اسرارالصلاه

اشاره

سرشناسه:فاضل لنکرانی، محمدجواد، 1341 -

عنوان قراردادی:اسرار و آداب نماز . عربی

عنوان و نام پدیدآور:اسرارالصلاه/ محاضرات محمدجواد الفاضل اللنکرانی.

مشخصات نشر:قم: مرکز فقهی ائمه اطهار (ع)، 1393.

مشخصات ظاهری:519 ص.

فروست:مرکز فقه الائمه الاطهار؛ 165.

شابک:220000ریال 978-600-569-498-7 :

وضعیت فهرست نویسی:فاپا

یادداشت:عربی

یادداشت:کتابنامه به صورت زیرنویس.

موضوع:نماز

شناسه افزوده:مرکز فقهی ائمه اطهار (ع)

رده بندی کنگره:BP186/ف2الف5043 1393

رده بندی دیویی:297/353

شماره کتابشناسی ملی:3755364

ص :1

اشاره

ص :2

اسرارالصلاه

محاضرات محمدجواد الفاضل اللنکرانی

ص :3

ص :4

فهرس الموضوعات

المقدّمه... 13

الفصل الأوّل: أمور عامّه حول أسرار الصّلاه... 15

1 / ضروره التعرّف علی أسرار الصّلاه... 17

2 / أدّله وجود أسرار الصّلاه... 20

3 / أهمیّه إدراک باطن الصّلاه... 23

4 / موارد اختلاف باطن الأعمال... 26

5 / الصّلاه طریق الوصول إلی الحقائق... 29

6، 7 / الصّلاه جامعه لأسرار جمیع العبادات... 32

8 / الصّلاه معیار الإیمان والتوحید... 35

9 / الصّلاه سیر وسلوک نحو الحقّ... 38

10 / الصّلاه، طریق الوصول إلی الیقین... 41

الفصل الثانی: حضور القلب فی الصّلاه... 45

11 / المقصود من القلب فی مقوله «حضور القلب»... 47

12 / المقصود من القلب فی الروایات... 50

ص:5

13 / الذنب، سبب لظلمه القلب... 53

14 / آثار توجّه القلب وإقباله إلی اللّه... 55

15 / مراتب حضور القلب... 58

16 / خشوع وحضور القلب فی الصّلاه... 61

17 / موانع حضور القلب... 64

18 / لزوم حضور القلب والخشوع... 67

19 / کیفیّه تحقیق اللذّه من الصّلاه... 70

20 / اللّه یتعهّد بالصّلاه، بإدخال المصلّی إلی الجنّه... 73

21 / حقیقه الصّلاه تتجلّی فی الرکعه الاُولی... 76

22 / مراتب حضور القلب... 79

23 / الحضور الإجمالی: والاشتغال بحمد اللّه وثنائه... 81

24 / الالتفات إلی قبول الصّلاه... 85

25 / المرتبه الاُولی من الحضور التفصیلی: فهم معانی الکلمات... 88

26 / المرتبه الثّانیه من الحضور التفصیلی: الفهم العقلی والبرهانی للکلمات... 91

27 / المرتبه الثّالثه من الحضور التفصیلی: التصدیق القلبی... 94

28 / المرتبه الرابعه من الحضور التفصیلی: شهود حقائق الألفاظ... 98

29 / المرتبه الخامسه من الحضور التفصیلی: الفناء فی الحقّ تعالی... 100

30 / أسباب حضور القلب... 103

31 / طریق التوجّه إلی عظمه الباری تعالی... 106

32 / رفع الموانع الخارجیّه لحضور القلب... 110

33 / رفع الموانع الخارجیّه لحضور القلب... 114

34 / حبّ الدنیا، أساس الخواطر القلبیّه والأفکار المتناثره... 116

35 / حبّ الدنیا أکبر مانع لحضور القلب... 119

36 / الدُّنیا المذمومه... 121

37 / أصل جمیع الفتن وعدم التوجّه إلی اللّه فی الصّلاه حبّ الدنیا... 124

ص:6

38 / بغض الدنیا أفضل الأعمال... 127

39 / لزوم الاستمداد من اللّه لحضور القلب... 130

40 / سرّ توجّه القلب للاُمور الدنیویّه... 133

الفصل الثالث: أسرار مقدّمات وشروط الصّلاه 137

الباب الأوّل: أسرار الطّهاره... 137

41 / مراتب الطّهاره... 139

42 / طهاره الظّاهر وطهاره الباطن... 142

43 / أسرار الوضوء... 145

44 / سرّ الطّهاره بالماء... 148

45 / الماء الرحمه المطلقه للوجود... 151

46 / الاستلهام من الماء فی الحیاه... 154

47 / الإخلاص والصفاء فی التوجّه إلی اللّه... 157

48 / سرّ غسل الوجه والیدین فی الوضوء... 160

49 / أقسام الوضوء فی نظر العرفاء... 163

50 / تأثیر الدعاء والذکر عند الوضوء... 167

51 / أسرار الوضوء فی حدیث المعراج... 169

52 / وضوء أهل الحقیقه (طهاره السرّ)... 172

53 / أذکار أمیرالمؤمنین علیه السلام عند الوضوء... 176

54 / باطن الوضوء؛ تبدیل قطرات ماء الوضوء إلی ملائکه... 178

55 / آثار وفوائد الوضوء... 182

الباب الثانی: أسرار ستر العوره... 185

56 / أسرار ستر العوره فی الصّلاه... 187

57 / الصوره الإنسانیّه، ستر لحقیقه الأعمال الحیوانیّه للبشر... 190

58 / ستر العیوب والعورات الباطنیّه... 193

الباب الثالث: أسرار وقت الصّلاه... 197

ص:7

59 / سرّ تعیین الوقت للصّلاه... 199

60 / حاله المصلّی عند حلول وقت الصّلاه... 202

61 / الأیّام لها حقیقه مستقلّه... 205

62 / نداء الأذان تذکیر بالقیامه... 208

63 / تعیین أوقات الصّلاه فی القرآن... 213

64 / أَهمیّه صلاه الصّبح... 216

65 / صلاه الصّبح مشهوده ملائکه اللّیل والنّهار... 219

66 / لزوم الاهتمام بأداء صلاه الصّبح فی وقتها... 221

67 / سرّ أوقات الصّلاه فی جواب النّبی صلی الله علیه و آله للعالم الیهودی... 224

68 / سرّ تعیین وقت صلاه العصر... 226

69 / سرّ تعیین وقت صلاه المغرب والعشاء... 228

70 / عقوبه عدم الاهتمام بوقت الصّلاه... 231

الباب الرابع: سرّ استقبال القبله التوجّه إلیها فی الصّلاه... 235

71 / لزوم التوجّه إلی الکعبه... 237

72 / سرّ أهمیّه الکعبه وجعلها القبله للمسلمین... 240

73 / القبله والأمن المعنوی... 242

74 / تناسب الظاهر والباطن فی التوجّه إلی اللّه... 244

75 / الصوره الباطنیّه لعدم التوجّه إلی اللّه فی الصّلاه... 246

76 / خصوصیّات الکعبه... 248

الباب الخامس: أسرار الأذان والإقامه... 253

77 / أسرار الأذان والإقامه... 255

78 / الأذان: دعوه جمیع قوی الملک والملکوت للحضور... 258

79 / سرّ التکبیرات الأربع والشهاده بوحدانیّه اللّه فی الأذان... 261

80 / ثواب الأذان... 264

81 / سرّ الشهاده بالرساله والولایه فی الأذان... 267

ص:8

82 / الصّلاه أفضل الأعمال وأصل الفلاح... 269

83 / الأذان یبعد الشّیطان... 272

84 / الأذان حکایه أذکار الملائکه فی المعراج... 275

85 / سرّ التکبیرات الأربعه فی الأذان... 277

86 / سرّ التکبیرات الأربعه فی کلام الإمام الخمینی قدس سره... 280

87 / التکرار یوجب التصدیق القلبی... 283

88 / أسرار الشهاده بالتوحید؛ المرتبه الاُولی والثانیه: الشهاده اللفظیّه والعملیّه... 286

89 / أسرار الشهاده بالتوحید: المرتبه الثالثه والرابعه: الشهاده القلبیّه والذاتیّه... 289

90 / سرّ الشهاده برساله النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله فی الأذان والإقامه... 293

91 سرّ الشهاده بولایه أمیرالمؤمنین علیه السلام... 296

92 / دور الولایه فی قبول الأعمال... 299

93 / الشهاده بالنبوّه والولایه، هی روح العباده... 301

94 / احضار قوی الملک والملکوت... 304

95 / سرّ تکرار حیّ علی الصّلاه... 307

الفصل الرابع: سرّ القیام فی الصّلاه... 311

96 / القیام مظهر التوحید وقیّومیّه الحقّ... 313

97 / آداب القیام... 316

98 / حقوق الصّلاه فی کلام الإمام زین العابدین علیه السلام... 318

99، 100 / حدود الصّلاه فی حدیث رزّام... 320

101 / حدود وخصوصیّات الصّلاه فی حدیث الإمام الصادق علیه السلام 323

102 / علّه خوف وخشیه الأنبیاء والأئمّه علیهم السلام... 326

103 / الإمام زین العابدین علیه السلام قدوه العابدین... 329

104 / الغرض الإلهی من فرض الصّلاه علی العباد؟...... 332

الفصل الخامس: أسرار النیّه... 335

105 / النیّه هی العزم علی أداء الفعل... 337

ص:9

106 / الإخلاص وقصد القربه... 341

107 / الإخلاص، أن یکون العمل قابلاً للعرض علی اللّه... 343

108 / الإخلاص، مصداق الهجره نحو الحقّ... 346

109 / الإخلاص، مانع من تسلط الشیطان... 348

110 / آثار الإخلاص... 350

111 / مراتب الإخلاص (1 و 2)...353

112 / مراتب الإخلاص (3)...356

113 / المراتب العالیه للإخلاص... 359

114 / طریق الخلاص من العجب والغرور أن یعتقد الإنسان بأنّه مقصّر دائماً...... 362

الفصل السادس: أسرار القراءه وآدابها... 365

115 / فضیله قراءه القرآن فی الصّلاه وغیر الصّلاه... 367

116 / قیمه قراءه القرآن وأهمیّتها... 369

117 / فضیله قراءه سوره التوحید... 371

118 / آداب قراءه القرآن؛ الالتفات إلی عظمه هذا الکتاب الإلهی و...... 373

119 / وجوه عظمه القرآن... 376

120 / عظمه مضامین ومحتویات القرآن... 380

121 / رعایه حقّ تلاوه القرآن... 383

122 / التأثیر المضاعف لقراءه القرآن فی الصّلاه... 386

123 / تعظیم القرآن، هو التوجّه إلی مضامینه... 389

124 / القرآن کتاب تعلیم وتربیه... 392

125 / آداب التلاوه (1)...395

126 / آداب التلاوه (2)...399

127 / آداب التلاوه (3)...401

128 / آداب التلاوه (4)...404

129 / آداب التلاوه (5)...407

ص:10

130 / تفاوت القرآن مع سائر الکتب... 409

131 / آداب القراءه: التعظیم - التفکّر... 412

132 / آداب القراءه: التخصیص... 415

133 / آداب القراءه: الترقّی... 417

134، 135 / سوره الحمد فی الحدیث القدسی... 419

136 / حقیقه الذکر فی الروایات... 423

137 / بسم اللّه الرحمن الرحیم ذکر اللّه... 426

138 / معنی اللّه فی کلام أمیرالمؤمنین علیه السلام... 429

139 / مضافاً إلی الصّلاه؛ کلّ عباده تنقسم بین اللّه وعبده... 432

140 / الاستعاذه، آدابها وأرکانها... 435

141 / الاستعاذه، غلق طریق نفوذ الشیطان... 438

142 / الاستعاذه طریق النجاه من الوسوسه... 441

143 / الاستعاذه: اللجوء إلی اللّه من الذنوب والانحرفات الفکریّه والعقدیّه... 444

144 / الاستعاذه، الورود فی حصن اللّه والأمن من عذابه... 447

145 / القیام، إعلان الاستعداد للدفاع عن الحقّ والتصدی للشیاطین... 449

الفصل السابع: آداب الرکوع وأسراره... 453

146 / آداب الرکوع وأسراره... 455

147 / آثار الرکوع، التزین بنور البهاء، الاستظلال تحت مظلّه کبریاء اللّه...... 457

148 / الرکوع أدب، والسجود قرب إلی اللّه تعالی... 459

149 / الرکوع، إظهار العجز والخضوع فی مقابل اللّه... 462

150 / کیفیّه الرکوع... 464

151 / آثار طول الرکوع وذکره... 467

152 / معنی الرکوع فی کلام أمیرالمؤمنین علیه السلام... 470

153 / حدیث المعراج والتوجّه لعظمه الحقّ فی الرکوع... 473

154 / حُسن الرکوع الصحیح یزیل وحشه القبر... 475

ص:11

155 / سرّ الانحناء واستقامه الرقبه فی الرکوع... 478

156 / درک عظمه اللّه، یستجلب الخضوع... 481

الفصل الثامن: أسرار السجود... 485

157 / أسرار وآداب السجود... 487

158 / أهمّیّه السجود... 490

159 / سرّ السجود علی التراب... 493

160 / حقیقه السجود فی کلام الإمام الصادق علیه السلام... 496

161 / علّه تکرار السجود... 498

162 / تأکید الأئمّه علیهم السلام علی إطاله السجود... 500

الفصل التاسع: أسرار التّشهد... 503

163 / سرّ الشهاده بالتوحید والنبوّه فی بدایه الصّلاه ونهایتها... 505

164 / حقیقه التشهد... 508

165 / أدب التشهد... 511

الفصل العاشر: السّلام... 515

166 / حقیقه التسلیم... 517

ص:12

المقدّمه

تحظی الصّلاه، من بین العبادات بأهمیّه خاصّه، وتعدّ أفضل طریق وأکثره تأثیراً للوصول إلی الحقّ تعالی، فالصّلاه إقرار بالتوحید واعتراف بعظمه وجلال الباری تعالی ومالکیّته یوم الجزاء والثواب، والصّلاه هی تنزیه اللّه تعالی من کلّ نقص وعیب وتتضمّن جمیع مظاهر الحمد والثناء الخاصّه بالباری تعالی، وبالصّلاه نصل إلی هذه العقیده، وهی أنّه لا موجود إلّااللّه تعالی یستحق الحمد والثناء، فجمیع أشکال الحمد والثناء تعود لحمده وثنائه، والصّلاه هی الوصول إلی التوحید الجامع والابتعاد والبراءه من کلّ شرک، والصّلاه إقرار بعظمه الباری تعالی، وأنّه لا موجود آخر غیره یستحق العظمه والکبریاء، والصّلاه أفضل طریق للتسلط علی النفس والمادّیّات والشّهوات.

ولا یخفی أنّ الصّلاه المفیده والصحیحه هی الصّلاه التی یتعرّف فیها المصلّی علی أسرارها ورموزها بدرجه معیّنه، وهذا الکتاب یستعرض زاویه من هذه الأسرار المستخلصه من الآیات القرآنیّه الشریفه وروایات الأئمّه المعصومین علیهم السلام.

والنقطه المهمّه هنا، إنّ جمیع المؤمنین والمصلّین یجب علیهم تفهّم هذه

ص:13

الأسرار واستحضارها دوماً، وینبغی علی الأقل فی کلّ عام مرّه واحده استحضار هذه الأسرار ومطالعتها مرّه أخری، وأساساً یجب فی الأمور التربویّه وحالات السیر والسلوک المعنوی تکرار المبانی والتوصیات اللازمه لکی تتطبع النفس علیها وتتحوّل إلی مَلَکه، وبالنتیجه خلق واکتشاف أسرار جدیده بواسطه هذه النفس المهذّبه.

وهذه المجموعه من المعارف بین یدی القاریء الکریم، تتضمّن بحوث ومسائل تمّ عرضها فی السنوات الماضیه فی مسائل الصّلاه وأسرارها وعلی شکل جلسات مختصره فی إذاعه صوت المعارف للجمهوریّه الإسلامیّه الإیرانیّه، ومن الجلی أنّه فی مثل هذه البحوث لیس من المقرر بسط وتفصیل وتعمیق جمیع الأبعاد العلمیّه والمعنویّه للصّلاه، بل تمّت الإشاره بشکل واضح وسلس لبعض أسرارها وخفایاها، ولم یحدث فی هذا الکتاب أی تصرف کبیر فی العبارات والألفاظ حدّ الإمکان، لتبقی بشکل سلسل وبمنهج واضح ومیسور للجمیع.

وأخیر نتقدّم بالشکر الوافر للمسؤولین المحترمین فی المرکز الفقهی للأئمّه الأطهار علیهم السلام، وکذلک سماحه حجّه الإسلام والمسلمین الحاج الشیخ ماشاء اللّه استاد میرزا دامت تأییداته، لمساهمته فی تدوین وتنظیم هذا الکتاب، وکذلک نتقدّم بالشکر الجزیل لکلّ من سماحه السیّد أحمد النجفی والشیخ هاشم الصالحی اللذین أقدما علی ترجمه وتنظیم هذا الکتاب بهذه الصوره الجمیله لتعمّ الاستفاده منه والاغتراف من منهله أکثر فأکثر، نأمل أن یساهم هذا الکتاب فی الارتفاع وترشید هذه العباده المهمّه، إن شاء اللّه.

محمّد جواد فاضل اللنکرانی

1392/8/28 ش / 2013 م

ص:14

الفصل الأوّل: أمور عامّه حول أسرار الصّلاه

اشاره

ص:15

ص:16

1- ضروره التعرّف علی أسرار الصّلاه

إنّ أحد المواضیع المهمّه والمؤثره جدّاً فی البحوث العلمیّه والمعنویّه، بحث أسرار الصّلاه، والالتفات إلی هذا البحث والتعمّق فیه یحقّق للمصلّی مراتب ومقامات ومنازل فی خطّ السلوک المعنوی، وللأسف فإنّ الغفله عن أسرار الصّلاه أدّی إلی أن تفقد الکثیر من صلواتنا التأثیر المطلوب والإیجابی فی وجودنا وفی حیاتنا الاجتماعیه فی المجتمع الإسلامی، فلو أننا التفتنا إلی أسرار الصّلاه وأقمنا الصّلاه مع معرفه هذه الأسرار ومع الأخذ بنظر الاعتبار وجود مثل هذه الحقائق، فإنّ الکثیر من مشکلاتنا الفردیّه والاجتماعیّه سوف تحلّ بل سوف تنکشف الأجوبه عن بعض الأسئله التی تدور فی أذهان الکثیر من المؤمنین، وعاده یتبادر إلی أذهان شیعه أمیرالمؤمنین علی بن أبی طالب علیه أفضل صلوات المصلّین هذا السؤال، وهو: کیف أنّ الإمام علیه السلام عندما أخرجوا سهماً من قدمه وهو فی حال الصّلاه فإنّه استمر فی صلاته وکان غارقاً فی حاله من التوجّه إلی اللّه والاستغراق فی صفاته وأسمائه الحسنی بحیث إنّه لم یلتفت

ص:17

ولم یشعر بهذا السهم، ولکن نفس هذا الإمام علیه السلام عندما سمع وهو فی حال الصّلاه صوت مسکین نزع خاتمه المبارک ودفعه إلی ذلک المسکین؟

عندما نلتفت إلی أسرار الصّلاه فسوف نجد الجواب عن کلّ هذه الأسئله، وهذه الشبهات إنّما لا نجد لها حلّاً فیما لو اکتفینا بالحضور الظاهری للصّلاه، ولم نبحث فی بواطن هذه المرحله الظاهریّه ولم نتعقل الحقائق والأسرار الکامنه فیها، ولو نظرنا إلی الصّلاه من حیث الظاهر فسوف لا نجد الجواب عن هذا السؤال، ولکن لو دققنا إلی باطنها، فسوف لا نجد أی تعارض بالنسبه للشخص الغارق فی التوجّه إلی اللّه تعالی ویعیش حاله من مقام الشهود العظیم، بین هذا التوجّه العمیق للّه تعالی وبین إعطائه الخاتم لذلک المسکین، لأنّ هذا الإنفاق والصدقه تقع فی ضمن هذا المسار ویترتّب علیها المزید من التقرّب إلی اللّه تبارک وتعالی، وأساساً بما أنّ الإمام علی علیه السلام کان یعیش حاله الذوبان فی جمال الحقّ تعالی، ینبغی أن یؤدّی ما علیه لتحقیق رضا اللّه تعالی، والاجابه لطلب ذلک المسکین والتوجّه إلیه یقع ضمن هذا المسار.

وعلی هذا الأساس یتبیّن أننا لو التفتنا إلی أسرار الصّلاه فسوف نجد الاجابه عن هذه الأسئله التی تطرح فی مجال العلاقه والرابطه مع الصّلاه، إنّ أسرار الصّلاه لا یمکن استعراضها فی فتره قصیره ومختصره ولا یمکن التعرّف علیها وبیان زاویه منها، إنّ أسرار الصّلاه تمثّل معارف وحقائق غیر محدوده ولا یمکن تبینها فی عدّه جلسات أو عدّه کتب، بل یمکن القول: إنّ الصّلاه لها أسرار مختلفه باختلاف الأشخاص، ولها حقائق متعدده باختلاف القلوب والضمائر لأفراد البشر، وسوف نسعی فی هذه البحوث لطرح بعض زوایا وخفایا هذا البحث ونأمل أن نستطیع بفضل الباری تعالی ولطفه بیان بعض جوانب من هذه الأسرار بحیث عندما نقف فی الصّلاه بین یدی الباری تعالی نشعر باللذه والبهجه إلی

ص:18

درجه أننا لا نمل أبداً من الصّلاه، وتقع هذه الصّلاه مورد رضا الباری تعالی بحیث إنّه یباهی بها الملائکه، ومن شأن الالتفات والتوجّه إلی أسرار الصّلاه أن یُوجد تحوّلاً إن شاء اللّه فی حیاتنا ویؤثر بشکل فاعل وإیجابی فی فکرنا وروحنا وعلاقاتنا الاجتماعیه وجمیع أمورنا.

ص:19

2- أدّله وجود أسرار الصّلاه

تقدّم فی البحث السابق، أنّ الصّلاه لها أسرار، وأحد الأسئله التی تتبادر إلی ذهن کلّ شخص أنّه ما هو الدلیل علی أنّ الصّلاه لها أسرار؟ بدایه یجب علینا بیان هذه النقطه، وهی: هل هناک أسرار خارج دائره هذه الأفعال الظاهریّه (القیام والرکوع والسجود والتشهد والتسلیم) أم لا؟ وقبل الإجابه عن هذا السؤال یجب الالتفات إلی أنّ مقصودنا من سرّ الصّلاه هو باطن الصّلاه، فأسرار الصّلاه یعنی باطن الصّلاه کما ورد بالنسبه للقرآن الکریم وفی روایه عدّه أنّ القرآن له ظاهر وباطن، والمراد من «السرّ» فی هذا المورد الباطن، والسرّ لا یعنی الخفاء حتّی یقال هنا أنّ السرّ یعنی الاُحجیّه الخفیّه، فالمقصود من سرّ الصّلاه هی تلک الحقیقه التی تقع وراء هذه الأفعال العبادیّه وتتجلّی فی عالم آخر.

والسؤال هو: ما هو الدلیل علی أنّ هذه الصّلاه لها أسرار؟ وللاجابه عن هذا السؤال لابدّ من بیان ثلاثه أمور:

الأمر الأوّل: وجود دلیل عقلی مبنیّ علی أنّ کلّ شیء فی هذا العالم له سرّ

ص:20

وباطن «لِکّلّ ظاهِرٍ باطِن»، وبحسب البراهین العقلیّه التی ذکرها کبارنا فی کتبهم ومسطوراتهم الفلسفیّه أنّ کلّ موجود طبیعی فی هذا العالم له وجود مثالی فوق هذا العالم، وفوق کلّ موجود مثالی یوجد أیضاً موجود عقلی، وحتّی بحسب مبانی الحکمه المتعالیه وقاعده «بسیطُ الحقیقه کلّ الأشیاء» هناک عالم رابع یمکن تسمیته بعالم «الاُلوهیّه»، ولکن هذه العوالم الثلاثه المعروفه «عالم الطبیعه، وعالم المثال، وعالم العقل» مترتبه بشکل طولی، بمعنی أنّ ما یوجد هذا العالم من قبیل الإنسان، التراب، الجماد، والنبات، له وجود مثالی فوق هذا الوجود المادی ویتمتع بحقیقه أسمی وأعلی، ولکلّ مرتبه معینه من الوجود، فإنّ العقل یحکم بأنّ کلّ ما یقع فی المرتبه الدانیه فهو مسبوق بوجود أعلی ومرتبه عالیه، وکلّ شهود مسبوق بغیب، فما لم یکن العالی فإنّ الدانی لا یتحقّق، وما لم یکن هناک غیب فلا یکون معنی للشهود، فکلّ ظاهر بحسب العقل له باطن وحقیقه، وعلی أساس هذا الدلیل العقلی فإنّ الأمور التی یقوم بها الإنسان فی هذا العالم من حرکات وأفعال سواءٍ کان أفعال حسنه أم أفعال سیّئه، لها باطن وحقیقه، وهذه الحقیقه موجود فی عالم آخر وسوف تظهر فی یوم القیامه وربّما فی عالم البرزخ، وقد فی الروایات مسأله بعنوان تجسم الأعمال، وتجسم الأعمال هو انکشاف الحقیقه والباطن لکلّ عمل یرتکبه الإنسان فی هذا العالم، فأصغر وأقل عمل یقوم به الإنسان فی هذا العالم له حقیقه وباطن سوف یظهر ویتجسم فی عالم البرزخ، وسواءً کانت أعمال جیده أم سیّئه، ذنوب أم حسنات.

وحسب هذا البرهان العقلی فإنّ لکلّ ظاهر باطن، ولکلّ شهود غیب، والصّلاه بدورها لها باطن، ولا ینبغی أن نتصوّر أنّ الأعمال التی مؤدّیها بحسب الظاهر منفصله ومنفکه عن العوالم الأخری، ولا یوجد أی شیء لها فی العوالم الأخری، العقل یقول بأنّ هذا العمل له حقیقه وراء هذه الحرکات الظاهریّه وله باطن،

ص:21

وأساساً فإنّ هذا الظاهر وجد لغرض الوصول إلی ذلک الباطن، فظواهر العبادات هی من أجل الوصول إلی تلک البواطن والحقائق.

وعلی هذا الأساس عندما نراجع عقولنا، فإنّ العقل یقدّم لنا قاعده کلیّه بأنّ لکلّ ظاهر باطن، ومن هذه الجهه ینبغی الالتفات إلی أنّ صلاتنا لها باطن، وینبغی أن نتعمّق فی هذه الحقیقه وهی أنّ وراء کلّ فعل یصدر منّا حقیقه معینه یجب علینا اکتشافها والاستفاده منها والوصول من ذلک الظاهر إلی هذا الباطن... نوّر اللّه قلوبنا جمیعاً بنور الإیمان والعباده والعبودیه.

ص:22

3- أهمیّه إدراک باطن الصّلاه

«فَسُبْحانَ الَّذِی بِیَدِهِ مَلَکُوتُ کُلِّ شَیْ ءٍ...» (1).

ذکرنا أنّ العقل یدرک بأنّ لکلّ ظاهر باطن، ولکن بالإضافه إلی الدلیل العقلی فإنّ القرآن الکریم یقرّر هذه الحقیقه فی آیات عدیده بأنّ لکلّ شیء فی عالم الطبیعه ملکوت، وذلک فی قوله تعالی: «فَسُبْحانَ الَّذِی بِیَدِهِ مَلَکُوتُ کُلِّ شَیْ ءٍ...» ؛ وهذه الآیه تدلّ علی أنّ کلّ شیء فی هذا العالم له وجود ملکوتی، والملکوت هو باطن الشیء، ولکلّ إنسان ملکوت، والأرض لها ملکوت، والسماء لها ملکوت، وأعمال الإنسان لها ملکوت، ومن جمله الأمور التی لها ملکوت هی الصّلاه، فالصّلاه أحد الأعمال التی یأتیها الإنسان فی واقع الحیاه، ولذلک لها صوره ملکوتیّه.

فیقول تعالی فی سوره المؤمنون الآیه 88: «قُلْ مَنْ بِیَدِهِ مَلَکُوتُ کُلِّ شَیْ ءٍ...» ، إنّ الأمور المختصّه باللّه تبارک وتعالی هو أنّه یملک باطن کلّ شیء، فلو تصوّرنا

ص:23


1- (1) سوره یس، الآیه 83.

بحسب الظاهر أنّ أعمالنا الظاهریّه تصدر من قدره وتدبیر الإنسان واختیاره «وحتّی فی هذه الأعمال الظاهریّه نحتاج فیها یقیناً إلی عنایه الباری تعالی ولطفه وإرادته وبدون ذلک فإننا لا شیء»، أمّا فی باطن العمل فلا توجد قدره وإراده غیر قدره اللّه تعالی وإرادته ومشیئته، فهو الذی یستطیع أن یتصرف فی باطن الأعمال علی أساس التوسعه والتضییق، ویقوم بزیاده أو نقیصه بواطن الأعمال المختلفه للأشخاص، لأنّ کلّ باطن وملکوت کلّ شیء یقع تحت تصرّف وقدره الباری تعالی.

وتقول الآیه الأخری: «وَ کَذلِکَ نُرِی إِبْراهِیمَ مَلَکُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِیَکُونَ مِنَ الْمُوقِنِینَ»1.

وتقول الآیه: «وَ إِنْ مِنْ شَیْ ءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ»2 ، وهذا یعنی أنّ هذه الصّلاه التی نؤدّیها بحسب الظاهر هی فعل یستغرق عدّه دقائق من الوقت، وهو وقت قصیر والإنسان لا یتصوّر أنّ هذا العمل یرتبط بشیء قبله وبعده، ولکن هذه الأعمال ترتبط بالحقیقه بما وراء هذا الظاهر، وهذه الحقیقه موجوده عند اللّه تبارک وتعالی، ونحن بوسیله هذا الظاهر نرید التوصل إلی ذلک الباطن وتلک الحقیقه.

وعلی هذا الأساس فبالإضافه إلی الدلیل العقلی، فإنّ القرآن الکریم یدلّ علی هذا المعنی بجلاء، وهو أنّ جمیع الأمور فی هذا العالم لها ملکوت، ونحن وخاصّه فی باب الصّلاه نملک روایات کثیره تقرّر أنّ جمیع تفاصیل هذا العمل مرتبط بلطف اللّه وعنایته، وکما وردت الإشاره إلی ذلک فی کتب علماؤنا العظام من أنّ جمیع حالات الصّلاه من مقدّماتها کالوضوء والطهاره والأمور المقارنه لها، وکذلک منافیات الصّلاه إلی تعقیباتها، لها جمیعاً أسرار، وقد ذکر هؤلاء

ص:24

العلماء أسراراً لتکبیره الإحرام، وأسراراً للنیّه، وأسراراً للقراءه، وما هو السرّ فی قیام الإنسان للصّلاه بین یدی الحقّ تعالی؟ وما هی الأسرار الکامنه فی الرکوع والسجود، وهذه الروایات نفسها تعتبر دلیلاً جلیّاً علی هذه الحقیقه، بمعنی أننا لو لم یکن لدینا دلیل عقلی، ولو لم تکن الآیات القرآنیّه تقرّر أنّ لکلّ شیء باطن وسرّ، فإننا نستنبط من الروایات المعتبره الوارده فی کتبنا أنّ للصّلاه أسراراً کامنه فی هذه الأعمال الظاهریّه.

ونشیر فی هذا البحث إلی هذا الحدیث الشریف عن أمیرالمؤمنین علیه السلام إذ یقول:

«مَنْ تَوَضّأ مِثلَ وُضُوئِی وَقَالَ مَثلَ قَولِی خَلَقَ اللّهُ تَبَارَکَ وَتَعالی مِنْ کُلِّ قَطرَهٍ مَلَکَاً یُقَدِّسُهُ وَیُسَبِّحُهُ وَیُکَبِّرُهُ فَیَکتُبُ اللّهُ عَزَّوَجَلَّ ثَوابَ ذَلِکَ لَهُ إِلی یَومِ القِیامَهِ»(1).

وهذا شاهد علی وجود أسرار فی الطهاره، فعندما یتوضأ الإنسان ویجری الماء علی وجهه وعلی یدیه وتقطر من ذلک الماء قطرات، فالإمام أمیرالمؤمنین علیه السلام یقول إنّه لو کان وضوء الشخص مثل وضوئی ویقول مثل قولی فإنّ اللّه تبارک وتعالی یخلق من کلّ قطره من ماء الوضوء ملکاً یقدّس اللّه ویسبّحه ویکبّره، وهکذا نری النتیجه المترتبه علی هذا الباطن، بأنّ هذا الملک یسبّح اللّه تعالی إلی یوم القیامه ویکون ثواب ذلک لهذا الشخص المتوضیء.

ومن هنا نعلم أنّ جمیع أجزاء الصّلاه والأمور المترتبه علیها من شروط الصّلاه ومقدماتها ومقارناتها ومنافیاتها وتعقیباتها لها أسرار، ویجب أن نسأل اللّه تعالی أن یکشف لنا هذه الحقائق والأسرار.

ص:25


1- (1) من لا یحضره الفقیه، ج 1، ص 413.

4- موارد اختلاف باطن الأعمال

ینبغی فی هذا البحث الموجز أن نبیّن المقصود من «أسرار الصّلاه»، هو وجود معنی عام وشامل لجمیع ما یذکر تحت عنوان «أداب الصّلاه» فی الکتب الأخلاقیّه والعرفانیّه، وربّما یشمل الحِکم المذکوره للصّلاه فی الروایات الوارده، ولا یخفی علی أهل الفن أننا نستطیع التمییز بین أسرار الصّلاه وآدابها وحِکمها، فالحکمه فی الصّلاه هی الغایات المرتبه علی الصّلاه، من قبیل: إنّ الصّلاه معراج المؤمن، وتنهی عن الفحشاء والمنکر، وهذه الأمور تعتبر من فوائد وغایات الصّلاه وحکمتها، ورغم وجود بحث أخلاقی فی الصّلاه من خلال التوجّه العمیق للّه تعالی والنیّه الخالصه فی هذه العباده بعیداً عن أی شکل من أشکال الریاء، والأهم من ذلک حضور القلب وخشوعه، کلّ هذه تذکر بعنوان آداب الصّلاه، أمّا السرّ والأسرار فی الصّلاه فلها معنی فوق هذه المعانی، ولکننا فی هذا البحث سوف نسلک مسلک الکبار کالمرحوم الشهید الثانی رضوان اللّه تعالی علیه، ونستعرض المعنی العام لسرّ الصّلاه.

ص:26

المسأله المهمّه هنا أنّ أسرار الصّلاه تختلف باختلاف الأفراد والأزمنه، فالصّلاه التی یؤدیّها شخص جاهل لا یمکن مقایستها فی مجال السرّ والباطن والحقیقه مع صلاه العالم، والصّلاه یؤدیّها المؤمن فی أوّل الوقت تختلف کثیراً عن الصّلاه فی آخر الوقت، کما ورد فی الروایات:

«إِنَّ الصَّلاهَ إذَا ارتَفَعَتْ فِی أَوَّلِ وَقتِها رَجَعَتْ إِلی صَاحِبِها وَهِی بِیضاءٌ مُشرِقَهٌ تَقُولُ حَفِظتَنِی حَفِظَکَ اللّهُ وَإذَا إِرتَفَعَتْ فِی غَیرِ وَقتِها بِغَیرِ حُدُودِها رَجَعَتْ إِلی صَاحِبِها وَهِی سَوداءٌ مُطلِمَهٌ تَقُولُ ضَیعتَنِی ضَیَّعَکَ اللّهُ»(1).

نستوحی من هذا الحدیث الشریف أنّ الصّلاه فی أوّل وقت لها باطن، والصّلاه فی آخر الوقت لها باطن آخر، وأنّ صلاه العالم لها باطن وصلاه الجاهل لها باطن آخر، وقد ورد فی روایه عن الإمام علیّ بن الحسین علیهما السلام، الذی یلقّب بالسجّاد وزین العابدین فی عبادته، وبحسب ما ورد فی الروایات المعتبره أنّ هذا الإمام علیه السلام کان یصلّی فی کلّ یوم ألف رکعه، یقول:

«رَضِیتُ أَنْ یَکُونَ جَمِیع هَذِهِ الصَّلوات مُقابله لِرُکعتَینِ مِنْ صَلاهِ أَمِیرِ المُؤمِنین».

یعنی أنّ باطن صلاه أمیرالمؤمنین علیه السلام تختلف حتّی مع باطن صلاه الإمام زین العابدین علیه السلام، وکذلک فإنّ باطن صلاه أمیرالمؤمنین علیه السلام لا یقبل المقارنه مع صلاه النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله.

والصّلاه فی المسجد لها باطن یختلف عن باطن الصّلاه فی المنزل، والصّلاه فی المسجد الحرام والصّلاه فی مسجد النّبی لها باطن آخر، والسرّ فی أننا نری فی الروایات أنّ المؤمن لو صلّی فی المسجد الحرام فإنّ صلاته تعادل مائه ألف رکعه من صلاته، أو أنّ الصّلاه فی مسجد النّبی لها ثواب عشره آلاف رکعه فی

ص:27


1- (1) الکافی، الطبعه الإسلامیّه، ج 3، ص 268.

غیره، وذلک أنّ باطن هذه الصلوات مختلف، وإلّا لا فرق بینها بحسب الظاهر؟ فربّما تکون صلاه المؤمن فی مسجد النّبی مطوله وتکون القراءه فیها جیده ویقرأ سور قرآنیّه مطوله، ولکن مع ذلک فإنّ باطن هذه الصّلاه یختلف عن باطن الصّلاه فی المسجد الحرام، یعنی کما أنّ اختلاف المقام یوجب اختلاف بواطن الصّلاه، فإنّ اختلاف الزمان یوجب أیضاً اختلاف بواطن الصّلاه وحقیقتها.

وعلی هذا الأساس ینبغی الالتفات إلی أنّ باطن الصّلاه لیس أمراً ثابتاً، فما ورد فی الحث علی أن تکون الصّلاه مع جماعه لأنّ صلاه الجماعه تختلف فی باطنها عن صلاه الفرادی، أو ما ورد من التوصیه بضروره الصّلاه فی المسجد، فرغم أنّ الصّلاه فی المسجد ومع الجماعه لها فوائد ومنافع ظاهریّه کاجتماع المسلمین والتوحّد والتکاتف بینهم وما یترتّب علی ذلک من تقویه العزّه للمسلمین، ولکن الصّلاه فی بیت اللّه الحرام، حتّی لذلک الشخص الذی یصلّی لوحده فی المسجد الحرام بدون جماعه فإنّ هذه الصّلاه الفرادی فی المسجد الحرام تختلف فی باطنها مع الصّلاه الفردی التی یؤدیها المصلّی فی داره، وینبغی الالتفات إلی أنّ اللّه تعالی قد وهب هذا المؤمن عطیه وهدیه کبیره جدّاً، فلو أننا التفتنا إلی هذه النعمه العظیمه وفهمنا کیفیه الاستفاده الأفضل من مصادیق هذه النعمه وجعلنا من أنفسنا من أفضل مصادیق المصلّین فإنّ اللّه تبارک وتعالی سیکشف لنا الحقائق الغیبیه فی هذه الصّلاه علی قلوبنا، وینبغی الاعتقاد بأنّ الإنسان لو أدّی صلاته مع الالتفات إلی أسرارها والحقائق الکامنه فیها فإنّ الکثیر من مشکلاته ستنحلّ ویؤدّی ذلک إلی تعالیه فی طریق السیر والسلوک إلی اللّه تعالی وتبتعد عنه الکثیر من الرذائل الأخلاقیّه والأخطاء الفکریّه، ولکن لو صلّینا بدون التوجّه إلی هذه الأسرار والحقائق فسوف نضیع أنفسنا وصلاتنا معاً، نسأل اللّه تبارک وتعالی أن یجعلنا جمیعاً من المصلّین الحقیقیین.

ص:28

5- الصّلاه طریق الوصول إلی الحقائق

یقول الإمام الحسن العسکری علیه السلام: «إِنَّ الوُصُولَ إِلی اللّهِ عَز وَجلّ سَفَرٌ لا یُدرَکُ إِلّا باِمتِطاء اللّیل»(1)

لا یتیّسر الوصول إلی حقائق الصّلاه وأسرارها من غیر طریق الصّلاه نفسها، فلو تصوّر شخص إمکان وجود طریق للوصول إلی هذه الأسرار غیر طریق الصّلاه فهو واهم، فمن أجل الوصول إلی باطن الصّلاه ینبغی فقط العبور من ظاهرها إلی الباطن، ووجوب إقامه الصّلاه بجمیع شروطها ورعایه، ومن هذه الجهه ورد عن الإمام الحسن العسکری علیه السلام یقول: «إِنَّ الوُصُولَ إِلی اللّهِ عَز وَجلّ سَفَرٌ لا یُدرَکُ إِلّا باِمتِطاء اللّیل».

وفی الحقیقه أنّ الصّلاه هی أحد الوسائل لهذا السفر.

فی هذه الروایه ورد أنّ الوصول إلی اللّه تعالی هو باطن الصّلاه وهو شهود جمال المعبود والحقّ تعالی، فلماذا نشعر بالتعب والملل من صلاتنا؟ لأننا نغفل

ص:29


1- (1) بحار الأنوار، طبعه بیروت، ج 75، ص 380.

عن باطن الصّلاه، ولماذا تتسبّب الصّلاه أحیاناً بالامتعاض والثقل الظاهری ونحسبها تکلیفاً ثقیلاً علی أنفسنا؟ لأنّنا نؤدّی هذه الصّلاه بعیداً عن هذه السرّ والباطن والحقیقه الکامنه فیها.

لو إننا التفتنا جیداً إلی باطن الصّلاه وهو الوصول إلی اللّه تعالی، ولو أننا علمنا أنّ حقیقه الصّلاه هی مشاهده المعبود، فحینئذٍ لا یشعر الإنسان بالتعب والملل من صلاته، فالسبب فی جمیع حالات التعب والملل ابتعادنا عن حقیقه الصّلاه، وأحیاناً یسأل البعض أنّ الأئمّه الطاهرین علیهم السلام کیف استطاعوا أن یصلّوا فی الیوم واللیله ألف رکعه ونحن عندما نؤدّی هذه الرکعات القلیله من صلاه الیومیّه نشعر بالتعب والثقل؟ والجواب یکمن فی هذه النقطه، وهی أنّ هؤلاء الأئمّه علیهم السلام کانوا یعیشون اللّذه والبهجه فی رؤیتهم لحقیقه الصّلاه وأنّ جمیع وجودهم مستغرق فی صلاتهم، ولذلک لا یشعرون بأی تعب أو ملل منها، لیس فقط الأئمّه الطاهرین علیهم السلام بل إنّ أصحاب الأئمّه علیهم السلام أیضاً یصلون إلی هذه المرتبه أحیاناً وترون أنّ الشیخ «الکشفی» وهو أحد علماء الرجال عندما یتحدّث عن الزهاد الثمانیه، أی الأشخاص المعروفین بالزهد فی ذلک الوقت وهم ثمانیه مثل: اویس القرنی، عامر بن عبدقیس و...، فإنّه یذکر أحدهم واسمه الربیع، وینقل حکایه عن سیرته ویقول: «کان یسهر باللیل إلی الفجر فی رکوع واحد»(1) ، وهذا الشخص أحد أصحاب أمیرالمؤمنین علیه السلام ومن الذین تربّوا فی مدرسته، وعندما یصبح الصباح یتأوه ویقول: «آه سبق المخلصون وقطع بنا»، أی أننا تخلفنا عن طریق الوصول إلی اللّه تعالی واستطاع المخلصون سلوکه، هذه «آه» عباد اللّه المخلصین.

لو أجریتم مقارنه بیننا وبینهم فنحن نطلق کلمه «آه» فیما یتّصل بالأمور

ص:30


1- (1) . مصباح الشریعه، ص 62.

المادیّه الفانیه، ونتأوه من فقدان المقام والثروه والسلطه، أمّا عباد اللّه المخلصین فإنّهم یتأوهون فی مجالات أخری، هذه الکلمه «آه» تعلّموها من مولی المتقین أمیرالمؤمنین علیه السلام عندما قال: «آه مِنْ قِلَّهِ الزَّادِ، وَطُولِ الطَّرِیقِ، وبُعدِ السَّفرِ»(1).

إذن فعندما یفهم المؤمن أسرار الصّلاه ویلتفت إلیها فإنّه لا یرغب فی إتمامها، فلو أنّه اشتغل بالصّلاه من أوّل اللّیل إلی طلوع الفجر، وهو وقت خاص لیکون للصّلاه باطن، فإنّه عندما یری طلوع الفجر وانتهاء اللّیل یتحسّر ویتأوه بسبب أنّه فَقَد هذه الحاله المعنویّه، وعلی هذا الأساس فإنّ التوجّه لأسرار الصّلاه هو الذی یوصل الإنسان إلی مرتبه الحقّ تبارک وتعالی.

وجاء فی روایه عن الإمام الحسن العسکری علیه السلام أنّه قال: «الوُصُولَ إِلی اللّهِ عَز وَجلّ»، وهذا یعنی أنّ الوصول إلی اللّه موفّر وله طریق، وبإمکاننا کأشخاص عادیین الوصول إلی اللّه تعالی أیضاً، ولکنه «سَفَرٌ»، هذا السفر یعنی الحرکه والعمل والسعی، «لا یُدرَکُ إِلّا باِمتِطاء اللّیل»، فالصّلاه فی جوف اللّیل تعتبر طریقاً معبّداً للوصول إلی اللّه تعالی، وقلنا إنّ لکلّ صلاه باطن خاص، فالصّلاه الواجبه لها باطن، والصّلاه المستحبّه لها باطن آخر، وصلاه اللّیل لها باطن وصلاه النّهار لها باطن آخر، ولکن لا ینبغی الغفله عن هذه الحقائق، ولا ینبغی أن نسمح لعمرنا بالانتهاء ونحن فی غفله من هذه الحقائق، فهی خساره عظیمه جدّاً.

ص:31


1- (1) نهج البلاغه، (صبحی الصالح)، ص 481؛ بحار الأنوار، طبعه بیروت، ج 34، ص 285.

6، 7- الصّلاه جامعه لأسرار جمیع العبادات

یقول الإمام الباقر علیه السلام: «أَوَّلُ مَا یُحاسَبُ العَبدُ عَلَیهِ الصَّلاهُ فإِنْ قُبِلَتْ قُبِلَ مَاسِواها وإِنْ رُدَّتْ رُدَّ مَاسِواها»(1)

تعتبر الصّلاه أهم عباده من بین العبادات التی قرّرها اللّه تبارک وتعالی للبشر، ومن هذه الجهه فإنّ «أسرار الصّلاه»: تعدّ أهم الأسرار، وربّما تکون الصّلاه جامعه لجمیع أسرار العبادات الأخری کلّها، وقد وردت روایات مشهوره فیما یتّصل بالصّلاه أنّ الإنسان فی یوم القیامه إذا قبل اللّه تعالی صلاته فسوف تقبل بقیه أعماله الأخری، وإن کانت هذه الأعمال ناقصه فإنّ اللّه تعالی سیغض النظر عن ذلک، ولو لم یقبل اللّه تعالی صلاه الشخص فإنّ سائر أعماله لا تکون مقبوله حتّی لو جاء بها الشخص بشکل کامل وصحیح: «إِنْ قُبِلَتْ قُبِلَ مَاسِواها وإِنْ رُدَّتْ رُدَّ مَاسِواها»، هذه العباره تشیر إلی أنّ الصّلاه تعدّ أهم العبادات، والإنسان العابد لا یمکنه أن یتقرّب إلی اللّه تبارک وتعالی بأی وسیله أخری مثل الصّلاه، ولعل ما

ص:32


1- (1) فلاح السائل، ص 127.

جاء فی بعض الروایات أنّ اللّه تعالی ینظر إلی عبده عندما یقف للصّلاه ویباهی الملائکه بعمل هذا المؤمن، کلّ ذلک یکشف عن وجود أسرار خاصّه فی الصّلاه، بحیث لا تقبل المقارنه مع سائر العبادات الأخری، ولو أنّ الإنسان نال التوفیق لعباده الحقّ تعالی وأراد تحقیق العبودیّه والطاعه للّه فإنّه لا شیء کالصلاه یحقّق له هذا المعنی، وأساساً فإنّ الصّلاه من بین العبادات تعتبر أحبّ عباده إلی اللّه تعالی ولا شیء مثل الصّلاه له قیمه عند اللّه، ومن هذه الجهه إذا اهتمّ الإنسان بصلاته واعتبر أنّ الصّلاه رکناً أساسیاً فی حیاته، فسوف یحظی بمرتبه مهمّه عند الباری تعالی.

لماذا کان الأئمّه المعصومون علیهم السلام یهتّمون ویکثرون من الصّلاه إلی هذه الدرجه، بحیث إنّه ورد فی الروایات أنّهم کانوا یصلّون فی الیوم واللیله ألف رکعه؟ الإنسان عندما یلتفت إلی أسرار الصّلاه ولو بشکل إجمالی ویفرغ ذهنه عن سائر الأمور الأخری أثناء الصّلاه فهو بمثابه الشخص الذی وجد ضالّته وحصل علی ما یبتغیه فی حیاته ممّا یدفعه ذلک إلی الإکثار منها، یجب أن تکون صلاتنا بهذه الصوره، یجب أن نشعر باللذه والبهجه من الصّلاه، بل یجب أن نشعر بالراحه وزوال التعب فی حال الصّلاه وتکون استراحتنا من الأعمال الأخری فی الصّلاه، لأنّ هذه الصّلاه من شأنها أن تزیح غبار الظلمه والتلوث فی الأمور الدنیویّه عن أنفسنا وتطهّر قلوبنا وتخفّف من مشاکلنا ومعاناتنا، فالإنسان وببرکه صلاه واحده تتوفّر فیها الشروق والتوجّه القلبی إلی أسرارها یمکنه أن یجد الحلول لمشاکله الأخری.

لماذا نجد أنّ بعض شبابنا وفی عزّ الشباب یبتلون ببعض المشاکل الروحیه والأزمات النفسیّه؟ لماذا لا نحلّ مشاکلنا النفسیّه بالصّلاه؟ أیّها الإخوه والأخوات، عندما نجد کلّ هذه الأهمیّه من قِبل اللّه تعالی للصّلاه، فلو أننا التفتنا

ص:33

إلیها بمقدار العُشر فإنّ الکثیر من مشاکلنا ستنحلّ، إنّ الأکابر من علمائنا کانوا یحلّون معضلات العلوم والمسائل الفلسفیّه الغامضه ببرکه الصّلاه، إنّ روح الإنسان وبواسطه الصّلاه، لیس فقط تتطهر من لوث الذنوب والمعاصی، بل من حالات الجهل، وتجد روح الإنسان تصفیه وتنقیه فی حال الصّلاه بحیث تسکن وتهدأ وتزول عنها حاله التوتّر وبالتالی تنکشف لها الحقائق العلمیّه بسهوله، فالروح المظلمه والمکدّره لا تستطیع حلّ أبسط المسائل الجزئیّه.

وعلی ضوء ذلک یجب أن نهتم کثیراً بالصّلاه، ولا یجدر بنا أن نبلغ من العمر خمسین أو سبعین سنه ونکون لا سامح اللّه مشمولین بهذه الروایه الوارده عن الإمام الصادق علیه السلام حیث قال: «وَاللّهِ إِنّهُ لَیأَتِی عَلَی الرَّجُلِ خَمسُون سنه وَمَا قَبِل اللّهُ مِنْهُ صَلاهً وَاحِده فَأَیُّ شَیٍّ أَشدُّ مِنْ هَذا»(1).

فاللّه تعالی لیس من شأنه أن یشدّد علی الناس الأمور العبادیّه، ولکننا قد أوجدنا فی نفوسنا الشقاوه والظلمه بحیث إنّ الإله الکریم المطلق لا یقبل منّا هذه الصّلاه والأعمال العبادیّه مدّه خمسین سنه، تعالوا نهتمّ بهذا الأمر ونحاسب أنفسنا علی ما مضی من عمرنا ونسعی لما تبقی من العمر للسعی وبالاستمداد من لطف اللّه وعنایاته أن تکون أعمالنا مقبوله من الحقّ تعالی.

ص:34


1- (1) الکافی، الطبعه الإسلامیّه، ج 3، ص 269.

8- الصّلاه معیار الإیمان والتوحید

إنّ أحد الأهداف المرسومه للصّلاه هو الوصول إلی مرتبه معرفه اللّه، وأساساً لو أنّ الإنسان أراد أن یقیس میزان تدینه ومعرفته باللّه ویری هل أنّه صار من جمله المؤمنین والموحّدین أم لا؟ فإنّه یمتحن نفسه من خلال الصّلاه ویری مقدار حبّه وارتباطه القلبی بالصّلاه. هل أنّه یشعر عندما تنتهی الصّلاه بالراحه والفرح بأنّه انتهی من صلاته لیفرغ لسائر أعماله الأخری أو أنّه یتحسّر علی انتهاء الصّلاه وانتهاء مدّه اتّصاله مناجاته للّه تعالی، ولا یعلم هل أنّه سیُوفّق فیما بعد للصّلاه والوقوف بین یدی اللّه تعالی أم لا؟ الصّلاه تعدّ أفضل وسیله یستطیع من خلالها الإنسان أن یری مراتب التوحید فی نفسه، تلک المراتب التی تحدّث عنها الأکابر والأولیاء وهی: التوحید الذاتی، التوحید الصفاتی، التوحید الأسمائی، التوحید الأفعالی، فکلّ هذه المراتب من التوحید یستطیع الإنسان من خلال معیار الصّلاه أن یکتشفها فی نفسه.

إنّ الغایه من الصّلاه هی أن ینقطع الإنسان عن جمیع الأمور الأخری ویری

ص:35

الجمال المطلق للحقّ تعالی بعین الشهود، وللصّلاه أحکام ظاهریّه وبعض الأمور السطحیّه من قبیل: الوضوء، أرکان، وشروط الصّلاه، وتعتبر المرتبه الأدنی من شروط الصّلاه التی یجب علی الإنسان توفیرها وإیجادها.

ولکن علماء الأخلاق الکبار وعرفائنا، صرّحوا بوجود موارد أخری بعنوان الجهاد الأکبر وجهاد النفس وفی خصوص عباده الباری تعالی فهو من الجهاد الأوسط، یعنی بعد رعایه المراتب الظاهریّه للصّلاه، تصل النوبه إلی الجهاد المستمر للنفس وتهذیبها وإزاله غبار الشهوات والتلوّث بالنوازع والرغبات الدنیویّه والغفله وأمثال ذلک، یعنی أن یطهّر الإنسان نفسه ممّا سوی اللّه تعالی، وهذا عمل مشکل جدّاً جدّاً، وربّما یکون محالاً لأمثالنا.

ولکن الموجود فعلاً هو أنّ الجهاد الأکبر یعتبر مرتبه أعلی من جهاد النفس المستمر، وذلک بأن یترک الإنسان عقله وفهمه وعلمه جانباً أیضاً ویتحلّی بالإیمان وبعشق اللّه تعالی، فلا ینبغی أن تقول أنا اصلّی لأنّنی أعلم بأنّ اللّه تعالی أمرنی بالصّلاه، هذه المرحله جیده، ولکن ینبغی أن تقول أنا اصلّی لأنّنی أعشق المناجاه والارتباط القلبی مع اللّه تعالی وأشعر بالإیمان الکامل باللّه تعالی، ولذلک ارید أن اعبر عن هذا العشق بواسطه الصّلاه، وهذا ما یعبّر عنه بغلبه الإیمان والعشق علی العقل.

وهکذا یقف الإنسان فی هذه الحاله من الإیمان القلبی والتصدیق الباطنی فی مقابل اللّه تعالی، فالصّلاه تعدّ حاجه ضروریّه للإنسان العاشق للّه تعالی، لماذا وردت التوصیه الأکیده علی أنّ الإنسان عندما یواجه مشکله فی حیاته ولو کانت أعقد المشاکل فإنّه ینبغی أن یصلی رکعتین؟ لأنّ هذا الشخص وبهذه الرکعتین سیحقق لنفسه ارتباطاً وثیقاً وعمیقاً مع الحقّ تعالی.

وقد ورد فی الروایات أنّ الإنسان عندما یقف للصّلاه بکامل اطمئنانه

ص:36

وحضور قلبه، فإنّ اللّه تبارک وتعالی سینظر إلیه ویقبل علیه، ویتکفّل جمیع أموره:

حَنِینُ قُلُوبِ العارِفِینَ إِلی الذِّکرِوَتِذکارِهم وَقتَ المُناجَاهِ للِسِّتْرِ

ادِیرتْ کُؤوسٌ للِمنایا عَلَیهِمُ فَاُغفوا عَنِ الدُّنیا کإغفَاءِ ذِی السُّکرِ

هُمُومُهُم جَوَّالهٌ بِمُعَسکِرٍبِهِ أَهلُ وُدِّ اللّهِ کالأَنْجُمِ الزُّهرِ

فَأَجسَامُهُمْ فِی الأَرضِ قَتلی بِجُبَّهٍ وَأَرواحُهُمْ فِی الحُجبِ نَحوَ العُلی تَسرِی

فَما عرّسُوا إِلّا بِقُربِ حَبِیبِهِموَما عَرَّجُوا عَنْ مَسِّ بُؤسٍ وَلا ضُرِ

ولو أنّ الإنسان أقبل علی اللّه فی حال الصّلاه وترک سائر الأمور خلف ظهره وکان یهدف من صلاته التقرّب إلی اللّه وشهود جمال الحقّ تبارک وتعالی، فإنّ مثل هذه الصّلاه ستکون معراجاً له إلی ساحه الحقّ تعالی.

نسأل اللّه تعالی أن یصفی قلوبنا بعبادته ویفتح لنا أبواب المعرفه بالصّلاه، وأن نشعر باللذه والبهجه الروحیّه من الصّلاه.

ص:37

9- الصّلاه سیر وسلوک نحو الحقّ

إنّ إحدی النقاط الأساسیّه التی یجب علی المصلّی الانتباه لها، هی أن یعلم أنّ الصّلاه سفر نحو الحقّ تبارک وتعالی، فالإنسان یرحل من هذا العالم ومن کائناته ومن الدنیا وما فیها وینفصل عن هذه الکثرات الظلمات ویتحرّک فی صلاته نحو الحقّ تعالی، وفی نهایه الصّلاه یعود إلی هذا العالم مرّه ثانیه وهو محمّل برأس مال عظیم من النورانیّه والإیمان والتوحید والشهود، ویلتفت إلی عباد الصالحین ویسلّم علیهم بقوله: «السّلام علینا وعلی عباد اللّه الصالحین»، وإذا أردنا أن نتحری الدقّه والعمق أکثر فی بیان معالم هذا السفر المعنوی فإنّ العرفاء والفلاسفه ذکروا أربعه أسفار للإنسان السالک وبیّنوا أنّ السالک یستطیع فی صلاته أن یسافر هذه الأسفار الأربعه:

السفر الأوّل: «السفر من الخَلق إلی الحقّ»، یعنی أن یتحرّک الإنسان فی سلوکه إلی اللّه تعالی من ذاته وینفصل عن الدنیا وما فیها ویبدأ هذا السفر بالنیّه، أی أنّه یقصد التقرّب إلی اللّه بهذه الصّلاه وامتثال أمره.

ص:38

السفر الثانی: «السفر من الحقّ إلی الحقّ بالحقّ» وهو السفر فی أسماء اللّه وصفاته، وهناک ینقطع الإنسان بشکل کامل عن الخلق والکثرات ویتحرّک فی سیره فی وحده معنویّه بشکل لا متناهی وهذا السیر هو الذی یمنح السالک معرفه ببعض الأسماء والصفات الإلهیّه ویتعرّف علی عظمه اللّه وقدرته وکبریائه، وقدرته المطلقه، ویتطلع علی علم اللّه وحکمته، رحمانیّه اللّه ورحیمیّته، مالکیّه اللّه، ویسبّح ویقدّسه ویحمده ویثنی علیه.

السیر فی الحقّ هو الانشغال بأسماء اللّه الحسنی وصفاته العالیه عن غیره، بمعنی أنّ الإنسان عندما یصل إلی هذه المرحله الثّانیه یجب أن یتخلّص من جمیع صفاته الدنیویّه وحالاته الذمیمه والخصال السیّئه، وما ورد فی الروایات من أنّ الإنسان إذا صلّی صلاته بجمیع شروطها وآدابها فإنّه یطهر من جمیع الذنوب، والسرّ فی ذلک هو أنّ هذا الشخص الذی یراعی شروط الصّلاه یتطهّر من جمیع ذنوبه وآثامه ویتخلّق بأخلاق اللّه وأسمائه الحسنی، ولذلک یصبح هذا الشخص بعد کلّ صلاه مثل مَن ولد حدیثاً من امّه طاهراً من جمیع الذنوب والخطایا، ولا ینبغی أن نتصوّر أنّ هذه المسأله مسأله اعتباریّه، فاللّه تعالی یقول إنّ الشخص الذی یصلّی صلاته باخلاص فإنّی سوف أقوم بمحو ذنوبه وآثامه من صفحه أعماله، ورغم أنّ هذا المعنی بحسب الظاهر قابل للفهم والتبریر، ولکن الحقیقه هی أنّ حقیقه الصّلاه وهذا السلوک السامی الذی یتحقّق للإنسان فی صلاته یؤدّی به أن یتخلّق بأسماء اللّه وصفاته ویتخلّق بأخلاق اللّه عزّ وجلّ.

هنا یذکر الإمام الخمینی قدس سره نقطه مهمّه، من جهه أنّ جمیع العرفاء یعتقدون أنّ الوصول إلی الحقّ تبارک وتعالی یقع فی نهایه السفر الأوّل، ولکن الإمام الراحل قدس سره یری فی کتابه مصباح الهدایه أنّ الوصول إلی هذه المرتبه نهایه السفر الثانی.

ص:39

السفر الثانی ینتهی بصفات الحقّ تعالی والوصول إلی الاُفق الأعلی، وهذه الملاحظه مذکوره فی کلام العرفاء وهی أنّ السفر الأوّل وهو الوصول إلی الاُفق المبین وهی مرحله أدنی من الاُفق الأعلی، أمّا السفر الثانی فالإنسان یصعد إلی افق أعلی بکثیر، ثمّ یعود مرّه أخری فی السفر الثالث من الوحده إلی الکثره: «من الحقّ إلی الخَلق»، وهی مرحله الشهاده للتوحید ونفی غیر اللّه والشهاده برساله نبی الإسلام صلی الله علیه و آله، وفی السفر الرابع: «من الخَلق إلی الحقّ»، یری بعین الوحده متّجهاً نحو الکثره فیشاهد الجمیع أنّهم من عباد اللّه الصالحین.

وهکذا ترون أنّ هذه المنازل والأسفار الأربعه جمعت کلّها فی هذه العباده، ألا ینبغی أن نهتمّ بهذه العباده ونؤدّیها علی وجهها الأکمل؟! ألا ینبغی أن ننتبه إلی أنفسنا ونقول: لا ینبغی أن نضیع هذا الرأسمال المعنوی الذی منحنا اللّه تعالی إیّاه؟ ونسعی الاستفاده منه بنحو الأکمل، وذلک بأن نقیس صلاتنا فی کلّ یوم بالصّلاه فی الأیّام السابقه ونری الفرق بینها وما هو امتیاز الذی حقّقناه فی هذه الصّلاه، وقد ذکر الأعاظم - وهو الحقّ - بأنّ أولیاء اللّه عزّ وجلّ فی کلّ صلاه تفتح لهم أبواب جدیده، وفی کلّ صلاه تنکشف لهم حقائق وتتجلّی علی قلوبهم حِکم وتجری علی ألسنتهم...، ینبغی أن نعرف قدر هذه الصّلاه ونطلب من اللّه تعالی أن یلهمنا معرفه قدر الصّلاه فی قلوبنا ونفوسنا.

ص:40

10- الصّلاه، طریق الوصول إلی الیقین

«وَ اعْبُدْ رَبَّکَ حَتّی یَأْتِیَکَ الْیَقِینُ» (1)

یقول اللّه تبارک وتعالی فی القرآن الکریم: «وَ اعْبُدْ رَبَّکَ حَتّی یَأْتِیَکَ الْیَقِینُ» ، وهذا خطاب إلهی إلی الرسول الأکرم صلی الله علیه و آله یأمره بالعباده والدوام علیها إلی أن یکتب له الیقین، وبالرغم من أنّ الروایات التفسیریّه الوارده فی هذا الشأن تقرّر أنّ الیقین هنا بمعنی الموت، ولکنّه لا یتنافی مع المعنی الأوّل، ونحن نختار هذا المعنی أیضاً، ففی ذات الوقت نقول إنّ إحدی النقاط المستفاده من هذه الآیه الشریفه هی أنّ الصّلاه أفضل وسیله لوصول الإنسان إلی مرحله الیقین، المرحله التی یعیش فیها الإنسان حاله الإیمان من جمیع الجهات ویتحقّق له الإیمان بالمقدار الممکن والمقدور، فمرحله الیقین بحسب ما ورد فی الروایات الشریفه هی أعلی من مرحله التسلیم والتفویض ومرتبه فوق أصل الإیمان.

ومن الجلی أنّ هذه الآیه الشریفه لا تختصّ بالنبی الأکرم صلی الله علیه و آله، فکلّ إنسان

ص:41


1- (1) سوره الحِجْر، الآیه 99

مصلی إذا أراد أن یمتلیء قلبه بالإیمان باللّه تعالی ویفنی فی الحقّ ومشاهدته، فإنّ الصّلاه تعدّ أفضل وسیله للوصول إلی مرتبه الیقین، والإنسان عندما یفنی فی ذات الحقّ تبارک وتعالی فسوف تتساقط عنه الرذائل والقبائح ویعیش الصفاء والنقاء فی قلبه ویمتلیء قلبه بالنورانیّه، ومثل هذا الشخص یستطیع أن یجد الطریق لساحه الذات المقدّسه.

إنّما الحُبّ فَناءٌ کُلُّه رحم اللّه امرءً قال بهِ

إنّ مَنْ أضحی بقلبِ سالماً لم یذرْ مِنهُ سوی قالبه

فِی ضلال الشوق قلبی راقدٌ مِنْ هَجیر الهجر قد قال بهِ (1)

فلو أراد الإنسان أن تکون له حظوه واعتبار فی مقام القرب الإلهی ویصل إلی هذه المرتبه فینبغی أن یتّخذ العباده وسیله ولا یمکنه أن یصل إلی هذه المرتبه بدون عباده، وهنا ینبغی أن نذکر هذه الحقیقه، وهی أنّ بعض الأشخاص البعیدین عن هذه الحقائق یقولون إنّ الإنسان عندما یصل إلی مرحله الیقین فإنّه لا یحتاج بعدها إلی الصّلاه، ولکن کیف یمکن لهذا الیقین الذی هو معلول الصّلاه أن یبقی فی ذات الإنسان عندما یترک الصّلاه؟ إذا أراد الإنسان أن یزداد یقینه یوماً بعد یوم ویشتدّ ویتعمق فی ذاته یجب علیه أن یزید فی عبادته، والسرّ فی أنّ علماءنا وأولیاء اللّه کانوا یعیشون حالات الشوق إلی الصّلاه والعباده هو أنّهم یرون أنفسهم ینتقلون فی کلّ صلاه من مرتبه من الیقین إلی مراتب أعلی، ویجب علینا محاسبه أنفسنا لنری أننا فی هذه الصّلاه التی صلّیناها الآن وانتهینا منها ما هی ثمرتها ومقدار ما حصلنا علیه من زیاده الیقین باللّه تعالی؟ فلو أننا رأینا أنفسنا بعد الصّلاه أقرب إلی اللّه تعالی ورأینا اللّه تعالی بالمشاهده أکثر بهذه النفس الناقصه وشعرنا بعظمه اللّه فی قلبنا أکثر وازدادت حاله الخوف والرجاء من اللّه

ص:42


1- (1) . الإمام الغزالی، مجموعه رسائل، ص 469.

فی قلوبنا، فنعلم حینئذٍ أنّ یقیننا قد إزداد، أمّا لو رأینا بعد الصّلاه أنّ حالنا لم یختلف عمّا کان علیه قبلها فإنّ هذه الصّلاه لم تؤثر فینا ویجب علینا أن نأسف لهذه الحاله، وعلی هذا الأساس عندما نقف للصّلاه بین اللّه تعالی ونرید أن ندعوه ونناجیه، فیجب علینا الالتفات إلی أننا نرید زیاده یقیننا وإیماننا، ونحن بحاجه إلی زیاده الیقین، ونحن نحتاج یوماً بعد آخر إلی غرس الیقین فی قلوبنا أکثر فأکثر، ومن هذا المنطلق فإنّ أحد الآثار المهمّه للعباده هو الوصول إلی مرحله الیقین وهو التوحید التام، وقد ذکر العرفاء فی محلّه أنّ التوحید التام لا یعنی أنّ الإنسان یقطع بإرادته الارتباط والتوجّه إلی غیر اللّه بل أعلی من ذلک، وهو الانقطاع، فیجب علی الإنسان أن یصل إلی مرتبه بحیث یشعر بالانقطاع التلقائی عن غیر اللّه تعالی، ویکون إلتفاته فقط متوجّهاً إلی اللّه تعالی ولذلک یتلاشی وجوده فی عظمه الحقّ تعالی، فینبغی علی الإنسان أن یلاحظ ما مقدار ما حصل علیه بصلاته من القرب الإلهی بحیث یستغرق وجوده فی محضر الباری تعالی ویشعر بالمحو فی الذات المقدّسه، وهنیئاً للشخص الذی یستطیع أن یعیش هذه الحاله فی جمیع صلاته، وهذا توفیق عظیم للمؤمن ونسأل اللّه تعالی أن یمنحنا جمیعاً هذا التوفیق إن شاء اللّه.

ص:43

ص:44

الفصل الثانی: حضور القلب فی الصّلاه

اشاره

ص:45

ص:46

11- المقصود من القلب فی مقوله «حضور القلب»

«لَهُمْ قُلُوبٌ لا یَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْیُنٌ لا یُبْصِرُونَ...» (1)

إنّ هذه الحقیقه جلیّه وواضحه للمصلّین وأصحاب السیر والسلوک والعباده، لأنّ الوصول إلی حقائق الصّلاه وفهم حقیقه کلّ عباده لا یتیسّر إلّامن خلال العمل بالشریعه والسلوک من الظاهر إلی الباطن، وهذا یعنی أننا لا نستطیع أن ندرک حقیقه الصّلاه، إلّامن خلال ظاهر الصّلاه والعمل بأحکامها وشروطها ورعایه آدابها الظاهریّه، وبدون تحقّق هذا الظاهر فلا یمکن الوصول إلی ذلک الباطن، ومن أجل الوصول إلی ذلک الباطن یجب رعایه الشروط والأعمال الظاهریّه بشکل کامل، یقول الإمام الخمینی قدس سره فی تعلیقاته علی شرح فصوص الحِکم: «إنّ الطریقه والحقیقه لا تحصل للسالک إلّامن خلال طریق الشریعه، لأنّ الظاهر طریق إلی الباطن، والشخص الذی لا یصل إلی الباطن من خلال العمل بالتکالیف

ص:47


1- (1) سوره الأعراف، الآیه 179.

الإلهیّه فیعلم أنّه لم یؤدّی الظاهر بشکل صحیح»(1).

وعلی هذا الأساس، نقول إنّ المصلّی إذا أقام الصّلاه بکامل أحکامها وشروطها، مثلاً الصّلاه فی المکان المغصوب أو باللباس النجس وغیر الطاهر، أو الصّلاه بدون رعایه استقبال القبله بشکل صحیح، وکذلک سائر الأجزاء والشروط المعتبره فی الصّلاه، مثل هذا الشخص سوف لن یصل أبداً إلی معرفه أسرار وباطن وحقیقه الصّلاه.

وبعد أن ذکرنا المسائل السابقه بوصفها مقدّمه لهذا الموضوع، فإنّ أوّل مسأله فی باب أسرار الصّلاه وقعت مورد إلتفات الأکابر من العلماء، مسأله حضور القلب فی الصّلاه، فبعض الأکابر مثل المرحوم المیرزا جواد الملکی (رضوان اللّه تعالی علیه)، ومن أجل أن یستطیع الإنسان أن یؤدّی صلاته بصوره کامله ذکر لذلک ست مراتب:

- المرتبه الاُولی: حضور القلب. - المرتبه الثّانیه: التفهّم.

- المرتبه الثّالثه: التعظیم. - المرتبه الرّابعه: الهیبه.

- المرتبه الخامسه: الرجاء. - المرتبه السّادسه: الفناء.

وقال رحمه الله: یجب أن یحصل للمصلّی هذه المراتبه الست، لیتمکن من أداء الصّلاه بصوره تامّه وکامله، ولکن فی کلمات الآخرین کالمرحوم الشهید الثانی رحمه الله أو الإمام الراحل قدس سره فی کتابه «سرّ الصّلاه» لم یرد التفکیک بین هذه الحالات والمراتب، وقد یکون هذا هو الصحیح، وذلک أن نطرح کلّ هذه المراتب کلّها مرّه واحده بعنوان «حضور القلب»، بمعنی أنّ حضور القلب والتفهم والتعظیم والهیبه والرجاء والفناء جمیعها متعلّقه بمسأله حضور القلب کما سیأتی توضیحه.

ومن أجل أن یصل الإنسان إلی حقیقه الصّلاه یجب علیه أن یعیش حضور

ص:48


1- (1) تعلیقات علی شرح فصوص الحکم.

القلب وحضور القلب یعنی أن یلتفت فی قلبه بشکل کامل للصّلاه، وهنا من المناسب أن نذکر ثلاث نقاط فیما یتّصل بکلمه «قلب»، النقطه الاُولی: ما هو المراتب من کلمه «قلب»؟ وهل أنّ المراد من القلب فی هذه المسائل هو تلک القطعه الصنوبریّه من اللحم، أو المقصود دماغ الإنسان الذی هو عضو من أعضاء بدنه، من الواضح أنّ المقصود لیس ذلک، والمراد من القلب فی هذه المسائل تلک اللطیفه الربانیّه التی یطلق علیها أحیاناً بالنفس، وأحیاناً أخری بالروح، وقد ورد فی الآیات والروایات الشریفه: «لَهُم قُلُوبٌ لایَعقِلُونٌ بِها»، فهؤلاء لهم قلوب ولکنّهم لا یستطیعون فهم هذه المسائل الدینیّه، وهذا یعنی أنّ المراد من القلب هو وسیله الإدراک والفهم، والقلب الذی له إقبال وإدبار، وله علاقه بشیء معین وله نفور من شیء آخر، وتاره یتّجه نحو شیء وأخری یعرض عن شیء، والمقصود هو القلب الذی یملک البصر والعمی، وما ورد فی الروایات من «طبع القلب» هو القلب الذی یعیش الرین والغشاوه، والقلب الذی طبع علیه، والقلب الذی یملک نورانیّه وظلمانیّه، فلو أجرینا مقارنه بین القلب اللحمی للمؤمن مع قلب الکافر فسوف لا نجد أی فرق بینهما، ولکن الروایات تقول إنّ قلب المؤمن نورانی وقلب الکافر ظلمانی، فقلب الأشخاص الذین یملکون البصیره والنورانیّه یری الحقائق، وهذا هو ما یقال أحیاناً فی کلمات الناس بأنّه یری بعین القلب، أو یجب أن تری ذلک بعین القلب، ما هو المقصود من القلب هنا؟ القلب هو ما یعیش حالات القبض والبسط ویملک جمیع الصفات الأخلاقیّه الحمیده، والفضائل الإنسانیّه تتعلّق بهذا القلب، وکذلک أنّ جمیع الصفات السیّئه والرذیله تتعلّق بهذا القلب أیضاً، وهذا هو ما یبقی من الإنسان بعد موته، إذن فالمقصود من القلب فی بحثنا هو هذا القلب.

ص:49

12- المقصود من القلب فی الروایات

«إِنَّ فِی ذلِکَ لَذِکْری لِمَنْ کانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَی السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِیدٌ» (1)

وصلنا فی البحث إلی معنی القلب وما یتعلّق به بشکل عامّ، ویقول الإمام الخمینی قدس سره(2): «فی موجودات العالم، فإنّ نورانیّه وکمال کلّ موجود ترتبط بالصوره النوعیّه والکمال الآخیر له، أمّا فی الإنسان فإنّ کماله وسعادته مرتبطه بنفسه الناطقه وهی النفخه الإلهیّه التی یقول عنها الباری تبارک وتعالی: «وَ نَفَخْتُ فِیهِ مِنْ رُوحِی...»3 ، ومقصودنا من القلب هو الحقیقه الإنسانیّه التی جعلها اللّه ودیعه فی الإنسان، وهی الروح التی نفخت فی هذا البدن المادّی وتستوعب جمیع وجود الإنسان وتشکل حقیقته، ونحن فی بحثنا عن أسرار العبادات نواجه مثل هذه الحقیقه، ونحن فی مقام بیان هذه المسأله، وهی أنّ هذه الحقیقه الإلهیّه کیف یمکنها أن تکون أکثر نورانیّه، وکیف یمکن أن تفقد هذه النورانیّه، وکیف

ص:50


1- (1) سوره الأعراف، الآیه 179.
2- (2) . سرّ الصّلاه معراج السالکین، ص 15-16.

تصل هذه الحقیقه إلی کمالها المنشود، وکیف لا تصل إلی الکمال؟ ثمّ بحثنا فیما یتّصل بالصّلاه والعبادات ما هو المقدار التی ترتبط هذه الحقیقه بفعل الإنسان، ولعلّه یمکن القول إنّ اللّه تبارک وتعالی نفخ فی وجود الإنسان هذه النفخه الرحمانیّه، والإنسان بدوره ینفخ فی أفعاله من هذه النفخه الإلهیّه المودعه عنده، ویمنح أفعاله الحیاه، وکلّما کانت رابطه الإنسان مع هذه النفس ومع أفعاله أشدّ وأقوی کان ذلک بمعنی حضور القلب.

النقطه الثّانیه فیما یتّصل بالقلب، هی أنّ مراد من القلب بشکل عام، یعنی بغض النظر عن مسأله الصّلاه، فقد ورد فی الروایات الشریفه مسائل کلیّه تتّصل بهذه الموضوع: «إِذا أرَادَ اللّهُ بِعَبْدٍ خَیراً جَعَلَ لَهُ وَاعِظاً مِنْ قَلبِهِ»(1).

فلو أراد الإنسان أن یفهم أنّ اللّه تعالی هل یهتمّ ویعتنی به أم لا؟ فإنّ إحدی العلامات لذلک هو أن یری هل أنّ قلبه یسدی له الموعظه والنصیحه له أم لا؟ فعندما یجلس وحیداً فی مکان ما ویفکّر فی ارتکاب الذنب، فهل أنّ قلبه سینهاه عن ذلک ویلومه ویُوبّخه أم لا؟ هل أنّ قلبه یشوقه ویدعوه إلی أعمال الخیر ویلفت نظره إلی الآثار والمعطیات الجیده والسیّئه لأعماله أم لا؟ فربّما نری البعض منّا وللأسف الشدید یرتکب بعض الأعمال المخالفه ولکنّه لا یجد فی نفسه رادعاً عنها ولا یجد قلبه یلومه علیها، وهذا یعنی أنّ قلبه لیس واعظاً له.

وکذلک ورد فی بعض التعابیر الأخری: «مَنْ کَانَ لَهُ مِنْ قَلبِهِ وَاعِظٌ کَانَ عَلَیهِ مِنَ اللّهِ حَافِظٌ»(2).

وهذا هو ما ورد عن القلب بشکل عام عباره اسوداد القلب کما نقرأ فی هذا النص: «قَلْبُ المُؤمِنِ أَجرَدُ فِیهِ سِرَاجٌ یَزهَرُ وَقَلْبُ الکَافِرِ أَسْوَدُ»(3).

واتفق أن ذکرنا أنّ المراد من القلب لیس هو القطعه من اللحم الموجوده فی

ص:51


1- (1) بحار الأنوار، طبعه بیروت، ج 70، ص 327.
2- (2) المصدر السابق.
3- (3) مرآه العقول، ج 9، ص 413.

الصدر، وهذا یعنی أنّ الشخص الکافر قد أظلم نفسه وجعل قلبه أسود بأعماله، وهذه النفس لا تدعوه بالسیر نحو اللّه تعالی وعبادته، وهذه النفس تحوّلت إلی حقیقه مظلمه تماماً، ولذلک أنّ الإمام الباقر علیه السلام یقول فی روایه: «إِنَّ القُلُوبَ ثَلاثَهٌ قَلبٌ مَنکُوسٌ لایَعی شَیئاً مِنَ الخَیرِ وَهُوَ قَلبُ الکَافرِ».

وهذا یعنی أنّ مثل هذا القلب صار بمثابه الإناء والظرف لا ینسجم ولا یتناسب مع أی عمل نورانی.

«وقَلبٌ فِیهِ نُکْتَهٌ سَودَاءُ فَالخَیرُ وَالشّرُّ فِیهِ یَعتَلجَانِ فَأَیُّهُما کَانَتْ مِنْهُ غَلَبَ عَلَیهِ»(1).

وهذا هو النوع الثانی من القلوب حیث تزدحم فیه حاله الصراع بین الخیر والشرّ.

«وقَلبٌ مَفتُوحٌ فِیهِ مَصابِیحُ تَزهَرُ وَلا یُطفَأُ نُورُهُ إِلی یَومِ القِیامَهِ وَهُوَ قَلبُ المُؤمِنِ»(2).

وهذا هو ما ورد التعبیر عنه بالنفس النورانیّه الإلهیّه التی منحها اللّه تعالی للإنسان المؤمن، ولکن الشخص الکافر جعل من هذه النفس التی وهبها اللّه تعالی إلیه ظلمانیّه ولا مجال لاشراق النور فیها، بعکس قلب الإنسان المؤمن ونفسه، فهی محلّ تجلی الأنوار الإلهیّه والخیرات الربانیّه.

وعلی هذا الأساس، فمن جمله النقاط التی یجب الالتفات إلیها هی هذا القلب، فینبغی أن نری فی کلّ یوم یمرّ علینا ما مقدار ما اضیف إلی قلبنا من نورانیّه أو لا سمح اللّه مقدار ما قلّ ونقص من نورانیّته ونری الاختلاف فی درجات نورانیّه القلب، وهذا الاختلاف یقع فی باطن وحقیقه الصّلاه، نسأل اللّه تعالی أن یزید من نورانیّه قلوبنا جمیعاً.

ص:52


1- (1) مرآه العقول، ج 9، ص 413.
2- (2) الکافی، الطبعه الإسلامیّه، ج 2، ص 422.

13- الذنب، سبب لظلمه القلب

«کَلاّ بَلْ رانَ عَلی قُلُوبِهِمْ ما کانُوا یَکْسِبُونَ» (1)

تقدّم أنّ القلب هو هذه النفس الربانیّه والإلهیّه التی أودعها اللّه تعالی فی وجود الإنسان ویستطیع الإنسان بواسطتها من إدراک الأمور الحسنه والسیّئه، والخیر والشرّ، والصحیح والسقیم، ویمیّز بین الحقّ والباطل، وعندما نستعرض الآیات والروایات فی هذا المجال فسوف یتبیّن لنا المراد من القلب ما هو؟

یقول الباری تبارک وتعالی فی القرآن الکریم: «وَ نَطْبَعُ عَلی قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا یَسْمَعُونَ»2 أو قوله: «وَ طَبَعَ اللّهُ عَلی قُلُوبِهِمْ...»3 ، أو أنّ اللّه یطبع علی قلوب الأشخاص المذنبین، وفی دائره الثقافه القرآنیّه لو أنّ الإنسان سقط فی وادی الذنوب ولم یرجع عنها ویتوب، فعندما أذنب لأوّل مرّه لم یتب، واستمر فی ارتکاب الذنب الثانی والثالث ولم یحدث نفسه عن التوبه والإنابه، ثمّ تراکمت

ص:53


1- (1) سوره المصطفین، الآیه 14.

علیه الذنوب والمعاصی إلی درجه أنّ هذه الذنوب غطت قلبه واستولت علیه، والقرآن یعبّر عن هذه الحاله بأنّ اللّه تعالی یطبع علی مثل هذا القلب الملوّث بالذنوب والملیء بالخطایا وبالتالی لا یتحرّک هذا الإنسان فی طریق النور والحقّ والحقیقه، وجاء فی آیه أخری: «کَلاّ بَلْ رانَ عَلی قُلُوبِهِمْ ما کانُوا یَکْسِبُونَ» ، وهذا هو مقصود من الرین علی القلب، أو أنّ الأعمال السیّئه التی یقترفها الإنسان من شأنها أن تستولی علی قلبه إلی درجه أنّ هذا الشخص لا یستطیع بعدها التمییز بین الحقّ والباطل، وبین الخیر والشرّ، وهکذا یصاب قلب الإنسان بحاله الرین والطبع.

ونقرأ فی روایه زراره عن الإمام الباقر علیه السلام أنّه قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ إِلّا فِی قَلْبِهِ نُکْتَهٌ بَیضاءٌ فَإذا أَذْنَبَ ذَنبَاً خَرَجَ فِی النُّکْتَهِ نُکْتَهٌ سَوَداء، فإنْ تَابَ ذَهَبَ ذَلِکَ السَّوادُ، وإِن تَمادَی فِی الذُّنُوبِ زَادَ ذَلِکَ السَّوادُ حَتَّی یُغطِّی البَیاضَ، فإذَا غَطّی البَیاضَ لَمْ یَرجَعْ صَاحِبُهُ إِلی الخَیرِ أَبَداً...»(1).

ثمّ یقول الإمام علیه السلام مستشهداً بهذه الآیه الکریمه وهو قول اللّه عزّ وجلّ: «کَلاّ بَلْ رانَ عَلی قُلُوبِهِمْ ما کانُوا یَکْسِبُونَ» . وهذا هو معنی الرین علی القلب.

وهکذا تبیّن المراد من القلب فی النصوص، أی القلب الذی یعیش حالات الظلمه والنورانیّه، القلب الذی یتقبّل السعاده والشقاوه، القلب الذی یملک إقبالاً وإدباراً، وهذا هو المقصود من حضور القلب فی الصّلاه.

ص:54


1- (1) الکافی المطبعه الإسلامیّه، ج 2، ص 273.

14- آثار توجّه القلب وإقباله إلی اللّه

یقول الإمام الباقر علیه السلام: «لَیسَ مِنْ عَبْدٍ مُؤمِنٍ یُقبِلُ بِقَلْبِهِ عَلَی اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِی صَلاتِهِ وَدُعائِهِ إِلّا أَقْبَلَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَیهِ بِقُلوب المُؤمِنین؛...».

النقطه الثّالثه فیما یتّصل بقلب الإنسان وهو نفسه وروحه الإنسانیّه، هی أنّ الإنسان إذا أقبل علی اللّه تبارک وتعالی فی أی عمل وعباده وخاصّه فی صلاته، فإنّ هذا الأمر یتسبّب بأنّ اللّه تعالی سیقبل علیه أیضاً.

یقول الإمام الباقر علیه السلام: «فَإذا صَلَّیتَ فَأَقبِل بِقَلْبِکَ ِ عَلَی اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّهُ لَیسَ مِنْ عَبْدٍ مُؤمِنٍ یُقبِلُ بِقَلْبِهِ عَلَی اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِی صَلاتِهِ وَدُعائِهِ إِلّا أَقْبَلَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَیهِ بِقُلوب المُؤمِنینَ إِلَیهِ وَأَیَّدَهُ مَعَ مَودَّتِهِم إِیَّاهُ بِالجَنَّهِ»(1).

وهذا یؤیّد أنّ أوّل ثمره لحضور القلب والدعاء هی إقبال اللّه تعالی علی هذا العبد المؤمن «وَأَیَّدَهُ مَعَ مَودَّتِهِم...»، أی أیّد هذا الإنسان المؤمن بمودّه ومحبّه المؤمنین له.

ص:55


1- (1) من لا یحضره الفقیه، ج 1، ص 209.

ونقرأ فی روایه أخری عن الإمام الباقر علیه السلام أیضاً أنّه قال: «إِذا قَامَ العَبْدُ المُؤمِنُ فِی صَلاتِهِ نَظَرَ اللّهُ أو قَالَ أَقبَل اللّهُ عَلَیهِ حَتّی ینْصرِف، وَأَظَلَّتْهُ الرَّحمَهُ مِنْ فَوقِ رَأسِهِ إِلی أُفقِ السَّماءِ؛

وهذا کنایه عن أنّ مطر الرحمه الإلهیّه ینزل علی هذا الشخص المصلّی الذی ارتبط قلبه بالصّلاه.

وَالمَلائِکَهُ تَحُفُّهُ مِنْ حَولَهُ إِلی أُفُقِ السَّماءِ، وَوَکَّلَ اللّهُ بِهِ مَلَکاً قَائِمَاً عَلَی رَأَسِهِ، یِقُولُ لَهُ أَیُّها المُصَلِّی لَو تَعلَمُ مَنْ یَنظرُ إِلَیکَ وَمَنْ تُناجِی مَا التِفتَ وَلا زِلتَ مِنْ مَوضِعِکَ أَبَداً»(1).

إذن فإقبال القلب یؤدّی إلی إقبال الباری تبارک وتعالی علی الإنسان، وهذه العباره وردت أیضاً فی کلمات الإمام الخمینی (رضوان اللّه تعالی علیه) حیث یقول: «واللّه یعلم فی هذا الإقبال من اللّه علی عبده ماذا یحصل العبد علی کرامات وأنوار لا یدرکها عقل أی بشر ولا تخطر علی قلب أحد»(2).

وهکذا هو إقبال اللّه تعالی علی الإنسان ولیس مثل إقبال إنسان علی إنسان آخر من قبیل إقبال الملک أو رئیس البلاد علی بعض أفراد الشعب، أو من قبیل إقبال العالم علی الجاهل، فإقبال اللّه تعالی علی عبده لا یقارن بمثل هذه الحالات من الإقبال، إذن فالصّلاه التی یصلّیها المؤمن بحضور القلب والتوجّه إلی الباری تعالی ستکون عاملاً علی إقبال الباری تعالی علیه ونظره إلیه وبالتالی فسوف تفتح علیه جمیع أبواب السعاده ومعرفه الحقائق وتملأ وجوده الرحمه الإلهیّه، وتفتح له الأبواب الطرق إلی الکمال المعنوی، فهل یعقل أنّ اللّه تعالی یُقبل علی الإنسان وینظر إلیه بنظر الرحمه ولا یؤثر هذا النظر فیه؟ الإنسان یستطیع بنظر

ص:56


1- (1) الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 3، ص 265.
2- (2) سرّ الصّلاه (معراج السالکین)، ص 27.

واحده من اللّه تعالی علیه أن یکشف الغموض عن الکثیر من الحقائق العلمیّه وتنحلّ أمامه العقد والمشاکل التی یواجهها فی حیاته، فیجب علینا أن نستثمر هذه الکرامات من اللّه ونقبل علیه فی صلاتنا.

ص:57

15- مراتب حضور القلب

بالنسبه لحضور القلب فی الصّلاه لابدّ من ذکر مسائل کثیره، فماذا یعنی حضور القلب فی الصّلاه؟ وما هی مراتبه وأسبابه وموانعه؟ وإذا تیسّر لنا إن شاء فسوف نبسط الکلام عن هذه النقاط المهمّه بلطف اللّه تعالی وفضله، وسنتحدّث عن أهمّ هذه المسائل.

وسبق أنّ بیّنا أنّ بعض الأکابر ذکروا أنّ حضور القلب فی الصّلاه یعتبر أحد الحالات المهمّه فی طریق السلوک إلی اللّه، وذکروا لحضور القلب مراتب عدّه، المرتبه الأولی أنّ الإنسان یعلم أنّه یقف فی محضر اللّه تعالی وفی حضوره وهو فی حال الحدیث مع اللّه ومناجاته ویمتثل لأمره، وفی هذه الصوره فما لم یلتفت الإنسان إلی هذا الموقع ولا یفهم ماذا یقول وما یؤدّی ولا یعلم ما هی حقیقه هذه الأفعال والأرکان ولا ینتفع من هیئه الصّلاه، فی هذه المرحله ربّما لا یلتفت أیضاً إلی قراءته الصحیحه فی الصّلاه بلحن عربی دقیق.

والمرتبه الثّانیه، أن یؤدّی هذه الکلمات وظاهر هذه الأفعال کما أراده اللّه

ص:58

تعالی منه وأمر به، فیهتمّ کیف یقف بین یدی اللّه فی حال القیام؟ وکیف ینحنی فی حال الرکوع والسجود؟ وکیف یتلفّظ بکلمات القراءه فی قیامه ورکوعه وسجوده؟ هذه مرتبه أخری من حضور القلب.

أمّا المرتبه الثّالثه، أن یتوجّه إلی حقیقه هذه الأفعال والأذکار ویعلم ما هی حقیقه الرکوع وفرقه مع القیام، ویعلم أنّ حقیقه السجود هی الفناء المحض فی تبارک وتعالی، وما هو فرقه عن الرکوع ویعلم ما هی معانی الأذکار بشکل کامل؟ کأن یدرک معنی قوله «اللّه أکبر»، فعندما یبتدیء المصلّی بالتکبیرات الابتدائیّه وبعد تکبیره الإحرام علیه أن یفهم ماذا یقول وما معنی الکلمات والعبارات التی یتلفّظها فی حال الصّلاه، وأنّ قصده ونفسه وعواطفه مصدقه لما یجری علی لسانه أم لا؟ ویفهم ما هی حقیقه الذکر فی الرکوع وسائر الأذکار الأخری.

والمرحله الأعلی، أن یتوجّه بشکل کامل إلی اللّه تعالی ویفنی فی وجوده المبارک بحیث یستغرق فی وجوده باللّه تعالی وتدخل الکلمات إلی قلبه، مضافاً إلی أنّه فی المرحله السابقه فهم معنی «الحمد للّه ربّ العالمین»، فیفتح قلبه لمثل هذه الحقیقه بمعناها الواسع، وهذا المعنی الواسع هو أنّ الحمد من أی شخص یصدر ومن أی حامد ولأجل أی شیء فهو فی الحقیقه حمد للّه، فلو أنّ شخصاً مدح عالماً لعلمه، أو أکرم صالحاً وزاهداً أو فناناً أو عارفاً، فإنّه فی الحقیقه إنّما یحمد اللّه ویثنی علیه فلا موجوده یستحق الحمد والثناء سوی اللّه تعالی، فلو أنّهم أحضروا هذا المعنی العمیق فی قوله فإنّه یعنی کما یقال أکابر علماء الأخلاق حضور القلب فی الصّلاه، وبعد حضور القلب، نصل إلی الحاله الثّانیه فی الصّلاه، وهی حال التفهّم، فالکثیر من آثار الصّلاه وثماراتها من قبیل المنع من الفحشاء والمنکر «إِنَّ الصَّلاهَ تَنْهی عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْکَرِ...»1 ، تتعلقّ بحاله التفهّم، یعنی

ص:59

قبل أن یقول المصلّی بأی فعل من الأفعال الصّلاه علیه أن یفهم نفسه ماذا یفعل وقبل أن یتحدّث بأی کلمه علیه أن یفهم ماذا یقول، ویستمر به هذا الحال إلی آخر الصّلاه فیفهم حقائق الأفعال والأذکار.

الحاله الثّالثه، حاله التعظیم، والتعظیم هو العلم بعظمه اللّه تعالی، ومعرفه الإنسان بعظمه الحقّ تعنی أن یعلم أنّه یقف مقابل موجود عظیم ذو قدره مطلقه یستطیع أن یقبل عمل هذا الإنسان أو ردّه، ویستطیع أن یکرم هذا الشخص أو یهینه، وبیده جمیع أمور العالم، حتّی هذه الکلمات التی یذکرها فی حال صلاته إنّما هی بواسطه عنایته ومشیئته، فالمصلّی یجب أن یدرک عظمه الموجود الذی یقف أمامه ویناجیه.

وتقدّم فی روایه أنّ اللّه تعالی یُوکّل ملکاً من الملائکه للمصلّی یقول له: «... لَو تَعلَمُ مَنْ یَنظرُ إِلَیکَ...»، وتعلم من الذی تناجیه وتدعوه لم تفارق مکانک ولم تترک صلاتک، وستواصل صلاتک مرّه بعد أخری، فالإنسان عندما یشعر فی قلبه ووجوده بعظمه الحقّ تبارک وتعالی فکیف ینشغل فکره وذهنه بأمور أخری؟ وعندما لا نلتفت إلی عظمه ذلک الموجود الذی نقف بین یدیه فسوف ینحرف ذهننا وینشغل فکرنا بأمور أخری، ولکن لو أنّ الإنسان استغرق فی عظمه اللّه تعالی وأدرک بوجوده وقلبه هذه العظمه فلا یمکن أن یلتفت إلی شیء آخر فی حال الصّلاه.

ص:60

16- خشوع وحضور القلب فی الصّلاه

«قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * اَلَّذِینَ هُمْ فِی صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ» (1)

ورد التعبیر عن حضور القلب فی الصّلاه بالخشوع، فعندما یتحدّث القرآن الکریم عن صفات المؤمنین فی الصّلاه یقول: «اَلَّذِینَ هُمْ فِی صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ» ، فالشخص الذی یلتفت إلی أنّه یقف فی مقابل عظمه الوجود المطلق، والشخص الذی یتوجّه إلی أنّه یقف فی مقابل موجود عظیم إلی درجه أنّ جمیع الوجودات التی تعتبر عظیمه تقع فی مقابله لیس صغیره فحسب بل هی صفر فی مقابل عظمه الحقّ تبارک وتعالی، فمثل هذا الشخص سوف یشعر بحاله الخشوع فی صلاته، وبدیهی أنّ هذه الخشوع القلبی سوف یتجلّی علی ظاهره وبدنه فیعیش بدنه حاله الخشوع أیضاً، والشخص الذی یعبث فی حاله صلاه بیده أو بلباسه أو برأسه ورقبته فإنّه لا یعیش حاله الخشوع، والشخص الذی یعبث بیده وقدمه أو ینشغل باصلاح لحیته وشعره فهذا الشخص لا یشعر بالخشوع فی صلاته،

ص:61


1- (1) سوره المؤمنون، الآیه 1 و 2.

فالقرآن یقول: إنّ الإنسان المؤمن هو الشخص الذی یعیش الخشوع فی صلاته، یعنی لا یکفی أن یقف المؤمن فی الصّلاه والعباده، ولا یکفی أن یهتمّ الإنسان فی صلاته بظاهره وبدنه ویتوجّه ببدنه فقط، وهذا لا یعنی حاله الإیمان الحقیقی فی نفسه ویفرح مثل هذا الشخص بأنّه من زمره المؤمنین.

