آرشیو دروس خارج اصول آیت الله شیخ هادی آل راضی35-34

اشاره

سرشناسه:آل راضی، هادی

عنوان و نام پدیدآور:آرشیو دروس خارج اصول آیت الله شیخ هادی آل راضی35-34/هادی آل راضی.

به همراه صوت دروس

منبع الکترونیکی : سایت مدرسه فقاهت

مشخصات نشر دیجیتالی:اصفهان:مرکز تحقیقات رایانه ای قائمیه اصفهان، 1396.

مشخصات ظاهری:نرم افزار تلفن همراه و رایانه

موضوع: خارج اصول

درس الأصول العملیه/ أدلّه البراءه الشرعیه/ الاستصحاب بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیه/ أدلّه البراءه الشرعیه/ الاستصحاب

تکلّمنا قبل التعطیل عن الاستدلال علی بالبراءه بالاستصحاب، ولم نکمل هذا الموضوع، ذکرنا سابقاً أنّ الاستدلال علی البراءه بالاستصحاب له ثلاثه تقریبات:

التقریب الأوّل: أنْ نجری الاستصحاب بلحاظ ما قبل البلوغ؛ إذ لا إشکال فی أنّه هناک یمکن استصحاب عدم الجعل وعدم الحرمه؛ لأنّها متیقنه سابقاً قبل البلوغ، فإذا شُکّ فی ثبوتها بعد البلوغ یمکن إجراء استصحاب عدم الحرمه وعدم الجعل.

التقریب الثانی: أنْ نجری الاستصحاب بلحاظ ما قبل الشریعه؛ إذ لا إشکال فی عدم الجعل وعدم الحرمه، أو عدم الحکم المشکوک قبل ثبوت الشریعه، فإذا شککنا فی الجعل بعد الشریعه؛ فحینئذٍ نجری استصحاب عدم الجعل، وعدم الحکم المشکوک.

التقریب الثالث: أنْ نجری الاستصحاب بلحاظ ما قبل تحقق موضوع التکلیف وقیوده، یعنی شرائط التکلیف الخاصّه، کالاستطاعه فی باب وجوب الحج ----- مثلاً ----- فقبل الاستطاعه لم یکن التکلیف ثابتاً، وبعد أنْ تتحقق، شیء نشکّ علی ضوء تحققّه ----- مثلاً ----- بانتفاء التکلیف، أو بقائه، فیمکن إجراء استصحاب عدم التکلیف الثابت قطعاً قبل تحقق هذا الشرط؛ لأنّ هذا الشرط سواء کان معتبراً، أو لم یکن معتبراً، قبل تحققّه لم یکن هناک تکلیف، وإنّما نشک فی ثبوت التکلیف علی تقدیر تحققّه، فنستصحب عدم التکلیف المتیقن قبل تحقق الاستطاعه؛ وحینئذٍ هذا یثبت البراءه، ویثبت التأمین، وهذا هو المطلوب فی المقام.

ص: 1

وقد تقدّم الکلام فی توضیح هذه التقریبات، فلا نعید. وتقدّم الکلام أیضاً عن التقریب الأوّل، یعنی إجراء الاستصحاب بلحاظ ما قبل البلوغ، والاعتراضات الوارده علیه، وما یرتبط بهذه الاعتراضات.

ثمّ تکلّمنا عن الاعتراضات الخاصّه علی التقریب الثانی، وهو إجراء الاستصحاب بلحاظ ما قبل الشریعه، وذکرنا الاعتراض الأوّل علی هذا التقریب، علی التمسّک باستصحاب عدم الجعل، أو عدم الحرمه المشکوکه، وعدم الوجوب المشکوک بلحاظ ما قبل الشارع والشریعه. یطلب فی المقام إجراء استصحاب عدم الجعل الآن، یعنی بعد ثبوت الشریعه، وطبعاً إذا جری الاستصحاب سوف یثبت به البراءه والتأمین، وهذا هو المقصود بالاستدلال علی البراءه بالاستصحاب بهذا التقریب.

اعتُرض علی هذا التقریب باعتراضات:

الاعتراض الأوّل: وحاصله: أنّ استصحاب عدم الجعل فی محل الکلام؛ بل استصحاب الجعل فی غیر محل الکلام هو أصل مثبت، فلا یکون معتبراً، ولا یکون صحیحاً، فلا یصح إجراء الاستصحاب، باعتبار أنّ الأثر الذی یُراد إثباته فی المقام لا یترتّب علی نفس الجعل، وإنّما یترتب علی الفعلیه والمجعول، ومن الواضح أنّ المجعول یتحقق بتحقق الموضوع، فعندما یتحقق الموضوع یکون الحکم فعلیاً، وهو الذی یُعبّر عنه بالمجعول، ولذلک لا أثر ----- کما یقول المعترض ----- لجعل وجوب الحج علی المستطیع بالنسبه للمکلّف الذی لیس مستطیعاً، وإنّما یکون له أثر إذا تحققّت الاستطاعه بالنسبه إلیه، وتحقق الموضوع؛ فحینئذٍ یصبح لهذا المجعول أثر، فالأثر لیس لجعل التکلیف، وإنّما للتکلیف الفعلی الذی لا یکون فعلیاً، إلاّ بعد تحقق الموضوع، فالجعل لیس له أثر، وإنّما تمام الأثر هو للمجعول ولفعلیه التکلیف؛ حینئذٍ یقول المعترض: إذا أُرید باستصحاب الجعل فی غیر المقام ----- لأنّ اعتراض المعترض هو علی استصحاب الجعل ثبوتاً وعدماً ------ أو استصحاب عدم الجعل کما فی محل الکلام، إذا أُرید به مجرّد إثبات الجعل من دون أن نثبت المجعول، أو أُرید به مجرّد نفی الجعل من دون أن ننفی المجعول؛ فحینئذٍ هذا لیس له أثر حتّی یجری الاستصحاب بلحاظه، الجعل لیس أثراً، فلا معنی لإجراء الاستصحاب لإثبات شیءٍ لا أثر له، ونفی الجعل لیس له أثر؛ لأنّ الأثر هو للمجعول وللفعلیه، أمّا نفس الجعل، فلیس له أثر، فإن کان المقصود بالاستصحاب الجاری فی الجعل نفیاً، أو إثباتاً هو إثبات مجرّد الجعل، أو نفی مجرّد الجعل، فهذا لا یجری فیه الاستصحاب؛ لأنّه لا یترتب علیه أثر، وأمّا إذا أُرید باستصحاب الجعل، أو استصحاب عدم الجعل کما فی محل الکلام، إثبات المجعول فی الأول، أو نفی المجعول فی الثانی؛ فحینئذٍ سوف یکون الاستصحاب أصلاً مثبتاً؛ لأنّ لازم بقاء الجعل مع فرض تحقق الموضوع هو ثبوت المجعول، هذا لازم عقلی، فإثبات المجعول باستصحاب الجعل أو نفی المجعول باستصحاب عدم الجعل یجعل الاستصحاب من الأصول المثبته؛ لأنّ إثبات المجعول باستصحاب الجعل هو من لوازم بقاء الجعل مع فرض تحقق الموضوع یصبح المجعول فعلیاً، فیثبت المجعول، لکن هذا لازم، ولا یمکن أنْ نثبت المجعول بمجرّد استصحاب الجعل مع الشکّ فیه. کما أنّه لا یمکن نفی المجعول باستصحاب عدم الجعل؛ لأنّ استصحاب عدم الجعل لا یثبت نفی المجعول إلاّ باعتبار الملازمه العقلیه بین نفی الجعل وبین نفی المجعول.

ص: 2

هذا المطلب الذی یذکره المعترض مطلبٌ عام، ذکره المحققّ النائینی(قدّس سرّه) (1) وبه دفع إشکال المعارضه المعروف بین استصحاب عدم الجعل وبین استصحاب المجعول فی الشبهات الحکمیه. وهناک مسأله معروفه، وهی أنّه فی الشبهات الحکمیه ومثالها الذی یذکروه هو ما إذا شکّ فی حرمه الوطء بعد النقاء وقبل الغسل، فیراد فی المقام إجراء الاستصحاب فی الشبهه الحکمیه، فیقال أنّه لا إشکال فی حرمه الوطء قبل النقاء، فإذا شک بعد النقاء وقبل الغسل فی بقاء الحرمه، أو ارتفاعها، فیستصحب الحرمه التی کانت ثابته قبل النقاء، وهذا استصحاب حکمی، هنا اعترض علی هذا الاستصحاب باعتراض معروف، وهو أنّ استصحاب بقاء المجعول معارض باستصحاب عدم الجعل الزائد، بمعنی أننّا إذا لاحظنا ناحیه الجعل، لیس لدینا علم بجعل الحرمه بعد النقاء وقبل الغسل، وإنّما لدینا علم بجعل الحرمه قبل النقاء، لکن هل جُعلت الحرمه شرعاً بعد النقاء أیضاً وقبل الغسل، أو لا؟ لیس لدینا علم بهذا الجعل، فیجری استصحاب عدم هذا الجعل الزائد، فما معنی جعل الحرمه بعد النقاء وقبل الغسل ؟ هذا یکون معارضاً لاستصحاب الحرمه المتیقنه بعد النقاء وقبل الغسل، استصحابان متعارضان، الأوّل یثبت الحرمه، والثانی ینفی الحرمه؛ لأنّه یقول لا جعل للحرمه بعد النقاء وقبل الغسل، الاستصحاب یقول ذلک؛ لأنّ أرکان الاستصحاب متوفّره، قبل النقاء هناک علم بالجعل، لکن ما أعلمه من الجعل هو جعل الحرمه قبل النقاء، حیث قبل النقاء قطعاً الحرمه مجعوله، لکن هل جعل الله الحرمه بعد النقاء أیضاً وقبل الغسل، أو لا؟ لا أعلم بذلک، والمتیقن سابقاً ولو قبل الشریعه هو عدم الجعل، فیستصحب عدم جعل الحرمه الزائد علی القدر المتیقن، ویکون معارضاً لاستصحاب المجعول، أی الحرمه المتیقنه قبل النقاء.

ص: 3


1- (1) أجود التقریرات، تقریر بحث النائینی للسید الخوئی، ج 2، ص 216.

مرّه نعتنی بهذا التعارض ونتممّه، کما هو رأی السید الخوئی(قدّس سرّه) یقول:( استصحاب بقاء المجعول یعارضه باستصحاب عدم الجعل فی المقدار الزائد علی المتیقن). (1) فیتعارضان ویتساقطان، فلا یمکن إجراء استصحاب المجعول)، وبذلک نفی صحه إجراء الاستصحاب فی الشبهات الحکمیه، واختار هذا التفصیل المعروف الذی هو جریان الاستصحاب فی الشبهات الموضوعیه، وعدم جریانه فی الشبهات الحکمیّه؛ لأنّه دائماً استصحاب الحکم، الذی نُعبّر عنه باستصحاب المجعول یکون مُعارضاً لاستصحاب عدم الجعل الزائد.

أمّا المحقق النائینی(قدّس سرّه)، فلا یرضی بذلک، یقول:(إنّ إشکال المعارضه یندفع بما ذکره من الاعتراض، وهو أنّ استصحاب عدم الجعل لا یجری أساساً حتّی یکون معارضاً لاستصحاب المجعول؛ وذلک لأنّه أصل مثبت). لأنّه إذا کان الغرض من استصحاب عدم الجعل هو فقط نفی الجعل؟ فهذا لا أثر له. وإن کان الغرض منه نفی الجعل استطراقاً إلی نفی المجعول، فهذا یجعل الاستصحاب أصلاً مثبتاً؛ لأنّ نفی المجعول باستصحاب عدم الجعل هو من اللوازم العقلیه التی لا تثبت بالاستصحاب؛ ولذا دفع المحقق النائینی(قدّس سرّه) إشکال المعارضه بهذا الاعتراض الذی ذکرناه، وهو أنّ الأصول الجاریه فی الجعل نفیاً، أو إثباتاً هی أصول مثبته.

الجواب عن هذا الاعتراض: ما هو الأثر الذی یُراد إثباته عندما نجری الاستصحاب فی الجعل نفیاً أو إثباتاً؟ لنری أنّ هذا الأثر هل هو أثر للمجعول، أو هو أثر للجعل نفیاً أو إثباتاً؟ فی محل الکلام عندما یُطرَح هذا التقریب لإجراء الاستصحاب بلحاظ ما قبل الشریعه باستصحاب عدم الجعل، عدم جعل الحرمه المشکوکه ---- مثلاً ---- الأثر الذی یُراد إثباته هو عباره عن التأمین، نرید إثبات التأمین لهذا المکلف الشاک، أنت فی أمان إذا ترکت هذا الفعل الذی تشکّ فی وجوبه، أو فعلت الفعل الذی تشکّ فی حرمته. هذا التأمین هل یتوقف علی إثبات المجعول ؟ تقدّم فی أبحاث سابقه أنّه یکفی فی إثبات التأمین وإثبات التنجیز وصول الجعل، أو نفیه، فإذا فرضنا أنّ الجعل وصل للمکلّف، بأی طریق من الطرق، علم بالجعل، أو ثبت عنده تعبّداً، وضُمّ إلی ذلک تحقق الموضوع هذا یکفی فی إثبات التنجیز، کما أنّ عدم الجعل إذا وصل إلی المکلّف بالعلم الوجدانی، أو بالعلم التعبّدی کما إذا قام علیه الاستصحاب، فأنّه یترتّب علیه التأمین، ولا یتوقف ترتّب التأمین علی نفی المجعول، کما أنّ التنجیز لا یتوقف علی إثبات المجعول، التنجیز یترتّب علی وصول الجعل إلی المکلّف مع تحقق الموضوع، إذا علم المکلّف بحرمه شرب الخمر، وتحقق الموضوع خارجاً؛ فحینئذٍ یکون منجّزاً علیه، وتکون المنجّزیه ثابته بالعلم بالجعل، أو وصول الجعل مع فرض تحقق الموضوع، ویکفی فی التأمین ------ الذی هو محل کلامنا ------ وصول عدم الجعل إلی المکلّف، من یعلم بعدم الجعل ----- العلم الأعم من العلم الوجدانی، أو التعبّدی ----- یکون مؤمّناً، إذا علم بعدم الجعل ولو تعبّداً هذا یترتّب علیه التأمین، التأمین والمعذّریه والبراءه لا تتوقف علی نفی المجعول حتّی نقول أنّ نفی المجعول باستصحاب عدم الجعل یکون من الأصول المثبته؛ بل یکفی فی إثبات التأمین والبراءه وصول عدم الجعل ولو کان وصوله عن طریق التعبّد الاستصحابی. فالاشتباه کان فی أنّه فُرض أنّ الأثر لیس هو التأمین، وإنّما هو الاثار الأخری التی تترتب علی المجعول، وفعلیه التکلیف، فیرد هذا الإشکال، أمّا إذا قلنا أنّ الأثر هو إثبات التأمین، فمن الواضح أنّ غرضنا فی محل الکلام هو إثبات البراءه والتأمین، وهذا شیء یترتب علی نفی الجعل، أی علی وصول عدم الجعل، فإذا أجری المکلّف الاستصحاب فی عدم الجعل، فهذا یعنی أنّه وصل إلیه عدم الجعل، أی أصبح عالماً تعبّداً بعدم الجعل، ومع عدم الجعل هناک تأمین بلا إشکال، عندما یثبت شرعاً، ویقال للمکلّف لم یجعل الشارع الحرمه فی هذا الظرف، ویثبت هذا شرعاً، فهذا معناه أنّه یترتب علی ذلک التأمین، فالأثر الذی یُراد إثباته هو عباره عن المعذریّه والتأمین، وهذه لا تتوقف علی نفی المجعول فی محل الکلام، وإنّما یکفی فیها نفی الجعل، فإذا وصل نفی الجعل، فأنّه یکفی فی إثبات التأمین بلا مثبتیه؛ لأننّا لا نرید أن نثبت لازم عدم الجعل، ونفی الجعل، أی نفی المجعول؛ بل نکتفی بنفی الجعل نفسه، وتترتّب علیه المعذریه والتأمین والبراءه.

ص: 4


1- (2) دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسیّد الشاهرودی، ج 4، ص 65.

درس الأصول العملیه/ أدلّه البراءه الشرعیه/ الاستصحاب بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیه/ أدلّه البراءه الشرعیه/ الاستصحاب

الاعتراض الثانی علی استصحاب عدم الجعل: مذکور فی أجود التقریرات (1) وفی الدراسات، (2) وحاصله: أنّ عدم الجعل المتیقّن فی السابق الذی یُراد استصحابه هو عدم أزلی غیر مستند إلی الشارع، وهو الذی یُعبّر عنه بالعدم المحمولی، فی حین أنّ العدم المشکوک الذی یُراد إثباته بالاستصحاب هو عباره عن العدم النعتی، أی العدم بعد الشریعه وبعد إمکان الجعل، یعنی العدم المنسوب إلی الشارع؛ حینئذٍ یُفهم من کلام المحققّ النائینی(قدّس سرّه) أنّ هناک جهتین للإشکال.

بعد أنْ اتضحت هذه المقدّمه، أنّ العدم المتیقّن سابقاً هو العدم المحمولی، بینما العدم الذی یُراد إثباته بالاستصحاب هو عدم نعتی؛ حینئذٍ یُبیّن جهتین للإشکال:

الجهه الأولی: أنّ الاستصحاب لا یجری لأنّ العدم المتیقن سابقاً لا یُحتمَل بقاؤه؛ بل هو مقطوع الارتفاع الآن بعد مجیئ الشریعه، فلا یجری فیه الاستصحاب؛ لأنّ من شروط الاستصحاب وأرکانه الشکّ فی البقاء، یعنی أنْ یشکّ فی بقاء ما کان متیقناً له سابقاً، وفی المقام لا شک فی البقاء؛ بل هناک قطع بالارتفاع، فلا یجری الاستصحاب لأجل ذلک، أی لا یمکن استصحاب عدم الجعل؛ لأنّه مقطوع الارتفاع بعد الشریعه، وسببه واضح؛ لأنّ العدم المتحقق بعد الشریعه هو عدم نعتی، ولیس عدماً محمولیاً، العدم المحمولی ینتهی بمجرّد مجیئ الشریعه، فأنّ العدم المحمولی هو العدم قبل الشارع والشریعه، وقبل إمکان الجعل، وینتهی بمجرّد مجیئ الشریعه؛ لأنّه أیّ عدم یُفرض بعد مجیئ الشریعه، فهو عدم نعتی، ولیس عدماً محمولیاً.

ص: 5


1- (1) أجود التقریرات، تقریر بحث النائینی للسیّد الخوئی، ج 2، ص 190.
2- (2) دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسیّد الشاهرودی، ج 3، ص 269.

إذن: العدم المتیقن سابقاً، وهو العدم المحمولی غیر محتمل البقاء، ویُقطع بارتفاعه، فلا معنی لاستصحابه؛ لاختلال هذا الرکن المقوّم للاستصحاب.

الجهه الثانیه: أنّ هذا مبنی علی التنزّل علی الإشکال الأوّل، بمعنی أننّا لو أغمضنا النظر عن الإشکال الأوّل، وسلّمنا جریان استصحاب العدم المحمولی المتیقن سابقاً فی محل الکلام؛ فحینئذٍ یأتی الإشکال الثانی، والذی یقول: أنّ هذا الاستصحاب من الأصول المثبته؛ وذلک لأنّ المقصود فی محل کلامنا هو إثبات العدم النعتی، أی إثبات عدم جعل الشارع للحرمه المشکوکه، وهذا هو المقصود بالاستصحاب، أن نثبت أنّ الشارع لم یجعل الحرمه إذا شککنا فی الحرمه، ولم یجعل الوجوب إذا شککنا فی الوجوب، فالغرض من الاستصحاب هو إثبات عدم الجعل الشرعی المستلزم للإباحه والبراءه والتأمین، وعدم الجعل من قِبل الشارع عدم نعتی، یقول: أنّ إثبات العدم النعتی باستصحاب العدم المحمولی یجعل الاستصحاب أصلاً مثبتاً. لو سلمنا جریان الاستصحاب فی العدم المحمولی، فإثبات العدم النعتی باستصحاب العدم المحمولی غیر صحیح؛ لأنّ استصحاب العدم المحمولی یکون مثبتاً، والسر هو أنّه لیس غرضنا إثبات العدم المحمولی الآن، وإنّما غرضنا هو إثبات عدم جعل الشارع للتکلیف المشکوک، یعنی إثبات العدم النعتی، والحال أننّا لا نستصحب العدم النعتی، وإنّما نستصحب العدم المحمولی، وباستصحاب العدم المحمولی لا یمکن إثبات العدم النعتی، فالإشکال الثانی هو أنّ هذا الاستصحاب هو أصل مثبت.

من خلال هذا التوضیح یتبیّن أنّ الإشکال الثانی مترتّب علی الإشکال الأوّل، بمعنی أنّ الإشکال الأوّل هو إشکال فی أصل جریان الاستصحاب، وبقطع النظر عن ترتب الآثار علیه وإشکال المثبتیّه، أصل الاستصحاب لا یجری؛ لأنّه لا شک فی البقاء. لو تنزّلنا وسلّمنا بوجود الشکّ فی البقاء؛ فحینئذٍ یرد إشکال المثبتیه، وهو الإشکال الثانی.

ص: 6

السید الخوئی(قدّس سرّه) بعد أن ذکر هذا الاعتراض فی تقریرات بحثه فی الدراسات والمصباح أجاب عنه بجوابین:

الجواب الأوّل: (1) هذا الجواب إذا تم، فأنّه یرفع الإشکال من أساسه، یقول: من قال بأنّ العدم المتیقن الذی یُراد استصحابه هو عدم محمولی، نحن ندّعی أنّ العدم المتیّقن الذی یُراد استصحابه هو عدم نعتی، یعنی عدم جعل الحکم بعد الشریعه، باعتبار أنّ من الأمور المسلّمه أنّ الأحکام تدریجیّه، ولم تُبیّن دفعه واحده، وبعد صدور الشریعه مضی زمان لم یُجعل فیه هذا الحکم المشکوک قطعاً، فإذا شککنا فی حرمه لحم الأرنب ------ مثلاً ------ نحن نقطع بأنّ الشارع بعد الشریعه لم یجعل الحرمه لأکل لحم الأرنب، وقطعنا بعدم جعل الشارع للحرمه المشکوکه بعد الشریعه یدخله فی باب العدم النعتی؛ وحینئذٍ نستصحبه، ولا یرد الاعتراض السابق بکلا جهتیه:

أمّا الجهه الأولی: فواضح؛ لأنّه هناک شک فی بقائه، ولا یوجد قطع بارتفاع هذا العدم؛ حیث کانت الجهه الأولی من الإشکال هی أننّا نقطع بارتفاع هذا المتیّقن، فکیف یجری استصحابه ؟ هذا إذا کان المقصود بالعدم هو العدم المحمولی، فنقطع بارتفاعه بمجیئ الشریعه، أمّا إذا کان المقصود به العدم النعتی، أی العدم المتیّقن فی صدر الشریعه، عدم جعل الحرمه المشکوکه فی صدر الشریعه، واقعاً أنا أشکّ فی بقاء هذا العدم؛ لأنّی احتمل أنّ الشارع جعل الحرمه بعد ذلک للشیء المشکوک، فإذن: هذا العدم محتمل البقاء، ولیس هناک قطع بانتفائه وارتفاعه حتّی یُستشکل فی جریان هذا الاستصحاب من هذه الجهه.

کما أنّ الجهه الثانیه من الإشکال أیضاً ترتفع بهذا البیان؛ وذلک باعتبار أنّه لیس هناک مثبتیه، فالمثبتیه إنّما تلزم عندما نرید استصحاب إثبات شیء غیر المستصحب؛ بل هو یلازمه، کما إذا استصحبنا العدم المحمولی وأردنا إثبات العدم النعتی؛ حینئذٍ یلزم إشکال المثبتیه، أمّا إذا کان المستصحب هو نفس العدم النعتی، وما نرید إثباته بالاستصحاب هو نفس العدم النعتی، أی عدم جعل الشارع لهذه الحرمه؛ فحینئذٍ لا یرِد إشکال المثبتیّه، فما نرید إثباته هو نفس المستصحب، لا لازمه حتّی یلزم من ذلک أنْ یکون الاستصحاب أصلاً مثبتاً.

ص: 7


1- (3) دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسیّد الشاهرودی، ج 3، ص 269.

هذا الجواب إذا تمّ فأنّه یدفع الاعتراض من أساسه؛ لأنّ أساس الاعتراض کان مبنیّاً علی افتراض أنّ المستصحب هو العدم المحمولی، فترِد هذه الاعتراضات.

هذا هو الجواب الأوّل، وهو جواب تام، فنحن لا نرید استصحاب عدم الجعل المحمولی الأزلی، وإنّما المقصود هو الأحکام التی نشکّ بها والتی نرید إثبات التأمین فیها تمسّکاً بالاستصحاب، نستصحب فیها عدم جعل ذلک الحکم المشکوک، وهذا متیّقن بعد الشریعه، لما أشار إلیه من أنّ الأحکام تدریجیّه الحصول، ولم تنزل دفعه واحده؛ فحینئذٍ یستطیع الإنسان أنْ یلتفت إلی صدر الشریعه ویقول أنا أقطع بأنّ أکل لحم الأرنب المشکوک لم یجعل الشارع له الحرمه، قطعاً لم تُجعل له الحرمه، إذا جُعلت الحرمه، فهی إنّما جُعلت فی زمانٍ متأخّر عن ذلک، فیستصحب المتیّقن السابق ویثبّت عدم جعل الحرمه الآن، وهذا یکفی لإثبات التأمین.

الجواب الثانی: (1) حتّی لو فرضنا أنّ العدم المتیّقن والمستصحَب هو العدم المحمولی الأزلی الغیر المنتسب إلی الشارع، لکن لا یلزم من هذا أنْ یکون الاستصحاب أصلاً مثبتاً؛ لأنّ الانتساب إلی الشارع یثبت بنفس الاستصحاب، وهذا لا یجعل الاستصحاب مثبتاً، بناءً علی ما هو واضح، وما سیأتی مفصّلاً فی مباحث الاستصحاب(إنْ شاء الله تعالی) من أنّ اللّوازم التی لا تثبت بالاستصحاب هی اللّوازم المترتبه علی المستصحب، هذه هی اللّوازم التی لا تثبت بالاستصحاب، ویعجز الاستصحاب عن إثباتها؛ لأنّه یکون أصّلاً مثبتاً بلحاظها، وأمّا اللّوازم المترتبه علی نفس الاستصحاب، أی اللّوازم العقلیّه المترتبه علی التعبّد الاستصحابی، فلا أحد یقول بأنّ الاستصحاب بلحاظها یکون أصّلاً مثبتاً؛ لأنّها هی مفاد الاستصحاب، ومفاد الاستصحاب یثبت علی القاعده وتثبت لوازمه؛ لأنّ مفاد الاستصحاب هو مفاد إماره، ولیس مفاد أصلٍ عملی، فالتعبّد الاستصحابی مفاد روایه زراره، وروایه زراره من الإمارات التی یثبت بها لوازمها، ومثبتات الإمارات حجّه، لکن مثبتات الأصول العملیه لیست حجّه. التعبّد الاستصحابی إذا کان له لازم عقلی کالتنجیز والتعذیر، التعبّد الاستصحابی بالحکم الشرعی لازمه التنجیز، والتعبّد الاستصحابی بعدم الحکم الشرعی لازمه التعذیر، ولا أحد یقول أنّ الاستصحاب لا یثبت المعذریّه لأنّه یکون أصلاً مثبتاً، باعتبار أنّها لوازم للاستصحاب، یعنی لمفاد روایات زراره التی هی إماره، والإماره کما تکون حجّه فی مدلولها المطابقی، تکون حجّه فی مدالیلها الالتزامیه. هو یقول: ما نحن فیه من هذا القبیل، فلا یُستشکَل علینا بالمثبتیه، بأنْ یقال: أننّا نستصحب العدم المحمولی غیر المنتسب إلی الشارع، ونرید أنْ نثبت العدم النعتی، یعنی العدم المنتسب إلی الشارع، فیکون هذا اصلاً مثبتاً. کلا، هذا لیس أصلاً مثبتاً؛ لأنّ هذا الانتساب والإضافه إلی الشارع تثبت بنفس الاستصحاب؛ لأنّها من لوازمه، لا من لوازم المستصحب، لیس من لوازم عدم جعل الحرمه بنحو العدم المحمولی، وإنّما الانتساب هو من لوازم التعبّد الاستصحابی، فأنّ التعبّد الاستصحابی إذا ثبت؛ حینئذٍ یثبت الانتساب إلی الشارع قهراً؛ فحینئذٍ لا مشکله فی استصحاب العدم المحمولی، وإثبات الانتساب إلی الشارع من دون أنْ یلزم من ذلک إشکال المثبتیه؛ لأنّ الإشکال مبنی علی افتراض أنّ الانتساب یثبت باعتباره لازم للمستصحب الذی هو عدم الجعل، بینما الانتساب لیس من آثار المستصحب، وإنّما هو من آثار نفس التعبّد الاستصحابی، ولا إشکال فی ثبوت لوازم التعبّد الاستصحابی باعتباره مدلول إماره.

ص: 8


1- (4) دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسیّد الشاهرودی، ج 3، ص 265.

هذا الجواب إذا تمّ، فهو یدفع الإشکال من الجهه الثانیه، أی لا تکون هناک مثبتیّه، لکنّه لا یدفع الإشکال من الجهه الأولی، التی هی عدم وجود الشکّ فی بقاء المستصحب؛ بل هناک قطع بارتفاع المستصحب؛ لأنّ المفروض أنّ المستصحب هو العدم المحمولی، والعدم المحمولی یرتفع قطعاً بمجرّد مجیئ الشریعه، وأیّ عدمٍ یُفرض هو عدم نعتی، فلا یمکن أنْ نجیب عن إشکال القطع بارتفاع المتیّقن وعدم الشک فی بقائه، بجواب أنّ الانتساب یثبت بالاستصحاب، هذا شیء آخر. فإذن: هو لا یدفع الإشکال من کلا جهتیه، وإنّما یدفعه من الجهه الأولی

الصحیح فی مقام الجواب عن أصل الاعتراض هو الجواب الأوّل الذی ذکره السیّد الخوئی(قدّس سرّه)، والذی هو أننّا لا نستصحب عدم الجعل کعدم محمولی، وإنّما نستصحبه کعدم نعتی؛ لأننّا نتیقن بأنّ الشارع فی بدایه الشریعه لم یجعل هذه التکالیف المشکوکه، فنقطع بعدم ثبوتها، وهذا عدم نعتی، وکما قلنا هذا الجواب یدفع الإشکال من کلتا الجهتین.

مع التنزّل عن هذا الجواب الصحیح، ولم نقل بأنّ الأحکام تدریجیه، أو لیس هناک قطع بعدم جعل التکلیف المشکوک فی بدایه الشریعه حتّی یکون العدم المستصحب عدم نعتی؛ حینئذٍ الجواب الصحیح عن هذا الاعتراض هو أنْ یقال: أنّ هذا الاعتراض بکلا وجهیه مبنی علی افتراض تعدّد العدم، ووجود عدمین، واحد نسمیه عدم محمولی، والآخر نسمیه عدم نعتی، واحد من العدمین هو العدم غیر المنتسب إلی الشارع، والآخر هو العدم المنتسب إلی الشارع؛ حینئذٍ یرِد الإشکال السابق بکلا جهتیه، أنّ هناک یقین بارتفاع العدم المحمولی غیر المنتسب، ولیس هناک شکّ فی بقائه، وإشکال المثبتیّه أیضاً یرِد؛ لأننّا نرید أنْ نثبت عدماً منتسباً باستصحاب عدم غیر منتسب. وأمّا إذا أنکرنا هذا التعدّد، وقلنا بأنّ هذا الافتراض غیر صحیح، ولیس هناک تعدّد فی العدم، وقد تقدّم سابقاً فی بحث قریب أنّ العدم یتعدّد بتعدّد ما یضاف إلیه، أمّا بتعدّد ملاکات العدم، وبتعدّد صفاته، وبتعدّد الزمان لا یتعدّد العدم، إذا تعدّد ما یُضاف إلیه العدم یتعدّد العدم، ویکون هناک عدمان متغایران، عدم زیدٍ ----- مثلاً ----- وعدم الدار، أمّا إذا فرضنا تعدّد ملاک العدم، العدم یبقی واحد ولا یتعدّد، وإنّما اختلف ملاکه، أو فی محل کلامنا ما هو المتعدّد ؟ وما هو الفرق بین العدم المحمولی والعدم النعتی ؟ لا فرق بینهما إلاّ أنّ هذا عدم یصدر فی زمان ما قبل الشریعه، وهذا عدم یصدر فی زمان ما بعد الشریعه، فهل تعدّد الزمان هذا یعنی تعدّد العدم ؟ وهل لدینا عدمان متغایران حتّی یرد هذا الاعتراض؟ أو أنّ ما لدینا هو عدم واحد فی زمانین؟ أی أنّه عدم واحد وجد فی زمان ثمّ استمر إلی ما بعد صدور الشریعه، هو بالنظر العرفی نشیر إلیه، وبکل وضوح، لو فرضنا أنّ عدم جعل الحرمه کان باقیاً بعد الشریعه، نقول هذا هو بقاء للعدم السابق، یعنی نفس العد السابق استمر وبقی، غایه الأمر أنّه بقی فی زمان، نسمی هذا العدم بلحاظه عدم نعتی، أو عدم منتسب إلی الشارع، أی عدم مع إمکان الجعل من قِبل الشارع، ولیس أنّه عدم آخر مغایر للعدم الأوّل، وإنّما هو نفس العدم السابق، من قبیل عدم التکلیف بالنسبه إلی الصبی قبل البلوغ، وبالنسبه إلیه بعد البلوغ، نقول أنّ العدم لو ثبت للصبی بعد البلوغ فهو نفس العدم السابق ولیس غیره، وإنّما الذی اختلف هو ملاکه، سابقاً کان یثبت عدم التکلیف بملاک الصبا، وعدم البلوغ، والآن عدم التکلیف یثبت بملاکٍ آخر، تعدّد الملاکات، وتعدّد الزمان، وتعدّد الصفات لا یوجب تعدّد العدم، وإنّما الذی یوجب تعدّد العدم هو تعدّد ما یُضاف إلیه العدم، فی محل الکلام لا یوجد تعدّد فی العدم، هو عدم واحد ثبت فی زمان ویُراد استصحابه إلی زمان آخر؛ فحینئذٍ لا یرِد الاعتراض بکلا جهتیه؛ لأنّ الاعتراض کان مبنیّاً علی تعدّد العدم، أنّ هناک عدمین متغایرین، فیرِد الإشکال السابق، أمّا إذا قلنا أنّه عدم واحد تبدّل مع تبدّل الزمان؛ فحینئذٍ لا یِرد الإشکال الأوّل الذی هو عدم وجود الشک فی البقاء، ولا یرد الإشکال الثانی الذی هو دعوی الأصل المثبت؛ لأنّه شیء واحد لا نرید أنْ نثبت باستصحابه شیئاً آخر.

ص: 9

ومن هنا یظهر أنّه لا مشکله فی الأحکام التی نقطع بعدم جعل الشارع لها فی بدایه الشریعه؛ لأننّا نستصحب العدم النعتی، فلا یرد الاعتراض حینئذٍ، وهذا موجود فی معظم الأحکام، إنْ لم نقل کلّها، یقطع المکلّف بأنّه بعد نزول الشریعه هذه الأحکام لم یجعلها الشارع، لو فرضنا أننّا شککنا فی حکمٍ أنّه مجعول أو لا، ولیس لدینا یقین بعدم جعله بعد نزول الشریعه؛ حینئذٍ یکون الجواب هو أنّه لیس لدینا تعدّد فی العدم، وهناک عدم واحد اختلف الزمان فیه، وهذا یدفع الاعتراض السابق بکلتا الجهتین.

الاعتراض الثالث: ذکره السید الخوئی(قدّس سرّه) فی الدراسات، (1) وفی المصباح، (2) وحاصله: أنّ استصحاب عدم جعل الإلزام فی الشبهات الحکمیه معارَض باستصحاب عدم جعل الترخیص، فلا یجری استصحاب عدم جعل الحرمه؛ لأنّه معارَض باستصحاب عدم جعل الترخیص؛ للعلم الإجمالی بثبوت أحد الأمرین فی الشیء المشکوک، إمّا الحرمه ----- مثلاً ----- إذا شککنا فی الحرمه، وإذا کانت الشبهه تحریمیه، وإمّا الحلّیّه، فاستصحاب عدم جعل الحرمه معارَض باستصحاب عدم جعل الحلّیّه، ولا یمکن أنْ یجری کلا الاستصحابین؛ للعلم الإجمالی بثبوت أحدهما، أکل لحم الأرنب ----- مثلاً ----- إمّا حرام، أو حلال، هذا هو معنی الشبهه التحریمیّه، یدور أمره بین أنْ یکون حراماً، وبین أنْ یکون حلالاً، فهو إمّا حرام، وإمّا حلال، وهذا علم إجمالی، ولا نستطیع أنْ ننفی الحرمه، وفی نفس الوقت ننفی الحلّیّه؛ لأنّه مخالف للعلم الإجمالی، وهذا یوقع التعارض بین استصحاب عدم جعل الحرمه، وبین استصحاب عدم جعل الحلّیّه؛ لأنّه کما أنّ الحرمه مشکوکه، الحلیّه أیضاً مشکوکه، فإذا جری الاستصحاب لنفی جعل الحرمه، یجری الاستصحاب لنفی جعل الحلّیّه، ولا یمکن إجراءهما معاً للعلم الإجمالی بأنّ أحدهما ثابت فی الشیء الذی أشک به، حرمه وحلّیّه فی الشبهات التحریمیه، ووجوب وحلّیّه فی الشبهات الوجوبیّه، فدائماً هو معارَض، فلا یجری لأنّه معارَض بعدم جعل الإباحه.

ص: 10


1- (5) دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السیّد الخوئی للسیّد الشاهرودی، ج 3، ص 271.
2- (6) مصباح الأصول، تقریر بحث السیّد الخوئی للبهسودی، ج 2، ص 290.

درس الأصول العملیه/ أدلّه البراءه الشرعیه/ الاستصحاب بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیه/ أدلّه البراءه الشرعیه/ الاستصحاب

لازال الکلام فی استصحاب عدم الجعل لإثبات التأمین والبراءه، وانتهی الکلام إلی الاعتراض الثالث علی هذا الاستصحاب، وهو الذی أشار إلیه السیّد الخوئی(قدّس سرّه) فی تقریراته، وحاصله: أنّ استصحاب عدم جعل التکلیف المشکوک مُعارَض باستصحاب عدم جعل الترخیص والإباحه والحلّیّه. والوجه فی هذه المعارضه هو أننّا نعلم إجمالاً بأنّ هذا الشیء الذی نشک فی حرمته وحلّیّته فی الشبهات التحریمیّه، هو إمّا حرام وإمّا حلال، ولا یمکن نفی کلا الاحتمالین فیه بأنْ نجری استصحاب عدم التحریم فننفی التحریم، ونجری استصحاب عدم الحلّیّه فننفی الحلّیّه، لا یمکن ذلک؛ لأننّا نعلم إجمالاً بثبوت أحدهما، وهذا العلم الإجمالی بثبوت أحدهما یوجب وقوع المعارضه والتکاذب بین استصحاب عدم جعل التحریم، الذی هو المقصود إثباته فی المقام، وبین استصحاب عدم جعل الحجّیّه. إذن: لا یجری استصحاب عدم جعل التحریم، وذلک بسبب المعارضه.

السیّد الخوئی(قدّس سرّه) أجاب عن هذا الاعتراض بجوابین:

الجواب الأوّل: أنّ هذا الاعتراض إنّما یتم إذا کان المراد بالإباحه الواقعه طرفاً للعلم الإجمالی هی الإباحه الخاصّه الثابته للشیء بعنوانه الأوّلی، نظیر التحریم المحتمل الطرف الآخر للعلم الإجمالی أیضاً یثبت للشیء بعنوانه الأوّلی، الإباحه المحتمله إذا کانت ثابته للشیء بعنوانه الأوّلی، فحینئذٍ یتمّ هذا الاعتراض، فیقع التعارض بین استصحاب عدم جعل التحریم، واستصحاب عدم جعل الإباحه، والوجه فی تمامیه الاعتراض هو لأنّ هذا الشیء، أکل لحم الأرنب ----- مثلاً ----- هو بعنوانه الأوّلی إمّا حرام، وإمّا حلال، ولا یمکن نفیهما معاً، فیقع التعارض بین الاستصحابین.

وأمّا إذا فرضنا أنّ الإباحه الواقعه طرفاً للعلم الإجمالی هی إباحه ثابته بملاک أنّه لم یرِد فیه نهی، الإباحه المحتمله فی هذا الشیء لیست إباحه خاصّه، وإنّما هی ثابته بملاک إنّه لم یرِد فیه نهی، یقول: إذا کانت الإباحه من هذا القبیل؛ فحینئذٍ نجیب عن إشکال الاعتراض بأنّ استصحاب عدم جعل التحریم یجری ولا یُعارَض باستصحاب عدم جعل الترخیص والإباحه؛ لأنّ استصحاب عدم جعل التحریم حینئذٍ یکون حاکماً علی استصحاب عدم جعل الإباحه؛ لأنّه أصل موضوعی بالنسبه إلیه؛ لأنّ هذا الفرض معناه فی الحقیقه أنّ ملاک الحلّیّه وموضوعها هو الترخیص، وملاکه وموضوعه هو عدم جعل التحریم؛ لأنّه ثابت بملاک لم یرِد فیه نهی، فموضوعها هو ما لم یرد فیه نهی، کل ما لم یرِد فیه نهی فهو مباح، فإذا جاء استصحاب عدم جعل التحریم وأثبت عدم ورود النهی؛ فأنّه حینئذٍ یکون حاکماً علی استصحاب عدم جعل الحلّیّه؛ لأنّه ینقّح موضوع الحلّیّه الذی هو(لم یرد فیه نهی)، وهذا الاستصحاب یثبت عدم ورود النهی، وهو ینقّح موضوع الحلیّه، وبالتالی یثبت الحلّیّه، وبالتالی یرفع الشکّ الذی هو موضوع استصحاب عدم جعل الإباحه، فمن الواضح أنّ موضوع الاستصحاب هو الشکّ، وعندما تشکّ فی الإباحه وعدمها تستصحب عدم الإباحه، هذا الاستصحاب ----- استصحاب عدم التحریم ----- یرفع الشکّ تعبّداً؛ لأنّه ینقّح موضوع الترخیص والإباحه، فلا معنی لجریان استصحاب عدم الترخیص، واستصحاب عدم الإباحه؛ بل یکون استصحاب عدم جعل التحریم حاکماً علی استصحاب عدم جعل الإباحه. فیقول: هذه المعارضه مبنیّه علی افتراض أنْ تکون الإباحه المحتمله إباحه خاصّه، ثابته بالعنوان الأوّلی للشیء، وإلاّ إذا کانت ثابته بملاک أنّه لم یرد فیه نهی، فلا معارضه بین الاستصحابین؛ لأنّ استصحاب عدم جعل التحریم ینقّح موضوع الإباحه ویثبتها، وإذا أثبت الإباحه تعبّداً؛ فحینئذٍ لا شکّ حتّی یجری استصحاب عدم الإباحه.

ص: 11

هذا الجواب کما هو قال أیضاً، مبنی علی هذا الافتراض، لکنّه فی الواقع، وفیما نشکّ فیه، الإباحه المحتمله لیست من هذا القبیل، الإباحه المحتمله هی إباحه خاصّه ثابته فی هذا الشیء بعنوانه الأوّلی، ومثلنا بأکل لحم الأرنب وأنّه یحتمل فیه التحریم وتُحتمَل فیه الإباحه، کما أنّ التحریم المحتمل ثابت لأکل لحم الأرنب بعنوانه الأوّلی کذلک الإباحه المحتمله ثابته لأکل لحم الأرنب بعنوانه الأولی، ولیست ثابته له بعنوان أنّه(لم یرِد فیه نهی) هذا یحتاج إلی دلیل، وهو ذکر بعض الأدلّه، لکنّها کلّها لیست ناهضه لإثبات ذلک، وإنّما ما نشک فیه فی الخارج، أکل لحم الأرنب، أو شرب التتن أو غیرها من الشبهات الحکمیه التی تُذکر کأمثله للشبهات الحکمیه، الإباحه المحتمله فیها إباحه خاصّه ثابته لأکل لحم الأرنب بعنوان أنّه(أکل لحم الأرنب) ، ولیس بعنوان أنّه(لم یرِد فیه نهی) حتّی تثبت الحکومه ویندفع الإشکال کما ذکر.

إذن: الجواب الأوّل عن الاعتراض الثالث لیس تامّاً.

الجواب الثانی: من قال أنّ الاستصحابین متعارضان ؟ لا مانع من إجراء کلا الاستصحابین لعدم أدائهما إلی المخالفه العملیه القطعیّه للتکلیف الإلزامی، فلو أجرینا استصحاب عدم التحریم، وأجرینا استصحاب عدم الإباحه، هذا لا یؤدی إلی المخالفه القطعیّه للتکلیف المعلوم بالإجمال، والسبب واضح، وهو أنّ علمنا الإجمالی المُدّعی فی المقام هو لیس علماً بالتکلیف علی کل تقدیر کما فی الأمثله المعروفه، هل أنّ صلاه الظهر واجبه علیه، أو صلاه الجمعه؟ أو مثال من لا یعلم أنّ هذا الإناء فیه خمر، أو أن ذاک الإناء فیه خمر؟ فهنا یوجد علم بالتکلیف علی کلا التقدیرین، فسواء کانت صلاه الظهر هی الواجبه علیه فهی تکلیف، أو کانت الجمعه هی الواجبه علیه فهی أیضاً تکلیف. وسواء کان هذا خمر یوجد تکلیف، أو کان ذاک خمر فأیضاً یوجد تکلیف. إذن: هناک علم إجمالی بالتکلیف علی کل تقدیر، مثل هذا العلم الإجمالی لا یجوز إجراء الأصول النافیه والمؤمنه فی أطرافه؛ لأنّ إجراء الأصول النافیه والمؤمنه یؤدی إلی الترخیص فی المخالفه القطعیه للتکلیف الإلزامی المعلوم بالإجمال، فلا تجری الأصول فی أطرافه. بینما فی محل الکلام الأمر لیس کذلک؛ لأنّه فی محل الکلام لا یوجد عندنا علم بالتکلیف علی کل تقدیر، وإنّما عندنا علم بالتکلیف علی تقدیر، وأمّا علی التقدیر الآخر لا یوجد تکلیف؛ لأنّ التقدیر الآخر هو الترخیص والإباحه، وفی الترخیص والإباحه لا یوجد تکلیف. إذن: هناک تکلیف علی أحد التقدیرین لوضوح أنّ المحتمل فی المقام أنّ الأمر دائر بین الحرمه والإباحه فی الشبهات التحریمیه، وبین الوجوب والإباحه فی الشبهات الوجوبیه. إذن: علی أحد التقدیرین یوجد تکلیف، وعلی التقدیر الآخر أصلاً لا یجد تکلیف.

ص: 12

یقول: مثل هذا العلم الإجمالی الذی لا یتحقق فیه العلم بالتکلیف علی کل تقدیر لا یمنع من إجراء الأصول المؤّمنه فی أطرافه، فلا محذور فی إجراء کلا الاستصحابین، استصحاب عدم التحریم، واستصحاب عدم الإباحه. صحیح أنا أعلم بثبوت أحدهما، لکن لا محذور فی جریان الأصلین معاً؛ لأنّه لا یؤدّی إلی المخالفه القطعیه للتکلیف بالإلزام المعلوم، فإذا صحّ إجراء استصحاب عدم جعل التحریم ----- بحسب الفرض ------ کفی هذا الاستصحاب لإثبات التأمین والبراءه، وهو المقصود فی المقام؛ لأنّ البراءه والتأمین یکفی فیها نفی التحریم، یکفی للتأمین من جهه أکل لحم الأرنب أن تقوم الحجّه علی نفی التحریم، وهذا لا یتوقّف علی إثبات الإباحه حتّی یقال أنّ استصحاب عدم التحریم لا یثبت الإباحه إلاّ علی القول بالأصل المثبت، لا نحتاج إلی إثبات الإباحه لإثبات التأمین؛ بل یکفی لإثبات التأمین نفی التحریم، استصحاب عدم جعل التحریم یتکفّل نفی التحریم ویترتب علیه إثبات التأمین والبراءه.

ویُلاحظ علی هذا الجواب: أنّه لا وجه للتنزّل وتسلیم جریان الاستصحابین فی المقام، حیث هناک مشکله فی إجراء أحد الاستصحابین بقطع النظر عن الجواب الأوّل، قلنا أنّ الجواب الأوّل غیر تام؛ لأنّه مبنی علی افتراض أنّ الإباحه ثابته بملاک عدم ورود النهی، وقلنا أنّ هذا خلاف الظاهر فی الأمثله التی تُذکر فی هذا المقام، لکن هناک شیء آخر یمنع من إجراء استصحاب عدم الترخیص، وهذا الشیء هو أنّ استصحاب عدم الترخیص لا اثر له، فلا یجری لأنّه لا یترتّب علیه أثر، ومن الواضح أنّ من شروط جریان الاستصحاب هو أنْ یترتب علیه أثر، استصحاب عدم التحریم یترتب علیه أثر، فیجری، وأثره هو التأمین والبراءه؛ لأننّا قلنا أنّ البراءه والتأمین لا تتوقّف علی إثبات الإباحه؛ بل یکفی فیها نفی التحریم، بینما استصحاب عدم الترخیص لا أثر له، ولا یستطیع أن یثبت المنجزیّه؛ لأنّ المنجزیّه من آثار التحریم والمنع والنهی، ومن الواضح أنّ التحریم والمنع والنهی لا یثبت باستصحاب عدم الإباحه، إلاّ بناءً علی القول بالأصل المثبت؛ إذ لازم عدم الإباحه ----- فرضاً ----- التحریم. إذن: استصحاب عدم الإباحه لا یستطیع أن یثبت المنجزیّه مباشره حتّی یجری بلحاظه؛ إذ لا یکفی فی التنجیز عدم الإباحه، ولا یستطیع أنْ یثبت موضوع المنجزیّه الذی هو التحریم والمنع، إلاّ بناءً علی القول بالأصل المثبت، فالصحیح أنّ استصحاب عدم الإباحه لا یجری فی حدّ نفسه، لا أنْ نقول أنّه یجری ویعارض استصحاب عدم جعل التحریم، لکن نقول لا مانع من جریانهما؛ لأنّ هذا لا یؤدی إلی الترخیص فی المخالفه القطعیّه والتکلیف الإلزامی، فی مرحله سابقه یوجد مانع یمنع من جریان استصحاب عدم الترخیص وعدم الإباحه.

ص: 13

هذا هو الجواب الصحیح عن الاعتراض الثالث. وبهذا یتمّ الکلام عن الصیغه الثانیه لتقریب الاستصحاب، الصیغه الأولی کانت هی إجراء الاستصحاب بلحاظ ما قبل البلوغ، وتکلّمنا عنها کثیراً، والصیغه الثانیه هی إجراء الاستصحاب بلحاظ ما قبل الشرع والشریعه.

الصیغه الثالثه التی طرحناها فی بدایه البحث هی أنْ یجری الاستصحاب بلحاظ ما قبل تحقق بعض الأمور التی یُحتمَل أنّها شرائط فی التکلیف، هناک شیء معیّن، قبل تحققّه قطعاً لا یوجد تکلیف، وبعد تحققّه نحتمل حدوث التکلیف، فنلتفت إلی فتره ما قبل تحققّ ذلک الشیء، ونقول: قطعاً الحکم لم یکن ثابتاً، فنستصحب عدم الحکم الثابت قبل تحققّ هذا الشیء. نفترض أننّا شککنا أنّ الاستطاعه البذلیّه هل تحققّ وجوب الحج ؟ فنقول : هل یکفی فی وجوب الحج الاستطاعه البذلیّه أو لا ؟ یمکن ببساطه إجراء الاستصحاب بلحاظ ما قبل تحققّ الاستطاعه البذلیّه، فنقول: هذا قبل تحقق البذل لم یجب علیه الحج قطعاً، والآن بعد تحققّ البذل نشکّ فی أنّه وجب علیه الحج، أو لا ؟ فنستصحب عدم وجوب الحج المتیّقن قبل تحققّ البذل. أو صلاه الجمعه ------ مثلاً ------ هی علی تقدیر وجوبها هی مشروطه بالزوال، وبعد الزوال نشکّ فی أنّه هل وجبت صلاه الجمعه فی زمان الغیبه، أو لا ؟ فیمکن إجراء استصحاب عدم الوجوب الثابت قبل الزوال.

هذا التقریب جید، وکثیر من الملاحظات السابقه لا ترِد علیه. نعم یُلاحظ علیه شیء واحد، وهو أنّه فی بعض الأحیان قد یکون هذا الأمر، وهذه الخصوصیّه التی نحتمل أنّها محققّه للتکلیف، قد تکون فی بعض الأحیان مقوّمه للمستصحب، بحیث أنّ الأمر بعد حصولها هو غیر الأمر قبل حصولها، نظیر ما تقدّم فی الاستصحاب بلحاظ ما قبل البلوغ، حیث طُرح هذا الإشکال هناک، وهو أنّ عدم الوجوب کان ثابتاً للشخص بعنوان أنّه غیر بالغ، بینما عدم الوجوب لو ثبت بعد البلوغ، فأنّه یثبت بعنوان آخر، بعنوان أنّه بالغ، فهنا أیضاً یُطرح هذا الأمر، أنّه قبل البذل لم یجب علیه الحج باعتبار عدم وجود الاستطاعه البذلیّه أصلاً، لکن بعد البذل تحققّ شیء، وهذا الشیء قد یکون مقوّماً للحاله، وموجباً لتعدّد الموضوع، أو تعدّد القضیّه المتیّقنه، والقضیّه المشکوکه، وهذا لابدّ من الالتفات إلیه، فإنْ لم یکن کذلک، کما لعلّه فی بعض الأمثله، الظاهر أنّه لا مانع من إجراء هذا الاستصحاب.

ص: 14

وبهذا یتمّ الکلام عن التقریبات الثلاثه للاستصحاب، وما قیل من الاعتراض علیها، وأجوبه ذلک، وقد تبیّن من خلال هذا الاستعراض الطویل أنّ الظاهر أنّه لا مانع من إجراء الاستصحاب، ولو ببعض تقریباته؛ لأننّا قلنا أنّ الاعتراضات المطروحه غیر وارده علی استصحاب عدم الجعل، أمّا استصحاب عدم التکلیف قبل البلوغ، فالظاهر أنّ الخصوصیه التی یُحتمل کونها موجبه لثبوت التکلیف لا تمنع من إجرائه.

إذن: لا مانع من إجراء الاستصحاب ببعض تقریباته وإثبات البراءه، ولو عجزنا عن إثبات البراءه بالکتاب، والسُنّه، والإجماع، والعقل ----- مثلاً کما ذکروا ----- یمکن إثبات البراءه استناداً إلی الاستصحاب.

بعد ذلک ندخل فی بعض الأمور المتعلّقه بهذا المطلب:

الأمر الأوّل: قد یقال: بأنّ التزامکم بجریان الاستصحاب لإثبات البراءه یلغی مورد البراءه، وأنّه فی کل موردٍ من موارد البراءه یجری فیه الاستصحاب، وهذا معناه عملاً إلغاء للبراءه، فلا یبقی للبراءه مورد تختصّ به بحیث لا یجری فیه الاستصحاب. الإلغاء مبنی علی فکره أنّ الاستصحاب مقدّم علی البراءه، وذکروا، وسیأتی أنّ تقدیم الاستصحاب علی البراءه بالحکومه، أو بالورود، أو بأیّ شیءٍ کان لا یُفرّق فیه بین أنْ یکون مفاد الاستصحاب متّفقاً مع البراءه، أو یکون مختلفاً معها، علی کل حالٍ هو مقدّم علی البراءه حتّی فی صوره اتّحاد المفاد، کما فی محل الکلام، حیث الاستصحاب فی محل الکلام یثبت التأمین، وأدلّه البراءه أیضاً تثبت التأمین، حتّی فی هذه الحاله یقدّم الاستصحاب علی البراءه، ویکون حاکماً علیها، ورافعاً لموضوعها، فلا یبقی للبراءه شیء، وفی کل مورد نرید أنْ نتمسّک بالبراءه یجری فیه الاستصحاب، ویکون حاکماً علی البراءه، ورافعاً لموضوعها؛ وحینئذٍ أی فائده فی أدلّه البراءه الکثیره الدالّه علی البراءه، وبعباره أخری: سوف تبقی البراءه بلا مورد؛ لأنّ الاستصحاب یکون مقدّماً علیها، ویرفع موضوعها؛ وحینئذٍ لابدّ من الإجابه عن هذا الإشکال.

ص: 15

درس الأصول العملیه/ أدلّه البراءه الشرعیه/ الاستصحاب بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیه/ أدلّه البراءه الشرعیه/ الاستصحاب

الکلام یقع فی بعض الأمور التی ترتبط بالبحث السابق وهو إثبات البراءه بالاستصحاب:

الأمر الأوّل: ما أثرناه فی الدرس السابق من أنّ الالتزام بجریان الاستصحاب فی المقام یؤدی بالنتیجه إلی إلغاء دلیل البراءه، بمعنی أنّ دلیل البراءه دائماً یجری فی موردٍ یجری فیه الاستصحاب، ففی جمیع الموارد التی تجری فیها البراءه یجری الاستصحاب، وهی عباره عن جمیع الشبهات الحکمیّه، ومع جریان الاستصحاب یکون الاستصحاب حاکماً علی البراءه، ومقدّماً علیها، وبالتالی یکون موجباً لإلغاء دلیلها، فهل یُلتزَم بهذا ؟ بمعنی أنّ دلیل البراءه لا یبقی له مورد؛ إذ فی کل موردٍ تجری فیه البراءه یجری فیه الاستصحاب، وهو مقدّم علی البراءه، وحاکم علیها، ومانع من جریانها، فلا یبقی مورد للبراءه حتّی تکون الأدلّه الدالّه علیها، وهی کثیره، منزّله علی تلک الموارد، فلا یبقی مورد للبراءه إطلاقاً.

أجاب السیّد الخوئی(قدّس سرّه) عن هذا الإشکال بجوابین: (1)

الجواب الأوّل: حاصل ما ذکره هو: لیس لأدلّه البراءه عنوان یوجب اختصاصها بغیر موارد الاستصحاب؛ بل یمکن أنْ تکون الحکمه فی ثبوت الترخیص والبراءه فی جمله من مواردها هو عدم جواز نقض الحاله السابقه.

توضیح المراد: الظاهر أنّ مراده(قدّس سرّه) هو أنّ دلیل البراءه من المحتمل أنْ تکون البراءه المجعوله فیه هی البراءه بملاک الاستصحاب، أی البراءه بملاک عدم نقض الحاله السابقه، باعتبار أنّ دلیل البراءه لم یؤخذ بشرط لا من حیث الاستصحاب، ولیس فیه دلاله علی ذلک؛ وحینئذٍ لا یوجد عندنا أصلان متمایزان منحازان أحدهما البراءه، والآخر الاستصحاب، وکل منهما یثبت بدلیله، حتّی یقال إذا تمّ الاستصحاب، فلا یبقی مورد للبراءه، کلا، الأمر لیس هکذا، أو لا أقلّ من أنّ هذا هو الاحتمال المطروح فی المقام، أنّ دلیل البراءه لم یؤخذ بشرط لا من حیث الاستصحاب حتّی یکون هو أصل متمیّز عن الاستصحاب، هذا یثبت بدلیله، وذاک یثبت بدلیله، وهذا یثبت بملاک، وذاک یثبت بملاکٍ آخر، البراءه تثبت بملاک الشکّ فی التکلیف من دون لحاظ الحاله السابقه، بینما الاستصحاب یثبت بملاک عدم نقض الحاله السابقه. یقول: الأمر لیس هکذا، أو لا أقل من أننّا نحتمل أنْ یکون الملاک فی البراءه هو نفس عدم نقض الحاله السابقه، وبناءً علی هذا لا یکون عندنا أصلان متمایزان منحازان حتّی یقال: إذا جری هذا الأصل لا یبقی مورداً للأصل الآخر، وإنّما من المحتمل أنْ تکون أصاله البراءه راجعه بحسب الروح والجوهر إلی نفس الاستصحاب؛ فحینئذٍ لا یِرد هذا الإشکال أنّه إذا التزمنا بجریان الاستصحاب لا یبقی مورد للبراءه، هذا مبنی علی افتراض أنّ هنا أصلان متمایزان، وکل منهما یثبت بملاکٍ ودلیل، أمّا إذا أنکرنا ذلک، أو احتملنا عدمه؛ حینئذٍ لا یرِد هذا الإشکال؛ إذ لا محذور فی أنْ یثبت دلیلان فی موردٍ واحد، کلٌ منهما یثبت بملاکٍ واحد، وهو عدم نقض الحاله السابقه؛ حینئذٍ لا معنی لأنْ یقال: إذا جری الاستصحاب یلغی البراءه؛ إذ البراءه لیست شیئاً آخراً غیر الاستصحاب؛ لأنّ البراءه ثابته بنکته عدم نقض الحاله السابقه.

