آرشیو دروس خارج اصول آیت الله شیخ محمداسحاق فیاض38-37

اشاره

سرشناسه:فیاض، محمداسحاق1930

عنوان و نام پدیدآور:آرشیو دروس خارج اصول آیت الله شیخ محمداسحاق الفیاض38-37/محمداسحاق فیاض.

به همراه صوت دروس

منبع الکترونیکی : سایت مدرسه فقاهت

مشخصات نشر دیجیتالی:اصفهان:مرکز تحقیقات رایانه ای قائمیه اصفهان، 1396.

مشخصات ظاهری:نرم افزار تلفن همراه و رایانه

موضوع: خارج اصول

أدله حجیه خبر الواحد ___ آیه النفر بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد ___ آیه النفر

کان الکلام فی آیه النفر وهل تدل علی حجیه خبر الواحد (وَمَا کَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِیَنفِرُواْ کَآفَّهً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن کُلِّ فِرْقَهٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَهٌ لِّیَتَفَقَّهُواْ فِی الدِّینِ وَلِیُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَیْهِمْ لَعَلَّهُمْ یَحْذَرُونَ) (1) وتمامیه الاستدلال بهذه الآیه المبارکه تتوقف علی مجموعه من المقدمات:

المقدمه الأولی: دلاله الآیه المبارکه علی وجوب الحذر لأنها إذا دلت علی وجوب الحذر فهو یدل علی أن إنذار المنذر حجه وهذا معناه حجیه خبر الواحد، ولکن دلاله الآیه المبارکه علی وجوب الحذر تتوقف علی أمور:

الأمر الأول: أن کلمه لعل الوارده فی هذه الآیه الکریمه لیس بمعناها اللغوی العرفی وهو الترجی إذ یستحیل وجود هذا المعنی فی ذاته تبارک وتعالی، فلا محاله یکون المراد من کلمه لعل أنها تدل علی محبوبیه مدخولها أی أن الحذر محبوب لله تعالی فإذا کان محبوبا لله تعالی فهو واجب للملازمه بینهما.

الأمر الثانی: أن الحذر غایه للإنذار والإنذار واجب وغایه الواجب أولی بالوجوب، ثم أن الحذر لو لم یجب لکان وجوب الإنذار لغوا وقد تقدم الکلام فی هذه الوجوه وناقشنا فی جمیعها تماما علی تفصیل تقدم.

المقدمه الثانیه: أن الآیه المبارکه تدل علی أن الحذر مترتب علی عنوان الإنذار بدون أی قید آخر وتدل علی ذلک أیضا أمور:

الأمر الأول: ان مقتضی إطلاق الآیه المبارکه (وَلِیُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَیْهِمْ لَعَلَّهُمْ یَحْذَرُونَ) أن الحذر مترتب علی إنذار المنذر بعنوانه لا بعنوان أنه مفید للعلم بالواقع أو الاطمئنان والوثوق بالواقع بل بما هو إنذار فإن تقیید الإنذار بالعلم أو الاطمئنان والوثوق بحاجه إلی قرینه ولا قرینه من داخل الآیه المبارکه ولا من خارجها وظاهر إطلاق الآیه المبارکه ترتب الحذر علی عنوان المنذر.

ص: 1


1- القرآن المجید، سوره التوبه، آیه122.

فإذاً إنذار المنذر بما هو حجه یوجب وجوب الحذر ویکون سببا لوجوب الحذر فلو لم یکن إنذار المنذر حجه لم یجب الحذر، فوجوب الحذر الذی هو مترتب علی إنذار المنذر بعنوانه یدل علی أن إنذار المنذر حجه وهذا معناه أن خبر الواحد حجه.

ولکن ناقشنا فی هذه الأمور أیضا علی تفصیل تقدم.

إلی هنا انتهی الکلام فی النقطه الثانیه.

النقطه الثالثه: أن للحذر تفسیرات متعدده وردت فی کلمات الأعلام من الأصولیین:

التفسیر الأول: أن المراد من الحذر فی الآیه المبارکه الحذر من الوقوع فی المفسده الواقعیه غیر المنجزه أو تفویت المصلحه الواقعیه غیر المنجزه.

التفسیر الثانی: أن المراد من الحذر هو الخوف النفسانی من الإدانه والعقوبه.

التفسیر الثالث: أن المراد من الحذر هو التحفظ والتجنب العملی الخارجیه لا الخوف النفسانی من الإدانه والعقوبه، أی التحفظ علی فعل الواجبات وترک المحرمات.

أما التفسیر الأول: فهو غیر صحیح لوضوح أنه لا یجب الحذر من الوقوع فی المفسده غیر المنجزه ولا مانع من الوقوع فیها، کما انه لا مانع من تفویت المصلحه الواقعیه غیر المنجزه ولا یجب الحذر من الوقوع فی مثل هذه المفسده التی هی غیر منجزه ومن تفویت المصلحه الواقعیه التی هی غیر منجزه.

والصحیح: هو التفسیر الثانی فإن المتفاهم العرفی من الحذر الوارد فی الآیه المبرکه هو الخوف النفسانی من الإدانه والعقوبه علی مخالفه إنذار المنذرین لأن هذا الخوف النفسانی من الإدانه والعقوبه مترتب علی مخالفه إنذار المنذرین فإن المنذرین (بالفتح) یخافون من الإدانه والعقوبه علی مخالفتهم المنذرین (بالکسر)، هذا هو المتفاهم العرفی من الحذر والآیه تدل علی ذلک فإن الخوف مترتب علی إنذار المنذرین (بالکسر) فبطبیعه الحال یکون المراد من الحذر هو الخوف من الإدانه والعقوبه ومخالفه إنذار المنذرین حیث أن إنذار المنذر إذا کان بالواجب یخاف المنذر (بالفتح) من ترک الواجب وإذا کان علی الحرمه یخاف من الإدانه والعقوبه علی ارتکابه.

ص: 2

واما التفسیر الثالث: فمما لا یمکن المساعده علیه؛ لأن التحفظ والتجنب العملی الخارجی معلول للخوف النفسی من الإدانه والعقوبه فإن الخوف النفسی من الإدانه والعقوبه هو السبب للتحفظ والتجنب العملی الخارجی فإذا خاف الإنسان من الإدانه والعقوبه علی فعل فبطبیعه الحال یتجنب عنه فالتحفظ والتجنب العملی الخارجی معلول للخوف النفسانی من الإدانه والعقوبه والمراد من الحذر هو الخوف النفسانی من الإدانه والعقوبه الذی هو سبب للتحفظ من ترک الواجب والتجنب من فعل الحرام.

هذا بحسب ظاهر الآیه المبارکه وبقطع النظر عن کلمه ((لعل)).

وأما معها فالآیه لا تدل علی وجوب الحذر فإن کلمه ((لعل)) فی الآیه المبارکه تدل علی ترقب الحذر لا علی وجوبه فالمستفاد من الآیه الکریمه بضمیمه کلمه لعل أن ترقب الحذر هو المترتب علی إنذار المذرین لا وجوب الحذر.

وعلی هذا: فالآیه الکریمه لا تدل علی حجیه خبر الواحد لأنها لا تدل علی حجیه إنذار المنذرین لأن المترتب علی إنذار المنذرین لیس وجوب الحذر بل المترتب هو ترقب الحذر فمن أجل ذلک لا تدل الآیه الکریمه علی حجیه اخبار الآحاد.

ومع الإغماض عن ذلک وتسلیم دلاله الآیه المبارکه علی وجوب الحذر وأنه مترتب عل إنذار المنذر فیکون إنذار المنذر حجه فهل الآیه حینئذ تدل علی حجیه أخبار الآحاد أو لا تدل علی ذلک؟ فهنا مجموعه من الإشکالات فی دلالتها علی حجیه اخبار الآحاد:

الإشکال الأول: أن مورد الآیه المبارکه الشبهات الحکمیه التی یکون التکلیف فیها منجزاً ولا یمکن إجراء الأصل المؤمن فی الشبهات قبل الفحص کأصاله البراءه أو استصحاب عدم التکلیف أو أصاله الطهاره، وکذلک فی الشبهات المقرونه بالعلم الاجمالی فإن التکلیف فیها منجز والأصول المؤمنه لا تجری فی أطرافها.

وبیان هذا الإشکال وتقریبه ____ أی اختصاص الآیه الکریمه بالشبهات الحکمیه التی یکون التکلیف فیها منجزاً وعدم جریان الأصول المؤمنه فیها لکونها شبهه قبل الفحص ____: أن المولی إذا قال: توضأ لکی تصلی فإنه ظاهر فی أن وجود الوضوء شرط لوجود الصلاه لا أنه شرط لوجوبها لأن الصلاه واجبه سواء توضأ المکلف ام لم یتوضأ، وعلیه یکون وجود الوضوء فی الخارج شرط لوجود الصلاه لا انه شرط لوجوبها، أو إذا قال فی شهر رمضان موجها خطابه للجنب أو الحائض: اغتسل قبل الفجر لکی تصوم غداً فإنه ظاهر فی أن وجود الغسل شرط لوجود الصوم لا أنه شرط للوجوب فالصوم واجب سواء أغتسل المکلف او لم یغتسل.

ص: 3

ففی هذه الأمثله ونحوها لا شبهه ان وجود المأمور به شرط لوجود العله لا لوجوبها وهل یمکن تطبیق هذه الکبری علی الآیه المبارکه أو لا یمکن؟ نتکلم فیها لاحقاً إن شاء الله تعالی.

أدله حجیه خبر الواحد __ آیه النفر بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد __ آیه النفر

تحصل مما ذکرنا أن تعلیل الأمر بشیء بعله ظاهر فی أن وجود ذلک الشیء المأمور به شرط لوجود العله لا شرط لوجوبها، کما إذا أمر بالمولی بالتوضؤ لکی تصلی فإنه ظاهر فی أن وجود الوضوء شرط لوجود الصلاه لا أنه شرط لوجوبها، بل لا یمکن أن یکون شرطا لوجوبها؛ لأن وجوب الصلاه ثابت سواء توضأ المکلف أم لم یتوضأ وکذلک إذا أمر المولی بالاغتسال قبل الفجر فی شهر رمضان لکی تصوم غدا فإنه ظاهر فی أن وجود الغسل شرط لوجود الصوم لا لوجوبه؛ فإن وجود الغسل مقدمه وجودیه ولیس مقدمه وجوبیه وهو شرط لوجود الصوم غدا، وأما وجوب الصوم فهو ثابت أغتسل المکلف أم لم یغتسل فلا یمکن ان یکون شرط لوجوب العله، بل هو شرط لوجودها، فإذا أمر المولی بالنذر لکی یفی به فلا یمکن ان یکون وجود النذر شرط لوجوب الوفاء فإن وجوب الوفاء معلول للأمر بالنذر فلا یعقل أن یکون الأمر بالنذر مسبب عن وجوب الوفاء ومعلول له ولا یعقل أن یکون شرطا للحکم.

والکلام إنما هو فی تطبیق هذه الکبری علی الآیه المبارکه؛ إذ قد ورد الأمر فی الآیه المبارکه بالنفر للتفقه وتعلیل الأمر بالنذر للتفقه ظاهر فی أن وجود النفر شرط لوجود التفقه لا لوجوبه فوجوب التفقه ثابت فی الواقع سواء نفر أم لم ینفر وکذلک الأمر بالتفقه للإنذار فإن تعلیل الأمر بالتفقه للإنذار ظاهر فی أن وجود التفقه شرط لوجود الإنذار ولیس شرطا لوجوبه وکذلک الحال فی الإنذار فإن أمر المولی بالإنذار للحذر فإنه ظاهر فی أن وجود الإنذار شرط لوجود الحذر لا أنه شرط للوجوب.

ص: 4

فإذاً الآیه المبارکه بجمیع فقراتها وجملها ظاهره فی أن الشرط شرط لوجود العله لا أنه شرط لوجوبها.

ونتیجه ذلک: أن وجوب التفقه ثابت فی الواقع فی المرتبه السابقه سواء تحقق النفر أم لم یتحقق، وکذلک وجوب الإنذار ثابت فی الواقع فی المرتبه السابقه سواء تفقه وتعلم الأحکام الشرعیه أم لم یتعلم، وکذلک وجوب التحذر فإنه ثابت فی الواقع وفی المرتبه السابقه سواء أنذر المکلف أو لم ینذر.

ونتیجه ذلک: اختصاص الآیه المبارکه بالشبهات الحکمیه التی یکون المرجع فیها قاعده الاشتغال وهی الشبهات الحکمیه قبل الفحص؛ فإن وجوب التحذر من مخالفه الأحکام الشرعیه ثابت فیها فی المرتبه السابقه سواء أنذر المکلف أو لم ینذر، فالإنذار شرط لوجود التحذر لا لوجوبه؛ لأن وجوبه ثابت فی الواقع.

ولکن لا یمکن تطبیق الآیه المبارکه علی الشبهات الحکمیه التی یکون المرجع فیها الأصول المؤمنه کأصاله البراءه أو استصحاب عدم التکلیف أو أصاله الطهاره وإلا لزم تعلیل الأمر بالنذر بوجوب التحذر لا بوجوده، وهو لا یمکن؛ فإن وجوب التحذر لا یمکن أن یکون سببا لوجوب الإنذار أی للأمر بالإنذار فإن الأمر بالإنذار هو سبب لوجوب التحذر فلا یمکن تعلیل الأمر بالإنذار بوجوب التحذر فالآیه المبارکه لو کانت شامله للشبهات الحکمیه التی یکون المرجع فیها الأصول المؤمنه کقاعده البراءه أو الاحتیاط أو استصحاب عدم التکلیف فإنها إذا کانت شامله لزم تعلیل الأمر بالإنذار بوجوب التحذر، وهذا مما لا یمکن.

نعم یمکن تعلیل الأمر بالإنذار بوصول وجوب التحذر وتنجزه علی المکلف فإن وصول وجوب التحذر إلی المکلف وتنجزه علیه منوط بإنذار المنذرین، وهذا لا مانع منه فإن وصول الأحکام الشرعیه إلی المکلف تاره یکون بالعلم الوجدانی وأخری یکون بالاطمئنان والوثوق، وثالثه یکون بالعلم التعبدی أی بحجیه أخبار الاحاد فیسمی بالعلم التعبدی، ورابعه یکون بالتنجز کما فی موارد قاعده الاشتغال أو الاستصحاب المثبت للتکلیف، فإن فی هذه الموارد یصل التکلیف الی المکلف بالتنجز لا بالعلم الوجدانی ولا بالاطمئنان ولا بالعلم التعبدی وإنما وصل بالتنجز فقط فالحکم الواقعی فی موارد قاعده الاشتغال والاحتیاط منجز کما فی الشبهات قبل الفحص فإن الأحکام الواقعیه لم تصل إلی المکلف لا بالوجدان ولا بالاطمئنان والوثوق ولا بالعلم التعبدی لعدم وجود إماره معتبره فیها وإنما وصلت بقاعده الاشتغال ووصولها بالتنجز فقط فالأحکام الواقعیه منجزه، وهذا یعنی أن احتمال التکلیف من الوجوب والحرمه منجز طالما لم یکن هناک أصل مؤمن کأصاله البراءه أو قاعده الطهاره او استصحاب عدم التکلیف وهو ما یسمی بالاستصحاب الترخیصی، فالتکلیف فی هذه الموارد قد وصل تنجزه لا ذاته کما فی الشبهات قبل الفحص فإن احتمال التکلیف من الوجوب والحرمه منجز باعتبار أن الأصول المؤمنه لا تجری فی الشبهات الحکمیه قبل الفحص فإذا لم تجر کان احتمال التکلیف منجز فوصول التکلیف إنما هو بالتنجز لا بالعلم الوجدانی ولا بالاطمئنان والوثوق ولا بالعلم التعبدی.

ص: 5

وفی المقام: الآیه المبارکه تدل بالنسبه إلی الأحکام الواقعیه علی أن وجود النفر شرط لوجود التفقه لا لوجوبه ووجود التفقه شرط لوجد الإنذار لا لوجوب الإنذار ووجود الإنذار شرط لوجود الحذر لا لوجوبه هذا بالنسبه إلی الأحکام الواقعیه.

لکن لا شبهه فی أن إنذار المنذر إذا کان حجه وفرضنا أن الآیه المبارکه تدل علی أن إنذار المنذر یکون حجه فإذا کان حجه فهی موجبه لوصول الأحکام الواقعیه تعبدا وتنجزا فالأحکام الواقعیه فی موارد الأمارات المعتبره کأخبار الآحاد واصله الی المکلف تعبدا وتنجزا فإن اهتمام المولی بالحفاظ علی الأحکام الواقعیه وعدم رضائه بتفویتها بما لها من الملاکات والمبادئ اللزومیه التی هی حقیقه الأحکام وروحها اهتمام المولی بالحفاظ علی الأحکام الواقعیه وعدم رضائه بتفویتها بما لها من الملاکات والمبادئ اللزومیه هو الداعی والمحرک للمولی فی جعل الأمارات حجه فی موارد الاشتباه والالتباس، وإذا کانت أخبار الاحاد حجه فهی موجبه لوصول الأحکام الواقعیه ظاهرا وتنجزا، وإذا کان إنذار المنذر حجه فهو موجب لوصول وجوب التحذر ظاهرا وتنجزا ولا یمکن أن یکون موجبا لوصول وجوب التحذر واقعا؛ إذ ان وصول وجوب التحذر واقعا منوط بالعلم الوجدانی أو بالوثوق والاطمئنان وأما الأمارات المعتبره التی یکون موردها الشبهات الحکمیه وموارد الالتباس والشبهات فإنها توجب وصول الأحکام الواقعیه ظاهرا وتنجزا.

فالنتیجه: أن الآیه المبارکه تدل علی أن إنذار المنذر شرط لوجود التحذر لا لوجوبه واقعا ولکن فی نفس الوقت أن إنذار المنذر إذا کان حجه فهو شرط لوصول وجوب التحذر ظاهرا وتنجزا ولا بد من العمل به.

أدله حجیه خبر الواحد ____ آیه النفر بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد ____ آیه النفر

تضمنت الآیه المبارکه ثلاث فقرات:

الفقره الأولی: وجوب النفر بغایه التفقه وتعلم الأحکام الشرعیه من الواجبات والمحرمات وغیرهما.

ص: 6

الفقره الثانیه: وجوب التفقه بغایه الإنذار.

الفقره الثالثه: وجوب الإنذار بغایه التحذیر والتخویف.

وهذه الفقرات الثلاث تشترک فی نقطتین وتختلف فی نقطه ثالثه.

أما النقطه الأولی: فإن الفقره الأولی ظاهره فی أن وجود النفر المأمور به شرط ومقدمه لوجود التفقه الذی هو عله غائیه لوجوب النفر فوجود النفر بما أنه مأمور به فهو شرط ومقدمه وجودیه لوجود التفقه لا لوجوبه فکذلک وجود التفقه المأمور به شرط ومقدمه وجودیه لوجود الإنذار الذی هو غایه له، ووجود الإنذار بما هو مأمور به شرط ومقدمه وجودیه لوجود التحذیر لا لوجوبه فالنفر بوجوده شرط ومقدمه وجودیه ولیس مقدمه وجوبیه للتفقه فإن وجوب التفقه ثابت فی الواقع سواء أ قام المکلف بالنفر أم لم یقم، فکذلک وجوب الإنذار والإرشاد وإخبار الناس بالأحکام الشرعیه ثابت فی الواقع سواء قام المکلف بتعلم الأحکام أم لا وکذلک التحذیر.

فإذن هذه الفقرات الثلاث مشترکه فی هذه النقطه وعلی حد سواء.

النقطه الثانیه: أن منشأ وجوب النفر وعلته اهتمام المولی بالحفاظ علی وجوب التفقه الواقعی وعدم رضائه بتفویته بما له من المبادئ والملاکات اللزومیه حتی فی موارد الاشتباه والالتباس فهذا الاهتمام للمولی هو منشأ وجوب النفر للتفقه وتعلم الأحکام الشرعیه وأیضا منشأ وجوب التفقه اهتمام المولی بوجوب الإنذار والحفاظ علیه وعدم جواز تفویته بما له من الملاکات والمبادئ اللزومیه التی هی حقیقه الحکم وروحه حتی فی موارد الاشتباه والالتباس.

وکذلک الحال فی الفقره الثالثه فإن منشأ وجوب الإنذار هو اهتمام المولی أیضا بالتحذیر وتخویف الناس من الإدانه والعقوبه علی مخالفه الأحکام الشرعیه.

والفقرات الثلاث تشترک فی هذه النقطه وهی علی حد سواء بالنسبه إلیها.

وأما النقطه الثالثه: فالغایه المباشره لوجوب النفر هی وجود التفقه الواقعی فإن وجود التفقه الواقعی هو غایه لوجوب النفر بنحو مباشر وکذلک وجوب الإنذار الواقعی هو الغایه لوجوب التفقه وتعلم الأحکام بنحو مباشر واما التحذیر الواقعی والتخویف الواقعی من الإدانه والعقوبه فلیس غایه لوجوب الإنذار، فمن هذه الناحیه الفقره الثالثه تختلف عن الفقره الأولی والثانیه؛ فإن فی الفقره الأولی الغایه المباشره هی وجود التفقه الواقعی وفی الفقره الثانیه الغایه المباشره لوجوب التفقه هی وجود إنذار المنذر الواقعی وأما فی الفقره الثالثه فوجود التحذر الواقعی هو لیس غایه لوجوب الإنذار؛ لأن التحذیر الواقعی لا یترتب علی إنذار المنذرین وإنما یترتب علی العلم بالواقع فإذا علم المکلف بالواقع أی بالوجوب او الحرمه فیترتب علیه التخویف الواقعی من الإدانه والعقوبه واما إنذار المنذر فلا یفید العلم بالواقع بل لا یفید الاطمئنان بالواقع فمن أجل ذلک لا یکون التخویف الواقعی غایه لإنذار المنذرین بل التخویف الظاهری الطریقی هو من الآثار المترتبه علی إنذار المنذر، فالمترتب علی وجوب إنذار المنذر هو التخویف الظاهری وشأن وجوب التخویف الظاهری الطریقی الحفاظ علی الأحکام الواقعیه بما لها من المبادئ والملاکات فی موارد الاشتباه والالتباس.

ص: 7

فإذن المترتب علی إنذار المنذر فی الآیه الکریمه هو وجوب التخویف الظاهری الطریقی وهو من آثار حجیه إنذار المنذر فإذا کان إنذار المنذر حجه فیترتب علیه وجوب التخویف الظاهری الطریقی بمعنی أن الأحکام الظاهریه أحکام طریقیه وشأنها الحفاظ علی الأحکام الواقعیه بما لها من المبادئ والملاکات اللزومیه فی موارد الاشتباه والالتباس فإن الأحکام الظاهریه احکام طریقیه وشأنها إیصال الأحکام الواقعیه تنجیزا او تعذیرا لا واقعا والحفاظ علیها بما لها من المبادئ فی موارد الاشتباه والالتباس.

فالآیه المبارکه ظاهره فی أن وجوب التخویف مترتب علی إنذار المنذر بعنوانه وهذا یدل علی أنه حجه وأن وجوب التخویف الظاهری الطریقی من آثار حجیه إنذار المنذر.

وعلی هذا فهذا الإشکال غیر وارد علی الآیه المبارکه ولا قصور فی دلالتها علی حجیه إنذار المنذر بما هو إنذار المنذر وهو داخل فی أخبار الاحاد.

هذا هو الإشکال الأول وجوابه.

لکن هذا الجواب إنما یصح لو قطعنا النظر عن کلمه لعل واما مع وجودها فالآیه المبارکه لا تدل علی وجوب التحذیر وإنما تدل علی الترقب فقط وعندئذ لا تدل علی حجیه إنذار المنذر وقد تقدم الکلام فیه.

الإشکال الثانی: أن مدلول الآیه المبارکه ومضمونها ترتب وجوب التحذیر والتخویف علی إنذار المنذرین وهذا اللسان مختص بالأخبار المتکفله للأحکام الالزامیه لأن فی مخالفتها الخوف من الإدانه والعقوبه فی ترک الواجب أو فعل الحرام. وأما الأخبار المتکفله للأحکام الترخیصیه فلا یتصور فیها التخویف من الإدانه العقوبه ولازم ذلک أن الآیه المبارکه مختصه بالأخبار المتکفله للأحکام الإلزامیه وتدل علی حجیتها مع أن المدعی إثبات حجیه أخبار الآحاد مطلقا سواء کانت متکفله للأحکام الإلزامیه أم کانت متکفله للأحکام الترخیصیه.

وبکلمه أن لسان الآیه المبارکه لیس لسان التنزیل أی تنزیل إنذار المنذرین بالأحکام الواقعیه منزله العلم بها کما هو أحد التفاسیر لحجیه أخبار الآحاد حیث أن کثیر من الأصولیین قد فسروا حجیه أخبار الآحاد بالتنزیل أی تنزیل مؤدی الخبر منزله الواقع وتنزیل نفس الأخبار منزله العلم بالواقع. فیکون معنی الحجیه علی هذا هو التنزیل.

ص: 8

ولکن لسان الآیه المبارکه لیس تنزیل إنذار المنذرین بالأحکام الواقعیه منزله العلم بها کما أن لسان الآیه المبارکه لیس جعل الحکم الظاهری المماثل للحکم الواقعی فی صوره المطابقه والمخالف له فی صوره عدم المطابقه کما هو مبنی الشیخ الأنصاری(قده) کما ان لسان الآیه المبارکه لیس جعل الطریقیه والکاشفیه کما هو مختار مدرسه المحقق النائینی ومنهم السید الاستاذ(قدهم) فإن معنی حجیه إنذار المنذرین وحجیه أخبار الآحاد معناه جعل الشارع الأخبار طریقا إلی الواقع وکاشفا عن الواقع. فلسان الآیه المبارکه لیس شیئا من ذلک، بل لسان الآیه المبارکه التخویف والتحذیر وهذا اللسان یناسب وجوب الاحتیاط فی الشبهات الحکمیه التی توجد فی موردها أخبار الآحاد التی لا تکون حجه فإن وجوب الاحتیاط فی هذه الشبهات ولسان الآیه المبارکه منسجم مع وجوب الاحتیاط فی الشبهات الحکمیه التی توجد فیها الأمارات ولیس لسانها لسان الحجیه.

والجواب عن ذلک واضح: فإن لسان الآیه المبارکه هو ترتب التحذر علی إنذار المنذر بعنوانه ووجوب التحذر الظاهری الطریقی مترتب علی إنذار المنذر بعنوانه وهذا اللسان لا یناسب وجوب الاحتیاط لأن لسان وجوب الاحتیاط هو احتمال مطابقه الواقع فإن موضوع وجوب الاحتیاط هو الشک فی ثبوت الواقع واحتمال المطابقه ولیس الاحتمال فی الآیه المبارکه موجودا وإنما الموجود فی الآیه المبارکه هو ترتب وجوب التحذر علی إنذار المنذر بعنوانه وهذا کاشف عن ان إنذار المنذر حجه ومع کونه حجه یترتب علیه أثره وهو وجوب التحذر من الإدانه والعقوبه علی المخالفه للأحکام التی وصلت إلیه ظاهرا تنجیزا أو تعذیرا.

فالآیه المبارکه تدل علی حجیه إنذار المنذر علی المنذرین (بالفتح) ووصول الأحکام الواقعیه إلیهم تنجیزا وهو یوجب التخویف والتحذیر من الإدانه والعقوبه علی مخالفتها.

فالنتیجه أنه لا قصور فی دلاله الآیه من هذه الناحیه علی حجیه إنذار المنذر.

ص: 9

أدله حجیه خبر الواحد _____ آیه النفر بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد _____ آیه النفر

ملخص الإشکال علی دلاله الآیه المبارکه علی حجیه إنذار المنذر: أن لسان الآیه المبارکه لیس لسان جعل الحجیه لإنذار المنذر لأن معنی الحجیه تنزیل الخبر منزله العلم بالواقع، ولیس لسان الآیه المبارکه التنزیل أو الحجیه بمعنی جعل الحکم الظاهری فی مؤدی الأماره وفی مؤدی الخبر المماثل للحکم الواقعی فی صوره مطابقه الخبر للواقع والمخالف له فی صوره عدم المطابقه، ولیس لسان الآیه المبارکه لسان الجعل أو الحجیه بمعنی الطریقیه والکاشفیه أی أن الشارع جعل خبر الواحد طریقا الی الواقع وکاشفا عنه وعلما تعبدیا.

فإذاً لا یمکن حمل الآیه المبارکه علی أن مفادها حجیه إنذار المنذر بل مفادها التحذیر والتخویف عن الإدانه والعقوبه علی مخالفه الواقع وهذا اللسان یناسب وجوب الاحتیاط کما فی الشبهات الحکمیه قبل الفحص فإن المرجع فیها قاعده الاشتغال واحتمال التکلیف ( الوجوب والحرمه ) فیها منجز طالما لم یکن هنا أصل مؤمن فی البین من اصاله البراءه او استصحاب عدم التکلیف او قاعده الطهاره فاحتمال التکلیف الالزامی من الوجوب والحرمه منجز کما فی الشبهات الحکمیه قبل الفحص حیث ان الأصول المؤمنه لا تجری فیها فاحتمال التکلیف منجز ولهذا لا بد من الاحتیاط فیها والمرجع فیها قاعده الاشتغال. او فی موارد العلم الاجمالی فإن تنجیز التکلیف فی أطراف العلم الاجمالی مستند الی احتمال وجوده لا الی العلم الاجمالی لأن العلم الاجمالی إنما یکون منجزا للمعلوم فقط وهو الجامع فإذا علم بنجاسه أحد الإناءین فالعلم الاجمالی منجز للجامع وهو النجاسه بین الإناءین لأن هذه النجاسه معلومه وأما نجاسه هذا الإناء او فی ذاک فإن المنجز لها هو احتمال وجود النجاسه طالما لم یکن هنا أصل مؤمن فی البین فإن الأصل المؤمن لا یجری إما لقصور المقتضی أو من جهه وجود المعارضه فی البین فیکون المنجز فی کل طرف من أطراف العلم الاجمالی هو احتمال التکلیف. وأما الجامع فهو منجز بالعلم الاجمالی لأنه معلوم وأما الأطراف فهی منجزه بالاحتمال باعتبار أن الأصل المؤمن لا یجری.

ص: 10

هذا ملخص الإشکال فی المقام.

والجواب عن ذلک: أن ظاهر الآیه المبارکه هو حجیه إنذار المنذر فإن لسانها ترتب التخویف والحذر من الإدانه والعقوبه علی إنذار المنذر وظاهر فی أنه مترتب علی إنذار المنذر بعنوانه لا بعنوان انه مطابق للواقع او انه لیس مطابقا للواقع فإن ترتب الحذر من الإدانه والعقوبه فی لسان الآیه المبارکه علی إنذار المنذر بعنوانه لا بعنون احتمال أنه مطابق للواقع وإذا کان ترتب الحذر علی إنذار المنذر بعنوانه فهو کاشف عن انه حجه إذ لو لم یکن حجه فلا یوجب الحذر من الإدانه والعقوبه علی مخالفه الواقع.

نعم .. لو کان لسان الآیه المبارکه ترتب الحذر علی إنذار المنذر من جهه احتمال مطابقته للواقع وکان لسان الآیه لسان وجوب الاحتیاط لا لسان حجیه إنذار المنذر أی احتمال مطابقه الواقع هو الموضوع لوجوب الاحتیاط لکان لما ذکر وجه ولکن لما کان لسان الآیه لسان ترتب الحذر علی وجوب الإنذار بعنوانه لا بعنوان احتمال مطابقته للواقع فحینئذ تکون الآیه المبارکه ظاهره فی أن إنذار المنذر وخبر الواحد حجه.

الإشکال الثالث: ان الآیه المبارکه تدل علی ترتب الحذر والخوف من الإدانه والعقوبه علی إنذار المنذر لا علی أخباره وإنذار المنذر عباره عن الأخبار المتضمنه للتخویف أی الأخبار عن شیء مخوف یصدق علیه الإنذار سواء کان فی الشبهات الموضوعیه أو فی الشبهات الحکمیه کما إذا اخبر عن قطّاع الطریق أو وجود الحیوان المفترس فإنه إخبار عن شیء مخوف ویصدق علی هذا الإخبار عنوان الإنذار، واما فی الشبهات الحکمیه فإذا أخبر عن وجوب شیء وکان منجزا فی المرتبه السابقه بمنجز فیصدق علیه عنوان الإنذار؛ فإن وجوب شیء إذا کان منجزا بمنجز فیترتب علی مخالفته الحذر من العقوبه والإدانه فیصدق علی هذا الخبر عنوان الإنذار کما إذا أخبر عن وجوب منجز فی الشبهات الحکمیه قبل الفحص او فی الشبهات المقرونه بالعلم الاجمالی فإذا أخبر عن وجوب شیء فی هذه الشبهات أو حرمه شیء فیها فیصدق علی هذا الخبر عنوان الإنذار.

ص: 11

واما إذا اخبر عن وجوب شیء لا یکون منجزا بمنجز فی المرتبه السابقه فلا یصدق علیه عنوان الإنذار کما هو الحال فی الشبهات الموضوعیه کما إذا اخبر عن عداله زید أو عن علمه أو عن سفره او ما شاکل ذلک فلا یصدق علی هذا الإخبار عنوان الإنذار وکذلک الحال فی الشبهات الحکمیه فإذا اخبر عن وجوب غیر منجز او حرمه غیر منجزه فلا یصدق علی هذا الإخبار عنوان الإنذار.

هذا ملخص هذا الإشکال.

والجواب عن ذلک: أن صدق إنذار المنذر لا یکون منوطا بان یکون مدلول الخبر والمخبر بهذا الخبر منجزا فی المرتبه السابقه بمنجز آخر فإن إنذار المنذر یصدق علی هذا الخبر عن وجوب شیء او حرمه شیء إذا کان وجوبه منجزا بنفس حجیه هذا الخبر باعتبار أن الحذر والخوف مترتب علی مخالفه هذا الواجب أو علی مخالفه هذا الحرام فإن تنجزه مستند إلی حجیه الخبر، فإذا أخبر عن وجوب شیء لشخص یصدق علیه الإنذار وانه انذر هذا الشخص بالوجوب إذا کان خبره حجه کما فی إخبار الثقه بالوجوب او الحرمه باعتبار أن تنجز وجوب هذا الشیء او حرمته مستند إلی حجیه الخبر وحینئذ بطبیعه الحال یترتب علیه الحذر والخوف من الإدانه والعقوبه علی المخالفه وإذا ترتب علیه ذلک صدق علیه عنوان الإنذار

والخلاصه: أن عنوان الإنذار کما یصدق علی الإخبار عن وجوب منجز فی الواقع فی المرتبه السابقه بمنجز آخر کما فی الشبهات قبل الفحص أو فی الشبهات المقرونه بالعلم الاجمالی کذلک یصدق علی الإخبار عن وجوب شیء او حرمته إذا کان التنجز مستندا الی حجیه هذا الخبر، بل یمکن أن یقال إن ظاهر الآیه المبارکه ان ترتب الحذر علی إنذار المنذر انه مستند إلی حجیته وان لسان الآیه المبارکه هو ترتب الحذر علی إنذار المنذر وبطبیعه الحال یکون مستندا الی حجیته بل ظاهر الآیه المبارکه هو ان إنذار المنذر موجب للخوف لأن لسانها ترتب الحذر علی إنذار المنذر فبطبیعه الحال هذا الترتب مستند الی حجیته.

ص: 12

فالنتیجه ان هذا الإشکال غیر وارد.

أدله حجیه خبر الواحد ______ آیه النفر بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد ______ آیه النفر

تقدم الکلام فی الإشکال الأول والثانی والثالث وذکرنا أن هذه الإشکالات لا ترد علی الآیه المبارکه بعد تسلیم أنها تدل علی وجوب التحذر.

الإشکال الرابع: ما ذکره شیخنا الأنصاری(قده) (1) من أن ترتب وجوب الحذر علی إنذار المنذر یدل علی أن الإنذار واجب فإنه غایه للواجب وهو التفقه حیث أن التفقه فی الدین واجب فإذا کان غایه للواجب فغایه الواجب واجبه بطریق أولی.

فإذن وجوب التحذر من الإدانه والعقوبه مترتب علی الإنذار الواجب، والمراد من الإنذار الواجب هو الإنذار بالدین بقرینه قوله تعالی: ( لیتفقهوا فی الدین ولینذروا قومهم إذا رجعوا إلیهم) فإن الآیه تدل علی أن المراد من الإنذار هو الإنذار بالدین فإذا کان المراد من الإنذار هو الإنذار بالدین فإحراز المنذرین (بالفتح) أن إنذار المنذرین (بالکسر) إنما هو بالدین وجب علیهم التحذر من الإدانه والعقوبه.

واما إذا لم یحرزوا فلا یجب لاستحاله ثبوت الحکم بدون إحراز موضوعه فإن موضوع وجوب التحذر إنذار بالمنذر بالدین فلا بد من إحراز أن هذا الإنذار الصادر منهم إنما هو بالدین، فإذا توقف وجوب التحذر علی کون إنذار المنذر بالدین وعلی إحرازه فعندئذ یکون جعل الحجیه لإنذار المنذر یکون لغوا وجزافا وأن المعتبر فی وجوب التحذر من الإدانه والعقوبه إحراز إنذار المنذر بالدین وعندئذ یکون جعل الحجیه لغوا لأنه من أردئ تحصیل الحاصل فإن ما هو حاصل بالعلم الوجدانی تحصیله بالعلم التعبدی من أردئ أنحاء تحصیل الحاصل.

هذا ملخص ما ذکره شیخنا الأنصاری(قده).

وللمناقشه فیه مجال واسع. فلا شبهه فی أن الإخبار عن الوجوب والإخبار عن الحرمه إخبار عن التفقه فی الدین فإن الدین عباره عن الوجوب والحرمه وما شاکلهما ولیس المراد من الدین فی الآیه المبارکه مفهوم الدین بل المراد من الدین واقع الدین وواقع الدین متمثل بالوجوب والحرمه والجزئیه والشرطیه وما شاکلهما من الأحکام التکلیفیه والأحکام الوضعیه فلا شبهه فی أن الإخبار عن الوجوب إخبار عن الدین والإخبار عن الحرمه إخبار عن الدین فإذا کان الخبر حجه فلا شبهه فی أنه یثبت الوجوب تعبدا وظاهرا وتنجزا وقد ذکرنا أن للثبوت مراحل:

ص: 13


1- فرائد الأصول، الشیخ الأنصاری، ج1، ص282.

المرحله الأولی: ثبوت الحکم وجدانا.

المرحله الثانیه: ثبوت الحکم تعبدا.

المرحله الثالثه: ثبوت الحکم تنجزا.

وغالب الأحکام ثابته تعبدا وظاهرا وأما الأحکام الوجدانیه والأحکام الضروریه والأحکام القطعیه فهی قلیله جدا ولا تتجاوز نسبتها عن جمیع الأحکام بنسبه تقریبیه عن 6% وإلا فباقی الأحکام جمیعا أحکام نظریه وإثباتها بحاجه إلی دلیل وغالبا ما تثبت بالتعبد او بالتنجز کما فی موارد أصاله الاشتغال وفی موارد الأمارات إثباتها إثبات تعبدی ویترتب علیه تنجزها.

وعلی هذا فإذا أخبر المولی عن وجوب شیء فهذا الخبر یدل علی الوجوب بالمطابقه ویدل علی استحقاق العقوبه والإدانه علی مخالفته وترکه التزاما وإذا أخبر المولی عن حرمه شیء فهذا الخبر یدل علی الحرمه بالمطابقه وان الحرمه مدلول مطابقی لهذا الخبر ویدل بالالتزام علی ترتب الإدانه والعقوبه علی مخالفتها وارتکابها ویصدق علی هذا الخبر عنوان الإنذار فما ذکره شیخنا الأنصاری من أنه لا بد علی المنذرین بالفتح الإحراز الوجدانی ان إنذار المنذرین بالکسر بالدین فهذا غیر صحیح فلا فرق بین أن یکون إحراز إنذار المنذرین بالدین بالعلم الوجدانی او بالتعبد کالأماره لأنها محرزه لهذه الأحکام تنجیزا وتعبدا ویترتب علی مخالفتها الإدانه والعقوبه.

فإذن کما یمکن إحراز أن هذا الإنذار إنذار بالدین من خلال العلم الوجدانی کذلک یمکن إحرازه بالعلم التعبدی کما هو الحال فی جمیع الموارد فإن العلم التعبدی یقوم مقام العلم الوجدانی فإن لم یتمکن من تحصیل العلم الوجدانی وجب علیه تحصیل العلم التعبدی والعلم التعبدی هو الکثیر فی الأحکام الشرعیه.

وما ذکره شیخنا الأنصاری من أن الإنذار لا بد أن یکون بالدین وأن یکون هذا الإنذار مطابقا للواقع فهذا أیضا غیر صحیح فإن الخبر لا یدل علی أن المخبر به مطابق للواقع أو غیر مطابق للواقع لأن الخبر إنما یدل علی ثبوت المخبر به وأنه ثابت تعبدا وتنجزا واما انه مطابق للواقع أو غیر مطابق للواقع فهو خارج عن مدلول الجمله الخبریه لأن مدلولها الوضعی علی المشهور مدلول تصوری فإذا سمعت الجمله الخبریه من لافظ بلا شعور واختیار او من لافظ فی حال النوم خطر فی ذهن الإنسان ثبوت المحمول للموضوع تصورا وفی عالم الذهن لا فی عالم الخارج وهذا هو المدلول التصوری المستند الی الوضع فالدلاله الوضعیه علی المشهور دلاله تصوریه. واما الدلاله التصدیقیه فی مرحله الاستعمال ومرحله التفهیم فهی بحاجه الی قرینه أی بحاجه إلی أن الخبر صادر من مخبر ملتفت وعاقل فعندئذ یدل هذا الخبر علی أن المخبر قصد تفهیم معناه او قصد استعماله فی معناه وأما إذا أحرز أن هذا المتکلم فی مقام الجد فعندئذ یدل الخبر علی أنه أراد معناه بإراده جدیه ونهائیه، فالدلاله الوضعیه دلاله تصوریه واما الدلاله التصدیقیه فلیس مستنده الی الوضع سواء کانت فی مرحله التفهیم والاستعمال أم فی مرحله الجد والإراده الجدیه والنهائیه.

ص: 14

واما علی مسلک سیدنا الاستاذ(قده) ان الدلاله الوضعیه دلاله تصدیقیه ولیست بتصوریه والجمله الخبریه موضوعه لدلاله علی قصد الحکایه والإخبار عن ثبوت شیء او نفیه فیه واما أن هذا الثبوت مطابق للواقع او غیر مطابق للواقع فلا تدل علیه الجمله الخبریه لأنها إنما تدل علی قصد الحکایه عن ثبوتها واما أنه ثابت فی الواقع واقعا أو غیر ثابت فلا تدل علی ذلک. والجمله الإنشائیه موضوعه لدلاله علی قصد الإنشاء وإبراز الأمر الاعتباری النفسانی فی الخارج.

فإذن الجمله الخبریه علی کلا المسلکین لا تدل علی مطابقه مدلولها للواقع، فما ذکره شیخنا الأنصاری من ان إنذار المنذر لا بد ان یکون بالدین ولا بد ان یکون مطابقا للواقع لا یرجع الی معنی صحیح.

فالنتیجه ان ما ذکره شیخنا الأنصاری من أن علی المنذرین (بالفتح) من إحراز ان إنذار المنذرین (بالکسر) بالدین ویکون مطابقا للواقع وإلا لم یجب علیهم التحذر من الإدانه والعقوبه لا یمکن المساعده علیه؛ لأن إحراز إنذار المنذرین بالدین تاره یکون بالعلم الوجدان وأخری یکون بالعلم التعبدی وثالثه یکون بقاعده الاشتغال والاحتیاط او بالاستصحاب وإن إثبات الحکم تاره یکون بالوجدان وأخری یکون بالتعبد وثالثه بالتنجز وعلی جمیع التقادیر یترتب الإدانه والعقوبه علی المخالفه.

فالنتیجه: أن الإشکال الذی ذکره شیخنا الأنصاری لا یمکن المساعده علیه.

أدله حجیه خبر الواحد _________ آیه النفر بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد _________ آیه النفر

ما ذکره شیخنا الأنصاری(قده) من الإشکال مبنی علی نقطتین أساسیتین:

النقطه الأولی: أن الآیه المبارکه قد قیدت إنذار المنذر بالدین ولا تدل علی إنذار المنذر مطلقا.

النقطه الثانیه: أن یکون إنذار المنذر بالدین مطابقا للواقع.

وما ذکره(قده) من الإشکال یدور مدار هاتین النقطتین.

ص: 15

ولکن کلتا النقطتین خاطئتین ولا واقع موضوعی لها.

أما النقطه الأولی: فإن الدین لیس شیئا زائدا علی الأحکام الشرعیه المجعوله فی الشریعه المقدسه من الأحکام الوضعیه والأحکام التکلیفیه فالوجوب هو الدین ولیس الدین شیئا زائدا علی الوجوب أو الحرمه وما شاکلهما من الأحکام الشرعیه والدین مفهوم عام لجمیع الأحکام الشرعیه ومصادیقه فی الخارج هی نفس الأحکام الشرعیه فالإخبار بالوجوب أو الحرمه أو بصحه شیء إخبار بالدین فمن أخبر عن وجوب شیء فقد أخبر بالدین.

فالوجوب هو المخبر به ولیس شیئا زائدا علی المخبر به کما إذا أخبر شخص عن عداله زید فتکون عداله زید هی المخبر به غایه الأمر أن الإخبار عن الوجوب لا یثبت أن الوجوب من الدین إلا بشمول دلیل الحجیه للإخبار فإذا شمل دلیل الحجیه للخبر فالخبر حینئذ یدل علی ثبوت الجوب تعبدا وشرعا ویدل علی ثبوته تنجزا فیتصف الوجوب بالوجوب الشرعی وأما قبل حجیه الخبر فلا یکون الوجوب متصفا بالوجوب الشرعی فاتصافه بالوجوب الشرعی وتنجزه واستحقاق العقوبه والإدانه علی مخالفته والمثوبه علی موافقته کل ذلک مترتب علی ثبوته شرعا بخبر الواحد وإنما ثبت شرعا بخبر الواحد إذا کان الخبر حجه ومشمولا لدلیل الحجیه، فالإخبار عن الوجوب إنذار بالدین إذا کان الخبر حجه وحینئذ یثبت وجوب الشیء تعبدا وشرعا وتنجزا وعندئذ یترتب علی مخالفته الإدانه والعقوبه وعلی موافقتها الثواب.

ومن هنا یظهر أن ما قیل من أن موضوع حجیه الخبر إنذار المنذر المقید بالدین فلا بد من إحراز موضوع الحجیه فی المرتبه السابقه حتی یثبت حکمه؛ لاستحاله ثبوت الحکم بدون ثبوت الموضوع، فلو توقف ثبوت الموضوع علی حجیه الإنذار لدار؛ فإن حجیه الإنذار تتوقف علی ثبوت الموضوع بتمام قیوده ومنها قید الدین، فلو توقف ثبوت الموضوع علی ذلک أی علی حجیته لدار.

ص: 16

ومن هنا یظهر أن ما قیل غیر تام ولا یرجع الی معنی محصل، وقد ذکرنا أن الدین لیس قیدا زائدا فی المخبر به بل الدین هو نفس المخبر به فإذا أخبر عن وجوب شیء فهو إنذار بالوجوب وإخبار عن الدین وهذا الوجوب لا یتصف بالوجوب الشرعی وبالتنجز وبالثبوت الشرعی الا إذا کان الخبر حجه ومع صیروره الخبر حجه بدلیل حجیته یثبت الوجوب تعبدا وشرعا وتنجزا ویترتب علیه استحقاق العقوبه والإدانه علی مخالفته والمثوبه علی موافقته.

فالنتیجه ان هذه النقطه لا ترجع الی معنی محصل؛ فإن التقیید بالدین لیس شیئا زائدا؛ لأن الإخبار عن الوجوب هو إخبار عن الدین، فواقع الدین نفس هذه الأحکام الشرعیه المجعوله فی الشریعه المقدسه من الأحکام التکلیفیه والأحکام الوضعیه.

واما النقطه الثانیه: فهو شیء غریب من مثل الشیخ(قده)فلا شبهه فی أن الخبر لا یدل علی أن مدلوله مطابق للواقع او غیر مطابق للواقع بل لا بد من إحراز ذلک من الخارج، فنفس الإخبار لا یدل علی ذلک وإنما یدل علی ثبوت الوجوب لو کان الإخبار عن وجوب شیء سواء کان علی القول المشهور الذی یتبنی القول بدلاله الجمله الخبریه بالوضع علی الثبوت أو علی قول السید الاستاذ(قده) من دلاله الجمله الخبریه علی قصد الحکایه بالدلاله التصدیقیه واما انها تدل علی ثبوت هذا الشیء فی الواقع أو لیس بثابت فالخبر لا یدل علی ذلک، بل کون کل خبر إنما یدل علی ثبوت مدلوله شیء فی غایه الوضوح إما ثبوت مدلوله وجدانا فیما إذا کان الخبر متواترا وقطعیا او تعبدا فیما إذا کان الخبر خبر واحد وکان حجه وأما انه مطابق للواقع أو غیر مطابق للواقع فهو لا یدل علی ذلک.

فالنتیجه ان ما ذکره شیخنا الأنصاری من الإشکال لا یمکن المساعده علیه.

ص: 17

هذا من ناحیه.

ومن ناحیه أخری أن وجوب الحذر هل هو وجوب مولوی أو انه وجوب ظاهری طریقی أو انه وجوب إرشادی أو أنه وجوب عقلی؟

لا شبهه فی أن وجوب التحذر لیس وجوبا مولویاً بأن یکون له ملاک ومبدأ، واما کونه وجوبا طریقیا کإیجاب الاحتیاط وکحجیه الأمارات إذ هی حجه طریقیه بمعنی أن الأمارات جعلها الشارع حجه للحفاظ علی الأحکام الواقعیه بما لها من المبادئ والملاکات اللزومیه فی موارد الاشتباه والالتباس فجعل الحجیه جعل طریقی ومعنی الطریقیه أن لا شأن له غیر الحفاظ علی الأحکام الواقعیه بما لها من المبادئ والملاکات ولا ملاک للأحکام الطریقیه غیر ملاک الأحکام الواقعیه ولا عقوبه علی مخالفتها غیر العقوبه علی مخالفه الأحکام الواقعیه ولا مثوبه علی امتثالها غیر المثوبه علی امتثال الأحکام الواقعیه ولهذا لا شأن لها فی مقابل الأحکام الواقعیه بل شأنها الحفاظ علی الأحکام الواقعیه فقط بما لها من المبادئ والملاکات فی موارد الاشتباه والالتباس کإیجاب الاحتیاط فی الشبهات الحکمیه قبل الفحص او فی الشبهات المقرونه بالعلم الاجمالی فهو وجوب طریقی لأجل الحفاظ علی الأحکام الواقعیه بما لها من المبادئ والملاکات.

ولکن وجوب التحذر لیس وجوبا طریقیا.

واما انه وجوب إرشادی إرشاد إلی إیجاب الاحتیاط فی الشبهات الحکمیه قبل الفحص والشبهات المقرونه بالعلم الاجمالی او إرشاد الی جعل الحجیه لأخبار الآحاد وإنذار المنذرین للمنذرین (بالفتح)، والظاهر أنه لا دلیل علی ذلک أیضا فإن إیجاب الاحتیاط فی الشبهات الحکمیه قبل الفحص لا یحتاج الی دلیل بل هو علی القاعده فإن احتمال التکلیف بنفسه منجز طالما لم یکن هنا أصل مؤمن فی البین وحیث أن الأصل المؤمن لم یجر فی الشبهات الحکمیه فاحتمال التکلیف منجز وکذلک الحال فی الشبهات المقرونه بالعلم الاجمالی فإن احتمال ثبوت التکلیف فی کل طرف من أطرافه منجز حیث لم یکن أصل مؤمن فی البین فإن الأصول المؤمنه لا تجری فی أطراف العلم الاجمالی إما من جهه قصور المقتضی أی قصور دلیلها او من جهه التعارض وسقوطها بالمعارضه فمن أجل ذلک یکون احتمال التکلیف فی کل طرف من أطراف العلم الاجمالی منجز وحینئذ لا حاجه الی الدلیل الخارجی علی وجوب الاحتیاط.

ص: 18

والظاهر ان وجوب التحذر وجوب عقلی فإن العقل یحکم عند إنذار المنذرین( بالکسر) المنذرین( بالفتح) فإذا کان إنذارهم حجه فهو یثبت الوجوب تعبدا وتنجزا وکذلک یثبت الحرمه تعبدا وشرعا وتنجزا وإذا ثبت الوجوب تنجزا وتعبدا فالعقل یحکم بالحذر عن مخالفته لأن العقل یدرک ترتب استحقاق العقوبه والإدانه علی مخالفته.

والظاهر أن وجوب الحذر وجوب عقلی لأن الحاکم بوجوب الحذر عن الإدانه والعقوبه إنما هو العقل لا الشرع.

فإذن وجوب الحذر فی الآیه المبارکه وجوب عقلی ولیس وجوبا مولویا ولا طریقیا ولا إرشادیا.

ومن ناحیه ثالثه أن الآیه المبارکه لیست فی مقام التأسیس بل مفادها إنما هو تقریر ما سبق عند العقلاء وجرت علیه سریتهم بما هو مرتکز فی أذهانهم حیث أن التفقه فی الدین فی کل مله عند العقلاء موجود فإن قیام المنذرین( بالکسر) بإنذار المنذرین( بالفتح) وتحذیرهم من هذا الإنذار لهو امر ثابت عند العقلاء والآیه المبارکه فی مقام تثبیت ذلک وتقریر ولیست فی مقام التأسیس.

أدله حجیه خبر الواحد ___ آیه النفر بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد ___ آیه النفر

الإشکال الخامس: ما ذکره المحقق الخراسانی(قده) (1) وجماعه أخری.

وحاصله: أن الآیه المبارکه تدل علی حجیه صنف خاص من الأخبار وهو الصنف المتضمن للتحذیر والتخویف من الإدانه والعقوبه علی المخالفه ولا تدل علی حجیه الروایات مطلقا، ومن الواضح أن هذا الصنف مختص بفتاوی الفقهاء والمجتهدین فإن الفقیه ینقل رأیه ویصدق علیه الإنذار باعتبار أنه یترتب علی مخالفته الإدانه والعقوبه فإذا أخبر الفقیه عن وجوب شیء یصدق علیه أنه أنذر به باعتبار انه یترتب علیه التخویف والتحذیر من الإدانه والعقوبه علی مخالفته وکذلک إذا اخبر عن حرمه شیء صدق علیه الإنذار باعتبار أنه یترتب علی مخالفتها وارتکابها التخویف والتحذیر من الإدانه والعقوبه.

ص: 19


1- کفایه الاصول، المحقق الخراسانی، ص299.

فإذن المعتبر فی صدق الإنذار أن یکون المخبر فاهما لمعنی الراویه ویخبر عن رأیه ویری ان معنی الروایه هو رأیه وعلی طبق اجتهاده ونظریته وهو یخبر عن رأیه لأن الفقیه یخبر عن رأیه لا عن الواقع لکن رأیه ذات طابع إسلامی وشرعی ولیس أجنبیا عن الشرع وإلا فالفقیه لم یخبر عن الواقع أی الوجوب الواقعی أو الحرمه الواقعیه وإنما أخبر عن الوجوب الذی هو رأیه او الحرمه کذلک ولکن رأیه ذات طابع إسلامی وشرعی فالتخویف والتحذیر إنما یترتب علی مخالفه فتوی الفقیه واخباره.

واما الراوی للأخبار الواصله إلیه من الأئمه(ع) فهو یروی ما وصل إلیه من الالفاظ حرفیا بلا زیاده ولا نقیصه وبدون أی تصرف وبدون أی إعمال اجتهاد او نظر فیها ویفهم هذه المضامین کل أهل اللسان فهو یروی هذه المضامین بدون أعمال أی نظر.

فالمعتبر فی الراوی أن یکون حافظا لروایاته ولا یعتبر فیه ان یکون فاهما لمعنی الروایه ولهذا قد یکون الراوی عامیا وقد یکون من غیر أهل اللسان

والخلاصه ان المعتبر فی فتوی الفقیه إنما هو العلم بمضمون الروایات وهذا المضمون رأی الفقیه سواء کان المضمون وجوبا أو حرمه أو صحه أو فسادا او جزئیه او شرطیه او ما شاکل ذلک فهو رأیه ویترتب علیه التحذیر والتخویف من الإدانه والعقوبه ولا یترتب التحذیر والتخویف علی روایه الراوی فإن الراوی یروی ما سمع من الإمام(ع) أو ما وصل إلیه بالواسطه من الإمام(ع) بألفاظها حرفیا أو بمضمونها التی تکون الروایات ظاهره فیها عرفا بدون أی أعمال نظر واجتهاد، والآیه المبارکه مختصه بدلالتها علی حجیه صنف خاص من الخبر هو الخبر المتضمن للتخویف وهذا إنما ینطبق علی فتوی الفقیه ولا ینطبق علی روایه الراوی.

ص: 20

ودعوی الملازمه بین حجیه فتوی الفقیه وبین حجیه الروایه من جهه عدم القول بالفصل بینهما هذه الدعوی لا أساس لها؛ فإن القول فی الفصل بینهما موجود فی کثیر من الموارد تکون الروایه حجه إذا کانت عن حس وإذا کانت عن حدس لا تکون حجه فتدل الآیه المبارکه علی حجیه الخبر عن حدس إذا کان متضمنا للتخویف والتحذیر من الإدانه والعقوبه ولا تدل علی حجیه الخبر عن حس فالملازمه بینهما غیر موجوده بحیث تشکل الدلاله الالتزامیه، فما دل علی حجیه الأخبار عن حدس بالمطابقه یدل بالالتزام علی حجیه الأخبار عن حس.

فدعوی عدم الفصل بینهما لا أساس لها.

ومع الإغماض عن ذلک فالقول بعدم الفصل لا یکون حجه فإن الاجماع المنقول لا یکون حجه فضلاً عن القول بعدم الفصل، فلا أثر لهذه الدعوی.

هذا ملخص ما ذکره المحقق الخراسانی(قده)

والجواب عن ذلک: ان الآیه الکریمه تدل علی أن فرقه من کل طائفه تحملوا مسؤولیه النفر للتفقه فی الدین ولتعلم الأحکام إذا رجعوا إلی قومهم فینذرون بها ویمکن تقسیم هذه الفرقه إلی ثلاثه أصناف:

الصنف الأول: أنهم ینقلون آرائهم واجتهاداتهم لأقوامهم واهل بلدهم.

الصنف الثانی: انهم ینقلون ما وصل إلیهم من الأئمه الأطهار من الروایات بنفس ألفاظها حرفیا بدون زیاده ونقیصه فی البین أو ینقلوا مضامینها التی تکون هذه الروایات ظاهره فیها عرفا بحیث لا یتوقف علی الاجتهاد والنظر وهذا النقل یدخل فی النقل عن حس أیضا أی کما ان النقل الأول یکون عن حس یکون النقل الثانی أیضا عن حس فالنقل فی کلا القسمین یکون عن حس والخبر فی کلا القسمین یکون داخل فی الخبر عن الحس ومشمول لأدله الحجیه إذا کان المخبر ثقه فإن ادله الحجیه التی عمدتها السیره القطعیه من العقلاء مختصه بالأخبار الحسیه او ما هو قریب من الحس لجریان السیره العقلائیه علی العمل بها وحیث أن الشارع أمضی هذه السیره بعدم الردع فهی حجه فکلا القسمین من الخبر یدخل فی الأخبار عن حس ومشمول لأدله الحجیه.

ص: 21

وهذا بخلاف فتوی الفقیه فإنه خبر حدسی باعتبار ان الفقیه أخبر عن رأیه الذی استنبطه عن حدس وعن مقدمات فخبر الفقیه لا یکون مشمولا للسیره العقلائیه ولکن حجیته ثابته من طریق آخر.

فالنتیجه: ان النافرین إذا رجعوا إلی بلدهم یقوموا بإخبار المنذرین (بالفتح) بما تفقهوا فی الدین وبما تعلموه من الروایات الواصله إلیهم من الأئمه الأطهار(ع) وبالأحکام الواصله إلیهم(ع) کما هو الحال فی زمن الغیبه فإن اهل العلم یرجعون إلی بلدانهم لنقل فتوی الفقهاء والمجتهدین لأهل بلدهم، وهذا النقل حجه فإذا کان حجه وکان المخبر ثقه یترتب علیه التخویف ویترتب علیه التحذیر من الإدانه والعقوبه علی المخالفه، فإذا أخبر عن وجوب شیء أو حرمه شیء آخر لأهل بلدهم فبطبیعه الحال یحصل الخوف والحذر لأهل البلد من الإدانه والعقوبه علی المخالفه فیما لو ترک الواجب وأتی بالحرام.

فالآیه المبارکه تدل علی حجیه هذه الأخبار.

الصنف الثالث: من الفرقه فإنهم تاره ینقلون آرائهم واجتهاداتهم واخری ینقلون الأحکام التی تعلموها وتفقهوا فیها.

أما الصنف الأول: فهو خارج عن محل الکلام لوضوح ان من یقوم بالنفر للتفقه فی الدین وتعلم الأحکام ینذرون الناس من قبلهم إذا رجعوا کما هو ظاهر الآیه المبارکه، فظاهر الآیه المبارکه أنهم ینذرون أهل بلدهم بما تفقهوا فیه ولیس إنذار أهل بلدهم بآرائهم واجتهاداتهم فإن الآیه غیر ظاهره فی ذلک.

وأما الصنف الثانی: فهو الصحیح لأن کل فرقه تفقهوا فی الدین بعد الرجوع إلی بلدانهم ینشرون ما تفقهوا فیه من الدین ویقوموا بأخبار المنذرین (بالفتح) بما تعلموه من الدین لا أنهم یعلمون الناس آرائهم واجتهاداتهم ونظریاتهم، فیکون هذا الصنف هو المطابق لظاهر الآیه المبارکه.

فالآیه المبارکه تدل علی حجیه إنذار المنذر إذا کان إنذارهم بما تفقهوا فی الدین وبما تعلموه ولا تدل علی حجیه إنذاره إذا کان إنذاره عن آرائه واجتهاداته ونظریاته.

ص: 22

فالصحیح من هذه الأصناف هو الصنف الثانی والشق الثانی من الصنف الثالث.

أدله حجیه خبر الواحد _____ آیه النفر بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد _____ آیه النفر

کان الکلام فی الجواب عن اشکال المحقق الخراسانی علی الاستدلال بالآیه المبارکه وأنها تدل علی أن إنذار المنذر وإخباره یکون حجه إذا کان بما تفقهوا من الدین وتعلموا من الأحکام الشرعیه ولا تدل علی أن إخبارهم عن آرائهم واجتهاداتهم ونظریاتهم یکون حجه فالآیه أجنبیه عن الدلاله علی ذلک وظاهر الآیه الکریمه حجیه إنذار المنذرین للمنذرین (بالفتح) إذا کان إخبارهم وإنذارهم بما تفقهوا من الدین وتعلموا من الأحکام الشرعیه من الوجوب والحرمه وغیرهما فالآیه تدل علی ذلک ولا نظر للآیه إلی إخبارهم وإنذارهم بآرائهم واجتهاداتهم ونظریاتهم.

وعلی هذا فالآیه المبارکه تشمل الصنف الثانی فقط دون الصنف الأول فهو خارج عن الآیه الکریمه واما الصنف الثالث فالقسم الأول منه خارج والقسم الثانی مشمول للآیه الکریمه.

هذا فی عصر الحضور.

وأما فی عصر الغیبه فالأمر أوضح من ذلک فإن فرقه من کل طائفه یقوموا بالنفر إلی الحوزات العلمیه کالنجف الأشرف وغیره من الحوزات الدینیه للتفقه فی الدین ولتعلم الأحکام الشرعیه وبعد فتره زمنیه یرجعون إلی بلادهم لینذروا أقوامهم وأهل بلادهم بما تفقهوا من الدین وبما تعلموا من الأحکام الشرعیه ولا ینقلون لهم آرائهم واجتهاداتهم ولو کان فهو نادر جدا وشاذ والغالب هو نقل آراء وفتاوی المجتهدین للناس.

ثم أن السید الاستاذ(قده) قد أجاب (1) عن إشکال المحقق الخراسانی(قده) بأن الرواه فی عصر التشریع غالبا یکونوا من الفقهاء والمجتهدین کزراره ومحمد بن مسلم والحلبی وأمثالهم إذ الاجتهاد فی ذاک العصر أمر سهل، لأنه لا یتطلب أکثر من سماع الروایه من الإمام(ع) ومعرفه مقصود الإمام منها وجهه صدورها، ولا یتوقف الاجتهاد علی مقدمه أخری فإن عملیه الاجتهاد فی عصر التشریع عملیه سهله وغیر معقده بینما هی عملیه صعبه ومعقده.

ص: 23


1- مصباح الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسیید محمد الواعظ، ج2، ص187.

والسر فی ذلک: هو الفراغ بین عصر التشریع وعصر الاجتهاد فمهما طال أو کثر واجهت النصوص التشریعیه الشکوک والأوهام من مختلف الجهات والنواح ویتوقف علی تکوین القواعد والنظریات العامه وفق شروطها الخاصه فی حدودها المسموح بها شرعا بینما عملیه الاجتهاد فی عصر التشریع لا تتوقف علی تلک المقدمات ولا تواجه الشکوک والأوهام والمخاطر فإن أمثال زراره إذا سمع الروایه من المعصومین(ع) وفهم منها مقصود الإمام(ع) فهو مجتهد ولا یتوقف علی أی مقدمه أخری بینما فی العصر الحاضر لیس الأمر کذلک، فإن عملیه الاجتهاد تتوقف علی تحقیق إسناد الروایات بکاملها فی تمام السلسله إلی الإمام وأیضا لا بد من تحقیق دلاله الروایات وانها تدل علی هذا المعنی او لا تدل وبعد تنقیح عملیه السند وعملیه الدلاله لا بد من تحقیق الجهه وان الروایه صدرت تقیه او صدرت لبیان الحکم الواقعی، وبعد هذه الجهات لا بد من تحقیق أن لهذه الروایات معارض أو لیس لها معارض فلو کان لها معارض فهل یوجد مرجح لها او لا یکون لها مرجح أو ان المرجح یکون فی طرف المعارض ولیس فی طرف الروایه وإذا لم یکن هناک مرجح لشیء منهما فهل مقتضی القاعده التخییر أو سقوط کلتا الروایتین فلا بد من بحث هذه البحوث تماما، وإذا لم یکن لها معارض فهل هناک دلیل حاکم علیها او دلیل یقدم علیها دلاله حیث یمکن الجمع الدلالی العرفی بینهما کالدلیل الآخر الذی یکون أظهر منه دلاله فیقدم من باب تقدیم الأظهر علی الظاهر او تقدیم الخاص علی العام او تقدیم المقید علی المطلق.

فعملیه الاجتهاد فی العصر الحاضر تتوقف علی هذه المقدمات تماما ولهذا تکون هذه العملیه عملیه صعبه معقده ودقیقه بینما تلک العملیه فی عصر التشریع عملیه سهله لا تتوقف علی تلک المقدمات فإن الفراغ بین عصر التشریع وعصر الاجتهاد هذا الفراغ یؤدی إلی هذه النتیجه.

ص: 24

هکذا ذکره السید الاستاذ(قده).

وما ذکره(قده) فی غایه الدقه والصحه ولکن الراوی فی عصر التشریع وإن کان الغالب منهم فقیه ومجتهد ولکن المجتهد قد یروی الراویه الواصله إلیه منهم(ع) بألفاظها حرفیا أو بمضامینه المکشوفه ظاهرا عند العرف وأخری یروی آرائه وینقلها لا ان الفقیه والمجتهد یروی دائما اجتهاده لیس الأمر کذلک فإن المجتهد قد یروی ما سمع من الإمام(ع) او قد وصلت إلیه بطرق معتبره فیرویها بألفاظها حرفیا بدون إعمال نظر واجتهاد وأخری ینقل آرائه واجتهاده ولا فرق بینهما من هذه الناحیه فقد یکون الراوی عامیا لا یعرف معنی الروایه ولکنه حافظ فإنه لا یعتبر فی الراوی أن یکون من اهل الفهم أو من أهل اللسان ولکنه لا بد أن کون حافظا للروایه بتمام ألفاظها وخصوصیاتها کما وکیفا فروایته حجه ومعتبره إذا کان ثقه. هذا من ناحیه.

ومن ناحیه اخری یمکن إثبات حجیه خبر الواحد من الآیه المبارکه بالأمر بإنذار المنذرین لأنه واجب علی المنذرین بالکسر واما إثبات حجیه خبر الواحد بترتب التحذر علی إنذار المنذرین فلا یمکن لأن الحذر لا یترتب علی إنذار المنذرین بل المترتب هو ترقب الحذر لا فعلیه الحذر ووقوعه فعلا لقوله تعالی: (لعلهم یحذرون) فترقب الحذر هو المترتب علی إنذار المنذرین وإخبارهم بما تفقهوا من الدین لا وقوع الحذر فعلا فیمکن إثبات حجیه خبر الواحد فی الآیه المبارکه من جهه وجوب الإنذار علی المنذرین.

وهذا الوجوب لا یخلو إما أن یکون وجوبا نفسیا مولویا أو وجوبا غیریا مقدمیا أو وجوبا طریقیا أو إرشادیا ولا وجود لاحتمال خامس.

أما الاحتمال الأول: فهو غیر محتمل ضروره أن الإنذار لیس من الواجبات فی الشریعه المقدسه کالصلاه والصیام ونحوهما، أما الاحتمال الثانی: وهو أن الوجوب وجوبا غیریا فالأمر أیضا لیس کذلک، فإن الإنذار لیس مقدمه وجودیه لعمل المنذرین (بالفتح) بالأحکام الشرعیه؛ لأنهم قد عملوا بالأحکام الشرعیه بدون إنذار المنذرین وقد لا یعملون بالأحکام الشرعیه بعد إنذار المنذرین أیضا فعمل المنذرین (بالفتح) لا یتوقف علی إنذار المنذرین من باب توقف الواجب علی مقدمته الوجودیه.

ص: 25

هذا مضافا إلی ما ذکرناه فی محله انه لا دلیل علی وجوب المقدمه شرعا.

وعلی هذا فهذا الوجوب إما طریقی او إرشادی فإن کان طریقیا فهو یدل علی أن دلاله الآیه الکریمه علی حجیه أخبار الآحاد وإنذار المنذرین تأسیسیه لا تأکیدیه؛ لأن الوجوب الطریقی وجوب مجعول من قبل الشارع بغرض الحفاظ علی الأحکام الواقعیه بما لها من المبادئ والملاکات اللزومیه فی موارد الاشتباه والالتباس وحجیه أخبار المخبرین وإنذارهم مجعوله للحفاظ علی الأحکام الواقعیه بما لها من المبادئ والملاکات اللزومیه فی موارد الاشتباه والالتباس.

واما إذا کان وجوب الإنذار وجوبا إرشادیا فهو إرشاد إلی أن دلاله الآیه المبارکه علی حجیه إنذار المنذرین وأخبارهم تأکیدیه وإمضائیه فإن الآیه الکریمه فی مقام الإمضاء لما بنی علیه العقلاء من العمل بأخبار الثقه وهذا البناء ممضی شرعا والآیه المبارکه تدل علی إمضاء هذا البناء وتأکیده وتقریره إذا کان الوجوب إرشادیا.

وهذا هو الظاهر لأن جمیع الآیات والروایات التی استدل بها علی حجیه أخبار الآحاد مفادها الإمضاء للسیره العقلائیه الجاریه علی العمل بأخبار الثقه ولیس التأسیس وهذه السیره مرتکزه فی إذهان الناس فإذا کان المخبر ثقه فهم یعملون بقوله بدون أدنی التفات ولذا کانت حجیه خبر الثقه أمر مرتکز فی الاذهان.

هذا تمام کلامنا فی الاستدلال بآیه النفر.

أدله حجیه خبر الواحد _____ آیه الکتمان بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد _____ آیه الکتمان

انتهی کلامنا إلی آیه الکتمان وهی قوله تعالی:(إِنَّ الَّذِینَ یَکْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَیِّنَاتِ وَالْهُدَی مِن بَعْدِ مَا بَیَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِی الْکِتَابِ أُولَئِکَ یَلعَنُهُمُ اللّهُ وَیَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) (1) وقد استدل بها علی حجیه أخبار الآحاد

ومورد الآیه المبارکه قیام علماء الیهود بإخفاء رساله النبی الأکرم وصفاته واسمائه وبشائره بعد ما بینها الله تعالی فی کتب العهدین.

ص: 26


1- سوره البقره، آیه159.

وبما أن المورد لا یخصص الوارد فلا مانع من الاستدلال بها علی کبری کلیه وهی أنه کلما حرم کتمان شیء ووجوب إظهاره فلا محاله یجب قبوله مطلقا وإلا لکان وجوب الإظهار لغوا وبلا فائده، وصدور اللغو من المولی الحکیم مستحیل، وهذا مما لا یمکن الالتزام به.

وهذا نظیر قوله تعالی: (وَلاَ یَحِلُّ لَهُنَّ أَن یَکْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِی أَرْحَامِهِنَّ إِن کُنَّ یُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْیَوْمِ الآخِرِ) (1) فإنه نهی عن کتمان ما خلق الله تعالی فی أرحامهن وأوجب إظهاره علیهن فإذا وجب الإظهار علیهن وجوب القبول فمن أجل ذلک یکون قول النساء فی الأخبار عما فی أرحامهن مسموع وحجه.

وقد أورد علی هذا الاستدلال بوجوه:

الوجه الأول: أن الآیه المبارکه فی مقام بیان حرمه الکتمان ووجوب الإظهار أی أن کتمان الحقیقه محرم وإظهارها واجب ولیست فی مقام بیان وجوب القبول مطلقا تعبدا وإن لم یحصل العلم بالحقیقه ولا الاطمئنان بها.

وعلی هذا فکما یحتمل أن یکون القبول واجبا مطلقا تعبدا وإن لم یحصل العلم بالحقیقه ولا الاطمئنان بها فیحتمل أن یکون القبول واجبا عند حصول العلم فإذا حصل العلم من إظهارهن الحقیقه وجب القبول وإن لم یحصل العلم او الاطمئنان بالحقیقه من الإظهار فلا یجب القبول.

فوجوب القبول عند الإظهار مجمل فالآیه الکریمه لا تدل علی وجوب القبول مطلقا تعبدا وإن لم یحصل العلم بالحقیقه ولا الاطمئنان والوثوق بها إذ یکفی فی دفع اللغویه أن یکون إظهار کل فرد من هؤلاء جزء السبب لحصول العلم لا تمام السبب فعندئذ لا یکون وجوب الإظهار علی کل هؤلاء لغوا باعتبار ان إظهار کل واحد منهم جزء السبب لحصول العلم بالحقیقه أو جزء حصول الاطمئنان بالحقیقه وهذا المقدار یکفی فی دفع اللغویه.

ص: 27


1- سوره البقره، آیه228.

فالنتیجه: أن الآیه المبارکه مجمله من ناحیه وجوب القبول فالآیه فی مقام بیان حرمه الکتمان ووجوب الإظهار وأما وجوب القبول فالآیه مجمله من هذه الناحیه وحینئذ یکون القدر المتیقن منها وجوب القبول عند حصول الاطمئنان أو العلم.

هذا مضافا: إلی أنه یمکن منع الملازمه بین وجوب الإظهار وبین وجوب القبول حتی من شخص واحد فإذا وجب الإخبار علی شخص واحد فلا دلیل علی وجوب القبول منه مطلقا فیمکن ان یقبل منه عند حصول العلم او الاطمئنان ولو بقرائن حالیه او مقامیه فهذه الملازمه غیر موجوده لا بین إظهار جماعه ولا فی وجوب الإظهار علی کل فرد فوجوب الإظهار بالحقیقه أو الإخبار بها علی فرد لا یستلزم وجوب القبول منه إذ لا دلیل علی هذه الملازمه.

واما الآیه المبارکه وهی قوله تعالی:( وَلاَ یَحِلُّ لَهُنَّ أَن یَکْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِی أَرْحَامِهِنَّ إِن کُنَّ یُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْیَوْمِ الآخِرِ) فإنها فی نفسها لا تدل علی وجوب قبول قول المرأه مطلقا ولو من دون حصول العلم والاطمئنان فالعمده فی هذه المسأله هی الروایات وهی تدل علی ان قول المرأه مسموع فی إخبارها عما فی رحمها ولولا هذه الروایات فلا یمکن استفاده قبول قول المرأه مطلقا تعبدا بدون أن یحصل العلم او الاطمئنان من قولها.

ومن هنا یظهر الفرق بین آیه الکتمان وبین آیه النفر فإن فی آیه النفر الحذر غایه لوجوب الإنذار ومترتب علیه وتدل علی ان الحذر مستند إلی إنذار المنذر فإذا کان مستندا إلیه فبطبیعه الحال یکشف عن أنه حجه إذ لو لم یکن إنذار المنذر حجه لم یترتب علیه الخوف والحذر، فإذا اخبر بالوجوب أو الحرمه وکان إنذاره حجه حصل الخوف للمنذر وإن لم یکن حجه فلا یحصل له الخوف.

ص: 28

واما فی هذه الآیه المبارکه فالقبول لیس غایه لحرمه الکتمان ووجوب الإظهار ولا یکون مترتبا علیه فمن أجل ذلک تختلف هذه الآیه الکریمه عن آیه النفر فالنتیجه ان الآیه المبارکه لا تدل علی وجوب القبول مطلقا تعبدا.

الوجه الثانی: أن حرمه الکتمان لا تخلو إما ان تکون حرمه نفسیه أو حرمه طریقیه او حرمه إرشادیه ولا رابع فی البین.

أما الأول: وهو الحرمه التکلیفیه النفسیه فهی غیر محتمله إذ لا شبهه فی أن حرمه الکتمان لیست نفسیه لأن الحرمه النفسیه ناشئه من وجدود مفسده ملزمه فی متعلقها کحرمه شرب الخمر مثلا فإنها ناشئه من وجود مفسده ملزمه فی الشرب فوجود المفسده الملزمه فی شرب الخمر هو المنشأ لجعل الحرمه له.

وما نحن فیه لیس کذلک فإن الکتمان هو إخفاء الحقیقه أی إخفاء مصلحه اکبر وأعظم وانما المراد من الحقیقه هو رساله النبی الأکرم(ص) ولا شبهه فی أن إخفائها من المحرمات ولکن من المحرمات العقلیه ولیس من المحرمات الشرعیه فالعقل یحکم بوجوب إظهارها کما یحکم بوجوب الامتثال فإن العقل هو الحاکم بوجوب الامتثال دون الشرع فوجوب الامتثال لیس وجوبا شرعیا بل هو وجوب عقلی کما أن حرمه المعصیه لیست حرمه شرعیه بل هی حرمه عقلیه وما نحن فیه کذلک فإن حرمه الکتمان لم تنشأ من وجود مفسده فی نفس الکتمان بل حرمه الکتمان من جهه إخفاء الحقیقه والرساله التی هی من أعظم وأکبر المصالح.

وعلیه فلا یمکن ان تکون حرمه الکتمان حرمه نفسیه.

وأما أنها لیس حرمه طریقیه فلأن الحرمه الطریقیه حکم ظاهری فی طول الحکم الواقعی ومجعول بغرض الحفاظ علی الحکم الواقعی بما له من الملاک فی موارد الاشتباه والالتباس وحرمه الکتمان لیست حرمه ظاهریه طریقیه ومجعوله للحفاظ علی الحکم الواقعی بل حرمه الکتمان من جهه الإخفاء لرساله النبی الأکرم(ص) وصفاته وبشائره واسمائه وتوقیت مبعثه وما شاکل ذلک.

ص: 29

ومن هنا تکون حرمه الکتمان حرمه إرشادیه أی إرشاد الی ما استقل به العقل فإن العقل مستقل بحرمه کتمان رساله النبی الأکرم(ص) ووجوب إظهارها وبیانها للناس وهذا هو المناسب للسان الآیه المبارکه أیضا لأن قوله تعالی: أولئک یلعنهم الله اللاعنون لسانه لسان التهدید ولسان التوبیخ ولسان اللعن هو المناسب للإرشاد إلی حکم العقل بوجوب إظهار رساله النبی الأکرم(ص) وحرمه إخفائها عقلا.

فإذن لیست هذه الحرمه حرمه نفسیه واقعیه ولا حرمه ظاهریه طریقیه.

والخلاصه: ان الآیه المبارکه فی مقام بیان أن علماء الیهود قد قاموا بکتمان رساله النبی الأکرم(ص) وصفاته وبشائره التی بینها الله تعالی فی کتب العهدین ولکن علماء الیهود أخفوها عن الناس فالآیه المبارکه فی مقام تحریم ذلک وتهدید هؤلاء العلماء فلیست الآیه المبارکه فی مقام الجعل بل لسان التهدید والتوبیخ فمن أجل ذلک تکون الآیه المبارکه أجنبیه عن الدلاله علی حجیه خبر الواحد وان دلالتها علی حجیه خبر الواحد لا بد ان یکون لسانها لسان الجعل مع أن لسان الآیه المبارکه لسان التهدید والتوبیخ لا الجعل. فلا یمکن الاستدلال بها علی حجیه أخبار الآحاد.

أدله حجیه خبر الواحد ____ آیه الکتمان بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد ____ آیه الکتمان

کان کلامنا فی آیه الکتمان وقد أورد علی الاستدلال بها بوجوه، تقدم الکلام فی الوجه الأول والثانی.

الوجه الثالث: أن الآیه تدل علی حرمه کتمان شیء وإخفاءه حینما یکون المقتضی لإظهاره موجودا بحیث لولا الکتمان والإخبار لظهر وعلم الناس به فإن الله تعالی قد بین رساله النبی الأکرم(ص) فی کتب العهدین وصفاته واسمائه وبشائره وعلائم نبوته بحیث لولم یکن من قبل علماء الیهود والنصاری کتمانها وإخفائها لظهرت وعلم الناس بها لکنهم بنوا علی إخفائها وکتمانها، فالآیه المبارکه تدل علی حرمه الکتمان والإخفاء إذا کان المقتضی لإظهاره موجودا.

ص: 30

ولکن المقام لیس کذلک فإن الراوی إذا سمع الروایات من الأئمه الأطهار(ع) أو وصلت إلیه بطرق صحیحه فعدم قیامه بإخبارها للناس وبنقلها لهم لا یصدق علیه الکتمان والإخفاء حتی یکون مشمولا للآیه الکریمه فإن المقتضی بهذا النحو غیر موجود بحیث لولم ینقل هذه الأخبار للناس لظهرت ولعلم الناس بها.

فلهذا لا یمکن الاستدلال بهذه الآیه المبارکه علی حجیه أخبار الآحاد.

وقد أجیب عن ذلک:

أولاً: بأن صدق الکتمان لا یتوقف علی وجود المقتضی وکتمان کل شیء بحسبه فالراوی إذا لم یرو ما سمع من الإمام أو وصل إلیه یصدق علیه الکتمان والإخفاء سواء کان المقتضی للإظهار موجودا أم لم یکن موجودا فصدق الکتمان لا یتوقف علی وجود المقتضی للإظهار بل یصدق الکتمان علی عدم الإخبار بشیء وهو یعلم بهذا الخبر فالراوی إذا لم یخبر بما سمع من الإمام(ع) أو وصل إلیه صدق علیه الکتمان والإخفاء ومشمول للآیه المبارکه.

وثانیا: أن الآیه المبارکه إذا دلت علی حرمه الکتمان ووجوب القبول فی فرض وجود المقتضی دلت علی وجوب القبول فی الفرض الثانی وهو عدم وجود المقتضی أیضا، فالآیه المبارکه تدل علی حجیه أخبار الأحاد.

ولکن الظاهر أن هذه الأجوبه بتمامها غیر صحیحه کما تقدم فی جواب الإشکال الأول والثانی والثالث وأن الآیه المبارکه لا تشمل أخبار الآحاد لأمرین:

الأمر الأول: أن الآیه المبارکه فی مقام بیان رساله النبی الأکرم(ص) وعلائم نبوته وبشائره وصفاته وهی من أصول الدین ومن الواضح أن الخبر لا یکون حجه فی باب أصول الدین والعقائد. ولا یمکن التعدی من موردها الی فروع الدین.

الأمر الثانی: ان الله تعالی قد بیّن رساله النبی الأکرم(ص) فی کتب العهدین وعلائم نبوته وصفاته بشکل تفصیلی ولکن علماء الیهود والنصاری أخفوها وکتموها ولم یظهروها للناس بحیث لو لم یکتموها لظهرت وعلم الناس بها ومن الواضح ان الآیه بهذا المعنی لا تشمل خبر الواحد فلا تدل علی وجوب القبول تعبدا.

ص: 31

فالنتیجه ان الآیه لا تدل علی حجیه أخبار الآحاد.

ومنها[ من الأدله علی حجیه أخبار الآحاد]: آیه الذکر وهی قوله تعالی: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّکْرِ إِن کُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (1)

وتقریب الاستدلال بها: ان وجوب السؤال یستلزم وجوب القبول وإلا لکان وجوب السؤال لغوا، فلا یمکن ان قال یجب علیک السؤال ولکن لا یجب علیک القبول، وحیث أن الله تعالی قد أمر بالسؤال فیکون السؤال واجب فلا بد ان یجب القبول وإلا لکان معنی وجوب السؤال لغوا، فالملازمه بین وجوب السؤال وجوب القبول موجوده.

ولکن للمناقشه فی ذلک مجالاً سیأتی الکلام حولها.

ثم ان المراد من أهل الذکر لیس خصوص الأئمه الأطهار(ع) وإن کانوا من أظهر مصادیق الذکر بل المراد منه مطلق أهل الذکر فیشمل حتی الراوی فإن الراوی من أهل الذکر فی الأخبار بالنسبه إلی غیره کما أن الفقیه من أهل الذکر بالنسبه الی غیر الفقیه والطبیب من أهل الذکر فی الطب بالنسبه إلی غیر الطبیب. فأهل الذکر یختلف باختلاف الموارد.

وعلی هذا: فالراوی من أهل الذکر فی الروایات بالنسبه إلی غیره وحینئذ تشمل الآیه الراوی ایضا وتدل علی وجوب السؤال منه ویجب قبول قوله وأخباره وهذا معنی أن خبره حجه إذ لو لم یکن حجه فلا یجب قبوله.

ولکن أورد علی هذا الاستدلال السید الاستاذ(قده) (2) بأمرین:

الأمر الأول: ان وجوب السؤال لا یدل علی وجوب القبول مطلقا تعبدا وإن لم یحصل العلم او الاطمئنان بل لعل الغرض من السؤال بدافع حصول العلم او الاطمئنان او الوثوق بالواقع من السؤال لا قبوله تعبدا وإن لم یحصل العلم والاطمئنان والوثوق إذ یکفی فی دفع اللغویه أن یکون الغرض من السؤال تحصیل العلم بالأحکام الشرعیه فلا یکون وجوب السؤال علی الجاهل لغواً وإنما الدافع له إنما هو تحصیل العلم بالأحکام الشرعیه. فمن هذه الناحیه فالآیه المبارکه لا تدل علی حجیه أخبار الاحاد لأن الغرض من السؤال کان داعی الحصول علی العلم بالواقع لا قبول قول المخبر تعبدا.

ص: 32


1- سوره النحل، آیه43.
2- مصباح الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید محمد الواعظ، ج2، ص189.

الأمر الثانی: أن الآیه المبارکه موردها أصول الدین لأنها فی مقام رد المشرکین حیث استنکروا نبوه النبی الأکرم(ص) حیث کانوا یعتقدون ان النبی لا یمکن أن یکون بشرا بل لا بد أن یکون ملکا، والآیه فی مقام رد هؤلاء من خلال السؤال عن علماء الیهود والنصاری لأنهم هم المراد من أهل الذکر هنا باعتبار أنهم من أهل الذکر برساله النبی الأکرم(ص) لعلمهم برسالته(ص) وصفاته وعلائم نبوته، فالآیه فی مقام ذلک وأجنبیه عن الدلاله علی حجیه خبر الواحد فلا صله للآیه الکریمه علی حجیه خبر الواحد.

نعم قد یقال کما قیل: إن المراد من قوله تعالی: (إِن کُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) أعم من العلم الوجدانی والعلم التعبدی غایه الأمر فی موارد أصول الدین ینطبق العلم الوجدانی فقط وأما فی موارد أخبار المخبرین فیکون المراد من العلم العلم التعبدی.

ولکن هذا التفسیر أیضا غیر صحیح.

أدله حجیه خبر الواحد ____ آیه الذکر. بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد ____ آیه الذکر.

إلی هنا قد تبین ان مورد آیه الذکر أصول الدین لأن الآیه فی مقام رد المشرکین المنکرین لرساله الرسول الأکرم(ص) والمدلول هنا العلم الوجدانی فالآیه لا تدل علی حجیه خبر الواحد .

قد یقال کما قیل: إن المراد من العلم فی الآیه المبارکه (إِن کُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) أعم من العلم الوجدانی والعلم التعبدی حیث أن مفاد الآیه المبارکه قضیه ارتکازیه فطریه موافقه للجبله والذات وهی رجوع الجاهل إلی العالم أو رجوع الجاهل الی اهل الخبره وهذه قضیه فطریه ارتکازیه لا تتوقف علی أی مقدمه أو أی دلیل.

والعالم فی المقام یختلف فتاره یکون العالم بالعلم الوجدانی کما فی أصول العقائد وأخری یکون العالم بالعلم التعبدی کرجوع العامی إلی المجتهد ورجوع المریض إلی الطبیب فإنه أمر فطری وموافق للارتکاز، فرجوع الجاهل إلی العالم أعم من أن یکون علمه وجدانیا أم تعبدیا أو رجوع من لا یعرف الهندسه إلی المهندس.

ص: 33

فمفاد الآیه المبارکه قضیه ارتکازیه موافقه للفطره والذات.

والراوی أیضا کذلک فإنه من أهل الخبره بالروایات فتشمل الآیه المبارکه روایه الراوی أیضا، ویکون الرجوع إلی الراوی من الرجوع إلی أهل الخبره، هکذا قیل.

والجواب عن ذلک:

أولاً: أن مورد الآیه المبارکه أصول الدین والمطلوب فیه العلم الوجدانی ولا أثر للعلم التعبدی فیها لأن العلم التعبدی لیس بعلم حقیقه بل هو علم باصطلاح الفقهاء وکلما کان علی خلاف العلم الوجدانی فهو جهل غایه الأمر ترتب آثار العلم علیه فمن أجل ذلک یسمی بالعلم التعبدی کقیام الأمارات مقام القطع الطریقی والموضوعی فإن آثار العلم الوجدانی مترتبه علی الأمارات الظنیه وتسمی تلک الأمارات بالعلم التعبدی من جهه ترتیب آثار العلم الوجدانی علیها.

والتعدی عن مورد الآیه الذی یکون المطلوب فیه هو العلم الوجدانی إلی سائر الموارد أی موارد العلم التعبدی بحاجه إلی دلیل وقرینه او مناسبه بینهما.

وفی المقام لا مناسبه بین العلم الوجدانی والعلم التعبدی ارتکازا حتی یمکن التعدی عن مورد العلم الوجدانی إلی العلم التعبدی، فالتعدی بحاجه إلی قرینه ولا قرینه فی نفس الآیه المبارکه ولا من خارجها.

وثانیا: مع الإغماض عن ذلک وتسلیم أنه یمکن التعدی عن مورد الآیه المبارکه إلی موارد العلم التعبدی ولکن ذکرنا أن مفاد الآیه المبارکه قضیه ارتکازیه فطریه وهی رجوع الجاهل إلی العالم ورجوع الجاهل إلی أهل الخبره وهو أمر مرتکز فی الاذهان وموافق للفطره فلا یحتاج إلی أی مقدمه ودلیل.

ومن الواضح أن أهل الخبره لا یصدق علی الراوی؛ لأن أهل الخبره هو من له رأی ونظر کالمجتهد والطبیب والمهندس وما شاکل ذلک، وأما الراوی فوظیفته نقل ما سمعه من الإمام أو ما وصل إلیه من الإمام(ع) بطرق صحیحه حرفیا من دون إعمال أی رأی ونظر فیه، بل قد لا یفهم الراوی معنی الروایه.

ص: 34

ومن هنا کان المعتبر فی الراوی هو الحفظ ولا یعتبر فی الراوی الفهم لمعنی الروایه بل قد یکون الراوی لیس من أهل اللسان؛ فمن أجل ذلک لا ینطبق عنوان أهل الخبره علی الراوی حتی إذا فهم معنی الراویه.

فالنتیجه: أن الراوی لا یصدق علیه أنه من أهل الخبره فلا تشمله الآیه الکریمه وإن قلنا أن الآیه تدل علی قضیه ارتکازیه فطریه وهی رجوع الجاهل إلی العالم ورجوع الجاهل إلی أهل الخبره فلا تشمل الآیه الکریمه الراوی لأن الراوی لیس من أهل الخبره.

وحینئذ لا تدل الآیه الکریمه علی حجیه خبر الواحد وأن قلنا أن المراد من العلم فی الآیه الکریمه أعم من العلم الوجدانی والعلم التعبدی.

ولکن قد یقال کما قیل: إن عدم شمول الآیه للراوی تام إذا کان المذکور فی لسان الآیه المبارکه عنوان العلم لأن الراوی لیس من أهل العلم والاجتهاد والنظر وأما إذا کان الوارد فی الآیه عنوان الذکر والذکر أعم من العلم ولا یعتبر فی الذکر إعمال الرأی والنظر فحینئذ یشمل هذا العنوان الراوی لأن الراوی من أهل الذکر فی الروایات بالنسبه إلی غیره.

والجواب عن ذلک:

أولاً: إن مناسبه الحکم والموضوع الارتکازیه تقتضی أن یکون المراد من الذکر هو العلم لا أن المراد منه ما هو مقابل للعلم حتی یشمل الراوی أیضا.