وتقدّم أنّ الإنسان یستطیع من خلال الصّلاه أن یفهم مقدار معرفته للّه وتوحیده، ویستطیع أن یعین مقدار إیمانه بالصّلاه، فکلّما یکون خشوع الإنسان فی الصّلاه أکثر فإنّ إیمانه باللّه تبارک وتعالی أکثر، والخشوع هو حضور القلب فمجرّد أن یشعر الإنسان أنّه یقف فی محضر اللّه تعالی وأنّه فی حال الحدیث مع اللّه ومناجاته ویلتفت إلی مقامه بین یدی اللّه فسوف یعیش حاله الخشوع.

ونقرأ فی سوره الماعون المبارکه: «فَوَیْلٌ لِلْمُصَلِّینَ * اَلَّذِینَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ»1 ، وهم الأشخاص الذین یعیشون الغفله عن حالات الخشوع فی الصّلاه فلا یدرکون فی مقابل أی موجود یقفون ویدعون.

وجدیر بنا الالتفات إلی هذه النقطه، وهی أنّ هذا العمل الشائن إلی أی درجه هو قبیح عند اللّه ویوجب ابتعاد الإنسان عن ربّه أنّ اللّه تعالی یقول: «فَوَیْلٌ لِلْمُصَلِّینَ» ، ویل هی أحد مراتب ودرکات جهنّم العمیقه، وهذا یعنی أنّ هذا الشخص المصلّی کثره ذنوبه أو شدّه کفره یستحق الویل والثبور، وهذا الویل الذی أعدّه اللّه لهذا الإنسان غیر ذلک الویل الذی نستعمله نحن فیما بینا ونقول:

«الویل لفلان».

عندما لا نشعر بحضور القلب فی الصّلاه یجب أن نفکّر بهذه الآیه الشریفه وهو قول اللّه تعالی: «فَوَیْلٌ لِلْمُصَلِّینَ» ، فلماذا أنّ اللّه تعالی مع رحمته الواسعه وکثره ألطافه ونعمائه علی عباده یعبّر بهذا التعبیر المخیف لهذا المصلّی الغافل

ص:62

ویقول له «ویل لک»؟ وذلک أنّ هذا الشخص عندما یقف للصّلاه بین یدی اللّه تعالی ولا یلتفت إلی هذه الحقیقه، فهو بمثابه المستهزیء بهذا المقام، والشخص الذی یستهزیء باللّه تعالی یستحق مثل هذه العقوبه.

وجاء فی روایه عن الإمام الباقر علیه السلام فی حدیثه عن أبیه الإمام زین العابدین علیه السلام أنّه عندما کان یقف للصّلاه یتغیّر لون وجهه وعندما یصل إلی حال السجود لا یرفع رأسه إلّاووجهه یتصبب عرقاً، أی یقول: إنّ أبی عندما یقف للصّلاه فإنّه یکون مثل جذع الشجره لا یتحرّک أبداً إلّابما تحرّکه الریاح من ثیابه، أی أنّه لو تحرّکت عباءته مثلاً فإنّ ذلک بسبب حرکه الهواء.

فهل اختبرنا أنفسنا فی صلاتنا؟ وما مقدار سکوننا وأدبنا فی مقابل تبارک وتعالی فی صلاه ذات رکعتین، أو نتحرّک بحرکات مختلفه فی حال الصّلاه بحیث نبتعد عن أصل الصّلاه وحال العباده؟

ویروی أبوحمزه الثمالی قال: رأیتُ علیّ بن الحسین علیهما السلام یصلّی فسقط رداؤه عن منکبه، قال: فلَم یسوّه حتّی فرغ من صلاته، قال: سألته عن ذلک فقال:

«وَیحَکَ أَتَدرِی بَینَ یَدَی مَنْ کُنتُ إِنَّ العَبدَ لا یُقبَلُ مِنهُ صَلاهٌ إِلّا مَا أَقبَلَ مِنها».

فقلت: جعلت فداک هلکنا.

فقال: «کَلّا إِنَّ اللّهَ مِتمّم ذَلِکَ لِلمُؤمِنینِ بِالنّوافِلِ»(1).

ص:63


1- (1) وسائل الشیعه، ج 4، ص 688.

17- موانع حضور القلب

قال الإمام الرضا علیه السلام: «طُوبی لِمَنْ أَخلَصَ للّهِ العِبادَهَ وَالدُّعاءَ وَلَمْ یَشغَلْ قَلْبَهُ بِما تَری عَینَاهُ وَلَمْ یَنسَ ذِکرَ اللّهِ بِما تَسمَعُ اذُنَاهُ».(1)

إنّ إحدی الحقائق المهمّه فیما یتّصل بصلاه العباده، أنّ الصّلاه تتضمّن الکثیر من الأسرار والحقائق والفوائد وقد فتح اللّه تبارک وتعالی الطریق للإنسان لفهمها والتعرّف علی مقدار من أسرارها، وبذلک یستطیع الانتفاع من هذه الصّلاه، فلو أنّه لم یؤدّی الصّلاه فی وقتها فإنّ اللّه تعالی فتح له باب القضاء فیستطیع قضاء الصّلاه فی خارج وقتها، ولو أنّه لم یتمکن من الخضوع وحضور القلب بشکل صحیح فی صلاته فإنّه یستطیع جبران ذلک بالنافله.

ویروی زراره عن الإمام الباقر علیه السلام أنّه قال:

«إِذا قُمْتَ إِلی الصَّلاهِ فَعَلَیکَ بِالإقِبالِ عَلَی صَلاتِک، فإنّما لَکَ مِنها مَا أَقبَلتَ

ص:64


1- (1) سوره المؤمنون، الآیه 1 و 2.

عَلَیهِ»، بمعنی أنّ الإنسان عندما یقف للصّلاه فإنّ اللّه تعالی یقبل علیه بمقدار ما یعیش حضور القلب فی هذه الرکعات، «وَلا تعْبَث فِیها بِیَدِیکَ وَلا بِرأسِکَ وَلا بِلِحیَتِک وَلا تُحدّث نَفسَک»(1)، فهذه نقطه مهمّه جدّاً وردت أیضاً فی کلمات النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله:

«إِنَّ العَبْدَ إِذا اشتَغَلَ بِالصَّلاهِ جَاءَهُ الشَّیطَانُ وَقَالَ لَهُ اذکُر کَذا اذکُر کَذا حَتّی یُضِلُّ الرَّجُلَ أَنْ یَدرِی کَم صَلّی»(2)، فهذه الروایه عجیبه وفی غایه الغرابه، فإنّها تقرّر أنّ إحد أعمال الشیطان اهتمامه یدخله بالشخص المصلّی، والشیطان لا یهتمّ بالأشخاص الذین ترکوا صلاتهم ولا یتعب نفسه فی إغوائهم، ولکن الشخص الذی یقف للصّلاه والعباده، فالشیطان یهتمّ بذلک لأنّ هذه الصّلاه تبعده إلی الأبد عن الشیطان، وهذه الصّلاه تعتبر سلاحاً قویّاً لمواجهه تسویلات الشیطان، فمن هذه الجهه فالشیطان لا یترک هذا الشخص بل یتحرّک بقوّه لصدّه عن ذکر اللّه، ویقول النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله: «إِذا اشتَغَلَ بِالصَّلاهِ» إنّ هذا الشخص عندما یقف للصّلاه یأتی الشیطان ویقول له: تذکر العمل الفلانی ویجب علیک أن تهتمّ بالعمل الفلانی وهکذا یقوم بتذکیره بأعمال أخری حتّی ینشغل عن الصّلاه «اُذکُر کَذا اذکُر کَذا»، وعندما نقف للصّلاه فسوف نتذکر أننا یجب علینا الیوم أن نؤدّی العمل الفلانی ونتحدّث مع فلان شخص بکذا وکذا وربّما نتأسف علی أننا لم نقل لذلک الشخص الکلام المناسب، وهکذا ینشغل ذهن الإنسان بأمور أخری بعیده عن ذکر اللّه وحقیقه الصّلاه، وأساساً فالإنسان أحیاناً یقول إننی إذا أردت أتذکر شیئاً فإننی أتذکره فی حال الصّلاه، هذا هو الشیطان الذی یذکر الإنسان فی صلاته بما نسیه وغفل عنه.

ص:65


1- (1) . وسائل الشیعه، ج 5، ص 463.
2- (2) . بحار الأنوار، مطبعه بیروت، ج 53، ص 269.

أیّها الإخوه والأخوات، عندما نقف بین یدی اللّه تعالی ونقف للصّلاه والعباده، فلو تذکّرنا مسأله علمیّه أو غیر علمیّه، دنیویّه أو غیر دنیویّه، کلّما یخطر فی أذهاننا فعلینا أن نتذکّر هذا الحدیث للنبی الأکرم صلی الله علیه و آله وأنّ الشیطان قد ساقنا إلی وادی الغفله عن صلاتنا، والشیطان یرید أن نعیش الغفله عن اللّه وعن الذکر وعن حضور القلب لئلا نتقرّب إلی اللّه تعالی ولا نحظی بإقبال اللّه تعالی علینا، ومن هذا المنطلق یجب الاهتمام بمسأله حضور القلب فی الصّلاه.

وجاء فی روایه عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال:

«إِذَا کُنتَ فِی صَلاتِکَ فَعَلَیکَ بِالخُشُوعِ وَالإِقبَالِ عَلَی صَلاتِکَ فَإِنَّ اللّهَ تَعالی یَقُولُ الَّذِینَ هُمْ فِی صَلاتِهم خاشِعُون»(1).

ویقول الإمام الثامن علی بن موسی الرضا علیه السلام فی روایته عن أمیرالمؤمنین صلوات اللّه وسلامه علیه أنّه قال:

«طُوبی لِمَن أَخلَصَ للّهِ العِبادَهَ وَالدُّعاءَوَلَمْ یَشغَلْ قَلْبَهُ بِما تَری عَینَاهُ وَلَمْ یَنسَ ذِکرَ اللّهِ بِما تَسمَعُ اذُنَاهُ»(2)

وللأسف أنّ الإنسان أحیاناً یقف للصّلاه فی مکان تسمع فیه أصوات مختلفه حتّی أصوات اللعب واللهو فیستمع إلیها هذا المصلّی فتثیر فی نفسه غبار الغفله والإعراض عن اللّه، فأی صلاه هذه نصلّیها ونتقرّب بها إلی اللّه؟! یجب علی المصلّلی أن یعیش حالات التوجّه إلی اللّه فی کلّ جوارحه وقلبه وأن یستقبله بنفسه وعینه واُذنه حتّی تستطیع مثل هذه الصّلاه أن تعرج به فی عالم الملکوت وتصعد به إلی أجواء عالم القرب الإلهی.

ص:66


1- (1) وسائل الشیعه، ج 5، ص 473.
2- (2) سوره المؤمنون، الآیه 1 و 2.

18- لزوم حضور القلب والخشوع

قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله: «اعبُدُ اللّهَ کَأَنَّکَ تَراهُ فَإِنْ لَمْ تَکُنْ تَراهُ فَإِنَّهُ یَرَاکَ».(1)

ذکرنا آنفاً بعض الآیات والروایات المتعلّقه بحضور القلب فی الصّلاه، ونوصی الإخوه والأخوات المؤمنین بأن یتمعّنوا فی هذه الآیات والروایات الوارده فی مسأله حضور القلب، ولو أنّهم التفتوا إلی مضمون هذه الروایات فسوف تتغیر صلاتهم وتصبح صلاه أخری، یقول النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله: «اعبُدُ اللّهَ کَأَنَّکَ تَراهُ فَإِنْ لَمْ تَکُنْ تَراهُ فَإِنَّهُ یَرَاکَ»، فهو یری قیامنا وقعودنا ویسمع کلماتنا، والحقیقه أننا لو التفتنا فی حال الصّلاه لکلام النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله فسوف نشعر بحاله أخری، ونعیش البهجه ونشعر بإقبال اللّه تعالی علینا.

ونقرأ فی روایه أخری عن النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله أیضاً أنّه یقول:

ص:67


1- (1) مصباح الشریعه، ص 453.

بَینَ صَلاتَهِما مِثلَ مَا بَینَ السَّماءِ والأَرض»(1). فما هو هذا الشیء الذی خلق هذه الفاصله البعیده؟ هل هناک غیر الخشوع والإقبال والتوجّه إلی اللّه تعالی والحضور بین یدی فی أفضل الصلاتین وانعدام هذا الحال فی الأخری؟

وجاء فی روایه أخری عن النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله أنّه قال:

«إِنَّ مِنَ الصَّلاهِ لَما یُقبَلُ نِصفُها وَثُلُثُها وَرُبُعُها وَخُمُسُها إِلی العُشرِ، وإِنَّ مُنها لَمَا یُلَفُ کَمَا یُلّفُ الثَّوبُ الخَلَقُ فَیُضرَبُ بِها عَلَی وَجَهُ صَاحِبِها»، فی بعض هذه الصّلاه التی نصّلیها للّه تعالی لا نشعر بها فتلف وتلقی علی وجوهنا وتردّ علینا، وهذا یعنی أنّ هذه الصّلاه لا قیمه لها عند اللّه إطلاقاً ولا تساوی شیئاً فی عالم الملکوت، وهکذا یتمّ إعاده هذه الصّلاه إلی صاحبها من موقع الرفض لها وعدم قبولها، والنّبی الأکرم صلی الله علیه و آله یعطینا قاعده کلیّه ویقول: «وَإِنَّ لَک مِنْ صَلاتِکَ مَا أَقْبَلَتَ عَلَیهِ بِقَلبِکَ»(2).

وجاء فی روایه عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال: «وَاللّهِ إِنَّهُ لَیَأتِی عَلَی الرَّجُلِ خَمسُونَ سَنهً وَما قَبِلَ اللّهُ مِنْهِ صَلاهً وَاحِدَهً».

ثمّ قال علیه السلام: «فَأَیُّ شَیءٍ أَشَدُّ مِنْ هَذا؟»(3).

هل فکّرنا یوماً فیما یتعلّق بصلاتنا الماضیه وهل أنّها کانت مقبوله عند الحقّ تعالی؟ ونعرف بعض الکبار من المراجع أنّهم کانوا منذ بلوغهم وحتی قبل ذلک إلی آخر عمرهم یهتمّون بأداء صلاتهم بدقّه متناهیه ویحافظون علی وقتها ولکنهم کانوا یقولون، إننی أعدت صلاتی لسنوات عمری ثلاث مرّات، وهذا الاهتمام البالغ بالصّلاه بسبب هذه الروایات التی تتحدّث عن حضور القلب فی الصّلاه ولأنّهم کانوا یقولون أنّه ربّما لم تکن الصّلاه التی صلّینا مورد قبول الباری

ص:68


1- (1) . بحار الأنوار، طبعه بیروت، ج 81، ص 249.
2- (2) بحار الأنوار، طبعه بیروت، ج 80، ص 260.
3- (3) الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 3، ص 269.

تعالی أو إنّنا لم نُقبِل علی اللّه فیها وبالتالی فإنّ اللّه تعالی لم یُقبِل علینا فیها، ولذلک نعید هذه الصّلاه مادمنا أحیاء لعلّها تکون مورد قبول وإقبال من اللّه.

لماذا نقصّر فی أداء الواجبات والصلوات الیومیّه، ونوکل ذلک بعد فوت وقتها، ونوصی بقضاءها عنّا بعد وفاتنا؟ إذن ثمّه نقص وقصور فی صلاتنا فیجب علینا مادمنا أحیاء جبران هذا النقص والخلل، فرکعه واحده من الصّلاه التی نصلّیها ونحن أحیاء لا تقبل المقارنه مع عشر سنوات من الصّلاه بعد وفاتنا، ویجب علینا أن نصلّی بحضور القلب وإقبال النفس علی الصّلاه لکی تکون مقبوله إن شاء اللّه من الباری تعالی بلطفه وکرمه.

ص:69

19- کیفیّه تحقیق اللذّه من الصّلاه

إنّ أفضل دلیل علی أنّ حضور القلب فی الصّلاه أمر ضروری ولازم، الروایات الوارده فی هذا الباب، فمن مجموع هذه الروایات یمکننا نستوحی نقاطاً کثیره، والالتفات إلی هذه النقاط الموجوده فی الروایات، من شأنه تیسیر حضور القلب لدی المصلّی، مثلاً ما ورد فی روایه الإمام الباقر علیه السلام والتی نقلها المرحوم الکلینی فی کتابه «الکافی» أنّ المصلّی عندما یقف للصّلاه «وَکَّلَ اللّهُ بِهِ مَلَکاً قَائِماً عَلَی رَأَسِهِ»(1)، فالالتفات إلی هذه النقطه یستدعی حاله الخشوع لدی المصلّی، فعندما یقف الإنسان للصلاه بین یدی الباری تعالی ویعلم أنّ اللّه تعالی قد وکّل به ملکاً وأنّ جمیع الجنود الإلهیّه وملائکه السماء یتنظرون لیروا ماذا یصنع هذا الشخص، فساحه الربوبیّه، ساحه عظیمه جدّاً، وعندما یعلم المصلّی أنّه قد فتح له الطریق لعالم الملکوت وفتحت له باب المناجاه والحدیث مع اللّه وکأنّ اللّه قد فتح أبواب رحمته علی هذا الإنسان المصلّی ودعا جمیع الملائکه لیروا عمله

ص:70


1- (1) . الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 3، ص 265.

فإنّ هذا الشعور وهذا الفهم من شأنه أن یخلق فی نفسه حاله الخشوع وحضور القلب.

ولا یتصوّر المکلّف أنّه فی حال الصّلاه لا یلتفت له أحد ولا یسمع کلامه أحد، ولا یری أحد حرکته وقیامه وقعوده، إنّ اللّه تعالی عندما یرتکب المرء ذنباً وخطیئه فإنّه بحکم لطفه ورحمته به لا یسمح للملک بکتابه هذا الذنب فی صفحه عمله، ویمنع المأمورین به من الاطّلاع علی ذنبه، فکیف الحال عندما یقف الإنسان فی صلاته بین یدی ربّه، فانظر ماذا یصنع اللّه؟ وماذا یوفّر له من أسباب التوفیق، وما هو حاله فی عالم الملکوت؟ أحیاناً نتصوّر أنّ الصّلاه هی تکلیف ظاهری فقط ویجب علینا أداء هذا التکلیف ونعتبر أنّ اللّه تعالی مولانا قد طلب منّا امتثال هذا التکلیف وأداء هذه الوظیفه ولا شیء آخر، فی حین أنّ الصّلاه تخلق تحوّلاً کبیراً فی عالم الإنسان وملکوته، وتصعد بالإنسان إلی مراتب عالیه وتحشره فی زمره الملائکه الإلهیین، وتجعله مشهوداً ومشهوراً لهم، فعندما نقف للصّلاه ینبغی أن نستحضر هذا الملک الموکّل وجنود اللّه الآخرین بل أحیاناً نستطیع أن نجعل من هؤلاء الجنود الإلهیین واسطه بیننا وبین عالم الملکوت ونتحدّث بلسان القلب معهم لترتفع حاجاتنا ومناجاتنا بشکل أفضل إلی ذلک العالم.

علینا الانتباه إلی أنّ ذلک الملک موکّل من قِبل اللّه تعالی، فماذا یقول هذا الملک؟ هل أنّ هذا الملک یرید أن یعلم أنّ هذا الشخص قد أدی واجبه أم لا؟ فلو أنّ الإنسان أصغی بقلبه إلی ذلک الملک ماذا یقول له:

«لَو تَعلَمُ مَنْ یَنظرُ إِلَیکَ وَمَنْ تُناجِی مَا التِفتَ وَلا زِلتَ مِنْ مَوضِعِکَ أَبَداً»(1)، أی أنّ الإنسان إذا علم فی حال الصّلاه أنّ اللّه تعالی ینظر إلیه بنظره الخاص وأنّه فی موقع حضور اللّه تبارک وتعالی، فرغم أنّ جمیع أعمالنا وحالاتنا وسکناتنا،

ص:71


1- (1) . الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 3، ص 265.

ونومنا ویقظتنا وجمیع أمورنا تحت نظر اللّه تعالی، فلو أنّ اللّه لم ینظر إلی هذا العالم لحظه واحده لفنی هذا العالم، ولکن فی حال الصّلاه هناک نظر إلهی خاصّ، بمعنی أنّ اللّه تعالی ینظر بنظر خاصّ إلی هذا الإنسان فی حال الصّلاه، أی أنّه دخل فی ضیافه اللّه وفی مضیفه وجلس معه فی لقاء خاصّ، ومع أنّ هذا اللقاء خاصّ بینه وبین اللّه تعالی فإنّ اللّه حشّد له کثیر من العوامل لیشعر بهذه الحاله الملکوتیّه، فالملک یقول له:

«لَو تَعلَمُ مَنْ یَنظرُ إِلَیکَ وَمَنْ تُناجِی مَا التِفتَ وَلا زِلتَ مِنْ مَوضِعِکَ أَبَداً»، أنت فی حال الحدیث والمناجاه مع الموجود المطلق المهمین علی جمیع أجزاء العالم، وجمیع العالم وما فیه بمثابه الذرّه الصغیره والصفر أمامه، الموجود الذی یستطیع أن یفنی هذا العالم بما فیه بطرفه عین، کما أنّه أوجد هذا العالم بطرفه عین، الموجود الذی یستطیع الإنسان أن یطلب منه کلّ ما یرید «إِنَّ اللّهَ عَلی کُلِّ شَیْ ءٍ قَدِیرٌ» ، الموجود الذی یعلم بما یجری فی باطن الإنسان ویعلم بخطرات قلبه ونوایاه، الموجود الذی یرید مصلحه الإنسان وخیره، وهکذا یقف المصلّی فی مقابل مثل هذا الموجود العظیم ویناجیه ویدعوه، ویقول له هذا الملک: لو أنّک تدرک لذّه هذا النظر وهذه المناجاه «مَا التِفتَ وَلا زِلتَ مِنْ مَوضِعِکَ أَبَداً»، بحیث إنّک تترک جمیع الأعمال وتستمر فی صلاتک أبداً ولا تلتفت إلی شیء آخر أبداً، فتترک الدنیا وما فیها وجمیع أمور المعیشه بل لا تلتفت إلی أحبّ الأشیاء لدیک، فلو أنّ الإنسان فی حال الصّلاه أدرک ولو بمقدار قلیل لذّه النظر والمناجاه مع اللّه، فإنّه لا یلتفت إلی ما سوی اللّه أبداً، بل إنّک لا ترید أن تفعل شیئاً سوی الصّلاه، ولهذا السبب أحیاناً نری أنّ أولیاء اللّه فی بعض الأیّام یصلّون ألف رکعه من الصّلاه ولا یشعرون بالتعب والملل، وهم یعیشون دوماً حاله البهجه واللذّه من مناجاتهم مع اللّه، فینبغی علینا أن نهتمّ بأمر صلاتنا، فإنّ أبواب لطف اللّه وکرمه وفضله تنفتح علینا أکثر فی صلاتنا، وسوف نذوق لذّه المناجاه مع اللّه إن شاء اللّه.

ص:72

20- اللّه یتعهّد بالصّلاه، بإدخال المصلّی إلی الجنّه

قال الإمام الصادق علیه السلام: «... مَنْ أَقَامَ حُدُودَهُنَّ وَحَافَظَ عَلَی مَوَاقیتِهِنَّ لَقِی اللّهَ یَومَ القِیامَهِ وَلَهُ عِنْدَهُ عَهدٌ یُدخِلُهُ بِهِ الجَنَّهَ».(1)

إنّ لحضور القلب فی الصّلاه له آثار وثمرات کثیره للمصّلی، وأحد هذه الآثار المترتبه علی حقیقه الصّلاه هو أنّ الصّلاه بمثابه عهد بین الإنسان وربّه، فالمصلّی یعلم أنّ حقیقه الصّلاه هی عهد یوجده مع اللّه، وبهذه الطریقه یدخل هذا المصلّی الجنّه الخالده والنعیم الدائم، وربّما یخطر فی ذهن البعض هذا السؤال وهو: ما هو الفرق بین الإنسان المصلّی مع غیر المصلّی؟ هل أنّ الفرق فی أنّ المصلّی یؤدّی تکلیفه الظاهری فیمتثل أمر اللّه تعالی بالعباده والصّلاه بینما الشخص الآخر لا یمتثل لأمر اللّه ولم یؤدّی تکلیفه الشرعی؟ أو أنّ هذه المسأله لا تنتهی عند هذا الحد، فحسب ما ورد فی روایه نقلها المرحوم الکلینی فی کتابه «الکافی» من وجود عهد بین المصلّی وربّه من خلال هذه الصّلاه بحیث یکون المصلّی من أهل

ص:73


1- (1) مصباح الشریعه، ص 453.

الجنّه، یقول أبان بن تغلب: «کُنتُ صَلَّیتُ خَلْفَ أِبی عَبدِ اللّهِ علیه السلام بِالمُزدَلِفهِ فَلَمّا انصَرَفَ إلتَفتَ إِلَیَّ فَقَالَ: یا أَبانُ الصَّلَواتُ الخَمسُ مَفرُوضاتُ مَنْ أَقَامَ حُدُودَهُنَّ وَحَافَظَ عَلَی مَوَاقیتِهِنَّ لَقِی اللّهَ یَومَ القِیامَهِ وَلَهُ عِنْدَهُ عَهدٌ یُدخِلُهُ بِهِ الجَنَّهَ»(1)، وهذا یعنی أنّ حقیقه الصّلاه هی عهد بین هذا المصلّی وبین اللّه تعالی وبوسیله هذا العهد یدخل هذا المصلّی الجنّه.

ونری أنّ هذه الروایه قد عبرت عن الصّلاه بالعهد، یعنی أنّ اللّه تبارک وتعالی یتعهّد فی مقابل هذه الصّلاه التی صلّاها هذا الشخص وأقام حدودها وشروطها والتزم بخصوصیّاتها أن یدخله الجنّه، ولکن ما معنی هذا العهد؟ العهد عباره عن التزام وتعهّد، فاللّه تعالی یعقد عهداً ومیثاقاً بینه وبین هذا المصلّی، ونتیجه هذا العهد أنّ هذا الشخص یدخل الجنّه یوم القیامه: «وَمَنْ لَمْ قُیمْ حُدُودَهَنَّ وَلَمْ یُحافِظ عَلَی مَوَاقِیتِهِنَّ لَقِی اللّهَ وَلا عَهَدَ لَهُ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ»، فحتی لو صرخ بأننی قد صلّیت جمیع سنوات عمری وأدّیت ما علیَّ من الصّلاه فی حیاتی فلا یسمع له ویقال له: أین صلاتک؟ إنّ صلاتک لم تصعد إلی عالم الملکوت لکی یتسبّب فی إیجاد هذا العهد بین الإنسان وبین اللّه تبارک وتعالی.

وینبغی الالتفات إلی أننا فی کلّ مرّه نقف بین یدی اللّه تعالی للصّلاه فسوف ینعقد عهد جدید بیننا وبینه، وما ورد فی الروایات أنّ الصّلاه تتسبّب فی غفران الذنوب السابقه إنّما هو بسبب هذا العهد یعنی عندما یؤدّی الإنسان الصّلاه بشکل صحیح مع توفّر جمیع الشروط والخصوصیّات فإنّ اللّه تعالی یتعهّد أن یمحو ذنوب هذا المصلّی ویغفرها له ویجعله من أهل الجنّه.

إذن فقد ورد فی هذه الروایه أنّ هذا العهد بین الإنسان وربّه فی دخول الجنّه یتمثّل فی الصّلاه مع حضور القلب وتوفّر جمیع شروط الصّلاه، فلو أنّ المصلّی

ص:74


1- (1) . الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 3، 267.

لم یراع هذه الشروط فإنّ صلاته لا تکون مقبوله عند اللّه فیأتی یوم القیامه فلا یجد شیئاً من صلاته قد کتب فی صحیفه أعماله: «لَقِی اللّهَ وَلا عَهَدَ لَهُ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ»، والآن لو لم یکن هناک عهد بینه وبین اللّه فما هی النتیجه؟ «إن شاء عذبه وإن شاء غفر له»، وهکذا یتبیّن أنّ الإنسان لو أدی الصّلاه بجمیع خصوصیّاتها فإنّها سوف توجب عهداً لهذا الإنسان من اللّه وأنّه یستحق دخول الجنّه، ولکن إذا لم یکن هناک مثل هذا العهد فهذا الشخص لا یستحق الجنّه، بل یستحق العذاب، إذن فأحد الأثار والثمرات المترتبه علی الصّلاه، إیجاد عهد بین الإنسان وربّه.

نرجو أن یجعل اللّه تعالی صلواتنا بحیث یستوجب هذا العهد ببینا وبین اللّه لکی نستحق دخول الجنّه بواسطه هذه الصّلاه إن شاء اللّه.

ص:75

21- حقیقه الصّلاه تتجلّی فی الرکعه الاُولی

قال الإمام الرضا علیه السلام: «... أَصلُ الصَّلاهِ إِنَّما هِی رَکعَهٌ وَاحدَهٌ».(1)

بالنسبه للعلاقه بین حقیقه الصّلاه وباطنها نواجه نقطه مهمّه وردت فی الروایات الشریفه، وهی أنّ حقیقه کلّ صلاه تکمن فی الرکعه الاُولی منها، فلو أنّ المصلّی استطاع فی الرکعه الاُولی من صلاته منذ أن یکبّر تکبیره الإحرام إلی نهایه السجده الثّانیه أن یحفظ حضور القلب بشکل کامل فإنّه یستطیع بمقدار معین الاطلاع علی حقیقه وأسرار الصّلاه، وسبق أن ذکرنا أنّ اللّه تبارک وتعالی لا یبخل علی عباده بمعرفه حقائق الصّلاه وأسرارها ولا یحرمهم من هذا الفیض، ومن هذه الجهه اضیفت لأصل الصّلاه وهی رکعه واحده، رکعه ثانیّه أیضاً، لأنّ غالبیّه الأشخاص ربّما لا یتوجّهون فی الرکعه الاُولی إلی حقیقه الصّلاه وخصوصیّاتها، وبعد ذلک قام النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله أیضاً بإضافه رکعه واحده أو

ص:76


1- (1) وسائل الشیعه، ج 4، ص 53.

رکعتین لبعض الصّلاه الیومیّه، وکانت النتیجه أن أصبحت هذه الصلوات متکّون من ثلاث رکعات أو أربع رکعات، ولکن أصل وحقیقه الصّلاه هی الرکعه الاُولی منها، ولکن بما أننا لا نستطیع غالباً أن نحصل علی حضور القلب بشکل کامل فی الرکعه الاُولی بسبب تشتت الخاطر وتشتت الذهن وتناثر الأفکار، فإنّ اللّه تبارک وتعالی لم یوصد الطریق أمامنا فأضاف إلیها الرکعه الثّانیه لیتمکّن المصلّی من جبران الفراغ والخلل الحاصل فی الرکعه الاُولی بهذه الرکعه الثّانیه.

وینقل صاحب کتاب «وسائل الشیعه» روایه عن کتاب «عیون أخبار الرضا» عن الإمام الثامن علی بن موسی الرضا علیه السلام أنّه قال:

«إِنّما جَعَلَ اللّهُ أَصلَ الصَّلاهِ رَکعَتَینِ وَزِیدَ عَلی بَعضِها رَکعَهٌ وَعَلَی بَعضِها رَکعَتانِ، وَلَمْ یُزَد عَلَی بَعضِها شَیءٌ لأَنّه أَصلُ الصَّلاهِ إِنَّما هِی رَکعَهٌ وَاحدَهٌ، لأَنَّ العَدَدِ وَاحِدٌ فإِذا نَقصَتْ مِنْ وَاحِدٍ فَلَیستْ هِی صَلاهٌ فَعَلِمَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ العِبادَ لا یُؤدُّونَ تِلکَ الرَّکعَهَ الوَاحدَِهَ الَّتِی لاصَلاهَ أَقَلَّ مِنها بِکَمالِها وَتَمامِها وَالإقبالِ عَلَیها، فَقَرَّقَ إِلَیها رَکعَهٌ أُخری لِیَتُمَّ بِالثَّانِیهِ مَا نَقَصَ مِنَ الأُولی فَفَرَضَ اللّهُ عَزَّ وَجلَّ أَصلَ الصَّلاهِ رَکْعَتَینِ، ثُمَّ عَلِمَ رَسُولُ اللّه صلی الله علیه و آله أَنَّ العِبادَ لایُؤدّونَ هَاتَینِ الرَّکْعَتَینِ بِتَمامِ مَا أُمِرُوا بِهِ وَکَمَالِهِ، فَضَمَّ إِلی الظُّهرِ وَالعَصرِ وَالعِشاءِ الآخرِهِ رَکْعَتَینِ رَکْعَتَینِ»(1)، وهذا هو ما ورد فی فقهنا بعنوان فرض النّبی، وعلی هذا الأساس یجب علینا السعی لنحصر فکرنا وبشکل کامل ونهتمّ لحضور القلب فی الرکعه الاُولی، وبشکل عام عندما نقف للصّلاه بین یدی اللّه ولمّا کنّا لا نعلم متی یحین أجلنا وتحین ساعه الموت فینبغی أن نقول لأنفسنا أننا ربّما لا نوفّق لأداء الرکعه الثّانیه، فیجب ترکیز الذهن والقلب بالصّلاه، وفی الرکعه الاُولی بالذات، وهنیئاً

ص:77


1- (1) . وسائل الشیعه، ج 4، ص 54.

للأشخاص الذین یعیشون هذه الحاله فی صلاتهم، ولو أننا أوحینا إلی أنفسنا بمثل هذا التلقین وعندما نقف للصّلاه نفکر أنّ هذه الصّلاه هی آخر صلاه نصلّیها للّه فسوف نشعر بحاله روحیه أخری، وسوف نعیش حضور القلب أکثر، وهکذا تکون صلاتنا وعبادتنا للّه تعالی.

ص:78

22- مراتب حضور القلب

قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله: «إِنَّ اللّهَ لایَنظُرُ إِلی صُوَرِکُم وَأَعمَالِکُم وَإِنَّما یَنظُر إِلی قُلُوبِکُم».

أشرنا فی البحوث السابقه إلی مراتب حضور القلب فی الصّلاه، وأحد النقاط المهمّه فی هذا الموضوع هو أن لا یتصوّر المصلّی أنّ حضور القلب فی الصّلاه له معنی سطحی وساذج وهو مجرّد الالتفات إلی حضوره أمام اللّه تعالی، وحضور القلب فی الصّلاه له مراتب عدّه وبعض هذه المراتب میسوره لجمیع الناس، وبعضها الآخر لا یتیسر فهمها ودرکها حتّی للعرفاء والکُمل من الأولیاء فضلاً عن العمل بها وتجسیدها علی أرض الواقع، وأساساً لو أننا أرادنا الوصول إلی حقیقه الصّلاه فیجب علینا سلوک هذه المراتب للحضور بشکل أکمل من السابق، أی أنّ حضور القلب فی الصّلاه فی هذا الیوم یجب أن تکون أکمل وأفضل من الیوم السابق، ویجب الالتفات إلی هذه الحقیقه وهی أنّه کلما توجّهنا إلی مراتب حضور القلب أقوی وأشد فإنّ کشف أسرار الصّلاه للإنسان یتیسر أکثر، حتّی یصل الإنسان إلی تلک المراتب العالیه من حضور القلب وتنکشف بعض أسرار الصّلاه لبعض هؤلاء المصلّین کما ورد فی بعض الروایات:

ص:79

«إِنَّ اللّهَ لایَنظُرُ إِلی صُوَرِکُم وَأَعمَالِکُم وَإِنَّما یَنظُر إِلی قُلُوبِکُم»(1)، ورغم أنّ تکلیف الإنسان یکمن فی الوصول إلی حقیقه وعمق الصّلاه وأسرارها من خلال سلوک طریق الظاهر، فلا أحد یمکنه أن یدعی الوصول إلی الحقائق من غیر طریق الصّلاه، ولا یمکن أن یحقّق أی إنسان هذا الهدف بدون الصّلاه، فهذا ادعاء الجهلاء من الناس ولا یقوم علی أساس متین، لأنّ الوصول إلی أسرار الصّلاه وهی عباده لها أسرار خاصّه بها، لا یمکن الوصول إلیها من طریق الآخر غیر الصّلاه، ولکن بحسب هذه الروایه أنّ اللّه تعالی ینظر فی هذه الصّلاه إلی قلب المصلّی ونیّته.

إنّ نظر الباری تعالی إلی قلب المؤمن یترتب علیه أن یکون قلب المصلّی مستعداً لتلقی بعض الأسرار وانکشافها له، ومن هذه الجهه یستحب للإنسان فی حال الصّلاه أن ینظر إلی موضع السجده من صلاته وینتبه إلی أنّه یقف فی مقابل أعظم موجود فی هذا العالم فینظر إلی موضع سجوده والمکان الذی یضع أفضل وأشرف قسم من بدنه وهو جبهته، وهذا معنی حضور القلب، ولو أنّ الإنسان استطاع إیجاد بعض هذه المراتب فی نفسه وفهمها فسوف تنکشف له أسرارها، وما ذکره بعض أولیاء اللّه أنّه توجد فی بعض مراتب حضور القلب من اللذّه والبهجه ما لا توجد فی مراتب أخری.

وعلی هذا الأساس نؤکّد علی هذه النقطه، وهی أنّ حضور القلب له مراتب متعدّده، ولا ینحصر بعنوان ثابت وتوجّه إجمالی بأن یعلم الشخص أنّه واقف بین یدی اللّه تعالی، وطبعاً هذا المعنی لوحده یعدّ أمراً مهمّاً جدّاً، ولکن حقیقه حضور القلب لا تنحصر بهذا المقدار، بل هو أوّل قدم للمصلّی أن یعلم أنّه یقف بین یدی اللّه القادر المطلق، إنّ هذا المعنی یعتبر أوّل وأقلّ مرتبه من مراتب حضور القلب، وهناک مراتب أخری سوف نشیر إلیها لاحقاً إن شاء اللّه.

ص:80


1- (1) . بحار الأنوار، ج 67، ص 248.

23- الحضور الإجمالی: والاشتغال بحمد اللّه وثنائه

«إِنِّی وَجَّهْتُ وَجْهِیَ لِلَّذِی فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِیفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِکِینَ». (1)

ذکرنا أنّ حضور القلب فی الصّلاه له مراتب عدیده وأنّ الإنسان المصلّی یجب علیه الالتفات إلی هذه المراتب، وطبعاً فإنّ فهم وتحقّق بعض هذه المراتب میسور لجمیع الأفراد والبعض الآخر لیس میسوراً للجمیع، وفهم بعضها یعتبر محالاً للکثیر من الناس.

ومن بین ثلاثه کتب معروفه تتحدّث فیما یخصّ أسرار الصّلاه وتکالیف المصلّین القلبیّه، کتاب «التنبیهات العلیه» للشهید الثانی رضوان اللّه علیه، و «أسرار الصّلاه» للمرحوم المیرزا جواد الملکی التبریزی رضوان اللّه علیه، و «سرّ الصّلاه» للإمام الخمینی رضوان اللّه علیه، وهذه الکتب الثلاثه تحدّثت عن هذا الموضوع بالذات، وأدقّ کتاب منها فی بیان مراتب حضور القلب ما نراه فی کلمات الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه، بالرغم من أننا عندما نطالع کتاب

ص:81


1- (1) سوره الأنعام، الآیه 79.

«سرّ الصّلاه» للإمام الخمینی، فسوف یتبیّن لنا بشکل واضح أنّ الإمام قدس سره فی کلامه هذا ناظر إلی کتاب الشهید الثانی قدس سره، ولکن العمق والدقّه فی بیان مراتب حضور القلب فی کلمات الإمام الراحل قدس سره لا توجد مثلها فی کتاب الشهید الثانی قدس سره، الإمام الراحل رضوان اللّه علیه ذکر ثمان مراحل لحضور القلب وفی المرحله الثامنه یقول: «إنّ هذه المرحله لها مراحل عدّه نعجز عن فهمها ودرکها وبیانها، وسنشیر نحن أیضاً إلی هذه المراتب بحدود معینه».

یقول الإمام الخمینی قدس سره(1): أوّل مرحله من حضور القلب الحضور الإجمالی، للحصول علی هذه المراتب میسور لجمیع الناس، فمعنی الحضور الإجمالی هو أنّ الإنسان یفهم قلبه ویعلم بأنّه یقف فی مقام المدح والثناء للحقّ تبارک وتعالی، والمصلّی یعلم أنّه یقف فی مقام التسبیح والتنزیه والتقدیس وبیان صفات الباری تعالی وحمده، ولو أنّه لا یعلم کیف یکون حمده وتسبیحه، بل یعلم فقط أنّه فی حال بیان صفات اللّه وتسبیحه وتنزیهه، ولکنّه قد لا یلتفت إلی حقیقه هذا الوصف وبأی بیان وکلام، وهذا مثل الشاعر الذی یمدح شخصاً کبیراً وجلیلاً بحضور طفل، فهذا الطفل لا یعلم ما یقوله هذا الشاعر، ولکنّه یدرک أنّه یتحدّث عن مدح وتجلیل هذا الشخص المحترم، وهکذا حال المصلّی وهذه أوّل مرتبه لحضور القلب، بأنّ یعلم المصلّی أنّه فی مقام الثناء للّه، وأی ثناء؟ أنّه کما أثنی اللّه علی نفسه وما ورد علی لسان الخاصّین من أولیائه.

والإمام رضوان اللّه علیه یلفت النظر إلی نقطه مهمّه لا یتیسر فهمها علی الأشخاص العادیین، وهو أنّ الشخص الذی یحمد اللّه ویثنی علیه یقول فیما بینه وبین اللّه: إلهی! أنا لست جدیراً ولائقاً للثناء علیک، بل أنا اثنی علیک کما أثنی علیک أولئک الأولیاء فی صلاتهم وعبادتهم، وأنا اسبحک واُثنی علیک بلسانهم،

ص:82


1- (1) . سرّ الصّلاه (معراج السالکین)، ص 17.

هذا الثناء بلسان الأولیاء بعید عن أی شبهه الکذب والنفاق، فالإنسان إذا أراد أن یحمد اللّه ویثنی علیه من قِبل نفسه، بما أنّ قوله لا یتطابق مع عمله فسوف یرتکب الکذب والنفاق، ولکنّه عندما یحمد اللّه ویثنی علیه بلسان الأولیاء فإنّ قوله یتطابق مع عمله.

ونقرأ فی الصّلاه عبارات وأذکار خاصّه من قبیل قولنا قبل الشروع بالصّلاه:

«إِنِّی وَجَّهْتُ وَجْهِیَ لِلَّذِی فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِیفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِکِینَ» ، فهل أنّ هذا الإنسان عندما یتکلّم بهذا الکلام صادق واقعاً وأنّه یتوجّه فقط فی هذه الحال إلی خالق السماوات والأرض أو أنّ وجهنا متوجّه نحو الدنیا حتّی عندما نقف للصّلاه فإننا نطلب من اللّه تعالی حاجاتنا الدنیویّه، وعندما تکون عباره «...

وَجَّهْتُ وَجْهِیَ...» ، خالیه من الکذب والنفاق یجب علینا أن ننوی مثل هذه النیّه، أی کما أنّ أولیاء اللّه العظام مثل إبراهیم الخلیل علیه السلام قال هذا الکلام وهذا الدعاء فأنا أیضاً ارید أن احقّق فی نفسی هذا الدعاء، وعندما نصل إلی الآیه «إِیّاکَ نَعْبُدُ...» ، وننظر إلی قلوبنا وباطننا فماذا نری وماذا یوجد فی نفوسنا من آلهه غیر اللّه، إذن لا یمکن القول بأنّ هذه العباره ذکرت من موقع الصدق.

إذا أردنا أن ینطلق هذا الکلام من موقع الصدق والحقیقه، فیجب أن ینطلق من موقع کلام الأنبیاء والأولیاء وأنّهم هکذا حمدوا اللّه وأثنوا علیه فی محضرک المقدّس وقالوا: «إِیّاکَ نَعْبُدُ...» ، فنحن أیضاً نذکر هذا الکلام فی الصوره.

وینقل هذا الکلام الإمام رضوان اللّه علیه فی کتابه عن استاذه المرحوم شاه آبادی - قدّس سرّ - (1) وأنّه قال: إنّ الشخص الداعی یدعو بهذا الدعاء بلسان مصادره والقائل له، وهکذا الحال فی غیر الصّلاه فإنّ کلّ دعاء ندعو به ینبغی أن یکون بلسان ذلک الشخص الذی صدر منه هذا الدعاء، وبهذا المعنی سیکون

ص:83


1- (1) . سرّ الصّلاه (معراج السالکین)، ص 18.

الدعاء أقرب للإجابه وأفضل ممّا یقول الداعی ویدعو بهذا الدعاء بلسان حاله، والسبب فی أنّ الکثیر من أدعیتنا لا تقع موقع الإجابه هو لأننا ندعو بلسان حالنا، ولکن إذا دعونا اللّه تعالی بلسان الأشخاص الذین صدر منهم هذا الدعاء ووصل إلینا فإنّ هذا الدعاء سیکون أقرب للإجابه.

إذن فاوّل مرتبه من مراتب حضور القلب هو الحضور الإجمالی الذی یکون میسوراً لجمیع الأفراد، أی أننا نعلم بأننا نقف أمام اللّه تبارک وتعالی بحاله الدعاء والثناء والتقدیس والتسبیح.

ص:84

24- الالتفات إلی قبول الصّلاه

قال الإمام الصادق علیه السلام: «وَاللّهِ إِنَّهُ لَیأتِی عَلَی الرَّجُلِ خَمسُون سَنَهً وَمَا قَبِل اللّهُ مِنْهُ صَلاهً وَاحِدَهً فَأی شَیءٍ أَشَدُّ مِنْ هَذا...».(1)

أسلفنا أنّ حضور القلب التام یؤدّی إلی معرفه الإنسان بحقیقه الصّلاه وأنّ نورانیّه العباده تتوقف علی حضور القلب، وکذلک قلنا إنّ حضور القلب له مراتب عدّه، وأوّل مرتبه لذلک هی مرتبه حضور القلب الإجمالی، یعنی أن یعلم المصلّی إجمالاً بأنّه مشغول فی صلاته فی مناجاه الباری تعالی وحمده وثنائه ولو لم یعلم بالألفاظ و الکلمات التی یحمد اللّه تعالی بها أو لم یلتفت إلی مفاهیم ومعانی الألفاظ التی یذکرها فی القراءه والرکوع والسجود، بل یعلم بها المقدار وهو أنّه مشغول بتکریم وتعظیم الباری تعالی وتسبیحه وحمده وتقدیسه.

وقبل بیان المراتب الأخری لحضور القلب فی الصّلاه نتبرک فی کلامنا بذکر روایه عن الإمام الصادق علیه السلام: «وَاللّهِ إِنَّهُ لَیأتِی عَلَی الرَّجُلِ خَمسُون سَنَهً وَمَا قَبِل اللّهُ

ص:85


1- (1) الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 3، ص 269.

مِنْهُ صَلاهً وَاحِدَهً...»، فبالرغم من أنّ هذا الشخص قد أدّی تکلیفه الشرعی ولا یؤاخذ یوم القیامه علی ترک صلاته ولا یقال له لماذا لم تصلّ؟ ولکن مع ذلک فإنّ صلاته لا تقع مقبوله عند اللّه تعالی، فهذه الصّلاه لیست ممّا یترتّب علیها الآثار والثمرات الإلهیّه المقرره، وهذه الصّلاه لیست تلک الصّلاه التی ینظر الباری تعالی للإنسان بنظر اللطف والرحمه ولذلک یقول الإمام علیه السلام: «فَأی شَیءٍ أَشَدُّ مِنْ هَذا...»، وأی مصیبه أعظم وأشدّ من هذه الحاله؟ وهکذا ترون فی کلام أهل البیت علیهم السلام السعاده والشقاء تدوران علی ماذا؟ وقد جاء فی الروایات أنّ الشخص یُوفّق للصّلاه فی أوّل وقتها وبخاصّه صلاه الجماعه وبالأخصّ فی المسجد فیکون من مصادیق الأشخاص السعداء.

وأحد العوامل المهمّه فی ثقافتنا لنیل السعاده التوفیق للصّلاه فی أوّل وقتها وفی جماعه، ویقول الإمام الصادق علیه السلام فی هذه الروایه أیضاً أنّ الإنسان قد یمضی من عمره خمسین سنه وقد أدّی صلاته طوال هذه المدّه ولکنّ أیّاً من صلاته لم تقع مورد قبول الباری تعالی وهو من أشقی الناس، فهل خلونا بأنفسنا فی کلّ یوم ولیله لحظه واحده لنری أی مقدار من صلاتنا وقعت مورد القبول عند اللّه؟ هل نملک مثل هذا الحاجز بأن نتحمّل لدقائق معدوده محاسبه أنفسنا والتفکیر فی صلاتنا ورکوعنا وسجودنا وقیامنا وقعودنا هل أنّها ارتفعت إلی السماء؟ وهل أنّها وقعت مورد قبول الباری تعالی؟ یقول الإمام علیه السلام إذا کان هذا الشخص بمثل هذه الحاله فهو شخص سعید، ولکن لا سمح اللّه إذا لم تقبل صلاته، أی أنّ عبادته ودعاءه وصلاته لم تترک أی أثر وبدون فائده فی ارتقائه المعنوی، فهذا یعنی أعظم شقاء یعیشه هذا الشخص، ویتابع الإمام علیه السلام فی هذه الروایه:

«وَاللّهِ إِنَّکُم لَتَعرِفُونَ مِنْ جِیرانِکُم وَأَصحَابِکُم مَنْ لَو کَانَ یُصلِّی لِبَعضِکُم مَا قَبِلَها مِنْهُ...»، أی لو أنّ أحداً من جیرانکم أو معارف سلّم علیکم بسلام مقترن

ص:86

بالاستخفاف فماذا یکون موقفکم منه؟ إذا کان سلامه علیکم من موقع الغرور والتکبر والأنانیّه، فهل تقبلون منه هذا السلام؟ ثمّ یقول علیه السلام: «اِنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ لا یَقبَلُ إِلّا الحَسَنَ فَکَیفَ یَقبَلُ مَا یُستَخَفُ بِهِ»، هل صلاه التی نصلّیها ونتحدّث فیها مع اللّه تعالی ولکن فکرنا وذهننا فی ذلک الوقت مشغول بالأمور المادّیّه والدنیویّه، وکیف ندبّر أمورنا ومعاملتنا لنربح أکثر، أو کیف نستطیع أن نحصل علی المقام والموقف الفلانی، مثل هذه المعامله مع اللّه تعالی الذی یعلم بنیّتنا وسریرتنا، فإنّها لا تحمل فی مضمونها سوی الاستخفاف به، نعوذ باللّه أن تکون مثل هذه الصّلاه تصغیراً لشأنه جلا وعلا، فعندما ننتهی من هذه الصّلاه نهتم بکلّ شیء غیره، فهل یصحّ أن نتوقع بعد ذلک أن تکون هذه الصّلاه مقبوله عند اللّه تعالی.

إذن یجب أن نهتمّ بأصل حضور القلب فی الصّلاه ومراتبه، فلو أننا لم نملک القدره علی فهم مراتب حضور القلب فعلی الأقلّ تلک المرتبه الاُولی من حضور القلب الإجمالی والتی هی میسوره للجمیع، فلو لم یعلم الشخص الفرق بین التحمید والتسبیح والتنزیه فیکفی أن یعلم أنّه یقف بین یدی اللّه تعالی وأنّه یذکر عظمته وجلاله.

نسأل اللّه تعالی أن یوفّقنا جمیعاً لحضور القلب فی الصّلاه.

ص:87

25- المرتبه الاُولی من الحضور التفصیلی فهم معانی الکلمات

إنّ بحث حضور القلب ومراتبه فی الصّلاه یعتبر من البحوث المهمّه والضروریّه للإنسان المؤمن والمصلّی، وللأسف فإنّنا قضینا عمراً طویلاً دون أن نسأل من أنفسنا عن حضور القلب فی الصّلاه أو نسأل من شخص عالم وعارف أو شخص کبیر وصالح یملک حاله جیده فی الصّلاه عن هذه المسأله، أو نسأل من إنسان مهذّب یعیش حاله الشوق للصّلاه ما هو حضور القلب فی الصّلاه؟ والأهمّ من ذلک نسأل عن النقاط المهمّه التی ترکها لنا علماء الأخلاق الکبار والعرفاء وبخاصّه المسائل العمیقه جدّاً التی ذکرها الإمام الراحل فی کتابه «سرّ الصّلاه»(1)

والتی یصعب جدّاً فهمها، ولکن بما أنّ الإمام الراحل قدس سره یتمتع بشخصیّه کبیره ومهذّب فقد تجاوز الکثیر من المراتب فی سلوکه إلی اللّه ووصل إلی مراحل عالیه فی طریق المعنویّات والسیر إلی اللّه تبارک وتعالی، فیری الإنسان فی هذا

ص:88


1- (1) . سرّ الصّلاه (معراج السالکین)، ص 15-23.

الکتاب بحراً من المعارف الإلهیّه قدّمها لنا الإمام الراحل قدس سره کهدیه للاستعانه بها فی هذا الطریق.

وبعد أن ذکرنا مرتبه حضور القلب الإجمالی نتحدّث عن مسأله حضور القلب التفصلی فی الصّلاه، فالحضور التفصیلی للقلب فی الصّلاه له خمس مراحل، المرحله الخامسه بنفسها لها ثلاث مراتب سنتعرض لها بالمقدار الممکن والمیسور لعموم الناس، وأوّل مرتبه من الحضور التفصلی للقلب هی أنّ الإنسان یفهم معانی الألفاظ التی یتکلّم بها فی الصّلاه، من التکبیرات الافتتاحیّه (التکبیرات التی یأتی بها المصلّی أوّل الصّلاه قبل النیّه)، إلی تکبیره الإحرام والقراءه وذکر الرکوع، وذکر السجود وسوره الحمد التی تتضمن أصول معارف الدین من المبدأ والمعاد، وهی سوره فاتحه الکتاب، وکذلک سوره التوحید التی تتضمن معارف عمیقه جدّاً، فیما یتّصل بالذات المقدّسه وصفات الباری تعالی، وحضور القلب بشکل تفصیلی هو أن یفهم المصلّی معانی ومفاهیم الکلمات التی یقولها ویعلم ماذا یتحدّث مع اللّه تعالی وما هو مدلول الحمد والثناء فی أذکاره؟

یجب أن یفهم قلب العابد والمصلّی فی حال الصّلاه کلّ الکلمات التی یقولها، فعندما یقول: «إِیّاکَ نَعْبُدُ وَ إِیّاکَ نَسْتَعِینُ»1 علیه أن یفهم معنی هذه العباره، ومن هنا یتّضح الفرق بین العالم والعابد، فالعالم یفهم معانی هذه الکلمات أمّا العابد فإنّه یفهم ظواهر هذه الألفاظ والکلمات لکنّه لا یفهم معناها والمفاهیم الکامنه فیها.

والنقطه المهمّه، أنّ کلّ إنسان لابدّ أن یفهم بمقدار إدراکه وفهمه معانی هذه الکلمات، ومن الخصوصیّات المهمّه جدّاً للقرآن هی أنّ کلمات القرآن الکریم لها معنی واسع وعمیق جدّاً، ولذلک فالأشخاص وبسبب اختلافهم فی الفکر قد

ص:89

یختلفون فی فهم معانی هذه الکلمات والألفاظ، النقطه التی أشار إلیها الإمام الراحل رضوان اللّه علیه فی هذه المرتبه الاُولی هی أنّ الإنسان المصلّی لا ینبغی أن یتصوّر أنّ معانی الألفاظ محدوده بهذه الحدود التی یفهمها، فعندما یقول:

«اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِیمَ»1 وإذا فهم معنی هذه العباره فلا ینبغی أن یتصوّر أنّ هذا المعنی محدود بفهمه وحدود إدراکه، وأحد الأمور التی تضرّ کثیراً بالإنسان أن یعتقد بفهمه فقط فیتوقّف عند حدود هذا الفهم، یجب أن یعلم أنّه قد فهم القلیل من معنی الصراط المستقیم الذی یتضمّن معانی عدیده وواسعه جدّاً، إنّ القناعه فی باب فهم کلمات بعض ألفاظ الصّلاه من شأنها أن تعیق الإنسان فی سیره وحرکته العلمیّه العملیّه، وهذه هی إحدی الحیل الشیطانیّه الشهیره.

إنّ الشیطان یقول للإنسان فی حال الصّلاه أنّ صلاتک لیست بأکثر من ذلک، وهو ما تفهمه من هذه الألفاظ والکلمات ویکفی أن تؤدّی هذه القراءه والأذکار بهذه الحاله وبهذا المعنی، وهکذا نری أنّ الشیطان یسجن الإنسان فی فهمه الخاطیء لأذکار الصّلاه، إذن ففهم معانی الکلمات یعدّ المرحله الاُولی من المراحل الخمس لمراتب حضور القلب التفصیلی للصّلاه.

وبعد هذه المرحله من فهم الإنسان لمعانی الألفاظ والکلمات هناک مراحل أخری سنشیر إلیها لاحقاً إن شاء اللّه.

ص:90

26- المرتبه الثّانیه من الحضور التفصیلی: الفهم العقلی والبرهانی للکلمات

قال الإمام الصادق علیه السلام: «إِذا قَامَ العَبْدُ فِی الصَّلاهِ فَخفَّفَ صَلاتَهُ قَالَ اللّهُ تَبارَکَ وَتَعالی لِمَلائِکَتِهِ أَمَا تَرَونَ إِلی عَبدِی کَأَنَّهُ یَری أَنَّ قَضَاءَ حَوائِجِهِ بِیدِ غَیرِی أَمَا یَعلَمُ أَنَّ قَضاءَ حَوائِجِهِ بِیدِی»(1)

کان البحث حول حضور القلب فی الصّلاه ومراتب الحضور، وتقدّم فی البحث السابق استعراض المرتبه الإجمالیّه من حضور القلب فی الصّلاه وهی أنّ الإنسان یعلم أنّه مشغول بحمد اللّه وثنائه ولو لم یعلم معانی الکلمات وحقائق الأفعال والحرکات، أمّا المرتبه الثّانیه وهی الحضور التفصیلی للقلب قلنا إنّ هذا المورد له خمس مراحل: المرحله الاُولی فهم معانی ومفاهیم الألفاظ والأذکار، وقبل أن نستعرض المراتب الأخری نتبرک بذکر هذه الروایه التی یرویها هشام بن صالح عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال: «إِذا قَامَ العَبْدُ فِی الصَّلاهِ فَخفَّفَ صَلاتَهُ.. قَالَ

ص:91


1- (1) الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 3، ص 269.

اللّهُ تَبارَکَ وَتَعالی لِمَلائِکَتِهِ أَما تَرَونَ إِلی عَبدِی کَأَنَّهُ یَری أَنَّ قَضَاءَ حَوائِجِهِ بِیدِ غَیرِی أَمَا یَعلَمُ أَنَّ قَضاءَ حَوائِجِهِ بِیدِی»، وهذا یعنی أنّ هذا الشخص یؤدّی صلاته بهذه الصوره وکأنّه یشرک باللّه تبارک وتعالی ویری أنّ غیر اللّه مؤثر فی قضاء حوائجه «أَمَا یَعلَمُ أَنَّ قَضاءَ حَوائِجِهِ بِیدِی»، فلا یستطیع أی کائن آخر أن یحلّ مشاکله.

وهذه الروایه تشیر إلی أنّ المصلّی إذا أراد أن تکون صلاته مؤثره بشکل کامل فعلیه مراعاه التوحید الحقیقی، فالصّلاه وضعت من أجل تقویه التوحید فی الإنسان، وفی مقابل ذلک فالإنسان إذا أراد تقویه توحیده وإیمانه یوماً بعد آخر ویعمّقه فی واقعه النفسانی یجب علیه أن یهتمّ بصلاته ویهتمّ بحضور القلب فی الصّلاه.

المرتبه الثّانیه من حضور القلب التفصیلی فی الصّلاه هی أن یتحرّک المصلّی، بعد فهم مفاهیم الکلمات وفهم معنی «إِیّاکَ نَعْبُدُ وَ إِیّاکَ نَسْتَعِینُ»1 ، لإدراک هذا المعنی العمیق بالعقل البرهانی والاستدلالی ومن خلال العقل الباحث عن الحقیقه، یجب أن یفهم بحقیقه العقل أنّ الصراط المستقیم لا یستطیع الإنسان سلوکه وتعبیده إلّابالاستعانه باللّه تبارک وتعالی وأنّ الطرق الأخری غیر صحیحه وتقوده إلی هاویه الضلاله والانحراف، وعندما یدرک الإنسان مفهوماً ومعنی معیناً ویستدل علی صحه هذا المعنی بالبرهان العقلی، فإنّ هذا المفهوم سیتعمّق فی قلبه وأعماق نفسه ویعیش دوماً مع هذا المفهوم والمعنی، فعندما یقوله:

«اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِینَ»2 ، فیدرک جیداً بأنّ کلّ شخص وفی کلّ مکان یثنی علی أی شیء من الأشیاء فإنّ هذا الثناء والحمد یعود إلی اللّه ولا یوجد أی شیء یستحق الثناء والحمد غیره.

ص:92

وعندما یقول له العقل أنّه لا شیء آخر فی عالم الوجود سوی اللّه یستحق الحمد والثناء، وأنّ الموجود الذی یتمتع باللیاقه للحمد والثناء فقط هو الباری تعالی والذات المقدّسه، فمثل هذا الإنسان لو مدحه بعض الأشخاص فی مناسبه معینه یقول: إنّی لا أستحق أی حمد وثناء، بل إنّ هذا الحمد والثناء یعود إلی اللّه، وهکذا نری فی المرتبه الثّانیه من حضور القلب مع البرهان العقلی أنّ هذه المفاهیم ستتجلی لنا بشکل أوضح وأعمق وندرک حقیقه الصراط المستقیم بالبرهان العقلی، ونفهم معنی سوره التوحید التی هی المنبع والمصدر لأصول معالم التوحید، بشکل مبرهن ومستدل، نسأل اللّه تعالی أن یوفّقنا لإدراک وتحقّق مراتب حضور القلب فی حال الصّلاه.

ص:93

27- المرتبه الثّالثه من الحضور التفصیلی: التصدیق القلبی

«یَوْمَ لا یَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ * إِلاّ مَنْ أَتَی اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِیمٍ» (1)

بعد بیان المعنی الإجمالی لحضور القلب وصلنا إلی المعنی التفصیلی له، وتطرقنا إلی ذکر مرتبتین من المراتب التفصیلیّه من حضور القلب، المرتبه الاُولی من حضور القلب التفصیلی أن یفهم الإنسان المصلّی المفاهیم اللغویّه والعرفیّه لکلمات والأذکار التی یقولها فی الصّلاه، المرتبه الثّانیه أن یفهم هذه الکلمات والألفاظ بإدراک العقل والبرهان العقلی، فینغرس هذا المعنی فی أعماق فکره وعقله، وقبل بیان المرتبه الثّالثه من مراتب حضور القلب التفصیلی نشیر إلی هذه الروایه الوارده عن الإمام الباقر علیه السلام:

«عَنْ عُمَرَ بنِ أُذَینَهَ عَنْ زُرارهَ عَنْ أَبِی جَعفَر علیه السلام قَالَ: بَینَا رَسُولُ اللّهِ صلی الله علیه و آله جَالِسٌ فِی المَسجدِ إِذ دَخَلَ رَجُلٌ فَقَامَ یُصَلِّی فَلَم یُتِمَّ رُکُوعَهُ وَلا سُجُودَهُ؛، أی أنّه لم یأتی

ص:94


1- (1) سوره الشعراء، الآیه 88 و 89.

برکوعه وسجوده بشکل صحیح وکامل.

فَقَالَ صلی الله علیه و آله: نَقَرَ کَنَقرِ الغُرابِ؛ وهذا مثل یرد فی لغه العرب ویعنی أنّ حاله حال الغراب عندما ینقر الحبّه بشکل سریع، فمقدار الوقت الذی یستغرقه الغراب فی تناول الحبّه سریع جدّاً، والنّبی الأکرم صلی الله علیه و آله هنا یقول: «نَقَر کَنَقرِ الغُرابِ»؛ وهذه کنایه علی سرعه رکوعه وسجوده دون أن یمکث قلیلاً فی الرکوع أو یتوقف قلیلاً فی السجود بل هذا حاله کحال الغراب فی تناوله للحبه، ثمّ قال النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله کلمه عجیبه جدّاً ویجب علینا أن نتذکر دوماً هذه الکلمه فی رکوعنا وسجودنا قال: «... لَئِنْ مَاتَ هَذا وَهکَذا صَلَاتَهُ لَیَمُوتَنَّ عَلَی غَیرِ دِینِی»(1)، وهکذا ترون أنّ هذه المسأله إلی أی درجه من الأهمیّه أنّ الأشخاص الذین یصلّون صلاتهم بسرعه وقبل أن یرکع تماماً تراه یبادر إلی السجود وقبل أن یتمّ سجوده یتشهد ویسلّم وقبل أن یتشهد ویسلّم ینتهی من صلاته، فحسب هذه الروایه التی ینقلها عمر بن اذینه عن الإمام الباقر علیه السلام وهذا الإمام ینقلها عن النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله أنّ النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله قال: إنّ مثل هذا الشخص إذا مات وکانت صلاته بهذه الصوره فإنّه یموت علی غیر مله الإسلام، ومن هذه الجهه فإذا أردنا أن لا تکون صلاتنا مثل صلاه هذا الشخص یجب علینا تحقیق ومراعاه حضور القلب فی الصّلاه، فیجب أن نعلم ما هی مراتب حضور القلب؟

المرتبه الثّالثه من حضور القلب وبعد أن یدرک الإنسان المفاهیم والمعانی للکلمات بالبرهان العقلی یقوم بحک وکتابه هذه المعانی علی لوح قلبه، وهی مرحله التصدیق القلبی وهذه المرحله تعنی أنّ قلب الإنسان یتمتع بمرتبه فوق مرتبه العقل ویتقبّل هذه المفاهیم والمعانی فیصدّق ویؤمن بها.

الإنسان فی بعض الموارد قد یدرک الکثیر من الأمور بعقله ولکنه یعیش

ص:95


1- (1) . الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 3، ص 268.

التزلزل والاهتزاز فی قلبه، فقلبه لم یصل إلی مرتبه الاستقرار والاطمئنان رغم قبول العقل، والمثال الواضح لذلک ما یؤمن به الإنسان بعقله بالشخص المیّت وأنّ هذا المیّت غادر الدنیا ولا یستطیع أن یبعد ذبابه عن نفسه، ولکن لماذا یشعر الإنسان بالخوف عندما یبقی مع بدن المیّت فی غرفه واحده ویقضی لیلته معه فلا تجده مستعداً للبقاء لوحده مع هذا الجسد رغم أنّه یعلم بعقله أنّ هذا المیّت لا یضرّه أبداً، السرّ فی ذلک أنّ قلبه لحدّ الآن لم یقتنع بما آمن به عقله، وعلی هذا الأساس فإنّ مرتبه التصدیق القلبی تعتبر مرحله أعلی من تصدیق العقل.

المرتبه الثّالثه من حضور القلب هی أنّنا نسعی لکتابه هذه المفاهیم فی لوح القلب وغرسها فی أعماق النفس، فلو أنّ هذه المعانی رسخت فی لوح القلب فإنّ هذا الشخص سیجد الإیمان والتصدیق بهذه المفاهیم فی جمیع الحالات بل لا یحتاج بعدها إلی الاستدلال والبرهان، والمرحله الثّانیه یقوم الاستدلال العقلی بمساعدته فی عملیّه التصدیق، ولکن عندما ینفتح قلبه علی هذه المفاهیم ویؤمن بها فلا تبقی حاجه للاستدلال العقلی، والنقطه التی أشار إلیها الإمام الراحل رضوان اللّه علیه مهمّه جدّاً، وأساساً فالإنسان صاحب القلب هو الشخص الذی وصل إلی هذه المرتبه، فالإنسان صاحب القلب یدرک الحقائق والمعارف الدینیّه بالریاضات العملیّه الکثیره مع الریاضات العلمیّه المتعدده ویعیش التقوی القلبی ویقبّل هذه المعارف فی قلبه، فعندما یقول: «قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ»1 ، فبعد أن یفهم معنی هذه الکلمات وبعد أن یصدّق عقله بأنّ المقصود من التوحید لیس هو التوحید العددی، بل المقصود من التوحید فی الذات وهو أنّ اللّه تعالی وجود وذات لیست قابل للتعدد ویمتنع أن یکون اثنین، وأساساً عندما یفهم العقل بوسیله البرهان معنی التوحید سینتقل هذا المعنی إلی قلبه ویستوعبه

ص:96

القلب بجمیع وجوده ویدرک التوحید فی مقام الذات ویتقبّله ویؤمن به «یَوْمَ لا یَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ * إِلاّ مَنْ أَتَی اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِیمٍ» ، فالشخص صاحب القلب السلیم هو الذی تترسخ هذه المعتقدات فی قلبه من التوحید والمعاد وکذلک المعارف الدینیّه الأخری حیث تترسخ وتتعمّق فی قلبه، المرحله الثّالثه من حضور القلب التفصیلی هو أن نفهم وندرک هذه المفاهیم بقلوبنا ونوصل هذه المعانی إلی القلب، فلو أنّ الإنسان لم یوصل هذه المفاهیم إلی قلبه فإنّه علی حدّ تعبیر الإمام الراحل قدس سره: «لم یتلبس بخلعه الإیمان»، ولو لم یصل الإنسان إلی هذه المرتبه فإنّ صلاته لا تکون معراجاً له فی طریق الحقّ تعالی، فإذا أردنا أن تکون صلاتنا معراجاً للمؤمن فیجب أن یصدّق قلبنا أنّ الوجود المستحق للعباده هو اللّه فقط، وهذا هو الموجود الذی ینبغی طلب المعونه منه، لا غیره، وهو الموجود الذی ینبغی تسبیحه وتقدیسه، هذه الأمور یجب أن یتقبّلها الإنسان بقلبه ویصدّق بها فی أعماق روحه.

وعندما یصل المصلّی هذه المرحله من حضور القلب فإنّ هذه الصّلاه من شأنها أن تبعد الإنسان من الدنیا وما فیها وتحلّق به فی عالم الملکوت بحیث لا یرغب فی إنهاء صلاته، ولو انتهت صلاته فإنّه یشعر بالحزن والتأسف بأنّه فَقَد هذه الحاله الملکوتیّه، وبذلک یعود لیتهیأ للصّلاه الثّانیه بکلّ رغبه وشوق.

إذا أراد الإنسان أن یبدأ بالسیر إلی اللّه وتخلیص نفسه من قفص الأنانیّه، فالطریق إلی ذلک أن یؤمن ویصدّق قلبه بهذه المعارف.

نسأل اللّه تبارک وتعالی أن یجعل قلوبنا جمیعاً وعاءً ومخزناً لهذه الحقائق والمعارف العالیه الموجوده فی الصّلاه إن شاء اللّه.

ص:97

28- المرتبه الرابعه من الحضور التفصیلی: شهود حقائق الألفاظ

لقد ورد فی بعض الروایات أنّ أحد الطرق لوصول الإنسان إلی مقام العلیین، وهو مقام سامٍ جدّاً فی الدنیا، هو مرعاه حضور القلب فی الصّلاه، ونقرأ فی الصّلاه علی المیّت هذا الدعاء: «اللّهُمَّ اجعَلهُ فَی أعلی عِلِیین»، أی اجعل هذا الشخص فی مرتبه عالیه جدّاً فی جنّه الرضوان، وحسب الروایه الوارده عن الإمام الصادق علیه السلام ینقل فیها عن النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله أنّه قال:

«مَنْ حَبَسَ نَفسَهُ عَلَی صَلاهٌ فَرِیضَهٍ یَنتَظِرُ وَقتَها فَصلّاها فِی أَوَّلِ وَقتِها...»، بأن یضبط نفسه ولا یسمح لها بالانشغال بأمور الدنیا غیر اللّه تعالی، بل یکون مستعداً ومنتظراً لوصول وقت الصّلاه فیصلّیها لوقتها «وَأَتَمَّ رُکُوعَها وَسُجُودَها وَخُشُوعَها، ثُمَّ مَجَّدَ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعَظَّمَهُ، حَتّی یَدخُلَ وَقتُ صَلاهٍ أَخری لَمْ یَلغُ بَینهما...» أی لم یرتکب بین هاتین صلاتین عملاً باطلاً وکلاماً لغواً «کَتَبَ اللّهُ لَهُ کَأَجرِ الحَاجِ وَالمُعتَمر وَکَانَ مِنْ أَهلِ علّیّین»، وهذه هی النقطه محل بحثنا،

ص:98

فالشخص الذی یراعی فی صلاته حضور القلب فإنّه ینال هذا المقام وهو مقام العلّیین فی الجنّه.

ونتابع هنا ذکر مراحل الحضور القلبی التفصیلی فی الصّلاه وتقدّم بیان ثلاث مراحل منه، یعنی أولاً فهم معنی الألفاظ والکلمات، والثانی إدراک العقل وتصدیقه، والثالث التصدیق القلبی، أمّا المرتبه الرابعه فهی أن یصل الإنسان إلی مرحله الشهود القلبی ویشاهد الحقائق الغیبیّه لمعانی هذه کلمات، ومرتبه الکشف وشهود الحقائق تعنی أنّ الإنسان یری بعین قلبه وبصیرته وبالعین الملکوتیّه التی یحصل علیها بسبب هذه الصّلاه، وتنکشف له الحقائق التی آمن بها بقلبه، فیقول: «مالِکِ یَوْمِ الدِّینِ»1 ، کأنّه یری یوم القیامه ویشعر بقدره اللّه المطلقه فی واقعه ووجوده ویری تلک المشاهد فی یوم القیامه تتجسم أمام عینه، وعندما یذکر الآیات والأذکار والعبارات الأخری فهو یری حقائقها فی مرتبه الکشف والشهود، أی یری بالعیان جمیع هذه الحقائق الغیبیّه، وعندما یکبّر التکبیرات الافتتاحیّه للصّلاه فإنّه مع کلّ تکبیره تزول الحجب فیما بینه وبین اللّه ویشاهد جمال اللّه وجلاله.

ص:99

29- المرتبه الخامسه من الحضور التفصیلی: الفناء فی الحقّ تعالی

«هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِکُلِّ شَیْ ءٍ عَلِیمٌ» (1)

تقدّمت فی البحوث السابقه الإشاره إلی مراتب حضور القلب فی الصّلاه، وقلنا بأنّ المصلّی یجب أن یحقّق فی نفسه التوجّه إلی هذه المراتب ویسعی لتحقیقها فی واقع ووجوده أثناء الصّلاه، وحینئذٍ تتحوّل صلاته إلی صلاه أخری ویشعر باللذّه والبهجه من هذه العباده، وهذه اللذّه من هذه الصّلاه التی یعیشها فیها حضور القلب والمراتب العالیه من هذا الحضور لا تقبل مقارنه مع أیّه لذّه أخری، الإنسان الذی یعیش الأمل بفضل اللّه والخشیه من غضبه وإهماله، ویدخل إلی هذا المیدان ینال رضا اللّه تعالی عنه، وقد وردت الإشاره فی الروایات الشریفه إلی هذه النقطه المهمّه وهی أنّ الإنسان المؤمن عندما یقف أمام اللّه تبارک وتعالی ویعیش هذا الإیمان به، فیجب أن یمتلک نورین، نور الرجاء ونور الخوف،

ص:100


1- (1) سوره الحدید، الآیه 3.

وعندما نرید الشروع فی الصّلاه ونستحضر هذه المراتب من حضور القلب فی هذه الصّلاه فالطریق لذلک یبدأ من الشعور بالأمل بفضل اللّه تعالی والخوف من عذابه والغفله من سخطه

یقول الإمام الصادق علیه السلام: «لا تَجْتَمِعُ الرَّغبَهُ وَالرَّهبَهُ فِی قَلبِ إِلّا وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّهُ»(1)، وأساساً فالشخص الذی یعیش الأمل برحمه اللّه ویقول: إلهی أقف بین یدیک واُرید التحدّث إلیک فإننی أرید أن تأخذ بیدی وتفتح قلبی وتغرس کلماتک فیه، وأسألک أن تخلص فکری لک فقط ولا تجعل للشیاطین طریقاً إلی عقلی وقلبی، وأسألک أن تنقذنی منها، فلو عاش الإنسان فی حالات الأمل بفضل اللّه والخوف من إعراضه عنه بأن تکون صلاته صلاه استخفاف واستهانه ویعلم ما مقدار الخساره والضرر الذی یتحمّلها عندما یستخفّ بصلاته، فی هذه الحاله یشرع فی صلاته مع وجود حالتین الخوف والرجاء فی نفسه، فسوف یکون إنساناً ملکوتیّاً ومن أهل الجنّه.

وحتّی ورد فی بعض الروایات أنّ الإنسان یجب أن یخشی من صلاته فیما لو کان مستخفّاً باللّه فیها ویشعر بالخوف والوحشه أن یتحوّل وجهه إلی وجه حیوان، تقول الروایه: «لا تَجْتَمِعُ الرَّغبَهُ وَالرَّهبَهُ فِی قَلبِ إِلّا وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّهُ، فإِذا صَلَّیتَ فَأَقبِل بِقَلْبِکَ عَلَی اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ»، وبهذه الحاله تعلم ماذا یجری فی قلبک عندما تقبل علی اللّه ومدی توجّه وجودک إلی اللّه تبارک وتعالی، فماذا یعنی إقبال القلب؟ وماذا یعنی أن نفهم الکلمات والأذکار التی نقولها فی الصّلاه؟ لا ینبغی مجرّد لقلقه لسان، بل أن نفهم مفاهیم هذه الکلمات بالعقل الاستدلالی والبرهانی ثمّ نوصلها إلی قلوبنا، والمرتبه الرابعه أن نصل فی التوحید الإلهی إلی مرتبه الشهود.

ص:101


1- (1) . وسائل الشیعه، ج 4، ص 687.

المرتبه الخامسه عباره عن حضور القلب فی المعبود أو الفناء فی اللّه، وهذه المرتبه تتکّون من ثلاث مراتب، ولکن بما أنّ هذه المرتبه خاصّه بالنوادر من الأشخاص وأولیاء اللّه المقرّبین، لذلک نکتفی هنا بالإشاره إلیها، فهذه المرتبه هی أن یری الإنسان اللّه تعالی حاضراً وناظراً فی کلّ مکان، ویری کلّ شیء مظهراً لتجلی أسماء اللّه وصفاته، یری فی کلّ شیء تجلیات ذلک الوجود القادر المطلق الحکیم، لا أن یلتفت إلی هذا المعنی فقط بأنّه یقف فی محضر اللّه، بل یراه حاضراً فی کلّ مکان ویری أنّ کلّ فعل من أفعاله إنّما هو فعله تعالی، وکلّ شیء یراه مظهراً لصفات الجمال والجلال، ویعتقد أنّ کلّ موجود هو فی حقیقته الذات المقدّسه وکلّ شیء فانیاً فیه ولا یوجد شیئاً آخر فی العالم سواه، ویصل إلی حقیقه والشهود الأوّل والآخر والظاهر والباطن، وهذا هو إقبال القلب فی مقام الثناء، هذه إشاره إجمالیّه إلی مراتب حضور القلب فی الصّلاه، رزقنا اللّه وإیّاکم إن شاء اللّه.

ص:102

30- أسباب حضور القلب

إنّ أحد البحوث المهمّه جدّاً فی موضوع حضور القلب فی الصّلاه وبشکل عام فی مجموع العبادات، هو: ما هو العامل والعلّه لحضور القلب، وما هی الأمور المانعه من حضور القلب فی الصّلاه؟ بمعنی أننا یجب أن نعلم ما هی عوامل حضور القلب فی الصّلاه، والأمور التی تستدعی وتساهم فی حضور القلب وأن یجد الإنسان نفسه فی محضر الباری تعالی، ویقف فی ساحه قدسه، والأمور التی تمهّد القلب فی الدخول فی ضیافه اللّه والحدیث مع الذات المقدّسه، وإلی جانب ذلک ینبغی البحث عن موانع هذا الحضور القلبی فی الصّلاه؟

وتجری العاده أنّ علماءنا فی کتبهم المقرّره فی موضوع أسرار الصّلاه یهتمّون أکثر بهذا القسم من موانع حضور القلب فی الصّلاه، ولکن ینبغی أن نشیر إلی کلا هاتین المسألتین، وقد أورد الإمام الراحل رضوان اللّه علیه فی کتابه «أسرار الصّلاه» مسائل مهمّه جدّاً وحیویه فی هذا الموضوع کما سنشیر إلی ذلک إن شاء اللّه.

ص:103

وبالنسبه لأسباب وعوامل حضور القلب فی الصّلاه فإنّ أوّل نقطه ذکرها المرحوم الشهید الثانی فی کتابه «أسرار الصّلاه» هی أنّ المؤمن یجب دوماً أن یلتفت إلی عظمه اللّه تبارک وتعالی وجلالته، فلو أنّ الإنسان أدرک من جهه عظمه اللّه تعالی وقدرته المطلقه ولا محدودیته، ومن جهه أخری أدرک ضعف غیر اللّه تعالی وعلم من موقع العمق أنّ کلّ سوی اللّه تعالی ضعیف وهزیل، والإنسان من بین جمیع الموجودات یعتبر أضعفها قدره وقوّه.

لو أنّ الإنسان أدرک واقعاً ضعفه والتفت إلی أنّ قدرته إلی درجه من الضعف بحیث إنّ بعوضه أحیاناً تستطیع أن تنهی حیاته، وفی مقابل ذلک یفکّر فی عظمه الباری تعالی، فهذا الأمر من شأنه أن یمهّد القلب لتشرق علیه الأنوار الإلهیّه ویکتسب الصفاء والنورانیّه فی باطنه، وحینئذٍ النقطه المهمّه أنّ الإنسان إذا التفت دائماً فی غیر الصّلاه لهذه الحقیقه وعاشها فی جمیع حالات حیاته، فی عمله وکسبه، فی حال التعلیم والتعلّم، وفی حال التدریس والتألیف، وعندما ینال مقاماً ومنصباً، فلو أنّه استغرق دوماً فی التوجّه لعظمه الباری تعالی وعظمته غیر المتناهیّه، فهذا من شأنه أن ییسر له التوجّه القلبی إلی هذه الحقیقه فی الصّلاه، وإلّا فإنّ الإنسان إذا لم یلتفت إلی هذه الحقیقه فی غیر الصّلاه فإنّ من الصعب جدّاً أن یلتفت إلیها ویعیشها بکلّ جهده فی حال الصّلاه.

وعلی هذا الأساس فإنّ أحد العوامل المهمّه جدّاً فی هذه المسأله أن یلتفت الإنسان إلی عظمه الباری تعالی وجلال قدره ومن ثمَّ یلتفت إلی حاله الخوف من عذاب اللّه وبسبب هذا التوجّه تحصل له حاله الخوف من عذاب اللّه والأمل برحمته تعالی، فالإنسان عندما یصدّق ویؤمن یقیناً بعظمه اللّه وجلاله فسوف تحدث فی قلبه هاتین الحالتین من الخوف والرجاء، فیتصوّر أنّه إذا سخط اللّه علیه فماذا سیکون حاله؟

ص:104

وإذا ترک اللّه تعالی هذا العالم لحظه واحده فإنّ هذا العالم وما فیه سیتحوّل إلی رماد بل أقل من ذلک، ویلتفت إلی أنّ عذاب اللّه لا یقبل المقارنه مع عذاب الدنیا، ویلتفت أنّ هذا الإنسان الذی لا یستطیع تحمّل أدنی مرتبه من العذاب الدنیوی کیف یستطیع أن یتحمّل العذاب الاُخروی، ویلتفت أنّ اللّه تعالی لم یرتبط مع أحد من خلقه برابطه الإخوه والقرابه بل جمیع المخلوقات هم عباده وأنّه تعالی یتعامل معهم بفضله وکرمه ولطفه ماداموا یستحقون مقام العبودیّه له، ولکن عندما یفقد العبد مقام العبودیّه ولا یکون جدیراً بأن یکون عبداً للّه فإنّه یسقط فی وادی العذاب والسخط الإلهی، ولو أنّ الإنسان فی حال الصّلاه علم أنّه یقف أمام ذلک الموجود العظیم ویشعر بالخضوع والخشوع والخشیه فی قراره نفسه فإنّ مثل هذا التوجّه القلبی یتسبّب فی حضور قلبه فی الصّلاه.

إذن فمن جمله عومل حضور القلب فی الصّلاه: 1. عظمه اللّه؛ 2. الخوف من اللّه؛ 3. الرجاء برحمه اللّه، والعامل الرابع: أن یعلم الإنسان أنّه مقصّر دائماً ویشعر بالندم بسبب تقصیراته فی مقابل الحقّ تعالی، ولو أنّ الإنسان عاش هذه الحاله فإنّه عندما یرید أن یقف للصّلاه بین یدی اللّه تعالی فإنّه یخاطب نفسه: کیف تأتی إلی اللّه وترید الحدیث معه وأنت فی هذه الحاله من التقصیر، وأی شیء ترید تقدیمه إلی اللّه تعالی وبأی قلب؟ هل تقف بین یدی اللّه بقلب ملیء بالذنوب والملوّث بالخطایا، القلب الملیء بوساوس الشیطان، القلب المفعم بآمال الدنیا وزخارفها؟ ولو أنّ الإنسان تقبّل تقصیراته واعترف بذنوبه وآثامه فإنّ هذه الحاله تعدّ من أفضل حالات الإنسان التی تمهّد له حضور القلب فی الصّلاه، ولذلک ذکر الشهید الثانی قدس سره أنّ الإنسان لا ینبغی بعد الإیمان باللّه أن ینفصل من جمیع هذه الحالات.

نسأل اللّه تعالی أن یرزقنا جمیعاً هذه الحالات المعنویّه ویوفّقنا أن نحقق فی أنفسنا وفی وجودنا هذه الحالات والصفات المعنویّه إن شاء اللّه.

ص:105

31- طریق التوجّه إلی عظمه الباری تعالی

ذکرنا أنّ أحد الأسباب المهمّه لحضور القلب أنّ الإنسان یلتفت فی حال الصّلاه إلی موقعه ووقوفه أمام الموجود العظیم الذی لا یقبل المقارنه بأی موجود آخر، وهذا التوجّه إلی قدره اللّه المطلقه إذا شعر به الإنسان المصلّی وعاش بکلّ وجوده مدرکاً لهذه العظمه فإنّ حاله أثناء الصّلاه سیتحوّل إلی حال آخر، ولکنّ غالبیه الأشخاص الذین یصلّون بسرعه ولا یلتفتون إلی أفعالهم وأذکارهم وهیئه الصّلاه فإنّ السبب فی ذلک أنّهم لا یتوجّه إلی هذه الحقیقه ولا یدرکون فی مقابل أی وجود عظیم یقفون، وقد ورد فی الروایات أنّ مثل هؤلاء الأشخاص ألا یخافون أن یقلب اللّه تعالی وجوههم إلی وجه حمار، وهذا بسبب أنّ الصوره الواقعیّه والملکوتیّه لهؤلاء الأشخاص هی أقرب لصوره الحیوانات التی لا تفهم هذه الحقائق، وعندما لا یلتفت الإنسان إلی عظمه اللّه ویعیش الغفله عن هذه العظمه فإنّ وجهه الحقیقی سیکون مثل وجه هذا الحیوان، فحتّی لو کان هذا الشخص بحسب الظاهر إنساناً فی حال الصّلاه ولکن وجهه وصورته الحقیقه

ص:106

هی صوره هذا الحیوان، ومن هذا المنطلق یجب الالتفات إلی عظمه الباری تعالی.

ومن أجل أن نتوجّه إلی عظمه اللّه تعالی یجب مراعاه أمرین: أحدهما: أن نعلم بأنّ الأفکار المتفرقه والذهن المشتت فی الإنسان یبعد قلبه عن إدراک هذه الحقیقه، والثانی: ومن أجل أن تحصل للقلب حاله المناجاه مع اللّه، فالأشخاص الذین لا یلتفتون للّه تعالی ویعیشون حاله التشتت الفکری والذهنی فی صلاتهم، مثلاً لو کان هذا الشخص عالماً ولکن فکره مشغول بالمسائل العلمیّه أو طبیباً مشغول الذهن بأنواع الأدویه التی یوصی بها للمرضی، أو تحیط به أفکاره متناثره ولا یستقر ذهنه وفکره علی حال وبخاصّه فی أثناء الصّلاه، فإنّ الشیطان، کما ورد فی الروایه، یأتی إلی هذا المصلّی ویجعله یفکر خارج إطار الصّلاه والعباده من قبیل معاملاته الدنیویّه أو طریقه تعامله مع الآخرین، وأحیاناً یتذکّر الشخص فی صلاته بأنّ الشخص الفلانی لم یحترمه فی مجلس معین، ویفکّر فی کیفیّه الانتقام منه ویتحدّث فی ذهنه عن کیفیّه الردّ علیه، فجمیع هذه الأمور شیطانیّه، وفی الوقت الذی یقف الإنسان فیه للصّلاه، وعندما تتبادر إلی ذهنه مثل هذه الأمور، سواءً المسائل العلمیّه أو المسائل الدنیویّه فینبغی أن یتذکّر مباشره هذه الروایه فیقول إنّ هذا من عمل الشیطان فلا ینبغی أن أسمح له أن یدخل إلی ذهنی وتترسخ وساوسه فی نفسی ولا یسمع لهذه الأفکار المختلفه أن تحیط بنفسه ویشغله عن صلاته.

الأمر الثانی، أن یوجد المصلّی فی قلبه حاله من المناجاه والارتباط القلبی العمیق مع اللّه تعالی من موقع التضرّع والخشوع أمام عظمه الباری تعالی، لو أنّ الإنسان فی کلّ صلاه اعتقد بأنّ هذه الصّلاه هی آخر صلاه یقیمها وآخر عباده تصدر منه للّه تعالی، ویکون حاله حال الشخص المحکوم بالاعدام یطلب من

ص:107

قاتله فرصه لأداء رکعتین من الصّلاه فکیف یکون حال هذه الصّلاه؟ إنّ هذا الشخص لا یفکّر إطلاقاً بأمور الدنیا والمال والأولاد والمقام وأمثال ذلک، بل یسعی أن یحصر فکره وذهنه فی التوجّه إلی الباری تعالی، ویعیش حضور القلب فی صلاته وعبادته، وهکذا ینبغی أن یکون الإنسان دوماً بأن یتصوّر أنّ هذه الصّلاه هی آخر صلاه یصلّیها للّه، ولیس فقط آخر صلاه بل فی الرکعه الاُولی یقول: لیس من المعلوم أن أوفق للاتیان بالرکعه الثّانیه، فلیس من المعلوم أن أوفّق للسجود فی هذه الرکعه، فإذا کان حال الإنسان المصلّی کذلک فسوف یکون التفاته وتوجّهه إلی اللّه بشکل کامل ویستغرق فی عظمه اللّه ویعیش الحاله المعنویّه العالیه فی مناجاه اللّه والارتباط القلبی به والحدیث معه ویقول: إلهی! إننی لم اصلّ لحدّ الآن عدّه رکعات من صلاتی مع حضور القلب، ولکننی الآن ارید أن اصلّی رکعتین علی الأقلّ مع التوجّه التام إلی ساحه عظمته وقدسه، یتحدّث الغزالی فی کتابه «احیاء علوم الدین» عن هذه المسأله وأنّ کبار العلماء کانوا یسعون دوماً إلی إقامه رکعتین من الصّلاه بحیث لا ینشغلون فی هاتین الرکعتین بأمور الدنیا ولکنّهم عجزوا عن ذلک، وکذلک یقول الإمام الخمینی رضوان اللّه علیه فی إحدی محاضراته: أنا لا أستطیع القول إننی لحدّ الآن صلّیت رکعتین للّه تعالی، وهذا بسبب أنّ أداء رکعتین من الصّلاه بدون أی انشغال بفکر آخر غیر اللّه تعالی من أوّل الصّلاه إلی آخرها صعب ومشکل، والغزالی قد صرّح بهذا المعنی وقال إنّ الأکابر والعرفاء کلّما سعوا إلی تحقیق مثل هذه الصّلاه عجزوا عنها.

إذا اعتقد الإنسان أنّ هذه الصّلاه التی یصلّیها هی آخر صلاه فی حیاته وعلم أنّ هذه الصّلاه ستکتب فی صحیفه أعماله وأنّ هذه الصّلاه تعتبر مصیریّه بالنسبه إلیه وإلی مستقبله فماذا سیکون حاله فی هذه الصلوات وربّما لا یرغب فی

ص:108

اتمامها؟ وسوف یأتی بهذه الصّلاه من موقع العشق والعلاقه مع اللّه والرغبه فی الحدیث معه بکلّ وجوده ولا یرغب فی أن ینهیها فیسلّم التسلیم الأخرین لئلا ینتهی حال المناجاه مع اللّه، فلو أنّ الإنسان أدّی مثل هذه الصّلاه وحصلت له مثل هذه المناجاه بعیداً عن الأفکار المتفرقه والذهن المشتت، فمثل هذه الصّلاه من شأنها أن تخلق فی نفسه حاله جدیده، وهذه الصّلاه التی یباهی بها اللّه تعالی الملائکه، ومن الممکن التعبیر عن هذه الصّلاه بأنّ اللّه یلتذّ بها، نسأل اللّه تعالی أو یرزقنا وإیّاکم مثل هذه الصّلاه.

ص:109

32- رفع الموانع الخارجیّه لحضور القلب

بعد الکلام عن أسباب وعوامل حضور القلب فإنّ أحد المسائل المهمّه الأخری فی هذه المسأله، بحث موانع حضور القلب، ویستفاد من کلمات الإمام الراحل رضوان اللّه تعالی فی کتابه «أسرار الصّلاه»: إنّ الإنسان إذا استطاع رفع موانع حضور القلب فی صلاته فإنّ قلبه سیستعد تلقائیاً إلی الحضور بین یدی اللّه تعالی، رغم أننا ذکرنا أنّ هذا الکلام یستبطن مسألتین منفصلتین، وثمّه أسباب وعوامل لحضور القلب وکذلک ثمّه موانع لحضور القلب وهی مسأله أخری.

وعندما نطالع کلمات الأکابر کالمرحوم الشهید الثانی قدس سره فی کتابه «التنبیهات العلیّه»، الذی یتحدث فیها عن الأسرار والوظائف القلبیّه للمصلّی، یتحدّث فیها عن موانع حضور القلب ویقسمها إلی موانع خارجیّه وموانع داخلیه ویقول ما معناه: أحیاناً یکون بعض الأمور الخارجه عن ذات الإنسان مانعه من حضور القلب، وأحیاناً أخری أنّ الأفکار الداخلیّه والقلبیّه - وحسب تعبیره - أنّ الخواطر القلبیّه الوارده مانعه من حضور القلب، وهذه الموانع الداخلیّه والخواطر

ص:110

القلبیّه تکون أشدّ من الأمور الخارجیّه عن ذات الإنسان»(1).

والنسبه إلی إلی الأمور الخارجیه فالأمر واضح جدّاً، فالمصلّی یجب أن یقف فی مکان لا توجد مثل هذه الأمور التی تشغل ذهنه وتمنعه من التوجّه فی صلاته، مثلاً إذا کان فی مکان یجلس فیه بعض الأشخاص ویتحدّثون فإنّه إذا قام للصّلاه فی هذا المجلس فسوف یستمع إلی کلامهم وبالتالی ینشغل فکره بهذه الکلمات والمناقشات، والقلیل جدّاً من الأشخاص الذین یصلّون فی مثل هذا المکان ویملکون السیطره علی نفوسهم وآذانهم بأن لا یسمعوا شیئاً من کلمات الآخرین أثناء الصّلاه، ولکن نوع البشر لیس کذلک، فعندما یصلّی أحدهم فی مکان ملیء بالأصوات أو لا سمح اللّه تسمع فیه أصوات الموسیقی، فإنّه لا یمکنه السیطره علی ذهنه ونفسه من التشتت والانشغال بها.

ومن الجدیر بالذکر أنّ الناس فی هذا الزمان، وخاصّه المصلّین منهم یجب علیهم مراقبه أنفسهم وأن لا یصلّوا فی غرفه تسمع فیها صوت الموسیقی، فهذا من شأنه أن یکون مانعاً من حضور القلب فی الصّلاه ولا ینبغی أن یقال إنّ صوت الموسیقی موجود ولکننی لا استمع له ولا ارتکب حراماً بسبب ذلک، إنّ الاستماع إلی الموسیقی حرام ولکن سماعها لیس بحرام، ولذلک فأنا اصلّی وأنشغل بصلاتی عن سماع الموسیقی، نعم، من الممکن تصحیح مثل هذه الصّلاه ببعض التبریرات، ولکن مثل هذه الصّلاه سوف لا تکون مقترنه بحضور القلب.

وهذا ما یقوله الشهید الثانی قدس سره فی هذا الکتاب، وفی المکان المزدحم والذی یوجد فیه بعض الأشخاص الذین یتحدّثون فیما بینهم لا ینبغی للإنسان أن یصلّی فی مثل هذا المکان، ولا فی المکان الذی یحتوی علی مناظر متعدده ولوحات فنیّه من الرسوم والمناظر، ولا الأشیاء التی تشغل فکر الإنسان وتجعله یتنقل من

ص:111


1- (1) انظر: التنبیهات العلیّه، ص 86.

هذا إلی ذلک، وبالتالی فإنّ هذه المناظر والأصوات والأشیاء المتنوعه تسرق فکر الإنسان وتشوش ذهنه فلا ینبغی الصّلاه فی مثل هذه الأماکن.

فلو أنّه کان جالساً فی مکان وتوجد أمامه مناظر تلفت نظره إلیها وتقلل من انتباهه إلی العباده فی حال الصّلاه فیقول الشهید الثانی: یجب علی المصلّی أن یغمض عینه حتی لا یری هذه الأمور، وأحیاناً یتسبّب کتاب فی انشغال ذهن الإنسان به، فیوصی الشهید الثانی أن یصلّی هذا الشخص فی مکان مظلم، ویبعد کلّما من شأنه أن یشغل فکره وحواسه من أمامه، بل إنّه یقول: ینبغی للمصلّی أن یقف إلی جانب الجدار لکی تکون رؤیته محدوده ومجال الرؤیه ضیق فتقلّ اشتغالاته الفکریّه والذهنیّه ولا یصلّی علی فرش مزینه ومنقوشه.

لماذا تکره الصّلاه علی مثل هذا السجاد المنقوش؟

أحد الحِکم فی ذلک هی أنّها تمنع ذهن الإنسان من التوجّه الخالص للباری تعالی، فعندما یقع نظر الإنسان علی هذه النقوش والزخارف فسوف ینشغل ذهنه بها وبجمالها وبالصانع لها وتاریخ صناعتها، وقیمتها، وهذه هی الأمور التی تهدم صلاته وتزیل حضور قلبه فی الصّلاه، ویقول الشهید الثانی قدس سره أیضاً: «کان المتعبّدون یتعبّدون فی بیت صغیر مظلم، سعته بقدر ما یمکن الصّلاه فیه لیکون ذلک أجمع للهمّ»(1)، وهکذا ینحصر ذهنهم وفکرهم فی صلاتهم نحو الباری تعالی وبعیداً عن هذه المثیرات والمؤثرات.