ص: 16


1- (1) دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السیّد الخوئی للسید الشاهرودی، ج 3، ص 272.

لکنْ یمکن أنْ یقال: أنّ هذا مجرّد احتمال لا واقع له، ولا یُفهم من ألسنه أدلّه البراءه، وإنّما الذی یُفهم من ألسنه أدلّه البراءه من قبیل(رُفع ما لا یعلمون) ومن قبیل(الناس فی سعهٍ ما لم یعلموا) وأمثال هذه الأدلّه، أنّ ملاک البراءه هو الشک فی التکلیف، أو عدم العلم بالتکلیف فقط من دون لحاظ الحاله السابقه، ومن دون لحاظ أنّ عدم التکلیف له حاله سابقه، وإنّما ملاکه الشک فی التکلیف، وعدم العلم بالتکلیف(رُفع عن أمّتی ما لا یعلمون) مجرّد الشک بالتکلیف، وعدم العلم بالتکلیف هو ملاک جعل البراءه. هذا هو الذی یُفهم من أدلّه البراءه، فلا معنی لأنْ یقال: أنّ البراءه المجعوله فی أدلّتها مجعوله بنکته عدم نقض الحاله السابقه، بنکته ملاحظه الحاله السابقه، یعنی بنکته أنّ الحاله السابقه هی عدم التکلیف، فأدلّه البراءه تجعل البراءه باعتبار أنّ عدم التکلیف متیّقن فی المرحله السابقه، لیس بهذا الشکل، وإنّما الذی یُفهم من أدلّه البراءه أنّ ملاک أدلّه البراءه هو عدم العلم بالتکلیف، بینما الاستصحاب لیس ملاکه عدم العلم بالتکلیف، وإنّما ملاکه هو ملاحظه الحاله السابقه، وأنّ هناک حاله متیّقنه سابقاً یُشکّ فی بقائها، فالاستصحاب یقول ابن علی بقاء الحاله السابقه، فالملاک مختلف، والنکته مختلفه، والدلیل مختلف. إذن: هما أصلان متمایزان مختلفان، وکلٌ منهما ثابت بنکته، تأتی أدلّه تثبت البراءه بملاک عدم العلم بالتکلیف، وأدلّه تثبت البراءه بملاک عدم نقض الحاله السابقه، فیرجع الإشکال کما کان فی السابق أنّه فی کل موردٍ تجری فیه البراءه یجری فیه الاستصحاب، وإذا جری الاستصحاب یلغی البراءه. إذن: فی أیّ موردٍ تجری البراءه ؟ کل موارد جریان البراءه یجری الاستصحاب فیها، ویکون حاکماً علی البراءه، ورافعاً لموضوعها، وهذا هو معنی أنّ الالتزام بجریان الاستصحاب فی المقام یؤدی إلی إلغاء دلیل البراءه، بمعنی أنّ دلیل البراءه یبقی بلا موردٍ، وهذا لا یمکن الالتزام به؛ لأنّ دلیل البراءه لیس دلیلاً واحداً، أو دلیلین؛ بل هناک أدلّه کثیره علی البراءه، ولا یمکن أنْ تبقی کلّها بلا مورد، فالجواب الأوّل لیس تامّاً؛ لأنّه مبنی علی احتمال ثبوتی لا یمکن إثباته فی مقام الإثبات؛ بل هو علی خلاف ظاهر أدلّه البراءه.

ص: 17

الجواب الثانی: ذکر(قدّس سرّه) أنّ هناک موارد لدلیل البراءه لا یجری فیها الاستصحاب، فلا یصحّ القول بأنّ جمیع موارد البراءه یجری فیها الاستصحاب، ویؤدی ذلک إلی إلغاء دلیل البراءه؛ بل هناک موارد تجری فیها البراءه ولا یجری فیها الاستصحاب.

ثمّ ذکر(قدّس سرّه) جمله من الموارد التی تجری فیها البراءه ولا یجری فیها الاستصحاب لتصحیح جعل البراءه فی أدلّتها، ولدفع الاعتراض السابق بأنّ الاستصحاب یلغی دلیل البراءه، کلا، الاستصحاب لا یلغی دلیل البراءه؛ لأنّ هناک موارد یتمّ فیها دلیل البراءه، وتجری فیها البراءه، ولا یجری فیها الاستصحاب. ذکر(قدّس سرّه) ثلاثه موارد:

المورد الأوّل: موارد تعارض الاستصحابین، کما فی موارد توارد الحالتین، کالطهاره والنجاسه، أو حدث وطهاره، لکن لا یعلم من هو المتقدّم، ومن هو المتأخّر؛ حینئذٍ استصحاب الأوّل یُعارَض باستصحاب الآخر، فیتعارض الاستصحابان، وفی موردٍ من هذا القبیل لا یجری الاستصحاب؛ للمعارضه، فتجری البراءه؛ وحینئذٍ لا یجری الاستصحاب حتّی یکون حاکماً علی البراءه، فإذا کان الاستصحاب لا یجری لأجل المعارضه؛ حینئذٍ یکون هذا من الموارد التی تجری فیها البراءه من دون جریان الاستصحاب؛ وإذا ضممنا الموارد الأخری إلی هذا المورد؛ فحینئذٍ نلتزم بجریان الاستصحاب، لکن لا یؤدی ذلک إلی إلغاء دلیل البراءه؛ لأنّ دلیل البراءه یبقی له موارد یجری فیها الدلیل، وتثبت فیها البراءه من دون أنْ یجری فیها الاستصحاب.

المورد الثانی: ما إذا کان الأثر المطلوب والمراد إثباته مترتّب علی الإباحه بعنوانها؛ حینئذٍ لابدّ من إجراء أصاله البراءه، عندئذٍ لا ینفعنا إجراء استصحاب عدم المنع، وعدم جعل التحریم لترتیب ذلک الأثر؛ لأنّ المفروض أنّ ذلک الأثر مترتّب علی الإباحه بعنوانها، ولا یترتّب علی مجرّد عدم المنع وعدم التحریم حتّی نرتّب ذلک الأثر باستصحاب وعدم جعل التحریم؛ بل الأثر لا یترتب إلاّ علی الإباحه والبراءه بعنوانها.

ص: 18

إذن: فی هکذا حاله، لترتیب ذلک الأثر، لابدّ من إجراء أصاله البراءه، ولا یجری فیها الاستصحاب. نعم، إذا فرضنا أنّ الأثر الذی یُراد ترتیبه یکفی فیه عدم التحریم، وعدم المنع؛ حینئذٍ یجری فیه استصحاب عدم المنع، واستصحاب عدم التحریم، ویترتب ذلک الأثر؛ وحینئذٍ یرِد ذلک الإشکال.

المورد الثالث: موارد دوران الأمر بین الأقل والأکثر الارتباطیین، کما إذا شکّ فی جزئیّه شیء فی المرکب، أو فی شرطیه شیء فی المرکب، هنا یدور الأمر بین الأقلّ والأکثر الارتباطیین، الصلاه واجب ارتباطی، ویدور الأمر بین أنْ یکون الواجب عشره أجزاء، أو تسعه أجزاء، مثلاً، إذا شککنا فی وجوب السوره فی الصلاه، عندنا تسعه أجزاء متیّقنه، لکننّا لا نعلم أن الجزء العاشر هل هو واجب أو لا ؟ فیدور أمر الصلاه بین الأقلّ(تسعه أجزاء)، والأکثر(عشره أجزاء) الارتباطیین. هنا الرأی السائد، خصوصاً عند المتأخرین هو جریان البراءه لنفی الوجوب الزائد، أو قل لنفی وجوب الأکثر، وبالتالی یثبت بها جواز الاکتفاء بالأقل. هنا تجری البراءه، کما هو الصحیح، ولا یجری الاستصحاب؛ لأنّ الاستصحاب المتصوّر جریانه فی المقام بعد العلم بالتکلیف هو عباره عن استصحاب عدم التقیید؛ لأنّ المکلّف فی هذه الحاله یعلم بوجوب الأقل علیه جزماً، وعلی کل تقدیر، فالتسعه أجزاء قطعاً هی واجبه علیه، وإنّما شکّه فی وجوب التسعه أجزاء هل هو مقیّد بالجزء العاشر المشکوک الذی هو وجوب السوره فی المثال، أو هو مطلق من ناحیته ؟ إذا کان مقیّداً بالسوره، فهذه الأجزاء التسعه تجب علیه لیس لوحدها، وإنّما مقیّده بانضمام السوره، وهذا هو معنی وجوب الأکثر، أو أنّ وجوب التسعه أجزاء علیه مطلق من ناحیه السوره، وهذا معناه وجوب الأقّل، ولا یُشترط فی ذلک الإتیان بالسوره. إذن: هو أمره دائر بین أنْ تجب علیه السوره أو لا، یعنی أنّ ما وجب علیه هل هو مقیّد بالجزء الآخر المشکوک، أو هو مطلق ؟ الاستصحاب الذی یجری فی المقام هو استصحاب عدم التقیید، ویثبت البراءه، والاکتفاء بالأقل التی هی نتیجه البراءه، حیث قلنا أنّ البراءه تجری ویثبت بها الاکتفاء بالأقل، استصحاب عدم التقیید هذا معناه، ویثبت نفس النتیجه؛ لأنّ عدم التقیید یثبت أنّ التسعه الواجبه علیک حتماَ لیست مقیّده بالجزء الآخر فیکفی الاتیان بالأقل. الاستصحاب المتصوّر جریانه فی المقام لإثبات البراءه والاکتفاء بالأقل هو عباره عن استصحاب عدم التقیید. یقول السید الخوئی(قدّس سرّه) أنّ هذا الاستصحاب مُعارَض باستصحاب عدم الإطلاق؛ لأنّی کما أشکّ فی تقیید الواجب المتیقن الذی هو الأقل بالجزء العاشر، اشکّ أیضاً فی إطلاقه من ناحیه الجزء العاشر، فکما یجری استصحاب عدم التقیید، یجری أیضاً استصحاب عدم الإطلاق، فیتعارض الاستصحابان، استصحاب عدم التقیید واستصحاب عدم الإطلاق فیتساقطان؛ وحینئذٍ تجری البراءه من دون أنْ یجری الاستصحاب فی موردها، فیکون هذا من الموارد التی تجری فیها البراءه من دون جریان الاستصحاب.

ص: 19

هذا هو الجواب الثانی، وهو عباره عن محاوله للتفتیش عن موارد تجری فیها البراءه من دون جریان الاستصحاب حتّی یقال أنّ أدلّه البراءه منزّله علی هذه الموارد. فالالتزام بجریان الاستصحاب فی موارد أخری، وإلغاءه للبراءه، وحکومته علیها لا یوجب إلغاء دلیل البراءه؛ لأنّه هناک موارد تجری فیها البراءه، ویمکن تنزیل دلیل البراءه علی تلک الموارد.

هذا الجواب یتمّ فی بعض الموارد التی ذکرها، فی المورد الأوّل، وهو مورد تعارض الاستصحابین کما فی توارد الحالتین، تجری البراءه ولا یجری الاستصحاب، لکن فی الموارد الأخری لا تتمّ هذه الدعوی، أمّا المورد الثانی الذی ذکره، وهو مسأله ما إذا کان الأثر مترتباً علی الإباحه بعنوانها، فقال: فی هذا المورد لا نتمکن من إجراء الاستصحاب؛ لأنّ استصحاب عدم التحریم لا ینفع لإثبات ذلک الأثر؛ لأنّ المفروض أنّ الأثر یترتّب علی الإباحه بعنوانها، فلابدّ من إجراء أصاله البراءه، وعدم إجراء الاستصحاب؛ لأنّه لا أثر لهذا الاستصحاب. فی هذا المورد الثانی، الأمر لیس هکذا، ویمکن إجراء الاستصحاب، لکن لا أجری استصحاب عدم التحریم، وعدم المنع حتّی یقال أنّ هذا الاستصحاب لا أثر له؛ لأنّ الأثر المطلوب مترتّب علی الإباحه بعنوانها، وعدم التحریم لا یثبت الإباحه إلاّ بناءً علی الأصل المثبت، وإنّما یمکن إجراء الاستصحاب فی نفس الإباحه، باعتبارها متیّقنه سابقاً، کما أنّ عدم المنع متیّقن قبل البلوغ فی التقریب الأوّل للاستصحاب، أو قبل الجعل فی التقریب الثانی للاستصحاب، أو قبل تحققّ الشرائط الخاصّه للتکلیف فی التقریب الثالث للاستصحاب، کذلک الإباحه والبراءه أیضاً متیّقنه، فیمکن إجراء استصحاب البراءه، واستصحاب الإباحه المتیقنه قبل البلوغ، أو قبل الجعل، أو قبل تحقق الشرط الخاص من شرائط الحکم المحتمله؛ وحینئذٍ یمکن ترتیب الأثر؛ لأنّ الأثر مترتب علی الإباحه بعنوانها، ونحن استصحبنا الإباحه، الإشکال إنّما یرِد إذا أجرینا استصحاب عدم التحریم المتیّقن قبل البلوغ، فیقال: کیف یترتب الأثر ؟ لأنّ الأثر مترتّب علی الإباحه بعنوانها، واستصحاب عدم المنع لا یثبت الإباحه بعنوانها إلاّ بناءً علی الأصل المثبت. نقول: نحن لا نجری استصحاب عدم المنع؛ لأنّه کما أنّ عدم المنع متیقن قبل البلوغ، کذلک الإباحه متیقنه قبل البلوغ، هذا الصبی قبل بلوغه قبل البلوغ کان یُباح له هذا الفعل، وکانت هناک براءه متیّقنه قبل البلوغ، بمعنی أنّه لو ارتکب هذا الفعل لا یؤاخذ، ولا یُعاقَب، فهذه إباحه متیّقنه قبل البلوغ، فاستصحب هذه الإباحه، وإذا استصحبت الإباحه؛ فحینئذٍ یمکن ترتیب الأثر بلا أنْ یلزم منه إشکال المثبتیّه؛ لأنّ الاستصحاب جری فی نفس الإباحه المتیّقنه، فیعود الإشکال، وهو أنّ هذا المورد الذی تجری فیه البراءه جری فیه الاستصحاب، والاستصحاب حاکم علی البراءه، فلا یبقی مورد للبراءه.

ص: 20

درس الأصول العملیه/ أدلّه البراءه الشرعیه/ الاستصحاب بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیه/ أدلّه البراءه الشرعیه/ الاستصحاب

کان الکلام فی الجواب الثانی علی الإشکال، وذکرنا أنّ الموارد التی ذکرها السید الخوئی(قدّس سرّه) فی هذا الجواب لیست کلّها ممّا لا یجری فیها الاستصحاب، بعضها لا یجری فیه الاستصحاب، فتجری فیه البراءه، ویصحّ ما ذکره، لکنّ الباقی لیس هکذا، قلنا أنّ المورد الثانی الذی ذکر فیه بأنّ فی بعض الأحیان الأثر یترتّب علی الإباحه بعنوانها، هنا لا فائده فی إجراء الاستصحاب؛ لأنّ استصحاب عدم المنع لا یثبت الإباحه بعنوانها، إلاّ بناءً علی الأصل المثبت، وبالتالی لا یمکن ترتیب الأثر، وهنا تجری أصاله البراءه ویترتب ذلک الأثر، فیختصّ المورد بجریان البراءه، ولا یجری فیه الاستصحاب، فیُنزّل علیه دلیل البراءه. قلنا أنّ هذا لیس تامّاً؛ لأنّه بالإمکان إجراء الاستصحاب فی نفس الإباحه، وعلیه: فکما تجری البراءه یجری استصحاب البراءه؛ لأنّ البراءه متیّقنه فی الزمان السابق، سواء کان الزمان السابق هو زمان قبل البلوغ، أو کان زمان قبل الجعل، أو کان قبل تحققّ شرائط الحکم الخاصّه. إذن: هنا کما تجری البراءه یجری استصحاب البراءه، ولا نجری استصحاب عدم المنع حتّی یقال: هذا أصل مثبت، وإنّما یجری الاستصحاب فی نفس البراءه المتیّقنه سابقاً.

وهکذا الحال فی المورد الثالث الذی هو عباره عن دوران الأمر بین الأقل والأکثر الارتباطیین، هنا ذکر السید الخوئی(قدّس سرّه) بأنّ هنا لا یجری الاستصحاب؛ لأنّ الاستصحاب الذی یُتوقع جریانه لکی یثبت البراءه، والاکتفاء بالأقل هو عباره عن استصحاب عدم التقیید، أنّ الأقل الواجب علی کل حال لم یُقیّد بالجزء العاشر، فیکفی الإتیان بالأقلّ، وهذا هو عباره عن نتیجه البراءه، فأنّ نتیجتها هی الاکتفاء بالأقلّ. قال: استصحاب عدم التقیید مُعارض باستصحاب عدم الإطلاق، فلا یجری الاستصحاب، ولکی نثبت الاکتفاء بالأقل لابدّ من إجراء أصاله البراءه.

ص: 21

هذا الکلام لا یتمّ بناءً علی مبنی السید الخوئی(قدّس سرّه) فی أنّ التقابل بین الإطلاق والتقیید هو تقابل الضدّین؛ فحینئذٍ نقول أنّ کلامه لا یجری؛ لأنّ استصحاب عدم الإطلاق أصلاً لا یجری حتّی یکون معارضاً لاستصحاب عدم التقیید؛ لأنّه ماذا یُراد بإجراء استصحاب عدم الإطلاق ؟ هل یُراد به إثبات التقیید، ثمّ إثبات أثر التقیید، وهو عدم الاکتفاء بالأقل، ووجوب الإتیان بالزائد، هذا هو أثر التقیید، أنّ الأقلّ واجب مقیّد بالجزء العاشر، فیجب الإتیان بالجزء العاشر، هل المراد باستصحاب عدم الإطلاق إثبات التقیید، ثمّ إثبات أثره، أو المراد هو إثبات الأثر مباشره ؟ وکلٌ منهما لا یمکن الالتزام به، أمّا إذا کان المقصود باستصحاب عدم الإطلاق إثبات التقیید، فهذا أصل مثبت، باعتبار أنّ التقیید لازم عقلی لعدم الإطلاق. وأمّا إذا أُرید باستصحاب عدم الإطلاق إثبات الأثر مباشره، أی أننّا نجری استصحاب عدم الإطلاق لإثبات لزوم الإتیان بالأکثر، أی لزوم الإتیان بالجزء العاشر؛ فحینئذٍ نقول: أنّ هذا موضوع الأثر هو التقیید، ولیس موضوعه عدم الإطلاق حتّی یترتّب هذا الأثر علی عدم الإطلاق الثابت بالاستصحاب؛ بل هذا الأثر موضوعه التقیید، ومالم نثبت التقیید، لا یکون هذا الأثر ثابتاً، وقد عرفت أنّ التقیید لا یمکن إثباته باستصحاب عدم الإطلاق.

إذن: استصحاب عدم الإطلاق لا یجری فی حدّ نفسه لعدم ترتّب الأثر علیه، بخلاف أصاله عدم التقیید، فأنّها تنفی هذا الأثر، یعنی تنفی وجوب الإتیان بالجزء العاشر؛ لأنّ وجوب الإتیان بالجزء العاشر موضوعه التقیید، فإذا نفینا التقیید بالأصل، فسوف ینتفی أثره، فلا یجب الإتیان بالجزء العاشر، فیثبت بأصاله عدم التقیید عدم وجوب الإتیان بالجزء العاشر، بینما اصاله عدم الإطلاق لا یمکن أنْ تجری لما ذکرناه.

ص: 22

إذن: لا مانع من جریان استصحاب عدم التقیید، فیکون هذا من الموارد التی تجری فیها البراءه والاستصحاب، فیعود الإشکال السابق، وهو أنّ الاستصحاب یکون حاکماً علی البراءه، ورافعاً لموضوعها، وبالتالی یکون موجباً لإلغاء دلیل البراءه.

الصحیح فی الجواب هو أنْ یقال: أنّ الموارد التی لا یجری فیها الاستصحاب، وتجری فیها البراءه فقط موارد نادره جدّاً ولا معنی لتنزیل أدلّه البراءه الکثیره جدّاً، وذات السعه جدّاً علی هذه الموارد النادره. مضافاً إلی أنّ ظاهر کلامه فی الجواب الثانی هو الالتزام بالإشکال فی غیر هذه الموارد التی ذکرها، وهی عباره عن معظم حالات الشکّ فی التکلیف، یعنی لابدّ أنْ یلتزم بأنّ معظم حالات الشکّ فی التکلیف لا تجری البراءه الشرعیه فیها، فهل یلتزم بذلک ؟ فی الحالات الاعتیادیه غیر هذه الحالات الأربعه، إذا سلّمناها، کما لو شکّ فی حرمه أکل لحم الأرنب، أو شکّ فی حرمه شرب التتن، فهل یلتزم هنا بعدم جریان البراءه الشرعیّه ؟ کما هو ظاهر کلامه فی الجواب الثانی، حیث تخلّص من الإشکال فی هذه الموارد التی تجری فیها البراءه، ولا یجری فیها الاستصحاب، کأنّه الموارد الأخری، وهی جلّ الموارد من الشکّ فی التکلیف یلتزم فیها بالإشکال، یعنی یجری الاستصحاب، ویلغی البراءه، ویرفع موضوعها، فهل یلتزم بعدم جریان البراءه الشرعیّه فی هذه الموارد ؟ لا أظنّه یلتزم بذلک.

الصحیح فی الجواب عن أصل الإشکال هو ما ذکره السیّد الشهید (قدّس سرّه)، حیث أجاب عن أصل الإشکال بأجوبه عدیده : (1)

الجواب الأوّل: أننّا حتّی لو سلّمنا أنّ دلیل الاستصحاب حاکم علی دلیل البراءه، ورافع لموضوعه، حتّی لو سلّمنا بالحکومه التی ستأتی المناقشه فیها، لکن هذا لا یوجب إلغاء دلیل البراءه؛ إذ یبقی دلیل البراءه مؤثراً فی حقّ من لم یصل إلیه دلیل الاستصحاب، ویکون له أثر، وفائده، ولا یمکن أنْ نقول أنّ دلیل البراءه یُلغی؛ بل یُجعل دلیل البراءه ویکون مؤثراً فی حقّ من لم یصل إلیه دلیل الاستصحاب. وبعباره أخری: یکون نظیر الحکم الواقعی مع البراءه؛ إذ لا إشکال أنّ الحکم الواقعی إذا وصل إلی المکلّف یرفع موضوع البراءه؛ لأنّ موضوع البراءه هو الشکّ فی الحکم الواقعی، فإذا وصل الحکم الواقعی إلی المکلّف یرتفع موضوع البراءه، لکن هذا لا یعنی إلغاء دلیل البراءه؛ بل یبقی دلیل البراءه علی حاله ویکون مؤثراً فی حقّ من لم یصل إلیه الحکم الواقعی، ویثبت له البراءه، لکن کون الحکم الواقعی بوصوله رافعاً لموضوع البراءه لا یعنی إلغاء دلیل البراءه. دلیل الاستصحاب من هذا القبیل، دلیل الاستصحاب لو سلّمنا الحکومه، وأنّه یرفع موضوع البراءه لا یوجب إلغاء دلیل البراءه؛ لأنّ دلیل البراءه یبقی مؤثراً فی حقّ من لم یصل إلیه دلیل الاستصحاب، وما أکثر الناس الذین لم یصل إلیهم دلیل الاستصحاب، لا من العوام؛ بل من العلماء، وربما مرّ علیکم أنّ أوّل من استدلّ علی الاستصحاب بالأخبار هو والد الشیخ البهائی الشیخ حسین عبد الصمد، وقبله لم یکن قد وصل إلیهم دلیل الاستصحاب، فیکون دلیل البراءه مؤثراً فی حقّهم، وکون دلیل الاستصحاب إذا وصل حاکماً علی دلیل البراءه، ورافعاً لموضوعه لا یعنی إلغاء دلیل البراءه، وبقائه بلا فائده، وبلا مورد.

ص: 23


1- (1) بحوث فی علم الأصول، تقریر بحث السیّد محمد باقر الصدر للسید محمود الشاهرودی، ج 5، ص 73.

الجواب الثانی: (1) أنّ الحکومه علی تقدیر تسلیمها هی واقعاً ولبّاً وروحاً مرجعها إلی التخصیص، لکن الّلسان هو لسان رفع الموضوع، وإلاّ هی فی الواقع تخصیصٌ، یعنی إخراجٌ من الحکم من دون الإخراج من الموضوع، لا ترفع الموضوع، وإنّما هی تخرج من الحکم. هذه النظریه یؤمن بها السیّد الشهید(قدّس سرّه)، ویقیم القرائن علیها، ویقول أنّ الحکومه إذا ثبتت فی مواردها فهی فی روحها التخصیص، لا ربا بین الوالد والولد، صحیح هو ورد بلسان رفع الموضوع، أی بلسان(لا ربا)، لکن هو فی الواقع إخراجٌ من الحکم، یقول هذا الربا الواقع بین الوالد والولد لیس حراماً، وناظر إلی الآیه(حرّم الربا) فیقول هذا الربا الواقع بین الوالد والولد لیس حراماً، لکن بُیّن هذا الإخراج من الحکم بلسان رفع الموضوع. هذا إذا سلّمنا أنّ الحکومه فی واقعها بحسب اللّب والواقع هی تخصیص؛ حینئذٍ فی المقام لا یمکن أنْ نقول أنّ دلیل الاستصحاب حاکم علی دلیل البراءه؛ لأنّ التخصیص إنّما یمکن الالتزام به إذا کان بین الدلیلین تنافٍ وتعارض، ولو بدوی، بین الدلیل العام، وبین التخصیص یوجد تنافٍ، هذا یقول أکرم العلماء، وذاک یقول فسّاق العلماء، فهناک تنافٍ بینهما، فیأتی التخصیص ویقول هذا خارج من الحکم. أمّا غذا کان الدلیلان متوافقین، ولا تنافی ولا تعارض بینهما إطلاقاً؛ فحینئذٍ لا معنی للتخصیص، أی لا معنی للحکومه، کما هو الحال فی محل الکلام؛ إذ أنّه فی محل الکلام لا یوجد تنافٍ بین دلیل البراءه ودلیل الاستصحاب النافی للتکلیف؛ لأننّا نتکلّم عن استصحاب عدم التحریم، هذا یوافق بحسب النتیجه مع البراءه، فلماذا نلتزم بالتخصیص، والحال أنّه لا یوجد تنافٍ بین الدلیلین ؟ ویمکن أنْ نأخذ بکلٍ منهما کما لو قال(أکرم کل العلماء)، ثمّ قال(أکرم زید العالم)، هنا لا معنی لتخصیص العام؛ لأنّ التخصیص فرع التنافی والتعارض بین مدلولی الدلیلین، ولو کان تعارضاً غیر مستقرّ، أمّا حینما یتوافق الدلیلان فی مدلولیهما، لامعنی للتخصیص، وبالتالی لا معنی للحکومه؛ لأنّ الحکومه حسب هذا المبنی مرجعها بحسب الحقیقه إلی التخصیص.

ص: 24


1- (2) بحوث فی علم الأصول، تقریر بحث السیّد محمد باقر الصدر للسید محمود الشاهرودی، ج 5، ص 73.

إذن: الحکومه فی المقام غیر صحیحه؛ لعدم التنافی بینهما.

الجواب الثالث: (1) وهو أیضاً مبنی علی مبنیً یؤمن به هو (قدّس سرّه)، وحاصله: أنّ تقدیم الأدلّه التی یقال أنّ فیها حکومه لیس قائماً علی أساس الحکومه؛ بل هو قائم علی نکته الأظهریّه، أو الجمع العرفی بین الدلیلین، حتّی بین(لا ربا بین الوالد والولد) وبین أدلّه تحریم الربا. وبعباره أخری: هو لا یتعامل مع الدلیل الحاکم والمحکوم معامله دلیل حاکم ومحکوم، وإنّما یتعامل معهما معامله الدلیلین المتعارضین، فی موارد التنافی التعامل مع الدلیلین یکون تعامل مع دلیلین متعارضین، کأی دلیلین متعارضین، فلابدّ من تقدیم الأقوی والأظهر، هو یری، کما أثبت، واستدل علی ذلک بقرائن أنّ دلیل الاستصحاب فیه نکته الأظهریه، فیُقدّم علی دلیل البراءه علی أساس الأظهریه، ولیس علی أساس الحکومه ورفع الموضوع، ومن الواضح بناءً علی هذا المعنی أنّ هذا التقدیم علی أساس الأظهریه، أو علی أساس الجمع العرفی أیضاً فرع التنافی، کما فی (لا ربا بین الوالد والولد) حیث یوجد تنافٍ بینه وبین (حرّم الربا)، أمّا حیث لا یکون تنافی بین الدلیلین، وکانا متوافقین بالنتیجه؛ فحینئذٍ لا معنی للتقدیم؛ بل نلتزم بکلٍ منهما فی مورده، وأیّ ضیر فی أنْ تتکثّر التأمینات علی المکلّف، فهذا یثبت التأمین بملاکٍ، وذاک أیضاً یثبت التأمین، ولکن بملاکٍ آخر، تعدّد الخطابات المثبته للتأمینات بملاکات متعدّده لا محذور فیه، فلیکن دلیل البراءه المثبت للتأمین بملاک الشکّ فی التکلیف، ودلیل الاستصحاب مثبت للتأمین أیضاً بملاک الیقین بالحاله السابقه، وهذا لا ضیر فیه، فنأخذ بکلٍ منهما، أصلاً لا یوجد فی المقام أنّ هذا رافع لموضوع ذاک، أو أنّه یلغی دلیل الآخر، وإنّما یوجد دلیلان، وکلٌ منهما مثبت للتأمین، ولا معنی لتقدیم أحدهما علی الآخر؛ لأنّ هذا التقدیم، ولو بملاک الأظهریه، أو الجمع العرفی، إنّما یکون فی حالات التنافی والتعارض، وفی المقام لیس ثمّه تنافٍ، أو تعارض؛ بل نأخذ بکلا الدلیلین. غایه الأمر أنّ التأمینات تکون متعدّده، لکن من دون أن یکون الأخذ بالاستصحاب لإثبات التأمین بملاک الیقین بالحاله السابقه یلغی موضوع البراءه؛ بل یبقی دلیل البراءه علی حاله، ویجری، ونأخذ به، ونثبت تأمیناً قائماً علی أساس دلیل البراءه، وبهذا نتخلّص من أصل الإشکال؛ لأنّ فکره الإشکال قائمه علی أساس الحکومه بمعنی إلغاء دلیل الاستصحاب، ورفعه لموضوع البراءه، فإذا رفع موضوع البراءه؛ فحینئذٍ تُلغی البراءه، وتکون أدلّه البراءه بلا فائده، حیث فی کلّ موردٍ تجری فیه البراءه یجری فیه الاستصحاب، وهو حاکم علی البراءه، ورافع لموضوعها، فلا یبقی موردٌ للبراءه. الإشکال قائم علی هذه الفکره، وهذه الأجوبه تجیب عن هذه الفکره علی تقدیر تسلیم الحکومه، وعلی تقدیر إنکار الحکومه بمعنی رفع الموضوع.

ص: 25


1- (3) بحوث فی علم الأصول، تقریر بحث السیّد محمد باقر الصدر للسید محمود الشاهرودی، ج 5، ص 73.

السرّ فی إنکار السیّد الشهید(قدّس سرّه) للحکومه، ودائماً یقول أنّ التقدیم إنّما یکون فی موارد التنافی، حیث أنّه فی موارد عدم التنافی یقول أصلاً لا داعی للتقدیم، وإنّما نعمل بکلا الدلیلین کما فی محل الکلام، فیکون خارجاً عن محل کلامنا، لکن فی موارد التنافی بین الدلیلین، السبب الذی جعله لا یقول بالحکومه، وإنّما یقول بأنّ التقدیم قائم علی أساس الأظهریه والجمع العرفی، السر هو أنّ حکومه دلیل الاستصحاب علی دلیل البراءه مبتنیه علی الفکره المعروفه، والمسلک الذی یؤمن به المحقق النائینی(قدّس سرّه)، وهو مسلک الطریقیّه فی باب الإمارات والأصول، بمعنی أنّ الإماره تجعل الظنّ علماً، وتتمم کشف الدلیل الناقص، وتعتبره طریقاً تامّاً، الشارع یعتبر الظنّ علماً، فإذا اعتبره علما،ً فی أدله البراءه لاحظنا أنّ البراءه مُغیّاه بالعلم(الناس فی سعه حتّی یعلموا) وهذا قد لا یُصرّح به فی بعض أدلّه البراءه، لکن هو مقصود بلا إشکال، فعند حصول العلم لا معنی للبراءه، وذلک لارتفاع موضوعها. إذن: البراءه مغیّاه بالعلم، وترتفع عند العلم بالحکم الواقعی، ودلیل الاستصحاب یقول أنّ الاستصحاب علم، وبهذا یکون رافعاً لموضوع البراءه؛ لأنّ موضوع البراءه هو عدم العلم؛ لأنّها مغیّاه تنتهی عند حصول العلم، معناه أنّها تثبت عند عدم العلم، أی عند الشکّ، یعنی موضوعها الشکّ أو عدم العلم، الاستصحاب، بناءً علی مسلک جعل الطریقیه، واعتبار الاستصحاب علماً، یکون بجعله الاستصحاب علماً رافعاً لموضوع البراءه؛ لأنّ موضوعه الشکّ، وعندما یعتبر الاستصحاب علماً، یعنی یرفع موضوع البراءه تعبّداً، وهو معنی الحکومه، لکنّ هذا مبنی علی مسلک جعل الطریقیّه فی الإمارات والاستصحاب، لکنّه(قدّس سرّه) یرفض هذا المسلک؛ إذ لا یستفاد من أدلّه اعتبار الإماره جعلها علماً، واعتبارها طریقاً تامّاً. نعم، یُستفاد منها المعذریّه والمنجّزیه، والحجّیّه، لکن اعتبارها علماً، هذا لا یُستفاد منها فی الإمارات، فضلاً عن الاستصحاب الذی هو محل کلامنا. علی تقدیر التسلیم بالطریقیّه، فهی ناظره إلی تنزیل هذه الأمور منزله القطع الطریقی، ولیست ناظره إلی تنزیل هذه الأمور منزله القطع الذی یقع موضوعاً للحکم الشرعی، والذی یُسمّی بالقطع الموضوعی، هی تقوم مقام القطع الطریقی، لا أنّها تقوم مقام القطع الموضوعی، فیما نحن فیه العلم الذی جُعل الاستصحاب رافعاً لموضوع البراءه المقیّد بعدمه هو علم موضوعی، البراءه جُعلت مقیّده بعدم العلم(الناس فی سعهٍ مالم یعلموا)، فالعلم أُخذ قیداً فی هذا الحکم، فهو موضوع لهذا الحکم، عدم العلم موضوع للبراءه، فالعلم یکون علماً موضوعیّاً، حتّی لو آمنا بالطریقیه، فالطریقیّه تُنزّل علی أنْ تقوم الإماره أو الاستصحاب مقام القطع الطریقی فی المنجّزیّه والمعذّریّه، کما أنّ القطع الطریقی منجّز ومعذّر، الاستصحاب أیضاً یکون منجّزاً ومعذراً، أمّا إذا کان هناک حکم شرعی موضوعه العلم أیضاً دلیل حجّیّه الإماره أو الاستصحاب ینزّل الاستصحاب أو الإماره منزله العلم فی ترتیب ذلک الحکم الشرعی بحیث یصبح موضوع ذلک الأثر الشرعی العلم والاستصحاب، کما أنّ العلم یحققّ موضوع ذلک الأثر، الاستصحاب أیضاً یحققّ موضوع ذلک الأثر، هذا لا یُستفاد من جعل الطریقیه، ما یفهم من جعل الطریقیه هو تنزیله منزله القطع الطریقی والعلم الطریقی لا تنزیله منزله العلم الموضوعی کما هو الحال فی محل الکلام.

ص: 26

درس الأصول العملیه/ أدلّه البراءه الشرعیه/ الاستصحاب بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیه/ أدلّه البراءه الشرعیه/ الاستصحاب

قلنا أنّ الکلام یقع فی بعض الأمور المرتبطه بالبحث السابق، وهو بحث الاستدلال علی البراءه بالاستصحاب. وقد تکلّمنا عن الأمر الأوّل وأنهینا الکلام عنه.

الأمر الثانی: هناک قضیّه طرحها السیّد الخوئی(قدّس سرّه)، (1) وهی أنّ هذا الاستصحاب، بناءً علی جریانه لإثبات البراءه فی الشبهات الحکمیّه، کما تقدّم، هل یجری فی الشبهات الموضوعیّه، أو لا ؟ ما کنّا نتکلّم عنه هو جریانه فی الشبهات الحکمیّه، لو شککنا فی حرمه أکل لحم الأرنب، هل یمکن إثبات البراءه بالاستصحاب بأحدّ تقریباته الثلاثه السابقه، أو لا؟

أمّا إذا کان الشکّ فی شبهه موضوعیه حکمیّه، کما لو شککنا فی أنّ هذا المایع المُعیّن، هل هو خمر، أو لا ؟ فهل یمکن إثبات البراءه بالاستصحاب، أو لا ؟ هذا هو محل الکلام.

أصل التوقّف، أو الإشکال فی الاستصحاب فی الشبهات الموضوعیّه ناشئ من أنّ الاستصحاب الذی یُراد إجراءه، هو الاستصحاب بالتقریب الثانی المتقدّم، وهو استصحاب عدم الجعل، ومنشأ الإشکال هو أنّ استصحاب عدم الجعل لا یجری فی الشبهات الموضوعیّه؛ لأنّ الجعل لیس مشکوکاً فی الشبهات الموضوعیّه، والمکلّف لیس لدیه شکّ فیما یرتبط بما یجعله الشارع، بخلاف الشکّ فی حرمه أکل لحم الأرنب، فالمکلّف یشک فی أنّ الشارع جعل الحرمه، أو لا ؟ بینما هنا عندما تشکّ فی أنّ هذا المائع هل هو خمر، أو ماء ؟ هنا لا یوجد عندی شکّ فی الجعل، فیما یرتبط بالشارع أنا أعلم بأنّ الشارع جعل حرمه شرب الخمر، وجعل إباحه شرب الماء، ولا شکّ فیه، وإنّما الشک یکون فی أنّ هذا المائع المعیّن هل هو مصداق للخمر، حتّی تثبت له الحرمه ؟ أو هو ماء حتّی لا تثبت له الحرمه، وتثبت له الإباحه ؟ هذا هو الشکّ فی الشبهه الموضوعیه.

ص: 27


1- (1) دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السیّد الخوئی للسیّد الشاهرودی، جزء 3، صفحه 271.

إذن: لیس هناک شک فی الجعل. وبعباره أکثر وضوحاً: أنّ الحکم لشخص المشکوک لیس فیه جعل، علی تقدیر أنْ یکون هذا خمر، الشارع لا یجعل له حرمه بخصوصه، وإنّما یجعل الحرمه علی طبیعی الخمر، فإذن: هناک حرمه مجعوله علی الطبیعی، وهناک حرمه تتعلّق بخصوص المشکوک، الحرمه المتعلّقه بالطبیعی لا شکّ فیها حتّی یجری فیها الاستصحاب، الحرمه المتعلّقه بخصوص هذا المورد المشکوک نقطع بعدمها؛ لأنّ الشارع لا یجعل حرمه لخصوص هذا الفرد، فإذن: فی أیّ شیءٍ یجری الاستصحاب ؟ یجری الاستصحاب بلحاظ الحرمه المتعلّقه بالطبیعی ؟ لکننّا قلنا أنّ هذه الحرمه لا شکّ فیها، لا یوجد هناک شکّ فی الجعل فی الشبهات الموضوعیّه؛ فحینئذٍ لا مانع من استصحاب عدم الجعل فی الشبهات الموضوعیّه، بخلاف الشبهات الحکمیّه؛ لأنّ الشک هو فی الجعل الزائد، لو کان أکل لحم الأرنب حرام، فهذا معناه أنّ هناک جعل للحرمه من قِبل الشارع أزید ممّا نعلمه؛ وحینئذٍ حیث أنّه مسبوق بالعدم یمکن إجراء استصحاب عدم جعل الحرمه فی هذا، وهو المسمّی ب--- (استصحاب عدم الجعل) وهو یثبت البراءه. هذا هو الإشکال فی إجراء الاستصحاب فی الشبهات الموضوعیّه، وحاصله: أنّ الجعل لیس مشکوکاً فی الشبهات الموضوعیّه، فلا معنی لإجراء الاستصحاب بلحاظ الجعل. هذا تقریب الإشکال.

السیّد الخوئی(قدّس سرّه) عندما طرح هذا الإشکال فی الدراسات أجاب عنه بهذا الجواب: قال بأنّ الأحکام مجعوله بنحو القضیّه الحقیقیّه، ولیس بنحو القضیّه الخارجیّه، یُفرض موضوع، ثمّ یُجعَل الحکم علی ذلک الموضوع المفترض الوجود، وعندما نفترض أنّ الأحکام مجعوله علی نهج القضیّه الحقیقیّه لازم ذلک الانحلال، بمعنی أنّ الحکم المجعول علی نهج القضیّه الحقیقیّه ینحلّ إلی أحکامٍ متعدّدهٍ بعدد أفراد موضوعه، فکلّما تحققّ فرد ومصداق من موضوعه فی الخارج ثبت له الحکم، وإذا تحققّ مصداق آخر ثبت له الحکم أیضاً.....وهکذا. (لله علی الناس حجّ البیت من استطاع إلیه سبیلا) (1) هذه قضیّه حقیقیّه، علی تقدیر الاستطاعه، وتوفر سائر الشروط الأخری یجب الحج، هذا الحکم المجعول علی نهج القضیه الحقیقیه یتکثّر بتکثّر أفراد موضوعه فی الخارج، فإذا وجد مستطیع یثبت له وجوب الحج، وإذا وجد مستطیع آخر یثبت له وجوب الحج أیضاً.....وهکذا. ویقول أنّ هذا هو مبنی جریان البراءه فی الشبهات الموضوعیّه، وجریان البراءه فی الشبهات الموضوعیّه هی قضیّه مسلّمه، ولکن عندما نفترض جریان البراءه فی الشبهات الموضوعیّه، فلابدّ من فرض أنّ هناک شکّاً فی التکلیف؛ لأنّ مورد البراءه هو الشک فی التکلیف. إذن: لابدّ أنْ یکون فی الشبهه الموضوعیه تکلیف مشکوک؛ ولذا تجری فیه البراءه. ما هو التکلیف المشکوک فی الشبهه الموضوعیّه ؟ من الواضح أنّه لیس هو الجعل؛ لأنّ الجعل متیّقن فی الشبهه الموضوعیّه، ولا یوجد شکّ فیه، التکلیف المشکوک فی الشبهه الموضوعیّه والذی سمح لنا بإجراء البراءه فی الشبهه الموضوعیه بلا إشکال هو مبنی علی فکره الانحلال، أی أنّ الحکم المجعول علی نهج القضیّه الحقیقیّه ینحل إلی أحکام جزئیه متعدّده بعدد ما للموضوع من أفراد. إذن: هناک حکم جزئی متعلّق بهذا الفرد، فالحکم ینحل بعدد أفراد موضوعه، فإذا کان أفراد موضوعه مائه ینحل إلی مائه حکم، ثمّ یقول: فإذا شککنا فی أنّ هذا فرد من الموضوع، أو لا ------ وهو معنی الشبهه الموضوعیّه ------ فهذا عباره أخری عن أننّا نشک فی حکمه الشخصی، هل ثبتت له حرمه شخصیّه انحلالیّه، باعتبار أنّ الحکم مجعول علی نهج القضیّه الحقیقیّه، أو لا ؟ هذا هو معناه بالنتیجه، عندما أعلم أنّ هذا خمر، أعلم بثبوت حرمه له، لکن هذه الحرمه حرمه انحلالیّه، هی التی نسمیها بالمجعول، فتثبت حرمه لشخصه عندما أعلم بأنّه مصداق للموضوع، وعندما أشکّ بأنّه مصداق للموضوع یعنی أشکّ فی ثبوت هذه الحرمه له.

ص: 28


1- (2) آل عمران/سوره3، آیه97

إذن: یوجد شکّ فی التکلیف حتّی فی الشبهه الموضوعیّه؛ ولذا جرت البراءه کما قال، وعلی هذا الأساس نقول بأنّ الاستصحاب یجری فی المقام، استصحاب عدم الجعل فی الشبهه الموضوعیّه؛ لأنّه من الواضح أنّ تکثّر الأفراد یعنی سعه الجعل، وقله الأفراد تعنی نقص الجعل، وعدم سعته، هذا الجعل علی نهج القضیه الحقیقیه هو یتکثّر وینقص بتکثّر ونقصان عدد أفراده، فإذا علمنا أنّ هذا الموضوع للحکم المجعول علی نهج القضیه الحقیقیه قطعاً له عشره مصادیق، وشککنا فی مصداقٍ آخر، وشکّنا فی الحقیقیه یرجع إلی الشکّ فی أنّ الجعل هل له سعه بحیث ینحل ویشمل أحد عشر فرداً، أو لیست له هذه السعه، وإنّما هو ینحل إلی عشره أحکام تثبت لعشره أفراد. إذن: شکّ فی سعه الجعل وضیقه، فإذا أرجعناه إلی الشک فی سعه الجعل وضیقه، فمن الممکن إجراء الاستصحاب فی الجعل، فیقال: أنّ جعل الحکم بنحوٍ یشمل هذا الفرد المشکوک متیّقن العدم سابقاً، فنستصحب عدم الجعل.

وبهذا دفع الإشکال، وانتهی إلی هذه النتیجه، وهی أنّ الاستصحاب الذی نثبت به البراءه کما یجری فی الشبهات الحکمیّه یجری أیضاً فی الشبهات الموضوعیّه بلا فرقٍ بینهما، مع کونه نفس الاستصحاب، لا نستصحب المجعول؛ بل نستصحب عدم الجعل، لکن بالبیان الذی ذکره. هذا أصل الإشکال وجوابه الذی ذکره السیّد الخوئی(قدّس سرّه).

لکنّ هذا الجواب فیه مشکله ترتبط برأیٍ للسیّد الخوئی(قدّس سرّه) هو یتبناه، ونقلناه عنه سابقاً، وسیأتی تحقیقه فی باب الاستصحاب، وهو أنّه لا یری جریان الاستصحاب فی الشبهات الحکمیّه؛ لأنّه مُعارَض باستصحاب عدم الجعل. هذا إشکال معروف، ویمثّلون له بمسأله وطء المرأه بعد النقاء وقبل الغسل، الاستصحاب الحکمی الذی یجری فی المقام هو استصحاب الحرمه المتیّقنه قبل النقاء، حیث قبل النقاء قطعاً کانت حرمه ----- هذا استصحاب المجعول، والحرمه بمعنی فعلیّه التکلیف ----- وبعد النقاء، وقبل الغسل نشکّ فی أنّه هل ارتفعت الحرمه، أو لا ؟ فنستصحب الحرمه المتیّقنه سابقاً. هذا الاستصحاب فی الشبهات الحکمیّه فی هذا المورد، وهکذا فی غیره.

ص: 29

هو یقول بأنّ هذا الاستصحاب لا یجری؛ لأنّه مُعارَض باستصحاب عدم الجعل؛ لأننّا متیقنین بأنّ الشارع قد جعل حرمهً قبل النقاء، لکن هل جعل الشارع حرمهً تمتد إلی ما بعد النقاء ؟ هذا مشکوک بالنسبه إلینا. إذن: شکنّا هو فی الجعل الزائد، وحیث أنّ هذا الجعل الزائد مسبوق بالعدم، فنستصحب عدمه، وهذا الاستصحاب ------ استصحاب عدم الجعل الزائد ------ یُعارض استصحاب المجعول، یعنی یعارض استصحاب الحرمه المتیّقنه قبل النقاء؛ لأنّ مقتضی هذا الاستصحاب هو إثبات الحرمه والتنجیز، بینما استصحاب عدم الجعل الزائد یقتضی التعذیر، وعدم الحرمه بعد النقاء، فیکون معارضاً له؛ ولذا ذهب إلی عدم جریان استصحاب المجعول؛ لأنّه معارض باستصحاب عدم الجعل الزائد.

هذا الکلام الذی یقوله(قدّس سرّه) هنا فی مقام توجیه بیان استصحاب عدم الجعل فی الشبهات الموضوعیّه یوقعه فی هذا الإشکال: أنّ إشکال المعارضه المانع من إجراء استصحاب المجعول سوف یسری من الشبهات الحکمیّه إلی الشبهات الموضوعیّه أیضاً؛ لأنّه أیضاً یجری استصحاب عدم الجعل الزائد، حیث أنّه وجّه جریان استصحاب عدم الجعل فی الشبهات الموضوعیّه، فإذا کان استصحاب عدم الجعل یجری فی الشبهات الموضوعیّه؛ حینئذٍ یکون معارِضاً لاستصحاب المجعول فی الشبهات الموضوعیّه. هذا المایع الذی أشک فی کونه خمراً، أو ماءً لنفترض أنّ حالته السابقه کانت هی الخمریّه، فإذا کانت حالته السابقه هی الخمریه، فالمجعول الذی هو الحرمه الفعلیه تثبت له. بعد ذلک شککت فی أنّه هل هو حرام، أو لا ؟ بنحو الشبهه الموضوعیّه، لا أعلم هل أنّه خرج عن کونه خمراً وصار ماءً، أو لا زال خمراً، هنا یجری استصحاب الحرمه المتیّقنه سابقاً، وهذا نُعبّر عنه باستصحاب المجعول، الحرمه المتیّقنه سابقاً قبل التحوّل الذی أوجب الشکّ، وهذا الاستصحاب یُعارَض باستصحاب عدم الجعل الزائد؛ لأنّ استصحاب عدم الجعل علی ضوء ما ذکره لا یختّص بالشبهات الحکمیّه؛ بل یجری حتّی فی الشبهات الموضوعیّه، أنّ الشارع هل جعل الحرمه بنحوٍ تنحلّ حتّی إلی هذا الفرد، أو لا ؟ الأصل عدمه، فیکون معارَضاً باستصحاب عدم الجعل الزائد، وهذا یؤدی إلی أنْ یلتزم ----- ولا أظنّه یلتزم بذلک ------ بأنّ استصحاب المجعول لا یجری فی الشبهات الحکمیّه، ولا فی الشبهات الموضوعیّه، ومن المؤکّد أنّه لا یلتزم بهذا؛ لأنّ المتیّقن من روایات الاستصحاب هو إجراء الاستصحاب فی الشبهات الموضوعیّه، والأمثله التی ذُکرت فی روایات زراره هی الشک فی الطهاره وأمثالها بنحو الشبهه الموضوعیّه، وهی القدر المتیّقن من روایات زراره. بقطع النظر عن هذا الإشکال لا تواجهنا مشکله فی الشبهات الحکمیه، حیث نخرجها من روایات زراره، ونقول أنّ روایات زراره مختصّه بالشبهات الموضوعیّه، ویجری استصحاب الحکم فی الشبهات الموضوعیّه، لکن بعد هذا لابدّ أنْ نخرج منها أیضاً الشبهات الموضوعیّه، ولا اعتقد أنّه یلتزم بذلک. هذا من جهه.

ص: 30

ومن جهه أخری: اصل المطلب هو غیر واضح، فکأنّه یرید أنْ یفترض أنّ التکثّر یکون بلحاظ عالم الجعل، وهذا الافتراض غیر صحیح، حیث لیس لدینا تکثّر بلحاظ عالم الجعل، الجعل لا یتکثّر بتکثّر أفراد موضوعه، الجعل أمر واقعی، وهو شیء واحد، وحاله خاصّه قائمه فی نفس الجاعل، ولا تتکثّر بتحققّ فرد، أو تنقص بعدم تحققّه، یعنی لا تعرض علیها الزیاده والنقیصه بحیث أنّ تحقق أفراد فی الخارج یؤثر فی زیاده الجعل، وعدم تحققّها یؤثر فی نقیصه الجعل، أصلاً لا معنی لأنْ نفترض أنْ یتکثّر الجعل بتکثّر أفراد موضوعه، وإنّما هذا التکثر، والتعدّد قائم فی عالم المجعول، والفعلیّه، فی المجعول یوجد تکثّر بلا إشکال؛ یعنی عندما یوجد فرد مستطیع یثبت له وجوب الحج فعلاً، والذی نعبّر عنه بالمجعول، وهذا لیس معناه أنّ الشارع جعل فیه وجوباً خاصّاً به، فأنّ الشارع قال:(للّه علی الناس حجّ البیت) ولیس أکثر من هذا، ولا ینتظر بعد ذلک کلّما تحققّ موضوع فی الخارج، فیجعل له حکماً ووجوباً، وإنّما نحن بالتحلیل نقول أنّ الحکم مجعول علی نهج القضیّه الحقیقیّه کهذا المثال، عندما یتحققّ مصداق لموضوعه یصبح الحکم فعلیّاً فی حقّه، هذه الفعلیه لیست جعلاً، وهذه نقطه مهمّه، وهی أنّ التکثّر لا یرتبط بعالم الجعل، وإنّما یرتبط بعالم المجعول، فالجعل شیء واحد لیس فیه تکثّر، ولا یتعدّد بتعدّد أفراد موضوعه. هذا الجعل الواحد، الأمر الواقعی الواحد إذا کنّا شاکّین به؛ حینئذٍ تکون الشبهه حکمیّه، وقلنا أنّه لا مشکله فی إجراء البراءه، ولا مشکله فی إجراء استصحاب عدم الجعل؛ لأننّا شاکّین فی الجعل، والحاله السابقه هی العدم، فنستصحب عدم الجعل. أمّا إذا کنّا عالمین بالجعل، ولا نشکّ فیه، وإنّما نشکّ فی المجعول، أی نشک فی الأحکام التی عبّر عنها هو ب---(الأحکام الجزئیّه)، والتی تثبت لأفراد الموضوع عندما تتحققّ، والتی نعبّر عنها بالمجعول، الذی هو أمر تحلیلی لیس له واقع، ما له واقع هو الجعل الصادر من المولی، شکّنا إنّما هو فی المجعول، ولیس فی الجعل، الشک فی کون هذا مصداق للموضوع لا یعنی تکثّر وتعدّد فی الجعل حتّی نقول أنّ هذا الشکّ فی التکثّر مسبوق بالعدم، فیجری استصحاب العدم، وإنّما الشکّ فی المجعول، وهذا یعنی أنّ استصحاب عدم الجعل لا یجری فی الشبهات الموضوعیّه لسببٍ بسیط وهو أنّه بلحاظ الجعل لا یوجد تکثّر، لا الأفراد التی نتیّقن أنّها داخله فی الموضوع توجب تکثّر فی الجعل، ولا الأفراد التی نشکّ فی دخولها فی الموضوع توجب الشکّ فی سعه الجعل وضیقه، الجعل أمر واحد لا یتکثّر، وإنّما الذی یتکثّر هو المجعول. وعلیه: فاستصحاب عدم الجعل لا یجری فی الشبهات الموضوعیّه، وإنّما یجری فی الشبهات الحکمیّه، والذی یجری فی الشبهات الموضوعیّه هو استصحاب المجعول عندما تتوفّر أرکانه، هذا الشیء کان حراماً سابقاً وأشک فی بقاء الحرمه، أو أنّه کان مباحاً سابقاً، وأشک فی بقاء الإباحه، فاستصحب إباحته سابقاً، هذا استصحاب المجعول، ومن هنا لا یکون معارَضاً باستصحاب عدم الجعل فی الشبهات الموضوعیّه، حتّی لو تمّ إشکاله ----- إشکال المعارَضه ------ فی الشبهات الحکمیّه، فهو لا یرد فی الشبهات الموضوعیّه.

ص: 31

وأمّا المسأله التی طرحها هو(قدّس سرّه) من أنّه لولا الشک فی التکلیف لما جرت البراءه فی الشبهات الموضوعیّه، وهی جاریه بلا إشکال؛ لأنّ مبنی جریان البراءه فی الشبهات الموضوعیّه هو أنّ هناک شکّ فی التکلیف. هذا مطلب صحیح، لکن الشکّ فی التکلیف لا یعنی الشکّ فی الجعل، وإنّما یعنی الشک فی المجعول، ففی الشبهات الموضوعیّه یجری الاستصحاب، لکن الذی یجری فیه هو استصحاب المجعول، وتجری البراءه؛ لأنّ الشک فی المجعول، أی فی التکلیف الفعلی المتیّقن سابقاً، فالبراءه تجری فی الشبهات الموضوعیّه، واستصحاب المجعول یجری فی الشبهات الموضوعیّه، ولا یجری فیه استصحاب عدم الجعل؛ ولذا لا إشکال فیه من جهه المعارضه علی ما ذکر.

درس الأصول العملیه/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیه/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی

بما تقدّم نختم الکلام عن أصاله البراءه وأدلّتها، وما یرتبط بهذه البحوث، وندخل بعد ذلک فی الاحتیاط وأدلّته، أدلّه الاحتیاط التی استدلّ بها علماؤنا الأخباریون(رضوان اللّه علیهم)، نحن نتکلّم عن هذه الأدلّه وعن غیرها ممّا لم یستدلوا به، لکن قد یُستدَل به علی أصاله الاحتیاط.

وما ننبه علیه کنتیجهٍ لذلک البحث الطویل فی البراءه هو أنّه تبیّن تمامیّه بعض أدلّه البراءه بنحوٍ تکون حاکمه علی أدلّه الاحتیاط لو تمّت، وما تمّ من أدلّه البراءه لیس هو فقط أدلّه البراءه بلسان قبح العقاب بلا بیان ممّا یکون معارضاً لأدلّه الاحتیاط، وإنّما تمّ من الأدلّه ما یکون حاکماً علی أدلّه الاحتیاط لو تمّت أدلّته، فحتّی لو تمّت أدلّه الاحتیاط الآتیه، عندنا من أدلّه البراءه ما یکون حاکماً علیها. أدلّه الاحتیاط نتکلّم فیها علی غرار ما تکلّمنا عن أصاله البراءه، الکلام هناک کان یقع فی مقامین، فی البراءه العقلیه، وفی البراءه النقلیّه الشرعیه. هنا أیضاً الکلام یقع أولاً فی الاحتیاط العقلی الذی یدرکه العقل و یحکم به، وثانیاً یقع فی الاحتیاط النقلی الشرعی الثابت بالأدلّه الشرعیّه.

