراجعة شرکات الخطوط الجویة فی أمریکا والدوائر الأمریکیة الحکومیة.
سؤال 14:
ما وظیفة المسلم الأمریکی إزاء الوصیة والإرث والتی تجری غالباً علی خلاف الأحکام الإسلامیة؟
الجواب:
إن تعذر علی المسلم العمل بالأحکام الإسلامیة وکان هنالک فارق بین القوانین المدنیة الأمریکیة والأحکام الشرعیة فله أن یمتثل قوانین أمریکا ولا إثم علیه.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 350
سؤال 15:
هل ترجّح القوانین الإسلامیة «الضمان العام» علی «الضمان التجاری»؟ ولو استطاع المسلم الأمریکی الحصول علی الضمان التجاری بمقدار أقل فما تکلیفه، وهل یحق له المساهمة فی هذا الضمان؟
الجواب:
الضمان التجاری- بناءً علی کونه أحد العقود وتشمله الأحکام الکلیة- فهو صحیح وقانونی، ولا فرق بین هذین النوعین صحة وقانوناً- وعلیه فللمسلم حق الضمان التجاری والمساهمة.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 351

52 ما وظیفة المرأة فی المجتمع؟

سؤال:
حسب فتاوی الفقهاء لا یجب علی المرأة القیام بأعمال البیت والرضاع وحفظ الأطفال، ونفقاتها علی الزوج ولیس علیها العمل خارج البیت، فما وظیفة المرأة إزاء المجتمع؟
الجواب:
إنّ الإسلام أراد أن یرفع من شأن المرأة فی المجتمع ویفسح لها لمجال إن أرادت القیام بهذه الأعمال التی لم یوجبها علیها، ولها أن تمارس هذه الأعمال وتستحق علیها الأجرة؛ ولکن ینبغی الإلتفات إلی أنّ عدم إیجاب شی‌ء غیر منعه! نعم لم یوجب الإسلام إدارة شؤون البیت علی المرأة لیرفع من شأنها کی لا تصبح عبدة، حیث أوکل هذا الأمر فی الواقع إلی فطرتها ورغباتها الطبیعیة- طبعاً الأُم حنونة بأولادها والعکس صحیح، ولعل شعور الأمومة یدفعها لإرضاع ولیدها والجد فی تربیته، کما للمرأة رغبة شدیدة فی إدارة شؤون البیت- وما زالت المرأة تقوم بهذه الوظیفة بصورة طبیعیة ولها حق الأجرة عند الضرورة.

53 هل الخمس أجر الرسالة

سؤال:
لا شک فی أنّ رسول اللَّه صلی الله علیه و آله لم یسأل الأجر إلّامن اللَّه علی کل هذه التضحیات من اجل الرسالة، وإن لاحظنا فی بعض الآیات التی تحدثت عن «المودة فی القربی» کأجر للرسالة، فهذا بدوره خدمة أخری للناس وحث علی هدایتهم؛ ذلک لأنّ مودة أهل لبیت علیهم السلام توجب الاقتداء بهم وهذه سعادة، ولکن ما معنی وجوب الخمس الذی یعطی نصفه للسادة؟ ألیس هذا أجر علی الرسالة؟
الجواب:
نعلم أنّ مصرف «الخمس» فقط «فقراء السادة» لا جمیعهم، ولو زاد خمس الأموال المخمسة عن حاجات السادة لوجب رده إلی بیت المال لیصرف فی المصالح العامة، ولو کانت حاجاتهم أکثر من الخمس لوجب قضاؤها من بیت المال- من جانب آخر فلیس للسادة من حق فی الزکاة (اللّهم إلّاأن تکون من زکاة السادة).
وعلیه فالخمس فی الواقع بدل الزکاة المعطاة لسائر الفقراء وشروط اعطائها لفقراء السادة کشروط منحها لسائر الفقراء، غایته تدفع لهم بشکل آخر حفظاً لحرمة جدهم رسول اللَّه صلی الله علیه و آله، وعلیه فهی لیست بأجرة علی الرسالة قط.

54 ألیس الخمس دعماً للتمایز الطبقی؟

سؤال:
ورد عن أحد کبار الشیوعیة أنّه قال: لقد تأملت جمیع الادیان علیّ أعتنق أحدها فرأیت أفضلها الإسلام وللأسف حین حاولت اعتناقه صدمت بنقطة ضعف تکمن فی منحه الإمتیازات من قبیل الخمس للسادة.
الجواب:
کما قیل فی جواب السؤال السابق لیس هنالک من فارق أساسی بین الخمس «1» والزکاة؛ أی کلاهما یتعلق بأفراد المجتمع من الفقراء والضعفاء والعاجزین، حیث یعطی کل بقدر حاجته، ومازاد علی ذلک فهو جزء من بیت المال، وکل ما هنالک وحرمة لأبناء رسول اللَّه فقد لبیت حاجاتهم من خلال عنوان غیر عنوان الزکاة.
من الطبیعی أن یکون هذا الاحترام المعنوی للسادة من جانب اللَّه نوعاً من التکریم لرسول اللَّه صلی الله علیه و آله وتفانیه فی نشر الدعوة. والخلاصة خلافاً لِما یتصوره البعض فإنّ قانون الخمس لا یشجع التمایز الطبقی، ولا یفرق عن الزکاة من الناحیة المادیة بالنسبة للفقراء،
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 356
أی لن یعطی السادة أموالًا إضافیة بالنسبة لسائر المحتاجین قط، والخمس لا یعطی للمتمکنین من السادة بای شکل من الأشکال.

55 بلوغ البنین والبنات‌

سؤال:
ثبت فی علم الفسلجة (علم وظائف الأعضاء) أنّ المرأة أضعف من الرجل من حیث القوّة البدنیة، مع ذلک اعتبر الإسلام بلوغ البنت بعد التاسعة من عمرها وحدد لها بعض التکالیف، بینما عدّ تکلیف الولد فی السادسة عشرة من عمره، فما فلسفة ذلک.
الجواب:
ما أثبته التحقیق العلمی أنّ نمو المرأة أسرع من الرجل. وعلیه فالمدّة التی یطویها الرجل 15 سنة، تجتازها المرأة فی 9 سنوات، ولا یقتصر هذا الأمر علی الرجل والمرأة. بل یشمل جمیع الکائنات الحیّة.
والخلاصة کل کائن ألطف یکون نموه أسرع، ومن هنا فإنّ أغلب البنات ینضجن جنسیاً وتؤهلن للأمومة فی سن الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من العمر، بینما لا یعیش الولد مثل هذه الحالة.

56 هل ینبغی التحقیق فی المسائل الدینیة أم التقلید؟

سؤال:
هنالک بعض الأفراد الذین ینکرون مسألة «التقلید» فی الأحکام ویزعمون أن وظیفة الجمیع التحقیق فی المسائل الشرعیة، ویستقون الأحکام قاطبة من القرآن وسائر المصادر الإسلامیة للأسباب التالیة:
أولًا: یشجب القرآن أنواع التقلید کافّة وینتقد باستمرار التقلید الأعمی.
ثانیاً: التقلید نوع اتباع دون دلیل والعقل والمنطق یرفض التقلید الذی یفتقر إلی الدلیل.
ثالثاً: التقلید أساس تفرقة صفوف المسلمین، فالمراجع متعددون وآراؤهم مختلفة.
الجواب:
إننا نعتقد بأنّ أصل کل هذه الإیرادات یعود إلی شی‌ء واحد وهو: أنّ لمفردة التقلید معنیین؛ معنی اعتیادی یفهم فی العرف العام ویستعمل فیه لفظ التقلید فی الحوارات الیومیة، ومعنی علمی یبحث أیّة علاقة بالمعنی الأول.
توضیح ذلک: یصطلح بالتقلید فی الحوارات الیومیة علی الأفعال الطائشة التی یتبع فیها بعض الأفراد غیرهم دون الاستناد إلی أی‌دلیل. وبالطبع فإنّ هذه التبعیة العمیاء لهؤلاء
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 360
الأفراد الجهال لنظرائهم الجهال من الآخرین عمل مذموم وقبیح لا ینسجم مع المنطق ولا مع روح التعالیم الإسلامیة؛ ولیس هنالک من عاقل ذی شخصیة وفکر مستعد لتقلید هذا وذاک تقلیداً أعمی فیأتی بکل فعل مشین یأتی به الآخرون.
وهذا هو التقلید الذی تشبث به الوثنیون لتبریر أعمالهم وکانوا یزعمون: أنّ الوثنیة دین آبائنا ولسنا مستعدین لمخالفتهم. وقد ذکر القرآن منطقهم بهذه الآیة فقال: «إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَی أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَی آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ» «1»
فهؤلاء یحتجون علی أعمالهم الطائشة (السجود للحجر والخشب) بأعمال آبائهم فیقلدون تقلیداً أعمی معتقداتهم الخرافیة.
وهذا هو التقلید الذی یکون مصدراً لمضاعفة حجم المفاسد الاجتماعیة والأدناس والانغماس فی الشهوات، وهو ذات التقلید الذی أشیر له فی شعر المولوی. وکما قلنا فإنّ هذا هو المعنی الذی استندت إلیه حملات الجهال کافّة علی مسألة التقلید. إلّاأنّ للتقلید فی الاصطلاح العلمی مفهوم مغایر تماماً لهذا المفهوم، ویمکن تعریفه «برجوع الأفراد غیر المتخصصین إلی ذوی الاختصاص فی القضایا الاختصاصیة»؛ أی رجوع الأفراد فی المسائل العلمیة کافّة التی تتطلب بعض التخصصات ویتوقف إدراکها علی المطالعات والدراسات التی تستغرق سنوات إلی العلماء والمفکرین الموثوقین- حین الحاجة- والاستفادة من أفکارهم. والتقلید بهذا المعنی والذی أشیر له فی المصادر العلمیة والذی یعبر عنه أحیاناً برجوع غیر العالم إلی العالم هو أساس الحیاة البشریة فی المجالات الصناعیة والزراعیة والطبیة کافّة وأمثال ذلک.
ولو زال هذا الموضوع من الحیاة البشریة؛ لما رجع أی مریض إلی طبیب وإنسان إلی معمار وشخص إلی حقوقی فی القضایا الحقوقیة، کما لا یرجع أی فرد إلی خبیر ومیکانیکی واختصاص فی سائر المجالات، ولانهارت الحیاة الاجتماعیة برمتها وظهر الفساد فی المستویات کافّة. والقضایا الدینیة لیست بدعاً من ذلک؛ طبعاً الأفراد کافّة موظفون بالتحقیق فی الاصول العقائدیة- أی معرفة اللَّه والنبی والإمام والمعاد- ولا یبدو هذا
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 361
التحقیق صعباً ومعقداً، ویستطیع کل فرد التعرف علی هذه الأصول علی ضوء الدلیل والمنطق المناسب لفهمه وإدراکه، بینما یتعذر التخصص علی الأفراد والاستفادة من المصادر الدینیة- القرآن والحدیث والدلیل والعقل والإجماع- للتوصل للأحکام فی المسائل المرتبطة بالأحکام الإسلامیة فی باب العبادات والمعاملات والسیاسات الإسلامیة، والأحکام المتعلقة بالفرد والأسرة والمجتمع والصلاة والصوم والجهاد والدیات والحدود والقصاص والزواج والطلاق والآف المسائل المختلفة والمرتبطة بجوانب حیاة الناس.
وعلیه فهم مضطرون للرجوع فی هذه المسائل إلی العلماء والمراجع المعتمدین؛ العلماء الذین جدّوا لسنوات فی المسائل الإسلامیة ولهم معرفة تامة بالکتاب والسنة والأخبار والروایات. وعلی هذا الضوء یتضح بجلاء أنّ هذا الرجوع لیس من قبیل التبعیة دون دلیل، بل هذا الاتباع یستبطن الدلیل العقلی والنقلی وهو أنّ نظریة الشخص العالم والمتخصص ألصق بالحقیقة ولا یجانبها قط، ولو أخطأ لکان خطأه محدوداً، بینما لا یکون رصید أعمال الجاهل الذی یتصرف وفق رأیه ومعتقده سوی الزلل والخطأ. مثلًا، لو رجع الشخص حین مرضه إلی الطبیب وکتب له الوصفة، فربّما یخطی‌ء الطبیب، إلّاأنّ المفروغ منه أنّ أخطاءه طفیفة جدّاً بالنسبة للنتائج التی یحصل علیها من وصفته، طبعاً المراد الطبیب الماهر والمتخصص، ولکن لو تحفظ المریض عن الرجوع إلی الطبیب، وتناول ما یشاء من دواء حسب رغبته وفکره، فمما لا شک فیه یکون قد اقترف عملًا غایة فی الخطورة، وما أکثر ما یؤدّی به هذا الأمر إلی الوفاة.
النتیجة: تبعیة غیر العالم للعالم تنطوی دائماً علی دلیل إجمالی ومنطقی. ومسلّم أیضاً أنّ هذا التقلید والاتباع لا یدلّ علی أی مثلبة فی شخصیة الإنسان، بل بالعکس دلیل علی شخصیته، لأننا نعلم بأنّ دائرة العلم علی قدر من السعة بحیث هنالک عشرات وأحیاناً مئات الفروع التخصیصة فی علم معین، ولو کان للإنسان عمر نوح وعقل ابن سینا فلا یسعه قط التخصص فی واحد بالمئة من هذه العلوم. وعلیه فلا مناص له من الرجوع إلی الآخرین فی
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 362
غیر اختصاصاته. فیرجع المهندس مثلًا حین یمرض إلی زمیله الطبیب، والطبیب إلی زمیله المهندس إن أراد بناء دار، کما یعود الاثنان إن حدث عطل فی سیارتیهما إلی المیکانیکی، کما یرجع الجمیع فی الأحکام الإسلامیة التی یجهلونها إلی علماء الدین.
نعم بقی هنا ما یقال: ما الضیر فی أن یرجع الإنسان إلی العلماء فی المسائل التی یحتاجها ویسألهم عن دلیل کل مسألة. إلّاأنّ ذلک کمن یقول: ما المانع فی أن یسأل الإنسان الطبیب حین یراجعه ویکتب له وصفة بالدواء عن دلیل کل فقرة فیه و کیفیة استعماله، فهل یمکن أن یقدم الأطباء للناس أدلة وصفاتهم، ولو فرض قیامهم بمثل هذا العمل، فهل یسع الشخص الذی لا یدرک علم التشریح والفسلجة وخواص الأدویة أن یفهم من الطبیب معنی هذه الاصطلاحات ویقوم بمعالجة نفسه.
فإنّ المتفوهون بهذه الکلمات لا یدرک أصلًا سعة العلوم الإسلامیة؛ ولا یعلم هذا بأنّ الوقوف علی جمیع جزئیات القرآن وعشرات الآف من الحدیث ودراسة الرجال فی سلسلة سند الأحادیث وتمییز صحیحها من سقیمها وغثها من سمینها وفهم لطائف الآیات والسنة یتطلب عدّة سنوات لیبلغ الشخص درجة التخصص فی هذه المسائل.
فقد یتطلب فهم بعض الأحکام الإسلامیة المرتبطة مثلًا بالزواج والطلاق وحق الحضانة وتربیة الأطفال وأمثال ذلک الاستغراق فی عدّة آیات وعشرات الأحادیث وتأمل رجال سند الحدیث من خلال کتب الرجال والرجوع إلی مختلف المصادر اللغویة بشأن بعض المفردات والوقوف علی استعمالاتها فی العربیة. فهل یسع جمیع الأفراد الوقوف علی کل هذه التفاصیل فی الموارد المتعلقة بالمسائل الإسلامیة کافّة؟ أوَلا یعنی هذا الکلام تخلی الناس عن أعمالهم والتحول إلی طلبة للعلوم الدینیة؟ ولا یعلم بالطبع ما إذا کان جمیع الأفراد مستعدین لبلوغ الاجتهاد وقریحة استنباط الأحکام الشرعیة، ولربّما کان لهم استعدادات أخری
أمّا ما یقال من أنّ الرجوع إلی مراجع الدین مدعاة للاختلاف فهذا من العجب العجاب.
أولًا: مراجع التقلید فی کل عصر شخص أو شخصان غالباً، بینما لو أراد جمیع الأفراد
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 363
ابداء آرائهم فی الأحکام الإسلامیة لتعددت هذه الآراء حسب عدد المسلمین، وأثر ذلک لا یخفی فی الاختلاف والتفرقة.
ثانیاً: اختلاف المراجع فی المسائل ذات الدرجة الثالثة والرابعة، ولا اختلاف فی المسائل الأصولیة والأساسیة، ومن هنا نلاحظ اصطفاف جمیع الأفراد الذین یختلفون فی تقلیدهم فی صلاة الجماعة فی صف واحد ولا أن یحول اختلاف الإفتاء فی المسائل الجزئیة دون انسجامهم فی الجماعة، أو أنّهم یحجون جمیعاً ویأتون بمناسک الحج فی أیّام معینة دون أن یؤدّی اختلاف الفتوی إلی أیّة مشکلة حتی بالنسبة لأفراد قافلة. کل ذلک یشیر إلی أنّ اختلاف الفتوی فی المسائل لا یمس بوحدة المسلمین.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 365

57 الولایة والبراءة

سؤال:
ما المراد بالتولی والتبری وهل یمکن تطبیقهما فی عالمنا المعاصر؟
الجواب:
عادة ما یشبهون الإسلام بشجرة عملاقة جذورها المبانی والأسس العقائدیة وفروعها التعالیم العملیة ویذکرون عشرة مواضیع بصفتها أساسیاته، والحال المفاهیم الإسلامیة أوسع من ذلک بکثیر، إلّاأنّ أهمیّة هذه الاساسیات العشرة کونها تصدرت المرتبة الأولئ وإلّا فالمسألة لا تقتصر علیها. وتقسم هذه المواضیع العشرة إلی ثلاث فی العبادة والعلاقة مع اللَّه- الصلاة والصوم والحج- واثنین فی الأمور الاقتصادیة والعلاقة مع الخلق- الزکاة والخمس- وخمسة فی الأمور الاجتماعیة والسیاسیة- الجهاد والأمر بالمعروف والنهی عن المنکر، والتولی والتبری- والکلام فی الفرعین الأخیرین بمعنی الحب والبغض- فمن نحب ومن نبغض؟ نحب أولیاء اللَّه وأصحاب الحق ودعاته وأنصار العدالة، ونبغض الآثمین والظالمین والمتهتکین وأعداء اللَّه.
لم لا نحب الجمیع؟ لم لا نکون محسنین مع جمیع الخلق؟ وهل یمکن التغاضی الیوم
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 366
عن التعایش السلمی مع الجمیع؟ ولابدّ هنا من طرح سؤال علی أصحاب أطروحة حبّ الجمیع ومهما کانت الظروف. هل نحبّ فی هذا العالم، الظالم والمظلوم والمستعمر (بالکسر) والمستعمر (بالفتح) والغاصب والمغتصب والطاهر والنجس؟ وهل نساعدهم جمیعاً وتعاملهم ذات المعاملة؟! وهل هناک من منطق یقرّ بهذا؟ والغرض من هذین المفهومین تخندق صفوف الحق والعدل والطهر وانفصالها عن صفوف الباطل والظلم بغیة تضییق الخناق علیهم وتشدید المحاصرة الاجتماعیة والاخلاقیة علیهم سیما من قبل العناصر الفاعلة والخیرة.
فهل یتقبل بدن الإنسان جمیع الأطعمة؟ ألیس ذوق الإنسان وسیلة للتولی والتبری بغیة التمییز بین الطعام النافع والضار؟ ولو تناول الإنسان طعاماً مسموماً فهل تستسلم المعدة وتسلمه إلی المو ت، أم تسعی سعیها وتوظف کل قواها لتقذف بهذا الطعام من خلال نفرتها منه بالاستفراغ؟ أوَلیس الجذب والدفع سر بقاء عالم الوجود؟ فکیف یستثنی المجتمع البشری من توازن هاتین القوتین بصیغة تولی وتبری؟ وبعکس ذلک سوف یسارع هذا المجتمع إلی الموت، ومن هنا ورد فی الحدیث عن النبی صلی الله علیه و آله: «إن أوثق عری الإیمان الحبّ فی اللَّه والبغض فی اللَّه» «1».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 367

58 الصوم فی الأدیان السابقة

سؤال:
هل کان الصوم فی الأدیان السابقة؟
الجواب:
صرح القرآن «1» أنّ فریضة الصوم کانت فی الأدیان التی سبقت الإسلام وما زال العهد الجدید والقدیم یتضمنان التعالیم المتعلقة بالصوم ومنها:
1- کان الصوم سائداً لدی الأمم والطوائف کافّة وفی ظلّ مختلف الظروف الشاقة (بولس، 3: 5).
2- صام موسی علیه السلام أربعین یوماً (سفر التثنیة، 9: 9).
3- حین سنحت الفرصة للیهود وأرادوا الخضوع صاموا لیحصلوا علی رضی اللَّه (سفر داوران 20: 26).
4- أمر المسیح حوارییه بالصوم بعد وفاته (انجیل لوقا، 5: 34).

59 القبلة فی القمر

سؤال:
ما قبلة من یهبط علی القمر؟
الجواب:
القمر سیارة تدور حول الأرض وحجم القمر «1» بالنسبة للأرض 114، وکما یلمس سکان الأرض طلوع القمر وغروبه فالعکس صحیح؛ وأحیاناً یظهر کله أو بعضه وأخری یختفی تماماً.
وعلیه فحین تطلع الأرض فإنّ مجموع الکرة الأرضیة قبلة من یصلی فی القمر، ووقوفه إزاء الأرض (أو إزاء الخط العمودی الذی یمر من جانبی الأرض) إنّما هو وقوف فی الواقع مقابل الکعبة ویتحقق استقبال الکعبة وهو الشرط فی صحة الصلاة، ولکن حین تغیب الأرض عن أنظار سکنة القمر فیکون استقبال الکعبة بهذا الشکل حیث یعتبر الموضع التقریبی للأرض خلف أفق القمر ویقف علی الخط العمودی علی الکعبة من جانبی الأرض.
والجدیر بالذکر أنّ القبلة لیست الکعبة بمفردها، بل امتدادها من الجانبین الأسفل
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 370
والأعلی- فی السماء قبلة أیضاً؛ أی کل من یقف علی الخط العمود علی الکعبة ویمر منها إنّما یقف نحو القبلة، وعلی هذا الضوء تتضح قبلة سکنة القمر حین تکون الأرض خلف القمر.

60 تعیین القبلة بالشمس‌

سؤال:
هل یمکن تعیین القبلة من خلال الشمس، کیف ذلک إن أمکن؟
الجواب:
إذا کانت قبلة الشخص محاذیة للنقطة الجنوبیة (کنواحی غرب العراق) فإن وقف حین الظهر إزاء الشمس ستکون قبلته، لأنّ الشمس حین الظهر علی دائرة نصف النهار لهذه النقاط، فإن وقف حین الظهر أمام الشمس سیکون مقابل نقطة الجنوب التی ستکون قبلة هذه النقاط، أمّا النقاط التی تمیل قبلتها من الجنوب إلی الغرب (کنقاط ایران) ففی هذه النقاط ینحرف بعد محاذاة الشمس بمقدار انحراف قبلتهم من الجنوب إلی الغرب. مثلًا فی طهران التی تنحرف قبلتها 37 درجة عن نقطة الجنوب نحو المغرب، فلابدّ أن تمیل حین الظهر بعد محاذاة الشمس 37 درجة نحو الیمین، وبالطبع فإنّ الشمس فی هذه النقاط وما شابهها تحاذی حین الظهر الفلک الأیسر.
وعلیه فالقاعدّة الکلیة کلما کانت القبلة محاذیة للنقطة الجنوبیة تکفی محاذاة الشمس حین الظهر، وإن کانت القبلة تمیل من تلک النقطة نحو الغرب، فلابدّ أن یمیل بنفس المقدار من محاذاة الشمس إلی الیمین.

61 القبلة فی المناطق النائیة

سؤال:
کلّنا نعلم بأنّ للأرض نصف شمالی وجنوبی فکیف السبیل إلی القبلة فی بعض البلدان کأمریکا الجنوبیة؟
الجواب:
أولًا: کما ورد سابقاً أنّ الکعبة لیست لوحدها القبلة، بل تشمل امتدادها من الأعلی حتی عنان السماء وأسفلها؛ وکما یکفی الوقوف أمام الکعبة، کذلک یکفی الوقوف إزاء امتدادها.
وعلیه فمن کان فی ذلک الجانب الکرة الأرضیة یمکنه الوقوف بمحاذاة امتداد الکعبة.
ثانیاً: لو قیل لرجل فی طهران قف باتجاه مشهد فسیقف نحو جهة حسب بعض الحسابات وبحیث یطمئن علی أنّ مشهد فی هذه الجهة، والحال لو أخذنا بنظر الاعتبار المسافة بین طهران ومشهد أو رسمنا خطاً مستقیماً بمحاذاة وجه الشخص الذی فی طهران نحو مشهد لعبر من فوق مشهد وسط الفضاء لا من مشهد، إلّاأنّ هذا لا یمنع من قولهم أنّه یقف محاذیا لمشهد.

62 قبلة أهل العراق‌

سؤال:
ذکر مؤلف روضات الجنات فی شرحه لسیرة المحقق الحلی رحمه الله صاحب شرائع الإسلام أنّ العالم الفلکی الخواجة نصیر الدین الطوسی أتی المحقق، وکان یدرس فحضر الدرس.
فکان ممّا قاله المحقق: «یستحب لأهل العراق الانحراف قلیلًا إلی یسار القبلة عند الصلاة»، فأشکل علیه الخواجه وقال: «إن کان الانحراف من القبلة لغیرها فهو حرام، وإن کان من غیر القبلة إلی القبلة فهو واجب، فما المراد هنا بالاستحباب؟».
فردّ علیه المحقق الحلی رحمه الله: «لیس المراد هذا ولا ذاک، بل أردت الانحراف إلی نحو الیسار من القبلة إلی القبلة»، فاقتنع الخواجة. والآن یرد هذا السؤال: ما کان مراد المحقق من ذلک الجواب؟ فجمیع مناطق العراق تیامنیة أی تمیل إلی الجانب الأیمن من النقطة الجنوبیة، فما مراد المحقق.
الجواب:
أولًا: استحباب انحراف أهل العراق إلی الیسار لا یعنی انحرافهم من الجنوب نحو المغرب والمشرق بما ینافی انحراف قبلة أهل العراق من الجنوب نحو المغرب، بل المراد
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 376
الانحراف من نقطة القبلة إلی یسارها، والفارق بین الأمرین کبیر. (لابدّ من الدقّة).
ثانیاً: ذکر الفقهاء أمرین لاستحباب الانحراف إلی یسار القبلة:
1- ما ذکره العلامة المجلسی رحمه الله فی کتاب الصلاة من بحار الأنوار من أنّ علة الانحراف بسبب بناء محاریب مساجد الکوفة وسائر مناطق العراق منحرفة إلی الیمین (وإن لم یکن ذلک الانحراف بالشکل الذی یبطل الصلاة) لکن الأئمّة الأطهار علیهم السلام أوصوا بذلک بغیة درک النقطة الحقیقیة للقبلة، وعدم مخالفة الخلفاء الذین امروا ببناء تلک المساجد والفائدة فی معرفة النقطة الحقیقیة للقبلة دون الاصطدام بالجهاز الحاکم.
2- ما أوردته بعض الروایات من أنّ حدود حریم الکعبة من الیمین میلان ومن الیسار أربعة أمیال، أی هنالک قدسیة لهذا المقدار (طبها هذا الأمر لا یتعلق بحدود الحرم أربعة فراسخ فی أربعة فراسخ).
وعلیه فهذا حکم احتیاطی فی أن یتوجه الإنسان فی صلاته إلی نقطة یضعف فیها احتمال الخروج من حریم الکعبة. ولعل المحقق الحلی عنی بجوابه النقطة الأولی أو الثانیة.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 377

63 سبب تغییر القبلة

سؤال:
لماذا تحولت القبلة من بیت المقدس إلی الکعبة؟
الجواب:
یفهم من الآیات القرآنیة أنّ القبلة کانت فی الحقیقة هی الکعبة (بیت اللَّه) وقد جعل البیت المقدس قبلة مؤقتة للمسلمین لبعض الأسباب. فالآیة «قَدْ نَرَی تَقَلُّبَ وَجْهِکَ فِی السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّیَنَّکَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ...» «1»
تفید استیاء النبی الأکرم صلی الله علیه و آله من حوار الیهود بشأن قبلة بیت المقدس وکان یتطلع لانتهاء أجل تلک القبلة المؤقتة وإعلان الإسلام للقبلة الدائمة.
أمّا لماذا لم تکن الکعبة منذ البدایة القبلة الدائمیة بحیث صلی المسلمون مدّة نحو بیت المقدس حتی نزلت الآیة: «وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِی کُنتَ عَلَیْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ یَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ یَنقَلِبُ عَلَی عَقِبَیْهِ ...» «2»
فیفهم منها أنّ العملیة کانت تربویة للمسلمین الأوائل فی
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 378
تحقیق الأهداف الإسلامیة. فالحجازیون کانوا شدیدی الحب لأرضهم ولا سیما أهل مکة، وعلیه کان لابدّ من الوقوف بوجه الرغبات النفسیة والتعصب القومی فی ترک الکعبة مدّة واستقبال بیت المقدس فی الصلاة بغیة التضاد علی التعصب وترسیخ الطاعة. إضافة إلی توجه المسلمین مدّة إلی بیت المقدس- مرکز نفوذ الیهود- والاعتبار بهم؛ فبیت المقدس موضع اعتبار العالم ونقطة عز وذلة بنی اسرائیل، فعلل رقی وانحطاط الیهود واضحة فی بیت المقدس.
فقد وردوا هنا أذلة من مصر وبلغوا العزّة بجهادهم وتضحیاتهم، ثم انحدروا إلی السقوط بعد التمرد والعصیان، فاضحوا عبرة للمسلمین الأوائل. والذی ینبغی أن یعلمه المسلمون أنّ الکعبة إن جعلت قبلتهم الدائمیة فلیس لکونها مرکزاً قبلیاً وقومیاً، بل کونها أقدم مرکز توحیدی شید من قبل بطل التوحید إبراهیم الخلیل علیه السلام.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 379

64 اختلاف الآفاق فی رؤیة الهلال‌

سؤال:
ما سبب اختلاف الفقهاء فی تحدید أول الشهر فیزعم أحدهم أنّه هذا الیوم ویزعمه آخر أنّه الغد؟
الجواب:
ثبتت کرویة الأرض بعدّة أدلة حتی أصبحت الیوم من المسلمات العلمیة. کما أنّ القمر یطوی دورة کامله حول الأرض شهریاً فیتخذ أاشکالًا إثر هذه الحرکة هی (الهلال) و (البدر) و (التربیع) و (المحاق)، ذلک لأنّ نصف القمر المقابل للشمس واضحٌ تماماً، فنری وضوح نصف القمر أحیاناً وهو آنذاک (بدر کامل) وأخری (تربیع) وهکذا بسبب اختلاف کینونة (القمر والأرض والشمس) وعلی هذا الأساس فإنّ النقاط الغربیة وکون الأرض کرویة تجعل الرؤیة مبکرة ویشاهد الهلال مبکراً، وفی النقاط الشرقیة تحصل الرؤیة بصورة متأخرة فیری متأخراً.
وهذا ما یمکن اکتشافه بسهولة، فلو علقنا کرة فی سقف غرفة وجعلنا أمامها مصباح بحیث یکون محاذیاً لها أو فوقها، ثم وقفنا آخر الغرفة بعیداً عن المصباح، لرأینا أمامنا
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 380
النصف المظلم، ثم نتقدم بالتدریج حتی یتضح لنا هلال نحیف من النصف المضی‌ء، فیتضح أن تغییر موضعنا مؤثر فی مشاهدة الهلال المذکور، وبالنظر لانحناء الأرض وکرویتها یبدو تأثیر الآفاق فی المشاهدة وعدمها أکثر وضوحاً.