وینقل الإمام الراحل رضوان اللّه علیه هذا الکلام للشهید الثانی قدس سره ثمّ یقول:

عندما یتحدّث الشهید الثانی بهذا الکلام، وأنّ من الأفضل أن یصلّی الشخص فی بیت مظلم وفی مکان بمقدار ما یمکن للصّلاه، فهذا یتعلّق بغیر الصلوات الیومیّه الواجبه، لأنّ ورد فی روایات عدیده أنّ إقامه الصّلاه الیومیّه فی جماعه

ص:112


1- (1) . التنبیهات العلیّه، ص 85.

المسلمین من السنن المؤکّده، وقال: إذا أدّی الإنسان هذه الوظیفه وعرف أسرار صلاه الجماعه فإنّه یمرغ أنف الشیطان بالتراب بحیث لا تستطیع أی عباده أخری أن تفعل هذا الفعل.

وقد ورد فی بعض الروایات أنّ الشیطان یشعر بالیأس من الأشخاص الذین یقیمون الصّلاه مع الجماعه، وقال أیضاً: إنّ اجتماع المؤمنین رحمه وید اللّه مع القلوب المجتمعه، وتتوفر فی اجتماع المؤمنین فوائد روحیّه ومعنویّه قلّما تتوفّر فی عمل آخر.

وعلی هذا الأساس فإنّ أحد الأمور التی یجب علی المصلّی مراعاتها هو أن یقف للصّلاه فی مکان لا توجد فیه مناظر وأمور تشغل ذهنه عن التوجّه فی صلاته إلی اللّه، ومن هذه الجهه یکره وضع صوره فی المسجد حتّی لو کانت خلف المصلّی لأنّ ذلک من شأنه أن یلفت نظر الإنسان بهذا المقدار إلی ما هو موجود فی تلک الصوره فیشغل ذهنه بها، فالتواجد فی ذلک المکان یؤثر مثل هذا الأثر، ولذا یجب علی الإنسان أن یهییء مکان صلاته والسجاده التی یصلّی علیها بحیث لا ینشغل ذهنه بغیر الصّلاه وهذه نقطه مهمّه جدّاً ذکرها المرحوم الشهید الثانی قدس سره بعنوان الخواطر والأمور الخارجیه.

ص:113

33- رفع الموانع الخارجیّه لحضور القلب

بالنسبه للموانع الخارجیّه المؤثره علی حضور القلب فی الصّلاه وصلنا إلی هذه النتیجه، وهی أنّ المصلّی یجب أن یصلّی فی مکان بعید عمّا یشغل ذهنه وفکره ویبتعد تماماً عن الأمور المرئیه والمسموعه، وأحد المندوبات فی الصّلاه التی ذکرها فقهاؤنا، هو أنّ المصلّی ینبغی أن یکون نظره متوجّهاً إلی محل سجوده وإلی التربه التی یسجد علیها، ویلتفت إلی أنّ اللّه تعالی أمر أن یضع أفضل قسم من وجهه - وهو الجبهه - علی شیء لا قیمه له فی العالم وهو التراب، وهذا یتسبّب بأنّ الإنسان یدرک أکثر عدم قیمته فی مقابل عظمه الباری تعالی، وبالتالی فإنّ حاله العبودیّه تتوکّد وتترسخ فی قلبه ونفسه.

والنقطه الجدیره بالذکر هنا، أنّه مع وجود هذا الاستحباب نری أنّ المرحوم الشهید الثانی یقول فی کتابه «التبیهات العلیّه» ص 85: إذا انشغل المصلّی مع هذا النظر إلی التراب بأمور أخری ولم یتوجّه قلبه فی الصّلاه، فلا ینبغی له النظر إلی ذلک التراب أیضاً، ولو رأی أنّه مع بقاء عینه مفتوحه فسوف یبطل حضور القلب

ص:114

فینبغی إغماض عینه، وهذه النقطه مهمّه جدّاً، وأنّ أمراً مستحباً مثل النظر إلی محلّ السجود إذا أدّی إلی فقدان المصلّی لحضور القلب فی صلاته وانتقل ذهنه إلی أمور أخری فمن الأفضل له اغماض عینه «لأن الفائت من وظیفه الصّلاه وصفتها بتقسیم الخاطر أعظم منه مع الإخلال بوظیفه النظر»، فالمهم فی الصّلاه حضور القلب، ولو أنّ المصلّی فقد هذا الحضور القلبی بنظره إلی محلّ السجود فینبغی إغماض عینه لأنّ حفظ حضور القلب أولی، وطبعاً فالمرحوم الفیض الکاشانی یذکر هامش لطیف فی کتابه «المحجه البیضاء» علی هذا الکلام للمرحوم الشهید الثانی، وفی بعض الموارد نراه یقبل هذا الکلام للشهید الثانی وفی موارد أخری لا یقبله(1) ، وعلی هذا الأساس فالجدیر بالإمکان التحقیق بالمکان أو المنزل أو المسجد الذی یصلّی فیه بماء یحفظ له حضور قلبه، کما أنّه إذا علم أنّه لو صلّیت فی المسجد وإلی جانبه أحد الأصدقاء الذی تربطه رابطه حمیمه وقد یتسبّب فی تشویش ذهنه وتذکر بعض الذکریات السابقه، فعلیه أن یسعی للابتعاد عنه أثناء الصّلاه ویصلّی فی مکان آخر، وعلی أیه حال یجب علینا أن نسعی لمعرفه الموانع الخارجیّه لحضور القلب ولا نسمح لها بأن نخسر بسببها حضور القلب فی الصّلاه.

ص:115


1- (1) . یمکن أن یقال: «إنّ الغض وهو من خشوع الجوارح المأمور به، یعنی عن الغمض فلا حاجه إلی ترک السند من وظیفه النظر». (محجّه الببضاء، ج 1، ص 373).

34- حبّ الدنیا، أساس الخواطر القلبیّه والأفکار المتناثره

المهم فی مسأله موانع حضور القلب عباره عن الخواطر والمشاغل القلبیّه، یعنی الافکار المتناثره التی تشغل فکر الإنسان وذهنه مع غضّ النظر عن الأمور الخارجیّه، فحتّی عندما یغمض الإنسان عینه ولا یسمع شیئاً یثیر التشویش فی ذهنه أو لا یوجد أحد أو شیء فی مکان صلاته، فإنّ هذا المصلّی ربّما یتحدّث مع نفسه وتحیط بقلبه الأمور والأفکار ما یشغله عن صلاته ویمنع من حضور قلبه فی الصّلاه، یقول الإمام الخمینی رضوان اللّه علیه وکذلک المرحوم الشهید الثانی وبعض الأکابر أنّ السبب الحصری أو العلّه الرئیسیّه فی هذه الخواطر القلبیّه، هو العلاقه بالدنیا وشدّه الحبّ لها والاهتمام بها وکلمه واحده: الأشخاص الذین یفتقدون لحضور القلب فی صلاتهم، فالسبب الأصلی لذلک هو حبّ الدنیا وتعلّق القلب بها، فأنتم ترون الذین یتحرّکون فی حیاتهم طلباً للمال والثروه، فهؤلاء یفکّرون فی صلاتهم بهذه المسائل وفی العثور علی الطرق والوسائل لتحقیق مزید من الربح فی معاملاتهم، والشخص الذی یتمتع بمنصب وبمکانه فی

ص:116

السلطه فإنّ فکره مشغول دائماً التعرّف علی مخالفیه والتفکیر فی کیفیّه ازاحتهم من طریقه، فحبّ الدنیا والتعلّق بها یتسبّب فی أن ینصرف قلب الإنسان عن اللّه ویتوجّه إلی أمور أخری.

وهناک نقطه أشار إلیها الإمام رضوان اللّه علیه(1) فی کلماته وهی: إذا کانت همّه الإنسان محصوره لتحصیل الدنیا فإنّ قلبه یمیل نحو الدنیا وینشغل بها فقط إلی درجه أنّه لو انصرف عن فرع من الأمور الدنیویّه فإنّه سیتوجّه إلی فرع آخر وینشغل بالتفکیر ببعض آخر منها، فلو أنّه انصرف عن التفکیر فی المال فسوف یفکّر بالأولاد، وإذا انصرف بالتفکیر بالأولاد فسوف یفکّر فی السلطه، ولو انصرف عن التفکیر بالسلطه فسوف یتوجّه بالتفکیر فی الشهوه، وهکذا ینتقل من الشهوه إلی شیء آخر، ففکره ینتقل دوماً من غصن إلی غصن آخر، ویقول رحمه اللّه: إذا ترسخت شجره الآمال الدنیویّه وحبّ الدنیا فی قلب الإنسان فسوف یکون قلبه کالعصفور الذی ینتقل من غصن إلی غصن آخر.

ثمّ ذکر الإمام الراحل قدس سره أربع نقاط بوصفها طریق للحلّ وقال: إنّه مع رعایه هذه النقاط یستطیع الإنسان أن یقلع شحره حبّ الدنیا من قلبه ویلقیها بعیداً، وإذا أراد الإنسان أن یعیش بقلب مطمئن لیحظی بنیل الکمالات النفسانیّه یجب علیه أن یحقق فی نفسه هذه النقاط الأربع: فأولها مرحله الریاضات والمشاهدات، فیتمرّن علی عدم الاعتناء والاهتمام بالدنیا ویسعی لقطع علاقته القلبیّه بها، فلو أراد شخص اختبار نفسه ومقدار علاقته بالدنیا فیجب أن ینظر أنّه لو قیل له أنّک الآن یجب أن تغادر الدنیا الآن، فهل سوف یتحسر فی هذا الوقت علی ما بیده من أمور الدنیا من مال ومقام وأولاد أم لا؟ وهل یستطیع أن یقطع قلبه عنها أم لا؟ وهل أنّه مستعد فی کلّ لحظه أن یسمع هذا الخبر أم لا؟ وهذه المرحله من

ص:117


1- (1) . سرّ الصّلاه (معراج السالکین، ص 30.

الریاضه مرحله مهمّه جدّاً فیجب علی الإنسان أن یمارس هذه الریاضه ویجاهد نفسه لیقلع حب الدنیا من قلبه.

المرحله الثّانیه، التفکّر بعواقب ومعایب حبّ الدنیا، ویفکّر فی عاقبه الأشخاص الغارقون فی حبّ الدنیا ویدرس حالاتهم وحیاتهم وإلی أین وصلوا وما هی عاقبه کلّ هؤلاء الملوک وسلاطین الجور والحکّام الظلمه، والأشخاص الذین یتجاوزوا علی حقوق الآخرین إلی أین وصلوا؟ إنّهم لم یترکوا فی التاریخ سوی الخزی والعار لهم ولم تبق لهم فی أذهان المؤمنین سوی اللعنه علیهم، وهکذا یفکّر الإنسان فی عاقبه هؤلاء الأشخاص العاشقین للدنیا ولزخارفها.

الثّالثه، التدبّر بالآیات والروایات الشریفه الوارده فیما یتّصل بذمّ الدنیا وحبّ الدنیا، کما سنشیر إلیها لاحقاً.

الرابعه، التدبّر فی حالات أولیاء اللّه، ولو أنّ الإنسان فکّر والتفت إلی هذه النقاط الأربع فإنّ شجره حبّ الدنیا ستنقلع من قلبه ووجوده، ولکن مادامت هذه الشجره مترسخه فی باطنه فحاله حال الشخص الذی یجلس أسفل شجره ملیئه بالعصافیر ومشغول بقراءه کتاب، وبین فتره أخری یضرب عصاه علی غصن من أغصانها لتطیر منه العصافیر ثمّ یعود للقراءه، ولکن العصافیر ستعود مرّه ثانیه إلی الشجره، ویقال لهذا الشخص: «إِذا أَردْتَ الخَلاصَ فَاقلَع الشّجَرَه»، وإلّا فإنّک مهما حرکه أغصان الشجره وأبعدت العصافیر عنها فإنّها سرعان ما تعود إلیها، ولو أنّ الإنسان أراد أن یتخلص من التشویش الذهنی والانشغال القلبی فیجب علیه قلع شجره حبّ الدنیا من قلبه، نسأل اللّه تعالی أن یرزقنا جمیعاً هذا التوفیق لازاحه حبّ الدنیا من قلوبنا إن شاء اللّه.

ص:118

35- حبّ الدنیا أکبر مانع لحضور القلب

حسب تصریح العلماء الکبار أمثال الشهید الثانی والإمام الخمینی رضوان اللّه علیهما، فما یوجب عدم حضور القلب فی صلاه الشخص بل فی جمیع العبادات هو حبّ الدنیا، وهذه المسأله یجب علی المصلّی الاهتمام بها کثیراً، وعلی حدّ تعبیر الإمام الراحل رضوان اللّه علیه فإنّه کلما کان مقدار حبّ الدنیا فی قلب الإنسان أکثر فإنّ حضور قلبه فی الصّلاه سیکون أقلّ، وکلّما کان مقدار حبّ الدنیا أقلّ فإنّ حضور قلبه فی الصّلاه سیکون أکثر.

وروی الدیلمی فی «إرشاد القلوب» روایه عن أمیرالمؤمنین علیه السلام یقول: «إنَّ رسول اللّه قال: «قَالَ اللّهُ تَبارَکَ وَتَعالَی یا أَحمَدُ لَو صَلّی العَبْدُ صَلاهَ أَهِلِ السَّماءِ وَالأَرضِ وَیَصُومُ صِیامَ أِهلِ السَّماءِ وَالأَرضِ ویَطوی عَنِ الطَّعامِ مِثْلَ المَلائِکَهِ وَلَبِسَ لِباسَ العَابِدِینَ»، (أی یصوم ویصلّی مثل أهل السماء والأرض معلوم أنّ سکان السماوات أکثر بکثیر من سکان الأرض، وهذه مسأله فرضیّه یعنی أنّ مقدار الثواب إلی درجه من الکثره بحیث إنّها بقدر صلاه أهل السماء والأرض)

ص:119

«ثُمَّ أَری فِی قَلْبِهِ مَنْ حُبِّ الدُّنیا ذَرَهً أَو سُمعَتِهَا أَو رِئاسَتَها أَو صِیتِهَا أَو زِیِنَتِها لا یُجاورُنی فِی دَارِی وَلأَنزِعَنَّ مِنْ قَلْبِهِ مَحَبَّتِی وَلأَظلِمَنَّ قَلْبَهُ حَتّی یَنسَانِی ولا أَذِیقُهُ حَلاوَهَ مَحَبَّتِی»(1).

وهکذا ترون مقدار الآثار الوخیمه والعواقب السیّئه لحبّ الدنیا بحیث إنّ اللّه تعالی رتّب علیها هذا المقدار من العقوبه الشدیده، وأساساً ورد فی کتبنا الروائیّه، کما ذکر بعض العلماء والمحدّثین مثل المرحوم الشیخ الحرّ العاملی فی کتابه «وسائل الشیعه»، باباً تحت عنوان: باب وجوب اجتناب الدنیا وحرمه محبّتها، وذکر فی هذا الباب روایات کثیره، فحبّ الدنیا إذا دخل قلب الإنسان فإنّه لا یزوق حلاوه عباده اللّه، ولا یذوق طعم الارتباط القریب مع اللّه ولا یسمح له بحضور قلبه فی الصّلاه، الشخص الذی یستطیع أن یعیش حضور القلب فی الصّلاه هو مَن انغرس حبّ اللّه فی قلبه فکان یشعر بالعشق للّه فی أعماق وجوده وحیاته.

ویذکر الإمام الخمینی رضوان اللّه علیه فی هذا الموضوع نقاط أخری مهمّه جدّاً فیما یتّصل بالتوجّه وحضور القلب، ویقول: إنّ حبّ الدنیا بمثابه أشواک طریق الوصول إلی الکمالات الإلهیّه ومراتب المعنویّه، ومن شأنه أن یترک قلب الإنسان عن التوجّه إلی محضر الباری تعالی وبذلک یحرم من لذّه مناجاته.

إذا أردنا أن نعیش حضور القلب فی صلاتنا یجب علینا تطهیر قلوبنا من حبّ الدنیا والابتعاد عنها، وعندما یتحسر الإنسان لماذا لا یملک داراً واسعه ولماذا لا یملک ثروه کبیره، ولماذا لیس له مقام وسلطه وأمثال ذلک؟ فإنّه کلّ ذلک یشیر إلی حبّ الدنیا فی قلبه وبیده وهو یمانع من حضور القلب فی الصّلاه، وإذا أردنا أن تکون صلاتنا زاخره بالعشق ومفعمه بلذه المناجاه مع اللّه یجب علینا التقلیل من حبّ الدنیا فی قلوبنا، ونسأل اللّه تعالی أن یوفّقنا لهذا الأمر المهمّ، إن شاء اللّه.

ص:120


1- (1) مستدرک الوسائل، ج 12، ص 36.

36- الدُّنیا المذمومه

«الدُّنیا دُنیَاءَانِ: دُنیَا بَلاغٍ وَدُنیّا مَلعُونَهٍ»(1)

تحدّثنا فیما سبق أن حبّ الدنیا بحیث یکون همّ الإنسان وغمه الوصول إلی الدنیا وزخارفها وتحصیل الرغبات والمیول الدنیویّه فی هذه الحیاه یشکل أهم مانع لحضور القلب فی الصّلاه، ومن هذه الجهه إذا کنّا نرید حضور القلب فی الصّلاه لابدّ من اجتناب حبّ الدنیا والابتعاد عنها، ومن اللازم الالتفات إلی هذه النقطه، وهی أنّ المقصود من حبّ الدنیا لیس هو الکسب والعمل وتحصیل المعاش والرزق الحلال وتهیئه الأمور المعیشیه فی حدود حاجه الإنسان وشأنیته، والمقصود من حبّ الدنیا لا یعنی الأشخاص الذین یملکون الثروه الکبیره، فهذا لا یدلّ علی وجود حبّ الدنیا فی قلوبهم، وبالعکس الأشخاص الفقراء لا یدلّ ذلک علی أنّهم بعیدین عن حبّ الدنیا، بل یعنی إنّ التعلّق والارتباط الوثیق فی شؤون الدنیا والاهتمام بها علی حساب الأمور المعنویّه والاُخرویّه،

ص:121


1- (1) الکافی، ج 2، ص 131.

ومن هنا یُعلم حال الإنسان ومدی ارتباطه بالدنیا، فلو أنّ الإنسان فَقَد شیئاً من أمور الدنیا وجلس یتحسر علیه، أو فَقَد مقاماً ومنصباً أو خسر مالاً وجلس یتحسّر علیه ویحسب أنّه فقد کلّ شیء فإنّ مثل هذا الشخص خاضع للمقام والمال، ولکن إذا قال إنّ اللّه تعالی وهب لی ذلک المال أو المقام سابقاً والآن أخذه منّی وأشکر اللّه علی ذلک، ولو أنّ اللّه أراد أن یعیده علیَّ أو یهب لی ما هو أفضل منه فهو قادر علی ذلک، فهذا الشخص الذی یملک مثل هذه الروحیّه، التی تحکی عن عدم تعلّقه وارتباطه بأمور الدنیا، لا یکون من مصادیق المحبّ للدنیا.

یقول سماحه الإمام الراحل رضوان اللّه علیه فی کتابه: «أسرار الصّلاه»: إنّ الدنیا الذمیمه هی العلاقه والحبّ والتوجّه لها، وإلّا فإنّ أصل عالم الملک من جهه «نرجو الدقّه فی هذا التعبیر» هو مظهر من مظاهر الحقّ تعالی، فالإنسان فی عالم الدنیا یری تجلیّات الباری تبارک وتعالی، فکلّ شیء تراه فی عالم الطبیعه یعکس قدره جماله وتجلیّاته، یعنی أنّ الدنیا زاخره بآثار عظمه اللّه تعالی وتجلیاته وکلّ شیء یشیر إلی وجوده ویشهد علی وحدانیّته، وکلّ شیء فی عالم الوجود یعکس شهاده الوحدانیّه والتوحید.

ومن جهه أخری فإنّ عالم الدنیا، مهد تربیه أولیاء والعرفاء والعالمین باللّه، لأنّ الشخص عندما یکون عارفاً باللّه فإنّه فی هذه الدنیا یکون عارفاً، والشخص الذی أدّب نفسه وسلک الطریق إلی اللّه تعالی فإنّه تحرّک فی هذا الطریق المعنوی فی هذه الدنیا ولا مکان آخر یمکن تصوّره لهذا السلوک المعنوی، ولذلک نقول إنّ الدنیا مزرعه الآخره ویقول الإمام قدس سره: إنّ عالم الملک من أعزّ المشاهد والمنازل عند أولیاء وأهل المعرفه، ثمّ یقول کلاماً: وربّما لا یکون لدی الشخص شیئاً من مال الدنیا، فلا یملک سیاره ولا داراً، ولا ثروه، ولا قدره ومنصب ولکن قلبّه مملوء من حبّ الدنیا والتعلّق بها، وهذا هو السبب فی أنّه یعیش الغفله عن اللّه ویکون کافراً باللّه.

ص:122

ولکن من جهه أخری فربّما یملک الشخص ثروه وسلطه وجاه ومال کثیر، ولکنّ قلبه غیر متعلّق بهذه الأمور کما فی النّبی سلیمان بن داود علیهما السلام، فقد کان رجلاً إلهیّاً ونبیّاً من أنبیاء اللّه، فالنتیجه أنّ ذلک الشخص الذی یملک ثروه کبیره فهذا لا یعنی أنّه یعیش حبّ الدنیا وأنّ ذلک الفقیر زاهد فیها ولا یعیش حبّ الدنیا، کلا فحبّ الدنیا لا یرتبط بما یملکه الإنسان وما لا یملک، بل یرتبط بذلک التعلّق القلبی للإنسان، بأی شیء دنیوی وبأی مقدار یشعر بالحزن والحسره علی فراقه، فالشخص الذی یشعر بالطمأنینه فی قلبه لا یختلف حاله إذا ملک ثروه کبیره أو لم یملک، فکلّ شیء یراه من اللّه تعالی، فمثل هذا الشخص لا یعیش حبّ الدنیا والتعلّق بها فی قلبه.

وجاء فی کلام آخر للإمام الراحل قدس سره فیما یتّصل بهذا الموضوع أنّ بعض الأشخاص ربّما یعملون علی تقسیم رغباتهم ومیولهم فیجعلون قسماً منها للعباده ویملکون حضور القلب فی الصّلاه، وفی ذات الوقت یبذلون مساعی کثیره لجمع الأموال والثروه ولکنّهم لا یرتبطون بها فی قلوبهم، ولعلّ هؤلاء ینالون سعاده الدنیا والآخره، وعلی هذا الأساس ینبغی الالتفات إلی أنّ المراد من حبّ الدنیا المذمومه کما ورده فی الروایات من الدنیا الملعونه هو التعلّق بالدنیا والارتباط بالأمور المادیه والدنیویّه التی وهبنا اللّه إیّاها فی هذه الحیاه، فلو أننا سعینا لاجتناب حبّ الدنیا وتطهیر قلوبنا منه فعندما نستطیع تحقیق حضور القلب فی الصّلاه.

ص:123

37- أصل جمیع الفتن وعدم التوجّه إلی اللّه فی الصّلاه حبّ الدنیا

«یا مُوسی لاتَرکَنَّ إِلی الدُّنیا رُکُونَ الظَّالِمِینَ وَرُکُونَ مَنْ اتَّخَذَها أَبَاً وَأُمّاً»(1)

یتحدّث الشهید الثانی رضوان اللّه تعالی علیه فی کتابه «التنبیهات العلیّه»(2) ، عن هذه المسأله وأنّ الشخص الذی یهتمّ لتحصیل الدنیا ویعیش حبّ الدنیا فی قلبه لیس من أجل أن تکون الدنیا مقدّمه لآخرته، فمثل هذا الشخص لا ینبغی أن یتوقّع الحصول علی لذّه المناجاه مع اللّه تعالی «مَنْ فَرَحَ بِالدُّنیا فَلا یَفرَحُ بِاللّهِ وَبِمُناجَاتِه»، فمثل هذا الشخص إذا حصل علی مال ومقام ومنصب أو سلطه فیشعر بالفرح الکبیر لهذه الأمور ولذلک فإنّه لا یشعر بالفرح والبهجه من ذکر اللّه ومناجاته وعباداته، ولو أنّ الإنسان المصلّی أحس بعد صلاته بالنشاط والفرح یغمر وجوده فلیعلم أنّ صلاته کانت مع حضور القلب، ومن لم یشعر بمثل هذا

ص:124


1- (1) الکافی، ج 2، ص 135.
2- (2) . التنبیهات العلیّه، ص 88.

الإحساس بل کان یشعر بأنّ صلاته أمر مفروض علیه وتکلیف یؤدّیه بصعوبه، فمثل هذا الشخص قد ملأ حبّ الدنیا قلبه وأحاطت بالدنیا بقلبه وإن کان لا یعلم بذلک، الشخص الذی تکون الدنیا قرّه عینه ومصدر فرحه وهمّه وغمّه لا یمکن أن تکون الصّلاه قرّه عینه ولا أن تکون المناجاه مع اللّه باعثاً لفرحه وبهجته.

وعلی هذا الأساس وبحسب ما ورد فی ثقافتنا الدینیّه نعتقد بأنّ الشخص الذی یتحرّک نحو تحصیل المال والثروه یستطیع أن یجعل هذا المال مقدّمه لنیل التقوی والزاد للآخره، ونقرأ فی روایه عن رسول اللّه صلی الله علیه و آله أنّه قال: «نِعَمَ العَونُ عَلَی تَقوی اللّه الغِنی»(1)، فقد یساعد المال والثروه صاحبه لنیل تقوی اللّه تعالی، وتحصیل المزید من المثوبات کالإنفاق فی سبیل اللّه والاهتمام بمدّ ید العون للمستضعفین والمساکین ولکن إذا کان هدف الإنسان من تحصیل المال لیس طلب الآخره ولا یجعله مادّه لنیل الثواب، فلا یتوقع علی أن یحصل علی حضور القلب فی الصّلاه.

ومن أجل توضیح مسأله حبّ الدنیا أکثر والاهتمام بهذه المسأله المهمّه جدّاً ینقل المرحوم الکلینی فی المجلد الثانی من أصول الکافی باب ذم الدنیا والزهد فیها روایات کثیره، یقول فی إحداها: کلّم اللّه تعالی نبیّه موسی وقال: «یا مُوسی لا تَرکَنَّ إِلی الدُّنیا رُکُونَ الظَّالِمِینَ وَرُکُونَ مَنْ اتَّخَذَها أَبَاً وَأُمّاً»، أی لا ینبغی للإنسان أن یرتبط بالدنیا بشکل وثیق بحیث یغفل عن وجود الجنّه والنار والآخره وکأنّ کلّ شیء هذا العالم محصور فی هذه الحیاه الدنیا، فالحاکم الظالم الذی یقتل ویسفک دماء الأبریاء، لأنّه یتصوّر أنّ الحیاه کلّها منحصره بهذه الدنیا وکلّ شیء یتعلّق بهذه الحیاه، ومن هذه الجهه یسعی لیکون أکثر قدره ومقاماً من الآخرین، فیقول الباری تعالی لنبیّه موسی «لا تَرکَنَّ إِلی الدُّنیا»، فلا تکون مثل

ص:125


1- (1) . الکافی، ج 5، ص 71.

هؤلاء الظالمین الذین التصقوا بالدنیا کأنّها أباهم واُمّهم، وجعلوها مورداً لمحبّتهم وتعلّقهم، ثمّ یقول فی آخر الروایه إنّ اللّه تعالی: «واعلَم أَنَّ کُلَّ فِتنَهٍ بَدؤها حُبُّ الدُّنیا»، وکلّ شرّ وبلاء ومصیبه یمتد بجذوره إلی حبّ الدنیا، فأنواع الحروب والنزاعات العائلیّه والاختلافات القومیّه وحتّی الخلافات السیاسیّه تمتد بجذورها إلی حبّ الدنیا وحبّ السلطه والمقام.

وقال: «وَلا تَِغبِط أَحَداً بِکثَرهِ المَالِ»، أو لا تتحسر علی کثره المال لدی الآخرین «فَإِنَّ مَعَ کَثرَهِ المَالِ تَکثُرُ الذُّنُوبُ»، فکلّما ازدادت ثروه الإنسان ولم یؤدّ ما علیه من الحقوق والواجبات فإنّه ستزداد ذنوبه وآثامه.

وعلی هذا الأساس ینبغی الالتفات إلی أنّ الروایه عندما تقول إنّ أصل کلّ فتنه حبّ الدنیا وأنّ أصل عدم التوجّه إلی اللّه هو حبّ الدنیا والتعلّق بها، وعلیه فمن أجل تحصیل حضور القلب فی الصّلاه یجب تطهیر قلوبنا وتنقیه أنفسنا من حبّ الدنیا، ولیعلم الإنسان أنّ الشیطان عدوّه ویستطیع التغلب علیه بواسطه حبّ الدنیا وبذلک یتمکّن من جرّه إلی مهاوی الرذیله ومستنقع الخطیئه، وینبغی أن یعلم أنّ حبّ الدنیا لا یجتمع مع الدین والتدین وأنّ حبّ الدنیا یعدّ أهم جندی من جنود ابلیس، قد یستولی علی الإنسان ویحیط بقلبه ولا یسمح بتذوق لذّه المناجاه مع اللّه.

نأمل إن شاء اللّه أن نکون ملتفتین إلی هذا العدوّ اللدود ونستطیع الخلاص منه والابتعاد عن طریقه ویوماً بعد آخر نبتعد عن کلّ شیء یتعلّق بحبّ الدنیا ونبعده عنّا، حتّی بحسب تعبیر الإمام الخمینی قدس سره: لا یستطیع الإنسان القول بأننی أخرجت جمیع حبّ الدنیا من قلبی، ولکن بالمقدار الممکن نستطیع ذلک، ونحن بعون اللّه نستطیع ذلک إن شاء.

ص:126

38- بغض الدنیا أفضل الأعمال

قال الإمام زین العابدین علیه السلام: «مَا مِنْ عَمَلٍ بِعْدَ مَعرِفَهِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَعرِفَهِ رَسُولِهِ صلی الله علیه و آله أَفضَلَ مِنْ بُغضِ الدُّنیا»(1)

ذکرنا فی البحوث السابقه بأنّ حبّ الدنیا والتعلّق بمظاهر الدنیا یشکّل مانعاً من حضور القلب فی الصّلاه، فالشخص الذی تعلّق قلبه بشجره حبّ الدنیا والانشداد لزخارفها لا یستطیع أن یملک حضور القلب فی الصّلاه، وأشرنا أیضاً إلی بعض الروایات فی هذا المجال وإن شاء اللّه یجب علینا الاهتمام بهذه الروایات الشریفه، ففی روایه أخری وردت فی أصول الکافی (کتاب الإیمان والکفر باب ذمّ الدنیا والزهد فیها) عن الإمام زین العابدین علیه السلام عندما سئل: ما هی أفضل الأعمال عند اللّه فقال علیه السلام:

«مَا مِنْ عَمَلٍ بِعْدَ مَعرِفَهِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَعرِفَهِ رَسُولِهِ صلی الله علیه و آله أَفضَلَ مِنْ بُغضِ الدُّنیا»، وهذا یعنی أنّ الإنسان یصل إلی مرتبه لیس فقط یشعر بحبّ الدنیا بل بالعکس

ص:127


1- (1) الکافی، ج 2، ص 130.

یشعر بالبغض للدنیا.

ثمّ قال: «وإِنّ لِذَلِکَ لَشُعُباً کَثِیرَهٌ وَلِلمَعاصِی شُعُباً، فَأوَّلُ مَا عُصَی اللّه بِهِ ُ الکبِرُ وَهِی مَعصِیهُ إِبلِیسَ حِینَ أَبی وَاستَکبَرَ وَکَانَ مِنَ الکَافِرِین»، ثمّ یتحدّث الإمام علیه السلام عن المعصیه الثّانیه وهی معصیه الحرص والطمع تورط آدم علی نبیّنا وآله وعلیه السلام، والمعصیه الثّالثه: الحسد، الذی تورط فیه قابل ابن آدم وتسبّب فیه قتل أخیه هابیل.

ثمّ قال: «فَتَشَعَّبَ مِنْ ذَلِکَ حُبُّ النِّساءِ وَحُبِّ الدُّنیا وَحُبُّ الرِّئاسَه وَحُبُّ الرَّاحَهِ وَحُبُّ الکَلامِ وحُبُّ العُلُوِّ والثَّروَهِ»، فنتج من هذه الصفات الذمیمه الثلاث:

(التکبر، الحرص، والحسد)، وهی أعظم الرذائل النفسانیّه، سبع خصال ذمیمه، حبّ النساء (إتّباع الشهوه)، وحبّ الرئاسه، وحبّ الراحه، وحبّ الکلام (اللغو والثرثره) وحب العلوّ والثروه، «فَصِرنَّ سَبْعَ خِصالٍ فَاجتَمَعنَ کُلَّهُنَّ فِی حُبِّ الدُّنیا»، وکانت نتیجه ذلک أنّ الأنبیاء والأولیاء اعتبروا أنّ حبّ الدنیا أساس وأصل کلّ ذنب وخطیئه: «وَقَالَ الأنبِیاءُ والعُلمَاءُ بَعدَ مَعرِفَه ذَلِکَ حُبُّ الدُّنیا رأَسُ کُلُّ خَطیئَهٍ»، ومعنی هذه العباره الوارده فی النصوص «حُبُّ الدُّنیا رأَسُ کُلُّ خَطیئَهٍ»، هی أنّ حبّ الدنیا لو انغرس فی قلب إنسان فإنّه یجرّه إلی أی عمل من الأعمال المخالفه فضلاً عن کونه یمنع حضور القلب فی الصّلاه، وعندما یکون حبّ الدنیا منشأ جمیع الخطایا والذنوب إعلم أنّ حبّ الدنیا هذا هو المانع من حضور قلبک فی الصّلاه: «الدُّنیا دُنیَاءَانِ: دُنیَا بَلاغٍ وَدُنیّا مَلعُونَهٍ»(1)، فدنیا البلاغ یعنی أنّ الإنسان ینتفع من هذه الحیاه بمقدار الضروره والکفایه وبمقدار من یشبع حاجاته الدنیویّه، هذه هی الدنیا المحموده أی دنیا البلاغ، ولکن إذا تحرّک الإنسان وراء المزید منها وکان یهدف من ذلک الحصول علی الدنیا فقط فلیس

ص:128


1- (1) . الکافی، ج 2، ص 131.

من أجل الآخره فهذه الدنیا هی الملعونه.

وعلی هذا الأساس ینبغی أن نعلم أنّ حبّ الدنیا مانع من حضور القلب، فإذا أردنا حضور القلب فی الصّلاه ونعیش حاله المناجاه مع اللّه فیجب قبل الصّلاه أن نجلس ونفکّر ما مقدار تعلّقنا بهذه الدنیا، وکیف نستطیع علاج نفوسنا وقلوبنا ونزیل هذا الحبّ من قلوبنا، فلا ینبغی أن ییأس الإنسان من تطهیر قلبه وتنقیه نفسه من حبّ الدنیا، وعلیه أن یسعی کلّ یوم للتقلیل من هذا التعلّق والارتباط الوثیق بالدنیا، فکلّما کانت هذه التعلقات أقل فإنّ لذّه المناجاه مع اللّه تعالی فی الصّلاه ستکون أکثر، وهنیئاً لحال الأشخاص الذین وصلوا إلی مراتب عالیه من بغض الدنیا عندما یشعرون فی أنفسهم من حلاوه المناجاه مع اللّه فی أعمال قلوبهم.

نسأل اللّه تعالی أن یوفّقنا جمیعاً لأداء الصّلاه مع حضور القلب.

ص:129

39- لزوم الاستمداد من اللّه لحضور القلب

إنّ إحدی النقاط التی یجب علی المصلّی التوجّه والالتفات إلیها والإیمان العمیق بها أنّ التوفیق لحضور القلب إنّما یتیسر بالاستمداد والطلب من اللّه تبارک وتعالی وأن یعلم المصلّی أنّ مقلّب القلوب هو اللّه عزّ وجلّ، فلو أراد حضور القلب فی صلاته وجب علیه أن یتوکّل علی اللّه تعالی ویستمد منه المعونه لیتمکّن من إعداد قلبه لیتهیأ للحضور فی محضر الباری تعالی، ویکون قلباً صالحاً ولائقاً لمناجاه اللّه وجدیراً بأن تنعکس علیه تجلیات الذات المقدّسه، ولو أنّ العنایه الإلهیّه تعلّقت بقلب الإنسان فإنّه سیبتعد عن الدنیا وتنقطع العلاقه بینه وبین الدنیا ونوازعها، وطبعاً البدایه تکون بید الإنسان نفسه، یعنی أنّ الإنسان لو لم یرغب فی التوجّه إلی اللّه ولم یتقدّم بالخطوه الاُولی فلا یتوقّع أن تشمله عنایات الباری تعالی، فما لم یلتفت الإنسان إلی کدورات قلبه ولم یشعر أنّ هذا القلب لا یلیق بمناجاه اللّه وغیر جدیر باشراق تجلیات الذات المقدّسه علیه فلا ینفعه شیء، ولذلک یجب علیه أن یتفکّر ماذا یصنع حتّی یصل إلی هذه الغایه ویحصل علی هذا المطلوب؟

ص:130

بدایه یکون اختیار الطریق بید الإنسان، فلو أنّ الإنسان نجح فی بعض الامتحانات والاختبارات الدنیویّه التی یثیرها أمامه اللّه تعالی فی حیاته وتمکن من إبعاد نفسه وقلبه عن الدنیا، ففی الخطوه اللاحقه تمتد إلیه ید المعونه الإلهیّه وتساعده فی السلوک إلی اللّه.

ونقرأ فی روایه وردت فی کتاب «الکافی» عن الامام الباقر علیه السلام عن رسول اللّه صلی الله علیه و آله فی حدیث قدسی قال صلی الله علیه و آله: «یَقُولُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَعزَّتِی وَجَلالِی وعَظَمَتِی وَکِبرِیائِی وَنُورِی وعُلُوِّی وَارتَفاعِ مَکَانِی لایُؤثِرُ عَبدٌ هَواهُ عَلَی هَوایَ...»، وهناک ینبغی الالتفات أنّ هذه المسأله تحدث للإنسان فی کلّ یوم، فیری نفسه علی مفترق طریقین: أحدهما یتّجه به إلی اللّه، والآخر إلی الشیطان، أحدهما طریق الحقّ والآخر طریق الباطل، فإذا اختار الإنسان ما یوافق هوی نفسه ومیله ورجّح رغبته الشخصیّه علی ما یریده اللّه تعالی منه، هنا یقول اللّه:

«إِلّا شَتَّتُ عَلیهِ أَمرَهُ وَلَبَستُ عَلَیهِ دُنیَاهُ وَشَغَلتُ قَلبَهُ بِها»، وهذا شاهد علی أنّ اللّه تبارک وتعالی یشتت ذهن هؤلاء الأشخاص بأن یجعل قلوبهم مشغوله ومشغوفه بالدنیا، أی سیکون کلّ همّهم وغمّهم ما یعیشون من أمورهم الدنیویّه، وهذه النتیجه هی ولیده الأعمال اللاأخلاقیّه والسلوکیات الغیر صحیحه لهؤلاء، «وَلَمْ أُوتُِهِ مِنها إِلّا مَا قَدَّرْتُ لَهُ»(1)، فکلما سعی هذا الشخص لکسب المزید من زخارف الدنیا وملذاتها ومظاهرها فإنّه لا ینال منها إلّاما هو مقدّر له عند اللّه تعالی.

وعلی هذا الأساس یتبیّن أنّ الإنسان إذا وقف بین طریقین: أحدهما طریق اللّه والآخر طریق الشیطان والدنیا، وسلک فی طریق الشیطان والدنیا ورجّحه علی طریق اللّه، فإنّ قلبه سینشغل تدریجیاً بالأمور الدنیویّه إلی درجه أنّه عندما یقوم

ص:131


1- (1) . الکافی، ج 2، ص 335.

للصّلاه فإنّه لا یستطیع أن یلفت قلبه لحظه واحده لیتوجّه بقلبه إلی اللّه ویدرک الحضور الربوبی للحقّ تعالی، إذن فمثل هذا التوفیق یجب أن نطلبه من اللّه تعالی، ونلتفت إلی هذه النقطه وهی أنّ الخطوه الاُولی من حضور القلب تکون بید الإنسان نفسه، ولکن الخطوات الکبیره والأخیره تتحقّق بعنایه الباری تعالی ونفسه ورحمته.

ص:132

40- سرّ توجّه القلب للاُمور الدنیویّه

ذکرنا آنفاً إلی أنّ الإنسان المصلّی یجب أن یعلم أنّ حضور القلب واشتغاله بذکر اللّه تعالی یجب أن یقترن مع الاستمداد من اللّه ورحمته الواسعه.

إنّ اللّه تبارک وتعالی هو الذی یعمل علی تصفیه وتنقیه قلب الإنسان، وهنا حقیقه جلیّه وهی أنّ الإنسان بما أنّه مشغول بالأمور الدنیویّه فی لیله ونهاره فإنّ قلبه عاده منشغل ومتوجّه إلی هذه الأمور، إن قلب الإنسان ینشغل عاده بالأمور التی تنشغل بها أعضائه الظاهریه، وهنا یتبیّن معنی مجاهده النفس.

یجب علی الإنسان أن یتحرّک فی طریق جهاد النفس کیما یتوجّه قلبه لأوقات الصّلاه إلی اللّه ویترک الانشغال بالدنیا، والسرّ فی أهمیّه حضور القلب فی الصّلاه یکمن فی هذه النقطه، وسبق أن ذکرنا أنّ الکثیر من أولیاء اللّه کانوا یطمحون أن یعیشوا من أوّل الصّلاه إلی آخرها فقط وفقط فی محضر الباری تعالی ولکنّهم کانوا یظهرون العجز عن ذلک، وأنّه عمل صعب جدّاً ویحتاج إلی إمداد ومساعده من اللّه تعالی.

ص:133

وکما ورد فی هذه الآیه الکریمه: «زُیِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِینَ وَ الْقَناطِیرِ الْمُقَنْطَرَهِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّهِ وَ الْخَیْلِ الْمُسَوَّمَهِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ ذلِکَ مَتاعُ الْحَیاهِ الدُّنْیا...»1 ، فمظاهر الدنیا وزخارفها تتجلّی لعامّه الناس بثوب جمیل وشکل جذّاب وتتزیّن قلوبهم بهذه الأمور الشهوانیّه من الأموال والأولاد والنساء والزراعه والأمور الأخری الوارده فی هذه الآیه الشریفه، فعندما تقول الآیه: «زُیِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ...» ، حیث تتجلّی لعامّه الناس بشکل جمیل وبرّاق وتنفذ إلی قلوبهم، ومن هذه الجهه فلو أراد الإنسان أن یبعد حبّ الدنیا ومظاهرها من قلبه فإنّه لا یستطیع ذلک بإرادته واختیاره نفسه، فهو لا یستطیع القول إنّنی قادر بإرادتی واختیاری أن أعمل هذا العمل، بل إنّ هذا العمل یحتاج بالدرجه الاُولی إلی معونه من الباری تعالی، إنّ الدخول فی هذا الوادی یحتاج إلی إراده الإنسان ولکن استقراره وثباته فی هذا الطریق بحیث یکون قلبه مستعداً للحضور بین یدی اللّه والابتعاد عن زخارف الدنیا، یحتاج إلی عنایه الحقّ تعالی.

وسبق أن ذکرنا الحدیث القدسی أنّ اللّه تبارک وتعالی أقسم بعزّته وجلاله وبنوره وعلوّه وعظمته وکبریائه أنّ شخصاً عندما یرجّح میوله ورغبته علی رغبه اللّه تعالی فإنّ قلبه سینشغل بالدنیا، وهنا أطلب من جمیع الإخوه الأعزاء أن یدققوا فی هذه التعابیر المهمّه جدّاً، وهذا یعنی أننا عندما نقف علی مفترق طریقین فلا یعنی أننا نستطیع بمیلنا وإرادتنا أن نرجّح ما یریده اللّه منّا علی رغبات أنفسنا، فهذه لیست مسأله سهله وبسیطه، فهی بمثابه انتخاب واختیار تستغرق وجود الإنسان کلّه ومن شأنه أن یخلق تحوّلاً کبیراً فی حیاته وسیرته وشخصیّته، ولو أنّ الإنسان رجّح میوله وأهواءه علی ما یرید اللّه منه فسوف

ص:134

تکون النتیجه کما أسلفنا، فاللّه تعالی یقول: فأجعل قلبه مشغولاً فی الدنیا وتکون جمیع أموره مشتته وحیاته مضطربه، ومن هذه الجهه نری أنّ الأشخاص الذین یطلبون الدنیا لا یعیشون استقراراً نفسیّاً فی حیاتهم، بخلاف الأشخاص الذین یتحرّکون فی خط الإیمان والتقوی والتوحید، ویسلکون طریق العباده والعبودیّه، فهم یعیشون الباطن المستقر والقلب المطمئن.

ونتابع فی الحدیث الشریف قوله: «لا یُؤثِرُ عَبدٌ هَواهُ عَلَی هَوایَ...»، فلو وجد نفسه أنّه یستطیع أن یهتک شخصاً مؤمناً ویسیء إلی سمعته، أو یفشی سرّاً من أسراره ولکنّه مع ذلک لا یرتکب هذا العمل من أجل اللّه، وفی الموقع الذی تکون سمعته وحیثیّته فی خطر ولکنّه من أجل حفظ الدین واطاعه أمر اللّه تعالی یرفع صوته بالحقّ، ولو أنّه وقف بین طریقین، ویحدث ذلک کثیراً فی حیاه الإنسان، فیرجّح ما یریده اللّه منه علی هوی نفسه یقول الحدیث: «إِلّا استَحفَظتُهُ مَلائِکَتِی»، ما أعظم هذا الأمر، أن یعلم الإنسان المؤمن أنّ ملائکه اللّه تقوم بحفظه ورعایته وتمدّ له ید العون والمساعده وتدعو له وتستغفر له.

«وَکَفَّلْتُ السَّماواتِ والأرضِینَ رِزقَهُ وَکُنتُ لَهُ مِنْ وَراءِ تِجاره کِلِّ تاجِرٍ وَأَتَتْهُ الدُّنیا وَهِی رَاغِمُهٌ»(1)، فمثل هذا الإنسان الذی یفرّ من الدنیا ویترکها طلباً ورغبه باللّه تعالی فإنّ الدنیا ستأتی إلیه خاضعه وراغمه، هذه أمور مهمّه، فالإنسان لو شعر فی صلاته بحضور القلب وأحسّ بحاله مریحه وجمیله فی أعماقه فلیعلم أنّه من جمله الأشخاص الذین وقعوا مورد عنایه الباری تعالی، ولکن إذا لم یشعر بحضور القلب من أوّل صلاته إلی آخرها فلیعلم أنّه یواجه مشکله، فعلیه أن یجلس ویتفکّر ما هی مشاکلته، وما هو الباعث علی تورطه فی أمور الدنیا وغفلته عن اللّه تعالی؟ والشخص الذی یعیش ذکر اللّه تعالی فی غیر الصّلاه فلا

ص:135


1- (1) . الکافی، ج 2، ص 335.

یمکن أن یغفل عنه فی الصّلاه، والشخص الذی یراقب نفسه فی سائر الحالات فیتحرّک فی خط الطاعه والعبودیّه للّه تعالی ویؤدّی ما علیه من أوامر اللّه تعالی فإنّه بطریق أولی سیکون متوجّهاً إلی اللّه فی صلاته.

رزقنا اللّه تعالی وإیّاکم حضور القلب فی الصّلاه إن شاء اللّه.

ص:136

الفصل الثالث: أسرار مقدّمات وشروط الصّلاه

الباب الأوّل: أسرار الطّهاره

اشاره

ص:137

ص:138

41- مراتب الطّهاره

إنّ أحد البحوث التی یجب التوجّه إلیها فی أسرار الصّلاه، الأسرار الموجوده فی مقدّمات الصّلاه، یقول الإمام الراحل رضوان اللّه علیه فی کتابه «سرّ الصّلاه»(1): إنّ الصّلاه نفسها لها مراتب، فمقدّمات الصّلاه وشروطها لها مراتب أیضاً، یعنی بما أنّ حقیقه الصّلاه لها مراتب کثیره، ولعلّه یمکن القول بصدور صلاتین مختلفتین من المصلّین من حیث المرتبه والحقیقه، فإنّ مقدّمات الصّلاه من قبیل الطهاره وسائر الأمور الأخری لها مراتب أیضاً ویجب علی المصلّی الالتفات إلیها والاهتمام بها.

ویقول رحمه اللّه: الطّهاره الظاهریّه مقدّمه للصّلاه الصوریّه والظاهریّه، یعنی بحسب الظاهر الشخص الذی یرید أن یصلّی یجب علیه تحصیل الطهاره الصوریّه، ولذلک فإنّ الوضوء یعتبر مقدّمه لهذه الصّلاه الظاهریّه التی یصلّیها المکلّف، ولکن الطهاره لها مراتب أخری أیضاً، فهناک طهاره أهل الإیمان،

ص:139


1- (1) . سرّ الصّلاه (معراج السالکین)، ص 34.

وطهاره أهل الباطن، وطهاره أصحاب الحقیقه، وطهاره أصحاب القلوب السلیمه وطهاره أصحاب السرّ، وطهاره أصحاب المحبّه والمجذوبین، وطهاره أصحاب الهدایه، هذه هی مراتب الطهاره، وبعد تحصیل الطهاره الظاهریّه، تصل النوبه إلی المرتبه الثّانیه وهی طهاره أهل الإیمان، یعنی أن یطهّر نفسه من المعاصی ویبتعد عن الذنوب وعن الأخلاق الرذیله والشهوات والمیول غیر المشروعه، فالإنسان المؤمن هو الشخص الذی لا یسمح للحرام أن یسلک طریقاً إلی وجوده ونفسه ویتحرز من تلویث قلبه بالحرام، فهذا هو معنی طهاره أهل الإیمان.

المرتبه الثّالثه، طهاره أهل الباطن، یعنی أن یطهّر باطنه من القذرات المعنویّه والأخلاق الذمیمه والأوساخ الأخلاقیّه.

المرتبه الرابعه، طهاره أصحاب الحقیقه، یعنی یوصل نفسه إلی مرحله بحیث لا یسمح لوساوس الشیطان أن تدخل إلی حریم قلبه، ولا یسمح للأفکار الباطله والشکوک والشبهات أن تخطر علی ذهنه.

المرتبه الخامسه، طهاره أصحاب القلوب السلیمه، وهی الطهاره من التقلبات وابعاد ذهن الإنسان أن یکون مشغولاً بالمفاهیم التی تمثّل حجاباً بینه وبین اللّه.

المرتبه السادسه، طهاره أصحاب السرّ، وهذا یصل الإنسان إلی مراحل أعلی من الطهاره المعنویّه، وکما ورد فی الآیه الشریفه: «لا یَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ»1 ، فهذا یعنی أنّه کما أنّ ظاهر القرآن بحاجه إلی طهاره ظاهریّه فیجب علی المکلّف الوضوء والطهاره لیتمکن من مسّ ظاهر القرآن، فإن الوصول إلی باطن القرآن یحتاج إلی طهاره باطنیّه أیضاً، ومن أجل الوصول إلی سرّ القرآن یلزم طهاره أصحاب السرّ، وعلیه فإنّ الصّلاه أیضاً تکون بهذا المستوی.

ص:140

ولو أنّ الإنسان أراد الاکتفاء بالصّلاه الظاهریّه فیکفی الوضوء الظاهری والطهاره الظاهریّه، ولکن یجب أن نعلم أنّ الصّلاه، مضافاً إلی الطهاره الظاهریّه تحتاج إلی طهاره باطنیّه، فلو أردنا أن نکون من أهل الباطن وتکون صلاتنا صلاه أهل الباطن فهذا الأمر یتوقّف علی الطهاره الباطنیّه.

ومن هذا المنطلق فإنّ الطهاره الظاهریّه هی أقل مراتب الطهاره وأضعف مرتبه یؤدّیها الإنسان المکلّف وتکون مقدّمه للوصول إلی الطهاره الباطنیّه.

نسأل اللّه تعالی أن یوفّقنا أن نکون جدیرین بجمیع أنواع الطهاره إن شاء اللّه.

ص:141

42- طهاره الظّاهر وطهاره الباطن

ذکرنا أنّ المصلّی یجب أن یتطهّر للصّلاه، وثمّه أسرار ونقاط کثیره فی هذا العمل العبادی، فالطهاره لها مراتب عدیده والمصلّی یجب أن یعلم بأنّ الطهاره الظاهریّه تعتبر أقل وأدنی مرتبه من مراتب الطهاره وهی مقدّمه الصّلاه الظاهریّه، ویجب علی الإنسان فی حرکه الحیاه أن یتحرّک لتحصیل تلک المراتب الأهم والأعلی من الطهاره، ومنها طهاره أهل الإیمان، طهاره أهل الباطن، طهاره أصحاب الحقیقه، وأصحاب السرّ.

إذا اقترنت صلاه الإنسان بالطهاره الباطنیّه فإن صلاته ستکون صلاه أهل الباطن، وأداء الطهاره الظاهریّه إنّما لغرض أن یلتفت الإنسان إلی الطهاره الباطنیّه ویسعی لتحقیقها فی وجوده، وکما أنّ الآیه الشریفه تقول: «لا یَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ»1 ، أی أنّ الشخص إذا أراد أن یمسّ ألفاظ وکلمات القرآن یجب أن یکون متطهّراً بالطهاره الظاهریّه، فإنّ علماءنا ذکروا بأنّ هذه الآیه الشریفه تشیر

ص:142

أیضاً إلی أنّ الإنسان إذا أراد أن یصل إلی باطن القرآن فیجب علیه أن یملک الطهاره الباطنیّه.

ویبیّن الإمام الراحل فی کتابه «سرّ الصّلاه»، نقاط مهمّه فی هذا المجال ویقول: «یجب أن یعلم أنّ الإسلام یهتمّ بالطهاره الظاهریّه، وأنّ اللّه تبارک وتعالی أمر بطهاره اللباس والبدن فی حال الصّلاه وأنّ المصلّی یجب أن یکون لباسه وبدنه طاهرین، وقد ورد فی المأثور أنّ النظافه أحد شروط وعلائم الإیمان أو أنّها جزء من الإیمان، وعلی هذا الأساس لا یمکن أن یهتمّ الباری تعالی بالطهاره الظاهریّه بهذا المقدار ولا یهتمّ بالطهاره الباطنیّه وطهاره قلب الإنسان ویهمل هذا الأمر المهم، ولا یمکن أن لا یهتمّ بتطهیر القلب من الأوساخ المعنویّه والتلوث بالرذائل الأخلاقیّه.

إذا تلوّثت ید الإنسان بالنجاسه فإنّ اللّه تعالی أمر بتطهیر هذه النجاسه بالماء، وعلیه کیف یمکن القول إنّ اللّه تعالی لم یهتمّ بإزاله النجاسه الباطنیّه التی تؤدّی إلی هلاک الإنسان الأبدی وتورثه الظلمه والکدوره الدائمه، وفی مسأله الطهاره اکتفی فقط بهذه الطهاره الظاهریّه؟ کلّا، إنّ جمیع أشکال الطهاره الظاهریّه یشکل مقدّمه للالتفات والتوجّه إلی الطهاره الواقعیّه ولیصل الإنسان إلی الحاله الباطنیّه.

یقول تبارک وتعالی فی سوره الأحزاب الآیه 33: «إِنَّما یُرِیدُ اللّهُ لِیُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ وَ یُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیراً» ، ونری أنّ عباره «وَ یُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیراً» ، تدلّ علی أنّ الطهاره لها مراتب کثیره جدّاً ولا ینبغی أن نحصر فکرنا بهذه الطهاره الظاهریّه.

طهاره أصحاب الولایه، تعتبر آخر مرتبه للطهاره، وقد اجتمع جمیع مراتب الطهاره وأکملها عند الأئمّه الطاهرین علیهم السلام، بل یستفاد من عباره «وَ یُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیراً» ، توفّر جمیع مراتب العصمه لأهل البیت علیهم السلام، أو الطهاره من کلّ ذنب

ص:143

وکلّ فعل قبیح، الطهاره من أی فکر باطل، وطهاره نفوسهم من أی وسوسه والشرک باللّه حتّی بلحظه واحده.

وعلی هذا الأساس یجب الالتفات إلی أنّ طهاره البدن واللباس وکذلک الوضوء، والطهاره من الحدث والخبث التی هی مقدّمات للصّلاه، تعتبر مقدّمه لتحصیل طهاره أعلی، وبهذه الطهاره لا نرید أن نصلّی فقط الصّلاه الظاهریّه بل تکون طریقاً للوصول إلی الطهاره الباطنیّه، وهذه الطهاره الباطنیّه ستکون منشأ ومصدراً لحرکات وسلوکیات معنویّه أعلی.

نسأل اللّه تبارک وتعالی أن یوفّقنا جمیعاً لتحصیل المراتب العلیا من الطهاره.

ص:144

43- أسرار الوضوء

یقول الإمام الصادق علیه السلام: «وَطَهِّر قَلْبَکَ بِالتَّقوی وَالیَقِینِ عِنْدَ طَهارَهِ جَوارِحِکَ بِالمَاءِ».(1)

تقدّم أنّ الطهاره لها مراتب متعدده، وأنّ الطهاره الظاهریّه هی أوّل خطوه للوصول إلی مراتب عالیه من الطهاره الباطنیّه.

یقول الشهید الثانی فی کتابه «التنبیهات العلیّه»(2) ، فی باب الوضوء: إنّ علّه تکلیفنا فی الوضوء والطهاره الظاهریّه بغسل الوجه والیدین، هی أنّ الوجه والیدین فی الإنسان من أکثر الأعضاء والجوارح التی یتواصل بها الإنسان مع الآخرین وسائر الأشیاء.

ومن هنا فعندما یغسل الشخص هذه الأعضاء فإنّه بالحقیقه یرید الإعلان عن هذا الأمر، وهو أنّه یرید أن یطهّر هذه الأعضاء من جمیع التوجّهات لغیر اللّه، وعلی حدّ تعبیر الإمام الراحل رضوان اللّه علیه: إنّ الوضوء وغسل الوجه

ص:145


1- (1) بحار الأنوار، ج 77، ص 339.
2- (2) . التنبیهات العلیّه، ص 93.

والیدین وتطهیرها ممّا سوی اللّه، یعنی أنّ الإنسان یغسل یده ووجهه من غیر اللّه وینفصل عمّا سوی اللّه.

والنقطه الاُولی، أنّ هذه الأعضاء والجوارح التی یرتبط بها الإنسان مع الآخرین غالباً، فإنّه یرید من خلال غسلها أن یقطع ارتباطه بهم وتوجّهه إلیهم

والنقطه الثانیه، أنّ الإنسان یهتمّ بهذا الوجه بالأمور الدنیویّه ویتحرّک للتواصل معها بیدیه وقدمیه، وبذلک تظهر تلوّثات الدنیا علی هذا الوجه والیدین، فعندما یغسلها المصلّی فإنّه یرید من ذلک تطهیرها من هذا التلوّث.

النقطه الثّالثه، أنّه بغسله لهذه الظواهر فإنّه یتطهر قلبه أیضاً، لأنّ القلب هو رئیس جمیع هذه الأعضاء والجوارح وهو الذی یأمر الإنسان بالنظر، والکلام، والاستماع، ویأمر بفعل الأفعال الأخری بالیدین، ومن خلال غسل هذه الأعضاء والجوارح یروم الإنسان تطهیر قلبه أیضاً: «إِنَّ اللّهَ لایَنظُرُ إِلی صُوَرِکُم وَأَعمَالِکُم وَإِنَّما یَنظُر إِلی قُلُوبِکُم».

النقطه الرابعه، إنّ الدنیا والآخره ضرّتان: «وکلّما قربت من إحداهما بعدت عن الأخری، فلذلک أمر بالتطهیر من الدنیا عند الاشتغال والإقبال علی الأخری»، ومن هذه الجهه أمر اللّه تعالی بغسل الوجه والیدین لیتوجّه المصلّی إلی الآخره.

النقطه الخامسه، بما أنّ جمیع توجّه الإنسان واهتمامه بأمور الدنیا یتمّ من خلال الوجه فعندما یغسل وجهه فکأنّه یرید أن یغسل وجه قلبه لتیوجّه إلی اللّه تعالی، فالإنسان عندما یغسل وجهه فهذا یعنی أنّه یرید أن یکتسب الاستعداد واللیاقه لیکون وجه قلبه متوجّهاً إلی اللّه تعالی، وأکثر الحواس الظاهریّه والبدنیّه فی الإنسان موجوده فی وجهه من قبیل العین والاُذن والفم وسائر الحواس الأخری، وأعظم أسباب الوصول إلی الدنیا والانشغال منها یتمّ من خلال هذه الحواس الموجوده فی وجه الإنسان، ومع غسلها فالإنسان یرید أن یطهّرها

ص:146

جمیعاً، کما أنّ الأمر بغسل الیدین فی الوضوء هو من أجل أنّ الید من الأعضاء المهمّه لوصول الإنسان إلی غایاته ومشتهیاته النفسانیّه والطبیعیّه.

أمّا السرّ فی مسح الرأس بما أنّ قوّه الفکر والتعقل موجوده فی الرأس ومع مسح الإنسان رأسه فکأنّه یرید مسح قوّه الفکر والتعقل لدیه فی طریق الوصول إلی اللّه، وکذلک مسح القدمین إنّما هو بسبب أنّ الإنسان یتحرّک بواسطه القدمین نحو غایاته ومقصوده.

والخلاصه أنّ الإنسان فی عملیّه الوضوء یطهّر جمیع الأعضاء المتعلّقه بظاهره وبدنه، ویکون بذلک مستعداً من جمیع الجهات للوقوف بین یدی الباری تعالی ومناجاته ولقائه.

إذن یجب علینا الاهتمام بالوضوء، ولعلّه یمکن القول إنّ بعض أشکال الصّلاه التی لا قیمه لها ولا تؤثر فی إیجاد تحوّل فی الإنسان إنّما یعود فی نحو من الأنحاء إلی أنّنا نعیش الغفله عن مقاصد الوضوء والطهاره وکیفیّتها، ولو أنّ الإنسان فی حال الوضوء کان ملتفتاً إلی أنّه یسعی لتطهیر نفسه وقلبه لتکون له اللیاقه لیحظی بالجداره لملاقاه اللّه تعالی فإنّ مثل هذا الشخص سیجد فی نفسه تدریجیاً حاله حضور القلب فی الصّلاه.

إن شاء اللّه نوفّق جمیعاً لفهم أسرار الصّلاه.

ص:147

44- سرّ الطّهاره بالماء

«وَ یُنَزِّلُ عَلَیْکُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِیُطَهِّرَکُمْ بِهِ وَ یُذْهِبَ عَنْکُمْ رِجْزَ الشَّیْطانِ...» (1)

ینقل الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه فی کتابه «سرّ الصّلاه»، کلاماً لبعض أهل المعرفه وکبار العرفاء یقول: إنّ الطهور إمّا أن یکون بالماء أو بالتراب، الماء هو منشأ ومصدر الحیاه، والحیاه هی منشأ وأصل العلم ولمشاهده العالم ومشاهده الحی القیوم تبارک وتعالی، والتراب أیضاً یعتبر أصل نشأه الإنسان(2) ، وهذه العباره عمیقه المغزی، فعندما یسبغ الوضوء یجب أن یعلم أنّ الماء منشأ الحیاه وأصل وحقیقه کلّ حیاه هو الماء، وأنّ الماء هو سرّ الحیاه، وأصل العلم یعود إلی هذا الماء لأنّ الماء منشأ الحیاه والحیاه بدورها منشأ العلم، والعلم بدوره منشأ مشاهده الحی المطلق، وهکذا تلاحظون العلاقه الوثیقه بین الماء والحیاه والعلم ومشاهده الحیاه المطلقه والحی المطلق، وهو اللّه تبارک وتعالی.

ص:148


1- (1) سوره الأنفال، الآیه 11.
2- (2) . سرّ الصّلاه (معراج السالکین)، ص 41.

فلا ینبغی أن نتصوّر فقط أنّ الوضوء مجرّد غسل الأعضاء بواسطه الماء وأنّ الماء هو الماده السائله لا أکثر، بل إنّ هذا الماء منشأ الحیاه، والحیاه هی منشأ العلم، وبواسطه العلم یتوجّه الإنسان إلی الحی القیّوم.

یقول الباری تبارک وتعالی فی القرآن الکریم: «وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً * لِنُحْیِیَ بِهِ بَلْدَهً مَیْتاً...»1 ، والمعنی الظاهری لهذه الآیه الشریفه هو، أنّ الباری تعالی وبواسطه الماء أوجد الحیاه الظاهریّه للأحیاء، ولکن یجب أن نعلم أنّ هذا الماء منشأ للحیاه الباطنیّه والعلم أیضاً، والعلم بدوره وسیله وطریق لحصول الإنسان علی الحقیقه وأنّ أصل الحیاه مستمده من ذلک الموجود الحی المطلق، أو قوله تعالی فی آیه أخری: «وَ یُنَزِّلُ عَلَیْکُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِیُطَهِّرَکُمْ بِهِ وَ یُذْهِبَ عَنْکُمْ رِجْزَ الشَّیْطانِ...» ، فبواسطه هذا الماء یرید اللّه تعالی أن یطهّرکم من وساوس الشیطان ویبعده عنکم.

هذه الآیه الشریفه ذکرت أمرین وغایتین مهمّتین لإنزال الماء من السماء، إحدهما: «لِیُطَهِّرَکُمْ بِهِ...» ، والثّانیه: «وَ یُذْهِبَ عَنْکُمْ رِجْزَ الشَّیْطانِ...» ، فالماء فی حقیقته وباطنه یطهّر الإنسان من أشکال الرجس والتلوّث، والطهاره إمّا أن تکون بالماء أو بالتراب، والتراب بدوره أصل وجود الإنسان «مِنْها خَلَقْناکُمْ...»2 ، فوجود جمیع أفراد البشر یعود إلی التراب والإنسان خلق من التراب، والنتیجه أن تحصل الطهاره إمّا یکون بوسیله الوضوء أو التیمم فینبغی علی الإنسان أن یفکّر فیمن خلقه، ولأجل أی شیء خلقه، ومن أی شیء خلق؟ والتیمم بالتراب هو من أجل أن یشعر الإنسان بالخضوع أکثر ویبعد عن نفسه حالات التکبر والغرور، فالتراب هو الأصل فی حاله الذله والمسکنه، وعلی هذا الأساس عندما

ص:149

نرید اسباغ الوضوء أو التیمم یجب أن نلتفت إلی هذه النقاط، وعندما یقع نظرنا علی الماء نتذکر الآیه الشریفه: «وَ یُنَزِّلُ عَلَیْکُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِیُطَهِّرَکُمْ بِهِ وَ یُذْهِبَ عَنْکُمْ رِجْزَ الشَّیْطانِ...» ، فنعلم بأنّ استعمال هذا الماء فی الطهاره الظاهریّه مقدّمه لتحصیل الطهاره الباطنیّه والنقاء من تلوّث الباطن، نسأل اللّه تعالی أن یجعلنا من أهل الطهاره.

ص:150

45- الماء الرحمه المطلقه للوجود

یقول الإمام الصادق علیه السلام: «إِذَا أَرَدْتَ الطَّهارَهَ وَالوضُوءَ فَتَقَدَّم إِلی المَاءِ تَقَدُّمَکَ إِلی رَحمَهِ اللّهِ».(1)

إنّ إحدی النقاط التی یجب أن یلتفت إلیها المصلّی فی الوضوء، الخصوصیّات والأسرار الموجوده فی الماء، فنقرأ فی سوره الأنبیاء الآیه 30 قوله تعالی:

«وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ کُلَّ شَیْ ءٍ حَیٍّ...» ، یعنی أنّ منشأ حیاه کلّ موجود حیّ هو الماء، وکما أنّ الحیاه الظاهریّه والبدنیّه تحتاج إلی الماء فإنّ الحیاه الباطنیّه تحتاج إلی الماء أیضاً، لأنّ قلب الإنسان یتطهّر بهذا الماء من التلوّثات والرذائل والکدورات بواسطه هذه الطهاره، ومن هنا وجبت مثل هذه الطهاره.

وعلی حدّ تعبیر القرآن الکریم: «وَ یُذْهِبَ عَنْکُمْ رِجْزَ الشَّیْطانِ...»2 ، فإنّ إزاله رجس الشیطان یتمّ بواسطه الماء الذی أنزله اللّه تبارک وتعالی من السماء، وهکذا فی مسأله التیمّم، فإذا التفت الإنسان أنّه خلق من هذا التراب وسوف یعود یوماً

ص:151


1- (1) مصباح الشریعه، ص 43.

إلی هذا التراب ویتبدّل إلی تراب أیضاً، فمثل هذا التوجّه یمهّد قلبه للحضور فی الصّلاه، وقد وردت فی کتاب مصباح الشریعه روایه مفصّله عن الإمام الصادق علیه السلام فیما یتّصل بالوضوء وأسراره، وأنّه یجب علی الإنسان أن یلتفت إلی الجهات المختلفه للماء ویعلم أنّ کلّ واحده منها تعتبر وسیله سلوکه ورقیه إلی مقام من المقامات المعنویّه.

یقول الإمام علیه السلام: «إِذَا أَرَدْتَ الطَّهارَهَ وَالوضُوءَ فَتَقَدَّم إِلی المَاءِ تَقَدُّمَکَ إِلی رَحمَهِ اللّهِ»، یعنی عندما تقترب من الماء لاسباغ الوضوء والطهاره فعلیک أن تحسّ بأنّک تقترب من رحمه اللّه الواسعه، ویستوحی الإمام الخمینی رضوان اللّه علیه من هذه الآیه الشریفه: «وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ کُلَّ شَیْ ءٍ حَیٍّ...» ، ویقول: «إنّ الماء هو الرحمه الاطلاقیّه للوضوء»، فالماء منشأ حیاه جمیع الکائنات والرحمه الاطلاقیّه والمطلقه، بحیث یستوعب جمیع الموجودات، فمن هذه الجهه عندما یرید الإنسان اسباغ الوضوء فعلیه أن یلتفت أنّه قریب من هذه الرحمه الإلهیّه:

«فإنَّ اللّهَ تَعالی قَدْ جَعَلَ الماءَ مِفتَاحِ قُربِهِ وَمُناجَاتِهِ وَدَلِیلاً إِلی بِساطِ خِدمَتِهِ»، وفی اللغه العربیه «بَساط» بفتح الباء تعنی الأرض الواسعه، أما «بِساط» فتعنی الفرش الذی یبسط علی الأرض، یعنی أنّ الإنسان إذا أراد الوصول إلی مرتبه رفیعه من القرب إلی اللّه تبارک وتعالی، فعلیه أن یأخذ مفتاح هذا المکان الرفیع، والماء هو مظهر رحمه اللّه تبارک وتعالی.

«وَکَمَا أَنَّ رَحمَهَ اللّهِ تُطَهِّرُ ذُنُوبَ العِبادِ کَذَلِکَ النَّجاسَاتُ الظَّاهِرِیَّهُ یُطَهِّرُها المَاءُ لا غَیر»، فهنا یشیر الإمام الصادق علیه السلام إلی هذه الآیات الشریفه ویقول: «وَ هُوَ الَّذِی أَرْسَلَ الرِّیاحَ بُشْراً بَیْنَ یَدَیْ رَحْمَتِهِ وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً»1 ، والآیه: «وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ کُلَّ شَیْ ءٍ حَیٍّ...» ،فَکمَا أَحیا بِهِ کُلَّ شیءٍ مُنْ نَعِیمِ الدُّنیا کَذَلِکَ

ص:152

بِرَحمَتِهِ وَفَضلِهِ جَعَلَ حَیاهَ القُلُوبِ بِالطِّاعَاتِ»، فکما أنّ اللّه تبارک وتعالی خلق جمیع النعم الدنیویّه بواسطه الماء ومنحها الحیاه فإنّه تعالی منح قلوب البشر بفضله ورحمته بواسطه الحرکه فی خطّ الطاعه والعبودیّه والعباده ومنح هذه القلوب الحیاه، وبعباره أخری، إنّ حیاه القلوب تتمحور فقط حول طاعه اللّه تعالی، وهذه الطاعه والعبودیّه تتسبّب فی حیاه القلوب: «وَتَفَکَّرَ فِی صَفاءِ المَاءِ وَرِقَّتِهِ وَطُهرِهِ وَبَرَکَتِهِ وَلَطیفِ امتِزاجِهِ بِکُلِّ شَیءٍ»، فعندما ترید استعمال الماء فی الوضوء فعلیک أن تفکّر فی جوانبه المختلفه من صفائه ورقّته وطهر وبرکته وامتزاجه بجمیع الأشیاء فی هذا العالم «امتِزاجِهِ بِکُلِّ شَیءٍ وَفِی کُلِّ شیء».

«وَاستَعْمِلْهُ فِی تَطهِیرِ الأَعضاءِ الَّتِی أَمَرَکَ اللّهُ بِتَطهِیرها، وَآتِ بِأَدَائِها فِی فَرائِضِهِ وَسُنَنهِ»، یعنی علیک بالاتیان بجمیع الآداب الواجبه والمستحبه فی غسل الوجه والیدین حال الوضوء بالمقدار المقرر والکیفیّه المذکوره فی الشرع «فإِنَّ تَحْتَ کُلِّ وَاحِدَهٍ مِنها فَوائِدَ کَثِیرَهً»، أی بکلّ واحده من هذه الآداب فوائد کثیره لتطهیر الأعضاء والجوارح: «فَإِذَا استَعمَلها بِالحُرمَهِ انفَجَرَتْ لَکَ عُیُونُ فَوائِدِهِ عَنْ قَریب».

ص:153

46- الاستلهام من الماء فی الحیاه

یقول الإمام الصادق علیه السلام: «عَاشِر خَلقَ اللّهِ کَإِمتِزاجِ المَاءِ بِالأشیاءِ».(1)

یقول الإمام الصادق علیه السلام: «ثُمَّ عَاشِر خَلقَ اللّهِ کَإِمتِزاجِ المَاءِ بِالأشیاءِ»، فبالرغم من أنّ الوضوء مقدّمه للصّلاه والصّلاه عباره عن مناجاه وارتباط مع اللّه تبارک وتعالی، ولکن عبادات الإنسان لیست فردیّه فقط ولا ترتبط مع سائر الناس، فالعبادات الإسلامیّه فی ذات الوقت التی تقرب الإنسان من اللّه تعالی وتقطع عنه تعلّقه بالدنیا وبما سوی اللّه، فإنّها أیضاً نافعه للمجتمع أیضاً، فالعباده التی تشغل الإنسان بنفسه فقط ولا تجعله مستعداً لتقدیم خدمه للآخرین والحضور فی أوساط عباد اللّه الذین هم مظاهر تجلّی الحقّ، فما هو أثر هذه العباده؟ العباده یجب أن تخلق توسعه وجودیّه فی واقع الإنسان إلی درجه أنّه فی ذات الوقت الذی یعیش فیه المصلّی مع اللّه تبارک وتعالی ویأنس بقربه ومناجاته، فإنّه لابدّ من حضوره بین عباد اللّه لیحفظ لهم هذا المقام من القرب المعنوی من اللّه تعالی

ص:154


1- (1) مصباح الشریعه، ص 64.

ویتحرّک فی طریق اسداء الخدمه لهم.

ویستفاد من عباره الإمام الصادق علیه السلام: «ثُمَّ عَاشِر خَلقَ اللّهِ کَإِمتِزاجِ المَاءِ بِالأشیاءِ»، أنّ الشخص المصلّی یجب أن یعاشر جمیع عباد اللّه ویخالطهم بشکل نقی کما یمتزج الماء بالأشیاء من قبیل الحجر الصغیر والکبیر، ویحتفظ لنفسه بالصفاء والنقاء فی هذا الارتباط مع الآخرین.

فی طریق الحقّ یجب علی الإنسان اجتناب إعمال الإراده الشخصیّه ورؤیه المنافع الذاتیّه فی تواصله مع الناس وعباد اللّه، یقول الإمام الراحل رضوان اللّه علیه(1): وتفکّر فی نفس امتزاج الماء بالأشیاء فإنّ هذا الامتزاج من أجل اصلاح حالها وإیصالها إلی کمالها اللائق بها وإحیائها، یعنی کما أنّ ارتباط الماء بالأشیاء سبب لحیاتها وحفظها ورشدها، فإنّ کیفیّه معاشره المصلّی للآخرین ومعاملته لعباد اللّه یجب أن تکون أیضاً مثل هذه الحاله، فیعاشر الناس من موقع الحفظ والاصلاح، ویذکر الإمام رضوان اللّه علیه فی ذیل هذه الروایه عباره جمیله جدّاً، ویقول: کما أنّ الماء یمتزج مع جمیع الأشیاء بلطف، فالإنسان العابد الذی وصل إلی مراحل من العبودیّه فإنّه لا یسمح لنفسه بالتکّبر علی عباد اللّه بل یتواصل معهم من موقع العطف واللطف، ولا یتعامل معهم بحاله من التحقیر لهم، لأنّه یعلم أنّه فی هذه الصوره فإنّ صلاته وعبادته لا تکون کامله.

فعندما یری المؤمن شخصاً مشغولاً بارتکاب المنکر ویتحرّک فی صدد اصلاح ظاهره وهدایته ولکنّ نهیه عن المعاصی والمنکر یجب أن یکون لغرض اصلاح حالته لا من أجل إِعمال النفوذ والسیطره علیه، وهذه نقطه مهمّه جدّاً ودقیقه، فالشخص الذی یرید إقامه الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر لا ینبغی أن یقول: بما أننی آمرک وأنهاک فعلیک بأن تطیع وتفعل ما أقول، إنّ الآمر

ص:155


1- (1) . سرّ الصّلاه (معراج السالکین)، ص 45.

بالمعروف یجب أن یشعر بالتحرّق لهدایه الناس فیکون عاشقاً للاصلاح، کما أنّ الماء یجری بین الأشیاء من موقع العشق لها وبدون أی توقّع منها ویطهّرها من التلوّث ویرویها، وکذلک الإنسان یجب أن یتعامل مع أبناء نوعه بهذه الصوره.

«ثُمَّ عَاشِر خَلقَ اللّهِ کَإِمتِزاجِ المَاءِ بِالأشیاءِ یُؤدِّی کُلُّ شیءٍ حَقَّهُ وَلا یَتَغَیَّرُ عَنْ مَعنَاهُ مُعتَبِراً لِقَولِ الرَسُولِ صلی الله علیه و آله مَثلُ المُؤمنِ المُخلِصِ کَمَثلِ المَاءِ» یعنی یعاشر الناس بالصفاء والنقاء، ویسعی أن یکون وجوده سبب طهاره الآخرین لا أن یخلق لهم المشاکل.

وأحد أسرار الوضوء التی یجب علی الإنسان الالتفات إلیها، أنّه یجد حاله من الاُنس مع الماء، وبذلک یجب علیه أن یتخلّق بصفات وخصوصیّات الماء أیضاً.

ص:156

47- الإخلاص والصفاء فی التوجّه إلی اللّه

ذکرنا فی الحلقه السابقه أنّ الإمام الصادق علیه السلام قال: إنّ صفاء الإنسان وخلوص نفسه فی جمیع أعماله وطاعاته وعباداته للّه تعالی یجب أن یکون مثل صفاء الماء عند نزوله من السماء، ومن هذه الجهه یکون الماء طهوراً، یعنی کما أنّ الماء یتّصف بالصفاء الذاتی والنقاء عند نزوله من السماء فیجب علی الإنسان أن یأتی بعباداته صافیه ونقیّه فی جمیع أجزائها، وأحد أجزاء هذه العباده هو الطهاره أو الوضوء الذی یعتبر مقدّمه للصّلاه، ولذلک ورد فی بعض الروایات: «الوُضُوء نُورٌ»(1)، فالشخص الذی یتوضأ للصّلاه فإنّ هذه الطهاره الظاهریّه توجد له النورانیّه والطهاره الباطنیّه.

ویقول الإمام علیه السلام: إذا أردنا تحقیق هذه النورانیّه وحقیقه الطهاره النفسانیّه فی الوضوء یجب أن نبتدیء بالنیّه الخالصه والقصد الکامل للّه تعالی کما فی سائر العبادات ولا یکون لنا قصد آخر غیر ذلک، أی أنّنا نهدف من هذه العباده التقرّب

ص:157


1- (1) . من لا یحضره الفقیه، ج 1، ص 41.

إلی اللّه تعالی واطاعه أمره وتحصیل النورانیّه الباطنیّه بذلک، فلو أنّ أحدهم قال إنّ الوضوء بالماء یتسبّب فی إیجاد النشاط والحیویه فی الإنسان ویقع عنه التعب والملل، إن تأثیر غسل الوجه بالماء من شأنه أن یزیل التعب الظاهری للإنسان، ولکن لا ینبغی أن یتوضأ الإنسان بهذه النیّه بل یکون نیّته امتثالاً لأمر اللّه تبارک وتعالی، وهکذا نری أنّ الإمام الصادق علیه السلام عندما یقول إنّ إخلاصک وصفاء نیّتک فی جمیع العبادات یجب أن یکون مثل صفاء الماء ونقائه، لأنّه فی ذلک الزمان عندما کان ماء المطر ینزل من السماء لا یختلط بأی شیء ویبقی علی صفائه الذاتی، وهکذا یجب أن یکون عمل الإنسان طالباً للّه تعالی وصافیاً ونقیاً من أی شوائب الأخری، وأی اختلاط بغیره.

«وَطَهِّر قَلْبَکَ بِالتَّقوی وَالیَقِینِ عِنْدَ طَهارَهِ جَوارِحِکَ بِالمَاءِ»(1)، فأنت تقوم بعملیّه تطهیر القلب من شوائب المعاصی والنوازع الأنانیّه والرذائل النفسانیّه فی عملیّه تطهیر أعضائک وجوارحک بالماء عند الوضوء، وهذا القلب الطاهر والمتطهّر هو القلب الذی لا تمتزج معه ذرّه من الشرک، ولو للحظه واحده، والقلب الطاهر هو القلب الخالی من وساوس الشیطان والخارج عن دائره حکومته وسلطته.

کما نری فی بعض الروایات وفتاوی الفقهاء، من الاستحباب أن یکون الإنسان فی جمیع حالاته متطهّراً ومع الوضوء، لأنّ أحد آثار هذه الطهاره أنّها تؤثر علی قلب الإنسان وتمنحه النورانیّه والصفاء وتمنع حضور الشیطان وساوسه فی أعماق النفس، وأساساً فإنّ المصلّی الذی یعیش بطهاره کامله وجامعه ویأتی بها بجمیع آدابها وشروطها وخاصّه الأذکار والأدعیه فی أجزاء الوضوء، فإنّه یجد الاستعداد الکامل نفسیاً للدخول فی الصّلاه ویحصل علی

ص:158


1- (1) . بحار الأنوار، ج 77، ص 339.

اللیاقه لیکون فی محضر الباری تبارک وتعالی ویعیش اللذّه فی مناجاته والتواصل معه.

وعلی هذا الأساس یجب أن نلتفت إلی أنّ الوضوء لیس فقط طهاره ظاهریّه بل یتسبّب وصولنا إلی الطهاره الباطنیّه، وإذا استطعنا الوصول إلی الطهاره الباطنیّه، فسوف نتمکّن من التوصل إلی حقائق الصّلاه وسائر العبادات وحتّی إلی باطن معانی ومفاهیم القرآن الکریم: «لا یَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ»1 ، نسأل اللّه تعالی أن یجعل قلوبنا جمیعاً نقیّه وطاهره.

ص:159

48- سرّ غسل الوجه والیدین فی الوضوء

یستفاد من الروایات أنّ الوضوء، مضافاً إلی هذا الظاهر، له حقیقه باطنیّه فی عالم الملکوت، فلا ینبغی أن یتصوّر أحد أنّ الوضوء عمل ظاهری وسطحی وقشری تماماً، ولا ینبغی أن یتصوّر أنّ غسل الوجه والیدین ومسح الرأس والقدمین عمل ظاهری فقط، ویقول ما هی آثار هذا العمل فی صلاه الإنسان؟ إذا تصورنا أنّ الوضوء هو هذه الأعمال الظاهریّه فقط، فهنا یبرز أمامنا مثل هذا السؤال، ولکن إذا تبیّن لنا أنّ للوضوء حقیقهً وملکوتاً وباطناً وهذا العمل والوضوء الظاهری مقدّمه للوصول إلی تلک الحقیقه، فلا یبقی مجال لمثل هذا السؤال.

وقد وردت روایه مهمّه فی کتاب «جامع أحادیث الشیعه»: جاء نفر من الیهود إلی رسول اللّه صلی الله علیه و آله فسألوه عن مسائل فکان فیما سألوه أخبرنا یا مُحمّد لأی علّه توضیء هذه الجوارح الأربع وهی أنظف المواضع فی الجسد؟ قال النبیّ صلی الله علیه و آله:

«لَمّا وَسوَسَ الشَّیطانُ إِلی آدَم علیه السلام دَنا مَنَ الشَّجرهِ فَنَظَرَ إِلیهَا فَذَهَبَ مَاءُ وَجْهِۀ»؛ وهو کنایه عن أنّ وجه النّبی آدم صار مکدّراً بسبب اقتربه من الشجره الممنوعه.

ص:160

«ثُمَّ قَامَ وَمَشَی إِلَیها وَهِیَ أَوَّلُ قَدَمٍ مَشَتْ إِلی الخَطِیئَهَ»؛ ففی عالم التکوین کانت قدم آدم أوّل قدم تتوجّه نحو الذنب والخطیئه.

«ثُمَّ تَناوَلَ بِیَدِهِ مِنهَا مَا عَلَیها فَأَکَلَ فَطَارَ الحُلِّیُ وَالحُلَلُ مِنْ جَسَدِهِ فَوَضَعَ آدَمُ یَدَهُ عَلَی امِّ رَأسِهِ وَبَکَی، فَلَمَّا تَابَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَیهِ فَرَضَ اللّهُ عَلَیهِ وَعَلی ذُرِّیَّتِهِ تَطهِیرَ هَذهِ الجَوَارحِ»؛ وهکذا أوجب اللّه تعالی علی الناس فی یوم القیامه تطهیر هذه الأعضاء والجوارح بهذه الکیفیّه التی ارتکب فیها آدم الخطیئه.

«فأَمَرَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِغَسلِ الوَجْهِ لَمَّا نَظَرَ إِلی الشَّجَرَهِ، وَأَمَرَه بِغسلِ الیَدَینِ إِلی المِرفَقَینِ لَما تَناوَلَ بِهِما، وأَمَرَه بِمسحِ الرَّأسِ لَما وَضَعَ یَدَهُ عَلَی امِّ رَأسِهِ، وَأَمَرَه بِمَسحِ القَدَمَینِ لَمَا مَشَی بِهِما إِلی الخَطیئَهِ»(1).

وهذا الحدیث الشریف الذی یتضمّن جواب النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله إلی ذلک الیهودی ویبیّن السرّ فی غسل الوجه والیدین، وأنّ المسأله تعود إلی ارتکاب آدم للخطیئه، فأمر اللّه تعالی بالوضوء بعنوان تکلیف علی آدم وذرّیته، ویمکننا استفاده عدّه نقاط من هذا الحدیث الشریف، إحداها، أنّ کلّ إنسان عادی یرتکب فی حیاته الخطأ بهذه الأعضاء من الوجه والعین والاُذن واللسان والفم و...

ولذلک عندما یغسل وجهه بالماء فإنّه یجب أن یفهم نفسه ویلقنها أنّه لا ینبغی لهذا الوجه أن ینصرف فی غیر طاعه اللّه، ویتلوّث المعصیه، فالوجه یجب استعماله فی طاعه اللّه وعبادته فقط.

فقد ورد فی دعاء الوضوء: «اللّهُمّ بَیِّض وَجْهِی یَومَ تَسوَدُّ فِیهِ الوِجُوهُ وَلا تُسَوِّد وَجهِی یَومَ تَبیضِ فِیهِ الوجُوه»(2)، وهذه الأدعیه یستحبّ قراءتها عند الوضوء.

فلو أنّ الإنسان المؤمن فی حال الوضوء کان ملتفتاً إلی هذه المفاهیم والآداب

ص:161


1- (1) جامع أحادیث الشیعه، ج 2، ص 282.
2- (2) الکافی، ج 3، ص 7.

فسوف یعلم أنّ هذا العمل العبادی لیس مجرّد عمل ظاهری وسطحی بحیث إنّ اللّه تعالی یقول لک: بما أننی ربّک وخالقک إنّی آمر بأن تفعل کذا وکذا ویجب علیک الامتثال والطاعه، کلّا، هذه الأعمال لها أسرار وإذا التفت الإنسان إلی هذه الأسرار ویتذکّر عندما یمسح علی رأسه آدم عندما وضع یده علی رأسه وینتبه لئلا یتحرّک عقله وفکره فی مسار غیر مسار العبودیّه والطاعه للّه تبارک وتعالی.

نسأل اللّه تعالی أن یعرفنا جمیعاً علی أسرار العبادات ولاسیما الصّلاه.

ص:162

49- أقسام الوضوء فی نظر العرفاء

جاء فی روایه شامله عن النّبی الأکرم صلوات اللّه وسلامه علیه، أنّه أشار إلی أنّ سرّ الوضوء یعود إلی تاریخ النّبی آدم علیه السلام وحادثه اقترابه من الشجره الملعونه، وعندما نقرأ کلمات بعض العرفاء فسوف نری أنّهم یذکرون ما ورد هذه الروایه ولکن فی قالب وببیان آخر، ویقسّم السیّد حیدر الآملی أعلی اللّه مقامه الشریف فی کتابه الجامع والنفیس باسم «أنوار الحقیقه وأطوار الطریقه وأسرار الشریعه»، الوضوء إلی ثلاثه أقسام:

1. وضوء أهل الشریعه. 2. وضوء أهل الطریقه.

3. وضوء أهل الحقیقه.

ثمّ یقول السیّد حیدر الآملی قدس سره: إنّ هذا التقسیم للوضوء ورد فی روایه عن النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله ولکن بتعبیر آخر، فهو یری أنّ وضوء أهل الشریعه هو هذه الأفعال الظاهریّه وطهاره أعضاء البدن وغسل الوجه والیدین ومسح الرأس والقدمین، وهکذا یأتی المکلّف بکلّ وضوء بتلک النیّه الظاهریّه.

ص:163

ولکن عندما یصل إلی بیان وضوء أهل الطریقه، یقول: إنّ أهل الطریقه علی أربع شعب، وهذه الشُعب الأربعه لا معنی لها فی الطهاره الظاهریّه، وهذه الشُعب عباره عن:

1. طهاره النفس؛ 2. طهاره العقل؛ 3. طهاره الباطن؛ 4. طهاره الأعضاء، وممّا یجدر ذکره فی هذا المقام أننا لا نقول بالتفکیک بین الشریعه والطریقه والحقیقه، وما ورد طبقاً للقرآن الکریم والعقل القطعی والأحادیث المسلّمه عدم التفکیک بین هذه الأمور، ولذلک بحسب الأدله القطعیّه فإنّ أهل الحقیقه لابدّ أن تتوفّر لدیهم جمیع خصوصیّات أهل الطریقه والشریعه، وکذلک فإنّ أهل الطریقه یجب أن تتوفّر لهم جمیع خصوصیّات أهل الشریعه.

أمّا طهاره النفس فتعنی أن یطهّر الإنسان نفسه من الرذائل الأخلاقیّه والصفات النفسانیّه الذمیمه ولا یسمح لنفسه أن تتخلّق بالصفات السیّئه، وتتلوّث بالأفعال القبیحه، وفی مجال طهاره العقل لا یسمح الإنسان للأفکار الباطله والعقائد الظالّه أن تجد الطریق إلی عقله، وفی مجال طهاره الباطن یسعی الإنسان لإبعاد باطنه وسرّه من النظر إلی الأغیار ولا ینظر أبداً بنظر الباطن إلی غیر اللّه بل یحصر توجّهه ومیله باللّه تعالی، وفی طهاره الأعضاء لا یرتکب الإنسان الأعمال المنافیه لشرع اللّه ولا یسمح لجوارحه بالید والقدم، والعین، والاُذن واللسان و... بأنّ تتلوّث فی مستنقع المعاصی ووحل الذنوب.

وبالإمکان ادراج هذا الکلام فی الروایه التی نقلها المرحوم الصدوق فی کتابه «من لا یحضره الفقیه» ویقول علیه السلام: «إِنَّ الوُضُوءَ عَلَی الوُضُوِ نُورٌ عَلی نُورٍ»(1)، فعندما یتوضأ الإنسان یحصل علی الطهاره الباطنیّه، ولذلک فإنّ هذا الوضوء نور، فإذا توضأ مرّه ثانیه دون أن یحدث حدثاً نقضاً للوضوء فسوف یکون هذا

ص:164


1- (1) . من لا یحضره الفقیه، ج 1، ص 41.

الوضوء الثانی نور علی نور، یعنی سینال هذا الإنسان مرتبه أعلی من الطهاره.

«وَمَنْ جَدَّدَ وُضُوئَهُ مِنْ غیرِ حَدثٍ آخرَ جَدَّدَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَوبَتَهُ مِنْ غَیرِ استِغفَارٍ»، هذا یعنی أنّ الوضوء الثالث بمثابه التوبه والعوده والإنابه إلی اللّه تبارک وتعالی بدون أن یصدر من استغفار.

وإذا کان الوضوء الثانی نور علی نور، فالوضوء الثانی یخلّف أثراً مضافاً إلی الوضوء الأوّل، وهذا کذا لو جدّد وضوءه المرّه الثّالثه فسوف یحصل علی نور آخر ویترتّب علیه أثر جدید، وبإمکاننا تذکیر هذه الآثار والمعطیات علی طهاره النفس وطهاره العقل وطهاره السرّ والباطن.

یقول الإمام الصادق علیه السلام فیما یخصّ النیّه وحقیقتها: إذا أراد الإنسان أن ینوی تحصیل الطهاره قربه إلی اللّه یجب علیه أن یعزم فی قلبه وباطنه: «أن لا یفعل فعلاً یخالف رضا اللّه»، وهکذا تکون جمیع عباداته خالصه للّه عزّ وجلّ، والنقطه المهمّه هنا أنّ هذا الشخص لا ینبغی أن یتصوّر أنّ النیّه الحقیقه تکون فقط بالنسبه إلی ذلک العمل، بل فی هذا الوضوء أیضاً النیّه الصحیحه والحقیقیّه هی أنّ الإنسان یعزم ویقرر بشکل حاسم أن لا یصدر منه أی فعل وعمل یخالف رضا اللّه تعالی، وینبغی أن یجعل حیاته ومماته للّه عزّ وجلّ، وهذه هی حقیقه النیّه الخالصه کما ورد فی سوره الأنعام، الآیه 162 و 163:

«قُلْ إِنَّ صَلاتِی وَ نُسُکِی وَ مَحْیایَ وَ مَماتِی لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِینَ * لا شَرِیکَ لَهُ وَ بِذلِکَ أُمِرْتُ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِینَ» ، فینبغی علی الإنسان المؤمن أن تکون جمیع أموره وحرکاته وسکناته ومنها القیام والعقود والنوم والیقظه والحیاه والممات کلّها للّه تبارک وتعالی، فعندما یرید أن یغسل وجهه بالوضوء یجب أن ینتبه إلی أنّ هذا الوجه الظاهری یحکی عن الوجه الباطنی ووجه القلب، إذن فکما أنّه یطهّر وجهه من التلوّث الظاهری یجب علیه أن یطهّر وجهه الباطنی أیضاً من التعلّق

ص:165

بالدنیا وحبّ الدنیا: «فاِنَّ الدُّنیا جِیفَهٍ وَطُالِبُها کِلابٌ فَالطّالبُ والمَطلُوبُ نَجِسانٍ»(1)، أو نقرأ فی قراءه أخری قوله علیه السلام: «حُبُّ الدُّنیا رَأسُ کُلُّ خَطِیئَهٍ وَتَرکِ الدُّنیا رَأسُ کُلِّ عِبَادَهٍ».

أمّا بالنسبه إلی غسل الیدین فی الوضوء یقول علیه السلام: «غَسلُهُما وَطَهارَتُهما عَمّا فِی قَبضَتِهما مِنَ النَّقدِ وَالجنسِ وَالدُّنیا والآخره»، وهذا فی الحقیقه انقطاع عن المتاع الدنیوی وکذلک الاُخروی.

«أَمَّا مَسحُ الرَّأسِ أَنْ یَمسَحَ رَأسَهُ الحَقِیقِی وَهُو العِقلُ أَو النَّفسِ»، وعندما یمسح الإنسان رأسه فی الوضوء فهو یرید فی الحقیقه أن یمسح رأسه الحقیقی وهو عقله ونفسه من التلوّثات الفکریّه والشکوک الشیطان والخیالات الباطله، أمّا مسح القدمین: «أَنْ یَمنَعها عَنِ المَشِی لِغیرِ رِضا اللّهِ»، ویقول حینها: لا أتحرّک بقدمی هاتین فی مسیر یخالف رضا اللّه تعالی.

وهکذا ندرک ما فی هذه الطهاره من النکات والحقائق الدقیقه المؤثره فی روحیه الإنسان وسلوکه فی حرکه الحیاه، فمثل هذا الشخص یشعر بالنورانیّه تحیط فی نفسه وتحیط به من کلّ جانب، لأنّ الأشخاص الغارقون فی المشاکل الدنیویّه ویعیشون الکآبه الروحیّه یتحرّکون لحلّ مشکلاتهم وفق الأفکار الخاطئه والحلول الباطله، وأفضل طریق للحلّ هو ما ذکر فی الفکر الدینی، فالشخص الذی یشعر بعدم الراحه والکآبه والقلق والاضطراب، عندما یتوجّه للوضوء، فإنّ هذا الوضوء والطهاره تخلق له حفظاً وحصناً من النور وتمنحه السکینه واستقرار النفس مضافاً إلی أنّه بعد الوضوء یصلّی رکعتین بحضور القلب، فالباری تعالی یقول: «أَلا بِذِکْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»2.

ص:166


1- (1) مصباح الشریعه، ص 138.