وثانیاً: أن ذیل الآیه قرینه علی أن المراد من الذکر فی صدر الآیه هو العلم لقوله تعالی: ( إِن کُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) ولم یقل: إن کنتم لا تذکرون فهذا قرینه علی ان المراد من الذکر هو العلم ولیس المراد منه ما هو أعم من العلم.

فالنتیجه: أن الآیه الکریمه لا تدل علی حجیه خبر الواحد.

إلی هنا قد تبین أن الآیات الکریمه التی ذکرت دلیلا علی حجیه خبر الواحد لا یتم شیء منها دلیلا علی حجیه خبر الواحد وعلی تقدیر دلالتها علی حجیه خبر الواحد فمدلولها تأیید وإمضاء لما بنی علیه العقلاء من العمل بأخبار الثقه لأنه أمر مرتکز فی الأذهان لأن الناس یعملون بأخبار الثقه بدون التفات إلی أی دلیل ومقدمه غیر إحراز وثاقه المخبر ارتکازا فبمجرد علمه بأن المخبر ثقه یعمل بخبره من دون توقف علی شیء آخر فحجیه أخبار الثقه أمر مرتکز فی الأذهان، والآیات الکریمه لو کانت داله علی حجیه أخبار الآحاد لکانت إمضاءً لما بنی علیه العقلاء وتأکیدا له ولیس مفادها التأسیس.

ص: 35

وأما الکلام فی السنه.

فلا شبهه فی أنه لا یجوز الاستدلال علی حجیه خبر الواحد بخبر الواحد وهذا أمر واضح لأن فاقد الشیء لا یعقل أن یکون معطیا له فخبر الواحد إذا لم یکن حجه فکیف یمکن الاستدلال به علی حجیه نفسه لأن لازم ذلک أن تکون حجیه نفسه عله لحجیه نفسه وکون الشیء عله لنفسه أمر مستحیل.

ومن هنا إذا أردنا الاستدلال بالسنه علی حجیه أخبار الآحاد فلا بد من افتراض کون السنه متواتره وقطعیه الصدور فعندئذ یجوز الاستدلال بها علی حجیه أخبار الآحاد.

نعم ذکر المحقق الخراسانی(قده) (1) أنه یجوز الاستدلال علی حجیه خبر الواحد بالروایات المتواتره إجمالا، فإذا فرضنا أن هناک مجموعه من الروایات الکثیره التی نعلم بصدور بعضها من الأئمه الأطهار(ع) ولکن هذا البعض مجهول لنا ولا ندری أن هذا البعض أی خبر من هذه الأخبار وحینئذ لا یجوز الاستدلال بکل واحد منها علی حجیه خبر الواحد لأنه من الاستدلال علی حجیه خبر الواحد بخبر الواحد، ولکن إذا فرضنا أن هذ المجموعه تقسم إلی أصناف متعدده:

الصنف الأول: ان یکون دالاً علی حجیه خبر الواحد ثقه او غیر ثقه.

الصنف الثانی: یدل علی حجیه خبر الواحد إذا کان راویه إمامیاً.

الصنف الثالث: ما یدل علی حجیه خبر الواحد إذا کان راویه ثقه.

الصنف الرابع: ما یدل علی حجیه خبر الواحد إذا کان راویه إمامیا عادلا.

وأخص هذه الأصناف هو الصنف الرابع لأنه واجد لخصوصیه تمام هذه الأصناف فهو واجد لخصوصیه الصنف الأول فلو کان الصادر من الإمام(ع) الصنف الأول فالصنف الرابع واجد لخصوصیته، ولو کان الصادر الصنف الثانی فهو أیضا واجد لخصوصیته ، ولو کان الصادر الصنف الثالث فهو أیضا واجد لخصوصیته، فلو فرضنا انا نعلم إجمالا أن أحد هذه الأصناف قد صدر من الإمام(ع) فلا محاله یکون ذلک تعبیرا عن علمنا إجمالا بأن الصنف الرابع قد صدر من الإمام(ع) إما بلفظه أو بمضمونه وحینئذ لا مانع من الاستدلال به علی حجیه أخبار الآحاد.

ص: 36


1- کفایه الاصول، المحقق الخراسانی، ص302.

ولکن تمامیه الاستدلال به علی حجیه أخبار الآحاد یتوقف علی مجموعه من المقدمات یأتی التعرض لها إن شاء الله تعالی.

أدله حجیه خبر الواحد ___ السنه. بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد ___ السنه.

کان کلامنا فی الاستدلال بالسنه علی حجیه خبر الواحد، وذکرنا أنه لا یمکن الاستدلال بخبر الواحد علی حجیته لأنه غیر معقول.

وأما إذا کان الخبر متواترا اجمالا فإذا کانت الأخبار الاجمالیه عباره عن أصناف متعدده وفیها صنف أخص من سائر الأصناف وواجد لتمام خصوصیات سائر الأصناف زائدا علی خصوصیته ففی مثل ذلک نعلم أن هذا الصنف قد صدر من المعصوم(ع) إما بلفظه أو بمضمونه فعندئذ یمکن الاستدلال به علی حجیه خبر الواحد.

ولکن هذا الاستدلال بهذا النحو یتوقف علی تمامیه مقدمات:

المقدمه الأولی: أن تکون الأخبار متواتره إجمالا.

المقدمه الثانیه: ان تکون الروایات التی استدل بها علی حجیه أخبار الآحاد تامه دلاله.

المقدمه الثالثه: ان تکون النسبه بین أصناف الروایات المتواتره عموما وخصوصا مطلقا لا عموما وخصوص من وجه ولا بنحو التباین، لأن الأخص مطلقا واجد لصفات جمیع الأصناف وخصوصیاتها فکل صنف صدر من الإمام(ع) فالصنف الأخص واجد لخصوصیته ومضمونه فعندئذ نعلم إجمالا أن الأخص قد صدر من المعصوم(ع) إما بلفظه أو بمضمونه.

وعلی هذا: فما ذکرناه من الأصناف للروایات التی المتواتره إجمالا نعلم بأن الصنف الرابع وهو الروایه التی کان راویها عدلا إمامیا قد صدر من المعصوم(ع) إما بلفظه او بمضمونه فعندئذ یمکن الاستدلال به علی حجیه خبر الواحد لأنه لیس من قبیل الاستدلال علی حجیه خبر الواحد بخبر الواحد بل من قبیل الاستدلال علی حجیه خبر الواحد بخبر مقطوع الصدور إما مضمونا أو لفظا.

ثم أنه إذا کانت بین أفراد هذه الأصناف روایه تدل علی حجیه خبر الثقه فعندئذ تثبت حجیه خبر الثقه وإن لم یکن إمامیا بل إذا کان ثقه ولم یکذب فتکون روایته حجه وإن کان فاسقا.

ص: 37

فإذا وجد فی أفراد الروایه التی یکون راویها عدلا فرد یدل علی حجیه خبر الثقه ثبتت حجیتها وإن لم یکن الثقه إمامیا ولا عدلا بهذا الطریق.

والمقدمات التی ذکرت بحاجه إلی إثبات تمامیتها.

اما المقدمه الأولی: فالروایات المتواتره علی أقسام:

القسم الأول: التواتر اللفظی. بأن یکون شخص اللفظ الصادر من المعصوم(ع) قد وصل إلینا بطرق قطعیه فی جمیع الطبقات بتمام خصوصیاته وألفاظه کماً وکیفاً بدون أی زیاده، وهذا النوع من التواتر قلیل جدا وشاذ فی جمیع الروایات التی استدل بها علی المسائل الفقهیه، بل معدوم. نعم توجد هذه الروایات فی العقائد کحدیث الثقلین وحدیث من کنت مولاه وما شاکل ذلک، واما الروایات المتکفله للأحکام الشرعیه فالتواتر اللفظی فیها نادر جدا بل معدوم.

القسم الثانی: التواتر المعنوی، ونقصد به أن هذا المعنی قد صدر عن المعصوم(ع) أو هو ممضا من قبله (علیه السلام) ولکن بأی لفظ صدر من المعصوم أو بأی لفظ أمضاه فهو مجهول لدینا فلا ندری صیغه معینه لهذا المعنی فکل ذلک مجهول لدینا ولکن نعلم أن هذا المعنی المشترک بین الروایات قد صدر عن المعصوم أو کان قد أمضاه.

هذا هو التواتر المعنوی.

القسم الثالث: التواتر الإجمالی، وهو علی أقسام:

القسم الأول: أن هذه الروایات روایات کثیره تبلغ من الکثره حد التواتر الاجمالی ولهذا تکون ذات أصناف متعدده وحینئذ قد تکون النسبه بین أصنافها عموما وخصوصا مطلقا، وقد تکون النسبه التباین وعدم الاشتراک لا فی اللفظ ولا فی المعنی. وقد تکون النسبه عموم وخصوص من وجه بأن یکون لکل منهما ماده اجتماع وماده افتراق.

فالتواتر الاجمالی إنما یفید فی المقام إذا کانت النسبه بین أصنافها عموما وخصوصا مطلقا بأن یکون بین الروایات صنف خاص هو أخص الأصناف فیکون واجد لتمام صفات الأصناف الأخری وشریک مع سائر الأصناف فی المضمون ویتمیز عنها بخصوصیه زائده، وحینئذ نعلم إجمالا بأن هذا الصنف قد صدر من المعصوم إما بلفظه الخاص أو بمضمونه المخصوص فیجوز الاستدلال به علی حجیه أخبار الآحاد.

ص: 38

واما النسبه بین الأصناف إذا کانت هی التباین فلا یجوز الاستدلال بها لأننا لا نعلم تفصیلا صدور أی صنف من أصنافها فکل صنف منها مشکوک الصدور ولا اشتراک بینها لا فی اللفظ ولا فی المضمون فکل صنف مباین لصنف آخر فلا نعلم بصدور أی صنف من الأصناف بالخصوص.

نعم.. نعلم إجمالا بصدور صنف خاص من هذه الأصناف عن المعصوم ولکن کل واحد منها بنفسه وبحده مشکوک الصدور ولهذا لا یمکن الاستدلال بشیء من أصنافه علی حجیه خبر الواحد لأنه من الاستدلال علی حجیه خبر الواحد بخبر الواحد وهذا غیر معقول.

وکذلک الحال فی الصنف الثالث أی فیما إذا کانت النسبه بین الروایات عموما من وجه فإنها وإن اشترکت فی ماده الاجتماع إلا أنها افترقت فی ماده الافتراق فلا نعلم بصدورها فی ماده الاجتماع لاحتمال انها صدرت فی ماده الافتراق فقط فمن أجل ذلک لا علم وجدانی بصدور بعضها.

نعم نعلم أجمالا بصدور واحد منها من المعصوم(ع) وأما صدور واحد منها معین فلیس لنا علم وجدانی فکل واحد من هذه الأصناف مشکوک الصدور فلا یمکن الاستدلال بشیء من هذه الأصناف علی جیه خبر الواحد.

فالنتیجه: ان الأخبار المتواتره إجمالا إذا کانت النسبه بین أصنافها عموما مطلقا یجوز الاستدلال بالأخص منها لأنه قد صدر عن المعصوم یقینا إما مضمونا أو لفظا دون ما إذا کانت النسبه بین أصنافها التباین او العموم من وجه لعدم العلم بصدور بعضها المعین.

هذه هی المقدمه الأولی.

واما المقدمه الثانیه: فقد استدل بالروایات الکثیره علی حجیه خبر الواحد إلا أن دلاله أکثرها غیر تامه، ویمکن تقسیمها إلی مجموعات:

المجموعه الأولی: روایات الترجیح وهی التی تدل علی أن الخبرین المتعارضین یمکن ترجیح أحدهما علی الآخر بموافقه الکتاب او بمخالفه العامه (1) فإذا فرضنا أن أحد الخبرین المتعارضین موافق للکتاب والآخر مخالف فهذه الروایات تدل علی تقدیم الموافق علی المخالف والأخذ بالموافق وطرح المخالف وان الموافق حجه دون المخالف او إذا کان أحدهما مخالفا للعامه والاخر موافقا لهم فهذه الروایات تدل علی حجیه الخبر المخالف للعامه فتقدمه علی الخبر الموافق للعامه وحمله علی التقیه، فروایات الترجیح والروایات العلاجیه تدل علی حجیه خبر الواحد بالالتزام لأنها تدل بالمطابقه علی الترجیح وبالالتزام علی حجیه خبر الواحد لأنه لو لم یکن حجه فلا معنی لترجیح أحدهما علی الآخر.

ص: 39


1- وسائل الشیعه، الشیخ الحر العاملی، ج27، ص106، باب9، من ابواب صفات القاضی، ط آل البیت.

ولکن الاستدلال بها غیر صحیح لأن الأخبار العلاجیه واخبار الترجیح أخبار آحاد ولیس أخبار متواتره فلا یمکن الاستدلال بها علی حجیه أخبار الآحاد لأنه من قبیل الاستدلال علی حجیه خبر الواحد بخبر الواحد وهو مستحیل.

وأیضا ان هذه الروایات لا تدل علی حجیه أخبار الآحاد بالالتزام فإن هذه الروایات إنما تدل علی حجیه أخبار الآحاد بالالتزام إذا کان مفادها ترجیح أحد المتعارضین علی الآخر بموافقه الکتاب ومخالفه العامه.

ولکن کما یحتمل ذلک یحتمل أن یکون مفاد هذه الروایات فی مقام تمییز الحجه عن غیر الحجه وتمییز الخبر الصادق عن الخبر الکاذب مع أن سند کلا الخبرین المتعارضین قطعی ولکن لا نعلم أن احدهما کاذب قطعا إذ لا یتصور التعارض بین الخبرین القطعیین فوقوع التعارض دلیل علی أن احدهما کاذب والآخر صادق وهذه الروایات فی مقام تمییز الصادق عن الکاذب فالروایات الموافقه للکتاب صادقه والروایه المخالفه للکتاب کاذبه والروایه المخالفه للعامه صادقه والروایه الموافقه لهم کاذبه.

وکلا الاحتمالین فی هذه الروایات موجود فکما یحتمل أن تکون هذه الروایات فی مقام علاج الخبرین المتعارضین کذلک یحتمل أن تکون هذه الروایات فی مقام التمییز للخبر الصادق عن الخبر الکاذب، وحینئذ تکون هذه الطائفه من الروایات مجمله فلا یمکن الاستدلال بها علی تقدیر التسلیم انها متواتره سندا ولکنها مجمله دلاله

ادله حجیه خبر الواحد – السنه بحث الأصول

الموضوع: ادله حجیه خبر الواحد – السنه

کان کلامنا فی الأخبار العلاجیه من جهه أنه قد یناقش فیها أنها کما یحتمل أن تکون فی مقام ترجیح أحد الخبرین المتعارضین علی الآخر بموافقه الکتاب أو السنه أو بمخالفه العامه یحتمل أن تکون فی مقام تمییز الخبر الصادق عن الخبر الکاذب أو تمییز الحجه عن اللاحجه مع أن الخبرین قطعیین صدورا فإن التعارض بین القطعیین صدورا غیر معقول ولکنه اشتبه علی المکلف أیهما صادر عن الإمام(ع) وأیهما غیر صادر وهذه الروایات فی مقام تمییز الصادق عن الکاذب.

ص: 40

فهذه الروایات مجمله باعتبار أنه لا ترجیح للاحتمال الاول علی الثانی.

والجواب عن ذلک واضح: وهو أن الأخبار العلاجیه علی طائفتین:

الطائفه الأولی: وتسمی بأخبار الطرح ولسان هذه الطائفه لسان عدم صدور الخبر المخالف للکتاب والسنه (1) ، وقد ورد فیها أن ما خالف الکتاب والسنه فهو زخرف وباطل ولم أقله، وهی تدل علی الاستنکار والتحاشی عن صدور الخبر المخالف للکتاب والسنه؛ ولهذا صرح فیها بأن ما خالف الکتاب والسنه زخرف وباطل ولم یقله، فهذه الطائفه فی مقام التمییز للصادق عن الکاذب ولکنها لیست من الأخبار المرجحه ومن الأخبار العلاجیه.

الطائفه الثانیه: الأخبار العلاجیه (2) وهی تعالج مشکله التعارض بین الخبرین المتعارضین وهذه الأخبار ظاهره فی أن کلا من الخبرین المتعارضین حجه فی نفسه ولکن من جهه المعارضه لا یمکن شمول دلیل الحجیه لکلیهما معا ولهذا لا بد من علاج المعارضه بالرجوع الی المرجحات فإن کان أحدهما موافقا للکتاب، والمراد من الموافقه للکتاب الموافق لإطلاق الکتاب أو عمومه، والآخر مخالفا لإطلاق الکتاب وعمومه فلا بد من تقدیم الأول علی الثانی وان الأول حجه دون الثانی، فالثانی لا یکون حجه ولهذا لا بد أن یکون المراد من المخالف فی الأخبار العلاجیه المخالف لعموم الکتاب والسنه أو لإطلاق الکتاب والسنه؛ فإن خبر الواحد إذا کان مخالفا لإطلاق الکتاب والسنه أو عمومهما فهو حجه ویخصص عمومهما او یقید إطلاقهما ولکن إذا کان الخبر مخالفا لعموم الکتاب فهو مردود وزخرف وباطل ولم یصدر منهم(ع).

فالروایات العلاجیه وهی أخبار الترجیح تدل علی الترجیح بالمطابقه وعلی حجیه خبر الواحد بالالتزام ولکن من جهه أن هذه الروایات لیست من الکثره بدرجه تبلغ حد التواتر فلا یمکن الاستدلال بها علی حجیه خبر الواحد لأنه من قبیل الاستدلال علی حجیه خبر الواحد بخبر الواحد وهو مستحیل.

ص: 41


1- وسائل الشیعه، الشیخ الحر العاملی، ج27، ص110، ب9، من أبواب صفات القاضی، ح12، ط آل البیت.
2- وسائل الشیعه، الشیخ الحر العاملی، ج27، ص118، ب9، من أبواب صفات القاضی، ح29، ط آل البیت.

المجموعه الثانیه: وهی الروایات الوارده فی الأفراد الخاصه من الرواه وبأوصاف خاصه وبألسنه مختلفه وبصیغ متعدده:

فمنها: ما جاء بصیغه لولا هؤلاء ( زراره ومحمد بن مسلم والحلبی وبرید بن معاویه وغیرهم) لاندرست آثار النبوه (1) .

ومنها: ما جاء بصیغه مثالیه وهی ان هؤلاء أمناء الله علی حلاله وحرماه مشیرا إلی طائفه خاصه من الرواه (2) .

ومنها: ما جاء بصیغه أن هؤلاء حفظه الدین مشیرا الی فئه مخصوصه (3) .

ومنها: ما ورد إذا أردت حدیثا فعلیک بهذا الجالس (4) (وهو زراره او محمد بن مسلم).

ومنها: ما جاء بصیغه ما یمنعک من الرجوع إلی ومحمد بن مسلم فإنه قد سمع من أبی أحادیث وکان عنده وجیها (5) .

ومنها: ما ورد بصیغه ممن آخذ معالم دینی من زکریا بن آدم القمی فإنه مأمون علی الدین والدنیا (6) .

وهکذا غیرها مما قد ورد بألسنه مختلفه ومتعدده وبصیغ خاصه.

وتقریب الاستدلال بها أنه لا شبهه فی أن أشخاص هؤلاء لا خصوصیه لها ولا موضوعیه فاحتمال أن لشخص زراره أو شخص محمد بن مسلم دخل فی حجیه أخبارهم غیر محتمل وإنما الحجیه لأخبارهم من جهه الأوصاف الطارئه علیهم من الأمانه علی حلال الله وحرامه ووصف حفظه الدین ووصف أنه لولاهم لاندرست آثار النبوه، فهذ التعبیرات واضحه الدلاله علی أن ملاک حجیه اخبارهم هی هذه الأوصاف.

ص: 42


1- وسائل الشیعه، الشیخ الحر العاملی، ج27، ص142، باب11، من أبواب صفات القاضی، ح14، ط آل البیت.
2- وسائل الشیعه، الشیخ الحر العاملی، ج27، ص142، باب11، من أبواب صفات القاضی، ح14، ط آل البیت.
3- وسائل الشیعه، الشیخ الحر العاملی، ج27، ص150، باب11، من أبواب صفات القاضی، ح43، ط آل البیت.
4- وسائل الشیعه، الشیخ الحر العاملی، ج27، ص143، باب11، من أبواب صفات القاضی، ح19، ط آل البیت.
5- وسائل الشیعه، الشیخ الحر العاملی، ج27، ص144، باب11، من أبواب صفات القاضی، ح23، ط آل البیت.
6- وسائل الشیعه، الشیخ الحر العاملی، ج27، ص146، باب11، من أبواب صفات القاضی، ح27، ط آل البیت.

ولکن یمکن المناقشه فی ذلک: من جهه أن حجیه أخبار هؤلاء وإن کانت من جهه توفر هذه الأوصاف فیهم واقعا ولکن هذه الطائفه فی مقام بیان أرقی مرتبه من مراتب الوثاقه وهی الوثاقه الواقعیه التی ثبت بنص الإمام(ع) وتصریحه، وحینئذ یمکن البناء علی حجیه أخبارهم من هذ الجهه. ولکن التعدی من مورد هذه الروایات وهو حجیه روایات خصوص هؤلاء إلی حجیه خبر کل ثقه ولو ثبتت حجیته ظاهرا بتوثیق الشیخ أو الکلینی أو النجاشی او الصدوق بحاجه إلی قرینه لأن هذا التعدی لیس مطابقا للأصل بل هو مخالف للأصل، وحینئذ یکون بحاجه إلی قرینه ولا قرینه فی هذه الروایات لا فی نفسها ولا من الخارج.

ومن هنا لا یمکن الاستدلال بهذه المجموعه علی حجیه أخبار الآحاد مطلقا أو علی حجیه أخبار الثقه مطلقا وإن کانت وثاقته ثابته ظاهرا لا واقعا.

ثم أن هذه المجموعه لا یبعد أن تکون متواتره معنویا وإن لم تکن متواتره لفظا وهذا المعنی معنی الأمانه علی حلال الله وحرامه صادر من الإمام(ع) ولکن بهذه الصیغه أو بصیغه أخری فهو مشکوک ولا نعلم به.

والنتیجه: أنه لا یمکن الاستدلال بهذه المجموعه علی حجیه خبر الواحد مطلقا؛ لأنها لا تدل إلا علی حجیه قسم خاص من خبر الواحد لا علی حجیه خبر الواحد مطلقا کما هو محل الکلام فی المسأله ومحل النزاع.

المجموعه الثالثه من الروایات: وهذه المجموعه تاره وردت بلسان أعرفوا منازل الرجال (1) بقدر أحادیثهم عنّا، وأخری بلسان یا جمیل أرو هذا الحدیث لإخوانک (2) . فهل یمکن الاستدلال بهذه الطائفتین من هذه المجموعه او لا یمکن؟

ص: 43


1- وسائل الشیعه، الشیخ الحر العاملی، ج27، ص149، باب11، من أبواب صفات القاضی، ح37، ط آل البیت.
2- وسائل الشیعه، الشیخ الحر العاملی، ج27، ص88، باب11، من أبواب صفات القاضی، ح40، ط آل البیت.

اما الطائفه الأولی: فلا یمکن الاستدلال بها لأنها لم تبلغ من الکثره حد التواتر وحینئذ تکون من الاستدلال علی حجیه خبر الواحد بخبر الواحد وهو لا یمکن. وکذلک الطائفه الثانیه فهی خبر واحد ولا تبلغ من الکثره حد التواتر ولیست قطعیه الصدور فلا یمکن الاستدلال بها علی حجیه خبر الواحد هذا مضافا إلی إمکان المناقشه فی دلالتها فإن ترغیب الإمام علی کثره الروایات وانه موجب لنمو منزله الرواه عند الناس لعله من جهه الرغبه فی انتشار الروایات بین الناس حتی یعرفوا الروایات الصادره من الأئمه الأطهار(ع) من غیرها والغرض من وراء ذلک هو حصول العلم او الاطمئنان بصدور هذه الروایات لا حجیه خبر الواحد مطلقا.

واما الطائفه الثانیه وهی قوله(ع) یا جمیل أور الحدیث لإخوانک فإنه وإن دل علی وثاقه جمیل واقعا فیکون هذا من أرقی درجه الوثاقه ولکن لا یمکن التعدی من مورد هذه الطائفه إلی سائر الموارد لأنها تدل علی حجیه أخبار الأحاد فیما إذا کان الراوی واجدا لأرقی مراتب الوثاقه وهی الوثاقه الواقعیه ولا یمکن التعدی منها إلی غیرها.

والنتیجه: أن هذه المجموعه ایضا لا یمکن الاستدلال بها والعمده فی ذلک أنها لم تبلغ حد التواتر.

أدله حجیه خبر الواحد ____ السنه بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد ____ السنه

المجموعه الرابعه: قد وردت بلسان أمر المولی بکتابه الروایات والاهتمام بها وحفظها لأنها تفید فی المستقبل للأجیال القادمه وقد ورد ذلک فی روایات کثیره ولکن هذه الروایات لا یمکن الاستدلال بها من جهه انها لا تبلغ من الکثره حد التواتر ولا تکون قطعیه الصدور فلا یمکن الاستدلال بها علی حجیه خبر الواحد ولیست هی أخص المجموعات لتکون قطعیه الصدور إما بمضمونها او بلفظها فمن أجل ذلک هذه الروایات أخبار آحاد فلا یمکن الاستدلال بها علی حجیه خبر الواحد.

ص: 44

هذا مضافا إلی أن هذه الروایات لا تدل علی حجیه أخبار الآحاد إذ یمکن أن یکون الغرض من وراء الأمر بکتابه الروایات هو انتشار آثار والنبوه والأئمه(ع) بین الناس لیحصل العلم او الاطمئنان بها لا حجیتها مطلقا وتعبدا فمجرد الاهتمام بکتابه الروایات لا یدل علی أن هذه الروایات حجه تعبدا ومطلقا.

المجموعه الخامسه: روایات کثیره أیضا عمدتها صحیحه الحمیری وهی روایه طویله ورد فی ذیلها:( قَالَ : سَأَلْتُهُ وقُلْتُ : مَنْ أُعَامِلُ؟ أَوْ عَمَّنْ آخُذُ؟ وقَوْلَ مَنْ أَقْبَلُ؟ فَقَالَ لَهُ: الْعَمْرِیُّ ثِقَتِی ؛ فَمَا أَدّی إِلَیْکَ عَنِّی ، فَعَنِّی یُؤَدِّی ، ومَا قَالَ لَکَ عَنِّی ، فَعَنِّی یَقُولُ ؛ فَاسْمَعْ لَهُ وأَطِعْ ؛ فَإِنَّهُ الثِّقَهُ الْمَأْمُونُ)

وهذه الروایه واضحه الدلاله علی حجیه قول الثقه وقد ورد فی الفقره الثانیه فیها: وَأَخْبَرَنِی أَبُو عَلِیٍّ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا مُحَمَّدٍ علیه السلام عَنْ مِثْلِ ذلِکَ ، فَقَالَ لَهُ الْعَمْرِیُّ وَابْنُهُ ثِقَتَانِ ؛ فَمَا أَدَّیَا إِلَیْکَ عَنِّی ، فَعَنِّی یُؤَدِّیَانِ ، ومَا قَالَا لَکَ ، فَعَنِّی یَقُولَانِ ؛ فَاسْمَعْ لَهُمَا وأَطِعْهُمَا ؛ فَإِنَّهُمَا الثِّقَتَانِ الْمَأْمُونَانِ) (1) .

فیقع الکلام فی هذه الصحیحه تاره فی سندها وأخری فی دلالتها.

أما سندها فإن هذه الصحیحه من الصحاح الأعلائیه وهی فی اصطلاح أهل الرجال هو أن راویها إمامیا ومزکاً بأکثر من عدلین وهذه الروایه کذلک فإن الراوی الأول هو الکلینی علیه الرحمه وجلاله قدره وثقته وأمانته علی الروایات معروفه ومشهوره ومتفق علیها بین الأصحاب ولا شبهه فیه فإنه مزکاً بأکثر من عدلین. والراوی الثانی الذی یروی عنه الکلینی راویان: أحدهما محمد بن عبد الله الحمیری وهو جلیل القدر وقد اتفق الاصحاب علی عدالته، والآخر هو محمد بن یحیی العطار وهو شیخ القمیین ووجههم ولا شبهه فی وثاقته وجلاله قدره وامانته علی الأحادیث والراوی المباشر عن الإمام(ع) هو عبد الله بن جعفر الحمیری ولا شبهه فی وثاقته وجلاله قدره فإن الأصحاب اتفقوا علی وثاقته وامانته وجلاله قدره فلا شبهه فی أنه مزکاً من العدول.

ص: 45


1- الکافی، الکلینی، ج2، ص125، ح1 (ط دار الحدیث).

فالواسطه بین الکلینی وبین الإمام علیه السلام واسطتین فقط أی واسطه قلیله بینهما وهذه الروایه قد وصلت من الإمام(ع) إلی الکلینی بواسطتین.

قد یقال کما قیل: إن ضم جهه قله الواسطه إلی هذه الروایه الصحیحه یوجب حصول العلم منها فإنها کالروایه القطعیه الصدور من الإمام(ع) وإذا ضممنا إلیها ان کل راوٍ مزکاً بأکثر من عدلین وجلاله قدره ووثاقته معروفه ومتسالمه علیها بین الأصحاب فالروایه تصبح کالروایه القطعیه أی تفید القطع بالواقع فعندئذ یمکن الاستدلال بها علی حجیه خبر الواحد.

ولکن الأمر لیس کذلک فإن هذه الروایات لا تخرج عن خبر الواحد ولیست متواتره وقطعیه لا تواتر لفظی ولا تواتر معنوی ولا اجمالی، وحصول القطع فی مورد ما لشخص ما من هذه الروایه فهو بسبب ذاتی لا بسبب نوعی أی یحصل القطع له لخصوصیه ذاتیه فی هذه الشخص من جهه حسن ظنه وما شاکل ذلک ولا یحصل القطع من هذه الروایه لشخص آخر، فی حین أن الروایه لو کانت قطعیه الصدور فهی قطعیه بالنسبه الی الجمیع لا بالنسبه الی شخص تفید القطع دون شخص آخر، فإنْ أفادت القطع لشخص ما دون آخر فلا محاله یکون مستندا الی خصوصیه ذاتیه لا خصوصیه نوعیه توجب ذلک.

فإذن لا یمکن الاستدلال بهذه الصحیحه وما شاکلها علی حجیه أخبار الآحاد.

هذا من ناحیه.

ومن ناحیه اخری فقد ورد فی هاتین الفقرتین المذکورتین الأمر بالسماع ( فاسمع لهما واطعهما فإنهما الثقتان المأمونان) ولا شبهه فی أن هذا الأمر بالإطاعه والسماع لیس امرا مولویا نفسیا لأنه غیر معقول ولا أمرا غیریا فیدور بین کونه امرا طریقیا او أمرا إرشادیا ولا ثالث لهما.

وذکرنا ان المراد من الأمر الطریقی هو جعل الحکم الطریقی من قبل المولی ولا شأن له غیر الحفاظ علی الأحکام الواقعیه بما لها من الملاکات والمبادئ اللزومیه فی موارد الاشتباه والالتباس وإلا فلا مثوبه علی موافقه الأمر الطریقی ولا عقوبه علی مخالفته.

ص: 46

والأمر الطریقی هذا کوجوب الاحتیاط فی الشبهات الحکمیه قبل الفحص أو الشبهات الحکمیه بعد الفحص عند الإخباریین وفی الشبهات المقرونه بالعلم الاجمالی والغرض من هذه الوجوب الحفاظ علی الأحکام الواقعیه بما لها من المبادئ والملاکات اللزومیه فی موارد الاشتباه والالتباس، وکجعل الحجیه للأمارات فی هذه الموارد.

وعندئذ تدل هذه الروایه علی حجیه أخبار الثقه ولکن فیما إذا کانت وثاقته واقعیه کالعمری وابنه وما شاکلهما ولا یمکن التعدی عن مورد هذه الصحیحه إلی حجیه کل خبر ثقه وإن کانت وثاقته ثابته ظاهرا لا واقعا، فإن التعدی بحاجه إلی قرینه ولا قرینه علی ذلک.

واما إذا کان هذا الأمر أمرا إرشادیا فعندئذ لا تدل هذه الصحیحه علی حجیه أخبار الآحاد بل مفادها الإرشاد إلی حجیه أخبار الثقه فی المرتبه السابقه بالسیره القطعیه من العقلاء الجاریه علی العمل بها الممضاه شرعا فمفاد هذه الصحیحه إرشاد إلی أن حجیه اخبار الثقه ثابته فی الواقع بقطع النظر عن هذه الصحیحه بالسیره القطعیه من العقلاء الممضاه شرعا.

وحینئذ لا یمکن الاستدلال بهذه الصحیحه علی حجیه اخبار الثقه.

ونظیر ذلک صحیحه محمد بن عیسی عن الرضا(ع) وقد ورد فیها (قال: قال : قلت :لا أکاد أصل إلیک أسألک عن کلّ ما أحتاج إلیه من معالم دینی ، أفیونس بن عبد الرحمن ثقه ، آخذ عنه ما أحتاج إلیه من معالم دینی ؟ فقال : نعم) (1)

فإن هذه الصحیحه فی مقام بیان الصغری واما الکبری وهی حجیه أخبار الثقه فهی ثابته فی المرتبه السابقه ببناء العقلاء الممضی شرعا وهذه الصحیحه فی مقام إثبات الصغری فإذا کان یونس بن عبد الرحمن ثقه فأخباره حجه وتنطبق علیه الکبری وهی حجیه أخبار الثقه وحینئذ یکون مفاد هذه الصحیحه الإرشاد إلی حجیه أخبار الثقه وهی فی مقام إثبات الصغری وأما الکبری فهی معلومه ومرتکزه فی الأذهان ولهذا سأل عن وثاقه یونس لا عن حجیه خبره لأن حجیه خبر الثقه أمر مرتکز فی الأذهان.

ص: 47


1- وسائل الشیعه، الحر العاملی، ج27، ص147، باب11 من أبواب صفات القاضی، ح33(آل البیت).

هذا تمام کلامنا فی الاستدلال بالروایات.

وإلی هنا قد تبین أن لا شیء من الآیات المبارکه والروایات التی ادعی دلالتها علی حجیه أخبار الآحاد یدل علی حجیتها.

وبعد ذلک یقع الکلام فی الاجماع.

أدله حجیه خبر الواحد ____ الاجماع بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد ____ الاجماع

کان کلامنا فی أدله حجیه خبر الواحد وقد تقدم الکلام فی الاستدلال بالکتاب والسنه، وقد انتهی کلامنا إلی الاستدلال بالإجماع، فقد یستدل علی حجیه خبر الواحد بالإجماع ونقصد به أعم من الإجماع القولی والإجماع العملی.

أما الإجماع القولی: فإن أرید بالإجماع الإجماع المنقول بخبر الواحد فلا یمکن الاستدلال به علی حجیه خبر الواحد؛ لأنه بمثابه خبر الواحد وقد تقدم أن الاستدلال علی حجیه خبر الواحد بخبر الواحد غیر ممکن لاستلزامه توقف الشیء علی نفسه وعلیّه الشیء لنفسه وهو مستحیل، فالاستدلال علی حجیه خبر الواحد بالإجماع المنقول بخبر الواحد غیر ممکن.

وأما الإجماع المحصّل: بین العلماء من المتقدمین والمتأخرین فلیس بإمکاننا إحراز مثل هذا الإجماع، إذ لو فرضنا ثبوت مثل هذا الإجماع بین المتأخرین سواء فی المسائل الفقهیه أو فی المسائل الأصولیه کحجیه خبر الواحد، فلا طریق لنا إلی إحراز أن هذا الإجماع قد وصل إلی المتأخرین من الفقهاء المتقدین، ولا طریق لنا إلی إحراز موافقه المتقدمین للمتأخرین فی حجیه خبر الواحد، إذ المنقول فی کتب المتأخرین إنما هی فتاوی العلماء المتقدمین والفتوی لا تدل علی أن مدرکها فی المسأله الاجماع؛ لأنه کما یمکن أن یکون مدرک الفتوی الاجماع کذلک یمکن ان یکون مدرکها غیر الاجماع، والمنقول فی کتب المتأخرین هو فتاوی المتقدمین لا إجماعاتهم فمن أجل ذلک لا یمکن إحراز موافقه المتقدمین للمتأخرین فی دعوی الاجماع. کما أن لیس للمتقدمین کتب استدلالیه بین أیدینا حتی نستطیع إحراز استنادهم إلی الإجماع، إما لأنه لیس لکل واحد منهم کتاب استدلالی أو کان ولکنه لم یصل إلینا حتی نرجع إلیه ونحرز انه موافق للإجماع او لیس موافقا له.

ص: 48

وعلیه: فلیس لنا طریق إلی إحراز أن الاجماع الثابت بین المتأخرین قد وصل إلیهم من العلماء المتقدمین فضلا عن وصول هذا الاجماع من زمن الأئمه علیهم السلام إلینا یدا بید وطبقه بعد الطبقه، فلا أثر لهذا الاجماع، لأن الاجماع فی نفسه لا یکون حجه وإنما حجیته من جهه وصوله إلینا من زمن الأئمه(ع) یدا بید وطبقه بعد الطبقه، وقد عرفت أنه لا طریق لنا إلی إحراز ذلک.

فالنتیجه: أن الاجماع الثبات بین المتأخرین لا یمکن إحراز ثبوته بین المتقدمین وانه قد وصل منهم إلینا کذلک، فضلا عن ثبوت هذا الاجماع بین أصحاب الأئمه(ع) ووصوله إلینا یدا بید، ولا فرق فی ذلک بین الاجماع فی المسائل الفقهیه والاجماع فی المسائل الأصولیه کحجیه خبر الواحد.

وأما الاجماع العملی: کعمل الفقهاء المتأخرین جمیعا بأخبار الثقه فأیضا الأمر کذلک، ولکن لا یمکن إحراز موافقه المتقدمین لهم فی ذلک، بل نعلم بمخالفه المتقدمین لهم فی ذلک؛ فإن السید المرتضی وغیره لا یقولون بحجیه اخبار الآحاد وإن کانت من الثقات، فالإجماع العملی غیر ثابت بین العلماء المتأخرین والمتقدمین فضلا عن وصوله من زمن الأئمه(ع) إلینا.

فمن أجل ذلک لا یمکن الاعتماد علی الاجماع فی شیء من المسائل الفقهیه ولا فی المسائل الأصولیه.

ولکن مع ذلک قد یستدل علی حجیه خبر الواحد بعده طرق ووجوه:

الوجه الأول: أن الروایات المتقدمه الوارده بألسنه مختلفه وبعناوین متعدده تدل علی اهتمام الأصحاب وعلماء الطائفه بها فی مقام العمل ومن الواضح أنه من غیر المحتمل أنهم لا یعملون بها إلا إذا کانت قطعیه بالتواتر أو بالقرائن الخارجیه، بل لا شبهه فی أنهم یعملون بالروایات التی یکون رواتها من الثقات فی مقابل عدم عملهم بروایات المجهولین أو بروایات الکذابین والوضاعین، ومن الواضح أن اهتمام الأصحاب وعلماء الطائفه بهذه الروایات فی مقام العمل کاشف عن قیام سیرتهم علی ذلک ووصولها إلینا یدا بید وطبقه بعد الطبقه.

ص: 49

ولکن الجواب عن ذلک: واضح.

أولا: انه لا طریق لنا إلی إحراز وصول هذه السیره من زمن أصحاب الأئمه(ع) إلینا، ولیس بإمکاننا إثبات هذه السیره المتشرعیه بین أصحاب الأئمه وصولها إلینا یدا بید وطبقه بعد الطبقه.

وعلی تقدیر تسلیم ذلک إلا أنه من المحتمل أن اهتمام الأصحاب بالعمل بهذه الروایات وعمل علماء الطائفه بها یکشف عن وجود السیره، ولکن کونها سیره متشرعیه أو سیره عقلائیه فهذا ما لا یمکن کشفه من قیام هذه السیره، إذ لعل هذه السیره امتداد لسیره العقلاء المرتکزه فی أذهانهم من العمل بأخبار الثقات وهذه السیره ممضاه شرعا وبعد الإمضاء تصبح السیره العقلائیه سیره متشرعیه.

فاهتمام الأصحاب بهذه الروایات جمیعا وعمل علماء الطائفه بها لو فرض أنه کاشف عن قیام السیره بین الأصحاب ولکن لا یمکن إحراز أنها سیره متشرعیه مستحدثه من زمن أصحاب الأئمه(ع) من مجرد قیام السیره علی ذلک بین أصحاب الأئمه(ع) لاحتمال أنها سیره العقلاء الجاریه علی العمل بأخبار الثقه الممضاه شرعا، وبعد إمضائها تتولد سیره متشرعیه علی العمل بأخبار الثقه، فعمل الأصحاب بها لا یکون کاشف عن أنها سیره مستحدثه متشرعیه.

الوجه الثانی: أن عمل العلماء بأخبار الثقه فی تمام أبواب الفقه من البدایه إلی النهایه، لا یمکن أن یکون جزافاً، ولا یحتمل أن یکون مدرک هذا العمل الروایات القطعیه الواصله إلیهم، إذ لو کانت هناک روایات قطعیه فی جمیع أبواب الفقه لکانت معروفه وواضحه بینهم ولکانت مدونه فی کتبهم مع أنه لا عین ولا أثر لها.

والجواب عن ذلک: أن هذا الوجه إنما یتم بتمامیه مقدمتین:

المقدمه الأولی: ثبوت أن هناک إجماع بین الأصحاب والفقهاء من المتقدمین والمتأخرین علی العمل بأخبار الثقه فی تمام أبواب الفقه.

ص: 50

المقدمه الثانیه: أن لا یکون لهذا الاجماع مدرک.

ولکن کلتا المقدمتین غیر صحیحه.

أما المقدمه الأولی: فهی غیر تامه من جهه أن جماعه من المتقدمین وبعض المتأخرین لا یرون العمل بأخبار الثقه، وأما الروایات الموجوده فی الکتب الأربعه فهی وإن کانت أخبار آحاد صوره ولکنها قطعیه الصدور ولیست بأخبار آحاد حقیقه.

ومن هنا لا یکون هناک إجماع بین المتقدمین والمتأخرین علی ذلک.

وأما المقدمه الثانیه: فمن المحتمل أن یکون مدرک هذا الاجماع أحد الأدله المتقدمه أو السیره العقلائیه، وحینئذ لا یکون مثله کاشفا عن وجود سیره متشرعه بین أصحاب الأئمه(ع) لأنه محتمل المدرک.

أدله حجیه خبر الواحد _____ السیره بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد _____ السیره

الوجه الثالث: أنّا نعلم وجدانا أن سیره الأصحاب فی زمن الرسول الأکرم(ص) وفی زمن الأئمه(ع) جاریه علی العمل بأخبار الثقه، والنکته فی ذلک أنه لا یمکن لکل فرد الوصول إلی النبی الأکرم(ص) أو إلی أحد من الأئمه الأطهار(ع) وأخذ الوظائف الدینیه منهم مباشره؛ إذ لیس ذلک میسورا لکل فرد من الأصحاب الموجودین فی المدینه المنوره فضلا عمن کان فی البلاد البعیده، وحینئذ یکون بطبیعه الحال جریان سیرتهم علی العمل بأخبار الثقه فی ذلک، وهذه هی سیره المتشرعه الثابته بین أصحاب الأئمه الأطهار(ع) ونحن نعلم بهذه السیره وجدانا.

والجواب عن ذلک: ان هذا الوجه وإن کان صحیحاً ولا شبهه فیه؛ لأن لیس لکل فرد من الأفراد الموجودین فی المدینه المنوره تیسر الوصول إلی النبی الأکرم(ص) أو أحد الأئمه الأطهار(ع) وأخذ معالم الدین والوظائف الدینیه منهم(ع) مباشره ومن هنا جرت سیرتهم علی العمل بأخبار الثقه.

إلا أن هذه السیره لیست سیره متشرعیه حادثه بین أصحاب الأئمه(ع) بل هذه السیره سیره العقلاء الثابته قبل وجود الشرع والشریعه، وبعد وجود الشرع یعمل الناس بحسب ارتکازاتهم بأخبار الثقه من دون الالتفات إلی أن هذا العمل صحیح شرعا أم لا.

ص: 51

نعم سکوت النبی الأکرم(ص) والأئمه(ع) وعدم منعهم عن العمل بهذه السیره إمضاء لها فإذا کانت ممضاه من قبل الشرع فهی سیره شرعیه بعد الإمضاء.

والفرق بین سیره العقلاء وبین سیره المتشرعه أن سیره المتشرعه مستنده إلی الشرع ولیست لها سابقه وأمر مستحدث ومستند إلی وجود الشرع وأما سیره العقلاء فهی مستنده علی المصالح العامه لدی العقلاء المرتکزه فی أذهانهم وموجوده قبل وجود الشرع ولا تکون مستنده إلی الشرع.

هذا هو الفارق بین السیرتین.

وإلی هنا قد تبیّن أنه لا یمکن الاستدلال علی حجیه خبر الواحد بالسیره المتشرعه فإن هذه السیره لا دلیل علی ثبوتها فی زمن الأئمه(ع) والثابت إنما هو سیره العقلاء.

وینتهی الکلام إلی سیره العقلاء.

ولا شبهه فی أن سیره العقلاء جاریه علی العمل بأخبار الثقه فی الأحکام المتشرعه الموجوده بین الموالی والعبید سواء کانوا الموالی من الموالی الحقیقیه أم کانوا من الموالی العرفیه، وحیث أن هذه السیره هی عباره عن عمل العقلاء، ولا یمکن أن یکون عملهم بدون مبرر وسبب ونکته؛ لأن کل إنسان واعی وعاقل لا یمکن ان یعمل تعبدا وجزافاً وبدون سبب وداع ومبرر، فلا محاله یکون کل فاعل صادر من الإنسان الواعی والعاقل ذا سبب وله مبرر ولا یمکن أن یکون تعبدا وجزافاً، إذ التعبد أنما یتصور فی الأحکام الشرعیه بین المولی والعبید، لأن العبد لا بد له من العمل بالأحکام الصادره من الشرع تعبدا أدرک مصلحتها أو لم یدرکها ویعلم ملاکها أو لم یعلم فیجب علیه امتثال أوامر المولی والاجتناب عن نواهیه، فالتعبد إنما یتصور فی الأحکام الشرعیه بین الموالی والعبید واما فی الأفعال الخارجیه التی لا ترتبط بالشرع فلا یمکن صدور عمل من الإنسان الواعی العاقل المختار تعبدا وجزافا بدون أی مبرر، فسیره العقلاء هی عملهم فلا یمکن أن تکون بدون مبرر وسبب ونکته تبرر هذه السیره. هذا من ناحیه.

ص: 52

ومن ناحیه أخری الإنسان بحکم علاقته بالآخرین ____ سواء کانت هذه العلاقه من نوع العلاقه بین الموالی والعبید (الموالی الحقیقه أو من الموالی العرفیه) أم کانت هذه العلاقه من نوع العلاقه بالمجتمع بکافه طبقاته من الطبقات العرضیه والطولیه ____ لا یمکن له العمل بالعلم الوجدانی فی میادین هذه العلاقات وحینئذ لا یکون له إلا العمل بالأمارات الظنیه الکافیه فی إشباع حاجه الإنسان، وهی أخبار الثقه، وأخبار الثقه لا شبهه فی حجیتها فی میادین العلاقات فیما إذا لم یکن المطلوب فیها الوصول إلی الواقع، کما هو الحال فی الأحکام الشرعیه بین المولی والعبید، فإن هَمّ العبد فی هذه الموارد تحصیل الأمن من الإدانه والعقوبه لا الوصول إلی الواقع، فعمله بخر الثقه من حیث أنه حجه سواء طابق الواقع أم کان مخالفا للواقع باعتبار أن عمله به یوجب له الأمن من الإدانه والعقوبه وإن کان مخالفا للواقع.

واما فی موارد علاقته بالمجتمع فیختلف الحال فإن فی هذه الموارد قد لا یکون خبر الثقه حجه والناس لا یعملون به وإنما یعملون بالعلم والاطمئنان فقط کما فی التاجر فإنه لا یتاجر فی شیء إلا بعد حصول الاطمئنان بالنفع وعدم الضرر ولا یکون خبر الثقه حجه إلا إذا أفاد الاطمئنان وحینئذ یکون العمل بالاطمئنان لا بخبر الواحد، لأن معنی حجیه خبر الثقه هو العمل به وإن کان لا یفید الظن بل وأن کان الظن غیر المعتبر علی خلافه فمع ذلک یکون خبر الثقه حجه ومؤمن من الإدانه والعقوبه.

وکذلک فی الأسواق المالیه؛ فالتبادلات والتعاملات فی هذه الأسواق کلها مبنیه علی العلم والاطمئنان ولا یعتمد علی أخبار الثقه بما هی أخبار الثقه إلا إذا أفادت الاطمئنان.

والنتیجه أن أخبار الثقه فی الموضوعات الخارجیه وفی علاقه الإنسان بالمجتمع بتمام أصنافه وطبقاته لا یکون حجه.

ص: 53

نعم هو حجه فی بعض الموارد فی الموضوعات الخارجیه، وقد لا یکون حجه وإنما الحجه هو البینه دون خبر الثقه کما فی الأعراض.

وکیف ما کان فخبر الثقه إنما یکون حجه فی الأحکام الشرعیه التی لا یکون المطلوب فیها الوصول إلی الواقع بل تحصیل الأمن من العقوبه والانقیاد إلی المولی وطاعته، والانقیاد والطاعه یحصلان وإن لم یکن العمل بخبر الثقه مطابق للواقع، وأما فیما کان المطلوب فیه هو الوصول إلی الواقع فقد یکون خبر الثقه حجه وقد لا یکون حجه، والوصول إلی الوقع إما بالعلم الوجدانی أو بالاطمئنان والمفروض أن خبر الثقه لیس علما وجدانیا ولیس اطمئنانا. نعم قد یفید الاطمئنان فعندئذ یکون الاطمئنان هو الحجه لا خبر الثقه.

هذا من ناحیه ثانیه.

ومن ناحیه ثالثه ان کل أماره محفوفه بنقطتین مضعفتین:

النقطه الأولی: احتمال الکذب، أی ان هذه الأماره کاذبه ولیس مطابقه للواقع.

النقطه الثانیه: احتمال الخطأ والاشتباه فی المخبر.

وفی حال کونها من الثقه فتسقط کلتا النقطتین.

أما النقطه الأولی وهی احتمال کذب الأماره فهو مدفوع بوثاقه المخبر، لأن المخبر إذا کان ثقه فهو لا یکذب.

وأما النقطه الثانیه وهو احتمال الاشتباه والخطأ فهو مدفوع بأصل عقلائی، وهو ان کل فعل صادر عن إنسان عاقل ومختار لا یمکن حمله علی أنه صدر اشتباها أو خطأً لأن مقتضی أصاله عدم الخطأ والاشتباه هو عدم خطأه واشتباهه وهو أصل عقلائی ثابت بالسیره العقلائیه الجاریه علی العمل به.

فیکون خبر الثقه حجه من هذه الناحیه لسقوط کلتا النقطتین المضعفتین.

ثم أن سیره العقلاء سیره مرتکزه فی الأذهان وثابته فی أعماق نفس الإنسان لأنه یعمل بخبر الثقه بدون أی تأمل وتوقف علی أی مقدمه خارجیه أو نکته کذلک فإذا علم أن المخبر ثقه فهو یعمل بخبره من دون أی التفات لشیء آخر، وقد ورد فی جمله من الروایات ما یؤکد ذلک ففی الوسائل هکذا: (قال : قلت :لا أکاد أصل إلیک أسألک عن کلّ ما أحتاج إلیه من معالم دینی ، أفیونس بن عبد الرحمن ثقه ، آخذ عنه ما أحتاج إلیه من معالم دینی ؟ فقال : نعم. (1) ( فإنه یدل علی أن حجیه خبر الثقه أمر مفروغ عنه ولهذا یکون السؤال عن وثاقته لا عن حجیه خبره، فهذه الروایات تدل علی أن حجیه خبر الثقه أمر مرتکز بین العقلاء وجاریه بین الناس ومستمره بعد الشرع والشریعه والناس یعملون بها من دون الالتفات إلی أی شیء آخر، فلو کان العمل بخبر الثقه مخالفا للأغراض الشرعیه لکان علی النبی(ص) والأئمه الأطهار(ع) الردع عن ذلک والمنع منه صراحه بل فی کل مناسبه وفی کل اجتماع حتی یذهب هذا الارتکاز من أذهان الناس مع أنه لم یصدر منهم(ع) ردع عن العمل بهذه السیره.

ص: 54


1- وسائل الشیعه، الحر العاملی، ج27، ص147، أبواب صفات القاضی، باب11، ح33، طآل البیت.

أدله حجیه خبر الواحد ______ السیره بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد ______ السیره

إلی هنا قد تبیّن أنه لا شبهه فی أن سیره العقلاء جاریه علی العمل بأخبار الثقه فی الشبهات الحکیمه وکذلک فی الشبهات الموضوعیه.

وأما فی الموضوعات الخارجیه فیختلف الحال فیها. فإن کان المطلوب الوصول إلی المصالح الواقعیه والاجتناب عن المفاسد فلا یکون خبر الثقه بما هو خبر ثقه حجه والعمل فیها إنما هو بالعلم الوجدانی أو بالاطمئنان وهذا یختلف باختلاف الموضوعات.

وینبغی لنا التنبیه علی مجموعه من المقدمات:

المقدمه الأولی: أن سیره المتشرعه تفترق عن سیره العقلاء؛ فإن السیره العقلائیه تبتنی علی أحد ملاکین:

الملاک الأول: أن ما بنی علیه العقلاء وما جرت علیه سیرتهم لا بد أن یکون أمرا مرتکزا فی الأذهان وثابتا فی أعماق النفوس وموافقا للجبلّه والفطره.

الملاک الثانی: المصلحه العامه التی لها دخل فی حفظ النظام الموجود بین الموالی والعبید؛ فإن تلک المصالح ملاک لجریان سیره العقلاء وبناءهم.

وأما سیره المتشرعه فهی مستنده إلی الشرع فقط ومعلوله له ولیس لها ملاک آخر.

المقدمه الثانیه: أن سیره المتشرعه إذا کانت مستحدثه کالسیره بین الفقهاء من المتأخرین والمتقدمین فلیس بإمکاننا إحراز وجود هذه السیره فی زمن المعصومین(ع) وانها وصلت إلینا بطرق قطعیه یدا بید وطبقه بعد طبقه، وإثباتها بحاجه إلی علم الغیب ومن هنا لا تکون هذه السیره حجه. وأما سیره العقلاء إذا کانت مستحدثه وحدثت بعد عصر التشریع کبناء العقلاء علی حق التألیف والطبع والنشر؛ فإنه بناء مستحدث من العقلاء علی حق التألیف والطبع والنشر بعد عصر التشریع فإن فی عصر التشریع لم یکن هناک تألیف وهو یعنی انتفاء الموضوع، والنقطه المهمه هی فی أنه هل بإمکاننا إثبات إمضاء الشارع لهذا البناء أو لا یمکن ذلک؟

ص: 55

ومن الواضح أنه لیس لنا طریق إلی إثبات إمضاء الشارع لهذا البناء وإقراره؛ إذ لا نعلم أن هذا الحق لو کان موجودا فی عهد التشریع لکان ممضیً من قبل الشارع، فإثبات حجیه هذه السیره من العقلاء غیر ممکن.

ومن أجل ذلک قلنا: إن حق الطبع غیر ثابت فی الشریعه المقدسه وکذلک حق النشر فیجوز لکل من یملک کتابا ان یتصرف فیه بما یشاء من البیع والهدیه والطبع والنشر.

فحق الطبع لیس ثابتا ولیس للمؤلف حق المنع عن ذلک وإن کان المعروف بین الفقهاء أن هذا الحق ثابت ببناء العقلاء ولکن حیث أنه مستحدث فلا یمکن إثبات إمضاء هذا البناء إذ لا طریق لنا إلی ذلک.

نعم لو کان هذا الحق من الحقوق المرتکزه فی الأذهان الثابته فی أعماق النفوس والموافقه للجبله والفطره فیمکن إثبات إمضائه واعتراف الشارع بهذا الحق بنحو القضیه الشرطیه أی أن هذا الحق لو کان ثابتا فی عهد التشریع لأمضاه الشارع.

ویستفاد هذا الإمضاء من عدم ردع الشارع عن العمل بهذا الحق، إذ لو کان بناء العقلاء علی هذا الحق منافیاً لأغراض التشریع وخطرا علیها وفیه مفاسد فبطبیعه الحال یقوم الشارع بالردع عنه بنحو القضیه الشرطیه، فیستکشف من عدم ردعه عنه ولو بنحو القضیه الشرطیه عن إمضائه له وإن کان هذا البناء متأخر.

ومثل هذا الأمر الارتکازی لا یختص بزمن دون زمن وبمکان دون مکان وبطائفه دون طائفه أخری، فلا یقاس ذلک بالتقالید والعادات بین الطوائف؛ فإن تقالید کل طائفه غیر تقالید طائفه أخری، وهی تختلف باختلاف الأزمن والأمکنه وباختلاف الطوائف، ومنشأ هذه التقالید خصوصیات الزمان والکان والطوائف وعوامل البیئه،

ولیس کذلک الأمر الارتکازی الثابت فی أعماق نفوس الناس فإنه لا یختلف باختلاف الناس والطوائف والأزمنه والأمکنه، فحجیه خبر الثقه مثلاً أمر مرتکز فی الأذهان فی کل زمان ومکان، فکما أنه مرتکز فی أذهان الناس قبل عهد التشریع فکذلک هو مرتکز فی أذهانهم بعد عهد التشریع.

ص: 56

وأما حق الطبع والنشر فلیس کذلک، فإن بناء العقلاء علی هذا الحق ناشئ من المصلحه الشخصیه المالیه للمؤلف ولیس ناشئا من العوامل الارتکازیه الثابته فی أعماق نفوس الناس.

فمن أجل ذلک لا یمکن إثبات إمضاء هذا البناء. لأنه لو فرضنا وجود هذا البناء فی عهد التشریع لم یمکن لنا إثبات إمضاء الشارع له، فإن هذا الحق متمثل فی التألیف فقط وهو أمر معنوی لا یختلف باختلاف الأزمنه والأمکنه وغیر قابل للنقل والانتقال، وکذلک حق الطبع والنشر، لأن هذه الحقوق ثابته لکل من یملک الکتاب، والإسلام إنما یعترف بملکیه ما هو نتاج عمل الإنسان وتعبه، کما إذا قام شخص بإحیاء أرض، فإن حیاه هذه الأرض نتیجه عمله وتعبه سواء کانت هذه الحیاه متمثله فی البناء أو فی الزراعه أو فی التشجیر وهو انما یملک الحیاه فقط لأنها نتیجه عمله وتعبه وجهده وأما رقبه الأرض فلا یملکها، بل هی ملک للإمام(ع) وإنما یملک ما هو نتیجه عمله وهو حق الحیاه فی هذه الأرض، وکذلک من حاز الثروات الطبیعیه، فهو یملک ما هو نتیجه عمله وهو ما حازه من الثروات الطبیعیه، باعتبار أنه نتیجه عمله وتعبه ولا یعترف الإسلام بملکیه من استولی علی الأراضی الواسعه أو الثروات الطبیعیه الواسعه بالقوه، وإنما یعترف بملکیه ما هو نتیجه عمله وجهده، ومن الواضح أن نتیجه بذل جهد المؤلف وتعبه وهو التألیف فقط وهو أمر معنوی غیر قابل للنقل والانتقال. وأما حق الطبع والنشر فهو لیس نتیجه جهده وعمله وتعبه فمن أجل ذلک لا یکون مالکا لحق الطبع والنشر والتألیف ولیس له حق المنع عن طبع کتابه من شخص آخر إذا کان مالکا للکتاب فله أن یطبعه وینشره.

إلی هنا قد تبین أن مثل حق النشر والطبع والتألیف التی علیها بناء العقلاء فی الزمن المتأخر لیس بإمکاننا إحراز أن هذا البناء ممضیً شرعاً.

ص: 57

فالنتیجه أن حق الطبع والنشر والتألیف غیر ثابت شرعاً

أدله حجیه خبر الواحد ___________ السیره بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد ___________ السیره

المقدمه الثالثه: الفرق بین سیره المتشرعه وسیره العقلاء، إذا کانت السیره موجوده فی عصر التشریع فإن کانت السیره سیره المتشرعه فلا مجال للبحث عن إمضائها وعدم إمضائها وردعها وعدم الردع عنها وإن سیره المتشرعه بنفسها حجه ومستنده إلی الشرع، ولا معنی للبحث عن إمضائها وعدم إمضائها، فإن هذا البحث فیه تهافت وتناقض لأن معنی البحث عن إمضائها انها لیست مستنده إلی الشرع ولیست حجه فی نفسها والمفروض أنها مستنده إلی الشرع بنفسها وحجه.

فمن أجل ذلک لا موضوع لهذا البحث إن کانت السیره الموجوده فی عهد التشریع سیره المتشرعه.

وأما لو کانت السیره الموجوده فی عهد التشریع هی سیره العقلاء فلهذا البحث مجال لأن سیره العقلاء لیست مستنده إلی الشرع بل هی مستنده إلی عوامل أخری کالعوامل الارتکازیه أو المصالح العامه الارتکازیه، فالسیره العقلائیه لیست مستنده إلی الشرع ولیست بنفسها حجه فلهذا یفحص عن ان الشارع ردع عنها ومنع عن العمل بها أو انها لیست بمردوع عنها بل هی ممضاه شرعا، فإذا أمضاها الشارع تحولت من السیره العقلائیه البحته إلی السیره المتشرعیه.

المقدمه الرابعه: أن السیره العقلائیه بما أنها مرتکزه فی الأذهان أی ناشئه من العوامل الارتکازیه فی الأذهان وفی أنفس الناس کالجبله والفطره، ومع فرض کون السیره العقلائیه مخالفه للأغراض التشریعیه ولها خطر علی المصالح الدینیه وفیها مفاسد ففی مثل ذلک لا بد للشارع من الردع عنها، ولا یمکن ردعها ببیان واحد وإصدار نص واحد لأن إزاله هذا الارتکاز عن أنفس الناس وقلع جذوره منهم بحاجه إلی بیانات متعدده والتشدید والتأکید فی کل مناسبه وفی کل اجتماع حتی یمکن إزاله هذا الارتکاز من أنفس الناس وقلع جذوره وإلا فهی باقیه.

ص: 58

فإذن تبدیل هذا الارتکاز بالارتکاز الملائم للمصالح والأغراض الشرعیه بحاجه إلی بیانات متعدده والتأکید علی بیان مفاسد هذا الارتکاز ومدی خطورتها علی الأغراض التشریعیه.

هذا بالنسبه إلی أصل السیره العقلائیه المرتکزه فی الأذهان.

النقطه الخامسه: فی حجیتها فإن حجیه هذه السیره شرعا منوطه بإحراز إمضائها من الشارع، فإذا علمنا أن الشارع أمضی هذه السیره فهی حجه وحینئذ تکون سیره متشرعه بعنوان ثانوی وإن کانت سیره عقلائیه بعنوانها الأولی، فإذا أحرزنا إمضائها وعدم صدور الردع عنها نعلم بانها حجه منجزه للواقع ومعذره لأن هذه السیره حجه وتدل علی حجیه خبر الثقه، وأن خبر الثقه بعد حجیته منجز عند مطابقته للواقع ومعذر عند عدم مطابقته للواقع.

وأما إذا شککنا فی إمضاء هذه السیره فلا یمکن الحکم بحجیتها.

وما عن المحقق الأصفهانی (1) (قده) من أن هذه السیره حجه حتی عند الشک فی الردع عنها وعند الشک فی إمضائها فهو غریب من مثله(قده) فإن الشک فی الإمضاء مساوق للشک فی حجیتها والشک فی الحجه مساوق للقطع بعدم الحجیه الفعلیه وعدم ترتیب آثار الحجیه علیها کما هو الحال فی الأمارات، فإن الشک فی حجیه الأماره أی فی جعل الحجیه لها مساوق للقطع بعدم الحجیه الفعلیه وعدم ترتیب الآثار علیها.

إلی هنا قد تم الکلام فی المرحله الأولی. وهی مرحله حجیه سیره العقلاء والفرق بینها وبین السیره المتشرعیه، وقد تبین أن سیره العقلاء ناشئه من العوامل الارتکازیه والثابته فی أذهان الناس وانفسهم کالجبله والفطره.

وأما الکلام فی المرحله الثانیه فهل الآیات الناهیه عن العمل بالظن کقوله تعالی: (إَنَّ الظَّنَّ لاَ یُغْنِی مِنَ الْحَقِّ شَیْئًا) (2) أو قوله تعالی: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَیْسَ لَکَ بِهِ عِلْمٌ) (3) وما شاکلهما من الآیات والروایات فهل هذه الآیات الناهیه عن العمل بالظن وتدل علی حرمه العمل به تصلح للردع عن هذه السیره أو لا تصلح للردع عنها؟

ص: 59


1- نهایه الدرایه فی شرح الکفایه، المحقق الأصفهانی، ج3، ص248.
2- سوره یونس، آیه36.
3- سوره الأسراء، آیه36.

قد یقال کما قیل: انها تصلح للردع عن هذه السیره، وأنها تدل علی حرمه العمل بالظن ولا شبهه فی أن الظن بإطلاقه یشمل جمیع أخبار الآحاد ومنها خبر الثقه فإن خبر الثقه لیس علما بل هو من أفراد الظن، فتشمله الآیات الناهیه عن العمل بالظن بإطلاقها وعندئذ نشک فی حجیه هذه الأخبار لصلوح هذه الآیات للردع عن هذه السیره، ولا محاله حینئذ من دلاله هذه الآیات علی عدم حجیه اخبار الآحاد مطلقا ومنها أخبار الثقه بالمطابقه، ودلالتها علی الردع عن السیره العقلائیه بالالتزام.

وقد أجیب عن ذلک بوجوه:

الوجه الأول: ما ذکرته مدرسه المحقق النائینی(قده) (1) من أن السیره العقلائیه الجاریه علی العمل بأخبار الثقه حاکمه علی هذه الآیات ومقدمه علی هذه الآیات ولا تصلح هذه الآیات لمعارضه السیره.

وقد أفاد فی وجه ذلک: أن المجعول فی باب الأمارات هو الطریقیه والکاشفیه والعلم التعبدی فالسیره العقلائیه تدل علی أن أخبار الثقه علم غایه الأمر أنها علم تعبدا لا علم وجدانا وأخبار الثقه طریق إلی الواقع وکاشف عن الواقع وعلم بالواقع تعبدا، فإذا کانت أخبار الثقه علم تعبدا فحینئذ تکون هذه السیره رافعه لموضوع هذه الآیات تعبدا وهذا هو معنی الحکومه لأن موضوع هذه الآیات هو الظن أو عدم العلم، والمفروض ان خبر الثقه علم تعبدا وبحکم الشارع.

ومن هنا لا بد من تقدیم السیره علی هذه الآیات ولا تصلح هذه الآیات لردع عن هذه السیره.

والجواب عن ذلک: قد تقدم منّا کثیرا حیث ذکرنا أن هذا المبنی لا یمکن الأخذ به ثبوتا وإثباتا.

أما ثبوتا فلأن الطریقیه التکوینیه غیر قابله للجعل سواء کانت قطعیه ام کانت ظنیه، فطریقیه القطع قطعیه تکوینیه فهی غیر قابله للجعل التشریعی ولا یمکن تکوین الشیء بالتشریع، فإن الجعل عین المجعول فلو أمکن تکوین الشیء بالجعل التشریعی لزم الخلف أی لزم کون الجعل التشریعی جعلا تکوینیا، کما أن الإیجاد عین الوجود فلا اختلاف بینهما إلا بالاعتبار ولهذا لا یعقل تکوین الشیء بالجعل التشریعی، فالجعل التشریعی لا یمکن ان یتعلق بالطریقیه التکوینیه، فالطریقیه التکوینیه ثابته تکوینا بمقتضی عللها وأسبابها ولا یمکن تعلق الجعل التشریعی بها سواء کانت تلک الطریقیه ظنیه أم قطعیه.

ص: 60


1- أجود التقریرات، تقریر بحث المحقق النائینی للسید الخوئی، ج2، ص115.

واما الطریقه الشرعیه فهی وإن کانت قابله للجعل إلا أن معنی الطریقیه الشرعیه هو جعل الآثار من الوجوب أو الحرمه او ما شاکل ذلک لا جعل الطریقیه، فإن جعل الطریقیه لأخبار الثقه مجرد لقلقه لسان ولا یؤثر فی طریقیه أخبار الثقه لا تکوینا کما هو واضح ولا تشریعا نعم یؤثر فی جعل الآثار لهذه الطریقیه التکوینیه.

ومن هنا لا یمکن أن یکون المجعول فی باب الأمارات هو الطریقیه والکاشفیه والعلم التعبدی بل هو مجرد لقلقه لسان ولا یمکن تعلق الجعل التشریعی بالتکوین وإلا لزم الخلف کما تقدم لأن المجعول عین الجعل فالمجعول لو کان أمرا تکوینیا فالمجعول أیضا أمرا تکوینیا، ولا یعقل الاختلاف بینهما کالإیجاد والوجود.

هذا کله بحسب مقام الثبوت.

أدله حجیه خبر الواحد _____ السیره بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد _____ السیره

تحصّل مما ذکرنا أن الطریقیه التکوینیه سواء کانت قطعیه ام کانت ظنیه فهی غیر قابله للجعل الشرعی إذ لا یمکن تکوین شیء بالجعل الشرعی لأن الجعل عین المجعول فلا یمکن ان یکون المجعول أمرا تکوینیا والجعل أمرا اعتباریا، فهذا غیر معقول، فلا یمکن جعل الطریقیه التکوینیه سواء کانت قطعیه أو ظنیه بالجعل التشریعی.

وأما الطریقیه الشرعیه فلیس لها وجود فی الخارج لأنها أمر اعتباری لا واقع موضوعی لها فی الخارج إلا فی عالم الاعتبار کسائر الأحکام الشرعیه، حیث أن الأحکام الشرعیه أمور اعتباریه لا واقع موضوعی لها فی الخارج إلا فی عالم الاعتبار والذهن، فمرجع جعل الطریقیه الشرعیه إلی جعل آثارها من الوجوب أو الحرمه أو نحوهما، ولأجل ذلک تقوم الأمارات مقام القطع الطریقی والقطع الموضوعی فی ترتیب الآثار فإن آثار القطع مترتبه علی الأماره إذا کانت حجه.

ص: 61

هذا فی مقام الثبوت

وأما فی مقام الإثبات فلو سلمنا أن المجعول فی باب الأمارات هو الطریقیه والکاشفیه والعلم التعبدی إلا أنه لا دلیل علی ذلک فی مقام الإثبات فإن الدلیل علی حجیه الأمارات إن کان هو الآیات الکریمه فهی لا تدل علی أکثر من أن الأمارات کأخبار الثقه حجه وأما أن الحجیه بمعنی الطریقیه والکاشفیه او الحجیه بمعنی المنجزیه والمعذریه أو بمعنی جعل الحکم الظاهری المماثل للحکم الواقعی فی صوره المطابقه والمخالف فی صوره عدم المطابقه أو تنزیل الأماره منزله العلم فلا تدل علی شیء من هذه الأقسام وإنما تدل علی الحجیه فقط.

هذا مضافا إلی ما ذکرناه سابقا من أن الآیات الکریمه قاصره عن الدلاله علی حجیه أخبار الآحاد ومنها أخبار الثقه.

وأما الروایات فهی أیضا کذلک فعلی تقدیر دلالتها فإنما تدل علی أن الأمارات حجه کأخبار الثقه ولا تدل علی أن حجیتها بمعنی الطریقیه والکاشفیه أو بمعنی المنجزیه والمعذریه أو بمعنی آخر.

هذا مضافا إلی ما ذکرناه من أن الروایات أیضا قاصره عن الدلاله علی حجیه أخبار الآحاد.

فالعمده هی سیره العقلاء، وهی الدلیل الوحید علی حجیه أخبار الثقه، وهذه السیره قطعیه کما أن إمضائها قطعی ولا شبهه فیه ولهذا تکون مرتکزه فی الأذهان والأنفس وثابته فی أعماق النفوس کالجبله والفطره.

ولکن من الواضح أن سیره العقلاء عباره عن عمل العقلاء بأخبار الثقه والعمل مجمل لا لسان له فلا یدل إلا علی حجیه السیره ولا تدل السیره علی أن المجعول فی باب الأمارات هو الطریقیه فإن لسان السیره لیس لسان الجعل؛ لأنه لا لسان لها، وهی إنما تدل علی أن خبر الثقه منجز إذا کان مطابقا للواقع ومعذر إذا کان مخالفا للواقع، ولا تدل علی أکثر من ذلک.

ص: 62

فلو سلمنا ان المجعول فی باب الأمارات هو الطریقیه والکاشفیه وأنه أمر ممکن ثبوتا ولکن لا دلیل علی ذلک فی مقام الإثبات، إذ عمده الدلیل علی حجیه اخبار الثقه سیره العقلاء وهی لا تدل علی الجعل أصلاً وإنما تدل علی وجوب العمل بأخبار الثقه وأنها منجزه عند المطابقه ومعذره عند عدم المطابقه.

هذا أولاً.

وثانیاً: مع الإغماض عن ذلک وتسلیم أن المجعول فی باب الأمارات هو الطریقیه والکاشفیه ولکن مع ذلک لا تکون السیره حاکمه علی الآیات الناهیه فإن حکومه السیره علی الآیات الناهیه مبنیه علی أن یکون مفاد الآیات الناهیه الحرمه التکلیفیه المولویه بأن یکون مفادها حرمه العمل بالظن حرمه تکلیفیه مولویه، والنهی عن العمل بالظن نهی مولوی تکلیفی.

وعلی هذا تصلح أن تکون السیره حاکمه علی هذه الآیات المبارکه فإن الآیات المبارکه تدل علی حرمه العمل بالظن بنحو القضیه الحقیقیه، ومن الواضح أن القضیه الحقیقیه ترجع إلی قضیه شرطیه مقدمها وجود الموضوع وتالیها وجود المحمول وهو الجزاء.

فالآیه تدل علی حرمه العمل بشیء علی تقدیر کونه ظنا کما هو الحال فی سائر الأحکام الشرعیه، فالصلاه واجبه علی المکلف علی تقدیر کونه بالغا او عاقلا أو قادرا والحج واجب علی المکلف البالغ العاقل القادر علی تقدیر کونه مستطیعا فالاستطاعه بمثابه الجزاء، ومن الواضح ان القضیه الحقیقیه مفادها إثبات الحکم لموضوعها علی تقدیر ثبوت موضوعها فی الخارج وأما أن هذا التقدیر ثابت أو غیر ثابت فالقضیه لا تدل علی ذلک فإن قوله تعالی: ( لله علی الناس حج البیت ) مفاده مفاد القضیه الحقیقیه وتدل علی وجوب الحج علی المکلف البالغ العاقل القادر علی تقدیر کونه مستطیعا واما ان هذا التقدیر ثابت موجود فی الخارج أو لا فالقضیه لا تدل علی ذلک، وإنما تدل علی وجوب الحج علی تقدیر کونه مستطیعا وأما أن هذا التقدیر ثابت أو لیس بثابت فهی لا تدل علی ذلک.

ص: 63

وعلی هذا فالسیره حاکمه علی هذه الآیات الناهیه فإن هذه الآیات تدل علی حرمه العمل بشیء علی تقدیر کونه ظنا أو غیر علم، وأما أن هذا التقدیر ثابت أو غیر ثابت فالقضیه لا تدل علی ذلک فإن القضیه الشرطیه تدل علی ثبوت حکمها لموضوعها علی فرض وجود موضوعها فی الخارج ولا تدل علی ثبوت موضوعها فی الخارج أو عدم ثبوته.

وعلی هذا فالآیات الناهیه تدل علی حرمه العمل بشیء علی تقدیر کونه ظنا والسیره العقلائیه تدل علی أن خبر الثقه لیس بظن بل هو علم، فتکون السیره رافعه لموضوع هذه الآیات الناهیه فإن الدلیل الحاکم رافع لموضوع الدلیل المحکوم تعبدا أو یوسع موضوع الدلیل المحکوم تعبدا کقوله(ع): (لا تشربه فإنه خمر مجهول) (1) فإنه موسع لدائره الخمر والمفروض أن الدلیل المحکوم لا یدل علی ثبوت موضوعه حتی یکون منافیا للدلیل الحاکم بل الدلیل المحکوم ساکت عن ثبوت موضوعه وعدم ثبوته واما دلیل الحاکم فهو ینفی ثبوت موضوعه فی الخارج.

وعلی هذا تکون حکومه السیره علی الآیات الناهیه مبنیه علی أن یکون مفادها الحکم التکلیفی المولوی.

ولکن الأمر لیس کذلک فإن مفاد الآیات الناهیه الإرشاد إلی عدم حجیه الظن وان الظن لیس بحجه لأن ما لا یکون علما فهو لیس بحجه سواء کان الظن متمثلا فی خبر الثقه أو فی غیره باعتبار أن خبر الثقه ظن ولیس بقطع.

وأما السیره فتدل علی أن خبر الثقه حجه رغم أنه ظن فتقع المعارضه بینهما ، لأن الآیات الکریمه تنفی حجیه خبر الثقه باعتبار أنه من أفراد الظن والسیره العقلائیه تثبت حجیه خبر الثقه فالتعارض بینهما بالتناقض وبالنفی والإثبات فتقع المعارضه بینهما فلا تصلح السیره لأن تکون حاکمه علی الآیات الناهیه.

ص: 64


1- وسائل الشیعه، الشیخ الحر العاملی، ج3، ص469، أبواب النجاسات، باب38 نجاسه الخمر والنبیذ، ح5، ط آل البیت.

وثالثا: مع الإغماض عن ذلک أیضا وتسلیم ان مفاد الآیه المبارکه الحرمه التکلیفیه المولویه، ولکن هذه الحرمه حرمه تشریعیه ولیست حرمه ذاتیه کحرمه شرب الخمر وما شاکلها، فحرمه العمل بالظن حرمه تشریعیه ومرجع هذه الحرمه إلی أن الاستناد إلی الظن فی مقام العمل الخارجی أو فی مقام الفتوی غیر جائز فهو تشریع ومحرم، وکذلک إسناد مؤداه إلی الشارع تشریع ومحرم وهذه الحرمه حرمه تشریعیه لا حرمه ذاتیه والحرمه التشریعیه تکشف عن أن الظن لیس بحجه فی المرتبه السابقه إذ لو کان الظن حجه جاز الاستناد إلیه فی مقام العمل الخارجی أو الافتاء وجاز إسناد مؤداه إلی الشارع سواء کان الوجوب أو الحرمه فحرمه التشریع تکشف عن عدم حجیه الظن فی المرتبه السابقه.

وعلی هذا فالآیات الکریمه تدل بالمطابقه علی حرمه العمل بالظن تشریعا وبالالتزام علی عدم حجیه الظن فتقع المعارضه بین المدلول الالتزامی للآیات المبارکه وبین المدلول المطابقی للسیره.

فلا تصلح السیره أن تکون حاکمه علی الآیات.

إلی هنا قد تبین أن السیره لا تصلح أن تکون حاکمه علی الآیات.

أدله حجیه خبر الواحد ______ السیره العقلائیه بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد ______ السیره العقلائیه

کان کلامنا فی الاستدلال بالسیره العقلائیه علی حجیه خبر الثقه وظواهر الالفاظ فإنه لا شبهه فی أن السیره العقلائیه قد جرت علی العمل بأخبار الثقه، کما أنه لا شبهه فی أنها ممضاه شرعها فإن هذه السیره قد أصبحت مرتکزه فی أذهان الناس وثابته فی أعماق نفسوهم ویعملون علی طبقها بطبیعتهم بدون أدنی منبه وتذکیر فإن الناس فی صدر الإسلام یعملون بأخبار الثقه بدون ان یلتفتوا إلی احتمال أن السیره مردوعه من قبل الشارع فإنهم یعملون علی طبق ارتکازهم طبعا بدون أدنی منبه فلو کانت هذه السیره مخالفه للأغراض التشریعیه وفیها مفاسد فبطبیعه الحال کان علی الشارع أن یردع عنها ویمنع عن العمل بها وبیان مفاسدها. فسکوت الشارع عن ذلک وعدم صدور الردع کاشف عن أنها لم تکن مخالفه للأغراض التشریعیه ولم یکن فی العمل بها مفاسد، فیکون سکوت الشارع کاشف قطعی عن إمضاء هذه السیره.

ص: 65

ولکن قد یقال کما قیل إن هذه السیره مردوعه بالآیات الناهیه عن العمل بالظن کقوله تعالی: (إَنَّ الظَّنَّ لاَ یُغْنِی مِنَ الْحَقِّ شَیْئًا) (1) وهکذا سائر الآیات الناهیه عن العمل بالظن فهی بإطلاقها تشمل أخبار الثقه أیضا لأنها أخبار ظنیه ولیست بقطعیه والعمل بها عمل بالظن، فیکون العمل بها مشمول للآیات الناهیه عن العمل بالظن وهذه الآیات تصلح أن تکون رادعه عن العمل بهذه السیره.

وقد أجیب عن ذلک بوجوه:

الوجه الأول: ما ذکرته (2) مدرسه المحقق النائینی(قده) من أن سیره العقلاء حاکمه علی الآیات الناهیه، لأن هذه السیره تدل علی أن المجعول فی باب الأمارات هو طریقیه أخبار الثقه أی أن أخبار الثقه علم تعبدا، فالعمل بأخبار الثقه لیس عملا بالظن بل هو عمل بالعلم فمن أجل ذلک تکون السیره حاکمه علی الآیات الناهیه ورافعه لموضوعها تعبدا.

ولکن ذکرنا أنه لا جعل ولا مجعول فی باب الأمارات، والسیره العقلائیه لا تدل علی الجعل فإن السیره عباره عن عمل خارجی للعقلاء بأخبار الثقه ولا لسان للعمل لا لسان الجعل ولا لسان التنزیل.

ومع الإغماض عن ذلک فجعل الطریقه والعلم التعبدی لأخبار الثقه لا یمکن ثبوتا؛ لأنه إن أرید بالطریقیه المجعوله الطریقیه التکوینیه فجعلها غیر معقول لأن الجعل الشرعی الاعتباری لا یعقل أن یتعلق بالطریقیه التکوینیه لأن الجعل عین المجعول فالمجعول إذا کان أمرا تکوینیا فالجعل لا بد أن یکون امرا تکوینیا ولا یعقل أن یکون الجعل أمرا اعتباریا والمجعول أمرا تکوینیا، ففی الإیجاد والوجود لا یعقل أن یکون الإیجاد أمرا اعتباریا والوجود أمر تکوینی مع أن الإیجاد عین الوجود فی الخارج ولا اختلاف بینهما إلا بالاعتبار. هذا بحسب مقام الثبوت.

ص: 66


1- سوره یونس، آیه36.
2- أجود التقریرات، تقریر بحث المحقق النائینی للسید الخوئی، ج2، ص115.

وأما فی مقام الإثبات فلا دلیل علی أن المجعول فی باب الأمارات هو الطریقیه فإن عمده الدلیل علی حجیه الأمارات کأخبار الثقه وظواهر الالفاظ السیره القطعیه من العقلاء والسیره عباره عن عمل العقلاء والعمل لا یدل علی جعل شیء، فالسیره العقلائیه لا تدل علی أن المجعول فی باب الأمارات هو الطریقیه والکاشفیه والعلم التعبدی.

ومع الإغماض عن ذلک وتسلیم ان المجعول فی باب الأمارات هو الطریقیه والکاشفیه مع ذلک لا تکون السیره حاکمه علی الآیات الناهیه، لأن حکومه السیره علیها مبنیه علی أن یکون مفاد الآیات الناهیه حرمه العمل بالظن حرمه تکلیفیه مولویه، إلا أن مفاد الآیات لیس الحرمه التکلیفیه المولویه، بل مفادها إرشاد إلی أن الظن لیس بحجه فالأمارات الظنیه لیست بحجه، فتقع المعارضه حینئذ بین الآیات الناهیه وبین السیره العقلائیه، فالسیره تدل علی حجیه أخبار الثقه بمعنی الطریقیه والآیات الناهیه تدل علی نفی الحجیه عن الظن وبإطلاقها تشمل أخبار الثقه أیضا.

فالظن لا یکون حجه بأی معنی کان سواء کان معنی الحجیه الطریقیه والکاشفیه أو معنی الحجیه المنجزیه والمعذریه أو معنی الحجیه جعل الحکم المماثل أو معنی الحجیه تنزیل الأمارات منزله العلم الوجدانی فالآیه تنفی حجیه الظن بأی معنی کان للحجیه، وحینئذ تقع المعارضه بین سیره العقلاء وبین الآیات الناهیه فإن السیره تدل علی حجیه الأمارات کأخبار الثقه والآیات المبارکه تدل علی نفی حجیتها فإذن لا حکومه فی البین.

ومع الإغماض عن ذلک ایضا فإن مفاد الآیات المبارکه وإن کان الحرمه التکلیفیه إلا أنها حرمه تشریعیه ولیس بحرمه ذاتیه أی حرمه مستنده إلی التشریع ولیست مستنده إلی المفاسد الذاتیه، فالآیات تدل بالمطابقه علی حرمه العمل بالظن تشریعا وبالالتزام علی عدم حجیه الظن، فتقع المعارضه بین المدلول الالتزامی للآیات الناهیه والمدلول المطابقی للسیره العقلائیه.

ص: 67

فالنتیجه ان ما ذکرته مدرسه المحقق النائینی ومنهم السید الاستاذ(قده) من الحکومه لا وجه له وأن السیره لا تصلح أن تکون حاکمه علی الآیات الناهیه.

هذا من جانب.

ومن جانب آخر: أن هنا إشکالا آخر وهو أن السیره العقلائیه لا تصلح أن تکون حاکمه علی الآیات الناهیه إذ معنی الحکومه ان الدلیل الحاکم یتصرف فی مدلول الدلیل المحکوم سعه او ضیقا حیث أن الدلیل الحاکم ناظر إلی مدلول الدلیل المحکوم سعه کقولنا: الطواف فی البیت صلاه، والفقاع خمر استصغره الناس وما شاکل ذلک، أو إلی نفی الموضوع کقولنا لا ربا بین الوالد والولد، ولا ضرر ولا ضرار فی الإسلام وما شاکلهما، فالدلیل الحکام ناظر إلی مدلول الدلیل المحکوم سعه أو ضیقا.

والمعتبر فی الحکومه أن یکون الدلیل الحاکم والدلیل المحکوم صادرین من متکلم واحد أو ما کان بحکم المتکلم الواحد واما إذا کان الدلیل الحکام صادرا من متکلم ودلیل المحکوم صادر من متکلم آخر فلا معنی للحکومه بینهما.

وبکلمه أن المعتبر فی شرائط التعارض بین الدلیلین ____ سواء کان التعارض مستقرا أم کان غیر مستقر کما فی موارد الجمع الدلالی العرفی بین العام والخاص او المطلق والمقید وبین الظاهر والأظهر أو الظاهر والنص وبین الحاکم والمحکوم وبهذا لجمع یرتفع التعارض بینهما _____ أن یکون الدلیلان المتعارضان صادرین من متکلم واحد أو ما کان بحکم متکلم واحد فعندئذ یقع التعارض بینهما تاره بنحو التعارض المستقر وتاره بنحو غیر المستقر.

واما إذا صدر العام من متکلم والخاص من متکلم أخر فلا ارتباط بینهما حتی یحمل العام علی الخاص، او صدر ما دل علی وجوب شیء من متکلم وصدر ما دل علی إباحه ذلک الشیء من متکلم آخر فلا معنی للتعارض بینهما لأن مقصود المتکلم الأول الوجوب ومراد المتکلم الثانی الإباحه فلا تنافی بینهما.

ص: 68

وحدیث الأمه الأطهار مع النبی الأکرم(ص) بمثابه المتکلم الواحد بالنسبه إلی الشریعه المقدسه، فإن جمیعهم یخبرون عن الشریعه الواحده ولهذا یقع التعارض بین ما صدر من الإمام الباقر(ع) وما صدر عن الصادق(ع) فإنهما بمثابه متکلم واحد وکلاهما یخبر عن الشریعه الواحده فلأجل ذلک یقع التعارض بینهما إما بنحو المستقر أو بنحو غیر المستقر، کما إذا صدر من أحدهما عام وصدر من الآخر خاص فإنه یحمل العام علی الخاص فیجعل الخاص قرینه علی تخصیص العام.

وفی المقام حیث أن السیره من العقلاء والآیات من الشارع فلا ارتباط بینهما حتی تکون السیره حاکمه علی الآیات الناهیه وتتصرف فی مدلولها سعه وضیقا نعم لو أمضی الشارع هذه السیره فتصبح هذه السیره دلیلا شرعیا بعد الإمضاء فعندئذ تصلح أن تکون حاکمه وتعارض الآیات ولکن الکلام إنما هو فی إمضاء هذه السیره فمع وجود هذه الآیات لم نحرز إمضاء هذه السیره لاحتمال أن هذه الآیات تکون رادعه عن العمل بالسیره والسیره لا نحرز إمضائها وحینئذ نشک فی حجیه الأمارات کأخبار الثقه والشک فی الحجیه مساوق للقطع بعدمها فعلا أی عدم ترتیب آثار الحجیه علیها قطعا، لأن الآثار المترتبه علی حجیه شیء هی الاستناد إلی الحجه فی مقام العمل الخارجی او فی مقام الإفتاء وإسناد مؤداها علی الشارع، فالشک فی إمضاء السیره یوجب الشک فی حجیه الأمارات کأخبار الثقه وهو مساوق للقطع بعدمها.

هکذا قیل ولکن للمناقشه فیه مجال.

أدله حجیه خبر الواحد – السیره العقلائیه بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – السیره العقلائیه

إلی هنا قد تبین أن التعارض بین الدلیلین وکذلک الجمع الدلالی العرفی بین الدلیلین کحمل العام علی الخاص والمطلق علی المقید والظاهر علی الأظهر والمحکوم علی الحاکم جمیع هذه الموارد مشروط بأن یکون کلا الدلیلین صادرا من متکلم واحد أو ما هو بمنزله المتکلم الواحد کالأئمه الأطهار فإنهم جمیعا یخبرون عن الشریعه الواحده فهم بمثابه متکلم واحد، ولهذا یقع التعارض بین ما صدر من إمام وما صدر من إمام آخر، وقد یمکن الجمع الدلالی العرفی بینهما.

ص: 69

وعلی هذا فالسیره العقلائیه سیره صادره من العقلاء وهی عمل العقلاء بأخبار الثقه والآیات دلیل شرعی صادر من الشارع المقدس فلا ارتباط بینهما حتی تقع المعارضه بینهما أو کان أحدهما حاکما علی الآخر فلا صله بین السیره التی هی من العقلاء لا من الشارع وبین الآیات الناهیه عن العمل بالظن التی صدرت من الشارع.

نعم لو أمضی الشارع السیره فحینئذ تصبح السیره دلیلا شرعیا فیمکن أن تقع المعارضه بینها وبین الآیات الناهیه، ویمکن الجمع الدلالی العرفی بحکومه السیره علی الآیات الناهیه.

ولکن هذا بحاجه إلی أحراز إمضاء الشارع للسیره ومع وجود هذه الآیات الناهیه عن العمل بالظن فلا یمکن إحراز إمضائها وحینئذ تکون حجیه السیره مشکوکه والشک فی الحجیه مساوق للقطع بعدمها، أی عدم ترتیب آثار الحجیه علیها، والمهم منها اثنان:

احدهما: الاستناد إلیها فی مقام العمل الخارجی.

والآخر: إسناد مؤداها إلی الشارع.

فإذا لم یترتب علی هذا الشیء هذان الأثران فلا یکون حجه أی أن حجیه الشیء مساوقه لترتیب هذین الشیئین علیه.

هذا والصحیح فی المقام ان یقال: إنه لا یمکن أن تکون هذه الآیات الکریمه بعموماتها وإطلاقاتها رادعه عن السیره، وذلک لأمرین:

الأول: أن السیره قطعیه، لأنها عباره عن عمل العقلاء بأخبار الثقه وهی أمر محسوس ومشاهد وقطعی بل هو ضروری وکذلک إمضاء هذه السیره من قبل الشارع ضروری وقطعی وأما الآیات المبارکه فهی وإن کانت قطعیه سندا إلا أنها ظنیه دلاله، فلا یمکن ان تقاوم السیره القطعیه لأن الدلیل الظنی لا یمکن ان یقاوم الدلیل القطعی فالسیره دلیل قطعی فلا بد من العمل به ولا یمکن رفع الید عنها بواسطه دلاله هذه الآیات الکریمه لأن دلاله الآیات ظنیه.

فمن أجل ذلک لا بد من تقدیم السیره علی هذه الآیات، ومن هنا کان الناس یعملون بالسیره فی مرأی ومسمع من هذه الآیات الکریمه أی هم یعملون بأخبار الثقه ارتکازا وطبعا بدون ادنی منبه ومن دون أی احتمال لأن تصلح هذه الآیات أن تکون رادعه عن هذه السیره.

ص: 70

فالنتیجه ان الدلیل الظنی لا یمکن ان یقاوم الدلیل القطعی.

الثانی: أن هذه السیره مرتکزه فی أذهان الناس وثابته فی أعماق نفوسهم کالفطره والجبله فلهذا یعمل الناس بها بطبعهم بدون أدنی منبه وتذکیر، ولذلک لا یمکن ان تکون هذه الآیات بعموماتها وإطلاقاتها رادعه عن هذه السیره، فلو کانت هذه السیره مخالفه للأغراض التشریعیه وفیها مفاسد فلا بد من التصریح بالردع عن هذه السیره فی کل مناسبه وفی کل مجلس وفی کل مورد حتی یمکن قلع جذور هذه السیره عن أنفس الناس وما دامت جذورها موجوده فی النفوس وهم یعملون بها رغم وجود هذه الآیات الکریمه ولا یلتفتون إلی هذه الآیات، فالردع عن هذه السیره لا یمکن ان یکون من خلال خبر الواحد أو بدلاله الآیات الظنیه بل لا بد من بیان مفاسدها مکررا وبأدنی مناسبه وفی کل مجلس ومورد حتی یتمکن من قلع جذورها عن أنفس الناس، فمن أجل ذلک لا یمکن أن تکون هذه الآیات رادعه عن هذه السیره.

