آرشیو دروس خارج اصول آیت الله سید علیرضا حائری35

اشاره

سرشناسه:حائری، علیرضا

عنوان و نام پدیدآور:آرشیو دروس خارج اصول آیت الله سید علیرضا حائری35 /علیرضا حائری.

به همراه صوت دروس

منبع الکترونیکی : سایت مدرسه فقاهت

مشخصات نشر دیجیتالی:اصفهان:مرکز تحقیقات رایانه ای قائمیه اصفهان، 1396.

مشخصات ظاهری:نرم افزار تلفن همراه و رایانه

موضوع: خارج اصول

آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

العنوان: آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

ذکرنا قبل العطله أَن الکلام فی الخبر الواحد یقع فی مرحلتین:

المرحله الأولی: أصل الْحُجِّیَّه.

المرحله الثانیه: دائره الْحُجِّیَّه وحدودها.

أما المرحله الأولی فهناک من یقول بالحجیه کما أَن هناک من ینفی الْحُجِّیَّه، ولکل منهما دلیله، وقد ذکرنا فیما سبق أدله القائلین بعدم الْحُجِّیَّه من الکتاب والسنه والإجماع والعقل. وناقشنا هذه الأدله بالتفصیل وانتهینا إِلَیٰ أَنَّهُ لا یوجد لدینا ما یَدُلُّ عَلَیٰ عدم الْحُجِّیَّه.

أما القول الآخر وهو القول بالحجیه فأیضاً اسْتَدَلَّ علیه بالأدله الأربعه المذکوره. أما الکتاب فقد اسْتَدَلَّ بآیات منها آیه النبأ {یا أیها الَّذِینَ آمنوا إِن جاءکم فاسق بنبأ فتبیّنوا أَن تصیبوا قوماً بجهاله فتصبحوا عَلَیٰ ما فعلتم نادمین}، حیث اسْتَدَلَّ بهذه الآیه الشریفه عَلَیٰ حجّیّه خبر العادل؛ لأَنَّ هذه الآیه تَدُلّ بمفهومها عَلَیٰ عدم وجوب التبین عن خبر العادل وهذا یعنی الْحُجِّیَّه.

وطرحنا فیما سبق سؤالین بهذا الصدد:

السُّؤَال الأول: کیف تَدُلّ آیه النبأ بمفهومها عَلَیٰ عدم وجوب التبین عن خبر العادل؟

السُّؤَال الثَّانِی: کیف یَدُلُّ عدم وجوب التبیّن عَلَیٰ الْحُجِّیَّه؟

وقد أجبنا فیما سبق عن السُّؤَال الثَّانِی بصوره مفصلّه، وبقی علینا أَن نجیب عن السُّؤَال الأول وقد قلنا فی مقام الجواب عنه بأن هناک تقریبین لدلاله الآیه الشریفه بمفهومها عَلَیٰ عدم وجوب التَّبَیُّن عن خبر العادل.

التقریب الأول: هو التَّمسُّک بمفهوم الوصف فی الآیه الشریفه، وهذا ما درسناه قبل العطله بالتفصیل وتبیّن عدم صحّته.

ص: 1

التقریب الثَّانِی: هو التَّمسُّک بمفهوم الشرط، وقد قلنا إِن هناک إشکالین عَلَیٰ التَّمسُّک بمفهوم الشرط فی الآیه لإثبات عدم وجوب التَّبَیُّن عن خبر العادل.

الإشکال الأول: ما ذکره الشَّیْخ الأنصاری وهو أَن القضیه الشرطیه فی الآیه الشریفه قضیه شرطیه مصوغه لبیان الموضوع، وکل قضیه شرطیه مصوغه لبیان الموضوع لا مفهوم لها.

الجواب: وناقشه المحقق الخراسانی قَائِلاً: إِن القضیه الشرطیه المذکوره فی الآیه لیست مصوغه لبیان الموضوع وَبِالتَّالِی لو آمنا کبرویّاً بمفهوم الشرط (فهو لا یؤمن به) فالآیه لها مفهوم أَیْضاً.

إذن، یجب أَن یدور کلامنا الآن حول أَن القضیه الشرطیه المذکوره فی الآیه الشریفه هل هی مصوغه لبیان الموضوع کما قال الشَّیْخ کی لا یکون لها مفهوم أم لیست کذلک کی یثبت لها المفهوم بعد الفراغ عن کبری ثبوت مفهوم الشرط. ولکی نعرف الجواب الصحیح عن هذا السُّؤَال نقول: إِن القضیه الشرطیه لها ثلاثه أرکان:

الرکن الأول: الحکم المذکور فی الکتاب.

الرکن الثانی: موضوع هذا الحکم.

الرکن الثالث: شرطُ ثبوت هذا الحکم لهذا الموضوع.

أما الحکم المذکور فی الکتاب فواضح، وأما الرکنان الثَّانِی والثالث فبحاجه إِلَیٰ الإیضاح؛ وذلک لأَنَّ بالإمکان تصنیف الشرط إِلَیٰ ثلاثه أقسام:

القسم الأول: أَن یکون الشرط عباره عن محقِّق الموضوع بحیث لا یُتصور للموضوع وجودٌ إِلَّا بالشرط، فیکون قوام الموضوع بالشرط (أَیْ: لیس للموضوع وجود آخر غیر الشرط)، کما إذا کانت القضیه الشرطیه عباره عن مثل ِن رُزقتَ ولداً فاختنه فیکون الحکمُ وجوب الختان وموضوعه ختان الولد، وشرط ثبوت هذا الحکم لهذا الموضوع هو رزق الولد، فرزق الولد هو عین تحقق الولد، فالشرط هنا عین تحقق الموضوع. فالفرق بین الشرط والموضوع هنا فرق اعتباری.

ص: 2

القسم الثَّانِی: أَن یکون الشرط أجنبیاً عن تحقق الموضوع، ومثاله: ِن جاء زید فأکرمه؛ فَإِنَّ الحکم هنا هو وجوبُ إکرام زید وموضوعه زید وشرطُ ثبوتِ هذا الحکم لهذا الموضوع هو المجیء. ومن الواضح أَن مجیء زید لیس عین تحقق زید، بل أمر طارئ عَلَیٰ زید. فهذا القسم من الشرط لیس مصوغاً لتحقیق الموضوع أصلاً.

القسم الثالث: أَن یکون الشرطُ نحواً من أنحاء وجوب الموضوع، فلا یکون أجنبیاً بالمره عن الموضوع کما فی القسم الثَّانِی (بل هو نحو من وجوب الموضوع)، ولا کالقسم الأول فلیس الشرط هنا هو النحو الوحید المنحصر لوجود الموضوع خلافاً للقسم الأول. فالموضوع له نحوان من الوجود: تاره یوجَد من خلال الشرط وأخری یوجَد عن طریق آخر غیر الشرط. ومثاله الآیه الشریفه، فلو قلنا بأن هذه الآیه بمثابه أَن الل_ه تعالی قال: ِن جاء الفاسق بالنبأ وجب التَّبَیُّن منه فیکون الحکم عباره عن وجوب التَّبَیُّن وموضوع الحکمِ النبأُ، والشرط هو مجیء الفاسق بالنبأ. ومن الواضح أَن تقریر وإعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی مجیء الفاسق بالنبأ عباره عن إنبائه (أَیْ: إیجاده للنبأ) فهذا نحو وجودٍ للموضوع (وهو النبأ)، فلیس أجنبیاً عن النبأ لکنه لیس النحو المنحصر الوحید لتحقق الموضوع؛ فَإِنَّ النبأ قد یتحقق من خلال الشرط (أَیْ: إنباء الفاسق) وقد یتحقق عن طریق آخر (وهو إنباء العادل). والواقع أَن الشرط هنا حصه خاصَّه من وجود الموضوع، فکأنه قال: ذا أوجد الفاسقُ النبأَ یجب تبیُّنه.

أما القسم الأول فلا إشکال فی عدم ثبوت المفهوم له وقد تقدم ذلک فی التنبیه الأول من تنبیهات مفهوم الشَّرط.

وأما القسم الثَّانِی فلا إشکال فی ثبوت المفهوم له بناء عَلَیٰ کبری ثبوت مفهوم الشرط کما هو الصحیح وقد تقدم دلیله بالتفصیل فی بحث مفهوم الشرط.

ص: 3

أما القسم الثالث: فَلَا بُدَّ من معرفه وجه عدم ثبوت المفهوم فی القسم الأول لکی یتضح لنا حال هذا القسم الثالث، وهناک تقریبان لإثبات عدم المفهوم فی القسم الأول:

التقریب الأول: أَن یقال بأن المفهوم فی المصطلح الأصولی عباره عن انتفاء الحکم المذکور فی الجزاء عن الموضوع عند انتفاء الشَّرط. وَحِینَئِذٍ إِن أرید بالمفهوم فی القسم الأول مفاد الجزاء (أَیْ: نفی وجوب ختان الولد عند انتفاء الشَّرط) فهذا تحصیل للحاصل؛ فَإِنَّ وجوب ختان الولد ینتفی قهراً عند انتفاء الشَّرط (الَّذِی هو عباره عن وجود الولد) من باب انتفاء موضوعه، وانتفاء الحکم بانتفاء موضوعه أمر ثابت عقلاً ولا شک فیه ولا ربط له بالمفهوم المصطلح، وهو ما یعّبر عنه المناطقه بالقضیه السالبه بانتفاء الموضوع (سواء فی القضیه الشرطیه أم فی القضیه الحملیّه کما إذا قیل: اختن ولدَک أو ختان الولد واجب؛ فَإِنَّ ختان الولد ینتفی عند انتفاء الولد)؛ لِأَنَّهُ لا یوجد هنا تقیید آخر للحکم غیر تقییده بموضوعه.

التقریب الثَّانِی: أَن یقال بأن المفهوم فی القضیه الشرطیه إِنَّمَا یُستفاد بملاک کون الشَّرط قیداً للحکم، وبهذا یتمیّز الشَّرط من الوصف. فإذا کان القید قیداً للموضوع (أَیْ: تقیَّد الموضوع به قبل طروّ الحکم علیه) فلا مفهوم له؛ وذلک لأننا فرضنا أَن الشَّرط فی هذه القضیه یساوق الموضوع، فلم یُعمل المتکلم تقییداً حقیقیاً فی المقام غیر تقیّد الحکم بموضوعه (وإن کان هذا الحکم عند النحاه وحسب صیاغته الظاهریه مقیّداً بموضوعه).

ویبقی الحدیث عن القسم الثالث نذکره غدا إِن شاء الل_ه تعالی.

آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

ص: 4

العنوان: آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

ذکرنا فی القسم الثالث تقریبین ونرید الآن أَن ننفی إمکانیه انطباقهما عَلَیٰ القسم الثالث وَبِالتَّالِی لا یَصِحّ أَن نُلحق القسم الثالث بالقسم الأول، فلا یَصِحّ أَن نقول بِأَنَّهُ قضیه شرطیه مصوغه لبیان الموضوع ولا مفهوم لها؛ وذلک کالآتی:

أما التقریب الأول فلأَنَّنا فرضنا فیه أَن الشَّرط لیس عین الموضوع ولیس أَیْضاً مبایناً للموضوع، فهو أحد طرق تحقق الموضوع. إذن، طالما أَن الشَّرط فی القسم الثالث لیس هو الأسلوب الوحید لتحقق الموضوع فنختار الشق الأول من الشقین المذکورین فی التقریب الأول وهو أَن هذه القضیه الشرطیه الَّتِی یکون الشَّرط فیها من قبیل القسم الثالث لها مفهوم، ونرید بالمفهوم انتفاء مفاد الجزاء عند انتفاء الشَّرط، ولا یلزم منه المحذور المذکور فی التقریب الأول من تحصیل الحاصل؛ لأَنَّ مفاد الجزاء وإن کان متقوماً بموضوعه وموضوعُه متقوم بالشرط، إِلَّا أَن الشَّرط لیس الأسلوب الوحید لتحقق الموضوع، وهذا یعنی أَن الموضوع قد یتحقق ویتقوم بغیر الشَّرط. إذن، وجوب التَّبَیُّن (وهو الجزاء) فی الآیه الشریفه وإن کان متقوماً بالنبأ (وهو الموضوع) والنبأ أَیْضاً متقوم بالشرط (أَیْ: مجیء الفاسق) لکن النبأ کما قد یتقوم بمجیء الفاسق به، کذلک قد یتقوم بمجیء العادل به، فلیس الشَّرط وهو مجیء الفاسق هو الأسلوب الوحید لتحقق الموضوع (أَیْ: النبأ)، فلیس تحصیلاً للحاصل ولا السالبه بانتفاء الموضوع. فلا ینطبق التقریب الأول عَلَیٰ القسم الثالث.

وأما التقریب الثَّانِی: فلا ینطبق أَیْضاً عَلَیٰ القسم الثالث؛ وذلک لأَنَّ الحکم (أَیْ: وجوب التَّبَیُّن) هنا وإن کان ذاتاً متقوّماً بموضوعه (أَیْ: وجود النبأ)، لکن وجود هذا الموضوع وتحقّقه قد یحصل من غیر الشَّرط (أَیْ: عن غیر طریق مجیء الفاسق به) بأن ینبأ العادل بالنبأ مثلاً، فلو لم یکن المتکلم قد أناط الحکم بالشرط لکنا بقلم الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه نقول بوجوب التَّبَیُّن کُلَّمَا تحقق الموضوعُ مُطْلَقاً (أَیْ: بأی نحو وعن أی طریق)، لکن المفروض أَن المتکلم ذکر الشَّرطَ ومعنی ذلک أَنَّهُ قیَّد دائره الحکم بما إذا تحقق الموضوع عن طریق الشَّرط (إنباء الفاسق). إذن، یوجد هنا تقیید زائد وراء التقیید الثابت فی کُلّ حکم مع موضوعه.

ص: 5

والحاصل أَن التقیید الحقیقی الَّذِی نبتغیه فی القسم الثالث معقول ولیس مستحیلاً کما کان فی القسم الأول.

وتمخض عن کُلّ ذلک عدم تمامیه شیء من تقریبی عدم المفهوم للقضیه الشرطیه المصوغه لبیان الموضوع فی القسم الثالث من الشَّرط وهو الشَّرط الَّذِی یکون أحد أسالیب تحقق الموضوع، فالقسم الثالث أَیْضاً له مفهوم.

إِلَیٰ هنا اتضح أَن الشَّرط فی الآیه الشریفه إِن افترضناه کالقسم الأول فالنتیجه أَن الآیه لا مفهوم لها (أَیْ: تکون القضیه الشرطیه فی الآیه مصوغه لبیان الموضوع) ویکون الحق مع الشَّیْخ الأنصاری .

أما إذا افترضنا أَن الشَّرط فی الآیه الشریفه من القسم الثَّانِی فیکون من الواضح أَن الآیه الشریفه لها مفهوم بناء عَلَیٰ أصل الإیمان بمفهوم الشَّرط، فیکون الحق مع الآخوند الخراسانی.

وأما إذا افترضنا بأن الشَّرط فی الآیه من القسم الثالث فیکون الصحیح والمختار لدینا ثبوتُ المفهوم للآیه الشریفه؛ وذلک من منطلق إیماننا بالمفهوم فی القسم الثالث.

إذن، یبقی علینا أَن نحدد أَن القضیه الشرطیه المذکوره فی الآیه الشریفه من أی قسم هی؟

الجواب: هو أَنَّهُ لا بد من نلحظ وجه عدم ثبوت المفهوم فی القسم الأول کی یتضح حال هذا القسم ونعرف أَنَّهُ هل یلحق به فی عدم ثبوت المفهوم له أم لا؟

وهناک تقریبان لإثبات عدم المفهوم فی القسم الأول:

التقریب الأول: أَن المفهوم کما قلنا عباره عن انتفاء الحکم المذکور فی الجزاء عن الموضوع عند انتفاء الشَّرط، وَحِینَئِذٍ ففی القسم الأول (أَیْ: مثل قولک: ِن رزقت ولداً فاختنه) إِن أرید بالمفهوم نفیُ نفس مفاد الجزاء (وهو وجوب ختان الولد) عند انتفاء الشَّرط، فهذا تحصیل للحاصل؛ لأَنَّ وجوب ختان الولد ینتفی قهرا عند انتفاء الشَّرط الَّذِی هو عباره عن وجود الولد من باب انتفاء موضوعه. ومن الواضح أَن انتفاء الحکم بانتفاء موضوعه أمر ثابت إعداد وتقریر الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه حَتَّیٰ فی الجمله الحملیه؛ فوجوب الختان حَتَّیٰ لو کان قد بُیّن بنحو القضیه غیر الشرطیه (کقولک: اختن ولد) لکان أَیْضاً ینتفی عند انتفاء وجود الولد؛ فلیس للترکیب الشرطی هنا دخلٌ فی انتفاء مفاد الجزاء عند انتفاء الشَّرط (أَیْ: لیس للقضیه الشرطیه بما هی قضیه شرطیه مفهوم)؛ إذ لیس هناک تقیید آخر للحکم غیر تقییده بموضوعه.

ص: 6

وإن أرید بالمفهوم نفی أمر آخر غیر مفاد الجزاء (کوجوب ختان الأخ مَثَلاً عند انتفاء الشَّرط الَّذِی هو وجود الولد)، فهذا سنخ مفاد آخر غیر الحکم المذکور فی الجزاء؛ بداههَ أَن وجوب ختان الولد مباین لوجوب ختان الأخ، بینما المفهوم کما قلنا عباره عن انتفاء مفادا لجزاء عند انتفاء الشَّرط، لا انتفاء مفاد آخر مباین له.

إذن، فعلی کُلّ تقدیر لا مفهوم فی هذا القسم.

وهناک تقریب آخر نذکره غدا إِن شاء الل_ه تعالی.

آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

العنوان: آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

التقریب الثَّانِی: أَن المفهوم فی القضیه الشرطیه إِنَّمَا یستفاد بملاک کون الشَّرط قیداً للحکم، وبهذا یتمیّز الشَّرط من الوصف فی القضیه الوصفیه؛ فَإِنَّ الوصف قید للموضوع لا للحکم (أَیْ: أَن مرجعه إِلَیٰ تحدید الموضوع قبل طروّ الحکم علیه، وکل ما یکون کذلک فلا مفهوم له؛ لوضوح أَن تقیّد الحکم بموضوعه وانتفاءه بانتفائه أمر ثابت فی کُلّ قضیه حکمیه.

وعلیه، ففی القسم الأول حیث أَن الشَّرط مساوق للموضوع ونفسه ذاتاً، فلا یعقل إعمال المتکلم لتقیید حقیقی؛ لأَنَّ الحکم هنا ذاتاً متقیّد بموضوعه ولیس الشَّرط سوی تقییدٍ نحوی للحکم بحسب الصیاغه، أما بحسب الروح فلیس تقییداً للحکم وراء تقییده بموضوعه، ومن الواضح أَن تقیید الحکم بموضوعه أمر ثابت فی کُلّ جمله حکمیه، فیتعامل مع هذه القضیه هنا معامله القضیه الحملیه، وعلیه فمادام لا یُتصوَّر فی المقام تقیید زائد عَلَیٰ تقیید الحکم بموضوعه، إذن فلا یتصور للقضیه مفهوم؛ لأَنَّ المفهوم منتزع من التقیید.

ص: 7

وکلا التقریبین لا یصحّ فی القسم الثالث؛ وذلک:

أما التقریب الأول فلأن الشَّرط فی القسم الثالث مادام لیس هو الأسلوب الوحید لتحقیق الموضوع کما هو المفروض فنختار الشق الأول وهو أَنَّنَا نرید بالمفهوم نفی نفس مفاد الجزاء عند انتفاء الشَّرط، ولا یلزم من ذلک تحصیل الحاصل؛ لأَنَّ مفاد الجزاء وإن کان متقوّماً بموضوعه المتقوّم بالشرط، إِلَّا أَن الموضوع قید یتقوّم بغیر الشَّرط ویتحقق به، فوجوب التَّبَیُّن وإن کان متقومّاً بالنبأ المتقوّم بإنباء الفاسق به، إِلَّا أَن النبأ قد یتقوّم بإنباء العادل به. إذن، فنی وجوب التَّبَیُّن عن النبأ إذا لم یُنبئ به الفاسق بأن أَنبَأَ به العادل لیس تحصیلا للحاصل، ولیس هذا النفی سالبه بانتفاء الموضوع، بل سالبه مع وجود الموضوع، وهو المفهوم.

وإن شئت قلت: إِن الموضوع فی القسم الثالث محفوظ ذاتاً حَتَّیٰ مع انتفاء الشَّرط؛ لأَنَّ الشَّرط حصته خاصَّه من إیجاد ذاک الموضوع، فلا یکون انتفاء الشَّرط مساوقاً لانتفاء الموضوع کی یکون الانتفاء عقلیاً.

وأما التقریب الثَّانِی فلأن الشَّرط فی القسم الثالث قید حقیقی للحکم ولیس مجرد تقیید لَفْظِیّ صیاغی نحوی؛ وذلک لأَنَّ الحکم وإن کان ذاتا متقیّداً بموضوعه، فوجوب التَّبَیُّن فی النبأ مَثَلاً متقیّد ذاتاً بوجود النبأ، إِلَّا أَن وجود الموضوع (أَیْ: النبأ فی المثال) وتحققه لمّا کان من الممکن حصوله عن طریق آخر غیر الشَّرط (أَیْ: غیر إنباء الفاسق به) فلو لم یکن المتکلم قد أناط الحکم (أَیْ: وجوب تبین النبأ) بالشرط (أَیْ: بإنباء الفاسق به) لکنّا نقول: إِن الموضوع (أَیْ: النبأ) کلّما تحقق وبأیّ نحو وطریق حصل (سواء عن طریق الشَّرط وإنباء الفاسق به أم عن طریق آخر کإنباء العادل به) یترتب علیه حکمه ووجوب تبیّنه، لکن حینما ذکر المتکلم الشَّرط یکون بذلک قد ضیق دائره الحکم وقیّده بما إذا تحقق الموضوع عن طریق الشَّرط. إذن، فهنا تقیید زائد وراء ذاک التقیّد الثابت فی کُلّ جمله حکمیه وَالَّذِی هو عباره عن تقید الحکم بموضوعه، وهذا التقید الزائد عباره عن تقیّد الحکم بتحقق الموضوع عن طریق الشَّرط، وعلیه فالتقیید الحقیقی فی هذا القسم معقول ولیس مستحیلاً کما کان فی القسم الأول، ومادام التقیید الحقیقی هنا متصوَّراً ومعقولاً، إذن فیُتصوَّر للقضیه مفهوم.

ص: 8

فالصحیح هو أَن المفهوم ثابت فی القسم الثالث أَیْضاً کالقسم الثَّانِی.

یبقی علینا بعد هذا أَن نشخّص أَن القضیه الشرطیه المذکوره فی الآیه الشریفه هل هی من القسم الأول الَّذِی یفترض فیه أَن الشَّرط هو الأسلوب الوحید لتحقق الموضوع کی یکون من الواضح عدم ثبوت المفهوم، أم هی من القسم الثَّانِی الَّذِی یفترض فیه أَن الشَّرط أجنبی عن أصل وجود الموضوع وتحققه کی یکون من الواضح ثبوت المفهوم لها بناءً عَلَیٰ قبول مفهوم الشَّرط بشکل عام، أم هی من القسم الثالث الَّذِی یفترض فیه أَن الشَّرط هو أحد أسالیب تحقق الموضوع وحصه خاصَّه من وجوده کی یکون ثبوت المفهوم لها هو الصحیح المختار؟

والجواب عَلَیٰ هذا السُّؤَال یرتبط بالمفاد الَّذِی نستظهره من ترکیب الجمله فی الآیه الشریفه؛ وذلک لأَنَّ الحکم فی الآیه هو وجوب التَّبَیُّن، لکن موضوعه ما هو؟ وشرط ثبوته لموضوعه ما هو؟

هناک أنحاء ثلاثه تُتصوَّر فی المقاد لتحدید الموضوع والشَّرط:

النحو الأول: أَن یکون موضوع الحکم عباره عن نبأ الفاسق ویکون الشَّرط عباره عن مجیء الفاسق به، فکأنّه قال: نبأ الفاسق إِن جاءکم به فتبیّنوا أو قال: یجب التبیّن فی نبأ الفاسق إِن جاءکم به، فإذا استظهرنا من الآیه هذا المفاد، کانت القضیه الشرطیه المذکوره فی الآیه من القسم الأول؛ لأَنَّ الشَّرط حِینَئِذٍ (أَیْ: مجیء الفاسق بالنبأ) هو الأسلوب الوحید لتحقیق الموضوع الَّذِی هو عباره عن نبأ الفاسق، فبانتفاء الشَّرط ینتفی الموضوع قهراً وعقلاً؛ فالقضیه مسوقه لبیان الموضوع وتحقیقه، فلا مفهوم لها قطعاً؛ وذلک للتقریبین المتقدّمین آنفاً.

النحو الثَّانِی: أَن یکون الموضوع هو النبأ، ویکون الشَّرط هو مجیء الفاسق به، فکأنه قال: النبأ إِن جاءکم به فاسق فتبیّنوا. فإذا استظهرنا ذلک من الآیه، ولو باعتبار أَن الضمیر الواقع موضوعا لوجوب التَّبَیُّن راجع إِلَیٰ النبأ وهو مطلق، ولیس راجعاً إِلَیٰ نبأ الفاسق؛ إذ لم تقل الآیه: إِن جاءکم نبأ الفاسق فتبیّنوا، إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه کانت القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه فی الآیه من القسم الثالث؛ لأَنَّ الحکم الثابت عَلَیٰ ذات النبأ، ومجیء الفاسق به شرط، وهذا الشَّرط وإن کان محقَّقاً لوجود الموضوع، لکنه لیس هو الأسلوب الوحید لتحقق الموضوع (أَیْ: النبأ)؛ إذ قد یتحقّق النبأ بمجیء العادل به، فبانتفاء الشَّرط لا ینتفی أصل وجود الموضوع، فیثبت المفهوم عَلَیٰ ما اخترناه فی القسم الثالث؛ لعدم تمامیّه التقریبین المتقدّمین آنفا (لإثبات عدم المفهوم فی القسم الأول) فی القسم الثالث کما عرفت.

ص: 9

النحو الثالث: أَن یکون الموضوع هو الجائی بالنبأ ویکون الشَّرط هو الفسق، فکأنه قال: الجائی بالنبأ إِن کان فاسقاً فتبیّنوا. فإذا استظهرنا ذلک من الآیه، کانت القضیه الشرطیه فیها من القسم الثَّانِی؛ لأَنَّ الشَّرط (وهو فسق الجائی بالنبأ) أجنبی عن أصل تحقق الموضوع (وهو الجائی بالنبأ) وطارئ علیه ولیس نحو وجودٍ للجائی بالنبأ ولا یتحقق به وجوده، بل هو صفه أخری فیه غیر الإنباء. فبانتفاء الشَّرط (أَیْ: الفسق) هنا لا ینتفی أصل موضوع الحکم (أَیْ: الجائی بالنبأ)، فیثبت المفهوم بلا إشکال بناءً عَلَیٰ کبری ثبوت مفهوم الشَّرط.

هذا کله عن الشَّرط وعن موضوع الحکم. ونقصد بموضوع الحکم ما هو مقوّم للحکم، ولا نقصد بالمقوِّم ما هو مقوِّم للحکم فی عالَم جعل الحکم وتشریعه (أَیْ: ما أخذ مفروض الوجود فی علام الجعل والتشریع)؛ إذ من المعلوم أَن الشَّرط أَیْضاً داخل فی الموضوع بهذا المعنی؛ ضرورهَ أَنه جزء ممّا أُخذ مفروض الوجود فی مقام جعل الحکم، بل نقصد بالموضوع المقوِّم للحکم ما تعلّقت به مادّه الجزاء فی المرتبه السَّابِقَه عَلَیٰ تقیید الجزاء بالشرط وتعلیقه علیه، کالنبأ فی الآیه الشریفه بناءً عَلَیٰ أَنَّهُ الَّذِی تعلّقت به مادّه التبیّن وأنّ قوله تعالی {فتبیّنوا} یعنی: فتبیّنوا النبأ؛ فَإِنَّ الشَّرط خارج عن الموضوع بهذا المعنی.

وقد عرفت آنفاً (فی النحو الثَّانِی من الأنحاء الثلاثه المتقدمه) أَن القضیه الشرطیه فی الآیه الشریفه بلحاظ موضوع الحکم (بهذا المعنی) لیست مسوقه لبیان أصل تحقق هذا الموضوع، بل هی لبیان تحقق حصّه خاصَّه منه بناءً عَلَیٰ استظهار النحو الثَّانِی من الآیه الشریفه.

آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

ص: 10

العنوان: آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

وهناک معنی آخر للموضوع (غیر موضوع الحکم الَّذِی عرفتَه) وهو عباره عن موضوع نفس القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه بما هی قضیه شرطیه، والمقصود به ما هو مذکور فی جمله الشَّرط فی القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه ولٰکِنَّهُ خارج عن دائره الفرض والتقدیر الشرطی، وبهذا یمتاز موضوع القضیه عن الشَّرط رغم أَن کلیهما مذکور فی جمله الشَّرط فی القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه، لکن الشَّرط داخل فی دائره الفرض والتقدیر الشرطی، بمعنی أَن تقدیره بارز ولیس مستتراً، بخلاف موضوع القضیه الَّذِی هو خارج عن دائره الفرض والتقدیر الشرطی بمعنی أَن تقدیره مستتر ولیس بارزاً. إذن، فموضوع القضیه (حَتَّیٰ إذا کانت القضیه حملیه ولم تکن شرطیه) یکون غالباً مقدّر الوجود ومفروضه إذا کانت القضیه الحملیه حقیقیه لا خارجیه، إِلَّا أَن هذا التقدیر والفرض مستتر، فقولنا مَثَلاً: أکرم العالم، قضیه حملیه حقیقیه قدّرنا فیها وجود العالم وفرضناها، إِلَّا أَن هذا التقدیر والفرض لیس تقدیراً وفرضاً شرطیاً (أَیْ: لیس بارزاً)، بل هو خارج عن التقدیر والفرض الشرطی ومستتر غیر بارز، لو أردنا إبرازه قلنا: إِن وجد العالم فأکرمه.