65 لماذا لا تکون الساعة 12 وقت الظهر الشرعی دائماً؟

سؤال:
لماذا الظهر الشرعی فی بعض فصول السنة یکون الساعة 12 وأحیاناً أکثر وأخری أقل؟
الجواب:
نعلم أنّ الأرض تدور حول الشمس علی مدار بیضوی؛ وتقع الشمس خلال عام شمسی فی أحد مرکزَی هذا المدار البیضوی. وعلیه فالمسافة بین الأرض والشمس لیست متساویة دائماً. فالنقطة التی تقع فیها الأرض فی غایة البعد تسمی «القمة» والنقطة الغایة فی القرب «الحضیض». وطبق قانون الجاذبیة العام حین تتحرک من القمة إلی الحضیض تزداد سرعتها شیئاً فشیئاً، وبالعکس تقل تدریجیاً حین تتحرک من الحضیض إلی القمة وعلیه فحرکة الأرض حول الشمس لیست رتیبة عکس حرکة عقارب الساعة (جهاز تعیین الوقت) حرکة رتیبة. فالحرکتان لا تتفقان قط، ولذلک فالظهر الحقیقی (حین یبلغ قرص الشمس منتصف النهار) أمّا أکثر أو أقل من الساعة 12 ویقال لهذه الساعات «الساعات الوسطی».
وهذا الاختلاف بین الساعة الحقیقیة والساعة الوسطی موجود طیلة أیّام السنة، لکن
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 382
أقل ممّا ذکر. ومن هنا یثبت فی التقاویم الکبیرة عمود بعنوان الساعات الوسطی یسجلون فیه اختلاف کل یوم. ومن الطبیعی الأخذ بنظر الاعتبار هذا الاختلاف لشروق وغروب الشمس. ولکن هنالک أربعة أیّام فی السنة یکون الاختلاف فیها صفراً.
توضیح آخر: أفرض أننا وضعنا آلة تصویر فی سطح نصف النهار المکانی وکانت لدینا ساعة دقیقة: فالظهر الحقیقی حین یقع مرکز الشمس علی مرکز آلة التصویر. ولو نظرنا لساعتنا لرأیناها أقل أو أکثر بدقائق من الساعة 12، إلّاالأیّام الأربعة التی أشرنا الیها والتی تکون الساعة 12 لحظة انطباق مرکز الشمس علی مرکز آلة التصویر.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 383

66 کیف نحل المسألة التی قضی فیها علی علیه السلام؟

سؤال:
روی فی قضاء علی علیه السلام أنّ ثلاثة أشخاص أرادوا توزیع 17 جملًا فیما بینهم، بحیث یأخذ أحدهم النصف والثانی الثلث والثالث التسع وتشاجروا فی کیفیة التقسیم. فأضاف الإمام‌ف علیه السلام جملًا إلی العدد المذکور، فأعطی نصف العدد (9 جمال) إلی الفرد الأول، وثلثها (6 جمال) إلی الثانی، واثنان إلی الثالث ولم یبق سوی جمله؛ أی أنّه أعطی کل فرد سهماً إضافیاً، فقد طالبوا ب 17 جملًا، فجعلها علیه السلام 18 جملًا، فرضی الجمیع بحکمه وبقی الجمل الزائد. والسؤال: من این جاءت هذه الإضافة وکیف قسمها بینهم؟
الجواب:
ما تجدر الإشارة إلیه الأسهم التی طلبها الأفراد الثلاثة والتی کانت أقل من المجموع، أی لو جمعنا النصف والثلث والتسع کان أقل من العدد الکامل. وعلیه لابد أن یقال إنّ الأفراد لم یدعوا الجمال السبعة عشر بدلیل مجموع أسهمهم (19+ 13+ 12) لیس بقدر مجموع ذلک المال.
توضیح ذلک: مجموع الأسهم فی مال تساوی دائماً الوحدة، وبعبارة أخری لو کانت
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 384
أسهم شرکة مثلًا «مئة سهم»، فمجموع أسهم الشرکاء إذا خلطناها ستکون مئة سهم قطعاً.
وفی تلک المسألة لا یرید الأفراد المتنازعون تقسیم العدد 17 إلی 19 و 13 و 12، بل ادعی الفرد الأول نصفها والثانی ثلثها والثالث تسعها، أی أنّ کل فرد کان یری سهمه مساویاً لذلک الکسر، والحال مجموع تلک الکسور لم یکن یساوی عدداً صحیحاً «1». إلّاأنّ الإمام علیه السلام قسم بینهم ما تبقی من المال- بنفس نسبة الأسهم المذکورة- وما لاحظناه من أنّ کلًا أخذ أکثر قلیلًا من سهمه حیث کان ذلک الباقی الذی أضافه الإمام علیه السلام إلی اسهمهم.
غایته یرد هذا السؤال: کیف قسم بینهم الزائد رغم أنّهم لم یدعوا ذلک؟
والجواب: کل مال بحوزة شخص أو أشخاص فهو ملکه حسب القوانین الإسلامیة إلّاأن یقام الدلیل علی خلافه، فالباقی کان لهم فی الواقع، لکنهم لم یلتفتوا إلی أنّ أسهمهم أقل من مجموع المال، بعبارة أخری کان أولئک الأفراد الثلاثة یرون السبعة عشر جملًا ما لهم ولیس لهم شریک رابع، وأرادوا تقسیمه 19 و 13 و 12 ولکنهم لم یلتفتوا إلی أنّ أسهمهم أقل من المجموع؛ فقسم بینهم الباقی وبقی جمله. حقّاً إنّها لفکرة ذکیة من الإمام.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 385

67 کیف کان زواج أبناء آدم‌

سؤال:
کیف کان زواج أبناء آدم وحواء، هل کان الأخ یتزوج أخته أم ماذا؟
الجواب:
للعلماء رأیان بهذا الشأن ذکر کل منها أدلة من القرآن والروایات علی رأیه وهی.
1- لم یکن آنذاک حکم بحرمة الزواج، وحیث لم یکن من سبیل لحظة النسل سوی ذلک فقد وقع زواج الأخ من الأخت. طبعاً «إنِ الحُکْمُ إِلّا للَّهِ» «1»
فما الضیر فی أن تباح تلک المسألة موقتاً لجماعة وتحرم بعد ذلک أبداً علی الجمیع؟ والدلیل القرآنی الذی ذکره أصحاب هذا الرأی قوله تعالی: «وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا کَثِیراً وَنِساءً» «2»
فظاهر الآیة أنّ النسل البشری کان بوسیلة هذین الفردین، ولو کان غیر ذلک لقال «وبث منهما ومن غیرهما» أضف إلی ذلک الروایة عن الإمام السجاد علیه السلام والتی ذکرها المرحوم الطبرسی فی تأیید هذا
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 386
الرأی.
2- إنّ أبناء آدم تزوجوا من نسل آخر کان علی الأرض لحرمة زواج المحارم، وحین أصبحوا أبناء عمومة أخذوا یتزاوجون، ویؤید ذلک بعض الروایات، فنسل آدم لم یکن النسل الأول علی الأرض، بل کان قبله الکثیر من الناس.
والحاصل: ربّما یقال إنّ أبناء آدم تزوجوا من بقایا النساء للناس الذین سبقوا آدم وحواء علی الأرض، حیث یستفاد من کلام اللَّه للملائکة بشأن خلق آدم، أنّ بعض الناس عاشوا فی الأرض قبل خلق آدم، وهذا ما تؤیده بعض الروایات.

68 هل هناک منافاة بین حریة الإنسان ومکافحة الفساد

سؤال:
یفتخر الإنسان أنّه خلق حرّاً فی الاختیار، وعلیه فکیف یأمر الإسلام بتعاون المؤمنین مع بعضهم علی البر والتقوی ومنعهم من العدوان؟ إلّایدعو الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر إلی سلب حریة الإنسان؟ وبغض النظر عن ذلک لو قام جمیع الأفراد بهذه الوظیفة لسادت المجتمعات الفوضی؟
الجواب:
المراد من الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر هذین الرکنین الإسلامیین الاجتماعیین دعوة الأفراد إلی الخیر والصلاح وصدهم عن الشر والفساد ومکافحة أنواع الانحرافات الاجتماعیة والأخلاقیة. ولابدّ من القول قبل کل شی‌ء هل إجراء هذین المبدأین فی المجتمع الذی تسود جمیع أفراده حالة من التعاون والمصیر المشترک بنفع المجتمع أم لا؟
فإن کان بنفع المجتمع تطلب ذلک الحد من الحریة الفردیة.
فأسلوب حیاة الإنسان فی الصور القدیمة کان بصیغة جماعات قلیلة تقطن الکهوف وشقوق الجبال والغابات، ولم تکن تحکمها حالة من التعاون والتوادد، ولعل مکافحة الفساد
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 388
ومنع الانحراف لا یبدو ضروریاً فی ظهر هذه الحیاة التی لا یعتمد فیها مصیر کل فرد علی الاخر، بینما لا یبدو کذلک فی المجتمع الذی یعیش وحدة المصیر، فأفراد هذا المجتمع کأبناء الأسرة الذین تسودهم اللحمة بحیث لا یسع أحدهم الإنفصال عن الآخر، وعلیه فتصرفات کل فرد تنسحب علی المجتمع، وعلی هذا الضوء لا یسع أحد أن یتخذ موقف المتفرج ویری نفسه بعیداً عن أفعالهم الصالحة والطالحة.
والانحرافات الخلقیة کالأمراض المعدیة- شئنا أم أبینا- تصیب الآخرین، وعلیه فلابدّ من مقاومتها، إلّالاجتاحت جمیع البلدان. کما أنّ الانحراف الأخلاقی والاجتماعی- کالمرض العضوی- یترسخ بسرعة ویستشری فی صفوف المجتمع. افرض أنّ أحدهم جعل داره مرکزاً للفساد وفسح فیها المجال للفاسقین، فهل تبقی حصانة للبنین والبنات الذین یشهدون تلک الدعارة کل لحظة، أم أنّ هوس الشهوة سیدفع بهم إلی ذلک المکان لتتسع دائرة الفساد بالتدریج.
ومن هنا لابدّ من القول إنّ التصدی للانحراف الأخلاقی والاجتماعی یضمن سعادة المجتمع الذی یعیش أفراده مع بعضهم البعض، والسکوت هنا جریمة ولعله لا ینجو من الهلکة. ولذلک أشار القرآن لهذه الحقیقة فقال «وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَاتُصِیبَنَّ الَّذِینَ ظَلَمُوا مِنْکُمْ خَاصَّةً ...» «1».
وقد طرح أحدهم هذا السؤال علی النبی الأکرم صلی الله علیه و آله فأجابه بتصویر الحالة کالسفینة التی رکبها جماعة وهم أحرار فهل یحق لأحدهم خرق البقعة التی یشغلها، طبعاً إن خرقها هلک وأهلک الجمیع. فمجتمعنا أشبه بالسفینة ورکابها الأفراد، فهم شرکاء فی المصیر ولا یمکن لأحدهم الاستقلال عن الآخرین. فالواقع هنالک فارق کبیر بین النظرة الإسلامیة لحریات الفرد وسائر المدارس السائدة فی عالمنا المعاصر. فالحریة فی عالمنا المعاصر محترمة ما لم تصطدم بالمجتمع وإن جرت الویلات علی ذلک الشخص وأدّت به إلی البؤس والشقاء أمّا الحریة فی الإسلام فتبقی محترمة ما لم تؤثر علی المجتمع ولا تخل بسعادته
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 389
وتقوده إلی التعاسة. فالإسلام لا یسمح بالنزوع إلی الوثنیة وعبادة الموجودات التی تدفع إلی السقوط والانحطاط، بینما تبیح ذلک المدارس المعاصرة. وللأمر بالمعروف والنهی عن المنکر ودعوة الآخرین إلی الخیر وصدهم عن الشر درجات ومراتب، فما تعلق بالآخرین انطلق من الموعظة والنصیحة لأخوة الدین، بل یمکن توطید العلاقة معهم وهذا النوع من مکافحة الفساد لا یؤدّی إلی أی فوضی، أمّا الدرجات الأرفع (کتنفیذ العقوبات وإجراء الحدود الإلهیّة بشأن العصاة) فلابدّ أن تتم من قبل الحکومة الإسلامیة وعلی غرار عهد النبی الأکرم صلی الله علیه و آله ولیس لأی‌فرد عادی التصرف بمفرده.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 391

69 العفو والقصاص‌

سؤال:
دعی القرآن الکریم إلی إجراء القصاص وعدّه وسیلة دیمومة الحیاة علی الأرض فقال:
«وَلَکُمْ فِی الْقِصَاصِ حَیَاةٌ ...» «1»
واثنی علی العقود والصفح فدعی إلیه «وَالْکَاظِمِینَ الْغَیْظَ وَالْعَافِینَ عَنِ الناسِ ...» «2»
أفلیس هنالک من تناقض؟
الجواب:
أولًا: لأغلب التشریعات آثار اجتماعیة ونفسیة، مثلًا فی الوقت الذی سمح فیه لأولیاء المقتول بالقصاص من القاتل، کفی لمن هم بإراقة دم غیره أن یری حق القصاص- للذی منح لأولیاء المقتول- ماثلًا أمام عینیه فیکف عن الفعل خوف الإعدام.
وعلیه فمنح حق القصاص بذاته یستبطن حیاة المجتمع ویحول دون القتل رغم قلّة ممارسة هذا الحق. بعبارة أخری فإنّ مصدر بقاء البشر وضمان حیاته إزاء المعتدی یتمثل فی القدرة القانونیة علی القصاص لا ممارسته، ذلک ما یصد المعتدی هو تفکیره بقدرة
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 392
صاحب الدم الذی أراقه سیقتص منه فی المحکمة، وهذا التفکیر یحول دون ارتکابه للقتل.
إلّا أنّ الإسلام لم یجبر أولیاء المقتول قط علی ضرورة ممارسة هذا الحق القانونی، بل فوض لهم التنازل عن هذا الحق فی العفو عن القاتل؟ و قبول الدیة.
فقد حقق الإسلام بتشریعه لقانونی (القصاص والعفو) هدفین: حیث منح من جانب لأولیاء المقتول حق القصاص والثأر فمنع بذلک تکرار الحوادث الدمویة، وبالطبع لو لم یمنحهم هذا الحق لارتفع حجم الجریمة. ومن جانب آخر لم یحمل أولیاء المقتول قسراً علی القصاص وترک لهم استخدام حقّهم القانونی، بحیث لو رغبوا علی ضوء بعض المصالح لتجاوزوا عن المقتول.
والنتیجة: لو لم یشرع القصاص لغاب الأمن والاستقرار وتهددت الحیاة البشریة؛ ولو لم یمنح صاحب الحق الحریة فی العفو والصفح، لکان التشریع الأول ناقصاً. وربّما اقتضت بعض المصالح عفو صاحب الحق وترجیحه الصفح علی الثأر؛ فکان قانون العفو مکملًا لحق القصاص.
ثانیاً: لابدّ من الإلتفات إلی أنّ للقصاص مورد وللعفو مورد آخر، ففی الحالة التی یساعد فیها القصاص من الجانی فی إشاعة الأمن ودیمومة الحیاة (بحیث لو أغمض عن القصاص لکان ذلک حثاً للآخرین علی ارتکاب مثل هذه الجریمة): الأولی بأولیاء المقتول ممارسة هذا الحق القانونی، أما إن ندم القاتل واقتضت المصالح الصفح عن جریمته، فالعفو هنا مقدم علی القصاص، ولا یبدو تمییز هاتین الحالتین صعباً.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 393

70 سن زواج البنین والبنات‌

سؤال:
طالعتنا بعض الصحف مؤخراً بحوارات بشأن زیادة سن الزواج، حتی قیل عقد اجتماع بهذا الخصوص وصدر بیاناً، وکأنّ طائفة من الشباب اقترحوا سناً لزواج البنین 20 سنة والبنات 25 سنة، «1» فما رأیکم بهذا الموضوع؟
الجواب:
أولًا: إنّ البلوغ وسن زواج البنین والبنات لیس موضوعاً تعاقدیاً لنضع له حداً معیناً، بل أمر طبیعی وفطری خارج عن اختیارنا وحدودنا، وکل ولد أو بنت یبلغ فی سنین معینة من عمره فیستقبل فصلًا جدیداً من حیاته. وقد عین هذا الفصل قبلنا کتاب الطبیعة ولا یتزحزح باجتماعاتنا وقراراتنا.
ویتزامن البلوغ مع تغییرات جسمیة وروحیة عمیقة؛ فتتغیر القامة وتزداد الطاقة البشریة وتتبدل أشکال الأعضاء عمّا کانت علیه، وتستجد میولات خاصة فی الإنسان لتوسیع الحیاة، وتتفتح الرغبات الجنسیة کتفتح البراعم فی الربیع، ویتضاعف الشعور
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 394
بالحاجة إلی الشریک وتغلظ العظام وتتغیر نغمة الصوت.
وعلیه فقد أقر خالق الخلق هذه الحدود للحیاة علی صفحة وجودنا بخطه البارز، ولابدّ لنا من الرجوع إلی کتاب الخلق لا إلی هذا وذاک لتصفح أوراقه المتعلقة بعهد البلوغ والتفتح الجنسی لنعین السن القانونی للزواج علی ضوء سنّة الخلقة وقوانینها، ونبتعد عن الخیال والوهم.
ومن یتمرد علی مطالعة کتاب الفطرة ودفتر الخلق ویعتبر البلوغ أمراً تعاقدیاً ویعتقدبان الحقائق تابعة للنظریات والعقود إنّما یقف بوجه سنن الحیاة وسیهزم فی خاتمة المطاف؛ ذلک لأنّ هذه السنن لا تتبدل تبعاً لأحادیث الغافلین. وکما أنّ تکامل الجنین فی رحم الأُم یستغرق تسعة أشهر ومن العبث أن یتصدی جماعة لکی یسنّوا قانوناً یجعل تکامله فی الرحم سنة، کذلک یبدو عبثاً التصرف فی حد البلوغ الذی یمثل أحد السنن الکونیة. وقرار ذلک الاجتماع شبیه باجتماع أصحاب الدواجن لیقولوا هنالک أزمة اقتصادیة تواجه العالم وحاجة ملحة للدجاج؛ وعلیه فمن الآن فصاعداً ینبغی أن تستبدل مدّة الحادی والعشرین یوم للتفقیس بعشرة أیّام لیتضاعف مقدار الدجاج- والمراد من حدیث النبی الأکرم صلی الله علیه و آله:
«لا تعادوا الأیّام فتعادیکم»، عدم مواجهة سنن الکون، فلیست لهذه المواجهة من نتیجة سوی الهزیمة.
ثانیاً: لابدّ من النظر إلی جمیع الجوانب فی تدوین القانون؛ لأنّ معدل سن البلوغ الجنسی فی بنات بلدنا 14 سنة والبنین 16 سنة. ففی هذا الفصل من الحیاة تتیقظ رغباتهم الجنسیة، ولو رفعنا سن الزواج لاستسلم الطرفان للجماع الشاذ، وهذا ما یؤدی إلی آلاف المصائب الاجتماعیة، أو الضغط علی أعصابهم إزاء مقاومة طغیان الغریزة الجنسیة ولمدّة طویلة إن أمکن ذلک لبعض الأفراد.
ثالثاً: أتعلمون أنّ الزواج وانتخاب الشریک یفجر الطاقات الکامنة فیفکر الأفراد المتزوجون بطریقة أفضل من العزاب حیث یتعذر التفکیر الصحیح علی الشاب الذی تشتعل لدیه غریزة الشهوة ولا یمتلک الوسیلة المشروعة لاطفاء جذوتها. وهذه هی الحقیقة
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 395
التی اعترف بها بعض علماء النفس واجروا تجاربهم علی أساسها.
ولو کان الغرض من رفع سن الزواج الحیلولة دون زیادة السکان، فهنالک عدّة حلول طرحت لعلاج هذه المشکلة، والصحیح أن تعالج هذه المشکلة بالطرق العقلائیة لا أن تلجأ لدفع الفاسد بالأفسد.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 397

71 هل صلة الرحم ضرورة دائماً؟

سؤال:
هنالک بعض الأفراد من القرابة ممن لا یراعون الموازین الشرعیة فی حیاتهم فهل یجوز التواصل معهم؟ وهل نحن مکلّفون برعایة صلة الرحم فی هذه الحالة؟
الجواب:
نعلم أنّ الأسرة مجتمع صغیر، وکما أنّ لتماسک ومتانة علاقات المجتمع الکبیر دوره فی تقدم الإنسان مادیاً ومعنویاً، کذلک لهذا المجتمع الصغیر دوره المؤثر، ومن هنا أولی الإسلام بصفته دینا اجتماعیاً موضوع صلة الرحم (التی تعنی تقویة وترسیخ الروابط الاجتماعیة والأسریة) أهمیة فائقة حتی اعتبرها من الواجبات واعتبر قطعها من المحرمات والکبائر.
ویکفی فی هذا الأمر ما أکّده القرآن کراراً أنّ الإنسان سوف یسأل یوم القیامة عن هذا الواجب، حیث قال: «وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِی تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ کَانَ عَلَیْکُمْ رَقِیباً» «1».
ورد عن الإمام الصادق علیه السلام قال: إنّ رجلًا أتی النبی صلی الله علیه و آله قال: یارسول اللَّه أهل بیتی أبوا
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 398
إلّا توثّباً علیّ وقطیعة لی وشتیمة فارضهم؟ قال صلی الله علیه و آله: إذاً یرفضکم اللَّه جمیعاً، قال: فکیف أصنع؟ قال: «تصل من قطعک وتعطی من حرمک وتعفو عمّن ظلمک، فإنّک إذا فعلت ذلک مان لک من اللَّه علیهم ظهیر» «1».
کما صرح النبی صلی الله علیه و آله بأهمیة هذا الموضوع فی موضع آخر حتی قال: «أوصی الشاهد من أُمتی والغائب منهم ومن فی أصلاب الرجال وأرحام النساء إلی یوم القیامة أن یصل الرحم وإن کانت منه علی مسیرة سنة، فإنّ ذلک من الدین» «2».
وأن تؤدوا هذه الفریضة ولو یتحمل عناء السفر وأداء هذا الدَّین الأخلاقی والاجتماعی.
طبعاً لا شک فی أنّ أداء أی واجب مشروط بعدم زوال المسائل الأهم، ولا یستثنی من هذا القانون موضوع صلة الرحم. فزیارة الأفراد الذین لا یراعون الموازین الشرعیة وصلتهم إن أدّی إلی إعادة نظرهم فی أمور حیاتهم والعودة إلی الالتزام بمقررات الدین أو علی الأقل لم یکن لهذه الصِلة من أثر سی‌ء علی روحیة الأفراد ووضعهم العائلی کانت صلة الرحم هذه ضروریة وواجبة.
ولکن إن کان العکس بحیث أدّت صلة الرحم إلی تأثر الشخص بالمفسدین وأفکارهم المنحرفة، فما علیه إلّاالتخلّی مؤقتاً عن هذه الفریضة رعایة لأمر أهم وعدم تعرض عقائده إلی الخطر.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 399

72 هل إعانة الفقیر دلالة علی ضرورة الفقر؟

سؤال:
حثت الآیات القرآنیة والروایات الإسلامیة علی مساعدّة المحرومین والمحتاجین حتی کان الفقراء والمحتاجین من مصارف الزکاة الثمانیة، أو لیس التأکید الإسلامی علی إعانة الفقراء دلیلًا علی قبول الإسلام للفقر کقضیة اجتماعیة ثابتة فی الشرع؟
الجواب:
أولًا: أشارت الأحادیث الواردة فی الضرائب الإسلامیة کالزکاة إلی هذه الحقیقة وهی أنّ المجتمع الإسلامی إن کان سلیماً فلا مکان فیه للفقیر والمحتاج، ولو أدی الناس حقوق اللَّه التی قررها لهذه الطبقة لما کان هنالک من أثر للفقر فی المجتمع. قال الصادق علیه السلام: «لو أن الناس أدوا زکاة أموالهم ما بقی مسلم فقیراً محتاجاً ولاستغنی بما فرض اللَّه له وأنّ الناس ما افتقروا ولا احتاجوا ولا جاعوا ولا عروا إلّابذنوب الأغنیاء» «1».
ویتبیّن من تأمل الأحادیث التی وردت بهذا الشأن أنّ الفقر الاقتصادی معلول لعدم قیام الأثریاء بوظیفتهم والظلم الاجتماعی لبعض الأغنیاء. وعلیه فالإسلام یری الفقر نوعاً من
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 400
المرض والانحراف ورد فعل شاذ بسبب عدم سلامة أنظمة المجتمع، لا أنّه یقرّه کضرورة اجتماعیة أو ظاهرة طبیعیة فی کیان المجتمع.
ثانیاً: لم ینبثق الإسلام فی مجتمع سلیم، بل فی مجتمع مریض بجمیع جوانبه ومفعم بالتمییز والظلم، وبالطبع کان لابدّ من مشروع لتحقیق هذا الهدف من خلال اجتثاث جذور الفقر والحرمان؛ لأنّ الفقر والحرمان کان من الأمور التی تجذرت فی المجتمع آنذاک ولابدّ من استئصاله بالخطط الإسلامیة الصحیحة.
ثالثاً: لا یخلو المجتمع الحر من بعض الانتهازیین والاستغلالیین الذین یسببون إرباکاً لأفراد المجتمع. وبالطبع لابدّ من مشروع وخطة تحبط مساعی وأنشطة هؤلاء الأشخاص.
فمثلًا، نری فی الإسلام قانون القصاص والحدود والدیات والعقوبات المتعلقة بالسرقة والزنا وأنواع العدوان، لیس فقط فی الإسلام، بل هذه القوانین هی السائدة فی المجتمعات المتحضرة کافّة؛ فهل یسع احد الاستدلال بهذه القوانین علی ضرورة وجود القتل والجریمة والأعمال المنافیة للعفة فی هذه المجتمعات، وإلّا کان سن مثل هذه القوانین لغواً، قطعاً لا، بل کل فرد یوجه هذه القوانین فی أنّ المجتمع الذی یتألف من مختلف الأفراد ولا یسوده النظام الاجباری، ممکن أن یضم بعض المتمردین الذین لابدّ من عقابهم. مثلًا، وجود الطبیب والدواء لیس دلیلًا علی وجود المریض والمرض إلزاماً فی المجتمع، بل إنّ کان هنالک مثل هؤلاء الأفراد فعلاجهم بهذه الطریقة.
وهکذا قضیة مساعدّة الفقراء والمحتاجین، والهدف من مساعدتهم لا یعنی وجود الفقر والفقراء علی نحو الضرورة؛ بل المراد إن کان هنالک هؤلاء الأفراد وأفرز الظلم والإجحاف مثل هذه الفئة، فلابدّ من مساعدتهم وعلاج هذا المجتمع بأسرع وقت.
أضف إلی ذلک فهنالک بعض الأفراد فی المجتمع الذین ینبغی أن یحصلوا علی دعم بسبب عجزهم، کالأطفال الیتامی وقرابة الجنود الذین یستشهدون فی میادین الجهاد أو الکهول العجزة و ... فکل هؤلاء الأفراد ممن فقدوا قدراتهم ولا یسعهم مواصلة حیاتهم ولابدّ من تغطیة معیشتهم من بیت المال ومساعدّة الأثریاء، فلیس لهم رواتب تقاعدیة ولیسوا من أصحاب الثراء. وبالطبع فإنّ الکلام الإسلامی فی المساعدّة متعلق بهؤلاء.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 402

القسم السادس التفسیر

1 هل الأدیان الأخری حق؟

سؤال:
إنّ الإسلام نسخ سائر الأدیان فما معنی تصریح بعض الآیات القرآنیة من أنّ الأفراد أو المجتمعات والأقوام الیهودیة والنصرانیة والصابئة والمجوس إن آمنوا باللَّه وعملوا صالحاً فلا خوف علیهم یوم القیامة ولا هم یحزنون. أفلا تفید هذه الآیات أنّ تلک الأدیان حقّة ولم تنسخ من قبل الإسلام؟
الجواب:
نشیر إلی الآیات الشریفة الواردة بهذا الشأن قبل الجواب:
1- «إِنَّ الَّذِینَ آمَنُوا وَالَّذِینَ هَادُوا وَالنَّصَارَی وَالصَّابِئِینَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْیَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَیْهِمْ وَلَا هُمْ یَحْزَنُونَ» «1».
2- «إِنَّ الَّذِینَ آمَنُوا وَالَّذِینَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَی مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْیَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَا خَوْفٌ عَلَیْهِمْ وَلَا هُمْ یَحْزَنُونَ» «2».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 404
3- «إِنَّ الَّذِینَ آمَنُوا وَالَّذِینَ هَادُوا وَالصَّابِئِینَ وَالنَّصَارَی وَالْمَجُوسَ وَالَّذِینَ أَشْرَکُوا إِنَّ اللَّهَ یَفْصِلُ بَیْنَهُمْ یَوْمَ الْقِیَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَی کُلِّ شَیْ‌ءٍ شَهِیدٌ» «1».
ربّما یتصور بادئ الأمر أنّ هذه الآیات تقول إنّ أتباع أیِّ من الأدیان السابقة إن کان ممن آمن وعمل صالحاً فهو ناجٍ یوم القیامة وبالتالی فإنّ الأدیان السابقة لیست منسوخة، وکل دین سبیل إلی اللَّه والإنسان مخیّر بانتخاب أیِّ سبیل ولا ضرورة للاقتصار علی الإسلام.
وهذا الموضوع ورد کراراً ممن لم یقفوا علی حقیقة القرآن الکریم.
لابدّ من الإلتفات إلی أنّ تفسیر أیة لا یتمّ بمعزل عن سائر الآیات، بل من تأمل الآیات السابقة واللاحقة للآیة المراد الوقوف علی مفهومها بالإضافة إلی سبب النزول.
وکان اتباع سائر الادیان التی ظهرت بعدالاسلام طبیعیاً، اضف الی ذلک لم یکن من المناسب الاصطلاح علی التشریع الاخر باسم الاسلام، والا لما صح ان یکتب النبی صلی الله علیه و آله کتبه الی زعماء و رؤساء کافة الاسم ویدعوهم لدینه، علی ان دینه دین عالمی و شریعته الخاتمة.
ورسائل النبی صلی الله علیه و آله وجهاد المسلمین لأهل الکتاب وروایات الأئمّة الأطهار علیهم السلام تشیر جمیعاً إلی نهایة الأدیان إثر انبثاق الدعوة الإسلامیة ولم تکن من نبوة سوی نبوة الخاتم محمد صلی الله علیه و آله.
وما هو هدف الآیة:
تشیر الآیات السابقة إلی حقیقتین: إجمالیة ومفصلة:
1- لو کان الیهود والنصاری یؤمنون حقاً باللَّه والیوم الآخر، ولایقتصرون علی الظاهر اذن ینبغی إیمانهم بالنبی صلی الله علیه و آله علی ضوء التوراة والانجیل وسائر الکتب السماویة، لأن هذه
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 405
الکتب بشرت بنبی الإسلام صلی الله علیه و آله وأشارت إلی خصائصه بحیث یعرفونه کما یعرفون أبناءهم «1».
وقد بیّن القرآن الکریم ذلک فقال: «قُلْ یَا أَهْلَ الْکِتَابِ لَسْتُمْ عَلَی شَیْ‌ءٍ حَتَّی تُقِیمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِیلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَیْکُمْ مِنْ رَبِّکُمْ» «2».
طبعاً المراد من إقامة هذه الکتب العمل بمضامینها، واحد مضامینها نبوة محمد صلی الله علیه و آله ورسالته العالمیة والتی وردت فی هذه الکتب وأشار لها القرآن مراراً. فلو کان هؤلاء یؤمنون حقاً باللَّه ویوم القیامة، یجب علیهم الإیمان برسالة النبی التی تشکل أحد تعالیم العهدین، وسیکونون علی هذا الأساس مسلمین ومأجورین قطعاً.
2- یتضح من خلال الآیات التی سبقت هذه الآیة فی سورة البقرة أنّها ترتبط بطائفة من أهل الکتاب التی آمنت باللَّه والیوم الآخر علی عهد سابق الأنبیاء وکانوا یلتزمون بأحکام دینهم آنذاک، وبالمقابل کانت هنالک طائفة أخری حادت عن التوحید وعبدت العجل حتی قالوا لموسی علیه السلام صراحة: لن نعبد اللَّه ما لم نره. فکان حالهم حسب ما ورد فی القرآن «وَضُرِبَتْ عَلَیْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْکَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذلِکَ بِأَنَّهُمْ کَانُوا یَکْفُرُونَ بِآیَاتِ اللَّهِ وَیَقْتُلُونَ النَّبِیِّینَ بِغَیْرِ الْحَقِّ» «3».
فقد وردت الآیات المذکورة بغیة التمییز بین الطائفتین من أهل الکتاب. وعلیه ستکون الآیة مختصة بتلک الطائفة من أهل الکتاب التی عاشت قبل بعثة النبی صلی الله علیه و آله. ویؤید ذلک سبب نزولها، حیث کان المسلمون یفکرون فی مصیر الصلحاء من آبائهم وأجدادهم بعد أن ماتوا علی دین آخر غیر الإسلام. فنزلت الآیة الشریفة لتعلن نجاة کل من آمن باللَّه والیوم الآخر ونبی زمانه و عمل صالحاً.
وقد تحدث سلمان إلی رسول اللَّه صلی الله علیه و آله حین رآه عن صحبه من رهبان دیر الموصل، فالتفت إلیه البعض فقال: کان جمیعهم ینتظرون بعثتک لکنهم توفوا قبل أن تبعث. فقال
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 406
أحدهم لسلمان، إنّهم فی النار، فشق ذلک علی سلمان، فنزلت الآیة لتعلن عدم الخوف والحزن علی من مات مؤمناً ولم یدرک دعوة النبی صلی الله علیه و آله. والخلاصة فمن آمن علی عهده فلا خوف علیه.
وعلیه فلا علاقة لهذه الآیة ببعض الافکار الخاطئة من قبیل صلاح أتباع الدیانات کافّة، ولا یکشف هذا التفسیر إلّاعن جهل بالقرآن وبغض النظر عن ذلک فلیس للآیة 17 من سورة الحج ادنی علاقة بمدّعاهم ومفادها أنّ اللَّه سیقضی یوم القیامة بین جمیع الأمم ولا یعنی هذا فلاح الجمیع «1».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 407

2 ما علة طلب الهدی إلی الصراط المستقیم؟

سؤال:
رغم أنّ النبی الأکرم صلی الله علیه و آله والمسلمین هدوا إلی الصراط المستقیم لکنّهم یسألون اللَّه فی الصلاة: «اهْدِنَا الصِّرطَ الْمُسْتَقِیمَ» أوَلیس هذا تحصیل للحاصل؟
الجواب:
إن عالم الوجود بکل مکوناته- المادیة والمعنویة- آیلة للزوال وعرضة للتغیر، کما أنّ أصل انبثاق ظاهرة یحصل فی ظل علّة وظروف معینة، ویتطلب استمرارها عنایة خاصة لیکسوها ثوب البقاء ویحول دون زوالها. ویشمل هذا القانون موضوع الهدی إلی الصراط المستقیم، وبقاء واستمرار هدی الفرد أو المجتمع یتطلب عنایة وشرائط خاصة، وإلّا یمکن أن یهتدی فرد وینحرف لاحقاً فیضل بعد الهدی.
وعلیه فمصیر الفرد والمجتمع مبهم مهما کان علی الهدی الآن ویمتلک عقائد سامیة.
وعلیه أن یستفید من هذا الوضع ویتجه إلی اللَّه ویسأله دوام هذه النعمة التی یمکن زوالها فی کل آن.
فعندما یقول المهتدی: «اهْدِنَا الصِّرطَ الْمُسْتَقِیمَ» الهدف منه ثبتنا علی هذا الطریق
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 408
وأدم علینا هذه النعمة.
وقال صاحب مجمع البیان: إنّ نظیر هذه التعبیرات کثیر لدینا، وإنّک حین تشعر بأنّ ضیفک یسعی إلی ترک الطعام تقول له: تفضل کل، فی حین هو ما زال یأکل، لکن مرادک مواصلته للأکل حتی یشبع.

