الإقتصاد و الإجتماع‌

اشارة

نام کتاب: الإقتصاد و الإجتماع
نویسنده: خالد فائق العبیدی
موضوع: اعجاز علمی
تاریخ وفات مؤلف: معاصر
زبان: عربی
تعداد جلد: 1
ناشر: دارالکتب العلمیة
مکان چاپ: بیروت
سال چاپ: 1426 / 2005
نوبت چاپ: اوّل‌

مقدمة

مقدمة
بسم اللّه الرّحمن الرّحیم الحمد للّه رب العالمین و الصلاة و السلام علی أفضل و أشرف رسله و أنبیائه سیدنا محمد صلّی اللّه علیه و سلّم، و علی آله و صحبه أجمعین، و من تبعهم بإحسان إلی یوم الدین، و بعد.
لقاؤنا یتجدد معکم للمرة الثانیة عشرة فی سلسلتنا (ومضات إعجازیة)، و سنتعرض فی هذا الکتاب إلی روعة و سبق القرآن الکریم فی مجال غایة فی الأهمیة، و هو علوم بناء الأفراد و الأسر و المجتمعات بناء هادفا متأنیا مازجا بین الروح و المادة.
لم یعرف العالم نظاما اقتصادیا و اجتماعیا عادلا یضمن للجمیع حقوقهم دون غصبٍ أو تمییز بین عرق أو دین أو انتساب مثل النظام الاقتصادی و الاجتماعی الإسلامی، هذا النظام العظیم الذی وصل حدا یضرب به المثل فی التأریخ البشری فی العدالة و المثالیة، کما هو الحال فی عهد سیدنا عمر بن عبد العزیز رضی اللّه عنه الذی لم یبق فردا واحدا من أفراد الأمة الإسلامیة المترامیة الأطراف یدخل ضمن إطار الفقراء، فالکل دون استثناء مکتف و مرتاح، هذا فی الصدر الأول من عصر الرسالة الإسلامیة، و هذا ما یؤکد عظمة التشریع الإسلامی للاقتصاد و أحوال المال من الزکاة و الصدقات و التدابیر الاقتصادیة الإسلامیة العظیمة الأخری التی تحتاج إلی مجلدات کثیرة و هذا یترک لأهل الاختصاص ... أما فی عصرنا هذا فإن النظام الاقتصادی و الاجتماعی الإسلامی الذی طبق فی السوید باقتراح من أولف بالمه نهایة العقد الثمانینی و بدایة العقد التسعینی من القرن العشرین قد أنقذها من هاویة اقتصادیة و اجتماعیة مرعبة.
لقد سبق التشریع الإسلامی کل الشعارات و الثورات و المؤسسات الداعیة لذلک کالثورة الفرنسیة و منظمة الأمم المتحدة و منظمة حقوق الإنسان و الدعوات المتعلقة بمحاربة التمییز العنصری بدءا من حقوق الإنسان، و عدالة توزیع الثروات، و حریة العقیدة و الفکر السامی غیر المبتذل، و تطبیق مبدأ القانون فوق السلطة، و احترام العهود و المواثیق مع الصدیق و العدو، و سماع و احترام الرأی الآخر .. لکن الفرق الرئیس بینهما رغم تقدم الأول أی الإسلام علی الثانی أی الدعوات الحدیثة هو أن الأول دعی و طبق فملأ الدنیا عدلا
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 4
و رحمة لأن الإسلام جاء لتحقیق هذا الغرض، أما الثانی فدخلت فیه المصالح الضیقة للنفس البشریة و مطامعها فلم یطبق و لم یعدل و إنما کانت شعارات فقط أو تطبیق رمزی بأحسن الأحوال.
و القصص فی عدل الإسلام الذی لم یشهد تاریخ البشریة مثله أکثر من أن تذکر، فهذا سیدنا الصدیق رضی اللّه عنه، الرجل عند المواقف، الذی یهابه الجبال من الرجال، و أی رجال، إنهم الصحابة رضوان اللّه تعالی عنهم، یذهب یومیا، فیما یروی سیدنا عمر رضی اللّه عنه، بعد صلاة الفجر و إکمال الورد بالذکر حتی طلوع الفجر إلی مکان جعل الصحابة یسألون عنه، حتی یقول سیدنا عمر: هممت یوما أن أتبعه بعد شروق الشمس و خروجه من المسجد لأعرف الخبر و أستقصی الأمر، فاتبعته و وجدته دخل بیتا فی طرف المدینة، فإذا هو بیت امرأة عجوز لا عائل لها، فدخلت علیها و سألتها عن أحوالها فقالت: لو لا هذا الشیخ الذی یأتینا یومیا لإنجاز عمل البیت من إعداد الطعام و التنظیف لکان حالنا بأتعس حال، فقال لها الفاروق أ تعرفین من هو قالت لا. و کان سیدنا عمر رضی اللّه عنه کلما یذکر القصة بعد تولیه أمر المسلمین یجلس و یضع یده علی وجهه قائلا: أتعبت الخلفاء من بعدک یا أبا بکر ..
و ها هو الفاروق عمر رضی اللّه عنه فی تطبیق العدالة و الاقتصاص من الظالم و إن کان مسئولا مع القبطی الذی ظلمه ابن عمرو بن العاص- ابن الأکرمین- بضربه بالسوط علی رأسه عقب سباق بینهما، و قوله المأثور و المشهور لأبیه عمرو بن العاص والی مصر (متی استعبدتم الناس و قد خلقتهم أمهاتهم أحرارا) إلا دلیلا بسیطا عن العدل الذی ساد الأرض و أممها إبان الحکم الإسلامی بعد الجور و الظلم الذی عانته من قبل الحکم الفارسی و الرومانی و الحبشی قبل ذلک.
و عدل سیدنا عثمان رضی اللّه عنه مع رعیته و قبوله للنقد خلال الفتنة یسجل بأحرف من نور ... و من بعده سیدنا علی علیه الرضوان و السلام مع الیهودی فی قصة الدرع، و مع غیره من الرعیة تبین عظمة هذه الأمة.
و ما کل ذلک إلا إخراج للناس من الظلم الذی وقع بهم جراء تسلط الأشراف و الرؤساء و الأکابر علیهم و عدم الاقتصاص منهم إذا أخطئوا، و هو ما شخّصه الرسول الأکرم صلّی اللّه علیه و سلّم بقوله فی الحدیث الذی أخرجه الإمام مسلم (الحدود 3196) عن عروة عن
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 5
عائشة أنّ قریشا أهمّهم شأن المرأة المخزومیّة الّتی سرقت فقالوا من یکلّم فیها رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم فقالوا و من یجترئ علیه إلّا أسامة حبّ رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم فکلّمه أسامة فقال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم: (أتشفع فی حدّ من حدود اللّه)، ثمّ قام فاختطب فقال: (أیّها النّاس إنّما أهلک الّذین قبلکم أنّهم کانوا إذا سرق فیهم الشّریف ترکوه و إذا سرق فیهم الضّعیف أقاموا علیه الحدّ و ایم اللّه لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت یدها). و ما ذلک إلا تحقیق لأوامر اللّه و رسوله فی القضاء و العدل الاجتماعی و الاقتصادی الذی سنحاول جاهدین فی هذا الکتاب من سلسلتنا أن نطرق بعض أبوابه الواسعة.
تکثر هذه الأیام عقد الندوات و المؤتمرات فی کل دول العالم لأجل نیل المرأة کافة حقوقها و تمام استقلالها من نیر احتلال الرجل تارة، و لأجل تشریع زواج الجنس الواحد تارة أخری، و لأجل إعطاء أهل البغاء حقوقهم الکاملة و تشریع مهنتهم السامیة تارة ثالثة، و هلم جرّی .. و عجبا و حسرة علی العباد، فلا یترکون حالة تشیع معها الفوضی الفکریة و التخبط الاجتماعی و الانحطاط الخلقی إلا و طرقوها بدعوی الحریة و المساواة و الدیمقراطیة، بینما یذبح البشر جوعا و قتلا و حصارا فترمل النساء و یسبی أو ییتّم الأطفال تحت شعارات شتی، و ترمی آلاف الأطنان من القمح و الزبد و اللحم فی البحر لئلا یؤثر ذلک علی اقتصاد الأغنیاء بینما یتضور الفقراء جوعا، و لا من مجیب أو سامع أنّات الملایین من البشر ... و بأحسن الأحوال تجتمع الوفود، فی فنادق السعود، لتنفق النقود، و تکتب العهود، و یبقی الحال علی ما هو علیه .. أیة عدالة لنظام عالمی جدید أعمی تلک التی یعدنا بها من یسمون أنفسهم أهل التحضر و العدالة و الدیمقراطیة؟!.
الحق أیها الأخوة أن الذی یرید أن یصلح و یصدق النیة فی ذلک من الساسة و الحکام یستطیع الإصلاح، لأن توافر النوایا و الإمکانات و التعاضد بین أمم البشر موجود، لکن المشکلة أنه حتی الذین یریدون الإصلاح تاهوا فی زحمة أهل المصالح الضیقة و النوایا الخبیثة الذین یخلطون الخبیث بالطیب، فیتکلمون بکلمة الحق و یریدون بها الباطل .. و الحق أن البشر یجرب لیفشل فیکرر التجربة بعناد أشد و کبر أعلی نحو أوامر خالقه، الذی یعلم خیره فیأمره باتباعه و یعلم شره فیجنبه الخوض فیه.
و ما یحصل الیوم من تخبط للبشریة و انتشار الفقر و الأمراض التی لم یعهدها بنو
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 6
البشر من قبل کالأیدز و السارس و جنون البقر و أنفلونزا الطیور، و کذلک التلوث البیئی و فتحة الأوزون و ظاهرة الاحتباس الحراری و ما تبعها من زیادة حرارة الأرض، و تدمیر الکوکب بتغییر مستمر فی بنیته البیئیة بحجة التطور و الحاجة للتصنیع، و انتشار الفوضی العارمة جراء العولمة فی کل العالم، و کثرة القتل بالحروب الفتاکة و الحصارات المهلکة، و انتشار الکوارث الطبیعیة جراء کل ذلک من زلازل و براکین و فیضانات و تصحر و جفاف و حرائق و أعاصیر و خسف الأرض و غیر ذلک، إلا صور بسیطة لنتائج التدخل العشوائی و غیر المنتظم للبشر و تلاعبهم بمصیرهم لیقودوه إلی هاویة سحیقة من حیث لا یشعرون، و ما خفی کان أعظم!.
أما الإسلام الذی تنبأ بحصول کل هذه الفوضی فی العالم فی آخر الزمان «1» فإنه جاد فی إحلال الخیر لکل البشریة، فلا یبحث عن تجربة و خطأ، إنما هو إرشاد الخالق لخیر المخلوق، فأعطی الإسلام لکل ذی حق حقه، و حرّم الظلم بکل أنواعه و علی کل المخلوقات حتی الحیوان و الجماد .. و ها هو العلم یثبت یومیا صحة و دقة الأوامر الإسلامیة فی التشریعات سواء أ کانت للأحوال الشخصیة، أو للجنح و الجرائم، أو للعلاقات الخاصة و العامة بین الکتل البشریة من الأسرة إلی الجیرة إلی المحلة فالمدینة فالدولة، و انتهاء بعلاقات الأمم ببعضها سلما و حربا.
و لکن البشر رغم کل الأدلة یعاندون و یکابرون لا لشی‌ء إلا لأنهم إذا ما أقروا بأحقیة التشریع الإسلامی فإن بضاعتهم ستبور، و تفسد دعاواهم الباطلة و تخسر تجارتهم الفکریة العقیمة، فتکون الضربة القاضیة لأتباع إبلیس من الإنس و الجن، و هذا بالطبع لن یتحقق لأن للجنة أهلها و للنار أهلها، و ستستمر المعرکة بین جند اللّه و جند إبلیس حتی یقضی اللّه أمرا کان مفعولا مصداقا لقوله تعالی:
وَ لَئِنْ أَتَیْتَ الَّذِینَ أُوتُوا الْکِتابَ بِکُلِّ آیَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَکَ وَ ما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَ ما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَکَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّکَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِینَ (145)، (البقرة: 145) ... وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَیْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً
__________________________________________________
(1) راجع حدیث (خمس بخمس) فی کتاب الطب (الکتاب التاسع من هذه السلسلة)، و کذلک الأحادیث فی الکتاب القادم من هذه السلسلة عن مواصفات ما سیحصل فی آخر الزمان.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 7
وَ عُلُوًّا فَانْظُرْ کَیْفَ کانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِینَ (14)، (النمل: 14) .. أَمْ یَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَ أَکْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ کارِهُونَ (70) وَ لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِیهِنَّ بَلْ أَتَیْناهُمْ بِذِکْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِکْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71)، (المؤمنون).
المشکلة أن الأهواء و الشهوات بکافة أشکالها هی التی تحکم البشر و لو أنهم قدروا اللّه حق قدره و عرفهم مع من یتعاملون، لما تجرّأ أحد علی الاعتراض علی أوامر اللّه و تشریعاته، و لکن اللّه تعالی رءوف بالناس علی ظلمهم رغم کونه سبحانه غنی عنهم و هم من یحتاج إلیه فی کل الأحوال:
وَ اللَّهُ یُرِیدُ أَنْ یَتُوبَ عَلَیْکُمْ وَ یُرِیدُ الَّذِینَ یَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِیلُوا مَیْلًا عَظِیماً (27)، (النساء: 27) .. فَإِنْ لَمْ یَسْتَجِیبُوا لَکَ فَاعْلَمْ أَنَّما یَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَیْرِ هُدیً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا یَهْدِی الْقَوْمَ الظَّالِمِینَ (50)، (القصص: 50) .. أَ فَرَأَیْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلی عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلی سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلی بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ یَهْدِیهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَکَّرُونَ (23)، (الجاثیة: 23).
علی أن التشریع الحنیف أعطی فسحا عظیمة فی جنباته لاستیعاب المتغیرات التی تطرأ علی المجتمع، لکن الأصل هو الحفاظ علی إنسانیة البشر و کرامتهم و حریة أفکارهم و حرمة دماءهم و أعراضهم و أموالهم، فلا تجارة بجمال المرأة و جسدها، و لا أموال تزاد بربا یسحق الأغلبیة المحرومة، و لا اعتداء علی أهل ذمة أو عقیدة مخالفة، و لا قبول بأی جنس عمل یحول البشر الذین خلق الکون من أجلهم إلی مجرد آلات تستغل لرفع نفر قلیل و سحق أمم بأکملها.
هذا الکتاب یبین لکل من یرید أن یستبین أن أی تشریع جاء به الإسلام کان لسبب مصلحی فی الصحة و الاقتصاد و الاجتماع، و لکل البشر دون استثناء و دون تمایز بین الرجل و المرأة، الأسود و الأبیض، العربی و الأعجمی، إلا بالاستحقاق الذی تقتضیه المصلحة العامة و بما شرّعه اللّه تعالی الخالق الکامل العالم بکل خفایا مخلوقاته لمصلحة المخلوق الناقص مهما علا علمه، و اللّه غالب علی أمره و لکن أکثر الناس لا یعلمون ...
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 8
و سنفرد فی نهایة الکتاب ملحق بتاریخ التشریع الإسلامی.
إن هذه الدنیا التی نعیش فیها لهی بحق اسم علی مسمی، فهی حیاة دنیا لا قرار فیها و لا ثبات لأی شی‌ء و دیدنها التغییر و التبدیل من حال إلی حال .. بل هی طریق إلی حیاة أخری أهم و أبقی- هی حیاة البقاء و الاستقرار أو الدار الآخرة- فما نزرعه فی حیاتنا الدنیا نحصده هناک فی ذلک العالم الذی ینتظرنا فی عالم غیب اللّه تعالی، عند ملک الملوک، الملیک المقتدر، هناک حیث لا أحد یظلم فتیلا، فإما رضا و ثواب، و إما سخط و عقاب .. إما إلی نار و إما إلی جنة.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 9

الفصل الأول نظرة عامة

مقاصد الشریعة:

اشارة

مقاصد الشریعة:
لفظ الشریعة فی أصل الاستعمال اللغوی الماء الذی یرده الشاربون، و هی فی نفس الوقت طریق و منهاج و منبع یرتوی منه، ثم نقل هذا اللفظ إلی معنی الطریقة المستقیمة التی یفید منها المتمسکون بها هدایة و توفیقا «1».
أما الشریعة فقها فهی ما یختص بالأوامر و النواهی و الإرشادات التی وجهها اللّه تعالی إلی عباده لیکونوا مؤمنین صالحین عاملین، سواء أ کانت متعلقة بالأفعال أم بالعقائد أم بالأخلاق، و ذلک لأنها محکمة مستقیمة و لأنها الطریق إلی حیاة النفوس و ارتواء العقول. و نفوس البشر مجبولة علی الأثرة و عدم الانضباط و حب الذات، فالناس بحاجة إلی تشریع ینظم علاقاتهم و یحد من أنانیتهم و یمنعهم من العشوائیة و عدم الانضباط فی السلوک و التصرفات، و إلا کان الأمر فوضی بینهم، و الفرد فی المجتمع یرغب فی إیجاد نظام یحدد له الحدود و الواجبات فی المجتمع الذی یعیش فیه.
و حیث إن البشر لا یستقرون علی ضابط واحد یضبطهم لفترة زمنیة معینة، فهم دائمو التغییر فی الفکر و المنطق و المعتقد بحسب مراحل الحیاة التی یعیشون و نوع البیئة المحیطة و عوامل أخری عدیدة، من أجل ذلک کانت الشرائع السماویة رحمة بالعباد و فصلا بینهم فیما یختلفون أنزلها خالقهم کی یبین لهم أفضل السبل لفضّ هذه الاختلافات و النزاعات فضلا عن تنظیمها لعلاقات الناس بربهم و خالقهم کی یتوجهوا له بالحمد و الشکر و العرفان بجمیل النعم، فالتشریع الإلهی عدل من اللّه تعالی و رحمة لعباده «2».
تهدف الشرائع السماویة عامة و شریعة الإسلام بوجه خاص إلی تحقیق مصالح
__________________________________________________
(1) الشریعة الإسلامیة و مکانة المصلحة فیها، القاضی فاضل دولان، ص 36، و انظر (بین الفقه و القانون)، للأستاذ عبد الهادی أبو طالب، ص 7.
(2) الشریعة الإسلامیة و مکانة المصلحة فیها، القاضی فاضل دولان، ص 36- 37 بتصرف. و انظر مدخل الفقه الإسلامی، للدکتور محمد سلام مدکور، ص 11 و ما بعدها.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 10
العباد و حفظها و منع الضرر عنهم، إلا أن هذه المصالح لیست هی ما یراه الإنسان مصلحة له و نفعا حسب هواه و رغبته، إنما المصلحة ما کانت مصلحة فی میزان الشرع الذی شرعه خالق الإنسان و الکون معا فهو سبحانه مسبب أسبابه و أصل وجوده، و هو سبحانه القیوم- أی القائم- علی دیمومة هذا الکون و هذا الإنسان حتی ینتهی العالم بإذنه، و هو سبحانه الوحید الذی أحاط بکل شی‌ء علما، و من دواعی و متطلبات هذه القیومیة و هذه الإحاطة أن یحدد الأطر و القوانین و النوامیس التی یمشی بها هذا الکون بشکل صحیح سواء أ کان فی المادة أو الروح، فیعرف تبعا لذلک أن الأمر الفلانی مناسب للإنسان باستخدام الأسلوب الفلانی و هکذا .. و یقسم العلماء مقاصد الشریعة هذه إلی ثلاثة أقسام و هی حسب الأهمیة و الأولویة:

1. الضروریات:

1. الضروریات:
و معناها أنها لا بدّ منها فی قیام مصالح الدین و الدنیا بحیث إذا فقدت لم تجر مصالح الدین و الدنیا علی استقامة، بل فساد و تهارج و فوت حیاة، و فی الآخرة فوت النجاة و النعیم و الرجوع بالخسران المبین. و هذه الضروریات هی خمس، حفظ الدین و النفس و العقل و النسل و المال. و الحفظ یکون بأمرین فأما أحدهما فهو ما یقیم أرکانها و یثبت قواعدها و هو عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود، و أما الثانی فهو ما یدرأ عنها الاختلال و یحافظ علیها من کل ما یمکن أن یؤثر علیها أو یقوضها.

2. الحاجیات:

2. الحاجیات:
و معناها أنها مفتقر إلیها من حیث التوسعة و رفع الضیق المؤدی فی الغالب إلی الحرج و المشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع دخل علی المکلفین الحرج و المشقة، و لکنه لا یبلغ مبلغ الفساد العادی المتوقع فی المصالح العامة و هی جاریة فی العبادات و العادات و المعاملات.

3. التحسینیات:

3. التحسینیات:
و هی الأخذ بما یلیق من محاسن العادات و تجنب الأحوال المدنسات التی تأنفها العقول الراجحات، فهی التی تجعل أحوال الناس تجری علی مقتضی الآداب العالیة و الخلق القویم. فإذا فاتت لا یختل نظام الحیاة و لا یلحق الناس المشقة و الحرج، و لکن تصیر حیاتهم علی خلاف ما تقتضیه المروءة و مکارم الأخلاق و الفطرة السلیمة.
و لکل من هذه الأقسام الثلاثة مکملات و هذه بالتأکید لیست علی مرتبة واحدة،
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 11
و قد نتجت عن هذه المصالح الثلاثة و مکملاتها عدة قواعد فقهیة استنبطها الفقهاء «1».
إذن أول مقاصد الشریعة و أهمها هو الضروریات بأقسامها الخمسة، و أهم هذه الأقسام هو حفظ الدین و من ثم النفس و العقل للکائن البشری الذی هو أهم مخلوق فی هذا الکون بل خلق الکون لأجله، فجعل اللّه تعالی کل ما فی الکون من أمور عظیمة لا یجحدها إلا مکابر مسخر بأمره لأجل خدمة هذا المخلوق. و من ثم أنزل الکتب و أرسل الرسل لیبینوا للناس علی مر الأجیال حقیقة و سبب وجودهم، و حذروهم من مغبة انقیادهم وراء ما خلق لأجلهم و ترک ما هو أهم ألا و هو ما خلقوا من أجله «2».
تتمیز تنظیمات اللّه تعالی بسلامتها من أی غرض و میل إلی الهوی و تفضیل لبشر علی بشر فی لون أو نسب أو جنس، فالخلق عند اللّه تعالی سواء، بالإضافة إلی نفوذ علمه و إحاطته بجمیع خلقه. و الناس لو سلمت تنظیماتهم الوضعیة من الهوی و الغرض فهی لم تسلم من النقص و العوج و الزیغ، بدلیل تناقض أحکامهم، بل إن الشخص الواحد یناقض نفسه فینقض الیوم ما أبرمه بالأمس. و یؤکد أهل الشریعة الإسلامیة أن هذه الشریعة تعتبر أساسا و مصدرا لکل تشریع لأنها شمولیة أی شاملة للجنس البشری لأی جیل فی کل زمان و المکان بحیث لا یمکن أن تقوم مقامها شرعة أخری لشمولها الأصول و الفروع و الظاهر و الباطن، فهی الحق و هی العدل و هی المصلحة و حیثما کان الحق و العدل و المصلحة فثم شرع اللّه تعالی، وَ أَنْزَلْنا إِلَیْکَ الْکِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَیْنَ یَدَیْهِ مِنَ الْکِتابِ وَ مُهَیْمِناً عَلَیْهِ فَاحْکُمْ بَیْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَکَ مِنَ الْحَقِّ لِکُلٍّ جَعَلْنا مِنْکُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَکُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لکِنْ لِیَبْلُوَکُمْ فِی ما آتاکُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَیْراتِ إِلَی اللَّهِ مَرْجِعُکُمْ جَمِیعاً فَیُنَبِّئُکُمْ بِما کُنْتُمْ فِیهِ تَخْتَلِفُونَ (48)، (المائدة: 48) .. ثُمَّ جَعَلْناکَ عَلی شَرِیعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِینَ لا یَعْلَمُونَ (18)، (الجاثیة: 18).
و الأحکام التی تناولها الشرع الإسلامی ثلاثة: الأحکام الاعتقادیة، و الأحکام
__________________________________________________
(1) الإسلام و التنمیة البشریة، الدکتور أسامة عبد المجید العانی، ص 9- 14 بتصرف.
(2) انظر کتابنا (القرآن منهل العلوم)، إصدار الجامعة الإسلامیة، بغداد، 1423 ه/ 2002 م.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 12
الخلقیة، و الأحکام العملیة. و هذه الأنواع الثلاثة تشمل جمیع أنواع تنظیم العلاقات من عبادات و حقوق و واجبات و أخلاق و تعاملات و أقوال و أفعال و تصرفات بین الإنسان و ربه، نفسه، أهله، جنسه، بیئته فی الأرض و الکون، و کل ما یحفظ حقوق الجمیع بما یحفظ لکل ذی حق حقه، و ما ینجی الکائن البشری فی دنیاه و آخرته. فحدد الإسلام العبادات التی یتقرب بها الإنسان من ربه عز و جلّ من صلاة و صیام و زکاة و حج، و تناول أحکام المعاملات بین الناس، فنظم العقود و حدد أحکامها کعقد الإیجار و الرهن و ما إلی ذلک، و تناول أحکام و مسائل الأحوال الشخصیة و شئون الزواج و تنظیم شئون الأسرة و العلاقات الأسریة و حقوق کل فرد فیها، و أوضح السبل و الإجراءات القضائیة فی المحاکم و طرق الإثبات، و بین مرکز الحاکم بین المتقاضین، و حدد أحکام النظام الإداری و الدستوری فی الدولة، و بین السبل لاختیار رئیس الدولة و حقوقه تجاه الرعیة و واجباته نحوها، کما نظم القانون الدولی و علاقات الدول ببعضها فی الحرب و السلم. و کل ذلک نظم تنظیما دقیقا بقواعد قانونیة رصینة لا یأتیها الباطل من بین یدیها و لا من خلفها لأنها من لدن حکیم علیم بشئون البشر و سائر الکون، صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَ نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (138)، (البقرة: 138) «1».
و حیث أن الأحکام الشرعیة الإسلامیة التی نسخت ما قبلها تعهد اللّه بحفظها من أی تحریف أو تلاعب بشری قد یصیبها، فإنها خالدة باقیة دائمة حتی یرث اللّه الأرض و من علیها.
إذا ما تدبرنا آیات اللّه الخالدات من و جهة نظر تشریعیة قانونیة و اجتماعیة و اقتصادیة، فما ذا نری؟:
- المسلم الغنی مستخلف فی مال اللّه و ملکه، و الثروة أمانة فی عنق حاملها یسأل عنها یوم القیامة، من أین جمعها و فیم أنفقها.
- الکسب الحلال یؤدی إلی أسرة کریمة طیبة، و الکسب الحرام یترک أثره فی الجوارح و السلوک لیکون أسرة فاسدة مفسدة کالطفیلیات و المکروبات المدمرة.
- توزیع عادل للثروات بحیث لا یبقی فقیر أو محتاج، و هذا ما حققه الخلیفة
__________________________________________________
(1) الشریعة الإسلامیة و مکانة المصلحة فیها، القاضی فاضل دولان، ص 37- 41، بتصرف.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 13
الراشدی الخامس عمر بن عبد العزیز رضی اللّه عنه.
- ردع لکل متطاول بشکل لا یتجرأ بعده الآخرون علی التقلید و هذا ما أثبته التطبیق العملی فی المجتمع الإسلامی- کقطع ید السارق مثلا-.
- نظام عظیم للزواج و تکوین الأسرة و تربیة الأولاد.
- القانون فوق السلطة، و لا یستثنی الحاکم و المحکوم من عدالة القضاء، فالإسلام هو أول من وضع هذا الشعار و طبقه.
- تکریم لا یدانیه تکریم للمرأة بدءا من ولادتها و تحریم الوأد الذی کان شائعا بین العرب قبل البعثة الشریفة، مرورا بحث الوالدین علی تربیة البنات علی أصول الخلق الرفیع و العلم النافع، ثم أهمیة المرأة فی البیت و القضاء و العلم و الحرب و السلم و غیر ذلک مما تزخر به کتب الفقه الإسلامی فی أهمیة دور المرأة فی أن تکون بانیة للأسرة و المجتمع لا أن تکون مدمرة له وفق المفهوم الغربی الذی یجعل من المرأة عبارة عن جسد یباع و یشتری بأبخس الأثمان، و ما یتبع ذلک من اتباع الشهوات للجنسین، و ترک الطریق الأمثل فی الزواج و تکوین الأسر إلی الطریقة الغرائزیة الحیوانیة فی تصریف الشهوة.
إن نظرة ثاقبة إلی سورة النساء فقط و تدبر مدی الروعة العظیمة فی تقسیم المیراث فی الإسلام و حقیقة إعطاء النصف و الربع و الثلث و السدس لحالات مختلفة یریک مدی الترابط بین القانون و علم الاجتماع و الاقتصاد و الریاضیات. فإذا تأملت لما ذا هذه الکسور و حقیقة تقسیمها بهذه الدقة و ربطها مع الحالات الاجتماعیة المختلفة لکل تقسیم، لعلمت الدقة فی مراعات اللّه تعالی لحقوق الأسرة برمتها و منها المرأة بأصنافها الثلاث الزوجة و البنت و الأم، من جهة و دقة التقسیم الریاضی من جهة ثانیة.
قام المهندس الأستاذ مولود مخلص الراوی بتقدیم بحث رائع فی هذا الموضوع إلی المؤتمر الأول للإعجاز القرآنی الأول المنعقد بمدینة السلام بغداد للفترة 21- 26 رمضان 1410 ه الموافق 16- 21 نیسان 1990 م، و أسماه (الإعجاز فی علم المواریث) و الذی یتضمن إعداد برنامج حاسوبی للقسّام الشرعی یمکنه حل جمیع مسائل المیراث مفردة کانت أم متناسخة (متعددة الوفیات) بأعداد صحیحة أو ما یعرف بالتصحیح و بنفس الأسلوب الشائع فی تنظیم القسّامات الشرعیة. و قد جری اختبار البرنامج عملیا من قبل
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 14
لجنة شرعیة متخصصة ثم تم اعتماده من قبل وزارة العدل العراقیة للاستخدام عملیا فی المحاکم العراقیة «1».
یقول أحد الحقوقیین الغربیین و هو یعلق علی ما جاء فی سورة النساء: (لا یمکن أن یکون هذا القرآن من عند محمد لأننا الآن و فی عصر التطور الهائل لا نستطیع أن نعطی تشریعا بهذه الروعة و التفصیل و الدقة و العدالة لکل أفراد الأسرة دون استثناء).
و قد اعترف الراسخون فی العلوم القانونیة من رجالات الغرب بأن التشریع الإسلامی یعد فی طلیعة المصادر الصالحة لسد حاجات التشریع الحدیث. و نطق بذلک قرار مؤتمر القانون المقارن المنعقد فی مدینة لاهای، فی شهر آب من سنة 1937 م، الموافق لجمادی الآخرة من سنة 1356 ه، و قد دعی إلیه الأزهر، فمثله مندوبان من کبار علماءه فحاضرا فیه عن المسئولیة الجنائیة و المسئولیة المدینة فی الإسلام، و عن نفی أیة علاقة مزعومة بین القانون الرومانی الوضعی و الشریعة الإسلامیة الغراء. و قد خرج المؤتمر علی أثر ذلک بقرار تأریخی خطیر بالنسبة إلی رجال التشریع الأوربی، جاء فیه:
1. اعتبار الشریعة الإسلامیة مصدرا مهما من مصادر التشریع العام.
2. اعتبارها حیة قابلة للتطور.
3. اعتبارها تشریعا قائما بذاته، لیس مأخوذا من غیره «2».
کان النظام القضائی الإسلامی أول من جاء بفکرة القضاء و القانون فوق الحکم و السلطان، و طبقها فعلا فی کثیر من الحالات منها القصة المعروفة للإمام علی کرم اللّه وجهه مع الیهودی الذی اشتکی إلی القاضی بأن أمیر المؤمنین- حاشاه- قد سرق درعه، فحضر الطرفان أمام القاضی و انتهت القضیة بإعلان الیهودی إسلامه لما رأی من عدل الإسلام .. و هکذا أخذ الغربیون منا هذا التراث العظیم و صدروا لنا دکتاتوریاتهم التی کانت فی عصور ظلامهم، ثم ادعوا أنهم متحضرون لأنهم دیمقراطیون، فتنبهوا
__________________________________________________
(1) الإعجاز فی علم المواریث، المهندس مولود مخلص الراوی، الاعجاز القرآنی، المؤتمر الأول للإعجاز القرآنی الأول المنعقد بمدینة السلام بغداد للفترة 21- 26 رمضان 1410 ه الموافق 16- 21 نیسان 1990 م، ص 659- 676.
(2) الشریعة الإسلامیة و مکانة المصلحة فیها، القاضی فاضل دولان، مطبعة أنوار دجلة، بغداد، 1423 ه، 2002 م، ص 24.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 15
معشر المسلمین لهذه المغالطة.
و ها هو الأمیر تشارلز یدلی باعتراف خطیر خلال مؤتمر عقد بلندن عام 1996 م من أن 60% من القضاء البریطانی یعتمد فی روحه و بعض نصوصه علی التشریع الإسلامی «1».
و لأهمیة الموضوع لعامة الناس کی یفهموا عظمة هذا الدین و سعة آفاقه و تعدد آراءه و شمول آلاءه، فقد أفردنا ملحقا فی نهایة الکتاب لتبیان تاریخ التشریع الإسلامی و المراحل التی مرّ بها بشکل مختصر قدر الإمکان.
__________________________________________________
(1) انظر کتاب (المنظار الهندسی للقرآن الکریم)، للمؤلف. و بإمکان القارئ الکریم الرجوع لنص الکلمة من مصادرها او من شبکة المعلومات الدولیة (الإنترنت).
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 16

الفصل الثانی الاقتصاد فی الإسلام‌

الفصل الثانی الاقتصاد فی الإسلام
إن ما یشهده العالم من ظلم اقتصادی لفئات کبیرة من المجتمع البشری یؤکد ضرورة ملحة ألا و هی کیفیة تکوین نظام اقتصادی یجعل العدالة هی السمة الأبرز لتکوینه، و یطرد کل الأفکار التی من شأنها أن تکون دولا غنیة و أخری فقیرة أو علی الأقل أن یکون الفرق بسیطا مقبولا و لیس ساحقا للغالبیة الفقیرة.
إن أهم مبدأ جاء به التشریع الاقتصادی الإسلامی هو إزالة تلک الهوة بین الفریقین الأغنیاء و الفقراء و محاولة تقلیصها قدر الإمکان. یقول اللّه تعالی: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلی رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُری فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِی الْقُرْبی وَ الْیَتامی وَ الْمَساکِینِ وَ ابْنِ السَّبِیلِ کَیْ لا یَکُونَ دُولَةً بَیْنَ الْأَغْنِیاءِ مِنْکُمْ وَ ما آتاکُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاکُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِیدُ الْعِقابِ (7)، (الحشر: 7). أی لکی لا تکون الغنائم محصورة بین مجموعة الأغنیاء فقد شرع التوزیع للجمیع دون استثناء، فالمبدأ إذن منع الاحتکار المالی و السلعی کی لا یحصل الخلل و المن ثم المظالم و المآسی التی تؤدی إلی الاقتتال من أجل المال. و إنک لتجد فی التشریع الحنیف ما أغنانا عن ذکره الکثیر من الباحثین و المتخصصین فی هذا الشأن المهم، و ما ذکر فی الکتب و المؤلفات و المجلدات ما یجعلنا نبتعد عن التفصیل و نقترب من الاختصار. دائما ما یحث الإسلام و کتابه رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم الناس علی التکامل و التکافل الاقتصادی، و ینهاهم عن الاحتکار و الغش و السحت و السرقة و أکل مال الیتیم و الیمین الفاجر و الربح الفاحش و غیر ذلک من القیم الرائعة فی التعامل التجاری و الاقتصادی بین الأفراد و الدول، کما شرعت الزکاة و جعلت من دعائم النظام الإسلامی لما لها من أثر إیجابی علی المجتمع، و کذا و الصدقات و المکوس و نظم بیت المال للحفاظ علی التوازن بین الغنی و الفقیر فی الأمة. و قد فرض علی الأغنیاء ما یغنی الفقراء و هدد الممانعون بأشد العقاب فی الدنیا و الآخرة لأن الفقر کاد أن یکون کفرا، کما جعل الدّین ثقیلا علی النفس لأنه یمنع الحی من الراحة و المیت من نیل الأجر حتی یسدد عنه دینه. و قد طبق کل ذلک فی عهود کثیرة و أثبت نجاحه و تمیزه.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 17
الناحیة الاقتصادیة فی نظام الحکم الإسلامی تستند علی مسألتین، الأولی هی کیفیة أخذ الدولة للمال من الأمة، و الثانیة کیفیة إنفاقه. أما الأولی، فکانت الدولة الإسلامیة تأخذ الزکاة علی الأموال و الأراضی و عروض التجارة و المواشی و الزروع و الثمار، باعتبار أن الزکاة عبادة، لتقوم بتوزیعها علی مستحقیها من الأصناف الثمانیة المقررة شرعا، کما تأخذ الخراج و الجزیة و ضرائب الجمارک بحکم إشرافها علی التجارة فی الصعیدین الداخلی و الخارجی، و کانت تقوم علی إدارة ما هو داخل فی الملکیة العامة أو ملکیة الدولة کالمعادن و القنوات و غیرها من موارد بیت المال. أما من حیث إنفاق هذه الأموال فإنها توزعها حسب الأحکام الشرعیة، و قد طبقت أحکام النفقة علی العاجز و حجزت علی السفیه و المبذر، و أوجدت أماکن الفقراء و المعسرین، و نفذت أحکام العمل و العمال، و منعت الاحتکار و الغش و الاستغلال و الرشاوی و کل وسائل الکسب غیر المشروع. و من الحق أن نقول إن بعض الحکام کانوا یسیئون تطبیق أحکام الشرع فی هذه الناحیة، و کان البعض الآخر یحسن غایة الإحسان فی رعایة هذه الناحیة، تبعا لنفسیة الحاکم و مدی التزامه بالأحکام الشرعیة، و موقف الأمة منه و خصوصا العلماء، فإذا حصل لبعض الحکام أن یقصر و یسی‌ء فلا یعنی هذا عدم التطبیق «1».
لا أرید هنا أن أدخل فی تفاصیل هذا العلم الواسع و عظمة التشریع الإسلامی فی الزکاة و الصدقات و التدابیر الاقتصادیة الإسلامیة العظیمة الأخری و التی تحتاج إلی مجلدات کثیرة لتفصیلها و هذا یترک لأهل الاختصاص «2». إلا أننی سأرکز علی أمر غایة فی الخطورة بل هو أخطبوط مرعب التهم العالم کله بسبب نظام اقتصادی غیر عادل حذر الإسلام منه أیما تحذیر ألا و هو (الربا).
الربا لغویا هو مطلق الزیادة و النمو، و هو حسب ما فصله الإمام الرازی رحمه اللّه فی مختار الصحاح: (ربا) الشی‌ء زاد و بابه عدا. و الرابیة ما ارتفع من الأرض و کذا
__________________________________________________
(1) الإسلام بین العلماء و الحکام، الشیخ الشهید عبد العزیز البدری، ألفه عام 1385 ه- 1965 م.
مطبعة أنوار دجلة، بغداد، 1424 ه- 2003 م، ص 13- 14.
(2) بإمکان القارئ الکریم الرجوع إلی مصادر مهمة فی النظام الاقتصادی الإسلامی، و أفضل کتاب (المعاملات المالیة المعاصرة فی میزان الفقه الإسلامی)، للمؤلف الدکتور علی أحمد السالوس لأهمیته و أسلوبه الممیز.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 18
(الربوة) بضم الراء و فتحها و کسرها و الرباوة أیضا بفتح الراء. و الربو النفس العالی یقال ربا من باب عدا إذ أخذه الربو. قال الفراء فی قوله تعالی: فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِیَةً (10)، (الحاقة: 10)، أی زائدة کقولک أربیت إذا أخذت أکثر مما أعطیت.
و رباه تربیة و ترباه أی غذاه و هذا لکل ما ینمی کالولد و الزرع و نحوه. و الربا فی البیع و قد أربی الرجل و الربیة مخففة لغة فی الربا و هو فی حدیث صلح أهل نجران. قال الفراء: هو ربیة مخففة سماعا من العرب و القیاس (ربوة) بالواو «1».
یقول اللّه تعالی فی محکم کتابه:
1- الَّذِینَ یَأْکُلُونَ الرِّبا لا یَقُومُونَ إِلَّا کَما یَقُومُ الَّذِی یَتَخَبَّطُهُ الشَّیْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِکَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَیْعُ مِثْلُ الرِّبا وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَیْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهی فَلَهُ ما سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَی اللَّهِ وَ مَنْ عادَ فَأُولئِکَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِیها خالِدُونَ (275) یَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَ یُرْبِی الصَّدَقاتِ وَ اللَّهُ لا یُحِبُّ کُلَّ کَفَّارٍ أَثِیمٍ (276)، (البقرة).
2- یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ذَرُوا ما بَقِیَ مِنَ الرِّبا إِنْ کُنْتُمْ مُؤْمِنِینَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَکُمْ رُؤُسُ أَمْوالِکُمْ لا تَظْلِمُونَ وَ لا تُظْلَمُونَ (279)، (البقرة).
3- یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لا تَأْکُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّکُمْ تُفْلِحُونَ (130)، (آل عمران: 130).
4- وَ أَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ وَ أَکْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَ أَعْتَدْنا لِلْکافِرِینَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِیماً (161)، (النساء: 161).
5- وَ ما آتَیْتُمْ مِنْ رِباً لِیَرْبُوَا فِی أَمْوالِ النَّاسِ فَلا یَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَ ما آتَیْتُمْ مِنْ زَکاةٍ تُرِیدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِکَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39)، (الروم: 39).
فإن الآیات المبارکات تبین ما لخطورة هذا الأمر و عظمة تأثیره السلبی علی
__________________________________________________
(1) مختار الصحاح، الشیخ الإمام محمد بن أبی بکر بن عبد القادر الرازی، ص 231- 232.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 19
الاقتصاد للفرد و المجتمع، کما تبین مدی التهدید العظیم الذی هدد به اللّه تعالی المتعاملین بالربا ألا و هو حرب من اللّه و رسوله، و هذا ما نراه الیوم.
و لقد اکتشف علمیا أن القلق الذی یحدث نتیجة تراکم الثروات یؤدی إلی إفراز مادة الأدرینالین التی بدورها ترفع ضغط الدم و تؤدی إلی الحزن و الألم، و هذا یؤدی إلی مرض البول السکری، و یتعرض الإنسان إلی الانفعالات العصبیة فیری الدنیا فی عینیه سوداء قاتمة لا أمل فیها. یؤدی ذلک بالتراکم إلی تخبط الإنسان فیصبح بحال غیر طبیعی کأن به مسا من جن أو کأنه مجنون، و هذا ما وصفه تعالی فی کتابه الکریم فی الآیات التی استعرضناها آنفا من الآیة 275 من سورة البقرة و التی تصف حالة المتعاملین بالربا: الَّذِینَ یَأْکُلُونَ الرِّبا لا یَقُومُونَ إِلَّا کَما یَقُومُ الَّذِی یَتَخَبَّطُهُ الشَّیْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِکَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَیْعُ مِثْلُ الرِّبا وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَیْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا .... کما و أنک تجد نسبة عالیة من الناس قد أصابهم من الربا أما مباشرة أو أصابهم من رشاشه تماما کما تنبأ رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم فیما سیکون من أمر الناس عند آخر الزمان «1»، فاختلطت أموالهم الحلال بحرامه بسبب البنوک و التعاملات الربویة من جهة و بسبب تداخل المصالح العالمیة الیوم بشبکة عنکبوتیة و التی أصبح معها من الصعب بمکان الانفکاک منها شئنا أم أبینا. فما ذا کانت النتیجة أننا أکلنا فی بطوننا بعض هذا الحرام المتأتی من الربا المفروض علینا فرضا، فأصبح الرجال و النساء یرقصون و یتمایلون فی الملاهی و الطرقات کأنهم بهم مس من الشیطان، إلا من رحم ربی، فصدق اللّه و رسوله.
ذکرنا تلک المشاکل الصحیة المتأتیة من الربا رغم أنه یفترض أن ندرجها ضمن المواضیع الطبیة، و لکن الموضوع یقتضی الإشارة المباشرة. و لا أرید هنا الدخول فی الأسباب التی أوصلتنا إلی هذه النهایة لأن الشرح یطول، و لکننی سأذکر بعض الأمور من کتاب ألفه رجل أمریکی اسمه ولیم غای کار و ترجمه إلی العربیة سعید جزائرلی و طبعته بالنسخة العربیة دار النفائس للطباعة و النشر. اسم الکتاب (أحجار علی رقعة الشطرنج) دفع المؤلف حیاته ثمنا له و کان قد استغرق فی تألیفه و جمع وثائقه و حقائقه حوالی أربعین عاما و قد أحدث ضجة کبیرة فی خمسینات القرن العشرین و لا یزال من المصادر
__________________________________________________
(1) راجع الأحادیث التی وردت فی ذلک فی کتابنا الأخیر من هذه السلسلة (آخر الزمان).
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 20
المهمة التی تقض مضاجع الیهود و فضائحهم التی تزکم الأنوف. یذکر المؤلف فی هذا الکتاب حقائق مذهلة توصل إلیها ببحث و استقصاء مضنیین مفادها أن سبب ما نعانیه هو المشکلة الاقتصادیة التی أکلت العالم بسبب ما فعله المرابون الیهود طیلة أربع قرون من الزمن سیطروا فیها علی المال العالمی و مصادره و أمسکوا بزمام الشریان الاقتصادی العالمی فتحکموا به و بنوا إمبراطوریة اقتصادیة مهولة أساسها الربا بأضعاف مضاعفة و من ثم تحولت سیطرتهم إلی سیطرة إعلامیة و اجتماعیة و سیاسیة و عسکریة و هذا ما نراه الیوم من سیطرتهم علی أعقد العقد السیاسیة فیما یسمی الدول الکبری فی العالم، ألا و هو الکونغرس الأمریکی و بالتالی سیطرتهم علی تعیین الرئیس الأمریکی نفسه، (و أضیف هنا أن أکثر من 80% من الحکومة الأمریکیة منذ عام 1992 م و لحد الیوم هم من الیهود المؤصلین و هذه أکبر نسبة للیهود فی تاریخ الحکومات الأمریکیة)، بل إن المحافظین الجدد الذین یرسمون السیاسة الأمریکیة الحالیة هم صهاینة أو متصهینون، فشتان بین جورج واشنطن الذی سمی الیهود بالحشرات التی یجب أن تسحق و تطرد، و بین ما وصلت إلیه أمریکا الیوم، و کذلک شتان ما بین الملک إدوارد الأول الذی طرد ما تبقی من الیهود بعد ذبحهم ذبح الشاة و بین ونستون تشرشل الذی یقول أنا صهیونی ابن صهیونی، و کل من جاء بعده.
إن حب الیهود للمال جاء منذ عهد سیدنا موسی علیه السّلام بعد حادثة العجل الذی عبدوه بعد ما نجاهم اللّه تعالی من فرعون و کما أخبرنا القرآن الکریم، یقول اللّه تعالی:
... وَ أُشْرِبُوا فِی قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِکُفْرِهِمْ ...، (البقرة: من الآیة 93)، أی جعل الذهب و الفضة و المال الإله الذی یحکمهم بعد ما کفروا باللّه تعالی و سمحوا لأنفسهم بأن یعبدوا عجلا مصنوعا من الحلی الذی أخذوه من أهل مصر القدیمة. هذا العقاب الإلهی لهم بأن أصبحوا عبدة للمال جعلهم لا یتورعون عن فعل أی شی‌ء و من ذلک الربا الذی حرم علیهم فی التوراة بنص الآیة القرآنیة التی ذکرناها (النساء: 161).
إن الکتاب الذی أشرنا إلیه یذکر أسماء هؤلاء المرابین و انتساباتهم و مؤسساتهم و أین و صلوا الآن بعد أربعة قرون من العمل الأخطبوطی الدءوب توارثوه جیلا بعد جیل، و هو کتاب غایة فی الأهمیة و الروعة یعطی لقارئه الفکرة الواضحة حول خبث هؤلاء الناس و مکرهم و دهائهم الذی جعل من کل دول العالم مقلدا لهم أو طائعا ذلیلا بسبب
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 21
الحبال التی أوثقوها حول رقاب الشعوب و ما فعلوه من أسلوب اقتصادی خنق العالم و کبله بالدیون و المشاکل الاقتصادیة التی لا تنتهی و ما صندوق النقد الدولی إلا ذراع واحد من أذرع هذا الأخطبوط المرعب.
لنتحول الآن إلی کاتب آخر و هو الدکتور حسین مؤنس، إذ کتب بحثا فی مجلة أکتوبر المصریة (العدد 475، دیسمبر، 1985، ص 50- 52)، توصل فیه فی النهایة إلی تعبیر نصه: «إذن فالربا یعنی خراب الدنیا فعلا»، قال فیه: «خلال السنوات الماضیة تجلی بوضوح أکثر فأکثر أن العالم کله یسیر بسرعة متزایدة نحو کارثة اقتصادیة بلا حدود، و أن تلک الکارثة لا ترجع إلی أن موارد الخیر و الرزق فی الأرض قد قلّت و لم تعد تکفی الناس، لأن الحقیقة عکس ذلک فقد ازدادت هذه الموارد خلال السنوات الماضیة بصورة تخطت کل التوقعات و الدراسات، فإنتاج العالم من الغذاء یبلغ الیوم أضعاف حاجة البشریة جمیعا إذا هی دبرت بعدالة، ففی بعض بلاد الدنیا مقادیر من الغذاء تکفی أهل الأرض جمیعا، فهذه أمریکا تتحدث عن جبال القمح، و هذه أوربا تحدثت عن جبال الزبد، بینما فی قارة إفریقیا یموت 10% من سکانها سنویا فی حین أن الملوک و الأمراء یعملون موائد تکفی إنقاذ أضعاف هذا الرقم من موتهم و هلاکهم و لا أحسب هذا التفاوت إلا من جراء الربا».
و قد ساق الرجل أمثلة عدیدة بالأرقام حول موضوع الربا فمثلا نراه یقول «إن القلم الذی أکتب به الآن یکلف من مواد و صناعة و هندسة و نقل و أمور أخری رقما یساوی عشر المبلغ الذی أشتریه به»، و أمثلة أخری عدیدة، و یقول أیضا متسائلا بعد هذه الأمثلة، (ما الذی یجعل هذا الفرق الهائل بین الواحد و العشرة؟! فیجیب، الوسطاء و البنوک، ثم یتساءل فی نهایة البحث ما الذی یعطی الدولار کل هذه القوة؟!، إنه الربا، إنها المعاملات الربویة التی هی أساس الاقتصاد الغربی کله. لأن الثروة الأمریکیة التی لا تصدق و التی یصل قیمة المداورة الیومیة لها مئات البلایین من الدولارات لا یمکن أن تکون قد تکدست بهذه الصورة الرهیبة عن طریق التجارة الحرة الشریفة، لأن أرباح المعاملات التجاریة مهما بلغت فإن للمکاسب التجاریة حدودا، و الشطارة و المهارة مهما بلغت فهی لن تسمح لک ببیع منتجاتک بأکثر من أربعة أو خمسة أضعاف تکلفتها، فإذا أنت بعتها بمائة ضعف فأنت هنا تدخل فی میدان السرقة، و السرقة
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 22
تسمی فی عرف التجارة الغربی (tsertnI) أو (tefineB) و الترجمة العربیة الفصیحة للکلمتین هو الربا». و توصل فی نهایة بحثه إلی أن مأساة البشریة التی نعیشها الآن هو أساسها أن «عالمنا الراهن یقوم علی الربا من البدایة حتی النهایة» .. فشتان بین عدل الاقتصاد فی الإسلام و شریعته السمحاء التی ملأت العالم رحمة و عدلا طیلة ثمانیة قرون و بین بربریة حضارة العم سام.
تعلق بعض المتأخرین بکلمة (أضعافا مضاعفة) التی وردت فی قوله تعالی فی الآیة 130 من آل عمران التی أوردناها آنفا، و قالوا أن الربا المحرم هو ما کان أضعافا مضاعفة، أما ما کان بسیطا و قلیلا فلا حرمة فیه. إن هذا الفهم الخاطئ للآیة الرد علی هؤلاء کما یذکر الأستاذ صلاح الدین عبد المجید هو أن هذا من باب التدرج فی التشریع تماما کما تدرج حکم تحریم الخمر، و العبرة دائما بالحکم الأخیر، فکما یلاحظ من آیات الربا التی أوردناها أن هناک تدرجا فی الحکم بتحریمه حتی وصل إلی درجة الحرب من اللّه و رسوله علی فاعلیه و العیاذ باللّه .. و الأحادیث الشریفة الصحیحة فی ذلک کثیرة، نذکر منها:
1. أخرج البخاری فی الوصایا (2560) عن أبی هریرة رضی اللّهم عنه عن النّبیّ صلّی اللّه علیه و سلّم قال (اجتنبوا السّبع الموبقات)، قالوا یا رسول اللّه و ما هنّ قال (الشّرک باللّه و السّحر و قتل النّفس الّتی حرّم اللّه إلّا بالحقّ و أکل الرّبا و أکل مال الیتیم و التّولّی یوم الزّحف و قذف المحصنات المؤمنات الغافلات).
2. أخرج الإمام مسلم فی المساقاة (2995) عن جابر قال لعن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم آکل الرّبا و مؤکله و کاتبه و شاهدیه و قال هم سواء 3. أخرج أبو داود فی البیوع (2896) عن سلیمان بن عمرو عن أبیه قال سمعت رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم فی حجّة الوداع یقول (ألا إنّ کلّ ربا من ربا الجاهلیّة موضوع لکم رءوس أموالکم لا تظلمون و لا تظلمون ألا و إنّ کلّ دم من دم الجاهلیّة موضوع و أوّل دم أضع منها دم الحارث بن عبد المطّلب کان مسترضعا فی بنی لیث فقتلته هذیل)، قال (اللّهم هل بلّغت)، قالوا نعم ثلاث مرّات، قال (اللّهمّ اشهد)، ثلاث مرّات و لقد أصدر المؤتمر السنوی لمجمع البحوث الإسلامیة الذی عقد عام 1965 م قرارا
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 23
هذا نصه: (الفائدة علی أنواع القروض کلها ربا محرم، لا فرق فی ذلک بین ما یسمی بالقرض الاستهلاکی و ما یسمی بالقرض الإنتاجی، و إن کثیر الربا و قلیله حرام). إن الربا له أضرار کثیرة فی جوانب ثلاثة: الجانب الخلقی و الجانب الاجتماعی و الجانب الاقتصادی.
یری عمید الاقتصادیین الأوربیین (کینز) أن الربا هو سبب الکساد، و أن المجتمع النامی لکی یحقق آماله فی التنمیة علیه أن یصل فی تعامله الاقتصادی إلی الدرجة التی تصیر درجة الفائدة (الربا) صفرا .. و إن نظرة واحدة إلی دیون العالم النامی التی و صلت إلی أرقام مرعبة، هی کلها دیون ربویة، و مهما عملت الدولة لتسدید تلک الدیون تراها تغرق فیها أکثر، السبب ببساطة أن المبدأ هو مبدأ إیغال فی المشکلة و لیس حلها.
علی أن هناک فوائد لا تنکر من عمل المصارف الإسلامیة کتیسیر التبادل و تعزیز طاقة رأس المال و تحویل النقود بین الدول و بیع و شراء العملات و إصدار الشیکات و تحصیل الدیون و بیع أسهم الشرکات و تأجیر الخزائن الحدیدیة و تسهیل التعامل مع الدول الأخری .. و من هنا بدأت فکرة البنوک غیر الربویة فی خمسینیات القرن العشرین المیلادی، و قد أثبتت نجاحا باهرا مما دفع إلی تطویر الفکرة و انتشارها حتی وصل إلی أوربا و أمریکا «1».
فی بدایات العقد التسعینی من القرن العشرین المیلادی عقد مؤتمر عن الاقتصاد الإسلامی فی جامعة لیفیبوروه البریطانیة بحضور کبار اقتصادیی العالم، و استمعوا إلی شروح عن آیات القرآن الکریم و أحادیث المصطفی صلّی اللّه علیه و سلّم المتعلقة بتنظیم الشئون الاقتصادیة، فکان الانبهار العظیم من الجمیع، و تم الاتفاق علی تدریس الاقتصاد الإسلامی فی الجامعات البریطانیة فی البکولوریوس و الماجستیر و الدکتوراة.
و فعلا فی عام 1996 م تأسس معهد مارکفیلد للدراسات الإسلامیة الاقتصادیة تحت إشراف أساتذة مسلمین متخصصین أمناء و أوفیاء، و لیس المستشرقین الذین شوهوا الإسلام و کتابه و سنة رسوله، و دسوا لنا السم فی الدسم. و قد قام هؤلاء الأساتذة بالإشراف
__________________________________________________
(1) بحث للأستاذ صلاح الدین عبد المجید فی مجلة التربیة الإسلامیة، السنة 35، العدد 12، ص 27- 30، بتصرف.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 24
علی الطلاب من مختلف المراحل الجامعیة و لأربعة جامعات بریطانیة کمرحلة أولی.
و ها هی المصارف الإسلامیة غیر الربویة تبدأ بالانتشار فی أمریکا و أوربا و تدر بالربح الوفیر باعتراف الغربیین أنفسهم، و ها هی الإنجازات تتری لتکون بدایة الخیر، فأول الغیث قطر کما یقولون، و الحمد للّه رب العالمین.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 25

الفصل الثالث النظام الاجتماعی الإسلامی‌

اشارة

الفصل الثالث النظام الاجتماعی الإسلامی
لقد کون رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم مجتمعا رائعا بعد أن طبق النوامیس و الأوامر الإلهیة التی جاء بها القرآن الکریم، فبدأ بالنفس و الأهل و الأقربون صعودا إلی المجتمع و المدینة و الدولة، فکانت تلک الحقبة تمثل أعظم الحقب التی حفظت للإنسان کرامته و عزته بعد أن عرف ربه و استقام علی ذلک.
و هنا أسرد قصة لطیفة لأحد الرحالة الأوربیین الذی زار بغداد فی العصر العباسی الثانی، فآجر منزلا، و کان یستیقظ کل صباح فیجد القمامة التی رماها فی باب بیته لیلة الأمس و قد أزیلت، و کان یتعجب للأمر. فقرر ذات لیلة أن یراقب الباب و لا ینام، فإذا بجاره یخرج عند هجیع اللیل لیحمل القمامة و یرمیها بعیدا. فأتی لجاره بعد ذلک فسأله عن الأمر، فقال له الجار، إنی و اللّه لم أکن أتمنی أن تعلم بهذا، أما أنک و قد علمت و سألتنی فسأجیبک ... إن دیننا قد وصی بالجار، و إننی رجل أخاف العبور علی الصراط یوم القیامة، فلم یفهم السائل، فسأله عما عناه بالصراط، ففسر له الأمر، فازداد عجبه. و عند ما عاد لبلده روی القصة لأهله و قال لهم متسائلا: هل استطاعت کل فلسفاتنا أن تضع فی الناس خلقا رفیعا مثل ما فعله الصراط بالمسلمین؟ ... ذکرت تلک القصة لأبین لکل من یدعی أن المسلمین أخذوا النظافة من الغرب أن یعود لهذه الحضارة الرائعة و ذلک التاریخ المشرف لیعرف إلی أیة أمة ینتمی.
و لقد کفلت حضارة الإسلام العظیمة للبشر کل ما یحتاجونه لإقامة الأسس و المرتکزات التی حددتها، و من ذلک:

1. حرمة الدم و حفظ حق الحیاة:

1. حرمة الدم و حفظ حق الحیاة:
مِنْ أَجْلِ ذلِکَ کَتَبْنا عَلی بَنِی إِسْرائِیلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَیْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِی الْأَرْضِ فَکَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِیعاً وَ مَنْ أَحْیاها فَکَأَنَّما أَحْیَا النَّاسَ جَمِیعاً وَ لَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَیِّناتِ ثُمَّ إِنَّ کَثِیراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِکَ فِی الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)، (المائدة: 32).

2. حرمة العرض فصان للفرد حق الکرامة:

2. حرمة العرض فصان للفرد حق الکرامة:
یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لا یَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 26
قَوْمٍ عَسی أَنْ یَکُونُوا خَیْراً مِنْهُمْ وَ لا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسی أَنْ یَکُنَّ خَیْراً مِنْهُنَّ وَ لا تَلْمِزُوا أَنْفُسَکُمْ وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِیمانِ وَ مَنْ لَمْ یَتُبْ فَأُولئِکَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)، (الحجرات: 11) .. یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا کَثِیراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَ لا تَجَسَّسُوا وَ لا یَغْتَبْ بَعْضُکُمْ بَعْضاً أَ یُحِبُّ أَحَدُکُمْ أَنْ یَأْکُلَ لَحْمَ أَخِیهِ مَیْتاً فَکَرِهْتُمُوهُ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِیمٌ (12)، (الحجرات: 12).

3. حرمة المال و حق التملک:

3. حرمة المال و حق التملک:
فی البخاری (الحج 1623) عن ابن عبّاس رضی اللّهم عنهما أنّ رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم خطب النّاس یوم النّحر فقال: (یا أیّها النّاس أیّ یوم هذا قالوا یوم حرام قال فأیّ بلد هذا قالوا بلد حرام قال فأیّ شهر هذا قالوا شهر حرام قال فإنّ دماءکم و أموالکم و أعراضکم علیکم حرام کحرمة یومکم هذا فی بلدکم هذا فی شهرکم هذا)، فأعادها مرارا ثمّ رفع رأسه فقال: (اللّهمّ هل بلّغت اللّهم هل بلّغت). قال ابن عبّاس رضی اللّهم عنهما فو الّذی نفسی بیده إنّها لوصیّته إلی أمّته فلیبلغ الشّاهد الغائب لا ترجعوا بعدی کفّارا یضرب بعضکم رقاب بعض.

4. حرمة البیوت و حق الاستقلال الشخصی:

4. حرمة البیوت و حق الاستقلال الشخصی:
یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُیُوتاً غَیْرَ بُیُوتِکُمْ حَتَّی تَسْتَأْنِسُوا وَ تُسَلِّمُوا عَلی أَهْلِها ذلِکُمْ خَیْرٌ لَکُمْ لَعَلَّکُمْ تَذَکَّرُونَ (27)، (النور: 27).

5. حریة الرأی و الفکر و الاعتقاد و التعبیر:

5. حریة الرأی و الفکر و الاعتقاد و التعبیر:
و فی هذا یطول الشرح و التفصیل لکثرة ما ورد فی ذلک.

6. حق المعارضة و النصیحة:

6. حق المعارضة و النصیحة:
للحاکم و المحکوم، ففی الترمذی (الفتن 2094) عن أبی بکر الصّدّیق أنّه قال أیّها النّاس إنّکم تقرءون هذه الآیة یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا عَلَیْکُمْ أَنْفُسَکُمْ لا یَضُرُّکُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَیْتُمْ و إنّی سمعت رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم یقول: (إنّ النّاس إذا رأوا الظّالم فلم یأخذوا علی یدیه أوشک أن یعمّهم اللّه بعقاب منه). و فی صحیح مسلم (الإیمان 82) عن تمیم الدّاریّ أنّ النّبیّ صلّی اللّه علیه و سلّم قال: (الدّین النّصیحة) قلنا لمن قال: (للّه و لکتابه و لرسوله و لأئمّة المسلمین و عامّتهم).

7. حق القضاء و القصاص العدل:

7. حق القضاء و القصاص العدل:
کما ذکرنا فی ما سبق من آیات و کذلک قوله
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 27
تعالی: وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْری (الأنعام: من الآیة 164). أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْری (38)، (النجم: 38) ..

8. حق التعلم حتی وقت الحرب:

8. حق التعلم حتی وقت الحرب:
* وَ ما کانَ الْمُؤْمِنُونَ لِیَنْفِرُوا کَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ کُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِیَتَفَقَّهُوا فِی الدِّینِ وَ لِیُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَیْهِمْ لَعَلَّهُمْ یَحْذَرُونَ (122)، (التوبة: 122) ... و قد حث النبی صلّی اللّه علیه و سلّم علی طلب العلم فی عدة أحادیث کما فی حدیث النسائی فی الطهارة (158) عن عاصم أنّه سمع زرّ بن حبیش یحدّث قال أتیت رجلا یدعی صفوان بن عسّال فقعدت علی بابه فخرج فقال ما شأنک قلت أطلب العلم قال إنّ الملائکة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما یطلب فقال عن أیّ شی‌ء تسأل قلت عن الخفّین قال کنّا إذا کنّا مع رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم فی سفر أمرنا أن لا ننزعه ثلاثا إلّا من جنابة و لکن من غائط و بول و نوم.

9. حق العمل «1»:

9. حق العمل «1»:
فقد دعا الإسلام للعمل لأنه من أهم و سائل الارتزاق، و هو أساس الاقتصاد، و الدعامة الأساسیة للإنتاج، و هو عبادة من أجلّ العبادات مع النیة الخالصة، و کل قطرة عرق تبذل فیه تکون فی میزان المسلم مع صلاته و صیامه و زکاته .. و المسلم لا یعمل من أجل الدنیا و الحرص علیها و علی فتنها و متاعها، بل لأن العمل أساس کل شی‌ء بل هو أساس التقرب إلی اللّه تعالی .. یقول العلامة أبو الأعلی المودودی رحمه اللّه (إذا تعاطیت التجارة و الصناعة أو اشتغلت بالخدمة، و أدیت ما علیک من الواجب بکل أمانة و صدق اتقاء للّه تعالی، ثم کسبت الحلال و تجنبت الحرام، کان کسبک هذا و سعیک فی سبیله عبادة للّه تعالی، مع أنک ما قمت بکل ذلک إلا لتکسب الرزق لنفسک) .. لذلک تجد أن القرآن الکریم قد قرن العمل بالإیمان فی آیات کثیرة، فجاء الحث علیه فی کتاب اللّه و سنة رسوله صلّی اللّه علیه و سلّم و فی أقوال السلف الصالح. یقول اللّه تعالی فی دعوة صریحة للعمل و الارتزاق و طلب الرزق و الکسب و السعی لکسب المعاش فَإِذا قُضِیَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِی الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَ اذْکُرُوا اللَّهَ کَثِیراً لَعَلَّکُمْ تُفْلِحُونَ (10)،
__________________________________________________
(1) هذه النقطة عن مقالة رائعة للأستاذ الفاضل الشیخ الجلیل إبراهیم النعمة بمجلة التربیة الإسلامیة بعنوان العدالة الاجتماعیة، السنة 35- العدد 12، ص 41- 45، بتصرف.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 28
(الجمعة: 10) .. و یقول تعالی أیضا هُوَ الَّذِی جَعَلَ لَکُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِی مَناکِبِها وَ کُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَ إِلَیْهِ النُّشُورُ (15)، (الملک: 15) .. و کأن القرآن یصرخ بالناس أن اعملوا لتأخذوا ثمرة عملکم، و اتعبوا و انصبوا لتجدوا لذة کسبکم. فالسعی إذن هو الوسیلة إلی الکسب .. کما و قرن القرآن الکریم السعی فی التجارة بالجهاد فی سبیل اللّه تعالی إعلاء دینه، فیقول تعالی .. وَ آخَرُونَ یَضْرِبُونَ فِی الْأَرْضِ یَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَ آخَرُونَ یُقاتِلُونَ فِی سَبِیلِ اللَّهِ ...، (المزمل: من الآیة 20) .. و الآیات فی هذا المعنی کثیرة، إذ أحصی بعض الباحثین المحققین الآیات القرآنیة الداعیة إلی العمل و السعی لکسب العیش فکانت تزید علی 160 آیة، و التی ذکرت مطلق العمل بلغت 360 آیة، کما وردت معانی أخری للعمل فی 109 آیة.
و فی الحدیث الشریف نجد الأحادیث الکثیرة التی ترغب بالعمل، منها قوله صلّی اللّه علیه و سلّم فی الحدیث الذی أخرجه الإمام أحمد فی باقی مسند المکثرین (8060) عن أبی هریرة عن النّبیّ صلّی اللّه علیه و سلّم قال (خیر الکسب کسب ید العامل إذا نصح) .. و قوله صلّی اللّه علیه و سلّم فیما ینقل البخاری رحمه اللّه تعالی فی کتاب البیوع (1930) عن خالد بن معدان عن المقدام رضی اللّهم عنهم عن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم قال: (ما أکل أحد طعاما قطّ خیرا من أن یأکل من عمل یده و إنّ نبیّ اللّه داود علیه السّلام کان یأکل من عمل یده) .. و قوله صلّی اللّه علیه و سلّم فی حدیث الطبرانی فی الأوسط و الأصبهانی من حدیث ابن عباس رضی اللّه عنه: (من أمسی کالا من عمل یده أمسی مغفورا له) .. و أخرج الترمذی فی کتاب البیوع (1130) عن أبی سعید عن النّبیّ صلّی اللّه علیه و سلّم قال: (التّاجر الصّدوق الأمین مع النّبیّین و الصّدّیقین و الشّهداء).
و یسمو الإسلام بالعمل حتی یجعله بمنزلة الجهاد فی سبیل اللّه، فقد روی کعب ابن عجرة رضی اللّه عنه قال مر علی النبی صلّی اللّه علیه و سلّم رجل، فرأی أصحاب رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم من جلده و نشاطه، فقالوا یا رسول اللّه لو کان هذا فی سبیل اللّه!، فقال صلّی اللّه علیه و سلّم: (إن کان خرج یسعی علی ولده صغارا فهو فی سبیل اللّه، و إن کان خرج یسعی علی أبوین کبیرین فهو فی سبیل اللّه، و إن کان خرج یسعی علی نفسه یعفها فهو فی سبیل اللّه، و إن کان خرج یسعی ریاء أو مفاخرة، فهو فی سبیل الشیطان)، رواه الطبرانی و رجاله رجال الصحیح .. و قد نهی النبی صلّی اللّه علیه و سلّم عن المسألة و حث علی القوة الاقتصادیة فالید العلیا خیر
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 29
من السفلی، و خیر الصدقة ما کان عن ظهر غنی کما قال صلّی اللّه علیه و سلّم، و حث علی الدقة و الإتقان فی العمل و قرنه بحب اللّه للعبد، و حث علی إعطاء العامل و الأجیر أجره بسرعة دون إبطاء.
أما أقوال السلف الصالح رضی اللّه عنهم فی هذا المعنی کثیرة، منها ما یذکره الغزالی رحمه اللّه تعالی فی الإحیاء (2/ 64) و هو قول سیدنا عمر رضی اللّه عنه (ما من موضع یأتینی الموت فیه أحب إلی من موطن أتسوق فیه لأهلی: أی أبیع و أشتری)، و قوله رضی اللّه عنه (إنی لأری الرجل فیعجبنی فأسأل: أ له حرفة؟، فیقال: لا، فیسقط من عینی) ..
و قالت أم المؤمنین عائشة رضی اللّه عنها (المغزل بید المرأة خیر من الرمح فی ید المجاهد) .. و یقول بعض الصالحین (لیست العبادة أن تصف قدمیک- یعنی للعبادة- و غیرک یقوت لک: ابدأ برغیفیک فاحرزهما ثم تعبد) .. و قال ابن خلکان (لو یعلم المسلمون و أبناء المسلمین ما أعد اللّه تعالی للمسلمین فی إحیاء الأرض، ما ترک مسلم بقعة دون إحیاء رجاء الثواب المدخر عند اللّه تعالی).
و یسمو الإسلام بالعمل أیضا حتی یجعله فوق الکثیر من العبادات، فالرجل الذی یعمل و یعول أخاه العابد یصیر أعبد منه، و هناک من یفضل الصناع علی العباد کالشیخ الشعرانی و هو من المتصوفة، ذلک لأن نفع العبادة تعود علی صاحبها حسب، بینما نفع الحرف فیعود علی الناس جمیعهم بالخیر .. و إذا کان الإسلام قد دعا إلی العمل فقد نهی عن الجلوس فی البیت من غیر عمل، فهذا سیدنا عمر رضی اللّه عنه یدخل المسجد بعد الصلاة، فیری فیه قوما قابعین بدعوی التوکل علی اللّه، فما کان من فاروق الإسلام إلا أن علاهم بدرته، و قال کلمته المشهورة (لا یقعدن أحدکم عن طلب الرزق و یقول: اللهم ارزقنی، و قد علم أن السماء لا تمطر ذهبا و لا فضة، و أن اللّه تعالی یقول فَإِذا قُضِیَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِی الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَ اذْکُرُوا اللَّهَ کَثِیراً لَعَلَّکُمْ تُفْلِحُونَ (10) ..
و هذا الإمام أحمد رضی اللّه عنه سئل عمن یجلس فی بیته من غیر عمل بحجة أن رزقه سیأتیه فأجاب السائل (هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبی صلّی اللّه علیه و سلّم (.. جعل رزقی تحت ظل رمحی ..)، و قوله حین ذکر الطیر (.. تغدو خماصا و تروح بطانا ..).