فالنتیجه: ان ما ذکره المحقق النائینی(قده) وکذلک غیره من أن السیره العقلائیه حاکمه علی هذه الآیات الکریمه لا وجه له أصلا.

الوجه الثانی من وجوه الأجوبه: ما ذکره المحقق الخراسانی(قده) (1) من انه یستحیل رادعیه هذه الآیات بعموماتها لأنها دوریه، حیث أن رادعیه هذه الآیات بعموماتها تتوقف علی عدم مخصصیه السیره لها فی الواقع باعتبار أن السیره أخص من عمومات هذه الآیات الناهیه فإن السیره مختصه بأخبار الثقه وأما الآیات الناهیه فهی تعم جمیع الظنون، وعدم مخصصیه السیره لها فی الواقع یتوقف علی رادعیه هذه الآیات الناهیه، وحینئذ تتوقف رادعیتها علی رادعیتها، وهذا من توقف الشیء علی نفسه، ومرجع توقف الشیء علی نفسه إلی علیه الشیء لنفسه وهی مستحیله، فمن أجل ذلک یکون الدور مستحیلا.

ص: 71


1- کفایه الاصول، المحقق الآخوند، ج1، ص303.

ورادعیه هذه الآیات عن العمل بالظن بعموماتها مستحیله.

ثم أورد علی نفسه أن مخصصیه هذه السیره لعمومات هذه الآیات الناهیه تتوقف علی عدم رادعیتها لها فی الواقع إذ لو کانت هذه الآیات رادعه عن السیره فلا تصلح ان تکون السیره مخصصه لعموماتها، فمخصصیه السیره لعمومات هذه الآیات الناهیه تتوقف علی عدم رادعیه هذه الآیات الناهیه للسیره فی الواقع وعدم رادعیتها للسیره فی الواقع یتوقف علی مخصصیه هذه السیره لها أی لعمومات هذه الآیات فیلزم توقف مخصصیه هذه السیره علی مخصصیتها، وهذا من توقف الشیء علی نفسه ومآله إلی علیه الشیء لنفسه وهی مستحیله.

وما ذکره(قده) غریب جدا؛ فإن لازم ذلک أن استحاله رادعیه هذه الآیات الناهیه بعموماتها عن السیره فی الواقع تستلزم ضروریه المخصصیه کما أن استحاله مخصصیه السیره لعمومات هذه الآیات تستلزم ضروره رادعیتها فکیف یعقل ان تکون رادعیتها مستحیله ومخصصیه السیره أیضا مستحیله فکیف یمکن الجمع بینهما.

فلأجل ذلک هذا الإشکال الثانی فی نفسه غریب.

ثم أجاب(قده) عن هذا الإشکال ببیان ان مخصصیه السیره لعمومات الآیات الناهیه عن العمل بالظن لا تتوقف علی عدم رادعیتها عن السیره فی الواقع بل یکفی فی مخصصیه السیره عدم العلم برادعیتها وعدم العلم لا یتوقف علی شیء لأن العلم بحاجه إلی سبب واما الجهل فلا یحتاج إلی سبب، فإذا لم یوجد سبب العلم فعدم العلم بالذات موجود من الأزل.

فإذن مخصصیه السیره لعمومات الآیات لا تتوقف علی عدم رادعیه هذه الآیات الناهیه عن السیره فی الواقع بل یکفی فی مخصصیه السیره لعمومات هذه الآیات عدم العلم بالردع وعدم ثبوت الردع فلا دور فی المقام. فإن ما یتوقف علیه مخصصیه السیره غیر ما یتوقف علیه رادعیه هذه الآیات الناهیه عن العلم بالظن بعموماتها فإن ما یتوقف علیه مخصصیه السیره لعمومات هذه اللآیات هو عدم العلم بالرادعیه لهذه الآیات، وأما رادعیه هذه الآیات فهی تتوقف علی عدم مخصصیه السیره لها فی الواقع، فمکا یتوقف علیه رادعیه هذه الآیات غیر ما یتوقف علیه مخصصیه هذه السیره.

ص: 72

وبتعبیر آخر ما ذکره(قده) من الجواب جواب عن الدور الثانی لا جواب عن الدور الأول، فالدور الثانی هو ان مخصصیه السیره لعمومات هذه الآیات الناهیه تتوقف علی عدم کونها رادعه عنها فی الواقع، وعدم کونها رادعه عنها فی الواقع یتوقف علی مخصصیتها فیلزم الدور وتوقف مخصصیتها علی مخصصیتها وهو من توقف الشیء علی نفسه ومآله إلی علیه الشیء لنفسه وهو مستحیل فما ذکره جواب عن هذا الدور باعتبار ان مخصصیه السیره لا تتوقف علی عدم رادعیه هذه الآیات الناهیه بعموماتها عن السیره فی الواقع بل یکفی فی مخصصیه هذه السیره عدم العلم بکونها رادعه، وعدم العلم لا یتوقف علی شیء حتی یلزم الدور.

فإذن هذا الجواب جواب عن الدور الثانی لا عن الدور الأول.

وهذا الجواب غریب جدا من مثله(قده).

فإن مخصصیه السیره تتوقف علی حجیتها بان تکون هذه السیره حجه حتی تکون مخصصه وحجیتها تتوقف علی إحراز إمضائها وإلا فالسیره فی نفسها لا تکون حجه بدون الإمضاء من الشارع، ومع احتمال أن الآیات الناهیه تکون رادعه عن هذه السیره لم نحرز إمضائها فإن مخصصیه السیره تتوقف علی عدم العلم بکون هذه الآیات رادعه ولکن احتمال انها رادعه موجود، ومع هذا الاحتمال لا یمکن إحراز أمضاء هذه السیره والعلم بالإمضاء ومع عدم إحراز إمضاء هذه السیره لم نحرز حجیتها، وحینئذ تکون حجیتها مشکوکه ومحتمله ولا علم بحجیتها والشک فی الحجیه کما ذکرنا مساوق لعدم حجیتها فعلا لعدم ترتیب آثار الحجیه علیها.

فإذن ما ذکره(قده) من الجواب غریب جدا فإن مخصصیه السیره لا تتوقف إلا علی عدم العلم بکون هذه الآیات رادعه ولکن احتمال انها رادعه فی الواقع موجود ومع هذا الاحتمال لم نحرز الإمضاء ومع عدم إحراز الإمضاء لا علم بحجیتها فتکون حجیتها مشکوکه وهو مساوق للقطع بعدمها.

ص: 73

فمن أجل ذللک ما ذکره(قده) غریب جدا وسیاتی تفسیر ذلک.

أدله حجیه خبر الواحد – السیره العقلائیه بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – السیره العقلائیه

تحصل مما ذکرنا أن ما ذکره صاحب الکفایه(قده) من ان مخصصیه السیره لعموم الآیات الناهیه عن العمل بالظن لا یتوقف علی عدم رادعیتها عن السیره فی الواقع بل یکفی فی مخصصیتها عدم ثبوت الردع.

وقد ذکرنا أن هذا غریب من مثله(قده) فإن مخصصیه السیره متوقفه علی حجیتها وإحراز حجیتها متوقف علی إحراز إمضائها ومع الشک فی الإمضاء یشک فی حجیه السیره والشک فی حجیه السیره مساوق للقطع بعدمها أی بعدم ترتیب آثارها علیها فکیف یکفی فی مخصصیه السیره عدم ثبوت الردع عنها فإن احتمال وجود الردع فی الواقع مانع عن إحراز إمضاء الشارع لها ومع عدم إحراز إمضاء الشارع لها لم یحرز حجیتها، فتکون حجیها مشکوکه والشک فی الحجیه مساوق للقطع بعدمها فما ذکره(قده) لا یمکن المساعده علیه.

والصحیح هو ما ذکرناه من أن الآیات المبارکه بعموماتها لا تصلح أن تقاوم السیره لأن السیره دلیل قطعی وإمضائها قطعی والآیات المبارکه بعموماتها دلیل ظنی ومن الواضح أن الدلیل الظنی لا یمکن ان یعارض الدلیل القطعی فالدلیل القطعی متقدم علیه.

وقد أورد (1) السید الاستاذ(قده) علی صاحب الکفایه:

أولا: کما یکفی فی مخصصیه السیره لعمومات الآیات الناهیه عدم ثبوت الردع عنها کذلک یکفی فی رادعیه الآیات الناهیه بعموماتها عن السیره عدم ثبوت مخصصیتها ولا یتوقف علی ثبوت عدم مخصصیه السیره بل یکفی فی رادعیه الآیات الناهیه بعموماتها عدم ثبوت التخصیص فإن العام یکون حجه طالما لم یعلم بالتخصیص أی عدم العلم بوجود المخصص أو عدم العلم بوجود التخصیص. فلا وجه لتخصیص الجواب عن الدور فی مخصصیه السیره؛ فإن هذا الجواب کما یجری فی مخصصیه السیره کذلک یجری فی رداعیه الآیات الناهیه بعموماتها.

ص: 74


1- مصباح الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید محمد الواعظ الحسینی، ج2، ص198.

وثانیا: أن الأمر بالعکس فإن مخصصیه السیره تتوقف علی حجیتها وحجیه السیره تتوقف علی إحراز إمضائها والعلم به ومع الشک فی الإمضاء أو مع الشک فی رادعیه الآیات الناهیه عن السیره فی الواقع واحتمال انها رادعه فی الواقع لم نحرز إمضاء السیره ومع عدم إحراز إمضاء السیره لم نحرز حجیتها فتکون حجیتها مشکوکه والشک فی الحجیه مساوق للقطع بعدمها. واما رادعیه الآیات الناهیه بعموماتها فلا تتوقف علی ثبوت عدم المخصص فی الواقع بل یکفی فی رادعیه الآیات الناهیه بعموماتها عدم ثبوت التخصیص فإن العام حجه فی عمومه ما لم یثبت التخصیص أو یثبت المخصص ولا مانع من التمسک بعموم العام طالما لم یعلم بوجود التخصیص.

فالآیات الناهیه بعموماتها حجه طالما لم یعلم المخصص ویکفی فی رادعیتها بعموماتها عدم ثبوت التخصیص ولا تتوقف علی ثبوت عدم التخصیص، فالأمر عکس ما ذکره المحقق صاحب الکفایه(قده).

وأقول: اما الإشکال الأول فهو شبه جدلی ونقضی وتوسعه فی الإشکال، وأما الإشکال الثانی فمبنی علی أن الآیات الناهیه بعموماتها تصلح لأن تکون رادعه عن السیره، ولکن تقدم آنفا أن الآیات الناهیه عن العمل بالظن بعموماتها لا تصلح أن تکون رادعه عن السیره لأمرین:

الأول: ان السیره دلیل قطعی والآیات الناهیه دلیل ظنی.

الثانی: أن السیره أمر مرتکز فی أذهان الناس وثابت فی أعماق نفوسهم فلا یمکن الردع عن هذه السیره وقلع جذورها بدلیل ظنی ولهذا یعمل الناس بأخبار الثقه فی زمن نزول الآیات الناهیه عن العمل بالظن ولا یلتفتوا إلیها.

فإذن الدلیل الظنی لا یصلح أن یکون رادعا عن مثل هذه السیره المترکزه فی الأذهان لأن الردع عنها وقلع جذورها لا یمکن إلا بنص قطعی سندا ودلاله فی کل مناسبه وفی کل مورد حتی یتمکن الشارع من قلع جذور هذه السیره إذا کانت هذه السیره خطره علی أغراض الشرع المقدس.

ص: 75

فمن أجل ذلک هذه المباحث أی مباحث الدور بین رادعیه السیره وبین رادعیه هذه الآیات الناهیه بعموماتها وبین مخصصیه السیره کل ذلک مبنی علی أن الآیات الناهیه بعموماتها تصلح أن تکون رادعه عن هذه السیره ولکن الأمر لیس کذلک.

الوجه الثانی: أن السیره کانت موجوده بین العقلاء قبل وجود الإسلام وهم یعملون بأخبار الثقه وبعد الإسلام کذلک موجوده فالناس یعملون بأخبار الثقه بطبعهم بدون ادنی منبه وتذکیر.

وأما الآیات الناهیه عن العمل بالظن بعموماتها فهی نازله بعد ذلک فنزولها متأخر عن السیره فیدخل المقام فی کبری دوران الأمر بین کون الخاص المتقدم __ وهو السیره __ مخصصه لعموم الآیات الناهیه او کون العام المتأخر ناسخا للخاص المتقدم، فإن المقام من صغریات کبری دوران الأمر بین کون الخاص المتقدم مخصص للعام المتأخر أو أن العام المتأخر ناسخا للخاص المتقدم.

وهذه الکبری منقحه فی مبحث العام والخاص ولا شبهه فی أن الخاص مخصص سواء کان متأخرا عن العام زمانا أو متقدما علی العام کذلک. نعم هنا جماعه ذهبوا إلی أن العام المتأخر ناسخ للخاص.

ولکن قد یقال کما قیل أن الآیات الناهیه عن العمل بالظن بعموماتها وإطلاقاتها وإن کان نزولها متأخرا إلا أن مضمونها ثابت فی صدر الإسلام فالآیات بحسب مضمونها لیست متأخره عن السیره فکما ان السیره موجوده فی صدر الإسلام فکذلک مضامین هذه الآیات موجوده فی صدر الإسلام.

والجواب عن ذلک ظاهر؛ فإن الآیات لا ظهور لها فی ذلک لأن جعل الأحکام الشرعیه کان تدریجیا بحسب تدریجیه الوحی فإن جعل الأحکام منوط بالوحی متی نزل الوحی علی النبی الأکرم(ص) بحکم من الأحکام الشرعیه فیجعل هذا الحکم، وهذه الآیات لا تکشف عن أن مضامینها ثابته فی صدر الإسلام، بل هی تدل علی ثبوت مضامینها من حین نزولها ومجیء الوحی بها، نعم الروایات الصادره من الأئمه الأطهار من العمومات والمطلقات هی تکشف عن ان مضامینها صادره فی زمن النبی الأکرم(ص) لأن الوحی قد أنقطع بعد النبی(ص) وما یصدر من الأئمه الأطهار هو ما وصل إلیهم من النبی الأکرم(ص) غایه الأمر أن بیان هذه الأحکام کان تدریجی بحسب المصالح.

ص: 76

فما صدر من الأئمه(ع) من العمومات والمطلقات کاشف عن ان مضامنیها ثابته فی زمن النبی الأکرم(ص) والتأخر إنما هو فی بیانها لا فی جعلها.

واما عمومات الآیات ومطلقاتها فهی لا تدل علی أن مضامینها ثابته فی صدر الإسلام. فهذه الدعوی غیر صحیحه والمقام داخل فی تلک الکبری.

والصحیح فی تلک الکبری أن الخاص المتقدم مخصص للعام المتأخر والعام المتأخر لا یصلح أن یکون ناسخا للخاص المتقدم.

أدله حجیه خبر الواحد – السیره العقلائیه بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – السیره العقلائیه

إلی هنا قد تبین أن الآیات الکریمه غیر ظاهره فی أن مضامینها ثابته فی صدر الإسلام ولکن بیانها متأخر زمنا غیر ظاهره فی ذلک؛ فإن جعل الأحکام الشرعیه فی زمن النبی الأکرم(ص) کان تدریجیا، وهذا الجعل إما من خلال إبلاغ النبی الأکرم(ص) بالوحی أو بإبلاغ جبرئیل له؛ فإذا وصل إلیه الوحی أو أبلغ من قبل جبرئیل بالحکم الشرعی فیقوم النبی الأکرم(ص) ببیانه، فزمان الجعل هو زمان البیان ولا یکون البیان فی الخطابات القرآنیه أو فی السنه متأخرا عن زمن الجعل.

وعلی هذا فالآیات الکریمه متأخره عن السیره زمنا وکذا جعل مضامینها فیکون المقام داخلا فی تلک الکبری وهی دوران الأمر بین الخاص المتقدم والعام المتأخر فهل الخاص المتقدم یکون مخصصا للعام المتأخر أو أن العام المتأخر یکون ناسخا للخاص المتقدم.

نعم یحتمل أن تکون الأحکام الشرعیه بکافه أصنافها وأقسامها قد نزلت علی قلب النبی الأکرم(ص) وأن الشارع یعلّم النبی الأکرم(ص) بجمیع الأحکام بکافه أصنافها وأقسامها ولکن بیانها یکون تدریجیا من حیث الزمن بمقتضی المصالح العامه بین الناس.

ولکن هذا مجرد احتمال ولا دلیل علی ذلک. نعم الروایات الصادره من الأئمه الأطهار(ع) ظاهره فی أن مضامینها ثابته فی زمن النبی الأکرم(ص)؛ لأن الوحی أنقطع بعد النبی الأکرم(ص) وما صدر من الأئمه الأطهار هو ما تعلموه من النبی الأکرم(ص).

ص: 77

فإذن العمومات والمطلقات الصادره من الأئمه الأطهار ظاهره فی ثبوت مضامینها فی زمن النبی الأکرم، وعلی هذا فإذا صدر خاص من إمام متقدم وصدر عام من متأخر، فصدور العام متأخر وصدور الخاص متقدم کما إذا صدر خاص من الإمام الباقر(ع) والعام من الإمام الصادق(ع)، فإن علمنا انهما کذلک فی زمن الوحی أیضا فعندئذ یدخل فی تلک الکبری، وهی دوران الأمر بین الخاص المتقدم والعام المتأخر، وإن لم یعلم بذلک لاحتمال أنهما متقارنین أو احتمال أن وحی الخاص متأخر عن وحی العام فعندئذ لم نحرز ان المقام من صغریات تلک الکبری.

وقد یناقش فی المقام بأن سکوت النبی الأکرم(ص) فی صدر الإسلام عن ردع هذه السیره الجاریه بین الناس کاشف عن إمضائها فعلا، فعلی هذا یکون المقام داخلا فی تلک الکبری فإن الخاص متقدم علی العام فالآیات الناهیه عن العمل بالظن بعموماتها وإطلاقاتها متأخره زمنا عن السیره العقلائیه الممضاه شرعا وان سکوت النبی الأکرم(ص) عن ردع هذه السیره فی صدر الإسلام کاشف عن إمضائها فعلا فعندئذ یدخل فی تلک الکبری.

ولکن هذا البناء خاطئ؛ فإن سکوت النبی الأکرم(ص) لعله من جهه عدم وصول الوحی إلیه فإنه(ص) (وَمَا یَنطِقُ عَنِ الْهَوَی إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْیٌ یُوحَی) (1) ولا فرق فی ذلک بین الأحکام الشرعیه وبین الإمضاء فلا یمکن صدور الردع عن النبی الأکرم بدون الوحی به، فسکوته لعله من جهه عدم وصول الإمضاء إلیه من قبل الوحی او جبرئیل، فمجرد السکوت لا یکون کاشفا عن الإمضاء فعلا، لأن السکوت قد یکون من جهه عدم وصول الإمضاء إلیه أو لوجود مانع آخر.

ولکن هذا القول قابل للمناقشه؛ فإن العمل بهذه السیره العقلائیه ___ الجاریه بین الناس والمرتکزه فی أذهانهم ___ لو کان فیه خطر علی الأغراض الشرعیه والمصالح الدینیه وفی العمل بها مفاسد نوعیه فلا شبهه فی أن الشارع __ وهو الله تعالی __ أمر نبیه الأکرم(ص) بالردع عنها وبالمنع عن العمل بها من جهه ان العمل فیها خطر علی الشریعه المقدسه والمصالح الدینیه وفیها مفاسد نوعیه، فإذا کان الأمر کذلک فبطبیعه الحال قد صدر أمر من الله تعالی إلی نبیه(ص) بالردع عن هذه السیره. فسکوت النبی الأکرم(ص) وعدم صدور الردع عنه یکشف أنه لا خطر فی العمل بها علی المصالح والأغراض الدینیه ولیس فی العمل بها مفاسد، فیکون سکوت النبی الأکرم(ص) کاشف عن الإمضاء وعدم الردع فعلا...هذا من جانب

ص: 78


1- النجم/السوره53، الآیه3 - 4.

ومن جانب آخر إن المقام خارج عن محل الکلام فإن الدلیل المخصص فی المقام هو السیره العقلائیه والسیره دلیل لبی فلا ظهور لها فی العموم الأزمانی وأما الکبری المذکوره فإنما هی بین العام اللفظی والخاص اللفظی فإن الخاص اللفظی ظاهر فی العموم الأزمانی والعام المتأخر ظاهر فی العموم الأفرادی ولهذا یقع التعارض بینهما، بین تقدیم العام الأزمانی علی العام الأفرادی او بالعکس وتقدیم العام الأفرادی وجعله ناسخا للعام الأزمانی وتقید هذا العام بفتره خاصه من الزمن لا بجمیع الأزمنه.

فإذن الخاص المتقدم ظاهر فی العموم الأزمانی وان هذا الحکم الخاص ثابت فی تمام الأزمنه إلی یوم القیامه وأما العام المتأخر فظاهر فی العموم الأفرادی حتی أفراد الخاص، فالجمع بینهما لا یمکن. فإما أن نرفع الید عن الخاص الظاهر فی العموم الأزمانی ویقید العام بغیر أفراد الخاص او نأخذ بعموم العام المتأخر ونرفع الید عن ظهور الخاص فی العموم الأزمانی ونقیده بفتره خاصه من الزمن وکأن العام المتأخر ناسخ له ویوجب تخصیصه بفتره خاصه من الزمن.

واما إذا کان الدلیل الخاص لبیا فلا ظهور له فی العموم الأزمانی لکی تقع المعارضه بین الخاص المتقدم والعام المتأخر فلا معارضه بینهما.

وأیضا فرق بینهما فإن الدلیل الخاص إذا کان لبیا کالسیره فحجیته منوطه بإحراز إمضائه ومع الشک فی الإمضاء ومع الشک فی أن العام المتأخر ناسخ له لم نحرز حجیته فتکون حجیته مشکوکه والشک فی الحجیه مساوق للقطع بعدمها بینما إذا کان الخاص دلیلا لفظیا ظاهرا فی العموم الأزمانی وهذا الظهور حجه ولا نرفع الید عن حجیه هذا الظهور بمجرد احتمال أن العام المتأخر ناسخ لأن مجرد هذا الاحتمال لا قیمه له، وکذلک الأمر بالعکس فإن العام ظاهر فی العموم الأفرادی وهذا الظهور حجه ولا نرفع الید عن حجیه الظهور بمجرد احتمال ان الخاص المتقدم مخصص له کذلک لا یوجب رفع الید عن ظهور العام فی العموم الأفرادی.

ص: 79

ولکن مع ذلک ذکرنا فی مبحث العام والخاص أن الخاص مقدم علی العام بلا فرق بین کونه متأخرا عن العام او مقارنا له او متقدما علیه لأن الخاص بنظر العرف قرینه مفسره للمراد النهائی الجدی من العام وحینئذ لا یفرق فیه بین کونه متقدما او متأخرا او مقارنا مع العام.

أدله حجیه خبر الواحد - السیره العقلائیه بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد - السیره العقلائیه

إلی هنا قد تبین أن ما نحن فیه لا یکون داخلا فی کبری ما إذا کان الخاص متقدما زمنا والعام متأخرا زمنا، ووقع التعارض بین ظهور الخاص فی العموم الأزمانی وظهور العام فی العموم الأفرادی فالمقام غیر داخل فی هذه الکبری؛ فإن هذه الکبری منوطه بکون الخاص دلیلا لفظیا وله ظهور فی العموم الأزمانی کما أن العام لا بد أن یکون دلیلا لفظیا وله ظهور فی العموم الأفرادی. واما فی المقام فالخاص دلیل لبی وهو سیره العقلاء والدلیل اللبی لا ظهور له فی العموم فمن أجل ذلک لا یکون المقام داخلا فی تلک الکبری فعندئذ الحکم فی المقام هو أن مخصصیه السیره تتوقف علی حجیتها وحجیتها تتوقف علی إحراز إمضائها ومع احتمال کون الآیات الناهیه بعموماتها رادعه عن هذه السیره لم نحرز إمضاء هذه السیره فإذا لم نحرز إمضائها لم نحرز حجیه السیره أیضا فإذا لم نحرز حجیه السیره فتکون حجیتها مشکوکه وقد تقدم أن الشک فی الحجیه مساوق للجزم بعدم حجیتها أی مساوق للجزم بعدم ترتیب آثار الحجیه علیها.

وأما إذا کان الخاص دلیلا لفظیا ظاهرا فی العموم الأزمانی فلا یرفع الید عن هذا الظهور فإن هذا الظهور حجه ولا یرفع الید عن هذا الظهور إلا بثبوت القرینه علی الخلاف وطالما لم یعلم بالقرینه فظهور الخاص فی العموم الأزمانی حجه، کما أن ظهور العام فی العموم الأفرادی حجه طالما لم یعلم بوجود المخصص له، ومجرد احتمال وجود المخصص فی الواقع لا أثر له؛ فإن ظهور العام فی العموم الأفرادی أو ظهور الخاص فی العموم الأزمانی أو ظهور المطلق فی الإطلاق حجه طالما لم یعلم بوجود القرینه علی الخلاف، ومجرد احتمال وجود القرینه لا أثر له.

ص: 80

هذا فرق بین ما إذا کان الخاص فی المقام دلیلا لفظیا وله ظهور فی العموم الأزمانی وبین ما إذا کان الخاص دلیلا لبیا کسیره العقلاء، فإن الخاص إذا کان دلیلا لبیا فحجیه الخاص کالسیره العقلائیه تتوقف علی إحراز إمضائها وهو یتوقف علی أن الآیات الناهیه عن العمل بالظن بعموماتها لا تصلح أن تکون رادعه وأما إذا احتمل أنها رادعه فلم نحرز إمضاء السیره ومع عدم إحراز إمضاء السیره لم نحرز حجیتها وعندئذ تکون حجیتها مشکوکه.

ومن هنا یظهر أن ما ذکره المحقق الخراسانی(قده) ___ من أن سیره العقلاء بما أنها متقدمه زمنا علی الآیات الناهیه عن العمل بالظن فیدخل المقام فی تلک الکبری وهی ان الخاص متقدم زمنا والعام متأخر زمنا فیقع التعارض بین ظهور الخاص فی العموم الأزمانی وظهور العام فی العموم الأفرادی ____ لا یمکن المساعده علیه؛ فإن هذا إنما هو فی إذا کان الخاص دلیلا لفظیا، واما إذا کان الخاص دلیلا لبیا کما فی المقام فلا یدخل تحت تلک الکبری الکلیه .

الأمر الثالث: أیضا ذکره المحقق الخراسانی فی هامش الکفایه (1) ، وحاصل هذا الوجه أنا لو سلمنا أن السیره المتقدمه التی هی أخص من عمومات الآیات لا تصلح أن تکون مخصصه لعموم الآیات الناهیه والآیات بعموماتها حیث أنها متأخره عن السیره لا تصلح أن تکون ناسخه للسیره التی تقدمت علی الآیات لو سلمنا ذلک فتصل النوبه إلی الأصل العملی حیث لا یمکن التمسک بالأصل اللفظی لا بعموم الآیات ولا بسیره العقلاء فتصل النوبه إلی الأصل العملی وهو فی المقام استصحاب بقاء حجیه خبر الثقه؛ إذ لا شبهه فی أنه حجه بالسیره القطعیه من العقلاء فی صدر الإسلام حیث لم یرد ردع من النبی الأکرم(ص) عن هذه السیره وان الأصحاب یعملون بأخبار الثقه فی مرأی ومسمع من النبی الأکرم(ص) فلو کان فی العمل بهذه السیره خطرا علی الأغراض الشرعیه والمصالح الدینیه وفیها مفاسد لکان علی النبی الأکرم(ص) ردع الناس عنها ولا مانع له من الردع فعدم الردع والسکوت کاشف عن الإمضاء، واما عند نزول الآیات الناهیه عن العمل بالظن فنحتمل أن هذه الآیات بعموماتها رادعه عن السیره ومع هذا الاحتمال لم نحرز حجیه السیره ومع عدم إحراز حجیه السیره فلا یمکن التمسک بالسیره لإثبات حجیه خبر الثقه، فیصل الأمر إلی الأصل العملی، وهو استصحاب بقاء حجیه أخبار الثقه، فإنها کانت حجه فی صدر الإسلام والآن نشک فی بقاء حجیتها فلا مانع من استصحاب بقاء حجیتها.

ص: 81


1- کفایه الاصول، المحقق الآخوند، ص304.

هکذا ذکره صاحب الکفایه(قده) فی هامش الکفایه.

وقد أورد (1) علیه السید الاستاذ بوجوه:

الوجه الأول: أن هذا الاستصحاب استصحاب فی الشبهات الحکمیه وهو غیر جار فیها؛ فإن استصحاب بقاء المجعول فی الشبهات الحکمیه معارض باستصحاب عدم جعل زائد فیسقط هذا الاستصحاب من جهه المعارضه، فلا یمکن التمسک به لإثبات حجیه اخبار الثقه لأنه من الاستصحاب فی الشبهات الحکمیه وهو غیر جار.

والوجه الثانی: أن هذا الاستصحاب مبنی علی إمضاء الشارع لهذه السیره فی صدر الإسلام، فإذا أحرزنا إمضاء هذه السیره فی صدر الإسلام وعند نزول هذه الآیات نحتمل ردعها عن السیره فعندئذ لا مانع من استصحاب بقاء حجیتها؛ لأنها حجه فی صدر الإسلام والآن نشک فی بقاء هذ الحجیه باحتمال ردع هذه الآیات عنها فلا مانع من استصحاب بقاء حجیه هذه السیره.

الوجه الثالث: ان الدلیل علی حجیه الاستصحاب هو أخبار الثقه ولا یمکن الاستدلال علی حجیه اخبار الثقه بالاستصحاب لاستلزامه الدور، لأن حجیه اخبار الثقه إذا کانت متوقفه علی حجیه الاستصحاب والمفروض أن حجیه الاستصحاب متوقفه علی حجیه أخبار الثقه فإذن لازمه أن حجیه أخبار الثقه متوقفه علی حجیه نفسها، وهذا من توقف الشیء علی نفسه وهو مستحیل لأن مرجعه إلی علیه الشیء لنفسه وهو مستحیل.

الوجه الرابع: أن هذه الآیات الناهیه کما تصلح أن تکون رادعه للسیره کذلک تصلح أن تکون رادعه عن الاستصحاب أیضا فإن الاستصحاب أیضا داخل فی الظن وفیما لا یعلم وهذه الآیات الناهیه تدل علی عدم حجیه ما لم یعلم، فتکون هذه الآیات بعموماتها صالحه للردع عن الاستصحاب.

هکذا ذکر السید الاستاذ(قده).

ولکن بعض هذه الوجوه لا یخلو عن مناقشه.

ص: 82


1- مصباح الاصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید محمد الواعظ الحسینی، ج2، ص198.

أدله حجیه خبر الواحد – السیره العقلائیه بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – السیره العقلائیه

تقدم أن صاحب الکفایه(قده) ذکر أنا لو تنزلنا عن رادعیه الآیات الناهیه للسیره أو مخصصیه السیره وکذلک تنازلنا عن کون الآیات الناهیه ناسخه للسیره باعتبار أنها بعموماتها متأخره عن السیره تصل النوبه إلی الأصول العملیه وهی استصحاب بقاء حجیه أخبار الثقه حیث أنا نشک فی بقائها بعد نزول هذه الآیات الکریمه فلا مانع من استصحاب بقائها.

وذکرنا ان السید الاستاذ(قده) قد أورد علی هذا الاستصحاب بوجوه:

الوجه الأول: ان هذا الاستصحاب هو استصحاب فی الشبهات الحکمیه وهو غیر جار فیها.

وما أفاده السید الاستاذ(قده) صحیح فإنا أیضا بنینا علی عدم جریان الاستصحاب فی الشبهات الحکمیه. ولکن ما ذکره السید الأستاذ من سبب عدم جریانه هو إنما هو التعارض بین استصحاب بقاء المجعول واستصحاب عدم سعه الجعل فیسقطان بالتعارض فمن أجل ذلک لا یجری الاستصحاب فی الشبهات الحکمیه من جهه ابتلائه بالمعارض.

ولکنا ذکرنا أن الوجه فی عدم جریانه فی الشبهات الحکیمه لیس هو التعارض بل أمر آخر علی تفصیل ذکرناه فی مبحث الاستصحاب.

الوجه الثانی: من الوجوه التی ذکرها السید الاستاذ(قده) ان جریان هذا الاستصحاب فی المقام مبنی علی أن تکون السیره ممضاه شرعا فی صدر الإسلام وقبل نزول الآیات الناهیه عن العمل بالظن وأما إذا قلنا إن إمضاء هذه السیره قبل نزول هذه الآیات غیر معلوم فلا موضوع لهذا الاستصحاب لأن الشک حینئذ فی أصل وجود حجیه أخبار الثقه، فمن أجل ذلک لا مجال لهذا الاستصحاب.

وهذا الذی أفاده(قده) لا یمکن المساعده علیه؛ إذ لا شبهه فی أن هذه السیره ممضاه فی صدر الإسلام وأول البعثه فإن أصحاب النبی الأکرم(ص) والتباعین له بکافه أصنافهم کانوا یعملون بأخبار الثقه فی أمورهم الاجتماعیه والفردیه والعقائدیه والمادیه والمعنویه فی مرأی ومسمع النبی الأکرم(ص) فلو کانت هذه السیره خطرا علی الأغراض التشریعیه والمصالح الدینیه لکان علی النبی الردع عنها لأن بإمکانه(ص) ذلک، ولم یکن هنا أی مانع من الردع عنها. فسکوته وعدم الردع کاشف قطعی عن الإمضاء من قبل النبی لهذه السیره، غایه الأمر إذ نزلت هذه الآیات المبارکه الناهیه عن بالعمل بالظن یشک فی رادعیتها وهذا الشک یکون منشأ للشک فی بقاء حجیه السیره فعندئذ لا مانع من استصحاب بقاء الحجیه.

ص: 83

الوجه الثالث: أن هذا الاستصحاب دوری لأن الدلیل علی حجیه الاستصحاب هو حجیه اخبار الثقه فلو کانت حجیه اخبار الثقه ثابته بالاستصحاب لدار إذ معنی ذلک أن حجیه أخبار الثقه متوقفه علی حجیه الاستصحاب وحجیته متوقفه علی حجیه أخبار الثقه فیلزم توقف حجیه أخبار الثقه علی حجیه أخبار الثقه وهذا مستحیل لأنه من توقف الشیء علی نفسه ومرده إلی علیه الشیء لنفسه وهی مستحیله.

هذا مضافا إلی أن هذا الدور مبنی علی أن یکون دلیل الاستصحاب هو حجیه أخبار الثقه وأما إذا قیل أن دلیل حجیته هو حکم العقل أو الاجماع فلا یلزم هذا الدور، وإن کان هذا القیل غیر ثابت.

الوجه الرابع: أن الآیات الناهیه کما تصلح ان تکون رادعه عن السیره کذلک تصلح أن تکون رادعه عن الاستصحاب لأن الاستصحاب أیضا داخل فی عدم العلم أی الظن والآیات تدل علی حرمه العمل بالظن فلا یمکن الاعتماد علی هذا الاستصحاب.

وهذا الوجه صحیح بعد التنازل عن أن السیره لا تصلح أن تکون مخصصه لعمومات هذه الآیات الناهیه.

هذا کله حول ما ذکره صاحب الکفایه(قده).

الوجه الثالث: ما ذکره (1) السید الاستاذ(قده) من أنا نقطع بعدم الردع عن هذه السیره ونقطع بإمضائها شرعا وثابته فی الشریعه المقدسه فقد أفاد فی وجه ذلک أمرین:

الأول: ان هذه السیره مستمره بین أصحاب النبی الأکرم(ص) وتابعیه بکافه طوائفهم وهکذا فی زمن الأئمه الأطهار(ع) ولم یرد أی ردع أو منع لا من النبی الأکرم(ص) ولا من الأئمه الأطهار(ع) فی هذه الفتره الزمنیه الطویله فإنهم کانوا یعملون علی أخبار الثقه فی أمورهم الدینیه الاجتماعیه والفردیه والمادیه والمعنویه وفی علاقاتهم مع المجتمع لیلا ونهارا بأخبار الثقه رغم وجود هذه الآیات فی الکتاب العزیز ولا یخطر ببالهم أن هذه الآیات رادعه عن السیره، فهم یعملون علی طبق مرتکزاتهم فإن مرتکزات کل إنسان وتقالیده هی المحدده لسلوکه الخارجی الاجتماعی والفردی والمادی والمعنوی فما دام لم یکن هنا مانع وردع عن العمل بمرتکزاته وتقالیده فهو یتحرک علی طبقها بدون ادنی منبه وتذکیر فی البین.

ص: 84


1- مصباح الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید محمد الواعظ الحسینی، ج2، ص199.

وعلی هذا فنقطع أن هذه السیره غیر مردوع عنها لا من النبی الأکرم(ص) ولا من الأئمه الأطهار(ع) فی طول هذه الفتره الزمنیه.

الأمر الثانی: أن مفاد هذه الآیات الناهیه إرشاد إلی حکم العقل وهو تحصیل الأمن من العقوبه ولیس حکما تکلیفیا مولویا، فإن العقل مستقل بتحصیل الأمن من الإدانه والعقوبه فی مقام الامتثال والطاعه لأن هم العقل هو تحصیل المؤمن من العقوبه. وهذ الآیات الناهیه مفادها الإرشاد إلی هذا الحکم العقلی والمؤمن الذاتی هو العلم الوجدانی فإذا علم الإنسان بأن صلاته مطابقه للواقع وصحیحه حصل له الأمن من العقوبه وأما حجیه أخبار الثقه فهی مؤمنه بالعرض وحیث أن کل ما بالعرض لا بد أن ینتهی إلی ما بالذات فحجیه أخبار الثقه إنما تکون مؤمنه باعتبار القطع بحجیتها ففی الحقیقه المؤمن هو القطع بحجیه أخبار الثقه، فإذا حصل للمکلف القطع بالمؤمن فهو یکتفی فی مقام الامتثال والإطاعه سواء علم بمطابقه عمله للواقع أو لم یعلم.

وعلی هذا فالسیره العقلائیه حیث قد جرت علی العمل بأخبار الثقه فتکون أخبار الثقه حجه بعد إمضاء الشارع لهذه السیره وحجیه أخبار الثقه قطعیه فتکون أخبار الثقه مؤمنه من جهه القطع بحجیتها وهذا القطع هو المؤمن من الإدانه والعقوبه فی مرحله الامتثال.

وعلی هذا فالسیره العقلائیه القائمه علی العمل بأخبار الثقه التی تدل علی حجیتها وارده علی هذه الآیات الناهیه ورافعه لموضوعها وجدانا فإن موضوع النهی فی هذه الآیات عدم المؤمن أی لا یجوز العمل بما لا یؤمن من الإدانه والعقوبه.

فتقدیم السیره العقلائیه القائمه علی العمل بأخبار الثقه التی تدل علی حجیتها بعد الإمضاء وحیث أن المکلف یقطع بحجیه أخبار الثقه فیکون قطعه رافع لموضوع هذه الآیات الناهیه وجدانا فتکون السیره العقلائیه وارده فی نهایه المطاف علی هذه الآیات المبارکه نظیر حکومه [ورود] الأصول العملیه کالاستصحاب ونحوه علی الأصول العملیه العقلیه کأصاله البراءه العقلیه فإن الاستصحاب وارد علی أصاله البراءه العقلیه لأن موضوعها عدم البیان ولا شبهه فی أن الاستصحاب مع حجیته بیان فمن أجل ذلک یکون تقدیم الاستصحاب علی أصاله البراءه العقلیه بالورود لا بالحکومه وکذا تقدیمه علی أصاله التخییر العقلی إذ لا شبهه فی أن الاستصحاب مرجح والعقل إنما یحکم بالتخییر إذا لم یکن لأحدهما مرجح علی الآخر.

ص: 85

هکذا ذکره السید الاستاذ(قده).

أدله حجیه خبر الواحد – السیره العقلائیه بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – السیره العقلائیه

إلی هنا قد تبین أن ما ذکره السید الاستاذ(قده) من ان مفاد هذه الآیات إرشاد إلی ما استقل به العقل وهو تحصیل المؤمن من الإدانه والعقوبه فی مقام الامتثال والإطاعه فإن العقل مستقل فی ذلک وانه یجب علی المکلف تحصیل المؤمن من الإدانه والعقاب فی مقام الامتثال والإطاعه والآیات الکریمه مفادها إرشاد إلی ذلک.

وعلی هذا فلا شبهه فی أن سیره العقلاء بعد حجیتها وإمضاء الشارع لها مؤمنه، فأخبار الثقه بعد حجیتها خارجه عن عموم الآیات بالورود خروجا موضوعیا لا بالحکومه.

وللنظر فیما أفاده(قده) مجال فإن الآیات الناهیه عن العمل بغیر العلم وبالظن تصنف إلی أصناف ثلاثه:

الصنف الأول: ما یکون مدلوله مختص بأصول العقائد ولا یعم الأحکام الفرعیه العملیه.

الصنف الثانی: ما یکون مدلوله شاملا للأحکام الفرعیه العملیه أیضا.

الصنف الثالث: أیضا یعم الأحکام العملیه الفرعیه.

أما الصنف الأول: فهو قوله تعالی: [وَإِنَّ الظَّنَّ لَا یُغْنِی مِنَ الْحَقِّ شَیْئًا] (1) فإن هنا قرینتین علی أن هذه الآیه لا تشمل الأحکام الفرعیه العملیه:

القرینه الأولی: هو النهی عن العمل بالظن مطلقا فمقتضی إطلاق قوله تعالی: [إن الظن لا یغنی من الحق] أن الظن لا أثر له أصلا مع أنه لا شبهه فی جمله من الموارد أن الظن بما هو ظن حجه فی الأحکام الفرعیه العملیه، منها رکعات الصلاه فإن الظن حجه فیها وکذلک فی موارد الشکوک فی الرکعات فلا شبهه فی حجیه الظن بما هو ظن فی بعض الفروع الفقهیه وکذا فی غیرها من الموارد.

فإطلاق هذه الآیه المبارکه قرینه علی اختصاصها بأصول العقائد.

ص: 86


1- النجم/السوره53، الآیه28.

القرینه الثانیه: کلمه الحق فی الآیه المبارکه فإنها ظاهره فی الواقع ولیس المراد منها العلم وإن فسرت بذلک فی بعض الموارد فإن المطلوب فی أصول العقائد هو الوصول إلی الواقع بینما فی الأحکام الشرعیه العملیه المطلوب هو تحصیل الأمن من الإدانه والعقوبه سواء کان العمل مطابق للواقع أم لم یکن إذ لیس هم المکلف تحصیل الواقع والوصول إلیه بل همه تحصیل المؤمن فی مرحله الامتثال والإطاعه، وهو المطلوب فی الأحکام الفرعیه العملیه کان العمل مطابقا للواقع ام لم یکن فإذا کان خبر الثقه حجه فالعمل به مؤمنا من الإدانه والعقوبه کان مطابقا للواقع أم لم یکن ومن هنا لا شبهه فی کون الانقیاد من أظهر مصادیق الطاعه فإن الانقیاد قد یکون مطابقا للواقع وقد لا یکون کذلک کما أن التجری والتمرد من أظهر أفراد العصیان والتعدی علی المولی مع أنه غیر مطابق للواقع.

فإذن المطلوب فی الأحکام الفرعیه العملیه لیس هو الوصول إلی الواقع بل هو تحصیل الأمن من العقوبه والإدانه فی مرحله الامتثال والإطاعه. بینما المطلوب فی أصول العقائد لیس تحصیل الأمن من العقوبه بل هو الوصول إلی الواقع فإن الغرض من إثبات التوحید وإثبات الرساله وإثبات الإمامه وما شاکل ذلک هو الوصول إلی الواقع.

فإذن کلمه الحق قرینه علی اختصاص الآیه المبارکه بالعقائد فلا تشمل الأحکام الفرعیه العملیه التی لیس المطلوب فیها الوصول الی الواقع.

فهذان الأمران قرینتان علی اختصاص الآیه بأصول العقائد فلا تشمل الأحکام الفرعیه العملیه. ومما یؤید ذلک وقوع هذ الآیه فی سیاق الآیات التی وردت فی شجب عمل الکفار والمشرکین بظنونهم وتخمیناتهم فی أصول العقائد.

ومع الإغماض عن ذلک وتسلیم أن الآیه غیر ظاهره فی أصول العقائد فالمحتمل فی الآیه أمران:

ص: 87

الأمر الأول: ان یکون مفادها إرشاد إلی ما استقل به العقل وهو تحصیل المؤمن من العقوبه.

الثانی: أن یکون مفادها الإرشاد إلی عدم حجیه الظن.

فالأمر یدور بین هذین الاحتمالین ومناسبه الحکم والموضوع تقتضی أن یکون المراد من الآیه الاحتمال الثانی وذلک لأن کل کلام صادر من المولی ظاهر فی إعمال المولویه فحمله علی الإرشاد بحاجه إلی قرینه لأن معنی الإرشاد هو الأخبار ولیس متکفلا لأی حکم شرعی، وهذا قرینه علی أن المراد من الآیه الاحتمال الثانی، فإن فیه شائبه المولویه، فیکون مفادها حکم مولوی وهو عدم حجیه الظن، وأما الاحتمال الأول فهو أخبار فقط عن حکم العقل ولا یکون فیه شائبه إعمال المولویه بل هو أخبار عن حکم العقل بتحصیل المؤمن فی مقام الامتثال والطاعه.

وأما الصنف الثانی من الآیات الکریمه: فهو قوله تعالی: [قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَکُمْ أَمْ عَلَی اللّهِ تَفْتَرُونَ] (1) فإن هذه الآیه تدل علی حرمه الافتراء علی الله تعالی ولا شبهه فی أن العمل بالخبر بدون أن یکون حجه افتراء علی الله تعالی باعتبار أن المراد من العمل بالخبر هو أسناد مؤداه إلی الشارع ومع عدم ثبوته فهو افتراء علی الله تعالی، وحینئذ یکون حرام وغیر جائز. واما إذا کان الخبر حجه کأخبار الثقه فإنها تکون حجه فإذا کانت حجه فالعمل بأخبار الثقه لیس افتراء علی الله تعالی وحینئذ یجوز إسناد مؤداها إلی الشارع سواء کان مؤداها الوجوب أو الحرمه ام غیره من الأحکام التکلیفیه او الوضعیه فیجوز إسناد مؤداها إلی الشارع کما یجوز الاستناد إلیه فی مقام الامتثال فلا یکون افتراء.

وعلی هذا فهذه الآیه الکریمه وما شاکلها مفادها الحکم التکلیفی المولوی التشریعی لا الذاتی، أی أن مفادها الحرمه التشریعیه لا الحرمه الذاتیه، ولیس مفادها الإرشاد لا الإرشاد إلی حکم العقل ولا الإرشاد إلی عدم حجیه الظن بل مفادها الحرمه التکلیفیه التشریعیه.

ص: 88


1- سوره یونس، آیه59.

وعلی هذا فالسیره العقلائیه بعد حجیتها وارده علی الآیه المبارکه لأن سیره العقلاء بعد إمضائها وحجیتها تکون أخبار الثقه حجه وحینئذ یجوز إسناد مؤداها إلی الشارع قطعا کما یجوز الاستناد إلیه فی مقام العمل قطعا.

فأخبار الثقه بعد حجیتها تکون وارده علی الآیه ورافعه لموضوعها فإن موضوع الآیه المبارکه الافتراء والعمل بأخبار الثقه لیس بافتراء قطعا بل الشارع أجاز ذلک.

فتقدیم السیره العقلائیه علی الآیه الکریمه وما شاکلها إنما هو من باب الورود، وعلی هذا فإن ما ذکره السید الاستاذ(قده) من ان مفاد الآیه إرشاد إلی ما استقل به العقل لا یمکن المساعده فی مثل هذه الآیه المبارکه، فإن مفاد هذه الآیه وما شاکلها لیس إرشادا بل هو حکم تکلیفی تشریعی وهذا الحکم التکلیفی یدور مدار الافتراء علی الله تعالی وتقدس وعدم الافتراء، بل لا قرینه علی الإرشاد.

ودعوی ان هذه الآیه غیر قابله للتخصیص وهو قرینه علی الإرشاد فإن حکم العقل بلزوم تحصیل المؤمن غیر قابل للتخصیص فعدم قبول هذه الآیه للتخصیص قرینه علی أن مفادها الإرشاد [هذه الدعوی] لیس الأمر فیها کذلک فإن مفاد هذه الآیه واضح وهو حرمه الافتراء وحرمه الافتراء غیر قابله للتخصیص إذ لا یعقل أن یکون الافتراء علی الله جائزا فهذا الأمر غیر محتمل إذ ما دام یصدق علیه الافتراء فهو غیر جائز.

وعلی هذا فالسیره العقلائیه بعد حجیتها وارده علی هذه الآیه وان العمل بها لیس افتراء علی الله تعالی.

ثم أن هذه الآیه مسوقه بنحو القضیه الحقیقیه کما هو الحال فی جمیع الآیات الناهیه والآیات الآمره والسنه إلا فی بعض الموارد فإن الآیات والروایات التی هی فی مقام التشریع مفادها قضیه حقیقیه ونقصد بالقضیه الحقیقیه أن الحکم الشرعی مجعول فی هذه القضیه للموضوع المقدر وجوده فی الخارج اما أن الموضوع موجود او غیر موجود فالقضیه لا تدل علی ذلک، لأن القضیه تدل علی أن هذا الحکم ثابت للموضوع علی تقدیر وجوده فی الخارج وأما أن هذه التقدیر ثابت أو غیر ثابت فلیس للقضیه نظر إلیه، مثلا قوله تعالی: [وَلِلّهِ عَلَی النَّاسِ حِجُّ الْبَیْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَیْهِ سَبِیلًا] (1) تدل علی وجوب الحج عل المستطیع علی تقدیر وجوده فی الخارج واما أن المستطیع موجود أو غیر موجود فالآیه لا تدل علی ذلک ومن هنا ترجع القضیه الحقیقیه إلی قضیه شرطیه مقدمها وجود الموضوع وتالیها ثبوت المحمول، وثبوت المحمول للموضوع بنحو القضیه الشرطیه یعنی علی تقدیر وجود الموضوع فالمحمول ثابت له کما هو الحال فی جمیع القضایا الشرعیه التی وردت فی مرحله جعل الأحکام الشرعیه.

ص: 89


1- سوره آل عمران، آیه97.

فمفاد هذه الآیه هو حرمه الافتراء علی الله تعالی وأما أن هذه الشیء افتراء أو لیس بافتراء فالآیه لا تدل علی أنه افتراء او لیس افتراء، بل تدل علی أنه علی تقدیر کونه افتراء فهو حرام واما ان هذا التقدیر ثابت أم لیس بثابت فالآیه ساکته عن ذلک.

فالنتیجه أن هذه الآیه لا یکون مفادها الإرشاد بل مفادها الحکم التکلیفی المولوی التشریعی وان سیره العقلاء بعد حجیتها وارده علی هذه الآیه ورافعه لموضوعها وجدانا.

فما ذکره السید الاستاذ(قده) لا ینطبق علی هذه الآیه وما شاکلها.

أدله حجیه خبر الواحد- السیره العقلائیه بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد- السیره العقلائیه

إلی هنا قد تبین أن الصنف الأول من الآیات الناهیه مختص بالمسائل العقائدیه بقرینتین مذکورتین فیها، والصنف الثانی لا یدل علی الردع فإنه یدل علی ان المکلف إذا کان مأذونا یجوز له الاتیان بالعمل ولا یکون فیه افتراء علی الله تعالی وإن لم یکن مأذونا فهو افتراء علی الله تعالی فهذه الآیه لا تدل علی الردع عن العمل بالسیره فإن السیره إذا قامت علی حجیه اخبار الثقه فیکون العمل بأخبار الثقه مأذونا من قبل الله تعالی فلا یکون فیه افتراء. واما إذا لم تقم السیره علی العمل بأخبار الثقه فلا یکون العمل بها مأذونا فهو افتراء علی الله.

وعلی کلا التقدیرین فالآیه الکریمه لا تکون ناظره إلی ان السیره تدل علی حجیه أخبار الثقه أو لا تدل علی ذلک، فالآیه إنما هی ناظره إلی أن کلما ما کان مأذونا من قبل الله تعالی فلا افتراء فیه وما لم یکن مأذونا فهو افتراء ومحرم واما أی شیء مأذون وأی شیء لا یکون مأذونا فی الخارج فالآیه غیر ناظره إلیه أی الآیه تدل علی الکبری ولا تنظر إلی تحقق الصغری هل انها محققه أو لیس محققه؟

ص: 90

وأما الصنف الثالث من الآیات الناهیه فهو قوله تعالی: [وَلاَ تَقْفُ مَا لَیْسَ لَکَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ کُلُّ أُولئِکَ کَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا] (1) فإن هذه الآیه المبارکه تدل علی أنه لا یجوز الاعتماد علی کل ما لیس بعلم والاستناد إلیه فی مقام العمل وما کان علما فیجوز الاعتماد والاستناد إلیه.

وعلی هذا فمفاد الآیه المبارکه هل هو إرشاد إلی عدم حجیه ما لیس بعلم وجدانی أو أنه إرشاد إلی حکم العقل بتحصیل المؤمن فی مرحله الامتثال والإطاعه؟

والظاهر هو الأول وأن مفاد الآیه إرشاد إلی عدم حجیه ما لیس بعلم وجدانی؛ فإن مناسبه الحکم والموضوع الارتکازیه تقتضی الأول لأن الآیات الکریمه والروایات الصادره من المولی ظاهره فی المولویه، وحملها علی الإرشاد والإخبار عن حکم العقل بحاجه إلی قرینه وطالما لم تکن فی البین قرینه فلا یمکن حمل الآیه علی الإرشاد لأن ظاهر الآیه هو بیان الحکم المولوی والحکم الشرعی ولأجل ذلک تکون الآیه ظاهره فی الإرشاد إلی عدم الحجیه باعتبار أن عدم الحجیه حکم مولوی لا بد من صدوره من قبل المولی، فحمل الآیه علی هذا أنسب من حملها علی الثانی فإن الثانی لیست فیه شائبه المولویه بل هو فی الحقیقه إخبار عن حکم العقل بوجوب تحصیل المؤمن فی مقام الامتثال والطاعه ولهذا لو لم تکن الآیه المبارکه فالعقل مستقل بذلک، فمن أجل ذلک لا یمکن حمل الآیه علی المولویه کالآیات التی تدل علی الإطاعه والروایات التی تدل علی وجوب الامتثال فإن هذه الآیات لا یمکن أن یکون مفادها حکما مولویا بل هو إرشاد إلی ما استقل بهه العقل وهو وجوب طاعه المولی وتحصیل المؤمن من الإدانه والعقوبه من قبل المولی فی مرحله الامتثال ومرحله الطاعه.

ص: 91


1- سوره الإسراء، الآیه36.

هذا من ناحیه.

ومن ناحیه أخری الظاهر أن المراد من العلم فی الآیه المبارکه هو مطلق الحجه ولیس المراد منه العلم الوجدانی وذلک بقرینه ذیل الآیه وهو قوله تعالی: [إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ کُلُّ أُولئِکَ کَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا] فإن هذه الذیل یدل علی أن المناط فی المسؤولیه هو متابعه مطلق الحجه ولا شبهه فی أن خبر الثقه إذا کان حجه فهو رافع للمسؤولیه، ورفع المسؤولیه لا یتوقف علی العلم الوجدانی فیکفی فی رفع المسؤولیه الحجه الشرعیه وإن لم یعلم أنها مطابقه للواقع أو لم تکن مطابقه للواقع فإذا کان خبر الثقه حجه فهو رافع للمسؤولیه عن العبد فإذا عمل به فلا مسؤولیه علیه عند المولی ولا إدانه ولا عقوبه علیه سواء کان الخبر مطابقا للواقع أم لم یکن مطابقا للواقع فالمناط إنما هو بالمسؤولیه وعدم المسؤولیه، فهذه الآیه قرینه علی ان المراد من العلم مطلق الحجه فإن المسؤولیه وعدم المسؤولیه یدوران مدار حجیه شیء وعدم حجیته فإذا عمل بخبر الثقه ولم یکن حجه فهو مسؤول أمام الله وإن کان الخبر مطابقا للواقع وأما إذا کان الخبر حجه وعمل به فهو لیس بمسؤول ومأمونا من العقوبه والإدانه وإن کان الخبر مخالفا للواقع.

فهذه الآیه قرینه علی أن المراد من العلم لیس هو العلم الوجدانی بل المراد منه مطلق الحجه.

وعلی هذا فالآیه الکریمه مفادها قضیه حقیقیه وتدل علی أن العمل بکل ما هو حجه شرعا رافع للمسؤولیه وللإدانه والعقوبه سواء کان موافقا للواقع أم لم یکن موافقا للواقع. وکل ما لیس بحجه إذا عمل به یکون مسؤولا ومدانا من قبل الله تعالی وإن کان مطابقا للواقع. فالآیه تدل بنحو القضیه الحقیقیه علی هذه الکبری الکلیه.

ولکن لا تدل علی تحدید الصغری فأی شیء فی الخارج حجه وأی شیء آخر فی الخارج لیس بحجه لا تدل علی ذلک. وإنما تدل علی أنه علی تقدیر کونه حجه فالعمل به یوجب الأمن من العقوبه ویرفع المسؤولیه عن العبد والعقوبه عنه وإن کان مخالفا للواقع، وأما أن هذا التقدیر ثابت فی الواقع أولا فهی غیر ناظره الی ذلک کما هو الحال فی جمیع القضایا الحقیقیه، حیث أنها تدل علی ثبوت الحکم للموضوع المفروض والمقدر الوجود فی الخارج وأما انه موجود فیه او لا فالقضیه الحقیقیه لا تدل علی ذلک.

ص: 92

إلی هنا قد تبین أن هذا الصنف من الآیات الناهیه أیضا لا یصلح ان یکون رادعا عن السیره ومانعا عن العمل بها وأنه یدل علی أن العمل بکل ما هو حجه فلا یکون المکلف عنه مسؤولا ویکون مأمونا من العقوبه وإن کان مخالفا للواقع. والعمل بکل ما لیس بحجه فهو لیس بمأمون من العقوبه فهو مسؤول وأن کان العمل مطابقا للواقع.

فإذن هذا الصنف من الآیات لا یدل علی أن سیره العقلاء الجاریه علی العمل بأخبار الثقه حجه أو لیست بحجه فهی غیر ناظره إلی المانع والرادع عن حجیتها.

نعم لو کان المراد من العلم فی هذه الآیه المبارکه العلم الوجدانی فعندئذ تکون الآیه المبارکه مانعه عن حجیه ما لیس بعلم وجدانی والمفروض أن خبر الثقه لیس بعلم وجدانی فعندئذ تدل هذه الآیه علی عدم حجیه خبر الثقه.

ولکنه علی هذا أیضا یمکن الأمر بالعکس فإذا قامت السیره علی العمل بأخبار الثقه وکانت هذه السیره ممضاه من قبل الشرع فتکون أخبار الثقه حجه وحینئذ فهو مخصص لعموم هذه الآیه المبارکه، فتکون السیره مقدمه علی هذا الصنف من الآیات المبارکه فی التخصیص لأن النسبه بین عموم هذه الآیه والسیره عموم مطلقا أی نسبه العام والخاص فلا بد من تخصیص عموم هذا الصنف من الآیات الکریمه بالسیره.

فالنتیجه أن هذه الأصناف من الآیات منها ما هو أجنبی عن المقام وهو الصنف الأول ومختص بالمسائل الاعتقادیه، ومنها لا یصلح أن یکون رادعا عن السیره وهو الصنف الثانی، ومنها ما یصلح للرادعیه فیما إذا کان المراد من العلم هو العلم الوجدانی ومع ذلک لا بد من تقدیم السیره علیه من باب تقدیم الخاص علی العام لأن النسبه بینهما العموم والخصوص المطلق.

ص: 93

هذا کله فی الآیات الکریمه.

الوجه الرابع: ما ذکره المحقق الأصفهانی(قده) (1) وحاصله انه لا دلیل علی حجیه ظواهر هذه الآیات الناهیه حتی تصلح أن تکون رادعه عن السیره لأن السیره العملیه قد جرت علی العمل بأخبار الثقه وتدل علی حجیه اخبار الثقه بعد إمضائها شرعا ومن الواضح انه لا یمکن قیام هذه السیره علی حجیه ظواهر هذه الآیات أیضا وإلا لزم التناقض والتهافت بین السیرتین: السیره الجاریه علی العمل بأخبار الثقه ومفادها حجیه أخبار الثقه ومعنی حجیه أخبار الثقه أن هذه الآیات لا تصلح أن تکون رادعه ومعنی قیام السیره علی حجیه ظواهر هذه الآیات الناهیه انها رادعه عن السیره فیلزم التناقض والتهافت بینهما، فمن أجل ذلک لا یمکن القول بان ظواهر هذه الآیات حجه.

والجواب عن ذلک واضح؛ فهذا الإشکال غریب من مثله(قده) فإن السیره لم تقم علی حجیه ظواهر الآیات الناهیه فقط بل السیره إنما قامت علی حجیه ظواهر الالفاظ مطلقا ومنها ظواهر هذه الآیات وإلا فالسیره لیست قائمه علی حجیه ظواهر هذه الآیات فقط حتی یلزم التهافت والتناقض بل السیره جاریه علی حجیه ظواهر الالفاظ مطلقا من الکتاب والسنه ولا تنافی بین هذه السیره والسیره القائمه علی حجیه أخبار الثقه إلا بالإطلاق والتقیید أو بالعموم والخصوص ولا مانع من ان یشمل دلیل الحجیه العام والخاص معا لعدم التنافی بینهما لإمکان الجمع الدلالی العرفی بینهما.

وفی المقام کذلک لا مانع من قیام السیره علی حجیه ظواهر الالفاظ من الکتاب والسنه وقیام السیره علی حجیه أخبار الثقه ولا تنافی بینهما إلا بالإطلاق والتقیید او العموم والخصوص ومن الواضح إمکانیه الجمع الدلالی العرفی بینهما وحینئذ لا مانع من شمول دلیل الاعتبار لکلیهما معا بدون أی تنافی بینهما.

ص: 94


1- نهایه الدرایه فی شرح الکفایه، المحقق الاصفهانی، ج3، ص253.

خبار الثقه فلا یکون العمل بها مأذونا فهو افتراء علی اللهال

أدله حجیه خبر الواحد – السیره العقلائیه بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – السیره العقلائیه

کان کلامنا فیما ذکره المحقق الأصفهانی(قده) من أنه لا یمکن الجمع بین السیره القائمه علی حجیه ظواهر الالفاظ ومنها ظواهر الآیات الناهیه عن العمل بغیر العلم وبین السیره القائمه علی العمل بأخبار الثقه فإن مقتضی السیره القائمه علی حجیه الظواهر ومنها ظواهر الآیات الناهیه أن ظواهر الآیات الناهیه حجه فإذا کانت حجه فهی رادعه عن العمل بأخبار الثقه ومعناه أن أخبار الثقه لیست بحجه ومعنی قیام السیره علی العمل بأخبار الثقه أن أخبار الثقه حجه فلهذا یلزم اجتماع النقیضین فمن أجل ذلک لا یمکن الجمع بین هذین السیرتین.

وقد أورد علیه أنه لا تنافی بین السیرتین فإن السیره القائمه علی حجیه ظواهر الالفاظ مطلقا ومنها ظواهر هذه الآیات لا تنافی بینها وبین السیره العقلائیه القائمه علی العمل بأخبار الثقه فإن التنافی بینهما من التنافی بین الإطلاق والتقیید أو التنافی بین العام والخاص وهذا التنافی غیر مستقر فلا مانع من شمول دلیل الحجیه لکل من العام والخاص معا ولکل من المطلق والمقید وبعد شمول دلیل الحجیه یمکن الجمع الدلالی العرفی بینهما ولا فرق فی ذلک بین ان تقوم السیره العقلائیه علی حجیه الظواهر مطلقا ومنها ظواهر الآیات الناهیه عن العمل بغیر العلم وبین قیام السیره علی العمل بظواهر الآیات الناهیه عن العمل بغیر العلم خاصه فإن بین السیره القائمه علی العمل بظواهر هذه الآیات وبین السیره القائمه علی العمل بأخبار الثقه أیضا عموم وخصوص مطلقا ولا تنافی بینهما من هذه الناحیه فلا مانع من شمول دلیل الحجیه لکل من أخبار الثقه وظواهر هذه الآیات الناهیه معا لإمکان الجمع الدلالی العرفی بینهما من خلال حمل العام علی الخاص والمطلق علی المقید.

ص: 95

ثم أن بعض المحققین(قده) قد أورد علی ما ذکره المحقق الأصفهانی بإشکالین :

الإشکال الأول: ان سیره العقلاء الجاریه علی العمل بأخبار الثقه کان العمل بأخبار الثقه فعلیا بین العقلاء قبل مجیء الشریعه؛ فإن المقتضی للعمل بأخبار الثقه موجود وهو سیره العقلاء المرتکزه فی الأذهان والمانع مفقود فالعمل بأخبار الثقه یکون فعلیا بین العقلاء وهم یعملون بأخبار الثقه فی أمور معاشهم الاجتماعیه والفردیه وفی الأوامر المولویه العرفیه بین الموالی وبین العبید فهم یعملون بأخبار الثقه.

واما بعد مجیء الإسلام فالسیره تقتضی العمل بأخبار الثقه إذ لو خلی الإنسان بطبعه کان یعمل بأخبار الثقه لأن المقتضی موجود وهو سیره العقلاء المرتکزه فی الأذهان فإنها تقتضی العمل بأخبار الثقه ولکن حیث أن بعد مجیء الشریعه احتمال وجود الرادع والمانع موجود فلا بد من إحراز انه لا رادع فی البین فالمقتضی للعمل بأخبار الثقه موجود ولکن فعلیه العمل بأخبار الثقه تتوقف علی إحراز عدم الرادع عن العمل بها وعدم وجود المانع فلا بد من إحراز عدم وجود المانع.

وعلی هذا فالسیره العقلائیه القائمه علی العمل بأخبار الثقه تقتضی العمل بها اقتضاء واما السیره القائمه علی العمل بظواهر الآیات الناهیه عن العمل بغیر العلم فهی تقتضی فعلیه العمل بها من حیث کونها رادعه ومانعه ولا تنافی بین السیرتین؛ فإن السیره الأولی تقتضی العمل بأخبار الثقه اقتضاء لا فعلا وأما السیره الثانیه فهی تقتضی العمل بالظواهر بما هی رادعه فعلا ولا تنافی بینهما أی بین ما یکون مقتضیا لإیجاد شیء اقتضاء وبین ما یکون مقتضیا خلافه فعلا، فلا تنافی بینهما ولا یلزم التناقض.

فما ذکره المحقق الأصفهانی(قده) من التناقض مبنی علی أن کلتا السیرتین تقتضی العمل بأخبار الثقه وبظواهر هذه الالفاظ أی الآیات الناهیه عن العمل فعلا فعندئذ یلزم التناقض واما إذا کانت السیره الأولی تقتضی العمل بأخبار الثقه اقتضاء لا فعلا وأما السیره القائمه علی العمل بالظواهر الآیات الناهیه فهی تقتضی العمل بها فعلا بعنوان کونها رادعه ومانعه فلا تنافی بین ما یکون مقتضیا لشیء اقتضاء وبین ما یکون مقتضیا خلافه فعلا فلا تنافی بینهما.

ص: 96

الإشکال الثانی: لو سلمنا أن السیره العقلاء القائمه علی العمل بأخبار الثقه بعد ورود الشرع تقتضی العمل بأخبار الثقه فی أمور معاشهم وفی الأحکام الشرعیه المولویه فعلا فالمقتضی موجود وهو السیره المرتکزه فی الأذهان والمانع مفقود وهو عدم وجود الرادع وعدم وجود المانع فسیره العقلاء تقتضی العمل بأخبار الثقه فعلا بعد مجیء الاسلام وبعد وجود الشریعه کما انها تقتضی العمل بأخبار الثقه فعلا فی عصر العقلاء قبل مجیء الإسلام کذلک تقتضی بعد مجیء الإسلام، إلا أن السیره القائمه علی العمل بظواهر الآیات الناهیه فإن مدلول هذه السیره حجیه ظواهر هذه الآیات فإن هذه الآیات حجه وکاشفه عن مراد المولی الجدی النهائی فی الواقع ولا تقتضی العمل بها إذ لا ملازمه بین حجیه شیء والعمل به فإنه لا شبهه فی أن ظهور الآیات حجه ولکن قد یعمل بها وقد لا یعمل فلا ملازمه بن حجیه شیء وبین العمل به فإن کثیرا من العقلاء لا یعملون بالأحکام الشرعیه. فمفاد السیره القائمه علی العمل بظواهر الآیات الناهیه عن العمل بغیر العلم حجیه هذه الظاهره وانها حجه وکاشفه عن الواقع ولا تقتضی العمل بها فإن العمل بالحجه شیء آخر فلا ملازمه بین حجیه شیء والعمل به.

وعلی هذا فلا تنافی بین السیرتین فإن السیره القائمه علی العمل بأخبار الثقه فإنها تقتضی العمل بها فعلا واما السیره القائمه عل العمل بظواهر الالفاظ فإنها لا تقتضی العمل بها وإنما تقتضی حجیتها وکاشفیتها عن الواقع فلا تنافی بین الأمرین.

هکذا ذکره(قده) علی ما فی تقریر بحثه.

وللمناقشه فیهما مجال.

فمضافا إلی ما ذکرناه من أنه لا تنافی بین السیرتین بین السیره القائمه علی العمل بظواهر الالفاظ ومنها ظواهر هذه الآیات الناهیه وبین السیره القائمه علی العمل بأخبار الثقه فإن النسبه بین السیرتین عموم وخصوص مطلق ولا تنافی بین العام والخاص ولا مانع من أن یکون کلاهما مشمولا لدلیل الحجیه لإمکان الجمع الدلالی العرفی بینهما، وفی المقام الأمر کذلک فإن ظهور الآیات الناهیه أو ظهور الالفاظ مطلقا أعم من أخبار الثقه فلا مانع من شمول السیره لکلیهما معا ولا یلزم أی تناقض وتهافت لإمکان الجمع الدلالی العرفی بینهما.

ص: 97

مضافا إلی ذلک فکلا الإشکالین مورد للمناقشه:

أما الإشکال الأول فلا شبهه فی أن العمل بأخبار الثقه بعد مجیء الإسلام یکون فعلیا لأن السیره حیث أنها مرتکزه فی الأذهان وثابته فی أعماق نفوسهم کالجبله والفطره فهم یعملون بأخبار الثقه فی امور معاشهم وفی العلاقات الاجتماعیه الدینیه وغیرها بدون ادنی التفات إلی أن هناک مانع أو لا أو رادع أو لا وبدون أی منبه وتذکیر ویتحرکون فی الخارج علی طبق هذا الارتکاز فإن المرتکزات النفسیه الثابته فی أعماق نفوس الإنسان تحدد سلوک الإنسان فی الخارج فإذن لا شبهه فی أنهم بعد مجیء الإسلام یعملون بأخبار الثقه فعلا فی أمور معاشهم وعاداتهم وعلاقاتهم الاجتماعیه والدینیه والمادیه والمعنویه.

فما ذکره(قده) من أن السیره تقتضی العمل بأخبار الثقه بعد مجیء الإسلام اقتضاء لا فعلا لا یمکن المساعده علیه.

واما ما ذکره(قده) من الإشکال الثانی فإن لزوم التناقض إنما هو فی مرحله الجعل لا فی مرحله التطبیق والعمل فإن قیام السیره علی العمل بأخبار الثقه معناه أنها حجه ومعنی انها حجه انه لا رادع لها ولا مانع عنها ومعنی قیام السیره علی العمل بظواهر الالفاظ ومنها ظواهر الآیات الناهیه عن العمل بغیر العلم أن ظواهر الالفاظ حجه ومعنی حجیتها أن ظواهر الآیات الناهیه حجه فإذا کانت حجه فهی رادعه عن حجیه أخبار الثقه وهذا هو معنی التناقض فیلزم الجمع بین حجیه أخبار الثقه وعدم حجیتها وبین رادعیه الآیات الناهیه وعدم رادعیتها ومعنی أن أخبار الثقه حجه أن ظواهر الآیات الناهیه لیس برادعه ومعنی أن ظواهر هذه الآیات حجه ان أخبار الثقه لیست بحجه لأنها رادعه عنها فمن أجل ذلک یلزم التناقض فی مرحله الجعل فلیس الکلام فی لزوم التناقض فی مرحله التطبیق والعمل وإنما لزوم التناقض فی مرحله الجعل.

ص: 98

أدله حجیه خبر الواحد – السیره العقلائیه. بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – السیره العقلائیه.

إلی هنا قد وصلنا إلی هذه النتیجه وهی أن ما ذکره المحقق الأصفهانی(قده) أراد به أن السیره الجاریه علی العمل بأخبار الثقه مفادها حجیه أخبار الثقه وانها حجه لدی العقلاء بمعنی المنجزیه والمعذریه والسیره الجاریه علی العمل بظواهر الکتاب والسنه ومنها ظواهر هذه الآیات الناهیه معناها حجیه هذه الظواهر وأن الحجیه مجعوله لها بمعنی المنجزیه والمعذریه والجمع بین السیرتین بهذا المعنی لا یمکن فإن معنی حجیه أخبار الثقه أن ظاهر هذه الروایات المانعه لا تصلح أن تکون رادعه إذ لو کانت رادعه لم تکن أخبار الثقه حجه فحجیه أخبار الثقه معناه عدم صلاحیه رادعیه ظواهر هذه الآیات الناهیه ومعنی حجیه ظواهر هذه الآیات الناهیه أن السیره مردوعه أی أن أخبار الثقه مردوعه ولیست بحجه فمن أجل ذلک لا یمکن الجمع بین السیرتین السیره الجاریه علی العمل بأخبار الثقه والسیره الجاریه علی العمل بظواهر الکتاب والسنه ومنها ظواهر هذه الآیات الناهیه.

هذا هو مراد المحقق الأصفهانی(قده).

والإشکال علیه تاره بأن السیره بعد مجیء الإسلام والشریعه تقتضی العمل بأخبار الثقه اقتضاء لا فعلا واما الاسیره الجاریه علی العمل بالظواهر فهی تقتضی فعلیه العمل بها فلا یکون هناک تنافیا بینهما إذ لا تنافی بین ما یکون مقتضیا لشیء اقتضاء وبین ما یکون مقتضیا منافیه فعلا وما ذکره المحقق الأصفهانی من التنافی لا یمکن المساعده علیه.

ولکن الجواب عن ذلک قد ظهر:

أولا: أن غرض المحقق الأصفهانی لیس العمل بمؤدی السیره أی لیس العمل بأخبار الثقه عملا خارجیا ولیس العمل بظواهر الکتاب عملا خارجیا من باب الامتثال والتطبیق بل غرضه حجیه أخبار الثقه وحجیه ظواهر الآیات الناهیه عن العمل بالظن وحجیه الشیء لا تستلزم العمل به فالعمل شیء والحجیه شیء إذ یمکن أن یکون الشیء حجه ولکن المکلف لا یعمل به ویعصی فلا ملازمه بین حجیه شیء وبین العمل به فالتنافی بین حجیه أخبار الثقه وبین حجیه ظواهر الآیات الناهیه فی مرحله الجعل أی جعل الحجیه لا فی مرحله الامتثال والعمل الخارجی.

ص: 99

وأخری بان مفاد السیره الجاریه علی العمل بظواهر الکتاب والسنه ومنها ظواهر هذه الآیات الناهیه حجیه هذه الظواهر وکاشفیتها عن مراد المولی الجدی النهائی فی الواقع وکذلک السیره الجاریه علی العمل بأخبار الثقه مفادها حجیتها وکاشفیتها عن مراد المولی الجدی النهائی فی الواقع، ولیس مفاد السیره الجاریه علی العمل بظواهر الآیات العمل بمؤداها وامتثاله وکذلک المراد من السیره الجاریه علی العمل بأخبار الثقه لیس مفادها العمل بمؤدی هذه السیره وهو العمل بأخبار الثقه وامتثالها حتی یکون بینهما تنافیا ولا یمکن الجمع بین العمل بأخبار الثقه والعمل بظواهر الآیات الناهیه.

ولکن هذا الاشکال لیس واردا لأن هذا الإشکال لیس مرادا للمحقق الأصفهانی(قده)، فلیس مراده العمل بمؤدی السیره الجاریه علی حجیه ظواهر هذه الآیات ولیس مراده العمل بمؤدی السیره الجاریه علی العمل بأخبار الثقه بل مراده حجیه أخبار الثقه فإنها مفاد السیره وحجیه ظواهر الکتاب والسنه ومنها ظواهر هذه الآیات الناهیه هذا هو مراده.

هذا مضافا إلی أنه لو کان المجعول الحجیه فی مرحله الجعل ومراد المحقق الأصفهانی العمل بالمؤدی فأیضا التنافی موجود وبذلک لا ینحل التنافی فإن التنافی بن حجیه ظواهر هذه الآیات الناهیه وبین حجیه أخبار الثقه موجود لا یمکن الجمع بینهما فإن معنی حجیه ظواهر الآیات الناهیه أنها رادعه عن حجیه أخبار الثقه وأنها لیست بحجه ومعنی حجیه أخبار الثقه أنها لیست مردوعه وممنوعه عن العمل بها وأن ظاهر الآیات الناهیه لیس رادع عنها.

فالنتیجه أن ما أورده(قده) من الإشکال علی المحقق الأصفهانی(قده) غیر تام.

الوجه الرابع: ما ذکره بعض المحققین(قده) من ان السیره الجاریه علی العمل بأخبار الثقه فی زمن الأئمه(ع) بین أصحابهم وبین تابعیهم لا یمکن ان تکون الآیات الناهیه عن العمل رادعه عن هذه السیره فإن هذه السیره سیره متشرعیه موجوده بین أصحاب الأئمه(ع) وتابعیهم وفی زمانهم مع وجود هذه الآیات الناهیه عن العمل بالظن وبغیر العلم فلو کانت هذه الآیات الناهیه عن العمل بالظن وبغیر العلم رادعه عن هذه السیره لصدر من الأئمه(ع) منبه ینبه أصحابهم بأن هذه الآیات رادعه مع أنه لم یصدر منهم(ع) منبه لا نصا ولا إشاره ولا کنایه.

ص: 100

ومن هنا نستکشف أن هذه الآیات لا تصلح ان تکون رادعه عن السیره المتشرعیه الموجوده بین أصحاب الأئمه(ع) وتابعیهم. نعم السیره العقلائیه التی لا تکون بنفسها حجه وحجیتها إنما هی بإمضاء الشارع لها فإن لم یصدر إمضاء من الشارع فلا تکون حجه فعندئذ یمکن ان یقال أن هذه الآیات الناهیه عن العمل بغیر العلم تصلح أنت تکون رادعه أی مانعه عن الإمضاء یمکن ان یقال بذلک.

هکذا ذکره(قده).

وللمناقشه فیما أفاده مجال.

فإنه لیس هنا سیرتان سیره متشرعیه علی العمل بأخبار الثقه فی زمن الأئمه(ع) بین أصحابهم وتابعیهم وسیره عقلائیه موجوده بین الناس بل السیره سیره واحده وهی سیره العقلاء فإن هذه السیره مرتکزه فی الأذهان وثابته فی أعماق نفوسهم کالجبله والفطره والناس یعملون بهذه السیره قبل مجیء الإسلام وبعده فإنهم یعملون بهذه السیره بدون أدنی منبه وتذکیر غایه الأمر أن هذه السیره بعد الإمضاء تحولت من السیره العقلائیه إلی السیره المتشرعیه فاتصافها بالسیره المتشرعیه بعنوان ثانوی وإلا فهی ذاتا سیره العقلاء فقبل الإمضاء لا تکون حجه وبعدم الإمضاء تتحول من السیره العقلائیه إلی السیره المتشرعیه فتکون حجه.

وعلی هذا فلیس هنا سیرتان سیره مستحدثه وهی سیره المتشرعه فی زمن الأئمه(ع) إذ لا شبهه انه لم تحدث سیره علی العمل بأخبار الثقه بین أصحاب الأئمه(ع) غیر سیره العقلاء فهی موجوده ومرتکزه غایه الأمر قبل الإسلام لم تکن حجه شرعا وبعد مجیء الإسلام وإمضاء الشارع لها تکون حجه وتتحول من السیره العقلائیه إلی السیره المتشرعیه.

فما ذکره بعض المحققین(قده) علی ما فی تقریر بحثه من أن هذه السیره سیره متشرعیه وحادثه فی الشریعه لیس الأمر فیه کذلک. لأن سیره المتشرعه مستنده إلی الشرع فهی بنفسها حجه وحجیتها لا تتوقف علی الإمضاء ولا معنی لتعلیل حجیتها بالإمضاء فإن ما یکون حجه فی نفسه لا یصح تعلیل حجیته بأمر خارج عنه وهذا نظیر تعلیل نجاسه الدم بملاقاته للبول فإن هذا التعلیل غیر صحیح ورکیک لدی العرف والسیره المتشرعیه حیث انها مستنده إلی الشرع فهی بنفسها حجه لا بالإمضاء واما السیره العقلائیه فهی بنفسها لیست بحجه ولا تکون مستنده إلی الشرع بل هی مستنده إلی نکته عقلائیه وهی أقربیه أخبار الثقه إلی الواقع نوعا من أخبار غیر الثقه وأقربیه ظواهر الکتاب والسنه إلی الواقع من ظواهر الأفعال، وحینئذ تکون حجیتها متوقفه علی الإمضاء فطالما لم یمض الشارع لهذه السیره لم تکن حجه ومع إمضائها کانت حجه.

ص: 101

هذا کله فیما ذکره بعض المحققین(قده).

ادله حجیه خبر الواحد – السیره العقلائیه بحث الأصول

الموضوع: ادله حجیه خبر الواحد – السیره العقلائیه

إلی هنا قد تبین أن شبهه رادعیه الآیات الناهیه عن العمل بالظن وبغیر العلم مما لا أساس لها وذلک لسببین مهمین:

السبب الأول: قد تقدم أن هذه السیره مرتکزه فی أذهان الناس وثابته فیها کالتقالید والعادات التی هی بمثابه ذاتی الإنسان وتحدد سلوکیاته فی الخارج وعله لها وهی إما سلوکیات معتدله ومستقیمه وأما منحرفه فهذه التقالید والعادات التی هی بمثابه ذاتیه للإنسان عله لسلوکیات الإنسان فی الخارج والسیره أیضا کذلک أی هی کالتقالید الذاتیه للإنسان فالناس یتحرکون ویعملون بأخبار الثقه بدون أی التفات ومن دون أن یخطر ببالهم أن الآیات الناهیه عن العمل بالظن رادعه عن العمل بهذه السیره ومن هنا قلنا إن السیره قطعیه بل ضروریه وکذلک إمضاؤها، إذ لو کانت هذه السیره منافیه للأغراض الدینیه لصدر عن النبی الأکرم(ص) ردع عنها وتنبیه وإشاره وتأکید علی أن هذه السیره منافیه للمصالح الدینیه بطبیعه الحال مع أنه لا عین ولا أثر لذلک لا من النبی الأکرم(ص) ولا من الأئمه الأطهار(ع) فی طول هذه الفتره الزمنیه.

ومن هنا نکشف کشفا قطعیا بل ضروریا أن هذه السیره ممضاه شرعا وأنها مقبوله عند الشارع فمن أجل ذلک لا یمکن أن تکون الآیات الناهیه بعمومها وإطلاقها رادعه عن هذه السیره فإنه لا یمکن ان یکون الدلیل الظنی مزاحما للدلیل القطعی فإن ظهور الآیات الناهیه فی العموم والإطلاق ظنی وأما هذه السیره فبنفسها وإمضائها قطعیه فکیف یمکن ان تعارض مثل هذه السیره وکیف یمکن ان تکون رادعه عنها؟!

السبب الثانی: أن السیره دلیل لبی ولیس دلیلا لفظیا والدلیل اللبی لیس له مقامین: مقام الإثبات ومقام الثبوت إذ أن مقام إثباته عین مقام ثبوته ومقام ثبوت عین مقام إثباته، لأن مقام الثبوت والإثبات إنما یتصور فی الدلیل اللفظی فإن دلالته فی مقام الإثبات والمعنی وجوده وجود واقعی قد یکون اللفظ کاشفا عنه وقد لا یکون کاشفا عنه فالکشف غیر وجود المکشوف فی الواقع واما فی الدلیل اللبی فلا یتصور الکاشف والمکشوف والدال والمدلول ولهذا لا یتصور فی الدلیل اللبی مقام الإثبات ومقام الثبوت لأن مقام إثباته عین مقام الثبوت وبالعکس. والدلیل اللبی کالسیره العقلائیه الجاریه علی العمل بأخبار الثقه بمثابه القرینه المتصله للآیات الناهیه عن العمل بالظن وبغیر العلم والقرینه المتصله مانعه عن انعقاد ظهور العام فی العموم وظهور المطلق فی الإطلاق.

ص: 102

فهذه السیره بنفسها مانعه عن ظهور هذه الآیات فی العموم وفی الإطلاق فتصبح الآیات مجمله ولا بد من الأخذ بالمقدار المتیقن منها والمقدار المتیقن منها غیر أخبار الثقه التی قامت علی حجیتها السیره القطعیه من العقلاء الممضاه شرعا.

فإذن هذه السیره بما أنها دلیل لبی مانعه عن انعقاد ظهور هذه الآیات الناهیه فی العموم والإطلاق.

ولو فرضنا وسلمنا أن هذه السیره رغم أنها دلیل لبی لا تکون مانعه عن انعقاد ظهور هذه الآیات فی العموم والإطلاق فعندئذ هل یکون إطلاق هذه الآیات وعمومها رادع عن هذه السیره أولا یکون رادعا.

والجواب عن ذلک: أن هنا عده اتجاهات وعده مسالک:

الاتجاه الأول: ما تقدم منا من أنه لا تنافی بین السیره القائمه علی حجیه ظهور هذه الآیات الناهیه عن العمل بالظن وبغیر العلم والسیره القائمه علی حجیه أخبار الثقه فإن النسبه بینهما عموم مطلق ولا مانع من شمول دلیل الاعتبار لکل من العام والخاص معا والمطلق والمقید معا، فإن التعارض بینهما غیر مستقر لإمکان الجمع الدلالی العرفی بینهما فکلاهما مشمول لدلیل الاعتبار بلا أی تناف وتعارض.

وما نحن فیه کذلک فإن ظهور هذه الآیات الناهیه فی العموم والإطلاق أعم من السیره القائمه علی حجیه أخبار الثقه. ولا مانع من شمول کلتا السیرتین للظهور ولأخبار الثقه معا لإمکان الجمع الدلالی العرفی بینهما بحمل العام علی الخاص.

الاتجاه الثانی: ما ذکره المحقق الخراسانی(قده) (1) وقد أشرنا إلیه فیما سبق أیضا من أنه لا مانع من مخصصیه السیره لعموم الآیات الناهیه عن العمل بالظن وبغیر العلم؛ فإن مخصصیه السیره لا تتوقف علی عدم رادعیه عموم هذه الآیات فی الواقع ومقام الثبوت بل تتوقف علی عدم ثبوت رادعیه هذه الآیات فی مقام الإثبات وإن کانت رادعه فی مقام الثبوت فإذا لم تثبت رادعیه عموم هذه الآیات عن السیره فی مقام الإثبات فهو کاف للتمسک بالسیره القائمه علی حجیه أخبار الثقه.

ص: 103


1- کفایه الاصول، المحقق الخراسانی، ص303.

فإذاً مخصصیه أخبار الثقه أو مخصصیه هذه السیره لعموم هذه الآیات الناهیه لا تتوقف علی عدم رادعیتها فی الواقع ومقام الثبوت بل تتوقف علی عدم ثبوت رادعیتها فی مقام الإثبات وحینئذ لا دور فی المقام، فإن عدم ثبوت الرادعیه لا یتوقف علی شیء بل هو ثابت هذا العدم من الأزل.

ولکن ما ذکره(قده) غیر تام؛ لما تقدم من أن مخصصیه السیره تتوقف علی حجیتها وحجیتها تتوقف علی إحراز إمضائها شرعا ومع الشک فی رادعیه هذه الآیات الناهیه فی الواقع فلا یمکن القطع بحجیه هذه السیره فبطبیعه الحال الشک فی الإمضاء والشک فی عموم رادعیه هذه الآیات للسیره یشک فی حجیتها وقد تقدم ان الشک فی الحجیه مساوق للقطع بعدمها أی بعدم ترتیب آثارها التی لا تنفک عنها، لا أن مخصصیه السیره تتوقف علی عدم ثبوت رادعیه عموم هذه الآیات وإن کانت رادعه فی الواقع ومقام الثبوت.

وهذا غریب من صاحب الکفایه(قده) إذ مع احتمال أن عموم هذه الآیات الناهیه رادع عن السیره فی الواقع ومقام الثبوت لم یحرز حجیه هذه السیره ولم یحرز إمضائها فبطبیعه الحال یشک فی حجیتها والشک فیها مساوق للقطع بعدمها فما ذکره صاحب الکفایه(قده) غریب جدا.

بل الأمر بالعکس تماما فإن رادعیه عموم هذه الآیات الناهیه عن السیره لا یتوقف علی عدم مخصصیتها فی الواقع ومقام الثبوت بل تتوقف علی عدم ثبوت مخصصیتها فی مقام الإثبات فقط وإن کانت فی الواقع ومقام الثبوت مخصصه باعتبار أن التمسک بالعام ثابت فیما إذا لم یعلم بوجود المخصص فإن ظهور العام فی العموم حجه طالما لم یعلم بوجود المخصص له وإن کان موجودا فی الواقع فوجوده فی الواقع لا أثر له فطالما لم یصل المخصص إلی المکلف ولم یعلم به فلا أثر لوجوده فی الواقع. فالتمسک بالإطلاق والعموم منوط بعدم العلم بالمخصص فی مقام الإثبات وإن کان المخصص أو المقید موجودا فی الواقع ومقام الثبوت والا فلا یمکن التمسک بأکثر عمومات الآیات الکریمه والروایات وإطلاقاتها لاحتمال وجود المخصص والمقید لها، مع أن الأمر لیس کذلک.

ص: 104

أدله حجیه خبر الواحد- السیره العقلائیه بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد- السیره العقلائیه

إلی هنا قد تبین أن ما ذکره المحقق الخراسانی(قده) والسید الاستاذ(قده) من أن رادعیه عموم الآیات الناهیه لا تتوقف علی عدم مخصصیه السیره واقعا وفی مقام الثبوت بل تتوقف علی عدم ثبوت مخصصیه السیره فی مقام الإثبات وکذلک العکس فإن مخصصیه السیره لا تتوقف علی عدم رادعیه عموم الآیات الناهیه فی مقام الثبوت والواقع وإنما تتوقف علی عدم ثبوت رادعیه عموم الآیات الناهیه فی مقام الإثبات وعلی هذا فلا دور فی المقام من کلا الطرفین؛ فإن رادعیه عموم الآیات الناهیه تتوقف علی عدم ثبوت مخصصیه السیره فی مقام الإثبات وعدم مخصصیه السیره لا یتوقف علی شیء وهو عدم أزلی. وکذلک مخصصیه السیره تتوقف علی عدم ثبوت رادعیه عموم الآیات الناهیه فی مقام الإثبات وعدم ثبوت رادعیه عموم الآیات الناهیه لا یتوقف علی شیء بل هو عدم أزلی فلا دور فی المقام فما ذکره المحقق الخراسانی من الدور فلا أصل له ولا دور فی المقام.

وذکر بعض المحققین(قده) أن هذا البیان إنما یتم إذا کان دلیل المخصص لفظیا لأنه حینذاک یکون له مقام الثبوت ومقام الإثبات فإن مقام الإثبات قد یکون مطابقا لمقام الثبوت وقد لا یکون مطابقا له، فإذا کان المخصص لفظیا فما ذکره المحقق الأصفهانی(قده) وکذلک السید الاستاذ(قده) من ان رادعیه عموم الآیات الناهیه تتوقف علی عدم ثبوت مخصصیه السیره فی مقام الإثبات هذا إنما یتم فیما إذا کان المخصص لفظیا وله مقام الإثبات ومقام الثبوت.

وأما إذا کان المخصص لبیا کما هو الحال فی المقام فإن المخصص فی المقام السیره القطعیه من العقلاء الممضاه شرعا وهی دلیل لبی ولیس له مقام الثبوت ومقام الإثبات بل مقام ثبوته عین مقام إثباته وبالعکس فإذاً لا وجه لهذا التفصیل لأن رادعیه عموم هذه الآیات الناهیه تتوقف علی عدم ثبوت مخصصیه السیره فی مقام الإثبات ولا تتوقف علی عدم ثبوت مخصصیتها فی الواقع ومقام الثبوت.

ص: 105

هکذا ذکره بعض المحققین(قده) من الإشکال علی المحقق الأصفهانی والسید الاستاذ(قدهما).

ولکن للمناقشه فیه مجالا ولا بد فی المقام من التفصیل؛ فإنه لا شبهه فی أن القضایا الوجدانیه لا یتصور فیها مقام الثبوت ومقام الإثبات سواء کانت ضروریه أم کانت قطعیه وکذلک القضایا الفطریه والقضایا الارتکازیه الثابته فی أعماق النفوس فإن فی هذه القضایا لا یتصور مقام الثبوت ومقام الإثبات؛ فإن مقام الثبوت والإثبات إنما یتصوران فی غیر القضایا الوجدانیه سواء کانت ضروریه ام کانت قطعیه.