50- تأثیر الدعاء والذکر عند الوضوء

نتابع ذکر الروایات والأحادیث الشریفه المتعلّقه بأسرار الطهاره فی الصّلاه، فقد وردت روایه عن أمیرالمؤمنین علیه السلام فی کتاب «جامع أحادیث الشیعه» أنّ الإمام علیه السلام قال: «مَا مِنْ مُسلِم یَتَوضأ فَیقَُولُ عِندَ وُضُوئِه: «سُبحَانَکَ اللَّهُمَّ وَبِحَمدِکَ أَشْهَدُ أَنْ لاإِلهَ إِلّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُکَ وَأَتُوبُ إِلَیکَ، اللّهُمَّ اجعَلنِی مِنَ التَّوابِینَ وَاجعَلنِی مِنَ المُتَطَهِّرِینَ إِلّا کُتِبَ فِی رِقٍّ وَخُتِمَ عَلَیها ثُمَّ وُضِعَتْ تَحتَ العَرشِ حَتّی تُدْفَعَ إِلَیهِ بِخَاتَمِها یَومَ القِیامَهِ»(1)، هذه الکلمات والعبارات الوارده فی کلام أمیرالمؤمنین علیه السلام ترتبط ارتباطاً وثیقاً بفلسفه تشریع الوضوء، فعندما یتوضأ الإنسان فلماذا یقول هذه العبارات، ولماذا یجب أن یتشهد بشهاده التوحید، ولماذا یستغفر؟ لأنّ الطهاره عباره عن استغفار واقعی للإنسان، فهذا الشخص عندما یتوضأ یعود إلی اللّه تبارک وتعالی کما ذکرنا فی قصّه النّبی آدم علیه السلام.

یقول أمیرالمؤمنین علیه السلام: إنّ الإنسان إذا تکلّم بهذه الکلمات فی حال وضوئه

ص:167


1- (1) . مستدرک الوسائل، ج 1، ص 321؛ جامع أحادیث الشیعه، ج 2، ص 260.

وطلب من اللّه تعالی أن یجعله فی زمره التوابین والمتطهرین، فإنّ اللّه تبارک وتعالی یکتب هذه الکلمات فی ورقه، وهذه کنایه علی أنّ هذه الکلمات لا تذهب هدراً بل تکون مثبته عند اللّه، وهناک ملائکه مأمورون بکتابه هذه الکلمات وحفظها ثمّ الختم علیها ووضعها وحفظها تحت العرش إلی یوم القیامه فتعاد لصاحبها، وعندما نقرأ أنّ الإنسان المؤمن عندما یأتی یوم القیامه سیکون لها نور یهدیه إلی الجنّه وهذا النور هو تلک الأعمال والعبادات والطاعات التی عملها الإنسان فی هذا العالم وأرسلها إلی آخرته، وطبقاً لهذا الحدیث الشریف أنّ کلّ وضوء یتحوّل إلی نور یضیء الطریق لهذا الإنسان لیتحرّک بسرعه وبراحه إلی الجنّه، وینبغی الالتفات إلی هذه الحقیقه وهی حقیقه الوضوء ما هی؟ وخاصّه الآداب والأذکار فی حال الوضوء حیث ینبغی علینا تعلّمها بمقدار الإمکان ونقرأها فی حال الوضوء ونقرأ هذه الأدعیه والأذکار حال الوضوء حتماً، ولا یکون حالنا أن نتوضأ عشرات السنین ولکن لا نفهم ما هی الغایه من هذا الوضوء؟ وبالتالی لا نحصل علی ذلک الإحساس والنورانیّه الناشئه من طهاره الباطن.

ص:168

51- أسرار الوضوء فی حدیث المعراج

وإحدی الروایات الوارده فی مسأله أسرار الطهاره، الروایه الوارده فی کتاب «علل الشرائع» ضمن حدیث المعراج عن النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله: «قَالَ رَبِّی عَزَّ وَجَلَّ یا مُحَمَّدُ صلی الله علیه و آله مُدَّ یَدَکَ فَیَتَلقَّاکَ مَا یَسیلُ مِنْ سَاقِ عَرشِی الأَیمَنِ، فَنَزَلَ المَاءُ فَتَلَقَّیتُهُ بِالیَمِینِ فَمَنْ أَجلِ ذَلِکَ أَوَّلُ الوُضُوءِ بِالیَمِنی، ثُمَّ قَالَ یا مُحَمَّدُ خُذ ذَلِکَ فاغسِل بِهِ وَجهَکَ وَعَلَّمَهُ غَسلَ الوجَه، فإنَّکَ تُرِیدُ أَنْ تَنظُرَ إِلی عَظَمَتِی وإِنَّکَ طَاهِرٌ».

عندما یسمع الإنسان هذه العباره أو یقرأها فماذا سیکون حاله؟ نحن نغسل وجهنا فی الوضوء لأننا نرید بذلک ملاقاه الباری تعالی والحدیث معه ومناجاته، فینبغی أن یکون هذا الوجه طاهراً فی ظاهره وباطنه أیضاً، والنّبی الأکرم صلی الله علیه و آله الذی یملک مقام النبوّه عندما أراد فی معراجه النظر إلی عظمه اللّه وجب أن یکون طاهراً، والصّلاه بدورها عندما تکون معراج المؤمنین فیما لو کانت مقترنه بالطهاره الصحیحه، ونحن فی صلاتنا نتحرّک فی الحقیقه بنحو من أنحاء المعراج إلی اللّه: «الصَّلاهُ مِعرَاجُ المُؤمِن» فالإنسان بهذه الصّلاه یعلّق فی عوالم الملکوت

ص:169

ثمّ یعود إلی هذا العالم.

«ثُمَّ اغسِل ذِراعَیکَ الیَمینَ وَالیَسارَ وَعَلَّمَهُ ذَلِکَ فإِنَّکَ تُریدُ أَنْ تَتَلقَّی بِیدِیکَ کَلامِی»، لماذا وجب غسل علی النّبی صلی الله علیه و آله غسل الیدین؟ تقول الروایه: بأنّک ترید أن تتلقّی بیدک کلامی، یعنی أنّ الغرض من غسل الیدین هو من أجل أن نحضر فی مقام القرب الإلهی ونقف فی محضر اللّه بید طاهره ونطلب منه ما یسعنا من رحمته ولطفه، فلا یمکن أن یصلّی المؤمن ولا یتحدّث مع اللّه ولا یطلب منه شیئاً، ولو طلب منه شیئاً فلا یمکن أن لا یعطی له شیء، والنّبی الأکرم صلی الله علیه و آله ومن أجل تسلّم کتاب الوحی یجب أن یکون ظاهر یدیه طاهرتین أیضاً.

«وَامسَح بِفَضِلِ مَا فِی یَدَیکَ مِنَ المَاءِ رَأسَکَ وَرِجلَیکَ إِلی کَعبَیکَ، وَعَلَّمَهُ المَسحَ بِرَأسِهِ وَرِجلَیهِ وَقَالَ إِنِّی أُرِیدُ أَنْ أَمسحَ رَأسَکَ وَاُبارِک عَلَیهِ»، وهذه العباره عمیقه المغزی وزاخره بالمعنی، یقول اللّه تبارک وتعالی: یا محمّد! امسح یدیک علی رأسک لماذا؟ لأنّی ارید أن أمسح رأسک بالبرکه وأجعلک مبارکاً، فماذا یعنی هذا؟ یعنی أنّ اللّه تبارک وتعالی أراد أن یهب للنبی برکات وفیوضات علی فکر وعقله ولکن الشرط الأولی الظاهری، هو أن یمسح الإنسان رأسه بماء الوضوء، وهذا الأمر یشیر إلی أننا یجب أن نجعل فکرنا وعقلنا حصراً للّه فقط، لأنّ الفهم أو الذهن هو محل نزول الفیوضات الربانیّه علی الإنسان.

ثمّ یقول: «فَأمَّا المَسحُ عَلَی رِجلَیکَ فَإِنّی أُرِیدُ أَنْ أُوطِئکَ مَوطئِاً لَمْ یَطَأهُ أَحَدٌ قَبلَکَ وَلا یطؤُهُ أَحدٌ غَیرَکَ فَهذا عِلَّهُ الوُضُوء»، وهکذا نری أنّ النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله وصل إلی مقام «ثُمَّ دَنا فَتَدَلّی * فَکانَ قابَ قَوْسَیْنِ أَوْ أَدْنی»1 ،، فقال اللّه، ارید أن أجعل قدمیک فی مکان ومحلّ لم یضع أحد قدمه علیه حتّی جبرئیل.

والآن بعد أن نال النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله تلک المرتبه العالیه وذلک المقام السامی فی

ص:170

سلوکه الإلهی والمعنوی، فنحن کبشر عادیین یجب علینا أن نمسح أقدامنا لأننا نرید أن نتقدّم خطوه فی صلاتنا نحو مقام القرب الإلهی، فلو أننا واقعاً نعیش هذا التوجّه والالتفات إلی هذه الحقیقه فإنّ اللّه تعالی سیبارک علی هذه الأقدام، إذن تلاحظون أنّ الوضوء یتضمّن أسرار وحقائق عمیقه ولا ینبغی لنا أن نعیش الغفله عنها، ومن المناسب أنّ الإنسان فی حال اسباغ الوضوء أن یتذکر هذه العبارات وطبعاً لابدّ من الاستمداد من نظر اللّه ولطفه ویتذکر الإنسان هذه العبارات أثناء الوضوء ویستطیع إیجاد تحوّل فی باطنه والحصول علی تلک النورانیّه فی الوضوء بحیث یشعر بها فی وجوده وباطنه ویعیش بهذه النورانیّه حیاه سعیده فی الدنیا والآخره.

نسأل اللّه تبارک وتعالی أن یجعلنا جمیعاً من أهل الحضور فی ساحه قدسه إن شاء اللّه.

ص:171

52- وضوء أهل الحقیقه (طهاره السرّ)

ذکرنا لحدّ الآن أنّ الإنسان لا یستطیع بدون أداء الطهاره الصحیحه أن یصل إلی باطن الصّلاه وحقیقتها، وفی الطهاره نفسها یجب أن یلتفت المصلّی إلی ملکوت الطهاره وحقیقتها وباطنها، ویعلم أنّ وراء هذه الأفعال الظاهریّه، أی غسل الوجه والیدین، تطهیراً فی باطنه أیضاً، ویجب علینا تحصیل الطهاره الباطنیّه من طهاره القلب والعقل والنفس، فلو أنّ المصلّی أسبغ وضوءه بمثل هذا العمق والدقّه وبهذا الالتفات إلی حقیقه الطهاره فستکون صلاته بشکل آخر وسینال مرتبه أقرب إلی اللّه.

وفی هذا المجال ورد فی روایه وحدیث قدسی متفق علیه بین الشیعه وأهل السنّه، أنّ اللّه تبارک وتعالی یقول: «لا یَزالُ العَبْدُ یَتَقَرَّبُ إِلَیَّ بِالنَّوافِلِ حَتّی أَحِبَّهُ»(1)، وهذا التعبیر، رغم أنّه ورد فی خصوص النوافل، لکن إذا أدّی الإنسان ما علیه من الواجبات والعبادات بشکل دقیق وعمیق فسوف تؤثر هذه الخصوصیّه فی

ص:172


1- (1) . روضه المتقین، ج 12، ص 209.

وجوده أیضاً، ولو أنّ المصلّی أسبغ الوضوء مع رعایه شروطه وخصوصیّاته بشکل کامل فسوف یصل إلی طهاره النفس والباطن وسیکون محبوباً للباری تبارک وتعالی.

«فإِذَا أَحببتُهُ کُنتُ سَمعَهُ وَبَصرَهُ وَلِسانَهُ وَیَدَهُ وَرِجلَهُ، فَبِی یَسمعُ وَبِی یَبصُرُ وَبِی یَنطِقُ وَبَی یَبطِشُ وبِی یَمشی»، هذا یعنی أنّ هذا الشخص کلّ ما ما یسمعه أو یراه أو ما ینطقه بلسانه فسوف یکون ذلک بمشیئه اللّه وإرادته، فالشخص الذی یقع محبوباً للذات المقدّسه فإنّ اللّه تعالی فی الحقیقه هو الحاکم علی وجوده وهو مالک لتصرفاته وسلوکیاته، وعندما نتحدّث عن سرّ وحقیقه الطهاره فنری أنّ هذا الأثر یترتّب أیضاً علیهما.

یقول المرحوم السیّد حیدر الآملی فی کتابه «أنوار الحقیقه وأطوار الطریقه وأسرار الشریعه» فی بحث وضوء أهل الحقیقه وهی المرتبه الثّالثه والعالیه من مراتب الوضوء: «طَهارهُ السِّرِّ عَنْ مُشاهَدَهِ الغَیر»، أی أنّ طهاره أهل الحقیقه، وهم الذین وصلوا إلی أعلی مرحله فی الکمال الإلهی والمعنوی بحیث إنّ سرّهم وضمیرهم لا یشاهد سوی اللّه تعالی، فکلّ ما یراه هذا العارف فهو یری اللّه، وعندما یغسل وجهه فهو فی الحقیقه یغسل الوجه الحقیقی له، أی سرّه وباطنه من التلوّث والتوجّه إلی ما سوی اللّه ویتعهّد فی نفسه ویلزم نفسه أن لا یری سوی اللّه تعالی ویطهّر وجهه من رؤیه اللّه تعالی: «فَأَیْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ...»1 ، «إِنَّهُ بِکُلِّ شَیْ ءٍ مُحِیطٌ»2 ، ویعلم أنّه کلما التفت إلی أی شیء فإنه یری وجه اللّه فیه، وکلّ ما هو موجود فی العالم من الکائنات واقع فی دائره الاحاطه الربوبیّه له، یقول السیّد حیدر الآملی قدس سره: وهذا التوجّه هو ما ورد عن توجّه إبراهیم علیه السلام للّه تعالی حیث قال:

ص:173

«إِنِّی وَجَّهْتُ وَجْهِیَ لِلَّذِی فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِیفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِکِینَ»1 .

ثمّ یشیر السیّد حیدر الإملی قدس سره إلی غسل الیدین: «عبارهُ عَن عَدمِ الالتفاتِ إِلی مَا فِی یَدیهِ مِن متاعِ الدُّنیا والآخرهِ»، فعندما یغسل الإنسان یدیه یقول: إننی لا التفت بعد الآن إلی ما فی یدی من متاع الدنیا والآخره، أمّا متاع الدنیا فهو من قبیل المال والمقام الأهل والأولاد، ومقام الآخره الطاعات والعبادات، یعنی أنّ هذا الإنسان یصل إلی مرتبه یری نفسه فارغاً ممّا فی الدنیا والآخره ویدیه صفر من متاع الدنیا والآخره، حتّی لو أنّه قضی عمره فی العباده فهذه الأعمال لا تساوی شیئاً عند أهل المعرفه، لأنّ رؤیه الطاعه والعباده عند أهل المعرفه هو معصیه بذاته، فعندما تقول: أنا الذی فعلت کذا وکذا من العبادات، أی أننی عبدت اللّه عشر سنوات أو سبعین سنه، فمثل هذا الالتفات إلی النفس یعدّ معصیه بذاته، فلا ینبغی لنا أن نلتفت إلی هذه الأعمال العبادیّه، لأنّه أوّلاً أنّ التوفیق لأداء هذه الأعمال کان بعنایه اللّه ولطفه وإلّا نحن لا نستطیع علی القیام بذلک بدون العنایه الإلهیّه، وثانیاً، ینبغی أن نأمل أن یتقبّل اللّه تعالی بفضله وکرمه ولطفه.

وقد ورد فی الروایه التی ینقلها ابن أبی الجمهور الاحسائی فی «عوالی اللئالی» وقال: «الدّنیا حَرامٌ عَلَی أَهلِ الآخِرَهِ»، فالأشخاص الذین یریدون الوصول إلی مراتب عالیه فی الآخره فإنّ الدنیا تعتبر سمّاً مهلکاً لهم فیجب علیهم الإعراض عنها.

«وَالآخِرَهُ حَرامٌ عَلَی أَهلِ الدُّنیا»، لأنّهم سلکوا فی خطّ الشیطان وتحرّکوا فی طلب الدنیا والمال والمقام، ولهذا فالحیاه الطیّبه فی الآخره حرام علیهم.

ص:174

«وَهُمَا مَعَاً حَرامَان عَلَی أَهلُ اللّهِ»(1)، وهذا یعنی أنّ أهل اللّه یتوجّهون فقط وفقط إلی اللّه تعالی، ولا ینظرون أبداً إلی متاع الدنیا ولا متاع الآخره.

ویتابع المرحوم السیّد حیدر الآملی کلامه فی مسح الرأس ویقول: «عِبارهُ عَنْ تَنزیه سِرِّهِ وتَقدیس باطِنِهِ الّذی هُو الرَّأسُ الحَقِیقِی»، والمسح علی الرأس یقصد به تنزیه الرأس الحقیقی وهو باطنه من تلوّث الأنانیّه وکلّما یقصد به غیر اللّه فی فکره ونفسه، فالشخص الذی یشاهد غیر اللّه ویتوجّه إلی غیره هو مشرک عند أهل المعرفه «کُلُّ مَنْ شاهَدَ الغیرَ فَهُوَ مُشرِکٌ وَکُلُّ مُشرِک نَجسٌ وَالنَّجِسُ لَیسَ لَهُ طَریقٌ إِلی عالَم القُدس»، وهذه الموارد والمفاهیم کلّها مقتبسه من الآیات القرآنیّه أو الروایات الشریفه، وتوجد فی الوضوء أسرار ونکات وخفایا کثیره إذا التفت إلیها الإنسان من موقع الفهم والعمق فسوف یرد عالماً آخر وتنکشف له حقائق خفیّه وتزول عن بصیرته ستائر وحجب، ومثل هذا الوضوء من شأنه أن یخلق حاله حضور القلب للمصلّی، نسأل اللّه تعالی أن یرزقنا جمیعاً هذه النعمه العظیمه إن شاء اللّه.

ص:175


1- (1) . عوالی اللئالی، ج 4، ص 119.

53- أذکار أمیرالمؤمنین علیه السلام عند الوضوء

ورد التأکید الکثیر فی کتبنا الروائیّه علی استذکار الأدعیّه الخاصّه والأسرار الوارد عن الوضوء، فالوضوء إذا اقترن بهذه الأدعیه والأذکار فسوف تکون له حقیقه أخری ویکون هذا الشخص مستعداً للصعود فی عبادته وصلاته إلی مراتب علیا، وقد ورد فی روایه صحیحه عن أمیرالمؤمنین علیه السلام فی کتاب «الکافی»(1) ، تبیّن آداب الوضوء، یروی عبداللّه بن الکثیر عن الإمام الصادق علیه السلام أنّ أمیرالمؤمنین علیه السلام کان جالساً وطلب من ولده محمّد بن الحنفیه أن یأتی له بماء لیتوضأ، فعندما أتی له بالماء أخذ بیده الیمنی کفّاً من الماء وصبّه علی یده یسری وذکر هذا والذکر: «بِسمِ اللّهِ الحَمْدُ الَّذی جَعَلَ المَاءَ طَهُوراً وَلَمْ یَجعَلْهُ نَجِساً»، ثمّ دعاء بهذا الدعاء: «اللَّهُمَّ حَصِّنْ فَرْجِی وَاعِفَّهُ وَاستُر عَورَتِی وَحَرِّمها عَلَی النَّارِ».

ثمّ إنّه تناول مقداراً من الماء واستنشق منه بأنفه ودعا بهذا الدعاء:

«اللّهُمَّ لاتُحَرُّمْ عَلَیَّ رِیحَ الجَنَّه، وَاجعَلنِی مِمَّنْ یَشُمُّ رِیحَها وَطِیبَها وَرَیحَانَها».

ص:176


1- (1) الکافی، ج 3، ص 70.

ثمّ إنّه علیه السلام وضع مقداراً من الماء فی فمه المبارک وتمضمض به وقال: «اللَّهُمَّ انْطِقْ لِسانِی بِذِکْرِکَ وَاجعَلنِی مِمَّنْ تَرضی عِنهُ»، وجاء فی بعض النسخ بدلاً من کلمه «انطق»، «اطلق»، أی أطلق لسانی بذکرک بحیث یکون مشغولاً بذکرک دائماً.

إذا کان وضوء الإنسان مقترناً مع هذه الأذکار وبخاصّه هذا الذکر «اللَّهُمَّ انْطِقْ لِسانِی بِذِکْرِکَ...»، فیتبیّن أنّ الإنسان حتّی لو أراد الدعاء والمناجاه مع اللّه فإنّ اختیار لسانه بید الباری تعالی ولا یتحرّک ولا ینطق إلّابمشیئه اللّه، أی لابدّ أن تشمله العنایه الإلهیّه لیکون لسانه قابلاً ولائقاً لمناجاه اللّه، وفی الکثیر من الأوقات یجد الإنسان نفسه یدعو اللّه تعالی بکلّ راحه ویقرأ القرآن أو یصلّی ولا یحسّ بالملل، ولکن أحیانا لا یوفّق لقراءه آیه واحده أو دعاء مختصر ولا یجد فی نفسه المیل والشوق لذلک، فیتبیّن أنّ الدعاء والمناجاه لابدّ لها من توفیق ربانی وعنایه الإلهیّه.

وعند غسل الوجه دعا أمیرالمؤمنین علیه السلام بهذا الدعاء: «اللّهُمَّ بَیِّضْ وَجْهِی یَومَ تَسوَدُّ فِیهُ الوُجُوه وَلا تُسَوِّدْ وَجهِی یَومَ تَبیَضُ فِیهِ الوُجُوهُ».

وعند غسل یدیه الیمنی قال علیه السلام: «اللّهُمَّ لاتعطِنِی کِتَابِی بِیَمِینِی وَالخُلدَ فِی الجِنانِ بِیسَارِی».

وعندما غسل یده الیسری قال علیه السلام: «اللّهُمَّ اعطِنِی کِتَابِی بِشِمالِی وِلا تَجعَلهَا مَغْلُولَهً إِلی عُنُقِی»، ثمّ مسح رأسه المبارک وقال: «اللّهُمَّ غَشنِی بِرَحمَتِکَ وَبَرکَاتِکَ وَعَفوُکَ».

وعند مسح قدمیه قال علیه السلام: «اللّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمِی عَلَی الصِّراطِ یَومَ تَزِلُ فِیهِ الأقدامُ وَاجعَل سَعیی فِیما یُرضِیکَ عَنْهُ»، هذه هی الأدعیه والأذکار التی کان الإمام أمیرالمؤمنین علیه السلام یدعو بها عند الوضوء.

ص:177

54- باطن الوضوءتبدیل قطرات ماء الوضوء إلی ملائکه

استعرضنا روایه للإمام الصادق علیه السلام ینقل فیها دعاء الإمام أمیرالمؤمنین علیه السلام فی حال الوضوء وتعرّفنا علی مضامین هذه الأدعیه والأذکار، ونری من اللازم أن یقرأ کلّ إنسان هذه الأدعیه والأذکار عندما یتوضأ، یذکر اللّه وکذلک یتذکّر المعاد ویتذکّر الأمور الأخلاقیه الملازمه لإنسانیّته، وبعد أن أنهی أمیرالمؤمنین وضوءه التفت إلی ولده وقال: «یا مُحَمّدُ! مَنْ تَوَضّأ مِثلَ مَا تَوُضُأتُ وَقَالَ مَثلَ مَا قَلتُ خَلَقَ اللّهُ مِنْ کُلِّ قَطرَهٍ مَلَکَاً یُقَدِّسُهُ وَیُسَبِّحُهُ وَیُکَبِّرُهُ وَیَکتُبُ لَهُ ثَوابَ ذَلِکَ إِلی یَومِ القِیامَهِ»، والنقطه المهمّه جدّاً التی ینبغی علی الجمیع الالتفات إلیها فی ختام الروایه أنّ الإمام علیه السلام قال: إنّ کلّ شخص یتوضأ مثل هذا الوضوء، وهو وضوء أتباع أهل البیت علیهم السلام والذی تعلموه من مدرسه أهل البیت علیهم السلام، وهو الوضوء نفسه الذی توضأه رسول اللّه صلی الله علیه و آله، فمن توضأ بمثل هذا الوضوء ودعا بهذه الأدعیه والأذکار فإنّ اللّه تعالی یخلق من کلّ قطره ملکاً یسبّح اللّه ویقدّسه ویکتب هذا

ص:178

الذکر والتسبیح من الملک لصاحب هذا الوضوء فی صحیفه عمله.

وفی هذه الروایه عدّه نقاط مهمّه ینبغی الالتفات إلیها:

الاُولی، أنّ أمیرالمؤمنین علیه السلام لم یکن بصدد بیان ثواب الوضوء فقط بل فی مقام بیان حقیقه الوضوء، فهو لا یرید أن یقول إنّ الشخص الذی یتوضأ فإنّ اللّه تعالی سیکتب له الثواب، بل یرید أن یبیّن حقیقه هذا العمل وباطنه وأجزاءه، یعنی أنّ ذلک الماء الذی یجری علی بدن الإنسان المؤمن مقترناً بالذکر اللّه وبتلک الکیفیّه الشرعیّه فإنّ حقیقه قطرات هذا الماء تتمثّل بشکل ملک من الملائکه، یعنی هناک ملک بإزاء کلّ قطره من قطرات ماء الوضوء، وعمل هؤلاء الملائکه الکثیرین الذین خلقوا من قطرات هذا الماء أنّهم یحمدون اللّه ویقدّسونه إلی یوم القیامه، ولا یتصوّر أحد أنّ هذه الروایه تذکر فقط ثواب الوضوء، کلّا، إنّ هذه الروایه تبیّن حقیقه قطرات ماء الوضوء والتی تتمثّل فی هیئه الملائکه.

النقطه الثّانیه، أنّ خصوصیّات هذه الروایه وتمثّل قطرات ماء الوضوء بالملائکه لا یختصّ بأمیرالمؤمنین علیه السلام، فالإمام هنا یقول إنّ کلّ شخص إذا توضأ مثل وضوئی وذکر هذه الأذکار والأدعیه فسوف یخلق اللّه ملکاً من کلّ قطره من ماء وضوئه، ورغم أنّ نوع البشر عاجزون عن الاتیان بمثل هذا الوضوء وبهذه الکیفیّه والخصوصیّات ولذلک ذکر بعض الأعاظم والأکابر أنّ هذا المعنی یعدّ من خصوصیّات أمیرالمؤمنین علیه السلام أو الأشخاص الذین بمثل مقامه وتالی تلوه وعلی مقربه منهم فی مراتب الکمال المعنوی والإلهی.

إنّ بعض الشخصیات من الأولیاء یعیشون النور الإلهی فی جمیع وجودهم وبعیداً عن کلّ رجس وذنب ورذیله، فمثل هذا الشخص الطاهر المطهّر من کلّ رجس وذنب إذا توضأ فإنّ وضوءه یحمل مثل هذه الخصوصیّه والثمره، ولکن یمکن القول إنّ المستفاد من هذه الروایه الشریفه أنّ اللّه تبارک وتعالی قد یرتّب

ص:179

مثل هذه الآثار والثمرات بفضله وکرمه ولطفه علی جمیع العباد الذین یتوضأون مثل هذا الوضوء، أی بمثل وضوء أمیرالمؤمنین علیه السلام وبالترتیب المذکور ومع رعایه آدابه والأدعیه والأذکار الوارده مع الالتفات والاعتقاد بمضامینها ومعانیها، یعنی عندما یقول: «اللّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمِی عَلَی الصِّراطِ یَومَ تَزِلُ فِیهِ الأقدامُ...»، فإنّه یری واقعاً یوم القیامه وجسر الصراط ویجد فی نفسه القلق والاضطراب من حالته فی ذلک الیوم الرهیب، فرعایه آداب الوضوء والتوجّه إلی معانی هذه الأذکار والمعتقدات الوارده فی هذه الأدعیه قد یتفق لبعض الناس أیضاً.

وأساساً إذا قلنا إنّ مثل هذه الخصوصیّات یعنی خلق الملائکه من قطرات ماء الوضوء یختصّ بأمر المؤمنین علیه السلام وفعل هذا الإمام، إذن فلماذا یقول الإمام علیه السلام:

«مَنْ قَالَ مِثلَ قَولِی وَتَوضّأ مِثلَ وُضُوئِی»، فلو کان الآخرون عاجزین واقعاً عن الوصول إلی هذه الحقیقه فما هی الثمره والنتیجه المترتبه علی هذه الحقیقه؟ فما یقوله البعض أنّ هذا الأمر یختصّ بالإمام أمیرالمؤمنین علیه السلام خلاف لظاهر الحدیث، وعندما نستعرض الروایات الوارده فی باب الوضوء ونتمعّن فیها فسوف نری کثره الآثار والبرکات الإلهیّه المترتبه علی مثل هذا الوضوء.

إذن، یبدو أنّ هذا الأمر لا یختصّ بأمیرالمؤمنین علیه السلام بل إنّ هذه الروایه تعکس مراتب الطهاره ووجود فرق بینها، فذلک الملک الذی یخلق من قطرات ماء وضوء أمیرالمؤمنین علیه السلام یختلف قطعاً عن ذلک الملک الذی یخلق من قطرات ماء وضوء الشخص العادی، فدرجات الملائکه تختلف بحسب اختلاف مراتب طهاره الأفراد، وهذا هو ما ثبت فی محلّه، إذن فلا معنی للقول إنّ الآخرین محرومون من الوصول إلی هذه المرتبه.

النقطه الثّالثه، یستفاد من هذه الروایه أیضاً أنّ الوضوء حتّی لو لم یکن بنیّه

ص:180

الصّلاه بل یتوضأ المؤمن لمجرّد الطهاره مع توفّر شروط الوضوء فإنّ هذه الآثار والبرکات ستترتّب علیه أیضاً.

وأمّا هذه الروایه فلا تدلّ علی أنّ هذا الشخص المتوضیء یقصد من ذلک الصّلاه بعده، فلم یُذکر فی هذه الروایه قید وشرط بعنوان الصّلاه، ولذلک ینبغی علی المؤمنین الالتفات إلی هذه الحقائق واستثمارها والسعی یکونوا دوماً علی وضوء وطهاره ولیعلموا کثره البرکات والثمرات المترتبه علی الوضوء، علیهم رعایه الأذکار والأدعیه الوارده فی حال الوضوء لئلا یفقدوا هذه العنایات الإلهیّه الکبیره ویحرمون أنفسهم من لطف اللّه تعالی، ورعایته.

ص:181

55- آثار وفوائد الوضوء

إنّ أحد آثار الوضوء إیجاد النورانیّه فی باطن الإنسان، وحقیقه هذا الوضوء خلق الملائکه من قطرات هذا الماء لیسبحوا اللّه تبارک وتعالی ویکبّروه إلی یوم القیامه، ولعل البعض یخطر فی ذهنه أنّ الوضوء بما أنّه مقدّمه وشرط من شروط الصّلاه فلا یحظی بأهمیّه کبیره، فی حین یجب علینا الالتفات إلی أنّ الوضوء فی ذات کونه شرطاً للصّلاه فإنّه فی نفسه عمل عبادی مهمّ جدّاً وتترتّب علیه آثار مهمّه أیضاً، وقد وردت الروایه الشریفه فی کتاب «الکافی»(1) عن محمّد بن قیس یقول:

«سِمِعْتُ أَبَاجَعفَر علیه السلام یَقولُ وَهُوَ یُحَدِّثُ النّاسِ بِمَکّه: صَلّی رَسُولُ اللّهِ صلی الله علیه و آله الفَجرَ»

مع أصحابه إلی أن طلعت الشّمس وقام الأصحاب واحداً بعد الآخر وذهبوا:

«حَتَّی لَمْ یَبقَ مَعَهُ إِلّا رَجُلانِ»، أحدهما من الأنصار والآخر من قبیله ثقیف، فالتفت إلیهما رسول اللّه صلی الله علیه و آله وقال:

ص:182


1- (1) . الکافی، کتاب الطهاره، باب النوارد، ح 7.

«قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ لَکُما حَاجَهٌ وَتُریدانِ أَنْ تَسألا عَنها فإِنْ شِئتُما أَخبَرتُکُما بِحَاجَتِکُما قَبلَ أَنْ تَسألانِی»، قالا: «فَإِنْ ذَلِکَ أَجلَی للعَمی وَأَبعَدُ مِنَ الإِرتِیابِ وَأَثبَتُ للإِیمَانِ» قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله:

«أَمَّا أَنتَ یاأَخا ثَقِیف فإِنَّکَ جِئتَ تَسأَلَنِی عَنْ وُضُوئِکَ وَصَلاتِکَ ما فِی ذَلِکَ مِنْ الخَیرِ»، ثمّ إنّ النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله التفت إلی الأنصاری وقال له: إنّک تسأل عن الحجّ والعمره، وما نحن بصدد الإشاره إلیه هو جواب النّبی صلی الله علیه و آله عن سؤال الثقفی فیما یتّصل بالوضوء.

هنا یقول النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله فی جوابه: «أَمَّا وُضُوؤکَ فَإِنَّکَ إِذا وَضَعتَ یَدَکَ فِی إِنائِکَ ثُمَّ قُلتَ بِسمِ اللّهِ تِنَاثَرتْ مِنها مَا اکْتَسَبتَ مِنَ الذُّنُوبِ، فإذَا غَسَلْتَ وَجهَکَ تَناثَرتْ الذُّنُوبُ الَّتِی اکتَسَبتَها عَینَاکَ بِنظرِهِما وفُوکَ، فَإِذا غَسَلتَ ذِراعَیکَ تَناثَرتْ الذُّنُوبُ عَنْ یَمِینِکَ وَشِمالِکَ، فإِذا مَسَحْتَ رَأسَکَ وَقَدَمَیکَ ِ تَناثَرتْ الذُّنُوبُ الّتِی مَشیتَ إِلَیها عَلَی قَدَمَیکَ».

أیّها الإنسان، تأمّل ما فی الوضوء من آثار وبرکات عظیمه، فیستطیع الإنسان بوضوء واحد أن یتطهّر تماماً من الذنوب والآثام التی تلوّثت بها أعضاؤه وجوارحه، وقد ورد فی أحادیث أخری أنّ النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله قال: «إنّ قَالَ فِی آخرِ وُضُوئِهِ وغُسلِهِ أَشْهَدُ أَنْ لاإِلهَ إِلّا أَنتَ وَأَتُوبُ إِلَیکَ وأَشْهَدُ أَنّ مُحَمِّداً عَبْدُ هُوَرَسُولُهُ وأَشْهَدُ أَنَّ عَلِیّاً وَلِیِّکَ وَخَلِفَتِکَ بَعدَ نِبیِّکَ عَلَی خَلقِکَ وَأَنَّ أَولِیاءهُ خُلفَاؤکَ وَأَوصِیاءهُ أوصِیاؤکَ تَحاطَتْ عَنْهُ ذُنُوبَهُ کِلُّها کَمَا تَحاطُ وَرَقُ الشَّجر»(1).

وهکذا تلاحظون الأهمیّه البالغه لهذا الوضوء عند اللّه تبارک وتعالی والتحوّل الکبیر الذی ینتج بسبب هذا الوضوء وکم من الأسرار والحقائق الکامنه فیه، ولکن للأسف نحن لا نعلم بها ونعیش بعیداً عن هذه الحقائق المعنویّه.

ص:183


1- (1) بحار الأنوار، طبعه بیروت، ج 77، ص 316.

وقد یتساءل أحیاناً بعض الأشخاص بسبب جهلهم وعدم اطلاعهم: لماذا نغسل وجوهنا وأیدینا من أجل الصّلاه، هؤلاء الأشخاص لا یعلمون أنّ اللّه تعالی حکیم علی الإطلاق وقد أوجب الوضوء مقدّمه للصّلاه، وهو عالم تماماً بأسرار هذا الوضوء ولذلک یجب علینا السعی أن نکون علی طهاره دائمه، ورغم أنّ الوضوء شرط للصّلاه ولکن لا ینبغی لنا الغفله عن هذه الحقیقه ولا نتوضأ للصّلاه فقط بل نکون علی وضوء فی جمیع الحالات لتشملنا أنوار هذا الوضوء ونستغرق فی برکات هذه الطهاره إن شاء اللّه.

ص:184

الباب الثانی: أسرار ستر العوره

اشاره

ص:185

ص:186

56- أسرار ستر العوره فی الصّلاه

إنّ أحد الشروط التی یجب علی المصلّی رعایتها، ستر العوره، وقد یثار هذا السؤال، لماذا یجب علی المصلّی أن یستر عورته فی حال الصّلاه؟ فإنّ اللّه تعالی هو العالم بظاهر الإنسان وباطنه ولا فرق لدیه أن یکون المصلّی عریاناً أو مستوراً؟ وما هی الخصوصیّه والأسرار فی ستر العوره بحیث صار شرط هذا العمل شرطاً واجباً من شروط الصّلاه ویجب علی المصلّی رعایته.

لقد ذکر علماؤنا فی مدوّناتهم وکتبهم فی بحث أسرار الصّلاه نقاط وملاحظات قیمه فی هذا المورد، وبخاصّه الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه، حیث ذکر نقاط مهمّه جدّاً وبعضها خارج عن دائره فهم أمثالنا وتختصّ بحقیقه هذا الإمام النورانیّه وأمثاله، وبالنسبه لستر العوره فی الصّلاه لابدّ من القول إنّ ستر العوره وأعضاء البدن القبیحه أی المواضع التی یقبح النظر إلیها والعقلاء یجتنبون النظر إلیها والمرتبه الأدنی من ذلک ستر العوره، وعلی حدّ تعبیر الإمام رضوان اللّه علیه أنّ ستر العوره هو المفهوم عند عامّه الناس، ولکنّه یذکر

ص:187

أیضاً خمس مراتب أخری لستر العوره: 1. ستر العوره لدی الخاصّه؛ 2. ستر العوره لدی الخواص؛ 3. ستر العوره لدی أهل الإیمان؛ 4. ستر العوره لدی أهل المعرفه؛ 5. ستر العوره لدی أهل الولایه(1).

ومن الواضح أنّ کلّ ستر یستلزم لباساً وساتراً خاصّاً، فستر المواضع القبیحه من ظاهر البدن یتمّ بهذه الملابس الظاهریّه بل حتّی فی موارد لا یوجد لباس یستطیع الإنسان ستر عورته بورق الشجر وأمثال ذلک، وهکذا یستطیع الإنسان أن یستر هذه المواضع بسهوله، ولکن هناک مراتب أعلی من الستر وتستلزم لباساً آخر، من قبیل لباس التقوی، فعندما یقترف الإنسان الرذائل ویرتکب الأعمال القبیحه یجب علیه تغطیتها وسترها بلباس التقوی، أی أنّه یقوم بأعمال لجبران تلک الأعمال القبیحه ویستر نفسه بها، وفی المرتبه الثّالثه فیما لو أراد الإنسان ستر نفسه من القبائح والصفات الذمیمه یجب علیه أن یرتدی لباس العفاف والطهاره، وفی المرتبه الرابعه فیما لو أراد ستر عیوبه القلبیّه وتغطیه القبائح فی نفسه وروحه یجب علیه استخدام لباس الطمأنینه، وفی المرتبه الخامسه یرتدی لباس الشهود ولباس التمکین وهی من جمله المفاهیم التی یصعب علینا جدّاً درکها وفهمها.

ومقصودنا من الإشاره إلی هذه المراتب أنّ المصلّی یجب أن یعلم أنّه إذا وجب علیه ستر القبائح الظاهریّه وتغطیه عورته فی الصّلاه فإنّه یحتاج لستر أعماله وسلوکیاته المذمومه إلی ساتر أیضاً، وکذلک قلبه وفکره وباطنه تحتاج أیضاً إلی ساتر، وتحتاج ملاکاته الأخلاقیّه وصفاته الذمیمه إلی ساتر أیضاً، فیجب علینا أن نتجاوز القبائح الظاهریّه ونرکز تفکیرنا فی القبائح الباطنیّه وکیفیّه سترها واصلاحها، یقول المرحوم الشهید الثانی رضوان اللّه علیه: یجب علی

ص:188


1- (1) سرّ الصّلاه (معراج السالکین)، ص 49.

الإنسان أن یجمع جمیع قبائحه الباطنیّه فی قلبه ویعلم أنّ الساتر الوحید لها عباره عن الخوف من اللّه والأمل برحمته تعالی، أن یعیش حاله الخوف والرجاء وصفها ساتراً للملکات الباطنیّه القبیحه والصفات الأخلاقیّه الذمیمه، وتبیّن من ذلک لماذا وجب علی المصلّی ستر العوره فی حال الصّلاه وهو یقف أمام الباری تعالی العامّ بالظاهر والباطن، بل یجب علیه ستر العوره حتّی فی الأماکن التی لا یوجد فیها أحد من الناس ولا یراه أحد، ومن هنا ورد التأکید فی اختیار المصلّی للباسه بأن لا یجعله منشغلاً بهذا اللباس عن الصّلاه والتوجّه إلی اللّه، وأن لا یکون لباساً خاصّاً یخلق فیه حاله العجب والغرور.

وبعباره أخری إنّ الغایه الأساسیّه من البدن والعوره، هی الستر الظاهری لهذه الأعضاء والجوارح، وهذا العمل بمثابه مقدّمه للتوجّه إلی ستر سائر العیوب والقبائح، وبهذا العمل یدرک الإنسان عیوب ونواقص وتلوّثات کثیره فی نفسه وروحه یجب علیه سترها بطرق خاصّه.

ینبغی علی الإنسان أن یعلم من خلال شرط الستر هذا أنّه یحتاج إلی ساتر واقعی، ویحتاج إلی توفیر الساتر علی أعماله الذمیمه وأخلاقه القبیحه، یقول القرآن الکریم: «وَ لِباسُ التَّقْوی ذلِکَ خَیْرٌ...»1.

نسأل اللّه تعالی أن یرزقنا جمیعاً لباس التقوی الجمیل.

ص:189

57- الصوره الإنسانیّه، ستر لحقیقه الأعمال الحیوانیّه للبشر

تحدّثنا عن أسرار ستر العوره فی الصّلاه، هذا الستر الظاهری الذی یجب علی الإنسان أن یغطی قسماً من بدنه فی حاله الصّلاه، یتحرّک الإنسان لافهام نفسه بأنّها تحتاج إلی ستر وغطاء، فلا ینبغی للإنسان أن یتصوّر بأنّ جسمه فقط یحتاج إلی ساتر، بل یجب علیه ستر القبائح الباطنیّه ویفکر فی إیجاد مثل هذا الساتر علی أخلاقه وسلوکیاته أیضاً.

یقول الإمام الخمینی رضوان اللّه علیه: إنّ اللّه تبارک وتعالی ستار جمیع عورات وقبائح الخلق، بمعنی أنّ أحد الأمور التی یجب من أجله أن نشکر اللّه، وهو أن اللّه جعل للبشر لباساً (وهو اللباس الظاهری) یستطیع الإنسان بواسطته أن یستر بدنه، وقد منح الباری تعالی هذا الامتیاز للبشر ولیس لسائر الحیوانات والموجودات الأخری مثل هذا الامتیاز فهو کرامه من اللّه تعالی للبشر حیث یستطیع الإنسان ستر بدنه وعوراته بالملابس المتنوعه فی الثقافات المختلفه، ولکن ثمّه أمر آخر ینبغی الالتفات إلیه وهو أنّ اللّه تعالی جعل من هذه الصوره

ص:190

الإنسانیّه ساتراً لحقیقه أعمال البشر القبیحه، وبواسطه هذه الصوره الظاهریّه یتمّ ستر تلک الحقیقه الباطنیّه، وهذه نقطه مهمّه جدّاً.

فلو أنّ اللّه تعالی کشف الغطاء وأزاح هذه الصوره الإنسانیّه، ولو أنّ إراده الحقّ تبارک وتعالی قررت أنّ کلّ شخص یعمل عملاً معیناً فإنّ حقیقته وصورته الواقعیّه تنکشف وبدون أی ساتر لها، فإنّ الجمیع سیواجهون الفضیحه ویتورطون فی المذله «إلّا قلیل»، ونعتقد أیضاً وبحسب ما ورد فی الآیات والروایات، أنّ الناس یوم القیامه یحشرون بتلک الصوره الواقعیّه لأعمالهم، فقد ورد فی بعض الروایات أنّ بعض الناس یحشرون یوم القیامه بصور قبیحه وکریهه إلی درجه أنّ صوره القرده والخنازیر تکون جمیله بالنسبه لهؤلاء، فهذا دلیل علی أنّنا نعیش فی هذا العالم الدنیوی تحت مظلّه ستاریه الباری تعالی، فاللّه تبارک وتعالی لا یسمح بأن تنکشف الصوره الحقیقیه لأعمال للآخرین، وإلّا فلو انکشف باطن الأعمال فسوف تنکشف الصوره القبیحه والمتعفنه لکل عمل ذمیم، ومن هذه الجهه فإنّ هذه الصوره الظاهریّه للإنسان تعتبر ساتر وغطاءً علی تلک الصوره القبیحه لأعماله وصفاته الذمیمه.

وقد ورد فی الروایات أنّ الشخص الذی یعیش فی هذا العالم فی حاله التکبّر یأتی یوم القیامه صغیراً وحقیراً ویحشر کنمله صغیره تسحقه الخلائق إلی أن یفرغ اللّه من حساب جمیع الناس، وهکذا نری أنّ ظهور حقیقه المتکبّر فی ذلک العالم بهذه الصوره، یقول الإمام الراحل رضوان اللّه علیه(1): إنّ السالک سبیل الآخره والمجاهد فی سبیل اللّه یجب أن یستر عوراته الباطنیّه بالتمسّک بمقام الغفاریّه والستاریّه للحق تعالی، لأنّه هو الذی ستر الصوره الحقیقه لأعمالنا فی هذه الدنیا، فیجب علی الإنسان أن یستأنس بذکر «یاغفّار ویاستّار»، فإنّ اللّه

ص:191


1- (1) . سرّ الصّلاه (معراج السالکین)، ص 50.

تعالی یستعمل ستاریّته دوماً فی تعامله مع عباده، وینبغی الالتفات إلی أنّ الساتر والستّار الحقیقی هو اللّه تعالی، ومن هنا یجب الالتفات إلی هذه الحقیقه، وهی أننا عندما نحتاج إلی ستر عیوبنا الظاهریّه والباطنیّه فبطریق أولی لا ینبغی لنا افشاء عیوب الآخرین، لأنّ هذه المسأله فی غایه الخطوره بأن نلفت نظر الناس إلی عیوب شخص آخر بدون استخدام صفه الستّاریّه علیه، بل نکشف عیوبه ونقوم بفضحه أمام الملأ، وسوف نبیّن الآثار والافرازات الوخیمه جدّاً علی هذا العمل الشائن کما ورد فی الروایات الشریفه.

ص:192

58- ستر العیوب والعورات الباطنیّه

بالنسبه لأسباب ستر العوره هناک روایه مفصّله ورد فی کتاب «مصباح الشریعه» عن الإمام الصادق علیه السلام، ویذکرها الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه ویقول بعد نقله لهذه الروایه: إنّ التفکّر والتدبّر فی هذا الکلام الجامع یفتح لأهل المعرفه وأصحاب القلوب أبواباً من الحِکم والمعارف.

یقول الإمام الصادق علیه السلام: «أَزیَنُ اللّباسِ للمُؤمِن لِباسُ التّقوی وأَنعَمُه الإِیمَان»، ولا یوجد لباس أفضل وأحسن من هذا اللباس، واللباس هو شیء الذی یحفظ الإنسان ویمنحه الوقار والعظمه ویدفع عنه بعض الأضرار والأذی، وأفضل لباس هو لباس التقوی الذی یورث الإنسان سعاده الدنیا والآخره، والإمام الصادق علیه السلام یشیر فی کلامه هذا إلی الآیه القرآنیّه: «وَ لِباسُ التَّقْوی ذلِکَ خَیْرٌ...»1.

ویتابع الإمام علیه السلام قوله: «وَأَمّا اللّباسُ الظَّاهِرُ فَنِعمَهٌ مِنَ اللّهِ تَعالی تَستُرُ بِها عَوراتُ بَنِی آدمَ وَهِی کَرامِهٌ کَرمَ اللّهُ بِها ذُرِّیه آدمَ لَمْ یُکرِم بِها غیرَهُم، وَهِی

ص:193

لِلمُؤمِنِینَ آلَهٌ لأَداءِ مَا افتَرضَ اللّهُ عَلَیهِم، وَخَیرُ لِباسِکَ مَا لایَشغُلکَ عَنِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ بلْ یُقرّبُکَ مِنْ ذِکرِهِ وشُکرِهِ وَطَاعَتِهِ، وَلا یَحمِلُکَ عَلَی العُجبِ وَالرِّیاءِ وَالتَّزیِّنِ وَالتَّفَاخُرِ وَالخُیلاء».

ثمّ قال علیه السلام: «فَإِنّها مِن آفَاتِ الدِّینِ وَمُورِثَهٌ القَسوهَ فِی القُلُبِ، فَإِذَا لَبِستَ ثَوبَکَ فَاذکُر سَترَ اللّهِ عَلَیکَ ذُنُوبَکَ بِرَحمَتِهِ، وَأَلبِس بَاطِنَکَ کَمَا أَلبَستَ ظَاهِرَکَ بِثَوبِکَ»، وعلی هذا الأساس، کما تغطی وتستر ظاهر بدنک بقطعه من القماش فعلیک بستر نفسک بالصدق والأمان: «وَلیَکُنْ بَاطِنُکَ فِی سِترِ الرَّهبه وَظَاهِرُکَ فِی سِترِ الطَّاعَهِ»، أی یجب علیک ستر باطنک بلباس الخوف من عذاب اللّه، وتستر ظاهرک بلباس الطاعه للّه تبارک وتعالی، وهذا یعنی أنّ الطاعه للّه تعالی من شأنها أن تستر ظاهرک وشخصیّتک أمام الناس، وأمّا ستر باطنک وحالاتک النفسانیّه فینبغی سترها بلباس الخوف والرهبه.

«وَاعتَبِر بِفَضلِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَیثُ خَلقَ أَسبَابَ اللّباسِ لِیَستُرَ العَوراتِ الظَّاهِرَه، وَفَتَحَ أَبوابَ التَّوبَهِ والإِنابِهِ لِیَستُرَ بَِها العَورات البَاطِنَه»، ولکن ما المراد من العورات الباطنه؟

یقول الإمام الصادق علیه السلام: «مِنَ الذُّنُوبِ وَأَخلاقِ السُّوءِ، وَلا تَفضَح أَحَدَاً حِیثُ سَتَرَ اللّهُ عَلَیکَ مَا هُو أَعظَمُ مِنْهُ»، أیّها الإخوه والأخوات الأعزاء الذین یقرأون هذه السطور بدقّه أنتم تلاحظون أنّ الإنسان کیف یهتمّ بستر عورته أمام الناس وحفظ حیثیّته وسمعته أمام المخلوقین، وسبق أن قلنا بأن حقیقه العباده هی أن یکون الإنسان غافلاً عن مخلوقین ولا یهتمّ إلّابما أمر اللّه به، ومعلوم أنّ اللّه تبارک وتعالی لا یرید أن أن تنکشف عیوب عباده، ولو أنّ شخصاً اطّلع علی عیوب شخص آخر، یقول الإمام علیه السلام: «وَلا تَفضَح أَحَدَاً حِیثُ سَتَرَ اللّهُ عَلَیکَ مَا هُو أَعظَمُ مِنْهُ».

«وَاشتَغلِ بِعَیبِ نَفسِکَ»، بأن تهتمّ باصلاح هذا العیب وجبران هذا الخلال.

ص:194

«وَاَصفَح عَمّا یَعِینَکَ حَالَهُ وَأَمُرهُ»، أی لا تلتفت إلی نقاط ضعف الآخرین وما لا یرتبط بک حاله، فوجود عیوب لدی الآخرین لا یرتبط بشأنک وبحیاتک.

«وَاحذْرِ أَنْ یَفنَی عُمْرُکَ بِعَمَلِ غیرِکَ»، فما أشقی الإنسان وما أقبحه عندما یصرف عمره السلیم فی تجسّس عیوب الآخرین، وهذا العمل المذموم وردت فی نصوص کثیره فی ذمّه وتقبیحه، وللأسف فإنّ مجتمعنا الراهن متورط فی مثل هذه السلوکیات اللاخلاقّیه، وعندما نتساءل: لماذا لا تؤثر صلاتنا فی تعدیل أخلاقنا؟ بسبب أنّ الواجب فی الصّلاه ستر العوره الظاهریّه وما یترتّب علی من ذلک ستر عیوب الآخرین أیضاً، ولا نسمح بافشاء عیوبهم وفضحهم، ولکن للأسف نری الکثیر من الأشخاص لا یلتفتون إلی هذه الحقیقه فهنا یقول الإمام علیه السلام: لا ینبغی أن تتلف عمرک وإمکاناتک من أجل عمل غیرک، فلو کان لدی الآخر عیب وخطأ وسلوک مذموم فلماذا تنشغل أنت باحصاء عیوبه وتستعمل لسانک وفکرک ووقتک فی مثل هذه الأمور؟

یجب علینا أن نعلم أنّ الشخص إذا کان فی صدد فضح عیوب الآخرین فإنّه یتلف عمره من جهه، ومن جهه أخری فإنّ کشف عیوب الآخرین علی الملأ یتسبّب فی أنّ اللّه تعالی سیکتب أعمالک الصالحه فی سجل عمله وبالتالی فإنّ ذلک الشخص سیتاجر بأعمالک الصالحه ویربح منک ما تعبت فی کسبه وتحصیله وفی ذات الوقت تکون قد خسرت عملک وأهلکت نفسک.

ثمّ یقول علیه السلام: «فَإِنَّ نِسیَانَ الذُّنُوبِ مِنْ أَعظَمِ عُقُوبَهِ اللّهِ فِی العَاجِلِ وَأَوفَرِ أَسبَابِ الُعُقُوبَهِ فِی الآجُلِ»، لأنّ الإنسان إذا نسی ذنوبه فی هذه الحیاه فسوف لا یتوفّق للتوبه منها واصلاح الخلل فی عمله ونفسه.

«وَمَادَامَ العبْدُ مُشتَغُلاً بِطاعَهِ اللّهِ تَعالی وَمَعرِفَهِ عُیُوبِ نَفسهِ وَتَرَکَ مَا یَشِینُ فِی دِینِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ بِمَعزِلٍ عَنِ الآفَاتِ»، یعنی إذا أراد الإنسان الابتعاد عن الآفات واجتناب الرذائل والعیوب فالطریق إلی ذلک أن یشغل نفسه بطاعه اللّه عزّ

ص:195

وجلّ ویهتمّ بمعرفه عیوب نفسه وإصلاحها وترک کلّما یوجب الانحراف عن خطّ الإیمان والصلاح والدین.

«غَائِصٌ فِی بَحرِ رَحمَهِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ یَفُوزُ بِجَواهِرِ الفَوائِدِ مَنَ الحِکمَهِ وَالبَیانِ»، فمثل هؤلاء الأشخاص، مضافاً إلی بعدهم عن الآفات وقربهم من بحر رحمه اللّه وبرکاته، فإنّه یوماً بعد آخر یحصلون علی جواهر الحکمه والبیان، وهذا یعنی أنّ الإنسان إذا اشتغل بعیوب نفسه فلا یلتفت بعدها إلی عیوب الآخرین، وإذا سلک فی خطّ الطاعه والعبودیّه للّه تعالی، فإنّ اللّه سیمنحه جواهر الحکمه ونفائس المعرفه ودرر البیان.

«وَمَادَامَ نَاسِیاً لِذُنُوبِهِ جَاهِلاً لِعُیوبِهِ راجِعاً إِلی حَولِهِ وَقُوَّتِهِ لایُفلِحُ إِذاً أَبَداً»(1)، وهکذ یبقی هذا الشخص الناسی لذنوبه غارقاً فی عیوبه ومتوکّلاً فی إصلاح حاله ومعیشته علی نفسه وحوله وقوّته بعیداً عن حول اللّه وقوّته، فتقوده هذه الحاله إلی وادی الضلاله والهلکه.

وهکذا ترون أنّ معرفه أسرار ستر العوره سیفتح أبواباً للمعرفه علی الإنسان، یعنی أنّ ستر العوره الظاهری یقود الإنسان إلی أبواب جواهر الحکمه والبیان، فلو أنّ الإنسان اهتمّ برعایه هذه الأمور فی واقع حیاته سیحصل علی نتائج کثیره وثمرات مهمّه فی واقع وحیاته.

ونستنتج من مجموع ما تقدّم من مسائل وبحوث نقطتین مهمّتین فیما یتّصل بلزوم ستر العوره فی الصّلاه.

1. إن ستر العوره الظاهری یتسبّب فی التفات الإنسان إلی لزوم ستر عیوبه الباطنیّه.

2. إنّ ستر عوره الإنسان فی الصّلاه یؤدّی إلی أن یعلم الإنسان وجوب ستر عیوب الآخرین.

نسأل اللّه تعالی أن یوفّقنا جمیعاً إلی تحصیل حقیقه هذه الأعمال.

ص:196


1- (1) . مصباح الشریعه، ص 32-33.

الباب الثالث: أسرار وقت الصّلاه

اشاره

ص:197

ص:198

59- سرّ تعیین الوقت للصّلاه

أحد الأمور الأخری فی بحث أسرار الصّلاه التی یجب الالتفات إلیها، مسأله وقت الصّلاه، ونعلم جمیعاً وجوب أوقات معیّنه للصلوات الواجبه مذکوره فی فقهنا وکتب الفتاوی للمراجع الکبار، فصلاه الصّبح لها وقت، وکذلک صلاه الظّهر والعصر والمغرب والعشاء، ومضافاً إلی الصلوات الواجبه فثمّه أوقات معینه ومقرره للنوافل الیومیّه أیضاً، والنتیجه أنّ الصّلاه إنّما تقع صحیحه ومؤثّره فیما روعیت هذه الأوقات بشکل کامل ویکون المصلّی حافظاً لمواقیتها، وهنا قد یثار هذا السؤال: ألا یمکن أن یجعل اللّه تبارک وتعالی تعلیم وقت الصّلاه بعهده الناس ولا یعیّن هو وقتاً خاصّاً لکلّ صلاه؟ یعنی فی أی وقت رغب الإنسان فی العباده والصّلاه ووجد فی نفسه الاستعداد والشوق لها فیصلّی ولا حاجه لتعیین الوقت؟ وأساساً ما هی الحکمه فی هذا الأمر بأن یعیّن اللّه تبارک وتعالی وقتاً لکلّ صلاه، بحیث إنّ الإنسان إذا صلّی صلاته قبل ذلک الوقت فلا تقبل منه ولا یکون قد أدّی تکلیفه الشرعی؟ أی أنّ هذه الصّلاه قبل الوقت لیست مسقطه

ص:199

للتکلیف، وبالتالی فإنّ هذه الصّلاه لا یترتّب علیها أثر من آثار الصّلاه.

الجواب عن هذا السؤال واضح، لأنّ مسأله الوقت فی باب الصّلاه تشیر إلی وجود عنایه خاصّه من أجلها عیّن اللّه تعالی هذه الأوقات علی المصلّین رغم أنّ الإنسان یستطیع فی جمیع الأوقات أن یعبد اللّه تعالی، ولکن هذه الأوقات الخاصّه هی ظرف زمانی جعله اللّه تبارک وتعالی للصّلاه والعباده بسبب وجود عنایات خاصّه واهتمام أکثر من المصلّین بهذه الصّلاه، ومن هذه الجهه فهی عباره عن دعوه خاصّه، ومن جهه أخری فالإنسان إذا علم أنّ اللّه تعالی عیّن له وقتاً خاصّاً للصّلاه والمناجاه معه فإنّه قبل حلول ذلک الوقت یتحرّک علی صعید تهیئه نفسه لهذا اللقاء وینبعث فیه الشوق للمناجاه والحدیث مع اللّه تبارک وتعالی، ومثل هذا الشوق وفی غیر هذه الفرضیه لا معنی له ولا یمکن تصوّره.

وقد ذکر أکابرنا هذه المسأله فی قالب مثال فی کتبهم ومدوّناتهم، وذلک أنّه إذا قام رئیس بلد معین أو سلطان أو شخصیّه کبیره بدعوه شخص من الأشخاص وفی وقت معین للقائه ومجالسته، وأراد أن یهتمّ ذلک الشخص بهذا اللقاء اهتماماً خاصّاً ویقول له إننی فی هذا الوقت أسمع کلامک واستجیب لطلباتک، ففی هذه الصوره من الطبیعی أن یجد الإنسان فی نفسه استعداداً وشوقاً لهذا اللقاء ویحسب اللحظات إلی أن یحین موعد الحضور واللقاء.

وهکذا نری أنّ اللّه تبارک وتعالی تعامل مع الإنسان بهذه الصوره وقال له: إذا قمت من فراشک فی أوّل طلوع الفجر وأقمت صلاه الصّبح فإننی فی هذا الوقت سأتوجّه إلیک بعنایه خاصّه وأستجیب لک دعاءک واُحقق تطلباتک أکثر، وهذا الوعد لا سبیل إلی نقضه أو التخلّف عنه، وعلی هذا الأساس فإنّ أوقات الصّلاه تملک مثل هذه الخصوصیّه وأنّها عباره عن ضیافه إلهیّه خاصّه لهذا الإنسان المصلّی.

ص:200

یقول المرحوم الشهید الثانی رضوان اللّه علیه فی کتابه حول أسرار الصّلاه:

«وأمّا الوقت فاستحضر عند دخوله أنّه میقاتٌ جعله اللّه تعالی لک لتقوم به بخدمته وتتأهل للمثول فی حضرته والفوز بطاعته»(1).

وسبق أن ذکرنا أننا نعیش دوماً وفی جمیع الحالات فی محضر الباری تبارک وتعالی سواءً فی حاله الیقظه أو المنام، أو المحادثه و...، ولکن عندما یحین وقت الصّلاه فکأنّ اللّه ینتظر من عبده المؤمن أن یسمع صوته ویحدّثه، وینتظر مناجاته والانفتاح علیه فیما یختلج فی قلبه ومکنونه، فلو أنّ الإنسان التفت إلی هذه المفاهیم فسوف یتجلّی هذا المعنی أکثر فی ذهنه، وسیقف للصّلاه بین یدی اللّه بحضور قلبه أکثر.

عندما یحین وقت الصّلاه یجب علی المصلّی أن یستشعر الوجد والسرور والشوق یملأ جمیع وجوده، فهل إننا نشعر بمثل هذه الحاله فی صلاتنا؟ وعندما نسمع صوت المؤذن للصّلاه هل نشعر فی قلوبنا بالانبساط والسرور والبهجه أم لا؟ فمن علائم الإنسان المؤمن أنّه عندما یحین وقت الصّلاه فإنّ حاله السرور والبهجه تملأ کیانه وقلبه، ویشعر أنّه قد آن وقت ملاقاته ومناجاته مع خالقه وربّه، ومن هذه الجهه ورد فی سیره أشرف المخلوقات النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله:

«کَانَ النَّبِیُّ صلی الله علیه و آله یَنتَطِر وَقتَ الصَّلاهِ وَیَشتَدُّ شَوقُهُ وَیَتَرَقَّبُ دِخُولَهُ وَیَقُولُ لِبلال مُؤذنَهُ أَرِحنَا یا بِلالُ»(2)، أی أنّه صلی الله علیه و آله ینتظر وقت الصّلاه بشغفٍ لیتواصل مع اللّه ویناجی ربّه، وهذه الحاله یجب أن تتوفّر فی امّه النّبی أیضاً، فیجب علینا أن ننتظر وقت الصّلاه بشوق ولهفه، إنّ وقت الصّلاه یجب أن یکون بالنسبه لنا مثل الضالّه للشخص، فنسأل دائماً من هذا وذاک: متی یحین وقت الصّلاه؟ ومعلوم أنّ انتظار وقت الصّلاه یترتّب علیه آثار عظیمه جدّاً فی حیاه المؤمن.

ص:201


1- (1) التنبیهات العلیّه، ص 102.
2- (2) . نفس المصدر السابق.

60- حاله المصلّی عند حلول وقت الصّلاه

ذکرنا لحدّ الآن مسأله التوجّه إلی وقت الصّلاه وأن المصلّی یجب أن یکون مستعداً للدخول إلی الصّلاه وتجسید حقیقه الصّلاه فی نفسه.

وتقدّم فی عباره الشهید الثانی رضوان اللّه علیه فی کتابه «التنبیهات العلیّه»(1) ، أنّه قال: «وأمّا الوقت فاستحضر عند دخوله أنّه میقاتٌ جعله اللّه تعالی لک لتقوم به بخدمته...»، ویتابع الشهید الثانی کلامه ویقول:

«ثمّ استشعر بعد هذه البهجه خشیه اللّه تعالی فی الوقوف بین یدیه»؛ أی أنّک بعد شعورک بالبهجه والسرور من دخول وقت الصّلاه والمناجاه مع اللّه فیجب أن تلتفت إلی هذا الأمر، وهو أنّک مثل هذا الموجود الحقیر ومع کلّ ما تحمله من ظلمات نفسانیّه ستقف أمام أعظم موجود وأعظم قوّه فی عالم الوجود، ویقول:

«فإنّ استشعار الخوف شعار الکاملین»؛ فإحدی علائم الإنسان الکامل والذی وصل إلی مراتب عالیه فی سُلّم الکامل المعنوی وجود حاله الخوف والخشیه

ص:202


1- (1) . التنبهات العلیّه، ص 104.

من اللّه فی قلبه، کما أنّ من علائم المطرودین من رحمه اللّه هی الغفله، وبذلک لا یشعرون فی وجودهم وأذهانهم بأی حاله من الخشیه والخوف من اللّه، لو أنّ الإنسان لم یجد فی نفسه أثراً من الخشیه والخوف من اللّه فلیعلم أنّه من المطرودین من رحمه اللّه، ولکن إذا أحسّ عند حلول وقت الصّلاه بالخشیه من اللّه فی قلبه فی ذات الوقت الذی یشعر فیه بالسرور والبهجه فلیعلم أنّه أصبح من زمره الأشخاص الکاملین، ویقول رحمه اللّه: یجب أن تحکّم عظمه اللّه فی نفسک وتلتفت إلی نقصک وضعفک فی مقابل عظمه اللّه وقدرته.

ونقرأ فی سیره النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله عن بعض زوجاته أنّه کان إذا حان وقت الصّلاه تقول: «کَانَ رَسُولُ اللّهِ صلی الله علیه و آله یُحدِّثُنا وَنُحَدِّثُهُ فَإِذا حَضَرَتْ الصَّلاهُ فَکَأَنَّهُ لَمْ یَعرِفَنا وَلَمْ نَعرِفهُ شُغلاً بِاللّهِ عَنْ کُلِّ شَیٍّ»(1). بمعنی أنّ ملامح النّبی وحاله تتبدّل عندما یحلّ وقت الصّلاه، فهذا النّبی الذی کنّا نعرفه قبل الصّلاه أصبح شخص آخر لشدّه شغفه بالحضور بین یدی ربّه، فلماذا لا نملک نحن اهتماماً کافیاً لوقت الصّلاه وعندما نسمع صود المؤذن یرتفع عالیاً نستمر بعملنا وشغلنا؟

ألا یدلّ هذا علی عدم اهتمامنا بالحضور بین یدی اللّه تعالی وعدم اهتمامنا بأوامره؟ فکیف نتوقع مع ذلک أن یستجیب اللّه دعانا؟

نحن لا نراعی حقّه ونعیش دائماً حاله عدم الاهتمام بأوامره، ألم یکن النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله یهتمّ بدقّه لجمیع أموره، وعندما یتحدّث مع أقرب المقرّبین إلیه ویحلّ وقت الصّلاه فإنّه یقطع هذه المکالمه ویتوجّه للصّلاه، فلماذا لا نتّبعه علی ذلک؟ لماذا عندما یحلّ وقت الصّلاه لا نترک علمنا وکسبنا ودرسنا وبحثنا وجلساتنا؟ هل هناک أهمّ من المناجاه مع اللّه والحدیث معه؟

لا ینبغی القول إنّ الوقت الصّلاه واسع وأنّ اللّه تعالی أباح لنا الصّلاه فی أی فتره من هذا الوقت المعدّ للصّلاه، ولکن أساس الصّلاه هو أوّل الوقت، فالصوره

ص:203


1- (1) . عوالی اللئالی، ج 1، ص 324.

الحقیقیه والکامله للصّلاه تتحقّق فی الصّلاه فی أوّل الوقت، وحتّی لو کنت فی ذلک الوقت فی السیاره وفی حال السفر فعندما یحین وقت الصّلاه یجب علینا التوقّف للصلاه فی وقتها ولا ندع فضیله الصّلاه فی أوّل الوقت تفلت من أیدینا.

ینقل صاحب کتاب «عوالی اللئالی» روایتین فی هذا المجال: «إِنَّ عَلیِّاً علیه السلام إِذا حَضَرَ وَقتُ الصَّلاهِ یَتَمَلمَلُ وَیَتَزلْزَلُ وَیَتَلَونَ»، أی لا یهدأ له حال ویتلوّن لون وجهه ویعیش حاله الانتظار فی جمیع وجوده.

«فَیُقالُ لَهُ ما لَکَ یا أَمِیرَالمُؤمِنِینَ! فَیقُولُ جَاءَ وَقتُ الصَّلاهِ وَقتُ أَمَانَهٍ عَرَضها اللّهُ عَلَی السَّماوَاتِ وَالأَرضِ وَالجِبالِ فَأَبَینَ أَنْ یَحمِلنَها وَأَشفَقنَ مِنها»(1)، وهذه نعمه وموهبه منحها اللّه تعالی لعباده، والسعید من یتقبل هذه النعمه وهذه الموهبه بأفضل ما یمکن وینتفع بها غایه النفع، یجب علینا الاهتمام الجاد بوقت الصّلاه وأن نصلّی الصّلاه فی أوّل وقتها ولا ندع فضیله أوّل الوقت تذهب من أیدینا.

وجاء فی روایه عن حالات الإمام زین العابدین علیه السلام: «کَانَ عَلَیُّ بنُ الحُسَینِ علیهما السلام إِذا حَضَرَ لِلوُضُوءِ اصفَرَّ لَونُهُ فَیُقالُ لَهُ مَا هَذا الَّذِی یَعتَوِرُکَ عِندَ الوُضُوءِ؟ فَیَقُولُ: مَا تَدرُون بَینَ یَدَی مَنْ أَقُومُ»(2)، ینبغی بنا أن نهتمّ أکثر فی حیاتنا بوقت الصّلاه، ونخلق فی أنفسنا وفی اسرتنا وفی مجتمعنا بحیث ینتظر الجمیع وقت الصّلاه وقبل أن یحین وقت الصّلاه یسأل أحدهم من الآخر: متی یحین وقت الصّلاه، ومتی یحین وصال الحقّ؟ ونفس هذا السؤال وهذا العمل له ثواب کثیر کما ورد فی الروایات، فقد ورد فی بعض الروایات، أنّ أحد العبادات أن یجلس المرء فی المسجد وینتظر وقت الصّلاه، قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله: «الجُلُوسُ فِی المَسجِدِ انتِظاراً للصّلاهِ عِبَادَه»(3).

نسأل اللّه تعالی أن یجعلنا جمیعاً من الحافظین لأوقات الصّلاه إن شاء اللّه.

ص:204


1- (1) . علوالی اللئالی، ج 1، ص 324.
2- (2) . بحار الأنوار، طبعه بیروت، ج 77، ص 347.
3- (3) بحار الأنوار، ج 80، ص 380.

61- الأیّام لها حقیقه مستقلّه

الأمر المهمّ الذی یجب الالتفات إلیه وبخاصّه فی الصّلاه أنّ الزمان له دور مهمّ وأساسی فی أعمال الإنسان، بحیث إذا وقع العمل فی غیر وقته وزمانه فربّما لا یؤثّر الأثر المتوقّع منه، وأعلی من ذلک أنّ الزمان نفسه، أعمّ من الیوم واللیله، ومع غضّ النظر عن الأعمال التی یقوم بها الإنسان فی وقت معیّن، له حقیقه وللأسف نحن غافلون عنها، إنّ عقولنا الضعیفه والناقصه لا تلتفت إلی هذه الحقیقه، وهی أنّ لکلّ زمان حقیقه معیّنه، فالنهار له حقیقه، واللّیل له حقیقه أخری، ویوم الجمعه له حقیقه والأیّام الأخری لکلّ منها حقیقه أخری، ومع مطالعه روایات الأئمّه المعصومین صلوات اللّه علیهم أجمعین یتبیّن هذا الأمر بوضوح کامل.

فقد ورد فی کتاب «بحار الأنوار»(1) روایه عن الإمام الصادق علیه السلام أنّ قال: «إِذا کَانَ یَومَ القِیامَهِ بَعَثَ اللّهُ الأَیّامَ فِی صُورٍ یَعرِفُها الخَلقُ أَنّها الأَیّام»، فهناک صوره

ص:205


1- (1) . بحار الأنوار، طبعه بیروت، ج 86، ص 353.

لیوم السبت وأخری لیوم الأحد.. وهکذا...

«ثَمَّ یَبعَثُ اللّهُ الُجمعَهَ أَمَامَها یقْدَمُها کَالعَرُوسِ ذَاتَ جَمالٍ وَکَمالٍ تُهدی إِلی ذِی دِینٍ وَمَالٍ، قَالَ: فَتَقِفُ عَلَی بَابِ الجِنَّهِ وَالأَیّامُ خَلفَها یَشهَدُ»، أی تبدأ الأیام بالشهاده والشفاعه وتقول للّه تعالی أنّ هذا الإنسان فی الدنیا کان مهتمّاً بی وکان یقیم الصّلاه والذکر والمناجاه فی یوم الجمعه.

«وَیَشفَعُ لِکُلِّ مَنْ أَکثَرَ الصَّلاهَ فِیهِ عَلَی مِحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمّدٍ».

یقول الراوی فسألت الإمام علیه السلام: «وَکَمْ الکَثِیرُ مِنْ هَذا وَفِی أَیِّ أَوقَاتٍ أَفضَلُ».

والسؤال عن الإکثار من الصّلاه علی محمّد وآل محمّد وفی أی وقت أفضل من یوم الجمعه

قال الإمام علیه السلام: «مَائَهِ وَلَیکُنْ ذَلِکَ بَعْدِ صَلاهِ العَصرِ: اللّهُمَّ صَلِّ عَلی مَحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَعَجِلْ فَرَجَهُم».

ولدینا روایات أخری تبیّن هذه النقطه المهمّه، وهی أنّ الأیّام واللیالی تشهد لصاحبها، وهکذا الأمکنه وجمیع أجزاء عالم الوجود یشهد للإنسان وسوف نبیّن ذلک إن شاء اللّه فی بحث المکان، وهو المکان الذی یصلّی فیه المؤمن، حیث یشهد یوم القیامه لهذا المصلّی، وکذلک الزمان یشهد أیضاً لصاحبه، وجاء فی روایه الأمالی للصدوق رحمه الله فی المجلس الثالث والثلاثون فی روایه عن أمیرالمؤمنین علیه السلام أنّه قال: «مَا مِنْ یَومٍ یَمْرُّ عَلَی ابنِ آدَمَ إِلّا قَالَ لَهُ ذَلِکَ الیَومُ یا ابنَ آدَمَ أَنَا یَومٌ جَدِیدٌ وَأَنا عَلَیکَ شَهِیدٌ فَقُلْ فِیَّ خَیراً واعمَلْ فِیَّ خَیراً»، فلا ینبغی إهمال الوقت وترکه یمرّ دون أن نقوم بعمل صالح أو نتکلّم بکلام طیب حتّی یأتی یوم القیامه ویشهد لنا، وبحسب هذه الروایه أنّ الأیّام لها حقیقه وتأتی یوم القیامه وتشهد علی أعمال الإنسان، فالشخص الذی ینتظر وقت الصّلاه لیقیمها فی أوّله، فإنّ أولّ الوقت یأتی یوم القیامه ویشهد لصاحبه بأنّه صلّی فی أوّل الوقت وما

ص:206

یترتّب علیه من آثار کثیره وبرکات جلیله، وعلی هذا الأساس یجب علینا الالتفات إلی أنّ للزمان أثراً خاصّاً فی حقیقه الصّلاه والعباده، ومن هذه الجهه إذا أراد المصلّی أن یحصل علی جمیع الآثار وبرکات الصّلاه وخصوصاً نیل الحقیقه الکامله للصّلاه فینبغی علیه أداء الصّلاه فی أوّل وقتها کیما تترتّب علیها جمیع البرکات والثمرات.

«أَوَّلُ الوَقتِ رِضوانُ اللّهِ وَآخِرَهِ غُفْرَانُهُ»، بمعنی أنّ الشخص الذی یؤخّر صلاته إلی آخر الوقت فإنّ صلاته هذه ستفقد صورتها الحقیقه والنورانیّه التی تستوجب رضا اللّه تعالی ولا ترتفع به فی مراتب أعلی فی سلّم الکمال المعنوی، بل إنّ هذه الصّلاه المتأخّره قد تکون سبباً فی عفو اللّه وغفرانه عن هذا المصلّی، ولکن ما یوجب رضوان اللّه هی تلک الحقائق والأسرار الکامنه فی الصّلاه والتی لا تدرک إلّاالصّلاه فی أوّل وقتها.

هیا بنا أن نتعاهد مع اللّه تعالی أن نصلّی صلاتنا فی أوّل وقتها، وعندما نصل إلی نهایه عمرنا ننظر إلی ما تقدّم من هذا العمر ونری أننا قد صلّینا جمیع صلواتنا فی أوّل الوقت ولم نضیّع الصّلاه، والویل لذلک الإنسان الغافل الذی یقول: لقد بقیت نائماً حتّی طلعت الشّمس وفاتتنی الصّلاه، فمثل هذا الشخص حتّی لو أتی بصلاته قضاءً ولکنّه لا یعلم البلاء الذی حلّ به بسبب فوت الصّلاه والنعمه العظیمه والمرتبه العالیه التی فقدها، هو لا یعلم أنّه قد أصبح محروماً من الأنوار الإلهیّه والفیوضات الربانیّه فی ذلک الوقت، فلو استیقظنا یوماً ورأینا - لا سمح اللّه - أنّ الشّمس تکاد تشرق وقد فاتتنا صلاه الفجر فی أوّل وقتها، فیجب علینا أن نبکی علی حالنا ونسکب الدموع ونقول لأنفسنا: ما أعظم البلاء الذی حلّ بنا، وما هذا العمل الذمیم الذی صدر منها فحرمنا من التوفیق الإلهی الجلیل، علینا جمیعاً أن نتواصل فیما بیننا بأن نصلّی صلاتنا فی أوّل وقتها ولا ندع فضیله أوّل الوقت تفلت من أیدینا إن شاء اللّه تعالی.

ص:207

62- نداء الأذان تذکیر بالقیامه

إنّ إحدی علامات المؤمن أنّه یفرح ویشعر بالسرور عندما یحین وقت الصّلاه، ویتحدّث الشهید الثانی رضوان اللّه علیه فی عباره جمیله للتعبیر عن هذه الحاله الجدیره بالالتفات، یقول: «إِذا سَمِعتَ نِداء المُؤذن فَأحضِر فِی قَلبِکَ هَولَ النِّداء یَوم القِیامَه، وَتَشَمَّر بِظَاهِرِکَ وَباطِنِکَ للمُسارَعهِ وَالإجابَهِ، فَإنَّ المُسارِعِینَ إِلی هَذا النِّداءَ هُمْ الَّذینَ یُنادَونَ بِاللُّطفِ یَومَ العَرضِ الأَکبَرِ، فَأَعرِض قَلبَکَ عَلَی هَذا النِّداءِ فَإِن وَجَدتَهُ مَملُوّاً بِالفَرحِ وَالأستِبشَارِ وَمُستَعِدّاً بِالرَّغبَهِ إِلی الإِبتِدارِ فَأعلَم أَنَّهُ یَأتِیکَ النِّداُ، بِالبُشری والفَوزِ یَومَ القَضاءِ»(1).

وطبقاً لهذا الکلام فإنّ انتظار ومراقبه أوقات الصّلاه واستقبال هذا الوقت برحابه صدر وبفرح وشوق یتسبّب فی نجاه الإنسان من أهوال یوم المحشر وحالات الاضطراب والوحشه یوم القیامه.

وطبعاً، ثمّه نقاط أخری لکلّ واحد من أوقات الصّلاه مذکوره فی الروایات

ص:208


1- (1) التنبیهات العلیّه، ص 104.

الشریفه، مثلاً بالنسبه لصلاه الظّهر، تقول الروایه: عندما عرج بالنبی الاکرم صلی الله علیه و آله إلی السماء وصلاه التی صلاها هناک کانت الصّلاه الظّهر.. وهنا یوجد بحث مهمّ فی أنّ معراج النّبی وقع باللیل کیف یصلّی النّبی صلی الله علیه و آله صلاه الظّهر فی معراجه؟ وهل یوجد فی ذلک العالم صباح ومساء، ونهار ولیل؟ وهنا نقاط أخری یبحثها أهل الفن فی محلّها، فصلاه الظّهر هذه هی الصّلاه التی صلّاها النّبی فی معراجه، ووقت صلاه العصر عندما ارتکب آدم أبو البشر الخطأ وترک الأولی واقترب من شجره الطبیعه، ووقت صلاه المغرب هو الوقت الذی تاب فیه آدم وصلّی فیها ثلاث رکعات، الرکعه الاُولی لرفع خطئه، والرکعه الثّانیه من جهه خطأ حواء، والرکعه الثّالثه بعنوان التوبه، ووقت صلاه العشاء هو تذکیر بضمه القبر ویوم القیامه، فصلاه العشاء هی النور الذی یزیح ظلمات القبر وظلمه المحشر فی یوم القیامه. علی أساس هذه النقاط الوارده فی بعض کتبنا الروائیّه، نفهم أنّ أوقات الصّلاه لیست مجرّد أمر اعتباری محض، بل لکلّ وقت من صلاه الصّبح، الظّهر، العصر، المغرب والعشاء مناسبات واقعیّه وحقیقیّه تماماً، فلو أنّ الإنسان صلّی صلاته بهذه الأوقات فحینئذٍ سینال مرتبه الفوز العظیم، وبخاصّه فی أوّل الوقت والذی ورد التأکید علیه کثیراً فی الروایات الشریفه.

فعن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال: «إِنَّ فَضْلَ الوَقتِ الأِوّلِ عَلَی الآخِرِ کَفَضلِ الآخِرهِ عَلَی الدُّنیا»(1)، فهل الآخره تقبل المقارنه مع الدنیا؟ ولو أنّ شخصاً سمع هذه الروایه والتفت إلی أهمیّه أوّل الوقت بالنسبه إلی آخره مثل نسبه الآخره إلی الدنیا فهل یسمح لنفسه بعد ذلک أن یفقد ویتساهل بهذا الرأس مال العظیم فی فضیله الصّلاه فی أوّل الوقت ولا یبالی بهذا الوقت ولا یهتمّ به؟

وقد ورد فی الحدیث الشریف عن النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله أنّه قال: «إِنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ

ص:209


1- (1) . الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 3، ص 274.

یُحِبُ مِنْ الخَیرِ مَا یُعجِّلُ»(1) ، «استَبِقُوا الخَیراتِ» و «وَ سارِعُوا إِلی مَغْفِرَهٍ مِنْ رَبِّکُمْ...»2.

ومن هذا المنطلق فالأصل فی الصّلاه والصّلاه الکامله هو الصّلاه فی أوّل وقتها، وفی ذات الوقت فإنّ اللّه تعالی قد وسع وقت أداء الصّلاه للشخص الذین لم یوفّق لإدراک فضیله أوّل الوقت لبعض المشاغل الضروریّه، فمثل هذا الشخص یمکنه تأخیر صلاته عن أوّل وقتها، ولکن فی الحالات العادیه إذا فاتت الصّلاه فی أوّل الوقت فذلک یعنی أنّ هذا الشخص قد خسر خساره عظیمه جدّاً.

نسأل اللّه تعالی أن یوفّقنا جمیعاً لنکون من الحافظین لوقت الصّلاه إن شاء اللّه.

ص:210


1- (1) . الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 3، ص 274.

خلاصه من أسرار وقت الصّلاه

أ) إیجاد البهجه والسرور لملاقاه اللّه ومناجاته.

ب) إیجاد الخشیه من اللّه تعالی فی حال الوقوف بین یدیه فی الصّلاه، یعنی أنّ المصلّی فی ذات الوقت الذی یشعر فیه السرور والبهجه یجب أن یستشعر الخشیه والرهبه، وهی شعار الکاملین.

ج) أن یشعر المصلّی بقیمه الزمان والوقت وأنّ الزمان سیشهد یوم القیامه کما فی الأمکنه أیضاً، فللأیّام واللیالی حقیقه خاصّه لکلّ واحده منها، ومن هذه الجهه فإنّ الصّلاه فی أوّل الوقت لها حقیقه فی عالم الملکوت لا یمکن للصّلاه فی غیر أوّل الوقت أن یکون لها غیر هذه الحقیقه.

د) الأشخاص الذین یستجیبون فی هذه الحیاه الدنیا لنداء المؤذمن أسرع من الآخرین، فإنّهم یوم القیامه ینالون لطف اللّه ورحمته أسرع من الآخرین، والأشخاص الذین یشعرون باللذه عند سماعهم صوت الأذان وحلول وقت الصّلاه فإنّهم یوم القیامه ستأتیهم البشری بالصلاح والنجاح.

ه) إنّ أوقات الصّلاه لیست مجرّد أموراً اعتباریّه محضه، بل إنّ کلّ وقت من

ص:211

أوقات الصّلاه یحکی عن حقیقه واقعیّه، فصلاه الظّهر هی الصّلاه التی أقامها النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله فی معراجه، حینما کان یصلّی اللّه تعالی علی نبیّه الکریم صلی الله علیه و آله، وکذلک حینا کانت تسبّح جمیع الموجودات والکائنات للّه تعالی ووقت صلاه العصر عندما ارتکب النّبی آدم علیه السلام ترک الأولی فی تناوله من الشجره الممنوعه، وزمان صلاه المغرب هو وقت توبه آدم، وزمان صلاه العشاء التذکیر بظلمه القبر وأهوال المحشر یوم القیامه.

ص:212

63- تعیین أوقات الصّلاه فی القرآن

إنّ اللّه تبارک وتعالی اهتمّ بشکل خاصّ فی القرآن الکریم فیما یتّصل بأوقات الصّلاه، فالقرآن فی ذات الوقت الذی ذکر فیه أصل وجوب الصّلاه وأحکامها والتأکید الشدید علی أصل إقامه الصّلاه، فإنّه أکّد بشکل خاصّ علی أوقات الصّلاه، فنقرأ فی الآیه 238 من سوره البقره الأمر بالمحافظه علی الصلوات ولاسیما الصّلاه الوسطی: «حافِظُوا عَلَی الصَّلَواتِ وَ الصَّلاهِ الْوُسْطی...» . وقد ذهب المفسّرون إلی أنّ الصّلاه الوسطی هی صلاه الظّهر.

وقد أشار الباری تعالی فی آیات أخری إلی ثلاث أوقات للصّلاه وجعل وقت الصّلاه فی هذه الأوقات، من قبیل الآیه 114 من سوره هود: «وَ أَقِمِ الصَّلاهَ طَرَفَیِ النَّهارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّیْلِ...» ، حیث ذهب المشهور من المفسّرین، أنّ «طرفی النّهار» یعنی الصبح والمغرب، فهنا نری أنّ اللّه تعالی یأمر بإقامه الصّلاه فی هذین الوقتین وهما طرفی النّهار، وأحدهما الصّبح والآخر المغرب، أمّا «زلفاً من اللّیل» فقهو إشاره إلی صلاه العشاء، وفی بعض الآیات القرآنیّه نجد أنّ القرآن

ص:213

ذکر جمیع أوقات الصّلاه کما ورد فی الآیه 79 من سوره الأسراء: «أَقِمِ الصَّلاهَ لِدُلُوکِ الشَّمْسِ إِلی غَسَقِ اللَّیْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ کانَ مَشْهُوداً» ، والمراد من دلوک الشّمس هو الوقت الذی تصل فیه الشّمس إلی دائره نصف النّهار، یعنی موقع زوال الشّمس وأذان الظّهر، وطبعاً ذکروا للدلوک معانٍ مختلفه، مثل «دلک» مأخوذه من الدلک وهو الحک، وهو بالحک بالید، أمّا لماذا ورد التعبیر عن زمان وصول الشّمس إلی دائره نصف النّهار بدلولک الشّمس؟ فثمّه تفاسیر مختلفه، فذهب البعض إلی أنّ الشّمس فی هذا الوقت وهو وقت الظّهر تشرق بشدّه بحیث إنّ الإنسان یدلک عینه من شدّه وضوء الشّمس، وذهب البعض الآخر، أنّ الشّمس فی هذا الوقت تعبر من دائره نصف النّهار متّجهه نحو المغرب، وهنا تفاسیر أخری أیضاً.

وقد تبیّن أنّ المراد من دلوک الشّمس وقت صلاه الظّهر، ویقول الإمام الباقر علیه السلام فی روایه: «دلوک الشّمس هو وقت زوال الشّمس».

أمّا المراد من غسق اللّیل فهو نصف اللّیل، وهو الوقت الذی یبلغ فیه اللّیل منتهی الظلمه وتکون فیه ظلمه اللّیل علی أشدّها، فی حین أنّ اللّه تبارک تعالی جعل إقامه الصّلاه منذ زوال الشّمس إلی منتصف اللّیل، وفی هذا الوقت تکون فیه غایه الصّلاه، وفی هذا المقطع من الآیه الشریفه إشاره إلی أربع صلوات:

صلاه الظّهر والعصر، صلاه المغرب والعشاء، ثمّ أشارت الآیه إلی وقت صلاه الصّبح بقولها: «وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ...» ، أی ما یقرأ فی الصّلاه عند طلوع الفجر، وقد وردت الروایات فی تطبیق صلاه الصّبح علی المقصود من قرآن الفجر.

وهکذا نری أنّ اللّه تبارک وتعالی، بیّن اهتمامه الفائق بالصّلاه بحیث إنّه عیّن وقتاً خاصّاً لها وأمر بأن یأتی المکلّف بصلاته فی هذه الأوقات، ولا ینبغی أن یتوّهم أحد أنّ الإنسان إذا أراد عباده الباری تعالی فلا یلزم تعیین وقت محدد

ص:214

للعباده والصّلاه، لأنّ کلّ واحد من هذه الأوقات التی عینها الباری تعالی فی القرآن الکریم له حقیقه وسرّ منحصر بذلک الوقت بحیث إنّ المکلّف إذا أتی بصلاته فی غیر هذا الوقت فإنّه لا یدرک حقیقه هذه الصّلاه ولا ینال من برکاتها المعنویّه، نأمل أن یکون اهتمامنا بهذه النعمه الإلهیّه بأوقات الصّلاه یؤدّی إلی أن ندرک الأهمیّه الخاصّه لهذه الأوقات ونحظی بالتوفیق للالتزام بها.

ص:215

64- أهمیّه صلاه الصّبح

«إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ کانَ مَشْهُوداً»

تبیّن لحدّ الآن أنّ المصلّی إذا أراد أن یدرک حقیقه وباطن الصّلاه ویحقق فی ذاته تلک الأسرار التی جعلها اللّه تبارک وتعالی للصّلاه، فیجب علیه الاهتمام الشدید بوقت الصّلاه وأن یعلم أنّ إقامه کلّ صلاه فی وقتها الخاصّ له أثره الخاصّ، وبدیهی أنّ الصّلاه إذا فاتت ولم یصلّها الإنسان فی وقتها، فإنّه حتّی لو کان قضاؤها واجباً من الناحیه الفقهیّه، ولکن صلاه القضاء هذه توجب له اسقاط التکلیف فقط، ولا نعلم أنّ الأسرار والحقائق الموجوده فی صلاه الأداء، هل هی نفسها تترتب علی صلاه القضاء أیضاً؟ ومعلوم أنّ هذا الشخص لا ینال جمیع تلک الحقائق فی صلاه القضاء، ولذلک یجب علینا الاهتمام بالصّلاه وإقامتها فی أوقاتها المحدده.

وکذلک تبیّن أنّ الإنسان عندما یراجع القرآن الکریم فسوف یری اهتماماً خاصّاً من قِبل الباری تعالی بالنسبه لأوقات الصّلاه فنقرأ فی الآیه 79 من سوره

ص:216

الأسراء: «أَقِمِ الصَّلاهَ لِدُلُوکِ الشَّمْسِ إِلی غَسَقِ اللَّیْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ کانَ مَشْهُوداً» ، وهنا نری تصریح القرآن الکریم بنقطه مهمّه جدّاً بحیث إنّ الشخص إذا التفت إلی هذه النقطه فسوف لا یدع صلاه الصّبح تفوته فی أی یوم ولا یخسر تلک المعطیات والبرکات الکثیره فی حال فوتها ولا یمکن جبران هذه الخساره بعدها، یقول الباری تعالی فی هذه الآیه: «إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ کانَ مَشْهُوداً» ، أی أنّ صلاه الصّبح وما یقرأ فی هذه الصّلاه من آیات القرآن فی وقت الفجر سیکون مشهوداً، أی یکون مورد النظر والتوجّه والشهاده، ولکن ماذا یعنی هذا الکلام؟ ومن قِبل أی أشخاص یکون مشهوداً؟ ومن هم الأشخاص الذین یشاهدون هذا المصلّی الذی یستیقظ فی أوّل طلوع الفجر ویؤدّی هذه الصّلاه؟

عندما نتصفح الروایات الشریفه الوارده فی هذا الصدد فسوف یتبیّن أنّ صلاه الصّبح مشهوده لملائکه اللّیل والنّهار، فإنّ ملائکه اللّیل سیشهدونها وکذلک الملائکه المختصّون بوقت النّهار، یعنی أنّ صلاه الصّبح هی الصّلاه الوحیده التی یشهدها طائفتان من الجنود الإلهیین ویسجلونها فی صحفهم ویشهدون علیها ویکتبونها فی صحیفه عمل الإنسان، فالمجموع من الملائکه المأمورین بالإشراف وکتابه أعمال الإنسان فی اللّیل سیشاهدون هذه الصّلاه، وکذلک تلک المجموعه من الملائکه المأمورین بالإشراف علی أعمال هذا الشخص فی وقت النّهار، فإنّهم سیشهدون هذه الصّلاه أیضاً، ومعلوم أنّ هذا المفهوم من تغییر النوبه وتبدیل الملائکه وکیف یحصل هذا التبدیل، وهل أنّ ملائکه اللّیل ستعرج إلی السماء وملائکه النّهار ستنزل وأمثال ذلک، ینبغی بحثها فی محلّها.

ونقرأ فی کتاب «علل الشّرائع» عن سعید بن المسیّب عن الإمام زین العابدین علیه السلام یسأله: «مَتی فُرِضتْ الصَّلاهُ عَلَی المُسلِمِینَ عَلَی مَا هِی الیَوم» أو

ص:217

«عَلی ما هُم الیَوم عَلَیه»، فالسؤال هنا عن أوقات الصّلاه الیومیّه المعینه من الصّبح والظّهر والعصر والمغرب والعشاء ومتی وجبت هذه الصلوات؟

فقال علیه السلام: «بِالمَدِینَهِ حِینَ ظَهَرَتْ الدَّعوَهُ وَقَوی الإِسلامُ»(1).

ص:218


1- (1) علل الشرائع، ج 2، ص 324.

65- صلاه الصّبح مشهوده ملائکه اللّیل والنّهار

«إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ کانَ مَشْهُوداً»

من المسلّم فی علم الفقه، وکذلک من الناحیه التاریخیّه، أنّ الصّلوات الیومیّه الخمس کانت وفی بدایه تشریعها من قِبل اللّه تبارک وتعالی عشر رکعات، والنّبی الأکرم صلی الله علیه و آله بما لدیه من صلاحیه فی التشریع من قِبل اللّه تعالی أضاف إلیها سبع رکعات، فکانت النتیجه سبعه عشر رکعه فی الیوم، فقد اضیف إلی صلاه الظّهر رکعتان وکذلک رکعتان لصلاه العصر ورکعتان لصلاه العشاء ورکعه واحده لصلاه المغرب.

والنقطه الملفته للنظر کما ورد فی بعض الروایات فی ذیل هذه الآیه الشریفه، وهی ما ورد فی تفسیر نور الثقلین(1): «فَلمَّا صَلَّی المَغرِبَ بَلَغَهُ مَولِدُ فَاطِمَهَ علیها السلام فَأَضَافَ إِلَیها رَکعَهً شُکرَاً للّهِ عَزَّ وَجَلَّ»، ومنذ ذلک الوقت صارت صلاه المغرب ثلاث رکعات بشکل دائم، فالأصل فیها رکعتان وقام النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله بإضافه

ص:219


1- (1) تفسیر نور الثقلین، ج 3، ص 201.

رکعه واحده إلیها شکراً للّه تعالی علی ولاده فاطمه الزهراء علیها السلام.

«فَلَمّا أَنْ وُلِدَ الحَسنُ علیه السلام أَضَافَ إِلَیها رَکعَتَینِ شُکراً للّه عَزَّ وَجلَّ، فَلَمّا أَنْ وُلِدَ الحَسینُ علیه السلام أَضَافَ إِلَیها رَکعَتَینِ شُکراً للّه عَزَّ وَجلَّ»، وهکذا یتبیّن لماذا أضاف النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله سبع رکعات للصّلاه الیومیّه.

وجاء فی روایه سعید بن المسیّب عن الإمام زین العابدین علیه السلام: عندما ظَهَرَتْ الدَّعوَهُ وَقَوی الإِسلامُ ووجَبَ الجهاد علی المسلمین: «زَادَ رَسُولُ اللّهِ صلی الله علیه و آله فِی الصّلاهِ سَبْعَ رَکَعاتِ فِی الظُّهرِ رَکعتینَ وَفِی العَصر رَکعتینَ وَفِی المَغربِ رَکعهً وَفِی العِشاءِ الآخِرهِ رَکعتینَ وَأَقَرَّ الفَجرَ عَلَی مَا فُرِضتْ بِمَکَهَ لِتَعجِیلِ عُرُوجِ مَلائِکهِ اللَّیلِ إِلی السَّماءِ وَلِتَعجِیلِ نُزُولِ مَلائِکهِ النَّهارِ إِلی الأَرضِ، فَکانَ مَلائِکَهُ النَّهارِ وَمَلائِکَهُ اللّیلِ یَشْهَدُونَ مَعَ رَسُولُ اللّهِ صلی الله علیه و آله صَلاهَ الفَجرِ، فَلِذَلِکَ قَالَ اللّهُ تَعالی إِنَّ قُرآنَ الفَجرِ کَانَ مَشهُودَاً لِیَشهدهُ المُسلِمُونَ وَلِیَشهَدهُ مَلائِکَهُ النَّهارِ وَمَلائِکهُ اللّیلِ»(1).

وجاء فی روایه أخری: «فَإِذا صَلّی العَیْدُ الصُّبحَ مَعَ طُلُوعِ الفَجرِ أُثبِتَتْ لَهُ مَرَّتَینِ أَثَبتَها مَلائِکهُ اللّیلِ وَمَلائِکهُ النّهارِ»(2). وعلی هذا الأساس إذا التفت الإنسان إلی أهمیّه صلاه الصّبح وما فیها من الخصوصیّه وقدر عظیم فإنّه سوف لا یسمح لنفسه بأن تفوته هذه الصّلاه أبداً.

ص:220


1- (1) علل الشرائع، ج 2، ص 324.
2- (2) . الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 3، ص 283.