10. حق التجمع لعمل الخیر و نبذ التجمع للشر:

10. حق التجمع لعمل الخیر و نبذ التجمع للشر:
وَ تَعاوَنُوا عَلَی الْبِرِّ وَ التَّقْوی وَ لا
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 30
تَعاوَنُوا عَلَی الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِیدُ الْعِقابِ (2)، (المائدة: من الآیة 2). و هکذا کان العمل الجماعی للخیر أمر فیه خیر. ففی الترمذی (الفتن 2092) عن ابن عبّاس قال قال رسول صلّی اللّه علیه و سلّم: (ید اللّه مع الجماعة). و تعاون الجماعة فی الإسلام من أعظم القربات إلی اللّه تعالی، فعن عبد اللّه بن عمر رضی اللّه عنهم أخبره أنّ رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم قال «المسلم أخو المسلم لا یظلمه و لا یسلمه و من کان فی حاجة أخیه کان اللّه فی حاجته و من فرّج عن مسلم کربة فرّج اللّه عنه کربة من کربات یوم القیامة و من ستر مسلما ستره اللّه یوم القیامة»، و عن أبی هریرة رضی اللّه عنه قال قال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم «من نفّس عن مؤمن کربة من کرب الدّنیا نفّس اللّه عنه کربة من کرب یوم القیامة و من یسّر علی معسر یسّر اللّه علیه فی الدّنیا و الآخرة و من ستر مسلما ستره اللّه فی الدّنیا و الآخرة و اللّه فی عون العبد ما کان العبد فی عون أخیه ...».

11. ثبت حقوق الزواج و المرأة و المیراث و نظام الأسرة:

11. ثبت حقوق الزواج و المرأة و المیراث و نظام الأسرة:
کما سنفصل لاحقا.
لقد کثر الحدیث هذه الأیام عن حقوق الإنسان فی دول العالم و فی دول الغرب بالذات و تحدیدا فی الولایات المتحدة، فبدأت تسوق هذه الحقوق و کأنها بضاعتها أو أنها وصیة علیها، و أصبحت ذریعة فی إخضاع من هم دونها و إیذاء الأمم و الشعوب تحت دعوی الدفاع عن حقوق الإنسان. لکن الواقع یشیر و منذ ما یربو عن ال 50 عاما أن الدول الغربیة نفسها هی أول من لا یطبق هذه الحقوق إلا فی الأمور التی تفید مصالح ضیقة لجماعات معینة دون غیرها، و الأمثلة فی هذا أکثر من أن تذکر. إن الکلام عن حقوق الإنسان لا یأخذ مداه ما لم یکن هناک تنفیذ و تفعیل لتلک الحقوق. فبدون منهجیة تفعیل حقوق الإنسان و ضماناتها الحقیقیة یصبح الکلام عنها و السعی إلیها ... کَباسِطِ کَفَّیْهِ إِلَی الْماءِ لِیَبْلُغَ فاهُ وَ ما هُوَ بِبالِغِهِ ...، (الرعد: من الآیة 14) .. فلا ینفع الکلام و التأشیر و التعداد ما لم تقترن بالتطبیق.
یذهب علماء القانون العام إلی تقسیم حقوق الإنسان إلی مجموعات من أجل تیسیر دراستها، فقسموها إلی مجموعة الحریات الشخصیة التی تشمل الحریة الشخصیة للفرد و حریة التنقل و السکن و المراسلات، ثم تأتی مجموعة حریات الفکر و تشمل حریة العقیدة و التعلیم و الصحافة و الرأی. القسم الثالث هی مجموعات حریات التجمع مثل حریة
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 31
التظاهر و تألیف الجمعیات و الأحزاب و الحرکات، ثم مجموعة الحقوق و الحریات الاجتماعیة مثل حق العمل و اختیار نوعه و الراحة و الفراغ و المعونة عند العجز و المرض و الشیخوخة. ثم تأتی مجموعة الحریات الاقتصادیة، مثل حق التملک و التجارة و الصناعة. و مجموعة الحقوق السیاسیة مثل حق الانتخاب و الترشیح و تقریر المصیر ...
و قد سبق الإسلام و کما فصلنا آنفا إلی تشریع هذه الحقوق بل أضاف إلیها حقوقا أخری.
و رغم أن هذه الحقوق و الحریات جاءت تعدادا و مناشدة فی الإعلان العالمی لحقوق الإنسان غیر أنه لا توجد وسائل فعالة لتفعیلها و نقلها من النظریة إلی التطبیق. و فوق ذلک فإنها باتت معرضة لأن تعصف بها العولمة بأبعادها الاقتصادیة و الاجتماعیة و الثقافیة من جهة أخری، و تحکّم الدول الکبری المتغطرسة التی تشن الإرهاب الدولی تحت غطاء الدفاع عن حقوق الإنسان. و بقی میثاق حقوق الإنسان حبرا علی ورق و لم ینفذ منه شی‌ء، فالعالم الیوم یعیش حالة غالب و مغلوب، و تفرد قوة عظمی بالهیمنة علی العالم، بل إنها اختطفت الأمم المتحدة و میثاقها و جعلتهما ألعوبة فی یدها، فکان حق الفیتو سیئ الصیت لصالح مصالح خاصة ضیقة بمجموعة بشریة معینة قمة الإساءة للمنظومة الدولیة و حقوق الإنسان، ثم جاء تشکیل المحکمة الجنائیة الدولیة لیسهم فی تعزیز الظلم و الاستبداد فی جعل جرائم أمیرکا و أعوانها فی منأی عن المسائلة و العقاب ..
لکن الأمر یختلف بالنسبة للشریعة الغراء، التی یستنبط منها نظام کامل متکامل لحقوق الإنسان لا یهتم بالدرج و التعداد، بل جعل حقوق الإنسان منهجا و فعلا و تطبیقا. و حین کانت أوربا تغط فی نوم عمیق و تعیش قرونها الوسطی المظلمة تحت جبروت القساوسة و النبلاء و السلطات المطلقة للحکام، جاء الإسلام بتصور شامل لحقوق الإنسان، و کانت دولة الإسلام تنشر العدل و الإحسان، علی أسس و مبادئ شرعیة قانونیة لم تعرفها البشریة من قبل، و کان الخلیفة مقیدا بأحکام الکتاب و السنة، ملتزما باحترام حقوق الإنسان و الأفراد و حریاتهم التی نص علیها الإسلام، و وضع الضمانات التی تکفل حمایتها من کل جور و اعتداء .. إن المنهج الإسلامی یقوم علی إقامة العدل و تقدیمه علی السلم عند التقاطع بینهما، و لا یحترم السلم المبنی علی الظلم، و أعلن القرآن الکریم أن إقرار العدل فی الأرض هو أعظم هدف بعد عبادة اللّه تعالی، و التی هی أعلی غایة علی الإطلاق لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَیِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْکِتابَ وَ الْمِیزانَ لِیَقُومَ النَّاسُ
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 32
بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِیدَ فِیهِ بَأْسٌ شَدِیدٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ لِیَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ یَنْصُرُهُ وَ رُسُلَهُ بِالْغَیْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِیٌّ عَزِیزٌ (25)، (الحدید: 25). و قوله تعالی فَقاتِلُوا الَّتِی تَبْغِی حَتَّی تَفِی‌ءَ إِلی أَمْرِ اللَّهِ، (الحجرات: من الآیة 9) .. و بعد فإن الإسلام أسس علی الأرض أول دولة قانونیة تخضع فیه السلطة خضوعا تاما لقیود تسمو علیها، لأن مصدرها کتاب اللّه و أساسها الفکری العقیدة، لا تقبل التلبس بالظلم و الباطل و کما ذکرنا فی قصة الإمام علی علیه الرضوان و السلام مع الیهودی، ترعی حقوق الإنسان من خلال منظومة کاملة من الأحکام، و حقوق الإنسان فی الإسلام ذات صفة دینیة تقوم علی العقیدة و العبادات، و هی لیست منحة من بشر و إنما هی منح إلهیة واجبة علی الجمیع، و لا مجال فیها لاستثناء أو تمییز ما بین حاکم و محکوم «1».

منزلة المرأة و الأسرة فی الإسلام:

منزلة المرأة و الأسرة فی الإسلام:
رغم أننا قد تحدثنا عن بعض أوجه العظمة و الروعة فی التشریع الإسلامی فی الزواج و أسس تکون الأسرة فی کتاب الطب النفسی، إلا إننا هنا سنحاول الولوج أکثر فی هذا الموضوع.
إن من أشد ما تبتلی به الأمم و المجتمعات و الأفراد عدم الاتعاظ بأخطاء و تجارب غیرها من الأمم و المجتمعات البشریة علی المستویین الفردی و الجماعی، و لذا حفل القرآن الکریم بقصص الأمم السابقة، فأحد أسباب ارتقاء العنصر البشری مقارنة بغیره من المخلوقات تراکم الخبرات بین الأجیال و انتقالها بین الأمم، لکن کثیرا ما یتخلی الإنسان عن هذه المیزة من تلقاء نفسه فیکرر أخطاء غیره و یطیل فترة تطوره و تقدمه. و من الأخطاء التی ما زالت تعانی منها الأمة و مجتمعاتها استیراد أنماطا اجتماعیة و اقتصادیة غربیة ذات قضایا و اهتمامات مختلفة تماما عن واقعنا و حاجاتنا. لقد عشنا قرونا عدیدة لا نجادل فی مسلّمة جاءت فی کتاب اللّه تعالی تقول: ... وَ لَیْسَ الذَّکَرُ کَالْأُنْثی ...، فلم یکن رجالنا یرون فی ذلک میزة لهم- إلا حالات شاذة لا یقاس علیها-، و لم تکن نساؤنا یرین فیها إقلالا من شأنهن أو حطا من قدرهن، بل هی توصیف لواقع و فطرة نراها
__________________________________________________
(1) عن مقالة للأستاذ الدکتور أکرم عبد الرزاق المشهدانی بمجلة التربیة الإسلامیة بعنوان حقوق الإنسان بین الشریعة و القوانین الوضعیة، السنة 35- العدد 12، ص 49- 53، بتصرف.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 33
شاخصة لیس فقط بین بنی البشر بل بین الذکر و الأنثی لدی مخلوقات اللّه تعالی مما نری حولنا. لکن هذا الواقع تغیر لا بسبب اکتشاف جدید وضعنا أیدینا علیه أو مشکلة نجمت عن هذه المسلّمة، بل لأن تیارا فی بعض بلدان الغرب سعی لأن یکون عکس ذلک بدعوی أن المرأة مظلومة لأنها لم تعط حقوقها عبر التاریخ، فجاءت استجابات مجتمعاتنا لهذه الدعاوی سریعة دون تمحیص أو تروی لمعرفة الحقیقة و إعطاء کل ذی حق حقه، فالمرأة فی الغرب تخرّج امرأة تقود طائرة حربیة، فنفعل حتی و لو کنا لا نقاتل أعدائنا، و هم یعملون فرق ریاضیة نسویة فی الجمباز الخلیع فنفعل و لکن بالبنطال، و المرأة عندهم تلبس الخلیع لموضة خریف عام کذا فنفعل و نقلد کالببغاوات و الأرجوزات، و غیر ذلک من الأمثلة التی تنم عن عقد نفسیة مترسخة فی کثیر ممن ینتمون لهذه الأمة بالاسم فقط، اسمها الغرب.
إن حقیقة کون الجنسین متساویین فی کل شی‌ء و بشکل مطلق تم ترویجها فی السنین الأخیرة من حیاة البشریة، فدعوی تحریر المرأة و دعوی المساواة و إنقاذ الجنس اللطیف من همجیة الرجال و تسلطهم جاءت متأخرة و بالتحدید فی القرنین الماضیین فقط.
فلم نسمع فی تاریخ الحضارات جمیعا صدی لهذه الدعوة، لا لأن الرجل کان یضطهد المرأة و یبیعها فی سوق النخاسة، أو یتمتع بها و یرمیها، أو لأسباب أخری، و إنما لأن هذه الدعوة هی باختصار کلمة حق یراد بها باطل.
فحقیقة أن المرأة مضطهدة فی کثیر من حقوقها لا ینکرها عاقل، و لکن المشکلة هذا التکالب و الثورة غیر المنضبطة فی سبیل تحقیق ما یزعم أنه تطبیق عادل لما یضمن للمرأة حقوقها المتکافئة مع حقوق الرجل بما یجعل المجتمع یسیر فی طریق الخیر و المساواة، و لکن الحقیقة أن المسألة أخطر من ذلک بکثیر.
لقد أعطی الإسلام حقوقا للمرأة و تکریما لم یشهد التاریخ البشری مثیلا له من قبل، فقد کانت البنت محتقرة، و محل سخریة و تذمر لأهلها فی أغلب المجتمعات البشریة قبل الإسلام، و لا یقتصر ذلک علی عرب الجزیرة کما یظن البعض و إن کان یبدو أن الأمر لدی العرب یأخذ منحی أکبر، فقد کانت توأد و تدفن حیة لمجرد کونها أنثی، فکان هذه الأفعال و غیرها من أشد الأفعال التی ردّها الإسلام و حرّمها بقوله تعالی أَ فَأَصْفاکُمْ رَبُّکُمْ بِالْبَنِینَ وَ اتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِکَةِ إِناثاً إِنَّکُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِیماً (40)،
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 34
(الإسراء: 40) .. وَ إِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثی ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ کَظِیمٌ (58) یَتَواری مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ یُمْسِکُهُ عَلی هُونٍ أَمْ یَدُسُّهُ فِی التُّرابِ أَلا ساءَ ما یَحْکُمُونَ (59)، (النحل) .. أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا یَخْلُقُ بَناتٍ وَ أَصْفاکُمْ بِالْبَنِینَ (16) وَ إِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ کَظِیمٌ (17) (الزخرف) ..
وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَیِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9)، (التکویر).
و هکذا نزل القرآن الکریم لیعطی المرأة المنزلة الراقیة التی تستحق، فأفرد لها سورة باسمها (سورة النساء) و التی ثبتت حقیقة مهمة فی بدایاتها و هی مساواة المرأة للرجل فی النشأة و الخلق و العبودیة للّه تعالی یا أَیُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّکُمُ الَّذِی خَلَقَکُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا کَثِیراً وَ نِساءً وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِی تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ کانَ عَلَیْکُمْ رَقِیباً (1)، (النساء: 1). فکلمة زوج تعنی المقابلة، فللزوجیة فی القرآن عدة معانی و هنا تعنی التقابل أو التکامل أو المساواة و لیس التضاد ...
کذلک جمع اللّه تعالی بین الجنسین فی مهمة استخلاف اللّه البشر علی إدارة الأرض و إصلاحها و هو یقصد جنس البشر ذکرا کان أو أنثی (البقرة: 30)، و سوّی بین الجنسین فی التکریم و التفضیل الذی خصّ به الإنسان (الإسراء: 70)، و ساوی بینهما فی الخلق من طین (ص: 16)، و نفی الإسلام عن المرأة مسئولیة الخطیئة الأصلیة. کما رکزت الآیات و الأحادیث علی المساواة فی العمل مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَکَرٍ أَوْ أُنْثی وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْیِیَنَّهُ حَیاةً طَیِّبَةً وَ لَنَجْزِیَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما کانُوا یَعْمَلُونَ (97)، (النحل: 97). هنا تجدر الإشارة إلی أن تقدیم الذکر علی الأنثی لا یفید التفضیل کما یظن البعض، فکما یعلم من قواعد اللغة و الأحکام الشرعیة أن التغلیب هنا یفید المساواة، فالقرآن کان یمکن أن یشیر إلی النساء بصیغة جمع المذکر الذی یفهم علی أنه یعنی الإناث أیضا، و هذا یعرف لغة بالتغلیب، و لکن القرآن فضل الوضوح منعا للبس و تأکیدا للمساواة. کذلک ساوی الشرع الحنیف بین الجنسین فی اکتساب الأجر وَ لا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَکُمْ عَلی بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِیبٌ مِمَّا اکْتَسَبُوا وَ لِلنِّساءِ نَصِیبٌ مِمَّا اکْتَسَبْنَ وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ کانَ بِکُلِّ شَیْ‌ءٍ عَلِیماً، (النساء:
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 35
32). کما ساوی الإسلام بین الجنسین فی الولایة و تولی المسئولیات کالدعوة إلی اللّه و عمل الخیر و النهی عن الشر و الجهاد و غیر ذلک من المسئولیات التی تقیم المجتمع و الدولة بقوله تعالی: وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِیاءُ بَعْضٍ یَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ یَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْکَرِ وَ یُقِیمُونَ الصَّلاةَ وَ یُؤْتُونَ الزَّکاةَ وَ یُطِیعُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ أُولئِکَ سَیَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِیزٌ حَکِیمٌ (71)، (التوبة: 71).
و قد کانت السیدة عائشة رضی اللّه عنها من کبار رواة الحدیث و عنها قال عروة بن الزبیر (ما رأیت أحدا أعلم بفقه أو طب أو شعر من عائشة أم المؤمنین رضی اللّه عنها). و یروی أن سیدنا عمر بن الخطاب رضی اللّه عنه ولّی (أم الشفاء بنت عبد اللّه) علی مرفق اقتصادی مهم هو حسبة السوق. کما أن سمراء بنت نهیک الأسدیة کانت تمر بالسوق تأمر بالمعروف و تنهی عن المنکر. و هناک أمیرات ولّین الحکم فی التاریخ الإسلامی کشجرة الدر وقت الممالیک فی مصر.
کما ساوی الإسلام الجنسین بمسئولیة تحمل النتائج بغض النظر عن الفاعل: کُلُّ نَفْسٍ بِما کَسَبَتْ رَهِینَةٌ (38)، (المدثر: 38) .. و أخرج البخاری فی صحیحه (کتاب الجمعة 844) عن ابن عمر رضی اللّهم عنهما أنّ رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم یقول: (کلّکم راع و کلّکم مسئول عن رعیّته الإمام راع و مسئول عن رعیّته و الرّجل راع فی أهله و هو مسئول عن رعیّته و المرأة راعیة فی بیت زوجها و مسئولة عن رعیّتها و الخادم راع فی مال سیّده و مسئول عن رعیّته و کلّکم راع و مسئول عن رعیّته).
أما عن العقوبة لجرم کالسرقة فقد قدم الرجل السارق علی المرأة السارقة لأنه الأقدر علی ذلک: وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَیْدِیَهُما جَزاءً بِما کَسَبا نَکالًا مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ عَزِیزٌ حَکِیمٌ (38)، (المائدة: 38). بینما فی الزنا قدمت المرأة الزانیة فی العقوبة علی الرجل لأن بیدها إتمام الجرم من عدمه، فهی تستطیع منع الجرم إن أرادت حتی و إن أراد الرجل الزانی الزَّانِیَةُ وَ الزَّانِی فَاجْلِدُوا کُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَ لا تَأْخُذْکُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِی دِینِ اللَّهِ إِنْ کُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْیَوْمِ الْآخِرِ وَ لْیَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ (2)، (النور: 2). و القاعدة الفقهیة فی هذا الباب الذی یعنی بالعقوبات
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 36
و المعروف قانونا بالمساواة القانونیة بین الجنسین تقول (النساء شقائق الرجال). و لکن الإسلام غلّظ العقوبة فی الدنیا و الآخرة علی الذین یدّعون أمر الزنا علی المرأة دون بینة و یتهمونها جزافا و بهتانا، إذ علیهم بأربعة شهود علی دقة ادعاءهم: وَ الَّذِینَ یَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ یَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِینَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَ أُولئِکَ هُمُ الْفاسِقُونَ (4)، (النور: 4) .. إِنَّ الَّذِینَ یَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِی الدُّنْیا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِیمٌ، (23)، (النور: 23).
أما فی المعاملة فقد أمر الشرع الحنیف الرجال بحسن المعاملة مع النساء، فها هو رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم یوصینا بالنساء فی کل الأوقات، بل و حتی قبل وفاته صلّی اللّه علیه و سلّم کان آخر کلامه أن استوصوا بالنساء خیرا، و کان أحن الناس علی أزواجه، ففی الحدیث الذی أخرجه الترمذی (المناقب 3830) عن عائشة قالت: قال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم: (خیرکم خیرکم لأهله و أنا خیرکم لأهلی) .. و فی بعض أسفاره کان یأخذ إحدی زوجاته صلّی اللّه علیه و سلّم فحصل أن ساق الحادی الجمل بقوة فوبخه صلّی اللّه علیه و سلّم علی هذا الفعل و أمره أن یرفق بالقواریر أی بالنساء، و سماهنّ کذلک لرقتهن، فقد أخرج البخاری فی الأدب (5741) عن أنس بن مالک قال کان النّبیّ صلّی اللّه علیه و سلّم فی مسیر له فحدا الحادی فقال النّبیّ صلّی اللّه علیه و سلّم: (ارفق یا أنجشة ویحک بالقواریر). و المتتبع لسیرة المصطفی صلّی اللّه علیه و سلّم و سیر الصحابة و التابعین یجد القصص الرائعة التی تذرف لها الدموع من فرط المحبة و الإخلاص و حسن التعامل و المودة بین الزوجین فی البیت المسلم و بین الحاکم و المحکوم فی حالة الدولة و القضاء.
أما قدسیة الزواج فقد کرّم الإسلام الزوجة أیما تکریم منذ خطبتها و حتی أقرب الأجلین الموت أو التفریق إن حصل و ما یتخلل ذلک من معاملات، و فی کلتا الحالتین لا یجوز للزوج أن یأخذ من الزوجة ما قدمه لها إلا إذا أتت بفاحشة وَ إِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَکانَ زَوْجٍ وَ آتَیْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَیْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِیناً (20)، (النساء: 20). و أما الزوجة الصالحة فقد جعلت أعظم کنز یعطی للرجل فی دنیاه. ففی سنن أبی داود (الزکاة 1417) عن ابن عبّاس رضی اللّه عنهما قال: لمّا نزلت هذه الآیة وَ الَّذِینَ یَکْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ ...، قال کبر ذلک علی المسلمین فقال عمر رضی اللّه عنه أنا أفرّج عنکم فانطلق فقال یا نبیّ اللّه إنّه کبر علی
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 37
أصحابک هذه الآیة فقال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم: (إنّ اللّه لم یفرض الزّکاة إلّا لیطیّب ما بقی من أموالکم و إنّما فرض المواریث لتکون لمن بعدکم)، فکبّر عمر ثمّ قال له (أ لا أخبرک بخیر ما یکنز المرء المرأة الصّالحة إذا نظر إلیها سرّته و إذا أمرها أطاعته و إذا غاب عنها حفظته).
أما تعدد الزوجات و التی أخذها الغرب حجة علی الإسلام کما توهموا، فهی اختیاریة و شرعت لأسمی غرض و هو الخوف علی النساء من الضیاع خصوصا أولاء الأطفال منهن و الذین لا یجدون من یعیلهن، فهی اختیار و بشروط مهمة أهمها إقامة العدل بینهن فإذا تعذر ذلک فزوجة واحدة تکفی وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِی الْیَتامی فَانْکِحُوا ما طابَ لَکُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنی وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَکَتْ أَیْمانُکُمْ ذلِکَ أَدْنی أَلَّا تَعُولُوا (3)، (النساء: 3). تدبر الآیة و انظر أنها شرطیة ابتدأت ب (و إن) أداة شرط. أی إن خفتم ألا تعطوا الیتامی حقوقهم فلکم أن تتزوجوا من أمهاتهن لترعوهم، ثم تعود الآیة لتقول، ف (إن) مرة أخری خفتم ألا تعدلوا بین النساء فزوجة واحدة فقط. و یدل علی صعوبة القدرة علی العدل بین النساء قوله تعالی وَ لَنْ تَسْتَطِیعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَیْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِیلُوا کُلَّ الْمَیْلِ فَتَذَرُوها کَالْمُعَلَّقَةِ وَ إِنْ تُصْلِحُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ کانَ غَفُوراً رَحِیماً (129)، (النساء: 129). و کان رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم دائما ما یطبق العدل بین الزوجات فی الأمور الدنیویة و المعیشیة فیوزع علیهن الرزق بالتساوی و کذلک کان یعطیهم حق الزوجیة دون تمییز، أما فی الأمور العاطفیة فقد کانت السیدة عائشة رضی اللّه عنها أحب زوجاته إلی قلبه و أمور القلب لیس للإنسان علیها من سلطان. فقد أخرج الترمذی (النکاح 1059) عن عائشة أنّ النّبیّ صلّی اللّه علیه و سلّم کان یقسم بین نسائه فیعدل و یقول: (اللّهمّ هذه قسمتی فیما أملک فلا تلمنی فیما تملک و لا أملک)، قال أبو عیسی حدیث عائشة هکذا رواه غیر واحد مرسلا. و معنی قوله لا تلمنی فیما تملک و لا أملک إنّما یعنی به الحبّ و المودّة کذا فسّره بعض أهل العلم.
و لک أخی الکریم أن تعرف سماحة الإسلام فی التشریع الذی ینظر لکل الناس صغیرهم و کبیرهم ذکرهم و أنثاهم لیحقق العدل. فکل تلک التفاصیل لتبین لک عظمة الزواج و مکانة الزوجة، کیف لا و قد جعلت وثیقة الزواج میثاقا غلیظا یشبه المیثاق
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 38
الغلیظ الذی أعطی لأولی العزم من الأنبیاء علیهم السلام و کما فصلنا فی کتاب الطب.
و لقد ذکرنا بعض الحالات التی ساهمت فیها المرأة فی الحرب و السلم و التمریض فی کتاب الطب، و نضیف أن الإسلام أعطی حقا للمرأة فی أمور عدیدة اقتصادیة و اجتماعیة و علمیة و غیرها. و لکن الشرع الحنیف ثبّت حقائق واضحة لا یمکن تجاوزها، ألا و هی أن الرجل أفضل من المرأة لا لغرض التفضیل المتعصب، و لکن لأن الرجل یمتلک من المقومات الخلقیة و الخلقیة ما یجعله کذلک.
علی أن الجهال و أصحاب الأغراض و المصالح الضیقة و الفهم القاصر للدین استغلوا هذه الحقیقة فقدموا نماذج صارخة لظلم المرأة و استغلالها السیئ عبر التاریخ قدیمه و حدیثه، فحصلت ردة فعل طبیعیة للمرأة معتقدة أن الثورة علی التقالید الشرعیة و نفی الدین و إبعاد الشریعة عن واقعنا هو الحل، فتسممت الأفکار بدعاوی الغرب فی تحریر المرأة، و التی جاءت بعد عقود الظلم التی عاشتها هناک.
یبین اللّه تعالی أن للذکر أحقیة عن الأنثی من أوجه عدة لا لتحقیر المرأة بل لتکریمها. فکما أن الملک أو المسئول یحمی من قبل أناس متخصصون أقوی منه خوفا من غدر الغادرین، و کما أن الجواهر تحمی فی زجاج خاص خوفا من السراق، کذلک المرأة جعلت بهذه المواصفات کی تکرّم و تحمی لأنها لا تقدر علی معترک الحیاة القاسیة لوحدها دون رجل یقوم علیها و یحمیها و یوفر لها سبل العیش الرغید، تماما کما أن الرجل القوی لا یقدر علی هذه الحیاة بدون المرأة ..
و هنا نرید أن نعکس الحالة فنقول مثلا لما ذا أحل اللّه الفضة للمؤمنین من الذکور فی الدنیا و حرّم الذهب، بینما أحلهما للإناث، هل لیحقّر الرجال مثلا دون النساء، أم فی المسألة اعتبارات أخری؟!.
لقد أثبتت البحوث الطبیة أن الذهب یؤثر علی کریات الدم الحمراء للرجال دون النساء بسبب وجود طبقة شحمیة بین الجلد و اللحم للنساء تمنع الإشعاعات الناتجة من معدن الذهب. و الذی یبلغ عمر النصف فیه 7، 2 یوما، بینما لا تؤثر إشعاعات معدن الفضة علی الرجال و النساء، کما أثبتت البحوث الطبیة العدیدة أن إشعاعات الذهب لها دور سلبی علی الهرمونات الجنسیة الذکریة. و عن کتاب أطلس الکون الذری للدکتور أنیس الراوی، فإن جسم الإنسان لا یحوی علی الفضة فی ترکیبه بینما یحوی
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 39
الذهب و الیورانیوم و الحدید و أغلب العناصر الأخری، کما و أن الفضة و الذهب کأوان یتفاعلان مع مرکبات الطعام لتکوین مرکبات تتفاعل مع الأنزیمات البشریة فتکون مادة تؤذی صحة الجسم .. و هذا بالضبط ما اخبرنا به صلّی اللّه علیه و سلّم بقوله «الذهب و الحریر حرام علی ذکور أمتی حل لإناثها» «1»، و قد نهانا صلّی اللّه علیه و سلّم عن الشرب بآنیة الذهب و الفضة و لبس الحریر و الدیباج و قال «هی لهم فی الدنیا و لکم فی الآخرة» «2»، کما و أن الفضة أرخص بکثیر من الذهب و هی تلائم حالة الأمة الوسط التی ارادها اللّه لأمتنا. و هذا ما یثبت لنا مدی الفائدة العظیمة من تحریم الذهب علی الرجال من أمة سیدنا محمد صلّی اللّه علیه و سلّم بسببها و کم أن الإسلام یراعی الناس بکل أحوالهم، فما من تحریم لشی‌ء إلا و جاء بسبب فائدة إما صحیة أو اجتماعیة أو نفسیة أو غیرها.
إذن، هنا اختصاص لحالة عامة إذ أن التحریم للذهب جاء للذکور لأسباب عدة منها صحیة و منها نفسیة و اجتماعیة و غیرها و لیس تحقیرا لهم بل تکریما و فائدة، فنفس الکلام ینطبق علی التفاصیل الشرعیة فی حقوق المرأة و واجباتها.
هذه الحقیقة تؤکد أن تکریم المرأة و علو شأنها فی الإسلام جاء لعظمة دورها فی المجتمع الإسلامی، و کما أن الذهب یتعب لاستحصاله فهو إما فی باطن الأرض أو عند الجواهری فلا یستحصل إلا بمال کثیر فکذلک المرأة المسلمة کنز لا یری إلا لصاحبه و لا یستحصل إلا بتعب و ثمن غال و کل من یرید أن یغیر هذه السنة الا و هی کرامة المرأة و سترها و حجابها و عدم ظهور زینتها إلا لزوجها و المحارم فقد ساهم فی تغییر سنة اللّه فی خلقه و تناغم مخلوقاته وَ اللَّهُ یُرِیدُ أَنْ یَتُوبَ عَلَیْکُمْ وَ یُرِیدُ الَّذِینَ یَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِیلُوا مَیْلًا عَظِیماً (27)، (النساء: 27)، و اللّه أعلم «3».
جاءت الآیات التی تؤکد علی حقیقة قوامة الذکر علی الأنثی کما یلی:
1. فی المجال القضائی: یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِذا تَدایَنْتُمْ بِدَیْنٍ إِلی أَجَلٍ مُسَمًّی
__________________________________________________
(1) أخرجه النسائی (الزینة 5144)، أبو داود (اللباس 4057) ابن ماجة (اللباس 3595).
(2) أخرجه البخاری (کتاب الأتربة- 5632) مسلم (اللباس و الزینة- 2067) و الترمذی و النسائی و أبو داود و ابن ماجة.
(3) المنظار الهندسی للقرآن الکریم، للمؤلف، ص (572- 582)، بتصرف.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 40
فَاکْتُبُوهُ وَ لْیَکْتُبْ بَیْنَکُمْ کاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَ لا یَأْبَ کاتِبٌ أَنْ یَکْتُبَ کَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْیَکْتُبْ وَ لْیُمْلِلِ الَّذِی عَلَیْهِ الْحَقُّ وَ لْیَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَ لا یَبْخَسْ مِنْهُ شَیْئاً فَإِنْ کانَ الَّذِی عَلَیْهِ الْحَقُّ سَفِیهاً أَوْ ضَعِیفاً أَوْ لا یَسْتَطِیعُ أَنْ یُمِلَّ هُوَ فَلْیُمْلِلْ وَلِیُّهُ بِالْعَدْلِ وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِیدَیْنِ مِنْ رِجالِکُمْ فَإِنْ لَمْ یَکُونا رَجُلَیْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَکِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْری وَ لا یَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَ لا تَسْئَمُوا أَنْ تَکْتُبُوهُ صَغِیراً أَوْ کَبِیراً إِلی أَجَلِهِ ذلِکُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَ أَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَ أَدْنی أَلَّا تَرْتابُوا إِلَّا أَنْ تَکُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِیرُونَها بَیْنَکُمْ فَلَیْسَ عَلَیْکُمْ جُناحٌ أَلَّا تَکْتُبُوها وَ أَشْهِدُوا إِذا تَبایَعْتُمْ وَ لا یُضَارَّ کاتِبٌ وَ لا شَهِیدٌ وَ إِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِکُمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ یُعَلِّمُکُمُ اللَّهُ وَ اللَّهُ بِکُلِّ شَیْ‌ءٍ عَلِیمٌ (282)، (البقرة: 282) .. یُوصِیکُمُ اللَّهُ فِی أَوْلادِکُمْ لِلذَّکَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَیَیْنِ فَإِنْ کُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَیْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَکَ وَ إِنْ کانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَ لِأَبَوَیْهِ لِکُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَکَ إِنْ کانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ یَکُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ کانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِیَّةٍ یُوصِی بِها أَوْ دَیْنٍ آباؤُکُمْ وَ أَبْناؤُکُمْ لا تَدْرُونَ أَیُّهُمْ أَقْرَبُ لَکُمْ نَفْعاً فَرِیضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ کانَ عَلِیماً حَکِیماً (11)، (النساء: 11) .. فی هذه الآیات المبارکات دلائل و استنباطات عدیدة منها اقتصادیة فی أهمیة الاکتتاب و العقد و الشهود، و منها اجتماعیة لغرض تثبیت الحقوق لکل الأطراف فی المیراث و العقود، و منها حقائق علمیة فی أن حقل الذاکرة فی دماغ الرجل أکبر منه عند الأنثی لذلک یتم الاعتماد فی الشهادة علی الرجال أکثر من النساء، و قد فصلنا فی هذا فی کتاب الجملة العصبیة.
2. فی المجال الفیزیائی و الجسمانی: فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّی وَضَعْتُها أُنْثی وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَ لَیْسَ الذَّکَرُ کَالْأُنْثی وَ إِنِّی سَمَّیْتُها مَرْیَمَ وَ إِنِّی أُعِیذُها بِکَ وَ ذُرِّیَّتَها مِنَ الشَّیْطانِ الرَّجِیمِ (36)، (آل عمران: 36) .. الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَی النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلی بَعْضٍ وَ بِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَیْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَ اللَّاتِی تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَ اهْجُرُوهُنَّ فِی الْمَضاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَکُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَیْهِنَّ سَبِیلًا إِنَّ اللَّهَ کانَ عَلِیًّا
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 41
کَبِیراً (34)، (النساء: 34) .. تبین الآیات أن الرجال أکثر قوة فی أمر العمل و المشاق الجسمانیة من المرأة. و کان لهذا التفضیل السبب الرئیس الذی جعل للرجل القیومیة علی الأسرة.

معنی القوامة فی الإسلام:

معنی القوامة فی الإسلام:
لکی نفهم المسألة علینا فهم الآیة من خلال علوم القرآن الکریم من حیث الإعراب و سبب النزول و التفسیر لغة و اصطلاحا و معنی. و ذلک من خلال مراجعتنا لما ذکرته المصادر التالیة:
1. التبیان فی إعراب القرآن (ج: 1 ص: 178): قوله تعالی قَوَّامُونَ عَلَی النِّساءِ علی متعلقة بقوامون و بما متعلقة به أیضا و لما کان الحرفان بمعنیین جاز تعلقهما بشی‌ء واحد" فعلی" علی هذا لها معنی غیر معنی الباء و یجوز أن تکون الباء فی موضع الحال فتتعلق بمحذوف تقدیره مستحقین بتفضیل اللّه إیاهم و صاحب الحال الضمیر فی قوامون و ما مصدریة فأما ما فی قوله و بما أنفقوا فیجوز أن تکون مصدریة فتتعلق من بأنفقوا و لا حذف فی الکلام و یجوز أن تکون بمعنی الذی و العائد محذوف أی و بالذی أنفقوه فعلی هذا یکون من أموالهم حالا فالصالحات مبتدأ قانتات حافظات خبران عنه و قرئ فالصوالح قوانت حوافظ و هو جمع تکثیر دل علی الکثرة و جمع التصحیح لا یدل علی الکثرة بوضعه و قد استعمل فیها کقوله تعالی وَ هُمْ فِی الْغُرُفاتِ آمِنُونَ بما حفظ اللّه فی ما ثلاثة أوجه بمعنی الذی و نکرة موصوفة و العائد محذوف علی الوجهین و مصدریة و قرئ بما حفظ اللّه بنصب اسم اللّه و ما علی هذه القراءة بمعنی الذی أو نکرة و المضاف محذوف و التقدیر بما حفظ أمر اللّه أو دین اللّه و قال قوم هی مصدریة و التقدیر حفظهن اللّه و هذا خطأ لأنه إذا کان کذلک خلا الفعل عن ضمیر الفاعل لأن الفاعل هنا جمع المؤنث و ذلک یظهر ضمیره فکان یجب أن یکون بما حفظهن اللّه و قد صوب هذا القول و جعل الفاعل فیه للجنس و هو مفرد مذکر فلا یظهر له ضمیر و اللاتی تخافون مثل قوله و اللاتی یأتین الفاحشة و مثل و اللذان یأتیانها و قد ذکروا و اهجروهن فی المضاجع فی وجهین أحدهما هی ظرف للهجران أی اهجروهن فی مواضع الاضطجاع أی اترکوا مضاجعهن دون ترک مکالمتهن.
2. العجاب فی بیان الأسباب (ج: 2 ص: 868- 869): قوله تعالی (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَی النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلی بَعْضٍ)، الآیة. أخرج ابن أبی حاتم من
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 42
طریق أشعث بن عبد الملک عن الحسن قال جاءت امرأة إلی النبی تستعدی علی زوجها أنه لطمها فقال رسول اللّه القصاص فأنزل اللّه تعالی الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَی النِّساءِ الآیة فرجعت بغیر قصاص و أخرجه عبد بن حمید و ابن المنذر من طریق حماد بن سلمة و أخرجه الواحدی من طریق هشام کلاهما عن یونس و أخرج ابن المنذر من طریق جریر بن حازم کلاهما عن الحسن أن رجلا لطم امرأته فخاصمته إلی النبی فجاء أهلها معها فذکر نحوه و فیه فجعل رسول اللّه یقول القصاص القصاص و لا یقضی قضاء فأنزل اللّه هذه الآیة فقال النبی أرادوا أمرا و أراد اللّه غیره و نقل الثعلبی عن الکلبی قال نزلت فی سعد بن الربیع و امرأته عمیرة بنت محمد بن مسلمة و ذکر نحو القصة الآتیة عن مقاتل ... و نقل عن أبی روق أنها نزلت فی جمیلة بنت عبد اللّه بن أبی و زوجها ثابت بن قیس بن شماس کانت نشزت علیه فلطمها فاستعدت علیه فنزلت قلت و قد تقدم ذکر هذه الأخیرة فی تفسیر البقرة فی قوله تعالی فیما افتدت به و کان ذلک الخلع أول خلع فی الإسلام و قال مقاتل نزلت فی سعد بن الربیع کان من النقباء و امرأته حبیبة بنت زید بن أبی زهیر و هما من الأنصار و ذلک أنها نشزت علیه فلطمها فانطلق أبوها معها إلی رسول اللّه فقال أفرشته کریمتی فلطمها فقال لتقتص من زوجها فانصرفت مع أبیها لتقتص منه فقال النبی ارجعا هذا جبریل أتانی فأنزل اللّه تعالی الرجال قوامون علی النساء الآیة، فقال النبی أردنا أمرا و أراد اللّه أمرا و الذی أراد اللّه خیر و رفع القصاص و قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة صک رجل امرأته فأتت النبی فأراد أن یقیدها منه فنزلت و أخرجه عبد بن حمید من روایة سعید بن أبی عروبة عن قتادة بلغنا فذکر.
3. لسان العرب (ج: 12 ص: 497، 503- 505): و القامة جمع قائم عن کراع قال ابن بری رحمه اللّه قد ترتجل العرب لفظة قام بین یدی الجمل فیصیر کاللغو و معنی القیام العزم کقول العمانی الراجز للرشید عند ما هم بأن یعهد إلی ابنه قاسم
قل للإمام المقتدی بأمه ما قاسم دون مدی ابن أمه
فقد رضیناه فقم فسمه أی فاعزم و نص علیه، و منه قوله تعالی وَ أَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ یَدْعُوهُ أی لما عزم و قوله تعالی إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أی عزموا فقالوا قال و قد یجی‌ء القیام بمعنی المحافظة و الإصلاح و منه قوله تعالی الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَی
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 43
النِّساءِ و قوله تعالی إِلَّا ما دُمْتَ عَلَیْهِ قائِماً أی ملازما محافظا و یجی‌ء القیام بمعنی الوقوف و الثبات. یقال للماشی قف لی أی تحبس مکانک حتی آتیک و کذلک قم لی بمعنی قف لی و علیه فسروا قوله سبحانه وَ إِذا أَظْلَمَ عَلَیْهِمْ قامُوا قال أهل اللغة و التفسیر قاموا هنا بمعنی وقفوا و ثبتوا فی مکانهم غیر متقدمین و لا متأخرین و منه التوقف فی الأمر و هو الوقوف عنده من غیر مجاوزة له و منه الحدیث المؤمن وقاف متأن.
و منه قامت الدابة إذا وقفت عن السیر و قام عندهم الحق أی ثبت و لم یبرح و منه قولهم أقام بالمکان هو بمعنی الثبات. و یقال قام الماء إذا ثبت متحیرا لا یجد منفدا و إذا جمد أیضا، و قامت السوق إذا نفقت و نامت إذا کسدت و سوق قائمة نافقة و سوق نائمة کاسدة و قاومته قواما قمت معه صحت الواو فی قوام لصحتها فی قاوم و القومة ما بین الرکعتین من القیام قال أبو الدقیش أصلی الغداة قومتین و المغرب ثلاث قومات و کذلک قال فی الصلاة. و قام الرجل علی المرأة مانها و إنه لقوام علیها مائن لها و فی التنزیل العزیز الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَی النِّساءِ و لیس یراد هاهنا و اللّه أعلم القیام الذی هو المثول و التنصب و ضد القعود إنما هو من قولهم قمت بأمرک، فالرجال متکفلون بأمور النساء معنیون بشئونهن و کذلک قوله تعالی یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَی الصَّلاةِ أی إذا هممتم بالصلاة و توجهتم إلیها بالعنایة و کنتم غیر متطهرین فافعلوا کذا. و أقام الصلاة إقامة و إقاما فإقامة علی العوض و إقاما بغیر عوض و فی التنزیل وَ أَقامَ الصَّلاةَ و من کلام العرب ما أدری أ أذن أو أقام یعنون أنهم لم یعتدوا أذانه أذانا و لا إقامته إقامة لأنه لم یوف ذلک حقه فلما ونی فیه لم یثبت له شیئا منه إذ قالوها بأو و لو قالوها بأم لأثبتوا أحدهما لا محالة و قالوا قیم المسجد و قیم الحمام قال ثعلب قال ابن ماسویه ینبغی للرجل أن یکون فی الشتاء کقیم الحمام و أما الصیف فهو حمام و جمع قیم عند کراع قامة قال ابن سیده و عندی أن قامة إنما هو جمع قائم علی ما یکثر فی هذا الضرب و الملة القیمة المعتدلة و الأمة القیمة کذلک و فی التنزیل وَ ذلِکَ دِینُ الْقَیِّمَةِ أی الأمة القیمة و قال أبو العباس و المبرد هاهنا مضمر أراد ذلک دین الملة القیمة فهو نعت مضمر محذوف و قال الفراء هذا مما أضیف إلی نفسه لاختلاف لفظیه قال الأزهری و القول ما قالا و قیل الهاء فی القیمة للمبالغة و دین قیم کذلک و فی التنزیل
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 44
العزیز دِیناً قِیَماً مِلَّةَ إِبْراهِیمَ و قال اللحیانی و قد قرئ دینا قیما أی مستقیما قال أبو إسحاق القیم هو المستقیم و القیم مصدر کالصغر و الکبر إلا أنه لم یقل قوم مثل قوله لا یَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا لأن قیما من قولک قام قیما و قام کان فی الأصل قوم أو قوم فصار قام فاعتل قیم و أما حول فهو علی أنه جار علی غیر فعل و قال الزجاج قیما مصدر کالصغر و الکبر و کذلک دین قویم و قوام و یقال رمح قویم و قوام قویم أی مستقیم، قال إلا أن القیم مصدر بمعنی الاستقامة ... و فی الحدیث تسویة الصف من إقامة الصلاة أی من تمامها و کمالها قال فأما قوله قد قامت الصلاة فمعناه قام أهلها أو حان قیامهم و فی حدیث عمر فی العین القائمة ثلث الدیة هی الباقیة فی موضعها صحیحة و إنما ذهب نظرها و إبصارها و فی حدیث أبی الدرداء رب قائم مشکور له و نائم مغفور له أی رب متهجد یستغفر لأخیه النائم فیشکر له فعله و یغفر للنائم بدعائه و فلان أقوم کلاما من فلان أی أعدل کلاما و القوم الجماعة من الرجال و النساء جمیعا و قیل هو للرجال خاصة دون النساء و یقوی ذلک قوله تعالی لا یَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسی أَنْ یَکُونُوا خَیْراً مِنْهُمْ وَ لا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسی أَنْ یَکُنَّ خَیْراً مِنْهُنَّ أی رجال من رجال و لا نساء من نساء فلو کانت النساء من القوم لم یقل و لا نساء من نساء، و قوم کل رجل شیعته و عشیرته و روی عن أبی العباس النفر و القوم و الرهط هؤلاء معناهم الجمع لا واحد لهم من لفظهم للرجال دون النساء و فی الحدیث إن نسانی الشیطان شیئا من صلاتی فلیسبح القوم و لیصفق النساء قال ابن الأثیر القوم فی الأصل مصدر قام ثم غلب علی الرجال دون النساء و لذلک قابلهن به و سموا بذلک لأنهم قوامون علی النساء بالأمور التی لیس للنساء أن یقمن بها الجوهری القوم الرجال دون النساء لا واحد له من لفظه قال و ربما دخل النساء فیه علی سبیل التبع لأن قوم کل نبی رجال و نساء و القوم یذکر و یؤنث لأن أسماء الجموع التی لا واحد لها من لفظها إذا کانت للآدمیین تذکر و تؤنث مثل رهط و نفر و قوم قال تعالی وَ کَذَّبَ بِهِ قَوْمُکَ فذکر و قال تعالی کَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِینَ (105) فأنث قال فإن صغرت لم تدخل فیها الهاء و قلت قویم و رهیط و نفیر و إنما یلحق التأنیث فعله و یدخل الهاء فیما یکون لغیر الآدمیین مثل الإبل و الغنم لأن التأنیث لازم له و أما جمع التکسیر مثل جمال و مساجد و إن ذکر و أنث فإنما ترید الجمع إذا ذکرت
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 45
و ترید الجماعة إذا أنثت ابن سیده و قوله تعالی کَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِینَ (105) إنما أنث علی معنی کذبت جماعة قوم نوح و قال المرسلین و إن کانوا کذبوا نوحا وحده لأن من کذب رسولا واحدا من رسل اللّه فقد کذب الجماعة و خالفها لأن کل رسول یأمر بتصدیق جمیع الرسل و جائز أن یکون کذبت جماعة الرسل و حکی ثعلب أن العرب تقول یا أیها القوم کفوا عنا و کف عنا علی اللفظ و علی المعنی و قال مرة المخاطب واحد و المعنی الجمع و الجمع أقوام و أقاوم و أقایم کلاهما علی الحذف قال أبو صخر الهذلی أنشده یعقوب:
فإن یعذر القلب العشیة فی الصبا فؤادک لا یعذرک فیه الأقاوم
و یروی الأقایم و عنی بالقلب العقل و أنشد ابن بری لخزر بن لوذان:
من مبلغ عمرو بن لأ ی حیث کان من الأقاوم
و قوله تعالی فَقَدْ وَکَّلْنا بِها قَوْماً لَیْسُوا بِها بِکافِرِینَ قال الزجاج قیل عنی بالقوم هنا الأنبیاء علیهم السلام الذین جری ذکرهم، آمنوا بما أتی به النبی صلّی اللّه علیه و سلّم فی وقت مبعثهم و قیل عنی به من آمن من أصحاب النبی و أتباعه و قیل یعنی به الملائکة فجعل القوم من الملائکة.
4. تفسیر البیضاوی (ج: 2 ص: 184): الرجال قوامون علی النساء یقومون علیهن قیام الولاة علی الرعیة و علل ذلک بأمرین وهبی و کسبی فقال بما فضل اللّه بعضهم علی بعض بسبب تفضیله تعالی الرجال علی النساء بکمال العقل و حسن التدبیر و مزید القوة فی الأعمال و الطاعات و لذلک خصوا بالنبوة و الإمامة و الولایة و إقامة الشعائر و الشهادة فی مجامع القضایا و وجوب الجهاد و الجمعة و نحوها و التعصیب و زیادة السهم فی المیراث و الاستبداد بالفراق و بما أنفقوا من أموالهم فی نکاحهن کالمهر و النفقة.
إذن یفهم من معنی القوامة من کل ما سبق أنها تعنی الاهتمام، العنایة، الرعایة، توفیر الأمن و السکن و الطعام و الملبس و کل شئون الحیاة، تقدیم المشورة و النصح. و کل تلک المعانی تتطلب الخلق الحسن و حسن المعاملة و العشرة و الإحسان و الصبر علی المرأة إن حصل منها تقصیر فی شئون معینة بل و حتی فی شئون الطاعة لقوله تعالی: وَ أْمُرْ أَهْلَکَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَیْها لا نَسْئَلُکَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُکَ وَ الْعاقِبَةُ لِلتَّقْوی (132)،
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 46
(طه: 132). و یتبین من مراجعة المصادر أعلاه أن من ضمن أسباب التنزیل للآیة أن رجلا قد ضرب امرأته فجاءت تشتکی إلی النبی صلّی اللّه علیه و سلّم لأنها تعرف أنه صلّی اللّه علیه و سلّم سیأخذ لها الحق، و قد همّ بأخذ القصاص لها لو لا أن جبریل علیه السّلام، جاء بالأمر الإلهی أن الرجال أحق بالقوامة. و لا یظن البعض هنا أن الرجال من حقهم ضرب المرأة لأی سبب، و إنما جاءت الآیة لتعطی معنی أنه فی حالة استخدام الضرب کحل أخیر بعد انتهاء کل الأسالیب الأخری یکون تأدیبیا و ألا یکون مبرحا و یتجنب الوجه کما جاء فی الأحادیث، و لکی یعطی قناعة أنه فی حالة الحصول لا یفترض القصاص المقابل من قبل المرأة للرجل بضربه لأنه لو شرع ذلک فلک أن تتخیل أن المرأة تضرب زوجها، فهل تبقی بعد ذلک قیمة للزوج کقیّم علیها واجب الاحترام. و بالمقابل علی الزوج أن یتجنب الضرب و الإهانة و یستخدم الحجة و یتحلی بالصبر.
القوامة التی عنتها الآیة الکریمة لا تکون للرجل بوصفه ذکرا علی المرأة بوصفها أنثی لقوة جسمه و تحمله المشاق حسب، و لکن یکون له بما یکتسبه من أخلاق، و یمارسه من أدوار علی المرأة بما تکتسبه من أدوار و أخلاق، فقد خلق اللّه تعالی الذکر و فیه استعداد فطری لکی یکون رجلا مسئولا و راعیا کما خلق المرأة و لها استعداد فطری لتکون حانیة راعیة مهتمة بشئون أولادها و زوجها. و اکتساب القوامة للرجل لغة بقیامه علی شئون الأسرة بکافة احتیاجاتها کالأمن و العیش و غیره. و علی هذا الأساس تفهم القوامة من فهم المسئولیة و الرعایة و الإدارة و الإشراف التی أرشد لها الحدیث (کلکم راع)، و لیس التحکم و السیطرة. فالقوامة إمارة لا من باب الولایة السیاسیة و السلطة الاستبدادیة، من باب (تفضل علی من شئت تکن أمیره)، دون من أو تطاول «1».

الحقائق العلمیة بنفی المساواة المطلقة:

الحقائق العلمیة بنفی المساواة المطلقة:
تری هل تم إثبات حقیقة وجود الفروق بین الجنسین، و هل أن قوامة الرجل حقیقة، و هل أن کذبة مساواة الجنسین حققت علمیا و تشخیصیا من قبل أهل الاختصاصات الطبیة و النفسیة و الاجتماعیة و القانونیة؟!. إذا ما تم ذلک هل یبقی لدعاة کذبة المساواة و مؤتمراتهم العالمیة و الإقلیمیة و المحلیة من معنی؟! ... سوف نناقش
__________________________________________________
(1) مجلة الأسرة السعودیة، العدد 124، رجب 1424 ه، ص (22- 36)، بتصرف.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 47
المسألة من الناحیة العلمیة المجردة دون عواطف و أحکام مسبقة، و نعود لجذورها لنحللها علمیا و نستبین الحقائق، کی یتبین الحق و أهله و الباطل و أهله، و عندئذ کل نفس بما کسبت رهینة .. و سنری:
بعد دعوی تحرر المرأة فی بریطانیا و بقیة أوربا فی بدایات القرن المیلادی العشرین، شهد الغرب فی الستینات المیلادیة من القرن نفسه نموا و فورانا ملحوظا لحرکة اللیبرالیة و الفوضویة و المارکسیة التی وصلت أفکارها إلی حد التناقض فیما یتعلق بالطروحات السیاسیة و الاقتصادیة، لکن القاسم المشترک بینها کان ما یسمی بالمساواة بین المرأة و الرجل و تحریر المرأة من قیودها، حیث ظهرت الحرکات النسویة المعروفة بال (فیمنزم) التی راحت تدفع بالمرأة فی کل مجالات الحیاة معتبرة ذلک إنجازا و تقدما یصب فی کفة المرأة. و من ضمن الأفکار التی رفعوا لواءها (نظریة النوع أو جندر)، و مفادها أن الرجل لیس رجلا لأن اللّه خلقه کذلک، و لا المرأة امرأة لأن اللّه خلقها کذلک، و أن الحالة التی تبدو لنا طبیعیة لیست کذلک و أن الصفات الممیزة لکل نوع حتی النفسیة منها لیست کذلک، و علیه فإن العلاقة القائمة بین الرجل و المرأة فی الحیاة الزوجیة مرفوضة، لأنها تجعل من المرأة الجانب المظلوم .. و أن الأسرة کرست نظام الظلم علی المرأة لأنها لا تملک حریة نفسها فی اختیار من ترید لنفسها، فقد ظلمها الرجل- علی حد تعبیر الفلسفة المارکسیة- بفرض رجل واحد فی حیاتها و هو الزوج بغرض معرفة نسب الولد. فلا بد إذن من الثورة علی الأسرة کنمط اجتماعی کرّس لظلم المرأة و وأد دورها الاجتماعی و الطبیعی لتخرج إلی نطاق الشواذ باسم الحریة و المساواة و ضرورة إزالة الملکیة الخاصة حتی لا یتحکم الرجل فی المرأة بماله .. لذلک تطالب (النوعیات) بتطهیر التلفاز من کل أنماط الصور المعهودة حتی ینمو الأطفال معتادین علی الصور الجدیدة غیر المقیدة بإطار جنسی معین، و أنه لا بد من صیاغة و تحدید العلاقات بتغییر کلمة (زوج) إلی کلمة (شریک). و لهذا رکزت الحرکة النسویة فی حدیثها عن تلک الحقبة علی موضوع المساواة و نسب الأولاد و الوراثة کحقوق اغتصبها الرجل من المرأة و استقوی بها علیها.
و قد هیمنت (النوعیات) علی برامج المرأة فی أغلب الجامعات الأمریکیة، ففی مادة بعنوان (إعادة صیاغة صور النوع- الجندر-) تشرح المادة الموزعة علی الطالبات و الطلاب فکرة الأمومة المکتسبة و تحث علی حق الإجهاض من منطلق أن زواج المرأة
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 48
بالرجل ظلم و نکاحه لها اغتصاب، کما تشرح المادة أن الذکورة و الأنوثة لا تعنی شیئا فهی مجرد نمط اجتماعی یحدده الدور الاجتماعی، و ترکز المادة علی فکرة التخلص من النوع الذی یعتبره مفتاح التخلص من النظام الأبوی و ظلم الرجل.
هذه الرؤیة المتطرفة التی صیغت بهذا الشکل المضحک هزمت أمام سیل الأبحاث و الدراسات العلمیة فی مجالات شتی، منها نفسی و منها اجتماعی و منها طبی، و التی أکدت حقیقة الاختلاف بین المرأة و الرجل، و من ثم ضرورة اختلاف الوظائف و الأدوار الاجتماعیة بینهما. سنستعرض لکم أدناه بعض هذه الأبحاث و ما توصلت إلیه من شهادات تنطق بالحق و الدلیل المادی الملموس و التی هی شهادات من أهلها:
1. یقول الدکتور إبراهیم الفقی- اختصاصی تنمیة بشریة/ النفس و الذهن و صاحب الکتب و المؤلفات و البحوث المعروفة عالمیا- أن العلم الحدیث و المراقبة الترددیة للدماغ البشری أثبتا بالیقین أن أسلوب تفکیر الجنسین مختلف بشکل کبیر بل و جذری، فالرجل یمتاز بأسلوب تسلسلی للتفکیر (yaW laicnaqeS)، أما أسلوب تفکیر المرأة فهو أسلوب حلزونی (yaW laripS).
2. بینت البحوث النفسیة أن معدل الإصابة بمرض الکآبة عند النساء أکثر بثلاثة أضعاف ما هی عند الرجال.
3. یقول الباحث الطبیعی الروسی (أنطون نمیلاف) فی کتابه الذی أثبت فیه عدم المساواة الفطریة بینهما بتجارب العلوم الطبیعیة و مشاهدات توثیقیة: (ینبغی أن لا نخدع أنفسنا بزعم أن إقامة المساواة بین الرجل و المرأة فی الحیاة العملیة أمر هین میسور، الحق أنه لم یجتهد أحد فی الدنیا لتحقیق هذه المساواة بین الصنفین مثل ما اجتهدنا فی روسیا السوفییتیة، و لم یوضع فی العالم من القوانین فی هذا الباب مثل ما وضع عندنا، و لکن الحق أن منزلة المرأة قلّما تبدلت فی الأسرة، لا فی الأسرة حسب بل قلّما تبدلت فی المجتمع أیضا) .. و یقول فی مکان آخر: (لا یزال تصور عدم مساواة الرجل و المرأة ذلک التصور العمیق راسخا لیس فی قلوب الطبقات ذات المستوی الذهنی البسیط فحسب، و إنما فی قلوب الطبقات السوفییتیة العلیا أیضا) .. و یقول عن الفوضی الجنسیة التی أحدثتها محاولات تطبیق المساواة:
(الحق أن جمیع العمال قد بدت فیهم أعراض الفوضی الجنسیة، و هذه حالة جد
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 49
خطرة تهدد النظام الاشتراکی بالدمار، فیجب أن نحاربها بکل ما أمکن من الطرق، لأن المحاربة فی هذه الجبهة ذات مشاکل و صعوبات. ولی أن أدلکم علی آلاف من الأحداث یعلم منها أن الإباحیة الجنسیة قد سرت عدواها لیس فی الجهال الأغرار حسب، بل فی الأفراد المثقفین من طبقة العمال).
4. یقول الدکتور (ألیکسس کاریل) الحائز علی جائزة نوبل: (یجب أن یبذل المربون اهتماما شدیدا للخصائص العضویة و العقلیة فی الذکر و الأنثی، کذا لوظائفها الطبیعیة. هناک اختلافات لا تنقص بین الجنسین و لذلک فلا مناص من أن نحسب حساب هذه الاختلافات فی إنشاء عالم متمدن.
5. الدراسات و الأبحاث التی أکدت وجود الفروق السلوکیة و البیولوجیة بین الرجال و النساء دفعت عددا من التربویین إلی الاستفادة من هذه الحقیقة فی مجال التعلیم، و من هنا ولدت فکرة مدارس الجنس الواحد فی أمریکا و أوربا فی سابقة یستغربها الکثیرون و یراها البعض طبیعیة. فقد أعلنت إدارة الرئیس الأمریکی جورج بوش عن عزمها تشجیع مبدأ عدم الاختلاط بین البنین و البنات فی المدارس العامة، و ذلک فی عودة لقانون کان سائدا قبل 30 عاما. و قد صدر إعلان عن هذا المشروع فی السجل الفیدرالی و هو الصحیفة الرسمیة الأمریکیة بتاریخ 8/ 5/ 2002 م، و جاء فی بعض فقراته: (أن وزیر التربیة ینوی اقتراح تعدیلات للتنظیمات المطبقة حالیا تهدف إلی توفیر هامش مبادرة أوسع للمربین من أجل إقامة مدارس غیر مختلطة، و إن الهدف من هذا الإجراء هو توفیر وسائل جدیدة لمساعدة التلامیذ علی الترکیز فی الدراسة و تحقیق نتائج أفضل). و قد أثار القرار نقد البعض و استحسان الآخرین.
علی إثر ذلک أکد البروفیسور أمیلیوفیانو أن العدید من الدراسات التی أجریت علی تلامیذ و تلمیذات أظهرت أنه فی بعض مراحل نموهم یرتفع مستوی التحصیل الدراسی لدیهم فی حالة الفصل بین الجنسین أثناء الدراسة. و أضاف (إن بعض الفتیات یشعرن بالمیل إلی بعض الفتیان، الأمر الذی یحرمهن من تطویر حیاتهن الاجتماعیة و العلمیة فضلا عن التحصیل الدراسی، و کذلک الحال بالنسبة للتلامیذ الذین یفضلون الانفصال عن الفتیات حتی لا یتحتم علیهم الالتزام ببعض اللباقات و التصرفات التمثیلیة التی تؤدی فی حالة حضور الفتیات.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 50
6. أیدت الجمعیة الوطنیة لتشجیع التعلیم غیر المختلط هذه التوجهات و عرضت دراسة أجرتها جامعة میتشیغان فی بعض المدارس الکاثولیکیة الخاصة المختلطة و غیر المختلطة تفید أن الطلاب فی المدارس غیر المختلطة کانوا أفضل فی مستوی القراءة و الکتابة و الریاضیات .. کما صدرت شهادة أخری بنفس الاتجاه عن الوکاة التربویة الوطنیة الأمریکیة أفادت نتائج بیاناتها الاحصائیة بأن الفتیات الأمریکیات فی الفصول المختلطة أکثر عرضة للقلق و الاکتئاب و الانتحار .. و فی دراسة لمجلة نیوزویک الأمریکیة ذکرت بالأرقام و الإحصائیات أن الدراسات فی الکلیات النسائیة غیر المختلطة هن الأکثر تفوقا و نجاحا فی حیاتهن الدراسیة و المهنیة بعد التخرج .. کل تلک الإعلانات تأتی لتهدم الصرح الکبیر الذی بنی لیحتضن النظریة القائلة بوجوب المساواة و الاختلاط و الشذوذ.
7. و فی بریطانیا أکدت بحوث نشرت فی العدید من الدوریات أن المدارس التی حققت تفوقا دراسیا فی طلبتها هی تلک المدارس التی لا یوجد فیها اختلاط بین الجنسین، فقد حققت 15 مدرسة للذکور و 14 خاصة بالإناث التفوق فی شهادة (LEVEL- A) .. هذه النتائج جعلت مجلس إدارة مدرسة (شین فیلد) الثانویة فی منطقة برنت و ود تقرر فصل الطلاب عن الطالبات، و قال المدیر الدکتور أوزبورن (قد یبدو القرار عودة إلی الماضی، و لکنه اتخذ لمصلحة الطلبة و مستقبلهم من الجنسین، فقد اکتشفنا أن الطالبات فی التعلیم المختلط یضیعن جزءا کبیرا من أوقاتهن فی الاهتمام بالمظاهر و المکیاج و أنهن مع وجود الطلاب الذکور یفقدن زمام السیطرة و لا یعرفن الهدف) .. و تؤکد الإحصاءات أنه عند ما یدرس الطلبة من کل جنس بعیدا عن الجنس الآخر فإن التفوق العلمی یتحقق، ففی وسط التعلیم المختلط أخفقت البنات فی تحقیق التفوق فی مجال الریاضیات و العلوم و الفیزیاء و التکنلوجیا و الکومبیوتر، و قد أیدت الإدارة التعلیمیة فی منطقة نیوهام هذه الحقائق فی دراسة تحلیلیة.
8. إلیزابیث فلیجوری- رئیسة رابطة مدارس البنات الخاصة- لم تؤکد هذه الإحصاءات حسب، بل أکدت أیضا أنه مع التوسع فی استخدام التکنلوجیا فی العملیة التعلیمیة تزاید معدل التفوق لدی البنات فی المدارس غیر المختلطة، و أن
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 51
نسبة النجاح بینهن ارتفعت فی الشهادات العامة إلی 93% و نسبة التفوق بامتیاز إلی 50%. و قالت فلیجوری (فی محیط نسائی خالص بعید عن الضغوط النفسیة و الاجتماعیة و تأثیر الجنس الآخر، استطاعت البنات من أن یؤکدن تفوقهن و قدرتهن علی استیعاب المعلومات و استخدامها و تحلیلها و اتخاذ القرارات فیها) ...
و لعل شهادة شیرلی ولیامز الأستاذة فی جامعة هارفارد و التی أمضت حیاتها الدراسیة فی مدارس غیر مختلطة حتی حصلت علی شهادة (LEVEL- A) ثم التحقت بکلیة سرفیل- غیر المختلطة أیضا- بجامعة أوکسفورد، توضح الکثیر من تمیز التعلیم غیر المختلط، فتقول (فی هذا الجو الخالی من الضغوط التی یسببها وجود الرجال، یکون عطاء البنات عالیا و إیجابیا و مثیرا یؤکد قدرتهن علی الإبداع و التفوق و العطاء، کما أن وجودهن لوحدهن دون الرجال یزرع فی أنفسهن الثقة العالیة و الصداقة الحمیمة البعیدة عن الأغراض و الشبهات).
9. أعد عالم الاجتماع الأمریکی روس ستولز نبیرج دراسة لجامعة شیکاغو تحت عنوان (لما ذا تشکل الزوجة العاملة خطرا علی زوجها؟)، قال فیه (إن السبب الرئیسی فی ذلک هو أن الأزواج و الزوجات ما زالوا یؤدون أدوارا مختلفة فی الزواج، و لیس هناک مساواة بینهما فی هذا، و أن مهمة الحفاظ علی سلامة العائلة و صحتها تبقی ضمن مسئولیات الزوجة، فالنساء یتدربن منذ الطفولة علی التعامل مع المشاکل الطبیة و نشر الوعی الصحی بین أفراد الأسرة و یلممن بالأعراض المرضیة.
کما و أنهن المسئولات عن الحیاة الاجتماعیة) ... و حذر فلاسفة غربیون من مغبة المساواة المطلقة غیر المنضبطة بین الرجال و النساء، فقد انتقد الدکتور الیکسس کاریل فی کتابه (الإنسان ذلک المجهول) الحضارة المادیة الغربیة و ما جنته من تحلل و انهیار للأسر و المجتمعات، و أعزی ذلک للمساواة بین الجنسین رغم وضوح الفروق العضویة و الجسدیة و الفیزیائیة و النفسیة بینهما.
10. تشیر عدة إحصائیات فی دول متقدمة أن 70% من النساء یفضلن البقاء فی البیت و عدم العمل إذا ما توفرت لهن القدرة المالیة للعیش بسبب الضغوط الشدیدة التی تتعرض لها المرأة فی العمل و الذی لا یتناسب مع قابلیة تحملها، مما یزید فی تعرضها لتدهور فی الصحة أو الحالة النفسیة. و قد کشفت نتائج فی الولایات المتحدة
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 52
أن المرأة استطاعت أن تقلص الهوة بینها و بین الرجل فی مجالات علمیة مختلفة و لکنها تفوقت علیه فی مجال الاکتئاب و التدخین و الانتحار و المخدرات و الکحول.
11. یشیر الدکتور محمد رشید العوید ردا علی الداعین للمساواة و المتقولین بأن الفروق إنما جاءت بسبب البیئة المحیطة و العادات التی نشئا وسطها و التربیة التی تلقیاها فی الصغر بقوله (الدراسة و البحث و العلم أثبتت أن الفروق بین الجنسین فروق عضویة موروثة و لیست مکتسبة و من ثم فإن محاولة المساواة بینهما محاولة فاشلة مناقضة لطبیعة کل منهما. لقد قام فریق بحثی بتشکیل معسکر ضم عددا من الأطفال من الجنسین أشرف علی تربیتهم مربون یتبدلون کل فترة زمنیة معینة، و قد حذفت کلمة رجل و امرأة فی المعسکر و تم تجنب کل إشارة أو عمل أو سلوک فیه تفریق بین الجنسین من الأطفال الذین ترعرعوا أحرارا من کل قید أو صفة یطلقها علیهم المجتمع حتی أنهم ترکوهم یمارسون جمیع الأعمال دون الأخذ بنوع العمل إذا کان یخص الرجل أو المرأة .. و حین کبر سکان المعسکر و خرجوا للمجتمع آثرت المرأة القیام بدور الأم و ربة البیت، و آثر الرجل القیام بدوره فی تأمین دخل الأسرة و العمل الشاق و مارس الحیاة بشکل عادی جدا دون تأثیر محسوس لذلک المعسکر و ما بذل فیه من جهود و أموال و أمور أخری لمحو الفروق بین الجنسین، فثبت بذلک أن نمط الحیاة التی یختارها کل من الجنسین لنفسه تخضع لتحکم طبیعة الجنس و تکوینه العضوی).
12. لقد بینت البحوث أن البنات یولدن بدهون أکثر و أنهن یسبقن الذکور فی الحصیلة اللغویة. یستطیع الطفل بعد العام الأول من عمره تمییز جنس الأطفال- ذکر أو أنثی- بغض النظر عما یرتدونه، کما تتمیز لعب کل جنس عن الآخر فی هذه السن، و فی سن الروضة یصبح لدیه فکرة واضحة عن الفارق بین الولد و البنت بل و یتصرف کل جنس بشکل یختلف عن الآخر. تقول الدکتورة میریام ستوبارد الاستشاریة النفسیة (تفرض الضغوط الاجتماعیة علی الأطفال منذ ولادتهم اتباع النموذج الخاص بکل جنس، و تحدد الأسرة ممیزات شخصیة کل منهما، و تأتی المدرسة و دور الحضانة بمن فیها من مدرسین و أصدقاء لصیاغة هویة کل من الجنسین أیضا).
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 53
13. من الناحیة الاجتماعیة و مجال النمو الجسمانی و اکتساب المهارات: تقول الدکتورة ستوبارد (یتمیز الأطفال بعضهم عن بعض سواء أ کانوا أناثا أم ذکورا، و یؤثر الأهل فی معدل سرعة التطور لاکتساب المهارات لدی الجنسین. فمن ناحیة النمو الجسمانی نری الإناث أسرع فی معدل نموهن فهن یسبقن الذکور فی النضوج فی مرحلة المراهقة، و یبدو نموهن أکثر انتظاما و سرعة إلی أن یبلغ الصبی سن البلوغ فینضج و یصبح أکثر قوة و سرعة فتقوی لدیه العضلات و العظام، و یصبح أقل سمنة و تنمو عضلة القلب و الرئتین لتستوعب أکبر قدر ممکن من الأوکسجین الذی یحتاجه الدم لتغذیة العضلات و العظام. و تکون الإناث فی مرحلة ما قبل المدرسة أکثر رشاقة و مقدرة علی القفز و الوثب و فی الحرکات الإیقاعیة و التوازن، بینما یصبح الذکر فی وقت لاحق أفضل فی تلک النشاطات التی تحتاج إلی الرکض و القفز ... أما فی النمو اللغوی نجد الإناث أسرع من الذکور فی اکتساب المهارات الکلامیة و یستطعن صیاغة جمل أطول و ترکیب أحادیث إنشائیة و تلازم هذه المیزة الإناث فی حیاتهن المستقبلیة، کما یبدو أنهن یستطعن الکتابة و القراءة أسرع و تبدو قواعدهن اللغویة و نطقهن أفضل). و تضیف ستوبارد: (و یظهر أن الإناث و حتی سن البلوغ أفضل بقلیل من الذکور فی الریاضیات و لکن الذکور یظهرون مهارات أفضل أثناء سن المراهقة و لا سیما فی الهندسة الفراغیة و هم یستوعبون العلاقات الریاضیة و الأبعاد الهندسیة، و هذا التمیز یبقی واضحا و مستمرا فی سن ما بعد المراهقة) ..
و تضیف الدکتورة ستوبارد (یکون الذکور عادة أکثر عدائیة و سیطرة من الإناث، کما یظهر الذکر میلا إلی التنافس و الطموح، و مما لا شک فیه أن الإناث أکثر اجتماعیة و یقمن علاقات صداقة متینة و تغلب علیهن صفة المسایرة، و یکن لینات العریکة).
و تنصح ستوبارد الوالدین بضرورة مراعاة الاختلافات الفطریة بین الجنسین لتقویم نقاط الضعف لدی کل منهما کتوفیر الکتب و المستلزمات الأخری التی تعین کل جنس علی معالجة نقاط ضعفه عن الجنس الآخر، و عدم ذکر تلک العیوب أمامهما.
و تذکر الأبحاث أن البنات أکثر اتساقا و مرونة من الأولاد و أقل میلا للنوم و أکثر استعدادا لتهدئة النفس، بینما الأولاد أکثر حرکة و میلا للقوة.
14. من النواحی السلوکیة و التطورات و التقلبات فی العلاقات الاجتماعیة: الدکتور حامد
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 54
زهران أستاذ الصحة النفسیة بجامعة عین شمس فیتحدث عن الفروق بین الجنسین من ناحیة النمو الاجتماعی قائلا (یتعلم کل جنس المعاییر و القیم و الاتجاهات المرتبطة بجنسه مما یؤدی إلی اختلاف الذکور عن الإناث فی بعض أنماط السلوک. و یری بعض الآباء أن بعض سمات السلوک الاجتماعی تلیق. بالذکور کالشجاعة و القوة الجسمانیة و التحکم فی الریاضة البدنیة و المیل إلی التنافس و الاستقلال. بینما هناک أنماطا سلوکیة تجتذب الإناث حصرا کالوقار الاجتماعی و النظام و الدقة. و فی مرحلة الطفولة الوسطی، نجد أن الإناث یسبقن الذکور دراسیا و یتفوقن علیهم، و رجع ذلک إلی أن نموهن أسرع عن أقرانهن الذکور خلال تلک السنوات، و لأنهن یقضین أوقاتا أطول فی البیت مع الکبار. و الذکور یتجهون لیصبحوا أکثر خشونة و استقلالا و منافسة من الإناث اللاتی یتجهن إلی أن یصبحن أکثر أدبا ورقة و رأفة و تعاونا من الذکور. و یشیر الدکتور زهران إلی التنمیط الجنسی أی تبنی الأدوار و اکتساب صفات الذکورة بالنسبة للذکور و الأنوثة بالنسبة للإناث، و یتضمن التنمیط الجنسی اکتساب المعاییر السلوکیة و المیول و الاهتمامات و نوع الألعاب و النشاط العام. فنجد الذکور یهتمون بالنشاط التنافسی و الألعاب الخشنة کالدراجات و المصارعة و الفنون القتالیة و کرة القدم و غیرها، بینما الإناث یهتمون بالنشاطات الرقیقة کالطبخ و الحیاکة و الخیاطة و أعمال المنزل. فالجنسین إذن یختلفون بحکم الوراثة و البیئة العضویة و وظائف الأعضاء، و مع النمو یتمیز الجنسان اجتماعیا من حیث الملابس و المعاییر السلوکیة و خصائص الشخصیة. و فی نهایة مرحلة الطفولة یبتعد کل جنس عن الآخر، و یظل هکذا حتی المراهقة، و تکون الاتصالات الاجتماعیة بین الجنسین مشوبة بالفظاظة و نقص الاستجابة و المضایقات و الخجل و الانسحاب) .. و هنا تجدر الإشارة للحکمة الإسلامیة فی تشریع هذه النقطة، فالمتأمل للتشریع الإسلامی المتعلق بحضانة الصغار یلمس إدراکا عبقریا للفروق بین الاحتیاجات التربویة للذکر عن تلک التی للأنثی، فی عالم الطفولة. و فی ذلک تقول الدکتورة کوثر محمد المنیاوی (تنتهی حضانة النساء للصبی فی الإسلام بانتهاء المدة التی یحتاج فیها للنساء، و ذلک بأن یأکل و یشرب و یلبس وحده ثم یکون مع أبیه حتی یبلغ سن الرشد فیستقل حینئذ بنفسه. بینما
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 55
حضانة البنت تنتهی إذا بلغت البلوغ الطبیعی للنساء. و إذا کانت الأم مطلقة لا یحق لها الاحتفاظ بالولد بل یجب تسلیمه للأب الذی یوفر له سبل الحیاة و التعود علی حیاة الرجولة و التخلق بأخلاق الرجال و اکتساب الخبرة و المعرفة و تحصیل الفضائل و غیر ذلک، و لو ترک لأمه فلن تستطیع مواجهته أو منعه من فعل أمور قد توقعه فی التهلکة بعد أن یکبر لا لعیب فیها بل لعدم قدرتها علی منعه إذا تطلب الأمر استخدام الحزم، أما البنت فلا بأس فی ترکها للأم لأنها تستطیع تفهم مشاعرها و تقلبات السلوک الحاصل لها خلال نموها فیمکنها معالجة المسألة بحکمة).
15. من الناحیة الطبیة و علم وظائف الأعضاء: لقد ثبت علمیا أن المرأة أقدر من الرجل بما لا یقاس علی الصمود فی وجه الأمراض، و المؤکد علمیا أنها متفوقة تفوقا عضویا واضحا علی الرجل. هذا التفوق یسمیه العلماء (الانتقاء الطبیعی)، أی أن اللّه تعالی کما زود الرجل بقوة جسمانیة فیزیائیة فی عضلاته فإنه زود المرأة بجهاز خلقی و قابلیة یضمن لها الصمود أمام الإرهاق المفرط و مقاومة و تحمل الأمراض المختلفة و آلامها أکثر من الرجل. یفسر الدکتور محمد رشید العوید ذلک بأن الخالق العلیم جل شأنه قد میز الأنثی بهذه القدرة لأنه تعالی أسند إلیها مهمات عضویة مرهقة لم یسند مثلها للذکور مثل الحمل و الولادة و ما یسبق ذلک و ما یلیه من حمل و نفاس ناهیک عن التغیرات الهرمونیة و العضویة، هذا فضلا عن الحیض و آلامه التی شرحناها فی کتاب سابق. و یضیف البروفیسور الألمانی المعروف فی جامعة برلین رودولف باوماشن (إن المرأة قادرة علی تحمل الإرهاق و الصدمات النفسیة أکثر من الرجل)، و أضاف استنادا لنتائج سلسلة من التجارب الطبیة و العلمیة أن جسم المرأة یتفاعل بسرعة عنیفة و سریعة مع حالات الإرهاق النفسی و یفرز کمیات کبیرة من هرمونات الإرهاق کمادة الأدرینالین و النورادنالین و أسیدات دهنیة متحرکة، إلا أن هذه الهرمونات تتقلص بسرعة کبیرة لدی المرأة بعد الإرهاق و الانفعال النفسی.
و استخلص البروفیسور من هذه التجارب أن المرأة تنفعل بصورة أسرع من الرجل إلا أنها تهدأ بالسرعة نفسها. و خلافا لذلک فإن جسم الرجل یفرز هذه الهرمونات الناتجة عن الإرهاق بشکل بطی‌ء مما یجعلها تستقر لمدة أطول فی الدورة الدمویة،
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 56
فالإرهاق أثره أطول فی الرجال مقارنة بالنساء. کذلک فإن للنساء عاطفة جیاشة و حس مرهف ورقة فی المشاعر بشکل أکبر من الرجل لأن تعاملها مع الأطفال بشکل مباشر یتطلب ذلک.
لأجل ذلک جهز اللّه تعالی النساء بکل تلک الإمکانات و لم یزودها للرجال لأن لکل واحد منهما مهام تختلف عن الآخر و أحدهما یکمل الآخر و لا یتضاد أو یتقاطع معه لبناء أسرة أساسها المودة و الرحمة لبناء المجتمع الفاضل الراقی وَ مِنْ آیاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَکُمْ مِنْ أَنْفُسِکُمْ أَزْواجاً لِتَسْکُنُوا إِلَیْها وَ جَعَلَ بَیْنَکُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً إِنَّ فِی ذلِکَ لَآیاتٍ لِقَوْمٍ یَتَفَکَّرُونَ (21)، (الروم: 21). و لأجل ذلک أیضا نبه تعالی عن تلک الآلام التی تعانیها المرأة عند الحمل و الوضع و غیره و التی أثبت علمیا أنها أقوی أنواع الآلام من بین کل أنواع آلام الأمراض الأخری التی تحصل للبشر فی کتابه الکریم و سماه (و هنا) بل و شدّد فقال (وهنا علی وهن)، و فی الآیة الأخری بلفظ (کرها) و هذا کله تبیانا لشدة التعبیر عن الألم و معاناته، بقوله سبحانه و تعالی وَ وَصَّیْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَیْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلی وَهْنٍ وَ فِصالُهُ فِی عامَیْنِ أَنِ اشْکُرْ لِی وَ لِوالِدَیْکَ إِلَیَّ الْمَصِیرُ (14)، (لقمان: 14) .. وَ وَصَّیْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَیْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ کُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ کُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّی إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِینَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِی أَنْ أَشْکُرَ نِعْمَتَکَ الَّتِی أَنْعَمْتَ عَلَیَّ وَ عَلی والِدَیَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَ أَصْلِحْ لِی فِی ذُرِّیَّتِی إِنِّی تُبْتُ إِلَیْکَ وَ إِنِّی مِنَ الْمُسْلِمِینَ (15)، (الأحقاف: 15). فلم یبین القرآن الکریم فی کل آیاته ترکیزا علی حالة ألم لمرض قدر ترکیزه علی ألم الوضع. بل أن المرأة التی تموت فی الولادة تعتبر شهیدة، لذلک ذکرت أحادیث کثیرة للنبی صلّی اللّه علیه و سلّم فی الأم تبین لک منزلتها فی الإسلام. و یا لها من منزلة جعلت الجنة تحت قدمیها، و جعلت منزلة الأم مقدمة علی منزلة الأب بثلاثة أضعاف. ففی صحیح مسلم (البر و الصلة و الآداب 4622) عن أبی هریرة قال: قال رجل یا رسول اللّه من أحقّ النّاس بحسن الصّحبة، قال صلّی اللّه علیه و سلّم:
(أمّک ثمّ أمّک ثمّ أمّک ثمّ أبوک ثمّ أدناک أدناک).
16. أثبتت البحوث الطبیة أن الجنسین یستمران بفروقهما بعد البلوغ و الکبر، بل و یتطور الأمر إلی نشوء الخلاف الحقیقی بین الجنسین جسدیا و عضویا و نفسیا. فی
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 57
الذکور تبدأ الخصیة بإفراز هرمونات جنسیة ذکریة المعروفة بالأندروجین، أهم ما فیها التیستوستیرون (الذی ذکرنا السبق القرآنی حول تأثیره فی النظام الهرمونی فی سورة مریم فی کتاب الطب من هذه السلسلة) الذی یسبب العدید من التأثیرات الجسدیة المسئولة عن کل الخصائص الذکوریة للذکر، و هکذا تحصل مجموعة من الظواهر الجنسیة الثانویة کنمو الذقن و شعر الصدر فضلا عن عمق الصوت، کما یعزی للتیستوستیرون النمو السریع الذی یحصل فی هذا السن. هذا النمو یحصل متأخر لدی الذکور لکنه یدوم فترة أطول مما لدی الإناث، و یتجسد ذلک بنمو أشد وضوحا فی ترکیبة العضلات و قوة الأطراف السفلیة التی یعتمد علیها نمو الشباب أطول من الفتیات. کما أن توزیع الدهون لدی الرجال یختلف بحیث یذهب السواد الأعظم منه للمعدة و الجزء الأعلی من الجسم .. بینما الفتاة عند بلوغها تبدأ بإفراز هرمونات جنسیة هی الإستروجین من مبیضها، و التی تأثیرها عن تأثیر التیستوستیرون بحیث تنمی المبیض و الرحم و تدفع الإباضة الأولی. و یعتبر الإستروجین المسئول أیضا عن الشکل الأنثوی الذی یتمیز باتساع الحوض و ضیق الکتفین. کما و تختلف المرأة فی توزیع الدهون و کمیتها، إذ یحتوی جسم المرأة علی ضعف ما یحتویه الرجل من الدهون و یذهب أغلبه للفخذین و الردفین. کما و یحوی جسم المرأة علی صنف آخر من الهرمونات الجنسیة هو البرجیستیرون الذی یکون فعالا خلال المرحلة الثانیة من دورة مبیضها أی بعد کل إباضة فیتولی نمو النهدین و بدء المحیض.
17. الناحیة المرضیة: أثناء حیاتهما سیتعرض الرجل و المرأة للأمراض، و لکن لکل جنس مکامن ضعفه، فالرجل أکثر تعرضا لأمراض القلب من المرأة بمعدل الضعف، ذلک ان التیستیرون یؤدی إلی تنمیة ما یعرف بالکولیستیرول السیئ تأثیره علی جدران الأوعیة الدمویة، بینما یعمل الأستروجین لدی المرأة علی تنمیة ما یعرف بالکولیستیرول الجید الذی یتولی تنظیف الأوعیة الدمویة. إلا أن المرأة تتوقف عن إنتاج الأستروجین بعد سن الیأس مما یجعلها معرضة لأمراض القلب بمعدل النسبة ذاتها لدی الرجل.
18. الفروق السلوکیة عند الکبر: لا یستطیع الرجال التعبیر عن عواطفهم فیلقون ما
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 58
تحویه جعبتهم مرة واحدة، بینما النساء یستخدمن المحاورة و الکلام غیر المباشر مما یجعلها قادرة علی التحکم فی الحدیث کما ترغب و هی عند ما تتحدث تستخدم الابتسامة أو الحرکات لتعبر عن التعجب أو الغضب. و المرأة تتحدث أکثر من الرجل و تقرأ أسرع منه. الرجال یلجئون إلی الدعابة أکثر من النساء للتأثیر علی الآخرین فی حین تلجأ المرأة بالتعبیر بالوجه و الجسم للتأثیر علی الآخرین. یفضل الرجال النظر إلی الأشکال ذات الزوایا الحادة فی حین تفضل النساء النظر إلی الأشکال الدائریة مثل شکل القلب.
19. فروق فسیولوجیة و ترکیبیة: عند تناول الرجل وجبة من النشویات یشعر بالهدوء فی حین تشعر المرأة بالنعاس، و یصاب 4% من الرجال بعمی الألوان. الکرات الدمویة البیضاء لدی النساء أکثر من الرجال و جهاز المناعة لدیها أقوی. و المرأة أقل إصابة منه بأمراض القلب و قرحة المعدة، کما أن حجم معدتها أکبر من معدة الرجل، و هی تحرق الأوکسجین أسرع من الرجل حیث تزید و تنقص نسبة کریات الدم الحمراء مما ینتج عنه سرعة إغمائها. و یدق قلب الرجل فی المتوسط 72 دقة لکل دقیقة بینما المرأة یدق قلبها أکثر من الرجل لکل دقیقة. جسم الرجل فی المتوسط یحتوی علی 20 قدما مربعا من الجلد أما جسم المرأة فیحتوی علی 17 قدما مربعا من الجلد.
20. الفروق فی الذکاء و وظائف الدماغ: رغم أن الدماغ مسئول عن کل ما سبق من فعالیات جسمانیة أو وظیفیة، نقول أن المسألة فیها بحوث تفصیلیة تبین الفارق بین دماغ الجنسین فی سبل تنظیمهما و أسالیب عملهما رغم تساوی نسب الذکاء بینهما و تشابه الشکل العام فیهما. فقد قام علماء من جامعة ولایة نیویورک فی بافالو فی الولایات المتحدة بإجراء تجارب علی 17 ولدا و 18 بنتا تتراوح أعمارهم بین 8- 11 عاما، لدراسة کیف تتغیر موجات الدماغ فی جزءیه عند القیام بعملیة التعرف علی تعابیر وجوه معینة عرضت علیهم، و وجد العلماء أن کل جنس استخدم جزءا من الدماغ یختلف عن الجزء الذی استخدمه الجنس الآخر فی معالجة المعلومات. و یعتقد العلماء أنه من المحتمل أن الأولاد تعرفوا علی تعابیر الوجوه بطریقة عامة، و هی مقدرة مرتبطة بالجزء الأیمن من الدماغ، بینما عالجت
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 59
الفتیات معلومات التعرف علی تعابیر الوجه بطریقة خاصة، و هی قدرة مرتبطة بالجزء الأیسر من الدماغ ... أما مخ الرجل فیزید وزنه عن مخ المرأة بمقدار 100 غرام و نسبة وزن مخ الرجل لجسمه تعدل 1/ 40 بینما نفس النسبة عند المرأة تعدل 1/ 44. و یقول الباحثون أنهم وجدوا تخزین المعلومات یختلف فی الرجل عما هو فی المرأة، و هو ما یفسر تفوق الرجل عن المرأة فی عالم الاختراعات و الابتکارات، بل أن جمیع التخصصات فی الفنون و الأعمال الخاصة بالمرأة کالطبخ و الأزیاء زاحم الرجال بها النساء و تفوقوا علیهن. أما فی حالة الدماغ لمراحل النشاط الذهنی المتقد فقد تم الإثبات بالبحوث و التجارب و المراقبة أن حقل الذاکرة فی دماغ الرجل أکبر حجما منه فی دماغ المرأة، و هنا یتجلی أمر اللّه تعالی بجعل الشهادة برجلین، فإن تعذر فرجل و امرأتان کی تذکر إحداهما الأخری إن هی نسیت، یقول تعالی فی البقرة (282): یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِذا تَدایَنْتُمْ بِدَیْنٍ إِلی أَجَلٍ مُسَمًّی فَاکْتُبُوهُ وَ لْیَکْتُبْ بَیْنَکُمْ کاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَ لا یَأْبَ کاتِبٌ أَنْ یَکْتُبَ کَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْیَکْتُبْ وَ لْیُمْلِلِ الَّذِی عَلَیْهِ الْحَقُّ وَ لْیَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَ لا یَبْخَسْ مِنْهُ شَیْئاً فَإِنْ کانَ الَّذِی عَلَیْهِ الْحَقُّ سَفِیهاً أَوْ ضَعِیفاً أَوْ لا یَسْتَطِیعُ أَنْ یُمِلَّ هُوَ فَلْیُمْلِلْ وَلِیُّهُ بِالْعَدْلِ وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِیدَیْنِ مِنْ رِجالِکُمْ فَإِنْ لَمْ یَکُونا رَجُلَیْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَکِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْری وَ لا یَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَ لا تَسْئَمُوا أَنْ تَکْتُبُوهُ صَغِیراً أَوْ کَبِیراً إِلی أَجَلِهِ ذلِکُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَ أَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَ أَدْنی أَلَّا تَرْتابُوا إِلَّا أَنْ تَکُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِیرُونَها بَیْنَکُمْ فَلَیْسَ عَلَیْکُمْ جُناحٌ أَلَّا تَکْتُبُوها وَ أَشْهِدُوا إِذا تَبایَعْتُمْ وَ لا یُضَارَّ کاتِبٌ وَ لا شَهِیدٌ وَ إِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِکُمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ یُعَلِّمُکُمُ اللَّهُ وَ اللَّهُ بِکُلِّ شَیْ‌ءٍ عَلِیمٌ (282) ... أما فی حالة الکبر و الشیخوخة فإن المرأة المسنة تبدی مطولة أکبر من الرجل المسن فی نواحی وظیفیة عدیدة للدماغ، فقد أثبتت الدراسات أن النساء یمضین سنین أطول بعقل سلیم و ذکاء یحسدن علیه، و جاء فی الدراسة التی أجریت لمصلحة جامعة لیدن فی هولندا و شملت 599 شخصا تتجاوز أعمارهم الخامسة و الثمانین، أن النساء المسنات أسرع استجابة و عقولهن أکثر
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 60
حدة. کذلک أظهرت الدراسة أن النساء المسنات یتفوقن علی الرجال المسنین فی القدرة علی استعادة الماضی و التذکر. و العجیب کما ذکرت الدراسة أن 70% من المستطلعات لم ینلن تعلیما عالیا و علی الرغم من ذلک سجل نتائج عقلیة أفضل من الرجال، و عزا الخبراء السبب فی ذلک إلی أن دماغ المرأة مهیأ لیعمل لمدة أطول لأنها تعیش عمرا أطول. و أفادت نتائج بحث آخر لنفس الفئة العمریة روعی فیه أن النساء المبحوثات أقل تعلیما من الرجال أن قدرة النساء المسنات العقلیة أفضل مما هی لدی الرجال المسنین، و یرجع ذلک إلی کونهن أقل عرضة للإصابة بالنوبات القلبیة مما یجعل تدفق الدم إلی أدمغتهن أیسر. کما أجری الخبراء فی هذا البحث اختبارا لمعرفة سرعة التفکیر و القدرة علی التذکر لدی المبحوثین فحقق نسب أعلی فی اختبارات سرعة الفهم و القدرة علی الاحتفاظ بذاکرة قویة، و تبین أن سرعة الفهم کانت 33% لدی النساء مقابل 28% لدی الرجال، و قد عزی ذلک لأمور عضویة تتعلق بالغیاب النسبی لأمراض الشرایین عند النساء «1».
و بعد، و رغم کل تلک النتائج الواضحة و الصیحات المخلصة لا زالت دعوی الجندر تلقی رواجا فی مجتمعاتنا الإسلامیة فارتفعت نبرة الحدیث عن الاضطهاد للمرأة و وجوب حصولها علی حقوقها کاملة، و لا ندری ما ذلک الکمال فی الحقوق و إلی أی حد یصل؟!.
کما وصلت الدعاوی إلی حد ضرورة إیجاد اتحاد عالمی یوجد هویة جدیدة فوق القومیات و الاختلافات کی تتحدث نساء العالم عن أنفسهن، و عملت الأفلام السینمائیة و التمثیلیات التلفازیة و الاجتماعات و المؤتمرات الدولیة و صرفت الملایین من الدولارات علی کل هذا دون الالتفات إلی حقیقة الداء و الانصراف لعلاجه بهدوء و دون تعصب أو تزمت لا یؤدی إلا إلی تباعد الهوة بین المشکلة و علاجها، و کأن المسألة حرب شعواء بین الجنسین، و لیس تکامل و تعاضد و تعاون.
و هکذا و کخلاصة من هذا البحث فإننا نری أن الإسلام أعطی للمرأة و الأسرة قیمة عظیمة لم یعطها أی دین سابق و لا شریعة و لا قانون أرضی، فهی لها القیمة المادیة
__________________________________________________
(1) هذه التفاصیل منقولة بتصرف عن ملف علمی متکامل أعدته مجلة الأسرة السعودیة، العدد 124، رجب 1424 ه، ص (22- 36).
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 61
العظمی المتمثلة بالذهب کما لها القیمة الاعتباریة الجلیلة إذ أنها تربی الأجیال و تحفظ النسل فهی تمثل العمود الفقری فی الحیاة و مثلها کمثل الدرة المحفوظة فی لوح زجاجی یمنع لمسها إلا لصاحبها. و علی هذا الأساس تآمر الغرب و علی رأسهم الیهود علی مکانة المرأة فی أمتنا و أوهموا ضعیفات الإیمان بأن نزع الحجاب و لبس اللئالئ و التزین و السفور و الإتیکیت و الموضة و معارضة الوالدین و الاختلاط و المساواة مع الرجال کل ذلک من باب التحضر، کما أوهموهن بأن ضرورة إیجاد ال" حبیب" لهن هو من دواعی الشخصیة الحدیثة المتطورة و الاستقلال فی التفکیر، و ان الخلق و الحشمة و التصرف السلیم المبنی علی الشریعة و الدین فی کل مجالات الحیاة هو من دواعی الرجعیة و التخلف، ألا ساء ما یحکمون.
قال مسئول غربی" لا تستقیم حالة الشرق ما لم یرفع الحجاب عن وجه المرأة و یغطی به القرآن" أی لن یستطیع الغرب الحاقد السیطرة علی الشرق المسلم حتی تزیح المرأة المسلمة الحجاب عن وجهها و تنبذ کتاب اللّه وراء ظهرها «1» ... و هذا ما أرادوه لنسائنا و مجتمعاتنا و استجاب لهم الکثیرون مخدوعین تارة و مطیعین تارة و مقلدین تارة أخری بینما رفض هذه (العولمة) القدیمة النساء المؤمنات و العوائل المؤمنة، و لهؤلاء المساکین المقلدین نقول إنکم بهذا اشترکتم لیس فقط بجریمة إغضاب رب العالمین و ترک الشرع الحنیف و إنما أصبحتم مشترکین فی جریمة هدم ما بنته أجیال و أجیال من خلق عظیم و تعالیم سامیة و دفعت بسببه دماء زکیة طاهرة کثیرة علی مدی أکثر من 1300 عام.
لنری الوجه الحقیقی للإسلام من خلال ما قالته نساء غربیات، ففی مقابلة أجرتها مجلة الوطن العربی (العدد 314) مع امرأة فرنسیة متخصصة فی الفن الإسلامی نادیة أوبریی قالت:" وجدت المرأة المسلمة (العربیة) محترمة و مقدرة داخل بیتها أکثر من الأوربیة و أعتقد أن الزوجة و الأم العربیتین تعیشان سعادة تفوق سعادتنا". ثم توجه النصح للمرأة المسلمة قائلة" لا تأخذی من العائلة الأوربیة مثالا لک لأن عائلاتنا هی
__________________________________________________
(1) مقتطفات من کتاب اللئالئ الحسان من روائع الکلم و البیان، محمد عبد العزیز المسند، الجزء الثالث.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 62
أنموذج ردی‌ء لا یصلح مثالا لیحتذی".
و فی مقابلة أخری أجرتها مجلة صدی الأسبوع" مع براونین میزاک ایفانز- إنجلیزیة أعلنت إسلامها فی البحرین- کان من الأمور التی دفعتها إلی اعتناق الإسلام هو مکانة المرأة فی الإسلام و کذلک ترکیبة الأسرة المسلمة حیث قالت" المرأة المسلمة دائما فی حمایة و رعایة، تجد من یعیلها أینما حلت، و هی جزء هام من المجتمع الإسلامی ..
جو عائلی تفتقده الکثیر من الأسر الغربیة الأب و الأم ثم الأولاد و بعدهم الأقارب ..
العائلة المسلمة کأنها مملکة واسعة الأطراف، أما العائلة الغربیة فإنها تقتصر علی رجل و امرأة فقط، طرفین لا توابع تخلفهما، أما فی الإسلام فلا یوجد و سیط بین الإنسان و ربه" «1» .. و القصص من هذا القبیل أکثر من أن تذکر فی هذا الکتاب، و منها قصة القسیس إسحاق المصری نائب البابا البروتستانتی الذی أسلم و سمی نفسه إبراهیم و فصلّ قصة إسلامه فی محاضرة شیقة «2».
فی محاضرته الرائعة «قصة الإیدز الکاملة»، یقول الدکتور عمر عبد الستار عن موضوع الحجاب بعد أن یعرض صور عدیدة تتعلق بالموضوع و تخص تشخیص المسألة الطبیة لمرض الإیدز، و عند ما یصل إلی الصورة أو السلاید الخاص بالبویضة یقول: انظروا روعة هذا الشکل و ما حوله من غشاء، هذا الغشاء الرقیق الجمیل هو حجاب للبیضة فکل شی‌ء أنثوی خلقه اللّه تعالی جمیلا و رقیقا محفوظا عن الذکر بحجاب لا یسمح لأحد أن یخترقه إلا واحدا فقط، فهذه البویضة یلاحقها ملایین من الحیوانات المنویة و لا یخترق الغشاء أو الحجاب هذا و لا یسمح بذلک إلا لواحد فقط، ثم یغلق الحجاب نهائیا .. هذا الأمر مشمول به کل شی‌ء أنثوی فی الکون إلا نساء هذا العصر الذین ارتموا بوحل الحضارة الزائف.
و لنعد الآن إلی الآیة المبارکة زُیِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِینَ وَ الْقَناطِیرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَیْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ ذلِکَ مَتاعُ الْحَیاةِ الدُّنْیا وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)، (آل عمران: 14)، کیف أنها
__________________________________________________
(1) نفس المصدر السابق.
(2) المحاضرة مسجلة فی شریط کاسیت، نشر فی بدایة تسعینات القرن العشرین.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 63
ربطت الشهوات بالتسلسل فإذا بالمرأة التی هی أقوی الشهوات للرجل تصبح بمساعدة القناطیر المقنطرة من الذهب و الفضة المطحنة و الجاروشة التی تطحن الرجال و الأمم، و هذا ما کان فی تاریخ البشریة و فی حاضرها و فی مستقبلها إلا ما رحم ربی. و من أراد التخلص من هذا الإعصار الجارف و التیار الهائل الذی لم یرحم و لن یرحم أحد فما علیه إلا التمسک بزورق النجاة الذی هو فی حمی ملک الملوک ألا و هو الإسلام الحنیف الذی یعطی الجمیع حقوقهم دون استثناء و لا یهمه فی ذلک تعلیقات الجهال و الفسقة و السفهاء فهؤلاء هم المحرقة التی تتقد فیها نیران هذه الفتن «1».

منزلة الوالدین فی الإسلام:

منزلة الوالدین فی الإسلام:
أما عن الوالدین و احترامهما فإنه لا یوجد تشریع أرضی أو سماوی أعطی لهما أهمیة قدر اهتمام الإسلام بهما، فیکفی أن القرآن الکریم قد قرن فی غیر موضع الإشراک باللّه بعقوقهما* وَ قَضی رَبُّکَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِیَّاهُ وَ بِالْوالِدَیْنِ إِحْساناً إِمَّا یَبْلُغَنَّ عِنْدَکَ الْکِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ کِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَ لا تَنْهَرْهُما وَ قُلْ لَهُما قَوْلًا کَرِیماً (23) وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما کَما رَبَّیانِی صَغِیراً (24) رَبُّکُمْ أَعْلَمُ بِما فِی نُفُوسِکُمْ إِنْ تَکُونُوا صالِحِینَ فَإِنَّهُ کانَ لِلْأَوَّابِینَ غَفُوراً (25)، (الإسراء) .. هذه الآیة تحدیدا عند ما قرأها الأمیر تشارلز الشخصیة البریطانیة المعروفة و أمیر ویلز تغیرت نظرته تماما عن الإسلام، فامتدحه بخطبة مشهورة أمام البرلمان البریطانی عام 1996 م.
و بعد خیر الکلام کلام اللّه یأتی خیر الهدی هدی رسوله صلّی اللّه علیه و سلّم فی مسألة الوالدین، و قد جعل بر الوالدین مفضلا علی الجهاد فی سبیل اللّه و هو ما قاله صلّی اللّه علیه و سلّم للصحابی الذی أراد الجهاد «أ لک والدان»، قال نعم، قال صلّی اللّه علیه و سلّم «ففیهما جاهد»، و عن عبد اللّه بن مسعود رضی اللّه عنه أنّ رجلا سأل النّبیّ صلّی اللّه علیه و سلّم أیّ الأعمال أفضل قال «الصّلاة لوقتها و برّ الوالدین ثمّ الجهاد فی سبیل اللّه»، و فی حدیث قلت یا نبیّ اللّه أیّ الأعمال أقرب إلی الجنّة قال «الصّلاة علی مواقیتها قلت و ما ذا یا نبیّ اللّه قال برّ الوالدین قلت و ما ذا یا نبیّ
__________________________________________________
(1) المنظار الهندسی للقرآن الکریم، للمؤلف، ص (572- 582)، بتصرف.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 64
اللّه قال الجهاد فی سبیل اللّه».
و بعد فهذا غیض من فیض رحمة الإسلام الشاملة لکل خلق اللّه تعالی و التی لم تتمیز بشمولیتها و خصائصها أیة حضارة أخری باعتراف کبار منظری و مستشرقی الغرب و تلک مقارنة بسیطة لأجل وضع القارئ الکریم بالصورة المطلوبة للدخول فی قوانین القرآن الکریم فی الحضارات.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 65

الفصل الرابع بعض دلائل الرقی فی السلوک الاجتماعی فی الإسلام‌

الفصل الرابع بعض دلائل الرقی فی السلوک الاجتماعی فی الإسلام
یبنی الإسلام مجتمعا عاملا غیر خامل و لا کسول، متکلا غیر متواکل، خلوقا غیر منحرف، عادلا غیر متطرف. للرجل دوره، و للمرأة دورها، و الکل راع و مسئول عن رعیته. الفساد و الانحراف بکل أشکاله و ما یؤدی إلیه مرفوض لأن اللّه تعالی لا یحب الفساد.
و الإسلام یحث علی العمل و النجاح و الکد و عدم الرکون للکسل و الفشل و الإحباط، و فی هذا تفصیل کبیر، و لعلنا ذکرنا بعض الآیات و الأحادیث الدالة علی العمل خلال هذا الکتاب و غیره «1» .. و لقد أثبت العلم الحدیث أن النجاح فی العمل هو من أحد أسرار إطالة الأجل، و لعل العمل الصالح علی رأس هذه الأعمال لما یوفره من شحنة طاقة للخیر تعم النفس فتجعل منها شعلة للخیر و الإنجاز .. و ما الأحادیث الدالة علی شروط حسن الخاتمة و التی تتعهد بتوفیرها لأهل العمل الصلح مثل الإخلاص و بر الوالدین و صلة الرحم و حسن الخلق و السریرة و غیرها لتدل علی هذا المفهوم من بابه الواسع، و صدق الصادق الأمین الذی بین فی الحدیث الصحیح الذی یرویه أهل السیر و منهم البخاری و مسلم و أبی داود و غیرهم أن العمل الصالح و علی رأسه صلة الرحم هو من شروط طیب الرزق و طول العمر و بقاء الأثر، فقد روی البخاری فی البیوع (1925) عن أنس بن مالک رضی اللّه عنه، سمعت رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم یقول (من سرّه أن یبسط له فی رزقه
__________________________________________________
(1) یمکن للقارئ الرجوع لکتب مهمة فی هذا مثل کتاب (صناعة الحیاة) للأستاذ الجلیل محمد احمد الراشد، و کتاب (الهمة طریق إلی القمة) للأستاذ محمد بن حسن بن عقیل بن موسی، أو یدرس سیر الأماجد و العمالقة لهذه الأمة و غیرها، أو یتابع برنامج صناعة النجاح (للأستاذ الدکتور طارق السویدان)، أو صناع الحیاة للأستاذ (عمرو خالد)، و غیرها من مشاریع إحیاء فقه الدعوة و النهوض بالأمة.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 66
أو ینسأ لّه فی أثره فلیصل رحمه) ..
و لقد بینت البحوث الحدیثة صدق هذا السبق الإسلامی، فی بحث أجری مؤخرا تبین أن نجاح المرء فی عمله و حیاته من أهم أسباب زیادة العمر و طیب الرزق .. یقول أحد المشترکین فی البحث: (لما ذا یعیش بعض الناس لفترة أطول من غیرهم؟ هذا السؤال شغل بال الکثیرین لعدة أجیال. و فی کثیر من الأحوال تبدو الإجابة واضحة: اتباع نظام غذائی جید و رعایة صحیة جیدة و عدم الإصابة بالکثیر من الأمراض. لکن بالنسبة لآخرین فإن السبب یشوبه الکثیر من الغموض. فلما ذا، مثلا، یعیش رجل یابانی أربع سنوات أکثر من البریطانی؟ و لما ذا تتوفی سیدة تعیش فی مانشستر قبل ثلاث سنوات من سیدة تعیش فی ظروف مماثلة لکن فی لندن؟. و لما ذا یطول عمر رجل یعیش فی غرب لندن ست سنوات عن رجل یعیش فی شرق لندن).
وضع العلماء مجموعة من الأسباب علی مدی السنوات تتراوح بین أسلوب الحیاة و الاختیارات التی یقوم بها الإنسان مثل التدخین، و بین الجینات. إلا أن کتابا لسیر مایکل مارموت بروفیسور علم الأوبئة و الصحة العامة فی جامعة یونیفیرستی کولیج لندن، یوفر إجابات مختلفة لهذه الأسئلة. و قام مارموت بدراسة الاختلافات بین طول الأعمار لمدة ثلاثة عقود. و فی الستینات أجری ما أصبح یعرف الآن باسم دراسة وایتهول، و هی دراسة علی صحة الموظفین الحکومیین فی لندن. و خلصت الدراسة إلی أن صحة موظفی الحکومة ترتبط بعلاقة وثیقة بدرجتهم الوظیفیة فی الحکومة. و أن الموظفین الذین یحتلون مناصب کبری یتمتعون بصحة أفضل. و خلصت دراسات أخری إلی نتائج مماثلة فی جماعات اجتماعیة مختلفة مثل الأکادمیین و الحاصلین علی جوائز أوسکار.
فقد خلصت الدراسات إلی أن الحاصلین علی درجة الدکتوراة یعیشون أطول من الحاصلین علی درجة الماجیستر، و الذین یعیشون بدورهم فترة أطول من الحاصلین علی شهادة جامعیة، و الذین یعیشون أطول ممن لم یکملوا دراستهم الجامعیة. و بالصورة نفسها، فإن الممثلین الحاصلین علی جائزة أوسکار یعیشون متوسط ثلاث سنوات أطول من الذین رشحوا للحصول علی الجائزة دون أن یحصلوا علیها بالفعل.
و یعتقد مارموت أن هذه النظریة یمکن تطبیقها علی أی جماعة فی المجتمع بدءا من السیاسیین إلی الذین یعیشون تحت خط الفقر. و یصر علی أن الصحة العامة و طول
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 67
العمر یتأثر بدرجة کبیرة بمکانة الإنسان فی المجتمع. و أطلق مارموت علی هذا اسم" عرض الوضع الاجتماعی" و هو نفس الاسم الذی أطلقه علی کتابه. و یقول:" الدلیل دامغ. و یشیر إلی أن تبوأ منصب اجتماعی مرموق یؤدی إلی تحسن الصحة. و الذین یحتلون قمة الهرم الاجتماعی یعیشون أطول." و یعتقد مارموت أن الوضع الاجتماعی ربما یکون أهم من النظام الغذائی المتبع و الرعایة الصحیة. و یقول:" یعتقد الناس أن طول العمر یتحدد إما بالرعایة الصحیة و التدخین أو النظام الغذائی المتبع." .. هذه الأمور مهمة أیضا لکن الدلیل یظهر أنها مجرد جزء من الصورة الکاملة." و یقول مارموت إن موقعنا فی الهرم الوظیفی یتأثر بأمرین: الدرجة التی نسیطر بها علی حیاتنا و الدور الذی نلعبه فی المجتمع و یسأل:" هل یشعرون بأنهم یسیطرون علی حیاتهم و یتمتعون بفرص تمکنهم من التواصل الاجتماعی الکامل؟" .. و یبدو أن المال لیس له تأثیر کبیر، و یقول مارموت:" المزید من المال لا یعنی صحة أحسن. المال حد ذاته لیس مهمّا." و ربما تفسر هذه النظریة السبب فی أن الحیاة فی بعض الدول الفقیرة نسبیا مثل الیونان و مالطة أطول منها فی المملکة المتحدة أو الولایات المتحدة.
و یعتقد مارموت أن منح الناس المزید من السیطرة علی حیاتهم و ضمان أن یلعبوا دورا کاملا فی المجتمع سیعزز صحتهم و یزید من أعمارهم و یوصی بأن تعمل الحکومة علی ضمان أن یحصل جمیع الأطفال علی تعلیم جید، و أن یحصل العمال علی المزید من السیطرة علی حیاتهم و ألا تعتبر المسنین مجرد" کومة من العظام". کما یوصی بضرورة أن یبذل المزید من الجهود لضمان أن یشعر المواطنون بأنهم جزء من مجتمعاتهم.
الفساد کل اضطراب فی النوامیس الإلهیة مادیة کانت أم معنویة، فی البر و فی البحر، للزرع و الضرع، للحرث و النسل، للإنسان و الحیوان، فی الخلق و السلوک کما فی المجتمعات و الدول. للفساد هذا أشکال عدة فصلها القرآن الکریم بما یأتی:
1. وَ إِذا تَوَلَّی سَعی فِی الْأَرْضِ لِیُفْسِدَ فِیها وَ یُهْلِکَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ وَ اللَّهُ لا یُحِبُّ الْفَسادَ (205) (البقرة: 205).
2. فَلَوْ لا کانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِکُمْ أُولُوا بَقِیَّةٍ یَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِی الْأَرْضِ إِلَّا
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 68
قَلِیلًا مِمَّنْ أَنْجَیْنا مِنْهُمْ وَ اتَّبَعَ الَّذِینَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِیهِ وَ کانُوا مُجْرِمِینَ (116) (هود:
116).
3. وَ ابْتَغِ فِیما آتاکَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَ لا تَنْسَ نَصِیبَکَ مِنَ الدُّنْیا وَ أَحْسِنْ کَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَیْکَ وَ لا تَبْغِ الْفَسادَ فِی الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا یُحِبُّ الْمُفْسِدِینَ (77) (القصص: 77).
4. ظَهَرَ الْفَسادُ فِی الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما کَسَبَتْ أَیْدِی النَّاسِ لِیُذِیقَهُمْ بَعْضَ الَّذِی عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ یَرْجِعُونَ (41) (الروم: 41).
5. وَ قالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِی أَقْتُلْ مُوسی وَ لْیَدْعُ رَبَّهُ إِنِّی أَخافُ أَنْ یُبَدِّلَ دِینَکُمْ أَوْ أَنْ یُظْهِرَ فِی الْأَرْضِ الْفَسادَ (26) (غافر: 26).
من أهم ما حذر الإسلام منه هو الانکباب علی الدنیا و ملذاتها، و جعلها القیمة الأساسیة لفلسفة الوجود، فهی رأس کل فتنة و فساد. علی عکس الحضارة الغربیة التی جعلت من الدنیا أساس کل شی‌ء، و دونها یهون کل خلق و تموت کل فضیلة. فکان الفکر الغربی ربیب الفکر الیهودی یدعو دائما إلی شیوع الغرائز کالجنس و التسلط و القتل و النفوذ و التعصب الأعمی، و أساس کل ذلک اللهث وراء المال، إله الیهود الذی أشرب فی قلوبهم بعد ما عبدوا العجل المصنوع من الحلی الذی سرقوه من المصریین القدماء، رغم کل المعجزات الإلهیة التی أعطاها اللّه تعالی لنبیه موسی علیه السّلام لعل هؤلاء القوم یفقهون حدیثا، إلا أن قلوبهم أصبحت أقسی من الحجارة، فماتت قلوبهم و ضمائرهم فهم کالأنعام بل هم أضل.
و لأن هذا الفکر المسخ یعلم مدی تأثیر النساء، شجع هؤلاء الحیوانات البشریة الجنس و التحلل و الشذوذ الجنسی، و جعل المرأة جسد یباع و یشتری تحت تعریف واحد هو (الحب) بین الجنسین الذی یجب أن یقدس و لا یمس بأی سوء. و ما هو فی الواقع إلا الجنس بعینه و تحلل المجتمع و تدمیر فکره و سلوکه کی یسهل السیطرة علیه کما جاء فی بروتوکولات حکماء صهیون، و مع الأسف طبق فی مجتمعاتنا الإسلامیة:
1." إذا أردت أن تدمر مجتمعا فانشر فیه الفساد".
2." إذا أردت أن تدمر أمة فسلمها بید جهالها"، و معلوم أن الجهال أکثر
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 69
الناس استجابة للشهوات.
3." إذا أردت أن تدمر جیشا فسلمه بید المدنیین"، و معلوم ما للجیش فی الأمة و الوطن من اهمیة فتدمیره داخلیا یکون من أناس لا یفهمون فی الترتیبات العسکریة و هم المدنیون.
4." کأس و غانیة تدمر أمة محمد".
و رغم أن اللّه تعالی قد حذرنا من هذه الأمور بقوله جل و علا: زُیِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِینَ وَ الْقَناطِیرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَیْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ ذلِکَ مَتاعُ الْحَیاةِ الدُّنْیا وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) (آل عمران: 14). إلا أننا رکضنا وراء دعاوی هذا الفکر و اعتبرنا أن هذا کله من دواعی الحضارة و التطور، و ما هو إلا الفساد بعینه الذی حذرنا اللّه تعالی منه.
حول هذا الموضوع (موضوع الحب و الهوی) الذی تدور حوله کل ما یسمی بالأعمال الدرامیة من تمثیلیات و أفلام و مسلسلات و أغانی، حتی انهم إذا أرادوا أن یخرجوا فیلما تاریخیا مثلا حول شخصیة معینة أقحموا فیها دورا فیه عشقا و حبا. بل و أحیانا یزورون الأحداث بحجة الحبکة الدرامیة لیضعوا فیها امرأة تعشق و تلبس الثیاب (العاریة) لتغری و تفتن من یراها کی یقال أن هذا الأمر أمرا مقدسا حتی فی الأدیان.
هذا ما عودوا علیه الأجیال منذ نشأة السینما و لحد الآن و ضحکوا بها علی الکثیرین. و هذا هو لعمری بالضبط ما تریده الصهیونیة و الماسونیة و مأجوریهم من المستشرقین و أدعیاء الحضارة (الجاهلیة) الغربیة و أصحاب القلوب و العقول الخالیة من کل شی‌ء إلا من الهوی و الهوس بکل ما یدفع الإنسان إلی حیوانیة مقیتة و قسوة أین منها قسوة الحجر و الصوان و هی بالتأکید خالیة من محبة اللّه و رسوله و من الغیرة المحمدیة .. إذن الهدف واضح و هو أنهم أرادوا تدمیر أجیال بکاملها و خلع محبة اللّه و رسوله من القلوب و وضع محلها محبة الهوی و النساء و النفس و النفوذ و الجاه و المال و کل الشهوات الأخری کی یسهل تحطیمها، و کان لهم ما أرادوا بفعل هؤلاء من یدعون أنهم فنانین، رغم أن الفن رسالة سامیة تسمو بالفکر الإنسانی و تقومه و ترفع عنه کل معانی الرذیلة و الانحطاط الخلقی.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 70
لکنهم أرادوا به أمرا آخر، أی کلمة حق یراد بها باطل، فبدعوی الحب هذه یحققون ما یصبون إلیه، فأنصت لهم دون تروی من کان بقلبه مرض، و هم أدعیاء الفن هؤلاء المساکین الذین یتصورون انهم یحسنون صنیعا، و اللّه تعالی یقول:
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُکُمْ بِالْأَخْسَرِینَ أَعْمالًا (103) الَّذِینَ ضَلَّ سَعْیُهُمْ فِی الْحَیاةِ الدُّنْیا وَ هُمْ یَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ یُحْسِنُونَ صُنْعاً (104)، (الکهف).
و المصیبة أنهم إذا ما حاولت نصحهم و إرشادهم إلی الحق اتهموک بالجهل و الرجعیة و عدم مواکبة العصر و ما إلی ذلک من التهم، و قد تحقق فیهم قول اللّه تعالی:
وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ یَشْتَرِی لَهْوَ الْحَدِیثِ لِیُضِلَّ عَنْ سَبِیلِ اللَّهِ بِغَیْرِ عِلْمٍ وَ یَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِکَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِینٌ (6) وَ إِذا تُتْلی عَلَیْهِ آیاتُنا وَلَّی مُسْتَکْبِراً کَأَنْ لَمْ یَسْمَعْها کَأَنَّ فِی أُذُنَیْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِیمٍ (7)، (لقمان)، أی و من الناس من یشری ما یلهی عن طاعة اللّه و یصد عن سبیله، مما لا خیر و لا فائدة فیه، قال الزمخشری: و اللهو کل باطل ألهی عن الخیر، نحو السمر بالأساطیر و التحدث بالخرافات المضحکة، و فضول الکلام و ما لا ینبغی، و روی ابن جریر عن عبد اللّه بن مسعود رضی اللّه عنه انه سئل عن الآیة فقال: و اللّه الذی لا إله إلا هو- یکررها ثلاثا- إنما هو الغناء، و قال الحسن البصری نزلت هذه الآیة فی الغناء و المزامیر «1». و هذا أیضا تفسیر الکشاف و الطبری و ابن کثیر.
و الأدهی و الأمر انهم ینسبون هذا إلی اللّه تعالی و یقولون أن نجاحنا و شهرتنا بفضل اللّه- حاشا للّه- وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَیْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا یَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَی اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (28)، (الأعراف: 28)، فسبحان اللّه عما یصفون و تعالی اللّه علوا کبیرا فأولئک و أمثالهم قال اللّه عنهم الَّذِینَ کانَتْ أَعْیُنُهُمْ فِی غِطاءٍ عَنْ ذِکْرِی وَ کانُوا لا یَسْتَطِیعُونَ سَمْعاً (101)، (الکهف: 101).
و قد سئل الدکتور عبد الملک السعدی حول الفتوی فی هذا الأمر فرأیت أن انقله بالکامل لما فیه من الفائدة:
السؤال: ما هو حکم الشریعة فی الغناء من الرجل و المرأة و ما حکم الموسیقی المقترنة
__________________________________________________
(1) صفوة التفاسیر، محمد علی الصابونی، ج/ 2، ص 487- 488.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 71
به أو منفردة عنه؟
الجواب: هذا السؤال ذو شقین الغناء و المغنی.
أولا: الغناء الغناء ... کلام منظوم حسنه حسن و قبیحه قبیح.
فالحسن .. هو المدح المعتدل، و الرثاء بدون مغالاة، و الشعر الحماسی الباعث علی البطولة کما سنذکر من غناء یوم بعاث «1»، و ما فیه من حث علی الخیر و العمل الصالح، و الشعر الوطنی المحبب للوطن و للحفاظ علیه، و مدح الباری جل شأنه و دعاؤه، و مدح النبی صلّی اللّه علیه و سلّم و إخوانه و أصحابه الصالحین دون مبالغة فهذا مباح یجوز التغنی به و سماعه.
القبیح .. ما فیه إثارة الفتنة أو إثارة الغریزة کالشعر الغزلی و ما فیه وصف النساء أو فیه غرام و حب و هوی جنسی فهذا یحرّم التغنی به و سماعه .. و الأدلة علی ذلک:
منها قوله تعالی وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ یَشْتَرِی لَهْوَ الْحَدِیثِ لِیُضِلَّ عَنْ سَبِیلِ اللَّهِ بِغَیْرِ عِلْمٍ وَ یَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِکَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِینٌ (6). و الغناء الماجن من لهو الحدیث لا من خیره و حسنه. و منها قول رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم «إن الغناء ینبت النفاق فی القلب کما ینبت الماء البقل» رواه الترمذی و الإمام احمد. و ما ینبت النفاق یحرم قوله و سماعه ..
و من ذلک نهیه صلّی اللّه علیه و سلّم عن بیع و شراء القینات، أی الجاریات المغنیات. حیث یقول صلّی اللّه علیه و سلّم «لا تبیعوا القینات و لا تشتروهن و لا تعلموهن و لا خیر فی تجارة فیهن و ثمنهن حرام» رواه الترمذی و الإمام احمد و ابن ماجة ... و النهی عن شرائهن و تحریم ثمنهن دلیل علی تحریم فعلهن و قولهن، قد ورد بروایات متعددة و بطرق مختلفة حتی بلغ درجة الحسن لغیره و ان کان سند کل روایة فیها ضعف إلا أنها بمجموعها تبلغ درجة الحسن لغیره.
__________________________________________________
(1) یوم بعاث: یوم مشهور عند العرب حدث فیه قتال بین الأوس و الخزرج دام مائة و عشرین عاما إلی ان من اللّه علیهم بالإسلام فانتهت. و بعاث موقع فی بنی قریظة وقعت فیه الواقعة/ راجع العینی فی شرح البخاری، 6/ 269.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 72
ثانیا: المغنی و هو إما ذکر أو أنثی: فالذکر .. یجوز أن یغنی للذکور إذ لا تحصل بصوته فتنة لهم إذا کان غناؤه من النوع الحسن .. و أما المرأة .. یجوز أن تغنی للنساء لأنه لا یحصل بصوتها فتنة لهن و لا سیما إذا کانت جاریة «1» صغیرة و کان الغناء من النوع الحسن.
فقد روی البخاری عن عائشة رضی اللّه عنها قالت: «دخل علیّ أبو بکر رضی اللّه عنه و عندی جاریتان تغنیان بغناء یوم بعاث فانتهرنی و قال (مزمارة الشیطان عند النبی صلّی اللّه علیه و سلّم) فأقبل علیه رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم فقال (دعهما) فلما غفل غمزتهما فخرجتا» رواه البخاری (باب الحراب و الدرق یوم العید).
أما غناء الجنس لغیره، کأن تغنی المرأة للرجال أو للرجال و النساء أو الرجل للنساء کما فی الوسائل الصوتیة و المرئیة الآن فعلی من یری أن صوت المرأة عورة و هی روایة عن الإمام احمد و المرجوع عند الحنفیة و المشهور لدی الإمامیة فإنها آثمة إذا غنت و حرام الاستماع إلیها .. و أما علی من یری أنه لیس عورة و هم الجمهور ففیه تفصیل:
إن غنت بصوت مرقق و خاضع و فیه تلیّن و تمیّع تستمیل به الرجال و یحصل فتنة حرّم علیها الغناء، و ان أظهرته بشکل طبیعی و بصوت غلیظ و کان من النوع الحسن فلا أری مانعا من ذلک لأنه لا یثیر الغرائز و کذا حکم الاستماع إلیه إن استمع إلیه ببراءة و عدم طمع فلا مانع. و الدلیل علی ذلک قوله تعالی .. فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَیَطْمَعَ الَّذِی فِی قَلْبِهِ مَرَضٌ ...، (الأحزاب: من الآیة 32)، و لم یقل و لا تقلن بل قال لا تخضعن بالقول، و بالنسبة للرجل جعل المحذور الطمع الذی فی قلبه و یعنی به الافتتان و الغریزة الجنسیة.
هذا التفصیل إذا خلا من المعازف أما إذا اقترنت به المعازف (کالموسیقی) المهیجة فانه حرام لغیره استماعه لاقترانه بمحرم .. و من أدلة تحریم المعازف ... ما روی البخاری- فی باب ما جاء من یستحل الحر- عن أبی مالک الأشعری انه سمع النبی صلّی اللّه علیه و سلّم یقول:
«لیکونن من أمتی أقوام یستحلون الحر- بکسر الحاء و تخفیف الراء أی الفرج- و الحریر و الخمر و المعازف» .. و وجه الاستدلال به أن المعازف محرمة و استحلالها کفر
__________________________________________________
(1) الجاریة: هی العبدة الصغیرة دون البلوغ و سمیت بذلک لکثرة جریانها بالذهاب و الإیاب.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 73
و قد قرنها صلّی اللّه علیه و سلّم بالخمر و الحریر و الزنا. و کذا إذا ظهرت المغنیة علی الرائی (التلفزیون) و هی متبرجة و وضعها مثیر فانه حرام لغیره مطلقا.
و قد أخطأ من أطلق العنان لبعض الفنانات بالإباحة مطلقا و لو من علی شاشات التلفاز و بشکل مثیر و معه التبرج أو قال بإباحته مطلقا، و کذا من یفسر الحدیث أعلاه بأن المراد أن یجتمع الکل فی آن واحد أی تحرم المعازف إذا کانت مقترنة بالخمر و الحریر و الحر فإنه لم یتذوق العربیة و لم یعرف أن الواو لمطلق الجمع و لیس (واو) حال أو (واو) معیة فقط، و کذا من طعن بإسناد الحدیث بأنه معلق و یرفض ما قام به ابن حجر العسقلانی فی إثبات وصله و کل ذلک لأجل أن یرضی المجتمع علی حساب غضب اللّه تعالی و رسوله. نعوذ باللّه من علم یسخر لمجاراة الناس و محاباتهم «1».
أما الدکتور عبد الکریم زیدان فیقول فی مفصله حول هذا الموضوع و بعد أن یفصل کل ما یخصه، و تاریخ نشوء الغناء و تطوره، و أسالیبه، و ما ذهب إلیه الأئمة و العلماء من مختلف المذاهب ما نتیجته:
و فی ضوء ما ذکرنا کله لا یبدو لنا سائغا سماع الغناء فی المذیاع فی الرادیو أو التلفزیون لما فیه من الفتنة الظاهرة و لما یقترن به، مما یجعله محظورا علی النحو الذی بیناه، لا سیما أغانی التلفزیون حیث تجتمع الصورة و ما فیها من فتنة و شبه عری مع حرکات المغنیة و ما فیها من فتنة و إثارة، و مع الصوت المفتن، و بالإضافة إلی ذلک کله فإن الغناء قلما تخلو ألفاظه و عباراته من الخنا و الفحش و وصف محاسن النساء و إثارة الشهوات، و کذلک الحال فی أغانی الذکور من صبیان مرد، و من شباب مخنثین، و من رجال متصابین. و فی ضوء هذا الواقع یمکن القول أن غناء المغنیات و المغنین فی الرادیو و التلفزیون علی النحو الذی وصفناه- و هو الواقع- لا یجوز، و إن الاستماع إلیه لا یجوز لا سیما أغانی التلفزیون «2».
الحقیقة العلمیة: یقول الدکتور فائق السامرائی: إن للموسیقی تأثیرا علاجیا کما
__________________________________________________
(1) جاءت هذه المقالة فی مجلة التربیة الإسلامیة العدد السابع، السنة 34 ذو الحجة 419 ه، 1999 م ص 395- 397.
(2) المفصل فی أحکام المرأة و البیت المسلم فی الشریعة الإسلامیة، د. عبد الکریم زیدان، ج/ 4، ص 91.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 74
أثبتت البحوث الحدیثة، فحالیا هناک الکثیر من المعاهد العلاجیة فی دول عدیدة تأخذ بنظریة الموسیقی و العلاج النفسی بواسطة الموسیقی ... یقسم شیکوفنسکی أستاذ الأمراض النفسیة و العصبیة فی جامعة صوفیا طرائق هذه المعالجة الطبیة الموسیقیة إلی خمسة أنواع و کالآتی:
1- المحیط الخلفی العلاجی: و ذلک بوساطة بث برامج موسیقیة غیر منتقاة تشیع جوا هادئا أثناء العمل و الطعام و المطالعة فی المستشفی.
2- العلاج التأملی الموسیقی: تجری علی شکل جلسات فردیة أو اجتماعیة، و فیه تنتقی الموسیقی انتقاء یتلاءم مع شخص المریض و أسلوب علاجه، فالکآبة لها موسیقاها، و کذلک الجنون و الحزن و غیرها. فآلات النفخ الهوائیة تزید من حالات التوتر و الاضطراب و عدم الراحة، بینما الوتریة و البیانو تضفی جوا رقیقا هادئا.
3- العلاج الجماعی الموسیقی: و یعتمد علی الحرکات الراقصة المشابهة للتمارین الریاضیة و یشترک فیه الإیقاع مع الموسیقی لإعطاء توافق بین الفعالیات الحسیة و الجسدیة. و یتطلب هذا النوع تظافر جهود کل من مصمم الرقصات و المعالج الموسیقی و الطبیب لوضع برنامج علاجی بکل مواصفاته. و هنالک أسالیب أخری لهذا النوع من العلاج یدخل فیه التنویم المتزامن مع الموسیقی، و طرق و تقنیات مختلفة أخری لتنفیذ العلاج بحسب إمکانات المعهد و مقدرة معالجیه علی الابتکار.
4- العلاج الدوائی: یتم هذا العلاج أما بشکل فردی أو جماعی سواء کان عزفا أو غناء مع تفضیل الشکل الجماعی علی الفردی. و هنالک توقیتات لجلسات هذا العلاج حسب ما یراه الطبیب، و تنتقی الموسیقی و الکلمات حسب حالة المریض. و هو مطبق منذ قرن من الزمن فی بریطانیا ثم کندا و بلغاریا و بقیة دول العالم، کما أثبت أنه یفید الأطفال خصوصا لحالات العوق العقلی و الانحراف السلوکی و الأمراض العقیلة و العصبیة.
5- العلاج الموسیقی الإبداعی: و قسمها شواب عام 1974 م إلی ثلاثة أنماط: لحنی و إیقاعی و ارتجالی، و یتم الأداء فیها من قبل المرضی.
ثم توصل الباحث فی نهایة البحث إلی أن الموسیقی علاج مساعد و ثانوی و لیس أساسی، فهو لا یرقی إلی مستویات العلاجات الطبیة التقلیدیة، و یمکن درجه ضمن قائمة المؤثرات الثقافیة التی یمکن استخدامها ضمن و سائل العلاج الذی یهدف إلی إزالة
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 75
المتسلط النفسی للمریض بعد تشخیصه و تصمیم الطرق العلاجیة الکفیلة بتخفیفه و التخلص منه. کما أنها تساعد فی تحریر المریض من المتسلط المرضی النفسی للانحرافات العاطفیة و الهواجس و الأوهام و التخیلات و الانحراف الغریزی «1».
لقد أوضحنا فی کتابنا (المنظار الهندسی للقرآن الکریم)، الأشکال الذبذبیة لأصوات الآلات الموسیقیة المختلفة، و کیف أن هذه الأصوات درست علمیا بشکل مفصل بما یتعلق بعلم الصوت و هندسته و کیف أنها تحمل شدة ضوضاء عالیة، و إذا ما ربطنا هذا مع ما توصل إلیه الأطباء النفسانیون بتأثیر الموسیقی کعلاج و وقایة- و لیس تأثیرها علی الأشخاص الأسویاء- فإن نتائجها لیست أساسیة کما تم توضیح هذا فی البحث السابق، بل إنها أحیانا تؤدی إلی عکس النتائج کالاضطراب النفسی و الانحراف الغریزی و الأوهام و التخیلات خصوصا إذا ما صوحبت بصور مرئیة ملیئة بمحرکات الشهوات و الأمراض و العقد النفسیة التی یتلقاها المتلقی بشکل یؤثر سلبا علی نفسیته و بالتالی علی تصرفاته.
و لعل العود الحمید إلی اللّه تعالی لکثیر من أهل الوسط الفنی فی مصر، و اعتزالهم العمل فیه بوضعه المزری الذی لا یبنی عقلا و لا خلقا من جهة، و انتحار عدد من الفنانات و الفنانین من مختلف الجنسیات أو إصابتهم بأمراض نفسیة أو عقلیة أو جسمانیة من جهة أخری، یوضح دون أدنی شک لکل مراقب مدی اضطراب الحالة النفسیة لأهل هذا الوسط خصوصا من لدیه حس مرهف منهم و هم یرون أمام أعینهم مستنقع الانحطاط و السوقیة و الإسفاف الذی و قعوا فیه، فتراهم إما أن یعودوا و یتوبوا و یعتزلوا، أو یحصل لهم تطرف فی السلوک کردة فعل علی الرفض الداخلی لما هم فیه فینتحروا أو یصابوا بمرض معین، و العیاذ باللّه! ... نسأل اللّه تعالی ان یکون هذا العود الحمید لکثیر من هؤلاء الفنانین و الفنانات إلی رشدهم، و ارتداء الکثیرات منهن الحجاب و اعتزالهم الرذیلة التی سموها فنا لهو الخیر و الأمل فی أسلمة فننا و تطهیره من الدس اللعین للحاقدین من بعض أهل الغرب.
و إذا ما حولنا نظرنا صوب التأثیر النفسی و الروحی لکتاب اللّه فإننا نجده شفاء
__________________________________________________
(1) العلاج بالموسیقی، الدکتور فائق السامرائی، مجلة علوم العراقیة، العدد 57، ص 12- 13.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 76
للمرضی و راحة للمتعبین و هدوءا و سکینة للأسویاء، فهذا ما أثبتته معاهد کبیرة فی الولایات المتحدة الأمریکیة و دول أخری عدیدة إسلامیة و غیر إسلامیة، فمنذ عدة سنوات و البحوث مستمرة حول هذا الموضوع و وصلت إلی دراسة الموجات الصوتیة للقرآن الکریم الذی أدخل بصوت الحاسوب و تأثیره علی المرضی و الأصحاء، و أثبتت فیه أن تأثیره مهما جدا و أکثر أهمیة من الموسیقی العلاجیة .. علی أن هذا الأمر یجب أن ینتبه إلیه المسلمون بشکل حذر، فإذا کان علی أساس علمی بحت فمرحبا به، أما إذا کان یهدف إلی تحویل أنظار العالم من المعانی الروحیة العظیمة للقرآن الکریم و الأمور التشریعیة و العلمیة الرائعة التی جاءت فیه صوب مقارنته بالموسیقی فإن هذا هو الکید بعینه.
إن الإسلام لا یعارض أی غریزة أعطاها اللّه للإنسان، فغریزة التمتع بالأصوات الشجیة هو شی‌ء جمیل وافقت الشریعة الغراء علیه، فوضعت له الأطر و القوانین المثلی التی تمنعه من الانحراف .. فالإسلام الذی شرعه خالق البشر قد اعطی الأمر بناء علی القمة العلیا للعلم، إذ إن الموسیقی المبنیة علی الآلة و لیس الصوت البشری أو الحیوانی سیکون لها تأثیرات سلبیة جانبیة علی السلوک البشری عموما، فضلا عن الأصوات البشریة التی تعمل علی تخریب الأخلاق و إفساد الذمم بالکلام المعسول الذی لا ینفع، و هذا ما نلمسه الیوم فی مجتمعاتنا التی اضحت مدمنة علی سماع المسکرات الصوتیة و المخدرات الموسیقیة.
و حیث إن العلم البشری لم یصل بعد إلی نهایته فإن دراسة التأثیرات الموسیقیة علی السلوک لم تبلغ مواصفاتها النهائیة بسبب عدم معرفة الإنسان و إحاطته بکافة جوانب عقله و استغلاله بشکل صحیح. و علی هذا الأساس کان تعامل الإسلام مع سماع المعازف و الأغانی- بالصورة التی بیناها آنفا- و التی تؤدی إلی الانحراف السلوکی الذی نجده الیوم واضحا أمامنا، فجاء هذا التعامل علی أساس هذا الباب و لیس غیره، فهو تعامل علمی قبل أکثر من ألف و أربعمائة عام بدأ علماء الیوم- و لیس السفهاء- یتعاملون معه و یذهبون إلی صحة مذهبه.
لننظر الآن إلی المسألة من ناحیة علمیة بحثیة بعیدا عن العواطف و الاتجاهات الفکریة:
فقد قام باحثون من جامعات أمریکیة متعددة بدراسة إحصائیة دامت سنین عدیدة
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 77
حول المتزوجین من علاقة تسبق الزواج من عشق و غیره و نشرت عام 1997 م، و اتضح من هذه الدراسة أن اکثر نسب الطلاق، و الانفصال و عدم التفاهم بعد الزواج، کانت من هؤلاء و هذه النسبة اکبر بکثیر من الزواج المتأنی و الناضج و المعتمد علی التعارف بعد الزواج عند العوائل المحافظة علی تقالیدها، کما و أعطی البحث دراسة إحصائیة حول موضوع الحالات النفسیة للأزواج قبل و بعد الزواج و تبین أن اکثر المشمولین بالدراسة یکذبون علی الطرف الآخر قبل الزواج و یبنون حیاتهم علی کذبة ثم یزول القناع بعد الزواج لتتبین الحقائق التی تصدم الطرف الآخر فیکون رد الفعل عنیفا و یحصل التباعد و التنافر و الطلاق أحیانا کثیرة و کذلک الخیانات الزوجیة و غیر ذلک من الأمور التی أدت إلی تدمیر الأسر و تفککها و بالتالی انحلال المجتمع و أثبت فی نهایة البحث أن موضوع العشق و الهوی هذا ما هو إلا کذبة کبیرة تخدع الکثیرین و أن الزواج الناضج المتأنی هو الادوم و الأکثر استقراریة و اتزان، و قد شمل البحث أشخاصا مختلفی الأعمار و الوظائف و الأحوال الاجتماعیة و الاقتصادیة «1». و من أراد التفصیل فی هذا الأمر فبإمکانه الرجوع إلی أطباء نفسیین متخصصین فی هذا المجال و علماء اجتماع لیعلموا هذه الحقیقة علمیا و عملیا و واقعیا.
و لئن کان العلم قد توصل إلی أن القشرة الدماغیة لدی البشر متطورة و معقدة بشکل عظیم جدا، و أن الجهاز المسئول عن الانفعالات و منها الحب و العواطف الموجود فی الفص الأیمن للدماغ یحفز الهرمونات الجنسیة لأداء وظیفتها، فإن عملیة الخفقان و الاضطراب الذی یحصل للقلب و المرافقة لعملیة النظر إلی الجنس الآخر لم یتوصل العلم لحد الآن لفهم مکنوناتها و أسرارها العجیبة فهی لا تزال قید البحث و الدراسة، و إن کل ما توصل إلیه العلم فی هذا المجال هو أن الاضطراب القلبی مصاحب لکل انفعال عاطفی حزنا کان أم فرحا، غضبا أم خوفا یأتی بسبب إفراز هرمونات و مواد معینة کمادة الأدرینالین مثلا فی حالة الخوف. و إن الاضطراب القلبی الناتج عن فعل المحرمات
__________________________________________________
(1) خبر سمعته من إذاعة بغداد و نشر فی صحف محلیة عدیدة، و أکده الدکتور یوسف القرضاوی فی برنامج الشریعة و الحیاة الذی تبثه قناة الجزیرة القطریة الفضائیة و کانت الحلقة حول موضوع علاقة الجنسین قبل الزواج 1999 م.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 78
کالسرقة و الرشوة و الزنا و النظر إلی الجنس الآخر یأتی من حیث شدته بالمرتبة الثانیة بعد حالة الخوف المباشر. إلا أن الإسلام العظیم قد حسم الأمر بقوله تعالی:
قُلْ لِلْمُؤْمِنِینَ یَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ یَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِکَ أَزْکی لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِیرٌ بِما یَصْنَعُونَ (30) وَ قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ یَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَ یَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَ لا یُبْدِینَ زِینَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وَ لْیَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلی جُیُوبِهِنَّ وَ لا یُبْدِینَ زِینَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِی إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِی أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَکَتْ أَیْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِینَ غَیْرِ أُولِی الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِینَ لَمْ یَظْهَرُوا عَلی عَوْراتِ النِّساءِ وَ لا یَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِیُعْلَمَ ما یُخْفِینَ مِنْ زِینَتِهِنَّ وَ تُوبُوا إِلَی اللَّهِ جَمِیعاً أَیُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّکُمْ تُفْلِحُونَ (31)، (سورة النور)، فقد ربط بین النظر و الشهوة الجنسیة ربطا سببیا واضحا. و هنا دعوة إلی المتخصصین فی مجال النفس و الجملة العصبیة و الدماغ إلی سبر أغوار هذا اللغز و خصوصا من لدیهم حس دینی و خلقی کی لا ندع الشیطان و حزبه یتمکنوا منا، و صدق اللّه العظیم إذ ینبئنا أن فعل الشیطان و جیشه فی شیاطین الإنس و الجن سیتمکن ممن یتولونه و یتبعونه، فیقول الحق جل و علا وَ اسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِکَ وَ أَجْلِبْ عَلَیْهِمْ بِخَیْلِکَ وَ رَجِلِکَ وَ شارِکْهُمْ فِی الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ وَ عِدْهُمْ وَ ما یَعِدُهُمُ الشَّیْطانُ إِلَّا غُرُوراً (64)، (الإسراء: 64).
إن التحلیل المنطقی للحالة هو أن غریزة الجنس تتحرک داخل النفس البشریة عند رؤیة الجنس الآخر إذ یقع منها موقعا یحرک النزوات الشهوانیة و تعتمد هذه الحالة علی التراکم النفسی للشخص و الجو البیئی و التربوی له و تختلف درجتها من شخص إلی آخر، هذه النزوة تتحول إلی رغبة جامحة و خصوصا عند اللذین لهم حالات عاطفیة متهیجة کالمراهقین أو أصحاب التطرف الجنسی و الأمراض النفسیة المرتبطة بالجنس و لکن دور القلب هنا یشبه دور المعارضة فی العمل السیاسی إذ أن له صوت آخر یمتزج مع صوت النفس الراغبة و التی تشتهی دائما کالطفل المدلل الذی لا یمل من الطلبات، و صوت القلب هذا لا یعرف الکذب فهو کالجهاز المبرمج لأداء وظیفة و وظیفته هو إرشاد الإنسان إلی صحة العمل الذی یقوم به فإذا ارتکبت الحواس أی عمل لا یرضاه اللّه تعالی
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 79
فإن القلب یضطرب کما هو الحال عند ما یقدم إنسان علی سرقة أو رشوة أو قتل أو غش أو کذب أو نظرة إلی امرأة أو سماع لکلام یثیر الشهوة و کذلک فی حالة الخوف .. و هکذا هنا القلب یضطرب لأنه یرفض هذه الحالات لأن اللّه تعالی فطره علی هذا العمل و إذا استمع الإنسان لهذا الصوت سلم أما إذا لم یفهمه أو لم یستمع إلیه فإن الصدأ یصیب القلب شیئا فشیئا حتی یصبح الأمر طبیعیا لدی الشخص صاحب هذا القلب و هؤلاء هم أصحاب القلوب المیتة.
هذه الحقائق العلمیة هی التی یعتمد علیها جهاز الکشف عن الکذب إذ یضطرب القلب عند ما یکذب بذبذبات أسرع من الحالة الطبیعیة بسبب إفراز مادة الأدرینالین، فیسجل الجهاز هذه الذبذبات و یتبین إن کان الرجل یکذب أم لا. و هکذا فإن القلب کأنما ینادی صاحبه، أن احذر یا حاملی فإنک تخالف أمر اللّه و لا یحق لک عمل ذلک، و هذا الأمر بالضبط هو مفتاح اللغز الذی لم یفهم عند الکثیرین فیفسرون خفقان القلب علی انه صوت یدعوک لعمل الشی‌ء الذی ترغب النفس له، و لکن الحقیقة هو أن الصوت هذا هو صوت معارض لرغبة النفس لذلک فمن یستمع إلیه فإن هذا یقوده إلی تزکیة نفسه و تعویدها علی تحمل الضغط النفسی الناتج من الغرائز الزائدة عن الحاجة البشریة، و من لا یستمع إلیه فإنه سیتبع هواه و غرائزه و ینحدر إلی الحیوانیة حتی و إن کان مثقفا أو متعلما علما مادیا إلا أن میکانیکیة سیطرته علی هواه لا تزال جاهلة و أمیة.
و الدلیل العلمی لهذا إضافة إلی ما سبق یکمن فی حالتین:
الأولی هو أنه فی الحیوانات عند رؤیة الجنس الآخر لها لا یضطرب قلبها و هذا منطقی شرعا إذ أن الحیوانات فطرت علی الغریزة. و أما الحالة الثانیة فتخص البشر إذ أن المتزوجین لا یتعرضون لاضطراب قلبی عند ممارسة الجماع مع أزواجهم أو عند رؤیتهم ما یثیر الشهوة الجنسیة فیهم بنفس الشدة التی تحصل عند ممارسة الزنا و العیاذ باللّه، و هذا دلیل أن القلب هنا لا یعترض علی هذا إذ أن الأمر لا خطأ فیه و لا جریرة و لکنه مع الأسف یفسر عند الکثیرون خطأ علی أن الحب قد مات بین الزوجین بینما هو فی الحقیقة الحالة الطبیعیة لعمل القلب ...
إذن نحن أمام حقیقة علمیة و واقعیة تقول إن هذا الأمر کله مبالغ فیه و إن الترکیز یجب أن ینصب علی کیفیة إرشاد الناس إلی الزواج الصحیح و بناء الأسر بشکل عقلانی
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 80
و ملتزم لا کما یطبل و یزمر له جنود إبلیس و خدمة الماسونیة و الصهیونیة من الفنانین و المطربین علموا أم لم یعلموا، فإن کنت لا تدری فتلک مصیبة و ان کنت لا تدری فالمصیبة أعظم، و إن الحب الذی زوروه و حرفوه هو الحب الملائکی العظیم الذی لیس فیه استفادة مادیة و لذة شهوانیة بل هو حب روحی لمساته وجدانیة صافیة تسمو بالنفس و تجعلها فی مرحلة ملائکیة راقیة سامیة ألا و هو حب اللّه و رسوله صلّی اللّه علیه و سلّم و دینه و قرآنه و حب الوالدین و الأولاد و الأسرة و الوطن و الأمة و الإخوان و الأصحاب مصداقا لقوله تعالی: قُلْ إِنْ کُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِی یُحْبِبْکُمُ اللَّهُ وَ یَغْفِرْ لَکُمْ ذُنُوبَکُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِیمٌ (31)، (آل عمران: 31)، بینما الحب غیر السامی ربطه اللّه تعالی بالشهوة المحرمة و المقصود بها فی غیر أبواب الحلال فی قوله تعالی:
* وَ قالَ نِسْوَةٌ فِی الْمَدِینَةِ امْرَأَتُ الْعَزِیزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِی ضَلالٍ مُبِینٍ (30)، (یوسف: 30).
و من یشأ التفصیل فی موضوع الأثر الذی یترکه التلاعب بمشاعر الناس باستخدام موضوع الحب هذا عن طریق التمثیل و الغناء، فهناک کتب صدرت عن الماسونیة فی الوطن العربی و سیجد فیها صور فوتوغرافیة لممثلین و فنانین مصریین من الجیل القدیم و هم یؤدون القسم الماسونی، هؤلاء الذین دفعوا المجتمع إلی الانحراف الخلقی و التفسخ و التهتک فعمت الفوضی، و انقلب الابن و البنت علی والدیهما تحت شعارات باطلة، و انتشر الزنا، و ابتعدنا عن کل خلق و سمو و معروف دافعت عنه أجیال و سالت بسببه دماء زکیة و استشهد فی سبیله مئات الألوف و الملایین من أبناء هذه الأمة العظیمة، و نسینا قول اللّه سبحانه و تعالی وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنی إِنَّهُ کانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِیلًا (32)، (الإسراء: 32) و لم یقل (و لا تزنوا) أی کل المقربات و المؤدیات إلی الزنا یجب مقاطعتها، و کذلک قوله صلّی اللّه علیه و سلّم: «کتب علی ابن آدم نصیبه من الزنا ذلک لا محالة فالعینین زناهما النظر و الأذنان زناهما الاستماع و اللسان زناه الکلام و الید زناها البطش و الرجل زناها الخطا و القلب یهوی و یتمنی و یصدق ذلک الفرج و یکذبه» «1»، و قوله صلّی اللّه علیه و سلّم «إذا زنی
__________________________________________________
(1) أخرجه البخاری (الاستئذان 6243، و القدر 6612)، مسلم (القدر 2657)، و أبو داود و أحمد.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 81
العبد خرج منه الإیمان فکان علی رأسه کالظلة فإن أقلع رجع إلیه» رواه أبو داود و الحاکم و الصحیح الجامع 586، و الحقیقة أن الإنسان یجب أن یقی نفسه و أولاده و أهله من الأسباب المؤدیة إلی الزنا و أخطرها النظر إلی ما فشا من تبرج و سفور و خلاعة تصدیقا لقول رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم «إن من أشراط الساعة أن یرفع العلم و یثبت الجهل و یشرب الخمر و یظهر الزنا» «1» .. و لیعلم أولیاء الأمور انهم مسئولون أمام اللّه عن هذا لقوله صلّی اللّه علیه و سلّم «أن اللّه سائل کل راع عمّا استرعاه أحفظ أم ضیع، حتی یسأل الرجل عن أهل بیته» رواه النسائی فی الکبری 9174، السلسلة الصحیحة 1636، و قد ذکرنا الآثار الصحیة السیئة للزنا فی کتاب الطب من هذه السلسلة.
فصدر و صدق قول اللّه تعالی فی حق أدعیاء الفن هؤلاء:
إِنَّ الَّذِینَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِینَ وَ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ یَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَ لَهُمْ عَذابُ الْحَرِیقِ (10)، (البروج: 10).
وَ اللَّهُ یُرِیدُ أَنْ یَتُوبَ عَلَیْکُمْ وَ یُرِیدُ الَّذِینَ یَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِیلُوا مَیْلًا عَظِیماً (27)، (النساء: 27) ... و صدق المثل الأجنبی الذی یقول: (إن الأغبیاء فقط یقعون فی الحب).
أسال اللّه أن یهدینا و یهدیهم أجمعین و یعیدنا إلی دیننا الحق عودة حمیدة، إلی دین العزة و الرفعة و المجد و العلم العظیم و الخلق الکریم، الدین الذی وصلت به هذه الأمة إلی منزلة لم تصلها أمة عبر التاریخ.
و آخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمین و أفضل الصلاة و أتم التسلیم علی سیدنا محمد و علی آله و صحبه أجمعین. اللهم لک الحمد مل‌ء السماوات و مل‌ء الأرض و مل‌ء ما شئت من شی‌ء بعد.
إلی اللقاء مع الکتاب القادم و السلام علیکم و رحمة اللّه تعالی و برکاته.
__________________________________________________
(1) أخرجه البخاری (العلم 80)، و مسلم (العلم 2671)، الترمذی (الفتن 2205)، و ابن ماجة و أحمد.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 83