أما الشَّرط فی القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه فتقدیره وفرضه بارز غیر مستتر وذلک من خلال أداه الشَّرط المذکوره فی الکلام، کما هو الحال فی جمله الشَّرط فی القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه مثل قولنا: إِن جاء زید فأکرمه.

إذن، ففی القضایا الشرطیه ما کان مذکوراً فی جمله الشَّرط وداخلاً فی الفرض والتقدیر الشرطی بمعنی أَن تقدیره بارز غیر مستتر (کمجیء زید فی المثال) فهذا هو الشَّرط، وما کان مذکوراً فی جمله الشَّرط وخارجاً عن الفرض والتقدیر الشرطی ولو کان مقدّر الوجود بالمعنی الثابت فی القضایا الحملیه الحقیقیه (أَیْ: أَن تقدیره مستتر وغیر بارز) فهذا هو موضوع القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه، مثل زید فی المثال، حیث أَنَّهُ مذکور فی جمله الشَّرط ولٰکِنَّهُ خارج عن الفرض والتقدیر الشرطی (أَیْ: أَن تقدیره مستتر لو أردنا إبرازه قلنا: إِن کان الجائی زیدً فأکرمه).

ص: 11

إذن، أصبح لدینا فی القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه اصطلاحان ل_الموضوع:

أحدهما: موضوع الحکم المذکور فی الجزاء، وقد عرفت المقصود منه.

وثانیهما: موضوع نفس القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه بما هی شرطیه، وقد عرفت أَیْضاً المقصود منه.

والنسبه بین هذین الاصطلاحین هی العموم من وجه، فقد یجتمعان فی شیء واحد (أَیْ: یکون موضوع الحکم وموضوع القضیه واحداً، کما فی المثال المتقدم إِن جاء زید فأکرمه، حیث أَن زید هو موضوع الحکم (أَیْ: أَنَّهُ هو الَّذِی یجب إکرامه)، وهو أَیْضاً موضوع القضیه (أَیْ: أَنَّهُ مذکور فی جمله الشَّرط فی القضیه ولٰکِنَّهُ خارج عن الفرض والتقدیر الشرطی. وقد یفترقان (أَیْ: یکون موضوع الحکم غیر موضوع القضیه) کما إذا قیل: إِن جاء زید فتصدق عَلَیٰ الفقراء حیث أَن موضوع الحکم عباره عن الفقراء، فهم الَّذِینَ یجب إکرامهم، فی حین أَن موضوع القضیه عباره عن زید، والشرط هو مجیء زید.

ولیس الشَّرط دخیلاً فی موضوع الحکم بالمعنی المتقدّم لموضوع الحکم، وإن کان بحسب عالم الثبوت موضوعاً للحکم بمعنی دخله فیما قُدّر وفرض فی عالم الجعل، فالمجیء مثلاً فی المثال الأخیر لیس دخیلاً فی الفقراء ولیس موضوعاً للحکم إثباتاً بمعنی أَنَّهُ لم تتعلّق به مادهُ الجزاء (أَیْ: التصدّق) قبلَ تعلیق الجزاء عَلَیٰ الشَّرط وإن کان بحسب عالم الثبوت موضوعاً له بمعنی أَنَّهُ دخیل فیما قدّره المولی وفرضه فی عالم الجعل لکی یجعل الحکم علیه.

والتقدیر الشرطی الَّذِی تَدُلّ علیه أداهُ الشَّرط ینصبّ عَلَیٰ مفاد جمله الشَّرط، وهو عباره عن النسبه، ففی قولنا مَثَلاً: إِن جاء زید فأکرمه أو قولنا: إِن جاء زید فتصدّق عَلَیٰ الفقراء انصبّ التقدیر الشرطی عَلَیٰ النسبه الثابته بین المجیء وبین زید، وهذه النسبه وإن کانت عَلَیٰ حدّ سواء بالنسبه إِلَیٰ کُلّ من المجیء وزید؛ إذ أَن کلیهما طرف لها، إِلَّا أَن تقدیر هذه النسبه وفرضها الَّذِی تَدُلّ علیه أداه الشَّرط إِنَّمَا یتّجه نحو المحمول فی هذه النسبه وهو المجیء، لا نحو الموضوع فیها وهو زید (أَیْ: أَن أداه الشَّرط الدَّالَّه عَلَیٰ تقدیر النسبه إِنَّمَا تَدُلّ عَلَیٰ تقدیر المجیء لا عَلَیٰ تقدیر أصل وجود زید.

ص: 12

آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

العنوان: آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

وهذا النحو من الموضوع هو فی الواقع تطعیم للقضیه الشرطیه بالقضیه الحملیه الحقیقیه.

توضیح ذلک: أَن القضایا الحملیه عَلَیٰ قسمین:

القسم الأول: القضایا الحملیه الحقیقیه، وهی الَّتِی یکون المحمول فیها منصبّاً عَلَیٰ الموضوع المقدّر الوجود، یعنی أَن المحمول فیها لیس ثابتاً لخصوص الأفراد المحققّه الوجود فی زمانٍ من الأزمنه، بل هو ثابت لکل ما یفرض أَنَّهُ مصداق لهذا الموضوع ولو تقدیراً، کما فی قولنا: النار حَارَّه، الخمر مسکر، بمعنی أَن کُلّ ما یُفرض کونه ناراً أو خمراً (أَیْ: کُلّ ما لو وجد لکان ناراً أو خمراً) یُفرض کونه حاراً أو مسکراً، فالمحمول کما هو ثابت للأفراد المحققه الوجود کذلک هو ثابت للأفراد المقدره الوجود، وهذا لا محاله یستبطن وجود تلازم بین مَاهِیَّه الموضوع وماهیه المحمول؛ إذ لو لا التلازم بینهما لَما أَمکَن جعل المحمول عَلَیٰ الموضوع بکل مقدَّراته؛ ضرورهَ أَنَّهُ لو لم یکن تلازم بین الماهیتین وکان ثبوت المحمول للموضوع بنحو الاتفاق والصبغه، إذن کیف یُفرض أَن کُلّ ما یقدّر کونه فرداً ومصداقاً للموضوع یکون فردا ومصداقاً للمحمول؟ إذن، فلا بد من وجود التلازم، سواء کان هذا التلازم ثابتاً بالعقل، کما فی قولنا: الأربعه زوج أم کان ثابتا بالتجربه، کما فی قولنا: النار حَارَّه.

ومن هنا نقول: إنا لقضیه الحملیه الحقیقیه هی بحسب روحها قضیه شرطیه مرجعها إِلَیٰ أَنَّهُ إذا وجد شیء وکان مصداقاً للموضوع فهو مصداق للمحمول. فالموضوع مقدّر الوجود فی القضیه الحملیه الحقیقیه، إِلَّا أَن هذا التقدیر وإن کان بارزاً فی عالم المنطق وعند المناطقه، لکنه لیس بارزاً فی عالم الترکیب النحوی وعند النحاه. ومن هنا تُجعل القضیه الحملیه فی مقابل القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه فی النحو، لا لأجل أَنَّهُ لیس فی الحملیه تقدیر، بل لأَنَّ التقدیر فیها مستتر، أما فی الشرطیه فالتقدیر بارز من خلال أداه الشَّرط.

ص: 13

القسم الثَّانِی: القضایا الحملیه الخارجیه وهی الَّتِی یکون المحمول فیها منصباً عَلَیٰ الموضوع المحقق الوجود خارجاً، یعنی أَن المحمول ثابت لخصوص الأفراد الَّتِی هی موجوده خارجاً فی الزمان الماضی أو الحاضر أو المستقبل. وهذا القسم من القضایا لا یستبطن تقدیراً أصلا للموضوع؛ لأَنَّ موضوعها یختص بالأفراد المحققه الوجود، فهی قضیه ناجزه لیس فیها رائحه الشرطیه حَتَّیٰ عند المناطقه، فهی قضیه فعلیه، ولا معنی لتقدیر ما هو فعلی.

وعلیه فإذا عرفت أَن القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه تختلف عن القضیه الحملیه الحقیقیه بأن فیها تقدیراً بارزاً غیر مستتر، فَحِینَئِذٍ نقول: إِن هذه القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه قد تُطعَّم أولاً بروح القضیه الحملیه بحیث یکون لها موضوع حملی مستتر غیر بارز عَلَیٰ نهج ما عرفت فی القضیه الحملیه الحقیقیه، ثُمَّ یکون هذا الموضوع موضوعاً للقضیه الشرطیه، بمعنی أَن الاشتراط وتعلیق الجزاء عَلَیٰ الشَّرط یکون منصبّاً عَلَیٰ هذا الموضوع، ولا یکون هذا التعلیق والاشتراط ثابتاً عند انتفاء هذا الموضوع وانعدامه، بل یکون التقدیر البارز للشرط (من خلال أداه الشَّرط) منصبّاً ومترتّباً علیه ترتّب الحکم عَلَیٰ موضوعه.

وهذا مطلب تترتب علیه ثمرات فی مقام الاستنباط:

منها: أَنَّهُ فی مقام اقتناص المفهوم من القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه لَا بُدَّ من انحفاظ هذا الموضوع الحملی (إذا کان للقضیه الشرطیه موضوع حملی بالمعنی الَّذِی قلناه) فلا تَدُلّ القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه عَلَیٰ انتفاء الجزاء عند انتفاء الشَّرط إذا لم یکن الموضوع الحملی محفوظاً حَتَّیٰ ولو کان موضوع الحکم المذکور فی الجزاء محفوظا. والسرّ فی ذلک هو أَن موضوع القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه کما عرفت عباره عن الَّذِی حملت علیه القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه بما لها من جمله الشَّرط وجمله الجزاء. ومن الواضح أَن القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه لا تمتلک دائما موضوعاً من هذا القبیل، لکن لو کان لها موضوع من هذا القبیل فلا بد من انحفاظه عند انتفاء الشَّرط کی یَتُمُّ المفهوم. والسرّ فی ذلک هو أَن المفهوم إِنَّمَا یستفاد من التعلیق، فإذا کان التعلیق منصبّاً عَلَیٰ شیء فَلَا بُدَّ من انحفاظ ذاک الشَّیْء کی یکون التعلیق محفوظاً، کی یَدُلُّ التعلیق حِینَئِذٍ عَلَیٰ المفهوم. والمفروض أَن موضوع القضیه هو ذاک الشَّیْء الَّذِی انصب علیه التعلیق (أَیْ: تعلیق جمله الجزاء عَلَیٰ جمله الشَّرط). إذن، فَلَا بُدَّ من انحفاظه عند انتفاء الشَّرط کی یَتُمُّ المفهوم، إذن فکلا الموضوعین (موضوع القضیه وموضوع الحکم) لَا بُدَّ من انحفاظهما لکی یَتُمُّ المفهوم وإلا فلا، فمثلا إذا ورد فی الروایه: ذا التقی الختانان وجب الغسل فموضوع الحکم المذکور فی الجزاء هو المکلف الَّذِی یجب علیه الغُسل، لکن موضوع نفس القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه عباره عن الختانین، ومعنی کونه موضوعاً لنفس القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه هو أَن تعلیق وجوب الغُسل عَلَیٰ التقاء الختانین منصبّ عَلَیٰ هذا الموضوع (أَیْ: أَن التعلیق فرع وجود الختانین، فکأنه قال: مَن کان عنده ختان إذا التقی الختانان وجب علیه الغُسل)، فیدل بالمفهوم عَلَیٰ أَن من کان عنده ختان إذا لم یلتق الختانان لا یجب علیه الغُسل، ولا یَدُلُّ بالمفهوم عَلَیٰ أَن مَن لم یکن عنده ختان (کمقطوع الحشفه) إذا أدخل لا یجب علیه الغسل؛ فَإِنَّ هذا لا یمکن أَن یستفاد من الروایه، وهذا من آثار وجود موضوع حملی للقضیه الشرطیه غیر موضوع الحکم؛ إذ لو لا وجود هذا الموضوع لقلنا: إِن الروایه تَدُلّ بالمفهوم عَلَیٰ عدم وجوب الغُسل عند عدم التقاء الختانین مطلقاً، سواء کان هناک ختان ولم یلتقِ أم لم یکن هناک ختان أصلاً. إذن، فالروایه لا مفهوم لها بالنسبه لمثل مقطوع الحشفه، والسبب هو انتفاء هذا الموضوع الحملی الَّذِی هو موضوع أصل القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه وموضوع التعلیق، رغم أَن موضوع الحکم المذکور فی الجزاء وهو المکلف محفوظ.

ص: 14

آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

العنوان: آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

ومنها: أَنَّهُ فی القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه المذکوره فی الآیه الشریفه سوف یکون اندفاع الإشکال القائل بأن القضیه مسوقه لتحقق الموضوع أوضح، ویکون ثبوت المفهوم لها أجلی، وذلک فیما إذا استظهرنا من الآیه الشریفه أَن للقضیه موضوعاً حملیاً بالمعنی الَّذِی قلناه، فلا یعقل حِینَئِذٍ أَن یکون الشَّرط مسوقاً لتحقق الموضوع.

وتوضیحه:

أَنَّنَا تاره نفترض أَن القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه المذکوره فی الآیه الشریفه لا موضوع حملی لها، وذلک بأن نقول: إِن کُلّ مدخول أداه الشَّرط فیها هو شرط، فَحِینَئِذٍ یمکن أَن یُثار (حول هذا الشَّرط) الإشکال القائل بِأَنَّهُ شرط مسوق لتحقیق الموضوع؛ لِأَنَّهُ یکون حِینَئِذٍ من النحو الأول من الأنحاء الثلاثه الَّتِی ذکرناها سابقاً المتصوَّره للشرط ولموضوع الحکم فی الآیه، وهو أَن موضوع الحکم حِینَئِذٍ عباره عن نبأ الفاسق؛ لرجوع الضمیر المقدَّر (الواقع موضوعاً لوجوب التَّبَیُّن) إِلَیٰ نبأ الفاسق، والشرط عباره عن مجیء الفاسق بالنبأ، فیکون الشَّرط هو الأسلوب الوحید لتحقیق الموضوع، وبانتفائه ینتفی الموضوع قهراً وعقلاً فتکون سالبه بانتفاء الموضوع، فلا مفهوم لها.

وأخری نفترض أَن لها موضوعاً حملیاً انصبّ علیه تعلیق الجزاء عَلَیٰ الشَّرط (أَیْ: تعلیق وجوب التبیّن عَلَیٰ مجیء الفاسق) وهو النبأ بحیث یکون النبأ هنا بمثابه الختان فی تلک الروایه، فهو موضوع حملی للقضیه الحملیه قبل القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه، ولذا یَصِحّ تقدیمه عَلَیٰ أداه الشَّرط، فیقال: النبأ إذا جاءکم به فاسق فتبیّنوا، من دون أَن یختلّ المعنی؛ فهو لیس داخلاً فی نطاق الفرض والتقدیر الشرطی الَّذِی تَدُلّ علیه الأداه وإلا لَما صحَّ تقدیمه عَلَیٰ الأداه. إذن، فهو لیس شرطاً؛ لأَنَّ الشَّرط لا یَصِحّ تقدیمه عَلَیٰ أداه الشَّرط، إعداد الشَّیْخ محسن الطّهرانیّ عفی عنه بل هو موضوع لنفس القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه قد انصبّ علیه التعلیق، فهو بَناء عَلَیٰ هذا مقدَّر الوجود ومحفوظ ومفروغ عن وجوده. وعلیه فلا یعقل أَن یکون الشَّرط مسوقاً لتحقّقه؛ لأَنَّ الشَّرط والتعلیق قد لوحظ فی الرتبه المتأخره عن فرض الفراغ عن وجود النبأ، فیتعین حِینَئِذٍ أَن یکون الشَّرط فی مقام بیان صفه ثانویه بعد الفراغ عن وجود النبأ، وهی صفه الفسق فی المخبِر وأَن تکون القضیه جاءت لإناطه الحکم بهذه الصفه مع الفراغ عن أصل وجود النبأ، فلا یتوهم ولا مجال حِینَئِذٍ لدعوی أَن الشَّرط مسوق لتحقیق الموضوع، فیکون اندفاع الإشکال وثُبوت المفهوم للآیه أجلی وأوضح.

ص: 15

إذن، تحصل مِمَّا قدمناه إِلَیٰ الآن أَن القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه المذکوره فی الآیه الشریفه لیست مسوقهً لبیان الموضوع.

إِلَّا أَن الصحیح مع ذلک کله عدم ثبوت المفهوم فی القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه المذکوره فی الآیه رغم البناء عَلَیٰ کبری ثُبوت مفهوم الشَّرط؛ وذلک لأَنَّ کُلّ ما قدمناه لحد الآن کان مبنیّاً عَلَیٰ افتراض أَن موضوع الحکم بوجوب التبیّن فی الآیه (أَیْ: الَّذِی تعلّقت به مادّه التَّبَیُّن) عباره عن النبأ کما عرفت، فی حین أَن هناک احتمالاً آخر، وهو أَن یکون موضوع الحکم فیها عباره عن نفس الفاسق، بأن یکون المقصود وجوب التبیّن عن حال الفاسق وأنه هل له غرض وداعٍ إِلَیٰ الکذب فی هذا الإخبار، وهل توجد بینه وبین الَّذِینَ نسب إلیهم ما یُشینهم عداوه أم لا؟ فإن هذا الاحتمال وارد فی الآیه ویمنع من أَن نستظهر منها رجوع الضمیر الواقع موضوعاً لوجوب التَّبَیُّن المذکور فی الجزاء إِلَیٰ النبأ وَحِینَئِذٍ فبناءً عَلَیٰ هذا الاحتمال یکون من الواضح عدم ثبوت المفهوم لهذه القضیه؛ لأَنَّ قوام المفهوم إِنَّمَا هو بأن یکون لموضوع الحکم (فی الرتبه السَّابِقَه عَلَیٰ تقییده بالشرط) إطلاق یشمل فرض عدم وجود الشَّرط، حَتَّیٰ یکون التقیید بالشرط هدماً لذاک الإطلاق فی الرتبه المتأخره وتقییداً له وینتزع من ذلک المفهوم، أما إذا لم یکن کذلک فلا یتصور أصلا تقییده بالشرط فی الرتبه المتأخره حَتَّیٰ ینتزع من ذلک المفهوم؛ فَإِنَّ التقیید فرع وجود إطلاق للموضوع فی ذاته، فإذا قیل مَثَلاً: ِن حیّاک شخص بتحیّه رُدَّ علیه التحیّه لم یکن لهذا الکلام مفهوم یَدُلُّ عَلَیٰ عدم وجوب الرد إذا لم یبتدأ شخص بالتحیه؛ لأَنَّ الرد (الَّذِی هو موضوع الحکم) فی نفسه لا یُعقل إذا لم یکن هناک ابتداء بالتحیه من شخص؛ إعداد الشَّیْخ محسن الطّهرانیّ عفی عنه فهو لیس له إطلاق فی المرتبه السَّابِقَه عَلَیٰ تقییده بالشرط یشمل فرض عدم وجود الشَّرط وعدم الابتداء بالتحیه کی یکون التقیید بالشرط هدماً لهذا الإطلاق وَبِالتَّالِی ینتزع منه المفهوم. وعلیه فبناءً عَلَیٰ أَن یکون موضوع الحکم فی الآیه الشریفه عباره عن نفس الفاسق، فإن هذا الموضوع لیس له فی الرتبه السَّابِقَه عَلَیٰ تقییده بالشرط (أَیْ: بمجیء الفاسق بالنبأ) إطلاق یشمل فرض عدم وجود الشَّرط (أَیْ: فرض العداله کما هو واضح)، ضرورهَ أَن موضوع الحکم إذا کان هو الفاسق فهو لا یشمل العادل، وَحِینَئِذٍ فلا یُتصوَّر أصلا تقییده بالشرط، وَبِالتَّالِی فلا یُنتَزع المفهوم.

ص: 16

إذن، فإذا کان هذا الاحتمال وارداً فی الآیه (وهو احتمال کون موضوع الحکم هو الفاسق) فسوف تکون الآیه مجمله ومردَّده بین هذا الاحتمال وبین احتمال أَن یکون موضوع الحکم هو النبأ، فعلی أحد الاحتمالین (وهو أَن یکون الموضوع هو النبأ) لا یکون انتفاء الشَّرط (أَیْ: مجیء الفاسق بالنبأ) موجباً لانتفاء الموضوع، وَعَلَیٰ الاحتمال الآخر (وهو أَن یکون الموضوع هو الفاسق) یکون انتفاء الشَّرط موجباً لانتفاء الموضوع، وعلیه فالقضیه عَلَیٰ أحد الاحتمالین مسوقه لبیان الموضوع، وَعَلَیٰ الاحتمال الآخر لیست کذلک، فبالتالی لا ظهور للآیه الشریفه فی المفهوم.

هذا تمام الکلام فی الإشکال الأول عَلَیٰ الاستدلال بمفهوم الشَّرط فی الآیه، وذلک من خلال القول بأن القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه فیها مسوقه لبیان الموضوع، وقد عرفتَ أَن الإشکال وارد بِالنَّحْوِ الَّذِی قلناه.

وللبحث صله تأتی إِن شاء الل_ه فی یوم السبت والحمد لل_ه رب العالمین.

آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

العنوان: آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

الإشکال الثَّانِی: ما ذکره المحقق الأصفهانی وَالسَّیِّدُ الأُسْتَاذُ الْخُوئِیُّ وهذا الإشکال له صیغتان:

إحداهما: ما ذکره المحقق الأصفهانی فی حاشیته عَلَیٰ الکفایه.

والأخری: ما ذکره السَّیِّدُ الأُسْتَاذُ الْخُوئِیُّ عَلَیٰ ما فی تقریرات بحثه، وهی ترجع بروحها إِلَیٰ الصیغه الأولی لکن مع تطویرها إِلَیٰ صیغه أفضل.

أما الصیغه الأولی فهی أَن النبأ (الَّذِی هو موضوع القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه فی الآیه بناءً عَلَیٰ المفهوم) إما أَن یراد به طبیعی النبأ، وإما أَن یراد به الإشاره إِلَیٰ فردٍ ونبأٍ خارجی مفروغ التحقق ومحقَّق الوجود خارجاً کما فی مثل قولنا: ِن کان النبأ الَّذِی قد وصلک من فاسق فیجب التَّبَیُّن عنه، وکل من الشِّقّین یلزم منه محذور:

ص: 17

أما الشق الأول فمن الواضح أَن طبیعی النبأ یشمل نبأ العادل والفاسق؛ لأَنَّ کلا منهما نبأ، فإن التزمنا بأن القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه فی الآیه ذات مفهوم لکان معناه أَنَّهُ متی جاء فاسق بطبیعی النبأ وجب التَّبَیُّن، وهذا معناه أَنَّهُ إذا أخبر فاسق بنبأٍ فقد صدق الشَّرط وهو مجیء الفاسق بطبیعی النبأ؛ لأَنَّ الطَّبِیعِیّ یوجد بوجود فرده. إذن، یتحقق الجزاء وهو وجوب التَّبَیُّن عن طبیعی النبأ، وحیث أَن هذا الوجوب المتعلق بطبیعی النبأ یسری لا محاله إِلَیٰ تمام أفراده، یلزم من ذلک أَنَّهُ حینما یخبر الفاسق بنبأ یجب التبیّن عن طبیعی النبأ بما فی ذلک نبأ العادل، فأخبار العدول أَیْضاً یجب التَّبَیُّن عنها حینما یجیء فاسق بنبأ، وبهذا تنتج القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه هنا نتیجه غریبه مخالفه للوجدان، ولا یلتزم بها أحد.

وأما الشق الثَّانِی وهو أَن یکون النبأ المأخوذ موضوعاً عباره عنا لنبأ الموجود خارجاً، بمعنی أَن النبأ فرض وقوعه ووجوده خارجاً، فهذا خلاف سیاق القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه المذکوره فی الآیه؛ فَإِنَّهَا لیست ظاهره فی افتراض نبأ خَاصّ فرض وجوده، وإلا لکان ینبغی أَن تصاغ العباره بنحو یَدُلُّ عَلَیٰ فرضه ووقوعه (أَیْ: بنحو یَدُلُّ عَلَیٰ مضیّ النبأ من قبیل أَن یقال: ِن کان النبأ الَّذِی قد جاءکم من فاسق فتبیّنوا، فی حین أَن العباره فی الآیه لا تَدُلّ عَلَیٰ المضیّ والوقوع بوجهٍ). إذن، فحمل الآیه عَلَیٰ ذلک خلاف الظاهر، وعلیه فیتعیّن أَن لا یکون النبأ موضوعاً للقضیه الشرطیه المذکوره فی الآیه، وإذا لم یکن هذا موضوعاً فلا مفهوم للآیه.

وأجاب + عن هذا الإشکال بما حاصله ببیانٍ منّا: أَن بالإمکان اختیار الشِّقّ الأول من دون أَن یلزم منه المحذور المذکور والنتیجه الغریبه المشار إلیها آنفاً وذلک بأن نقول: إِن المقصود من کون موضوع وجوب التَّبَیُّن عباره عن طبیعی النبأ لیس هو الطَّبِیعِیّ الملحوظ بنحو الوجود الساری، بل المراد منه ذات الطَّبِیعِیّ بلا ملاحظه سریانه إِلَیٰ تمام الأفراد، ولا مانع من أَن یکون موضوع الحکم (فی مرتبه وقوعه موضوعاً للحکم) مُطْلَقاً بهذا المعنی (أَیْ: ذات الطَّبِیعِیّ) بلا قید مجیئه من الفاسق أو من العادل)، ثُمَّ فی المرتبه المتأخره عن مرتبه الموضوعیه یتقید من ناحیه الشَّرط ویتحصّص إِلَیٰ حصه مضافه إِلَیٰ الفاسق وحصه مضافه إِلَیٰ العادل، وفائده الإطلاق فی المرتبه السَّابِقَه (مرتبه الموضوعیه) هی انتزاع المفهوم؛ إذ لو لا فرض إطلاق الموضوع فی الرتبه السَّابِقَه عَلَیٰ التعلیق وَعَلَیٰ تقییده بالشرط لَما أمکن انتزاع المفهوم.

ص: 18

والتحقیق کما أفاد سَیّدُنَا الأُسْتَاذُ الشَّهِیدُ هو أَنَّهُ لا محصَّل لهذا الجواب، ولا لأصل الإشکال؛ وذلک:

أما الجواب الَّذِی أفاده المحقق الأصفهانی فلأنه یرد علیه:

أَنَّهُ إن أراد التَّفْصِیل بین الإطلاق الملحوظ بنحو الوجود السّاری (وهو ما سمّیناه نحن فی بحث دلاله المطلق باسم الإطلاق اللحاظی، وهو الَّذِی لوحظ فیه السریان) وبین الإطلاق بنحو صرف الوجود (وهو ما سمیناه هناک باسم الإطلاق الذاتی، إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه وهو الَّذِی لم یلحظ فیه أیّ شیء لا السریان ولا عدم السریان)، وذلک بدعوی أَن الأول یوجب السریان إِلَیٰ تمام الأفراد؛ باعتبار أَنَّهُ لوحظ فیه السریان، بخلاف الثَّانِی؛ باعتبار أَنَّهُ لم یلحظ فیه السریان، وحیث أَن إطلاق النبأ فی القام فی مرتبه وقوعه موضوعاً للحکم إِنَّمَا هو من قبیل الثَّانِی الَّذِی لا یوجب السریان؛ لعدم لحاظ السریان فیه، فلذا ینتزع المفهوم من دون أَن یرد المحذور المذکور فی الإشکال؛ لأَنَّ موضوع وجوب التَّبَیُّن عباره عن ذات النبأ من دون سریانه إِلَیٰ تمام الأفراد، فلا یسری الحکم المتعلق به وهو وجوب التَّبَیُّن إِلَیٰ تمام أفراد النبأ کی یلزم من ذلک وجوب التَّبَیُّن حَتَّیٰ عن أخبار العدول عندما یجیء فاسق بنبأ، والسبب فی ذلک هو أَنَّهُ لم یلحظ فیه السریان.

وللکلام تتمه تأتی إِن شاء الل_ه غداً والحمد لل_ه رب العالمین.

آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

العنوان: آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

والتحقیق کما أفاد سَیّدُنَا الأُسْتَاذُ الشَّهِیدُ هو أَنَّهُ لا محصَّل لهذا الجواب، ولا لأصل الإشکال؛ وذلک:

ص: 19

أما الجواب الَّذِی أفاده المحقق الأصفهانی فلأنه یرد علیه:

أَنَّهُ إن أراد التَّفْصِیل بین الإطلاق الملحوظ بنحو الوجود السّاری (وهو ما سمّیناه نحن فی بحث دلاله المطلق باسم الإطلاق اللحاظی، وهو الَّذِی لوحظ فیه السریان) وبین الإطلاق بنحو صرف الوجود (وهو ما سمیناه هناک باسم الإطلاق الذاتی، وهو الَّذِی لم یلحظ فیه أیّ شیء لا السریان ولا عدم السریان)، وذلک بدعوی أَن الأول یوجب السریان إِلَیٰ تمام الأفراد؛ باعتبار أَنَّهُ لوحظ فیه السریان، بخلاف الثَّانِی؛ باعتبار أَنَّهُ لم یلحظ فیه السریان، وحیث أَن إطلاق النبأ فی القام فی مرتبه وقوعه موضوعاً للحکم إِنَّمَا هو من قبیل الثَّانِی الَّذِی لا یوجب السریان؛ إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه لعدم لحاظ السریان فیه، فلذا ینتزع المفهوم من دون أَن یرد المحذور المذکور فی الإشکال؛ لأَنَّ موضوع وجوب التَّبَیُّن عباره عن ذات النبأ من دون سریانه إِلَیٰ تمام الأفراد، فلا یسری الحکم المتعلق به وهو وجوب التَّبَیُّن إِلَیٰ تمام أفراد النبأ کی یلزم من ذلک وجوب التَّبَیُّن حَتَّیٰ عن أخبار العدول عندما یجیء فاسق بنبأ، والسبب فی ذلک هو أَنَّهُ لم یلحظ فیه السریان.