66- لزوم الاهتمام بأداء صلاه الصّبح فی وقتها

«إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ کانَ مَشْهُوداً»

یستفاد من آیات القرآن الکریم أنّ صلاه الصّبح مشهوده ملائکه اللّیل وملائکه النّهار، ویجب علی الإنسان الالتفات إلی هذه الحقیقه وهی أنّ صلاه الصّبح إذا مضی من وقتها ساعه واحده أو نصف ساعه، وأتی بها المصلّی بعد طلوع الفجر بساعه فسوف لا یترتّب علیها ذلک الأثر وتلک الثمره الخاصّه، فإذا أراد المؤمن أن تکون صلاته مشهوده لملائکه اللّیل والنّهار فیجب أن یصلّیها فی أوّل طلوع الفجر وعند عروج ملائکه اللّیل إلی السماء فی هذا الوقت ونزول ملائکه النّهار إلی الأرض فی الوقت نفسه أیضاً، وبذلک تشهد له هاتان المجموعتان من الملائکه أنّه صلّی الصّبح لوقتها، وظاهر الروایه أنّ کلّ ما یکتبه الملائکه فی صحیفه أعمال هذا المؤمن له قیمه خاصّه وأثر معین، ولذلک ارجو من الأخوات والإخوه المؤمنین أن یتقیدوا حتماً بصلاه الصّبح ولا یتساهلوا فی الإتیان بها لوقتها، ولیعلموا وجود آثار کبیره وبرکات کثیره علی صلاه الصّبح فی أوّل وقتها.

ص:221

وأذکر لکم حکایه فی زمان حیاه آیه اللّه العظمی فاضل اللنکرانی رضوان اللّه علیه، فقد جاء إلیه شیخ کبیر من بلد آذربیجان وقال له عباره تعجبت منها واقعاً وشعرت بالغبطه له، قال ذلک الشیخ المسن: إنّنی طیله حکم الاتحاد السوفیاتی المارکسی علی بلد آذربیجان لم تفتنی صلاه الصبح ولا مرّه واحده، فما أعظم ما یعیشه المؤمن من اللذّه والبهجه بحیث إنّه یری سبعین أو ثمانین سنه من عمره قد مضی وهو الآن یرید أن یقیم أعماله فی تلک المدّه ویری أنّه صلّی طیله هذه المدّه صلاته علی وقتها ویشکر اللّه تعالی أنّه رزقه هذه النعمه بحیث أتی بواجباته وعباداته کامله، فلو أنّه غادر الدنیا فی هذه اللحظه فلا توجد صلاه فی ذمّته، ولکن بعض آخر ممن لهم عمر أقلّ عندما ینظرون إلی ماضیهم فسوف یرون أنّ بعض صلاتهم قد فاتت ویجب علیهم الآن أن یبادروا بسرعه إلی قضائها ویؤدّون تکلیفهم الشرعی تجاه هذه الصّلاه، ولا یوکِلون أمرها إلی غد وبعد غدٍ إلی یحین أجلهم وینتهی عمرهم وربّما لا یوفّقون لقضاء تلک الصلوات ولا یعلم بعد الموت أنّ ورثتهم سیبادرون للقضاء عنهم.

ومن هذا المنطلق ینبغی علینا أن نتأمل ونفکّر فی ماضینا، فلو کنّا نحتمل أنّ صلاه قد فاتتنا فیما مضی من عمرنا فیجب علینا المبادره إلی قضائها، وینبغی أن نتذکر هذه الآیه الشریفه: «إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ کانَ مَشْهُوداً» ، فعندما نرید أن نلجأ فی اللّیل إلی الفراش نسأل اللّه تبارک وتعالی وندعوه: إلهی أنت الذی فرضت علیَّ صلاه الصّبح فأسألک أن توقظنی فی هذا الوقت وتوفّقنی للمشارکه فی محفل الاُنس والنور مع عشّاقک ومحبّیک، وعلیکم باختبار ذلک، فعلماؤنا الأکابر قالوا مرّات عدیده بأنّه لا یمکن أن یطلب الإنسان من اللّه تعالی فی اللّیل بأن یستیقظ لصلاه الصّبح وحتّی لصلاه اللّیل ولا یوفّق لذلک، فبدلاً من التوصیّه بهذا وذلک أن یوقظنا لصلاه الصّبح، فلنطلب من اللّه والملائکه الإلهیین ذلک، فهؤلاء مستیقظون دائماً ومهتّمون بنا.

ص:222

والآن إذا کنّا نعیش هذا الهاجس وقعاً، فإذا استیقظنا یوماً من النوم فی الصباح الباکر ورأینا أنّه قد مضی علی آذان الفجر نصف ساعه فعلینا أن نقول عجیب لقد ذهبت ملائکه اللّیل ولم تشاهد صلاتنا فی هذا الصباح، فما أعظم هذه الخساره، ولو أننا أوجدنا فی أنفسنا مثل هذه الحاله فسوف نستیقظ دوماً عند أذان الصّبح للصّلاه والمناجاه مع اللّه تبارک وتعالی، وهکذا یتبیّن لنا معنی هذه الآیه الشریفه وینبغی علینا جمیعاً فهم هذا المعنی وحفظه فی أذهاننا وتکرار هذه الآیه فی حال سیرنا: «إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ کانَ مَشْهُوداً» ، فعندما نستیقظ لصلاه الصّبح ننظر إلی السماء لنری الملائکه الإلهیین، فملائکه اللّیل یعرجون إلی السماء فوجاً فوجاً، وملائکه النّهار ینزلون إلی الأرض مجموعه بعد مجموعه، فیسّلم هذا المصلّی علیهم ویقیم هذا التواصل والارتباط معهم حتّی نعیش هذه الحاله من اللذّه والبهجه فی صلاتنا إن شاء اللّه.

ص:223

67- سرّ أوقات الصّلاه فی جواب النّبی صلی الله علیه و آله للعالم الیهودی

یروی المرحوم الشیخ الصدوق رحمه الله عن أمیرالمؤمنین علیه السلام أنّه قال: «جَاءَ نَفَرٌ مِنَ الیَهودِ إِلی النَّبِیّ صلی الله علیه و آله فَسَأَلَهُ أَعلَمُهُمْ عَنْ مَسائِلَ: أَخبِرنِی عَنِ اللّهِ لأَیِّ شَیءٍ فَرَضَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الخَمسَ الصَّلواتِ فِی خَمسِ مَواقِیتَ عَلَی أُمَّتِکَ فِی سَاعَاتِ اللَّیلِ والنّهارِ».

«فَقَالَ النَّبیُّ صلی الله علیه و آله: إِنَّ الشَّمسَ عِندَ الزَّوالِ لَها حَلَقَهٌ تَدخُلُ فِیها»، ولعل ذلک إشاره إلی دائره نصف النّهار عندما تصل الشّمس إلی هذه الدائره یحین وقت صلاه الظّهر.

«فَإِذا دَخَلَتْ فِیها زَالَتِ الشَمسُ فَیُسبِّحُ کُلُّ شَیءٍ دُونَ العَرشِ بِحَمدِ رِبِّی جَلَّ جَلالُهُ، وَهِی السِّاعهُ الّتی یُصلِّی عَلَیَّ فِیها رَبِّی، فَفَرَضَ اللّهُ عَلَیَّ وَعَلَی أُمَّتِی فِیها الصَّلاهُ وَقَالَ : «أَقِمِ الصَّلاهَ لِدُلُوکِ الشَّمْسِ إِلی غَسَقِ اللَّیْلِ...»1» ، وهذه هی خصوصیّه صلاه الظّهر ووقت صلاه الظّهر.

ص:224

وعلی هذا الأساس لا ینبغی أن یتصوّر أحد أنّ وقت صلاه الظّهر عباره عن قسم من الوقت فی مدّه أربع وعشرون ساعه من اللّیل والنّهار قد قسمها اللّه بهذه الصوره، کلّا، ففی جمیع هذه الأوقات توجد حِکم وحقائق خقیّه، ولو أنّ الإنسان علم أنّ وقت صلاه الظّهر وهو وقت الذی صلّی الباری تبارک وتعالی علی نبیّه الکریم صلی الله علیه و آله وأنّ جمیع موجودات العالم تسبّح اللّه تعالی وتقدّسه سیکون هذا الشخص سائراً مع هذا القافله العظیمه ویجعل نفسه فی بحر هؤلاء المسبّحین للّه ویتحرّک مع قافله العشّاق والذّاکرین للّه تعالی.

یقول علیه السلام: «وَهِی السَّاعَهُ الَّتِی یُؤتی فِیها بِجَهنّمَ یِومَ القِیامَهِ فَما منْ مؤمنٍ یُوافِقُ تِلکَ السَّاعَهَ أَنْ یَکُونَ ساجِداً أَو رَاکِعاً أَوْ قَائِماً إِلّا حرَّمَ اللّهُ جَسَدَهُ عَلَی النَّارِ».

ص:225

68- سرّ تعیین وقت صلاه العصر

ویتابع أمیرالمؤمنین علیه السلام فی نقله تلک الروایه عن رسول اللّه صلی الله علیه و آله حیث یتحدّث فیها عن أسرار أوقات الصّلاه، فیقول: «وأَمّا صَلاهُ العَصرِ فَهِی السَّاعَهُ الّتی أَکَلَ آدمُ علیه السلام فِیها مِنَ الشَّجرَهِ فَأَخرَجَهُ اللّهُ عَزَّ وَجلَّ مِنَ الجَنَّهِ».

«فأَمَرَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذُرِّیَّتَهُ بِهذِهِ الصَّلاهِ إِلی یَومِ القِیامَهِ وَاختَارَهَا لأُمَّتِی فَهِی مِنْ أَحبِّ الصَّلَواتِ إِلی اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَوصَانِی أَنْ أَحفَظَها مِنْ بَینِ الصَّلَواتِ».

ویتبیّن من هذا الحدیث الشریف الحکمه فی تعیین وقت صلاه العصر، یعنی أنّ الإنسان فی وقت العصر یجب أن یتذکّر کیف أنّ أبا البشر ارتکب ذلک الترک الأولی وطرد من الجنّه فیجب علی ذریّته وأولاده فی هذا الوقت بإقامتهم لصلاه العصر جبران تلک النقیصه والخطیئه وإبعاد أنفسهم عن آثارها السلبیّه، ومن هذه الجهه کانت صلاه العصر أحبّ الصّلوات عند اللّه تبارک وتعالی، یعنی أننا نرید فی وقت صلاه العصر أن نقول للّه تعالی، إذا ارتکب آدم تلک المعصیه وترک الأولی فنحن بصلاتنا فی هذا الوقت نعلن اطاعتنا وعبودیّتنا وانقیادنا لک ونمتثل

ص:226

أوامرک، ولو أنّ آدم صدر منه ذلک الخطأ فنحن نعلن بعبادتنا وصلاتنا هذه أننا لا نرید أن نخالف أوامرک ونعصیک، یعنی أنّ صلاه العصر هذه تتلوّن بلون خاصّ وتعتبر امتثالاً مضاعفاً، فنفس الصّلاه تعتبر امتثالاً لأمر اللّه وطاعه له، ومع الالتفات إلی الواقعه التاریخیّه فیما یتّصل بآدم ومخالفته للأمر الإلهی، فنحن ذریّه آدم نرید من إقامتنا صلاه العصر، مضافاً إلی امتثال الأمر الإلهی، نقول للّه تبارک وتعالی: إلهنا نحن لا نرید أن نرتکب ذلک الخطأ ولا نرید الخروج عن دائره الانقیاد والطاعه والعبودیّه لک.

ص:227

69- سرّ تعیین وقت صلاه المغرب والعشاء

علمنا من الروایه الوارده عن أمیرالمؤمنین علیه السلام فیما یتّصل بصلاه المغرب أنّ اللّه تبارک وتعالی قبل فی هذا الوقت توبه آدم، وأساساً فإنّ نفس تذکّر هذه الواقعه فی هذا الوقت وأنّ توبه جدّنا آدم أبوالبشر ذلک النبیّ الکبیر، یوحی لنا بأن نتحرّک نحو التوبه والإنابه إلی اللّه، ومن هذه الجهه تکون لصلاتنا حقیقه أخری بوصفها توبه عملیّه إلی اللّه بالرغم من أنّ کلّ صلاه فی حقیقتها توبه وإنابه إلی اللّه، ولکن بخصوص وقت صلاه المغرب عندما یتذکّر الإنسان هذه الخصوصیّه فی هذا الواقعه فإنّه یتحرّک عملاً نحو التوبه، إنّ توبه آدم کانت بهذا الشکل أیضاً فقد صلّی آدم ثلاثه رکعات، رکعه واحده بسبب الخطیئه التی ارتکبها، والرکعه الثانیه بسبب خطیئه حواء، والرکعه الثالثه بوصفها توبه إلی اللّه من هذه الخطیئه.

«فَفَرَضُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الثَّلاتَ رَکَعاتٍ عَلَی أُمَّتِی»، وقد ورد فی بعض الروایات الأخری أنّ الرکعه الثالثه أضافها النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله عندما بشّروه بولاده فاطمه الزهراء علیها السلام، ولا تنافی بین هذه الأخبار، فربّما صلّی آدم علیه السلام هذه الرکعات

ص:228

الثلاث، ثمّ إن اللّه تعالی جعلها رکعتین علی امّه النبیّ صلی الله علیه و آله تخفیفاً لهم، لأنّ اللّه تعالی علم أنّ النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله سیضیف إلیها رکعه ثالثه، کفرض علی المسلمین، ولذلک تنطبق هذه الرکعه الثالثه بوصفها توبه آدم وکذلک بوصفها شکراً للّه علی ولاده فاطمه الزهراء علیها السلام ولا إشکال من هذه الجهه.

والنقطه المهمّه جدّاً فی هذا المورد أنّ النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله قال: «وَهِی السَّاعَهُ الَّتِی یُستَجابُ فِیها الدُّعاءُ فَوَعَدَنِی رَبِّی عَزّ وَجَلَّ أَنْ یَستَجیبَ لِمَنْ دَِعاهُ فِیها»،، ولیس فقط یستجاب دعاء النبیّ صلی الله علیه و آله، بل یستجاب لکلّ شخص إذا دعا اللّه تعالی فی وقت المغرب، فصلاه المغرب هی الصّلاه التی قال اللّه تعالی عنها فی الآیه الشریفه: «فَسُبْحانَ اللّهِ حِینَ تُمْسُونَ وَ حِینَ تُصْبِحُونَ»1 ، وتقول الروایه: «وَهِی الصَّلاهُ الَّتِی أَمَرَنی رَبِّی بِها فِی قَولِهِ تَبَارَکَ وَتَعالَی «فَسُبْحانَ اللّهِ حِینَ تُمْسُونَ وَ حِینَ تُصْبِحُونَ».

ونتابع قوله علیه السلام: «وَأَمَّا صَلاهُ العِشاءِ الآخِرِ فَإِنَّ للقَبرَ ظُلمَهٌ وَلِیَومِ القِیامَهِ ظُلمَهٌ»، ومن هذه الجهه أمر اللّه تعالی بصلاه العشاء لتنیر قبرنا وتزیل الظلمه عنّا فی هذا الموقف العصیب، هذه بعض النقاط التی ینبغی أن یستحضرها الإنسان فی صلاته، وإن کانت نیّته فی الصّلاه هی الطاعه للّه تبارک وتعالی وامتثالاً لأمره، ولکننا نعلم أنّ مصداق هذه الإطاعه والامتثال من شأنه إزاحه ظلمه القبر وظلمه المحشر فی یوم القیامه.

«أَمَرَنِی رَبِّی عَزَّ وَجَلَّ بِهَذِهِ الصَّلاهِ لِتُنوِّرَ القَبرَ وَلِیُعطِینِی وَأُمَّتِی النُّورَ عَلَی الصِّراطِ»، والآن مع الالتفات إلی هذه الخصوصیّات الوارده فی هذه الصّلاه، هل نسمح لأنفسنا بأن نضیّع صلاه عشاءنا أو نصلّیها دون حضور القلب ونخسر بذلک کلّ هذه البرکات المثوبات؟!

ص:229

«َمَا مِنْ قَدَمٍ مَشَتْ إِلی صَلاهِ العَتمَهِ إِلّا حَرَمَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ جَسَدَهُ عَلَی النَّارِ وَ هِی الصَّلاهُ الّتی اختَارها اللّهُ تَعالی وَتَقَدَّسَ ذِکرُهُ لِلمُرسَلِینَ قَبلِی».

ومن هذا یتبیّن أنّ تعیین أوقات الصّلاه له جهه خاصّه فی کلّ صلاه، فصلاه الصّبح مشهوده للملائکه ووقتها من طلوع الفجر حیث یجتمع فی هذا الوقت ملائکه اللیل وملائکه النهار ویشهدون لهذا المصلّی بصلاه الفجر، وصلاه الظّهر عند ما یصلّی الباری تعالی علی النبیّ وتسبّح بحمده جمیع الموجودات والکائنات، وصلاه العصر عندما ارتکب النبیّ آدم علیه السلام تلک الخطیئه وترک الأولی وتاب منها، وصلاه المغرب هو الوقت الذی قبلت فیه توبه آدم، ووقت صلاه العشاء یذکرنا بظلمه القبر والقیامه، وصلاه العشاء من شأنها أن تدفع هذه الظلمه عنّا فی تلک المواقف العصیبه.

نسأل اللّه تعالی أن یوفّقنا جمیعاً أن نکون من المصلّین الحقیقیین إن شاء اللّه.

ص:230

70- عقوبه عدم الاهتمام بوقت الصّلاه

إنّ الدقّه والتمعّن فی الآیات الشریفه من سوره الماعون یبیّن لنا ضروره وأهمیّه التوجّه والاهتمام أکثر لوقت الصّلاه، فنقرأ فی آیات هذه السوره الشریفه: «فَوَیْلٌ لِلْمُصَلِّینَ * اَلَّذِینَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ»1 ، وهکذا نری أنّ اللّه تبارک وتعالی فی هذه الآیه الشریفه فی مقام التهدید العظیم والشدید لمصلّی الذی یصلّی وهو یعیش الغفله عن ذکر اللّه وعن الصّلاه، فالویل إمّا یعنی العذاب الشدید، أو المکان الذی فیه عذاب شدید، وقبل هذه الآیه الشریفه یقول تبارک وتعالی: «أَ رَأَیْتَ الَّذِی یُکَذِّبُ بِالدِّینِ * فَذلِکَ الَّذِی یَدُعُّ الْیَتِیمَ * وَ لا یَحُضُّ عَلی طَعامِ الْمِسْکِینِ»2 ، حیث ذکر الکثیر من المفسّرین فی هذا المقام أنّ هذه الآیه: «فَوَیْلٌ لِلْمُصَلِّینَ» ، ترتبط بما قبلها من الآیات فی حین أنّ اللّه تبارک وتعالی بعد أن یقرّر فی أوّل السوره تکذیب المکذبین بیوم القیامه والأشخاص الذین یهینون الیتیم ویحرمون

ص:231

المساکین من الطعام ویهددهم بأنواع العذاب الشدید، ثمّ یبیّن مسأله جدیده ومستقله، وهذا بذاته یحکی عن أهمیّه هذه المسأله، ویری المحقّقون فی علوم القرآن أنّ الآیات الاُولی من سوره الماعون مکیّه، ومن قول: «فَوَیْلٌ لِلْمُصَلِّینَ»

إلی آخر السوره مدنیّه، وفیها یقول: «اَلَّذِینَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ» ، یعنی الأشخاص الذین یتساهلون بصلاتهم ولا یهتمّون بأدائها علی وجهها ولا یحفظون أوقاتها یؤخّرونها عن وقتها المقرّر، وعندما یسمعون صوت الأذات فی أوّل الوقت یقولون فی أنفسهم: نحن مشغولون فعلاً بعمل أهمّ وسوف نصلّی بعد ذلک ولا یلتفتون إلی وقت الصّلاه، وهؤلاء إمّا أن یؤخّروا صلاتهم عن أوّل وقتها، أو لا سمح اللّه یترکون الصّلاه ویقولون سوف نقضی هذه الصّلاه فیما بعد وفی خارج الوقت، فی حین یجب أن نلتفت إلی هذه الحقیقه وهی أنّ الشخص إذا أخّر صلاته عمداً وصلّاها خارج الوقت ولو علی شکل قضاء الصّلاه، ولکنّه فی هذا العمل قد ارتکب معصیه کبیره، والآیه الشریفه تقول: «اَلَّذِینَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ» ، ولم تقل الذین هم یتساهلون أثناء الصّلاه، بل قالت: الذین یسهون فی صلاتهم، والسهو عن الصّلاه یعنی ترک الصّلاه فی أوّل الوقت أو ترک الصّلاه فی أصل الوقت، أو أساساً لا سمح اللّه ترک الصّلاه کلیّاً فی بعض الأیّام وفی بعض المناسبات ویقول: الآن توجد حفله أو یوجد عرس ولا مجال لأداء الصّلاه فی هذا الوقت، وسوف أقضی هذه الصّلاه بعد ذلک.

وهکذا ترون أنّ اللّه تبارک وتعالی یقول فی هذه الآیه الشریفه: «اَلَّذِینَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ» ، الذین یتعاملون مع صلاتهم بهذه الصوره، وللأسف أنّ بعض الأشخاص من المسلمین والمؤمنین یؤخّرون صلاتهم أحیاناً عن أوّل الوقت وفی الغالب یعیشون حاله اللامبالاه فی أوقات الصّلاه ولا یهتمّون بوقت الصّلاه، فهذه الآیه الشریفه من سوره الماعون یجب توضع أمام أعیننا، لئلا نکون نحن

ص:232

مشمولین هذه الآیه الشریفه ونحن فی حال الصّلاه ویقال لنا: «فَوَیْلٌ لِلْمُصَلِّینَ * اَلَّذِینَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ» ، وطبعاً هناک نقاط تفسیریّه دقیقه أخری فی هذه الآیه الشریفه لیس هنا مجال لبیانها.

وعلی هذا الأساس یجب علی المسلمین، وبخاصّه الشیعه وأتباع أهل البیت علیهم السلام، الالتفات إلی أنّ أحد الامتیازات وخصوصیّات الشیعه أن یکونوا محافظین علی أوقات الصّلاه ویجب علیهم الاهتمام بها وبأوقاتها.

یقول الإمام الصادق علیه السلام: «إِنَّ فَضْلَ الوَقتِ الأِوّلِ عَلَی الآخِرِ کَفَضلِ الآخِرهِ عَلَی الدُّنیا»(1).

ص:233


1- (1) الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 3، ص 274.

ص:234

الباب الرابع: سرّ استقبال القبله التوجّه إلیها فی الصّلاه

اشاره

ص:235

ص:236

71- لزوم التوجّه إلی الکعبه

من البحوث التی یجب التوجّه إلیها فی بحث أسرار الصّلاه، مسأله القبله ووجوب استقبال المصلّی للکعبه فی صلاته، فأحد شروط صحّه الصّلاه أنّ المصلّی یجب أن یتوجّه فی صلاته إلی الکعبه بحیث إنّه إذا انحرف متعمداً ولو بمقدار قلیل عن جهه الکعبه فإنّ ذلک من شأنه إحداث خلل فی صحّه صلاته، والنقطه المهمّه هنا: ما هو السرّ فی استقبال المصلّی للکعبه؟ لأننا من جهه نقرأ فی الآیات القرآنیّه الشریفه: «لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَیْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ...»1 ، فإذا کان الحال کذلک وأنّ اللّه تعالی موجود فی کلّ مکان ولا توجد أی جهه من جهات العالم یمکن القول إنّ اللّه تبارک وتعالی لیس بحاضر فیها، فلا یمکن القول إنّ اللّه تعالی موجود فی السماء لا فی الأرض، ولا یمکن القول إنّ اللّه تعالی موجود فی الکعبه لا فی مکان آخر، والعقل یؤید هذا المعنی أیضاً ویحکم بأنّ ذلک الموجود الذی خلق جمیع ما فی هذا العالم وجمیع الکائنات لابدّ أن تکون

ص:237

له الإحاطه القیومیّه بجمیع هذه الکائنات والمخلوقات، ویجب أن یکون حاضراً فی کلّ مکان ولا یمکن عقلاً أن نتصوّر مکان یخلو من وجود اللّه تبارک وتعالی.

ومع الالتفات إلی هذه الحقیقه فلماذا یجب علینا التوجّه إلی الکعبه فی الصّلاه؟ ما هو السرّ فی المسأله، بحیث إنّ المصلّی لو لم یتوجّه فی صلاته إلی الکعبه فإنّ هذه الصّلاه لا تقع مقبوله من اللّه تعالی حتّی لو صلّی جمیع سنوات عمره إلی الجهات الأخری؟

ولتوضیح المسأله یجب بدایه ذکر مقدّمه، فأساساً أنّ التوجّه للکعبه لا یختصّ بالصّلاه، فلو تصفحنا الکتب الفقهیّه والمتون الروائیّه فسوف نری الکثیر من الأمور التی یجب فیها التوجّه إلی الکعبه، فذبح القربان لا یکون حلالاً ومذکی لو لم یتمّ استقبال القبله فی ذبحه، وکذلک یستحب أن یمدّد المحتضر نحو القبله، وعندما یدفن المیّت یجب أن یکون وجهه نحو القبله، فحتّی فی الجلوس العادی فالأفضل أن یجلس الإنسان مستقبلاً القبله، وقد ورد فی خصوصیّات النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله عن الإمام الصّادق علیه السلام أنّه قال: «کَانَ رَسُولُ اللّهِ صلی الله علیه و آله أَکثَرُ مَا یَجلِسُ تَجَاهَ القِبلَهِ»(1).

وکذلک روی حمّاد بن عثمان: «رَأَیتُ أَبَا عَبدِللّهِ علیه السلام یَجلِسُ فِی بَیتِهِ عِنْدَ بَابِ بَیتِهِ قُبالَهَ الکَعبَهِ»(2).

وقد ورد فی روایات أیضاً فی باب الزراعه: «إِذَا أَرَدتَ أَنْ تَزرَعَ زَرْعاً فَخُذْ قَبضَهً مِنْ البَذرِ وَاستَقبِلْ القِبلَهَ، وَقُلْ : «أَ فَرَأَیْتُمْ ما تَحْرُثُونَ * أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ»3»4 ، ثمّ قلْ ثلاث مرّات: «اللّه الزّارع»، إذن فمسأله استقبال القبله لا

ص:238


1- (1) الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 2، ص 661.
2- (2) المصدر السابق، ص 662.

تختصّ بالصّلاه بل تشمل حالات وأمور أخری أیضاً، وهذا یبیّن وجود سرّ وحقیقه کامنه فی الکعبه المشرّفه بحیث إنّ الناس ینبغی علیهم استقبال القبله فی الکثیر من أمورهم والتوجّه إلیها.

ص:239

72- سرّ أهمیّه الکعبه وجعلها القبله للمسلمین

تقدّم أنّ التوجّه نحو القبله لا یختصّ بحال الصّلاه بل موجود فی أمور کثیره کذبح القربان، والزراعه وحتّی الجلوس العادی، فإنّ مسأله استقبال القبله مذکور فی هذه الموارد، بل قد ورد فی الروایات الشریفه أنّ أحد شروط استجابه الدعاء أنّ الإنسان یتوجّه نحو القبله ویدعو اللّه تبارک وتعالی، یقول صفوان الجمّال:

«شَهِدتُ أَبَاعَبدِاللّهِ علیه السلام وَاستَقبَلَ القِبلَهَ فِی التَّکبِیر، وَقَالَ: اللّهُمَّ لاتُؤْیسِنی مِنْ رَوحِکَ وَلا تُقنِّطنِی مِنْ رَحمَتِکَ وَلا تُؤمِنِّی مَکْرَکَ»(1)، وحتّی فی مورد النسوه اللاتی لهنّ عذر شرعی فی عدم الصّلاه فإنّه یستحب لهنّ الوضوء والجلوس فی مجالس الصّلاه وهو المحلّ الذی یقمن فیه الصّلاه ویجلسن باتجاه القبله ویذکرن اللّه تعالی بمقدار ما تستغرقه الصّلاه، إذن فقد تبیّن أنّ استقبال القبله لا یختصّ بحال الصّلاه ومن هذه الجهه یجب علینا الفات النظر والذهن إلی هذه النقطه، وهی: ما هی خصوصیّه الکعبه، وماذا تمثّل من رمز، وما هی الحقیقه الکامنه فیها؟ وبحسب تعبیر الإمام الخمینی رضوان اللّه علیه فی کتابه «سرّ

ص:240


1- (1) . الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 2، ص 544.

الصّلاه»: إنّ الکعبه امّ القُری ومرکز بسط الأرض(1).

وقد ورد فی روایه عن النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله أنّه قال: «سُمِّیَتِ الکَعبهُ کَعبَهً لأَنّها وَسَطُ الدُّنیا»(2)، أی أنّ الکعبه مرکز ثقل العالم، وأوّل نقطه ظهرت من الماء بعد حادثه الطوفان وسفینه النبیّ نوح علیه السلام هی الکعبه، والقرآن الکریم یقرّر هذه الحقیقه فی سوره النازعات ویقول: «وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِکَ دَحاها»3 ، ممّا یفید مرکزیّه الکعبه للعالم، وبالإمکان القول إنّ الکعبه وجه اللّه تبارک وتعالی فی هذا العالم الأرضی.

یقول المرحوم المیرزا جواد الملکی التبریری رضوان اللّه علیه: إنّ اللّه تعالی له فی کلّ العالم وجه بالنسبه لأهل ذلک العالم، وفی عالم الدنیا فإنّ وجه اللّه بالنسبه لأهل الأرض هو الکعبه المعظمه، یعنی أنّ اللّه تعالی قرر بأنّ الأشخاص الذین یریدون التوجّه إلی اللّه تبارک وتعالی من سکان الأرض فعلیهم التوجّه نحو الکعبه، فنحن عندما نتوجّه نحو الکعبه فهذا یعنی أنّ توجّهنا منحصر فقط نحو اللّه تبارک وتعالی لا إلی غیره من الأشیاء، فوجه اللّه لا یعنی القول إنّ اللّه تعالی لو وجه ظاهری، بل الوجه هنا یعنی المظهر الذی بواسطته یتوجّه الإنسان نحو الحقّ رغم أنّ اللّه تعالی محیط بالإنسان فی جمیع الحالات وأنّ الإنسان یستطیع التواصل معه ومناجاته فی کلّ حال، ولکن فی حال الصّلاه وبما أنّ وجه اللّه فی الأرض یتمثّل فی الکعبه المعظمه، فالمصلّی یجب علیه فی هذا المورد التوجّه نحو القبله.

علی هذا الأساس یجب علی المصلّی فی جمیع الحالات، سواءً فی حال الوقوف أو الجلوس أو حتی لو اضطر إلی الصّلاه بحال الاضطجاع أن یستقبل الکعبه المعظمه ویتوجّه نحوها.

ص:241


1- (1) سرّ الصّلاه (معراج السالکین)، ص 65.
2- (2) . من لا یحضره الفقیه، ج 2، ص 190.

73- القبله والأمن المعنوی

یقول الإمام الصادق علیه السلام: «کَانَ أَمِیرُ المُؤمِنِینَ صَلواتُ اللّهِ عَلَیهِ َِذَا أَهَلَّ هِلالُ شَهْرُ رَمَضانَ أَقبَلَ إِلَی القِبلَهِ».(1)

نستنتج ممّا تقدّم من لزوم رعایه استقبال القبله فی الاتیان بالأمور المهمّه، أنّ للکعبه المشرفه رمزاً وسرّاً خاصّاً، فما هو هذا السرّ؟ وقد ورد فی بعض الروایات أنّ القبله عنوان الأمن للناس، یقول أمیرالمؤمنین علیه السلام: «لا یَجُوزُ للرَّجُلِ أَنْ یُصَلِّی وَبَینَ یَدَیهِ سَیفٌ لأَنَّ القِبلَهَ أَمْنٌ»(2)، أی أنّ الکعبه هی محلّ الأمن الإلهی، ومن خلال التدقیق فی هذه العباره نستوحی أنّ الوقوف فی مقابل القبله واستقبال الکعبه المشرفه یمنح المؤمن حال من الأمن الروحی والمعنوی، یعنی کما أنّ اللّه تبارک وتعالی جعل من محیط الکعبه ومکّه المکرمه حرماً للأمن الإلهی، وهذا الأمن لا یختصّ بالشخص الذی یدخل إلی ذلک المکان المشرّف

ص:242


1- (1) الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 4، ص 74.
2- (2) . من لا یحضره الفقیه، ج 1، ص 250.

بل یوجد أمن فوق هذا الأمن الظاهری، فالإنسان عندما یتوجّه إلی القبله فإنّ اللّه تبارک وتعالی یجعل له حاله من الأمن لا تتوفّر لو توجّه نحو الجهات الأخری، رغم أنّ اللّه تعالی موجود فی جمیع الجهات الأخری، ولکن هذه الحاله من الأمن الخاصّه لم تتعلّق مشیئه الباری تعالی فی الجهات الأخری، وبحسب هذه الروایه فإنّ المصلّی یجب أن یعتقد بأنّه واقف فی حرم الأمن الإلهی بحیث لا یصحّ منه وضع سیف أمامه للدفاع عن نفسه، وهذا الحدیث الشریف یفید قطعاً وجود حاله من الأمن المعنوی والباطنی، یعنی أنّ الإنسان الذی یستقبل القبله فإنّ فکره وقلبه وعقله ونفسه تکون بعیده عن أجواء الضلاله ووساوس الشیطان والأفکار الباطله، یعنی أنّ اللّه تعالی یتدخل فی هذه الحاله ویقید الشیطان فی سلطته علی هذا المؤمن.

إنّ اللّه تبارک وتعالی، کما یقید أیدی وأرجل الشیطان فی شهر رمضان، فعندما یقف المصلّی ویستقبل القبله فإنّ حاله من الأمن ستشمله ویبتعد عنه الشیطان، فمن هذه الجهه ورد فی بعض الروایات عن النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله: «إِذا قَامَ العَبدُ إِلی الصَّلاهِ فَکَانَ هَوَاهُ وَقَلبَهُ إِلی اللّهِ تَعالی انصَرفَ کَیومِ وَلَدَتْهُ أُمِّهُ»(1)، وهذا یعنی أنّ استقبال المصلّی بظاهر بدنه نحو القبله یعتبر مقدّمه لاستقبال وجه باطنه یعنی قلبه وروحه نحو اللّه تبارک وتعالی، کما ورد من قوله علیه السلام أنّ الکعبه أمن، یعنی أنّ اللّه تبارک وتعالی یحفظ المصلّی فی هذه الحال ویبعد عنه لوث الشیطان والأفکار الباطله، ولا یسمح أن یتورط هذا المصلّی بوحل الوساوس الشیطانیّه والنوازع النفسانیّه، وهکذا نری أنّ اللّه تعالی یوفّر جمیع الشروط والظروف المناسبه لکی یتوجّه هذا العبد نحوه ویتواصل مع ربّه بالمناجاه والعباده، فهذه إحدی النقاط المهمّه التی ینبغی الالتفات إلیها فی باب استقبال القبله.

ص:243


1- (1) . بحار الأنوار، طبعه بیروت، ج 81، ص 261.

74- تناسب الظاهر والباطن فی التوجّه إلی اللّه

فی مقام الجواب عن هذا السؤال لماذا یتوجّه المصلّی فی صلاته نحو الکعبه المشرّفه؟ وما هی الحکمه والسرّ فی شرطیّه استقبال القبله للمصلّی؟ یقول الشهید الثانی أعلی اللّه مقامه الشریف(1): «أمّا الاستقبال فهو صرف لظاهر وجهک عن سائر الجهات إلی جهه بیت اللّه تعالی»، وهذا یعنی أنّ هذا المصلّی یرید أن یخاطب اللّه تبارک وتعالی ویقول: إلهی لقد أعرضت عن الدنیا وما فیها وأعرضت عن کلّ ما لیس له صبغتک ولونک، واُرید أن أتوجّه بکلّ وجودی فی الظاهر والباطن نحوک، فلو أنّ المصلّی التفت إلی هذا المعنی فسوف یؤثر ذلک قطعاً فی نیّه صلاته، وستکون هذه الصّلاه أکثر خلوصاً ومعنویه وحیویه، ولذلک ورد فی الروایات أنّه یجب أن تکونوا فی الصّلاه بحیث إنّکم ترون اللّه، فإنّ لم تکونوا ترونه فإنّه یراکم.

ثمّ یقول الشهید الثانی قدس سره: «أفتری أن صرف القلب عن سائر الأمور إلی أمر اللّه

ص:244


1- (1) . التنبیهات العلیّه، ص 105.

تعالی لیس مطلوباً منک»، وکما أنّ القلب یعدّ حرم اللّه ولا یجوز أن یسکن فیه غیر اللّه تعالی ولا یتوجّه إلی غیره فبدنک الظاهری أیضاً یجب أن یتوجّه نحو اللّه تعالی، وهکذا نستنتج أنّ الأمر الإلهی باستقبال والتوجّه نحو الکعبه فی الصّلاه یجب أن تکون هناک رابطه وعلاقه بین هذا الظاهر وبین الباطن، بحیث إنّ الإنسان عندما یتوجّه بظاهره نحو اللّه تعالی فإنّ قلبه لا محاله سیتوجّه نحو اللّه أیضاً، فعندما یتوجّه قلبه، فإنّ ظاهره لا محاله سیبتعد عن غیر اللّه ویتوجّه نحو الباری تعالی رغم أنّ علماءنا الکبار غالباً ذکروا فی کتبهم الأخلاقیّه والعرفانیّه أنّ الظاهر هو طریق إلی الباطن، کما هو الحال فی مسأله استقبال القبله والتوجّه نحو الکعبه المشرّفه، وبحسب ما ورد فی بعض الروایات أنّ ما یقابل الکعبه فی السماء الرابعه هو البیت المعمور، وهو محل طواف الملائکه، والبیت المعمور بدوره یقع بإزاد عرش اللّه تبارک وتعالی، وهذا الارتباط العمیق من الأرض إلی السماوات یعکس وجود هذا الارتباط بین هذا الظاهر وذلک الباطن.

لا ینبغی أن نتصوّر أنّ الکعبه مجرّد بناء متشکل من أحجار وضعها النبیّ إبراهیم علیه السلام فی ذلک المکان وبالإمکان أیضاً أن یضعها فی مکان آخر، ولکنّه اتّفق أن وضعها فی مکّه، أی بمعنی أنّ مکان الکعبه هو أمر اعتباری، کلّا، فثمّه أسرار کثیره فی الکعبه ومکانها، فقد ورد فی الروایات أنّه یستحب النظر إلی الکعبه، فعندما یجلس الإنسان فی المسجد الحرام فیستحبّ له النظر إلی الکعبه وکلّما نظر إلی الکعبه أکثر ازداد ثوابه، وهذا بسبب أنّ ظاهر الکعبه لیس هو المقصود بل یجب أن یکون معلوماً أنّ البیت المعمور یقع فی السماء بمحاذاه الکعبه، والبیت المعمور بدوره یقع بمحاذاه العرش الإلهی، یعنی أنّ سرّ الکعبه هو البیت المعمور، وسرّ البیت المعمور هو عرش اللّه تبارک وتعالی، إذن فعندما نقف اتجاه القبله ونعرض بوجهنا عن کلّ ما سوی اللّه تعالی ونتوجّه إلی حقیقه واحده یعنی اللّه تبارک وتعالی، فهذا یعنی أنّ ظاهر الإنسان سیتلوّن وبصطبغ بصبغه إلهیّه أیصاً.

ص:245

75- الصوره الباطنیّه لعدم التوجّه إلی اللّه فی الصّلاه

تبیّن لحدّ الآن، کما یجب أن یکون قلب المصلّی متوجّهاً نحو اللّه تعالی فإنّ ظاهره وجوارحه یجب أن تکون متوجّهه نحو وجه اللّه وهو الکعبه المشرّفه، وأحد آثار توجّه المصلّی نحو الکعبه أو یفهم نفسه ویوحی لقلبه أنّ هذا القلب یجب أن یکون فقط وفقط ذاکراً للّه تعالی ویعیش أجواء عظمته وقدرته، فلو أنّ الشخص توجّه إلی الکعبه واستقبل القبله فی صلاته ولکن قلبه کان یمیل نحو غیر اللّه، فهذا یعنی أکبر استهزاء باللّه تعالی، فلو أنّک بحسب الظاهر تنظر إلی شخص معیّن وبدأت بالحدیث معه ولکنّ قلبک وحواسک فی مکان آخر، أو بالعکس لو کنت عارفاً بأنّ الشخص الذی یقف فی مقابلک ویتحدّث معک فإنّ قلبه وفکره فی محلّ آخر فماذا یکون حالک؟ لا ینبغی أن یکون ظاهرنا وبدننا متوجّهاً نحو القبله ولکن قلبنا غیر متوجّه نحو اللّه ونفکر فی أمور أخری.

وقد ورد فی الحدیث عن رسول اللّه صلی الله علیه و آله أنّه قال: «أَمَا یَخَافُ الّذی یُحَوِّلُ وَجهَهُ فِی الصَّلاهِ أَنْ یُحوِّلَ اللّهُ وَجهَهُ وَجهَ حِمارٍ»(1)، فمثل هذا الشخص الذی یفکّر فی

ص:246


1- (1) . بحار الأنوار، طبعه بیروت، ج 81، ص 211.

صلاته بالأمور الدنیویّه وینشغل قلبه بمتاع الدنیا وزخارفها علیه أن یخاف أن یبدّل اللّه وجهه وجه حمار. یجب علینا التأمّل والدقّه فی هذه الروایه الشریفه ونستخلص منها نقاط مهمّه، فلماذا عبّر النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله أنّ مثل هذا الشخص ربّما قیافته وملامحه علی شکل الحمار، ربّما یکون المعنی أنّ الشخص الذی یتوجّه نحو اللّه ببدنه ولکن قلبه وفکره یعیش فی مکان آخر، فإنّ أحد آثار هذه الحاله أنّ اللّه تبارک وتعالی سیقلل من عقله إلی درجه أنّه یکون فی قلّه العقل کالحمار، ومن البعید جدّاً أن یکون مقصود النبیّ صلی الله علیه و آله أنّ اللّه تعالی یحوّل وجهه الظاهری والبدنی لهذا الشخص إلی وجه حمار بالمعنی الظاهری، بل یقول إنّ الصوره الباطنیّه لهذا الشخص یکون حالها حال الصوره الباطنیّه للحمار، لأنّ الحمار یعدّ من بین الحیوانات أقلّها عقلاً وذکاءً، وطبعاً ثمّه احتمال آخر فی مورد هذه الروایه، وهو أنّ هذه الحقیقه المذکوره فی هذا الحدیث تتعلّق بالشخص الذی یحوّل وجهه فی صلاته من هذه الجهه إلی تلک باستمرار، ولکن الاحتمال الصحیح هو الاحتمال السابق.

إذن لابدّ أن نلتفت إلی أننا عندما نقف للصّلاه، فکما أننا نستقبل القبله بأبداننا فینبغی أن نفکر بعظمه اللّه تبارک وتعالی ونعیش أجواء الخضوع والخشوع القلبی للّه، وذلک بأن یکون قلبنا أیضاً متوجّهاً للکعبه ویری البیت المعمور وعرش اللّه تعالی لتکون صلاتنا مفعمه بالروح المعنویّه والملکوتیّه إن شاء اللّه.

ص:247

76- خصوصیّات الکعبه

قلنا إنّ التوجّه للکعبه المشرّفه باستقبال القبله لا یختصّ بحال الصّلاه، بل هو وارد فی الکثیر من الأمور المعنویّه والدینویّه، سواءً کان بنحو الالزام والوجوب، أم بنحو الاستحباب والندب، وسبق أن استعرضنا روایه تقرّر أنّ استقبال القبله یوجب للإنسان الشعور بالأمن، قد وردت نقطه أخری فی الروایات أیضاً، وهی أنّ الکعبه: «أَوَّلَ رَحمَهٍ وُضِعَتْ عَلَی وَجهِ الأَرضِ فَجَعَلَهُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَثابَهً لِلنَّاسِ وَأَمناً»(1)، ولذلک ورد استحباب الصیام فی یوم دحو الأرض وهو الیوم الخامس والعشرون من ذی القعده، وثواب الصوم فیه بمقدار سبعین سنه من الصیام، ودحو الأرض هو الیوم الذی ظهرت فیه الکعبه فی حادثه الطوفان، یعنی ذلک القسم من الأرض الذی خرج من سطح الماء ثمّ بدأ بالتوسع والامتداد، وهذه الخصوصیّات للکعبه تلفت أنظارنا أکثر إلی عظمه الکعبه، وقد ورد فی روایه عن الإمام الباقر علیه السلام، وذلک عندما ینسب اللّه تعالی الکعبه إلی نفسه ویقول: «بیتی»،

ص:248


1- (1) . الکافی، ج 4، ص 149.

وهذا الانتساب یعکس عظمه هذا المکان الشریف وجلاله قدره.

والإنسان من بین جمیع الموجودات یفکر بأنّ اللّه تعالی قال فی حقّه:

«وَ نَفَخْتُ فِیهِ مِنْ رُوحِی...»1 ، فجمیع ما لدی الإنسان من سمّو وعظمه وکرامه بسبب هذه النسبه الإلهیّه أی بسبب نفخ الروح الإلهی فی هذا الإنسان وبذلک ینتسب إلی الحقّ تبارک وتعالی ویملک من هذه الجهه صلاحیه ولیاقه الخلافه الإلهیّه، وهذه النسبه لا نجدها فی غیر الإنسان من الجمادات سوی فی الکعبه حیث نسبها اللّه تعالی إلی نفسه وقال: «بیتی».

ونحن عندما نقف مستقبلین هذا البیت الحرام فنجد أنفسنا متوجّهین فی مسار آخر یختلف عن المسارات الدینویّه فی العالم، فنحن نقف حینها أمام عظمه الباری تعالی ونتوجّه إلی بیته الحرام، یجب أن نلتفت إلی أنّ هذه الحاله من شأنها أن تقرب الإنسان أکثر من الباری تعالی وتهییء نفسه لمناجاته ودعائه.

یقول الإمام الصادق علیه السلام فی روایه(1): «إِذَا إِستَقبَلتَ القِبلَهَ فَآیس مِنَ الدُّنیا وَمَا فِیها وَالخَلَقَ وَمَا هُمْ فِیهِ»، وکلّ هذه العظمه والمعطیات الجلیله فی استقبال القبله لیست فقط لأنّ الإنسان یتوجّه بوجهه وبدنه نحو الکعبه، بل بسبب رعایه شروطها ومقدّماتها، وأحد هذه الشروط أنّ الإنسان عندما یتوجّه إلی القبله یعیش حاله الیأس من الدنیا ولا یعتبر للدنیا أیه قیمه ویعرض عن الخلق وما هم فیه من مشاغل الدنیا، «وَاستَفرِغْ قَلْبَکَ عَنْ کُلِّ شَاغِلٍ یَشغُلُکَ عَنِ اللّهِ تَعالی»، سواءً کان الشغل الجاه والمقام أو المال والعمل والکسب حتّی ذلک الاشتغال القلبی للعلم والبحوث العلمیّه، فیجب علی الإنسان عندما یقف مستقبلاً القبله أن یکون

ص:249


1- (2) . مصباح الشریعه، الباب 13.

قلبه خالیاً من جمیع هذه الأمور ومتجّهاً نحو الباری تعالی ومستشعراً عظمته وکبریاءه.

«وَعَاینْ بِسِرِّکَ عَظَمهَ اللّه تَعالی»، فعندما یعیش الإنسان حال الیأس عن الدنیا والخلق ویبعد نفسه عن کلّ ما سوی اللّه تعالی فإنّه سیشاهد بهذا الباطن والسرّ عظمه الباری تعالی ویستشعر الخضوع والخشوع وهو یقف هذا الموقف، وهنیئاً للأشخاص الذین یعیشون هذه الحاله فی وجودهم ویشاهدون عظمه اللّه فی عین بصیرتهم وقلوبهم، فالغایه من استقبال القبله والتوجّه إلیها فی الصّلاه، أن یطهّر الإنسان قلبه من التلوّثات والوساوس ویزیح عن قلبه الموانع التی یعیقه فی مسیرته المعنویه نحو اللّه تعالی فیشاهد العظمه والطهر والصفاء فی ساحه القدس الربوبی والذات المقدّسه.

ومعنی استقبال القبله فی التوجّه إلی الکعبه أنّ الإنسان یجمع جمیع أموره ویلقیها بعیداً، وبالتالی یشاهد عظمه الباری تعالی فی باطنه وقلبه، والتوجّه نحو القبله یذکّر الإنسان یوم القیامه هو ذلک الیوم الذی یجب أن نقف فیه جمیعاً أمام اللّه تعالی للحساب فی محکمه العدل الإلهی، ومثل هذا التوجّه القلبی یورث الإنسان حالات معنویّه رائعه جدّاً، نسأل اللّه تعالی أن یرزقنا مثل هذه الحالات إن شاء اللّه.

ص:250

خلاصه أسرار القبله

ألف) یستفاد من الروایات أنّ من اللازم أو المناسب فی الإتیان بالأمور المهمّه أن یستقبل المؤمن القبله، مثل الزراعه وذبح القربان وکذلک لغرض استجابه الدعاء ودفن المیّت، وعلی هذا الأساس فالتوجّه للکعبه واستقبال القبله لا یختصّ بالصّلاه.

ب) إنّ الکعبه هی امّ القُری ومرکز بسط الأرض ودحوها، وبحسب بعض الروایات أنّ الکعبه تقع وسط الأرض وأنّها وجه اللّه فی الارض لأهلها.

ج) بما أنّ الکعبه محلّ الأمن، فالوقوف باتجاه الکعبه منح الإنسان حاله من الأمن الروحی والمعنوی.

د) التوجّه نحو الکعبه یعنی اعراض الإنسان ظاهر بدنه عن جمیع الجهات ویتوجّه نحو اللّه وبیته الکریم.

ه) مع التوجّه نحو الکعبه فإنّ ظاهر وباطن الإنسان یتحدان فی هذا الاتجاه، أی فی التوجّه نحو اللّه.

و) وبالتوجّه الظاهری نحو الکعبه فإنّ قلب الإنسان یجب أن یتوجّه نحو البیت المعمور وعرش اللّه.

ص:251

ز) الکعبه أوّل رحمه نزلت من اللّه تعالی إلی أهل الأرض، وأوّل تجلی من تجلیات الحقّ تعالی علی الأرض.

ح) إنّ استقبال القبله والتوجّه نحو الکعبه یذکر الإنسان بوقوفه أمام اللّه عزّ وجلّ یوم القیامه، وعلیه یجب أن یغض الإنسان نظره عن الدنیا وما فیها ویعرض عن الناس وما هم فیه.

ص:252

الباب الخامس: أسرار الأذان والإقامه

اشاره

ص:253

ص:254

77- أسرار الأذان والإقامه

وأحد المسائل التی ینبغی الالتفات إلیها والاهتمام بها فیما یتّصل بالصّلاه وأسرارها، مسأله الأذان والإقامه قبل الصّلاه، ولعلّ یمکن القول إنّ الأسرار الموجوده فی الأذان والإقامه تعدّ مقدّمه لفهم ودرک أسرار وحقائق الصّلاه، ومن أجل أن یصل الإنسان إلی حقیقه الصّلاه فإنّ الأذان والإقامه بمثابه التمهید لهذا المصلّی، للوصول إلی تلک الحقیقه، وهذه من خصوصیّات عباده المسلمین ولم تکن فی الاُمم السابقه والأدیان الأخری، طبعاً فإنّ أصل الصّلاه کانت موجوده فی الأدیان السابقه، ولکن مسأله الأذان والإقامه تعدّ من اختصاصات وممیزات هذا الدین الحنیف وقد جعلها اللّه تعالی امتیازاً لاُمّه النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله.

وثمّه عدّه أمور تبحث فی مسأله الأذان والإقامه، أوّلاً ما ورد فی الروایات الشریفه من البرکات والمثوبات الکثیره والعدیده للأذان والإقامه، بحیث تلفت نظر الإنسان أکثر إلی حقیقه هذا العمل، فسبق أن ذکرنا أنّ فقهاءنا فیما یتّصل بالأذان والإقامه لیس فقط یقولون برجحانهما واستحبابهما، بل ذهبوا إلی أنّه

ص:255

الأذان والإقامه من المستحبّات المؤکده، بل إنّ بعض الفقهاء القدماء قالوا بوجوبهما فی جمیع الصّلاه، والبعض ذهب إلی وجوبهما فی خصوص صلاه الصّبح والمغرب، وبعض آخر فی خصوص صلاه الجماعه، وعلی أیّه حال فمن الناحیه الفقهیّه فإنّ الأذان والإقامه وردا مورد اهتمام کبیر جدّاً بحیث إنّ الصّلاه لا ینبغی أن تقام بدون أذان وإقامه، أی أنّ الصّلاه بدون أذان وإقامه لا یمکن أن تکون صلاه کامله، وعلی هذا الأساس ینبغی للمصلّین الأعزاء الاهتمام بهذه المسأله ورعایه الأذان والإقامه قبل الصّلاه.

جاء فی روایه بلال أنّه قال: «سَمِعتُ رَسُولَ اللّهِ صلی الله علیه و آله یَقُولُ: مَنْ أَذَّنَ عَشْرَ سِنینَ أَسکَنَهُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَعَ إِبراهِیمَ الخَلیلِ فِی قُبَّتِهِ أَو فِی دَرَجَتِهِ»(1)،

وقد ذکر علماؤنا أنّ هذه الروایات تتجاوز حدّ الخبر الواحد وفوق حدّ الاستفاضه وتقرب من التواتر، قوله علیه السلام: «مَنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلّی صَلّی خَلفَهُ صَفّانِ مِنَ المَلائِکَهِ»(2).

والنقطه المهمّه هنا، ما ورد فی بعض الروایات تبیّن مقدار هذا الصف: «أَقلُّهُ مَا بَینَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ وَأَکثَرُهُ مَا بَینَ السَّماءِ وَالأَرضِ»، فعندما نری أنّ اللّه تبارک وتعالی یهتمّ بالأذان والإقامه بهذه الصوره عندما یقف المصلّی بین یدیه، فهذا الأمر یجب أن یدفعنا إلی التفکیر فی حقیقه الأسرار الخفیّه والکامنه فی الأذان والإقامه، وما هی النقاط العجیبه والحقائق الدقیقه المقترنه بالأذان من بدایته إلی نهایته؟ وأساساً ما هی المرتبه من مراتب التوحید التی یصل إلیها الإنسان بالأذان والإقامه وبأی مرحله من مراحل العبودیّه یصل هذا المصلّی؟ ونجد الجواب عن هذه الأسئله عندما یأتی المصلّی بالأذان والإقامه کمقدّمه للصّلاه ویستشعر فی

ص:256


1- (1) تفسیر العیاشی، ج 2، ص 334؛ بحار الأنوار، مطبعه بیروت، ج 81، ص 124.
2- (2) الدعائم، ج 1، ص 146.

نفسه بروح العبودیّه للّه تعالی وأنّه یتکامل فی مراتب التوحید، ثمّ یکون مستعداً ولائقاً للحضور والوقوف فی محضر الحقّ تبارک وتعالی أی الصّلاه، یجد فی نفسه الصلاحیه والقابلیّه إلی أن یرتفع فی معراج الملکوت ویبدأ حرکته المعنویّه نحو اللّه تبارک وتعالی.

وبعباره أخری أنّ الأذان والإقامه عاملان مهمّان جدّاً فی حرکه الإنسان المعنویّه ومن أجل أن یشرع الإنسان بصلاته بالکیفیّه المطلوبه.

ص:257

78- الأذان: دعوه جمیع قوی الملک والملکوت للحضور

ثمّه أسرار مهمّه جدّاً فی الأذان والإقامه والتی تتضمّن التکبیر والتهلیل والشهاده بالرساله والولایه والدعوه للفلاح والخلاص کذلک ینتهی الأذان والإقامه بالتکبیر والتهلیل أیضاً.

یقول بعض الأکابر من علماء العرفان والأخلاق: إنّ نداء المؤذن یذکّر الإنسان بالنداء فی یوم القیامه الکبری لحضور جمیع الخلائق فی عرصات المحشر، ویقول المرحوم الملا محسن الفیض الکاشانی فی کتابه «الحقائق»: «وإذا سمعت نداءالمؤذن فاحضر فی قلبک هول نداء یوم القیامه، وتشمّر بظاهرک وباطنک للمسارعه والإجابه فإنّ المسارعین إلی هذا النداء هم الذین ینادون باللطف یوم العرض الأکبر»، وأساساً فإنّ المرحوم الفیض الکاشانی یلفت النظر إلی مسأله دقیقه فی الأذان، وهی أنّ الإنسان إذا أراد أن یری حاله یوم القیامه وعندما یدعو الباری تبارک وتعالی جمیع الناس لحسابه، فکیف یکون حاله واستعداده فی ذلک الوقت؟ هل یشعر فی ذلک الیوم بالسرور والفرح أو یکون ذلک بالنسبه له

ص:258

یوم الندم والحسره؟

یقول: إنّک تری فی هذا العالم الدنیوی هل أنّک تشعر بالسرور والانبساط مع سماعک للأذان أم لا؟ وعندما یبدأ المؤذن بالأذان هل تشعر بالنشاط فی قلبک وتحسّ بأنّ قلبک ملیء بالغبطه والسرور أم لا سمح اللّه لا یوجد أی تغییر فی قلبک؟ ولو أنّ أحدهم سمع صوت المؤذن وانقبض قلبه لذلک لا سمح اللّه، وتصوّر أنّ هذا الأذان قد نغص علیه لذّته ووقته، فالویل لمثل هذا الشخص.

ویتابع الفیض الکاشانی قدس سره بالقول: إنّ نوعیه ردّه الفعل للشخص فی هذا العالم بالنسبه لصوت المؤذن تعکس ردّه فعلهم لذلک النداء الإلهی فی عرصات المحشر یوم القیامه وهل أنّ استجابته لذلک النداء إیجابیّه أم سلبیّه، ثمّ یشیر الکاشانی إلی کلام النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله بهذه المناسبه: «أَرحنَا یا بِلالُ»، وأنّ هذه العباره مرتبه بهذا المعنی ویقول:

«أَرِحنا بِها وَبِالنِّداءِ إِلَیها»، فالمؤذن یدعو المؤمنین إلی مجلس الحضور بین یدی الباری تعالی والحدیث معه والمعراج إلیه، ولو أخذنا بعین الأعتبار کلامه:

«الإنسان یموت علی ما یعیش ویحشر علی ما یموت ویحصد ما زرعه فی أرض قلبه»، فهذا یعنی أنّ جمیع الحالات التی یعیشها المرء فی هذا العالم ویموت علیها فإنّه سوف یحشر بتلک الحالات والنیّات وبتلک الکیفیّات فی یوم القیامه ویجد ثمره ما زرعه فی قلبه فی حیاته الدنیا.

والحال إذا شعر الشخص عند سماعه لنداء المؤذن بحاله من السرور والفرح وأنّه سوف یقدم علی خالقه ویحضر فی مجلس ملاقاته، وما یترتّب علیه من إفاضات الحقّ تبارک وتعالی علیه فی ذلک المجلس، فإذا شعر الإنسان من هذا النداء بحاله من الشوق والرغبه فی التحلیق فی عالم الملکوت وغادر الدنیا بهذه الحاله فسوف یحشر یوم القیامه بهذه الحالات والملکات النورانیّه فی نفسه

ص:259

وسوف تنقذه هذه الحالات والملکات المعنویه من أزمات المحشر وظلمات یوم القیامه.

وثمّه عباره عمیقه للإمام الراحل رضوان اللّه تعالی علیه: إنّ الأذان هو قوی الملک والملکوت فی الإنسان الکبیر والصغیر للتهیئه والاستعداد للحضور فی محضر الحقّ تبارک وتعالی، فلیس الأذان مجرّد دعوه الناس إلی المسجد والوقوف للصّلاه، بل هو دعوه لجمیع قوی العالم بواسطه الأذان، سواء الإنسان الصغیر أم الإنسان الکبیر، القوی الملکیه أو الملکوتیّه، فالجمیع مدعوون للحضور فی محضر الحقّ تبارک وتعالی، ومن هذه الجهه یجب علینا الاهتمام الجاد بمسأله الأذان والإقامه.

ص:260

79- سرّ التکبیرات الأربع والشهاده بوحدانیّه اللّه فی الأذان

یقول المرحوم الکلینی فی کتابه «الکافی» فی روایه عن الإمام الباقر علیه السلام: «لَمَّا أُسرِیَ بِرَسُولِ اللّهِ صلی الله علیه و آله إِلی السَّماءِ فَبَلَغَ البَیتَ المَعمُورَ وَحَضَرَتْ الصِّلاهُ فَأَذَّنَ جِبرئیلُ وَأَقَامَ فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللّهِ صلی الله علیه و آله وَصَفَّ المَلائِکَهُ وَالنَّبِیُّونَ خَلَفَ مُحَمُّد صلی الله علیه و آله»(1).

ویتبیّن من قیام جبرئیل الأذان والإقامه لهذه الصّلاه أنّ حقیقه الصّلاه لا تتیسر بدون الأذان والإقامه، ویجب علینا أن نأسف علی أنّ الکثیر من صلواتنا اقیمت بدون الأذان والإقامه، ومثل هذه الصّلاه لیست بصلاه کامله، وهذه الصّلاه لا تستطیع العروج بالإنسان إلی مراتب عالیه من حضور القلب، وهذه الصّلاه لیست معراج المؤمن، فالصّلاه بدون الأذان والإقامه صلاه ناقصه جدّاً.

وسبق أن ذکرنا عباره الإمام الراحل رضوان اللّه علیه حیث یقول: إنّ الأذان دعوه لجمیع قوی العالم، قوی الملک والملکوت للحضور فی محضر الحقّ تبارک وتعالی فما هو هذا الأذان؟ فی الأذان هناک أربع تکبیرات فی مطلع الأذان، وثمّه

ص:261


1- (1) الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 3، ص 302.

أسرار وحقائق کامنه فی هذه التکبیرات الأربع، وهنا یعلن المصلّی بهذه التکبیرات عن عجز جمیع الموجودات فی العالم عن القیام بالثناء علی الحقّ تعالی وحمده، فالمصلّی یرید أن یقول بهذه التکبیرات أنّ کلّ موجود فی العالم لا یستطیع أبداً أن یحمد اللّه ویثنی علیه کما هو حقّه، وعندما تبدأ الصّلاه بهذه التکبیرات فی الأذان ویتمّ ذکرها مجدداً فی الإقامه فهو اعتراف منّا بأنّه لا یوجد أی کائن وأی بشر یقدر علی أداء حقّ اللّه فی الحمد والثناء، وعندما تتکرر کلمه «اللّه أکبر» أربع مرّات، فهذا یعنی أنّ اللّه أکبر من قدره الشخص علی حمده وثنائه، وهذا إعلان للقصور عن قابلیه الحضور، والإنسان العاجز یعترف هنا بأنّه غیر جدیر ولا یملک القابلیّه واللیاقه علی الحضور فی محضر الحقّ تبارک وتعالی، وبعد الاعتراف بالعجز بالقصور یستعد لاظهار الخوف والخشیه والخضوع، ثمّ یأتی بدور الشهاده بوحدانیه الباری تبارک وتعالی ویقول: «أَشهَدُ أَنْ لا إِلهِ اإِلّا اللّه»، ویکرر هذه الشهاده مرّتین، ولعلّ ذلک بسبب أنّ الشهاده الاُولی هی شهاده التوحید علی الذات، یعنی أنّ اللّه تبارک وتعالی لا شریک له فی ذاته، والشهاده الثانیه هی شهاده التوحید فی الفعل، یعنی أنّ کلّ فعل یصدر فی هذا العالم هو فعل اللّه ولا یوجد فاعل غیر اللّه فی عالم الوجود، وقد أشار إلی هذه النقطه أیضاً بعض الأکابر کالمرحوم الفیض الکاشانی قدس سره.

والجدیر بالذکر أنّ شروع الأذان بالتکبیر وختم الأذان بالتکبیر أیضاً قد یتضمّن رساله خاصّه، فماذا یمکن أن نستوحی من ذلک؟ ألا نفهم من ذلک أنّ الإنسان یصل فی هذه المرحله إلی هذه الحقیقه: «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِکُلِّ شَیْ ءٍ عَلِیمٌ»1 ، وکلّ شیء هو للّه تعالی، والإنسان عندما یلتفت إلی هذه النقاط فی الأذان والإقامه سیفهم الخطوات الکبیره التی یجب أن

ص:262

یخطوها فی خطّ الکمال حتّی یحصل علی اللیاقه والقابلیّه للورود فی محضر القدس الإلهی، فلا ینبغی القیام بسرعه ونکبّر تکبیره الإحرام مباشره وندخل فی الصّلاه، فمثل هذا العمل یشیر إلی عدم معرفه قدر هذه العباده المهمّه واضاعتها، وهذه العباده یجب الإتیان بها مع مقدّماتها، وتلک المقدمات الرائعه والبدیعه جدّاً تشیر إلی أنّ اللّه تعالی یمنّ علینا بأن نتذکره ونتعرّف علیه ونتواصل معه، وینبغی أن نختبر أنفسنا فی هذا المجال عندما نقوم بقراءه الأذان والإقامه ونری کیف أنّ هذه الصّلاه قد أحدثت تحوّلاً کبیراً فی حیاتنا.

ص:263

80- ثواب الأذان

یجب علی الإخوه والأخوات المصلّین أن یلتزموا بالأذان والإقامه فی صلاتهم، فالصلاه المقترنه بالأذان والإقامه تختلف کثیراً عن الصّلاه بدون الأذان والإقامه، أضف إلی ذلک أنّ نفس حقیقه وروح الصّلاه تختلف کثیراً وبینهما بون ساشع، ومن الموارد التی ذکرت الروایات الشریفه الثواب الجزیل علی فعل عبادی للإنسان هو هذه المسأله، بحیث إنّ علماءنا الکبار سعوا کثیراً فی فهم وتسویغ مثل هذا الثواب وتفسیره، وینقل الشیخ الصدوق فی کتابه الأمالی المجلس 66 عن الإمام الصادق علیه السلام وهذا الإمام ینقل عن آبائه العظام صلوات اللّه علیهم أجمعین عن رسول اللّه صلی الله علیه و آله أنّه قال: «أَلا وَمَنْ أَذَّنَ مُحتَسِباً یُریدُ بِذَلِکَ وَجْهِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَعطَاهُ اللّهُ ثَوابَ أَربَعِینَ أَلفَ شَهیدٍ وَأَبَعِینَ صِدِّیقٍ وَیَدْخُلُ فِی شَفَعَتِهِ أَرَبعُونَ أَلفَ مُسیء، وَإِنَ المُؤذِّنَ إِذا قَالَ: أَشهَدُ أَنْ لاإِلهَ إلَّااللّهُ صَلَّیْ عَلَیهِ تِسعُونَ أَلفَ مَلک وَکَانَ یَوْمَ القِیامَهِ فِی ظِلِّ العَرشِ حَتَّی یَفرَغُ اللّهُ مِنْ حِسابِ الخَلائِق»، وهذا یعنی أنّ هذا الشخص یعیش ذلک الیوم سعاده مطلقه وراحه کامله ویعیش المحو فی

ص:264

جمال الحقّ تعالی والاستغراق فی النعیم والرضوان الإلهی، إلی أن یفرغ اللّه تعالی من حساب الخلائق.

وهنا یطرح سؤال مهم، وهو: کیف یمکن لأذان واحد یستغرق بضع دقائق أن یرتب علیه الباری تعالی هذا المقدار من الثواب العظیم؟

وفی مقام الجواب نلفت النظر إلی نقاط عدّه، أوّلها أنّ الثواب المقرر للإنسان فی مقابل عمله لا یقع بإزاء ذلک العمل بل هو فضل من اللّه ولطفه، ولذلک یمکن أن یعطی اللّه تعالی ثواباً واحداً علی عمل معین، ویعطی لشخص آخر عدّه أضعاف من ذلک الثواب علی هذا العمل، لأنّ الملاک فی باب الثواب هو الفضل الإلهی ولیس الثواب یقدّر بمقدار العمل.

وبالنسبه للعقاب فالأمر یختلف، لأنّه سیکون بمقدار ذنب الإنسان، وهذا هو مقتضی العداله، فی حین أنّ مسأله الثواب ترتبط بفضل اللّه ورحمته.

النقطه الثانیه، إنّ هذا الثواب لا یعطی لأی مؤذن کان بل هو مشروط بقید «وجه اللّه» وهو شرط مهمّ جدّاً ولا یعلم أنّ کلّ مؤذن سیحقق هذا الشرط بسهوله.

النقطه الثالثه، أنّ رقم ألف ومائه ألف وملیون تختلف فی المقدار بالنسبه إلینا، ولکنّها بالنسبه لما عند اللّه تبارک وتعالی لا تختلف ولا فرق بینها أبداً، فخلق شیء واحد بالنسبه إلی اللّه تعالی لا یختلف أبداً مع خلق جمیع العالم وجمیع الکائنات، ویکفی أن یرید اللّه تعالی إیجاد هذا الشیء أو الأشیاء ولیس الأمر أنّ خلق هذا العالم أصعب عند اللّه من خلق جزء صغیر من أجزائه: «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَیْئاً أَنْ یَقُولَ لَهُ کُنْ فَیَکُونُ»1 ، فإراده الحقّ تعالی بالنسبه لجمیع أفعاله متساویه،

ص:265

خلافاً لحالنا وما عندنا حیث یختلف الحال بین الواحد والمائه، وعندما ندرک أنّ اللّه تعالی کذلک ویتّصف بالکرم والجود بهذا الشکل، فهل من الإنصاف وهل یصحّ أن یفقد المصلّی مثل هذا اللطف العنایه من اللّه ویستغرق عمره ولا یؤذن ویقیم مرّه واحده لصلاته؟!

ص:266

81- سرّ الشهاده بالرساله والولایه فی الأذان

روی عبداللّه بن سنان عن الإمام الصادق علیه السلام أنّ رسول اللّه صلی الله علیه و آله قال لبلال: عندما یحین وقت الصّلاه فاصعد علی جدار المسجد وارفع صوتک بالأذن: «فَإِنَّ اللّهَ قَدْ وَکّلَ بَالأَذانِ رِیحاً تَرفَعُهُ إِلی السَّماء، وَأَنَّ المَلائِکَهَ إِذا سَمِعُوا الأَذانَ مِنْ أَهلِ الأَرضِ قَالُوا هَذِهِ أَصواتُ أُمَّهِ مُحَمَّدٍ صلی الله علیه و آله بِتَوحِیدِ اللّهِ عَزَّ وَجلَّ، وَیَستَغفِرُونَ لأُمَّهِ مُحَمَّد صلی الله علیه و آله حَتَّیْ یَفرَغُوا مِنْ تِلکَ الصَّلاهِ»(1).

لماذا یجب علی المصلّی أن یأتی قبل الصّلاه بالشهاده علی رساله النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله فی أذانه: یقول الإمام الخمینی رضوان اللّه علیه: «الشهاده برساله النبیّ الخاتم هی توسل بالمقام المقدّس للشفیع المطلق والشفاعه المطلقه»، لأنّ الوارد فی القرآن الکریم أنّ النبیّ هو الشفیع المطلق، وبهذه الشهاده تحصل للإنسان صحبه مع هذا الرسول الإلهی الذی یتمتع بالولایه المطلقه، وهذا یعنی أنّ هذا المصلّی یتحرک فی سلوکه المعنوی فی معراجه والحدیث مع اللّه تعالی، فهو بهذه

ص:267


1- (1) الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 3، ص 307.

الشهاده بالرساله یجعل نفسه مصاحباً للنبی الخاتم صلی الله علیه و آله، وشهادته علی ولایه أمیرالمؤمنین علی بن أبی طالب صلوات للّه وسلامه علیه یجعل نفسه مصاحباً لصاحب الولایه المطلقه، فسواءً وفّقنا فی الأذان بولایه علی بن أبی طالب علیه السلام أم لم نوفّق لذلک فإنّ الشهاده برساله النبیّ الخاتم صلی الله علیه و آله تتضمّن الشهاده علی ولایه أمیرالمؤمنین علیه السلام أیضاً، لأنّ رساله النبیّ لا تکتمل إلّابولایه أمیرالمؤمنین علی بن أبی طالب علیه السلام.

وهنا یستعرض الإمام الخمینی رضوان اللّه علیه فی کتابه «آداب الصّلاه» کلاماً لاستاذه الکبیر المرحوم شاه آبادی رضوان اللّه علیه ویقول: إنّ شیخنا العارف الکامل روحی فداه یقول: «إنّ الشهاده بولایه ولی اللّه تتضمّن الشهاده برساله النبیّ، لأنّ الولایه هی باطن الرساله»(1)، إذن فالإنسان المصلّی کما یتحرّک فی صحبه المقام النبوی فإنّه یصاحب المقام المقدّس العلوی والولوی.

وجاء فی بعض الأحادیث الشریفه: «بِعَلیٍّ قَامَتْ الصَّلاهُ»(2)، أو ورد فی بعض الروایات فی تفسیر: «قَدْ قَامَتْ الصّلاهُ»، أنّه «إنَّ بِعَلیٍّ قَامَتْ الصَّلاهُ»، فلو أننا علمنا أنّ الإمام علی علیه السلام هو حقیقه القرآن وهو القائل عن نفسه بأنّنی القرآن الناطق، فإنّ حقیقه الصّلاه والصوم هی علیّ علیه السلام.

نسأل اللّه تعالی أن ینیر قلوبنا بنور ولایه علی بن أبی طالب إن شاء اللّه.

ص:268


1- (1) . آداب الصّلاه، ص 141.
2- (2) . أسرار العبادات وحقیقه الصّلاه، ص 23.

82- الصّلاه أفضل الأعمال وأصل الفلاح

قلنا فیما یتّصل بالأذان والإقامه أنّ المصلّی فی التکبیره الاُولی یعلن عن عجز جمیع موجودات العالم عن حمد وثناء الحقّ تبارک وتعالی، فبعد الشهاده بتوحید الذات والتوحید بالأفعالی، تصل النوبه فی هذا السفر الروحانی إلی الصّلاه وهی معراج المؤمن من خلال الشهاده برساله النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله وولایه أمیرالمؤمنین علی علیه السلام ویستمد المعونه والمدد من صحبه هذین العظیمین.

فبعد بیان هذه الشهاده یعلن المصلّی استعداده للصّلاه والوقوف بین یدی اللّه بذکر هذه الفقره من الأذان: «حَیِّ عَلَی الصَّلاهِ»، التی تدعو الجمیع للاسراع فی التوجّه إلی الصّلاه، وبعد ذلک یقول المؤذن: «حَیِّ عَلَی الفَلاح» وبذلک یتبیّن السرّ الاجمالی للصّلاه وهو طلب الفلاح والنجاح فی الصّلاه والاسراع للحرکه فی خطّ الفلاح، أحیاناً یخطر علی ذهن الإنسان وقبل الالتفات إلی معانی هذه الکلمات أنّ اللّه تعالی لا یحتاج لصلاتی، إذن فلماذا أوجبها علیَّ؟ أمّا قولهم إنّ الصّلاه عباره عن أداء شکر اللّه تعالی علی نعمائه فهو تعبیر ساذج جدّاً، إذن

ص:269

فلماذا التکلیف بالصّلاه؟ الحقیقه أنّ هذا الذکر فی الأذان یقرّر: إنّ الصّلاه وضعت من أجل الفلاح، والصّلاه شرعت لغرض تحقیق السعاده للإنسان ونیل مرتبه القرب من اللّه «حَیِّ عَلَی الفَلاح»، «حَیِّ عَلَی خَیرِ العَملِ»، وأفضل عمل یقود الإنسان فی سلّم النجاه والکامل المعنوی هو الصّلاه، وینبغی الالتفات إلی هذه النقطه، وهی أنّه یستحبّ الدعاء بین الأذان والإقامه وقد ورد التعبیر عنه بدعاء «التوجّه»، وأورد الشیخ الکلینی رحمه الله فی المجلد الثانی من کتابه «الکافی» وهو:

«اللّهُمَّ إِنَّی أَتَوَجّهُ إِلَیکَ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ»، وهکذا یتحرّک الإنسان فی أذانه بصحبه النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله وأمیرالمؤمنین علیه السلام ویقرأ هذا الدعاء: «اللّهُمَّ إِنَّی أَتَوَجّهُ إِلَیکَ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ»(1)، ومن هذا الدعاء نفهم أنّ طریق التقرّب والتوجّه إلی اللّه منحصر بواسطه النبیّ وآله الطاهرین علیهم السلام.

الأشخاص الذین لا یریدون فهم حقیقه مذهب الشیعه والمضامین السامیه والمفاهیم العالیه لهذا المذهب ویتحرّکون فی مواجهته من موقع العناد والتعصب هم أشخاص یعیشون حالات الجهل وظلمه القلب، أمّا القلوب الطاهره فبسبب ما فیها من نورانیّه تفهم أنّ طریق الوصول إلی اللّه یجب أن یکون بواسطه النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله وأله بیته الطاهرین علیهم السلام، والیوم نری أنّ القوی الاستعماریّه أوجدت الوهّابیه لغرض محو الدین وهجموا بکلّ قواهم ومکرهم علی الإسلام والمسلمین، فهؤلاء یرون أنّ هذه المفاهیم شرک باللّه، فیجب أن نسألهم: إذا کنتم تقولون لا ینبغی طرح کلّ ما هو غیر اللّه فی الدعاء، فلماذا یجب علینا فی الأذان الذی هو مقدّمه لأهم عباده وهی الصّلاه، أن نشهد برساله النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله؟ إذا قالوا: إنّ اللّه تعالی أمرنا بذلک، فنقول فی جوابهم: إنّ اللّه أمر أیضاً بالشهاده بولایه أمیرالمؤمنین علیه السلام.

ص:270


1- (1) . الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 2، ص 544.

إنّ النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله وأوصیائه الکرام علیهم السلام هم حقائق نورانیّه نستطیع بواسطتهم التوجّه إلی اللّه تعالی: «اللَّهُمَّ إِنّی أَتَوجّهُ إِلَیکَ بِمُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمِّدٍ وَأُقَدِّمُهُم بَینَ یَدَی صَلاتِی، وَصَلِّ عَلَیهِم فَاجعَلنِی بِهِمْ وَجِیهاً فِی الدُّنیا وَالآخرَهِ وَمَنَ المُقَرِّبِینَ کَمَا مَنَنْتَ عَلَینا بِمَعرِفَتِهِم».

ومن هنا نری من المناسب أن یهتمّ المؤمنون والمصلّون الأعزاء بقراءه هذا الدعاء فی صلاتهم.

ص:271

83- الأذان یبعد الشّیطان

یقول الإمام الصادق علیه السلام: «أَذِّن فِی بَیتِکَ فإِنَّهُ یَطرُدِ الشَّیطَانَ».(1)

یستفاد من الروایات الشریفه وکلمات العلماء أنّ مسأله الأذان والإقامه فی الصّلاه مهمّه جدّاً وکما أشرنا فی بحث القبله أنّ المصلّی عندما یتوجّه نحو الکعبه فإنّه یبتعد ذلک عن الکثیر من مصائد الشیطان ویتحرّک فی طریق الأمن المعنوی، والأذان له أیضاً هذه الخصوصیّه.

وقد ورد فی بعض الروایات: «أَذِّن فِی بَیتِکَ فإِنَّهُ یَطرُدِ الشَّیطَانَ»، ولعلّ إحدی الحکم فی استحباب الاُذان فی اذن الولید أنّ اللّه تبارک وتعالی بهذه الطریقه یبعد الشیطان عن هذا الطفل، وینقل الإمام الخمینی رضوان اللّه علیه فی کتابه «سرّ الصّلاه» عن کتاب «علل الشرائع» حدیثاً مفصّلاً عن الإمام الصادق علیه السلام فیما یخصّ صلاه النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله فی المعراج، وأنّه قال علیه السلام: «أَنزَلَ اللّهُ العَزِیز الجَبّار عَلَیهِ مَحمَلاً مِنْ نُورِ فِیهِ أَربَعُونَ نَوعاً مِنْ أَنواعِ النُّورِ، کَانَتْ مُحدِقَهً حَولَ العَرشِ

ص:272


1- (1) الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 3، ص 308.

عَرشهُ تَبارَکَ وَتَعالی تَغشَی أَبصَارَ النَّاظِرِینَ، أَمَّا وَاحِدٌ مِنْها فَأَصفَرٌ فَمِنْ أَجِلِ ذَلِکَ اصفَرتْ الصُّفرهُ، وَوَاحِدٌ مِنها أَحمَرٌ فَمِنْ أَجِلِ ذَلِکَ احمَرتْ الحُمرَه»، إلی أنّ جلس النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله علی محمل من نور: «فَجَلسَ عَلَیهِ ثُمَّ عُرجَ إِلی السَّماءِ الدُّنیا فَنَفَرتِ المَلائِکَهُ إِلی أطرَافِ السَّماءِ، ثُمَّ خَرَّتْ سُجَّداً فَقَالَتْ سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبِّنا وَرَبِّ المَلائِکَهِ وَالرُّوح مَا أَشبَهَ هَذا النُّورُ بِنُورِ رَبِّنا، فَقَالَ جِبرئِیلُ: اللّهُ أَکبَرُ اللّهُ أَکبَرُ»، هذا التکرار فی الأذان والإقامه تذکرنا بتعدد التکبیر الذی یذکره جبرئیل من جراء عظمه حضور النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله فی السماء الدنیا وما ترتّب علیه من سجود الملائکه، فنور النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله کان إلی درجه من العظمه بحیث إنّ ملائکه السماء سجدوا وللمرّه الثانیه وقال جبرئیل: «اللّهُ أَکبَرُ اللّهُ أَکبَرُ،، فَسَکَتِ المَلائِکَهُ وَفُتِحَتْ أَبوابُ السَّماءِ وَاجتَمَعتْ المَلائِکَهُ»، فَقالَ: «یامُحَمَّدُ کَیفَ أَخُوکَ إِنْ أَدرَکتَهُ فَأقرأهُ مِنّا السَّلامَ».

فقال النبیّ صلی الله علیه و آله: «بِخیرٍ، هَل تَعِرفُونَهُ؟»، فقالوا: «فَقَالَ کَیفَ لَمْ نَعرِفْهُ وَقَدْ أَخَذَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِیثاقَک ومِیثَاقَهِ مِنّا»(1).

وبعد أن ینقل الإمام الراحل رضوان اللّه علیه هذه الروایه یقول: «ثمّه أسرار وحقائق فی هذا الحدیث الشریف تقصر ید آمالنا عن الوصول إلیها»(2)، وما ندرکه بفهمنا القاصر من هذا الحدیث لو قمنا بذکره وبیانه لکان حدیثاً مطولاً ویخرج عن مجال هذه الأوراق، یعنی أنّه یقول: إنّ المعانی والمفاهیم التی تتبادر إلی الذهن من هذا الحدیث الشریف لا أستطیع بیانها هنا، والمقصود من ذکر البعض منها لاستشهاد لهذه المسأله وهی أنّ ملائکه اللّه اجتمعت بذکر الإقامه، یعنی أنّ المصلّی عندما یؤذن ویقیم فإنّه یقول: إنّ جمیع الملائکه تجتمع لذلک، وهذه

ص:273


1- (1) علل الشرائع، ج 2، ص 312.
2- (2) . سرّ الصّلاه (معراج السالکین)، ص 71.

الملاحظه وارده فی الروایات الشریفه.

ومع قول المصلّی للأذان یصطفّ خلفه صفّان من الملائکه، ومع قوله الإقامه یصطفّ صفّ واحد من الملائکه فی هذه الصّلاه ویری المصلّی حضور الملائکه بعین قلبه، فما أحلی هذه الصّلاه التی یوفّق المؤمن للقیام بها!! رزقنا اللّه بها إن شاء اللّه.

ص:274

84- الأذان حکایه أذکار الملائکه فی المعراج

أحد الأسئله التی تثار عاده فی أذان أغلب المؤمنین هو: ما هی أسرار فصول ومقاطع الأذان؟ فالمؤذن یتبع بالتکبیرات الأربع، فما هی الخصوصیّه الکامنه فی هذا العدد من التکبیرات؟ وبعد التکبیر تأتی الشهاده علی وحدانیّه الباری تبارک وتعالی وأن لا یوجد معبود سواه، ثمّ الشهاده علی الرساله والولایه فی الأذان؟ وقبل استعراض بعض النقاط الوارده فی کتب الأکابر من العلماء والعرفاء ربّما یمکن ذکر هذه النقطه، وهی أنّ النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله عندما ذهب إلی المعراج وحدث ذلک السفر السماوی وتلک الحرکه الإلهیّه العظیمه وعاش رسول اللّه صلی الله علیه و آله أوج الکرامه الإلهیّه فی مساره ومعراجه، فإنّه أوجد فی تلک العوالم فی عالم الملکوت وبین الموجودات السماویّه والملائکه نشاطاً وحیویه وحرکات وأذکار، فحرکه النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله لم تکن خافیه علی ملائکه اللّه فی السموات.

وقد وردت الإشاره فی تلک الروایه المعروفه أنّ الملائکه فی بعض السماوات تصوّروا أنّ هذا النور هو نور اللّه تعالی وسجدوا له، ولکن بعد أن نبّههم

ص:275

جبرئیل وقال لهم إنّ هذا النور هو نور النبیّ الخاتم محمّد بن عبداللّه صلی الله علیه و آله، فهنا انطلقت التکبیرات من الملائکه وقوله: «اللّهُ أَکبَرُ اللّهُ أَکبَرُ أَشهَدُ أَنْ لاإِلهَ إِلّا اللّهُ وَأشهَدُ أنّ مُحَمّداً رَسُول اللّهُ»، فی تلک العوالم وبعباره أخری أنّ الأذان یحکی ما ورد فی أذکار الملائکه عند معراج رسول اللّه صلی الله علیه و آله إلی السماء، فالأذان یحکی عن تلک الأعمال والأذکار التی قام بها الملائکه فی مقام عظمه النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله عندما رأوا نور النبیّ صلی الله علیه و آله، فدهشوا فی المرتبه الاُولی بحیث إنّهم تصوّروا أنّ هذا النور هو نور اللّه تعالی ونور العظمه الإلهیّه والذات المقدّسه، ولعلّهم فی السماء الاُولی کبّروا التکبیره الاُولی، وفی السماء الثانیه کبروا التکبیره الثانیه، وفی السماء الثالثه کبّروا التکبیره الثالثه، وفی السماء الرابعه کبّروا التکبیره الرابعه، وطبعاً هذا مجرّد احتمال نطرحه فی المقام وبعض الروایات فی الجمله تؤید هذا المعنی أیضاً.

وعلی هذا الأساس فالأذان یحکی عن واقعه مهمّه حدیث فی الملأ الأعلی یعکس الأذکار التی قالها ملائکه اللّه فی تلک العوالم، وبما أنّ الصّلاه معراح المؤمن، فیجب قبل الصّلاه أن یذکر ویکرر ما قاله الملائکه الإلهیون فی تلک الواقعه لیکون مستعداً لهذا العروج الإلهی فی عالم الملکوت ویحظی بتقرّب أکثر إلی اللّه تبارک وتعالی.

النقطه الثانیه التی ینبغی ذکرها هنا، أنّ الأذان جامع للتکبیر والشهاده علی التوحید والشهاده علی الرساله، والشهاده علی الولایه، وهذه نقطه مهمّه جدّاً جدّاً، وتتضمّن أسراراً کثیره.

ص:276

85- سرّ التکبیرات الأربعه فی الأذان

ما هی الخصوصیّات الکامنه فی التکبیرات الأربع فی الأذان؟ إنّ المعنی الإجمالی للتکبیر هو أنّ اللّه أکبر من أن یدرکه أو یصفه الإنسان، یقول أمیرالمؤمنین صلوات اللّه وسلامه علیه فی روایه فی معنی التکبیر: إنّ التکبیر هو نفی الکیفیّه عن اللّه تبارک وتعالی أی الکیفیات المادیّه التی تنطلق من أی توصیف یقوم به عقلنا الناقص للّه تعالی ویرید بیان کیفیه للباری تعالی ومع قوله اللّه أکبر یتمّ نفی جمیع هذه التوصیفات، ویقول إنّ المؤذن عندما یقول أکبر:

«کَأَنَّهُ یَقُولُ اللّهُ أَجَلُ مِنْ أَنْ یُدرِکَ الوَاصِفُونَ قَدْرَ صِفَتِهِ الَّذِی هُوَ مَوصُوفٌ بِهِ وَإِنَّما یَصفُهُ الوَاصفُونَ عَلَی قَدْرِهِمْ لاعَلَی قَدْرِ عَظَمتِهِ وَجَلالِهِ، تَعالَی اللّهُ عَنْ أَنْ یُدْرِکَ الوَاصِفُونَ صِفَتَهُ عُلُوّاً کَبِیراً»(1)، فالشخص الذی یکبّر اللّه تعالی ویقول کلمه اللّه أکبر بلسانه فهذا یعنی أننی أقرّ بأنّه لا موجود غیر اللّه تعالی یستحق العظمه والکبریاء، والآن وقد عرفنا المعنی الإجمالی للتکبیر یجب أن نعلم ما هی

ص:277


1- (1) . بحار الأنوار، ج 81، ص 131.

الأسرار فی تعدد الکبیرات، ولماذا جعلت أربع تکبیرات؟ هنا توجد احتمالات عدّه:

الاحتمال الأوّل: أنّ هذه التکبیرات الأربع، إشاره فی کلّ واحده منها إلی مقام خاصّ، فالتکبیر الأوّل هو التکبیر عن توصیف الذات الإلهیّه، وأنّ اللّه تعالی أکبر من یعرفه أی شخص ویصفه کما یلیق به، التکبیر الثانی من توصف صفات اللّه، فاللّه تعالی بعد دائره الذات أکبر من أن یوصف بأوصاف نستطیع فهمها وبیانها، والتکبیر الثالث هو التکبیر عن التوصیف فی مقام الأسم، فاللّه أکبر من أن نستطیع أن نذکر له اسم من الأسماء ونعرفه باسمه، والتکبیر الرابع هو التکبیر عن وصف اللّه فی مقام العمل، وهذا الاحتمال هو ما ذکره الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه، وعلی هذا الأساس فإنّ لکلّ واحده من هذه التکبیرات الأربع مقاماً وإشاره إلی بُعد خاصّ، یعنی أننا لا نستطیع معرفه اللّه لا فی مقام الذات ولا الصفات ولا فی الأسماء ولا فی الأفعال.

الاحتمال الثانی: أنّه لا یبعد أن یکون الأذان حکایه وانعکاس عن تلک الواقعه الإلهیّه عند عروج النبی الأکرم صلی الله علیه و آله إلی السماوات، یعنی عندما عرج بالنبی صلی الله علیه و آله إلی السماء رآی الملائکه الإلهیین عظمه هذا النبیّ، کبّروا أربع تکبیرات، ونحن بدورنا نکبّر هذه التکبیرات فی الأذان حکایه وتقلیداً عمّا فعل الملائکه فی واقعه المعراج، فالمصلّی عندما یقول فی أوّل الأذان أنّه لا أحد یستحق الثناء والحمد سوی اللّه، وهو ذلک العظیم الذی لا یوجد أکبر منه وهو اللّه، وذلک الشخص الذی یملک اللیاقه للعظمه والکبریاء هو اللّه تعالی، فإنّ هذا التکبیر هو الذکر سیؤثر فی روحه وعمله تأثیراً کبیراً.

فلا ینبغی أن نتصوّر أنّ الأذان مجرّد شعار ظاهری بین المسلمین، فالإنسان عندما یأتی بالأذان فإنّه یلتفت ویعترف بوجود مجموعه من الحقائق الواقعیّه،

ص:278

وبعد أن یدخل إلی الصّلاه فإنّ صلاته هذه تتضمّن ثناءً جامعاً وتسبیحاً کبیراً، وأکبر تسبیح وثناء للّه تعالی یوجد فی الصّلاه وذکر هذه المقدّمات فی الأذان یقودنا إلی مثل هذه الصّلاه وأن نقول: إلهنا! لو أننا صلّینا لک مثل هذه الصّلاه طیله عمرنا فإننا لا نستطیع أن نثنی علیک ونحمدک ونسبحک کما تستحق الحمد والتسبیح، وهذا الإقرار والاعتراف فی أوّل الأذان یبدأ بهذه التکبیرات الأربع.

یجب علینا الاهتمام الجاد بالأذان، وقبل الدخول إلی الصّلاه یجب أن نلتفت إلی حقائق الأذان، وهذا التوجّه والالتفات یهییء الإنسان للدخول فی الصّلاه والوقوف بین یدی الباری تعالی.

ص:279

86- سرّ التکبیرات الأربعه فی کلام الإمام الخمینی قدس سره

ذکرنا بعض الاحتمالات فیما یتعلّق بأسرار التکبیرات الأربع، والاحتمال الثالث هو ما ورد فی کلمات الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه، وسبق أنّ قلنا إنّ المؤذن فی التکبیر الأوّل یلتفت إلی کبریاء الذات الإلهیّه المقدّسه ویعلن لجمیع قواه الظاهریّه والباطنیّه عظمه الذات المقدّسه وکبریاء الباری تعالی، لأنّ الأذان یعنی الإعلان، والمصلّی فی التکبیره الاُولی یعلن عن کبریاء الباری تعالی لجمیع أعضاءه وقواه الظاهریّه والباطنیّه.

التکبیره الثانیه، یعلن فیها المصلّی لملائکه اللّه تعالی الموکّلین علی کلّ واحده من هذه القوی الظاهریّه والباطنیّه، کبریاء وعظمه الباری تعالی.

وفی التکبیره الثالثه، یعلن المصلّی عظمه وکبریاء الباری تعالی لجمیع موجودات العالم الغیبی والشهود، یعنی أنّ هذا الإنسان لا یلتفت بعد هذا إلی نفسه والملائکه المحیطین به، بل یتوجّه إلی جمیع موجودات العالم المشهوده أو الغیبیّه، ویعلن لها کبریاء الحقّ تبارک وتعالی فی عالم الغیب والشهود.

ص:280

وفی التکبیره الرابعه، یعنی عن عظمه الحقّ تعالی للملائکه الموکلّین بالسماوات والأرض، والنتیجه التی یستوحیها الإمام الراحل قدس سره من هذا الفهم العرفانی اللطیف هو أنّ الشخص المؤذن بهذه التکبیرات الأربع یعلن لجمیع سکان عالم الغیب والشهود وجمیع الموجودات فی عوالم الحضور عظمه وکبریاء الحقّ تبارک وتعالی(1).

والآن ربّما یطرح هذا السؤال: ما هو الغرض من هذا الإعلان؟ ولماذا یعلن الشخص المؤذن لأعضائه الباطنیّه والظاهریّه من الید والقدم والعین والاُذن عظمه اللّه تعالی وکبریائه؟ لماذا یعلن هذه العظمه الإلهیّه للملائکه الموکّلین به؟ ولماذا یلعن هذه الحقیقه لجمیع موجودات العوالم الأخری؟

فی مقام الجواب ینبغی القول إنّ الغرض من ذلک أمران:

الأمر الأوّل: أنّ الإنسان عندما یعلن عظمه اللّه وکبریائه لجمیع موجودات العالم فإنّ نفس هذا الإعلان یعنی العجز والقصور من جانبه وکذلک من جانب جمیع الموجودات، أی العجز والقصور أن یستطیع أحد من هذه الکائنات عباده للّه وثناءه وحمده کما هو حقّه، الإنسان بهذه التکبیرات، فی ذات الوقت الذی یعلن عن کبریاء الباری تعالی، فهو یقرّ بعجز وقصور جمیع موجودات العالم، وهذا یعنی أیّها الإنسان وأیّها الملائکه وأیّتها الموجودات فی عالم الغیب والشهود إنّ اللّه تعالی إلی درجه من العظمه والکبریاء بحیث لا نستطیع نحن من معرفته ولا نستطیع عبادته کما یستحقه وکما یلیق بشأنه.

الأمر الثانی: إنّ الإنسان ومن خلال الأذان یجب علیه ادخال هذه المعارف والحقائق إلی قلبه، یجب أن یدرک قلب الإنسان عظمه الباری تبارک وتعالی ویصدّق بکبریاء الحقّ تبارک وتعالی، ویجب علی الإنسان أن یحصر هذه العظمه

ص:281


1- (1) آداب الصّلاه، ص 125.

والکبریاء باللّه تعالی، وانحصار العظمه والکبریاء باللّه یعنی أنّه لا کبیر ولا عظیم سوی اللّه تعالی ولا یوجد أی عظیم سواه، فلو أنّ الإنسان کان یعتقد بقلبه بوجود عظیم غیر اللّه «وطبعاً لا تکون هذه العظمه مقتبسه من اللّه تعالی، لأننا نعتقد أنّ رسول اللّه صلی الله علیه و آله وبما أنّه نور من أنوار تبارک وتعالی کبیر وعظیم أیضاً، وهکذا أمیرالمؤمنین علیه السلام والأئمّه الطاهرین علیهم السلام» ولو أنّ الإنسان اعتقد باستقلال والعظمه لشخص آخر، فهذا یعنی أنّه عندما یقول اللّه أکبر فإنّه یکذب فی هذا القول، وأنّه لا یقبل کبریاء اللّه تعالی، لأنّ کبریاء اللّه وعظمته تعنی أنّ الإنسان لا یعتقد بوجود موجود له العظمه والکبریاء سوی اللّه، فما أعمق وأعظم هذا المعنی وهذا المقام، فلو أنّ الإنسان آمن واقعاً بأنّ العظمه والکبریاء تتعلّق بالباری تعالی فقط، وأنّ غیر اللّه لا یستحق أن یرتدی لباس الکبریاء والعظمه ولا یلیق هذا الشأن وهذا المقام بما دون اللّه، فالوصول إلی هذا المقام من شأنه أن یثیر فی الإنسان حاله من البهجه والسرور ویوصله إلی مقامات علیا فی خطّ السلوک الإلهی والکمال المعنوی.

ص:282

87- التکرار یوجب التصدیق القلبی

الاحتمال الرابع، فی مجال تکرار التکبیر فی أوّل الأذان، إنّ الإنسان ومن خلال التکرار یرسخ هذا المفهوم والمضمون فی قلبه ویعمل علی تثبیته فی واقعه النفسانی.