ص: 32

أمّا المقام الأوّل فی الاحتیاط والاشتغال العقلی، قُرّب وجوب الاحتیاط عقلاً بعدّه تقریبات کما ذکرها الشیخ(قدّس سرّه) فی الرسائل، وصاحب الکفایه(قدّس سرّه) أیضاً ذکرها، نقتصر علی بعض هذه التقریبات المذکوره:

التقریب الأوّل: أنّ الأصل فی الأشیاء الحظر، ویُدّعی أنّ هذا ممّا یستقل به العقل، حیث إذا لم یرد دلیل من الشارع علی الجواز، والإباحه، وتجویز الارتکاب، فالعقل یستقل بأنّ الأصل فی الأشیاء هو الحظر. أصاله الحظر، أو أصاله التوقّف، کما اقترح الشیخ الطوسی(قدّس سرّه) فی العُدّه، حیث کانت لدیه مشکله فی التعبیر عن هذا بأصاله الحظر، کأنّه یقول أنّ هذه تدخل فی باب الفتوی من غیر علمٍ، کیف نلتزم بالحظر ؟ والمفروض أنّه لا دلیل علی الحظر، فأبدل تسمیه هذه الأصاله، وسمّاها بأصاله التوقّف، أی التوقف عن التحریم المحتمل، وعن الإباحه، التوقّف عن کل منهما، عن التحریم، وعن الإباحه فی الشبهه التحریمیّه، وعن الوجوب والإباحه فی الشبهه الوجوبیه، لکن النتیجه واحده، یعنی کمن یقول بأصاله الحظر، یؤمن بأنّ الأصل فی الأشیاء إذا لم یرد دلیل علی الإباحه، هو الامتناع وعدم الارتکاب، وهذا معناه احتیاط.

إذن: أصاله الحظر، أو أصاله التوقّف التی تنتج الاحتیاط، ولزوم التوقف وعدم الإقدام، فی الشبهات التحریمیه تنتج لزوم الامتناع عن الفعل وفی الشبهات الوجوبیه تنتج لزوم الاتیان بالفعل، هذه الأصاله تُجعل تقریب أوّل للاحتیاط العقلی، باعتبار أنّها من مدرکات العقل العملی، العقل یستقلّ بذلک کما یُدّعی؛ وحینئذٍ ینتج وجوب الاحتیاط عقلاً علی اساس هذا التقریب، وقلنا أنّ هذا الأصل قد آمن به المتقدّمون، یعنی ذُکر فی کلمات المتقدّمین وأهمهم الشیخ الطوسی(قدّس سرّه)، فأنّه ذکر هذا المطلب فی کتاب (عُدّه الأصول) (1) .

ص: 33


1- (1) عُدّه الأصول، الشیخ الطوسی، ج 1، ص 152.

هناک بعض التعلیلات لهذا المدرک العقلی قد لا تکون مقبوله، لکنّ هذا لا یعنی أنّ اصل المدرک، وأصل دعوی استقلال العقل بذاک أیضاً یکون غیر مقبول. ذُکر أنّ هذا باعتبار أنّ العبد ملکٌ لمولاه، فکل تصرفاته هی ملک للمولی(سبحانه وتعالی)، فإذا تصرّف تصرّفاً من دون إذن من قبل نفس المولی والمالک الحقیقی، فهذا یعتبر تصرّف فی سلطان المولی من دون إذنه، والعقل یدرک قبح هذا؛ لأنّه نوع من التعدّی، والخروج عن زیّ العبودیّه، وتمرّد علی المولی والمالک الحقیقی(سبحانه وتعالی)، باعتباره هو مالک کل التصرّفات، فأیّ تصرّف یتصرّفه العبد یحتاج إلی إذن من المولی، وإلاّ یکون تصرّفاً فی سلطان المولی من دون إذنه، وهذا أمر قبیح، والعقل یستقل بقبحه.

هذا الدلیل الأوّل تعرّض له الشیخ الأنصاری(قدّس سرّه) فی الرسائل، وتعرّض له الشیخ الآخوند(قدّس سرّه) فی الکفایه وأجاب عنه بعدّه أجوبه:

أولاً: اصاله الحظر محل خلافٍ وکلامٍ؛ لأنّ هناک من لم یذهب إلی أنّ الأصل فی الأشیاء هو الحظر؛ بل بالعکس ذهب إلی أنّ الأصل فی الأشیاء الإباحه، فمسأله الحظر هی محل خلاف ونقاشٍ، فلا معنی لجعلها دلیلاً علی لزوم الاحتیاط فی محل الکلام؛ لأنّها لیست أمراً مسلّماً، وإنّما هی محل خلافٍ، إنّما یمکن جعل الشیء دلیلاً فی محل النزاع عندما یکون ذلک الشیء مسلّم بین الطرفین، فیُجعل دلیلاً علی الاحتیاط العقلی. أمّا إذا کان أصل الشیء هو محل کلامٍ وخلافٍ؛ فحینئذٍ لا یکون ملزماً للطرف الآخر المثبت لوجوب الاحتیاط عقلاً علی نحوٍ یکون مفحماً للطرف المقابل.

ثانیاً: الإباحه شرعاً ثبتت بالأدلّه المتقدّمه؛ إذ لا إشکال کما قلنا أنّ بعض أدلّه البراءه تمّ سنداً ودلاله، ومع وجود الإباحه الشرعیّه، مع الترخیص الشرعی فی الإباحه والإقدام، وفی عدم الاحتیاط؛ حینئذٍ هذا الدلیل لا یکون تامّاً، وحتّی لو سلّمنا أصاله الحظر کما ذُکر، لکن من الواضح أنّ أصاله الحظر منوطه ومعلّقه علی عدم ورود الترخیص الشرعی، العقل یحکم بلزوم الحظر، والتوقّف؛ لأنّه تصرّف فی سلطان المولی. إذن: هو حکم جهتی، یعنی یحکم بلزوم الاحتیاط مراعاه لمولویه المولی، ومن الواضح أنّ مثل هذا الحکم الاحترامی یکون منوطاً وموقوفاً علی عدم إذن نفس المولی فی المخالفه؛ إذ مع إذن المولی نفسه لا معنی لإصرار العقل علی لزوم الاحتیاط ومراعاه المولی، فیقول أنّ الإباحه ثبتت بالأدلّه المتقدّمه؛ حینئذٍ ترتفع أصاله الحظر، ولا یبقی أیّ أثر له فی محل الکلام.

ص: 34

ثالثاً: مسأله أصاله الحظر تختلف عن محل الکلام، والبناء علی لزوم الاحتیاط، أو التوقف فی مسأله أصاله الحظر لا یلازم ولا یعنی البناء علی الاحتیاط؛ بل هما مسألتان مختلفتان مدرکاً وملاکاً، فالبناء علی التوقف فی أحدهما لا یعنی لزوم البناء علی التوقف والاحتیاط فی الأخری، ویستفاد من کلامه أنّ الفرق بینهما هو أنّ أصاله الحظر عند من قال بها هی مخصوصه بما قبل وجود الشارع، وعدم التمکّن من بیان الأحکام الشرعیه؛ لأسباب لا ترتبط بالشارع نفسه، وإنّما ترتبط بالأوضاع العام، یعنی لأسباب خاصّه الشارع لا یتمکّن من بیان هذه المحرّمات، فی حاله عدم قابلیّه المکلّف لأنْ تبیّن له الأحکام الشرعیّه، هنا یقال بأنّ هذا المکلّف الذی هو غیر قابل لأنْ تبیّن له الأحکام الشرعیّه إذا شکّ فی التکلیف؛ حینئذٍ لابدّ من التوقّف والاحتیاط والحظر؛ لأنّ الأصل هو الحظر، بینما فی محل کلامنا نحن نرید أنْ نثبت أنّ المکلّف الذی یمکن أنْ یُبیّن له التشریع وهو قابل لأنْ یُبیّن له الأحکام الشرعیه، فإذا لم تُبیّن له الأحکام الشرعیّه، فالاحتیاط هناک لا یلازم الاحتیاط هنا؛ لأنّه فی المقام یمکن أنْ یتمسّک بقاعده قبح العقاب بلا بیان، حیث أنّ الشارع یمکنه البیان، والمکلّف صالح لأنْ یُبیّن له التکلیف، ومع ذلک الشارع لم یبیّن، هناک یحکم العقل بأنّه یقبح العقاب مع عدم البیان، ویکون هو المؤمّن، ولا منجّزیه حینئذٍ ولا احتیاط، والاحتیاط هناک حیث لا تجری قاعده قبح العقاب بلا بیان؛ لأنّ المفروض أنّ المکلّف غیر صالح لأنْ یُبیّن له، والشارع غیر متمکّن من البیان، فلا معنی حینئذٍ لحکم العقل بقبح العقاب بلا بیان، فهو إنّما یقبح حیث یکون المولی متمکناً من البیان، ولا یُبیّن، فیقال بأنّ العقاب مع عدم البیان قبیح، أمّا حیث لا یمکنه البیان، ولو باعتبار عدم صلاحیه المکلّفین لبیان التکلیف، ففی هذه الحاله لا تجری هذه القاعده، والاحتیاط هناک لا یلازم الاحتیاط فی محل الکلام، فلا معنی للاستدلال علی الاحتیاط فی محل الکلام الذی هو بعد فرض الشارع، وبعد فرض التمکن من البیان، وصلاحیّه المکلّف لأنْ یُبیّن له التکلیف؛ ولذا نزلت الشریعه، المسألتان مختلفتان، البناء علی لزوم الاحتیاط هناک لا یلازم البناء علی لزوم الاحتیاط هنا.

ص: 35

هذه مناقشات صاحب الکفایه(قدّس سرّه) فی أصاله الحظر، ولمن تمسّک بها لإثبات وجوب الاحتیاط عقلاً عند الشک فی التکلیف، ولنا تعلیق علی ما ذکره (قدّس سرّه): المفروض أننّا نتکلّم عن أحکامٍ کلّیّه مستقلّه یستقل بها العقل، والشیء الذی یُطرح هو: العقل تجاه التکالیف المشکوکه والمحتمله مع عدم ورود تخصیص من قِبل الشارع، هل یستقل بالعقل، أم یستقل بالبراءه ؟ هذا هو محل البحث بین مسلکین معروفین من قدیم الزمان، مسلک یؤمن بأنّ العقل یستقل بالبراءه، والذی یسمّی بقاعده قبح العقاب بلا بیان، ومسلک آخر یؤمن بأنّ العقل یستقل بالاحتیاط، وهو المسلک الذی سمّاه السیّد الشهید(قدّس سرّه) بمسلک(حق الطاعه) (1) والذی هو الاشتغال العقلی، وکلامنا هو فی أنّ العقل بماذا یستقل ؟ هل یستقل بالبراءه تجاه التکالیف المحتمله والمشکوکه، أو أنّه یستقل بالاحتیاط والاشتغال ؟ المُدّعی فی هذا الدلیل هو أنّه یستقل بالاحتیاط وبالتوقّف، بمعنی أنّه یستقل بأنّه لابدّ من إطاعه التکالیف المحتمله والمشکوکه، فالتکالیف المحتمله والمشکوکه بنظر أصحاب هذا المسلک هی کالتکالیف المعلومه، کما أنّ العقل یستقل فی التکلیف المعلوم بلزوم إطاعته، کذلک یستقل فی التکالیف المحتمله والمشکوکه بلزوم إطاعتها.

نعم، هذا الحکم العقلی عند من یقول به بلا إشکال هو مقیّد بعدم ورود الترخیص الشرعی؛ لما قلناه من أنّ هذا حکم یدرکه العقل من باب إدراک مولویه المولی وعبودیه العبد، فهو حکم احترامی، ولا معنی للإصرار علی هذا الاحترام حتّی إذا رخّص نفس المولی فی المخالفه لمصالح یراها، ورخّص فی عدم الاحتیاط. فإذن: حتماً هو حکم معلّق علی عدم ورود الترخیص الشرعی، ولیس حکماً مطلقاً. فی الحقیقه هناک ملاحظات علی بعض أجوبه صاحب الکفایه (قدّس سرّه)، منها أنّ مسأله الحظر هی محل خلاف ونزاع، فلا معنی لجعلها دلیلاً فی محل الکلام؛ لأنّ هذا لا یُفحم الخصم، ولا یوافق علی أصل المبنی، هذا الإیراد لا یرِد فی المقام؛ لأنّ کونها محل خلاف هذا أمر واضح، حیث أننّا قلنا فی البدایه أنّ هناک مسلکین فیما نحن فیه، وهناک خلاف بین العلماء فی ذلک، لکن المشکله هی أنّ کلاً من أصحاب المسلکین لیس لدیه برهان علی إثبات مدّعاه کما تقدّم بحث ذلک مفصّلاً فی بدایه مباحث البراءه، حیث قلنا هناک أنّه لیس هناک برهان علی البراءه کما أنّه لیس هناک برهان علی مسلک حقّ الطاعه، لا توجد براهین فی المقام، وکل ما ذُکر من صوره برهان هو فی الحقیقه غیر ثابت وغیر ناهض لإثبات هذا المسلک، أو ذاک المسلک، وهذا معناه أنّ الدعوی هی دعوی وجدانیّه، من یقول بالحظر وبمسلک حق الطاعه لیس لدیه غیر وجدانه، فیقول: أنّ وجدانی یدرک أنّ المولی مولی حتّی فی تکالیفه المحتمله والمشکوکه، وصاحب مسلک قبح العقاب بلا بیان یقول: أنا أدرک بأنّ العقل یستقل بقبح العقاب بلا بیان، بمعنی أنّه یقبح من المولی أنْ یعاقب مع عدم البیان، وهذا مؤمّن، فلا یجب الاحتیاط. هی دعاوی وجدانیه، ولا تخرج عن کونها کذلک، وکل برهانٍ وقیمه لإثبات أحدهما هو غیر ناهضٍ، ولیس برهاناً.

ص: 36


1- (2) بحوث فی علم الأصول، تقریر بحث السیّد محمد باقر الصدر للسید محمود الشاهرودی، ج 5، ص 79.

إذن: هی دعاوی وجدانیه، فلا معنی للمناقشه فی هذا بأنْ نقول أنّ کلامک محل خلافٍ؛ لأنّ هناک من لا یرضی بکلامک، لا معنی لهذا؛ لأنّه لا یستدلّ بشیء، وأصل أصاله الحظر التی یدّعیها هی عباره عن مسلک حقّ الطاعه، وهی عباره عن الاحتیاط العقلی، وهو لا یستدلّ علیه بشیء، إنّما یدعیه کأمر وجدانی، فیقول: أنا أدرک بعقلی أنّ الأصل فی الأشیاء هو الحظر، بینما الطرف المقابل یقول: أنا أدرک أنّ الأصل فی الأشیاء هو الإباحه والبراءه؛ حینئذٍ لا یمکن إلزام هذا بوجدان هذا، ولا یمکن إلزام هذا بوجدان هذا؛ بل یبقیان مختلفین فی إدراکهما الوجدانی لهذه الأحکام العقلیه. نحن سابقاً ذکرنا بأنّ الشیء الذی یمکن أنْ یُتفوه به فی هذا المقام هو تجمیع مؤشرات ومنبهات علی صحّه أحد الوجدانین، هذا ممکن، وقد ذکرنا هناک بأنّه، إنصافاً أنّه یمکن أنْ یُستفاد من بعض الآیات الشریفه صحّه مسلک قبح العقاب بلا بیان، والمقصود بالآیات القرآنیه هی قوله تعالی:(وما کنّا معذبین حتّی نبعث رسولاً). (1) یُستفاد منها أنّ العذاب من دون بعث الرسول الذی هو کنایه عن بیان الأحکام الشرعیّه، أنّ هذا شیء لا یلیق بساحته(سبحانه وتعالی)، وهذا شیء لا ینبغی أنْ یصدر منه، یعنی أنّه أمر قبیح بالنسبه إلیه(سبحانه وتعالی)، والتعبیر ب--(ما کنّا) یُستفاد منه أنّه لا ینبغی أنْ یصدر منه ذلک، ولیس مناسباً لشأنه(سبحانه وتعالی). وقوله تعالی:(وما کان اللّه لیضلّ قوماً بعد إذ هداهم حتّی یبیّن لهم ما یتّقون). (2) وقوله تعالی:(رسلاً مبشّرین ومنذرین لئلا یکون علی اللّه حجّه بعد الرسل). (3) ویستفاد منها أنّه قبل الرسل تکون الحجّه للناس علی اللّه(سبحانه وتعالی)، وإنّما هو أرسل الرسل مبشّرین ومنذرین لیُبیّنوا الأحکام لئلاّ یکون علی اللّه حجّه بعد الرسل.

ص: 37


1- (3) سوره الإسراء، آیه 15.
2- (4) توبه/سوره9، آیه115
3- (5) نساء/سوره4، آیه165

إذن: یمکن أنْ نعتبر هذه الأدلّه وغیرها منبّهات ومؤشرات علی صحّه مسلک قاعده قبح العقاب بلا بیان، بقطع النظر عن أنّها أمور وجدانیه کما قلنا، فلا یمکن إلزام أحد الطرفین بوجدان الطرف الآخر.

المناقشه فی الجواب الثالث الذی ذکره، وهو أنّ المنظور بهذا هو ما قبل الشرع، والمنظور بالثانی هو ما بعد الشرع، فی الحقیقه هذا تحجیم للمسأله، أفرض أنّه فی کلماتهم کانوا یطرحون مسأله الحظر بلحاظ ما قبل الشرع، بالنتیجه هذا لا یُعفینا من أنْ نبحث، بلحاظ ما بعد الشرع هناک من یقول بلزوم الاحتیاط، ولزوم التوقّف، وبمسلک حقّ الطاعه، هذا بحث بلحاظ ما بعد الشرع، لکن کیف نجیب عن دعوی بلحاظ ما بعد الشرع ؟.

علی کل حال، هذا هو التقریب الأوّل، ونسمّیه(مسلک حقّ الطاعه) ویُعبّر عنه ب---(أصاله الحظر)، أو (أصاله التوقّف) وأمثال هذه الأمور، وکلّها تنشأ من شیءٍ واحد وهو استقلال العقل بلزوم الاحتیاط عند التکالیف المحتمله والمشکوکه.

التقریب الثانی: التمسّک بالعلم الإجمالی علی غرار ما تقدّم من التمسّک بالعلم الإجمالی لإثبات حجّیّه خبر الواحد، بمعنی وجوب العمل بالتکالیف التی یتضمّنها خبر الثقه، والتی تنتج نتیجه الحجّیّه؛ لأنّ خبر الثقه یکون حجّه؛ لأنّه یجب العمل بالتکالیف التی یتضمّنها خبره؛ تمسّکاً بالعلم الإجمالی.

درس الأصول العملیه/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیه/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی

ذکرنا فی الدرس السابق أنّ التقریب الثانی لوجوب الاحتیاط عقلاً هو التمسّک بالعلم الإجمالی، بأنْ یُدّعی أننّا نعلم إجمالاً بوجود واجبات ومحرّمات کثیره فی موارد الشکّ فی التکلیف، فلابدّ من الاحتیاط فی أطراف هذا العلم الإجمالی التی هی جمیع الشبهات، والشبهات فی کل مورد یُشکّ فیه فی التکلیف، تکون طرفاً من أطراف العلم الإجمالی. إذا لاحظنا موضوع مجموع الشبهات وجمیع موارد الشک فی التکلیف الإلزامی نحن نعلم إجمالاً بثبوت تکالیف فی تلک الموارد، فیجب الاحتیاط فی جمیع الأطراف، أنّه کل شبههٍ نحتمل فیها التکلیف الالزامی هی طرف للعلم الإجمالی، یعنی یُحتمَل أنْ یکون التکلیف المعلوم بالإجمال ثابتاً فیها، وهذا هو المیزان فی طرفیّه الطرف للعلم الإجمالی، ویترتّب علی ذلک أنّه لابدّ من فعل کل ما یحتمل وجوبه، وترک کل ما یحتمل حرمته، ونصل إلی نتیجه معنی الاحتیاط، فی کل شبهه وجوبیه لابدّ من الفعل، وفی کل شبهه تحریمیهٍ لابدّ من الترک وهو معنی الاحتیاط، فالعقل یحکم بالاحتیاط فی موارد الشبهه لأجل هذا العلم الإجمالی.

ص: 38

والجواب عنه: هو بادعاء الانحلال، أی أنّ العلم الإجمالی منحل، فلا مانع من إجراء الأصول فی موارد الشک فی التکلیف، وهذا الانحلال للعلم الإجمالی تارهً یُبیّن بلسان الانحلال الحقیقی، وأخری یُبیّن بلسان الانحلال الحکمی، وهو عباره عن إلغاء منجّزیه العلم الإجمالی، یعنی العلم الإجمالی لا یبقی منجزاً، وإنْ کان العلم الإجمالی باقیاً علی حاله، ولا ینحل، لکنّه لیس منجّزاً، فیسقط عن التأثیر، ویسقط عن المنجّزیه، وهذا یعبّر عنه ب----(الانحلال الحکمی)،وسرّ تسمیته بذلک واضح، باعتبار أنّه فی الواقع لا یوجد انحلال، والعلم الإجمالی باقٍ علی حاله، لکنّه لا یکون منجّزاً للأطراف، فیسقط عن الحکم؛ لأنّ حکم العلم الإجمالی هو التنجیز، العلم الإجمالی فی موارد الانحلال الحکمی لا یعود منجّزاً، بینما الانحلال الحقیقی هو أنّ نفس العلم الإجمالی ینحل.

أمّا الانحلال الحقیقی، فادُعی الدعوی المعروفه والمشهوره وهی، صحیح أننّا نعلم إجمالاً بثبوت واجبات ومحرّمات وتکالیف إلزامیه فی ضمن جمیع الشبهات، ومنشأ هذا العلم الإجمالی وسببه هو العلم بوجود شریعه، فکل من یعلم بوجود شریعه، فهو یعلم بوجود تشریعات فی تلک الشریعه، وإلاّ لا معنی لتلک الشریعه من دون تشریعات، ومن دون واجبات ومحرّمات، فالعلم بوجود شریعه یلازم العلم بوجود أحکام إلزامیه فی تلک الشریعه علی الإجمال، فهذا العلم الإجمالی وإن کان موجوداً، ودائرته هی عباره عن جمیع الشبهات، وکل الشبهات هی أطراف لهذا العلم الإجمالی، لکن هذا العلم الإجمالی فی دائره الشبهات منحل إلی علم إجمالی أصغر منه فی دائره الطرق والإمارات؛ بل أدُّعی أنّ هناک علماً إجمالیاً أصغر من هذا العلم الإجمالی الثانی، وهو العلم الإجمالی فی دائره الإمارات المعتبره بالخصوص.

توضیح المطلب: هناک یُدّعی أنّ لدینا ثلاثه علوم إجمالیه:

ص: 39

العلم الإجمالی الأوّل: هو العلم الإجمالی المُدّعی اساساً، وهو العلم بثبوت واجبات ومحرّمات فی الشریعه، وأطراف العلم الإجمالی هی جمیع الشبهات، سواء قامت إماره فی تلک الشبهه، أو لم تقم، وسواء کانت الإماره معتبره، أو لم تکن معتبره، کل شبههٍ حتّی إذا لم تکن فیها إماره إطلاقاً هی طرف فی هذا العلم الإجمالی، ومنشأ هذا العلم الإجمالی کما قلنا هو العلم بوجود شارع وشریعه، فأنّه یستلزم العلم بوجود تشریعات، ووجود أحکام وواجبات ومحرّمات فی تلک الشریعه.

العلم الإجمالی الثانی: هو عباره عن العلم بوجود تکالیف إلزامیه فی دائره الطرق والإمارات، أعم من أنْ تکون معتبره، أو غیر معتبره، بمعنی أننّا إذا عزلنا موارد الطرق والإمارات والأصول أیضاً، إذا لاحظناها، فسوف نعلم بأنّ هناک أحکاماً واقعیّه إلزامیه ثابته فی هذه الموارد، ومدرک هذا العلم هو حساب الاحتمالات، أی أنّ هذه الطرق والإمارات لمّا کانت کثیره، وکثیره جدّاً، الأعم من المعتبره وغیر المعتبره، ونحن لا نحتمل کذبها جمیعاً، بأنْ تکون جمیع هذه الطرق والإمارات کاذبه، وعدم احتمال کذب الجمیع هو عباره أخری عن القطع بصدق البعض، والقطع بصدق البعض هو الذی یولّد لنا علماً إجمالیاً بأنّ بعض هذه الطرق والإمارات مصیبه للواقع یعنی أنّ ما تتضمّنه من أحکامٍ إلزامیه ثابت وموجود.

إذن: نحن نعلم بأنّ هناک تکالیفاً إلزامیه فی ضمن هذه الطرق والإمارات المعتبره وغیر المعتبره؛ لأننّا لا نحتمل کذب الجمیع بحساب الاحتمالات، یعنی نقطع بصدق البعض، یعنی نعلم بثبوت أحکامٍ إلزامیه فی ضمن هذه الطرق والإمارات المعتبره وغیر المعتبره. هذا العلم الإجمالی الثانی دائرته أضیق من دائره العلم الإجمالی الأوّل؛ لأنّ أطراف العلم الإجمالی الثانی لیست کل شبهه، وإنّما الشبهه التی تقوم علی ثبوت التکلیف فیها إماره، أو طریق، ولو لم یکن معتبراً، فتکون دائرته أضیق من دائره العلم الإجمالی الأوّل.

ص: 40

العلم الإجمالی الثالث: وهو فی خصوص الإمارات المعتبره؛ بل أدعی أنّه فی خصوص أخبار الثقات بنفس الملاک السابق، وهو أننّا إذا التفتنا إلی الإمارات المعتبره، خبر الثقه، أو غیره إذا وجدت إماره معتبره، فسنجد أننّا نعلم بأنّ بعض هذه الأخبار مصیب للواقع بحساب الاحتمالات أیضاً؛ لأننّا لا نحتمل أنّ جمیع أخبار الثقات کاذبه وغیر مطابقه للواقع، هذا احتمال منفی بحساب الاحتمالات، وهذا یوجب القطع بصحّه بعض أخبار الثقات ومطابقتها للواقع، ممّا یعنی العلم الإجمالی بوجود أحکام إلزامیه فی ضمن أخبار الثقات. وهذا العلم الإجمالی الثالث بطبیعه الحال تکون دائرته أضیق من العلمین السابقین؛ لأنّ دائرته هی عباره عن الشبهات التی قام خبر الثقه علی ثبوت التکلیف فیها، أو قامت إماره أخری معتبره علی ثبوت التکلیف فیها، فالشبهه التی یقم فیها خبر معتبر لیست طرفاً لهذا العلم الإجمالی، فضلاً عن الشبهه التی لم تقم فیها أیّ إماره.

إذن: لا یجوز لنا أنْ نقصر النظر علی العلم الإجمالی الأوّل ونقول أنّه یقتضی الاحتیاط فی جمیع الشبهات، وبالتالی یثبت لنا لزوم الاحتیاط عقلاً؛ لأنّ هذا العلم الإجمالی الأوّل منحل بعلمٍ إجمالی أصغر منه، وهو العلم الإجمالی الثانی؛ بل الثانی أیضاً ینحل بعلم إجمالی أصغر منه، وهو العلم الإجمالی الثالث. ذکروا فی محلّه وسیأتی إنْ شاء اللّه تعالی مفصّلاً أنّ شرط الانحلال هو :

أوّلاً: أنْ تکون أطراف العلم الإجمالی الصغیر هی بعض أطراف العلم الإجمالی الکبیر، لا أنْ یکون علماً إجمالیاً آخراً لا علاقه له به

ثانیاً: أنْ لا یزید المعلوم بالعلم الإجمالی الکبیر علی المعلوم بالعلم الإجمالی الصغیر، وإلاّ إذا زاد المعلوم بالعلم الإجمالی الکبیر علی المعلوم بالعلم الإجمالی الصغیر لا ینحل العلم الإجمالی، ومثاله المعروف هو مثال قطیع الغنم، إذا علم الإنسان بوجود خمس شیاهٍ مغصوبه فی هذا القطیع الکبیر من الغنم، ثمّ علم بأنّ خمسه من الشیاه البیض من هذا القطیع مغصوبه أیضاً، فأصبح لدیه علمان، وهنا توفرت شرائط الانحلال، حیث أنّ أطراف العلم الإجمالی الصغیر هی بعض أطراف العلم الإجمالی الکبیر، وهی الشیاه البیض من القطیع، والمعلوم بالعلم الإجمالی الکبیر لا یزید علی المعلوم بالعلم الإجمالی الصغیر، هنا قهراً یتحققّ الانحلال، بمعنی أنّ الإنسان یصبح عالماً بوجود خمس شیاه محرّمه فی ضمن البیض، إذا عزل البیض لیس لدیه علم إجمالی بوجود شیاه محرّمه، أمّا إذا فرضنا أنّه علم بوجود ثلاثه شیاه محرّمه مغصوبه فی البیض من القطیع، فسوف لن ینحل العلم الإجمالی؛ لأنّ المعلوم بالعلم الإجمالی الکبیر أزید من المعلوم بالعلم الإجمالی الصغیر؛ لأنّه إذا عزل البیض فسوف یبقی لدیه علم إجمالی بوجود شیاه محرّمه فی الباقی، فلا یُحل ذاک العلم الإجمالی، ویُحتّم علیه أنْ یحتاط لیس فقط فی البیض؛ بل حتّی فی السود.

ص: 41

هذان الشرطان متوفّران فی محل الکلام؛ لأنّ العلم الإجمالی الصغیر، سواء کان الثانی أو الثالث أطرافه هی بعض أطراف العلم الإجمالی الکبیر؛ لأنّ الشبهات حکمیّه، لکن هذه الشبهات الحکمیه مرّه تقوم إماره علی ثبوت الحکم فیها، ومرّه لا تقوم إماره، والشبهات التی تقوم الإماره علی ثبوت التکلیف فیها أیضاً تارهً تکون الإماره معتبره، وأخری تکون غیر معتبره، فدائماً أطراف العلم الإجمالی الصغیر هی بعض أطراف العلم الإجمالی الکبیر. والشق الثانی متوفّر، وهو أنّ ما نعلمه بالعلم الإجمالی الکبیر لا یزید علی ما نعلمه بالعلم الإجمالی الصغیر، بمعنی أنّ الإنسان بوجدانه ------ هذه القضیه وجدانیه لا یمکن إثباتها ببرهان ------ إذا التفت إلی جمیع الشبهات لا یعلم إجمالاً بوجود محرّمات أزید ممّا یعلمه إذا التفت إلی خصوص أخبار الثقات، نظراً لکثره أخباراً الثقات، وأنّ معظم الأحکام الشرعیه ثابته عن طریق أخبار الثقات، أهم إماره تثبت لنا الأحکام الشرعیه هی عباره عن خبر الثقه، فلا یستطیع الإنسان أنْ یقول أنا أعلم بوجود تکالیف إلزامیه بالعلم الإجمالی الکبیر أزید ممّا أعلمه بالعلم الإجمالی الصغیر حتّی الثالث، لیس هناک یقین، نعم، الاحتمال موجود، لکن المناط لیس علی الاحتمال، بحیث إذا عزلت أخبار الثقات تعلم بثبوت تکالیف أخری غیر ما أثبته خبر الثقه، الاحتمال موجود، لکن لا یوجد علم، فتتوفّر الأرکان وشرائط الانحلال، فینحل العلم الإجمالی الأوّل بعلمٍ إجمالی أصغر منه، هذا لا یثبت لنا المطلوب، بعد الانحلال العلم الإجمالی الصغیر یُنجّز أطرافه، لکن هذا لا یثبت المطلوب الذی هو أنْ نقول للمکلّف فی الشبهه التی تعرض علیک، والتی لا تقوم فیها الحُجّه علی ثبوت التکلیف، هذا هو کلامنا، وإلاّ، الشبهه التی تقوم الحُجّه علی ثبوت التکلیف فیها قد فرغنا منها سابقاً، وقلنا بأنّ الحُجّه معتبره، وتثبت التکلیف ویجب حینئذٍ العمل بمقتضی هذا التکلیف، کلامنا لیس فی هذا، وإنّما کلامنا فی الشبهه التی لیس فیها إماره، والشبهه التی فیها إماره لکنّها غیر معتبره، هنا هل یجب الاحتیاط، أو لا یجب الاحتیاط ؟ بعد الانحلال لا یثبت وجوب الاحتیاط فی مثل هذه الشبهات. نعم، یجب العمل بالاحتیاط فی أطراف الشبهه فی أطراف العلم الإجمالی الصغیر، لکن هذا لا داعی لإثبات الاحتیاط فیه؛ لقیام الحجّه المعتبره شرعاً علی ثبوت التکلیف فی تلک الموارد.

ص: 42

دعوی الانحلال هذه تقدّمت مفصلاً فی مسأله الاستدلال علی حُجّیّه خبر الواحد بالدلیل العقلی؛ لأنّ هناک تقدّم أنّ خبر الواحد قد یُستدل علیه بالکتاب، والسُنّه، والإجماع، والعقل، أحد البیانات المذکوره للاستدلال علی حُجّیّه خبر الواحد بالعقل هو أنْ یُدعی علم إجمالی فی دائره خبر الواحد؛ فحینئذٍ یجب العمل بخبر الواحد للعلم الإجمالی، فتثبت نتیجه الحجّیّه الخاصّه الثابته لخبر الواحد. تقدّم هذا مفصلاً، وتقدّم أنّ هناک مناقشات فی دعوی الانحلال فی محل الکلام، وإنْ کان السید الخوئی(قدّس سرّه) تبعاً لأستاذه المیرزا(قدّس سرّه) یلتزمون بهذا الانحلال الحقیقی، لکن تقدّمت هناک مناقشات فی دعوی الانحلال الحقیقی فی محل الکلام لا داعی لإعادتها؛ لأنّها تقدّمت مفصّلاً.

أصحاب الانحلال الحقیقی قالوا: إذا ناقشتم فی الانحلال الحقیقی ولم ترضوا به، فیمکن إدّعاء الانحلال الحکمی، أنّ هذا العلم الإجمالی المُدعی فی المقام، والذی نرید أنْ نثبت به وجوب الاحتیاط فی الشبهات منحل حکماً لا حقیقهً.

خلاصه الانحلال الحکمی: أنّ العلم الإجمالی یزول عن قابلیه التنجیز، لا یصبح قابلاً لأنْ یُنجّز الأطراف، یسقط عن قابلیه التنجیز، وإنْ کان العلم الإجمالی باقٍ فی نفسه، لکنّه یسقط عن قابلیه التنجیز، فیکون وجوده وعدمه سواء. وبعباره أخری(کما سیأتی): هو لا یمنع من إجراء الأصل المؤمّن فی بعض أطرافه، لو کان منجّزاً لکل الأطراف، فأنّه یمنع من إجراء الأصول المؤمّنه فی أطرافه؛ لأنّ التأمین لا ینسجم مع التنجیز فی کل الأطراف.

هذا التقریب للانحلال الحکمی یختلف بیانه باختلاف المسالک المعروفه فی منجّزیه العلم الإجمالی لوجوه الموافقه القطعیّه، یعنی الاحتیاط. المعروف أنّ هناک مسلکین فی منجّزیه العلم الإجمالی لوجوب الاحتیاط، أو لوجوب الموافقه القطعیه، المسلک الأوّل هو مسلک الاقتضاء، والمسلک الثانی هو مسلک العلّیّه التامّه، هناک رأی یقول بأنّ العلم الإجمالی مقتضی لوجوب الموافقه القطعیّه، لکن فعلیّه وجوب الموافقه القطعیّه، والتنجیز مبنیّه علی تعارض الأصول المؤمّنه فی الأطراف، فالتنجیز لیس نتیجه لنفس العلم الإجمالی، وإنّما هو من نتائج تعارض الأصول المؤمّنه فی الأطراف.

ص: 43

وبعباره أکثر وضوحاً: أصحاب مسلک الاقتضاء یقولون: لا مانع من إجراء الأصل المؤمّن فی أحد الطرفین، لا مانع من إجراء أصاله البراءه فی حدّ نفسها فی أحدّ الطرفین، وإنّما یمنع من إجرائها فی هذا الطرف معارضتها بالأصل المؤمّن فی الطرف الآخر؛ لأنّ نسبه کلا الطرفین إلی دلیل الأصل المؤمّن نسبه واحده، ولیس هناک خصوصیّه لأحد الطرفین بحیث یختصّ دلیل الأصل المؤمن به دون صاحبه، وإجراء الأصل المؤمّن فی کلا الطرفین غیر ممکن؛ للعلم الإجمالی بثبوت التکلیف، نعلم بنجاسه أحد الإناءین، فکیف نجری أصاله الطهاره فی کلا الطرفین ؟! فلا یمکن إجراء الأصل المؤمّن؛ لأنّه منافٍ للعلم الإجمالی، وإجراءه فی أحد الطرفین بخصوصه دون الآخر ترجیح بلا مرجّح بعد تساوی نسبه الطرفین إلی دلیل الأصل المؤمّن، وهذا ینتج تعارضاً الأصول فی الطرفین، بمعنی أنّ شمول دلیل المؤمّن لهذا الطرف یُعارَض بشموله للطرف الآخر، فتسقط الأصول المؤمّنه فی الأطراف؛ فحینئذٍ یُنجّز العلم الإجمالی کلا الطرفین. إذن: تنجیز کلا الطرفین، ووجوب الاحتیاط، ووجوب الموافقه القطعیّه هو من نتائج تعارض الأصول، لا أنّ العلم الإجمالی لوحده یثبّت وجوب الموافقه القطعیّه، العلم الإجمالی لیس فیه هکذا حاله، وإنّما هو فیه مجرّ اقتضاء لوجوب الموافقه القطعیه، وإذا اقترن بتعارض الأصول وعدم جریان الأصل المؤمّن فی الطرف؛ فعندئذٍ یُنجّز وجوب الموافقه القطعیّه. أمّا إذا لم یقترن بتعارض الأصول، فلا مانع من إجراء الأصل المؤمّن فی هذا الطرف، لو فرضنا لسببٍ من الأسباب ----- کما سیأتی ----- عدم جریان الأصل المؤمّن فی ذاک الطرف؛ فحینئذٍ لا مانع من جریان الأصل المؤمّن فی هذا الطرف.

علی مسلک الاقتضاء یُبیّن الانحلال الحکمی بهذا اللّسان: أنّ الشبهات الحکمیّه فی غیر موارد الإمارات المعتبره تجری فیها الأصول المؤّمنه بلا معارض؛ لأنّ الأصل المؤمّن لا یجری فی الشبهات الحکمیه التی قامت علیها الإمارات المعتبره المنجّزه للتکلیف فی مواردها، عندما تقوم إماره معتبره علی أنّ هذا نجس، وهذا واجب، أو هذا حرام، فهنا لا تجری البراءه؛ لأنّ الإماره المعتبره حجّه حاکمه علی البراءه، ومانعه من جریانها. إذن: الأصل المؤمّن لا یجری فی الموارد التی تقوم الإماره المعتبره علی ثبوت التکلیف فیها؛ وعندئذٍ لا مانع من جریانه فی غیر هذه الموارد بلا معارض، فیجری فی غیر موارد الإمارات المعتبره الذی هو محل کلامنا بلا معارض؛ لأننّا قلنا أننّا لا نتکلم عن الموارد التی فیها إمارات معتبره؛ لثبوت التکلیف فیها بلا إشکال، وإنّما کلامنا فی الشبهات التی لیس فیها إماره، أو فیها إماره غیر معتبره، هنا لا یجب الاحتیاط علی مسلک الاقتضاء؛ لأنّ الأصل المؤمّن یجری فیها بلا معارض، وبحسب الفرض علی هذا المسلک لا مانع من إجراء الأصل المؤمّن فی أحد الطرفین؛ لأن هذا المسلک هو مسلک الاقتضاء، ولیس العلّیّه التامّه للتنجیز ولوجوب الموافقه القطعیه، وإنّما یثبت وجوب الموافقه القطعیه بعد افتراض التعارض، والمفروض لا تعارض فی المقام؛ فحینئذٍ لا مانع من إجراء الأصل المؤمّن فی الشبهات فی غیر موارد الإمارات المعتبره، وإذا جرت الأصول المؤمّنه، فهذا معناه أنّه انحل العلم الإجمالی حکماً، یعنی أصبح غیر صالحٍ لأنْ ینجّز کل الأطراف، ولو بضمیمه تعارض الأصول المؤمّنه، فالعلم الإجمالی باقی، ویبقی المکلّف یعلم إجمالاً بأنّ هناک تکالیف فی دائره الشبهات التی قامت علیها الإمارات المعتبره وغیر المعتبره، أو فی أوسع دائرهً، العلم الإجمالی الأوّل فی جمیع الشبهات أعلم إجمالاً بوجود تکالیف إلزامیه، لکن هذا العلم الإجمالی لا یثمر ثمره؛ لأنّه لا یوجب تنجیز کل الشبهات؛ لأنّه یمکن إجراء الأصول المؤمّنه فی الشبهات التی لم تقم علیها الإمارات المعتبره. هذا بیان الانحلال بناءً علی مسلک الاقتضاء.

ص: 44

درس الأصول العملیه/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیه/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی

کان الکلام فی الدلیل الثانی علی وجوب الاحتیاط عقلاً، وهو عباره عن الاستدلال بالعلم الإجمالی، وأجیب عن هذا الدلیل بالانحلال، أنّ هذا العلم الإجمالی منحل، ولا ینجّز وجوب الاحتیاط، ووجوب الموافقه القطعیّه. الانحلال تارهً یبیّن بتقریب الانحلال الحقیقی وقد تقدّم الکلام فیه. وأخری یبیّن بتقریب الانحلال الحکمی، وقلنا أنّ الانحلال الحکمی یختلف باختلاف المسلک المتبنی فی باب منجّزیه العلم الإجمالی بوجوب الموافقه القطعیه، فأنّه بناءً علی مسلک الاقتضاء یبیّن الانحلال بهذا الشکل: أنّ الأصل یجری فی الشبهات الحکمیه فی غیر مورد الإمارات بلا معارض، والتنجیز فرع المعارضه بین الأصول المؤمّنه فی الأطراف بناءً علی مسلک الاقتضاء، ولا یعارض بالأصل فی مورد الإمارات؛ لأنّ أصاله البراءه لا تجری فی موارد قیام الإماره المعتبره علی ثبوت التکلیف.

إذن: الأصل المؤمّن یجری فی الشبهات الخالیه من الإمارات المعتبره بلا معارض، فلا یجب الاحتیاط، فی الشبهه التی یشتبه فیها فی أکل لحم الأرنب لا توجد إماره معتبره علی حرمه أکل لحم الأرنب، فتجری فیه البراءه. وأمّا بناءً علی مسلک العلّیّه، فلابدّ أنْ یختلف التقریب؛ لأنّه علی مسلک العلّیه لا یجوز إجراء الأصل المؤمّن فی أحد الطرفین بقطع النظر عن المعارضه، ولا علاقه له بالمعارضه، فنفس العلم الإجمالی ینجّز وجوب الموافقه القطعیه، هو علّه تامّه لوجوب الموافقه القطعیه. إذن: هو یمنع من إجراء البراءه فی الطرفین بقطع النظر عن المعارضه، بمعنی أنّه حتّی لو لم نُجری الأصل المؤمّن فی أحد الطرفین، العلم الإجمالی نفسه یمنع من إجرائه فی الطرف الآخر، فتقریب الانحلال بناءً علی مسلک العلّیه لابدّ أنْ یختلف عن تقریبه بناءً علی مسلک الاقتضاء، وحاصل ما یقال فی المقام: هناک مطلب مسلّم عندهم، وهو أنّه یُشترط فی منجّزیه العلم الإجمالی أنْ یکون صالحاً للتنجیز علی کل تقدیر، کل علمٍ إجمالی یکون صالحاً للتنجیز علی کل تقدیر، وکل علمٍ لا یکون صالحاً للتنجیز إلاّ علی أحد التقدیرین دون الآخر فی باب العلم الإجمالی لا یکون منجّزاً، مثلاً فی مثال الإناءین المعروف، العلم الإجمالی یکون منجّزاً؛ لأنّه صالح للتنجیز علی کلا التقدیرین، أی سواء کان المعلوم بالإجمال فی هذا الطرف، یتنجّز، ولا مشکله فی تنجیزه، أو کان فی الطرف الآخر أیضاً یتنجّز، فهذا العلم الإجمالی یکون منجّزاً لوجوب الموافقه القطعیّه. وأمّا إذا کان العلم الإجمالی لیس صالحاً لتنجیز أحد الطرفین؛ لأنّ أحد الطرفین هو منجَّز، أی یوجد فیه منجِّز للتکلیف، فالعلم الإجمالی حینئذٍ لا ینجِّز التکلیف؛ لأنّ المتنجِّز لا یتنجَّز مرّه أخری، إذا کان أحد الطرفین قد تنجَّز التکلیف فیه بمنجِّزٍ ما، فهذا معناه أنّ العلم الإجمالی عندما یأتی لا یستطیع أنْ ینجِّز علی کلا التقدیرین، وإنّما ینجز علی أحد التقدیرین دون الآخر، مثل هذا العلم الإجمالی لا یکون منجّزاً، ولا یمنع من إجراء البراءه فی الطرف الآخر. وما نحن فیه من هذا القبیل؛ لأنّ المفروض قیام الإماره فی بعض الشبهات بمقدار المعلوم بالإجمال علی ثبوت التکلیف فیها، فیکون التکلیف فی موارد قیام الإماره قد تنجّز بالإماره، بناءً علی هذا الکلام یجری الأصل المؤمّن فی غیر موارد قیام الإماره؛ لأنّ هذا العلم الإجمالی لا یصلح للتنجیز علی کلا التقدیرین، وإنّما یصلح للتنجیز علی أحد التقدیرین، علی تقدیرٍ أنْ یکون المعلوم بالإجمال ثابتاً فی موارد قیام الإمارات، فالعلم الإجمالی لا ینجّز التکلیف؛ لأنّ التکلیف قد تنجّز بالإماره المعتبره.

ص: 45

نعم، علی تقدیر أنْ یکون المعلوم بالإجمال ثابتاً فی غیر موارد قیام الإمارات یکون العلم الإجمالی منجّزاً للتکلیف. إذن: هو ینجّز التکلیف علی أحد التقدیرین، لا علی کل تقدیر، مثل هذا العلم الإجمالی یسقط عن التنجیز، وینحل حکماً، بمعنی أنّه لا ینجّز الطرف الآخر، فلا یجب الاحتیاط فی الطرف الآخر الذی هو عباره عن الشبهات الغیر خالیه عن الإماره المعتبره، هذه لا تتنجّز، فیجوز إجراء البراءه فیها بعنوان الانحلال الحکمی. هذا تقریب الانحلال بناءً علی مسلک العلّیّه.

إذن: الجواب هو أنّه یُدّعی الانحلال الحکمی علی کلا المسلکین، مسلک الاقتضاء، ومسلک العلّیّه، وأنّ هذا العلم الإجمالی یسقط عن قابلیه التنجیز، وإنْ کان باقیاً بحسب الصوره والظاهر، العلم الإجمالی نفسه باقٍ، لکن لا یکون له أثر فی التنجیز.

ولکن اعتُرض علی هذا الجواب: الظاهر أنّ هذا الاعتراض لا یختصّ بأحد المسلکین، والاعتراض هو أنّ الانحلال الحکمی إنّما یتم إذا کانت الإماره المعتبره علی التکلیف واصله إلی المکلّف حین حصول العلم الإجمالی له، بأنْ کان هناک تقارن بین حصول العلم الإجمالی، وبین وصول الإماره المثبته للتکلیف فی بعض الشبهات، فإذا تقارنا، أو کانت الإماره واصله قبل حصول العلم الإجمالی؛ فحینئذٍ یتم هذا الجواب؛ لأنّه عندما یحصل العلم الإجمالی سیجد أنّ بعض أطرافه قد تنجّز بمنجّزٍ، وهو الإماره المعتبره علی ثبوت التکلیف، فتجری أصاله البراءه فی الطرف الآخر علی مسلک الاقتضاء بلا معارضٍ؛ لأنّ أصاله البراءه فی هذا المورد ----- قیام الإماره المعتبره ----- لا تجری، أو نقول تجری البراءه فی الطرف الآخر؛ لأنّ العلم الإجمالی سقط عن قابلیه التنجیز؛ لأنّه لا ینجّز معلومه علی کل تقدیر، وإنّما یُنجّز معلومه علی أحد التقدیرین؛ لأنّ العلم الإجمالی لا ینجّز معلومه علی تقدیر أنْ یکون موجوداً فی الشبهات التی قامت علیها الإماره المعتبره؛ لأنّ المتنجّز لا یتنجّز مره أخری، فیتم هذا الکلام.

ص: 46

وأمّا إذا فرضنا أنّ وصول الإماره القائمه علی ثبوت التکلیف کان متأخّراً عن العلم الإجمالی، بأنْ حصل العلم الإجمالی للمکلّف فی زمانٍ، ثمّ بعد فتره طویله، أو قصیره وصلته الإمارات القائمه علی التکلیف فی بعض الشبهات.

یقول المعترِض: أنّ قیام الإمارات بهذا الشکل لا یُسقِط العلم الإجمالی عن التنجیز؛ بل یبقی منجّزاً لکلا الطرفین، ویمنع من إجراء البراءه فی هذا الطرف، باعتبار أنّ العلم الإجمالی حینما حصل لم یکن هناک شیء یمنع من تنجیزه لکلا الطرفین، لا علی مسلک الاقتضاء، ولا علی مسلک العلّیّه، عندما حصل العلم الإجمالی قبل وصول الإمارات المعتبره علی التکلیف إلی المکلّف، لم یکن هناک شیء یمنع من تنجیزه لکلا الطرفین، أمّا علی مسلک الاقتضاء، فلأنّ أصاله البراءه فی هذا الطرف مُعارَضه بأصاله البراءه فی الطرف الآخر، یعنی فی الشبهات التی ستصل إلی المکلّف بعد ذلک الإمارات المعتبره المثبته للتکلیف فیها، لکن قبل وصول الإمارات هذا طرف وهذا طرف، هنا شبهات حکمیّه وهنا شبهات حکمیه، فتکون البراءه فی هذه الأطراف فی غیر موارد الإمارات التی ستقوم مُعارَض بأصاله البراءه فی الشبهات التی ستقوم الإماره المعتبره علی ثبوت التکلیف فیها، قبل قیام الإماره لا مانع من إجراء البراءه فی هذه الشبهات، فتعارض البراءه فی الشبهات الأخری، فیتنجّز العلم الإجمالی علی مسلک الاقتضاء؛ لأنّ منجزیه العلم الإجمالی علی مسلک الاقتضاء ینجز معلومه؛ لأنّ هذا التقدیر لم یتنجز بعد. إذن: هو ینجز معلومه علی کل تقدیر، وهذا هو شرط المنجزیه، فیکون العلم الإجمالی منجزاً لکلا الطرفین، ومانعاً من إجراء البراءه فی هذا الطرف، فیجب الاحتیاط.

إذن: الانحلال الحکمی إنّما یتم فی غیر هذه الصوره، أمّا فی هذه الصوره، فلا یتم الانحلال الحکمی؛ لأنّ العلم الإجمالی عندما یحصل لا یمنع من تنجیزه لجمیع الأطراف أی مانع فی صوره تأخّر وصول الإمارات المثبته للتکلیف عن زمان حصول العلم الإجمالی.

ص: 47

ویقال حینئذٍ: فی مقام تطبیق الجواب عن الانحلال فی محل الکلام، أنّ محل کلامنا هو من قبیل هذه الصوره، بمعنی أنّه فی محل کلامنا وصول الإمارات المثبته للتکلیف متأخّر زماناً عن حصول العلم الإجمالی؛ لأنّ العلم الإجمالی یحصل للمکلّف من حین بلوغه، والتفاته إلی وجود شرع وشریعه، یحصل له علم إجمالی بثبوت واجبات ومحرّمات فی هذه الشریعه، وهو مسئول عن تطبیقها، فمن حین البلوغ یحصل له العلم الإجمالی، لکن الإمارات المعتبره علی ثبوت التکلیف فی شبهات حکمیّه تصله بعد ذلک تباعاً. إذن: وصول الإمارات المعتبره إلی المکلّف متأخّر زماناً عن حصول العلم الإجمالی، فیأتی هذا الاعتراض علی الانحلال، هنا لا یوجد انحلال؛ بل یبقی العلم الإجمالی منجزاً لکلا الطرفین، ومجرّد أنّ بعض أطراف هذا العلم الإجمالی ورد فیه منجز بعد ذلک، لا یرفع منجزیّه العلم الإجمالی لکلا الطرفین. وهذا مطلب یذکروه، وسیأتی مفصّلاً، لو فرضنا أنّه حصل عنده علم إجمالی ثمّ خرج أحد الطرفین عن کونه مورد ابتلاءٍ، أو تلف أحد الطرفین، أو أریق هذا الماء فی أحد الإناءین الذی أعلم بأنّ أحدهما نجس، هذا لا یمنع من منجزیّه العلم الإجمالی للطرف الباقی؛ بل یبقی العلم الإجمالی منجز للطرف الباقی بالرغم من خروج أحد الطرفین عن محل الابتلاء، أو تلف، أو أریق، بالرغم من هذا یبقی العلم الإجمالی منجزاً للطرف الآخر. قیام الإماره فی زمان متأخّر علی ثبوت التکلیف فی بعض الشبهات هو من هذا القبیل، هذا یُخرج هذا عن کونه مورداً للبراءه بعد حصول العلم الإجمالی، بعد منجزیّه العلم الإجمالی لکلا الطرفین، وهذا من قبیل ما إذا تلف، فیخرج عن کونه مورداً للبراءه، ولا معنی لإجراء البراءه فی التالف، أو خرج عن کونه مورداً للابتلاء، أیضاً لا معنی لإجراء البراءه فی الطرف الخارج عن الابتلاء، لکن هذا الخروج عن الموردیه للبراءه لمّا کان فی زمانٍ متأخّرٍ عن العلم الإجمالی، فأنّه لا یمنع من منجزیّه العلم الإجمالی للطرف الباقی، فیبقی العلم الإجمالی منجزاً للطرف الباقی بالرغم من خروج هذا عن کونه مورداً للبراءه. ما نحن فیه من هذا القبیل، فالشبهات التی تنجزت بالعلم الإجمالی سابقاً بقیام الإمارات المعتبره علی ثبوت التکلیف فیها ورد فیها منجز، فخرجت عن کونها مورداً للبراءه، هذا الخروج لا یمنع من منجزیه العلم الإجمالی للأطراف الأخری، فتبقی الأطراف الأخری ینجز العلم الإجمالی فیها الاحتیاط، ولا یجوز إجراء البراءه فیها.

ص: 48

إذن: الانحلال فی محل الکلام لا یصح؛ لأنّ محل الکلام لم یُقارن وصول الإماره حصول العلم الإجمالی، ولم یتقدّم علیه؛ بل هو متأخّر عنه، وقد عرفت أنّه فی صوره تأخّر قیام الإماره یکون حاله حال ما إذا تنجز أحد الأطراف بمنجزٍ متأخّر زماناً عن حصول العلم الإجمالی فأنّ هذا لا یمنع من منجزیّه العلم الإجمالی.

هذا الجواب عن الانحلال الحکمی مبتنی علی فکره أنّ الإمارات منجزه بوصولها، وحیث أنّ وصول الإماره فی محل کلامنا ----- بحسب الفرض ----- متأخّر زماناً عن حصول العلم الإجمالی، فالإمارات لا تنجز بوجوداتها الواقعیه، وإنّما تنجز بوصولها إلی المکلّف، ومن الواضح أنّ وصول الإمارات إلی المکلّف متأخّر زماناً عن حصول العلم الإجمالی، وقلنا أنّ هذا المتأخّر لا یمنع من منجزیه العلم الإجمالی لجمیع الأطراف. نعم، خصوص هذا الطرف الذی قامت علیه الإماره هذا تنجز بمنجزٍ وهو الإماره، لکنّ الطرف الآخر یبقی العلم الإجمالی ینجز التکلیف فیه ویمنع من إجراء البراءه فیه.

المحقق النائینی(قدّس سرّه) (1) تعرّض إلی هذا الانحلال الحکمی، وأجاب عنه جواباً مبنائیاً، وحاصله أنّ هذا الاعتراض إنّما یرد إذا قلنا أنّ المجعول فی باب الإمارات هو المنجزیه والمعذّریه، وقد اعترف بورود الاعتراض بناءً علی ذلک، وأمّا بناءً علی مسلکه القائل بأنّ المجعول فی باب الإمارات هو الطریقیه والمحرزیّه، والشارع یجعل الإماره محرزه للواقع، بناءً علی هذا المسلک لا یرد هذا الاعتراض، باعتبار أنّ قیام الإماره ------ بناءً علی هذا المسلک ------ یوجب العلم بالواقع تعبّداً؛ حینئذٍ یکون من قامت عنده الإماره کمن علم بالواقع وجداناً؛ حینئذٍ یقول: کما أنّ من یعلم بالواقع وجداناً ینحل عنده العلم الإجمالی بهذا العلم الوجدانی بالواقع التفصیلی فی بعض الأطراف، کذلک من یعلم بالواقع تعبّداً؛ لأنّ الإماره مُنزّله منزله العلم الوجدانی، جُعلت فیها المحرزیّه والطریقیه، فإذا علم بالواقع وجداناً، فعلمه بالواقع وجداناً، تفصیلاً یوجب انحلال العلم الإجمالی، ولیست مسأله منجزیّه؛ بل هو علِم وجداناً بأنّ المائه تکلیف التی یعلمها اجمالاً بالعلم الإجمالی، حتّی إذا کان متقدّماً، أنّ هناک مائه تکلیف موجوده فی الشبهات هذه، نفس العدد المعلوم بالإجمال هی موجوده هنا، وقد علمها تفصیلاً، وهذا لیس علماً إجمالیاً صغیراً؛ بل هو علمها تفصیلاً بمقدار المعلوم بالعلم الإجمالی، أنّ هذه الشبهه فیها تکلیف، وهذه الشبهه أیضاً فیها تکلیف، بلا إشکال ینحلّ العلم الإجمالی، سواء هذا العلم الإجمالی التفصیلی کان مقارناً للعلم الإجمالی، أو متأخّراً عنه. یقول المیرزا(قدّس سرّه): أنّ قیام الإماره هو بمثابه العلم الوجدانی؛ لأنّ قیام الإماره هو علم تعبّدی بالواقع تفصیلاً، وکما أنّ العلم الوجدانی التفصیلی ینحل به العلم الإجمالی، کذلک العلم التعبّدی التفصیلی ینحل به العلم الإجمالی حتّی لو کان متأخّراً عن حصول العلم الإجمالی، فیقول: بناءً علی هذا المبنی لا یرد هذا الاعتراض؛ بل یثبت الانحلال الحکمی. نعم، بناءً علی أنّ المجعول فی باب الإمارات هو المنجزیه والمعذریه من دون تنزیل الإماره منزله العلم الوجدانی، ومن دون جعل الطریقیه والمحرزیه، وإنّما یجعل الإماره منجزه إذا قامت علی التکلیف، ومعذّره إذا قامت علی نفی التکلیف، هنا الاعتراض یکون وارداً، والانحلال الحکمی یکون فی غایه الإشکال، وعللّ ذلک بما نصّه تقریباً(بأنّ حکم الشارع بمنجزیه الإماره فی أحد طرفی العلم الإجمالی ----- التی هی هذا المقدار من الشبهات الذی قامت به الإماره ----- من دون الحکم بکونها محرزه للواقع، ومن دون تنزیلها منزله العلم لا یترتب علیه الانحلال؛ بل العلم الإجمالی باقٍ علی حاله بعد قیام الإماره أیضاً). هذا الکلام احتمال قوی أنْ یکون ناظراً إلی ما ذکرناه من أنّ التنجیز بالإماره المتأخّر عن العلم الإجمالی لا یوجب الانحلال؛ لأنّ الإماره إنّما تکون منجزه بوصولها لا بوجودها الواقعی، وحیث أنّ وصول الإماره متأخّر عن العلم الإجمالی، وفرضنا أنّ المحرزیه والطریقیه غیر مجعوله؛ لأننّا بنینا علی المسلک الآخر، ومجرّد أنّ الإماره منجزه هذا لا یوجب انحلال العلم الإجمالی، قام فی أحد الطرفین منجز، لکن متأخّر عن حصول العلم الإجمالی، هنا لا یوجب انحلال العلم الإجمالی؛ بل یبقی العلم الإجمالی علی منجزیته للطرفین، فالطرف الآخر الذی لم تقم فیه الإماره، العلم الإجمالی فیه منجز، ولا یجوز إجراء البراءه فیه.

ص: 49


1- (1) اجود التقریرات، تقریر بحث النائینی للسید الخوئی، ج 2، ص 193.