أقول: إِن کان هذا هو مراد المحقق الأصفهانی فی جوابه المذکور عن الإشکال، فیرد علیه ما حقّقناه فی بحث دلاله المطلق من أَن الإطلاق الذاتی أَیْضاً یقتضی السریان إِلَیٰ تمام الأفراد، فحتی إذا لم یلحظ السریان؛ فَإِنَّهُ مع ذلک بذاته یقتضی السریان، فیعود الإشکال؛ إذ أَن موضوع وجوب التَّبَیُّن حَتَّیٰ إذا کان عباره عن النبأ بنحو صرف الوجود (أَیْ: الإطلاق الذاتی الَّذِی لم یلحظ فیه السریان) فَإِنَّهُ مع ذلک یسری الحکم المتعلق به وهو وجوب التَّبَیُّن إِلَیٰ تمام أفراد النبأ، إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه فیجب التَّبَیُّن حَتَّیٰ عن أخبار العدول عندما یجیء فاسق بنبأ، وهذا هو الإشکال.

ص: 20

والحاصل أَن المحقق الأصفهانی إِن کان یرید أَن یقول: حیث أَن النبأ فی مرتبه وقوعه موضوعاً للحکم لم یلحظ فیه السریان إِلَیٰ جمیع الأفراد فلذا لا یسری الحکم الَّذِی تعلق به إِلَیٰ جمیع الأفراد کی یرد محذور وجوب التَّبَیُّن حَتَّیٰ عن أخبار العدول عند ما یجیء فاسق بنبأ، فهذا جوابه هو أَنَّهُ حَتَّیٰ إذا لم یلحظ فیه السریان فَإِنَّهُ مع ذلک یسری الحکم ویرد المحذور.

وإن أراد بذلک بیان أَن النبأ من ناحیه تقییده بالشرط لا یسری إِلَیٰ جمیع الأفراد وإن کان فی المرتبه السَّابِقَه عَلَیٰ تقییده به مطلقاً ویسری إِلَیٰ تمام الأفراد، فهو یرید أَن یقول: إِن إطلاقه هذا إطلاق مرتبتی (أَیْ: فی مرتبه وقوعه موضوعاً للحکم) ولیس إطلاقا واقعیاً؛ فَإِنَّ النّبأ وإن کان فی المرتبه السَّابِقَه عَلَیٰ التقیید بالشرط (أَیْ: فی مرتبه کونه موضوعاً للحکم مُطْلَقاً) لکنه فی المرتبه المتأخره عن ذلک حُصِّص (بسبب التقیید بالشّرط) إِلَیٰ حصّتین: إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه حصه مضافه إِلَیٰ الفاسق، وحصه مضافه إِلَیٰ العادل، فَتَعلَّق الحکم بالحصه المضافه إِلَیٰ الفاسق خاصَّه، فلا یسری الحکم إِلَیٰ تمام الحصص والأفراد کی یرد محذور وجوب التَّبَیُّن حَتَّیٰ عن أخبار العدول. ولعل هذا هو الظاهر من عبارته ، فهو وإن ذکر عدم لحاظ السریان فی الرتبه السَّابِقَه عَلَیٰ التقیید بالشرط، لکنه لم یکن یقصد بذلک أَنَّهُ ما دام لم یلحظ السریان إذاً فلا یسری الحکم، کی یرد علیه جوابنا المتقدم آنفاً القائل بِأَنَّهُ حَتَّیٰ إذا لم یلحظ السریان فإنّ الحکم یسری، بل کان یقصد بذلک أَنَّهُ ما دام لم یلحظ السریان فی الرتبه السَّابِقَه عَلَیٰ التقیید بالشرط (أَیْ: فی رتبه الموضوع) إذن فبالإمکان تقیید الإطلاق فی المرتبه المتأخره من خلال الشَّرط؛ إذ لو کان قد لوحظ السریان فی الرتبه السَّابِقَه (أَیْ: فی رتبه الموضوع) لم یکن من المعقول حِینَئِذٍ التقیید بعد ذلک فی المرتبه المتأخره من خلال الشَّرط؛ لوضوح أَن التقیید عباره عن لحاظ عدم السریان، إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه فلا یجتمع مع لحاظ السریان. وَعَلَیٰ کُلّ حال فإن کان مقصوده هذا فیرد علیه: أَن الَّذِی یقیَّد بالشرط عباره عن الحکم (أَیْ: وجوب التَّبَیُّن والفحص لا الموضوع، أی: النبأ)؛ فَإِنَّ مصبّ التقیید بالشرط والتعلیق علیه إِنَّمَا هو الحکم دون الموضوع، فالذی یُفحَص عنه لا زال عبارهً عن طبیعی النبأ، لکن وجوب الفحص عنه مشروط بمجیء الفاسق به. إذن، فیعود الإشکال وهو أَنَّهُ یلزم من ذلک وجوب التَّبَیُّن عن طبیعی النبأ (حَتَّیٰ أَنباء العدول) عند مجیء الفاسق بنبأ، وهو غیر محتمل.

ص: 21

إذن، فالجواب الَّذِی ذکره المحقق الأصفهانی عَلَیٰ الإشکال غیر تام.

وللکلام تتمه تأتی إِن شاء الل_ه غداً والحمد للَه رب العالمین.

آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

العنوان: آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

وإن أراد بذلک بیان أَن النبأ من ناحیه تقییده بالشرط لا یسری إِلَیٰ جمیع الأفراد وإن کان فی المرتبه السَّابِقَه عَلَیٰ تقییده به مطلقاً ویسری إِلَیٰ تمام الأفراد، فهو یرید أَن یقول: إِن إطلاقه هذا إطلاق مرتبتی (أَیْ: فی مرتبه وقوعه موضوعاً للحکم) ولیس إطلاقا واقعیاً؛ فَإِنَّ النّبأ وإن کان فی المرتبه السَّابِقَه عَلَیٰ التقیید بالشرط (أَیْ: فی مرتبه کونه موضوعاً للحکم مُطْلَقاً) لکنه فی المرتبه المتأخره عن ذلک حُصِّص (بسبب التقیید بالشّرط) إِلَیٰ حصّتین: حصه مضافه إِلَیٰ الفاسق، وحصه مضافه إِلَیٰ العادل، فَتَعلَّق الحکم بالحصه المضافه إِلَیٰ الفاسق خاصَّه، فلا یسری الحکم إِلَیٰ تمام الحصص والأفراد کی یرد محذور وجوب التَّبَیُّن حَتَّیٰ عن أخبار العدول. ولعل هذا هو الظاهر من عبارته ، فهو وإن ذکر عدم لحاظ السریان فی الرتبه السَّابِقَه عَلَیٰ التقیید بالشرط، لکنه لم یکن یقصد بذلک أَنَّهُ ما دام لم یلحظ السریان إذاً فلا یسری الحکم، کی یرد علیه جوابنا المتقدم آنفاً القائل بِأَنَّهُ حَتَّیٰ إذا لم یلحظ السریان فإنّ الحکم یسری، بل کان یقصد بذلک أَنَّهُ ما دام لم یلحظ السریان فی الرتبه السَّابِقَه عَلَیٰ التقیید بالشرط (أَیْ: فی رتبه الموضوع) إذن فبالإمکان تقیید الإطلاق فی المرتبه المتأخره من خلال الشَّرط؛ إذ لو کان قد لوحظ السریان فی الرتبه السَّابِقَه (أَیْ: فی رتبه الموضوع) لم یکن من المعقول حِینَئِذٍ التقیید بعد ذلک فی المرتبه المتأخره من خلال الشَّرط؛ لوضوح أَن التقیید عباره عن لحاظ عدم السریان، فلا یجتمع مع لحاظ السریان. وَعَلَیٰ کُلّ حال فإن کان مقصوده هذا فیرد علیه: أَن الَّذِی یقیَّد بالشرط عباره عن الحکم (أَیْ: وجوب التَّبَیُّن والفحص لا الموضوع، أی: النبأ)؛ فَإِنَّ مصبّ التقیید بالشرط والتعلیق علیه إِنَّمَا هو الحکم دون الموضوع، فالذی یُفحَص عنه لا زال عبارهً عن طبیعی النبأ، لکن وجوب الفحص عنه مشروط بمجیء الفاسق به. إذن، فیعود الإشکال وهو أَنَّهُ یلزم من ذلک وجوب التَّبَیُّن عن طبیعی النبأ (حَتَّیٰ أَنباء العدول) عند مجیء الفاسق بنبأ، وهو غیر محتمل.

ص: 22

إذن، فالجواب الَّذِی ذکره المحقق الأصفهانی عَلَیٰ الإشکال غیر تام.

وأمّا أصل الإشکال فهو أَیْضاً غیر صحیح، وجوابه عباره عن انحلال القضیه، ونظراً إِلَیٰ أَن هذه الآیه فی نفسها لیس لها مفهوم بحسب الواقع فمن المستحسَن نقل المغالطه الَّتِی ینطوی علیها الإشکال المذکور إِلَیٰ مثال آخر کی یتّضح الجواب عنها. فلنفرض أَن الآیه کانت بالصیغه التالیه: النبأ إِن جاءکم به الفاسق فتبیّنوا ومعناها أَن طبیعی النبأ إِن جاء به الفاسق فتبیّنوا، فیقال: إنه یلزم من ذلک وجوب التَّبَیُّن بالنسبه إِلَیٰ نبأ العادل أَیْضاً بواسطه ثبوت نبأ الفاسق، وهذه مغالطه نشأت من تخیّل سریان الحکم بما هو وبذاته إِلَیٰ تمام الأفراد، مع أَنَّهُ لیس الأمر کذلک؛ فَإِنَّ الحکم إِنَّمَا یسری إِلَیٰ تمام الأفراد لا بما هو وبذاته، بل بما هو معلّق عَلَیٰ الشَّرط.

وبتعبیر آخر: إِن أصل القضیه بما هی قضیه تنحلّ إِلَیٰ قضایا عدیده، لا أَن جزءاً منها ینحل، وبکلمه أخری: إِن الانحلال ثابت للمعلَّق والمعلَّق علیه والتعلیق معاً، فقولنا: النبأ إِن جاءکم به فاسق فتبینوا یکون عرفاً فی قوّه أَن یقال: هذا النبأ إِن جاءکم به فاسق فتبیّنوا، وذاک النبأ إِن جاءکم به فاسق فتبیّنوا، وذلک النبأ إِن جاءکم به فاسق فَتَبَیَّنُوا، وهکذا... تنحل هذه القضیه الواحده إِلَیٰ قضایا عدیده کُلّ واحده منها مشتمله عَلَیٰ المعلَّق والمعلَّق علیه والتعلیق، ولولا هذا الانحلال لسری الإشکال المذکور إِلَیٰ غیر ما نحن فیه من موارد مفهوم الشَّرط؛ إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی لإمکان تقریبه فی کُلّ قضیه شرطیه ذات المفهوم إذا کانت من قبیل ما نحن فیه (أَیْ: کان الموضوع الَّذِی یُبحث عن تحصّصه وعدم تحصّصه کلّیاً - کما فی المقام حیث أَن الموضوع هو النبأ - لا جزئیاً حقیقیّاً) وکان موضوع الجزاء عائداً إِلَیٰ نفس ذاک الموضوع الموجود فی الشَّرط (کما فی المقام حیث أَن الضمیر المستتر فی الجزاء الَّذِی تعلّقت به مادَّه الجزاء الَّتِی هی عباره عن التَّبَیُّن عائد إِلَیٰ نفس الموضوع الموجود فی الشَّرط وهو النبأ). إذن، ففی کُلّ مورد یتوفّر فیه هذان الشرطان یکون من قبیل ما نحن فیه، حیث یأتی فیه الإشکال المذکور، فلا مجال لهذا الإشکال حینما یکون الموضوع جزئیاً حقیقیّاً، کما فی قولنا: ِن جاء زید فأکرمه، ولا مجال له أَیْضاً حینما یختلف موضوع الجزاء عن موضوع الشَّرط، کما فی قولنا: ِن رزقت ولداً فتصدّق عَلَیٰ الفقراء. والسبب فی ذلک واضح؛ فَإِنَّ قوام الإشکال إِنَّمَا هو بکون الموضوع هو الطَّبِیعِیّ الکلی القابل للتّحصّص، وکونه عین ما تعلق به الحکم فی الجزاء، فیقال حِینَئِذٍ: إنه یلزم ثبوت الحکم المذکور فی الجزاء لکل أفراد ذاک الطَّبِیعِیّ کلّما تحقّق فرد منه؛ ففی قولنا: ِن جاء زید فأکرمه حیث أَن الموضوع جزئی حقیقی فلا یرد الإشکال ولا معنی لأنْ یقال حِینَئِذٍ: إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی إنه یلزم ثبوت الحکم لکل الأفراد کلّما تحقّق فرد من الموضوع، وفی قولنا: ِنْ رُزقتَ ولداً فتصدَّقْ عَلَیٰ الفقراء حیث أَن موضوع الجزاء هو الفقراء بینما الموضوع الموجود فی الشَّرط هو الولد، فأیضا لا یرد المحذور والإشکال؛ إذ لا ضیر فی الالتزام حِینَئِذٍ بثبوت الحکم لکل الأفراد (أَیْ: وجوب التصدق عَلَیٰ کُلّ الفقراء کلّما تحقق فرد من الموضوع الطَّبِیعِیّ الکلی وهو الولد؛ فَإِنَّ هذا لیس أمراً غریبا لا یلتزم به أحد، بل هو ما تقتضیه القاعده کما هو واضح.

ص: 23

وبهذا ظهر عدمُ صحّه ما أفاده السید الهاشمی حفظه الل_ه من أَن الإشکال المذکور (أَعنی: إشکال المحقق الأصفهانی ) لو تَمَّ أوجب سقوط المفهوم مطلقاً حَتَّیٰ فیما إذا کان الموضوع جزئیاً کقولنا: ِن جاء زید فأکرمه، أو کان موضوع الجزاء غیر راجع إِلَیٰ موضوع الشَّرط کقولنا: ِنْ رُزقتَ ولداً فتصدَّقْ عَلَیٰ الفقراء؛ إذ یقال هنا أَیْضاً: إِن کان الشَّرط قیداً فی موضوع الجزاء (بأن فرضنا فی المثال الأول مَثَلاً أَن المجیء قید فی موضوع وجوب الإکرام) فیکون وجوب الإکرام موضوعه عباره عن زید الجائی، فبانتفاء الشَّرط ینتفی الموضوع، فیکون انتفاء الحکم حِینَئِذٍ من باب انتفاء موضوعه، فلا یکون للکلام مفهوم. وإن لم یکن الشَّرط قیداً فی موضوع الجزاء لزم إطلاق وجوب إکرام زید للإکرام الواقع قبل مجیئه؛ لأَنَّ المفروض کون المنطوق فی طرف الجزاء عباره عن مطلق وجوب إکرام زید الصادق عَلَیٰ إکرامه قبل مجیئه، مع أَن هذا الإطلاق غیر ثابت فی طرف الجزاء قطعاً.

أقول: هذا الکلام غیر صحیح؛ فَإِنَّنَا نختار الشق الثَّانِی، وهو أَن الشَّرط لیس قیدا فی موضوع الجزاء، لکنه قید فی نفس الجزاء والحکم، فلیس المنطوق فی طرف الجزاء هو مطلق وجوب إکرام زید الصادق عَلَیٰ إکرامه قبل مجیئه، وعلیه فلا یلزم من ذلک إطلاقُ وجوب إکرام زید للإکرام الواقع قبل مجیئه؛ وذلک لما قلناه فی مناقشه الجواب الَّذِی ذکره المحقق الأصفهانی عَلَیٰ الإشکال من أَن مصبّ التقیید بالشرط والتعلیق علیه لیس هو الموضوع، بل هو الحکم؛ فَإِنَّهُ المقیَّد والمشروط بالشرط والمعلَّق علیه، فبانتفائه لا وجوب للإکرام؛ فالإکرام الواقع قبل مجیئه لم یقع عَلَیٰ صفه الوجوب کی یرد الإشکال الَّذِی ذکره السید الهاشمی حفظه الل_ه کما هو واضح.

ص: 24

وللبحث صله تأتی إِن شاء الل_ه فی الیوم القادم والحمد لل_ه رب العالمین.

آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

العنوان: آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

وبهذا ظهر عدمُ صحّه ما أفاده السید الهاشمی حفظه الل_ه من أَن الإشکال المذکور (أَعنی: إشکال المحقق الأصفهانی ) لو تَمَّ أوجب سقوط المفهوم مطلقاً حَتَّیٰ فیما إذا کان الموضوع جزئیاً کقولنا: ِن جاء زید فأکرمه، أو کان موضوع الجزاء غیر راجع إِلَیٰ موضوع الشَّرط کقولنا: ِنْ رُزقتَ ولداً فتصدَّقْ عَلَیٰ الفقراء؛ إذ یقال هنا أَیْضاً: إِن کان الشَّرط قیداً فی موضوع الجزاء (بأن فرضنا فی المثال الأول مَثَلاً أَن المجیء قید فی موضوع وجوب الإکرام) فیکون وجوب الإکرام موضوعه عباره عن زید الجائی، فبانتفاء الشَّرط ینتفی الموضوع، فیکون انتفاء الحکم حِینَئِذٍ من باب انتفاء موضوعه، فلا یکون للکلام مفهوم. وإن لم یکن الشَّرط قیداً فی موضوع الجزاء لزم إطلاق وجوب إکرام زید للإکرام الواقع قبل مجیئه؛ لأَنَّ المفروض کون المنطوق فی طرف الجزاء عباره عن مطلق وجوب إکرام زید الصادق عَلَیٰ إکرامه قبل مجیئه، مع أَن هذا الإطلاق غیر ثابت فی طرف الجزاء قطعاً.

أقول: هذا الکلام غیر صحیح؛ فَإِنَّنَا نختار الشق الثَّانِی، وهو أَن الشَّرط لیس قیدا فی موضوع الجزاء، لکنه قید فی نفس الجزاء والحکم، فلیس المنطوق فی طرف الجزاء هو مطلق وجوب إکرام زید الصادق عَلَیٰ إکرامه قبل مجیئه، وعلیه فلا یلزم من ذلک إطلاقُ وجوب إکرام زید للإکرام الواقع قبل مجیئه؛ وذلک لما قلناه فی مناقشه الجواب الَّذِی ذکره المحقق الأصفهانی عَلَیٰ الإشکال من أَن مصبّ التقیید بالشرط والتعلیق علیه لیس هو الموضوع، بل هو الحکم؛ فَإِنَّهُ المقیَّد والمشروط بالشرط والمعلَّق علیه، فبانتفائه لا وجوب للإکرام؛ فالإکرام الواقع قبل مجیئه لم یقع عَلَیٰ صفه الوجوب کی یرد الإشکال الَّذِی ذکره السید الهاشمی حفظه الل_ه کما هو واضح.

ص: 25

والحاصل أَنَّهُ لو لا الانحلال الَّذِی ذکرناه لکان الإشکال المذکور ساریاً إِلَیٰ کُلّ الموارد الأخری الَّتِی هی مشابهه لموردنا. وَحَلُّ الإشکال فی جمیع هذه الموارد إِنَّمَا هو بما قلناه من انحلال کُلّ القضیه؛ فنحن فی المقام نختار الشق الأول من الشقین المذکورین فی الإشکال، وهو أَن المراد بموضوع القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه فی الآیه طبیعی النبأ، إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه إِلَّا أَن کون الموضوع طبیعی النبأ فی الشَّرط والجزاء لا یعنی وجوب التَّبَیُّن عن کُلّ نبأ لمجرد تحقق مجیء الفاسق بطبیعی النبأ، وَإِنَّمَا یعنی أَن موضوع الحکم المذکور هو طبیعی النبأ، وهذا الطَّبِیعِیّ کلّیّ انحلالیّ ینحلّ لا محاله إِلَیٰ أفراده، ومعنی کلّیته وانحلاله عباره عن انحال حکمه بتبع انحلاله، وحکمه هو وجوب التَّبَیُّن المعلَّق والمشروط فی هذا النبأ وفی ذاک النبأ، وهکذا..

إذن، فهنا قضیه کلیه لها موضوع شرطی ومحمول جزائی، والمحمول الجزائی ینحلّ، فکل حصه من طبیعی النبأ لها حصه من وجوب التبیّن المعلَّق.

وبعباره أخری: کُلّ نبأٍ له حکم مشروط وهو وجوب التَّبَیُّن إذا جاء به فاسق، فمتی جاء فاسق بحصهٍ أصبح الوجوبُ فعلیاً بالنسبه إِلَیٰ تلک الحصه، لا أَنَّهُ أصبح فعلیاً بالنسبه إِلَیٰ سائر الحصص، فلا یثبت بمجیء فاسق بنبأ وجوب التَّبَیُّن بالنسبه إِلَیٰ الحصص الأخری لطبیعی النبأ الَّتِی لم یتحقق فیها الشَّرط، بل وجوب التبیّن بالنسبه إِلَیٰ خصوص ذاک الَّذِی تحقق فیه الشَّرط کما هو واضح، ولیس ذلک إِلَّا باعتبار نکته انحلال الموضوع والمحمول (أَیْ: الشَّرط والجزاء) وتطابق هذین الانحلالین وکون انحلال الحکم بتبع انحلال الموضوع انحلالاً له بما هو معلَّق ومشروط لا بما هو هو وبذاته.

ص: 26

هذا تمام الکلام فی الصیغه الأولی للإشکال الثَّانِی فی المقام، وهی الَّتِی ذکرها المحقق الأصفهانی وأجاب عنها، وقد عرفتَ أَنَّهُ لا الجوابُ صحیحٌ ولا أصل الإشکال.

وأما الصیغه الثانیه للإشکال فهی الَّتِی ذکرها السَّیِّدُ الأُسْتَاذُ الْخُوئِیُّ وأجاب عنها، وهی ترجع بروحها إِلَیٰ نفس ما قاله المحقق الأصفهانی لکن مع تطویره إِلَیٰ صیغه أفضل، حیث قال : إِن موضوع القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه فی الآیه إما هو طبیعی النبأ، وإما هو نبأ الفاسق بالخصوص، وکلا الشِّقَّین فیه محذور:

فإن کان الأول لزم منه الإشکال الَّذِی ذکره المحقق الأصفهانی ، وهو أَنَّهُ متی ما جاء فاسقٌ بنبأٍ وجب التَّبَیُّن عن طبیعی النبأ الشامل حَتَّیٰ لخبر العادل، وهو باطل کما عرفت.

وإن کان الثَّانِی فبانتفاء الشَّرط ینتفی الموضوع أیضاً فیکون من باب السالبه بانتفاء الموضوع؛ إذ یکون مفاد الآیه بناءً عَلَیٰ هذا: نبأ الفاسق إِن جاءکم به الفاسق فتبیّنوا وهذه قضیه شرطیه مسوقه لتحقیق الموضوع، فلا مفهوم لها؛ لأَنَّ مجیء الفاسق بالنبأ یکون محقّقاً للموضوع وهو نبأ الفاسق.

قال فی مقام بیان الإشکال بکلا شِقَّیْهِ بعنوان التوهّم:

نه لو کان الموضوع طبیعی النبأ وکان مجیء الفاسق به شرطا للحکم (وهذا هو الشق الأول) لزم التَّبَیُّن عن کُلّ نبأ حَتَّیٰ نبأ العادل فیما إذا تحقق فی الخارج نبأ الفاسق؛ إذ المفروض أَن وجوب التَّبَیُّن ثابت لطبیعی النبأ عَلَیٰ تقدیر تحقق نبأ الفاسق، إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه وبما أَن ذلک باطل قطعا، یتعین أَن یکون الموضوع فی الآیه نبأ الفاسق عَلَیٰ نحو التقیید وهذا هو الشق الثَّانِی، فلا یبقی للقضیه مفهومٌ.

ص: 27

ثُمَّ أصبح بصدد الإجابه والرد عَلَیٰ هذا التوهم فقال:

إِن القیود تختلف من حیث رجوعها إِلَیٰ الموضوع أو الحکم، حیث أَن القید:

تارهً رجع (بحسب ظاهر القضیه) إِلَیٰ الموضوع، کما فی موارد التوصیف (کقولنا: أکرم العالم العادل).

وأخری یرجع (بحسب حکم العقل) إِلَیٰ الموضوع، کما فی موارد توقف الحکم عقلا عَلَیٰ القید (کقولنا: إِن رزقت ولدا فاختنه).

وثالثه لا یکون شیء من الأمرین، فیرجع القید إِلَیٰ الحکم، ویثبت المفهوم، أی: أَنَّهُ بانتفائه ینتفی الحکم من دون أَن ینتفی الموضوع.

إذن، فالقیود تختلف فی رجوع بعضها إِلَیٰ الموضوع وبعضها إِلَیٰ الحکم، إِلَّا أَن هذا الاختلاف إِنَّمَا هو بحسب مقام الإثبات والتعبیر، وأما بحسب مقام الثبوت والواقع فکل القیود لَا بُدَّ من أَن ترجع إِلَیٰ الموضوع، فحتی ما هو قید للحکم إثباتاً قید للموضوع ثبوتاً؛ لاستحاله ثبوت الحکم المقیَّد عَلَیٰ الموضوع المطلق، وهذا هو معنی ما یقال من أَن قیود الحکم ترجع إِلَیٰ قیود الموضوع لا محاله، وعلیه ففی المقام نلاحظ أَن الشَّرط والقید (وهو کون المُخبِر فاسقاً) وإن کان قیدا للحکم بحسب مقام الإثبات، حیث أَن المستظهر من سیاق اللفظ والتعبیر هو أَن الموضوع عباره عن طبیعی النبأ (أَیْ: الشق الأول) وأن الشَّرط قید للحکم (أَیْ: لوجوب التَّبَیُّن) لا للموضوع (أَیْ: النبأ)؛ إذ لا هو وصف للموضوع کما هو واضح، ولا هو مِمَّا یتوقف علیه الحکم عقلاً؛ لوضوح أَن وجوب التَّبَیُّن عن النبأ لا یتوقف عقلا عَلَیٰ کون المخبر به فاسقا، إذن فهو قید للحکم، إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه لکن هذا إِنَّمَا هو بحسب مقام الإثبات، فتخرج القضیه إذن عن کونها مسوقه إثباتاً لبیان الموضوع، لکن بحسب مقام الثبوت یکون الشَّرط قیداً للموضوع ایضا، لما قلناه من استحاله ثبوت الحکم المقیّد عَلَیٰ الموضوع المطلق، وعلیه فالحکم بوجوب التَّبَیُّن موضوعه ثبوتاً لیس عباره عن طبیعی النبأ، بل هو نبأ الفاسق. إذن، فحینا یجیء الفاسق بنبأ یجب التَّبَیُّن عن نبأ الفاسق بالخصوص، لا عن کُلّ نبأٍ حَتَّیٰ نبأ العادل، کی یرد الإشکال، ونظیر هذا قوله: ذا کان الماء قدر کّر لم ینجّسه شیء؛ فَإِنَّهُ لا یقتضی عدم تنجّس کُلّ ماءٍ عندما یتّصف فرد من الماء بالکریه، بل مقتضاه عدم انفعال الکرّ بالخصوص؛ لأَنَّ القید (أَیْ: الکرّیّه) قید للموضوع ثبوتاً.

ص: 28

وتأتی تتمه الحدیث فی الیوم الدراسی القادم إِن شاء الل_ه تعالی والحمد لل_ه رب العالمین.

آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

العنوان: آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

إذن، فالقیود تختلف فی رجوع بعضها إِلَیٰ الموضوع وبعضها إِلَیٰ الحکم، إِلَّا أَن هذا الاختلاف إِنَّمَا هو بحسب مقام الإثبات والتعبیر، وأما بحسب مقام الثبوت والواقع فکل القیود لَا بُدَّ من أَن ترجع إِلَیٰ الموضوع، فحتی ما هو قید للحکم إثباتاً قید للموضوع ثبوتاً؛ لاستحاله ثبوت الحکم المقیَّد عَلَیٰ الموضوع المطلق، وهذا هو معنی ما یقال من أَن قیود الحکم ترجع إِلَیٰ قیود الموضوع لا محاله، وعلیه ففی المقام نلاحظ أَن الشَّرط والقید (وهو کون المُخبِر فاسقاً) وإن کان قیدا للحکم بحسب مقام الإثبات، حیث أَن المستظهر من سیاق اللفظ والتعبیر هو أَن الموضوع عباره عن طبیعی النبأ (أَیْ: الشق الأول) وأن الشَّرط قید للحکم (أَیْ: لوجوب التَّبَیُّن) لا للموضوع (أَیْ: النبأ)؛ إذ لا هو وصف للموضوع کما هو واضح، ولا هو مِمَّا یتوقف علیه الحکم عقلاً؛ لوضوح أَن وجوب التَّبَیُّن عن النبأ لا یتوقف عقلا عَلَیٰ کون المخبر به فاسقا، إذن فهو قید للحکم، لکن هذا إِنَّمَا هو بحسب مقام الإثبات، فتخرج القضیه إذن عن کونها مسوقه إثباتاً لبیان الموضوع، لکن بحسب مقام الثبوت یکون الشَّرط قیداً للموضوع ایضا، لما قلناه من استحاله ثبوت الحکم المقیّد عَلَیٰ الموضوع المطلق، وعلیه فالحکم بوجوب التَّبَیُّن موضوعه ثبوتاً لیس عباره عن طبیعی النبأ، بل هو نبأ الفاسق. إذن، فحینا یجیء الفاسق بنبأ یجب التَّبَیُّن عن نبأ الفاسق بالخصوص، لا عن کُلّ نبأٍ حَتَّیٰ نبأ العادل، کی یرد الإشکال، ونظیر هذا قوله: ذا کان الماء قدر کّر لم ینجّسه شیء؛ فَإِنَّهُ لا یقتضی عدم تنجّس کُلّ ماءٍ عندما یتّصف فرد من الماء بالکریه، بل مقتضاه عدم انفعال الکرّ بالخصوص؛ لأَنَّ القید (أَیْ: الکرّیّه) قید للموضوع ثبوتاً.

ص: 29

والحاصل أَن المتوهِّم قد خَلَط بین رجوع القید إِلَیٰ الموضوع إثباتاً ورجوعه إلیه ثبوتا، فَتَوَهَّم أَن القید الَّذِی لا یرجع إِلَیٰ الموضوع إثباتا لا یرجع إلیه ثبوتاً أَیْضاً، ولذا قال: إنه یلزم وجوب التَّبَیُّن عن کُلّ نبأ (حَتَّیٰ نبأ العادل) إذا جاء فاسق بنبأ.