3 ما المراد من خلق السموات والأرض فی ستة أیّام؟

سؤال:
قال اللَّه تعالی «إِنَّ رَبَّکُمْ اللَّهُ الَّذِی خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ فِی سِتَّةِ أَیَّامٍ ...» «1»
فما المراد بالأیّام الستة؟ فاللیل والنهار لم یکن آنذاک، أضف إلی ذلک لِمَ لم یخلقها فی لحظة واحدة؟
الجواب:
یشتمل السؤال علی قسمین؛
الأول: ما المراد من الستة أیّام ولم یکن آنذاک لیل ونهار؟
الجواب: إنّ للفظ «الیوم» عدّة معانٍ حسب العبارات. وعادة ما یعنی ضد اللیل والذی ورد کثیراً فی القرآن الکریم، لکنّه یستعمل أحیاناً بمعنی العهد، بحیث لو کان لشی‌ء عهود مختلفة لاطلق علی کل عهد یوماً. فمثلًا یقول رجل کهل: یوماً کنت صبیاً ویوماً شاباً والیوم أنا کهل. لأنّ هذه العهود کحلقة السلسلة المتصلة الواحدة بالأخری کثلاثة أیّام متصلة، ومن هنا یعبر عن هذه العهود الثلاثة بالیوم.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 410
قال علی علیه السلام: «الدهر یومان؛ یوم لک ویوم علیک» أی للإنسان عهدان طیلة حیاته، عهد یبلغ فیه ذروة قوته وآخر ذروة ضعفه.
وعلی هذا الضوء فالمراد من الستة أیّام (العهود الستة) التی مضت علی السموات والأرض لتکون بوضعها الفعلی، أی أنّ هذا الوضع الفعلی للأرض والسماء نتیجة سلسلة تحولات متواصلة ظهرت فیهما، وبالتالی أصبحتا بهذا الشکل بعد طی تلک المراحل، وربّما استغرق (العهد) عشرة ملایین أو ملیارات السنین.
القسم الثانی: لِمَ لم یخلقها فی لحظة واحدة؟
الجواب: إنّ العالم الذی نعیش فیه عالم المادة والتکامل التدریجی من ملازمات الوجود المادی، والأمور المادیة بالطبع تغیرت خلال الزمان من صورة إلی أخری واجتازت مراحل لتتحول بالتالی إلی ظاهرة متکاملة ولا یستثنی من ذلک قانون الأرض والسماء. ولو أخذت أیة ظاهرة مادیة لرأیت تکاملها التدریجی. فالنباتات مثلًا بعد مدّة من الزمان تتحول إلی أشجار عملاقة، وهکذا المعادن الجوفیة والحیوان والإنسان الذی لا یستطیع العیش فی هذا العالم الواسع ما لم یُنِه مرحلته الجنینیة، وهذا القانون ساری المفعول بالنسبة لعالم الوجود برمّته.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 411

4 ما المراد من السموات السبع؟

سؤال:
ما المراد من السموات السبع التی أشار لها القرآن الکریم؟
الجواب:
ذکر المفسرون عدّة تفاسیر للسموات السبع الواردة فی القرآن الکریم:
1- المراد من عدد السبعة هنا، الکثرة؛ السموات الکثیرة، وهذا ما نستعمله کثیراً ولا نقصد به ذات العدد، بل الکثرة، فنقول علی سبیل المثال: قلت لک هذا الموضوع خمسین مرّة، أو طالبته بالمبلغ عشر مرات، والمراد کثرة العدد.
قال اللَّه تعالی بشأن کلمات اللَّه- علمه-: «وَلَوْ أَنَّمَا فِی الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ یَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ کَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِیزٌ حَکِیمٌ» «1»
. فمن البدیهی أنّ العدد سبعة هنا أرید به الکثرة، وإلّا فنحن نعلم لو أضفنا عشرة أو مئة بحر لما أمکن احصاء کلمات اللَّه، ذلک أنّ اللَّه لا متناهٍ من جمیع الجهات، وکذلک الأعداد الأخری فی القرآن کالسبعین وأمثاله إنّما تستعمل للکثرة، ولا تفید عدداً معیناً.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 412
2- المراد من السموات السبع السیارات التی کانت معلومة للناس حین نزول القرآن آنذاک، أو السیارات التی تری الیوم بالعین المجردة.
3- المراد طبقات الجو المختلفة والغازات المحیطة بالأرض.
4- یعتقد بعض الأعلام أنّ الکواکب والنجوم والمجرّات التی تری کلها جزء من السماء الأولی ومن ورائها ستة عوالم کبری. ومراد القرآن من السموات السبع، مجموع العوالم السبعة فی عالم الوجود، ورغم أنّ العلم لم یُمطِ اللثام سوی عن واحدة، ولکن لا مانع من تقدم العلم لیکشف فی المستقبل العوالم الستة الأخری خلف هذا العالم المحسوس. وقد استدل اصحاب هذا الرأی بالآیة: «إِنَّا زَیَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْیَا بِزِینَةٍ الْکَوَاکِبِ» «1»
. یستفاد من هذه الآیة أنّ جمیع الکواکب فی السماء الأولی (لابدّ من الالتفات إلی أنّ الدنیا فی العربیة تعنی الأسفل والقریب).
جدیر بالذکر أنّ الآیات والروایات التی ذکرت السموات کسبع لا تفید تأیید «نظریة الهیئة» لبطلیموس التی تری السموات کأفلاک تشبه قشور البصل (لأنّ عدد الأفلاک والسموات حسب هذه النظریة تسعة).
وأمّا الأرضین السبع التی وردت الإشارة إلیها فی القرآن وفی بعض الأحادیث فقد تحدثت عنها نظریات کالسابقة فی أنّ المراد من (السبع) الکثرة، أو أنّه إشارة إلی مختلف طبقات الأرض، أو الأرضین السبع هی: عطارد والزهرة وزحل والأرض والمریخ والمشتری والقمر؛ أی کرات المنظومة الشمسیة التی نراها. وعلیه فالمراد بالسموات السبع الفضاء الذی یعلو هذه الکرات.
بعبارة أخری تعتبر هذه الکرات أرضاً وسمواتها ما حولها من أجواء وفضاء. هذه خلاصة تفاسیر العلماء والمفسرین بشأن السموات السبع والأرضین السبع، وبالطبع فإنّ توضیح القرائن التی تؤید أیّأ من التفاسیر، ولا سیما التفسیر الأخیر الذی یبدو أقربها إنّما یتطلب شرحاً مسهباً.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 413

5 این المشرقین والمغربین؟

سؤال:
ما المراد من قوله تعالی: «رَبُّ الْمَشْرِقَیْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَیْنِ»؟ «1»
الجواب:
ورد استعمال المشرق والمغرب فی القرآن بصیغة التثنیة: «رَبُّ الْمَشْرِقَیْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَیْنِ» وبصیغة الجمع: «فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ» «2»
ویقول فی موضوع آخر: «وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِینَ کَانُوا یُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ...» «3»
وعلیه فالمشرق والمغرب بصورة الجمع یفید تعدد الأفراد وبصیغة التثنیة یفید فردین.
وقد ذکر المفسرون معنیین؛
الأوّل: أنّ المراد من المشرقین والمغربین مشرق ومغرب نصفی الکرة الأرضیة؛ أی
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 414
الشمالی والجنوبی أو الشرقی والغربی، حتی عدّ البعض إشارة إلی نصف کرة جدیدة، أی «قارة أمریکا» قبل اکتشافها وهذا خارج عن موضوع البحث. والمراد من المشارق والمغارب مختلف نقاط الکرة الأرضیة حیث إنّ کل نقطة مشرق بالنسبة لنقطة، ومغرب بالنسبة لأخری.
وبعبارة أخری فإنّ أحد خواص الکرة أنّ کل نقطة منها مشرق بالنسبة للنقطة المقابلة للمغرب، ومغرب بالنسبة للنقطة المقابلة للمشرق، ومن هنا اعتبر البعض هذه الآیات إشارة لکرویة الأرض.
الثانی: أنّ المراد من تعدد المشرق والمغرب هو تعدد نقطة الشروق والغروب الحقیقیین للشمس؛ ذلک لأنّ الشمس تشرق یومیاً من نقطة وتغرب فی أخری. وعلیه لو أخذنا مجموع المشارق والمغارب لعبرنا بصیغة الجمع، وإن أخذنا آخر نقطة المیل الأعظم الشمالی للشمس (أول الصیف) وآخر نقطة المیل الأعظم الجنوبی (أول الشتاء) للزم التعبیر بصیغة المثنی، وهذه إحدی روائع القرآن الکریم فی إلفاته الإنتباه إلی الأسرار العظیمة للخلق بعبارة قصیرة؛ لأننا نعلم أنّ لتغییر شروق وغروب الشمس تأثیراً عظیماً فی تنمیة النباتات والزهور والثمار وبصورة عامة الأحیاء کافّة.

6 کیف یؤید القرآن کرویة الأرض؟

سؤال:
هل هنالک شواهد قرآنیة وروائیة علی کرویة الأرض؟
الجواب:
إنّ أحد أسرار الوجود التی أشار لها القرآن موضوع کرویة الأرض، وهذا ما نستفیده من الآیات القرآنیة ومنها:
1- «وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِینَ کَانُوا یُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ...» «1».
2- «رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَیْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ» «2».
3- «فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ» «3».
توضیح ذلک: إنّ هذه الآیات کما ورد سابقاً تفید جمیعاً تعدد المشارق والمغارب ونقطتی شروق وغروب الشمس ولازمة ذلک کرویة الأرض؛ لأنّه لو کانت الأرض مسطحة
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 416
ومستویة فسوف لن یکون للعالم أکثر من مشرق ومغرب. وعلیه فتعدد المشارق والمغارب دلالة واضحة علی کرویة الأرض.
الروایات وکرویة الأرض:
کما تفهم کرویة الأرض من بعض الروایات، منها ما ورد عن الإمام الصادق علیه السلام قال:
«صحبنی رجل کان یمسی بالمغرب ویغلس بالفجر وکنت أنا أصلی المغرب إذا غربت الشمس وأُصلی الفجر إذا استبان الفجر، فقال لی الرجل: ما یمنعک أن تصنع مثل ما أصنع؟
فإنّ الشمس تطلع علی قوم قبلنا وتغرب عنّا وهی طالعة علی قوم آخرین بعد. قال: فقلت:
إنّما علینا أن نصلّی إذا حجبت الشمس عنّا، وإذا طلع الفجر عندنا الیس علینا إلّاذلک، وعلی أولئک أن یصلّوا إذا غربت الشمس عنهم ...» «1».
وقد بیّن الإمام علیه السلام هذه الحقیقة فی روایة أخری فقال: «إنّما علیک مشرقک ومغربک». وکل هذا طبعاً بسبب کرویة الأرض.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 417

7 حرکة الأرض الوضعیة

سؤال:
هل ما یعتقده علماء الفلک بأنّ الأرض کرویة وتدور حول نفسها بسرعة، حقیقة علمیة أم فرضیة؟ وعلی فرض حرکتها فما آثارها العلمیة والحسیة؟ ولم یشاهد کوکب الجدی الذی یعین القبلة فی موضع واحد؟ وهل فی القرآن والروایات ما یؤید هذا الموضوع؟
الجواب:
تعتبر کرویة الأرض وحرکتها من القضایا العلمیة المسلمة الیوم فقد أورد العلماء عدّة أدلة علی ذلک، ولعل أوضح الأدلة «استدلال باندول» فلو علق جسم ثقیل بحبل فی نقطة مرتفعة وحرک لاستمر مدّة فی حرکته؛ ولو کانت الأرض ساکنة لانبغی تردد ذلک الجسم علی خط معین، بینما دلّت التجربة علی أنّ حرکته لن تکون مستقیمة علی خط معین وینحرف أکثر تدریجیاً عن الخط الأول.
فأثبتت هذه التجربة أنّ للأرض حرکة دائمیة من جهة معینة إلی أخری ویمکن تعیین جهة هذه الحرکة من جهة الغرب إلی الشرق علی تلک الخطوط (یمکن الوقوف علی تفاصیل هذا الدلیل من خلال مختلف الصور فی کتب الهیئة). کما أکّدت التجربة: لو قذف
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 418
بحجر من نقطة مرتفعة فانّه لا یسقط علی خط مستقیم علی الأرض، بل یتجه فی سقوطه قلیلًا إلی المغرب وهذا یدل علی حرکة الأرض الدورانیة من الغرب إلی الشرق.
أمّا رؤیتنا «الجدی» دائماً فی موضع واحد فذلک لأنّ هذا الکوکب یقع تقریباً مقابل محور الأرض. ومن البدیهی لو أدَرنا کرة حول محور (کان نغرز أُبرة وسط تفاحة وندیرها حول تلک الأُبرة) لرأینا أنّ نقطة المحور ثابتة دائماً، ومن هنا یبدو کوکب الجدی القطبی ثابت دائماً.
وأمّا بشأن وضع الأرض فی النقطة المقابلة لنا (فی القسم الذی تحت الأرض) فلابدّ من الإلتفات إلی أنّ الأرض کونها کرویة فإننا نری وضعاً متساویاً أینما ذهبنا، أی سنری النقطة التی فوقنا سماءً والتی تحت أرجلنا أرضاً، والجاذبیة تحفظنا علی الأرض فی کل مکان.
طبعاً أغلب الکواکب الواقعة فی نصف الکرة الأرضی الجنوبی تری، بینما تتعذر رؤیتها فی النصف الشمالی وبالعکس؛ وهکذا السیارات تری أحیاناً فی نقطة من الأرض واحیاناً أخری فی نقطة أخری
وأمّا الآیات والأخبار التی تدعم نظریة حرکة الأرض فمنها:
1- «وَتَرَی الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِیَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِی أَتْقَنَ کُلَّ شَیْ‌ءٍ إِنَّهُ خَبِیرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ» «1»
ویتصور أحیاناً أنّ الآیة متعلقة بأوضاع القیامة فی أنّ الإنسان سیری الجبال یوم القیامة هکذا، إلّاأنّ العبارة «صُنْعَ اللَّهِ الَّذِی أَتْقَنَ کُلَّ شَیْ‌ءٍ» تفند ذلک، فهی لا تتناسب مع یوم القیامة؛ یوم تغیر المنظومة الشمسیة لا یوم اتقان الخلق، وبعبارة أوضح: أن ذیل الآیة الذی یتحدث عن اتقان الصنع أنسب لاستحکام النظام لا للانقلاب. فظاهر الآیة یشیر إلی حرکة الجبال وإن بدت لنا ساکنة وعدیمة الحرکة. وربّما یقال لم تحدث القرآن عن حرکة الجبال دون الأرض، والحال حرکة الجبال تابعة لحرکة الأرض.
قلنا: إنّ کل جسم کروی یدور حول نفسه إنّما تلمس هذه الحرکة من خلال ما علیه من
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 419
نقوش وألوان، إضافة إلی أنّ الجبل مظهر عظمة ومن هنا ذکر دون الأرض، وإلّا لا معنی لحرکة الجبال دون حرکة الأرض. والطریف استعمال لفظ الجمود بدل السکون الأعمق فی بیان فکرة سکون الأرض المتوهمة من قبل الإنسان. وعلّة تشبیه اللَّه لحرکة الجبال بحرکة السحاب أنّ حرکة الأرض هادئة وصافیة وفی نفس الوقت سریعة کحرکة السحاب!
2- «الَّذِی جَعَلَ لَکُمُ الْأَرْضَ مَهْداً ...» «1»
فالقرآن الکریم یشبّه الأرض بالمهد، ولعل أحد جهات الشبه أنّ للأرض حرکة دورانیة علی غرار حرکة المهد «2».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 421

8 ما تفسیر هذه الآیات؟

سؤال:
ما المراد بالآیة الشریفة «فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ* الْجَوَارِ الْکُنَّسِ»؟ «1»
الجواب:
«الخُنَّس»: تعنی لغویاً الرجوع، و «الکُنَّس»: الخفی والجوار جمع جارٍ، والمراد من هذه الآیات کما تشهد ما قبلها وما بعدها من آیات وأیّده المفسرون، الکواکب السیارة التی تری بالعین (عطارد والزهرة والمریخ والمشتری وزحل) وهی فی حرکة وتظهر أحیاناً وتغیب أخری ویلفت القرآن الانتباه إلی وضعها الخاص والاستثنائی وحرکتها وعظمة خالقها بواسطة القسم بها.
کما ینبغی الإلتفات إلی هذه النقطة وهی أنّ علماء الفلک اصطلحوا علیها بالنجوم «المُتَحَیِّرة» لأنّها لا تتحرک علی خط مستقیم، ویبدو أنّها تسیر مدّة ثم تعود، ومن ثم تواصل مسیرتها، وقد وردت عدّة أبحاث فی کتب الهیئة بشأن أسباب ذلک. ولعل الآیات المذکورة التی وصفت هذه النجوم (بالجوار الکنس) أشارت إلی خط السیر المتأرجح لهذه
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 422
الکواکب (طبعاً لهذا السیر جانب ظاهری فی مشاهدتنا). علی کل حال فهذه کواکب سیارة ووضعها الاستثنائی شخّص کونها من الثوابت.

9 هل لیلة القدر واحدة فی جمیع العالم؟

سؤال:
وردت عدّة مطالب فی الإسلام بشأن أهمیة وعظمة «لیلة القدر» کما وردت بعض الأعمال عن الأئمّة علیهم السلام بشأن هذه اللیلة المتوقعة حسب المشهور فی 19 أو 21 أو 23 من شهر رمضان.
ویبدو أنّ لیلة القدر لیست أکثر من لیلة واحدة طیلة السنة، لکننا نعلم وعلی أساس اختلاف الأفق أنّ شهر رمضان یکون أبکر لیوم أو یومین فی بعض البلدان وفی البعض الآخر متأخر لیوم أو یومین، وعلیه فستختلف لیلة القدر لیلة أو لیلتین، فتکون لیلة القدر متعددة حسب اختلاف البلدان. فکیف التوفیق بین وحدة لیلة القدر طیلة السنة، أم أنّ لیلة القدر تقتصر علی عهد النبی صلی الله علیه و آله ومکة ولا قدر فی الأزمنة المتأخرة؟
الجواب:
تفید الأدلة القطعیة عدم اختصاص لیلة القدر بعهد النبی صلی الله علیه و آله وتشمل الأماکن والأزمان کافّة وهذا ممّا لا نقاش فیه. وبرز هذا الإشکال من هذا التصور أنّ لیلة القدر واحدة ومشترکة بین مختلف مناطق العالم لتبدأ بساعة معینة وتنتهی بأخری. والحال هذا تصور
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 424
خاطئ، لأننا نعلم بأنّ الأرض کرویة، ودائماً هنالک نصف مظلم وآخر مضی‌ء. وعلیه فلا یمکن أن یکون اللیل مشترک فی أنحاء الأرض کافّة.
توضیح ذلک: أنّ أهالی کل منطقة یبدأون عامهم القمری حسب أفقهم بأول یوم من محرم، وبعد مضی عدّة أشهر قمریة یبدأ شهر رمضان حسب أفقهم أیضاً، وفی هذا الشهر تکون لیلة التاسع عشر أو الحادی والعشرون أو الثالث والعشرون بالنسبة لأهل تلک المنطقة لیلة القدر. ولا یقتصر الأمر علی لیلة القدر بل یشمل حسابهم لسائر الأیّام المقدّسة علی أساس أفقهم، مثلًا عید الفطر والأضحی من الأیّام المقدّسة لدی المسلمین وفیها أعمال خاصة، وکل یوم من هذین العیدین واحد لا أکثر، یتعین هذا الیوم لکل بلد إسلامی علی ضوء أفقه الخاص، ومن هنا نشهد أغلب أوقات عید الأضحی مثلًا فی العربیة السعودیة أبکر من ایران وسائر البلدان الإسلامیة بیوم.
وعلیه فلیلة القدر محفوظة لکل بلد ولا یتنافی هذا أبداً مع خصائص اللیلة من نزول ملائکة الرحمة وسعة العفو الإلهی.

10 کیف رأی ذو القرنین غروب الشمس فی عین حمئة؟

سؤال:
قال تعالی فی الآیة 86 من سورة الکهف ضمن قصة ذوالقرنین: «حَتَّی إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِی عَیْنٍ حَمِئَةٍ ...» فما المراد من العین الحمئة وکیف تغرب الشمس فیها علی عظمتها؟ إلّایتعارض هذا مع کرویة الأرض وحرکتها حول الشمس والمضمون الجدید للهیئة؟
الجواب:
معنی الآیة علی ضوء آخر تحقیقات الأعلام والمفسرین بشأن قصّة ذوالقرنین، أنّه واصل مسیرته من جانب المغرب حتی وصل البحر (هنالک اختلاف بین المفسرین هل المراد المحیط الأطلسی أم البحر الأبیض المتوسط، وهل نهایة مسیرته من جانب المغرب کانت مراکش أم أزمیر فی ترکیا). علی کل حال کان ذوالقرنین علی الساحل حین الغروب ویتطلع إلی هذا المنظر الرائع، وحیث یبدو لکل من یقف علی ساحل البحر أنّ الشمس تأخذ بالغروب شیئاً فشیئاً فی نهایة أفق البحر، فقد أشار القرآن إلی ذلک الاحساس لذی القرنین بأنّه: «وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِی عَیْنٍ حَمِئَةٍ ...».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 426
وعلیه فالآیة مؤیدة لکرویة الأرض، والمراد من العین الحمئة ذلک البحر الذی تغرب فیه الشمس. أمّا لماذا عبر القرآن عن ماء البحر بالعین، فقد أجاب المفسرون بأنّ أحد المعانی السبعة للعین هو الماء الکثیر، وحیث إنّ میاه البحار والمحیطات کثیرة تصب فیها میاه الأنهار والشطوط والجداول فقد عبّر عنه القرآن بالعین، بمعنی الماء الوفیر ومصب المیاه.
وأمّا علة تعبیر القرآن عن ماء البحر بالحمئة فذلک للأسباب التالیة:
1- إنّ میاه ساحل البحر یتخذ شکل قائم وشبیهاً بالطین بفعل سقوط المیاه الطینیة للأنهار والأطیان الساحلیة.
2- حین تنعکس الشمس علی میاه البحار حین الغروب تتخذ میاه البحر لوناً قاتماً، ولهذا شبهها القرآن بالحمئة.
3- کلما کان الماء أکثر وأعمق یبدو أزرق مسود، ولما کان الماء الذی رآه ذوالقرنین کثیراً وعمیقاً فقد وصفه القرآن الکریم بالماء المخلوط بالطین الأسود «1».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 427

11 القرآن وتسخیر الکواکب‌

سؤال:
هل أشار القرآن إلی الکرات السماویة التی نجح العلماء فی غزوها تقریباً أم لا؟ وهل سیحققون نجاحات أکثر؟
الجواب:
لا شک فی أنّ الإنسان منذ الیوم الأول الذی أتی فیه إلی العالم فی حالة تکامل؛ ولا یمضی یوم حتی نراه یحث الخطی نحو التکامل بهدف الوقوف علی أسرار عالم الوجود.
وعلیه فلا مانع من حلول الیوم الذی ینفتح فیه الإنسان علی العالم العلوی بما منحه اللَّه من وسائل وإمکانات.
وقد وردت بعض الآیات بشأن تسخیر السماء والأرض للإنسان، ولعلها لا تخلو من إشارة إلی هذا الأمر؛ فالشمس والقمر وکل ما فی السموات وإن سخر للإنسان منذ الیوم الأول، إلّاأنّ لهذا التسخیر والانتفاع به درجات؛ وأکملها جمیعاً أن یکون مهداً للحیاة.
وإلیک طائفة من الآیات بهذا الخصوص:
1- «وَسَخَّرَ لَکُمْ مَا فِی السَّمَوَاتِ وَمَا فِی الْأَرْضِ جَمِیعاً مِّنْهُ إِنَّ فِی ذَلِکَ لَآیَاتٍ
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 428
لِقَوْمٍ یَتَفَکَّرُونَ» «1».
2- «أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَکُمْ مَا فِی السَّموَاتِ وَمَا فِی الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَیْکُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ...» «2».
3- «وَسَخَّرَ لَکُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَر» «3»
. وقد وردت هذه العبارة فی مختلف السور.
وعلی ضوء هذه الآیات یصرح القرآن أنّه سخر لنا ما علی الأرض منذ الیوم الأول، والحال لم یظفر الإنسان بالمصادر الکامنة تحت الأرض دفعة واحدة، بل وقف علی بعضها تدریجیاً وخلال عصور. ویتضح من هنا أنّ المراد لیس تسخیر کل ما فی الأرض من ذخائر لجمیع البشر، ذلک لأنّ أغلب هذه المعادن اکتشفت بمرور الزمان، وقد نجحت جماعة فی کل عصر باکتشاف المصادر تحت الأرض، بل المراد المجتمعات البشریة کافّة المتواجدة طیلة الزمان، وإن ظفر البعض بجزء منها.
ولا یستبعد نجاح الإنسان مستقبلًا فی اکتشاف مصادر جدیدة لا یمتلک عنها الیوم أی معلومات. وعلیه فما المانع من أنّ السیارات سخرت للإنسان منذ الیوم الأول، مع ذلک فالإنسان یستفید منها أکثر طیلة الزمان ویکتشف کرات جدیدة، وأکمل وأتم مصداق ما أورده القرآن الکریم: «وَسَخَّرَ لَکُمْ مَا فِی السَّمَوَاتِ» «4».
أضف إلی ذلک یستفاد من الآیة 33 من سورة الرحمن أنّ الإنسان سیتمکن بالاستفادة من الإمکانات العلمیة والوسائل الصناعیة من السفر إلی الفضاء الخارجی حیث قالت: «یَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 429

12 هل هذه الآیة اشارة إلی وسائط النقل المعاصرة؟

سؤال:
قال تعالی فی سورة النحل بعد الإشارة إلی خلق الأنعام التی تحمل أمتعة الإنسان «وَیَخْلُقُ مَا لَاتَعْلَمُونَ» «1»
فهل المراد منها وسائط النقل المعاصرة؟
الجواب:
ذکر المفسّرون احتمالین للآیة؛ الأول: المراد من خلق ما لا نعلم، الوسائط النقلیة الحدیثة التی لم تکن معلومة للإنسان آنذاک. ویؤید ذلک کلمة «لترکبوها».
والاحتمال الثانی: أنّ المراد الکائنات والأحیاء فی أعماق البحار والغابات وسائر المناطق النائیة والتی کانت خفیة علی الإنسان فی ذلک الوقت. وبناءً علی الاحتمالین فإنّ الآیة المذکورة من آیات القرآن الاعجازیة، لأنّها تخبر عن موجودات کانت خفیة علی الإنسان، وستتضح له لاحقاً بتقدم العلم.

13 هل تدعم هذه الآیات نظریة تکامل الأنواع؟

سؤال:
سعی أحد الکتاب لتطبیق بعض الآیات علی نظریة «الترانسفوریة» (التکامل التدریجی للأحیاء من نوع إلی آخر) لیثبت أنّ القرآن یدعم نظریة النشوء والارتقاء فاستدل بهاتین الآیتین:
1- «أَوَلَا یَذْکُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ یَکُ شَیْئاً» «1»
حیث فهم من کلمة «من قبل» و «لم یک شیئاً» أنّ الإنسان لم یک شیئاً قبل بلوغ مرحلة التکامل، لکنّه کان یعیش مع الحیوانات- من الحیوانات الأحادیة إلی القرود التی تشبه الإنسان- ولم یکن له أی تکامل مادی أو معنوی.
2- «هَلْ أَتَی عَلَی الْإِنسَانِ حِینٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ یَکُنْ شَیْئاً مَذْکُوراً» «2»
وهنا أیضاً فهم أنّه «لم یکن بشیئاً مذکوراً» فی الکتب السماویة ولم یمتلک من تکامل یؤهله لأن یذکر فی صحف إبراهیم والتوراة والانجیل والقرآن. فهل هذه الآیات تؤید حقاً النظریة المذکورة، وبخلاه فما تفسیرها؟
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 432
الجواب:
نعتقد بأنّ الآیات المذکورة لا علاقة لها بنظریة النشوء والارتقاء، والیک تفسیر الآیة الأولی: یعتبر المعاد من المواضیع الشائکة التی یصعب علی الإنسان الاقتناع به والذی یقصد به الحیاة فی عالم الآخرة. ومن هنا وردت عدّة آیات تصف حالة المنکرین ومنها الآیات 66، 67 و 68 من سورة مریم.
فقد قال تعالی فی بیانه لانکار المنکرین والرد علیهم: «وَیَقُولُ الْإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَیّاً* أَوَلَا یَذْکُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ یَکُ شَیْئاً* فَوَرَبِّکَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ ...». ونلاحظ أنّ ما استدل به الکاتب من قوله تعالی: «أَوَلَا یَذْکُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ یَکُ شَیْئاً» هو ردّ علی من تساءل عن کیفیة الحیاة بعد الموت، أوَلا یذکر هؤلاء خلقتهم الأولی فقد خلقناهم من العدم «لَمْ یَکُنْ شَیْئاً مَذْکُوراً» فهؤلاء الذین أمددناهم بهذه القوة کیف یعتقدون باستبعاد إحیائهم ثانیة رغم بقاء مادتهم وطاقتهم.
وعلیه فالآیة لیست بصدد بیان معیشة الإنسان بین سائر الحیوانات قبل بلوغه مرحلة التکامل، بل هی کسائر الآیات الکثیرة الأخری فی مقام إثبات القیامة والرد علی المنکرین.
تفسیر الآیة الثانیة: أنّ الطفل حین یولد ویتعرض إلی برد شدید فی ظل ظروف معینة قد یؤدّی به ذلک إلی الموت. فإن ظهر رجل صالح وحمله إلی بیته وعامله برأفة واحسان وأغدق علیه مختلف النعم حتی بلغ مرحلة وانفصل عن الرجل وحصل علی جمیع الإمکانات بما جعله ینسی فضل ذلک الرجل، بل ربّما یصطدم به بغیة الحصول علی بعض المنافع وبالتالی کفره بنعم ذلک الرجل. وهنا یحق لهذا الرجل أن یذکره بعجزه ویذمه علی جحد النعمة. واللَّه تعالی سلک هذا السبیل أوائل سورة الإنسان لایقاظ المتجبرین الذین نسوا بدایة خلقهم وسلکوا طریق کفران النعمة. ولذلک قال القرآن «لَمْ یَکُنْ شَیْئاً مَذْکُوراً» وإرادة اللَّه هی التی خلقته من العدم وکسته لباس الإنسانیة فهل نسی هؤلاء کل هذه النعم لیسلکوا طریق الکفر. وعلیه فلیس للآیة المذکورة من علاقة بنظریة النشوء والارتقاء.

14 هل تتعارض هذه الآیة مع عالمیة الإسلام؟

سؤال:
ألا یفهم من الآیة الکریمة: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِیُبَیِّنَ لَهُمْ» «1»
أنّها تتعارض مع عالمیة الرسالة، فلو کانت نبوته صلی الله علیه و آله عالمیة ولجیمع الأفراد لَما کان القرآن بلغة أمّة معینة؟
الجواب:
لابد أن یکون الکتاب السماوی للأنبیاء الذین بعثوا لهدایة عامة الناس بلغة قومهم بفعل انطلاق دعوتهم من هناک، ومن ثم اعتمادهم مختلف الطرق لنشر دعوتهم إلی سائر الأمم.
ویسعی الیوم علماء کل بلد لتدوین کتبهم بلغة أُممهم، رغم أنّ مضامین کتبهم لا تقتصر علی أمّة معینة. وحیث بعث نبی الإسلام صلی الله علیه و آله من وسط عربی وکانت بدایة دعوته مع العرب، کان کتابه بأحد أوسع لغات الدنیا الحیة وهی العربیة، بینما تتعلق قوانینه وأحکامه بالعالم أجمع.
ولو کانت هنالک لغة عالمیة تتکلم بها جمیع الأمم والشعوب حین بعث النبی صلی الله علیه و آله لأمکن
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 434
نزول الکتاب السماوی بتلک اللغة. والحال لم تکن مثل هذه اللغة آنذاک ولم تتحقق لحد الآن. وعلیه فعربیة القرآن لا تنافی عالمیته.
بعبارة أوضح: أنّ الآیة تقول إنّا أرسلنا کل نبی بلسان قومه لا أنّ نبوّته ورسالته مقتصرة علی أولئک القوم. ومن المسلّمات أیضاً أنّ الإسلام یسمو علی اللون والعرق واللغة ویری العالم جمیعاً وطنه، وعربیة القرآن باعتبار عدم وجود لغة عالمیة لیس بدلیل علی جزئیة الإسلام.
وأخیراً لدینا عدّة أدلة علی عالمیة الإسلام لا مجال لذکرها.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 435

15 لماذا یطلق اللَّه علی نفسه ضمیر الجمع؟

سؤال:
لماذا یطلق اللَّه علی نفسه صیغة الجمع وهو الواحد الأحد؟
الجواب:
استعمال ضمیر المتکلم الجمع (نا) إشارة إلی عظمة المتکلم واللَّه الأنسب لذلک من الجمیع. وقال الأدباء فی دلالة ضمیر الجمع علی العظمة فی أنّ عظماء الأفراد لیسوا لوحدهم عادة، فهنالک العدید من الخدم والحشم والمرافقین، وهو بالتالی تجمع، ولذلک کان الضمیر کنایة للعظمة.
وعلیه فضمیر الجمع فی کلمات اللَّه یذکرنا بعظمة اللَّه وکل هذه القدرة المطلقة وأسرار عالم الوجود المنقادة له لیکتمل توحیدنا وتوجهنا لذاته القدّسیة.