إنّ التکرار فی التکبیرات یتسبّب فی أنّ حقیقه هذا التکبیر تتجلّی وتتحقّق فی قلب الإنسان، فإذا آمن قلب الإنسان بحقیقه «اللّه أکبر» واعتقد واقعاً بأنّ الکبریاء والعظمه للّه تعالی فقط وأنّ کلّ ما سوی اللّه من جمیع الکائنات لیس لها نور إلّاما ینعکس علیها من نور اللّه ولا یری أی عظمه لغیر اللّه تعالی، ومن هذه الجهه فالإنسان المؤمن لا یشعر بأی خوف وخشیه من حکّام الجور وقوی الظلم والضلاله، وهذا ما نراه فی صفحات القلب من مواجهه علماء الدین العظام مع أشقی الملوک وسلاطین الجور فی التاریخ ولم یکن هؤلاء العلماء المصلحون یشعرون بأی خوف من هؤلاء الظلمه، والسبب فی ذلک أنّ هؤلاء العلماء لم یکونوا یرون فی الحکّام الظالمین أی عظمه وجلاله قدر، بل کانوا یرون أنّ

ص:283

الکبریاء والعظمه منحصره باللّه تعالی فقط، والإنسان الذی یعیش مثل هذا الاعتقاد ویری أنّ الکبریاء والعظمه منحصره باللّه تعالی فإنّه سیتحرّک فی حیاته فی طریق الإیمان والطاعه للّه وتحقیق رضا اللّه، ولو أنّ شخصاً لا سمح اللّه، فی أی أمر من أمور الحیاه رجّح رضا المخلوق علی رضا الخالق، فهذا یعنی أنّه یری أنّ ذلک المخلوق أکبر من اللّه تعالی، وأساساً الأشخاص الذین لا تؤثر فیهم کلمه «اللّه أکبر» ولا تؤثر فی أفکارهم وسلوکیاتهم هم الأشخاص الذین لم تترسخ کلمه «اللّه أکبر» فی قلوبهم، وأنّ قلوبهم لم تؤمن بعظمه اللّه وکبریائه، فتکرار «اللّه أکبر» فی الأذان ینتج أننا نعتقد فی قلوبنا بعظمه الباری تبارک وتعالی وکبریائه، وهذا الأمر لیس فقط یحتاج إلی تکرار بل یحتاج إلی ریاضات کثره لتعمیق هذا الشعور فی واقع الإنسان وقلبه، ولا یستطیع أی شخص أن یدعی بأنّه فی یوم واحد أو یومین أو شهر واحد أو سنه واحده أو عدّه سنوات أنّ قلبه آمن بعظمه اللّه تماماً وبشکل کامل.

ونقرأ فی روایه عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال: «إِذَا کَبَّرْتَ فاَستَصغِرْ مَا بَینَ العُلَی والثَّری دُونَ کِبرِیائِهِ»، وعندما تدرک کبریاء اللّه وعظمته فیجب أن تستصغر ما دونه.

«فَإِنَّ اللّهَ إِذَا اطَّلَعَ عَلَی قَلْبِ العَبْدِ وَهُوَ یُکَبِّرُ وَفَی قَلبِهِ عَارِضٌ عَنْ حَقِیقَهِ تَکْبِیرِهِ قَالَ: یا کَاذِبُ»، وهذا التعبیر مثیر جدّاً ویعنی أنّ فی قلب هذا الإنسان أموراً أخری أکبر من الباری تعالی کالمال والمقام والشهره والجاه والاقتراب من أصحاب المقام والمنصب، وهنا یأتی الخطاب الإلهی لهذا الشخص:

«َتَخْدَعَنِی وَعِزَّتِی وَجَلالِی لأَحرِمَنَّکَ حَلاوَهَ ذِکرِی وَلأَحجِبَنَّکَ عَنْ قُرْبِی وَالمُسَارَّهَ بِمُناجَاتِی»(1).

ص:284


1- (1) مستدرک الوسائل، کتاب الصّلاه أبواب أفعال الصّلاه، الباب 2، ح 9.

وثمّه بعض الأشخاص یسألون: لماذا لا نجد حلاوه فی صلاتنا؟ لماذا لا نتذوق حلاوه ذکر اللّه؟ والجواب: أنّ السبب فی ذلک أننا نعتقد بعظمه غیر اللّه ولا نحصر العظمه والکبریاء باللّه تعالی، ولکنّ الشخص الذی یعلم أنّ الکبریاء والعظمه منحصره باللّه فقط ثمّ یری أنّ اللّه تعالی قد وفّقه لعبادته وفتح له باب المناجاه معه وأنّه یقف للعباده فی مقابله، فکیف لا تکون مثل هذه العباده ومثل هذا الذکر حلواً وجلیلاً وشیّقاً عنده؟

یجب أن نری الأسرار الکامنه فی کلمه «اللّه أکبر»، وعندما نقول فی الأذان «اللّه أکبر» فعلینا أن نرسخ مضمون هذه الکلمه فی قلوبنا ولا نری أی کبیر وعظیم سوی اللّه تعالی، وجمیع قوی العالم وسلطه الحکّام والملوک تعتبر صفراً فی مقابل قدره اللّه تعالی، یجب أن نعتبر جمیع الوسائل والأدوات والقوی الموجوده فی عالمنا صفراً فی مقابل تدبیر وقدره اللّه تعالی، والعظمه والکبریاء مختصّه بالباری تعالی ولابدّ من ترسیخ وتثبیت هذه الحقیقه الحاسمه فی قلوبنا وأعماق نفوسنا.

ص:285

88- أسرار الشهاده بالتوحیدالمرتبه الاُولی والثانیه: الشهاده اللفظیّه والعملیّه

بعد أن تبیّن المقصود من التکبیر ووجه تکرار التکبیرات الأربع، یجب أن نفهم المقصود من الشهاده فی التوحید وماذا تعنی کلمه لا إله إلّااللّه؟ بدایه یجب أن نعلم أنّ الشهاده لها مراتب، وأحد هذه المراتب الشهاده اللسانیّه القولیّه، بأن یتشهد الإنسان بلسانه ویقول إنّه لا یوجد معبود آخر سوی اللّه تعالی، وهذه هی المرتبه الضعیفه والدانیه من مراتب الشهاده.

المرتبه الثانیه، الشهاده العملیّه، والمقصود من الشهاده العلمیّه أنّ الإنسان فی مقام العمل ومن خلال عمله وسلوکه یثبت أنّه لا مؤثّر فی الوجود غیر اللّه تبارک وتعالی.

إذا تحرّکنا فی حیاتنا من موقع مدح شخص معیّن والثناء علیه لا بوصفه یملک صفات إلهیّه وإنسانیّه، بل بسبب امتلاکه للسلطه أو الثروه أو المقام والمنصب، فإنّ هذا العمل یعنی أننا نعتقد فی مقام العمل بوجود معبود آخر غیر اللّه تعالی،

ص:286

وکلمه «إله» فی جمله «لا إله إلّااللّه» تتضمّن عدّه احتمالات، وأحد هذه الاحتمالات أنّ هذه الکلمه مقتبسه من «أله فی الشیء» یعنی «تحیّر فی الشیء»، أو ربّما تکون مشتقّه من إله یلوه بمعنی احتجب، أی اختفی خلف الستار، والاحتمال الثالث فی هذه الکلمه بمعنی عبد، ومألوه یعنی معبود، وعلی أیّه حال فمقام الاُلوهیه مختص باللّه تعالی ویجب علی الإنسان أن یعتقد بهذه الالوهیّه فی مقام الذات وکذلک فی مقام الفعل، والالوهیّه فی مقام الفعل والعمل تعنی أنّ الإنسان بعمله یؤکّد هذه الحقیقه وهو أنّه لا مؤثّر فی هذا العالم غیر اللّه تعالی، وکلّ شیء بید اللّه تبارک وتعالی، فشفاء المرضی بیده، والغنی والثروه بیده، والعزّ والکرامه بیده، وإذا أراد شخص من خلال الاعتماد علی شخص آخر مثله ورام تحقیق العزّه لنفسه من خلال ذلک الشخص، فهذا یعنی أنّه لا یری اللّه مؤثّراً فقط فی أمور هذا العالم، بل یری الآخرین أیضاً مؤثّرین فی عالم الوجود.

یجب علی الإنسان أن یمدّ الحاجه فقط إلی اللّه تبارک وتعالی، ویطلب منه کلّ شیء یحتاج إلیه ولا یطمع بغیره ولا یرجو غیره ولا ینبغی أن یضع أمله فی غیر اللّه تعالی، ویظهر فقره وعجزه واحتیاجه فی مقابل اللّه تعالی فقط لا فی مقابل الآخرین، وهذا العمل یعنی أنّ هذا الشخص یشهد بعمله أن «لا إله إلّااللّه»، وهکذا ترون أنّ هذه الشهاده العملیّه أعمق وأوسع بکثیر من تلک الشهاده اللفظیّه.

وعندما نقول بألستنا فی الأذان: «أشهد لا إله إلّااللّه» یجب علینا أن نجسد هذه الشهاده فی عملنا وسلوکنا علی امتداد حیاتنا وطیله سنوات عمرنا، فالأذان لیس فقط مقدّمه للصّلاه، بل یجب أن نری ما هو تأثیر الأذان فی حیاتنا؟

وهکذا ترون أنّ هذه العباده من شأنها أن تکون مرشداً لنا حتّی للحصول علی السلطه والإمکانات المادیّه ونیل عظمه وعزّه الدنیا والآخره، فالأذان یقول لنا إنّ

ص:287

الطریق لکلّ ذلک هو اللّه فقط، ولو أنّ أحداً رجی غیر اللّه فی تحصیل هذه الأمور فإنّه سلک الطریق الخطأ وسوف لا یحصل علی مبتغاه ولا یحقق أمله أبداً، یجب علینا مضافاً إلی الشهاده باللسان أن نعتقد علی مستوی العمل والطبیق أنّ المؤثّر فقط هو اللّه، وأنّ کلّ شیء فی هذا العالم بید القدره الإلهیّه، ویجب أن نحقّق الشهاده العملیّه علی أنّه «لا إله إلّااللّه»، نسأل اللّه تعالی أن تکون خاتمه حیاتنا وأمرنا جمیعاً تحقیق الشهاده اللفظیّه والعملیّه ب «لا إله إلّااللّه» إن شاء اللّه.

ص:288

89- أسرار الشهاده بالتوحیدالمرتبه الثالثه والرابعه: الشهاده القلبیّه والذاتیّه

المرتبه الثالثه من الشهاده، الشهاده القلبیّه، یقول الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه(1): إنّ الشهاده القلبیّه هی منبع الشهاده العلمیّه والقولیّه، فالقلب یجب أن یحقّق فی سرّه الباطنی، التوحید الفعلی وبذلک تحیط الشهاده بالتوحید بقلب الإنسان ویتجلّی التوحید الفعلی فی القلب، وهذا التعبیر ورد فی الروایات الشریفه: «القَلْبُ حَرَمُ اللّهِ فَلا تُسکِنْ حَرَمَ للّهِ غَیْرَ اللّهِ»(2)، وهکذا یکون التوحید الفعلی مرکوز ومتحقّق فی قلب الإنسان ومحیط به.

إذن ففی باب الشهاده لا ینبغی القناعه بالشهاده اللفظیّه والشهاده العملیّه، فإنّ أصل وجذر الشهاده القولیّه والعملیّه، هو أن یعتقد الإنسان بالتوحید فی أعماق قلبه وینقطع عن غیره من الموجودات، یقول الإمام الراحل رضوان اللّه تعالی

ص:289


1- (1) . آداب الصّلاه، ص 132.
2- (2) . بحار الأنوار، طبعه بیروت، ج 67، ص 25.

علیه: إنّ عمّده الأخبار الواصله إلینا من أهل بیت العصمه والطهاره علیهم السلام والتی تقرر لزوم ترک الطمع ممّا فی أیدی الناس والیأس من عباد اللّه والثقه والاطمئنان والاعتماد علی اللّه تبارک وتعالی تتعلّق بهذه المرتبه من الشهاده القلبیّه، والآن إذا شعر الشخص بالحاجه إلی الآخرین، أو بسبب حاله الخجل وبعض الملاحظات أظهر اهتمامه بالآخرین ولکنّه لم یکن کذلک فی قلبه فإنّه لیس مشمولاً لهذه الروایات، لأنّه یجب النظر إلی القلب والنفس والباطن أن لا تکون له أی ارتباط والتفات إلی الآخرین.

وینقل الشیخ الکلینی رحمه الله فی کتابه «أصول الکافی»(1) ، «باب الإیمان والکفر» روایات عدّه تحت عنوان «الاستغناء عن الناس» ونوصی الجمیع أن یقرأوا هذه الروایات ویعلموا معنی عدم الحاجه إلی الناس وأن یکون الإنسان محتاجاً فقط وفقط إلی اللّه تعالی.

یقول الإمام زین العابدین علیه السلام: «رَأَیْتُ الخَیرَ کُلَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ فِی قَطعِ الطَّمَعِ عَمّا فِی أَیدِی النَّاسِ»، فما هی خلاصه جمیع أشکال الخیر، وما هو العامل والباعث علی سوق الإنسان باتجاه هذه الخیرات؟ یجیب الإمام زین العابدین علیه السلام: إنّه قطع الطمع عمّا فی أیدی الناس، وعندما یقطع الإنسان حاله الطمع ممّا فی أیدی الآخرین فسوف یصل إلی جمیع أنواع الخیر والصّلاح، وهذا تعبیر عجیب جدّاً «رَأَیْتُ الخَیرَ کُلَّهُ...»، یعنی أنّ الإنسان إذا أراد تحصیل الخیر کلّه فالطریق لذلک یتمثّل فی قطع الطمع بما فی أیدی الناس، فلو أنّک رأیت الآخر یملک داراً واسعه ومقاماً وثروه کبیره، وشهره وجاهاً عریضاً، أو جمالاً أو أی شیء آخر، فلا ینبغی أن تهتمّ لذلک ویخطر فی ذهنک التمنی لنفسک مثلها وتقول: لیت لی أن أملک مثل هذا المقام أو الثروه أو حتی العلم والمعرفه، فلو أردت العلم فیجب أن تطلبه من اللّه تعالی.

ص:290


1- (1) . الکافی، ج 3، ص 218.

«وَمَنْ لَمْ یَرْجُ النَّاسَ فِی شیءٍ وَردَّ أَمْرَهُ إِلی اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِی جَمِیعِ أَمُورِهِ»، ویقول دائماً: «وَ أُفَوِّضُ أَمْرِی إِلَی اللّهِ إِنَّ اللّهَ بَصِیرٌ بِالْعِبادِ»1 ، فلو شعرت بأنّک مریض والآخر سالم، فلا تتحسّر علی سلامه ذلک الشخص بل اطلب السلامه من اللّه تعالی.

ویتابع الإمام زین العابدین علیه السلام کلامه ویستعرض الأثر العجیب لهذا الحاله ویقول: «استَجابَ اللّهُ تَعالی لَهُ فِی کُلِّ شَیءٍ»، وهکذا یکون هذا الإنسان مستجاب الدعوه وکلّ ما یطلبه من اللّه تعالی فإنّه یستجیب له، لماذا لا تستجاب لنا الکثیر من الأدعیه؟ لأنّ هذا الإنسان ینادی اللّه تعالی ویقول إلهی إلهی... ولکنّ قلبه متعلّق بغیر اللّه ویرجو أن یتحرّک شخص آخر لمساعدته والأخذ بیده وانقاذه، أو یمنحه اعتباراً ومالاً، ما أشقی الإنسان الذی یرید الاستفاده من الاعتبارات الظاهریّه للآخرین من أجل تحصیل متاع دنیوی موقت ویجعل نفسه محتاجاً للآخرین ویری أنّ المقام والمنصب والثروه أموراً مهمّه فی حرکه الحیاه وهی التی تحلّ مشاکله.

إذا أراد الإنسان العزّه المکانه والاعتبار فی هذه الحیاه یجب أن یطلبها من اللّه تعالی فقط «فَإِنَّ الْعِزَّهَ لِلّهِ جَمِیعاً»2 ، ومعنی هذه الآیه لیس أنّ العزّه فقط للّه تعالی، بل کلّ الشیء من قبیل السلامه والصحّه والاعتبار والمقام والعلم والسلطه و...

بید اللّه، فنحن فی الأذان یجب أن نشهد بقلبنا «أشهد أن لا إله إلّااللّه»، فلو کنّا نعیش فی حیاتنا مع هذه الشهاده فی قلبنا کلّ یوم وتجذرت هذه الحقیقه فی أعماق قلوبنا، فسوف یتحرّک لساننا عند الموت بکلّ سهوله فی التلفظ بهذه الشهاده، أمّا ذلک الشخص الذی لم تنفذ شهاده لا إله إلّااللّه فی قلبه ولم تستقر فی

ص:291

أعماق روحه فإنّه لا یستطیع عند الاحتضار أن یشهد بلا إله إلّااللّه حتّی لو کان یذکرها کثیراً بلسانه، یجب أن نحقّق هذه الشهاده فی قلوبنا ونعیش مع مضمونها فی نفوسنا.

المرتبه الرابعه، الشهاده الذاتیّه، بأن تشهد جمیع موجودات العالم فی ذواتهم بأن لا إله إلّااللّه وطبقاً للآیه 18 من سوره آل عمران: (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَ الْمَلائِکَهُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ...» ، هذه هی الشهاده الذاتیّه.

وعلی هذا الأساس فالمصّلی عندما یؤذّن للصّلاه وعندما یصل إلی شهاده لا إله إلّااللّه فإنّه ینبغی أن یلتفت إلی هذه الحقیقه ولا یتکلّم بها بلسانه فقط، بل یشهد بالتوحید فی مقام العمل والقلب أیضاً.

نرجو من اللّه أن نکون جمیعاً من الموحّدین الحقیقیین إن شاء.

ص:292

90- سرّ الشهاده برساله النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله فی الأذان والإقامه

أشهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللّهِ

بعد أن ذکرنا شیئاً مختصراً عن خصوصیّات التکبیرات الأربعه والشهاده بالتوحید فی الأذان، یجب أن نری ما هو السرّ أننا فی الأذان والإقامه وبعد الشهاده للتوحید مباشره نشهد برساله النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله، وأساساً ما هی العلاقه بین الشهاده بالرساله وبین الصّلاه، یعنی العلاقه بین نبوّه النّبی وبین عباده اللّه تبارک وتعالی؟

إنّ العلاقه بین التکبیر والشهاده بالتوحید وبین العباده واضحه جدّاً، لأنّ حقیقه التکبیر هی العباده، فمعنی التکبیر هو التعظیم وتنزیه اللّه تعالی وحمده وثنائه، وکذلک الشهاده بالتوحید تقرر نفی الالوهیّه عمّا ما سوی اللّه وإثبات الالوهیّه للّه تعالی، أما بالنسبه للشهاده برساله النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله فما هی العلاقه بینها وبین الصّلاه والعباده بحیث إنّ المصلّی یجب أن یقول فی کلّ أذان وإقامه

ص:293

هذه الشهاده مرّتین؟

وقد أشرنا سابقاً إلی روایه المعراج الوارده فی کتاب «علل الشرائع» وتذکر أسرار هذه الأذکار وأنّها تعکس حقیقه ما جری فی عالم المعراج من أذکار الملائکه وتفسیراتهم، فعندما عرج النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله إلی السماء علی مرکب من نور أرسل اللّه تعالی إلیه مع جبرئیل ووصل إلی السماء الثالثه، دهش الملائکه من شدّه عظمه نور النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله وشبه هذه النور بنور الحقّ تعالی «هذه النورانیّه التی تجلت للملائکه» فتحیّروا من عظمه هذا النور ووقعوا سجدّاً.

وعندما شاهد جبرئیل هذا العمل من الملائکه وشدّه حیرتهم نادی مرّه أخری بأعلی صوته «أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه» وما أن سمع الملائکه صوت جبرئیل بهذا الشهاده عادوا واجتمعوا حول رسول اللّه صلی الله علیه و آله وسألوه: کیف حال أخیک علی بن أبی طالب؟

وأوّل نقطه یمکن ملاحظتها فی هذا المقطع من هذه الروایه، أنّه بعد شهاده جبرئیل برساله النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله ورسالته، فإنّ الحجب زالت من أمام الملائکه الإلهیین، وهذا یعنی أنّ ذکر هذه الشهاده فی بدایه الصّلاه یؤدّی إلی زوال حجب کثیره عن المصلّی وفتح أبواب معنویّه کثیره أمامه.

وعلی هذا الأساس فإنّ بیان وذکر هذه الشهاده فی الأذان والإقامه یعکس ما فی تلک الواقعه فی معراج النبیّ صلی الله علیه و آله.

والنقطه الأخری أننا نتذکّر فی صلاتنا هذا المعراج والسفر الروحانی نرید أنّ نسبّح ذلک الموجود العظیم والخالق الکبیر ونحن موجودات تافهه وحقیره، ومن أجل تسبیح ذلک الموجود العظیم یجب أن نستخدم وسائط ووسائل فی هذا المسار لنکون مقرّبین عند اللّه تبارک وتعالی، وأساساً فبدون ارتباط ووساطه من هذا الوجود النورانی لا یمکن الاتصال بالحقّ تبارک وتعالی، وبدون الشهاده

ص:294

بالرساله والنبوّه لا تتحقّق الشهاده بالتوحید، التوحید الکامل هو ذلک التوحید المقترن بالشهاده بالنبوّه والرساله.

وقد طرح الفلاسفه فی بحوثهم هذه المسأله، وهی: أساساً کیف یمکن تصویر ارتباط القدیم بالحادث؟ وکیف أنّ اللّه تبارک وتعالی یرتبط مع الموجودات الممکنه والحادثه فی هذا العالم؟ وفی مقام الجواب عن هذه المسأله ینبغی القول بوجود وسائط فی الفیض، ومن هذه الجهه ورد فی بعض الروایات أنّ أوّل شیء خلقه اللّه تبارک وتعالی هو نور النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله فالمصلّی إذا أقام الصّلاه بدون إیجاد ارتباط وبدون الشهاده علی رساله النبیّ صلی الله علیه و آله، فلا یستطیع إیجاد الارتباط مع اللّه تبارک وتعالی لا فی مجال الاعتقاد، ولا فی مجال العباده، فالاعتقاد الکامل والعباده الصحیحه تنحصر بهذا الطریق.

ص:295

91- سرّ الشهاده بولایه أمیرالمؤمنین علیه السلام

أشهَدُ أَنَّ عَلِیَّاً وَلِّی اللّهِ

تحدّثنا فی مقام الجواب عن هذا السؤال، ما هی العلاقه بین الشهاده بالرساله والشهاده بالتوحید؟ وکذلک بین أداء هذه الشهاده وبین الصّلاه، وقلنا إنّ طریق التوحید الحقیقی وکیف یکون الإنسان موحّداً حقیقه هو أن تکون لدیه الشهاده القلبیّه واللسانیّه بنبوّه النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله، فالمصلّی یجب أن یتحرّک فی هذا المسار وتکون صلاته هذه سفراً معنویاً ومعراجاً روحانیاً، ویعلم أنّه ضعیف وعاجز ولا یستطیع أن یسلک فی هذا الطریق لوحده بل یجب أن یتمسک ویتوسّل بالأنوار التی تساعده فی سلوک هذا الطریق إلی اللّه، فنحن ومن خلال الشهاده بنبوّه النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله وولایه أمیرالمؤمنین علیه السلام نقوم بتقویه هذا الشعور فی واقعنا الداخلی ونحصل علی النورانیّه التی تساعدنا فی إیجاد القابلیّه واللیاقه لنا للحضور فی محضر الباری تبارک وتعالی.

وهذا الأمر المهمّ والذی تشهد له روایات کثیره وارده فی الکتب الروائیّه، وهو

ص:296

أنّ العباده بدون ولایه أمیرالمؤمنین علیه السلام وأولاده الطاهرین لا فائده لها، فهی لیست مجرّد اعتبار وقانون، فلا یتصوّر أحد أنّ هذه العلاقه بینه وبین اللّه مجرّد علاقه اعتباریه وقانونیّه، وهذا یعنی أنّ الشخص الذی لا یقبل بالولایه فإنّ صلاته لا تقبل منه، وهذا یبیّن لنا حقیقه تکوینیّه واقعیّه، وهی أنّ الإنسان بدون ولایه لا یستطیع أن یعبد اللّه عزّ وجلّ.

فبدون الإمامه وولایه علی بن أبی طالب وأبنائه المعصومین علیهم السلام لا یملک الشخص اللیاقه الکافیه والصلاحیه لعباده الباری تبارک وتعالی، کما أنّه بدون الشهاده بالنبوّه ورساله النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله لا یستطیع الإنسان التقرب إلی اللّه تبارک وتعالی.

وجاء فی الروایه المعروفه عن الإمام الباقر علیه السلام یخاطب محمّد بن مسلم:

«یامُحَمَّدُ أَنَّ أَئِمَّهَ الجَورِ وَأَتبَاعَهُم لَمَعزُولُونَ عَنْ دِینِ اللّهِ قَدْ ضَلُّوا وَأَضَلُّوا فَأَعمَالُهُم الَّتِی یَعَملُونها، کَرَمَادٍ اشتَدَّتْ بِهِ الرِّیحُ فِی یَومٍ عَاصِفٍ لایَقدِرُونَ ممَا کَسَبُوا عَلَی شیءٍ، ذَلِکَ هُوَ الضَّلالُ البَعِیدُ»(1).

ثمّ قال الإمام الباقر علیه السلام: لو أنّ الإنسان عبد اللّه تعالی فی جمیع اللیالی وصام أیّامه کلّها وأنفق أمواله کلّها فی سبیل اللّه، وحجّ البیت الحرام کلّ عام، ولکنّه لا یعتقد بولایه ولّی اللّه، فإنّ هذه الأعمال لا قیمه لها، لماذا؟ لأنّ حقیقه العباده لا تتحقّق بدون الولایه، فالإنسان موجود ضعیف وقلبه متلوّث بآلاف الشوائب والنقائص ویقترن وجوده بالکثیر من نقاط الضعف والقصور، فکیف یستطیع التقرب إلی اللّه تعالی بهذه الحال، وأساساً کیف تکون النسبه والعلاقه بین هذا الموجود الضعیف وبین اللّه؟ أین الثری من الثریا، وأین هذا العبد الناقص وبین اللّه؟

ص:297


1- (1) الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 1، ص 184.

یجب أن یتمسّک هذا الموجود الضعیف والذلیل بتلک الأنوار حتّی یستطیع التواصل مع اللّه تبارک وتعالی، فهذه الأنوار هی الوسائط إلی اللّه، ولکنّ الأشخاص الذین یعیشون العمی فی قلوبهم لم یفهموا ولا ینبغی أن یفهموا حقیقه الولایه ولا یستطیعون تذوقها ولا إدراک هذه المعارف العظیمه، وبالتالی فهم یغادرون هذه الحیاه الدنیا وهم منکرون للولایه ویواجهون العقوبه الإلهیّه والعذاب الألیم فی الآخره، وهذه المسأله، وهی أنّ العباده بدون ولایه غیر مقبوله، هی مسأله برهانیّه وقام علیها البرهان الفلسفی، ومصادیق هذه المسأله وجود الروایات والأدله العقلیّه علیها، ومن هنا یمکننا الخروج بهذه النتیجه الجلیّه وهی أنّه کلّما ازداد اعتقاد الإنسان برساله النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله والولایه فإنّ عبادته ستکون مقبوله أکثر ویترتّب علیها ثواب أکثر ویحظی هذا الشخص بقرب أکثر عند اللّه تبارک وتعالی، والشهاده بولایه أمیرالمؤمنین علیه السلام إحدی المستحبات فی الأذان وینبغی الاتیان بها بعنوان الذکر المطلق، وقد ورد فی الروایات أنّ الشخص إذا شهد بالتوحید ونبوّه نبی الإسلام صلی الله علیه و آله یجب علیه الشهاده بولایه أمیرالمؤمنین علیه السلام، جعلنا اللّه وإیّاکم من أهل الولایه إن شاء اللّه.

ص:298

92- دور الولایه فی قبول الأعمال

إحدی الروایات التی تدلّ علی أنّ التوحید بدون التمسّک بالرساله والولایه لا یعتبر توحیداً کاملاً ولا یتحقّق مضمونه فی حیاه الإنسان، وبدون صحبه أکمل موجود عالم الإمکان لا یستطیع الإنسان التقرّب إلی اللّه تبارک وتعالی، وهذه الروایه هی ما نقله الشیخ الکلینی رحمه الله عن الإمام الباقر علیه السلام، یقول محمّد بن مسلم:

«سَمِعْتِ أَبا جَعفَر علیه السلام یَقُولُ کُلُّ مَنْ دَانَ اللّهَ عَزَّ وَجلَّ بِعِبادَهِ یُجْهِدُ فِیها نَفسَهُ وَلا إِمَامٍ لَهُ مِنَ اللّهِ فَسعَیُهُ غَیْرُ مَقْبُولٍ وَهُوَ ضَالٌّ مُتَحَیِّرٌ»(1).

إنّ مسأله الإمامه والولایه لیست فقط أمراً سیاسیّاً أو أمراً اجتماعیاً یتعلّق بالحکومه والسیاسه، بل إنّ دائره ولایه الأئمّه المعصومین علیهم السلام واسعه إلی درجه أنّها تستوعب عبادات الإنسان وأموره الشخصیّه، وبحسب هذه الروایه وروایات متعدده أخری أنّ الشخص إذا لم یقبل بولایه أهل البیت علیهم السلام ولم یدخل نور الولایه إلی قلبه، فإنّه لا یملک القدره علی عباده اللّه تبارک وتعالی، بل لا

ص:299


1- (1) الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 1، ص 183.

یملک قابلیه التقرّب إلی اللّه ولا یعتبر موحّداً حقیقیّاً، ولإثبات هذه المسأله، مضافاً إلی الروایات، ثمّه البرهان العقلی الذی یدلّ علی ذلک، وقد ذکر علماؤنا الکبار هذا البرهان فی محلّه، وعندما نقف للصّلاه بین یدی اللّه یجب أن ننظر إلی أنفسنا لنری ما مقدار اعتقادنا بالولایه، وما مقدار ما نملکه فی قلوبنا من ولایه الأئمّه المعصومین علیهم السلام، وما مقدار نور الولایه الذی أحاط بقلوبنا؟ ویمکن القول بوضوح أنّ کلّ إنسان یجد فی نفسه نور الولایه بمقدار أشدّ فإنّ عباداته ستکون أقوی وأکثر تأثیراً.

وفی عصر الغیبه الکبری فإنّ کلّ إنسان یعیش الولایه ویکون اعتقاده بوجود الإمام صاحب الزمان (عج) أکثر وأشدّ وارتباطه القلبی مع ذلک الإمام أقوی فسوف ینال العنایه الإلهیّه أکثر، ولیس فقط الارتباط اللفظی واللسانی، ولیس فقط الدعاء بتعجیل الفرج، بل إنّ الإنسان یعیش فی أعماقه قلبه وروحه هذه الحقیقه ویعتقد بأنّ هذا الإمام هو واسطه الفیض الإلهی علی الکائنات، فکلّما اشتدت هذه العلاقه کانت عبادتنا أعمق وأکثر تأثیراً وکان تقرّبنا إلی اللّه تعالی أکثر.

ویقول الإمام الباقر علیه السلام فی هذه الروایه، فیما یتّصل بالأشخاص الذین لا یقبلون الإمام والولایه: «وَاللّهُ شَانِیءٌ لأَعمَالِهِ وَمَثَلُهُ کَمَثَلِ شَاهٍ ضَلَّتْ عَنْ رَاعِیها وَقَطِیعِها»(1).

رزقنا اللّه تعالی نور الولایه فی قلوبنا إن شاء اللّه.

ص:300


1- (1) الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ص 184.

93- الشهاده بالنبوّه والولایه، هی روح العباده

بِعَلیٍّ قَامَتْ الصَّلاهُ (1)

بالنسبه للشهاده بولایه أمیرالمؤمنین علیّ بن أبی طالب صلوات اللّه تعالی علیه، ینبغی القول: بالرغم من أنّ الشهاده بالنبوّه هی شهاده بالولایه أیضاً، وکذلک الشهاده بالولایه هی شهاده بالنبوّه والرساله أیضاً، ولکن بما أنّ حقیقه النبوّه والرساله تکتمل بالوصایه والولایه لأمیرالمؤمنین صلوات اللّه علیه، فیجب علی المصلّی فی هذا السفر المعنوی التوجّه الخاصّ لهذه الحقیقه.

نحن لا نرید الدخول فی بحث فقهی فعلاً، وهل أنّ الشهاده بولایه علی بن أبی طالب علیه السلام هی جزء من الأذان والإقامه، هذه المسأله وردت مورد البحث فی الکتب الفقهیّه، ولکن من البدیهی أنّ الشخص الذی لا یقرّ بلسانه ولا یعتقد بقلبه بأنّ ولایه أمیرالمؤمنین علیه السلام تکمیل للدین واتمام بالرساله، فإنّ صلاته لا تکون صلاه حقیقیه بأی وجه.

ص:301


1- (1) أسرار العباده، وحقیقه الصّلاه، ص 23.

وجاء فی الروایه فی کتاب الاحتجاج(1) روی القاسم بن معاویه قال: قلت:

لأبی عبداللّه علیه السلام: هؤلاء یرون حدیثاً فی معراجهم أنّه لما اسری برسول اللّه رأی علی العرش مکتوباً لا اإله إلّااللّه ومحمّد رسول اللّه أبوبکر الصدیق، فقال:

«سبحان اللّه غیروا کلّ شیء حتّی هذا» فقلت: نعم، قال: «إنّ اللّه عزّ وجلّ لمّا خلق العرش کتب علیه لاإِلهَ إِلّا اللّه، مَحَمّد رسول اللّه، عَلیٌّ أَمِیرُ المُؤمِنِینَ...»، یعنی أنّ رجلاً قال للإمام الصادق علیه السلام: یابن رسول اللّه إنّ بعض الناس نقلوا هذا الحدیث فی قصّه المعراج بأنّ رسول اللّه صلی الله علیه و آله رأی فی معراجه مکتوب علی العرش ثلاث کلمات: «لا إِلهَ إِلّا اللّه، مَحَمّد رسول اللّه صلی الله علیه و آله» ثمّ ذکر اسم الخلیفه الأوّل الذی استولی علی الخلافه بعد النبیّ بحسب الظاهر، هنا غضب الإمام الصادق علیه السلام وقال: سُبحَانَ اللّهِ، هؤلاء غَیّروا کُلّ شَیءٍ حَتّی هذه المسأله، ثمّ قال: إنّ اللّه تبارک وتعالی عندما خلق العرش کتب علیه «لا إِلهَ إِلّا اللّه، مَحَمّد رسول اللّه، عَلیٌّ أَمِیرُ المُؤمِنِینَ»، ثمّ قال: لماذا أنّ بعض جهّال هذا الزمان غیّروا هذه الحقیقه؟ وللأسف فإنّ حکّام الجور والتحریف لم یقبلوا بأی شیء من حقائق الدین حتّی أنّهم غیرّوا وحرّفوا هذه الحقیقه فی حدیث المعارج، وبدلاً من عباره «عَلیٌّ أَمِیرُ المُؤمِنِینَ»، اختاروا اسم شخص آخر وکتبوه فی مسطوراتهم، إنّ الإمام علی علیه السلام، الذی لم یشرک باللّه طرفه عین فی جمیع حیاته کیف یحذف اسم أمیرالمؤمنین ویکتب مکانه اسم شخص آخر الذی قضی مدّه طویله من عمره فی أجواء الشرک؟ ثمّ قال علیه السلام: لیس فقط هذه الکلمات الثلاثه «لا إِلهَ إِلّا اللّه، مَحَمّد رسول اللّه، عَلیٌّ أَمِیرُ المُؤمِنِینَ»، مکتوبه علی عرش اللّه تبارک وتعالی، بل إنّ اللّه تعالی کتب هذه الکلمات الثلاث علی الماء والکرسی واللوح وعلی جبین إسرافیل وجناحی جبرئیل وأکتاف السماوات والأرض وعلی قمم الجبال وعلی الشمس والقمر،

ص:302


1- (1) . الاحتجاج، ج 1، ص 230.

وبکلمه: کتب هذه الکلمات علی جمیع أجزاء عالم الوجود تکویناً.

ثمّ قال الإمام الصادق علیه السلام: کلّ من قال لا إله إلّااللّه ومحمّد رسول اللّه، فلیذکر علیّاً أمیرالمؤمنین، ولا شکّ ولا ریب وبحسب الضوابط الفقهیّه أنّ کلمه «أشهَدُ أَنَّ عَلِیَّاً وَلِّیّ اللّه»، لا تعتبر جزءاً من الأذان ولکن یستحب أن یأتی بها المصلّی بعنوان الذکر المطلق، وعندما نلاحظ هذه الروایه ینبغی القول إنّ الإنسان المصلّی لا یتصوّر أنّ الشهاده بالاُلوهیّه والشهاده بالنبوّه وولایه أمیرالمؤمنین ینطق بها فی هذا الأذان بل هذه الکلمات مذکوره وموجوده فی باطن عرش اللّه وفی البحار والصحاری والجبال، والکرسی، وجبرئیل، والملائکه، والشمس والقمر، ونحن عندما نذکر هذه الکلمات فی الأذان والإقامه فإنّما نتماهی فی هذا الذکر مع موجودات العالم وما فیه من کائنات ومخلوقات.

وعلی هذا الأساس ینبغی حتماً فی الأذان والإقامه ذکر الشهاده بولایه أمیرالمؤمنین علیه السلام ویقول علماؤنا: إنّ هذه الشهاده حتّی لو لم تکن جزءاً من الأذان ولکنّها تمثّل روح الأذان والدین والعباده ولا یمکن أن تتحقّق العباده الصحیحه بدون هذه الشهاده.

ص:303

94- احضار قوی الملک والملکوت

ذکرنا أنّ الشهاده بالنبوّه والرساله لا تتحقّق بدون الشهاده بالولایه.

هنا نقطه مهمّه ذکرها الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه «فی آداب الصّلاه» یقول: إنّ الشهاده بالتوحید والالوهیّه تتضمّن الشهاده بالنبوّه والولایه أیضاً، یعنی أنّ أنّ الشهاده بالتوحید لا تتحقّق إلّامن خلال الشهاده بالنبوّه والولایه، وکذلک قال: إنّ الشهاده بالنبوّه والرساله تتضمّن أیضاً تلک الشهادتین الاُخریین، والشهاده بالولایه تتضمّن الشهاده بالتوحید وبالنبوّه»(1) ، لأنّ نور النبیّ صلی الله علیه و آله ونور الإمام علیّ علیه السلام من نور اللّه تبارک وتعالی: وهذان هما أکمل أفراد البشر وهما مظهر توحید الحقّ تبارک وتعالی، وبدون التوسل بهما والشهاده بهذه الذوات المقدّسه لا یستطیع المرء أن یتقرّب إلی اللّه تبارک وتعالی، وقد ورد فی الحدیث النبوی فیما یتّصل بالسفر، أنّه صلی الله علیه و آله قال: «الرَّفِیقُ ثُمَّ الطَّرِیقُ»(2)، أی أنّ

ص:304


1- (1) . آداب الصّلاه، ص 141.
2- (2) . المحاسن، ج 2، ص 357.

الإنسان یجب أن یختار فی سفره الرفیق أوّلاً ثمّ یبدأ المسیر والسفر، وبالإمکان الاستفاده من هذا الحدیث فی باب العباده، العباده هی الحرکه نحو الحقّ تعالی، والرفیق فی هذا الطریق یجب أن یکون علی أعلی درجه من درجات التوحید ولا یکون ملوّثاً بلحظه واحده بشوائب الشرک والذنب والخطأ.

ما أشدّ انسجام هذه الکلمات والعبارات الوارده فی الأذان والإقامه، فالإنسان یجب فی البدایه أن یسبّح اللّه ویقدّسه من خلال التکبیرات الأربع التی أشرنا إلیها سابقاً، ثمّ یشهد بشهاده التوحید ووحدانیّه الباری تعالی، ثمّ یأتی بالشهاده علی النبوّه والولایه.

وإلی هذا المقطع من الأذان، فإنّ المسأله تنتهی بالمسأله الإیمانیّه والاعتقادیّه، وأنّ المصلّی یحظی بصلاحیه الدخول فی الصّلاه بعد هذه الشهادات الثلاث، ولکن مع ذکر «حیّ علی الصّلاه» یبدأ المقطع الثانی من الأذان والإقامه فیجب أن نری المعانی الکامنه فی هذه الأذکار، وما هو المقصود منها؟

فی هذا المقطع من الأذان نقول: «حیّ علی الصّلاه»، ثمّ نقول: «حیّ علی الفلاح»، ثمّ نتابع القول: «حیّ علی خیر العمل»، فالمصّلی یجب أن یذکر هذه العبارات الثلاث کلّ واحده منها مرّتین.

إنّ الإنسان عندما یؤذّن ویتحرّک فی طریق لقاء اللّه ویرید أن یخطو فی هذا الطریق وفی هذا المعراج الروحانی، فلابدّ له بعد أن یقرّ المسائل الإیمانیّه والاعتقادیّه، یعنی أوّلاً: یعلن عظمه الحقّ تعالی، وثانیاً: یعلن الشهاده الالوهیّه والتوحید، وثالثاً: یختار الرفقه والصحبه النبیّ والولی، ثمّ تأتی کلمه «حیّ علی الصّلاه»، وهی إعلان من المصلّی للقوی الملکیّه والملکوتیّه لیستعد للصّلاه ولقاء اللّه، والمعنی الظاهری لجمله «حیّ علی الصّلاه»، هو أنّ هذا الإنسان یخاطب الآخرین بأن أسرعوا وتوجّهوا نحو الصّلاه لأنّها سوف تبدأ، ولکن

ص:305

المعنی العمیق لکلمه «حیّ علی الصّلاه» إعلان لجمیع القوی الملکیّه والملکوتیّه للمسارعه فی هذا الأمر، فالمؤذّن هنا یعمل علی تهیئه جمیع قوی الملکیّه والملکوتیّه للحضور بین یدی اللّه تعالی ولتستعد هذه القوی للوقوف بین یدی الحقّ تعالی.

وفی المقطع الأوّل من الأذان یتجلّی الجانب الاعتقادی، وأمّا فی المقطع الثانی فیتجلّی الجانب العملی من الأذان، والالتفات إلی القوی والموجودات التی ترید أن تحضر فی محضر الحقّ تبارک وتعالی، فما أعظم الشعور باللذه عندما یقول الإنسان «حیّ علی الصّلاه»، ویلتفت إلی أنّه لا یدعو نفسه فقط إلی هذا الحضور المقدّس، بل یشجع ویحث أصدقاءه علی الصّلاه أیضاً، بل إنّه بهذا الکلام یدعو قلبه ویده وعینه ونفسه وقواه الملکیّه والملکوتیّه لأن تحضر جمیعاً فی هذا المحضر المقدّس والملکوتی.

ص:306

95- سرّ تکرار حیّ علی الصّلاه

ذکرنا أنّ الإنسان بقوله «حیّ علی الصّلاه»، یخاطب جمیع وجوده وأعضائه وجوارحه لکی تستعد للصّلاه وتسارع فی الحضور بین یدی اللّه تعالی، ولیس فقط وجوده الشخصی بل جمیع قواه فی عالم الملک والملکوت أیضاً، یعنی بعد أن ینتهی المصلّی من تعظیم الباری تعالی فی تکبیراته، وبعد أن أقرّ بالوحدانیّه للّه تعالی واعترف بالنبوّه والولایه، هنا تأتی النوبه إلی مرحله شکر الباری تعالی وعبادته مباشره دون توقف، فلا یمکن أن یعتقد الإنسان بتلک الشهاده ثمّ لا یسارع فی الصّلاه والعباده، والأصل فی هذا الأمر أنّ تلک الشهادات بدون أن یتابعها المرء بالصّلاه والعباده تکون ناقصه، أی أنّ هذه الشهادات لیست واقعیّه ولا تنطلق من أعماق قلب المصلّی، ولکن إذا کانت تلک الشهادات، شهادات کامله فکیف یمکن للإنسان أن یشهد بالتوحید والنبوّه والولایه ولکنه فی ذات الوقت یتخلّف عن قافله العباده؟ وهذا یعنی لزوم الشروع بالعباده مباشره بعد الاقرار والاعتراف بتلک الشهادات.

ص:307

وهنا ربّما یسأل البعض؛ لماذا نری «حیّ علی الصّلاه» وکذلک المقاطع الأخری من الأذان تکررت مرّتین؟ والجواب الکلی عن سبب هذا التکرار هو أنّ الإنسان عاده فی المرّه الاُولی لا یتوجّه إلی مضمون هذا الکلام بشکل جید، ولا تستیقظ فطره الإنسان فی المرّه الاُولی، فالتکرار من أجل إیجاد حاله الیقظه الکامله للفطره، والإنسان عندما یقول هذه الکلمه مرّه واحده ربّما لا یلتفت إلی عمقها ومغزاها، فالتوجّه العمیق والیقظه الکامله والتامه لفطره الإنسان التی ینبغی أن تتوجّه للوقوف بین یدی اللّه تعالی وعبادته، تستدعی مثل هذا التکرار، والوجه الثانی ورد فی کلمات الإمام الراحل رضوان اللّه تعالی علیه، حیث یقول:

ربّما یسری هذا الخطاب فی المرّه الأولی إلی القوی الداخلیّه أو القوی الحاکمه فی داخل مملکه الإنسان کالقلب، والاُذن، والید، والعین و...، أمّا فی المرّه الثانیه فهو خطاب للقوی خارج مملکه الإنسان، فالإنسان فی هذه العباده لا یقف لوحده بل یشارکه جمیع موجودات العالم، ویرید أن یشترک هذه الموجودات معه فی حال التسبیح والعباده، ثمّ یلتفت إلی الحکمه الکامنه فی هذا النداء، وهذا هو الأثر المهم للصّلاه فی مسیره الإنسان فی خط الصلاح والفلاح.

إنّ فطره کلّ إنسان تدعوه فی الحیاه لتحقیق السعاده والفلاح، فلو سألنا أی شخص عن ذلک فیقول: ارید أن أکون سعیداً فی هذه الحیاه، وطبعاً فی بعض الأوقات قد یشتبه الإنسان فی تشخیص مصادیق السعاده، فأحدهم یری أنّ مصداق السعاده یکمن فی المال، والآخر یراه فی المقام والثالث فی الشهوه ورابع فی الطعام وما إلی ذلک، ولکن اللّه تعالی یقول إنّ المصداق المهم للسعاده والفلاح فی حیاه الإنسان یکمن فی الصّلاه، وکلّ شخص یرید الحصول علی السعاده فی حیاته یجب أن یتوجّه نحو الصّلاه، والشخص الذی یهتمّ بصلاته فإنّ أبواب السماوات ستفتح أمامه، وسوف یفتح اللّه له أبواب رحمته وکرمه وحکمته.

ص:308

وقبل البدأ بالصّلاه یقول المصلّی فی الأذان والإقامه «حیّ علی الفلاح»

مرّتین، والتکرار هنا من أجل ایقاظ فطره الإنسان أیضاً وتجسید وتثبیت هذه الحقیقه فی أعماق نفس البشریّه، وأنّک أیّها الإنسان التفت جیداً واعلم أنّ الفلاح والنجاح یکمن فی هذه الصّلاه فقط.

ثمّ یقول المصلّی «حیّ علی خیر العمل» فلو أردت القیام بأفضل الأعمال، ولو أردت القیام بأحسن عمل یصدر من الإنسان بحیث لا یتصوّر أحسن منه، هذا العمل هو الصّلاه، «حیّ علی خیر العمل» ویتابع المصلّی فی أذانه وإقامته بذکر التکبیر اللّه أکبر، اللّه أکبر، لا إله إلّااللّه، لا إله إلّااللّه، والنقطه المهمّه هنا أنّ المصلّی فی الأذان وکذلک فی الإقامه یبدأ وینتهی بکلمه اللّه، وهذه الکلمه علی حدّ تعبیر أهل الفن اسم وعنوان یستوعب جمیع الشؤون الإلهیّه والصفات الربانیّه.

إلی هنا انتهینا من بیان أسرار الأذان والحِکم الخفیه فیه ونتابع البحث فی بیان الحِکم والأسرار الموجوده فی الصّلاه إن شاء اللّه.

ص:309

ص:310

الفصل الرابع: سرّ القیام فی الصّلاه

اشاره

ص:311

ص:312

96- القیام مظهر التوحید وقیّومیّه الحقّ

بعد بیان نقاط مختصره حول الأذان والإقامه، نبحث الآن عن خصوصیّات الصّلاه، وفی المجموع فالمصلّی من حیث الشکل والهیئه فی هذه العباده له ثلاث حالات؛ أحدها حاله القیام، فالشخص إذا لم یکن مریضاً وکان قادراً علی القیام یجب علیه أن یصلّی من قیام، فلو أنّه صلّی من جلوس وحتّی لو استغرقت صلاته مائه ساعه فلا قیمه لها، بل یجب علیه الصّلاه من قیام، والحاله الثانیه الرکوع، والحاله الثالثه السجود.

ولا نری فی أی عباده أنّ هذه الحالات الثلاث تجتمع فیها، وقد استوحی أکابر أهل المعرفه من هذه الحالات الثلاث، ثلاث مراتب للتوحید وقالوا: عندما یقف المصلّی للصّلاه ویبدأ بها فإنّ حاله قیامه إشاره للتوحید الأفعالی، وحاله الرکوع إشاره للتوحید الصفاتی، وحاله السجود، وهی أهم وأعمق حاله فی العباده والصّلاه، إشاره إلی أهم مرتبه من التوحید، وهو توحید الذات، والآن یجب أن نری ما هی النقاط والملاحظات فی قیام الصّلاه، وما هی الآداب التی

ص:313

یجب مراعاتها فی حال القیام؟

یقول الإمام الخمینی رضوان اللّه علیه بالنسبه للقیام: إنّ هذه الحاله من القیام فی الصّلاه والألفاظ التی یقرأها المصلّی حال القیام، إشاره إلی مقام التوحید الأفعالی، والمقصود من التوحید الأفعالی أننا نعتقد بفاعلیّه اللّه تبارک وتعالی فی جمیع الأفعال، حتّی أصغر وأقل فعل یصدر من الإنسان مثل الجلوس والقیام، وجمیع أفعاله الأخری تتعلّق بإراده الحقّ تبارک وتعالی ومشیئته، فما لم یرد اللّه تعالی فلا تسقط ورقه من شجره ولا تهب أیّه نسمه هواء ولا یصدر أی فعل فی العالم، لا من الإنسان ولا من غیر الإنسان، وطبعاً بالنسبه لأفعال الإنسان سبق وقلنا من محلّه أنّ التوحید الأفعالی لا یتنافی مع اختیار الإنسان، ولکن هذا الإنسان المختار یجب أن یعلم بأنّ کلّ فعل یصدر منه بأنّه مسبوق بإراده الحقّ تبارک وتعالی ولو أنّه یفعل هذا الفعل من موقع الاختیار والحریه.

إذن فالمقصود من التوحید الأفعالی هو أنّ الإنسان لا یری أی شیء غیر اللّه مؤثراً وفاعلاً فی عالم الوجود، وهذه الحاله من القیام فی الصّلاه إشاره إلی قیومیّه الحقّ تبارک وتعالی، وإذا نطق الإنسان أو فعل فعلاً معیناً فإنّ ذلک یحدث تحت قیّومیّه الحقّ تبارک وتعالی.

ومن هنا یجب علی الإنسان أن یذکّر نفسه ویلقن قلبه ویزیح عنه التعیّنات النفسانیّه ویعلم أنّه لا یملک استقلالاً فی أفعاله، فلو أنّه وقف للصّلاه بین یدی اللّه، فإنّ اللّه تعالی هو الذی أراد له هذا القیام، رغم أنّه مختار فی هذا القیام، ولو لم تکن إراده اللّه ومشیئته فإنّ هذا الأمر لا یتحقّق، فیجب علیه أن یفهم قلبه وباطنه بهذه الحقیقه، فأدب القیام هو أن یعتقد المصلّی بأنّه وجمیع العالم حاضرون فی محضر الباری تعالی.

فعندما یرید الإنسان أن یقدّم فروض الاحترام لشخص آخر أو یواجه شخصاً

ص:314

آخر فإنّ الأدب الظاهری والفطری یقتضی علیه أن یقف أمامه احتراماً له، وهذا الوقوف یعنی أننی بجمیع وجودی حاضر أمامک، ومثل هذا الإنسان یجب أن یعتقد شاء أم أبی بعظمه الحقّ تبارک وتعالی، فالشخص الذی یصلّی من جلوس أو اضطجاع بدون أی عذر لا یمکن القول بأنّه یعتقد بعظمه معبوده، ولکن عندما یقف فی حاله من الوقار والخشوع وبالخصوصیّات التی سوف نذکرها لاحقاً، فإنّه یؤدّی أدب العباده نحو الحق تعالی، وهذه الحاله هی التی یجب علی الفرد العابد والسالک أن یتحلّی بها.

ص:315

97- آداب القیام

یقول الإمام الرضا علیه السلام: إِذا أرَدْتَ أَنْ تَقُومَ إِلی الصَّلاهِ فَلا تَقُومْ إِلَیها مُتَکَاسِلاً...؛

تقدّم أنّ أوّل حاله للمصلّی فی صلاته هی حاله القیام، والحاله الثانیه الرکوع والحاله الثالثه السجود، وطبق بیان أهل المعرفه أنّ هذه الحالات الثلاث والهیئات الثلاث إشاره إلی ثلاث مراتب من مراتب التوحید، ففی حاله القیام یشاهد الإنسان بجمیع وجوده الطرف المقابل ومعبوده، وهی الحاله التی لا تحصل أبداً للإنسان فی حال الجلوس أو الاضطجاع.

وجاء فی روایه فی کتاب «فقه الرضا»(1) أنّه: «إِذا أَرَدْتَ أَنْ تَقُومَ إِلی الصَّلاهِ فَلا تَقُومْ إِلَیها مُتَکَاسِلاً وَلا مُتَناعِساً، وَلا مُستَعجِلاً، وَلا مُتلاهِیَاً...»؛ أی تتلهی بالعبث بالید والرأس والاُذن و...، لأنّ ذلک مخالف لأدب القیام.

وعندما یرید الإنسان أن یقف بید یدی اللّه تعالی فإنّه یشعر فی نفسه واقعاً أنّه یری اللّه، وأنّ جمیع فکره ووجوده منجذب إلی اللّه تعالی، فلا ینبغی أن یظهر حاله

ص:316


1- (1) . فقه الرضا، ص 101.

الکسل، ولا ینبغی أن یستعجل بصلاته بحیث یقف وقبل أن یسکن بدنه بشکل کامل یقول: اللّه أکبر، فهذا عمل غیر صحیح.

ویقول الإمام علیه السلام: «وَلَکنْ تَأتِیها عَلَی السُّکُونِ وَالوِقارِ والتََؤدَهِ وَعَلَیکَ الخُشُوعُ وَالخُضُوعُ مُتَواضِعاً للّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُتخَاشِعَاً، وعَلَیکَ خَشیَهٌ وَسِیماءُ الخَوفِ رَاجِیاً خَائِفَاً بِالطَّمَأنِیِّهِ عَلَی الوَجَلِ والحَذَرُ».

ونلاحظ أنّ الإمام علیه السلام فی العباره السابقه قال بوجوب الخضوع والخشوع والتواضع فی الصّلاه وهنا یقول: یجب علیک أن تشعر بالخوف والخشیه ظاهره علی ملامحک، فالمصلّی یجب أن یعیش الأمل والرجاء من جهه، ویعیش الخوف والخشیه من جهه أخری، فهو یشعر بالقلق هل أنّ اللّه تعالی قبل عبادته أم لا؟ هل أنّ اللّه تعالی ملتفت إلیه ویهتمّ به أم لا؟

«فَقِفْ بَینَ یَدَیهِ کَالعَبْدِ الآبِقِ المُذنِبِ بَیْنَ یَدَی مَولاهُ»، وهکذا یعیش هذا الإنسان حاله الخوف والقلق أمام الخالق عزّ وجلّ.

یجب أن نفهم واقعاً عندما نقف للصّلاه أننا کنّا لحدّ الآن بعیدون وآبقون عن المولی، والآن سمح لنا الباری تعالی بالعوده إلیه ولذلک یجب أن نقف بین یدیه بحاله الندم والخوف والخجل، وفی ذات الوقت یجب أن نشعر بالأمل والرجاء فی رحمه اللّه ومغفرته.

«فصفَّ قَدَمَیْکَ وَانْصبِ نَفْسِکَ وَلا تَلتَفِتْ یَمِیناً وَشِمَالاً»، وعندما یقال لا ینبغی الالتفات إلی هذا الجانب وذاک فالسبب یعود إلی هذه النقطه، وهی أنّ الإنسان یقف فی مقابل الباری تعالی ویجب أن یرکز جمیع حواسه وفکره بهذه العباده.

«وَتَحْسَبُ کَأَنَّکَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَکُنْ تَراهُ فَإِنَّهُ یَراکَ»(1)، وهکذا ینبغی رعایه آداب الوقوف فی الصّلاه بحیث یشعر الإنسان أنّه یری اللّه فیها، فإن لم یکن یری اللّه فإنّ اللّه یراه.

ص:317


1- (1) . فقه الرضا، ص 101.

98- حقوق الصّلاه فی کلام الإمام زین العابدین علیه السلام

یقول الإمام زین العابدین علیه السلام: وَأَمَا حُقُوقُ الصَّلاهِ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّها وِفَادَهٌ إِلی اللّهِ؛

إذا التفت المصلّی لأسرار القیام فی الصّلاه والتزم بآدابه، فسوف یشعر بلذّه کبیره فی صلاته ویحسّ أنّه تطهر واقعاً من شوائب الدنیا ولا یشعر بالتعب والملل من الصّلاه بل یرید أن یتابع صلاته ویستمر بها.

فقد ورد فی بعض الروایات عن الإمام الثامن الرضا علیه السلام أنّ هذا الإمام کان یصلّی فی الیوم واللیله ألف رکعه، ولعلّه فی ذلک أنّه علیه السلام کان یلتذ من الوقوف للصّلاه بین یدی الباری تعالی، وعندما نری أنّ الإمام علیه السلام فی اللحظات الاُولی من الصباح الباکر وقبل طلوع الشمس أو قبل غروبها یعطل صلاه النافله ویجلس فی مصلّاه ویناجی ربّه، فذلک بسبب أنّه علیه السلام کان عارفاً بأسرار الصّلاه وقیمتها وبرکاتها، وقد ورد فی الروایه أنّ الإمام زین العابدین علیه السلام ذکر بعض الموارد بوصفها حقوق الصّلاه، یعنی أنّ المصلّی لو لم یراع هذه الموارد فإنّه یضیّع حقّ الصّلاه ولا یؤدّی حقّها.

ص:318

یقول علیه السلام: «وَأَمَا حُقُوقُ الصَّلاهِ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّها وِفَادَهٌ إِلی اللّهِ»(1)، وهنا یبیّن الإمام علیه السلام موردین من موارد حقّ الصّلاه، المورد الأوّل، هو أنّ نعلم أنّ الصّلاه عباره عن ورود إلی محضر اللّه تبارک وتعالی، فالشخص الذی یروم الصّلاه فلیعلم أنّه یقدم علی الورود بمحضر الباری تبارک وتعالی، وبعباره أخری، أنّ الصّلاه هی ورود، ولکنّها ورود إلی محضر الحقّ تبارک وتعالی والمصلّی یجب أن یعلم أنّه بواسطه الصّلاه أنّه سیرد علی هذا الموجود العظیم، وغنی عن البیان أنّ کلّ ورود یستلزم خروجاً، یعنی یجب علیه أن یخرج من الدنیا والمیول النفسانیّه والنوازع الشهوانیّه لیدخل إلی ساحه النور الإلهی.

الحقّ الثانی، أننا نقف بین یدی اللّه تعالی، وهذا الحقّ إنّما یمکن أداؤه فیما لو أدّی المصلّی الحقّ الأوّل للصّلاه وعمل بوظیفته وتکلیفه.

«وَأَنَّکَ فِیها قَائِمٌ بَینَ یَدی اللّهِ، فَإِذا عَلِمْتَ ذَلِکَ کُنْتَ خَلِیقاً أَنْ تَقُومَ فِیها مَقَامَ العَبْدِ الذَّلِیلِ الرَّاغِبِ الرَّاهِبِ الخَائِفِ الرَّاجِی المُستَکِینِ المُتَضرِّعِ المُعَظِّمِ، مَقَامَ مَنْ یَقُومُ بَینَ یَدَیهِ بَالسُّکونِ وَالوِقارِ وَخُشُوعِ الأَطرافِ وَلِینِ الجَناحِ وَحُسْنِ المُناجَِاهِ لَهُ فِی نَفسِهِ وَالطَّلَبِ إِلَیهِ فِی فِکَاکِ رَقَبَتِهِ الَّتِی أَحاطِتْ بِها خَطیِئَتُهُ وَاستَهلَکَتْها ذُنُوبُهُ وَلا قُوَّهَ إِلّا بِاللّهِ»، وفی آخر الروایه یقول علیه السلام أنّه لا قوّه ولا قدره لدی الإنسان وغیره من المخلوقات إلّابقدره اللّه تبارک وتعالی، فلو أنّ الإنسان أراد الخلاص من الذنوب والخطایا التی أحاطت به فیجب علیه أن یستمد العون والمد من اللّه تبارک وتعالی والتطهیر من الذنوب لا یکون إلّابإراده الحقّ تعالی، وعلی هذا الأساس فمن أجل الخلاص من التلوّث یجب أن نقف فی صلاتنا فی مقام العبد الذلیل ونعیش الخشوع والوقار وبالتالی نحظی بحسن المناجاه ولذه الحدیث مع اللّه تعالی.

ص:319


1- (1) . آداب الصّلاه، الإمام الخمینی، ص 150.

99، 100- حدود الصّلاه فی حدیث رزّام

إنّ مسأله القیام فی صلاه الجماعه تعتبر مسأله مهمّه جدّاً ولها تجلیات کبیره، فالمصلّون عندما یقفون فی صفوف منتظمه أمام الباری تبارک وتعالی یجب أن یعلموا مدی عنایه اللّه بهم ورعایته لهم، والسرّ فی أنّ صلاه الجماعه لها ثواب کثیر جدّاً یکمن فی مراعاه هذه الآداب والتوجّه إلی هذه الأسرار الکامنه فی صلاه الجماعه، وعلی هذا الأساس یجب الالتفات جیداً بکیفیّه قیامنا فی الصّلاه ونعلم بآدابها ونلتزم بمراعاه هذه الآداب.

وینقل المرحوم السیّد بن طاووس فی کتابه «فلاح السائل» روایه عن الإمام الصادق علیه السلام تتحدّث عن خصوصیّات الصّلاه التی تنهی عن الفحشاء والمنکر:

«فی صفه الصّلاه التی تنهی عن الفحشاء والمنکر»، والروایه تقول: إنّ أباجعفر المنصور کان یوم الجمعه وقد أخذ بید الإمام الصادق علیه السلام فسأله رجل یدعی رزّام: مَن هذا الشخص الذی أخذت بیده؟ فقیل له: جعفر بن محمّد ابن رسول اللّه صلی الله علیه و آله، فقال ذلک الرجل: «إِنَّی وَللّهِ لَوَدَدتُ مَا عَلِمْتُ أَنَّ خَدَّ أَبِی جَعفَرِ نَعْلٌ لِجَعفَر».

وبهذه المقدّمات یسأل رزّام من الإمام الصادق علیه السلام عن الصّلاه وحدودها:

ص:320

«أَخبِرنِی عَنِ الصَّلاهِ وَحُدُودِها».

فقال له الإمام علیه السلام: «للصَّلاهِ أَربَعَهُ آلافِ حَدٍّ لَسْتَ تُؤاخَذُ بِها»، أی أنّک لا تستطیع العمل بهذه الحدود ولا یمکنک رعایتها، وهذه نقطه مهمّه جدّاً أنّ الإمام الصادق علیه السلام یقول: إنّ للصّلاه أربعه آلاف حدّ، والمراد من الحدّ هنا هو ما یدخل فی تحقّق حقیقه الصّلاه.

فقال رزّام: «أَخْبِرنِی بِمَا لایَحِلُّ تَرکُهُ وَلا تَتُمُّ الصَّلاهُ إِلّا بِهِ»، أیّها الشباب الأعزاء، لتعلموا أنّ بعض الناس فی زمان الأئمّه المعصومین علیهم السلام عندما یحضرون فی مجلس الإمام ما هی الأسئله التی یطرحونها، والیوم للأسف الشدید نجد أنّ أیدینا قاصره عن الوصول إلی ساحه الوجود المقدّس الإمام ولی العصر (عج)، فلا ینبغی أن نغفل عن الأکابر من علمائنا الذین سلکوا فی وادی الفقاهه والمعرفه وفهموا کتاب اللّه وتشخیص الحلال والحرام، ویجب علینا السعی للتواصل وطرح مثل هذه الأسئله علیهم لکی نستطیع من تصحیح أعمالنا، لئلا تنقضی أیّامنا وعمرنا ثمّ نتأسف لماذا لم نلتفت إلی مسأله القیام فی الصّلاه ولماذا لم نراعی آداب القیام؟ لماذا لم نحقّق القیام المطلوب فی محضر الباری تبارک وتعالی فی حال الصّلاه؟

ویسأل رزّام من الإمام الصادق علیه السلام عن تلک الأمور التی یجب مراعاتها فی الصّلاه وبیان زاویه من هذه الحقیقه وحدود الصّلاه التی یجب علی المؤمن الاتیان بها، وقال علیه السلام: «لا تَتُمُّ الصَّلاهُ إِلّا لِذِی طُهرٍ سَابِغٍ»، أی أن یکون علی طهاره کامله، وتشمل جمیع وجوده، وهذا یعنی مجموع الطهاره الظاهریّه والطهاره الباطنیّه، وتستوعب الطهاره جمیع وجوده من أعلی رأسه إلی أخمص قدمه، فالإنسان عندما یقف للصّلاه یجب أن یکون وجوده طاهراً، والمراد من هذه الطهاره لیس الوضوء فقط الذی هو شرط للصّلاه، ثمّ قال علیه السلام: یجب أن یکون المصلّی «تَمامِ البَالغِ»، یعنی أنّها تامّه وجامعه، والبالغ له معانٍ متعدده أحدها

ص:321

بمعنی الوصول والنضج، فالطفل عندما یصل إلی حدّ البلوغ یقال له بالغ، أو الثمره التی تصل إلی حاله النضج یقال ثمره بالغه، وعلی هذا الأساس فإنّ معنی هذه العباره أنّ المصلّی یجب أن یصل إلی مرتبه التمام والکامل، أمّا المعنی الثانی للبالغ هو النافذ، و «أمر بالغ» یعنی نافذ، وهذا یعنی أنّ المصلّی یجب أن یتمتع بالتمامیه النافذه، وفی تقدیری أنّ معنی «النافذ» أولی من «البالغ»، ولابدّ أن تکون العبارات المذکوره تنفذ إلی القلب ولا تقف عند حدود اللسان والکلام فقط.

ثمّ قال علیه السلام: الشرط الثالث لحقیقه الصّلاه هو: «غَیْرِ نَازِعِ» وفی بعض النسخ «غَیْرِ نَازِعِ»، وهو تعبیر جمیل جدّاً، ویعنی أنّه لا یصدر منه أدنی حرکه، وکما ذکرنا مسبقاً فی بعض الروایات أنّ الإمام زین العابدین علیه السلام عندما یقف للصّلاه بین یدی اللّه تعالی فکأنّه جذع شجره فلا یری منه أدنی حرکه إلّاما تحرکه الریح من ثوبه «غیرِ نازِع» یعنی لا تصدر أدنی حرکه منه.

الخصوصیّه الرابعه: «وَلا زَائِغ» بمعنی أنّه لا یصدر منه أدنی انحراف، «زائغ» من ماده «زیغ» وتعنی الانحراف عن طریق الحقّ، وهذه الکلمه تأتی أیضاً بمعنی الانحناء والاعوجاج، یعنی أنّ المصلّی فی حاله الصّلاه یجب أن یقف بشکل ثابت وعمودی ولیس فیه أدنی انحراف واعوجاج، وعلی هذا الأساس فالخصوصیّات التی ذکرها الإمام الصادق علیه السلام فی هذا الحدیث الشریف:

أ) إنّ المصلّی یجب أن یکون بطهاره کامله، ویتحلّی بجمیع أنواع الطهاره.

ب) یجب أن یتمتع بالتام والجامع والنافذ.

ج) لا ینبغی أن تصدر منه أدنی حرکه خارج الصّلاه، فلا یعبث برأسه ووجهه وأعضاء بدنه.

د) یجب أن یکون ثابتاً ومستقیماً ولا یوجد فی بدنه أی انحراف أو انحناء.

ص:322

101- حدود وخصوصیّات الصّلاه فی حدیث الإمام الصادق علیه السلام

وفی سیاق روایه رزّام یشیر الإمام الصادق علیه السلام إلی بعض هذه الحدود الأربعه آلاف ویتحدّث عن تسع خصوصیّات أخر یقول:

1 و 2. «عَرَفَ فَوَقَفَ»، «وَأَخْبَتَ فَثَبَتَ»، فیجب علیه أن یعرف اللّه ثمّ بعد المعرفه یقف للصّلاه بین یدیه فی حاله اخبات وخشوع، ومع وجود حاله الخشوع والتواضع فسوف یحصل علی الثبات فی هذا العمل.

3. «وَهُوَ وَاقِفٌ بَیْنَ الیَأسِ وَالطَّمَعِ وَالصَّبْرِ وَالجَزَعِ»، المصلّی عند یقف للصّلاه بین یدی اللّه فإنّه یشعر من جهه بحاله من الیأس حاکمه علیه، لأنّه ینظر إلی ضعفه وتقصیره ویری أنّ عمله فی مقابل اللّه تعالی لیس جدیراً بتقدیمه وقبوله، ویجب علینا أن نعیش مثل هذه الحاله فی الصّلاه، فعندما تطول صلاتنا إلی عشر دقائق نتصوّر أننا قمنا بعمل عبادی جلیل، یجب علینا أن نشعر بحاله الیأس من اللیاقه ومقبولیّه أعمالنا وعباداتنا، ولکن من جهه أخری یجب أن نستشعر بلطف اللّه

ص:323

وفضله ورحمته ونعیش حاله الرجاء والأمل.

ومن جهه یجب علینا، فی أعمالنا وامتثال تکالیفنا، أن نتحلّی بالصبر والمثابره، ومن جهه أخری نتضرّع إلی الباری تعالی ونستشعر الجزع لما قصّرنا فیه من أعمالنا وعباداتنا لئلا یبعدنا العجب عن محضر الباری تعالی وساحه لطفه وبذلک ترفض أعمالنا القلیله ولا تحظی بالقبول «کَأَنّ الوَعْدُ لَهُ صُنِعَ»، ما أجمل هذا التعبیر وما أبلغه، فالشخص الذی یقف للصّلاه بین یدی الباری تبارک وتعالی علیه أن یعلم أنّ جمیع وعود اللّه تعالی قد تحقّقت بالنسبه إلیه، ویجب أن یکون علی یقین بأنّ الوعود الإلهیّه للمصلّین والمثوبات التی اعدّتْ لهم قد تحقّقت جمیعها، «وِالوَعِیدُ بِه وَقَعَ»، ومن جهه أخری یری نفسه مستحقاً للعقوبات الإلهیّه التی قرّرها الباری تعالی للغافلین والمتساهلین والمتماهلین فی صلواتهم، وهذه الحاله هی حاله عجیبه جدّاً، بأن یری الإنسان نفسه مستحقاً للوعد والثواب الإلهی، وفی ذات الوقت یستحق الوعید والعقوبات الإلهیّه.

4. «بَذَلَ عِرْضُهُ وَتمثِّل غَرَضَهُ»، «عروض» فی اللغه تعنی المال والمتاع والثروه والحیاه أهم رأس مال وثروه یملکها الإنسان وکلما لدیه من مال وثروه یعرضه أمام اللّه تبارک وتعالی.

5. «وَتَمَثَّلَ غَرضُهُ»، أی أنّ غرضه ومقصوده یتمثّل فی هذه المناجاه والدعاء والتوصل مع اللّه تعالی.

6. «وَبَذَلَ فِی اللّهِ المُهْجَهَ»، أی أنّه مستعد للتضحیه فی سبیل اللّه بکلّ وجوده

7. «وَتَنَکَّبَ إِلَیهِ المَحَجَّهُ»، اختار الطریق الإلهی فقط ولم یسلک خطّ الضلاله والانحراف ویجتنب کلّ طریق لا یقوده إلی اللّه.

8. «غَیْرَ مُرْتَعِمِ بِارِتْغَامِ»، فعندما یضع أنفه فی حاله السجود علی التراب لا یجد فی نفسه غضاضه ولا کراهه من ذلک، لا تقول إنّ هذا العمل صعب علی

ص:324

نفسی، فلماذا یجب علیَّ أن أضع جبهتی علی التراب؟ یجب أن یشعر باللذه من هذه الحاله وهذا العمل العبادی.

9. «یَقطَعُ عَلائِقَ الإِهتَمامِ بِعْیَنِ مَنْ قَصَدَ وَإِلَیهِ وَفَدَ وَمِنْهُ استَرفَدَ»، فالمصلّی یقطع أی علاقه ورابطه فی وجوده مع غیر اللّه ویحصر توجهه واتنباهه فی مجال الارتباط مع اللّه تعالی، وهذا الشخص الذی وقف للصّلاه علیه أن یعلم لمن قصد وعلی من یرد ویقف بین یدیه وفی محضره؟ ومن أی أحد طلب الثواب، ومع أی أحد یتحدّث؟

«فَإِذا أَتَیْ بِذَلِکَ کَانَتْ هِی الصَّلاه الَّتِی بِها أَمَرَ وَعَنهَا أَخْبَرَ»، یقول تعالی: «إِنَّ الصَّلاهَ تَنْهی عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْکَرِ...»1.

أیّها الأحبّه، لماذا لا تنهانا صلواتنا عن الفحشاء والمنکر؟ بسبب أنّ هذه الصّلاه لا تملک تلک الخصوصیّات الوارده فی هذا الحدیث الشریف، ولو أنّها کانت تتمتع بهذه الخصوصیّات فلا یمکن لمثل هذه الصّلاه أن لا تکون ناهیه ومانعه من الفحشاء والمنکر، یقول الإمام الصادق علیه السلام: إنّ هذه الصّلاه هی التی تنهی الإنسان عن الفحشاء والمنکر، وفی ذیل هذه الروایه یقول أبوجعفر المنصور العباسی وهو یخاطب الإمام الصادق علیه السلام قائلاً: «یَاأَبَا عَبْدِاللّه لانَزَالُ مِنْ بَحرِکَ نَغْتَرِفُ وَإِلَیکَ نَزْدَلِفُ تُبَصَّ ُ مِنَ العَمی وَتَجْلُو بِنُورِکَ ِ الطَّخْیاءُ، فَنَحنُ نُعُومٌ فِی سُبحَاتِ قُدْسِکَ»، وهکذا ترون أنّ هذا الخلیفه العباسی، الذی قتل الإمام علیه السلام فیما بعد کیف یتحدّث مع الإمام علیه السلام والکلمات البلیغه التی قالها فی حقّ الإمام علیه السلام؟

ص:325

102- علّه خوف وخشیه الأنبیاء والأئمّه علیهم السلام

جاء فی کتاب «عدّه الداعی» روایه: «رُویَّ أَنَّ إِبرَاهِیم علیه السلام کَانَ یُسمَعُ تَأَوُّهُهُ عَلَی حَدِّ مِیلٍ»(1)، إنّ ابراهیم علیه السلام کان فی حال المناجاه والعباده للّه یشتدّ به البکاء والتأوّه بحیث أنّه یسمع من مسافه بعیده «حَتَّی مَدَحَهُ اللّهُ تَعالَی بِقَولِهِ «إِنَّ إِبْراهِیمَ لَحَلِیمٌ أَوّاهٌ مُنِیبٌ»2».

یجب أن نلتفت فی حال القیام فی الصّلاه أنّ هذه الصّلاه لیست فقط لقلقه لسان، بل یجب أن تقترن بحاله الإنابه والتوبه والبکاء، وقد جاء فی سیره الأکابر من العرفاء وحالاتهم أنّهم أحیاناً یغمی علیهم من شدّه البکاء ولا یستطیعون اتمام الصّلاه.

وقد جاء فی الروایه أنّ النبیّ إبراهیم علیه السلام کان یسمع له فی الصّلاه صوت کصوت المرجل فی حال الغلیان: «وَکَانَ فِی صَلاهٍ یُسمَعُ لَهُ أَزِیز کَأَزیزِ المِرجلِ

ص:326


1- (1) . کلّ میل بمقدار أربعه آلاف ذراع وکلّ ذراع سبعین سانت متر، ولذا میل واحد یساوی الألفین وثمنمائه متر.

وَکَذَلِکَ کَانَ یَسمَعُ مِنْ صَدرِ سَیِّدِنا رَسُولِ اللّهِ علیه السلام مِثْلُ ذَلِکَ»، وطبعاً ینبغی الالتفات إلی أنّ المقصود لیست تلک الحاله من البکاء التی تهدم الصّلاه، «وَکَانَتْ فَاطِمَهُ علیها السلام تَنْهَجُ فِی الصَّلاهِ مِنْ خِیفَهِ اللّهِ»(1).

وفی کتابه «آداب الصّلاه»(2) للإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه نری عبارات مهمّه جدّاً، وینبغی أن تقرأه بشکل متکرر، فهذه کلمات إنسان ربّانی قد أتعب نفسه فی تهذیبها ووصل فی سیره وسلوکه المعنوی والإلهی إلی مراتب عالیه، یقول الإمام الخمینی قدس سره: علیک أن تفکّر فی حالات علیّ بن الحسین (زین العابدین علیه السلام) ومناجاته للّه تعالی والأدعیه اللطیفه التی علّم هذا الإمام علیه السلام کیفیه آداب العبودیّه للناس، فأنا لا أقول إنّ مناجاه هذا الإمام الوارده فی کتب الأدعیه هی من أجل تعلیم الناس، وأحد الآراء المذکوره أنّ هذه المناجاه والأدعیه التی صدرت عن أئمّتنا علیهم السلام وما فیه من اظهار التقصیر والذنوب أمام اللّه تعالی هی من أجل تعلیمهم عباده اللّه بأن یعبدوا اللّه بهذه الصوره.

یقول الإمام الخمینی قدس سره: إنّ هذا الکلام باطل ولا أساس له ونابع من جهل البعض بمقام الربّوبیّه ومعارف أهل البیت علیهم السلام، إنّ حاله الخوف والخشیه لدی هؤلاء الأولیاء أکثر وأشدّ من أی شخص آخر، وتلک الحاله من الخوف والخشیه التی کان أمیرالمؤمنین والإمام زین العابدین علیهما السلام وسائر الأئمّه علیهم السلام یعیشونها لا تقبل المقارنه مع خشیه الإنسان العادی أو مع علمائنا، فإنّ عظمه وجلاله الحقّ تعالی فی قلوبهم أکثر وأشدّ تجلیاً من الآخرین، فاللّه تعالی تجلی لهم بما لا نستطیع درکه ولکن یجب علینا أن نتعلم کیفیّه العبودیّه والسلوک إلی اللّه منهم، وعندما یقف الإمام زین العابدین علیه السلام للصّلاه ویعیش هذه الحاله من الخشوع

ص:327


1- (1) مستدرک الوسائل، ج 4، ص 100، عدّه الداعی، ص 151.
2- (2) . انظر: آداب الصّلاه، ص 152.

والخوف من اللّه فنحن یجب علینا علی الأقل أن نتشبه بهم، وعندما یکون حال إبراهیم علیه السلام کذلک یجب أن نکون مثله ولو بمقدار القلیل.

نحن ندعی أننا من شیعه أمیرالمؤمنین علیه السلام فما مقدار اقتراب صلاتنا من صلاه هذا الإمام علیه السلام؟ یجب أن نسأل من أنفسنا ونجیبها وفی الغالب أننا سنشعر بالخجل والندم، فهیا بنا نتحرّک فی بقیه عمرنا والمهله التی أمامنا أن نهتمّ باصلاح هذا الحال واصلاح صلاتنا.

ص:328

103- الإمام زین العابدین علیه السلام قدوه العابدین

ذکرنا أنّ الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه، یقول: یجب علینا أن نقتدی فی عبادتنا وعبودیّتنا، بعباده الإمام علی بن الحسین زین العابدین علیه السلام، فهذا الوجود وهذا الإمام المبارک یعدّ من أکبر النعم التی منّ اللّه تعالی علی عباده من أجل إفهامنا طریقه العبودیّه والسلوک إلی مقام القرب والقدس الإلهی، فعباده الإمام زین العابدین علیه السلام وأدعیته وصلاته کلّها منّه من اللّه تعالی علی سائر الخلق حتّی یکون نموذجاً وقدوه واُسوه فی کیفیه العباده والتضرّع والوصول إلی اللّه، والمقصود من النعیم فی الآیه الشریفه: «ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ یَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِیمِ»1 ، هی نعمه الولایه التی یسأل عنها المرء یوم القیامه.

فإذا سئلنا فی ذلک الیوم: لماذا لم تعرف هذه النعمه ولم تنتفع بتعلیمات وتوصیات هذا الإمام؟ لماذا لم تکن أدعیتکم وصلواتکم مثل دعاء الإمام زین العابدین علیه السلام وصلاته؟ فنحن لا نملک الجواب أمام اللّه تعالی، ثمّ یقول الإمام

ص:329

الراحل قدس سره: «أیّها العزیز! الآن وأنت تملک المهله والفرصه ورأس مال العمر والطریق مفتوح أمامک للسلوک إلی اللّه، فالآن وأنت تملک الوقت ورأس المال والطریق مفتوح وأبواب رحمه اللّه مفتوحه أمامک وتملک السلامه وقوه الأعضاء والجوارح وتعیش فی دار الزرع وعالم الملک، فعلیک باستثمار هذه الفرصه»، ما أروع هذه الکلمات والتعبیرات البلاغیه العمیقه، فنحن الآن نعیش فی عالم الزراعه وغداً یکون الحصاد، ولا یوجد فی باب المعنویّات فصل خاصّ للزراعه.

إنّ عالم الدنیا هو دار الزرع دوماً، ففی کلّ لحظه، سواءً فی اللیل أو فی النهار، یجب علی الإنسان أن یتحرّک للزراعه وتقدیم أعماله الصالحه للعالم الآخر، یقول: «الآن وأنت تتوفرّ لدیک جمیع العوامل وتواجه القلیل من الموانع فی العباده والطاعه والمشاکل الدنیویّه وبالتالی فإنّ التلوّث بالذنوب أقل والحجب علی قلبک قلیله».

وبالنسبه للأشخاص الذین یملکون بحمد اللّه إمکانیه السیر والسلوک المعنوی، فیجب علیهم أن یشحذوا الهمّه والعزم ویدرکوا قدر هذه النعمه الإلهیّه وینتفعوا بها ویتحرّکوا فی طریق تحصیل الکمالات الروحانیّه والسعاده الأبدیّه.

وفی هذا المقطع یذکر الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه، نقطه مهمّه جدّاً ویقول: إنّ کلّ هذه المعارف الوارده فی القرآن الکریم وروایات أهل البیت علیهم السلام وما جاءوا به لهذه الطبیعه الظلمانیّه فی الأرض وأناروا العالم بأنوارهم الملکوتیّه، فلماذا لا نستفید نحن منها؟

ویقول قدس سره: یجب علیک استغلال الفرصه والسعی لتنویر أرض طبیعتک المظلمه بالنور الإلهی، وهکذا تنوّر نفوسنا وعیوننا وآذاننا ولساننا وقوانا الظاهریّه والباطنیّه بنور اللّه، هذه الأرض الظلمانیّه یجب أن تتبدل بأرض نورانیّه وسماویّه

ص:330

وعقلانیّه، کما ورد فی القرآن الکریم: «یَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَیْرَ الْأَرْضِ...»1 ، و «وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها...»2 ، یقول قدس سره: طبقاً للآیه الاُولی فکلّ إنسان یجب علیه أن یستبدل وجوده وأرضه المظلمه بنور اللّه ویجعلها أرضاً نورانیّاً، فإذا عمل الإنسان فی الدنیا هذا العمل فإنّه سوف لا یواجه الظلمات والصعوبات والمصائب والعذاب والذله یوم القیامه وسیکون یوم القیامه بالنسبه إلیه یوم جلیل وسعید جدّاً، وأمّا الأشخاص الذین عاشوا فی عالم الدنیا حاله الظلمه وکانت أرضهم مظلمه فإنّهم سیزدادون یوماً بعد آخر من الظلمه وستکون قیامتهم صعبه جدّاً(1).

ص:331


1- (3) انظر: آداب الصّلاه، ص 152.

104- الغرض الإلهی من فرض الصّلاه علی العباد؟ العبادات، تجسید التوحید فی ملک البدن

تبیّنت فی بحث أسرار الصّلاه هذه النقطه، وهی أنّ العبادات الظاهریّه لها حقیقه خاصّه، والغرض من أداء هذه الظواهر العبادیّه هو الوصول إلی تلک الأسرار والحقائق، وبدون رعایه هذه الظواهر لا یمکن التوصل إلی تلک الحقائق، والکثیر من الأشخاص یسألون: ما هو غرض اللّه تبارک وتعالی من الصّلاه؟ والسبب فی هذا السؤال هو أننا قصرنا فکرنا ودرکنا علی هذه الظواهر وأنّ کلّ ما فی الصّلاه والعباده هو هذا الظاهر، أی هذا القیام والقعود والأذکار الظاهریّه، ومع هذا الحال قد یطرح هذا السؤال وهو: ما هو غرض اللّه من هذه العباده وماذا یستفید اللّه من هذا الظاهر، وکذلک ما فائده هذه العباده للإنسان؟

ولکن لو علمنا أنّ هذا الظاهر هو طریق لفتح أبواب الحقائق والمعارف أمامنا التی لا سبیل لنا لفهم تلک الحقائق بغیر هذا الطریق، فالصّلاه لها حقائق ومعارف لا یمکن الوصول إلیها إلّابهذا الظاهر والأعمال، وعلی رأس هذه المعارف مسأله

ص:332

التوحید، فمن أجل أن یتمکن الإنسان الاقتراب إلی حقیقه التوحید بمقدار ممکن فالطریق الوحید أمامه هو الصّلاه، وکلّ شخص یوفّق أکثر لأداء الصّلاه فإنّه سیتقرب أکثر من مقام التوحید، وینقل الإمام الراحل رضوان اللّه علیه فی کتابه «آداب الصّلاه» عن استاذه فی العرفان المرحوم الشیخ الحاج محمّد علی شاه آبادی رضوان اللّه تعالی علیه، إنّ العبادات فی حقیقتها تجسید وترسیخ للتوحید فی ملک البدن وفی باطن القلب، فالإنسان عند إتیانه بالعباده یرید أن یحقّق التوحید فی جمیع عالم ملکه ووجوده، وبدون هذه العباده والصّلاه لا یتحقّق التوحید فی وجود الإنسان.

والنقطه التی یؤکد علیها الإمام الخمینی قدّس سرّه فی هذا المورد(1) هی: أنّ مقصد ومقصود الباری تعالی من أرسال الأنبیاء والقرآن والأحکام والشرائع والکتب السماویه هو نشر التوحید والمعارف الإلهیّه، فجمیع هؤلاء جاءوا لإیصال الإنسان إلی مرتبه التوحید وتخلیصه من أجواء الکفر والشرک وتطهیر باطنه من شوائب الانحراف والضلاله، ثمّ یقول: من الخطأ أن نقول إنّ جمیع هذه البرامج السماویّه أعم من إرسال الأنبیاء والکتب، وبیان الشرائع، والأحکام، والدساتیر والمقررات، من أجل أنّ الإنسان یدخل الجنّه المادیّه ویتنعم بنعمیها بعد هذا العالم، بل إنّ هذه الاُمور مقدّمه لإیصال الإنسان إلی مقامات أعلی وأسمی ولفتح أبواب المعرفه الواسعه أمامه، فلو أنّ الإنسان وصل فی عباداته إلی هذه المرتبه فإنّه لا یکتفی بالظاهر، وأساساً فإنّه یتجاوز هذه الظواهر ویعبرها ویوصل نفسه إلی الباطن والحقیقه، یجب علینا الالتفات إلی أنّ بسط هذه الأمور وإنزالها من بساط الرحمه الإلهیّه وانزال الکتب والملائکه وإرسال الأنبیاء لیس هو من أجل تحقّق بعض الأمور الظاهریّه والتافهه کالأکل والشرب

ص:333


1- (1) . انظر: آداب الصّلاه، ص 153.

والمشی تحت ظلال الأشجار فی الجنّه، إنّ غایه المعارف هی أنّ الإنسان مع إتیانه بهذه العباده والامتناع عن الذنوب والمعاصی سیصل إن شاء اللّه إلی مقامات عالیه جدّاً من العلم والمعرفه والنورانیّه فی الآخره، وهذه نقطه مهمّه جدّاً یجب علینا الالتفات إلیها.

ویقول الإمام الخمینی رحمه الله: إنّ أمثالنا من الذین لم یتجاوزوا حدّ الحیوانیّه لا یفکرون سوی بالجنّه الجسمانیّه وإشباع البطن والفرج، ولکن ینبغی أن نتصوّر بأنّ السعاده منحصره بهذه الأمور وأنّ جنّه الخلد محصوره بهذه الجنّه الحیوانیّه بل إنّ للحقّ تعالی عوالم لا تخطر علی بال بشر ولا تراها عین ولم تسمعها اذن، ولذلک فإنّ أهل المحبّه والمعرفه لا یهتمّون بمثل هذه الجنّه المادیّه والحیوانیّه، بل یهدفون إلی جنّه اللقاء وجنّه الحضور.

وهکذا ترون إلی أی درجه ومرتبه توصل الصّلاه الإنسان فی سیره المعنوی؟ فهذه الصّلاه إذا اقترنت برعایه آدابها وخصوصیّاتها فإنّ غایتها التوحید والوصول بالإنسان إلی مقامات أسمی وأعلی من هذه الجنّه الظاهریّه، ونسأل اللّه تعالی أن یرزقنا هذه النعمه إن شاء اللّه.

ص:334

الفصل الخامس: أسرار النیّه

اشاره

ص:335

ص:336

105- النیّه هی العزم علی أداء الفعل

بعد بیان أسرار القیام، یأتی الدور إلی بیان موضوع النیّه فی الصّلاه، فثمّه عدّه أمور یجب بیانها فی مسأله النیّه، وأوّلها: ما هی حقیقه النیّه؟ إنّ حقیقه النیّه عباره عن العزم علی أداء فعل معیّن، فمجرّد أن یقصد الإنسان الإتیان بعمل معیّن تتحقّق النیّه، ولذلک فإنّ حقیقه النیّه لا تتوقف علی التلفظ، بحیث إنّه لو لم یتلفظ بالنیّه بلسانه فإنّ النیّه لا تتحقّق، إنّ حقیقه النیّه هی ما تقدّم من وجود عزم فی نفس الإنسان علی القیام بفعل معیّن، مثلاً عندما یقرّر الإنسان أن یمشی خطوات، فإنّ نیّه المشی تتحقّق حنیئذٍ، ولو أنّه قرّر أن یجلس فإنّه نوی الجلوس.

وعلی هذا الأساس فلا یخلو أی فعل اختیاری من النیّه، ولا یمکن أن یصدر أی فعل وعمل بدون النیّه، والنتیجه عندما یرید الإنسان القیام بالصّلاه فهذه هی النیّه للصّلاه بمجرّد أن یقرّر الإنسان القیام لعباده اللّه فإنّ هذه هی النیّه، فلا ینبغی أن نبتلی بالوسوسه فی هذه المسأله، وللأسف فإنّ بعض الجهّال والأشخاص الذین یعیشون حاله التقدّس، فإنّهم یبتلون بهذه الحیله الشیطانیّه وخاصّه فی

ص:337

العبادات وبالأخص فی الصّلاه، فالشیطان ومن أجل التصدی لإیمان الإنسان یتبع حیل متعدده ومختلفه، فتاره یزرع الیأس فی الإنسان ویجعله یترک أصل العمل العبادی، ولو أنّ هذه الحیله لم تؤثر فی البعض فی المرحله الاُولی، فإنّه فی المرحله الثانیه یورطه بمسأله الریاء والعجب والغرور.

فی المرحله الثالثه، یتحرّک الشیطان لالقاء الشک والتردید والوسوسه، بأن یقول له هل أتیت بالنیّه أم لا؟ وهل أنّ نیّتک صحیحه أم لا؟ وهل قصدت القربه أم لا؟ وعلی هذا الأساس فإنّ مرادنا من النیّه هو قصد أداء الصّلاه والعزم علی الاتیان بالصّلاه، فالشخص الذی یقوم ویرید أن یکبّر للصّلاه فإنّه قصد الاتیان بالصّلاه، ولا ینبغی أن یبتلی بالوسوسه «أننی نویت للصّلاه أم لا»، وللأسف نری أحیاناً أنّ البعض یقولون «اللّه أکبر» ثمّ یقطعون الصّلاه بحجّه أنّه لم ینو نیّه صحیحه، فهذه الوساوس، کما ورد فی الروایات الشریفه، هو عمل شیطانی.

فی الروایه عن الإمام الصادق علیه السلام: «لا تُعَودِّوا الخَبیثَ مِنْ أَنْفُسِکُم بِنَقضِ الصَّلاهِ فَتُطمِعُوه»، فکلّ مرّه تقطع الصّلاه فإنّ طمع الشیطان سیزداد «فَإِنَّ الشَّیطَانَ خَبِیثٌ یَعتَادُ لِما عُوِّدَ»، فعندما تتعوّد أن تقطع صلاتک بسبب مسأله النیّه، فإنّ الشیطان سیعود إلیک مرّه ثانیه لتقطع الصّلاه أیضاً.

«إِنَّما یُریدُ الخَبِیثُ أَنْ یُطاعَ فإِذا عُصِی لَمْ یَعُد إِلی أَحَدِکُم»، ولذلک عندما لا تلتفت إلیه ولا یطیعه فی وساوسه سیشعر بالیأس ویترکک، ولکن إذا شککتَ فی الصّلاه هل نویت للصّلاه أم لا؟ فإذا لم تهتمّ لذلک وتستمر بصلاتک فإنّ الشیطان سوف یترکک وتخلص من التورط بالشک والوسوسه، وأمّا لو التفت إلی وسوسته وأطعته فیما یقول وقطعت صلاتک فإنّ الشیطان سیعود مرّه أخری فی صلاتک الثانیه، أو یبقی معک فی هذه الصّلاه ویعمل علی بث الشک والتردد فی نفسک، وأحیاناً یستغرق المصلّی ساعه کامله لینهی تکبیره واحده، ویقول دائماً إننی لم

ص:338

أنوی للصّلاه بشکل صحیح، لماذا نصرف عمرنا الغالی فی تحصیل هذه الأمور الظاهریّه ونتلف عمرنا باطاعه الشیطان ونفسح له المجال للتصرف فی نفوسنا وأفکارنا والحال أننا یجب أن نهتمّ للحصول علی الحقائق والمعنویات؟

إذن لا ینبغی لنا فی مسأله النیّه أن نطیع ونتبع هذه الوساوس، وکلّ عمل اختیاری لابدّ وأن یکون مقترناً بالنیّه، ولا یجب أن تکون النیّه بالتلفظ، فبمجرّد أن تقوم للصّلاه فهذا یعنی أنّک نویت للصّلاه والاتیان بها بهذا العمل، وهذا المقدار من النیّه یکفی للصّلاه، ونری فی کلمات الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه التأکید علی هذه النقطه، وهی أنّ الوسواس بالنیّه أعجب وأغرب من جمیع الوساوس، فلو أنّ الإنسان لم یلتفت وأصغی إلی کلام الشیطان فسوف یجرّه إلی عواقب وخیمه، فأنتم ترون أنّ الشخص إذا أراد أن یقوم بعمل اختیاری بدون نیّه فهذا غیر ممکن عقلاً ولو جمع کلّ قواه فی طیله عمره أن یأتی بعمل بدون نیّه لا یستطیع لذلک سبیلاً، ولکن تری شخصاً مریضاً وضعیف العقل ینتظر قبل کلّ صلاه مدّه مدیده لکی یأتی بالنیّه لصلاته، وهذا الشخص مثل ما لو فکّر الإنسان لمدّه فی کیفیّه النیّه عندما یتناول طعام الغذاء أو عندما یتوجّه إلی السوق، وهذا المسکین الذی ینبغی أن تکون صلاته معراج القرب ومفتاح السعاده له ویهتمّ بالتأدّب بالآداب القلبیّه ویطلع علی أسرار هذه اللطیفه الإلهیّه ویعمل علی تکوین ذاته وتأمین حیاته، فهو یغفل عن جمیع هذه الأمور، بل لیس فقط الاهتمام بهذه الأمور، بل أنّه یراها باطله جمیعاً، یعنی أنّه لا یتوجّه أبداً لهذه الأسرار والحقائق ویصرف رأس ماله العظیم فی خدمه الشیطان واطاعه الوسواس الخنّاس ویجعل من عقله، وهو النعمه الإلهیّه ونور الهدایه، محکوماً بحکم إبلیس(1).

ص:339


1- (1) انظر: آداب الصّلاه، ص 157-158.

وهکذا ترون کیف أنّ الوسواس مذموم وخاصّه الوساوس بالنیّه، لأنّه یحجب الإنسان من أصل العمل والعباده ویبعده عن حقیقه هذه العباده، فإذا شعر الإنسان بأدنی الوسواس فی نفسه وذهنه، فیجب علیه أن یفکّر فی التخلص منه حتماً ومهما بذل من تعب وریاضه نفسیّه، ولا یتصوّر مثل هذا الاحتیاط فی العمل أنّه من التدین، فالشخص الذی یقطع صلاته مرّات عدیده بحجّه أنّه لم ینو للصّلاه، فإنّه مطیع للشیطان ولا یتصوّر أنّ ذلک من التدین والتقدس وأنّه سیحظی بثواب أکثر من اللّه.

ص:340

106- الإخلاص وقصد القربه

إحدی النقاط التی تطرح فی مورد النیّه، أنّ المصلّی یجب أن یأتی بصلاته وعمله العبادی بإخلاص وقربه إلی اللّه تعالی، یعنی أنّه یقصد عمله هذا التقرّب إلی اللّه تبارک وتعالی.

وبعباره أخری أنّه یصلّی بإخلاص کامل للّه تعالی، وطبعاً تعلمون قصد القربه تختلف عن مسأله النیّه فی أصل الصّلاه، فلو أنّه کان ینوی مع نیّه الصّلاه غیر قصد التقرّب إلی اللّه فإنّ هذه الصّلاه باطله، وبالنسبه للإخلاص فهنا مسائل بحاجه إلی التأمل فیها والدقّه، ماذا یعنی الإخلاص؟ وماذا یعنی التقرّب إلی اللّه؟ وما هی مراتب الإخلاص للّه تعالی؟ ذکر أولیاء اللّه والعرفاء الکبار وعلی رأسهم الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه ثمان مراتب للإخلاص، وبعد أن نعلم بمراتب الإخلاص تأتی النوبه إلی تحقّق هذه المراتب العالیه فی أعمالنا وعباداتنا وبخاصه مرتبه کمال الآخلاص.

إنّ حقیقه الإخلاص عباره عن أداء العمل بعیداً عن أی شائبه وهدف باعث

ص:341

غیر امتثال أمر اللّه تعالی وبأن یأتی الإنسان بهذا العمل للّه تعالی فقط لا بقصد الریاء والتظاهر أمام الآخرین، وأن یرونه یصلّی صلاته فی أوّل الوقت ولکسب رضاهم والفات نظر المخلوقین، بل لا یکون قصده بدافع العجب والغرور، فلا ینبغی أن یصلّی المؤمن صلاته ویقول لنفسه أننی اصلی أوّل الوقت أو اصلی جماعه ویحدّث نفسه من موقع العجب والرضا عن نفسه، فهذه الأمور تتنافی مع الإخلاص، ومعنی الإخلاص هو أنّ المصلّی لا یفکّر بشیء غیر اللّه تعالی.