السید الخوئی(قدّس سرّه) (1) أجاب عن الاعتراض علی الانحلال بإنکار المبنی الذی یبتنی علیه الاعتراض، بإنکار أن یکون منجزیه الإماره لمؤدّاها موقوف علی الوصول؛ بل أنّها تنجز فی مرتبه سابقه علی الوصول، هی قبل وصولها تنجز، والاعتراض مبنی علی أنّ الإماره تکون منجزه بوصولها، بحیث أنّ وصولها متأخّراً لا یمنع من تنجیز العلم الإجمالی، فلا انحلال. هو یقول أنّ الإماره تنجز قبل وصوبها، ویکفی فی منجزیه الإماره لمؤدّاها کون الإماره فی معرض الوصول، ولو لم تصل إلی المکلّف. والإماره التی تقوم لدی المکلّف بعد ذلک لا إشکال فی أنّها تکشف عن أنّ الإماره فی معرض الوصول من حین حصول العلم الإجمالی، هذه المعرضیه للوصول موجوده من حین حصول العلم الإجمالی، بمعنی أنّ المکلّف من حین بلوغه، لو فحص عن الإماره لعثر علیها، بدلیل أنّها وصلت إلیه بعد فتره. إذن: هی إماره موجوده فی معرض الوصول، ولو بحث عنها لعثر علیها. إذن: هی إماره فی معرض الوصول، فإذا اکتفینا فی التنجیز بکون الإماره فی معرض الوصول، کونها فی معرض الوصول مقارن للعلم الإجمالی، فإذا کان مقارناً للعلم الإجمالی، ومنجز، فهذا یمنع من منجزیه العلم الإجمالی.

درس الأصول العملیه/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیه/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی

ذکرنا فی الدرس السابق أنّ المحقق النائینی(قدّس سرّه) أجاب عن الاعتراض علی الانحلال الحکمی بجوابٍ مبنائی، لکنّ السید الخوئی(قدّس سرّه) أجاب عن الاعتراض بإنکار الأصل الموضوعی الذی یبتنی علیه الاعتراض وهو مسأله أنّ تنجیز الإمارات یکون بوصولها، هذا هو المبنی الذی بُنی علیه الاعتراض؛ لأنّه یعنی التفکیک بین زمان حصول العلم الإجمالی وبین ثبوت المنجِّز، فیکون المتنجِّز متأخّراً عن زمان حصول العلم الإجمالی، وهذا یؤدی إلی عدم انحلال العلم الإجمالی. هو یقول: أنّ منجّزیّه الإمارات لا تکون بوصولها، فالوصول لیس شرطاً فی تنجّز الإماره؛ بل کونها فی معرض الوصول هو الذی یکون معتبراً فی التنجیز، وکل إمارهٍ تکون فی معرض الوصول، وإنْ لم تصل إلی المکلّف هی تنجِّز مؤدّاها ومضمونها؛ لأنّه یجب علیه الفحص، والشبهه حینئذٍ تکون شبهه قبل الفحص، ولا إشکال عندهم فی أنّ الشبهه قبل الفحص تکون منَجّزه ولا تجری فیها الأصول المؤمّنه، وکون الإماره فی معرض الوصول هذا یحصل من حین حصول العلم الإجمالی، ومن حین البلوغ تکون الإماره فی معرض الوصول، بدلیل أنّها وصلت إلیه بعد ذلک، وهذا معناه أنّه لو فحص عنها لعثر علیها، فإذن هی فی معرض الوصول من حین حصول العلم الإجمالی.

ص: 50


1- (2) دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الشاهرودی، ج 3، ص 286.

وعلیه: لا یرد هذا الاعتراض؛ بل ینحل العلم الإجمالی حکماً علی کلا المسلکین السابقین، مسلک الاقتضاء، ومسلک العلّیّه، باعتبار التعارض علی مسلک الاقتضاء؛ لأنّه عندما حصل العلم الإجمالی کان هناک منجّز لبعض أطرافه، فهذا الطرف الذی ورد فیه المنجّز وهی الإماره التی هی فی معرض الوصول، لا تجری فیه البراءه، فتجری البراءه فی الطرف الآخر بلا معارض، وبهذا یسقط العلم الإجمالی عن التنجیز حکماً، وهو معنی الانحلال الحکمی. أو علی مسلک العلّیّه، أنّ هذا العلم الإجمالی لا ینجّز معلومه علی کلا التقدیرین؛ بل ینجّزه علی أحد التقدیرین دون التقدیر الآخر، هذا أیضاً یوجب سقوط العلم الإجمالی عن المنجّزیه، فیتم الاعتراض بناءً علی هذا الکلام الذی ذکره السید الخوئی (قدّس سرّه).

هذا هو الاعتراض علی الانحلال الحکمی، وهذا هو جوابه، وهو جواب صحیح، والمسلک الصحیح من المسلکین المتقدّمین الذی بنا علیه تقریباً مشهور المتأخّرین هو مسلک الاقتضاء، وأنّ منجّزیه العلم الإجمالی من آثار تعارض الأصول المؤمّنه فی الأطراف، فإذا لم یجری اصلٌ مؤمّن فی أحد الطرفین، جری الأصل الآخر فی الطرف الآخر بلا معارض، وبذلک یسقط العلم الإجمالی عن التنجیز، وهو معنی الانحلال الحکمی.

إذن: الجواب عن التقریب الثانی لوجوب الاحتیاط عقلاً الذی یُستدل علیه بالعلم الإجمالی بوجود أحکام إلزامیّه فی الشریعه، الجواب هو أنّ هذا العلم الإجمالی منحلٌ حکماً؛ لأنّ الانحلال الحقیقی فی الجواب الأوّل فیه مناقشات کما أشرنا إلیه فی بحث تقدّم، لکن الانحلال الحکمی تام، فلا أثر لهذا العلم الإجمالی فی التنجیز، فهو لا یمنع من إجراء الأصول المؤمّنه فی الشبهات الحکمیه التی لم ترد فیها إماره معتبره، وهذا هو المطلوب فی المقام، حیث أننّا نرید أنْ نثبت أنّه عندما یشکّ المکلف بنحو الشبهه الحکمیه فی وجوب شیءٍ، أو حرمه شیءٍ، ولم تقم عنده إماره معتبره تدل علی الوجوب، فبإمکانه أنْ یجری البراءه؛ لأنّ البراءه فی هذه الشبهه وأمثالها لیست معارَضه بالبراءه فی الشبهات التی وردت فیها الإماره المعتبره.

ص: 51

التقریب الثالث: لوجوب الاحتیاط العقلی هو دعوی أنّ ارتکاب الشبهه فیه احتمال الوقوع فی الضرر، والعقل یستقل بلزوم دفع الضرر المحتمَل. یتألف هذا التقریب من صغری وکبری:

أمّا الصغری فهی أنّ مخالفه التکلیف المحتمل فیه احتمال الضرر، وهی صغری واضحه، باعتبار أنّ مخالفه التکالیف الشرعیه توجب احتمال العقاب الأخروی، واحتمال الوقوع فی المفسده، المعبّر عنه بالضرر الدنیوی. إذن: العلم بالتکلیف یستلزم العلم بالضرر الدنیوی والأخروی، ویستلزم الوقوع فی العقاب، والمفسده عند المخالفه، والظن بالتکلیف یستلزم الظن بهما، واحتمال التکلیف یستلزم احتمالهما، وکل درجات التصدیق إذا ثبتت فی أحد المتلازمین تثبت بنفس الدرجه فیما یلازمه؛ للملازمه الواقعیه الثابته بین نفس التکلیف، وبین ترتّب العقاب علی مخالفته، والوقوع فی المفسده عند مخالفته، هذه ملازمه واقعیه ثابته بینهما، فالعلم بأحدهما یستلزم العلم بالآخر، فإذا ظنّ المکلّف بالتکلیف ظنّاً غیر معتبر، إذا کان ظنّاً معتبراً فلا مشکله، ولیس هو محل کلامنا، وإنّما نحن نرید أنْ نجری البراءه، أو الاحتیاط فی الظنّ بالتکلیف الذی یقم دلیل علی اعتباره، الذی حکمه حکم احتمال التکلیف، وحکم الشکّ فی التکلیف، فإذا ظنّ بالتکلیف ظنّاً غیر معتبر، هذا الظنّ بالتکلیف یلازم الظن بالضرر، والظن بالوقوع فی المفسده، وإذا احتمل التکلیف، فهذا الاحتمال یلازم احتمال الضرر الأخروی، واحتمال الضرر الدنیوی.

وأمّا الکبری: فهی ممّا یحکم بها العقل ویستقل بها العقل علی ما قالوا، وذکر فی الکفایه (1) بأنّ هذه الکبری مسلّمه ویستقلّ بها العقل بقطع النظر عن مسأله التحسین والتقبیح العقلیین؛ ولذا یؤمن باستقلال العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل، أو المظنون حتّی من ینکر التحسین والتقبیح العقلیین کالأشاعره، وسرّه هو أنّه حکم عقلی فطری جِبِلّی غیر مبتنی علی مسأله التحسین والتقبیح العقلیین، فیستقلّ العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل أو المظنون، فتتم الکبری والصغری، وإذا تمّت الکبری والصغری؛ فحینئذٍ العقل یلزم المکلّف عندما یحتمل التکلیف، أو یشکّ فیه، أو یظنّ به ظنّاً غیر معتبر یلزم العقل المکلّف بأنْ یحتاط، فإذا کانت شبهه تحریمیه فأنّه یلزمه بالترک، وإذا کانت شبهه وجوبیه یلزمه بالفعل؛ لأنّه بذلک یتخلّص من الضرر المحتمل، والضرر المحتمل یجب دفعه بحکم العقل، ودفعه لا یکون إلاّ عن طریق الاحتیاط. فیکون الاحتیاط واجباً عقلاً.

ص: 52


1- (1) کفایه الأصول، الآخوند الخراسانی، ص 308.

الجواب المعروف عن هذا التقریب، هو: تقدّم فی بحث الانسداد أنّ أحد الأدلّه علی حجّیّه مطلق الظن هو هذا الدلیل، والجواب عنه هو، ما هو المقصود بالضرر فی هذا الدلیل ؟ هل المراد به الضرر الأخروی، أو المراد به الضرر الدنیوی ؟ إذا کان المراد بالضرر هو الضرر الأخروی، فالکبری مسلّمه؛ إذ لا إشکال فی وجوب دفع الضرر الأخروی المحتمل، أو المظنون، والعقل یحکم بوجوب دفع العقاب الإلهی حتّی لو کان محتملاً، أو مظنوناً، فیجب دفعه، لکنّ الکلام فی الصغری، وهی أنّ الظن بالتکلیف هل یلازم الظنّ بالعقاب الأخروی، والضرر الأخروی ؟ هذه الصغری محل کلامٍ ومناقشهٍ، باعتبار أنّ هذه الصغری مبنیّه علی دعوی الملازمه الواقعیه بین التکلیف الواقعی، وبین استحقاق العقاب علی مخالفته حتّی یکون الظنّ بالتکلیف مستلزماً للظن باستحقاق العقاب علی المخالفه، وللظنّ بالضرر الأخروی، واحتمال التکلیف یکون ملازماً لاحتمال الضرر الأخروی، ودعوی الملازمه هذه غیر تامّه.

وأجیب عنها:

أوّلاً: بما ذکروه من أنّ افتراض الملازمه یقتضی البناء علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات البدویه، کما هو الحال فی الشبهات الحکمیّه حتّی بعد الفحص، باعتبار أنّ التکلیف فیها محتمل، والفحص یورث العلم بعدم ثبوت التکلیف، فیبقی التکلیف محتملاً، فإذا بقی التکلیف محتملاً، والمفروض أنّ الملازمه ثابته بین التکلیف الواقعی، وبین استحقاق العقاب علی المخالفه، فاحتمال التکلیف یستلزم احتمال الضرر الأخروی، ولا إشکال فی أنّ العقل یستقل بلزوم دفع الضرر الأخروی. إذن: یجب الاحتیاط حتّی فی الشبهات البدویه بعد الفحص.

وبعبارهٍ أخری: أنّ الاحتیاط لا یختص بالشبهات البدویه قبل الفحص؛ بل حتّی بعد الفحص أیضاً یجب الاحتیاط فیها، وهذا ممّا لا یمکن الالتزام به، وإنّما یمکن الالتزام بوجوب الاحتیاط فی الشبهات المقرونه بالعلم الإجمالی، أو الشبهات البدویه قبل الفحص، لکن بعد الفحص وعدم العثور علی ما یثبت التکلیف فی تلک الشبهه، مقتضی هذا الدلیل أنْ نلتزم بوجوب الاحتیاط حتّی فی هذا المورد، وهذا ممّا لا یمکن الالتزام به.

ص: 53

ثانیاً: أنّ أصل الملازمه بین التکلیف الواقعی وبین استحقاق العقاب علی المخالفه غیر ثابت، وإنّما الملازمه التی ندرکها هی ملازمه بین التکلیف المنجّز وبین استحقاق العقاب علی المخالفه، ولیس کل تکلیف مطلقاً، وإنْ لم یکن منجَزاً یلازم استحقاق العقاب علی المخالفه، فاستحقاق العقاب علی المخالفه من لوازم تنجّز التکلیف، فالتکلیف إذا تنجّز بأیّ منجّزٍ کان، یلازم استحقاق العقاب علی المخالفه، واستحقاق العقاب علی المخالفه هو من لوازم مرتبهٍ خاصّهٍ من التکلیف، وهو أنْ یصل التکلیف إلی مرتبه المنجّزیه، تنجّز التکلیف یلازمه استحقاق العقاب علی المخالفه. إذن: الملازمه لیست بین ذات التکلیف الواقعی، ولو لم یکن منجّزاً، وبین استحقاق العقاب علی المخالفه، وإنّما الملازمه التی نؤمن بها هی ملازمه بین التکلیف المنجّز، وبین استحقاق العقاب علی المخالفه، وحیث أننّا نتکلّم عن شبههٍ بدویهٍ لم یتنجّز فیها التکلیفٍ بأیّ منجّزٍ، فلا نستطیع أنْ نقول أنّ احتمال التکلیف یلازم احتمال الضرر الأخروی حتّی نتمّم الصغری، أو أنّ الظنّ بالتکلیف یلازم الظنّ بالضرر الأخروی؛ لأنّ هذا مبنی علی افتراض الملازمه بین التکلیف الواقعی، وبین استحقاق العقاب علی المخالفه، وقد عرفت أنّه لا ملازمه بینهما.

هذا الجواب الثانی الذی ذُکر عن تمامیه الصغری، بناءً علی أنْ یکون المقصود بالضرر هو الضرر الأخروی، والکبری تامّه، لکن الصغری غیر تامّه؛ لهذین الوجهین.

وأمّا إذا کان المقصود بالضرر فی الدلیل هو الضرر الدنیوی، أی أنّ احتمال التکلیف یلازم احتمال الضرر الدنیوی عند المخالفه، والظنّ بالتکلیف یلازم الظنّ بالوقوع فی الضرر الدنیوی عند المخالفه، ویُعبّر عنه بالوقوع فی المفسده؛ حینئذٍ قالوا: أنّ کلتا المقدّمتین، الصغری والکبری ممنوعتان علی تقدیر، والکبری ممنوعه فقط علی تقدیرٍ آخر.

توضیح ذلک: قالوا بأنّ الشبهه تارهً تکون شبههً وجوبیه، وأخری تکون شبههً تحریمیّه، والشبهه التحریمیّه تارهً ینشأ التحریم فیها من مفاسد نوعیّه کلّیّه راجعه إلی اختلال النظام من قبیل حرمه قتل النفس المحترمه، فهذا التحریم لا ینشأ من ضررٍ یلحق شخص المرتکب عندما یُقدِم علی هذا العمل، وإنّما ینشأ من مفسدهٍ نوعیّهٍ ترجع إلی حفظ النظام، وعدم جواز الإخلال به، فتوضع جمله من التشریعات لأجل حفظ النظام وعدم الإخلال به، وإلاّ القاتل لا یلحقه ضرر شخصی ومفسده شخصیه تعود إلیه، ولعله من هذا الباب الغصب أیضاً. إذن: هذا نوع من التحریمات لم ینشأ من ضرر شخصی یلحق المرتکب عند ارتکابه ، وإنّما ینشأ من مفاسد نوعیّه کلّیه تؤثر فی حفظ النظام وتوجب اختلاله. وأخری تنشأ من ضررٍ شخصی، ومفسدهٍ شخصیّه موجوده فی نفس من یرتکبه، هو إذا ارتکب هذا الفعل الحرام سوف یتضررّ، ومن هذا القبیل شرب الخمر، هناک مفسده شخصیه فیه، هو یتضررّ ویصیبه ----- مثلاً ----- الداء الفلانی، وأکل السم أیضاً مفسده شخصیه وضرر شخصی یلحق ویعود إلی شخص المرتکب.

ص: 54

قالوا: لأنّ الشبهات الوجوبیه عندما نشکّ فی وجوب شیء، لا معنی لأنْ نقول أنّ فی مخالفتها یترتب الضرر الدنیوی، ففی مخالفه التکالیف الوجوبیه فوات مصلحه؛ لأنّ الأحکام تابعه للمصالح والمفاسد فی متعلّقاتها، والتحریم فی بعض الأحیان کما عرفت ینشأ من مفسده فی المتعلّق، والوجوب ینشأ من مصلحه فی المتعلّق، فلا نستطیع أنْ نقول أنّ مخالفه الوجوب توجب الوقوع فی الضرر الدنیوی، وإنّما هی توجب فوات المصلحه وفوات الملاک علی المکلف، وهناک فرق بین أنْ تفوت المصلحه علی المکلّف عند المخالفه، وبین أنْ یقع فی الضرر عند المخالفه، فی التکالیف الوجوبیه لا یُتصَوّر معنیً للوقوع فی الضرر عند مخالفتها، وإنّما المتصَوّر هو أنّ المصالح تفوت، والملاک یفوت عندما یخالف التکلیف الوجوبی، وفوات المصلحه غیر الوقوع فی الضرر. إذن: هذا الدلیل لا یمکن تطبیقه فی محل الکلام، فهو غیر تام صغریً وکبریً فی الشبهات الوجوبیه.

أمّا عدم تمامیته صغریً؛ فلأنّ احتمال الوجوب لا یلازم احتمال الوقوع فی الضرر الدنیوی، وإنّما یلازم فوات المصلحه والملاک، وفوات المصلحه والملاک لیس ضرراً.

وأمّا الکبری: فواضح؛ لأنّ الأضرار الدنیویه لا یستقل العقل بوجوب دفعها، خصوصاً إذا کانت من قبیل فوات المصلحه، وسوف نقول أنّها إذا کانت من قبیل الأضرار الشخصیّه التی تلحق المکلّف لا دلیل علی وجوب دفعها عقلاً، فما ظنّک إذا کان المقصود بالضرر هو فوات المصلحه ؟ لا یستقلّ العقل هنا بأنّه یجب علی المکلّف تحصیل المصلحه، ویحرم علیه تفویت تلک المصلحه. ونفس الکلام یقال إذا کانت الشبهه تحریمیه وکان التحریم ناشئ من مفسده نوعیّه ترجع إلی لزوم حفظ النظام، وعدم الإخلال به، من قبیل تحریم القتل، أیضاً یقال نفس الشیء، کلتا المقدّمتین ممنوعتان، أمّا الصغری؛ فلأنّ الظنّ بحرمه فعلٍ، إذا کانت حرمته من هذا القبیل، أو تنشأ من مفسدهٍ نوعیهٍ، لا من مفسده تعود إلی شخص المرتکب، أنّ الظنّ بالتحریم لا یلازم الظنّ بالضرر الدنیوی؛ بل بالعکس فی بعض الأحیان قد یکون نفعاً دنیویاً بالنسبه له، هذا الذی یغصب مال الغیر ینتفع دنیویاً، ولا یلحقه ضرر دنیوی عندما یرتکب ذلک الشیء، وإنّما هناک مفاسد نوعیه لاحظها الشارع عند التحریم، فلا نستطیع أنْ نقول أنّ الظنّ بتحریم من هذا القبیل یلازم الظنّ بالضرر الدنیوی، أو أنّ احتمال من هذا القبیل یلازم احتمال الضرر الدنیوی، فهنا الصغری غیر تامّه، والکبری أیضاً غیر تامّه، فلا یستقل العقل بلزوم دفع الضرر بهذا المعنی، یعنی لا یستقل العقل بلزوم تحصیل تلک المصالح النوعیه، وأنّه یجب تحصیلها، فلابدّ من الاحتیاط.

ص: 55

نعم، فیما إذا کان التحریم فی الشبهه التحریمیه ناشئ من ضررٍ شخصی من قبیل شرب الخمر، إذا کان ناشئاً من ضررٍ شخصی، هنا الصغری تکون تامّه؛ لأنّ الظنّ بتحریم من هذا القبیل یلازم الظنّ بالوقوع فی الضرر الدنیوی، والمفسده الدنیویه، احتمال التحریم من هذا القبیل أیضاً یلازم احتمال الوقوع فی الضرر الدنیوی، لکنّ الکبری غیر مسلّمه؛ إذ لا دلیل علی وجوب دفع الضرر الدنیوی المظنون، فضلاً عن المحتمل؛ بل قالوا أنّه لا دلیل علی تحریم ارتکاب ما فیه ضرر دنیوی حتّی لو کان مقطوعاً به، فضلاً عمّا إذا کان مظنوناً أو محتملاً، العقل لا یحکم بذلک. نعم، العقل قد یمنع عن الإقدام علی ما فیه ضرر کبیر جدّاً بحیث یصدق علیه إلقاء النفس فی التهلکه، وإهلاک النفس وأمثاله، امّا الأضرار الدنیویه الأخری کحمّی یومٍ مثلاً، أو یصیبه الزکام، وأضرار من هذا القبیل إذا کانت أضراراً، العقل لا یستقلّ بلزوم دفعها، وحرمه الإقدام علی ما فیه ضرر من هذا القبیل. نعم، قلنا إذا وصل إلی مرحله إهلاک النفس، أو إلقاء النفس فی التهلکه، هناک أدلّه تدل علی حرمته، أمّا إذا لم یصل إلی هذه المرحله، فلا دلیل علی حرمه ذلک. قالوا: ثبت فی موارد خاصّه الإقدام علی ما فیه ضرر، من قبیل الانتحار، دلّ دلیل علی حرمه الإقدام علی هذا الضرر، فی موارد خاصّه أیضاً ثبت حرمه ارتکاب ما یُخاف ضرره فی موارد خاصّه کالصوم، والوضوء، والغُسل، إذا کان فیها ضرر، قالوا ورد حرمه ارتکاب ما یُخاف ضرره فی هذه الموارد، لکنّه یٌقتصَر علیها ولا نستفید منها قاعده عامّه بحیث نعممّ هذا الحکم، ونقول: کل ما یُخاف فیه الضرر لا یجوز ارتکابه.

ص: 56

هذا غایه ما یقال فی مناقشه التقریب الثالث لإثبات وجوب الاحتیاط عقلاً.

درس الأصول العملیه/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیه/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی

کان الکلام فی التقریب الثالث علی وجوب الاحتیاط عقلاً، وذکرنا الجواب عن هذا التقریب المذکور فی کلماتهم، هناک ملاحظات علی هذا الجواب:

الملاحظه الأولی: أنّ إنکار الصغری، بناءً علی إراده الضرر الأخروی، حیث ذُکر فی الجواب بأنّه إذا کان المراد بالضرر هو الضرر الأخروی والعقاب، فالکبری مسلّمه؛ إذ یجب دفع الضرر الأخروی المظنون والمحتمل بلا إشکال، لکنّ الصغری ممنوعه، بمعنی أنّ الظنّ بالتکلیف لا یستلزم الظنّ بالضرر الأخروی، کما أنّ احتمال التکلیف لا یستلزم احتمال الضرر الأخروی.

أقول: إنّ إنکار الصغری بناءً علی إراده الضرر الأخروی مبنی علی مسلک قاعده قبح العقاب بلا بیان؛ إذ یمکن بناءً علیه أنْ یکون هذا الکلام تامّاً؛ لأنّ الظنّ بالتکلیف، فضلاً عن احتماله، إذا لم یکن معتبراً ومنجزاً لا یوجب الظنّ بالعقاب، ولا احتمال العقاب؛ بل العقاب مقطوع بعدمه استناداً إلی قاعده قبح العقاب بلا بیان، فقاعده قبح العقاب بلا بیان تقول مع عدم البیان للتکلیف یقبح العقاب، فلو ظنّ المکلّف بالتکلیف، فهذا الظنّ بالتکلیف لا یکون ملازماً للظنّ بالعقاب؛ بل العقاب یکون مؤمّناً عنه بقاعده قبح العقاب بلا بیان، فهو لیس مظنوناً ولا محتملاً، بمعنی أنّ المکلّف الذی یتمسّک بقاعده قبح العقاب بلا بیان یقطع بعدمه حتّی مع الظنّ بالتکلیف، أو احتماله، فیتم هذا الجواب، وهو إنکار الصغری بناءً علی إراده الضرر الأخروی بناءً علی مسلک قبح العقاب بلا بیان، هذا شیء صحیح.

وأمّا إذا بنینا علی المسلک الآخر الذی ینکر قبح العقاب بلا بیان، وینکر حکم العقل بقبح العقاب بلا بیان، ویؤمن بمسلک حق الطاعه الذی هو عباره عن منجّزیه الاحتمال، بمعنی أنّ احتمال التکلیف یکون منجّزاً، فضلاً عن الظنّ بالتکلیف، وأنّه فی هذه المرحله لا یحکم العقل بقبح العقاب؛ بل یحکم العقل بلزوم الطاعه، ولزوم الإتیان بالتکلیف المحتمل، فضلاً عن التکلیف المظنون، وبناءً علی ذلک لا وجه لإنکار الصغری؛ لأنّ الظنّ بالتکلیف یلازم الظنّ بالعقاب، واحتمال التکلیف یلازم احتمال العقاب، ولا مؤمّن من ناحیه العقاب حتّی یُقطع بعدمه، ویقال أنّ الظنّ بالتکلیف لا یلازم الظنّ بالعقاب؛ بل علی العکس، فأصحاب هذا المسلک یرون أنّ احتمال التکلیف منجِّز، فمع احتمال التکلیف، والظنّ به یتنجّز التکلیف علی المکلّف بحکم العقل، فلا معنی لأنْ یقال لا ظنّ بالعقاب؛ بل هناک ظنّ بالعقاب، والعاقل یری أنّه لا مانع من العقاب؛ لأنّه لا یراه قبیحاً ----- بحسب الفرض ----- بناءً علی هذا المسلک، اصحاب مسلک قبح العقاب بلا بیان یرونه قبیحاً فیُقطع بعدمه، فلا یکون الظنّ بالتکلیف ملازماً للظنّ بالعقاب؛ بل هو مقطوع بعدمه. أمّا القائل بمسلک حقّ الطاعه، فلا یری أنّ هناک مؤمّناً من ناحیه العقاب، فیکون الظنّ بالتکلیف ملازماً للظنّ بالعقاب، واحتمال التکلیف ملازماً لاحتمال العقاب، وبناءً علی هذا المسلک تکون الصغری تامّه.

ص: 57

إذن: هذا الجواب هو جواب مبنائی مبنی علی قاعده قبح العقاب بلا بیان.

بعبارهٍ أخری: أنّ صاحب مسلک قبح العقاب بلا بیان یؤمن أیضاً أنّ استحقاق العقاب من لوازم تنجّز التکلیف کما یقول الطرف المقابل أنّ استحقاق العقاب لیس من لوازم التکالیف الواقعیه بوجوداتها الواقعیه؛ بل هو من لوازم تنجّز التکلیف، لکنّه یری أنّ التکلیف بالاحتمال منجَّز، ولا یتوقّف تنجّز التکلیف علی العلم، أو الإماره المعتبره، کما یقول صاحب مسلک قبح العقاب بلا بیان؛ بل یری أنّ التکلیف یتنجّز بالاحتمال، وهذا المسلک مرجعه فی الحقیقه إلی منجّزیّه الاحتمال، أنّ احتمال التکلیف منجِّز، فاستحقاق العقاب یکون ثابتاً؛ لأنّ استحقاق العقاب من لوازم تنجّز التکلیف، وهو یری أنّ احتمال التکلیف یکون منجّزاً، ولا یتوقف تنجّز التکلیف علی العلم والعلمی، فإذا کان احتمال التکلیف منجّزاً؛ فحینئذٍ لا یمکن إنکار الصغری، والقول بأنّ احتمال التکلیف لا یلازم احتمال العقاب، أو الظنّ بالتکلیف لا یلازم الظنّ بالعقاب؛ بل هو قطعاً یلازم الظنّ بالعقاب.

الملاحظه الثانیه: أنّ التکالیف الوجوبیه التی ذُکرت فی الجواب فی الدرس السابق، لأنّ المصلحه التی تفوت بمخالفتها هی مصلحه شخصیّه فی المتعلّق، ولا یصدق الضرر علی فوات المصلحه، فالظنّ بالوجوب لا یلازم الضرر علی تقدیر مخالفه التکلیف، وإنّما تفوته المصلحه، وفوات النفع غیر الوقوع فی الضرر.

یظهر من الجواب أنّه دائماً یفترض أنّ المصلحه التی تنشأ منها الأحکام التکلیفیه الوجوبیه هی مصلحه شخصیّه ثابته فی المتعلّق، وأنّها تفوت بمخالفه الوجوب. والملاحظه هی أنّه لا یجب فی المصلحه الداعیّه إلی الوجوب أنْ تکون مصلحه قائمه فی المتعلّق؛ بل قد تکون المصلحه موجوده فی نفس الجعل؛ بل یظهر من الأدلّه أنّ المصلحه التی ینشأ منها الوجوب، ویُجعَل الوجوب علی أساسها قد تکون مصلحه قائمه فی نفس الجعل، بقطع النظر عن المتعلّق، قد لا یکون فی المتعلّق مصلحه؛ بل قد تکون فیه مفسده، لکن حیث أنّ جعل الوجوب تترتّب علیه المصلحه، جُعل الوجوب. الذی أرید أنْ أقوله هو: أنّ الوجوب لا یجب دائماً أنْ ینشأ من مصلحهٍ فی الملاک والمتعلّق؛ بل قد ینشأ من مصلحهٍ وملاکٍ فی نفس الجعل بقطع النظر عن المتعلّق، وهذا موجود حتّی فی التحریمات، فقد ینشأ التحریم من مصلحهٍ فی نفس جعله، لا من مفسدهٍ فی متعلّقه، قد لا یکون فی المتعلّق مفسده؛ بل قد تکون فیه مصلحه، ومع ذلک یحرَّم؛ لأنّ هناک مصلحهً تترتّب علی جعل التحریم لاحظها الشارع عندما جعل وشرّع التحریم، ولعلّه یرشد إلی ذلک قوله تعالی:(فبظلمٍ من الذین هادوا حرّمنا علیهم طیباتٍ أُحلت لهم) (1) هی طیبات حلال لهم؛ ولأنّهم ظلموا حرّمناها علیهم، وکأنّ التحریم نوع من أنواع العقوبه، هذا لیس ناشئاً من مفسدهٍ فی المتعلّق، وإنّما ناشئ من مصلحهٍ فی جعل التحریم لاحظها الشارع فجعل التحریم، ولیس له علاقه بوجود مفسدهٍ فی نفس المتعلّق. الذی أرید أنْ أقوله هو: أنّ هذه الأحکام لا یجب أنْ تنشأ من ملاکات فی متعلّقاتها، قد تنشأ من ذلک، وقد تنشأ من ملاکات قائمه فی نفس الجعل، أو مصالح، أو مفاسد لاحظها الشارع لا ربط لها بالملاکات والمصالح والمفاسد فی نفس المتعلّق.

ص: 58


1- (1) نساء/سوره4، آیه160

الملاحظه الثالثه: ذُکر فی الجواب أنّه ورد حرمه ارتکاب ما یُخاف ضرره فی بعض الموارد، ومُثّل لذلک بالصوم، والوضوء، والغسل، أنّه فی هذه الموارد ورد ما یدل علی حرمه ارتکاب ما یُخاف ضرره، الصوم إذا خیف ضرره یکون حراماً، والغُسل إذا خیف ضرره یکون حراماً.

هذا لیس واضحاً؛ لأنّ الأدلّه الوارده فی هذه الموارد لیس فیها دلاله علی حرمه الفعل تکلیفاً بحیث یکون الفعل حراماً، لیست ناظره إلی هذا إطلاقاً، وإنّما هی تدل علی عدم صحّه الفعل لو جاء به المکلّف، هی ناظره إلی بطلان الغُسل لو خاف معه الضرر علی نفسه، لا یصح منه الغُسل، وفی الصوم لا یصحّ منه الصوم، أی أنّ صومه باطل یجب علیه قضاؤه، أمّا أنّه لو فعله یرتکب حراماً، ویقع فی الإثم، ویستحق العقاب، هذا لیس واضحاً من الأدلّه. الذی یُستفاد من الأدلّه ------ مثلاً ------ فی باب الصوم أنّ الخلو من المرض ----- لأنّهم اعتبروا المرض من جهه أنّه مُضر ----- هو شرط فی وجوب الصوم وفی صحّته، فإذا کان مریضاً، أو کان هناک ضرر لا یجب علیه الصوم، لا أنّه لا یجوز له الصوم کما هو المُدّعی، لا یصحّ منه الصوم لو جاء به، فالخلو من المرض شرط فی وجوب الصوم وفی صحّته، فمع المرض، ومع الضرر لا یجب الصوم، ولا یصحّ منه لو جاء به، وأین هذا من عدم جوازه، کما هو المُدّعی ؟! أنّه ورد ما یدلّ علی حرمه ارتکاب ما یُحتمَل فیه الضرر، لا یستفاد ذلک من الأدلّه، أو لا أقل أنّه محل تشکیک.

علی کل حال، التقریب الثالث حتّی لو تمّ علی بعض المسالک، کمسلک قاعده قبح العقاب بلا بیان، فهو لا یثبت به إلاّ مفاد مسلک قاعده قبح العقاب بلا بیان، یعنی الاحتیاط العقلی، ومن الواضح أنّ الاحتیاط العقلی محکوم بأدلّه البراءه المتقدّمه. حتّی القائل بمسلک قاعده قبح العقاب بلا بیان، عندما تأتی أدلّه البراءه الشرعیه، فأنّه یرفع یده عن الاحتیاط العقلی، غایه ما یثبت بهذا الدلیل هو مفاد الاحتیاط العقلی، بمعنی أنّ العقل یحکم بلزوم دفع الضرر المحتمل، أو المظنون، لکن مالم یرِد ترخیص من الشارع یؤمّن من ناحیه العقاب، والأدلّه الشرعیه الدالّه علی البراءه تکون حاکمه علی الاحتیاط العقلی، وعلی هذا التقریب الذی ذُکر. فإذن: الاحتیاط یثبت، لکنّه لا ینفع شیئاً؛ لأننّا فرغنا عن ثبوت أدلّه تدلّ علی البراءه الشرعیه، وتکون تلک الأدلّه حاکمه علی هذا الاحتیاط العقلی.

ص: 59

هذا کلّه فی المقام الأوّل، حیث قلنا أنّ الکلام فی أدلّه الاحتیاط تارهً یکون فی أدلّه الاحتیاط العقلی، وله تقریبات ثلاثه علی ما تقدّم، وقد فرغنا منه، والمقام الثانی فی ما یدلّ علی وجوب الاحتیاط شرعاً.

المقام الثانی: فی ما یدلّ علی وجوب الاحتیاط شرعاً، یعنی فی الأدلّه الشرعیه علی وجوب الاحتیاط فی الشبهه. وقد أُستدلّ علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات بالکتاب والسُنّه:

من الکتاب: أُستدلّ بعدّه آیات، قیل أنّ مفادها ومدلولها هو وجوب الاحتیاط فی الشبهات.

الآیه الأولی: قوله تعالی:(ولا تقفُ ما لیس لک به علم). (1)

تقریب الاستدلال بها علی وجوب الاحتیاط هو أنْ یقال أنّ صریح الآیه هو حرمه القول بغیر علمٍ، وعلیه: ففی الفعل المشتبه، وفی الشبهه الحکمیه لا یجوز للأصولیین أنْ یحکموا بالإباحه، أو یحکموا بالترخیص والبراءه؛ لأنّ الحکم بالترخیص والإباحه حکم بغیر علم، والآیه الشریفه تنهی عن القول بغیر علم. فالمستدل یقول: أنّ الأصولیین یحکمون فی الشبهه الحکمیّه، وبالخصوص الشبهه الحکمیه التحریمیّه الذی هو مورد النزاع، یحکمون بالإباحه والترخیص، بینما هی شبهه تحریمیه، یعنی یُحتمَل فیها الحرمه، ویُحتمَل فیها الإباحه، فالحکم بالإباحه هو حکم بدون علمٍ، والآیه الشریفه تنهی عن القول بغیر علمٍ. الأخباریون یقولون: هذا لا یرِد علینا؛ لأننّا لا نحکم بالاحتیاط، ولا نفتی به، وإنّما نلتزم بترک المشکوک فی الشبهات الحکمیّه التحریمیّه، وهذا الالتزام بالترک لا یعنی الفتوی بالإباحه والترخیص، ولا الفتوی بالاحتیاط، وإنّما نلتزم بترک الفعل الذی یُشتبه أنّه حرام، ویُشتبه أنّه حلال من دون أنْ نقول أنّ الشارع ألزم بترکه، أو أنّ الشارع أمرنا بالاحتیاط فیه حتّی یکون هذا قولاً بغیر علم، هناک فرقٌ بین الأصولی وبین الأخباری، الأصولی یجوّز الارتکاب، بینما نحن نتوقّف، ونترک المشتبه، وهناک فرق بین ارتکاب الفعل المشتبه، وبین ترکه، ارتکاب الفعل المشتبه لا یکون إلاّ مع الترخیص، کیف یجوّز للمکلّف أنْ یرتکب الفعل المشتبه ؟ لابدّ أنْ یفتی له بالترخیص وعدم المنع، ومن هنا کان الأصولی مضطراً إلی أنْ یُسند شیئاً إلی الشارع کالترخیص وعدم المنع، وهذا قول بغیر علم، فتنطبق علیه الآیه التی تنهی عن القول بغیر علم، بینما یقول الأخباری أنّا لا أفتی بشیء، ولا أجوّز الارتکاب، وإنّما أنا امتنع من فعل المشتبه، وأقول للمکلّف أترک الفعل المشتبه، هذا الترک لا یحتاج إلی الفتوی بالاحتیاط، وإلی الفتوی بالتحریم، فلا یوجد هنا أسناد من غیر علمٍ، فلا یکون مشمولاً للآیه الشریفه. هذا تقریب الاستدلال بالآیه الشریفه.

ص: 60


1- (2) سوره الإسراء، آیه 36.

من الواضح أنّ الأصولیین یعترفون بأنّ القول بالترخیص والإباحه من دون أنْ یکون هناک مستند للقول بالترخیص والإباحه هو قول بغیر علم، وهو تشریع محرّم بلا إشکال، الجمیع یعترف بهذا، الأخباریون والأصولیون، لکنّ الأصولی یدّعی أنّ لدیه علم ومستند یدلّ علی الترخیص وعدم المنع، وهو أدلّه البراءه الشرعیه المتقدّمه، فهی دلیل علی الترخیص الشرعی فی الإقدام علی المُشتبَه، فعندما یفتی مجتهد بالترخیص، واستند فی فتواه بالترخیص وعدم المنع إلی دلیلٍ شرعی، فلا یکون قولاً من غیر علم، فلا یکون مشمولاً للآیه الشریفه، حتّی من یُفتی بالترخیص العقلی هو استند أیضاً إلی دلیلٍ، وهو قاعده قبح العقاب بلا بیان، فعند من یؤمن بها ویُفتی بالترخیص العقلی هو یستند إلی دلیل، وهو قاعده قبح العقاب بلا بیان، ومن یُفتی بالترخیص الشرعی هو أیضاً یستند إلی دلیلٍ وهو أدلّه البراءه الشرعیه المتقدّمه.

وبعبارهٍ أخری: أنّ مضمون الآیه الشریفه هو النهی عن التشریع المحرم، والقول من غیر علمٍ هو تشریع محرّم بالأدلّه الأربعه، فمفاد الآیه هو حرمه التشریع، أنْ تسند شیئاً إلی الشارع من دون أنْ تعلم بأنّه قاله، هذا هو مفاد الآیه. الأصولی عندما یثبت الترخیص وعدم المنع، فهذا لیس تشریعاً؛ لأنّه یستند فی إثبات الترخیص وعدم المنع إلی أدلّه شرعیّه دلّت علی الترخیص وعدم المنع، فلا یکون قوله قولاً بغیر علم، ولا یکون تشریعاً محرّماً، فلا تشمله الآیه، بالضبط کالأخباری، فالأخباری أیضاً عندما یلتزم بالاحتیاط، فهو یستند إلی أدلّه، والأصولی أیضاً عندما یُفتی بالترخیص وعدم المنع هو أیضاً یستند إلی أدلّه.

ویمکن أنْ یُصاغ الجواب بهذا الشکل: الأصولی لا یُثبت الإباحه الواقعیه إطلاقاً، ولو أثبت الإباحه الواقعیه لورد علیه هذا الإشکال؛ لأنّه یکون قولاً من غیر علم؛ لأنّ المفروض أنّه یشکّ فی الإباحه کما یشکّ فی التحریم، لا الإباحه الواقعیه وصلت إلیه، ولا التحریم الواقعی وصل إلیه، فإذا کان المنظور هو الفتوی بالترخیص الواقعی، فالأصولی لا یُفتی بالترخیص الواقعی حتّی یکون قولاً من غیر علم، الأصولی لا یُسند الترخیص الواقعی إلی الشارع لیقول أنّ هذا المشتبَه حکمه الواقعی هو الإباحه، هو لا یقول ذلک، وإنْ کان المقصود هو الترخیص الظاهری، فالأصولی یُفتی بالترخیص، لکن استناداً إلی أدلّه البراءه، أو استناداً إلی حکم العقل القائل بقبح العقاب بلا بیان. إذن: علی أحد التقدیرین هو لا یُفتی بالإباحه الواقعیه، وعلی التقدیر الآخر هو یُفتی بالإباحه الظاهریه والترخیص الظاهری، لکنّ هذا لیس تشریعاً محرّماً؛ بل هو حکم مستند فیه إلی الدلیل، وهو عباره عن الأدلّه السابقه.

ص: 61

إذن: لا یصحّ الاستدلال بهذه الآیه الشریفه علی وجوب الاحتیاط، وعلی بطلان ما ذهب إلیه الأصولیون من البراءه وعدم المنع.

الآیه الثانیه: قوله تعالی:(ولا تُلقوا بأیدیکم إلی التهلکه) (1) ، وتقریب الاستدلال بهذه الآیه الشریفه هو أنّ هذه الآیه الشریفه تنهی عن إلقاء النفس، والاقتحام فی التهلُکه، ویقال بأنّ ارتکاب ما یُحتمَل أنْ یکون مخالفه للمولی(سبحانه وتعالی) هو اقتحام فی التهلکه، فیکون محرّماً بمقتضی إطلاق الآیه؛ لأنّ الآیه مطلقه من هذه الجهه، فکأنّ اقتحام المشتبَه وارتکابه، هو کأنّ الإنسان یُلقی بنفسه فی ما یحتمل أنّ فیه مخالفه لله(سبحانه وتعالی)، وهذا إلقاء للنفس فی التهلکه. هذا غایه ما یُمکن أنْ یُبیّن به تقریب الاستدلال بالآیه الشریفه.

درس الأصول العملیه/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیه/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی

الکلام فی الآیه الثانیه التی استُدلّ بها علی وجوب الاحتیاط شرعاً، وهی قوله تعالی:(ولا تُلقوا بأیدیکم إلی التهلکه) (2) ، وتقریب الاستدلال بهذه الآیه الشریفه هو أنّ المستفاد من الآیه الشریفه هو أنّها تنهی عن إلقاء النفس فی التهلُکه، وأنّ تعریض الإنسان نفسه للهلاک منهی عنه بمقتضی الآیه الشریفه، ومن الواضح أنّ اقتحام الشبهات ومحتمل الحرمه فیه تعریض للنفس للهلاک والعقاب، والآیه الشریفه تنهی عن تعریض النفس لذلک، وتنهی عن الاقتحام فی الشبهه، وهذا هو مقصود الأخباریین، أنّ الشبهات لابدّ من التوقّف وعدم الاقتحام فیها، خلافاً للأصولیین الذین یجوّزون اقتحام الشبهه.

ویلاحظ علی هذا الاستدلال:

الملاحظه الأولی: ذکروا بأنّه إذا کان المقصود بالتهلکه فی الآیه الشریفه هی التهلکه الدنیویه، فمن الواضح أنّه لیس فی ارتکاب الشبهه ومحتمل التحریم احتمال التهلکه، فضلاً عن القطع بها، لا یوجد احتمال التهلکه فی ارتکاب محتمل التحریم حتّی تکون الآیه الشریفه ناهیه عن الاقتحام فی الشبهه التحریمیه، وارتکاب محتمل الحرمه، لیس فیها احتمال التهلکه إطلاقاً، وإنّما الذی یمکن أنْ یقال أنّ المحتمل هو الضرر الدنیوی، ومن الواضح أنّه لیس کل ضررٍ دنیوی یقال له تهلکه، فالتهلکه یُراد بها الضرر الواصل إلی حدّ الموت، ومن الواضح أنّ اقتحام محتمل الحرمه لیس فیه تهلکه، وإنّما فیه احتمال الضرر الدنیوی، وهذا نسلّم به، لکن لا نسلّم أنّ فیه احتمال التهلکه، بمعنی احتمال الموت، فإذا کان المقصود بالتهلکه فی الآیه الشریفه هو التهلکه الدنیویه، فجوابه هو أنّ فی ارتکاب محتمل التحریم لا یوجد احتمال التهلکه الدنیویه، فضلاً عن القطع بها، فلا تکون الآیه الشریفه شامله لذلک؛ لعدم وجود التهلکه، وإنّما الموجود هو الضرر الدنیوی، بمعنی أنْ یترتّب علی ارتکاب هذا الفعل، علی تقدیر أنْ یکون حراماً، الضرر الدنیوی، لکن لیس کل ضرر دنیوی یُعدّ من التهلکه حتّی تکون الآیه الشریفه شامله لمحل الکلام.

ص: 62


1- (3) بقره/سوره2، آیه195
2- (1) بقره/سوره2، آیه195

وأمّا إذا أرید بالتهلکه التهلکه الأخرویه، یعنی العقاب الأخروی؛ حینئذٍ قالوا: صحیح أنّ هذا محتمل فی ارتکاب محتمل الحرمه، أی أنّه یحتمل أنّ هذا حرام، وبالتالی یقع فی العقاب الأخروی، والتهلکه الأخرویه، لکنّ هذا الاحتمال منفیٌ بأدلّه البراءه المتقدّمه، فأنّ أدلّه البراءه المتقدّمه تکون رافعه لموضوع هذه الآیه؛ لأنّ موضوع هذه الآیه الشریفه هو أنّ المکلّف یُعرّض نفسه للعذاب الأخروی إذا ارتکب الشبهه، وأدلّه البراءه تقول: هذا لیس فیه تعریض النفس للعذاب الأخروی، فهی تنفی العذاب الأخروی؛ بل تقول أنّ العذاب قبیح ولا یصدر من الشارع، فتکون رافعه لموضوع هذه الآیه، فکیف تشمل محل الکلام ؟ إذ فی الشبهات یوجد مؤمّن یؤمّن من العذاب الأخروی، ومع وجود المؤمّن لا معنی لأنْ یقال لا یجوز الارتکاب باعتبار هذه الآیه الشریفه.

لکن یمکن أنْ یقال شیء آخر: وهو، أنّ الآیه الشریفه ظاهره فی افتراض ثبوت الهلکه فی مرتبه سابقه علی الآیه، الآیه تفترض وجود هلکه، وخطر وتأمر بحرمه إلقاء النفس فی التهلکه وفی هذا الخطر. إذن: مفاد الآیه هو أنّ التهلکه الثابته بقطع النظر عن الآیه هی تنهی عن إلقاء النفس فیها. بعبارهٍ أخری: أنّ مفاد الآیه هو أنّ هذا الشیء الذی یکون فی اقتحامه تهلکه وخطر، لا یجوز إلقاء النفس فیه، فهی لا تشمل إلاّ الموارد التی ثبت وجود التهلکه والخطر فیها بقطع النظر عن الآیه، وفی مرتبهٍ أسبق من الآیه، وهذا لا یکون إلاّ فی موارد التنجیز، إذا کانت الشبهه منجّزه بمنجّزٍ، مهما کان هذا المنجّز، سواء کان علماً، أو علمیاً، أو شبهه قبل الفحص، أو شبهه مقرونه بالعلم الإجمالی، المهم أنْ تکون الشبهه منجّزه فی حدّ نفسها بقطع النظر عن الآیه؛ حینئذٍ یقال: هناک تهلکه؛ لأنّ هذه الشبهه تنجّزت بحیث أنّ المکلّف إذا خالفها یستحق العقاب؛ حینئذٍ تأتی الآیه الشریفه، وبلسان الإرشاد، ولیس بلسان المولویه، وتقول لا تلقی نفسک فی التهلکه. وأمّا إذا فرضنا أنّ الشبهه لم تتنجّز بمنجّزٍ سابقٍ، کما هو فی محل الکلام؛ لأننّا نتکلّم عن الشبهه غیر المقرونه بالعلم الإجمالی، وبعد الفحص ولیس قبله، ولا یوجد فیها علم یثبت التکلیف، ولا إماره معتبره، أی أنّ کلامنا فی الشبهات البدویه التی لم یقم علی ثبوت التکلیف فیها علم، ولا علمی، هنا هل یجوز الاقتحام، أو لا یجوز ؟ الآیه الشریفه لا تدلّ علی عدم جواز الاقتحام؛ لأنّها تقول ما ثبت فیه الخطر لا یجوز اقتحامه وإلقاء النفس فیه، وفی هذه الشبهه التی نتکلّم عنها لم یثبت وجود الخطر، وأنّ اقتحام هذه الشبهه تهلکه بقطع النظر عن الآیه؛ لعدم وجود المنجّز فی مرتبهٍ أسبق من وجود الآیه، فالآیه حینئذٍ لا تکون دالّه علی وجوب الاجتناب وعدم جواز الاقتحام فی محل الکلام، وإنّما هی ناظره إلی شبهات تنجّزت بمنجّزٍ سابقٍ علیها، وهی بلسان الإرشاد تقول أنّ هذا الشیء فیه خطر، وتنهی عن اقتحامه.

ص: 63

هذا الکلام یکون واضحاً بناءً علی مسلک قبح العقاب بلا بیان؛ لأنّ الشبهه البدویه غیر المقرونه بالعلم الإجمالی، والتی لم یقم فیها دلیل، یکون العقاب مؤمّناً بحکم العقل بقاعده قبح العقاب بلا بیان. وأمّا بناءً علی مسلک حقّ الطاعه، فقد یقال: بناءً علی مسلک حقّ الطاعه لا فرق بین الشبهه قبل الفحص، والشبهه بعد الفحص، علی کلٍ منهما یکون احتمال التکلیف منجِّزاً. إذن: الشبهه تنجّزت بمنجِّزٍ سابقٍ، فلتکن الآیه الشریفه شامله لمحل الکلام بناءً علی هذا المسلک، باعتبار أنّ الشبهه تنجّزت بمنجِّزٍ سابقٍ، والمفروض أننّا قلنا أنّ الآیه الشریفه ناظره إلی الشبهات التی تنجّزت بمنجزٍ فی مرتبهٍ سابقهٍ علیها.

نقول: حتّی لو صحّ هذا الکلام، لکن هذا لیس معناه أننّا نستفید التنجیز ووجوب الاحتیاط بعد جواز الارتکاب من الآیه، وإنّما استفدنا ذلک بدلیلٍ آخر قبل الآیه، وبقطع النظر عنها، وهو حکم العقل بوجوب الاحتیاط، هذا نجّز الشبهه. إذن: المنجّز للشبهه لیس هو الآیه.

وبعبارهٍ أخری: أنّ الاستدلال بالآیه لإثبات التنجیز، وإثبات وجوب الاحتیاط، لا مجال له علی کلا المسلکین؛ للنکته المتقدّمه، وهی أنّ مفاد الآیه هو افتراض وجود الهلکه بقطع النظر عن الآیه الشریفه، وقلنا أنّ لسان الآیه هو أنّ ما فیه هلکه لا یجوز اقتحامه، وتنهی عن إلقاء النفس فی ما فیه الهلکه. إذن: هی تفترض وجود هلکه ووجود خطر، هذه النکته تقتضی أنّه لابدّ من حمل الآیه الشریفه علی أنّها فی مقام الإرشاد إلی حکم العقل بعدم جواز ارتکاب ما تنجّز بمنجّزٍ سابقٍ، مع افتراض وجود منجّز، العقل یستقل بعدم جواز الارتکاب ووجوب الاحتیاط، سواء کان هذا المنجّز إماره، أو علم قبل الفحص مقروناً بالعلم الإجمالی، أو بعد الفحص بناءً علی مسلک حقّ الطاعه، بالنتیجه احتمال التکلیف یبقی منجّزاً، والعقل ینهی عن الاقتحام مع التنجیز. إذن: هذه الشبهه بعد الفحص فی محل کلامنا بناءً علی مسلک حق الطاعه تنجّزت بقع النظر عن الآیه، لا یمکن أنْ نقول أنّ الآیه نجّزت هذه الشبهه، لا نستفید من الآیه وجوب الاحتیاط فی هذه الشبهه، وإنّما الآیه تقول الشیء المنجّز فی مرتبه سابقه هی بلسان الإرشاد ترشد إلی عدم جواز الاقتحام وحرمه ارتکابه حتّی بناءً علی مسلک حق الطاعه.

ص: 64

الملاحظه الثانیه علی الاستدلال بالآیه الشریفه: یوجد احتمال لیس ببعید أنّ التهلکه لا یُراد بها ما ذُکر من التهلکه الدنیویه، والتهلکه الأخرویه، یعنی العقاب والضرر الدنیوی البالغ إلی درجه الموت والقتل، لیس المقصود بها هو هذا، وإنّما المقصود بها بکل وضوح هو الفقر والإفلاس، وذلک بقرینه صدر الآیه الشریفه؛ لأنّ صدر الآیه الشریفه یقول:(وانفقوا فی سبیل الله) فهو أمر بالإنفاق فی سبیل الله تعالی موجّه إلی المسلمین، ثمّ تأتی الآیه بعدها مباشرهً(ولا تُلقوا بأیدیکم إلی التهلکه) بعضهم استفاد من هذا بقرینه الترابط الموجود بین صدر الآیه وذیلها، أنّ التهلکه لیس المقصود بها شیء یرتبط بالعذاب الأخروی، أو الدنیوی، وإنّما المقصود بها هو الشیء المرتبط بالإنفاق، کأنّ الآیه ترید أنْ تقول لهم بأنّه یجب علیکم الإنفاق، أو تطلب منهم الانفاق، لکن بحدوده وقواعده، ولیس الإسراف فی الانفاق بحیث أنّ الإنسان ینفق تمام أمواله ویبقی فقیراً ومفلساً، ویکون عاله علی الغیر، الآیه لا ترید منهم ذلک، وإنّما المطلوب هو الانفاق باعتدالٍ. فمن الممکن أنْ یکون المقصود بالتهلکه هو هذا، أی حاله الإفلاس التی هی حاله قد تسبب الکثیر من المشاکل للإنسان نفسه، وبهذا تکون الآیه أجنبیه عن محل الکلام بالمرّه.

الآیه الثالثه: هی قوله تعالی:(فاتّقوا الله ما استطعتم). (1)

الآیه الرابعه: هی قوله تعالی:(واتّقوا الله حقّ تقاته). (2)

تقریب الاستدلال بالآیه الثالثه: الآیه تدل علی وجوب التقوی بالمقدار المستطاع، ومن الواضح أنّ الاجتناب عن الشبهات یعتبر مصداقاً واضحاً للتقوی، وهو مستطاع للإنسان، والآیه تأمر بتقوی الله(سبحانه وتعالی) ما استطعتم، والاجتناب عن الشبهات مستطاع، فیکون واجباً، فیُفهم من هذا وجوب الاجتناب وعدم الاقتحام فی الشبهات.

ص: 65


1- (2) تغابن/سوره64، آیه16
2- (3) آل عمران/سوره3، آیه102

وبنفس البیان یقرّب الاستدلال بالآیه الرابعه :(واتّقوا الله حقّ تقاته) التی یُفهم منها الأمر بالتقوی بأقصی درجاتها؛ وحینئذٍ یقال أنّ الاقتحام فی الشبهه هو خلاف التقوی، والامتناع عن ارتکاب الشبهات هو داخل فی التقوی المأمور بها لهذه الآیه الشریفه، فیکون مطلوباً ومأموراً به، والاجتناب بالنتیجه بحسب ظاهر الآیه یکون لازماً.

ویُجاب عن ذلک:

الجواب الأوّل: من قال بأنّ اقتحام الشبهه خلاف التقوی ؟ بحیث أنّ الذی یقتحم بالشبهه یکون قد خالف الآیه الشریفه، الأصولیون یقولون بعد قیام الأدلّه الشرعیه المعتبره الداله علی البراءه، وعلی التأمین والترخیص فی اقتحام الشبهه؛ حینئذٍ لا یکون اقتحام الشبهه مخالفاً للتقوی، حاله حال أیّ شیءٍ أباحه الشارع للمکلّف، مرّه یبیحه بعنوانه الأوّلی، ومرّه یبیحه بعنوان أنّه مشکوک حکمه، أی بالعنوان الثانوی. الأدلّه السابقه دلّت علی الإباحه والترخیص وعدم المنع وجواز الارتکاب، وعدم المنع بالعنوان الثانوی، لکن بالنتیجه هناک إباحه وترخیص شرعی، کما أنّ ارتکاب المباح الواقعی لیس خلاف التقوی، کذلک ارتکاب ما أباحه الشارع، ولو ظاهریاً، أیضاً لیس خلاف التقوی بحیث یکون المکلّف قد خالف الأمر بالتقوی فی الآیتین الشریفتین.

الجواب الثانی: الذی هو أهم من السابق هو أنّ التقوی تعنی التحرّز والتحفّظ، ومن هنا لابدّ من أنْ نفترض فی مرتبه سابقه وجود شیءٍ یُتحرّز ویُتحفَّظ منه، عندما یؤمر بالتقوی، فلابدّ أنْ یکون هناک شیء یُتقی منه، والآیه حینئذٍ تأمر بالتقوی. إذن: لابدّ من فرض شیء یُتّقی منه ویُتحرّز منه، بقطع النظر عن الآیه.

وبعباره أخری: أنّ مفاد الآیه هو لزوم الحذر عند وجود الخطر والعقاب، وهذا معناه کما قلنا فی الآیه السابقه أنّه لابدّ من فرض وجود خطرٍ وعقابٍ فی مرتبهٍ سابقهٍ علی الآیه بقطع النظر عنها، وهذا لا ینطبق علی محل الکلام؛ لعدم وجود خطرٍ ولا عقاب فی الشبهات التی نتکلّم عنها وهی الشبهات بعد الفحص غیر مقرونه بالعلم الإجمالی، لم یقم فیها علم، فلا یوجد خطر بقطع النظر عن الآیه، فهی تختص بالشبهات المقرونه بالعلم الإجمالی، والشبهات المنجّزه بمنجّزٍ ما، فهی تقول أحذر من هذا الخطر، وهنا فی محل الکلام لا یوجد خطر مفروغ عنه بقطع النظر عن الآیه، والمکلّف مأمون من ناحیه العقاب المحتمل، إمّا لحکم العقل بقبح العقاب بلا بیان ------ إذا التزمنا به ------- وإمّا لأدله البراءه المتقدّمه عند من لا یؤمن بقاعده قبح العقاب بلا بیان.

ص: 66

إذن: فی محل کلامنا، وهی الشبهات بعد الفحص لا یمکن فرض وجود خطر وعقاب وما یتقی منه بقطع النظر عن الآیه، وفی مرتبهٍ سابقه علیها، فلا تکون الآیه شامله لمحل الکلام، وإنّما تختص بالشبهات التی تنجّزت بقطع النظر عن الآیه الشریفه.