وحاصل جوابه هو أَنَّنَا نختار الشق الأول دون الثَّانِی؛ فالموضوع بحسب مقام الدلاله والإثبات لیس عباره عن المقیَّد (أَیْ: نبأ الفاسق) کی تکون القضیه مسوقه لبیان الموضوع ویکون انتفاء الحکم بانتفاء القید والشرط سالبه بانتفاء الموضوع وَبِالتَّالِی لا یبقی للقضیه مفهوم، بل الموضوع هو المطلق (أَیْ: طبیعی النبأ)، إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه وأما الشَّرط (أَیْ: مجیء الفاسق بالنبأ) فلیس دخیلا فی الموضوع بحسب مقام الإثبات، بل هو شرط وقید للحکم، فمتی ما تحقق الشَّرط یثبت الحکم ویجب التَّبَیُّن إِلَّا أَن هذا لا یعنی أَنَّهُ یجب التَّبَیُّن حِینَئِذٍ عن ذاک الطَّبِیعِیّ المطلق کی یرد الإشکال ویقول: إذن یلزم وجوب التَّبَیُّن حَتَّیٰ عن أخبار العدول، بل یجب التَّبَیُّن عن خبر الفاسق؛ لأَنَّ الشَّرط وإن لم یکن دخیلا فی الموضوع إثباتا کما عرفت، لکنه دخیل فیه ثبوتاً ولبّاً، فکل شرط فی القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه هو قید لموضوع الحکم ببرهان لزوم رجوع القیود إِلَیٰ الموضوع واستحاله کون موضوع الحکم المقید مطلقاً، وعلیه فیستحیل أَن یکون للموضوع (أَیْ: للنبأ الَّذِی یجب التَّبَیُّن عنه عند مجیء الفاسق بالنبأ) إطلاق لنبأ العادل؛ لِأَنَّهُ نبأ مقیّد بقید الحکم لباً وثبوتاً، وإن کان قد وضع القید لساناً وإثباتاً للحکم، لا للموضوع.

إِلاَّ أَن هذا الجواب غیر صحیح؛ إذ یرد علیه:

ص: 30

أَوَّلاً: أَن ما ذکره من رجوع کُلّ القیود إِلَیٰ الموضوع لبّاً وثبوتاً صحیح فیما إذا أرید بالموضوع ما یؤخذ مفروض الوجود فی مقام الجعل، وهو اصطلاح أسَّسه المحقق النائینی، فکل القیود فی الحکم المجعول عَلَیٰ نهج القضیه الحقیقیه لا بد من أَن تکون مفروضه الوجود فی مقام جعل الحکم، فالموضوع بهذا المعنی یَصِحّ فیه ما ذکره من ضروره رجوع القیود ثبوتاً إلیه بالبرهان، وهو ینطبق عَلَیٰ الشَّرط أیضاً؛ فَإِنَّ الشَّرط فی القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه لَا بُدَّ من أَن یکون أَیْضاً مفروض الوجود فی المرتبه السَّابِقَه عَلَیٰ الجعل؛ ضرورهَ استحاله أَن یَجعل المولی وجوباً للتبیّن عن النبأ مشروطاً بمجیء الفاسق بالنبأ من دون أَن یکون قد فرض فی الرتبه السَّابِقَه مجیء الفاسق بالنبأ کما هو واضح، إِلَّا أَن الموضوع بهذا المعنی غیر الموضوع المراد والمبحوث عنه فی المقام؛ فَإِنَّ المراد والمبحوث عنه هنا هو الموضوع بالمعنی المقابل للشرط، وهو بهذا المعنی لا برهان عَلَیٰ رجوع کُلّ القیود إلیه لبّاً وثبوتاً، فَمَن قال: إنه لَا بُدَّ من أَن یرجع کُلّ قید إِلَیٰ وصفٍ للموضوع بالمعنی المقابل للشرط؟ بل بالإمکان جعلا لحکم المشروط بشرطٍ عَلَیٰ موضوعٍ مطلق، إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه بحیث یکون حکم ذلک الموضوع نفس القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه کما إذا قال: ِن زالت الشمس وجبت الصلاه، بحیث یکون وجوب الصلاه المشروط بزوال الشمس مجعولاً عَلَیٰ مطلق المکلف حَتَّیٰ الَّذِی لم تزل علیه الشمس، فالموضوع بالمعنی المقابل للشرط هنا هو عباره عن المکلف، ولا برهان عَلَیٰ ضروره رجوع زوال الشمس إِلَیٰ وصفٍ وقید للمکلَّف، بحیث یکون الحکم مجعولاً عَلَیٰ خصوص المکلف الَّذِی زالت علیه الشمس. نعم، زوال الشمس لَا بُدَّ من رجوعه إِلَیٰ الموضوع بالمعنی الأول (أَیْ: ما فرض وجوده فی مقام جعل الحکم، ضرورهَ استحاله أَن یجعل المولی وجوباً للصلاه مشروطاً بالزوال من دون أَن یکون قد فرض وجود الزوال، إِلَّا أَن هذا کما عرفت اصطلاح آخر للموضوع غیر الَّذِی نتکلم عنه. وعلیه ففی المقام من الممکن أَن یکون المولی إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه قد جعل وجوبا للتبین مشروطاً بمجیء الفاسق بالنبأ عَلَیٰ موضوع مطلق وهو طبیعی النبأ (وهذا هو الشق الأول من الإشکال). وَحِینَئِذٍ یعود الإشکال الَّذِی کان السَّیِّدُ الأُسْتَاذُ الْخُوئِیُّ بصدد الإجابه عنه، وهو أَنَّهُ یلزم التَّبَیُّن عن کُلّ نبأ حَتَّیٰ نبأ العادل فیما إذا تحقق فی الخارج نبأ الفاسق؛ إذ المفروض أَن وجوب التَّبَیُّن المعلَّق والمشروط ثابت لطبیعی النبأ؛ إذ لا استحاله فی أَن یکون لهذا الموضوع المبحوث عنه فی المقام إطلاقٌ لنبأ العادل کما هو واضح.

ص: 31

وثانیا: أَنَّهُ حَتَّیٰ لو سلّمنا قیام برهان عَلَیٰ ما أفاده من أَن کُلّ قید وحیثیه تعلیلیه للحکم لَا بُدَّ من أَن یکون قیداً وحیثیه تقییدیه للموضوع بالمعنی المبحوث عنه فی المقام (أَیْ: ما یقابل الشَّرط)؛ فَإِنَّهُ مع ذلک لا یَتُمُّ جوابه عن الإشکال، بل یبقی الإشکال؛ وذلک لأَنَّ البرهان المفتَرض لا یقتضی سوی تقیید الموضوع بمقدار القید لا أکثر، فلنفرض أَن البرهان قائم عَلَیٰ أَن الشَّرط الَّذِی هو قید وحیثیه تعلیلیه للحکم لَا بُدَّ من أَن یکون أَیْضاً قیداً وحیثیهً تقییدیه للموضوع، فیتقیّد الموضوعُ بمقدار الشَّرط لا أکثر. وصاحب الإشکال فی المقام یدّعی أَن الشَّرط الَّذِی هو القید والحَیْثِیَّه التَّعْلِیلِیَّهُ لوجوب التَّبَیُّن عن النبأ عباره عن مجیء الفاسق بطبیعی النبأ، وهذا یتحقق بصرف مجیء فاسق بنبأٍ. إذن، یکون هذا المقدار هو الَّذِی یجب أَن یُؤخذ (لُبّاً وثبوتاً) قیداً وحیثیّهً تقییدیه للموضوع (أَیْ: النبأ) لا أکثر من هذا المقدار. والنتیجه حِینَئِذٍ تکون عباره عن أَن الحکم هو وجوب التَّبَیُّن، وموضوعه وإن لم یکن عباره عن طبیعی النبأ، بل أصبح مقیّداً بمجیء فاسقٍ بنبأٍ فی الجمله، لکن هذا معناه کفایه مجیء فاسق بطبیعی النبأ لوجوب التَّبَیُّن عن کُلّ نبأٍ حَتَّیٰ نبأ العادل، فکأنه قال: النبأ إِن جاء به فی الجمله فاسق یجب التَّبَیُّن عنه حَتَّیٰ إذا جاء به عادل، نظیر ما إذا قال: إذا نزل المطر فأکرم الفقیر، وقلنا: إِن الشَّرط وهو نزول المطر الَّذِی إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه هو قید للحکم (أَیْ: وجوب الإکرام) قید للموضوع أَیْضاً (أَیْ: الفقیر)؛ فَإِنَّ هذا معناه أَن الفقیر مقیّد بمجیء طبیعیّ المطر فی الجمله، ولیس مقیَّداً بأکثر من ذلک (أَیْ: مجیء أمطار بعدد الفقراء)، فحتی إذا لم تنزل أمطار بعدد الفقراء بل نزل طبیعیّ المطر فی الجمله؛ فَإِنَّهُ حِینَئِذٍ یکون الموضوع قد تحقَّق، ویثبت حکمه وهو وجوب إکرام کُلّ فقیر؛ ففی ما نحن فیه أَیْضاً ما دام قد جاء فاسق بنبأ فی الجمله، إذن فقد تحقق موضوع الحکم وَحِینَئِذٍ یثبت الحکم وهو وجوب التَّبَیُّن عن کُلّ نبأ حَتَّیٰ نبأ العادل، إذن فقد عاد الإشکال ولم ینحلّ.

ص: 32

هذا تمام الکلام فی الصیغه الثانیه للإشکال الثَّانِی فی المقام، وهی الَّتِی ذکرها السَّیِّدُ الأُسْتَاذُ الْخُوئِیُّ وأجاب عنها، وقد عرفتَ عدمَ تمامیّه جوابِه.

وللحدیث صله تأتی إِن شاء الل_ه فی الیوم القادم والحمد لل_ه رب العالمین.

آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

العنوان: آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

وثانیاً: أَنَّهُ حَتَّیٰ لو سلّمنا قیام برهان عَلَیٰ ما أفاده من أَن کُلّ قید وحیثیه تعلیلیه للحکم لَا بُدَّ من أَن یکون قیداً وحیثیه تقییدیه للموضوع بالمعنی المبحوث عنه فی المقام (أَیْ: ما یقابل الشَّرط)؛ فَإِنَّهُ مع ذلک لا یَتُمُّ جوابه عن الإشکال، بل یبقی الإشکال؛ وذلک لأَنَّ البرهان المفتَرض لا یقتضی سوی تقیید الموضوع بمقدار القید لا أکثر، فلنفرض أَن البرهان قائم عَلَیٰ أَن الشَّرط الَّذِی هو قید وحیثیه تعلیلیه للحکم لَا بُدَّ من أَن یکون أَیْضاً قیداً وحیثیهً تقییدیه للموضوع، فیتقیّد الموضوعُ بمقدار الشَّرط لا أکثر. وصاحب الإشکال فی المقام یدّعی أَن الشَّرط الَّذِی هو القید والحَیْثِیَّه التَّعْلِیلِیَّهُ لوجوب التَّبَیُّن عن النبأ عباره عن مجیء الفاسق بطبیعی النبأ، وهذا یتحقق بصرف مجیء فاسق بنبأٍ. إذن، یکون هذا المقدار هو الَّذِی یجب أَن یُؤخذ (لُبّاً وثبوتاً) قیداً وحیثیّهً تقییدیه للموضوع (أَیْ: النبأ) لا أکثر من هذا المقدار. والنتیجه حِینَئِذٍ تکون عباره عن أَن الحکم هو وجوب التَّبَیُّن، وموضوعه وإن لم یکن عباره عن طبیعی النبأ، بل أصبح مقیّداً بمجیء فاسقٍ بنبأٍ فی الجمله، لکن هذا معناه کفایه مجیء فاسق بطبیعی النبأ لوجوب التَّبَیُّن عن کُلّ نبأٍ حَتَّیٰ نبأ العادل، إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه فکأنه قال: النبأ إِن جاء به فی الجمله فاسق یجب التَّبَیُّن عنه حَتَّیٰ إذا جاء به عادل، نظیر ما إذا قال: إذا نزل المطر فأکرم الفقیر، وقلنا: إِن الشَّرط وهو نزول المطر الَّذِی هو قید للحکم (أَیْ: وجوب الإکرام) قید للموضوع أَیْضاً (أَیْ: الفقیر)؛ فَإِنَّ هذا معناه أَن الفقیر مقیّد بمجیء طبیعیّ المطر فی الجمله، ولیس مقیَّداً بأکثر من ذلک (أَیْ: مجیء أمطار بعدد الفقراء)، فحتی إذا لم تنزل أمطار بعدد الفقراء بل نزل طبیعیّ المطر فی الجمله؛ فَإِنَّهُ حِینَئِذٍ یکون الموضوع قد تحقَّق، ویثبت حکمه وهو وجوب إکرام کُلّ فقیر؛ ففی ما نحن فیه أَیْضاً ما دام قد جاء فاسق بنبأ فی الجمله، إذن فقد تحقق موضوع الحکم وَحِینَئِذٍ یثبت الحکم وهو وجوب التَّبَیُّن عن کُلّ نبأ حَتَّیٰ نبأ العادل، إذن فقد عاد الإشکال ولم ینحلّ.

ص: 33

هذا تمام الکلام فی الصیغه الثانیه للإشکال الثَّانِی فی المقام، وهی الَّتِی ذکرها السَّیِّدُ الأُسْتَاذُ الْخُوئِیُّ وأجاب عنها، وقد عرفتَ عدمَ تمامیّه جوابِه.

وهذا یتضح لنا أَن الجواب الصحیح عن الإشکال هو ما قلناه من انحلال کُلّ القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه، بمعنی أَن موضوع القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه فی الآیه عباره عن طبیعیّ النبأ، وهو ینحل إِلَیٰ أفراده، وبتبع انحلاله إِلَیٰ أفراده ینحل حکمه الَّذِی هو عباره عن وجوب التَّبَیُّن المعلَّق، فکل فرد من أفراد النبأ له حکم مشروط ومعلق، وشرطه عباره عن مجیء الفاسق به، فکلما جاء فاسق بفرد من النبأ أصبح وجوب التَّبَیُّن عن ذاک الفرد فعلیاً من دون أَن یصبح وجوب التَّبَیُّن عن الأنباء الأخری الَّتِی لم یتحقق فیها الشَّرط ولم یجیء بها الفاسق فعلیّاً، إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه فأنباء العدول لا یجب التَّبَیُّن عنها بمجرد جیء الفاسق بالنبأ؛ لأَنَّ الشَّرط فیها لم یتحقق، فلا یصبح وجوب التَّبَیُّن عنها فعلیا کما هو واضح.

هذا تمام الکلام فی الإشکال الثَّانِی عن الاستدلال بمفهوم الشَّرط فی الآیه، وقد عرفت أَن هذا الإشکال غیر تام، وَإِنَّمَا الإشکال الأول تام کما تقدم، وَبِالتَّالِی فلا ظهور للآیه فی المفهوم.

وعلیه فالتقریب الثَّانِی من تقریبی إثبات المقتضی فی الآیه للمفهوم (وهو التَّمسُّک بمفهوم الشَّرط) أَیْضاً غیر تام کالتقریب الأول.

وبهذا تم الکلام فی المقام الأول وهو البحث عن أصل ثبوت المقتضی فی الآیه لِلدَّلَالَهِ عَلَیٰ حجّیّه خبر الواحد وثبوت مفهوم لها ینفی وجوب التَّبَیُّن عن خبر الثقه أو العادل وقد عرفت عدم ثبوت المقتضی فیها للمفهوم وأن أصل الظهور الاقتضائی فی الآیه للمفهوم غیر تام.

ص: 34

وأما المقام الثَّانِی: وهو الکلام حول ثبوت المانع الَّذِی منع عن تأثیر المقتضی بعد تسلیم أصل وجود المقتضی وتمامیه الظهور الاقتضائی للآیه فی المفهوم ففیه بحثان:

البحث الأول: حول المانع الداخلی الْمُتَّصِل بالآیه الَّذِی یمنع عن انعقاد الظهور الفعلی للآیه فی المفهوم.

البحث الثَّانِی: حول المانع الخارجی المنفصل عن الآیه الَّذِی یمنع عن حجّیّه الظهور بعد افتراض فعلیه الظهور فی المفهوم.

أما البحث الأول: فحاصله هو أَن الشَّیْخ الأنصاری ذکر أَن هناک مانعاً داخلیاً یهدم أصل الظهور للآیه فی المفهوم ویمنع عن فعلیته بعد فرض وجود المقتضی للمفهوم فیها، والمانع عباره عن عموم التعلیل المذکور فی ذیل الآیه الشریفه المبارکه {أَن تصیبواً قوماً بجهاله فتصبحوا عَلَیٰ ما فعلتم نادمین} حیث أَن هذا التعلیل بیان لنکته وجوب التَّبَیُّن وهی عباره عن الجهل بالواقع وعدم العلم به، فتکون الإصابهُ إصابهً بجهاله، ومن الواضح ان هذه النکته (أَیْ: خوف الإصابه عن جهلٍ بالواقع وعدم العلم به) عامّه وموجوده فی کُلّ خبر غیر قطعی وکل أماره غیر علمیه وإن کان خبر العادل، ولا تختصّ بخبر الفاسق، وهذا معناه وجوب التَّبَیُّن حَتَّیٰ فی خبر العادل وعدم حجیته. إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه إذن، فعموم التعلیل مانع عن دلاله الآیه بمفهومها عَلَیٰ حجّیّه خبر العادل. وبعباره أخری: یکون عموم التعلیل الوارد فی ذیل الآیه قرینه عَلَیٰ إلغاء المفهوم، ولا أقلّ من معارضته له، فیوجب الإجمال، فلا یبقی ظهور فعلیّ للآیه فی المفهوم؛ نظراً إِلَیٰ وجود هذا التعلیل المتّصل بالکلام.

وإن شئت قلت: إِن مورد نزول الآیه وإن کان هو إخبار الولید بارتداد بنی المصطلق، إِلَّا أَن موضوع القضیه المذکوره فی الآیه هو نبأ الفاسق لا خصوص نبأ الولید، وعلیه فکر صابه القوم بجهاله فی مقام التعلیل إِنَّمَا هو لمناسبه المورد باعتبار أَن الولید أَخبَر عن حال قومٍ وارتدادهم، وإلا فإنّ الفاسق لا یُخبر دائماً عن حال قومٍ، بل ربما یخبر عن حال شخصٍ، أو ملکیه فردٍ أو جههٍ، أو کرّیّه ماءٍ أو طهارته ونحو ذلک، فالمراد من صابه القوم بجهاله هو مطلق الوقوع فی المفسده الَّتِی یعقبها الندم، وحی أَن العمل بخبر الفاسق لا یستلزم الوقوع فی المفسده دائماً، فالمراد بالتعلیل هو أَن الأخذ بخبر الفاسق والعمل به یکون فی معرض الوقوع فی المفسده بسبب الجهل وعدم العلم بمطابقته للواقع، وهذه العله جاریه وساریه فی خبر العادل أَیْضاً؛ لِأَنَّهُ وإن کان عادلاً لا یتعمّد الکذب، إِلَّا أَن عدالته لا تمنع عن احتمال غفلته واشتباهه، فالعمل به أَیْضاً یکون فی معرض الوقوع فی المفسده لعدم العلم بمطابقه ما أخبر به للواقع. فعموم التعلیل قرینه قطعیه عَلَیٰ عدم إراده المفهوم، ولا أقل من کونه صالحاً للقرینیّه، فلا ینعقد للقضیه ظهور فی المفهوم.

ص: 35

وهناک عده أجوبه عن هذا المانع نذکر المختار منها فی الأیام القادمه إِن شاء الل_ه تعالی والحمد لل_ه رب العالمین.

آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

العنوان: آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

وأما المقام الثَّانِی:

وهو الکلام حول ثبوت المانع الَّذِی منع عن تأثیر المقتضی بعد تسلیم أصل وجود المقتضی وتمامیه الظهور الاقتضائی للآیه فی المفهوم ففیه بحثان:

البحث الأول: حول المانع الداخلی الْمُتَّصِل بالآیه الَّذِی یمنع عن انعقاد الظهور الفعلی للآیه فی المفهوم.

البحث الثَّانِی: حول المانع الخارجی المنفصل عن الآیه الَّذِی یمنع عن حجّیّه الظهور بعد افتراض فعلیه الظهور فی المفهوم.

أما البحث الأول: فحاصله هو أَن الشَّیْخ الأنصاری ذکر أَن هناک مانعاً داخلیاً یهدم أصل الظهور للآیه فی المفهوم ویمنع عن فعلیته بعد فرض وجود المقتضی للمفهوم فیها، والمانع عباره عن عموم التعلیل المذکور فی ذیل الآیه الشریفه المبارکه {أَن تصیبواً قوماً بجهاله فتصبحوا عَلَیٰ ما فعلتم نادمین} حیث أَن هذا التعلیل بیان لنکته وجوب التَّبَیُّن وهی عباره عن الجهل بالواقع وعدم العلم به، فتکون الإصابهُ إصابهً بجهاله، ومن الواضح ان هذه النکته (أَیْ: خوف الإصابه عن جهلٍ بالواقع وعدم العلم به) عامّه وموجوده فی کُلّ خبر غیر قطعی وکل أماره غیر علمیه وإن کان خبر العادل، ولا تختصّ بخبر الفاسق، وهذا معناه وجوب التَّبَیُّن حَتَّیٰ فی خبر العادل وعدم حجیته. إذن، فعموم التعلیل مانع عن دلاله الآیه بمفهومها عَلَیٰ حجّیّه خبر العادل. وبعباره أخری: یکون عموم التعلیل الوارد فی ذیل الآیه قرینه عَلَیٰ إلغاء المفهوم، ولا أقلّ من معارضته له، فیوجب الإجمال، فلا یبقی ظهور فعلیّ للآیه فی المفهوم؛ نظراً إِلَیٰ وجود هذا التعلیل المتّصل بالکلام.

ص: 36

وإن شئت قلت: إِن مورد نزول الآیه وإن کان هو إخبار الولید بارتداد بنی المصطلق، إِلَّا أَن موضوع القضیه المذکوره فی الآیه هو نبأ الفاسق لا خصوص نبأ الولید، وعلیه فکر صابه القوم بجهاله فی مقام التعلیل إِنَّمَا هو لمناسبه المورد باعتبار أَن الولید أَخبَر عن حال قومٍ وارتدادهم، وإلا فإنّ الفاسق لا یُخبر دائماً عن حال قومٍ، بل ربما یخبر عن حال شخصٍ، أو ملکیه فردٍ أو جههٍ، أو کرّیّه ماءٍ أو طهارته ونحو ذلک، فالمراد من صابه القوم بجهاله هو مطلق الوقوع فی المفسده الَّتِی یعقبها الندم، وحی أَن العمل بخبر الفاسق لا یستلزم الوقوع فی المفسده دائماً، فالمراد بالتعلیل هو أَن الأخذ بخبر الفاسق والعمل به یکون فی معرض الوقوع فی المفسده بسبب الجهل وعدم العلم بمطابقته للواقع، وهذه العله جاریه وساریه فی خبر العادل أَیْضاً؛ لِأَنَّهُ وإن کان عادلاً لا یتعمّد الکذب، إِلَّا أَن عدالته لا تمنع عن احتمال غفلته واشتباهه، فالعمل به أَیْضاً یکون فی معرض الوقوع فی المفسده لعدم العلم بمطابقه ما أخبر به للواقع. فعموم التعلیل قرینه قطعیه عَلَیٰ عدم إراده المفهوم، ولا أقل من کونه صالحاً للقرینیّه، فلا ینعقد للقضیه ظهور فی المفهوم.

وهناک عده أجوبه عن هذا المانع نختار منها ما یلی:

الجواب الأول: أَن المفهوم أخص من عموم التعلیل؛ لأَنَّ المفهوم یختص بخبر العادل غیر القطعی، بینما التعلیل عامّ یشمل کُلّ خبر غیر قطعی، فیُخصَّص التعلیل بالمفهوم. فالتعارض هنا وإن وقع بین المفهوم وعموم التعلیل، حیث أَن الأول یقتضی حجّیّه خبر العادل، بینما الثَّانِی یقتضی عدم حجّیّته، إِلَّا أَن هذا التعارض إِنَّمَا هو بنحو العموم والخصوص المطلق، حیث أَن المفهوم یقتضی حجّیّه خصوص خبر العادل، بینما التعلیل یقتضی عدم حجّیّه کُلّ خبر غیر قطعی، سواء کان خبر العادل أم کان غیره، فیُقدَّم المفهوم بالأَخَصِّیَّه، وبذلک یثبت المفهوم لهذه الآیه.

ص: 37

والحاصل أَن نکته الأخصیّه توجب انهدام ظهور التعلیل فی العموم، وبذلک یرتفع المانع الداخلی المذکور.

وقد اعترض السَّیِّدُ الأُسْتَاذُ الْخُوئِیُّ عَلَیٰ هذا الجواب بأن التعارض هنا فی الواقع إِنَّمَا هو بین العموم والإطلاق، حیث أَن دلاله القضیه عَلَیٰ المفهوم إِنَّمَا هی بواسطه مقدمات الحکمه (عَلَیٰ ما تقدم فی بحث المفاهیم من أَن قوام المفهوم إِنَّمَا هو بالإطلاق) حیث أَن أحد رکنیه عَلَیٰ الأقل (وهو الرکن القائل بأن المعلَّق عَلَیٰ الشَّرط أو الوصف أو غیرهما هو طبیعیّ الحکم لا شخصه) إِنَّمَا یَتُمُّ من خلال الإطلاق ومقدمات الحکمه، إذن، إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه فیدخل المورد فی موارد المعارضه بین العموم والإطلاق إذا کانا فی کلام واحد، وفی مثله یُقدَّم العموم عَلَیٰ الإطلاق؛ لأَنَّ العموم إِنَّمَا هو بالوضع، بینما الإطلاق إِنَّمَا هو بمقدمات الحکمه. إذن، فی المقام یثبت تقدیم عموم التعلیل عَلَیٰ المفهوم، فلا یکون للآیه مفهوم.

أقول: إِن هذا الاعتراض غیر صحیح؛ لأَنَّ المورد لیس من موارد التعارض بین العموم والإطلاق؛ فَإِنَّ دلاله القضیه عَلَیٰ المفهوم وإن کانت بالإطلاق، إِلَّا أَن دلاله التعلیل لیست بالوضع، بل هی أَیْضاً بالإطلاق؛ إذ لیس فی الآیه الشریفه أیّ أداهٍ من أدوات العموم، وکأنّ منشأ هذا الالتباس والاشتباه الغریب الصادر من السَّیِّدِ الأُسْتَاذِ الْخُوئِیِّ هو تعبیر الشَّیْخ الأعظم الأنصاری بعموم التعلیل؛ فَإِنَّ استعمال لفظه العموم من قِبَلِ الشَّیْخ أوجبت لدی السَّیِّدِ الأُسْتَاذِ الْخُوئِیِّ تصوّر أَن التعلیل له عموم (بالمعنی المصطلح للعموم المقابل للإطلاق)، ولذا دخل فی بحث احتیاج العامّ إِلَیٰ مقدمات الحکمه، وقال: إِنَّنَا قد بیَّنا فی محلّه أَن شمول مدخول أداه العموم لیس مستنداً إِلَیٰ مقدمات الحکمه؛ لأَنَّ نفس الأداه مصرّحه بالشمول، فلذا یُقدَّم عموم التعلیل هنا عَلَیٰ المفهوم؛ لِأَنَّهُ بالوضع بخلاف المفهوم الَّذِی هو بالإطلاق. بینما الواقع هو أَن هذا البحث لا ربط له بالمقام؛ إذ لیس للتعلیل هنا عموم وضعی، وَإِنَّمَا یَدُلُّ التعلیل عَلَیٰ الشمول بالإطلاق. وأما تعبیر الشَّیْخ بعموم التعلیل فیراد به شمول التعلیل لخبر العادل وعدم اقتصاره عَلَیٰ مورد الحکم المعَلَّل وهو خبر الفاسق، ومن الواضح أَن هذا الشمول أَیْضاً إِنَّمَا هو بالإطلاق حیث أَن قوله تعالی: {أَن تصیبوا قوماً بجهاله...} یَدُلُّ بالإطلاق عَلَیٰ عدم الفرق بین خبر غیر قطعی وخبر آخر غیر قطعیّ؛ لنکته واحده. إذن، فلیس التعلیل عامّاً وضعیاً کی یُقدَّم عَلَیٰ الإطلاق فی جانب المفهوم.

ص: 38

وعلیه، فاعتراض السَّیِّدِ الأُسْتَاذِ الْخُوئِیِّ عَلَیٰ الجواب الأول غیر تامّ.

والصحیح فی ردّ هذا الجواب ما یلی:

أَوَّلاً: أَن هذا الجواب إِنَّمَا یَتُمُّ فیما إذا انعقد للکلام ظهور فی المفهوم یَدُلُّ عَلَیٰ حجّیّه خبر العادل غیر القطعی، وعارضه عموم یَدُلُّ عَلَیٰ عدم حجّیَّه کُلّ خبر غیر قطعی؛ فَإِنَّ المفهوم حِینَئِذٍ یخصِّص ذاک العموم، وأما فی المقام فلا ینعقد للکلام ظهور فی المفهوم بسبب کون المفهوم متصلاً بالتعلیل الصالح للقرینیه عَلَیٰ عدم انحصار عله وجوب التَّبَیُّن بالشرط أو الوصف وهو کون الخبر خبر فاسق، وَحِینَئِذٍ فلا ینعقد الظهور فی المفهوم لکی یکون مخصِّصاً.