وعلی هذا: فالسیره العقلائیه الجاریه علی العمل بأخبار الثقه أمر وجدانی فإنها کالقضیه الفطریه ومن القضایا الوجدانیه الارتکازیه الثابته فی أعماق أذهان الناس فلا یتصور فیها مقام الثبوت ومقام الإثبات عند العقلاء ولا عند الشارع فإنه بعد مجیء الإسلام الناس یعملون بأخبار الثقه فطره وجبله بدون أدنی التفات إلی المنع من قبل الشارع والردع بل هم یعملون بها فی مرأی ومسمع النبی الأکرم(ص) فی أمور معاشهم ومعادهم وفی الأوامر والنواهی المولویه وفی العلاقات الاجتماعیه والفردیه فی اللیل والنهار ومن البدیهی أن هذه السیره لو کانت مخالفه للأغراض التشریعیه فبطبیعه الحال لم یسکت النبی الأکرم(ص) عنها ولصدر منه ردع عن العمل بهذه السیره ومنع باعتبار أنها مخالفه للمصالح الدینیه فکیف یعقل سکوت النبی الأکرم(ص) عن ذلک فسکوته کاشف قطعی عن إمضاء هذه السیره وأنها لا تنافی الأغراض التشریعیه والمصالح الدینیه.

ولا یتصور فی هذه السیره مقامی الثبوت والإثبات فإن هذه السیره کاشفه بنفسها عن حجیتها المتقومه بإحراز إمضائها من قبل الشارع فلا یتصور فیها مقام الثبوت ومقام الإثبات لأنه إما أن تکون کاشفه أو لا تکون کاشفه ولا ثالث لهما.

وأما سیره العقلاء إذا لم تکن بهذه الدرجه کالسیره العقلائیه المستحدثه بعد مجیء الإسلام وبعد التشریع فإن حجیه هذه السیره بحاجه إلی صدور إمضاء من الشارع من نص فی الکتاب أو فی السنه وفی هذه السیره یتصور فیها مقام الثبوت والإثبات أی إمضاء الشارع لها؛ فإنه یمکن ان یکون الإمضاء صادرا من الشارع ولکنه لم یصل إلینا کما هو الحال فی سائر الأخبار الوارده فی المسائل فإنها قد صدرت فی مقام الثبوت والواقع ولکنها لم تصل إلینا، فصدورها لم یکن ملازما للوصول فقد یصل إلی المکلف وقد لا یصل وکذا إمضاء هذه السیره فهو بحاجه إلی صدور نص من الشارع فیمکن ان یکون النص قد صدر ولکنه لم یصل إلینا وحینئذ یتصور فی الإمضاء مقام الثبوت ومقام الإثبات، بل سکوت الشارع أمام هذه السیره المستحدثه لا یکشف عن الإمضاء کالسیره الجاریه بین العقلاء فی عصر التشریع علی حق النشر وحق التألیف وما شاکل ذلک مع أنه لا یمکن لنا إثبات إمضاء هذه السیره فیمکن أن یکون الإمضاء قد صدر عن المعصومین(ع) ولکنه لم یصل إلینا، فمن أجل ذلک لا یمکن الحکم بحجیه هذه السیره.

ص: 106

فالنتیجه: أن السیره بنفسها لا تکون حجه وحجیتها إنما هی بإمضائها فإذا لم تکن السیره بنفسها کاشفه عن الإمضاء وإثبات إمضائها بحاجه إلی دلیل ونص فإذا صدر نص من الشارع بإمضاء هذه السیره فهی حجه وأما إذا لم یصدر نص من الشاعر بإمضائها فلا دلیل علی حجیتها والشک فی حجیتها مساوق للقطع بعدمها کما تقدم.

فإذاً لا بد لنا من التفصیل فی سیره العقلاء فإنها إن کانت بمثابه السیره الجاریه علی العمل بأخبار الثقه وبظواهر الالفاظ کظواهر الکتاب والسنه فلا شبهه فی أن هذه السیره بنفسها کاشفه جزما وقطعا عن إمضائها وأما إذا لم تکن السیره بهذه المرتبه فلا تکون فی نفسها کاشفه وإمضاؤها بحاجه إلی صدور نص من المعصومین(ع) فإن صدر نص فی إمضائها ووصل إلینا فنقول بحجیتها وإلا فلا یمکن الحکم بحجیتها.

فالنتیجه: أن ما ذکره بعض المحققین(قده) لا یتم علی إطلاقه بل لا بد من التفصیل.

والنتیجه المحصله: إن کانت القضیه من القضایا الوجدانیه کالقضایا الضروریه والقطعیه والفطریه والارتکازیه التی هی أمور وجدانیه فلا یتصور فیها مقام الثبوت ومقام الإثبات لأن مقام ثبوتها عین مقام إثباتها، وکذلک الحال فی السیره الجاریه علی العمل بأخبار الثقه وظواهر الالفاظ فهی داخله فی القضایا الوجدانیه من جهه ارتکازها فی الأذهان فلا یتصور فیها مقام الثبوت والإثبات. وأما إذا کانت سیره العقلاء دون ذلک فی المرتبه بحیث لا تکون بنفسها کاشفه عن الإمضاء وموافقه الشارع لها فلا بد من إثبات صدور الإمضاء من الشارع لها.

إلی هنا تبین أن هذا الإشکال وارد علی المحقق الأصفهانی والسید الاستاذ(قدهما) وغیرهم لأن التفصیل بین أن تکون رادعیه عموم هذه الآیات الناهیه متوقفه علی عدم ثبوت مخصصیه السیره فی مقام الإثبات لا علی عدم مخصصیتها فی الواقع ومقام الثبوت لا وجه له، فإن هذه السیره مقام إثباتها عین مقام الثبوت.

ص: 107

أدله حجیه خبر الواحد – السیره العقلائیه بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – السیره العقلائیه

الوجه الثالث: ما ذکره بعض المحققین(قده) لعلاج مشکله الدور فی المقام.

وتقریب هذا الوجه: أن مخصصیه السیره وحجیتها متوقفه علی عدم حجیه عموم الآیات الناهیه فی نفسها لا بالفعل وأما حجیه عموم الآیات الناهیه فهی متوقفه علی عدم مخصصیه السیره وعدم حجیتها بالفعل ومعنی أن حجیه السیره ومخصصیتها متوقفه علی عدم حجیه عمومات الآیات الناهیه فی نفسها یعنی أن ظواهر الآیات الناهیه فی العموم حجه بقطع النظر عن السیره، بمعنی أن حجیه السیره معلقه علی عدم حجیه إطلاقات الآیات وعموماتها فلو کانت حجه فلا تکون السیره حجه لأن المعلق ینتفی بانتفاء المعلق علیه، وحجیه السیره معلقه علی عدم حجیه عمومات الآیات الناهیه وبانتفائها تنتفی حجیه السیره، فإذا کانت عمومات الآیات الناهیه حجه فلا تکون السیره حجه.

وأما عکس ذلک وهو أن حجیه عمومات الآیات الناهیه فهی متوقفه علی عدم حجیه السیره بالفعل بمعنی أن حجیه السیره بالفعل لا تکون مانعه عن حجیه عمومات الآیات الناهیه غایه الأمر تقع المعارضه بینهما فلا تکون حجیه عمومات الآیات الناهیه معلقه علی عدم حجیه السیره.

وبذلک یرتفع الدور لأن ما یتوقف علیه حجیه السیره ومخصصیتها غیر ما تتوقف علیه حجیه عمومات الآیات الناهیه فإن ما تتوقف علیه مخصصیه السیره وحجیتها عدم حجیه عمومات الآیات الناهیه فی نفسها وما تتوقف علیه حجیه عمومات الآیات الناهیه علی عدم مخصصیه السیره وعدم حجیتها بالفعل فما تتوقف علیه أحداهما غیر ما یتوقف علیه الأخری فلا دور فی البین.

نعم لو کانت حجیه عمومات الآیات الناهیه أیضا متوقفه علی عدم حجیه السیره ومخصصیتها فی نفسها لزم الدور لاتحاد ما یتوقف علیه فی کلا الجانبین: فی جانب السیره وفی جانب عمومات الآیات الناهیه. أو إذا کان ما تتوقف علیه الحجیه الفعلیه مخصصیه السیره وحجیتها متوقفه علی عدم حجیه عمومات الآیات الناهیه بالفعل وحجیه عمومات الآیات الناهیه متوقفه علی عدم حجیه السیره ومخصصیتها بالفعل فأیضا یلزم الدور. فإن الدور ینتفی فیما إذا کان ما یتوقف علیه أحداهما غیر ما یتوقف علیه الأخری.

ص: 108

هکذا ذکره(قده) علی ما فی تقریر بحثه.

والظاهر أن ما ذکره(قده) مجرد افتراض لا واقع موضوعی له فی المسأله فإن هناک فروض أربعه:

الفرض الأول: أن مخصصیه السیره وحجیتها متوقفه علی عدم حجیه عمومات الآیات الناهیه فی نفسها. وأما حجیه عمومات الآیات الناهیه فهی متوقفه علی عدم مخصصیه السیره وحجیتها بالفعل.

الفرض الثانی: عکس ذلک أی مخصصیه السیره وحجیتها متوقفه علی عدم حجیه عمومات الآیات الناهیه بالفعل وأما حجیه عمومات الآیات الناهیه فهی متوقفه علی عدم حجیه السیره ومخصصیتها فی نفسها لا بالفعل.

الفرض الثالث: أن مخصصیه السیره وحجیتها متوقفه علی عدم حجیه عمومات الآیات الناهیه فی نفسها وکذلک حجیه عمومات الآیات الناهیه متوقفه علی عدم مخصصیه السیره وحجیتها فی نفسها.

الفرض الرابع: ان مخصصیه السیره وحجیتها متوقفه علی عدم حجیه عمومات الآیات الناهیه بالفعل وکذلک حجیه عمومات الآیات الناهیه متوقفه علی عدم مخصصیه السیره وحجیتها بالفعل.

فهذه فروض أربعه ولا دلیل علی شیء منها ولا واقع موضوعی لشیء منها.

وما ذکره(قده) من أن مخصصیه السیره وحجیتها متوقفه علی عدم حجیه عمومات الآیات الناهیه فی نفسها ومعنی ذلک أن حجیه السیره حجیه لولائیه لا حجیه فعلیه أی لولا حجیه عمومات الآیات الناهیه لکانت السیره حجه کما ذکره(قده) من أن مخصصیه السیره وحجیتها متوقفه علی عدم حجیه عمومات الآیات الناهیه فی نفسها. وأما حجیه عمومات الآیات الناهیه فمتوقفه علی عدم مخصصیه السیره وحجیتها بالفعل ومعنی بالفعل أن عمومات الآیات الناهیه حجه فی حال حجیه السیره غایه الأمر تقع المعارضه بینهما. ومعنی فی نفسها أن حجیه السیره لولائیه أی لولا حجیه عمومات الآیات الناهیه لکانت السیره حجیه ومخصصه.

ولکن لا دلیل علی هذا الفرض.

أما أولا: فقد تقدم أن هذه السیره سیره مرتکزه فی الأذهان وثابته فی أعماق النفوس کالقضیه الفطریه ولهذا یعمل الناس بأخبار الثقه من دون أی یخطر ببالهم أن ظواهر هذه الآیات مانعه ورادعه عن ذلک باعتبار ارتکازیته فلا یمکن فرض أن حجیه السیره حجیه لولائیه لأن معنی اللولائیه أنه لولا حجیه العمومات الآیات الناهیه لکانت السیره حجه وأما إذا کانت عمومات الآیات الناهیه حجه فلا تکون السیره حجه ومخصصه وهذا لا ینسجم مع کون السیره مرتکزه فی الذهن کالقضیه الفطریه ولهذا تصبح من القضایا الوجدانیه الضروریه فلا یمکن أن تعارض ظواهر الآیات الناهیه مثل هذه السیره وتزاحمها.

ص: 109

وثانیا: مع الإغماض عن ذلک ولکن یلزم التعارض بین حجیه السیره ومخصصیتها وحجیه عمومات الآیات الناهیه. وحینئذ فحیث ان النسبه بینهما عموما مطلقا فلا بد من حمل عمومات الآیات الناهیه علی السیره بقانون حمل العام علی الخاص والمطلق علی المقید الذی هو من أحد موارد الجمع الدلالی العرفی.

فإذاً لا یمکن علاج الدور بذلک.

وثالثا: مع الإغماض عن ذلک أیضا وتسلیم أن حجیه السیره ومخصصیتها لا تتقدم علی حجیه عمومات الآیات الناهیه من باب تقدیم الخاص علی العام والمقید علی المطلق بسبب من الأسباب فعندئذ تسقط حجیه کل منهما فکما تسقط حجیه السیره تسقط حجیه عمومات الآیات الناهیه أیضا فلا تکون السیره حجه ولا عمومات الآیات الناهیه حجه.

وهنا فرضان آخران یمکن افتراضهما ولا واقع موضوعی لهما:

الفرض الأول: أن ظهور الآیات الناهیه فی العموم والإطلاق وإن لم یکن حجه فهی تصلح أن تکون رادعه عن السیره ومانعه عنها لاحتمال مطابقه ظواهر هذه الآیات فی العموم والإطلاق للواقع وهذا الاحتمال مساوق لاحتمال أنها رادعه عن السیره وأن هذه السیره غیر ممضاه شرعا. لأن الشک فی رادعیتها مساوق للشک فی حجیه السیره وتقدم أن الشک فی الحجیه مساوق للقطع بعدمها. وعلی هذا الفرض لا دور فی البین.

الفرض الثانی: أن حجیه ظواهر هذ الآیات فی العموم والإطلاق بملاک عدم ثبوت کذبها فی الواقع وحیث أنا لا نعلم أن هذه الآیات کاذبه فی الواقع (الکذب الدلالی یعنی عمومها وإطلاقها) فملاک حجیه ظواهر هذه الآیات فی العموم والإطلاق ملاکها عدم ثبوت کذبها. فهذه الظواهر حجه وحجیتها متوقفه علی عدم ثبوت کذبها لا علی عدم مخصصیه السیره وعدم حجیتها حتی یلزم الدور، فإذن لا دور فی البین فإن الدور مبنی علی أن حجیه ظواهر هذه الآیات الناهیه فی العموم والاطلاق متوقفه علی عدم حجیه السیره وعلی عدم مخصصیتها فعندئذ یلزم الدور. وأما إذا کانت حجیه ظواهر الآیات الناهیه فی العموم والإطلاق متوقفه علی عدم ثبوت کذبها فعندئذ لا دور فی المقام.

ص: 110

لکن کلا الفرضین مجرد افتراض ولا واقع موضوعی لهما.

أدله حجیه خبر الواحد- السیره العقلائیه بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد- السیره العقلائیه

المسلک الرابع: ما ذکره المحقق الأصفهانی(قده) (1) من أن المقام داخل فی المزاحمه بین المقتضی التنجیزی والمقتضی التعلیقی.

بتقریب: ان مقتضی الحجیه للآیات الناهیه عن العمل بالظن تنجیزی وهو ظهورها فی العموم والإطلاق وأما مقتضی الحجیه فی السیره فتعلیقی فإنه معلق علی إمضاء الشارع وعدم الردع عنها، ومن الواضح أن المقتضی التعلیقی لا یصلح أن یزاحم المقتضی التنجیزی إذ لو کان تأثیر المقتضی التعلیقی مانعا عن تأثیر المقتضی التنجیزی للزم الدور وهو مستحیل.

وقد قرّب(قده) الدور بطریقین:

الطریق الأول: أن تأثیر المقتضی التعلیقی متوقف علی وجوده وتحققه فی الخارج ووجوده وتحققه فی الخارج متوقف علی عدم تأثیر المقتضی التنجیزی فلو کان عدم تأثیر المقتضی التنجیزی متوقفا علی تأثیر المقتضی التعلیقی للزم الدور وهو توقف تأثیر المقتضی التعلیقی علی تأثیر المقتضی التعلیقی وهو من توقف الشیء علی نفسه، وهو مستحیل لرجوعه إلی علیّه الشیء لنفسه.

الطریق الثانی: ان عدم تأثیر المقتضی التنجیزی یتوقف علی تأثیر المقتضی التعلیقی والمفروض أن المقتضی التعلیقی یتوقف علی عدم تأثیر المقتضی التنجیزی فیلزم الدور وهو توقف عدم تأثیر المقتضی التنجیزی علی عدم تأثیر المقتضی التنجیزی وهو من توقف الشیء علی نفسه وهو مستحیل.

هکذا قرّب(قده) الدور فی المقام. فإن الدور لازم لهذین الطریقین.

والظاهر أنه لا تصل النوبه إلی الدور فإن مانعیه المقتضی التعلیقی عن تأثیر المقتضی التنجیزی فی نفسه محال ولا یعقل أن یکون المقتضی التعلیقی مؤثرا فی عدم المقتضی التنجیزی، فمانعیته عن تأثیر المقتضی التنجیزی مستحیله، فلا تصل النوبه إلی الدور.

ص: 111


1- نهایه الدرایه فی شرح الکفایه، المحقق الأصفهانی، ج3، ص250.

وتقریب استحاله مانعیته وجودا وعدما أما عدما فإن المعدوم لا یصلح أن یکون مانعا فالمانع لا بد أن یکون أمرا وجودیا وأما الأمر العدمی فلا یصلح أن یکون مانعا عن تأثیر شیء وأما وجود تأثیر المقتضی التعلیقی فإن وجوده معلق علی عدم تأثیر المقتضی التنجیزی فوجوده لعدم المقتضی التنجیزی فإن وجود المقتضی التعلیقی معلق علی عدم تأثیر المقتضی التنجیزی فإذا کان معلقا علیه فوجود المقتضی التعلیقی مساوق لعدم وجود المقتضی التنجیزی فإذا کان المقتضی التنجیزی معدوما فلا یتصف المقتضی التعلیقی بالمانعیه فإن المانع إنما یتصف بالمانعیه إذا کان المقتضی موجودا وأما إذا کان المقتضی معدوما فلا یتصف بالمانعیه ومن هنا عدم المعلول مستند إلی عدم المانع إذا کان المقتضی موجودا وأما إذا لم یکن المقتضی موجودا فعدم المعلول مستند إلی عدم المقتضی لا إلی وجود المانع فالمانع إنما یتصف بالمانعیه عند وجود المقتضی وأما إذا کان المقتضی معدوما فالمانع لا یتصف بالمانعیه وما نحن فیه کذلک. فإن وجود المقتضی التعلیقی معلق علی عدم وجود المقتضی التنجیزی فإذا کان المقتضی التنجیزی موجودا فالمقتضی التعلیقی ینتفی بانتفاء المعلق علیه فإنه معلق علی عدم وجود المقتضی التنجیزی فإذا کان المقتضی التنجیزی موجودا فینتفی المقتضی التعلیقی بانتفاء المعلق علیه لأنه معلق علی عدم وجود المقتضی التنجیزی.

وأما إذا کان المقتضی التعلیقی موجودا فوجوده لا محاله مساوق لعدم المقتضی التنجیزی فوجوده من جهه وجود المعلق علیه والمعلق علیه عدم وجود المقتضی التنجیزی فوجوده مساوق لعدم وجود المقتضی التنجیزی فمع عدم وجود المقتضی التنجیزی یستحیل أن یکون المقتضی التعلیقی متصفا بالمانعیه فإن الممنوع غیر موجود والمانع إنما یتصف بالمانعیه إذا کان الممنوع موجودا أی إذا کان المقتضی موجودا وأما إذا لم یکن المقتضی موجودا فلا یمکن ان یتصف بالمانعیه.

ص: 112

فإذاً مانعیه المقتضی التعلیقی عن تأثیر المقتضی التنجیزی وجودا وعدما محاله فلا یصل الأمر إلی الدور فإن مانعیته فی نفسها مستحیله وحینئذ لا موضوع للدور.

فإذاً لا وجه لهذا الدور.

ومثال ذلک خارجا أنه لو فرضنا أن هناک شخصین أراد أحدهما السفر إلی بلد وإراده الآخر معلقه علی عدم إرادته فإراده الأول موجوده فعلا ومنجزه وإراده الثانی معلقه علی عدم إرادته ومن الواضح أنه لا تزاحم بینهما ولا یعقل التزاحم بینهما ولا یعقل أن تکون الإراده الثانیه مانعه عن إراده الأول لأنها معلقه علی عدم إرادته فمع وجود إرادته لا وجود لإراده الثانی ومع وجود إراده الثانی لا وجود لإراده الأول فإذا لم تکن لإراده الأول وجود فکیف یعقل أن تتصف إراده الثانی بالمانعیه.

وما نحن فیه شبیه ذلک فإن المقتضی للحجیه تنجیزی فی الآیات الناهیه عن العمل بالظن وهو الظهور وأما المقتضی للحجیه فی السیره فتعلیقی فإن حجیتها معلقه علی عدم حجیه الآیات الناهیه أی عدم تأثیر الظهور فی الحجیه ومع وجود السیره فالمقتضی للحجیه معناه أن المقتضی للحجیه فی الآیات غیر موجود ومع عدم وجوده فکیف تتصف بالمانعیه فإن ما یتصف بالمانعیه فیما إذا کان المقتضی موجودا ومع عدم وجود المقتضی فلا یمکن اتصافه بالمانعیه، فلا تزاحم بین المقتضی التنجیزی وبین المقتضی التعلیقی؛ فإن المقتضی التنجیزی عباره أخری عن العله التامه فإن المقتضی موجودا والمانع مفقود فإذا کان المقتضی موجودا والمانع مفقودا تحققت العله التامه، فإذا تحققت العله التامه فتأثیرها فی المعلول قهری ولا یمکن فرض وجود المانع عن تأثیرها وإلا لزم الخلف أی خلف فرض أنها عله تامه، لأنها إذا کانت عله تامه لا بد أن یستحیل المنع عن تأثیرها وإلا لزم التهافت والخلف والتناقض وهذا هو معنی المقتضی التنجیزی أی أن المقتضی وصل إلی حد العله التامه، وهذا بخلاف المقتضی التعلیقی. ومن هنا لا یصلح أن یزاحم المقتضی التعلیقی المقتضی التنجیزی. هذا من ناحیه.

ص: 113

ومن ناحیه أخری أن ما ذکره المحقق الأصفهانی(قده) غیر صحیح بل الأمر بالعکس فإن المقتضی للحجیه تنجیزی فی جانب السیره واما المقتضی للحجیه فتعلیقی فی الآیات الناهیه عن العمل بالظن عکس ما أفاده المحقق الأصفهانی(قده) وذلک لأمور:

الأمر الأول: ما ذکرناه من أن هذه السیره مرتکزه فی الأذهان کقضیه فطریه وهی دلیل لبی والدلیل اللبی بمثابه القرینه المتصله فیکون مانعا عن انعقاد ظهور العام فی العموم والمطلق فی الإطلاق فهذه السیره مانعه من انعقاد ظهور لهذه الآیات الناهیه فی العموم والإطلاق وعندئذ تکون سالبه بانتفاء الموضوع فلا عموم فی هذه الآیات ولا إطلاق فیها بل هی مجمله فلا بد من الأخذ بالمقدار المتیقن منها.

الأمر الثانی: مع الإغماض عن ذلک فقد ذکرنا أن السیره قطعیه وضروریه وکذلک إمضاء هذه السیره فقطعی وضروری، ومعنی ذلک أن حجیه هذه السیره قطعیه وضروریه فلا یمکن أن تزاحمها إطلاقات الآیات الناهیه من العمومات والإطلاقات فإنها أدله ظنیه وهی لا تصلح أن تزاحم الأدله القطعیه. فمن هذه الناحیه لا بد من تقدیم السیره علی هذه الآیات.

الأمر الثالث: أن الآیات الناهیه بعموماتها وإطلاقاتها لا تکون رادعه ومانعه عن العمل بالسیره إذ لو کانت هذه السیره مخالفه للأغراض الشرعیه والمصالح الدینیه لم یمکن أن لا یصدر من النبی الأکرم(ص) ولا من الأئمه الأطهار(ع) فی طول هذه الفتره الزمنیه ردع وإشاره أو کنایه أو تلویح أو تصریح مع انه لم یرد أی نص حتی تلویحا وکنایه عن الردع عن العمل بهذه السیره والناس فی زمانهم یعملون بهذه السیره مع وجود هذه الآیات الناهیه وهذا یکشف عن أنها لا تصلح أن تکن رادعه. هذا مضافا إلی ما ذکرناه من ان هذه الآیات تنقسم إلی ثلاث أقسام وکل منها لا یصلح للرادعیه.

ص: 114

هذا تمام کلامنا فی سیره العقلاء الجاریه علی العمل بأخبار الثقه وعمده الدلیل علی حجیه اخبار الثقه هی سیره العقلاء وأما الآیات والروایات علی تقدیر تسلیم دلالتها علی حجیه أخبار الآحاد أو أخبار الثقه فمضامینها تأکید لهذه السیره، ولیسن مضامینها تأسیس لحجیه الخبر بل مفادها التأکید لهذه السیره.

أدله حجیه خبر الواحد- العلم الإجمالی بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد- العلم الإجمالی

بقی هنا شیء: وهو ان التزاحم بین المقتضی التنجیزی والمقتضی التعلیقی یتصور فی موارد:

المورد الأول: بین الأشیاء الخارجیه کما إذا أراد شخصان الدخول فی دار ولکن إراده أحدهما منجزه وإراده الآخر معلقه علی عدم إراده الأول أو إذا أراد شرب ماء من کأس وهذه الإراده منجزه وأما إراده الآخر فهی معلقه علی عدم إراده الأول وهکذ... فالتزاحم بین إراده الأول وإراده الثانی غیر متصور فإن إراده الأول بمثابه العله التامه ومنجزه وإراده الثانی بمثابه العله الناقصه فلا یعقل أن تکون العله الناقصه مانعه عن تأثیر العله التامه وإلا لزم الخلف والتهافت والتناقض ولزم من فرض وجود العله التامه عدم وجودها وکل ما یلزم من فرض وجود شیء عدمه فوجوده مستحیل، فمن أجل ذلک لا یمکن ان تکون العله الناقصه أی المقتضی التعلیقی مانعا عن تأثیر العله التامه.

المورد الثانی: التزاحم إنما هو فی مرحله الواقع أعم من الخارج ونفس الأمر کما إذا فرضنا أن الحدید یتمدد بالحراره فإذا فرضنا أن هناک حرارتین فی الحدید تأثیر أحداهما منجز والأخری تأثیرها فی الحدید معلق علی عدم تأثیر الأولی ففی مثل لا یمکن أن تکون الحراره الثانیه مزاحمه للحراره الأولی لأن الحراره الثانیه بمثابه العله الناقصه واما الحراره الأولی فهی بمثابه العلی التامه فلا یمکن ان تکون العله الناقصه مانعه عن تأثیر العله التامه وإلا لزم الخلف والتهافت والتناقض.

ص: 115

المورد الثالث: ___ الذی هو محل الکلام فی المقام ___ فی القضایا التشریعیه المجعوله من قبل الشارع فإن تعیین الموضوع وتعیین الحکم وجعله بید الشارع واما المورد الأول والثانی فکان الکلام فی القضایا التکوینیه، والشارع جعل ظواهر هذه الآیات موضوعا للحجیه وجعل الحجیه لها منجزه بدون التوقف علی أی مقدمه أخری، فهذه الحجیه فعلیه بفعلیه موضوعها قهرا من دون التوقف علی أی مقدمه أخری لأن فعلیه الحکم بفعلیه موضوعه أمر قهری ولیست بید الشارع والذی هو بید الشارع تعیین الحکم وجعل الحکم لهذا الموضوع واما فعلیه الحکم بفعلیه الموضوع فهو أمر قهری، فالمکلف إذا استطاع أصبح وجوب الحج علیه فعلی وهذه الفعلیه أمر قهری فلیست بحاجه إلی الجعل. وفی المقام کذلک. وأما حجیه السیره فهی معلقه علی إمضاء الشارع وعدم الردع عنها.

وعلی هذا فإذا فرضنا ان حجیه ظواهر الآیات الناهیه رادعه عنها فلا تکون السیره حینئذ حجه لأن حجیتها معلقه علی عدم الردع عنها والمفروض أن حجیه ظواهر الآیات الناهیه رادعه عنها فلا تکون السیره حجه.

فمن أجل ذلک لا یمکن ان تکون حجیه السیره مانعه عن رادعیه حجیه ظواهر الآیات الناهیه لأن حجیه ظواهر الآیات الناهیه فعلیتها بمثابه العله التامه وتأثیرها أمر قهری وخارج عن اختیار المولی وعن اختیار المکلف فلا یمکن أن تکون السیره مانعه عن ذلک فإن حجیه السیره معلقه علی عدم کون الآیات رادعه والمفروض أن حجیه ظواهر هذه الآیات رادعه فمع حجیتها فلا حجیه للسیره.

هذا هو محل الکلام وهو مقصود المحقق الأصفهانی.

ولکن تقدم أن الأمر لیس کذلک فإن السیره تتقدم علی الآیات الناهیه لأن السیره المرتکزه دلیل لبی قطعی والدلیل اللبی بمثابه القرنیه المتصله مانعه عن انعقاد ظهور هذه الآیات فی العموم والإطلاق فتصبح مجمله فی مقابل هذه السیره فمن أجل ذلک لا بد من تقدیم السیره علیها. هذا مضافا إلی أن السیره دلیل قطعی وظاهر الآیات دلیل ظنی فلا یمکن ان یکون الدلیل الظنی مزاحما للدلیل القطعی علی تفصیل تقدم.

ص: 116

هذا تمام کلامنا فی السیره العقلائیه الممضاه شرعا التی تدل علی حجیه أخبار الثقه وظواهر الالفاظ کظواهر الکتاب والسنه وهذه السیره هی عمده الدلیل علی حجیه أخبار الثقه

حجیه أخبار الثقه بالأدله العقلیه

وهذه الأدله العقلیه علی أنواع:

النوع الأول: العلم الإجمالی بصدور مجموعه کبیره من الروایات الوارده عن النبی الأکرم(ص) والأئمه الأطهار(ع) فنحن نعلم إجمالا بصدور مجموعه کبیره من هذه الروایات ولا شبهه فی هذا العلم الإجمالی، وإنما الکلام یقع فی مقامین:

المقام الأول: وفیه عده مراحل:

المرحله الأولی: فی تنجیز هذا العلم الإجمالی فهل هو منجز أو انه لیس بمنجز؟

المرحله الثانیه: فی نسبه هذا العلم الإجمالی إلی الأصول العملیه کالاستصحاب والبراءه وأصاله الطهاره ونحوها، وهل تجری هذه الأصول العملیه فی أطراف هذا العلم الإجمالی أو لا تجری فی أطرافه؟

المرحله الثالثه: فی نسبه هذا العلم الإجمالی إلی الأصول اللفظیه کأصاله الظهور وأصاله العموم وأصاله الإطلاق ونحوها من الأصول اللفظیه الاجتهادیه، فهل یمکن التمسک بهذه الأصول فی أطراف العلم الإجمالی او لا یمکن التمسک بها؟

ثم أن حجیه أخبار الثقه بالعلم الإجمالی غیر حجیه أخبار الثقه بالسیره أو بالآیات أو بالروایات فإن الحجیه الثابته بالسیره حجیه کل خبر بخصوصه سواء کانت الحجیه بمعنی الطریقیه والکاشفیه والعلم التعبدی أو بمعنی جعل الحکم المماثل أو بمعنی التنزیل، والعلم الإجمالی لا یدل علی الحجیه بهذا المعنی أی بمنعی الطریقیه والکاشفیه ولا بمعنی جعل الحکم المماثل للحکم الواقعی فی صوره المطابقه ولا التنزیل أی تنزیل أخبار الثقه منزله العلم لأن العلم الإجمالی لا یدل علی شیء من ذلک فالعلم الإجمالی شأنه التنجیز وهو ینجز المعلوم بالإجمال، واما کل طرف من أطراف المعلوم بالإجمال وکل فرد من أفراده فالمنجز لیس هو العلم الإجمالی فإن العلم الإجمالی إنما تعلق بالجامع ولم یتعلق بکل طرف من أطراف المعلوم بالإجمال فتنجیز الحکم فی کل طرف من أطراف العلم الإجمالی إنما هو بسبب الاحتمال أی احتمال التکلیف فی کل طرف من أطراف العلم الإجمالی فهذا الاحتمال منجز طالما لم یکن هنا أصل مؤمن والمفروض أن الأصول المؤمنه لا تجری فی أطراف العلم الإجمالی إما بنفسها أو لأنها تسقط من جهه المعارضه فاحتمال التکلیف منجز طالما لم یجر الأصل المؤمن فیه.

ص: 117

هذا هو معنی حجیه أخبار الثقه أو مطلق الأخبار بالعلم الإجمالی.

المقام الثانی: فی تحدید دائره هذه الحجیه سعه وضیقا وشروطها. وسوف یأتی الکلام فیه.

أما الکلام فی المرحله الأولی وهی تنجیز هذا العلم الإجمالی فقد ذهب شیخنا الأنصاری(قده) إلی أن هذا العلم الإجمالی لا یکون منجزا إذ لو کان منجزا لزم العمل بکل إماره ظنیه کالشهرات الفتوائیه والإجماعات المنقوله وغیرهما مع أن الأمر لیس کذلک.

لکن هذا من الشیخ(قده) مجرد استبعاد ولم یقم دلیل علی ذلک ولا هو أقام دلیل علی ذلک.

وذهب السید الاستاذ(قده) (1) وکذلک غیره من المحققین إلی أن هذا العلم الإجمالی منجز ولکن هذا العلم الإجمالی ذات مراتب طولیه ذلک لأن هنا ثلاث علوم إجمالیه:

العلم الإجمالی الأول: بوجوب شیء أو حرمه شیء فی الشریعه المقدسه، ومنشأ هذا العلم الإجمالی هو وجود الشریعه فإن الشریعه لا یمکن أن تکون بدون حکم فإن مجیء شریعه الإسلام متضمنه للأحکام الشرعیه التکلیفیه، فاحتمال وجوب کل شیء أو احتمال حرمه کل شیء موجود فدائره هذا العلم الإجمالی دائره الشریعه ومنشأ هذا العلم الإجمالی هو وجود الشریعه.

العلم الإجمالی الثانی: وهو العلم الإجمالی بصدور الروایات من النبی الأکرم(ص) والأئمه الأطهار(ع) حیث نعلم إجمالا بأن مجموعه کبیره من هذه الروایات قد صدرت عنهم(ع) ودائره هذا العلم الإجمالی الروایات ومطلق الأمارات من الروایات وسائر الأمارات کالشهرات الفتوائیه والاجماعات المنقوله.

العلم الإجمالی الثالث: وهو العلم الإجمالی بصدور مجموعه کبیره من الروایات الموجوده فی الکتب المعتبره کالکتب الأربعه ونحوها. ودائره هذا العلم الإجمالی خصوص الکتب المعتبره والمعلوم بالإجمال هو صدور مجموعه کبیره من الروایات الموجوده فی هذه الکتب.

ص: 118


1- مصباح الاصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید محمد الواعظ، ج2، ص203.

والعلم الإجمالی الأول ینحل بالعلم الإجمالی الثانی والعلم الإجمالی الثانی ینحل بالعلم الإجمالی الثالث. والمیزان فی انحلال العلم الإجمالی الأول بالعلم الإجمالی الثانی هو أن المعلوم بالإجمال فی العلم الإجمالی الثانی لا یقل عن المعلوم بالإجمال فی العلم الإجمالی الأول، فإذا لم یکن المعلوم بالإجمال فی العلم الإجمالی الثانی أقل من المعلوم بالإجمال فی العلم الإجمالی الأول فینطبق المعلوم بالإجمال فی العلم الإجمالی الأول علی المعلوم بالإجمال فی العلم الإجمالی الثانی فلا علم بالتکلیف فی خارج دائره الروایات والأمارات فإذا أفرز هذه الروایات فلا علم إجمالی بوجوب شیء أو حرمه شیء خارج عن دائره الروایات والآیات والأمارات.

والمعلوم بالعلم الإجمالی الثالث لا یکون من المعلوم بالإجمال فی العلم الإجمالی الثانی فإذا لم یکن أقل منه فهو ینطبق علیه وینحل العلم الإجمالی الثانی إلی علم تفصیلی وهو العلم الإجمالی الثالث وإلی شک بدوی فی خارج أطراف العلم الإجمالی الثانی. فإذن ینحصر العلم الإجمالی المنجز بالعلم الإجمالی الثالث وهو المنجز، والمنجَّز إ نما هو الأحکام الموجوده فی ضمن الروایات الموجوده فی الکتب المعتبره وأما خارج الکتب المعتبره فلا علم إجمالی بوجود الحکم الإلزامی فیها علی تفصیل سیبین فی وقته.

هکذا ذکره السید الاستاذ(قده) وجماعه من المحققین.

أدله حجیه خبر الواحد – الأدله العقلیه بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – الأدله العقلیه

کان کلامنا فی أدله حجیه أخبار الآحاد وتقدم جمله کبیره من هذه الأدله من الآیات والروایات والإجماع وسیره العقلاء. وذکرنا أن عمده الدلیل علی حجیه أخبار الثقه هی سیره العقلاء الجاریه علی العمل بها والممضاه شرعا وأما الآیات و الروایات فعلی تقدیر تسلیم دلالتها علی حجیه أخبار الثقه فإن مفادها لیس تأسیسا بل التأکید والتقریر لما بنی علیه العقلاء، وأما الإجماع فهو غیر تام، ووصل بنا الکلام إلی الأدله العقلیه التی أستدل بها علی حجیه أخبار الثقه وهی علی أصناف:

ص: 119

الصنف الأول: هو العلم الإجمالی بمطابقه جمله کبیره من الأمارات للواقع من الإجماعات المنقوله والشهرات الفتوائیه والروایات الصادره من الأئمه الأطهار(ع) ولا شبهه فی هذا العلم الإجمالی وإنما الکلام یقع فی مقامین:

المقام الأول: فی عده مراحل:

المرحله الأولی: فی تنجیز هذا العلم الإجمالی فهل هذا العلم الإجمالی منجز أم أنه لا یکون منجزا؟

المرحله الثانیه: فی نسبه الروایات والأمارات التی نعلم بمطابقتها للواقع إلی الأصول العملیه الشرعیه والعقلیه فهل هذه الأمارات تمنع عن جریان الأصول العملیه الشرعیه والعقلیه فی أطرافه أو لا تمنع؟

المرحله الثالثه: فی نسبه هذه الأمارات التی نعلم بمطابقه جمله منها للواقع إلی الأصول اللفظیه کالعمومات والإطلاقات فهل هذه الأمارات تمنع عن التمسک بالأصول اللفظیه أو لا تمنع؟

فیقع الکلام فی هذه المراحل.

المقام الثانی: فی تحدید دائره حجیه هذه الأمارات ___ التی نعلم بمطابقتها للواقع ___ سعه وضیقا وشروطها وحدودها.

أما الکلام فی المرحله الأولی: فقد أعترض شیخنا الأنصاری(قده) (1) علی تنجیز هذا العلم الإجمالی وأن هذا العلم الإجمالی لا یصلح أن یکون منجزا وقد أفاد فی وجه ذلک أن هذا العلم الإجمالی لو کان منجزا فلازمه حجیه جمیع الأمارات الظنیه بکافه أقسامها وأصنافها ومنها القیاسات والاستحسانات وهذا مما لا یمکن الالتزام به فإن عدم حجیه مثل هذه الأمارات أمر ضروری فی الشریعه المقدسه.

هکذا ذکره شیخنا الأنصاری(قده).

ولکن ذکر السید الاستاذ(قده) (2) أن هناک علوما إجمالیه ثلاثه:

العلم الإجمالی الکبیر: وهو العلم الإجمالی بثبوت الإحکام الشرعیه من الوجوبات والتحریمات وغیرهما فی الشریعه المقدسه، ودائره هذا العلم الإجمالی مطلق الشبهات سواء أ کانت هی أمارات أم لم تکن إمارات ومنشأ هذا العلم الإجمالی هو وجود الشریعه المقدسه إذ لا یمکن خلو الشریعه عن الأحکام الشرعیه بل هی عباره عن جعل جمله من الأحکام الشرعیه التی تحل مشاکل الناس الاجتماعیه والفردیه والعائلیه والاهمال فی الشریعه المقدسه معناه الاهمال فی هذه الأحکام الشرعیه.

ص: 120


1- فرائد الأصول، الشیخ مرتضی الانصاری، ج1، ص357.
2- مصباح الاصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الواعظ، ج2، ص204.

والعلم الإجمالی الثانی: وهو العلم الإجمالی المتوسط _ أقل دائره من العلم الإجمالی الأول _ وهو العلم الإجمالی بمطابقه جمله کبیره من الأمارات ___ کالروایات والإجماعات المنقوله والشهرات الفتوائیه وغیرها ___ للواقع ودائره هذا العلم الإجمالی الأمارات فقط لا مطلق الشبهات أی الشبهات التی لا توجد فیها أماره فهی خارجه عن دائره هذا العلم الإجمالی والمراد من الأمارات ما کان أعم من الروایات والإجماعات المنقوله والشهرات الفتوائیه ومنشؤها عدم احتمال کذب جمیع هذه الأمارات بحسب حساب الاحتمالات وکذلک بحسب حساب استحاله الصدفه فلا یمکن أن تکون جمیع هذه الأمارات غیر مطابقه للواقع.

العلم الإجمالی الثالث: وهو العلم الإجمالی الصغیر وأطراف هذا العلم منحصره بالروایات التی وصلت من الأئمه الأطهار(ع) الموجوده فی الکتب المعتبره فإنا نعلم بصدور جمله کبیره من هذه الروایات من الأئمه الأطهار(ع) واحتمال الکذب فی الجمیع مدفوع علی حساب الاحتمالات من جهه وحساب استحاله الصدفه من جهه أخری فإن الصدفه لا تدوم. فهذا العلم تنحصر أطرافه بالروایات الموجوده فی الکتب المعتبره.

وعندئذ ننظر هل ینحل العلم الإجمالی الکبیر بالعلم الإجمالی المتوسط أو لا ینحل؟

والظاهر أن العلم الإجمالی الکبیر ینحل بالعلم الإجمالی المتوسط فإن وجود الشریعه لا یقتضی جعل الأحکام أکثر مما هو موجود فی مظان هذه الأمارات لأن العلم بوجود الشریعه یقتضی جعل الأحکام الشرعیه بمقدار ما تحل به مشاکل الإنسان الکبری من المشاکل الاجتماعیه والمالیه والفردیه والعائلیه وما شاکل ذلک ولا یقتضی أکثر من ذلک لأنه لغو ومن الواضح أن الأحکام الشرعیه الموجوده فی ضمن هذه الأمارات __ أعم من الروایات والاجماعات المنقوله والشهرات الفتوائیه __ تکفی لحل مشاکل الإنسان الکبری وعندئذ فلا یکون المعلوم بالإجمال فی العلم الإجمالی المتوسط أقل من المعلوم بالإجمال فی العلم الإجمالی الکبیر، وإذا لم یکن أقل منه فهو ینطبق علیه ومع انطباقه علیه ینحل العلم الإجمالی الکبیر، فإذا أفردنا الشبهات التی لا توجد فیها أماره وبقیت الشبهات التی فیها أماره من الروایات أو الاجماعات المنقوله أو الشهرات الفتوائیه فلا علم بثبوت الأحکام الشرعیه بالشبهات التی لا توجد فیها أماره لأن فی تلک الشبهات لا یوجد علم إجمالی فاحتمال ثبوت الحکم موجود والعلم الإجمالی بثبوت الحکم فی تلک الشبهات التی لا توجد فیها أماره غیر موجود وهذا دلیل علی الانحلال وأن العلم الإجمالی إنما هو علم فی الأمارات فقط أعم من الروایات والاجماعات المنقوله والشهرات الفتوائیه.

ص: 121

واما العلم الإجمالی المتوسط فهل ینحل بالعلم الإجمالی الصغیر أو لا ینحل؟

والظاهر هو الانحلال فإن الأحکام المجعوله فی الشریعه المقدسه لا تکون أکثر من الأحکام الموجوده فی مضامین الروایات فی الکتب الأربعه فإن العمل بتلک الروایات یکفی لحل مشاکل الإنسان الکبری، فلا نعلم أن المعلوم بالإجمال فی العلم الإجمالی الصغیر أقل من المعلوم بالإجمال فی العلم الإجمالی المتوسط، فاحتمال الانطباق موجود ومع هذا الاحتمال لا علم بثبوت الأحکام الشرعیه فی خارج دائره الروایات الموجوده فی الکتب المعتبره.

والوجه فی ذلک: أن الأمارات الموجوده فی خارج الروایات الموجوده فی الکتب الأربعه تنقسم إلی فئتین: أحداهما مطابقه لهذه الروایات فی المضامین أی أن مضامین هذه الأمارات مضامین تلک الروایات وإن لم تکن موجوده فی الکتب المعتبره بل کانت موجوده فی الکتب غیر المعتبره أو الاجماعات المنقوله فإن مضامینها مطابقه لمضامین الروایات الموجوده فی الکتب المعتبره وکذلک الشهرات الفتوائیه.

فإذن لا أثر لمخالفه هذه الفئه من هذه الأمارات أعم من الروایات والاجماعات المنقوله والشهرات الفتوائیه.

وأما الأمارات التی تکون مخالفه لها فلیست کثیره بحیث یعلم إجمالا بمطابقتها للواقع ولهذا ینحل هذا العلم الإجمالی المتوسط بالعلم الإجمالی الصغیر.

فإذن المنجِز هو العلم الإجمالی الصغیر وهو العلم الإجمالی بصدور جمله کبیره من الروایات الموجوده فی الکتاب المعتبره فإن هذه الروایات تکفی لحل مشاکل الإنسان الکبری من المشاکل الاجتماعیه والمالیه والعائلیه والفردیه وهکذا.

فما ذکره شیخنا الأنصاری(قده) من أنه لا یمکن ان یکون هذا العلم الإجمالی منجِزا مبنی علی عدم انحلال العلم الإجمالی الکبیر بالعلم الإجمالی المتوسط والعلم الإجمالی المتوسط بالعلم الإجمالی الصغیر.

ولکن تبین أن الأمر لیس کذلک فإن الانحلال ثابت ومعه لا إشکال فی البین.

أدله حجیه خبر الواحد – الأدله العقلیه بحث الأصول

ص: 122

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – الأدله العقلیه

إلی هنا قد تبین أن العلم الإجمالی الکبیر ینحل إلی علم إجمالی متوسط والعلم الإجمالی المتوسط ینحل إلی العلم الإجمالی الصغیر فلا یکون هنا أی علم إجمالی إلا فی ضمن الروایات الموجوده فی الکتب المعتبره، والمعلوم بالإجمال فی الروایات لا یکون أقل من المعلوم بالإجمال فی العلم الإجمالی المتوسط فإذا لم یکن أقل منه فالمعلوم بالإجمال فی العلم الإجمالی المتوسط ینطبق علیه.

فإذاً لا علم إجمالی فی خارج أطراف هذا المعلوم بالإجمال أی لیس هنا علم إجمالی فی خارج دائره الروایات التی هی موجوده فی الکتب المعتبره الواصله من الأئمه الأطهار(ع).

وغیرها من الروایات والإجماعات المنقوله والشهرات الفتوائیه علی طائفتین: طائفه منها موافقه لهذه الروایات ولا أثر لها، وطائفه أخری مخالفه لهذه الروایات ولا علم إجمالی بمطابقه بعضها للواقع.

فمن أجل ذلک ینحل العلم الإجمال الکبیر بالعلم الإجمالی المتوسط والعلم الإجمالی المتوسط ینحل بالعلم الإجمالی الصغیر وهو علم إجمالی بمطابقه مجموعه کبیره من الروایات الموجوده فی الکتب المعتبره وهذه الروایات تکفی لحل مشاکل الإنسان فی کل عصر من المشاکل الاجتماعیه والمادیه والمعنویه والمالیه والشخصیه والعائلیه.

فإذاً لا حاجه إلی جعل الأحکام أکثر من ذلک.

هذا ملخص ما ذکره السید الاستاذ(قده) وکذلک المحقق الخراسانی(قده)

ولکن أورد علی ذلک بعض المحققین (1) بما حاصله: أن العلم الإجمالی الکبیر وإن أنحل بالعلم الإجمالی المتوسط إلا أن العلم الإجمالی المتوسط لم ینحل بالعلم الإجمالی الصغیر.

وقد أفاد فی وجه ذلک ___ علی ما فی تقریر بحثه ___ أن العلم الإجمالی المتوسط ملفق من العلوم إجمالیه متعدده فإن الأمارات فئات متعدده متباینه: ففئه متمثله فی الشهرات الفتوائیه وفئه فی الإجماعات المنقوله وفئه متمثله فی الروایات الموجوده فی الکتب المعتبره، والعلم الإجمالی کما تعلق بمطابقه مجموعه کبیره من الروایات الموجوده فی الکتاب المعتبره للواقع کذلک تعلق بمطابقه مجموعه من الإجماعات المنقوله للواقع وتعلق أیضا بمطابقه مجموعه من الشهرات الفتوائیه للواقع، فهنا علوم إجمالیه متعدده متباینه: علم إجمالی بمطابقه مجموعه من الروایات للواقع وعلم إجمالی بمطابقه مجموعه من الإجماعات المنقوله للواقع، وعلم إجمالی بمطابقه مجموعه من الشهرات الفتوائیه للواقع، والعلم الإجمالی المتوسط مؤلف من هذه العلوم الإجمالیه المتعدده والمتباینه وتجمیع لها وتلفیق بینها.

ص: 123


1- بحوث فی علم الاصول، تقریر بحث السید الشهید للسید محمود الشاهرودی، ج4، ص410.

ثم ذکر لتقریب ذلک: فإذا فرضنا أن هنا کتلتین من الأمارات: الکتله الأولی الإجماعات المنقوله، والکتله الثانیه الروایات الموجوده فی الکتب المعتبره، وفرضنا أن کل واحده من الکتلتین بلغ عددها مائه، فعدد الإجماعات وصل إلی مائه إجماع وعدد الروایات وصل إلی مائه روایه، ونعلم إجمالا بمطابقه عشره من مائه أجماع للواقع لعدم احتمال کذب الجمیع __ وفق حساب الاحتمالات وعلی حساب استحاله الصدفه ___ ونعلم إجمالا بمطابقه عشره من الروایات للواقع أیضا لعدم احتمال کذب جمیع الروایات ___ وفق حساب الاحتمال واستحاله دوام الصدفه ____ فهاتان الکتلتان متداخلتان فإن النسبه بینهما عموم من وجه ومورد التداخل والاجتماع بین الکتلتین تسعین أماره ومورد الافترق من قبل کتله الاجماع عشره إجماعات مطابقه للواقع، ومورد الافتراق من قبل کتله الروایات عشره روایات مطابقه للواقع.

وعلی هذا فإن أرید انحلال العلم الإجمالی المتوسط بالعلم الإجمالی لأحد الکتلتین فإن العلم لإجمالی بمطابقه عشره إجماعات علم إجمالی صغیر وعلم إجمالی بمطابقه عشره روایات للواقع من مائه روایه علم إجمالی صغیر، والعلم الإجمالی المتوسط مؤلف منهما وتجمیع لهما وتلفیق بینهما.

وعلی هذا فإن أرید انحلال العلم الإجمالی المتوسط بأحد هذین العلمین معیناً أی بالعلم بمطابقه عشره إجماعات للواقع من مائه إجماع فهو ترجیح بلا مرجح فإن نسبه کلا العلمین الصغیرین إلی العلم المتوسط نسبه واحده فانحلاله بأحدهما دون الآخر ترجیح من غیر مرجح.

فمن أجل ذلک لا یمکن.

وإن أرید انحلاله بالجامع بینهما وهو التسعین أماره __ لأنها مورد للتداخل والاجتماع بین الکتلتین من الأمارات ___ فهذا أمر معقول ولا یلزم محذور الترجیح بلا مرجح ولکن ذلک لا ینتج ما هو المطلوب من هذا الانحلال؛ فإن ما هو المطلوب من هذا الانحلال هو حجیه جمیع الروایات الموجوده فی الکتب المعتبره ونتیجه هذا الانحلال هو حجیه الروایات فی مورد الاجتماع فقط لا فی مورد الافتراق ولذلک لا ینتج هذا الانحلال ما هو المطلوب منه.

ص: 124

هذا مضافا إلی أن هذا الانحلال خلاف الفرض فإن هذا العلم الإجمالی بمطابقه عشره من الروایات فی مورد الاجتماع للواقع افتراض للعلم الاجمالی الأصغر من العلمین الاجمالین الصغیرین وهو خلاف فرض المستدل.

هذا حاصل ما ذکره(قده) علی ما فی تقریر بحثه.

وللمناقشه فیه مجال. فإن الإجماعات المنقوله والشهرات الفتوائیه لا یمکن ان تکافئ الروایات لا کما ولا کیفا فإن الروایات الموجوده فی الکتب المعتبره روایات کثیره لعلها تبلغ أکثر من عشره آلاف أو أکثر بینما الإجماعات المنقوله قلیله جدا فی کلمات الفقهاء ولا سیما الإجماعات المنقوله التی لیس مدرکها الروایات فکیف یمکن العلم الإجمالی بمطابقه مجموع من هذه الإجماعات للواقع وکذلک الحال فی الشهرات الفتوائیه فإن أکثر الشهرات الفتوائیه مدرکها الروایات لأن الشهره الفتوائیه التی هی تعبدیه ولیس مدرکها الروایات قلیله جدا.

وعلی هذا فلا یمکن فرض العلم الإجمالی بمطابقه مجموعه من الشهرات الفتوائیه التی لیس مدرکها الروایات فإنها فی نفسها قلیله ولا علم إجمالی بمطابقه بعضها للواقع، وکذلک الحال فی الإجماعات المنقوله فإن الإجماعات المنقوله التی لم یکن مدرکها الروایات فهی أیضا قلیله ولا علم إجمالی بمطابقه بعضها للواقع کی یقال إن العلم الإجمالی مؤلف من العلوم الإجمالیه المتعدده بتعدد الأمارات وهو تجمیع وتلفیق بینها فالأمارات وإن کانت متعدده ولکنها لیست متکافئه فإن الروایات تشمل الجمیع وما هو خارج عن الروایات من الإجماعات المنقوله والشهرات الفتوائه قلیل ولا علم إجمالی بمطابقه بعضها للواقع.

فإذاً ما ذکره(قده) ____ علی ما فی تقریر بحثه ____ مجرد افتراض لا واقع موضوعی له، هذا مضافا إلی إشکال آخر سیأتی ذکره.

أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی

ص: 125

کان کلامنا فیما ذکره بعض المحققین(قده) من أن العلم الإجمالی المتوسط تجمیع لعده علوم إجمالیه صغیره وقلنا إنه مجرد افتراض لا واقع موضوعی له فی الخارج لأن سائر الأمارات لا تکون کفوءً للروایات لا فی الکم ولا فی الکیف.

أما فی الکم: فإن الروایات الموجوده فی الکتب المعتبره أو روایات الثقه موجوده فی جمیع أبواب الفقه من البدایه إلی النهایه بمقدار یشبع حاجه المجتهد فی عملیه الاستنباط فی حل مشاکل الناس من المشاکل الاجتماعیه والفردیه والمادیه والمعنویه والعائلیه والمالیه فی کل عصر، وأما الإجماعات المنقوله فهی لیست کذلک؛ أما الإجماعات المنقوله التی لها مدرک من الروایات فوجودها کعدمها أی لا أثر لها لأنها داخله فی الروایات باعتبار أن مدرکها الروایات، وأما الإجماعات التعبدیه فهی قلیله جدا ولا نعلم بمطابقه بعضها للواقع، وکذلک الحال فی الشهرات الفتوائیه فإن الشهرات الفتوائیه الموافقه للروایات ویکون مدرکها الروایات لا أثر لها ووجودها کالعدم حیث أن الروایات تشمل تلک الروایات التی تکون مدرکا للشهره وأما الشهرات التعبدیه فهی قلیله جدا ولا نعلم بمطابقه بعضها للواقع.

وعلیه کیف یتصور هنا علوم إجمالیه متعدده بتعدد الأمارات إذ لیس هنا إلا علم إجمالی واحد وهو العلم الإجمالی بصدور مجموعه کبیره من الروایات عن الأئمه الأطهار(ع) من الروایات الموجوده فی الکتب المعتبره أو روایات الثقات.

ومن هنا لا مانع من انحلال العلم الإجمالی الوسط بالعلم الإجمالی الصغیر لأن العلم الإجمالی المتوسط علم واحد غایه الأمر أطرافه مطلق الأمارات أعم من الروایات والشهرات الفتوائیه والإجماعات المنقوله وغیرها وأما العلم الإجمالی الصغیر فأطرافه خصوص الروایات الموجوده فی الکتب المعتبره أو روایات الثقات فینحل العلم الإجمالی المتوسط بالعلم الإجمالی الصغیر لأن المعلوم بالإجمال بالعلم الإجمالی الصغیر لا یکون أقل من المعلوم بالإجمال فی العلم الإجمالی المتوسط وهو ینطبق علیه، فإذا انطبق علیه فینحل العلم الإجمالی الوسط بالعلم الإجمالی الصغیر.

ص: 126

هذا بحسب الکم.

وأما بحسب الکیف فإن الروایات من الأمارات الحسیه وأما الشهرات الفتوائیه والإجماعات المنقوله فهما من الأمارات الحدسیه لأنهما أخبار عن الحدس ولیس أخبار عن حس بینما الروایات أخبار حسیه إما مباشره أو بواسطه الحس.

وعلی هذا فإذا فرضنا أن العلم الإجمالی الوجدانی الکبیر غیر موجود والعلم الإجمالی الوسط غیر موجود وکذلک العلم الإجمالی الوجدانی الصغیر غیر موجود بمعنی أنا لا نعلم بصدور مجموعه من الروایات عن الأئمه الأطهار(ع) فعندئذ لا بد من الرجوع إلی أدله حجیه الروایات من الکتاب والسنه والإجماع والسیره، ومن الواضح أن هذه الأدله مختصه بالأمارات الحسیه حیث أن الأمارات الحسیه أقرب إلی الواقع لأن الخطأ فی الحس قلیل بینما الخطأ فی الحدس کثیر، فالأدله من الکتاب والسنه والإجماع مختصه بالأمارات الحسیه التی تنطبق علی الروایات، فإن الروایات من الأمارات الحسیه أو قریبه من الحس ولا تشمل الأمارات الحدسیه کالإجماعات المنقوله والشهرات الفتوائیه لأنها غیر مشموله لأدله الحجیه من الکتاب والسنه والإجماع والسیره.

فإذاً لا دلیل علی حجیه الإجماعات المنقوله والشهرات الفتوائیه.

ومن هنا إذا لم نعلم بمطابقه بعض هذه الإجماعات أو الشهرات للواقع وجدانا فلا یمکن لنا إثبات حجیتها بأدله الحجیه إذ قد عرفت أن أدله الحجیه لا تشمل الأمارات الحدسیه.

وعلی هذا فهل یمکن انحلال العلم الإجمالی الکبیر بالعلم الإجمالی المتوسط؟ فإن العلم الإجمالی الکبیر علم وجدانی، وأما العلم الإجمالی الوسط فهو علم تعبدی ولیس وجدانیا. وکذلک العلم الإجمالی الصغیر فهو تعبدی أیضا؟

والظاهر أنه لا مانع من انحلال العلم الإجمالی الکبیر بالعلم الإجمالی الوسط فإن الانحلال تاره یکون حقیقیا وأخری یکون تعبدیا أی یکون الانحلال بحکم الشارع، ولا مانع من انحلال العلم الإجمالی الکبیر الوجدانی بالعلم الإجمالی الوسط التعبدی کما أنه لا مانع من انحلال العلم الإجمالی الوسط التعبدی بالعلم الإجمالی الصغیر التعبدی وهذا الانحلال انحلال حکمی أی الشارع حکم بالانحلال.

ص: 127

فالنتیجه أن الانحلال یحصل علی کلا التقدیرین فی العلم الإجمالی الوسط فسواء کان علما إجمالیا وجدانیا أو کان علما إجمالیا تعبدیا یحصل الانحلال به للعلم الإجمالی الکبیر، ونفس الأمر یجری فی العلم الإجمالی الصغیر أیضا فإن به یحصل انحلال العلم الإجمالی الوسط سواء کان العلم الإجمالی الصغیر علما إجمالیا تعبدیا أو وجدانیا، ولا مناص من الانحلال للعلم الإجمالی الکبیر بالعلم الإجمالی الوسط والعلم الإجمالی الوسط بالعلم الإجمالی الصغیر.

ومع الإغماض عن ذلک وتسلیم أن سائر الأمارات تکون کفوءً للروایات کما وکیفا فأیضا لا یکون ما ذکره بعض المحققین من أن العلم الإجمالی الوسط تجمیع لعده علوم إجمالیه صغیره من العلم الإجمالی فی الشهرات الفتوائیه والعلم الإجمالی فی الإجماعات المنقوله والعلم الإجمالی فی الروایات صحیحاً، لأنه مبنی علی الالتزام بالتسبیب أی التسبیب الأشعری بأن تکون کل أماره سبب لحدوث حکم ولجعل حکم وعندئذ بطبیعه الحال یتعدد الحکم بتعدد الأماره، سواء تمثلت الأماره بالإجماع أو بالشهره أو بالروایه.

ولکن هذا المسلک باطل بل ذکرنا فی محله أنه غیر معقول.

وأما بناءً علی ما هو الصحیح من أن هذه الأمارات ملحوظه بنحو الطریقیه والکاشفیه والمرآتیه للحکم الواقعی، أی أن الحکم فی الواقع واحد وهو متعلق للعلم الإجمالی والتعدد إنما فی الطرق إلیه.

فإذاً الأمارات بجمیع أصنافها ملحوظه بنحو الطریقیه والکاشفیه والمرآتیه وبالمعنی الحرفی إلی الحکم الواقعی والحکم الواقعی واحد ولا یتعدد بتعدد الأمارات ولا یختلف أیضا باختلافها طابقت الواقع أو لم تطابقه.

فإذاً متعلق العلم الإجمالی هو الحکم الواقعی لا الأمارات وإنما الأمارات طریق إلیه.

وعلی هذا فالعلم الإجمالی الوسط علم واحد حقیقه وهو العلم بثبوت الحکم الواقعی فی ضمن هذه الأمارات ولیس هو مؤلفا من علوم إجمالیه متعدده بل هو علم إجمالی واحد متعلق بالحکم الواقعی والحکم الواقعی لا یتعدد بتعدد الطرق إلیه وأما الأمارات فجمیعها ملحوظه بالمعنی الحرفی وبنحو المرآتیه. وأما الواقع فهو ملحوظ بالمعنی الاسمی وله موضوعیه.

ص: 128

فإذاً ما ذکره بعض المحققین(قده) من تألف العلم الإجمالی الوسط من علوم إجمالیه متعدده صغیره غیر تام ولا یمکن المساعده علیه.

أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی

إلی هنا قد وصلنا إلی هذه النتیجه وهی أنا لو سلمنا أن العلم الإجمالی المتوسط مؤلف من علوم إجمالیه متعدده صغیره ولکن مع هذا لا یمکن المساعده علی ما ذکره بعض المحققین لأن ما ذکره مبنی علی أن تکون الأمارات ملحوظه بنحو الموضوعیه وبنحو الاستقلال وبنحو المعنی الاسمی بأن تکون کل واحده من الأمارات متعلقا للعلم الإجمالی مستقلا، أی أن الروایات بنفسها متعلقه للعلم الإجمالی وکذلک الإجماعات المنقوله والشهرات الفتوائیه.

ولکن هذا المسلک غیر صحیح فهو مبنی علی القول بالتصویب وهذا القول باطل.

والصحیح أن الأمارات ملحوظه بنحو الطریقیه والکاشفیه والمرآتیه للواقع وملحوظه بالمعنی الحرفی وأما الحکم الواقعی فلا یتغیر بتغیر الأمارات ولا یتعدد بتعددها وهی قد تکون مطابقه له وقد تکون مخالفه له.

وعلی هذا فبطبیعه الحال العلم الإجمالی متعلق بالحکم الواقعی فی الواقع سواء أ کانت الأماره مطابقه له أم لا ، وعلی هذا فلا یکون العلم الإجمالی المتوسط مؤلفا من العلوم الإجمالیه المتعدده بل هو علم واحد وهو العلم الإجمالی بثبوت الأحکام الشرعیه فی ضمن الأمارات وعندئذ فبطبیعه الحال هذا العلم الإجمالی ینحل بالعلم الإجمالی الصغیر هو العلم الإجمالی بثبوت أحکام شرعیه فی ضمن أخبار الثقه أو فی ضمن الروایات الموجوده فی الکتب المعتبره فدائره العلم الإجمالی الصغیر خصوص الأخبار الموجوده فی الکتب المعتبره أو خصوص روایات الثقات. فمن أجل ذلک یکون هذا العلم أصغر من العلم المتوسط.

ومع الإغماض عن ذلک أیضا وتسلیم أن العلم الإجمالی المتوسط مؤلف من العلوم الإجمالیه المتعدده الصغیره ولکن هل یمکن انحلال هذا العلم الإجمالی أو لا یمکن انحلاله؟

ص: 129

قد یقال ___ کما قیل ___ بانحلال العلم الإجمالی المتوسط ___ وإن قلنا بأنه تجمیع وتلفیق منه العلوم الإجمالیه المتعدده الصغیره ____ لأنه مردد بین الأقل والأکثر الاستقلالین فإنا نعلم إجمالا بعشره من الأحکام الشرعیه فی ماده الاجتماع بین الاجماعات المنقوله والروایات ونعلم إجمالا بعشره أحکام فی مادتی افتراق کل من الاجماعات المنقوله والروایات ولکن نحتمل أن العشره أحکام التی هی فی ماده الاجتماع تکون فی ضمن العشرتین فی مادتی الافتراق ولیست مبانیه لهما فیدور الأمر بین الأقل والأکثر لأننا نعلم بوجود عشره أحکام فی ماده الاجتماع ونشک فی الزائد علیها بعضا أو کلا وفی مثل ذلک لا مانع من الرجوع إلی الأصل المؤمن بالنسبه إلی الزائد.

وهذا نظیر ما إذا علمنا إجمالا بنجاسه أحد هذه الآنیه الخمسه فإنا نعلم بأن واحد منها نجس قطعا ونشک فی نجاسه الزائد فلا محاله ینحل إلی علم تفصیلی بنجاسه الأقل وشک بدوی بالنسبه إلی نجاسه الزائد وعندئذ لا مانع من الرجوع إلی الأصول المؤمنه عن الزائد کأصاله الطهاره او استصحاب عدم النجاسه. أو إذا علمنا أنه مدیون من زید أما خمسه دنانیر أو عشره وهذا العلم الإجمالی ینحل إلی علم إجمالی بکونه مدیونا خمسه دنانیر وشک فی الزائد وهذا الانحلال انحلال وجدانی فإنه وجدانا مدیون بخمسه دنانیر وأما فی الزائد فهو شاک فلا مانع من الرجوع إلی الأصول المؤمنه کأصاله البراءه أو الاستصحاب.

وما نحن فیه أیضا کذلک فإنا نعلم إجمالا بعشره من الأحکام فی الواقع فی ماده الاجتماع ونشک فی الزائد وهذا العلم الإجمالی لا محاله ینحل إلی علم تفصیلی بوجود عشره أحکام فی الواقع وشکا بدویا بالنسبه إلی الزائد فلا مانع من الرجوع إلی الأصول المؤمنه.

ص: 130

ولکن هذا القیل غیر صحیح ولا یمکن المساعده علیه؛ فإنه لا شبهه فی دوران الأمر بین الأقل والأکثر الاستقلالین فی کون العلم الإجمالی فیه علم إجمالی صوره وهو منحل إلی علم تفصیلی بالأقل وشک بدوی فی الأکثر فالعلم الإجمالی صوری فقط فیما لو دار الأمر بین الأقل والأکثر الاستقلالین نعم إنما الکلام فی دوران الأمر بین الأقل والأکثر الارتباطیین أی هل ینحل العلم الإجمالی أولا ینحل؟ أما الانحلال الحقیقی فهو غیر متصور فی دوران الأمر بین الأقل والأکثر الارتباطیین وأما الانحلال الحکمی فهل هو متصور أم لیس بمتصور؟

وقد ذکرنا فی مورده أنه لا مانع من الانحلال الحکمی فی دوران الأمر بین الأقل والأکثر الارتباطیین وأما الأقل والأکثر الاستقلالیین فلا شبهه فی الانحلال الحقیقی فإنه فی الحقیقه لیس هنا علم إجمالی بل علم تفصیلی وشک بدوی.

ولکن المقام لیس من مصادیق دوران الأمر بین الأقل والأکثر الاستقلالیین؛ لأن دوران الأمر بین الأقل والأکثر الاستقلالین إنما هو فیما إذا کان الأقل موجودا فی ضمن الأکثر بتمامه فیما إذا کان الأقل من أفراد الأکثر وموجودا فی ضمن الأکثر بتمامه کما إذا علمنا أنه إما مدیون خمس دنانیر أو عشره فالخمسه موجوده فی ضمن العشره بتمامها أو إذا علمنا أن إناء واحد نجس أو أن خمس آنیه جمیعا نجسه فهذا من دوران الأمر بین الأقل والأکثر الاستقلالیین فالأقل موجود فی ضمن الأکثر بتمامه وأما إذا لم یکن الأقل موجودا فی ضمن الأکثر فلا تکون المسأله من دوران الأمر بین الأقل والأکثر الاستقلالیین. کما إذا علمنا إجمالا بأن هذا الإناء الأبیض نجس أو أن النجس فی ضمن هذان الإناءان الأسودان فهذا یکون من دوران الأمر بین الأقل والأکثر ولکن لیس من دوران الأمر بین الأقل والأکثر الاستقلالیین فإن الأقل غیر موجود فی ضمن الأکثر وإنما هو مباین للأکثر والأقل هو الإناء الأبیض والأکثر هو الإناءان الأسودان أو علمنا بأن النجس إما إناء واحد شرقی أو النجس إناءان غربیان وأنه وإن کان صوره من دوران الأمر بین الأقل والأکثر إلا أنه فی الحقیقه لیس من دوران الأمر بین الأقل والأکثر بل من دوران الأمر بین المتباینین غایه الأمر أحد طرفی العلم الإجمالی أقل من الطرف الآخر وعندئذ هل یمکن الرجوع إلی الأصول المؤمنه فی أطراف العلم الإجمالی أولا؟ أو أن أدله الأصول العملیه لا تشمل أطراف العلم الإجمالی نهائیا أو أنها تشملها ولکن تسقط من جهه المعارضه لأن جریانها فی الجمیع یستلزم المخالفه القطعیه العملیه وجریانها فی البعض دون البعض الآخر ترجیح من غیر مرجح ومن أجل ذلک تسقط أدله الأصول العملیه عن أطراف العلم الإجمالی من جهه المعارضه.

ص: 131

وما نحن فیه کذلک فإن الأقل لیس موجودا فی ضمن الأکثر بتمامه فإن الأکثر عشرتین من مادتی الافتراق والأقل عشره من ماده الاجتماع ولا نعلم أن هذه العشره موجوده فی ضمن العشرتین بتمامها بل نعلم أن بعضها غیر موجود فی ضمن عشرتین وأما تمامها فلا فمن أجل ذلک لا ینحل هذا العلم الإجمالی لا وجدانا ولا حکما بل یبقی علی حاله؛ أما وجدانا فلأن هذا العلم لا ینحل إلی علم تفصیلی بالأقل وهو عشره أحکام ثابته فی الواقع من ماده الاجتماع وشک بدوی بالنسبه إلی العشرتین من مادتی الافتراق فإنا لا نعلم أن عشره من ماده الاجتماع موجوده بتمامها فی ضمن عشرتین من مادتی الافتراق بل نعلم أن بعضها غیر موجود فی ضمن عشرتین من مادتی الافتراق فمن أجل ذلک لا یکون المقام من دوران الأمر بین الأقل والأکثر الاستقلالیین لکی ینحل العلم الإجمالی إلی علم تفصیلی بالأقل وإلی شک بدوی فی الأکثر وأما الانحلال الحکمی ففیه تفصیل.

أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی

ملخص ما ذکرناه من التعلیق علی ما ذکره بعض المحققین(قده) من الافتراض علی ما فی تقریر بحثه من أن العلم الإجمالی الوسط تلفیق وتجمیع لعده علوم إجمالیه متعدده صغیره ولهذا اشکل فی انحلال هذا العلم الإجمالی.

أما التعلیق الأول علی ذلک: فلأن ما ذکره من الافتراض مبنی علی أن تکون سائر الأمارات کفوءً للروایات ولکن الأمر لیس کذلک فإن سائر الأمارات عباره عن الإجماعات المنقوله والشهرات الفتوائیه فإن الشهرات الفتوائیه لیست کفوءً لطائفه من الروایات فضلا عن مجموعها کروایات الثقات او الروایات الموجوده فی الکتب المعتبره، وأما الشهرات الفتوائیه فإن کان لها مدرک من الروایات فالعبره إنما هی بالروایات لا بالشهره وأما الشهره التعبدیه فهی قلیله جدا فلا یمکن حصول العلم بمطابقه بعضها للواقع.

ص: 132

وکذلک الحال فی الإجماعات المنقوله فإن کان لها مدرک من الروایات فالعبره إنما هی بالروایات لا بالإجماع وأما الإجماع التعبدی فهو قلیل جدا فلا نعلم بمطابقه بعضها للواقع.

فإذاً لا یمکن أن تکون سائر الأمرات کفوءً لطائفه من الروایات کأخبار الثقه والأخبار الموجوده فی الکتب المعتبره فإن أخبار الثقه موجوده فی جمیع أبواب الفقه بحیث تکفی فی عملیه الاستنباط فی کل باب بمقدار ما یحتاج إلیه الناس فی حل مشاکلهم.

التعلیق الثانی: مع الإغماض عن ذلک وتسلیم أن سائر الأمارات کفوءً للروایات ولکن ما ذکره(قده) من أن العلم الإجمالی الوسط هو تجمیع من عده علوم إجمالیه صغیره فهو مبنی علی أن تکون الأمارات ملحوظه بنحو الموضوعیه والاستقلال والمعنی الاسمی بحیث تکون کل أماره موضوع للحکم وهذا مبنی علی القول بالتصویب الاشعری وهو باطل بل مستحیل علی تفصیل ذکرناه فی محله.

والصحیح أن الأمارات ملحوظه بنحو الطریقیه والکاشفیه والمعنی الحرفی وأنها طریق الی الواقع والحکم الواقعی حکم واحد لا یتغیر بتغیر الأمارات ولا یتعدد بتعددها فسواء أصابت الأماره أو أخطأت الواقع یبقی الحکم الواقعی واحد.

وعلی هذا فالعلم الإجمالی متعلق بالحکم الواقعی فلا یکون العلم الإجمالی الوسط تجمیعا لعلوم إجمالیه صغیره متعدده لأن العلم الإجمالی الوسط هو علم بثبوت الأحکام الشرعیه فی الواقع فی دائره مطلق الأمارات والعلم الإجمالی الکبیر هو العلم بثبوت الأحکام الشرعیه فی دائره مطلق الشبهات سواء کانت فیها روایه أم لم تکن وأما العلم الإجمالی الوسط فهو العلم الإجمالی بثبوت الأحکام الشرعیه فی الواقع فی دائره مطلق الأمارات وأن العلم الإجمالی الصغیر هو علم بثبوت الأحکام الشرعیه فی دائره أخبار الثقه أو دائره الأخبار الموجوده فی الکتب المعتبره.

وعندئذ ینحل العلم الإجمالی الکبیر بالعلم الإجمالی الوسط لأن المعلوم بالإجمال بالعلم الإجمالی الکبیر لیس أکثر من المعلوم بالإجمال فی العلم الإجمالی الوسط کما أن العلم الإجمالی الوسط ینحل بالعلم الإجمالی الصغیر فإن المعلوم بالإجمال فی العلم الإجمالی الصغیر لیس أقل من المعلوم بالإجمال فی العلم الإجمالی الوسط.

ص: 133

هذا من ناحیه.

ومن ناحیه أخری قد یقال کما قیل إن العلم الإجمالی الوسط لیس تجمیعا لعده علوم إجمالیه صغیره بل هو مردد بین الأقل والأکثر الاستقلالیین ومن الواضح انحلال العلم الإجمالی فی التردید بین الأقل والأکثر الاستقلالی إلی علم تفصیلی بالأقل وشک بدوی فی الأکثر کما إذا علمنا إجمالا أن ذمه شخص إما مشغوله بخمس دنانیر لزید او بعشره فإنه ینحل إلی علم تفصیلی باشتغال ذمته بالخمسه وإلی شک بدوی فی الزائد، وکذلک لو علمنا إجمالا ان ذمته مشغوله بالصوم خمس أیام او عشره أو عشرین أو ذمته مشغوله بالصلاه شهر أو شهرین فلا شبهه فی انحلال هذا العلم الإجمالی إلی علم تفصیلی بالأقل وشک بدوی فی الأکثر.

فإذاً لا مانع من الرجوع إلی أصاله البراءه إلی الأکثر عن الوجوب الزائد.

وما نحن فیه أیضا کذلک فإن الأمر یدور بین عشره أحکام فی ماده الاجتماع وبین عشرتین فی مادتی الافتراق فیکون الأمر دائرا بین الأقل والأکثر فإن العلم الإجمالی الوسط مردد بین عشره أحکام فی ماده الاجتماع وبین عشرتین فی مادتی الافتراق فینحل عندئذ هذا العلم الإجمالی إلی علم تفصیلی بالأقل وهو عشره أحکام فی مورد الاجتماع وشک بدوی فی الزائد ولا مانع من الرجوع إلی أصاله البراءه عن الزائد.

ولکن هذا القیل غیر صحیح؛ فإن المیزان فی دوران الأمر بین الأقل والأکثر الاستقلالیین وانحلال العلم الإجمالی فیه إلی علم تفصیلی بالأقل وشک بدوی فی الأکثر هو أن یکون الأقل بتمامه موجودا فی ضمن الأکثر کمثال الدین أو اشتغال ذمه الشخص بالصلاه أو بالصوم المردده بین الأقل والأکثر، فإن فیها یکون الأقل موجود فی ضمن الأکثر بتمامه ففی مثل ذلک لا شبهه فی انحلال العلم الإجمالی.

ص: 134

وأما إذا لم یکن الأقل موجودا فی ضمن الأکثر بتمامه فلا یکون داخلا فی هذه المسأله کما إذا علمنا إجمالا بنجاسه إناءین شرقیین أو نجاسه إناء غربی فإن الأمر وإن کان دائرا بین الأقل والأکثر الاستقلالیین إلا أن الأقل غیر موجود فی ضمن الأکثر وعلیه لا یمکن انحلال العلم الإجمالی، بل یدور الأمر حینئذ بین المتباینین غایه الأمر أحد طرفی العلم الإجمالی أکثر من الطرف الآخر وهذا لا مانع منه. فإذاً أصاله الطهاره عن الإناءین الشرقیین معارضه بأصاله الطهاره عن الإناء الغربی فلا یمکن جریان کلتا الأصالتین لاستلزامه المخالفه القطعیه العملیه وعندئذ تسقطان معا. فلا یکون المقام من دوران الأمر بین الأقل والأکثر الاستقلالیین.

وما نحن فیه کذلک فإن العشره أحکام فی مورد الاجتماع لیس موجوده فی العشرتین لموردی الافتراق وإذا لم تکن موجوده فیهما فلا یمکن انحلال العلم الإجمالی لا حقیقه ولا حکما.

أما حقیقه فلأن أحد طرفی العلم الإجمالی لا ینطبق علی الطرف الآخر فإن عشره أحکام فی مورد الاجتماع لا تکون موجوده فی عشرتی الافتراق حقیقه حتی یکون الانحلال حقیقیا.

واما حکمیا فإن أصاله البراءه عن العشرتین معارضه بأصاله البراءه عن العشره فی مورد الاجتماع فلا یمکن جریان کلتا الأصالتین لاستلزامه المخالفه القطعیه العملیه.

فإذاً لا یمکن الانحلال فی المقام لا حقیقه ولا حکما. فلا یکون المقام من دوران الأمر بین الأقل والأکثر الاستقلالیین إذ قد عرفت أن دوران الأمر بین الأقل والأکثر الاستقلالیین منوط بان یکون الأقل موجودا فی ضمن الأکثر ومع عدم وجوده لا بتمامه ولا ببعضه فلا یمکن انحلال هذا العلم الإجمالی.

ثم أن هنا اشکالا آخر وهو ان العلم الإجمالی بمطابقه بعض الاجماعات للواقع أو بعض الشهرات الفتوائیه للواقع فی فرض اجتماع هذا العلم الإجمالی مع العلم الإجمالی بمطابقه بعض الروایات للواقع فهل المؤثر فی تنجیز الحکم الواقعی فی مورد الاجتماع کلا العلمیین الإجمالیین أو المؤثر أحدهما فقط لا کلا العلمین الإجمالیین؟

ص: 135

المشهور إن المنجز هو العلم الإجمالی بمطابقه جمله من الروایات للواقع دون العلم الإجمالی بمطابقه جمله من الشهرات الفتوائیه للواقع باعتبار أن هذا العلم الإجمالی متأخر عن العلم الإجمالی بالروایات، وکذلک العلم الإجمالی بالروایات متقدم زمنا علی العلم الإجمالی فی الاجماعات المنقوله.

فعلی المشهور أن المؤثر هو العلم الإجمالی السابق دون العلم الإجمالی المتأخر ولهذا اشترط المشهور فی تنجیز العلم الإجمالی فی جمیع أطرافه ان لا یکون بعض أطرافه منجزا بمنجز سابق وإلا فلا یکون للعلم الإجمالی منجزا.

أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی

إلی هنا قد وصلنا إلی هذه النتیجه وهی أن ما ذکره السید الاستاذ(قده) من انحلال العلم الإجمالی الکبیر بالعلم الإجمالی الوسط وهو ینحل ایضا بالعلم الإجمالی الصغیر هذا هو الصحیح.

والنکته فی ذلک: أن جعل الأحکام الشرعیه من قبل الشارع ____ الذی یری مصلحه الناس ومشاکلهم الاجتماعیه والفردیه والعائلیه ____ لا بد أن یکون بمقدار یشبع حوائج الناس الاجتماعیه والفردیه ویحل مشاکلهم من کافه الجهات فی کل عصر لا أکثر من ذلک، ومن الواضح أن المعلوم بالإجمال بالعلم الإجمالی الکبیر لیس أکثر من ذلک وکذلک المعلوم بالإجمال فی العلم الإجمالی الصغیر لا یکون أقل من المعلوم بالإجمال فی العلم الإجمالی الوسط.

فإذاً لا اختلاف بین هذه العلوم الثلاثه فی المعلوم بالإجمال لا کما ولا کیفا وإنما الاختلاف فی سعه دائره المعلوم بالإجمال فی العلم الإجمالی الکبیر فإن دائرته مطلق الشبهات وإن لم تکن فیها روایه وأماره. ودائره العلم الإجمالی الوسط مطلق الأمارات أعم من الإجماعات المنقوله والشهرات الفتوائیه ودائره العلم الإجمالی الصغیر صنف خاص من الروایات کروایات الثقات او الروایات الموجوده فی الکتب المعتبره.

ص: 136

ثم أن هنا إشکالا آخر فی تنجیز العلم الإجمالی الحاصل من الشهرات الفتوائیه فی مورد الاجتماع مع العلم الإجمالی الحاصل من الروایات وکذلک العلم الإجمالی الحاصل من الإجماعات المنقوله فی مورد اجتماعه مع العلم الإجمالی الحاصل من الروایات وهل ان هذا العلم الإجمالی منجز فی مورد الاجتماع أو لا یکون منجزا؟

والجواب أن فیه قولین: فالمعروف والمشهور بین الأصحاب انه لا یکون منجزا لأن العلم الإجمالی الحاصل من الشهرات الفتوائیه فی مورد الاجتماع مع العلم الإجمالی الحاصل من الروایات متأخر زمنا عن العلم الإجمالی الحاصل من الروایات، وکذلک العلم الإجمالی الحاصل من الإجماعات المنقوله فی مورد الاجتماع متأخر زمنا عن العلم الإجمالی الحاصل من الروایات. والمعروف والمشهور بین الأصولیین أن العلم الإجمالی إنما یکون منجزا فیما إذا لم یکن بعض أطرافه منجزا بمنجز سابق وإلا لم یکون منجزا ومثال ذلک ما لو علمنا بنجاسه أحد إناءین احدهما غربی والآخر شمالی ثم حصل لنا علم إجمالی بنجاسه إناءین أحدهما غربی والآخر شرقی والإناء الغربی طرف لکلا العلمین الإجمالیین. فهنا المعروف والمشهور بین الأصحاب أن العلم الإجمالی الثانی لا یکون منجزا لأن أحد طرفیه منجز بمنجز سابق وهو العلم الإجمالی الأول فلا مانع من الرجوع إلی أصاله الطهاره فی الإناء الشرقی لأن العلم الإجمالی إذا لم یکن منجزا بالنسبه إلی الإناء الغربی فبطبیعه الحال یکون الشک فی نجاسه الإناء الشرقی شکا بدویا ولا مانع من الرجوع فیه إلی اصاله الطهاره.

وما نحن فیه من هذا القبیل فإن العلم الإجمالی الحاصل من الشهرات الفتوائیه فی مورد الاجتماع متأخر زمنا عن العلم الإجمالی الحاصل من الروایات فی مورد الاجتماع، وقد قلنا إن المشهور بین الأصحاب أن هذا العلم الإجمالی الحاصل من الشهرات الفتوائیه لا یکون منجزا لأن بعض أطرافه منجز بمنجز سابق وهو العلم الإجمالی الحاصل من الروایات.

ص: 137

وإذا فرضنا أن مورد الاجتماع لا یکون منجزا بالعلم الإجمالی الحاصل من الشهرات الفتوائیه أو العلم الحاصل من الإجماعات المنقوله فإذا لم یکن منجزا للأحکام الشرعیه فی مورد الاجتماع باعتبار أنها منجزه بمنجز سابق فلا مانع من الرجوع إلی الأصول المؤمنه فی ماده الافتراق لأنا إذا أفرزنا مورد الاجتماع عن الشهرات الفتوائیه فمورد الافتراق قلیل جدا لأن الشهرات الفتوائیه التعبدیه - التی لم تکن فی موردها روایات – قلیله جدا وکذلک الإجماعات المنقوله التی لم تکن فی موردها روایه فهی قلیله جدا فلا یوجد علم إجمالی بمطابقه بعضها للواقع، ومن هنا إذا لم یکن العلم الإجمالی الحاصل من الشهرات منجزا للأحکام الشرعیه فی مورد اجتماعه مع العلم الإجمالی من الروایات فلا یکون منجزا للأحکام الشرعیه فی مورد الافتراق أیضا إذ لا علم إجمالی فی مورد الافتراق بل هناک شک بدوی والمرجع فیه هو الأصول المؤمنه من الاستصحاب أو أصاله البراءه هذا هو المشهور بین الأصحاب.

ولکن ما ذهب الیه المشهور من الاصولیین غیر صحیح، بل لا یرجع إلی معنی محصل لأن التنجز أثر للعلم الإجمالی ومعلول للعلم الإجمالی ویستحیل انفکاک الأثر عن المؤثر بأن یکون المؤثر موجودا دون الأثر أو الأثر موجودا دون المؤثر أو العله موجوده دون المعلول او المعلول موجود بدون العله کل ذلک مستحیل لأن المعلول یدور مدار العله حدوثا وبقاءً وجودا وعدما والأثر یدور مدار المؤثر حدوثا وبقاء ووجودا وعدما.

وعلی هذا فالعلم الإجمالی الحاصل من الروایات وإن کان متقدما زمنا فإن أرید به انه منجز للأحکام فی مورد الاجتماع حدوثا وبقاء فهذا غیر معقول لأن معناه انفکاک المعلول عن العله والأثر عن المؤثر، إذ معناه أن العلم الإجمالی الحاصل فی یوم الخمیس منجز للحکم فی یوم الخمیس ویوم الجمعه وهکذا أی حدوثا وبقاء وهذا معناه انفکاک المعلول عن العله إذ کیف یکون المعلول یوم الجمعه والعله یوم الخمیس ولهذا المعلول یدور مدار العله حدوثا وبقاء، فإذا انتفت العله انتفی المعلول ولا یعقل بقاؤه بدون العله فالمعلول کما انه فی حدوثه بحاجه إلی العله کذلک فی بقائه بحاجه إلی بقائها.

ص: 138

ومن هنا لا یعقل أن یکون العلم الإجمالی الحاصل من الروایات منجزا للأحکام الشرعیه فی مورد الاجتماع حدوثا وبقاء وإلا لزم انفکاک المعلول عن العله وانفکاک الأثر عن المؤثر وهو مستحیل.

وعلی هذا فإذا اجتمع العلم الإجمالی الحاصل من الروایات مع العلم الإجمالی الحاصل من الشهرات الفتوائیه فی آن واحد فی مورد الاجتماع فعندئذ تنجز مورد الاجتماع مستند إلی کلیهما معا، ولا یعقل أن یکون مستندا إلی أحدهما دون الآخر لأنه ترجیح من غیر مرجح بعد ما کانت نسبه المعلول إلی کلتا العلتین نسبه واحده، فنسبه المعلول إلی أحداهما المعین دون الأخری ترجیح من غیر مرجح، فلا محاله عندئذ یکون مستندا إلی کلیهما کما هو الحال فی جمیع موارد اجتماع العلتین علی معلول واحد، فإنه حینذاک یکون المعلول مستند إلی کلتیهما معا لا إلی أحداهما دون الأخری لأنه ترجیح من غیر مرجح.

وعلی هذا یجتمع علمان إجمالیان فی مورد الاجتماع ویکون تنجز الأحکام الشرعیه فی مورد الاجتماع مستند إلی کلا العلمین لا إلی احدهما دون الآخر. کما هو الحال فی المثال المذکور سابقا فإن الإناء الغربی مورد لاجتماع کلا العلمین باعتبار أنه طرف لکلیهما فإذا أجتمع فیه کلا العلمین فی آن واحد فلا محاله یکون تنجز هذا الإناء مستند إلی کلا العلمین معا ولا یمکن أن یکون مستند الی العلم الأول دون الثانی لأنه ترجیح من غیر مرجح.

والنتیجه أن ما هو المشهور بین الأصحاب من شرط تنجیز العلم الإجمالی هو أن لا یکون بعض أطرافه منجزا بمنجز سابق غیر تام بل لا یرجع إلی معنی محصل.

هذا تمام کلامنا فی المرحله الأولی.

وأما الکلام فی المرحله الثانیه فهو فی انه هل یوجد فرق بین وجوب العمل بالروایات من جهه العلم الإجمالی بصدور مجموعه منها عن المعصومین(ع) او وجوب العمل بها من جهه حجیتها وما هو الفرق بینهما؟

ص: 139

والجواب أن الفرق بینهما فی عده نقاط یأتی الکلام فیها إن شاء ...

أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی

أما الکلام فی المرحله الثانیه فیقع فی الفرق بین وجوب العمل بالروایات بملاک العلم الإجمالی وبین وجوب العمل بها بملاک حجیتها وما هو الفارق بینهما؟

والجواب: أن الفارق بینهما فی مجموعه من النقاط:

النقطه الأولی: أن مقتضی العلم الإجمالی بالروایات یفترق عن مقتضی دلیل حجیه الروایات.

النقطه الثانیه: فی جریان الأصول العملیه فی أطراف العلم الإجمالی وعدم جریانها فإن کان وجوب العمل بالروایات بملاک العلم الإجمالی یقع الکلام فی جریان الأصول العملیه فی أطرافها وعدم جریانها فی أطراف هذا العلم بینما إذا کانت الروایات حجه فلا تجری الأصول العملیه فی مواردها أصلا.

النقطه الثالثه: أن وجوب العمل بالروایات إذا کان بملاک العلم الإجمالی فیقع الکلام فی جریان الأصول اللفظیه فی أطرافه وعدم جریانها فیها بینما لا تجری فی موارد الروایات إذا کانت حجه.

فإذاً یفترق وجوب العمل بالروایات بملاک العلم الإجمالی عن وجوب العمل بها بملاک حجیتها.

أما النقطه الأولی فیفترق مقتضی العلم الإجمالی عن مقتضی دلیل الحجیه فی أمور:

الأمر الأول: أن مقتضی العلم الإجمالی تنجیز التکلیف المعلوم بالإجمال إما مباشره أو بالواسطه بنحو العلیه التامه او بنحو الاقتضاء وسوف یأتی الکلام فی هذه الجهات فی ضمن الأبحاث القادمه.

وأما مقتضی دلیل حجیه الروایات إما حجیتها مطلقا أو حجیه خصوص طائفه منها کأخبار الثقه أو أخبار العدول أو أخبار طائفه خاصه علی الأقوال فی ذلک.

فإذا کانت الروایات حجه یترتب علیها آثارها علی نفس الروایات بعنوانها الخاص وباسمها المخصوص کصحه الاستناد إلیها فی مقام العمل الخارجی وصحه الاستناد إلیها فی مقام عملیه الاستنباط وصحه اسناد مؤداها إلی الشارع سواء کان مؤداها الوجوب أو الحرمه أو حکم آخر غیرهما، ولا فرق فی هذا بین أن یکون معنی الحجیه هو جعل الطریقیه والکاشفیه والعلم التعبدی أو معنی الحجیه المنجزیه والمعذریه او معنی الحجیه جعل الحکم المماثل للحکم الواقعی فی صوره المطابقه من الروایات للواقع وجعل الحکم الظاهری المخالف إذا کانت الروایه مخالفه للواقع فلا فرق من هذه الناحیه.

ص: 140

فالنتیجه أن العلم الإجمالی بالروایات یقتضی وجوب الاحتیاط بینما مقتضی دلیل الحجیه وجوب العمل بکل روایه بخصوصها وترتیب آثار الحجیه علیها.