هذا مضافاً إلی ما تقدّم فی الآیه السابقه من أنّ الآیه حیث تفترض وجود خطر فی مرتبهٍ سابقهٍ علی الآیه؛ حینئذٍ لا یُعقل أنْ نستدل بالآیه علی وجوب الاحتیاط کما قلنا فی الآیه السابقه؛ لأنّ الآیه تفترض المنجّز فی مرتبهٍ سابقهٍ علیها، فکأنّ وجود منجّزٍ موضوع لهذه الآیه أُخذ فی موضوعها، ومن الواضح أنّه لا یمکن أنْ تکون الآیه مثبته لموضوعها، وکل دلیلٍ لا یمکن أنْ یکون مثبتاً لموضوعه، وإنّما الموضوع یؤخذ مفروض الوجود، والدلیل غرضه إثبات المحمول لهذا الموضوع المفترض الوجود، لکن لا یمکن أنْ نستفید من الدلیل أنّه هو ینقّح موضوعه ویثبته، هذا غیر معقول، ------ مثلاً ----- إذا کان الدلیل یقول(الخمر حرام)، لا معنی لأنْ یکون الدلیل هو الذی یثبت أنّ هذا خمر، وإنّما هو یقول(علی تقدیر أنْ یکون هذا خمراً تثبت له الحرمه) کل دلیل لا یمکن أنْ یکون منقّحاً لموضوعه؛ لأنّ موضوعه یؤخذ مفروض الوجود. فی المقام الآیه أخذت الخطأ وما یُتّقی مفروض الوجود، وفی مرتبه أسبق عن الآیه، فلا یعقل أنْ تکون الآیه هی التی تثبت الخطأ، الآیه أخذت التنجیز مفروض الوجود، فلا یعقل أنْ تکون الآیه هی المثبته للتنجیز؛ لأنّ التنجیز أُخذ فی موضوعها، أُخذ مفروض الوجود بقطع النظر عنها.

إذن: هذه الآیه لا یمکن الاستدلال بها فی محل الکلام، علی کل التقادیر، علی مسلک قبح العقاب بلا بیان، وعلی مسلک حقّ الطاعه، لا یمکن الاستدلال بها علی وجوب الاحتیاط الذی یعنی التنجیز؛ لأنّ التنجیز أُخذ مفروض فی مرتبهٍ سابقهٍ علیها، فلا یُعقَل أنْ تکون هی مثبته للتنجیز، فلا یصح الاستدلال بها فی محل الکلام.

ص: 67

درس الأصول العملیه/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیه/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی

الآیه الأخیره التی استُدل بها علی وجوب الاحتیاط: هی قوله تعالی:(فأنْ تنازعتم فی شیءٍ فردّوه إلی الله، والرسول). (1) ، بتقریب أنّ الأمر بالرد إلی الله(سبحانه وتعالی)، وإلی الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) کنایه عن الأمر بالتوقّف، وعدم الإقدام والاقتحام، نظیر(قف عند الشبهه)، فتدلّ الآیه حینئذٍ علی وجوب التوقّف، وعدم جواز الاقتحام، وأنّ الآیه أمرت بالرد إلی الله(سبحانه وتعالی)، وإلی الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، الذی هو بمعنی التوقّف.

یُلاحظ علی الاستدلال:

أولاً: أنّ موضوع الآیه الشریفه هو المنازعه والمخاصمه، ولم یُفرَض فی موضوع الآیه الشریفه الشکّ وعدم العلم بالحکم الشرعی الذی هو محل کلامنا، حیث أننّا نتکلّم عن وجوب الاحتیاط عند الشک فی الحکم الشرعی، هذه الآیه لم تأمر بالتوقف ------ علی تقدیر تسلیم ما ذُکر فی الاستدلال ------ عند الشکّ فی الحکم الشرعی، وإنّما أمرت بالرد عند المنازعه والمخاصمه، فلا یثبت بها حینئذٍ وجوب التوقف، لو دلّت علی وجوب التوقّف فی محل الکلام، محل الکلام غیر الموضوع الذی أُخذ فی الآیه الشریفه، فالموضوع المأخوذ فی الآیه هو المنازعه والخصومه، بینما فی محل الکلام لا توجد منازعه وخصومه، وإنّما یوجد شکّ فی التکلیف الشرعی، فأین هذا من هذا ؟! وجوب التوقّف عند المنازعه والمخاصمه لا یدلّ علی وجوب التوقّف عند الشکّ فی الحکم الشرعی وعدم العلم به.

ثانیاً: یحتمل أنْ یکون المراد بالأمر بالردّ إلی الله(سبحانه وتعالی)، وإلی الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لیس هو التوقّف کما قیل فی الاستدلال، وإنّما یکون المراد به هو تحکیم رأی الشارع المقدّس فی موضوع الآیه، (فردّوه إلی الله) یعنی خذوا الحکم من الله(سبحانه وتعالی)، ومن الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، فتکون فی مقام الإرشاد إلی أنّ الأحکام الشرعیه ------ علی تقدیر أنْ تکون الآیه ناظره إلی محل الکلام ------ یجب أخذها من مصادرها الحقیقیه التی هی عباره عن الله(سبحانه وتعالی)، والرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، لا بمعنی التوقّف حتّی یُستدَل بها علی وجوب التوقّف عند الشکّ فی الحکم الشرعی.

ص: 68


1- (1) نساء/سوره4، آیه59

هذا هو تمام الکلام فی الآیات الشریفه التی استُدلّ بها علی وجوب الاحتیاط، وتبیّن أنّ لا شیء یتمّ منها فی محل الکلام.

وأمّا السُنّه، فقد أستدلّ علماؤنا الأخباریون(رضوان الله علیهم)بمجموعه کبیره جدّاً من الروایات والأخبار، قسم من هذه المجموعه واضحه الضعف من حیث الدلاله، یعنی دلالتها لیست تامّه بشکلٍ واضح؛ ولذلک لعلّه لم یتعرّض علماؤنا(رضوان الله علیهم) لهذا القسم، وإنّما رکّزوا کلامهم ومناقشتهم لطوائف من الأخبار یأتی التعرّض لها إنْ شاء الله تعالی، حیث رکّزوا کلامهم علی أخبار التثلیث، وأخبار التوقّف عند الشبهه، والأخبار الآمره بالاحتیاط عند الشکّ فی التکلیف، لکن الأخبار الأخری المتفرّقه التی قلنا بأنّ دلالتها لیست ناهضه، أهملت من قِبل العلماء ولم تُذکر، ولعلّ الأخباریون ذکروها واستدّلوا بها علی مدّعاهم من وجوب الاحتیاط.

القسم الأوّل من الروایات: نحن نذکر نماذج من هذا القسم من الأخبار المُستدَل بها علی وجوب الاحتیاط للإشاره إلی أنّه أین تکون المناقشه فیها:

الروایه الأولی: ما روی عن أمیر المؤمنین(علیه السلام) من قوله لکمیل بن زیاد(أخوک دینک، فاحتط لدینک بما شئت). (1)

الملاحظه علی الاستدلال بهذه الروایه: صحیح أنّ الروایه أمرت بالاحتیاط، لکن أمرت بالاحتیاط وقیّدته بما شئت، فالروایه معلّقه علی مشیئه المکلّف، بمعنی أنّ مقدار الاحتیاط المأمور به موکول إلی مشیئه المکلّف، وهذا یشکّل قرینه علی أنّ الأمر فی الروایه لیس للإلزام، لا نرید أنْ نقول لاستحاله ذلک، أو غیر معقولیه أنْ یُعلّق الأمر الوجوبی علی مشیئه المکلّف، وإنْ کان هذا أیضاً یمکن تصوّره، وإنّما المناسبه العرفیه تقتضی أنْ لا یکون الأمر للوجوب، الأمر الإلزامی، أو الوجوبی لا یُترَک الأمر فی أصل فعله، أو مقدار فعله عندما یکون واجباً، لا یُترک إلی مشیئه المکلّف، فی أصل الفعل عندما یکون واجباً لا معنی لترک أصل الفعل إلی مشیئه المکلّف؛ للمنافاه الواضحه بینهما، لا معنی لأنْ یکون الفعل واجباً لکنّه متروک إلی مشیئه المکلّف، إنْ شاء فعل، وإنْ شاء لم یفعل، فیکون إیکال الأمر فی أصل الفعل إلی مشیئه المکلّف قرینه علی عدم الوجوب، ونفس الکلام یقال فی إیکال المقدار الواجب إلی المکلّف، کما فی هذه الروایه لم یوکل أصل الاحتیاط إلی المکلّف، هنا أیضاً نفس الکلام یمکن أنْ یقال فیها، عندما یکون هناک مقدار واجب ولازم من الاحتیاط، هذا لا یناسب إیکال تعیین المقدار إلی مشیئه المکلّف من حیث الزیاده والنقیصه. وبعبارهٍ أکثر وضوحاً: أنّ وجوب مقدارٍ معیّنٍ من الاحتیاط علی تقدیر أنْ یکون المقدار المعیّن من الاحتیاط الواجب هو الزیاده، فالنقیصه تخرج عن حدّ الوجوب، فلا تکون واجبه، وإذا کان المقدار الواجب هو النقیصه، فالزیاده تخرج عن الوجوب، بینما ظاهر الروایه هو أنّ إیکال تعیین المقدار إلی المکلّف معناه أنّ المکلّف مخیّر فی أیّ مقدار یأتی به، وکل مقدار یأتی به یکون هو الواجب وهو المطلوب بناءً علی الوجوب، أنّ أیّ مقدار یختاره المکلف یکون هو الواجب، ویکون قد جاء بالواجب، فإذا اختار النقیصه فقد جاء بالواجب، وإذا اختار الزیاده فقد جاء بالواجب، وهذا غیر معقول؛ لأنّه عندما یکون الواجب هو الزیاده، فالنقیصه تخرج عن حدّ الوجوب، وهکذا العکس، فإذن: لا مجال للجمع بین وجوب مقدارٍ معیّنٍ، وبین التخییر بما شئت، التخییر بما شئت حتّی فی المقدار لا ینسجم مع افتراض الالزام؛ بل لابدّ من افتراض الرجحان، یعنی الاستحباب وأمثاله، أخوک دینک فاحتط لدینک بما شئت، کل احتیاط تفترضه هو أمر حسن وراجح کما هو الحال بالنسبه إلی الاحسان إلی الأخ؛ ولذا مُثّل الدین بالأخ، کما أنّ الإحسان إلی الأخ بأی مرتبهٍ یأتی بها الإنسان هو أمر راجح ومستحسن، کذلک الاحتیاط فی الدین أیضاً یکون أمراً راجحاً ومستحسناً؛ لأنّ الاحتیاط یعنی الرعایه، یعنی الاهتمام والتحفّظ، هذا بأی مقدارٍ أنت تأتی به، فلسانک لسان الاستحباب والرجحان، لا لسان الوجوب والإلزام.

ص: 69


1- (2) وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 27، ص 167.

الروایه الثانیه: الروایه المعروفه المرسله عن النبی(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أنّه قال:(من اتّقی الشبهات فقد استبرأ لدینه). (1) لو سلّمنا أنّ هذه الروایه وارده فی محل الکلام، یعنی ناظره إلی الشبهات الحکمیه، غایه ما نفهم منها هو أنّ اتقاء الشبهه هو استبراء للدین، لکن هذه وحده لا یکفی لإثبات وجوب الاحتیاط ووجوب التقوی ما لم نضم إلی هذه الصغری کبری مفادها أنّ الاستبراء إلی الدین واجب، فیکون قیاساً مؤلفاً من صغری وکبری أنّ اتقاء الشبهه هو استبراء للدین، والاستبراء للدین یکون واجباً، إذن: یجب اتقاء الشبهه واجتنابها، وهو المطلوب. فلابدّ من تألیف هذا القیاس حتّی یکون منتجاً ومثمراً، بینما الروایه لیس فیها دلاله علی هذه الکبری، ولا تقول أنّ الاستبراء للدین واجب، وإنّما هی تقول أنّ من اتقی الشبهات استبرأ لدینه، لکن هل الاستبراء للدین واجب فی جمیع المجالات، أو لا ؟ هذا لا یثبت بالروایه، ولعلّه لا یثبت أیضاً بأدلّه أخری. إذن: الروایه لا تصلح أنْ یُستدَل بها علی وجوب الاجتناب والاحتیاط فی الشبهات.

الروایه الثالثه: مرفوعه أبی شعیب المرویّه فی الخصال، قال:(أورع الناس من وقف عند الشبهه). (2) والکلام فیها نفس الکلام فی الروایه السابقه، لکن ما الدلیل علی وجوب الأورعیّه ؟ وما الدلیل علی أنّه یجب علی الإنسان أنْ یکون أورع الناس، حتّی تدل علی أنّه یجب أنْ یقف عند الشبهه ؟ الروایه لیس فیها دلاله علی ذلک، غایه الأمر هو أنّها تقول أنّ أورع الناس هو من وقف عند الشبهه، وهذا صحیح، لکن الروایه لا یثبت بها وجوب الأورعیه حتّی یثبت بضمّ هذه الکبری إلی الصغری المستفاده من الروایه وجوب الوقوف عند الشبهه.

ص: 70


1- (3) وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 27، ص 173.
2- (4) الخصال، الشیخ الصدوق، ص 16.

الروایه الرابعه: مرسله الطبرسی أرسلها فی تفسیره الصغیر:(دع ما یریبک إلی ما لا یریبک). (1) الشبهه تریبک، دعها إلی ما لا یریبک، بالنتیجه لا تقدم علی عملٍ فیه ریب، والإقدام علی الشبهه هو إقدام علی عملٍ فیه ریب.

ویناقش فی هذه الروایه: بأنّه غیر معلوم أنّها ناظره إلی محل الکلام؛ وذلک لأنّه لم یؤخذ الشکّ فی الحکم فی موضوعها حتّی تکون ناظره إلی محل الکلام، وإنّما المأخوذ فیها هو عنوان(الریب)، ومن قال أنّ الریب المقصود فی المقام هو الریب المضاف إلی التکلیف حتّی تکون ناظره إلی محل الکلام، یعنی دع التکلیف الذی یریبک وتشکّ فیه، حتّی یُستدل بها علی وجوب الاحتیاط والتوقّف فی محل الکلام، الشکّ فی التکلیف لم یؤخذ بشکلٍ واضحٍ فی موضوع هذه الروایه، وإنّما المأخوذ هو الریب، ولا دلیل علی إضافه الریب فی الروایه إلی الحکم الشرعی، حتّی یقال أننّا مأمورون بترک الأحکام الشرعیه التی فیها ریب وشکّ وشبهه، وعدم الإقدام علیها، فیستدَلّ بها علی وجوب الاحتیاط، بینما هذا لم یؤخذ فی الروایه، ولعلّ الریب مضاف إلی شیءٍ آخر، ولعلّها فی مقام تقریر قضیه ومطلبٍ آخر لا علاقه لها بمحل الکلام، وهی أنّ الأعمال التی یقوم بها الإنسان إذا دار أمرها بین عملٍ فیه ریب، وبین عملٍ لا ریب فیه، إرشاد إلی أنّه دع ما یریبک إلی ما لا یریبک، اقدم علی أعمالٍ لیس فیها شبهه وریب وتردّد، ولیست ناظره إلی الشکّ فی الحکم الشرعی الذی هو محل الکلام فی الشبهات الحکمیه، وترید أنْ تأمر بالتوقف وعدم الإقدام، ناظره إلی قضیه عامّه، أنّ الإنسان عندما یؤمر من باب النصیحه ومن باب التعلیم بأنْ لا تقدم علی الأمور المریبه، دعها إلی الأمور التی لیس فیها ریب، فتکون الروایه أجنبیه عن محل الکلام.

ص: 71


1- (5) تفسیر جوامع الجامع، الشیخ الطبرسی، ج 1، ص 63.

هناک روایات أخری من هذا القبیل لا داعی لذکرها، فنکتفی بهذا المقدار

القسم الثانی من الروایات: المُستدل بها علی وجوب الاحتیاط، والتی تعرّض لها علماؤنا، ورکّزوا الکلام علیها، وبیّنوا کیفیّه الاستدلال بها، والمناقشات الوارده علیها، وقسّموا هذا القسم من الروایات المستدل بها إلی ثلاثه طوائف من الأخبار:

الطائفه الأولی: الطائفه الآمره بالتوقّف عند الشبهات، الوقوف عند الشبهه خیر من الاقتحام فی الهلکه، وأمثالها.

الطائفه الثانیه: الأخبار الآمره بالاحتیاط فی الشبهات، لسانها لیس لسان الوقوف عند الشبهه، وإنّما لسانها لسان الأمر بالاحتیاط(فعلیکم بالاحتیاط) کما فی بعض الروایات الآتیه، أو(فعلیک بالحائطه لدینک)، وأمثالها کما سیأتی.

الطائفه الثالثه: أخبار التثلیث المعروفه(حلال بیّن، وحرام بیّن، وشبهات بین ذلک).

نتکلّم أولاً عن الطائفه الأولی التی هی الأخبار الآمره بالتوقف: هذه الأخبار کلّها وردت بلسان الوقوف عند الشبهه خیر من الاقتحام فی الهلکه، وهذا اللّسان وارد فی عدّه روایاتٍ إدّعی أنّها مستفیضه؛ بل قیل أنّها متواتره، لکن الظاهر أنّه من الصعب جدّاً إثبات التواتر، ولا یبُعد أنّها مستفیضه، ولعلّه بعجاله عثرنا علی ستّ روایات، لکنّ لعلّ هناک روایات أخری. هناک أربع روایات مرویّه فی الباب الثانی عشر من أبواب صفات القاضی، وهی الحدیث 2، و13، و15، و57، کل هذه الروایات ورد فیها هذا العنوان(الوقوف عند الشبهه خیر من الاقتحام فی الهلکه). (1) وفی الباب التاسع هناک حدیثان، الحدیث الأوّل من الباب التاسع من نفس الأبواب، والحدیث الخامس والثلاثون، أیضاً ورد فیها هذا التعبیر، وبقطع النظر عن التواتر والاستفاضه لا إشکال فی وجود ما هو صحیح سنداً من هذه الأخبار، کالحدیث الأخیر، فأنّه صحیح سنداً بلا إشکال. إذن: هذا اللّسان ثابت بحسب الموازین المعتبره فی إثبات الروایات.

ص: 72


1- (6) وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 27، ص 155. و ص 158. و ص 159. و ص 171.

تقریب الاستدلال بهذه الطائفه من الأخبار علی وجوب الاحتیاط: یکون بدعوی أنّ هذه الأخبار ظاهره فی وجوب التوقّف عند الشبهه. نعم، هی لم تأمر بالتوقّف بشکلٍ صریح(قف عند الشبهه) لکنّها ظاهره فی وجوب التوقّف عند الشبهه، غایه الأمر أنّها بیّنت ذلک بلسان الوقوف عند الشبهه خیر من الاقتحام فی الهلکه، ممّا یُفهم منها أنّها ترید أنْ تقول أنّ اقتحام الشبهه فیه هلکه، وفی معرض الهلکه، وأنّ وقوفک عند الشبهه أحسن من أنْ تقع فی الهلکه عند اقتحامک لها، فالوقوف لیس فیه هلکه، والاقتحام فیه احتمال الهلکه، یعنی الإنسان یُعرّض نفسه إلی الهلکه، فیُفهم منها وجوب التوقّف، لکن بُیّن بلسان أنّ هذا خیر من هذا، لیس خیراً بمعنی أفعل التفضیل؛ بل هنا مجرّده عن أفعل التفضیل، وإنّما هذا یکون هو المعیّن وهو الوقوف عند الشبهه لئلا تقع فی الهلکه. هذا الاستدلال بهذه الروایه ویستفاد منها وجوب الوقوف عند الشبهه، وهذا هو مقصود الأخباریین، أنْ یثبتوا أنّ الشبهات لابدّ من التوقّف فیها، وعدم الاقتحام کما یقول الأصولیین

هناک عدّه مناقشات فی الاستدلال بهذه الطائفه من الأخبار، واهتمّ بها علماؤنا(رضوان الله علیهم):

المناقشه الأولی: مناقشه معروفه مستفاده من کلمات الشیخ الأنصاری(قدّس سرّه) (1) وذکرها من تأخّر عنه، وخصوصاً السید الخوئی(قدّس سرّه) (2) ، ذُکرت فی کلا تقریریه(الدراسات والمصباح) کمناقشه مستقلّه، لکن أساسها هو الشیخ الأنصاری(قدّس سرّه) فی الرسائل. حاصل هذه المناقشه هو: أنّ الوارد فی هذه الأخبار هو عنوان (الشبهه). یُدّعی أنّ الشبهه ظاهره فی الأمر الذی یکون ملتبساً ومشتبهاً بقولٍ مطلق من جمیع الجهات، یعنی الأمر الذی یکون ملتبساً واقعاً وظاهراً. بعبارهٍ أخری: ما لا یُعرف حکمه الواقعی، ولا حکمه الظاهری؛ عندئذٍ یکون هذا ملتبساً، وشبهه. هذا هو موضوع الروایات، أی ما یکون ملتبساً بلحاظ الحکم الواقعی والحکم الظاهری، وتدلّ علی وجوب التوقّف فی شبههٍ من هذا القبیل. وأمّا إذا کان الشیء ملتبساً بلحاظ حکمه الواقعی ولیس کذلک بلحاظ حکمه الظاهری، هذا یخرج عن موضوع الروایات، ولا تدلّ الروایات علی وجوب التوقّف فیه؛ لأنّه لیس شبههً، وما یُعلم حکمه الظاهری کما یُعلم حکمه الواقعی، کما لو علمنا حکمه واقعاً، فإذا علمنا بحکم الشیء ظاهراً خرج عن کونه شبهه، إنّما یبقی شبهه إذا قلنا أنّ الشبهه تختص بما لا یُعلم حکمه الواقعی، لکن إذا عممّناه إلی ما لا یُعلم حکمه الواقعی، وما لا یُعلم حکمه الظاهری، فإذا علمنا حکم شیء ظاهراً، فأنّه یخرج عن کونه شبهه، ویخرج عن الروایات ولا یمکن الاستدلال بالروایات علی وجوب التوقّف فیه. وبناءً علی هذا لا یصح الاستدلال فی محل الکلام بالروایات فی محل الکلام؛ لأنّه فی محل الکلام، أی فی الشبهات الحکمیه البدویه بعد الفحص، فی هذه الشبهات قامت الأدلّه علی الترخیص فی الارتکاب، وهی أدلّه البراءه المتقدّمه، فأثبتت فیه حکماً ظاهریاً مفاده البراءه، فتکون هذه الشبهه محل الکلام ممّا یُعلم حکمه الظاهری، فإذا علمنا حکمه الظاهری باعتبار أدلّه البراءه؛ حینئذٍ لا یکون مشمولاً لهذه الروایات الآمره بالتوقّف؛ لأنّه بقیام الأدلّه علی البراءه فیه، وعلی الترخیص فیه یخرج عن کونه شبهه؛ لأنّه عُلم حکمه الظاهری عن طریق تلک الأخبار، وإذا خرج عن کونه شبهه، یعنی خرج عن موضوع هذه الروایات، فکیف یُستدَل بهذه الروایات والأخبار علی وجوب التوقّف فیه ؟!

ص: 73


1- (7) فرائد الأصول، الشیخ الأنصاری، ج 2، ص 71.
2- (8) دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الشاهرودی، ج 3، ص 277. و مصباح الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للبهسودی، ج 2، ص 299.

درس الأصول العملیه/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیه/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی

کان الکلام فی الطائفه الأولی من الأخبار التی اُستدل بها علی وجوب الاحتیاط وهی ما دلّ علی وجوب التوقّف عند الشبهه بلسان الوقوف عند الشبهه خیر من الاقتحام فی الهلکه، وقلنا أنّ هذا الاستدلال واجه عدّه اعتراضات ومناقشات، وقد ذکرنا المناقشه الأولی فی الدرس السابق، وکان حاصلها هو: أنّ هذه الأخبار مختصّه بغیر موارد العلم بالترخیص الظاهری. یعنی بعباره أخری: مختصّه بمن لا یعلم بالحکم الواقعی، ولا بالحکم الظاهری؛ لأنّ الوارد فیها هو عنوان(الشبهه) والشبهه یراد بها ما یکون الشیء مشتبهاً أو ملتبساً، سواء من ناحیه الحکم الواقعی ، أو من ناحیه الحکم الظاهری.

إذن: هی لا تشمل محل الکلام، یعنی لا تشمل ما إذا کان الترخیص الظاهری ثابتاً، وفی محل الکلام أدلّه البراءه السابقه تثبت الترخیص الظاهری، فلا تکون مشموله لأدلّه التوقف.

السید الخوئی(قدّس سرّه) بعد أنْ ذکر هذا، حاول الاستدلال علی اختصاص هذه الأخبار، أوقل عدم شمول هذه الأخبار لما إذا عُلم الترخیص الظاهری فی الشبهه کما فی محل الکلام، (1) استَدلّ علی اختصاص الأخبار وعدم شمولها لمحل الکلام بأنّ الدلیل هو: لا إشکال ولا خلاف فی عدم وجوب التوقّف فی الشبهات الموضوعیه بالاتفاق، وکذلک الشبهات الحکمیه الوجوبیه بالاتفاق، وهذا معناه أنّ هناک اتفاقاً علی أنّ الشبهات الموضوعیه والوجوبیه خارجه عن أخبار باب التوقّف، لا بدّ أن تکون خارجه عن أخبار باب التوقّف، وإلاّ، کیف اتُفق علی عدم وجوب التوقف فیها. یقول(قدّس سرّه): هذا الخروج ----- خروج الشبهه الموضوعیّه والوجوبیه ----- عن أخبار التوقف، لیس من باب التخصیص والإخراج الحکمی؛ لأنّ لسان هذه الروایات لسان آبٍ عن التخصیص، لسانها لسان أنّ الوقوف عند الشبهه خیر من أنْ تقع فی الهلکه، هنا لا معنی لأنْ یقال بأننّا نخصصّ هذا فی موردٍ، ونلتزم بأنّ الوقوع فی الهلکه هنا یجوز، وهنا لا یجوز، أی نرخّص فی الوقوع فی الهلکه، هذا هو معنی التخصیص الحکمی، فهو لسان یأبی عن التخصیص، فإذا کان آبیاً عن التخصیص؛ فحینئذٍ یتعیّن أنْ یکون الخروج من باب التخصصّ، والإخراج الحکمی، والإخراج الموضوعی.

ص: 74


1- (1) مصباح الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للبهسودی، ج 2، ص 299.

بعباره أخری: إنّ ما دلّ علی الترخیص فی هذه الشبهات الموضوعیّه والوجوبیّه یکون مخرجاً لمورده عن موضوع أدلّه التوقّف، بمعنی أنّ هذه لیست شبهه، لا أنّه یقول أنّها شبهه لکن لا یجب التوقّف فیها الذی هو معنی التخصیص، الذی هو معنی الإخراج الحکمی، کلا، وإنّما أدلّه الترخیص تقول: هذه لیست شبهه، إخراجٌ من الموضوع، الشبهه الوجوبیه، والشبهه الموضوعیه لیست شبهه؛ لأنّه قام فیها دلیل یدلّ علی الترخیص الظاهری. إذن: هی تخرج عن موضوع أدلّه التوقّف. یقول(قدّس سرّه): نفس هذا الکلام ندّعیه فی مقامنا، یعنی فی الشبهه الحکمیّه التحریمیّه بعد الفحص، الذی هو محل النزاع، فالمناقشه تدّعی بأنّ أدلّه الترخیص والبراءه المتقدّمه سابقاً تدلّ علی أنّ هذه لیست شبهه، تُخرج موردها عن موضوع أدلّه التوقّف؛ لأنّ موضوع أدلّه التوقف هی الشبهه، والشبهه هی ما لا یُعلم حکمه الواقعی، ولا الظاهری، وأدلّه الترخیص تثبت الحکم الظاهری، فإذن: یخرج موردها عن کونه شبهه، وهذا معنی الإخراج الموضوعی، ومعنی التخصصّ. هذا کما هو موجود فی الشبهات الوجوبیّه والموضوعیّه؛ لأنّه قال أنّ خروجها لیس من باب التخصیص، فهی لیست شبهه مع جواز اقتحام الهلکه فیها؛ لأنّ لسان اقتحام الهلکه لسان یأبی عن التخصیص، وإنّما مرجعه إلی أنّها لیست شبهه، أی إلی الإخراج الموضوعی، هذا نفسه ندّعیه فی محل الکلام، أدلّه الترخیص کما تجری فی الشبهات الوجوبیّه والموضوعیّه، أیضاً هی شامله لمحل الکلام، فتکون مخرجه لمحل الکلام عن موضوع أدلّه التوقفّ، فإذن: لا یصح الاستدلال بأدلّه التوقّف علی وجوب التوقّف فی محل الکلام؛ لأنّها بأدلّه الترخیص خرجت عن موضوع أدلّه التوقّف.

ویُلاحظ علی هذه المناقشه:

الملاحظه الأوّلی: الظاهر أنّ وجوب التوقّف عندهم المستفاد من أخبار التوقّف هو حکم ظاهری مثل البراءه، والقضیّه واضحه عندهم أنّ موضوع الحکم الظاهری هو الشکّ فی الحکم الواقعی، أخبار البراءه تقول إذا شککت فی حرمه شیءٍ واقعاً، أنا أجعل لک البراءه، وهذه الأخبار تقول إذا شککت فی حرمه شیءٍ أنا أجعل لک وجوب التوقف. إذن: هی أحکام ظاهریّه، وینبغی أنْ یکون موضوعها هو الشک فی الحکم الواقعی، فلا وجه لتعمیم موضوعها للشک فی الحکم الواقعی، والشکّ فی الحکم الظاهری، وإنّما موضوعها الشکّ فی الحکم الواقعی، کل من یشکّ فی الحکم الواقعی، هذه تجعل له وجوب التوقّف، وتلک تجعل له البراءه، فیقع التعارض بینهما، ولا نستطیع أنْ نقول أنّ موضوع أخبار التوقّف هو الأعم من الشکّ فی الحکم الواقعی، والحکم الظاهری، یعنی کما أنّ العلم بالحکم یخرج عن موضوعها، الحکم الظاهری أیضاً إذا ثبت بدلیل أیضاً یخرج عن موضوعها. نعم، هناک دلیلان، واحد یدلّ علی أنّه عند الشکّ فی الحکم الواقعی هناک براءه، والآخر یدلّ علی أنّه عند الشکّ فی الحکم الواقعی هناک احتیاط، هنا یحصل تعارض بلا حکومه، ولا نستطیع القول أنّ أخبار البراءه تکون مخرجه لموردها عن أخبار التوقّف؛ لأنّ موضوع أخبار التوقّف هو الجهل بالحکم الواقعی، والحکم الظاهری؛ بل أخبار التوقّف محمولها حکم ظاهری، وموضوع الأحکام الظاهریّه هو الشکّ فی الحکم الواقعی.

ص: 75

الملاحظه الثانیه: أنّ مرجع هذا الشیء الذی ذُکر فی هذه المناقشه إلی دعوی أنّ أدلّه البراءه حاکمه أو وارده علی أخبار التوقف، فأخبار البراءه عندما تجعل الترخیص فی موردها، فأنها تکون رافعه لموضوع أدلّه وجوب التوقّف، سواء کان رفعاً تعبّدیاً، أو رفعاً حقیقیاً، هی إمّا حاکمه، أو وارده علی أدلّه التوقّف، مرجع کل هذه المناقشه إلی أنّ أخبار التوقّف لمّا کان موضوعها هو الشکّ فی الحکم الواقعی والظاهری، أخبار الترخیص تقول لیس هناک شکّ فی الحکم الظاهری؛ لأنّها تجعل الترخیص کحکمٍ ظاهری، وبهذا تکون رافعه لموضوع أدلّه التوقّف، کالدلیل الدال علی الحکم الواقعی، کما أنّ الدلیل الدال علی الحکم الواقعی یکون رافعاً لموضوع أدلّه التوقّف، کذلک الدلیل الدال علی الترخیص أیضاً یکون رافعاً لموضوع أدلّه التوقّف، إمّا بالحکومه، وإمّا بالورود؛ حینئذٍ الملاحظه الثانیه تقول: هذا لیس أولی من العکس؛ إذ یمکن أنْ ندّعی أنّ مفاد أدلّه البراءه هو البراءه عند الشکّ فی الحکم الشرعی، هنا یمکن أنْ ندّعی بأنّ الجهل وعدم العلم والشکّ الذی أُخذ فی موضوع دلیل البراءه أعمّ من الشکّ فی الحکم الواقعی والشکّ فی الحکم الظاهری، بمعنی أنّ أدلّه البراءه لا تجعل البراءه لمن یعلم وجوب التوقّف فی هذه الشبهه، أی لا تجعل البراءه لمن یعلم الحکم الظاهری فی هذه الشبهه، کما لا تجعل البراءه لمن یعلم الحکم الواقعی فی هذه الشبهه؛ لأنّ موضوعها الشکّ فی الحکم الشرعی، وبالإمکان أنْ ندّعی أنّ الشکّ فی الحکم الشرعی هو أعم من الحکم الواقعی والحکم الظاهری.

إذن: أدلّه التوقّف عندما تجعل الحکم الظاهری فی موردها تکون رافعه لموضوع أدلّه البراءه؛ لأنّ موضوع أدلّه البراءه هو الشکّ فی الحکم الشرعی الأعم من الحکم الواقعی والحکم الظاهری، وأدلّه التوقّف تجعل حکماً ظاهریاً فی موردها، وبذلک ترفع موضوع أدلّه البراءه، فتکون حاکمه، أو وارده علیها، کما أدُعی أنّ أدله البراءه تکون حاکمه علی أدلّه التوقّف؛ لأنّ موضوع أدلّه التوقّف هو الأعم، یمکن دعوی ذلک نفسه فی أدلّه البراءه؛ لأنّ موضوع أدلّه البراءه هو عدم العلم مطلقاً،(ما کنّا معذبین حتّی نبعث رسولا)، کنایه عن البیان، والبیان أعم من بیان الحکم الواقعی، أو بیان الحکم الظاهری، ایضاً تُدّعی هذه الدعوی، وعلی هذا تکون أخبار التوقّف حاکمه أو وارده علی أدلّه البراءه، بینما هو یدّعی أنّ أدلّه البراءه هی التی تکون حاکمه، أو وارده علی أخبار التوقّف، فلا داعی لترجیح هذا علی هذا، إذا کان البناء علی أنْ نقول بأنّ هذه الأحکام الظاهریّه فی هذه الأدلّه لیس موضوعها هو الشکّ فی الحکم الواقعی، وإنّما موضوعها هو الأعم من الشکّ فی الحکم الواقعی، والشکّ فی الحکم الظاهری، فهذا یرفع موضوع هذا، وهذا یرفع موضوع هذا. الالتزام بأنّ أدلّه البراءه هی التی تکون حاکمه، أو وارده، وبالتالی نلتزم فی محل الکلام بالبراءه وعدم وجوب التوقّف خلافاً للأخباریین لا وجه له بهذا البیان.

ص: 76

الملاحظه الثالثه: أنّه لماذا لا یُلتزم بالتخصیص ؟ بأنْ یُدّعی بأنّ أدلّه البراءه تتقدّم، کمناقشهٍ لما ذکره فی الاستدلال بأخبار التوقّف علی وجوب الاحتیاط فی محل کلامنا، المناقشه تکون بأنها لا تشمل محل الکلام؛ لأنّ محل الکلام خرج بالتخصیص، یعنی أدلّه البراءه تتقدّم علی أدلّه التوقّف بالتخصیص، والمحذور الذی ذکره هو أنّ أخبار التوقّف تأبی عن التخصیص؛ ولذا لابدّ أنْ یکون الخروج خروجاً من الموضوع الذی یستلزم الحکومه، فالخروج من الموضوع یعنی أنّ هذه لیست شبهه، ومورد دلیل البراءه أصلاً هو لیس شبهه، فإذا قلنا أنّ دلیل البراءه یشمل محل الکلام، ففی محل کلامنا لا توجد شبهه، فلا تشمله أخبار التوقّف لخروجه عن موضوعه. هذا اللّسان هل یأبی عن التخصیص ؟ صحیح أنّ مسأله الوقوف عند الشبهه خیر من الاقتحام فی الهلکه، هذا اللّسان یأبی عن التخصیص، فلا معنی لأنْ نفرّق بین موردٍ وموردٍ، فنقول هنا الوقوف عند الشبهه خبر من الاقتحام فی الهلکه، وهنا الوقوف عند الشبهه لیس خیراً من الاقتحام فی الهلکه؛ بل لعلّ الاقتحام فی الهلکه یکون خیراً من الوقوف عند الشبهه، لکن الذی یُلاحظ هو أنّ تقریب الاستدلال بأدلّه التوقّف کان بهذا الشکل: یُستفاد منها صغری وکبری، الصغری بمضمون أنّ الاقتحام فی الشبهه فیه مضنّه الوقوع فی الهلکه، والمقصود بالهلکه عندهم، الهلاک الأخروی، یعنی العذاب، أمّا الکبری فهی بمضمون أنّ الوقوف عند الشبهه خیر من الاقتحام فی الهلکه، فنستفید من هذا وجوب التوقّف عند الشبهه؛ لأنّ الاقتحام فی الشبهه مضنّه للهلکه، والوقوف عند الشبهه خیر، فیتعیّن الوقوف عند الشبهه وعدم الاقتحام فی الهلکه، فی دلیل الترخیص عندما یقوم دلیل الترخیص علی البراءه والترخیص فی محل الکلام، هذا لیس تخصیصاً للکبری حتّی یقال أنّ هذه الکبری تأبی عن التخصیص، فلا یمکن الالتزام بالتخصیص، دلیل الترخیص لا یرید أنْ یقول بأنّ هذه الشبهه التی هی محل الکلام، الوقوف فی الشبهه لیس خیراً من الاقتحام فی الهلکه، وإنّما هو تخصیص من الصغری؛ لأنّ الترخیص یجعل التأمین والبراءه، یعنی یقول للمکلّف فی اقتحامک لهذه الشبهه لا مضنّه للهلکه، أدلّه البراءه کلّها بلسان قبح العقاب بلا بیان، فهو یؤمّن من ناحیه الهلاک، کأنّه یرید أنْ یقول أنّ الاقتحام فی هذه الشبهه لیس فیه مضنّه للهلاک والعقاب الأخروی؛ لأنّه یؤمّن من ناحیته، وهذه الصغری قابله للتخصیص، ولیست آبیهً عن التخصیص، ولا محذور فی أنْ نقول أنّه ورد أنّ الاقتحام فی الشبهه مضنّه للوقوع فی الهلکه، إلاّ هذه الشبهه، فأنّ الاقتحام فیها لیس فیه مضنّه للهلکه، الکبری لسانها لسان یأبی عن التخصیص، أمّا الصغری فلسانها لا یأبی عن التخصیص، والمدّعی فی المقام بناءً علی التخصیص، ------ وسیأتی طرح هذا الشیء فی ما بعد ------ بناءً علی أنّ أدلّه البراءه تتقدّم علی أدلّه التوقّف بالتخصیص، هذا لا یمکن دفعه بالقول أنّ أدلّه التوقّف آبیه عن التخصیص؛ لأنّ تقدیم دلیل البراءه بالتخصیص علی دلیل التوقّف لا یستلزم تخصیص الکبری الآبیه عن التخصیص، وإنّما هو یستلزم تخصیص الصغری الغیر آبیه عن التخصیص.

ص: 77

وبهذا نصل إلی المناقشه الثانیه فی أصل الاستدلال: ممّا تبیّن أنّ ادّعاء التقدیم علی أساس الورود، أو الحکومه بالبیان الذی ذُکر من أنّ أدلّه البراءه تکون رافعه للشبهه فی محل الکلام ومُخرجه لمحل الکلام عن أدلّه وجوب التوقّف، فلا یصح الاستدلال بأدلّه وجوب التوقّف علی وجوب التوقّف فی محل الکلام، هذه المناقشه لیست تامّه.

المناقشه الثانیه: ادّعاء التخصیص فی المقام، بأنْ یقال: أنّ دلیل البراءه یتقدّم علی أدلّه التوقّف بالتخصیص، بمعنی أنّ محل الکلام وإنْ کان مشمولاً لإطلاق أدلّه التوقّف، إلاّ أنّه یخرج عنها بأدلّه البراءه من باب التخصیص؛ وحینئذٍ یبطل الاستدلال؛ لأنّ محل الکلام خرج عن أخبار التوقّف. إذن: النتیجه واحده، وهی عدم صحه الاستدلال بأخبار التوقّف فی محل الکلام؛ لأنّ محل الکلام حسب المناقشه الأولی خرج موضوعاً عن أخبار التوقّف، وحسب هذه المناقشه خرج حکماً عن أخبار التوقّف، فبالنتیجه لا یجری التوقّف فی محل الکلام، وهو المطلوب.

لکن یقال: أنّ التقدیم بالتخصیص یتوقّف علی أنْ تکون أخبار البراءه أخصّ مطلقاً من أخبار التوقّف، علی أنْ تکون النسبه بینهما هی نسبه العموم والخصوص المطلق، أنْ تکون أخبار البراءه أخصّ مطلقاً من أخبار التوقّف فتتقدّم علیها بالتخصیص، لکن کیف یمکن إثبات هذا ؟ وما هو الدلیل علی اختصاص أخبار البراءه فی محل الکلام حتیّ یقال أنّ أخبار التوقّف تشمل محل الکلام بالإطلاق، بینما أخبار البراءه مختصّه بمحل الکلام، فتکون أخصّ مطلقاً ؟ مع أنّ لسانها لسان عام، کما أنّ أخبار التوقّف تشمل کل الشبهات، أخبار البراءه أیضاً تشمل کل الشبهات، ولیست مختصّه بمحل الکلام، (رُفع ما لا یعلمون)، و(ما کنّا معذبین حتی نبعث رسولاً)....الخ من الأدلّه التی تقدّم الاستدلال بها علی البراءه، فهی لیست مختصّه بمحل الکلام، بالشبهه الحکمیّه التحریمیّه التی یقع فیها الکلام؛ بل أنّها تشمل کل الشبهات، وکل شیء لا یُعلم حکمه الواقعی، ولا یختصّ بالشبهه التحریمیّه دون الوجوبیه، لسانها لسان عام؛ وحینئذٍ تکون النسبه بینهما هی التباین، لا العموم والخصوص المطلق حتّی نقدّم أخبار البراءه علی أخبار التوقّف بالتخصیص کما یُدّعی فی المناقشه، ومن هنا لابدّ من توجیه هذه المناقشه، أی التقدیم علی أساس التخصیص لابدّ من توجیهه بتوجیهٍ یعتمد علی کبری انقلاب النسبه حتّی تکون أخبار البراءه أخصّ مطلقاً من أخبار التوقّف، فتتقدّم علیها بالتخصیص، وذلک بأنْ یقال أنّ أخبار البراءه خرج منها الشبهات المقرونه بالعلم الإجمالی، وخرج منها الشبهه قبل الفحص، وخرج منها شبهات أخری کما فی الموارد التی قام الدلیل فیها علی وجوب الاحتیاط، کالدماء، والفروج؛ بل حتّی الأموال، هذه شبهات خرجت عن أخبار البراءه، بمعنی أنّه قام الدلیل علی وجوب الاحتیاط فیها. إذن: هذه شبهات خرجت عن أخبار البراءه.

ص: 78

حینئذٍ یقال: بعد خروج هذه الشبهات عن أخبار البراءه؛ حینئذٍ تنقلب النسبه؛ حینئذٍ تکون أخبار البراءه أخصّ مطلقاً من أخبار التوقّف؛ لأنّ هذه الشبهات التی خرجت من أخبار البراءه باقیه علی دخولها تحت أدلّه التوقّف، فلا مانع من شمول أخبار التوقف للشبهه المقرونه بالعلم الإجمالی، وأخبار التوقّف أیضاً تشمل محل الکلام، وتشمل هذه الشبهات، بینما هذه الشبهات خرجت عن أخبار البراءه، وعلیه: سوف تکون أخبار البراءه أخصّ مطلقاً من أخبار التوقّف، فتتقدّم علیها بالتخصیص بناءً علی کبری انقلاب النسبه.

وبعبارهٍ أکثر وضوحاً: فی المقام، بناءً علی هذا الکلام یوجد عندنا ثلاثه أدلّه، ولابدّ أنْ نتعامل مع هذه الأدله الثلاث، لدینا دلیل یدلّ علی البراءه، ودلیل ثانٍ یدلّ علی وجوب الاحتیاط فی شبهات معیّنه مقرونه بالعلم الإجمالی، فی الدماء، وفی الفروج، وقبل الفحص، وثالثاً لدینا أخبار التوقّف. النسبه بین أخبار البراءه وأخبار التوقّف قبل تخصیص أخبار البراءه بأخبار الاحتیاط هی نسبه التباین، لکن عندما نخصصّ أخبار البراءه بأخبار الاحتیاط فی الشبهات المذکوره المعیّنه، ونخرج منها الشبهات المذکوره؛ حینئذٍ تنقلب النسبه بین أخبار البراءه، وأخبار التوقّف من التباین إلی العموم والخصوص المطلق، بمعنی أنّ أخبار البراءه تکون أخص مطلقاً من أخبار التوقّف، فتتقدّم علیها بالتخصیص.

درس الأصول العملیه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

قد یُعترَض علی تخریج المناقشه الثانیه التی ذکرناها فی الدرس السابق بأنّ نفس الکلام الذی تقولونه فی أخبار البراءه یمکن أنْ یقال فی أخبار التوقّف، فکما أنّ هناک شبهاتٍ قام الدلیل علی خروجها من أخبار البراءه، وعلی هذا الأساس تکون أخبار البراءه أخصّ مطلقاً من أخبار التوقّف، کذلک قام الدلیل علی خروج بعض الشبهات من أخبار التوقّف، کالشبهه الموضوعیّه، والشبهه الحکمیّه الوجوبیّه؛ لأنّ الإجماع قائم علی عدم وجوب التوقّف فی هذه الشبهات. إذن: هی خرجت عن أخبار التوقّف للإجماع علی عدم وجوب الاحتیاط فیها، وهذا یجعلها أخصّ مطلقاً من أخبار البراءه، لیست هناک أولویّه لافتراض أنّ أخبار البراءه أخصّ من أخبار التوقّف؛ بل قد نلحظ هذا الجانب، ونقول: أخبار التوقّف أیضاً خرجت منها بعض الشبهات، وهذه الشبهات مشموله لأدلّه البراءه، کالشبهه الموضوعیّه، والشبهه الحکمیّه الوجوبیّه، بینما خرجت من أخبار التوقّف، وبهذا الاعتبار تکون أخبار التوقّف أخصّ مطلقاً من أخبار البراءه.

ص: 79

وبعبارهٍ أخری: بناءً علی هذین التخصیصین، والإخراجین تکون النسبه بین أخبار البراءه وأخبار التوقّف هی العموم والخصوص من وجهٍ، فهما یجتمعان فی محل الکلام، أی فی الشبهه الحکمیّه التحریمیّه بعد الفحص، أخبار البراءه تختصّ بالشبهه الموضوعیّه، والشبهه الوجوبیّه؛ لأنّها خرجت من أخبار التوقّف، بینما تختصّ أخبار التوقّف بالشبهه المقرونه بالعلم الإجمالی، والشبهه قبل الفحص، والشبهه فی الدماء والفروج، فأنّها غیر مشموله بأخبار البراءه، فتکون النسبه هی العموم والخصوص من وجهٍ، فلا داعی حینئذٍ للتقدیم بالأخصیّه، فلا نستطیع حینئذٍ أنْ نقول أنّ أخبار البراءه تتقدّم علی أخبار التوقّف بالأخصیّه؛ لأنّ النسبه بینهما ----- بناءً علی هذا الکلام ------ سوف تکون هی نسبه العموم من وجه، ویحصل التعارض بینهما فی مادّه الاجتماع التی هی محل الکلام.

لکن قد یُدفع هذا الاعتراض بما ذکره بعض المحققین من أنّ الإجماع القائم علی خروج الشبهه الموضوعیّه، والشبهه الحکمیّه الوجوبیّه من أخبار التوقّف لیس دلیلاً مستقلاً فی قِبال الأدلّه التی هی بأیدینا؛ بل هو یرجع إلی أخبار البراءه، بمعنی أنّ الأصولیین عندما یقولون بعدم وجوب الاحتیاط والتوقّف فی الشبهه الموضوعیّه، فأنّهم یتمسّکون بأخبار البراءه، باعتبار أنّ أخبار البراءه شامله للشبهه الموضوعیّه وللشبهه الحکمیّه الوجوبیّه، فدلیل إخراج هذه الشبهات من أخبار التوقّف هی أخبار البراءه؛ بل الظاهر أنّ ذلک هو مستند الأخباریین عندما یلتزمون بعدم وجوب التوقّف فی الشبهه الموضوعیّه، وعدم وجوب التوقّف فی الشبهه الحکمیّه الوجوبیّه، الظاهر أنّه لیس لدیهم دلیل علی عدم وجوب التوقّف بعد شمول أخبار التوقّف لهذه الشبهات، خصوصاً الشبهه الحکمیّه الوجوبیّه؛ إذ لا فرق بینها وبین الشبهه الحکمیّه التحریمیّه، فالظاهر أنّه لا مستند لهم فی هذا الإخراج إلاّ التمسّک بأخبار البراءه. فإذن: الإجماع لیس دلیلاً مستقلاً فی قِبال هذه الأدلّه؛ بل الصحیح هو ما ذُکر سابقاً فی أصل المناقشه، وهو أنّ ما بأیدینا من الأخبار هو عباره عن ثلاثه أخبار، أخبار البراءه والأخبار التی تأمر بالاحتیاط فی شبهاتٍ معیّنه، فی الدماء، وفی الفروج، وفی الشبهه قبل الفحص ما یستدلّ به علی ذلک مقرونه بالعلم الإجمالی وأخبار التوقّف، ولا یوجد لدینا دلیل آخر. نعم، یُدّعی الإجماع، لکنّه إجماع مستند إلی أخبار البراءه، النسبه بین أخبار البراءه، وأخبار التوقّف وإنْ کانت هی التباین علی ما ذکرنا، لکن بعد تخصیص أخبار البراءه بأخبار الاحتیاط، بما دلّ علی وجوب الاحتیاط فی شبهات معیّنه تنقلب النسبه، وتکون أخبار البراءه أخصّ مطلقاً من أخبار التوقّف.

ص: 80

هذا غایه ما یمکن أنْ یُقال فی بیان هذه المناقشه. نعم هذه المناقشه مبنیّه علی کبری انقلاب النسبه، فإذا أنکرنا انقلاب النسبه کما هو الظاهر؛ فحینئذٍ لا تتمّ هذه المناقشه، ولا یصحّ أنْ یقال أنّ أخبار البراءه أخصّ مطلقاً من أخبار التوقّف، لا قبل الانقلاب، ولا بعد الانقلاب؛ لأننّا لا نقول بانقلاب النسبه، فهی مبنیّه علی دعوی انقلاب النسبه.

المناقشه الثالثه: هی المناقشه المعروفه التی تکررّت فی جمله من الأخبار بأنْ یدّعی أنّ المستفاد من هذه الأخبار هو فرض مضنّه الهلکه فی مرتبهٍ سابقهٍ علی هذه الأخبار، وبقطع النظر عنها؛ ولذا نجد أنّ هذه الأخبار عللّت وجوب التوقّف، أو ما یُفهم منها من حرمه الاقتحام فی الشبهه بأنّ الاقتحام فیها هو اقتحام فی ما فیه هلکه، أو ما فیه مظنّه الهلکه، فکأنّها فرضت أنّ هذه الشبهه فیها مظنّه الهلکه فی مرتبهٍ سابقهٍ علی أخبار التوقّف، أخبار التوقّف جاءت لتأمر بالتوقّف، وتنهی عن الاقتحام، عللّت ذلک بأنّ فیه مظنّه الهلکه. إذن: لکی تشمل هذه الأخبار مورداً، لابدّ من افتراض أنّ اقتحام الشبهه فی هذا المورد فیها مظنّه الهلکه، وأنّ هذا شیء ثابت بقطع النظر عن هذه الأخبار. هذا واضح من أخبار التوقّف، فأخبار التوقّف تقول أنّ الوقوف عند الشبهه خیر من الاقتحام فی الهلکه. لکنْ من قال أنّ اقتحام هذه الشبهه فیه هلکه ؟ إذن: أخبار التوقّف افترضت أنّ الشبهه التی تأمر بالتوقّف فیها هی شبهه فی اقتحامها مظنّه الهلکه، فهی لا تشمل إلاّ الشبهات التی تکون من هذا القبیل، یعنی الشبهات التی تنجّزت فی مرتبهٍ سابقهٍ علی هذه الأخبار، وبقطع النظر عنها، فإذا تنجّزت یکون فیها عقاب وهلکه، أخبار التوقف تقول بوجوب الوقوف عند هذه الشبهه، فهی تشمل الشبهات التی تنجّزت فی مرتبهٍ سابقهٍ علیها، وفرغنا فیها عن المنجّزیّه، وأنّ الاقتحام فیها اقتحام فی ما فیه مظنّه الهلکه، فتشملها الأخبار. وأمّا الشبهات التی لم نفرغ عن تنجّزها فی مرتبهٍ سابقهٍ، وإنّما نحن الآن فعلاً نرید أنْ نتکلّم عن أنّها منجّزه، ویجب فیها الاحتیاط، أو لا ؟ فتجری فیها البراءه. مثل هذه الأخبار لا تشملها أخبار التوقّف، وما نحن فیه من هذا القبیل، نحن نتکلّم عن شبههٍ حکمیّهٍ تحریمیّهٍ بعد الفحص، لا قبله؛ لأنّ الاحتمال قبل الفحص یکون منجّزاً، وشبهه بدویّه غیر مقرونه بالعلم الإجمالی حتّی یکون العلم الإجمالی هو المنجّز للواقع فی مورد الشبهه، نتکلّم عن شبههٍ من هذا القبیل، هذه لم نفرغ عن تنجّزها فی مرتبهٍ سابقهٍ، مثل هذه الشبهه لا تشملها هذه الأخبار.

ص: 81

وبعباره أخری: أنّ الأمر بالتوقّف فی هذه الأخبار یتعیّن أنْ یکون أمراً إرشادیاً، ولا یُعقل أنْ یکون مولویاً منجِّزاً للواقع فی مورد الشبهه؛ لأنّ هذه الأخبار افترضت التنجیز فی مرحلهٍ سابقهٍ علیها، فکیف یُعقل أنْ یکون الأمر بالتوقّف فیها أمراً مولویاً تترتّب علیه المنجّزیّه کما هو شأن الأوامر المولویّه ؟ الأوامر المولویّه تترتّب علیها المنجزیّه، ویترتّب علیها استحقاق العقاب علی المخالفه، یأتی الأمر المولوی فیترتّب علیه التنجیز الواقع، واستحقاق العقاب علی المخالفه، بینما هذه الأخبار فرضت التنجیز فی مرحلهٍ سابقهٍ، فکیف تقول أنّه أمر مولوی ؟ المأخوذ فی الأمر المولوی هو أنّ التنجیز واستحقاق العقاب علی المخالفه هو فی طول ذلک الأمر المولوی، بینما هذه الأخبار فرضت التنجیز، واستحقاق العقاب والهلکه علی المخالفه فی مرحلهٍ سابقهٍ علیها، فلا یُعقل أنْ تکون هذه الأوامر أوامر مولویّه ویتعیّن حملها علی أنّها مجرّد إرشاد، والأوامر الإرشادیه کما نعلم هی لیست أوامر فی الحقیقه، وإنّما هی أخبار، ونُصْح، ولا یترتّب علیها أیّ إلزام سوی الإلزام الموجود فی نفس المُرشَد إلیه إذا کان بإلزام، وإذا لم یکن فیه إلزام، فلا یترتب علیه إلزام، فهو مجرّد إرشاد إلی أنّ هذا منجّز علیک بمنجِّزٍ سابقٍ، فلا تُقدِم علیه ولا تقتحمه، إرشاد إلی لزوم التوقّف عقلاً عندما یثبت المنجّز فی مرحلهٍ سابقهٍ، فإذن: لا نستطیع أنْ نستدلّ بها علی وجوب الاحتیاط کما هو مدّعی الأخباریین؛ لأنّ معنی أننّا نستدلّ بها علی وجوب الاحتیاط هو أنّها أوامر مولویه یُستفاد منها وجوب الاحتیاط، (1) فإذا لم تکن أوامر مولویّه؛ فحینئذٍ لا یمکن أنْ نستدلّ بها علی وجوب الاحتیاط؛ لأنّها لیست أوامر مولویّه، وإنّما هی ترشد إلی لزوم التوقّف فی الشبهات المنجّزه بمنجّزٍ فی مرتبهٍ سابقهٍ علیها، ولیس فیها دلاله علی وجوب الاحتیاط فی شبههٍ لم تتنجّز، وإنّما نرید کما هو مُدّعی الأخباریین أنْ نثبت التنجیز، واستحقاق العقاب علی المخالفه بنفس هذه الأخبار.

ص: 82


1- (1) طبعاً الأوامر المولویّه أعمّ من أنْ تکون نفسیه، أو طریقیّه، کل منهما أوامر مولویّه، فإذا دلّ دلیلٌ علی وجوب الاحتیاط فی الدماء، فهو أمر مولوی، لکنّه طریقی غرضه تنجیز الواقع.

صیاغه المناقشه بصیاغهٍ أخری

هذه المناقشه قد تُصاغ بصیاغهٍ أخری، لکن الروح واحده، حیث هناک صیاغه أخری معروفه منقوله عنهم، وهی أنّ الأمر فی أخبار التوقّف لا یخلو إمّا أنْ یکون أمراً نفسیاً، أو أمراً طریقیاً، أو أمراً إرشادیاً.

أمّا الاحتمال الأوّل والذی هو أنْ یکون أمراً نفسیّاً، فهو مقطوع العدم؛ إذ لا نحتمل أنّ الأمر بالتوقّف هو أمر نفسی علی غرار الأمر بالصلاه والصوم، قطعاً لیس أمراً نفسیاً، وإنّما هو أمر ینظر به الواقع، هو ینجّز الواقع، یعنی طریق لتنجیز الواقع، وهناک فرق بین الأمر بالصلاه، فهو لیس طریقاً لشیء؛ بل هو أمر بالصلاه لوجود ملاکٍ قائمٍ فی نفس الصلاه، بینما الأمر بالاحتیاط لیس لوجود ملاکٍ قائمٍ فیه، وإنّما لغرض إدراک الواقع، فهو أمر طریقی.

کما أنّه ------ أی الأمر فی أخبار التوقّف ------ لیس أمراً مولویاً طریقیّاً؛ للنکته المتقدّمه المذکوره فی البیان السابق؛ إذ لا یُعقل أنْ یکون أمراً مولویّاً أصلاً، حتّی لو کان طریقیاً؛ لأنّ الأمر المولوی من شأنه أنْ تکون المنجّزیّه واستحقاق العقاب فی طوله، بینما هذه الأخبار ظاهره فی أنّ الأمر بالتوقّف هو فی طول المنجزیه، الأمر بالتوقّف هو معلول للمنجّزیه المفروضه فی مرتبهٍ سابقهٍ. إذن: لا یُعقل أنْ یکون الأمر بالتوقّف أمراً طریقیاً مولویاً؛ لأنّ الأمر الطریقی المولوی تترتّب علیه المنجّزیّه، لا أنّه یترتب علی فرض التنجیز فی مرتبهٍ سابقهٍ کما هو ظاهر هذه الأخبار، فیتعیّن أنْ یکون الأمر بالتوقّف أمراً إرشادیاً، وکونه أمراً إرشادیاً یعنی أنّه إرشاد إلی لزوم التوقّف والنهی عن اقتحام الشبهه المنجّزه فی مرتبهٍ سابقهٍ، ومثل هذا اللّسان لا یشمل محل الکلام، وإنّما یشمل الشبهات المقرونه بالعلم الإجمالی، أی المنجّزه، یشمل الشبهات قبل الفحص؛ لأنّها تنجّزت بمنجّزٍ سابقٍ، ولا یشمل محل الکلام ممّا لم یُفرض فیه التنجیز فی مرتبهٍ سابقهٍ، فلا یصحّ الاستدلال بها فی محل الکلام.