ثانیاً: أَنَّنَا لو تنزّلنا عن ذلک وَسَلَّمْنَا بانعقاد الظهور فی المفهوم، وسلّمنا أَیْضاً بِأَخَصِّیَّه المفهوم، مع ذلک نقول: إِن هذه الأخصیه إِنَّمَا تکون موجبهً لتقدیم المفهوم عَلَیٰ عموم التعلیل باعتبار قرینیّتها العرفیه فیما إذا لم یکن فی التعلیل ملاک آخر للقرینیه العرفیّه أقوی من قرینیّه الأخصیه؛ فَإِنَّ نکته تقدیم الْخَاصّ عَلَیٰ العام إذا کانت عباره عن نفس الأَخَصِّیَّه فَإِنَّهَا إِنَّمَا تکون نکتهً للتقدیم بلحاظ قرینیّتها فی نظر العرف، وهذه القرینیه العرفیه إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه إِنَّمَا توجب التَّقْدِیم عرفاً إذا لم تکن فی قبالها قرینیه أخری أقوی منها، وفی المقام یوجد فی عموم التعلیل ملاک أقوی للقرینیه عند العرف، وهو کون التعلیل ناظراً إِلَیٰ الحکم المعلَّل، فیکون حاکماً عَلَیٰ مفاد القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه أو الوصفیه، وَإِنَّمَا نقول: إِن قَرِینِیَّهَ النَّظَرِ مرجعها إِلَیٰ جعل القرینه من قِبَل شخص المُتَکَلِّم فی حین أَن قَرِینِیَّه الأَخَصِّیَّه مرجعها إِلَیٰ جعل القرینه مِن قِبَل العرف، ولا شک فی تقدیم الأول عند العرف؛ لأَنَّ العرف إِنَّمَا یجعل شیئا قرینهً فی کلام المُتَکَلِّم عَلَیٰ مرامه ما لم یجعل شخص المُتَکَلِّم فی کلامه قرینهً تبیّن مقصوده، وإلا فإن العرف یری أَن ما جعله المُتَکَلِّم قرینه یکون هو القرینه دون غیره.

ص: 39

وللکلام تتمه تأتی إِن شاء الل_ه فی الیوم القادم والحمد لل_ه رب العالمین.

آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

العنوان: آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

والحاصل أَن مقام التَّعْلِیل مقام النَّظَر إِلَیٰ المعلَّل، فیکون فیه قَرِینِیَّه بملاک الحکومه والنظر وهی القرینیه الشخصیه، وهذه خصوصیه أقوی من الأَخَصِّیَّه الَّتِی هی قَرِینِیَّه نوعیه، فتتقدّم علیها فی مقام اقتناص مراد المُتَکَلِّم.

وإن شئت قلت: نحن إِنَّمَا نقول فی المقام بتقدیم عموم التَّعْلِیل عَلَیٰ المفهوم بسبب أَن نکته التَّعْلِیل توجب فی نظر العرف الحکومه عَلَیٰ الجمله المعلَّله وتوسّع دائره وجوب التبیّن وحدوده، وأن هذه النکته فی نظهرهم مُقَدّمَه عَلَیٰ نکته الأَخَصِّیَّه الموجبه لتقدیم المفهوم الْخَاصّ عَلَیٰ التَّعْلِیل الْعَامّ. فَکَأَنَّ الْعِلَّهَ کما هی تحدّد المعلول وتشخّص حدوده ثبوتاً، کذلک هی بحسب نظر العرف تحدّد المعلول إِثْبَاتاً حَتَّیٰ لو کان فی المعلول مقتضٍ لمفهوم أخصّ من عموم الْعِلَّه، فکما أَن الأَخَصِّیَّه توجب قَرِینِیَّه الْخَاصّ عَلَیٰ الْعَامّ، کذلک التَّعْلِیل یوجب قَرِینِیَّه جمله التَّعْلِیل عَلَیٰ جمله الحکم المعلَّل، والثانیه مُقَدّمَه عرفاً عَلَیٰ الأولی.

ولو تنزّلنا عن تقدیم نکته التَّعْلِیل عَلَیٰ نکته الأَخَصِّیَّه وفرضنا تساویهما عرفاً من حیث الأقوائیه کفی ذلک فی سقوط المفهوم، ولو بسبب التعارض مع هذا المانع الداخلی (أَیْ: أعنی عموم التَّعْلِیل وتساقطهما)، فلا یکون للآیه الشریفه ظهور فعلیّ فی المفهوم.

ثالثاً: أَن الْخَاصّ إِنَّمَا یتقدم عَلَیٰ نفس الْعَامّ (أَیْ: عَلَیٰ الکلام الَّذِی هو بصدد بیان حکم عَامّ وإثبات الحکم عَلَیٰ تمام الأفراد فی عرض واحد، لا عَلَیٰ الکلام الَّذِی هو بصدد بیان تعمیم الحکم وإلغاء خصوصیه المورد)؛ فَإِنَّ هذا الکلام الَّذِی یکون ابتداءً فی مقام بیان نفس التعمیم سوف یضادّ الْخَاصّ الَّذِی هو فی مقام بیان التخصیص، ویکون معارضاً له، لا أَن الْخَاصّ یُقدّم علیه. فمثلا لو ورد فی الدَّلِیل: لا تُکْرِم الفقیرَ الفاسقَ وورد: أکرم کُلّ فقیر، فلا إشکال فی أَن الأول یقدّم عَلَیٰ الثَّانِی بالأَخَصِّیَّه؛ لأَنَّ مفاد الثانی هو إثبات حکم عَامّ وبیان أَنَّهُ یجب إکرام تمام أفراد الفقیر فی عرض واحد، فیکون الأول مُخرِجاً للفقیر الفاسق عن تحت هذا الحکم الَّذِی أثبَتَه الثَّانِی لتمام أفراد الفقیر. أما لو ورد: لا تُکْرِم الفقیرَ الفاسقَ وورد: ِن ملاک وجوب الإکرام لیس هو العداله، بل هو الفقر، فلا إشکال حِینَئِذٍ فی أَن الکلام الأول لا یقدّم عَلَیٰ الکلام الثَّانِی؛ لأَنَّ الکلام الثَّانِی لیس بصدد بیان حکم عَامّ وأنه یجب إکرام تمام أفراد الفقیر کی یکون الکلام الأول مُخرِجاً للفقیر الفاسق عن تحته، بل هو بصدد بیان تعمیم وجوب الإکرام وأن کُلّ فقیر یجب إکرامه ولو کان فاسقا، فیکون معارضاً للکلام الأول الدال عَلَیٰ عدم وجوب إکرام الفقیر الفاسق.

ص: 40

والمقام من هذا القبیل، فلو کان یرد فی کلامٍ مستقل النهی عن الأخذ بالخبر غیر القطعی لکان مفهوم آیه النبأ مقدّماً علیه بالأَخَصِّیَّه؛ لأَنَّ النهی عن الأخذ بالخبر غیر القطعی إِنَّمَا هو فی مقام بیان حکم عَامّ وهو عدم حجّیّه کُلّ خبر غیر قطعی، فیکون مفهوم الآیه الدال عَلَیٰ حجّیّه خبر العادل غیر القطعی مُخرِجاً له عن تحته، إِلَّا أَن ما نحن فیه لیس کذلک؛ فَإِنَّ الآیه تَعَرَّضت أولاً لعدم حجّیّه خبر الفاسق، ثُمَّ عَلَّلت هذا الحکم بتعلیلٍ عامٍ لا یختصّ بخبر الفاسق، والتعلیل الْعَامّ هو بحسب الفهم العرفی تعمیم للحکم المعلَّل وإسراء لوجوب التَّبَیُّن وعدم الْحُجِّیَّه إِلَیٰ کُلّ خبر وإن کان خبر العادل. فمفاده هو وجوب التَّبَیُّن فی کُلّ خبر وإن کان خبر عادل، ومن الواضح أَن مثل هذا الکلام الَّذِی هو بصدد بیان نفس التعمیم معارضٌ للکلام الَّذِی هو بصدد بیان التخصیص وعدم التعمیم ومضادٌ له، لا أَن بیان التخصیص یقدّم عَلَیٰ بیان التعمیم، بل یتعارضان.

والحاصل أَن عموم التَّعْلِیل فی المقام مفاده العرفی هو تعمیم وجوب التَّبَیُّن، وإلغاء خصوصیه المورد (أَیْ: خبر الفاسق)، وبیان أَن السبب فی وجوب التَّبَیُّن هو مخافه إصابه قومٍ بجهاله، ومثل هذا یقتضی عدم حجّیّه خبر العادل غیر العلمی، وَحِینَئِذٍ یکون معارضاً للمفهوم الَّذِی یقتضی حجیته، ولا یکون المفهوم مخصِّصاً له.

رابعاً: أَن أَخَصِّیَّه المفهوم ممنوعه؛ فَإِنَّ التعارض بین المفهوم والتَّعْلِیل إِنَّمَا هو بنحو العموم من وجه، وذلک بناءً عَلَیٰ اشتمال المفهوم عَلَیٰ السالبه بانتفاء الموضوع والسالبه بانتفاء المحمول؛ فَإِنَّنَا إذا بنینا عَلَیٰ ذلک وقلنا: إِن مفهوم الآیه عباره عن أَنَّهُ عند عدم مجیء فاسق بنبأٍ لا یجب التَّبَیُّن، سواء لم یجئ أحد بنبأٍ أو جاء عادل بنبأٍ، فسوف تکون حجّیّه خبر العادل مستفاده من إطلاق المفهوم، وَحِینَئِذٍ یقال بأن التعارض إِنَّمَا هو بین إطلاق التَّعْلِیل وإطلاق المفهوم، لا أصل المفهوم، والنسبه حِینَئِذٍ هی العموم من وجه، فلا أَخَصِّیَّه فی البین؛ إذ کما أَن التَّعْلِیل ادال عَلَیٰ وجوب التَّبَیُّن مطلقٌ یشمل خبر العادلِ وخبرَ الفاسقِ، کذلک المفهومُ الدال عَلَیٰ عدم وجوب التَّبَیُّن مطلقٌ یشمل فرضَ مجیء العادل بالنبأِ ویشمل فرض عدم مجیء نبأٍ أصلاً، فیفترق المفهوم عن التَّعْلِیل فی فرض عدم مجیء نبأٍ أصلاً، حیث یَدُلُّ المفهوم فی هذا الفرض عَلَیٰ عدم وجوب التَّبَیُّن، ویفترق التَّعْلِیل عن المفهوم فی فرض مجیء الفاسق بالنبأ، حیث یَدُلُّ التَّعْلِیل فی هذا الفرض عَلَیٰ وجوب التَّبَیُّن، ویجتمعان معاً فی فرض مجیء العادل بالنبأ، حیث یَدُلُّ المفهوم عَلَیٰ عدم وجوب التَّبَیُّن، ویدل التَّعْلِیل عَلَیٰ وجوب التَّبَیُّن. إذن، دعوی الأَخَصِّیَّه غیر تامَّه.

ص: 41

وعلیه فالجواب الأول عَلَیٰ المانع الداخلی الْمُتَّصِل بالمفهوم وهو أَن المفهوم أخصّ، جواب غیر صحیح.

وللبحث صله تأتی إِن شاء الل_ه تعالی فی الیوم القادم والحمد لل_ه رب العالمین.

آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

العنوان: آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

والحاصل أَن عموم التَّعْلِیل فی المقام مفاده العرفی هو تعمیم وجوب التَّبَیُّن، وإلغاء خصوصیه المورد (أَیْ: خبر الفاسق)، وبیان أَن السبب فی وجوب التَّبَیُّن هو مخافه إصابه قومٍ بجهاله، ومثل هذا یقتضی عدم حجّیّه خبر العادل غیر العلمی، وَحِینَئِذٍ یکون معارضاً للمفهوم الَّذِی یقتضی حجیته، ولا یکون المفهوم مخصِّصاً له.

رابعاً: أَن أَخَصِّیَّه المفهوم ممنوعه؛ فَإِنَّ التعارض بین المفهوم والتَّعْلِیل إِنَّمَا هو بنحو العموم من وجه، وذلک بناءً عَلَیٰ اشتمال المفهوم عَلَیٰ السالبه بانتفاء الموضوع والسالبه بانتفاء المحمول؛ فَإِنَّنَا إذا بنینا عَلَیٰ ذلک وقلنا: إِن مفهوم الآیه عباره عن أَنَّهُ عند عدم مجیء فاسق بنبأٍ لا یجب التَّبَیُّن، سواء لم یجئ أحد بنبأٍ أو جاء عادل بنبأٍ، فسوف تکون حجّیّه خبر العادل مستفاده من إطلاق المفهوم، وَحِینَئِذٍ یقال بأن التعارض إِنَّمَا هو بین إطلاق التَّعْلِیل وإطلاق المفهوم، لا أصل المفهوم، والنسبه حِینَئِذٍ هی العموم من وجه، فلا أَخَصِّیَّه فی البین؛ إذ کما أَن التَّعْلِیل ادال عَلَیٰ وجوب التَّبَیُّن مطلقٌ یشمل خبر العادلِ وخبرَ الفاسقِ، إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه کذلک المفهومُ الدال عَلَیٰ عدم وجوب التَّبَیُّن مطلقٌ یشمل فرضَ مجیء العادل بالنبأِ ویشمل فرض عدم مجیء نبأٍ أصلاً، فیفترق المفهوم عن التَّعْلِیل فی فرض عدم مجیء نبأٍ أصلاً، حیث یَدُلُّ المفهوم فی هذا الفرض عَلَیٰ عدم وجوب التَّبَیُّن، ویفترق التَّعْلِیل عن المفهوم فی فرض مجیء الفاسق بالنبأ، حیث یَدُلُّ التَّعْلِیل فی هذا الفرض عَلَیٰ وجوب التَّبَیُّن، ویجتمعان معاً فی فرض مجیء العادل بالنبأ، حیث یَدُلُّ المفهوم عَلَیٰ عدم وجوب التَّبَیُّن، ویدل التَّعْلِیل عَلَیٰ وجوب التَّبَیُّن. إذن، دعوی الأَخَصِّیَّه غیر تامَّه.

ص: 42

وعلیه فالجواب الأول عَلَیٰ المانع الداخلی الْمُتَّصِل بالمفهوم وهو أَن المفهوم أخصّ، جواب غیر صحیح.

الجواب الثَّانِی: أَن المفهوم حاکم عَلَیٰ عموم التَّعْلِیل، وهذا هو جواب المحقق النائینی ومدرسته بناءً منهم عَلَیٰ أَن معنی جعل الْحُجِّیَّه هو جعل العلمیه؛ فَإِنَّهُ عَلَیٰ هذا المبنی سوف یکون المفهوم الدال عَلَیٰ حجّیّه خبر العادل دالاً عَلَیٰ أَن خبر العادل علمٌ، فیکون حاکماً عَلَیٰ التَّعْلِیل الدَّالّ عَلَیٰ عدم حجّیّه کُلّ خبر غیر عِلْمِیّ؛ لِأَنَّهُ ینفی موضوعه تَعَبُّداً أو یُخرج خبر العادل عن الخبر غیر الْعِلْمِیّ إخراجاً تَعَبُّدِیّاً ویقول: إِن العمل بخبر العادل لیس عملاً بجهاله بل هو عمل بالعلم. والحاصل أَن المفهوم عَلَیٰ تقدیر ثبوته یکون حاکماً عَلَیٰ عموم التَّعْلِیل ورافعاً لموضوعه، فکیف یکون العموم مانعاً عن انعقاد ظهور القضیه فی المفهوم؟ فإن القضیه الحقیقیه لا تتکفّل إثباتَ موضوعِها، بل إِنّ إحراز الموضوع لَا بُدَّ من أَن یکون من الخارج، فإذا ورد دلیل یُخرج فرداً عن موضوع الْعَامّ، فلا یُعقل أَن یکون الْعَامّ مانعاً عنه؛ لأَنَّ شمول الْعَامّ لفردٍ متوقّفٌ عَلَیٰ عدم ثبوت دلیلٍ حاکمٍ یُخرج ذاک الفرد عن موضوع الْعَامّ، والمقام من هذا القبیل؛ إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه فَإِنَّ التَّعْلِیل قضیه حقیقیه عامّه تَدُلّ عَلَیٰ ثبوت وجوب التَّبَیُّن عَلَیٰ الموضوع المفروض وجوده، وهو الخبر غیر الْعِلْمِیّ، ولا یتکفّل هو بیانَ أنّ أیّ خبر هو علمیّ وأیّ خبر هو غیر عِلْمِیّ، فی حین أَن المفهوم یقول: إِن خبر العادل علمٌ (بناء عَلَیٰ مبنی جعل العلمیه) وَحِینَئِذٍ فسوف لا یکون التَّعْلِیل الْعَامّ مانعاً عن ذلک ومنافیاً له.

ص: 43

نعم، لو وقع (فی موردٍ) التنافی بین العموم وعموم التَّعْلِیل أمکن القولُ بکون العموم مانعاً عن المفهوم، کما لو قیل: ِن کان هذا رمّاناً فلا تأکله؛ لِأَنَّهُ حامض؛ فَإِنَّ عموم التَّعْلِیل فیه یمنع عن أکل کلّ حامضٍ وإن لم یکن رمّاناً فی حین أَن مفهوم الشَّرط یقتضی جواز أکله إذا لم یکن رمّاناً، فیقع التنافی بینهما فی الحامض غیر الرّمان؛ لأَنَّ المفهوم هنا لا یقول: إِن غیر الرّمان لیس حامضاً کی لا تکون هناک منافاه بینه وبین عموم التَّعْلِیل، أما فی ما نحن فیه فلیس الأمرُ کذلک؛ لأَنَّ المفهوم یقول: إِن خبر غیر الفاسق علمٌ، فلا یتنافی مع عموم التَّعْلِیل القائل: إِن الخبر غیر الْعِلْمِیّ لیس حجهً.

وبهذا البیان اتّضح أَنَّهُ لا یرد عَلَیٰ هذا الجواب ردُّنا الأول عَلَیٰ الجواب السَّابِق، وهو الرد القائل: إِن الجواب إِنَّمَا یَتُمُّ إذا انعقد للکلام ظهور فی المفهوم فی حین أَنه یوجد هنا فی الکلام ما یصلح للقرینیه عَلَیٰ عدم المفهوم، وهو التَّعْلِیل، إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه ومع وجوده لا ینعقد الظهور فی المفهوم لکی یکون مخصِّصا؛ فَإِنَّ هذا الرد لا یتّجه إِلَیٰ هذا الجواب الثَّانِی (جواب المحقق النائینی ومدرسته)؛ لأَنَّ المیرزا لا یقول: إِن المفهوم أخص من التَّعْلِیل، بل یقول: إنه حاکم، والحکومه عنده لیست من موارد المعارضه والتنافی أصلا؛ لأَنَّ الحکومه عنده نفی الموضوع ونفی الموضوع لا یتنافی مع الدَّلِیل الَّذِی یُثبت حکماً عَلَیٰ ذاک الموضوع، فلا تنافیَ هنا أصلا عنده بین المفهوم وعموم التَّعْلِیل، کی یقال: إِن التَّعْلِیل صالح للقرینیه عَلَیٰ عدم المفهوم؛ فَإِنَّ التَّعْلِیل إِنَّمَا یمنع عن انعقاد المفهوم لو کان منافیاً له فی حین أَن المیرزا یقول: إِن المفهوم حاکم ولا منافاه بین الحاکم والمحکوم عنده، وهذا بخلاف الجواب السَّابِق الَّذِی کان یتمسک بِأَخَصِّیَّه المفهوم من التَّعْلِیل لا بحکومته علیه؛ فَإِنَّ التنافی ثابت حِینَئِذٍ بینهما؛ ضرورهَ تنافی الْعَامّ والخاص، فکان یَصِحّ لنا أَن نقول فی رده: إِن المفهوم إِنَّمَا یخصّص التَّعْلِیل فیما إذا انعقد للکلام ظهورٌ فیه فی حین أَن هنا لا ینعقد للکلام ظهور فیه؛ لوجود ما یصلح للقرینیّه عَلَیٰ عدمه وهو التَّعْلِیل.

ص: 44

کما أَنَّهُ اتضح بهذا أَیْضاً عدم ورود اعتراض المحقق الأصفهانی عَلَیٰ جواب المیرزا هذا؛ فَإِنَّهُ بعد أَن سَلَّم بأصل صلاحیّه المفهوم للحکومه عَلَیٰ التَّعْلِیل ناقَشَ فی هذه الحکومه قَائِلاً: إنها تستلزم الدَّوْر؛ لأَنَّ حکومه المفهوم عَلَیٰ التَّعْلِیل متوقّفه عَلَیٰ تمامیه المفهوم وانعقاده وهذا بدوره متوقّف عَلَیٰ عدم تمامیه عموم التَّعْلِیل وشموله لخبر العادل؛ إذ مع عمومه وشموله له لا ینعقد المفهوم؛ لاتصاله به، وعدم تمامیه عموم التَّعْلِیل متوقف عَلَیٰ حکومه المفهوم عَلَیٰ التَّعْلِیل؛ فالحکومه هذه لا تکون إذن إِلَّا عَلَیٰ وجهٍ دائرٍ؛ فإن هذا الاعتراض غیر وارد عَلَیٰ المحقق النائینی ومدرسته بناءً عَلَیٰ مبنی هذه المدرسه فی الحکومه القائل بِأَنَّهَا لا ترجع فی روحها إِلَیٰ التخصیص بعد التعارض، وَإِنَّمَا هی أمر فی قبال التخصیص؛ حیث أَن الْخَاصّ ینفی الحکم المذکور فی الْعَامّ فی حین أَن الحاکم ینفی موضوع الحکم المذکور فی المحکوم، فلا تعارض أَصلاً بین الحاکم والمحکوم، لا أَن هناک تعارضاً بینهما وقُدِّم أحدُهما عَلَیٰ الآخر بنکتهٍ من النکات، وعلیه فنحن إذا سلّمنا (فی المرتبه السَّابِقَه عَلَیٰ تلفیق الدَّوْر بِالنَّحْوِ المذکور) بأصل صلاحیّه المفهوم للحکومه عَلَیٰ التَّعْلِیل، وقلنا: إِن عموم التَّعْلِیل لیس فیه هذه الصلاحیه المماثله، وإن أحدهما لیس فی رتبه الآخر، إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه کما هو مفروض کلام المحقق الأصفهانیّ فَحِینَئِذٍ لا تعارض بین المفهوم وعموم التَّعْلِیل کی یفترض أَن تمامیه المفهوم متوقّفه عَلَیٰ عدم تمامیه العموم فی التَّعْلِیل، بل المفهوم بنفسه حِینَئِذٍ یُفنی هذا العمومَ، حیث أَن عموم التَّعْلِیل یقول: إِن الخبر غیر الْعِلْمِیّ یجب التَّبَیُّن عنه ولا یجوز اتباعه فی حین أَن المفهوم یقول: إِن خبر العادل علمٌ، فلا تنافی بین مدلول المفهوم ومدلول التَّعْلِیل کی یَتُمُّ التعارض بین الدلالتین. وإذا لم یکن هناک تعارض بینهما فلا مبرّر لسقوط دلاله المفهوم بسبب دلاله التَّعْلِیل عَلَیٰ العموم؛ فَإِنَّ هذا السقوط فرع التنافی والتعارض الَّذِی یوجب انتفاء الدلاله فی فرض الاتصال وانتفاء حجیّتها فی فرض الانفصال، أما مع عدم التنافی والتعارض فلا وجه للسقوط.

ص: 45

وللکلام تتمه تأتی إِن شاء الل_ه فی الیوم القادم والحمد لل_ه رب العالمین.

آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

العنوان: آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

کما أَنَّهُ اتضح بهذا أَیْضاً عدم ورود اعتراض المحقق الأصفهانی عَلَیٰ جواب المیرزا هذا؛ فَإِنَّهُ بعد أَن سَلَّم بأصل صلاحیّه المفهوم للحکومه عَلَیٰ التَّعْلِیل ناقَشَ فی هذه الحکومه قَائِلاً: إنها تستلزم الدَّوْر؛ لأَنَّ حکومه المفهوم عَلَیٰ التَّعْلِیل متوقّفه عَلَیٰ تمامیه المفهوم وانعقاده وهذا بدوره متوقّف عَلَیٰ عدم تمامیه عموم التَّعْلِیل وشموله لخبر العادل؛ إذ مع عمومه وشموله له لا ینعقد المفهوم؛ لاتصاله به، وعدم تمامیه عموم التَّعْلِیل متوقف عَلَیٰ حکومه المفهوم عَلَیٰ التَّعْلِیل؛ فالحکومه هذه لا تکون إذن إِلَّا عَلَیٰ وجهٍ دائرٍ؛ فإن هذا الاعتراض غیر وارد عَلَیٰ المحقق النائینی ومدرسته بناءً عَلَیٰ مبنی هذه المدرسه فی الحکومه القائل بِأَنَّهَا لا ترجع فی روحها إِلَیٰ التخصیص بعد التعارض، وَإِنَّمَا هی أمر فی قبال التخصیص؛ إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه حیث أَن الْخَاصّ ینفی الحکم المذکور فی الْعَامّ فی حین أَن الحاکم ینفی موضوع الحکم المذکور فی المحکوم، فلا تعارض أَصلاً بین الحاکم والمحکوم، لا أَن هناک تعارضاً بینهما وقُدِّم أحدُهما عَلَیٰ الآخر بنکتهٍ من النکات، وعلیه فنحن إذا سلّمنا (فی المرتبه السَّابِقَه عَلَیٰ تلفیق الدَّوْر بِالنَّحْوِ المذکور) بأصل صلاحیّه المفهوم للحکومه عَلَیٰ التَّعْلِیل، وقلنا: إِن عموم التَّعْلِیل لیس فیه هذه الصلاحیه المماثله، وإن أحدهما لیس فی رتبه الآخر، کما هو مفروض کلام المحقق الأصفهانیّ فَحِینَئِذٍ لا تعارض بین المفهوم وعموم التَّعْلِیل کی یفترض أَن تمامیه المفهوم متوقّفه عَلَیٰ عدم تمامیه العموم فی التَّعْلِیل، بل المفهوم بنفسه حِینَئِذٍ یُفنی هذا العمومَ، حیث أَن عموم التَّعْلِیل یقول: إِن الخبر غیر الْعِلْمِیّ یجب التَّبَیُّن عنه ولا یجوز اتباعه فی حین أَن المفهوم یقول: إِن خبر العادل علمٌ، فلا تنافی بین مدلول المفهوم ومدلول التَّعْلِیل کی یَتُمُّ التعارض بین الدلالتین. وإذا لم یکن هناک تعارض بینهما فلا مبرّر لسقوط دلاله المفهوم بسبب دلاله التَّعْلِیل عَلَیٰ العموم؛ فَإِنَّ هذا السقوط فرع التنافی والتعارض الَّذِی یوجب انتفاء الدلاله فی فرض الاتصال وانتفاء حجیّتها فی فرض الانفصال، أما مع عدم التنافی والتعارض فلا وجه للسقوط.

ص: 46

والحاصل أَنَّنَا إذا سلّمنا بأصل الحکومه فی المقام وصلاحیه المفهوم للحکومه عَلَیٰ التَّعْلِیل بنکتهٍ من النکات فلا معنی حِینَئِذٍ للقول بأن تمامیه المفهوم دائریه؛ وذلک لأَنَّ هذه الصلاحیه بنفسها رافعه لعموم التَّعْلِیل، لا أَنَّها متوقّفه عَلَیٰ عدمه؛ لأَنَّ کُلّ دلیل حاکم فهو یُفنی الدَّلِیل المحکوم ولا یتوقف عَلَیٰ عدمه، وإلا لکانت حکومه أیّ دلیلٍ عَلَیٰ دلیل آخر دائریه، فثبوت دلاله المفهوم فی المقام بل کل دلالهٍ حاکمهٍ عَلَیٰ دلالهٍ أخری لیس متوقفاً عَلَیٰ عدم الدلاله المحکومه، بل هو متوقف عَلَیٰ عدم دلاله غیر محکومه، وعلیه فلا یمکن أَن یکون الدَّوْر المذکور هو البرهان عَلَیٰ إبطال الحکومه، إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه بل فی المرتبه السَّابِقَه عَلَیٰ الدَّوْر إِن کانت الحکومه تامّه وصلاحیه المفهوم للحکومه عَلَیٰ التَّعْلِیل ثابته وصحیحه فلا دور، وإن لم تکن الحکومه فی نفسها تامّه ولم یکن هناک اقتضاء فی المفهوم للحکومه عَلَیٰ التَّعْلِیل، إذن فلا حاجه إِلَیٰ تلفیق الدَّوْر، فَلَا بُدَّ من إبطال أصل الصلاحیه والاقتضاء فی المفهوم للحکومه عَلَیٰ التَّعْلِیل، ومع إبطاله لا نحتاج إِلَیٰ تلفیق مثل هذا الدَّوْر.

ومن خلال هذه النکته الأخیره الَّتِی ذکرناها (وهی أَن الحاکم یُفنی المحکومَ ولا یتوقف عَلَیٰ عدمه) اتضح أَنَّهُ حَتَّیٰ عَلَیٰ مبنی إرجاع الحکومه إِلَیٰ التخصیص لا یَتُمُّ اعتراض المحقق الأصفهانیّ ؛ لِأَنَّهُ حِینَئِذٍ وإن کان یوجد هناک تنافٍ وتعارض بین المفهوم وعموم التَّعْلِیل؛ باعتبار أَن المفهوم حاکم بحسب الفرض، والحکومه ترجع إِلَیٰ التخصیص، والخاص ینافی الْعَامَّ، إِلَّا أَن هذا معناه أَنَّهُ یقع فی المقام التزاحم فی التأثیر بین مقتضی المفهوم ومقتضی عموم التَّعْلِیل؛ فالثانی یقتضی وجوب التَّبَیُّن وعدم الْحُجِّیَّه فی کُلّ خبر غیر عِلْمِیّ وإن کان خبر العادل فی حین أَن الأول یقتضی الْحُجِّیَّه وعدم وجوب التَّبَیُّن فی خبر العادل، وهذا وإن کان منافیاً لذاک (باعتبار رجوع الحکومه بروحها إِلَیٰ التخصیص الَّذِی هو نفی لذاک الحکم المذکور فی التَّعْلِیل الْعَامّ) لکن مع ذلک یتقدم مقتضی المفهوم فی التأثیر عَلَیٰ مقتضی العموم؛ لأَنَّ هذا النفی نفی للحکم بلسان الحکومه ولحنها الَّذِی هو لسان نفی الموضوع، فهو یُفنی المحکومَ.

ص: 47

وبعباره أخری: إِن مقتضی المفهوم فی الآیه وإن کان یقتضی حجّیّه خبر العادل ونفی وجوب التَّبَیُّن، لکن لمّا کان هذا النفی بلسان أَن خبر العادل علمٌ فهو یُفنی العموم، وعلیه فمقتضی المفهوم فی الآیه ما دام یُفنی عمومَ التَّعْلِیل، إذن فلا یتوقف عَلَیٰ عدمه کی یرد محذور الدَّوْر الَّذِی ذکره المحقق الأصفهانیّ .