الأمر الثانی: أن وجوب العمل بالروایات إذا کان بملاک العلم الإجمالی فلا یصح اسناد مؤداها إلی الشارع لأن مؤدی الأمارات ومدلولها إما الوجوب أو الحرمه او غیرهما من الأحکام الشرعیه فلا یصح اسناد مؤداها ومدلولها الی الشارع ولا یصح الاستناد إلیها فی مقام العمل الخارجی کما لا یصح الاستناد إلیها فی مقام عملیه الاستنباط بینما إذا کان وجوب العمل بالروایات بملاک حجیتها فیجوز اسناد مؤداها إلی الشارع ویصح أن یقال أن هذا الوجوب المدلول لهذه الروایه هو وجوب شرعی أو أن هذه الحرمه حرمه شرعیه فیصح اسناد مؤداها ومدلولها إلی الشارع کما یصح الاستناد إلیها فی مقام العمل الخارجی أو عملیه الاستنباط.

هذا هو الفارق بین وجوب العمل بالروایات بملاک العلم الإجمالی وبین وجوب العمل بها بملاک حجیتها.

الأمر الثالث: أن وجوب العمل بالروایات إذا کان بملاک العلم الإجمالی فلا یکون مثبتاتها حجه بینما إذا کان وجوب العمل بالروایات بملاک حجیتها فتکون مثبتاتها حجه.

وأما النقطه الثانیه: ففیها أیضا صور وأمور:

الصوره الأولی: ما إذا کان مفاد الروایات أحکاما إلزامیه کالوجوب أو الحرمه ومفاد الأصول العملیه أحکاما ترخیصیه کأصاله البراءه العقلیه والنقلیه أو أصاله الطهاره واستصحاب عدم التکلیف کاستصحاب عدم الوجوب او استصحاب عدم الحرمه فیکون مدلول الأمارات أحکاما إلزامیه کالوجوب والحرمه ونحوهما، ومدلول الأصول العملیه أحکاما ترخیصیه.

فإذاً تاره یقع الکلام فی جریان الأصول العملیه المؤمنه والمرخصه فی الأطراف فی الروایات إذا کان وجوب العمل بها بملاک العلم الإجمالی فهل تجری الأصول العملیه المؤمنه المرخصه فی أطراف العلم الإجمالی بالروایات أو لا تجری.

ص: 141

والجواب: أنها لا تجری إما لقصور مقتضیها فی نفسه أی أن أدله الأصول العملیه المؤمنه قاصره عن شمول أطراف العلم الإجمالی فی نفسها ومنصرفه عنها فلا تشمل أطراف العلم الإجمالی وهذا القول هو الأظهر، او ان أدله الأصول العملیه المرخصه تشمل بإطلاقها اطراف العلم الإجمالی ولکنها تسقط من جهه المعارضه، فإذا علمنا بنجاسه أحد الإناءین فمن الواضح أن أصاله الطهاره فی هذا الإناء معارضه بأصاله الطهاره فی الإناء الآخر لأن کلتا الأصالتین لا تجری فی کلا الإناءین وإلا لزم الترخیص فی المخالفه القطعیه العملیه وهذا غیر ممکن وأما جریانها فی أحدهما المعین دون الآخر ترجیح من غیر مرجح لأن نسبه أصاله الطهاره الی کلا الإناءین علی حد سواء.

وأما جریانها فی احدهما لا بعینه فغیر صحیح فإنه إن أرید من أحدهما لا بعینه أحدهما المفهومی فلا واقع موضوعی له فی الخارج ولیس من اطراف العلم الإجمالی بل هو مجرد مفهوم فی عالم الذهن فقط. وإن أرید بأحدهما لا بعینه احدهما المصداقی فهو من الفرد المردد والفرد المردد یستحیل وجوده فی الخارج.

فمن أجل ذلک تسقط أدله الأصول العملیه المؤمنه عن أطراف العلم الإجمالی بالتعارض فإذا سقطت فیکون العلم الإجمالی حینئذ منجز. ونتیجه تنجیز العلم الإجمالی هی وجوب الاحتیاط والاجتناب عن جمیع أطراف العلم الإجمالی.

وأما إذا کان وجوب العمل بالروایات بملاک حجیتها فلا شبهه فی أن الروایات تتقدم علی هذه الأصول العملیه المؤمنه. أما تقدیمها علی أصاله البراءه العقلیه فهو بالورود فإن الروایات التی هی حجه رافعه لموضوع أصاله البراءه العقلیه وجدانا لأن موضوع أصاله البراءه العقلیه عدم البیان ولا شبهه فی أن الروایات إذا کانت حجه شرعا فهی بیان وجدانا.

وأما تقدیمها علی أصاله البراءه الشرعیه وأصاله الطهاره واستصحاب عدم التکلیف فهل هذا التقدیم بالورود أو بالحکومه او بالجمع الدلالی العرفی، فهنا وجوه، سوف یأتی بحثها فی ضمن البحوث الآتیه إن شاء...

ص: 142

فإذاً فرق بین وجوب العمل بالروایات بملاک العلم الإجمالی فیکون هذا الوجوب وجوب احتیاطی وبین وجوب العمل بها بملاک حجیتها.

الصوره الثانیه: ما إذا کانت الأصول العملیه متکفله للأحکام الالزامیه کأصاله الاشتغال واستصحاب المثبت للتکلیف کاستصحاب بقاء الوجوب او استصحاب بقاء الحرمه فإذا کانت الأصول العملیه متکفله للأحکام الالزامیه فعندئذ إن کان الأصل العملی مخالفا للروایات وفرضنا أن الروایات حجه فعندئذ لا بد من تقدیم الروایه علی الأصل العملی المتکفل للأحکام الالزامیه. أما تقدیم الروایات إذا کانت حجه علی أصاله الاشتغال فهو بالورود لأن موضوع أصاله الاشتغال احتمال العقوبه علی مخالفه الواقع ولا شبهه فی أن الروایات إذا کانت حجه فهی مؤمنه من العقوبه قطعا فإذا عمل المکلف بالروایه فهو مأمون قطعا من العقوبه والإدانه وإن کانت الروایه مخالفه للواقع، فالروایه رافعه لموضوع أصاله الاشتغال وجدانا فتقدیمها علیها إنما هو بالورود.

واما تقدیمها علی الاستصحاب المثبت للتکلیف فهل هو بالورود أو بالحکومه او بالجمع الدلالی العرفی؟ فیه وجوه وسیأتی بحثها فی ضمن البحوث القادمه إن شاء ..

هذا إذا کان الأصل العملی المتکفل للحکم الالزامی مخالفا للروایه وأما إذا کان موافقا للروایه فهل یکون تقدیم الروایه علی هذه الأصول من باب الورود او من باب الحکومه او من باب الجمع الدلالی العرفی ففیه وجوه تأتی غدا إن شاء ...

أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی

الصوره الثانیه: ما إذا کانت الأصول العملیه الشرعیه متکفله للأحکام الالزامیه کقاعده الاشتغال وکالاستصحاب المثبت للتکلیف کاستصحاب بقاء وجوب شیء أو استصحاب بقاء حرمه شیء فتاره یقع الکلام فی جریان هذه الأصول فی أطراف الروایات بملاک أن هذه الروایات حجه وأخری یقع الکلام فی جریانها فی موارد هذه الروایات بملاک وجوب العمل بها من جهه العلم الإجمالی وقاعده الاشتغال.

ص: 143

أما الکلام فی الفرض الأول: فإن کانت هذه الأصول مخالفه للروایات التی هی حجه ومدلول الروایه إما نفی الوجوب أو الحرمه واما مدلول قاعده الاشتغال فوجوب شیء فعندئذ لا شبهه فی تقدیم الروایه علی قاعده الاشتغال من باب الورود لأن موضوع قاعده الاشتغال احتمال العقوبه والإدانه والروایه إذا کانت حجه فهی مؤمنه جزما عن العقوبه وإن کانت الروایه مخالفه للواقع.

وأما إذا کان الأصل العملی متمثلا بالاستصحاب فإن کان الاستصحاب حجه بدلیل قطعی کالسیره العقلائیه أو نحوها فأیضا لا شبهه فی تقدیم الروایه علی الاستصحاب من باب الورود أو من باب الحکومه او من باب الجمع الدلالی العرفی، وسوف یأتی الکلام فیها.

وأما کانت هذه الأصول العملیه کقاعده الاشتغال موافقه للروایه فهذا یعنی اجتماع قاعده الاشتغال مع الروایه علی حکم واحد فمع ذلک لا بد من تقدیم الروایه علی قاعده الاشتغال من باب الورود لأن المأخوذ فی موضوع قاعده الاشتغال احتمال ثبوت التکلیف فی الواقع کما فی الشبهات قبل الفحص وعدم ثبوت الحکم لا واقعا ولا ظاهرا ومن الواضح أن الروایه إذا کانت حجه فهی تثبت الواقع ظاهرا فلا محاله تکون رافعه لموضوع قاعده الاشتغال وجدانا فتکون وارده علیها.

وأما إذا کان الأصل العملی متمثلا فی الاستصحاب وفرضنا أنه حجه فی مورد الاجتماع مع الروایه ولکن مع ذلک لا بد من تقدیم الروایه علی الاستصحاب لأنه منوط بالشک فی بقاء الحاله السابقه مقیدا بعدم الدلیل علی ثبوت الحاله السابقه أو نفیها وفی حال کان هناک دلیل علی ثبوت الحاله السابقه ولو ظاهرا فهو رافع لموضوع الاستصحاب وجدانا فیکون واردا علی الاستصحاب وسوف یأتی بحثه فی ضمن الأبحاث القادمه.

واما إذا لم یکن الاستصحاب حجه لعدم الدلیل علیه وکان وجوب العمل به بملاک قاعده الاشتغال ووجوب الاحتیاط ولیس بملاک حجیه الاستصحاب فعندئذ لا شبهه فی تقدیم الروایه علی الاستصحاب فکما أن الروایه تتقدم علی قاعده الاشتغال کذلک تتقدم علی الاستصحاب لأن مدرک الاستصحاب قاعده الاشتغال حسب الفرض. هذا إذا کانت الأصول العملیه المتکفله للأحکام الالزامیه مخالفه للروایات وکانت الروایات حجه.

ص: 144

وأما الفرض الثانی: وهو ان الروایات لا تکون حجه ووجوب العمل بها بملاک العلم الإجمالی من باب قاعده الاشتغال لا بملاک حجیتها فی نفسها فعندئذ إذا کان الأصل العملی متمثلا بقاعده الاشتغال وکانت موافقه للروایه وقد اجتمعت مع الروایه فی مورد الاجتماع بینهما فبطبیعه الحال یکون تنجز الحکم فی مورد الاجتماع مستند إلی قاعده الاشتغال والروایه معا باعتبار أن وجوب العمل بالروایات من باب قاعده الاشتغال وکلتا القاعدتین مؤثره فی تنجیز الحکم فی مورد الاجتماع فهو من باب اجتماع علتین مستقلتین علی معلول واحد وحینئذ لا محاله یکون وجود المعلول مستند إلی کلتا العلتین لا إلی احدهما دون الأخری کما لو اجتمعت حراره النار مع حراره الکهرباء علی غلیان الماء فغلیانه مستند إلی کلتا الحرارتین ولا یمکن أن یکون مستند إلی حراره النار دون حراره الکهرباء أو بالعکس بل هو مستند إلی کلتیهما معا وهکذا فی کل مورد تجتمع فیه علتان مستقلتان علی معلول واحد فهو مستند إلی کلتیهما معا ویستحیل استناده إلی احداهما دون الأخری.

واما إذا کان الأصل العملی متمثلا بالاستصحاب وکان الاستصحاب حجه بدلیل قطعی کسیره العقلاء ونحوها فعندئذ لا شبهه فی أن الاستصحاب یقدم علی الروایه فی مورد الاجتماع لأن وجوب العمل بالروایات بملاک الاحتیاط وقاعده الاشتغال والاستصحاب إذا کان حجه فهو مقدم علی قاعده الاشتغال لأن المأخوذ فی قاعده الاشتغال عدم ثبوت الحکم لا واقعا ولا ظاهرا والاستصحاب یثبت الحکم ظاهرا فیقدم علی قاعده الاشتغال بالورود لأنه رافع لموضوع قاعده الاشتغال وجدانا.

واما إذا لم یکن الاستصحاب حجه بان یکون العمل به من باب الاحتیاط وقاعده الاشتغال کما إذا علم إجمالا بصدور بعض الروایات الداله علی الاستصحاب عن المعصومین(ع) وحینئذ فإذا اجتمع مع الروایه فی مورد واحد فالمفروض ان وجوب العمل بالروایات أیضا من باب قاعده الاشتغال فتجتمع فی هذا المورد قاعدتی اشتغال فبطبیعه الحال تنجیز الحکم فی مورد الاجتماع مستند إلی کلتا القاعدتین معا لا إلی احداهما دون الأخری.

ص: 145

هذا کله علی ما هو الصحیح من ان تنجیز العلم الإجمالی لأطرافه یکون بنحو الاقتضاء لا بنحو العله التامه أی ان العلم الإجمالی منجز للمعلوم بالإجمال بنحو العله التامه ولکنه منجز لأطرافه بنحو الاقتضاء شریطه أن لا تجری الأصول العملیه المرخصه فی أطرافه وإلا فهی مانعه عن تنجیز العلم الإجمالی لأطرافه.

وأما إذا قلنا بان تنجیز العلم الإجمالی لأطرافه أیضا یکون ینحو العله التامه فلا یجری شیء من الأصول العملیه المرخصه فی اطرافه ولا یمکن جریانها لأن فرض جریانها فرض ان العلم الإجمالی لیس عله تامه وهو خلف لأن العلم الإجمالی إذا کان عله تامه لتنجیز أطرافه فلا مجال لجریان الأصول العملیه المرخصه وکذلک لا مجال للأصول العملیه المتکفله للأحکام الالزامیه فإنها ایضا لا مجال لجریانها لأن العلم الإجمالی عله تامه فلا محاله یکون منجز بدون توقف علی شیء آخر... نعم قاعده الاشتغال إذا کانت مستنده إلی العلم الإجمالی بالروایات کما فی الاستصحاب إذا کان مستند إلی العلم الإجمالی بصدور بعض روایاته فالعلم الإجمالی منجز لأطرافه بنحو العله التامه فعندئذ کما ان العلم الإجمالی بصدور مجموعه من الروایات منجز بنحو العله التامه کذلک العلم الإجمالی بصدور بعض روایات الاستصحاب منجز بنحو العله التامه ومع اجتماع کلتیهما فی مورد واحد فالتنجیز عندئذ مستند إلی کلتیهما معا وحینئذ لا وجه لتقدیم قاعده الاشتغال فی الروایات علی قاعده الاشتغال فی الاستصحاب لأن مدرک کلتا القاعدتین هو العلم الإجمالی.. نعم العلم الإجمالی بالروایات متقدم عل قاعده الاشتغال إذا کان مدرکها احتمال ثبوت التکلیف کما فی الشبهات البدویه قبل الفحص لأن فیها یجب الاحتیاط بمقتضی قاعده الاشتغال لأنه لا مجال لجریانها إذا قلنا ان العلم الإجمالی عله تامه لتنجیز أطرافه لأن التنجیز مستند إلی العلم فلا تصل النوبه إلی الاحتمال.

ص: 146

هذا کله فیما إذا کانت الأصول العملیه المتکفله للأحکام الالزامیه موافقه للروایه. طجرافه

أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی

ذکرنا فی الصوره الثانیه ما اذا کان الأصل العملی متکفلا للحکم الإلزامی فتاره یقع الکلام فیما اذا کان الأصل العملی موافقا للروایه وأُخری یکون مخالفا لها وقد تقدم الکلام فیما اذا کان الأصل موافقا للروایه ویبقی الکلام فیما اذ کان الأصل العملی المتکفل للحکم الإلزامی مخالفا للروایه.

فإن کان الأصل العملی متمثلا فی الاستصحاب المثبت للتکلیف فإن قلنا بحجیه الروایه فلا شبهه فی تقدیم الروایه علی الاستصحاب فیکون تقدیمها علیه من باب الورود علی تفصیل یأتی فی ضمن البحوث القادمه.

وأما اذا کان وجوب العمل بالروایات بملاک العلم الاجمالی لا بملاک حجیتها بل من باب الاحتیاط وقاعده الاشتغال وحینئذ فإن کان الاستصحاب حجه بدلیل قطعی کالسیره القطعیه ونحوها ولا یمکن إثبات حجیه الاستصحاب بالروایات باعتبار أن الروایات علی الفرض لا دلیل علی حجیتها فاذا ثبتت حجیه الاستصحاب بدلیل قطعی خارجی فعندئذ لا شبهه فی تقدیم الاستصحاب علی الروایات لان العمل بالروایات انما هو بملاک قاعده الاشتغال والاستصحاب وارد علی هذه القاعده لأن موضوع هذه القاعده احتمال ثبوت التکلیف مع عدم وجود مؤمن فی البین ومقید بعدم ثبوته لا واقعا ولا ظاهرا ومن الواضح أن الاستصحاب مثبت للتکلیف ظاهرا فعندئذ ینتفی موضوع القاعده بانتفاء قیده ولهذا یکون الاستصحاب واردا علی الروایه اذا کان وجوب العمل بها بملاک العلم الاجمالی وقاعده الاشتغال والاحتیاط.

وأما اذا لم یکن الاستصحاب حجه ولا دلیل علی حجیته من الخارج وروایات الاستصحاب لم تثبت حجیتها ولکن بما أنا نعلم بصدور بعض روایات الاستصحاب فیکون العمل بالاستصحاب بملاک العلم الاجمالی من باب الاحتیاط وقاعده الاشتغال کما هو الحال فی سائر الروایات فإن وجوب العمل بها بملاک العلم الاجمالی من باب الاحتیاط وقاعده الاشتغال فحیث انه لا یمکن الجمع بین القاعدتین الاشتغالیتین اذ لا یمکن صدور حکمین متناقضین من العقل ای لا یمکن ان یحکم العقل بحکمین متناقضین ای بحسن شیء وقبحه معا وبقاعده الاشتغال فی مورد روایات الاستصحاب بقاعده الاشتغال فی مورد سائر الروایات اذا کانتا متخالفتین ومتناقضتین وفی مثل ذلک لا محاله یحکم العقل بالتخییر بینهما بعد عدم إمکان الحکم بکلتا القاعدتین المتناقضتین فبطبیعه الحال یحکم بالتخییر بینهما.

ص: 147

هذا اذا کان الأصل العملی متمثلا بالاستصحاب.

وأما اذا کان متمثلا بقاعده الاشتغال بأن یکون مفاد الاشتغال وجوب شیء ومفاد الروایات حرمه ذلک الشیء والمفروض أن العمل بالروایات ایضا من باب قاعده الاشتغال فعندئذ یقع التنافی بین قاعدتین اشتغالیتین وحیث انه لا یمکن فرض التنافی بینهما إذ معناه ان العقل یحکم بکلتا القاعدتین معا وهذا غیر معقول ولا یصدر من العقل حکمین متناقضین فعندئذ لا محاله یحکم العقل بالتخییر بین الأخذ بقاعده الاشتغال وبین الأخذ بالعمل بالروایات فإن العمل بالروایات ایضا بملاک قاعده الاشتغال مخیر بین کلتا القاعدتین

قد یقال إن قاعده الاشتغال اذا کانت مخالفه للروایات فی موارد العلم الاجمالی لا تجری فی أطرافه لا کلا ولا بعضا فإن قاعده الاشتغال لا تجری فی أطراف العلم الاجمالی اذا کانت مخالفه للعلم الاجمالی لا کلا ولا بعضا

والجواب أن هذا القول لا یرجع الی معنی محصل إذ لا مانع من جریان قاعده الاشتغال فی بعض أطراف العلم الاجمالی دون بعضها الآخر لأن جریانها منوط بتحقق موضوعها ومع تحقق موضوعها فی بعض أصناف الروایات دون الأخری تجری القاعده فی موارد هذا الصنف فعندئذ تکون هذه القاعده منافیه للعمل بهذه الاصناف من الروایات من باب قاعده الاشتغال وحینئذ تقع المنافاه بین هاتین القاعدتین الاشتغالیتین وحیث إن المنافاه بینهما غیر ممکنه فلا محاله یحکم العقل بالتخییر بینهما بعد أن لا یمکن الحکم بکلتا القاعدتین معا إذ التعارض بین الأحکام العقلیه القطعیه والعقلیه الضروریه غیر معقول کما لا یمکن التعارض بین الأحکام القطعیه الشرعیه ایضا لانه لا یعقل التعارض بین الآیتین سندا أو بین دلالتین قطعیتین فالتعارض بین الأحکام القطعیه غیر متصور لا سندا ولا دلاله اذا کانت قطعیه وإنما یتصور فی الأحکام الظنیه المعتبره بدلیل وأما الأحکام الشرعیه اذا کانت قطعیه فلا یتصور التعارض بینها ولهذا لا یعقل التعارض بین الآیتین سندا ولا بین الدلالتین اذا کانتا قطعیتین.

ص: 148

هذا اذا کان تنجیز العلم الاجمالی لأطرافه بالاقتضاء وبالواسطه وأما اذا کان تنجیزه لأطرافه بالمباشره وبنحو العله التامه فعندئذ لا مجال لأصاله الاشتغال فی موردها فإن فرض وجود المخالف للعلم الاجمالی عن التنجیز غیر متصور لأنه یعنی ان العلم الاجمالی لیس عله تامه وهو خلف.

وایضاً لا مانع من ان تجری قاعده الاشتغال المخالفه للعلم الاجمالی بالروایات فی جمیع أطرافه من الروایات وعندئذ تقع المنافاه بین قاعدتین اشتغالیتین أی بین قاعده الاشتغال التی تجری فی مورد الروایات وبین قاعده الاشتغال التی یعمل بها فی الروایات لأن العمل بالروایات کان من باب قاعده الاشتغال ولکن حیث ان المنافاه بینهما غیر معقوله فمن اجل ذلک یحکم العقل بالتخییر بینهما.

هذا کله فی الصوره الاولی

الصوره الثالثه: ما اذا کان الأصل العملی متکفلا للحکم الالزامی والروایات نافیه للحکم الإلزامی بمدلولها المطابقه او بمدلولها الالتزامی فالاصل العملی المتکفل للحکم الإلزامی فی مقابله الروایات النافیه للحکم الإلزامی وهذا الأصل العملی متمثل فی أصلین:

احدهما: قاعده الاشتغال.

والآخر: الاستصحاب المثبت للتکلیف.

وفی مقابلها روایه نافیه للتکلیف الالزامی کما اذا فرضنا ان قاعده الاشتغال تقتضی وجوب شیء فی مورد الروایات والروایه تدل علی اباحه ذلک الشیء بالمطابقه وعلی نفی الوجوب بالالتزام فتکون نافیه للوجوب بالدلاله الالتزامیه وکذلک الحال فی الاستصحاب فإن الروایه مخالفه له ومنافیه لمدلوله لانه مثبت للوجوب او الحرمه والروایه تدل علی الإباحه بالمطابقه وعلی نفی الوجوب بالالتزام.

أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی بحث الأصول

الموضوع:- خ__ت__ام.

ذکر السید الماتن (قدس الله نفسه) : الحادیه والثلاثون: إذا بقی من المال الذی تعلق به الزکاه والخمس مقدار لا یفی بهما ولم یکن عنده غیره فالظاهر وجوب التوزیع بالنسبه بخلاف ما إذا کانا فی ذمته ولم یکن عنده ما یفی بهما فإنه مخیر بین التوزیع وتقدیم أحدهم) (1) .

ص: 149


1- العروه الوثقی، السید محمد کاظم الیزدی الطباطبائی، ج4، ص192، ط جماعه المدرسین.

ذکر الماتن ان ما بقی من العین الزکویه او الخمس یوزع بینهما بالنسبه فاذا فرضنا ان خمس هذا المال زکاه وعشره سهم الامام (علیه السلام) والساده فیقسم بینهما الی ثلاثه اثلاث ثلثین للإمام (علیه السلام) والساده وثلث للزکاه ، وهکذا اذا کانت النسبه الربع او الخمس فیقسم بینهما بالنسبه.

ولکن هذا التقسیم فی بعض اصناف الزکاه غیر متصور ، مثلا فی زکاه الاغنام فالزکاه متعلقه بعین واحده وهی شاه من اربعین شاه وتسعه وثلاثین شاه لیس متعلقه للزکاه ولهذا یجوز تصرف المالک فی تسعه وثلاثین شاه ، واما الخمس فهو متعلق بأربعین شاه بنحو المشاع فخمس اربعین شاه وهو سهم الامام (علیه السلام) والساده فمعناه ان کل واحد من الشیاه مشترک بین المالک وبین الامام (علیه السلام) والساده وأما الباقی وهو أربعه اخماس فهی للمالک ، فالخمس متعلق بالعین بنحو الاشاعه واما الزکاه فهی متعلقه بالعین بنحو الکلی فی الذمه ، فالزکاه لیست مشترکه بین المالک وبین الفقیر فان شاه واحد تماما هی الزکاه والباقی للمالک ولهذا یجوز تصرف المالک بالباقی من التصرفات الخارجیه والاعتباریه کالبیع والهبه.

واما اذا بقی من اربعین شاه شاهٌ واحده فهذه الشاه إما هی زکاه بتمامها او خمسها سهم الامام (علیه السلام) والساده ، فیدور امر هذه الشاه بین کونها زکاه تماما وبین خمسها سهم الامام (علیه السلام) والساده مشترک بین المالک والامام (علیه السلام) والساده ولا یمکن التوزیع فالتوزیع منوط بالاشتراک بان یکون المال مشترکا بین الخمس والزکاه وشاه واحده لیست مشترکه فهی اما زکاه بتمامها او خمسها للإمام والساده ، اذن فهی اما متعلق للزکاه او متعلق للخمس وتعیین ذلک بحاجه الی القرعه.

واما فی زکاه الابقار فالتوزیع غیر متصور فان زکاه البقر فی ثلاثین بقره تبیع والتبیع هو الزکاه واما الخمس تعلق بنفس ثلاثین بقر فخمس الثلاثین بقره هو سهم الامام (علیه السلام) وسهم الساده ، إذن لا اشتراک بینهما حتی یوزع فالتوزیع غیر متصور فی زکاه البقر.

ص: 150

وکذا الحال فی زکاه الابل فان فی خمس إبل شاه والخمس متعلق بنفس الابل بنحو المشاع فخمسها للإمام (علیه السلام) والساده واربعه اخماسها للمالک فالمالک لا یشترک مع الفقیر فان خمسه ابل ملک المالک تماما ویجوز تصرف المالک فی خمسه ابل بدون أی مزاحم وزکاه خمسه ابل شاه أی شاه کانت سواء أکان اشتری شاه بعنوان الزکاه او کانت الشاه عنده دفعها للفقیر بعنوان الزکاه.

النتیجه ان ما ذکره الماتن من التوزیع انما ینطبق علی زکاه الغلاه وزکاه النقدین فان الزکاه فی الغلاه الاربعه متعلقه بالعین بنحو کسر المشاع وکذا الزکاه فی النقدین وعلی هذا فاذا بقی من الحنطه التی هی متعلقه للزکاه والخمس معا منها مقدار لا یفی بالزکاه والخمس معا فالماتن ذکر التوزیع ، فظاهر کلام الماتن الباقی مشترک بین الفقیر وبین الامام (علیه السلام) والساده مع ان الامر لیس کذلک فان تعلق الزکاه بالحنطه بنحو الاشاعه بمعنی ان کل جزء من اجزائه مشترک بین المالک والفقیر واذا کانت متعلقه للخمس فکل جزء من اجزاء الحنطه مشترک بین المالک والامام والساده فحینئذ اذا تلفت الحنطه بآفه سماویه او ارضیه او اتلفها المالک عمدا فعلی الاول لیس المالک ضامنا للزکاه والخمس لان التلف لیس بتقصیر منه وعلی الثانی تنتقل الزکاه والخمس الی ذمه المالک واما الباقی فهو مشترک بین الثلاثه بین المالک والفقیر والامام والساده لا انه مشترک بین الامام والساده وبین الفقیر لان هذه الحنطه مشترکه بین الجمیع وفی کل جزء من اجزائها مشترک بین الثلاثه ، اذن ما یظهر من الماتن ان الباقی مشترک بین الزکاه والخمس لیس الامر کذلک ، اذن عشر هذا الباقی زکاه وخمسه سهم الامام والساده والباقی ملک للمالک کما هو الحال فی الذهب والفضه فاذا فرضنا ان اربعین مثقال من الذهب عند المالک فمثقال واحد زکاه وثمانیه خمس والباقی ملک للمالک ، فما یظهر من الماتن لا یمکن المساعده علیه.

ص: 151

هذا اذا کانت الزکاه متعلقه بالعین الخارجیه والخمس متعلق بها ، واما اذا کانت الزکاه فی الذمه وکذا الخمس فحینئذ لا تمییز بینهما فی الذمه والتمییز انما هو بالقصد فحینئذ لا یجب علی المالک التوزیع فالمالک مخیر بین ان یدفع ما فی ذمته بعنوان الزکاه او یدفع ما فی ذمته بعنوان الخمس او یدفع نصف ما فی ذمته بعنوان الزکاه ونصف ما فی ذمته بعنوان الخمس فالمالک مخیر ولا دلیل علی التوزیع بالنسبه الی ما فی الذمه فان التوزیع بالنسبه الی ما فی الذمه لا معنی له لان ما فی الذمه امر اعتباری غیر قابل للتقسیم والتوزیع لان التوزیع انما یتصور فی الاعیان الخارجیه لا فی الامور الاعتباریه.

ثم ذکر السید الماتن (قدس الله نفسه) : وإذا کان علیه خمس أو زکاه ومع ذلک علیه من دین الناس والکفاره والنذر والمظالم وضاق ماله عن أداء الجمیع فإن کانت العین التی فیها الخمس أو الزکاه موجوده وجب تقدیمهما علی البقیه، وإن لم تکن موجوده فهو مخیر بین تقدیم أیهما شاء ولا یجب التوزیع وإن کان أولی) (1) .

ذکر الماتن ان العین اذا کانت موجوده فی الخارج وجب تقدیم الزکاه والخمس علی سائر الاشیاء فان الزکاه متعلقه بالعین الخارجیه وکذا الخمس واما الدین فهو متعلق بالذمه لا بالعین الخارجی وکذا المظالم فان المظالم متعلقه بالذمه واما الکفاره فهو مجرد تکلیف فوجوبها لیس وجوبا مالیا بل وجوب تکلیفی وکذا وجوب النذر فهو وجوب تکلیفی محض ولیس وجوبا مالیا فالمنذور لیس خارجا عن ملک المالک وصار ملکا لله تعالی فان النذر لله حاله حال قوله تعالی:﴿ وَلِلّهِ عَلَی النَّاسِ حِجُّ الْبَیْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَیْهِ سَبِیلًا ﴾ (2) ، فان الحج لیس ملکا لله تعالی بل یدل علی ان الحج واجب لأجل التقرب لله تعالی.

ص: 152


1- العروه الوثقی، السید محمد کاظم الیزدی الطباطبائی، ج4، ص193، ط جماعه المدرسین.
2- سوره آل عمران، الآیه 97.

ولکن ظاهر الماتن ان وجوب النذر وجوب مالی بقرینه ذکره فی سیاق الزکاه والخمس والدین ورد المظالم ولکن لا دلیل علی ان وجوب الکفاره وجوب مالی بل هو وجوب تکلیفی محض وکذا وجوب الوفاء بالنذر.

ذکرنا انه اذا کانت العین موجوده فلا یجب التوزیع بین الفقیر وبین الامام والساده بل یجب التوزیع بین ثلاثه اشخاص المالک والامام والساده والفقیر لأنه مشترک بین الجمیع اذا کان من الاجناس الاربعه او من الذهب والفضه وان لم تکن العین الخارجیه موجوده وکانت الزکاه فی الذمه والخمس فی الذمه فالمکلف مخیر بین ان یدفع ما فی ذمته بعنوان الزکاه او بعنوان الخمس او بعنوان رد المظالم او بعنوان الوفاء بالدین او النذر او الکفاره وذکرنا ان فی الکفاره والنذر ان یکون المکلف ذمته مشغوله بالمال فان وجوب الکفاره والنذر وجوب تکلیفی لیس وجوبا مالیا.

ثم ذکر السید الماتن (قدس الله نفسه): (نعم إذا مات وکان علیه هذه الأمور وضاقت الترکه وجب التوزیع بالنسبه ، کما فی غرماء المفلس، وإذا کان علیه حج واجب أیضا کان فی عرضها) (1) .

ونتکلم فیه ان شاء الله تعالی.

أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی

هنا إشکالان علی جریان الاستصحاب فی أطراف العلم الإجمالی: أحدهما إثباتی والآخر ثبوتی.

أما الإثباتی فقد أبداه شیخنا الأنصاری(قده) بدعوی أن روایات الاستصحاب قاصره عن شمول أطراف العلم الإجمالی لأن شمولها لأطراف العلم الإجمالی یلزم منه التناقض بین إطلاق صدرها وإطلاق ذیلها، ذلک لأن الوارد فی صدر روایات الاستصحاب قوله(ع) (لا تنقض الیقین بالشک) أو (لیس ینبغی لک أن تنقض الیقین بالشک)، والوارد فی ذیل هذه الروایات (ولکن تنقضه بیقین آخر)، وإطلاق الصدر یشمل الشبهات المقرونه بالعلم الإجمالی والشبهات البدویه.

ص: 153


1- العروه الوثقی، السید محمد کاظم الیزدی الطباطبائی، ج4، ص193، ط جماعه المدرسین.

فصدر هذه الروایات بإطلاقه یشمل الشبهات المقرونه بالعلم الإجمالی والشبهات البدویه، وأما ذیلها فبإطلاقه یشمل الیقین التفصیلی والیقین الإجمالی معا، لصدق الیقین علی کلاهما وصدر هذه الروایات یدل علی حرمه نقض الیقین بالشک حرمه وضعیه وإما ذیلها فبإطلاقه یدل علی وجوب نقض الیقین بالیقین أعم من کونه یقینا تفصیلیا أو یقینا إجمالیا والمفروض ان الیقین الإجمالی موجود فی أطراف العلم الإجمالی وهذا یعنی ان المکلف مأمور بنقض الیقین السابق بالقین الموجود فی أطراف العلم الإجمالی وهو الیقین الإجمالی فعندئذ یلزم التناقض بین إطلاق الصدر الدال علی حرمه نقض الیقین بالشک وبین إطلاق الذیل الدال علی وجوب نقض الیقین السابق وهو الیقین التفصیلی بالیقین وإن کان إجمالیا.

وعلی هذا فلا یمکن أن تکون روایات الاستصحاب شامله لأطراف العلم الإجمالی لاستلزامه التناقض بین إطلاق الصدر وإطلاق الذیل.

ولکن للنظر فیما أفاده(قده) مجال، لأن المراد من الیقین فی ذیل هذه الروایات هو خصوص الیقین التفصیلی لا الأعم منه ومن الیقین الإجمالی وذلک بقرینه قطعیه وهو أسناد النقض إلیه؛ إذ الیقین إنما یکون ناقضا للیقین السابق فیما إذا تعلق بنفس ما تعلق به الیقین السابق، وإما إذا تعلق الیقین السابق بشیء والیقن اللاحق تعلق بشیء آخر فلا معنی للنقض لعدم ارتباط أحد الیقینین بالآخر ولا صله بینهما، فإذا تیقنا بعداله زید ثم حصل الیقین بعدم عدالته فیصدق علی الیقین اللاحق أنه ناقض للیقین السابق أی الیقین بعداله زید لأنه تعلق بنفس ما تعلق به الیقین السابق وکذا لو تیقن بموت زید ثم حصل له الیقین بعدم موته.

وفیما نحن فیه الیقین الإجمالی لا یصلح أن یکون ناقضا للیقین السابق؛ لأن متعلق الیقین الإجمالی الجامع بحده الجامعی وهو عنوان أحدهما او عنوان أحدها ومتعلق الیقین التفصیلی الفرد بحده الفردی فیکون متعلق الیقین الإجمالی شیء ومتعلق الیقین التفصیلی شیء آخر فلا یکون الیقین الإجمالی ناقضا للیقین التفصیلی لعدم الصله الارتباط بینهما.

ص: 154

ومن هنا لو علمنا بطهاره أحد الإناءین وکانا فی السابق نجسین فالیقین التفصیلی تعلق بنجاسه کل منهما بحده الفردی أی بنجاسه الإناء بحده الغربی وبنجاسه الإناء الآخر بحده الشرقی، وأما الیقین الإجمالی فقد تعلق بطهاره أحدهما وهو الجامع الانتزاعی وعلی هذا لا یعقل ان یکون الیقین الإجمالی بطهاره أحدهما ناقضا للیقین بنجاسه کل منهما، وإنما الناقض للیقین التفصیلی بنجاسه الإناء بحده الغربی هو الیقین بعدم نجاسته وکذلک الیقین بعدم نجاسه الإناء الشرقی هو الناقض للیقین بنجاسته.

فالنتیجه أن ما ذکره شیخنا الأنصاری من المعارضه بین إطلاق صدر روایات الاستصحاب وإطلاق ذیلها لا یمکن المساعده علیه بل لا یرجع إلی معنی صحیح.

هذا أولاً.

وثانیاً: مع الإغماض عن ذلک وفرض التسلیم بأن المراد من الیقین فی ذیل روایات الاستصحاب هو ما یعم الیقین الإجمالی إلا أن روایات الاستصحاب علی طائفتین: احداهما: تدل بإطلاق صدرها علی حرمه نقض الیقین بالشک مطلقا فی الشبهات المقرونه بالعلم الإجمالی والشبهات البدویه وبإطلاق ذیلها تدل علی وجوب نقض الیقین بالیقین الأعم من الیقین التفصیلی والیقین الإجمالی.

واما الطائفه الثانیه من هذه الروایات فلا تکون مذیله بهذا الذیل فهی إذاً مطلقه وتدل علی حرمه نقض الیقین بالشک.

وعلی هذا فما ذکره شیخنا الأنصاری(قده) لو تم فإنما یتم فی الطائفه الأولی من هذه الروایات فإنه استنادا إلی هذه الطائفه لا یمکن التمسک بجریان الاستصحاب فی أطراف العلم الإجمالی ولکن لا مانع من الاستدلال بالطائفه الثانیه عل جریانه فی أطراف العلم الإجمالی لأن الطائفه الثانیه مطلقه وغیر مذیله بذیل(ولکن تنقضه بقین آخر).

فالنتیجه أنه لا مانع من جریان الاستصحاب فی أطراف العلم الإجمالی إذا لم یستلزم المخالفه القطعیه العملیه.

واما الإشکال الثبوتی فقد أبداه المحقق النائینی(قده) (1) بدعوی ان المانع من جریان الاستصحاب فی أطراف العلم الإجمالی هو مانع ثبوتی لا إثباتی، ذلک أنا لو فرضنا ان المکلف توضأ بماء ثم شک فی نجاسه هذا الماء وطهارته فیتولد من هذا الشک شکان: أحدهما الشک فی نجاسه أعضاء وضوئه فإن هذا الماء لو کان نجسا فقد تنجست أعضاء وضوئه، وثانیهما الشک فی صحه هذا الوضوء وفساده لأن الماء إن کان طاهرا فوضوؤه صحیح ورافع للحدث وإن کان الماء نجسا فوضوؤه باطل وغیر رافع للحدث، وفی مثل ذلک لا مانع من جریان کلا الاستصحابین استصحاب بقاء طهاره کل أعضاء وضوئه لأنه قبل استعمال هذا الماء کانت أعضاء وضوئه طاهره ویشک بعد الوضوء بهذا الماء فی بقاء هذه الطهاره فلا مانع من استصحاب بقائها. وکذلک فی الفرض الثانی لا مانع من استصحاب بقاء الحدث فإنه قبل الوضوء بهذا الماء کان محدثا واما بعد الوضوء به فیشک فی بقائه فلا مانع من استصحاب بقاء حدثه ولا تنافی بین الاستصحابین، لأن الاستصحاب لا یثبت مثبتاته حتی یقع التنافی بینهما.

ص: 155


1- اجود التقریرات، تقریر بحث المحقق النائینی للسید الخوئی، ج2، ص52.

ومن ذلک ما لو علم بنجاسه کلا الإناءین الأبیض والأسود ثم علم بطهاره احدهما إما بإصابه المطر أو بملاقاته للماء الجاری او الماء الکر وعلم بان احدهما أصابه المطر او لاقی الماء الجاری أو الماء الکر وهذا یعنی علمه بطهارته ولکنه لا یدری أنه الإناء الأبیض أو الأسود ففی مثل ذلک لا مانع من جریان استصحاب بقاء نجاسه کل منهما أی نجاسه الإناء الأبیض ونجاسه الإناء الأسود وهذا العلم الإجمالی لا یکون مانعا عن جریان الاستصحاب فی أطرافه؛ إذ مانعیته عن جریان الاستصحاب لا محاله تکون بأحد أمرین:

الأول: ان یکون العلم الإجمالی رافعا لموضوع الاستصحاب، والمفروض أنه لا یکون رافعا له فإن موضوع الاستصحاب الیقین السابق والشک اللاحق وهو موجود بعد العلم الإجمالی بطهاره أحدهما أیضا.

الثانی: لزوم المخالفه القطعیه العملیه وفی المقام غیر لازم؛ لأن المعلوم بالإجمالی حکم ترخیصی، والمحذور إنما یلزم لو کان المعلوم بالإجمال حکما إلزامیا فعندئذ لا یمکن جریان الاستصحاب المثبت للحکم الترخیصی فی أطرافه لاستلزامه المخالفه القطعیه وأما إذا کان المعلوم بالإجمال حکما ترخیصیا کما فی المقام فلا مانع من جریان الاستصحاب المثبت للتکلیف الالزامی أی استصحاب بقاء نجاسه الإناء الأبیض واستصحاب بقاء نجاسه الإناء الأسود فعلیه الاجتناب عن کلا الإناءین ظاهرا.

ولکن المحقق النائینی فی هذین المثالین وما شاکلهما من الأمثله منع عن جریان الاستصحاب فی أطراف العلم الإجمالی وذکر أن المانع ثبوتی.

أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی

کان کلامنا فی الإشکال الثبوتی علی جریان الاستصحاب فی أطراف العلم الإجمالی إذا کان المعلوم بالإجمال حکما ترخیصیا وقد قلنا ان المحقق النائینی أبدی هذا الإشکال بتقریب:

ص: 156

أن المکلف إذا علم إجمالا بطهاره أحد إناءین کانا فی السابق نجسین فاستصحاب بقاء نجاسه کل منهما تعبد علی خلاف الیقین بطهاره أحدهما فإن المکلف یعلم وجدانا بأن احدهما طاهر فکیف یمکن التعبد بنجاسه کلیهما معا فإنه تعبد علی خلاف العلم الوجدانی وهو غیر ممکن هکذا ذکره(قده).

والجواب عن ذلک واضح: فإن التعبد علی خلاف العلم الوجدانی إنما یتصور فیما إذا کان التعبد علی خلاف موضوع العلم الاجمالی الوجدانی فإذا فرض أن العلم الوجدانی تعلق بطهاره أحد الإناءین والتعبد تعلق بنجاسه احد الإناءین فهذا لا یمکن لأنه تعبد علی خلاف العلم الإجمالی الوجدانی ومتعلق التعبد عین متعلق العلم والاختلاف بینهما إنما هو فی الحکم فالعلم تعلق بطهاره أحدهما والتعبد الاستصحابی تعلق بنحاسته وهذا غیر معقول، وأما إذا کان متعلق العلم الإجمالی غیر متعلق التعبد الاستصحابی کما فی المقام فإن متعلق التعبد الاستصحابی فی المقام هو نجاسه الإناء الشرقی بحده الفردی وکذلک نجاسه الإناء الغربی بحده الفردی ومتعلق العلم بطهاره أحدهما هو الجامع العنوانی الانتزاعی فمتعلق التعبد غیر متعلق العلم فمتعلق التعبد هو نجاسه کل من الإناءین بحده الفردی ومتعلق العلم الوجدانی الإجمالی الجامع وهو عنوان أحدهما الانتزاعی، فکیف یکون هذا الاستصحاب تعبد علی خلاف العلم الإجمالی الوجدانی حیث لا صله بینهما اصلا.

فما ذکره(قده) خلط بین أن یکون متعلق التعبد الاستصحابی غیر متعلق العلم الوجدانی وبین ما إذا کان متعلق التعبد الاستصحابی نفس متعلق العلم الإجمالی الوجدانی والتناقض إنما یلزم فی الثانی دون الأول.

ودعوی أن ما ذکره المحقق النائینی مبنی علی رجوع هذین الاستصحابین إلی استصحاب واحد حقیقه حکما وموضوعا وهو استصحاب بقاء نجاسه کلا الإناءین معا وهذا الاستصحاب تعبد علی خلاف العلم الإجمالی الوجدانی فی جزء الموضوع وفی جزء المتعلق، لأن متعلق التعبد نجاسه کلا الإناءین والمفروض ان العلم تعلق بطهاره احدهما فکیف یمکن التعبد بنجاسه کلیهما معا مع العلم الوجدانی بطاهره أحدهما.

ص: 157

ولکن هذه الدعوی لا أساس لها ولا ترجع إلی معنی محصل:

أما أولاً: فلأن تعدد الحکم یتبع تعدد الموضوع فإذا کان الموضوع متعددا فلا محاله یکون الحکم متعددا ولا یعقل أن یکون الموضوع متعددا ویکون الحکم واحدا ولا یعقل أن یکون الحکم متعددا والموضوع واحدا فإن التفکیک بین الحکم والموضوع غیر معقول لأنه کالتفکیک بین العله والمعلول.

فلا شبهه إذاً فی أن الموضوع لکلا الاستصحابین متعدد فموضوع الاستصحاب الأول بقاء نجاسه الإناء الشرقی وموضوع الاستصحاب الثانی بقاء ناجسه الإناء الغربی فکیف یمکن رجوع هذان الاستصحابان إلی استصحاب واحد حقیقه، فهذا لیس إلا مجرد تخیل وتوهم.

هذا مضافا إلی أنه لو سلم رجوع کلا الاستصحابین إلی استصحاب واحد حقیقه وهو استصحاب بقاء نجاسه کلا الإناءین معا ولکن مع ذلک لا یکون هذا الاستصحاب تعبد علی خلاف العلم الإجمالی الوجدانی لأن متعلق التعبد نجاسه الإناءین بحدهما الفردی ومتعلق العلم الإجمالی الوجدانی الجامع الانتزاعی بینهما وهو عنوان أحدهما ومن الواضح ان العلم لا یسری من الجامع إلی أفراده لأن العلم تعلق بالجامع واما أفراده فهی مشکوکه ومحتمله فإذاً لا یلزم من جریان استصحاب نجاسه کلا الإناءین معا محذور التعبد علی خلاف العلم الإجمالی الوجدانی.

إن قلت: لئن سلم عدم رجوع هذین الاستصحابین إلی استصحاب واحد حقیقه إلا أنه یمکن التسلیم برجوعهما إلی استصحاب واحد حکما بتقریب أن استصحاب بقاء نجاسه الإناء الشرقی واستصحاب بقاء نجاسه الإناء الغربی فی حکم استصحاب بقاء نجاسه کلا الإناءین وحینئذ یکون التعبد الاستصحابی علی خلاف الیقین فی جزء الموضوع.

قلت: هذه الدعوی ظهر جوابها مما تقدم وانه لا وجه لذلک فإن مورد التعبد هو بقاء نجاسه کلا الإناءین بحدهما الفردی ومتعلق العلم الإجمالی طهاره الجامع ولا یرجع هذین الاستصحابین إلی استصحاب بقاء نجاسه الجامع حتی یکون هذا التعبد علی خلاف العلم الإجمالی الوجدانی.

ص: 158

وثانیا: أن الحکم الظاهری لا یکون مخالفا للحکم الواقعی ومتعلق العلم الإجمالی هو الطهاره الواقعیه ومورد التعبد الاستصحابی النجاسه الظاهریه وتحقق الحکم الظاهر منوط بتحقق موضوعه فی الخارج والمفروض ان موضوع استصحاب بقاء نجاسه کل من الإناءین بحده الفردی متحقق، فإن الإناء الشرقی کان متیقن النجاسه والآن یشک فی بقاء هذه النجاسه وهذا أمر وجدانی، فالیقین بالنجاسه السابقه والشک فی بقائها أمر وجدانی، فموضوع الاستصحاب متحقق فلا محاله یجری الاستصحاب، وکذلک بالنسبه إلی الإناء الآخر والعلم الإجمالی بتحقق طهاره أحدهما فی الواقع لا یمنع من هذین الاستصحابین فإن الحکم الظاهری قد یکون موافقا للحکم الواقعی وقد یکون مخالفا له وموضوعه احتمال ثبوت الحکم الواقعی والشک فیه ومع تحقق موضوعه یتحقق الحکم الظاهری لأن التفکیک بین الحکم والموضوع غیر معقول.

فالنتیجه أن ما ذکره المحقق النائینی لا یرجع إلی معنی محصل.

نعم لا یجوز العمل بالاستصحاب فی أطراف العلم الإجمالی لأمرین:

الأول: العلم التفصیلی. فإذا حصل للمکلف العلم التفصیلی بنجاسه الفرد أو طهارته فهو رافع لموضوع الاستصحاب، بل لا موضوع لغیر الاستصحاب من الأصول العملیه.

والثانی: لزوم المخالفه القطعیه العملیه فإذا استلزم جریان الاستصحاب فی أطراف العلم الإجمالی المخالفه القطعیه العملیه فإنه لا یجوز العمل به.

وکلا الأمرین فی المقام غیر متحقق لفرض أن الموجود فی المقام هو العلم الإجمالی لا التفصیلی وأن المعلوم بالإجمال حکم ترخیصی لا إلزامی فلا یلزم من جریان الاستصحاب فی أطرافه المخالفه القطعیه العملیه.

هذا من ناحیه.

ومن ناحیه أخری قد ذکرنا فی بحث الجمع بین الحکم الواقعی والحکم الظاهری ان الحکم الظاهری علی نوعین:

1: الحکم الظاهری الترخیصی کأصاله البراءه وأصاله الطهاره واستصحاب عدم التکلیف الالزامی، والغرض من جعل هذه الأحکام الترخیصیه الظاهریه المصالح العامه بالنسبه إلی نوع المکلفین وهی المصلحه التسهیلیه العامه بالنسبه إلی نوع المکلفین، ومن الواضح ان المصلحه النوعیه تتقدم علی المصالح والمفاسد الشخصیه فإن الحکم الظاهری الترخیصی قد یؤدی إلی تفویت المصلحه الواقعیه وقد یوجب وقوع المکلف فی المفسده ولکن تلک المصلحه وهذه المفسده شخصیتان لا تزاحمان المصلحه النوعیه.

ص: 159

فالغرض إذاً من وراء جعل هذه الأحکام الترخیصیه المصالح العامه النوعیه بالنسبه إلی نوع المکلف وهی المصلحه التسهیلیه.

2: الحکم الظاهری اللزومی وهو فی طول الحکم الواقعی والغرض من جعله هو الحفاظ علی الأحکام الواقعیه بما لها من الملاکات والمبادئ والحکم الظاهری الالزامی حکم طریقی، ولا شان له إلا الحفاظ علی الأحکام الواقعیه بما لها من الملاکات والمبادئ. فجعل وجوب الاحتیاط فی الشبهات الحکمیه قبل الفحص الغرض منه هو الحفاظ علی الأحکام الواقعیه اللزومیه بما لها من المبادئ والملاکات، فإن اهتمام الشارع بالأحکام الواقعیه بما لها من الملاکات والمبادئ حتی فی موارد الاشتباه والاختلاط هو الداعی والسبب لجعل الأحکام الظاهریه اللزومیه ولهذا لا شأن لهذه الأحکام الظاهریه إلا الحفاظ علی الأحکام الواقعیه بل لیس هی أحکاما شرعیه إذ لا عقوبه علی مخالفتها ولا مثوبه علی موافقتها ولا مصلحه فیها لأن شأنها الحفاظ علی الأحکام الواقعیه فالمصلحه التی تدعو إلیها هی مصلحه الأحکام الواقعیه.

وعلیه فالعلم بطهاره أحد الإناءین لا یمنع من جعل نجاسه کلا الإناءین ظاهرا لأن جعل النجاسه طریق للحفاظ علی النجاسه الواقعیه فی صوره الشک والاحتمال کما أن استصحاب بقاء الوجوب أو الحرمه إنما هو لغرض الحفاظ علی الأحکام الواقعیه ولا یمنع من هذا الاستصحاب إباحه الشیء فی الواقع.

أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی

الإشکال الثانی: أن الاستصحاب من الأمارات ولیس من الأصول العملیه کما بنی علیه السید الاستاذ(قده) فإذا کان کذلک فالأماره تثبت الواقع واقعا وعلی هذا فلا یمکن الجمع بین الاستصحابین وبین الیقین بطهاره أحدهما، فإن استصحاب بقاء نجاسه الإناء الشرقی یثبت نجاسته واقعا واستصحاب بقاء نجاسه الإناء الغربی کذلک یثبت نجاسته واقعا، ومن الواضح أن ثبوت نجاسه کلا الإناءین واقعا لا یجتمع مع الیقین بطهاره أحدهما کذلک لأن نقیض الموجبه الکلیه سالبه جزئیه فلا یمکن الجمع بینهما.

ص: 160

والجواب عن ذلک:

أولاً: أن الاستصحاب لیس من الأمارات علی المشهور بین الأصحاب بل أنه من الأصول العملیه غایه الأمر أنه من الأصول المحرزه فی مقابل الأصول غیر المحرزه کأصاله البراءه والطهاره وما شاکلهما. ولا تکون مثبتاته حجه إذ لو کانت مثبتاته حجه لوقع التعارض بین الاستصحابین لأن العلم الإجمالی بطهاره احد الإناءین یشکل دلاله التزامیه لکل من الاستصحابین فاستصحاب بقاء نجاسه الإناء الشرقی یدل علی نجاسته بالمطابقه وبالالتزام یدل علی طهاره الإناء الغربی وبالعکس فاستصحاب بقاء ناجسه الإناء الغربی یدل بالمطابقه علی نجاسته وبالالتزام یدل علی طهاره الإناء الشرقی فتقع المعارضه بینهما بین المدلول المطابقی لکل منهما والمدلول الالتزامی فیسقط کلا الاستصحابین من جهه المعارضه فلا بد من الرجوع إلی أصاله الطهاره فی کل منهما لسقوط الاستصحابین من جهه المعارضه إذا کانت مثبتاتهما حجه ولکن مثبتاته لم تکن حجه وإن کان الاستصحاب من الأصول المحرزه.

وثانیا: لو سلمنا أن الاستصحاب من الأمارات ولکن الأماره لا تثبت الواقع واقعا بل هی تثبت الواقع ظاهرا لأن الأحکام الشرعیه فی موارد الأمارات أحکام ظاهریه قد تکون مطابقه للواقع وقد لا تکون مطابقه له فالأمارات لا تثبت الواقع واقعا وإنما تثبت الواقع ظاهرا.

وعلی هذا فلا مانع من جریان کلا الاستصحابین مع العلم الإجمالی بطهاره احدهما لأن العلم الإجمالی تعلق بالطهاره الواقعیه والاستصحاب إنما یثبت نجاسه الإناء الشرقی ظاهرا ونجاسه الإناء الغربی ظاهرا فلا تنافی بین الحکم الظاهری والحکم الواقعی.

ولا یکون هذا الاستصحاب تعبد علی خلاف الیقین لأن الیقین لم یتعلق بطهاره الإناء الشرقی حتی یکون استصحاب بقاء نجاسته تعبد علی خلاف الیقین والیقین لم یتعلق بطهاره الإناء الغربی حتی یکون استصحاب بقاء نجاسته تعبد علی خلاف الیقین.

ص: 161

فإذاً لا مانع من جریان کلا الاستصحابین فإن مفاد کلا الاستصحابین إثبات الحکم الظاهری والیقن بطهاره احدهما لا یکون مانعا من هذین الاستصحابین، کما ان التعبد بکلا هذین الاستصحابین لا یکون علی خلاف العلم الوجدانی الإجمالی.

ثم لو سلم کون الاستصحاب أماره إلا أن مثبتات الأماره التی تکون حجه لیس لمثبتات جمیع الامارات بل خصوص الأماره التی یکون لسانها الحکایه عن الواقع تکون مثبتاتها حجه کأخبار الثقه وظواهر الالفاظ لأن لسان هذه الأمارات الحکایه عن الواقع لأن من أخبر عن شیء أخبر عن لوازمه أیضا وأما الأماره التی لا یکون لسانها الحکایه عن الواقع فلا تکون مثبتاتها حجه.

وعلی هذا فالاستصحاب وإن قلنا أنه من الأمارات ولکن لا تکون مثبتاته حجه کالظن فالظن فی رکعات الصلاه حجه ولکن لوازمه لا تکون حجه.

وعلی هذا فحجیه مثبتات الأماره إنما تختص بطائفه من الأمارات لا لمطلق الأمارات.

هذا تمام کلامنا فی جریان الاصول العملیه فی أطراف العلم الإجمالی فی الروایات فإنها قد تکون موافقه للروایات وقد تکون مخالفه للروایات.

وأما الکلام فی النقطه الثالثه: وهی جریان الأصول اللفظیه من عمومات وإطلاقات من الکتاب والسنه فی أطراف العلم الاجمالی.

حیث إنا نعلم إجمالا بصدور مجموعه من الروایات التی بأیدینا کأخبار الثقه عن الأئمه الأطهار(ع) ولکن أطراف هذا العلم الإجمالی جمیع روایات الثقه، وهنا صور:

الصوره الأولی: ما إذا کانت العمومات والإطلاقات فی أطراف هذا العلم متکفله للأحکام الالزامیه واما الروایات فهی متکفله للأحکام الترخیصیه فی مورد الاجتماع وبینهما تنافی من هذه الناحیه فعندئذ إن قلنا بأن الروایات حجه وأن اخبار الثقه حجه بالسیره القطعیه من العقلاء الممضاه شرعا فعندئذ لا بد من تخصیص عمومات الکتاب والسنه وتقید مطلقاتهما بهذه الروایات لما ثبت فی محله من جواز تخصیص عموم الکتاب والسنه بخبر الواحد إذا کان حجه فعندئذ إذا کانت اخبار الثقه حجه فهی مخصصه لعمومات الکتاب والسنه ومقیده لمطلقاتها فی مورد الاجتماع.

ص: 162

واما إذا لم تکن الروایات حجه وکان وجوب العمل بها بملاک العلم الإجمالی بصدور مجموعه من الروایات عن الأئمه الأطهار(ع) فعندئذ هل یمکن التمسک بعمومات الکتاب والسنه او بمطلقاتهما فی مورد الاجتماع مع أخبار الثقه أو لا یمکن ؟

والظاهر أنه لا یمکن لأن هذا العلم الإجمالی بصدور مجموعه من أخبار الثقه عن المعصومین یولد علم إجمالی بتخصیص مجموعه من هذه العمومات وتقیید المطلقات بهذه الروایات الصادره عن المعصومین(ع) المخالفه لها فی مورد الاجتماع، وهذا العلم الإجمالی یشکل دلاله إلتزامیه بین هذه العمومات فإن کل طائفه من هذه العمومات تدل علی العموم بالدلاله المطابقیه وتدل بالالتزام علی تخصیص طائفه أخری.

فإذاً کل طائفه من هذه العمومات والإطلاقات تدل علی عمومها وإطلاقها بالدلاله المطابقیه وبالالتزام تدل علی تخصیص طوائف أخری من العمومات وتقیید طوائف اخری من المطلقات أیضا. وهکذا بالنسبه إلی طوائف أخری، فتقع المعارضه بین الدلاله المطابقیه لکل من هذه العمومات وبین الدلاله الالتزامیه للأخری. فتسقط هذه العمومات والمطلقات عن الحجیه من جهه المعارضه فلا تکون مشموله لدلیل الحجیه والمرجع الأصول العملیه.

ونظیر ذلک ما إذا ورد فی الدلیل یجب إکرام کل عالم ولکن نعلم إجمالا من الخارج ان إکرام العالم الفاسق حرام أو ان إکرام العامل النحوی حرام أی نعلم إجمالا ان إکرام أحدهما حرام فهذا العلم الإجمالی یشکل دلاله التزامیه لکل منهما فأصاله العموم فی أحدهما تدل علی وجوب إکرام العالم الفاسق بالمطابقه وبالالتزام تدل علی عدم وجوب إکرام العالم النحوی وأصاله العموم بالنسبه إلی العالم النحوی تدل علی وجوب إکرامه بالمطابقه وبالالتزام علی عدم وجوب إکرام العالم الفاسق وعلی هذا المعارضه تقع بین المدلول المطابقی بین کل منهما والمدلول الالتزامی فیسقطان والمرجع حینئذ یکون إلی الأصل العملی. وهو یختلف باختلاف الموارد.

ص: 163

ثم أنه لا فرق فی ذلک بین أن یکون المعلوم بالإجمال حکما إلزامیا وبین ان یکون حکما ترخیصیا.

أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی

کان کلامنا فی جریان الأصول اللفظیه فی أطراف العلم الإجمالی فإذا علمنا إجمالا بصدور مجموعه من الروایات التی بأیدینا کأخبار الثقه عن المعصومین(ع) فهل تجری الأصول اللفظیه کأصاله العموم أو الإطلاق من الکتاب والسنه فی أطراف هذا العلم الإجمالی أو لا تجری؟

وذکرنا أن هنا صورا:

الصوره الأولی: ما إذا کانت الروایات متکفله للأحکام الالزامیه والأصول اللفظیه متکفله للأحکام الترخیصیه وفرضنا أن هنا دلیلا علی حجیه أخبار الثقه فلا شبهه فی تخصیص عمومات الکتاب والسنه بها بناء علی ما هو الصحیح من جواز تخصیص عموم الکتاب والسنه بخبر الواحد إذا کان حجه.

واما إذا کان وجوب العمل بالروایات بملاک العلم الإجمالی لا بملاک حجیتها إذ لم یقم دلیل علی حجیه الروایات کأخبار الثقه ولکن من جهه العلم الإجمالی بصدور مجموعه منها عن المعصومین(ع) فیجب العمل بها بملاک هذا العلم الإجمالی فعندئذ هل یجوز التمسک بالعمومات فی أطراف هذا العلم الإجمالی أو لا یمکن التمسک بها؟ والمراد من العموم أعم من الإطلاق

والجواب: انه لا یمکن لأن العلم الإجمالی بصدور مجموعه من الروایات عن المعصومین مخصصه لهذه العمومات وهذا العلم الإجمالی یشکل دلاله التزامیه لکل عام من هذه العمومات ولکل فئه من فئاتها لأن کل عام فهو یدل علی العموم والاستیعاب بالمطابقه ویدل بالالتزام علی تخصیصها من آخر وکل فئه من هذه العمومات تدل بالمطابقه علی العموم والاستیعاب وبالالتزام علی تخصیص فئه أخری فعندئذ تقع المعارضه بین الدلاله الالتزامیه لکل من هذه العمومات وبین الدلاله المطابقیه فإن الدلاله الالتزامیه لکل من هذه العمومات تنفی المدلول المطابقی لهذه العمومات فعندئذ تقع المعارضه بین المدلول المطابقی والمدلول الالتزامی بالنفی والإثبات فیسقطان من جهه المعارضه.

ص: 164

وتقریب ذلک بمثال ما إذا فرضنا أنه ورد بالدلیل یستحب إکرام کل عالم فالعام متکفل للحکم الترخیصی وعلمنا إجمالا بتخصیص هذا العام إما بالعالم الفاسق أو بالعلم النحوی أی نعلم إجمالا إما بحرمه إکرام العالم الفاسق أو بحرمه إکرام العالم النحوی فتقع المعارضه علی تقدیر عدم حجیه الروایات بین أصاله العموم بالنسبه إلی إکرام العالم الفاسق وأصاله العموم بالنسبه علی إکرام العالم النحوی فإن أصاله العموم فی الأول تدل بالمطابقه علی استحباب إکرام العالم الفاسق وبالدلاله الالتزامیه علی حرمه إکرام العالم النحوی وأصاله العموم فی الثانی تدل علی استحباب إکرام العالم النحوی بالمطابقه وعلی حرمه إکرام العالم الفاسق بالالتزام فتقع المعارضه بین المدلول المطابقی والمدلول الالتزامی لأن المدلول الالتزامی فی کل منهما یکون نافیا للمدلول المطابقی فبطبیعه الحال یسقطان من جهه المعارضه هذا إذا کان المعلوم بالإجمال حکما ترخیصیا.

واما إذا فرضنا انه ورد فی الدلیل یجب إکرام کل عالم وعلمنا إجمالا بتخصیص هذا العام إما بالعالم الفاسق او العالم النحوی فهو یعلم إجمالا إما بکراهه إکرام العالم الفاسق أو بکراهه إکرام العالم النحوی فتقع المعارضه بین أصاله العموم بالنسبه إلی العالم الفاسق وبین أصاله العموم بالنسبه إلی العالم النحوی فإن أصاله العموم فی الأول تدل بالمطابقه علی وجوب إکرام العالم الفاسق وبالالتزام تدل علی عدم وجوب إکرام العالم النحوی وأصاله العموم فی الثانی تدل بالمطابقه علی وجوب إکرام العالم النحوی وبالالتزام تدل علی عدم وجوب إکرام العالم الفاسق فإذاً تقع المعارضه بینهما لأن المدلول الالتزامی لکل منهما ینفی المدلول المطابقی للآخر فیتساقطان.

هذا کله فی الشبهه الحکمیه.

واما فی الشبهه الموضوعیه فکما إذا فرض العلم التفصیلی بنجاسه کلا الإناءین الغربی والشرقی ثم علمنا بطهاره أحدهما إما من خلال ملاقاه الکر أو بملاقاه الجاری فعندئذ إذا قامت البینه علی نجاسه الإناء الشرقی وقامت بینه أخری علی نجاسه الإناء الغربی فهذا العلم الإجمالی یشکل دلاله التزامیه لکل من البینتین لأن البینه الأولی تدل بالمطابقه علی نجاسه الإناء الشرقی وبالالتزام علی طهاره الإناء الغربی والبینه فی الثانی تدل علی نجاسه الإناء الغربی بالمطابقه وبالالتزام علی طهاره الإناء الشرقی هذا إذا کان المعلوم بالإجمال حکما ترخیصیا. وکذلک الحال إذا کان المعلوم بالاجمال حکما إلزامیا کما إذا علمنا بطهاره إناءین أسود وأبیض ثم علمنا بنجاسه أحدهما من خلال الملاقاه مع النجس فعندئذ إذا فرضنا أن البینه قامت علی طهاره الإناء الأبیض والبینه الأخری قامت علی طهاره الإناء الأسود فهذا العلم الإجمالی بنجاسه أحدهما یشکل دلاله التزامیه لکل من البینتین لأن البینه الأولی تدل علی طهاره الإناء الأبیض بالمطابقه وبالالتزام علی نجاسه الإناء الأسود وهکذا البینه الثانیه فتقع المعارضه بین البینتین أی بین المدلول الالتزامی لکل منهما وبین المدلول المطابقی.

ص: 165

ومن هنا تفترق الأصول اللفظیه عن الأصول العملیه فإن سقوط الأصول العملیه فی أطراف العلم الإجمالی لیس من جهه المعارضه لأن المعارضه إنما تتصور فی الأصول اللفظیه باعتبار أنها من الأمارات ومثبتاتها حجه فمن أجل ذلک یکون لها مدلول التزامی کما یکون لها مدلول مطابقی واما الأصول العملیه فلا تکون مثبتاتها حجه لعدم المدلول الالتزامی لها.

وحینئذ إذا علمنا بنجاسه أحد إناءین کانا مسبوقین بالطهاره فلا یمکن جریان استصحاب طهاره کلا الإناءین لأن جریان الاستصحاب فی کلیهما یستلزم المخالفه القطعیه العملیه وجریانه فی أحدهما المعین دون الآخر ترجیح من غیر مرجح لأن نسبه الاستصحاب إلی کلا الإناءین علی حد سواء واما جریانه فی أحدهما لا بعینه فلا یمکن لأنه إن أرید من أحدهما لا بعینه المفهومی فلا واقع موضوعی له فی الخارج غیر وجوده فی عالم الذهن فهو مجرد مفهوم موجود فی عالم الذهن وإن أرید من أحدهما لا بعینه أحدهما المصداقی فهو من الفرد المردد فی الخارج وهو مستحیل فمن أجل ذلک لا یمکن هذا الفرض، وعلیه یسقط کلا الاستصحابین من هذه الناحیه لا من جهه المعارضه، کما ان سقوط الاستصحاب من هذه الناحیه مبنی علی مسلک المشهور من أدله الأصول العملیه تشمل بإطلاقها اطراف العلم الإجمالی وهذا السقوط إنما هو فیما إذا کان المعلوم بالإجمال حکما إلزامیا والأصول العملیه متکفله للحکم الترخیصی.

واما إذا کان المعلم بالإجمال حکما ترخیصیا والأصول العملیه متکفله للحکم الالزامی فلا مانع من جریانه کما إذا علمنا إجمالا بطهاره أحد إناءین کانا مسبوقین بالنجاسه فلا مانع من استصحاب بقاء نجاسه الإناء الشرقی واستصحاب بقاء نجاسه الإناء الغربی معا والعلم بطهاره أحدهما لا یکون مانعا عن جریان هذین الاستصحابین کما تقدم سقوط الأصول العملیه فی أطراف العلم الإجمالی فیما إذا کان المعلوم بالإجمال حکما إلزامیا والأصول العملیه متکفله للحکم الترخیصی فعندئذ لا یمکن جریان الأصول العملیه فی أطراف العلم الإجمالی. هذا بناء علی ما هو المشهور وإما بناء علی ما هو الصحیح من أن أدله الأصول العملیه فی نفسها لا تشمل أطراف العلم الإجمالی فإنها منصرفه عنها علی تفصیل یأتی بحثه فی ضمن البحوث القادمه.

ص: 166

ومن هنا یظهر أنه لا تظهر الثمره العملیه بین القول بحجیه الروایات والقول بوجوب العمل بها بملاک العلم الإجمالی بالنسبه إلی سقوط الأصول اللفظیه فی أطراف العلم الإجمالی لسقوط الأصول اللفظیه علی کلا القولین فی أطرافه اما علی الأول فسقوطها من جهه التخصیص للعمومات واما علی الثانی فسقوطها من جهه المعارضه بین المدلول المطابقی لکل من العمومات والمدلول الالتزامی لها.

فالنتیجه أن الأصول اللفظیه تسقط فی أطراف العلم الإجمالی إما بالتخصیص او بالتعارض فلا تظهر ثمره عملیه بین القولین.

وکذلک الأصول العملیه فإنها أیضا تسقط فیما إذا کان المعلوم بالإجمال حکما إلزامیا وکانت الأصول العملیه الجاریه فی أطرافه متکفله للحکم الترخیصی فعندئذ الأصول العملیه أیضا لا تجری واما إذا کان المعلوم بالإجمال حکما ترخیصیا والأصول العملیه متکفله للحکم الالزامی فلا مانع من شمول أدله الأصول العملیه لها لأنه لا تنافی بین جریان کلا الأصلین فی أطراف العلم الإجمالی ولا یلزم محذور المخالفه القطعیه العملیه.

هذا تمام کلامنا فی الصوره الأولی.

أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی

الصوره الثانیه: ما إذا کانت العمومات فی أطراف العلم الإجمالی متکفله للأحکام الالزامیه واما الروایات فهی متکفله للأحکام الترخیصیه أی عکس الصوره الأولی.

وعلی هذا فإن کانت الروایات حجه فلا شبهه فی تخصیص عمومات الکتاب والسنه بها لأن تخصیص عمومات الکتاب والسنه بخبر الواحد أمر مسلم ولا مانع منه فعندئذ لا تکون العمومات حجه فی دلالتها علی العموم .

واما إذا لم تکن الروایات حجه بأن یکون وجوب العمل بها بملاک العلم الإجمالی فعندئذ هل یمکن التمسک بعمومات الکتاب والسنه فی أطراف العلم الإجمالی أو لا یمکن التمسک بها؟

ص: 167

والجواب أنه لا یمکن التمسک بها ویظهر ذلک مما تقدم فإن العلم الإجمالی بورود التخصیص علی مجموعه من هذه العمومات فی أطراف العلم الإجمالی من جهه العلم إجمالا بصدور مجموعه من الروایات کأخبار الثقات عن المعصومین(ع) وهذه الروایات بطبیعه الحال تکون مخصصه لعمومات الکتاب والسنه فی أطراف العلم الإجمالی فعندئذ نعلم إجمالا بان مجموعه من هذه العمومات مخصصه بهذه الروایات وهذا العلم الإجمالی یشکل دلاله التزامیه فإن کل عام من هذه العمومات یدل علی العموم واستیعاب أفراده بالمطابقه ویدل بالالتزام علی تخصیص عام آخر وکل فئه من هذه العمومات تدل بالمطابقه علی العموم والاستیعاب للأفراد وبالالتزام علی تخصیص فئه أخری فعندئذ تقع المعارضه بین المدلول المطابقی والمدلول الالتزامی فینفی المدلول الالتزامی لکل من هذه العمومات المدلول المطابقی للعام الآخر فیقع التعارض بینهما بالتناقض وبالنفی والإثبات فیسقطان من جهه المعارضه، وعند سقوط العموم من جهه المعارضه فالمرجع فی مورده أصاله الاشتغال لأن هذه العمومات متکفله للأحکام الالزامیه ولم تخصص من جهه أن الروایات لم تکن حجه ولکن سقطت عموماتها من جهه المعارضه فلا محاله یکون المرجع هو الأصل العملی فی موردها وهو قاعده الاشتغال وذلک لأن هذه العمومات متکفله للأحکام الالزامیه وعندئذ یشک المکلف فی وجوب شیء فی موردها أو حرمه شیء آخر وحیث أن الشبهه مقرونه بالعلم الإجمالی فالمرجع فی هذه الشبهات أصاله الاشتغال وقاعده الاحتیاط فکما ان الشبهه الحکمیه البدویه إذا کانت قبل الفحص یکون المرجع فیها قاعده الاشتغال فکذلک الشبهات المقرونه بالعلم الإجمالی یکون المرجع فیها قاعده الاشتغال.

واما فی موارد الروایات بما انها متکفله للأحکام الترخیصیه فلا مانع من طرح هذه الروایات ولا محذور فیه لأنها متکفله للأحکام الترخیصیه ولا یجب العمل بها.

ص: 168

وهنا تظهر الثمره فی هذه الصوره بین الروایات وبین العمومات فإن فی مورد العمومات بعد سقوطها عن الحجیه من جهه المعارضه فالمرجع قاعده الاشتغال واما الروایات إذا لم تکن حجه فلا یجب العمل بها ولا أثر للعلم الإجمالی بصدور مجموعه من هذه الروایات باعتبار أنها متکفله للأحکام الترخیصیه ولا مانع من طرح هذه الأحکام وعدم العمل بها ولا یلزم منه أی محذور.

وعلی هذا فوجوب الاحتیاط وقاعده الاشتغال إنما یجری فی مورد العمومات الموجوده فی أطراف هذا العلم الإجمالی واما فی مورد الروایات فلا تجری قاعده الاشتغال لأنها متکفله للأحکام الترخیصیه ولا مانع من طرحها وعدم العمل بها.

هذه هی الصوره الثانیه.

واما الصوره الثالثه: وهی ما إذا کان کل من العمومات والروایات متکفله للأحکام الالزامیه أی کما أن العمومات الجاریه فی أطراف هذا العلم الإجمالی متکفله للأحکام الالزامیه من الوجوب والحرمه والنجاسه وما شاکل ذلک کذلک الروایات التی نعلم بصدور مجموعه منها من المعصومین(ع) متکفله للأحکام الالزامیه.

وحینئذ إن کانت الروایات حجه کأخبار الثقه فلا بد من تخصیص عمومات الکتاب والسنه بها لما ثبت فی محله من جواز تخصیص عمومات الکتاب والسنه بخبر الواحد إذا کان حجه. واما إذا لم تکن الروایات حجه وکان وجوب العمل بها بملاک العلم الإجمالی فلا یمکن التمسک بهذه العمومات وذلک للعلم الإجمالی بتخصیص مجموعه من هذه العمومات بهذه الروایات لأنا نعلم بأن مجموعه من روایات الثقات صادره من المعصومین(ع) وهی مخصصه لعمومات الکتاب والسنه فی أطرافها ومن الواضح أن العلم الإجمالی بتخصیص عمومات الکتاب والسنه یشکل دلاله التزامیه کما مر وعندئذ تقع المعارضه بین المدلول المطابقی لهذه العمومات والمدلول الالتزامی لها لأن کل طائفه من هذه العمومات تدل بالمطابقه علی العموم والاستیعاب لجمیع أفرادها وبالالتزام علی تخصیص طائفه أخری وبالعکس فلهذا تقع المعارضه بین المدلول المطابقی لکل منها مع المدلول الالتزامی فتسقط هذه العمومات من جهه المعارضه، فإذا سقطت من جهه المعارضه فالمرجع هو الأصل العملی وهو قاعده الاشتغال لأن مورد هذه العمومات أحکام إلزامیه کما هو الفرض فإذا لم تکن هذه العمومات مخصصه فتسقط حجیه دلالتها من جهه المعارضه وحینئذ یکون المرجع هو الأصل العملی وهو الاشتغال لأن الشبهه فی موردها مقرونه بالعلم الإجمالی والشک فی الشبهات المقرونه بالعلم الإجمالی مجری للاحتیاط.

ص: 169

وکذلک الحال فی مورد الروایات لأنها أیضا متکفله للأحکام الالزامیه فإذا لم تکن الروایات حجه فیکون المرجع فی موردها قاعده الاشتغال لأن الشبهه فی موردها مقرونه بالعلم الإجمالی والمرجع فی هذه الشبهات هو قاعده الاشتغال والاحتیاط.

فالمرجع فی کلا الموردین ___ مورد العمومات فی الکتاب والسنه ومورد الروایات معا ___ هو قاعده الاشتغال.

وعلی هذا ففی مورد الالتقاء والاجتماع بین العام والخاص وهو الروایه یجب علی المکلف العمل بکل منهما بمقتضی قاعده الاشتغال، ومن هنا لو فرض أن مدلول العام وجوب شیء ومدلول الخاص وهو الروایه حرمه ذلک الشیء فیکون المقام من قبیل دوران الأمر بین المحذورین فلا یتمکن المکلف من العمل بکلیهما معا فلا بد من القول بالتخییر أی المکلف مخیر بین العمل بالعام او العمل بالخاص(الروایه) فیکون المقام ملحق بدوران الأمر بین المحذورین حکما لا موضوعا لأن فی دوران الأمر بین المحذورین منوط بان یکون جنس التکلیف معلوما أی نعلم بوجود الالزام فی المقام ولکن لا ندری أن هذا الالزام متمثل فی وجوب هذا الشیء أو متمثل فی حرمته فعندئذ یدور الأمر بین المحذورین لمعلومیه جنس التکلیف فی المقام وأما فیما نحن فیه فجنس التکلیف غیر معلوم لاحتمال خطأ کل منهما أی احتمال أن یکون العام غیر مطابق للواقع واحتمال أن یکون الخاص وهو الروایه غیر مطابق للواقع فلا علم وجدانی بجنس التکلیف فمن اجل ذلک یکون المقام ملحقا بدوران الأمر بین المحذورین حکما لا موضوعا.

أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی

إلی هنا قد وصلنا إلی هذه النتیجه وهی ان ما ذکرناه من الصور جمیعا داخله تحت جامع واحد فإنا نعلم إجمالا بأن مجموعه کبیره من الروایات کروایات الثقات قد صدرت عن الأئمه الأطهار(ع) فی تمام أبواب الفقه من باب الطهاره إلی آخر الدیات وفی مقابل هذه الروایات عمومات فوقیه من الکتاب والسنه (والمراد من السنه أعم من روایات الأئمه الأطهار(ع)) ونسبه الروایات إلی تلک العمومات نسبه الخاص إلی العام ونسبه هذه الروایات إلی هذه العمومات تختلف فطائفه من هذه الروایات تتضمن الأحکام الالزامیه ونسبتها إلی طائفه من هذه العمومات المتضمنه للأحکام الترخیصیه، وتاره تکون نسبه طائفه من العمومات الفوقیه إلی طائفه من الروایات أیضا کذلک لأن العمومات متکفله للأحکام الالزامیه والروایات متکفله للأحکام الترخیصیه، وثالثه أن کل طائفه من الروایات وطائفه من العمومات الفوقیه متکفله للأحکام الالزامیه المتضاده، ورابعه أن طائفه من هذه الروایات موافقه لطائفه من العمومات الفوقیه تاره فی الحکم الترخیصی وأخری موافقه فی الحکم الالزامی ونسبه هذه الروایات فی أبواب الفقه إلی العمومات الفوقیه لا تخلو عن هذه النسب.

ص: 170

وعلی هذا فإذا کانت طائفه من هذه الروایات متکفله للأحکام الالزامیه فی مقابل طائفه من العمومات الفوقیه المتکفله للأحکام الترخیصیه فلا تظهر ثمره عملیه بین القول بحجیه هذه الروایات والقول بالعلم الإجمالی بصدور مجموعه من هذه الطائفه من الروایات فإنه لا بد من رفع الید عن عموم هذه الطائفه من العمومات إما بالتخصیص أو بالتعارض فإن کانت الروایات حجه فهی مخصصه لهذه العمومات وإن لم تکن حجه فإنما نعلم إجمالا بصدور مجموعه من هذه الطائفه وهذا العلم الإجمالی یوجب العلم الإجمالی بتخصیص عمومات هذه الطائفه إجمالا وهذا العلم الإجمالی یؤدی إلی التعارض بین عمومات هذه الطائفه فتسقط من جهه المعارضه وعلی کلا التقدیرین العمومات تسقط إما بالترخیص أو من جهه المعارضه فعندئذ المرجع هو أصاله الاشتغال فی مورد الروایات باعتبار أن الروایات متکفله للأحکام الالزامیه.

وأما فی مورد هذه الطائفه من العمومات الفوقیه فلا یوجد أصل یتمسک به لا الأصل المثبت للحکم الإلزامی ولا الأصل المثبت للحکم الترخیصی فإن هذه الطائفه من العمومات متکفله للأحکام الترخیصیه فلا موضوع لقاعده الاشتغال والاحتیاط فیها واما أصاله البراءه فأیضا لا تجری فیها لأن أصاله البراءه إنما تثبت الحکم الترخیصی وهذا تحصیل للحاصل لأن الحکم الترخیصی موجود فی مورد هذه الطائفه من الروایات.

فلا تظهر الثمره العملیه بین القولین فی الصوره الثانیه وهی ما إذا کانت طائفه من العمومات متکفله للأحکام الالزامیه وطائفه من الروایات فی مقابل تلک الطائفه من العمومات متکفله للأحکام الترخیصیه فإنه لا بد من رفع الید عن عموم هذه الطائفه من الروایات إما بالتخصیص أو من جهه المعارضه. ولکن بعد سقوط عموم هذه العمومات فیکون المرجع هو قاعده الاشتغال فی مورد هذه العمومات لأنها متکفله للأحکام الالزامیه والشبهه فیها شبهه حکمیه مقرونه بالعلم الإجمالی والمرجع فیها قاعده الاشتغال.

ص: 171

وأما فی مورد الروایات فلا یوجد أصل یجری لأن الروایات متکفله للأحکام الترخیصیه فلا موضع لقاعده الاشتغال ولا موضوع للاستصحاب المثبت للتکلیف وأما جریان أصاله البراءه فهو تحصیل للحاصل.

واما فی الصوره الثالثه فأیضا لا تظهر الثمره بین القولین فعلی کلا القولین تکون عمومات هذه الطائفه ساقطه إما بالتخصیص إذا کانت الروایات حجه او بالمعارضه، فعندئذ المرجع قاعده الاشتغال فی کلتا الطائفتین(طائفه العمومات وطائفه الروایات) لأن کلا من الطائفتین متکفل للأحکام الالزامیه فعندئذ المرجع قاعده الاشتغال فی مورد کل من الروایات والعمومات، وفی مورد الاجتماع لا یمکن العمل بکلیهما معا لأنه کدوران الأمر بین المحذورین لأن مقتضی قاعده الاشتغال فی مورد طائفه العمومات الحرمه ووجوب الاجتناب ومقتضی قاعده الاشتغال فی مورد طائفه من الروایات وجوب الامتثال والاتیان فمن أجل ذلک یکون المکلف مخیرا بین العمل بقاعده الاشتغال فی مورد طائفه من العمومات أو العمل بقاعده الاشتغال فی مورد طائفه من الروایات.

وأما الصوره الثالثه فإن کانت طائفه من الروایات موافقه لطائفه من العمومات فی الحکم الترخیصی فلا أثر لهما لا للروایات ولا للعمومات لأن الحکم الترخیصی لا یترتب علیه أی أثر من التخصیص والتقیید وما شاکل ذلک.

واما إذا کان کلتاهما (طائفه من الروایات وطائفه من العمومات) متکفل للحکم الالزامی فعندئذ قد یترتب علیه أثر وهو ما إذا فرضنا أن الروایه قد سقطت عن الحجیه فإن الروایه إن کانت حجه فهی مخصصه لعموم العمومات فإن لم تکن حجه وسقطت حجیتها من جهه وجود المعارض لها بسبب من الأسباب فعندئذ المرجع هو العمومات الفوقیه فیرجع إلیها لأنها حجه هذا تمام کلامنا فی هذه الصور.

بقی هنا مسأله وهی أن لا بد من ملاحظه نسبه الروایات الوارده عن المعصومین(ع) إلی کل مسأله من المسائل الفقهیه فی تمام الأبواب، ویعنی ذلک أنا نعلم إجمالا بثبوت أحکاما شرعیه فی الشریعه المقدسه وقد تقدم أن هذا العلم الإجمالی ینحل بالعلم الإجمالی بصدور مجموعه کبیره من الروایات المتکفله للأحکام الالزامیه من الأئمه الأطهار کروایات الثقات او الروایات الموجوده فی الکتب المعتبره فعندئذ لا بد من العمل بهذه الروایات التی متکفله للأحکام الالزامیه فی کل مسأله من المسائل الفقهیه.

ص: 172

واما الروایات المتکفله للأحکام الترخیصیه فلا اثر لها ووجودها کالعدم ولیس لها أی دور فی انحلال العلم الإجمالی أو عدمه نعم قد تظهر الثمره وهی أن هذه الروایات قد تکون مخصصه للعمومات الفوقیه فعندئذ هذه الروایات التی نعلم بصدورها عن المعصومین فی الجمله یوجب وقوع المعارضه بین العمومات الفوقیه وتسقط تلکم العمومات من جهه المعارضه إذا لم تکن حجه کما هو المفروض وعندئذ نرجع فی مورد هذه العمومات إلی قاعده الاشتغال باعتبار أن هذه العمومات متکفله للأحکام الالزامیه وقد سقطت من جهه المعارضه فالمرجع فی موردها قاعده الاشتغال واما الروایات فبما أنها متکفله للأحکام التخریصیه فلا أصل جار فی موردها لا الأصل المثبت للتکلیف ولا الأصل المثبت للترخیص.

فإذا هذه الروایات لا یترتب علیها أی أثر.

أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی

ذکرنا أن العلم الإجمالی الکبیر ینحل بالعلم الإجمالی بصدور مجموعه کبیره من الروایات عن المعصومین(ع) فی طائفه خاصه کأخبار الثقه فی تمام أبواب الفقه ولکن لا دلیل علی حجیتها والعمل بها علی أساس العلم الإجمالی لا علی أساس حجیتها.

وعلی هذه النظریه ففی کل مسأله من المسائل من المسائل الفقهیه یکون الأصل العملی منحصر بأصلین:

الأول: قاعده الاشتغال وهی قاعده عقلیه أی الحاکم بها العقل.

الثانی: قاعده البراءه العقلیه وهی قاعده قبح العقاب بلا بیان، واما البراءه الشرعیه او استصحاب عدم التکلیف فحیث إن الدلیل القطعی علی حجیه هذه الأصول غیر موجود لأن الدلیل علی حجیه هذه الأصول هو الروایات وقد فرضنا أنها غیر حجه فلا تکون أصاله البراءه الشرعیه او استصحاب عدم التکلیف حجه.

وعلی هذا ففی کل مسأله من المسائل الفقهیه من البدایه إلی النهایه لابد للفقیه عند استنباط الحکم الشرعی أن ینظر إلی هذین الأصلین، فإن کانت المسأله خالیه عن الروایه فالمرجع فیها أحد هذین الأصلین إما قاعده الاشتغال أو قاعده البراءه العقلیه حیث أن العقل إما أن یحکم بالاشتغال والاحتیاط أو یحکم بقاعده قبح العقاب بلا بیان.

ص: 173

والمعروف والمشهور بین الأصولیین ان الأصل الأولی فی کل مسأله خالیه عن الروایه هو قاعده قبح العقاب بلا بیان دون قاعده الاشتغال وهناک من المحققین من ذهب إلی أن الأصل الأولی فی کل مسأله خالیه من الروایات والدلیل هی قاعده الاشتغال وعبر عنها بقاعده حق الطاعه وهی تعبیر آخر عن قاعده الاحتیاط.

وفرّق بین المولویه الذاتیه وبین المولویه العرفیه والجعلیه، فإن المولی إذا کانت مولویته ذاتیه کمولویه الله تعالی فالمرجع فی موارد احتمال التکلیف هو قاعده حق الطاعه أی قاعده الاحتیاط واما إذا کانت مولویه المولی جعلیه کمولویه النبی الأکرم(ص) والأئمه الأطهار(ع) فإنها جعلیه من قبل الله تعالی فالمرجع فیها لیس قاعده الاشتغال وحق الطاعه وتفصیل هذه المسأله سوف یأتی فی مبحث البراءه وأن قاعده قبح العقاب بلا بیان قاعده ارتکازیه ثابته فی أعماق نفس الإنسان وموافقه للفطره والجبله ورفع الید عنها والتفصیل فیها بین المولی الذاتی والمولی الجعلی هل هو ممکن او غیر ممکن سیأتی الکلام فیه.

وأما إذا کانت فی المسأله روایه متکفله للحکم الالزامی ولم تکن فی مقابلها روایه أخری متکفله للحکم الإلزامی من الوجوب أو الحرمه فعندئذ لا بد من العمل بهذه الروایه بمقتضی العلم الإجمالی لأن هذه الروایه من أحد أطراف العلم الإجمالی والعلم الإجمالی منجز فمدلول هذه الروایه منجز علی المکلف بالعلم الإجمالی ولا بد من العمل بها.

واما إذا کانت فی مقابلها روایه متکفله للحکم الالزامی فأحدهما تدل علی وجوب شیء والأخری تدل علی الحرمه مثلا فلا بد من ملاحظه النسبه بین الروایتین ولا تخلو عن أحد أنحاء ثلاثه فإما أن تکون عموما وخصوصا مطلقا او تکون العموم والخصوص من وجه او تکون النسبه بینهما التباین ولا رابع فی البین.

ص: 174

فإن کانت النسبه بینهما عموما وخصوصا مطلقا ففی مثل ذلک لا یمکن تخصیص العام بالخاص فإن الخاص إنما یصلح لأن یکون مخصصا للعام إذا کان الخاص حجه وأما إذا لم یکن حجه بأن یکون العمل به علی أساس العلم الإجمالی فلا یصلح لأن یکون مخصصا للعام فعندئذ یعمل فی مورد افتراق العام عن الخاص بمقتضی العلم الإجمالی لأن العام من أحد أطراف العلم الإجمالی فمدلوله منجز بالعلم الإجمالی فلا بد من العمل به فی مورد الافتراق لأنه لا معارض له فی هذا المورد.

وأما فی مورد الاجتماع مع الخاص فهما متناقضان لأن مدلول العام مثلا الوجوب ومدلول الخاص الحرمه فلا یمکن العمل بکلیهما معا فی مورد الاجتماع لوجود المضاده بین مدلولیهما فلا بد من التخییر، کما هو الحال فی دوران الأمر بین المحذورین. نعم المقام یفترق عن دوران الأمر بین المحذورین فی نقطتین:

النقطه الأولی: أن فی دوران الأمر بین المحذورین یکون جنس التکلیف معلوما کما فی صوره العلم بوجود الالزام الجامع بین الوجوب والحرمه ولکن یشک فی تمثله فی الوجوب أو الحرمه فیکون الشک فی نوع التکلیف لا فی جنسه واما فی المقام فالشک فی النوع ابتداء لا مقرونا بالعلم لأن احتمال کذب کل من العام والخاص موجود. فاحتمل الوجوب فی مورد الاجتماع بین العام والخاص احتمال بدوی وکذلک احتمال الحرمه واما احتمال الوجوب والحرمه فی دوران الأمر بین المحذورین فمقرون بالعلم بجنس التکلیف وهو الالزام کما فی المقام.

النقطه الثانیه: انه لا مانع من التمسک بأصاله البراءه العقلیه فی کل من الوجوب والحرمه فی دوران الأمر بین المحذورین لاحتمال تعیّن الوجوب وتعیّن الحرمه وحیث إن فی تعین کل منهما کلفه زائده فیمکن دفعها بأصاله البراءه العقلیه. والنتیجه هی التخییر.

ص: 175

واما العلم بالجامع فهو لا یمنع عن هذه الأصاله لأن امتثال الجامع غیر ممکن لاستحاله موافقته القطعیه ومخالفته القطعیه فإن العلم بالإلزام الجامع بین هذین الاحتمالین لا یمکن امتثاله فإن موافقته القطعیه وکذا مخالفته القطعیه غیر ممکنه لأن حال المکلف یدور بین کونه فاعلا او تارکا ولا یمکن الجمع بینهما لأنه جمع بین النقیضین بان یکون فاعلا وتارکا فمن أجل ذلک لا أثر للعلم بالجامع بین الوجوب والحرمه فلا یکون مانعا عن أصاله البراءه.

وهذا بخلاف المقام فإن الخاص سبب لاحتمال الحرمه والعام سبب لاحتمال الوجوب فی مورد الاجتماع ولا یمکن الرجوع إلی أصاله البراءه عن تعین کل منهما باعتبار أن کلیهما من أطراف العلم الإجمالی والأصول المؤمنه لا تجری فی أطراف العلم الإجمالی سواء کانت عقلیه أم کانت شرعیه وحینئذ لا مناص من التخییر أی أن المکلف مخیر بین أن یعمل بالخاص أو أن یعمل بالعام فی مورد الاجتماع.