ص: 83

من الواضح أنّ هذه المناقشه تفترق عن المناقشتین السابقتین فی شیءٍ وهو أنّ کلاً من المناقشتین السابقتین تفترض، أو تعترف ضمناً بأنّ أخبار التوقّف تشمل محل الکلام، بإطلاقها، أو بعمومها تشمل محل الکلام، یعنی تشمل الشبهه البدویّه التحریمیّه بعد الفحص، لکنّ المناقشه الأولی تدّعی أنّها خارجه عنها بالحکومه، والمناقشه الثانیه تدّعی أنّها خارجه عنها بالتخصیص، لکنّ أساساً هی تعترف بأنّ أخبار التوقّف شامله بإطلاقها لمحل الکلام، لکنّها خارجه عنها بالحکومه، أو بالتخصیص، بینما المناقشه الثالثه أساساً لا تعترف بشمول أخبار التوقّف لمحل الکلام، وإنّما هی تشمل خصوص الشبهات المنجّزه فی مرتبهٍ سابقهٍ علی أخبار التوقّف، وبقطع النظر عنها، فهی لا تشمل محل الکلام؛ لأننّا فی محل الکلام لم نفترض التنجیز، ثمّ نأتی إلی أخبار التوقّف.

المناقشه الثالثه هی المناقشه المهمّه فی الحقیقه للاستدلال بأخبار التوقّف؛ ولذا صار هناک نوع من العنایه بها.

أجیب عن هذه المناقشه بعدّه أجوبه:

الجواب الأوّل: هو ما فی الکفایه. حیث أجاب الشیخ صاحب الکفایه(قدّس سرّه) عن هذه المناقشه بأننّا نستکشف من الأمر بالوقوف فی هذه الأخبار بنحو الإن، یعنی استکشاف العلّه من المعلول، والملزوم من الّلازم، نستکشف إیجاب الاحتیاط من قبل أخبار التوقّف، وبقطع النظر عنها، لتصحّ به العقوبه علی المخالفه؛ لأنّ العقوبه علی المخالفه لیست من أخبار التوقّف، وإنّما علی مخالفه ما استکشفناه من أخبار التوقّف من إیجاب الاحتیاط، فیکون ما استکشفناه، وهو وجوب الاحتیاط هو المنجّز لهذه الشبهه، وهو المصححّ للعقوبه والهلکه علی تقدیر المخالفه. (1)

هذا الکلام یحتاج إلی شیءٍ من التوضیح: إنّ مقصوده بهذا الکلام کما فُسّر فی کلماتهم هو: أنّ هناک أمرین مستفادین من أخبار التوقّف:

ص: 84


1- (2) کفایه الأصول، الآخوند الخراسانی، ص 346.

الأمر الأوّل: هو إطلاق أخبار التوقّف لمحل الکلام، بمعنی أنّ أخبار التوقّف بإطلاقها هی شامله للشبهه، فتشمل الشبهه فی محل الکلام، قبل أنْ نُعمل هذا التفسیر حتّی نخرج الشبهه فی محل الکلام عن هذه الأخبار هی بإطلاقها تشمله.

الأمر الثانی: ثبوت مظنّه الهلکه فی موارد الشبهه، وأنّ الاقتحام فی کل شبههٍ هو اقتحام فی الهلکه، أو ما فیه مظنّه الهلکه. إذن: أخبار التوقّف تقول: إنّ کل شبههٍ فیها مظنّه الهلکه، وأنّ الاقتحام فیها هو اقتحام فی ما فیه مظنّه الهلکه، وأنّ أخبار التوقّف بإطلاقها تشمل الشبهه البدویّه بعد الفحص التی هی محل کلامنا، فإذا شملتها بإطلاقها، إذن: هی تدل علی أنّه حتّی شبهتنا فی محل الکلام الاقتحام فیها اقتحام فی ما فیه مظنّه الهلکه، من قبیل أنْ یقول(لا تأکل الرمّان لأنّه حامض) هذا مطلق یشمل کلّ رمّان، ویدلّ علی أنّ هذه العلّه، وهی الحموضه موجوده فی کل فردٍ من أفراد الرمّان، بقطع النظر عن أننّا نعلم فی الخارج بوجود رمّان لیس حامضاً، ظاهر الدلیل أنّ هذا یشمل کل الرمّان، وأنّ العلّه موجوده فی کل أفراد الرمّان، ما نحن فیه من هذا القبیل، الوقوف عند الشبهه خیر من الاقتحام فی الهلکه، الشبهه مطلقه، وتشمل محل الکلام، وأخبار التوقّف تدلّ علی وجود العلّه فی کلّ شبههٍ، والعلّه هی مظنّه الهلکه، واحتمال الهلکه. إذن: الشبهه فی محل کلامنا، أیضاً الاقتحام فیها هو اقتحام فی ما فیه مظنّه الهلکه کسائر الشبهات الأخری.

إذا استفدنا هذا فی محل کلامنا، فسوف نستکشف من وجود الهلکه فی اقتحام هذه الشبهه أنّ الشارع جعل وجوب الاحتیاط فیها، وإلاّ، کیف یمکن تصحیح الهلاک واستحقاق العقاب علی تقدیر المخالفه ؟ وکیف یمکن إثبات أنّ الاقتحام فی هذه الشبهه اقتحامٌ فی ما فیه الهلاک، لو لم تتنجّز هذه الشبهه بمنجّزٍ فی مرحلهٍ سابقهٍ علی هذه الأخبار ؟ غایه الأمر أننّا نستکشف وجوب الاحتیاط المجعول شرعاً من ما دلّت علیه أخبار التوقّف من أنّه فی شبهتنا أیضاً بالإطلاق یوجد هلاک، من باب استکشاف العلّه من المعلول؛ لأنّ الهلاک واستحقاق العقاب معلول للتنجیز، فإذا دلّ دلیل علی ثبوت المعلول نستکشف بطریق الإنْ أنّ العلّه موجوده، والعلّه هی إیجاب الاحتیاط؛ لأنّه فی شبهتنا لا یوجد ما یُنجّز هذه الشبهه سوی إیجاب الاحتیاط، فلو لم تکن هذه الشبهه منجّزه، فلا مجال لاستحقاق العقاب علی تقدیر المخالفه، مع عدم التنجیز تجری قاعده قبح العقاب بلا بیان، فتؤمّن من ناحیه العقاب والهلاک، بینما هذه الأخبار تقول یوجد هلاک فی اقتحام هذه الشبهه، وهذا لا یُعقل أنْ یکون إلاّ مع افتراض وجود علّه موجبه لهذا، وهی عباره عن التنجیز، فمن المعلول نستکشف العلّه وهی التنجیز، من اللازم وهو الهلاک والعقاب نستکشف الملزوم الذی هو عباره عن التنجیز، والتنجیز لا یُتصوّر فی شبههٍ من هذا القبیل، إلاّ بإیجاب الاحتیاط، فیُستکشَف أنّ الشارع جعل وجوب الاحتیاط فی محل کلامنا من أخبار التوقّف.

ص: 85

درس الأصول العملیه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

الکلام فی أدلّه التوقّف والاستدلال بها علی وجوب الاحتیاط فی محل الکلام، والمقصود بمحل الکلام هو الشبهه الحکمیّه البدویّه بعد الفحص، وقد بیّنّا تقریب الاستدلال علی وجوب الاحتیاط فی هذه الروایات، ثمّ ذکرنا المناقشات والاعتراضات التی ذُکرت علی الاستدلال بها فی محل الکلام، وتقدّمت المناقشات الأولی والثانیه والثالثه، والمناقشه الثالثه کانت ترتکز علی هذه الدعوی المعروفه والمشهوره وهی عمده المناقشات، وحاصلها: أنّ الذی یظهر من أخبار التوقّف هو افتراض وجود هلکه فی الاقتحام لتلک الشبهه، وهذا یعنی أنّ تلک الشبهه التی تتحدّث عنها الروایه، وتأمر بالتوقّف فیها، هی شبهه منجّزه بمنجّزٍ ثابتٍ بقطع النظر عن أخبار التوقّف؛ لأنّ أخبار التوقّف لا تصلح أنْ تکون هی المنجّزه کما هو مقتضی الاستدلال بها علی وجوب الاحتیاط، فمقتضی الاستدلال بها علی وجوب الاحتیاط هو أنْ یکون وجوب الاحتیاط منجَّزاً بسببها، فتکون هی المنجِّزه لوجوب الاحتیاط بلحاظ الواقع، بینما لسان الأخبار هو أنّ الشبهه تنجّزت بمنجِّزٍ سابقٍ، هو یقول أنّ الشبهه التی تُقدِم علیها فیها مظنّه الهلکه، فتوقّف، فلابدّ من حمل الأمر بالتوقّف فی هذه الروایات علی الإرشاد لا علی المولویّه، فتسقط عن إمکانیّه الاستدلال بها علی وجوب الاحتیاط فی محل الکلام، وإنّما تکون ناظره إلی الشبهات المنجَّزه بقطع النظر عنها؛ ولذا حملوها علی الشبهه المقرونه بالعلم الإجمالی، والشبهه قبل الفحص، فهناک العقل یحکم بمنجّزیّه الاحتمال فی هاتین الشبهتین.

ذکرنا فی الدرس السابق أنّ هناک اعتراضات علی هذه المناقشه. الاعتراض الأوّل الذی أشار إلیه الشیخ الآخوند(قدّس سرّه) فی الکفایه، (1) لا أقول أنّه التزم به، لکنّه أشار إلیه، وحاصله: أننّا نسلّم أنّ الأمر إرشادی، لکن یمکن مع ذلک إثبات وجوب الاحتیاط عن طریق استکشافه أنّیّاً، أی عن طریق استکشاف العلّه من المعلول، بأنْ نسلّم أموراً:

ص: 86


1- (1) کفایه الأصول، الآخوند الخراسانی، ص 346.

الأمر الأوّل: أنّ أخبار التوقّف فیها من الإطلاق ما یسع محل الکلام؛ إذ لا موجب لقصر النظر علی بعض الشبهات دون بعض. إذن: هی بإطلاقها شامله لمحل الکلام.

الأمر الثانی: أنّ المراد بالهلکه فیها هو العقاب الأخروی، ولیس المفسده وأمثالها من الأضرار الدنیویّه.

الأمر الثالث: أنّ ظاهر الروایات هو وجود مظنّه الهلکه فعلاً فی الشبهات التی تتحدّث عنها هذه الروایات.

ونتیجه هذا کلّه: أنّ اقتحام الشبهه فی محل الکلام فیه مظنّه الهلکه؛ لأنّ الروایات مطلقه تشمل محل الکلام، والمراد بالهلکه هو العقاب، والروایه تدلّ علی وجود فعلیّه مظنّه الهلکه عند اقتحام الشبهات التی تتحدّث عنها هذه الروایات. إذن: فی شبهتنا فی محل الکلام، هذه الروایات تقول فی اقتحامها مظنّه الهلکه، ولا یُعقل أنْ تکون هناک هلکه وعقاب أخروی، إلاّ إذا کان هناک ما یُنجِّز الواقع فی هذه الشبهه؛ لأنّ الهلکه والعقاب معلول لکون الواقع منجَّز علی المکلّف؛ ولذا یُحاسَب علی فوات الواقع، فإذا أقدم علی الشبهه وصادف الواقع؛ فحینئذٍ یکون هناک هلاک وعقاب، فعندما یقتحم المکلّف الشبهه هناک مظنّه الهلاک، وهذا معلولٌ لتنجیز الواقع، وتنجیز الواقع فی الشبهه محل الکلام یحصل بإیجاب الاحتیاط، فیکون إیجاب الاحتیاط المنجّز للواقع فی محل الکلام علّه لترتّب مظنّه الهلکه علی ارتکاب هذه الشبهه. ونحن أثبتنا أنّ اقتحام الشبهه فیه مظنّه الهلکه، والذی هو معلول، ومنه نستکشف وجود العلّه التی هی أنّ الشارع أوجب الاحتیاط فی هذه الشبهه. وهو المطلوب؛ وعندئذٍ لا یتوقّف إیجاب الاحتیاط علی أنْ یکون الأمر بالتوقّف فی هذه الروایات مولویاً حتّی یقال أنّ هذا الأمر لیس مولویاً، ولسانه لسان الإرشاد ولیس فیه مولویه، فکیف یمکن أنْ نستدلّ به علی إیجاب الاحتیاط ؟ حتّی لو سلّمنا أنّ الأمر إرشادی، هذا لا یمنع من إثبات إیجاب الاحتیاط عن طریق هذا الاستکشاف لا عن طریق التمسّک بنفس الأمر لإثبات وجوب الاحتیاط، فحتّی لو کانت الأوامر إرشادیه، لکن بهذا البیان الذی ذُکر یمکن استکشاف إیجاب الاحتیاط فی محل الکلام؛ فحینئذٍ ترتفع المناقشه فی الاستدلال بهذه الروایات علی وجوب الاحتیاط.

ص: 87

هذا الجواب فی حدِّ نفسه یصلح أنْ یکون تقریباً ثانیاً للاستدلال بروایات التوقّف علی وجوب الاحتیاط، بأنْ یکون ما تقدّم هو التقریب الأوّل، وهو أنْ یُستدَل بأوامر التوقّف فی هذه الروایات بناءً علی أنّها أوامر مولویه یُستدَل بها علی وجوب الاحتیاط؛ لأنّها هی تأمر بالتوقّف، فتکون منشئاً لوجوب الاحتیاط. هذا التقریب الأوّل الذی وردت فیه المناقشه المتقدّمه، وهذا تقریب ثانٍ للاستدلال بهذه الروایات، بأنْ یقول الأخباریون فی مقام الاستدلال بها: نحن لا نقول بأن الأمر فیها مولویاً، وإنّما الأمر فیها للإرشاد، لکن بهذا البیان یمکن إثبات إیجاب الاحتیاط والاستدلال بها علی إیجاب الاحتیاط. إذن: کما أنّه جواب عن المناقشه الثالثه، کذلک یصلح أنْ یکون استدلالاً آخراً علی وجوب الاحتیاط بأخبار التوقّف . هذا الجواب الأوّل عن المناقشه الثالثه، وهو ما ذکره صاحب الکفایه(قُدّس سرّه).

الجواب الثانی: هو ما ذکره المحققّ الأصفهانی(قُدّس سرّه) فی حاشیته علی الکفایه (1) لردّ المناقشه الثالثه، وبالتالی هذا یصبّ فی صالح الأخباریین، وفی صالح صحّه الاستدلال بهذه الروایات علی وجوب الاحتیاط. حاصل ما ذکره هو: استکشاف الأمر بوجوب الاحتیاط، أو ما یسمّیه ب--(الأمر الطریقی بالاحتیاط) من الأمر بالتوقّف المعللّ بأنّه خیر من الاقتحام فی الهلکه، وذلک بأنْ یکون أمر المخاطبین بالتوقّف فی هذه الأخبار کاشفاً عن وصول الأمر الطریقی بالاحتیاط إلیهم؛ لأنّ هذه الأخبار تأمر المخاطَبین بالتوقّف عند الشبهه، وهذا معناه أنّ الأمر بالاحتیاط واصل إلیهم؛ لأنّ الأمر بالتوقّف یکشف عن فعلیّه الهلکه فی حقّهم، وبالدلاله الالتزامیّه نستکشف علّه هذه الهلکه، وهو وصول الأمر الطریقی بالاحتیاط إلیهم، ولا محذور فی افتراض وصول الأمر بالاحتیاط إلی المخاطَبین؛ وحینئذٍ بمقتضی قاعده الاشتراک ------ الکلام لا یزال للمحقق الأصفهانی ------ مع المخاطَبین فی التکلیف، یعنی غیر المخاطبین یشترکون مع المخاطبین فی التکالیف، نستکشف الأمر الطریقی بالاحتیاط فی حقّ غیرهم بقاعده الاشتراک؛ لعدم احتمال الفرق فی وجوب الاحتیاط فی الشبهات البدویّه بین أفراد المکلّفین، فلو ثبت تکلیفٌ، ولو کان ظاهریّاً فی حقّ فئهٍ من المکلّفین، فقاعده الاشتراک تعممّ هذا التکلیف إلی غیرهم. فی المقام یقول(قُدّس سرّه) لا محذور فی أنْ نستکشف وصول وجوب الاحتیاط إلی المخاطبین بهذه الخطابات الشرعیه، بأوامر التوقّف فی أخبار التوقّف، هؤلاء المخاطبون، قیل لهم یجب علیکم التوقّف فی هذه الشبهه؛ لأنّ فیها اقتحام الهلکه. إذن: فُرض وجود هلکه، والهلکه معلوله لوجوب الاحتیاط، فکیف قیل لهم أنّ هذه الشبهه منجّزه، وفیها هلکه، ولم یصل إلیهم التنجیز ؟ فلابدّ من فرض وصول المنجّز، أی وصول وجوب الاحتیاط إلیهم حتّی یُعقل مخاطبتهم بهذا الخطاب، بأنْ یُقال لهم قف عند هذه الشبهه؛ لأنّ الاقتحام فیها هو اقتحام فی الهلکه، وهذا لا یمکن فرضه، إلاّ بفرض وصول وجوب الاحتیاط إلیهم، ووصول المنجِّز لهذه الشبهه إلیهم، فیقول لا مانع من فرض وصول المنجِّز إلی المخاطبین، فإذا فُرض وصول وجوب الاحتیاط إلیهم، وکان حکمهم الظاهری هو وجوب الاحتیاط فی هذه الشبهه؛ فحینئذٍ یثبت هذا الحکم فی حقّ غیرهم بقاعده الاشتراک. وبذلک استطعنا أنْ نستکشف وجوب الاحتیاط فی حقّ جمیع المکلّفین بضمیمه أخبار التوقّف إلی قاعده الاشتراک.

ص: 88


1- (2) نهایه الدرایه فی شرح الکفایه، الشیخ الأصفهانی، ج 2، ص 476.

هذا الجواب أیضاً یصلح أنْ یکون تقریباً ثالثاً للاستدلال بأخبار التوقّف علی وجوب الاحتیاط فی حقّ الجمیع. التقریب الأوّل کان مبنیّاً علی أنّ الأمر مولوی، والتقریب الثانی کان مبنیّاً علی أنّ الأمر إرشادی، لکن یُستکشف وجوب الاحتیاط من باب استکشاف العلّه من المعلول، وفی هذا التقریب الثالث نفترض أنّ وجوب الاحتیاط وصل إلی المخاطَبین بأوامر التوقّف، ثمّ نثبته فی حقّ الغیر بقاعده الاشتراک.

الظاهر أنّ هذا الجواب الثالث إنّما طرحه المحققّ الأصفهانی(قُدّس سرّه) کجوابٍ عن المناقشه الثالثه، ونحن قلنا أنّه یصلح کتقریبٍ لأصل الاستدلال بأخبار التوقّف، إنّما طرحه هو یهدف إلی دفع إشکالٍ مقدّرٍ، وإیرادٍ قد یورد علی الجواب الأوّل لصاحب الکفایه(قُدّس سرّه)، وحاصل هذا الإشکال الذی یرِد هو أنّ الأمر الطریقی بالاحتیاط، إنّما یُنجِّز الواقع علی المکلّف بحیث یوصله إلی مرحله استحقاق العقاب علی تقدیر المخالفه، إنّما یُنجِّز بوجوده الواصل لا بوجوده الواقعی، فبوجوده الواقعی لا یصلح للتنجیز بناءً علی قاعده قبح العقاب بلا بیان، فبناءً علی هذه القاعده، وجوب الاحتیاط لا یُنجّز الواقع إلاّ بوجوده الواصل الذی تمّ علیه البیان حتّی یخرج من موضوع قاعده قبح العقاب بلا بیان، أمّا بوجوده الواقعی فلا یکون منجِّزاً؛ وحینئذٍ یقال: إنْ فُرض وصول وجوب الاحتیاط إلی المکلّف بقطع النظر عن هذه الأخبار؛ حینئذٍ یکون هو المثبت للمطلوب، لا أخبار التوقّف، إذا فرضنا أنّ وجوب الاحتیاط هو الذی وصل إلی المکلّف؛ حینئذٍ یثبت المطلوب للأخباریین بلا حاجه إلی الاستعانه بأخبار التوقّف؛ لأنّ وجوب الاحتیاط فُرض وصوله إلی المکلّف، فیکون هو الذی یثبت المطلوب لا أخبار التوقّف، ولا أثر لهذه الأخبار فی ذلک. وإنْ فُرض عدم وصوله إلی المکلّف؛ حینئذٍ لا یمکن استکشاف الهلکه ووجوب الاحتیاط، وبالتالی الانتقال من المعلول إلی العلّه وهو وجوب الاحتیاط؛ لأنّ العقل حاکم بعدم الهلکه والعقاب فی ظرف عدم وصول المنجِّز الذی هو وجوب الاحتیاط، فالمکلّف یقطع بعدم الهلکه، فکیف یُعقل أنْ یقال أنّ الهلکه موجوده، ومن المعلول نستکشف العلّه کما ذکر صاحب الکفایه(قُدّس سرّه).

ص: 89

هذا الإشکال الذی یرید المحقق الأصفهانی(قُدّس سرّه) دفعه عن الجواب الأوّل. حیث أنّ صاحب الکفایه(قُدّس سرّه) کان یقول فی الجواب الأوّل: حتّی لو سلّمنا أنّ الأوامر بالتوقّف إرشادیه، نحن لا نرید أنْ نثبت وجوب الاحتیاط من الأمر بالتوقّف باعتباره أمراً مولویاً، وإنّما نسلّم أنّها أوامر إرشادیه، لکن الأخبار ظاهره فی وجود هلکه فی الاقتحام فی هذه الشبهه بحسب الإطلاق. إذن: هذه شبهه فی اقتحامها هلکه، والهلکه معلوله للمنجِّز الذی هو وجوب الاحتیاط، فنستکشف العلّه من المعلول. هذا هو الجواب الأوّل. والإشکال کان یقول: لا یُعقل أنْ یکون وجوب الاحتیاط بوجوده الواقعی هو المنجّز، وإنّما المعقول هو أنْ یکون وجوب الاحتیاط بوجود الواصل منجّزاً؛ وحینئذٍ: إمّا أنْ نفترض وصول وجوب الاحتیاط إلی المکلّف، أو نفترض عدم وصوله، فإذا افترضنا وصول وجوب الاحتیاط إلی المکلّف؛ فحینئذٍ تتنجّز الشبهه ویجب الاحتیاط فیها بلا إشکال، لکنّ الدلیل علی ذلک لیس هو أخبار التوقّف، وإنّما الدلیل علی ذلک هو وجوب الاحتیاط الّذی فُرض وصوله إلی المکلّف، فأنّه هو الذی یُنجّز الشبهه، أمّا أخبار التوقّف فلا تأثیر لها. وأمّا إذا فرضنا عدم وصول وجوب الاحتیاط؛ فحینئذٍ بمسلک قبح العقاب بلا بیان یُقطع بعدم الهلکه فی ارتکاب هذه الشبهه؛ لعدم تمام البیان علی ما یستوجب العقاب، فیکون العقاب مؤمّناً، ویُقطع بعدم الهلکه، ومع القطع بعدم الهلکه فی الشبهه محل الکلام لعدم وصول البیان علی وجوب الاحتیاط بحسب الفرض؛ حینئذٍ لا مجال لأنْ یقال نحن نستکشف من وجود الهلکه العلّه وهی وجوب الاحتیاط؛ لأنّه لیس هناک هلکه، فکیف تستکشف وجود الهلکه، ثمّ تنتقل منها إلی العلّه، بینما بناءً علی عدم وصول وجوب الاحتیاط إلی المکلّف، حینئذٍ لا هلکه، ولا عقاب فی اقتحام الشبهه؛ بل یُقطع بعدم العقاب فی اقتحام الشبهه. فلا معنی لأنْ نستکشف وجوب الاحتیاط من الهلکه. هذا الإشکال علی الجواب الأوّل.

ص: 90

کأنّ المحقق الأصفهانی(قُدّس سرّه) ناظر إلی دفع هذا الإشکال، فیرید أنْ یُقرّب الجواب الأوّل تقریباً بحیث یدفع عنه هذا الإشکال، وحاصل ما یرید أنْ یقوله فی مقام التخلّص من هذا الإشکال هو: أنْ یفترض أنّ من وصل إلیه وجوب الاحتیاط غیر من یرید استکشاف وجوب الاحتیاط من أخبار التوقّف، الذی وصل إلیه وجوب الاحتیاط هو المخاطَب بأخبار التوقّف، والذی یرید استکشاف ذلک هو غیر المخاطَب بالبیان الذی ذکرناه، باعتبار أنّ المخاطبین بأخبار التوقّف یجب علیهم الاحتیاط لوصول وجوب الاحتیاط إلیهم، وهو ما ذکره بقوله لا محذور فی أنْ نفترض أنّ وجوب الاحتیاط وصل إلی المخاطَبین بأخبار التوقّف، والموجودین فی زمان صدور هذه الأخبار الذین یوجّه لهم خطاب(قف عند الشبهه)، وغیر المخاطَب بهذا الخطاب یجب علیهم الاحتیاط لاستکشاف الأمر الطریقی من أخبار التوقّف بضمیمه قاعده الاشتراک؛ فحینئذٍ لا یرِد الإشکال السابق.

درس الأصول العملیه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

الکلام فی المناقشه الثالثه فی الاستدلال بأخبار التوقّف والأجوبه التی أوردت علی هذه المناقشه، ذکرنا الجواب الأوّل والجواب الثانی. وقد ذکرنا أنّ الجواب الثانی منهما هو محاوله لتصحیح الجواب الأوّل ودفع ما یمکن أنْ یورد علیه.

والذی یُلاحظ علی الجواب الأوّل، والذی یقول فیه صاحبه بأنّه یمکن استکشاف وجوب الاحتیاط فی محل الکلام، وإنْ کان الأمر بالتوقّف أمراً إرشادیاً، وذلک عن طریق استکشاف العلّه من المعلول؛ لأنّ الروایات تشمل محل الکلام بإطلاقها، وتدلّ علی وجود الهلکه فی الاقتحام فی الشبهه فی محل الکلام، ووجود الهلکه معلولٌ لوجوب الاحتیاط، فنستکشف وجوب الاحتیاط بالرغم من أنّ الأمر الوارد فی هذه الروایات هو أمر إرشادی.

ص: 91

الملاحظه علی هذا الجواب: أنّ المشکله فی الحقیقه تکمن فی أنّه کیف یمکن تصوّر اجتماع أمر إرشادی مع أمرٍ مولویٍ فی کلامٍ واحدٍ، المشکله لیست فی أنّه هل یمکن أنْ یستکشَف هذا، أو لا، وإنّما المشکله إثباتیه فی أنّه لا یمکن افتراض اجتماع الأمر الإرشادی والأمر المولوی فی کلامٍ واحدٍ، هذا غیر مقبول. نعم، یمکن تصوّر ذلک فی کلامین، ولو لشخصٍ واحد، أنّ الشارع یرشد بأوامر إلی إطاعه أوامر مولویّه قیلت فی مقامٍ آخرٍ، فهو یرشد إلی تلک الأوامر، ویُحذّر من مخالفه تلک الأوامر المولویّه. هذا لا بأس به، أمّا فی کلامٍ واحد، فهذا غیر مقبول، بمعنی أنّ الأمر الإرشادی فی الکلام الواحد یرشد ویحذّر من مخالفه الأمر المولوی فی نفس ذلک الکلام الواحد، هذا غیر مستساغ. الجواب الأوّل یقع فیه هذا المحذور؛ لأنّ الجواب الأوّل یقرّ ویعترف بأنّ الأمر بالتوقّف هو أمر إرشادی، والجواب الأوّل مبنی علی تسلیم أنّ الأمر بالتوقّف هو أمر إرشادی، ویدّعی فی نفس الوقت أنّ التعلیل بأنّ (الوقوف عند الشبهه خیر من الاقتحام فی الهلکه) یُستکشَف منه الأمر المولوی الطریقی بالاحتیاط، بحیث یکون هذا التعلیل هو بیانٌ بنحوٍ من الانحاء لوجوب الاحتیاط المولوی، یعنی أنّ الشارع بدلاً من أنْ یأمر بالاحتیاط مباشرهً، یُبیّن وجوب الاحتیاط بذکر لازمه، وهو العقوبه علی المخالفه، کما هو الحال فی الواجبات النفسیّه، فکأنّه یرید أنْ یُبیّن وجوب الاحتیاط المولوی لکن بذکر لازمه، هذا هو مدّعی الجواب الأوّل، وهذا معناه أنّ الکلام الواحد اجتمع فیه الأمر المولوی والأمر الإرشادی، یعنی أوامر التوقّف ترشد إلی أوامر مولویه موجوده فی نفس الکلام، هذا الذی یُتوقّف فی قبوله، وحمل الروایات علیه قد یجعلها مخالفه للظاهر، هذا معقول فی کلامین لشخصین، أو لشخصٍ واحد، لکن فی نفس الکلام أنْ یکون الأمر الإرشادی فی کلامٍ واحدٍ صادرٍ من متکلّم واحد هو یُرشد إلی أمرٍ مولوی موجود فی نفس ذلک الکلام هو أمر غیر مستساغ.

ص: 92

وأمّا الجواب الثانی: فأنّه یُراد فیه حمل القضیّه علی أنّها قضیّه خارجیّه، وهذا خلاف الظاهر، فظاهر القضیّه أنّها قضیّه حقیقیّه ولیست خارجیّه، هو یرید أنْ یقول أنّ الخطاب فی أوامر التوقّف موجّه إلی المخاطَبین، ولا مانع من افتراض أنّ المخاطبین قد وصل إلیهم وجوب الاحتیاط، ثمّ نعممّ وجوب الاحتیاط لغیر المخاطبین بقاعده الاشتراک، فکأنّه یرید أنْ یقول أنّ القضیّه فی المقام قضیّه خارجیّه، والخطاب فیها موجّه إلی أشخاص مُعیّنین وهم المخاطبون بهذا الخطاب. حمل الروایات علی أنّها قضیّه خارجیّه، والخطاب فیها موجّه إلی خصوص المخاطَبین بها هو خلاف الظاهر؛ لأنّ ظاهر الأخبار أنّها قضایا حقیقیّه، والخطاب فیها لا یختصّ بخصوص المخاطَبین.

الجواب الثالث علی المناقشه الثالثه: ما ذکره السیّد الشهید الصدر(قُدّس سرّه) (1) وحاصله: أنّ أصل المناقشه غیر تامّه لا مبنی، ولا بناءً:

أمّا من جهه المبنی؛ فلأنّ أصل المناقشه تبتنی علی مسلک قاعده قبح العقاب بلا بیان، باعتبار أنّ أخبار التوقّف یُدّعی فی المناقشه أنّها ظاهره فی وجود الهلکه فی مرتبهٍ سابقهٍ علی نفس الأخبار وبقطع النظر عنها، فلابدّ من حملها علی الشبهات المنجَّزه فی مرتبهٍ سابقهٍ مثل الشبهه المقرونه بالعلم الإجمالی، والشبهه قبل الفحص، ولا تشمل محل الکلام؛ لأنّ الشبهه فی محل الکلام لیست منجَّزه بقطع النظر عن أخبار التوقّف؛ لأنّ الشبهه بعد الفحص تجری فیها قاعده قبح العقاب بلا بیان، وبهذا استطاع فی المناقشه أنْ یُخرج محل الکلام عن أخبار التوقّف، فلا یصحّ الاستدلال بأخبار التوقّف علی وجوب الاحتیاط فی محل الکلام.

ص: 93


1- (1) بحوث فی علم الأصول، تقریر بحث السیّد محمد باقر الصدر للسید محمود الشاهرودی، ج 5، ص 93.

وأمّا بناءً علی المسلک الآخر الذی یُنکر قاعده قبح العقاب بلا بیان، ویؤمن بمسلک حقّ الطاعه، ومنجّزیّه الاحتمال، الذی یؤمن بذلک کقاعده عقلیّه أولیّه هذه المناقشه لا تصحّ؛ إذ لا فرق بین الشبهه بعد الفحص التی هی محل الکلام، وبین الشبهه قبل الفحص، وبین الشبهه المقرونه بالعلم الإجمالی فی أنّ المنجِّز العقلی موجود فیها جمیعاً، هذه الشبهه ولو بعد الفحص منجَّزه بحکم العقل بمنجّزیّه الاحتمال، حیث أنّ احتمال التکلیف موجود، والعقل یحکم بأنّه منجِّز بقطع النظر عن هذه الأخبار. إذن: لا فرق بین محل الکلام وبین سائر الشبهات بناءً علی مسلک حقّ الطاعه فی أنّ الواقع تنجَّز علی المکلّف بقطع النظر عن هذه الأخبار، فلا معنی لحمل هذه الأخبار علی الشبهات المقرونه بالعلم الإجمالی، أو الشبهه قبل الفحص وإخراج محل الکلام عنها، وإنّما یصحّ هذا عندما نؤمن بمسلک قاعده قبح العقاب بلا بیان.

وأمّا من جهه البناء؛ فلأنّا لو تنزّلنا وسلّمنا قاعده قبح العقاب بلا بیان، وبنینا علی ذلک، بالرغم من هذا یمکن أنْ نستفید من هذه الأخبار وجوب الاحتیاط، باعتبار أنّ هذا الکلام هو بیان عرفی مألوف لبیان الحکم المولوی الإلزامی، یعنی بیان الحکم الإلزامی بلسان بیان ترتّب العقاب علی الفعل، أو الترک، ومثله رائج (1) فی مقام بیان الأحکام الواقعیّه، یُبیّن الحکم الواقعی بلسان ترتّب العقاب عل الفعل، فیُستفاد منه الحرمه الواقعیّه، أو یبیّن الوجوب الواقعی بلسان ترتّب العقاب علی الترک، وأیّ فرقٍ بین الأحکام الواقعیّه والأحکام الظاهریّه، کما أنّ الحرمه الواقعیّه یمکن أنْ تُبیّن بلسان ترتّب العقاب علی الفعل، الحرمه الظاهریه أیضاً یمکن أنْ تُبیّن بلسان ترتّب الهلکه والعقاب علی الاقتحام فی الشبهه، یُبین وجوب الاحتیاط بلسان ترتّب الهلکه علی الإقدام علی الفعل، فالتوقّف واجب، والاحتیاط واجب، وهذا لسان عرفی ومتعارف ولیس فیه مشکله، فإذن: یمکن أنْ نستکشف وجوب الاحتیاط من هذا اللّسان، باعتبار أنّ هذا اللّسان لسان أنّ الاقتحام فی الشبهه فیه مظنّه للهلاک، هذا اللّسان لغرض بیان الحکم الظاهری لوجوب الاحتیاط، وهذا لسان متعارف، فلا مشکله فی أنْ نستفید من أخبار التوقّف وجوب الاحتیاط فی محل الکلام.

ص: 94


1- (2) بحوث فی علم الأصول، تقریر بحث السیّد محمد باقر الصدر للسید محمود الشاهرودی، ج 5، ص 94.

المشکله فی هذا الجواب الثانی ----- البنائی ----- هی نفس المشکله الإثباتیّه التی أشرنا إلیها، وهی أنّه لیست المشکله فی أنّه هل یمکن أنْ یُبیّن الحکم الواقعی، أو الحکم الظاهری بلسان ترتّب العقاب علی المخالفه، أو لا یمکن ذلک، المشکله لیست فی هذا حتّی یقال: أیّ ضیر فی أنْ یُبیّن وجوب الاحتیاط کحکم ظاهری بلسان أنّ الاقتحام فی الشبهه هو اقتحام فی الهلکه، هذا مُسلّم ولیس فیه مشکله، فی الحقیقه المشکله هی أنّه کیف نجمع بین الأمر بالتوقّف الذی سلّمنا أنّه أمر إرشادی وبین وجوب الاحتیاط المولوی المُستکشّف من التعلیل الوارد لتعلیل وجوب التوقّف الإرشادی، وقلنا أنّ هذا الجمع بینهما غیر مستساغ وغیر مقبول عرفاً، فحمل الروایات علی ذلک والاستدلال بها علی وجوب الاحتیاط بدعوی استکشاف ذلک هو أمر غیر مستساغ عرفاً. نعم، یمکن أنْ یکون فی کلام آخر، أنْ یُبیّن بلسانٍ إرشادی(أنا أحذّرک من أنْ تفعل الأمر الفلانی من العقاب الذی یترتّب علی الفعل) نستکشف حرمه ذلک الفعل، لکن هذه الحرمه غیر مذکوره فی نفس الکلام، وإنّما مذکوره فی کلامٍ آخر، لکن المُدعی فی المقام أنّ هذه حرمه، أو وجوب ظاهری موجود فی نفس الکلام، وبُیّن بذکر لازمه. هذه هی المشکله الموجوده فی هذا الجواب. هذا بالنسبه إلی المناقشه الثالثه، وممّا تقدّم یظهر أنّ المناقشه الثالثه فی الاستدلال بأخبار التوقّف تامّه.

المناقشه الرابعه: ما ذکره السیّد الشهید أیضاً(قُدّس سرّه) (1) وحاصله: أنّ المقابله بین الوقوف والاقتحام فی أخبار التوقّف عند الشبهه(فأنّ الوقوف عند الشبهه خیر من الاقتحام فی الهلکه) جُعلت المقابله بین الوقوف وبین الاقتحام. یقول: أنّ المقابله بین الوقوف وبین الاقتحام فی هذه الروایات لا یُراد بها المقابله بین اجتناب الشبهه وبین ارتکابها حتّی نستفید من الروایات أنّ الاجتناب واجب، وأنّ الارتکاب منهیٌ عنه، علی خلاف أدلّه البراءه، فهی تقول أنّ الارتکاب جائز ولیس علیه نهی، والاجتناب لیس واجباً، بینما هذه الأخبار تقول أنّ الارتکاب منهی عنه، والاجتناب لازم، المقابله بینهما لا یُراد بها ذلک، وإنّما الوقوف له معنیً آخر غیر الاجتناب، کما أنّ الاقتحام له معنیً آخر غیر الارتکاب، والظاهر أنّ المراد بالمقابله هو المقابله بین التریّث والتمهّل فی موارد الشبهه، وبین الإقدام بلا تروٍ ولا تأمّل، باعتبار أنّ الوقوف لا یعنی الإحجام فقط، وإنّما هو کنایه عن التریّث والتمهّل ودراسه الوضع، والإعراض والإحجام عن الشیء لا یقتضی الوقوف، وإنّما یقتضی ترک الشیء والانصراف عنه، الوقوف یعنی أنّه فی حاله تمهّل وتریّث ودراسه حتّی یتّضح الموقف، کما أنّ الاقتحام هو عباره عن الإقدام بلا تدبّرٍ ولا تروّی عرفاً ولغهً، فلا یُراد به مطلق الإقدام، وإنّما الإقدام من دون تروٍ وتمهّل؛ وعندئذٍ تکون هناک مقابله بین الوقوف بمعنی التریّث والتأمّل ودراسه الموقف وبین الاقتحام الذی یعنی الإقدام من دون ذلک.

ص: 95


1- (3) بحوث فی علم الأصول، تقریر بحث السیّد محمد باقر الصدر للسید محمود الشاهرودی، ج 5، ص 91.

إذن: بناءً علی هذا، الأخبار تنهی عن الإقدام من دون تریّثٍ، لا أنّها تنهی عن الإقدام مطلقاً، وتأمر بالوقوف بمعنی التریّث والتأمّل ودراسه الموقف. هذا المضمون ----- أنّ الإمام علیه السلام ینهی عن الإقدام علی الشبهه بلا تریّث، ویأمر بالتریّث والتروّی ------ إذا حملناه علی النهی عن الإقدام بلا مستندٍ ودلیلٍ، فقد یُفهم من النهی عن الاقتحام یعنی النهی عن الإقدام بلا مستندٍ ولا دلیلٍ، والأمر بالتریّث یعنی أنت تریّث وتأمّل وادرس الموقف إلی أنْ تحصل علی مستندٍ ودلیلٍ یجوّز لک الاقتحام فی الشبهه، إذا حُملا علی ذلک؛ فحینئذٍ هذا المعنی لا یضر الأصولی أصلاً، باعتبار أنّ هذا اللّسان لا یُعارض أدلّه البراءه العقلیّه؛ بل الشرعیّه أیضاً التی یستند إلیها الأصولی فی إقدامه علی الشبهه؛ بل تکون فی الحقیقه أخبار البراءه العقلیّه والشرعیّه وارده علی هذا اللّسان، ورافعه لموضوعه؛ لأنّ هذه الأخبار تنهی عن الإقدام من دون مستندٍ ولا دلیلٍ، وأخبار البراءه مستند، والبراءه العقلیّه أیضاً مستند ودلیل یستند إلیه الأصولی فی تجویز الإقدام علی هذه الشبهه، فتکون رافعه لموضوع هذه الأخبار؛ لأنّها إقدام مستند إلی دلیل؛ فحینئذٍ تکون مقدّمه علیها بالورود، وأمّا إذا لم نحمله علی هذ، وحملناه علی أنّ القضیّه حقیقیّه واقعیّه وجدانیّه بمفاد أنّه یأمر بالتروّی والتمهّل وینهی عن الإقدام من دون تروٍ وتأمّلٍ؛ فحینئذٍ تکون أجنبیّه عن محل الکلام؛ وحینئذٍ لا یُستفاد منها وجوب الاحتیاط فی محل الکلام.

نکتفی بهذه المناقشات؛ لأنّ هناک مناقشات أخری أعرضنا عن ذکرها، وتبیّن من خلال هذا أنّ الطائفه الأولی التی استدلّ بها الأخباریون علی وجوب الاحتیاط، وهی أخبار التوقّف غیر تامّه، علی الأقل لورود المناقشه الثالثه علیها، وهذه المناقشه الرابعه التی هی تامّه ظاهراً.

ص: 96

وأمّا الطائفه الثانیه من الأخبار التی استدلّ بها الأخباریون علی وجوب الاحتیاط: فهی الأخبار الآمره بالاحتیاط فی موارد معیّنه بحیث یُفهم منها کما یدّعی المستدلّ وجوب الاحتیاط فی غیر مواردها ممّا یشبه ذلک المورد من حیث کونه شبهه حکمیّه بعد الفحص، فکما أوجب الإمام(علیه السلام) الاحتیاط فی هذه الروایات فی موردٍ خاصٍّ، هو یوجب أیضاً ------ بعد التعدّی ------ الاحتیاط فی سائر الشبهات الحکمیّه بعد الفحص، وهذا هو المطلوب للأخباریین. عمده هذه الطائفه روایتان:

الروایه الأولی: صحیحه عبد الرحمن بن الحجّاج المعروفه، قال:(سألت أبا الحسن "علیه السلام" عن رجلین أصابا صیداً وهما محرمان، الجزاء بینهما، أو علی کل واحدٍ منهما جزاء ؟ فقال: لا؛ بل علیهما أنْ یجزی کل واحدٍ منهما الصید، قلت: أنّ بعض أصحابنا سألنی عن ذلک، فلم أدری ما علیه، فقال "علیه السلام" : إذا أصبتم بمثل هذا، فلم تدروا، فعلیکم بالاحتیاط حتّی تسألوا عنه وتعلموا). (1)

الاستدلال بالروایه مبنی علی أنْ تکون الإشاره فی قوله(علیه السلام):(إذا أصبتم بمثل هذا، فلم تدروا، فعلیکم بالاحتیاط) إلی نفس واقعه الصید التی هی شبهه حکمیّه بلا إشکال. وإنْ کانت دائره بین الأقلّ والأکثر، فهو لا یدری أنّ الواجب علیه جزاء کامل، أو نصف جزاء، لکن کون المورد شبهه حکمیّه من نوعٍ معیّن لیس مشکلهً؛ إذ یمکن أنْ نلغی خصوصیّه کونه دائر بین الأقلّ والأکثر، ونستعین علی إلغائه بقول الإمام(علیه السلام) (إذا اُصبتم بمثل هذا)، ولم یقل (إذا اُصبتم بهذا)، فجعل موضوع وجوب الاحتیاط هو(مثل هذا)، ولیس(هذا) أی نفس الواقعه، وهذا یسمح لنا أنْ نلغی واقعه الصید نفسها، وأنْ نتعدّی إلی کل الشبهات الحکمیّه، ونلغی خصوصیّه أنْ تکون الشبهه دائره بین الأقلّ والأکثر، المثلیّه بین واقعه الصید الدائره بین الأقل والأکثر وبین غیرها ممّا أوجب الإمام(علیه السلام) فیه الاحتیاط هی عباره عن کونها شبهه حکمیّه ؛ لأنّه لم یقل(إذا اُصبتم بهذا) حتّی یقال أنّ واقعه الصید لها خصوصیّه، أو کونه دائر بین الأقل والأکثر له خصوصیّه، وإنّما قال(إذا اُصبتم بمثل هذا)، فهذا الشیء الذی هو غیر واقعه الصید، وغیر دوران الأمر بین الأقلّ والأکثر، الذی هو (مثل هذا)، هذه المثلیّه عادهً تکون ------- بحسب ما یُفهم ------- باعتبار أنّ الشبهه شبهه حکمیّه.

ص: 97


1- (4) وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 13، ص 46، أبواب کفارات الصید، باب 18، ح 6. و ج 27، ص 154، أبواب صفات القاضی، باب 12، ح 1.

وبعبارهٍ أخری: القدر الجامع والمشترک بین واقعه الصید المذکوره وبین مثله، الذی عممّ الإمام(علیه السلام) وجوب الاحتیاط إلیه، القدر المشترک هو کونها شبهه حکمیّه، فیُفهم من ذلک وجوب الاحتیاط فی الشبهات الحکمیّه.

درس الأصول العملیه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

کان الکلام فی الطائفه الثانیه التی استُدلّ بها علی وجوب الاحتیاط فی محل الکلام، قلنا أنّ عمده أخبار هذه الطائفه روایتین معتبرتین سنداً، الروایه الأولی هی صحیحه عبد الرحمن بن الحجّاج التی قرأناها فی الدرس السابق، وبیّنّا کیفیّه الاستدلال بها علی وجوب الاحتیاط فی المقام.

لوحظ علی الاستدلال بهذه الروایه: بأنّ الإشاره فی قول الإمام(علیه السلام):(إذا أصبتم بمثل هذا) هی لا تخرج عن أحد احتمالین:

الاحتمال الأوّل: أنْ یرجع ذلک إلی واقعه الصید کما هو مبنی تقریب الاستدلال بهذه الروایه علی وجوب الاحتیاط.

الاحتمال الثانی: أنْ تکون الإشاره راجعه إلی السؤال الأخیر للسائل، بمعنی أنّه قال للإمام(علیه السلام):(أنّ بعض أصحابنا سألنی عن ذلک، فلم أدری ما علیه)، فأجابه الإمام(علیه السلام):( إذا أصبتم بمثل هذا، فلم تدروا، فعلیکم بالاحتیاط حتّی تسألوا عنه وتعلموا)، یعنی إذا سُئلتم عن حکم مسألهٍ، ولم تعرفوا ما هو حکم تلک المسأله، فعلیکم بالاحتیاط.

فالاحتمال الأوّل یقول: إذا اصبتم بواقعه الصید، یعنی بالشبهه الحکمیّه، إذا عرضت علیکم شبهه حکمیّه یجب علیکم الاحتیاط. بینما الاحتمال الثانی یقول: إذا سُئلتم عن حکم مسألهٍ ولم تعرفوا ما هو الحکم، فعلیکم بالاحتیاط. الاعتراض یرید أنْ یقول علی کلا التقدیرین لا یصحّ الاستدلال بالروایه فی محل الکلام.

أمّا بالنسبه للاحتمال الأوّل، وهو أنْ تعود الإشاره فی الروایه إلی واقعه الصید کما ذُکر فی تقریب الاستدلال، یقول المعترض بأنّ غایه ما تدلّ علیه الروایه هو وجوب الاحتیاط فی الشبهه الحکمیّه قبل الفحص والسؤال مع افتراض إمکانهما، وأمّا وجوب الاحتیاط فی الشبهه الحکمیّه بعد الفحص والسؤال وعدم العثور علی حکم المسأله، فالروایه لا تدلّ علیه، والقرینه علی هذا التقیید هو نفس قول الإمام(علیه السلام) فی الروایه:(علیکم بالاحتیاط حتّی تسألوا عنه فتعلموا)، فالمفروض فی الروایه عدم الفحص، والسؤال فی الشبهه الحکمیّه ماذا نعمل هو قبل الفحص؛ ولذا قال الإمام(علیه السلام) احتاط إلی أنْ تفحص وتعلم حکم المسأله، فالروایه تدلّ علی وجوب الاحتیاط فی الشبهه الحکمیّه، لکن قبل الفحص والسؤال مع التمکّن منهما، وأین هذا من محل الکلام ؟! الذی هو عباره عن الموقف فی الشبهه الحکمیّه بعد الفحص والیأس عن العثور علی ما یدلّ علی حکم تلک المسأله، هذه الروایه لا تدلّ علی وجوب الاحتیاط فی هذه الحاله، وإنّما تکون دالّه علی وجوب الاحتیاط قبل الفحص والسؤال، وهذا أمر مسلّم، یسلّمه الجمیع، وحتّی الأصولیین یسلّمون وجوب الاحتیاط قبل الفحص، وإنّما الکلام فیما بعد الفحص وعدم العثور علی شیء، الروایه لیس فیها دلاله علی هذا؛ لأنّها تقول یجب علیکم الاحتیاط حتّی تسألوا وتعلموا، وفی محل الکلام افترضنا أنّ السائل فحص وسأل ولم یصل إلی شیء، فإیجاب الاحتیاط قبل الفحص والسؤال لا یعنی إیجاب الاحتیاط بعد الفحص والسؤال وعدم العثور علی دلیل.

ص: 98

وأمّا إذا أُرید بالإشاره الاحتمال الثانی بأنْ تکون راجعه إلی السؤال الأخیر الذی سأله السائل(أنّ بعض أصحابنا سألنی عن ذلک، فلم أدری ما علیه)، وعلی هذا یقول الاعتراض یکون مفاد الروایه هو الاحتیاط فی الفتوی؛ لأنّ الإمام(علیه السلام) أمره بالاحتیاط فی الفتوی، حیث قال: (إذا أصبتم بمثل هذا، فلم تدروا، فعلیکم بالاحتیاط حتّی تسألوا عنه وتعلموا) بمعنی أنّه فی حاله عدم العلم إذا سُئلت عن حکم مسألهٍ ولم تعلم ما هو حکمها فعلیک بالاحتیاط فی الفتوی، بمعنی أنّه لا یجوز لک أنْ تُفتی من دون علمٍ، ومن دون مستندٍ، فتکون ظاهره فی حرمه الفتوی من دون علمٍ؛ وحینئذٍ تکون أجنبیّه عن محل الکلام، باعتبار أنّ هذه الروایه دالّه علی حرمه الفتوی من دون علمٍ، وهذا أمر مسلّم عند الطرفین، فکل من الأخباریین، والأصولیین یؤمنون بحرمه الفتوی من دون علمٍ، الروایه تقول یحرم الفتوی من دون علمٍ، وقوله (علیه السلام):(علیک بالاحتیاط) یعنی توقّف عن الجواب، والجواب فی المقام یُمثّل الفتوی، هو سُئل عن حکم مسألهٍ، وهو لا یعلم ما هو حکمها، فیجیبه الإمام(علیه السلام) علیک بالاحتیاط، وأنْ لا تجیب بشیءٍ، فتدلّ علی حرمه الفتوی من دون علمٍ، وهذا لیس محل النزاع؛ لأنّه مسّلم بین الطرفین.

یمکن صیاغه هذا الإشکال بعبارهٍ أخری: بناءً علی الاحتمال الثانی الذی هو أنْ تکون الإشاره راجعه إلی السؤال الأخیر. یمکن أنْ یقال أنّ الروایه أجنبیه عن محل الکلام ببیانٍ آخر، وهو أنْ یقال: أنّ مفاد الروایه کما ذُکر، الاحتیاط فی الفتوی فی نفس الواقعه التی سُئل عنها کما هو ظاهر الروایه، یقول أنا سُئلت عن هذه المسأله، وهی أنّ أثنین أصابا صیداً وهما محرمان، فما هو حکمهما ؟ هل علیهما الجزاء معاً، أو علی کلٍ منهما الجزاء ؟ هذه الواقعه فیها حکم واقعی، سُئل هذا الشخص عن حکم الواقعه، یقول الإمام(علیه السلام) إذا سُئلت عن حکم واقعهٍ، ولم تعلم ما هو حکمها یجب علیک الاحتیاط فی الفتوی فی هذه الواقعه، إذا سُئل عن حکم أکل لحم الأرنب، وهو لا یعلم ما هو حکمه، الروایه تقول یجب علیک الاحتیاط، بمعنی أنْ لا تفتی بالحلّیّه، ولا تفتی بالحرمه، فی نفس الواقعه التی سُئل عن حکمها تقول الروایه احتاط، ولا یجوز لک أنْ تجیب عن حکمها من دون مستندٍ ودلیلٍ. هذا المضمون وحده لیس فیه دلاله علی وجوب الاحتیاط فی الشبهه التی لا یُعرف ما هو حکمها؛ بل لابدّ أنْ نستفید ما هو الموقف الشرعی تجاه الشبهه التی لا نعرف حکمها، أنْ نستفیده من دلیلٍ آخر غیر هذه الروایه، هذه الروایه تقول أنّ نفس الواقعه لا یجوز لک أنْ تفتی بحکمها الواقعی؛ لأنّک لا تعرف ما هو حکمها الواقعی. هذا هو مضمون الروایه، لکن حینما نأتی إلی الواقعه باعتبارها مجهوله الحکم، ما هو موقفنا العملی تجاهها ؟ هل یجب علینا أنْ نحتاط، ولا نُقدِم علی ارتکاب الشبهه ؟ أو تجری البراءه ؟ کلٌ منهما لابدّ أنْ یستند إلی دلیلٍ بقطع النظر عن هذه الروایه، مفاد هذه الروایه هو عدم جواز الفتوی فی الحکم الواقعی فی الواقعه المسئول عنها عند عدم العلم بذلک الحکم، لا یجوز لک أنْ تفتی بالحرمه، ولا یجوز لک أنْ تفتی بالحلّیّه فی هذا السؤال، لکن مسأله الإقدام، وعدم الإقدام علی الشبهه، جواز الإقدام کما یقول الأصولیون، أو عدم جواز الإقدام کما یقول الأخباریون لابد من التماسه من دلیلٍ آخر، ولو ادّعی الأخباریون أنّ هناک ما یدلّ علی وجوب التوقّف والاحتیاط؛ حینئذٍ نقول کان هو الدلیل علی وجوب الاحتیاط لا هذه الروایه، بینما المفروض فی محل الکلام هو الاستدلال علی وجوب الاحتیاط بهذه الروایه، وهذه الروایه لیس فیها دلاله علی وجوب الاحتیاط، وإنّما مفادها هو حرمه الفتوی فی الواقعه المسئول عنها من دون علمٍ، أمّا الموقف العملی تجاه هذه الشبهه، وهذه الواقعه التی لا یُعرف حکمها، فلابدّ أنْ یُلتمس من دلیلٍ آخر، ولو دلّ دلیل علی وجوب الاحتیاط؛ فحینئذٍ یکون هو الدلیل علی وجوب الاحتیاط، ولیس هذه الصحیحه؛ لأنّها لیس فیها دلاله علی تحدید الموقف العملی تجاه الواقعه المشکوکه، وإنّما هی ناظره إلی حرمه الإفتاء بالحکم الواقعی فی الواقعه المسئول عنها، وبذلک تکون أجنبیّه عن محل الکلام علی کلا التقدیرین، سواء کان أسم الإشاره راجعاً إلی واقعه الصید، أو کان راجعاً إلی السؤال عن حکم مسألهٍ لا یُعرف حکمها، علی الأوّل فیها دلاله حینئذٍ علی وجوب الاحتیاط فی الشبهه الحکمیّه، لکن قبل الفحص بقرینه(حتّی تسألوا فتعلموا)، وهذا غیر محل الکلام. وعلی الثانی لیس فیها دلاله علی وجوب الاحتیاط فی الشبهه الحکمیّه، وإنّما هی ناظره إلی حرمه الفتوی بالحکم الواقعی للواقعه من دون علمٍ، لیس لها نظر إلی وجوب الاحتیاط کموقفٍ عملی فی الشبهه والواقعه التی لا یُعلم ما هو حکمها؛ بل هذا لابدّ من أنْ یؤخذ من دلیل آخر؛ وحینئذٍ الأخباری یقول لدیّ أدلّه تدلّ علی وجوب الاحتیاط، والأصولی یقول لدیّ أدلّه تدل علی البراءه، لو سلّمنا ما یقوله الأخباری، نرجع ونقول بأنّه یکون هو الدلیل علی وجوب الاحتیاط، ولیس هذه الصحیحه.

ص: 99

الروایه الثانیه: موثّقه عبد الله بن وضّاح، یرویها الشیخ الطوسی، بإسناده عن الحسن بن محمد بن سماعه، عن سلیمان بن داوود، عن عبد الله بن وضاح، قال:(کتبت إلی العبد الصالح "علیه السلام" یتواری القرص، ویُقبل اللّیل، ثمّ یزید اللّیل ارتفاعاً، وتستتر عنّا الشمس، وترتفع فوق اللّیل حُمره، ویُؤذّن عندنا المؤذنون، أفأصلّی حینئذٍ وأفطر إنْ کنت صائماً، أو انتظر حتّی تذهب الحُمره التی فوق الجبل، فکتب إلی: أری لک أنْ تنتظر حتّی تذهب الحُمره وتأخذ بالحائطه لدینک). (1) باعتبار أنّ ذیل الروایه جُعل من أدلّه وجوب الاحتیاط.

السند تام، الروایه موثّقه، سند الشیخ الطوسی إلی الحسن بن محمد بن سماعه صحیح، والحسن بن محمد بن سماعه ثقه، ومن شیوخ الواقفه، منصوص علی وثاقته، وسلیمان بن داوود المنقری منصوص علی وثاقته، وهکذا عبد الله بن وضاح، فالروایه معتبره سنداً، وموثّقه لوجود الحسن بن محمد بن سماعه فیها؛ لأنّه من الواقفه.

یمکن أنْ یُقرّب الاستدلال بالروایه بهذا التقریب: بقوله(علیه السلام) فی جواب الکتاب(أری لک أنْ تنتظر حتّی تذهب الحُمره وتأخذ بالحائطه لدینک) بقطع النظر عن السؤال، بالنتیجه الإمام (علیه السلام) أمره فی الجواب بالانتظار إلی أنّ تذهب هذه الحمره، وعللّه بأنّه(تأخذ بالحائطه لدینک). یُفهم من هذا أنّ الأخذ بالاحتیاط، والحائطه للدین هو شیء مطلوب للشارع مطلقاً بقطع النظر عن مورد الروایه کما هو شأن التعلیل، حینما یُعلّل شیئاً بشیءٍ، فهذه العلّه لا تختص بذلک الشیء، إنّما هی علّه عامّه، فلو قیل ----- مثلاً ----- لشخصٍ(أدِّ هذا الدین الذی علیک لزیدٍ، لتفرغ ذمّتک)، فأنّه یُفهم منه التعلیل، بمعنی أنّ الأمر بأداء الدین عُلّل فی هذا الکلام بتفریغ الذمّه، ویُفهم منه مطلوبیه تفریغ الذمّه، من دون أنْ یختص هذا بخصوص مورد الکلام، وإنّما تفریغ الذمّه أمر مطلوب علی الإطلاق، وبقولٍ مطلقٍ، من دون أنْ یختص بمورد الکلام کما هو شأن العلّه، کأنّه یُدّعی فی المقام هذا(أری لک أنْ تنتظر حتّی تذهب الحمره) هذا أمر بالانتظار، (وتأخذ بالحائطه لدینک) هذا بمثابه التعلیل بهذا الأمر، فیُفهَم منه أنّ الأخذ بالحائطه للدین هو أمر مطلوب للشارع، وعُللّ به الأمر بالانتظار، فیُفهم منه أنّ الاحتیاط فی الدین واجب، وأنّه مطلوب؛ حینئذٍ تکون الروایه من أدلّه وجوب الاحتیاط فی موارد الشبهات.

ص: 100


1- (1) وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 4، ص 176، أبواب المواقیت، باب 16، ح 14.