16 السمع والبصر فی القرآن الکریم‌

سؤال:
لم وردت کلمة السمع مفردة فی هذه الآیة والقلب والبصر بصیغة الجمع: «خَتَمَ اللَّهُ عَلَی قُلُوبِهِمْ وَعَلَی سَمْعِهِمْ وَعَلَی أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ...»؟ «1».
الجواب:
قال بعض المفسّرین: السمع هنا بمعنی مصدری وأن یضاف إلی کلمة استفید منها معنی الجمع والعموم فلا حاجة لجمعه، بینما ورد القلب والبصر بمعنی الاسم «عضو خاص» فجاء بصیغة الجمع.
وذهب البعض من المحققین فی بیانهم للفارق بین التعبیرین، أنّ الإنسان یدرک عدّة أشیاء بقلبه وفکره کما یتحسس ببصره مختلف الألوان والأشکال، وحیث مدرکات هذین العضوین متعددة فکان لکل فرد منّا قلوب وأبصار، بینما لا نسمع بالأذن سوی الأمواج الصوتیة ولذلک ورد بصیغة الفرد. صحیح أنّ الأصوات متنوعة، إلّاأنّ تنوعها لیس کتنوع ما یری بالبصر من أشیاء، وهکذا ما یدرکه الإنسان بقلبه.

17 لماذا یحرق المعبود الباطل؟

سؤال:
ورد بشأن المعبود الباطل فی الآیة «إِنَّکُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ» «1»
وهنالک بعض الحیوانات التی عبدتها الأقوام الجاهلة فما ذنبها لتحرق بنار جهنم؟
الجواب:
ذکر المرحوم العلّامة الطبرسی صاحب مجمع البیان أنّ الخطاب لمشرکی مکة وقد نزلت فی مکة جمیع آیات سورة الأنبیاء، وکان معبود مشرکی مکة من الخشب والفلز والحجر وما تحرقه النار من هذه المعبودات وهی الأصنام وأمثالها والتی کان یعبدها أهل مکة حین نزول القرآن، وبالطبع فإنّ أی معبود حی عبد من بعض الناس مستثنی من ذلک.
والطریف أنّ معبوداً حیاً لم یکن یعبد فی شبه الجزیرة آنذاک من قبل الوثنیین. الجدیر بالذکر هنا أنّ هذه المعبودات الکاذبة تحرق فی جهنم لیعلم المشرکون یوم القیامة أنّ تلک الآلهة التی کانوا یقدّسونها إنّما أصبحت حطب جهنم لتحرق حتی من عبدها، ولا تملک آنذاک من وسیلة للدفاع عن نفسها وعن عابدیها.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 441

18 السجود لغیر اللَّه‌

سؤال:
قال تعالی فی الآیة 100: «وَرَفَعَ أَبَوَیْهِ عَلَی الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ یَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِیلُ رُؤْیَای مِنْ قَبْلُ ...» «1»
بینما ورد أنّ أمیر المؤمنین علیه السلام مر بجماعة فی طریقه إلی صفین فلما رأوه أعظموه وجعلوا یتمرغون فی التراب کما کان یعظم الملوک الساسانیین فاستاء الإمام وخاطبهم أنّه بشر مثلهم.
الجواب:
السجدة کعبادة مختصة باللَّه ولا تجوز لغیره. أمّا أخوة یوسف وأبواه- حسب ما روی عن الصادق والهادی علیهما السلام: «إنّما سجدوا شکراً للَّه»، کما أشار صاحب مجمع البیان إلی أنّ ضمیر الهاء فی «وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً» یعود إلی اللَّه لا إلی یوسف. وهکذا سجود الملائکة لآدم علیه السلام أی سجود للَّه‌وقبلتهم آدم.
وعلیه فلا منافاة بین الآیة والخبر التاریخی عن الإمام علی علیه السلام.

19 التوبة النصوح‌

سؤال:
ما المراد بالتوبة النصوح فی الآیة: «یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَی اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً» «1».
الجواب:
«النصح»: فی اللغة بمعنی الخالص، فالتوبة النصوح الخالصة من المعصیة ویلزم من هذه التوبة عدم العودة إلی المعاصی. ویؤید ذلک الروایات الواردة عن الأئمّة الأطهار علیهم السلام، ومنها سئل الإمام الکاظم علیه السلام عن المراد من «تُوبُوا إِلَی اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً».
فقال: «یتوب العبد ثم لا یرجع فیه» «2».
وأجاب الإمام الهادی علیه السلام عن هذا السؤال فقال: «أن یکون الباطن کالظاهر» «3»
.وهکذا وردت سائر الروایات التی تشیر إلی حقیقة هذه التوبة بعدم العدم وتشابه الظاهر والباطن.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 445

20 هل هذه الآیة تتنافی مع الخلود؟

سؤال:
إننا نعتقد أنّ من یرد الجنّة یخلد فیها وقد أثبتت ذلک العدید من الآیات، غیر أنّ ظاهر الآیة 108 من سورة هود یفید غیر ذلک وأنّه ربّما یخرج من الجنّة: «وَأَمَّا الَّذِینَ سُعِدُوا فَفِی الْجَنَّةِ خَالِدِینَ فِیهَا مَا دَامَتِ السَّموَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّکَ عَطَاءً غَیْرَ مَجْذُوذٍ» فالظاهر أنّ عبارة الاستثناء «إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّکَ» تفید أنّ اللَّه ربّما یخرجهم یوماً من هذه النعمة، بینما تؤکد سائر الآیات علی الخلود، فما معنی هذه الآیة؟
الجواب:
صحیح أنّ اللَّه وعد السعداء فی أغلب الآیات بالخلود ولیس لهذا الوعد من خلف فهو القائل: «وَعْدَ اللَّهِ لَایُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ» «1».
ولکن ربّما یتصور البعض أنّ زمام الأمور خرجت من ید اللَّه بعد هذا الوعد القطعی فهم لن یخرجوا من الجنّة ویسلبوا النعمة، ومن هنا أکد القرآن هذه الحقیقة بالعبارة «إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّکَ» فی أنّ اللَّه رغم وعده بالخلود فی الجنّة وأنّه لن یخلف وعده، مع ذلک فهذا الأمر لا
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 446
یحد من قدرته وما زالت الأمور بیده وله أن یفعل ما یشاء ثم وردت نفس العبارة «إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّکَ» بشأن أهل النار لتفید نفس الغرض. والعبارة «عَطَاءً غَیْرَ مَجْذُوذٍ» هی من الأدلة الواضحة علی التفسیر المذکور.

21 فائدة ذکر اللَّه عند مطلع کل عمل‌

سؤال:
ما فائدة استهلال الأعمال بذکر اللَّه؟
الجواب:
یتضح من خلال الإلتفات إلی آثار ذکر اللَّه فی طهارة أعمال الإنسان أنّ هذا الذکر أول العمل یسوق الإنسان إلی صحة العمل وإتقانه، ولو لم یکن لهذا الموضوع من فائدة سوی هذا لکفاه. وعلیه فذکر اللَّه فی العمل والاستعانة به درس تربوی یدعو الإنسان إلی صحة العمل ویصده عن الخیانة وقبح العمل والتی تفضی إلی البؤس الاجتماعی السائد فی عصرنا الراهن.
وبغض النظر عن ذلک فالإنسان محدود وضعیف یحتاج إلی الإمداد الغیبی کل آن، وبقوله البسملة یعرب عن حاجته واستلهامه من اللَّه. فیشمله اللَّه الرحیم الغفور والقادر برحمته ولطفه وفضله.

22 ما أدلة حفظ القرآن من التحریف؟

سؤال:
هل القرآن بهذه الصورة هو ما نزل علی النبی صلی الله علیه و آله وما الدلیل علی عدم تحریفه؟
الجواب:
لابدّ من الالتفات إلی أنّ بلبلة تحریف القرآن الکریم من جانب الیهود والنصاری، حیث یشهد التاریخ أنّ الکتب السماویة لهذین القومین حرفت بمرور الزمان وفقدت قیمتها، فهم یسعون لإشاعة تحریف القرآن.
والشواهد التاریخیة القطعیة تفید أنّ نسخ التوراة حرفت مراراً إبان مختلف الحوادث التاریخیة- لا سیما حین هجوم نبوخذ نصر علی الیهود- فضاعت أغلب النسخ وحررت لاحقاً من بعض الأحبار «1».
کما یشهد التاریخ أنّ الاناجیل الأربعة کتبت بعد سنوات من المسیح علیه السلام فلم یبق أثر للانجیل الذی نزل ککتاب سماوی علی عیسی علیه السلام «2».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 450
والأفراد الذین یستندون فی معارفهم وعقائدهم الدینیة إلی هذه الکتب المحرفة الفاقدة للأهمیة یرغبون فی ذات المصیر للقرآن فیقولون إنّ القرآن أیضاً شهد التحریف بعد مدّة من الزمان.
والحال کیفیة جمع القرآن خلال العهود الإسلامیة کافّة ممّا تأبی المقارنة مع تاریخ التوراة والانجیل فی العهود النصرانیة والیهودیة. ولابد أن نشیر هنا إلی موضوعین کجواب لعدید من الأسئلة:
1- إنّ القرآن الکریم هو الکتاب الذی خلق ثورة فی شؤون الحیاة الاجتماعیة کافّة للمسلمین. فقد حطم القرآن حیاتهم السابقة واستبدلها بحیاة جدیدة قائمة علی أساس الإیمان والمبادئ الإنسانیة. وعلیه فالقرآن کتاب یلامس شؤون حیاة المسلمین، فکانوا یستلهمون منه تعالیم سیاستهم واقتصادهم وقوانینهم الأخلاقیة وحتی سننهم وآدابهم وعلاقاتهم الأسریة. فهم ینفتحون علیه بصلاتهم خمس مرات لکل یوم ولیلة، وبالتالی فهم یتمسکون بالقرآن ومن ثم السنة فی أنشطتهم الیومیة. وعلی هذا الأساس فکیف یقال بتحریف هذا الکتاب دون أن یلتفت إلی ذلک عوام المسلمین وخواصهم.
فاحتمال وقوع التحریف فی القرآن وعدم الإلتفات أشبه بتحریف الدستور لشعب عریق دون علمهم، هل یمکن تحریف مواد دستور أمّة دون أن یلتفت أفرادها وتتعالی أصواتهم؟ والواقع أنّ دور القرآن فی الحیاة الاجتماعیة للمسلمین أعظم من دور الدستور، وعلیه فلو وقع أدنی تحریف لجوبه بالعدید من ردود الأفعال من هنا وهناک.
2- أثبت التاریخ المتعلق بجمع القرآن سواء علی عهد النبی صلی الله علیه و آله أم بعده والأهمیة الفائقة التی کان یولیها النبی الأکرم صلی الله علیه و آله والمسلمین لحفظ وتدوین القرآن استحالة فقدان حتی کلمة واحدة من القرآن.
کما یشهد التاریخ أنّ رسول اللَّه صلی الله علیه و آله کان أمر أکثر من ثلاثة وأربعین من العلماء «1» لیدونوا
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 451
کل سورة وآیة بمجرّد نزولها وکانت تحفظ بین المسلمین. ولعل أبرز أولئک الشغفین بالقرآن علی بن أبی طالب علیه السلام وزید بن ثابت، فکانت هنالک عدّة نسخ من القرآن بید المسلمین بعد تدوینه من هؤلاء الأفراد.
أضف إلی ذلک فإنّ أغلب المسلمین کانوا یحفظون الآیات والسور القرآنیة، وکانوا دقیقین فی الحفظ. وکان یطلق علی البعض منهم القراء الذین یرجع إلیهم المسلمون فی القراءة. وموضوع حفظ القرآن من التحریف کان علی درجة من الأهمیة بحیث قتل العدید من القراء علی عهد خلافة أبی بکر فی معرکة الیمامة فعزم المسلمون علی الترکیز أکثر علی القرآن، فجمعوا القرآن وحالوا دون وقوع الزیادة والنقیصة فیه. وفی زمن خلافة عثمان بن عفان دونت أربع نسخ من القرآن وابلغت المناطق الإسلامیة کافّة بتطبیق ما لدیها من قرآن علی هذه النسخ.
وقد بلغ حرص المسلمین ولا سیما القراء درجة أن نشب خلاف بین أبی بن کعب وعثمان علی عهد خلافته بشأن الآیة: «وَالَّذِینَ یَکْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا یُنفِقُونَهَا فِی سَبِیلِ اللَّهِ» «1»
حیث زعم عثمان زیادة حرف الواو فی الذین ولابدّ من اسقاطها، فأجابه أبی إننا سمعناها من رسول اللَّه صلی الله علیه و آله کذلک، وحین تشاجرا صرخ أبی: لأضعن سیفی فی عنق کل من یسقط هذا الحرف من القرآن، فتراجع الخلیفة عن رأیه.
فهل ینبغی احتمال وقوع التحریف فی القرآن بعد کل هذا؟ ناهیک عمّا سبق فقد صرحت بعض الآیات القرآنیة بحفظ القرآن من التحریف ومنها: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّکْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» «2».
وقد أجمع العلماء والمفکرون علی عدم وقوع التحریف فی القرآن، وإن کان هنالک من یزعم التحریف فذلک ناشئ من بعض الأخبار الموضوعة، وإلّا فلیس هنالک أیة قرینة فی القرآن علی هذا الزعم. علی کل حال فإن أعلامنا أثبتوا بما لا یقبل الشک عدم تحریف القرآن.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 452
وأمّا الأخبار التی تشیر إلی وجود قرآن لدی أمیر المؤمنین علیه السلام والذی یفرق عن سائر نسخ القرآن فلا تتنافی ومسألة «عدم تحریف القرآن»؛ ذلک لأنّه حسبما قال العلماء: إنّ القرآن الذی جمعه أمیر المؤمنین علیه السلام کان یشتمل علی شرح نزول الآیات وتفسیرها وما کان یسمعه من النبی الأکرم صلی الله علیه و آله وهذا هو فرقه مع سائر نسخ القرآن فقط.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 453

23 کتاب الوحی‌

سؤال:
ما أول وآخر سورة حسب النزول، ومن کان یدون القرآن بعد نزول الوحی؟
الجواب:
إن أول سورة نزلت علی النبی الأکرم صلی الله علیه و آله حسب ما ذکره المؤرخون المسلمون هی سورة العلق وآخر سورة هی التوبة، ومضامینها تؤید ذلک.
وأمّا بشأن تدوین القرآن فلابدّ من القول إنّ عدداً من کبار الصحابة کانوا یدونون بالخط الکوفی السائد آنذاک ما ینزل علی النبی صلی الله علیه و آله من آیات، وکان یطلق علی هؤلاء «کتاب الوحی»، وذکرهم المؤرخون أنّهم کانوا 43 صحابیاً، وأبرزهم علی بن أبی طالب علیه السلام وزید بن ثابت الذین کانا یدونان الآیات علی ضوء توجیهات النبی صلی الله علیه و آله.
وبالطبع کان النبی صلی الله علیه و آله یهتم کثیراً بالقرآن کونه أساس الإسلام ودستور المسلمین ومحور أنشطتهم الفردیة والاجتماعیة. وحین توفی النبی صلی الله علیه و آله کان القرآن مدوناً لدی المسلمین، کما کان البعض منهم یحفظ القرآن، وما زال بأیدی المسلمین ذلک القرآن الذی کان فی صدر الإسلام.

24 معنی التفسیر بالرأی‌

سؤال:
وردت عدّة روایات تنهی عن تفسیر القرآن بالرأی ومن فسّره برأیه فلیتبوأ مقعده من النار، فما المراد بالتفسیر بالرأی؟
الجواب:
أجمع المفسرون علی حرمة التفسیر بالرأی ووردت عدّة أحادیث بهذا الشأن نشیر هنا إلی طائفة منها:
1- قال النبی صلی الله علیه و آله: «من فسّر القرآن برأیه فلیتبوأ مقعده من النار» «1».
2- «من قال فی القرآن برأیه «2» فلیتبوأ مقعده من النار» «3».
3- «من فسّر القرآن وأصاب الحق فقد أخطأ» «4».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 456
ولنری الآن ما المراد بالتفسیر بالرأی أو دون علم؟
فقد ذکر المفسرون ثلاثة أوجه للتفسیر بالرأی نشیر إلیها باختصار:
1- أحکام المفسر تؤدی به إلی تفسیر اللفظ الذی له معنیان دون وجود قرینة للتعیین أو الآیة المبهمة والمجملة من حیث المضمون والهدف والتی ینبغی رفع إجمالها وإبهامها علی ضوء عقائده وأفکاره. وبعبارة أخری فإنّ العقائد الشخصیة والأحکام المسبقة تؤدّی به إلی تفسیر الآیة علی أساسها (دون قرینة وشاهد) ویحمل آراءه علی القرآن، بدلًا من أن یهتدی به «1».
ونموذج هذا التفسیر بالرأی فی کتب من یتبع مذاهب «المعتزلة» و «الأشاعرة» و «الباطنیة» و «الصوفیة» فالمفسّر الذی أذعن مسبقاً لآراء المعتزلة والأشعریة بشأن صفات اللَّه وأفعاله ویتعامل مع أیة ربّما یطبقها علی عقیدته الخاصة وأحیاناً ظاهرها خلاف عقیدته إنّما یسعی علی ضوء عقائده السابقة إلی تفسیرها وفق مذهبه، فتراه یحمل عقائده علی القرآن بدلًا من العکس.
وتفسیر الکشاف «2» للزمخشری مصداق بارز لتفسیر القرآن علی أساس مذهب الاعتزال، ومفاتیح الغیب للفخر الرازی نموذج بارز للتفسیر علی ضوء المذهب الأشعری.
ففی کل من هذین التفسیرین یسعی المفسر لإثبات عقائده من خلال القرآن، ولا یسعه التخلی عن أحکامه المسبقة فیتأمل مثلًا صفات اللَّه والعباد علی أساس القرآن.
کما فسّر بعض علماء الباطنیة والصوفیة وبعض الفلاسفة جانباً من الآیات المتعلقة بالمعارف العقلیة طبق نظریاتهم، فالملا عبدالرزاق الکاشی انطلق فی تفسیره من آراء
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 457
الباطنیة، کما فسّر محی الدین العربی «1» القرآن علی ضوء آرائه الصوفیة. وهذه الطائفة من التفاسیر التی دونت لاحیاء مذهب معین (من قبل فرد غیر معصوم) وعلی فرض صحة بعض هذه التفاسیر، لکنها لا تخلو علی کل حال من التفسیر بالرأی.
وقد استفحلت النزعة المادیة أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر وحصل تقدم علمی کبیر. ومن هنا ظهرت أرضیة خصبة للتفسیر بالرأی فی أوساط بعض المفسرین، وبالتالی فسّرت الآیات المتعلقة بعوالم الغیب وما وراء الطبیعة کالروح والملائکة واعجاز الأنبیاء بطریقة معینة بغیة مسایرة علماء المادة والطبیعة وذلک ما نجده فی تفسیر المنار وأمثاله (طبعاً لبعض هذه التفاسیر کالمنار العدید من الابداعات الجدیرة بالتأمل) حیث سعوا إلی التوفیق بین القضایا الغیبیة والأمور المادیة بفعل تطور العلوم الطبیعیة حتی اعتبروا الملائکة قوی کامنة فی الطبیعة. کما لم یسلم بعض علماء الأخلاق أثر ترکیزهم علی المسائل الاخلاقیة وتهذیب النفس من تفسیر طائفة من الآیات بالرأی حتی فسروا الشیطان بالنفس الامارة فأنکروا وجود الشیطان.
وذهب البعض إلی أنّ المراد من فرعون فی الآیة: «اذْهَبْ إِلَی فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَی «2»
.کنایة عن نفس وتهذیب الروح ولیس مقاومة فرعون معین. «3» فکل هذه التفاسیر مصادیق للتفسیر بالرأی بحیث یحمل ظاهر الآیة علی خلافها بسبب الوسط أو الأحکام المسبقة.
2- المعنی الآخر للتفسیر بالرأی اتباع المعنی الابتدائی للآیة (دون الإلتفات إلی الأدلة القطعیة وسائر الآیات القرآنیة الواردة بهذا الشأن)؛ کأن نغض النظر عن الأدلة العلمیة والآیات التی تنفی الجسمیة عن اللَّه صراحة ونستدل بظواهر بعض الآیات الکنائیة فی جسمیة اللَّه، فنقول مثلًا: «یَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَیْدِیهِمْ» «4»
تدل علی أنّ للَّه‌یداً؟ والحال ممّا لا شک
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 458
فیه أنّ المراد من الید هنا کنایة عن قدرة اللَّه.
3- المعنی الآخر، الاستعانة بغیر القرآن؛ لأنّ مجموع الآیات القرآنیة- سوی آیات الأحکام- یمکنها رفع إجمال الآیات ولسنا بحاجة فی تفسیر القرآن إلی فهم الصحابة والتابعین. «1» وذکر صاحب کشف الظنون «2» خمسة نماذج للتفسیر بالرأی ذکرت أصولها سابقاً.
لابد هنا من الالتفات الی ان ای من المفسرین لم یقل ان مراد النبی صلی الله علیه و آله من التفسیر بالرأی هو التفسیر بالعقل لنهجم علیهم و نقول انما قالوا ذلک حتی لایفهم الناس القرآن فیبقی القرآن تصرفهم کما کانت التوراة والانجیل لدی القساوسة فی القرون الوسطی، و بمنعهم للتفکر والتعقل فی القرآن جعلوه کتاباً لایبقی سوی جسمه بین الناس وروحه مجهولة لیصبح الفاظ واوراد و نغمة مقدسة ومجهولة و لغز غیر مفهوم. فقد تحدث المفسرون الاسلامیون عن التفسیر بالرأی ولم یعنوا الاحادیث بهذا الشکل؛ بل علماء الاسلام و خاصة علماء الشیعة یعتبرون العقل احدی الحجج الشرعیة و الادلة القاطعة حتی عدوه فی مصاف الکتاب و السنة والاجماع.
وکیف لهم تفسیر لفظ الرأی الوارد فی حدیث النبی صلی الله علیه و آله بالعقل و قد صرحت المعاجم العربیة المدونة لتفسیر الفاظ القرآن والحدیث ان اللفظ المذکور بمعنی الظن والحدس والتخمین. «3» وان کانت هنالک طائفة (الاخباریة) لاتعمل بظاهر الایات المتعلقة بالفروع والاحکام العملیة؛ لا لانهم یقولون لاینبغی تفسیر القرآن بالعقل، بل العلة ان لهذه المجموعة من الایات ناسخ و منسوخ وعام وخاص ومطلق ومقید، ولایمکننا تشخیصها دون الرجوع
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 459
لائمة اهل‌البیت علیهم السلام. و لهذا لایعملون بظاهر هذه الطائفة من الایات و بغض النظر عن ذلک لنقرض ان شخصاً مجهولًا أو اثنین قالوا ذلک، فهل تصح هذه النسبة الجوفاء بحیث یتصور الانسان ان اعلام الاسلام منعوا الناس طیلة القرون الاسلامیة من فهم القرآن و لم یأذنوا لهم بفهمه، بینما اورد هؤلاء الاعلام مئات التفاسیر و بمختلف اللغات العالمیة، و من اراد الوقوف علی عدد التفاسیر فلیراجع کتب «کشف الظنون»، و «الذریعة». «1»
تری لو کان همهم احتکار القرآن لانفسهم کالتوراة والانجیل فما بالهم القوا کل هذه التفاسیر و بمختلف اللغات وخاضوا فی جمیع خصائص ایات القرآن من حیث العقل والنقل. الخطأ الاخر لقائل هذا الکلام ان الحدیث «من فسر القرآن برایه فلیتبوأ مقعده من النار» هو تفسیره لکلمة «تبوء» وهی لا تعنیی الملئ، بل تعنی الاعداد واخذ المکان. بغض النظر عن ذلک فقد عبر عن لفظ المقصد فی الکرامة بالموضع الخاص و هو لیس کذلک والمراد منه فی الحدیث مکان، و قد ورد اللفظان فی هذه الایة «... تبوئ المؤمنین مقاعد للقتال» «2» بالمعنی الذی ذکرناه.
وعلیه فمعنی الحدیث من فسر القرآن برأیه علیه ان یختار له مکاناً فی النار، أو یعد لنفسه من النار مکاناً (و من فسره بشکل آخر فدلیل علی عدم علمه باداب العربیه).
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 461

25 علّة التکرار فی القرآن‌

سؤال:
ما علّة تکرار بعض الآیات والقصص فی القرآن الکریم؟
الجواب:
لابدّ من الإلتفات إلی أنّ القرآن نزل خلال ثلاث وعشرین سنة وعلی ضوء مختلف الأحداث والوقائع. فالقرآن لیس کتاباً قانونیاً جافاً ولا کتاباً تقلیدیاً یبیّن القوانین والمسائل العلمیة بصیغة تصنیفیة. بل القرآن کتاب إرشاد وهدی وهدفه بیان حقائق حیاة الإنسان والخطوات الضروریة لبلوغه الکمال الإنسانی ویخلق من خلال نفوذه إلی الأرواح والأفکار البشریة وسن القوانین الاجتماعیة الصائبة مجتمعاً یتصف بالکمال المادی والمعنوی. ولضمان ذلک تحدث القرآن بشأن المواضیع المهمّة کافّة فنزل خلال 23 سنة وفی مختلف الأحداث.
وأمّا بشأن التکرار: فإننا نشاهد نوعین من التکرار:
1- تکرار بعض التواریخ والقصص.
2- تکرار بعض الآیات المبینة لحقائق خاصة.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 462
ففی القصص التاریخیة لابدّ من الإلتفات إلی أنّ هدف القرآن الاساسی من ذکر القصص التاریخیة السابقة تنبیه الآخرین إلی قوانین الحیاة المسلمة التی تحکم البشریة. فالقرآن یرید تعریف الناس بهذه القوانین ویلفت انتباههم إلی العوامل التی تقف وراء رقی المجتمعات وانحطاطها، والآثار السلبیة لتمردها علی دعوات الأنبیاء، وبالتالی کشف نقاط ضعفهم وقوتهم. ومن هنا کان لابدّ للقرآن من متابعة سیرة الأمم السالفة وعرض صورة عنها.
وعلیه فإن تحدث القرآن عن «بنی اسرائیل» أو «خلق آدم» فقد أشار فی کل موضع إلی جانب معین، حیث أراد فی کل مورد تنبیه الناس لقضیة معینة لم یتطرق إلیها فی موضع آخر.
وأمّا تکرار بعض الآیات کالآیة «فَبِأیِّ آلاءِ رَبِّکُما تُکَذِّبانِ» فی سورة الرحمن، فلابدّ من الإلتفات إلی تأثیر هذا التکرار فی روحیة قارئ القرآن ومستمعه. فقد یرکز القرآن علی جانب عاطفی ونفسی فی شرح موضوع معین. مثلًا فی سورة الرحمن کان القرآن بصدد بیان النعم التی تلعب دوراً رئیسیاً فی خلق الإنسان وتشکیل المجتمع المدنی ودیمومته؛ کما تحدث عن النعم الکبری التی تنتظر الإنسان فی عالم الاخرة، وکرر أثناء ذلک الآیة المذکورة بغیة إثارة العاطفة لدی الإنسان فیوقظ من خلال ذلک شعور الإنسان بضرورة الشکر ورد الجمیل ویسوقه للخضوع والخشوع. وعلیه فهذا التکرار ضروری علی مستوی الوعظ والإرشاد والهدی، کما لا یقدح بفصاحة القرآن وبلاغته، بل یعد من محسنات الکلام، کونه یضاعف التأکید والتأثیر.
بالطبع هنالک شواهد کثیرة فی الأدب العربی والفارسی علی هذا التکرار یتمثل بالترکیز فی العقیدة علی بیت من الشعر أو مصراع. فقد کرر عدی بن ربیعة فی رثائه لأخیه کلیب البیت «علی أن لیس عدلًا من کلیب» عشرین مرة.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 463

26 هل کانت الشجرة المحظورة شجرة العلم؟

سؤال:
نقرأ فی سلسلة «دروس تاریخ الأدیان»: «ما کانت الشجرة المحظورة؟ ما أورده التوراة صراحة والقرآن إشارة إلی أنّها شجرة الباصرة؛ فعلی ضوء آیات القرآن أنّ اللَّه خاطب آدم وحواء فأجاباه دون أی حیاء من عریهما، غیر أنّهما خجلا من عریهما بعد التناول من الشجرة. وعدم خجلهما من عریهما بالأمس وخجلهما الیوم بعد الأکل من الشجرة دلیل علی أنهما لم یبصرا بالأمس عریهما، فالشجرة المحظورة کانت شجرة الباصرة.
فهل أراد اللَّه أن یأکل الإنسان من تلک الشجرة أم لا؟ فلا ینبغی أن نتعامل مع هذه القصة علی غرار السائد فی أنّ اللَّه مثلًا لم یرد لآدم الأکل من تلک الشجرة المحظورة واستاء من ذلک الفعل؛ لأنّه کان یقدر بإرادته علی منعه، وعلیه أراد أن یأکل من الشجرة، فلولا تلک الشجرة لما وجد الإنسان وهذا ما خطط له اللَّه لیوجد الإنسان».
فهل کانت تلک الشجرة شجرة العلم والباصرة؟!
الجواب:
وردتنا الکثیر من الأسئلة عن هذه الدروس ومنها السؤال المذکور، ولابدّ لنا من ذکر
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 464
بعض الأمور فی الجواب:
1- قلنا کراراً بأنّ أحد موارد التحریف فی التوراة هذا الزعم من أنّ الشجرة المحظورة کانت شجرة العلم والمعرفة أو الخیر والشر أو الباصرة (وردت تعبیرات فی ترجمة التوراة تعود جمیعاً إلی معنی واحد).
وعلی هذا الأساس- حسب صریح التوراة- فإنّ أول وأکبر ذنوب الإنسان ذنب العلم، ولعل هذا هو السبب الذی دفع بالقائمین علی شؤون الکنیسة فی القرون الوسطی و المظلمة إلی محاربة العلم والمعرفة واتساع هذا الذنب! ویعتقدون أنّ آدم کان علی جهل فی الیوم الأول بحیث لم یخجل حتی من عریه وکشف عورته؛ ولکن حین أکل من الشجرة المحظورة (العلم والمعرفة) أصبح انساناً واعیاً فطرد من الجنّة والرحمة!
حقاً أنّ هذه الأمور من خرافات عصور الظلام، فالقرآن علی العکس یصرح بعلم آدم قبل سکنه الجنّة وقد تغذی کما ینبغی من شجرة العلم حتی أصبح معلماً للملائکة: «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ کُلَّهَا» «1».
وعلیه فآدم القرآن غیر آدم التوراة. فأعظم قوّة لآدم کانت علمه وباصرته، وکان ذنب آدم الآخر العلم، فآدم هذا هو آدم الحقیقی وذلک آدم الجاهل بکل شی‌ء، وآدم هذا خلق من أجل العلم والمعرفة، بینما لا ینبغی لذاک أن ینفتح علی العلم. وعلیه فمن العجیب أن تعد التوراة المحرفة والقرآن واحداً بهذا الشأن.
2- تقول التوراة إنّ آدم وحواء کانا عریانین ولا یخجلان من عریهما. «2» وهذا النقل صحیح، ولکن أین ذلک فی القرآن، بل بالعکس یصرح القرآن بلباسهما قبل الأکل من الشجرة ونزع عنهما بعد المعصیة: «یَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِیُرِیَهُمَا سَوْآتِهِمَا» «3»
وفی آیة أخری: «فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّیْطَانُ لِیُبْدِیَ لَهُمَا مَا وُورِیَ عَنْهُمَا» «4».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 465
وعلیه فالعبارة «بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا» فی الآیة 22 من هذه السورة لا تعنی ابداً عریهما وعدم ادراکهما. فادم الذی یتحدث عنه القرآن کان مستوراً ومحترماً وانساناً وتعرّی بعد المعصیة (لابدّ من الدقة).
أمّا آدم فی التوراة فکان کالحیوانات عاریاً ولم یخجل من عریه، فهل یمکن تسویة القرآن بالتوراة؟
3- الطریف أنّها عنت «لا تأکل» ب «یجب أن تأکل» فهل هناک من فوضی أعظم من تفسیر النفی بالإثبات والحسن بالسی‌ء؟ فلم سمّیت تلک الشجرة بالمحظورة؟! ما هذا التفسیر والمعنی؟ لو کان هذا التفسیر صائباً فما أجدرنا أن نفسر سائر المناهی والمحظورات بمثل هذه التفاسیر ونزعم أنّ اللَّه أراد حصول هذه الأفعال المحظورة، وإلّا لمنعها، فهل نحن مجبرون علی أفعالنا؟! إنّ اللَّه أرادنا أن نکون أحراراً ومنح الإنسان أرادة وترک للإنسان اتخاذ القرار، وقد إصدر العدید من الأحکام لتهذیبه.
إذن فهذا الاستدلال (إنّ اللَّه لو أراد لمنع آدم) غیر صحیح. لأنّ نفس الاستدلال یصدق علی المذنبین، والواقع اختلطت هنا الإرادة التشریعیة بالتکوینیة (لابدّ من الدقة).
إلّا تعتقد معی عزیزی القارئ- علی ضوء ما ذکر- أنّ مثل هذه المطالب ینبغی عرضها علی أهل الخبرة المسلمین قبل نشرها بصیغة دروس؟ تری من یتحمل مسؤولیة شاب أن قرأ هذا الکتاب واعتقد أنّ الشجرة المحظورة کانت شجرة العلم والمعرفة وکان آدم وحواء عریانین کالحیوانات ولا یفهمان حتی أکلا من الشجرة، ثم طردا من الجنّة بسبب علمهما ومعرفتهما ...؟ والحال منطق القرآن عکس ذلک تماماً والذی یفهم من المصادر الإسلامیة أنّ تلک الشجرة کانت شجرة الحسد ونوعاً من المنافسة وما أشبه ذلک (طبعاً لیس الحسد الذی یبلغ مرحلة الذنب أو ممارسته).
توضیح ذلک: إنّ آدم کان عالماً بوضع ولده ومصیرهم ورأی فیهم مَن هو أعظم منه مرتبة من الأنبیاء وأُمناء الوحی. فتمنی رؤیة مقاماتهم، ولم یکن مؤهلًا لذلک رغم کافّة خصائصه، فتلک الأمنیة أبعدته من الجنّة، وتلک کانت الشجرة المحظورة.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 466
وأخیراً هنالک بعض الروایات التی فسرت الشجرة المحظورة بالحنطة وما شابه ذلک وکان النهی عنها من باب الاختبار.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 467