واما الصوره الثانیه وهی أن النسبه بین الروایتین عموما من وجه فلکل منهما مورد افتراق ولهما مورد اجتماع. فأما فی مورد افتراق کل منهما فیجب علی المکلف العمل به بمقتضی العلم الإجمالی لأن کل من العام والخاص من أطراف العلم الإجمالی وهو منجز ولا مانع من العمل بکل منهما فی مورد افتراقه عن الآخر، واما فی مورد الاجتماع فلا یمکن العمل بهما للتضاد والتباین بینهما فی هذا المورد لفرض أن مدلول احدهما الوجوب ومدلول الاخر الحرمه، ولا دلیل علی ترجیح أحد الاحتمالین علی الاحتمال الآخر لأنه بحاجه إلی الدلیل والفرض عدم الدلیل علی ذلک.

واما تطبیق مرجحات باب المعارضه فهو أیضا لا یمکن لأن مورد هذه المرجحات هو الروایات المتکاذبه مع کون کل منها حجه فی نفسها وقد فرضنا فی المقام ان الروایه لیس بحجه بل یجب العمل بهما لأنهما من أطراف العلم الإجمالی.

ص: 176

فالنتیجه هی لا بدیه التخییر لأن ترجیح أحد علی الاحتمالین فی مورد الاجتماع علی الاحتمال الآخر لا یمکن.

أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی بحث الأصول

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی

أما الصوره الثالثه: وهی ما إذا وقع التعارض بین الروایتین المتباینتین فإن احدهما تدل علی وجوب شیء والأخری علی حرمه ذلک الشیء فعندئذ یقع التعارض بین الاحتمالین لا بین الروایتین الحجتین فإن الروایات لا تکون حجه ووجوب العمل بها علی اساس العلم الإجمالی لا علی أساس حجیتها فیقع التعارض بین الاحتمالین احتمال الوجوب واحتمال الحرمه ولا یتمکن الفقیه من العمل بکلا الاحتمالین معا للتضاد بینهما ولا یمکن تطبیق مرجحات باب التعارض فی المقام لاختصاصها بالروایتین المعتبرتین فی نفسیهما فإذا وقع التعارض بینهما فیرجع إلی المرجحات واما فی المقام فالتعارض لیس بین الروایتین المعتبرتین فی نفسیهما وإنما التعارض والتنافی بین الاحتمالین احتمال الوجوب واحتمال الحرمه فإن الروایه التی تدل علی الوجوب لا تکون حجه وکذلک الروایه التی تدل علی الحرمه کما لا یمکن الرجوع الی مرجحات باب المزاحمه أیضا إذ المزاحمه إنما هی بین التکلیفین الثابتین فی مرحله الجعل وإنما یقع التزاحم بینهما فی مرحله الامتثال إذ المکلف غیر قادر علی امتثال کلا التکلیفین معا فعندئذ یرجع الی مرجحات باب التزاحم من تقدیم الأهم علی المهم واما فی المقام فأصل التکلیف غیر ثابت جعلا لأن الوجوب والحرمه محتملا الثبوت فی الشریعه المقدسه ولا نعلم بجعل کلا التکلیفین معا فعندئذ إذا کان لأحدهما مرجح بنظر الفقیه الشخصی فیقدم علی الاحتمال الآخر وإن لم یکن مرجح بنظره فلا مناص من التخییر فتکون وظیفته الافتاء التخییر.

إلی هنا قد تبین أنه بناء علی أن روایات الآحاد لا تکون حجه وأن ادله الحجیه قاصره عن شمول أخبار الآحاد فعندئذ حیث إنا نعلم إجمالا بصدور مجموعه کبیره من الروایات عن الأئمه الأطهار فی کل باب من أبواب الفقه وهذا العلم الإجمالی منجز ولا بد للفقیه من العمل بکل راویه فی أبواب الفقه من جهه هذا العلم الإجمالی فإذا فرضنا أن هذا العلم الإجمالی بین أخبار الثقه وحیث إن أخبار الثقه موجوده فی تمام أبواب الفقه فالفقیه فی کل مسأله إذا کان فیها خبر ثقه فلا بد من العمل به وإن لم یکن فیها خبر ثقه فوظیفته التخییر او قاعده البراءه العقلیه (قبح العقاب بلا بیان) ولیس له ان یرجع إلی الأصول العملیه الشرعیه کأصاله البراءه الشرعیه والاستصحاب وأصاله الطهاره ونحوها ولا إلی الأصول العملیه فی الشبهات الموضوعیه کقاعده الفراغ والتجاوز ونحوهما لأن مدرک هذه الأصول هو الروایات ولیس لها مدرک قطعی والمفروض ان الروایات لم تکن حجه.

ص: 177

فإذاً وظیفه الفقیه فی کل مسأله من المسائل الفقهیه إن وجدت روایه فیها فوظیفته العمل بهذه الروایه من باب الاحتیاط وقاعده الاشتغال باعتبار أن هذه الروایه من أحد أطراف العلم الإجمالی، وإن لم تکن هناک روایه فالمرجع هو قاعده البراءه العقلیه.

واما إذا دار الأمر بین محذورین أو بین احتمالین متباینین ولا یتمکن الفقیه من الجمع بینهما فوظیفته التخییر.

إلی هنا قد وصلنا إلی هذه النتیجه وهی أن مقتضی الوجه الأول من الأدله العقلیه هو وجوب العمل بالروایات علی أساس العلم الإجمالی لا علی أساس حجیتها. واما الوجه الثانی والثالث من الأدله العقلیه فحیث إنهما لا یرجعان علی معنی محصل وإن أطال شیخنا الأنصاری الکلام فیهما ولکن بلا فائده فلا یرجعان إلی معنی محصل ومن هنا لا نتعرض لهما.

واما الکلام فی المقام الثانی فیقع فی دائره حجیه أخبار الثقه مثلا إذا فرضنا أن أخبار الثقه حجه. فیقع الکلام فی سعه دائره حجیه أخبار الثقه.

فالکلام یقع فی ذلک فی عده جهات:

الجهه الأولی: النظر إلی مدلول أدله الحجیه سعه وضیقا وشروطها العامه.

الجهه الثانیه: هل المستفاد من ادله الحجیه حجیه أخبار الثقه مطلقا أو المستفاد منها حجیه أخبار الثقه المفیده للوثوق الشخصی؟

الجهه الثالثه: ان إعراض الأصحاب عن اخبار الثقه هل یوجب سقوطها عن الاعتبار اولا؟

اما الکلام فی الجهه الأولی فقد تقدم ان عمده الدلیل علی حجیه أخبار الثقه السیره القطعیه من العقلاء الجاریه علی العمل بأخبار الثقه وأن هذه السیره مرتکزه فی الأذهان وثابته فی أعماق النفوس وصارت کالجبله والفطره ولأجل هذا لا یحتاج العمل بأخبار الثقه إلی أی مقدمه خارجیه فإذا علم ان الشخص الفلانی ثقه فانه یقبل قوله ولا یتأمل فی قبول قوله لأن قبول قوله وحجیته أمر مرتکز فی الأذهان وهذا یعنی ان العمل بأخبار الثقه مرتکز فی أعماق النفوس.

ص: 178

ومدلول السیره العقلاء الممضاه شرعا خصوص أخبار الثقه والنکته فی ذلک أن سیره العقلاء قد جرت علی العمل بأخبار الثقه ولم تجر علی العمل بغیر أخبار الثقه وذلک لأن أخبار الثقه أقرب نوعا إلی إثبات الواقع من أخبار غیر الثقه وهذه الأقربیه توجب جریان سیره العقلاء علی العمل بأخبار الثقه لأنها اقوی طریقا وأکثر کشفا عن الواقع نوعا من أخبار غیر الثقه.

واما السنه التی استدل بها علی حجیه أخبار الثقه فالمرتکز العرفی منها بمناسبه الحکم والموضوع هو ان مفادها الإرشاد إلی بناء العقلاء والتأکید علیه وإمضاء هذا البناء ولیس مفادها تأسیس الحجیه ولهذا فی جمله من هذه الروایات یکون السؤال عن وثاقه الراوی فالراوی إذا کان ثقه یقبل قوله ولا یسأل عن حجیه قوله بل یسأل عن وثاقته ، فحجیه قوله لا تتوقف علی أی مقدمه وأی دلیل خارجی وهذا یدل علی أن حجیه خبر الثقه أمر مترکز فی الأذهان وثابت فی اعماق النفوس فإذا علم بوثاقه شخص یقبل قوله بدون المطالبه بأی دلیل علی ذلک.

فإذاً هذه الروایات أیضا قرینه علی أن مفاد هذه الروایات حجیه أخبار الثقه ولیس مفادها تأسیس الحجیه لها بل مفادها التأکید لما بنی علیه العقلاء وإمضاء له وإرشاد إلیه فالروایات لیست دلیلا مستقلا فی مقابل السیره علی حجیه أخبار الآحاد.

واما الآیات ومنها آیه النفر وآیه الکتمان وقد تقدم الکلام والمناقشه فی دلاله کلتا الآیتین علی حجیه أخبار الآحاد وقلنا أن کلا منهما لا یدل علی حجیه أخبار الآحاد.

ولکن لو تنزلنا عن ذلک وسلمنا أن کلتا الآیتین تدل علی حجیه أخبار الآحاد فهل مفادهما تأسیس الحجیه فی مقابل السیره العقلائیه أو مفادهما التأکید وإمضاء بناء العقلاء؟

أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی بحث الأصول

ص: 179

الموضوع: أدله حجیه خبر الواحد – الدلیل العقلی

ذکرنا أن سیره العقلاء تدل علی حجیه خبر الثقه فقط ولا تدل علی حجیه غیر خبر الثقه وعلی ضوء هذه السیره فاتساع دائره حجیه أخبار الآحاد هو اتساع دائره أخبار الثقه لا أکثر من ذلک وذکرنا أن عمده الدلیل علی حجیه أخبار الثقه هو السیره العقلائیه الجاریه علی العمل به الممضاه شرعا، ولا شبهه فی إمضاء هذه السیره وانها مرتکزه فی الأذهان ولا یکون العمل بأخبار الثقه متوقفا علی أی مقدمه خارجیه.

واما الروایات التی استدل بها علی حجیه أخبار الآحاد فالمتفاهم العرفی منها بمناسبه الحکم والموضوع الارتکازیه لا یکون اکثر من حجیه اخبار الثقه؛ وذلک لأمرین:

الأمر الأول: قد وردت مجموعه من الروایات فی عدم حجیه أخبار الفساق وأخبار الوضاعین والکذابین وما شاکل ذلک من العنوانین فمن مجموع هذه الروایات یستفاد ان موضوع الحجیه هو أخبار الثقه أی إذا کان الراوی ثقه فقوله حجه.

الأمر الثانی: أن حجیه أخبار الثقه أمر مرتکز فی الأذهان وثابت فی أعماق النفوس وهو بمثابه قرینه لبیه متصله مانعه عن ظهور إطلاق الروایات فی حجیه الخبار مطلقا فإن هذه السیره الجاریه علی حجیه أخبار الثقه من جهه ارتکازیتها فی النفوس بمثابه القرینه اللبیه المتصله المانعه عن ظهور الروایات فی حجیه أخبار الآحاد مطلقا.

هذا مضافا إلی أنه قد ورد فی جمله من الروایات السؤال عن وثاقه الروایه لا عن حجیه قوله وهی داله بوضوح علی أن حجیه أخبار الثقه أمر مفروغ عنه فلا یحتاج إلی أی مقدمه خارجیه لأن العمده ان الراوی ثقه حتی یعمل بقوله کما فی روایه صحیحه (1) (أ فیونس بن عبد الرحمن ثقه آخذ منه معالم دینی...) .

ص: 180


1- اختیار معرفه الرجال(رجال النجاشی)، الشیخ الطوسی، ج2، ص784.

فإذا کان ثقه فجواز أخذ منه معالم الدین لا یتوقف علی غیر دلیل ولا أی مقدمه خارجیه.

واما الآیات الکریمه ومنها آیه النفر وآیه الکتمان فقد تقدم أنهما لا تدلان علی حجیه أخبار الآحاد ومع الإغماض عن ذلک وتسلیم دلالتهما علی حجیه أخبار الآحاد إلا انه لا یستفاد منهما أکثر من حجیه أخبار الثقه وذلک لأن حجیه أخبار الثقه بما أنها أمر مرتکز فی الأذهان وثابته فی أعماق النفوس فهو بمثابه قرینه لبیه متصله مانعه عن ظهور هاتین الآیتین فی الإطلاق فلا ینعقد لهما ظهور فی الإطلاق ولا یستفاد من کلتا الآیتین حسب المتفاهم العرفی بمناسبه الحکم والموضوع الارتکازیه أکثر من حجیه أخبار الثقه فإن الملازمه الثابته بین وجوب إنذار المنذر ووجوب قبول قوله إنما هی ثابته فی ما إذا کان المنذر ثقه لا مطلقا وکذلک الملازمه بین حرمه الکتمان ووجوب القبول. وأما آیه النبأ فلو سلم دلالتها علی حجیه أخبار الآحاد بمفهوم الشرط او بمفهوم الوصف فعندئذ قد یقال بوقوع المعارضه بین مفهومها الدال علی عدم وجوب التبین عن خبر العادل فقط وأما خبر ثقه فتدل بمقتضی إطلاق منطوقها علی وجوب التبین عنه لأنها تدل علی وجوب التبین عن خبر الفاسق شرعا وإن کان ثقه فإن رب فاسق شرعا لکنه لا یکذب وبین سیره العقلاء الداله علی حجیه أخبار الثقه وإن کان فاسقا. ومورد الاجتماع هو خبر الثقه الفاسق فمقتضی إطلاق مدلول الآیه وجوب التبین عنه إذا کان الفاسق ثقه ومعناه أن خبره لا یکون حجه واما مقتضی السیره فهی تدل علی حجیه خبر الثقه وإن کان فاسقا.

وعندئذ لا بد من علاج هذه المعارضه بالرجوع إلی المرجحات.

ولکن هذا الإشکال غیر وارد فإن السیره العقلائیه بما انها قطعیه وإمضاؤها أیضا قطعی فلا یمکن أن یعارضها إطلاق منطوق آیه النبأ إذ أن إطلاق منطوق آیه النبأ ظنی ولا یمکن أن یعارض الدلیل الظنی الدلیل القطعی.

ص: 181

ومن هنا ذکرنا أنه لا یمکن ان یردع عن هکذا سیره إلا نصا صریحا ومؤکد وأما ظهور الآیه فی الإطلاق فهو لا یصلح للرادعیه، ولو کان صالحا لذلک لما عمل الناس فی زمن صدور الآیه بخبر الثقه من دون التفات إلی ظهورها فی الإطلاق، وهذا یعنی أن ظهور منطوق الآیه لا یصلح لأن یکون رادعا عن هذه السیره باعتبار قطعیتها وارتکازها فی الأذهان وکذلک إمضاؤها ولم یصدر أی ردع عنها من النبی الأکرم(ص) ولا من الأئمه الأطهار(ع).

هذا أولاً.

وثانیاً: أن الآیه بنفسها تدل علی أن المراد من الفسق هو الفسق الخبری ولیس المراد منه الفسق الشرعی وذلک لوجود قرائن فی الآیه علی ذلک:

القرینه الأولی: لو کان المراد من الفسق فی الآیه الفسق الشرعی فلازم ذلک وجوب التبین عن خبر الفاسق شرعا إذا کان ثقه وهو غیر مناسب بل لا یمکن لما ذکرنا من ارتکازیه حجیه خبر الثقه فی أذهان الناس بحیث یعملون به من دون أی توقف علی أی مقدمه. فیکون المنع عن حجیه أخبار الثقه وعن العمل به تهافتا وتناقضا.

القرینه الثانیه: أن الوارد فی الآیه (أن تصیبوا قوما بجهاله) فإن کان المراد من الجهاله السفاهه فلا شبهه فی أن العمل بخبر الثقه لیس سفهیا بل هو عقلائی فلا یندرج تحت قوله تعالی: (ان تصیبوا قوما بجهاله). وإن کان المراد منها الجهل بالواقع فلیس العمل بخبر الثقه عملا بالجهل بنظر العقلاء.

القرینه الثالثه: أن نفس الآیه ظاهره فی أن المراد من الفسق هو الفسق الخبری بمناسبه الحکم والموضوع الارتکازیه لأن الآیه فی مقام بیان ذلک.

هذا مضافا إلی أن معنی الفسق فی اللغه هو الانحراف الجامع بین الانحراف فی العمل والانحراف فی العقیده والانحراف فی القول. وأما المعنی الشرعی له فلعله لم یثبت حین نزول الآیه المبارکه، وحینئذ یکون الفسق فی الآیه المبارکه مستعمل فی معناه اللغوی وهو الانحراف الجامع بین الانحراف فی العقیده والانحراف فی العمل والانحراف فی القول.

ص: 182

والحاصل من مجموع هذه القرائن ان المراد من الفسق فی الآیه المبارکه هو الفسق الخبری کما انها تدل علی أن المراد من العدل فی مفهوم الآیه الکریمه العدل الخبری یعنی الثقه.

وعلی هذا فلا تعارض بین الآیه المبارکه وبین السیره أی کما أن السیره تدل علی حجیه أخبار الثقه فالآیه أیضا کذلک.

ومن جمیع ما ذکرنا یظهر انه لو سلم دلاله الآیات والروایات علی حجیه اخبار الآحاد فلا یکون مفادها إلا التأکید لما بنی علیه العقلاء وهو حجیه أخبار الثقه ولیس مفادها تأسیس الحجیه.

هذا کله فی الفرض الأول

دائره حجیه خبر الواحد، جابریه عمل المشهور لضعف الخبر. بحث الأصول

الموضوع: دائره حجیه خبر الواحد، جابریه عمل المشهور لضعف الخبر.

الجهه الثانیه: فهی أن موضوع الحجیه هل هو خبر الثقه بما هو خبر الثقه سواء أفاد الوثوق بالواقع أم لم یفد وسواء أفاد الظن بالواقع أم لم یفد بل کان الظن علی خلافه فإنه حجه فی جمیع هذه الحالات لأن حجیته من باب الوثوق النوعی لا من باب الوثوق الشخصی، فهل موضوع الحجیه هو خبر الثقه کما هو مقتضی سیره العقلاء او أن موضوعها الخبر المفید للوثوق بالواقع فعلا فکل خبر یکون مفیدا للوثوق بالواقع فعلا فهو حجه وإن لم یکن من ثقه واما الخبر الذی لا یفید الوثوق بالواقع فعلا فلا یکون حجه وإن کان من ثقه.

فإذاً النسبه بین ما هو حجه وبین خبر الثقه عموم من وجه فإن الجامع هو خبر الثقه المفید للوثوق بالواقع فعلا.

ولکن لا یمکن أن یکون الموضوع للحجیه هو الخبر المفید للوثوق بالواقع فعلا؛ وذلک لأمرین:

الأمر الأول: أن مفاد أدله الحجیه من الآیات والروایات والاجماع والسیره العقلائیه والمتشرعیه جمیعا هو حجیه خبر الثقه بما هو خبر ثقه وإن لم یفد الوثوق بالواقع فعلا وحجیته من باب الوثوق النوعی لا من باب الوثوق الشخصی.

ص: 183

الأمر الثانی: لا یمکن أن یکون الخبر المفید للوثوق بالواقع فعلا هو الموضوع للحجیه؛ إذ علی ذلک لا موضوع لخبر الواحد لأن الحجه إنما هی الوثوق بالواقع ولو کان ناشئا من خبر الفاسق او من الاجماعات المنقوله او من الشهرات الفتوائیه، وحاله فی ذلک حال القطع فإنه حجه مهما کان منشأه، ومقامنا من هذا القبیل إذا قلنا إن موضوع الحجیه هو الوثوق والاطمئنان لأن المدار حینئذ یکون علی الوثوق والاطمئنان فعلا. وهو کما تری خروج عن محل الکلام إذ محل الکلام فی حجیه خبر الواحد، واما الوثوق والاطمئنان الفعلی فلا شبهه فی أنه حجه عقلائیه وهو ممضی شرعا وحجیته لا تحتاج إلی دلیل إذ ان حجیته ثابته لدی العقلاء والشارع قد أمضی ذلک.

فإذاً لا إشکال فی حجیه الوثوق والاطمئنان الفعلی وإنما الکلام فی حجیه خبر الواحد فهل موضوع الحجیه هو خبر الثقه او مطلق الخبر؟ هذا هو محل الکلام.

فالنتیجه ان القول بأن موضوع الحجیه هو الخبر المفید للوثوق بالواقع والاطمئنان به فعلا لا یمکن المساعده علیه.

وعلیه یکون الصحیح ان موضوع الحجیه هو خبر الثقه بما هو خبر ثقه.

هذا کله فی الجهه الثانیه.

واما الجهه الثالثه: فیقع الکلام فی ان عمل المشهور بخبر ضعیف هل یکون جابرا لضعفه وموجبا لدخوله فی أدله الحجیه اولا یکون کذلک؟

فیه قولان:

القول الأول: وهو ان عمل المشهور بخبر ضعیف جابر لضعفه وموجبا لدخوله فی أدله الحجیه، وهذا القول هو المعروف والمشهور بین الأصولیین.

القول الثانی: وذهب جماعه من المحققین إلی أن عمل المشهور بالخبر الضعیف لیس جابرا وان وجوده کالعدم فلا یجعل الخبر الضعیف حجه ولا یوجب دخوله فی أدله الحجیه.

وما استدل به للقول الأول وجهان:

ص: 184

الوجه الأول: ما ذکره المحقق النائینی (قده) من أن عمل المشهور بخبر ضعیف یوجب صحه هذا الخبر ودخوله فی أدله الحجیه لأن هذا یصیره داخلا فی منطوق آیه النبأ: ( إن جاءکم فاسق بنبأ فتبینوا) وهی داله علی حجیه الخبر مع التبین ولو کان من الفاسق. ومن الواضح ان عمل المشهور تبیّن ومعه فلا محاله یدخل فی إطلاق المنطوق للآیه المبارکه.

وعلی هذا فالآیه تدل بإطلاق منطوقها علی حجیه الخبر الضعیف مع التبین الصادق علی عمل المشهور، ومن هنا یکون عمل المشهور جابرا لضعف السند وموجبا لدخول هذه الروایه فی منطوق آیه النبأ.

والجواب عن ذلک واضح: إذ ان الآیه المبارکه تدل علی عدم حجیه خبر الفاسق والأمر بالتبین إنما هو أمر بتحصیل الحجه علی النبأ لأن خبر الفاسق لیس بحجه، والمراد من الحجه فی المقام هو تحصیل العلم الوجدانی لأن التبیّن ظاهر فی العلم الوجدانی ولا أقل من ظهوره فی العلم العرفی وهو الاطمئنان.

وعلی هذا فالآیه بمنطوقها ظاهره فی أن خبر الفاسق لیس بحجه فی المسأله بل یجب علی المکلف تحصیل العلم الوجدانی او لا أقل من العلم العرفی. وحینئذ یکون العمل بالعلم او بالاطمئنان لا بحجیه خبر الفاسق، ومن هنا تکون الآیه أجنبیه عما ذکره المحقق النائینی حیث أن المتفاهم العرفی من الآیه لیس هو ان خبر الفاسق حجه مع التبین، بل هو عدم الاعتناء بخبر الفاسق والواجب علی المکلف تحصیل العلم بالواقع.

وبکلمه ان الأمر بالتبین أمر إرشادی ولیس أمرا تکلیفیا مولویا ضروره أن التبیّن لیس من أحد الواجبات فی الشریعه المقدسه کسائر الواجبات الأخری بل هو إرشاد إلی عدم حجیه خبر الفاسق ولا بدیه تحصیل حجه اخری فی المسأله وهی العلم الوجدانی او الاطمئنان.

ص: 185

وعمل المشهور فی نفسه لا یکون حجه کما تقدم بحثه موسعا ومن الواضح أن ضم اللا حجه إلی اللا حجه لا أثر له فخبر الفاسق فی نفسه لا یکون حجه وعمل المشهور أیضا لا یکون حجه وضم احدهما إلی الآخر لا یترتب علیه أی أثر فلا یوجب انقلاب ما لیس بحجه حجه بل هو امر مستحیل فی الأحکام الشرعیه التی هی أمور اعتباریه؛ لأنها فعل اختیاری ومباشر للمولی فجعلها نفیا وإثباتا بید المولی ولا یمکن ثبوت الحکم قهرا أو ثبوته معلولا لعله.

وعلیه فضم الشهره إلی خبر الفاسق لا یمکن ان یصیّر خبر الفاسق حجه قهرا.

وعلی هذا فلا أثر لضم الشهره إلی خبر الفاسق. نعم قد یحصل الاطمئنان والوثوق من الشهره ولکنه لا یعدو ان یکون وثوقا شخصیا یحصل لبعض الفقهاء دون البعض الآخر وقد یحصل فی مسأله ولا یحصل فی مسأله أخری، وهو کما تری لیس ضابطا کلیا، وقد علم مما تقدم ان المسأله الأصولیه لا بد ان تکون ضابطا کلیا ولا تختلف باختلاف الفقهاء والمجتهدین.

الوجه الثانی: __ من وجوه جابریه عمل المشهور للخبر الضعیف __ أن عمل المشهور بخبر یکشف عن صدوره عن المعصومین(ع) وبذلک یدخل الخبر الضعیف فی أدله الحجیه وشمولها له.

والجواب عن ذلک: انه إن أرید بکاشفیته الکاشفیه النوعیه فیرد علیه:

أولاً: أن عمل المشهور لا یصلح لأن یکون کاشفا نوعیا عن صدور الخبر الضعیف عن المعصومین(ع) بل لا یکون کاشفا ظنیا نوعا فضلا عن کونه کاشفا وثوقیا نوعا.

وثانیاً: مع الإغماض عن ذلک وتسلیم انه کاشف نوعا عن صدور الخبر عن المعصومین(ع) إلا أنه لا دلیل علی حجیه هذا الکشف؛ لأن الدلیل علی حجیه الکشف النوعی إنما هو فی خصوص الکشف النوعی المستفاد من خبر الثقه او من ظواهر الالفاظ لأنها حجه بالسیره القطعیه من العقلاء بملاک کشفها نوعا عن الواقع. واما فی غیر هذین الموردین فلا دلیل علی حجیه الکشف النوعی؛ لأن حجیه شیء بحاجه إلی دلیل، والکشف النوعی لیس حجه ذاتیه فلا یمکن الحکم بحجیته مطلقا ما لم یقم الدلیل علی ذلک وقد قلنا إن الدلیل القائم علی حجیته مختص بخبر الثقه وظواهر الالفاظ، ولا یمکن التعدی عن موردهما إلی سائر موارد الکشف النوعی؛ إذ التعدی علی خلاف القاعده وبحاجه إلی دلیل وقرینه، ولا توجد هکذا قرینه علی التعدی لا من نفس السیره ولا من الخارج کما أنه لا دلیل علی حجیه الکشف النوعی مطلقا.

ص: 186

وإن أرید بکاشفیته الکاشفیه الظنیه فلا دلیل علی حجیه هذه الکاشفیه لأن الأصل الأولی قائم علی حرمه العمل بالظن وعدم حجیته وحجیه کاشفیته بحاجه إلی دلیل ولا دلیل علی ذلک.

وإن أرید بکاشفیته الکاشفیه القطعیه فهی بحاجه إلی تمامیه مقدمتین فإن تمت هاتان المقدمتان کان عمل المشهور کاشفا قطعا عن صدور الخبر عن المعصوم(ع) وإن لم تتم هاتان المقدمتان فلا یمکن أن یکون عمل المشهور کاشفا.

جابریه عمل المشهور لضعف الخبر بحث الأصول

الموضوع: جابریه عمل المشهور لضعف الخبر

ذکرنا أنه لا یمکن المساعده علی ما ذکر من ان عمل المشهور بروایه ضعیفه کاشف عن صدورها عن المعصومین(ع)، فإن أرید بالکاشفیه الکاشفیه النوعیه فمضافا إلی أن عمل المشهور لیس کاشفا نوعیا عن صدور الخبر الضعیف عن المعصومین(ع) انه لا دلیل علی حجیه هذه الکاشفیه لأن الدلیل إنما قام علی حجیه الکاشفیه النوعیه فی خصوص خبر الثقه وظواهر الالفاظ ولا دلیل فیما عدا ذلک والتعدی عن خبر الثقه وظواهر الالفاظ إلی هذا المورد لا یمکن لأن کل حکم إذا کان علی خلاف القاعده فالتعدی منه إلی غیره یکون بحاجه إلی قرینه ولا قرینه فی المقام لا فی نفس أدله حجیه الکاشفیه ولا من الخارج.

وإن أرید بالکاشفیه الکاشفیه الظنیه فلا دلیل علی حجیتها إذ الأصل الأولی حرمه العمل بالظن فالعمل به بحاجه إلی دلیل ولا دلیل فی المقام علی الحجیه.

وإن أرید بالکاشفیه الکاشفیه القطعیه أو الاطمئنانیه فهی تتوقف علی تمامیه مقدمتین:

المقدمه الأولی: أن یکون العمل بالروایه الضعیفه سندا مشهورا بین المتقدمین من أصحابنا الذین یتصل عصرهم بعصر أصحاب الأئمه(ع).

المقدمه الثانیه: أن تصل هذه الشهره إلیهم من زمن الائمه(ع) یدا بید وطبقه بعد الطبقه.

ص: 187

فإن تمت هاتان المقدمتان فلا شبهه فی أن الخبر الضعیف حینئذ یکون صادرا عنهم(ع) إما قطعا أو اطمئنانا، لأن هاتین المقدمتین تضمنان شهره هذا الخبر فی زمن أصحاب الأئمه وهذا یعنی اتصال الشهره بزمن الأئمه(ع) ما یدل علی إمضاؤه شرعا وهو یدل علی صدوره عنهم(ع).

ولکن لا تتم هاتان المقدمتان:

أما عدم تمامیه المقدمه الأولی: فلأنه لا طریق لنا إلی إحراز عمل مشهور أصحاب الأئمه(ع) وفقهاء الأصحاب بهذه الروایه الضعیفه سندا فی مقام الافتاء لا مباشره وذلک للفصل الزمنی بین الفقهاء المتأخرین والفقهاء المتقدمین ولا بالواسطه فإن غایه ما یمکن ان یقال فی المقام فی علاج وتخریج ذلک احد طریقین:

الطریق الأول: ان یکون عمل الفقهاء المتقدمین بالروایه الضعیفه سندا قد وصل إلی المتأخرین یدا بید وطبقه بعد الطبقه.

الطریق الثانی: وصول کتب الفقهاء المتقدمین الاستدلالیه إلی المتأخرین بطریق معتبر او متواتر.

وکلا الطریقین غیر تام:

أما الطریق الأول: فلأن المتأخرین وإن کانوا ینقلون آراء المتقدمین وفتاویهم فی کتبهم إلا أن مجرد ذلک لا یکفی فلا بد من إحراز ان المتقدمین قد استندوا فی الافتاء إلی هذه الروایه الضعیفه سندا ومجرد موافقه فتاویهم للروایه لا یدل علی استنادهم إلیها فی مقام الافتاء إذ کما یحتمل ذلک یحتمل أیضا استنادهم إلی حسن الظن أو الی الظن المطلق او الاجماع المنقول أو الشهره الفتوائیه أو ما شاکل ذلک، وعلیه لا نحرز أن عملهم وفتاویهم مستنده إلی الروایه الضعیفه سندا.

وبعباره أخری أنه لا یمکن إحراز استناد المتقدمین فی فتاویهم إلی الروایه الضعیفه سندا وذلک:

أولا: ان المتأخرین غالبا ما ینقلون فی کتبهم عباره أن المشهور بین قدماء الأصحاب هو الرأی الفلانی فی هذه المسأله من دون استقصاء آرائهم، وربما تنقل آراء بعض المتقدمین کما فی النقل عن الشیخ(قده) أنه استند فی الحکم الفلانی الی هذه الروایه الضعیفه ثم ینقل موافقه السید المرتضی له فی ذلک ولم یذکر باقی العلماء ومن الواضح ان مثل هذا لا یدل علی موافقه السید له فی الاستناد إلی هذه الروایه فی الافتاء نعم ربما کان موافقا للشیخ فی الفتوی ولکن ربما لم یکن موافقا له فی الاستناد إلی هذه الروایه الضعیفه.

ص: 188

ومن هنا لا نحرز موافقه باقی المتقدمین للشیخ فی ذلک.

ثانیا: ربما ینقل المتأخرین آراء المتقدمین فی المسأله ولکن بدون الإشاره إلی مدرکها، وآرائهم فی المساله وإن کانت موافقه لمضمون الروایه الضعیفه إلا أن مجرد الموافقه لا یکون دلیلا علی استنادهم إلیه فی الافتاء لأنه کما یحتمل ذلک یحتمل أیضا أن مدرکهم فی الفتوی حسن الظن او الاجماع المنقول أو مطلق الظن وما شاکل ذلک.

فالنتیجه أنه لا یحرز من موافقه فتوی المتقدمین لمضمون الروایه الضعیفه سندا استنادهم فی الافتاء إلیها.

هذا مضافا إلی أن المتقدمین مختلفون فی آرائهم بل قد یختلف رأی أحدهم فی مسأله واحده بین کتاب وکتاب آخر له ومن هنا یصعب نقل اتفاق المتقدمین فی مسأله واحده، وعلیه فلا طریق للمتأخرین فی نقل اتفاق المتقدمین علی رأی مستندین فی ذلک إلی روایه ضعیفه سندا.

وأما الطریق الثانی: فهو مبنی علی أن یکون لکل واحد من المتقدمین کتاب استدلالی یحتوی علی هذه المساله وعلی غیرها یذکر فیه مدرکه فی الافتاء بهذه المسأله.

ولکن لم یصل إلی المتأخرین مثل هذه الکتب وذلک لأمرین:

أولا: یحتمل أنه لا یوجد لکل واحد من المتقدمین کتاب استدلالی کذلک.

ثانیا: یحتمل أن یکون لکل واحد منهم کتاب استدلالی ولکنه لم یصل إلی المتأخرین.

ولعله لأجل ذلک یذکر المتأخرین آراء المتقدمین من دون ذکر مستندهم فی ذلک وإن کانت آراؤهم مطابقه لمضمون الروایه الضعیفه. ولکن مجرد ذلک لا یکفی فی إحراز استناد المتقدمین إلیها فی الافتاء.

فالنتیجه أن المتأخرین لا طریق لهم إلی إحراز الشهره بین المتقدمین.

واما المقدمه الثانیه: فإنه علی تقدیر التسلیم بالمقدمه الأولی فلا یمکن الالتزام بالمقدمه الثانیه، لأنه لا طریق لنا إلی إحراز أن الشهره الموجوده بین المتقدمین قد وصلت إلیهم من زمن الأئمه(ع) یدا بید وطبقه بعد الطبقه. أی إذا أحرزنا الشهره بین المتقدمین بطریق ما ولکن لا طریق لنا إحراز حجیتها من خلال اتصالها بزمن المعصومین(ع)، وقد وصلت إلی المتقدمین من زمنهم(ع) بطریق معتبر حسی أو بالتواتر.

ص: 189

هذا مضافا إلی أنه لا بد من إحراز کون هذه الشهره شهره تعبدیه وأما إذا کان لها مدرک فلا أثر لها لأن حجیتها حینئذ مأخوذه من حجیه مدرکها.

جابریه عمل المشهور لضعف الروایه بحث الأصول

الموضوع: جابریه عمل المشهور لضعف الروایه

أما المقدمه الثانیه وهی وصول هذه الشهره من زمن الأئمه(ع) إلی المتقدمین یدا بید وطبقه بعد الطبقه فعلی تقدیر تسلیم المقدمه الأولی وثبوت الشهره بین المتقدمین علی العمل بالروایه الضعیفه إلا أن هذا الوصول بحاجه إلی دلیل ولا دلیل علی ذلک ولا طریق لنا إلی إحراز أن هذه الشهره ثابته بین أصحاب الأئمه(ع) وأنها وصلت إلیهم یدا بید وطبقه بعد الطبقه بنحو التواتر أو لا أقل بطریق آحاد معتبر وحسی.

فإذاً لیس بإمکاننا إحراز أن هذه الشهره مستنده علی العمل بخبر ضعیف کانت موجوده فی زمن أصحاب الأئمه(ع) ووصلت منهم إلی المتقدمین من أصحابنا یدا بید وطبقه بعد الطبقه او بطریق معتبر حسی.

هذا مضافا إلی أن هذه الشهره لو کانت موجوده بین أصحاب الأئمه(ع) وأنها وصلت إلینا بطریق متواتر او یدا بید وطبقه بعد الطبقه أو بطریق آحاد معتبر لأشار متقدمی أصحابنا إلی ذلک جزما لأنهم أمناء علی الأحادیث وقد حافظوا علی طرق الأحادیث الواصله إلیهم من زمن الأئمه(ع) طبقه بعد الطبقه ویدا بید کالشیخ الطوسی علیه الرحمه فقد بین ما وصل إلیه من الأحادیث الواصله من زمن الأئمه(ع) بوسائط متعدده وکذلک الصدوق علیه الرحمه وغیره فلو کانت هذه الشهره قد وصلت إلیهم من زمنهم(ع) یدا بید وطبقه بعد الطبقه أو بطریق معتبر حسی لأشاروا إلی ذلک فی کتبهم، مع أنه لا عین ولا أثر لمثل هذا فسکوتهم عن ذلک وعدم الإشاره إلیه دلیل علی عدم وصول مثل هکذا شهره من أصحاب الأئمه(ع) بوسائط متعدده.

ص: 190

ودعوی أن عمل المشهور بروایه ضعیفه مستند إلی قرینه وتلک القرینه قد وصلت إلیهم من أصحاب الأئمه(ع) یدا بید وطبقه بعد الطبقه أو لا أقل بطریق معتبر حسی لا حدسی وهذه القرینه تدل علی صحه هذه الروایه الضعیفه وصادره عنهم(ع).

هذه الدعوی مدفوعه لأن هذه القرینه لا تخلو إما أن تکون لفظیه أو لبیه ارتکازیه.

أما احتمال کونها قرینه لفظیه فیرد علیه أنها لو کانت موجوده لأشار إلیها أصحابنا المتقدمین فی کتبهم بطبیعه الحال کما هو شأنهم باعتبار أنهم أمناء علی الأحادیث، فعدم الإشاره إلیها دلیل علی عدم وجودها.

واما احتمال کونها قرینه لبیه ارتکازیه وهی موجوده بین أصحاب الأئمه(ع) وقد وصلت إلی المتقدمین فأیضا لا محاله لأشاروا إلیها وان العمل بهذه الروایه الضعیفه من جهه هذه القرینه، لأنها من الخصوصیات المهمه فی الروایات ویستبعد عدم الإشاره إلیها فی کتبهم، فعدم الإشاره إلیها دلیل علی عدم وجودها.

إلی هنا قد تبین أن ما هو المشهور بین الأصولیین من ان عمل مشهور المتقدمین بروایه ضعیفه جابر لضعفها سندا وموجب لدخولها تحت أدله الاعتبار والحجیه لا یمکن المساعده علیه.

واما المشهور بین المتأخرین فلا اثر له، واحتمال وصولها إلیهم من زمن أصحاب الأئمه(ع) غیر صحیح لأنها لو وصلت إلیهم لکان وصولها إلیهم من طریق المتقدمین لعدم إمکان وصولها إلیهم من غیر هذا الطریق وقد عرفت الأمر فیه مما سبق.

هذا من ناحیه أخری.

ومن ناحیه أخری أن إعراض المشهور عن روایه صحیحه هل یوجب سقوطها عن الاعتبار وخروجها عن أدله الحجیه أو لا؟

والجواب عن ذلک: أن هنا قولین:

القول الأول: وهو المشهور بین الأصحاب أن الإعراض عن روایه صحیحه یوجب سقوطها عن الاعتبار وخروجها عن أدله الحجیه وادله الاعتبار.

ص: 191

القول الثانی: ما ذهب إلیه جماعه من المحققین ومنهم السید الاستاذ(قده) من عدم الأثر لإعراض المشهور فی ذلک. وما ذهب إلیه المشهور من أن الإعراض عن روایه صحیحه یوجب سقوطها عن الاعتبار فهو مبنی علی تمامیه مقدمتین:

المقدمه الأولی: أن یکون هذا الإعراض من قدماء الأصحاب الذین یکون عصرهم متصلا بعصر أصحاب الأئمه(ع).

المقدمه الثانیه: وصول هذا الإعراض من أصحاب الأئمه(ع) إلی المتقدمین.

ولکن کلتا المقدمتین غیر تامه.

أما الأولی: فلأنه لا طریق لنا إلی إثبات إعراض أصحابنا المتقدمین عن هذه الروایه الصحیحه سندا، إذ أن إحراز ذلک منوط بوصول إعراضهم إلی المتأخرین یدا بید وطبقه بعد الطبقه بنحو التواتر أو بطریق أحاد معتبر. وشیء منهما غیر موجود، لأنه لا طریق لنا إلی ذلک، إذ أن هذا الوصول منوط بأحد طریقین:

الطریق الأول: ان یکون هذا الوصول بطریق التواتر أو بطریق الآحاد المعتبر، وشیء من ذلک غیر موجود لأن کل مجتهد إذا رجع إلی کتب المتأخرین یری أنهم ینقلون آراء المتقدمین أو اختلافهم فی المسأله بدون الإشاره إلی مدرکها ومستندها او ینقلون الشهره من المتقدمین او اجماعهم بطریق الآحاد الحدسی ولا یکون لهذا النقل أثر لأن نقل الإجماع الحدسی غیر مشمول لدلیل الاعتبار لاختصاصه بخبر الواحد الحسی دون الحدسی.

فمن أجل ذلک لا طریق لنا إلی إحراز إعراض أصحابنا المتقدمین عن روایه صحیحه سندا.

الطریق الثانی: ان یکون لکل واحد من المتقدمین کتاب استدلالی واصل إلینا.

ولکن الأمر لیس کذلک لأنه لم یصل إلینا کتاب استدلالی یحتوی علی هذه المسأله وغیرها من کل واحد من المتقدمین، إما لعدم وجود کتاب استدلالی لکل واحد منهم فی المساله او کان ولکن لم یصل إلینا. وعلی کلا التقدیرین فلا طریق لنا إلی ذلک.

ص: 192

واما المقدمه الثانیه: فلا طریق لنا إلی إحراز أن هذا الإعراض قد وصل إلی المتقدمین من أصحاب الأئمه(ع) یدا بید وطبقه بعد الطبقه بنحو التواتر او بطریق آحاد معتبر حسی لا حدسی. لعدم شیء منهما.

ودعوی القرینه کما تقدم مدفوعه فی المقام فلو کانت هناک قرینه علی أن هذه الروایه لم تصدر من المعصومین(ع) لأشار إلیها المتقدمین، مع أنه لا عین ولا أثر لها فی کتب المتقدمین مع أن شانهم الحفاظ علی خصوصیات الروایات لأنهم الأمناء علی الروایات.

والحاصل ان إعراض المتقدمین عن روایه صحیحه لا أثر له ولا یوجب خروجها عن أدله الاعتبار والحجیه، فما هو المشهور من ان إعراض القدماء عن روایه صحیحه سندا یوجب سقوطها عن الاعتبار لا أثر له ولا واقع موضوعی له.

فالصحیح هو ما ذکره السید الاستاذ(قده) صحاب الأئمه

جابریه عمل المشهور لضعف الروایه. بحث الأصول

الموضوع: جابریه عمل المشهور لضعف الروایه.

إلی هنا قد تبین امور:

الأمر الأول: ان محل الکلام إنما هو فی الشهره بین قدماء الأصحاب واما الشهره بین المتأخرین إذا لم تکن بین المتقدمین فلا أثر لها.

الأمر الثانی: أنه لیس بإمکاننا إثبات عمل المتقدمین بروایه ضعیفه ولا إعراضهم عن روایه صحیحه، فإن إثبات ذلک بحاجه إلی إثبات وصول هذا الإعراض والعمل إلیهم یدا بدی وطبقه بعدم الطبقه بنحو التواتر أو بطریق معتبر ولکن لم یکن الموجود فی کتب المتأخرین شیء من ذلک وإنما الموجود هو نقل الشهره بخبر حدسی ونقل الإجماع بخبر حدسی وهو لا یکون حجه.

فإذاً الصغری غیر ثابته ولیس بإمکاننا إثبات أن المشهور قد عملوا بروایه ضعیفه حتی یکون جابرا لضعف سندها ولا یمکن إثبات أن المشهور قد أعرضوا عن روایه صحیحه حتی یکون مسقطا لها عن الحجیه.

ص: 193

الأمر الثالث: علی تقدیر الصغری وهی ثبوت الشهره بین القدماء إلا أنها فی نفسها لا تکون حجه فإن الشهره الفتوائیه لا دلیل علی حجیتها بل لا دلیل علی حجیه الإجماع فضلا عن الشهره الفتوائیه.

والدلیل علی حجیه هذه الشهره إثبات أنها وصلت من زمن الأئمه(ع) إلیهم یدا بید وطبقه بعد الطبقه بنحو التواتر أو بطریق معتبر.

ولکن لا یمکن إحراز ذلک إذ لو وصلت الشهره إلی القدماء من زمن أصحاب الأئمه(ع) لأشاروا إلی ذلک فی کتبهم لأنه حدث مهم مع انهم أمناء علی الروایات بلا فرق فی ذلک بین الشهره التی تکون فی العمل بخبر ضعیف او الشهره فی الإعراض عن خبر صحیح، ولکن لا عین ولا أثر لمثل ذلک، وهذا کاشف عن عدم الوصول.

وعلی هذا لا تکون الکبری ثابته ولأجل ذلک لا أثر لدعوی الشهره بین القدماء علی العمل بروایه ضعیفه أو إعراض المشهور عن روایه صحیحه فی المسأله.

نعم استثنی السید الاستاذ(قده) (1) ما إذا کان هناک تسالم بین أصحابنا المتقدمین والمتأخرین علی العمل بروایه ضعیفه او تسالم علی الإعراض عن روایه صحیحه، فإنه یمکن علی ذلک القول بأن الأول جابر لضعف السند والثانی مسقط لها عن الحجیه.

ولکن للمناقشه فیه أیضا مجال:

أولاً: انه لیس لنا طریق إلی إحراز هذا التسالم، إذ لو فرض إحراز مثل هذا التسالم بین المتأخرین فکیف یمکن إحرازه بین المتقدمین والحال أنه لیس فی کتب المتأخرین إشاره إلی وجود مثل هذا التسالم بین المتقدمین وإنما الحاصل من المتأخرین هو نقل التسالم بالحدس والاجتهاد وهو لا یکون حجه والمفروض أنه لا یوجد لکل واحد من المتقدمین کتاب استدلالی حول هذه المسأله وامثالها حتی نرجع إلی کتبهم ونعرف من خلالها آرائهم ومدرکها او کانت لهم کتب ولکن لم تصل إلینا.

ص: 194


1- مصباح الاصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الواعظ، ج2، ص203.

ولو فرضنا وجود مثل هکذا تسالم ولکن احتمال أنه تسالم تعبدی بین القدماء والمتأخرین معا بعید جدا لأنه یمکن ان یکون مبنی علی الحدس أو حسن الظن أو علی حجیه الظن المطلق أو ما شاکل ذلک.

وعلی کل حال لا یمکن إثبات أن هذا التسالم تعبدی.

ولو فرض أنه تعبدی ولکن لا یمکن ان یکون کاشفا عن أنه وصل إلینا من زمن الأئمه(ع) او یکون کاشفا عن وجود الإمام(ع) بین المجمعین، إذ لا طریق لنا إلی ذلک.

فالنتیجه أنه لا یمکن الاعتماد علی هذا التسالم علی تقدیر ثبوته بین الأصحاب المتقدمین والمتأخرین منهم.

هذا تمام کلامنا فی أدله حجیه أخبار الآحاد.

وقد ظهر من خلال ذلک أن عمده الدلیل علی حجیه اخبار الآحاد کأخبار الثقه السیره القطعیه من العقلاء الجاریه علی العمل بأخبار الثقه، ولم یرد ردع عنها من قبل المعصومین(ع) وهذا یعنی أنها ممضاه شرعا.

واما سائر الأدله من الروایات والآیات والاجماع وسیره المتشرعه جمیعا لو کانت تامه فمفادها التأکید للسیره العقلائیه ولما بنی علیه العقلاء لا التأسیس.

وبعد ذلک یقع الکلام فی دلیل الانسداد

وهذا الدلیل وهو وإن لم یترتب علیه أی أثر عملی ولکن یترتب علیه أثر علمی لأنه دلیل یقام علی حجیه مطلق الظن وهو متأخر عن الأدله الخاصه التی تدل علی حجیه الأمارات الخاصه کأخبار الثقه وظواهر الالفاظ وأن هذا الدلیل فی طول تلک الأدله ومبنی علی عدم حجیه الأدله الخاصه القائمه علی اعتبار الأخبار الخاصه کروایات الثقه، ولکن بما أن الأدله الخاصه تامه علی حجیه أخبار الثقه وظواهر الالفاظ فعندئذ لا فائده عملیه لهذا البحث ولکن یترتب علیه أثر علمی ولهذا نقتصر فی هذا البحث علی أرکانه ومسائله المهمه ونترک الفروع المبنیه علی التقدیر والفرض فقط.

ص: 195

ثم ان هذا الدلیل مرکب من مقدمات ویقع الکلام فی هذه المقدمات فی عده جهات:

الجهه الأولی: فی بیان هذه المقدمات کما وکیفا.

الجهه الثانیه: فی صحه هذه المقدمات وعدم صحتها کلا او بعضا.

الجهه الثالثه: فی نتیجه هذه المقدمات هل هی الحکومه او الکشف.

الجهه الرابعه: أیضا فی نتیجه هذه المقدمات هل هی مهمله او مطلقه.

اما الکلام فی الجهه الأولی: فقد ذکر شیخنا الأنصاری (1) ووافقه السید الاستاذ(قدهما) (2) علی أن دلیل الانسداد مرکب من أربع مقدمات:

المقدمه الأولی: العلم الإجمالی بثبوت أحکام إلزامیه فی الشریعه المقدسه ودائره أطراف هذا العلم الإجمالی دائره الشریعه سواء کانت هناک إماره أم لم تکن هناک اماره.

المقدمه الثانیه: بما ان العلم الوجدانی بمعظم الأحکام الشرعیه منسد لأن معظم الأحکام الشرعیه أحکام نظریه وإثباتها بحاجه إلی عملیه الاجتهاد والاستنباط وتطبیق القواعد العامه الأصولیه علی عناصرها الخاصه لتکون النتیجه مسأله فقهیه کوجوب شیء أو حرمه شیء او ما شاکلهما.

واما الأحکام الضروریه والأحکام القطعیه فهی قلیله جدا ولا یتوقف إثبات الأحکام الضروریه علی الاجتهاد لأن ثبوتها ضروری ولا تحتاج إلی أی مقدمه لأجل إثباتها وکذلک الأحکام القطعیه لأن القطع یتعلق بالحکم مباشره وبدون أی واسطه، ومن هنا کانت نسبه الأحکام الضروریه والقطعیه إلی المجتهد والعامی علی حد سواء فلا یرجع العامی إلی المجتهد فی الأحکام الضروریه والأحکام القطعیه وإنما یرجع إلیه فی الأحکام النظریه لأن إثباتها یتوقف علی عملیه الاستنباط والاجتهاد.

و حیث أن الأحکام الضروریه والقطعیه نسبتها تقریبا لا تتجاوز 6% أو أقل أو أکثر بالنسبه إلی الأحکام النظریه فهی قلیله جدا ولا یمکنها حل مشاکل الإنسان الاجتماعیه والفردیه والمادیه والمعنویه والعائلیه والاقتصادیه وما شاکل ذلک. فمن أجل ذلک نحتاج إلی إثبات الأحکام النظریه بعملیه الاجتهاد والاستنباط وتطبیق القواعد العامه الأصولیه علی عناصرها الخاصه لتکون نتیجتها مسأله فقهیه کالوجوب او الحرمه ونحوهما.

ص: 196


1- فرائد الاصول، الشیخ الانصاری، ج1، ص384.
2- مصباح الاصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الواعظ، ج2، ص219.

المقدمه الثالثه: عدم إمکانیه الاحتیاط التام فی أطراف هذا العلم الإجمالی من المظنونات والمشکوکات والموهومات جمیعا، ولو تنزلنا وقلنا بإمکان مثل هذا الاحتیاط عقلا إلا أنه غیر واجب لاستلزامه العسر والحرج. فعلی کلا التقدیرین لا یکون هذا الاحتیاط واجب.

المقدمه الرابعه: یدور الأمر بین تقدیم المظنونات علی المشکوکات والموهومات وبالعکس وحیث ان العکس یستلزم ترجیح المرجوح علی الراجح فیتعین تقدیم المظنونات علی المشکوکات والموهومات. فلا بد من العمل بالظن.

هذا ما ذکره شیخنا الأنصاری(قده) ووافقه علیه السید الاستاذ(قده).

وقد زاد صاحب الکفایه(قده) مقدمه خامسه لیصبح دلیل الانسداد عباره عن خمس مقدمات.

دلیل الانسداد بحث الأصول

الموضوع: دلیل الانسداد

ذکرنا ان دلیل الانسداد علی ما ذکره شیخنا الأنصاری ووافقه علیه جماعه منهم السید الاستاذ(قده) انه مرکب من أربع مقدمات:

المقدمه الأولی: العلم الإجمالی بثبوت احکام إلزامیه فی الشریعه المقدسه، ومنشأ هذا العلم الإجمالی هو الإیمان بالشریعه ولا معنی للشریعه إلا جعل الأحکام الشرعیه فیها.

المقدمه الثانیه: أن باب العلم الوجدانی منسد بمعظم الأحکام الفقهیه وأما باب العلمی وهو حجیه الروایات فأیضا منسد بمعظم الأحکام الفقهیه.

المقدمه الثالثه: ان الاحتیاط التام لا یمکن عقلا أو شرعا لاستلزامه العسر والحرج.

المقدمه الرابعه: ان الأصول المؤمنه لا تجری فی اطراف العلم الإجمالی لا کلا ولا بعضا، إذ جریانها فی الجمیع یستلزم المخالفه القطعیه العملیه، وجریانها فی بعضها دون بعضها الآخر ترجیح من غیر مرجح.

وزاد المحقق الخراسانی مقدمه أخری وذکر أن دلیل الانسداد مرکب من خمس مقدمات:

الأولی: العلم الإجمالی بثبوت الأحکام الالزامیه فی الشریعه المقدسه.

الثانیه: انسداد باب العلم والعلمی فی معظم الأحکام الفقهیه.

الثالثه: انه لا یجوز إهمال هذه الأحکام وترک امتثالها، وهذه هی المقدمه التی زادها المحقق الخراسانی(قده) (1) .

ص: 197


1- کفایه الاصول، المحقق الخراسانی، ص311.

المقدمه الرابعه: تعذر الاحتیاط التام إما بحکم العقل او بحکم الشرع.

المقدمه الخامسه: عدم جریان الأصول المؤمنه فی أطراف العلم الإجمالی لا کلا ولا بعضا.

وقد أشکل السید الاستاذ (1) علی ما ذکره المحقق الخراسانی(قدهما) ان المقدمه الثالثه لیست مقدمه مستقله فی مقابل المقدمه الأولی بل هی فی طول المقدمه الأولی أی أن المقدمه الأولی متضمنه للمقدمه الثالثه لأن العلم الإجمالی بثبوت أحکام إلزامیه فی الشریعه المقدسه یوجب تنجزها ومع تنجز هذه الأحکام بالعلم الإجمالی فبطبیعه الحال لا یجوز إهمالها، فعدم إهمالها لیس مقدمه مستقله فی عرض المقدمه الأولی.

هذا ما ذکره السید الاستاذ(قده)، وهو متین.

ولکن ما ذکره وارد ایضا علی ما وافق فیه الشیخ الأنصاری لأن المقدمه الرابعه أیضا داخله فی المقدمه الأولی، لتضمنها للمقدمه الرابعه ولیست مقدمه مستقله فی عرض المقدمه الأولی بل هی فی طولها؛ فإن العلم الإجمالی إذا کان منجزا للمعلوم بالإجمال فی أطرافه فلازم ذلک عدم جریان الأصول العملیه فی أطراف العلم الإجمالی، فنفس العلم الإجمالی یتضمن عدم جریان الأصول العملیه المؤمنه فی أطرافه.

فالصحیح أن دلیل الانسداد مرکب من ثلاث مقدمات:

المقدمه الأولی: العلم الإجمالی بثبوت الأحکام الالزامیه.

المقدمه الثانیه: انسداد باب العلم والعلمی بمعظم الأحکام الشرعیه.

المقدمه الثالثه: ان التبعیض فی الاحتیاط لا یمکن بعد عدم إمکانیه الاحتیاط التام فی تمام أطراف العلم الإجمالی. لأن التبعیض هو إما ترجیح الاحتیاط فی المظنونات علی الاحتیاط فی المشکوکات والموهومات او بالعکس، وحیث إن العکس وهو تقدیم الاحتیاط فی المشکوکات والموهومات علی الاحتیاط فی المظنونات ترجیح للمرجوح علی الراجح وهو لا یمکن فلا بد من تقدیم الاحتیاط فی المظنونات علی المشکوکات.

ص: 198


1- مصباح الاصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الواعظ، ج2، ص219.

والنتیجه هی وجوب العمل بالظن فی الأحکام الشرعیه ولا یجوز العمل بالشک والوهم.

الکلام فی الجهه الثانیه

فلا شبهه فی العلم الإجمالی بثبوت الأحکام الالزامیه فی الشریعه المقدسه وإنما الکلام فی تنجیز هذا العلم الإجمالی، فقد یقال کما قیل: إن هذا العلم الإجمالی غیر منجز، لأن المانع عن تنجیزه موجود وهو اضطرار المکلف إلی ارتکاب الشبهات، لأن فی کل فعل یرتکبه المکلف یحتمل فی حقه الوجوب أو الحرمه او غیرهما، لأن أطراف هذا العلم الإجمالی جمیع الشبهات سواء أ کانت هناک اماره أم لم تکن اماره.

وعلی هذا فکل فعل یرتکبه المکلف یحتمل وجوبه کما یحتمل حرمته، وهذا الاضطرار یکون مانعا عن تنجیز العلم الإجمالی، إذ قد ذکر أن الاضطرار إلی ارتکاب بعض أطراف العلم الإجمالی مانع عن تنجیزه.

والجواب عن ذلک:

أولاً: ان المانع عن تنجیز العلم الإجمالی هو الاضطرار إلی الطرف المعین واما الاضطرار إلی غیر المعین فلا یکومن مانعا کما إذا فرض العلم الإجمالی بأنه إما الإناء الغربی خمر أو الإناء الشرقی خمر فیعلم إجمالا بأن أحد الإناءین خمر فإذا اضطر المکلف إلی شرب أحدهما فهذا الاضطرار لا یکون مانعا عن التنجیز لأن هذا الاضطرار لا یتعلق بما تعلق به التکلیف وهو الحرمه باعتبار أن الحرمه إنما تعلقت بشرب الإناء الغربی بحده او بشرب الإناء الشرقی بحده ولم تتعلق الحرمه بالجامع بینهما، مع ان متعلق الاضطرار الجامع وعلی هذا فلم یتعلق الاضطرار بما تعلق به التکلیف، ولهذا لا أثر له.

وتطبیق هذا الاضطرار علی أحدهما لا یوجب انحلال العلم الإجمالی وهذا نظیر ما إذا علم بنجاسه أحد الإناءین وشرب أحدهما اضطرارا فإن هذا الاضطرار لا یوجب انحلال العلم الإجمالی لأن العلم الإجمالی بعد الشرب أیضا باق ولا ینحل بشرب أحدهما، بل هو موجود فی نفس المکلف.

ص: 199

وهذا بخلاف ما إذا کان الاضطرار إلی المعین کما إذا اضطر إلی شرب الإناء الشرقی فقط فإن یوجب انحلال العلم الإجمالی لأن الحرمه إذا کانت متعلقه بشرب الإناء الشرقی فقد ارتفعت بالاضطرار فبطبیعه الحال یکون الشک فی حرمه شرب الإناء الغربی شک بدوی فلا مانع من الرجوع إلی الأصول المؤمنه کأصاله البراءه او استصحاب عدم التکلیف.

واما إذا کان الاضطرار إلی غیر المعین فهو لا یکون موجبا لانحلال العلم الإجمالی.

وثانیا: علی تقدیر تسلیم ان الاضطرار إلی غیر المعین یوجب انحلال العلم الإجمالی کما بنی علیه صاحب الکفایه(قد) ولکن لا یکون هذا الاضطرار موجبا لانحلال العلم الإجمالی ومانعا عن تنجیزه لأن الاضطرار تعلق بفئه خاصه من الشبهات اما الشبهات التی هی خارجه عن دائره الاضطرار فهی کثیره والعلم الإجمالی بثبوت أحکام إلزامیه فیها موجود وهو منجز فإن المعلوم بالإجمال بتمامه لا ینطبق علی المضطر إلیه فالاضطرار إنما یوجب الانحلال إذا کان المعلوم بالإجمال بتمامه منطبقا علی المضطر إلیه.

وما نحن فیه لیس کذلک فإن دائره المعلوم بالإجمال أوسع بکثیر من دائره الاضطرار.

وعلیه لا یکون هذا الاضطرار مانعا عن تنجیز العلم الإجمالی وموجبا لانحلاله.

هذا من ناحیه

ومن ناحیه أخری قد تقدم سابقا أن هنا علوم إجمالیه ثلاثه:

العلم الإجمالی الأول: وهو العلم الإجمالی بثبوت أحکام إلزامیه فی الشریعه المقدسه ودائره هذا العلم الإجمالی اوسع من دائره الأمارات أی سواء کانت هناک اماره أم لم تکن.

العلم الإجمالی الثانی: هو العلم الوسط وهو العلم بثبوت أحکام إلزامیه فی دائره الأمارات فقط.

العلم الإجمالی الثالث: وهو العلم الصغیر وهو العلم الإجمالی بثبوت أحکام إلزامیه فی الشریعه المقدسه فی دائره فئه خاصه من الأمارات کأخبار الثقه وظواهر الالفاظ او الأخبار الموجوده فی الکتب المعتبره.

ص: 200

وقد تقدم سابقا ان العلم الإجمالی الکبیر ینحل بالعلم الإجمالی الوسط والعلم الإجمالی الوسط ینحل بالعلم الإجمالی الصغیر. وعلیه لیس لنا علم إجمالی بثبوت أحکام إلزامیه فی خارج دائره أخبار الثقه وظواهر الالفاظ، فالمعلوم بالإجمال منحصر فی دائره أخبار الثقه وظواهر الالفاظ.

هذا کله فی المقدمه الأولی.

واما المقدمه الثانیه: فلا شبهه فی أن العلم الوجدانی بمعظم الأحکام الفقهیه منسد ولکن لیس الأمر کذلک بالنسبه إلی العلم التعبدی لجریان السیره العملیه القطعیه من العقلاء علی العمل بأخبار الثقه وظواهر الالفاظ. فأخبار الثقه حجه وظواهر الالفاظ حجه.

وعلی هذا فباب العلم التعبدی لا یکون منسدا

دلیل الانسداد بحث الأصول

الموضوع: دلیل الانسداد

اما المقدمه الثانیه: فلا شبهه فی أن باب العلم الوجدانی منسد بمعظم الأحکام الفقهیه حتی للحاضرین فی زمن النبی الأکرم(ص) لعدم تمکن کل واحد من المسلمین آنذاک من الوصول إلیه(ص) والسؤال منه مباشره فلا محال یکون وصول الأحکام الشرعیه إلیه من قبل الثقات، بل حتی لو کان قد سمع الحکم من قبل النبی الأکرم(ص) مباشره فإنه یحتمل اشتباهه فی الفهم ومعه لا یحصل له الیقین بالحکم الشرعی.

وعلی هذا فتحصیل الیقین الوجدانی بالأحکام الشرعیه الفقهیه غیر ممکن لکل احد حتی الحاضرین فی مجلس النبی الأکرم(ص) وحینئذ لا شبهه فی انسداد باب العلم الوجدانی بالحکم الشرعی.

واما باب العلمی فهو غیر منسد لما تقدم من دلاله الدلیل علی ذلک وهو قیام السیره العقلائیه الممضاه شرعا واما الآیات والروایات والاجماعات المنقوله فهی مؤکده لها ولیس هی تأسیس.

ولو سلم انسداد باب العلمی أیضا ولا دلیل علی حجیه أخبار الثقه إما لعدم قیام السیره علیها وإما لقیام السیره ولکنها غیر ممضاه شرعا واما الآیات والروایات فهی قاصره الدلاله علی ذلک وکذلک یمکن القول بانسداد باب العلمی لو فرض أن الأدله لا تشمل ظواهر الالفاظ ومنها ظواهر أخبار الثقه، فتکون الحجه هی أخبار الثقه ذات الدلاله القطعیه، ومن الواضح أن مثل هذه الأخبار لو وجدت فهی قلیله جدا ولا تکفی لشطر من الأحکام الفقهیه وجریان عملیه الاستنباط فی جمیع المسائل الفقهیه، وکذلک لو فرضنا ان الدلیل علی حجیه ظواهر الالفاظ موجود ومنها ظواهر أخبار الثقه ولکن لا دلیل علی حجیه سندها إما من جهه المناقشه فی الکبری وانه لا دلیل علی حجیه أخبار الثقه کالسیره العقلائیه إما لعدم وجودها أو لعدم إمضائها وأما الآیات والروایات فلا تدلان علی حجیه أخبار الثقه سندا.

ص: 201

أو من جهه الصغری کما لو فرض المناقشه فی توثیقات جماعه من أکابر الفقهاء المتقدمین والمحدثین کالشیخ الطوسی(قده) لأصحاب الأئمه(ع) لأن توثیقات هؤلاء لا محاله تکون من خلال الواسطه وهذه الواسطه مجهوله لنا، فتدخل هذه التوثیقات فی المرسلات وهی لا تکون حجه.

وحینئذ لا یمکن لنا إثبات حجیه أخبار الثقه سندا، ومن الواضح أن أخبار الثقه التی یکون سندها قطعیا قلیله جدا ولا تکفی لشطر من المسائل الفقهیه.

وعلی هذا یکون باب العلمی منسد إما لأنه لا دلیل علی حجیه أخبار الثقه سندا ودلاله أو لا دلیل علی حجیتها سندا أو لا دلیل علی حجیتها دلاله فقط، فعلی جمیع التقادیر یکون باب العلمی منسد.

وعلی هذا تکون المقدمه الثانیه تامه أی انسداد باب العلم الوجدانی وباب العلمی.

واما المقدمه الثالثه: فهی مبنیه علی تمامیه المقدمه الثانیه وهی انسداد باب العلم والعلمی فلا محاله تصل النوبه إلی العمل بالعلم الإجمالی لأنه لا شبهه فی تنجیز العلم الإجمالی للمعلوم بالإجمال فی تمام أطرافه بلا فرق بین المشکوکات والموهومات والمظنونات، وحیث إن الاحتیاط التام إما مستحیل لأنه یستلزم الإخلال بالنظام أو انه یوجب العسر والحرج فهو غیر واجب فلا بد من التبعیض فی الاحتیاط.

هذا إذا لم نقل بانحلال العلم الإجمالی.

وأما إذا قلنا بانحلال العلم الإجمالی الکبیر بالعلم الإجمالی المتوسط وانحلال العلم الإجمالی المتوسط بالعلم الإجمالی الصغیر وهو العلم الإجمالی بثبوت الأحکام الالزامیه فی الروایات الموجوده فی الکتب المعتبره او روایات الثقات فعندئذ لا یلزم محذور اختلال النظام ولا محذور لزوم العسر والحرج، فلا مانع من الاحتیاط فی موارد أخبار الثقه فی جمیع أبواب الفقه، فعندئذ لا مبرر للتبعیض فی الاحتیاط، إذ التبعیض فی الاحتیاط یبرر بأحد أمرین: إما لزوم اختلال النظام او لزوم العسر والحرج، ومع عدم لزوم شیء منهما فلا موجب للتبعیض فی الاحتیاط.

ص: 202

ومع الإغماض عن ذلک والتسلیم بعدم انحلال العلم الإجمالی الکبیر او التسلیم بانحلاله ولکن الاحتیاط التام فی جمیع الروایات الموجوده فی الکتب المعتبره او روایات الثقات یستلزم العسر والحرج وعندئذ هل یجب التبعیض فی الاحتیاط أو لا یجب؟

والظاهر أنه لا موجب للتبعیض فی الاحتیاط لأن کل واحد من المحذورین المتقدمین لا یمنع عن أصل وجوب الاحتیاط إذ هو واجب علی المکلف بمقتضی العلم الإجمالی ولکن إذا قام بالاحتیاط واستمر علیه ولکن وصل إلی حد یوجب العسر والحرج أو اختلال النظام فعندئذ لا یجب أو لا یجوز الاحتیاط فی المقدار الزائد واما أصل وجوب الاحتیاط من الأول فلیس فیه أی محذور من المحذورین المتقدمین فلهذا یجب علی المکلف الاحتیاط فی جمیع الشبهات سواء کان الحکم فی تلک الشبهات مظنونا او مشکوکا او موهوما لأن هذا الحکم منجز بالعلم الإجمالی لأن نسبه العلم الإجمالی إلی جمیع هذه المحتملات نسبه واحده فکما انه منجز للحکم المظنون کذلک هو منجز للحکم المشکوک والحکم الموهوم، فلا تمییز فی تنجیز العلم الإجمالی لاحتمال التکلیف فی جمیع أطرافه، کما لو فرض العلم الإجمالی بنجاسه أحد أوانی عشره وبالطبع احتمال النجاسه متفاوت بین هذه الآنیه العشره ففی بعضها یکون احتمال النجاسه علی حد الظن وفی ببعضها الآخر مشکوک وفی بعضها الثالث موهوم ولکن العلم الإجمالی منجز لجمیع هذه الاحتمالات فیجب علی المکلف الاجتناب عن جمیع هذه الآنیه العشره، لأن نسبه العلم الإجمالی إلی جمیع هذه الأطراف نسبه واحده ودلیل الاحتیاط بحکم العقل لا یدل علی التمییز بین المظنونات والمشکوکات والموهومات، فإن الواجب علی المکلف الاحتیاط من الأول سواء فی المشکوکات او فی المظنونات او فی الموهومات إلی ان یصل إلی حد لزوم الحرج والعسر فعندئذ لا یجب علیه الاحتیاط او یصل إلی حد اختلال النظام فعندئذ لا یجوز الاحتیاط.

ص: 203

فما هو المشهور بین الأصحاب من لا بدیه التبعیض فی الاحتیاط بأن یجب الاحتیاط فی المظنونات وترک الاحتیاط فی المشکوکات والموهومات لأن العکس ترجیح من غیر مرجح إنما یتم لو کان دلیل وجوب الاحتیاط یدل علی التمییز بین المحتملات وقد عرفت عدم دلالتها علی ذلک لأن نسبه العلم الإجمالی إلی جمیع الاحتمالات نسبه واحده بلا فرق بین الظن والشک والوهم لأن الظن إذا لم یکن حجه فحاله حال الشک والوهم ولا مزیه له علی الشک والوهم وحینئذ یجب الاحتیاط علی المکلف من الأول فی الشبهات التحریمیه والوجوبیه لأنه لا یستلزم العسر والحرج او اختلال النظام إلی أن یصل إلی حد لزوم الحرج والعسر فعندئذ لا یجب أو إلی ان یصل إلی حد اختلال النظام فعندئذ لا یجوز.

دلیل الانسداد بحث الأصول

الموضوع: دلیل الانسداد

ذکرنا ان العلم الإجمالی الکبیر إذا فرضنا أنه غیر منحل فهو یقتضی الاحتیاط التام فی المظنونات والمشکوکات والموهومات جمیعا وهو غیر ممکن إما عقلا من جهه استلزامه اختلال النظام أو شرعا لاستلزامه العسر والحرج فعندئذ لا بد من التبعیض فی الاحتیاط، ومن الواضح ان العلم الإجمالی لا یقتضی التبعیض فإن نسبه العلم الإجمالی إلی جمیع المحتملات علی حد سواء فهو یوجب تنجیز الحکم المحتمل سواء کان الحکم المحتمل مظنونا او کان مشکوکا أم کان موهوما، ولزوم العسر والحرج واختلال النظام لا یمنع عن أصل لزوم الاحتیاط. فیجب علی الفقیه الاحتیاط فیما لا عسر أو لا حرج او لا اختلال للنظام فیه، وهذا إنما یکون فی ناهیه الشوط لا فی أوله.

وعلیه فکما یجب علی المکلف الاحتیاط فی المظنونات کذلک یجب علیه الاحتیاط فی المشکوکات والموهومات لأن احتمال التکلیف منجز فی الموهومات والمشکوکات کما هو منجز فی المظنونات وعلی هذا فلیس للمکلف ترک الاحتیاط فی المشکوکات لأن احتمال التکلیف فیه منجز من جهه العلم الإجمالی وموجب لاستحقاق العقوبه علی مخالفته.

ص: 204

فالتبعیض وتقدیم الاحتیاط فی المظنونات علی الاحتیاط فی المشکوکات والموهومات بحاجه إلی مقدمه أخری وإلا فالعلم الإجمالی لا یقتضی التبعیض.

والمقدمه الأخری: هی حکم العقل بتطبیق وجوب الاحتیاط فی المظنونات وترکه فی المشکوکات والموهومات لأن العکس یستلزم بنظر العقل ترجیح المرجوح علی الراجح، ولأجل ذلک یحکم العقل بالتبعیض.

ویمکن تخریج ذلک بوجوه:

الوجه الأول: أن الاحتیاط التام لا یمکن من جهه استلزامه اختلال النظام او انه غیر واجب شرعا من جهه استلزامه العسر والحرج ولکن من جهه قوه احتمال الظن من ناحیه وعدم سقوط العلم الإجمالی فی المقام من ناحیه اخری یحکم العقل بصرف تنجیز العلم الإجمالی من المشکوکات والموهومات إلی المظنونات وحینئذ لا یکون العلم الإجمالی بنظر العقل منجزا فی المشکوکات والموهومات.

والجواب عن ذلک: أن الظن إذا لم یکن حجه شرعا فکما لا یثبت مدلوله شرعا فکذلک لا یوجب صرف تنجیز العلم الإجمالی عن المشکوکات والموهومات إلی المظنونات بحسب الصناعه.

والنکته فی ذلک أن للعلم الإجمالی مراتب ثلاث:

المرتبه الأولی: مرتبه المقتضی، وهو العلم الإجمالی.

المرتبه الثانیه: وهی مرتبه المانع أی عدم جریان الأصول المؤمنه فی أطرافه.

المرتبه الثالثه: مرتبه التنجیز أی تنجیز المعلوم بالإجمال.

أما انحلال العلم الإجمالی فی مرتبه المقتضی فهو انحلال حقیقی کما لو علم إجمالا بنجاسه أحد إناءین: أسود او أبیض ثم علمنا تفصیلا أن الأسود قد طهر بإصابه المطر أو باتصاله بالکر أو بالماء الجاری، فالعلم الإجمالی حینئذ ینحل حقیقه إلی علم تفصیلی بطهاره الإناء الأسود وشک بدوی فی نجاسه الإناء الأبیض، وحینئذ لا یکون لنا علم إجمالی فی النفس لأن الموجود فی النفس هو العلم التفصیلی والشک البدوی، واما العلم الإجمالی فقد زال حقیقه ولا محاله حینئذ یزول أثره وهو التنجیز، ولا یعقل بقاء أثره مع زوال المؤثر لأن بقاء المعلول مع زوال العله غیر معقول، والتنجیز معلول للعلم الإجمالی فمع زوال العلم الإجمالی بانحلاله لا محاله یزول أثره وهو التنجیز.

ص: 205

واما انحلال العلم الإجمالی فی مرتبه المانع وهو جریان الأصل المؤمن فهو انحلال حکمی ولیس حقیقیا کما إذا فرضنا فی المثال المذکور العلم الإجمالی بنجاسه أحد الإناءین: الأسود والأبیض وعلمنا أن الأسود مسبوق بالطهاره وعندئذ لا مانع من استصحاب بقاء طهاره الإناء الأسود وبذلک ینحل العلم الإجمالی إلی علم تفصیلی تعبدی وشک بدوی فی نجاسه الإناء الأبیض إلا أن هذا الانحلال لیس انحلالا حقیقیا لأن العلم الإجمالی موجود فی نفس الإنسان بل هوم انحلال حکمی أی انحلال بحکم الشارع، وکذلک لو قامت البینه علی طهاره الإناء الأسود أو أخبر الثقه بها، وعندئذ لا مانع من الرجوع إلی الأصل المؤمن کأصاله الطهاره او استصحاب عدم النجاسه فی الإناء الأبیض لأن حکم الشارع بالانحلال یعنی انتفاء أثر العلم الإجمالی بالتنجیز ولا یعقل بقاء الأثر بدون مؤثر بعد حکم الشارع بانتفاء المؤثر.

واما الانحلال فی مرتبه التنجیز بان یکون العلم الإجمالی منجزا للحکم المحتمل فی موارد الظن به أی فی المظنونات ولا یکون منجزا فی المشکوکات والموهومات وهو غیر معقول مع عدم الانحلال فی مرتبه المقتضی وعدم الانحلال فی مرتبه المانع، لأن هذا هو معنی رفع المعلول مع بقاء العله وهو مستحیل، أی الانحلال فی مرتبه التنجیز مع بقاء العلم الإجمالی فی مرتبه الاقتضاء فی النفس وبقاءه فی مرتبه الشرط مستحیل لأن معناه رفع المعلول مع بقاء العله وانفکاکه عنها وهو مستحیل.

فلا یعقل أن یکون هذا الظن موجبا لانحلال العلم الإجمالی فی مرتبه التنجیز مع بقاء العلم الإجمالی فی مرتبه الاقتضاء وبقاءه فی مرتبه المانع، فیستحیل ان یوجب هذا الظن صرف تنجیز العلم الإجمالی عن المشکوکات والموهومات علی المظنونات. لأن العلم الإجمالی إما عله تامه للتنجیز او هو مقتض لذلک.

ص: 206

أما کونه عله تامه للتنجیز فلا یتصور المانع أصلا، لأن المانع غیر متصور عن تأثیر العله التامه لأن معنی العله التامه أنه لا مانع فی البین ففرض وجود المانع خلف، وعلیه فإذا کان العلم الإجمالی عله تامه لتنجیز المعلوم بالإجمال فی تمام أطرافه فالمانع غیر متصور سواء کان من الأصول العملیه أم کان من غیرها.

واما إذا کان العلم الإجمالی منجزا للحکم بنحو الاقتضاء فأیضا کذلک لأن المقتضی وهو العلم الإجمالی موجود والشرط وهو صلاحیه العلم الإجمالی للتنجیز موجود أیضا والمانع مفقود فإن المانع هو جریان الأصول المؤمن فی أطرافه وهی إما أنها لا تجری فی نفسها او انها تجری ولکن تسقط من جهه المعارضه فالمانع مفقود حینئذ، وعلی هذا لا محاله یکون تأثیر العلم الإجمالی فی التنجیز بنحو العله التامه، وعندئذ لا یعقل الانحلال فی التنجیز طالما هو معلول للعله التامه والانحلال فیه معناه التفکیک بین المعلول وبین العله التامه.

دلیل الانسداد بحث الأصول

الموضوع: دلیل الانسداد

ذکرنا أن العلم الإجمالی علی القول بأنه عله تامه للتنجیز لا یتصور المانع عنه لا الأصول العملیه المؤمنه ولا غیرها فإن فرض وجود المانع لا ینسجم مع فرض کونه عله تامه لأن معنی کونه عله تامه أنه لا یوجد مانع فی البین، ففرض وجود المانع عن تنجیز العلم الإجمالی علی القول بأنه علی تامه لا یتصور.

واما علی القول بأن تنجیز العلم الإجمالی یکون بنحو الاقتضاء فعندئذ یقتضی العلم الإجمالی تنجیز المعلوم بالإجمال ولکنه مشروط بأن یکون العلم الإجمالی متعلقا بالتکلیف الفعلی الموجه إلی المکلف علی جمیع التقادیر أی سواء أ کان فی هذا الطرف أو فی ذاک الطرف، فإذا فرض خروج بعض أطراف العلم الإجمالی عن محل الابتلاء فعندئذ لا یکون شرط تنجیز العلم الإجمالی متوفرا، لأن العلم الإجمالی وإن تعلق بالتکلیف إلا أنه لا یکون موجها إلی المکلف علی جمیع التقادیر فإن الطرف الذی یکون خارجا عن محل الابتلاء إذا کان متعلقا للتکلیف فهو غیر موجه إلی المکلف.

ص: 207

فالخروج عن محل الابتلاء دخیل فی اتصاف العلم الإجمالی بالتنجیز فهو بمثابه الشرط لذلک ومن هنا إذا کان المعلوم بالإجمال تکلیفا فعلیا وموجها إلی المکلف علی جمیع التقادیر یکون شرط تنجیز العلم الإجمالی متوفرا وحینئذ نرجع لنری المانع عن تأثیر العلم الإجمالی فی التنجیز هل یوجد او لا یوجد؟ والمانع المتصور هو جریان الأصول العملیه المؤمنه کأصاله البراءه ونحوها فإنْ لم تجر هذه الأصول إما من جهه قصور المقتضی بمعنی أن أدله هذه الأصول قاصره الدلاله عن الشمول لأطراف العلم الإجمالی ومنصرفه عنها فعندئذ لا مقتضی لجریان الأصول المؤمنه فی أطراف العلم الإجمالی، وأما من جهه سقوطها بالمعارضه فعندئذ یکون تأثیر العلم الإجمالی فعلی أی یکون العلم الإجمالی بنحو العله التامه للتنجیز لأن المقتضی للتنجیز موجود وهو العلم الإجمالی والشرط متوفر وهو تعلق العلم الإجمالی بالتکلیف الموجه الی المکلف علی کل تقدیر والمانع مفقود، وعندئذ یکون تأثیره فی تنجیز المعلوم بالإجمال فی جمیع أطرافه بنحو العله التامه.

وعلی هذا فلا یعقل التبعیض أی لا یعقل أن لا یکون العلم الإجمالی منجزا للمشکوکات والموهومات ویکون منجزا للمظنونات فقط وإلا لزم انفکاک المعلول عن العله التامه وهو مستحیل.

فإذاً تنجیز العلم الإجمالی بعد توفر الشرط وعدم المانع یکون بنحو العله التامه فلا یعقل أن یکون الظن غیر المعتبر موجبا لصرف التنجیز عن المشکوکات والموهومات إلی المظنونات.

الوجه الثانی: __ من التخریج __ أن أطراف العلم الإجمالی فی المقام تنقسم إلی ثلاث فئات:

الفئه الأولی: المظنونات.

الفئه الثانیه: المشکوکات.

الفئه الثالثه: الموهومات. غایه الأمر أن الموهومات عدمها مظنون فإن کان الموهوم ثبوت التکلیف فعدم ثبوته مظنون وإن کان الموهوم عدم ثبوت التکلیف فثبوته مظنون.

والظن من جهه قوه احتماله یکون مرجحا لتقدیم الاحتیاط فی المظنونات علی الاحتیاط فی المشکوکات والموهومات.

ص: 208

والجواب عن ذلک: أن الظن لا یصلح أن یکون مرجحا بحکم العقل أیضا لأن الظن إذا کان حجه شرعا فهو مانع عن تنجیز العلم الإجمالی حکما وموجب لانحلاله بحکم الشارع. واما إذا لم یکن حجه فلا أثر له ومجرد أقوائیه کشفه عن الواقع بالنسبه إلی الشک والوهم لا یوجب مزیه له لأن الواقع غیر المنجز لا أثر له ولا یکون الوصول إلیه مطلوبا من الشارع، فشرب الماء المتنجس واقعا والذی لم یقم علی نجاسته دلیل لا یکون ذا أثر لأنه واقع غیر منجز فیکون وجوده کالعدم.

ومن هنا لا یحکم العقل بترجیح الظن غیر المعتبر علی الشک والوهم بعد کون نسبه العلم الإجمالی إلی الجمیع علی حد سواء لأن العلم الإجمالی کما یکون منجزا للتکلیف المحتمل علی نحو الظن کذلک یکون منجزا للتکلیف المحتمل علی نحو الشک او الوهم فلا فرق فی ذلک. هذا مضافا إلی ما ذکرناه من أنه لا یمکن ان یحکم العقل بترجیح الظن فإن معنی حکم العقل بترجیح الظن هو انحلال التنجیز وصرفه من الموهومات والمشکوکات إلی المظنونات وهو غیر معقول کما تقدم بعد وجود المقتضی وتوفر الشرط وعدم المانع من تأثیر العلم الإجمالی فی تنجیز المعلوم بالإجمال.

الوجه الثالث: صلاحیه الظن من جهه قوه احتماله للترجیح حیث إنه من احد مرجحات باب التزاحم.

والجواب عن ذلک: واضح..

أما أولاً: فلأنه لیس من مرجحات باب التزاحم إذ هی إما أهمیه أحد المتزاحمین علی الآخر أو احتمال أهمیته ومن الواضح أن قوه الاحتمال لا تکون مساویه للأهمیه، لأنها قد تجتمع معه وقد تفترق عنه، فلا یکون المرجح قوه الاحتمال.

وثانیا: المقام لا یکون داخلا فی باب التزاحم لأن التزاحم إنما یکون بین حکمین فعلیین ثابتین فی الشریعه المقدسه فی مرحله الجعل ویکون التزاحم بینهما فی مرحله الامتثال کالتزاحم بین إزاله النجاسه عن المسجد وبین الصلاه فی آخر الوقت. وفی المقام یکون التزاحم بین احتمال أن یکون التکلیف فی المظنونات وبین احتمال أن یکون التکلیف فی المشکوکات والموهومات فلا یکون المقام داخلا فی باب التزاحم.

ص: 209

الوجه الرابع: أن الظن وإن لم یکن صالحا للتنجیز من جهه قوه احتماله إلا أن الأمر فی المقام یدور بین خروج المکلف عن عهده التکلیف المعلوم بالإجمال إما من خلال الاحتیاط فی المظنونات وإما من خلال الاحتیاط فی المشکوکات والموهومات، والعقل یحکم ببراءه الذمه من خلال الاتیان بالمظنونات وترک المشکوکات والموهومات، کما أن احتمال العکس بان یأتی بالمشکوکات والموهومات بدلا عن الاتیان بالمظنونات مفقود.

وبکلمه: ان المقام من دوران الأمر بین التعیین والتخییر، حیث إن المکلف یعلم أن وظیفته إما الاحتیاط فی المظنونات تعیینا أو ان وظیفته التخییر بین الاحتیاط فی المظنونات والاحتیاط فی المشکوکات والموهومات، وفی دوران الأمر بین التعیین والتخییر یحکم العقل بالتعیین، فیجب الاحتیاط فی المظنونات دون المشکوکات والموهومات.

والجواب عن ذلک: أن حکم العقل بالتعیین فی دوران الأمر بین التعیین والتخییر إنما هو فی موردین:

المورد الأول: فیما إذا دار الأمر بین حجیه احد الخبرین وحجیه الخبر الآخر أی أن المکلف لا یعلم أن حجیه هذا الخبر بنحو التعیین أو أنها بنحو التخییر ففی مثل ذلک یحکم العقل بالتعیین لأن ما یحتمل ان تکون حجیته تعیینا فهو حجه قطعا إما تعیینا او تخییرا، وأما ما لا یحتمل حجیته تعیینا فحجیته مشکوکه بالشک البدوی والشک فی الحجیه مساوق للقطع بعدم الحجیه فعلا فمن أجل ذلک یحکم العقل فی هذا المورد بالتعیین.

المورد الثانی: ما إذا دار أمر المحصل للواجب البسیط بین الأقل والأکثر ففی مثل ذلک یکون الاتیان بالأکثر موجبا للیقین بتحقق الواجب واما الاتیان بالأقل فلا یعلم معه بتحقق الواجب، وفی مثله یحکم العقل بالإتیان بالأکثر بملاک قاعده الاشتغال لأن الیقین بالشغل یقتضی الیقین بالفراغ، وحیث إنه یعلم باشتغال ذمته بالواجب فلا بد من تحصیل الیقین بفراغ ذمته منه ولا یمکن ذلک إلا بالإتیان بالأکثر.

ص: 210

والحاصل أن فی هذین الموردین یحکم العقل بالتعیین وأما فی غیرهما کتردد أمر الواجب بین الأقل والأکثر کما هو الحال فی تردد المکلف انه مکلف بالصلاه مع السوره او مکلف بالصلاه من دونها ففی مثله لا یحکم العقل بالتعیین بل هنا تجری البراءه عن التعیین وتکون النتیجه هی التخییر لأن فی التعیین کلفه زائده وهذه الکلفه ترتفع بالبراءه.

وعلیه لا یمکن المساعده علی ما ذکر فی هذا الوجه من حکم العقل بالتعیین.

هذا مضافا إلی أن حکم العقل بالتعیین مبنی علی حکم العقل بالتبعیض فی الاحتیاط وانحلال التنجیز وهو غیر معقول.

دلیل الانسداد بحث الأصول

الموضوع: دلیل الانسداد

إلی هنا قد تبین أن التبعیض فی الاحتیاط لا یمکن فما هو المشهور بین الأصولیین من تقدیم الاحتیاط فی المظنونات علی الاحتیاط فی المشکوکات والموهومات لا یمکن المساعده علیه، لأن الظن لیس بحجه شرعا حتی یکون موجبا لانحلال العلم الإجمالی حکما فإذا لم یکن حجه فوجوده کعدمه ولا یکون مرجحا لدی العقل فإن العقل لا یحکم بشیء جزافا وبدون ملاک وأقربیه الظن فی الکشف عن الواقع بالنسبه إلی الشک والوهم وإن کانت واقعه إلا ان الواقع بما انه لا یکون منجزا فی المرتبه السابقه فلا أثر لهذا الکشف أو ان هذا الکشف لا یکون منجزا للواقع فلا أثر له.

فإذاً لا ملاک لحکم العقل بترجیح الظن علی الشک والوهم بعد ما کانت نسبه العلم الاجمالی بالنسبه إلی تنجیز المعلوم بالإجمال لجمیع اطرافه من المظنونات والمشکوکات والموهومات علی حد سواء.

هذا مضافا إلی ما ذکرناه من أن التبعیض فی مرحله التنجیز غیر معقول لأن العلم الإجمالی إما بنفسه عله تامه للتنجیز فعندئذ لا یتصور وجود المانع عنه وإما بنحو المقتضی فإذا توفر شرطه ولم یکن هناک مانع فتأثیره یکون بنحو العله التامه.

ص: 211

وفی المقام الشرط متوفر وهو صلاحیه العلم الإجمالی لتنجیز المعلوم بالإجمال فی جمیع الأطراف والمانع مفقود لأن الأصول العملیه المؤمنه إما انها لا تشمل أطراف العلم الإجمالی أو انها علی تقدیر الشمول تسقط من جهه المعارضه فیکون العلم الإجمالی عله تامه للتنجیز وإذا کان علی تامه للتنجیز یستحیل التبعیض فی التنجیز بأن یکون منجزا بالنسبه إلی بعض أطرافه دون الطرف الآخر وهو مستحیل لاستلزامه انفکاک المعلول عن العله التامه وهو مستحیل.

ثم إن دائره هذا الاحتیاط سعه وضیقا تختلف باختلاف أفراد المکلف فی الخارج فإن المکلف قد یکون متمکنا من الاحتیاط التام فی المظنونات والمشکوکات والموهومات بدون أن یستلزم العسر والحرج علیه فعندئذ وظیفته الاحتیاط التام.

وقد یکون غیر متمکنا من الاحتیاط التام ولکنه متمکن من الاحتیاط فی المظنونات والمشکوکات دون الموهومات فعندئذ یجب علیه الاحتیاط طالما لم یستلزم العسر والحرج وإذا استلزمهما لم یجب علیه الاحتیاط.

وقد یکون المکلف غیر قادر علی الاحتیاط إلا فی المظنونات فقط أو المشکوکات فقط فعندئذ وظیفته الاحتیاط طالما لم یستلزم العسر والحرج.

فإذاً دائره هذا الاحتیاط سعه وضیقا تختلف باختلاف المکلف، فما هو المشهور بین الأصولیین من تخصیص وجوب هذا الاحتیاط بالمظنونات دون المشکوکات والموهومات لا وجه له أصلا فإن هذا الاحتیاط واجب بمقتضی العلم الإجمالی طالما لم یستلزم العسر والحرج وهو یختلف باختلاف أفراد المکلف.

هذا من ناحیه.

ومن ناحیه أخری قد یقال کما قیل: إن التکلیف المحتمل فی أطراف هذا العلم الإجمالی إذا کان فی موارد الشک أهم من التکلیف المحتمل فی موارد الظن أو فی موارد الوهم فالعقل یحکم بتقدیم الأهم علی المهم فإذا فرضنا أن التکلیف المحتمل فی موارد الشک أهم ملاکا من التکلیف المحتمل فی موارد الظن فالعقل یحکم بالترجیح.

ص: 212

وهذا القیل أیضا غیر صحیح: فإن العقل إنما یحکم بتقدیم الأهم علی المهم فی باب التزاحم ولیس منه ما نحن فیه لأن التزاحم إنما یفترض بین التکلیفین الثابتین فی الشریعه المقدسه إلا أن المکلف لا یتمکن من امتثال کلیهما معا لقصور قدرته عن ذلک لأن له قدره واحده فإن صرفها فی امتثال أحدهما عجز عن امتثال الآخر ولهذا تقع المزاحمه بینهما، فإن کان أحدهما أهم من الآخر أو محتمل الأهمیه فالعقل یحکم بتقدیمه علی المهم.