ناقشوا فی دلاله هذه الروایه بهذه المناقشه: قالوا بأنّ الحمره الوارده فی الروایه، والمتکررّه ثلاث مرات فیها یوجد فیها احتمالان:

الاحتمال الأوّل: أنْ یکون المقصود بالحمره هی الحمره المشرقیّه، ولیس المغربیّه، وهی التی ترتفع فی الأفق عندما یستتر القرص من جهه المغرب، فأنّه عندما یستتر القرص من جهه المغرب ترتفع حمره من الشرق تُسمّی ب---- (الحمره المشرقیّه)، کأنّ السائل فی الروایه یحتمل أنْ یکون لذهاب هذه الحمره دخل فی تحقق الغروب الشرعی ------ کما هو المعروف بین الفقهاء أنّه یعتبر ذهاب الحمره المشرقیه حتّی یتحققّ الغروب الشرعی، ولا یکفی فیه استتار القرص ------ وهو شاکّ فی أنّها دخیله، حتّی ینتظر، والحمره موجوده وبعدُ لم تذهب، فیجب علیه الانتظار، أو أنّها لیست دخیله؛ فحینئذٍ یجوز له أنْ یفطر؛ لأنّ الاستتار متحققّ، وإنْ کانت الحمره باقیه؛ حینئذٍ بناءً علی هذا الکلام تکون الشبهه حکمیّه، لا موضوعیه، ولیس هناک مشکله فی أنّ الحمره باقیه، أو لیست باقیه، وأنّ القرص استتر، أو لم یستتر، ویُفترض أنّه یعلم أنّ القرص استتر، لکنّ الحمره المشرقیه باقیه، فلا یوجد شکّ فی الموضوع، وإنّما شکّ فی اعتبار زوال الحمره المشرقیه فی تحققّ الغروب الشرعی؛ وحینئذٍ تکون شبهه حکمیّه، وعلی هذا الکلام الإمام(علیه السلام) سُئل عن شبههٍ حکمیّهٍ(ما تقولون فی الحمره المشرقیّه، هل هی دخیله فی تحقق الغروب الشرعی، أو لا ؟ وکان المفروض والمناسب أنْ یُجیب الإمام(علیه السلام) عن شبههٍ حکمیّه، بأنْ یزیل الجهل والشکّ عن المکلّف بأنْ یُبیّن له الحکم الواقعی، فإمّا أنْ یقول له لیست معتبره فی تحققّ الغروب الشرعی، ویکفی فیه استتار القرص، أو أنْ یقول له أنّ الحمره معتبره، بینما الذی نلاحظه فی الروایه أنّ الإمام(علیه السلام) لم یُجِب بذلک، وإنّما أمره بالاحتیاط، هذا لیس جواباً عن السؤال، ولا یرفع الجهل، والشبهه؛ بل تبقی الشبهه علی حالها، والأمر بالاحتیاط هو شأن الشخص الغیر العالم بالأحکام الواقعیه، أمّا الإمام(علیه السلام) الذی یعلم بالحکم الواقعی، والسؤال عن الحکم الواقعی، فکان المناسب أنْ یجیب بالحکم الواقعی، بینما الملحوظ أنّ الإمام(علیه السلام) أجابه بالحکم الظاهری حیث أمره بالاحتیاط، وهذا لن یحلّ مشکله السائل.

ص: 101

بناءً علی هذا الکلام، قالوا: لا یمکن أنْ نحمل جواب الإمام(علیه السلام) علی الجِد، هو لا یرید هذا الجواب جدّاً، ویتعیّن حمله علی التقیّه؛ لأننّا إذا حملناه علی الجد، فأنّه یکون غیر مناسبٍ لمقام الإمام(علیه السلام)، بمعنی أنّ ما یریده الإمام(علیه السلام) جدّاً هو لزوم الانتظار، وأنّ الغروب لا یتحققّ إلاّ بذهاب الحمره المشرقیّه، لکن هناک مشکله فی بیان هذا الحکم الواقعی، خصوصاً بالکتابه، المشکله هی أنّ العامّه، إمّا قاطبه، أو مشهورهم یذهبون إلی کفایه استتار القرص فی تحقق الغروب، فهذا الرأی ----- اشتراط ذهاب الحمره المشرقیّه فی تحققّ الغروب ----- هو رأی مخالف للعامّه، وفقهاء العامّه، فکأنّ الإمام(علیه السلام) أراد أنْ یتدارک ذلک، وأنْ یتّقی، وهو موضع تقیّه، خصوصاً فی الکتابه، فالإمام(علیه السلام) بیّن الحکم الواقعی، لکن لیس بشکلٍ مباشرٍ، وإنّما بیّنه بلسان(أری لک أنْ تنتظر وتأخذ بالحائطه لدینک)، وهذا بیانٌ جیّدٌ یحققّ هدف الإمام(علیه السلام)، الغایه المطلوبه من کون الحمره المشرقیّه شرط فی تحققّ الغروب سوف تتحققّ، وأنّه أمره بالاحتیاط والانتظار. إذن: بالنتیجه هذا السائل سوف لن یفطر قبل ذهاب الحمره المشرقیّه؛ لأنّه أمره بالاحتیاط والانتظار، فالغرض یتحققّ من دون أنْ یظهر منه المخالفه للعامّه؛ لأنّهم سوف یقرأون هذا الکلام ویفهمونه علی أنّه أمرٌ بالاحتیاط لغرض إحراز استتار القرص الذی یکفی فی نظرهم فی تحققّ الغروب، بینما الغرض الواقعی للإمام(علیه السلام) لیس هذا، وإنّما غرضه هو أنّه أمره بالاحتیاط حتّی یُحرز ما یعتبر فی تحققّ الغروب وهو زوال الحمره المشرقیّه، لکنّه لم یبیّنه بشکلٍ مباشرٍ، وإنّما بیّنه بلسان الاحتیاط.

النتیجه التی ننتهی إلیها هی: أنّه بناءً علی الاحتمال الأوّل ----- أنْ یکون المراد بالحمره هی الحمره المشرقیّه ------ حینئذٍ لا یصح الاستدلال بالروایه؛ لأنّ قوله(أری لک أنْ تنتظر وتأخذ بالحائطه لدینک) لیس الغرض منه هو إیجاب الاحتیاط بالمعنی الذی نتکلّم عنه، وإنّما هو کنایه عن أنّ زوال الحمره المشرقیّه شرط فی تحققّ الغروب، فلا مجال للاستدلال بها علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات الحکمیّه.

ص: 102

درس الأصول العملیّه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

کان الکلام فی الطائفه الثانیه التی استُدلّ بها علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات الحکمیّه، وبالخصوص الشبهه الحکمیّه التحریمیّه، وأنتهی الکلام إلی الروایه الثانیه، وهی موثّقه عبد الله بن وضاح، قرأناها فی الدرس السابق وذکرنا کیفیّه الاستدلال بها، وذکرنا المناقشه فی دلالتها، وتتلخّص المناقشه فی أنّه ما هو المقصود بالحمره التی ذُکرت فی الروایه، والتی أمر الإمام(علیه السلام) السائل بأنْ ینتظر حتّی تذهب الحمره، ما هو المقصود بالحمره ؟

هناک احتمالان طُرحا فی الدرس السابق فی الحمره:

الاحتمال الأوّل: أنْ تکون الحمره هی الحمره المشرقیّه، وبناءً علی هذا الاحتمال تکون الشبهه شبهه حکمیّه؛ لأنّ هذا الشخص یحتمل أنْ یکون ذهاب الحمره المشرقیّه دخیل فی تحققّ الغروب، وبالتالی جواز الإفطار، فهی شبهه حکمیّه، أنّ الغروب هل یتوقّف علی زوال الحمره المشرقیّه ؟ أو لا یتوقّف؛ بل یکفی فی تحققّ الغروب استتار القرص ؟ فهذه شبهه حکمیّه بلا إشکال.

لکنْ قلنا: أنّهم ذکروا أنّه لابدّ من حمل الروایه علی التقیّه؛ لأنّ الإمام(علیه السلام) لم یجب هذا السائل عن سؤاله، ولم یرفع جهله، ولم یرفع شکّه، وبالنتیجه لم یعرف أنّ زوال الحمره المشرقیّه دخیلٌ فی تحققّ الغروب، أو لا ؟ لأنّ الإمام(علیه السلام) أجابه بالاحتیاط(أری لک أنْ تنتظر حتّی تذهب الحمره، وتأخذ بالحائطه لدینک)، وهذا لا یُفهم منه ما هو الحکم الواقعی فی الشبهه الحکمیه التی یسأل عنها السائل؛ ولذا لابدّ من أنْ لا یکون جواب الإمام(علیه السلام) جواباً جدّیّاً، ولا یحمل علی الجد، وإنّما یُحمَل علی التقیّه، فکأنّ ما یریده الإمام(علیه السلام) جدّاً فی الواقع هو بیان أنّ زوال الحمره المشرقیّه دخیلٌ فی تحققّ الغروب، لکن هذا یمنع منه مانع، وهو أنّه خلاف الرأی السائد عند العامّه، فالإمام(علیه السلام) لا یستطیع أنْ یُبیّن هذا بشکلٍ صریحٍ، فبیّنه بشکلٍ غیر صریحٍ، وغیر مباشرٍ، بأنْ أمره بالاحتیاط، وهذا یحققّ الغرض من التقیّه، أنّ السامع یتخیّل أنّ انتظار ذهاب الحمره المشرقیّه لیس لأجل أنّ الغروب یتوقّف علی ذهابها، وإنّما لأجل تحصیل الیقین بتحققّ استتار القرص، فالإمام(علیه السلام) استخدم أسلوب التقیّه لبیان الحکم الواقعی، ومن هنا لا یصحّ الاستدلال بالروایه؛ لأنّ الأمر بالاحتیاط فی الروایه لا یُراد به معناه الحقیقی، یعنی الأمر بالاحتیاط فی الشبهه الحکمیّه، وإنّما هو ذُکر کطریقٍ لبیان الحکم الواقعی الحقیقی، وهو مقصوده، فیقول له:( أری لک أنْ تنتظر حتّی تذهب الحمره، وتأخذ بالحائطه لدینک)، وهذا لا یُفهم منه أنّه یجب الاحتیاط فی کلّ شبههٍ حکمیّهٍ بعد حمله علی التقیّه.

ص: 103

الاحتمال الثانی: أنْ یکون المقصود بالحمره هو الحمره المغربیّه التی وردت روایات کثیره فی لعن أبی الخطاب، حیث أحدث الخطابیّه بدعاً فی المذهب، ومن جمله البدع التی أحدثوها هی أنّهم کانوا لا یصلّون المغرب، إلاّ بعد زوال الحمره المغربیّه التی تتأخّر بعد استتار القرص بمدّه طویله، هذه من البدع التی نصّت الروایات علی أنّها من بِدعهم، ونهت عنها، وأصبح من المسلّمات أنّ الغروب لا یتوقّف علی ذهاب الحمره المغربیّه، فحتّی لو فرضنا أنّ ظاهر الروایه هو توقّف الغروب علی ذهاب الحمره المغربیّه، ولو باعتبار التقیّه، یعنی بلسان بیان الحکم الظاهری. علی کلّ حال لا یمکن الأخذ والعمل بهذه الروایه لو کان مفادها لزوم انتظار ذهاب الحمره المغربیّه، ولو من باب الاحتیاط، وبیان الحکم الظاهری والحکم التقیّتی، هذا أمر مُسلّم الفساد فقهیاً، فلا یمکن الالتزام به.

الاحتمال الثالث: الذی یمکن أنْ یُضاف إلی هذین الاحتمالین، والذی تکون الشبهه موضوعیّه بلحاظه، هو أنْ یُقال: أنّ المراد بالحمره لیس هو الحمره المشرقیّه ولا الحمره المغربیّه، وإنّما المراد بالحمره هو ما یکتنف سقوط القرص، فأنّ القرص عندما یمیل إلی السقوط تکتنفه حمره بلونٍ باهت، هذه هی المقصوده بالحمره فی الروایه، فکأنّ السائل یجعل بقاء هذه الحمره موجباً للشکّ فی استتار القرص؛ لأنّ هذه الحمره تکتنف القرص حینما یمیل إلی السقوط، وتبقی بعده لمدّه قصیره جدّاً، فهو عندما یری حمره یشکّ فی أنّه هل استتر القرص، وبقیت هذه الحمره، أو أنّ هذه الحمره هی التی اکتنفت القرص قبل استتاره، فمن هنا یکون بقاء الحمره ورؤیته لها، موجباً للشکّ فی استتار القرص وعدمه. إذن: هو یشکّ فی استتار القرص وعدمه، وهذه شبهه موضوعیّه، ولا یجب الاحتیاط فیها باعتراف الأخباریین؛ وحینئذٍ لابدّ من حمل الأمر بالاحتیاط فی هذه الروایه علی خصوصیّهٍ فی هذه الشبهه الموضوعیّه أوجبت الاحتیاط، وهذه الخصوصیّه هی عباره عن أنّ الأصل الجاری فی المقام هو عباره عن استصحاب بقاء الوقت، أو اشتغال الذمّه بالتکلیف المعلوم جزماً، والذی یستدعی الفراغ الیقینی، ولا فراغ یقیناً، إلاّ بأنْ یفطر بعد هذه الحمره. هذه خصوصیّه فی نفس هذه الشبهه الموضوعیّه أوجبت الاحتیاط، ومن هنا لا یمکن تعمیم الأمر بالاحتیاط إلی سائر الشبهات الأخری، فلا یمکن الاستدلال بها علی وجوب الاحتیاط، لا فی الشبهات الحکمیّه، ولا فی الشبهات الموضوعیّه الفاقده لهذه الخصوصیّه.

ص: 104

حاصل الجواب هو: أنّ مورد الروایه هو إمّا شبهه حکمیّه، أو شبهه موضوعیّه، لا یخلو من أحد الأمرین: إمّا أنْ یکون مورد الروایه شبهه حکمیّه بلحاظ الحمره المشرقیّه، أو بلحاظ الحمره المغربیّه، فالسائل لا یعلم أنّ ذهاب الحمره المشرقیّه، أو المغربیّه دخیلٌ فی تحققّ الغروب، أو لا ؟ وهذه شبهه حکمیّه. وإمّا أنْ یکون مورد الروایه شبهه موضوعیّه بهذا البیان الأخیر. وعلی کلا التقدیرین لا یصح الاستدلال بالروایه فی محل الکلام.

أمّا إذا کانت شبهه حکمیّه: فلِما قلناه من أنّ الأمر بالاحتیاط کجوابٍ علی شبههٍ حکمیّهٍ لابدّ من حمله علی محملٍ غیر الجد، وأنّه لیس جواباً جدّیاً من قِبل الإمام(علیه السلام)؛ لأنّ وظیفه الإمام(علیه السلام) هی أنْ یُبیّن الحکم، ویرفع جهل السائل، ویرفع الشکّ عنه، ویُبیّن له ما هو الحکم الواقعی، فإمّا أنْ یجیبه بأنّ الحمره دخیله، أو أنّها غیر دخیله، أمّا أنْ یأمره بالاحتیاط، فهذا لیس جدّیاً، وإنّما استدعته التقیّه بالبیان الذی ذکرناه؛ فحینئذٍ لا یکون جوابه إلاّ جواباً علی نحو التقیّه؛ وحینئذٍ کیف یمکن الاستدلال بالأمر بالاحتیاط الصادر منه من باب التقیّه علی وجوب الاحتیاط فی سائر الشبهات.

وأمّا إذا کان مورد الروایه هو شبهه موضوعیّه: فلما قلناه من أنّ الاحتیاط فی الشبهه الموضوعیّه لیس واجباً حتّی عند الأخباریین، وإنّما أمَرَ بالاحتیاط فی هذه الشبهه الموضوعیّه ------ إذا فسّرنا الروایه بذلک ------ باعتبار خصوصیّهٍ فیها، وهی أنّ هناک أصلاً، أو أصولاً تقتضی وجوب الانتظار، والأصل الواضح هو استصحاب بقاء الوقت، فکیف نجوّز له أنْ یفطر حتّی قبل ذهاب الحمره ؟ یعنی مع الشکّ فی استتار القرص، فعلی کلا التقدیرین لا یصحّ الاستدلال بهذه الروایه.

ص: 105

الطائفه الثالثه: وهی أهم الطوائف التی استُدلّ بها علی وجوب الاحتیاط فی الشبهه الحکمیّه التحریمیّه، وهی أخبار التثلیث، وعمده هذه الأخبار ثلاث روایات:

الروایه الأولی: روایه جمیل بن صالح، (1) یرویها الشیخ الصدوق(قُدّس سرّه) فی الفقیه، وفی الخصال، وفی المجالس، ینفرد بروایتها الشیخ الصدوق(قُدّس سرّه)، لکنّه یرویها فی عدّه کتبٍ من کتبه، یرویها فی الفقیه بإسناده عن علی بن مهزیار، عن الحسین بن سعید، (2) عن الحارث بن محمد بن النعمان الأحول، عن جمیل بن صالح. هذا السند لا مشکله فیه إلاّ من جهه الحارث بن محمد بن النعمان الأحول الذی هو من ذریه مؤمن الطاق، مجهول الحال، لم یرِد نص علی وثاقته.

نعم، هناک محاوله للوحید البهبهانی(قُدّس سرّه) لإثبات إمکان الاعتماد علیه، حیث ذکر فی تعلیقته (3) أنّه یمکن الاعتماد علیه لکونه صاحب أصلٍ، ولروایه عدّه من اصحابنا لکتابه، منهم الحسن بن محبوب، وغیر ذلک من الأمور التی ذکرها.

فی الخصال أیضاً فیه هذه المشکله، وهکذا فی المجالس؛ لأنّ السند دائماً ینتهی إلی الحارث بن محمد بن النعمان الأحول، عن جمیل بن صالح، وجمیل ثقه، فالسند فیه هذه المشکله.

الروایه طویله، وهی موجوده فی الفقیه بتمامها، وفی ذیل الروایه یقول:(الأمور ثلاثه: أمر تبیّن لک رشده، فاتبعه، وأمر تبیّن لک غیّه، فاجتنبه، وأمر اختُلف فیه، فردّه إلی الله" عزّ وجل").

الاستدلال بالروایه علی وجوب الاحتیاط فی محل الکلام یتوقّف علی أمور:

ص: 106


1- (1) وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 27، ص 162، أبواب صفات القاضی، باب 12، ح 28.
2- (2) فی بعض النسخ (الحسن بن سعید).
3- (3) تعلیقه علی منهج المقال، الوحید البهبهانی، ص 113.

الأمر الأوّل: أنْ یکون المقصود ببیّن الرشد هو معلوم الحلّیّه، وأنْ یُراد ببیّن الغیّ هو معلوم الحرمه، فکأنّ الحدیث یقول معلوم الحلّیّه یجوز لک أنْ ترتکبه، ومعلوم الحرمه اجتنبه، وأمرٌ اختُلف فیه، فردّه إلی الله(عزّ وجل).

الأمر الثانی: أنْ یُراد من الأمر المختلَف فیه المشکوک والمشتبِه الذی یدور أمره بین الحرمه والحلّیّه.

الأمر الثالث: أنْ یُراد من الأمر بردّه إلی الله(عزّ وجل) وجوب الاحتیاط.

إذا تمّت هذه الأمور الثلاثه، فالاستدلال بالروایه یکون واضحاً؛ لأنّ الروایه بناءً علی تمامیه هذه الأمور یکون مفادها هو أنّ الأمور ثلاثه: أمرٌ معلوم الحلّیّه لا مانع من ارتکابه، وأمرٌ معلوم الحرمه، فاجتنبه، وأمرٌ مشتبه مردّد بینهما لا یُعلم هل هو حلال، أم حرام، والذی هو محل کلامنا، وهو الشبهه الحکمیّه التحریمیّه. هذا الأمر المردّد المشتبه، تقول الروایه ردّه إلی الله(عزّ وجل)، وقلنا أنّ الرد إلی الله(عزّ وجل) یُفسّر بوجوب الاحتیاط، فتدلّ علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات الحکمیّه التحریمیّه، وهذا هو المطلوب.

ولکن یمکن المناقشه فی کل أمرٍ من هذه الأمور الثلاثه التی یتوقّف الاستدلال بالروایه علیها:

أمّا الأمر الأوّل، فقد نوقش فیه، بأنّه من المحتمل، إنْ لم نستظهر ذلک، أنْ لا یُراد ببیّن الرشد هو معلوم الحلّیّه، فکیف یمکن تفسیر بیّن الرشد بمعلوم الحلّیّه ؟ وتفسیر بیّن الغی بمعلوم الحرمه ؟ هذا تفسیر یحتاج إلی قرینهٍ، فأنّ بیّن الرشد هو الأمر الواضح، فیکون إشاره إلی المستقلات العقلیّه، فالتعبیر بالرشد والغیّ هو أقرب إلی المستقلات العقلیّه منه إلی الحلّیّه والحرمه الشرعیّتین الواقعیتین، بیّن الرشد یعنی الأمر الذی یستقلّ العقل بحسنه ورشده، وبیّن الغیّ یعنی ما یستقلّ العقل بقبحه، وکونه غیّاً، فنحملهما علی هذا، ولا داعی لحملهما علی معلوم الحلّیّه، ومعلوم الحرمه، لا أقل من احتمال هذا، ولو باعتبار المناسبه بین الرشد والغیّ، وبین ما یدرک العقل حسنه، وما یدرک العقل قبحه؛ بل لعلّ من الصعب جدّاً إطلاق بَینّ الغیّ علی معلوم الحرمه، فالحرمه لیست غیّاً، وإنّما هی تشریع من التشریعات الإلهیّه التی هی عین الصلاح وعین الرشد، ولا فرق بین الحرمه والوجوب، فکلاهما حکم تشریعی الهی، ولا یُعبّر عنه بالغیّ. نعم، فعل الحرام یمکن أنْ یقال أنّ هذا غی، لکن لا یمکن أنْ نقول أنّ بیّن الغیّ یعنی بیّن الحرمه، وکأنّه نجعل الحرمه غیّاً، فإذا کان الشیء معلوم الحرمه یکون بیّن الغیّ، هذا غیر صحیح؛ لأنّ الحرمه لیست غیّاً، ولیست فساداً، فمن الصعب جدّاً أنْ نفسّر بیّن الرشد، وبیّن الغی بمعلوم الحرمه، ومعلوم الحلّیّه، لا أقل من احتمال أنّ المقصود لیس هذا، وإنّما المقصود هو أنّ الأمور التی یدرکها عقلک، وتجزم بها جزماً واضحاً، وبإدراک العقل العملی إذا أدرکت قبح شیءٍ، وأنّه غیّ اجتنبه، وإذا أدرکت حُسن شیءٍ، وأنّ الرشد فیه، فافعله، فالروایه ناظره إلی المستقلات العقلیّه، ولیست ناظره إلی معلوم الحرمه، وإلی معلوم الحلّیّه. (وأمر اختُلِف فیه) لابدّ من تفسیره علی ضوء هذا، إذا قلنا بذلک؛ حینئذٍ تُفسّر هذه الأمور بأنّها الأمور التی لا یدرک العقل حُسنها، ولا قُبحها، ولیس لدی العقل شیء جازم فی هذا الأمر، فلا یُدرک حُسنه، ولا یُدرک قبحه؛ حینئذٍ فی هذه الحاله یجب أنْ تتلقّی حکم هذا الشیء من الشارع، ولابدّ من ردّه إلی الله(عزّ وجل)، وبهذا تکون الروایه أجنبیه عن محل الکلام، وبناءً علی هذا هی فی الحقیقه ناظره إلی الأمور التی تدرک أنّها غیّ، فاجتنبها، والأمور التی تدرک أنّها رشد، فافعلها، والأمور التی تتوقّف، وعقلک لیس لدیه إدراک لهذا الأمر، لا غیّه ولا رشده، لا حُسنه ولا قُبحه، هذه الأمور لا یجوز أنْ تعمل بها بالذوق والاستحسان والتخمینات والترجیحات الظنّیّه؛ بل لابدّ من ردّها إلی الله(عزّ وجل)، وبهذا تکون الروایه أجنبیّه عن محل الکلام، ولا علاقه لها بالشبهه الحکمیّه التحریمیّه، وإنّما هی أشبه بعدم جواز الاعتماد علی الاستحسانات والأذواق فی تشخیص الموقف تجاه ما لا یدرکه العقل؛ بل لابدّ من أخذ حکمه من الشارع(عزّ وجل)، فتکون من قبیل(أنّ دین الله لا یُصاب بالعقول) وأمثال هذه الأخبار.

ص: 107

قد یُعترض علی هذه المناقشه: قیل بأنّ هذه المناقشه غیر تامّه، باعتبار أنّ لازم هذه المناقشه هو أنْ نحمل الروایه علی الإرشاد، أنّها تکون فی مقام الإرشاد إلی ما استقلّ به العقل العملی، وهذا خلاف الظهور الأوّلی للخطاب الصادر من الشارع؛ إذ لا إشکال فی أنّ الظهور الأوّلی لکل خطابٍ یصدر من الشارع هو أنّه یصدر منه بما هو شارع. وبعباره أخری: یصدر منه بما هو مولی، فحمل الخطاب الشرعی علی أنّه إرشاد هو خلاف الظهور الأوّلی، ویحتاج إلی قرینه، فکأنّه یقول: أنّ هذه المناقشه لازمها حمل الروایه علی أنّها فی مقام الإرشاد إلی ما استقل به العقل العملی، وهذا خلاف الظهور الأوّلی للخطاب الصادر من الشارع.

أقول: الظاهر أنّ هذا الاعتراض غیر وارد، وذلک باعتبار أنّه بناءً علی المناقشه یکون مفاد الحدیث فی الحقیقه هو حجّیّه حکم العقل العملی، وأنّ ما یستقل به العقل حجّه، فإذا استقل بقبح شیءٍ، فعلیک أنْ تجتنبه، کما لو أمرک الشارع باجتنابه، وإذا استقل العقل بحُسن شیءٍ، فافعله کما لو أمرک الشارع بفعله، فهی ناظره إلی بیان حجّیّه العقل العملی فی المستقلات العقلیّه وعدم حجّیّه الاستحسانات والأذواق والعقول الظنّیّه فی غیر المستقلات العقلیّه. هذا یکون مفاد الحدیث بناءً علی المناقشه السابقه، ومن الواضح بأنّ هذا المفاد فیه إعمال مولویّهٍ، ولیس إرشاداً، فهو یُبیّن أنّ العقل العملی حجّه فی المستقلات العقلیّه، الظنون والاستحسانات لیست حجّه فی غیر المستقلات العقلیّه، وأیّ مولویّهٍ أکثر من إعمالها فی هذا المجال ؟ هناک فرق بین روایهٍ یأمر الشارع فیها بالعدل، وینهی عن الظلم، هذه نقول أنّها إرشادیّه؛ لأنّ الأمر بالعدل إرشاد إلی حکم العقل واستقلاله بحسن العدل، والنهی عن الظلم وتحریمه، هذا إرشاد إلی ما حکم به العقل من قُبح الظلم. وفی ما نحن فیه لیس هناک أمر بالعدل، ولا نهی عن الظلم حتّی نقول أنّ هذا خطاب إرشادی؛ لأنّ العقل یحکم بقبح الظلم وحسن العدل، فالروایه بناءً علی تمامیه المناقشه، الشارع یرید أنْ یؤسس أنّ العقل العملی فی المستقلات العقلیّه حجّه، وأنّ العقل الظنّی غیر القطعی، والاستحسانات وأمثالها فی غیر المستقلات العقلیه لیست حجّه؛ بل لابدّ من أخذ حکمها من الشارع، وأیّ مولویهٍ أکثر من هذه المولویه التی أعملها الشارع فی هذا الحدیث الشریف ؟

ص: 108

إذن: لا یلزم من هذه المناقشه حمل الروایه کما قیل علی الإرشاد؛ بل فیها إعمال مولویهٍ بشکل واضحٍ جدّاً، کالأدلّه الدالّه علی حجّیّه شیءٍ، أو عدم حجّیّه شیءٍ، هی أوامر مولویّه صدرت منه بما هو مولی، وبما هو مشرّع، فلا یلزم منها ذلک.

درس الأصول العملیّه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

کان الکلام فی الروایه الأولی من الطائفه الثالثه وهی روایه جمیل بن صالح، وقد بیّنا کیفیه الاستدلال بها، وذکرنا المناقشه فی الاستدلال بها، وکان حاصل المناقشه هو أنّ الروایه أجنبیّه عن محل الکلام، أو لا أقل من احتمال ذلک، باعتبار أنّه من المحتمل أنْ تکون الروایه ناظره إلی المستقلات العقلیّه ولیس لها علاقه بالحرمه والحلّیّه، باعتبار أنّ الرشد والغیّ یناسبان المستقلات وغیر المستقلات، ما یستقل العقل بقبحه، وما یستقل العقل بحسنه، ولا یناسبان الحرمه الواقعیه والحلّیّه الواقعیه کحکمین شرعیین واقعیین، فتکون أجنبیّه عن محل الکلام.

بعضهم حاول أنْ یردّ هذه المناقشه، الردّ الأوّل تقدّم فی الدرس السابق، وبیّنّا أنّه لا یلزم من هذه المناقشه أنْ تُحمل الروایه علی أنّها فی مقام الإرشاد، وإنّما واضح فیها إعمال المولویه، ولو باعتبار النهی عن الرجوع إلی غیر الشارع فی غیر المستقلات العقلیّه، فی غیر المستقلات العقلیّه أُمر بالردّ إلی الله(عزّ وجل)، وقلنا أنّ هذا معناه بناءً علی هذه المناقشه، یعنی لا یجوز إعمال الرأی والاستحسان والذوق وتحکیم هذه الأمور فی ما لا یدرک العقل حسنه ولا قبحه؛ بل لابدّ من ردّه إلی الشارع، وهذا فیه إعمال مولویهٍ بلا إشکال.

ص: 109

الردّ الثانی الذی ذُکر، حاصله: أنّ حمل الروایه علی المستقلات العقلیّه وغیرها لا ینسجم مع قوله(علیه السلام) فی ذیل الروایه(أو أمر اُختلف فیه)؛ إذ لا موضوع للاختلاف فی المستقلات العقلیّه؛ لأنّ العقل العملی إمّا أنْ یُدرک أنّ هذا الشیء حسن وعدل، وذاک قبیح وظلم، أو لا یُدرک، ولا رابع فی البین، فی باب المستقلات العقلیّه لا یوجد أمر اختلف فیه العقل، فقوله(وأمر اخُتلف فیه) لا ینسجم مع حمل الروایه علی المستقلات العقلیّه وغیرها، بخلاف ما إذا حملنا الروایه علی معناها المتقدّم وهو الحلّیّه الشرعیّه، والحرمه الشرعیّه، ویکون القسم هو أمر اُختلف فیه، هل هو حلال، أو هو حرام ؟ أمّا أنّه اختلف فیه العقل أنّه یدرک حسنه، أو لا یدرک حسنه، هذا لا وجه له فی باب العقلیات.

أقول: الظاهر أنّ هذا الردّ الثانی أیضاً غیر واردٍ علی المناقشه، وذلک باعتبار أنّ المراد من قوله(علیه السلام) (أو أمر اُختلف فیه) لیس هو ما یختلف فیه العقل نفسه حتّی یقال بأنّ العقل إمّا أن یُدرک حسن الشیء، أو یدرک قبحه، أو لا یدرک، ولا معنی لفرض الاختلاف فی إدراک العقل؛ بل المراد من (أمر اُختلف فیه) بناءً علی هذه المناقشه عدم إدراک العقل حسن شیء ولا قبحه، بمعنی أنّ العقل یدرک حسن شیءٍ فیتّبعه، وأخری یدرک قبح شیءٍ، فیجتنبه، وأخری لا یدرک لا حسنه ولا قبحه، عُبّر عن هذا بأنّه أمر اُختلِف فیه، یعنی لیس واضح المعالم، ولیس واضحاً بنظر العقل، لا هو یدرک حسنه بشکلٍ جازمٍ، ولا یدرک قبحه بشکلٍ جازمٍ، وهذا لا بأس به، أنْ نفترض قسماً ثالثاً بهذا المعنی؛ بل هو فی کلامه افترض هذا القسم الثالث؛ لأنّه قال: إمّا أنْ یدرک العقل حُسنه، أو یدرک العقل قبحه، أو لا یدرک حُسنه ولا قُبحه، ولا رابع. نحن نقول أنّ الغرض منه هو هذا القسم الثالث، بمعنی أنّ العقل لا یُدرک حُسن الشیء، ولا قبحه؛ فحینئذٍ فی هذا القسم الثالث عُبّر عنه فی الروایه بمقتضی المناقشه ----- إذا تمّت ----- بأنّه أمر اختُلف فیه، بمعنی أنّ العقول تختلف فیه، بعضهم یقول هذا شیء حسن، والآخر یقول هذا قبیح، فلا یوجد شیء جزمی بنظر العقل، وإنّما اختلف فیه الناس، فیمکن تفسیره بهذا التفسیر؛ وحینئذٍ لا یوجد عندنا اختلاف فی نفس العقل، أنّ العقل یختلف فی الشیء، هذا صحیح، لا مجال لأنْ نقول أنّ العقل یختلف فی إدراک قُبح شیء، أو إدراک حُسنه، وإنّما المقصود بأمرٍ اُختُلف فیه، یعنی لم یدرک العقل حُسنه ولا قُبحه؛ وحینئذٍ لا یرد هذا الإیراد علی المناقشه.

ص: 110

الردّ الثالث الذی ذکره:هو أنّه قال: بأنّ نسبه الرشد والغیّ إلی المخاطب فی هذه الشریعه(أمر تبیّن لک رشده)، و(أمر تبیّن لک غیّه)، أنّ ضمیر(لک) یعود إلی مسلمٍ مخاطَبٍ ملتزمٍ بهذه الشریعه، هذه النسبه تدلّ علی أنّ الرشد والغیّ أمران نسبیّان لا مطلقان، نسبه الرشد والغیّ إلی المسلم المخاطب الملتزم بهذه الشریعه تدلّ علی أنّ الرشد والغیّ أمران نسبیان لا مطلقان، وإذا کان المراد من الرشد والغیّ العقل العملی المستقل؛ فحینئذٍ هذا لا یناسب أنْ یکون الرشد والغیّ أمرین نسبیّین؛ لأنّه لا یمکن أنْ یکون الرشد والغی فی باب المستقلات العقلیّه أمرین نسبیّین، یعنی یثبت حُسن شیءٍ فی هذه الشریعه، ولا یثبت فی شریعهٍ أخری، أو یثبتعند هذه الطائفه ولا یثبت عند هذه الطائفه، الحُسن والقُبح فی المستقلات العقلیّه أمران مطلقان، فما یکون حسناً یکون حسناً عند الجمیع، وما یدرک العقل قبحه کالظلم یکون قبیحاً عند الجمیع، لا أنْ یقال أنّ الضمیر(لک) فی قوله(تبیّن لک رشده) لا یناسب حمل الروایه علی المستقلات العقلیّه، وإنّما یناسب الرشد النسبی، والغی النسبی، وفی باب المستقلات العقلیّه الرشد والغی، أی الحسن والقبح أمران مطلقان لا نسبیّان لا یثبتان عند المخاطب فقط دون الباقین، لا یثبتان عند هذه الشریعه دون الشرائع الأخری، وعند هذه الطائفه دون الطائفه الأخری. فإذن: هذا لا یناسب حمل الروایه علی المستقلات العقلیّه.

أقول: هذا أیضاً لیس واضحاً، باعتبار أنّ استفاده أنّ الرشد والغیّ امران نسبیان من قوله(علیه السلام)(تبیّن لک رشده)، أو(تبیّن لک غیّه) هذه الاستفاده غیر ظاهره؛ بل لعلّها غیر صحیحه، باعتبار أنّ المخاطب بهذا الخطاب لا یُلحظ بما هو مسلم، وإنّما یُلحظ بما هو عاقل، الخطاب ----- بحسب المناقشه ----- فی باب المستقلات العقلیّه، فعندما یقال(تبیّن لک) یعنی بما أنت عاقل، لا بما أنت مسلم، صحیح أنّ الخطاب هو(تبیّن لک رشده، أو تبیّن لک غیّه) لکنّ الملحوظ فی هذا المخاطَب هو کونه عاقلاً لا کونه متعبّداً بشریعهٍ معیّنهٍ فی قبال سائر الشرائع، أو کونه منتمیاً إلی طائفهٍ فی قبال سائر الطوائف، وإنّما المقصود به خطابه بما هو إنسان عاقل، أمور ثلاثه: أمر تبیّن لک بما أنت عاقل رشده، فاتّبِعه، وأمر تبیّن لک غیّه، فاجتنبه، کل منهما یدخل فی باب المستقلات العقلیّه التی یدرک العاقل بما هو عاقل أنّها حسنه، أو قبیحه، بیّنه الرشد، أو بیّنه الغیّ، المقصود هذا، من قبیل أنْ تخاطب إنساناً(إذا أدرکت حُسن شیءٍ، فاتّبعه، وإذا أدرکت قُبح شیءٍ، فاجتنبه) المقصود بهذا الخطاب هو أنّک تخاطبه بما هو إنسان عاقل لا بما هو من أصحاب شریعهٍ حتّی یُفهم منها النسبیّه، أنّ الرشد والغیّ أمران نسبیان ثابتان فی هذه الشریعه دون سائر الشرائع، لا یُفهم منها هذا، وإنّما الخطاب یوجّه إلی الإنسان بما هو عاقل، فلا نسبیّه فی البین؛ بل یثبت الإطلاق، وهذا یناسب حمل الروایه علی المستقلات العقلیّه.

ص: 111

الصحیح أنّ هذه الردود علی المناقشه غیر تامّه، أمّا أصل المناقشه للاستدلال، فهی ----- إنصافاً ----- محتمله، یعنی أنْ تکون الروایه ناظره إلی باب المستقلات العقلیّه، وغیر المستقلات العقلیّه، کما أنّه یُحتمَل فی الروایه أنْ تکون ناظره إلی الأمور العقائدیّه فقط، فتقول: هذه المسائل العقائدیّه إذا کانت واضحه الرشد، فاتّبعها، أو واضحه الغیّ، فاجتنبها، أمّا الأمور العقائدیّه المُختلَف فیها، فلا تُحکّم فیها عقلک الناقص، وإنّما أرجع فیها إلی الله(عزّ وجل)، وإلی رسوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، فیمکن أنْ تکون ناظرهً إلی المسائل العقائدیّه. وعلی کلا التقدیرین، سواء کانت ناظره إلی المستقلات العقلیّه، أو ناظره إلی المسائل الاعتقادیّه، تکون أجنبیّه عن محل الکلام، ولا یصحّ الاستدلال بها علی وجوب الاحتیاط عند الشکّ فی حرمه شیءٍ، أو حلّیته. وأمّا حملها علی محل الکلام فهذا خلاف الظاهر.

هذا کلّه بالنسبه إلی الأمر الأوّل الذی یتوقّف علیه الاستدلال، حیث قلنا أنّ الاستدلال بهذه الروایه یتوقّف علی أمورٍ ثلاثه:

الأمر الأوّل: هو أنْ یکون المقصود ب---(تبیّن لک رشده) هو تبیّن لک حلّیته، والمقصود ب---- (تبیّن لک غیّه) هو تبیّن لک حرمته، فبیّن الرشد یعنی بیّن الحلّیّه، وبیّن الغیّ یعنی بیّن الحرمه. وقلنا أنّ هذا الأمر الأوّل خلاف الظاهر، وأنّ المناقشه فیه تامّه.

الأمر الثانی: هو أنْ یُراد من الأمر المُختلَف فیه ----- القسم الثالث فی الروایه ----- الأمر المشکوک المشتبَه الدائر بین الحلّیّه والحرمه(وأمرٌ اختُلف فیه) یعنی المشتبهات. فتکون الأقسام ثلاثه، معلوم الحلّیّه، ومعلوم الحرمه ---- بناءً علی تمامیّه الأمر الأوّل ---- والثالث أمر اختُلف فیه، یعنی أمر مردّد مشکوک لا نعلم أنّه حلال، أو حرام، فیُفسّر(أمر اختُلف فیه) بالأمر المشکوک من حیث الحلّیّه والحرمه، حتّی ینطبق علی محل الکلام، حیث أنّ کلامنا هو فی الشکّ فی حرمه شیءٍ، أو إباحته، أی فی الشبهه التحریمیّه. هل یمکن أنْ نستفید من هذه العباره (وأمر اُختلف فیه) یعنی أمرٌ شُکّ فیه ؟ هذا صعب، فإثبات الأمر الثانی مشکل؛ لأنّ القول بأنّ المقصود من(أمر اختُلف فیه) یعنی أمر شُکّ فیه، هو خلاف الظاهر، إلاّ بعنایه، بأنْ نقول: حیث أنّ الشکّ فی حرمه شیءٍ، أو إباحته یوجب الاختلاف عادهً، فعُبّر عن هذا الشیء المشکوک بما هو لازمه، وهو حصول الاختلاف عادهً، فقیل(أمر اختُلف فیه)، یعنی أمر شُک فی حلّیّته وحرمته، لکن حیث أنّ الشکّ فی ذلک عادهً یکون موجباً للاختلاف، فعُبّر عنه بأمرٍ اختُلف فیه، والمقصود به هو أمر شُکّ فیه.

ص: 112

أقول: هذه العنایه تحتاج إلی قرینهٍ، وبذل هذه العنایه لیس أولی من أنْ نقول شیئاً آخراً یجعل الروایه أجنبیّه عن محل الکلام، وذلک بأنْ نبقی القسم الثالث ----- أمر اختُلف فیه -----علی ظاهره، یعنی هناک اختلاف فیه، أو هناک أقوال فیه، أنْ نبقی هذا علی ظاهره، ونحمل قوله(تبیّن لک رشده)، أو(تبیّن لک غیّه) علی الاتّفاق علی الحلّیّه، والاتّفاق علی الحرمه ------ بعد التنزّل عن مناقشه الأمر الأوّل ------ فتکون الروایه ناظرهً إلی الأمر المتّفق علی حرمته، ونفسّر(الأمر الذی تبیّن لک غیّه) بالأمر المتّفق علی حرمته علی أساس نفس النکته السابقه، وهو أنْ نقول: أنّ الاتّفاق علی حرمه شیءٍ یکون موجباً لتبیّن الحرمه، والاتّفاق علی حلّیّه شیءٍ یکون موجباً لتبیّن الحلّیّه، کما أننّا قلنا هناک بأنّ الشکّ فی حرمه شیءٍ وإباحته یکون موجباً للاختلاف، هنا أیضاً نقول: الاتّفاق علی حلّیّه شیءٍ یکون موجباً لتبیّن الحلّیّه، کما أنّ الاتّفاق علی حرمه شیءٍ یکون موجباً لتبیّن الحرمه، فبدل التعبیر بالاتّفاق عُبّر فی الروایه بنتیجه الاتّفاق، وهی تبیّن الحلّیّه وتبیّن الحرمه، فتکون النتیجه هی أنّ الروایه تقول: أنّ الشیء المتفّق علی حلّیّته، الذی عُبّر عنه بتبیّن الحلّیّه، أو المُتّفق علی حرمته، الذی عُبّر عنه بتبیّن حرمته، هذا اعملْ به علی أساس ذلک، تبیّن الحلّیّه اعملْ به علی أنّه حلال، وإذا اتّفق علی حرمته، تعامل معه علی أساس ذلک؛ لأنّ الاتّفاق والإجماع حُجّه، وامّا الأمر المُختلَف فیه، فنبقیه علی ظاهره، فلا یجوز لک أنْ تعمل بقول هذا، أو بقول هذا؛ لأنّه أمر مختلَف فیه لابدّ من ردّه إلی الله(عزّ وجل)، وإلی رسوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وبهذا تکون الروایه أجنبیّهً عن محل الکلام، ولا علاقه لها بالشبهه الحکمیّه التحریمیّه، وإنّما هی ناظره إلی الاتّفاق والاختلاف فی المسأله الشرعیّه الفرعیّه، الحرمه المتّفق علیها اعملْ بها علی أساس الاتفاق علی الحرمه، والحلّیّه المتّفق علیها أیضاً اعملْ بها علی أساس الحلّیّه المتّفق علیها، والأمر المختلَف فیه لابدّ من ردّه إلی الله(عزّ وجل)، وإلی رسوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وهذا شیء لا علاقه له بمحل الکلام، فنحن لا نتکلّم عن حجّیّه الاتّفاق وعدم حجّیّته، وإنّما نتکلّم فی أنّ مکلّفاً یشکّ فی أنّ هذا الشیء حرام، أم حلال، شبهه حکمیّه، هذا هل یجب علیه الاحتیاط، أم لا ؟ بناءً علی هذا التفسیر تکون الروایه أجنبیّهً عن محل الکلام، ولا یُستفاد منها وجوب الاحتیاط فی الشبهه الحکمیّه التحریمیّه.

ص: 113

الغرض هو: أنّ حمل (أمر اختُلف فیه) علی أنّه شُکّ فیه کما هو مبنی الاستدلال هو خلاف الظاهر، إلاّ بإعمال عنایهٍ، وهی أنّ الاختلاف فی الحرمه والحلّیّه عادهً یوجب الشکّ، فعُبّر عن الشکّ فی الحرمه والحلّیّه بالاختلاف، فقیل أمر اختُلف فیه، والمقصود هو أمر شُکّ فی حلّیّته وحرمته؛ حینئذٍ نقول: أنّ إعمال هذه العنایه لیس أولی من أنْ نُعمِل العنایه فی جانب تبیّن الغیّ وتبیّن الرشد، نفس العنایه، بأنْ نبقی(أمر اختُلف فیه) علی ظهوره، یعنی أمر اختلفوا فیه، بعضهم یقول حلال، وبعضهم یقول حرام، و(تبیّن لک غیّه) یعنی أمر اتّفق علی حرمته ----- بعد التنزّل والتسلیم بالأمر الأوّل ----- یعنی أمر اتّفق علی حرمته، أو أمر اتّفق علی حلّیّته، وعُبّر عن الاتّفاق عن الحرمه والحلّیّه بتبیّن الحرمه والحلّیّه؛ لأنّ الاتّفاق علی الحلّیّه عادهً یکون موجباً لتبیّن الحلّیّه، کما أنّ الاتّفاق علی الحرمه یکون موجباّ عادهً لتبیّن الحرمه، فعُبِّر عن الاتّفاق علی الحلّیّه بتبیّن الحلّیّه، وعن الاتّفاق علی الحرمه بتبیّن الحرمه، فتکون الروایه ناظرهً إلی الإجماع والاتّفاق، أمّا إذا تعدّدت الأقوال فی المسأله، ففی هذه الحاله لا یجوز أنْ تعمل بقول هذا، أو بقول هذا، وإنّما لابدّ من استنباط حکم المسأله من الأدلّه الشرعیّه الوارده عن الشارع، وبهذا تکون الروایه أجنبیّهً عن محل الکلام. علی کل حالٍ، حمل(أمر اُختلف فیه) علی أنّه أمر شُکّ فیه من حیث الحلّیّه والحرمه هو خلاف الظاهر. هذا بالنسبه إلی الأمر الثانی.

وأمّا الأمر الثالث الذی یتوقّف علیه الاستدلال: والذی هو أنّ قوله(فردّه إلی الله) یعنی احتط فیه، یعنی یجب علیک الاحتیاط، فهو أیضاً لیس واضحاً بذاک الشکل؛ بل لعلّ قوله(فردّه إلی الله) یعنی خُذ حکمه من الله (عزّ وجل)، فی قِبال أخذ الحکم من أحکام العقول الظنّیّه والعقول الناقصه.

ص: 114

إذن: الظاهر أنّ کل الأمور التی یتوقّف علیها الاستدلال بالروایه علی وجوب الاحتیاط فی محل الکلام لیست تامّه، ومن هنا یظهر عدم صحّه الاستدلال بهذه الروایه.

الروایه الثانیه من الطائفه الثالثه: الروایه المعروفه المرویّه بصیّغ متعدّده، وروایاتها أیضاً متعدّده، وکل روایاتها ضعیفه سنداً حسب الظاهر. صاحب الوسائل(قُدّس سرّه) ینقل هذه الروایه عن، ابن الشیخ الطوسی فی أمالیه، الحسن بن محمد بن الحسن الطوسی فی أمالیه، عن أبیه، عن علی بن احمد بن الحمامی، عن احمد بن محمد القطّان، عن إسماعیل بن أبی کثیر، عن علی بن إبراهیم، عن السری بن عامر، عن النعمان بن بشیر.

الظاهرأنّ المقصود بالنعمان بن بشیر هو الصحابی الأنصاری المعروف، وکان منحرفاً، والسرّ فی کون النعمان بن بشیر هو الصحابی المعروف هو أنّ هذه الروایه موجوده فی کتب العامّه، وأیضاً ینسبوها إلی النعمان بن بشیر، ولا یوجد غیره من الصحابه من یُسمّی ظاهراً بالنعمان بن بشیر غیره.

قال:(سمعت رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلّم یقول:إنّ لکل ملکٍ حمی، وإنّ حما الله حلاله وحرامه، والمشتبهات بین ذلک، کما لو أنّ راعیاً رعی إلی جانب الحمی لم یثبت غنمه أنْ تقع فی وسطه، فدعوا المشتبهات). (1)

الاستدلال بالروایه: الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ----- بناءً علی تمامیّه الروایه ----- یأمر بترک المشتبِهات، وهو یصرّح بأنّ المشتبِهات بین ذلک، حلال وحرام، هذا حمی الله(عزّ وجل) والمشتبهات بین ذلک، مرددّه بین أنْ تکون حلالاً، أو حراماً، وهی الشبهه الحکمیّه التحریمیّه التی هی محل الکلام، فیُفهم من هذا وجوب ترک الشبهه، والذی یعنی بعبارهٍ أخری وجوب الاحتیاط فی الشبهه الحکمیّه التحریمیّه .

ص: 115


1- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 27، ص 167، أبواب صفات القاضی، باب 12، ح 45.

مضمون هذه الروایه موجود فی کثیرٍ من الروایات:

منها: مرسله الصدوق(قُدّس سرّه) ، لا بأس بقراءتها لأنّ لسانها یختلف، قال الشیخ الصدوق(قُدّس سرّه) فی الفقیه:(إنّ أمیر المؤمنین(علیه السلام) خطب الناس، فقال فی کلامٍ ذکره: حلالٌ بیّن، وحرامٌ بیّن، وشبهات بین ذلک، فمن ترک ما اشتبه علیه من الإثم، فهو لما استبان له أترک، والمعاصی حمی الله، فمن یرتع حولها یوشک أنْ یدخلها). (1) (2)

ومنها: روایه سلام بن المستنیر، وهی روایه طویله عن الإمام الباقر(علیه السلام)، قال:(قال جدّی رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم: أیّها الناس حلالی حلالٌ إلی یوم القیامه، وحرامی حرامٌ إلی یوم القیامه، إلا وقد بیّنهما الله(عزّ وجل) فی الکتاب، وبیّنتها لکم فی سُنّتی وسیرتی، وبینهما شبهات من الشیطان وبِدع بعدی من ترکها صلح له أمر دینه، وصلحت له مروته وعرضه، ومن تلبّس بها وقع فیها واتّبعها، کان کمن رعی غنمه قرب الحمی، ومن رعی ماشیته قرب الحمی نازعته نفسه أنْ یرعاها فی الحمی، إلا وإنّ لکل ملکٍ حمی، إلا وإنّ حمی الله(عزّ وجل) محارمه، فتوقّوا حمی الله ومحارمه.....الحدیث). (3)

هذه الروایات بأجمعهاغیر تامّه سنداً للإرسال، أو لضعف الرواه، أو لکونها عامّیّه...الخ، لکنّ المضمون متکررّ، خصوصاً فی کتب العامّه موجود نفس هذا المضمون، وإنْ کانت فی کتب العامّه هی أیضاً مرویّه عن النعمان بن بشیر، وکون الروایات المتعددّه تنتهی إلی راوٍ واحدٍ یمنع من تحققّ حتّی الاستفاضه بالشکل المطلوب. روایات عدیده بهذا المضمون قد یمکن للإنسان أنْ یفحص أکثر، ویحققّ الاستفاضه بهذا المضمون.،أأ

ص: 116


1- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 27، ص 161، أبواب صفات القاضی، باب 12، ح 27.
2- من لا یحضره الفقیه، الشیخ الصدوق، ج 4، ص 75.
3- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحرّ العاملی، ج 27، ص 169، أبواب صفات القاضی، باب 12، ح 52.

درس الأصول العملیّه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

کان الکلام فی الروایه الثانیه من روایات التثلیث وهی روایه النعمان بن بشیر، وقلنا أنّ مضمون هذه الروایه موجود فی روایاتٍ أخری ذکرنا بعضها.

الکلام یقع فی الاستدلال بهذه الروایات علی وجوب الاحتیاط فی محل الکلام. فی الواقع الاستدلال بهذه الروایه وما کان بمضمونها علی وجوب الاحتیاط فی محل الکلام یواجه مشکله فی الدلاله، وذلک لأنّ المستفاد من هذه الروایه وما کان بمضمونها هو أنّ ارتکاب الشبهات یوجب اقتراب الإنسان من الوقوع فی الحرام، مفادها أنّ مرتکب الشبهه ----- کما فی بعض الروایات ----- مشرف علی الوقوع فی المحرّمات. الواضح من خلال التمثیل بالحمی (وراعی الغنم یوشک أنْ یقع فیه)، أو(کان لما استبان له من الإثم أترک)، وأمثال هذه العبارات، یُفهم منها أنّ ارتکاب الشبهه یوجب أنْ یقترب الإنسان من المحرمات بحیث یکون مشرفاً علی الدخول فی المحرّمات؛ وحینئذٍ من یستدل بهذه الروایات علی وجوب الاحتیاط لابدّ أنْ یثبت بأنّ الإشراف علی المحرّمات والاقتراب منها حرام، وأنّه یجب عدم الاقتراب من المحرّمات حتّی یکون بإمکانه أنْ یستدل بهذه الروایات علی وجوب اجتناب الشبهه والاحتیاط فی الشبهات؛ لأنّ مفاد هذه الروایات هو أنّ ارتکاب الشبهه یوجب الاقتراب من المحرّمات، لکن من قال أنّ الاقتراب من المحرّمات والإشراف علیها حرام یجب ترکه ؟ إذا ثبت وجوب ترکه؛ حینئذٍ یمکن الاستدلال بهذه الروایات علی وجوب ترک الشبهه؛ لأنّ ارتکاب الشبهه یوجب الاقتراب من الحرام، والاقتراب من الحرام حرام، لکن من الواضح أنّ هذا یتوقّف علی إثبات أنّ الاقتراب من المحرّمات حرام، وأنّ ترک الاقتراب من المحرّمات واجب. أمّا إذا لم نقل بوجوب ترک الاقتراب من المحرّمات، وقلنا بجواز الاقتراب، ولو علی نحو الکراهه؛ حینئذٍ لا یمکن إثبات وجوب الاحتیاط وحرمه ارتکاب الشبهه، وإنّما غایه ما یثبت هو الجواز علی نحو الکراهه، وهذا لیس هو المقصود للأخباریین، الأخباریون یریدون أنْ یثبتوا حرمه ارتکاب الشبهه، ووجوب الاجتناب عن الشبهه، بینما لا یُستفاد هذا المعنی من لسان هذه الروایات، وإنّما یُستفاد منه أنّ ارتکاب الشبهات یوجب الاقتراب من المحرّمات.

ص: 117

یمکن صیاغه هذا المطلب بصیاغهٍ أخری: أنّ الروایات واضحه فی أنّها تقول هناک أمور ثلاثه(حلال بیّن، وحرام بیّن، وشبهات لا یُعلم حرمتها ولا حلّیتها) والذی یُفهم من هذه الروایات(لو أنّ راعیاً رعی حول الحمی أوشک أنْ یقع فیها)، أو(فمن ترک ما اشتبه له من الإثم کان لما استبان له أترک) وأمثال هذه العبارات، الذی یُستفاد منها هذا المعنی الذی قلناه من أنّ ارتکاب الشبهات لیس فیه محذور ومانع نفسی، وإنّما محذوره هو أنّه یقرّب الإنسان من المحرّمات بحیث من یرتکب الشبهات یوشک أنْ یقع فی المحرّمات، باعتبار أنّ جرأه الإنسان علی ارتکاب محتمل الحرمه قد تُجرّئه علی أنْ یرتکب ما استبان له من الإثم کما فی بعض الروایات، ومن هنا یظهر أنّ ملاک النهی عن ارتکاب الشبهه، أو الترغیب فی ترک الشبهه المستفاد من هذه الروایه هو أنّ ارتکاب الشبهات یجرّأ الإنسان علی ارتکاب ما یعلم حرمته، إذا ارتکب الشبهات سوف یتجرّأ علی ارتکاب المحرّمات المعلومه لدیه. هذا مفاد الروایات، وهذا شیء آخر غیر ما یریده الأخباریون، ما یریده الأخباریون هو أنّ ارتکاب الشبهه حرام، یجب الاحتیاط فی الشبهات، لیس من باب أنّه یُجرّأ الإنسان علی ارتکاب المحرّمات المعلومه لدیه، هذا هو ملاک النهی فی هذه الروایات، بینما هم یثبتون حرمه الإقدام، ووجوب الاحتیاط بملاکٍ آخر، وهو ملاک أنّ هذا فیه احتمال الحرمه الواقعیّه، احتمال أنْ یقع فی الحرام یمنعه من ارتکاب تلک الشبهه، وإنْ لم یکن الحرام معلوماً لدیه. هذا ملاک آخر غیر ذاک الملاک، هناک فرق بینهما، مرّه نقول له لا ترتکب الشبهه لأنّه یجرّئک علی ارتکاب المحرّمات المعلومه لدیک، ما تکون حرمته معلومه لدیک، ارتکاب الشبهات یجرّئک علی ارتکابه(کان لما استبان له من الإثم أترک)، بینما إذا ارتکب الشبهات لا یکون أترک لما استبان له من الإثم؛ بل یکون أقرب إلی أنْ یرتکب ما استبان له من الإثم. هذا لیس هو المقصود للأخباریین، الأخباریون غیر ناظرین إلی هذا عندما یقولون بوجوب الاحتیاط فی الشبهات، أو حرمه ارتکاب الشبهات، وإنّما الملاک عندهم هو أنّ ارتکاب الشبهه یُحتمل فیه الوقوع فی الحرام الواقعی، احتمال أنْ یکون ما یرتکبه حراماً واقعیاً، هذا یمنع من ارتکاب الشبهه. هذا لسان آخر وملاک آخر لا یکاد یستفاد من هذه الأخبار، مفاد هذه الأخبار هو أنّ ارتکاب الشبهات یقرّب الإنسان من العصیان ومن التمرّد علی الله(سبحانه وتعالی) وارتکاب المحرّمات المعلومه لدیه، وقلنا سابقاً بأنّ هذا لا یمکن الاستدلال به علی حرمه ارتکاب الشبهه إلاّ إذا اثبتنا أنّ الاقتراب من المحرّمات، وأنْ یوشک علی ارتکاب الحرام یکون محرّماً، وإلاّ إذا قلنا أنّه غیر محرم، أو افترضنا أنّه مکروه، فلا یثبت حینئذٍ إلاّ الجواز، ولو علی نحو الکراهه، ولا یکاد یثبت به حرمه الارتکاب ووجوب الاحتیاط، وهذا یُستفاد من کل هذه الأخبار التی قرأناها، وحتّی الأخبار التی لم نقرأها.

ص: 118

الروایه الثالثه والأخیره: مقبوله عمر بن حنظله المعروفه الوارده فی الخبرین المتعارضین. الروایه طویله، السائل یسأل فیها الإمام(علیه السلام) عن الخبرین المتعارضین. الإمام(علیه السلام) فی البدایه ذکر مرّجحات باب التعارض، الأصدقیّه، والأورعیّه.....الخ، وفی الأخیر ذکر الترجیح بالشهره، والمقصود بالشهره علی ما ذکروا واتّفقوا علیه هو الشهره الروائیه، خبران متعارضان لم تتم فیهما مرجّحات باب التعارض ووصلت النوبه إلی الشهره، فیقول له هذا الخبران المتعارضان إذا کان أحدهما مشهوراً شهره روائیّه، وعُبّر عنه فی الروایه ب----(إذا کان مجمعاً علیه من أصحابک) إذا کان مشهوراً، والآخر بطبیعه الحال فی حاله التعارض یکون غیر مشهور، یکون شاذاً ونادراً کما عبّرت الروایه(ودع الشاذ النادر) یعنی الذی لا یکون مشهوراً ولا مجمعاً علیه من اصحابک. الإمام(علیه السلام) أمره بطرح الشاذ النادر، وعللّ الترجیح بالشهره، ولزوم الأخذ بالروایه المشهوره، وترک الخبر الشاذ النادر، بقوله(علیه السلام):(أنّ المجمع علیه لا ریب فیه) وذُکر فی محلّه أنّ المقصود بالمجمع علیه هو المشهور، ولم یقل بعد ذلک أنّ الشاذ النادر ما هو ؟ هل الشاذ النادر هو ممّا لا ریب فی بطلانه ؟ أو هو ممّا فیه الریب ؟ الروایه لم تصرّح بذلک، لکن الذی یُفهم من الروایه، وبقرائن سیأتی ذکرُها أنّ الشاذ النادر هو ممّا فیه الریب، ولیس أنّه ممّا لا ریب فی بطلانه، یعنی معلوم البطلان، وإنّما هو ممّا فیه الریب.