27 ما المراد من قوله: «یُضِلُّ مَنْ یَشَاءُ وَیَهْدِی مَنْ یَشَاءُ»؟

سؤال:
من مسلّمات أصولنا نحن المسلمون استناد أفعال اللَّه للعدل والحکمة، فما المراد من قوله تعالی: «یُضِلُّ مَنْ یَشَاءُ وَیَهْدِی مَنْ یَشَاءُ» فی الآیة 93 من سورة النحل؟ فإنّ کانت الضلالة والهدی بإرادة اللَّه فکیف ینسجم ذلک مع العدل الإلهی فی أن یعاقبنا علی الضلال ویثیبنا علی الهدی؟
الجواب:
إنّ آیات القرآن تفسّر بعضها بعضاً، فالکثیر من الآیات تتضح من خلال ربطها مع بعضها.
والآیة الواردة بشأن «الضلال والهدی» من هذا القبیل. وعلیه لابدّ من معرفتها علی ضوء سائر الآیات الواردة بشأن الهدی والضلال. ورد فی هذه الآیة «یُضِلُّ مَنْ یَشَاءُ وَیَهْدِی مَنْ یَشَاءُ» وفی سائر الآیات کالآیة 74 من سورة المؤمن «کَذلِکَ یُضِلُّ اللَّهُ الکَافِرِینَ» والآیة 34 من سورة المؤمن «کَذلِکَ یُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ».
فهاتان الآیتان توضحان کیف یفقد الإنسان توفیق اللَّه ولطفه ویبتعد عن سبیل السعادة والفلاح، ونستطیع بالاستناد إلی هاتین الآیتین أن نفهم معنی الآیة الأولی الواردة فی
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 468
السؤال. وحین نضع الآیتین مع الآیة الأولی یتضح أنّ من یحرم الهدی حسب مضمون الآیة الأولی هم أولئک الظلمة والفسقة عدیمو الإیمان لا غیرهم.
وینبغی الإلتفات إلی ضلال الأفراد الآثمین وانحرافهم کأمر طبیعی تماماً، وسعادة الإنسان تعتمد علی تنمیته لقابلیاته المادیة والمعنویة وإخراجها إلی مقام الفعل.
وأفضل سبیل لتنمیة هذه القابلیات یکمن فی إمتثال التعالیم التی بعث اللَّه بها الأنبیاء.
فمن تمرد علی هذه التعالیم کان آثماً وحرّم السعادة، وهؤلاء لا یستحقون اللطف الإلهی ولا یوفقون للهدی ومعنی ضلالتهم إثر ذنوبهم کما وردت الإشارة إلیه فی الآیات السابقة هو ما ذکرناه.
ووردت هذه الحقیقة بشکل آخر فی الآیة 79 من سورة النساء: «مَا أَصَابَکَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَکَ مِنْ سَیِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِکَ ...» فالإنسان بأعماله یسیر فی طریق الضلال والانحراف عن الصراط وبالتالی الابتعاد عن السعادة والفلاح.
والأمر کذلک بالنسبة لما ورد فی الآیة: «وَیَهْدِی مَنْ یَشاءُ» والمراد من الهدی لطف اللَّه وتوفیقه الشامل لعباده المخلصین، فهؤلاء الأفراد یضاعفون قابلیاتهم کل یوم لنیل التوفیق الالهی إثر التزامهم بالتعالیم السماویة والعمل بها.
والنتیجة: هدی اللَّه یعنی توفیقه وعونه علی أفعال الخیر والسعادة ویختص باولئک الذین یسیرون فی طریق الحق ویجاهدون فی هذا السبیل «وَالَّذِینَ جَاهَدُوا فِینَا لَنَهْدِیَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِینَ» «1»
والضلال یعنی سلب هذا التوفیق وقطع العون الإلهی ویختص بالظلمة والمسرفین والأفراد غیر المؤمنین، وإلّا فإنّ اللَّه لا یهدی أحداً عبثاً ولا یصده عن الهدی کذلک.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 469

28 لِمَ خلت هذه ا لسورة من البسملة؟

سؤال:
لِمَ خلت سورة التوبة من البسملة وذکرت وسط سورة النمل؟
الجواب:
کان ینبغی أن تخلو سورة التوبة من البسملة کما یبدو من مقدّمتها الواردة فی تهدید المشرکین وإعلان الحرب علی ناکثی العهود وأولئک الذین جندوا کل طاقاتهم لمواجهة الدعوة ومجابهة التوحید والإصلاح الأخلاقی والاجتماعی فی شبه الجزیرة العربیة.
وأمّا البسملة وسط سورة النمل فقد تصدرت رسالة سلیمان علیه السلام إلی «ملکة سبأ»، وحیث نقل القرآن مضمون تلک الرسالة فقد ذکر بدایتها وکانت البسملة.

29 هل هنالک أکثر من خالق؟

سؤال:
قال تعالی فی الآیة 14 من سورة المؤمنون: «فَتَبَارَکَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِینَ» فهل هنالک خالق آخر غیر اللَّه؟
الجواب:
لمادة الخلق لغویاً ثلاثة معانٍ:
1- التقدیر وقیاس الشی‌ء.
2- تبدل صورة شی‌ء إلی أخری کصنع مختلف الآلات من الحدید أو غیره.
3- الإبداع وإیجاد الشی‌ء من العدم.
طبعاً المعنی الثالث یختص باللَّه ولا یطلق الخالق هذا المعنی علی أحد سواه، إلّاأنّ المعنی الأول والثانی یصدق علی الإنسان أیضاً. وقد استعملت مادة «خلق» فی القرآن بالمعنی الأول أحیاناً والثانی أحیاناً أخری فمثلًا قال تعالی بشأن عیسی بن مریم «وَإِذ تَخْلُقُ مِنَ الطِّینِ کَهَیْئَةِ الطَّیرِ» «1»
فالخلق فی هذه الآیة تبدل صورة إلی أخری والخلق فی
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 472
الآیة الواردة فی السؤال بالمعنی الثانی أو الأول وحیث إنّ الخالق متعدد بهذین المعنیین صحَّ القول أنّه أحسن الخالقین.

30 لماذا شبّه الانفاق بالسبعمائة حبّة سنبلة؟

سؤال:
قالت الآیة: «مَثَلُ الَّذِینَ یُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِی سَبِیلِ اللَّهِ کَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِی کُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ یُضَاعِفُ لِمَنْ یَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِیمٌ» «1»
وقد توجهنا بالسؤال إلی عدد کبیر من المزارعین والمهندسین الزراعیین المتخصصین بهذه المحصولات فی مختلف بلدان العالم، وفقالوا: لو توفرت جمیع مقومات الزراعة من تربة ومیاه ومکافحة الآفات وما إلی ذلک لما أنبتت کل سنبلة أکثر من ثلاثین حبّة، ولم نشاهد لحد الآن أرضاً تعطی مثل هذه المحاصیل بهذا العدد، فکیف ورد ذلک العدد الکبیر أو مضاعفتها فی القرآن الکریم؟
الجواب:
لابدّ من الإلتفات إلی نقطتین قبل الجواب:
أولًا: لم یرد فی الآیة کلام عن القمح والحنطة، بل ذکرت کلمة «حبّة» وما ذکره السائل کمثال تفسیر لیس من شأن القرآن. وعلیه لو کانت هنالک حبّة من بین الحبوب یحصل منها
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 474
علی سبعمائة لکفی. ویبدو أنّ هنالک مثل هذه الحبّة ومنها الذرة التی لو زرعت حبوبها فی مسافات معینة یمکنها أن تنتج سبعمائة حبّة، ویقال یحصل ذلک بالنسبة لحبّة الارزن (راجع تفسیر منهج الصادقین، هذه الآیة) «1».
ثانیاً: یقال وجهه کقرص القمر لا محاق فیه، أو شمس لا غروب لها أو قامته کالسرو المتسلق، رغم أننا نعلم بعدم وجود شمس لا غروب فیها أو سرو متحرک أو قمر لا محاق له.
وعلیه فالمراد من هذه التشبیهات مثلًا لوجهه صفاء ووضوح القمر- مع هذا الامتیاز فی أنّ للقمر محاق ولا محاق له- وهذا کثیر عند الأدباء.
وورد مثل ذلک فی القرآن فحین یتکلم القرآن عن الکلمات الطیبة یقول: «تُؤْتِی أُکُلَهَا کُلَّ حِینٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ...» «2»
ولعله لیس هنالک شجرة تهب الثمار طیلة السنة أو أنّها نادرة علی الأقل.
إذن المراد لهذه الشجرة (الکلمة الطیبة) امتیاز علی سائر الأشجار هو عدم تحدیدها بالوقت فی الثمرة، وفی موضع آخر یضرب مثلًا بنور اللَّه فیقول: «کَمِشْکَاةٍ فِیهَا مِصْبَاحٌ ...
یَکَادُ زَیْتُهَا یُضِی‌ءُ ...» «3»
مع العلم لا یوجد زیت مهما کان خالصاً یشتعل دون نار، وهذا فی الواقع امتیاز ذکر للمشبه فی هذا المورد. والسبعمائة حبّة فی الآیة امتیاز لهذه الحبّة (الإنفاق) علی سائر حبوب العالم.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 475

31 لماذا کان ابن نوح لیس من أهله؟

سؤال:
أمر اللَّه نوحاً علیه السلام بصنع سفینة بعد أن أخبره اللَّه تعالی بالطوفان الذی سیغرق الکفّار ولا ینجو منه إلّاالمؤمنون ومنهم أهل نوح وأبناؤه. وحیث کان أحد أبناء نوح مشرکاً فلم یستمع لکلام أبیه ولم یرکب فی السفینة حتی غرق، فخاطب نوح اللَّه أنّ إبنی من أهلی وقد وعدتنی بانقاذهم فخوطب بأربع عبارات، فما المراد منها:
1- «إِنَّهُ لَیسَ مِنْ أهلِکَ»؟ لماذا
2- «إِنَّهُ عَمَلٌ غَیرُ صَالِحٍ»؟ لماذا
3- «فَلَا تَسأَلْنِ مَا لَیسَ لَکَ بِهِ عِلْمٌ»؟ لماذا
4- «إِنِّی أَعِظُکَ أَنْ تَکُونَ مِنَ الجَاهِلِینَ» «1»
بم کان نوح جاهلًا؟
الجواب:
لیس المراد من العبارة أنّه لیس إبنک النسبی، فهو ابن نوح الذی ولد منه، بل المراد لیس إبنک معنویاً، حیث قطعت هذه العلاقة المعنویة مع أبیه.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 476
والمراد من العبارة الثانیة أنّه کان صاحب عمل طالح إلی درجة کان ذاته وشخصه تجسید للعمل غیر الصالح.
والمراد من العبارة الثالثة أنّه لا ینبغی للإنسان إصدار الأحکام بشأن الأسرار التی لا علم له بها.
وأمّا العبارة الرابعة فالذی کان مجهولًا لنوح واللَّه عالم به ما تصور من أنّ اللَّه وعده نجاة مطلقة لأبنائه، لکنه التفت لاحقاً إلی أنّ الوعد المذکور یصدق علی من لم یقطع علاقته المعنویة بنوح.

32 هل تنسجم هذه الآیة مع عصمة النبی؟

سؤال:
إذا کان نبی الإسلام صلی الله علیه و آله وسائر الأنبیاء علیهم السلام معصومین من الذنب فما المراد من غفران ذنب النبی فی هذه الآیة: «إِنَّا فَتَحْنَا لَکَ فَتْحاً مُبِیناً* لِیَغْفِرَ لَکَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِکَ وَمَا تَأَخَّرَ وَیُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَیْکَ وَیَهْدِیَکَ صِرَاطاً مُسْتَقِیماً» «1».
الجواب:
لابدّ من الالتفات أولًا إلی أنّ زعماء النهضات والثوار الذین یسیرون خلاف الرأی العام ویسعون إصلاح المجتمعات المنحطة إنّما یواجهون سیلًا من التهم والافتراءات. والتهمة إحدی الحراب السائدة فی المجتمعات المتخلفة بحیث تعدّ تلک الشخصیات نفسها لهذه التهم. ونبی الإسلام صلی الله علیه و آله لم یستثن من هذه القاعدّة، فقد واجه معارضة قریش واتهاماتها الرخیصة. فمن کان صادق وأمین قریش بالأمس، اتّهم بالسحر والکهانة والجنون والافتراء علی اللَّه منذ الیوم الأول الذی تصدی فیه لأفکارهم ودعاهم للَّه‌وعبادته، وبالطبع إن لم تؤثر تلک الاتهامات فی البعض، لکنّها انطلت علی البسطاء من الناس وشککتهم فی صدق
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 478
مزاعم النبی الأکرم صلی الله علیه و آله فظلّت جماعة تعیش هذا الشک حیال الاتهامات مدّة من الزمن.
فکیف یمکن فی ظلّ هذه الظروف القضاء علی التهم وایضاح الحقیقة. هنالک أسلوب واحد فإن انتصر هذا الرجل المصلح وعکس نتائج نشاطه ولمس الناس معطیاته ذابت تلک التهم وتحولت إلی امتیازات فریدة ومعنویة عظیمة، وإلّا ظلّت هذه الاتهامات فی أذهان البعض لمدّة وأثرت فیهم.
وهذا ما یمکن ذکره بالنسبة للنبی الأکرم صلی الله علیه و آله، فقد اقتحم المیدان بسلسلة من المفاهیم والقوانین السامیة لصالح الناس وضد الجهاز الحاکم، وکان یخبر عن انتصاراته فی المستقبل وقد تغلّب علی جمیع الصعوبات بعنایة اللَّه وصبره وإستقامته وشدّ أزره بأصحابه الأوفیاء حتی اجتاح مراکز الشرک وفتح مکة. فأدّی ذلک النصر إلی استسلام قریش للإسلام، فقد تمکن بتحقیقه لهذا النصر من إخماد أصوات المفترین والکذابین، وعلیه فلا یمکن نعته بالجنون والسحر والکهانة بعد هذا النصر، ذلک لأنّ من اتصف بهذه النقائص الفکریة لا یحقق مثل هذه النهضة.
وعلیه فالمراد من «الذنب» تلک التهم الجوفاء التی کانت مترسخة فی قلوب بسطاء قریش حتی قبیل فتح مکة وقد أبطل النصر کل تلک التهم. وبالطبع کانت ستستمر تلک التهم لو لم یحرز النبی تقدماً وبقی الوضع کما کان قبل الفتح. ویؤید هذا التفسیر أمران:
1- صریح الآیة، إننا أعددنا فتح مکة لنغفر لک فی ظلّ ذلک ذنوبک. فإن کان المراد من غفران الذنب ابطال تلک التهم- کما بینا- لصح واتضح الإرتباط بین «فتح مکة» و «غفران الذنب»؛ وإن کان المراد الذنوب الشرعیة فإنّ غفرانها عن طریق التوبة لا من خلال فتح عسکری ونصر ظاهری.
2- المفاد الواضح للآیة أنّ هذا الفتح والنصر سیوجب غفران الذنوب المتقدمة والمتأخرة، ولا تصح هذه العبارة إلّاأن یکون المراد تلک التهم والافتراءات، أی أنّ هذا النصر الاجتماعی العظیم أدّی إلی زوال التهم السابقة وسوف لن یلجأ فی المستقبل أحد إلی توجیه التهم للنبی الأعظم صلی الله علیه و آله، بینما لیس لغفران الذنوب المتأخرة من معنی لو کان المراد الذنوب الشرعیة.

33 ما معنی «کُلُّ شَیْ‌ءٍ هَالِکٌ إِلَّا وَجْهَهُ»؟

سؤال:
هل تفنی روح الإنسان، أم لا؟ إن قلت إنّها مجرّدة لا تفنی، فما معنی «کُلُّ شَیْ‌ءٍ هَالِکٌ إِلَّا وَجْهَهُ»؟ «1»
الجواب:
لیس المراد من الهلاک فی الآیة، العدم والفناء المطلق؛ ذلک لأنّ جسم الإنسان لا یفنی تماماً فضلًا عن روحه، فالجسد یتحلل ویعود یوم القیامة، وعلیه فالروح لا تفنی مطلقاً سواء اعتبرناها مجرّدة أم لم نعتبرها، حتی جسم الإنسان لن یکون کذلک، بل المراد منه فی الآیة فناء الصورة. ففناء الإنسان قطع رابطة الروح بالجسد واختلال وضعه السابق، وإن واصل کل من الجسم والروح بقاءه بوضع آخر.
والشاهد علی ذلک الآیات الواردة بشأن هلاک الأقوام الماضیة مثل: «وَأَنَّهُ أَهْلَکَ عَاداً الْأُولَی وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَی وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ کَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَی «2»
ومن
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 480
الواضح أنّ المراد من هلکة قوم عاد وثمود ونوح فی هذه الآیات موتهم وإخلال علاقة أجسامهم بأرواحهم.
وعلیه فالمراد من الآیة «کُلُّ شَیْ‌ءٍ هَالِکٌ إِلَّا وَجْهَهُ»، تغییر موجودات عالم الوجود کافّة سوی الذات القدسیة المنزهة عن أی تغییر.

34 کیف أذن یوسف باتهام أخیه؟

سؤال:
حین أراد یوسف أخیه فی مصر جعل السقایة فی رحله ثم أذّن مؤذن «أَیَّتُها العِیرُ إِنَّکُمْ لَسارِقُونَ» فکیف وضع یوسف تلک السقایة الثمینة فی رحل أخیه، وکیف سمح باتهام أخوته بالسرقة، مع العلم أنّ الافتراء حرام؟
الجواب:
الآیة الشریفة: «فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَایَةَ فِی رَحْلِ أَخِیهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَیَّتُهَا الْعِیرُ إِنَّکُمْ لَسَارِقُون» «1»
، فصریح الآیة أن یوسف وضع السقایة فی رحل أخیه، إلّا أنّ رمی القافلة بالکذب کان من قبل شخص آخر، والعبرة هنا. أمّا لماذا قام یوسف بذلک الفعل؟
فقد وردت علته فی الآیة 76 حیث لم یکن هنالک من سبیل غیره، فقوانین مصر إبان القحط لم تکن تسمح ببقاء أخی یوسف فی مصر، وعلی ضوء ما ذکره بعض المفسرین فإنّ یوسف أطلع أخاه علی ذلک، حیث صرحت الآیة 69 بأنّه اجتمع به سرّاً وربّما أطلعه علی ذلک. وعلیه فکان الموضوع ممّا لا إشکال فیه عند یوسف، فقد رضی أخوه بذلک.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 482
ومن جانب آخر فإنّ یوسف لم یتهم أخاه ولم یکذب ویوجّه إلیه التهمة، بل تصور المأمورون حدوث سرقة ففتشوا الأمتعة واتهموا أخا یوسف واعتقلوه. وحیث کان یعلم بالقضیة سکت، إضافة إلی أنّ الآیة لا تحمل أی قرینة علی أنّ القضیة وقعت أمام یوسف.

35 هل یجب الضحک قلیلًا والبکاء کثیراً؟

سؤال:
ما المراد من الآیة: «فَلْیَضْحَکُوا قَلِیلًا وَلْیَبْکُوا کَثِیراً» «1»
هل أمر اللَّه الناس بالضحک قلیلًا والإکثار من البکاء، مع أنّ کثرة البکاء فیها اضرار کثیرة لا یرضاها الشارع المقدّس قطعاً، بینما فی الضحک نشاط الجسم والروح فلماذا هذا المنع؟
الجواب:
إنّ من فسّر الآیة هکذا لم یلتفت إلی صدرها وعجزها، فالآیة الواردة فی سورة التوبة تتحدث عن المنافقین والمتقاعسین عن الجهاد، وقبلها الآیة: «فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَکَرِهُوا أَنْ یُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِی سَبِیلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِی الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ کَانُوا یَفْقَهُونَ» «2»
. ثم تلتها الآیة «فَلْیَضْحَکُوا قَلِیلًا وَلْیَبْکُوا کَثِیراً جَزَاءً بِمَا کَانُوا یَکْسِبُونَ».
والخلاصة، فذیل الآیة وما قبلها وبعدها وشروع العبارة بفاء التفریع کلّها تشیر بوضوح
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 484
إلی أنّ الآیة متعلقة بوضع المنافقین والمتخلفین عن الجهاد، ولا یوجد مثل هذا الأمر عند عامّة الناس، وقوله تعالی «جَزَاءً بِمَا کَانُوا یَکْسِبُونَ» إشارة إلی أنّ هؤلاء لو یعلمون بما ینتظرهم من عقاب لبکوا کثیراً وضحکوا قلیلًا.

36 هل هنالک سؤال یوم القیامة أم لا؟

سؤال:
ورد فی سورة الرحمن: «فَیَوْمَئِذٍ لَایُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ» «1»
مع العلم وردت عدّة آیات بشأن سؤال المذنبین؟
الجواب:
یستفاد من سائر آیات هذه السورة أنّ المراد من عدم سؤال المذنبین هنا السؤال اللسانی بحیث یردون بلسانهم کما هم علیه هنا، بل شکلهم یتحدث عن أعمالهم وستتحدث أیدیهم وأرجلهم عن أفعالهم. فالآیتان اللاحقتان: «یُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِیمَاهُمْ فَیُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِی وَالْأَقْدَامِ» «2».
وقال تعالی فی سورة یس: «الْیَوْمَ نَخْتِمُ عَلَی أَفْوَاهِهِمْ وَتُکَلِّمُنَا أَیْدِیهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا کَانُوا یَکْسِبُونَ» «3»
وعلیه فالمراد من عدم السؤال، اللسانی.

37 هل کان النبی یستشیر؟

سؤال:
إنّ النبی الأکرم صلی الله علیه و آله کان متصلًا بالوحی، فما حاجته لاستشارة أصحابه فی الشؤون الحربیة والاجتماعیة، بحیث ألزمه اللَّه- فی الآیة 38 من سورة الشوری- بالمشورة؟ وکیف أمره اللَّه بالمشورة وهو أسمی الخلائق فی العلم والمعرفة والسیاسة؟
الجواب:
لقد ردّ القرآن علی هذه الأسئلة فقال: «لَقَدْ کَانَ لَکُمْ فِی رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» «1»
وعلیه کان المراد من المشورة، بعدها التعلیمی والتربوی- فکان یلقن أصحابه دروساً عملیة باستشارتهم بحیث یتبادلون الرأی بعده ویحلون مشاکلهم. فإن کان ذلک الزعیم العظیم المعروف بعلمه وسیاسته وتدبیره لا یری نفسه غنیاً عن الاستشارة وینفتح علی آراء صحبه، فما ظنّک بأتباعه وأنصاره (طبعاً لابدّ أن تقتصر المشورة علی الأمور التی لم یرد فیها أمر قاطع من اللَّه تبارک وتعالی).

38 لماذا وصف اللَّه نفسه بربِّ الشِعری؟

سؤال:
ورد فی القرآن الکریم بشأن اللَّه تعالی: «وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَی «1»
فما المیزة فی کوکب الشعری لیوصف اللَّه بأنّه ربّه ومالکه، ولماذا لم یذکر سائر الکواکب وهو خالقها وربّها جمیعاً؟
الجواب:
یعود هذا إلی سببین:
أ) کانت قبیلة «خزاعة» تعبد الکوکب المذکور وتقدّسه وتراه الفاعل فی الأرض. ومن هنا أراد القرآن أن ینبههم إلی أنّ هذا الکوکب- کسائر المخلوقات- مخلوق للَّه، أی أنّ هذه القبیلة خلطت الخالق بالمخلوق فعبدته بدلًا من خالقه «2».
ب) کوکب الشعری أحد کواکب السماء المشعة والذی یصطلح علیه علماء الفلک بملک الکواکب، ویتمیز هذا الکوکب ببعض العجائب نشیر هنا إلی بعضها:
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 490
1- تبلغ درجة حرارة هذا الکوکب علی ضوء مراصد باریس حدود 120000 درجة ومصاحبه 8000 درجة، بینما تبلغ درجة حرارة الشمس التی تضی‌ء المنظومة الشمسیة 6500 درجة، وهذا بدوره یکشف عن عظمة هذا الکوکب.
2- تبلغ کتلته خمسین ضعفاً لکتلة الماء، بینما تبلغ کتلة أعظم کوکب من منظومتنا الشمسیة وأعظمها بهذا الخصوص کوکب عطارد ستة أضعاف کتلة الماء. وهذا ما یکشف عن طبیعة العناصر المؤلفة لهذا الکوکب.
3- یقع کوکب الشِعری تحت هرم جمیل تشاهد وسطه ثلاثة کواکب ممتدة علی شکل خط مستقیم، ویعد الهرم المذکور من أجمل مواقع السماء وتضم الکوکب المعروف بالجوزاء.
4- کوکب الشِعری ألمع ثوابت السماء، ویظهر فی فصل الشتاء، بینما کان یظهر فی السماء تزامنا مع بدایة فصل الصیف علی عهد المنجمین المصریین الذین عاشوا قبل سبعة آلاف سنة.
5- واستناداً لما ذکر، وعلی ضوء التحقیقات الحدیثة فإنّ الشِعری کوکب کبیر یکبر حجم الشمس بعشرین مرّة (کتلة الشمس بالنسبة للأرض 1310000) إلّاأنّ بُعده عن الأرض مقارنة بالشمس شاسع جدّاً بحیث یعدل مسافة الشمس ملیون مرّة. وتعلم أنّ سرعة الضوء 300000 کیلومتر فی الثانیة، أی تطوی 50000 فرسخ ثم یصل ضوء الشمس إلی الأرض بعد أن یقطع مسافة 150 ملیون کیلومتر خلال ثمان دقائق وثلاث عشرة ثانیة، بینما لا یبلغ ضوء کوکب الشِعری الأرض إلّابعد عشر سنوات «1».
طبعاً هذه الخصائص موجودة فی سائر الکواکب، إلّاأنّها مجتمعة فی کوکب الشِعری.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 491