الملحق تاریخ التشریع الإسلامی‌

اشارة

الملحق تاریخ التشریع الإسلامی
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 85
تاریخ التشریع الإسلامی «1»

التشریع الإسلامی:

التشریع الإسلامی:
التشریع أو الفقه الإسلامی هو مجموعة الأحکام الشرعیة التی أمر اللّه عباده بها، و مصادره أربعة و هی التالیة:
1. القرآن الکریم.
2. السّنّة النبویة.
3. الإجماع.
4. القیاس.
سوف نتناول فی بحثنا فی هذا الملحق مواضیع تتعلق بالشریعة الإسلامیة و تاریخها و کیفیة تکاملها و کیفیة وصولها إلینا، و سنفصّل مصادر التشریع الإسلامی و نشرح کیفیة تدوین القرآن و السنة مع ذکر آراء و مذاهب الصحابة، و نرکز علی مسألة المذاهب و نشأتها و وجه الحاجة إلی أن یتبع المسلم مذهبا من هذه المذاهب، ذلک لأن الکثیرین لا یعلمون شیئا عن کیفیة نشأتها، و من ثم فهم لا یعلمون لما ذا ینبغی لهم أن یتبعوا واحدا منها. و هذا بحث ینبغی علی کل مسلم أن یتعلمه لأنه یتعلق تعلقا وثیقا بأساس الدین.
و سنبدأ إن شاء اللّه تعالی بدراسة تاریخیة للشریعة الإسلامیة منذ فجر ظهورها تقریبا إلی یومنا هذا، سائلین المولی عز و جل أن یتقبل منا عملنا المتواضع جدا بقبول حسن، کما نرجو من الإخوة و الأحبة أن لا یقصروا کما عودونا بأی نصیحة أو اقتراح، جزاکم اللّه تعالی عنا کل خیر.

أدوار تاریخ التشریع الإسلامی‌

أدوار تاریخ التشریع الإسلامی
ینقسم تاریخ التشریع إلی ستة أدوار:
1. الدور الأول: التشریع فی حیاة رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم.
2. الدور الثانی: التشریع فی عصر کبار الصحابة (من سنة 11 إلی سنة أربعین هجریة).
3. الدور الثالث: التشریع فی عهد صغار الصحابة و من تلقی عنهم من التابعین.
__________________________________________________
(1) الموسوعة الإسلامیة المعاصرة، قرص مدمج/ تاریخ التشریع الإسلامی.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 86
4. الدور الرابع: تدوین السنة و أصول الفقه و ظهور الفقهاء الأربعة الذین اعترف الجمهور لهم بالإمامة و الاجتهاد المطلق، و أنه من اتبع واحدا منهم کان ناجیا عند اللّه تعالی إن شاء اللّه عز و جل.
5. الدور الخامس: القیام علی المذاهب و تأییدها و شیوع المناظرة و الجدل من أوائل القرن الرابع إلی سقوط الدولة العباسیة.
6. الدور السادس: من سقوط بغداد علی ید هولاکو إلی الآن و هو دور التقلید المحض ... و لا یعنی هذا بأی حال من الأحوال توقف الاجتهاد، فالمسائل المستحثة و المستجدة التی تستوجب الفتوی فإن هناک من علماء الأمة من یتصدی لها مخلصا النیة للّه تعال معتمدا علی مصادر التشریع الرئیسیة.

مصادر التشریع الإسلامی:

اشارة

مصادر التشریع الإسلامی:
مصادر التشریع الرئیسیة فی الإسلام أربعة، و هی:

1. القرآن الکریم:

1. القرآن الکریم:
و هو کلام اللّه تعالی و هو المصدر و المرجع لأحکام الفقه الإسلامی، فإذا عرضت لنا مسألة رجعنا قبل کل شی‌ء إلی کتاب اللّه عز و جل لنبحث عن حکمها فیه، فإن وجدنا فیه الحکم أخذنا به، و لم نرجع إلی غیره. و لکن القرآن لم یقصد بآیاته کل جزئیات المسائل و تبیین أحکامها و النص علیها، و إنما نص القرآن الکریم علی العقائد تفصیلا، و العبادات و المعاملات إجمالا و رسم الخطوط العامة لحیاة المسلمین، و جعل تفصیل ذلک للسنة النبویة. فمثلا: أمر القرآن بالصلاة، و لم یبین کیفیاتها، و لا عدد رکعاتها. لذلک کان القرآن مرتبطا بالسنة النبویة لتبیین تلک الخطوط العامة و تفصیل ما فیه من المسائل المجملة.

2. السنّة النبویة:

2. السنّة النبویة:
و هی کل ما نقل عن النبی صلّی اللّه علیه و سلّم من قول أو فعل أو تقریر. و تعدّ فی المنزلة الثانیة بعد القرآن الکریم، شریطة أن تکون ثابتة عن الرسول صلّی اللّه علیه و سلّم بسند صحیح، و العمل بها واجب، و هی ضروریة لفهم القرآن و العمل به.

3. الإجماع:

3. الإجماع:
هو اتفاق جمیع العلماء المجتهدین من أمة سیدنا محمد صلّی اللّه علیه و سلّم فی عصر من العصور علی حکم شرعی، فإذا اتفق هؤلاء العلماء- سواء کانوا فی عصر الصحابة أو بعدهم- علی حکم من الأحکام الشرعیة کان اتفاقهم هذا إجماعا و کان العمل بما أجمعوا علیه واجبا. و دلیل ذلک أن النبی صلّی اللّه علیه و سلّم أخبر أن علماء المسلمین لا یجتمعون علی
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 87
ضلالة، فما اتفقوا علیه کان حقا، فقد روی أحمد فی مسنده عن أبی بصرة الغفاری رضی اللّه عنه: أن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم قال:" سألت اللّه عز و جل أن لا یجمع أمّتی علی ضلالة فأعطانیها" ... و الإجماع یأتی فی المرتبة الثالثة من حیث الرجوع إلیه، فإذا لم نجد الحکم فی القرآن، و لا فی السنة، نظرنا هل أجمع علماء المسلمین علیه، فإن وجدنا ذلک أخذنا و عملنا به ... مثاله، إجماع الصحابة رضی اللّه تعالی عنهم علی أن الجد یأخذ سدس الترکة مع الولد الذکر، عند عدم وجود الأب.

4. القیاس:

4. القیاس:
و هو إلحاق أمر لیس فیه حکم شرعی بآخر منصوص علی حکمه لاتحاد العلة بینهما. و هذا القیاس نرجع إلیه إذا لم نجد نصا علی حکم مسألة من المسائل فی القرآن و لا فی السنة و لا فی الإجماع. فالقیاس إذا فی المرتبة الرابعة من حیث الرجوع إلیه ... و أرکان القیاس أربعة: أصل مقیس علیه، و فرع مقیس، و حکم الأصل المنصوص علیه، و علة تجمع بین الأصل و الفرع ... و دلیله قوله عز و جل: فَاعْتَبِرُوا یا أُولِی الْأَبْصارِ (2)، [الحشر: 2]، أی لا تجمدوا أمام مسألة ما، بل قیسوا وقائعکم الآتیة علی سنّة اللّه الماضیة. و روی مسلم و غیره عن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم:" إذا اجتهد الحاکم فأصاب فله أجران، و إذا اجتهد الحاکم فأخطأ فله أجر". و روی أبو داود و الترمذی عن أبی هریرة أن معاذ بن جبل رضی اللّه تعالی عنه أرسله رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم إلی الیمن لیعلّم الناس دینهم، فقال صلّی اللّه علیه و سلّم: (یا معاذ بما تقضی؟)، قال: بکتاب اللّه، قال صلّی اللّه علیه و سلّم: (فإن لم تجد فی کتاب اللّه؟)، قال: فبسنّة رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم، قال: (فإن لم تجد؟)، قال: أقیس الأمور بمشبهاتها (و هذا هو الاجتهاد)، فقال له رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم و قد تهلل وجهه سرورا: (الحمد للّه الذی وفق رسول رسول اللّه لما یرضی رسول اللّه)، و فی روایة أخری قال صلّی اللّه علیه و سلّم: (فإن لم تجد فی سنة رسول اللّه؟)، قال: أجتهد رأیی و لا آلو (أی أجتهد و لا أترک) ... مثاله: إن اللّه تعالی حرّم الخمر بنص القرآن الکریم، و العلة فی تحریمه: هی أنه مسکر یذهب العقل، فإذا وجدنا شرابا آخر له اسم غیر الخمر، و وجدنا هذا الشراب مسکرا حکمنا بتحریمه قیاسا علی الخمر، لأن علة التحریم- و هی الإسکار- موجودة فی هذا الشراب؛ فیکون حراما قیاسا علی الخمر.
و سیأتی فیما یلی معالجة و تعریف و تبیان کل مصدر من هذه المصادر من خلال
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 88
الحدیث عن الأدوار التی مر بها تاریخ التشریع الإسلامی.

ضرورة التزام الفقه الإسلامی، و التمسک بأحکامه:

اشارة

ضرورة التزام الفقه الإسلامی، و التمسک بأحکامه:
لقد أوجب اللّه تعالی علی المسلمین التمسک بأحکام الفقه الإسلامی، و فرض علیهم التزامه فی کل أوجه نشاط حیاتهم و علاقاتهم. و أحکام الفقه الإسلامی کلها تستند إلی نصوص القرآن الکریم و السنّة الشریفة. فإذا استباح المسلمون ترک أحکام الفقه الإسلامی، فقد استباحوا ترک القرآن و السنّة، و عطّلوا بذلک مجموع الدین الإسلامی، و لم یعد ینفعهم أن یتسمّوا بالمسلمین أو یدّعوا الإیمان، لأن الإیمان فی حقیقته هو التصدیق باللّه تعالی، و بما أنزل فی کتابه، و فی سنّة نبیّه صلّی اللّه علیه و سلّم ... و الإسلام الحقیقی یعنی الطاعة و الامتثال لکل ما جاء به الرسول صلّی اللّه علیه و سلّم عن ربه عز و جل مع الإذعان و الخضوع و الرضا.
و أحکام الفقه الإسلامی ثابتة لا تتغیر و لا تتبدل مهما تبدّل الزمن و تغیّر، و لا یباح ترکها بحال من الأحوال. فشرع اللّه صالح لکل زمان و مکان، و الأدلة من القرآن و السنّة کثیرة و عدیدة. أما فی الکتاب، فقد قال اللّه تعالی:
اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَیْکُمْ مِنْ رَبِّکُمْ وَ لا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِیاءَ قَلِیلًا ما تَذَکَّرُونَ (3)، [الأعراف: 3] ... فَلا وَ رَبِّکَ لا یُؤْمِنُونَ حَتَّی یُحَکِّمُوکَ فِیما شَجَرَ بَیْنَهُمْ ثُمَّ لا یَجِدُوا فِی أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَیْتَ وَ یُسَلِّمُوا تَسْلِیماً (65)، [النساء: 65] ... وَ ما آتاکُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاکُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، [الحشر: 7] ... وَ ما کانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَی اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ یَکُونَ لَهُمُ الْخِیَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ یَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِیناً (36)، [الأحزاب: 36] ...
و أما فی السنة فالأحادیث کثیرة أیضا منها:
- ما رواه البخاری و مسلم عن أبی هریرة رضی اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم:
" من أطاعنی فقد أطاع اللّه، و من عصانی فقد عصی اللّه."
- ما رواه أبو داود و الترمذی قوله صلّی اللّه علیه و سلّم:" علیکم بسنّتی".
و بناء علی هذه النصوص یعدّ من یختار من الأحکام غیر ما اختاره اللّه و رسوله، قد ضلّ ضلالا بعیدا، قال تعالی: فَلْیَحْذَرِ الَّذِینَ یُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِیبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ یُصِیبَهُمْ عَذابٌ أَلِیمٌ (63)، [النور: 63].
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 89
و سنتناول فیما یأتی من هذا الملحق إن شاء اللّه تعالی معالجة أهم النقاط المتعلقة بالأدوار الأربعة الأولی فقط و التی تهمنا.

1- الدور الأول: التشریع فی حیاة رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم الکتاب و السنة:

اشارة

1- الدور الأول: التشریع فی حیاة رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم الکتاب و السنة:
من المعلوم أنّ أهم مصدرین من مصادر الشریعة الإسلامیة هما کتاب اللّه عز و جل و سنة رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم، فهما المصدران الأساسیان للتشریع الإسلامی و سائر أحکام الإسلام.
و لکن فی الحقیقة هناک مصدر أساسی واحد لا ثانی له للشریعة الإسلامیة ألا و هو القرآن الکریم، و لکن لما أمرنا اللّه عز و جل أن نتّخذ من کلام رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم شارحا و مبیّنا و مفصّلا لکتابه الکریم، کانت السنة النبویة بأمر القرآن المصدر الثانی للتشریع. لقد أمرنا اللّه تعالی أن نطیع الرسول علیه الصلاة و السلام فی ما أخبر و أن نعتمد علی شرحه فی غوامض کتاب اللّه، فطاعتنا لرسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم إنما هی فرع من طاعة اللّه عز و جل. قال تعالی: مَنْ یُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ، [النساء: 80] .. وَ أَنْزَلْنا إِلَیْکَ الذِّکْرَ لِتُبَیِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَیْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ یَتَفَکَّرُونَ (44)، [النحل: 44] ... وَ أَطِیعُوا اللَّهَ وَ أَطِیعُوا الرَّسُولَ وَ احْذَرُوا، [المائدة: 92] .. وَ ما آتاکُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاکُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، [الحشر: 7] .. وَ ما أَنْزَلْنا عَلَیْکَ الْکِتابَ إِلَّا لِتُبَیِّنَ لَهُمُ الَّذِی اخْتَلَفُوا فِیهِ، [النحل: 64] ..
إذا فالشریعة الإسلامیة فی عهد النبی علیه الصلاة و السلام، کانت تعتمد اعتمادا فعلیا علی مصدرین فقط هما القرآن و السنة، أما الإجماع و القیاس فلم یکن لهما وجود فی ذاک العصر لأن القیاس یلجأ إلیه عند وجود مسألة لا نص فیها، و ما دام رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم حیا فالنص مستمر و لا إشکال و حتی لو أنّ النبی علیه الصلاة و السلام قاس أو اجتهد فلا بد أن یتحول هذا الاجتهاد إلی نص. و تفصیل ذلک أنه إذا اجتهد رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم فی مسألة فإما أن یقره اللّه تعالی علیها فتصبح نصا حینئذ أو أن یصوب اللّه تعالی له فیکون نصا أیضا.

1- القرآن الکریم:

أ- تعریفه:

أ- تعریفه:
هو کلام اللّه تعالی القدیم، المنزل علی سیدنا محمد صلّی اللّه علیه و سلّم، المتعبّد بتلاوته، المبتدأ ب بسم اللّه الرحمن الرحیم، الحمد للّه رب العالمین و المختتم بسورة
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 90
الناس. و القرآن الکریم هو وحی من اللّه تعالی للنبی صلّی اللّه علیه و سلّم باللفظ و المعنی.

ب- الفرق بینه و بین الحدیث النبوی و الحدیث القدسی:

ب- الفرق بینه و بین الحدیث النبوی و الحدیث القدسی:
لکی نعرف الفرق بین القرآن و بین الحدیث القدسی و الحدیث النبوی، نعطی التعریفین الآتیین:
- الحدیث النبوی: هو ما أضیف إلی النبی صلّی اللّه علیه و سلّم من قول أو فعل أو تقریر أو صفة خلقیّة أو خلقیّة. مثال القول: قوله علیه الصلاة و السلام:" إنما الأعمال بالنیات ..."،
جزء من حدیث رواه البخاری و مسلم.
مثال الفعل: قول عائشة رضی اللّه عنها فی صفة صوم النبی صلّی اللّه علیه و سلّم:" کان یصوم حتی نقول لا یفطر و یفطر حتی نقول لا یصوم". و کالذی ثبت من تعلیمه لأصحابه کیفیة الصلاة ثم قال:" صلوا کما رأیتمونی أصلی" رواه البخاری.
مثال الإقرار: کأن یقر أمرا علمه عن أحد الصحابة من قول أو فعل، سواء أ کان ذلک فی حضرته صلّی اللّه علیه و سلّم، أم فی غیبته ثم بلغه، و من أمثلته:" أکل الضب علی مائدته صلّی اللّه علیه و سلّم"، فأقرهم علی أکله- و هذا دلیل الشافعیة علی جواز أکل الضب- و لم ینکر علیهم ذلک إذ یستحیل أن یری معصیة و لا ینکرها أو یسکت عنها.
فائدة: إذا فعل إنسان طاعة و سکت عنها النبی صلّی اللّه علیه و سلّم، دل ذلک علی استحبابها فضلا عن جوازها، لأنه لا یجوز لأحد أن یختلق طاعة ما لیتعبّد اللّه بها، فلیس للعبد أن یتعبّد له بأمر لم یأمره به جل و علا، من هنا کان عدم صحة و جواز النذر إلا فیما کان من جنسه طاعة أو واجب، فمن نذر أن یشرب کوب ماء مثلا، لا یصح نذره و بالتالی لا یلزمه الوفاء به.
مثال الصفة: ما روی: من أنه صلّی اللّه علیه و سلّم،" کان دائم البشر، سهل الخلق ..."، رواه البخاری و مسلم.
- الحدیث القدسی: هو ما یضیفه النبی صلّی اللّه علیه و سلّم إلی اللّه تعالی: أی أنّ النبی صلّی اللّه علیه و سلّم یرویه علی أنه من کلام اللّه، فالرسول علیه الصلاة و السلام راو لکلام اللّه بلفظ من عنده.
فالحدیث القدسی معناه وحی من عند اللّه عز و جل و لفظه من عند النبی صلّی اللّه علیه و سلّم.
مثال الحدیث القدسی: قال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم فیما یرویه عن ربه عز و جل:" إنی حرمت الظلم علی نفسی و جعلته بینکم محرما".
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 91
و عن أبی هریرة رضی اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم قال: یقول اللّه تعالی:" أنا عند ظن عبدی بی، و أنا معه إذا ذکرنی، فإن ذکرنی فی نفسه ذکرته فی نفسی ..."،
أخرجه البخاری و مسلم.
إذا فالحدیث القدسی هو حدیث تلقی الرسول صلّی اللّه علیه و سلّم مضمونه من الوحی فبیّنه للناس بکلامه و لفظه أی أوحی اللّه تعالی له بالمعنی و الرسول صلّی اللّه علیه و سلّم صاغ هذا المعنی بعبارته.
- الفرق بین القرآن و الحدیث النبوی: هناک فروق عدة أهمها:
1- أنّ القرآن الکریم کلام اللّه أوحی به تبارک و تعالی إلی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم بلفظه و معناه، و تحدی به العرب الفصحاء و الجن و الإنس و لو کان بعضهم لبعض ظهیرا، فعجزوا عن أن یأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله، أو بسورة من مثله، و لا یزال التحدی قائما، فهو معجزة خالدة إلی یوم الدین. أما الحدیث لم یقع به التحدی و الإعجاز.
إعجاز السنّة لا یضاهی إعجاز القرآن رغم أنّ السنة تعتبر من أفصح کلام العرب حیث ورد فی الحدیث الشریف أنه صلّی اللّه علیه و سلّم أوتی جوامع الکلم، إلا أنها تأتی بالمرتبة الثانیة بعد القرآن.
2- القرآن الکریم جمیعه منقول بالتواتر، فهو قطعی الثبوت، و الأحادیث أکثرها ظنیة الثبوت أما الأحادیث المتواترة فهی قطعیة الثبوت.
فائدة: کون الحدیث قدسیا لا یعنی أنه متواتر أو صحیح، إذ لا علاقة بین کونه قدسیا و بین درجته، فقد یکون الحدیث القدسی صحیحا، و قد یکون حسنا، و قد یکون ضعیفا أو حتی موضوعا، ذلک لأن الحکم علی الحدیث من حیث الصحة أو الضعف إنما یکون علی السند الذی وصل به إلینا.
3- القرآن من عند اللّه لفظا و معنی، فهو وحی باللفظ و المعنی، أما الحدیث فمعناه من عند اللّه و لفظه من عند الرسول صلّی اللّه علیه و سلّم، فهو و حی بالمعنی دون اللفظ.
4- القرآن نتعبّد اللّه بتلاوته، فهو الذی تتعین القراءة به فی الصلاة، أما الحدیث فلا تجزئ قراءته فی الصلاة.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 92

ج- نزول القرآن الکریم «1»:

اشارة

ج- نزول القرآن الکریم «1»:
الراجح أنّ القرآن له تنزلان:
الأول: نزوله جملة واحدة فی لیلة القدر من اللوح المحفوظ فی السماء السابعة إلی بیت العزة فی السماء الدنیا. یقول اللّه تعالی فی کتابه العزیز مبینا هذا المعنی:
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِی أُنْزِلَ فِیهِ الْقُرْآنُ هُدیً لِلنَّاسِ وَ بَیِّناتٍ مِنَ الْهُدی وَ الْفُرْقانِ، [البقرة: 185] ... و قال جل و علا: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِی لَیْلَةٍ مُبارَکَةٍ إِنَّا کُنَّا مُنْذِرِینَ (3) فِیها یُفْرَقُ کُلُّ أَمْرٍ حَکِیمٍ (4)، [الدخان: 3- 4]، أی فی لیلة القدر و لیست لیلة النصف من شعبان کما یعتقد کثیر من عامة الناس ... و قال تبارک و تعالی: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِی لَیْلَةِ الْقَدْرِ (1)، [القدر: 1].
الثانی: نزوله من السماء الدنیا إلی الأرض مفرّقا منجما فی ثلاث و عشرین سنة ...
یقول اللّه تعالی: وَ قُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَی النَّاسِ عَلی مُکْثٍ وَ نَزَّلْناهُ تَنْزِیلًا (106) [الإسراء: 106] ... تَنْزِیلُ الْکِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِیزِ الْحَکِیمِ (2) [الجاثیة: 2].
هذه الآیات و کثیر غیرها، تفید أنّ جبریل علیه السّلام نزل به علی قلب رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم، و أنّ هذا النزول غیر النزول الأول إلی السماء الدنیا فالمراد به نزوله منجّما أی علی دفعات، و یدل التعبیر بلفظ التنزیل دون الإنزال علی أنّ المقصود النزول علی سبیل التدرج، فالتنزیل لما نزل مفرقا و الإنزال أعم یفید النزول دفعة واحدة کما کان حال التوراة و الإنجیل، قال تعالی: الم (1) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَیُّ الْقَیُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَیْکَ الْکِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَیْنَ یَدَیْهِ وَ أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِیلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدیً لِلنَّاسِ وَ أَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِینَ کَفَرُوا بِآیاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِیدٌ وَ اللَّهُ عَزِیزٌ ذُو انْتِقامٍ (4)، [آل عمران .
و قد نزل القرآن منجّما فی ثلاث و عشرین سنة منها ثلاث عشرة سنة بمکة علی الرأی الراجح، و عشر بالمدینة، و کان ینزل بحسب الوقائع و الأحداث خمس آیات و عشر
__________________________________________________
(1) لتفاصیل فی هذا العلم انظر کتبنا (القرآن منهل العلوم- طبع الجامعة الإسلامیة ببغداد)، و کتاب (استنباط الحلول من أسباب النزول).
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 93
آیات و أکثر أو أقل.

الحکمة من نزوله منجّما:

الحکمة من نزوله منجّما:
1- تثبیت فؤاد النبی صلّی اللّه علیه و سلّم و تکریمه بإنزال الوحی علیه مرارا و تکرارا. قال تعالی:
کَذلِکَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَکَ وَ رَتَّلْناهُ تَرْتِیلًا (32)، [الفرقان: 32].
قال السخاوی:" فی نزوله إلی السماء جملة تکریم بنی آدم و تعظیم شأنهم عند الملائکة و تعریفهم عنایة اللّه بهم، و رحمته لهم، و لهذا المعنی أمر سبعین ألفا من الملائکة أن تشیع سورة الأنعام، و زاد سبحانه فی هذا المعنی بأن أمر جبریل بإملائه علی السفرة الکرام، و إنساخهم إیاه، و تلاوتهم له."
2- التحدی و الإعجاز.
3- تیسیر حفظه و فهمه و تدبر معانیه و الوقوف عند أحکامه.
4- مراعاة حال المخاطبین بالوحی و عدم مفاجأتهم بما لا عهد لهم به و مسایرة الحوادث و التدرج فی التشریع .. و أوضح مثال علی ذلک، التدرج فی تحریم الخمر: فقد نزل قوله تعالی: وَ مِنْ ثَمَراتِ النَّخِیلِ وَ الْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَکَراً وَ رِزْقاً حَسَناً، [النحل: 67] أشارت الآیة إشارة خفیة إلی أن الخمر لیس رزقا أی لا ینتفع به. ثم نزل قوله تعالی:* یَسْئَلُونَکَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَیْسِرِ قُلْ فِیهِما إِثْمٌ کَبِیرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَکْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما، [البقرة: 219]، ثم نزل قوله تعالی: یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُکاری [النساء: 43]، ثم قال تبارک و تعالی مصرّحا بالنهی و التحریم القاطع فی سورة المائدة: یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَیْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّیْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّکُمْ تُفْلِحُونَ (90)، [المائدة: 90].
5- الدلالة القاطعة علی أنّ القرآن الکریم تنزیل من حکیم حمید، إذ لو کان من کلام البشر لوقع فیه التفکک و الانفصام و استعصی أن یکون بینه التوافق و الانسجام، یقول تعالی: وَ لَوْ کانَ مِنْ عِنْدِ غَیْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِیهِ اخْتِلافاً کَثِیراً (82)، [النساء: 82]. فأحادیث رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم- و هی ذروة الفصاحة و البلاغة بعد القرآن الکریم- لا تنتظم حباتها فی کتاب واحد سلس العبارة، دقیق السبک، مترابط المعانی،
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 94
رصین الأسلوب و متناسق الآیات و السور.

د- نزول القرآن علی سبعة أحرف:

اشارة

د- نزول القرآن علی سبعة أحرف:
لقد کان للعرب لهجات شتی، فکل قبیلة لها من اللحن فی کثیر من الکلمات ما لیس للآخرین، إلا أنّ قریشا من بین العرب قد تهیّأت لها عوامل جعلت للغتها الصدارة بین فروع العربیة الأخری، فکان طبیعیا أن یتنزّل القرآن بلغة قریش تألیفا للعرب و تحقیقا لإعجاز القرآن ... فقد أخرج أبو داود من طریق کعب الأنصاری أن عمر بن الخطاب رضی اللّه عنه کتب إلی ابن مسعود رضی اللّه عنه:" إنّ القرآن نزل بلسان قریش، فأقرئ الناس بلغة قریش ...". و لقد کان واضحا لکبار الصحابة رضوان اللّه علیهم أنّ القرآن إنما نزل بلسان قریش قوم رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم، و فی ذلک حکم جلیلة أهمها:
1- أنّ قریشا هم قوم رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم و قد جرت سنّة اللّه فی رسله أن یبعثهم بألسنة أقوامهم، قال تعالی: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِیُبَیِّنَ لَهُمْ ...،
[إبراهیم: 4].
2- أنه علیه الصلاة و السلام قد أمر بتبلیغهم الرسالة أولا، قال تعالی: وَ أَنْذِرْ عَشِیرَتَکَ الْأَقْرَبِینَ (214)، [الشعراء: 214]. فلا بد من مخاطبتهم بما یألفون و یعرفون لیستبین لهم أمر دینهم. فأنزل اللّه القرآن بلغتهم و أسالیبهم التی یفضلونها فی مستوی رفیع من البلاغة لا یجاری.
3- إنّ لغة قریش هی أفصح اللغات العربیة و هی تشمل معظم هذه اللغات لاختلاط قریش بالقبائل و لاحتوائها الجیّد الفصیح من لغاتها.
و إذا کان العرب تتفاوت لهجاتهم فی المعنی الواحد بوجه من وجوه التفاوت، فکان لا بد للقرآن أن یکون مستجمعا و شاملا لهذه اللهجات مما ییسر علی العرب القراءة و الحفظ و الفهم. و نصوص السنّة قد تواترت بأحادیث نزول القرآن علی سبعة أحرف.
عن عمر بن الخطاب رضی اللّه عنه قال:" سمعت هشام بن حکیم یقرأ سورة الفرقان فی حیاة رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم. فاستمعت لقراءته فإذا هو یقرأ علی حروف کثیرة لم یقرئنیها رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم. فکدت أساوره فی الصلاة. فتصبّرت حتی سلّم فلبّبته بردائه فقلت من أقرأک هذه السورة التی سمعتک تقرأ، قال: أقرأنیها رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم. فقلت له
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 95
کذبت، أقرأنیها علی غیر ما قرأت. فانطلقت به أقوده إلی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم. فقلت: إنی سمعت هذا یقرأ سورة الفرقان علی حروف لم تقرئنیها. فقال صلّی اللّه علیه و سلّم: أرسله. اقرأ یا هشام، فقرا القراءة التی سمعته ... فقال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم: کذلک أنزلت. ثم قال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم: اقرأ یا عمر، فقرأت التی أقرأنی فقال صلّی اللّه علیه و سلّم: کذلک أنزلت. إنّ هذا القرآن أنزل علی سبعة أحرف، فاقرءوا ما تیسّر منه"، رواه البخاری و مسلم و أبو داود و النسائی و الترمذی و أحمد و ابن جریر.
قوله:" فکدت أساوره فی الصلاة": أی أواثبه و أقاتله، و قال النووی: أی أعاجله و أواثبه ... و قوله:" فلبّبته بردائه": أی جمعت علیه ثوبه عند لبّته و جررته به لئلا یتفلت منی. و اللبة: الهزمة التی فوق الصدر، و فیها تنحر الإبل ... و قوله:" کذبت":
أی أخطأت، لأن أهل الحجاز یطلقون الکذب فی موضع الخطأ ... و سبب تخطئة عمر کان بسبب رسوخ قدمه فی الإسلام بخلاف هشام فإنه کان قریب العهد بالإسلام فخشی عمر من ذلک أن لا یکون أتقن القراءة، بخلاف نفسه فإنه أتقن ما سمع، و کان سبب اختلاف قراءتهما أن عمر حفظ هذه السورة من رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم قدیما، ثم لم یسمع ما أنزل فیها بخلاف ما حفظه و شاهده و لأن النبی صلّی اللّه علیه و سلّم أقرأ هشاما علی ما نزل أخیرا فنشأ اختلافهما من ذلک. و مبادرة عمر للإنکار محمولة علی أنه لم یکن سمع حدیث أنزل القرآن علی سبعة أحرف إلا فی هذه الحادثة.
یفید هذا الحدیث أنّ النزاع بین الصحابیین الجلیلین راجع إلی کیفیة تلاوة القرآن، لا إلی تفسیره و بیان معانیه و هذا یبرهن علی أنّ القرآن یقرأ بأکثر من وجه.
و هذه الأوجه التی أنزل علیها القرآن لیست من لغة واحدة بل هی من عدة لغات عربیة کلها توقیفیة أی أوحی بها إلی النبی صلّی اللّه علیه و سلّم.
و روی مسلم فی صحیحه عن أبی بن کعب قوله رضی اللّه عنه:" کنت فی المسجد فدخل رجل یصلی فقرأ قراءة أنکرتها علیه. ثم دخل آخر فقرأ سوی قراءة صاحبه، فلما قضینا الصلاة دخلنا جمیعا علی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم. فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنکرتها علیه.
و دخل آخر فقرأ سوی قراءة صاحبه. فأمرهما رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم فقرءا. فحسّن النبی صلّی اللّه علیه و سلّم شأنهما. فسقط فی نفسی من التکذیب و لا إذ کنت فی الجاهلیة. فلما رأی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم ما قد غشینی ضرب فی صدری ففضت عرقا و کأنی أنظر إلی اللّه عز و جل فرقا، فقال لی
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 96
صلّی اللّه علیه و سلّم: (یا أبی أرسل إلیّ أن أقرأ القرآن علی حرف فرددت إلیه أن هوّن علی أمّتی فردّ إلیّ الثانیة اقرأه علی حرفین. فرددت إلیه أن هوّن علی أمّتی. فردّ إلیّ الثالثة: اقرأه علی سبعة أحرف، فلک بکل ردة رددتها مسألة تسألنیها فقلت: اللهم اغفر لأمّتی.
اللهم اغفر لأمّتی، و أخّرت الثالثة لیوم یرغب إلیّ الخلق کلهم حتی إبراهیم صلّی اللّه علیه و سلّم).
یتبیّن من ذلک أن کل حرف من الأحرف السبعة تنزیل من حکیم حمید. و قد یتساءل المرء عن کلام اللّه تعالی کیف یقرأ علی سبعة أوجه ...؟ و قد تعتریه الدهشة و یختلجه الشک بإثارة الشیطان وساوسه فی نفسه لیکدر صفو إیمانها، و یوهن من قوة یقینها باللّه و رسوله و کتابه.
و فی هذا الحدیث معالجة عملیة لمثل هذه الحالة النفسیة الدقیقة الحرجة. فالرسول صلوات اللّه و سلامه علیه و علی آله یباشر بنفسه القیام بهذه المداواة.
فلقد ضرب فی صدر الصحابی الجلیل ضربة نبویّة قطع بها دابر الشک الوافد قبل استقراره و تمکنه، فأخذ علی الشیطان سبیله إلی قلب أبیّ، ثم أتبع ذلک ببیان یثلج الصدر ببرد الیقین، و یفعم القلب بنور الإیمان، أعلی مراتب الإیمان" اعبد اللّه کأنک تراه" مما جعل أبیا یری نفسه کماثل أمام الحضرة الإلهیة، فغشیه شعور عظیم بالمهابة و الحیاء من اللّه، و یروعه ما کاد ینزلق فیه بعد إذ هداه اللّه من ضلال أشد من ضلال الجاهلیة، فانتابه إحساس قوی بالخجل و الوجل فلاذ بالإذعان لمشیئة اللّه و حکمته البالغة التی قضت بإنزال القرآن علی سبعة أحرف.
ما المراد بالأحرف السبعة؟: اختلف العلماء فی المراد بالأحرف السبعة، و تشعبت أقوالهم، و تعددت، و لکننا سنورد أرجح الأقوال و هو قول محمد بن الجزری فی بیان المراد بحدیث أنزل القرآن علی سبعة أحرف.
قال ابن الجزری: لا زلت أستشکل هذا الحدیث و أفکر فیه و أمعن النظر من نیف و ثلاثین سنة، حتی فتح اللّه علیّ بما یمکن أن یکون صوابا إن شاء اللّه.
ذلک أنی تتبّعت القراءات صحیحها و شاذها و ضعیفها و منکرها فإذا هو یرجع اختلافها إلی سبعة أوجه من الاختلاف لا یخرج عنها و ذلک:
أولا: الاختلاف فی الحرکات بلا تغیر فی المعنی و الصورة:
نحو: (البخل) بأربعة أوجه و (یحسب) بوجهین.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 97
ثانیا: الاختلاف فی الحرکات بتغیر المعنی فقط:
نحو: فَتَلَقَّی آدَمُ مِنْ رَبِّهِ کَلِماتٍ، [البقرة: 37]، و قرئ بنصب" آدم" و رفع" کلمات".
ثالثا: الاختلاف فی الحروف بتغیر المعنی لا الصورة:
نحو: (تبلو) و (تتلو) و (ننجیک ببدنک) و (ینجیک ببدنک).
رابعا: الاختلاف فی الحروف بتغیر الصورة لا المعنی:
نحو: (بصطة و بسطة) و نحو (الصراط و السراط).
خامسا: الاختلاف فی الحروف بتغیر الصورة و المعنی:
نحو: (فامضوا، فاسعوا).
سادسا: الاختلاف فی التقدیم و التأخیر:
نحو: (فیقتلون و یقتلون)، قرئ (فیقتلون و یقتلون).
سابعا: الاختلاف فی الزیادة و النقصان:
نحو: (أوصی، و وصی).
قال ابن الجزری: فهذه سبعة لا یخرج الاختلاف عنها.
و هنا لا بد من التوضیح بأن کل کلام اللّه المنزل علی سیدنا محمد صلّی اللّه علیه و سلّم منسجم یؤکد بعضه بعضا، و یفسر بعضه الآخر، لا تصادم بین نصوصه و لا تنافی بین مدلولاته ..
قال تعالی: أَ فَلا یَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ کانَ مِنْ عِنْدِ غَیْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِیهِ اخْتِلافاً کَثِیراً (82)، [النساء: 82]. و هذه الحقیقة تنطبق علی القرآن فی قراءاته علی حرف أو علی السبعة بمجموعها. فإنها جمیعا لا تخرج فی تفاوتها إلی تصادم النصوص أو تنافی المدلولات، بل التوسعة بالأحرف السبعة لا تحلّ حراما و لا تحرم حلالا. قال ابن شهاب الزهری:" بلغنی أن تلک السبعة الأحرف إنما هی فی الأمر الذی یکون واحدا، لا یختلف فی حلال و لا حرام".
و حکی ابن عطیة انعقاد الإجماع علی ذلک:" فالإجماع أن التوسعة لم تقع فی تحریم حلال، و لا فی تحلیل حرام، و لا فی تغییر شی‌ء من المعانی المذکورة".
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 98

حکمة نزول القرآن علی سبعة أحرف:

حکمة نزول القرآن علی سبعة أحرف:
1- تیسیر القراءة و الحفظ و التخفیف علی العباد و التسهیل علیهم و مراعاة حال العرب فی اختلاف ألسنتهم.
2- مزید الإعجاز اللغوی فی القرآن.
3- الإعجاز فی المعانی و الأحکام ذلک أن حکما فقهیا معینا أو معنی جدیدا یفهم من قراءة أخری کقوله تعالی: وَ یَسْئَلُونَکَ عَنِ الْمَحِیضِ قُلْ هُوَ أَذیً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِی الْمَحِیضِ وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّی یَطْهُرْنَ، [البقرة: 222]، و فی قراءة حَتَّی یَطْهُرْنَ، فأفادت القراءة الثانیة عدم جواز مجامعة الرجل زوجته إذا طهرت من حیضها حتی تغتسل.
4- توحید لغات العرب. فلقد نزل القرآن بلسان قریش أولا، ثم أنزلت الحروف لتسهّل تلاوته للعرب قاطبة علی اختلاف لغاتهم، لأن الحروف قد راعت تفاوت اللغات فی الألفاظ التی یحرج العرب النطق بها کونها قرشیة.
5- الأحرف السبعة خصیصة لأمة محمد صلّی اللّه علیه و سلّم. قال الإمام ابن الجزری مفصلا حکم إنزال القرآن علی سبعة أحرف:" و منها إعظام أجور هذه الأمة من حیث إنهم یفرغون جهدهم لیبلغوا قصدهم فی تتبع معانی ذلک و استنباط الحکم و الأحکام من دلالة کاللفظ ... و منها بیان فضل هذه الأمة و شرفها علی سائر الأمم، من حیث تلقیهم کتاب ربهم هذا التلقی و إقبالهم علیه و البحث عنه لفظة لفظة و الکشف عنه صیغة صیغة، فلم یهملوا تحریکا و لا تسکینا و لا تفخیما و لا ترقیقا ... مما لم یهتد إلیه فکر أمة من الأمم.
الأحرف السبعة مزیة للقرآن علی الکتب السماویة: قال الطبری فی شرح حدیث الأحرف السبعة:" و معنی ذلک کله، الخبر منه صلّی اللّه علیه و سلّم عما خصه اللّه تعالی به و أمته من الفضیلة و الکرامة التی لم یؤتها أحدا فی تنزیله. و ذلک أن کل کتاب تقدم کتابنا نزوله علی نبی من أنبیاء اللّه، صلوات اللّه علیهم، فإنما نزل بلسان واحد، متی حول إلی غیر اللسان الذی نزل به کان ذلک له ترجمة و تفسیرا لا تلاوة له علی ما أنزله اللّه ...
و منها ظهور سر اللّه تعالی فی تولیه حفظ کتابه العزیز و صیانة کلامه المنزل بأوفی البیان و التمییز ..".
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 99
و نشیر هنا إلی أن الأحرف السبعة لا تعنی القراءات السبعة بل تعنی سبعة أوجه فی الخلاف و قد وصل إلینا عشرة قراءات متواترة لکتاب اللّه تعالی. القراءات هی اختلاف ألفاظ الوحی فی کتابة الحروف أو کیفیتها من تخفیف و تثقیل و غیرهما. و قد عرّف ابن الجزری القراءات بقوله:" علم القراءات، علم بکیفیة أداء کلمات القرآن و اختلافها حسب ناقلیها".

ه- جمع القرآن و ترتیبه:

اشارة

ه- جمع القرآن و ترتیبه:
کلمة جمع تأتی بمعنیین:
المعنی الأول: بمعنی حفظه و منه یقال جمّاع القرآن أی حفّاظه، و هذا المعنی هو الذی ورد فی قوله تعالی: إِنَّ عَلَیْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ (17)، [القیامة: 17] ذلک أنه کان رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم یجهد نفسه و یردد وراء جبریل حین کان ینزل علیه بالوحی خشیة أن لا یحفظ ما أنزل علیه فأنزل اللّه تعالی هذه الآیة تطمینا للنبی صلّی اللّه علیه و سلّم و تثبیتا لفؤاده حیث أوضحت الآیة الکریمة أن اللّه سبحانه و تعالی قد تعهد بتحفیظه إیاه و عدم نسیانه و تفهمیه معناه. المعنی الثانی، جمع القرآن بمعنی کتابته کله فی صحیفة واحدة بین دفتی کتاب.

1- جمع القرآن بمعنی حفظه علی عهد النبی صلّی اللّه علیه و سلّم:

1- جمع القرآن بمعنی حفظه علی عهد النبی صلّی اللّه علیه و سلّم:
کان رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم مولعا بالوحی، یترقّب نزوله بشوق، فما من آیة تنزل إلا و یدعو ثلة من أصحابه، اختارهم لکتابة الوحی، فیأمرهم بکتابة ما نزل. و کان کلما نزلت آیة حفظت فی الصدور و وعتها القلوب. و قد اتخذ النبی علیه الصلاة و السلام کتّابا للوحی منهم: الخلفاء الأربعة، و عبد اللّه بن مسعود و معاذ بن جبل و زید بن ثابت و أبی بن کعب و خالد بن الولید و غیرهم رضی اللّه عنهم. و هکذا کان القرآن یکتب آیة فآیة و مقطعا فمقطعا. و لم یکن ترتیبه حسب ترتیب النزول بل کان سیدنا جبریل یقول للمصطفی علیه الصلاة و السلام إنّ اللّه یأمرک أن تضع هذه الآیة علی رأس کذا آیة من سورة کذا، فیأمر رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم کتّاب الوحی بوضع هذه الآیة فی ذلک المکان. و عند ما نزلت آخر آیة- علی الرأی الذی رجّحه کثیر من علماء الحدیث- و هی قول اللّه تعالی:
وَ اتَّقُوا یَوْماً تُرْجَعُونَ فِیهِ إِلَی اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّی کُلُّ نَفْسٍ ما کَسَبَتْ وَ هُمْ لا یُظْلَمُونَ
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 100
(281)، [البقرة: 281]، قال جبریل لرسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم، ضع هذه الآیة علی رأس مائتین و واحد و ثمانین آیة من سورة البقرة بین آیتی الربا و الدّین. و هکذا تکامل نزول القرآن کله، و توفی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم بعد ذلک بتسع لیال. و کان صلّی اللّه علیه و سلّم یعرض علی جبریل کل سنة ما کان یجتمع عنده من کتاب اللّه، و قد عرضه کله مرتین علیه فی نفس السنة التی توفی فیها صلّی اللّه علیه و سلّم.
إذا القرآن کان یکتب من فم رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم، و کان الصحابة یخطّونه علی جرید النخل و صفائح الحجارة و رقاع الجلد ... و هذا یدل علی مدی المشقة التی کانوا یتحملوها فی الکتابة حیث لم تتیسر لهم أدوات الکتابة إلا بهذه الوسائل. و لم تکن هذه الکتابة فی عهد النبی صلّی اللّه علیه و سلّم مجتمعة فی مصحف عام، و لم یجمع الرسول صلّی اللّه علیه و سلّم القرآن بین دفتی کتاب فی حیاته لأن إمکان نزول الوحی کان مستمرا کما أنّ إمکان نسخ بعض الآیات کان مستمرا. و قبض النبی علیه الصلاة و السلام و القرآن محفوظ فی الصدور و مکتوب علی نحو ما سبق، بالأحرف السبعة التی أنزل علیها، و هذا ما یسمی بالجمع الأول (حفظا و کتابة).

2- ترتیب الآیات و السور:

2- ترتیب الآیات و السور:
إنّ ترتیب الآیات و السور فی القرآن الکریم توقیفی عن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم عن جبریل علیه السّلام عن رب العزة سبحانه و تعالی و هذا بإجماع العلماء، فقد کان جبریل علیه السّلام یتنزل بالآیات و یرشد إلی موضعها من السورة أو الآیات التی نزلت قبل، فیأمر الرسول صلّی اللّه علیه و سلّم کتبة الوحی بکتابتها فی موضعها. أخرج الحاکم فی المستدرک بسند علی شرط الشیخین عن زید بن ثابت أنه قال:" کنا عند رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم نؤلف القرآن من الرقاع"، (أی کنا نرتب الآیات و السور وفق إشارة رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم).

2- تاریخ الحدیث النبوی:

کتابة الحدیث فی عهد النبی صلّی اللّه علیه و سلّم:

کتابة الحدیث فی عهد النبی صلّی اللّه علیه و سلّم:
من المتفق علیه أنّ النبی علیه الصلاة و السلام منع أصحابه من کتابة غیر القرآن فی أول عهد النبوة خلال ثلاث سنوات أو تزید قلیلا، و قد صح عنه علیه الصلاة و السلام أنه قال لأصحابه:" لا تکتبوا عنی غیر القرآن و من کتب عنی فلیمحه". و لکن الأمر اختلف فیما بعد حیث سمح لهم بعد ذلک بالکتابة. لکن تری ما الحکمة فی ذلک؟.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 101
السبب أنّ النبی صلّی اللّه علیه و سلّم خشی فی أول الأمر أن یلتبس علی الناس أسلوب القرآن بأسلوب الحدیث فیختلط علیهم هذا بذاک فیکتبون حدیثا و هم یظنونه قرآنا أو یکتبون آیة و هم یظنونها حدیثا و هذا احتمال وارد جدا، لأن الصحابة لم یتعرفوا بعد علی القرآن تعرفا تاما و لم یتذوقوه تذوقا یجعلهم یفرّقون بینه و بین غیره من أحادیث النبی علیه الصلاة و السلام ... فلما نزل قسط کبیر من القرآن، و تعرفوا إلی أصوله و خصائصه، أذن لهم رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم أن یکتبوا الحدیث. و لقد صح عن النبی علیه الصلاة و السلام أنّ بعضا من الصحابة نهی عبد اللّه بن عمر رضی اللّه عنهما أن یکتب عن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم الحدیث و قال إنّ رسول اللّه بشر و هو ینطق بالغضب و الرضی فلا تکتب إلا القرآن، فذهب و سأل النبی صلّی اللّه علیه و سلّم عن ذلک فقال له:" اکتب، فو اللّه لا یخرج منه- و أشار إلی فمه- إلا الحق". کما ورد أیضا عن أبی هریرة رضی اللّه عنه أنه قال:" لم یکن أحد من الصحابة أکثر منی حدیثا عن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم إلا ما کان من شأن عبد اللّه بن عمر فإنه کان یکتب و لم أکن أکتب". إذا قسط یسیر من حیاة النبی علیه الصلاة و السلام بعد البعثة، الحدیث لم یکن یکتب فیه و القسط الأکبر کان یکتب علی قطع متفرقة من الصحف و الأوراق و نحو ذلک و لم یدوّن- أی لم یجمع بین دفتی کتاب- لا فی حیاته و لا بعد وفاته علیه الصلاة و السلام إلا فی ما بعد أواخر عصر التابعین- کما سوف نری- علی ید أبی بکر بن حزم رضی اللّه عنه و من ثم باقی العلماء من بعده بأمر من عمر بن عبد العزیز ثم باقی العلماء من بعده کالإمام مالک و أحمد و غیرهم.
فائدة: الفرق بین الکتابة و التدوین: الکتابة هی أن یکتب الإنسان ما یرید کتابته فی أوراق متفرقة دون ضم بین دفّتی کتاب، و هذا ما یسمی بالکتابة المطلقة. أما التدوین فهو جمع ما یراد کتابته مرتبا بین غلافین فی کتاب واحد ... من هنا کان خلط المستشرقین بین الکتابة و التدوین، لجهلهم باللغة العربیة- إن حسنّا الظن بهم- فقالوا إنّ الحدیث لم یکتب إلا بعد وفاة النبی صلّی اللّه علیه و سلّم و انقراض عصر الصحابة و الحقیقة أنّ الحدیث کتب و لکنه لم یدوّن أی لم یجمع بین دفتی کتاب. و لقد کان عند سیدنا علی رضی اللّه عنه صحیفة تسمی" الصحیفة الصادقة" و لکنها لیست صحیفة واحدة فقد کان مکتوب فیها مجموعة أحادیث متفرقة، و کثیرون آخرون من الصحابة کانوا یکتبون أیضا.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 102

2- الدور الثانی: التشریع فی عصر کبار الصحابة

الکتاب و السنة فی الدور الثانی:

اشارة

الکتاب و السنة فی الدور الثانی:
توفی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم، و قد تکامل القرآن نزولا و لکنه لم یجمع فی مصحف واحد بین دفتی کتاب، بل کان محفوظا فی صدور الحفّاظ و صحف کتّاب الوحی، و کان عدد الحفاظ فی العهد النبوی کثیرا جدا. و کان قد وعی کثیر من الصحابة حدیث رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم، بعضهم فی الصدور کأبی هریرة، و بعضهم فی الکتابة فی السطور لا تدوینا. و تولی أبو بکر رضی اللّه عنه الخلافة و لا یزال التشریع یعتمد علی مصدرین أساسیین هما القرآن و السنة، و سنتکلم أولا عن القرآن و ما طرأ علیه من جدید.