ولیس المقام من هذا الباب، لأن التزاحم هنا بین الاحتمالین ویمکن ان لا یکون شیء منهما مطابقا للواقع هذا مضافا علی ما ذکرناه من ان لازم حکم العقل بتقدیم الأهم فی المقام التبعیض فی الاحتیاط والتبعیض فی تنجیز العلم الإجمالی وهو غیر معقول لاستلزمه انفکاک المعلول عن العله التامه وهو مستحیل.

هذا تمام کلامنا فی المقدمه الثالثه.

واما المقدمه الرابعه: وهی جریان الأصول المؤمنه فی أطراف هذا العلم الإجمالی سواء قلنا بانحلال العلم الإجمالی الکبیر بالعلم الإجمالی الصغیر أو لم نقل بالانحلال غایه الأمر إن لم نقل بالانحلال فیجب علی المکلف الاحتیاط فی أطراف العلم الإجمالی الکبیر وإن قلنا بالانحلال فیجب الاحتیاط فی أطراف العلم الإجمالی الصغیر.

والأصول العملیه الشرعیه لا تجری فإن أصاله البراءه الشرعیه مدرکها الروایات والمفروض عدم حجیه الروایات علی القول بالانسداد وکذلک مدرک استصحاب عدم التکلیف. أما إذا کان مدرک البراءه الشرعیه الآیه الشریفه کقوله تعالی: (وَمَا کُنَّا مُعَذِّبِینَ حَتَّی نَبْعَثَ رَسُولًا) (1) فإن قلنا بدلالتها علی أصاله البراءه الشرعیه فعندئذ لا مانع من التمسک بأصاله البراءه الشرعیه فی هذه الشبهات، وأما إن قلنا بأن الآیه لا تدل علی البراءه الشرعیه ___ کما هو الصحیح ووسوف یأتی الکلام فیها فی بحث البراءه ____ فتنحصر أصاله البراءه فی المقام فی أصاله البراءه العقلیه وهی قاعده قبح العقاب بلا بیان وهی لا تجری فی أطراف هذا العلم الإجمالی جمیعا من بدایه الفقه إلی أواخره وذلک لوجوه:

ص: 213


1- الإسراء/السوره17، الآیه15.

الوجه الأول: قیام الاجماع القطعی من الفقهاء علی عدم حجیه اصاله البراءه العقلیه فی المقام بل البراءه العقلیه لا تشمل أطراف العلم الإجمالی لا انها تشمل المقام ولکن تسقط بالمعارضه إذ التعارض لا یتصور بین دلیلین قطعیین والمفروض أن البراءه العقلیه قاعده عقلیه فلا یتصور التعارض بین أفرادها فی أطراف العلم الإجمالی لأن فرض التعارض بین الدلیلین القطعیین غیر متصور. فالبراءه العقلیه لا تشمل أطراف العلم الإجمالی فی نفسها. وعلی تقدیر شمولها لأطراف العلم الإجمالی فلا یحقل لأی فقیه أن یتمسک بها فی جمیع المسائل الفقهیه من البدایه إلی الناهیه.

الوجه الثانی: قد عُلل ذلک تاره بانه خروج من الدین أی موجب للکفر وتاره أخری بانه تکذیب للنبی الأکرم(ص) لأننا نعلم بوجود جمله کبیره من هذه الأحکام فی الرساله المحمدیه فجریان البراءه عنها تکذیب للنبی الأکرم(ص) ومن الواضح أن تکذیبه(ص) موجب للکفر.

ولکن کلا التعلیلین محل نقاش:

أما الأول: فلا شبهه فی ان جریان البراءه العقلیه فی جمیع أبواب الفقه لا یوجب الکفر ولکنه خلاف الضروره الفقهیه، أما انه لا یوجب الکفر فلأن عدم العمل بالأحکام الشرعیه غیر إنکارها والموجب للکفر هو إنکارها، لأنه تکذیب للنبی الأکرم(ص) وهو موجب للکفر.

واما الوجه الثالث: فلأن العلم الإجمالی منجز سواء قلنا بانحلال العلم الإجمالی الکبیر ام لم نقل غایه الأمر إن لم نقل بالانحلال فالعلم الإجمالی الکبیر منجز للمعلوم بالإجمال فی تمام أطرافه وأما إذا قلنا بالانحلال فالعلم الإجمالی الصغیر موجب لتنجز المعلوم بالإجمال فی تمام أطرافه، ومن الواضح ان الأصول العملیه المؤمنه لا تجری فی أطراف العلم الإجمالی إما لقصور أدلتها فی نفسها عن شمول أطراف العلم الإجمالی أو لشمولها لها ولکنها تسقط من جهه المعارضه. هذا فی الأصول العملیه الشرعیه.

ص: 214

واما الأصول العملیه العقلیه کقاعده قبح العقاب بلا بیان فهی فی نفسها لا تشمل أطراف العلم الإجمالی لأن بالنسبه إلی المعلوم بالإجمال لا موضوع لهذه القاعده فإن موضوع هذه القاعده عدم البیان ولا شبهه فی أن العلم الإجمالی بالنسبه إلی المعلوم بالإجمال بیان واما بالنسبه إلی أطرافه فلا یعقل التعارض بینها فلا یمکن شمول قاعده قبح العقاب بلا بیان لأطراف العلم الإجمالی وفرض التعارض بینها لأنه لا یتصور التعارض بین قاعدتین عقلیتین.

ومن هنا یظهر ان الوجه الثانی والثالث تامین.

واما الوجه الأول: فإن أرید بالإجماع الاجماع التعبدی فهو غیر ثابت بین الفقهاء المتقدمین لأن مسأله الانسداد مستحدثه بین المتأخرین ولا وجود لها بین المتقدمین حتی یتحقق الإجماع فیها.

وإن أرید بالإجماع الاجماع الارتکازی وان المرتکز القطعی فی ذهن کل فقیه عدم جواز الرجوع إلی الأصول المؤمنه فی جمیع أطراف هذا العلم الإجمالی من اول باب الطهاره إلی آخر باب الدیات وهذا أمر مرتکز وهذا الارتکاز ثابت فی زمن الأئمه(ع) وهو ممضا من قبلهم(ع).

ومما یؤکد علی هذا فحوی الوجه الثانی من ان الرجوع إلی الأصول المؤمنه یستلزم الخروج عن الدین أی أنه خلاف الضروره الفقهیه.

إلی هنا قد تبین أن المقدمه الأولی من مقدمات الانسداد تامه وهی وجود علم إجمالی فی الشریعه المقدسه سواء قلنا بالانحلال أو لم نقل.

واما المقدمه الثانیه: فهی غیر تامه لأن باب العلم الوجدانی وإن انسد بالنسبه الی معظم الأحکام الفقهیه ولکن باب العلمی مفتوح.

وأما المقدمه الثالثه: وهی التبعیض فی الاحتیاط فهی أیضا غیر تامه لأنه یجب علی المکلف الاحتیاط طالما لم یستلزم العسر والحرج بلا فرق بین المظنونات والمشکوکات والموهومات.

دلیل الانسداد بحث الأصول

الموضوع: دلیل الانسداد

ص: 215

أما الکلام فی الجهه الثالثه: هل نتیجه مقدمات الانسداد ___ علی تقدیر تمامیتها ___ حکم العقل بحجیه الظن المعبر عنه بمسلک الحکومه أو ان نتیجتها الکشف عن جعل الشارع الظن حجه المعبر عنه بمسلک الکاشفیه؟

هنا قولان: قول بأن نتیجه مقدمات الانسداد حکم العقل بحجیه الظن، وقول آخر أن نتیجتها الکشف لأنها کاشفه عن حجیه الظن شرعا.

أما القول بالحکومه فقد فسر بعده تفاسیر:

التفسیر الأول: أن المراد من أن الظن حجه یعنی أنه منجز للواقع علی تقدیر إصابته للواقع ومعذر علی تقدیر المخالفه حاله حال الحجیه الشرعیه، لأن خبر الثقه إذا کان حجه فهو منجز للواقع علی تقدیر الإصابه ومعذر علی تقدیر الخطأ، والظن علی القول بالانسداد وتمامیه مقدماته حاله حال الحجیه الشرعیه فهو منجز للواقع علی تقدیر الإصابه ومعذر علی تقدیر الخطأ.

التفسیر الثانی: أن الظن علی القول بالانسداد حاله حال القطع فی باب الانفتاح فکما أن حجیه القطع فی باب الانفتاح ذاتیه ولا یمکن سلبها عنه أو جعلها له لأنها حجه ذاتیه فی المرتبه السابقه فلا معنی لجعل الحجیه له، والظن فی حال الانسداد کذلک فحجیته حجیه ذاتیه ولا یمکن ان تکون مجعوله إذ لا معنی لجعل الحجیه لما تکون الحجیه له ذاتیه ولا یمکن سلبها عنه.

التفسیر الثالث: ان معنی حجیه الظن علی الحکومه ان العقل یحکم بان الظن یوجب صرف تنجیز العلم الإجمالی إلی مورده وإخراج موردی الشک والوهم عن تنجیز العلم الإجمالی.

اما التفسیر الأول: فقد اختاره المحقق الخرسانی (1) (قده) وأن الظن حجه فی باب الانسداد فهو معذر علی تقدیر الخطأ ومنجز علی تقدیر الإصابه فحاله حال خبر الثقه علی القول بالانفتاح. فمعنی حجیه الظن المنجزیه والمعذریه وهذا هو معنی حجیه الظن عقلا.

ص: 216


1- کفایه الاصول، المحقق الخراسانی، ص314.

ویمکن تقریب ذلک بوجهین:

الوجه الأول: أن معنی حجیه الظن هو صرف تنجیز العلم الإجمالی إلی مورده وإخراج موردی الشک والوهم عن التنجیز.

ولکن لا یمکن المساعده علیه؛ لما تقدم من أن التبعیض فی مرتبه التنجیز غیر معقول ولا یعقل انحلال العلم الإجمالی فی هذه المرتبه لأن تأثیر العلم الإجمالی فی هذه المرتبه یکون بنحو العله التامه، وأما إن قلنا إنه بنحو الاقتضاء ولکن مع توفر شرطه وعدم المانع یصیر عله تامه للتنجیز.

ولا یمکن التبعیض فإن معنی التبعیض انفکاک المعلول عن العله التامه وهو مستحیل.

الوجه الثانی: أن المکلف مضطر إلی ترک الاحتیاط فی بعض أطراف العلم الإجمالی غیر المعین لاستحاله الاحتیاط التام أو لا یجب وحیث إن صاحب الکفایه(قده) لا یقول بالفرق بین الاضطرار إلی المعین والاضطرار إلی غیر المعین فی انحلال العلم الإجمالی واسقاطه عن الاعتبار والتنجیز، ومع سقوطه عن الاعتبار لا یجب علی المکلف الاحتیاط إذ منشأ وجوب الاحتیاط هو العلم الإجمالی ومع انحلاله إلی القطع بعدم التکلیف فی مورد الاضطرار والشک البدوی فی غیر مورد الاضطرار فلا علم إجمالی حینئذ حتی یکون موجبا لوجوب الاحتیاط والمرجع فی الشک البدوی هو أصاله البراءه العقلیه والنقلیه او استصحاب عدم التکلیف.

وعلیه فلا یجب علی المکلف الاحتیاط.

ونتیجه ذلک: أن المکلف مهمل ولا یکون مکلفا بشیء لانسداد باب العلم والعلمی فی تمام الأبواب. وهذا خلاف الضروره وذلک للعلم الإجمالی القطعی بثبوت أحکام إلزامیه من الوجوبات والتحریمات فی الشریعه المقدسه وان الإنسان مکلف بالإتیان بها وامتثالها، ضروره أن لیس حال الإنسان کحال البهائم فی عدم التکلیف، وعلیه فلا محاله یکون مکلفا بالأحکام الواقعیه.

ولکن حاله الإنسان بالنسبه إلی هذه الأحکام لا تخلو من کونه إما ظانا بها او شاکا أو متوهما، ومن الواضح ان العقل یحکم بحجیه الظن لأنه یصلح أن یکون حجه وکاشفا عن الواقع بما له من الکاشفیه الذاتیه عن الواقع واما الشک والوهم فلا یصلحان لذلک لا انه یحکم بالتعبیض فی الاحتیاط وترجیح المظنونات علی المشکوکات والموهومات لما مر من ان لازم التبعیض فی الاحتیاط عدم سقوط العلم الإجمالی عن الاعتبار وعدم انحلاله، والمفروض انه انحل بالاضطرار وسقط عن الاعتبار فلا أثر له.

ص: 217

فإذاً العقل یحکم بحجیه الظن علی القول بالانسداد.

ولکن للمناقشه فیه مجال بوجوه:

الوجه الأول: ان هذا الاضطرار یرجع إلی الاضطرار إلی المعین لا أنه اضطرار إلی غیر المعین فإن مورد هذا الاضطرار هو الاحتیاطات التی توجب العسر والحرج أی ان المکلف مضطر إلی ترک الاحتیاط فی هذه الموارد فقط وموارد العسر والحرج معینه لأن کل احتیاط یوجب العسر والحرج فالمکلف مضطر إلی ترکه لأنه یجب علی المکلف الاحتیاط ما لم یصل إلی العسر والحرج فإذا وصل إلی العسر والحرج فلا یجب الاحتیاط فمرد هذا الاحتیاط إلی الاحتیاطات التی توجب العسر والحرج وهی من قبیل الاضطرار إلی المعین لا إلی غیر المعین.

ولکن هذا لا ثمره له بالنسبه إلی صاحب الکفایه(قده) لأنه لا یری فرق بین الاضطرار إلی المعین والاضطرار إلی غیر المعین فی انحلال العلم الإجمالی.

الوجه الثانی: أن هذا الاضطرار لا یوجب سقوط العلم الإجمالی عن الاعتبار وانحلاله لأن الموارد التی لا یکون المکلف مضطرا فیها إلی ترک الاحتیاط کثیره جدا وهو یعلم بوجود تکالیف إلزامیه کثیره فی غیر موارد الاضطرار سواء کانت الشبهه تحریمیه أم وجوبیه ومقتضی هذا العلم الإجمالی وجوب الاحتیاط فی تلک الموارد، ومن هنا لا یکون الاضطرار موجبا لسقوط العلم الإجمالی فی المقام وانحلاله؛ والاضطرار الذی یوجب سقوط العلم الإجمالی وانحلاله هو فیما إذا کان مورد غیر الاضطرار لم یکن العلم الإجمالی بالتکلیف موجودا کما إذا علم المکلف بحرمه شرب أحد الإناءین الإناء الشرقی والإناء الغربی والمکلف مضطر إلی شرب أحدهما فعند شرب أحدهما لا یکون هناک علم بالتکلیف فی الطرف الآخر، وحینئذ لا محاله یکون التکلیف فی الطرف الآخر مشکوکا بالشک البدوی. فلو قلنا بأن الاضطرار إلی غیر المعین یوجب الانحلال العلم الإجمالی فإنه إنما یوجب الانحلال فی مثل هذه الموارد بحیث لا یکون هنا علم بالتکلیف فی غیر موارد الاضطرار.

ص: 218

وإما فی المقام فالعلم بالتکلیف فی غیر موارد الاضطرار موجود فالمکلف یعلم إجمالا بثبوت أحکام إلزامیه من الوجوبات او التحریمات فی غیر موارد الاضطرار وهذا العلم الإجمالی یقتضی وجوب الاحتیاط فی تلک الموارد.

فلیس الاضطرار إلی بعض أطراف العلم الإجمالی فی المقام غیر المعین لا یوجب انحلال العلم الإجمالی فقط بل الاضطرار إلی المعین أیضا لا یوجب انحلال العلم الإجمالی فی سائر الأطراف باعتبار أنها کثیره والمکلف یعلم إجمالا بثبوت أحکام إلزامیه فیها.

دلیل الانسداد بحث الأصول

الموضوع: دلیل الانسداد

ذکر صاحب الکفایه(قده) أن الاضطرار إلی غیر المعین یوجب انحلال العلم الإجمالی وحیث أن المکلف مضطر إلی ترک الاحتیاط فی بعض أطراف العلم الإجمالی کما فی المشکوکات والموهومات فهذا الاضطرار یوجب انحلال العلم الإجمالی إلی علم تفصیلی برفع التکلیف عن موارد الاضطرار والشک البدوی فی موارد غیر الاضطرار فإذا فرضنا أن موارد ترک الاحتیاط من جهه رفع الاضطرار تنطبق علی الموهومات والمشکوکات فعندئذ ینحل العلم الإجمالی إلی علم تفصیلی برفع التکلیف فی المشکوکات والموهومات علی تقدیر ثبوته وشک بدوی فی المظنونات فعندئذ لا مانع من الرجوع إلی البراءه العقلیه فی المظنونات. ولازم ذلک عدم وجوب الاحتیاط علی المکلف فی حال انسداد باب العلم والعلمی من جهه ان الاضطرار یوجب انحلال العلم الإجمالی فیکون المکلف مطلق العنان یفعل ما یشاء ویترک ما یشاء وهو خلاف الضروره من الدین إذ لا شبهه فی تکلیف الإنسان بالأحکام المجعوله فی الشریعه المقدسه ولا طریق لنا إلی تلک الأحکام إلا الظن فیحکم العقل بحجیه الظن وانه منجز لتلک الأحکام علی تقدیر الإصابه ومعذر علی تقدیر الخطأ وهذا هو معنی حجیه الظن فی باب الانسداد.

والجواب عن ذلک بوجوه:

ص: 219

الوجه الأول: أن الاضطرار إلی غیر المعین لا یوجب انحلال العلم الإجمالی لا فی مرحله الاضطرار ولا فی مرحله التطبیق فإذا فرضنا ان المکلف یعلم إجمالا بحرمه شرب أحد الإناءین الإناء الشرقی والإناء الغربی وفرضنا اضطراره بسبب من الأسباب إلی شرب أحدهما لا علی التعیین فمثل هذا الاضطرار لا یعقل أن یکون رافعا للتکلیف لأن الاضطرار تعلق بغیر ما تعلق به التکلیف فالحرمه تعلقت بشرب الإناء الشرقی علی تقدیر ثبوت حرمته وتعلقت بشرب الإناء الغربی بعنوانه الخاص والاضطرار لم یتعلق لا بالإناء الشرقی بعنوانه الخاص ولا بالإناء الغربی بعنوانه الخاص وإنما تعلق بالجامع والمفروض ان الجامع لم یکن متعلقا للحرمه. فما تعلق به التکلیف لم یتعلق به الاضطرار وما تعلق به الاضطرار لم یتعلق به التکلیف فلا یعقل رفع هذا الاضطرار للتکلیف وموجبا لانحلال العلم الإجمالی بل هو باق علی حاله وهو منجز بینما الاضطرار علی المعین لیس کذلک لأنا إذا فرضنا فی نفس المثال أن المکلف اضطر إلی شرب الإناء الشرقی فقط فهذا الاضطرار یوجب انحلال العلم الإجمالی فالحرمه إذا کانت متعلقه بشرب الإناء الشرقی فهی ترتفع بالاضطرار واقعا بمقتضی (( رفع ما اضطروا إلیه)) فإنه ظاهر فی رفع الاضطرار للتکلیف عما تعلق به ومن هنا ینحل العلم الإجمالی إلی علم تفصیلی بانعدام التکلیف فی الإناء الشرقی وشک بدوی فی الإناء الغربی ولا مانع من الرجوع إلی البراءه العقلیه او الشرعیه فیه وهذا هو الفارق بین الاضطرار إلی المعین وبین الاضطرار إلی غیر المعین فإن الاضطرار إلی المعین تعلق بنفس ما تعلق به التکلیف وحینئذ یکون رافعا للتکلیف واقعا فینحل العلم الإجمالی واقعا بانعدام التکلیف فی المضطر إلیه علی تقدیر کونه متعلقا للتکلیف والشک البدوی بالنسبه إلی الطرف الآخر فیجری الأصل المؤمن فی الطرف المشکوک.

ص: 220

فما ذکره صاحب الکفایه من انحلال العلم الإجمالی بالاضطرار إلی غیر المعین لا یمکن المساعده علیه.

واما فی مرحله التطبیق: فإن المکلف لا یتمکن من الموافقه القطعیه العملیه ولا من المخالفه القطعیه العملیه إذا کان الاضطرار إلی غیر المعین لفرض ترخیصه فی تطبیق المضطر إلیه علی أی طرف من أطراف العلم الإجمالی شاء، ففی المثال یکون المکلف مخیر فی تطبیق المضطر إلیه علی أی واحد من الإناءین فإذا اختار الإناء الشرقی فیجوز له شربه وکذا لو اختار الإناء الغربی ولکن هذا التطبیق لا یرفع الحرمه غایه الأمر أنه علی تقدیر مصادفته للحرمه الواقعیه فإنه یعذر المکلف من جهه الاضطرار.

وعلی هذا لا یکون الاضطرار إلی غیر المعین رافعا للحکم لا فی مرحله الاضطرار ولا فی مرحله التطبیق.

فمن هنا إذا طبق المکلف المضطر إلیه علی أحد الإناءین وارتکب ذلک الإناء فلا یجوز له ارتکاب الإناء الثانی بل یجب علیه الاجتناب عنه لأن العلم الإجمالی منجز وهو باق ولا یرتفع هذا العلم الإجمالی بهذا الاضطرار وبتطبیقه علی أحد طرفیه.

هذا ما یرد علی صاحب الکفایه(قده).

وللمحقق العراقی (1) (قده) کلام وحاصله:

إن الاضطرار إلی غیر المعین ابتداءً یرجع فی نهایه المطاف إلی الاضطرار إلی المعین، فاضطرار المکلف إلی ترک الاحتیاط فی بعض أطراف العلم الإجمالی من جهه لزوم العسر والحرج فهذا الاضطرار فی نهایه المطاف یرجع إلی الاضطرار إلی المعین. وعلل ذلک بأن أطراف هذا العلم الإجمالی مختلفه ومتفاوته فإن فئه من أطراف هذا العلم الإجمالی مظنونه وفئه ثانیه مشکوکه وفئه ثالثه موهومه وعلی هذا یدور الأمر بین تطبیق المضطر إلیه علی الفئه المظنونه او تطبیقه علی الفئه الموهومه مع المشکوکه او بدونها، ولا شبهه فی تعین تطبیق الاحتیاط وهو المضطر إلیه علی الموهومات دون المظنونات وإلا لزم ترجیح المرجوح علی الراجح وهو لا یمکن فالعقل یحکم بوجوب العمل بالفئه المظنونه وترک الاحتیاط فی الفئه الموهومه مع المشکوکه او بدونها من جهه انه ترجیح من غیر مرجح.

ص: 221


1- نهایه الافکار، تقریر بحث المحقق العراقی للشیخ البروجردی، ج3، ص155.

والجواب عن هذه المحاوله: أن هذا منه(قده) غریب جدا فإن الخروج عن عهده التکلیف المعلوم بالإجمال من خلال العمل بالظن وترک الاحتیاط فی الفئه الموهومه مع الفئه المشکوکه او بدونها معلول لتنجیز العلم الإجمالی وفی طوله مع أن الاضطرار یوجب اسقاط العلم الإجمالی وانحلاله فکیف یکون وجوب العمل بالظن والخروج عن عهده التکلیف المعلوم بالإجمال مستند إلی تنجیز العلم الإجمالی لا أنه مسقط للعلم الإجمالی وموجب لانحلاله. وبیانه(قده) واضح فی أن العلم الإجمالی باق وهو منجز للعمل بالمظنونات فلا بد للخروج عن عهده التکلیف المعلوم بالإجمال من خلال العمل بالظن لا بالوهم والشک وهذا معناه أن العلم الإجمالی منجز وغیر ثابت، وهذا تهافت فی کلامه(قده) وغریب أن یصدر مثل ذلک من مثله(قده).

وبکلمه أن الاضطرار إلی غیر المعین یرجع إلی الاضطرار إلی المعین وهذا معناه انطباق المضطر إلیه - وهو ترک الاحتیاط - علی الموهومات مع المشکوکات او بدونها وحینئذ یوجب انحلال العلم الإجمالی إلی علم تفصیلی برفع التکلیف فی الموهومات مع المشکوکات والشک البدوی فی بقاء التکلیف فی المظنونات فعندئذ لا مانع من الرجوع إلی البراءه العقلیه فی المظنونات.

ومن حق المحقق العراقی أن یقول بان الاضطرار یوجب انحلال هذا العلم الإجمالی ویوجب رفع التکلیف عن موارد الاضطرار والشک البدوی فی موارد غیر الاضطرار فینحل العلم الإجمالی إلی علم تفصیلی برفع التکلیف فی موارد الاضطرار وشک بدوی فی موارد غیر الاضطرار.

إلا أن هذا البیان فی المقام أیضا غیر صحیح ؛ لأن موارد الظن موارد کثیره ویوجد لدینا علم إجمالی بثبوت احکام إلزامیه فی موارد الظن غایه الأمر بان هذا الاضطرار - علی القول بانه یوجب انحلال العلم الإجمالی - یوجب انحلال العلم الإجمالی الکبیر- الذی تکون أطرافه جمیع الشبهات من المظنونات والمشکوکات الموهومات - إلی علم تفصیلی برفع التکلیف فی موارد الاضطرار وإلی علم إجمالی فی موارد آخر فی موارد المظنونات لأن المکلف یعلم بثبوت أحکام إلزامیه فیها.

ص: 222

وعلیه: لا ینحل هذا العلم الإجمالی إلی علم تفصیلی وشک بدوی بل ینحل إلی علم تفصیلی وعلم إجمالی آخر تکون دائرته أضیق من دائره العلم الإجمالی الأول.

دلیل الانسداد بحث الأصول

الموضوع: دلیل الانسداد

إلی هنا قد تبین أن ما ذکره المحقق العراقی(قده) من أن الاضطرار إلی غیر المعین فی المقام یرجع فی نهایه المطاف إلی الاضطرار إلی المعین فیوجب انحلال العلم الإجمالی مبنی علی الخلط والاشتباه فإنه علل ذلک بالتبعیض فی الاحتیاط وتطبیق ترک الاحتیاط علی الفئه الموهومه والمشکوکه لدفع الاضطرار ووجوب الاحتیاط فی الفئه المظنونه وهذا معناه تنجیز العلم الإجمالی فإنه معلول لتنجیز العلم الإجمالی وفی طوله لا أنه معلول لانحلال العلم الإجمالی فإن العلم الإجمالی إذا انحل فلا یجب الاحتیاط فی المظنونات بل المرجع فی المظنونات أصاله البراءه العقلیه باعتبار انحلال العلم الإجمالی إلی علم تفصیلی برفع التکلیف فی موارد الاضطرار والشک البدوی فی موارد غیر الاضطرار.

فإذاً لیس فی نفس الإنسان إلا الشک البدوی والعلم التفصیلی واما العلم الإجمالی فهو غیر موجود هذا هو معنی الانحلال ، ولهذا وقع فی کلامه(قده) اشتباه فتعلیل الانحلال بتبعیض الاحتیاط مبنی علی الاشتباه.

فما ذکره(قده) غیر تام.

الوجه الثانی: - من الإشکال علی التفسیر الأول للحکومه – فمع الإغماض عما ذکرناه وتسلیم أن الاضطرار إلی غیر المعین کالاضطرار إلی المعین ویوجب انحلال العلم الإجمالی غایه الأمر أن الاضطرار إذا کان إلی المعین یوجب انحلال العلم الإجمالی فی مرحله الجعل إذ الاضطرار بنفسه رافع للحکم المجعول فی الشریعه المقدسه وهذا یعنی أنه مانع عن جعله فی الواقع باعتبار أن الحکم الضرری والحرجی غیر مجعول فی الشریعه المقدسه وأما إذا کان الاضطرار إلی غیر المعین فهو لا یوجب ارتفاع الحکم الواقعی فی مرحله الجعل ولا یوجب انحلال العلم الإجمالی فی مرحله الجعل بل یوجب انحلاله فی مرحله التطبیق فإنه مرخص واقعا فی تطبیق المضطر إلیه علی أی إناء، ومن الواضح أن الترخیص الواقعی لا یجتمع مع الحرمه فإذا طبق المضطر إلیه علی الإناء الشرقی فبطبیعه الحال ترتفع حرمته لو کان شربه فی الواقع حراما، لأن الترخیص لا یجتمع مع حرمه شیء.

ص: 223

والجواب عنه ذلک:

أولاً: ما تقدم من أن الاضطرار إلی غیر المعین لا یوجب انحلال العلم الإجمالی لا فی مرحله الجعل ولا فی مرحله التطبیق:

أما فی مرحله الجعل: فهو واضح لأن متعلق الاضطرار غیر متعلق التکلیف فالتکلیف تعلق بالفرد بحده الفردی والاضطرار تعلق بالجامع بحده الجامعی فمتعلق أحدهما غیر متعلق الآخر، فلا یعقل ان یکون الاضطرار رافعا للتکلیف.

وأما فی مرحله التطبیق: فما ذکر فی هذا الوجه مبنی علی الخلط فإن المکلف مرخص فی تطبیق المضطر إلیه علی أی من الإناءین لا أنه مرخص فی شرب الإناء الشرقی مثلا حتی یقال: إن الترخیص لا یجتمع مع الحرمه، بل الحرمه باقیه علی حالها فإذا طبق المکلف الاضطرار علی الإناء الشرقی وکان شربه فی الواقع حراما فیکون قد ارتکب الحرام غایه الأمر انه معذور ولا یعاقب ولهذا العلم الإجمالی باق علی حاله ویجب علیه الاجتناب عن الإناء الآخر وهو الإناء الغربی ولا یجوز له الرجوع إلی البراءه العقلیه.

ثانیاً: أن الاضطرار إلی غیر المعین إنما یوجب انحلال العلم الإجمالی إذا لم تکن دائره المعلوم بالإجمال أوسع من دائره المضطر إلیه وأما إذا کانت دائره المعلوم بالإجمال أوسع من دائره المضطر إلیه فلا یکون هذا الاضطرار موجبا لانحلال العلم الإجمالی بل الاضطرار إلی المعین أیضا کذلک کما إذا فرضنا ان المکلف یعلم إجمالا بحرمه شرب إناءین من مجموع ثلاث آنیه وفرضنا اضطراره إلی شرب أحدهما إما المعین او غیر المعین فمثل هذا الاضطرار لا یوجب انحلال العلم الإجمالی فإذا ارتکب شرب أحدهما فالعلم الإجمالی بحرمه شرب أحد هذه الآنیه باق علی حاله.

والحاصل: أن الاضطرار سواء کان إلی المعین او کان إلی غیر المعین إنما یوجب انحلال العلم الإجمالی إذا لم تکن دائره المعلوم بالإجمال اوسع من دائره المضطر إلیه واحتمال انطباقه علی المضطر الیه فعندئذ یوجب الانحلال واما إذا کانت دائره المعلوم بالإجمال أوسع من دائره المضطر إلیه فلا یوجب انحلال العلم الإجمالی.

ص: 224

وثالثاً: مع الإغماض عن ذلک أیضا وفرض ان الاضطرار إلی غیر المعین یوجب انحلال العلم الإجمالی ولکن یوجب انحلال العلم الإجمالی بین المظنونات والمشکوکات والموهومات فإنه مع اضطراره إلی ارتکاب بعض هذه الشبهات وفرضنا ان المکلف طبق ترک الاحتیاط علی الموهومات والمشکوکات انحل العلم الإجمالی إلی علم تفصیلی بنفی التکلیف فی موارد الاضطرار وشک بدوی فی ثبوت التکلیف فی موارد غیر الاضطرار کالمظنونات.

ولکن هنا علم إجمالی آخر وهو علم إجمالی بین المظنونات فقط فإنه لا شبهه فی أن المکلف یعلم إجمالا أن بعض الظنون الموجوده فی بعض المسائل الفقهیه فی جمیع أبواب الفقه مطابق للواقع ومقتضی هذا العلم الإجمالی هو الاحتیاط.

والنتیجه ان هذا الوجه أیضا غیر تام.

الوجه الثالث: ما ذکره صاحب الکفایه (1) (قده) من أنه إذا تمت مقدمات الانسداد تکون النتیجه هی الکشف فمع فرض انسداد باب العلم والعلمی فی الأحکام الشرعیه ولا طریق لنا إلی الأحکام الشرعیه والاحتیاط غیر واجب لانحلال العلم الإجمالی بالاضطرار ولا شبهه فی أن الإنسان العاقل والواعی مکلف بالدین إذ لیس حاله کحال المجنون والبهائم جزما.

فهذه المقدمات الثلاث:

1. انسداد باب العلم والعلمی بالأحکام الشرعیه.

2. الاضطرار یوجب انحلال العلم الإجمالی فلا یجب الاحتیاط.

3. وعدم سقوط التکلیف الواقعی عن المکلف.

تکشف عن أن الشارع جعل الظن حجه لا انها تکشف عن ان العقل یحکم بحجیه الظن إذ لیس الجعل من شأن العقل لأن شأنه إدراک الأشیاء والجعل بید الشارع سواء کان حکما تکلیفیا أم کان وضعیا، ولذا کان معنی حکم العقل بالحسن والقبح إدراکه حسن شیء أو قبحه وإلا لیس للعقل جعل وحکم.

وعلی هذا فتمامیه هذه المقدمات تکشف عن جعل الشارع الظن حجه شرعا وأنه منجز للواقع عند الإصابه ومعذر عند الخطأ لا أن العقل جعل الحجیه للظن.

ص: 225


1- کفایه الاصول، المحقق الخراسانی، ص312.

ولکن ما ذکره(قده) لیس الأمر فیه کذلک.

هذا کله فی التفسیر الأول للحکومه وهو ان العقل یحکم بحجیه الظن.

واما التفسیر الثانی: وهو ان حال الظن فی باب الانسداد کحال القطع فی باب الانفتاح وقد اختار هذا التفسیر المحقق الخراسانی (1) (قده) أی کما ان حجیه القطع فی باب الانفتاح ذاتیه وغیر قابله للجعل کذلک حجیه الظن فی باب الانسداد.

دلیل الانسداد بحث الأصول

الموضوع: دلیل الانسداد

واما التفسیر الثانی للحکومه: وهو أن حال الظن فی باب الانسداد کحال القطع فی باب الانفتاح أی کما ان حجیه القطع فی حال الانفتاح ذاتیه وغیر قابله للجعل ولا لنفیها عن القطع فلا یمکن سلب الحجیه عن القطع کذلک الظن فی حال الانسداد فعند تمامیه مقدمات الانسداد جمیعا یکون حال الظن حال القطع وتکون حجیته ذاتیه وغیر قابله للجعل ولا للنفی، غایه الأمر أن حجیه الظن من لوازم وجوده فی حال الانسداد أی حصه خاصه من وجوده وهو وجوده فی حال انسداد باب العلم والعلمی وعدم وجوب الاحتیاط، ولیس من لوازم ماهیته بینما حجیه القطع من لوازم ماهیه القطع بلا فرق بین حاله دون حاله أخری أی بلا فرق بین حاله الانسداد وبین حاله الانفتاح بینما حجیه الظن لیست کذلک فإنها ذاتیه للظن فی حال الانسداد فقط واما فی حال الانفتاح فلا یکون الظن حجه.

وقد اشکل علی ذلک المحقق النائینی (2) (قده):

أولاً: حیث إنه فسر حجیه القطع وحجیه الظن بالطریقیه لأن مسلکه فی معنی الحجیه هو الطریقیه والکاشفیه، وعلی هذا فطریقیه القطع وکاشفیته ذاتیه بل الطریقیه نفس القطع ولیست من لوازم القطع لأن الطریقیه عباره عن الجنس والفصل المقوم للقطع ومن ذاتیات القطع فإن العلم هو الطریقیه والقطع نفس الطریقیه وهی ثابته للقطع فی تمام الحالات بینما طریقیه الظن لیست ذاتیه له فی تمام الحالات فلو کانت طریقیه الظن ذاتیه فی حاله فهی ذاتیه فی جمیع الحالات إذ لا یمکن التفکیک بین الشیء وبین ذاتیاته لأن الجنس والفصل مقوم للنوع، ومع عدم وجود الجنس والفصل لا نوع فی البین فطریقیه الظن لو کانت ذاتیه فی باب الانسداد فلا بد ان تکون کذلک مطلقا إذ الذاتی لا یمکن ان یتصور فی حاله دون اخری بلا فرق فی ذلک بین ان تکون الذاتیات من ذاتیات باب الکلیات أو ذاتیات باب البرهان.

ص: 226


1- کفایه الاصول، المحقق الخراسانی، ص316
2- اجود التقریرات، تقریر بحث المحقق النائینی للسید الخوئی، ج2، ص135.

وعلی هذا فکیف یمکن ان تکون حجیه الظن ذاتیه للظن فی باب الانسداد ولا تکون ذاتیه له فی باب الانفتاح.

وثانیاً: إن الظن - مع غض النظر عن تمامیه مقدمات دلیل الانسداد ومنها العلم الإجمالی بالأحکام الشرعیه الموجب لتنجزها – لا یکون حجه ولا بیانا ولا رافعا لموضوع قاعده قبح العقاب بلا بیان کالقطع فإنه رافع لموضوع هذه القاعده وفرض حجیته علی تقدیر تمامیه مقدمات دلیل الانسداد لا یمکن إلا بالجعل والمفروض أن العقل لا یمکن أن یکون جاعلا ومشرعا فإن الجاعل والمشرع هو الشارع والمولی وشأن العقل الإدراک لا الجعل والتشریع فلیس للعقل جعل الحجیه للظن فی باب الانسداد.

هذا ما ذکره المحقق النائینی(قده).

والظاهر: أن هذا التفسیر لیس مراد المحقق الخراسانی(قده) حیث إنه ذکر أن الظن فی حال الانسداد کالقطع فی حال الانفتاح وأن حجیته ذاتیه والمراد من الحجیه هی ما کانت بمعنی المنجزیه والمعذریه فکما ان منجزیه القطع ذاتیه أی ذاتی باب البرهان لأن الحجیه أمر زائد علی ذات الشیء ولا یعقل أن تکون جنسا وفصلا له فهی من لوازم باب البرهان ولا تنفک عن القطع فمتی حصل القطع فهو منجز ومعذر. والظن فی حال الانسداد کذلک لأن صاحب الکفایه(قده) قد خص منجزیه الظن ومعذریته الذاتیه فی باب الانسداد فقط لا مطلقا.

ولکنه أیضا غیر تام کما سنبینه فی ضمن البحوث الاتیه.

واما التفسیر الثالث للحکومه: فقد اختاره السید الاستاذ (1) (قده) وهو أن معنی الحکومه هو حکم العقل بالتبعیض فی الاحتیاط وذلک لأن الحاکم فی باب الطاعه والامتثال هو العقل والمفروض انه لیس بجاعل حتی یجعل الحجیه للظن فی باب الانسداد إذ التشریع بید الشارع ولیس للعقل شأن إلا الإدراک فجعل الحکم إذاً لیس من شأن العقل، فلا یمکن أن یحکم العقل بحجیه الظن فی باب الانسداد وحینئذ لا مناص من القول بالتبعیض فی الاحتیاط لتفاوت أطراف العلم الإجمالی من جهه ان بعض أطراف الحکم المحتمل مظنون والبعض الآخر مشکوک والبعض الآخر موهوم وحینئذ یدور الأمر فی المقام بین الامتثال الظنی والامتثال الوهمی والامتثال الشکی باعتبار عدم التمکن من الاحتیاط التام لاستلزماه العسر والحرج او اختلال النظام وهذا معناه لا بدیه التبعیض فی الاحتیاط أی یدور الأمر بین الامتثال الظنی وترک الامتثال الشکی والوهمی وبین العکس، ومن الواضح ان العکس غیر جائز لأنه من ترجیح المرجوح علی الراجح والامتثال الظنی فی باب الطاعه مقدم علی الامتثال الشکی والوهمی کتقدم الامتثال العلمی علی الامتثال الظنی بحکم العقل وهذا هو معنی حکم العقل بلزوم العمل بالظن علی القول بالحکومه، لأن العقل لیس بجاعل حتی یجعل الحجیه للظن فعلی القول بالحکومه یکون تقدیم الامتثال الظنی علی الامتثال الشکی والوهمی من باب ترجیح الراجح علی المرجوح، واما العکس فلا یجوز لأن ترجیح المرجوح علی الراجح قبیح.

ص: 227


1- مصباح الاصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الواعظ، ج2، ص220.

وعلی هذا یکون معنی الحکومه هو التبعیض فی الاحتیاط ولیس جعل العقل الحجیه للظن.

هذا ما ذکره السید الاستاذ(قده).

دلیل الانسداد بحث الأصول

الموضوع: دلیل الانسداد

إلی هنا قد تبین أن ما ذکره السید الاستاذ(قده) من أن معنی الحکومه فی المسأله هی حکم العقل بالتبعیض فی الاحتیاط وأن الحاکم فی باب الامتثال والإطاعه هو العقل فالعقل یحکم بتقدیم الامتثال الظنی علی الامتثال الشکی والوهمی، وذلک حیث یتعذر الاحتیاط التام أو لعدم وجوبه لاستلزامه العسر والحرج فیدور الأمر بین الاحتیاط فی المظنونات وترک الاحتیاط فی الموهومات والمشکوکات أو بالعکس وحیث أن العکس ترجیح للمرجوح علی الراجح وهو قبیح لدی العقل فمن أجل ذلک یستقل العقل بتقدیم الامتثال الظنی علی الامتثال الشکی والوهمی.

هکذا ذکره السید الاستاذ(قده).

وللمناقشه فیه مجال: فإن الظن إذا لم یکن معتبرا شرعا فلا یصلح أن یکون مرجحا لا شرعا کما هو واضح ولا عقلا فإن حکم العقل بشیء لا یمکن أن یکون جزافا وحکما تعبدیا فالعقل لا یحکم بشیء بدون ان یحرز ملاک حکمه فالتعبد فی الحکم العقلی غیر معقول وإنما هو متعقل فی الحکم الکائن بین الموالی والعبید وأما فی حکم العقل والسیره العقلائیه فالتعبد غیر متصور.

وعلیه فما هو ملاک حکم العقل فی المقام؟

أما العلم الإجمالی فتنجیزه بالنسبه إلی جمیع أطرافه علی حد سواء بلا فرق بین الطرف الذی یکون الحکم فیه مظنونا أو مشکوکا أو موهوما، والعقاب والإدانه إنما هو علی مخالفه التکلیف المحتمل لا علی مخالفه الواقع، فإذا خالف التکلیف المحتمل استحق العقاب إما فی صوره المطابقه فواضح واما فی صوره عدم المطابقه فلأنه تجرٍ علی المولی وتعدٍ علیه ومن أظهر مصادیق الظلم وهو تفویت لحق المولی ومن هنا قلنا فی باب التجری أن الإدانه والعقوبه إنما هی علی التجری لا علی ترک الواقع ومخالفته.

ص: 228

وعلی هذا فأقوائیه الظن فی الکشف عن الواقع لا أثر له ولا یصلح أن یکون ملاکا لحکم العقل بتقدیم الظن علی الشک والوهم لأن وجود الواقع وعدمه سیان إذ المناط فی العقوبه إنما هو علی احتمال التکلیف المنجز کان مخالفا للواقع أم لا، فأقوائیه کشف الظن عن الواقع لا أثر لها.

وعلی هذا فلا ملاک لحکم العقل بتقدیم الامتثال الظنی علی الامتثال الوهمی والشکی.

فما ذکره السید الاستاذ(قده) لا یمکن المساعده علیه.

هذا کله علی القول بالحکومه فی دلیل الانسداد وأن تمامیه مقدمات الانسداد نتیجتها الحکومه علی التفسیرات الثلاث التی تقدم الکلام فی عدم تمامیه شیء منها.

واما علی القول بالکشف: وان تمامیه مقدمات الانسداد نتیجتها الکشف عن حجیه الظن وان الشارع قد جعل الظن حجه بعد أن لا یمکن القول بحجیه فتوی الفقیه او القرعه فلا محاله تمامیه مقدمات الانسداد تکشف عن ان الظن حجه شرعا ولا بد من العمل به والافتاء علی طبقه.

وقد ذکر السید الاستاذ(قده) (1) أن القول بالکشف مبنی علی تقریر المقدمه الثالثه بصیغه خاصه: أی أن المقدمه الثالثه ان قررت بصیغه تکون نتیجتها الکشف وإن قررت بصیغه أخری تکون نتیجتها الحکومه، ذلک ان المقدمه الثالثه وهی عدم وجوب الاحتیاط التام إما لأعدم إمکانه لاستلزامه اختلال النظام وإما لعدم جوبه من جهه استلزامه العسر والحرج فإن قررناها بان الشارع لا یرضی بالامتثال الإجمالی فی معظم الأحکام الفقهیه من بدایه الفقه إلی نهایته ولا یرضی فی الاحتیاط فی معظم الأحکام الفقهیه، فعندئذ تکون النتیجه هی الکشف لأن باب العلم والعلمی منسد علی المکلف والشارع لا یرضی بالاحتیاط فی معظم الأحکام الفقهیه ولا یرضی بالامتثال الإجمالی وأصاله البراءه العقلیه لا تجری لاستلزامها المخالفه القطعیه العملیه ولا یسقط التکلیف عن المکلف إذ لیس مثله مثل البهائم والمجانین، فهو إذاً مکلف بالواقع وحیث إن التکلیف بغیر المقدور غیر ممکن ولا طریق لنا إلی هذه الأحکام إلا الظن فلا محاله تکشف هذه المقدمات عن جعل الشارع الظن حجه وطریقا إلی الواقع.

ص: 229


1- مصباح الاصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الواعظ، ج2، ص221.

وأما إذا قررنا المقدمه الثالثه بأن الاحتیاط التام لا یمکن لاستلزامه الخلل أو لا یجب لاستلزمه العسر والحرج فلا بد من التبعیض فی الاحتیاط ولا بد من حکم العقل بترجیح الامتثال الظنی علی الامتثال الشکی والوهمی لأن العکس لا یمکن. فالحاکم هو العقل دون الشارع.

والحاصل ان نتیجه مقدمات الانسداد تختلف باختلاف تقریر هذه المقدمه.

ولکن الصحیح فی المقام ان یقال: إن تقریر هذه المقدمه بأن الشارع لا یرضی بالامتثال الإجمالی فی معظم الأحکام الفقهیه وبالاحتیاط فی معظم المسائل الشرعیه غیر صحیح؛ ودعوی الاجماع من الفقهاء علی ذلک غیر صحیحه. أما الاجماع فلا وجود له مضافا إلی أن المسأله مسأله مستحدثه بین المتأخرین فکیف یمکن دعوی الاجماع فیها والمدعی للإجماع غیر موجود إلا أن یدعی الإجماع علی اعتبار قصد الوجه والجزم بالنیه فی العبادات مضافا إلی قصد القربه.

ولکن یرد علیه:

أولاً: أنه لا دلیل علی اعتبار قصد الوجه فی العبادات أصلا بل المشهور بین الأصحاب عدم اعتباره والمعتبر إنما هو قصد القربه، بل الدلیل علی عدم اعتباره موجود وهو انه لا شبهه فی حسن الاحتیاط بین جمیع الفقهاء من المتقدمین والمتأخرین بل هو أرقی مراتب العبودیه لأنه أرقی مراتب الانقیاد للمولی فلو کان قصد الوجه والجزم فی النیه معتبرا لم یمکن الاحتیاط لأن لازم ذلک عدم مشروعیه الاحتیاط مع أنه لا شبهه فی حسنه.

ودعوی ان سکوت الفقهاء من المتقدمین والمتأخرین قولا وعملا عن مشروعیه الاحتیاط فی معظم الأحکام الفقهیه کاشف عن عدم اعتباره أما قولا فلعدم افتائهم بالاحتیاط فی معظم الأحکام الفقهیه والمسائل الشرعیه واما عملا فهم لا یعملون بالاحتیاط هذه الدعوی مدفوعه بل لا ترجع إلی معنی محصل.

أولاً: أن سکوت الفقهاء عن الاحتیاط فی معظم الأحکام الفقهیه لا یکشف عن عدم مشروعیته بل سکوت الإمام عن شیء لا یکشف عن عدم مشروعیته فضلا عن الفقهاء.

ص: 230

وثانیاً: أن المسأله مستحدثه بین المتأخرین فکیف یصدق سکوت الفقهاء علیها مع ان المتقدمین لا توجد بینهم مثل هذه المسأله.

وثالثاً: أنه یمکن أن یبرر عدم صدور الفتوی منهم فی الاحتیاط فی المعظم باعتبار انهم یرون انفتاح باب العلمی لا من جهه ان الاحتیاط غیر مشروع.

والنتیجه ان هذه الدعوی لا ترجع إلی معنی محصل.

دلیل الانسداد بحث الأصول

الموضوع: دلیل الانسداد

إلی هنا قد تبین أن دعوی إمکان تقریر المقدمه الثالثه بأن الاحتیاط فی معظم الأحکام الشرعیه غیر مشروع وأن الشارع لا یرضی بذلک هذه الدعوی لا أساس لها ولا إجماع فی البین ولا من یدعی الاجماع ولا شبهه فی أن الاحتیاط حسن وأنه من أرقی مراتب العبودیه لأنه انقیاد وهو أرقی مراتب العبودیه فلا فرق بین الاحتیاط فی معظم الأحکام الفقهیه أو الاحتیاط فی بعضها فحسن الاحتیاط امر ذاتی ولیس أمرا عرضیا، فلا مجال لدعوی عدم مشروعیه الاحتیاط فی معظم الأحکام الفقهیه.

واما سکوت الفقهاء عن الاحتیاط فی معظم الأحکام الفقهیه فمن جهه أنهم یرون انفتاح باب العلم والعلمی فمن أجل ذلک لا موضوع للاحتیاط، هذا مضافا إلی أن سکوتهم لا یکشف عن عدم مشروعیه الاحتیاط.

ولکن قد یقال کما قیل: إن سیره المتشرعه جاریه علی عدم الاحتیاط فی معظم الأحکام الفقهیه وهذه السیره کاشفه عن أن الشارع لا یرضی بهذا الاحتیاط.

والجواب عن ذلک واضح: وهو عدم التسلیم بوجود مثل هکذا سیره بین المتشرعه، بل علی تقدیر وجودها فإنما تکون حجه فیما إذا کانت متصله بزمن الأئمه(ع) ولم تکن مستحدثه بین المتشرعه، ومن الواضح انه لا طریق لنا إلی إحراز اتصال هذه السیره بزمنهم(ع).

هذا من جانب..

ومن جانب آخر قد یقال کما قیل: إنا لو سلمنا أن تقریر المقدمه الثالثه بعدم مشروعیه الاحتیاط فی معظم الأحکام الفقهیه وعدم رضا الشارع بهذا الاحتیاط ولکن مع ذلک لا تکون نتیجه مقدمات الانسداد الکشف، بل نتیجتها التبعیض فی الاحتیاط وتقدیم الامتثال الظنی علی الامتثال الشکی والوهمی، بتقریب قائم علی مجموعه مقدمات وهی:

ص: 231

1. انسداد باب العلم والعلمی فی معظم الأحکام الفقهیه.

2. عدم رضا الشارع بالاحتیاط فی معظم الأحکام الفقهیه فهو غیر مشروع.

3. وعدم جریان أصاله البراءه العقلیه فی أطراف العلم الإجمالی لاستلزام جریانها المخالفه القطعیه العملیه أو الخروج من الدین.

4. والتکلیف الواقعی غیر ساقط عن الإنسان العقال الواعی لأنه لیس کالمجانین والبهائم.

5. لا طریق لنا إلی الأحکام الواقعیه الالزامیه غیر احتمال التکلیف وهو احتمال منجز طالما لم یکن هناک أصل مؤمن کما فی الشبهات الحکمیه قبل الفحص باعتبار أن الأصول المؤمنه لا تجری فیها. وفی المقام أیضا کذلک لعدم جریان الأصول المؤمنه کالبراءه العقلیه فیکون احتمال التکلیف الالزامی منجز.

وهذا الاحتمال ذات مراتب متعدده فإن بعضه واصل إلی درجه الظن وبعضه إلی درجه الشک وبعضه إلی درجه الوهم. فهذه الاحتمالات تنقسم علی ثلاث أقسام: قسم منها مظنون وقسم منها مشکوک وقسم منها موهوم، والعقل بما انه لیس بجاعل ومشرع ولیس له جعل الحجیه للظن إذ المشرع هو الشارع ولیس للعقل إلا إدراک الواقع لکن بما أن الحاکم فی باب الامتثال هو العقل فإن العقل العملی یدرک حسن الامتثال لأوامر المولی وإطاعته وقبح التمرد علیه وعصیانه.

وحینئذ یدور الأمر فی المقام بین الامتثال الظنی والامتثال الشکی والوهمی فإن کان العسر والحرج مدفوع بترک الامتثال فی الموهومات فیقتصر علیه ویحتاط فی المظنونات والمشکوکات وأما إذا لم یکف ترک الاحتیاط فی الموهومات لدفع العسر والحرج فلا بد من ضم المشکوکات إلیه ایضا فعندئذ یحکم العقل بتقدیم الامتثال الظنی علی الامتثال الشکی والوهمی بترک الاحتیاط فی المشکوکات والموهومات والعمل بالمظنونات، ولا فرق فی ذلک بین أن یکون منشأ هذا الاحتیاط العلم الإجمالی أو یکون منشؤه الاحتمال.

ص: 232

ولکن هذا القیل غیر صحیح؛ لأن احتمال التکلیف لیس هو المنشأ وإنما المنشأ هو العلم الإجمالی إذ کل مؤمن برساله النبی الأکرم(ص) هو مؤمن التزاما بمجموعه من الأحکام الالزامیه المشتمله علیها الرساله، وهذا التکلیف لا یسقط بحال من الأحوال وإن کان باب العلم والعملی تفصیلا منسد بها ولکن باب العلم الإجمالی مفتوح، هذا مضافا إلی ما ذکرناه من ان الظن إذا لم یکن حجه شرعا فلا یصلح لأن یکون مرجحا لا شرعا ولا عقلا إذ حکم العقل بالترجیح لا یمکن أن یکون جزافا وبلا ملاک ولا ملاک لترجح الظن علی الشک والوهم لأنم الحکم المحتمل منجز سواء کان احتماله بدرجه الظن أو کان بدرجه الشک والوهم فهو منجز والمکلف معاقب علی مخالفته جمیعا بلا فرق بین أن یکون الحکم المحتمل مظنونا او مشکوکا او موهوما لأن مخالفته تعدٍ علی المولی وتمرد علیه وتفویت لحقه وهو حق الطاعه وهو من اظهر مصادیق الظلم لأن تفویت حق کل احد ظلم وتفویت من له حق ذاتی فی الطاعه من اظهر مصادیق الظلم.

فإذاً لیس هنا نکته لتکون مرجحه لحکم العقل بتقدیم الظن علی الشک الوهم.

إلی هنا قد تبین اننا لو سلمنا بتقریر المقدمه الثالثه بما تکون نتیجته الکشف عن جعل الشارع الظن حجه وطریق إلی الواقع. ولکن إذا قلنا بحسن الاحتیاط وإن کان فی معظم الأحکام الفقهیه لا تکون النتیجه حجیه الظن عقلا إذ لا یعقل أن یکون العقل جاعلا للحجیه فلیس شأنه الجعل والتشریع نعم یحکم العقل بالاحتیاط ولکن حیث لا یمکن الاحتیاط التام فلا محاله یحکم بالتبعیض فی الاحتیاط إما مطلقا أو بتقدیم الاحتیاط فی المظنونات علی الاحتیاط فی المشککات والموهومات کما هو المعروف والمشهور.

ص: 233

هذا تمام کلامنا فی ان نتیجه مقدمات الانسداد هل هی الکشف او الحکومه لا بمعنی جعل الحجیه من قبل العقل.

دلیل الانسداد بحث الأصول

الموضوع: دلیل الانسداد

أما الکلام فی الجهه الثالثه: فیقع فی أن نتیجه مقدمات الانسداد بعد تمامیه هذه المقدمات هل هی مطلقه او مهمله او فیها تفصیل؟

والجواب عن ذلک: أن الإطلاق والإهمال تاره ملحوظان بالنسبه إلی أسباب حصول الظن واخری ملحوظان بالنسبه إلی مراتب الظن وثالثه ملحوظان بالنسبه إلی الموارد، وعلی جمیع التقادیر فتاره یقع الکلام علی القول بالکشف وان نتیجه هذه المقدمات هی الکشف وأخری یقع الکلام علی القول بالحکومه.

أما علی القول بالکشف: فقد ذکر السید الاستاذ (قده) انه لا إهمال من حیث الأسباب فإن الظن إذا حصل من أی سبب کان فهو صالح لأن یکون حجه شرعا سواء کان حاصلا من الاجماعات المنقوله او من روایات الثقات أو من غیرهم أو من الشهرات الفتوائیه او من حسن الظن بجماعه من الفقهاء أو ما شاکل ذلک فهذا الظن یکون حجه شرعا، لأن هذه المقدمات علی تقدیر تمامیتها تکشف عن حجیه الظن من أی سبب حصل هذا الظن، لأن العقل یعین ان موضوع الحجیه هو الظن بلا فرق بین حصوله من أی سبب کان فإذاً لا إهمال فی النتیجه من حیث الأسباب.

وأما الإهمال: من حیث مراتب الظن المتعدده الطولیه من مرتبه تلو الاطمئنان إلی مرتبه الأدنی من الاحتمال الراجح لأن الظن یطلق علی ادنی رجحان لأحد الاحتمالین علی الاحتمال الآخر کما فی الظن فی رکعات الصلاه وهو حجه فی رکعات الصلاه.

والنتیجه: من حیث المراتب مهمله إذ هذه المقدمات علی تقدیر تمامیتها تکشف عن حجیه الظن بمقدار یفی بمعظم الأحکام الفقهیه فی جمیع أبواب الفقه ولا تقتضی حجیه الظن مطلقا کما انها لا تقتضی حصه خاصه من الظن لأن هذا المقدار یحل مشاکل الإنسان الکبری من المسائل الاجتماعیه والفردیه والعائلیه بکافه أنواعها وأشکالها فإن کل مشکله یقع الإنسان فیها قد جعل الشارع لها حلا.

ص: 234

فإذاً هذه المقدمات علی تقدیر تمامیتها تکشف عن حجیه الظن بمقدار یفی بمعظم الأحکام الفقهیه من بدایه أبواب الفقه إلی نهایته. ولا تقتضی حجیه الظن فی جمیع المراتب من مرتبه تکون تلو مرتبه الاطمئنان إلی مرتبه ادنی الرجحان کما انها لا تقتضی حجیه حصه خاصه من الظن فی مرتبه خاصه، فإذا فرضنا أن الظن القوی نوعا ___ وهو الظن الحاصل من أخبار الثقه او من الروایات الموجوده فی الکتب المعتبره ___ یفی بمعظم الأحکام الفقهیه فمقدمات الانسداد علی تقدیر تمامیتها لا تکشف عن حجیه الظن بأکثر من ذلک أی ان خصوص الظن الحاصل من أخبار الثقه هو الحجه دون الحاصل من أخبار غیر الثقه أو أن الظن الحاصل من ظواهر الالفاظ هو الحجه دون الحاصل من ظواهر الافعال.

هذا فی غیر المسائل الشرعیه التی اهتم الشارع فیها کمسائل الدماء والأعراض والأموال الخطیره فإن الظن فی هذه المسائل لا أثر له، حیث إنه إذا ظن بان هذا الرجل مهدور الدم ولکن یحتمل أنه مؤمن محقون الدم فلا یجوز قتله بمجرد الظن او ظن بان هذه المرأه لیست رضیعته مع احتمال انها رضیعته من فحل واحد فلا یجوز له ان یتزوج بها بمجرد هذا الاحتمال ولا أثر لهذا الظن ولا یکون حجه.

والحاصل: فی المسائل التی اهتم الشارع بالحفاظ علیها لا یجوز العمل بالظن ولا یکون حجه.

وعلی هذا فمقدمات الانسداد علی القول بالکشف علی تقدیر تمامیتها إنما تکشف عن حجیه الظن فی غیر المسائل التی اهتم الشارع فیها.

هذا بحسب المراتب.

واما بحسب الموارد: فنتیجه هذه المقدمات أیضا مهمله فإن هذه المقدمات لا تکشف عن حجیه الظن فی جمیع الموارد وإنما تقتضی حجیه الظن فی معظم الأحکام الفقهیه لا فی جمیع الأحکام الفقهیه فی تمام الموارد أی أن القول بالکشف إما مبنی علی سقوط العلم الإجمالی من جهه الاضطرار إلی بعض أطرافه غیر المعین فإنه یوجب انحلال العلم الإجمالی وسقوطه عن الاعتبار کما بنی علیه صاحب الکفایه(قده) وحینئذ یکون العلم الإجمالی فی المقام منحل فلا أثر له وبما ان المفروض ان باب العلم والعلمی منسد والاحتیاط غیر واجب لسقوط العلم الإجمالی عن الاعتبار والتکلیف غیر ساقط، فلا محاله تکشف هذه المقدمات عقلا عن أن الشارع جعل الظن حجه وإلا لزم التکلیف بغیر المقدور وهو محال بمقدار یفی بمعظم الأحکام الفقهیه. أو أن القول بالکشف مبنی علی أن الشارع لا یرضی بالاحتیاط فی معظم الأحکام الفقهیه.

ص: 235

أما علی القول الأول: فلأن مقدمات الانسداد تکشف عن حجیه الظن فی غیر المسائل المهمه التی اهتم الشارع بالحفاظ علیها کمسائل حفظ النفس المحترمه ومسائل الأعراض والدماء والأموال الخطیره، وإذا ضممنا تلک الموارد إلی هذه المسائل فإذا صار المجموع بمقدار معظم الأحکام الفقهیه کفی ذلک فی حل مشاکل الإنسان فإن لم یف بمعظم الأحکام الفقهیه فلا بد من ضم الظن فی موارد أخری إلی ذلک.

فإذاً لا بد من حجیه الظن بمقدار یفی بمعظم الأحکام الفقهیه فإن کفی الظن القوی بذلک فهو وإلا لا بد من ضم ظن آخر أضعف منه حتی یکون المجموع وافیا بمعظم الأحکام الفقهیه. هذا بناء علی ان العلم الإجمالی ساقط ولا أثر له ولا یکون منجزا.

واما فی المسائل التی اهتم بها الشارع فالمنجز هو الاحتمال لا العلم الإجمالی.

وأما علی القول بأن الشارع لا یرضی بالاحتیاط فی معظم الأحکام الفقهیه فأیضا لا ینافی وجوب الاحتیاط فی تلک المسائل المهمه فإن هذه المسائل غیر داخله فی معظم الأحکام الفقهیه ولا بد من الاحتیاط فیها ولا یکون الاحتیاط فیها احتیاط فی معظم الأحکام الفقهیه حتی یقال إن الشارع غیر راض بها.

وعلی هذا فلا بد من ضم بقیه الموارد إلی هذه المسائل بمقدار یفی بمعظم الأحکام الفقهیه فإذا وفی بذلک کفی حل مشاکل الإنسان وإن لم یف فلا بد من ضم ظنون اخری وهکذا.

فالنتیجه: أن علی القول بالکشف لا إهمال فی الأسباب واما بحسب المراتب والموارد فالنتیجه مهمله.

واما علی القول بالحکومه: فقد ذکر صاحب الکفایه(قده) (1) انه لا یعقل أن تکون النتیجه مهمله لأن الحاکم بحجیه الظن إنما هو العقل والحاکم لا یشک فی صدور الحکم منه فالعقل لا یشک فی أنه حکم بحجیه مطلق الظن او بحجیه حصه خاصه من الظن، فلا یتصور ذلک فی حق الحاکم فمن أجل ذلک لا یتصور الإهمال فی الأسباب.

ص: 236


1- کفایه الاصول، المحقق الخراسانی، ص322.

دلیل الانسداد بحث الأصول

الموضوع: دلیل الانسداد

اما علی القول بالحکومه فلا یتصور الإهمال لا فی الأسباب ولا فی المراتب ولا فی الموارد فإن الحاکم لا یتصور أن یشک فی أن الحکم الصادر منه مطلق أو مهمل، وعلی هذا فالحاکم فی باب الانسداد علی القول بالحکومه هو العقل ولا یتصور أن یحکم العقل ولا یدری أن حکمه مطلق أو مهمل فلأجل ذلک لا یتصور الإهمال.

أما فی الأسباب: فلأن موضوع الحجیه بحکم العقل هو الظن من أی سبب حصل فلا خصوصیه فیه للسبب ولا موضوعیه له والمناط إنما هو علی حصول الظن فإذا حصل الظن یحکم العقل بحجیته سواء کان حصوله من أخبار الثقه أو أخبار العدول أو الأخبار الموجوده فی الکتب المعتبره او من الإجماعات المنقوله أو من الشهرات الفتوائیه او من حسن الظن بالجماعه فمن أی سبب حصل الظن فهو موضوع لحکم العقل بالحجیه ولهذا لا یتصور فیه الإهمال.

نعم ذکر صاحب الکفایه(قده) أنه إذا کان هناک أسباب متعدده وبینها قدر متیقن فالنتیجه لیست مطلقه.

وسوف نبین ذلک.

وأما من حیث المورد: فأیضا لا إهمال فی البین بل النتیجه مقیده والعقل یحکم بحجیه الظن وبمنجزیته مطلقا فی غیر المسائل التی أهتم الشارع بها وهی مسائل حفظ النفوس المحترمه ومسائل الفروج والأعراض ومسائل الاموال الخطیره فإن الظن لا یکون حجه فی تلک المسائل لا فی حال الانفتاح ولا فی حال الانسداد فالعقل یحکم بمنجزیه الظن ومنجزیته مطلقا فی سائر الموارد غیر هذه المسائل، لأن الظن بهدر دم شخص لا یعول علیه وکذا لو ظن بان امرأه معینه لیست رضیعته فإنه لا یجوز له التزویج بها، فیجب الاحتیاط فی هکذا مسائل لمجرد الاحتمال.

ص: 237

واما من حیث المراتب: فأیضا لا إهمال فیها لأن العقل یحکم بحجیه الظن الاطمئنانی فإن وفی بمعظم الأحکام الفقهیه فهو وإلا فلا بد من ضم ما یلیه من الظنون إلا أن یفی بمعظم الأحکام الفقهیه.

هذا ما ذکره صاحب الکفایه(قده).

أما ما ذکره من عدم الإهمال فی الأسباب فالأمر فیه کما ذکر، لأن هناک فرقا بین باب الانفتاح وباب الانسداد لأن فی باب الانفتاح موضوع الحجیه الأسباب مثل خبر الثقه حجه او لیس بحجه سواء کان مفیدا للظن أو لا یکون مفیدا له، والاجماع المنقول حجه او لیس بحجه واخبار الآحاد حجه أولا فموضوع الحجیه هو السبب سواء أفاد الظن الشخصی او لم یکن مفیدا له، لأن حجیه خبر الثقه من باب إفاده الظن النوعی وإن لم یفد الظن الشخصی بل هو حجه فیما إذا کان الظن الشخصی علی خلافه.

واما فی باب الانسداد: فموضوع الحجیه بحکم العقل هو الظن بما هو ظن من أی سبب حصل فمن أجل ذلک لا یتصور فیه الإهمال، سواء کان من السبب القوی او کان من السبب الضعیف، وعلی کل حال هذه الخصوصیات غیر ملحوظه لأن المناط هو بحصول الظن فی أفق النفس فإذا حصل من أی سبب کان کفی فی حکم العقل بحجیته.

واما ما ذکره(قده): - من أنه إذا کان بین الأسباب قدرا متیقنا فالنتیجه لیست مطلقه - فلا یرجع إلی معنی محصل. فإن أراد بذلک القدر المتیقن فی سببیته لإفاده الظن باعتبار ان بعضها أقوی من الآخر فی إفاده الظن فیرد علیه أن النتیجه مطلقه ولیست مهمله لأن کلا من هذه الأسباب مفید للظن بلا فرق بین ما إذا کان هناک قدرا متیقنا بینها او لم یکن فجمیع هذه الأسباب سبب لإفاده الظن ومفیده للظن.

ص: 238

وإن أراد التیقن بحسب الأسباب: وأنه إذا کانت هناک أسباب متعدده وکان بینها قدر متیقن من حیث السببیه فیرد علیه أن التیقن إنما هو ملحوظ فی حال الانفتاح لأن موضوع الحجیه فی حال الانفتاح الأسباب سواء کانت مفیده للظن ام لم تکن مفیده له وأما فی حال الانسداد فموضوع الحجیه الظن بما هو ظن من أی سبب حصل ولا خصوصیه ولا موضوعیه للأسباب.

وأما ما ذکره من أنه لا إهمال من حیث المورد فالأمر کذلک علی مسلکه(قده) من أن حال الظن فی باب الانسداد کحال الاقطع فی حال الانفتاح فکما أنه لا یتصور الإهمال فی حجیه القطع ومنجزیته من أی سبب حصل وفی أی مورد کان فإن القطع حجیته ذاتیه ومن لوازم ذاته ومنجزیته یستحیل انفکاکها عنها فکذلک الظن فی حال الانسداد فتکون حجیته ومنجزیته ذاتیه فلأجل ذلک لا یتصور الإهمال فی الموارد غیر الموارد التی اهتم الشارع بالحفاظ علیها لعدم حجیه الظن فیها لاهتمام الشارع فی الحفاظ علیها حتی فی فرض الاحتمال، فلا یتصور الاهمال فی الموارد علی مسلکه(قده).

وأما بناء علی معنی حکم العقل بحجیه الظن عل القول بالحکومه أی ان الظن یوجب صرف تنجیز العلم الإجمالی إلی مورده وانحلال هذا التنجیز عن موردی الشک والوهم ولهذا لا مانع من الرجوع إلی البراءه العقلیه فی موارد الشک والوهم واما فی موارد الظن فالعقل یحکم بتنجیز الظن.

وعلی هذا فأیضا لا یتصور الإهمال فی الموارد ففی أی مورد یکون الظن موجودا فهو حجه ومنجز إلا فی الموارد التی اهتم الشارع بالحفاظ علیها حتی فی فرض الاحتمال.

وأما بناء علی أن معنی الحکومه هو التبعیض فی الاحتیاط لأن العقل یحکم بتقدیم الامتثال الظنی علی الامتثال الشکی والوهمی إذ ان أطراف العلم الإجمالی متفاوته ففئه من اطرافه مشکوکه وفئه أخری موهومه وفئه ثالثه مظنونه فالأمر یدور بین الامتثال الظنی والامتثال الشکی والامتثال الوهمی ولا شبهه فی ان العقل یحکم بتقدیم الامتثال الظنی علی الامتثال الشکی والوهمی لأن الحاکم فی باب الامتثال هو العقل فعندئذ أیضا لا إهمال فی البین فإن فی موارد الظن لا یکون هناک إهمال لأن الظن فی أی مورد کان فهو منجز وحجه یجب العمل به والامتثال له فی غیر الموارد التی اهتم الشارع بالحفاظ علیها إذ لا یکون الظن فیها حجه.

ص: 239

واما من حیث المرتبه فأیضا لا إهمال فیها فإن العقل یحکم بحجیه الظن بمقدار یفی بمعظم الأحکام الفقهیه بنحو الکبری الکلیه لا أکثر ولا أقل.

هذا تمام کلامنا فی دلیل الانسداد.

وقد تبین أن مسأله الانسداد مسأله افتراضیه لا واقع موضوعی لها فإنه لا یوجد بین علمائنا من یقول بالانسداد لأنهم متفقون علی انفتاح باب العلمی غایه الأمر تختلف آراؤهم فی حجیه خبر الواحد فبعضهم یری حجیه خبر الثقه کما هو المعروف بین المتقدمین وبعضهم یری حجیه أخبار العدول وبعضهم یری حجیه أخبار الآحاد مطلقا وبعضهم یری حجیه أخبار الإمامی وإن کان فاسقا.

والحاصل انه لا یوجد منهم من هو قائل بالانسداد.

واما جمله من الإخباریین فیرون ان الأخبار الموجوده فی الکتب الأربعه قطعیه السند لا انها ظنیه السند وإن کانت منقوله بخبر الواحد إلا انها قطعیه السند.

وکیف ما کان فلا وجه لإطاله الکلام فی مسأله الانسداد کما اطال الکلام فی ذلک شیخنا الأنصاری(قده).

وقد تکلم بالتفصیل فی ان نتیجه مقدمات الانسداد هل هی واصله بنفسها او واصله بطریقها أو غیر واصله مع أنه لا یترتب علی هذه المسائل أی أثر شرعی فلا فائده فیها.

بقی الکلام فی مسألتین:

الأولی: هل یجوز الرجوع فی الانسداد إلی قاعده الاستصحاب أو القرعه أو فتوی الفقیه؟

أما الاستصحاب: فإن کان الدلیل علی حجیته الروایات فالمفروض انها لا تکون حجه فلا یکون الاستصحاب حجه إلا إذا کان الدلیل علی حجیه الاستصحاب الأخبار المتواتره وهی غیر موجوده أو ان حجیته ثابته ببناء العقلاء وهذا أیضا غیر ثابت لأن عمده الدلیل علی حجیه الاستصحاب الروایات وهی لا تکون حجه علی القول بالانسداد، فلا یمکن التمسک بقاعده الاستصحاب، ومع الإغماض عن ذلک فلا مانع من التمسک بالاستصحاب النافی للتکلیف ولکن هذا الاستصحاب لا یجری فی أطراف العلم الإجمالی إما لأنه قاصر فی نفسه عن الشمول وإما لأنه یسقط من جهه التعارض فکما ان أصاله البراءه لا تجری فی أطراف العلم الإجمالی کذلک الاستصحاب النافی للتکلیف.

ص: 240

واما الاستصحاب المثبت للتکلیف فی الشبهات الحکمیه فهو قلیل، فضم هذا الاستصحاب إلی الأحکام الضروریه والأحکام القطعیه لا یفی بمعظم الأحکام الفقهیه ولا یحل مشاکل الإنسان الکبری، هذا مضافا إلی عدم جریان الاستصحاب فی الشبهات الحکمیه.

دلیل الانسداد بحث الأصول

الموضوع: دلیل الانسداد

بقی هنا مسألتان:

المسأله الأولی: هل للفقیه الانسدادی الرجوع إلی سائر القواعد کقاعده الاستصحاب وقاعده القرعه وفتوی الفقیه الذی یری انفتاح باب العلمی أم لا یجوز له ذلک؟

والجواب عن ذلک: أما الاستصحاب فإن کان الدلیل علی حجیته الروایات ____ کما هو کذلک ___ فلا یکون حجه لأن الروایات لا تکون حجه علی القول بالانسداد، فلا أثر للاستصحاب إلا إذا کان الدلیل علیه الروایات المتواتره او بناء العقلاء الممضی شرعا.

ولکن هذا الاستصحاب باعتباره نافیا للتکلیف لا یجری فی أطراف العلم الإجمالی لاستلزامه المخالفه القطعیه العملیه أو الخروج من الدین، ومن هنا لا یمکن التمسک بهذا الاستصحاب کما لا یمکن التمسک بالبراءه العقلیه لعدم جریانها فی أطراف العلم الإجمالی.

واما الاستصحاب المثبت للتکلیف فی الشبهات الحکمیه فهو قلیل ولا یجدی فی انحلال العلم الإجمالی ولا أثر له.

ومع ذلک فقد أجیب عن هذا الاستصحاب بجوابین:

الجواب الأول: أن هذا الاستصحاب من قبیل الاستصحاب فی الشبهات الحکمیه وهو غیر جار فیها ___ کما بنی علیه السید الاستاذ (قد) وبنینا علیه أیضا __ بل هو مختص بالشبهات الموضوعیه.

الجواب الثانی: ما ذکره شیخنا الانصاری(قده) والمحقق النائینی من ان هناک مانع من جریان الاستصحاب غایه الامر ان شیخنا الانصاری یری ان المانع إثباتی والمحقق النائینی یری ان المانع من جریان هذا الاستصحاب ثبوتی لا إثباتی.

بیان ذلک: إن هناک تعارض بین إطلاق صدر أدله الاستصحاب وإطلاق ذیلها فإنه قد ورد فیها: ( لا تنقض الیقین أبدا بالشک) (1) ومقتضی إطلاق ذلک أنه یشمل الشبهات البدویه ویشمل الشبهات المقرونه بالعلم الإجمالی ولکن ذیل هذه الروایات: ( وإنما تنقضه بیقین آخر) والمراد من الیقین الآخر أعم من الیقین التفصیلی والیقین الإجمالی ولازم إطلاق الذیل ان الاستصحاب لا یجری فی الشبهات المقرونه بالعلم الإجمالی باعتبار ان الیقین الإجمالی موجود وهو ناقض للاستصحاب وهذا یعنی اختصاصه بالشبهات البدویه. فیقع التعارض بین مقتضی إطلاق الصدر ومقتضی إطلاق الذیل. فیسقطان معا من جهه المعارضه إذ لا مرجح فی البین.

ص: 241


1- وسائل الشیعه، الحر العاملی، ج1، ص245، أبواب نواقض الوضوء، باب1، ح1، ط آل البیت.

فتصبح روایات الاستصحاب مجمله ولا إطلاق لها والقدر المتیقن منها جریان الاستصحاب فی الشبهات البدویه وحینئذ لا یجری فی الشبهات المقرونه بالعلم الإجمالی.

والجواب عن ذلک واضح: وهو أن المراد من الیقین فی الذیل: ( ولکن تنقضه بقین آخر) هو الیقین التفصیلی لا الأعم منه ومن الإجمالی لأن الیقین الإجمالی لا یصلح لأن یکون ناقضا إذ الیقین الناقض لا بد ان یتعلق بنفس ما تعلق به الیقین السابق والیقن الإجمالی لیس کذلک لأنه متعلق بالجامع واما الیقین التفصیلی فهو متعلق بالفرد وذلک کما إذا علم إجمالا بطهاره احد إناءین بعد العلم بنجاستهما فالعلم الإجمالی تعلق بالجامع وهو طهاره أحد الإناءین والعلم التفصیلی تعلق بخصوص نجاسه الإناء الشرقی والإناء الغربی ومن الواضح أن العلم الإجمالی لا یصلح أن یکون ناقضا لأن متعلقه غیر متعلق الیقین التفصیلی باعتبار ان متعلق الیقین التفصیلی الفرد بحده الفردی ومتعلق الیقین الإجمالی الجامع فکیف یکون ناقضا له.

وعلی هذا فلامحاله یکون المراد من الیقین الناقض فی ذیل الروایه هو الیقین التفصیلی. ویترتب علیه أنه لا تعارض بین إطلاق ذیل روایات الاستصحاب وإطلاق صدرها. هذا مضافا إلی أن روایات الاستصحاب علی طائفتین:

الطائفه الأولی: تکون مذیله بهذا الذیل: ( ولکن تنقضه بیقین آخر).

الطائفه الثانیه: لا تکون مذیله بهذا الذیل بل هی مطلقه؛ لأنه قد ورد فیها: (فلیس ینبغی لک أن تنقض الیقین بالشک أبداً) (1) ، وبإطلاقها تشمل الشبهات البدویه والشبهات المقرونه بالعلم الإجمالی.

فإذا فرضنا سقوط الطائفه الأولی من جهه المعارضه عن الاعتبار وأصبحت مجمله فلا مانع من التمسک بالطائفه الثانیه.

وعلی هذا فلا یمکن المساعده علی ما ذکره شیخنا الأنصاری من الإشکال الإثباتی.

ص: 242


1- وسائل الشیعه، الحر العاملی، ج3، ص66، أبواب النجاسات والاوانی والجلود، ب37، ح1، ط آل البیت.

وأما ما ذکره المحقق النائینی(قده): فقد ذکر انه لا قصور فی أدله الاستصحاب عن شمولها لأطراف العلم الإجمالی ولکن یوجد مانع من ذلک ثبوتی، فلو فرض أن المکلف توضأ فی ماء ثم شک فی انه نجس أم طاهر، فإنه یتولد من هذا الشک شکان:

احدهما: الشک فی ان أعضاء وضوئه هل تنجست أم انها باقیه علی الطاهره؟ فإن کان الماء نجسا تنجست أعضاء وضوئه وإن کان طاهرا فهی باقیه علی طهارتها.

الثانی: أن هذا الوضوء رافع للحدث أو لا یکون کذلک، فإن کان الماء طاهرا فالوضوء صحیح ورافع للحدث وأن کان نجسا فلا یکون صحیحا ولا رافعا للحدث. ففی مثل ذلک هل یجری استصحاب بقاء طاهره أعضاء الوضوء واستصحاب بقاء حدث المکلف مع العلم الإجمالی ببطلان أحدهما؟

ومن أمثله ذلک: ما إذا علم تفصیلا بنجاسه کلا الإناءین: الأبیض والأسود ثم علمنا بطهاره احدهما إما باتصاله بالکر او بالمکاء الجاری او بماء المطر فهل هذا العلم الإجمالی مانع عن استصحاب بقاء نجاسه کل منهما او لا یکون مانعا؟

الصحیح: انه لا یکون مانعا فإن المانع عن جریان الاستصحاب فی أطراف العلم الإجمالی لزوم المخالفه القطعیه العملیه وفی المقام لا تلزم المخالفه القطعیه العملیه لا فی المثال الأول ولا فی المثال الثانی، وإنما تلزم المخالفه القطعیه الالتزامیه وهی لا تکون مانعه عن جریان الأصول المؤمنه فی أطراف العلم الإجمالی.

ولکن المحقق النائینی منع جریان کلا الاستصحابین لأن معنی ذلک هو التعبد علی خلاف العلم الوجدانی لأن المکلف یعلم وجدانا بطهاره أحد الإناءین.

ولکن لا یمکن المساعده علیه؛ إذ لیس هذا التعبد علی خلاف العلم الوجدانی لأن العلم الوجدانی قد تعلق بالجامع وهو طهاره احدهما واما الاستصحاب فقد تعلق بالفرد وهو بقاء نجاسه الإناء الأبیض بخصوصه وبقاء نجاسه الإناء الأسود بخصوصه فما تعلق به التعبد غیر ما تعلق به العلم الوجدانی فلا یکون التعبد علی خلاف العلم الوجدانی حتی یقال بعدم إمکان جریان هذا الاستصحاب.

ص: 243

فالنتیجه: عدم تمامیه شیء من هذین الإشکالین.

ثم أن صحاب الکفایه (1) (قده) ذکر ان عملیه الاستصحاب تدریجیه فی المسائل الفقهیه ولا یمکن ان تکون دفعیه بل تطول إلی فتره زمنیه طویله.

وعلی هذا ففی کل مسأله یقوم المجتهد بعملیه الاستنباط فی کل طرف من أطراف العلم الإجمالی الکبیر وابتلی بالاستصحاب فلا مانع من جریانه لأنه غافل عن الاستصحاب فی سائر أطراف العلم الإجمالی فموضوع الاستصحاب متحقق فی هذه المسأله لا فی سائر المسائل فلا مانع من جریان الاستصحاب فیها وعدم جریانه فی سائر المسائل وهکذا إلی ان ینتهی من عملیه الاستنباط.

والجواب عن ذلک أیضا واضح: أنه نعم هو فی حال عملیه الاستنباط ربما کان غافلا عن سائر المسائل فی أطراف العلم الإجمالی الکبیر إلا أنه بعد تمامیه عملیه الاستنباط یعلم إن بعض هذه الاستصحابات مخالف للواقع فکیف یمکنه الافتاء بالجمیع مع علمه بمخالفه بعض هذه الفتاوی للواقع وحینئذ.

فما ذکره صاحب الکفایه(قده) لا یحل المشکله أیضا.

واما القرعه: فدلیلها الروایات والمفروض أنها لا تکون حجه علی القول بالانسداد مضافا إلی اختصاص القرعه فی الشبهات الموضوعیه ولا تجری فی الشبهات الحکمیه، وما نحن فیه هو الشبهات الحکمیه.

واما فتوی الفقیه الانفتاحی فلیس للمجتهد الانسدادی الرجوع إلیه لأنه یری خطأ هذه الفتوی باعتبار أنه یری عدم الدلیل علی حجیه الأخبار لقصور الدلیل علیها ولأجل ذلک یقول بالانسداد.

هذا تمام کلامنا فی هذه المسأله.

حکومه قاعده لا ضرر ولا حرج علی الاحتیاط بحث الأصول

الموضوع: حکومه قاعده لا ضرر ولا حرج علی الاحتیاط

وهنا قولان: قول بالحکومه فی باب الانسداد وقول بعدم الحکومه، واختار القول الثانی المحقق الخراسانی (2) (قده) وقد أفاد فی وجه ذلک:

ص: 244


1- کفایه الاصول، المحقق الخراسانی، ص314.
2- کفایه الاصول، المحقق الخراسانی، ص382.

إن عنوان الضرر والحرج عنوان للفعل فمفاد لا ضرر نفی الحکم بلسان نفی الموضوع وعنوان لا حرج نفی الحکم حقیقه بنفی الموضوع ک_( لا ربا بین الوالد والولد او لا ربا بین الزوج والزوجه) فإنه مسوق لنفی حرمه الربا ولکن بلسان نفی موضوعها وهو الفعل الربوی الذی ینطبق علیه عنوان الربا وکذلک قوله(ع): (لا سهو للإمام إذا کان المأمون حافظا) وبالعکس (لا سهو للمأموم إذا کان الإمام حفاظا ) فإن کلمه لا لنفی الحکم حقیقه أی نفی السهو حقیقه ولکن بلسان نفی الموضوع وعلی هذا فإذا کان متعلق الحکم ضرریا او حرجیا فهذا الحکم منفی بلسان نفی موضوعه فإذا کان الوضوء ضرریا فوجوبه منفی بلسان نفی الموضوع وکذا لوکان الغسل ضرریا او حرجیا، فیکون المنفی حقیقه هو وجوب الوضوء ووجوب الغسل لکن بلسان نفی موضوعهما، والمراد من الموضوع ما یشمل المتعلق، وأما إذا لم یکن المتعلق ضرریا أو حرجیا فلا موضوع لتطبیق قاعده لا ضرر او لا حرج علیه.

وعلی هذا: فمتعلقات الأحکام الشرعیه فی الواقع لیست بضرریه ولا حرجیه فلا یمکن تطبیق قاعده لا ضرر ولا حرج علیها لأن انفتاح باب العلم والعلمی معناه أنه لا ضرر ولا حرج فی الاتیان بمتعلقات الأحکام الواقعیه، فلا یمکن تطبیق قاعده لا ضرر ولا حرج علیها لأن الضرر إنما نشأ من الجمع بین المحتملات باعتبار أن ضم الواجب إلی غیر الواجب یوجب الضرر والحرج لأن معنی الاحتیاط هو الجمع بین المحتملات فیکون الضرر نتاج الجمع بین المحتملات والاحتیاط هو الجمع بین المحتملات من الواجبات وغیرها، وحیث إن الجمع بین المحتملات الذی هو الاحتیاط لیس متعلقا للحکم الشرعی بل هو بحکم العقل فلا یمکن تطبیق قاعده لا ضرر او لا حرج علیه.

ص: 245

وعلیه فما هو متعلق للحکم الشرعی واقعا لیس فیه ضرر وحرج وما فیه حرج او ضرر لیس متعلقا للحکم الشرعی فمن أجل ذلک لا تکون قاعده لا ضرر ولا حرج حاکمه علی قاعده الاحتیاط ولا یمکن رفع الاحتیاط بهذه القاعده.

ویمکن المناقشه فی ذلک: إذ الضرر لیس عنوانا للفعل وکذلک الحرج لیس عنوانا للفعل لأن عنوان الفعل هو الفعل الضرری لأنه لا یقال: الفعل ضرر ومن هنا لا یکون الضرر والحرج عنوانا للفعل وإنما العنوان للفعل هو الفعل الضرری والفعل الحرجی، فإذا لم یکن الضرر والحرج عنوانا للفعل فلا یکون مشمولا لقاعده لا ضرر لأنا قلنا: إن هذه القاعده إنما تنفی الحکم بلسان نفی الموضوع فیما إذا کان الموضوع ضررا أو حرجا أو عنوانا آخر کالربا فإنه عنوانا للفعل وکذلک السهو واما الحرج والضرر فلیس عنوانا للفعل وإنما یقال: الفعل حرجی وضرری ولا یقال: عن الفعل ضرر او حرج.

وعلی هذا لا یکون المقام مشمولا لقاعده لا ضرر، هذا من جانب ومن جانب آخر.

ومن جانب آخر أنه یمکن تفسیر قاعده لا ضرر بتفسیرین:

التفسیر الأول: أن مفاد قاعده لا ضرر نفی الحکم المجعول من قبل الشارع والذی ینشأ من قبله الضرر، فوجوب الوضوء مثلا إذا کان ضرریا أو حرجیا فهو غیر مجعول فی الشریعه المقدسه لأن هذا الفعل ینشأ من قبله الضرر، فمصب النفی هو الحکم الضرری أی الذی ینشأ منه الضرر، وعلیه یکون الحکم المعنون بهذا العنوان ثانوی أی معنون بعنوان (أنه ینشأ منه الضرر) فهو منفی بهذه القاعده فقوله(ع): (لا ضرر) إشاره إلی نفی الحکم المجعول فی الشریعه المقدسه الذی ینشأ منه الضرر فهذا الحکم غیر مجعول، وقد اختار هذا التفسیر شیخنا الأنصاری (1) (قده) وتبعته علیه مدرسه المحقق النائینی(قده) (2) ومنهم السید الاستاذ(قده) (3) .

ص: 246


1- فرائد الاصول، الشیخ الانصاری، ج2، ص460.
2- اجود التقریرات، تقریر بحث المحقق النائینی للسید الخوئی، ج2، ص507.
3- مصباح الاصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الواعظ، ج2، ص521.

التفسیر الثانی: ان المنفی هو الضرر والحرج الذی جاء من قبل المولی واما الضرر الخارجی فهو موجود وغیر قابل للنفی التشریعی باعتبار أن التشریع لا یمکن ان یتعلق بالتکوین فلا بد ان یکون المنفی هو الضرر والحرج الجائی من قبل المولی.

والفرق بین التفسیرین هو أن مصب النفی فی التفسیر الأول هو الحکم ابتداءً وهو الحکم الذی ینشأ من قبله الضرر فمثل هذا الحکم غیر مجعول فی الشریعه المقدسه واما مصب النفی فی التفسیر الثانی فهو الحرج او الضرر الناشئ من قبل المولی.

وبکلمه: إنه یمکن التمییز بین التفسیرین بالقول: إن المنفی فی التفسیر الأول هو عله الضرر ومنشأه والمنفی فی التفسیر الثانی هو مسبَب الضرر ومعلوله لأن الحرج والضرر الذی جاء من قبل المولی معلول للحکم الضرری الذی جعله المولی.

حکومه قاعده نفی الضرر والحرج علی قاعده الاحتیاط بحث الأصول

الموضوع: حکومه قاعده نفی الضرر والحرج علی قاعده الاحتیاط

کان کلامنا فی مفاد قاعده لا ضرر ولا حرج والأقوال فیها ثلاثه:

القول الأول: أن مفاد حدیث لا ضرر ولا حرج نفی الحکم بلسان نفی الموضوع کقوله(ع): (لا ربا بین الوالد والولد) أو (لا سهو للإمام إذا کان المأموم حافظا وبالعکس) وما نحن فیه کذلک نفی الحکم حقیقه بلسان نفی الموضوع، وهذا القول مختص بما إذا کان متعلق الحکم بنفسه ضرریا او حرجیا فإذا کان متعلق الحکم بنفسه ضرریا او حرجیا فهو مشمول لهذا الحدیث، وأما إذا لم یکن متعلق الحکم بنفسه ضرریا أو حرجیا بل الضرر ناشئ من الجمع بین محتملات التکلیف من الجمع بین الواجب وغیر الواجب فی أطراف العلم الإجمالی فهو غیر مشمول لهذا الحدیث لأن متعلق التکلیف لیس ضرریا فإن الجمع لیس متعلقا للحکم الشرعی بل هو متعلق للحکم العقلی ومن الواضح أن حدیث لا ضرر لا یشمل نفی الحکم العقلی.

ص: 247

ومن هنا إذا کان الجمع بین المحتملات غیر ضرریا فهو غیر مشمول لهذا الحدیث لأنه مختص بما إذا کان متعلق التکلیف بنفسه ضرریا کما إذا کان الوضوء او الغسل ضرریا او القیام فی الصلاه ضرریا فیکون وجوب الوضوء مثلا منفیا بلسان نفی موضوعه وهو الوضوء وهکذا فی الباقی.

وقد اختار هذا القول المحقق الخراسانی(قده).

القول الثانی: ان مفاد حدیث لا ضرر نفی الحکم الناشئ منه الضرر مباشره لا نفی الموضوع، فکون الفعل ضرریا فهو مسبب عن الحکم وکون الفعل حرجیا فهو مسبب ومعلول للحکم فالحکم هو الذی یوجب الضرر وسبب ومنشأ له فالمنفی إنما هو نفس الحکم مباشره لأنه یوجب الضرر والحرج فالوضوء إذا کان ضرریا فضرره ناشئ من وجوبه فالمنفی فی الحقیقه هو الوجوب الناشئ منه الضرر وکذلک الغسل والقیام فی الصلاه، وهذا القول لا یختص بما إذا کان متعلق التکلیف بنفسه ضرریا أو حرجیا بل هو یشمل ما إذا کان الجمع بین محتملاته أیضا ضرریا وحرجیا لأن الضرر المترتب علی الجمع بین المحتملات فی أطراف العلم الإجمالی ناشئ من الحکم الالزامی الواقعی المنجز بالعلم الإجمالی فالذی یوجب الجمع بین المحتملات هو تنجیز الحکم الواقعی الالزامی بالعلم الإجمالی، فالضرر المترتب علی الجمع ناشئ من الحکم الالزامی المنجز بالعلم الإجمالی لأنه هو الذی یوجب تنجز المعلوم بالإجمال فی جمیع أطرافه وهو یقتضی وجوب الاحتیاط الذی یقتضی الجمع بین جمیع أطرافه فإذا کان هذا الجمع ضرریا فهو مستند ومسبب عن الحکم الالزامی المنجز فی العلم الإجمالی فعندئذ یکون المنفی بحدیث لا ضرر هو ذلک الحکم.