فالصحیح إذن فی دراسه الجواب الَّذِی أفاده المحقق النائینی ومدرسته هو أَن نتکلم فی أصل حکومه المفهوم الَّتِی سَکَت عنها المحقق الأصفهانیّ وسَلَّم بها وناقَشَ المحققَ النائینی مبنیّاً علیها، فهل هذه الحکومه صحیحه وهل أَن مفهوم الآیه صالح للحکومه عَلَیٰ التَّعْلِیل حَقّاً؟

الجواب کما أفاد سَیّدُنَا الأُسْتَاذُ الشَّهِیدُ أَنَّها غیر صحیحه؛ وذلک لما یلی:

أَوَّلاً: أَن هذه الحکومه متوقّفه عَلَیٰ تفسیر المفهوم (الدَّالّ عَلَیٰ حجّیّه خبر العادل وعدم وجوب التَّبَیُّن) بجعل خبر العادل علماً وطریقاً وبیاناً، کی یکون المفهوم حِینَئِذٍ نافیاً لموضوع التَّعْلِیل الْعَامّ الدَّالّ عَلَیٰ عدم حجّیّه کُلّ ما لیس علماً، مع أَن هذا التفسیر لا معیِّن له؛ فَإِنَّ عنوان الْحُجِّیَّه وعدم وجوب التَّبَیُّن لیس معناه متعیّناً فی العلمیه، فقد ذکرنا بما لا مزید علیه فی بحث الجمع بین الحکم الواقعی والحکم الظاهری وفی بحث قیام الأمارات مقام القطع أَن جعل العلمیه لیس سوی أحد أنحاء جعل الحکم الظاهری الممکنه ثبوتاً الواقعه إِثْبَاتاً، ولیس هو النحو الوحید الممکن ثبوتاً والواقع إثباتاً لجعل الحکم الظاهری، بل کما یمکن ثبوتاً جعله بهذا النحو، کذلک یمکن ثبوتاً جعله بنحو آخر، من قبیل جعل الْحُجِّیَّه وجعل المنجّزیّه والمعذّریه وجعل الحکم التکلیفی المماثل، وغیرها من الأنحاء، هذا عن مقام الثبوت، إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه وکذلک فی مقام الإثبات لیس لسان جعل العلمیه هو اللِّسَان الوحید لجعل الحکم الظاهری فی باب الأمارات، بل إِن غیره من الألسنه أَیْضاً یمکن اختیاره إِثْبَاتاً. إذن، فلا معیِّن للقول بأنَّ مفهومَ الآیه الشریفه فی المقام بصدد جعل العلمیه لخبر العادل، نعم هو محتمل، کما أَن غیره أَیْضاً محتمل. وعلیه فلا نحرز کون المفهوم ذا مفادٍ حاکمٍ، فتکون النتیجه أَن الآیه مفهوماً وتعلیلاً صدراً وذیلاً؛ لاتصالهما. فلا یمکن التَّمسُّک بالمفهوم لإثبات حجّیّه خبر العادل، کما لا یمکن التَّمسُّک بالتعلیل أَیْضاً لإثبات عدم حجّیّته.

ص: 48

ثانیاً: أَنَّهُ حَتَّیٰ لو سلّمنا بأن الْحُجِّیَّه معناها العلمیه؛ فَإِنَّهُ مع ذلک لا تتمّ حکومه المفهوم عَلَیٰ التَّعْلِیل؛ وذلک لما ذکرناه فی أدله عدم حجّیّه خبر الواحد (عند البحث عن الاستدلال عَلَیٰ عدم الْحُجِّیَّه بالآیات الشریفه الناهیه عن العمل بالظن) من أَن جعل العلمیه والطریقیه إِنَّمَا یکون حاکماً عَلَیٰ الأدله الَّتِی تُثبِتُ حکماً مّا عَلَیٰ موضوع عدم العلم کحرمه إسناد ما لا علم به إِلَیٰ الشَّارِع، بینما الآیات الناهیه عن العمل بالظن تنفی ابتداءً (عَلَیٰ حد تعبیرهم) العلمیه والطریقیه، فیقع التعارض لا محاله بینها وبین ما یُبت العلمیه والطریقیه، وکذلک نقول فیما نحن فیه: إِن عموم التَّعْلِیل یَنفی جعل العلمیه والطریقیه بینما المفهوم یُثبته، فهما فی عرض واحد ومتعارضان، إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه ولا وجه لحکومه المفهوم عَلَیٰ عموم التَّعْلِیل؛ إذ کما أَن إثبات الْحُجِّیَّه معناه جعل العلمیه، کذلک نفیها معناها نفی العلمیه. إذن، فنحن حَتَّیٰ لو سلّمنا أَن مفاد الْحُجِّیَّه هو جعل الخبر علماً، فَإِنَّهُ حِینَئِذٍ یکون مفاد المفهوم إثبات العلمیه لخبر العادل، ومفاد التَّعْلِیل سلبها عنه، فکل منهما ینظر إِلَیٰ شیء واحد فی رتبه واحده، فلا حکومه لأحدهما عَلَیٰ الآخر؛ فَإِنَّ المفهوم إذا کان مفاده اعتبار خبر العادل علماً، فسوف یکون مفاد المنطوق نفی هذا الاعتبار عن خبر الفاسق، والتعلیل ناظر إِلَیٰ توسعه دائره هذا النفی وتعمیمه عَلَیٰ کُلّ ما لا یکون علما، فَکَأَنَّ التَّعْلِیل یقول: إِن کُلّ ما لا یکون علماً وجداناً لا أعتبره علماً، وبذلک یکون مفاد التَّعْلِیل ومفاد المفهوم فی رتبه واحده، أحدهما یُبت اعتبار خبر العادل علماً، والآخر ینفی هذا الاعتبار، فلا موجب لحکومه أحدهما عَلَیٰ الآخر.

ص: 49

وللکلام تتمه تأتی إِن شاء الل_ه فی الیوم القادم والحمد لل_ه رب العالمین.

آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

العنوان: آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

ثانیاً: أَنَّهُ حَتَّیٰ لو سلّمنا بأن الْحُجِّیَّه معناها العلمیه؛ فَإِنَّهُ مع ذلک لا تتمّ حکومه المفهوم عَلَیٰ التَّعْلِیل؛ وذلک لما ذکرناه فی أدله عدم حجّیّه خبر الواحد (عند البحث عن الاستدلال عَلَیٰ عدم الْحُجِّیَّه بالآیات الشریفه الناهیه عن العمل بالظن) من أَن جعل العلمیه والطریقیه إِنَّمَا یکون حاکماً عَلَیٰ الأدله الَّتِی تُثبِتُ حکماً مّا عَلَیٰ موضوع عدم العلم کحرمه إسناد ما لا علم به إِلَیٰ الشَّارِع، بینما الآیات الناهیه عن العمل بالظن تنفی ابتداءً (عَلَیٰ حد تعبیرهم) العلمیه والطریقیه، فیقع التعارض لا محاله بینها وبین ما یُبت العلمیه والطریقیه، وکذلک نقول فیما نحن فیه: إِن عموم التَّعْلِیل یَنفی جعل العلمیه والطریقیه بینما المفهوم یُثبته، إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه فهما فی عرض واحد ومتعارضان، ولا وجه لحکومه المفهوم عَلَیٰ عموم التَّعْلِیل؛ إذ کما أَن إثبات الْحُجِّیَّه معناه جعل العلمیه، کذلک نفیها معناها نفی العلمیه. إذن، فنحن حَتَّیٰ لو سلّمنا أَن مفاد الْحُجِّیَّه هو جعل الخبر علماً، فَإِنَّهُ حِینَئِذٍ یکون مفاد المفهوم إثبات العلمیه لخبر العادل، ومفاد التَّعْلِیل سلبها عنه، فکل منهما ینظر إِلَیٰ شیء واحد فی رتبه واحده، فلا حکومه لأحدهما عَلَیٰ الآخر؛ فَإِنَّ المفهوم إذا کان مفاده اعتبار خبر العادل علماً، فسوف یکون مفاد المنطوق نفی هذا الاعتبار عن خبر الفاسق، والتعلیل ناظر إِلَیٰ توسعه دائره هذا النفی وتعمیمه عَلَیٰ کُلّ ما لا یکون علما، فَکَأَنَّ التَّعْلِیل یقول: إِن کُلّ ما لا یکون علماً وجداناً لا أعتبره علماً، وبذلک یکون مفاد التَّعْلِیل ومفاد المفهوم فی رتبه واحده، أحدهما یُبت اعتبار خبر العادل علماً، والآخر ینفی هذا الاعتبار، فلا موجب لحکومه أحدهما عَلَیٰ الآخر.

ص: 50

ثالثاً: إِن الآیه الشریفه عَلَّلت وجوبَ التبیّن عند مجیء الفاسق بالنبأ بلزوم الاجتناب عن الإصابه بجهاله، وعَلَّلت لزومَ الاجتناب عن الإصابه بجهاله باحتمال الوقوع فی الندم. فَالْعِلَّه الأصلیه لوجوب التَّبَیُّن عباره عن احتمال الندم، والمقصود بالندم إما هو الندم الحاصل عَلَیٰ ما فات من مصالح الواقع؛ باعتبار أَنَّهُ بعد تبین مخالفه خبر الفاسق إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه للواقع یحصل الندل للإنسان عَلَیٰ ما فاته من ملاک الواقع ومصلحته نتیجهَ العمل بخبره، وإما هو الندم الحاصل عَلَیٰ مخالفه الحکم الواقعی المولویّ بلا عذر شرعی؛ باعتبار أَن ذاک الحکم کان قد تَنَجَّز عَلَیٰ المکلف؛ لأَنَّ خبر الفاسق لم یکن حجهً شرعاً، فیحصل الندم له عَلَیٰ مخالفه الحکم الشرعی المتنجِّز الموجبه لاستحقاق العقاب.

فإن کان المقصود بالندم هو الأول (أَیْ: أَن عله وجوب التَّبَیُّن خوف الندم عَلَیٰ فوت مصله الواقع وملاکه) فلا وجه للحکومه الَّتِی ادعاها المحقق النائینی فی المقام (أَیْ: حکومه المفهوم عَلَیٰ التَّعْلِیل) حَتَّیٰ لو سلمنا بأن المفهوم یجعل العلمیه لخبر العادل؛ لأَنَّ جعل العلمیه والطریقیه لخبر العادل لا یرفع احتمال الندم (بهذا المعنی) عند العمل بخبر العادل. نعم، جعل العلمیه یرفع احتمالَ کون الإصابه حِینَئِذٍ إصابهً بجهالهٍ وخطأٍ وعدم علم؛ باعتبار أَنَّهُ یجعل خبر العادل علماً، فیرتفع احتمالُ الخطأ والجهاله فی العمل بخبر العادل، إِلَّا أَن احتمال الخطأ هذا ملازم لاحتمال الندم تکویناً؛ فاحتمال الخطأ واحتمال الندم مَثلا زمان؛ لأَنَّ الندم لازم تکوینی لانکشاف الخطأ، والشَّارِع قد نفی (تشریعاً وتعبّداً) احتمال الخطأ بجعل خبر العادل علماً، ولم یَنفِ احتمال الندم؛ لوضوح أَن نفی احتمال شیءٍ تشریعاً لا یُعدُّ نفیاً تشریعیاً لاحتمال ما یلازمه تکویناً. نعم، لو کان الندم أثراً ولازماً شرعیاً لنقیض ما أخبر به العادل (أَیْ: للواقع المنکشف من خلال انکشاف خطأ خبر العادل) لکان جعل العلمیه لخبر العادل ونفی احتمال الخطأ تشریعاً نفیاً ورفعاً تشریعیاً لاحتمال الندم، لکن لیس الأمر کذلک؛ لوضوح أَن الندم لازم تکوینی لانکشاف الخطأ إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه ولیس لازماً شرعیاً له. إذن، فنی أحد الاحتمالین المتلازمین تَعَبُّداً بجعل العلمیه والطریقیه لا یعنی نفی الاحتمال الآخر تَعَبُّداً؛ بداههَ أَنَّهُ قد یُفرض أَن أحد الاحتمالین الَّذَین هما متلازمان تکویناً منفیّاً بجعل العلمیه والطریقیه، لکن الاحتمال الآخر لا مبرّر لافتراض عدمه ونفیه؛ لأَنَّ جعل العلمیه والطریقیه إِنَّمَا ثبت فی قبال أحد الاحتمالین دون الاحتمال الآخر.

ص: 51

ولا یخفی أَن هذا الکلام یرجع بروحه إِلَیٰ إنکار حجّیّه مثبتات الأماره ولوازمها بناءً عَلَیٰ مبنی جعل الْعِلْمِیَّه وَالطَّرِیقِیَّهِ. اللهم إِلَّا أَن یقال بناء عَلَیٰ هذا المبنی: إِنَّنَا إذا فهمنا من دلیل حجّیّه الأماره أَنَّها إِنَّمَا جُعلت علماً وطریقاً بما لها من کاشفیه تکوینیه، وکانت کاشفیتها عن الشَّیْء وعن ملازمه عَلَیٰ حد سواء. إذن، فجعل الْعِلْمِیَّه وَالطَّرِیقِیَّه یَتُمُّ بلحاظ کلا الأمرین المتلازمین؛ فخبر العادل کما هو کاشف عما أخبرَ به کذلک هو کاشف عن أَنَّهُ سوف لن یحصل الندم، فنکون عالِمین تَعَبُّداً بالمخبَر به وبعدم الندم، وَحِینَئِذٍ تتمّ حکومه المفهوم عَلَیٰ عموم التَّعْلِیل کما ادعاها المحقق النائینی.

وأما إِن کان المقصود بالندم هو الثَّانِی (أَیْ: أَن عله وجوب التَّبَیُّن هو خوف الندم) الحاصل بعد تبین مخالفه خبر الفاسق للواقع عَلَیٰ مخالفه الحکم الواقعی المولویّ المتنجِّز الموجبه لاستحقاق العقاب (وبعباره أخری: خوف الندم لأجل العقاب) فأیضا لا تتم الحکومه الَّتِی ادعاها المحقق النائینی (أَیْ: حکومه المفهوم عَلَیٰ التَّعْلِیل)؛ إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه وذلک لأنه حِینَئِذٍ سوف یکون المفهوم وارداً عَلَیٰ عموم التَّعْلِیل لا حاکماً علیه؛ إذ أَنَّهُ بجعل الْحُجِّیَّه لخبر العادل ینتفی تکویناً موضوع التَّعْلِیل وهو احتمال الندم لأجل العقاب؛ ضرورهَ أَنَّهُ إذا کانت عله وجوب التَّبَیُّن فی خبر الفاسق عباره عن احتمال الوقوع فی الندم بعد ذلک لأجل العقاب عَلَیٰ مخالفه الحکم المولویّ الواقعی بلا عذر شرعی فسوف ینتفی هذا الاحتمال تکویناً بجعل الْحُجِّیَّه لخبر العادل؛ لأَنَّ خبر العادل وإن خالف الحکم الواقعی المولویّ، إِلَّا أَن المکلف کان معذوراً شرعاً فی مخالفته هذه؛ وذلک لحجیه خبر العادل شَرْعاً، فلا یحتمل العقاب أَصلاً عَلَیٰ العمل بخبر العادل.

ص: 52

إذن، ففی هذا الفرض أَیْضاً لا یَتُمُّ جواب المحقق النائینی القائل بالحکومه کما عرفتَ. وللکلام صله تأتی إِن شاء الل_ه فی الیوم القادم والحمد لل_ه رب العالمین.

آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

العنوان: آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

ولا یخفی أَن هذا الکلام یرجع بروحه إِلَیٰ إنکار حجّیّه مثبتات الأماره ولوازمها بناءً عَلَیٰ مبنی جعل الْعِلْمِیَّه وَالطَّرِیقِیَّهِ. اللهم إِلَّا أَن یقال بناء عَلَیٰ هذا المبنی: إِنَّنَا إذا فهمنا من دلیل حجّیّه الأماره أَنَّها إِنَّمَا جُعلت علماً وطریقاً بما لها من کاشفیه تکوینیه، وکانت کاشفیتها عن الشَّیْء وعن ملازمه عَلَیٰ حد سواء. إذن، فجعل الْعِلْمِیَّه وَالطَّرِیقِیَّه یَتُمُّ بلحاظ کلا الأمرین المتلازمین؛ فخبر العادل کما هو کاشف عما أخبرَ به کذلک هو کاشف عن أَنَّهُ سوف لن یحصل الندم، فنکون عالِمین تَعَبُّداً بالمخبَر به وبعدم الندم، وَحِینَئِذٍ تتمّ حکومه المفهوم عَلَیٰ عموم التَّعْلِیل کما ادعاها المحقق النائینی.

وأما إِن کان المقصود بالندم هو الثَّانِی (أَیْ: أَن عله وجوب التَّبَیُّن هو خوف الندم) الحاصل بعد تبین مخالفه خبر الفاسق للواقع عَلَیٰ مخالفه الحکم الواقعی المولویّ المتنجِّز الموجبه لاستحقاق العقاب (وبعباره أخری: خوف الندم لأجل العقاب) فأیضا لا تتم الحکومه الَّتِی ادعاها المحقق النائینی (أَیْ: حکومه المفهوم عَلَیٰ التَّعْلِیل)؛ إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه وذلک لأنه حِینَئِذٍ سوف یکون المفهوم وارداً عَلَیٰ عموم التَّعْلِیل لا حاکماً علیه؛ إذ أَنَّهُ بجعل الْحُجِّیَّه لخبر العادل ینتفی تکویناً موضوع التَّعْلِیل وهو احتمال الندم لأجل العقاب؛ ضرورهَ أَنَّهُ إذا کانت عله وجوب التَّبَیُّن فی خبر الفاسق عباره عن احتمال الوقوع فی الندم بعد ذلک لأجل العقاب عَلَیٰ مخالفه الحکم المولویّ الواقعی بلا عذر شرعی فسوف ینتفی هذا الاحتمال تکویناً بجعل الْحُجِّیَّه لخبر العادل؛ لأَنَّ خبر العادل وإن خالف الحکم الواقعی المولویّ، إِلَّا أَن المکلف کان معذوراً شرعاً فی مخالفته هذه؛ وذلک لحجیه خبر العادل شَرْعاً، فلا یحتمل العقاب أَصلاً عَلَیٰ العمل بخبر العادل.

ص: 53

إذن، ففی هذا الفرض أَیْضاً لا یَتُمُّ جواب المحقق النائینی القائل بالحکومه کما عرفتَ.

کما أَنَّهُ بناءً عَلَیٰ هذا الفرض (وهو أَن تکون عله وجوب التَّبَیُّن خوفُ الندم عَلَیٰ مخالفه الواقع بلا عذر الموجبه للعقاب) لا یَتُمُّ أصل الإشکال الَّذِی کان المحقق النائینی بصدد الإجابه عنه (وهو الإشکال القائل بأن عموم التَّعْلِیل مانعٌ عن دلاله الآیه بمفهومها عَلَیٰ حجّیّه خبر العادل)؛ إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه وذلک لأَنَّ التَّعْلِیل بناء عَلَیٰ هذا لیس تعلیلاً لعدم جعل الْحُجِّیَّه لخبر الفاسق؛ لأَنَّ الوقوع فی الندم من ناحیه العقاب إِنَّمَا هو فی طول عدم جعل الْحُجِّیَّه ومعلول له، فلا معنی لتعلیل عدم جعل الْحُجِّیَّه بذلک. وبعباره أخری: إِن مخافه العقاب عَلَیٰ العمل بالخبر إِنَّمَا تنشأ من عدم حجّیّه الخبر، فکیف تکون هی المنشأ وَالْعِلَّه لعدم حجیته؟ إذن، فلا دلاله فی التَّعْلِیل عندئذٍ عَلَیٰ تعمیم عدم الْحُجِّیَّه لکل خبر غیر عِلْمِیّ؛ لأَنَّ التَّعْلِیل لیس تعلیلاً لعدم الْحُجِّیَّه ولا یصلح لذلک، بل هو تعلیل حِینَئِذٍ للأمر الإرشادی بالتبین (أَیْ: أَن الأمر بالتبین حِینَئِذٍ یکون إرشاداً إِلَیٰ ما یستقلّ به العقل من لزوم التَّمسُّک بعروه الیقین) وضرورهَ أَن یکون رأس الخیط فی العمل هو العلم.

رابعاً: أَنَّهُ حَتَّیٰ لو سلّمنا بأن مفاد المفهوم فی المقام سنخ مفادٍ حاکمٍ عَلَیٰ التَّعْلِیل کما یقول المحقق النائینی إِلَّا أَن الحکومه عندنا روحها روح التخصیص کما ذکرنا ذلک مراراً؛ فهی نفی للحکم المذکور فی الدَّلِیل المحکوم لکن لا بلسان نفی الحکم کما هو الحال فی التخصیص، بل بلسان الحکومه ونفی الموضوع. وعلیه، فیکون حال الحکومه حال التخصیص الَّذِی زعمه صاحب الجواب السَّابِق (أَیْ: الجواب الأول الَّذِی کان یجب عن إشکال کون عموم التَّعْلِیل مانعاً عن المفهوم بدعوی أَخَصِّیَّه المفهوم من التَّعْلِیل)؛ فکما قلنا فی ردّنا الثَّانِی عَلَیٰ ذاک الجواب: إنه کما یوجد فی المفهوم ملاک القرینیه فی النَّظَر العرفی وَبِالتَّالِی یوجد فیه ملاک للتقدیم عَلَیٰ التَّعْلِیل الْعَامّ وهو ملاک الأَخَصِّیَّه، کذلک یوجد فی التَّعْلِیل ملاک للقرینیه فی النَّظَر العرفی وَبِالتَّالِی یوجد فیه ملاک للتقدیم عَلَیٰ المفهوم وهو ملاک النَّظَر إِلَیٰ الحکم المعلَّل)، إعداد الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه کذلک نقول هنا فی الرّدّ عَلَیٰ هذا الجواب الَّذِی أفاده المحقق النائینی: إنه کما أَن المفهوم ناظر إِلَیٰ التَّعْلِیل حسب دعوی المحقق النائینی؛ ففیه ملاک للحکومه، کذلک التَّعْلِیل ناظر إِلَیٰ المفهوم؛ وذلک لما ذکرناه هناک من أَن التَّعْلِیل ناظر إِلَیٰ الحکم المعلَّل؛ ففیه ملاک للحکومه عَلَیٰ مفاد القضیه المذکوره فی الآیه؛ فَإِنَّ نکته التَّعْلِیل بنفسها توجب فی نظر العرف الحکومه عَلَیٰ الجمله المعلَّله وتوسّع دائره وجوب التَّبَیُّن وحدوده لیشمل کُلّ خبر غیر عِلْمِیّ ولو کان خبر عادل.

ص: 54

وللکلام صله تأتی إِن شاء الل_ه فی الیوم القادم والحمد لل_ه رب العالمین.

آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

العنوان: آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

کما أَنَّهُ بناءً عَلَیٰ هذا الفرض (وهو أَن تکون عله وجوب التَّبَیُّن خوفُ الندم عَلَیٰ مخالفه الواقع بلا عذر الموجبه للعقاب) لا یَتُمُّ أصل الإشکال الَّذِی کان المحقق النائینی بصدد الإجابه عنه (وهو الإشکال القائل بأن عموم التَّعْلِیل مانعٌ عن دلاله الآیه بمفهومها عَلَیٰ حجّیّه خبر العادل)؛ وذلک لأَنَّ التَّعْلِیل بناء عَلَیٰ هذا لیس تعلیلاً لعدم جعل الْحُجِّیَّه لخبر الفاسق؛ لأَنَّ الوقوع فی الندم من ناحیه العقاب إِنَّمَا هو فی طول عدم جعل الْحُجِّیَّه ومعلول له، فلا معنی لتعلیل عدم جعل الْحُجِّیَّه بذلک. وبعباره أخری: إِن مخافه العقاب عَلَیٰ العمل بالخبر إِنَّمَا تنشأ من عدم حجّیّه الخبر، فکیف تکون هی المنشأ وَالْعِلَّه لعدم حجیته؟ إذن، فلا دلاله فی التَّعْلِیل عندئذٍ عَلَیٰ تعمیم عدم الْحُجِّیَّه لکل خبر غیر عِلْمِیّ؛ لأَنَّ التَّعْلِیل لیس تعلیلاً لعدم الْحُجِّیَّه ولا یصلح لذلک، بل هو تعلیل حِینَئِذٍ للأمر الإرشادی بالتبین (أَیْ: أَن الأمر بالتبین حِینَئِذٍ یکون إرشاداً إِلَیٰ ما یستقلّ به العقل من لزوم التَّمسُّک بعروه الیقین) وضرورهَ أَن یکون رأس الخیط فی العمل هو العلم.

رابعاً: أَنَّهُ حَتَّیٰ لو سلّمنا بأن مفاد المفهوم فی المقام سنخ مفادٍ حاکمٍ عَلَیٰ التَّعْلِیل کما یقول المحقق النائینی إِلَّا أَن الحکومه عندنا روحها روح التخصیص کما ذکرنا ذلک مراراً؛ فهی نفی للحکم المذکور فی الدَّلِیل المحکوم لکن لا بلسان نفی الحکم کما هو الحال فی التخصیص، بل بلسان الحکومه ونفی الموضوع. وعلیه، فیکون حال الحکومه حال التخصیص الَّذِی زعمه صاحب الجواب السَّابِق (أَیْ: الجواب الأول الَّذِی کان یجب عن إشکال کون عموم التَّعْلِیل مانعاً عن المفهوم بدعوی أَخَصِّیَّه المفهوم من التَّعْلِیل)؛ فکما قلنا فی ردّنا الثَّانِی عَلَیٰ ذاک الجواب: إنه کما یوجد فی المفهوم ملاک القرینیه فی النَّظَر العرفی وَبِالتَّالِی یوجد فیه ملاک للتقدیم عَلَیٰ التَّعْلِیل الْعَامّ وهو ملاک الأَخَصِّیَّه، کذلک یوجد فی التَّعْلِیل ملاک للقرینیه فی النَّظَر العرفی وَبِالتَّالِی یوجد فیه ملاک للتقدیم عَلَیٰ المفهوم وهو ملاک النَّظَر إِلَیٰ الحکم المعلَّل)، کذلک نقول هنا فی الرّدّ عَلَیٰ هذا الجواب الَّذِی أفاده المحقق النائینی: إنه کما أَن المفهوم ناظر إِلَیٰ التَّعْلِیل حسب دعوی المحقق النائینی؛ ففیه ملاک للحکومه، کذلک التَّعْلِیل ناظر إِلَیٰ المفهوم؛ وذلک لما ذکرناه هناک من أَن التَّعْلِیل ناظر إِلَیٰ الحکم المعلَّل؛ ففیه ملاک للحکومه عَلَیٰ مفاد القضیه المذکوره فی الآیه؛ فَإِنَّ نکته التَّعْلِیل بنفسها توجب فی نظر العرف الحکومه عَلَیٰ الجمله المعلَّله وتوسّع دائره وجوب التَّبَیُّن وحدوده لیشمل کُلّ خبر غیر عِلْمِیّ ولو کان خبر عادل.

ص: 55

وعلیه، فکل من المفهوم والتَّعْلِیل ناظر إِلَیٰ الآخر؛ ففی کُلّ منهما ملاک للحکومه عَلَیٰ الآخر، وَحِینَئِذٍ فإما أَن نقول بتقدیم التَّعْلِیل عَلَیٰ المفهوم؛ لوجود ملاکٍ فیه للقرینیه والتقدیم أقوی عرفاً من الملاک الموجود فی المفهوم للقرینیه والتقدیم نظراً إِلَیٰ أَن التَّعْلِیل قرینه شخصیه قد جعلها شخص المُتَکَلِّم فی کلامه لیکون قرینهً عَلَیٰ مرامه فی حین أَن المفهوم الَّذِی فرضناه حاکماً حسب دعوی المحقق النائینی یکون (بعد إرجاع الحکومه بروحها إِلَیٰ التخصیص کما هو الصحیح) قرینهً نوعیهً قد جعلها العرف قرینهً فی کلام المُتَکَلِّم عَلَیٰ مرامه؛ لأَنَّ الْخَاصّ قرینه نوعیه، ولا شک فی تقدیم القرینه الشخصیه عَلَیٰ القرینه النوعیه عند العرف؛ لأَنَّ العرف والعقلاء إِنَّمَا یجعلون شیئاً قرینه فی کلام المُتَکَلِّم عَلَیٰ مقصوده ومرامه ما لم یجعل شخصُ المُتَکَلِّم فی کلامه قرینهً تبین مقصوده ومرامه؛ إذ مع جعله قرینهً کذلک یری العرف أَن ما جعله المُتَکَلِّم قرینه فهو القرینه دون غیره. وإما أَن نقول بتساویهما عرفاً من حیث قوه ملاک التَّقْدِیم، وَحِینَئِذٍ فیتعارضان ویتساقطان، وتصبح الآیه الشریفه مجملهً مفهوماً وتعلیلاً، فلا یکون فی الآیه ظهورٌ فعلی فی المفهوم. إذن، فعلی کلا التقدیرین لم یَتُمّ کلامُ المحقق النائینی القائل بتقدیم المفهوم.

نعم، لو ادعی أَن المراد بالجهاله وعدم العلم فی التَّعْلِیل عدم الحجه أو عدم العلم الأعمّ من العلم الحقیقی والعلم الاعتباری، لم یکن التَّعْلِیل حِینَئِذٍ ناظراً إِلَیٰ المفهوم ومتصرّفاً فیه، بل یکون المفهوم وارداً عَلَیٰ التَّعْلِیل ورافعاً لموضوعه حقیقهً وتکویناً؛ لأَنَّ موضوع التَّعْلِیل عدم الحجه أو عدم العلم الحقیقی والتعبدی الاعتباری، وبما أَن المفهوم یجعل خبر العادل حجهً أو یجعله علماً (بناء عَلَیٰ جعل الْعِلْمِیَّه)، إذن فیخرج خبر العادل عن موضوع التَّعْلِیل حقیقه، ولا یکون المفهومُ مخصِّصاً للتَّعلیل، بل یکون وارداً علیه، ولا معنی للقول حِینَئِذٍ بأن التَّعْلِیل ناظر إِلَیٰ المفهوم ومتصّرف فیه ویُثبت عدم حجه خبر العادل؛ لأَنَّ مفاد التَّعْلِیل عَلَیٰ هذا هو أَن ما لا یکون حجهً فلا یُعمل به، أو أَن ما لا یکون علماً حقیقیّاً ولا علماً اعتباریاً تَعَبُّدِیّاً فلا یُعمَل به، فیکون قد أخذ فی موضوع التَّعْلِیل عدم الْحُجِّیَّه أو عدم العلم حقیقهً واعتباراً، وَحِینَئِذٍ فیستحیل أَن نُثبت بهذا التَّعْلِیل عدم الْحُجِّیَّه.