أ- القرآن الکریم فی عهد أبی بکر رضی اللّه عنه‌

أ- القرآن الکریم فی عهد أبی بکر رضی اللّه عنه
حصل فی أول عهد أبی بکر رضی اللّه عنه ما دفعه إلی وجوب جمع القرآن کله فی مصحف ذلک أنه واجهته أحداث جسام فی ارتداد جمهرة العرب، فجهز الجیوش لحروب المرتدین، و کانت غزوة أهل الیمامة سنة 12 للهجرة تضم عددا کبیرا من الصحابة القرّاء، فاستشهد فی هذه الغزوة سبعون قارئا (أی حافظا) من الصحابة، فهال ذلک عمر بن الخطاب رضی اللّه عنه، فدخل علی أبی بکر و أشار علیه بجمع القرآن و کتابته بین دفتی کتاب خشیة الضیاع بسبب وفاة الحفاظ فی المعارک. و لکن أبا بکر نفر من هذه الفکرة و کبر علیه أن یفعل ما لم یفعله رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم، و ظل عمر یراوده حتی شرح اللّه تعالی صدر أبی بکر لهذا الأمر، فأرسل إلی زید بن ثابت لمکانته فی القراءة و الکتابة و الفهم و العقل، و لأنه کان صاحب العرضة الأخیرة علی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم أی کان آخر الصحابة الذین قرءوا علی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم کاملا و قال صلّی اللّه علیه و سلّم:" خذوا عنه القرآن" أو بما معناه، و قصّ علیه قول عمر رضی اللّه عنه. نفر زید من ذلک کما نفر أبو بکر الذی ظل یراجعه حتی شرح اللّه تعالی صدره لذلک. و یروی زید بن ثابت فیقول:" قال أبو بکر: إنک شاب عاقل لا نتهمک، و قد کنت تکتب الوحی لرسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم، فتتبّع القرآن فاجمعه. یقول زید:" فو اللّه لو کلفونی نقل جبل من الجبال ما کان أثقل مما أمرنی به من جمع القرآن"، و قال لأبی بکر: کیف تفعلان شیئا لم یفعله رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم؟.
قال: هو و اللّه خیر، فلم یزل أبو بکر یراجعنی حتی شرح اللّه صدری للذی شرح
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 103
اللّه له صدر أبی بکر و عمر، فتتبّعت القرآن أجمعه من العسب و اللخاف و صدور الرجال، و وجدت آخر سورة التوبة مع أبی خزیمة الأنصاری. لم أجدها مع غیره لَقَدْ جاءَکُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِکُمْ، [التوبة: 128] حتی خاتمة براءة فکانت الصحف عند أبی بکر حتی توفاه اللّه، ثم عند عمر حیاته، ثم عند حفصة بنت عمر".
و کان زید بن ثابت لا یکتفی بالحفظ دون الکتابة، و قوله أنه لم یجد آخر سورة التوبة إلا عند أبی خزیمة الأنصاری لا یعنی أنها لیست متواترة، و إنما المراد أنه لم یجدها مکتوبة عند غیره، و کان زید یحفظها، و کان کثیر من الصحابة یحفظونها کذلک، و لکنّ زیدا کان یعتمد علی الحفظ و الکتابة معا، فکان لا یکتب الآیة حتی یأتیه اثنان من الصحابة حفظا هذه الآیة من فم النبی صلّی اللّه علیه و سلّم، و اثنان آخران کتباها بین یدی النبی صلّی اللّه علیه و سلّم و لا یکتفی بمن کتب و لکن لیس بین یدی المصطفی صلّی اللّه علیه و سلّم، و هذا شرط لا بد منه حیث إن النبی صلّی اللّه علیه و سلّم مع أنه کان أمّیا و بقی أمّیا حتی توفی و لکنه کان یصوّب و یصحح لکتبة الوحی الذین یکتبون بین یدیه إذا أخطئوا و هذا من معجزاته صلّی اللّه علیه و سلّم. و هنا یظهر لنا شدة حرص زید بن ثابت رضی اللّه عنه و مبالغته فی الاحتیاط. أخرج ابن أبی داود من طریق هشام ابن عروة عن أبیه أنّ أبا بکر قال لعمر و لزید:" اقعدا علی باب المسجد فمن جاءکما بشاهدین علی شی‌ء من کتاب اللّه فاکتباه". و فسر الجمهور أنّ المقصود شاهدین عدلین فی الکتابة و شاهدین عدلین فی الحفظ.
قال السخاوی:" المراد أنهما یشهدان علی أنّ ذلک المکتوب کتب بین یدی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم" ... و قال أبو شامة:" و کان غرضهم أن لا یکتب إلا من عین ما کتب بین یدی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم، لا من مجرد الحفظ ...". و الذی یظهر أنّ أبو خزیمة الأنصاری شهادته بشهادة رجلین و لذلک أخذ منه زید بن ثابت. و لعله جاء بعد أبی خزیمة من عنده هذه الآیة مکتوبة بین یدی النبی صلّی اللّه علیه و سلّم و لکن زیدا کان قد اکتفی بأبی خزیمة لأن شهادته بشهادتین کما ذکرنا و ذلک لأنه کان لأحد من الیهود دین علی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم أدّاه له، فجاءه الیهودی یوما و أخذ یوبخ رسول اللّه علیه الصلاة و السلام و یعیّره و یتهمه بأنه أخّر سداد دینه، فأخبره علیه الصلاة و السلام أنه أدّی له الدّین، و لکن الیهودی أنکر، فقال صلّی اللّه علیه و سلّم (من یشهد لی؟)، فقام أبو خزیمة فشهد له. فقال له صلّی اللّه علیه و سلّم: (کیف تشهد لی علی شی‌ء لم تره؟)، (أی إنک ما رأیتنی حین سددت دین ذلک الیهودی)، فقال أبو
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 104
خزیمة: یا رسول اللّه أصدقک بخبر السماء أ فلا أشهد لک علی هذا! ... فقال صلّی اللّه علیه و سلّم:
(شهادة أبی خزیمة بشهادتین)، فکان أحد من الصحابة إذا أراد نکاحا أو معاملة أتی بأبی خزیمة الذی کان یکفی عن شاهدین.
و قد تم جمع القرآن کله بین دفتی کتاب خلال سنة واحدة تقریبا أی بعد سنة من وفاة النبی صلّی اللّه علیه و سلّم، فکان أبو بکر رضی اللّه عنه أول من جمعه بهذه الصفة فی مصحف واحد مرتب الآیات و السور مشتملا علی الأحرف السبعة التی نزل بها، و یری بعض العلماء أنّ تسمیة القرآن بالمصحف نشأت منذ ذلک الحین، و هذا الجمع هو المسمی" بالجمع الثانی". و قد ظفر مصحف أبی بکر بإجماع الأمة علیه و تواتر ما فیه. و بعد وفاة أبی بکر رضی اللّه عنه، انتقلت هذه الصحف أو الأوراق المجمّعة إلی بیت سیدنا عمر طوال فترة خلافته، و لما توفی أصبحت هذه الأوراق عند ابنته حفصة رضی اللّه عنها.
سؤال: لما ذا کانت هذه الصحف عند حفصة بعد عمر لا عند عثمان بن عفان؟.
الجواب: حفصة هی زوجة رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم و أم المؤمنین، و کانت حافظة للقرآن کله فضلا عن کونها تجید القراءة و الکتابة، هذه الممیزات جعلتها أهلا لحفظ الصحف عندها، و کذلک لأن عمر رضی اللّه تعالی عنه توفی دون أن یعیّن خلیفة، بل جعل الأمر شوری بین ستة توفی النبی صلّی اللّه علیه و سلّم و هو عنهم راض، فبایع المسلمون عثمان، فکیف یوصی بالمصحف إلی عثمان و هو لم یعیّنه خلیفة من بعده؟، لذلک بقی المصحف عند ابنته حفصة رضی اللّه عنها.

ب- جمع القرآن فی عهد عثمان بن عفان رضی اللّه عنه‌

اشارة

ب- جمع القرآن فی عهد عثمان بن عفان رضی اللّه عنه
روی البخاری عن أنس أنّ حذیفة بن الیمان قدم علی عثمان و کان یغازی أهل الشام فی فتح أرمینیة و أذربیجان مع أهل العراق فأفزع حذیفة اختلافهم فی القراءة- ذلک لأنهم أعاجم یخطئون بقراءة القرآن- فقال لعثمان أدرک الأمّة قبل أن یختلفوا اختلاف الیهود و النصاری، فأرسل عثمان إلی حفصة أن أرسلی إلینا الصحف ننسخها فی المصاحف ثم نردها إلیک، فأرسلت بها حفصة إلی عثمان فأمر زید بن ثابت، و عبد اللّه بن الزبیر و سعید بن العاص، و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها فی المصاحف، و قال عثمان للرهط القرشیین الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم و زید بن ثابت فی شی‌ء من القرآن فاکتبوه بلسان قریش فإنه إنما نزل بلسانهم ففعلوا حتی إذا نسخوا الصحف
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 105
فی المصاحف رد عثمان الصحف إلی حفصة و أرسل إلی کل أفق بمصحف مما نسخوا و أمر بما سواه من القرآن فی کل صحیفة و مصحف أن یحرق.
و قد شرعت اللجنة الرباعیة فی تنفیذ قرار عثمان سنة خمس و عشرین أی بعد وفاة رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم بحوالی أربعة عشر سنة. کتبت هذه المصاحف علی ما یحتمله رسمها من الأحرف السبعة التی نزل بها القرآن. لقد تعمد الصحابة کتابة هذه المصاحف بالخط الذی یکون أکثر احتمالا للأحرف، و قد وفّقوا لذلک لعدم وجود النقط و الشکل ...
و هکذا فإن الأصل فی عمل عثمان أن یکون مستجمعا کافة الأحرف السبعة فی مصاحفه و أن عثمان و من معه لا یفرطون فی شی‌ء أوحی به اللّه إلی رسوله صلّی اللّه علیه و سلّم.
روی ابن أبی داود أن سوید بن غفلة الجعفی قال:" سمعت علی بن أبی طالب رضی اللّه عنه یقول: یا أیها الناس لا تغلوا فی عثمان، و لا تقولوا له إلا خیرا (أو قولوا له خیرا) فی المصاحف و إحراق المصاحف، فو اللّه ما فعل الذی فعل فی المصاحف إلا عن ملأ منا جمیعا، فقال ما تقولون فی هذه القراءة، فقد بلغنی أن بعضهم یقول إن قراءتی خیر من قراءتک و هذا یکاد یکون کفرا، قلنا فما تری؟ قال نری أن نجمع الناس علی مصحف واحد، فلا تکون فرقة و لا یکون اختلاف، قلنا فنعم ما رأیت". و استنسخت اللجنة سبعة مصاحف، فأرسل عثمان بستة منها إلی الآفاق و احتفظ لنفسه بواحد منها هو مصحفه الذی یسمی" الإمام"، و لقد تلقّت الأمّة ذلک بالطاعة و أجمعت الصحابة علی هذه المصاحف. و لقد جرّدت المصاحف العثمانیة مما لیس من القرآن کالشروح و التفاسیر، فمن الصحابة من کان یکتب فی مصحفه ما سمع تفسیره و إیضاحه من النبی صلّی اللّه علیه و سلّم مثال ذلک: قوله تعالی: لَیْسَ عَلَیْکُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّکُمْ ...، (البقرة: من الآیة 198) ... فقد قرأ ابن مسعود و أثبت فی مصحفه: لیس علیکم جناح أن تبتغوا فضلا من ربکم فی مواسم الحج، فهذه الزیادة للتفسیر و الإیضاح. و بهذا قطع عثمان رضی اللّه عنه دابر الفتنة و حصّن القرآن من أن یتطرّق إلیه شی‌ء من الزیادة و التحریف علی مر العصور. و جمع عثمان للقرآن هو المسمی" ب:" الجمع الثالث". و اتّبع زید بن ثابت و الثلاثة القرشیون معه طریقة خاصة فی الکتابة ارتضاها لهم عثمان، و قد سمی العلماء هذه الطریقة ب:" الرسم العثمانی للمصحف" نسبة إلیه، و هو رسم لا بد من کتابة القرآن به لأنه الرسم الاصطلاحی الذی توارثته الأمة منذ عهد عثمان رضی اللّه
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 106
عنه. و لهذا الرسم أحکام و قواعد حیث کتب علی نحو یتوافق و القراءات العشر.
و لما أعیدت صحف حفصة إلیها ظلّت عندها حتی توفیت و قد حاول مروان بن الحکم أن یأخذها منها لیحرقها فرفضت، حتی إذا توفیت أخذ مروان الصحف و أحرقها و قال مدافعا عن وجهة نظره:" إنما فعلت هذا لأنّ ما فیها قد کتب و حفظ بالمصحف الإمام، فخشیت إن طال بالناس زمان أن یرتاب فی شأن هذه الصحف مرتاب". و قد وافقه علماء عصره علی هذا و کان فعله صوابا و حکمته عظیمة.
و من المعروف أنّ ابن کثیر و هو من علماء القرن الثامن هجری، قد رأی مصحف الشام أی المصحف الذی أرسله عثمان رضی اللّه تعالی عنه إلی الشام و قال فی کتابه" فضائل القرآن:" أمّا المصاحف العثمانیة الأئمة فأشهرها الیوم الذی فی الشام بجامع دمشق عند الرکن شرقی المقصورة المعمورة بذکر اللّه، و قد کان قدیما بمدینة طبریة ثم نقل منها إلی دمشق فی حدود سنة 518 ه. و قد رأیته کتابا عزیزا جلیلا عظیما ضخما بخط حسن مبین قوی، بحبر محکم، فی رق أظنه من جلود الإبل".

رسم القرآن:

رسم القرآن:
مما لا شک فیه أنّ الصحف التی کتبت علی عهد النبی صلّی اللّه علیه و سلّم و المصاحف العثمانیة التی وزّعت علی الأمصار، کانت خالیة من الشکل و النقط أی من التشکیل بالفتحة و الضمة و الکسرة. و مما لا ریب فیه أیضا أنّ رسم المصاحف العثمانیة التی نسخت علی هدی المصحف الأول، یقوم علی إملاء خاص به فی ذلک العصر و فیما بعده أیضا و هو یتفق فی جملته مع الرسم القرشی فی ذلک الوقت، و من هنا قال عثمان رضی اللّه عنه للکاتبین کما ورد فی صحیح البخاری:" إذا اختلفتم أنتم و زید فی کلمة من کلمات القرآن (أی فی کیفیة کتابتها أی إملائها) فاکتبوها بلسان قریش فإنّ القرآن أنزل بلسانهم". إذا کان للقرآن إملاء خاصا من حیث کتابة الهمزة مثلا أو الأحرف الیائیة و الواویة و من حیث الزیادة و النقص و ما شابه ذلک. أما ظاهرة کتابته و هجائه الخاص فلم یطرأ علیها تغییر أو تحویر یذکر. فقد أخذ الناس یعتبرون الرسم القرآنی رسما معیّنا خاصا به و لم یجدوا ما یدعو إلی مدّ ید التغییر إلیه، بعد أن وصل إلیهم بهذا الشکل صورة طبق الأصل للکتابة المعتمدة الأولی. لقد رأی العلماء أنّ الحیطة فی حفظ القرآن تدعو إلی وجوب إبقائه علی شکله الأول، و تحریم أو تکریه أی تطویر کتابی فیه تطبیقا للقاعدة الشرعیة الکبری (سد الذرائع). فنهی مالک عن تغییر هذه الکتابة الخاصة
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 107
بالقرآن کما حرّم أحمد بن حنبل ذلک أیضا.

تحسین الرسم العثمانی:

تحسین الرسم العثمانی:
کانت المصاحف العثمانیة خالیة من النقط و الشکل لأنّ العرب کانوا یعتمدون علی السلیقة العربیة السلیمة التی لا تحتاج إلی الشکل بالحرکات. و ظل الناس یقرءون القرآن فی تلک المصاحف بضعا و أربعین سنة حتی خلافة عبد الملک، فلما تطرّق إلی اللسان العربی الفساد بکثرة الاختلاط بالأعاجم و ذلک بسبب الفتوحات الإسلامیة الواسعة، أحسّ أولو الأمر بضرورة تحسین کتابة المصحف بالشکل و النقط و غیرهما مما یساعد علی القراءة الصحیحة. و یرجّح أنّ أول من وضع ضوابط للعربیة و تشکیل القرآن، هو أبو الأسود الدّؤلی من التابعین، و ذلک بأمر من علی ابن أبی طالب کرّم اللّه وجهه و کان قد أمره بذلک زیاد والی البصرة و لکنه تباطأ فی بادئ الأمر إلی أن سمع قارئا یقرأ قوله تعالی: أَنَّ اللَّهَ بَرِی‌ءٌ مِنَ الْمُشْرِکِینَ وَ رَسُولُهُ، [التوبة: 3]، فقرأها بجر اللام من کلمة" رسوله" فغیر بذلک المعنی کله و أصبح معنی هذه القراءة الخاطئة أن اللّه تعالی بری‌ء من کل المشرکین و من النبی صلّی اللّه علیه و سلّم و العیاذ باللّه تعالی، بینما المعنی الصحیح للآیة هو أن اللّه تعالی و کذلک رسوله صلّی اللّه علیه و سلّم کلّ بری‌ء من المشرکین. أفزع هذا اللحن (الخطأ) أبا الأسود فذهب إلی الوالی زیاد و قال له:" قد أجبتک إلی ما سألت". و انتهی فی اجتهاده أن جعل علامة الفتحة نقطة فوق الحرف و جعل علامة الکسرة نقطة أسفله و جعل علامة الضمة نقطة بین أجزاء الحرف و جعل علامة السکون نقطتین. و أعانه فی ذلک عدد من العلماء و تبعه آخرون منهم: یحیی بن یعمر، و نصر بن عاصم اللیثی و غیرهما ... فلم ینفرد أبو الأسود الدؤلی وحده فی تشکیل القرآن و لکنه کان أول من بدأ بذلک. و کلما امتد الزمان بالناس، ازدادت عنایتهم بتیسیر الرسم العثمانی، فکان الخلیل بن أحمد الفراهیدی أول من صنّف النقط و رسمه فی کتاب و أول من وضع الهمزة و التشدید و الرّوم و الإشمام. و من المعلوم إنّ علم النحو لم یقعّد و یدوّن إلا خدمة لضبط القرآن، حتی إنّ معظم علوم العربیة الأخری إنما قامت لخدمة القرآن أو نبعت من مضمونه. ثم تدرج الناس بعد ذلک فقاموا بکتابة العناوین فی رأس کل سورة و وضع رموز فاصلة عند رءوس الآی و تقسیم القرآن إلی أجزاء و أحزاب و أرباع و الإشارة إلی ذلک برسوم خاصة، و ذکر المکی و المدنی من السور. حتی إذا کانت نهایة القرن الهجری الثالث، بلغ الرسم ذروته من الجودة و الحسن.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 108

ضوابط القراءة الصحیحة:

ضوابط القراءة الصحیحة:
من شروط کون القراءة مقبولة و صحیحة:
1- أن تکون موافقة للرسم العثمانی فی أحد مصاحفه السبعة.
2- أن تکون متواترة عن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم.
3- أن تکون صحیحة فی لغة العرب.
إن القراءة الصحیحة التی وصلت إلینا عشرة، و من المعلوم أنه من فروض الکفایة أن یکون فی کل بلدة (کبیروت مثلا) حافظا لکتاب اللّه تعالی علی القراءات العشر بالسند المتصل إلی النبی صلّی اللّه علیه و سلّم و مجازا بذلک.

عنایة العلماء بالمکی و المدنی:

عنایة العلماء بالمکی و المدنی:
قام أعلام الهدی من الصحابة و التابعین بضبط منازل القرآن ضبطا یحدد الزمان و المکان، فکانوا یؤرخون کل آیة بوقت و مکان نزولها.
روی البخاری عن ابن مسعود رضی اللّه عنه أنه قال:" و اللّه الذی لا إله غیره ما نزلت سورة من کتاب اللّه إلا و أنا أعلم أین نزلت؟ و لا نزلت آیة من کتاب اللّه إلا و أنا أعلم فیم نزلت؟ و لو أعلم أنّ أحدا أعلم منی بکتاب اللّه تبلغه الإبل لرکبت إلیه". و قد عنی العلماء بتحقیق المکی و المدنی بدقة و عنایة فائقة، فتتبعوا القرآن آیة آیة و سورة سورة، لترتیبها وفق نزولها، مراعین فی ذلک الزمان و المکان و الخطاب حتی اکتمل بذلک علم سمی" ب:" علم المکی و المدنی".

الفرق بین المکی و المدنی:

الفرق بین المکی و المدنی:
أصح الأقوال أن:
المکی: ما نزل قبل الهجرة و إن کان بغیر مکة.
المدنی: ما نزل بعد الهجرة و إن کان بغیر المدینة، بأن نزلت آیة ما فی مکة بعد الهجرة مثلا عند ما فتح النبی صلّی اللّه علیه و سلّم مکة، فتسمّی مدنیة و لا تسمّی مکیة.

أهمیة معرفة المکی و المدنی:

1- الاستعانة بها فی تفسیر القرآن:

1- الاستعانة بها فی تفسیر القرآن:
فإنّ معرفة مواقع النزول تساعد علی فهم الآیة و تفسیرها تفسیرا دقیقا.
مثال ذلک: من قرأ سورة" الکافرون" و لم یعلم زمن نزولها و هل هی مکیة أم مدنیة، فإنه یحار فی معناها، و قد یستخرج منها أنّ المسلمین غیر مکلفین بالجهاد فی أی الأحوال و إنما علیهم أن یقولوا للآخرین لکم دینکم ولی دین.
فإذا علم أنّ هذه السورة إنما نزلت فی مکة عند ما قال بعض صنادید الشّرک لرسول
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 109
اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم:" تعال یا محمد نعبد إلهک یوما و تعبد إلهنا یوما"، إذا علم هذا، أدرک أنّ هذه السورة إنما هی علاج لتلک المرحلة ذاتها و لیست دلیلا علی عدم مشروعیة الجهاد الذی نزلت فیه آیات کثیرة أخری فی المدینة.

2- معرفة الناسخ و المنسوخ من الآیات:

2- معرفة الناسخ و المنسوخ من الآیات:
سؤال: من المعلوم أن سورتی المعوذتین نزلتا علی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم فی المدینة المنورة بعد أن سحره ذلک الیهودی لبید بن الأعصم، فلما ذا یکتب عنهما فی المصاحف أنهما مکّیتان؟.
الجواب: قد تکون هاتین السورتین نزلتا علی النبی صلّی اللّه علیه و سلّم أکثر من مرة. فقد ورد أن سورة الفاتحة نزلت علی قلب النبی صلّی اللّه علیه و سلّم مرات عدیدة تثبیتا لفؤاده، فقد تکون هاتین السورتین نزلتا لما سحر لبید بن الأعصم رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم فی المدینة بعد الهجرة، و أوحی اللّه تعالی إلی نبیه صلّی اللّه علیه و سلّم مرة أخری بهاتین السورتین تثبیتا لفؤاده و تعلیما له و لأمته من بعده أن قراءتهما تبطل سحر الساحر و هما رقیة من سحر الساحر أو الحاسد.

الحدیث فی عهد الصحابة رضی اللّه عنهم:

اشارة

الحدیث فی عهد الصحابة رضی اللّه عنهم:
بعد وفاة النبی علیه الصلاة و السلام، قام الصحابة من بعده بحمل لواء الإسلام و تبلیغ ما علموه منه صلّی اللّه علیه و سلّم. و لقد تمیّز الصحابة بخصائص و ممیزات أهّلتهم لحفظ الحدیث فی الصدور، و فیما یلی نورد أهم العوامل التی ساعدتهم لحفظ الحدیث الشریف:

عوامل حفظ الصحابة للحدیث:

عوامل حفظ الصحابة للحدیث:
1- صفاء أذهانهم و قوة قرائحهم و ذلک أنّ العرب أمة أمّیة لا تقرأ و لا تکتب، و الأمّی یعتمد علی ذاکرته فتنمو و تقوی لتسعفه حین الحاجة، کما أنّ بساطة عیشهم بعیدا عن تعقید الحضارة جعلتهم ذوی أذهان نقیة، لذلک عرفوا بالحفظ النادر و الذکاء العجیب حیث اشتهروا بحفظ القصائد من المرة الأولی و حفظ الأنساب ...
2- قوة الدافع الدینی لأنهم أیقنوا أن لا سعادة لهم فی الدنیا و لا فوز فی الآخرة إلا بهذا الإسلام، فتلقّفوا الحدیث النبوی بغایة الاهتمام و نهایة الحرص.
3- تحریض النبی صلّی اللّه علیه و سلّم علی حفظ حدیثه، قال زید بن ثابت:" سمعت رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم یقول: (نضّر اللّه امرأ سمع مقالتی فبلّغها، فربّ حامل فقه غیر فقیه و ربّ حامل
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 110
فقه إلی من هو أفقه منه) أخرجه أبو داود و الترمذی و ابن ماجة، و فی روایة: (نضّر اللّه امرأ سمع منا شیئا فبلّغه کما سمعه، فربّ مبلّغ أوعی من سامع)، قال الترمذی حدیث حسن صحیح. قال العلّامة القسطلانی:" المعنی أنّ اللّه تعالی خصّه (أی ناقل حدیث النبی صلّی اللّه علیه و سلّم) بالبهجة و السرور لأنه سعی فی نضارة العلم و تجدید السنّة، فجازاه النبی صلّی اللّه علیه و سلّم فی دعائه له بما یناسب حاله من المعاملة". و بالفعل هذا ما نجده فی وجوه المحدثین من نضارة و نور یعلو محیاهم و حسن سمت یضفی علیهم هیبة و وقارا.
4- اتباع النبی صلّی اللّه علیه و سلّم الوسائل التربویة فی إلقاء الحدیث علی الصحابة و سلوکه سبیل الحکمة کی یجعلهم أهلا لحمل الأمانة و تبلیغ الرسالة من بعده، فکان من شمائله فی توجیه الکلام:
أ- أنه لم یکن یسرد الحدیث سردا متتابعا بل یتأنّی فی إلقاء الکلام لیتمکّن من الذهن، قالت عائشة رضی اللّه عنها فیما أخرجه الترمذی:" ما کان رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم یسرد کسردکم هذا و لکنه کان یتکلم بکلام بیّن فصل یحفظه من جلس إلیه".
ب- لم یکن یطیل الحدیث بل کان کلامه قصدا، قالت عائشة فیما هو متفق علیه:" کان یحدّث حدیثا لو عدّه العادّ لأحصاه".
ج- أنه کثیرا ما یعید الحدیث لتعیه الصدور، روی البخاری و غیره عن أنس فقال:" کان رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم یعید الکلمة ثلاثا لتعقل عنه".
5- مواظبة الصحابة علی حضور مجالس رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم التی کان یخصصها للتعلیم و اجتهادهم فی التوفیق بین مطالب حیاتهم الیومیة و بین التفرغ للعلم، فها هو عمر بن الخطاب یتناوب الحضور مع جار له من الأنصار علی تلک المجالس، فقال عمر:" کان ینزل صاحبی یوما و أنزل یوما فإذا نزلت جئته بخبر ذلک الیوم من الوحی و غیره و إذا نزل فعل مثل ذلک"، رواه البخاری.
6- مذاکرة الصحابة فیما بینهم، قال أنس:" کنا نکون عند النبی صلّی اللّه علیه و سلّم فنسمع منه الحدیث فإذا قمنا تذاکرناه فیما بیننا حتی نحفظه".
7- أسلوب الحدیث النبوی، فقد أوتی النبی صلّی اللّه علیه و سلّم بلاغة نادرة شغفت بها قلوب العرب و قوة بیان یندر مثلها فی البشر و من هنا سمی القرآن الکریم الحدیث" حکمة".
8- کتابة الحدیث و هی من أهم وسائل حفظ المعلومات و نقلها للأجیال. ورد فی
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 111
سنن أبی داود عن عبد اللّه بن عمرو أنه قال:" کنت أکتب کل شی‌ء أسمعه من رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم أرید حفظه ...". و قد تناولت الکتابة فی عهد النبی صلّی اللّه علیه و سلّم قسما کبیرا من أهم الأحادیث و أدقها لاشتمالها علی أمهات الأمور و علی أحکام دقیقة.

قوانین الروایة فی عهد الصحابة:

قوانین الروایة فی عهد الصحابة:
اعتمد أئمة المفتین فی هذا الدور و جلّ الصحابة قوانین محددة فیما یتعلق بروایة الحدیث عن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم، و أهم هذه القوانین هی التالیة:
التقلیل من الروایة: خشیة أن ینتشر الکذب و الخطأ علی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم ...
روی الحافظ الذهبی فی تذکرة الحفاظ عن سیدنا أبی بکر أنه جمع الناس بعد وفاة نبیهم علیه الصلاة و السلام فقال:" إنکم تحدّثون عن رسول اللّه أحادیث تختلفون فیها و الناس بعدکم أشد اختلافا، فلا تحدّثوا عن رسول اللّه شیئا، فمن سألکم فقولوا بیننا و بینکم کتاب اللّه فاستحلّوا حلاله و حرّموا حرامه".
التّثبت فی الروایة: کان الصحابة یتثبّتون فیما یروی لهم، فلم یکن أبو بکر و لا عمر یقبلان من الأحادیث إلا ما شهد اثنان أنهما سمعاه من رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم و ذلک للأسباب التالیة:
أ- قوله تعالی: إِنَّما یَفْتَرِی الْکَذِبَ الَّذِینَ لا یُؤْمِنُونَ بِآیاتِ اللَّهِ وَ أُولئِکَ هُمُ الْکاذِبُونَ (105)، [النحل: 105].
ب- قوله تعالی: یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِنْ جاءَکُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَیَّنُوا ...،
[الحجرات: 6].
ج- لما سئل الزبیر بن العوّام لما ذا لا تحدّث عن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم کما یحدّث فلان و فلان؟ قال:" أما إنی لم أفارق رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم و لکنی سمعته یقول:" من کذب علیّ متعمدا فلیتبوأ مقعده من النار".
د- ورد فی الحدیث الصحیح أنّ رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم قال:" من حدّث عنی بحدیث یری أنه کذب فهو أحد الکاذبین".
إذا فقد کان من طبع الصحابة الحرص الشدید و الخوف من الکذب علی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم کیف لا و قد مدحهم النبی صلّی اللّه علیه و سلّم فیما یرویه البخاری:" اللّه اللّه فی أصحابی لا تسبوهم
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 112
و لا تؤذوهم فمن آذاهم فقد آذانی و من آذانی فقد آذی اللّه، و الذی نفسی بیده لو أنّ أحدکم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم و لا نصیفه" ... روی ابن شهاب عن قبیصة بن ذؤیب أنّ جدة جاءت إلی أبی بکر تلتمس أن تورّث فقال:" ما أجد لک فی کتاب اللّه شیئا و ما علمت أنّ رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم ذکر لک شیئا"، ثم سأل الناس فقام المغیرة فقال:" سمعت رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم یعطیها السدس" فقال:" هل معک أحد"؟، فشهد محمد ابن مسلمة بمثل ذلک، فأنفذه لها أبو بکر رضی اللّه عنه (أی أعطاها السدس) ... و عن سعید أنّ أبا موسی رضی اللّه عنه سلّم علی عمر بن الخطاب رضی اللّه عنه من وراء الباب ثلاث مرات فلم یؤذن له فرجع فأرسل عمر فی أثره فقال: لم رجعت؟ قال:" سمعت رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله و سلّم یقول (إذا سلّم أحدکم ثلاثا فلم یجب فلیرجع)، قال:" لتأتینی علی ذلک ببیّنة أو لأفعلنّ بک"، فجاءنا أبو موسی منتقعا لونه و نحن جلوس فقلنا:" ما شأنک"؟ فأخبرنا و قال:" فهل سمع أحد منکم"؟ فقلنا:" نعم کلنا سمعه"، فأرسلوا معه رجلا منهم حتی أتی عمر فأخبره. و قد قال عمر لغیر واحد من الصحابة:" أما إنی لم أتهمک و لکننی أحببت أن أتثبّت".
نقد الروایات: و ذلک بعرضها علی نصوص و قواعد الدین، فإن وجد مخالفا لشی‌ء منها ردوه و ترکوا العمل به. هذا هو الخلیفة عمر فیما أخرج مسلم عنه: أفتی عمر ابن الخطاب بأنّ المبتوتة (التی طلقها زوجها ثلاثا) لها النفقة و لها السکنی و لمّا بلغه حدیث فاطمة بنت قیس أنّ زوجها طلقها ثلاثا فلم یجعل رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم لها سکنی و لا نفقة، قال:" لا نترک کتاب اللّه و سنّة نبینا لقول امرأة لعلها حفظت أو نسیت، قال اللّه عز و جل: لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُیُوتِهِنَّ وَ لا یَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ یَأْتِینَ بِفاحِشَةٍ مُبَیِّنَةٍ، [الطلاق: 1].
و لا بد من الإشارة إلی أنه لم یکن هناک حاجة إلی جرح و تعدیل أی البحث و التدقیق عن عدالة و صدق الراوی لأنّ الصحابة کلهم عدول و ذلک بنص القرآن، قال تعالی: وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِینَ وَ الْأَنْصارِ وَ الَّذِینَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِیَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ، [التوبة: 100]. أما المنافقون فکانوا کما قال عنهم العلماء أحقر من أن یحملوا علما أو یؤخذ عنهم العلم!!!.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 113

فقه الصحابة:

فقه الصحابة:
کان علماء الصحابة إذا سئلوا فی مسألة ما، نظروا فی کتاب اللّه تعالی فإن لم یجدوا نظروا فی سنة النبی صلّی اللّه علیه و سلّم، فإن لم یجدوا نصا لا من الکتاب و لا من السنة، سألوا باقی الصحابة هل قضی أحد قبلنا فی هذا الأمر بقضاء؟ فإن سمعوا أنّ أحدا قضی بقضاء و نفذ و وجدوا أنّ الأمر قریب قضوا. و لقد کان الصحابة یتحفظون تحفظا شدیدا فی الاجتهاد، فکان الواحد منهم إذا اضطر إلی الاجتهاد فی حال عدم وجود نص، جمع مجلس الشوری و طرح القضیة التی هو بصددها و استشار الصحابة العلماء و تجاذب معهم أطراف البحث و النقاش و لم ینفرد فی إعطاء حکم، فإن انتهی إلی شی‌ء- سواء کان أبو بکر أو عمر أو عثمان أو أی ممن جاء بعدهم- کان یقول:" هذا رأیی فإن کان صوابا فمن اللّه تعالی و إن کان خطأ فمنی و أستغفر اللّه تعالی" ... و ورد أنّ رجلا ممن أرسلهم سیدنا عمر والیا علی جهة من الجهات قال للناس: هذا ما قضی به اللّه و قضی به عمر، فسمع عمر ذلک و أرسل إلیه یقول:" بئس ما قلت، بل هذا ما قضاه عمر، لا تجعلوا الرأی سنّة اللّه فی الناس فتحمّلوها خطأ الناس".
و کان الصحابة یقولون إذا کان رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم المؤیّد بالوحی، قال اللّه تعالی له:
وَ شاوِرْهُمْ فِی الْأَمْرِ [آل عمران: 159] فما بالک بمن جاء بعده! فإذا استشاروا و أجمعوا علی رأی واحد، فذاک هو الإجماع، أما إذا اختلفوا فکل یقضی بما یری. و من مظاهر الشوری أنّ سیدنا أبا بکر رضی اللّه عنه لمّا جهّز جیش أسامة بعد وفاة رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم- و کان هذا أول ما قام به أبو بکر- قال لأسامة و قد رأی أنّ عمرا رضی اللّه عنه قد انخرط بین أفراد الجیش:" إن رأیت أن تعطینی عمر و تبقیه عندی فعلت".
انظروا کیف یقول خلیفة المسلمین،- ذاک الشیخ الکبیر لأسامة الذی لم یبلغ من العمر التاسعة عشر بعد، هذا الکلام بأدب متناهی! لما ذا؟ لأنّ أبا بکر کان یری أنه قد تعرض له الفتوی و المشکلات و هو بحاجة إلی أمثال سیدنا عمر رضی اللّه عنه لیستشیره و لیأخذ رأیه. و طبعا أجابه أسامة لذلک و بقی عمر عند أبی بکر الذی لا یتأخر فی استشارة من حوله من الصحابة کعثمان و علیّ و غیرهم رضی اللّه عنهم أجمعین. و ما أکثر ما کان یقول عمر:" لو لا علی لهلک عمر". و کذلک علی کان إذا عرض علیه رأی لم یبتّ بهذا الرأی حتی یستشیر کبار الصحابة و فی مقدمة هؤلاء أبو بکر و عمر.
فلنلاحظ صورة الأخوّة الواقعیة فی حیاة الصحابة و آل البیت و محبتهم لبعضهم
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 114
البعض، لا شک أنّ جیلا ربّاه رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم لا بد أن یکون هذا حاله. مستحیل أن یکون النبی علیه الصلاة و السلام أعظم مربّی أوجده اللّه تعالی لینجد به الإنسانیة ثم یخفق فی تربیة أصحابه. فإن تصوّرنا أنه بعد وفاته صلّی اللّه علیه و سلّم کان أصحابه أعداء لآل البیت و العکس لکان ذلک علامة علی أنه أخفق فی تربیة هذا الجیل و هذا یعدّ عیبا شدیدا فی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم- و حاشاه من ذلک- الذی لم یستطع أن یربی جیلا واحدا فهو أعجز من أن یربّی أمّة!!! و الرسول صلوات اللّه و سلامه علیه منزّه عن مثل هذا ... و قد سئل علیّ لما ذا کثرت الفتن فی عصره و لم تکثر فی عصر أبی بکر و عمر فقال رضی اللّه عنه:" لما کانوا هم الخلفاء کنت أنا الرعیة فأطعنا و لمّا صرت أنا الخلیفة کنتم أنتم الرعیة فعصیتم".
إذا کان الصحابة یتواصون بالتدقیق فی مسألة الاجتهاد بعد الشروط التی ذکرناها کلها، کما کانوا یتواصون فیما بینهم بالتریّث و الفهم الشدید و عدم العجلة فی الإفتاء، فها هو عمر لمّا أرسل کتابه لأبی موسی قال له بعد أن أمره أن یتتبع نصوص القرآن و السنّة فإن لم یجد، قال له:" الفهم، الفهم فیما تلجلج فی صدرک مما لیس فی کتاب اللّه و سنّة رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم، أی لا تستعجل، تریّث و فکّر و تأمّل.
و لا بد من الإشارة إلی أنّ سیدنا عمر رضی اللّه عنه هو أول من فصل سلطة القضاء عن رئاسة الدولة، ففی عهد رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم و عهد أبی بکر کان کل منهما رئیس الدولة و القاضی فی آن واحد. و فی عصر عمر، عند ما اتسعت الفتوحات و لم یعد یجد الوقت کافیا لأن یجلس مجلس القضاء و مجلس إدارة أمور المسلمین، عندئذ فصل سلطة القضاء عن سلطة رئاسة الدولة و عیّن أول قاض أثناء خلافته و هو جریج رضی اللّه عنه ... و کان الصحابة لا یجیبون علی سؤال فرض لم یقع بعد، فإذا سألهم سائل عن مسألة ما، کان أحدهم یجیب:" هل وقعت هذه المشکلة التی تسأل عنها؟ فإن قال لا ما وقعت بعد و لکننا نحب أن نعلم إن وقعت هذه المشکلة ما ذا نصنع! کان الصحابی یجیب:" إذا وقعت فاسألوا عنها أمّا الآن فقد کفانا اللّه مهمة البحث فی أمر لم یقع". فهم لا یریدون توسیع نطاق الاجتهاد إلی أکثر من الحد الضروری، و هذه سیاسة کانت متّبعة من قبل جمیع علماء ذاک العصر.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 115
سؤال: هل وقع الخلاف فی الاجتهاد فی أحکام الشریعة الإسلامیة و متی وقع و لما ذا؟
الجواب: أمّا فی عصر رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم فالخلاف لم یقع و لا سبیل أصلا للخلاف ما دام رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم حی یمکن الرجوع إلیه فی أی أمر. و بعد وفاته علیه الصلاة و السلام، بدأ الخلاف الاجتهادی یظهر فی بعض المسائل الفرعیة التی لا تتعارض مع أصول الدین للأسباب التالیة:
أولا: تفاوت الصحابة فی روایة الحدیث عن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم کل حسب وضعه و مقدار تفرغه و ملازمته له. و نتیجة لذلک کان إذا وقعت مشکلة، تساءل الصحابة عن حکمها، و الذی لم یسمع من رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم فی هذا الأمر شیئا، یفتی بظاهر القرآن. أما الذی حفظ و روی عن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم قدرا أکبرا فهو یذکر أنّ هذا الموضوع قد أوضح النبی علیه الصلاة و السلام حکمه، فهو یختلف فی فتواه عن الأول الذی لم یسمع و القاعدة تقول: من حفظ حجة علی من لم یحفظ. من هنا کان لا بد أن یقع الاختلاف فی الفتاوی بین أصحاب رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم. فکانت إذا عرضت علی أبی بکر أو عمر حادثة جدیدة و لم یسمع من رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم فیها شیئا، جمع الصحابة و قال:" أنشدکم اللّه رجلا سمع من فم رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم فتوی فی هذه القضیة". و کان من عادة عمر رضی اللّه عنه إذا سئل فی موضوع أن یبحث عنه فی کتاب اللّه ثم السنّة فإن لم یکن قد سمع فی المسألة شیئا نادی فی الناس:" من سمع عن النبی صلّی اللّه علیه و سلّم فی هذه المسألة شیئا"؟، فإن لم یجبه أحد قال:" هل قضی أبو بکر فی هذا الموضوع من قبلی شیئا"؟ فإن قال له قائل إنّ أبا بکر قد سئل و قضی فی هذا الأمر بکذا، قضی عمر بمثل ما قضی به أبو بکر رضی اللّه عنهما و إلا اجتهد عمر.
مثال: دیة الأصابع، رجل قطعت إصبعه، الخنصر أو البنصر أو السبابة أو الوسطی، ما هو القدر الذی ینبغی أن یؤخذ من الجانی کدیة لهذا الإنسان؟ فکر عمر ابن الخطاب رضی اللّه عنه فی الموضوع و هو لا یذکر فی هذا حدیثا عن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم، فأراد أن یجتهد فی الأمر، و أراد أن یجعل دیة کل إصبع علی حسب فائدة تلک الإصبع، و لکنه تریّث و أخذ یسأل أصحاب رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم، فجاء من أخبره أنّ النبی علیه الصلاة و السلام قضی بأنّ فی کل إصبع عشرا من الإبل متساویة یعنی فی قطع
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 116
الأصابع العشرة دیة کاملة. فرجع عمر رضی اللّه عنه و قال:" إن کدنا لنقضی فی هذا برأینا".
مثال آخر دیة الجنین: سئل سیدنا عمر رضی اللّه عنه عن دیة الجنین، اعتدی إنسان علی امرأة حامل فأسقطت جنینا، ما الجزاء؟ وقف عمر یناشد المسلمین أن یکون فیهم رجلا سمع عن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم أمرا فی الدیة. معلوم فی القرآن أنّ عقاب من اعتدی علی إنسان و مات، هو القصاص فإن عفا ولیّه تصبح عقوبته دفع الدیة، هذا هو الحکم العام و الجنین یعتبر إنسانا و مات، و علی هذا یأخذ الجانی الحکم نفسه، إما القصاص و إما الدیة ... و لکن عمر تریّث، لعل فی سنة رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم شیئا خاصا. فقام أحد الصحابة و قال إنّ جمل بن مالک جاء یشکو إلی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم أنه کانت له زوجتان فتخاصمتا فضربت إحداهما الأخری فألقت جنینا میتا، فقضی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم للجنین بغرّة یعنی بنصف عشر الدیة (خمسة من الإبل) فتهلل وجه عمر باسما و قال:" إن کدنا أن نقضی فی هذا برأینا".
ثانیا: عدم الاتفاق علی صحة نسبة حدیث ما إلی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم.
ثالثا: عدم الاتفاق علی معنی کلمة أو جملة فی کتاب اللّه تعالی أو حدیث المصطفی علیه الصلاة و السلام و ذلک بسبب ورود لفظ یحتمل معنیین.
رابعا: اختلاف الفتوی بسبب الرأی: کانت ترد علی الصحابة أقضیة لا یرون فیها نصا من کتاب أو سنّة و إذ ذاک کانوا یلجئون إلی القیاس و کانوا یعبّرون عنه بالرأی.
خامسا: قیاس الفرع علی الأصل: البعض یری إنّ هذا الفرع یشبه ما نص اللّه تعالی علیه فی آیة کذا.
نعرض لطائفة من أمثلة الخلاف بین الصحابة فی بعض الفتاوی:
- عرضت مشکلة علی ابن مسعود رضی اللّه عنه: رجل عقد نکاحه علی امرأة و لم ینص فی هذا العقد علی مهر و مات قبل الدخول بها، فما الذی تستحقه هذه المرأة؟ أفتی ابن مسعود بأنّ لها کامل مهرها أی صداق مثلها من النساء. بینما سیدنا علی کرّم اللّه وجهه عند ما سمع بهذه القضیة قال:" أنا أختلف معه فی هذه المسألة، هذه المرأة إذا مات زوجها لیس لها إلا المیراث، تأخذه و لیس لها ما وراء ذلک شی‌ء و علیها العدة و لا
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 117
صداق لها". سبب هذا الخلاف أنّ هذه المسألة لیس فیها نص واضح صریح من کتاب اللّه تعالی، کل ما فی الأمر قوله تعالی: لا جُناحَ عَلَیْکُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِیضَةً، [البقرة: 236].
یقول سیدنا علی رضی اللّه عنه:" أ رأیت لو أنّ زوجها لم یمت و لکن طلق، لیس لها شی‌ء بنص کلام اللّه عز و جل". فسیدنا علی قاس وفاة الزوج علی طلاقه لها. قال ابن مسعود:" الرجل الذی یطلق، یطلق بقصد الاختیار و یترتب علی ذلک أشیاء کثیرة، لکن مات الزوج و حبل الزوجیة موجود، و لا یسبب الموت انقطاع الزوجیة عند جمهور العلماء، فالموت لا یقاس علی الطلاق لأن الطلاق عمل اختیاری و الموت أمر قصری".
مسألة أخری: المرأة التی توفی عنها زوجها و هی حامل، ما عدتها؟
سیدنا عمر رضی اللّه عنه قال: عدتها وضع حملها. و قال سیدنا علی و ابن عباس رضی اللّه عنهم: عدتها بأبعد الأجلین، أی أیهما کان أبعد وضع حملها أم مضی أربعة أشهر و عشرا تأخذ به. قال جمهور الفقهاء أنّ عدة المرأة تنتهی بوضع حملها و القول بأبعد الأجلین مرجوح، و دلیل ذلک ما أخرجه البخاری و مسلم عن سبیعة بنت الحارث الأسلمیة أنها کانت تحت سعد بن خولة و هو ممن شهد بدرا فتوفی عنها فی حجة الوداع و هی حامل، فلم تلبث أن وضعت حملها بعد وفاة زوجها، فلما طهرت من دم النفاس تجمّلت للخطّاب، فدخل علیها أبو السنابل بن بعکک فقال لها:" ما لی أراک متجمّلة، لعلک ترجین النکاح؟ و اللّه ما أنت بناکح حتی یمر علیک أربعة أشهر و عشرا"! قالت سبیعة:" فلما قال لی ذلک جمعت علیّ ثیابی حین أمسیت، فأتیت رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم فسألته عن ذلک، فأفتانی بأنی قد حللت حین وضعت حملی و أمرنی بالتزوج إن بدا لی". و قد روی أنّ ابن عباس رجع إلی حدیث سبیعة لما احتجّ به علیه.
أبرز من کانت إلیهم الفتیا فی عصر الصحابة: الخلفاء الراشدون و سیدنا عبد اللّه بن مسعود و زید بن ثابت و عبد اللّه بن عباس و عبد اللّه بن عوف و عبد اللّه بن عمر و هؤلاء التسعة کانوا فی ذلک العصر بمثابة الأئمة الأربعة فی عصرنا.
أسئلة و أجوبة:
سؤال: لما ذا انحصرت الفتیا ببعض الصحابة و لم یفتوا کلهم؟.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 118
الجواب: لأن عامة الصحابة لا وقت و لا قدرة لهم علی الاجتهاد، فمنهم من کان یشتغل بالزراعة و منهم من کان یشتغل بالتجارة و منهم من کان یشتغل بالجهاد و هکذا و حتی یصل الإنسان لرتبة یستطیع معها الاجتهاد لا بد له من علم غزیر و ذلک یحتاج عادة إلی وقت و تفرّغ. فکان عامة الصحابة یأخذون بفتاوی واحد من هؤلاء التسعة غالبا کما نأخذ نحن الیوم بفتاوی واحد من الأئمة الأربعة.
سؤال: لما ذا لم یمد اللّه تعالی بحیاة النبی صلّی اللّه علیه و سلّم لیجیب علی هذه الأسئلة التی حدثت و استجدت فی عصر الصحابة؟.
الجواب: لکی یعلّم اللّه سبحانه و تعالی هذه الأمة الاجتهاد و کیفیة استنباط الأحکام من النصوص و حتی یخفف عنها لأن فی اختلاف الفقهاء سعة.
سؤال: الحکم فی شرع اللّه تعالی أ لیس واحدا؟ فکیف لنا أن نأخذ بقول أکثر من إمام؟.
الجواب: إنّ اللّه تعالی لا یکلف نفسا إلا وسعها، فإذا عمّیت علینا دلائل حکم شرعی و تشابهت الأدلة و لم نستطع أن نصل إلی الحکم بیقین، فإنّ من رحمة اللّه تعالی بعباده أنه لا یطالبهم إلا ببذل الجهد فی معرفة حکمه تعالی. مثال ذلک: الاجتهاد فی القبلة فی الصلاة، هی حقیقة واحدة و لکن فی حال لم تتبیّن و لم یتمکن لأربعة أشخاص من تحدیدها جاز لکل واحد منهم أن یصلی إلی جهة ما، حسب اجتهاده الشخصی و صلاتهم صحیحة بالاتفاق حتی و لو صلی کل واحد منهم إلی جهة مختلفة عن جهة الآخر.
سؤال: یدّعی أحمد أمین فی کتابه فجر الإسلام: کان بعض من هؤلاء الصحابة عندهم روح واسعة لفهم النص و کانوا یتجاوزون النص إلی ما یسمیه علماء القانون الیوم بروح النص. و یقول أحمد أمین إنّ فی مقدمة هؤلاء عمر بن الخطاب رضی اللّه عنه. فعمر کان عبقریا و کان لا یقف عند حرفیّة النص بل کان یتجاوزه إلی المصالح و إلی العلل و إلی روح التشریع الإسلامی. ها هو فی أکثر من حالة خالف النص و عمل بالمصلحة، مثال ذلک کما یدّعی أحمد أمین:
1- قال اللّه تعالی:* إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساکِینِ وَ الْعامِلِینَ عَلَیْها
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 119
وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِی الرِّقابِ وَ الْغارِمِینَ وَ فِی سَبِیلِ اللَّهِ وَ ابْنِ السَّبِیلِ فَرِیضَةً مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ عَلِیمٌ حَکِیمٌ (60)، (التوبة: 60) .. عطّل عمر سهم المؤلفة قلوبهم لما فی ذلک من فهم و مراعاة لواقع المسلمین و مصلحتهم.
2- یقول اللّه تعالی: وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَیْدِیَهُما، [المائدة: 38]، سرق بعض الناس فی عام المجاعة متاعا فلم یقم علیهم عمر الحد.
3- قضی عمر بأنّ الرجل الذی قال لزوجته أنت طالق ثلاثا بکلمة واحدة، تطلق ثلاثا، و هذا مخالف لقوله تعالی: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساکٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِیحٌ بِإِحْسانٍ ...، (البقرة: من الآیة 229)، و مخالف لحدیث النبی صلّی اللّه علیه و سلّم الصحیح الذی رواه مسلم عن ابن عباس رضی اللّه عنهما:" کان الطلاق علی عهد النبی صلّی اللّه علیه و سلّم، طلاق الثلاث واحدا، و کان ذلک فی خلافة أبی بکر و صدرا من خلافة عمر، فقال عمر لقد استعجل الناس فی أمر کانت لهم فیه أناة فمن استعجل أناة اللّه ألزمناه به. فطلاق الثلاثة بکلمة واحدة یعتبر ثلاث طلقات. و یضیف أحمد أمین فیقول، إنّ عمر فی کل ذلک إنما کان عبقریا و ذکیا لأنه لم یتمسک بحرفیة النص و إنما رأی المصلحة و جری وراءها و إن خالفت النص و هذا هو المطلوب کما یزعم أحمد أمین. فهل کان من بین الصحابة من کان یتجاوز حرفیّة النصوص و یأخذ بروح النص کما یقول بعض الناس الیوم، و یأخذ بالمصالح التی تعتمد علیها النصوص، بمعنی آخر هل کان الصحابة أصحاب نزعة تحرریة؟.
الجواب: کلام أحمد أمین المضلل قد یدفعنا بناء لما تقدم إلی القول بأنّ الربا حلال و المتاجرة بالخمر و السّلم مع الیهود کذلک!، و أما القول أن المصلحة قد تکون فی مخالفة النص من کتاب اللّه تعالی، فهذا کفر و العیاذ باللّه تعالی، لأنه من أعلم بمصلحة الناس من رب الناس، من خالق الناس الذی یعلم سرهم و نجواهم و یعلم ما کان و ما سیکون و ما لم یکن و لو کان کیف یکون. و الحقیقة أنه ما وجد قط إنسان أکثر حیطة فی التمسک بالنص و حرفیته من عمر بن الخطاب رضی اللّه عنه. فقد مر معنا من خلال الأمثلة التی ذکرناها سابقا فی هذا البحث کیف کان ینادی بالناس هل منکم من سمع من رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم شیئا فی هذا؟!! .. لکن من الذی یستطیع أن یطبق النص؟ إنّ أقدر الناس علی
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 120
تطبیق النص، أفهمهم للنص و أعرفهم و أعلمهم للقواعد العربیة و أصول الدلالات فی منطوق النص و مفهومه الموافق و مفهومه المخالف و دلالة الخطاب و فحواه. و عمر کان من أعلم الناس بقواعد تفسیر النصوص، و تعالوا ننظر معا ما ذا فعل عمر؟.
بالنسبة لقوله تعالی:* إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساکِینِ وَ الْعامِلِینَ عَلَیْها وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِی الرِّقابِ وَ الْغارِمِینَ وَ فِی سَبِیلِ اللَّهِ وَ ابْنِ السَّبِیلِ فَرِیضَةً مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ عَلِیمٌ حَکِیمٌ (60)، (التوبة: 60) .. هناک فی اللغة العربیة اسم موصول للفقراء أی للذین یتصفون بالفقر، للمساکین أی للذین یتصفون بالمسکنة، للعاملین علیها أی للذین یقومون بجبایة الزکاة، للمؤلفة قلوبهم أی للذین تشعرون بالحاجة إلی أن تؤلفوا قلوبهم ... الفقراء، إن زال الفقر عنهم لن یعودوا أهلا لأخذ الزکاة، و مناط وجوب إعطاء الزکاة للمؤلفة قلوبهم أن یشعر المسلمون أنهم بحاجة إلی تألیف قلوب من وفدوا إلی الإسلام من جدید. إذا مناط الحکم أن ننظر إلی واقعنا، فإذا کان هذا الواقع عزیز قوی و کان من دخل فی الإسلام، وحده یعزه و یغنیه و یحمیه، إذا وجدنا أنّ الأمر کذلک فإنّ مناط دفع الزکاة إلیهم ارتفع. أما إن کان الإسلام فی ضعف فیکون حکم إعطاء الزکاة للمؤلفة قلوبهم عندئذ ساریا، و قد کان الإسلام فی عهد عمر بن الخطاب رضی اللّه عنه عزیزا لا بل فی أعزّ أحواله.
بالنسبة للمسألة الثانیة، و هی أنّ رجلا سرق فی عام المجاعة و کان أجیرا و علم عمر أنّهم کانوا یبخسون حقه فقال لهم:" و اللّه لو لا أنی أعلم أنکم تظلمونه و لا تعطونه حقه لقطعت یده"، و الآن عام مجاعة، فجمعا بین النصوص التالیة: قوله تعالی: وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَیْدِیَهُما ...، (المائدة: من الآیة 38)، و قوله صلّی اللّه علیه و سلّم: (ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم فإنّ الحاکم لأن یخطئ فی العفو خیرا من أن یخطئ فی العقوبة)، و هذا قانون عام فی القضاء و بدلا من العقوبة یعزّر القاضی المذنب و یعاقبه و لکن لا یقطع یده. إذا عمر عمل بالنص و لکنه علم بالحدیث الذی خصص الآیة و قضی بموجبه و لیس کما زعم الجاهل بأنه ترک النص و تبع المصلحة التی رآها مناسبة و فی ذلک دلیل علی أنّ الحدیث یبین و یشرح کلام اللّه تعالی الذی قال فی کتابه العزیز:
وَ أَنْزَلْنا إِلَیْکَ الذِّکْرَ لِتُبَیِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَیْهِمْ، [النحل: 44]. هذا من جهة و من
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 121
جهة أخری، فإنّ للسرقة نصابا حتی تقطع ید السارق فإن سرق شیئا قیمته دون النصاب یعزّر و لا تقطع یده. و المبلغ الذی سرقه الرجل ربما لیس بذاک المبلغ الکبیر أو احتمال أن یکون سرقه لیسد ضرورة و الضرورات تبیح المحظورات.
و ینبغی قبل أن نطبق هذه القاعدة أن نعلم ما معنی الضرورة و ما الفارق بین الضرورات و الحاجیات و التحسینیات؟. و قد بیناها فی بدایة الفصل الأول من الکتاب.
و أما المسألة الثالثة، فقوله تعالی: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساکٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِیحٌ بِإِحْسانٍ ...، (البقرة: من الآیة 229)، لا علاقة له بالموضوع الذی أفتی به عمر، و إنما هی بیان للطلاق و أنه ینبغی أن یفرق بین الطلقة و الأخری و إلا کان آثما، أی من طلق زوجته ثلاثا فی مجلس واحد کان آثما. أما من لم یتق اللّه تعالی و ارتکب المحرّم فقال لزوجته أنت طالق بالثلاث فهذا لن یجعل اللّه تعالی له مخرجا لأن اللّه تعالی قال:
وَ مَنْ یَتَّقِ اللَّهَ یَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)، و هذا لم یتق اللّه تعالی، و ارتکب الحرام و طلق زوجته ثلاثا بمجلس واحد، لم یجعل اللّه له مخرجا. فإذا القرآن یقضی بأن من طلق زوجته ثلاثا فی مجلس واحد فهو ثلاث و هناک أحادیث صحیحة کثیرة نصّت علی أنّ الرجل إن طلق ثلاثا فی مجلس واحد فهو ثلاث و لکنه طلاق بدعی مکروه، و من ذلک حدیث رواه الشیخان عن عویمر العجلانی رضی اللّه عنه و قد اتهم زوجته بالزنا، و جاء إلی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم، فدله علی الملاعنة التی أنزلها اللّه تعالی فی محکم کتابه. و لکنه لم یکن یعرف أنّ نتیجة الملاعنة التفریق الأبدی، و عند ما علم ذلک جلس أمام رکبتی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم و قال:" یا رسول اللّه کذبت علیها إن أمسکتها هی طالق ثلاثا". فإذا عویمر العجلانی طلق زوجته فی مجلس رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم ثلاثا بکلمة واحدة، و لو لا أنّ هذا کان جاریا فی عصر النبوة لما قال ذلک.
و حدیث فاطمة التی قالت لسیدنا عمر طلقنی زوجی البتة فلم یجعل لی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم نفقة و لا سکنی، کلمة البتة کنایة عن ثلاث طلقات و فی ذلک دلیل أنّ النبی علیه الصلاة و السلام أفتی أنه طلقها ثلاثا.
أیضا ما رواه الشافعی و الترمذی و النسائی و کثیرون عن رکانة رضی اللّه عنه أنه طلق زوجته قائلا أنت طالق البتة، و جاء إلی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم نادما فقال له رسول اللّه
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 122
صلّی اللّه علیه و سلّم:" آلله (أی أقسم علیک باللّه) ما أردت (بکلمة البتة) إلا واحدة؟، فقال رکانة:
" و اللّه ما أردت بها إلا واحدة". فأعادها رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم له، فلو لم تکن کلمة البتة تعنی ثلاثا لما سأل النبی صلّی اللّه علیه و سلّم رکانة ما ذا أراد من قوله البتة، و لو لم یکن طلاق الثلاثة فی المجلس الواحد یقع لما سأل رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم رکانة عن قصده بکلمة البتة. أما حدیث مسلم الذی یرویه عن طاوس و عن ابن عباس:" کان طلاق الثلاث علی عهد رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم واحدة فی عهد رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم و فی عهد أبی بکر و فی صدر من خلافة عمر ثم قال عمر إنّ الناس قد استعجلوا فی أمر کانت لهم فیه أناة، فمن استعجل أناة اللّه ألزمناه بها"، قال ابن جریر الطبری فی شرح هذا الحدیث و أبو ولید الباجی و النووی فی شرحه علی صحیح مسلم، معناه أی کان الرجل فی صدر الإسلام إذا أراد أن یطلّق زوجته ثلاث تطلیقات لا یستعمل إلا نفس اللفظة أی لفظة البتة فیقول:" أنت طالق البتة"، و إذا أراد أن یطلق طلقة واحدة قال:" أنت طالق البتة". فالبتة کنایة عن طلقة واحدة أو ثلاث حسب النیة، و کان الشائع الأغلب فی عهد النبی صلّی اللّه علیه و سلّم و فی عهد أبی بکر و شطر من عهد عمر أنه یقصد بذلک طلقة واحدة. هذا هو الغالب و العام لأنه نادر جدا من الصحابة من طلق ثلاث مرات دفعة واحدة لأنّ ذلک محرّم. فکان الرجل إذا جاء إلی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم أو أبی بکر و قال له إنی طلقت زوجتی البتة، صحیح أنّ البتة کنایة عن طلاق الثلاث و لکن الشائع الأغلب أنه یقصد بها واحدة، لذلک کان یسأل عن نیته، فإذا قال واحدة حکم له بواحدة. و لمّا کانت خلافة عمر تغیّر حال الناس و أخذ کثیر من الناس یطلق ثلاث طلقات بکلمة واحدة، و شاع بینهم استعمال لفظ البتة علی الثلاث، لذلک حکم عمر علی من قال له إنی طلقت زوجتی البتة أنه طلقها ثلاثا إلا أن یقسم أنه ما قصد إلا واحدة ذلک لأننا نحکم علی الألفاظ حسب العرف فإذا کان عرف الناس أن یطلّقوا طلاق البتة و یقصدون به ثلاثا وقع ثلاثا کما أصبح العرف فی عصرنا لمن قال لزوجته أنت علیّ حرام وقع طلاقا و هذا اللفظ فی أصله کنایة و لکن لما شاع استعمال الناس له علی أنه طلاق أصبح یفتی لمن قال هذا اللفظ لزوجته أنه طلقها. و هذا الذی قال به عمر من أن من طلق زوجته ثلاثا فی مجلس واحد وقعت ثلاث تطلیقات و بانت منه بینونة کبری و هو ما قاله جمهور علماء الحدیث و أجمعت علیه الأمة. إذا هذا الحدیث فی واد و ما استدلّ علیه و فهمه أحمد أمین فی واد آخر!
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 123
شبهة أخری: عند ما انتصر جیش عمر فی القادسیة بقیادة سعد بن أبی و قاص و فتح المسلمون العراق، غنم المسلمون غنائم کثیرة و أموال منقولة و غیر منقولة. أمّا الأموال غیر المنقولة فقد اعتبرت أنها سواد العراق و هی مثل غوطة دمشق أراض واسعة شاسعة کلها مزروعة. سیدنا عمر قسم الأموال المنقولة علی الجیش و لکنه لم یقسم السواد و ذلک بعد أن شاور الصحابة مثل سیدنا معاذ و علی و عثمان و جمهور الصحابة کانوا معه فی ذلک ... و یقول بعض المستشرقین: تعاطی عمر مع روح النص حین فعل ذلک لأنه خلاف الآیة القائلة:* وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَیْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِی الْقُرْبی وَ الْیَتامی وَ الْمَساکِینِ، [الأنفال: 41].
الجواب علی هذه الشبهة ما یلی: قال عمر و وافقه علی ذلک جمهور الصحابة، لو قسمنا هذه الأراضی الشاسعة سیمتلکها المسلمون فی هذا العصر و تأتی الأجیال الأخری و لیس لهم شی‌ء، فرأی أنه من الخیر أن تکون هذه الأراضی ملکا لبیت مال المسلمین حتی تستغنی الأجیال به إلی ما شاء اللّه. و لکن یا تری هل تجاوز عمر بذلک النص؟ ..
قال تعالی: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلی رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُری فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِی الْقُرْبی وَ الْیَتامی وَ الْمَساکِینِ، [الحشر: 7] ... وَ الَّذِینَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ یَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا الَّذِینَ سَبَقُونا بِالْإِیمانِ، [الحشر: 10]. إذا استنادا علی قول اللّه تعالی هذا تعطی هذه الأموال غیر المنقولة للّه أی للمصالح العامة و للرسول (و من بعده لبنی هاشم) و لذی القربی و الیتامی و المساکین و الفقراء و الأجیال الآتیة من بعدهم، لقوله تعالی:
وَ الَّذِینَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ یَقُولُونَ ...،. لذلک قال عمر إذا وزعت هذه الأراضی الآن و امتلک کل واحد منکم قسما منها، کیف یمکن أن أنفذ أمر اللّه فی أن أجعل فی هذه الأراضی حصصا للأجیال القادمة؟!!! أما ما جاء فی سورة الأنفال، فالمقصود به الغنائم المنقولة. و الآن بعد هذا التوضیح أ لیس هذا تمسّکا بالنص من سیدنا عمر؟ و لکن من یفقه؟
و من یعلم کیف یستخرج الأحکام من النصوص؟ و هذا لا یعنی أنّ الإنسان لا یبحث عن المصلحة و لکن المصلحة تکون مع النص لأنّ اللّه تعالی أعلم أین تکون مصلحة العباد. أمّا ما لیس فیه نص کالمصالح المرسلة، فها هو عمر الذی خطط لبناء الکوفة و البصرة حیث أرسل مهندسه و أمر أن تکون الشوارع الأساسیة عرض 30 ذراع و الشوارع الفرعیة عرض
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 124
20 ذراعا، و البیوت التی تبنی علی الشوارع الأساسیة لا مانع من أن یکون ارتفاعها عالیا و البیوت التی من ورائها أخفض.
عند ما فتحت العراق و الشام جمع عمر مجلس شوراه و قال لهم رأیت التجارة بأیدی الأقباط و إنی آمرکم أن تتجروا فقال له بعض الحاضرین یا أمیر المؤمنین أمر کفیناه أی الأقباط کفونا العمل، کأنه یقول أنّ اللّه تعالی جعلهم خدّاما لنا، فلما ذا نتاجر؟ قال عمر:" لأن قلتم هذا و اللّه لیکوننّ رجالکم تبعا لرجالهم و لیکوننّ نساؤکم تبعا لنسائهم". فإذا کان عمر کغیره من الصحابة الکرام یهتم بمصلحة المسلمین، و هذه الأمثلة التی ذکرناها من المصالح المرسلة. أما إذا کان هناک نص، فکان عمر و باقی الصحابة أکثر من یتمسک به لأنهم یعلمون حقا أن المصلحة مع النص أَ لا یَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِیفُ الْخَبِیرُ (14)، [الملک: 14].

3- الدور الثالث: التشریع فی عهد صغار الصحابة و التابعین‌

اشارة

3- الدور الثالث: التشریع فی عهد صغار الصحابة و التابعین
یبتدئ هذا الدور من ولایة معاویة بن أبی سفیان رضی اللّه تعالی عنه، أی فی بدایة العهد الأموی سنة 41 هجریة إلی أوائل القرن الثانی من الهجرة.

ممیزات و خصائص هذا الدور:

ممیزات و خصائص هذا الدور:
1- تفرّق المسلمین سیاسیا و اتساع نطاق الخلاف لظهور نزعتین سیاسیتین بعد مقتل عثمان رضی اللّه تعالی عنه و هما: الخوارج و شیعة علی (و هی فئة سیاسیة، أی لها بعض الآراء السیاسیة المعینة لا أنها کانت تخالف المسلمین فی بعض أمور الدّین کحال الشیعة فی عصرنا، أما الشیعة کمذهب دینی کما هو فی عصرنا لم یکن له وجود فی ذلک العصر و لم یظهر هذا المذهب إلا فی القرن الثالث الهجری).
2- انتشار الصحابة فی البلاد بعد أن کانوا محصورین بین مکة و المدینة و ذلک لاتساع رقعة الإسلام و الاحتیاج إلی فتاوی جدیدة و بالتالی إلی سماع الأحادیث.
3- ظهور الکذب فی الحدیث عن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم، و ذلک للأسباب التالیة:
أ- وجود الزنادقة و أعداء الدین من الیهود (کعبد اللّه بن سبأ) و الروم و المزدکیة و غیرهم الذین کانوا یکیدون للإسلام باطلا، و هؤلاء لبسوا مسوح الإسلام و کانوا یظهرون التّدین و یجلسون مجلس الروایة عن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم لیستمعوا الأحادیث ثم یجلسون
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 125
مجالس أخری یعلّمون الناس فیها أحادیث مکذوبة. و قد تلبّس کثیر من هؤلاء المجرمین بالجرم المشهود فعوقبوا و أنزلت بهم الخلافة الإسلامیة آنذاک أشد العقوبات فکان أحدهم یقول قبل أن یقتل لینفّس عن غیظه: أین أنتم من الأحادیث التی وضعتها فیکم أحرّم الحلال و أحلّ الحرام.
ب- انتصار المتعصبین لمذاهبهم کدعاة المبتدعة: یروی عبد اللّه بن ذریعة یقول:
قال لی شیخ من الخوارج تاب:" إنّ هذا الحدیث دین، فانظروا عمّن تأخذون الحدیث، فإنّا کنا إذا رأینا رأیا جعلناه حدیثا" ... و کذا من فئة الشیعة، ورد أنّ جابر الجم و هو ممن غالی من التشیع قال أنا عندی خمسون ألف حدیث، یرویها ابتداعا عن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم.
ج- العاطفة الإسلامیة الفجة التی لا تضبطها قواعد العلم، کالتی نجدها عند جهلة المتعبدین الذین وضعوا الأحادیث فی الفضائل و غیرها. أراد بعض الجهلة أن یرغّبوا العامة فی الجنة و یخوّفوهم من النار، فأخذوا یضعون (أی یختلقون) الأحادیث و هم یقولون إذا وقعوا بید العلماء:" نحن نکذب لرسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم و لا نکذب علی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم"!.
د- رغبة بعض الفسقة من المحدثین فی جمع عدد کبیر من الناس حولهم فی المساجد و تنافسهم فیما بینهم لجعل حلقة الواحد منهم أکبر من حلقة غیره، و هذه الظاهرة نجدها حتی فی عصرنا الیوم فتجد واحدا ممن ادعی العلم یروی الأحادیث الموضوعة و المکذوبة فی دروسه و عامة الناس لا یعرفون لا بل یظنونه من کبار العلماء! و کان العلماء یحذّرون من مجالسة هؤلاء القصاصین.
فائدة: من علامات الحدیث الموضوع ما یلی:
1- ذکر أعداد کثیرة (سبعون ألفا مع کل ألف ...).
2- الأجر الکثیر علی العمل القلیل.
3- قصص عن سیدنا موسی و سیدنا داود علیهما السلام.
4- الأحادیث المتعلقة بفضائل بعض السّور المذکورة فی بعض کتب التفاسیر، أما الأحادیث الواردة فی فضل سورة البقرة و آل عمران و الکهف و یس و تبارک و الإخلاص و ما شابه فیحتج بها.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 126
من هنا کان لا بد من صحوة المسلمین لمجابهة هذا الخطر، فمنعوا روایة الحدیث و حصروها فیمن کانوا أهلا لذلک. و بدأ تدوین السنّة بأمر من عمر بن عبد العزیز، ففی عام 99 هجریة کان أبو بکر بن حزم أول من دوّن أحادیث النبی صلّی اللّه علیه و سلّم و جمعها بین دفتی کتاب و من ثم تبعه الکثیرون کسفیان بن عیینة و غیره. و باشر العلماء أیضا بتدوین العلوم الکفیلة بحفظ الروایة کعلم الجرح و التعدیل، و وضع شروط الروایة و شروط الحدیث الصحیح و الحسن و الضعیف و المرسل و الموقوف ... و فی ما یلی نورد بعض التعاریف المهمة المتعلقة بعلم مصطلح الحدیث:

نبذة عامة بمصطلح الحدیث:

اشارة

نبذة عامة بمصطلح الحدیث:
لقد تواترت الأحادیث عن النبی صلّی اللّه علیه و سلّم کما نعلم، فی وجوب الأخذ بهدیه فی کل شی‌ء من الأمور، و من ذلک قوله صلّی اللّه علیه و سلّم:" علیکم بسنتی و سنة الخلفاء المهدیین الراشدین، تمسکوا بها و عضوا علیها بالنواجذ، و إیاکم و محدثات الأمور فإن کل محدثة بدعة، و کل بدعة ضلالة" ... و النبی صلّی اللّه علیه و سلّم قد حض علی اتباع سنته لما فیها من مضاعفة الأجر:
قال صلّی اللّه علیه و سلّم:" من أحیی سنة من سنتی قد أمیتت بعدی کان له من الأجر مثل من عمل بها من غیر أن ینقص من أجورهم شیئا"، أخرجه الترمذی. و عنه صلّی اللّه علیه و سلّم قال:
" المتمسک بسنتی عند فساد أمتی له أجر مائة شهید"، أخرجه الطبرانی فی الأوسط و البیهقی فی الزهد.
لذلک عنیت الأمة الإسلامیة بالحدیث النبوی، و بذلت من أجله أعظم الجهد. فقد نقل لنا الرواة أقوال الرسول علیه الصلاة و السلام فی الشئون کلها العظیمة و الیسیرة، بل الجزئیات التی قد یتوهم أنها لیست موضع اهتمام، حتی یدرک من یتتبع کتب السنة أنها ما ترکت شیئا صدر عنه صلّی اللّه علیه و سلّم إلا روته و نقلته. و لقد علم الصحابة بقیادة الخلفاء أنهم خرجوا هداة لا جباة، فأقام الکثیر من الصحابة الفاتحین فی أصقاع متفرقة ینشرون العلم و یبلّغون الحدیث.
و نجد هذا الحرص، یسری من الصحابة إلی التابعین فمن بعدهم ... من هنا تقرر للناظر حقیقة لها أهمیتها، و هی أن الصحابة رضوان اللّه علیهم أجمعین یرجع إلیهم الفضل فی بدء علم الروایة للحدیث، ذلک لأن الحدیث النبوی فی حیاة المصطفی کان
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 127
علما یسمع و یتلقّف منه صلّی اللّه علیه و سلّم- کما مر معنا- فلما لحق صلّی اللّه علیه و سلّم بالرفیق الأعلی، حدّث عنه الصحابة بما وعته صدورهم الحافظة و رووه للناس بغایة الحرص و العنایة، فصار علما یروی و ینقل، و وجد بذلک علم الحدیث روایة حیث وضع الصحابة له قوانین تحقق ضبط الحدیث، و تمیز المقبول من غیر المقبول و من هنا نشأ علم مصطلح الحدیث.