39 هل ینسجم معراج النبی صلی الله علیه و آله مع العلم؟

قلَّ من لم یسمع کلاماً بشأن معراج النبی الأکرم صلی الله علیه و آله ویتساءل عن صحة هذه القضیة وبالتالی تفاصیلها وجزئیاتها. وربّما تبقی بعض هذه الأسئلة دون جواب ولا یظفرون بایضاحات قانعة، وبعض یعتبرها ضرباً من الخرافات، وأخیراً ینظر إلیها البعض الآخر بعین الشک والریبة.
أسئلة ضروریة:
1- هل هنالک حقّاً بعض الأدلة فی الآیات القرآنیة والروائیة وأقوال الأعلام علی مسألة المعراج، أم أنّها وردت فی کتب وأخبار ضعیفة تفتقر إلی الاعتبار العلمی والمنطقی.
2- لو أیّدت الأدلة القطعیة هذه المسألة، فهل یعنی ذلک عروج النبی صلی الله علیه و آله إلی السماء بهذا البدن، أم أنّه حصل فی عالم الرؤیا وبعبارة أخری أکان المعراج بالروح أم بالبدن؟ «1»
3- ما هی الوسیلة التی تمّت بواسطتها هذه المسألة، ولم تکن وسائل الرحلات الفضائیة السائدة الیوم موجودة آنذاک.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 492
وبغض النظر عن ذلک لو حصلت تلک الرحلة إلی جمیع أنحاء السماء لواجهتنا مشکلة کبری من حیث «الزمان»، فالمعراج کان یتطلب زماناً لا ینسجم مع ما ذکر بشأنه، بل تستحیل علی مستوی عمر النبی الأکرم صلی الله علیه و آله.
4- ناهیک عمّا سبق، یرد سؤال آخر: ما المراد من المعراج وما تتضمنه الرحلات الفضائیة من صعوبات؟
الأجوبة:
القرآن والمعراج:
1- قالت الآیة الأولی من سورة الإسراء: «سُبْحَانَ الَّذِی أَسْرَی بِعَبْدِهِ لَیْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَی الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِی بَارَکْنَا حَوْلَهُ لِنُرِیَهُ مِنْ آیَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِیعُ الْبَصِیرُ»، فإشارت إلی «مقدمة المعراج» أی الحرکة من مکة إلی بیت المقدس ولم تتطرق إلی رحلته إلی السماء.
ویستفاد من ذلک أنّ السیر المذکور کان من المسجد الحرام وقد وقع فی لیلة واحدة والهدف رؤیة آیات العظمة الإلهیّة. وظاهر الآیة أنّه وقع فی الیقظة لا فی النوم؛ لأنّ مفهوم العبارة «أسری بعبده» أنّ اللَّه هو الذی ساقه لتلک الرحلة، بالإضافة إلی ما یؤید اهمیة الموضوع استهلال الآیة بکلمة «سبحان»؛ فالقضیة لو حصلت فی النوم لما تطلبت التعبیر بتلک الکلمة.
2- وردت فی الآیة 13- 18 من سورة النجم: «وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَی عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَی عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَی إِذْ یَغْشَی السِّدْرَةَ مَا یَغْشَی مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَی لَقَدْ رَأَی مِنْ آیَاتِ رَبِّهِ الْکُبْرَی . ورغم أنّ الآیات لم تتضمن تصریحاً بالمعراج ووقوع مشاهدة هذه الایات فی السماوات، لکن القرائن الموجودة تشهد أنّها وقعت حین المعراج؛ ومنها حصول اللقاء عند السدرة، ومن هنا اعتبر مفسّرو الفریقین الآیات واردة فی المعراج. کما أنّ لهذه الآیات ظهور فی أنّ الحادثة کانت فی الیقظة، والآیة «مَا زَاغَ الْبَصَرُ
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 493
وَمَا طَغَی شاهد آخر علی هذا الموضوع. کما أجملت الآیة: «لَقَدْ رَأَی مِنْ آیَاتِ رَبِّهِ الْکُبْرَی هدف المعراج فی رؤیة آثار عظمة اللَّه وآیاته فی العالم العلوی.
وبالطبع هنالک الکثیر من الکلام فی تفسیر هذه الآیات وخلاصة ما ذکرناه سابقاً. ویفهم ممّا ذکر أنّ موضوع المعراج کان مجملًا فی القرآن الکریم.
العراج والروایات:
یستفاد من مصادر التفسیر والحدیث والعقائد أنّ الاعتقاد بالمعراج وخلافاً لما یظنّه البعض لا یقتصر علی طائفة من المسلمین، بل یشمل جمهور المسلمین مع بعض الفوارق کما سیرد لاحقاً.
فقد وردت عدّة روایات عن الفریقین بهذا الخصوص لا یسعنا ذکرها جمیعاً، والمهم إجماع أغلب العلماء علی تواترها أو شهرتها. وإلیک نماذج من ذلک:
1- قال المفسّر والفقیه الکبیر الشیخ الطوسی رحمه الله صاحب «تفسیر التبیان» فی ذیل الآیة الأولی من سورة الأسراء: «إنّ علماء الشیعة یعتقدون أنّ اللَّه أسری بنبیّه فی تلک اللیلة من المسجد الحرام إلی المسجد الأقصی وعرج به إلی السماء لیریه آیاته، وکان ذلک فی الیقظة لا المنام، إلّاأنّ القرآن اقتصر علی الإسراء من المسجد الحرام إلی المسجد الأقصی وغیره من الأخبار».
ورغم نسبة جانب من المعراج إلی القرآن وما بعده للأخبار، إلّاأنّ ما ذکره فی تفسیر الآیات الست من سورة النجم تنطبق علی الجانب الآخر من المعراج، وکأنّه غیّر رأیه السابق ونسبه إلی القرآن أیضاً، لکنه اعتبر دلالة الأخبار قطعیة بهذا الخصوص.
2- وقال المفسر الکبیر المرحوم الطبرسی صاحب «مجمع البیان» فی تفسیر ذیل الآیات الواردة فی سورة النجم:
«ظاهر مذهب الأصحاب والمشهور فی أخبارنا أنّ اللَّه أسری بالنبی الأکرم صلی الله علیه و آله بهذا البدن وفی الیقظة وعرج به إلی السماء وهذه عقیدة أغلب المفسرین».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 494
3- وذکر المحدّث الشهیر العلّامة المجلسی فی الجزء السادس من بحار الأنوار:
«إنّ إسراء النبی من المسجد الحرام إلی المسجد الأقصی ممّا دلت علیه الآیات وأحادیث الفریقین المتواترة، وانکار أمثال هذه الأمور أو تأویلها وتفسیرها بالمعراج الروحی أو النوم ناشئ من عدم الوقوف علی أخبار أئمّة الهدی أو ضعف الیقین ...».
وثم أضاف: «لو أردنا جمع الأخبار الواردة بهذا الشأن لتطلبت کتاباً کبیراً».
ثم روی أکثر من مائة حدیث بهذا الخصوص وردت أغلبها فی کتاب الکافی الذی یعدّ من مصادر الشیعة المعتبرة. کما ذهب علماء العامة والمفسرون والمحدثون إلی أنّ أحادیث المعراج من الأحادیث المشهورة. وفی الختام یبدو من الضروری ذکر هذه النقطة- بغیة إیضاح المسار التاریخی لهذه المسألة بین المسلمین علی الصعید الروائی ونظرة علماء الإسلام- وهی أنّ صاحب «مجمع البیان» قال: الأحادیث الواردة فی المعراج أربعة طوائف:
1- الروایات القطعیة التواتر (کأصل موضوع المعراج).
2- الروایات التی لا تمتنع عقلیاً ونقلیاً (کمشاهدة آیات عظمة اللَّه فی السماء).
3- الظاهرات الشاذة الظاهر، ولکن یمکن توجیهها وتفسیرها.
4- الروایات الباطلة التی یتضح وضعها وبطلانها.
وکما صرّح هؤلاء العلماء فإنّ قبول مسألة المعراج لا تعنی التسلیم بکل خبر ورد فی کل کتاب، ذلک لأنّ المعراج کسائر المسائل لم یسلم من التحریف والوضع؛ وعلیه فلابدّ من تمییز غث الأخبار من سمینها من خلال العقل والنقل فی التعامل مع هذه الأحادیث. وهذا خلاصة الکلام بشأن المعراج علی ضوء الأدلة النقلیة.
المعراج والعلوم:
لابدّ من طرح بعض الأسئلة والرد علیها لرفع الشبهات کافّة:
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 495
1- هل المعراج یعنی السیر فی السماء، وبعبارة أخری هل یری العلم من إمکانیة للرحلات الفضائیة الواسعة؟
2- ما الوسائل اللازمة إن کان ممکناً؟
3- ما الزمان اللازم للقیام بهذه الرحلات؟
جواب العلم عن السؤال الأول بالإیجاب، فالرحلة الفضائیة لیست ممکنة فحسب، بل أصبحت أغلبها عملیة الیوم. فلم یعد الیوم من إمکانیة لسماع نظریة بطلیموس التی تری سیر الإنسان فی السماء یوجب خرق العادة والتئام الأفلاک. فالصواریخ العابرة للفضاء- وبعضها برکاب وأخری دونهم- قد شقت عنان السماء لتبلغ کوکب الزهرة الواقع فی الفلک الثالث فی هیئة بطلیموس، ولم یحدث محال عقلی ولا خرق ولا التئام.
صحیح أنّ هذا التقدم لا یعدّ شیئاً إزاء الکواکب ومسافاتها العجیبة، لکنّه أخرج الموضوع من الاستحالة العقلیة والعملیة، وکما قیل فإنّ وقوع موضوع دلیل علی إمکانه ...
هذا ما یتعلق بالسؤال الأول.
وأمّا السؤال الثانی فلابدّ من الإذعان بأنّ الرحلة الفضائیة تتطلب عدّة رسائل للتغلب علی العراقیل التی تعترض هذا السبیل. ولعل أهم هذه العراقیل.
1- الجاذبیة الأرضیة التی ینبغی التغلب علیها ببعض الوسائل. وقد أثبت العلماء بواسطة بعض الحسابات أنّ ذلک یتطلب وسیلة لا تقل سرعتها عن أربعین کیلومتر فی الساعة، وبعبارة أخری 2/ 11 کیلومتر فی الثانیة. فلو منحت سفینة فضائیة مثل هذه السرعة لاخترقت الجاذبیة وشقت طریقها نحو المنظومة الشمسیة. ویبدو الحصول علی هذه السرعة ممکناً، لکنه صعب وشاق.
2- إنعدام الهواء فی الوسط الخارج عن الجو.
فهنالک طبقة من الجو وبغض النظر عن بضع کیلومترات مجاورة للأرض والتی تحتوی علی أوکسجین یمکن التنفس فیها، بینما یتعذر التنفس فی سائر الطبقات الأخری ولو ارتفع الإنسان فی أعالی الجو لاختنق بسبب قلّة الأوکسجین. وقد أثبتت التجربة أنّ الإنسان
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 496
العادی یغیب عن الوعی خلال ثوانٍ فی فاصلة 15 کیلومتر عن سطح الأرض ویموت إن لم یسعف، ومن هنا یحمل رواد الفضاء مقداراً من الأوکسجین فی رحلاتهم الفضائیة.
3- الحرارة والبرودة القاتلة فی الفضاء، أی عدم تعرض الجسم للحرارة یجعله بارداً جدّاً. ذلک لعدم وجود الهواء هناک لیوازن الحرارة المحرقة ویختزن قسماً منها.
4- الأشعة الخطیرة خارج الجو، کالأشعة البنفسجیة واشعة X والاشعة الخارقة «1» ولو تعرض الجسم لهذه الاشعاعات مدّة زمینة قصیرة إختلت أجهزته، وحیث تتواجد بکثرة فی الفضاء فهی ممیتة وقاتلة.
5- أجسام الشهب الکثیرة والتی تنطلق بسرعة عالیة فی الفضاء ولعل ارتطام إحدی ذراتها الصغیرة بجسم الإنسان أعظم خطورة من إطلاقة البندقیة مع علمنا بأنّ تأثیر الجسم یتناسب طردیاً مع سرعته، ومن هنا یتمّ التعرف علی مدی تأثیر الإطلاقة من خلال سرعتها لا مادتها وشکلها. وطریقة مقاومة هذه الأجسام بنسبة معینة للسفینة الفضائیة وألبسة خاصة یمکنها المقاومة للأجسام.
6- إنعدام الوزن، فنحن نعلم بأنّ الجاذبیة تتناسب عکسیاً مع مربع المسافة، أی لو کانت مسافة الجسم عن مرکز الأرض ضعفین لقلّ وزنه إلی الربع، فالوزن هو تأثیر الجاذبیة علی بدن الإنسان أو سائر الأجسام، وهکذا یقلّ وزن جسم الإنسان حتی یصل إلی الصفر، ورائد الفضاء یشعر بإنعدام الوزن تماماً، بالإضافة إلی أنّ السرعة إحدی عوامل إنعدام الوزن.
والعوارض الناشئة من إنعدام الوزن صعبة التحمل رغم عدم خطورتها، ویضطر رواد الفضاء لممارسة مختلف التمارین الشاقة بغیة التغلب علی هذه المشکلة.
هذه مختلف المواقع التی تعترض الرحلات الفضائیة، ولکن کما قیل فإنّها لا تحیل الرحلة الفضائیة إلی الاستحالة، بل یمکن التغلب علیها ببعض الوسائل، والإنسان ظفر الیوم ببعض الوسائل. ولکن لا ینبغی اعتبار الأمر متقصر علیها، بل هنالک العدید من الوسائل
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 497
التی من شأنها القضاء علی هذه الموانع. هذا بشأن الرحلات الفضائیة البشریة الیوم،
أمّا بشأن معراج النبی صلی الله علیه و آله فلابدّ من القول:
إنّنا نعلم بأنّ النبی الأکرم صلی الله علیه و آله لم یسلک هذا الأمر بالوسائل العادیة، بل انطلق من خلال قوّة عظیمة من عالم ماوراء الطبیعة، فطوی هذا الطریق بوسیلة مجهزة، ولیست هنالک من مشکلة بهذا الخصوص. فهل هنالک من مؤمن بقدرة اللَّه المطلقة (طبعاً المراد بهذا الکلام الموحدون) یسعه انکار عدم وجود أی مانع إزاء قدرة اللَّه فقد زوّد نبیّه بوسیلة معینة خارجة عن نطاق فکرنا لینطلق إلی السماء ویری عجائب الخلقة؟!
المعراج والزمان:
طبعاً یعدّ هذا الموضوع مشکلة کبری فی المعراج (وخلال لیلة واحدة). ولکن هنالک حلّان لهذه المشکلة:
1- ربّما حصل المعراج داخل المنظومة الشمسیة فقط، لأنّ الإشکال المذکور یکون وارداً إن اعتبرنا المعراج خارج المنظومة الشمسیة، والحال لیس لدینا دلیل قاطع علی هذا الموضوع. فلا مانع من حصول هذه الرحلة داخل المنظومة الشمسیة، وعلیه لا یرد أی إشکال علی هذه القضیة. فأبعد سیارة فی المنظومة الشمسیة التی تری بالعین المجردة «زحل» والمسماة سابقاً السماء السابعة (لانها تبعد عنا أکثر من عطارد والزهرة والمریخ والمشتری والشمس).
فهی تبعد عنا أکثر قلیلًا من 1400 ملیون کیلومتر. وهذه المسافة بالنسبة لوسیلة أسرع من حرکة الضوء قصیرة وتتم بمدة قصیرة جدّاً.
وعلیه فمشکلة الزمان محلولة داخل کرات المنظومة الشمسیة ولا یتعارض ذلک مع نظریات علم الفیزیاء، واطلاق السموات علی کرات المنظومة الشمسیة تعبیر عادی، ذلک لأنّ أحد معانی السموات کرات المنظومة الشمسیة، والطریف أنّ روایات الفریقین تحدثت عن الوسیلة التی حملت النبی إلی السماء وأسمتها «البراق» من مادة برق التی قال فیها
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 498
المحدثون: لعل سرعتها وحرکتها کالبرق هو الذی یقف وراء تسمیتها.
والأطرف من ذلک ما ورد فی بعض الروایات بشأن هذه الوسیلة أنّ «خطاه مد بصره» حیث یستفاد أنّ سرعته کانت کسرعة الضوء، ذلک لأنّ رؤیة الأشیاء تتمّ بواسطة الضوء، والطول الزمانی لرؤیة کل شی‌ء تساوی سرعة ضوئه.
2- سرعة الضوء لیست أعظم سرعة.
تفید دراسات العلماء المعاصرین عدم صحة النظریة التی تزعم عدم وجود سرعة تفوق سرعة الضوء مهما کانت الظروف، بل هنالک مثل هذه السرعة التی تفوق سرعة الضوء (لابدّ من الدقة).
ومنها أنّ البعض یعتقد بأنّ امواج الجاذبیة لا تحتاج فی حرکتها إلی الزمان مطلقاً، بل تخترق العالم خلال لحظة.
قال العالم «جیور جیو»: «... ولکن هنالک سرعة آنیة وتؤثر فی لحظة من جهة هذا العالم لأخری وهی سرعة أمواج الجاذبیة، ولو انفصل فی هذه اللحظة نهایة عالم مجرة تضم عشرات ملایین الشموس وتبدلت إلی أمواج فستقوم الجاذبیة بردة فعل فی نفس هذه اللحظة لإعادة توازن العالم، ولو لم یکن الأمر کذلک، لتفککت تلک المجرّة آنذاک وتبدلت إلی أمواج تقضی علی عالم الشمس».
وکما نلاحظ فالبحث هنا عن سرعة تفوق سرعة الضوء بشأن المجرات، وهذا یکشف عن عدم قطعیة السرعة النهائیة للضوء، وقد یتضح مستقبلًا علی ضوء بعض الاختراعات بحیث یمکن لجسم ترابی فی ظروف معینة (لا فی ظل أیة ظروف) أن یسیر بسرعة تفوق الضوء، فتحل مشکلة الزمان فی مسألة المعراج وإن کان خارج المنظومة الشمسیة، ولیس هنالک من محذور علمی فی معراج النبی علیه السلام إلی السماء خلال لیلة واحدة.
علّة المعراج:
لم یسلم المعراج للأسف کسائر المسائل التاریخیة الصحیحة من الخرافات، لیبدو
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 499
مستهجناً لدی أولئک الذین لیس لهم رصید من المطالعات والتحقیقات. فالقرآن یکشف هذه الحقیقة بصفته أفضل سند حی بعید عن التحریف لإدراک هدف هذا المعراج والحقائق الإسلامیة کافّة. ولنا أن نستنبط هدف المعراج من القرآن والذی ینسجم مع مبادئ العلم والمنطق. ورغم أنّ الآیات المتعلقة بالمعراج لا تبلغ عشرة، إلّاأنّ اثنتین منها وضحت الهدف:
فالآیة الأولی من سورة الأسراء صرحت قائلة: «سُبْحَانَ الَّذِی أَسْرَی بِعَبْدِهِ لَیْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَی الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِی بَارَکْنَا حَوْلَهُ لِنُرِیَهُ مِنْ آیَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِیعُ الْبَصِیرُ».
فالهدف من المعراج فی هذه الآیة رؤیة آثار وآیات عظمة اللَّه فی العالم العلوی.
وصرحت الآیة 18 من سورة النجم قائلة «لَقَدْ رَأَی مِنْ آیَاتِ رَبِّهِ الْکُبْرَی ویفهم من الآیتین أنّ هدف المعراج لم یکن التطلع إلی سلطة اللَّه أو سماع صوت قلمه أو مشاهدة جماله! فنحن المسلمون لا نعتقد بوجود موضع معین للَّه، فهو فی کل مکان «فَأَیْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» «1»
، «وَسِعَ کُرْسِیُّهُ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ ...» «2»
والمراد بالکرسی سعة عالم الخلق. «3» وعلیه فالمراد من المعراج رؤیة آثار عظمة اللَّه فی العالم العلوی لیزداد قلب النبی الأکرم صلی الله علیه و آله بصیرة وفکره اتساعاً واستعداداً لزعامة وهدایة الخلق إلی اللَّه فی ظل مشاهدة هذه الآثار المذهلة «4».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 500

القسم السابع استفسارات مختلفة

1 ما أسباب تقدم المسلمین سابقاً وتخلفهم حدیثاً؟

سؤال:
ماذا کانت أسباب تطور المسلمین بالأمس وانحطاطهم الیوم؟ لماذا أصبح المسلمون تابعین لبلدان العالم المتطورة بعد أن حکموا بحضارتهم أغلب دول العالم؟
الجواب:
حقاً إنّ هذا لمن الأسئلة الحساسة والرائعة، والأجدر إصدار کتاب بهذا الشأن. فقد ذکر العالم المصری المعروف فرید وجدی فی مادة العلم من موسوعته عشرة أسباب تقف وراء تطور المسلمین، کما خاض عالم آخر فی هذا الموضوع «1»، والحق أنّ سبب ذلک التقدم وهذا التخلف یکمن فی اتباع أو رفض التعالیم الإسلامیة، فالمسلمون فی صدر الإسلام کانوا یمتثلون التعالیم الإسلامیة کافّة- وفی جمیع شؤونهم- بینما انحرف المسلمون الیوم فی أغلب مناطق العالم عن هذه التعالیم، وربّما یسعنا القول إنّ البعض مسلم بالجنسیة لا علی نحو الواقع، مع ذلک هنالک بعض العوامل والأسباب، ومنها:
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 504
1- التضحیة الشاملة
کان المسلمون الأوائل مضحّین بالمعنی الحقیقی لهذه الکلمة، فکانت التعالیم الإسلامیة لدیهم أولی من الأخ والمرأة والمقام والثروة والمنصب، فکانوا یؤثرونها علی مصالحهم المادیة، ویشهد علی ذلک التاریخ الإسلامی وما تخلله من حروب، إلّاأنّ الدین أصبح هامشیاً الیوم لدی أغلب المسلمین فقلَّ ذلک الإیثار والتضحیة، فالإسلام محترم لدی البعض مادام لا یتعارض مع مواقعهم وأموالهم، وإلّا طرحوه جانباً.
2- الاتحاد والأخوة
کان المسلمون فی صدر الإسلام متحدین واخوة لحکم القرآن، ثم حدثت بعض الاختلافات التی أعقبت وفاة النبی صلی الله علیه و آله استطاع أمیر المؤمنین علیه السلام والمعصومون من ولده علیهم السلام إزالتها والحیلولة دون تعثر رقی المسلمین، حتی تنازلوا عن حقّهم بغیة حفظ کیان الإسلام، بینما بلغ الخلاف الیوم والنفاق ذروته فی الأوساط الإسلامیة فراجت العقائد الفاسدة وکفرت بعض الفرق الفرق الأخری وقد اتسع الیوم حجم الاختلاف بین المسلمین وشوهت الصورة الحقیقیة للإسلام ببعض الخرافات، فهل یتصف المسلمون بذلک المجد الذی حققوه سابقاً.
3- الظروف الزمانیة
کان العلم بشرائط الزمان أحد العوامل المهمّة لرقی المسلمین، فکانوا یتسلحون بالعلم والمعرفة، یذکر أنّ رسول اللَّه صلی الله علیه و آله أخبر بوسیلة فی الیمن اخترعت لتحطیم القلاع فأوفد فریقاً إلی الیمن للتعرف علیها. «1» کما کان المسملون یترجمون لقرون علوم الآخرین من قبیل الفلسفة والفیزیاء والکیمیاء والحساب والهندسة والنجوم والهیئة ... ویکملونها بآرائهم فأسسوا الجامعات والمکتبات الضخمة فغدوا مشاعل تحمل العلوم.
وأصبحت المراکز الإسلامیة فی بغداد والشام ومصر والأندلس وایران تستقطب الدارسین من أنحاء العالم کافّة، بینما غفل أغلب المسلمین الیوم عن متغیرات الزمان
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 505
والأوضاع السائدة وسعوا لممارسة حیاتهم بوسائلهم السابقة، فی حین هنالک تطورات واکتشافات کل لحظة، وما زلنا نعانی من الضعف فی إعلامنا ونشر معارفنا الإسلامیة. هذه بعض العوامل التی تقف وراء تقدم مسلمی الصدر الأول؛ بالإضافة إلی عوامل أخری کان لها بالغ التأثیر فی رقیهم لا یسعنا الخوض فیها مراعاة للاختصار، ونختتم البحث بالآیة التالیة التی تشیر إلی علل سمو المسلمین «وأَنْتُمُ الأَعْلَونَ إِنْ کُنْتُمْ مُؤمِنِینَ» «1»
ویتضح ممّا سبق والآیة جواب سؤال آخر هو: هل من أمل فی استعادة المسلمین لسابق عزتهم؟
والجواب بالایجاب من خلال إعادة النظر فی أسباب رقی المسلمین فی صدر الإسلام.
فلو بلغ المسلمون تلک التضحیات واستبدلوا الخلاف والنفاق بالوحدة والأخوة وانفتح الزعماء المسلمون علی حقائق الزمان لعادوا إلی سابق مجدهم وعظمتهم، وبالطبع لابدّ أن یتمّ کل تطور ورقی فی اطار قوانین الإسلام، وأن لا یکون موضوع إدراک «روح الزمان» وسیلة لتحریف المفاهیم الإسلامیة أو التخلی عنها.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 507

2 هروب الشباب من الأوساط الدینیة

سؤال:
ما السبب أو الأسباب التی أدّت إلی نفرة الشباب من حضور الأوساط الدینیة، ألم یأن الوقت للتغلب علی هذه المشکلة؟ ما السبیل لحل هذه المشکلة، وکیف یوجه الشباب لهذه الأوساط؟
الجواب:
نعتقد أنّ ابتعاد الشباب عن الأوساط الدینیة یستند إلی عدّة عوامل نشیر إلی عاملین مهمّین منها:
الأول: الدعایات المغرضة التی یبثها العملاء منذ مدّة بین شبابنا فشوهوا لهم الحقائق لینظروا بعین الشک إلی الأوساط الدینیة والمؤسسة الدینیة.
الثانی: غیاب الإنضباط فی بعض الاجتماعات الدینیة وعدم رعایة الأصول الصحیحة للخطابة والإعلام الدینی فی بعض هذه الأوساط بالصورة التی تلبی طموحات هؤلاء الشباب وریّها بالمفاهیم الإسلامیة السامیة.
نعم، لحسن الحظ فإنّ یقظة سادت شبابنا فی السنوات الأخیرة ووقفوا علی طبیعة تلک
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 508
الدعایات السامة. ومن هنا کان للشباب حضور فاعل فی المجالس والمؤتمرات الدینیة، وهذا ما نلمسه بالفعل فی المجالس. کما اتخذت بعض التدابیر بشأن الفاعل الثانی فلم یعد قلیلًا المبلغون العارفون باللغات الذین یستطیعون اعتماد المنطق الإسلامی الرصین فی مخاطبة الشباب، رغم اعترافنا بعدم تناسب عددهم مع مدی المتطلبات المعاصرة.

3 السیطرة علی استغلال تعدد الزوجات‌

سؤال:
صحیح أنّ منزلة المرأة وحقوقها وعدم تعرضها للظلم إنّما تحلّ من خلال رعایة الرجل للعدل فی تعدد الزوجات والطلاق ... أی لا یطلق نساءه عبثاً ویترکهن حیاری- لکن من الواضح هنالک استغلال لقانون تعدد الزوجات فی عصرنا الراهن من قبل أولئک الذین لا یحملون من الإسلام سوی اسمه.
وهنا یرد هذا السؤال: ما الذی یتخذه الإسلام إزاء هؤلاء الأفراد الطائشین وکیف یسیطر علی هذا الاستغلال؟
الجواب:
إنّ القوانین مهما کانت رصینة فهی لیست کافیة لتحقیق سعادة أفراد المجتمع ما لم تکن هناک ضمانة بتطبیقها. ورغم أنّ التربیة والتعلیم والإیمان باللَّه یمکن أن تحول دون الاستغلال والتمرد علی القانون، إلّاأنّ هذه العوامل لیس من شأنها جعل الأفراد بصورة کلیة ملتزمین بوظیفتهم.
فهنالک بعض الأفراد شئنا أم أبینا ممن یستغلون القانون ویتمردون علیه. وعلیه لابدّ من
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 510
مسؤول یسعی لتنفیذ القوانین ویشرف علی ممارسة المجتمع لها بغیة ضمان العدالة الاجتماعیة وحمایة الأفراد الضعفاء، وذلک المسؤول هو الحکومة الإسلامیة. ومن هنا منح الإسلام الحکومة الإسلامیة صلاحیات واسعة فی مجال تنفیذ القوانین بحیث یحق لها اتخاذ عدّة إجراءات ضد کل من یتطاول علی حرمة القوانین ویحاول استغلال الضعفاء.
ولا فرق هنا بین الطلاق وتعدد الزوجات وسائر الأبواب الفقهیة، أی کما تقف الحکومة الإسلامیة إلی جانب المظلومین وتعادی الظالمین کذلک بشأن الطلاق والزواج وتعدد الزوجات وظلم المرأة لیحفظ من خلال ذلک حقوقها، حیث یحق لها الحیلولة دون استغلاله للمرأة. بالاضافة إلی قضیة ینبغی الإلتفات إلیها فی مختلف الأبواب الفقهیة وهی أنّ القوانین الإسلامیة کحلقات السلسلة متصلة مع بعضها البعض ولا یمکن التعامل مع بعضها دون الآخر. فلابدّ من النظرة الشمولیة إلی جمیع القوانین الإسلامیة فی الوسط الذی یحکمه الإسلام ولیس فی کل وسط؛ فمثلًا أحکام الحدود والدیات والقضاء والزواج والطلاق الإسلامی لابدّ أن تناقش فی الوسط الذی تطبق فیه المبانی والمبادئ الحقوقیة والعقائدیة الإسلامیة کافّة. وعلی هذا الأساس فإن طبقت جمیع القوانین الإسلامیة کما هی فسوف لن یکون هناک من ینتهک حرمة القانون ویهضم حقوق الآخرین لیتمسک الفرد بالقوانین الإسلامیة کافّة ولا یسحسن منها تعدد الزوجات فقط والتعسف فی الطلاق.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 511

4 هل ینبغی التریّث بعد العطسة؟

سؤال:
هل ورد فی الإسلام ما یشیر إلی الصبر بعد العطسة؟!
الجواب:
لیس فی الإسلام شی‌ء بهذا الشأن وروح الإسلام لا تنسجم أصلًا مع ذلک، حتی ورد الحث علی التوکل ومتابعة العمل بعد العزم علیه وإن تشائم أحد من ذلک، وعدّ الفأل السی‌ء علامة علی الشرک.
نعم، ما ورد بشأن العطسة تسمیت العاطس فتقول له: «یرحمکم اللَّه»، فیرد علیک:
«یغفر اللَّه لکم». أمّا التریث والتوقف بین عطسة وأخری خرافة ینبغی للمسلم عدم التعویل علیها.

5 قصاصات فی المنام صحیحة؟

سؤال:
تنتشر بین الحین والآخر ورق تحکی عن أحلام تحمل عنوان خادماً للنبی الأکرم صلی الله علیه و آله تتضمن الحث علی التقوی والابتعاد عن المعاصی وقرب ظهور إمام الزمان علیه السلام! نقلًا عن النبی صلی الله علیه و آله فهل هذا صحیح؟ «1»
الجواب:
للأسف یحصل هذا العمل المستهجَن بدفع من بعض أعداء الإسلام والتشیع، ویتکرر لسنوات وکل سنة خادم النبی الأکرم صلی الله علیه و آله- طبعاً لیس لهذا الاسم من وجود خارجی- یری رؤیا جدیدة ویعین تاریخاً لظهور ولی العصر أرواحنا فداه وحین لا یقع یری رؤیا أخری ویبدو أنّ اصحاب هذه الرؤیا یرومون بخیالاتهم الساذجة إثارة الشک فی نفوس الضعفاء بشأن ظهور إمام العصر «عج»، وقد غفلوا عن عدم إکتراث المسلمین- مهما کانوا بسطاء- لهذه الأباطیل. أضف إلی ذلک فالدین لا یری من اعتبار لرؤیا شخص.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 515

6 منشأ عبارة «السادة»

سؤال:
من أین أتت عبارة «السادة» ومن اطلق هذا اللقب علیهم؟
الجواب:
السیادة شرف معنوی فی نسل رسول اللَّه صلی الله علیه و آله وهذا موضوع عام فی أنّ الأشراف یحظون بحرمة تتناسب مع مقام الانتماء؛ وعلیه فإنّ حرمة «السادة» تستند إلی انتسابهم لأعظم شخصیة للبشریة- أی النبی الأکرم صلی الله علیه و آله- ومن هنا اطلق لفظ السید، وقد وردت فی کلمات النبی صلی الله علیه و آله والأئمّة علیهم السلام بشأن بعض أهل البیت.
ولکن ینبغی الإلتفات إلی أنّ السادة لا یمکنهم ارتکاب أدنی مخالفة اعتماداً علی نسبهم وهم کسائر الأفراد إزاء القوانین.
فالواقع أنّ أساس السیادة هو عظمة النبی صلی الله علیه و آله وعلی علیه السلام من حیث الصفات والأعمال؛ فقد کان هؤلاء سادة لشخصیتهم الربانیة فشمل شعاع هذه الشخصیة آل هاشم وذریّته.

7 تقییم کتاب «إعادة التعرف علی النبی محمد صلی الله علیه و آله»

سؤال:
قرأنا فی مجلة المدرسة الإسلامیة نقاط قوّة وضعف کتاب «إعادة التعرف علی النبی محمّد» فهل تقتصر نقاط ضعفه علی الجوانب المتعلقة بعالم التشیع واغماض الکاتب عن مناقب أمیر المؤمنین علی علیه السلام وخلافته بعد النبی صلی الله علیه و آله، أم تشمل حیاة النبی صلی الله علیه و آله أیضاً؟
الجواب:
یشتمل الکتاب علی نقاط ضعف وقوّة، ولا تقتصر نقاط ضعفه علی الجوانب المتعلقة بالشیعة، بل وردت فیه بعض المطالب التی لا یعتقد بها أحد من المسلمین ولم تذکر فی أی من مصادر الفریقین المعتبرة، کما لا تنسجم مع الموازین العقلیة، ومن ذلک ما ذکره فی بحث المعراج ص 225 أنّ النبی صلی الله علیه و آله اقترب من اللَّه حتی سمع صوت قلم اللَّه وفهم أنّه مشغول بحساب أفراد البشر! ورغم سماعه لصوت قلم اللَّه إلّاأنّه لم یره، فلا یستطیع أحد رؤیته وإن کان نبیّاً.
ولا ندری من أین أتی مؤلف الکتاب بهذه القصة المضحکة، وأیة روایة ضعیفة نقلتها:
أولًا: لیس للَّه‌من مکان لیسارع إلیه النبی صلی الله علیه و آله والهدف من المعراج بصریح القرآن رؤیة
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 518
آیات اللَّه فی السماء «لِنُرِیَکَ مِنْ آیَاتِنَا الْکُبْرَی» «1»
لا الوصول إلی مقر حکومة اللَّه أعلی العرش!
ثانیاً: اللَّه عالم بأعمال العباد کافّة ویعلم حسابهم، ولا یحتاج للمسارعة فی احصاء أعمال العباد لیسمع النبی الأکرم صلی الله علیه و آله صوت قلمه- ولابدّ أن یکون قلمه من الخشب لیکون له مثل هذا الصوت- ثم ما حاجة اللَّه لذلک والملائکة یحصون الأعمال.
ثالثاً: یلزم من هذا الکلام أنّ اللَّه جسم وله ید ورجل؛ وهذه أمور تدعو کل مسلم مدرک للعجب والدهشة. طبعاً نحن سعداء باهتمام العلماء والکتاب الأجانب بشخصیة وعظمة النبی صلی الله علیه و آله، أمّا أن نتوقع بأن یشرح لنا الآخرون تفاصیل سیرة النبی صلی الله علیه و آله وتعالیمه فهذا ما لا یسعدنا قط، مع ذلک هنالک بعض نقاط القوة فی الکتاب.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 519

8 الإسلام والأُمّیة

سؤال:
لقد حث النبی صلی الله علیه و آله علی العلم والمعرفة، کما دعی المسلمین بلسانه وتقریره وفعله لکسب العلوم والمعارف ومقاومة الأمّیة و ... مع ذلک هنالک الکثیر من المسلمین أمّیون الیوم؟
الجواب:
إنّ العلم والمعرفة کان انتشرتا کالبرق فی أوساط المسلمین حین لم یحیدوا عن تعالیم الإسلام، والشاهد علی ذلک تلک الجامعات الإسلامیة العظیمة والمکتبات التی غص بها التاریخ، ففی ذلک الوقت الذی لم تخترع فیه وسائل الطباعة وصنع الورق کما هو علیه الیوم کانت «مکتبة مراغة» تضم أربع مائة ألف کتاب و «مکتبة دار الحکمة» فی بغداد أربعة ملایین کتاب، کما کانت مکتبات سائر البلدان الإسلامیة ثریة بالمؤلفات العلمیة والطبیعیة.
کما کانت نسبة المتعلمین عالیة حتی قبیل السیطرة علیهم من قبل الاستعمار، علی سبیل المثال کانت الغالبیة العظمی من المجتمع الجزائری قبل الاستعمار الفرنسی من المتعلمین، بینما انعکس الأمر إثر الاحتلال. وفی الفترة الأخیرة اصطدم بعض حکام البلدان
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 520
الإسلامیة مع بعضهم فابتدأ عهد جمود المسلمین وانحطاطهم، فوقفت عجلة التقدم وتفشت الأمّیة فی الأوساط الإسلامیة.
نأمل بأن ینهض المسلمون ثانیة ویجدون فی طلب العلم بفعل تمسکهم بهویتهم الإسلامیة، ولعلنا نری الیوم بوادر هذه النهضة.

9 هل ینبغی للصالحین أن یصلوا؟

سؤال:
نعلم أنّ الصلاة تصدنا عن الفواحش، فلو امتنعنا عن الفواحش، فهل یجب علینا أن نصلّی أم لا؟
الجواب:
الصلاة وجوب عمومی وقطعی: فلا یستثنی منها الفرد وإن جانب الفواحش، ولا یمکن التذرع بالصلاح بغیة ترک الصلاة. وبغض النظر عن ذلک فلیس هنالک من ضمانة بترک الفواحش دون ذکر اللَّه الذی تفرزه هذه الفریضة الدینیة العظیمة، وقد دلّت التجربة علی أنّ من لا یصلّی لا یسعه الابتعاد عن المعاصی، وعلی الأقل لا یلتزم بطهارة البدن واللباس والطعام؛ وناهیک عمّا سبق فإنّ للصلاة والتوجه إلی اللَّه دوراً فی ترسیخ الإیمان وتکامل روح الإنسان- حتی ذلک الذی یترک المعاصی- وبالتالی فنحن مکلّفون دون استثناء بأداء هذه الفریضة.

10 الإنسان والملائکة

سؤال:
یقال إنّ الإنسان أشرف المخلوقات، فهل المراد أنّ الإنسان أکمل موجود خلقه اللَّه فهو أسمی حتی من الملائکة؟
الجواب:
الإنسان والملائکة کسائر الموجودات مخلوقات اللَّه، مع هذا الفارق وهو أنّ للإنسان قابلیات خارقة لیست فی الملائکة. بالإضافة إلی أنّ خلق الملائکة بعید عن الأهواء، بخلاف الحیوان المرکب من الشهوة دون العقل، بینما اشتمل الإنسان علی الشهوة والعقل.
ومن هنا أصبحت مسؤولیة الإنسان ثقیلة. وعلیه فإن اتبع الإنسان عقله وآمن باللَّه وقمع هواه فإنّه سیکون أسمی من الملائکة، وإن اتبع هواه وجانب عقله وابتعد عن الإیمان والحق والفضیلة کان أسوأ من الحیوان.
ولذلک ورد فی القرآن أنّ اللَّه حین خلق آدم أمر الملائکة بالسجود له، وأمر آدم بتعلیمهم ما علّمه اللَّه، فکان فی الواقع معلم الملائکة.