یقول القرآن الکریم: «أَلا لِلّهِ الدِّینُ الْخالِصُ...»1 ، ونستوحی من هذه الآیه الشریفه أنّ الدین الخالص هو ما یکون للّه تعالی، أی الدین الذی لا یکون فیه شائبه غیر اللهی، الدین الذی تکون ماهیّته وخصوصیّاته من البدایه إلی النهایه جمیعاً للّه، الدین الذی لا یوجد فیه شائبه شیطانیّه وغیر إلهیّه، ویستفاد من هذه الآیه الشریفه أنّ اللّه تبارک وتعالی لا یقبل إلّاما کان خالصاً له ویقصد به وجهه فقط، فالدین الخالص والقلب السلیم، هو القلب الخالص: «یَوْمَ لا یَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ * إِلاّ مَنْ أَتَی اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِیمٍ»2 ، وقد ورد فی بعض الروایات أنّ القلب السلیم یعنی القلب الذی لا یوجد فیه شیء غیر اللّه تعالی، فإذا أردنا أن نصلّی وتکون صلاتنا مقبوله ونافعه لنا فی عالم الدنیا والآخره، فیجب أن تکون مقرونه بالإخلاص ولا توجد فیها أی شائبه غیر اللّه تعالی.

ویستفاد من الآیه الشریفه: «أَلا لِلّهِ الدِّینُ الْخالِصُ...» ، الدین الصحیح هو الدین الخالص، فلو لم یکن الدین خالصاً وکانت فیه أذکار وأهداف غیر إلهیّه فمثل هذا الدنیا لا یتعلّق باللّه تعالی ولا یکون مقبولاً عنده.

ص:342

107- الإخلاص، أن یکون العمل قابلاً للعرض علی اللّه

یستفاد من آیات القرآن الکریم فیما یتّصل بحقیقه الإخلاص أنّ اللّه تبارک وتعالی یقبل الدین الخالص، وأساساً إذا لم یکن العمل خالصاً للّه فإنّه غیر قابل للعرض بین یدی اللّه تبارک وتعالی، لا نقول إنّ اللّه لا یتقبّل هذا العمل، لأنّ مثل هذا العمل أساساً غیر قابل للعرض بمحضر الباری تبارک وتعالی.

والإنسان المصلّی أو أی شخص أدّی عباده معیّنه یجب أن یلتفت أنّه لو لم یکن عمله خالصاً للّه فإن هذا العمل من شأنه أن یتبدل إلی ظلمه وبالتالی لا یمکن عرضه علی الباری تبارک وتعالی الذی هو نور.

یقول القرآن الکریم: إنّ الدین الخالص للّه، یعنی إذا کان الدین یحتوی علی أفکار نفسانیّه وشیطانیّه وغیر إلهیّه فإنّه لا یحقق ارتباطاً مع اللّه تبارک وتعالی، والعمل الخالص یکون هذه الصوره، وبعباره أخری، إذا لم یتمتع الشخص بالإخلاص فی صلاته فلا یستطیع القول بأنّنی صلّیت، لأنّ عمله لا یتّصف بعنوان الصّلاه لیمکن عرضه علی اللّه تبارک وتعالی، یقول القرآن الکریم فی الآیه 5 من

ص:343

سوره البیّنه: «وَ ما أُمِرُوا إِلاّ لِیَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِینَ لَهُ الدِّینَ» ، فقد أراد اللّه تبارک وتعالی من الیهود والنصاری أن یترکوا الشرک ویعبدوا اللّه فقط، فلا موجود آخر یستحق العباده سوی اللّه تعالی، ولذلک یجب أن تنطلق العباده من موقع الإخلاص، وهذا الأمر لا یختصّ بأهل الکتاب، فإنّ اللّه تبارک وتعالی طلب من جمیع البشر عبادته بإخلاص.

ونقرأ فی سوره الشوری الآیه 20 قوله تعالی: «... وَ مَنْ کانَ یُرِیدُ حَرْثَ الدُّنْیا نُؤْتِهِ مِنْها وَ ما لَهُ فِی الْآخِرَهِ مِنْ نَصِیبٍ...».

وجاء فی الحدیث الشریف عن النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله أنّه قال: «لِکُلِّ امرءٍ مَا نَوی»(1).

«وَمَنْ کَانَ هِجرَتُهُ إِلی اللّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجرَتُهُ إِلی اللّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ کَانَ هِجرَتُهُ إِلی الدُّنیا یُصِیبها أَو امْرَأَهٍ یُنکِحُها فَهِجرَتُهُ إِلی مَا هاجَرَ إِلیهِ»، کالمجاهد الذی یبتغی من جهاده الدنیا والسلطه وتحقیق المیول النفسانیّه، فمثل هذا الشخص لا یکون عمله وجهاده مقبولاً عند اللّه.

وهذا الحدیث الشریف یتضمّن معانی واضحه جدّاً، فالصّلاه تعتبر أحد مصادیق الهجره إلی اللّه وإلی رسوله، فالصّلاه هی حرکه نحو اللّه وورودها إلی محضر القدس الإلهی، فهل نحن واقعاً نفهم هذا المعنی حین صلاتنا أو قبل الصّلاه؟ وأننا نرید بهذا العمل الهجره إلی اللّه تعالی؟ هل نستطیع أن نقول لأنفسنا بعد الصّلاه نحن هاجرنا إلی للّه؟ هل کنّا نعیش حاله الإخلاص فی صلاتنا؟ ومعنی الإخلاص هو أنّ عملنا یمثّل هجره وحرکه نحو اللّه تعالی، أمّا لو کان عملنا بدوافع غیر إلهیّه فإنّه خارج عن دائره الإخلاص، فلو أنّ الإنسان تأمّل فی هذا الحدیث الشریف فسوف یستوحی منه نقاط أخری، والصّلاه هی أحد المصادیق العلمیّه للهجره الواقعیّه، تلک الهجره التی یقبلها اللّه تعالی ویبارکها،

ص:344


1- (1) مستدر الوسائل، أبواب مقدّمه عبادات، الباب 5، ح 5.

وقد ورد فی بعض الآیات القرآنیّه الإشاره إلی هذه المسأله مثل: «وَ مَنْ یَخْرُجْ مِنْ بَیْتِهِ مُهاجِراً إِلَی اللّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ یُدْرِکْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَی اللّهِ...»1 ، فالصّلاه عباره عن هجره وحرکه نحو اللّه، ومن لم تکن حرکته نحو اللّه فلا تسمی هجره، ولا توجد فیها حقیقه الهجره، والإخلاص فی الصّلاه هو أن نکون مهاجرین إلی اللّه ونعیش أجواء الهجره إلی اللّه فی صلاتنا إن شاء اللّه.

ص:345

108- الإخلاص، مصداق الهجره نحو الحقّ

یقول تعالی فی الآیه الشریفه: «وَ مَنْ یَخْرُجْ مِنْ بَیْتِهِ مُهاجِراً إِلَی اللّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ یُدْرِکْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَی اللّهِ...»1 ، فلو أنّه مات فی هذا الطریق فإنّه سیحصل علی أجره وثوابه من اللّه (کنایه عن کثره هذا الأجر والثواب) والمقصود هنا لیس الهجره الظاهریّه فقط التی ینتقل بها الإنسان من مکان إلی آخر ببدنه، فلو أنّ شخصاً ترک محلّ سکانه أو محلّ عمله بسبب وجود حالات الفسق والفجور، فترکه للسکنی فی محلّ آخر یعیش فیه أهل الإیمان والعباده، فهذه هجره ظاهریّه، أمّا الهجره بالمعنی الدقیق لها أوالهجره الباطنیّه «وَ مَنْ یَخْرُجْ مِنْ بَیْتِهِ...» ، فالمقصود من هذا البیت لیس هو بیت سکناه ومحلّته المکانیّه الظاهریّه، بل المقصود من هذا البیت هو بیت النفس، فالشخص الذی یترک أهواءه النفسانیّه وتمنیاته الشیطانیّه ونوازعه الذاتیّه ویهاجر إلی اللّه ورسوله بأن یترک تلک الآمال والأهواء النفسانیّه یتحرّک فی خطّ الطاعه وامتثال ما یریده اللّه منه، فهنا تکون

ص:346

حرکته نحو الباری تعالی ویکون سفره هذا سفراً باطنیّاً، فالهجره بالمعنی الأوّل هی السفر الظاهری، ولکن طبقاً لهذا المعنی الثانی فهی هجره معنویّه ومبدأ هذا السفر والهجره هو بیت القلب والنفس وترک المیول النفسانیّه والآمال والأهواء والأنانیّه وتکون غایته وهدفه الوصول إلی حضره الحقّ تبارک وتعالی.

إذا هاجر الإنسان من بیت نفسه وترک نفسه جانباً، وعلی حدّ التعبیر الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه وحشره مع أجداه الطاهرین فی کتابه «آداب الصّلاه»(1) ، إنّ الإنسان فی هذه الهجره الباطنیّه یترک «إِنیَّتَهُ ومنیّته» وأساساً لا یعرف شیئاً یدعی بالأنا والنفس، حتّی فیما یتّصل بحرکته المعنویّه إلی اللّه تعالی، لا یقول إننی قریب الوصول إلی مقامات معنویّه، فهذه الأنانیّه لا ینبغی أن تکون فی مسیره الإنسان السالک فی خطّ المعنویّه، والشخص الذی یرید أن یکون ذائباً فی اللّه تبارک وتعالی فلا ینبغی أن تکون فیه حاله الأنا ولا یعتبر لها قیمه، لأنّ هذه الأنا هی التی تجعل الإنسان فی قفص المیول والأهواء النفسانیّه، وهذه الأنانیّه تتسبّب فی أنّ هذا الشخص سوف یغادر نفسه فی هذا السفر لیعود إلی نفسه مرّه أخری لا إلی اللّه تعالی، وکأنّه ینتقل فی حرکته من زاویه إلی زاویه أخری فی بیت نفسه ویسافر فی باطن نفسه من جهه إلی أخری، فهذا الشخص لیس مسافراً إلی اللّه، فمعنی المسافر إلی اللّه والإخلاص فی هذا السفر للّه تعالی هو أن یترک الإنسان جمیع أموره الدنیویّه وهذه الجهات النفسانیّه.

وعلی هذا الأساس فالإخلاص إنّما یتحقّق فیما لو کانت الهجره إلی اللّه واقعاً، وأن یقوم الشخص بعمل یقصد به وجه اللّه بعیداً عن أی شائبه من شوائب الأنانیّه والدوافع غیر الإلهیّه.

ص:347


1- (1) . انظر، آداب الصّلاه، ص 162،

109- الإخلاص، مانع من تسلط الشیطان

«قالَ فَبِعِزَّتِکَ لَأُغْوِیَنَّهُمْ أَجْمَعِینَ * إِلاّ عِبادَکَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِینَ» (1)

یجب علی المصلّی الإخلاص فی نیّته وأن یصلّی للّه فقط، وهذا الإخلاص من شأنه أن یقطع ید الشیطان عنه ولا یطمع فیه وفی عبادته، ولو أحاطت بالمصلّی الوساوس الشیطانیّه والأفکار غیر الإلهیّه، والتصوّرات المادیّه والدنیویّه فی صلاته، فهذا یعنی أنّه یفتقد إلی الإخلاص فی نیّته، ومن أجل تحصیل حاله الإخلاص واقعاً وبالتالی نقطع طمع الشیطان فینا، لأنّه أقسم أن یغوی جمیع الناس: «قالَ فَبِعِزَّتِکَ لَأُغْوِیَنَّهُمْ أَجْمَعِینَ» ، والعزّه مظهر قدره اللّه تعالی، وهذا القسم لغرض إظهار قدره الشیطان نفسه بحیث یحلف بعزّه اللّه تعالی، ممّا یوحی للناس بأنّنی أستطیع أن أغوی جمیع عبادک إلّاالمخلصین منهم.

وقد وردت عدّه تأکیدات فی هذه الآیه الشریفه لغرض إیقاظ الإنسان إلی هذه الحقیقه، فالقسم، والفعل المضارع المقترن باللام، ونون التأکید، وکلمه

ص:348


1- (1) سوره ص، الآیه 82 و 83.

أجمعین، کلها تدلّ علی التأکید، یعنی أنّ الشیطان لا یترکنا لحظه واحده فی سبیل العمل علی إضلالنا ویسعی دوماً فی الوسوسه للإنسان لیل نهار، وفی أیّام الشباب والشیخوخه وفی جمیع الحالات، فالإضلال هو عمل الشیطان، ولکن نفس هذا الشیطان ذکر استثناء لقسمه وعمله «إِلاّ عِبادَکَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِینَ» ، أی أننی أستطیع إغواء جمیع الناس إلّافئه واحده منهم فإنّنی لا أستطیع إغوائهم ولا أتمکن من اصطیادهم فی شباکی وهم عبادک المخلصون، فلو أنّ الإنسان فی هذه الصلوات الیومیّه حقق حاله الإخلاص واقعاً فی نفسه وصار من عباد اللّه المخلِصین والمخلَصین فإنّ الشیطان سیبتعد عنه وییأس من إغوائه ولا یستطیع إضلاله.

إنّ الإخلاص فی الصّلاه إلی هذه الدرجه من الأهمیّه والتأثیر ویجب علینا أن نستمد العون من اللّه تعالی لیهبنا الإخلاص فی النیّه لتکون أعمال وعبادتنا بقصد القربّه الکامله.

ص:349

110- آثار الإخلاص

قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله: «مَا أَخْلَصَ عَبْدُ للّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَربَعِینَ صَباحاً إِلّا جَرَتْ یَنابِیعُ الحِکْمَهِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَی لِسانِهِ»(1)

النقطه المهمّه، والتی وردت التأکید علیها کثیراً فی الروایات، أنّ الصّلاه وجمیع العبادات یجب أن تقترن بالإخلاص، وأوّل أثر لهذا الإخلاص إیجاد القابلیّه فی العمل لیکون جدیراً بالعرض علی الباری تعالی، والعمل بدون إخلاص لا یساوی شیئاً ولا قیمه له وکالعدم، وبالتالی لیست له القابلیّه والجداره علی تقدیمه فی محضر اللّه تعالی.

والأثر الثانی للإخلاص، أنّ الشیطان سوف ییأس من إغواء هذا الإنسان ویترکه ویبتعد عنه.

والأثر الثالث، إذا التفت إلیه المصلّی واقعاً وطبقه فی کلّ عباده، أنّ الإخلاص لیس فقط یؤثر فی ذلک العمل نفسه، فلیس الإخلاص أن یجعل من هذا العمل

ص:350


1- (1) بحار الأنوار، طبعه بیروت، ج 67، ص 242.

قابلاً للعرض علی اللّه تبارک وتعالی وینتهی کلّ شیء، کلّا... إنّ هذا الإخلاص یؤدّی إلی أن تظهر آثار هذا العمل علی نفس المصلّی وسلوکیاته وأعماله الأخری، فمضافاً إلی آثار الإخلاص علی هذه الصّلاه، فإنّه یؤدّی إلی تأثیرات إیجابیّه أخری فی حیاه المؤمن، فمن هذه الجهه من الضروری أن یعلم المصلّی ماذا یترتّب علی قصد القربه والإخلاص من آثار وبرکات.

وأحد هذه الآثار والبرکات ما ورد فی الروایه المعروفه: «مَنْ أَخلصَ للّهِ أَربَعِینَ صَباحاً جَرَتْ یَنابِیعُ الحِکْمَهِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَی لِسانِهِ»(1)، فلو أنّ الإنسان سلک فی أعماله وحرکاته وسکناته من موقع الإخلاص للّه لمدّه أربعین یوماً، یعنی أن یکون طیله هذه المدّه مخلصاً للّه تعالی فی نومه ویقظته وفی سماعه وفی کلامه وفی عمله وکتابته، وفی عباداته وفی نظراته وکلّ عمل یصدر منه یکون للّه تعالی حتّی الإشاره التی تصدر منه أو المعامله التی یعقدها مع الآخرین، وکذلک عندما یتکلّم مع أبنائه وعندما یتناول طعامه، کلّ ذلک یکون للّه تعالی، فحسب هذه الروایه الشریفه فإنّ ینابع الحکمه ستنفجر من قلبه وتجری الحکمه علی لسانه.

وهذه الروایه تتضمّن مسائل مهمّه جدّاً ونقاط عمیقه جدّاً، وتلاحظون ما هی ینابع الحکمه وکیف تنطلق من قلب الإنسان وتجری علی لسانه؟ وهذه المسأله تستدعی بحثاً مستقلاً ومنفصلاً عن بحث أسرار الصّلاه.

ولکن النقطه التی نستوحیها من هذا الحدیث الشریف أنّ المصلّی یجب أن یعلم أنّه لو حقّق الإخلاص فی صلاته فسوف تترتّب علیه آثار وثمرات کثیره فی حیاته، فلیس فقط أنّ الإخلاص یتسبّب فی قبول صلاته من قِبل الباری تبارک وتعالی ثمّ لا أثر آخر له، فبعد أن یتحقّق الإخلاص فی عمل المؤمن تبدأ البرکات والثمرات فی الظهور، وأحد هذه البرکات والثمرات إیجاد النورانیّه فی

ص:351


1- (1) . مصباح الشریعه، ص 355.

وجود الإنسان، وعاده یشعر المصلّی بعد الانتهاء من صلاته بحاله نورانیّه فی نفسه ویجب علیه حفظ هذه الحاله وعدم التفریط بها.

إلی هنا تحدّثنا بشکل مختصر عن المسائل التی تتعلّق بحقیقه الإخلاص وآثاره، وأمّا ما یتعلّق بمراتب الإخلاص، فالإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه یذکر فی کتابه الشریف «آداب الصّلاه» سبع مراتب للإخلاص فی الصّلاه ویجب علینا الإشاره إلی جمیع هذه المراتب، بدایه یجب أن نعلم ما هی مراتب الإخلاص؟ وبعد ذلک نتحرّک علی صعید العمل والتطبیق، فالالتفات إلی هذه المراتب فی الصّلاه یجلب اللذه والبهجه للمصلّی ویساعده فی الوصول إلی مراتب أعلی وبالتالی الحصول علی عنایات وبرکات إلهیّه أکثر.

ص:352

111- مراتب الإخلاص

1. تصفیه العمل من رضا المخلوقین

2. عدم جعل العمل وسیله للأغراض الدنیویّه

أوّل مرتبه للإخلاص: عندما نرید الاتیان بعمل فی سبیل اللّه یجب أن نعلم أنّ المهمّ بالنسبه لنا فی هذا العمل هو طلب رضا اللّه تبارک وتعالی، ولا ینبغی أن یصدر منّا هذا العمل من أجل فرح الآخرین وکسب رضا المخلوقین، والفات نظرهم إلی عملنا، وهذا الشیء وللأسف نتورط فیه أحیاناً، ففی بعض الأوقات عندما یصلّی الإنسان بحضور الآخرین فإنّه یصلّی بشکل آخر، وتکون قراءته فی الصّلاه بنحو آخر، فلو رأینا أنّ صلاتنا عندما نکون لوحدنا فی المنزل تختلف عن صلاتنا عندما نکون فی مجلس ومع الآخرین، فهذا یعنی أننا لا نملک الإخلاص فی صلاتنا، وهذا معنی الریاء المبطل للصّلاه وللعمل العبادی، فلو أنّ الإنسان قام بعمل عبادی لکسب نظر الآخرین، مثلاً یصلّی لیقال عنه أنّه مسلم أو متدین أو یصلّی لکی یقوی علاقته وإرتباطه معهم ویحقّق لنفسه الاحترام منهم،

ص:353

فهذا لا ینسجم مع الإخلاص.

فأوّل مرتبه الإخلاص، أن یحرز الإنسان من تلویث عمله بالرغبه فی کسب رضا الآخرین، وعلیه أن یطهّر عمله من ذلک ولا یهتمّ بهم وبوجودهم، فسواءً رضی الآخرون من عمله أو لم یرضوا، وسواءً استاءوا منه أو مدحوه، وسواءً التفتوا إلیه أم لم یتلفتوا، فالمؤمن یجب علیه أن یأتی بصلاته علی کافه الحالات، وأحیاناً یکون الإنسان فی مجلس وقد دخل وقت الصّلاه ومضی علیه مدّه ولم یصلّ، فیقول فی نفسه، إذا قمت من مکانی وصلّیت أمام هؤلاء الأشخاص فسوف أخسر سمعتی ویقلّ شأنی، فنفس هذا التصوّر والتصویر یعدّ مشکله لدی المؤمن، فعندما یکون المعیار للإنسان هو کسب رضا اللّه تعالی فلا ینبغی أن یلتفت ویهتمّ لهذه الأمور، ولا یبالی ماذا یقول عنه هؤلاء الناس، بل یجب أن یتوجّه بقلبه وفکره إلی اللّه تعالی، وهذه أوّل مرتبه من مراتب الإخلاص.

المرتبه الثانیه للإخلاص، إنّ الإنسان فی صلاته أو سائر أموره العبادیّه لا یجعلها وسیله لتحصیل رغباته وحاجاته الدنیویّه، مثلاً إذا صلّی الشخص بهدف أن یرزقه اللّه تعالی أو یقول إننی اصلّی صلاه أوّل الشهر لیبقی بدنی سالماً طیله هذا الشهر فهذا العمل وهذه النیّه لا تتناسب مع الإخلاص، صحیح أنّ العبادات لها لکلّ واحده منها آثار خاصّه، فصلاه اللیل تؤثر فی زیاده الرزق وفی العزّه والنورانیّه فی الظاهر والباطن، ولکن إذا صلّی المرء صلاه اللیل من أجل أن یکون وجهه نورانیّاً أو یزیده اللّه من الرزق، فإنّ مثل هذه الصّلاه لا تکون مقترنه بالإخلاص، وبعض الفقهاء ذهبوا إلی أنّ مثل هذه النیّه مخله فی صحّه العمل، فلو قال شخص إننی اصلّی لغرض أن یزید اللّه فی رزقی أو أصوم لیکون بدنی سالماً فهذا مخلّ بصحه العمل، ومثل هذا العمل لدی أهل المعرفه هو عباره عن معامله وتجاره، لأنّ هذا المصلّی لم یقصد القربه إلی اللّه فی صلاته بل قصد سعه الرزق،

ص:354

أو صام لحفظ سلامته البدنیّه، فهذا النوع من التجاره ولیس العمل بدافع القربه إلی اللّه، وهذه هی المرتبه الثانیه من مراتب الإخلاص، إذن المرتبه الاُولی لابدّ للإنسان من تصفیه وتنقیه عمله من کسب رضا المخلوقین، وفی المرتبه الثانیه، أن لا یجعل عمله طریقاً ووسیله للحصول علی غایات دنیویّه ومقاصد غیر إلهیّه، فکلّ ذلک مخلّ بالإخلاص.

ص:355

112- مراتب الإخلاص المرتبه الثالثه: أن لا یقصد الأجر والثواب

المرتبه الثالثه للإخلاص: أن لا یقصد من عبادته وصلاته الحصول علی الجنّه وما جعل اللّه للمؤمنین فیها من الحور والقصور والبساتین والأنهار والأشجار، ولا یهدف من صلاته أن یرزقه اللّه لکلّ صلاه قصراً فی الجنّه أو یحصل علی بساتین تجری من تحتها الأنهار، وبعباره أخری أن لا تکون صلاته للوصل إلی المنافع الظاهریّه ولو فی عالم القیامه، ولا فرق بین أن یقصد الإنسان بصلاته أغراضاً وغایات مادیّه فی هذه الدنیا أو فی تلک الحیاه الآخره، ومن هذه الجهه فإنّ کلا القصدین والغایتین عباره عن کسب وتجاره، وهذه هی عباده التجّاره.

وجاء فی روایه عن الإمام زین العابدین علیه السلام قال: «فَلَکَ الحَمْدُ عَلَی ابتِدائِکَ بِالنِّعَمِ الجِسامِ، وَإِلهَامِکَ الشُّکْرَ عَلَی الإِحسَانِ والإِنعَامِ»(1)، فی هذه المرتبه من الإخلاص لا ینظر المصلّی إلی الأجر والثواب المادّی والظاهری کالحور

ص:356


1- (1) . الصحیفه السجادیّه، ص 152 (الدعاء 32).

والقصور والثمار والأشجار وأنهار الجنّه وما إلی ذلک، فمثل هذا التوجّه إلی النعم المادیّه ناشیء من قلّه معرفه المصلّی باللّه تبارک وتعالی.

یجب علی الإنسان فی حال الصّلاه التوجّه إلی هذه الحقیقه، وهی أنّ صلاته وحضوره بین یدی اللّه هو توفیق إلهی وعنایه ربّانیّه من اللّه تعالی له، وبهذا المعنی لا یعتقد هذا المصلّی أنّه یستحق الأجر والثواب علی هذه الصّلاه، والویل للشخص الذی یتصوّر بعد صلاته أنّه یستحق الأجر والثواب علیها ویطلب من اللّه أجره وثوابه.

ونقرأ فی الباب 76 من کتاب «مصباح الشریعه» فی بحث الإخلاص أنّ الإمام علیه السلام یقول: «أَدْنَی حَدِّ الإِخلَاصِ بَذْلُ العَبْدِ طَاقَتَهُ، ثُمّ لایَجعَلُ لِعَمَلِهِ عِنْدَ اللّهِ قَدْراً فَیُوجِبَ بِهِ عَلَی رَبِّهِ مُکَافَأَه بِعَمَلِهِ»(1)، فلو تصوّر أحدهم أنّه یستحق الأجر والثواب علی صلاته فیجب علی اللّه أن یعطیه الأجر والثواب، فهذا یعنی أن یری لعمله قیمه واعتباراً، فی حین أنّ الإنسان المخلص یقول: إننی لم أفعل شیئاً یستحق الأجر والثواب وکلّما لدی فهو توفیق من اللّه ورعایته ولطفه وإحسانه.

ولو أنّک سعیت لخدمه شخص تحبّه لیل نهار فإنّک مع ذلک تقول لم أفعل شیئاً لک، فکیف بالنسبه إلی اللّه تعالی الذی وهب الإنسان بکلّ هذه النعم رعاه، فلو صلّی المرء رکعتین فکیف یتوقّع مع ذلک أنّه یستحق الأجر والثواب علی هذا العمل البسیط، وأساساً لا ینبغی أن یری لنفسه ولعمله قدراً وقیمه أمام اللّه تعالی:

«لا یَجعَلُ لِعَمَلِهِ عِنْدَ اللّهِ قَدْراً...».

إذا أراد المصلّون الأعزاء والمتهجدون والعابدون معرفه میزان ومقدار عباداتهم عند اللّه فعلیهم أن یعتقدوا أنّهم لم یقدّموا شیئاً یستحق الثواب عند اللّه فی جمیع أعمالهم وعباداتهم.

ص:357


1- (1) . مصباح الشریعه، ص 337.

وعلی هذا الأساس المرتبه الثالثه للإخلاص، أن لا یسعی الإنسان وراء نیل الأجر والثواب والجنّه الجسمانیّه والفواکه والبساتین والقصور فی الجنّه، فیأیّها المصلّی ألیس من الحیف أن تطلب بصلاتک الوصول إلی الثمار المادیّه والظاهریّه فی الآخره؟ إنّ قیمه صلاتک أعلی وأسمی کثیراً من ذلک، والإخلاص من شأنه أن یقود الإنسان فی طریق الکمال المعنوی والإلهی إلی مقامات ودرجات عالیه فی الجنّه.

ص:358

113- المراتب العالیه للإخلاص

أشرنا لحدّ الآن إلی ثلاث مراتب من مراتب الإخلاص، وبعض هذه المراتب لو لم تتحقّق فی واقع الإنسان المصلّی فصلاته باطله، أمّا بالنسبه للبعض الآخر من المراتب، فإنّها لو لم تتحقّق فإنّ درجه وقیمه الصّلاه تتنزل وتقلّ قیمتها، وعلی سبیل المثال إذا کان قصد المصلّی من صلاته الریاء والتظاهر فإنّ صلاته باطله، ولو أنّه قصد التوصّل إلی الحاجات الدنیویّه فبعض الفقهاء ذهبوا إلی أنّ هذه الصّلاه باطله، والمرتبه الثالثه، أنّ لا یقصد المصلّی من صلاته طلب الأجر والثواب من اللّه تبارک وتعالی، وطبعاً فالشخص الذی یقصد الحصول علی الأجر والثواب فلا تبطل صلاته، ولکن بما أنّها تفتقد هذه المرتبه من الإخلاص فإنّ قیمتها ستکون هابطه.

المرتبه الرابعه، تصفیه العمل من الطمع بالجنّه والخوف من النار، بمعنی أنّ الإنسان یقوم بتصفیه عمله من الخوف من النار والطمع بالجنّه، فبعض الناس یصلّون خوفاً من النار ولئلا یکون مصیره إلی جهنّم، وطبعاً فإنّ هذا الخوف لا

ص:359

یضرّ بصحّه الصّلاه ولکنه مخلّ بالإخلاص، فالمصلّی لا ینبغی أن یصلّی ویعبد اللّه بهذا الدافع النفسانی وبسبب الخوف من عذاب النار، وأحیاناً یقوم بعض الأباء والاُمّهات ولغرض تشویق أبنائهم للصّلاه القول لهم: إذا لم تصلّ فسوف یکون مصیرک النار یوم القیامه، وقد ورد فی القرآن الکریم فیما یخاطب به أهل النار یوم القیامه: «ما سَلَکَکُمْ فِی سَقَرَ * قالُوا لَمْ نَکُ مِنَ الْمُصَلِّینَ»1 ، ورغم أنّ کلّ شخص ترک الصّلاه فهو من أهل النار قطعاً، ولکن لا ینبغی أن نعلّم الشخص الذی یرید أن یصلّی لتوه أن یصلّی فراراً من العقاب والخلاص من نار جهنّم، الصّلاه التی تقوم علی أساس الخوف لیست بصلاه تقود الإنسان فی معراج الکمال المعنوی الإلهی، والصّلاه التی یصلّیها الإنسان طیله عمره علی أساس الخوف من جهنّم ربّما تؤثر هذا الأثر وهو أن تنقذ هذا الشخص من الجهنّم الظاهریّه ولکنها لا تصعد بروحه إلی عالم الملکوت والمراتب العلیا من الکمال المعنوی.

المرتبه الخامسه، تصفیه العمل من التوصّل إلی السعاده العقلیّه واللذات الروحانیّه الدائمیّه والأزلیّه، وهذا هو ما أشار إلیه الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه فی کلماته، ویستفاد جیداً من الآیات والروایات أنّ فی الآخره مرتبه أعلی من مرتبه الجنّه الظاهریّه المادیّه، وهی جنّه الملذات العقلانیّه والروحانیّه، وهذه اللذه أعلی من اللذات الظاهریّه والمادیّه، یقول الإمام الخمینی قدس سره: بالرغم أنّ هذا المقام هو مقام سامی جدّاً والوصول إلیه یجعل الإنسان فی زمره الکروبین، ولکنّ الإنسان المخلص لا یؤدّی صلاته وأعماله العبادیّه حتی یجعل فی زمره هذه الفئه من أهل السعاده، لأنّ العارف والسالکین إلی اللّه یرون أنّ مثل هذا القصد وهذه النیّه تعدّ نقصاً فی العباده وبمثابه المعامله والتجاره، لأنّه یصلّی

ص:360

لغرض الوصول إلی تلک المقامات العالیه ویکون من زمره الکروبین.

المرتبه السادسه، تصفیّه العمل من خوف عدم الوصول إلی اللذات العقلیّه، وهذه المرتبه لها علاقه وثیقه بالمرتبه الخامسه، فهو یصلّی لأنّه إذا لم یصلّ فإنّه یخشی أنّ اللّه تعالی لا یمنحه تلک اللذات العقلیّه فی القیامه، وهذا هو نوع من العذاب.

المرتبه لسابعه، تصفیّه العمل من الوصول إلی لذات الجمال الإلهی، وهنا أیضاً نری أنّ الإمام الراحل رضوان اللّه تعالی علیه بیّن هذه المرتبه بعبارات شیّقه وجذّابه، فبالنسبه لتصفیه العمل من الوصول إلی لذات الجمال الإلهی والوصول إلی بهجه أنوار السبوحات غیر المتناهیه، یقول: هذه هی جنّه للقاء کما یستفاد من الآیات والروایات الشریفه وتعتبر غایه آمال العارفین وأرباب القلوب وأنّ ید البشر نوعاً لا تنال هذا المقام إلّاعدد قلیل جدّاً من أهل المعرفه یمکنهم الوصول إلیه، وهذا هو ما نقرأه فی دعاء شهر شعبان: «إِلَهِی هَبْ لِی کَمَالَ الإِنْقِطَاعِ إِلَیکَ»، فهذا الانقطاع الکامل لیس انقطاع عن الحور والقصور والأشجار والأنهار والثمار فی الجنّه، فلا یمکن تفسیر کمال الانقطاع بهذه الأمور الظاهریّه، وطبعاً أنّ فهم هذه المرتبه مشکل جدّاً جدّاً لأمثالنا، ولکن یمکننا أن نفهم إجمالاً أنّه لا ینبغی أن یکون هدفنا من الصّلاه هو الوصول والحصول علی الأمور المادیّه، بل یجب الابتعاد عن مادیّات الدنیا والآخره ونرتفع بنفوسنا إلی مستویات أعلی من طلب المادیّات والملذات البدنیّه، ولو بمقدار قیمتنا الوجودیّه وقیمه عباداتنا أکثر ولا نفقد رأسمال عمرنا فی العباده لهذه الأغراض النازله بدون فهم ودرک صحیح لأنّ ذلک یستتبع خساره کبیره للإنسان، لأنّ المؤمن ومن خلال هذه العبادات یستطیع الوصول إلی کثیر من المقامات العالیه.

ص:361

114- طریق الخلاص من العجب والغرورأن یعتقد الإنسان بأنّه مقصّر دائماً فی مقابل اللّه

إحدی النقاط التی ینبغی أن یلتفت إلیها المصلّی فی مسأله الإخلاص، هی: أن لا یشعر بالسرور والبهجه فی داخله ونفسه لأعماله الصالحه وعباداته الکثیره، وطبعاً فالإنسان أحیاناً یشکر اللّه تعالی علی أنّه مضی من عمره خمسین سنه ولم تفته صلاه واحده أو أنّه صلّی صلاه اللیل مدّه خمسین سنه فلا مانع من الإحساس بالنعمه والشکر، ولکن إذا شعر فی نفسه بالسرور والفرح من عباداته وقال إننی أنا الذی صلّیت کلّ هذه الصّلاه والعباده فأین الآخرون من أعمالی وعباداتی، وهذا التصوّر من شأنه أن یوجّه ضربه قاصمه للإخلاص، فماذا ینبغی أن یصنع المرء فی مثل هذه الحاله حتّی لا یشعر بهذا الشعور؟ یقول الإمام موسی الکاظم علیه السلام فی توصیته بهذا الشأن وکذلک ورد فی کلمات الأئمّه الآخرین علیهم السلام، وذلک أنّ هذا الشخص یجب أن یری نفسه مقصّراً دائماً فی مقابل الباری تعالی، فلو أنّ المرء اعتقد بالتقصیر وقال إنّ أعمالی وعباداتی لا تعتبر شیئاً وأننی إنسان مقصّر مهما أتیت من عباده وعمل صالح ولا یختلف حاله بین عمل یوم واحد

ص:362

وعمل مائه یوم ومائه سنه من العباده، وأمّا الشخص الذی لا یری نفسه مقصّراً ویقول إننی صلّیت وعبده تاللّه کثیراً وهو یری أنّه یمتاز علی الآخرین، فهذه الحاله هی التی تخدش حاله الإخلاص وتنقضه.

وجاء فی کتاب «الأصول لکافی» فی باب الاعتراف والتقصیر روایه عن الإمام موسی بن جعفر علیهما السلام یقول لأحد أبنائه: «یا بُنَیَّ عَلَیکَ بِالجِدِّ وَلا تُخْرِجَنَّ نَفْسَکَ مَنَ التَّقصِبرِ فِی عِبَادَهِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَطَاعَتِهِ فإِنَّ اللّهَ لایُعْبَدُ حَقَّ عِبادَتِهِ»، فلو أنّ هذه الحاله من رؤیه النفس والعمل الکثیر تضرّ بالعباده والإخلاص ویجب علی المؤمن تطهیر نفسه وروحه منها، فهذا العمر قد یمتد إلی خمسین أو ستین سنه، فهذا المقدار لا یعتبر شیئاً أمام الزمان الأزلی مثل عمر الملائکه الذین یعبدون اللّه من الأزل إلی أبد الآبدین ولا یقولون إننا عبدنا اللّه حقّ عبادته.

لو جمعت عبادات جمیع الأنبیاء فمع ذلک لا یمکن أن تؤدّی للّه حقّه فی الطاعه والعبودیّه، فیجب علی المصلّی أن یلتفت إلی هذه الحقیقه، وأنّ جمیع الملائکه منذ الأزل وإلی الأبد یعبدون اللّه تعالی ومع ذلک لا یمکنهم الادعاء أنّهم أدّوا حقّ عباده اللّه، فما قدر عباداتنا فی مقابل عباده الملائکه وعندما ندرک هذه الحقیقه وننتهی من صلاتنا فنشعر واقعاً بالخجل والحیاء من اللّه ونقول إلهنا! نحن لا نستطیع ولیس لنا القدره علی عبادتک بصوره صحیحه، فلو أننا عبدناک لیل نهار فمع ذلک نعترف ونقرّ بقصورنا وتقصیرنا وأننا لا نستطیع أن نعبدک حقّ عبادتک، ولو أنّ الإنسان شعر بهذه الحاله من التقصیر والقصور فی العباده فسوف لا یحسب مدّه عبادته وکمیّتها وعدد السنوات واللیالی التی عبد اللّه فیها والنوافل الیومیّه التی أداها، وأساساً لا یسمح لنفسه أن یفکّر ویحسب عباداته، وهذه إحدی المراتب المهمّه للإخلاص، بحیث إنّ الإنسان فی هذه المرتبه لا یفرح من کثره عمله رغم أنّه یجب علیه شکر اللّه تعالی علی ما أنعم علیه بهذه النعم والمواهب الجزیله.

ص:363

ص:364

الفصل السادس: أسرار القراءه وآدابها

اشاره

ص:365

ص:366

115- فضیله قراءه القرآن فی الصّلاه وغیر الصّلاه

یقول رسول اللّه صلی الله علیه و آله: «مَنْ قَرَأَ خَمْسِینَ آیَهً فِی یَومِهِ وَلَیلتهِ لَمْ یُکْتَبْ مِنَ الغافَلِینَ».

من جمله البحوث المهمّه فی موضوع أسرار الصّلاه، مسأله القراءه، وهو أن یقرأ المصلّی فی الرکعه الاُولی والثانیّه من صلاته سوره فاتحه الکتاب وبعدها یقرأ إحدی سور القرآن، فما هی الأسرار الکامنه فی قراءه القرآن هذه؟ وکما سائر الأجزاء والأذکار وأفعال الصّلاه تتضمّن أسراراً وحقائق فإنّ هذه القراءه للقرآن فی الصّلاه لها أسرار أیضاً، والنقطه التی ینبغی الفات النظر إلیها وجود فضل کبیر علی نفس قراءه القرآن کما ورد فی النصوص الدینیّه والروایات الشریفه.

إنّ مسأله قراءه القرآن مسأله مهمّه جدّاً، ولیست أهمیّتها الثواب المترتب علی قراءه القرآن فقط، بل للآثار والبرکات المهمّه جدّاً فی الدنیا والآخره المرتبه علی قراءه القرآن الکریم، ومن هذه الجهه ینبغی الإشاره إلی آداب قراءه القرآن، ففی روایه عن أنس بن مالک عن النّبی الأکرم صلی الله علیه و آله قال: «سمعت رسول

ص:367

الله صلی الله علیه و آله یقول: من قرأ خمسین آیه فی یومه و لیله لم یکتب من الغافلین»(1) ،

وبعباره أخری، إنّ قرائه القرآن الکریم تجعل الإنسان من الذاکرین، ومعلوم أنّ الغفله منشأ الکثیر من الذنوب والتلوّث بالخطایا والخوض فی الظلمات، ومع قراءه القرآن یخرج الإنسان من زمره الغافلین.

ونقرأ فی روایه أخری عن الإمام الحسین بن علی علیهما السلام یقول: «مَنْ قَرَأ آیَهً مِنْ کِتَابِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِی صَلاتِهِ قَائِمَاً یُکْتَبُ لَهُ بِکُلِّ حَرْفٍ مائهَ حَسنَهً»(2).

وجاء فی روایه أخری عن الإمام الباقر علیه السلام ما یقرب من هذا المضمون یقول:

«مَنْ قَرأَ القُرآنَ قَائِماً کَتَبَ اللّهُ لَهُ بِکلِّ حرفٍ مائهَ حَسنه، وَمَنْ قَرَأَهُ فِی صَلاتِهِ جَالِساً کَتَبَ اللّهُ لَهُ بِکُلِّ حرفٍ خَمسِینَ حَسنهً وَمَنْ قَرَأَه فِی غَیرِ صَلاتِهِ کَتَبَ اللّهُ لَهُ بِکُلِّ حرفٍ عشرِ حَسناتٍ» ٍ(3).

وفی سیاق الروایه المذکوره عن الإمام الحسین علیه السلام یقول فیها: «وإِنْ استَمَع القُرآنَ کُتِبَ لَهُ بکلّ حَرف حَسنه، وإِنْ خَتَمَ القُرآنَ لَیلاً صَلَّتْ عَلَیهِ المَلائِکَهُ حَتّی یُصبِحَ، وَإِنْ خَتَمَهُ نَهاراً صَلَّتْ عَلَیهِ الحَفَظَهُ حَتّی یُمسِی وَکَانَتْ لَهُ دَعوَهٌ مُجَابَه...»(4).

إلی هنا تبیّن إجمالاً ما هی فضیله وبرکه قراءه القرآن وتبیّن الفرق بین الشخص الذی یقرأ القرآن فی صلاته وبین الشخص الذی یقرأ القرآن فی غیر الصّلاه، ومن هذه الجهه ینبغی علی المصلّین الاستفاده من هذه الروایه ولا یغفلوا عن قراءه القرآن فی صلاتهم.

ص:368


1- (1) . مستدرک الوسائل، ج 4، ص 263.
2- (2) الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 2، ص 611.
3- (3) الکافی، ج 2، ص 611.
4- (4) الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 2، ص 611.

116- قیمه قراءه القرآن وأهمیّتها

قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله: «إِنَّ المُؤمِنَ إِذا قَرأَ القُرآنَ نَظَرَ اللّهُ إِلَیهِ بِالرَّحمَهِ».(1)

إنّ إحدی التوصیات الأکیده للنبی الأکرم صلی الله علیه و آله وأمیرالمؤمنین علیه السلام تترکز علی قراءه القرآن، وقد ورد فی الحدیث الشریف أنّ رسول اللّه صلی الله علیه و آله قال لأمیرالمؤمنین علیه السلام: «أُوصِیکَ فِی نَفْسِکَ بِخِصالٍ فَاحْفَظها...، وَعَلَیکَ بِتِلاوَهِ القُرْانِ عَلَی کُلِّ حَال»(2).

وهذه التوصیه وردت أیضاً عن أمیرالمؤمنین علیه السلام وکذلک عن الأئمّه المعصومین علیهم السلام وکانت مورد اهتمامهم، وعندما نقرأ ونتمعّن فی سیره الأئمّه الطاهرین علیهم السلام فسوف نجد أنّ قسماً مهمّاً جدّاً من حیاتهم یخصّ مسأله قراءه القرآن.

والجدیر بالذکر أنّ الإنسان لا ینبغی أن یغفل عن قراءه القرآن فی کلّ یوم،

ص:369


1- (1) جامع الأخبار، ص 39.
2- (2) الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 8، ص 79.

وقد ورد فی تفسیر أبوالفتوح حدیثاً عن النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله أنّه قال: «مَنْ قَرأ ثُلْثِ القُرْآنِ فَکَأَنَّما أُوتِی ثُلثِ النُّبوَّهَ، وَمَنْ قَرأ ثُلْثَی القُرْآنِ فَکَأَنَّما أُوتِی ثُلثَی النُّبوَّهَ، وَمَنْ قَرأ القُرْآنِ َ کُلَّهُ فَکَأَنَّما أُوتِی تَمام النُّبوَّهَ».

وجاء فی الروایات أنّ عدد درجات الجنّه بعدد آیات القرآن الکریم، ففی یوم القیامه یقال للإنسان «إقرأ وارق»، فکلّ مقدار من آیات القرآن کان مع هذا الشخص وجاء به یوم القیامه وقرأ هذه الآیات کأنّه یرقی فی کلّ آیه یقرأها درجه فی الجنّه.

«ثُمَّ یُقَالُ لَهُ اقْرَأَ وَارْقَ بِکُلِّ آیِهٍ دَرَجَهً فَیَرقی فِی الجَنَّهِ بِکُلِّ آیَهٍ دَرَجَهً حَتّی یَبلُغَ مَا مَعَهُ مِنْ القُرآنِ، ثُمَّ یُقَالُ لَهُ اقْبِضْ فَیَقبِض، ثُمّ یُقَالُ لَهُ مَرَّهَ ثَانِیه اقَبضْ فَیَقبِض، ثُمَّ یُقالُ لَهُ هَلْ عَلِمْتَ مَا فِی یَدِکَ، فَیَقُولُ لا، وَإِذا فِی یَدِهِ الیُمنَی الخُلدُ وَفِی الأُخری النَّعِیم»(1).

إذن فالجنّه أساساً متدرجه بعدد آیات القرآن ودرجاتها ومراتبها منظمه حسب قراءه القاری للقرآن، والخلود بالجنّه متعلّق بقراءه القرآن، والنعیم الأبدی فی الجنّه لیس فقط النعم الظاهریّه والمادیّه، بل جمیع النعم والمواهب فی الجنّه حتّی رضوان اللّه تعالی فی الجنّه کما تقول الآیه: «وَ رِضْوانٌ مِنَ اللّهِ أَکْبَرُ...»2 ، کلّها متوقّفه ومتقوّمه باُنس الإنسان فی الدنیا بتلاوه القرآن الکریم، ولذا یجب علینا أن نعرف قیمه قراءه القرآن لکی نوفّق لفهم أسرار قراءه القرآن فی الصّلاه ونزین صلاتنا بالقرآن.

ص:370


1- (1) مستدر الوسائل، ج 4، ص 262.

117- فضیله قراءه سوره التوحید

یجب أن تکون تلاوه القرآن فی حیاه المسلم وخاصّه الشیعی المؤمن جزءاً من برنامجه ومنهجه الأصلی فی الحیاه، کما أنّ الصّلاه جزء من المنهج الأصلی للمؤمن فی حیاته کما ورد فی کتاب «الکافی» روایه عن الإمام موسی بن جعفر علیهما السلام، حیث قال الإمام علیه السلام لأحد أصحاب: «أَتُحِبُّ البَقاءَ فِی الدُّنیا؟ قَالَ: نَعم، فَقَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِقْراءَهِ قُلْ هُوَ اللّهُ أَحدٌ»، فإننی احبّ البقاء فی الدنیا ولو اعطیت مهله بدقیقه واحده فی الدنیا فإنّنی أقرأُ سوره التوحید «فَسَکَتَ عَنْهُ»، أی أنّ الإمام عندما سمع هذا الجواب سکت، وقبل أن نذکر بقیه هذه الروایه، نری فی روایه أخری أنّ الإمام الباقر علیه السلام: إذا قرأ الإنسان فی یومه سوره التوحید مرّه واحده فإنّه اللّه تعالی سیبارکه، وإذا قرأها مرّتین فسبارک اللّه علیه وعلی اسرته ویرحمهم، إذا قرأها ثلاث مرّات فإنّ اللّه تعالی سینزل رحمته وبرکاته علیه وعلی جیرانه، وإذا قرأها اثنی عشر مرّه فی یومه بنی اللّه له اثنی عشر قصراً فی الجنّه، وإذا قرأها مائه مرّه فی یومه غفر اللّه له 25 سنه، إلّاأن یکون عصی اللّه فی مورد

ص:371

الدماء والأموال، یعنی لا سمح اللّه قتل شخصاً بدون ذنب وبدون حقّ، أو سفک دم شخص وجرحه، فیجب علیه القصاص أو الدیه، فهذه الذنوب التی تتعلّق بالدماء والأموال لا یغفرها اللّه للشخص، أمّا سائر الذنوب التی هی حقّ محض للّه فإنّ تعالی یغفرها ببرکه سوره التوحید.

ویتابع الإمام علیه السلام: «وَمَنْ قَرَأَها أَربَعمَائَهَ مَرّه کَانَ لَهُ أَجرَ أَربَعمَائَهَ شَهِید کُلُّهُم قَدْ عَقَرَ جَوادَهُ وَاُرِیقَ دَمُهُ وَمَنْ قَرَأَها أَلفَ مَرَّهٍ فِی لَیلَهٍ لَمْ یَمُت حَتّی یَری مَقعَدَهُ فِی الجَنَّهِ أو یری لَهُ».

ونقرأ الکثیر من الروایات التی تؤکد کثیراً علی قراءه سوره التوحید، ففی الروایه الاُولی، کأنّ ذلک الشخص سمع من الأئمّه من آباء الإمام موسی بن جعفر علیهما السلام ثواب قراءه سوره التوحید، ولذلک عندما سأله الإمام عن رغبته فی البقاء فی الدنیا ولماذا؟ فقال: لکی أقرأ سوره التوحید، لمّا سمع الإمام بهذا الکلام سکتَ، ثمّ بعد مدّه قال لهذا الراوی وهو حفص:

«یا حَفْضُ! مَنْ مَاتَ مِنْ أَولِیائِنا وَشِیعَتِنا وَلَمْ یُحْسِن القُرآنَ عُلِّمَ فِی قَبرِهِ لِیَرفَعَ اللّهُ بِهِ مِنْ دَرَجَتِهُ»، لأنّ درجات الجنّه، کما تقدّم، بمقدار آیات القرآن، فیقال له:

اقرأ وارقَ.

وبحسب ما ورد فی الروایات أنّ هذا الامتیاز یعدّ من مختصات شیعه أهل البیت علیهم السلام والإمامیّه الاثنی عشریّه ولا یشمل سائر المسلمین.

یقول حفص: «وَمَا رَأَیْتُ أَحَدَاً أَشَدُّ خَوْفَاً عَلَی نَفْسِهِ مِنْ مُوسی بنِ جَعفَرٍ علیه السلام ولا أَرجی النَّاسِ مِنْهُ، وَکَانَتْ قَرَاءَتُهُ حُزناً، فَإِذا قَرَأَ فَکَأَنّهُ یُخاطِبُ إِنسَاناً»(1).

وهکذا کان الإمام علیه السلام یتلو القرآن الکریم، ویجب علینا أن نتعلّم هذا الأدب فی الالتزام بتلاوه القرآن من الإمام علیه السلام.

ص:372


1- (1) الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 4، ص 611.

118- آداب قراءه القرآن الالتفات إلی عظمه هذا الکتاب الإلهی والالتفات إلی أم الکتاب

لقد ورد فی الروایات الشریفه أنّ لقراءه القرآن الکریم آثاراً وبرکات کثیره جدّاً، یقول النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله لسلمان رحمه الله: «عَلَیکَ بِقِرَاءَهِ القُرانِ فَإِنَّ قِرَاءَتَهُ کَفَّارَهُ الذُّنُوبِ وَسُتْرَهٌ مِنَ النَّارِ وَأَمَانٌ مِنَ العَذَابِ»(1).

إنّ إحدی النقاط المهمّه فی موضوع قراءه القرآن مسأله آداب القراءه، وقد أورد الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه فی کتابه «آداب الصّلاه»(2) أدقّ وأشمل بحث فیما یتّصل بقراءه القرآن وذکر فی هذا الکتاب بعض آداب القراءه کما سنشیر إلیها باختصار، فأوّل أدب منها أن یلتفت قاریء القرآن إلیه حین القراءه هو «التعظیم» یعنی الالتفات إلی عظمه هذا الکتاب الإلهی وأن یعلم أنّ الکتاب الذی یقرأه لیس کتاباً عادیاً، بل هو أعظم کتاب سماوی، فالالتفات

ص:373


1- (1) جامع الأخبار، ص 39.
2- (2) . انظر: آداب الصّلاه، ص 180.

والاهتمام بتعظیم وإکرام القرآن یتسبّب فی نورانیّه القلب والحیاه الباطنیّه، والتعظیم یتوقف علی أنّ الإنسان یفهم أنّ القرآن کتاب عظیم وأنّ هذا الکتاب الإلهی لا ینحصر بهذه الألفاظ والکلمات الظاهریّه بل هناک حقیقه أخری وراء هذه الألفاظ والکلمات تقصر عنها ید البشر، وید العلماء، وحتّی ید أهل الباطن وأهل الشهود والمکاشفه، فلا ینبغی أن نتصوّر أنّ حقیقه القرآن هی الألفاظ فقط التی أمام ناظرنا وفی مقابلنا.

یقول اللّه تبارک وتعالی: «إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِیًّا لَعَلَّکُمْ تَعْقِلُونَ»1 ، ویقول:

«وَ إِنَّهُ فِی أُمِّ الْکِتابِ لَدَیْنا لَعَلِیٌّ حَکِیمٌ»2 ، فأصل وحقیقه القرآن موجود فی امّ الکتاب عندنا، ولکنّ البشر یستطیع التوصّل إلی هذا الکتاب الظاهر وتلاوته، ولکن فیما یتّصل باُمّ الکتاب وهو لدینا، فلا أحد یستطیع الوصول إلیه، ویتبیّن من هذه الآیه الشریفه أنّ القرآن قبل أن ینزل علی قلب النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله وقبل أن یتحوّل إلی العربیّه کان موجوداً فی امّ الکتاب، وظاهر الآیه الشریفه هو أنّ القرآن بهذه الصوره کانت حقیقته موجوده عند اللّه وفی امّ الکتاب وربّما بشکل أوسع وأعظم بکثیر، ولکنّه تنزّل من تلک العوالم إلی هذا العالم وهو عالم الملک وعالم المادّه وتجلّی علی شکل ألفاظ وکلمات عربیّه، فلا ینبغی أن نتصوّر أنّ القرآن مجموعه کلمات وألفاظ کما نری فی سائر الکتب الأخری مثل هذه العبارات والألفاظ، والأشخاص الذین یعتقدون أنّ القرآن کلام بشری، لماذا لا یلتفتون إلی هذه الآیه الشریفه، فلو قلنا بأنّ هذا القرآن منحصر بهذه الألفاظ الظاهریّه فسوف یکون مسوغاً لایجاد هذه التوهّمات الباطله، وأمّا إذا قلنا إنّ حقیقه القرآن هی وراء هذا العالم المادی وفی امّ الکتاب وعند اللّه تبارک وتعالی، فلا أحد من البشر

ص:374

مع کلّ هذه العلوم الرسمیّه والظاهریّه یستطیع التوصّل إلی حقیقه تلک المعارف القلبیّه والمکاشفات الغیبیّه، وهنا یوجد استثناء واحد وهو الوجود المقدّس لخاتم الأنبیاء النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله عندما وصل فی معراجه قاب قوسین أو أدنی استطاع أن یصل إلی امّ الکتاب، ولکن البشر العادی لا یستطیع لذلک سبیلا.

إذن عندما نجلس فی محضر القرآن یجب علینا الانتباه إلی أنّ هذا القرآن هو مرتبه نازله عن امّ الکتاب، أی أنّ هذا القرآن متنزل عن تلک الحقیقه العظیمه التی یعجز البشر عن درکها، ولو أننا لم نتمکن من الالتفات والانتباه إلی عظمه القرآن الکریم، فهذا یعنی أننا لا نستطیع أداء حقّ وتعظیم القرآن کما هو حقّه وشأنه.

یقول الإمام الخمینی رضوان اللّه علیه فی بحث تعظیم القرآن وبعنوان أحد آداب القراءه: إنّ منشأ العظمه ثمانیه أمور فعظمه کتاب معین تاره تنشأ من عظمه المتکلّم

وصاحب الکتاب، وأحیاناً أخری مرتبطه بعظمه المسائل والمقاصد المذکور فیه، والثالثه، بعظمه النتائج والآثار المترتبه علی هذا الکتاب، الرابعه، بعظمه الرسول وحامل الکتاب، أی جبرئیل الأمین والروج الأعظم الذی نزل بهذا الکتاب (إذا کان الروح الأعظم هو جبرائیل)، الخامسه، عظمه النبیّ نفسه والذی نزل هذا القرآن علی قلبه المبارک، السادسه، عظمه الأشخاص الذین حفظوا هذا القرآن، السابعه، عظمه الأشخاص الذین شرحوا هذا الکتاب، والثامنه، عظمه الزمان الذی نزل فیه هذا الکتاب(1).

ص:375


1- (1) انظر: آداب الصّلاه، ص 182.

119- وجوه عظمه القرآن

قبل بیان الموارد الثمانیه فی وجوه عظمه القرآن الکریم، أری من المناسب استعراض هذه الروایه الشریفه: «إِنَّ أَکرَمَ العِبادِ إِلی اللّهِ بَعْدَ الأَنبِیاءِ العُلمَاءُ ثُمَّ حَمَلَهَ القُرآنِ»(1)، یعنی القراء للقرآن والعاملین بمضامینه والناشرین له.

«یَخْرُجُونَ مِنَ الدُّنیا کَما یَخْرُجُ الأَنبِیاء»، أی کما أنّ الملائکه تقبض روح الأنبیاء بکلّ احترام وتقدیر ومؤانسه وکذلک یتمّ قبض هؤلاء القراء للقرآن.

«وَیُحشَرُونَ مِنْ قُبُورِهِم مَعَ ا لأَنبِیاءِ، ویَمُرُّونَ عَلَی الصِّراطِ مَعَ الأَنبِیاء، وَیَأَخُذُونَ ِ ثَوابَ الأَنبِیاء».

والقاریء للقرآن کما ورد فی النصوص والروایات الشریفه، فی منزله الأنبیاء فی الدنیا والآخره کما وقد تقدّم فی روایه سابقه، أنّ «مَنْ قَرأ ثُلْثِ القُرْآنِ فَکَأَنَّما أُوتِی ثُلثِ النُّبوَّهَ»، وهکذا الشخص الذی یقرأ ثلثی القرآن فکأنما اوتی ثلثی النبوّه، أمّا من قرأ تمام القرآن فکأنّما اوتی النبوّه أجمع، وفی هذه الروایه مورد

ص:376


1- (1) بحار الأنوار، طبعه بیروت، ج 89، ص 19.

البحث یقول الإمام علیه السلام، إنّ اللّه تبارک وتعالی یرفع من درجه قاریء القرآن وحامله فی الدنیا والآخره أنّه سیکون بمنزله الأنبیاء وفی مرتبتهم.

وإذا التفتنا إلی هذه الحقیقه حین قراءه القرآن فإنّ عظمه القرآن ستحیط بقلبنا ولا یتبادر إلی ذهننا أبداً أنّ الغرض من قراءه القرآن هو لنیل الثواب فقط.

إمّا بیان المنشأ والمراتب الثمان فی وجوه تعظیم القرآن:

أوّل سبب ومنشأ لعظیمه القرآن، عظمه المرسل له وصاحبه، فالقرآن العظیم بما أنّه من شخص عظیم وأنّ من صفات الباری تبارک وتعالی هو العظیم «یا عَلِیُّ یا عَظِیم»، فالقرآن یکتسب العظمه من عظمه اللّه تعالی.

یذکر الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه عباره فی هذا المورد جدیره بالتأمّل والتمعّن، والواقع أننا نری أحیاناً فی بعض عبارات الإمام الراحل قدس سره فی کتابه من العمق والدقّه بحیث یلزمنا التدبّر والتأمّل فیها لعدّه ساعات، یقول(1): إنّ تجلّی الحقّ تعالی فی جلوه العظمه لا یتیسر هذا التجلّی لأی مخلوق، بل إنّه تعالی یتجلّی لمخلوقاته من وراء آلاف الحجب، یعنی أنّ اللّه تبارک وتعالی إذا أراد أن یتجلّی بصفه العظیم، ویتجلّی بمبدأ العظمه والکبریاء لا یوجد أی مخلوق بإمکانه تحمّل مثل هذا التجلّی، وبالتالی فإنّ تجلّی عظمه اللّه یجب أن یکون من خلال الحجب والستائر، ونفس القرآن یعتبر تجلیاً للذات المقدّسه، وقد تنزّل کثیراً إلی درجه أنّه صار علی شکل ألفاظ عربیّه ووصل إلی ید البشر.

ونقرأ فی روایه نقلها العلّامه المجلسی فی بحار الأنوار، وهذه الروایه مذکوره أیضاً فی کتب العامّه، أنّ النبیّ صلی الله علیه و آله قال: «إِنّ للّهِ تَبَارَکَ وَتَعالی سَبِعِینَ أَلفَ حِجابٍ مِنْ نُور وَظلمَه لَو کُشِفَتْ لأَحرَقَتْ سُبُحاتُ وَجْهِهِ مَا دُونَهُ»(2).

ص:377


1- (1) . انظر: آداب الصّلاه، ص 182.
2- (2) بحار الأنوار، ج 55، ص 45.

وأحد امتیازات القرآن الکریم علی سائر الکتب السماویّه الأخری أنّ القرآن صدر من اللّه تبارک وتعالی بجمیع شؤون الذاتیّه والفعلیّه والصفاتیّه ومع جمیع تجلّیاته الکمالیّه والجلالیّه، یعنی أنّ التجلّی فی القرآن هو التجلّی الأعظم، وهکذا جمیع الصفات والأسماء الإلهیّه فاللّه تعالی تجلّی بجمیع ذاته أفعاله وصفاته وبجمیع صفاته الثبوتیّه والسلبیّه، والجمالیّه والجلالیّه فی القرآن الکریم ولیس الحال کذلک فی سائر الکتب السماویّه الأخری، وهذا یبیّن عظمه هذا الکتاب أکثر.

وعلی هذا الأساس، فأوّل، منشأ والسبب لعظمه القرآن ولزوم تعظیمه أن نعلم أنّ هذا الکتاب الإلهی صادر من موجود عظیم.

الثانی: أنّ هذا القرآن الکریم جاء به جبرئیل الأمین، ومعلوم أنّ جبرئیل الأمین ملک من أشرف الملائکه وهو الموکّل بایصال الفیض الإلهی من العلم والحکمه وسائر الأرزاق المعنویّه إلی الأنبیاء والبشریّه.

الثالث: من جهه الشخص الذی نزل علیه القرآن، وقد نزل القرآن الکریم علی أشرف الناس جمیعاً علی الکره الأرضیّه وهو نبی الإسلام صلی الله علیه و آله.

الرابع: أنّ اللّه تبارک وتعالی یقول فی هذا الکتاب: «إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّکْرَ وَ إِنّا لَهُ لَحافِظُونَ»1 ، والکتاب الذی یتولّی الباری تعالی بحفظه وحمایته، فلا یوجد أی شخص أو فئه لها القدره لاتلاف هذا الکتاب أو التلاعب بکلماته أو تحریفه وسیظلّ هذا الکتاب باقیاً وسلیماً إلی یوم القیامه.

الخامس: من جهه الأشخاص الذین یتولّون شرح وبیان هذا الکتاب، وهم الأئمّه المعصومین صلوات اللّه علیهم أجمعین، فهم شرّاح ومفسّرو هذا الکتاب الإلهی.

ص:378

السادس: من جهه الوقت الذی نزل فیه القرآن، وذلک فی لیله القدر وهی أفضل اللیالی والأوقات عند اللّه تبارک وتعالی: «إِنّا أَنْزَلْناهُ فِی لَیْلَهِ الْقَدْرِ»1 ، فلو أنّ الإنسان التفت حین قراءته للقرآن إلی هذه الجهات فی عظمه هذا الکتاب فسوف یدرک بمقدار ظرفیّته الوجودیّه عظمه القرآن الکریم وبالتالی یقوده هذا الفهم إلی الاقتراب أکثر من باطن القرآن ولکشف عن أسراره وحقائقه إن شاء اللّه.

ص:379

120- عظمه مضامین ومحتویات القرآن

بحسب ما أورده الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه فی کتابه «آداب الصّلاه» من الوجوه الثمانیه لعظمه القرآن الکریم، وأحد هذه الوجوه فی عظمه هذا الکتاب الإلهی، المضامین ومحتویات القرآن الکریم.

الإنسان عندما یقرأ کتاباً معیّناً ولا یلتفت إلی عظمه مضامین هذا الکتاب ومقاصده فلا یستطیع أن یدرک عظمته وقیمته، والقرآن الکریم من حیث المضامین فی دائره المفاهیم یعدّ أعظم کتاب، فلا یوجد لدینا کتاب مثل القرآن الکریم من حیث مضامینه وتعالیمه ومحتویاته، والقرآن الکریم هو کتاب هدایه بالمرتبه الاُولی: «هُدیً لِلْمُتَّقِینَ»1 ، فإذا أراد شخص سلوک طریق الحقّ والإیمان فلا یستطیع ذلک بدون الارتباط بالقرآن الکریم، وإذا أراد شخص الوصول إلی مراتب عالیه فی سلّم الهدایه والسیر إلی اللّه تعالی فیجب أن یستمد نور الهدایه من القرآن الکریم، وإذا أراد شخص أن یتحرّک فی سیره وسلوکه فی خطّ اللّه

ص:380

تعالی، فیجب أن یستمد القوّه والمدد من القرآن الکریم، والأشخاص الذین یعیشون فی هذه الحیاه الدنیا بسلاسل الشهوات وقیود الباطل والنوازع الدنیویّه فإنّهم یستطیعون بواسطه القرآن انقاذ أنفسهم والنجاه والخلاص من هذه القیود والسلاسل، والإنسان یستطیع بتلاوه القرآن الکریم أن یرتفع بنفسه من هذه المرتبه النازله المادیّه ومن حضیض الحیوانیّه إلی مراتب أعلی فی سلّم المعنویّه والإنسانیّه والکمال الإلهی، ویتخلّص بتلاوه القرآن من مجاوره ومجالسه الشیطان، واستبدالها بمجالسه ومصاحبه الملائکه الإلهیین، وهذه هی إحدی الخصوصیّات المهمّه جدّاً فی القرآن الکریم.

الأمر الثانی: أنّ هذا الکتاب یستطیع أی شخص أن یستفید منه وینتفع به بمقدار قابلیته واستعداده، فکما أنّ العالم الذی ینال مراتب عالیه فی علم المعرفه ینتفع بکّل آیه من القرآن وتمثّل له کنوزاً وخزائن من العلم والمعرفه فکذلک الشخص الذی یعیش بعیداً عن أجواء العلم والمعرفه بإمکانه الاستفاده من ظواهر القرآن أیضاً، وقد ورد فی الروایات أنّ بعض سور القرآن مثل سوره التوحید وبعض آیات القرآن کالآیات الاُولی من سوره الحدید، نزلت خاصّه للمتعمقین والعارفین فی آخر الزمان.

وهذا لا یعنی أنّ سوره التوحید نزلت فقط لهؤلاء المتعمقین، بل إنّ هؤلاء یملکون القدره علی فهم الکثیر من الحقائق والمعارف فی هذه السوره والغوص فی بحارها واستحصال الدرر والجواهر من هذه السوره المبارکه بحیث إنّ الأدیان السابقه لم تکن لهم القدره علی هذه الاستفاده، وطبعاً فالقدماء استفادوا أیضاً من هذه السوره بمقدار ظرفیّتهم الوجودیّه وقابلیّتهم أیضاً، فأی کتاب لدی البشریّه إلی درجه من العمق وکثره المعارف أنّ عباره واحده وسطراً واحداً من هذا الکتاب یکون نافعاً للأشخاص الذین نالوا أرقی وأعلی مراتب العلم

ص:381

والمعرفه وفی ذات الوقت یفید الأشخاص الذین لا یملکون حظاً من العلم والمعرفه! وهذه خصوصیّه متوفّره فی القرآن الکریم وتعدّ هذه الخصوصیّه أحد وجوه إعجاز القرآن.

إذن الأمر الثانی هو أنّ القرآن الکریم یملک هذه الخصوصیّه بأنّ کلّ شخص ینتفع به بمقدار ما یملک من استعداد وقابلیّه، ولا ینبغی أن یقول شخص إنّ القرآن یتعلّق بطبقه وفئه خاصّه، فهذا الکتاب الإلهی هو کتاب لجمیع أفراد البشر ویستطیع کلّ فرد الاستفاده منه بمقدار قابلیته واستعداده، وبالنتیجه أنّ کلّ شخص سیفهم من القرآن بمقدار ظرفیّته ومعلوماته، عظمه هذا الکتاب الإلهی.

ص:382

121- رعایه حقّ تلاوه القرآن الترتیل، التدبّر، العمل بالآیات، العبره من القصص توجه القاریء لتعالیم القرآن

یقول اللّه تبارک وتعالی فی الآیه الشریفه: «اَلَّذِینَ آتَیْناهُمُ الْکِتابَ یَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ...»1 ، فماذا یعنی حقّ تلاوه القرآن؟ یستفاد من هذه الآیه الشریفه أنّه ربّما یتلو شخص القرآن ولکنّه لا یراعی حقّ تلاوه القرآن، فالتلاوه مسأله وحقّ التلاوه مسأله أخری، کما أنّ مسأله العباده أمر، وحقّ العباده أمر آخر، ومعرفه اللّه أمر، وحقّ معرفته أمر آخر، ومن أجل معرفه حقّ التلاوه بإمکاننا التعبیر عنها بآداب القراءه والتلاوه، یقول الإمام الصادق علیه السلام فی ذیل هذه الآیه الشریفه:

«یُرَتِلُونَ آیَاتِهِ وَیَتَفَقّهُونَ فِیهِ»، وهذا یعنی أنّ ترتیل الآیات القرآنیّه یعدّ أحد آداب قراءه القرآن والتفقّه فی هذه الآیات أدب آخر للقراءه والتلاوه «وَیَعْمَلُونَ بِأَحْکَامِهِ»، فالأدب الثالث من شؤون حقّ التلاوه العمل بالقرآن وبما یحمله من

ص:383

تعالیم وأحکام، أی أنّ الإنسان عندما یقرأ الآیه ویتدبّر فی مضامینها یتحرّک بعدها فی مقام العمل لتطبیقها.

والقاریء للقرآن الکریم عندما یتلو آیاته ویقرأ أنّ اللّه تبارک وتعالی علیم وسمیع وبصیر، فلو أراد العمل بهذه الآیه فی حیاته فیجب أن یلتفت أنّ اللّه تعالی عالم بجمیع أبعاده وبسرّه وعلانیّته.

«وَیَرْجُونَ وَعْدَهُ وَیَخافُونَ وَعِیدَهُ وَیَعْتَبِرُونَ بِقِصَصَهِ»، فعندما یصل القاریء للقرآن إلی آیات البشاره بالجنّه والوعد الإلهی بالنعیم الخالد فی الآخره للمؤمنین فإنّه یرجو من اللّه تعالی أن ینال هذه الجنّه والنعیم الأبدی، وعندما یصل إلی آیات العذاب والنار فإنّه یشعر فی نفسه بالخوف من عذاب اللّه وتجری دموعه علی خدّیه، وعندما یقرأ قصص القرآن فإنّه یستفید منها الدروس والعبر فی واقع الحیاه، فحکایه هذه القصص فی القرآن لا تعنی أنّ اللّه تبارک وتعالی یرید فقط أن یحکی لنا قصص الأقوام السابقه بوصفها تاریخاً لتلک الاُمم وأنبیائهم، بل یرید منّا الاعتبار بما جری لهذه الاُمم فی التاریخ وکسب الدروس النافعه من هذه القصص، وحتّی تلک القضایا التی وقعت متکرره فی القرآن الکریم فإنّها فی الحقیقه لیست تکراراً، بل یتضمّن کلّ مورد منها نقاطاً دقیقه عرفانیّه وأخلاقیّه وتربویّه أو علمیّه لا توجد فی الموارد الأخری المشابهه لها.

«وَیَأتَمِرُونَ بِأَوامِرِهِ وَیَتَنَاهَونَ عَنْ نَواهِیهِ»، ثمّ یقول الإمام الصادق علیه السلام: «مَا هُوَ واللّهِ حِفظُ آیَاتِهِ وَدَرْسِ حُرُوفِهِ وَتِلاوَهِ سُورِهِ وَدَرسِ أَعْشَارِهِ وَأَخمَاسِهِ»، وکأنّ بعض المسلمین فی عصر هذا الإمام علیه السلام کانوا مثل بعض الناس فی هذا العصر یحفظون آیات القرآن عن ظهر قلب ویتصوّرون أنّ هذا هو المقصود من الحفظ بمعناه الحقیقی.

«حَفِظُوا حُرُوفَهُ وَأَضَاعُوا حُدُودَهُ»، فبعض المسلمین یهتمّون بحسب الظاهر

ص:384

وحفظه وتلاوته ولکنّهم أضاعوا حقائقه وحدوده.

«وَإِنَّما تَدَبُّرُ آیَاتِهِ وَالعَمَلُ بِأَحْکَامِهِ»، ثمّ یقول الإمام علیه السلام: إنّ حقّ التلاوه عباره عن التدبّر فی آیات القرآن والعمل بأحکامه وتعالیمه وتطبیقها علی أرض الواقع العملی، فیجب علینا الانتباه إلی هذه الحقیقه، وهی أنّ قاریء القرآن یجب علیه رعایه حقّ تلاوه القرآن، وإحدی جهات هذه الرعایه لحقّ التلاوه إننا نهتمّ بمضامین آیات القرآن ونسعی لتطبیقها.

ص:385

122- التأثیر المضاعف لقراءه القرآن فی الصّلاه

قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله: «قِرَاءَهُ القُرآنِ فِی الصَّلاهِ أَفضَلُ مِنْ قِرَاءَهِ القُرآنِ فِی غَیرِ الصَّلاهِ»(1).

یجب علی المصلّی، بغض نظر عن مسأله الصّلاه، أن یلتفت إلی هذه الحقیقه، وهی أنّ قراءه القرآن مسأله مهمّه جدّاً، وقد ورد التأکید علیها فی الآیات والروایات الشریفه ولها آثار وبرکات کثیره، وعندما تکون هذه القراءه للقرآن فی الصّلاه فسوف تکون لها آثار وبرکات مضاعفه بل لعدّه أضعاف، وقد ورد فی الروایات أنّ الجنّه تشتاق لهؤلاء قراء للقرآن.

والآن إذا قرأ المصلّین آیات القرآن فی صلاته فإنّ اشتیاق الجنّه سیتضاعف إلیه بل ورد فی الروایات أیضاً أنّ الشخص الذی یقرأ القرآن فإنّ الملائکه تستغفر له، وهذا الشخص عندما یقرأ القرآن فی صلاته فإنّ استغفار الملائکه له سیتضاعف مرّات عدیده.

وعندما نری فی الروایات أنّ الشخص الذی قرأ القرآن فإنّ اللّه تعالی ینظر إلیه

ص:386


1- (1) بحار الأنوار، طبعه بیروت، ج 89، ص 19.

بنظر رحمته، «إِنَّ المُؤمِن إِذَا قَرَأ القُرآنَ نَظَرَ اللّهُ إِلیَهِ بِالرَّحمَهِ»، أی أنّ هذا الشخص سیدخل دائره الأمن ویدخل دائره الرحمه الإلهیّه، فی حین أنّه لو کانت قراءه القرآن فی الصّلاه، فإنّ مثل هذه الصّلاه ستجلب له نظر الرحمه الإلهیّه، ولکن ما هی الآثار المترتبه علی تلاوه القرآن فی الصّلاه؟ لقد ورد فی الروایات الشریفه أنّ الإنسان إذا قرأ آیه واحده من القرآن فإنّ اللّه تعالی سیعطه أجر مائه شهید، ولو أنّه قراء سوره واحده من القرآن فسیعطیه اللّه تعالی أجر نبی مرسل ویکون له فی مقابل کلّ حرف من آیات القرآن نور علی الصراط، والآن لو قرأ المصلّی القرآن فی صلاته فما هی الآثار المترتبه علی ذلک؟ ولذلک یجب علی المصلّی أن یطّلع علی هذه الآثار والبرکات مسبقاً.

وسبق أنّ بیّنا أنّ أحد الأمور فی عظمه القرآن، توجّه الإنسان وتعمّقه فی تعالیم القرآن الکریم ومفاهیمه، فالقرآن یتضمّن مسائل ومفاهیم متنوعه ومختلفه، فهو أولاً کتاب هدایه، وثانیاً: یستوعب جمیع طبقات البشر وفئاتهم من العامی والعارف والعالم وغیرهم، وکلّ فئه من فئات المجتمع تنتفع من حقائق القرآن معارفه وتعالیمه بمقدار استعدادهم وقابلیاتهم، وثالثاً: إنّ هذا الکتاب «هُدیً لِلْمُتَّقِینَ» ، ویتسبّب فی انقاذ الإنسان من الرذائل وتطهیر نفسه وتنقیه قلبه من النوازع النفسانیّه الذمیمه، والأهواء والوساوس الشیطانیّه، والقرآن کفّاره للذنوب أیضاً، یعنی عندما یقرأ القاریء آیه من الآیات القرآن الکریم ویتدبّر فیها فإنّ ذلک من شأنه تطهیر باطنه من شوائب الرذیله وتنقیه ذهنه من الأفکار المنحرفه.

المسأله الرابعه فی القرآن الکریم، بیان سیره الأنبیاء وقصصهم وما جری علی الأقوام السالفه من حوادث ووقائع، ولکن البعض یتصوّر أنّ ذکر هذه القصص یهدف إلی أنّ اللّه تبارک وتعالی أراد نقل تاریخ هذه الأقوام إلی الأجیال اللاحقه،

ص:387

فی حین أنّ اللّه تبارک وتعالی یقول لنبیّه الکریم: «وَ اذْکُرْ عَبْدَنا»1 ، ویحکی له ما جری علی الأنبیاء السابقین فإنّ ذلک لغرض تذکیر النبیّ أولاً، ثمّ امّته ثانیاً، بهذه القصص لاقتباس الدروس والعبر منها وللاستفاده من هذه القصص فی مجال التربیه والتعلیم.

لماذا توجد فی هذه القصص معارف کثیره؟ یقول الإمام الصادق علیه السلام: إنّ حقّ التلاوه هو عندما تصل إلی قصّه من قصص القرآن فعلیک بکسب العبره منها، ولا تقتصر العبره علی النصائح الأخلاقیّه والتربویّه، والإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه یقول(1): إنّ فی قصص القرآن معارف وتعالیم تربویّه وربوبیّه إلی درجه أنّها تحیّر العقول، وهذه المظاهر المتکرره فی القصص القرآنیّه أولاً: فتح باب التزکیه والتعالیم والتربیه للناس، وثانیاً: إذا دققنا جیداً فی هذه القصص المتکرره فسوف لا نجد تکراراً لها بل کلّ مورد منها یتضمّن مسائل عمیقه ونکات عرفانیّه وأخلاقیّه جدیده.

وعلی هذا الأساس یجب الالتفات والاهتمام بقصص القرآن والاستفاده منها فی واقع الحیاه، لأنّ الاهتمام بقصص الأنبیاء یعدّ وسیله مهمّه فی مجال السیر والسلوک المعنوی إلی اللّه تعالی، مثلاً فی قصّه النبیّ إبراهیم علیه السلام یقول: «فَلَمّا جَنَّ عَلَیْهِ اللَّیْلُ رَأی کَوْکَباً...»3 ، فالإنسان السالک یفهم من هذه الآیه الشریفه أنّ الإنسان ومن أجل إدامه سیره وسلوکه إلی اللّه تعالی یجب أن یبتدیء هذا السیر من منتهی ظلمه الطبیعه إلی أن یصل إلی نور اللّه تبارک وتعالی.

ص:388


1- (2) . انظر: آداب الصّلاه، ص 186.

123- تعظیم القرآن، هو التوجّه إلی مضامینه

أحد المسائل والأمور التی یتحدّث عنها القرآن الکریم، بیان أحوال الکفّار والمنکرین والأشخاص الذین یکذّبون بآیات اللّه والرساله السماویّه، وفی مقابل ذلک یبیّن القرآن أیضاً أحوال المتقین والأبرار الصالحین والمحسنین والأشخاص الذین آمنوا وصدقوا بآیات اللّه تعالی وبأنبیائه وکتبه، ویبیّن اللّه تعالی بجلاء ووضوح عاقبه کلّ فئه من هاتین الفئتین، فالفراعنه، والنماره، وقارون وشداد وأصحاب الفیل وأمثالهم کانت عاقبتهم وخیمه فی الدنیا وینتظرهم العذاب فی الآخره، وفی مقابل هؤلاء یتحدّث القرآن عن العاقبه الحسنه التی تنتظر أهل الولایه والصلاح والإیمان، وإحدی المسائل التی تحدّث عنها القرآن الکریم ذکر أحوال المعاد والبراهین الداله علی تحقّقه وکیفیّه العذاب الاُخروی، وأحوال الجنّه والنار، وأحوال أهل السعاده ودرجاتهم فی الجنّه، وسبق أن ذکرنا فی تفسیر الآیه الشریفه: «اَلَّذِینَ آتَیْناهُمُ الْکِتابَ یَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ...»1 ، أنّ الإمام الصادق علیه السلام یقول فی تفسیر هذه الآیه

ص:389

الشریفه أنّ حقّ التلاوه:

«هُوَ الوُقُوفُ عِنْدَ ذِکرِ الجَنَّهِ وَالنَّارِ»، أی لا ینبغی علی قاریء القرآن عندما یصل إلی ذکر الجنّه والنار وحالات أهل الجنّه والنار أن یمرّ علیها مرور الکرام، بل یتمعّن ویتدبّر فی هذه الآیات الشریفه ویطلب من اللّه تعالی أن یجعله من أهل الجنّه وعندما یمرّ بآیات العذاب وأهل النار وما فی جهنّم من عقوبات ألیمه لا تتصوّرها عقولنا ومخیلتنا، فهنا نستجیر باللّه تبارک وتعالی من عذابه ونقمته وسخطه.

وقد ذکر القرآن الکریم بشکل تفصیلی براهین إثبات وجود اللّه والتوحید وصفات اللّه وأسمائه الحسنی، ومن هذا المنطلق فمعنی التعظیم للقرآن، وهو أوّل أدب لقراءه القرآن، هو أنّ القاریء للقرآن یتمعّن فی مضامین هذا الکتاب الإلهی، فلا یوجد کتاب فی العالم یملک مضامین راقیه ومفاهیم سامیه کمفاهیم القرآن وتعالیمه، وهو الکتاب الذی تضمّن حقائق عالم الوجود من الأزل إلی الأبد وذکرها وفصّلها للبشر فی جمیع الأبعاد، وهو کتاب السعاده والهدایه ولم یجد ولن یجد أفراد البشر أی کتاب أکمل وأشمل أدقّ من القرآن الکریم، لیس فقط القرآن، بل سوره واحده من سوره وحتّی آیه من آیاته الکریمه، یقول أمیرالمؤمنین صلوات اللّه علیه: «البَیْتُ الَّذی یُقرَأُ فِیهِ القُرآنُ وَیُدکَرُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِیهِ تَکْثُرُ بَرَکَتُهُ وَتَحْضُرُهُ المَلائِکَهُ وَتَهْجُرُهُ الشَّیاطِینَ»، أی تبتعد عن هذا البیت الکثیر من المشکلات والأزمات ویعیش أصحاب هذا البیت حالات الطمأنینه والبهجه من الناحیه المعنویّه.

«ویُضِیءُ لأَهلِ السَّماءِ کَمَا تُضِیءُ الکَواکِبُ لأَهلِ الأَرِضِ، وَإِنَ البَیتِ الَّذی لا یُقرأُ فِیهِ القُرآنُ وَلا یُذکَرُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِیهِ تَقِلُّ بَرَکَتُهُ وَتَهجُرُهُ المَلائِکَهُ وَتَحضُرُوهُ الشَّیاطِینَ»(1)، ویترتّب علی ذلک أنّ أصحاب هذا البیت یعیشون التوتر

ص:390


1- (1) . الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 2، ص 610.

والمشکلات المادیّه والنفسیّه، بخلاف البیت الذی یقرأ فیه القرآن فإنّ الهدوء والاستقرار یهیمن علی أجوائه والنورانیّه والأمل والصفاء تملء قلوب أصحابه وأهله، وعلی هذا الأساس فالمؤمنون یجب أن یهتمّوا بقراءه القرآن ولا یغفلوا عن هذه النعمه العظیمه.

ص:391

124- القرآن کتاب تعلیم وتربیه

وأحد آداب قراءه القرآن الأخری أنّ الشخص عندما یقرأ القرآن فینبغی أن یقرأه بهدف التعلّم وطلب المعرفه، فإنّ اللّه تبارک وتعالی جعل القرآن کتاب تعلیم وتربیه وأختار لهذه المهمّه وتبلیغ هذه الرساله أفضل عباده لغرض تعلیم الناس وتربیتهم، وهذه الجهه مهمّه جدّاً، فلو أننا أردنا قراءه القرآن من أجل الثواب والأجر فقط، أو بهدف الاطلاع علی بعض فنونه الأدبیّه والفصاحه والبلاغه، فإنّما نبتعد بذلک عن الهدف الأصلی من قراءه القرآن وهو التعلیم، وکسب المعرفه، وفی القرآن الکریم آیات متعدده تصرّح بهذا الأمر وأنّ القرآن هو کتاب علم ومعرفه، فنقرأ فی آیه 151 من سوره البقره أنّه تعالی یقول: «کَما أَرْسَلْنا فِیکُمْ رَسُولاً مِنْکُمْ یَتْلُوا عَلَیْکُمْ آیاتِنا وَ یُزَکِّیکُمْ وَ یُعَلِّمُکُمُ الْکِتابَ وَ الْحِکْمَهَ...» ، فإحدی وظائف الرسول الکریم، تعلیم الناس بهذا الکتاب، بمعنی أن تکون قراءه القرآن مقدّمه لحصول الإنسان علی المقاصد الحقیقه للقرآن الکریم وما یریده اللّه تعالی من عباده، ونقرأ فی الآیه 164 من سوره آل عمران: «لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَی

ص:392

وأحد آداب قراءه القرآن الأخری أنّ الشخص عندما یقرأ القرآن فینبغی أن یقرأه بهدف التعلّم وطلب المعرفه، فإنّ اللّه تبارک وتعالی جعل القرآن کتاب تعلیم وتربیه وأختار لهذه المهمّه وتبلیغ هذه الرساله أفضل عباده لغرض تعلیم الناس وتربیتهم، وهذه الجهه مهمّه جدّاً، فلو أننا أردنا قراءه القرآن من أجل الثواب والأجر فقط، أو بهدف الاطلاع علی بعض فنونه الأدبیّه والفصاحه والبلاغه، فإنّما نبتعد بذلک عن الهدف الأصلی من قراءه القرآن وهو التعلیم، وکسب المعرفه، وفی القرآن الکریم آیات متعدده تصرّح بهذا الأمر وأنّ القرآن هو کتاب علم ومعرفه، فنقرأ فی آیه 151 من سوره البقره أنّه تعالی یقول: «کَما أَرْسَلْنا فِیکُمْ رَسُولاً مِنْکُمْ یَتْلُوا عَلَیْکُمْ آیاتِنا وَ یُزَکِّیکُمْ وَ یُعَلِّمُکُمُ الْکِتابَ وَ الْحِکْمَهَ...» ، فإحدی وظائف الرسول الکریم، تعلیم الناس بهذا الکتاب، بمعنی أن تکون قراءه القرآن مقدّمه لحصول الإنسان علی المقاصد الحقیقه للقرآن الکریم وما یریده اللّه تعالی من عباده، ونقرأ فی الآیه 164 من سوره آل عمران: «لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَی

اَلْمُؤْمِنِینَ إِذْ بَعَثَ فِیهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ یَتْلُوا عَلَیْهِمْ آیاتِهِ وَ یُزَکِّیهِمْ وَ یُعَلِّمُهُمُ الْکِتابَ وَ الْحِکْمَهَ...».

والنقطه الجدیره بالملاحظه هنا أنّ هذه الجهه التعلیمیّه تتعلّق بجمیع الکتب السماویّه، ونقرأ فی بعض الآیات القرآنیّه الأخری أنّها أشارت إلی هذا المعنی أیضاً، کما ورد فی الآیه 48 من سوره آل عمران: «وَ یُعَلِّمُهُ الْکِتابَ وَ الْحِکْمَهَ وَ التَّوْراهَ وَ الْإِنْجِیلَ» ، وهکذا نری أنّ مسأله التعلیم والتربیه تستوعب جمیع الکتب السماویه من القرآن والتوراه والانجیل الحقیقی.

وکیف کان، فالقاریء للقرآن یجب أن یلتفت أنّ القرآن کتاب تعلیم ومعرفه، ویجب علی الإنسان من خلال القرآن أن یغترف من بحر العلم فیصل إلی حقائق الوجود، والنقطه الدقیقه جدّاً التی ذکرها الإمام الخمینی رضوان اللّه علیه(1) أنّ مسأله التعالیم لا تنحصر ببیان الجهات الأدبیّه للقرآن أو بیان شأن نزول الآیات أو اختلاف القراءات، إنّ بحث تعالیم القرآن یرتبط بأنّ اللّه تبارک وتعالی أراد للإنسان بواسطه هذه الآیات الشریفه أن یصل إلی مقصوده النهائی، وهو هدایه الإنسان فی طریق الکمال المعنوی والوصول إلی مراتب عالیه من القرب الإلهی، ثمّ إنّ الإمام کشف عن حقیقه بلغه العتب وقال: یجب علینا الاعتراف بأنّ المفسّرین الکبار للقرآن لم یفتحوا باب التعالیم أمام الناس، بل أعلی من ذلک قال: أنا لا أستطیع القبول بوجود تفسیر للقرآن لحدّ الآن.

وهکذا نری الإمام الخمینی رحمه الله فی ذات الوقت الذی یقدّر ویحترم تفاسیر علماء الإسلام ویدعو لهم ویقدّر جهودهم، ولکنّه یقول: فی نظری أنّ هذه التفاسیر لیست تفسیراً حقیقیاً، لأنّها مجرّد شرح مقاصد الکتاب ویجب علی المفسّر أن یبیّن المقصود من نزول هذه الآیات لا بیان سبب نزول الآیات، ولذلک

ص:


1- (1) . انظر: آداب الصّلاه، ص 192.

یؤکّد أننا یجب أن نری فی کلّ آیه الجهه التعلیمیّه الأصلیّه یعنی ما کان مقصود المعلّم الأوّل والآخر للبشر وهو اللّه تبارک وتعالی وما هو غرضه ومقصوده من هذه الآیات؟

وفی نظر الإمام الراحل رحمه الله فإنّ البعد الأصلی لتعالیم جمیع آیات القرآن الکریم یدور حول محور الهدایه وفتح الطریق للبشر فی حرکتهم وسیرهم المعنوی وسلوکهم إلی اللّه تعالی، ومن هذا المنطلق یجب علی المفسّر مهما أمکن أن یستخرج جمیع الجهات العرفانیّه والتربویّه من قلب الآیات الشریفه، کما هو الحال فی قصّه النبیّ آدم وحواء وقصّه الشیطان واخراجهم من الجنّه وهبوطهم إلی الأرض، فهذه القصّه تتضمّن معارف ومواعظ کثیره بحیث إنّ الإنسان إذا أراد أن یعرف نفسه ویکتشف عیوبه ویتعرّف علی خطط وخطوات إبلیس وفخاخه ومصائده بشکل صحیح فیمکنه الاستفاده من هذه الآیات الکریمه.

إنّ المفسّر الذی یغفل عن الجوانب وأبعاد العرفانیّه والتربویّه والأخلاقیّه فی الآیات الکریمه فإنّه یغفل عن المقصود الأصلی للقرآن، ومن هنا یجب علی قاریء القرآن الاهتمام بهذا أدب القرآنی من آداب التلاوه وهو ما یخصّ الجانب التعلیمی للقرآن، وعندما یقرأ القرآن یکون همّه الانتهاء من السوره أو من القراءه بل یتدبّر أکثر فی الآیات الکریمه ویتفقّه ویهتمّ بالنقاط الأخلاقیّه والعرفانیّه والتربویّه التی یستوحیها من هذا الکتاب السماوی.

ص:394

125- آداب التلاوه رفع الموانع والحُجب (العُجب - الأفکار الباطله)

أحد آداب تلاوه القرآن، رفع موانع الاستفاده من القرآن الکریم وإزاحه الحجب والستائر التی تمنع من وصول الإنسان إلی حقائق القرآن، وهذا البحث تحدّث عنه الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه، فی کتابه «آداب الصّلاه»(1) بعبارات دقیقه وعمیقه جدّاً، وأحد هذه الموانع حجاب الأنانیّه والعجب، والذی یتسبّب فی توقف الفرد عن الحرکه فی خطّ البحث عن الحقیقه والتوصل إلیها، فلو أنّ الشخص حصر نفسه فی دائره علم من العلوم ونظر إلی القرآن الکریم وقرأ آیاته من هذه الزاویه فقط، فهذا نوع من أنواع العجب والانحصار فی الفهم وضیق الرؤیه وبالتالی یتسبّب فی وضع حجاب بینه وبین القرآن.

ولو أنّ الأدیب تصوّر أنّ القرآن منحصر فقط فی جهاته الأدبیّه والبلاغیّه، ولو أنّ الفقیه تصوّر أنّ القرآن منحصر فقط فی جهاته الفقهیّه والشرعیّه، ولو أنّ

ص:395


1- (1) . انظر: آداب الصّلاه، ص 195.

الفیلسوف تصوّر أن القرآن منحصر فی بیان الحقائق الفلسفیّه، فإنّهم لم یصلوا أبداً إلی حقیقه آیه واحده من آیاته الکریمه فضلاً الوصول إلی حقیقه القرآن، فلا ینبغی لأی عالم أن یحصر نفسه فی فرع خاصّ من الفروع العلمیّه، وإحدی تعالیم القرآن المهمّه أنّ أی عالم وفی أیه مرتبه علمیّه کان، حتّی الأنبیاء فی مرتبه النبوّه، لا ینبغی لهم الغفله عن طلب الزیاده فی العلم والمعرفه.

ونری أنّ الباری تعالی یأمر نبیّه الکریم فی القرآن ویقول: «وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِی عِلْماً»1 ، فرغم أنّ النبیّ الکریم وصل إلی أعلی مراتب العلم والمعرفه بین سائر موجودات العالم ولکن باب العلم وحقیقه المعرفه عند اللّه تبارک وتعالی لا تتحدّد بحدّ معین وأوسع من أن یحیط بها إنسان حتّی نبیّ الکریم بحیث کان یسأل اللّه تعالی الزیاده فی العلم والمعرفه.

والنتیجه أنّ المؤمن عندما یقرأ القرآن یجب أن یأخذ بنظر الاعتبار هذا الدعاء لیستزید من العلم، فإنّ اللّه تعالی یثیر العلم والمعرفه لکلّ إنسان بحقّ ومقدار وظرفیتّه وقابلیّته.

ونقرأ فی قصّه النبیّ موسی والخضر علیهما السلام، أنّ موسی علیه السلام مع أنّه کان یملک مقام النبوّه ولکنّه لم یقنع بذلک الحدّ والمرتبه من مقام العلم والمعرفه، ولذلک عندما التقی بالخضر علیه السلام ورأی فیه إنساناً کاملاً وعالماً وعارفاً فإنّه طلب منه بکلّ تواضع أن یستفید من علمه: «قالَ لَهُ مُوسی هَلْ أَتَّبِعُکَ عَلی أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً»2 ، إذن فأول حجاب یجب علی الإنسان إزاحته، إزاحه الأنانیّه والعُجب عن ذاته، وعندما یجلس فی محضر القرآن الکریم سیواجه بحاراً من العلوم والمعارف الکثیره ولا ینبغی أن یتصوّر أنّ هذا الکتاب العظیم محصور ومنحصر فی فرع خاصّ من العلوم.

ص:396

ونقرأ فی بعض الروایات: «مَنْ أَرَادَ العِلمَ فَلَیُثَوِّرُ القُرانَ»(1)، یعنی لیحرث القرآن ویبحث فی مطاویه ومضامین آیاته الکریمه ویهدف فی بحثه هذا أن یفتح من کلّ آیه قرآنیّه باب من العلم والمعرفه، وکلمه علم فی «مَنْ أَرَادَ العِلمَ...» لا تعنی فقط علوم الآخره بل تشمل کلّ ما ینتفع به من حقیقه العلم، إذن فالشخص الذی یقرأ القرآن یجب أن یتأدب بهذا الأدب وأن یزیح عن نفسه وعقله حجاب الأنانیّه والعُجب والغرور ورؤیه الذات ویتحرّک فقط لطلب الحقائق الکامنه فی آیات القرآن الکریم وینتفع به أکثر.

ومن الحُجب الأخری التی تقع بین الإنسان وآیات القرآن حجاب الأفکار الباطله والأفکار الفاسده التی وصلت إلی الإنسان من القدماء واکتسبها بشکل إرث تقلیدی، ومعلوم أنّ وجود الآراء الفاسده والأفکار والمسالک الباطله یمنع الإنسان من الاستفاده الصحیحه من القرآن الکریم، وثمّه نماذج کثیره علی هذا الموضوع وقد استعرض الإمام الخمینی رحمه الله أمثله علی ذلک فی کتابه «آداب الصّلاه»(2) وقال: نحن نری فی القرآن الکریم آیات عدیده تتعلّق بلقاء اللّه ومعرفته مثل: «إِنَّ الَّذِینَ لا یَرْجُونَ لِقاءَنا...»3 ، أو «مَنْ کانَ یَرْجُوا لِقاءَ اللّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللّهِ لَآتٍ...»4 ، وهکذا ما ورد فی الأحادیث الشریفه والأدعیه ومناجاه الأئمّه الأطهار علیهم السلام وما فیها من مسائل وتعالیم کثیره وعمیقه من قبیل عبارات المناجاه الشعبانیّه.

والآن إذا أراد شخص أن یقرأ هذا الکتاب الإلهی برؤیه سطحیّه وظاهریّه واعتقد أنّ باب معرفه اللّه ومشاهده الجمال الإلهی مسدود وموصد تماماً وتصوّر

ص:397


1- (1) . مجمع البحرین، ج 3، ص 238.
2- (2) . انظر: آداب الصّلاه، ص 197.