تعریف الحدیث:

تعریف الحدیث:
هو" ما أضیف إلی النبی صلّی اللّه علیه و سلّم من قول أو فعل أو تقریر أو وصف خلقی أو خلقی ... و معنی علم الحدیث کتعبیر لغوی إدراک الحدیث، و لکنه استعمل عند العلماء کاصطلاح یطلقونه بإطلاقین:
أحدهما: علم الحدیث روایة أو روایة الحدیث.
و الثانی: علم الحدیث درایة أو علم درایة الحدیث.
علم الحدیث روایة:" هو علم یشتمل علی أقوال النبی صلّی اللّه علیه و سلّم و أفعاله و تقریراته و صفاته و روایتها و ضبطها و تحریر ألفاظها". فهو علم موضوعه ما أضیف إلی النبی صلّی اللّه علیه و سلّم، و یبحث عن روایتها و ضبطها و دراسة أسانیدها و معرفة حال کل حدیث، من حیث القوة و الضعف. کما یبحث فی هذا العلم عن معنی الحدیث و ما یستنبط منه من الفوائد.
باختصار، فعلم الحدیث روایة یحقق بذلک غایة عظیمة جدا تقوم علی" الصون عن الخلل فی نقل الحدیث".
علم الحدیث درایة: و یطلق علیه" مصطلح الحدیث"، و هو:" علم بقوانین یعرف بها أحوال السند و المتن".
و السند هو حکایة رجال الحدیث الذین رووه واحدا عن واحد إلی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم.
و أحوال السند: هی ما یطرأ علیه من اتصال، أو انقطاع، أو تساهل بعض رجاله فی السماع، أو سوء الحفظ، أو اتهامه بالفسق أو الکذب أو غیر ذلک.
و أما المتن: فهو ما ینتهی إلیه السند من الکلام. و أحوال المتن، هی ما یطرأ علیه من رفع، أو وقف، أو شذوذ أو علة، أو غیر ذلک. فعلم المصطلح یضبط روایة الحدیث و یحفظ الحدیث النبوی من الخلط فیه أو الافتراء علیه، و لو لا هذا العلم لاختلط الحدیث الصحیح بالضعیف و الموضوع و لاختلط کلام رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم بکلام غیره!. و یعتبر القرن الثالث الهجری عصر التدوین الذهبی للسنّة، و فیه أصبح کل نوع من أنواع الحدیث علما خاصا، فأفرد العلماء کل نوع منها بتألیف خاص. و لقد توالت سلسلة الجهود
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 128
العلمیة متواترة متضافرة لحمل الحدیث النبوی و تبلیغه علما و عملا، فنا و دراسة و شرحا، منذ عهد النبی صلّی اللّه علیه و سلّم إلی عصرنا الحاضر، و إنها حقا لمکرمة عظیمة أکرم اللّه بها هذه الأمة، بل هی معجزة تحقق صدق التنزیل: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّکْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (9)، [الحجر: 9]. قال الحافظ أبو علی الجیانی:" خص اللّه تعالی هذه الأمة بثلاثة أشیاء لم یعطها من قبلها: الإسناد، و الأنساب، و الإعراب".

أهم مراتب الحدیث من حیث القوة و الضعف:

أهم مراتب الحدیث من حیث القوة و الضعف:
1- الحدیث الصحیح: هو الحدیث الذی اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط من أوله إلی منتهاه، دون شذوذ أو علة.
فالعدالة و الضبط یحققان أداء الحدیث کما سمع من قائله، و اتصال السند علی هذا الوصف من الرواة یمنع اختلال ذلک فی أثناء السند، و عدم الشذوذ یحقق و یؤکد ضبط هذا الحدیث الذی نبحثه و أنه لم یدخله و هم، و عدم الإعلال یدل علی سلامته من القوادح الخفیة، فکان الحدیث بذلک صحیحا لتوفر النقل الصحیح، فیحکم له بالصحة إجماعا.
2- الحدیث الحسن: هو الحدیث الذی اتصل إسناده بنقل عدل خفّ ضبطه فهو کالحدیث الصحیح إلا أنّه فی إسناده من خفّ ضبطه.
بالمقارنة بین هذا التعریف، و بین تعریف الحدیث الصحیح، نجد أن راوی الحدیث الصحیح تام الضبط، أما راوی الحدیث الحسن فهو خف ضبطه.
فالمقصود أنه درجة أدنی من الصحیح، من غیر اختلال فی ضبطه و ما کان کذلک یحسن الظن بسلامته فیکون مقبولا.
3- الحدیث الضعیف: هو الحدیث الذی فقد شرطا من شروط الحدیث المقبول من عدالة أو ضبط أو اتصال أو سلامة من الشذوذ و العلة.
4- الحدیث الموضوع: هو المختلق المصنوع. أی الذی ینسب إلی رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم کذبا، و لیس له صلة حقیقیة بالنبی صلّی اللّه علیه و سلّم، و هو لیس بحدیث.
5- الحدیث الموقوف: هو ما أضیف إلی الصحابة رضوان اللّه تعالی علیهم. سمّی موقوفا لأنه وقف به عند الصحابی، و لم یرفعه إلی النبی صلّی اللّه علیه و سلّم. و بعض العلماء یطلقون علی الموقوف اسم الأثر.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 129
6- الحدیث المقطوع: هو ما أضیف إلی التابعی.
7- الحدیث المرسل: هو ما أضافه التابعی إلی النبی صلّی اللّه علیه و سلّم، بأن یقول:" قال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم" سواء کان التابعی کبیرا أو صغیرا.

علم الجرح و التعدیل:

علم الجرح و التعدیل:
الجرح عند المحدثین هو الحکم علی راوی الحدیث بالضعف لثبوت ما یسلب أو یخل بعدالته أو ضبطه. و التعدیل هو عکسه، و هو تزکیة الراوی و الحکم علیه بأنه عدل ضابط.
فعلم الجرح و التعدیل هو میزان رجال الروایة، به نعرف الراوی الذی یقبل حدیثه و نمیزه عمن لا یقبل حدیثه. و من هنا اعتنی به علماء الحدیث کل العنایة، و بذلوا فیه أقصی جهد، و تکبدوا المشاق، ثم قاموا فی الناس بالتحذیر من الکذابین و الضعفاء المخلطین و لقد انعقد إجماع العلماء علی مشروعیته، بل علی وجوبه للحاجة الملجئة إلیه.
و لقد اشترطت شروط لا بد من أن تتوفر فی الجارح و المعدل لکی تجعل حکمه منصفا کاشفا عن حال الراوی، کالعلم، و التقوی، و الورع، و الصدق، و الیقظة التی تحمله علی التحری و الضبط و أن یکون عالما بأسباب الجرح و التعدیل و بتصاریف کلام العرب فلا یضع اللفظ لغیر معناه.
و لقد تعجب علماء الغرب و قالوا نحن لا نتصور أنّ أی حضارة ینشأ فیها علم کهذا، لأنه علم یحتاج إلی جهد کبیر و إنفاق الأموال و السفر ... و لکن لو علموا کیف کان حب المسلمین لرسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم، و کیف کان الواحد منهم یفدیه بروحه کما فعل ذاک الصحابی فی معرکة أحد و هو سید الأنصار، حیث جعل من نفسه و صدره و وجهه درعا لرسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم، و عند ما انتهت المعرکة أرسل النبی علیه الصلاة و السلام یتفقده، جاءه الصحابة فوجدوه ملقیا علی الأرض علی شفیر الموت، سألوه عن حاله فقال لهم:" کیف رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم؟ قالوا: بخیر، قال: إذا أنا بخیر و الحمد للّه، بلّغوا عنی الأنصار، لأن متم جمیعا فداء للنبی صلّی اللّه علیه و سلّم خیر لکم من أن یجرح رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم بجرح".
لذلک شعر علماء المسلمین أنهم بعملهم هذا (و هو تدوین السنة) إنما یدافعون عن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم و عن حدیثه، فکان الواحد منهم یشقی نفسه و یفنی عمره بالسهر و التعب و السفر و إنفاق الأموال فی سبیل المحافظة علی سنّة الحبیب محمد صلّی اللّه علیه و سلّم، جزاهم اللّه تعالی
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 130
عن أمة الإسلام کل خیر.

أهم کتب الروایة فی القرنین الثانی و الثالث هجری:

1- موطأ مالک:

1- موطأ مالک:
و یعود تدوین هذا الکتاب إلی منتصف القرن الثانی هجری، و قد استغرق تصنیفه و جمعه و تحریره أربعین عاما. أما عن تسمیته، فقد روی عن الإمام مالک أنه قال:" عرضت کتابی هذا علی سبعین فقیها من فقهاء المدینة، کلهم وطّأنی علیه فسمّیته الموطأ، (وطّأ أی وافق) ... و قد جمع فی الموطأ 1720 حدیثا مرفوعا و 600 مرسلا و 222 موقوفا و أقوال التابعین و فتاویهم. و الموطأ له مکانة عالیة جدا و أغلب ما فیه صحیح. قال الشافعی:" ما علی ظهر الأرض کتاب بعد کتاب اللّه أصح من موطأ مالک".
و لم یکن کتاب البخاری قد ظهر بعد.

2- مسند الإمام أحمد:

2- مسند الإمام أحمد:
دوّنه فی أول القرن الثالث هجری و یعتبر من أشهر دواوین السنة المشهورة و أجمعها للأحادیث، فقد وضع فیه الإمام أحمد قرابة ثلاثین ألف حدیث، انتقاها من نحو سبعمائة و خمسین ألف حدیث. و لقد راعی فیه تسلسل نظام الطبقات بالنسبة للصحابة الذین أسند إلیهم الحدیث، حیث قدّم أولا أحادیث العشرة المبشّرین بالجنة و أولهم الخلفاء الأربعة ثم بعدهم أحادیث أهل البیت و أقدم الصحابة إسلاما ... أکثر أحادیث المسند صحیحة بل و فیه من الأحادیث الصحیحة زیادة علی ما فی الصحیحین بل و السنن الأربعة، و فیه الحدیث الحسن و الضعیف، و یقال إنّ فیه بعض الأحادیث الموضوعة و لکن ما وجد فیه لا یزید عن أربعة أحادیث و قد اعتذر عنها بأن ترکها الإمام أحمد سهوا، و قد عاجلته منیّته قبل إتمام تنقیح المسند منها، و قیل هی من زیادة ابنه عبد اللّه بن أحمد.

3- صحیح البخاری:

3- صحیح البخاری:
و یسمی الجامع الصحیح و یعتبر صحیح البخاری عند أهل السنة و جمهور الفقهاء و الأصولیین أصح کتب السنة و الأحادیث علی الإطلاق، بل هو عندهم أصح کتاب بعد القرآن الکریم ... و یعتبر صحیح البخاری أول کتاب دوّن فی بدایة النصف الثانی من القرن الثالث هجری، و قد بذل الإمام البخاری فی تصنیف کتابه" الجامع الصحیح" جهدا کبیرا و وقتا طویلا بلغ ستة عشر عاما حتی جمعه ... و قد اختار أحادیثه من ستمائة ألف حدیث، و اقتصر علی إخراج الصحیح منها و لم یستوعب کل الصحیح بل اختار منه ما وافق شرطه، و قد ترک من الصحیح أکثر مما أثبته لئلا یطول الکتاب. جمع الإمام البخاری فی کتابه هذا نبذة من أحادیث الأحکام و الفضائل
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 131
و الأخبار و الأمور الماضیة و المستقبلیة بالإضافة إلی الآداب و الرقائق و الدعوات و المغازی و السّیر لذلک سمی کتابه بالجامع الصحیح. و ما کان من الأحادیث غیر المسندة مما لم یتصل سنده من المعلقات، مما حذف من أول سنده راو أو أکثر فهذا خارج عن نمط الکتاب و منهجه و موضوعه و مقاصده، و إنما أورده البخاری للاستشهاد فقط فی تراجم أبواب الکتاب و لا یوجد شی‌ء منها فی صلب الکتاب. و مما ینبغی أن یعلم أنّ ما أورده البخاری منها بصیغة الجزم مثل" قال" و" ذکر" و روی" فهذا یفید الصحة إلی من علّق عنه، و أما ما علّقه عن شیوخه بصیغة الجزم فلیس من المعلّق و إنما هو من المتصل و قد یعلّق البخاری الحدیث فی بعض المواضع من الجامع الصحیح و هو بسند متصل فی مکان آخر فی نفس الصحیح و قد یکون الحدیث معلقا عنده فی الصحیح و هو صحیح متصل عند مسلم أو عند غیره من أصحاب کتب السنة المشهورة. أما إذا کان المعلق بصیغة لا تدل علی الجزم و یقال لها صیغة التمریض مثل" قیل" و" یروی" و" یذکر"، فهذا لا یستفاد منه الصحة و لا عدمها بل یحتمل.
أحادیث الجامع الصحیح علی ما حققه ابن حجر بلغت 2602 حدیثا غیر مکررا، و إنّ جملة ما فیه من الأحادیث المکررة سوی المعلقات و المتابعات 7398 حدیثا و جملة ما فیه من المعلقات 341 و جمع ما فیه بالمکرر 9082.
أجمع شروحه:
أ- فتح الباری شرح صحیح البخاری للحافظ ابن حجر العسقلانی الشافعی.
ب- عمدة القاری بشرح البخاری للعینی الحنفی.

4- صحیح مسلم:

4- صحیح مسلم:
یسمی الجامع الصحیح و یعتبر ثانی کتب الصحاح. استغرق جمعه 12 عاما، و قد انتقاه من ثلاثمائة ألف حدیث. جملة ما فی صحیح مسلم دون المکرر أربعة آلاف حدیث و هو بالمکرر یزید علی صحیح البخاری لکثرة طرقه. لم یستوعب البخاری و مسلم فی صحیحیهما کل الأحادیث الصحیحة و لا التزما إخراج کل الصحیح و إنما أخرجا من الصحیح ما هو علی شرطهما. فقد روی عن البخاری أنه قال:
" ما وضعت فی کتابی الجامع إلا ما صح و ترکت من الصحاح مخافة الطول". و قال مسلم:" لیس کل شی‌ء عندی صحیح وضعته هنا و إنما وضعت ما أجمعوا علیه". إذا فإنّ کثیرا من الأحادیث الصحیحة توجد عند غیرهما من الکتب المعتمدة، ممن التزم أصحابها إخراج الصحیح فیها کمستدرک الحاکم و صحیح ابن حبّان و صحیح ابن
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 132
خزیمة. و الصحیح أن یقال إنه لم یفت الأمهات الست- الصحیحین و السنن الأربعة (سنن أبی داود و سنن الترمذی و سنن ابن ماجة و سنن النّسائی)- إلا الیسیر من الأحادیث الصحیحة و توجد هذه الزوائد من الأحادیث الصحیحة فی مسند أبی یعلی و البزّار و بقیة السنن الأخری.

5- سنن أبی داود:

5- سنن أبی داود:
اعتنی أبو داود بأحادیث الأحکام خاصة و انتقی صحیحه من خمسمائة ألف حدیث و اشتمل علی أربعة آلاف حدیث من أحادیث الأحکام خاصة، لذلک فهو مرجع للفقهاء فی أحادیث الأحکام. و هذا الکتاب هو أول السنن الأربعة و أقدمها منزلة بعد الصحیحین. قال أبو داود:" قد ذکرت فیه الصحیح و ما یقاربه و ما کان فیه و هن شدید بیّنته و لیس فی کتابی هذا الذی صنّفته عن رجل متروک الحدیث شی‌ء". و لکن مع هذا مع فهو لا ینص علی صحة الحدیث و لا ضعفه، فیسکت عنه. و ما سکت عنه فی منهجه صالح للاحتجاج به و لکن العلماء تتبعوا أحادیث السنن و دققوا فیها و حکموا علیها.

6- جامع الترمذی:

6- جامع الترمذی:
و یسمی سنن الترمذی، و یعتبر فی المرتبة الثانیة بعد سنن أبی داود. التزم فیه الترمذی بأن لا یخرّج إلا حدیثا عمل به فقیه أو احتج به مجتهد. و لم یلتزم الترمذی بإخراج الصحیح فقط و لکنه أخرج الصحیح و نصّ علی صحته و أخرج الحسن و بیّنه و نوّه به و أکثر من ذکره و هو الذی شهره، و أخرج الحسن الصحیح. یعتبر کتاب الترمذی من مظان الحدیث الحسن. و أخرج أیضا الضعیف و نصّ علی ضعفه و أبان علته و أخرج بعض الأحادیث المنکرة فی باب الفضائل و نبّه علیها غالبا. تمیّز کتابه بالاستدلالات الفقهیة و استنباط الأحکام من الأحادیث و بیّن من أخذ بها أو عمل بها من الصحابة و التابعین و الأئمة المجتهدین من فقهاء الأمصار. و قد تضمّن کتابه أیضا کتابا آخر سماه" العلل"، کشف فیه علل بعض الأحادیث و بذلک یکون جامع الترمذی قد تضمّن فوائد کثیرة.

7- سنن النّسائی:

7- سنن النّسائی:
صنّف النسائی" سننه الکبری" التی تعتبر أقل الکتب- بعد الصحیحین- حدیثا ضعیفا و رجلا مجروحا، ثم استخلص منه" السنن الصغری" و تسمی" المجتبی" و هذا الکتاب هو أقل السنن حدیثا ضعیفا و عدد أحادیثه 5761 حدیثا.

8- سنن ابن ماجة:

8- سنن ابن ماجة:
یعتبر هذا الکتاب أدنی الکتب الستة فی الرتبة. رتب ابن
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 133
ماجة الأحادیث فیه علی أبواب الفقه شأنها شأن السنن الأخری. جمع فیه 4341 حدیثا منها 3002 حدیثا أخرجها أصحاب الکتب الخمسة و 1339 حدیثا زائدا عن الکتب الخمسة، منها 428 حدیثا صحیح الإسناد و 613 حدیثا ضعیفا و الباقی 99 حدیثا ما بین واه أو منکر أو موضوع.
خلاصة: إنّ أصحاب السنن الأربعة لم یلتزموا إخراج الصحیح فقط کما فعل صاحبا الصحیحین البخاری و مسلم، بل أخرجوا الصحیح و الحسن و الضعیف، و تتفاوت کتبهم فی المنزلة بحسب تفاوتهم فی العلم و المعرفة، و لقد کان منهجهم فی التألیف هو ترتیب الأحادیث علی أبواب الفقه و الاقتصار علی أحادیث الأحکام. أما أصحاب الجوامع فقد تناولوا مع أحادیث الأحکام أحادیث العلم و الوحی و التفسیر و المغازی و السّیر و القصص و الفتن و أشراط الساعة و غیر ذلک من المواضیع العامة الجامعة لکثیر من الأبواب ... و نخلص إلی القول أن کل ما فی صحیح البخاری و مسلم صحیح و أغلب ما فی السنن الأربعة صحیح.
فوائد:
- إذا قیل رواه الشیخان أو متّفق علیه أو أخرجه صاحبا الصحیحین، فمعناه أنه رواه البخاری و مسلم فی صحیحیهما، و قد یرمز له بعض المحدّثین ب" ق" أی متفق علیه.
- إذا قیل رواه الجماعة، یقصد به أصحاب الکتب السبعة: الصحیحان و السنن الأربعة و مسند أحمد.
- إذا قیل رواه الستة، فهم البخاری و مسلم و أبو داود و الترمذی و النسائی و ابن ماجة ما عدا مسند الإمام أحمد.
- إذا قیل رواه أصحاب السنن أو الأربعة فیعنی أصحاب السنن عدا البخاری و مسلم.
- إذا قیل رواه الخمسة فهم أصحاب السنن الأربعة و أحمد فقط.
- إذا قیل رواه الثلاثة فهم أصحاب السنن ما عدا ابن ماجة.
ملاحظة: للبخاری کتب أخری غیر الجامع الصحیح مثل الأدب المفرد و غیره و لم یلتزم البخاری بهذه الکتب الصحة کما التزمها فی الجامع الصحیح.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 134

4- الدور الرابع من تاریخ التشریع الإسلامی: عصر الأئمة

اشارة

4- الدور الرابع من تاریخ التشریع الإسلامی: عصر الأئمة
و یمتد من أوائل القرن الثانی إلی منتصف القرن الرابع و هو دور تدوین السنة و الفقه و ظهور کبار الأئمة الذین اعترف لهم الجمهور بالزعامة و سیأتی فیما یلی ترجمة کل واحد منهم:

أولا: ترجمة الإمام الأکبر أبی حنیفة النعمان رضی اللّه تعالی عنه و أرضاه:

بشارة النبی صلّی اللّه علیه و سلّم به:

بشارة النبی صلّی اللّه علیه و سلّم به:
قال النبی صلّی اللّه علیه و سلّم مبشرا بأبی حنیفة:" لو کان الإیمان عند الثریا لذهب به رجل من فارس". و فی لفظ لمسلم:" لو کان الإیمان عند الثریا لذهب به رجل من أبناء فارس حتی یتناوله".
نزل ثابت والد الإمام الکوفة و کان من وجوه بلاد فارس، و عمل بالتجارة و کان ماهرا فیها و حافظ علی نفس المستوی الاجتماعی الذی عاشته الأسرة من قبل، فی رخاء و بحبوحة. التقی ثابت الإمام علیّ کرّم اللّه وجهه الذی دعا له بالبرکة فیه و فی ذریته.
و الإمام أبو حنیفة هو النعمان بن ثابت بن زوطی، ولد سنة 80 من الهجرة بالکوفة. بدأ أبو حنیفة و منذ نعومة أظافره یذهب مع أبیه إلی متجره حیث کان یلازمه و یتعلم منه أصول و أسس التعامل مع البائعین و المشترین، و تابع خطی أبیه و عاش فی رخاء و یسر و کان بزّازا أی تاجر أقمشة و ثیاب و کان له شریک فی متجره یساعده.

حرصه علی الکسب الحلال:

حرصه علی الکسب الحلال:
کان یقول:" أفضل المال الکسب من الحلال و أطیب ما یأکله المرء من عمل یده".
جاءته امرأة بثوب من الحریر تبیعه له فقال کم ثمنه، قالت مائة، فقال هو خیر من مائة، فقالت مائتین، فقال هو خیر من ذلک، حتی وصلت إلی أربع مائة فقال هو خیر من ذلک، قالت أ تهزأ بی؟ فجاء برجل فاشتراه بخمسمائة.
و ذات یوم أعطی شریکه متاعا و أعلمه أنّ فی ثوب منه عیب و أوجب علیه أن یبین العیب عند بیعه. باع شریکه المتاع و نسی أن یبین و لم یعلم من الذی اشتراه، فلما علم أبو حنیفة تصدّق بثمن المتاع کله.
و کان أبو حنیفة یجمع الأرباح عنده من سنة إلی سنة فیشتری بها حوائج الأشیاخ و المحدثین و أقواتهم و کسوتهم و جمیع لوازمهم ثم یدفع باقی الدنانیر من الأرباح إلیهم و یقول: أنفقوا فی حوائجکم و لا تحمدوا إلا اللّه فإنی ما أعطیتکم من مالی شیئا و لکن من
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 135
فضل اللّه علیّ فیکم.
کان الخلیفة أبو منصور یرفع من شأن أبی حنیفة و یکرمه و یرسل له العطایا و الأموال و لکن أبا حنیفة کان لا یقبل عطاء. و لقد عاتبه المنصور علی ذلک قائلا: لم لا تقبل صلتی؟. فقال أبو حنیفة: ما وصلنی أمیر المؤمنین من ماله بشی‌ء فرددته و لو وصلنی بذلک لقبلته إنما وصلنی من بیت مال المسلمین و لا حق لی به.
وقع یوما بین الخلیفة المنصور و زوجته شقاق و خلاف بسبب میله عنها، فطلبت منه العدل فقال لها من ترضین فی الحکومة بینی و بینک؟ قالت أبا حنیفة، فرضی هو به فجاءه فقال له: یا أبا حنیفة زوجتی تخاصمنی فانصفنی منها، فقال له أبو حنیفة:
لیتکلّم أمیر المؤمنین. فقال المنصور: کم یحلّ للرجال أن یتزوج من النساء؟ قال: أربع.
قال المنصور لزوجته: أسمعت. فقال أبو حنیفة: یا أمیر المؤمنین إنما أحلّ اللّه هذا لأهل العدل فمن لم یعدل أو خاف أن لا یعدل فواحدة لقوله تعالی: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً، [النساء: 3]، فینبغی لنا أن نتأدّب مع اللّه و نتّعظ بمواعظه. فسکت المنصور و طال سکوته، فقام أبو حنیفة و خرج فلما بلغ منزله أرسلت إلیه زوجة المنصور خادما و معه مال و ثیاب، فردها و قال: أقرئها السلام و قل لها إنما ناضلت عن دینی و قمت بذلک المقام للّه و لم أرد بذلک تقربا إلی أحد و لا التمست به دنیا.

حرصه علی مظهره:

حرصه علی مظهره:
کان حریصا علی أن یکون مظهره حسنا تماما لذا کان کثیر العنایة بثیابه.
رأی مرة علی بعض جلسائه ثیابا رثة فأمره أن ینتظر حتی تفرّق المجلس و بقی وحده فقال له: ارفع المصلی و خذ ما تحته، فرفع الرجل المصلی و کان تحته ألف درهم، و قال له خذ هذه الدراهم و غیّر بها حالک، فقال له الرجل إنی موسر و أنا فی نعمة و لست أحتاج إلیه، فقال له أبو حنیفة: أما بلغک الحدیث:" إنّ اللّه یحب أن یری أثر نعمته علی عبده"؟.

طلبه للعلم:

طلبه للعلم:
لزم أبو حنیفة عالم عصره حمّاد بن أبی سلیمان و تخرّج علیه فی الفقه و استمر معه إلی أن مات. بدأ بالتعلم عنه و هو ابن 22 سنة و لازمه 18 سنة من غیر انقطاع و لا نزاع. یقول أبو حنیفة:" بعد أن صحبت حمّادا عشر سنین نازعتنی نفسی لطلب الرئاسة، فأردت أن أعتزله و أجلس فی حلقة لنفسی. فخرجت یوما بالعشیّ
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 136
و عزمی أن أفعل، فلمّا دخلت المسجد رأیته و لم تطب نفسی أن أعتزله فجئت فجلست معه، فجاء فی تلک اللیلة نعی قرابة له قد مات بالبصرة، و ترک مالا و لیس له وارث غیره، فأمرنی أن أجلس مکانه. فما هو إلا أن خرج حتی وردت علیّ مسائل لم أسمعها منه، فکنت أجیب و أکتب جوابی. ثم قدم، فعرضت علیه المسائل و کانت نحوا من ستین مسألة، فوافقنی بأربعین و خالفنی فی عشرین، فآلیت علی نفسی ألا أفارقه حتی یموت و هکذا کان".
و کان أبو حنیفة شدید الأدب مع شیوخه حتی أنه کان لا یتخلی باتّجاه بیت شیخه حمّاد کان إذا نام یحرص أن لا تتوجه قدماه باتجاه بیت شیخه حمّاد. و قیل إن أبا حنیفة لم یکثر من الشیوخ مخافة أن تکثر حقوقهم علیه فلا یستطیع أداءها، فتأملوا فی أدبه الرائع!.

ولعه بالفقه الفرضی:

ولعه بالفقه الفرضی:
أولع أبو حنیفة بالفقه الفرضی بخلاف معظم علماء عصره الذین کانوا یقولون نحن مضطرون أن نعلّم حکم اللّه فی أمر حصل أمّا إذا لم یقع لا نحمّل أنفسنا هذه المئونة. و معظم شیوخ أبی حنیفة کانوا علی هذا المنوال و إن وجد فیهم من استجاز لنفسه أن یتوسع قلیلا فإلی حد محدود جدا. و أبو حنیفة کان علی النقیض إذ کان یفرض الوقائع و إن لم تقع و کان یتأمل فی حکمها و یعطی کلا منها فتوی. هذا الأمر أعطی فقهه غزارة و غنی و مدعاة لأن یتبع الناس الفقه الأوسع و الأکثر استجابة لواقع الحال، فما لم یقع الیوم سیقع غدا لا سیما عند ما یکون هذا الإمام عالما بعلم الاجتماع و خبیرا بالمشکلات التی ستنجم، مثال ذلک: لقی أبو حنیفة قتادة رضی اللّه عنه و هو عالم من أجلّ علماء الحدیث فسأله ما تقول فی رجل غاب عن أهله أمدا طویلا و لم یعرف مصیره، فتزوجت امرأته من زوج آخر و بعد حین جاء زوجها، ما تقول فی هذا؟ قال قتادة: أوقعت هذه المسألة؟ قال لا، فقال له و قد ظهر الغضب علی وجهه:
فلما ذا تسألنی عنها؟ قال له هذا الکلام المهم:" إننا نستعد للبلاء قبل نزوله فإذا ما وقع عرفنا الدخول فیه و الخروج منه".

فتنته مع أبی هبیرة:

فتنته مع أبی هبیرة:
کان أبو هبیرة والیا بالکوفة فی زمان بنی أمیّة، فظهرت الفتن بالعراق، فجمع فقهاءها ببابه و فیهم ابن أبی لیلی و ابن شبرمة و داود بن أبی هند، فولّی کل واحد منهم صدرا من عمله، و أرسل إلی أبی حنیفة فأراد أن یجعل الخاتم فی یده و لا ینفذ کتاب إلا من تحت یده و لا یخرج من بیت المال شی‌ء إلا من
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 137
تحت ید أبی حنیفة. و کان المقصود حمل أبی حنیفة علی الولاء له قسرا و قهرا أو إغراء بالإکثار من المسئولیات و المهمات، فامتنع أبو حنیفة و قال لو أرادنی أن أعد له أبواب مساجد واسط لما فعلت! ... و قد سجن أبو حنیفة و ضرب ضربا مبرحا مؤلما أیاما متتالیة حتی سقط فاقد الوعی.

منهج أبی حنیفة العلمی:

منهج أبی حنیفة العلمی:
کان یقول: آخذ ما فی کتاب اللّه و بما صحّ عن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم و ربما اشترط زیادة عن الصحة الشهرة فیما تقتضیه الشهرة فی الأحکام و المسائل، فإن لم أجد آخذ بقول الصحابة، آخذ بقول من شئت منهم و أدع قول من شئت منهم عند ما یختلفون و لکنی ألزم نفسی بالأخذ من الصحابة و إذا لم أجد و آل الأمر إلی إبراهیم النخعی و إلی التابعین کالأوزاعی، فإنی أجتهد کما اجتهدوا و لا ألزم نفسی باتّباع رأی واحد منهم ما دام الأمر اجتهادیا. و کان یأخذ بحدیث الآحاد و یعمل بها ما أمکن.
مثال: قوله تعالی: فَاقْرَؤُا ما تَیَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ، [المزمل: 20] و حدیث النبی علیه الصلاة و السلام یقول:" لا صلاة لمن لم یقرأ بفاتحة الکتاب"، متفق علیه، فحکم أنّ أصل قراءة القرآن فی الصلاة رکن، أمّا تقسیم القراءة للقرآن الکریم إلی الفاتحة و بعض ما تیسر من القرآن فواجب و بذلک عمل بالقرآن و السنة معا.
و کذلک الطمأنینة فی الرکوع لیست فرضا عند أبی حنیفة لإطلاق قوله تعالی:
ارْکَعُوا، أمّا الطمأنینة فثابتة بخبر الآحاد لذلک هی عنده واجبة.
و من منهجه أنه یقدّم السنّة القولیة علی الفعلیة لجواز أن یکون الفعل خصوصیة للنبی صلّی اللّه علیه و سلّم.
و یقدّم السنّة المتواترة علی خبر الآحاد عند التعارض و عدم إمکان الجمع بینهما، کالجمع فی السفر حیث قال أنه جمع صوری و هکذا کان یفعل عبد اللّه بن عمر. أبو حنیفة لا یجیز للمسافر أن یجمع بین الصلوات و لکن القصر عنده واجب.
و یقدّم السنّة و لو حدیثا مرسلا أو ضعیفا علی القیاس، لذلک قال بنقض الوضوء من الدم السائل معتمدا علی حدیث مرسل، و کذلک نقض وضوء و بطلان الصلاة بالقهقهة أیضا بحدیث مرسل.
و من منهجه أیضا الاستحسان: و الاستحسان لغة هو وجود الشی‌ء حسنا و معناه
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 138
طلب الأحسن للإتباع الذی هو مأمور به کما قال تعالی: ... فَبَشِّرْ عِبادِ (17) الَّذِینَ یَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَیَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، [الزمر: 17- 18]. و هو عند الفقهاء نوعان:
1- العمل بالاجتهاد و غالب الرأی فی تقدیر ما جعله الشرع مدلولا إلی آرائنا نحو قوله تعالی: مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَی الْمُحْسِنِینَ (236)، [البقرة: 236]، أوجب ذلک بحسب الیسار و العسرة و شرط أن یکون بالمعروف، فعرفنا أنّ المراد ما یعرف استحسانه بغالب الرأی و لا خلاف فی هذا النوع.
2- هو الدلیل الذی یکون معارضا للقیاس الظاهر الذی تسبق إلیه الأوهام قبل إمعان التأمّل فیه، و بعد إمعان التأمل فی حکم الحادثة و أشباهها من الأصول یظهر أنّ الذی عارضه فوقه فی القوة، فإنّ العمل به هو الواجب، فسمّوه بذلک استحسانا للتمییز بین هذا النوع من الدلیل و بین الظاهر الذی تسبق إلیه الأوهام. مثاله: لو قال لامرأته:
إذا حضت فأنت طالق، فقالت: قد حضت، فکذّبها الزوج، فإنها لا تصدّق فی القیاس باعتبار الظاهر و هو أنّ الحیض شرط للطلاق کدخولها الدار و کلامها زیدا. و فی الاستحسان تطلّق لأن الحیض شی‌ء فی باطنها لا یقف علیه غیرها، فلا بد من قبول قولها فیه.
العرف و العادة: هو ما استقر فی النفوس من جهة العقول و تلقته الطباع السلیمة بالقبول. و إنما یکون العرف دلیلا حیث لا دلیل شرعی من کتاب و سنة. قال ابن مسعود: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن ... و ألّف ابن عابدین رسالة" العرف" تضمنت مسألة تضمین الخیاط و الکواء (و مثالهما إذا أحرقا القماش أو أضاعاه).
و أبو حنیفة هو أساس من جمع بین مذهبی أهل الحجاز أهل الحدیث و أهل العراق أهل الرأی. کان أبو حنیفة من علماء الرأی و لکنه ذهب إلی الحجاز و أقام فی مکة ست سنوات یأخذ العلم من علماء الحجاز أمثال عبد اللّه بن عمر ... یذکر أن أبا حنیفة دخل یوما علی المنصور فقال له أحد الجالسین: هذا عالم الدنیا الیوم ... فقال له المنصور: یا نعمان من أین أخذت علمک؟ قال: من أصحاب عبد اللّه بن عمر عن عبد اللّه بن عمر (أهل الحدیث) و من أصحاب عبد اللّه بن عباس عن عبد اللّه بن عباس و من أصحاب عبد اللّه بن مسعود عن عبد اللّه بن مسعود (أهل الرأی) ... إذا لأول مرة خرق أبو حنیفة الحدود الفاصلة بین المذهبین. عند ما ذهب إلی أهل الحجاز تعلم منهم
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 139
الحدیث و تعلموا منه کیفیة استخراج الأحکام فاستفاد و أفاد. و انعکس هذا الأمر علی تلامذته مثل أبو یوسف و محمد بن الحسن الشیبانی و غیرهم ... و کان لإخلاصه فی طلب العلم یرجع عن رأیه إذا اطلع علی حدیث أو فتوی صحابی.

تأدیبه لتلمیذه أبی یوسف:

تأدیبه لتلمیذه أبی یوسف:
لمّا مرض أبو یوسف قال أبو حنیفة: لئن مات هذا الغلام لم یخلفه أحد علی وجه الأرض. فلمّا عوفی أعجب بنفسه و عقد له مجلسا فی الفقه فانصرفت وجوه الناس إلیه، فلمّا بلغ ذلک أبا حنیفة قال لبعض من عنده: اذهب إلی مجلس یعقوب (یعنی أبو یوسف) و قل له: ما تقول فی قصّار دفع إلیه رجل ثوبا لیقصّره بدرهمین ثم طلب ثوبه فأنکره القصّار ثم عاد له و طلبه فدفعه له مقصورا، له أجرة؟ فإن قال نعم قل له أخطأت و إن قال لا قل أخطأت. فسار إلیه الرجل فسأله فقال نعم له أجرة فقال له أخطأت، فنظر ساعة فقال لا، فقال أخطأت، فقام من ساعته لأبی حنیفة فلما رآه قال: ما جاء بک إلا مسألة القصّار. قال: أجل. قال: سبحان اللّه من قعد یفتی الناس و عقد لنفسه مجلسا یتکلم فی دین اللّه تعالی و هذا قدره لا یحسن أن یجیب فی مسألة من الإجارات، فقال: علّمنی، قال: إن کان قصّره بعد ما غصبه فلا أجرة له لأنه قصّره لنفسه، فإن قصّره قبل غصبه فله الأجرة لأنه قصّره لصاحبه، فعاد أبو یوسف و لم یترک بعدها مجلس أبی حنیفة قط.

موقفه من آل بیت النبی صلّی اللّه علیه و سلّم:

موقفه من آل بیت النبی صلّی اللّه علیه و سلّم:
موقفه من آل بیت النبی صلّی اللّه علیه و سلّم فی عصره کموقف الأئمة الأربعة و موقفنا جمیعا و هو حب آل البیت و الانتصار لهم کما قال الإمام الشافعی عند ما اتّهم بالتشیع: إن کان رفضنا حب آل محمد فلیشهد الثقلان أنی رافض.
و من المعلوم أنّ أبا حنیفة کان متشیّعا إن صح التعبیر لآل البیت (أی کان یحبهم و یقف معهم إذا تعارضوا مع الخلیفة فی عصره)، لکنه کان دائما یعلن أنّ أبا بکر أفضل من عمر و عمر أفضل من عثمان و یری أنّ کلا من عثمان و علی بمستوی واحد. و معنی ذلک أنّ حبه لآل البیت کان حبا شعوریا تفرّع عن حبه للمصطفی صلّی اللّه علیه و سلّم و لم یکن حبا مذهبیا ینحاز عن أهل السنّة و الجماعة. و ذکر أبو حنیفة أنه التقی بالإمام محمد الباقر و هو من أئمة الإمامیة و هو والد جعفر الصادق، فسأله أبو حنیفة: ما تقول أصلحک اللّه فی أبی بکر و عمر؟ فأثنی محمد الباقر علیهما خیرا و قال یرحمهما اللّه تعالی و أخذ یفیض بالحدیث عن آثارهما فقال له بعضا من أهل العراق یقولون إنک تتبرأ منهما، قال معاذ اللّه، کذبوا و رب الکعبة! أتعلم من هو عمر لا أبا لک؟ إنه ذاک الذی زوجه علیّ من
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 140
ابنته أم کلثوم، و هل تدری من هی أم کلثوم لا أبا لک؟ إنّ جدها رسول اللّه و إن جدتها السیدة خدیجة سیدة نساء الجنة و إنّ أمها فاطمة الزهراء و إنّ أباها علیّ فلو لم یکن عمر أهلا لها لما أعطاه علیّ ابنته!.
و قد اشتهرت کلمة لأبی حنیفة جاء فیها:" ما قاتل علیّ أحدا إلا و علیّ أولی بالحق منه أی فی عصره بعد أبی بکر و عمر". لم یکن حبه لآل البیت یدفعه إلی الانتقاص من صحابة رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم بل علی العکس، لأن أصحاب النبی صلّی اللّه علیه و سلّم کلهم یحبون و یوقرون آل بیته صلّی اللّه علیه و سلّم و آل البیت کلهم یحبون و یجلّون و یوقرون کل صحابة النبی صلّی اللّه علیه و سلّم. هذا الخط یجسّد الصراط العریض الذی أشار إلیه رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم فی أحادیث بلغت فی مجموعها مبلغ التواتر المعنوی مثاله:" علیکم بالجماعة"،" علیکم بالسواد الأعظم و من شذّ شذّ فی النار"،" إنّ الشیطان مع الواحد و هو من الاثنین أبعد"،" سألت ربی أن لا تجتمع أمتی علی ضلالة"،" من أراد أن یلزم بحبوحة الجنة فلیلزم الجماعة" ...
و کان أبو حنیفة علی علاقة طیبة مع المنصور و لکن لما قتل أبو جعفر المنصور محمد بن عبد اللّه بن حسن الملقّب بالنفس الزکیة من الطالبیین بدأ أبو حنیفة یغیر موقفه من الخلیفة و أخذ ینتقد مواقفه و أخطاءه عند ما تطرح علیه الأسئلة و کان ذلک یغیظ الخلیفة کثیرا. انتفض أهل الموصل علی المنصور و کان المنصور قد اشترط علیهم أنهم إن انتفضوا حلّت دماؤهم، فجمع المنصور العلماء و الفقهاء و القضاة و کان بینهم أبا حنیفة و قال لهم: أ لیس صح أنّ رسول اللّه قال المؤمنون عند شروطهم یلتزمون بها و أهل الموصل قد اشترطوا ألا یخرجوا علیّ و ها هم قد خرجوا و انتفضوا و لقد حلّت دماؤهم فما ذا ترون؟
قال أحد الحاضرین: یا أمیر المؤمنین، یدک مبسوطة علیهم و قولک مقبول فیهم فإن عفوت فأنت أهل العفو و إن عاقبت فبما یستحقون. التفت المنصور إلی أبی حنیفة یسأله و یستنطقه لیوقع به فقال أبو حنیفة: إنهم شرطوا لک ما لا یملکونه و شرطت علیهم ما لیس لک لأنّ دم المسلم لا یحلّ إلا بإحدی ثلاث فإن أخذتهم أخذت بما لا یحلّ و شرط اللّه أحق أن یوفی به. عندئذ أمر المنصور الجمیع أن ینصرفوا ما عدا أبی حنیفة و قال له: إنّ الحق ما قلت، انصرف إلی بلادک ... و یروی أنه کان لأبی حنیفة جار رافضی کان عنده بغلان سمی واحدا أبا بکر و الآخر عمر، و فی أحد الأیام رفسته بغلة فوقع میتا، فقال أبو حنیفة: انظروا البغلة التی رفسته هی التی سماها عمر، و هکذا کان!.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 141
أما سبب انتشار مذهب أبی حنیفة و اتّباع الناس له بخلاف مذهب معاصریه أمثال الأوزاعی و عطاء بن أبی رباح و إبراهیم النخعی و هم شیوخ أبی حنیفة و ذلک لعدة عوامل نذکر منها ما یلی:
1- أخذ أبو حنیفة عن أربعة آلاف شیخ من التابعین و أفتی فی زمن التابعین.
2- قیّض اللّه تعالی لأبی حنیفة تلامیذ کانوا فی الوقت نفسه فطاحل من العلماء و قد دوّنوا آراءه و فتاویه و اجتهاداته بخلاف باقی الأئمة فی عصره. فأبو یوسف دوّن فقه أبی حنیفة فی الکتب و کذا فعل محمد بن الحسن الذی دوّن کل فقهه و الاجتهادات الأخری حتی التی تراجع عنها، و هناک کتب تسمّی کتب" ظاهر الروایة" کلها للإمام محمد. و قام کلّ من أبی یوسف و محمد بجمع الأحادیث التی یرویها الإمام فی فتاویه کمستندات لفقهه مثل کتاب الآثار و کتب أخری و أحادیث کثیرة موزّعة فی هذه المدونات. و لقد کانت طریقة أبی حنیفة بالتعلیم مبنیة علی السؤال و الإقناع برأی ثم قوله و لکنی أری غیر هذا و یعلم أصحابه الفتوی و طریقة التفکیر.
و أبو حنیفة هو أول من من رتب مسائل الفقه حسب أبوابها من طهارة و صلاة ...
دوّنها الإمام أبو یوسف- فی غالب الأحیان- فی سجلات حتی بلغت مسائله المدونة خمسمائة ألف مسالة. انتقل تلامذته الفحول البالغون 730 شیخا إلی بلادهم خاصة بلاد الأفغان و بخاری و الهند ... فشرّق فقه الإمام أبی حنیفة و غرّب و شمأل و جنّب حتی لیعد علی بن سلطان القاری المتوفی سنة 1014 هجری ثلثی المسلمین فی العالم علی مذهب الإمام أبی حنیفة.
3- إنّ اللّه تعالی شاء أن یکون أبو یوسف قاضیا و أن یتولی القضاء لثلاث من الخلفاء المهدی و الهادی و هارون الرشید و سمّی بعد ذلک قاضی القضاة و کان و هو حنفی یقضی بمذهب أبی حنیفة و کذلک کان أغلب القضاة الذین کان ینصّبهم و المدونات التی کانت تدوّن فی دار الخلافة کانت تدوّن علی مذهب أبی حنیفة، کل هذا و غیره جعل فقه الإمام أبی حنیفة ینتشر أکثر من فقه من سبقه أمثال الأوزاعی و جعفر الصادق و غیرهم ....

أهم مؤلفاته:

أهم مؤلفاته:
تمیّز عصر أبی حنیفة بوجود الفرق المبتدعة المختلفة مثل: الشیعة و المعتزلة و المرجئة و القدریة و الجهمیة أو المعطلة ... هذه الفرق کلها کانت أشبه ما تکون بالحاشیة علی الجسم الکبیر کحاشیة فی أطراف جسم المجتمع الإسلامی، فکانت هذه
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 142
الفرق مع قلة أتباعها یبثّون الشّبه و تسمّت کل فرقة باسم، فقام علماء المسلمین یردون علی هؤلاء المبتدعة. و کان لا بد من أن یسمّوا أنفسهم باسم حتی یتبین قول هؤلاء المبتدعة من قول عامة المسلمین، فسمّوا عامة المسلمین أهل السنّة و الجماعة و هی ما کان علیه صلّی اللّه علیه و سلّم و الصحابة و التابعین و هم السواد الأعظم من الأمّة. و بظهور الأئمة الأربعة، اشرأبّت أعناق الناس إلیهم یأخذون من فقههم و ینهلون من علومهم و کانت لهم عبقریة نادرة فی الاستنباط مما دعا الناس إلی الإقبال علیهم و الأخذ منهم، فجمع هؤلاء الأئمة الناس علی منهج أهل السنّة و الجماعة فیما یتعلق بالعقیدة و حذّروا الناس من البدع و دافعوا عن الإسلام دفاعا قویا. و ألّف أبو حنیفة کتاب" الفقه الأکبر" بیّن فیه عقیدة المسلمین ورد فیه علی المبتدعة ... و نقل أنّ له مسندا و لکن المحقق أنّ هذا المسند من جمع أبی یوسف عن أبی حنیفة سماه:" الآثار" ..

أقوال معاصریه فیه:

أقوال معاصریه فیه:
- الفضیل بن عیاض قال فیه: کان أبو حنیفة رجلا فقیها معروفا بالفقه، واسع المال معروفا بالإفضال علی کل من یطوف به، صبورا علی تعلّم العلم باللیل و النهار، حسن اللیل، یقوم اللیل (و هذا شی‌ء معروف عنه)، کثیر الصمت، قلیل الکلام حتی یرد مسألة فی حلال أو حرام.
- عبد اللّه بن المبارک العالم الکبیر و التابعی الجلیل یقول: کان أبو حنیفة مخ علم أو مخ العلم أی کنت تأخذ منه لباب العلم.
- مالک بن أنس قال عنه: لو جاء إلی أساطینکم فقایسکم علی أنها خشب لظننتم إنها خشب.
- الإمام زفر قال: جالست أبا حنیفة أکثر من عشرین سنة فلم أر أحدا أنصح للناس منه و لا أشفق علیهم منه، کان بذل نفسه للّه تعالی، أمّا عامة النهار فهو مشتغل فی العلم و فی المسائل و تعلیمها و فیما یسأل من النوازل و جواباتها و إذا قام من المجلس عاد مریضا (أی زار) أو شیّع جنازة أو واسی فقیرا أو وصل أخا أو سعی فی حاجة، فإذا کان اللیل خلی للعبادة و الصلاة و قراءة القرآن، فکان هذا سبیله حتی توفی رضی اللّه تعالی عنه.
- أجمع علماء عصره علی أنه لم یجتمع لأحد غیره فی ذلک العصر ذکاء و قوة بادرة و علم و قوة استنتاج.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 143
- کان أبو حنیفة فی زیارة شیخه الأعمش یوما (و الأعمش من کبار المحدثین)، فجاء إلی الأعمش رجل یسأله عن مسألة فی العلم فقال لأبی حنیفة: أجبه. فأجابه، فقال له: و من أین لک هذا؟ قال: من حدیث حدثتنیه هو کذا و کذا. فقال الأعمش:
حسبک ما حدّثتک به فی سنة تحدّث به فی ساعة، أنتم الأطباء و نحن الصیادلة.
سؤال: لما ذا نتبع أبا حنیفة و لا نتبع رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم؟
الجواب: بعد أن أوضحنا الأدوار الثلاثة و بدأنا الکلام عن الدور الرابع لم یبق لهذا السؤال أی معنی فأبو حنیفة لم یخترع شیئا بل اتّباعنا له هو عین اتّباع لرسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم لأن الذی فعله أبو حنیفة هو أن شرح لنا آیات کتاب اللّه عز و جل و أحادیث النبی صلّی اللّه علیه و سلّم و استخرج منها الأحکام و بوّبها علی أبواب الفقه. فمن المعلوم أن للقرآن الکریم تفاسیر عدیدة، کل تفسیر عنی بناحیة من النواحی، فتفسیر یعنی بالعقیدة کتفسیر الرازی و تفسیر یعنی بالمأثور کتفسیر ابن کثیر و تفسیر یعنی باللغة کتفسیر الآلوسی و ابن عاشور و غیرهم، کذلک هؤلاء الأئمة الأربعة، کل ما فعلوه أنهم عمدوا إلی الکتاب و السّنة و أقوال الصحابة فجمعوها و استنبطوا منها الأحکام و بوّبوها بأبوابها: باب الطهارة باب الصلاة ... إلخ و دوّنوها لنا، فإذا أخذنا عنهم نکون حقیقة قد أخذنا عن اللّه عز و جل و عن رسوله صلّی اللّه علیه و سلّم، ذلک لأن عامة الناس لا یفقهون آیات کتاب اللّه تعالی و لا أحادیث النبی علیه الصلاة و السلام و لا یعلمون الناسخ و المنسوخ و العام و الخاص و ما إلی ذلک ...
سؤال: إنّ أبا حنیفة بشر غیر معصوم یصیب و یخطئ فکیف نتبعه؟
الجواب: کونه بشر لا ینقص من مکانته و لا یمنع من جوازه، لا بل ضرورة اتباعه أو أحد الأئمة الأربعة لکل من لم یبلغ درجة الاجتهاد ثم من الذی یستطیع أصلا أن یکشف خطأ الإمام فی الاجتهاد خاصة إذا کان من العوام؟ و إن کان مجتهدا وصل إلی درجة الاجتهاد المطلق فهذا المجتهد نفسه غیر معصوم أیضا، فمن نتبع إذا!!!؟ إنّ اللّه تعالی أمرنا باتباع العلماء و المجتهدین المخلصین فی قوله تعالی: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّکْرِ إِنْ کُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (43)، أَطِیعُوا اللَّهَ وَ أَطِیعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِی الْأَمْرِ، و أهل الذکر هم أمثال أبی حنیفة و مالک ... و من المعلوم أنه لیس من الضرورة أن یکون قول الإمام هو القول المفتی به فی المذهب، فالإمام لم یکن لوحده یمثّل مذهبه، هناک فقهاء کثیرون محققون ینتسبون للمذهب نفسه یصوّبون الإمام إن أخطأ. و الذی یرید أن یحقق فی مسألة مس المرأة الأجنبیة عند الحنفیة و الشافعیة لیرجّح قول أحدهما، إن کان هذا
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 144
الإنسان وصل بدرجة اجتهاده إلی مرتبة هؤلاء الأئمة فلا بأس و علی کل الأحوال هو بعد بحثه سیخرج بقول ما، و قوله أیضا سیکون اجتهادیا و هو غیر معصوم فما ذا فعل إذا؟
و إذا أراد أحد العلماء فی درس عام مثلا أن یرجّح قولا علی قول فإنما یکون الهدف من ورائه أن یقول الناس إنّ فلانا عالما جلیلا بلغ من العلم درجة یستطیع أن یحکم فیها علی الأئمة و لن یفید الناس شیئا إلا حملهم من تقلید أبی حنیفة أو الشافعی و غیرهما من الذین اتفقت الأمّة علی وجوب تقلید واحد منهم، إلی تقلیده هو فی هذه القضیة، فبما ذا یکون قد نفع المسلمین؟!!!. یقول المثل: من جهل شیئا عاداه. و بالفعل فالرجل الذی یسمع بإنسان عالم و یسمع آراءه و اجتهاداته لکن ما جالسه و ما سمع منه حججه، لن یستطیع أن یحکم علیه. عند ما لمع اسم أبی حنیفة و انتشر صیته فی العراق و قبل أن یراه علماء الحجاز أو علماء الشام ربما کان هنالک کثیر من علماء الحجاز من یضیق ذرعا باجتهاداته و ربما نعتوه بأنه مبتدع و لکن بعد أن رأوه و جاء هو إلی الحجاز و جالسوه و سمعوا منه و سمعوا حججه اختلف الأمر تماما! مثال ذلک: یقول عبد اللّه بن المبارک إنّ الإمام الأوزاعی سأله من هو هذا المبتدع الذی ظهر فی العراق (و یقصد أبا حنیفة)، فقال ابن المبارک: لم أجب، ثم أخذت أعرض له مسائل عویصة فی الفقه و أحدثه عن فتاوی یمکن أن تکون جوابا، فقال لی: و اللّه إنّ هذه الأجوبة لأجوبة سدیدة، من هو صاحبها؟ قلت له: فقیه فی العراق. قال: من هو؟ قلت: هو أبو حنیفة.
قال: إنّ هذا الإنسان نبیل و ذو علم غزیر فالزمه. ثم إنّ الأوزاعی التقی بعد ذلک بأبی حنیفة و تناقشا فی کثیر من المسائل العلمیة فتحولت نظرة الأوزاعی و أخذ یوصی الناس بمجالس أبی حنیفة و الاستکثار من علمه و فضله.
کثیرون الیوم هم الذین ینتقصون من مکانة أبی حنیفة و ینتقدون فتاویه و اجتهاداته و هذا سهل لأنهم یزنون تلک الاجتهادات بمیزانهم هم، فتبین من خلال میزانهم هذا أنّ أبا حنیفة جاهل مع العلم أنهم لن یکونوا أعلم من الأوزاعی أو عبد اللّه بن المبارک. و مما یذکر أیضا أنّ الشافعی عند ما رحل إلی بغداد، التقی بمحمد بن الحسن لیتتلمذ علی یده و لو وسعه أن یتتلمذ علی أبی حنیفة لفعل و لکنه لم یستطع بسبب وفاة أبی حنیفة فی العام الذی ولد فیه الشافعی و کان یقول: أخذت من محمد وقر بعیر من علم. و کثیرة هی المسائل التی أخذ فیها الشافعی برأی محمد و کثیرة هی المسائل التی اخذ فیها محمد برأی الشافعی و تراجع عن رأیه. فهناک مثلا من یتهم أبا حنیفة بأنه لم یکن یحفظ إلا
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 145
بضعة عشر حدیثا و لم تکن له بضاعة فی روایة الأحادیث ... إذا رجعت إلی ترجمة الإمام لوجدت الإجماع علی أنّ هذا کذب، فقد صح عنه أنه:
- تفرّد بروایة و تخریج أکثر من مائتی حدیث فضلا عن الأحادیث التی اشترک مع المحدثین الآخرین فی روایتها.
- لو أردت أن تجمع الأحادیث من مصنفات محمد بن الحسن و أبی یوسف و غیرهما من مرویّات أبی حنیفة فلسوف تجد الشی‌ء الکثیر.
- لو وقفت علی مناقشة بسیطة فی مسألة من مسائل الفقه بینه و بین أحد الأئمة لرأیته یروی عددا کبیرا من الأحادیث.
مرویاته فی باب الصلاة تزید عن مائة حدیث.

ورعه و تقواه و عبادته للّه تعالی:

ورعه و تقواه و عبادته للّه تعالی:
قال ابن المبارک: قلت لسفیان الثوری: ما أبعد أبا حنیفة عن الغیبة، ما سمعته یغتاب عدوا له. قال: و اللّه هو أعقل من أن یسلّط علی حسناته ما یذهب بها ... کان أبو حنیفة یختم القرآن فی کل یوم ثم حین اشتغل بالأصول و الاستنباط و اجتمع حوله الأصحاب أخذ یختمه فی ثلاث فی الوتر ... صلی أبو حنیفة ثلاثین سنة صلاة الفجر بوضوء العتمة و حج خمسا و خمسین حجة.
قال مسعر بن کدام: رأیت الإمام یصلی الغداة ثم یجلس للعلم إلی أن یصلی الظهر ثم یجلس إلی العصر ثم إلی قریب المغرب ثم إلی العشاء، فقلت فی نفسی متی یتفرغ للعبادة؟ فلما هدأ الناس خرج إلی المسجد و کان بیته بجوار المسجد الذی یؤم فیه حسبة للّه تعالی. فانتصب للصلاة إلی الفجر ثم دخل فلبس ثیابه. و کانت له ثیاب خاصة یلبسها لقیام اللیل و خرج إلی صلاة الصبح ففعل کما فعل، ثم تعاهدته علی هذه الحالة فما رأیته مفطرا و لا باللیل نائما. و کان یغفو قبل الظهر إغفاءة خفیفة، و قرأ لیلة حتی وصل إلی قوله تعالی: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَیْنا وَ وَقانا عَذابَ السَّمُومِ (27)، [الطور: 27] فما زال یرددها حتی أذّن الفجر. و ردد قوله تعالی: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَ السَّاعَةُ أَدْهی وَ أَمَرُّ (46)، [القمر: 46]، لیلة کاملة فی الصلاة. و قالت أم ولده: ما توسّد فراشا بلیل منذ عرفته و إنما کان نومه بین الظهر و العصر فی الصیف و أول اللیل بمسجده فی الشتاء.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 146

عرض القضاء علیه و وفاته:

عرض القضاء علیه و وفاته:
عرض علیه الخلیفة القضاء مرارا و ضرب علیه و قال إنی لا أصلح، قال الخلیفة بل أنت تکذب أنت تصلح، فقال: أ رأیت، أنت تقول عنی کذاب، فإنی لا أصلح للقضاء. و کان أبو حنیفة ینقد قضاء القضاة بشدة و یبین أخطاءهم، فاتخذ المنصور هذا الموقف ذریعة للتخلص منه فعرض علیه من جدید تولی منصب القضاء فأبی و رفض فحبسه و جری بینهما حوار قال فیه: اتق اللّه و لا ترع أمانتک إلا من یخاف اللّه و اللّه ما أنا بمأمون الرضی فکیف أکون مأمون الغضب، لک حاشیة یحتاجون إلی من یکرمهم لک فلا أصلح لذلک. ثم حبسه و ضربه علی مشهد من العامة ثم أخرج من السجن و منع من الفتوی و الجلوس إلی الناس حتی توفی. و قبل أبو حنیفة أن یعمل کأحد العمال فی بناء سور بغداد تفادیا للنقمة، و لمّا أحسّ بالموت سجد فخرجت نفسه و هو ساجد عام 150 هجری و کان یردد المنصور بعد وفاة الإمام: من یعذرنی من أبی حنیفة حیا و میتا.

2- ترجمة الإمام مالک بن أنس رضی اللّه عنه:

بشارة النبی صلّی اللّه علیه و سلّم به:

بشارة النبی صلّی اللّه علیه و سلّم به:
عن أبی هریرة رضی اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم:
" یوشک أن یضرب الناس أکباد الإبل یطلبون العلم، فلا یجدون أحدا أعلم من عالم المدینة"، أخرجه الترمذی و هو حدیث حسن صحیح. قال العلماء: و عالم المدینة هو مالک بن أنس و هو الذی بشر به النبی صلّی اللّه علیه و سلّم.

میلاده و نسبه و نشأته و طلبه للعلم:

میلاده و نسبه و نشأته و طلبه للعلم:
ولد مالک بن أنس عام 93 هجری و توفی عام 179 للهجرة. ولد فی المدینة المنورة من أسرة أصلها من الیمن و کانت أسرته هذه أسرة علم، والده أنس کان عالما و اسم جده مالک أبو عامر الأصبحی و کان محدّثا و راویا سمع الحدیث من أبی بکر و عمر و عثمان و کثیر من الصحابة رضی اللّه عنهم. و لقد روی مالک الحدیث عن أبیه وجده. و یروی أنه ذات لیلة و قد اجتمع أفراد أسرة مالک علی عادتهم متحلقین حول الأب یسرد علیهم بعض وقائع أیامه و أحداثه، سأل الوالد أبناءه سؤالا فی الدین فأجابوه جمیعا إجابات سلیمة صحیحة عدا مالک الذی عجز و تلجلج و کان فی العاشرة من عمره قد حفظ القرآن الکریم و شیئا من حدیث رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم إلا أنّ عقله فی مثل سنه لم یکن لیسمح له بالفهم و العلم فعجز عن الجواب فعنّفه أبوه أنس و وبخه
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 147
و نهره لانشغاله باللعب عن طلب العلم. و انفجر مالک بالبکاء و هو یأوی إلی صدر أمه، فضمّته إلیها و عانقته و لاطفته و خففت عنه ما به من حزن و ألم و فی الیوم التالی شدّت علی رأسه عمامة جدیدة و ضمّخته بأطیب العطر و أشارت علیه بإتیان مسجد الرسول الأعظم صلّی اللّه علیه و سلّم و الجلوس إلی حلقات العلم المنتشرة هناک و دعت له بالخیر و بالتفقه و الفهم و الحفظ. و منذ ذلک الیوم لازمته عادة الاستحمام و التطیب کلما أتی مجلس العلم سواء کان متعلما أو معلما فیکون فی أحسن سمت و أکمل مظهر و أرقی صورة، و دخل مالک بوابة العلم الکبری و لم یغادرها حتی توفاه اللّه تعالی. و کان یجد نفسه بحاجة إلی مزید علم، فقد کان یهمه أحیانا أمر علمی أو مسألة فبعد أن تنفضّ الحلقات و یأوی الشیوخ إلی دورهم فلا یجد مالک صبرا إلی الغد کی یسأل و یفهم لذا راح یسعی إلی الشیوخ فی بیوتهم و مساکنهم و قد ینتظر أحدهم فی الطریق الساعات الطوال ما یجد فیها ظل شجرة تقیه حرارة الشمس حتی إذا ما رآه یدخل داره ینتظر لحظات ثم یقرع الباب و کان فی بعض الأحیان یحمل معه تمرا یهدیه لجاریة الفقیه لتمکّنه من الدخول علی العالم.
و تعلق بالعلم تعلقا جادا فلزم عبد الرحمن بن هرمز و هو عالم من أجلّ علماء المدینة سبع سنوات لم یختلف فیها إلی غیره و کان یأخذ عنه المسائل الاجتهادیة و قضایا الفقه و کان ابن هرمز مشهورا بقوة عارضته و دلائل الحق و یقول الإمام مالک عن نفسه أنه اتخذ لنفسه ما یشبه الطرّاحة الصغیرة، کان یأخذها معه فیجلس علی صخرة أمام دار ابن هرمز و لم یکن یطرق بابه خوفا من أن یزعجه منتظرا خروج الإمام یعنی ابن هرمز إلی الصلاة، فإذا خرج اتبعه و ذهب معه إلی المسجد.
ثم بدأ یأخذ عن نافع مولی (أی خادم) عبد اللّه بن عمر و کان من أحفظ علماء الحدیث، کان حافظا و کان فقیها، أخذ الفقه و الحدیث عن ابن عمر ... ثم أخذ مالک أیضا عن الزهری و کان یلازمه کما لازم ابن هرمز و کان یسیر معه من بیته إلی المسجد.
یقول الإمام مالک عن نفسه: کنت أخرج من وقت الظهیرة و لیس للأشیاء ظل أتیمم درسا عند الزهری ... و أخذ مالک الحدیث عن الزهری مع قلة من إخوانه و یقال إن الزهری حدّثه فی یوم من الأیام نیفا و أربعین حدیثا له و لبعض زملائه، فلما عادوا فی الیوم التالی قال الزهری: استحضرتم کتابا لتسجلوا ما أملی علیکم خیفة أن تنسوها؟، فقال قائل منهم ینبؤک عنها هذا الشاب الأشقر (أی الإمام مالک)، فسأله الزهری فتلا
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 148
علیه منها أربعین حدیثا مع أسانیدها فقال الزهری: و اللّه ما ظننت أنّ أحدا یأتیها غیری (أی لا یحفظها).
و کان الإمام مالک إذا جلس لتلقی الحدیث یسجل الحدیث و هو جالس و لما سئل هل أخذت من عمرو بن دینار قال لم آخذ و ذلک لأنی ذهبت إلی مجلسه فرأیته یحدّث و الناس حوله واقفین یکتبون عنه فلم أحب أن أکتب حدیث رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم و أنا قائم لأنه کان یری فی هذا منقصة لحدیث رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم ... و تلقی الإمام مالک الفقه عن شیخه الکبیر ربیعة الذی کان یلقّب" بربیعة الرأی" مع أنه کان من علماء أهل المدینة.