11 سکنة الکواکب‌

سؤال:
هل هناک کائنات حیّة فی العالم العلوی، أم أنّ الحیاة مقتصرة علی الکرة الأرضیة؟ ولو فرضنا توفر ظروف الحیاة فی العالم العلویی فهل الکائنات الحیّة هناک عاقلة مثلنا لها حضارة، ما رأی الإسلام فی ذلک؟
الجواب:
إنّ سعة وعظمة عالم الخلق ممّا أذهلت العلماء، ورغم دعم إمتلاکنا للمعلومات الدقیقة عن سعة وعدد المجرّات والکواکب، إلّاأنّ مجرتنا «1» فقط تحتوی علی 150000 ملیون کوکب من بینها بعض الکواکب التی تشبه شمسنا؛ وعلیه واستناداً إلی سعة عالم الخلق یستبعد إقتصار الحیاة علی کوکبنا دون الکواکب الأخری
رغم اعتقاد علماء الفلک بضعف احتمال وجود الحیاة فی سائر الکواکب؛ لأنّ کوکب عطارد والزهرة محرقان وخانقان والمریخ بارد والمشتری وزحل یسبحان فی الأمونیا
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 526
والمیثان. إلّاأنّ هذه الأحکام بشأن کواکب المنظومة الشمسیة لا تبدو منطقیة. ذلک إننا وضعنا أنفسنا فی إحدی هذه الکواکب فماذا سنقول بشأن الأرض؟ قطعاً سیقول منجم مریخی أنّ غاز الأوکسجین السام محیط بأرضنا، ولا یفهم کیفیة تکیف بنیتنا مع هذا الغاز فیظن باستحالة الحیاة علی الأرض! ولو أرسلت الأقمار الصناعیة من المریخ إلی الأرض- کأقمار الأرض- والتی تلتقط الصور من مسافة ثلاث مئة کیلومتر لما ظهرت فیها أیة آثار للحیاة!
وعلیه فلا یستبعد أن تکون أحکام بعض العلماء بشأن عدم توفر ظروف الحیاة فی کواکب منظومتنا کأحکام المنجم المریخی الذی یری من بعید عدم مساعدّة الأرض علی الحیاة، لاننا لا نمتلک معلومات عن خصائص ظروف الحیاة وخصائص بنیة الکائنات هناک- طبعاً علی فرض وجودها- وهل تستطیع العیش فی ظل تلک الظروف أم لا.
علی کل حال فإنّ أغلب العلماء مثل «ساجان» العالم الأمریکی و «شکلوفسکی» عضو الدار الروسیة للثقافة و «فولتیر موسیفان» فی کتابه «لسنا وحیدین فی العالم» یعتقدون جازمین بالحضارة خارج الکرة الأرضیة، وأنّها أسمی من حضارتنا؛ ولا یری هؤلاء العلماء ثمّة دلیل علی حصر الحیاة بکوکبنا، بل هنالک آلاف المنظومات الشمسیة کمنظومتنا الشمسیة فی هذه المجرة.
قال العالمان الأولان أنّ مجرتنا یمکن أن تضم علی الأقل ألف ملیون کوکب تسوده الحیاة، وأقرب وأوفر کوکب للحیاة «ابسیلون» ومن بین آلاف السیارات هنالک الکثیر من الکواکب المؤهلة للحیاة وفی بعضها مدنیة وإزدهار صناعی، وطبق تقریر المرصد النجومی الفیزیائی «یوراکان» فی روسیا الذی یبث من الفضاء علامات رادیویة وکان سکنة العوالم الأخری یسعون إلی شد أنظار سکنة سائر الکواکب إلیهم «1».
فقد تقدم العلم إلی هذه الدرجة والعلماء ما یزالون یواصلون أبحاثهم فی أنحاء العالم کافّة بغیة التعرف علی الحقیقة.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 527
ورأی الإسلام واضح بهذا الشأن والقرآن والأحادیث حلت هذا الإشکال قبل أربعة عشر قرناً، ودعونا نُذکِّر بنقطة حول مقتضی الحکمة الإلهیّة بهذا الخصوص قبل أن نتحدث عن هذا الموضوع من وجهة نظر القرآن والسنة. فالموحد الذی یؤمن باستناد خلق العالم إلی الحکمة الإلهیّة لیستبعد إقتصار الحیاة علی جزء من الکرة الأرضیة من بین ملیاردات الکواکب وکأنّها صحاری جرداء تفتقر إلی معانی الحیاة والتفکیر والشعور، فهذا الأمر لا ینسجم قط والهدف من الخلق وحکمة الخالق. والقرآن الکریم یشیر صراحة إلی وجود الحیاة فی السماوات فیقول فی وصفه لقدرة اللَّه: «وَمِنْ آیَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِیهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَی جَمْعِهِمْ إِذَا یَشَاءُ قَدِیرٌ» «1».
ولا یکتفی القرآن بالتصریح بوجود الحیاة فی کواکب السماء، بل یصرح فی بعض الآیات بتکلیف هذه الموجودات علی غرار تکلیف البشر فی الأرض وأنّهم سیحشرون إلی ربّهم یوم القیامة: «إِنْ کُلُّ مَنْ فِی السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِی الرَّحْمَنِ عَبْداً»، «2» «لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً» «3»
، «وَکُلُّهُمْ آتِیهِ یَوْمَ الْقِیَامَةِ فَرْداً» «4»
. فالآیات الثلاث الأخیرة تشیر صراحة إلی تکلیف هذه الموجودات العاقلة وستحشر یوم القیامة کما هی علیه الحالة بالنسبة للبشر ونکتفی بنقل روایة واحدة من بین الروایات بهذا الشأن.
قال أمیر المؤمنین علیه السلام بشأن هذه النجوم: «إنَّ هذِهِ النُّجُومُ الّتی فِی السَّماءِ مَدائِنَ مَثلَ المَدائِنِ الَّتی فِی الأرضِ مَربُوطَة کُلُّ مَدِینَةٍ إِلی عَمَدٍ مَنْ نُورٍ» «5».
وجاء فی دعاء الإمام الحسین علیه السلام: «اللُّهمَّ إِنّی أَسئَلُکَ بِکَلِماتِکَ وَمَعَاقِدِ عِزِّکَ وَسُکَانِ سَماواتِکَ وَأَرضِکَ». فالعبارة تشیر بوضوح إلی سکان السماوات- وهم من المقربین- رغم ما فسّره بعض العلماء بالملائکة حیث لا دلیل لدینا علی الحصر.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 529

12 التضحیة والفداء

سؤال:
یقال کل أنشطة الإنسان بهدف الحصول علی منفعة روحیة ومادیة أو دفع ضرر، حتی تلک الطائفة من أعمال الإنسان من قبیل إعانة الفقراء وتربیة الأبناء لا تشذ عن القانون المذکور؛ ذلک لأنّ الإنسان إنّما یسکن روعه ویخلص نفسه من تأنیب الضمیر إثر مشاهدة هذه المناظر الرقیقة عن طریق مساعدتهم ومعاملتهم بالود والاحسان.
وبالنظر إلی هذا الدافع المحرک للإنسان فی أنشطته وأفعاله کافّة هو الحصول علی النفع أو دفع الضرر، فکیف تعتبر بعض الأعمال نوعاً من الإیثار والتضحیة؟ وعاطفة الإُم وحنانها من أسمی مظاهر التضحیة والفداء، فی حین تستمتع المرأة بهذا الحنان والحبّ لولدها وتتعذب من الامتناع عن تربیته وملاعبته فکیف یمکن اعتبار حنان الأُم عشقاً طاهراً وفعلها تضحیة وفداء؟
الجواب:
یمکن الاجابة عن هذا السؤال بطریقین:
1- المراد من «الإیثار» و «التضحیة» قیام الإنسان بعمل دون توقع العوض من الفرد المقابل أو المجتمع. فرضاً یشعر شخص بالألم حین رؤیته لمشاهد الضعفاء والمحتاجین
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 530
والیتامی أو یشعر بالفرح والسرور لنجدة هؤلاء الأفراد، فإن تنازل هذا الفرد دون ریاء لجانب من حاجاته للآخرین فإنّ عمله هذا یصطلح علیه بالإیثار والتضحیة. صحیح أنّ هذا العمل ینقذه من تأنیب الضمیر ویمنحه نشاطاً وحیویة، ولکن حیث لم یکن دافعه من هذا العمل منفعة دنیویة، ولم ینطلق فیه من توقع عوض ومقابل إزاء العمل، فإنّ عمله هذا یعدّ إثرة وتضحیة علی ضوء العقل والشرع.
بعبارة أخری لابدّ من الرجوع إلی دوافع العمل لتقییم الذات فی أنّ هذا العمل تضحیة وإیثار. والممارسات العاطفیة والإنسانیة التی یعبر عنها أحیاناً بالتضحیة والإیثار هی الأفعال المجردة من حسابات الربح والمنفعة فینطلق فیها الشخص من کوامنه الذاتیة وأعماق قلبه دون أدنی سمعة وریاء أو منفعة من فرد أو مجتمع. وبخلافه لا یصطلح بالإیثار علی أی عمل لا یخلو من دوافع مادیة وتوقع الحصول علی عوض وأجرة، فهذا العمل نوع من المعاملة.
2- أحیاناً یبلغ عشق شخص أو شی‌ء مرحلة بحیث لا یری الإنسان سواه فینسی نفسه، ومن ینسی نفسه سینسی بالتأکید مصالحه؛ وهنا لا یری سوی المحبوب والهدف المقدس ولا یفکر سوی فی منافع المحبوب، ویتخلی کلیاً عن قانون التبادل التجاری فی القیام بفعل إزاء منفعة، فتبلغ التضحیة والإیثار باتجاه الهدف بما تجعله یلتذ بخدمة المحبوب التی تضفی علیه أسمی أنواع اللذائذ وتفیض السکینة علی روحه وبدنه، وبالتالی یصل تلک المرحلة التی ینسی فی ظلها روحه وبدنه فیعیش درجة الفناء. وهذه هی الدرجة التی بلغها أئمتنا علیهم السلام إزاء الذات المطلقة، فهم یعبدونه لذاته المقدّسة التی تمثل غایة الکمال والجمال، فیطلبونه لذاته ویضحون بمهجهم من أجل هذه الذات.
ولعل ما روی عن أمیر المؤمنین علیه السلام إشارة إلی هذا الموضوع، إذ قال: «ما عبدتک خوفاً من نارک ولا طمعاً فی جنتک بل وجدتک اهلًا للعبادة». ونموذج ذلک أدعیته ومناجاته علیه السلام؛ فقد بلغ مرحلة من الذوبان فی جمال الحق وکماله المطلق بحیث لا یشعر بالسهم حین یُسلّ من قدمه؛ فمثل هذا العبد لا یسعه التفکیر بنفعه وضرره حین قیامه بعمل وعبادة؛ فهو لا یری سوی اللَّه ولا یعمل إلّاله ولیس لذاته.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 531

13 تکامل الأخلاق والحاجة إلی الدین‌

سؤال:
ما دور الدین فی البلدان التی تسود أبناءها العلاقات الاجتماعیة الحسنة والتعاون والعدالة وحسن التفاهم واحترام حقوق الآخرین؟
الجواب:
لا شک فی أنّ للأخلاق مساحة معینة فی منع المفاسد وتنظیم شؤون المجتمع، ولکن هل یکفی هذا النظام الظاهری لاصلاح المجتمع؟ الجواب بالسلب قطعاً وذلک لأنّ سلسلة من المفاسد زالت من المجتمعات المتمدنة، بینما طرأت أخری أکثر خطورة، والواقع أنّ المفاسد قائمة، والذی تغیر هو شکلها ولونها، فالسرقات القدیمة أصبحت بصیغة حملات مسلحة علی البنوک والمصارف! والبلدان المتمدنة التی أصبحت الیوم سمعتها وحسن خلق أبنائها أشهر من نار علی علم قد جاوز عدد اللقطاء فیها العشرین ألف خلال سنة واحدة! فإن کان باستطاعة الأخلاق ممارسة دور الدین فما معنی کل هذا الانتحار والطلاق والاغتیال.
قال بعض العلماء: «إنّ القدر المسلّم هو أنّ الأخلاق إن انطلقت من الإیمان باللَّه کانت
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 532
کالسلاح الصارم، وإلّا فإنّ هذه الصرامة والقدرة مشکوکة بالنسبة لنا من کل الجوانب ولا ینبغی أن نفقد وسیلة قطعیة علی الأمل بموضوع غامض».
وإن لاحظنا حالة من النظام والاستقرار فی بعض البلدان فإنّ جانباً منها هو من تأثیر التعالیم الدینیة التی ورثها الناس عن أخیارهم. أضف إلی ذلک فإنّ الدین یرسی علاقات بین أفراد المجتمع إلی جانب علاقة الإنسان باللَّه التی تعد أساس تکامل الإنسان علی المستوی المادی والمعنوی، والمسلم به أنّ هذا الجانب لا یتأتی من الأخلاق المادیة القائمة علی أساس حفظ المنافع المادیة. طبعاً البحث واسع حول حکومة الإیمان والأخلاق، ومن أراد المزید فلیراجع کتاب «الزعامات الکبری والمسؤولیات العظمی».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 533

14 مدرسة أصالة العمل‌

سؤال:
ما تقول مدرسة «أصالة العمل» وما أسلوبها فی تحلیل المسائل الفلسفیة؟
الجواب:
«مدرسة أصالة العمل» منهج من یقتصر بالبحث علی الأمور الحسیة والعملیة دون المسائل العقلیة والفکریة المحضة؛ ونری أن نبیّن آراء هذه المدرسة بغیة الوقوف علی منهجها وملاحظة خطأها:
المسائل الفلسفیة [وهی سلسلة من المسائل الکلیة والعامة التی لا تختص بموضوع معین؛ مثلًا البحث حول العلة والمعلول بحث فلسفی؛ لأنّ مثل هذه الأمور لا تبحث فرعا معینا، أمّا البحث عن الآثار الظاهریة للأجسام «الفیزیاء» أو «باطنها» بحث علمی لا فلسفی إلی قسمین:
الأول: المسائل الخارجة عن الحس، ولا یمکن اختبارها بالوسائل العلمیة المادیة ولا قیاسها فی المختبرات، کالمسائل ماوراء الطبیعة التی لا تبحث سوی فی عالم العقل.
الثانی: تلک السلسلة من الأبحاث الکلیة التی یمکن الاستدلال بها علی ضوء المسائل
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 534
القطعیة للعلوم الطبیعیة والریاضیة التی تستند إلی التجربة.
تعتقد مدرسة أصالة العمل أنّ الشکوک تشوب الآراء بشأن تلک الطائفة من المسائل الکلیة التی لا تستند إلی العلوم الحسیة ولا یمکن تجربتها عن طریق الأجهزة العلمیة.
ویزعمون أنّ الفلاسفة العقلیین بحثوا لسنوات حول المسائل الفلسفیة وقد اتسعت الخلافات بینهم بشأن هذه المسائل؛ الأمر الذی یدل علی صعوبة هذه المسائل وتعذر حلّها.
هذه خلاصة نظریة هذه المدرسة التی انبثقت فی القرن السابع عشر واستقطبت العدید من الأنصار. أمّا العلماء الإلهیون (الذین لا یقتصرون علی الوجود بالمادة والطاقة وینظرون إلیه بواقعیة عریضة) فقد أوردوا العدید من الإشکالات علی هذه المدرسة وفنّدوا الأسس العلمیة لهذه النظریة ونشیر هنا إلیها باختصار: ما یقال بالاکتفاء علی التعویل علی الأمور الحسیة کلام یخالفه عملیاً حتی اتباع هذه المدرسة؛ ذلک أنّهم یتعاملون مع القضایا بصورة کلیة، مثلًا، یقولون: إنّ سرعة الضوء ثلاثمائة الف کیلومتر بالثانیة؛ بینما لم تجرب هذه القضیة بصورة کلیة، والذی خضع للتجربة بعض الحالات الخاصة وفی ظروف معینة، ثم عمم بنوع من الاستدلال العقلی، وهو أنّ السرعة المذکورة تتعلق بحقیقة النور ولیس للظروف من نصیب فیها؛ فللنور هذه السرعة أینما کان.
وبعبارة أوضح: قام العلماء بتجاربهم بشأن سرعة الضوء فی ظروف مختلفة وحیث رأوا هذه السرعة ثابتة فی جمیع الظروف، فقد توصلوا من کل هذه التجارب إلی قانون عقلی کلی فادّعوا أنّ للنور سرعة ثابتة فی کل زمان ومکان، وبدورنا نسألهم: هل کان هذا القانون محسوساً لدیکم بصورة کلیة أم أدرکتم غیر المحسوس ببعض المحسوسات؟ قطعاً الجواب هو التالی، وهکذا یعتمد علماء الطبیعة فی أغلب نظریاتهم وفرضیاتهم علی سلسلة من المسائل العقلیة الحدسیة ویتوصلون إلی النتائج، مثلًا، لعلماء الجیولوجیا نظریات فی ظهور الأرض وطبقاتها المختلفة لیست محسوسة لأحد، والمحسوس آثار کعلامات لسلسلة من العلل تحصل عن طریق الحدس والتفکیر.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 535
وما قیل: «إنّ علماء العقل یختلفون دائماً علی هذه المسائل فهی غیر قابلة للحل» بعید عن الحقیقة؛ لأنّ وجه الحقیقة مغطی بحجب تزول إثر الحوار بصورة تدریجیة: والواقع أنّ کل اختلاف خطوة نحو الواقع، والاختلاف لا یدل علی عدم وصول هؤلاء العلماء إلی الواقع؛ بل لما کان الموضوع واسع ومهم فإنّ کل عالم من هؤلاء العلماء أدرک جانباً من الواقع وهکذا تتضح کل یوم سلسلة من الحقائق الجدیدة. فاغلب المسائل الفلسفیة التعقلیة الیوم بهذه الصیغة، ثم تصبح قطعیة بعد اجتیاز عدّة مراحل علی أساس اصولهم المعینة لتعتبر من المسائل الفلسفیة المسلمة، وجود المسائل الخلافیة الأخری لیس بدلیل علی عدم تقدم النقاشات الفلسفیة فی المجالات کافّة.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 537

15 الیوغا؟

سؤال:
ما المراد ب (الیوغا) ذات الأتباع الکثر فی الهند؟
الجواب:
الیوغا نوع من التصوف تری الخلاص فی الترکیز علی الروح وترک العلاقات المادیة؛ وقد اعتمدوا لهذا الهدف مجاهدات وریاضات مُضنیة حیث یعتقدون بکبح جماح النفس عن هذا الطریق.
والهدف الأعظم فی (الیوغا) فصل الروح عن البدن وایصالها لعالمها (برهمن) وربّ العالم، ویزعمون أنّ هذا الفصل یحصل فی الحیاة فقط. ففلسفة الیوغا لم تتخلص من مخالب الشرک، وبالتالی فهی تعتقد أنّ خالق عالم المادة المعروف بالنقص والتضاد، غیر الخالق الذی خلق عالم الأرواح والموجودات المنزهة من العیب والنقص. طبعاً الارتیاض لا یقتصر علی الیوغا، بل هنالک عدّة مراکز أدیان فی الهند تمارس بعض الریاضات الشاقة بهدف السیطرة علی النفس، ومن هنا یطلق (بلد المرتاضین) علی الهند.
طبعاً هذه الأمور مرفوضة فی الإسلام، فالإسلام لا یری فی الانقطاع عن المادیات من
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 538
صواب، بل الاعتدال فی العلاقات المادیة وسیلة لنیل الکمال، کما یحظر هذه الریاضات الشاقة، کما رفض الاثنینیة فی العقیدة وعدّها شرکاً لأنّ اللَّه الواحد هو خالق العالم.

16 الخلیة الحیة

سؤال:
هل نجح العلماء فی صنع الخلیة الحیة، وعلی فرض النجاح هل یستطیعون تحویلها إلی بشر کامل خارج رحم الأُم (الطریق الطبیعی لولادة الإنسان)؟ وکیف ینسجم ذلک إن استطاعوا مع کون الحیاة بید اللَّه؟
الجواب:
رغم الجهود والتحقیقات الواسعة والتجارب التی قام بها العلماء للوقوف علی أسرار الحیاة وصنع «الخلیة» إلّاأنّهم لم یوفقوا لحدّ الآن فی إدراک أسرار وکوامن بنیة الخلیة- فوضع الخلیة- سیما بالنظر للوظائف الخاصة لکل عضو منها- ما زال معقداً فی ایجاد الحیاة وتنمیتها، ولم تتضح لحدّ الآن هذه الوظائف المعقدة.
والعلماء لم ینجحوا رغم مساعیهم فی صنع الخلیة الحیة؛ مع ذلک فهم لا یرون استحالة هذا الأمر وما زالوا یسعون لتحقیقه بفضل التقدم الذی یحرزه علم الأحیاء کل یوم. إلّاأنّ التوصل إلی خلق إنسان خارج الرحم یبدو فی غایة التعقید، حیث إنّ ذلک یتوقف بالدرجة الأساس علی صنع الخلیتین «أسبرماتوزوئید» و «أوفل» اللتین تُعدّان من الخلایا الأصلیة
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 540
فی تکوین الإنسان؛ والحال هاتان الخلیتان لیستا بسیطتین، بل تبدو عملیة تکوین الخلیتین المذکورتین مستحیلة بفعل ما تحتویهما من عناصر خاصة ومعقدة «الجینات والکروموسومات» وصفات وطبائع البشریة وبالتالی ما یمیز الإنسان عن سائر الکائنات والتی تمکن فیها، عوامل الوراثة؛ ذلک لأنّ تکوین خلیة بسیطة یختلف عن أخری تضم عشرات الامتیازات الروحیة والبدنیة. وعلیه فالجواب بالسلب عن هذا السؤال: هل نجح العلماء فی صنع الخلیة الحیة؟ والمهم حتی لو نجح العلماء یوماً فی تکوین نطفة بصورة صناعیة وانبثق منها إنسان کامل فإنّ ذلک لا یتعارض وکون الحیاة بید اللَّه.
وتوضیح ذلک: أنّ المراد من کون الحیاة بید اللَّه أنّ الحیاة ظاهرة لیست مادیة ونوع من الوجود الذی یکتسب وجوده کسائر الموجودات المادیة وغیر المادیة من اللَّه فخلق الحیاة مختص باللَّه، ولا یسع کائن من کان أن یضفی الحیاة والوجود علی شی‌ء، فحیثما کانت الحیاة کان اللَّه واهب الحیاة وخالقها.
وعلیه فلو تمکن العلماء من خلق خلیة حیة فلا یعدو فعلهم إعداد مقدمات الحیاة.
فهؤلاء یرکبون مواد معینة فی ظل ظروف خاصة ویرون فیها الحیاة، ولکن من وهب هذه المواد تلک الحیاة؟ هو اللَّه تبارک وتعالی. وعلیه فلو نجحوا فی تکوین إنسان فإنّما یستمد حیاته فی جمیع مراحلها من اللَّه. بعبارة أخری إیجاد خلیة حیة من قبل العلماء (علی فرض نجاح العملیة فی المستقبل) أشبه بتجمیع قطعات سیارة استوردت من الخارج، ومن الطبیعی أنّ المجمع لیس الصانع. (وعلیک بالدقة).
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 541

17 القلب والادراک‌

سؤال:
نسب القرآن، الفکر والعقل للقلب والسمع والبصر وسیلة السماع والرؤیة، وعین موقع القلب وأنّه فی الصدر حتی قال تعالی: «... وَلکِنْ تَعْمَی الْقُلُوبُ الَّتِی فِی الصُّدُورِ» «1»
بینما توصل علماء الفسلجة بعد عدّة تجارب إلی أنّ الدماغ وسیلة التفکیر وعمل القلب ضخ الدم إلی أعضاء الجسم علی غرار المضخة التی تعمل دائماً بصورة تلقائیة.
الجواب:
ما أثبته العلماء فی مختلف العلوم- کالفسلجة وعلم النفس- أنّ لأعصاب الإنسان ودماغه وظیفة خاصة کسائر الأعضاء، وما تستلمه هذه الأعصاب من إیعازات من الخارج ترسلها إلی الدماغ؛ مثلًا، حین تکون یدنا إزاء عامل خارجی کالنار فإنّها تعکس آثار النار فوراً إلی مرکز القیادة الظاهری للجسم؛ أو العین التی خلقت کعدسة التصویر وتقسم طبقات مختلفة ومیاه متنوعة، فطریقة عمل العیون ورود الأشعة من الجسم بصورة غیر مباشرة إلیها وبعد عبورها من الأغشیة تظهر صورة فی نقطة خاصة من العین فتقوم الأعصاب البصریة
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 542
بإیصالها إلی الدماغ لتحقّق عملیة الرؤیة.
تقول الفسلجة بشأن الأنشطة الدماغیة: إنّ الخلایا الدماغیة تقوم بعدّة أنشطة حین التفکیر، فیتناول الدماغ مزیداً من الغذاء ویفقد مزیداً من المواد الفوسفوریة ... وهکذا تقوم سائر أعصاب الإنسان کل باتجاه بوظیفته الادراک، الا ان النتیجة التی توصل الیها اغلب العلماء من هذه التجارب وظنوا بأنّ مرکز الإدراک والشعور هو الخلایا الدماغیة علی الاعصاب بعد تاثیر العوامل الخارجیة خاطئة؛ ذلک لأنّ هذه فی إدراک الإنسان وشعوره، ودون هذا الفصل لا یتسطیع الإنسان التفکیر والإدراک والسمع والبصر، وأمّا أنّ المدرک الواقعی أو المشاهد والسامع هو الدماغ، فلیس بصحیح.
ومن هنا یعتقد کبار العلماء أنّ هنالک جهازاً فوق الجهاز المادی للبدن وینسق مع هذه الوسائل المادیة وینهض بمسؤولیة تدبیر هذا الجهاز وبتفعیله للأدوات المادیة ... کالعین والأعصاب- فإنّ الدماغ یمکنه الحصول علی معلومات من الخارج، والواقع هو المدرک الحقیقی والذی ترتکز فیه- جمیع علوم الإنسان وأفکاره والذی یعبر عنه بأسماء مختلفة کالعقل والروح والقلب.
ولا شک فی أنّ الناس یستعملون القلب فی محاوراتهم الیومیة بمعنی العقل والروح وکذا فی العرف، فنقول قلبی یعتصر علی إبنی البعید عنّی. ولا یخفی أنّ المراد بالقلب لیس ذلک العضو الصنوبری الشکل، بل فسّروا أحد معانی القلب بالروح والنفس البشریة التی تعتبر مرکز الشعور والإدراک، ویصطلح علیه العلماء بالعقل والروح- وعلة اختیار لفظ القلب ککنایة عن الروح أنّ القلب الصنوبری یعتبر مظهر الحیاة لدی الإنسان، فهم یمیزون بین الحی والمیت علی ضوء عمل القلب وتوقفه. وتوازن دقات القلب وسرعتها دلیل الصحة والسقم وأول مرحلة لظهور الآثار الروحیة لکل حادثة هو القلب. والقرآن من جانبه استعمل مفردة القلب بمعنی العقل والروح والقوة المدرکة. أضف إلی ذلک هنالک العدید من القرائن القرآنیة علی هذا المعنی، ومنها:
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 543
1- قال القرآن بعد بیانه لأوضاع القیامة: «إِنَّ فِی ذلِکَ لَذِکْرَی لِمَنْ کَانَ لَهُ قَلْبٌ» «1»
.فالمفروغ منه أنّ القرآن اعتبر القیامة وسیلة تذکیر لأصحاب القلوب، فإن کان المراد ذلک العضو المعروف سوف لن تستقیم العبارة، ذلک أنّ لکل الناس هذا العضو، وعلیه فالمراد به العقل والقوة والتفکیر.
2- اعتبر القرآن القلب مرکز طائفة من الصفات والروحیات التی لا ترتبط قطعاً بهذا القلب المادی، بل أوصاف تلک الروح الإنسانیة، فیصف بعض القلوب بالقسوة والمرض والعمی- کما یری القرآن القلب مرکز الطهر والإیمان والدنس والکفر ووسیلة نیل السعادة والشقاء وخص القلب السلیم بالسعادة والفلاح «2».
ومن البدیهی أنّ هذه الأمور من صفات الروح الإنسانیة، فلا معنی للقسوة والعمی والمرض فی هذا القلب المادی. ویتضح ممّا مر سابقاً معنی الآیة الواردة فی السؤال؛ فالقرآن وإن نسب التعقل للقلب وأنّ مکانه فی الصدر، لکن کما یتضح أنّ القلب الذی فی الصدر اصطلح علیه القرآن کنایة عن الروح والعقل، وسبب هذا التعبیر ذلک الارتباط القوی للقلب الصنوبری بالروح وظهور وانعکاس الحالات الروحیة والحیاة والموت فی القلب.
والقرآن لا یکنی القلب بالعقل والروح فقط، بل أحیاناً یستعمل الصدر بهذا المعنی فیقول: «أَلَمْ نَشْرَحْ لَکَ صَدْرَکَ» «3»
و «فَمَنْ یُرِدِ اللَّهُ أَنْ یَهدِیَهُ یَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ» «4»
؛ ومن الطبیعی أنّ صدر الإنسان العادی لا یضیق ویتسع بقبول أو عدم قبول الإسلام؛ بل کنایة لسعة وکبر الروح، ولکن ورد التعبیر السابق بسعة الصدر مرکز ظهور انعکاسات الحیاة.

18 لماذا یطلق اسم «أُمُّ القری علی مکة؟

سؤال:
یستفاد من التفاسیر والأخبار أنّ أول ما ظهر من الأرض، أم القری- مکة- ومن ثم تلتها سائر البقاع، فکیف ینسجم هذا الموضوع مع عقیدة العلماء المعاصرین الذین یرونها سیارة انفصلت دفعة عن الشمس؟
الجواب:
ذکر علماء الأرض بشأن ظهورها والتطورات التی طرأت علیها أنّ الکرة الأرضیة تعرضت إلی سیول وأمطار شدیدة بعد أن انفصلت عن الشمس وبردت فغطی الماء جمیع سطحها، وظهرت التنوعات فانحدر الماء إلی النقاط العمیقة وشکل البحار وبدات البقع الجافة تظهر شیئاً فشیئاً. ولعل مسألة ظهور أرض مکة إشارة إلی هذه البقع الجافة، فکانت أول بقعة ظهرت من الماء المناطق الاستوائیة ومنها مکة.
وعلیه فلا منافاة بین الروایة المذکورة وعقیدة العلماء فی ظهور الأرض؛ لأنّ المراد من ظهور مکة لیس انفصالها عن الشمس، بل ظهورها من الماء واستعدادها للسکن.