وعلی هذا ینتفی حکم العقل بانتفاء سببه وعلته فلا یحکم العقل عندئذ بالجمع بین المحتملات لأن منشأ حکم العقل بالجمع بین المحتملات هو تنجز الحکم الالزامی الواقعی بالعلم الإجمالی فإذا کان هذا الحکم الواقعی الالزامی المنجز بالعلم الإجمالی منفی بحدیث لا ضرر ومرفوع بهذا الحدیث وغیر مجعول فی الشریعه المقدسه انتفی حکم العقل بانتفاء موضوعه فعندئذ لا یحکم العقل بوجوب الاحتیاط وبالجمع بین المحتملات،

ص: 248

وعلی هذا القول فی مفاد حدیث لا ضرر ولا حرج یتم نفی الحکم الالزامی المنجز مباشره بلا فرق بین ان یکون متعلقه بنفسه حرجیا أو ضرریا او یکون الضرر والحرج ناشئا من الجمع بین محتملاته التی هی أطراف العلم الإجمالی وهو مقتضی حکم العقل بوجوب الاحتیاط.

فعلی کلا التقدیرین ینفی حدیث لا ضرر الحکم الالزامی المنجز سواء کان الضرر فی متعلقه بنفسه أم کان الضرر فی الجمع بین محتملاته لأن حدیث لا ضرر ینفی ذلک الحکم وبانتفائه ینتفی حکم العقل بالجمع وحکم العقل بالاحتیاط.

واختار هذا القول شیخنا الانصاری(قده) وتبعته مدرسه المحقق النائینی(قده) ومنهم السید الاستاذ(قده).

القول الثالث: إن المرفوع نفس الضرر والحرج لا ضرر والحرج الخارجی فإنه غیر قابل للرفع تشریعا بل هو واقع فی الخارج بل المراد من نفی الحرج والضرر الضرر والحرج المسبب من الحکم الشرعی مثلا ضرر الوضوء مسبب عن وجوبه وضرر الغسل مسبب عن وجوبه فحدیث لا ضرر ینفی هذا الضرر المسبب عن الحکم الشرعی وهو الوجوب، وهذا القول أیضا لا یختص بما إذا کان متعلق التکلیف بنفسه ضرریا او حرجیا بل یعم ما إذا کان الضرری والحرجی هو الجمع بین محتملات العلم الإجمالی بحکم العقل فإن حکم العقل بوجوب الجمع بین المحتملات والاحتیاط مسبب عن تنجیز الحکم التکلیفی الالزامی بالعلم الإجمالی لأن العلم الإجمالی حیث إنه منجز للمعلوم بالإجمالی الذی هو حکم إلزامی واقعی وتنجیزه یوجب الاحتیاط ووجوب الجمع بین أطرافه فإذا کان فی هذا الجمع ضرر فهو مسبب عن الحکم الشرعی المنجز بالعلم الإجمالی وحینئذ یکون مفاد حدیث لا ضرر هو نفی الضرر المسبب عن الحکم الشرعی.

والفرق بین القول الثانی والقول الثالث أن علی الثالث یکون مفاد حدیث لا ضرر هو نفی السبب ونفی العله مباشره ونفی المسبب (الضرر) بالتبع وأما علی القول الثانی یکون مفاد حدیث لا ضرر نفی المسبب والمعلول مباشره ونفی العله بالتبع.

ص: 249

واما القول الأول فهو نفی الحکم بنفی موضوعه مباشره.

ثم إن السید الاستاذ قد اشکل (1) علی ما ذکره المحقق صاحب الکفایه بأمرین:

الأمر الأول: إن المأخوذ فی لسان حدیث لا ضرر نفی الضرر وفی لسان حدیث لا حرج نفی الحرج لا نفی الفعل الضرری ولا نفی الفعل الحرجی، ومن الواضح أن الضرر لیس عنوانا للفعل ولا ینطبق علی الفعل انطباق العنوان علی المعنون فالفعل لیس ضررا بل الفعل ضرری والفعل لیس حرجا بل الفعل حرجی فالمأخوذ فی لسان حدیث لا ضرر ولا حرج لیس الفعل الضرری والفعل الحرجی بل المأخوذ عنوان الحرج وعنون الضرر وهو لیس عنوانا للفعل.

وعلی هذا فظاهر الحدیث علی ما فسره به صاحب الکفایه(قده) نفی حرمه الضرر ونفی حرمه الحرج باعتبار ان مفاد لا ضرر نفی الحکم بلسان نفی الموضوع لأن الحرج والضرر موضوع للحرمه کقوله: (لا ربا بین الوالد والولد) فحقیقه الربا هو الزیاده فیکون عنوانا للزیاده فیکون المراد من لا ربا بین الوالد والولد هو نفی حرمه الزیاده بنفی موضوعها وهو الربا الذی هو عنوان للزیاده وینطبق علیها وکذلک السهو فالسهو عنوان للشک وینطبق علیه حقیقه فیکون مفاد (لا سهو) نفی حکم السهو حقیقه بنفی موضوعه وهو السهو.

وعلی هذا فمفاد لا ضرر نفی حکم الضرر وحکم الضرر هو الحرمه فإن الإضرار بالنفس أو الإضرار بالغیر محرم فالمنفی هو الحرمه لا الحکم الواقعی المنجز بالعلم الإجمالی أو بالعلم التفصیلی.

وهذا الإشکال وارد علی صاحب الکفایه(قده) لأن الضرر لیس موضوعا للحکم الضرری بل هو موضوع للحرمه لأن موضوع الحکم الضرری الفعل الضرری وموضوع الحکم الحرجی الفعل الحرجی.

ص: 250


1- مصباح الاصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الواعظ، ج2، ص527.

فإذاً ما ذکره صاحب الکفایه من التفسیر غیر صحیح.

الأمر الثانی: أن الاحتیاط هو العمل بأطراف العلم الإجمالی الکبیر ومن الواضح ان العمل بالاحتیاط تدریجی ولا یمکن ان یکون دفعیا فإن امتثال التکلیف الإجمالی بالإتیان بالمحتملات وبطبیعه الحال یکون هذا الاتیان تدریجیا، ولکن الاتیان بالمحتملات فی أول الأمر لم یکن ضرریا ولا حرجیا لأن المجتهد یتمکن من الاحتیاط فی جمیع المحتملات ابتداءً ولکن إذا استمر علی هذا الاحتیاط فبطبیعه الحال یصل إلی حد لو تجاوزه لکن الاحتیاط حرجیا أو ضرریا، وعندئذ یعلم المکلف أن متعلق التکلیف إما فی الأطراف التی أتی بها او یکون متعلق الحکم الشرعی فی الأطراف الباقیه، فإن کان متعلق التکلیف فی الأطراف التی أتی بها فقد امتثل له وسقط بالامتثال واما إذا کان متعلق التکلیف الواقعی باقیا فی الأطراف الباقیه فقد سقط من جهه الحرج والضرر.

وعلی هذا یکون ما ذکره صاحب الکفایه(قده) من اختصاص مفاد حدیث لا ضرر بنفی الحکم بلسان نفی الموضوع إذا کان متعلق التکلیف بنفسه حرجیا أو ضرریا لیس علی ما ینبغی بل یشمل موارد الاحتیاط أیضا بنفس هذا البیان.

وهذا البیان منه(قده) ایضا متین جدا.

فیرد کل من هذین الإشکالین علی صاحب الکفایه(قده).

حاکمیه حدیث لا ضرر ولا حرج علی قاعده الاحتیاط. بحث الأصول

الموضوع: حاکمیه حدیث لا ضرر ولا حرج علی قاعده الاحتیاط.

إلی هنا قد تبین أن ما ذکره صاحب الکفایه(قده) من أن مفاد حدیث لا ضرر نفی الحکم حقیقه بلسان نفی الموضوع ونفی المتعلق لا یمکن المساعده علیه لما تقدم من الإشکالین اللذین أوردهما السید الاستاذ(قده) علی ذلک وما ذکره السید الاستاذ متین جدا.

ولکن مع ذلک توجد مجموعه من المحاولات یمکن من خلالها تصحیح ما ذکره صاحب الکفایه(قده) فی مفاد حدیث لا ضرر ولا حرج:

ص: 251

المحاوله الأولی: قد یدعی شمول لا ضرر ولا حرج للاحتیاط الثابت وجوبه بحکم العقل علی أساس أن وجوب الاحتیاط تابع لتنجز الأحکام اللزومیه الواقعیه فی الواقع بالعلم الإجمالی وتنجز تلک الأحکام یوجب الاحتیاط فوجوب الاحتیاط تابع لها ولا مانع من التمسک بقاعده لا ضرر ولا حرج لنفی وجوب الاحتیاط بنفی منشأه تبعا لأن منشأ وجوب الاحتیاط هو الأحکام الشرعیه اللزومیه المنجزه بالعلم الإجمالی ولا مبرر لتخصیص قاعده لا ضرر بالأحکام الشرعیه فقط.

والجواب عن ذلک: أن قاعده لا ضرر ولا حرج ظاهره فی نفی الحکم بلسان نفی الموضوع إذا کان الموضوع ضرریا وظاهر حدیث لا ضرر ولا حرج هو ان یکون متعلق الحکم الشرعی بنفسه ضرریا أو حرجیا والمفروض فی المقام ان الحکم الشرعی لیس ضرریا ولا حرجیا فإن متعلقه لیس ضرریا ولا حرجیا والضرر إنما نشأ من الجمع بینه وبین سائر المحتملات فی أطراف العلم الإجمالی والحاکم بهذا الجمع هو العقل من جهه تنجز الحکم التکلیفی وهو المعلوم بالإجمال المردد بین هذه الأطراف فهذا الجمع یکون ضرریا والمفروض أن هذا الجمع لیس هو متعلقا للحکم الشرعی بل هو متعلق لحکم العقل ومن الواضح ان حدیث لا ضرر لا یدل علی نفی الحکم العقلی بنفی موضوعه لا ثبوتا ولا إثباتا.

نعم لا مانع ثبوتا من دلاله حدیث لا ضرر علی نفی حکم العقل بوجوب الاحتیاط بنفی منشأه وهو الحکم الشرعی المنجز ولکن فی مقام الإثبات لا یدل حدیث لا ضرر علی ذلک، بل هو ظاهر فی نفی الحکم الشرعی بنفی موضوعه کما فی سائر الأدله مثل لا ربا بین الوالد والولد ولا رهبانیه فی الإسلام وما شاکل ذلک.

والحاصل: ان الحدیث وإن أمکن ثوبتا نفی وجوب الاحتیاط فیه بنفی منشأه وهو الحکم الشرعی المنجز فی العلم الإجمالی إلا أنه فی مقام الإثبات قاصر عن الدلاله علی ذلک.

ص: 252

وعلی هذا لا یتم ما ذکر فی هذه المحاوله.

المحاوله الثانیه: ان متعلق التکلیف بنفسه لیس ضرریا ولا حرجیا إلا أن ذات المتعلق ذو حصتین: حصه منها مقترنه بالاحتیاط أی بالجمع بین المحتملات فی أطراف العلم الإجمالی، وحصه اخری منها لم تکن مقترنه مع الاحتیاط.

اما الحصه الأولی: فالضرر إنما هو فی الجمع بینها وبین سائر المحتملات فی أطراف العلم الإجمالی لا فی نفس الحصه إذ الحصه بنفسها لیست حرجیه ولا ضرریه باعتبار ان الحرج والضرر إنما هو فی الجمع بینها وبین سائر المحتملات فی أطراف العلم الإجمالی والمفروض أن الجمع بینها وبین سائر الأطراف لیس متعلقا للحکم الشرعی لأن الحاکم به العقل فلا یمکن التمسک بحدیث لا ضرر أو لا حرج لنفی الحکم العقلی باعتبار انه حدیث شرعی مختص بنفی الأحکام الشرعیه إذا کانت ضرریه أو حرجیه ولا تعم الأحکام العقلیه.

واما الجامع بین هذه الحصه المقترنه بالجمع بین المحتملات فی أطراف العلم الإجمالی والحصه الأخری غیر مقترنه بالاحتیاط هذا الجامع لیس ضرریا ولا حرجیا لأن الجمع بین الحصه الضرریه والحصه غیر الضرریه غیر ضرری کالجمع بین المقدور وبین غیر المقدور فإنه مقدور لأن الجامع بین المقدور وغیر المقدور مقدور، وفی المقام الجامع بین الحصه الحرجیه أو الضرریه وهی الحصه غیر المقترنه بالاحتیاط والحصه الحرجیه أو الضرریه وهی الحصه المقترنه بالاحتیاط الجامع بین هاتین الحصتین غیر حرجی أو غیر ضرری حتی یکون مرفوعا بحدیث لا حرج ولا ضرر إلا أن الحصه غیر المقترنه بالاحتیاط التی هی متعلق التکلیف الشرعی فی الواقع من ناحیه جهل المکلف بها وترددها بین أطراف العلم الإجمالی فلا یعلم تمثلها فی هذا المحتمل او فی ذاک لا تکون مقدوره للمکلف فعندئذ یکون الجمع بینها وبین الحصه المقترنه بالاحتیاط حرجی وضرری فإنه جمع بین الفعلین الضررین أو الحرجیین والجمع الذی یکون کذلک ضرری او حرجی.

ص: 253

ونظیر ذلک ما إذا علم المکلف أنه مکلف بالصلاه ولکن لا یدری انه مکلف بالصلاه فی مسجد الکوفه او بالصلاه فی الحرم وکانت الصلاه فی مسجد الکوفه حرجیه او ضرریه والصلاه فی الحرم غیر مقدوره فبطبیعه الحال یکون الجمع بین الحصتین من الصلاه ضرری أو حرجی، ولکن هذا الجمع مرفوع بحدیث لا ضرر ولا حرج.

والجواب عن ذلک واضح: فإن الحصه غیر المقترنه وإن کانت غیر مقدوره من جهه جهل المکلف بها إلا أن ذلک لا یوجب کون متعلق التکلیف الواقعی حرجیا او ضرریا إذ لا شبهه فی ان متعلق التکلیف الواقعی لیس بضرری ولا حرجی فی حال انفتاح باب العلم والعلمی.

وبعباره أخری: إن متعلقات التکالیف الواقعیه بنفسها لیست بحرجیه ولا ضرریه سواء کان المکلف قادرا علیها أم لم یکن قادرا علیها؛ لأن الضرر والحرج إنما نشأ من الجمع بینها وبین المحتملات فی أطراف العلم الإجمالی والجمع لیس متعلقا للحکم الشرعی لأن الحاکم به العقل والمفروض أن حکم العقل لیس مشمول لحدیث لا ضرر، ولا یقاس ذلک بمثال الصلاه فإن الأمر إذا دار بین الصلاه فی مسجد الکوفه والصلاه فی الحرم وفرض أن الصلاه فی الحرم غیر مقدوره وحینئذ یتعین الاتیان بالصلاه فی مسجد الکوفه حال کون المکلف یعلم بوجوب أحداهما فإذا فرض أن الصلاه فی مسجد الکوفه ضرریه او حرجیه فوجوبها مرفوع بحدیث لا ضرر وبحدیث لا حرج.

وفی المقام لیس الأمر کذلک لأن کلتا الحصتین فی المقام حرجیه أو ضرریه اما ضرریه الحصه المقترنه بالاحتیاط أی بالجمع بین أطراف العلم الإجمالی فواضحه واما الحصه غیر المقترنه بالاحتیاط فضرریتها وحرجیتها من جهه عدم قدره المکلف علیها حال کونها مجهوله وعدم العلم بتمثلها فی محتمل بعینه.

ص: 254

وعلی هذا فما هو حرجی وضرری لیس هو متعلقا للتکلیف وما هو متعلق التکلیف الشرعی فی الواقع لیس بحرجی وضرری فمن أجل ذلک لا تتم هذه المحاوله.

حکومه حدیث لا ضرر ولا حرج علی قاعده الاحتیاط بحث الأصول

الموضوع: حکومه حدیث لا ضرر ولا حرج علی قاعده الاحتیاط

المحاوله الثالثه: - لتصحیح ما ذکره المحقق الخراسانی – أنه لا مانع من جعل الاحتیاط الوجوبی فی المقام بملاک اهتمام المولی بالحفاظ علی الأحکام الواقعیه الالزامیه بما لها من المبادئ والملاکات اللزومیه حتی فی موارد الاشتباه والالتباس المقرونه بالعلم الإجمالی فإن هذا الاهتمام من المولی یصلح لأن یکون ملاکا لجعل وجوب الاحتیاط شرعا کما هو ملاک لحکم العقل بوجوب الاحتیاط باعتبار أن حکم العقل بوجوب الاحتیاط مبنی علی اهتمام المولی بالحفاظ علی الأحکام الواقعیه اللزومیه بما لها من الملاکات والمبادئ حتی فی موارد الاشتباه والالتباس فهذا الاهتمام ملاک لحکم العقل بوجوب الاحتیاط فی أطراف العلم الإجمالی کما أنه یصلح ان یکون ملاکا لوجوب الاحتیاط بجعل هذا الوجوب من قبل الشارع فإذا کان هذا الاحتیاط ضرریا أو حرجیا فلا مانع من تطبیق قاعده لا ضرر ولا حرج علیه ورفع وجوب الاحتیاط ولکن لا یمکن رفع وجوب الاحتیاط إلا برفع ملاکه وهو اهتمام المولی بالحفاظ علی الأحکام الواقعیه حتی فی موارد الاشتباه والالتباس المقرونه بالعلم الإجمالی فإن ارتفاع وجوب الاحتیاط شرعا وانتفائه بقاعده لا ضرر ولا حرج إنما هو بنفی ملاکه لما ذکرناه غیر مره من ان حقیقه الحکم وروحه سواء کان حکما واقعیا ام کان حکما ظاهریا ملاکه واما الحکم بما هو اعتبار فلا قیمه له ولا أثر له، ورفع الحکم الظاهری وهو وجوب الاحتیاط شرعا إنما یکون برفع ملاکه وهو اهتمام المولی فی الحفاظ عل الأحکام الواقعیه بما لها من الملاکات والمبادئ حتی فی موارد الاشتباه والالتباس المقرونه بالعلم الإجمالی هذا مضافا إلی أن الأحکام الظاهریه لیست أحکاما مولویه نفسیه بل هی أحکام طریقیه ولا شأن لها غیر تنجیز الواقع عند الإصابه والتعذیر عند الخطأ ولهذا لا ملاک فی متعلق الأحکام الظاهریه ولا مثوبه علی موافقتها ولا عقوبه علی مخالفتها ومن هنا لا تکون الأحکام الظاهریه أحکاما مولویه شرعیه فمن هذه الناحیه لا یمکن رفعها الا بارتفاع ملاکها فإذا ارتفع ملاک الحکم الظاهری کان لازم ارتفاعه الترخیص من قبل الشارع فی ارتکاب أطراف العلم الإجمالی وحینئذ ینتفی حکم العقل بوجوب الاحتیاط بانتفاء موضوعه لأن موضوع حکم العقل هو هذا الاهتمام من المولی ومعنی انتفاء اهتمام المولی هو الترخیص فی ارتکاب أطراف العلم الإجمالی فیکون العلم الإجمالی کلا علم من هذه الناحیه بارتفاع موضوعه.

ص: 255

وعلی هذا فلا مانع مما ذکره المحقق الخراسانی(قده) من ان مفاد قاعده لا ضرر ولا حرج نفی الحکم بلسان نفی الموضوع.

والجواب عن ذلک: أنه لا یمکن جعل إیجاب الاحتیاط فی المقام لا ثبوتا ولا إثباتا.

أما ثبوتا: فإن استقلال العقل بوجوب الاحتیاط فی المقام من جهه اهتمام المولی بالحفاظ علی الأحکام الواقعیه بما لها من المبادئ والملاکات اللزومیه حتی فی موارد الاشتباه والالتباس مانع عن جعل وجوب الاحتیاط من قبل الشارع لأنه لغو، وهذا نظیر أمر الشارع بالإطاعه فإنه لا یحمل علی المولویه فرارا من اللغویه بعد استقلال العقل بوجوب إطاعه المولی وقبح معصیته، وعلی هذا لا یمکن ان یکون وجوب الطاعه وجوبا مولویا شرعیا ولا یمکن ان تکون حرمه المعصیه حرمه مولولیه شرعیه. هذا علی المشهور بین الأصحاب.

ولکن ذکرنا فی محله أنه لا مانع ثبوتا من أن یکون الأمر بالإطاعه أمرا مولویا ولا مانع ثبوتا من أن یکون النهی عن المعصیه نهیا مولویا ولا تلزم اللغویه طالما أمکن حمل حکم الشارع فی المقام علی التأکید لحکم العقل وجدانا بمعنی أنه اجتمع علی طاعه المولی محرکان: هما حکم العقل فإنه محرک للعبد نحو الطاعه ویدعوه إلیها وحکم الشارع فإنه أیضا یکون محرکا للمکلف نحو طاعه المولی ویدعوه إلیها، فإذا اجتمع کلا المحرکین کانت دعوتهما إلی الطاعه أقوی من دعوه کلا منهما منفردا فمن أجل ذلک لا تکون مولویه أمر المولی بالطاعه لغویه بل هی تأکید لداعویه حکم العقل ومحرکیته وکذلک لا تکون مولویه نهی المولی عن المعصیه لغویه لأنها مؤکده لحکم العقل بقبح المعصیه.

فالنتیجه: انه لا مانع من جعل الشارع وجوب الاحتیاط فی المقام فإنه لا یکون لغوا بل هو مؤکد لحکم العقل بوجوب الاحتیاط بملاک اهتمام المولی بالحفاظ علی الأحکام الواقعیه حتی فی موارد الاشتباه والالتباس، وکذلک الشارع فإنه أوجب هذا الاحتیاط بنفس هذا الملاک وحکم الشارع هذا مؤکد لحکم العقل فلا یکون لغوا.

ص: 256

وعلیه لا مانع من کون وجوب الاحتیاط فی المقام وجوبا شرعیا.

هذا بحسب مقام الثبوت.

واما فی مقام الإثبات: فإنه لا دلیل علی جعل وجوب الاحتیاط شرعا کما أنه لا دلیل علی کون الأمر بالإطاعه أمرا مولویا والنهی عن المعصیه نهیا مولویا، بل أن جمیع أوامر الإطاعه وجمیع النواهی عن المعصیه مفادها الإرشاد إلی حکم العقل، وحقیقه الإرشاد هو الإخبار وکأن المولی أخبر عن حکم العقل بحسن الطاعه وقبح المعصیه فلا یکون هنا أمر مولوی بالإطاعه ولا نهی مولوی عن المعصیه کما انه لیس هنا أی دلیل علی وجوب الاحتیاط شرعا، وعلی هذا یکون القصور فی مقام الإثبات لا فی مقام الثبوت.

هذا أولاً.

وثانیاً: مع الإغماض عن ذلک وتسلیم أن وجوب الاحتیاط مجعول من قبل الشارع ولا مانع من جعله شرعا، ولکن ملاک وجوب الاحتیاط شرعا هو اهتمام المولی بالحفاظ علی الأحکام الواقعیه بما لها من المبادئ والملاکات اللزومیه حتی فی موارد الاشتباه والالتباس أی فی موارد الشبهات الحکمیه المقرونه بالعلم الإجمالی، واما ملاک حکم العقل بوجوب الاحتیاط فهو تنجیز العلم الإجمالی لا أنه اهتمام المولی بالحفاظ علی الأحکام الواقعیه.

وعلی هذا: فإذا کان وجوب الاحتیاط شرعا ضرریا او حرجیا فهو مرفوع بحدیث لا ضرر ولا حرج وذلک برفع ملاکه وهو اهتمام المولی بالحفاظ علی الأحکام الواقعیه، واما ملاک حکم العقل بوجوب الاحتیاط فهو باق علی حاله فلا یکون مرفوعا.

وعلی هذا لا تنافی بین وجوب الاحتیاط شرعا وبین وجوب الاحتیاط عقلا لأن وجوب الاحتیاط شرعا ناشئ من ملاک مخالف لملاک وجوب الاحتیاط عقلا.

هذا کله علی مسلک المحقق الخراسانی(قده).

حکومه حدیث لا ضرر ولا حرج علی قاعده الاحتیاط بحث الأصول

الموضوع: حکومه حدیث لا ضرر ولا حرج علی قاعده الاحتیاط

ص: 257

قلنا إنه لا مانع ثبوتا من جعل وجوب الاحتیاط الشرعی فی أطراف العلم الإجمالی مع وجود حکم العقل بلزوم الاحتیاط لأن حکم الشارع بوجوب الاحتیاط یحمل علی أنه تأکید لحکم العقل بذلک وعلی هذا لا یکون الوجوب الشرعی للاحتیاط لغویا، کما ان ملاک هذا الحکم هو اهتمام المولی بالحفاظ علی الأحکام الواقعیه الالزامیه حتی فی موارد الاشتباه والالتباس المقرونه بالعلم الإجمالی، نعم لا دلیل علی وجوب الاحتیاط شرعا فی أطراف العلم الإجمالی فی مقام الإثبات فمن أجل ذلک لا یمکن الالتزام به.

وثانیا: مع الإغماض عن ذلک وتسلیم وجوب الاحتیاط شرعا فی أطراف العلم الإجمالی فمع کونه ضرریا أو حرجیا فقد یقال إن المرفوع بحدیث لا ضرر ولا حرج هو وجوب الاحتیاط الشرعی فقط لا ملاکه وهو اهتمام المولی بالحفاظ علیها حتی فی أطراف العلم الإجمالی وموارد الاشتباه والالتباس باعتبار أن هذا الرفع رفع امتنانی وهذا الرفع إنما یکون امتنانی فیما إذا کان ملاکه باقیا وإلا فانتفاء الحکم بانتفاء ملاکه قهری.

فإذاً تطبیق قاعده لا ضرر او لا حرج علی وجوب الاحتیاط الشرعی إذا کان ضرریا أو حرجیا إنما هو للامتنان ومعنی کونه امتنانا هو بقاء ملاکه وهو اهتمام المولی بالحفاظ علیها حتی فی موارد العلم الإجمالی وموارد الاشتباه والالتباس فملاک حکم العقل بوجوب الاحتیاط باق وهو اهتمام المولی بالحفاظ علی الأحکام الالزامیه فی موارد الاشتباه والالتباس، وعلی هذا یکون المرفوع هو وجوب الاحتیاط الشرعی واما وجوب الاحتیاط عقلا فهو باق.

ولکن لا معنی لهذا القول لما ذکرناه غیر مره من أن حقیقه الحکم وروحه ملاکه سواء کان حکما واقعیا او کان حکما ظاهریا واما الحکم بما هو اعتبار فلا أثر ولا قیمه له فإن تمام القیمه للحکم ملاکه فلا یمکن ان یکون المرفوع وجوب الاحتیاط الشرعی مع کون ملاکه باقیا لأن معناه أن الاحتیاط الشرعی لم یرتفع والمرفوع هو نفس الاعتبار بما هو اعتبار وهو لا قیمه له کما قلنا واما ذو الأثر وهو الملاک فهو غیر مرفوع.

ص: 258

هذا مضافا إلی أن الحکم الظاهری لیس حکما مولویا نفسیا بل هو حکم طریقی والغرض من جعل الحکم الظاهری هو تنجیز الحکم الواقعی عند الإصابه والتعذیر عند الخطأ فلا شان له إلا هذا.

وعلی هذا یکون جعل وجوب الاحتیاط فی أطراف العلم الإجمالی إنما هو لتنجیزه الأحکام الموجوده فی أطراف العلم الإجمالی أو لکونه مؤکدا لتنجیزها.

وعلی هذا یکون الغرض من جعل وجوب الاحتیاط فی موارد الاشتباه والالتباس المقرونه بالعلم الإجمالی هو تنجیز الأحکام الواقعیه الالزامیه بما لها من المبادئ والملاکات فلو کان وجوب الاحتیاط مرفوعا دون ملاکه وملاکه تنجیز الواقع للزم ارتفاع المؤثر مع بقاء الأثر والتفکیک بین المؤثر والأثر وهو لا یمکن باعتبار أن المؤثر هو وجوب الاحتیاط وأثره التنجیز فإذا کان وجوب الاحتیاط مرفوعا بحدیث لا ضرر ولا حرج ولکن أثره وهو تنجیز الأحکام الالزامیه الواقعیه باق فهذا معناه التفکیک بین الأثر والمؤثر والمعلول عن العله وهو مستحیل؛ لأن الأثر یدور مدار المؤثر حدوثا وبقاء فلا یتصور الانفکاک بینهما بأن تکون العله مرفوعه والمعلول موجودا.

ومن هنا إذا قلنا بارتفاع تنجیز الأحکام الواقعیه الذی هو أثر لوجوب الاحتیاط فبطبیعه الحال یرتفع وجوب الاحتیاط العقلی أیضا لأن منشأه تنجیز الأحکام الواقعیه الالزامیه فی موارد الاشتباه والالتباس أی فی اطراف العلم الإجمالی فالعقل إنما یحکم بوجوب الاحتیاط من جهه تنجیز الواقع ومع ارتفاع التنجیز لا محاله یرتفع حکم العقل بوجوب الاحتیاط أیضا وهذا مما لا یمکن الالتزام به.

وعلی هذا لا یکون لما ذکر معنی.

وثالثاً: أن ملاک حکم العقل بوجوب الاحتیاط هو العلم الإجمالی واما ملاک وجوب الاحتیاط شرعا فهو اهتمام المولی بالحفاظ علی الأحکام الواقعیه الالزامیه حتی فی موارد الاشتباه والالتباس المقرونه بالعلم الإجمالی، وعلی هذا یکون ملاک احد الاحتیاطین غیر ملاک الآخر، ویترتب علی هذا أنه إذا کان وجوب الاحتیاط الشرعی ضرریا أو حرجیا فهو مرفوع بحدیث لا ضرر او لا حرج بارتفاع ملاکه وهو اهتمام المولی بالحفاظ علی الأحکام الواقعیه الالزامیه حتی فی موارد الاشتباه والالتباس واما ملاک حکم العقل بوجوب الاحتیاط فهو باق من جهه بقاء ملاکه وهو العلم الإجمالی.

ص: 259

وهذه الدعوی أیضا لا أثر لها ولا معنی لها؛ فإن وجوب الاحتیاط إنما هو بملاک تنجیز الأحکام الواقعیه فی موارد الاشتباه فإنه منجز لتلک الأحکام الواقعیه فی موارد الاشتباه والالتباس المقرونه بالعلم الإجمالی فإذا ارتفع وجوب الاحتیاط شرعا فبطبیعه الحال یرتفع تنجیز هذه الأحکام فی موارد الاشتباه والالتباس أیضا ومع ارتفاع التنجیز لا یکون هناک اهتمام من المولی فإن اهتمام المولی بالحفاظ علیها إنما هو من جهه انها منجزه بما لها من الملاکات والمبادئ واما إذا ارتفع تنجیزها فلا اهتمام للمولی بها، وعلی هذا فکیف یبقی حکم العقل بوجوب الاحتیاط بعد ارتفاع تنجیزها، باعتبار أن منجزیه هذه الأحکام هی السبب والعله لحکم العقل بوجوب الاحتیاط لا نفس العلم الإجمالی بلا تنجیز لأنه بدون کونه منجزا لا أثر له، ومع ارتفاع تنجیز هذه الأحکام فی أطراف العلم الإجمالی یرتفع حکم العقل أیضا بارتفاع منشأه وسببه.

إلی هنا قد تبین أن ما ذکر من محاولات لتصحیح ما بنی علیه صاحب الکفایه(قده) من تفسیر حدیث لا ضرر ولا حرج لا یمکن المساعده علیه.

واما ما ذکره شیخنا الأنصاری(قده) من أن المرفوع هو منشأ وجوب الاحتیاط العقلی باعتبار أن منشأ وجوب الاحتیاط العقلی هو تنجز الأحکام الواقعیه بما لها من الملاکات والمبادئ فی أطراف العلم الإجمالی أی فی موارد الاشتباه والالتباس المقرونه بالعلم الإجمالی فالمرفوع هو هذه الأحکام المنجزه لأن سبب وجوب الاحتیاط العقلی هو تنجز هذه الأحکام فی أطراف العلم الإجمالی فهو وإن کان بحاجه إلی تقدیر أن معنی لا ضرر هو أنه لا حکم ضرری او حرجی ولکن بما ان اسناد نفی الضرر إلی الشارع لا یمکن لوجود الضرر والحرج فی الخارج فلا یکون قابلا للنفی فلا محاله یکون المنفی مقدر هو الحکم الشرعی.

ص: 260

وهذا هو المتفاهم العرفی بمناسبه الحکم والموضوع الارتکازیه.

واما القول الثالث: من ان المنفی نفس الضرر والحرج المسبب من الأحکام الشرعیه أی المنفی هو المعلول وبنفی المعلول تنتفی العله أیضا فهذا وإن کان صحیحا إلا أنه لیس بعرفی باعتبار أن العرف لا یفهم من ذلک هذا المعنی والذی هو عرفی هو نفی المسبب بنفی السبب لا العکس.

فالنتیجه: أن الصحیح هو ما ذهب إلیه شیخنا الأنصاری(قده).

هذا تمام کلامنا فی الانسداد

الأصول العملیه - البراءه بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیه - البراءه

یقع الکلام هنا فی مراحل:

المرحله الأولی: إن معظم الأحکام الفقهیه أحکام نظریه وإثباتها والوصول إلیها بحاجه إلی عملیه الاستنباط ولا یمکن إثباتها والوصول إلیها بدون هذه العملیه.

المرحله الثانیه: فی خصائص الأصول العملیه وامتیازها عن الأمارات.

المرحله الثالثه: فی أقسام الأصول العملیه وانواعها.

أما الکلام فی المرحله الأولی: فلأن معظم الأحکام الفقهیه الشرعیه من بدایه الفقه إلی نهایته أحکام نظریه وإثباتها والوصول إلیها بحاجه إلی عملیه الاستنباط ولا یمکن الوصول إلیها وإثباتها بدون هذه العملیه وهی عملیه معقده وصعبه وبحاجه إلی دراسه طویله.

واما الأحکام الواصله إلینا بالضروره أو بالقطع الوجدانی: - کوجوب الصلاه ووجوب الصوم ووجوب الحج وحرمه شرب الخمر وما شاکل ذلک - فهی أحکام قلیله ولا تکفی لحل مشاکل الإنسان فی حیاته الیومیه لا المشاکل الاجتماعیه ولا المشاکل الفردیه ولا العلائق الخارجیه ولا المادیه والمعنویه باعتبار ان نسبتها إلی جمیع الأحکام لا تتجاوز بنسبه تقریبیه عن خمسه او سته بالمائه، وهذه الأحکام وما شاکلها أحکام ضروریه أی أنها قد وصلت إلی المکلف بالضروره ولا یحتاج وصولها إلی أی مقدمه ولا فرق فیها بین المجتهد والعامی فلا یرجع فیها العامی إلی المجتهد فإنه لا موضوع للتقلید فیها.

ص: 261

واما الأحکام الفقهیه النظریه فإثباتها والوصول إلیها بحاجه إلی مقدمتین:

المقدمه الأولی: تکوین القواعد العامه المشترکه والنظریات العامه فی الحدود المسموح بها شرعا وهی حدود الکتاب والسنه وفق شروطها فی علم الأصول لأنه هو الموضوع للبحث عن تکوین القواعد العامه المشترکه والنظریات فی حدود الکتاب والسنه وفق شروط للتفکیر الفقهی التطبیقی.

المقدمه الثانیه: تطبیق هذه القواعد العامه المشترکه فی الحدود المسموح بها شرعا وبشروطها علی عناصرها الخاصه ومسائلها الخاصه فی الفقه، لأنه هو الموضوع لتطبیق هذه القواعد العامه والمشترکه علی عناصرها الخاصه لتکون النتیجه مسأله فقهیه کوجب شیء وحرمه شیء آخر او جزئیه شیء لشیء أو شرطیه شیء آخر وهکذا.

ومن هنا یکون علم الفقه علم تطبیقی وعلم الأصول علم نظری والنسبه بینهما هی النسبه بین العلم التطبیقی وبین العلم النظری باعتبار أن علم الفقه یتولد من علم الأصول ولیس هو علما مستقلا ولولا الأصول لم یکن هناک فقه فی البین لأن المسائل الفقهیه عباره عن نتائج تطبیق القواعد العامه الأصولیه علی عناصرها الخاصه ونتیجه هذا التطبیق هی الأحکام الفقهیه ومن الواضح ان النتیجه داخله فی الکبری والصغری ولیست اجنبیه عنهما، ولهذا یکون ارتباط علم الفقه بالأصول ارتباطا وثیقا وذاتیا ولا یمکن الانفکاک بینهما، وکلما اتسع الفقه بظهور مسائل مستحدثه اتسعت البحوث الفقهیه واتسع تبعا لذلک تطبیق القواعد الأصولیه علی المسائل الفقهیه ومن هنا قلنا: إنه کلما کان الباحث الأصولی أدق واعمق فی تکوین القواعد العامه المشترکه والنظریات العامه فی حدود الکتاب والسنه وفق شروطها کان أدق وأعمق فی تطبیقها علی عناصرها الخاصه فی الفقه ولا یمکن ان تکون المسائل الأصولیه بدرجه أعمق ولا یکون مستوی الفقه کذلک للارتباط الذاتی بینهما باعتبار خروج الفقه من بطن الأصول ولیس هو علما مستقلا عنه.

ص: 262

ویمکن علی هذا القول بوجود علم الأصول ___ لا بشکل علم مستقل کما هو الحال علیه الیوم ___ حتی فی زمن الأئمه(ع) ومما یؤید هذا هو ظاهر کثیر من الروایات التی یکون السؤال فیها عن وثاقه شخص ما وهذا یعنی فراغ السائل عن حجیه خبر الواحد بشروط معینه ویرتب علیه جواز أخذ أحکام الدین منه، وقد علم ان الحجیه مسأله أصولیه ولیست مسأله فقهیه.

وعلی هذا: لا یعقل تحقق الفقه النظری بدون علم الأصول، ومن هنا کان الاجتهاد عملیه ضروریه تبعا لضروریه الدین وکذلک التقلید أمر ضروری للعامی تبعا لضروریه الدین فإنه لا یتمکن من إثبات الأحکام الشرعیه الفقهیه فلا بد له من الرجوع الی المجتهد کما ان فی کل عصر یجب الوصول إلی عملیه الاجتهاد والاستنباط لجماعه ولا یجوز ترک هذه العملیه لأن مآل ترکها إلی ترک الأحکام الشرعیه، ومن هنا تکون کلتا العملیتین ضروریتین.

ثم إن عملیه الاستنباط تکون فی مرحلتین طولیتین:

المرحله الأولی: متمثله فی تطبیق القواعد العامه المشترکه علی عناصرها الخاصه کدلیل علی تشخیص الحکم الشرعی وجعله فی الشریعه المقدسه.

المرحله الثانیه: تطبیق القواعد العامه المشترکه علی عناصرها الخاصه کدلیل علی تشخیص الوظائف العملیه وتعیینها تجاه الحکم الشرعی تنجیزا او تعذیرا.

وتسمی القواعد فی المرحله الأولی بالأدله الاجتهادیه المتمثله فی الأمارات کحجیه أخبار الثقه وحجیه ظواهر الالفاظ کظواهر الکتاب والسنه وغیرهما، وتسمی القواعد فی المرحله الثانیه بالأصول العملیه المتمثله فی الاستصحاب وأصاله البراءه وأصاله الطهاره.

وطالما یکون المجتهد متمکنا فی کل مسأله من إقامه الدلیل الاجتهادی علیها فلا تصل به النوبه إلی الأصول العملیه، ومع عدم تمکنه من إقامه الدلیل الاجتهادی علی المسأله إما لعدم عثوره علی أماره علی ذلک الحکم وإما لعثوره علیها ولکنها قاصره سندا او دلاله أو جهه أو لوجود المعارض لها فلا محاله تصل النوبه به إلی الأصول العملیه.

ص: 263

هذا فی المرحله الأولی.

واما الکلام فی المرحله الثانیه: فالأحکام الظاهریه علی قسمین:

القسم الأول: الأحکام الظاهریه الالزامیه کوجوب الاحتیاط والاستصحاب المثبت للتکلیف وقاعده الاشتغال، والأحکام الظاهریه الالزامیه احکام طریقیه فی طول الأحکام الواقعیه ولیست فی عرضها وتمام الملاک فی جعلها هو الحفاظ علی الأحکام الواقعیه بما لها من الملاکات والمبادئ حتی فی موارد الاشتباه والالتباس وإلا فهی لیست بأحکام شرعیه مولویه ولهذا لا عقوبه علی مخالفتها والعقوبه إنما هی علی مخالفه الواقع ولا مثوبه علی موافقتها والمثوبه إنما هی علی موافقه الواقع ولا مصلحه فی متعلقاتها لأن مصالح الأحکام الواقعیه هی التی دعت الشارع إلی جعل الأحکام الظاهریه الالزامیه الطریقیه.

أصاله البراءه بحث الأصول

الموضوع: أصاله البراءه

ذکرنا أن الأحکام الظاهریه إذا کانت إلزامیه فهی أحکام طریقیه ولا شأن لها إلا تنجیز الواقع عند الإصابه والتعذیر عند الخطأ وإلا فهی لیست أحکاما مولویه شرعیه لأنه لا مصلحه فی متعلقاتها ولا عقوبه علی مخالفتها ولا مثوبه علی موافقتها فمن أجل ذلک لیس شأنها إلا تنجیز الواقع عند الإصابه والتعذیر عند الخطأ وأما الأحکام الظاهریه الترخیصیه کأصاله البراءه الشرعیه وأصاله الطهاره واستصحاب الحکم الترخیصی أو استصحاب عدم الوجوب أو عدم الحرمه والجامع استصحاب عدم الحکم الإلزامی أعم من الحکم التکلیفی والوضعی فهی أحکام ترخیصیه والداعی علی جعل هذه الأحکام التخریصیه هی المصلحه العامه وهی مصلحه التسهیل بالنسبه إلی نوع المکلفین ولا عقوبه علی مخالفه الواقع إذا کانت مخالفه الواقع مستنده إلی ترخیص المولی من جهه الحکم الظاهری فهی ناشئه من مصلحه عامه.

وأما الأمارات الشرعیه المعتبره شرعا کأخبار الثقه وظواهر الالفاظ فهی إن کانت متکفله للأحکام الالزامیه فهی أحکام طریقیه شأنها تنجیز الواقع فقط عند الإصابه والتعذیر عند الخطأ ولا شأن لها غیر ذلک ولا تجب موافقتها إلا من جهه موافقه الواقع ولا تحرم مخالفتها إلا من جهه مخالفه الواقع ولهذا لا مصلحه فی متعلقاتها ولا مثوبه علی موافقتها إلا المثوبه علی موافقه الواقع ولا عقوبه علی مخالفتها إلا المخالفه علی الواقع فجعلها إنما هو للحفاظ علی الأحکام الالزامیه الواقعیه بما لها من المبادئ والملاکات حتی فی موارد الاشتباه والالتباس باعتبار أن اهتمام المولی فی الحفاظ علی الأحکام الواقعیه هو الملاک فی جعل الأحکام الظاهریه الالزامیه الطریقیه لأنها طریق إلی الحفاظ علی الأحکام الواقعیه فی موارد الاشتباه والالتباس.

ص: 264

واما الأمارات المتکفله للأحکام الترخیصیه فهی مجعوله علی أساس مصلحه عامه وهی مصلحه التسهیل بالنسبه إلی نوع المکلفین فلا فرق بینها وبین الأصول العملیه من هذه الناحیه.

وعلی هذا فما هو الفرق بین الأمارات وبین الأصول العملیه؟

والجواب عن ذلک: أن الأصولیین قد فرقوا بینهما بفروق متعدده: وهذه الفروق تتمثل فی ثلاثه آراء:

الرأی الأول: أن الأمارات تفترق عن الأصول العملیه فی سنخ المجعول فإن سنخ المجعول فی باب الأمارات غیر سنخ المجعول فی باب الأصول العملیه، وقد تبنت هذا الرأی مدرسه المحقق النائینی (1) (قده) فذکرت أن المجعول فی باب الأمارات هو الطریقیه والکاشفیه والعلم التعبدی، فالشارع جعل خبر الثقه علما تعبدیا وجعل ظواهر الالفاظ علما تعبدیا وطریقا إلی الواقع وکاشفا عنه فمن أجل ذلک تکون مثبتات الأمارات حجه باعتبار ان العلم بالملزوم یستلزم العلم باللازم والعلم بأحد المتلازمین یستلزم العلم بالملازم الآخر فمن أجل ذلک تکون مثبتات الأمارات حجه. واما سنخ المجعول فی باب الأصول العملیه فهی الجری العملی علی طبقها خارجا فی ظرف الجهل بالواقع والشک فیه بدون النظر إلی الواقع أصلا ومن هنا لا تکون مثبتاتها حجه.

وللمناقشه فیه مجال من جهتین:

الجهه الأولی: هی أنا قد ذکرنا غیر مره أنه لا جعل ولا مجعول فی باب الأمارات أصلاً؛ فإن جعل الطریقیه والکاشفیه والعلم التعبدی غیر ممکن ثبوتا لأنه إن أرید بالطریقیه المجعوله الطریقیه التکوینیه فهی غیر معقوله لأن طریقیه أخبار الثقه الناقصه ذاتیه وهی عین خبر الثقه کطریقیه القطع فإنها عین القطع ولیست لازمه للقطع وطریقیه أخبار الثقه إلی الواقع طریقیه ناقصه فهی عین خبر الثقه، وأما جعل الطریقیه التکوینیه لاستکمال الطریقیه الناقصه والتأکید علیها فهو غیر معقول لأن الجعل الشرعی لا یمکن ان یتعلق بالأمر التکوینی باعتبار أن المجعول إذا کان أمرا تکوینیا فلا بد أن یکون الجعل أمرا تکوینیا لأن الجعل عین المجعول ولیس شیئا آخر والاختلاف بینهما بالاعتبار کالإیجاد والوجود فهما متحدان ذاتا مختلفان اعتبارا فلا یعقل علی هذا ان یکون المجعول أمرا تکوینیا وهو الطریقیه التکوینیه والعلم التکوینی والجعل أمرا اعتباریا بل لا بد إذا کان الجعل أمرا تکوینیا أن یکون المجعول أمرا تکوینیا ولا یعقل أن یکون الجعل أمرا اعتباریا فلا یمکن تکوین الشیء بالجعل الشرعی باعتبار ان الجعل الشرعی إنما یتعلق بالأمور الشرعیه الاعتباریه ولا یعقل تعلقه بالأمور التکوینیه فلا یمکن جعل الطریقیه التکوینیه بحیث تکون إکمالا للطریقیه الناقصه وتتأکد الطریقیه الناقصه بها فلا یعقل ان تتأثر طریقیه خبر الثقه الناقصه بالطریقیه المجعوله وتتأکد بها وتکون هذه الطریقیه المجعوله إکمالا لها.

ص: 265


1- أجود التقریرات، تقریر بحث المحقق النائینی للسید الخوئی، ج2، ص416.

وإن أرید بالطریقیه الطریقیه الاعتباریه فهی لا واقع موضوعی لها فی الخارج لأن الأمر الاعتباری لا واقع موضوعی له فی الخارج إلا فی عالم الاعتبار وعالم الذهن ولا وجود له فی الخارج فلا یمکن ان تؤثر الطریقیه الاعتباریه فی الطریقیه التکوینیه ولا یمکن أن تتأثر طریقیه خبر الثقه التکوینیه الناقصه بالطریقیه الاعتباریه فتتأکد بها لأنه لا وجود لها إلا فی عالم الاعتبار . فوجود الطریقیه الاعتباریه مجرد لقلقه لسان ولا یترتب علیها أی اثر.

کما لا یمکن ان یکون مراد مدرسه المحقق النائینی من جعل الطریقیه تنزیل الأمارات منزله العلم الوجدانی فإن التنزیل یختلف عن جعل الطریقیه باعتبار ان مبنی مدرسه المحقق النائینی هو جعل الموضوع ومفاد مبنی التنزیل هو جعل الحکم مع بقاء الموضوع فتنزیل خبر الثقه منزله العلم معناه ترتیب أثر العلم علی خبر الثقه لا جعل خبر الثقه علما ولا جعله طریقا فهناک فرق بین جعل الطریقیه وبین التنزیل فلا یمکن حمل ما بنت علیه مدرسه المحقق النائینی من جعل الطریقیه علی التنزیل.

فما ذکرته مدرسه المحقق النائینی(قده) غیر معقول ثبوتا.

ومع الإغماض عن ذلک وتسلیم أنه ممکن ثبوتا فلا بد من الرجوع إلی أدله الحجیه والبحث عن أنه مدی دلالتها علی أن المجعول فی باب الأمارات هو الطریقیه والکاشفیه والعلم التعبدی. وسنبین ذلک.

هذه هی الجهه الأولی.

الجهه الثانیه: أن هدف مدرسه المحقق النائینی من البناء علی ان المجعول فی باب الأمارات هی الطریقیه والکاشفیه والعلم التعبدی إثبات أن مثبتات الأمارات حجه دون الأصول العملیه باعتبار أن العلم بالملزوم علم باللازم وإن کان علما تعبدیا فإن کان المجعول فی باب الأمارات هو العلم التعبدی فلا محاله تکون مثبتاتها حجه من جهه ان العلم بالملزوم علما باللازم وإن کان اللازم لازما عقلیا او لازما عادیا أو عرفیا.

ص: 266

ولکن لا یمکن الوصول إلی هذا الهدف بما ذکرته هذه المدرسه لأن العلم الوجدانی بالملزوم یستلزم العلم باللازم کما أن العلم الوجدانی بأحد المتلازمین یستلزم العلم بالملازم الآخر سواء کان عادیا أم کان عقلیا، واما إذا کان العلم علما تعبدیا فالعلم التعبدی لیس علما فی الحقیقه فی نفس الإنسان بل علما باعتبار الشارع وحینئذ یکون تابعا لمقدار التعبد فی السعه والضیق، لأنه کما یحتمل فی مقام الثبوت ان یکون الشارع قد جعل خبر الثقه علما بمدلوله المطابقی والالتزامی کذلک یحتمل أن یکون قد جعل خبر الثقه علما فی مدلوله المطابقی فقط دون مدلوله الالتزامی وعندئذ لا بد فی مقام الإثبات من الرجوع إلی أدله الحجیه والبحث عن إمکان شمول جعل العلم التعبدی حتی للمدلول الالتزامی، وحیث إن عمده الدلیل علی حجیه أخبار الثقه وظواهر الالفاظ السیره القطعیه من العقلاء الممضاه شرعا فمن الواضح انها جاریه علی أن خبر الثقه کما هو حجه فی مدلوله المطابقی کذلک هو حجه فی مدلوله الالتزامی أیضا وکذلک ظواهر الالفاظ.

وعلی هذا یکون الفرق بین ماذکرته مدرسه المحقق النایئنی وبین ما ذکرناه هو أن السیره هی الداله علی أن مثبتات الأمارات تکون حجه فیکون الفرق بینهما إثباتی لا ثبوتی.

أصاله البراءه بحث الأصول

الموضوع: أصاله البراءه

إلی هنا قد تبین أن أهداف مدرسه المحقق النائینی من جعل الفرق بین الأمارات وبین الأصول العملیه فی سنخ المجعول حیث إن المجعول فی باب الأمارات هو الطریقیه والکاشفیه والعلم التعبدی والمجعول فی باب الأصول العملیه هو الجری العملی علی طبقها خارجا فی ظرف الشک بالواقع بدون النظر إلیه ثلاثه:

الأول: أن الأماره علی هذا تقوم مقام القطع الموضوعی الطریقی المأخوذ فی موضوع الحکم بدون أی مؤنه.

ص: 267

الثانی: أن الأمارات علی هذا تکون حاکمه علی الأصول العملیه ورافعه لموضوعها تعبدا.

الثالث: أن مثبتات الأمارات علی هذا تکون حجه وأما مثبتات الأصول العملیه فلا تکون حجه.

وقد تقدم الکلام فیما مضی فی الهدفین الأولیین، وسوف یأتی تتمیم لذلک فی بعض البحوث الآتیه.

والکلام فعلا إنما هو فی الهدف الثالث. فتخیل مدرسه المحقق النائینی أن جعل الشارع أخبار الثقه علما تعبدیا یعنی أن العلم بالملزوم یستلزم العلم باللازم فالعلم بالمدلول الطابقی یستلزم العلم بالمدلول الالتزامی سواء کان المدلول الالتزامی لازما أو ملزوما أو أحد المتلازمین ومن أجل ذلک تکون مثبتات الأمارات حجه ولا فرق من هذه الناحیه بین العلم الوجدانی والعلم التعبدی، فکما أن العلم الوجدانی بالملزوم یستلزم العلم الوجدانی باللازم کذلک العلم التعبدی بالملزوم یستلزم العلم التعبدی باللازم وعلی هذا یکون العلم التعبدی بالمدلول المطابقی مستلزما للعلم التعبدی بالمدلول الالتزامی.

ولکن هذا غیر صحیح فإن العلم إذا کان وجدانیا فلا محاله یکون العلم بالملزوم مستلزما للعلم باللازم ولا یمکن التفکیک بینهما أو أن العلم باللازم یستلزم بطریق الإن العلم بالملزوم وکذلک العلم بأحد المتلازمین وجدانا یستلزم العلم بالملازم الآخر، فالعلم إذا کان وجدانیا فالأمر واضح.

وأما إذا کان العلم علما تعبدیا أی هو لیس بعلم حقیقه وإنما هو علم فی عالم الاعتبار فلا یستلزم العلم التعبدی بالملزوم العلم التعبدی باللازم لأنه لا تلازم بینهما حتی یقال بذلک باعتبار أن العلم التعبدی یتبع مقدار التعبد فی السعه والضیق، فإذا جعل خبر الثقه علما تعبدیا فکما یمکن ان یکون مقدار جعل الحجیه شاملا للمدلول المطابقی والمدلول الالتزامی معا کذلک یمکن ان یکون مقدار جعل الحجیه مختصا بالمدلول المطابقی دون المدلول الالتزامی فهذا تابع لمقدار التعبد.

ص: 268

وکلا الأمرین محتمل فی مقام الثبوت فلا یمکن القول بأن مثبتات الأمارات حجه لنکته ثبوتیه وهی أن العلم بالملزوم یستلزم العلم باللازم.

وعلی هذا لا بد من الرجوع إلی مقام الإثبات وهی أدله حجیه خبر الواحد الثقه لنری مقدار الاعتبار علی ما ذا یدل، فإن کان الدلیل علی خبر الثقه دلیلا لفظیا فإن وجد له إطلاق وکان مقتضی إطلاقه حجیه خبر الثقه بالمدلول المطابقی والمدلول الالتزامی معا فحینئذ یسوغ لنا القول بأن مثبتات الأمارات حجه وأما إذا لم یکن له إطلاق فعندئذ لا یمکن الحکم بحجیه الأماره فی المدلول المطابقی والمدلول الالتزامی معا.

هذا إذا کان الدلیل علی حجیه الأمارات لفظیا.

واما إذا کان الدلیل دلیلا لبیا کسیره العقلاء فهی عمده الدلیل علی حجیه أخبار الثقه وظواهر الالفاظ لإمضائها من قبل الشرع وسائر الأدله من الآیات والروایات علی تقدیر تمامیتها مؤکده للسیره ولیست فی مقام التأسیس، فلا شبهه فی جریانها علی حجیه أخبار الثقه فی کلا المدلولین وکذلک الحال فی ظواهر الالفاظ.

وعلی هذا تکون حجیه مثبتات الأمارات مبنیه علی نکته إثباتیه لا علی نکته ثبوتیه.

هذا من جانب

ومن جانب آخر أن جریان السیره علی حجیه أخبار الثقه دون أخبار غیر الثقه لا بد من ان یکون مبنیا علی نکته ولا یمکن ان یکون جزافا وتعبدا فإن التعبد إنما یتصور فی الأحکام الشرعیه واما فی الأمور العقلائیه والعرفیه فلا معنی للتعبد، فما لم تدرک النکته فی جریان سیرتهم علی العمل بأخبار الثقه فلا شبهه لا طریق لنا إلی التسلیم فی جریان سیرتهم علی ذلک، والنکته المبرره لذلک هی أن کاشفیه أخبار الثقه نوعا عن الواقع أقوی وأظهر من کاشفیه أخبار غیر الثقه فهذه الأقوائیه هی السبب لجریان سیره العقلاء علی حجیه أخبار الثقه دون أخبار غیر الثقه وکذلک الحال بالنسبه إلی ظواهر الالفاظ فإن کاشفیتها عن الواقع أقوی وأظهر من ظواهر الافعال.

ص: 269

وعلی هذا لا شبهه فی أن کاشفیه خبر الثقه الذاتیه النوعیه عن المدلول المطابقی تستلزم کاشفیتها بنفس الدرجه عن مدلولها الالتزامی وهذه الکاشفیه لا یمکن ان تکون مبنیه علی أساس الجعل؛ ضروره انه لا ملازمه بین الطریقیه الجعلیه لأخبار الثقه بمدلولها المطابقی والطریقیه الجعلیه لأخبار الثقه بالنسبه إلی مدلولها الالتزامی؛ لأنه إن أرید من الملازمه ان الجعل الثانی یتولد من الجعل الأول ومعلول له فهو غیر معقول لعدم تصور العلیه والمعلولیه فی الأمور الاعتباریه لأنه لا واقع موضوعی لها فی الخارج إلا فی عالم الاعتبار والعلیه والمعلولیه إنما تتصور فی الأمور التکوینیه الخارجیه، وعلیه لا یعقل علیّه اعتبار لاعتبار آخر، هذا مضافا إلی أن الاعتبار فعل المعتبر مباشره لا فعل المعتبر بالتسبیب أو بالعلیه، فلا یعقل علی هذا ان یکون اعتبار الطریقیه لخبر الثقه بالنسبه إلی المدلول الالتزامی معلولا لاعتبار الطریقیه لخبر الثقه بالنسبه إلی المدلول المطابقی.

وإن أرید بذلک أن جعل الطریقیه لخبر الثقه بالنسبه إلی المدلول المطابقی ملازم لجعل طریقیته بالنسبه المدلول الالتزامی أی أن کلا الجعلین صادر من المولی.

فیرد علیه أن الملازمه بین الجعلین بحاجه إلی دلیل ومبرر ولا دلیل علی ذلک فإن الجعل الثانی لا بد له من ملاک ومع وجود الملاک فلا محاله یکون الجعل الثانی جعل مستقلا عن الجعل الأول ولیس تبعا له وإن لم یوجد ملاک له فلا مبرر لهذه الملازمه.

فالنتیجه: ان ما ذکرته مدرسه المحقق النائینی(قده) غیر تام فلا یمکن أن تکون حجیه مثبتات الأمارات مبنیه علی أن المجعول فی باب الأمارات العلم التعبدی، بل هی مبنیه علی دلاله الدلیل فی مقام الإثبات.

ومن هنا ذکر السید الاستاذ(قده) (1) ان مجرد جعل الطریقیه والکاشفیه والعلم التعبدی لخبر الثقه ولظواهر الالفاظ لا یستلزم جعل هذه الطریقیه والکاشفیه بالنسبه إلی مدلوله الالتزامی.

ص: 270


1- مصباح الاصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الواعظ، ج3، ص155.

أصاله البراءه بحث الأصول

الموضوع: أصاله البراءه

إلی هنا قد تبین أن ملاک حجیه مثبتات الأمارات وعدم حجیه مثبتات الأصول العملیه لیس هو أن المجعول فی باب الأمارات هو الطریقیه والکاشفیه والعلم التعبدی والمجعول فی الأصول العملیه هو الجری العملی علی طبقها خارجا فی ظرف الجهل والشک فی الواقع بدون النظر إلیه لأنه - علی تقدیر القول بأن المجعول فی باب الأمارات هو الطریقیه والعلم التعبدی – لا یکون العلم التعبدی علما حقیقه وإنما هو علم اعتبارا ولا وجود له فی عالم الذهن وإنما الموجود فی عالم الذهن والاعتبار هو نفس الاعتبار واما العلم فلا وجود له أصلا، ولهذا لا یکون العلم التعبدی بالملزوم مستلزما للعلم التعبدی بلازمه وهذه الملازمه إنما هی موجوده فی العلم الوجدانی؛ إذ العلم الوجدانی بشیء یستلزم العلم الوجدانی بلوازمه وملزوماته جمیعا دون العلم التعبدی.

وعلی هذا لا أثر لکون المجعول فی باب الأمارات هو الطریقیه والعلم التعبدی فإنه لا یصلح لأن یکون ملاکا لحجیه مثبتات الأمارات، ومنه تعرف ان ملاک حجیه مثبتات الأمارات هو دلیل الحجیه فی مقام الإثبات فقط لأن دلیل الحجیه إن دل علی أن الأمارات الخاصه إذا کانت حجه فی مدلولها المطابقی فهی حجه فی مدلولها الالتزامی لجریان السیره العقلائیه الممضاه شرعا علی حجیه أخبار الثقه وظواهر الالفاظ فی مدالیلها الالتزامیه کما هی حجه فی مدالیلها المطابقیه فتثبت حجیه مثبتات الأماره بنفس دلیل حجیه الاماره.

ومن هنا ذکر سیدنا الأستاذ(قده) – رغم أنه بنی علی ان المجعول فی باب الأمارات هو الطریقیه والعلم التعبدی – أن هذا لا یصلح لأن یکون ملاکا لحجیه مثبتات الأمارات لأن العلم التعبدی لیس بعلم فی الواقع ومن هنا خص حجیه مثبتات الأمارات بالأمارات المتضمنه لمزیه حکایه لسانها عن الواقع والإخبار عنه کأخبار الثقه وظواهر الالفاظ فإن الملازمه ثابته فی الإخبار عن شیء والإخبار عن لوازمه وهذا یعنی ان دلیل حجیتها یدل علی أنها کما تکون حجه فی مدلولها المطابقی کذلک هی حجه فی مدلولها الالتزامی ومن هنا بنی (1) (قده) علی أن الاستصحاب أماره ومع ذلک لا تکون مثبتاته حجه والظن الحجه أماره ولا تکون مثبتاته حجه کالظن فی عدد الرکعات فی الصلاه فرغم انه حجه إلا أن مثبتاته لا تکون حجه. ومن هنا یکون حال الأماره التی لسانها لیس لسان الحکایه عن الواقع کحال الأصول العملیه.

ص: 271


1- مصباح الاصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الواعظ، ج3، ص154.

إلی هنا قد تبین: أن هذا الرأی - مضافا إلی أنه لا یصلح لأن یکون ملاکا لحجیه مثبتات الأمارات - غیر صحیح.

الرأی الثانی: أن الفرق بین الأمارات والأصول العملیه إنما هو فی مقام الإثبات لأن عدم العلم بالواقع مأخوذ فی موضوع أدله الأصول العملیه بینما لا یکون الشک مأخوذا فی موضوع أدله حجیه الأمارات.

ولکن هذا الفرق لا أثر له، ولا یترتب علیه ما هو المطلوب من حجیه مثبتات الأمارات وعدم حجیه مثبتات الأصول العملیه.

والوجه فی ذلک: هو أن الشک وإن لم یأخذ فی موضوع أدله حجیه الأمارات فی مقام الإثبات ولکنه مأخوذ فی موضوع أدله حجیه الأمارات فی مقام الثبوت ولا یعقل ان تکون الأماره حجه للعالم بالواقع لأنه من تحصیل الحاصل بل هو من أردأ أنحاء تحصیل الحاصل لأن ما هو ثابت بالوجدان لا یمکن إثباته بالتعبد للزوم اللغویه التی لا یمکن صدورها من المولی الحکیم ومن هنا تکون الأماره حجه علی الجاهل بالواقع والشاک فیه، لأن المکلف بحسب الواقع لا یخلو إما انه جاهل بالواقع وغیر عالم به أو انه عالم بالواقع وحیث أنه لا یعقل جعل الحجیه للعالم بالواقع فلا محاله یختص جعل حجیه الأماره للجاهل بالواقع وعدم العلم به.

وعلیه یکون الشک مأخوذ فی موضوع الحجیه فی مقام الثبوت.

ویترتب علیه: أنه لا أثر للفرق المذکور فی مقام الإثبات لأنه لا فرق بین الأمارات والأصول العملیه فی مقام الثبوت فکما أن الشک والجهل بالواقع مأخوذ فی موضوع أدله حجیه الأمارات کذلک یکون الشک والجهل بالواقع مأخوذ فی موضوع أدله الأصول العملیه فلا یوجد أی فرق بین الأمارات والأصول العلمیه من هذ الناحیه.

قد یقال کما قیل: إن الشک مأخوذ فی مورد حجیه الأمارات لا فی موضوعها بینما الشک مأخوذا فی موضوع ادله حجیه الأصول العملیه الشرعیه.

ص: 272

ولکن هذا القیل: لا یرجع إلی معنی محصل إذ لا فرق بین المورد والموضوع لأن مورد حجیه الأمارات هو الموضوع والموضوع هو المورد ولیس المورد شیء والموضوع شیء آخر ذلک لأن موضوع حجیه الأمارات إما الجاهل بالواقع وعدم العلم به أو موضوعها الأعم منه ومن العالم بالواقع والثانی غیر معقول فلا یمکن ان یکون العالم بالواقع موضوعا لحجیه أدله الأمارات ولا یعقل جعل الحجیه له لأنه لغو وتحصیل للحاصل بل هو من أردأ أنحاء تحصیل الحاصل فیتعین الأول، وهو ان موضوع ادله حجیه الأمارات هو الجاهل بالواقع وغیر العالم به وهو ایضا مورد الحجیه.

قد یقال کما قیل: إن الفرق - وهو أن الشک مأخوذ فی لسان أدله حجیه الأصول العملیه الشرعیه بینما هو غیر مأخوذ فی لسان أدله حجیه الأمارات - له أثر وهو ان الأمارات تتقدم علی الأصول العملیه فطالما یمکن العمل بالأمارات والاستدلال بها فلا تصل النوبه إلی الأصول العملیه الشرعیه لتقدمها علیها حتی فی مثل الأصل العملی الذی یکون المجعول فیه الطریقیه کالاستصحاب لا بملاک أن الشک مأخوذ فی لسان أدله حجیه هذه الأصول ولم یکن مأخوذا فی لسان ادله حجیه الأمارات بل من ناحیه ان الأمارات علم تعبدا وطریق إلی الواقع.

ولکن هذا القیل: أیضا غیر صحیح، وذلک:

أولاً: أن المجعول فی باب الاستصحاب لیس هو الطریقیه بل هو الجری العملی علی طبق الحاله السابقه فی ظرف الشک فیها والجهل بها ومن هنا قلنا: إنه لا یوجد فی مورد الاستصحاب ما یصلح لأن یکون طریقا فإن الیقین بالحاله السابقه قد زال ولا یقین فعلا والموجود هو الشک ببقاء الحاله السابقه والشک لا یصلح للطریقیه وکاشفا عن الواقع واما أدله حجیه الاستصحاب فمفادها التعبد بالیقین ولیس مفادها جعل الحاله السابقه طریقا فإن الحاله السابقه إنما تصلح أن تکون طریقا إذا ثبتت الملازمه بین حدوث شیء واستمراره وحینئذ یمکن القول بأن الیقین بالحدوث مستمر استنادا إلی هذه الملازمه فتکون أماره علی البقاء، ولکن الأمر لیس کذلک لأن الشیء قد یحدث ولا یبقی وقد یحدث ویبقی بلحاظ اختلاف الأشیاء فی الخارج لأن البقاء بحاجه إلی عله کالحدوث لأنه أیضا وجود غایه الأمر أنه وجود ثان مسبوق بوجود آخر فهو إذاً بحاجه إلی عله مقارنه له ومن هنا یحصل الاختلاف بین الأشیاء فقد یحدث ویبقی وقد یحدث ولا یبقی من جهه بقاء علته، ومن هنا قلنا: إن المجعول فی باب الاستصحاب هو الجری العملی علی طبق الحاله السابقه أی العمل علی طبقها فی ظرف الجهل والشک بالواقع ولهذا بنینا علی ان الاستصحاب لیس من الأصول المحرزه بل هو من الأصول غیر المحرزه ولا فرق بینه وبین أصاله البراءه والطهاره فکما أن المجعول فی أصاله البراءه هو الجری العملی علی طبق الحاله السابقه فی ظرف الشک والجهل بالواقع کذلک فی الاستصحاب.

ص: 273

وثانیاً: أن الشک المأخوذ فی لسان روایات الاستصحاب یراد به عدم الیقین الوجدانی لا الأعم منه ومن عدم الیقین التعبدی لأن الیقین التعبدی لیس بیقین حقیقه بل هو مجرد اعتبار من الشارع ولا واقع موضوعی له فی عالم الخارج وفی عالم النفس، ومن هنا لا یصلح الیقین التعبدی لأن یکون رافعا لموضوع الاستصحاب وجدانا ولا تعبدا، إما وجدانا فهو ظاهر وإما تعبدا فلأنه لیس بعلم حتی یکون رافعا لموضوع الاستصحاب تعبدا.

نعم لو کان المأخوذ فی موضوع الاستصحاب عدم الیقین الأعم من عدم الیقین الوجدانی وعدم الیقین التعبدی لکانت الأمارات رافعه لموضوع الاستصحاب وجدانا فیکون تقدیمها علیها من باب الورود لا من باب الحکومه، وقد عرفت أن الأمر لیس کذلک لأن المأخوذ فی موضوع الاستصحاب هو عدم الیقین الوجدانی.

وبهذا یتبین عدم تمامیه هذا الرأی ایضاً.

اصاله البراءه بحث الأصول

الموضوع: اصاله البراءه

الرأی الثالث: ما اختاره بعض المحققین (1) (قده) من ان منشأ جعل الحکم الظاهری فی موارد الأمارات وموارد الأصول العملیه هو علاج التزاحم الحفظی علی أساس المرجح الکمی أو الکیفی فی مقابل التزاحم الملاکی والتزاحم الامتثالی.

وبیان ذلک: أن التزاحم علی ثلاثه أنواع:

النوع الأول: التزاحم الملاکی وهو التزاحم بین ملاکین: ملاک الوجوب وملاک الإباحه او ملاک الوجوب وملاک الحرمه فی فعل واحد فی الخارج وحیث لا یمکن الجمع بینهما فی فعل واحد فلا یعقل أن یکون فعل واحد مشتملا علی مصلحه ملزمه وعلی مفسده ملزمه أو مشتملا علی مصلحه ملزمه وعلی مصلحه ترخیصیه، فلا بد من الرجوع إلی المرجحات وترجیح أحد الملاکین علی الملاک الآخر، وهذا الترجیح فی موارد هذا التزاحم بید الشارع لأنه لا طریق للمکلف إلی ملاکات الأحکام ومبادئها لا کما وکیفا حتی یقوم بالترجیح فلو فرض علم المکلف بوجود الملاک ولکن لا یعلم کیفیته ولا کمیته فمن أجل ذلک یکون الترجیح بید الشارع لا بید المکلف فإذا رأی الشارع أن احد الملاکین أقوی من ملاک الآخر وأهم فبطبیعه الحال یجعل الحکم علی طبقه.

ص: 274


1- بحوث فی علم الاصول، تقریر بحث السید الشهید للسید الشاهروی، ج5، ص12.

النوع الثانی: التزاحم فی مقام الامتثال ومنشأ هذا التزاحم هو عدم قدره المکلف علی الجمع بین الفعلین فی مقام الامتثال فإن للمکلف قدره واحده فإن صَرَفها فی امتثال أحدهما عجز عن امتثال الآخر وبالعکس فلهذا یقع التزاحم بینهما کالتزاحم بین وجوب الصلاه فی آخر الوقت وبین وجوب إزاله النجاسه عن المسجد فإن المکلف غیر قادر علی الجمع بینهما فإنْ صَرَف قدرته علی الاتیان بالصلاه عجز عن إزاله النجاسه عن المسجد وإن عکس فبالعکس ولهذا تقع المزاحمه بینهما فلا بد من الرجوع إلی مرجحات باب المزاحمه فإن کان أحدهما أهم من الآخر أو محتمل الاهمیه فلا بد من تقدیمه علی الآخر علی تفصیل تقدم ویأتی فی البحوث الاتیه ولا سیما فی مبحث التعادل والترجیح.

النوع الثالث: التزاحم الحفظی وهذا التزاحم ناشئ من جعل الأحکام الظاهریه فی موارد الأمارات والأصول العملیه فی موارد الاشتباه والالتباس لأن منشأ هذا التزاحم اقتضاء الوجوب الحفاظ علی الواجب حتی فی موارد الاشتباه والالتباس واقتضاء الإباحه الحفاظ علی المباح حتی فی موارد الاشتباه والالتباس ولا یمکن الجمع بین حفظ کلیهما معا فی موارد الاشتباه والالتباس وموارد الشک والتردد فحفظ کلیهما لا یمکن ولا یکون فی هذا النوع تزاحم بین الملاکین فإن ملاک الوجوب قائم بالواجب وملاک الإباحه قائم بالمباح ولا تزاحم بینهما کما لا تزاحم بینهما فی مرحله الامتثال لأن المکلف قادر علی امتثال کلا الحکمین، بل التزاحم إنما هو فی توسعه دائره المحرکیه والباعثیه والداعویه للتکالیف الواقعیه حتی فی موارد الاشتباه والالتباس فإن وجوب الواجب یقتضی تحریک المکلف نحو الاتیان به حتی فی موارد الاشتباه والالتباس وموارد الشک والاختلاط وإباحه المباح تقتضی الحفاظ عل المباح حتی فی موارد الاشتباه والشک والتردد فمن أجل ذلک فلا یمکن الجمع بین حفظ کلیهما معا فتقع المزاحمه بینهما، باعتبار ان کل فعل مردد بین کونه واجبا او مباحا فلا یمکن الحفاظ علی الواجب والمباح معا فمن أجل ذلک تقع المزاحمه فی مقام الحفظ فی موارد الاشتباه والتردد.

ص: 275

ثم إن علاج مشکله التزاحم الحفظی إما بقوه الاحتمال والکاشفیه والطریقیه وإما بأهمیه المحتمل وحیث إن الحجیه المجعوله فی موارد الأمارات کأخبار الثقه وظواهر الالفاظ ونحوهما إنما هی علی أساس قوه الاحتمال وقوه الکاشفیه عن الواقع وقوه الطریقیه فمن أجل ذلک تکون حقیقه الأماره وروحها قوه الاحتمال والکاشفیه عن الواقع، وأما فی موارد الأصول العملیه الشرعیه کالاستصحاب واصاله البراءه والطهاره ونحوها فجعل الحجیه لها فی موارد الاشتباه والالتباس إنما هو علی أساس أهمیه المحتمل فلهذا تکون حقیقه الأصول العملیه الشرعیه وروحها أهمیه المحتمل.

وعلی هذا تکون حجیه مثبتات الأمارات علی القاعده فإن الأماره علی أساس کاشفیتها تدل علی مدلولها المطابقی وبنفس هذه الکاشفیه تدل علی مدلولها الالتزامی فتکون حجیه مثبتات الأمارات علی القاعده لأن الأماره إذا کانت کاشفه عن مدلولها المطابقی فهی کاشفه بنفس الدرجه عن مدلولها الالتزامی.

وبکلمه: ان الجمع بین الاقتضاءین لا یمکن: اقتضاء الوجوب الحفاظ علی الواجب حتی فی موارد الاشتباه والالتباس وموارد الشک والتردد واقتضاء الإباحه الحفاظ علی المباح حتی فی هذه الموارد واما رفع هذه المشکله برفع الجهل والشک والتردد إما أنه لا یمکن او أنه ممکن ولکن الشارع لا یری مصلحه فیه فمن أجل ذلک قام بعلاج هذه المشکله بجعل الحکم الظاهری فی موارد الأمارات وموارد الأصول العملیه وحیث إن جعل الحکم الظاهری فی موارد الأمارات والأصول العملیه لیس جزافا وبلا نکته مبرره لذلک فإن صدور الجزاف من المولی الحکیم مستحیل، والنکته المبرره لذلک متمثله فی أمرین:

الأمر الأول: قوه الاحتمال والکاشفیه عن الواقع والطریقیه إلیه.

الأمر الثانی: أهمیه المحتمل.

وهذا الترجیح أیضا بید الشارع حیث لا طریق للمکلف إلی ملاکات الأحکام وخصوصیاتها الکیفیه والکمیه وبما أن کاشفیه الأمارات کأخبار الثقه أقوی من کاشفیه أخبار غیر الثقه وکاشفیه ظواهر الالفاظ أقوی من کاشفیه ظواهر الافعال فلأجل ذلک جعل الشارع الحجیه لأخبار الثقه وظواهر الالفاظ علی أساس قوه الکاشفیه والطریقیه.

ص: 276

واما فی موارد الأصول العملیه فإذا رأی الشارع أن أحد الملاکین أهم من ملاک آخر فیجعل الحجیه للأصول العملیه علی طبق أهمیه المحتمل.

فإذاً کما ان حقیقه حجیه الأماره وروحها قوه الکاشفیه کذلک حقیقه حجیه الأصول العملیه وروحهما أهمیه المحتمل.

فالنتیجه أن حجیه مثبتات الأمارات علی هذا تکون علی القاعده.

هذا ملخص ما ذکره(قده).

اصاله البراءه بحث الأصول

الموضوع: اصاله البراءه

کان کلامنا فیما ذکره بعض المحققین(قده) من أن منشأ جعل الحکم الظاهری فی موارد الأمارات والأصول العملیه التزاحم الحفظی علی أساس المرجحات الکمیه والمرجحات الکیفیه فی مقابل التزاحم الملاکی والتزاحم الامتثالی فهنا أقسام ثلاثه من التزاحم:

القسم الأول: التزاحم الملاکی وهو التزاحم بین الملاکین فی مرحله المبادئ وفی مرحله المبادئ قد یقع التزاحم بین المصلحه والمفسده فیکون الترجیح فی هذه المرحله بید المولی لا بید المکلف.

القسم الثانی: التزاحم فی مرحله الامتثال فلا یکون المکلف قادرا علی امتثال کلا الواجبین معا لأن له قدره واحده فإن صرفها فی امتثال أحدهما عجز عن امتثال الآخر فمن أجل ذلک یقع التزاحم بینهما.

القسم الثالث: التزاحم الحفظی وهو لیس من قبیل التزاحم الملاکی لأن ملاک الإباحه قائم بالمباح وملاک الوجوب قائم بالواجب فی موارد الاشتباه بین الواجب والمباح فلا تزاحم بین الملاکین أصلا فإن موضوع کل منهما غیر موضوع الآخر وهو أیضا لیس من قبیل التزاحم فی مرحله الامتثال لأن المکلف متمکن من امتثال الواجب وامتثال المباح إما فعلا أو ترکا وکذلک متمکن من امتثال الحرام مع امتثال المباح ولا تزاحم بینهما فی هذه المرحله وإنما التزاحم فی مقام الحفظ فی موارد الاشتباه والالتباس فإن الوجوب فی هذه الموارد یقتضی الحفاظ علی الواجب والإباحه فی هذه الموارد تقتضی الحفاظ علی المباح والمکلف لا یقدر فی موارد الاشتباه والالتباس من الجمع بین حفظ الواجب والمباح معا او حفظ الحرام وحفظ المباح معا فلا بد من الرجوع إلی المرجحات والترجیح إنما هو بید المولی فإن المولی لأجل علاج مشکله هذا التزاحم الحفظی یستعین بأحد أمرین: إما بالترجیح من خلال قوه الاحتمال الکاشفه عن الواقع او بالترجیح من خلال أهمیه المحتمل.

ص: 277

هذا ملخص ما ذکره(قده) علی تفصیل ذکرناه سابقا.

وهذه النظریه ترجع الی نقطتین أساسیتین:

النقطه الأولی: ان منشأ جعل الأحکام الظاهریه فی موارد الأمارات والأصول العملیه إنما هو التزاحم الحفظی فی موارد الاشتباه والالتباس والاختلاط وعلاج مشکله هذا التزاحم إما بقوه الاحتمال بدرجه الکشف او بأهمیه المحتمل.

النقطه الثانیه: ان قوه الاحتمال بدرجه الکشف فی المدلول المطابقی هی ملاک حجیه الأمارات وحینئذ لا محاله تکون حجه فی لوازمها وملزوماتها بنفس درجه الکشف ومن هنا تکون حجیه مثبتات الأمارات علی القاعده فلا تحتاج إلی أی مؤونه ومقدمه خارجیه.

واما جعل الحکم الظاهری فی موارد الأصول العملیه فیکون بملاک أهمیه المحتمل ومن الواضح أنه لا ملازمه بین أهمیه المدلول المطابقی وأهمیه المدلول الالتزامی ومن هنا لا تکون مثبتات الأصول العملیه حجه.

ولنا تعلیق علی کلتا النقطتین:

اما النقطه الأولی: فقد ذکرنا فی مستهل بحث الظن ان الأحکام الظاهریه الشرعیه علی قسمین:

القسم الأول: الأحکام الظاهریه اللزومیه وهی أحکام طریقیه وجعلها إنما هو بغرض الحفاظ علی الأحکام الواقعیه بما لها من الملاکات والمبادئ حتی فی موارد الاشتباه والالتباس فإن اهتمام المولی بالحفاظ علی الأحکام الواقعیه الالزامیه بما لها من المبادئ والملاکات اللزومیه حتی فی موارد الاشتباه والالتباس هو السبب والملاک لجعل الأحکام الظاهریه اللزومیه الطریقیه وهذه الأحکام الظاهریه فی طول الأحکام الواقعیه فهی ناشئه عن نفس ملاکات الأحکام الواقعیه ولیست لها ملاکات أخری إذ لو کان لها ملاکات أخری لکانت فی عرض الأحکام الواقعیه لا فی طولها ولکانت أحکام مستقله مع أن الأمر لیس کذلک فإن الأحکام الظاهریه اللزومیه أحکام طریقیه ناشئه من اهتمام المولی بالحفاظ علی الأحکام الواقعیه اللزومیه بما لها من الملاکات والمبادئ حتی فی موارد الاشتباه والالتباس وهذا الاهتمام کما أنه منشأ لجعل الأحکام الواقعیه کذلک هو منشأ لجعل الأحکام الظاهریه اللزومیه ولهذا تکون هذه الأحکام الظاهریه اللزومیه طریق إلی الأحکام الواقعیه وفی طولها لأنها ناشئه من اهتمام المولی بالحفاظ علی مبادئ الأحکام الواقعیه وملاکاتها اللزومیه حتی فی موارد الاشتباه والالتباس.

ص: 278

فإذاً جعل الأحکام الظاهریه اللزومیه بما انها احکام طریقیه ولا شأن لها إلا تنجیز الأحکام الواقعیه عند الإصابه وتعذیرها عند الخطأ فلا عقوبه علی مخالفتها والعقوبه إنما هی علی مخالفه الأحکام الواقعیه ولا مثوبه علی موافقتها والمثوبه إنما هی علی الأحکام الواقعیه.

وعلی هذا فمنشأ جعل الأحکام الظاهریه اللزومیه هو اهتمام المولی بالحفاظ علی الأحکام الواقعیه اللزومیه بما لها من الملاکات والمبادئ حتی فی موارد الاشتباه والالتباس لا منشأ جعلها التزاحم الحفظی فإن التزاحم بین الملاکات الترخیصیه وبین الملاکات اللزومیه غیر متصور باعتبار أن إباحه الأشیاء ذاتیه ولیست مجعوله فی الشریعه المقدسه والمجعول هو الأحکام اللزومیه أو الاستحباب والکراهه وأما الإباحه فهی ثابته قبل وجود الشرع والشریعه وهذا مما یظهر من الروایات أیضا کقوله(ع): (کل شیء مطلق حتی یرد فیه نهی) (1) فإنه یدل علی أن کل شیء مباح طالما لم یرد فیه نهی وهذا یعنی ان الإباحه لشیء ذاتیه ولیست مجعوله وإذا لم تکن مجعوله فلا ملاک لها لأن الجعل لا بد له من ملاک یدعو الجاعل إلی الجعل وإلا کان لغوا فالوجوب والحرمه والطهاره والنجاسه والشرطیه والجزئیه وهکذا باقی الأحکام الوضعیه فإن جعل مثل هذه لا یمکن ان یکون جزافا فلا محاله یکون من أجل مبادئ وملاکات واقعیه هی التی تدعو الجاعل إلی جعلها.

ومع الإغماض عن ذلک وتسلیم أن إباحه المباح مجعوله فی الشریعه المقدسه ولکن لا یتصور التزاحم بین الملاک الترخیصی والملاک اللزومی فإن الملاک الترخیصی معناه أن المکلف مرخص فی فعله وترکه معا ومن الواضح انه لا یصلح أن یزاحم الملاک اللزومی سواء کان اللزوم من ناحیه الوجوب أو من ناحیه الحرمه فإن هذا الملاک اللزومی یؤثر فی المبغوضیه والکراهه ویؤثر فی المحبوبیه والاستحباب ولا تزاحم بینهما فی مرحله الامتثال فإن الملاک الترخیصی لا یقتضی الامتثال فالمکلف مخیر بین الفعل والترک وما یقتضی الامتثال هو الملاک اللزومی اعم من الوجوب والحرمه.

ص: 279


1- وسائل الشیعه، الحر العاملی، ج27، ص173، ک القضاء، ابواب صفات القاضی، باب12، ح67، ط آل البیت.

فإذاً لا یمکن ان یکون جعل الأحکام الظاهریه اللزومیه ناشئ من التزاحم الحفظی لعدم تصور التزاحم بین الملاک اللزومی والملاک الترخیصی لا فی مرحله المبادئ والملاکات ولا فی مرحله الامتثال، بل هو ناشئ من اهتمام المولی بالحفاظ علی الأحکام الواقعیه اللزومیه بما لها من المبادئ والملاکات حتی فی موارد الاشتباه والالتباس فهذا هو مقتضی جعل الأحکام الظهاریه اللزومیه.

واما القسم الثانی: وهو الأحکام الظهاریه الترخیصیه کما هو مفاد أصاله الإباحه الشرعیه ومفاد أصاله الطهاره ومفاد الأمارات المتکفله للأحکام الترخیصیه ومفاد استصحاب عدم الوجوب او عدم الحرمه أو استصحاب إباحه شیء فإن هذه الأمارات والأصول العملیه متکفله للأحکام الظاهریه الترخیصیه ومن الواضح أن جعل الأحکام الظاهریه الترخیصیه لم ینشأ عن المبادئ والملاکات الواقعیه لأن منشئها إنما هو مصلحه عامه وهی مصلحه التسهیل النوعیه بالنسبه إلی نوع المکلفین فهذه المصلحه تدعو المولی إلی جعل الأحکام الظاهریه وهذه المصلحه مترتبه علی جعل الأحکام الظاهریه لا أن الأحکام الظاهریه الترخیصیه ناشئه من هذه المصلحه فی المرتبه السابقه بل هذه المصلحه العامه النوعیه مترتبه علی جعل هذه الأحکام الترخیصیه الظاهریه.

وعلی هذا لا یکون جعل الأحکام الظاهریه الترخیصیه ناشئا من التزاحم الحفظی أیضا.

فما ذکره(قده) لا یمکن المساعده علیه.

أصاله البراءه بحث الأصول

الموضوع: أصاله البراءه

انتهینا إلی أن منشأ جعل الأحکام الظاهریه الإلزامیه الطریقیه کوجوب الاحتیاط والاستصحاب المثبت للتکلیف والأمارات المتکفله للأحکام الالزامیه هو اهتمام المولی بالحفاظ علی ملاکات الأحکام الواقعیه الالزامیه حتی فی موارد الشک والاشتباه والالتباس بحیث أن الشارع لا یرضی بتفویت هذه الملاکات حتی فی هذه الموارد وهذا یوجب توسعه دائره محرکیه هذه الملاکات من دائره العلم إلی دائره الشک والاشتباه والالتباس ولیس منشأ جعل هذه الأحکام الالزامیه علاج مشکله التزاحم الحفظی إذ لا تزاحم فی ملاکات الأحکام الواقعیه الالزامیه فی موارد الاشتباه والالتباس لأن منشأ التزاحم الحفظی هو جعل الأحکام الترخیصیه والمباحات الواقعیه فی الشریعه المقدسه لأنها لو کانت مجعوله فلا محاله یکون لها ملاک وملاکها یصلح ان یزاحم ملاکات الأحکام الإلزامیه الواقعیه فی مقام الحفظ.

ص: 280

ولکن یرد علی هذا القول:

أولاً: ان المباحات الأصلیه لم تکن مجعوله فی الشریعه المقدسه بل هی ثابته من الأزل وذاتیه بمعنی ذاتی باب البرهان لأن الإنسان مطلق العنان یفعل ما یشاء ویترک ما یشاء والشریعه قد جاءت لتحدید هذا الاطلاق وتقییده بحدود معینه وبقیود مخصوصه لا تضر بحریه الإنسان أیضا إذ هو حر فی تکلمه شریطه أن لا یکون کذبا أو غیبه للمؤمنین وهو حر فی عمله شریطه أن لا یکون محرما وأن لا یضر بالناس وما شاکل ذلک ولکن الشریعه جاءت لتحدید هذا الاطلاق باعتبار أن هذا الإطلاق ربما أدی إلی الهرج والمرج واختلال النظام فی الکره الأرضیه فجاءت الشریعه لحفظ العداله الاجتماعیه والتساوی فی الحقوق ولحفظ الأمن.

فإذاً لیست المباحات الأصلیه مجعوله حتی یکون لها منشأ وملاک.

وثانیاً: لو سلم أن المباحات الأصلیه مجعوله فی الشریعه المقدسه ولکن منشأ جعلها عدم المقتضی للحکم اللزومی ( التکلیفی والوضعی) فی الفعل وعدم الملاک وعلیه لا یکون هناک ملاک للأحکام الترخیصیه حتی یکون مزاحما لملاک الأحکام الالزامیه فی مقام الحفظ.

وثالثاً: ولو تنزلنا عن ذلک وسلم أن جعل الإباحه الشرعیه ناشئ عن وجود مقتضی له کما هو الحال فی جعل الوجوب والحرمه وغیرها من الأحکام الإلزامیه التکلیفیه والوضعیه ولکن مقتضی الترخیص یقتضی ترخیص المکلف بین الفعل والترک فیکون المکلف مخیر بین الفعل والترک ومن الواضح أن هذا المقتضی لا یصلح ان یزاحم مقتضی الوجوب باعتبار ان مقتضی الوجوب یلزم المکلف بالإتیان بالواجب بحیث لو لم یأتی به لاستحق الإدانه والعقوبه ومن الواضح أن مقتضی الحکم الترخیصی لا یصلح لمزاحمه مقتضی الحکم الإلزامی فی مقام الحفظ.

فالنتیجه: ان جعل الحکم الظاهری الالزامی هو بملاک اهتمام المولی بالحفاظ علی ملاکات الأحکام الواقعیه الالزامیه حتی فی موارد الاشتباه والالتباس بحیث لا یرضی الشارع بتفویت تلک الملاکات فی هذه الموارد أیضا ولا مزاحم للملاکات والمبادئ للأحکام الالزامیه وإن قلنا بأن المباحات مجعوله فی الشریعه المقدسه.

ص: 281

واما النوع الثانی: ____ من الأحکام الظاهریه وهی الأحکام الترخیصیه کأصاله البراءه الشرعیه واستصحاب الحکم الترخیصی أو استصحاب عدم الوجوب او عدم الحرمه وکأصاله الطهاره ___ فإنها مجعوله فی الشریعه المقدسه لمصلحه عامه وهی المصلحه التسهیلیه بالنسبه الی نوع المکلفین فهی نوع إرفاق بهم وتسهیل علیهم فإن هذه المصلحه تدعو الشارع إلی جعل هذه الأحکام الترخیصیه وتترتب هذه المصلحه علی هذه الأحکام فی مقام الفعلیه فإذا جعل الشارع الأحکام الترخیصیه الظاهریه وصارت فعلیه فبطبیعه الحال تترب تلک المصلحه العامه علیها.

ولکن تلک المصلحه العامه قد تؤدی إلی تفویت الواجب أو ارتکاب الحرام لأن هذه الاحکام الترخیصیه لا تکون موافقه للواقع دائما ولکن مثل هذا لا یضر:

أولاً: لتقدم المصلحه العامه علی المصالح الشخصیه لأن المصالح الشخصیه لا تصلح لمزاحمه المصالح العامه بالنسبه الی نوع الکلفین.

وثانیاً: أنه لا أثر لترک الواجب الواقعی غیر المنجز ولا أثر للوقوع فی الحرام غیر المنجز باعتبار أن هذه الأحکام الظاهریه الترخیصیه مانعه عن تنجیز الأحکام الواقعیه فهی معذره.

فالنتیجه: أن منشأ جعل الحکام الظاهریه الالزامیه اهتمام المولی بالحفاظ علی ملاکات الأحکام الواقعیه اللزومیه حتی فی موارد الاشتباه والالتباس واما جعل الأحکام الظاهریه الترخیصیه فمنشؤها المصلحه العامه وهی المصلحه التسهیلیه بالنسبه الی نوع المکلفین.

هذا کله فی النقطه الأولی.

واما النقطه الثانیه: فقد ذکر(قده) ان قوه الاحتمال بدرجه الکشف هی الملاک لحجیه الأمارات فإذا کانت الأمارات حجه فی مدلولها المطابقی کانت حجه فی مدلولها الالتزامی بنفس هذه الدرجه ومن هنا تکون حجیه مثبتات الأمارات علی القاعده ولا تحتاج إلی أی مقدمه خارجیه وأی دلیل واما ملاک حجیه الأصول العملیه فأهمیه المحتمل من دون النظر علی الاحتمال بدرجه الکشف فلذلک لا تکون مثبتاتها حجه وإنما هی حجه فی مدلولها المطابقی فقط.

ص: 282

وما أفاده(قده) لا یمکن المساعده علیه:

أما ما ذکره من ان ملاک حجیه الأمارات هو بقوه الاحتمال بدرجه الکشف:

فإن أرید: من هذا الکشف هو ان الأماره کاشفه عن مدلولها المطابقی کشفا شخصیا ولو کان بدرجه الظن وحینئذ تکون کاشفه کشفا شخصیا عن مدلولها الالتزامی بنفس هذه الدرجه باعتبار أن الکشف الظنی عن المدلول المطابقی یستلزم الکشف الظنی عن المدلول الالتزامی.

فیرد علیه: ان حجیه الأمارات کظواهر الا