تفوقه العلمی و جلوسه للفتیا:

تفوقه العلمی و جلوسه للفتیا:
تفوّقت مکانة مالک العلمیة علی کل أرباب الحلقات فی المسجد النبوی و عرف له الجمیع هذه المکانة سواء کانوا من شیوخه السابقین أو من العلماء الذین عاصروه. جلس الإمام مالک للفتیا و کان عمره 25 سنة تقریبا علی أصحّ الروایات و یقول عن نفسه: لم أجلس للفتیا حتی أمرنی بالفتیا قرابة سبعین عالما، و أصبح رأیه فی أیة قضیة تعرض أو فتواه فیها مقدّما علی غیره مما جعل أصحاب الفتیا یتوقفون حتی قیل من غیر حرج: (لا یفتی و مالک فی المدینة!) ...
و مما اشتهر به مالک أنه کان یقول لجاریته إذا جاء الناس إلی بابه لیسمعوا العلم أن تسألهم: هل جئتم لسماع الحدیث أم ابتغاء المسائل؟ فإن قالوا جئنا للمسائل خرج إلیهم و سمع منهم و أفتاهم و إن قالوا جئنا لنسمع الحدیث قالت الجاریة تریثوا قلیلا فتدخلهم إلی الدار و یدخل مالک فیغتسل و یلبس أحسن ثیابه و تحدیدا البیاض من الثیاب و یتطیّب ثم یدخل علیهم لیروی حدیث رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم. و کان یبکی إذا قال قال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم.
عاش مالک فی المدینة المنورة و لم یبارحها (بخلاف کثیر من العلماء) إلی أی جهة أخری لیأخذ العلم من العلماء إذ إن المدینة هی دار هجرة النبی صلّی اللّه علیه و سلّم و کان العلماء هم الذین یرحلون إلیها من جمیع أنحاء العالم إما للحج أو الزیارة أو مجالسة علماء المدینة.
فکان أطیب الطّیب عند مالک ما یفوح و ینتشر من قبر المصطفی صلوات اللّه و سلامه علیه و أرقّ النسیم ما یهبّ حاملا ذکریات الماضی و ذکریات الوحی و النبوة و الجهاد و البطولة.
و بالرغم من أنه لم یغادر المدینة إلا أنه اطلع علی الظروف و البیئات المختلفة بسبب
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 149
احتکاکه بالعلماء من جمیع أنحاء العالم الذین کانوا إذا قدموا المدینة زاروه و إن لم یزوروه قدم هو إلیهم، یلقاهم و یتناقش معهم، لذلک اتسعت آفاقه الفکریة و مدارکه الاجتهادیة و أقام للمصلحة التی هی محور الشریعة الإسلامیة میزانا دقیقا ... و اختار دار الصحابی الجلیل عبد اللّه بن مسعود سکنا له و کأنه یرید أن یشعر علی الدوام بنبضات عصر النبوة تخفق مع خفقات قلبه و تتردد مع أنفاسه و یعیش یومه کله فی عبق کریم و هذا التواصل الوجدانی بین مالک و بین حبیبه المصطفی صلّی اللّه علیه و سلّم جعله فی عقله و حسه یتّخذ من حدیث رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم أساسا و محورا لعلمه و فقهه.
کان مالک فی صدر حیاته فقیرا و کان والده صانعا، و تفرّغ مالک للعلم فأورثه ذلک شیئا من الفقر و لم تکن یومها تنفق الدولة علی طلبة العلم (ثم لما کان ذلک ارتاح العلماء و ازدهر العلم کثیرا)، لکنه بعد ذلک استغنی إذ کان له أخ یعمل بالتجارة فکان مالک إذا تجمع له مال یعطیه لأخیه لیتاجر له به ثم فتح اللّه علیه و استغنی فکان کثیر العطاء لطلبة العلم. و کان یحب أن یظهر أثر نعمة اللّه عز و جل علیه فی ملبسه و فی مطعمه و مسکنه و صار متجملا فی مظهره و کان الذین یغشون داره من الضیوف یجدون فی أطرافها المخدات للاتکاء و الجلوس و یجدون کل أسباب الراحة و النظافة و المظهر الأنیق فی داره و لم یکن هذا عن حب للمال بل کان ینفق معظم ماله فی طرق الخیر تماما کأبی حنیفة و الشافعی رضی اللّه تعالی عنهم أجمعین.
و یروی عنه فی الأثر المشهور أنه قال:" ما أحب لامرئ أنعم اللّه علیه أن یری أثر نعمته علیه و خاصة أهل العلم".
و یروی الشافعی أنه فی إحدی زیاراته لبیت الإمام مالک رأی علی الباب هدایا من خیل و بغال أعجبته فقال لمالک بعد أن دخل علیه: ما أحسن هذه الأفراس و البغال. فرد علیه مالک یقول: هی لک فخذها جمیعا. قال الشافعی: أ لا تبقی لک منها دابة ترکبها؟
فقال مالک: إنی لأستحی من اللّه تعالی أن أطأ تربة فیها رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم بحافر دابة!. إلی هذا الحد من الحساسیة المفرطة فی الحب و التقدیس بلغ العشق فی قلب مالک للمدینة التی تضم أطهر الأجساد و أعظم خلق اللّه و أکرم الناس علیه أفضل الصلاة و أزکی السلام.

ورعه و تخوّفه من الفتوی:

ورعه و تخوّفه من الفتوی:
اشتهر عن الإمام مالک کثرة ترداده لکلمة" لا أدری" و ما کان علیه شی‌ء أسهل من هذه الکلمة و لم یکن یشعر أن فی هذا منقصة له بل کان إذا
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 150
سئل عن مسألة قال للسائل أنظرنی حتی أفکر، و ربما یأتیه فی الغد فیجیبه و ربما یقول له أیضا أنظرنی. و یروی أنّ رجلا جاءه من أقصی المغرب فسأله عن موضوع و قال:
جئتک من مسیرة ستة أشهر من المغرب و حمّلت هذا السؤال، فقال له مالک: قل لمن أرسلک إنه لا یدری. قال فمن الذی یعلم؟ قال: الذی علّمه اللّه و لم یجبه و لکن قال له إن شئت عد غدا ریثما أفکر بها و أقرأ ما یمکن أن یتصل بها، حتی إذا جاء الغد جاءه الرجل فقال له مالک: فکرت بها ملیا و لا أدری ما الجواب! و لقد عوتب مالک فی ذلک فبکی و قال: إنی أخاف أن یکون لی فی المسائل یوم و أی یوم. و قال لهؤلاء المنتقدین:
من أحبّ أن یجیب عن مسألة فلیعرض علی نفسه الجنة و النار و لیتصور موقفه من اللّه غدا. فلننظر جمیعا إلی هذا الرجل الذی هان علیه أن یظهر جهله و هو العالم الذی یوثق بعلمه أین نحن الیوم من موقفه هذا حیث الواحد منا إذا ما سئل اعتصر دماغه و ذهنه و قد یصل به الأمر إلی أن یلفق جوابا خوفا من أن یقول عنه الناس إنه جاهل!!! و هذا الأمر و للأسف الشدید کثیرا ما یحدث مع علمائنا الیوم الذین یسارعون بالفتوی، الأمر الذی یوضح لنا الفرق بین هذا العصر و ذلک العصر و لعل هذه المقارنة توضح لنا أیضا الفرق بین قرب أولئک الأئمة من رحمة اللّه تعالی و بعدنا نحن عنها، أضف إلی ذلک کله سمو أهدافهم و مقاصدهم حیث کان همّهم الأکبر هو مرضاة اللّه سبحانه و تعالی نسأل اللّه عز و جل العفو و العافیة و أن یرزقنا الإخلاص و أن نحیا محیاهم و أن نحشر معهم إن شاء اللّه تعالی.
و جاء فی ترتیب المدارک للقاضی عیاض:" قال مصعب بن عبد اللّه: کان مالک إذا ذکر رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم تغیّر لونه و انحنی حتی یصعب ذلک علی جلسائه، فقیل له یوما فی ذلک، فقال: لو رأیتم لما أنکرتم علیّ ما ترون، کنت آتی محمد بن المنکدر و کان سید القرّاء (أی سید العلماء) لا نکاد نسأله عن حدیث إلا بکی حتی نرحمه. و لقد کنت آتی جعفر بن محمد (أی جعفر الصادق) و کان کثیر المزاح و التبسم، فإذا ذکر عنده النبی صلّی اللّه علیه و سلّم اخضرّ و اصفرّ و کنت کلما أجد فی قلبی قسوة آتی محمد بن المنکدر فأنظر إلیه نظرة فأتّعظ بنفسی أیاما.

الأجواء التی کانت سائدة فی عصره و علاقته بالخلفاء:

الأجواء التی کانت سائدة فی عصره و علاقته بالخلفاء:
عاش مالک فی الخلافة الأمویة و العباسیة فی عصر تسوده الفتن و کان موقفه کموقف الحسن البصری و سعید بن
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 151
المسیب الذین کانا قبله و هو موقف استنکار الفتن و الدعوة إلی الابتعاد عنها و کان إذا سئل عن تلک الفتن نصح بالابتعاد عنها و بعدم الولوج فیها. و قد صح أن الحسن البصری کان ینهی عن الدعاء علی أمثال الحجاج و غیره و کان ینهی عن مد اللسان فی قول السوء فی حقهم علی الرغم من أنه لو شققنا صدر الحسن البصری لرأیناه یستنکر الکثیر من أعمالهم. و قد سمع مرة الحسن البصری رجلا یسب الحجاج فقال له: لا تفعل یرحمک اللّه إنکم من أنفسکم أوتیتم، إننا نخاف إن عزل الحجاج أو مات أن تلیکم القردة و الخنازیر. و روی البصری عن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم قوله المشهور:" عمّالکم عملکم و کما تکونوا یولّی علیکم"، عمالکم أی رؤساؤکم هم أعمالکم أی انعکاس لأعمالکم ... و کان الإمام مالک ممن یغشی مجالس الخلفاء و لم یکن یبتعد عنها و ذلک للنصح و الأمر بالمعروف و النهی عن المنکر و الوصیة بالخیر فما کان یوفر جهدا لیوصی الخلیفة أو ینصحه عند ما تسنح الفرصة و قد عوتب فی ذلک فقال: لو لا أنی أتیتهم ما رأیت للنبی صلّی اللّه علیه و سلّم فی هذه المدینة سنّة معمول بها، فکان إذا أتاهم نصحهم لکی یحیوا سنة النبی صلّی اللّه علیه و سلّم و خاصة فی المدینة المنورة و کانوا یستجیبون لنصیحته.
لکنه کان إلی جانب ذلک یحترم نفسه فی مجالس الخلیفة و الولاة و کان یفرض سلطانه علیهم. و کان إلی جانب کونه مهابا کان یحافظ علی عزة نفسه فی هذه المجالس علی خلاف عادته فی المساجد حیث کان إذا دخل المسجد یقف فی آخر الصف و لا یأبی أن یتقدم و إن أصرّوا علی تقدیمه و یجلس حیث ینتهی به المجلس و کان کثیر التواضع و لکن إذا غشی مجلس الخلفاء أو الولاة فرض عزته علی المجلس کله.
جاء المهدی مرة إلی المدینة و اجتمع إلیه الناس و العلماء و ذهب مالک لیزوره فلما وصل وجد المجلس مزدحما و التفت الناس ینظرون أین سیجلس مالک یا تری و ما سیکون موقفه. فقال الإمام مالک للمهدی: یا أمیر المؤمنین أین یجلس شیخک مالک؟
فتضامّ المهدی و صغّر من جلسته و قال: هاهنا یا أبا عبد اللّه إلی جانبی، فوسع له و دخل مالک و تعالی و دینه أن یهان فی شخصه، الإمام مالک کان سمته سمة علم و إسلام و سمة المحافظة علی الشرع لذا ینبغی لهذه السمة أن تکون هی المهیمنة و أن تکون هی العزیزة فی کل مکان، فاللّه تبارک و تعالی بالقدر الذی نهانا عن الکبر أمرنا أن نعتز بالإسلام و بالقدر الذی أمرنا بالتواضع نهانا فی الوقت نفسه عن الذل و جاء فی دعاء النبی صلّی اللّه علیه و سلّم:
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 152
(اللهم إنی أعوذ بک من الذل إلا إلیک)، و أی إنسان صاحب ذوق دقیق یستطیع أن یفرّق بین التواضع و الذل المرفوض ... و لما زار الرشید المدینة و أراد لقاء مالک و کان قد سمع عن علمه الکثیر، طلب أن یأتیه حیث نزل فقال مالک لرسول الخلیفة: قل له إنّ طالب العلم یسعی إلیه و العلم لا یسعی إلی أحد! فجاءه الخلیفة زائرا معتذرا ...
و لقد روی الإمام مالک ذات مرة حدیث" لیس علی مستکره یمین" و شرحه لتلامذته فی المسجد و راح یبیّن للناس أنّ من طلّق امرأته مکرها لا یقع منه طلاق ...
و لقد کان لهذا الحدیث أثر کبیر و حافز قوی لثورة أحد أحفاد الحسین بن علی و هو النفس الزکیة علی السلطة العباسیة و کان الخلیفة وقتها المنصور. کان محمد یری بأن أبا جعفر قد أخذ البیعة لنفسه غصبا و إکراها فلیس له فی رقاب الناس یمین و لا عهد، و کان محمد یستند إلی فتوی مالک فی أنه لیس علی مستکره یمین. أحسّ والی المدینة بخطورة الموقف فأرسل إلی مالک أن یکفّ عن الکلام فی هذا الحدیث و أن یکتمه علی الناس. أبی مالک أن یکتم الحدیث أو أن یتراجع عن فتواه فضرب أسواطا علی مرأی الناس و جذب جذبا غلیظا من یدیه و جرّ منها حتی انخلع أحد کتفیه و حمل إلی داره و هو بین الحیاة و الموت و ألزموه الإقامة فی الدار إقامة جبریة فی عزلة و حبس. فزع الناس فی المدینة و التجئوا إلی اللّه تعالی یشکون الظلم و الظالمین و اشتد سخطهم علی الوالی و علی الخلیفة و غضب العلماء و الفقهاء فی کل الأمصار و الأقطار. و رأی المنصور أنه لا بد من تصرّف یمتص غضب الناس یزیح التهمة عن نفسه فأمر والی المدینة بإطلاق مالک ثم جاء المنصور بنفسه إلی الحجاز فی موسم الحج و التقی بالإمام مالک و اعتذر إلیه و قال: أنا ما أمرت بالذی کان و لا علمته و إنه لا یزال أهل الحرمین بخیر ما کنت بین أظهرهم.
و أمر بإحضار الوالی مهانا و بضربه و حبسه إلا أنّ مالکا عفا عنه.

علم الإمام مالک و أقوال بعض العلماء فیه:

علم الإمام مالک و أقوال بعض العلماء فیه:
أجمع المؤرخون و المترجمون أن الإمام مالک بلغ الذروة فی معرفة السنّة و الحدیث و الفقه و قلما نال عالم مثلما نال مالک من المدح و أقرّ له علماء الرأی فی العراق و علماء الحدیث فی الحجاز بأنه إمام فی کل منهما (أی الحدیث و الفقه). قال عنه سفیان بن عیینة و کان معاصرا له: کان لا یبلغ من الحدیث إلا صحیحا و لا یحدّث إلا عن ثقة للناس و ما أدری المدینة إلا ستخرب بعد موت مالک ... قال عنه الشافعی: إذا جاءک الأثر عن مالک فشدّ به (أی تمسّک به) و هو
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 153
صحیح. و یقول إذا ذکر العلماء فمالک هو النجم فیهم.

أهم مؤلفاته: الموطأ:

أهم مؤلفاته: الموطأ:
طلب المنصور من مالک أن یضع کتابا یتضمّن أحادیث رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم و أقضیة الصحابة و فتاوی لیکون قانونا تطبّقه الدولة فی کل أقطارها و دیارها.
تردد مالک ثم ألحّ علیه المنصور فقبل. و راح مالک یعمل عملا متقنا جدا خلال سنین عدة راح خلالها طائفة من العلماء یعملون و یحاولون أن ینافسوا مالکا طمعا فی کسب رضا الخلیفة. و کان أصحاب مالک یأتونه و یقولون له بأنّ تأخره فی الإنجاز قد أتاح للآخرین أن یسبقوه فقال مالک:" لا یرتفع إلا ما أرید به وجه اللّه تعالی"، و لقد کتب کثیر من معاصریه کتبا کالموطإ و قدّمت إلی الخلیفة، و کلما سئل مالک أن یستعجل کتابه فقد سبقه الناس کان یقول:" ما کان للّه یبقی"، حقیقة هکذا کان. و ظلّ الإمام مالک عاکفا علی عمله الضخم سنوات توفی خلالها المنصور حتی کان تمام العمل فی زمن هارون الرشید الذی تقبّله بقبول حسن و تقدیر عظیم و أراد أن یعلّق الموطأ فی الکعبة و لکن مالکا أبی ذلک. و یعتبر الیوم کتاب الموطأ من أهم کتب السنّة و یکاد لا تخلو منه مکتبة إسلامیة، أما تلک الکتب التی کتبها منافسوه فلم یبق لها أثر و کما یقول العلماء لو لا هذه الحادثة مع الإمام مالک لما علمنا أصلا أنه ألّفت هکذا کتب، فتأمل یرحمنا اللّه و إیاک و لنتّعظ من هذا و لنتیقن إن کل عمل لا یبتغی به وجه اللّه تعالی لا یبقی، کُلُّ شَیْ‌ءٍ هالِکٌ إِلَّا وَجْهَهُ، [القصص: 88]، قیل فی تفسیر هذه الآیة، کل شی‌ء هالک إلا ما أبتغی به وجه اللّه تعالی.

منهجه العلمی:

منهجه العلمی:
الإمام مالک شأنه کشأن الإمام أبی حنیفة لم یدوّن منهجا و لکن هذه القواعد أخذت و جمّعت من خلال عباراته فی کتبه و فی مقدمة ذلک الموطأ فمن خلال کلامه نجد أنه یأخذ بالحدیث المرسل و هو الحدیث الذی رواه التابعی رأسا عن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم إن کان هذا التابعی ثقة.

أصوله الاجتهادیة:

أصوله الاجتهادیة:
أولا: إذا وجد فی القرآن نصا بعبارة صریحة قاطعة واضحة علی مبدأ أو حکم ثم وجد حدیثا مرویا عن طریق الآحاد یعارض هذا الخبر فإنّ مالک یأخذ بصریح القرآن و یدع الآحاد ... قال مالک و هو یفسر قوله تعالی: قُلْ لا أَجِدُ فِی ما أُوحِیَ إِلَیَّ مُحَرَّماً عَلی
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 154
طاعِمٍ یَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ یَکُونَ مَیْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِیرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَیْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَیْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَإِنَّ رَبَّکَ غَفُورٌ رَحِیمٌ (145)، (الأنعام:
145) .. هذا نص صریح و واضح بعدم تحریم غیر ما ذکر. و فی المقابل روی فی خبر الآحاد الصحیح: عن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم یرویه أبو داود أن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم نهی عن أکل کل ذی ناب من السباع و کل ذی مخلب من الطیور. فرجّح مالک النص علی الآحاد فیجوز عنده أکل کل ذی ناب من السباع و ذی مخلب من الطیور و إن کان جمهور الفقهاء علی الحرمة.
ملاحظة: الإمام مالک کغیره من العلماء یأخذ بالحدیث الآحاد إن کان صحیحا و هو عنده حجة و لکن إذا تعارض مع نص من کتاب اللّه تعالی أو مع حدیث متواتر و لم یمکن الجمع بینهما، قدّم النص من کتاب اللّه عز و جل أو الحدیث المتواتر و لم یجعل حدیث الآحاد یخصص النص القرآنی أو الحدیث المتواتر کما فعل غیره من الفقهاء کالشافعی مثلا.
ثانیا: مالک یعیش فی المدینة و بصمات رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم واضحة فی هذه البلاد فعادات أهل المدینة و ما یتفق علیه علماء أهل المدینة فی عصره و العصر الذی قبله کلها من مخلفات النبوة لأن العهد ما بعد بینه و بین رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم، بناء علی ذلک إذا وجد حدیث آحاد مرویا عن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم بالسند و وجد عمل أهل المدینة علی خلاف ذلک الحدیث یرجّح مالک عمل أهل المدینة علی ذلک الحدیث، لا لأنه یرفض الحدیث و لکن لأنه یعتقد أن ما أجمع علیه علماء المدینة ما أخذوه من عند أنفسهم و إنما هی وراثة ورثوها عن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم. یقول الإمام مالک فی رسالة للّیث بن سعد: إنّ أهل المدینة هم من الذین قال اللّه تعالی عنهم: وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِینَ وَ الْأَنْصارِ وَ الَّذِینَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ، [التوبة: 100]، و أوضح اللّه تعالی أنّ هؤلاء السابقون من المهاجرین و الأنصار الذین استقر بهم المقام فی المدینة المنورة ینبغی أن یتّبعوا و أن نهتدی بهدیهم".
مثال ذلک، الحدیث الصحیح الآتی:" المتبایعان بالخیار ما لم یتفرّقا". الشافعی عنده التفرق هو تفرق الأبدان و عند الحنفیة هو تفرق موضوع الکلام و لکن مالک یقول عمل أهل المدینة علی خلاف هذا، فعلماء المدینة السبعة و عامة الناس یقولون إن العقد إذا تمّ بالإیجاب و القبول کان العقد لازما.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 155
مثال آخر، الحدیث المشهور:" البیّنة علی المدّعی و الیمین علی من أنکر". قال مالک نأخذ بهذا الحدیث و لکن یخصّصه و یفسّره عمل أهل المدینة و هو أنّ هذا الحدیث یطبّق بشرط أن ینظر القاضی فیجد أنّ بین المدّعی و المدّعی علیه علاقة ما إمّا جوار أو قرابة أو شرکة ... فإن لم یجد القاضی مثل هذه الصلة فله أن لا یسمع الدعوی و ذلک لکی لا یتلاعب السفهاء بالوجهاء فیأخذوا منهم أموالهم خشیة تشویه سمعتهم، مثال ذلک أن یدّعی سفیه علی أحد الوجهاء دعوی باطلة، فلو أخذ بها القاضی لاضطر ذلک الوجیه إلی الذهاب إلی القاضی و عندها قد یدفع الوجیه شیئا من المال للسفیه الذی ادعی علیه تلک الدعوی الباطلة و ذلک لکی لا تشوّه سمعته بالامتثال بین یدی القاضی.
ثالثا: إذا ثبت قانون شرعی و قاعدة شرعیة عامة مثل:" وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْری ، یقول الإمام مالک: إذا وجدنا بین هذه القاعدة الضخمة الکبیرة و بین جزئیات الأدلة تناقضا، نأخذ بالقاعدة و نترک هذه الجزئیات.
مثال ذلک: الحدیث الصحیح عن عائشة رضی اللّه عنها:" إنّ المیّت لیعذّب ببکاء أهله علیه". قال مالک هذا یتناقض مع القاعدة التی مرّت معنا سابقا (و لا تزر وازرة وزر أخری)، و بناء علی ذلک فلا ذنب للمیت إن بکی أهله علیه فلم یأخذ بالحدیث.
و لکن الشافعی مثلا و هو تلمیذ مالک أخذ بالحدیث و قال إنّ عذاب المیت فی قبره هنا هو عذاب نفسی و لیس عقابا من اللّه عز و جل و إنما هو عقاب خاص یأتی نتیجة لتصرفات أهله، فهو یتألم من فعل أولاده و یتمنی لهم الصلاح لأن اللّه تعالی یطلعه علی أفعالهم التی قد لا تخلو من معاصی و أمور مختلفة تکون سببا لغضب اللّه تعالی علیهم.
مثال آخر: الإمام مالک وحده یفتی بعدم نجاسة لعاب الکلب و کذا رشحه و لکن الحدیث الصحیح یقول:" إذا ولغ الکلب فی إناء أحدکم فلیرقه و لیغسله سبعا إحداهن بالتراب". قال مالک من المتفق علیه أنه یجوز استعمال الکلب فی الصید و الکلب إذا اصطاد لا بد أن یمسک الطریدة بفمه و یصیبه من لعابه لذلک أخذ بالقاعدة العامة التی تفید جواز صید الکلب، ثم قال عن هذا الحدیث انه مضطرب و هذا دلیل ضعف فقد ورد الحدیث بعدة روایات (أولهن- أخراهن- إحداهن بالتراب).
رابعا: الأخذ بالاستحسان و هو عبارة عن جزئیة صغیرة اقتضتها مصلحة دینیة ثابتة فی کتاب اللّه و إن عارضت هذه الجزئیة مبدأ کلیا و یؤخذ به استثناء.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 156
مثال ذلک قاعدة أن الأخ المیت إذا مات و ترک أخا شقیقا أی لأب و أم هذا یسمّی عصبة و یأخذ کل ما تبقی من المال مثلا إذا کان المیت لیس له إلا أخ یأخذ کل الأموال و إذا مات و لیس له إلا أخ أو أخ شقیق، الأم تأخذ السدس و الأخ أو الأخوة الأشقاء یأخذون الباقی. إن مات رجل و ترک زوجا و أمّا و إخوة لأم و أخا شقیقا، الزوج یأخذ النصف و الأم تأخذ السدس و الأخوة لأم یأخذون من الثلث لم یبقی للأخ الشقیق شی‌ء إن طبّقنا هذه القاعدة.
هنا الإمام مالک و غیره عادوا فوجدوا أنّ الأمر قد رفع إلی سیدنا عمر رضی اللّه عنه فحکم أنه لیس للأخوة الأشقاء شی‌ء فقال الأخوة الأشقاء هب أننا إخوة لأم فقط أ لا یکون لنا؟ قال: نعم، ثم جعل الإخوة للأم و الأخ الشقیق یشترکون معا فی الباقی.
القاعدة علی خلاف ذلک و لکن هذه الجزئیة هی لمصلحة الشریعة لأن الشریعة تقتضی هذا الاستثناء.
فائدة: الحقیقة أنه لیس بین الأئمة خلاف فی الأصول الشرعیة فإنهم متفقون علی حوالی سبعین بالمائة منها و إنما هناک خلاف فی العناوین یتعلق بالفروع الجزئیة و یشکّل حوالی ثلاثین بالمائة فقط و ذلک رحمة بالأمة و توسیعا علیها، فالحمد للّه أولا و آخرا الذی وفقهم أن یجتمعوا علی ما اجتمعوا علیه فإن اجتماعهم هذا خیر للأمّة و الحمد للّه الذی ألهمهم أن یختلفوا فیما اختلفوا فیه فإن اختلافهم أیضا رحمة للأمة.
خامسا: مبدأ سد الذرائع: و هذا المبدأ مأخوذ من قوله تعالی: وَ لا تَسُبُّوا الَّذِینَ یَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَیَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَیْرِ عِلْمٍ کَذلِکَ زَیَّنَّا لِکُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلی رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَیُنَبِّئُهُمْ بِما کانُوا یَعْمَلُونَ (108)، (الأنعام: 108) .." وَ لا تَسُبُّوا الَّذِینَ یَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَیَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَیْرِ عِلْمٍ"، الأئمة کلهم یأخذون بهذا المبدأ و لکنهم یختلفون بالمقدار الذی ینبغی أن یأخذوا به، مثال ذلک سب المؤمن لدین کافر أو لمن یتخذه إلها بزعمه أصله مباح و لکن إذا کان هذا العمل المباح ینتج عنه عمل محرّم فیسب الکافر اللّه تعالی عندها یصبح هذا العمل المباح فی أصله محرما لا لذاته و لکن لما قد ینتج عنه و هذا ما یسمّی بمبدإ سد الذرائع.
و مثال ذلک أیضا، إطالة السهر مباح أیضا و لکن إن کان هذا سیمنعک عن أن تستیقظ لصلاة الصبح تحوّل المباح إلی محرّم و هذا باتفاق الأئمة.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 157
مثال آخر، بیع السلاح فی أصله مباح و لکن إذا علمت أنّ هذا یأخذ منک سلاحا لیؤذی به الآخرین أو کان وقت الفتنة فلا یجوز.
سادسا: المصالح المرسلة: رائدها فی الشریعة الإمام مالک.
جاءت الشریعة لتحقیق خمسة أنواع من المصالح و هی علی هذا الترتیب: الدین، الحیاة، العقل، النسل أو العرض و المال. کل الأئمة الأربعة أخذوا بها.
المصالح المرسلة هی أن یری العالم الفقیه أمامه مصلحة حدیثة العهد طارئة، لم تکن موجودة من قبل تقتضی حکما شرعیا و لکن هذا الفقیه لا یجد علیه (أی علی الحکم الشرعی) دلیلا من القرآن أو السنّة و لا یجد دلیلا علی حکم یشبهه للقیاس لا سلبا و لا إیجابا، فما العمل؟ یقول مالک: أنا أعود بهذه المسألة فی الحکم إلی جنس هذه المصلحة التی یحققها الحکم، ننظر هل هی واحدة من هذه المصالح الخمس التی جاءت الشریعة بحمایتها و رعایتها؟ فإن کانت واحدة من هذه المصالح و کان الأخذ بها لا یفوّت مصلحة أهمّ منها یقول مالک أنا أجتهد علی وفق هذه المصلحة. و هذا باب عظیم فی الاجتهاد و سنورد فی ما یلی بعض الأمثلة و النماذج لتوضیح الصورة:
1- منع عمر بن عبد العزیز الناس أن یشتروا أراض فی منی و أن یبنوا علیها بیوتا لهم لأن ذلک سیضیق علی الحجّاج مع أنه لا یوجد نص فی ذلک و لکن من باب المصالح المرسلة أصدر عمر بن عبد العزیز أمره هذا (و هو ما یسمیه الحنفیة مقاصد الشریعة).
2- قال الإمام مالک لو أنّ صبیانا یلعبون و یتشاجرون و یمزّق أحدهم ثوب الآخر أو یتلف متاعا (یکسر زجاج منزل أو سیارة مثلا) فالوالد (أی أبو الولد الذی سبب الضرر) یضمن (أی یدفع تعویضا عن الضرر الحاصل) و إن لم یکن الولد بالغا. و لکن هنا الشهود کلهم أولاد و القاعدة أنّ الشهادة لا تصحّ إلا من بالغ کبیر. ما ذا نفعل إذا ترکنا القضیة هکذا؟ طبعا ستقع مفاسد کثیرة. المصلحة المرسلة هنا التی تتوخاها الشریعة هی أن نقبل شهادة الصبیان بعضهم علی بعض فی أمور إجرائیة من هذا القبیل.
3- تدوین قواعد اللغة العربیة و المجامع الفقهیة و المؤتمرات کلها أشیاء حسنة تخدم مصلحة الدین ...
سابعا: العرف: إنّ العرف فی الشرع له اعتبار فیما لم یرد فیه نص أو کان الأمر غامضا، و الأئمة کلهم متفقون علی ذلک. یقسم مالک العرف إلی قسمین: عرف قولی عرف فعلی أو سلوکی (فقط فی العقود).
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 158
مثال علی العرف القولی: کلمة اللحم، فلو أنّ رجلا أقسم أن لا یأکل لحما، ننظر ما ذا تعنی کلمة اللحم فی عرفهم أحیانا تطلق و یقصد بها لحم الضأن (الخروف) و فی بعض الأعراف تطلق و یقصد بها لحم البقر و فی بعض الأعراف یقصد بها لحم السمک.
فإذا یقع القسم علی ما هو معروف عندهم إلا إن قصد کل اللحم ساعتئذ تکون النیة مقدّمة علی دلالة العرف.
مثال آخر علی العرف القولی: لو نذر فلان أن یتصدّق بکل ما فی جیبه من دراهم و کانت الدراهم فی عرفهم تطلق علی عملة البلاد فلا یجب علیه أن ینفق من العملات الأخری إن وجدت فی جیبه إلا إن نوی غیر ذلک.
أما العرف السلوکی فهو مثلا أن یعقد فلان علی فلانة دون أن یتفقا علی موعد لدفع المهر و کان العرف أن یدفع قبل الدخول ساعتئذ یکون هذا هو الحکم.
و لو اشتری أحدهم سیارة مثلا و لم یشترط أن تکون مکیّفة و البائع لم یشترط ذلک فاختلف المشتری و البائع، ننظر إن کان العرف أن تکون غیر مکیفة کما فی بلادنا فالحق مع البائع أما إن کان العرف أن تکون مکیفة کما فی بلاد الخلیج فیکون الحق مع المشتری.

قاعدة: المعروف عرفا کالمشروط شرطا

قاعدة: المعروف عرفا کالمشروط شرطا
یقول الإمام مالک إن النصوص القرآنیة و نصوص السنّة إنما تفسّر علی ضوء العرف القولی فی عصر النبی صلّی اللّه علیه و سلّم، و هکذا فالعرف القولی مفتاح هام و خطیر جدا لفهم النصوص.
و نضرب علی ذلک مثلا ما جاء فی الصحیح أن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم قال: إن زکاة الفطر هی صاع من غالب قوت البلد. کلمة صاع عبارة عن مکیال معیّن هذا المکیال یتغیر من بلد إلی بلد و من عصر إلی عصر، فالصّاع فی العراق کان غیر الصاع فی مصر غیر الصاع فی المدینة ... فإذا نحن نفسر ذلک بما کان معروفا عند ما قال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم هذا الحدیث فی المدینة.
مثال آخر کلمة النبیذ کانت تعنی أو یقصد منها شراب مکوّن من الماء و التمر و لا یقصد بها النبیذ المسکر المعروف فی عصرنا و قد شرب رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم النبیذ و هذا کان سبب الإشکال الذی وقع فیه الکثیر من المستشرقین عند ما قرءوا کتب التاریخ فوجدوا أن هارون الرشید کان یشرب النبیذ و ظنوه من السکاری.
قال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم:" إنّ من أشدّ الناس عذابا یوم القیامة المصوّرون"، و فی
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 159
حدیث آخر" کلّف أن ینفخ فیه الروح و ما هو بنافخ"، هنا نفسر المصوّر حسب العرف الدارج فی زمن رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم و بهذا لا یشمل الحدیث الصور الفوتوغرافیة و المرایا و انعکاس الضوء فیکون حکم هذه الأشیاء الجواز علما أن الإنسان له أن یبتعد عن هذه الأمور من باب الورع و لکن هذا لا ینفی جوازها و عدم حرمتها فالورع أمر و الجائز أمر آخر. و بالطبع فالشی‌ء المصوّر له حکم آخر إن کان صورا لفتیات عاریات لا خلاف فی أنه حرام قطعا.
أما الدلیل الشرعی للأخذ بالعرف أن اللّه تعالی أمرنا بکثیر من الآیات أن نحتکم إلی العرف بقوله تعالی: وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِینَ (199)، أی اجعل العرف أساسا ... قالت هند زوجة أبی سفیان یوم فتح مکة و کانت تبایع رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم علی أن لا تسرق و لا تزنی، قالت له: لقد کنت آخذ من مال أبی سفیان الهنة تلو الهنة (أی الشی‌ء القلیل دون علمه)، ما ذا أصنع؟ فقال لها رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم عن المستقبل:" خذی ما یکفیک و أولادک بالمعروف".
مثال آخر: قال اللّه تعالی* وَ الْوالِداتُ یُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَیْنِ کامِلَیْنِ، قال الإمام مالک إن کانت المرأة من الأغنیاء أو کانت شریفة (العادة عندهم أن النساء الأغنیاء لا یرضعن) ساعتئذ لا یجب علیها الإرضاع و لکن هو حق لها، أما إن کانت غیر ذلک فهو واجب علیها، لأن ذلک لم یأت بصیغة الأمر الجازم کقوله تعالی: وَ عَلَی الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ، [البقرة: 233].

قاعدة: إن النص یهیمن علی العرف و لا یهیمن العرف علی النص.

قاعدة: إن النص یهیمن علی العرف و لا یهیمن العرف علی النص.
و نأخذ بالعرف فقط فی الأمور التی علّقها النص علی العرف، أما ما ورد فیه نص فلا یغیّره العرف حتی لو ترک أهل بلد ما جمیعا العمل بحکم شرعی، یبقی الحکم الشرعی کما هو. فلا نقول إنّ العرف السائد الیوم هو عدم ارتداء الحجاب مثلا خلافا للعرف قدیما و أن الزمن قد تغیر، فلو کان الأمر هکذا ما کان للشریعة الإسلامیة معنی إذا کنا دائما نحتکم إلی العرف فقط دون النص.

أسباب انتشار مذهب الإمام مالک:

أسباب انتشار مذهب الإمام مالک:
شاع مذهب الإمام مالک فی المغرب کثیرا مع أن مالکا لم یترک المدینة و ذلک لأن المدینة کانت تستقطب أناسا و علماء کثر أیام الحج و فی غیر أیام الحج ... و من الأسباب التی ساهمت علی انتشار مذهب الإمام مالک دون
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 160
سواه کمذهب الأوزاعی أو سفیان الثوری، تقییض اللّه سبحانه و تعالی لمالک تلامیذ کثر من مختلف الأصقاع فمن مصر کان اللیث بن سعد و من المغرب و من العراق و من الشام و من الیمن، کلهم تتلمذوا علی الإمام مالک و هم الذین قاموا بنشر مذهبه حتی وصلنا بالتواتر بحیث یستطیع الإنسان أن یجزم أنه عند ما یقرأ الموطأ أو المدونة بروایة سحنون أو غیره من تلامذة مالک یستطیع أن یجزم أنه یتبع إماما راسخا فی العلم یبرأ ذمته عند اللّه باتباعه و الحمد للّه. و هکذا انتشر مذهبه فی المغرب و فی مصر و فی صعید مصر و فی الیمن و فی أنحاء مختلفة متفرقة حتی أنّ فرنسا حین استعمرت أقسام کثیرة من المغرب مدة طویلة، اطّلع علماء القانون الفرنسیون علی الفقه الإسلامی لا سیما مذهب الإمام مالک فأعجبوا به أیّما إعجاب، لذلک نری أن القانون الفرنسی الیوم یعتمد اعتمادا کبیرا علی فقه مالک. و بواسطة هذه النافذة انتشر الفقه الإسلامی فی فرنسا و اطّلع علیه کثیر من المستشرقین فی أوروبا الذین بدءوا یتحرکون لصدّ و محاربة هذا الغزو الإسلامی و ذلک بزرع الشکوک و الشبهات لیبعدوا الناس عن الإسلام، فادعوا قائلین: هؤلاء العرب أصحاب الأدمغة القانونیة مثل مالک و أبو حنیفة جاءوا إلی الأعراف القبلیة عند العرب فدوّنوها و جمعوها و نظّموها و فکروا بطریقة یخلدون هذه الأحکام بها و وجدوا أنّ الطریقة هی أن یبتدعوا لها إطارا دینیا فاخترعوا لها الأدلة من الأحادیث و النصوص القرآنیة لکی یرسخوا بهذه الأدلة الأعراف العربیة و القبلیة التی کانت سائدة منذ العصر الجاهلی!!!. أ یعقل هذا الکلام؟ الإمام مالک الذی رحل إلیه الناس و قال لا أدری و الذی کان لا یحدّث حتی یغتسل و یلبس البیاض من الثیاب و یبکی عند ما یذکر حدیث رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم و الذی لم یطأ المدینة بحافر دابة قط أدبا مع النبی صلّی اللّه علیه و سلّم، أ یعقل بعد کل هذا أن یقال عنه ما قیل؟. فهذا شاخت، و هو أحد المستشرقین أعداء الإسلام یقول إنّ مالکا اخترع الحدیث! فکل واحد یقیس الناس علی نفسه: الدجّالون أمثال کریمر و شاخت و غیرهم یجلسون فی ما بینهم فیختلقون الأکاذیب ثم یظهرونها علی أنها حقائق و یظنون أن غیرهم یفعل الشی‌ء نفسه.
یقول الدکتور أمین المصری رحمه اللّه و هو أحد علماء الشام إنه عند ما ذهب إلی أوروبا لنیل شهادة الدکتوراة فی الشریعة الإسلامیة- هکذا حظنا أن ندرس الشریعة الإسلامیة فی أوروبا؟!-، فکّر فی موضوع لأطروحته، فوجد کتاب شاخت عن الفقه الإسلامی من أهم الکتب فی أوروبا (و کتاب شاخت هذا یعتمد و یؤکد هذه النظریة الباطلة
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 161
التی أشرنا إلیها عن اختراع مالک للحدیث)، فقرر أن تکون أطروحته دراسة هذا الکتاب. فجاءت دراسته موضحة بما لا مزید علیه اللبس الحاصل کاشفة أکاذیبهم دافعة لکل أباطیلهم و افتراءاتهم بحیث یتبین القارئ المنصف حقد أولئک المستشرقین و تعنتهم الذی أخرجهم عن المنهج العلمی فی البحث و دفعهم لاختلاق الأکاذیب ... هذا ما دفع إدارة الجامعة إلی رفض أطروحته و ألزمته بالتحول عن هذا الموضوع، فلما أبی لم یستطع أن یحصل علی شهادة الأستاذیة و اضطر أن یأخذ شهادة فی علم النفس و علم التربیة و أن یترک دراسة الشریعة الإسلامیة فی الغرب.
وفاته: توفی الإمام مالک فی أوائل عام 179 ه عن 87 سنة فی الأرض التی لم یفارقها قط إلا للحج حبا و شوقا للنبی صلّی اللّه علیه و سلّم. و قد بقی مفتیا للمدینة مدة ستین سنة. و کان من أبلغ الناس حزنا علیه و أشدهم بکاء تلمیذه النجیب و وارث الإمامة من بعده محمد بن إدریس الشافعی. و لقد دفن مالک رضی اللّه عنه فی البقیع.
و کان الإمام مالک قد ترک حضور الجنازات فی آخر حیاته و کان یأتی أصحابها فیعزیهم ثم ترک ذلک کله و لم یشهد الصلوات فی المسجد و لا الجمعة أیضا، فعوتب فی ذلک فقال: لیس کل الناس یقدر أن یتکلم بعذره. و علم بعد ذلک أنه کان قد اصیب بسلس البول و کان یخشی أن ینجّس مسجد رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم، و قال و هو یودّع الدنیا: لو لا أنی فی آخر یوم من الدنیا و أوله من الآخرة ما أخبرتکم، سلس بولی، فکرهت أن آتی مسجد رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم علی غیر طهارة استخفافا برسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم و کرهت أن أذکر علّتی فأشکو ربی!!!.

من أقواله:

من أقواله:
- کلما کان رجل صادق لا یکذب فی حدیثه (أی مطلق حدیث) إلا متّع بعقله و لم یصبه مع الهرم آفة و لا خرف.
- من لم یکن فیه خیر لنفسه لم یکن فیه خیر لغیره.
انتهینا من الحدیث عن الإمام مالک و فقهه و السبب الذی جعل مذهبه ینتشر و یترسخ فی کثیر من أنحاء العالم الغربی و الإسلامی و عرفنا کیف أنّ اجتهاد الإمام مالک زاد فی التقریب بین مذهبی أهل الحدیث فی الحجاز و أهل الرأی فی العراق. و عرفنا لما ذا نمت مدرسة الحدیث فی الحجاز و لما ذا نمت مدرسة الحدیث فی العراق. تکلمنا أیضا عن دور الإمام أبی حنیفة و الإمام مالک فی نسج شجون الصلة بین هذین المذهبین فی الشکل
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 162
الذی ذکرناه و انتهینا إلیه. و الآن ننتقل إلی الکلام عن الإمام الشافعی رحمه اللّه تعالی.

3- ترجمة الإمام الشافعی رضی اللّه عنه:

بشارة النبی صلّی اللّه علیه و سلّم به:

بشارة النبی صلّی اللّه علیه و سلّم به:
قال رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم عن علی و ابن عباس:" اللهم اهد قریشا فإنّ العالم منهم یسع طباق الأرض فی آخرین"، رواه أحمد و الترمذی و قال حسن ...
و قال صلّی اللّه علیه و سلّم:" لا تسبّوا قریشا فإنّ عالمها یملأ الأرض علما"، قال ابن حجر الهیثمی حدیث حسن له طرق عدیدة.

اسمه و نسبه و تاریخ میلاده:

اسمه و نسبه و تاریخ میلاده:
هو محمد بن إدریس الشافعی، ولد بالاتفاق عام 150 هجریة أی فی العام الذی توفی فیه أبو حنیفة و قد غالی البعض فقال فی الیوم نفسه الذی مات فیه أبو حنیفة. و الصحیح الذی ذهب إلیه الجمهور أنه ولد فی غزة فی فلسطین، والده قرشی و یلتقی نسبه مع رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم فی عبد مناف جده صلّی اللّه علیه و سلّم. أما أمه فمن قبیلة أخری، من قبیلة الأسد و هی قبیلة عربیة أصیلة و لکنها لیست قرشیة. ولد الشافعی فی أسرة فقیرة جدا، و بعد ولادته بعامین توفی أبوه فقررت أمه العودة بابنها محمد إلی مکة لأنه قرشی حتی لا یضیع نسبه و لأن له سهم من ذوی القربی.
و لکن هذا المال الذی کانت تأخذه من سهم ذوی القربی کان قلیلا و قلیلا جدا، فعانت هی و ولیدها محمد حرمانا و فقرا. و لکن الأم کانت قویة الشخصیة راسخة الإیمان، علی جانب من العلم و الحفظ، فأرادت لولدها أن یتعلم و یحفظ فدفعت به إلی مکان فی مکة یقرئ الصبیان. و لکن الأم لم تجد أجر المعلم، فکان الشیخ المقرئ یهمل و یقصّر فی تعلیم الصبی المتعطّش إلی العلم و المعرفة و لکن کان المعلم إذا علّم صبیا شیئا، تلقّف الشافعی ذلک الکلام ثم إذا قام المعلم من مکانه لیقضی شأنه أخذ محمد مکانه و راح یعلم الصبیان تلک الأشیاء. و رآه المعلم یفعل ذلک، فارتاحت نفسه و نظر إلی أنّ الشافعی یکفیه من أمر الصبیان أکثر من الأجرة التی یطمع بها منه فترک طلب الأجرة و استمرت هذه الحال مع الشافعی حتی حفظ القرآن و هو دون العاشرة من عمره و منهم من قال و هو ابن سبع سنین.
عرف الشافعی بشجو صوته فی القراءة. قال ابن نصر: کنا إذا أردنا أن نبکی قال بعضنا لبعض: قوموا إلی هذا الفتی المطلبی یقرأ القرآن، فإذا أتیناه (یصلی فی الحرم) استفتح القرآن حتی یتساقط الناس و یکثر عجیجهم بالبکاء من حسن صوته فإذا رأی
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 163
ذلک أمسک من القراءة.

تحصیله و طلبه للعلم:

تحصیله و طلبه للعلم:
کانت أمه قد وجّهته لإتقان القراءة و التلاوة و التفسیر علی شیوخ المسجد الحرام و لم یکد یبلغ الثالثة عشرة من عمره حتی أتقن ذلک إتقانا جیدا ملفتا للنظر. ثم اتجه الشافعی إلی علم الحدیث فلزم حلقة سفیان بن عیینة و مسلم بن خالد الزنجی فی المسجد الحرام. و کان الورق غالی الثمن باهظ التکالیف و الشافعی و أمه فی قلة و فقر فکیف یفعل فی التدوین؟ یروی أنه کان یلتقط العظام العریضة فیکتب علیها أو یذهب إلی الدیوان فیجمع الأوراق المهملة التی یلقی بها فیستوهبها و یکتب علی ظهرها. هذه المعاناة وفقته إلی أن یعتمد علی الحفظ فتکوّنت لدیه حافظة قویة ساعدته مستقبلا علی حفظ کل ما یسمع و ما یلقی إلیه من علم و معرفة.
و بذکائه و ملاحظته أدرک الشافعی أنّ لغة قریش قد دخلتها ألفاظ غریبة و لم یعد لسانها هو اللسان العربی السلیم فی فصاحته و بیانه، و علم أنه لا یستطیع أن یجید علوم القرآن و الحدیث و استخراج الأحکام من النصوص إلا إذا أتقن اللغة العربیة الصحیحة.
و کان یحضر فی المسجد الحرام دروس إمام مصر اللیث بن سعد حین یأتی حاجا أو معتمرا و کان یوصی مستمعیه أن یتقنوا اللغة و أسرارها و أن یتعلموا خاصة کلام هذیل و هم قبیلة فی البادیة و أن یحفظوا أشعارهم لأن هذیل أفصح العرب. انطلق الشافعی إلی مضارب هذه القبیلة فأقام فی ظهرانیهم و لازمهم عشرة أعوام عکف خلالها علی دراسة اللغة و آدابها و حفظ الشعر (حفظ أکثر من عشرة آلاف بیت) کما تعلّم الرمایة و الفروسیة و برع فیهما. و روی الشافعی عن نفسه فقال: کانت همّتی فی شیئین، فی الرمی و العلم فصرت فی الرمی بحیث أصیب عشرة من عشرة". و سکت عن موضوع العلم تواضعا علما أنه فی العلم أکثر من ذلک. عاد إلی مکة و هو یحمل ثروة هائلة من شعر و أدب العرب حتی قال الأصمعی- راویة العرب المشهور-" صحّحت أشعار الهذلیین علی فتی من قریش یقال له محمد بن إدریس". و أصبح الشافعی حجة عصره فی اللغة. و عاد إلی مکة لیتعلّم عند علمائها من أتباع عبد اللّه بن عباس و جعفر الصادق.
و کان الإمام سفیان بن عیینة إذا جاءه شی‌ء من التفسیر أو الفتیا التفت إلی الشافعی فقال: سلوا هذا الغلام.
و کان الشافعی یوما یحضر مجلس ابن عیینة فحدّث ابن عیینة بحدیث أنّ رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم کان معتکفا، فأتته صفیة، فلما ذهبت ترجع مشی النبی صلّی اللّه علیه و سلّم معها فأبصره رجل
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 164
من الأنصار فقال له رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم:" إنها صفیة، إنّ الشیطان یجری من الإنسان مجری الدم". فقال ابن عیینة: ما فقه هذا الحدیث یا أبا عبد اللّه؟ فقال الشافعی: لو کان القوم اتهموا رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم لکانوا بتهمتهم إیّاه کفارا و لکنّ رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم أدّب من بعده فقال إذا کنتم هکذا فافعلوا هکذا حتی لا یظنّ بکم، لا أنّ النبی صلّی اللّه علیه و سلّم- و هو أمین اللّه فی وحیه- یتّهم. فقال ابن عیینة: جزاک اللّه خیرا یا أبا عبد اللّه ما یجیئنا منک إلا ما نحبه. و لا عجب فی ذلک فقد کان یعمل و یهتدی وفق توجیهات أمّه البارّة التی کانت عالمة، حافظة و فقیهة. فقد استدعیت مرة للشهادة أمام قاضی مکة و معها امرأة أخری و أراد القاضی أن یفرّق بینها و بین المرأة الأخری فی الشهادة لیسمع کلّا منهما علی حدة، فاعترضت و طلبت إلی القاضی أن تکون شهادتها و شهادة المرأة الأخری بحضور کلیهما و استدلّت علی ذلک بقوله تعالی: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَکِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْری [البقرة: 282].
و أجازه شیخ الحرم الإمام مسلم بن خالد الزنجی و کان أول من أجازه فقال له و هو غلام: أنت یا أبا عبد اللّه و اللّه لقد آن لک أن تفتی. و لکن الشافعی مع هذا رفض أن یفتی و کیف یفعل ذلک و هو یعتبر أنّ سلّم العلم ما زال طویلا، و کیف یفعل ذلک و الإمام مالک فی المدینة و قد سمع من حدیثه عند ما جاء حاجّا إلی بیت اللّه الحرام؟!!!.
و أدرک الشافعی ما عند مالک من علم واسع و أحب لقاءه و لکنه تهیّب أن یرحل إلیه قبل أن یأخذ من علومه شیئا، فأقبل علی الموطأ فحفظه غیبا و لم یکن یملک ثمنه فاستعاره و حفظه. و خشی أن لا یستقبله الإمام مالک لحداثة سنّه فلقد اشتهر عن مالک أنه رغم سماحته و طیب خلقه کان صارما فی العمل و لا یبیح وقته للناس و لا یستقبل من یطرق بابه خلال راحته فی داره. و لکن الشافعی الشاب المتوقد المتوهج المتعطش إلی غرف العلم لا یشبع نهمه الجلوس فی حلقات درس مالک فی المسجد و لکنه یرید أن یتفرّد بلقائه. فتوسطت له أمّه عند والی مکة، فأرسل معه رسالة إلی والی المدینة. فلما وصلت الرسالة إلی والی المدینة و قرأها قال: یا فتی إنّ مشیی من جوف مکة إلی جوف المدینة حافیا راحلا أهون علیّ من المشی إلی باب مالک، فلست أری الذل حتی أقف علی بابه! ... فقال الشافعی: أصلح اللّه الأمیر، إن رأی الأمیر یوجه إلیه لیحضر. فقال الأمیر: هیهات، لیت أنی لو رکبت أنا و من معی و أصابنا من تراب العتیق (حی یسکنه مالک) نلنا بعض حاجتنا. و واعده علی الذهاب إلی مالک فی وقت العصر. و یروی
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 165
الشافعی فیقول: و رکبنا جمیعا، فو اللّه لکان کما قال، لقد أصابنا من تراب العتیق فتقدم رجل منا فقرع الباب فخرجت إلینا جاریة سوداء فقال لها الأمیر: قولی لمولاک أنی بالباب. فدخلت ثم خرجت فقالت: إنّ مولای یقرئک السلام و یقول إن کان لدیک مسألة فارفقها فی رقعة یخرج إلیک الجواب و إن کان للحدیث فقد عرفت یوم المجلس فانصرف. فقال لها الأمیر: قولی له إنّ معی کتاب والی مکة إلیه فی حاجة ... فدخلت و خرجت و إذا بمالک قد خرج و علیه المهابة و الوقار و هو شیخ طویل مسنون اللحیة، فرفع الوالی الکتاب إلی الإمام مالک فطفق یقرأه فلما بلغ إلی هذا:" إنّ هذا رجل یهمنی أمره و حاله فتحدثه ... و تفعل ... و تصنع ...". فرمی مالک الکتاب من یده ثم قال:
سبحان اللّه أو صار علم رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم یؤخّذ بالرسائل؟!!! قال الشافعی: فرأیت الوالی قد تهیّب أن یکلّمه فتقدمت و قلت:" أصلحک اللّه ... إنی رجل مطلبیّ من بنی المطّلب و حدّثته عن حالتی و قضیتی فلما سمع کلامی نظر إلی و کان لمالک فراسة فقال:
ما اسمک؟ قلت: محمد، فقال:" یا محمد إنه سیکون لک شأن و أی شأن، إنّ اللّه تعالی قد ألقی علی قلبک نورا فلا تطفئه بالمعصیة. إذا جاء الغد تجی‌ء مصطحبا معک ما تقرأ به. و طلب منه أن یأتی بمن یقرأ له الموطأ لصغر سنه و لکن الشافعی جاءه فی الیوم الثانی و معه الموطأ و بدأ یقرأ عن ظهر غیب و الکتاب فی یده. و کلما قرأ قلیلا تهیّب مالکا و أراد أن یقطع و لکن أعجب مالک حسن قراءته و إعرابه فقال: زد یا فتی، حتی قرأ علیه الموطأ فی أیام یسیرة. قال مالک عنه: ما یأتینی قرشی أفهم من هذا الغلام، و قال:
إن یک یفلح فهذا الغلام.
و لازم الشافعی مالکا تسعة أعوام و لم ینقطع عنه إلا لزیارة أمّه أو لرحلة علمیة و کان قد ذهب فی بعض الرحلات إلی العراق و حصل ثروة من علم أبی حنیفة. و تلقی الشافعی علومه من مالک و من باقی علماء المدینة. و کانت المدینة أجلّ بلد حافظ علی الطابع الإسلامی الأصیل، و أکثر الصحابة کانوا فیها، فإنّ النبی صلّی اللّه علیه و سلّم بعد رجوعه من حنین ترک فیها نحو اثنی عشر ألف صحابی، لبث فیها نحو عشرة آلاف، ثم ماتوا فیها و تفرّق فی سائر الأقطار نحو ألفین. و ما کان یوثق بعلم العالم فی جمیع أقطار الخلافة الإسلامیة إلا أن یؤم المدینة، یختلف إلی علمائها و یروی عن حفاظها.
و فی إحدی رحلات الشافعی العلمیة غاب عن المدینة زهاء عامین و کان دائم السؤال عن شیخه مالک، و یوم عاد دخل الحرم النبوی و تهیّأ للجلوس فی حلقة مالک و ما هی إلا
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 166
لحظات حتی وصل مالک و فاح ریح الطیب فی أرجاء المسجد و جلس مالک علی کرسی أعدّ له و أخذ یلقی المسائل علی التلامیذ المتحلقین حوله و من بینهم و فی زحمتهم الشافعی الذی لا یکاد یراه مالک. سکت الحاضرون و لم یجیبوا علی مسائل مالک فتضایق الشافعی ثم أوحی بالجواب إلی الذی بجواره و کذلک بجواب آخر و آخر، مالک یلقی المسألة و جار الشافعی یجیب، ثم سأله مالک متعجبا: من أین لک هذا العلم؟ فقال إنّ بجانبی شابا یقول لی الجواب و إذا هو الشافعی فتلقاه مالک بالترحاب و الحفاوة و السرور و قال له: أتمم أنت هذا الباب و هذه إجازة من مالک للشافعی بالفتیا. فلما کان عام 179 توفی مالک و بکاه الشافعی بکاء حارا. و کان الشافعی یعانی من الفقر و لا یبالی فی سبیل إقباله علی العلم و الدراسة فلما توفی مالک شعر بفراغ فالتفت یبحث عن عمل و کان قد وصل إلی قمة الشباب، فبحث له بعض القرشیین عن عمل فی الیمن بواسطة والی الیمن، فأعطی عملا جیدا فی نجران دون مستوی المحافظ بشی‌ء قلیل.

اتهامه بخیانة الخلافة العباسیة:

اتهامه بخیانة الخلافة العباسیة:
فی الیمن تنامت ثروة الإمام الشافعی العلمیة بالتعرف علی فقه إمام مصر اللیث بن سعد الذی کان تلامذته منتشرین هناک. و لکن والی مدینة نجران تحفّظ علیه فوشی إلی هارون الرشید بشأنه و شأن عدد من الناس معه کان مجموعهم عشرة و کانت الخلافة العباسیة آنذاک تحسب حسابا للشیعة لا سیما العلویین- أی أسرة و ذریة سیدنا علی رضی اللّه عنه- ذلک لأن الخلافة العباسیة قامت علی سواعد الشیعة أی المتشیعین و المناصرین لعلی رضی اللّه تعالی عنه و أرضاه، إلا أنّ العباسیین تنکروا لهم بعد قیام الخلافة. لذا کانت الخلافة العباسیة دائما تخشی من ثورة العلویین علیهم. و کان والی نجران قد اتّهم الشافعی بأنه یحرّض العلویین علی الثورة. و سیق إلی هارون الرشید مکبّلا بتهمة خیانة الدولة و کانت عقوبة هذه الخیانة القتل. دخل الشافعی ثابت الفؤاد علی الخلیفة ینتظر الحکم علیه و هو یردد:" اللّه یا لطیف ... أسألک اللطف فیما جرت به المقادیر". قال الشافعی للخلیفة: السلام علیک یا أمیر المؤمنین و برکاته (دون أن یلفظ و رحمة اللّه). فردّ علیه الرشید: و علیک السلام و رحمة اللّه و برکاته، ثم أضاف فقال: بدأت بسنّة لم تؤمر بإقامتها، و رددنا علیک فریضة قامت بذاتها و من العجب أن تتکلم فی مجلسی بغیر أمری أو إذنی. فقال الشافعی: إنّ اللّه تعالی قال:" وَعَدَ اللَّهُ الَّذِینَ آمَنُوا مِنْکُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَیَسْتَخْلِفَنَّهُمْ
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 167
فِی الْأَرْضِ کَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِینَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَیُمَکِّنَنَّ لَهُمْ دِینَهُمُ الَّذِی ارْتَضی لَهُمْ وَ لَیُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً"، و هو الذی إذا وعد وفّی، فقد مکّنک فی أرضه و أمّننی بعد خوفی ... حیث رددت علیّ السلام بقولک و علیک رحمة اللّه، فقد شملتنی رحمة اللّه بفضلک. فقال الرشید: و ما عذرک بعد أن ظهر أنّ صاحبک- یعنی الثائر العلوی- طغی علینا و بغی و اتّبعه الأرذلون و کنت أنت الرئیس علیهم؟ فقال الشافعی: أما و قد استنطقتنی یا أمیر المؤمنین فسأتکلم بالعدل و الإنصاف و لکن الکلام مع ثقل الحدید صعب، فإن جدت علیّ بفکه أفصحت عن نفسی و إن کانت الأخری فیدک العلیا و یدی السفلی و اللّه غنی حمید. فأمر الرشید بفک الحدید عنه و أجلسه، فقال الشافعی: حاشا اللّه أن أکون ذلک الرجل، و لکن قال تعالی: یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِنْ جاءَکُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَیَّنُوا، [الحجرات: 6] لقد أفک المبلّغ فیما بلّغک. و إنّ لی حرمة الإسلام و ذمة النسب و کفی بهما وسیلة و ما أنا بطالبیّ و لا علوی و إنما أدخلت فی القوم بغیا علیّ. أنا محمد بن إدریس، و أنا طالب علم. فقال الرشید: أنت محمد بن إدریس؟ قال: نعم، ثم التفت إلی محمد بن الحسن الشیبانی و سأله: یا محمد ما یقول هذا؟ أ هو کما یقول؟ قال محمد بن الحسن: إنّ له من العلم شأنا کبیرا و لیس الذی زعم علیه من شأنه (معلوم أنه بین العلماء المخلصین نسب أقوی من الرحم). و کأنّ اللّه تعالی وضع هذه المحنة التی انزلق فیها الشافعی من أجل أن یعیده عز و جل من عمل الدنیا إلی عمل الآخرة و هذا واضح جدا و عسی أن تکرهوا شیئا و هو خیر لکم و عسی أن تحبوا شیئا و هو شر لکم و لکن هذه الحقیقة لا تظهر إلا آخرا عند ما یکون الإنسان فی طور المفاخرة و أمّا فی طور الحکم الإلهی فیکون کالغائص فی جوف البحر لا یعلم إلا من وثق بعلم اللّه سلفا.
لذا ینبغی للمسلم أن یراجع نفسه کل فترة من الزمن و یحاول أن یتذکر ما هی الأشیاء التی حصلت معه فی الماضی و ظنها حینذاک شرا و إذا بها مع مرّ السنین الخیر کله، ذلک یفید الإنسان بزیادة ثقته باللّه تعالی فإنّ أکثر المعاصی و الإحباطات إنما هی ناتجة عن عدم الثقة باللّه و عدم المشاهدة له دائما عز و جل (ثقة عین الیقین).

موقف الشافعی من الإمامة و الخلافة:

موقف الشافعی من الإمامة و الخلافة:
کان الشافعی علی عقیدة جمهور أهل السنة و الجماعة و کان یستدل علی أنّ أولی الناس بالخلافة هو أبو بکر رضی اللّه عنه بعد رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم، أنّ امرأة جاءت إلی النبی صلّی اللّه علیه و سلّم تسأله فی أمر فقال لها ارجعی فیما
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 168
بعد، فقالت: فإن لم أجدک؟ فأمرها النبی علیه الصلاة و السلام أن تأتی أبا بکر، أی إن ذهبت و عادت و کان الرسول صلّی اللّه علیه و سلّم قد توفی فعلیها أن تأتی إلی أبی بکر.

إقامته فی العراق:

إقامته فی العراق:
و بقی الشافعی فی العراق فتعرّف علی محمد بن الحسن و وطّد صلته به و عاد و تفرغ للعلم و ترک الدنیا و العمل فیها ... یقول الشافعی:" أخذت من محمد بن الحسن وقر بعیر (أی حمل بعیر) من سماعه عن أبی حنیفة، أی لو جمعت العلم الذی أخذته منه فی کتب فإن هذه الکتب تبلغ حمل بعیر و کل ما فیها لیس فیه شی‌ء من عندی، کله أخذته سماعا من محمد بن الحسن". انظروا إلی تواضع الشافعی الذی ما حال بینه و بین هذه الکلمة المکانة العالیة التی تبوّأها قد تقدّم ربما علی محمد ابن الحسن و هو المجتهد المطلق ما قال فی نفسه ما ذا سیقول عنی الناس لو سمعوا أنی تلمیذ محمد بن الحسن. و هذا من باب ذکر فضل أهل الفضل. و قد ملأ الشافعی کتابه" الرسالة" مناقشات طریفة جدا بینه و بین محمد بن الحسن الشیبانی ملئت علما. و کان محمد بن الحسن یقدره تقدیرا عظیما و لا یؤثر علی مجلسه مع الإمام الشافعی أی مجلس. و قد حصل أن اتفق یوما أنّ الإمام الشافعی کان ذات مرة متجها إلی بیت محمد بن الحسن لیتدارس معه العلم و لیأخذ منه و لکن محمد بن الحسن کان متجها إلی الموعد الذی کان قد ارتبط به مع الخلیفة، فآثر مجلس الشافعی و تخلّف عن مجلس الخلیفة.
و قد لبث الشافعی فی العراق زهاء عامین عاد بعدها إلی مکة و أخذ یدرس فی الحرم المکی، و هذه فترة ازدهار علمه، منذ هذا العهد بدأ الشافعی یصب کل تفکیره و یعمل کل فهمه فی تدوین الفقه و أصوله أی بدأ فی تدوین موازین الاجتهاد و أصول استنباط الأحکام من نصوص القرآن و السنّة حتی تجتمع العقول المختلفة علی هذه الموازین.
فالقرآن و السنة کل منهما ملی‌ء بالأحکام و لکن کیف نفهمهما، ما هی قواعد الفهم، ما هی قواعد الدلالة العربیة التی علی أساسها نستنبط الأحکام من القرآن و من السنة؟ هذا ما بدأ یشغل بال الشافعی فوضع و خطط لهذا العلم و هو علم جدید لم یکن موجودا من قبل هو" علم أصول الفقه" ... بقی الشافعی فی مکة تسع سنوات یجمع هذه القواعد و یدونها و ینسجها و قبل ذهابه إلی مکة کان قد زار مسجد الإمام الأعظم أبی حنیفة و هناک صلی الفجر علی مذهب الإمام (أی أبو حنیفة) مخالفا مذهبه فی الحرکات و القنوت و ما إلی ذلک، و لما سئل عن ذلک قال: إنی فعلته أدبا مع الإمام أبی حنیفة أن
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 169
أخالفه فی حضرته. انظروا إلی أدب علمائنا بعضهم مع بعض.

تألیفه لکتابه" الرسالة" و أهمیته:

تألیفه لکتابه" الرسالة" و أهمیته:
أصبح من عادة الشافعی أن یجلس فی الحرم عند بئر زمزم حیث کان یجلس الصحابی الجلیل شیخ المفسرین عبد اللّه بن عباس رضی اللّه عنهما ... و بدأ یؤلف فی مکة کتابه" الرسالة"، و کان صیته العلمی فی هذا الوقت یطبق الآفاق فی مختلف أنحاء البلاد و مقاطعات الدولة الإسلامیة الشاسعة، فیأتیه طلاب العلم و المعرفة من أقصی الأماکن و کان من هؤلاء أحمد بن حنبل الذی کان تلمیذا للإمام ابن عیینة إمام الحدیث فی عصره فی المسجد الحرام. و ابن عیینة کان یروی جلّ أحادیثه عن الزهری و هو أعلی الأسانید، فکان الناس یغشون مجلسه. و لکن الإمام أحمد لما علم بمجلس الشافعی و سمع منه ترک مجلس ابن عیینة و أصبح یغشی مجلس الشافعی فلما سئل عن ذلک قال: إنک إن فاتک الحدیث بعلوّ تجده بنزول و لا یضرک ذلک أما إن فاتک عقل هذا الفتی- یقصد الشافعی- فإنی أخاف أن لا تجده إلی یوم القیامة، ما رأیت أحدا أفقه بکتاب اللّه تعالی من هذا الفتی القرشی. و کان أحمد یقول:
کان الفقه مقفلا علی أهله حتی فتحه اللّه للإمام الشافعی. قال الحسن بن محمد الزعفرانی: کنا نحضر مجلس بشر المریسی المعتزلی القدری المناظر البارع و کنا لا نقدر علی مناظرته فسألنا أحمد بن حنبل فدلّنا علی الشافعی، فسألناه شیئا من کتبه فأعطانا کتاب الیمین مع الشاهد فدرسته فی لیلتین ثم غدوت علی بشر المریسی و تخطّیت إلیه فلما رآنی قال: ما جاء بک یا صاحب الحدیث؟ قال الحسن الزعفرانی: ذرنی من هذا، ما هو الدلیل علی إبطال الیمین مع الشاهد؟ فناظرته فقطعته فقال: لیس هذا من کیسکم، هذا من کلام رجل رأیته بمکة معه نصف عقل أهل الدنیا. و کان بشر المریسی لما رأی الشافعی المفتی فی مکة یحدّث قال لأصحابه المعتزلة: إنی لا أخاف علیکم من أحد و لکنی أخاف علیکم من هذا الفتی فإنّ معه نصف عقل أهل الدنیا.
و الذی یدعو إلی الإعجاب أن یکون الشافعی کتب هذه الرسالة فی أصول الفقه و هو شاب و کان قد طلبها منه إمام المحدّثین فی بغداد لکی یستفید منها هو و غیره من کبار العلماء فی کیفیة فهم النصوص. و لما کتب الشافعی الرسالة و وصلت إلی إمام المحدثین فی بغداد، جعل یتعجب و یقول: لو کانت أقل لنفهم ... و قال الإمام المزنی: قرأت الرسالة خمسمائة مرة، ما من مرة إلا و استفدت منها فائدة جدیدة. و فی روایة عنه قال: أنا أنظر فی
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 170
الرسالة من خمسین سنة، ما أعلم أنی نظرت فیها مرة إلا و استفدت شیئا لم أکن عرفته.
کتاب" الرسالة" هو مقدمة ضخمة لکتابه" الأم" مثل مقدمة ابن خلدون لکتابه" تاریخ الأمم و الملوک"، و مقدمة ابن خلدون لیست کتابا مستقلا و إنما هی مقدمة لموسوعة تاریخیة و لأهمیة هذه المقدمة طبعت طبعا مستقلا و افردت باسم مستقل و أصبحت مقدمة ابن خلدون اسم مستقل تماما، و کذلک کتاب" الرسالة" فهو فی أصله عبارة عن مقدمة کبیرة و واسعة جدا لکتاب" الأم" و هو عبارة عن سبعة أجزاء، إلا أنّ" الرسالة" فیما بعد أفردت بالطباعة و أصبحت عبارة عن کتاب مستقل لأنه یحوی علما مستقلا، و قد تضمّن ما یلی:
أولا: بیان أنّ أی علم شرعی لا بد أن یدور علی فلک نص مأخوذ من الکتاب أو السنّة. ثم أکّد أهمیة و حجیة حدیث الآحاد (و حدیث الآحاد هو الحدیث الذی یرویه صحابی واحد أو اثنین أو ثلاثة عن النبی صلّی اللّه علیه و سلّم) و قد ذکرنا طرفا من ذلک من قبل، و استدلّ علی حجیة الآحاد بأدلة کثیرة منها:
- أنّ اللّه تعالی حینما أنزل فی القرآن الکریم تحویل القبلة من المسجد الأقصی إلی مکة المکرمة، جاء صحابی و أخبر الصحابة الذین کانوا یصلّون فی مسجد ذی القبلتین فاستداروا و هم فی الصلاة، فإذا أخذوا بخبر الواحد!.
- حینما أنزل اللّه تعالی آیة تحریم الخمر، أخبر صحابی باقی الصحابة بذلک، فانتهوا و ألقوا خمورهم.
- إنّ النبی صلّی اللّه علیه و سلّم بعث معاذ رضی اللّه عنه إلی الیمن لیبلّغ عنه و لقد أخذ عنه أهل الیمن.
- إن اللّه عز و جل قد أمرنا أن نأخذ بقول الشاهدین و هما من الآحاد.
و هذا الأمر أی حجیة حدیث الآحاد لم یخالف فیه أحد من الأئمة الأربعة و إنما اختلفوا فی نسخ الآحاد للقرآن أی هل ینسخ حدیث الآحاد حکم آیة من کتاب اللّه تعالی و هل یخصص هذه الآیة أم لا؟ ...
ثانیا- و کان قد ظهر فی عصر الشافعی من یدّعی أنه یأخذ بالقرآن الکریم وحده و یدع العمل بالحدیث الآحاد و هم من الزنادقة، فردّ علیهم الشافعی ردا مفحما و سمّی بذلک" نصیر السنّة النبویة" ... ثم عقد الشافعی بابا سمّاه" الدلالات" أی کیف تدل
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 171
النصوص علی معانیها سواء کان المفهوم الموافق أو المفهوم المخالف و کیف نستخرج قواعد القیاس علی نص فی کتاب اللّه تعالی ... و أوضح البیان، أی کیف یمکن أن یکون القرآن بعضه بیانا لبعض و أنّ النص قد یکون عامّا و قد یکون خاصا و قد یکون مطلقا و قد یکون مقیّدا. و النص المطلق یمکن أن یأتی نص آخر فی المعنی ذاته فیقیّده و یفسّره ... و أوضح أیضا فیما إذا کان یمکن للسنّة أن تخصص القرآن العام أو أن تقیّده و هل یصح العکس ...
و باختصار کتاب" الرسالة" هو عبارة عن مفاتیح لکیفیة فهم الأحکام من النصوص. و قد کان المجتمع آنذاک یفتقر إلی هذا العلم و لم یکتب فیه أحد قبلا، صحیح أنّ الإمام أبو حنیفة و الإمام مالک کل منهما بنی فقهه علی أصول و مبادئ و لکن هذه المبادئ لم تسجّل و لم یصرّح بها کلها بل إنّ تلامذتهما هم الذین استنبطوا الأصول من فروع المسائل. و الذی أعان الشافعی علی هذا العلم علم استنباط الأحکام من النصوص فضلا عن کونه عالما بالفقه و الحدیث و بلوغه درجة قصوی من الذکاء، هو أنه عاش فی البادیة عشر سنوات حیث أخذ الطبیعة العربیة و السلیقة العربیة من ینبوعها، فکان یعلم کیف یفهم الرجل العربی الجملة و کیف یأخذ المعنی إثر المعنی من الجملة الواحدة، و مما جعل من الشافعی حجة فی اللغة.