19 لماذا لا تطابق المناسبات الدینیة فصول السنة؟

سؤال:
ضُرِبَ علی علیه السلام فی التاسع عشر من شهر رمضان فی فصل الشتاء مثلًا (طبعاً هنالک فارق 11 یوم بین العام القمری والشمسی) ولکننا نلاحظ وقوع التاسع عشر من رمضان فی الشتاء أحیاناً والصیف أخری والربیع والخریف، إذن فالشهر القمری لیس صحیحاً ولا یبیّن التاریخ بدقّة، ویرد هذا الإشکال علی سائر أیّام العزاء والأعیاد الدینیة خلال الفصول.
الجواب:
إنّ العام والشهر موضوع تعاقدی لتنظیم الأمور الاجتماعیة، غایته کیّفوه مع حرکة الکواکب بغیة عدم الخطأ والاستناد إلی الطبیعة. فجعل البعض مقیاس حساب العام والشهر حرکة الشمس (أو الأصح حرکة الأرض حول الشمس) ونتیجة ذلک العام الشمسی المنطبق علی الفصول الأربعة. کما جعله البعض حرکة القمر حول الأرض ولا ینطبق علی الفصول الأربعة الناتجة من حرکة الشمس.
والنتیجة لو لم تنطبق الأشهر القمریة علی فصول السنة فلا إشکال علیها؛ لأنّ المدار فیها لیس حرکة الشمس والفصول الأربعة. وعدم مراعاتنا للفصول فی إقامة مراسم العزاء
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 548
والسرور، لأنّ مقیاسنا فی هذه المراسم هو الأشهر القمریة المطابقة لحرکة القمر، والمهم لنا، الیوم القمری الذی وقعت فیه تلک الحادثة، لا الفصل. کما نعلم أنّ تنظیم التواریخ الإسلامیة کافّة طبق هذا الشهر القمری. والواقع هنالک فارق بین الأشهر القمریة- وهی أشهرنا الدینیة- والأشهر الشمسیة ومنها: أنّ حساب الأشهر القمریة أسهل علی أغلب الناس من الأشهر الشمسیة، بحیث لا یجد أی فرد من صعوبة فی حسابها، بینما لابدّ من التقویم لحساب الأشهر الشمسیة- بعبارة أخری یمکن عادة تعیین الحدود التقریبیة لکل شهر وبدایته ونهایته بواسطة الأشهر القمریة، بحیث لو نظرنا إلی قرص القمر یمکننا تقریباً معرفة کم لیلة مضت علی الشهر، بینما یتعذر تعیین الأیام فی الأشهر الشمسیة (الأبراج) ما لم یکن لدینا تقویم، حتی بدایة ونهایة الشهر؛ ویقتصر الأمر علی الحسابات النجومیة فقط؛ والحال تقویم الأشهر القمریة صفحة السماء وتأمل طلوع وغروب القمر والهلال والتربیع والبدر، ممکن للجمیع، ولو لم تنطبق هذه الأشهر علی فصول السنة، فلا یمکن المساس بها مع کل هذه الامتیازات.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 549

20 سند دعاء الندبة

سؤال:
هل من سند معتبر لدعاء الندبة؟
الجواب:
دعاء الندبة دعاء من حیث المضمون مستدل ورفیع وفصیح وعاطفی وحماسی، وفی حالة إدراکه من قبل الداعی فهو ملهم لأصلاح الوضع الاجتماعی ومقاومة الظلم والفساد وطفرة نحو الأهداف الإنسانیة الکبری.
لکننا لا ندری لماذا کل هذه الحملات المغرضة من البعض، فتارة علی العبارات وأخری علی السند، والحال لیس فی مضمونه أیة مثلبة ولا یمکن القدح فی سنده ضمن إطار الدعاء. وسنوضح لاحقاً إن شاء اللَّه خواء تهمة مشابهة عباراته لعقائد الفرقة الکیسانیة.
وسنشیر إلی الاشکال الذی ورد علی فقراته، ومن ثم نشرح السند:
إشکال البعض علی العبارة «وعرجت بروحه إلی سمائک»، إنّها لا تنسجم مع عقائد الشیعة، لأنّ المعراج لم یکن مقتصراً علی الروح. والحال لو عدنا إلی مصادر الدعاء الأصلیة لزال الإشکال، فالدعاء ورد قبل کل شی‌ء فی کتاب «المزار الکبیر» لمحمد بن
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 550
جعفر المشهدی أحد علماء القرن السادس، والعبارة فی کتابه «وعرجت به إلی سمائک» ولم ترد فیه کلمة الروح (لابدّ من الدقة).
والکتاب القدیم الثانی «المزار القدیم» الذی عاش مؤلفه فی القرن السادس ووردت فیه هذه العبارة «وعرجت به إلی سمائک» لم ترد العبارة المذکورة سوی فی «مصباح الزائر» للسید بن طاووس، مع العلم ذکر المرحوم الحاج نوری صاحب «المستدرک» أنّه رأی فی بعض نسخ کتاب المصباح «عرجت به» والنتیجة هنالک مصدران من ثلاثة مصادر نقلت العبارة «به» ووردت أیضاً فی المصدر الثالث لبعض نسخه دون الآخر، ولکن حیث کانت النسخة لدی العلامة المجلسی رحمه الله تشتمل علی کلمة «بروحه» وعادة ما تؤخذ الأدعیة منه، فقد أثیر هذا البحث، والحال لم ترد هذه الکلمة فی المتون القدیمة. وعلیه فالمتن الأصلی والأصح لم ترد فیه مفردة «بروحه».
سند الدعاء:
ورد هذا الدعاء کما ذکر فی ثلاثة مصادر معتبرة وقدیمة هی:
1- المزار الکبیر لمحمد بن جعفر المشهدی من علماء القرن السادس.
2- المزار القدیم لمؤلفه أحد العلماء المعاصرین- المرحوم الطبرسی- صاحب کتاب الاحتجاج (القرن السادس).
3- مصباح الزائر للسید رضی الدین بن طاووس من کبار زهاد وعباد ومحدثی القرن السابع.
والدعاء فی الکتب الثلاثة عن محمد بن علی بن یعقوب بن اسحاق بن أبی قرة عن محمد بن حسین بن سفیان البزوفری «1» الذی عاش فی الغیبة الصغری وکان یتصل قطعاً بالإمام علیه السلام بواسطة المکانیة عن طریق البواب وینقل عن المهدی علیه السلام أنّه أمر بهذا الدعاء.
والشخص الأول، أی محمد بن علی بن یعقوب طبق التراجم والرجال هو من رواة
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 551
الشیعة والأفراد الثقات وله عدّة مؤلفات، والبزوفری من أساتذة الشیخ الجلیل المفید.
وکان الشیخ یذکره بإجلال واکبار.
الجدیر بالذکر أنّ صاحب کتاب الذریعة ذکر فی الجزء الثامن ص 184 أنّ هذا الشخص (محمد بن حسین البزوفری) ألّف کتاباً ورد فیه دعاء الندبة.
وعلیه فسند الدعاء یعود إلی رجال کلهم ثقات أو معروفین ولیس فیهم مجهول.
أضف إلی ذلک وعلی فرض مجهولیة سند الدعاء فإنّه لا یمکن القدح به من باب القاعدّة الأصولیة المعروفة «قاعدّة التسامح فی أدلة السنن» فهنالک تشدد فی الأحکام المرتبطة بالواجبات والمحرمات دون المستحبات.
وعلی ضوء هذه القاعدّة فإنّ الفقهاء لا یشکلون علی سند المستحبات والأدعیة ویکتفون بما ورد منها فی الکتب المشهورة. ومن هنا قد تکون أسانید أغلب الأدعیة المشهورة لیست أکثر من حدیث مرسل.
والطریف أنّ أحدهم رصد فی کتابه مبلغ عشرة آلاف تومان لمن یأتیه بسند لدعاء الندبة. وینبغی أن یقال لهذا المؤلف المحترم لو تصدقت بدرهم من ذلک المبلغ علی الفقراء بعد مطالعتک لهذه السطور وعدم العودة إلی إطلاق هذه الأحکام الجوفاء «1».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 553

21 الإستخارة

سؤال:
کیف یفوّض الإنسان مصیره ومقدراته للإستخارة ویعین تکلیفه من خلال التفؤل بالقرآن أو المسبحة؟
الجواب:
أولًا: تعنی الإستخارة: طلب الخیر من اللَّه؛ اللَّه المهیمن علی عالم الخلق وبیده أمور الخلائق ویهدی عباده إلی ما فیه خیرهم و صلاحهم. ومعنی هذه الإستخارة أنّ الإنسان إذا أراد أن یقوم بعمل فلابدّ أن یعد جمیع مقدماته قدر المستطاع ویبتعد عمّا یوجب الضرر، ثم یسأل اللَّه من أعماق قلبه أن یوفقه فی هذا العمل ویفیض علیه الخیر. والخلاصة حین یرید الإنسان القیام بعمل جبار ولا یعرف عاقبته فإنّه یسعی لاعداد مقدماته ویتوجه إلی اللَّه بالدعاء لیوفقه فی هذا العمل ویسهل له غایته وهدفه.
وهذه هی الإستخارة بمعنی طلب الخیر والتی وردت بشأنها الروایات الصحیحة. ولا تحتاج هذه الإستخارة إلی قرآن ولا مسبحة، بل تتطلب توجهاً باطنیاً إلی اللَّه من الإنسان.
ورد فی الخبر: «ما استخار اللَّه عبد مؤمن إلّاخار اللَّه له».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 554
والهدف من هذه الإستخارة لیس رفع الشک والریبة، بل سؤال اللَّه التوفیق إلی الخیر بعد اتخاذ التدابیر الصحیحة. ولا أحد من الموحدین یسعه إنکار تأثیر الإرادة الإلهیّة فی جمیع الأمور. وهذا التوجه یمنح المؤمن نشاطاً وحیویة لمقاومة الصعاب والمشاکل.
ثانیاً: لیس الأمر کما ورد فی السؤال بشأن الإستخارة من أنّ الإنسان یفوض أموره لمسبحة، بل هنالک أمور ینبغی مراعاتها قبل الإستخارة:
1- الاستلهام من العقل والفکر: لقد من اللَّه علی عباده بنعمة العقل الذی یمکنه تشخیص عاقبة العمل من حیث النفع والضرر، ولا حاجة له فی مثل هذه الموارد إلی الإستخارة بالقرآن والمسبحة.
2- مشاورة الآخرین: أولی الإسلام مسألة الاستشارة أهمیّة فائقة حتی عدها علامة الإیمان «وَأَمْرُهُمْ شُورَی بَیْنَهُم» «1»
کما أمر اللَّه تعالی رسوله باستشارة الآخرین فی الأعمال المهمة «وَشَاوِرْهُمْ فِی الْأَمْرِ» «2»
وفی هذه الحالة إن طرح بعض الأفراد من ذوی الخبرة رأیا جازما بشأن عمل، فلیس هنالک من حاجة للإستشارة. ولا تبدو هنالک حاجة إلی الإستخارة حین یکون هنالک رأی ضعیف من قبل الأفراد من ذوی التجربة.
أمّا أن تعذر حسم الأمر من خلال العقل والاستشارة فلربّما یعیش الإنسان حالة من القلق والتردید، والفائدة الأولی للإستخارة بالقرآن أو المسبحة إزالة ذلک القلق ومنحه الهدوء والاستقرار، وبالتالی فهو یسأل اللَّه بهذه الإستخارة هدایته إلی الخیر والفلاح، فقد غلقت جمیع الأبواب بوجه العبد ولا یمتلک سوی الإخلاص فی التوجه إلی اللَّه، فما المانع أن یأخذ بیده اللَّه ویریه سبیل الخیر والصلاح؟
ولنفترض أنّ هذا الشخص القلق لم یستخر فهل یسعه القیام بفعل أم ترکه؟ قطعاً لا، وبالتالی یفعل ذلک العمل أم لا. فما أحراه هنا أن یتوجه إلی اللَّه بقلبه ویستخیره علی القیام بذلک الفعل أو ترکه. قطعاً سیندفع بقوة علی ضوء الإستخارة وهذا ما یلعب دوراً مهماً فی موفقیته ونجاحه.
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 555

22 اختلاف الأشهر القمریة

سؤال:
تعلم أنّ الأرض تدور حول الشمس والقمر حول الأرض ولهذه الحرکة حساب معین، لکن لم کانت بعض الأشهر القمریة 29 یوم وأخری 30 یوم؟
الجواب:
یدور القمر حول الأرض خلال 29 یوماً و 12 ساعة و 44 دقیقة. وثلاث ثوانٍ وهذه المدّة 30 یوماً. ومن هنا فإنّ بعض الأشهر القمریة 29 یوماً والبعض الآخر 30 یوماً. لأنّ المقدار الزائد علی 29 یوماً (یعنی 12 ساعة و 44 دقیقة و 3 ثانیة) فی الأشهر المتتالیة بیقدّر یوماً واحداً، ولذلک یکون الشهر القمری أحیاناً 30 یوماً.

23 هل یمکن أن یکون شهران قمریان متتالیان 29 یوماً؟

سؤال:
أجیب عن السؤال السابق بأنّ حرکة القمر حول الأرض لیست خلال 30 یوماً، بل خلال 29 یوم و 12 ساعة و 44 دقیقة و 3 ثانیة، ومن هنا کانت بعض الأشهر القمریة 29 یوماً والمقدار الزائد یضم إلی الأشهر التالیة فیکون یوماً واحداً، وعلیه تکون بعض الأشهر 30 یوماً.
وهنا یطرح هذا السؤال: هل یمکن القول: لا یوجد شهران متتالیان 29 یوماً، حیث علی أساس الإضافة لابدّ أن یکون الشهر الثانی 30 یوماً ولیس أقلّ، فی حین یتعاقب شهران أحیاناً 29 یوماً؟ وبغض النظر عن ذلک لو کان شهران متتالیان 30 یوماً فلا ینبغی أن یکون الشهر الثالث أکثر من 29 یوماً، فلو انعدمت رؤیة الهلال ومضی شهران 30 یوماً ینبغی جعل الشهر الثالی 29 یوماً، بینما تصرح الکتب الفقهیة بأنّ کل شهر 30 یوماً حتی تتأکد أنّه أقلّ.
الجواب:
نعلم أنّ مدّة کل شهر قمری تقوم علی أساس دورة القمر حول الأرض، وحیث أنّ المنجمین مجبرون علی بیان عدد أیّام کل شهر بعدد صحیح- لأنّه لا یمکن ثبت وقائع
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 558
تاریخ الثلاثین من الشهر بأن یعود نصفه إلی الشهر السابق والنصف الآخر للاحق- فلابدّ من حساب الشهر القمری علی أنّ أقلّه 29 یوماً وأکثره 30 یوماً. وعلی هذا الأساس هنالک نوعان من الشهر القمری:
1- الشهر الحسابی
2- الشهر الهلالی
بما أنّ مدّة الشهر القمری أکثر من 29 یوماً ب 12 ساعة و 44 دقیقة و 3 ثانیة وهی أقل من نصف یوم، لذلک یحسب الشهر الأول للسنة «محرم» 30 یوماً والشهر الثانی «صفر» 29 یوماً وهکذا سائر الأشهر الفردیة (3، 5، 7، 9، 11) 30 یوماً والأشهر الزوجیة 29 یوماً وهذا ما یقال له الأشهر «الحسابیة». وعلیه فلیس هنالک شهران متتالیان 30 یوماً أو 29 یوماً، بل تحسب دائماً 30 یوماً فی الشهر الأول و 29 یوماً فی الشهر التالی وهکذا؛ أمّا المراد بالشهر الهلالی فهو الشهر الذی یثبت بواسطة رؤیة الهلال بالعین وعلی هذا الشهر مدار الأحکام الإسلامیة.
وهنا یرد هذا السؤال: لماذا لا یولی الفقهاء من اعتبار للشهر الحسابی؟
والجواب: الأخبار والروایات بشأن رؤیة الهلال فی الصوم والافطار. حیث ورد فی الخبر «صم للرؤیة وافطر للرؤیة» ولم یرد شی‌ء بشأن حساب 30 یوماً و 29 یوماً.
ویمکن أن تکون بضعة شهور- أربعة أشهر کحد أقصی- أثر حرکة متموجة خفیفة فی القمر 30 یوماً، أی لا یری القمر فی أقل من هذه المدّة، ویمکن أن تکون ثلاثة أشهر متتالیة 29 یوماً، أی تری بصورة متتالیة فی 29 یوماً «1».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 559

24 متی کان یوم عاشوراء؟

سؤال:
فی أی فصل ویوم من السنة الشمسیة کانت واقعة کربلاء؟
الجواب:
یتضح من التقاویم أنّ عاشوراء عام 1390 ه. ق یصادف یوم 27/ 12/ 1348 من السنة الهجریة الشمسیة ونعلم أنّ واقعة کربلاء کانت عام 61 ه وعلیه نقول 1930- 61: 1329.
ومن جانب فإنّ مقدار السنة الشمسیة حسب العدد العشری 2422/ 365 یوماً، والسنة القمریة حسب العدد العشری 3670/ 354 یوماً، وعلیه فالفارق بینهما 8752/ 10. وعلی ضوء هذا الفارق لایام جمیع هذه السنوات (1329 سنة) سیکون:
8752/ 10* 1329: 1408/ 14453، أی أنّ مبدأ السنة القمریة سیتقدم بمقدار 1408/ 14453 یوماً فی مدة 1329 سنة بالنسبة للسنة الشمسیة، ولابدّ من الرجوع إلی الوراء لتطبیقها بهذا الشکل:
14/ 14453: 2422/ 365: 39 سنة+ 208 یوم.
وعلیه لابدّ أن نضیف 208 أیّام لعاشوراء عام 1390 لیحصل المطلوب، وحیث أنّ
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 560
الأشهر الشمسیة بعد اسفند حتی شهریور طبق التعدیل القانونی 31 یوماً، إذن 208: 31: 6 شهر+ 22 یوماً، وحیث نضیف 6 أشهر و 22 یوماً إلی 27 اسفند سنصل إلی 20 مهر.
وعلیه یمکن القول بنحو التقریب الجزئی أنّ عاشوراء عام 61 یصادف 20 من شهر مهر.

25 من هم أصحاب الکتب الأربعة؟

سؤال:
هنالک أربعة کتب معتبرة ومهمّة تعد منذ تدوینها ولحد الآن مرجع الأعلام فی أصول العقائد ومدارک الأحکام والفروع العلمیة لمراجع التقلید، فلهذه الکتب الأربعة امتیازات خاصة علی سائر کتب الشیعة. رجاء نطلب معلومات مختصرة عن هذه الکتب ومؤلفیها:
الجواب:
إنهمک شیعة علی علیه السلام واقتداء به بعید وفاة رسول اللَّه صلی الله علیه و آله بضبط وتدوین أحادیث النبی صلی الله علیه و آله والأئمّة علیهم السلام، وقد استفرغوا ما بوسعهم- خلافاً للعامة التی تحفظت ما یقارب تسعین سنة عن تدوین الأحادیث بعد وفاة النبی صلی الله علیه و آله حتی عهد عمر بن عبدالعزیز- لنقل الأحادیث فألّفوا عدّة کتب فی مختلف العلوم الإسلامیة خلال 250 سنة- منذ وفاة النبی الأکرم صلی الله علیه و آله حتی وفاة الإمام الحسن العسکری علیه السلام.
حتی أثبت کبار المحققین وبالأدلة القاطعة والحیة أنّ جمیع أو معظم واضعی العلوم الإسلامیة کانوا شیعة وکانوا أول من أنار هذا الطریق فی العلوم الإسلامیة للبشریة «1»، ومن
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 562
أراد المزید بشأن أسماء وخصائص هذه الکتب فلیراجع الفهارس التی دوّنت من قبل علماء الشیعة فی القرون الإسلامیة ولا سیما کتاب «الذریعة» القیم لمؤلفه المرحوم آقا بزرک الطهرانی.
وقد استطاع الإمام الصادق علیه السلام حین مطلع قدرة الدولة العباسیة من تلمذة أربعة آلاف خلفوا الیوم أربعمائة کتاب. کما تلمذ قبله الإمام الباقر علیه السلام إبان الصراع الأموی العباسی والثورات الکبری للاطاحة بحکومة بنی أمیة نخبة من التلامذة، کما خلف سائر تلامذة الأئمّة کالإمام موسی بن جعفر والرضا علیهما السلام کتباً قیمة أخذوا مضامینها عن أئمّة العصمة علیهم السلام.
وهذه الکتب التی ضمت علوم أهل البیت ونشرت بواسطة علماء الشیعة وألّفوا صفوف الحدیث لفهم معانیها وحل رموزها فکانت نسخها عامرة فی مکتبات ایران وبغداد «1» العامة والخاصة. والآن نحاول التعرف علی أصحاب الکتب الأربعة بعد هذه المقدمة المختصرة:
1- الکلینی المتوفی سنة 328 ه.
إنّ أول عالم جلیل خاض- إبان الغیبة الصغری- فی جمع وتنظیم أغلب الکتب التی دوّنت فی عصر المعصومین فسطرها مرتبة بکتاب، هو المرحوم ثقة الإسلام محمد بن یعقوب الکلینی الرازی. ولد علی عهد الإمام الحسن العسکری علیه السلام وتوفی فی السنة الأخیرة من الغیبة أو قبلها (328- 329). وکتابه المعروف «الکافی» البالغ الأهمیة صحة واتقاناً حیث یعتبر من أهم کتب الشیعة بعد القرآن الکریم ونهج البلاغة.
وقد ذاق الأمرین وعناء السفر فی تألیفه ومجموع أحادیثه 166199 حدیثاً والتی یجاوز عددها أحادیث الصحاح الستة. «2» والکتاب قسمان؛ قسم یتعلق بأصول العقائد، والآخر بالأحکام والفروع. وأصول هذا الکتاب نموذج واضح لعلوم أهل البیت علیهم السلام
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 563
ومعارفهم وسند حی علی إمامتهم وخلافتهم لرسول اللَّه صلی الله علیه و آله.
وقد ورد هنا الکثیر من المسائل الفلسفیة والکلامیة المتعلقة بمعارفنا وعقائدنا من جانب أئمتنا علیهم السلام بأبحاث رائعة.
وقد ألّفه المرحوم الکلینی بناءً علی طلب بعض الشیعة؛ «1» وروی النجاشی أنّه کابد عشرین عاماً فی تألیفه. وهنالک کتب أخری خلفها غیر هذا الکتاب اندرست للأسف مع مرور الزمان.
2- الشیخ الصدوق (306- 381)
الشخص الثانی الذی جمع أحادیث أهل بیت النبی صلی الله علیه و آله استاذ الحدیث وشیخ الشیعة المرحوم محمد بن بابویه المعروف بالصدوق، ولد الصدوق عام 306 وتوفی عام 381 وترک العدید من کتبه ومؤلفاته القیمة، وکتابه «من لا یحضره الفقیه» هو الکتاب الثانی من مصادر مراجع الشیعة فی الحدیث، کالکافی؛ وحین سافر الشیخ الصدوق إلی بلخ لأخذ الحدیث ونشر العلوم والمعارف هناک، طلب منه أحد کبار الشیعة هناک «شریف أبو عبداللَّه نعمة» أن یؤلّف کتاباً فی فقه الشیعة علی غرار کتاب «من لا یحضره الطبیب» لأبی بکر الرازی الطبیب المعروف فی زمانه ویسمیه «من لا یحضره الفقیه» والهدف من ذلک الکتاب کما یبدو من اسمه جمع الروایات والأحادیث الواردة فی الأحکام والفروع والتی تحضی بالثقة الشیخ الصدوق، والعمل به لمن یتعذر علیه الوصول إلی الصدوق أو سائر العلماء «2» یشتمل الکتاب علی 5963 حدیثاً وهو السند الثانی للعلماء والفقهاء فی الحدیث.
3- الشیخ الطوسی (385- 460)
ولد هذا العلم العملاق ومؤسس الجامعة الشیعیة القدیمة فی النجف المرحوم محمد بن الحسن الطوسی عام 385 فی طوس واتجه عام 408 لمواصلة درسه فی بغداد، فدرس علی ید عالمین بارزین، فی القرن الخامس (المرحوم الشیخ المفید والسید المرتضی علم
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 564
الهدی) وقد تزعم المرجعیة الشیعیة بعد وفاة المرحوم السید المرتضی عام 436؛ ویکفیه عظمة فی منزلته العلمیة أنّ الخلیفة العباسی «القائم بأمر اللَّه» ورغم معارضته للمرحوم الطوسی نصب له کرسیاً خاصاً لیتصد للتدریس. وقد قلّ نظیر النجاحات التی حققها الشیخ من بین الأعلام؛ وقد خلّف العدید من المؤلفات القیمة فی التفسیر والکلام والفقه والأصول وغیر ذلک، ولعل تفسیره «التبیان» دلیل دامغ علی قدرته الفکریة وسعة معلوماته.
کما کتب «تهذیب الأحکام» بناءً علی طلب تلامذته کشرحه لرسالة «المقنعة» لأستاذه المفید. وهذا هو ثالث کتاب من الکتب الأربعة. حیث وفق لجمع تلک الأحادیث التی لم یستطع جمعها کل من المرحوم الکلینی والشیخ الصدوق بعد أن دوّنها أصحاب الأئمّة علیهم السلام علی عهدهم من الکتب المعروفة لدی الشیعة وأسماها «تهذیب الأحکام» فی 393 باباً؛ وعدد أحادیث هذا الکتاب 13590 حدیثاً.
وکتابه الثانی وهو رابع هذه الکتب «الاستبصار» وقد جهد فی هذا الکتاب فی توضیح وشرح الأخبار التی تبدو للوهلة الأولی معقدة الفهم وصعبة الإدراک لمحدث أو مجتهد وربما یشعر بنوع من الاختلاف بین خبرین؛ فقد سعی فی هذا الکتاب ما بفکره العملاق ومعلوماته الجمّة لإزالة أی غموض وإبهام عن الأحادیث، ویشتمل هذا الکتاب علی 925 باباً و 6531 حدیثاً. هذه هی الکتب الاربعة المعروفة للشیعة التی کتبت من قبل هؤلاء الأعلام الثلاثة واسم کل واحد منهم «محمد».
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 565

26 خشیة اللَّه‌

سؤال:
إننا نعلم بأنّ اللَّه رحمن ورحیم ورؤف بعباده، فلماذا وردت فی المصادر الإسلامیة کالقرآن والسنّة خشیة اللَّه؛ ما سرّ خشیة اللَّه العادل الرحیم؟
الجواب:
إنّ خشیة اللَّه بمکانها وبالصیغة المنطقیة والمعقولة فی وجود الإنسان من النعم الإلهیّة؛ فالخوف عنصر وقائی یحصن الإنسان من العدید من المخاطر: فلو لم یخشی الإنسان عوامل الخطر من قبیل الوحوش وإنهیار سقوف البیوت والأمراض الخطیرة لوقع فی تلک الأخطار وتصدع کیانه. فهذا الخوف یحذر الإنسان من مس المجذوم عبثاً والوقوف علی مهاوی الردی ویمده بأسباب القوة إزاء الأخطار المحتملة. ولو لم یشعر الإنسان فی هذه الأحوال وما شابهها بالخوف من الضرر والخطر لسار نحو الفناء والزوال.
وبالطبع الخوف الذی یدعو إلی حفظ الإنسان وتکامله ذلک الذی یستند إلی المنطق والعقل؛ أی یخشی الإنسان تلک العوامل الخطیرة حقاً، وإلّا فالخشیة غیر المنطقیة والعبثیة والتی یعبر عنها بالجبن فهی أساس التخلف والهزیمة والفشل. والخشیة العبثیة فی أن
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 566
یخشی شیئاً دون مبرر أو یهرب من حدث دون توجیه ویمارس دوراً سلبیاً فی مختلف شؤون الحیاة؛ فهذه الخشیة مذمومة قطعاً وعبثیة ومدعاة لتخلف الإنسان. ونعود الآن إلی خشیة اللَّه:
قال تعالی: «وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَی النَّفْسَ عَنِ الْهَوَی فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِیَ الْمَأْوَی «1»
، فقد ورد فی هذه الآیة خوف مقام اللَّه بدلًا من خوف اللَّه، ولنری الآن ما المراد بالخوف من مقام اللَّه؟
إنّ المراد هو الخوف من عدالته وقسطه؛ وهل عدالة اللَّه مخیفة؟ جواب هذا السؤال واضح فمن کان حسابه طاهراً لا یخاف عدل اللَّه، وأما من کانت صحیفة أعماله مظلمة فهو یخاف عدل اللَّه طبعاً، فاللَّه لو حمل الآثمین علی عدله لأذاقهم ألیم العقاب بما قدموا من أعمال، أوَلا یدعو هذا إلی الخوف والرهبة؟
وعلیه فالخوف من مقام اللَّه هو الخوف من عدله- الخوف من الذنب والمعصیة- وهذا ما ینبغی أن یخشاه الإنسان، فهذا هو المطلوب من خشیة اللَّه. وقد أشار أمیرالمؤمنین علیه السلام إلی هذه الحقیقة فقال: «ولا یخافن إلّاذنبه» «2».
وربّما یقال إنّ خوف اللَّه معناه خوف الذنب، فما بال الأئمّة المعصومین علیهم السلام وأولیاء اللَّه علی هذه الدرجة من الخوف رغم عصمتهم ومجانبتهم للذنب؟ والجواب أنّ خوف هؤلاء من ترک الأولی الذی لا یعد من الذنوب؛ فالمتوقع منهم عدم القیام بذلک، والمرجو منهم غیر المرجو من غیرهم، فلربّما ما کان مباحاً لغیرهم ولعله یعد عبادة، یعتبر مثلبة من أولئک الذین بلغوا مواقع القرب والمقامات الرفیعة!
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 567

27 النیة والعمل‌

سؤال:
ما المراد بحدیث النبی الأکرم صلی الله علیه و آله: «نیّة المؤمن خیر من عمله ونیة الکافر شر من عمله» وکیف تکون نیّة العمل خیر أو شر منه؟
الجواب:
هذا الحدیث من الأحادیث النبویة المعروفة التی رواها محدثو الفریقین «1».
وقد ذکر له الأعلام عدّة تفاسیر، نورد أوضحها من بین التفاسیر. فنیة المؤمن وهمته اسمی دائماً مما یفعله، وربّما لا یوفق للقیام بعشر ما عزم علی القیام به، وهذا المطلب (الهمة العالیة والنیّة الأسمی من العمل) اثر مباشر للإیمان باللَّه؛ والفرد المؤمن إثر إیمانه بالثواب الاخروی وعقاب یوم القیامة فإنّ وجوده مرکز للأفکار القدسیة والخیرة والهمة العالیة بالنسبة للقیام بالعمل الخیر، وإن لم یوفق حین العمل للقلیل من نیاته.
ولکن بالعکس فإنّ وجود الکافر إثر فقدانه الإیمان باللَّه وعدم شعوره بالخوف من عذابه
اجوبة المسائل الشرعیة، ص: 568
یکون مرکزاً للأفکار الفاسدة والعزم دائماً علی الإتیان بالأعمال الطالحة؛ ولکن ربّما لا یستطیع تفعیل الکثیر من عزمه بسبب بعض الموانع الاجتماعیة وتوفر الوسائل، وفی هذه الحالة فإنّ نیّته علی الإتیان بالأعمال السیئة شر من عمله، ومن هنا قال النبی الأکرم صلی الله علیه و آله أنّ نیّة الکافر شر من عمله. ما قیل مضمون حدیث الباقر علیه السلام حول هذا الحدیث «1».

تعريف مرکز القائمیة باصفهان للتحریات الکمبیوتریة

جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ في سَبيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (التوبة/41).
قالَ الإمامُ علیّ ُبنُ موسَی الرِّضا – علـَیهِ السَّلامُ: رَحِمَ اللّهُ عَبْداً أحْيَا أمْرَنَا... َ يَتَعَلَّمُ عُلُومَنَا وَ يُعَلِّمُهَا النَّاسَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَاتَّبَعُونَا... (بَــنـادِرُ البـِحـار – فی تلخیص بحـار الأنوار، للعلاّمة فیض الاسلام، ص 159؛ عُیونُ أخبارِ الرِّضا(ع)، الشـَّیخ الصَّدوق، الباب28، ج1/ ص307).
مؤسّس مُجتمَع "القائمیّة" الثـَّقافیّ بأصبَهانَ – إیرانَ: الشهید آیة الله "الشمس آباذی" – رَحِمَهُ اللهُ – کان أحداً من جَهابـِذة هذه المدینة، الذی قدِ اشتهَرَ بشَعَفِهِ بأهل بَیت النبیّ (صلواتُ اللهِ علـَیهـِم) و لاسیَّما بحضرة الإمام علیّ بن موسَی الرِّضا (علیه السّلام) و بـِساحة صاحِب الزّمان (عَجَّلَ اللهُ تعالی فرجَهُ الشَّریفَ)؛ و لهذا أسّس مع نظره و درایته، فی سَنـَةِ 1340 الهجریّة الشمسیّة (=1380 الهجریّة القمریّة)، مؤسَّسة ًو طریقة ًلم یـَنطـَفِئ مِصباحُها، بل تـُتـَّبَع بأقوَی و أحسَنِ مَوقِفٍ کلَّ یومٍ.
مرکز "القائمیّة" للتحرِّی الحاسوبیّ – بأصبَهانَ، إیرانَ – قد ابتدَأَ أنشِطتَهُ من سَنـَةِ 1385 الهجریّة الشمسیّة (=1427 الهجریّة القمریّة) تحتَ عنایة سماحة آیة الله الحاجّ السیّد حسن الإمامیّ – دامَ عِزّهُ – و مع مساعَدَةِ جمع ٍمن خِرّیجی الحوزات العلمیّة و طلاب الجوامع، باللیل و النهار، فی مجالاتٍ شتـَّی: دینیّة، ثقافیّة و علمیّة...
الأهداف: الدّفاع عن ساحة الشیعة و تبسیط ثـَقافة الثـَّقـَلـَین (کتاب الله و اهل البیت علیهـِمُ السَّلامُ) و معارفهما، تعزیز دوافع الشـَّباب و عموم الناس إلی التـَّحَرِّی الأدَقّ للمسائل الدّینیّة، تخلیف المطالب النـّافعة – مکانَ البَلاتیثِ المبتذلة أو الرّدیئة – فی المحامیل (=الهواتف المنقولة) و الحواسیب (=الأجهزة الکمبیوتریّة)، تمهید أرضیّةٍ واسعةٍ جامعةٍ ثـَقافیّةٍ علی أساس معارف القرآن و أهل البیت –علیهم السّلام – بباعث نشر المعارف، خدمات للمحققین و الطـّلاّب، توسعة ثقافة القراءة و إغناء أوقات فراغة هُواةِ برامِج العلوم الإسلامیّة، إنالة المنابع اللازمة لتسهیل رفع الإبهام و الشـّـُبُهات المنتشرة فی الجامعة، و...
- مِنها العَدالة الاجتماعیّة: التی یُمکِن نشرها و بثـّها بالأجهزة الحدیثة متصاعدة ً، علی أنـّه یُمکِن تسریعُ إبراز المَرافِق و التسهیلاتِ – فی آکناف البلد - و نشرِ الثـَّقافةِ الاسلامیّة و الإیرانیّة – فی أنحاء العالـَم - مِن جـِهةٍ اُخرَی.
- من الأنشطة الواسعة للمرکز:
الف) طبع و نشر عشراتِ عنوانِ کتبٍ، کتیبة، نشرة شهریّة، مع إقامة مسابقات القِراءة
ب) إنتاجُ مئات أجهزةٍ تحقیقیّة و مکتبیة، قابلة للتشغیل فی الحاسوب و المحمول
ج) إنتاج المَعارض ثـّـُلاثیّةِ الأبعاد، المنظر الشامل (= بانوراما)، الرّسوم المتحرّکة و... الأماکن الدینیّة، السیاحیّة و...
د) إبداع الموقع الانترنتی "القائمیّة" www.Ghaemiyeh.com و عدّة مَواقِعَ اُخـَرَ
ه) إنتاج المُنتـَجات العرضیّة، الخـَطابات و... للعرض فی القنوات القمریّة
و) الإطلاق و الدَّعم العلمیّ لنظام إجابة الأسئلة الشرعیّة، الاخلاقیّة و الاعتقادیّة (الهاتف: 00983112350524)
ز) ترسیم النظام التلقائیّ و الیدویّ للبلوتوث، ویب کشک، و الرّسائل القصیرة SMS
ح) التعاون الفخریّ مع عشراتِ مراکزَ طبیعیّة و اعتباریّة، منها بیوت الآیات العِظام، الحوزات العلمیّة، الجوامع، الأماکن الدینیّة کمسجد جَمکرانَ و...
ط) إقامة المؤتمَرات، و تنفیذ مشروع "ما قبلَ المدرسة" الخاصّ بالأطفال و الأحداث المُشارِکین فی الجلسة
ی) إقامة دورات تعلیمیّة عمومیّة و دورات تربیة المربّـِی (حضوراً و افتراضاً) طیلة السَّنـَة
المکتب الرّئیسیّ: إیران/أصبهان/ شارع"مسجد سیّد"/ ما بینَ شارع"پنج رَمَضان" ومُفترَق"وفائی"/بنایة"القائمیّة"
تاریخ التأسیس: 1385 الهجریّة الشمسیّة (=1427 الهجریة القمریّة)
رقم التسجیل: 2373
الهویّة الوطنیّة: 10860152026
الموقع: www.ghaemiyeh.com
البرید الالکترونی: Info@ghaemiyeh.com
المَتجَر الانترنتی: www.eslamshop.com
الهاتف: 25-2357023- (0098311)
الفاکس: 2357022 (0311)
مکتب طهرانَ 88318722 (021)
التـِّجاریّة و المَبیعات 09132000109
امور المستخدمین 2333045(0311)
ملاحَظة هامّة:
المیزانیّة الحالیّة لهذا المرکز، شـَعبیّة، تبرّعیّة، غیر حکومیّة، و غیر ربحیّة، اقتـُنِیَت باهتمام جمع من الخیّرین؛ لکنـَّها لا تـُوافِی الحجمَ المتزاید و المتـَّسِعَ للامور الدّینیّة و العلمیّة الحالیّة و مشاریع التوسعة الثـَّقافیّة؛ لهذا فقد ترجَّی هذا المرکزُ صاحِبَ هذا البیتِ (المُسمَّی بالقائمیّة) و مع ذلک، یرجو مِن جانب سماحة بقیّة الله الأعظم (عَجَّلَ اللهُ تعالی فرَجَهُ الشَّریفَ) أن یُوفـِّقَ الکلَّ توفیقاً متزائداً لِإعانتهم - فی حدّ التـّمکـّن لکلّ احدٍ منهم – إیّانا فی هذا الأمر العظیم؛ إن شاءَ اللهُ تعالی؛ و اللهُ ولیّ التوفیق.