خطأ أنّ هذا الباب من المعرفه لا یمکن درکه کما فی باب معرفه الذات الإلهیّه، فإنّه قد حرم نفسه من الکثیر من المعارف الإلهیّه والقرآنیّه، ورغم أنّه ورد فی بعض الروایات النهی عن التفکّر فی ذات اللّه، ولکن هذه المعارف تختلف عن معرفه الذات، فبحث لقاء اللّه ومشاهده الجمال الإلهی مطلوب وغایه بأولیاء اللّه ونقرأ فی المناجاه الشعبانیّه: «اِلهیٖ هَبْ لیٖ کَمالَ الْإِنْقِطاعِ الَیْکَ، وَاَنِرْ ابْصارَ قُلُوبِنا بِضِیآءِ نَظَرِها الَیْکَ، حَتّی تَخْرِقَ ابْصارُ الْقُلُوبِ حُجُبَ النُّورِ...»، وطبقاً لهذه المضامین الشریفه فالإنسان یستطیع إزاحه الحجب والحصول علی کمال الانقطاع إلی اللّه تعالی وبالتالی مشاهده الجمال الإلهی.

إنّ إنکار هذه البحوث والمسائل یحرم الإنسان من الکثیر من الحقائق الوارده فی القرآن الکریم، والنقطه العجیبه والمثیره جدّاً فی کلام الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه هی قوله: إنّ مثل هذه الأفکار هی السبب فی کون القرآن مهجوراً کما تقول الآیه علی لسان النبیّ: «یا رَبِّ إِنَّ قَوْمِی اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً»1 ، فمهجوریه القرآن لیس بسبب أنّ الناس لا تقرأ القرآن أو لا أحد یتلو آیاته الکریمه أو لا یعمل به، فإنّ المهجوریّه لها مراتب متعدده بحیث إننا جمیعاً متورطون فی هذا الشأن، وأحد هذه المراتب الحرمان من هذه الحقائق الموجوده فی آیات القرآن والتی تتعلّق بلقاء اللّه ومعرفته ومشاهده سبحات جماله، ولو أنّ للإنسان هذه الأفکار الباطله وأراد تکذیب هذه الآیات أو یفسّرها بتفاسیر سطحیّه ساذجه، فهذا یؤدّی أیضاً إلی مهجوریّه القرآن.

وعلی هذا الأساس فإنّ أحد الحجب التی یجب علی قاری القرآن إزاحتها، العقائد الفاسده والمسالک الباطله ویسعی للتخلّص منها لیتمکن من الاقتراب من حقائق القرآن.

ص:398

126- آداب التلاوه رفع الموانع، عدم حصر التفسیر بفهم القدماء

الحجاب الثالث الذی أشار إلیه الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه(1) ، أنّ مفسّر القرآن لا ینبغی أن یتصوّر أنّ کلّ ما فی آیات القرآن من معارف وتعالیم ومفاهیم قد ذکر فی تفاسیر المفسّرین، وإذا أراد إضافه مسأله أخری ومفهوم آخر علی هذه التفاسیر فسیکون هذا من مصادیق التفسیر بالرأی، ولیس له حقّ بیانه، مثلاً فی قصّه النبیّ موسی والخضر علیهما السلام وکیفیّه طلب النبیّ موسی علیه السلام العلم من هذا العالم وجواب الخضر علیه السلام وکیفیّه السؤال والجواب والحوار بین هذین النبیین یستفاد منه أهمیّه العلم والتعلّم، فنحن نستطیع أن نستوحی عشرین أدباً من آداب المعلّم والمتعلِّم لم ترد الإشاره إلیها فی کلمات المفسّرین السابقین من هذه القصّه، فلا یتصوّر أحد أنّ هذا من باب التفسیر بالرأی، أو مثلاً الآیه الشریفه:

«اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِینَ»2 ، فقد یستوحی منها أحدهم أنّ جمیع أشکال الحمد

ص:399


1- (1) . انظر: آداب الصّلاه، ص 197.

والثناء وفی أی مکان ومن أی شخص صدر ولأی شخص کان المقصود بالثناء والحمد، فإنّ جمیع هذه الأنواع والحالات من الحمد والثناء تعود فی حقیقتها إلی اللّه تعالی، ومثل هذا المعنی المستفاد من هذه الآیه لا یعتبر من التفسیر أساساً حتّی یقال إنّه من مصادیق التفسیر بالرأی، فلو طالعتم تفاسیر القرآن فسوف ترون أنّ مفسّراً أحیاناً یخطیء مفسّراً آخراً بحجّه أنّ کلامه من قبیل التفسیر بالرأی، ولکن لو أنّ المفسّر استوحی من الآیه الشریفه نقطه عرفانیّه دقیقه فسوف یتهمه مفسّر آخر بأنّه من قبیل التفسیر بالرأی.

یقول الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه: هذا الکلام والاتهام بنفسه نوع من الحجاب، فعندما یصل المفسّر بعد تدبّره بآیات القرآن إلی حقیقه معیّنه بحیث إنّ الآخرین لم یتوصلوا إلیها کأن یفهم نقطه أخلاقیه أو إشاره عرفانیّه باب السیر والسلوک المعنوی أو معلومه إرشادیّه من آیات القرآن فلا ینبغی أن نتصوّر أنّ هذا من قبیل التفسیر بالرأی.

ولکن العلماء الآخرین أجروا مسأله التفسیر بالرأی إلی جمیع آیات القرآن، وهنا نری أنّ أحد آراء الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه أنّه قال: لا أستبعد، بل احتمل قویاً أنّ مسأله التفسیر بالرأی التی وقعت مورد الذم، تتعلّق بآیات الأحکام ولا تتعلّق بجمیع آیات القرآن الکریم، ومعلوم أنّ العقل البشری قاصر عن فهم آیات الأحکام وتشخیصها وتشخیص مقادرها ومقادیر الحدود الإلهیّه، ولذلک لا یحقّ للعقل البشری أن یتصرّف بآیات الأحکام، خلافاً لسائر الآیات الکریمه التی یستحسن التفکّر بها والتدبّر فیها بواسطه العقل البشری، فهناک آیات لا مجال لفهم مضامینها إلّامن خلال العقل وبواسطه التعّقل، فالعقل فقط هو الذی یجب أن یحضر إلی هذا المیدان، وعلی هذا الأساس یجب علی الإنسان أن یزیح هذا الحجاب عن فکره وقلبه ولا یتصوّر أنّه إذا استوحی نقطه معرفیّه أو مسأله علمیّه من هذه الآیه فإنّه من قبیل التفسیر بالرأی.

ص:400

127- آداب التلاوه المانع الثانی والثالث لفهم القرآن: حجاب المعاصی وحبّ الدنیا

قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله: «إِنّ للقُلُوبَ صَدَأ کَصَدَأ النُّحاسِ فَاجْلُوها بِالإِستِغْفَارِ وَتِلاوَهِ القُرآنِ»(1)

یجب علی المصلّی، بغض النظر عن الصّلاه، الالتفات إلی أهمیّه قراءه القرآن، فالشخص الذی یعتقد بأهمیّه قراءه القرآن وتلاوته، فإنّ صلاته ستکون صلاه أخری، وتترتّب علی قراءه القرآن آثار وبرکات کثیره جدّاً، یقول النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله: «إِنّ للقُلُوبَ صَدَأ کَصَدَأ النُّحاسِ...»، أی کما أنّ النحاس والفلزات الأخری تصدأ، فکذلک قلب یصدأ بما یتراکم علیه من الشوائب والنوازع النفسانیّه والأعمال السیئه فربّما لا یکتشف هذا القلب الطریق إلی الحقّ والهدایه.

«فَاجْلُوها بِالإِستِغْفَارِ وَتِلاوَهِ القُرآنِ»، فیوصی النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله لتطهیر القلب من هذا الصدأ والرین، بأمرین: أحدهما، الاستغفار، والثانی، تلاوه القرآن.

وسبق أن قلنا إنّ تلاوه القرآن لها آداب، وأحدها أن یزیح قاریء القرآن

ص:401


1- (1) بحار الأنوار، مطبعه بیروت، ج 74، ص 172.

الحجب الموجوده بینه وبین آیات القرآن، ومنها حجاب الأنانیّه والعُجب، وحجاب العقائد الفاسده والأفکار الباطله، ومنها حجاب أن یتوقّف القاریء للقرآن عن التفکیر والتدبّر فی آیات القرآن ویجمد عقله وحصره بالتفاسیر السابقه.

ومن الحجب الأخری، حجاب المعاصی، فالشخص القاریء القرآن یجب أن یبتعد عن معاصی اللّه ویجتنب الذنوب، لأنّ أعمال الإنسان وسلوکیاته، سواءً الجیده أو السیّئه تترک أثراً فی نفس الإنسان وباطنه، فقد ورد فی الروایات أنّ الإنسان عندما یذنب فسوف یترک هذا الذنب نقطه سوداء فی قلبه وإذا استمر فی ارتکاب المعاصی والذنوب ولم یتب إلی اللّه، فإنّ تلوّث القلب یزداد حتّی یطغی التلوّث والرین علی جمیع القلب، والقرآن یصرّح بأنّ القلب الملوّث لا یدرک الحقیقه ولیس قلباً سلیماً، بالتالی فإنّ هذا القلب لا یتأثر بالموعظه ولا یسلک طریق الحقّ والحقیقه.

وقد یسأل بعض المتدینین: لماذا لا تؤثر الموعظه فی بعض الأشخاص؟ أحیاناً یدخل الإنسان إلی مقبره ویری قبور الموتی ویعلم أنّ عاقبته ونهایه حیاته ستکون إلی هذا المکان ولکن هذا المشهد لا یؤثر فیه لماذا؟ ولماذا عندما یقرأ آیات القرآن التی تتحدّث عن الجنّه والنار لا تؤثر فیه شیئاً؟ السبب فی ذلک یعود إلی صدأ القلب والرین المتراکم علی قلب هذا الإنسان بسبب الذنوب والخطأ.

یجب علی قاریء القرآن أن یطهّر قلبه کلّ یوم ویجلوه بالاستغفار وتلاوه القرآن لکی یعود هذا القلب إلی صفائه ونقائه، ویتحرّک لفهم حقائق الآیات القرآنیّه بهذا القلب النقی، «لَهُمْ قُلُوبٌ لا یَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْیُنٌ لا یُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا یَسْمَعُونَ بِها أُولئِکَ کَالْأَنْعامِ...»1 ، فالشخص الذی ران علی قلبه

ص:402

وتراکمت علیه الموانع والحجب وغطت علی عینه غشاوه الأهواء والمیول النفسانیّه فسوف لا ینتبه إلی الحقائق النورانیّه، یقول القرآن: إنّ حال هؤلاء حال الأنعام بل هم أشدّ وأضلّ، لأنّ الأنعام لا تملک هذه القوی التی یملکها الإنسان للفهم والتعّقل والإدراک ولکن هؤلاء یملکون هذه النعم والمواهب التی وهبها للّه تعالی للإنسان ولکنّهم ضیّعوها وأهملوا الاستفاده منها بشکل صحیح، إذن یجب علی قاریء القرآن أن یزیل عن قلبه حجاب المعصیه ویزیحه عن بصیرته.

وآخر حجاب، حجاب حبّ الدنیا، یقول الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه، إنّ حبّ الدنیا من الحجب الغلیظه والستائر الضخیمه ومن الحجب التی لا یستطیع الإنسان بسهوله إزاحتها وإبعادها عنه، فالإنسان إذا أراد أن یفهم مضامین القرآن ویتدبّر فی آیاته یجب علیه إزاحه حبّ الدنیا عن قلبه: «أَ فَلا یَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلی قُلُوبٍ أَقْفالُها»1 ، وأحد هذه الأقفال المهمّه حبّ الدنیا.

وجاء فی روایات کثیره أنّ قاریء القرآن إذا قرأ القرآن للحاکم الجائر فسوف یکون من أهل النار، والأشخاص الذین یقرأون القرآن لکسب قلب الناس والفات نظرهم فهم من أهل النار، والأشخاص الذین یقرأون القرآن لتحصیل المال والثروه فهم من أهل النار، ولذلک یجب علی الإنسان تطهیر نفسه وقلبه من حبّ الدنیا وإزاحه هذا الحجاب عن بصیرته ولا یجعل القرآن سبیلاً وطریقاً لتحصیل الدنیا، فلو أننا التفتنا إلی هذه الحجب وتحرّکنا لإزاحتها من واقعنا وقلوبنا فنرجو أن یفتح اللّه تعالی بصیرتنا علی حقائق القرآن إن شاء اللّه.

ص:403

128- آداب التلاوه التفکّر والتدبرّ فی القرآن وتطبیقه علی النفس

تحدّثنا فی بحث أسرار الصّلاه عن آداب قراءه القرآن، وذکرنا أنّ الإنسان المصلّی إذا اهتمّ بقراءه القرآن فی غیر الصّلاه کثیراً، واهتمّ بتلاوه القرآن فی صلاته بتلک المرتبه، فسوف تترتّب علی صلاته آثار عجیبه وبرکات کثیره، واستعرضنا بعض الروایات التی تؤکد أنّ تلاوه آیه واحده فی غیر الصّلاه لها من الأجر عشر حسنات، فلو قرأ الإنسان نفس هذه الآیه فی الصّلاه فإنّه سیحصل علی مائه حسنه، وهذه الحسنات لیست فقط ثواباً فی الآخره بل لها آثار وضعیه ومعنویه فی هذا العالم الدنیوی أیضاً.

وأحد الآداب التی یجب علی قاریء القرآن الالتفات إلیها، التفکّر والتدبّر فی آیات القرآن، یقول تبارک وتعالی: «أَ فَلا یَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ...»1 ، أو قوله تعالی:

وَ أَنْزَلْنا إِلَیْکَ الذِّکْرَ لِتُبَیِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَیْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ یَتَفَکَّرُونَ»2 ، فالتفکّر لا

ص:404

یختصّ بفعل دون آخر، ولا یختصّ بالعلماء دون عامه الناس، فکلّ شخص بإمکانه أن یتفکّر ویتدبّر فی آیات القرآن ولا سیما فی الآیات التی تتحدّث عن قصص الأقوام السالفه مع أنبیائهم، فالتفکّر فی هذه الآیات واستخلاص نقاط علمیّه وتربویّه وأخلاقیّه وعرفانیّه میسور للجمیع، ولذلک یقول تعالی:

«فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ یَتَفَکَّرُونَ»1 ، وقد ورد فی ذیل الآیه الشریفه: «إِنَّ فِی خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّیْلِ وَ النَّهارِ لَآیاتٍ لِأُولِی الْأَلْبابِ»2 ، روایه فی هذا الشأن یقول علیه السلام: «وَیلٌ لِمَنْ قَرَأَها وَلَمْ یَتَفَکَّر فِیها»(1)، أی یجب علیه أن یفکّر فیما تشیر إلیه هذه الآیه الشریفه من علائم الخلقه وفی الطبیعه وفی السماوات والأرض، فعندما یتفکّر الإنسان بهذه الآیات والعلامات فی عالم الطبیعه فسوف یصل إلی حقائق جلیّه ومعارف بهیّه، ویوجد فی القرآن الکریم آیات کثیره تدعو أرباب العقول وأصحاب الفکر إلی التفکّر فی عالم الخلقه لیلتفت الإنسان من خلال هذا الطریق إلی عظمه الباری تعالی وقدرته المطلقه وبذلک یتعمّق إیمانه ویترسخ فی قلبه.

ومن هذا المنطلق فإنّ أحد آداب قراءه القرآن، التفکّر فی کلّ آیه، وذلک میسور للجمیع: «وَ لَقَدْ یَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّکْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّکِرٍ»4.

وآخر أدب من آداب تلاوه القرآن، مسأله التطبیق والعمل بالتعالیم، یعنی أنّ الإنسان عندما یقرأ کلّ آیه فعلیه أن یلاحظ نفسه هل أنّ هذه الآیه تنطبیق علیه أم لا؟ وهکذا یقیس نفسه ویعرف موقعه من هذه الآیه الشریفه، فعندما یمرّ بالآیات التی تتحدّث عن الجنّه أو النار، والآیات التی تتحدّث عن الإیمان وخصوصیّات المؤمنین، فیری هل أنّ هذه الآیات تنطبق علیه، وهل أنّه من زمره

ص:405


1- (3) . تفسیر نور الثقلین، ج 1، ص 350.

أهل الجنّه ومن المؤمنین أم لا؟ فإذا قرأ الآیات التی تتعلّق بالکفر والنفاق والشرک والضلاله، فیری نفسه هل أنّ هذه الآیات، لا سمح اللّه، تنطبق علیه، وهل أنّه من زمره الکفّار والمنافقین أم لا؟ إنّ مسأله التطبیق تعدّ إحدی المسائل المهمّه جدّاً، والتی یجب علی قاریء القرآن الالتفات إلیها والاهتمام بها.

وجاء فی ذیل الآیه الشریفه: «اَلَّذِینَ آتَیْناهُمُ الْکِتابَ یَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ...»1 ، روایه عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال: «حَقَّ تِلاوَتِهِ هُوَ الوُقُوفُ عِنْدَ ذِکرِ الجَنَّهِ وَالنَّارِ یَسأَلُ فِی الاُولی ویَستَعِیذُ مِنْ الأُخری»(1).

وکذلک ورد فی الحدیث الشریف عن النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله أنّه قال یوماً لأبن مسعود، اقرأ علیَّ بعض آیات القرآن، قال ابن مسعود: «فَفَتَحْتُ سُورَهُ النِّساءِ»،

وشرعت بتلاوتها: «فَکَیْفَ إِذا جِئْنا مِنْ کُلِّ أُمَّهٍ بِشَهِیدٍ وَ جِئْنا بِکَ عَلی هؤُلاءِ شَهِیداً»3 ، قال ابن مسعود: «رَأَیْتُ عَینَاهُ تَذرِفَانِ مِنَ الدَّمعِ، فَقاَلَ: حَسبُکَ الآن»(2)، وکأنّ رسول اللّه صلی الله علیه و آله یری نفسه حاضراً یوم المحشر، ویری هذه المشاهد فعندها سالت الدموع من عینه الکریمتین، ونری أنّ النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله الذی جاء للبشریّه بهذا الکتاب السماوی ومع أنّ اللّه تعالی قد وعده فی هذا القرآن وعوداً کثیره فی الآخره، ولکن النبیّ بکی عندما سمع بهذه الآیه وقال لابن مسعود: «حَسبُکَ الآن»، أی کفی، وعلی هذا الأساس فإنّ تطبیق آیات القرآن علی النفس من جمله آداب التلاوه المهمّه ویجب الالتفات إلیها.

ص:406


1- (2) وسائل الشیعه، ج 6، ص 217.
2- (4) بحار الأنوار، مطبعه بیروت، ج 16، ص 294.

129- آداب التلاوه القلب الخاشع، البدن الفارغ، المکان الخالی

جاء فی کتاب «مصباح الشریعه» عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال: «مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ وَلَمْ یَخْضَعْ للّهِ وَلَمْ یَرَقَّ قَلْبُهُ وَلا یَکْتَسی حُزناً وَوَجَلاً فِی سِرِّهِ فَقَدْ استَهَانَ بِعَظِیمِ شَأَنِ اللّهِ تَعالی وَخَسِرَ خُسرَاناً مُبِیناً»، فلو أنّ قاریء القرآن لم یجد أثراً وتفاوتاً فی نفسه بهذه القراءه ولم یستشعر الحزن والفرح فی قلبه فإنّ هذا الشخص قد استهان باللّه تعالی وخسر خساره عظیمه ولم یحصل علی ثمرات وبرکات هذه القراءه.

«فَقَارِیء القُرْآنِ یَحتَاجُ إِلی ثَلاثَهِ أَشیَاءَ قَلْبٌ خَاشِعٌ وبَدنٌ فارِغٌ وَمَوضِعٌ خَالٍ فَإِذا خَشَعَ للّهِ قَلْبُهِ فَرَّ مِنْهُ الشَّیطَانُ الرَّجِیمُ»(1)، هذه الاستعاذه باللّه تعالی من شرّ وساوس الشیطان من أجل أنّ اللّه تعالی یُبعد الشیطان من قلب الإنسان المؤمن الخاشع للّه، فالقلب الذی یستشعر الخضوع والخشوع فی مقابل الباری تعالی

ص:407


1- (1) . مصباح الشریعه، ص 28 عن بحار الأنوار، ج 82، ص 43.

یکون مستعداً لنیل الأنوار الإلهیّه، بمعنی أنّ الشیطان هو المانع الأکبر لتجلّی نور الحقّ علی قلب هذا الإنسان، فإذا خشع هذا القلب للّه خرج منه الشیطان هارباً.

وجاء فی الحدیث الشریف عن رسول اللّه صلی الله علیه و آله أنّه قال: «لَولا أَنَّ الشَّیاطِینَ یحُومُونَ عَلی قَلُوبِ بَنِی آدمَ لَنَظَرُوا إِلی المَلَکُوتِ»(1)، فالمانع من نظر الإنسان إلی عالم الملکوت هو ابتلاء القلب بوساوس الشیاطین وتورطه فی شداتها، فالشیاطین تجول وتطوف دائماً حول قلب الإنسان وتمنع الأنوار الإلهیّه الاشراق علی هذا القلب، فلو خضع هذا القلب وخشع للّه فإنّ الشیطان سیترکه ویبتعد عنه.

الثانی: البدن الفارغ، فیجب یکون البدن فارغاً من المشاغل الدنیویّه التی تلهی الإنسان عن الاهتمام بالأمور الروحانیّه.

الثالث: وموضع خالٍ، الإنسان یحتاج إلی مکان خلوه یبتعد فیه عن الضوضاء وعالم الکثره والمجالس الصاخبه وأصحاب الدنیا المشغولین باللعب واللهو، فینبغی أن یبتعد عن هذه الأمور حتّی تأنس روحه باللّه تبارک وتعالی، فقاریء القرآن یحتاج بشدّه إلی الاُنس والخلوه للّه تعالی عند تلاوته للقرآن حتّی یذوق حلاوه الخطاب الإلهی ویری رعایه اللّه ویستشعر بها فی قلبه ویدرک عنایه الحقّ بها فی أعماق وجوده، وعلی حدّ تعبیر بعض الأکابر، إذا وجد قاریء القرآن مثل هذه الحاله فی نفسه وقلبه فإنّه لا یکون مستعداً أبداً أن یترک هذه الحاله والانشغال بعمل آخر، وعندما نشعر بالتعب والملل من قراءه القرآن فهذا یعنی أننا لم نوفّر الشروط المقرره لتلاوه القرآن، وتکون تلاوتنا مجرّد تلاوه باللسان فقط دون أن یشترک قلبنا فی فهم معانی القرآن ودون أن یستشعر القلب حاله الحضور والخشوع، وإلّا فإنّ القلب الخاشع لا یملّ أبداً من تلاوه القرآن.

ص:408


1- (1) . محجّه البیضاء، ج 2، ص 241.

130- تفاوت القرآن مع سائر الکتب

یتابع الإمام الصادق علیه السلام قوله فی الروایه السابقه: «فَانظُرْ کَیفَ تَقرَأ کِتَابَ رَبِّکَ وَمَنشُورَ وَلایَتِک»، لا ینبغی أن تکون تلاوه القرآن مثل قراءه سائر الکتب الأخری، ففی سائر الکتب لا یدرک الشخص عظمه وقدره المؤلف وصاحب الکتاب، خلافاً للقرآن الکریم الذی نعلم أنّه کلام اللّه تعالی وقد أرسله الباری تعالی إلی الناس لإرشادهم وهدایتهم إلی طریق الحقّ والصواب، فالقرآن هو منشور ولایه الحّق تبارک وتعالی، والإنسان المؤمن لا یجد لتحقیق لسعادته أی کتاب ومنشور آخر غیر کتاب اللّه تبارک وتعالی، وهو المنشور والکتاب الذی یحقّق السعاده الواقعیّه والحقیقیّه للإنسان، فنحن بتلاوه القرآن نطالع ونقرأ المنشور الواقعی للسعاده والهدایه ونتدبّر فی آیاته.

«وَکَیْفَ تُجِیبُ أَوَامِرَهُ وتَجتَنِبُ نَواهِیهِ»، فیجب علی قاریء القرآن أن یقف أمام الآیات التی تتضمّن الأوامر والنواهی الإلهیّه ویتدبّر فیها وما عمل علی تطبیقه فی حیاته من هذه الأوامر والأحکام، وما مقدار ما امتثله من هذه النواهی.

ص:409

«وَکَیفَ تَتَمَثَّلُ حُدُودَهُ»، أی کیف تعمل علی رعایه الحدود الإلهیّه.

« «فَإِنَّهُ کِتَابٌ عَزِیزٌ لایَأتِیهِ البَاطِلُ مِنْ بَینِ یَدَیهِ وَلا مِنْ خَلفِهِ تَنزِیلٌ مِنْ حَکیمٍ حَمِیدٍ فَرَتَّلَهُ تَرتِیلاً»(1) وَقِفْ عِنْدَ وَعدِهِ وَوَعِیدِهِ».

إنّ وعود القرآن لا تختصّ بالجنّه وعالم الآخره، بل ثمّه وعود مهمّه فی هذا العالم أیضاً: «وَعَدَ اللّهُ الَّذِینَ آمَنُوا مِنْکُمْ وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَیَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِی الْأَرْضِ...»2 ، وعندما نقرأ هذه الآیه یجب أن نری هل أننا نملک اللیاقه لنکون من زمره مصادیق هذا الوعد الإلهی أم لا؟ وهکذا بالنسبه للآیات التی تتحدّث عن العذاب الإلهی فلابدّ أن نفکّر فی أنفسنا لئلا یکون هذا الخطاب متوجّهاً لنا ونحن نستحق العذاب والعقاب الإلهی یوم القیامه.

«وَفَکِّرْ فِی أَمثَالِهِ وَمَواعِظِهِ وَاحذَرْ أَنْ تَقَعَ مِنْ إِقَامَتِکَ حُرُوفَهُ فِی إِضَاعَهِ حُدُودِهِ»(2)، یقول الإمام الصادق علیه السلام: عندما تصل فی تلاوه الآیات الکریمه إلی الأمثال والمواعظ والحِکم فعلیک أن تفکّر فیها وتتمعّن فیها، فعندما یحکی لنا القرآن هذه القصص لیس من أجل الاستمتاع وبیان معلومات تاریخیّه فحسب بل لکی نکسب الدرس والعبره من هذا، فالإنسان ما لم یفکّر فی سیره الأولین وما جری علی الأقوام السالفه ولا یفکّر بالسبب الذی ابتلیت هذه الأقوام بالعذاب الإلهی، وما هو العامل الذی دفع بهؤلاء الناس رغم وجود تحذیرات الآنبیاء أن یتوغلوا فی خطّ الضلاله والمعصیه، فإنّه لا یستطیع أن یکسب العبره من حیاتهم وسیرتهم، وفی ذیل هذه الروایه یقول الإمام: «وَاحذَرْ أَنْ تَقَعَ مِنْ إِقَامَتِکَ حُرُوفَهُ فِی إِضَاعَهِ حُدُودِهِ»، واحذر أنّک تضیّع لا سمح اللّه حقائق القرآن وحدوده.

ص:410


1- (1) سوره فصلت، الآیه 42.
2- (3) . مصباح الشریعه، ص 69؛ التنبیهات العلیّه، ص 122.

وللأسف نری فی زماننا أنّ البعض یهتمّ کثیراً بتجوید القرآن وإقامه حروفه وترتیله بشکل صحیح وخاصّه فی الصّلاه، وأحیاناً یکرر الکلمه عدّه مرّات لمراعاه التجوید اللفظی بحیث یصبح محلّ استهزاء الآخرین، وهنا ننقل هذا کلام من بعض الأکبار کالمرحوم الفیض الکاشانی حیث یقول: إنّ أکبر استهزاء للشیطان بهذا الشخص المصلّی عندما یقول: «ولا الضّالّین» ویتصوّر أنّه لم یؤدّها بشکل صحیح ولذا یقوم بتکرارها مرّات عدیده بحیث یکون مورد استهزاء الآخرین، فالإمام الصادق علیه السلام یقول: إحذر أن یکون اهتمامک بإقامه الحروف أکثر من اللازم بحیث إنّک تضیّع حدود القرآن ومعانیه ومفاهیمه السامیه.

نسأل اللّه تعالی أن یرزقنا معرفه حقائق القرآن ویفتح قلوبنا علی تعالیمه وحدوده ویوفّقنا لإقامتها والعمل به فی واقع الحیاه إنّ شاء اللّه.

ص:411

131- آداب القراءه: التعظیم - التفکّر

بحسب الروایه الوارده فی کتاب «مصباح الشریعه» عن الإمام الصادق علیه السلام أنّ قراءه القرآن لها مراتب، ویجب علی القاریء للقرآن معرفه هذه المراتب والالتفات إلیها، المرتبه الاُولی: مرتبه التعظیم، المرتبه الثانیه، التدبّر، الثالثه:

التخلی، الرابعه: التفهمّ والتخصیص، والخامسه: التأثر والترقی.

یتحدّث المرحوم المیرزا جواد ملکی التبریزی رضوان اللّه تعالی علیه فی کتابه «أسرار الصّلاه» فی بیان هذه المراتب بکلام جمیل وبلیغ یحکی عن معنویه هذا الرجل العظیم ومرتبته السامیه فی المسائل العرفانیّه والأخلاقیه:

المرتبه الاُولی، وهی مرتبه التعظیم وسبق أن تحدّثنا عنها، فالقاریء للقرآن یجب أن یلتفت إلی عظمه الکلام والمتکلّم، فالکلام عظیم جدّاً، وکذلک المتکلّم، وهذا الفهم من شأنه أن یخلق فی نفس القاریء حاله الخشوع والخضوع.

أمّا المرتبه الثانیه، وهی التفکّر والتدبّر فی آیات القرآن، فإنّ القرآن نفسه یدعو الناس للتفکّر فی آیاته ویستنکر من لا یتدبّر ولا یتفکّر فیها: «أَ فَلا

ص:412

یَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ...»1.

یقول المرحوم المیرزا جواد ملکی فی کتابه «أسرار الصّلاه»: إذا قرأت فی سوره الواقعه «أَ فَرَأَیْتُمُ الْماءَ الَّذِی تَشْرَبُونَ * أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ»2 ، فإنّ اللّه تعالی فی هذه الآیه الشریفه یرید أن یفهمنا بأنّکم لا ینبغی أن تحصروا فکرکم بأنّ الماء وسیله لرفع العطش فقط، بل إنّ کلّ موجود حی فی هذا العالم من النباتات والأشجار والحیوانات خلقت جمیعاً من الماء وتحتاج فی إستمرار حیاتها إلی الماء، فینبغی علی الإنسان أن یفکّر کیف أنّ قطرات الماء هذه تتبدّل فی عالم الطبیعه إلی غذاء وطعام، والحبوب التی توضع فی التراب تتبدّل إلی نبات، وهذا النبات یتبدّل إلی غذاءٍ للحیوانات، وهذه الحیوانات تکون غذاءً للإنسان، فعندما تتحوّل إلی غذاءٍ للإنسان وتکون لحمه وجلده وعظمه فإنّ هذا الإنسان لا یعتمد فی حیاته وبدنه فقط علی هذا الغذاء، بل إنّ قوّه ذهنه وإدراکه وحواس السمع والبصر و... وسائر القوی الأخری تتولّد من هذا الغذاء، وفی هذه المرحله یجد الإنسان الصلاحیّه والاستعداد لتقبّل الروح الإلهیّه وینوجد فیه الشعور والفکر والعقل، فما لم تتحقّق تلک المراحل لا یحصل الإنسان هذه اللیاقه والقابلیّه لهذه المرحله.

«ثُمَّ تَفَکَّرْ فِی حَقِیقَهِ العَقلِ وَالعَظَمَهِ، ثُمَّ تَفَکَّرْ فِی مَراتِبِ العُقُولِ»، ویقول ملکی التبریزی: إذا تدبّر الإنسان فی هذه الآیه: «أَ فَرَأَیْتُمُ الْماءَ الَّذِی تَشْرَبُونَ» ، وأدرک أنّ هذا الماء الذی یشربه لیس مجرّد قطرات من الماء لیرفع عطشه بها، بل إنّ هذا الماء فی مسیره التکامل هو مصدر الحیاه الظاهریّه للکائنات والحیاه الظاهریّه والباطنیّه للإنسان، وهنا یلتفت إلی المبدأ والمصدر لهذا الماء.

ص:413

والمثال الثانی الذی یذکره المیرزا ملکی التبریزی فی کتابه، الآیه الشریفه:

«فَانْظُرْ إِلی آثارِ رَحْمَتِ اللّهِ کَیْفَ یُحْیِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها...»1 ، فعندما یقرأ الإنسان هذه الآیه الشریفه ویفکّر فی رحمه اللّه تعالی وقمومیّته علی جمیع العالم والکائنات، وعندما یفکّر فی قوله تعالی: «اَللّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَیُّ الْقَیُّومُ...»2 ، فماذا تعنی کلمه «قیوم»؟ إنّ قیّومیّه الباری تبارک وتعالی علی جمیع عالم الوجود هی الحافظه والماسکه لهذا العالم والکائنات من الاندثار والزوال، فعندما تقف السقوف علی الدعائم والأعمده فإنّ هذا یعکس قیّومیّه هذه الأرکان والأعمده بحیث إنّها لو أصابها الخلل والاعوجاج لحظه واحده فإنّ السقف سینهار، وعالم الوجود والکائنات تستقی وجودها وبقائها من نور قیّومیّه الباری تعالی، ولو انطفأ ذلک النور لحظه واحده فإنّ جمیع الأشعه فی عالم الموجود ستزول وتنعدم، وهکذا نعلم بأنّ اللّه تبارک وتعالی له قیّومیّه علی سائر المخلوقات بحیث إنّ هذه القیّومیّه لو سلبت من المخلوقات لحظه واحده فلا یبقی شیء فی العالم وستندثر جمیع الکائنات والموجودات، إذن یجب علینا التفکّر والتدبّر فی الآیات الإلهیّه.

وإحدی المراتب المهمّه فی آداب القراءه والتلاوه، مسأله التفکر فی آیات القرآن الکریم، نرجو أن یوفّقنا اللّه جمیعاً للتفکّر والتدبّر إن شاء اللّه.

ص:414

132- آداب القراءه: التخصیص

وأحد الآداب الأخری لقراءه القرآن: التخصیص، والتخصیص یعنی أنّ الشخص عندما یقرأ القرآن یری نفسه مخاطباً لهذه الآیات الشریفه وهو المقصود بالخطابات القرآنیّه، وکأنّ اللّه تعالی یتحدّث معه فیها، فلو أنّه مرّ علی آیه فیها أمر للمخاطب فعلیه أن یعلم أنّه المأمور وهو المخاطب بهذه الآیه، وإذا مرّ بأیه فیها نهی فیقول: إنّ النهی متوجّه لی فی هذه الآیه الشریفه ویجب علیَّ امتثال هذا النهی، فلا ینبغی أن نقرأ آیه الجنّه فقط ونقول إنّها ترتبط بنا وأنّ هذا الوعد الإلهی بالجنّه یخصّنا، ولکن عندما نصل إلی آیات العذاب وجهنّم نقول بأنّ المقصود بها هو الکفّار والفسّاق والمنافقین، کلّا، لا ینبغی أن نتعامل مع آیات القرآن بهذه الصوره، یقول أمیرالمؤمنین علیه السلام: «وَإِذَا مَرُّوا بِآیَهٍ فِیهَا تَخْوِیفٌ أَصْغَوْا إِلَیْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ زَفِیرَ جَهَنَّمَ وَشَهِیقَهَا فِی أُصُولِ آذَانِهِمْ»(1).

وعندما یصلوا إلی هذه الآیه الشریفه: «خُذُوهُ فَغُلُّوهُ»2 ، والتی تتحدّث عن

ص:415


1- (1) نهج البلاغه، الخطبه 184.

حال المجرمین یوم القیامه وکیفیّه سحبهم بالسلاسل إلی النار، فیجب أن یخاطب نفسه لئلا یکون من زمره هذه الفئه والجماعه، لا ینبغی أن تکون أعمالنا بحیث تجعلنا من هذه الجماعه، ومن هذه الجهه لابدّ أن یستشعر القاریء للقرآن حاله الخوف والاضطراب فی نفسه.

ویحکی عن بعض الأکابر والأولیاء کان عندما یقرأ هذه الآیات فإنّه ومن شدّه البکاء والجزع یصاب بالإغماء، لأنّه یتصوّر حالاته عندما یقرأ الآیه «خُذُوهُ فَغُلُّوهُ» ، وکأنّ یوم القیامه تجسد أمام عینیه ویری نفسه فی زمره هؤلاء المجرمین والمذنبین، فمن شدّه الخوف والاضطراب یبکی حتّی یغمی علیه، وعندما یصل إلی آیات الرحمه ویقرأ: «لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَهِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ یَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِیعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِیمُ»1 ، ینشرح لها صدره ویفرح ویقول إن شاء اللّه أنا أکون من هؤلاء الذین غفر اللّه لهم ذنوبهم وأدخلهم فی رحمته الواسعه، ویتصوّر من شدّه فرحه وشوقه وکأنّه له جناحان یرید أن یطیر بهما من شدّه الفرح، وهکذا الحال عندما یتأثر القلب بتلاوه الآیات الجلیله وعندما یدرک القاریء مفهوم التخصیص فی هذه الآیات.

ومن الحالات الأخری التی یجب علی قاریء القرآن الالتفات إلیها، الترقی، بمعنی أنّه عندما یقرأ القرآن الکریم فکأنّما یسمع کلام اللّه تعالی، یقول الإمام الصادق علیه السلام: «عندما أقرأ القرآن فکأنّنی أسمع هذه الآیات من المتکلّم بها».

ص:416

133- آداب القراءه: الترقّی

یقول الإمام الصادق علیه السلام: «وَاللّهِ لَقَدْ تَجَلّی اللّهُ لِخَلقِهِ فِی کَلامِهِ وَلَکنْ لایُبصِرُونَ»

ثمّه ثلاث مراحل فی مسأله الترقّی لقاریء القرآن، وأوّل هذه المراحل أن یری القاریء نفسه واقفاً بین یدی اللّه عزّ وجلّ، فعندما یقرأ القرآن علیه أن یجد نفسه حاضراً فی مقابل اللّه تبارک وتعالی، وعلینا أن نعلم أنّه تعالی یرانا ویسمع کلامنا، فعندما یشعر الإنسان بهذه الحاله فسوف یقرأ الآیات بحزن أو بشوق ووَجْد، وحتّی عندما یطلب من اللّه تعالی شیئاً ویصل إلی آیاته وصفاته الرحیمیّه والغفوریّه فإنّه یستشعر التملق إلی الباری تبارک وتعالی، فحاله التملّق حاله سلبیه وذمیمه فی جمیع الموارد والمواطن إلّاالتملّق فی المعنویّات فی مقابل اللّه تبارک وتعالی.

المرحله الثانیه، وهی أعلی من هذه المرتبه، أی یشهد القاریء بقلبه وکأنّ اللّه تعالی یخاطبه ویتحدّث معه ویناجیه، وکأنّه یسمع کلام اللّه ویدرک أنّه هو المخاطب فی هذا الکلام من قِبل اللّه تبارک وتعالی، فالالتفات إلی هذه الحقیقه،

ص:417

وهی أنّ اللّه تعالی یتحدّث معه بهذه الآیات یؤثر کثیراً فی فهم القاریء لهذه الآیات، وسیجد فی نفسه حاله من التعظیم والحیاء والهیبه والأمل أکثر فأکثر فی علاقته وارتباطه باللّه تبارک وتعالی.

المرحله الثالثه، وهی بدورها أعلی من تلک المرحله السابقه، وهی «أَنْ یَرَی فِی الکَلامِ المُتَکَلِّمَ، وَفِی الکَلِمَاتِ الصَّفِاتَ، وَیَشْتَغِلُ ذَلِکَ عَنِ النَّظَرِ إِلی قِرَاءَتِه وَإِلی نَفْسِهِ»، وعندما یقرأ کلام اللّه فکأنّه یری المتکلّم بهذا الکلام، ویری من خلال هذه الآیات والکلمات الإلهیّه صفات اللّه تبارک وتعالی، فحینئذٍ یغفل عن نفسه وحتّی عن قراءته الظاهریّه لهذه الکلمات والآیات ویشاهد فقط اللّه تبارک وتعالی ویستغرق فی هذه الأجواء وفی مقام الشهود.

یقول الإمام الصادق علیه السلام «وَاللّهِ لَقَدْ تَجَلّی اللّهُ لِخَلقِهِ فِی کَلامِهِ وَلَکنْ لا یُبصِرُونَ»(1)، یعنی أنّ الإنسان إذا أراد مشاهده اللّه تعالی، فإنّ اللّه قد تجلّی لعباده من خلال کلامه فی القرآن الکریم، ولکن الحجب التی تحجب الناس عن هذه الحقائق تمنعهم من هذه الرؤیه.

وطبعاً فإنّ هذه المرتبه هی مرتبه سامیّه جدّاً وتختصّ بالمقرّبین، ویقول المرحوم المیرزا جواد ملکی فی کتابه «أسرار الصّلاه» فیما یتّصل بهذه المرتبه وأنّها آخر مرتبه یشاهد الإنسان الباری تعالی ولا یری نفسه وهذه الألفاظ والکلمات ویستغرق فی الشهود: إنّ هذه الدرجه والمرتبه خاصّه بالمقربّین، أمّا المرتبه الثانیه، وهی أن یشعر الإنسان بأنّ اللّه تعالی یتحدّث معه، فتتعلّق بأصحاب الیقین، والمرتبه الاُولی تتعلّق بسائر الناس بأن یعلموا بأنّهم یجلسون فی محضر الباری تعالی، وعلیهم أن یعلموا أنّهم عندما یقرأون القرآن فإنّ اللّه تعالی ینظر إلیهم.

ص:418


1- (1) . التنبیهات العلیّه، ص 138.

134، 135- سوره الحمد فی الحدیث القدسی

نتحدّث الآن عن موضوع قراءه سوره الحمد فی الصّلاه، وسبق أن أشرنا أنّ ثواب تلاوه آیه واحده فی الصّلاه تعادل أحیاناً مائه ضعف من ثواب تلاوه آیه فی غیر الصّلاه، وإذا التفت المؤمنون إلی هذا الأمر فسوف یساعدهم ذلک علی حفظ مقدار من آیات وسور القرآن الکریم وتلاوتها فی صلاتهم وخاصّه السور التی تتضمّن آیات أکثر.

وأحد الأجزاء المهمّه جدّاً، سوره الحمد وسوره أخری حیث یجب قراءه هاتین السورتین فی الرکعتین الاُولیین من الصّلاه، وحتّی فی الرکعات الأخری، الثالثه والرابعه فالمصلّی مخیّر بین قراءه سوره الحمد أو التسبیحات الأربعه، وهذا یکشف عن أهمیّه قراءه القرآن وبخاصّه سوره الحمد فی الصّلاه، التی هی سفر إلهی ومعراج المؤمن، ولو أننا تعرفنا علی الأسرار الوارده فی سوره الحمد أو فاتحه الکتاب، فسوف نعرف أهمیّه الصّلاه وتأثیرها ودورها فی حیاه الإنسان.

ص:419

فبالنسبه للقراءه ینبغی القول إنّ المصلّین علی فئتین: الفئه الاُولی، لیس لها ربح وحظ من القراءه سوی التلفّظ بالکلمات أو حتّی التجوید والترتیل بشکل جمیل، هؤلاء محرومون من برکات روح العباده، الفئه الثانیه، هم الأشخاص الذین تکون قراءتهم وسیله التذکّر والحمد والثناء للّه ربّ العالمین وتقدیسه، هؤلاء لهم الحظ الوافر من ثمرات العباده والصّلاه، ونرجو عند قراءه سوره فاتحه الکتاب الالتفات إلی هذا الحدیث القدسی وهو حدیث عمیق المغزی والمضمون، یقول اللّه تبارک وتعالی فی هذا الحدیث القدسی: «قَسَمْتُ الصَّلاهَ بَینِی وَبَینَ عَبْدِی فَنِصفُها لِی وَنِصْفُها لِعَبدِی»، ومن المسلّم أنّ حقّ النصف الأوّل المتعلّق بالباری تعالی وهو الحقّ الربوبی إذا لم یؤدّها المصلّی علی الوجه الصحیح فلا تصل النوبه للنصف الثانی من حقّ العباد.

«فَإِذا قَالَ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِیٖمِ یَقُولُ اللّه: ذَکَرَنِی عَبْدِی».

والذکر هنا له مرتبه لفظیّه وظاهریّه بأن یذکر الإنسان اللّه تعالی بلسانه، والمرتبه الأخری هی المرتبه القلبیّه والإیمانیّه.

إنّ بیان أسماء اللّه الحسنی وصفات الجمال والکمال والجلال للذات المقدّسه تعدّ من مصادیق الذکر، ولکنّ أفضل وأعمق وأقرّب مصادیق ذکر اللّه، هو: «بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِیٖمِ»، یقول الباری تعالی: عندما یذکرنی عبدی بهذه العباره، فلیس المقصود هنا الذکر اللفظی فقط من عباره «بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِیٖمِ»، بل یجب علی الإنسان أن یکون ذاکراً للّه بقلبه وأعماق وجوده، کما أنّ المفسّرین ذهبوا إلی أنّ المراد من الاسم هو المسمی، یعنی حقیقه کلّ شیء فی عالم الوجود هی جلوه من تجلیات الحقّ تبارک وتعالی، فالإنسان یجب أن یصدق ویؤمن بأنّه لا موجود فی هذا العالم لا یحکی عن الوجود الباری تبارک وتعالی ولا کائن من کائنات عالم الطبیعه إلّاهو تجلی من تجلیات حضره الحق تعالی.

ص:420

ولا ینبغی لنا أن نحصر جمله «بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِیٖمِ»، بأنّها أمر مستحب یأتی به الإنسان فی بدایه کلّ عمل من أعماله، فرغم أنّ هذا الذکر للبسمله فی بدایه کلّ عمل أمر محبذ ومستحب مؤکّد، ولکن حقیقه «بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِیٖم»، أعلی من هذه المرتبه، وهذا یعدّ أدنی مرتبه من مراتب حقیقه البسمله ورشحه من رشحات حقیقه «بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِیٖمِ»، یعنی یجب علی الإنسان أن یؤمن ویعتقد بأنّ جمیع موجودات هذا العالم هی فی حقیقتها تجلّیات الباری تبارک وتعالی، وجمیع موجودات العالم مظهر من مظاهر اللّه تعالی ولا شیء فی هذا العالم منفصل ومستقل عن فعل اللّه، إذن فکلّ شیء مقترن بالذات المقدّسه ومرتبط باللّه تعالی، وعندما نذکر «بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِیٖم»، فإننا نرید من هذه العباره ومن هذا الذکر أن نعترف ونقرّ بألستنا ونصدق بقلوبنا بهذا المعنی فی البسمله.

یجب أن یکون قلب الإنسان تجسیداً للذکر، أی یکون باطنه ذاکراً وتتحقّق صفه الذاکر لذاته، ویتبادر إلی ذهننا هنا کلام العارف بابا طاهر، حیث یقول:

«هنیئاً للأشخاص الذین یعیشون الصّلاه دائماً»، وهذا الکلام ناظر إلی الأشخاص الذین یعیشون القلب الذاکر، فإذا کان القلب ذاکراً فإنّه سیکون ذاکراً حتّی فی حال النوم ولا فرق لدیه بین النوم والیقظه.

ومن هذا المنطلق فالنقطه الاُولی فیما یتّصل «بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِیٖم»، هی أنّ قلب الإنسان أیضاً یجب أن یکون ذاکراً لهذا الذکر، فلو قال اللّه تعالی: «ذکرنی عبدی» أی عندما یتلفّظ المصلّی البسمله فإنّه یذکر اللّه تعالی، وهذا الذکر لیس مجرّد لقلقه لسان بل إنّ اللّه تعالی ینظرإلی قلب المصلّی، فإذا کان قلبه ذاکراً وکانت هذه البسمله نابعه من قلبه، فهنا یقول اللّه: «ذکرنی عبدی» ولکن إذا کانت البسمله تدور فی مدار اللسان فقط ولا تحدث أی تغیّر وتحوّل فی قلبه ولا یشهد

ص:421

بأی تجلّی للّه تعالی فی ممکنات العالم، فهنا لا یمکن القول إنّ حقیقه الذکر موجوده فی هذا الشخص، وبالتالی لا یقول اللّه: ذکرنی عبدی.

«اِذا قَالَ الْحَمْدُ للّهِ ِ یَقُولُ اللّهُ: حَمَدَنِی عَبْدِی وَأَثنَی عَلَیَّ».

«وَإِذا قَالَ الرَّحْمَنِ الرَّحِیٖمِ یَقُولُ اللّهُ: عَظَمَنِی عَبْدِی»، ویتبیّن من هذا الکلام للّه تعالی وجود فرق بین هذه العباره «الرَّحْمَنِ الرَّحِیٖمِ»، وبین ما ورد فی البسمله «بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِیٖم»، وأنّ هذه الکلمه لا تعدّ من التکرار، فهنا یدرک المصلّی مقام التعظیم للّه تبارک وتعالی.

«وَإِذا قَالَ مَلِکِ یَوْمِ الدِّینِ یَقُولُ اللّهُ: مَجَدَنِی عَبْدِی»، فهذه العباره تدلّ علی أنّ المجد والعظمه والمالکیّه للّه تعالی.

«وَإِذا قَالَ إِیَّاکَ نَعْبُدُ وَإِیَّاکَ نَسْتَعِینُ یَقُولُ اللّهُ: هَذا بَینِی وَبَینَ عَبْدِی»، فهذه الآیه الشریفه نصفها للّه إلی قوله: «إِیَّاکَ نَعْبُدُ»، ونصفها الآخر للعبد وناظره إلی نفعه وهو قوله: «وَإِیَّاکَ نَسْتَعِینُ».

«وَإِذا قَالَ اهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِیمَ یَقُولُ اللّهُ: هَذا لِعَبْدِی وَلِعَبْدِی مَا سَألَ»(1).

وطبقاً لهذا الحدیث القدسی فإنّ سوره فاتحه الکتاب من البسمله إلی مالک یوم الدین مختصّ باللّه تعالی، ویجب علی المصلّی أن یلتفت إلی هذه النقطه کاملاً لیستطیع الاستغراق فی حال التوجّه إلی اللّه تعالی، أمّا الآیه: «إِیَّاکَ نَعْبُدُ وَإِیَّاکَ نَسْتَعِینُ»، فالمصلّی یجب أن یعلم بأنّ قسماً منها متعلّق باللّه تعالی والقسم الآخر متعلّق به، أمّا باقی السوره فمختصّ بالعبد.

ص:422


1- (1) بحار الأنوار، ج 92، ص 226.

136- حقیقه الذکر فی الروایات

أری من المناسب أن نستعرض فی مورد حقیقه الذکر بعض الروایات لکی نعرف ما هی حقیقه الذکر، فإنّ حقیقه الذکر لیست مجرّد التسبیح ومسک المسبحه بالید وذکر بعض الأوراد والاذکار، بل هذا الذکر لسانی مقدّمه للتوصّل إلی حقیقه الذکر القلبی، وهو ما یوجد فی باطن الإنسان من التوجّه إلی اللّه تعالی، بحیث یری الإنسان نفسه فی محضر الحقّ تعالی ویری العالم جلوه من تجلیات الباری تبارک وتعالی، فلو وصل الذاکر إلی هذه المرحله فإنّه قد وصل إلی مقام الذکر.

ونقرأ فی بعض الروایات إنّ اللّه عزّ وجلّ یقول: «أَنا جَلِیسُ مَنْ ذَکَرَنِی»(1)، وهذا المعنی یعکس غایه اللطف الإلهی بعبده، مع أنّ توفیق الذکر وأن یتوجّه الإنسان إلی ربّه بذکره هو توفیق من اللّه تعالی وعنایته، ولکنه تعالی یقول: عندما یوفّق قلب هذا العبد لذکری فسأکون جلیسه وصاحبه، وعندما یکون اللّه تعالی جلیس المرء وصاحبه فإنّ یده ستتحرّک بعنایه الباری تعالی، وهکذا یعیش هذا الإنسان

ص:423


1- (1) . الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ح 2، ص 496.

بوجوده ویتحر فکره، وعینه، واُذنه، ولسانه وجمیع کیانه وقواه بنظر اللّه تعالی وعنایته ومشیئته، وهذا توفیق عظیم لا یناله سوی أولیاء اللّه الخاصّین الذین یعیشون حاله الذکر الدائم بقلوبهم.

وجاء فی حدیث قدسی آخر أنّ الإمام الصادق علیه السلام قال: «قَالَ اللّهُ عَزَّوَجَلَّ یا بنَ آدم اذکُرنِی فِی نَفسِکَ أَذکُرْکَ فِی نَفسِی»، وهذا الذکر للّه عزّ وجلّ الوارد فی هذا الحدیث الشریف هو ذکر فی مرتبه الذات، هو رتبه أعلی بکثیر من ذکر اللّه تعالی عند الملائکه، وهذا المعنی نعجز عن فهمه ولا نستطیع إدراک هذا المفهوم العمیق، وهو أن یذکرنا فی نفسه، فماذا یعنی هذا الذکر؟ إنّ اللّه تعالی یقول هذا الکلام لنستطیع أن نتصوّر ولو بمقدار قلیل أنّ هناک مرتبه أعلی وهی هذه المرتبه السامیه من عنایه الحقّ تبارک وتعالی بعبده بأن یذکره فی نفسه، ولیس أمام الملائکه کما فی الأحادیث الأخری.

إنّ اللّه تعالی إذا أراد أن یمنح العبد عنایته الخاصّه فإنّه یقول: إنّ هذا العبد قد ذکرنی فی نفسه دون أن یلتفت إلیه أحد من الناس ودون أن یشیر إلی ذلک لیلفت نظر الآخرین إلیه، فأنا أذکره أیضاً فی نفسی.

«یابنَ آدم اذکُرنِی فِی خَلأ أَذکُرْکَ فِی خَلأ، یابنَ آدم اذکُرنی فِی مَلأ أَذکُرْکَ فِی ملأ خَیرٌ مِنْ مَلئکَ».

یقول الإمام الصادق علیه السلام فی سیاق هذا الحدیث الشریف: «مَا مِنْ عَبْدٍ ذَکَرَ اللّهَ فِی مَلأ مِنْ النَّاسِ إِلّا ذَکَرَهُ اللّهُ فِی مَلأ مِنَ المَلائِکَهِ»(1).

إنّ الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر والدعوه والتبلیغ للدین الإلهی والحضور فی المساجد وإقامه الصّلاه جماعه، کلّها من مصادیق ذکر اللّه فی الملأ، فالشخص الذی یدعون الناس إلی اللّه تعالی ویرشدهم إلی طریق الهدایه

ص:424


1- (1) وسائل الشیعه، ج 7، ص 159؛ المجالس، ج 1، ص 39.

والإیمان فإنّه یذکر اللّه تعالی فی جماعه من الناس، وهذا مصداق ذکر اللّه فی الملأ، وفی المقابل فإنّ اللّه تعالی یذکر هذا الشخص فی اجتماع عظیم للملائکه بما لا یقبل المقارنه بتجمع بشری.

إذن ینبغی الالتفات إلی هذه الحقیقه وهی أهمیّه ذکر اللّه تعالی وأنّ ذکر بسم اللّه الرحمن الرحیم هو المصادیق البارزه لذکر اللّه، ومقدّمه لایجاد الذکر الواقعی وتجسید الذکر القلبی فی أعمال الذات إن شاء اللّه.

ص:425

137- بسم اللّه الرحمن الرحیم ذکر اللّه

قال الإمام علی علیه السلام: «إِنَّ کُلَّ مَا فِی القُرْآنِ فِی الفَاتِحَهِ...».

أشرنا فیما تقدّم إلی الآیه الشریفه: «بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ» ، وطبعاً لا نقصد فی هذا البحث تفسیر سوره الحمد، رغم أنّ بعض الأکابر ذکروا فی کتابهم «أسرار الصّلاه» جانباً من تفسیر هذه السوره المبارکه، وکذلک ذکروا بعض الجوانب من تفسیر سوره التوحید، ولو أردنا الدخول فی هذه البحوث التفسیریّه فسوف یطول بنا المقام، ولکن بمناسبه ذکر هذا الحدیث القدسی، فإنّ العبد عندما یقول:

«بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ» ، فإنّ اللّه تعالی یقول: «ذکَرَنِی عَبْدِی»، ولذلک نشیر هنا إلی بعض النقاط التی نستوحیها من هذا الحدیث فیما یتّصل بالآیه «بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ».

وینبغی الالتفات إلی هذه النقطه، وهی أنّ القرآن الکریم نفسه یصرّح فی بعض آیاته بأنّه ذکر، وحتّی أنّه ورد التعبیر عن النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله بأنّه ذکر، فکلّ هذه الأمور من مصادیق الذکر، کما ورد فی الروایه المنسوبه إلی أمیرالمؤمنین

ص:426

صلوات اللّه علیه وقال: «إِنَّ کُلَّ مَا فِی القُرْآنِ فِی الفَاتِحَهِ»، فجمیع المعانی، والمفاهیم، والأسرار، والحقائق الوارده فی القرآن الکریم، وردت بشکل إجمالی وموجز فی سوره فاتحه الکتاب، ولذلک کانت هذه السوره امّ الکتاب، یعنی سوره الحمد تجمع فی مطاویها جمیع معانی وحقائق القرآن بشکل إجمالی.

ویتابع أمیرالمؤمنین علیه السلام بالقول: «وَکُلُّ مَا فِی الفَاتِحَهِ فی «بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ» ،وَکُلُّ مَا فِیهِ فِی البَاءِ، وَکُلِّ مَا فِی البَاءِ فِی النُّقطَه وَأَنا النُقطَه تَحْتَ البَاءِ»، وهذه الروایه مذکوره فی کتا ب مشارق أنوار الیقین(1) وفی کتاب ینابیع المودّه.

یجب علی المصلّی أن یعلم أنّ جمیع معانی القرآن والحقائق الغیبیّه الموجوده فی عمق الآیات القرآنیّه کامنه ومجتمعه فی سوره الحمد، وحقیقه سوره الحمد موجوده فی «بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ» ، ولذلک عندما یقف للصّلاه فلا ینبغی الاستعجال فی قراءه هذه السوره، بل یتأمل فی معانیها والإشارات التی وردت فی روایات الأئمّه الطاهرین صلوات اللّه علیهم أجمعین لهذه السوره، وفی هذه السوره سیتحوّل حاله إلی حال آخر، فعندما یقول: «بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ» ، یقول اللّه تعالی: «ذکرنی عبدی»، ومعنی ذکر اللّه لیس أن یذکر اسم اللّه بلسانه فقط، کلّا، فالمصداق الأتمّ للذکر کما ورد فی هذه الروایات، یتحّقق فی «بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ».

وجاء فی بعض الروایات(2) أنّ الباء فی بسم للّه إشاره إلی إحدی صفات وأسماء اللّه الحسنی وفی بعض آخر ذکر أنّ الباء إشاره إلی بهجه اللّه، وفی روایه ثالثه أنّه إشاره إلی بهاء اللّه، کما نقرأ فی دعاء السحر فی شهر رمضان المبارک:

«اللّهُمَّ إِنّی أَسأَلُکَ بِبهائِکَ کُلِّهِ وَکُلُّ بَهائِکَ بَهیّ»، فالبهاء هو أحد أسماء اللّه

ص:427


1- (1) مشارق أنوار الیقین فی أسرار أمیرالمؤمنین علیه السلام، ص 35.
2- (2) . انظر: الکافی، المطبعه الإسلامیّه، ج 1، ص 114.

الحسنی، و «سین» إشاره إلی سناء اللّه، و «میم» إشاره إلی مجد اللّه، وجاء فی بعض الروایات «أَنَّ مِیم دَلیلٌ عَلَی مُلْکِهِ»، فالقاریء للقرآن یجب أن یعلم ما فی مطاوی هذه الحروف الجلیله وفی هذه السوره الشریفه، ولا یقرأها کما یقرأ سائر الکتب، بل هذه السوره تتضمّن غایه الحکمه والدقّه والنظم والبلاغه، فالشخص الذی یقف للصّلاه ویرید التوجّه والتفکیر فی هذه النقاط ولو بشکل إجمالی فإنّ قلبه سیشعر بالاستقرار والطمأنینه شیئاً فشیئاً ویکون مستعداً لاشراق التجلیات الإلهیّه علیه.

ص:428

138- معنی اللّه فی کلام أمیرالمؤمنین علیه السلام

قال الإمام علی علیه السلام: «إِنَّ کُلَّ مَا فِی القُرْآنِ فِی الفَاتِحَهِ...».

ینقل الشیخ الصدوق رضوان اللّه علیه فی کتابه «التوحید»(1) هذه الروایه عن أمیرالمؤمنین علیه السلام أنّه قال: «إِنَّ رَجُلاً قَامَ إِلَیهِ فَقَالَ: یاأَمِیرَالمُؤمِنِینَ أَخْبِرنِی عن بِسمِ اللّه الرّحمنِ الرَّحِیمِ مَا مَعنَاه»؟

ویستفاد من هذا السؤال أنّ أصحاب أمیرالمؤمنین علیه السلام کانوا یعیشون مرتبه من الفهم والإیمان والدقّه فی الملاحظه بحیث یسألون الإمام مثل هذه الأسئله، وهکذا ینبغی علی شعبنا العزیز وشبابنا أن یسعوا للمزید من طرح أسئلتهم فی المعارف والعقائد الدینیّه ویجب علی علمائنا تقدیم الأجوبه لهؤلاء الشباب حسب الامکان.

ونری أنّ هذا الشخص سأل من الإمام علیه السلام عن معنی «بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ» ، فقال له الإمام علیه السلام فی جوابه: «إِنَّ قَولَکَ اللّهُ أَعْظَمُ اسمِ مِنْ أَسمَاءِ اللّهِ، وَهُوَ

ص:429


1- (1) . التوحید للشیخ الصدوق، ص 231 باب معنی بسم اللّه الرحمن الرحیم.

الإسمِ الَّذی لایَنبَغِی أَنْ یُسَمّی بِهِ غَیرُ اللّهِ، وَهُوَ الَّذی یَتَأَلَّهُ إِلَیهِ عِبْدَ الحَوائِجِ وَالشَّدَائِدِ کُلُّ مَخلُوقٍ عِنْدَ انقِطَاعِ الرَّجَاءِ مِنْ جَمِیعِ مَنْ هُوَ دُونَهُ وَتَقطُّعِ الأَسبَابِ مِنْ کُلِّ مَنْ سِواهُ»، فهذا الاسم هو مصداق تلک الحقیقه التی یلجأ إلیها الناس عند الشدائد والأزمات وهو اللّه الذی یحکی عن ذلک الموجود العظیم.

وهذا یعنی أنّ الإنسان عندما یتلفظ بکلمه اللّه فعلیه أن یلتفت أنّ هذه الکلمه وهذا الاسم لیس له سوی مصداق واحد، بل لا یمکن عقلاً تصوّر مصداق آخر له، فلا موجود غیر اللّه تبارک وتعالی یکون قابلاً لإطلاق هذا الاسم علیه، ولا ینبغی القول إنّ اللّه یعنی المعبود، ثمّ یقال لا سمح للّه إنّ الأصنام والأوثان هی معبوده للوثنیین والمشرکین وبذلک یکون اللّه معبوداً والأوثان معبوداً آخر.

ومن هذه الجهه قال علماؤنا الأکابر، اللّه اسم مستجمع لجمیع الصفات الکمالیّه، فعندما نقول: «بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ» ، فلو أننا لم نلتفت إلی هذه الجهه من معنی هذه العباره فإنّ اللّه تعالی لا یقول: ذکرنی عبدی، ولکن إذا التفتنا إلی أنّ اللّه اسم مختصّ بتلک الذات اللامتناهیه والذی یملک القدره والعلم والحیاه المطلقه وأنّ جمیع عوالم الوجود صدرت من برکه وجوده وأسمائه الحسنی وصفات جلاله وجماله، وفی هذه الصوره یقول اللّه: ذکرنی عبدی، وإلّا إذا قلنا:

اللّه، ولکننا لا نفهم من ندعو بهذا الاسم ولا نفهم أنّ اللّه اسم لأی شیء ومتعلّق بأی موجود؟ فمن البدیهی لا ینبغی أن نتوقع ذکر اللّه لنا، وطبعاً فإنّ مقصودنا لا یتعلّق بمعرفه الذات المقدّسه علی نحو الحقیقه، لأنّه لا أحد من المخلوقات حتّی الأنبیاء لا یستطیعون درک وفهم حقیقه الذات المقدّسه، ولکننا یجب أن نعلم بهذا المقدار، وهو أنّ اللّه یتّصف بهذه الخصوصیّات «اللّهُ هُوَ المَستُورُ عَنْ دَرْکِ الأبصَارِ المَحجُوبِ عَنِ الأوهَامِ وَالخَطَراتِ»، یجب أن نعلم أنّ هذا الأسم مختصّ باللّه تبارک وتعالی ونحن لا نستطیع درک تلک الذات المقدّسه لأنّ أذهاننا وأفهامنا لا

ص:430

تملک القدره علی ذلک، ومن هذه الجهه یقول العرب عن الشخص المتحیّر، «أَلِهَ الرُّجل»، فکلمه اللّه تعنی أیضاً تلک الذات التی تحیّرت فیها عقول البشر عن فهم حقیقته وأنّه تعالی محجوب عن جمیع الأفکار والأوهام والأذهان.

ص:431

139- مضافاً إلی الصّلاه کلّ عباده تنقسم بین اللّه وعبده

بالنسبه للحدیث القدسی المتقدّم الذی یقسّم الصّلاه وسوره الحمد بین اللّه وعبده، ربّما یثار هذا السؤال، هل أنّ ما ورد فی هذا الحدیث الشریف یختصّ بسوره الحمد أم یشمل الأفکار والأفعال والأمور الأخری فی الصّلاه وأنّها تقسّم أیضاً بین اللّه وعبده؟ لأنّه من جهه نری فی بدایه هذا الحدیث أنّ اللّه تعالی یقول:

«قَسَّمْتُ الصَّلاهَ بَینِی وَبَینَ عَبدِی»، ومن جهه أخری وعندما یصل إلی شرح هذه المسأله یطرح فقط التقسیم فی سوره الحمد، ویقول إنّ الآیات الاُولی من هذه الصوره تتعلّق باللّه من «بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ» ، و «الحَمد للّه»؟

وهل أنّ ما ورد فی هذا الحدیث فیما یتّصل بسوره الحمد ذکر علی سبیل المثال، أو أنّه یختصّ بسوره فاتحه الکتاب؟ وهنا قد یطرح هذا السؤال المهم أیضاً، أساساً هل أنّ هذا التقسیم بین اللّه وعبده خاص بالصّلاه؟ یعنی لو قلنا فی شرح سوره الحمد أنّ اللّه تعالی أراد أن یبیّن لنا مثالاً ونموذجاً فی عملیه القسمه

ص:432

هذه، ولکن الصّلاه تتعلّق بالعبد من جهه، وتتعلّق باللّه من جهه أخری، فهل یمکن أن یسری هذا الکلام وهذا التقسیم بالنسبه لجمیع العبادات أم لا؟ هل یمکن القول إنّ کلّ عباده ذات وجهین، وجه مرتبط باللّه تعالی، والوجه الآخر مرتبط بالإنسان؟

وقد أشار الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه إلی هذه النقطه الدقیقه وقال(1): فی نظرنا رغم أنّ هذه الروایه تقرّر أنّ اللّه تعالی قسّم سوره الحمد إلی قسمین، ولکن هذا التقسیم یتعلّق بجمیع أجزاء الصّلاه ویشمل الأذکار وحالات الصّلاه من التکبیرات الافتتاحیّه إلی قول المصلّی السلام علیکم.

ویتبیّن من کلام الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه وحشره اللّه مع أجداده الطاهرین، إنّ العبد عندما یقول «اللّه أکبر» ویؤدّی وظیفه العبودیّه بشکلها الصحیح ویعتقد أنّ جمیع حالات الکبریاء والمجد والعظمه منحصره للّه تعالی، فإذا اعتقد فی باطنه وقلبه واقعاً وحقیقه أنّ اللّه أکبر وکان هذا النور یشرق فی قلبه فإنّ اللّه تعالی سیفتح أمامه باب المراوده والمکاشفه والإنابه، کما ورد فی الحدیث الشریف فی کتاب «مصباح الشریعه» الإشاره إلی هذا المعنی، فعندما تکبّر تقول لقلبک: انظر والتفت جیداً هل تجد حلاوه هذه الصّلاه وحاله البهجه والسرور فی قلبک أم لا؟ فلو أنّک بقولک «اللّه أکبر» تشعر بالأنوار الإلهیّه تشرق علی قلبک وأبواب السرور والبهجه تنفتح علیک وتحسّ بحلاوه فی باطنک بین ذاتک وبین اللّه تعالی، فیتبیّن أنّ هذه الکلمه «اللّه أکبر» هی اللّه أکبر واقعیه وحقیقیّه، أمّا لو قلت تکبیره الإحرام ولم تشعر بمثل هذه الحلاوه فی باطنک فاعلم أنّ هذا التکبیر لم یصدر منک من موقع الصدق والإخلاص وأنّک فی قولک هذا غیر صادق، فلو کان الإنسان صادقاً فی قوله فسیجد لذه الحلاوه فی باطنه وقلبه.

ص:433


1- (1) . انظر: آداب الصّلاه، ص 219.

وعلی هذا الأساس فکلمه «اللّه أکبر» ترتبط من جهه باللّه تعالی وتبیّن کبریاء اللّه وعظمته من قبل العبد، وأمّا من الجهه الأخری المتعلّقه بالعبد فإنّ الإنسان یستشعر اللطف الإلهی الخفی والرحمه الإلهیّه الجلیّه ویذوق حلاوه المناجاه وعباده اللّه.

ولو أردنا شرح وبسط کلام الإمام الراحل رحمه الله هذا فلا مانع من القول إنّ هذا الکلام یسری إلی جمیع العبادات، ولکن قد یطرح هذا السؤال: ما هی الخصوصیّه فی الصّلاه بحیث إنّ اللّه تعالی فی هذا الحدیث القدسی الشریف ذکرها؟ الجواب: إنّ الصّلاه هی المظهر الأعلی والأتم للعباده والمصداق البارز والجلیل لهذا التقسیم، ففی کلّ عباده هناک وجه متعلّق باللّه تعالی، ووجه آخر متعلّق بالعبد، ولکن هذا التقسیم فی العبادات الأخری لیس متجلّیاً کما فی الصّلاه، فکلّ شخص وإن لم یکن له حظّ من العلم والمعرفه یستطیع فهم هذین القسمین وأنّ أحدهما متعلّق باللّه والقسم الآخر متعلّق بالإنسان.

یجب علینا الالتفات إلی هذا المعنی فی جمیع عباداتنا ولا نتصوّر أنّ عباداتنا جمیعاً متعلّقه باللّه تعالی، وأنّها بمثابه الثقل الذی یحمله الإنسان علی ظهر ویسلّمه إلی مولاه، فالعباده لها جهه متعلّقه باللّه تبارک وتعالی وجهه أخری متعلّقه بالإنسان نفسه، ومن ذلک آثار العباده وحلاوتها فی قلب الإنسان العابد إن شاء للّه.

ص:434

140- الاستعاذه، آدابها وأرکانها

«فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّیْطانِ الرَّجِیمِ» (1)

وأحد الآداب المهمّه للقراءه «الاستعاذه» والمقصود من الاستعاذه أن یقول المصلّی بعد التکبیره الإحرام وقبل أن یبتدیء بقراءه السوره: «أَعُوذُ بِاللّهِ السَّمِیعِ العَلِیمِ مِنَ الشَّیطَانِ الرَّجِیمِ»، وقد أفتی فقهاؤنا العظام باستحباب الاستعاذه قبل قراءه السوره، وصرّحوا أیضاً بأنّ الاستعاذه یجب أن تکون علی نحو الاخفات وبدون الجهر، ولکن ما هی الاستعاذه وما هی آدابها وأرکانها، وهل أنّ الاستعاذه مجرّد ذکر کلام یجری علی لسان المصلّی وأنّ الإنسان بمجرّد قول هذه العباره سیکون فی حصن حصین من اللّه تبارک وتعالی، أو أنّ الاستعاذه کلام یجب أن یحکی عن استعاذه القلب والروح وباطن الإنسان وبذلک تکون الاستعاذه الحقیقیّه هی الاستعاذه القلبیّه؟

النقطه المهمّه جدّاً هنا، هی أولاً: یجب الالتفات إلی اللّه أنّ تبارک وتعالی

ص:435


1- (1) سوره النحل، الآیه 98.

عندما أمر نبیّه الکریم: «وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِکِینَ اسْتَجارَکَ فَأَجِرْهُ...»1 ، فهذا اللّه الرحیم والرحمن یتحدّث مع نبیّه الکریم ویأمره بالتعامل مع المشرکین بمثل هذا اللطف، فهل یعقل أن یستجیر به المسلم ولا یقبل اللّه تعالی إجارته واستعاذته، وما هی آثار وعلامات الاستعاذه باللّه تعالی فی حیاه الإنسان؟ وندرک نقاط مهمّه جدّاً مع بعض الدقّه فی حقیقه الاستعاذه.

أولاً: ورد فی الآیه الشریفه 98-100 من سوره النحل أنّ اللّه تعالی أمر نبیّه الکریم: «فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّیْطانِ الرَّجِیمِ» ، یعنی أنّک عندما تقرأ القرآن بقصد القربه إلی اللّه فاعلم أنّ الشیطان یهدف إلی إبعادک وإبعاد امّتک عنّی، وذهب بعض الفقهاء العظام أنّ الأمر بالاستعاذه فی هذه الآیه الشریفه واجب، لأنّهم ذهبوا فی علم الأصول إلی ظهور صیغه الأمر بالوجوب، فالاستعاذه قبل قراءه القرآن واجبه.

ویقول الباری تعالی فی سیاق الآیه: «إِنَّهُ لَیْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَی الَّذِینَ آمَنُوا وَ عَلی رَبِّهِمْ یَتَوَکَّلُونَ * إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَی الَّذِینَ یَتَوَلَّوْنَهُ وَ الَّذِینَ هُمْ بِهِ مُشْرِکُونَ».

وبما أنّ قسماً مهمّاً من الصّلاه یتضمّن قراءه القرآن فلذلک یجب الاستعاذه من الشیطان بعنوانها من آداب القراءه فی الصّلاه، کما أنّ القرآن أحد مصادیق الصراط المستقیم والمبین له، فإنّ الصّلاه کذلک من المصادیق البارزه للصراط المستقیم، ونقرأ فی سوره الأعراف أنّ الشیطان بعد أن طرد من الجنّه قال مخاطباً الباری تعالی: «فَبِما أَغْوَیْتَنِی لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَکَ الْمُسْتَقِیمَ»2 ، والصّلاه هی أحد المصادیق المهمّه للصراط المستقیم ویجب علی المؤمنین الالتفات إلی أنّ الشیطان عندما یری بأنّ هذا المؤمن مشغول بصلاته فإنّه یستجمع جمیع قواه

ص:436

وحیله ووساوسه لکی یمنع هذا المصلّی من الاستفاده من صلاته، والآن إذا أردنا فی هذا السیر والمسیر إلی اللّه أن نستفید فائده وافیه من صلاتنا فیجب علینا طرد وإبعاد الشیطان من دائره نفوسنا وقلوبنا لکی نسلک فی هذا المعراج المعنوی والطریق إلی اللّه تعالی بأفضل وجه إن شاء اللّه.

ص:437

141- الاستعاذه، غلق طریق نفوذ الشیطان

إذا أراد المصلّی أن یحصل علی بعض حقائق سوره الحمد ونال التوفیق لهذا السفر الروحانی والسیر إلی اللّه الذی جعله اللّه تعالی لعباده فی کلّ یوم، یجب علیه فی الخطوه الاُولی التصدی لمانع هذا الطریق وهو الشیطان ویزیحه عن طریقه، الشیطان إذا تسلط علی قلب الإنسان، فحتّی لو کان هذا الشخص قد صلّی ألف عام وختم القرآن ألف ختمه فلا أثر ولا فائده من ذلک، فالقرآن وتلاوته والتمسّک به إنّما تکون نافعه للإنسان وتنوّر قلبه وتنیر طریق وتأخذ بیده من عالم الملک والمادیّه والحیوانیّه وتعرج به إلی مقام القرب إلی اللّه وتخرجه من ظلمات والجهل والشرک إلی أجواء النور والإیمان فیما لو لم یکن الشیطان مسلطاً علی الإنسان، وعندها سیؤثر القرآن أثره فی شفاء قلبه ونفسه من الشوائب والرذائل والمیول الدنیویّه، فقد ورد فی بعض الروایات التی تتحدّث عن الاستعاذه نقاط جمیله ورائعه، منها ما ورد عن أمیرالمؤمنین علیه السلام أنّه قال: «إِنّ قَولَهُ أَعُوذُ بِاللّهِ أَی أَمتَنِعُ بِاللّهِ»(1)، وهذا یعنی أننا نمنع الشیطان

ص:438


1- (1) . وسائل الشیعه، ج 6، ص 197، باب استحباب الاستعاذه عند التلاوه.

من التصرف فی قلوبنا ولا نسمح له فی النفوذ إلیها، «فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّیْطانِ الرَّجِیمِ»1 ، وطبعاً فالإستعاذه هنا لا تعنی أنّ المصلّی یقول هذه العباره فقط قبل قراءه القرآن، بل یبتدیء أوّلاً بالاستعاذه قبل القراءه ویستمر علیها إلی آخرها.

«وَمَنْ تَأَدَّبَ بِأَدَبِ اللّهِ أَدَّاهُ إِلی الفَلاحِ الدَّائِمِ»، ما أروع هذا التعبیر فی هذه الروایه، فکلّ شخص یرید أن یقرأ القرآن وتجری آیاته علی لسانه یجب أن یتأدّب بالآداب الإلهیّه، والأدب الإلهی یعنی أن یبتدیء الإنسان بطرد الشیطان من طریقه واخراجه من أجواء مملکته بحیث لا یکون له سلطان علی هذا الشخص، وإلّا فمع وجود سلطه الشیطان علی نفسه فإنّه عندما یقول أعوذ باللّه من الشیطان، یکون کاذباً، فالإنسان إنّما یکون مستجیراً باللّه فیما لو لم یسمح للشیطان أن یتسلط علی قلبه، وهذا بدوره یحتاج إلی رعایه اللّه وطلب المدد والمعونه منه تعالی، وکما أنّ الشیطان قد طرد من الجنّه، فالإنسان أیضاً وبمعونه اللّه تعالی یجب أن یطرد الشیطان من قلبه أیضاً: «وَمَنْ تَأَدَّبَ بِأَدَبِ اللّهِ أَدَّاهُ إِلی الفَلاحِ الدَّائِمِ».

وینقل أمیرالمؤمنین علیه السلام عن رسول اللّه صلی الله علیه و آله أنّه قال: «إِنْ أَرَدتَ أَنْ لایُصِبَکَ شَرُّهُم وَلا یَبدَأَکَ مَکْرُوهُهُم فَقُلْ إِذا أَصبَحتَ: أَعُوذُ بِللّهِ مِنَ الشَّیطَانِ الرَّجِیمِ فَإِنّ اللّهَ یُعِیذُکَ مِنْ شَرِّهِم»(1)، فلو أراد الإنسان أن یبعد شیاطین الجن والإنس عن نفسه وعن طریقه ولا یصیبه شرّهم وضررهم فعلیه بالاستعاذه، والنقطه المهمّه هنا أنّ الاستعاذه لیست فقط الاستعاذه باللسان والکلام، بل یجب علی الإنسان أن یجمع جمیع قواه النفسانیّه، وعلی حدّ تعبیر البعض فی کتبهم: الأقالیم السبعه الأرضیّه، والأقالیم السبعه فی وجوده «العین، الاُذن، اللسان، البطن، الفرج، الید،

ص:439


1- (2) . وسائل الشیعه، ج 6، ص 142.

والقدم» ویعیذها جمیعاً باللّه من الشیطان الرجیم ویبعد الشیطان من هذه الحقول والأقالیم ویطهّر نفسه وفکره وجمیع قواه من شوائب المعاصی ولوث الذنوب ولا یسمح للشیطان بالعوده یتسلط علی قواه النفسیّه والبدنیّه، ومثل هذا الشخص عندما یقول: «أَعُوذُ بِاللّهِ مِنْ الشَّیْطَانِ الرَّجِیمِ» فإنّ هذه الاستعاذه ستؤثر أثرها ویجعله اللّه تعالی فی حصنه الحصین ویعیذه من الشیطان الرجیم.

ص:440

142- الاستعاذه طریق النجاه من الوسوسه

یروی أمیرالمؤمنین علیه السلام عن رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه علیه أنّه قال: «أَتَاهُ رَجُلٌ مِنَ الأنصَارِ فَقَالَ: یا رَسُولُ اللّهِ إِلَیکَ أَشکُو مَا أَلقَی مِنَ الوَسوَسهِ فِی صَلاتِی حَتّی لاأَعْقَلُ مَا صَلَّیتُ مِنْ زِیادَهٍ أَو نُقیصَان».

قال رسول اللّه صلی الله علیه و آله: «إِذَا قُمْتَ فِی الصَّلاهِ فَاطعَنْ فِی فَخذِکَ الیُسری بِإصبِعِکَ الیُمنَی المُسَبِّحه ثُمَّ قُلْ بِسمِ اللّهِ وَبِاللّهِ تَوَکَّلتُ عَلَی اللّهِ أَعُوذُ بِاللّهِ السَّمِیعُ العَلِیمُ مِنَ الشَّیطَانِ الرَّجِیمِ فَإِنَّ ذَلِکَ یَرجُزُهُ وَیطرُدُهُ»(1)، مع الأسف فإنّ بعض المؤمنین والمصلّین یبتلون بالوسوسه، وهذه الوسوسه هی أساس عمل الشیطان، «اَلَّذِی یُوَسْوِسُ فِی صُدُورِ النّاسِ»2 ، ومن أجل أن نبعد هذه الوسوسه عنّا فی الصّلاه یجب علینا الاستعاذه باللّه من الشیطان ومن وساوسه.

سبق أن أشرنا أنّ الاستعاذه لا تعنی الاستعاذه اللفظیّه، فثمّه أشخاص

ص:441


1- (1) . دعائم الإسلام، ج 1، ص 190.

یستعیذون باللّه من الشیطان مدّه خمسین سنه بلسانهم، ولکن إذا رأیت باطنهم فسوف لاتری سوی حبّ المال وسلطه الشیطان، فالشیطان قد تسلط علی جوارحهم وقواهم وأعضائهم الظاهریّه وقواهم الباطنیّه وحتّی تسلط علی قواهم الفکریّه وعقائدهم الدینیّه، ومن المعلوم أنّ حقیقه الاستعاذه مسأله أبعد وأعمق من الاستعاذه اللسانیّه واللفظیّه، فیجب علی الإنسان أن یحقّق حقیقه الاستعاذه فی أعماق وجوده والمستعیذ یجب أن یجعل جمیع هویته الوجودیّه وحقیقته الإنسانیّه فی جمیع المراتب فی حصن اللّه تعالی ویلجأ إلیه بجمیع قواه ووجوده ولیس فقط یستعیذ باللّه بلسانه.

وعندما یقول القرآن الکریم: «وَ قُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِکَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّیاطِینِ * وَ أَعُوذُ بِکَ رَبِّ أَنْ یَحْضُرُونِ»1 ، فهذا یعنی أنّ أحد تکالیف النبیّ صلی الله علیه و آله من قِبل اللّه تعالی أن یستعیذ باللّه من الشیطان الرجیم، ویوحی لنا هذا النص بأنّ الشیاطین حاضره فی وجود الإنسان وتعمل علی منعه من الحرکه والسیر والسلوک إلی اللّه تعالی ولذلک ینبغی الاستعاذه باللّه منها.

یجب علی الإنسان أن یستعیذ باللّه بجمیع وجوده ویری ما هو مقدار سلطه أهوائه النفسانیّه علیه وعلی إرادته وتصرفاته؟ ولو أنّ الإنسان وجد نفسه فی حاله معیّنه أو عمل بین أن یقف بین الدنیا والآخره واختار الدنیا، فلیعلم بأنّه قد سلّط الشیطان علی نفسه وإرادته، فلو أنّه مع ذلک قال فی الیوم ملیون مرّه: «أَعُوذُ بِاللّهِ مِنْ الشَّیْطَانِ الرَّجِیمِ»، فلا أثر لمثل هذه الاستعاذه.

ولو أنّ الإنسان ابتلی بالأهواء النفسانیّه وتورط فی شباک النوازع الدنیویّه وسلّم نفسه إلی هذه المیول والأهواء من حبّ السلطه والشهوه وحبّ المال والثروه وسعی فی حیاته إلی مماته فی طلب المال والمنصب والجاه، فلیعلم أنّ

ص:442

الحاکم علی نفسه والمسیطر علی قواه وإرادته هو الشیطان، وکلّما قال «أَعُوذُ بِاللّهِ مِنْ الشَّیْطَانِ الرَّجِیمِ» فلا أثر له، لأنّ مثل هذه الاستعاذه إنّما تکون مؤثره عندمایطهر الإنسان باطنه وقلبه من وساوس الشیطان ومن شراکه ومکره ویعمل علی تنقیه روحه وفکره وجمیع قواه من لوث الشیاطین حتّی تشترک معه جمیع هذه القوی فی قوله «أَعُوذُ بِاللّهِ مِنْ الشَّیْطَانِ الرَّجِیمِ».

ص:443

143- الاستعاذه: اللجوء إلی اللّه من الذنوب والانحرفات الفکریّه والعقدیّه

إنّ أحد العوامل التی تؤدّی إلی عدم استجابه الدعاء للإنسان، أو عدم تأثیر الأذکار والأوراد التی یقولها المؤمن، بسبب أنّ هذه الأذکار والأوراد صدرت من لسانه الذی یتصرّف به الشیطان، ویحکم علی ذهن صاحبه وقلبه، وعندما یقول الباری تعالی للنبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله: «فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّیْطانِ الرَّجِیمِ»1 ، فهذا یعنی أنّ الشیطان لو کان حاضراً عند قراءه القرآن أیضاً فهذا القرآن لا یؤثر أثره فی النفس البشریّه، إذن یجب أن نحقّق الاستعاذه فی کلّ مملکه وجودنا، لا فقط عندما نواجه الذنب أو التلوّث بالمعصیه الظاهریّه فنستجیر باللّه من الشیطان، بل إنّ التلوّث الذی یهدد الإنسان أعمق من ذلک، فالکثیر من الأشخاص ربّما لا یصدر منهم ذنب ولا معصیه من قبیل السرقه الغیبه والخیانه فی الأموال ولا تصدر منهم کلمات نابیه وبذیئه ولکنّهم مع ذلک وقعوا

ص:444

أسری الشیطان وتسلط الشیطان علی عقولهم وعقائدهم وأفکارهم وصدهم عن السلوک الصحیح والصراط المستقیم وقادهم نحو هاویه العقائد الباطله والأفکار المنحرفه.

ومن هذا المنطلق یجب أن تستوعب الاستعاذه جمیع أبعاد الإنسان الوجودیّه وتخلّصه من سلطه الشیطان وتنقذه من فخاخه وشراکه، والإستعاذه لها آداب خاصّه، وأحد هذه الآداب المهمّه هو الإخلاص، ونقرأ فی الآیه الشریفه:

«قالَ فَبِعِزَّتِکَ لَأُغْوِیَنَّهُمْ أَجْمَعِینَ * إِلاّ عِبادَکَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِینَ»1 ، فهنا نری أنّ الشیطان یقسم بعزّه اللّه، وهذا القسم مهمٌّ جدّاً، ویقول: إننی سوف أغوی جمیع عبادک إلّافئه واحده لا استطیع أن أتسلط علیه وهم المخلصون، والمخلَص بصیغه اسم المفعول تختلف عن المخلِص بصیغه اسم الفاعل، والمرتبه الاُولی أعلی کثیراً من الثانیه، وعلامه ذلک یظهر فی عمل هذا الشخص المخلَص وفی سلوکیاته.

إذا جعل الإنسان جمیع هویته وأبعاده الوجودیّه وقواه النفسانیّه بید اللّه تبارک وتعالی، ولو صدرت حرکه من یده وقدمه، أو نظر بعینه، أو سمع کلاماً باُذنه فإنّه یجعل من کلّ ذلک للّه تعالی ولا یسمح لهذه الأعضاء والجوارح أن تخون الأمانه الإلهیّه الکبیره عنده، ولا یجعلها تتصرّف فی غیر طاعه اللّه، ولو أنّ أفکاره وعقائده أو عمل یعمل یعمله کانت لنیّته للّه تعالی، فیفکّر للّه ویجعل قلبه حرم اللّه، وبشکل عام یکون اللّه تعالی حاکماً علی جمیع وجوده وکیانه وتکون جمیع أفکاره وأعماله للّه تعالی، فإنّه عند ذلک یدخل فی زمره المخلَصین، ونتیجه هذا الإخلاص أن تتفجر ینابیع الحکمه من قلبه وتجری علی لسانه: «مَنْ أَخلصَ للّهِ أَربَعِینَ صَباحاً جَرَتْ یَنابِیعُ الحِکْمَهِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَی لِسانِهِ»(1)، یعنی عندما یتحدّث

ص:445


1- (2) . مصباح الشریعه، ص 355.

فکأنّما ینبع الحکمه من قلبه وتظهر فی کلامه وعلی لسانه ویتحدّث بمسائل عمیقه جدّاً ومعنویه ونورانیّه من شأنها أن تنوّر الآخرین وتصلح المجتمع، ومع وجود هذه الحاله من الإخلاص فإنّ الشیطان لا یستطیع النفوذ إلی قلب هذا الشخص، والاستعاذه هنا من أجل إیصال الإنسان إلی هذه المرحله.

إذن فأحد آداب الاستعاذه الخلوص والإخلاص، وکلّما ازداد وتعمّق إخلاص الفرد فإنّ استعاذته باللّه تبارک وتعالی ستکون أکثر وأشدّ، نسأل اللّه تعالی أن یرزقنا جمیعاً مثل هذا الإخلاص إنّ شاء اللّه.

ص:446

144- الاستعاذه، الورود فی حصن اللّه والأمن من عذابه

فیما یتعلّق بالاستعاذه یجب الالتفات إلی هذه النقطه، وهی أنّ الشخص الذی یستجیر بالحقّ تبارک وتعالی فإنّ اللّه تعالی یقول: «کَلِمَهُ لاإِلَهَ إِلّا اللّهُ حِصنِی فَمَنْ دَخَلَ حِصنِی أَمِنَ مِنْ عَذاِبی»، والنقطه الدقیقه والمهمّه جدّاً هنا والتی أشار إلیها الإمام الخمینی رضوان اللّه تعالی علیه(1) ، هی: إنّ الإنسان إذا دخل فی حصن اللّه تعالی، فلیس فقط یکون فی مأمن من عذاب جهنّم الظاهری، بل یکون محفوظاً ومصوناً من جمیع مصادیق العذاب الإلهی، وإلی هذا المعنی أشار الإمام أمیرالمؤمنین علیه السلام فی دعاء: «فَهَبنِی صَبَرْتُ عَلَی عَدَابِکَ فَکیفَ أَصْبِرُ عَلَی فِراقِک»، فالصبر علی عذاب اللّه ربّما یکون قابلاً للتحمّل لدی أولیاء اللّه، ولکن الصبر علی فراقه وأن یکون حجاب بین الإنسان وربّه، وهذا الحجاب یحجب الإنسان عن الحقّ ورؤیه جمال الحقّ ویحجب قلب الإنسان عن رؤیه نور الحقّ ویعیقه عن الوصال بالمحبوب، فهو أمر غیر قابل للتحمّل عند أولیاء اللّه، ومن

ص:447


1- (1) . انظر: آداب الصّلاه، ص 223.

هذه الجهه یقول أمیرالمؤمنین علیه السلام: إنّ هذا الأمر أعلی وأشدّ أنواع العذاب، فالإنسان المؤمن المحبّ للّه لا یتحمّل مثل هذا العذاب، ولو أنّه استطاع أن یتحمّل العذاب الظاهری فإنّه لا یستطیع الصبر علی هذا العذاب المعنوی، والآن إذا دخلنا بواسطه الاستعاذه الحقیقیّه فی حصن اللّه تعالی: «فَمَنْ دَخَلَ حِصنِی أَمِنَ مِنْ عَذاِبی»، وسیکون محفوظاً من أی حجاب وابتعاد عن محبوبه الواقعی وهو اللّه تعالی.

ویتحدّث الإمام الخمینی رحمه الله عن هذا المعنی بعباره لطیفه ویقول: الشخص الذی یصل إلی هذا المقام، أی یکون فی مأمن من هذا العذاب، فهو عبد اللّه الحقیقی، وهذا المقام یعدّ من أعزّ مقامات أولیاء اللّه وأخصّ مدارج أصفیاء اللّه، ومثل هذا المقام متعلّق بالأصاله بوجود حضرت النبیّ الأکرم صلی الله علیه و آله خاتم الأنبیاء، وفی المرتبه التالیه للأئمّه الطاهرین صلوات علیهم أجمعین، ولیس من المعلوم أنّ أحد غیر هؤلاء یستطیع الوصول إلی هذه المرتبه ویکون فی مأمن من عذاب هذه المرتبه، وعلی هذا الأساس فالاستعاذه تمهّد الطریق للإنسان للوصول إلی مثل هذا المقام والمرتبه بحیث یکون مصوناً ومحفوظاً من جمیع مراتب العذاب، ومن هنا یجب علینا السعی أکثر بحیث إذا لم نتمکّن من الوصول إلی تلک المقامات والدرجات العالیه، فعلی الأقل أن نوفّق للوصول إلی المراتب الأخری إن شاء اللّه تعالی.

ص:448

145- القیام، إعلان الاستعداد للدفاع عن الحقّ والتصدی للشیاطین

کمقدّمه یجب أن یکون معلوماً أنّ الصّلاه، وهی معراج المؤمن وأهم وسیله للقرب من اللّه تبارک وتعالی، لها ثلاث حالات مهمّه: القیام، الرکوع، السجود، وکلّ واحده من هذه الحالات الثلاث فی مسار الحقّ نحو اللّه تعالی، تعتبر منزله من منازل الفیض والسلوک ومقدّمه للمنزل الآخر، فإذا لم تراع آداب کلّ منزل منها لا تصل النوبه للورود إلی المنزل الآخر، فلو أردنا معرفه أسرار وحقائق الرکوع وتجسیدها فی وجودنا فلابدّ أن نحقّق فی أنفسنا حقائق القیام قبل ذلک.

یقول علماء العرفان: إنّ هذه الحالات الثلاث فی الصّلاه یعنی: القیام، والرکوع، والسجود، إشاره إلی المراتب الثلاثه للتوحید، ویجب علی المصلّی عند الدخول إلی أی واحده من هذه المنازل الثلاثه للتوحید أن یحقّق فی ذاته وباطنه مرتبه من مراتب التوحید.

والآن ما هو سرّ القیام بحیث یجب أداء قسم من الصّلاه فی حال القیام؟

ص:449

ویجب أیضاً قراءه القرآن فی حال القیام فقط دون الرکوع والسجود فلا یلزم قراءه القرآن فیهما، ذهب علماؤنا فی تأویل ذلک إلی أنّ القیام هو إعلان الاستعداد للنهوض والقیام فی سبیل اللّه، أی إعلان الاستعداد لإقامه حکم اللّه وإحیاء کلمه اللّه علی الصعید الفردی والاجتماعی، وأساساً فالأشخاص الذین یتحرّکون فی حیاتهم بهدف إحیاء دین اللّه فإنّهم أشخاص یعیشون حال القیام دائماً، والشخص الذی یجاهد فی سبیل اللّه فهو فی الحقیقه قائم للّه، فهذا الشخص هو القائم الحقیقی وإن کان جالساً بحسب الظاهر، والمجاهد الذی لا یستطیع القیام، ولکنّه یجاهد فی سبیل اللّه فهو فی الحقیقه قائم واقعاً، فالقیام فی الصّلاه یحکی عن هذه الحقیقه ویکشف عن أننا فی صلاتنا نقف بکل وجودنا فی مقابل الباری تعالی ونتحرک فی سبیله ونتجه بجمیع وجودنا نحو الفناء فی اللّه والتضحیه فی سبیل اللّه، ومن هنا نری من المناسب الإشاره إلی هذه الآیه الشریفه: «إِنَّ الَّذِینَ قالُوا رَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَیْهِمُ الْمَلائِکَهُ أَلاّ تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا...»1 ، فالأشخاص الذین سلکوا فی خط الإیمان والتوحید والاستقامه فسوف تتنزل علیهم ملائکه اللّه وتبشّرهم بالجنّه والنعیم الأبدی وتقول لهم: أن لا تخافوا ولا تحزنوا، فالأشخاص الذین ثبتوا واستقاموا فی قیامهم هذا فإنّ بإمکانهم فهم هذه البشاره الإلهیّه، بل علی حدّ تعبیر بعض الأکابر، قد یشاهد هؤلاء المجاهدون والقائمون فی سبیل اللّه الملائکه نفسها، فالشخص الذی یعیش الاستعداد الدائم للقیام والحرکه فی خط التوحید والإیمان فسوف یحظی بمثل هذا الامتیاز.

ومعنی القیام، إنّ الإنسان یحقّق فی نفسه الاستعداد الدائم للحرکه من أجل اعتلاء کلمه الحقّ، ولا ینبغی أن نتصوّر أنّ القیام فی الصّلاه هی الوقوف لحظات

ص:450

معدوده فقط وقراءه سوره فاتحه الکتاب وسوره التوحید، کلّا، فالقیام یعنی الإعلان عن وقوفنا ضد قوی الباطل والشرّ والدفاع عن دین اللّه دائماً، والإعلان عن التصدی لشیطان النفس ومحاربه شیطان الجنّ والإنس وجمیع أشکال الفساد والتلوّث والانحراف، فنحن قائمون من أجل محاربه أعداء الداخل والخارج.

وعلی هذا الأساس، فالقیام فی الصّلاه له مثل هذه الحاله والمکانه ویعدّ مقدّمه لیکون الإنسان قائماً بالقسط والعدل فی مجتمعه کما تقول الآیه الشریفه: «شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَ الْمَلائِکَهُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ...»1 ، وهذا القیام بالقسط یرتبط باللّه تبارک وتعالی وکذلک یرتبط بالملائکه وأولی العلم أیضاً، والمصلّی بقیامه أمام اللّه تعالی یرید أن یحقّق فی نفسه هذه المرتبه العالیه جدّاً والمختصّه باُولوالعلم والملائکه الإلهیین.

یقول أمیرالمؤمنین صلوات اللّه وسلامه علیه فی وصف أولیاء اللّه: «وَبِهِمْ قَامَ الْکِتَابُ وَبِهِ قَامُوا»(1)، ماذا یعنی قیام القرآن؟ وعندما نقول إنّ القرآن قائم بأولیاء اللّه فهذا یعنی أنّ الظهور العملی للقرآن فی قلوب الناس وأذهانهم وأعضاء الإنسان وجوارحه یتحقّق بهذه الحاله، أمّا قیامهم بالقرآن