ص: 56

وللکلام تتمه تأتی إِن شاء الل_ه فی الیوم القادم والحمد لل_ه رب العالمین.

آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

العنوان: آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

وبناء عَلَیٰ ما تقدم یکون کل من المفهوم والتَّعْلِیل ناظراً إِلَیٰ الآخر؛ ففی کُلّ منهما ملاک للحکومه عَلَیٰ الآخر، وَحِینَئِذٍ فإما أَن نقول بتقدیم التَّعْلِیل عَلَیٰ المفهوم؛ لوجود ملاکٍ فیه للقرینیه والتقدیم أقوی عرفاً من الملاک الموجود فی المفهوم للقرینیه والتقدیم نظراً إِلَیٰ أَن التَّعْلِیل قرینه شخصیه قد جعلها شخص المُتَکَلِّم فی کلامه لیکون قرینهً عَلَیٰ مرامه فی حین أَن المفهوم الَّذِی فرضناه حاکماً حسب دعوی المحقق النائینی یکون (بعد إرجاع الحکومه بروحها إِلَیٰ التخصیص کما هو الصحیح) قرینهً نوعیهً قد جعلها العرف قرینهً فی کلام المُتَکَلِّم عَلَیٰ مرامه؛ لأَنَّ الْخَاصّ قرینه نوعیه، ولا شک فی تقدیم القرینه الشخصیه عَلَیٰ القرینه النوعیه عند العرف؛ لأَنَّ العرف والعقلاء إِنَّمَا یجعلون شیئاً قرینه فی کلام المُتَکَلِّم عَلَیٰ مقصوده ومرامه ما لم یجعل شخصُ المُتَکَلِّم فی کلامه قرینهً تبین مقصوده ومرامه؛ إذ مع جعله قرینهً کذلک یری العرف أَن ما جعله المُتَکَلِّم قرینه فهو القرینه دون غیره. وإما أَن نقول بتساویهما عرفاً من حیث قوه ملاک التَّقْدِیم، وَحِینَئِذٍ فیتعارضان ویتساقطان، وتصبح الآیه الشریفه مجملهً مفهوماً وتعلیلاً، فلا یکون فی الآیه ظهورٌ فعلی فی المفهوم. إذن، فعلی کلا التقدیرین لم یَتُمّ کلامُ المحقق النائینی القائل بتقدیم المفهوم.

نعم، لو ادعی أَن المراد بالجهاله وعدم العلم فی التَّعْلِیل عدم الحجه أو عدم العلم الأعمّ من العلم الحقیقی والعلم الاعتباری، لم یکن التَّعْلِیل حِینَئِذٍ ناظراً إِلَیٰ المفهوم ومتصرّفاً فیه، بل یکون المفهوم وارداً عَلَیٰ التَّعْلِیل ورافعاً لموضوعه حقیقهً وتکویناً؛ لأَنَّ موضوع التَّعْلِیل عدم الحجه أو عدم العلم الحقیقی والتعبدی الاعتباری، وبما أَن المفهوم یجعل خبر العادل حجهً أو یجعله علماً (بناء عَلَیٰ جعل الْعِلْمِیَّه)، إذن فیخرج خبر العادل عن موضوع التَّعْلِیل حقیقه، ولا یکون المفهومُ مخصِّصاً للتَّعلیل، بل یکون وارداً علیه، ولا معنی للقول حِینَئِذٍ بأن التَّعْلِیل ناظر إِلَیٰ المفهوم ومتصّرف فیه ویُثبت عدم حجه خبر العادل؛ لأَنَّ مفاد التَّعْلِیل عَلَیٰ هذا هو أَن ما لا یکون حجهً فلا یُعمل به، أو أَن ما لا یکون علماً حقیقیّاً ولا علماً اعتباریاً تَعَبُّدِیّاً فلا یُعمَل به، فیکون قد أخذ فی موضوع التَّعْلِیل عدم الْحُجِّیَّه أو عدم العلم حقیقهً واعتباراً، وَحِینَئِذٍ فیستحیل أَن نُثبت بهذا التَّعْلِیل عدم الْحُجِّیَّه.

ص: 57

وعلیه، فکل من المفهوم والتَّعْلِیل ناظر إِلَیٰ الآخر؛ ففی کُلّ منهما ملاک للحکومه عَلَیٰ الآخر، وَحِینَئِذٍ فإما أَن نقول بتقدیم التَّعْلِیل عَلَیٰ المفهوم؛ لوجود ملاکٍ فیه للقرینیه والتقدیم أقوی عرفاً من الملاک الموجود فی المفهوم للقرینیه والتقدیم نظراً إِلَیٰ أَن التَّعْلِیل قرینه شخصیه قد جعلها شخص المُتَکَلِّم فی کلامه لیکون قرینهً عَلَیٰ مرامه فی حین أَن المفهوم الَّذِی فرضناه حاکماً حسب دعوی المحقق النائینی یکون (بعد إرجاع الحکومه بروحها إِلَیٰ التخصیص کما هو الصحیح) قرینهً نوعیهً قد جعلها العرف قرینهً فی کلام المُتَکَلِّم عَلَیٰ مرامه؛ لأَنَّ الْخَاصّ قرینه نوعیه، ولا شک فی تقدیم القرینه الشخصیه عَلَیٰ القرینه النوعیه عند العرف؛ لأَنَّ العرف والعقلاء إِنَّمَا یجعلون شیئاً قرینه فی کلام المُتَکَلِّم عَلَیٰ مقصوده ومرامه ما لم یجعل شخصُ المُتَکَلِّم فی کلامه قرینهً تبین مقصوده ومرامه؛ إذ مع جعله قرینهً کذلک یری العرف أَن ما جعله المُتَکَلِّم قرینه فهو القرینه دون غیره. وإما أَن نقول بتساویهما عرفاً من حیث قوه ملاک التَّقْدِیم، وَحِینَئِذٍ فیتعارضان ویتساقطان، وتصبح الآیه الشریفه مجملهً مفهوماً وتعلیلاً، فلا یکون فی الآیه ظهورٌ فعلی فی المفهوم. إذن، فعلی کلا التقدیرین لم یَتُمّ کلامُ المحقق النائینی القائل بتقدیم المفهوم.

نعم، لو ادعی أَن المراد بالجهاله وعدم العلم فی التَّعْلِیل عدم الحجه أو عدم العلم الأعمّ من العلم الحقیقی والعلم الاعتباری، لم یکن التَّعْلِیل حِینَئِذٍ ناظراً إِلَیٰ المفهوم ومتصرّفاً فیه، بل یکون المفهوم وارداً عَلَیٰ التَّعْلِیل ورافعاً لموضوعه حقیقهً وتکویناً؛ لأَنَّ موضوع التَّعْلِیل عدم الحجه أو عدم العلم الحقیقی والتعبدی الاعتباری، وبما أَن المفهوم یجعل خبر العادل حجهً أو یجعله علماً (بناء عَلَیٰ جعل الْعِلْمِیَّه)، إذن فیخرج خبر العادل عن موضوع التَّعْلِیل حقیقه، ولا یکون المفهومُ مخصِّصاً للتَّعلیل، بل یکون وارداً علیه، ولا معنی للقول حِینَئِذٍ بأن التَّعْلِیل ناظر إِلَیٰ المفهوم ومتصّرف فیه ویُثبت عدم حجه خبر العادل؛ لأَنَّ مفاد التَّعْلِیل عَلَیٰ هذا هو أَن ما لا یکون حجهً فلا یُعمل به، أو أَن ما لا یکون علماً حقیقیّاً ولا علماً اعتباریاً تَعَبُّدِیّاً فلا یُعمَل به، فیکون قد أخذ فی موضوع التَّعْلِیل عدم الْحُجِّیَّه أو عدم العلم حقیقهً واعتباراً، وَحِینَئِذٍ فیستحیل أَن نُثبت بهذا التَّعْلِیل عدم الْحُجِّیَّه.

ص: 58

إِلَّا أَنَّهُ بناءً عَلَیٰ هذا ینسلخ التَّعْلِیل عن کونه تعلیلاً لمنطوق الآیه الدَّالّ عَلَیٰ وجوب التَّبَیُّن؛ لأَنَّ قوله تعالی: {فَتَبَیَّنُوا} مفاده عدم الْحُجِّیَّه، فإذا حملنا التَّعْلِیل (أَیْ: قوله تعالی: {أَن تصیبوا قوما بجهاله}) عَلَیٰ کونه تعلیلاً؛ لعدم الْحُجِّیَّه المذکور فی الذیل، وفرضنا أَنَّهُ قد أخذ فی موضوع هذا التَّعْلِیل عدمُ الْحُجِّیَّه أو عدم العلم الحقیقیّ والاعتباریّ، فَحِینَئِذٍ یلزم أَن یکون عدم الْحُجِّیَّه مأخوذاً مفروض الوجود فی ملاک عدم الْحُجِّیَّه ونکتته وعلّته، فیکون معنی الآیه حِینَئِذٍ أَنَّ خبر الفاسق لیس بحجه؛ لِأَنَّهُ لیس بحجه أو لأنه لم یجعل علماً، فیرجع لُبّاً إِلَیٰ تعلیل عدم الْحُجِّیَّه بعدم الْحُجِّیَّه، وهذا لا معنی له ولا یمکن أَن یُعلِّل عدم الْحُجِّیَّه فی موردٍ بتعلیل أخذ فی موضوعه عدم الْحُجِّیَّه؛ لأَنَّ مقتضی کون عدم الْحُجِّیَّه موضوعاً للتعلیل هو أَن التَّعْلِیل فی طوله فی حین أَن مقتضی کون عدم الْحُجِّیَّه معلَّلاً هو أَن عدم الْحُجِّیَّه فی طول التَّعْلِیل؛ لأَنَّ عدم الْحُجِّیَّه إِنَّمَا هو فی طول علّته کأیّ معلولٍ.

وبهذا اتضح أَیْضاً أَنَّهُ بناءً عَلَیٰ ورود المفهوم عَلَیٰ التَّعْلِیل لا یمکن التَّمسُّک بعموم التَّعْلِیل عند الشک فی حجّیّه خبر العادل أو غیره من الأمارات؛ لِأَنَّهُ تمسک بالعام فی الشبهه المصداقیه باعتبار أَن موضوع التَّعْلِیل هو عدم الحجه أو عدم العلم الحقیقی والاعتباری، فمع الشک فی الْحُجِّیَّه یشک فی الموضوع، فلا یمکن التَّمسُّک بالعام.

هذا تمام الکلام فی الجواب الثَّانِی عَلَیٰ المانع الداخلی الْمُتَّصِل بالمفهوم، وهو جواب المحقق النائینی القائل بحکومه المفهوم عَلَیٰ التَّعْلِیل، وقد عرفتَ أَنَّهُ أَیْضاً کالجواب الأول غیر صحیح.

وللکلام تتمه تأتی إِن شاء الل_ه فی الیوم القادم والحمد لل_ه رب العالمین.

ص: 59

آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

العنوان: آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

مانع آخر للمنع عن حجیه مفهوم آیه النبأ:

هناک مانع آخر یمنع عن حجیه مفهوم آیه النبأ ویتلخص هذا المانع فی ثلاث نقاط:

النقطه الأولی: أن مورد آیه النبأ مفهوماً ومنطوقاً هو النبأ فی الموضوع الخارجی؛ إذ أن منطوق الآیه یتعرض لنبأ الفاسق فی الموضوع الخارجی، ومفهومها یتعرض لنبأ العادل فی الموضوع الخارجی أیضاً؛ لأن الآیه وردت بشأن الولید عندما أنبأ عن ارتداد جماعه والنبأ عن الارتداد موضوعٌ خارجی ولیس نبأ عن الحکم الشرعی وإن کان الموضوع الخارجی مما یترتب علیه الحکم الشرعی.

النقطه الثانیه: أن إخراج مورد الکلام بشکل عام عن الکلام أمر غیر جائز ومستهجن، فإخراج النبأ عن الموضوع الخارجی منطوقاً ومفهوماً غیر جائز؛ فقد قلنا فی النقطه الأولی بأن النبأ عن الموضوع الخارجی، وبالتالی إخراج النبأ فی الموضوع الخارجی عن منطوق الآیه ومفهومها غیر جائز.

النقطه الثالثه: أن هناک أدله دلت علیٰ أن الخبر فی الموضوعات الخارجیه غیر حجه حتی لو کان نبأ العادل، فلا نکتفی فیها بخبر الواحد أو الثقه بل لابد من البیّنه (الشاهدین العادلین).

والنتیجه: وقوع التعارض بین مفهوم الآیه الدال علیٰ حجیه خبر الواحد (سواء فی الموضوع أو فی الأحکام، ولا یمکن تخصیص هذا المفهوم بخبر الواحد فی الأحکام، أی: إخراج الخبر فی الموضوع الخارجی عن تحت المفهوم، وهذا هو إخراج المورد وهو غیر جائز حسب النقطه الثانیه) وبین ما دلّ علیٰ عدم حجیه خبر الواحد فی الموضوعات الخارجیه. هذا هو المانع والمعارِض الخارجی لمفهوم الآیه، وبالتالی یتساقطان فلا یبقی عندنا مفهوم للآیه.

ص: 60

جواب الشیخ الأنصاری عنه:

وقد أجاب الشیخ الأعظم الأنصاری ره عن هذا الإشکال بأن الآیه جعلتْ (فی منطوقها) الشرطَ لوجوب التبین مجیء الفاسق، والمقصود مجیءُ طبیعی الفاسق بالنبأ لا خصوص مجیء فاسق واحد، وشرط المفهوم الدال علیٰ حجیه خبر العادل أیضاً یکون هذا (أی: مجیء طبیعی العادل ولیس خصوص عادلٍ واحد). إذن، إطلاق المفهوم یشمل العادل الواحد والعادلین، أی: إن جاءکم عادل (سواء کان عادلاً واحداً أو أکثر من واحد) فلا یجب الفحص والتبیّن. إذن، إطلاق المفهوم منذ البدایه یشمل العادلین، أی: یشمل البیّنه، لکن بعد ذلک جاء الدلیل الدال فی النقطه الثالثه لیدل علیٰ أن فی خصوص الشبهات الموضوعیه لابد من عادلین، فقُیِّد إطلاقُ المفهوم فی الشبهات الموضوعیه لتکون النتیجه حجیه خبر العادل فی الشبهات الموضوعیه بشرط انضمام عادل آخر إلیه، فلم یلزم من ذلک إخراج المورد من الکلام، فارتفع الإشکال.

والحاصل أن بالإمکان الالتزام؛ لأن الآیه الشریفه تدل بالمفهوم علیٰ حجیه خبر الواحد حتی فی الشبهه الموضوعیه (أی: حتی فی موردها) من دون أن یلزم من ذلک إخراج المورد عن المفهوم، وإنما غایه ما یلزم من ذلک تقیید إطلاق المفهوم بقید التعدد (أی: عادلین)، وهذا القید استفدناه من دلیل اشتراط البینه فی الموضوعات الخارجیه، فنقول: إن خبر الواحد حجه مطلقاً فی الشبهات الحکمیه سواء کان واحداً أو أکثر، ولکنه حجه فی الموضوعات بشرط أن یکون أکثر من واحد حتی تتشکل البیّنه. إذن، إنَّ دلیل اشتراط البیّنه فی الموضوعات قیّد إطلاقَ المفهوم بقید التعدد فی خصوص مورد الآیه وهو الشبهات الموضوعیه. فهذا تقیید لإطلاق المفهوم فی مورده ولیس تخصیصاً للمفهوم وإخراجاً لمورده عن حکمه حتی یکون مستهجناً (1) .

ص: 61


1- الأنصاری، فرائد الأصول: ج 1، ص 271، طبعه مجمع الفکر الأولی.

أقول: توجد هنا ثلاثه إشکالات:

الإشکال الأول: أصل هذا المانع الخارجی المذکور غیر ثابت عندنا؛ إذ لم تتمّ عندنا فقهیاً الدلیل علیٰ عدم حجیه خبر الواحد فی الموضوعات وهذا بحث نتعرض له فی آخر بحثنا عن حجیه خبر الواحد فی جهه من جهات البحث فی حدود الحجیه وشروطها، وسوف نثبت هناک أن الصحیح حجیه خبر الواحد فی الموضوعات أیضاً کما هو حجه فی الأحکام، أی: لا یشترط فی الموضوعات قیام البینه، بل یکفی عادل واحد، بل ثقه واحد. طبعا، هناک موضوعات خاصه اشترط الشارع فیها البینهَ من قبیل الشهاده علیٰ الزنا وبعض الأمور المهمّه الأخری. ومورد الآیه (وهو الخبر فی الموضوع الخارجیّ) لیس خارجاً عن المفهوم أساساً، فلا یتوجّه الإشکال إلینا أبداً؛ لأن الإشکال إنما یرتبط بأولئک الذین یقولون بأن خبر الواحد لیس حجهً فی الموضوعات.

الإشکال الثانی: أنه حتی لو ثبت من الخارج عدم حجه خبر الواحد فی الموضوعات (أی: فی مورد الآیه) فإن هذا لا یتنافی مع مفهوم الآیه (وهذا أمر مهم)، فهذا لا یشکل مانعاً عن عدم حجیه المفهوم فی الآیه؛ لأنه إنما یشکّل مانعاً عن حجیه خبر الواحد ویتنافی مع ثبوت المفهوم فی الآیه فیما إذا التزمنا بالنقطه الثانیه (وهی عدم جواز إخراج المورد من الکلام) فی حین أنه لا مبرر للالتزام بهذه الفکره؛ فإن الواقع أنه أساساً لا یوجد مبرر للالتزام بأن إخراج المورد عن الکلام غیر جائز، بل یجوز إخراج المورد عن المفهوم وإن لم یجز إخراج المورد عن المنطوق (أی: أننا نفرّق بین المنطوق والمفهوم من هذه الناحیه ونقول بأنه لا یمکن إخراج مورد الکلام عن منطوق الکلام، لکن إخراج المورد عن مفهوم الکلام لا محذور فیه).

ص: 62

توضیح ذلک: أنه لا إشکال فی أن إخراج مورد الکلام عن منطوق الکلام غیر جائز؛ فإنه لو سأل سائل: هل أُکرم زیداً فقیل له فی الجواب: أکرم کل فقیر وفرضنا أن زیداً فقیر، فلا یجوز هنا إخراج زید بالتخصیص عن منطوق هذا الجواب؛ فلیس من المعقول أن زیداً الذی هو فقیر لا یشمله الجواب؛ فإن الجواب نص فی وجوب إکرام زید وظاهر بالنسبه إِلَیٰ سائر الفقهاء بالظهور الإطلاقیّ أو العمومی؛ لأن انطباق الکلام علیٰ مورده قطعیّ، فزید فی هذا المثال هو القدر المتیقن ممن یجب إکرامه، فیقع التنافی والتعارض، لا التخصیص؛ فإن السؤال لیس عاماً قابلاً للتخصیص. هذا بالنسبه لإخراج المورد عن المنطوق، وقد تبین أن الإخراج غیر جائز.

أما بالنسبه إِلَیٰ إخراج المورد عن مفهوم الکلام فمثاله أن زیداً من الناس کان هاشمیاً وکان فقیراً، وسأل سائل: هل یجب إکرام زید؟ فأُجیب بقضیه شرطیه: ن کان الإنسان فقیراً وجب إکرامُه، وفرضنا أننا علمنا من الخارج أن زیداً بالخصوص حتی لو لم یکن فقیراً فهو هاشمیّ یجب إکرامُه. فزیدٌ داخل فی منطوق الکلام ولکن بالنسبه إِلَیٰ المفهوم القائل بأن الإنسان إن لم یکن فقیراً لا یجب إکرامه، فهل یجب الالتزام به بأنه لو لم یکن فقیراً لا یجب إکرامه، لکن نخرج زیداً عن تحت المفهوم (ومحذوره إخراج مورد الکلام عن المفهوم). والخلاصه أنه هل یجوز إخراج المورد عن المفهوم رأساً والالتزام بحفظ المفهوم لغیر المورد (زید)؟

فیقع التعارض بین المفهوم القائل بأن زیداً إذا لم یکن فقیراً لا یجب إکرامه وبین علمنا الخارجی بأن زیداً حتی لو لم یکن فقیراً یجب إکرامه؛ لکونه هاشمیاً.

ص: 63

الجواب یأتی فی یوم السبت إِن شاء الل_ه تعالی.

آیه النبأ/السنه/أدله عدم الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

العنوان: آیه النبأ/السنه/أدله عدم الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

کان الکلام فی الإشکال الأخیر الَّذِی أورد عَلَیٰ الاستدلال بمفهوم آیه النبأ عَلَیٰ حجّیّه خبر الواحد، وکان هذا الإشکال عباره عن أَن هناک معارضا لمفهوم الآیه؛ فَإِنَّنا نفترض أَن مفهوم الآیه یَدُلُّ عَلَیٰ حجّیّه خبر الواحد لکن هناک معارضاً لهذا المفهوم وهو ما دلّ عَلَیٰ عدم حجّیّه خبر الواحد فی الموضوعات. فنحن إما أَن نلتزم بإخراج الخبر فی الموضوع الخارجی عن مفهوم الآیه ونقول بأن مفهوم الآیه یَدُلُّ عَلَیٰ حجّیّه خبر الواحد فی غیر الموضوعات الخارجیه، حَتَّیٰ لا یتنافی مع ما دل عَلَیٰ عدم حجّیّه خبر الواحد فی الموضوعات.

ومحذور ذلک أَن إخراج الخبر فی الموضوع الخارجی عن مفهوم الآیه معناه إخراج مورد الآیه عن مفهوم الآیه؛ لأَنَّ مورد الآیه هو الخبر فی الموضوع الخارجی ومن الواضح أَن إخراج مورد الکلام عن تحت الکلام أمرٌ مستهجن جداً، فلا سبیل إلیه فَحِینَئِذٍ یقع التنافی بین المفهوم الَّذِی یَدُلُّ عَلَیٰ حجّیّه خبر الواحد (فی الأحکام وفی الموضوعات أَیْضاً) وبین ما دل عَلَیٰ عدم حجّیّه خبر الواحد فی الموضوعات.

هذا هو الإشکال، ولکننا قلنا:

أَوَّلاً: لم یثبت لدینا أَن خبر الواحد فی الموضوعات لیس حجهً، بل الصحیح هو أَن خبر الواحد حجه حَتَّیٰ فی الموضوعات (کما یأتی تفسیره إِن شاء الل_ه عندما ندخل فی المرحله الثانیه من مرحلتی البحث وهی مرحله البحث عن حدود حجّیّه خبر الواحد ودائرتها الواسعه الشامله للأحکام وللموضوعات).

ص: 64

ثانیاً: حَتَّیٰ لو سلّمنا بأن الخبر الواحد فی الموضوعات لیس حجهً مع ذلک لا یلزم إشکال فی المقام؛ وذلک لأَنَّ المحذور هو محذور الالتزام بإخراج مورد الآیه عن مفهوم الآیه؛ إِلَّا أَنَّهُ لا محذور فی هذا الالتزام؛ لأَنَّ إخراج مورد الکلام عن مفهوم الکلام لا إشکال فیه وَإِنَّمَا المحذور فی إخراج مورد المنطوق عن منطوق الکلام؛ لأَنَّ دلاله الکلام بالمفهوم عَلَیٰ انتفاء الحکم عند انتفاء الشَّرط أساساً متوقّفه عَلَیٰ إجراء الإطلاق فی الحکم، فإذا ثبت أَن القَضِیَّه الشَّرْطِیَّه مَثَلاً تَدُلّ عَلَیٰ أَن مطلق الحکم المذکور فی الجزاء متوقف عَلَیٰ الشَّرط فَحِینَئِذٍ یثبت المفهوم وانتفاء مطلق الحکم عند انتفاء الشَّرط هو المفهوم المصطلح الَّذِی نحن بصدده. بقلم الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه إذن، دلاله الکلام بالمفهوم عَلَیٰ انتفاء الحکم عند انتفاء الشَّرط دلالهٌ متوقّفه أساساً عَلَیٰ إجراء الإطلاق فی الجزاء وإثبات أَن مطلق الجزاء متوقف عَلَیٰ الشَّرط، لا شخص هذا الجزاء، کما تقدم هذا مفصلاً فی بحث المفاهیم عند الحدیث عن ضابط المفهوم.

وفی المقام لو ثبت من الخارج عدمُ حجّیّه خبر الواحد فی الموضوعات، یکون معناه إخراج مورد الآیه (أَیْ: الخبر فی الشبهه الموضوعیه) عن مفهوم الآیه (القائل بأن النبأ إِن لم یجئ به فاسقٌ، بل جاء به عادلٌ فهو حجه) ونحن أخرجنا مورد الآیه (وهو الخبر فی الموضوع الخارجی) من تحت هذا المفهوم بموجب الدَّلِیل الدَّالّ عَلَیٰ عدم حجّیّه خبر الواحد فی الموضوعات الخارجیه، ولا یلزم من هذا غیر التصرف فی إطلاق المنطوق (الحکم المذکور فی الجزاء). إذن، تزامناً مع إفاده الحکم من خلال إطلاقه عَلَیٰ أَن المعلَّق عَلَیٰ مجیء الفاسق طبیعیُّ وجوب التَّبَیُّن وسنخ وجوبه، بقلم الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه تزامناً مع ذلک جاء الدَّلِیل ودل عَلَیٰ أَنَّهُ فی خصوص مورد الآیه (أَیْ: أَنَّهُ فی خصوص الشبهه الموضوعیه) لیس المعلَّق عَلَیٰ فسق المخبر (أی: حَتَّیٰ لو کان المخبر عادلاً) طبیعیُّ وجوب التَّبَیُّن (کی ینتفی بانتفائه ولا یجب التَّبَیُّن بمجیء العادل بالنبأ)؛ فقد علمنا من الخارج أَن هناک حصهً من وجوب التَّبَیُّن ثابته للخبر بملاک کونه خبر شخص واحدٍ، وهذا معناه أَن خبر العادل الواحد فی الشُّبْهَهِ الْمَوْضُوعِیَّهِ لیس حجهً. والنتیجه أَنَّهُ فی خصوص الموضوعات الخارجیه کُلّ حصص وجوب التبین عن النبأ معلقه عَلَیٰ فسق المخبر إِلَّا تلک الحصه من وجوب التبین الثابته للنبأ بملاک کونه نبأ إنسان واحدٍ حَتَّیٰ لو لم یکن المخبر فاسقاً (أَیْ: کان عادلاً) وجب التَّبَیُّن. هذا فی خصوص الموضوعات.

ص: 65

أما فی غیر الموضوعات (أَیْ: الأحکام) فلا (أَیْ: کُلّ حصص وجوب التَّبَیُّن معلقه عَلَیٰ فسق المخبر بلا استثناء)، فإذا انتفی فسق المخبر فی الأحکام (أَیْ: کان المخبر عادلاً) تنتفی کُلّ حصص وجوب التَّبَیُّن (أَیْ: أَن الخبر حجه فی الأحکام). إذن، مفهوم الآیه باقٍ عَلَیٰ حاله ولا تعارضَ بین مفهومِ الآیهِ وبین ما دلَّ عَلَیٰ حجّیّهِ خبرِ الواحدِ فی الموضوعاتِ.

فإخراج المورد عن المفهوم لا یتنافی مع ثبوت المفهوم؛ بقلم الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه لِأَنَّ إخراج المورد عن المفهوم لا یعنی إِلَّا رفع الید عن إطلاق الحکم (المذکور فی الجزاء)، ورفع الید عن الإطلاق لا یتنافی مع التحفظ عَلَیٰ الإطلاق فی سائر الموارد.

والحاصل أَن ما دلَّ عَلَیٰ عدم حجّیّه خبر الواحد فی الموضوعات لا ینافی ثبوتَ المفهوم فی الآیه ولا یعارضه أبداً، وَبِالتَّالِی فهو لا یشکل مانعاً عن حجّیّه المفهوم فی الآیه الشریفه.

هذا هو الإشکال الثَّانِی.

الإشکال الثالث: هو أَن کلام الشَّیْخ الأنصاری إِنَّمَا یَصِحّ فیما إذا استظهرنا عرفاً من کلمه فاسق فی الآیه الشریفه اسم الجنس والمعنی الطَّبِیعِیّ، کما هو الحال فیما لو کانت الکلمه معرّفه باللام (أَیْ: اسم الجنس)، أی: لو کانت الآیه قائله: ِن جاءکم الفاسق بنبأ، لکانت هذه الکلمه دالهً عَلَیٰ الطَّبِیعِیّ الجامع بین الواحد والمتعدد، فتکون حاله الواحد وحاله التعدد متساویتین، فیدل مفهوم الآیه عَلَیٰ عدم حجیه النبأ عند مجیء الفاسق به، وهذا یشمل حاله کون الجائی بالنبأ فاسقاً واحداً أو فاسقین. هذا فی المنطوق.

إطلاق المفهوم یَدُلُّ عَلَیٰ حجیه النبأ عند مجیء العادل، وهذا الإطلاق أَیْضاً یشمل حاله کون الجائی بالنبأ عادلاً واحداً وَأَیْضاً یشمل حاله کون الجائی بالنبأ عادلین اثنین، فلا یکون المقام حِینَئِذٍ من موارد إخراج مورد الکلام عن المفهوم حَتَّیٰ یأتی المحذور، أقرّه وکتبه الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه وَإِنَّمَا یکون من موارد تقیید إطلاق المفهوم؛ لکن هذا دونه خرط القتاد، أی: کیف نستظهر اسم الجنس من کلمه فاسق فی الآیه المنوّنه بتنوین الوحده الدال عَلَیٰ فاسق واحد دون جنس الفاسق، فتدل الکلمه عَلَیٰ الطَّبِیعَه المقیده بقید الوحده، فکأن الآیه قالت: ِن جاءکم فاسق واحد بنبأ فَتَبَیَّنُوا، وَحِینَئِذٍ یکون قید الوحده مأخوذاً فی المفهوم کما هو مأخوذ فی المنطوق أَیْضاً.