عودة الشافعی إلی العراق:

عودة الشافعی إلی العراق:
عاد الشافعی إلی العراق و أقبل العلماء جمیعا من شتی المذاهب علی کتاب" الرسالة" و أعجبوا به أیما إعجاب و کان الشافعی یشرح و یناقش هذه القواعد. و کان الشافعی یضرب فی طول البلاد و عرضها فی سبیل أن ینقل علم الحجاز إلی العراق و بالعکس و یجمع الکل تحت مظلة هذه القواعد، فلقد تنبّه إلی ثغرات علماء العراق و هی أنهم کلما فقدوا النص استنجدوا بالرأی و استحسنوا و مالوا إلی ما تطمئنّ إلیه نفوسهم و لکن علی أی أساس؟ و علی أی قاعدة؟ و ما هو المقیاس الذی یوضح الرأی المتفق مع شرع اللّه تعالی و حکمه و الرأی المتنکر عن شرع اللّه تعالی و حکمه؟ لا یوجد! إذا هذه هی الثغرة التی یعانی منها أهل العراق. أما أهل الحجاز فلاحظ أنهم یأخذون بالنص دون أن یتوغلوا فی فهم طرق دلالته و قوانین هذه الدلالة. إذا رأوا نصا فی کتاب اللّه تعالی أو سنة النبی صلّی اللّه علیه و سلّم تصوّروا ضرورة تطبیق هذا النص دون التأمل فی کیفیته و أسلوبه، و هذه هی ثغرتهم، فکان کتاب الرسالة سدا لثغرة أهل الحدیث فتقبله
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 172
المسلمون فی جمیع أنحاء البلاد و أقبلوا علیه. و یقول الشافعی فی هذا الموضوع: صحیح أننا لا نخرج عن دائرة النص و لکن هناک فرق بین من لا یغوص فی أعماق النص و لا یتعمق به و بین من یبحث و یتفکر و یتعلم و یتعمق و یستنبط معان عدیدة فیجد أنّ مسافة النص 10 أمتار من حیث المعنی. و ضرب علی ذلک أمثلة عدیدة فقال:
- إنّ اللّه عز و جل خاطب عباده فی کتابه بألفاظ عامة و أراد منها الخاص و خاطب عباده بألفاظ خاصة و أراد منها العموم، مثال علی ذلک: قوله عز و جل:" الَّذِینَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَکُمْ فَاخْشَوْهُمْ" إنما أرید بالناس الأولی رجل واحد هو أبو سفیان، فیکون هنا اللفظ عام یراد منه الخاص.
- مثال علی الخاص الذی یراد منه العام: قال اللّه تعالی: یا أَیُّهَا النَّبِیُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ، [الطلاق: 1]، فهو خطاب للنبی صلّی اللّه علیه و سلّم وحده و لکن المقصود به عموم الناس.
من هنا کثر إعجاب الإمام أحمد بالشافعی فعن صالح بن أحمد بن حنبل قال:
جاء الشافعی یوما إلی أبی یعوده- و کان علیلا- فوثب أبی إلیه، فقبّل ما بین عینیه، ثم أجلسه فی مکانه و جلس بین یدیه. قال فجعل یسائله ساعة، فلما وثب الشافعی لیرکب قام أبی فأخذ برکابه و مشی معه، فبلغ یحیی بن معین هذا الخبر فوجه إلی أبی: یا أبا عبد اللّه، یا سبحان اللّه! أ اضطرک الأمر إلی أن تمشی إلی جانب بغلة الشافعی؟ فقال له أبی: و أنت یا أبا زکریا لو مشیت من الجانب الآخر لانتفعت به قال: ثم قال أبی: من أراد الفقه فلیشم ذنب هذه البغلة. و قال الفضیل بن زیاد: قال أحمد بن حنبل: هذا الذی ترون کله أو عامته من الشافعی، ما بتّ مدة أربعین سنة إلا و أدعو اللّه للشافعی. قلت و هذا من شیم أهل الفضل یعرفون الفضل لأصحابه.
و کان الشافعی بالمقابل یحب و یجلّ الإمام أحمد کثیرا و کان یجلس بین یدیه یتعلم منه الحدیث و یقول له إذا صح عندک الحدیث فأخبرنی عنه. و کان الإمام أحمد یحدّث ابنته کثیرا عن الشافعی و عن تقواه و علمه و فی یوم نزل الشافعی ضیفا عند أحمد و لعل ذلک کان فی رحلة الشافعی الأخیرة له إلی بغداد، فأعطاه غرفة لینام فیها. و کان الإمام أحمد کثیر التعبد و کثیر التنسک فأخذت ابنته تراقب الشافعی کیف تکون عبادته و متی سیستیقظ من اللیل و أیهما أکثر تعبدا والدها أم الشافعی. فلاحظت أنّ غرفة الشافعی بقیت مظلمة إلی قبیل أذان الفجر بینما الإمام أحمد کان یقوم أکثر اللیل. و فی الصباح
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 173
قالت لأبیها: أ هذا هو الشافعی الذی حدثتنی عنه؟ فلم یجبها الإمام أحمد و دخل علی الشافعی فقال له: کیف کانت لیلتک یا أبا عبد اللّه؟ فقال له: لقد فکرت اللیلة فی بضع آیات من کتاب اللّه تعالی و روایة فی حدیث النبی صلّی اللّه علیه و سلّم، فاستخرجت منها أحکاما کثیرة- و فی روایة فوق الستین حکما- فقال الإمام أحمد لابنته: لضجعة واحدة من الإمام الشافعی خیر من صلاة أبیک اللیل کله!.
هذا یصور لنا کیف کان أدب و تعظیم أئمة المسلمین بعضهم لبعض و نظر کل واحد منهم إلی الآخر علی أنه إمام و حجة. أما الیوم فللأسف کثیر ممن یدّعون حب إمام من الأئمة یسفّهون أو ینتقدون إماما آخر. و قد أنبأنا النبی صلّی اللّه علیه و سلّم عن هذا الداء الخطیر و أنه من أشراط الساعة أن یلعن آخر هذه الأمة أولها.

أسفاره و زیارته مصر:

أسفاره و زیارته مصر:
لقد طاف الشافعی فی آفاق العالم الإسلامی، و لم یترک بقعة إلا زارها من الحجاز حتی أقصی الشرق و الشمال و لکنه لم یأت مصر بعد. و مصر مهد عریق فی الحضارة و العلم و هی فی الوقت عینه مجتمع علماء فحول و فضلا عن ذلک هی مدرسة إمامه و شیخه اللیث بن سعد. و بینما إمامنا العظیم فی تطلعه هذا إذ جاءته دعوة کریمة لزیارة مصر فوافقت هوی قلبه و نفسه و کانت الدعوة من أحد تلامذته و محبّیه، الفقیه العالم، و التاجر الواسع الثراء" ابن عبد الحکم". فشد الشافعی رحاله علی الفور و کان وداع الناس و العلماء خاصة له فی بغداد مؤثرا جدا. کانوا یبکون و یحاولون إقناعه بالبقاء خصوصا الإمام أحمد ... و امتدت إقامة الشافعی فی مصر خمس سنوات حیث استقبل استقبالا حافلا من مختلف الطبقات إذ سبقه صیته إلی هناک و حاول الکثیرون أن یستفیدوا من ضیافتهم له فعرضوا علیه الإقامة عندهم من الوالی حتی أقل الناس شأنا و لکن الشافعی آثر التشبه برسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم حین هاجر إلی المدینة المنورة فنزل عند أقارب أمه ... و کان أول ما فعله الشافعی أن قام بزیارة قبر الإمام اللیث بن سعد و وقف عند القبر خاشعا یردد و یقول: للّه درّک یا إمام ... لقد حزت أربع خصال لم یکملن لعالم: العلم و العمل و الزهد و الکرم.

لقاؤه السیدة نفیسة و أخذه عنها العلم:

لقاؤه السیدة نفیسة و أخذه عنها العلم:
کانت السیدة نفیسة رضی اللّه عنها حفیدة الحسن بن علی و الحسین بن علی رضی اللّه عنهم موئل علم و دین و تقوی، تقیم فی مصر، و کان الشافعی یعرف مقدارها و مکانتها. فاستأذن فی زیارتها فأذنت له و رحبت
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 174
به و أعجبها عقله و ورعه و سمع منها ما لم یکن قد وصل إلیه من حدیث رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم.

تدریسه و تألیفه لکتابه" الأم":

تدریسه و تألیفه لکتابه" الأم":
کان الشافعی جامعة علم فی شتی الفنون، فکان یجلس فی جامع تاج الجوامع فی مصر بعد صلاة الفجر و یبدأ بالقرآن و علومه فیأتیه علماء التفسیر و علوم القرآن الفطاحل لیتعلموا منه، فإذا انتهی تحوّل إلی الحدیث فیأتیه علماء الحدیث لیتعلموا منه و إذا فرغ انتقل إلی علوم اللغة و آدابها فیأتیه علماؤها یدرسون عنه و هکذا ... و فی مصر أعاد الشافعی النظر فی" الرسالة" فجدد تألیفها- و" الرسالة" التی بین أیدی الناس الیوم هی" الرسالة" المؤلفة فی مصر- کما أعاد النظر فی کتابه" الحجة" فألّف بدله کتاب" الأم" و هو مجموع لکتب کثیرة جدیدة ألّفها الشافعی فی مصر و هذا الکتاب هو المعروف و المشهور فی أیامنا. و تراجع الشافعی عن بعض مسائله الفرعیة فی العراق و أفتی بغیرها من هنا إذا قیل الیوم فی المذهب الشافعی القدیم فإنما یراد به أقواله فی العراق المجموعة فی کتابه" الحجة" و إذا قیل مذهب الشافعی الجدید فیراد به أقواله فی مصر المجموعة فی کتابه" الأم". و ابتکر الشافعی کتبا- کما یقول الإمام النووی- لم یسبق إلیها، منها: أصول الفقه و کتاب" القسامة" و کتاب" الجزیة" و کتاب" أهل البغی" و غیرها.
فائدة: الفتوی الیوم هی علی المذهب الجدید إلا فی بعض المسائل التی لا تتجاوز العشرین مسألة حیث یفتی فیها بالقول القدیم.

أدب الشافعی مع مخالفی مذهبه و عدم تعصبه:

أدب الشافعی مع مخالفی مذهبه و عدم تعصبه:
الشافعی رضی اللّه عنه إن وجد نفسه یخالف فی بعض آرائه الإمام مالک، لم یکن یعرّض لذلک و لم یکن یناقشه و لم یکن یتحدث حتی لا یضع نفسه من أستاذه موضع المناقش أو الرّاد علی رأیه و لکن فی الوقت نفسه یخالف بأدب. إلی أن بلغه أنّ فی المغرب أناسا وصل بهم التقدیس الأعمی للإمام مالک. فصاغ الشافعی هنا فی هذا الوقت المتأخر من حیاته" خلاف مالک" أی" خلافیاتی مع مالک" و قال إنّ الإمام مالک بشر یصیب و یخطأ و هو أی الشافعی بشر یصیب و یخطأ و بدأ یناقش مسائل یری خلافا فیها مع مالک. و فی کثیر من الأحیان ذهب کثیر من الأئمة العظام ضحیة عصبیة تلامذتهم و هذا فی التاریخ کثیر. قد یکون الإمام عظیما لکن له تلامذة یتعصبون و یتشنّجون.
من هنا کان الشافعی ینادی مرارا و تکرارا: (إذا صح الحدیث فهو مذهبی) یعنی
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 175
إن صح حدیث لم أکن قد سمعت به و أفتیت بخلافه و وصل إلیکم و فقهتم المعنی فإنّ هذا هو مذهبی. إذا هذا القول لیس موجها إلی عامة الناس و إنما هو موجّه إلی فقهاء مذهبه و تلامذته و أصحابه. یعنی مثلا قد یأتی من یعترض و بالفعل فقد أتی فی هذا الزمن کثیر من اعترض علی الشافعی، یقول مثلا إن النبی صلّی اللّه علیه و سلّم قال فی الحدیث الصحیح:" من لحم جزور فلیتوضأ"، و الشافعی یقول إذا صح الحدیث فهو مذهبی. نقول لیس مطلق حدیث وقع علیه إنسان یستطیع أن یطبق علیه مقولة الشافعی إذ ینبغی أولا أن یکون من أهل النظر و الاجتهاد، ثانیا أن یری هل اطّلع علی هذا الحدیث الشافعی أو أصحابه أو فقهاء المذهب من بعد و کیف فسروه؟ و لقد رد الشافعیة علی هذا الحدیث فقالوا هذه واقعة حال و الواقعة أنّ رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم کان جالسا مع بعض أصحابه و قد أکلوا لحم جزور و خرجت رائحة کریهة من أحد الحاضرین ثم حان وقت الصلاة و من البدیهی أنّ الذی سیذهب للوضوء سیعلم حاله، فرسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم الأدیب الرفیع الذوق قال رفعا للحرج عن هذا الصحابی: من أکل لحم جزور فلیتوضأ. هذه واقعة حال و وقائع الأحوال لا تصلح للاستدلال. ثم لو صح أنّ لحم الجزور ینقض الوضوء، فمن المعلوم أنّ أهل مکة و المدینة لا یأکلون فی ذلک الوقت من اللحوم إلا لحم الإبل و لو صح أنه ینقض الوضوء لعلم ذلک و شاع و لکن لم ینقل إلا عن هذا الصحابی و فی هذه الحالة ...
و کان الشافعی یدعو إلی عدم التعصب فی أمر من الأمور لأن الشیطان دائما یتربص بالمسلمین علی الأطراف التی تشکل الإفراط أو التفریط فکلما ابتعد الإنسان عن القصد فی الطریق تخطّفه الشیطان و إنه لا یستطیع أن یتخطّفه إلا إذا خرج عن الجادة الوسطی کما قال تعالی:" أَنَّ هذا صِراطِی مُسْتَقِیماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِکُمْ عَنْ سَبِیلِهِ".

علم أصول الفقه و تعریفه:

علم أصول الفقه و تعریفه:
علم أصول الفقه إجمالا هو المیزان العربی الذی تزان به فهوم الفقهاء بنصوص الکتاب و السنّة. و هذا العلم ینقسم إلی ثلاثة أقسام:
- قسم یسمی:" الدلالات".
- قسم یسمی:" البیان".
- قسم یسمی:" صفات المجتهد و کیفیة الاجتهاد".
فقسم الدلالات عبارة عن کیف یفهم العربی الکلام العربی، مثلا نقول الأمر
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 176
(افعل، اقرأ، اکتب) یدل علی الوجوب و النهی یدل علی طلب الترک الجازم و یدل علی الحرمة. اللفظ یدل بمعناه الإیجابی دلالة منطوق و یدل بمعناه السلبی دلالة مفهوم مخالف. هذه کلها دلالات و الکلمة تتفاوت حسب قوة الدلالات علی المعنی عبر سلم من الدرجات. فأقوی دلالة علی المعنی اسمها" النص"، فی الدرجة الثانیة یأتی ما یسمی" بالظاهر"، و فی الدرجة الثالثة" المجمل"، و فی الرابعة" المتشابه". النص کیف یفهم و الظاهر کیف یؤوّل ... هذا خلاصة قسم الدلالات.
القسم الثانی و هو قسم" البیان" أی کیف یأتی نص فی القرآن الکریم بیانا لنص آخر، و کیف یأتی نص من القرآن بیانا لحدیث من السنّة، و کیف یأتی حدیث من السنة بیانا لنص من القرآن أی شرحا له. کثیرا ما یأتی نص من القرآن عاما محتملا فیأتی نص آخر واضح وضع النقاط فیه علی الحروف فیفسر هذا النص الذی یسمی الخاص علی العام عن طریق ما یسمی بالتخصیص أو التقیید أو التأویل أو النسخ، و هذا خلاصة القسم الثانی.
أما القسم الثالث و هو" الاجتهاد": ما الاجتهاد؟ و بأی الأحکام نجتهد؟ القاعدة تقول أنه لا اجتهاد فی معرض النص و إذا لم یکن هناک نص و لکن هناک إجماع أیضا لا اجتهاد. و إذا کان الاجتهاد واردا فما هی شروطه یا تری؟ و ما هی شروط المجتهد أی ما هی الشروط التی ینبغی أن تتوفر فیه من علم و درایة و ذوق و فقه و ما إلی ذلک حتی یستطیع أن یجتهد؟ کل هذه الأسئلة تکمن إجابتها فی هذا القسم.
هل هناک خلاف فی أصول الفقه بین العلماء؟ الحقیقة أنّ هناک خلاف بین الأئمة فی بعض الفروع أما فی أصول الفقه فالخلاف قلیل جدا جدا. الإمام الشافعی عند ما دوّن هذا العلم وافقه العلماء الذین کانوا فی عصره، فکل من المالکیة و الحنابلة و الشافعیة طبّقوا هذه القواعد التی دوّنها الشافعی، لذلک لا یوجد عندنا کتب أصول فقه للمالکیة و الحنابلة، فقط الحنفیة هم الذین خالفوا الشافعی فی مسائل فی أصول الفقه. لذلک عند ما ندرس أی کتاب فی أصول الفقه نجد أنّ هذه الأصول تأخذ أحد طرفین طریقة الأئمة الثلاثة مالک و الشافعی و أحمد و تسمی طریقة المتکلمین و طریقة الحنفیة.
ملاحظة: هنا قد یرد إشکال ألا و هو إن کان الإمام الشافعی هو الذی وضع قواعد أصول الفقه بمعنی أنّ الفقه الذی تفرّع من هذه الأصول یمکن أن نعتبره فقها وضعه
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 177
الشافعی و بالتالی لا تثبت البیّنة علی أنّ الفقه هو حکم اللّه عز و جل و شرعه المنزل، هذا من جهة و من جهة أخری هناک إشکال آخر أثاره بعض المستشرقین یقول فیه: من أین جاء الإمام الشافعی بقواعد أصول الفقه؟ لعله ابتدعها من عنده!.
الجواب: إنّ هنالک فرقا دقیقا و لکن هاما جدا بین قولنا إنّ الإمام الشافعی وضع علم أصول الفقه و بین قولنا إنه دوّن علم أصول الفقه. الشافعی لم یخترع و لا قاعدة واحدة من قواعد علم أصول الفقه إطلاقا و إنما بحکم أنّ الشافعی حجة و إماما فی اللغة عکف علی أسالیب العرب و کیفیة فهمهم للکلام و المعانی التی تستخلص من العبارات فاستخرج من قواعد العرب و اصطلاحات اللغة العربیة فی الفهم و النطق استخرج من ذلک قواعد دوّنها و لفت إلیها أنظار الفقهاء و المحدّثین. و لکی نقرب الصورة أکثر نضرب المثال التالی: إنّ أول من دوّن علم اللغة العربیة هو أبو الأسود الدؤلی، فهل لأحد أن یقول إذا أن أبو الأسود الدؤلی اخترع اللغة العربیة؟!!! فأبو الأسود الدؤلی إذا کان وضع قواعدها فهذا لا یعنی أنه اخترعها. نحن جمیعا نعلم أنّ اللغة العربیة کانت موجودة من قبل أبی الأسود بکثیر و أنّ الناس کانوا یرفعون الفاعل و ینصبون المفعول به و یجرّون المضاف إلیه و ما إلی ذلک قبل الدؤلی بقرون و لکن الذی حصل أنّ أبا الأسود عمد بعبقریته الفذة إلی النطق العربی و تتبّعه فوجد أنّ العرب دائما ترفع الفاعل و ما إلی ذلک، فقعّد له قوانین و قواعد حتی یستطیع من لا یجید العربیة بالسلیقة أن ینطق النطق السلیم. و الکلام نفسه یطبّق علی الشافعی و علم أصول الفقه، فالشافعی مثلا وجد أنّ العرب إذا سمعوا جملة ما، تدرک لها معناها الإیجابی و تأخذ بالاعتبار معناها السلبی. مثال علی ذلک، عند ما تسمع العرب حدیث" مطل الغنی ظلم" (أی إذا کان المدین ملیئا غنیا و ماطل فی دفع الدّین المترتب علیه فهو ظالم) العرب قبل الفقهاء فهموا من هذا الکلام أنّ مطل الفقیر لیس بظلم و هذا ما سماه الشافعی" المفهوم المخالف". إذا هو لم یخترع هذا و إنما تتبع لغة العرب و قعّدها.

منهج الشافعی العلمی:

منهج الشافعی العلمی:
أخذ الشافعی بالمصالح المرسلة و الاستصلاح و لکن لم یسمها بهذا الاسم و أدخلها ضمن القیاس و شرحه شرحا موسعا. و کذلک کان الشافعی یأخذ بالعرف مثل مالک و لکن کل لدرجة ما.
یروی إنه فی أحد الأیام، فی مجلس مالک، کان فیه الشافعی، جاء رجل یستفتی
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 178
مالکا، یقول أنه ابتاع طائرا من رجل أقسم البائع باللّه تعالی و فی روایة بالطلاق أنّ طائره هذا لا یفتأ عن التغرید. فلما أخذه الشاری وجده یغرد حینا و یسکت حینا، فسأل مالکا فقال له: لک حق خیار العیب (أی أنه لک الحق فی رده بسبب عیب فیه) و قد حنث فی یمینه أو علی الروایة الأخری وقع الطلاق. و کان الشافعی جالسا فی ذلک المجلس و لکنه لم یتکلم أدبا مع شیخه مالک. فلما ذهب الرجل لحق به و سأله: طائرک یغرد فی الیوم أکثر أو یسکت أکثر؟ قال الرجل: بل التغرید أکثر، فقال له الشافعی: إذا البیع صحیح و لیس لک خیار العیب و لم یحنث و فی تلک الروایة لم یقع الطلاق. فجاء الرجل إلی مالک، فلما ناقشه الشافعی قال له: یا سیدی، الألفاظ التی ننطق بها إنما نضعها فی میزان العرف الشرعی إن وجد (مثل الطلاق و العتق ...)، لکن إن فقد العرف الشرعی عندئذ نشرحه بالعرف اللغوی الدراج بین الناس فإن فقد العرف اللغوی الدارج بین الناس نعود إلی اللغة العربیة فی جذورها و أمهاتها. و نحن نعود فی هذا إلی کلام رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم فقد روینا عن المصطفی علیه الصلاة و السلام أنّ امرأة جاءت تستشیره فی رجلین قد خطباها فأیهما تتزوج، فقال لها النبی صلّی اللّه علیه و سلّم: أما فلان فلا یضع العصا عن عاتقه و أما فلان فصعلوک (أی لا یلیق بک من حیث المستوی الاجتماعی و غیره). قال الشافعی:
فقوله صلّی اللّه علیه و سلّم لا یضع العصا عن عاتقه کنایة عن کثرة السفر و قد علمت أنه یصلی فیضع العصا عن عاتقه و یأکل و یضعها عن عاتقه و ینام و یغتسل و فی کل ذلک یضع العصا عن عاتقه و رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم صادق فیما یقول، إذا هذه الکلمة سارت مسار العرف الدراج و هنا (أی فی مسألة الطائر) عرف فی السوق لو قال البائع هذا الطائر لا یفتأ عن التغرید یعنی أنّ أکثر أوقاته التغرید.
و کان الشافعی یتمسک بالأحادیث الصحیحة و یعرض عن الأخبار الواهیة و الموضوعة.
و اعتنی بذلک عنایة فائقة. و قال الشافعی ذاکرا فضل اللّه تعالی علیه: ما کذبت قط و ما حلفت قط باللّه تعالی صادقا و لا کاذبا. قال أبو زرعة: ما عند الشافعی حدیث فیه غلط.
و قد وضع الشافعی فی فن مصطلح الحدیث مصطلحات کثیرة، لم یسبق إلیها مثل:
الاتصال و الشاذ و الثقة و الفرق بین حدّثنا و أخبرنا ...
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 179

من عباداته و نوافله:

من عباداته و نوافله:
کان یقسم لیله إلی ثلاثة أجزاء: ثلث ینام و ثلث یکتب و ثلث یصلی. و کان یختم القرآن فی کل شهر ثلاثین مرة و فی رمضان ستین ختمة. و من نوافل الشافعی کثرة صلاته علی النبی صلّی اللّه علیه و سلّم و کان یحضّ علی ذلک أصحابه و تلامیذه و من یحضره. و کان أسخی الناس علی الدینار و الدرهم و الطعام لا یدخل علی مکة حتی یتصدّق بما معه.

مرضه و وفاته:

مرضه و وفاته:
کان الشافعی من الأئمة العاملین فرابط فترة فی مصر فی الثغور و هی المواضع التی یخشی هجوم العدو منها علی بلد مسلم. و فی آخر حیاته ظهرت علیه علة البواسیر و کان یظن أنّ هذه العلة إنما نشأت بسبب استعماله اللّبان- و کان یستعمله للحفظ- و بسبب هذه العلة ما انقطع عنه النزیف و ربما رکب فسال الدم من عقبیه.
و کان لا یبرح الطست تحته و فیه لبدة محشوة، و ما لقی أحد من السقم ما لقی.
و العجیب فی الأمر بل یکاد یکون معجزا أن تکون هذه حال الشافعی و یترک فی مدة أربعة سنوات کلها سقم من اجتهاده الجدید ما یملأ آلاف الورق مع مواصلة الدروس و الأبحاث و المناظرات و المطالعات فی اللیل و النهار، و کأنّ هذا الدأب و النشاط فی العلم هو دواؤه الوحید الشافی!. و ألحّ علی الشافعی المرض و أذابه السقم و وقف الموت ببابه ینتظر انتهاء الأجل. و فی هذه الحال، عند آخر عهده بالدنیا و أول عهده بالآخرة، دخل علیه تلمیذه المزنی فقال: کیف أصبحت؟ قال: أصبحت من الدنیا راحلا و للإخوان مفارقا و لکأس المنیّة شاربا و علی اللّه جلّ ذکره واردا و لا و اللّه ما أدری روحی تصیر إلی الجنة فأهنّئها أو إلی النار فأعزّیها! ثم بکی و أنشأ یقول:
و لما قسی قلبی و ضاقت مذاهبی جعلت الرّجا منی لعفوک سلّما
تعاظمنی ذنبی فلما قرنته بعفوک ربی کان عفوک أعظما
و ما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل تجود و تعفو منّة و تکرّما
و دفن الشافعی رحمة اللّه تعالی علیه فی القاهرة فی أول شعبان، یوم الجمعة سنة 204 هجری. مات و کان له ولدان ذکران و بنت و کان قد تزوج من امرأة واحدة ...

من وصایاه و أقواله:

من وصایاه و أقواله:
له رحمه اللّه تعالی و رضی عنه أقوال مهمة، منها:
- ما تقرّب إلی اللّه عز و جل بعد أداء الفرائض بأفضل من طلب العلم.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 180
- طلب العلم أفضل من صلاة النافلة.
- من ضحک منه فی مسألة لم ینسها أبدا.
- من حضر مجلس العلم بلا محبرة و ورق کان کمن حضر الطاحون بغیر قمح.
- ما ناظرت أحدا قط إلا أحببت أن یوفّق أو یسدد أو یعان و یکون له رعایة من اللّه تعالی و حفظ، و ما ناظرت أحدا إلا و لم أبال بیّن اللّه تعالی الحق علی لسانی أو لسانه.
نحن کلما رأینا سیرة إمام قلنا و اللّه هذا أحق بالاتّباع و کلما سمعنا دلیله قلنا و اللّه هذا لهو الدلیل المقنع! نعم کلهم أحق بالاتّباع و کلهم عندهم أدلّتهم المقنعة فلذلک و رحمة من اللّه تعالی بنا جاز لنا أن نتبع من شئنا منهم و الحمد للّه رب العالمین.

4- ترجمة الإمام أحمد بن حنبل رضی اللّه عنه‌

اشارة

4- ترجمة الإمام أحمد بن حنبل رضی اللّه عنه
الإمام أحمد بن حنبل رجل النصف الأول من القرن الثالث، فلیس من أحد فی عصره بلغ من الشهرة و الثقة و الاعتقاد ما بلغه، ذلک أنه کان رحمه اللّه إماما فی الورع، إماما فی الزهد، إماما فی التفقه، إماما فی طریقته الفقهیة، إمام أئمة الحدیث فی عصره و إماما فی الثبات و الصبر.

مولده و نسبه:

مولده و نسبه:
ولد الإمام أحمد بالاتفاق فی عام 164 هجری فی بغداد و توفی عام 241 فکان عمره عند ما مات الشافعی أربعین عاما، و کان الشافعی یکبره بأربعة عشر عام. و هو عربی الأصل من قبیلة شیبان لم تخالط العجمة نسبه قط و یلتقی نسبه مع رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم عند نزار بن معد. توفی والده و هو صغیر و تولت أمه تربیته و کانت رعایة والدته له أشبه ما تکون برعایة والدة الشافعی. و کانت والدته فقیرة و کانت شابة حسناء جمیلة فتقدم لخطبتها و الزواج منها عدد کبیر من الراغبین لکنها رفضت و امتنعت و فضلت أن تعیش لولدها و نذرت نفسها له، و هذا الأمر أنشأ فی نفس أحمد برا بأمه ...
و لم یتزوج حتی ماتت لکی لا یدخل علی الدار سیدة أخری تنازع أمه السیادة و کان قد بلغ الثلاثین.

طلبه للعلم:

طلبه للعلم:
کسائر أترابه تعلم القرآن فی صغره و تلاه تلاوة جیدة و حفظه عن ظهر قلب. و عند ما تجاوز الخامسة عشرة من عمره، بدأ یطلب العلم، و أول من طلب العلم علیه هو الإمام أبو یوسف القاضی. و الإمام أبو یوسف کما هو معلوم من أئمة الرأی مع
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 181
کونه محدّثا و لکن فی البدایة و بعد مرور فترة لأحمد مع أبی یوسف وجد الإمام أحمد أنه یرتاح لطلب الحدیث أکثر. فتحول إلی مجالس الحدیث و أعجبه هذا النهج و اتفق مع صلاحه و ورعه و تقواه و أخذ یجول و یرحل فی سبیل الحدیث حتی ذهب إلی الشامات و السواحل و المغرب و الجزائر و مکة و المدینة و الحجاز و الیمن و العراق و فارس و خرسان و الجبال و الأطراف و الثغور و هذا فقط فی مرحلته الأولی من حیاته. و لقد التقی الشافعی فی أول رحلة من رحلاته الحجازیة فی الحرم، و أعجب به و کنا قد ذکرنا أن الإمام أحمد بقی أربعین سنة ما بات لیلة إلا و یدعو فیها للشافعی. و کان یقول عند ما یروی حدیث رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم: إنّ اللّه یبعث علی رأس کل أمّة من یجدد لهذه الأمة أمر دینها. و کان یقول: لقد أرسل اللّه تعالی سیدنا عمر بن عبد العزیز یجدد لهذه الأمة دینها علی رأس المائة الثانیة و آمل أن یکون الشافعی علی رأس المائة الثالثة. و قد حیل بین أحمد و مالک ابن أنس فلم یوفّق للقائه و کان یقول: لقد حرمت لقاء مالک فعوّضنی اللّه عز و جل عنه سفیان بن عیینة. (لاحظوا مدی تعظیم الأئمة لبعضهم البعض، بینما الجماعات فی عصرنا لا همّ لهم إلا تسفیه العلماء و منهم من یتعصب لمذهبه فیسفه باقی الأئمة حتی یرفع من شأن إمامه) و الشافعی کان یکثر من زیارة الإمام أحمد، فلما سئل عن ذلک أنشد قائلا:
قالوا یزورک أحمد و تزوره قلت الفضائل لا تبارح منزله
إن زارنی فبفضله أو زرته فلفضله فالفضل فی الحالین له
قصته و یحیی بن معین مع عبد الرزاق: ارتحل یوما الإمام أحمد من العراق هو و یحیی بن معین قاصدا المحدث الکبیر عبد الرزاق فی الیمن لطلب الحدیث منه. فلما و صلا مکة و أخذا یطوفان حول البیت، فإذا بهما یریان الإمام عبد الرزاق فقال یحیی بن معین لأحمد تعال نسأله أن یحدثنا بدلا من أن نلحق به إلی الیمن فقال الإمام أحمد:
" خرجت من بغداد و أنا قاصد أن أرحل إلی دار عبد الرزاق بن الهمام الیمنی صاحب المصنف فی الیمن من أجل مزید من المثوبة و الأجر فلن أفسد هذه النیة". حاول عبد الرزاق أن یصل أحمد ببعض المال و هو فی دیار الغربة فرفض و صمم أن یکسب عیشه و عمل نساخا.
و کان أشد ما أتعب الإمام أحمد و أرهقه من العلماء هو عبد اللّه بن المبارک الذی
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 182
ظل أحمد یسعی وراءه هنا و هناک لیلقاه و لکن من غیر جدوی. و کان ابن المبارک فقیها محدّثا واسع العلم و واسع الغنی و کان من أزهد الناس. و تعلّم أحمد من ابن المبارک حقیقة الزهد و کان یطعم الفالوذج و یأکل الخبز و إذا اشتهی طعاما طیبا لم یأکله إلا مع ضیف و یقول: بلغنا أنّ طعام الضیف لا حساب علیه. و قیل له قلّ مالک فقلّل من صلة الناس فقال: إن کان المال قلّ فإنّ العمر قد نفد. و أصبح یعتبره أحمد أستاذه فی الحدیث و السلوک. و حاول أن یصله مثل عبد الرزاق و لکن أبی أحمد و قال: أنا ألزمک لفقهک و علمک لا لمالک. و تلقی الحدیث عن هشیم بن بشیر و استفاد منه أکثر ما استفاد من غیره و تعلم منه الهمة العالیة فی الحدیث. و تلقی الفقه و أصوله عن الشافعی.

حجة بیت اللّه الحرام:

حجة بیت اللّه الحرام:
حج الإمام أحمد خمس مرات إلی بیت اللّه، حج منها ثلاث مرات ماشیا راجلا و ذلک لأنه کان قلیل المال و لکن ما منعه ذلک عن الحج.

ورعه و تقواه و تعففه:

ورعه و تقواه و تعففه:
من عظیم ما عرف به الإمام أحمد هو تعففه و له فی ذلک قصص رائعة، فقد کان یسترزق بأدنی عمل و کان یرفض أن یأخذ من صدیق و لا شیخ و لا حاکم قرضا أو هبة أو إرثا لأحد یؤثره به. و قد یقبل هدیة و لکنه یعجل فی إعطاء من أهداه هدیة مثلها أو خیرا منها، رافعا بذلک شأن العلم و العلماء. و لقد أجمعت الأمّة علی صلاحه و کان مضرب مثل فی الصلاح و التقوی حتی أنّ بعض العلماء قال: لو أنّ أحدا قال إنّ الإمام أحمد هو من أهل الجنة لم یحنث و لم یتألی علی اللّه تعالی، و دلیلهم علی ذلک إجماع أهل العراق و الشام و غیرهم علی هذا الأمر و الإجماع حجة.
تنبیه: إجماع الأمة علی هذا الأمر إنما کان بعد مماته.

منهجه العلمی و ممیزات فقهه:

منهجه العلمی و ممیزات فقهه:
اشتهر الإمام أنه محدّث أکثر من أن یشتهر أنه فقیه مع أنه کان إماما فی کلیهما. و من شدة ورعه ما کان یأخذ من القیاس إلا الواضح و عند الضرورة فقط و ذلک لأنه کان محدّث عصره و قد جمع له من الأحادیث ما لم یجتمع لغیره، فقد کتب مسنده من أصل سبعمائة و خمسین ألف حدیث، و کان لا یکتب إلا القرآن و الحدیث من هنا عرف فقه الإمام أحمد بأنه الفقه بالمأثور، فکان لا یفتی فی مسألة إلا إن وجد لها من أفتی بها من قبل صحابیا کان أو تابعیا أو إماما.
و إذا وجد للصحابة قولین أو أکثر، اختار واحدا من هذه الأقوال و قد لا یترجّح عنده قول صحابی علی الآخر فیکون للإمام أحمد فی هذه المسألة قولین.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 183
و هکذا فقد تمیز فقهه أنه فی العبادات لا یخرج عن الأثر قید شعرة، فلیس من المعقول عنده أن یعبد أحد ربه بالقیاس أو بالرأی و کان رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم یقول:" صلوا کما رأیتمونی أصلی"، و یقول فی الحج:" خذوا عنی مناسککم". کان الإمام أحمد شدید الورع فیما یتعلق بالعبادات التی یعتبرها حق للّه علی عباده و هذا الحق لا یجوز مطلقا أن یتساهل أو یتهاون فیه.
أما فی المعاملات فیتمیز فقهه بالسهولة و المرونة و الصلاح لکل بیئة و عصر، فقد تمسّک أحمد بنصوص الشرع التی غلب علیها التیسیر لا التعسیر. مثال ذلک:" الأصل فی العقود عنده الإباحة ما لم یعارضها نص"، بینما عند بعض الأئمة الأصل فی العقود الحظر ما لم یرد علی إباحتها نص ... و کان شدید الورع فی الفتاوی و کان ینهی تلامذته أن یکتبوا عنه الأحادیث فإذا رأی أحدا یکتب عنه الفتاوی، نهاه و قال له:" لعلی أطلع فیما بعد علی ما لم أطلع علیه من المعلوم فأغیر فتوای فأین أجدک لأخبرک؟ ...
و لما علم اللّه تعالی صدق نیته و قصده قیّض له تلامذة من بعده یکتبون فتاویه و قد کتبوا عنه أکثر من ستین ألف مسألة. و لقد أخذ بمبدإ الاستصحاب کما أخذ بالأحادیث المرسلة.

رفضه للفتوی فی أول حیاته:

رفضه للفتوی فی أول حیاته:
مع انتشار علمه فی الآفاق، لم یفت و قد أصرّ الناس علیه بالفتوی فلم یفت إلا بعد أن بلغ الأربعین من عمره و ذلک لأسباب:
1- تقلید النبی صلّی اللّه علیه و سلّم و هو فی هذا کعبد اللّه بن عمر رضی اللّه عنهما.
2- کان یعتبر الفقه أو مجلس الفتیا مجلس الوراثة النبویة.
3- کیف یفتی و الشافعی شیخه و إمامه و هو لا یزال علی قید الحیاة.

شدة حرصه و أسلوبه فی التدریس:

شدة حرصه و أسلوبه فی التدریس:
و مع أنه أوتی حافظة لم یؤتها أحد فی عصره إلا نادرا، کان یحمل کتبه أی کتب الحدیث و یأتی بها إلی المجلس و یوصی تلامذته أن لا یحدّثوا إلا من کتاب. و کان إذا جلس فی الدرس یسود مجلسه الوقار و السکینة کأنما علی رءوسهم الطیر، و کانت هذه السکینة تظلل مجالسه کلها إلی جانب تواضعه العظیم. و أی مجلس جلس فیه الإمام أحمد سواء کان معلما أو متعلما ساده السکینة و الوقار، کان هذا الطبع منه یهیمن علی الشیوخ الذین کان یأخذ عنهم، و ذلک بسبب احترامه و تقدیره و الشخصیة العظیمة التی کان یتمتع بها. یروی عن أستاذه یزید بن
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 184
هارون أنه مدح بمناسبة ما فتنحنح أحمد، فوضع یزید یده علی جبینه و قال: أ لا أخبرتمونی أنّ أحمدا هنا.
و کان کثیر التواضع هیّنا طریا و لکن کان الواحد إذا نظر إلیه تذکر اللّه تعالی. لقد ألبسه اللّه عز و جل ملابس هیبته فقام مستعزا بعزة اللّه تعالی. و کان بعیدا جدا عن الخوض فی الفلسفة و ذلک أنّ الفلسفة فی عصره کانت فی بدایتها، ثم طبق العلماء قاعدة:
خذ الحکمة و لا تبالی من أی وعاء خرجت. و کان الإمام أحمد یعیش بعیدا عن أمور الفلسفة و شغل نفسه بالأحادیث و آثار الصحابة، حتی أنّ من ترجم له قال: إنّ الإمام أحمد من طبقة الصحابة معنویا و إن جاء متأخرا إلا أنه فی طبعه و سلوکه و عقیدته و حیاته العامة أشبه ما یکون بالصحابة. و قال بعض العلماء لو کان الإمام أحمد فی عصر بنی إسرائیل لاحتمل أن یکون نبیا!. سئل الشافعی عمن یصلح للقضاء فأشار إلی أحمد الذی قال:" أنا أجلس فی مجلسک لکی یزید فیّ العلم زهدا فی الدنیا و أنت تطلبنی للقضاء!!!؟". و لقد کان عاملا بأحادیث رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم و هو الذی یروی: کل معروف صدقة و من المعروف أن تلقی أخاک بوجه طلق ... فطبّق هذا الحدیث علی نفسه، فکان لا یلقی الناس إلا مبتسما و یقدمهم علیه إذا مشوا فی الطریق أو دخلوا مکانا أو اصطفوا لصلاة الجماعة. و کان إذا قرأ القرآن أو صلی و دخل علیه أحد سکت علی الفور و إذا خرج من عنده عاد لصلاته و قراءته و ذلک خشیة الریاء. و کان مستجاب الدعوة.
و من الجدیر بالذکر أنّ الشافعی قبل وفاته کان قد أرسل برسالة مع الربیع إلی الإمام أحمد قبل وفاته جاء فیها: لقد رأیت النبی صلّی اللّه علیه و سلّم فی المنام فی الرؤیا و قال لی أبلغ أحمد بن حنبل عنی السلام و قل له إنه مدعو إلی محنة و فتنة سیدعی فیها إلی القول بخلق القرآن و سیثبت علی الحق و إنّ اللّه تعالی سیرفع له علما بذلک إلی قیام الساعة.
و أعطی الإمام أحمد قمیصه الذی یلی جسده للربیع علی هذه البشری فقال له الشافعی:
لن أطالبک بالقمیص (رحمة به و لعلمه أن الربیع لا یؤثر علی برکة قمیص الإمام أحمد أحدا) و لکن بله بالماء ثم أعطنی الماء حتی أتبرّک به.

محنته العظیمة:

محنته العظیمة:
عاش الإمام أحمد فی عصر المأمون ثم المعتصم ثم الواثق ثم المتوکل. فی هذه العصور، کانت صولة المعتزلة و جولتهم فی أعلی ذروتها لا سیما فی عصر المأمون. و کان المأمون تلمیذا لأبی هذیل العلاف من رؤساء المعتزلة، فافتتن بالفلسفة
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 185
الیونانیة. و استغل هذه الصلة أحمد بن أبی ذؤاد المعتزلی المتعصب و راح یکلم المأمون و یتودد إلیه حتی عیّنه وزیرا خاصا له و مستشارا. الإمام أحمد کما سبق و ذکرنا، کان بعیدا عن الفلسفة و عن الاعتزال و فی هذه الأثناء قال المعتزلة بخلق القرآن أی أنّ القرآن حادث مخلوق و لیس کلام اللّه الأزلی القدیم و تبنی المأمون هذا القول. و فی عام 218 ه أرسل کتابا إلی نائبه فی بغداد و هو إسحاق بن إبراهیم یوضح فیه هذا القول مدعوما بالحجة العلمیة المفصلة علی زعمهم. و الواضح أنّ هذا لم یکن من کلام المأمون و لکن من کلام وزیره خاصة و المعتزلة عامة. و أمر المأمون إسحاق أن یجمع کل العلماء و یقنعهم بأنّ القرآن مخلوق و أمره أن یقطع رزق و جرایة کل من لم یقتنع بهذا. امتثل إسحاق بادئ ذی بدء لهذا الأمر فجمع کل العلماء من أهل السنّة و هددهم بقطع أرزاقهم و منع الجرایة عنهم إن هم لم یقتنعوا، و أرسل إلی المأمون بأجوبة هؤلاء التی تتضمن رفض هذا القول.
فأرسل المأمون ثانیة أمرا بقطع أرزاق من لم یقتنع و إرساله إلیه مقیدا بالأغلال تحت تهدید القتل. و کان الإمام أحمد من بین الثلة التی رفضت أن تقتنع و لم تتراجع، فقیّدوا جمیعا بالأغلال و ذهب بهم إلی طرطوس. و فی الطریق تراجع البعض خوفا و مات البعض الآخر و لم یبق إلا أحمد الذی جاءه خادم المأمون و قال له: إنّ المأمون أقسم علی قتلک إن لم تجبه. و لکن أحمد رفض التراجع عن الحق و بینما هو فی الطریق لا یفصله عن المأمون إلا ساعات من السّیر، إذ جثی علی رکبتیه و رمق بطرفه إلی السماء و دعا بهذه الکلمات: سیدی غرّ حلمک هذا الفاجر حتی تجرّأ علی أولیائک بالضرب و القتل، اللهم فإن یکن القرآن کلامک غیر مخلوق فألقنا مؤنته. توفی المأمون قبل أن یصل أحمد إلی طرطوس فأعید الإمام أحمد و أودع السجن ریثما تستقر الأمور. و جاء بعد ذلک المعتصم و لکن المأمون کان قبیل موته قد أوصی أخاه أن یقرّب ابن أبی ذؤاد المعتزلی منه. لذلک لما استقر الأمر للمعتصم استدعی الإمام أحمد و هو مثقل بالحدید و کان عنده ثلة من المعتزلة علی رأسهم ابن أبی ذؤاد الذی کان یضمر کیدا شدیدا لأحمد، و سأله: ما تقول فی خلق القرآن؟ قال: أقول إنه کلام اللّه. قال: أ قدیم أم حادث؟ قال: ما تقول فی علم اللّه؟ فسکت أبو ذؤاد. قال أحمد: القرآن من علم اللّه و من قال إنّ علم اللّه حادث فقد کفر! و طلب المعتصم أن یناقشوه و کاد أن یقتنع بقول أحمد و لکن قال له المعتزلة و ابن أبی ذؤاد إنه لضال مبتدع. عرض المعتصم علی الإمام أحمد أن یرجع عما یقول مغریا
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 186
إیاه بالمال و العطایا و لکن الإمام أحمد قال له: أرنی شیئا من کتاب اللّه أعتمد علیه (أی أعطنی دلیلا علی ما تزعم من کتاب اللّه تعالی). و حذّر المعتزلة المعتصم إن هو أطلق سراحه أن یقال إنّ هذا الرجل تغلب علی خلیفتین اثنین فسیق أحمد إلی الضرب و التعذیب. و کان یضرب ضربا مبرحا حتی یغشی علیه ثم یأتون به فی الیوم المقبل.
و برغم ذلک أقبل أحمد علی الناس فی السجن یعلّمهم و یهدیهم.
أمر ابن أبی ذؤاد بنقله إلی سجن خاص حیث ضاعفوا له القیود و الأغلال و أقاموا علیه سجانین غلاظ شداد، و کم سالت دماؤه الزکیة و کم أهین و هو رغم هذا کله یرفض أن یذعن لغیر قول الحق و لو کلفه ذلک حیاته. و بعد مرور عامین و نصف علی هذه المعاناة و هذه المحنة، أوشکت الثورة أن تشتعل فی بغداد نقمة علی الخلیفة المعتصم و ابن أبی ذؤاد، فقد وقف الفقهاء علی باب المعتصم یصرخون: أ یضرب سیدنا! أ یضرب سیدنا! أ یضرب سیدنا! فلم یجد المعتصم بدا من إطلاق سراحه و أعید إلی بیته یعالج جراحه. و لما سئل عن المعتصم دعا له بالرحمة و أن یعفو اللّه تعالی عنه و قال إنه یستحی أن یأتی یوم القیامة و له حق علی أحد!. ثم تولی الواثق الحکم و حاول ابن أبی ذؤاد إقناعه بموضوع خلق القرآن و لکن خشی الفتنة. أما المتوکل فکان من أهل السنّة و حاول أن یکرم الإمام أحمد و أن یصله و لکنه رفض شاکرا و لقد ندم المعتصم علی ما وقع منه و کان یرسل کل یوم من یطمئن علی حاله، بینما ابتلی ابن أبی ذؤاد بالفالج الذی أقعده أربع سنوات و استرد منه المتوکل کل أمواله التی تعدّ بالملایین. و کان الإمام أحمد یصلی من اللیل قبل ضربه 300 رکعة و بعد مرضه الشدید صار یصلی 150 رکعة.

موقفه من الحکم و الدولة:

موقفه من الحکم و الدولة:
کان بإمکان الإمام أحمد أن یفتی الناس بکفر الخلیفة أثناء حکم المأمون أو المعتصم و کیف یفعل ذلک و هو یراقب اللّه تعالی فی کل لحظة، فکان یقول أنه لا یجوز الخروج علی إمام المسلمین برا کان أو فاجرا ما دام مسلما و هذا هو قول الجمهور و باقی الأئمة.

مسند الإمام أحمد:

مسند الإمام أحمد:
بدأ بجمع مسنده منذ أن کان عمره ستة عشر سنة، فسجل الأحادیث بأسانیدها، فی أوراق منثورة و ظل علی هذه الحال إلی أن قارب الوفاة. و لما شعر بدنو أجله بدأ یجمعها و یحذف منها ... و أملی هذه الأحادیث کلها علی أولاده و أهل بیته و أنبأهم بالعمل الذی قام به و لعله أوصی ابنه عبد اللّه أن ینهض بجمع هذه
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 187
الأحادیث و تنسیقها من بعده فجمعها عبد اللّه بطریق السند و هذا الأسلوب یعتبر صعبا جدا و هو أن یرتب الأحادیث حسب درجة رواتها من الصحابة فیبدأ بالأحادیث المرویة عن أبی بکر ثم عن عمر ثم هکذا. و کانت طریقة الإمام أحمد فی انتقاء الأحادیث أنها إن کانت تتعلق بأحکام أو عقیدة کان لا بد من اشتراط الصحة فیها، أما إن کانت تتعلق بفضائل الأعمال و لها ما یؤیدها من الکتاب أو السنة الصحیحة فلا بأس أن تکون ضعیفة. و إن کان الحدیث یعارضه نص آخر أقوی منه لا یمکن الجمع بینهما، حذف الأضعف.
مثلا نجد اسم عبد اللّه بن لهیعة فی المسند مع أنّ الحفاظ ضعفوه لا لأنه اتّهم بالکذب و لکن الرجل کان عنده کتب و مخطوطات کثیرة کان یروی عنها ثم تلفت، فلما تلفت أخذ یرویها من الذاکرة و کثیرا ما کان یخطئ و رواة الحدیث کانوا متشددین و مدققین و محتاطین جدا فی هذا الأمر. جزم ابن تیمیة و ابن القیم أنه لیس فی المسند حدیث موضوع، و قال البعض فیه أربعة أحادیث موضوعة و لکنها لیست من أحمد.
و الأحادیث الضعیفة التی فی المسند لا تتعلق بالأحکام و هی لیست شدیدة الضعف. و لقد طاف أحمد بن حنبل الدنیا مرتین حتی جمع مسنده.
من أقواله: له أقوال جلیلة منها: إذا أردت أن یدوم لک اللّه کما تحب فکن کما یحب.
قصة ثوب أحمد بن حنبل: وقعت حریق فی بیت صالح بن أحمد بن حنبل و کان قد تزوج بامرأة ثریة، فلما علم بأمر الحریق راح یبکی لا علی شی‌ء و لکن علی ثوب أبیه الذی کان یتبرک به، و لما دخل إلی بیته، وجد الثوب علی السریر و قد أکلت النار ما حوله و بقی سالما.
و هناک مذاهب فقهیة عدیدة أخری لا یتسع المجال لتفصیلها، کالزیدیة للإمام زید بن علی زین العابدین بن الحسین بن علی بن أبی طالب علیهم الرضوان و السلام جمیعا، و الجعفریة للإمام جعفر الصادق رضی اللّه عنه، و الظاهریة لابن حزم الأندلسی .. و هناک أیضا مذاهب أخری قسم منها دثر أو قلّ أتباعه کمذهب الأوزاعی و الثوری و عطاء بن أبی رباح و إبراهیم النخعی و عبد اللّه بن المبارک و غیرهم الکثیر .. فقد
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 188
ذکر الأستاذ الدکتور عبد الحمید حمد العبیدی أنه أشرف علی بحوث دراسات علیا ماجستیر و دکتوراه عدیدة بکلیة الشریعة بجامعة بغداد فی تفصیل المذاهب الفقهیة فوجدوا أنها بالعشرات .. و قد قسّم هذه المذاهب الفقهیة إلی عدة أقسام:
1- من العلماء من کان له مذهب فقهی و کان له طلاب علم و أتباع، فدونوا علمه فوصلنا کما هو الحال فی المذاهب الأربعة لأهل السنة مع المذهبین الشیعیین الزیدیة و الجعفریة.
2- منهم من کان له مذهب فقهی کبیر الشأن و اتبعه کثیر من الناس فدونه أتباعه و لکنه دثر کما هو حال کثیر من المذاهب کمذهب الأوزاعی و الثوری و عطاء بن أبی رباح و إبراهیم النخعی و عبد اللّه بن المبارک و غیرهم الکثیر، فضعف أتباعها و انتهت و لم تعد متبعة.
3- منهم من کان له اتباع و لکنهم بقی منهم القلیل کما هو حال المذهب الظاهری لابن حزم الأندلسی، و کذلک الأشاعرة و الأباضیة.
4- و منهم من کان له مذهب و لکن لم یدون و لم یکن له طلاب یدونون علمه.
و غیر ذلک من التصانیف مما لا یتسع المجال لذکره، و ما ذلک إلا لسعة أفق هذا الدین لیشمل کل الأجناس و یستوعب کل الحضارات و علی مر العصور، إذ معلوم أن الخلاف فی المذهب الفقهی عن الآخر متأت من خلاف علی تفسیر آیة أو مجموعة أحادیث، أو خلاف علی إجماع أو قیاس و کما فصلنا فی بدایة الملحق هذا .. هذا الخلاف إنما هو خلاف فی الفروع و لیس فی أصول الدین کما حصل فی فرق الأدیان السابقة التی اختلفت فی الأصول فذمّها اللّه تعالی فی القرآن الکریم فی آیات عدیدة منها قوله تعالی مخاطبا نبیه صلّی اللّه علیه و سلّم إِنَّ الَّذِینَ فَرَّقُوا دِینَهُمْ وَ کانُوا شِیَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِی شَیْ‌ءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَی اللَّهِ ثُمَّ یُنَبِّئُهُمْ بِما کانُوا یَفْعَلُونَ (159)، (الأنعام: 159) ..
لذلک فهذا الخلاف مقبول عند اللّه تعالی فلا یصل إلی مرحلة الاختلاف «1» التی ذمّها اللّه تعالی فی کتابه الکریم و حذر منها المصطفی صلّی اللّه علیه و سلّم. و کل هذه المذاهب کان
__________________________________________________
(1) راجع کتابنا (القوانین القرآنیة للحضارات- النسخة المفصلة) فستجد تفاصیل عن الفرق بین الخلاف و الاختلاف.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 189
أصحابها علماء أجلاء أوصلوا الدین للأمة و کانوا یحترمون رأی بعضهم البعض و لا یتجرأ أحدهم علی الآخر بالقدح أو الذم أو الاستهزاء کما یفعل بعض علمائنا الیوم و مع الأسف، بل علی العکس کانوا و کما رأینا فی بعض زوایا هذا الملحق متآخین متحابین کل ما یرجوه هو إیصال العلم الحق من منبعه الصافی من رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم إلی الناس کی لا یضیع الدین، فاجتهدوا لذلک فجزاهم اللّه تعالی عن دینه و کتابه و رسوله صلّی اللّه علیه و سلّم ألف خیر.
علی أن هناک اتجاهات مدمرة لأصل العقیدة و الشریعة و مناف لإجماع الأمة، من هذه الاتجاهات:
من کان له مذهب نحی به منحی غیر مقبول من الأغلبیة، فأدی فی زمانه إلی صراع فکری لإثبات بطلانها أخذ زمنا لیس بالقصیر کالمعتزلة و الزنادقة و غیرها.
منهم من اتخذ اتجاهات شاذة متطرفة و مغالیة کالخوارج، و منهم من وصل به التطرف لحد الکفر و الإلحاد کالعلی إلهیة و القدریة و الباطنیة و البابیة و البهائیة و غیرهم.
أما ما حصل من تحول فی مسار المذاهب بعد إقحام بعضها فی الصراعات السیاسیة، أو تحول بعضها إلی الاتجاه السیاسی المحض فقد أدّی بالأمة إلی الانشقاق إلی فرقتین رئیسیتین استغلها أعداء الأمة علی مر العصور لإثارة النعرات و التفرقة و الاقتتال فیما بینها لخدمة مصالح الأعداء .. و هذا ما یفرح شیاطین الإنس و الجن عند ما تری أمة الحبیب صلّی اللّه علیه و سلّم و هی تفترق و تتناحر، و هو ما لا یرضاه اللّه تعالی لهذه الأمة المرحومة، و هو أیضا ما یحزن الحبیب صلّی اللّه علیه و سلّم و آله الأطهار و صحابته الأخیار الذین رووا بدمائهم الزکیة الطاهرة أرض اللّه الواسعة لنشر من أجل أن تکون کلمة اللّه هی العلیا و کلمة الذین کفروا السفلی، فنسأل اللّه تعالی أن یحقن دماء المسلمین و یعیدهم إلی وحدتهم و دینهم و کتابهم و سنة رسولهم صلّی اللّه علیه و سلّم و طریق عظماء هذه الأمة من الآل و الأصحاب و التابعین و من تبعهم بإحسان إلی یوم الدین .. و الحمد للّه رب العالمین ...
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 190

أعمال للمؤلف‌

أعمال للمؤلف
1. کتاب (المنظار الهندسی للقرآن الکریم)، دار المسیرة، عمان- الأردن، ط/ 1، 1422 ه- 2001 م.
2. کتاب (المنظار الهندسی للقرآن الکریم)، دار المسیرة، عمان- الأردن، ط/ 2، 1425 ه- 2004 م.
3. کتاب (أنت و الأنترنت- جلّ ما تحتاجه من خدمات الشبکة العالمیة-)، دار الرشد، ط/ 1، 1422 ه- 2001 م.
4. کتاب (القرآن منهل العلوم)، طبع الجامعة الإسلامیة، بغداد، ط/ 1، 1423 ه- 2002 م.
5. کراس (مواصفات الفحوص المختبریة لأعمال الهندسة المدنیة)، مع مجموعة من المختصین، 1423 ه- 2002 م.
6. کتاب (القوانین القرآنیة للحضارات- النسخة المختصرة، 125 صفحة من القطع الصغیر-)، طبع ببغداد عام 1424 ه- 2003 م.
7. سلسلة کتب (ومضات إعجازیة من القرآن و السنة النبویة- 15 جزءا-)، دار الکتب العلمیة، بیروت- لبنان.
أ. التأریخ و الآثار.
ب. المادة و الطاقة.
ت. الفلک.
ث. الأرض.
ج. الریاح و السحب.
ح. المیاه و البحار.
خ. النبات و الإنبات.
د. الحیوانات و الحشرات.
ذ. الطب.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 191
ر. الصیدلة و الأمراض.
ز. الوراثة و الاستنساخ.
س. الجملة العصبیة و الطب النفسی.
ش. الأحکام و الباراسایکولوجی.
ص. الاقتصاد و الاجتماع.
ض. آخر الزمان.
8. کتاب (القوانین القرآنیة للحضارات- النسخة المفصلة، 365 صفحة من القطع الکبیر)، دار الکتب العلمیة، بیروت- لبنان ..
9. کتاب (تفصیل النحاس و الحدید فی الکتاب المجید)، دار الکتب العلمیة، بیروت- لبنان.
10. عدة بحوث فی مجال الهندسة المدنیة منشورة فی مجلات و مؤتمرات هندسیة مرموقة داخل العراق و خارجه.
11. عدة بحوث و مقالات فی مجال الإعجاز القرآنی منشورة فی صحف و مجلات و مؤتمرات مرموقة داخل العراق.
12. عدة أعمال مرئیة تلفازیة و حاسوبیة فی محطات محلیة و أخری فضائیة عربیة.

مشاریع کتب للمؤلف‌

مشاریع کتب للمؤلف
1. کتاب (استنباط الحلول من أسباب النزول)، قید التألیف.
2. کتاب جامعی عن المواد الهندسیة، قید التألیف.
3. تصامیم شبکات الخدمات المائیة و الصحیة، قید الإعداد.
الإقتصاد و الإجتماع، ص: 192

فهرس المحتویات‌

فهرس المحتویات
مقدمة 3 الفصل الأول: نظرة عامة 9 الفصل الثانی: الاقتصاد فی الإسلام 16 الفصل الثالث: النظام الاجتماعی الإسلامی 25 الفصل الرابع: بعض دلائل الرقی فی السلوک الاجتماعی فی الإسلام 65 الملحق: تاریخ التشریع الإسلامی 85 فهرس المحتویات 192

تعريف مرکز القائمیة باصفهان للتحریات الکمبیوتریة

جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ في سَبيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (التوبة/41).
قالَ الإمامُ علیّ ُبنُ موسَی الرِّضا – علـَیهِ السَّلامُ: رَحِمَ اللّهُ عَبْداً أحْيَا أمْرَنَا... َ يَتَعَلَّمُ عُلُومَنَا وَ يُعَلِّمُهَا النَّاسَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَاتَّبَعُونَا... (بَــنـادِرُ البـِحـار – فی تلخیص بحـار الأنوار، للعلاّمة فیض الاسلام، ص 159؛ عُیونُ أخبارِ الرِّضا(ع)، الشـَّیخ الصَّدوق، الباب28، ج1/ ص307).
مؤسّس مُجتمَع "القائمیّة" الثـَّقافیّ بأصبَهانَ – إیرانَ: الشهید آیة الله "الشمس آباذی" – رَحِمَهُ اللهُ – کان أحداً من جَهابـِذة هذه المدینة، الذی قدِ اشتهَرَ بشَعَفِهِ بأهل بَیت النبیّ (صلواتُ اللهِ علـَیهـِم) و لاسیَّما بحضرة الإمام علیّ بن موسَی الرِّضا (علیه السّلام) و بـِساحة صاحِب الزّمان (عَجَّلَ اللهُ تعالی فرجَهُ الشَّریفَ)؛ و لهذا أسّس مع نظره و درایته، فی سَنـَةِ 1340 الهجریّة الشمسیّة (=1380 الهجریّة القمریّة)، مؤسَّسة ًو طریقة ًلم یـَنطـَفِئ مِصباحُها، بل تـُتـَّبَع بأقوَی و أحسَنِ مَوقِفٍ کلَّ یومٍ.
مرکز "القائمیّة" للتحرِّی الحاسوبیّ – بأصبَهانَ، إیرانَ – قد ابتدَأَ أنشِطتَهُ من سَنـَةِ 1385 الهجریّة الشمسیّة (=1427 الهجریّة القمریّة) تحتَ عنایة سماحة آیة الله الحاجّ السیّد حسن الإمامیّ – دامَ عِزّهُ – و مع مساعَدَةِ جمع ٍمن خِرّیجی الحوزات العلمیّة و طلاب الجوامع، باللیل و النهار، فی مجالاتٍ شتـَّی: دینیّة، ثقافیّة و علمیّة...
الأهداف: الدّفاع عن ساحة الشیعة و تبسیط ثـَقافة الثـَّقـَلـَین (کتاب الله و اهل البیت علیهـِمُ السَّلامُ) و معارفهما، تعزیز دوافع الشـَّباب و عموم الناس إلی التـَّحَرِّی الأدَقّ للمسائل الدّینیّة، تخلیف المطالب النـّافعة – مکانَ البَلاتیثِ المبتذلة أو الرّدیئة – فی المحامیل (=الهواتف المنقولة) و الحواسیب (=الأجهزة الکمبیوتریّة)، تمهید أرضیّةٍ واسعةٍ جامعةٍ ثـَقافیّةٍ علی أساس معارف القرآن و أهل البیت –علیهم السّلام – بباعث نشر المعارف، خدمات للمحققین و الطـّلاّب، توسعة ثقافة القراءة و إغناء أوقات فراغة هُواةِ برامِج العلوم الإسلامیّة، إنالة المنابع اللازمة لتسهیل رفع الإبهام و الشـّـُبُهات المنتشرة فی الجامعة، و...
- مِنها العَدالة الاجتماعیّة: التی یُمکِن نشرها و بثـّها بالأجهزة الحدیثة متصاعدة ً، علی أنـّه یُمکِن تسریعُ إبراز المَرافِق و التسهیلاتِ – فی آکناف البلد - و نشرِ الثـَّقافةِ الاسلامیّة و الإیرانیّة – فی أنحاء العالـَم - مِن جـِهةٍ اُخرَی.
- من الأنشطة الواسعة للمرکز:
الف) طبع و نشر عشراتِ عنوانِ کتبٍ، کتیبة، نشرة شهریّة، مع إقامة مسابقات القِراءة
ب) إنتاجُ مئات أجهزةٍ تحقیقیّة و مکتبیة، قابلة للتشغیل فی الحاسوب و المحمول
ج) إنتاج المَعارض ثـّـُلاثیّةِ الأبعاد، المنظر الشامل (= بانوراما)، الرّسوم المتحرّکة و... الأماکن الدینیّة، السیاحیّة و...
د) إبداع الموقع الانترنتی "القائمیّة" www.Ghaemiyeh.com و عدّة مَواقِعَ اُخـَرَ
ه) إنتاج المُنتـَجات العرضیّة، الخـَطابات و... للعرض فی القنوات القمریّة
و) الإطلاق و الدَّعم العلمیّ لنظام إجابة الأسئلة الشرعیّة، الاخلاقیّة و الاعتقادیّة (الهاتف: 00983112350524)
ز) ترسیم النظام التلقائیّ و الیدویّ للبلوتوث، ویب کشک، و الرّسائل القصیرة SMS
ح) التعاون الفخریّ مع عشراتِ مراکزَ طبیعیّة و اعتباریّة، منها بیوت الآیات العِظام، الحوزات العلمیّة، الجوامع، الأماکن الدینیّة کمسجد جَمکرانَ و...
ط) إقامة المؤتمَرات، و تنفیذ مشروع "ما قبلَ المدرسة" الخاصّ بالأطفال و الأحداث المُشارِکین فی الجلسة
ی) إقامة دورات تعلیمیّة عمومیّة و دورات تربیة المربّـِی (حضوراً و افتراضاً) طیلة السَّنـَة
المکتب الرّئیسیّ: إیران/أصبهان/ شارع"مسجد سیّد"/ ما بینَ شارع"پنج رَمَضان" ومُفترَق"وفائی"/بنایة"القائمیّة"
تاریخ التأسیس: 1385 الهجریّة الشمسیّة (=1427 الهجریة القمریّة)
رقم التسجیل: 2373
الهویّة الوطنیّة: 10860152026
الموقع: www.ghaemiyeh.com
البرید الالکترونی: Info@ghaemiyeh.com
المَتجَر الانترنتی: www.eslamshop.com
الهاتف: 25-2357023- (0098311)
الفاکس: 2357022 (0311)
مکتب طهرانَ 88318722 (021)
التـِّجاریّة و المَبیعات 09132000109
امور المستخدمین 2333045(0311)
ملاحَظة هامّة:
المیزانیّة الحالیّة لهذا المرکز، شـَعبیّة، تبرّعیّة، غیر حکومیّة، و غیر ربحیّة، اقتـُنِیَت باهتمام جمع من الخیّرین؛ لکنـَّها لا تـُوافِی الحجمَ المتزاید و المتـَّسِعَ للامور الدّینیّة و العلمیّة الحالیّة و مشاریع التوسعة الثـَّقافیّة؛ لهذا فقد ترجَّی هذا المرکزُ صاحِبَ هذا البیتِ (المُسمَّی بالقائمیّة) و مع ذلک، یرجو مِن جانب سماحة بقیّة الله الأعظم (عَجَّلَ اللهُ تعالی فرَجَهُ الشَّریفَ) أن یُوفـِّقَ الکلَّ توفیقاً متزائداً لِإعانتهم - فی حدّ التـّمکـّن لکلّ احدٍ منهم – إیّانا فی هذا الأمر العظیم؛ إن شاءَ اللهُ تعالی؛ و اللهُ ولیّ التوفیق.