ص: 66

وتتمه الکلام تأتی غدا إِن شاء الل_ه تعالی والحمد لل_ه رب العالمین.

آیه النبأ/السنه/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

العنوان: آیه النبأ/السنه/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

قلنا: إِن ما أفاده الشَّیْخ الأعظم الأنصاری فی مقام التخلص من الإشکال بعد التسلیم بأن الخبر الواحد فی الموضوعات غیر حجه، وبعد التسلیم أَیْضاً بأن إخراج مورد الآیه عن مفهوم الآیه غیر جائز، بعد التسلیم بهذین المطلبین قال : إِنَّنَا لا نخرج المورد من الآیه، وَإِنَّمَا نلتزم بمفهوم الآیه غایه الأمر إِنَّنَا نقیِّد إطلاق هذا المفهوم فی خصوص الموضوعات الخارجیه بقید التعدد؛ فَإِنَّ المفهوم مطلق یَدُلُّ عَلَیٰ حجیه خبر العادل مُطْلَقاً سواء کان واحداً أم کان اثنین، من دون أَن نُخرج مورد الآیه وهو الخبر فی الموضوع الخارجی (أَیْ: یبقی موضوع الآیه شاملاً للخبر حَتَّیٰ فی الموضوع الخارجی لکن بقید التعدد).

قلنا بالأمس بأن هذا الکلام إِنَّمَا یَصِحّ فیما إذا استظهرنا من کلمه فاسق فی الآیه الشریفه معنی الجنس وَالطَّبِیعَه، حِینَئِذٍ یکون اسم الجنس شاملاً للواحد وللمتعدد فیصح کلام الشَّیْخ؛ لِأَنَّ المفهوم یکون حِینَئِذٍ دالا عَلَیٰ حجیه خبر العادل سواء کان واحداً أم متعدداً، فنقیِّد إطلاق هذا المفهوم بقید التعدد، لکن إذا استظهرنا عرفاً من هذه الکلمه الوارده فی الآیه الشریفه بقرینه التنوین فاسق الدال عَلَیٰ الوحده (أی: طبیعه الفاسق مقیده بقید الوحده)، فکأن الآیه قالت: إِن جاءکم فاسق واحد، أو إِن جاءکم فرد من الفساق، وَحِینَئِذٍ یکون مفاد الآیه الفاسق الواحد أو الفرد من الفساق وَحِینَئِذٍ یکون قید الوحده مأخوذاً فی منطوق الآیه وفی مفهوم الآیه معاً.

ص: 67

المنطوق یَدُلُّ عَلَیٰ عدم حجیه النبأ عند مجیء فاسقٍ واحدٍ.

المفهوم یَدُلُّ عَلَیٰ حجیه النبأ عند مجیء عادلٍ واحدٍ.

فکأَنَّ الآیه الشریفه بناء عَلَیٰ هذا وردت فی خصوص خبر الشخص الواحد بقرینه تنوین الوحده، أی: علقت وجوبَ التبین عن خبر الشخص الواحد عَلَیٰ فسق المخبر. فهنا فی مثل هذا الفرض لا یَتُمُّ کلامُ الشَّیْخ الَّذِی قال: ِن الالتزام بالتعدد فی الموضوعات تقییدٌ لإطلاق المفهوم؛ فَإِنَّهُ بناء علیه یکون إلغاءً لقید الوحده؛ فَإِنَّهُ لا إشکال فی تقیید المطلق ولٰکِنَّ إلغاء القید المذکور فی الآیه غیر جائز؛ فَإِنَّنَا لو قلنا لَا بُدَّ من البینه فمعناه أَنَّنَا قلنا بإلغاء قید الوحده الوارده فی الآیه. فیقع التنافی إذن بین المفهوم من جهه وبین ما دل عَلَیٰ عدم حجیه خبر الواحد فی الموضوعات.

فلو أردنا أَن نعمل بالمفهوم من دون أَن نخرج الموضوعات (کما هو مفروض کلام الشَّیْخ) تعارضنا مع ما دل عَلَیٰ عدم حجیه خبر الواحد فی الموضوعات. فیعود الإشکال ولا ینفع کلام الشَّیْخ.

فالصحیح ما ذکرناه فی جواب الإشکال من أَنَّهُ:

أَوَّلاً: مورد الآیه أساساً غیر خارج عن مفهوم الآیه فقهیاً؛ فَإِنَّ مفهوم الآیه یَدُلُّ عَلَیٰ أَن خبر الواحد حجه سواء فی الموضوعات أم فی الأحکام (فنحن لم نقبل بعدم حجیه خبر الواحد فی الموضوعات).

وثانیاً: حَتَّیٰ لو کان خارجاً عن مفهوم الآیه فهذا لا یشکل مانعاً لحجیه المفهوم، بل یقیِّد إطلاق المفهوم (أَیْ: إطلاقَ الجزاء).

وبهذا تم البحث الثَّانِی وهو البحث عن المانع الخارجی المنفصل عن الآیه الَّذِی یمنع من حجیه ظهور الآیه فی المفهوم، وعرفنا أَن الصحیح هو عدم وجود مانع من هذا القبیل. وانتهینا به عن المقام الثَّانِی وتبین أَن هناک مانعاً داخلاً یمنع من انعقاد ظهور فعلی للآیه فی المفهوم والمانع عباره عن عموم التعلیل حیث آمنا بهذا المانع.

ص: 68

وبهذا تم الکلام حول الآیه الأولی آیه النبأ من الآیات الَّتِی اسْتَدَلَّ بها عَلَیٰ حجیه خبر الواحد، وخلاصه ما انتهینا إلیه فی هذه الآیه الشریفه هی أَن دلاله هذه الآیه عَلَیٰ حجیه خبر الواحد غیر تامه عندنا؛ أَوَّلاً لا مقتضی فی الظهور فی مفهوم الشرط (فإن مفهوم الوصف غیر موجود) فی هذه الآیه؛ لما قلنا من أَن الآیه مجمله بین أَن یکون موضوعها النبأ، وبین أَن یکون موضوعها نفس الفاسق، ومع الإجمال لا یبقی اقتضاء للظهور فی المفهوم، هذا أَوَّلاً.

وثانیاً حَتَّیٰ لو سلمنا بأن فیها مقتضیاً للظهور فی المفهوم لکن للأسف یوجد فی داخل الآیه مانعٌ داخلی متصل یمنع من أثر هذا المقتضی وهو انعقاد ظهور فعلی للآیه فی المفهوم، وهذا المانع الداخلی عباره عن عموم التعلیل المذکور فی ذیل الآیه، فلا تدل آیه النبأ عَلَیٰ حجیه خبر الواحد.

الآیه الثانیه: آیه النفر

وهی قوله تعالی: {وَمَا کَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِیَنْفُرُوا کَافَّهً، فَلَوْ لاَ نَفَرَ مِنْ کُلِّ فِرْقَهٍ مِّنْهُمْ طَائِفَهٌ لِّیَتَفَقَّهُوا فِی الدِّینِ وَلِیُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَیْهِمْ لَعَلَّهُمْ یَحْذَرُونَ} (1) .

فقد اسْتَدَلَّ بهذا الآیه من قبل بعض الأصولیین عَلَیٰ حجّیّه خبر الواحد ووجوب العمل بخبر الواحد، حَتَّیٰ أَن بعض الأصولیین شَدد عَلَیٰ دلاله هذه الآیه عَلَیٰ الْحُجِّیَّه، فعلی سبیل المثال جعلها المحقق النائینی من أوضح الآیات دلالهً عَلَیٰ الْحُجِّیَّه. راجع عنه: الکاظمی، فوائد الأصول: ج2، 77، واعتبر السَّیِّد الأستاذ الخوئی دلاله هذه الآیه عَلَیٰ الْحُجِّیَّه أظهر من آیه النَّبَأ کما فی دراسات فی علم الأصول: ج3، ص166.

ص: 69


1- توبه/سوره9، آیه122.

وقد شّدد البعض الآخر فی المقابل عَلَیٰ عدم دلاله هذه الآیه عَلَیٰ الحجیه إِلَیٰ حدّ أَنه جعلها من حیث وضوح عدم الدلاله عَلَیٰ الحجیه عَلَیٰ وزان دلاله الحدیث النبوی المعروف: من حفظ عَلَیٰ أمتی أربعین حدیثاً بعثه الل_هُ یوم القیامه فقیهاً عالماً المذکور فی جامع أحادیث الشیعه: ج 1، باب حجّیّه أخبار الثِّقَات، وفیه مجموعه من الأحادیث مرقمه من 68 إِلَیٰ 73، أَیْضاً فی خصال الصدوق: ج2، ص541، ویذکر فی أربعین الشَّیْخ البهائی ص 40-41: أَن الاستدلال بحجیه خبر الواحد بهذا الحدیث لیس بأدون من الاستدلال عَلَیٰ الْحُجِّیَّه بآیه النفر).

وَعَلَیٰ کُلّ حال هناک وجوه عدیده ذکرت لتقریب الاستدلال بهذه الآیه عَلَیٰ الْحُجِّیَّه، ویوجد قدر مشترک بین هذه الوجوه حیث أَن هذه الوجوه بأجمعها تحاول أن تستفید من الآیه الشریفه وجوب الحذر عند إنذار المنذر، وتستفید أَیْضاً من الآیه أَن وجوب الإنذار وجوب مطلق، سواء حصل لک العلم بصدق المنذر أم لم یحصل لک العلم. بقلم الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه فإذا ثبت هذا الوجوب بطریق مّا، فَحِینَئِذٍ یُجعل برهاناً عَلَیٰ حجّیّه خبر الواحد، وذلک بالقول بِأَنَّهُ لو لم یکن خبر الواحد حجهً لما وجب الحذر عند الإنذار إِلَّا فی فرض حصول العلم لنا بصدق المنذِر، إذن فوجوب الحذر عند الإنذار حَتَّیٰ وإن لم یعلم بصدقه ملازمٌ لحجیه إنذار المنذر وإخباره.

هذا هو القدر المشترک الَّذِی تنصب علیه کُلّ الوجوب.

أما نقطه الاختلاف فی هذه الوجوه رغم اشتراکها فی هذا المطلب، عباره عن کَیْفِیَّه استفاده وجوب الحذر من الآیه؛ فَإِنَّ کلها تقول بأن الآیه تدل عَلَیٰ وجوب الحذر کما سوف یتضح من خلال استعراض الوجوه.

ص: 70

إذن، وجه الاستدلال بالآیه عَلَیٰ حجیه خبر الواحد هو أَن یقال: إِن کان الحذر عند إنذار المنذر واجباً حَتَّیٰ مع عدم حصول العلم والیقین من خبره، إذن فخبره حجهٌ (أَیْ: قضیه شرطیه، فیها مقدم وفیها تالی). ویثبت المقدَّم فیها بالآیه الشریفه، فیثبت التالی (وهو أَن خبر الواحد حجه) أَیْضاً.

فهذا الاستدلال له رکنان:

الرکن الأول: دعوی الملازمه بین وجوب الحذر عند إنذار المنذر حَتَّیٰ ولو لم یحصل العلم وبین الحجیه.

والدلیل عَلَیٰ هذه الملازمه هو أَنَّهُ لو لم یکن إنذار المنذر وإخبارُه حجهً لَمَا تنجّز الواقعُ عَلَیٰ المکلف بسبب إخبار هذا المنذر؛ لِأَنَّ إخباره لیس حجّه، فلا یحتمل المکلفُ العقابَ عَلَیٰ المخالفه، ومع عدم احتمال العقاب لا یجب الحذر؛ فَإِنما یحذر مَن یحتمل العقاب، وإذا لم یکن معنی للحذر من العقاب، فلا یکون الحذر واجباً. هذه طریقه بیان الملازمه بین وجوب الحذر وبین الْحُجِّیَّه.

یبدو أَن الأصحاب بأجمعهم (سواء من یقول بتَمَامِیَّه الاستدلال أم من یقول بعدم تَمَامِیَّته) تَسَالَموا عَلَیٰ هذه الملازمه (بین وجوب الحذر وبین الْحُجِّیَّه)، وَإِنَّمَا رکّزوا کلامَهم عَلَیٰ الرکن الثَّانِی الَّذِی نذکره، فآمن به مَن آمن بتَمَامِیَّه الاستدلال بهذه الآیه، وأنکر (الرکنَ الثَّانِی) مَن أنکر (تمامیهَ الاستدلال بهذه الآیه).

والرکن الثَّانِی هو دعوی أَن الآیه الشریفه تَدُلّ عَلَیٰ وجوب الحذر مُطْلَقاً حَتَّیٰ إن لم یحصل العلمُ، والخلاف کلّه هنا بأن الآیه هل تدل عَلَیٰ وجوب الحذر مُطْلَقاً أو لا؟

کُلّ الوجوه الثلاثه الَّتِی سوف نذکرها إِن شاء الل_ه تعالی تحاول إثبات الرکن الثَّانِی. وهذا ما یأتی إِن شاء الل_ه غدا والحمد لله رب العالمین.

ص: 71

آیه النبأ/السنه/أدله عدم الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

العنوان: آیه النبأ/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

قلنا إِن الاستدلال بآیه النفر عَلَیٰ حجیه خبر الواحد متوقف عَلَیٰ رکنین:

الأول: أَن نقول بأن الآیه تدل عَلَیٰ وجوب الحذر عند إنذار المنذر مُطْلَقاً سواء حصل للسامع العلم بصدق المنذر أم لا.

الثَّانِی: أَن نقول بأن الآیه إذا دلت عَلَیٰ وجوب الحذر عند إنذار المنذر مُطْلَقاً إذن فهی تدل عَلَیٰ حجیه إخبار المنذر، أی: وجود الملازمه بین وجوب الحذر عند الإنذار وبین الحجیه عند الإنذار، بحیث إذا لم یکن الإنذار حجه فلا یجب الحذر عند الإنذار.

وقلنا: إِن هذا الرکن الثَّانِی یبدو أَنَّهُ مسلَّم عند الأصحاب جمیعاً، ونکته الملازمه هی أَن الإنذار إذا لم یکن حجهً فلا ینجّز الإنذار علینا الحکم الشرعی؛ لأنه غیر حجه، فلا نحتمل العقابَ عَلَیٰ المخالفه، وَبِالتَّالِی لا معنی للحذر؛ فَإِنَّ الحذر إِنَّمَا یکون له معنی فیما إذا کان احتمال العقاب موجوداً؛ فَإِنَّ من لا یحتمل العقاب بشأنه لا معنی للحذر، وَبِالتَّالِی لا معنی لوجوب العقاب علیه.

إِنَّمَا الاختلاف فی الرکن الثَّانِی، فکل من یقبل بأن الآیه تدل عَلَیٰ وجوب الحذر عند إنذار المنذر فهو یقبل بدلاله الآیه عَلَیٰ حجیه خبر الواحد، وکل من لا یقبل بهذا الرکن الأول فلا یَتُمُّ عنده الاستدلال بالآیه عَلَیٰ حجیه خبر الواحد.

وهناک ثلاثه تقریبات تحاول إثبات الرکن الأول:

الوجه الأول: أَن یستفاد وجوب الحذر من کلمه {لعل} فی الآیه: {لعلهم یحذرون}، ومن المعلوم فی لغه العرب أَن مدخول لعل مِمَّا یُرجی حصولُه ترجّیاً، فما نفهمه هو ترجی المتکلم لهذا المدخول، هذا هو مقتضی الظهور التصوری لهذه الکلمه. ومقتضی الظهور الجدی لهذه الکلمه عباره عن أَن الداعی الَّذِی دعا المتکلم إِلَیٰ التعبیر بهذه الکلمه هو داعی الترجی الحقیقی. ومقتضی أصاله التطابق بین هذین العالمین هو أَن یکون إنشاء الترجی من قبل المتکلم ناشئاً من داعی الترجی الحقیقی بِأَنَّهُ یرجو حصول هذا المطلب، غیر أَن هذا الداعی بالنسبه للمولی تبارک وتعالی غیر معقول؛ فلا مناص من حملها عَلَیٰ أقرب شیء إِلَیٰ الترجی الحقیقی، وهو داعی المطلوبیه والمحبوبیه؛ إعداد وتقریر الشَّیْخ محسن الطهرانی فَإِنَّ من یرجو شیئاً یحبه ویطلبه. والمقتضی للحذر عباره عن احتمال العقاب الأخروی ومن الواضح أَن احتمال العقاب الأخروی مساوق للتنجز والوجوب، فإذا لم یکن مقتضی الحذر موجوداً ولم یحتمل العقاب فلا معنی للحذر حِینَئِذٍ، وَبِالتَّالِی لا معنی لمطلوبیه الحذر ومحبوبیته واستحبابه؛ لِأَنَّهُ لا یوجد موضوع للمطلوبیه حَتَّیٰ بنحو الاستحباب.

ص: 72

وإذا وجب الحذر بالآیه نتمسک بإطلاق الآیه لإثبات هذا الوجوب فی کُلّ حاله حَتَّیٰ فی حاله عدم حصول العلم للسامع من إخبار المنذر، وبهذا یثبت بالآیه الشریفه وجوبُ الحذر مطلقاً، وهذا هو المطلوب. هذا هو الوجه الأول.

آیه النفر/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول بحث الأصول

العنوان: آیه النفر/الکتاب/أدله الحجیه/خبر الواحد/وسائل الإثبات التَّعَبُّدِیّ/إثبات الصدور/الأدله المحرزه/علم الأُصُول

قلنا إِن هناک وجوهاً ثلاثه ذکرت لإثبات أَن آیه النفر تدل عَلَیٰ وجوب الحذر عند إنذار المنذر، وقد تقدم الوجه الأول منها بالأمس وحاصله هو أَن کلمه لعل الموجوده فی آخر الآیه تدل عَلَیٰ وجوب الحذر؛ لِأَنَّهَا تدل عَلَیٰ مطلوبیه الحذر ومطلوبیه الحذر ملازمه لوجوبه.

الوجه الثَّانِی: جعل الحذر فی الآیه الشریفه غایه للواجب، فیقال بأن غایه الواجب واجبهٌ، فالحذر واجب.

وتوضیح ذلک أَن الآیه الشریفه تدل عَلَیٰ وجوب النفر {وما کان المؤمنون لینفروا کافه فلولا نفر من کُلّ فرقه منهم طائفه}، ثُمَّ تدل الآیه عَلَیٰ وجوب التفقّه، فالتفقه واجب أَیْضاً، ثُمَّ تدل الآیه عَلَیٰ وجوب الإنذار، فالآیه تدل عَلَیٰ وجوب هذه الثلاثه: 1- النفر. 2- التفقه. 3- الإنذار. فالحذر أصبح عله غائیه للإنذار. وقد قلنا إِن الإنذار واجب، فإذا کان الإنذار واجباً وکان غایته الحذر، فالحذر واجبٌ؛ لِأَنَّ غایه الواجب واجبه أَیْضاً کالواجب نفسه؛ لِأَنَّ اهتمام المولی بالغایه لیس أقل من اهتمامه بذی الغایه، إِن لم یکن اهتمامه بالغایه أکثر من ذی الغایه.

لکن تاره تکون الغایه من الأمور الخارجه عن اختیار الإِنْسَان کما إذا قال الطبیب للمریض: اشرب الدواء لعلک تشفی، فشرب الدواء أصبح واجباً، ومن الواضح أَن اهتمام الطبیب بالمریض لیس أقل من اهتمامه بشرب المریض الدواءَ، لکن هذا الاهتمام بالغایه لا یمکن أَن یصل إِلَیٰ حد الوجوب؛ لِأَنَّ الشفاء فعل غیر اختیاری، والوجوب لا یمکن أَن یتعلق بأمر غیر اختیاری. ومثاله فی الشرع أَن یأمر الشارع المکلفَ بالوضوء، فطالما أمر بمقدمه الصلاه فلا یکون اهتمامه بالصلاه أقل من اهتمامه بالوضوء إِن لم تکن الصلاه عنده أهم من الوضوء. فالآیه تدل عَلَیٰ وجوب الحذر؛ لِأَنَّهُ جُعل غایه للواجب (وهو الإنذار). فتدل الآیه عَلَیٰ وجوب الحذر، وَحِینَئِذٍ نتمسک بإطلاق الآیه لإثبات هذا الوجوب حَتَّیٰ فی حاله عدم حصول العلم للسامع بصدق الإنذار؛ لِأَنَّهَا مطلقه ولم تقل: لعلهم یحذرون إذا حصل لهم العلم بصدق المنذرین، فالحذر واجب عَلَیٰ السامع حَتَّیٰ إذا لم یحصل له العلم، وإلا لم یکن للإنذار غایه وهذا خلف.

ص: 73

وبهذا یثبت بالآیه الشریفه وجوب الحذر مُطْلَقاً وهذا هو المطلوب.

الوجه الثالث: أَن یُستفاد وجوب الحذر من وجوب الإنذار والأمر به؛ وذلک بنکته دلاله الاقتضاء (وصون کلام المولی عن اللَّغویه) وذلک بتقریب أَن الآیه تدل عَلَیٰ وجوب الإنذار قطعاً، ووجوب التفقه ووجوب الإنذار، ومقتضی إطلاق الآیه أَن الوجوب مطلق سواء أوجب الإنذارُ العلمَ للسامعِ أم لا، وَحِینَئِذٍ یقال بأن وجوب الإنذار مطلقاً یلازمُ وجوب الحذر والقبول مُطْلَقاً، وإلا لو کان الإنذار واجباً مطلقاً ولا یجب الحذر والقبول عَلَیٰ السامع فَحِینَئِذٍ یکون الأمر بالإنذار لغواً.

والفرق بینه وبین الوجه الثَّانِی واضح؛ إذ المقصود فی هذا الوجه الثالث هو إثبات دلاله الآیه عَلَیٰ وجوب الحذر بقطع النظر عن جمله {لعلهم یحذرون} وهذا ما نستفیده من وجوب الإنذار؛ لِأَنَّ الإنذار إذا کان واجباً یجب أَن یکون الحذر واجباً وإلا کان لغواً، فی حین أَن المقصود فی الوجه الثَّانِی هو إثبات دلاله الآیه من جمله {لعلهم یحذرون}، أی: نستفید الوجوب من الغایه، أی: بما أَن الحذر جُعل غایه للإنذار، فجعلُه غایه للإنذار یَدُلُّ عَلَیٰ وجوبه.

هذا ما قالوه فی مقام تقریب الاستدلال بالآیه عَلَیٰ وجوب الحذر.

وهناک اعتراضات عدیده عَلَیٰ الاستدلال بهذه الآیه عَلَیٰ حجیه خبر الواحد فی کلماتهم، فکان ما ذکرناه عرضاً مجملاً لما هو موجود فی الکتب.

وینبغی الآن أَن نبحث فی أمور ثلاثه:

الأول: دراسه الرکن الثَّانِی الَّذِی تسالموا علیه واتفقوا عَلَیٰ قبوله وهو عباره عن الملازمه وجوب الحذر وبین الحجیه، ولٰکِنَّ الکلام کان فی وجوب الحذر. ولٰکِن یجب أَن ندرس هذه الملازمه. (الکبری).

ص: 74

الثَّانِی: التکلم حول الرکن الأول، وهو دلاله الآیه عَلَیٰ وجوب الحذر . (الصغری).

الثالث: عمده ما ذُکر فی کلماتهم من الاعتراض عَلَیٰ الاستدلال بهذه الآیه عَلَیٰ الحجیه.

وَحِینَئِذٍ نکون قد استوفینا البحث حول هذه الآیه.

أما الأمر الأول (وهو الملازمه المتسالم علیها من قِبَل الکلّ) فلا نؤمن بهذه الملازمه؛ فالآیه حَتَّیٰ لو دلت عَلَیٰ وجوب الحذر (وهی لا تدل عَلَیٰ ذلک کما سیأتی فی الأمر الثَّانِی، فی الصغری)؛ لِأَنَّهُ أَوَّلاً وجوب الحذر فی الآیه الشریفه لم یُرتَّب عَلَیٰ إخبار المخبِر حَتَّیٰ یکون هذا الوجوب ملازماً لحجیه الإخبار بأن کانت الآیه تقول: ولیخبروا قومهم إذا رجعوا إلیهم لکنَّا (إعداد وتقریر الشَّیْخ محسن الطهرانی) نقول بأَنَّ وجوب الإخبار یلازم وجوب الحذر والقبول (أَیْ: الحجیه)، وعنوان الإنذار غیر عنوان الإخبار؛ فَإِنَّ الإنذار عباره عن إخبار خَاصّ، إخبار بشیء مخوف، الإخبار الَّذِی یستبطن الکشف عن الخطر الَّذِی یُهدّدک ویخوّفک.

وبعباره أخری: لا یصدق عنوان الإنذار ما لم یکن هناک ملاک وموجبٌ للخوف فی المرتبه السَّابِقَه عَلَی الإنذار، فیأتی المنذر یکشف لک عن هذا الملاک الَّذِی کنتَ تخاف منه. والملاک للخوف والحذر فیه احتمالان بدویان ندرسهما غدا إِن شاء الل_ه تعالی.

ص: 75

تعريف مرکز

بسم الله الرحمن الرحیم
هَلْ یَسْتَوِی الَّذِینَ یَعْلَمُونَ وَالَّذِینَ لَا یَعْلَمُونَ
الزمر: 9

المقدمة:
تأسّس مرکز القائمیة للدراسات الکمبیوتریة في أصفهان بإشراف آیة الله الحاج السید حسن فقیه الإمامي عام 1426 الهجري في المجالات الدینیة والثقافیة والعلمیة معتمداً علی النشاطات الخالصة والدؤوبة لجمع من الإخصائیین والمثقفین في الجامعات والحوزات العلمیة.

إجراءات المؤسسة:
نظراً لقلة المراکز القائمة بتوفیر المصادر في العلوم الإسلامیة وتبعثرها في أنحاء البلاد وصعوبة الحصول علی مصادرها أحیاناً، تهدف مؤسسة القائمیة للدراسات الکمبیوتریة في أصفهان إلی التوفیر الأسهل والأسرع للمعلومات ووصولها إلی الباحثین في العلوم الإسلامیة وتقدم المؤسسة مجاناً مجموعة الکترونیة من الکتب والمقالات العلمیة والدراسات المفیدة وهي منظمة في برامج إلکترونیة وجاهزة في مختلف اللغات عرضاً للباحثین والمثقفین والراغبین فیها.
وتحاول المؤسسة تقدیم الخدمة معتمدة علی النظرة العلمیة البحتة البعیدة من التعصبات الشخصیة والاجتماعیة والسیاسیة والقومیة وعلی أساس خطة تنوي تنظیم الأعمال والمنشورات الصادرة من جمیع مراکز الشیعة.

الأهداف:
نشر الثقافة الإسلامیة وتعالیم القرآن وآل بیت النبیّ علیهم السلام
تحفیز الناس خصوصا الشباب علی دراسة أدقّ في المسائل الدینیة
تنزیل البرامج المفیدة في الهواتف والحاسوبات واللابتوب
الخدمة للباحثین والمحققین في الحوازت العلمیة والجامعات
توسیع عام لفکرة المطالعة
تهمید الأرضیة لتحریض المنشورات والکتّاب علی تقدیم آثارهم لتنظیمها في ملفات الکترونیة

السياسات:
مراعاة القوانین والعمل حسب المعاییر القانونیة
إنشاء العلاقات المترابطة مع المراکز المرتبطة
الاجتنباب عن الروتینیة وتکرار المحاولات السابقة
العرض العلمي البحت للمصادر والمعلومات
الالتزام بذکر المصادر والمآخذ في نشر المعلومات
من الواضح أن یتحمل المؤلف مسؤولیة العمل.

نشاطات المؤسسة:
طبع الکتب والملزمات والدوریات
إقامة المسابقات في مطالعة الکتب
إقامة المعارض الالکترونیة: المعارض الثلاثیة الأبعاد، أفلام بانوراما في الأمکنة الدینیة والسیاحیة
إنتاج الأفلام الکرتونیة والألعاب الکمبیوتریة
افتتاح موقع القائمیة الانترنتي بعنوان : www.ghaemiyeh.com
إنتاج الأفلام الثقافیة وأقراص المحاضرات و...
الإطلاق والدعم العلمي لنظام استلام الأسئلة والاستفسارات الدینیة والأخلاقیة والاعتقادیة والردّ علیها
تصمیم الأجهزة الخاصة بالمحاسبة، الجوال، بلوتوث Bluetooth، ویب کیوسک kiosk، الرسالة القصیرة ( (sms
إقامة الدورات التعلیمیة الالکترونیة لعموم الناس
إقامة الدورات الالکترونیة لتدریب المعلمین
إنتاج آلاف برامج في البحث والدراسة وتطبیقها في أنواع من اللابتوب والحاسوب والهاتف ویمکن تحمیلها علی 8 أنظمة؛
1.JAVA
2.ANDROID
3.EPUB
4.CHM
5.PDF
6.HTML
7.CHM
8.GHB
إعداد 4 الأسواق الإلکترونیة للکتاب علی موقع القائمیة ویمکن تحمیلها علی الأنظمة التالیة
1.ANDROID
2.IOS
3.WINDOWS PHONE
4.WINDOWS

وتقدّم مجاناً في الموقع بثلاث اللغات منها العربیة والانجلیزیة والفارسیة

الکلمة الأخيرة
نتقدم بکلمة الشکر والتقدیر إلی مکاتب مراجع التقلید منظمات والمراکز، المنشورات، المؤسسات، الکتّاب وکل من قدّم لنا المساعدة في تحقیق أهدافنا وعرض المعلومات علینا.
عنوان المکتب المرکزي
أصفهان، شارع عبد الرزاق، سوق حاج محمد جعفر آباده ای، زقاق الشهید محمد حسن التوکلی، الرقم 129، الطبقة الأولی.

عنوان الموقع : : www.ghbook.ir
البرید الالکتروني : Info@ghbook.ir
هاتف المکتب المرکزي 03134490125
هاتف المکتب في طهران 88318722 ـ 021
قسم البیع 09132000109شؤون المستخدمین 09132000109.