الإمام(علیه السلام) فی هذا المقام ذکر حدیث التثلیث، قال:(یُنظر إلی ما کان من روایتهم عنّا فی ذلک الذی حکما به المجمع علیه من أصحابک، فیؤخذ به من حکمنا ویُترک الشاذ الذی لیس بمشهورٍ عند أصحابک، فأنّ المجمع علیه لا ریب فیه، وإنّما الأمور ثلاثه، أمر بیّن رشده، فیُتّبع، وأمر بیّن غیّه فیُجتنب، وأمر مشکل یُرَدّ علمه إلی الله ورسوله، قال رسول الله صلّی اللّه علیه وآله وسلّم :حلالٌ بیّن، وحرام بیّن، وشبهات بین ذلک، فمن ترک الشبهات نجا من المحرّمات، ومن أخذ بالشبهات ارتکب المحرّمات وهلک من حیث لا یعلم). (1) هذا ما ذُکر فی هذه الروایات.

ص: 119


1- تهذیب الأحکام، الشیخ الطوسی، ج 6، ص 301.

ذکر الشیخ الأنصاری فی الرسائل جمله من القرائن علی أنّ الشاذ النادر هو ممّا فیه الریب، لا أنّه معلوم البطلان، والغرض من الاهتمام بهذا الشیء هو أنْ ندخل الشاذ النادر فی القسم الثالث الذی ذکره الإمام(علیه السلام) وهو الأمر المشکل، وإلاّ إذا کان الشاذ النادر ممّا لا ریب فی بطلانه، فسوف یدخل فی القسم الثانی، یعنی فی بیّن الغی الذی حکم الإمام(علیه السلام) بوجوب اجتنابه. نحن نقول لا یُفهم من الروایه أنّ الشاذ النادر هو ممّا لا ریب فی بطلانه حتّی یدخل فی القسم الثانی، وإنّما هو ممّا فیه الریب، فیدخل فی القسم الثالث الذی هو(الأمر المشکل).

القرینه الأولی: أنّ الترجیح بالشهره فی الروایه ذُکر بعد أمورٍ أخری کالترجیح بالأصدقیّه والأعدلیّه، وبعد أنْ استنفذ مرجّحات باب التعارض ذکر أخیراً الترجیح بالشهره. یقول(قدّس سرّه):( والمراد أنّ الشاذ فیه ریب لا أنّ الشهره تجعل الشاذ ممّا لا ریب فی بطلانه، وإلاّ لم یکن معنی لتأخیر الترجیح بالشهره عن الترجیح بالأصدقیّه والأعدلیّه، والأورعیّه، ولا لفرض الراوی الشهره فی کلا الخبرین، ولا لتثلیث الأمور، ثمّ الاستشهاد بتثلیث النبی صلّی الله علیه وآله وسلّم) (1)

إذن: الشهره لا توجب العلم ببطلان ما یعارض الخبر المشهور، وإنّما یکون ما یعارض الخبر المشهور ممّا فیه الریب، وهذا یناسب تقدیم الترجیح بالأصدقیّه والأعدلیّه وغیرها علی الترجیح بالشهره.

القرینه الثانیه: أنّ الراوی بعد أنْ أکمل الإمام(علیه السلام) کلامه افترض الشهره فی کلا الخبرین، بعد أنْ قال الإمام(علیه السلام) رجّح بالشهره، واعمل بالمشهور، ودع الشاذ النادر، قال الراوی فی مقام التفریع: فإذا کان کل منهما مشهوراً، یعنی افترض الشهره فی الخبرین المتعارضین. ومن الواضح أنّ هذا لا ینسجم مع افتراض أنّ الشهره توجب العلم ببطلان ما یقابل المشهور، فکیف تُفرض الشهره فی کلیهما ؟ هذا غیر معقول، أنْ نفترض الشهره فی هذا الحدیث وفی هذا الحدیث معاً مع افتراض تعارضهما، والحال أنّ کون أحد الخبرین مشهوراً یوجب العلم ببطلان الآخر، فیسقط عن الاعتبار، فلا معنی لافتراض الشهره فی کلٍ منهما، هذا لا ینسجم إلاّ مع افتراض ما قاله الشیخ الأنصاری(قدّس سرّه) وقالوه کلّهم من أنّ ما یقابل المشهور هو ممّا فیه الریب؛ فحینئذٍ یقال: أنّ هذا یدخل فی القسم الثالث الذی هو عباره عن الأمر المشکل.

ص: 120


1- فرائد الأصول، الشیخ الأنصاری، ج 2، ص 83.

القرینه الثالثه: أنّ الشیخ(قدّس سرّه) قال: أنّه علی تقدیر أنْ یکون الشاذ وغیر المشهور ممّا لا ریب فی بطلانه؛ حینئذٍ تکون الأمور اثنین لا ثلاثه؛ لأنّه سوف یکون لدینا أمر بیّن الرشد، وأمر بیّن الغی، وما یقابل المشهور یدخل فی بیّن الغی، فتکون الأمور اثنین لا ثلاثه، ولا داعی حینئذٍ لذکر أنّ الأمور ثلاثه فی کلام الإمام(علیه السلام)؛ إذ فی مورد الروایه لیس لدینا أمور ثلاثه، وإنّما لدینا أمران أمر بیّن الرشد الذی هو المشهور المجمع علیه، وأمر بیّن الغیّ الذی هو الخبر الشاذ النادر إذا کان موجباً للعلم ببطلانه، فیدخل فی بیّن الغیّ، فلا داعی لتثلیث الأمور فی کلام الإمام(علیه السلام)، ولا داعی لاستشهاده بکلام النبی(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) أیضاً الوارد فی التثلیث، کل هذا لا داعی له؛ لأنّ الأمور تکون اثنین لا ثلاثه، بینما إذا قلنا أنّ الشهره لا توجب العلم بالبطلان؛ فحینئذٍ تکون الأمور ثلاثه، أمر بیّن الرشد، وأمر بیّن الغی، وأمر مشکل؛ وحینئذٍ ینطبق عنوان المشکل علی الخبر الشاذ الذی فیه ریب، لا أنّه معلوم البطلان.

الذی یمکن أنْ یقال: بقطع النظر عن أنّ هذه القرائن تامّه، أو لا، أنّ طبیعه القضیّه أیضاً تقتضی أنْ یکون ما یقابل المشهور ما فیه الریب، لا أنّه ممّا لا ریب فی بطلانه؛ لأنّ غایه ما تقتضی الشهره هو أنْ یقطع الإنسان نتیجه الشهره، بصدور هذه الروایه المشهوره والمجمع علیها من المعصوم(علیه السلام)، لکن بالرغم من هذا، هذا لا یوجب القطع ببطلان ما یقابلها؛ لأنّ هناک أموراً أخری غیر مسأله الصدور، هناک مسأله جهه الصدور، ومسأله الدلاله، هذه أمور لیست قطعیّه، الشهره توجب القطع بالصدور، لکن هذه الروایه ما هی جهه الدلاله فیها، أو ما هی الدلاله فی هذه الروایه ؟ هذا یوجب أنْ لا نقطع ببطلان ما یقابلها، کیف نقطع ببطلانه ؟ والحال أنّه من الممکن أنْ یکون ما یقابلها صحیح وصادر من المعصوم (علیه السلام)، باعتبار أنّ الدلاله فی المشهور لیست واضحه، أی أنّ جهه الصدور فیه لیست واضحه، فلا نستطیع بمجرّد أنّ روایه مشهوره، حتّی لو قطعنا بصدورها أنْ نجزم بفساد ما یقابلها؛ بل من الممکن أنْ تکون هذه صادره وهذه صادره، ویُحلّ التعارض عن طریق افتراض التقیّه، أو عن طریق الجمع الدلالی بین الروایتین.

ص: 121

إذن: مجرّد الشهره لا یقتضی الجزم ببطلان ما یقابها. نعم، یمکن أنْ نقول فیه ریب، أو لیس حجّه، أو لا یجوز العمل به، کل هذا صحیح، لکن هذا شیء، والجزم بالبطلان والفساد، والجزم بأنّه ممّا لا ریب فی بطلانه، هذا لا تقتضیه طبیعه الشهره، بقطع النظر عن القرائن التی ذکرها الشیخ الأنصاری(قدّس سرّه).

إلی هنا وصلنا إلی أنّ کل هذا هو محاوله فی مقام الاستدلال بالروایه علی إدخال الخبر الشاذ النادر فی القسم الثالث الذی هو الأمر المشکل. إذن: الخبر الشاذ النادر داخل فی الأمر المشکل، وفی الأمر المشکل أُمرَ بردّه کما فی الروایه إلی الله(سبحانه وتعالی)، وإلی الرسول(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)، والمقصود بذلک هو الاحتیاط ووجوب الاجتناب.

درس الأصول العملیّه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

کان الکلام فی الروایه الثالثه من الطائفه الأخیره، وهی مقبوله عمر بن حنظله، بیّنّا کیفیّه الاستدلال بها علی وجوب الاحتیاط، وکان حاصله هو: أنّ الروایه قبل الاستشهاد بحدیث النبی(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، الروایه تأمر بالاجتناب عن الخبر الشاذ النادر، وتُدخِل الخبر الشاذ النادر فی الأمر المشکِل فی مقابل بیّن الرشد وبیّن الغیّ، وتأمر الروایه باجتنابه، ویُطرح الخبر الشاذ النادر؛ لأنّ المجمع علیه لا ریب فیه، وقلنا أنّ المقصود أنّ ما یقابل المجمع علیه ممّا فیه الریب، فیدخل فی القسم الثالث الذی ذکره الإمام(علیه السلام) بکلامه وهو الأمر المشکِل، وحکمه هو الرد إلی الله(عزّ وجلّ) وإلی الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وهو الذی یعنی طرح الخبر الشاذ وعدم الاعتداد به؛ لأنّه هو الشیء الذی أمر الإمام(علیه السلام)قبل التثلیث المذکور فی کلامه، أمر بطرح الشاذ النادر، وذکر التثلیث فی کلامه قبل أنْ یستشهد بحدیث الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، یُفهم من هذا أنّ الخبر الشاذ النادر یدخل فی القسم الثالث، أی فی الأمر المشکل، وأنّ الأمر المشکل یجب اجتنابه.

ص: 122

إلی هنا هذا لیس دلیلاً علی وجوب الاجتناب والاحتیاط فی الشبهه الحکمیّه التحریمیّه، خصوصاً أنّ الکلام الوارد فی کلام الإمام(علیه السلام) لیس هو(حلالٌ بیّن، وحرامٌ بیّن، وشبهات)، لم تُذکر الشُبهات فی کلام الإمام(علیه السلام)، وإنّما ذُکر(أمر تبیّن لک رشده، وأمر تبیّن لک غیّه، وأمر مشکل) لکن الاستدلال لیس بالتثلیث الوارد فی کلام الإمام(علیه السلام)، وإنّما الاستدلال بالتثلیث الذی استشهد به الإمام(علیه السلام) من الحدیث النبوی؛ لأنّ الوارد فیه(حلالٌ بیّن، وحرامٌ بیّن، وشبهات بین ذلک، فمن ترک الشبهات نجا من المحرّمات، ومن أخذ بالشُبهات وقع فی المحرّمات وهلک من حیث لا یعلم)، الاستدلال یکون بهذا الشکل: لولا أنّ الحدیث فیه دلاله علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات، ووجوب ترک الشبهه، لما صحّ الاستشهاد به علی وجوب ترک الأمر المشکل الذی هو مورد الروایه؛ لأنّ الإمام(علیه السلام) یستشهد بالحدیث النبوی لإثبات ما یریده، کأنّه یستدلّ علی حکمٍ بیّنه بالحدیث النبوی، والذی بیّنه الإمام(علیه السلام) فی کلامه هو وجوب طرح الخبر الشاذ النادر، فلابدّ أنْ یکون الاستشهاد بحدیث یدلّ علی وجوب الطرح والترک ووجوب الاجتناب، فاستشهد الإمام(علیه السلام) بهذا الحدیث، فلابدّ أنْ یکون هذا الحدیث دالاً علی وجوب ترک الشبهات، وطبّقه الإمام(علیه السلام) علی الأمر المشکل الذی هو الخبر الشاذ النادر، هذا یجب ترکه، فلابدّ أنّ الحدیث یدلّ علی الوجوب والإلزام بترک الشبهه، وإلاّ لو لم یکن فی الحدیث دلاله علی وجوب ترک الشبهات، لما صحّ الاستشهاد به علی وجوب ترک الخبر الشاذ النادر.

إذن: من استشهاد الإمام(علیه السلام) بالحدیث النبوی نستکشف أنّ هذا الحدیث فیه دلاله علی وجوب الاحتیاط فی الشُبهات، ووجوب الاجتناب عن الشُبهه، وهذا هو المطلوب فی المقام.

ص: 123

لوحظ علی الاستدلال بالروایه الشریفه علی وجوب الاحتیاط فی محل الکلام: الظاهر أنّ الأمر بالردّ إلی الله(عزّ وجل) فی حدیث الإمام(علیه السلام)، (وأمر مشکل یُردّ إلی الله عزّ وجل) أنّ المقصود به لیس هو وجوب الترک والاجتناب کما هو مدّعی الأخباری، وإنّما المقصود به هو عدم الاعتماد علیه، وقوله: یُرد إلی الله(عزّ وجل) کنایه عن أنّ هذا الشیء لا یُعتمد علیه فی استنباط الحکم الشرعی، وأنّ مورد الروایه کما هو واضح خبران متعارضان، أحدهما مشهور لا ریب فیه، والآخر شاذ نادر فیه ریب، الإمام(علیه السلام) یقول أنّ هذا الشاذ النادر یدخل فی الأمر المشکل، وحکم الأمر المشکل هو أنّه یُرَد إلی الله(عزّ وجل)، ومعنی الردّ إلی الله(عزّ وجل) هو عدم الاعتماد علیه؛ لأنّه لیس حجّهً حتّی نستند إلیه فی إثبات الحکم الشرعی، وإنّما الحجّه هو الخبر المقابل له الذی هو مشهور. هذا هو المقصود بالردّ إلی الله(عزّ وجل) ، وفی بعض النسخ إلی الله(عزّ وجل)، ورسوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، لا الاجتناب والترک کما هو مقصود الأخباری، حیث أنّه یقول أنّ الحدیث یدلّ علی وجوب ترک الخبر الشاذ، بینما المُدّعی فی المناقشه هو أننّا لا نفهم هذا من الردّ إلی الله(عزّ وجل)، وإنّما الردّ إلی الله(عزّ وجل) هو کنایه عن عدم الاعتماد علی هذا الخبر، والقرینه علی ذلک:

أولاً: مسأله التطبیق، حیث أنّ الإمام(علیه السلام) طبّق التثلیث الذی ذکره فی کلامه علی الخبرین المتعارضین الذی هو مورد الروایه. إذن: نحن نتکلّم عن خبرین، وعن دلیلین وقع التعارض بینهما، ومن الواضح أنّ الدلیل یُستند إلیه لإثبات الحکم الشرعی، الإمام(علیه السلام) یقول له: هذا الدلیل یمکن أنْ تستند إلیه لإثبات حکمٍ شرعی، لکنّ هذا الشاذ النادر من الدلیلین المتعارضین لیس مورد اعتماد، ولا یمکن الاستناد إلیه لإثبات الحکم الشرعی، وهذا قرینه علی أنّ المقصود من الرد إلی الله(عزّ وجل) لیس هو الترک کما یقول الأخباری، وإنّما المقصود منه هو عدم الاعتماد بقرینه التطبیق علی دلیلین متعارضین.

ص: 124

ثانیاً: قرینه الاتّباع، أمرٌ تبیّن لک رشده، فاتّبعه، أو فمتّبع، نفس الاتّباع یناسب الدلیل، ولیس مناسباً للحکم الشرعی؛ لأنّ الحدیث عن دلیلٍ، الدلیل الذی تبیّن رشده وصحّته یُتّبع، یعنی یُعتمَد علیه لإثبات الحکم الشرعی، والدلیل الذی تبیّن غیّه وفساده یُجتنب، بمعنی لا یُعتمّد علیه لإثبات الحکم الشرعی، هذا شأن الأدلّه. فالمقصود بالرد إلی الله(عزّ وجل)، والرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) هو عدم الاعتماد علیه، لا ترک الشیء واجتنابه، بمعنی عدم ارتکابه. الذی یُفهَم من الأمر المشکل هو الأمر الذی فیه احتمالان، له وجهان متساویان، فیقول له أنت فی مثل هذه الحاله لا تستطیع أنْ تعتمد علی هذا الوجه، ولا علی هذا الوجه، وهذا من شأن الأمر المشکل، أنْ یکون فیه احتمالان، وأنْ یکون له وجهان، والمقصود أنّه لا یجوز الاعتماد علی أحد الوجهین، فیکون الحدیث ناظراً إلی باب الأدلّه، وانّ الأدلّه إنْ کانت ممّا لا ریب فیها، فیمکن أنْ تتّبع، وأنْ یُستنَد إلیها لإثبات الحکم الشرعی، وأمّا إنْ کانت الأدلّه ممّا لا ریب فی بطلانها، أو ممّا فیها ریب، فلا یجوز الاعتماد علیها لإثبات الحکم الشرعی. غایه الأمر أنّ هناک فرقاً بینهما، الدلیل الذی لا ریب فی فساده وبطلانه، هذا واضح، لکنّ الأمر المردّد نُبّه علی أنّ حاله حال الدلیل الذی لا ریب فی بطلانه فی عدم إمکان الاعتماد علیه لإثبات الحکم الشرعی، فالروایه ناظره إلی باب الأدلّه لا إلی باب الأحکام.

وأمّا ما استشهد به الإمام(علیه السلام) من التثلیث الوارد فی کلام النبی(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، فأنّه یختلف، هذا(بیّن رشده، وبیّن غیّه، وأمر مشکل)، بینما ذاک صریح(حلال بیّن، وحرام بیّن، وشُبهات بین ذلک)، هذا الذی استشهد به الإمام(علیه السلام) من کلام النبی(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، الذی یُبطل الاستدلال به علی وجوب الاحتیاط فی محل الکلام هو أنْ یقال: أنّ مجرّد الاستشهاد بهذا الحدیث الشریف لیس فیه دلاله علی أنّ المراد من الحدیث هو وجوب الاحتیاط فی الشبهات، والإلزام بذلک کما هو المقصود للأخباریین؛ بل یمکن أنْ نفترض صحّه الاستشهاد بالحدیث النبوی بالرغم من أنّ المورد یجب ترکه، ویجب اجتنابه، بالرغم من أنّ حکم الأمر المشکل الذی هو الخبر الشاذ هو الإلزام ----- سواء فُسّر الإلزام، بالترک، أو بعدم جواز الاعتماد علیه واستنباط الحکم الشرعی منه ----- مع ذلک، لا یلزم أنّ نقول أنّ الحدیث النبوی أیضاً فیه دلاله علی الإلزام بترک الشبهه کما هو مبنی الاستدلال، حیث أنّ مبنی الاستدلال هو أنّ الأمر المشکل حکمه إلزامی، والاستشهاد بالتثلیث النبوی لابدّ أنْ یکون دالاً علی الإلزام، وإلاّ لو لم یدل علی الإلزام لما صحّ الاستشهاد.

ص: 125

المناقشه تقول: مجرّد الاستشهاد لیس فیه دلاله علی ذلک؛ لأنّه یمکن أنْ نفترض أنّ الحدیث النبوی لا یدلّ علی الإلزام؛ بل یدلّ علی مطلق الرجحان الجامع بین الاستحباب والوجوب، الأعم من الاستحباب والوجوب، ومع ذلک یصحّ الاستشهاد به فی موردٍ یکون الاجتناب فیه لازماً وواجباً، ویمکن الجمع بینهما بأنْ نقول: أنّ الحدیث النبوی الشریف یقول أنّ من ترک الشبهات نجا من المحرّمات، ومن أخذ بالشبهات وقع فی المحرّمات، هذا فی مقام الإرشاد إلی أنّ ارتکاب الشبهه یوجب الوقوع فی الحرام علی غرار ما تقدّم فی الروایات السابقه. الروایه الشریفه فی مقام الإرشاد إلی أنّ ارتکاب الشبهه یلازم ----- بأیّ شیءٍ فسّرنا هذه الملازمه ----- الوقوع فی الحرام؛ حینئذٍ هذا یمکن تفسیره علی غرار ما تقدّم فی تفسیر الطائفه الأولی(الوقوف عند الشبهه خیر من الاقتحام فی الهلکه)؛ فحینئذٍ هذا یعتمد علی الهلکه الموجوده فی اقتحام تلک الشبهه، هل هی منجّزه، أو غیر منجّزه ؟ إذا کانت منجّزه، فالتحرّز عنها یکون لازماً، أمّا إذا لم تکن منجّزه، فالتحرّز عنها لا یکون لازماً، وهذا الحدیث حدیث إرشادی، إرشاد إلی التحرّز عن الحرام، وعن الهلکه، إذا فسّرنا الحدیث بهذا التفسیر؛ حینئذٍ یکون الحدیث أعم من الوجوب والاستحباب، یعنی یدلّ علی مطلق رجحان التحرّز عن الهلکه، هذا یختلف باختلاف الموارد، إذا کانت الهلکه منجّزه بمنجّزٍ سابق؛ حینئذٍ یکون التحرّز عنها لازماً وواجباً کما هو الحال فی الشبهات المقرونه بالعلم الإجمالی، وأمّا إذا کانت هذه الشبهه لیست منجّزه بمنجّزٍ سابق کما فی الشبهات الموضوعیّه، أو الشبهات الحکمیّه الوجوبیّه التی اتّفق الجمیع علی عدم وجوب الاحتیاط فیها؛ حینئذٍ یشملها الحدیث ویکون التحرّز عنها راجحاً، إذا قلنا بأنّ الحدیث ما هو إلاّ إرشاد إلی التحرّز عن الهلکه، والتحرّز عن المحرّمات وأمثال هذه التعبیرات؛ حینئذٍ لا یکون الحدیث دالاّ علی الإلزام بالتحرّز، والاجتناب، وإنّما یکون دالاً علی الرجحان الأعم من الاستحباب والوجوب، لو حملنا الحدیث الشریف علی مطلق الرجحان هل ینافی هذا الاستشهاد به فی موردٍ یکون التحرّز فیه واجباً ؟ لا ینافیه، عندما یُفترّض أنّ التحرّز فی الشبهه المقرونه بالعلم الإجمالی واجب، هذا الحدیث یشمله؛ لأنّه إرشاد إلی التحرّز عن الشبهه، والضرر، والهلکه، فیمکن الاستشهاد به فی هذا المورد الذی یکون التحرّز فیه واجباً. فی محل الکلام سلّمنا أنّ الأمر المشکل یجب التحرّز عنه، لکنّ الاستشهاد بالنبوی الشریف لا یکون دلیلاً، أو قرینه علی أنّ الحکم فی الحدیث النبوی الشریف إلزامی؛ بل هذا ینسجم مع کونه إلزامیاً، وینسجم مع کونه بمطلق الرجحان الذی یمکن تطبیقه علی ما یکون التحرّز فیه واجباً، کما یمکن تطبیقه علی ما یکون التحرّز فیه لیس واجباً؛ بل راجحاً.

ص: 126

إذن: مجرّد استشهاد الإمام(علیه السلام) بالحدیث النبوی لیس دلیلاً علی أنّ الحدیث النبوی دالٌ علی وجوب اجتناب الشبهه وعلی الإلزام بالاحتیاط، بینما الاستدلال کان یبتنی علی أنّ مجرّد الاستشهاد بالحدیث النبوی لابدّ أنْ یکون مفاد الحدیث النبوی إلزامیاً حتّی ینطبق علی الإلزام بترک الأمر المشکل، وترک الخبر الشاذ. قلنا: مجرّد الاستشهاد لیس فیه دلاله علی ذلک.

وأمّا إذا لاحظنا الحدیث النبوی الشریف بقطع النظر عن الاستشهاد به، هو حدیث فی حدّ نفسه وصل إلینا، یقال فیه(حلالٌ بین، وحرامٌ بیّن، وشبهات بی ذلک) هل فیه دلاله علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات، أو لا ؟ قد یقال: أنّ فیه دلاله علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات.

الذی یمکن أنْ یقال فی هذا هو: من أین تأتی هذه الدلاله علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات ؟ الحدیث لیس فیه(اجتنب الشبهه)، أو(دع الشبهه)، وإنّما فیه(شبهات بین ذلک، فمن اجتنب الشبهات نجا من المحرّمات، ومن أخذ بالشبهات وقع فی المحرّمات، وهلک من حیث لا یعلم). الآن نأتی إلی هاتین الجملتین الّلتین ذکرتا فی الشبهات(شبهات بین ذلک).

أمّا الجمله الأولی: وهی من ترک الشبهات نجا من المحرمات. هذا أمر صحیح فی حدّ نفسه، والعقل یدرکه، أنّ الذی یترک الشبهات لا یرتکب المحرّمات. هذه الشبهات التی نعلم إجمالاً بأنّ فیها محرّمات واقعیّه، ورد أنّ الذی یترکها ----- کلامنا فی الشبهات الحکمیّه التحریمیّه ----- ینجو من المحرّمات، وسوف لا یرتکب حراماً. هذه قضیّه واقعیّه صحیحه، لا إشکال فیها، لکنّ هذا مجرّد إرشاد إلی قضیّه واقعیّه یدرک العقل صحّتها وواقعیتها بقطع النظر عن أیّ شیءٍ آخر. هذه الجمله لا تفید أکثر من أنّها إرشاد إلی هذه القضیّه الحقیقیّه الواقعیّه ولا یُستفاد منها الإلزام، إرشاد إلی مطلب عقلی یدرکه العقل، أنّ الذی یترک الشبهات ینجو من المحرّمات.

ص: 127

الکلام فی الجمله الثانیه: ومن أخذ بالشبهات وقع فی المحرّمات. هذه هی الجمله التی قد یُستدَل بها علی وجوب الاحتیاط، وحرمه اقتحام الشبهه؛ لأنّ الحدیث الشریف یقول أنّ الذی یأخذ بالشبهات، یعنی أنّ الذی یقتحم الشبهه التحریمیّه یقع فی المحرّمات، ولا إشکال أنّ الوقوع فی المحرّمات حرام، فیکون ارتکاب الشبهات حرام، یعنی یجب اجتناب الشبهات، فیثبت مقصود الأخباریین. هذه الفقره هی المهمّه، الحدیث الشریف یقول من أخذ بالشبهات حتماً سیقع فی المحرّمات، ولا إشکال أنّ الوقوع فی الحرام أمر لا یریده الشارع، فیکون ارتکاب الشبهات أمراً غیر جائز، وهو معنی وجوب الاحتیاط. هل الفقره تدلّ علی ذلک، أو لا ؟

نقول:أنّ هذه الفقره إذا أخذنا بظاهرها کما هی من دون تأویلٍ، ومن دون حمل، ظاهرها أنّ الذی یرتکب جمیع الشبهات؛ لأنّه یقول(من أخذ بالشبهات)، إذا حملناها علی أنّ المقصود بها جمیع الشبهات، یعنی من أخذ بجمیع الشبهات وقع فی المحرّمات، وهلک من حیث لا یعلم، وأساسه أننّا نعلم علماً إجمالیاً بأنّ هناک محرّمات واقعیّه فی ضمن هذه الشبهات الکثیره، فالذی یرتکب جمیع الشبهات یکون قطعاً قد وقع فی المحرّمات، یعنی أنّ الحدیث فی مقام تحذیر الإنسان من ارتکاب جمیع الشبهات، وأنّه یترتّب علی ذلک أنْ یقع فی المحرّمات. هذا هو الظهور الأوّلی لهذه الفقره، لکن ما علاقه هذا الظهور الأوّلی بمحل الکلام ؟ هل یثبت مقصود الأخباری من وجوب الاحتیاط فی الشبهات ؟ کلا، الأخباری یرید أنْ یقول أنّ ارتکاب شبهه واحده هو حرام، ویرید أنْ یثبت وجوب الاحتیاط فی کل شبهه شبهه، لا أنّه یرید أنْ یقول أنّ ارتکاب جمیع المحرّمات حرام وغیر جائز، محل کلامنا هو ارتکاب الشبهه الواحده، هل یجب فیه الاحتیاط، أو لا ؟ هذا المعنی، بناءً علی أنْ تکون الروایه ناظره إلیه، لا یثبت به مقصود الأخباری.

ص: 128

وبعباره أخری: أنّ الأخباری یرید أنْ یقول بأنّ ارتکاب الشبهه غیر جائز لاحتمال الوقوع فی الحرام، أین هذا من ارتکاب الشبهات التی یعلم المکلّف بأنّه یقع فیها فی الحرام إذا کان المقصود جمیع الشبهات ؟! هذا شیءٌ، وهذا شیءٌ آخر، المبحوث عنه فی المقام هو لزوم ترک الشبهه لاحتمال الوقوع فی الحرام، ولیس لزوم ترک جمیع الشبهات لأنّه یؤدی إلی العلم بالوقوع فی المحرّمات؛ لأنّ هذا أمرٌ مسلّم، ولا إشکال فیه، وصحیح ولا یناقش فیه أحد، وإنّما الکلام فی ارتکاب الشبهه الواحده التی یُحتمل، أو الشبهات التی لا یوجد فیها احتمال الوقوع فی الحرام.

درس الأصول العملیّه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

کان الکلام فی الروایه الأخیره، وهی مقبوله عمر بن حنظله، وکان آخر الکلام فی ما استشهد به الإمام(علیه السلام) من حدیث التثلیث المروی عن النبی(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، حیث قلنا بأنّ الحدیث فیه فقرتان:

الفقره الأولی: قلنا أنّها واضحه فی الإرشاد إلی أنّ ترک الشبهات یؤدی إلی النجاه من المحرّمات، وهذا مطلب مسلّم وواضح، لکن لیس فیه دلاله علی الإلزام بترک الشبهه.

وأمّا الفقره الثانیه: فیقول فیها(ومن أخذ بالشبهات وقع فی المحرّمات وهلک من حیث لا یعلم)، قلنا أنّ هذه العباره تارهً نبقیها علی ظاهرها الأوّلی، وهو أنّ المقصود هو من أخذ بجمیع الشبهات وقع فی المحرّمات، وهذا مطلب صحیح وندرکه بقطع النظر عن الروایه، لکنّه لا یثبت المقصود فی محل الکلام؛ لأنّ المقصود فی محل الکلام هو أنّ ارتکاب الشبهه هل هو جائز، أو غیر جائز ؟ بملاک احتمال الوقوع فی الحرام، والأخباریون یقولون أنّ هذا الاحتمال لابدّ من الاعتناء به، ویجب الاحتیاط لاحتمال الوقوع فی الحرام، بینما الأصولیون یقولون لا یجب الاعتناء بهذا الاحتمال، فلا یجب الاحتیاط.

ص: 129

إذن: کلامنا فی ارتکاب الشبهه، ولو کانت واحده بملاک احتمال الوقوع فی الحرام. وأین هذا ممّا یُفهم من الروایه من أنّ من یرتکب جمیع الشبهات یقع فی المحرّمات، وهذا لا إشکال فیه، باعتبار العلم الإجمالی بوجود محرّمات واقعیّه فی ضمن جمیع الشبهات، فمن یرتکب جمیع الشبهات یقع فی المحرّمات. هذا أمر واضح بلا إشکال. لکن هذا لا یثبت وجوب التجنّب عن الشبهه الواحده التی لیس فیها إلاّ احتمال الوقوع فی الحرام. ومنه یظهر أنّه لابدّ من حمل الشبهات علی الجنس، یعنی أنّ المقصود لیس هو جمیع الشبهات، وإنّما علی الجنس، من أخذ بالشبهه وقع فی المحرّمات؛ وحینئذٍ لابدّ من تفسیرها بتفسیرٍ علی غرار ما تقدّم سابقاً فی بعض الروایات من أنّها تُفسّر بأنّ من ارتکب الشبهه وقع فی المحرّمات یعنی شارف علی الوقوع فی المحرّمات، لابدّ من ارتکاب تجوّزٍ من هذا القبیل، باعتبار أنّ ارتکاب الشبهه یقرّب الإنسان من المحرّمات، فیکون جریئاً علی ارتکاب المحرّمات، فیکون المراد بها هو نفس المراد بالروایات السابقه، وبناءً علیه: أیضاً لا یصحّ الاستدلال بهذه الروایه، لما تقدّم سابقاً فی تلک الروایات من أنّ هذا المعنی لا یثبت وجوب الاحتیاط، إلاّ إذا اثبتنا حرمه المشارفه والاقتراب من المحرّمات، لکنّ هذا أوّل الکلام، فمن قال أنّ الاقتراب من المحرّمات حرام ؟ وأنّ المشارفه علی المحرّمات حرام بحرمهٍ شرعیّه حتّی نستنبط من الروایه حرمه الإقدام علی الشبهه ووجوب الاحتیاط.

هذا تمام الکلام فی أدلّه وجوب الاحتیاط العقلیّه والنقلیّه. وقد تبیّن ممّا تقدّم عدم تمامیّه شیء من هذه الأدلّه، لا الدلیل العقلی، ولا الدلیل النقلی بکل تقریباته المتقدّمه، ومن هنا یظهر أنّه لا داعی للدخول فی بحثٍ مترتّب علی افتراض تمامیّه أدله الاحتیاط، هناک بحث ذُکر، لکنّه مترتّب علی افتراض تمامیّه أدلّه الاحتیاط، وهذا البحث هو عباره عن ما هی النسبه بین أدلّه الاحتیاط، وبین أدلّه البراءه ؟ من الواضح أنّ هذا البحث مبنی علی افتراض تمامیّه أدلّه البراءه، وهذا صحیح، ومبنی أیضاً علی افتراض تمامیّه أدلّه الاحتیاط؛ فحینئذٍ یقع الکلام فی ما هی النسبه بین أدلّه البراءه العقلیّه، وأدله الاحتیاط ؟ أو بین أدلّه البراءه الشرعیّه من الآیات والروایات وبین أدلّه الاحتیاط العقلی والنقلی، فیقع الکلام فی أنّه عندما یتعارضان، بعد فرض تمامیّه کلٍ منهما، فأیّهما یُقدّم علی الآخر؟ هل تقدّم أدلّه البراءه ؟ أو تقدم أدلّه الاحتیاط ؟ هذا بحثٌ لا داعی للدخول فی تفاصیله، باعتبار أنّهم أیضاً انتهوا إلی نتیجه أنّ أدلّه الاحتیاط لیست تامّه، فتبقی أدلّه البراءه لا یوجد لها ما یعارضها؛ لذا نستغنی عن هذا البحث. ومن هنا یظهر أنّ ما تمّ من أدلّه البراءه من الکتاب والسُنّه لیس له ما یعارضه؛ لعدم تمامیّه شیءٍ من أدله الاحتیاط التی استدلّ بها الأخباریون.

ص: 130

تنبیهات البراءه

إلی هنا یتمّ الکلام عن أصاله البراءه. یبقی الکلام فی تنبیهات البراءه، وتحت هذا العنوان ذکروا جمله من المباحث، کأنّ هذه التنبیهات ترتبط بشکلٍ، أو بآخر بالبراءه؛ فلذا ذُکرت هذه التنبیهات فی ذیل البحث عن أصاله البراءه.

التنبیه الأوّل: ما تعرّض إلیه الشیخ الأنصاری(قُدّس سرّه)، (1) حیث أنّه ذکر أنّ العمل بالبراءه وجریانها بعد الفراغ عن تمامیّه أدلّتها مشروط بشرط، وهو أنْ لا یکون هناک أصل موضوعی جارٍ فی موردها، وإلاّ إذا کان هناک أصل موضوعی یجری فی مورد البراءه؛ فحینئذٍ لا تصل النوبه إلی البراءه؛ لأنّ هذا الأصل الموضوعی یکون حاکماً، أو وارداً ------ علی الخلاف ------- علی أصاله البراءه، ومُثّل لذلک بالمثال المعروف وهو أصاله عدم التذکیه عند الشکّ فی حلّیّه حیوان، أو حرمته من جهه الشکّ فی قابلیته للتذکیه. یقول هنا لا مانع من الرجوع إلی البراءه فی حدّ نفسه کَشَکٍّ فی الشبهه الحکمیّه التحریمیّه، وقد قلنا سابقاً أنّ أدلّه البراءه تامّه فیها، لکن هنا یوجد ما یمنع من إجراء البراءه، وهو هذا الأصل الموضوعی الذی هو أصاله عدم التذکیه، أو استصحاب عدم التذکیه، فأنّ هذا الاستصحاب یحرز لنا عدم التذکیه، وبذلک یکون رافعاً لموضوع البراءه؛ لأنّ موضوع البراءه هو الشکّ فی الحرمه وفی الحلّیّه، واستصحاب عدم التذکیه تعبّداً یحرز لنا الحرمه، ویحرز لنا عدم التذکیه، یعنی یحرز لنا ما یترتّب علی عدم التذکیه، أی الأثر الشرعی وهو الحرمه، ومع إحراز الحرمه، ولو تعبّداً یرتفع موضوع أصاله البراءه الذی هو الشکّ فی الحرمه، فلا تصل النوبه إلی البراءه عند وجود أصلٍ موضوعی من هذا القبیل.

ص: 131


1- فرائد الأصول، الشیخ الأنصاری، ج 2، ص 109.

الشیخ الأنصاری(قُدّس سرّه)بعد أنْ ذکر هذا کمثالٍ للأصل الموضوعی المانع من إجراء البراءه، دخل فی بحثٍ صغروی لیس له علاقه بأصل الفکره، وإنّما هو بحث صغروی فی أصاله عدم التذکیه، وما هو المقصود بها ؟ وما هی المعانی الموجوده المتصوّره للتذکیه ؟ فی فروع هذه المسأله، وکل ما یرتبط بتنقیح حال هذا الأصل، وهذه أبحاث أخذت منه مأخذاً کبیراً جدّاً وهی فی الحقیقه بحوث صغرویه، ومحلّها أنْ تُبحث فی الفقه، ولکنّها من الاستطرادات التی ذُکرت فی علم الأصول وهی کثیره، کأنّهم لم یجدوا محلاً لبحثها، إلاّ فی هذا المکان، فوجدوا فرصه، فدخلوا فی هذه البحوث المُعمّقه والطویله جدّاً، فدخل فی بحث أصاله عدم التذکیه، وما هی المعانی المتصوّره لأصاله عدم التذکیه ؟ وما هو حکمه بالنسبه إلی الأدلّه الأخری ؟ ومتی یکون جاریاً، ومتی لا یکون جاریاً؟ یختلف هذا باختلاف التفسیرات المطروحه للتذکیه.....الخ ممّا لعلّه سنشیر إلیه ولو علی نحو الاختصار. بالنتیجه الفکره فی أصلها هی فکره صحیحه، ولیس لها اختصاص بالبراءه؛ بل هذا المطلب جارٍ فی جمیع الأدلّه؛ إذ لا إشکال فی أنّ العمل بأیّ دلیلٍ یکون مشروطاً بأنْ لا یکون هناک دلیل آخر حاکم أو وارد علیه، والعمل بأیّ دلیلٍ یکون مشروطاً، لیس فقط بهذا، وإنّما مشروط بأنْ لا یوجد معارض مساوٍ له یکون موجباً لسقوطه عن الحجّیّه، وکذا هو مشروط بأنْ لا یکون هناک دلیل رافع لموضوعه بالحکومه، أو بالورود، فهذا لیس شیئاً من مختصّات دلیل البراءه، وإنّما هو شیء عام، ومسلّم بلا إشکال، وإنّما طُبّق علی دلیل البراءه لغرض توضیح بعض الأمور، لعلّه لغرض توضیح أصاله عدم التذکیه، فالمطلب صحیح، أنّ إجراء أصاله البراءه یتوقّف علی عدم وجود أصلٍ موضوعی یجری فی موردها.

ص: 132

مدرسه المحقق النائینی(قدّس سرّه) اعترضت علی الشیخ الأنصاری(قُدّس سرّه) (1) بأنّه ما هو الوجه فی تخصیص الشرط بالأصل الموضوعی الذی یجری فی الموضوع کما هو ظاهر الأصل، المحقق النائینی(قدّس سرّه) یقول لا وجه لهذا التخصیص؛ لأنّ الملاک فی تقدیم هذا الأصل علی البراءه هو الحکومه، الحکومه أیضاً بالتفسیر الذی هو یختاره، المبنیه علی مسلک الطریقیه وجعل العلمیّه والمحرزیّه، فکأنّ الأصل المجعول فیه العلمیّه والطریقیّه والمحرزیّه وبذلک یکون رافعاً لموضوع أصاله البراءه الذی هو الشک تعبّداً. إذن: الملاک فی هذا الشرط هو عدم وجود دلیل حاکم علی البراءه، ومن الواضح أنّ الدلیل الحاکم علی البراءه لا یختصّ بالأصول الموضوعیّه، أی لا یختصّ بخصوص الأصل الجاری فی الموضوع؛ بل یمکن أنْ یجری حتّی إذا کان أصلاً جاریاً فی الحکم فیما إذا کان رافعاً لموضوع البراءه، ورافعاً للشکّ حتّی إذا کان جاریاً فی الحکم لا فی الموضوع؛ إذ أیّ فرقٍ بین الأصل الجاری فی الموضوع، وبین الأصل الجاری فی الحکم إذا کان کل منهما رافعاً للشکّ الذی هو موضوع دلیل البراءه، العمل بأصاله لبراءه وجریانها کما یتوقّف علی عدم وجود أصل موضوعی حاکم علیها کذلک یتوقّف علی عدم وجود أصل حکمی حاکم علیها؛ لأنّ المناط هو الحکومه، ورفع الموضوع، هذا هو الذی یمنع من إجراء البراءه، وهذا لا یُفرّق فیه بین الأصل الموضوعی وبین الأصل الحکمی، وبناءً علی هذا یکون الشرط هو أنْ لا یکون هناک أصل حاکم یجری فی مورد البراءه، سواءً کان أصلاً موضوعیاً، کما فی مثال أصاله عدم التذکیه، أو کان أصلاً حکمیاً، من قبیل استصحاب الحرمه، فی بعض الأحیان قد یجری فی نفس المورد ما کان فی الحاله السابقه کالنجاسه، أو الحرمه، فیکون استصحاب الحرمه حاکماً علی البراءه والإباحه؛ لأنّه یعبّدنا بالحرمه، أو بالنجاسه، وبهذا یکون رافعاً لموضوع البراءه الذی هو الشکّ فی الحرمه، أو الشکّ فی النجاسه، مع أنّه أصل حکمی، أی أنّه أصل یجری فی مرتبه الحکم، لکن لمّا کان حاکماً بنفس الملاک الموجود فی الأصل الموضوعی؛ حینئذٍ لابدّ أنْ نشترط فی جریان البراءه عدم جریانه، کما نشترط فی جریان البراءه عدم جریان الأصل الموضوعی، فلا داعی لتخصیص هذا الشرط بالأصل الموضوعی کما ذکره الشیخ الأنصاری(قُدّس سرّه). هذا الذی ذکره المحقق النائینی(قدّس سرّه).

ص: 133


1- فوائد الأصول، إفادات المیرزا النائینی للشیخ الکاظمی الخراسانی، ج 3، ص 380.

لکن ما هو مقصود الشیخ الأنصاری(قُدّس سرّه) بالأصل الموضوعی ؟ هل مقصوده خصوص الأصل الموضوعی الجاری فی الموضوع، أو مقصوده بالأصل الموضوعی هو الأصل الذی ینقّح موضوع أصاله البراءه ویرفع الشک ؟ یوجد احتمال أنّ هذا هو مقصود الشیخ الأنصاری(قُدّس سرّه)، فیعمّ الأصل الجاری فی الموضوع، والأصل الجاری فی الحکم؛ لأنّ الأصل الجاری فی الحکم ینقّح الموضوع، ویرفع الشک الذی أُخذ فی موضوع أصاله البراءه.

بعد أنْ ذکر المحقق النائینی(قدّس سرّه) هذا المطلب، من الواضح أنّه افترض الحکومه بناءً علی مسلکه، یعنی حکومه الأصل الجاری فی الموضوع، أو الجاری فی الحکم، افترض أنّه حاکم علی أصاله البراءه، لکن افترض أنّ نکته الحکومه هی مسلک الطریقیّه، وجَعْل العلمیّه وإلغاء احتمال الخلاف وأمثاله؛ لأنّ أصاله عدم التذکیه التی هی استصحاب عدم التذکیه، أو استصحاب الحرمه المتیّقنه سابقاً؛ لأنّ المجعول فی الاستصحاب الطریقیه؛ حینئذٍ یکون الاستصحاب حاکماً علی اصاله البراءه؛ لأنّ المجعول فی دلیل الاستصحاب هو الطریقیه، والعلمیّه والمحرزیّه، فیکون رافعاً للشکّ الذی هو موضوع البراءه، فیتقدّم علیه بالحکومه.

لکن یُلاحظ علیه: أنّنا فی بعض الأحیان نقدّم الأصل الجاری فی مورد البراءه، ولو لم یکن ممّا جُعلت فیه المحرزیّه، لم تُجعل فیه المحرزیّه باعتراف المحقق النائینی(قدّس سرّه)، مع ذلک هو یقدّمه علی البراءه، مع أنّه لا وجه لهذا التقدیم إذا کانت نکته الحکومه هی الطریقیّه والعلمیّه؛ لأنّه لم تُجعل فیه المحرزیّه باعتراف المحقق النائینی(قدّس سرّه)، والمثال علی ذلک هو مسأله الماء المشکوک الطهاره، إذا حکمنا علیه بالطهاره استناداً إلی اصاله الطهاره، ولیس استصحاب الطهاره، بأنْ نفترض أنّه لیست له حاله سابقه کما فی توارد الحالتین، فلا نستطیع أنْ نستصحب الطهاره فی توارد الحالتین، فإذن: هو ماءٌ مشکوک الطهاره والنجاسه، حکمنا علیه بالطهاره استناداً إلی اصاله الطهاره، ثمّ هذا الماء الذی حکمنا علیه بالطهاره استناداً إلی اصاله الطهاره غسلنا به ثوباً نجساً، یعنی حالته السابقه هی النجاسه، وشککنا فی بقاء النجاسه وارتفاعها؛ لأننّا غسلنا الثوب بماءٍ نشکّ فی طهارته ونجاسته، هنا أیّهما الذی یتقدّم ؟ لا إشکال، وبلا خلاف، حتّی عند المحقق النائینی(قدّس سرّه) أنّ أصاله الطهاره تتقدّم علی استصحاب النجاسه فی الثوب؛ لأنّ أصاله الطهاره بمثابه الأصل الموضوعی السببی، بینما استصحاب النجاسه بمثابه الأصل المسببی الحکمی، یعنی أنّ أصاله الطهاره تجری فی مرتبه الموضوع، بینما الاستصحاب یجری فی مرتبه الحکم، فتتقدّم أصاله الطهاره علی استصحاب النجاسه، مع أنّه علی مبنی المحقق النائینی(قدّس سرّه) المفروض أنْ نعکس؛ لأنّ الاستصحاب هو الذی جُعلت فیه المحرزیّه، أمّا أصاله الطهاره، فلم تُجعل فیها المحرزیّه، لا أحد یقول أنّ العلمیّه والطریقیّه مجعوله فی أصاله الطهاره، العلمیه والطریقیه مجعوله فی الإمارات، وفی الاستصحاب علی رأیٍ، وإلاّ حتّی فی الاستصحاب هناک کلام فی أنّ الطریقیه لو تعقّلناها فی الإمارات هل هی مجعوله فی الاستصحاب، أو لا ؟ لو کانت نکته الحکومه وتقدیم الأصل الجاری فی مورد أصاله البراءه هو الطریقیّه، إذن: فی أمثال هذا المثال لابدّ من عدم تقدیم أصاله الطهاره علی استصحاب النجاسه؛ بل لابدّ أنْ نحکم بالعکس؛ بأنْ نقدّم استصحاب نجاسه الثوب علی أصاله الطهاره الجاریه فی الماء؛ لأنّ الاستصحاب یحرز لنا نجاسه الثوب، فنکون قد أحرزنا نجاسه الثوب، فإذن: لا نستطیع أنْ نتمسّک بأصاله الطهاره لإثبات طهاره الثوب؛ لأنّ استصحاب النجاسه أحرز نجاسه الثوب تعبّداً. بینما هو لا یقول بذلک؛ بل الکل لا یقولون بذلک، هذا یکشف عن أنّ نکته التقدیم فی محل کلامنا لیست هی جعل الطریقیّه وجعل العلمیّه، بهذا الدلیل، وإلاّ فی بعض الأحیان نقدّم الأصل الجاری فی الموضوع ولو لم یکن المجعول فیه هو المحرزیّه والطریقیّه والعلمیّه. النکته فی التقدیم لیست هی الطریقیّه، وإنّما النکته فی التقدیم قائمه فی نفس کون هذا الأصل یجری فی رتبه الموضوع، وکون الأصل الآخر یجری فی رتبه الحکم، النکته فی التقدیم هی کون هذا الأصل سببی، وکون الأصل الآخر مسببی، فی محل کلامنا لماذا نشکّ فی حرمه هذا الحیوان الذی نشکّ فی حرمته وحلّیّته ؟ لأننّا نشکّ فی التذکیه. إذن: الشکّ فی التذکیه صار سبباً للشکّ فی حرمه الحیوان وحلّیّته، فذاک أصل سببی، وهذا أصل مسببی، نفس کون هذا أصل یجری فی رتبه الموضوع، وهذا أصل یجری فی رتبه الحکم، هذه هی النکته للتقدیم فی نظر العرف، والتی تقتضی تقدیم الأصل الذی یجری فی رتبه الموضوع علی الأصل الذی یجری فی رتبه الحکم، بقطع النظر عن مسأله المحرزیّه وجعل الطریقیّه وأمثالها، وإنّما نفس کون هذا أصلاً سببیّاً یقتضی التقدیم؛ لأنّه فی رتبه السبب یجری وینقّح الموضوع ویرفع الشکّ فی مرتبه المسبب.

ص: 134

علی کل حال، نکات تقدیم الإمارات علی الأصول، وتقدیم بعض الأصول علی بعض، هذه النکات ستبحث مفصّلاً فی مباحث الاستصحاب والتعارض، والتعادل والتراجیح، ولیس هنا محل بحثها، وإنّما الغرض هو الإشاره إلی هذا الشیء علی وجهٍ سریع. فقلنا أنّهم دخلوا بعد إکمال هذا التنبیه فی بحث أصاله عدم التذکیه، وما هو المقصود بها ؟ وهل تکون أصاله عدم التذکیه حاکمه ومقدّمه علی البراءه وأصاله الحلّیّه فی جمیع الموارد، وبجمیع المعانی المطروحه له، أو لابدّ من التفصیل ؟ فدخلوا فی هذا البحث، ونحن تبعاً لهم أیضاً ندخل فی هذا البحث، لکن بشکلٍ مختصر.

ذکروا أنّ الحیوان الذی زُهقت روحه، یمکن تصوّر الشکّ فی حلّیّه لحمه وحرمته علی أنحاءٍ أربعه، وکلّ هذه الأنحاء تنقسم تارهً إلی شبههٍ حکمیّهٍ، وإلی شبههٍ موضوعیّهٍ تاره أخری، فتکون الصور المتصوّره ثمانیه:

النحو الأوّل: أنْ یکون الشکّ فی حلّیّه لحمه وحرمته من جهه الشکّ فی أنّ هذا الحیوان هل هو محللّ الأکل، أو محرّم الأکل، ولیس من جهه التذکیه؛ بل نفترض فی هذا النحو أننّا نحرز التذکیه؛ بل نفترض أکثر من هذا، أننّا نحرز التذکیه، ونحرز قابلیه هذا الحیوان للتذکیه، لکن مع ذلک نشکّ فی حرمه لحمه وحلّیّته من جهه الشکّ فی أنّه من الحیوانات المحللّه الأکل، أو المحرّمه الأکل، هذا ینشأ من أننّا نعلم بأنّ التذکیه فی بعض الأحیان لا تنتج لنا حلّیّه الأکل، وإنّما تنتج فقط الطهاره، حتّی فی الحیوان القابل لها، أنّ هناک حیوانات قابله للتذکیه إذا ذُکیت، ولکن لا یحل أکل لحمها کما فی السباع، وإنّما فقط یکون أثر التذکیه ظاهراً فی طهاره جلودها وأمثال ذلک، فهذا حیوانٌ زهقت روحه، ونعلم بوقوع التذکیه علیه، ونعلم بقابلیته للتذکیه، لکن لا ندری أنّ الشارع هل رتّب علی تذکیته حلّیّه أکل لحمه أیضاً، کما رتّب الطهاره، أو لم یرتّب ذلک ؟ فشککنا فی أنّه یحل أکل لحمه، أم لا ؟

ص: 135

وهذا النحو الأوّل تارهً یکون بنحو الشبهه الحکمیّه، وتارهً أخری یکون بنحو الشبهه الموضوعیّه.

درس الأصول العملیّه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

کان الکلام فی استصحاب عدم التذکیه: وقلنا أنّهم ذکروا أربع أنحاء متصوّره للشک فی حلّیه الحیوان وحرمته بعد زهاق روحه، حیوان زهقت روحه، نشکّ فی حلّیّته وحرمته، هذا الشکّ فی حلیته وحرمته له أربع أنحاء:

النحو الأوّل: تقدّم ذکرها وکان المراد بها هو الشکّ من جهه حرمه الأکل ذاتاً، أنّ هذا الحیوان هل هو محللّ الأکل ذاتاً، أو لا ؟ یعنی نحرز التذکیه، وقابلیه الحیوان للتذکیه، لکن نشکّ فی أنّ التذکیه هل تؤثر فی حلّیّه الأکل، أو لا تؤثر إلاّ فی طهاره جلده فقط ؟ ، هذا النحو من الشکّ قد یکون شبهه حکمیّه، وقد یکون شبهه موضوعیّه کما مثّلنا.

النحو الثانی: أنْ یکون الشکّ فی حلّیّه لحم الحیوان، أو حرمته من جهه الشکّ فی قابلیه الحیوان للتذکیه. فی النحو السابق کنّا نحرز قابلیه الحیوان للتذکیه فی الجمله، بینما هنا نشکّ فی أنّه یقبل التذکیه أو لا ؟ وهذا الشکّ ینشأ من أنّ هناک بعض الحیوانات الغیر القابله للتذکیه أصلاً، ویُمثّل لها بالحشرات والمسوخات وأمثالها. هنا نشکّ فی أنّ أکل هذا الحیوان هل هو حلال، أو حرام؛ للشکّ فی أنّه قابل للتذکیه، او لا ؟ یعنی أننّا نحرز التذکیه، لکن نشکّ فی قابلیه الحیوان للتذکیه. هذا الشکّ أیضاً قد یکون بنحو الشبهه الحکمیّه، کما إذا شککنا فی أنّ أسد البحر هل هو قابل للتذکیه، أو لا ؟ هذه شبهه حکمیّه یُسئل عنها الشارع لحَلِّها. وقد یکون بنحو الشبهه الموضوعیّه، وهو فیما إذا شککنا فی أنّ هذا الحیوان المذکّی هل هو شاه، حتّی یکون قابلاً للتذکیه، أو أنّه من المسوخات حتّی لا یکون قابلاً للتذکیه، هذه شبهه موضوعیه لیس لها علاقه بالشارع، وإنّما هی شبهه موضوعیّه لابدّ من حلّها عن طریق الإمارات التی تحلّ بها الشُبه الموضوعیّه.

ص: 136

النحو الثالث: أنْ نشکّ فی حرمه الأکل وحلّیته من جهه الشکّ فی طرو ما یمنع من قبوله للتذکیه، حیث هناک أمور ثبت شرعاً أنّها إذا طرأت علی الحیوان القابل للتذکیه تمنع من قبوله للتذکیه، أی أنّ الحیوان بحسب ذاته قابل للتذکیه، لکن إذا طرأت هذه الموانع، فأنّها تمنع من قبوله للتذکیه کالجلل، فأنّه یمنع من قابلیّه الحیوان للتذکیه، وهذا أیضاً قد یکون بنحو الشبهه الحکمیّه، وقد یکون بنحو الشبهه الموضوعیّه، بنحو الشبهه الحکمیّه کما إذا شککنا فی مانعیه شیءٍ کالجلل، کما لو لم یکن لدینا دلیل علی مانعیته، وحدث الجلل، وشککنا فی أنّه هل یمنع من قبول الحیوان للتذکیه، أو لا یمنع، هذه شبهه حکمیّه، فأنّ مانعیه الجلل إنّما یحددها الشارع المقدّس. وأخری تکون الشبهه موضوعیّه، کما إذا شککنا فی حصول الجلل مع العلم بکونه مانعاً.

النحو الرابع: أنْ یکون الشکّ فی الحلّیّه والحرمه من جهه الشکّ فی تحققّ جمیع ما هو معتبر فی التذکیه خارجاً، کأنْ نشکّ بأنّ ما هو معتبر فی التذکیه هل هو متحققّ فیه، أو لیس متحققاً فیه. هذا یمکن تصوّره بنحو الشبهه الحکمیّه وبنحو الشبهه الموضوعیّه، بنحو الشبهه الحکمیّه کما إذا شککنا ----- مثلاً ----- فی اعتبار التسمیه فی التذکیه، ونعلم بأنّ هذا الحیوان لم یُسمَ علیه، بطبیعه الحال هذا الشکّ یوجب الشکّ فی حلّیّه أکل لحم هذا الحیوان، أو عدم حلیّته، بأنْ کانت التسمیه معتبره، فهذا یحرم أکله، وإنْ لم تکن معتبره فهذا یحلّ أکله. هذه الشبهه حکمیّه؛ لأنّ الشکّ هو فی اعتبار التسمیه فی التذکیه وعدم اعتبارها، وهذا شیء یُراجَع فیه الشارع. وأخری یکون بنحو الشبهه الموضوعیّه، کما إذا شککنا فی تحقق التسمیه مع العلم باعتبارها شرعاً، یعنی نعلم باعتبار التسمیه شرعاً، لکننّا نشکّ فی تحققّها خارجاً.

ص: 137

هذه هی الأنحاء الأربعه المذکوره فی کلامهم والتی بحثوا فی ضمنها أصاله استصحاب عدم التذکیه، أو ما یُسمّی بأصاله عدم التذکیه.

أمّا النحو الأوّل: فمن الواضح أنّه خارج عن محل الکلام الذی هو استصحاب عدم التذکیه، بطبیعه الحال أنّ استصحاب عدم التذکیه إنّما نتکلّم عن جریانه وعدمه حینما تکون التذکیه أمراً مشکوکاً، أو علی الأقل قابلیه الحیوان للتذکیه تکون أمراً مشکوکاً، بینما فی النحو الأوّل افترضنا انّ التذکیّه لیست مشکوکه، ولا قابلیه الحیوان للتذکیه مشکوکه، وإنّما المشکوک هو أنّ الشارع هل حکم بحلّیّه أکل لحم هذا الحیوان بعد تذکیته کما هو الحال فی الشاه والبقره والجمل، أو لم یحکم بحلیّه أکل لحم هذا الحیوان بعد تذکیته کما هو الحال فی السباع، فالتذکیه معلومه، وقابلیه الحیوان للتذکیه فی الجمله، ولو لإثبات الطهاره أمر معلوم، وإنّما الشک فی تأثیر التذکیه فی حلّیه اللّحم وعدم تأثیرها، فلا معنی للکلام عن أنّه هل تجری أصاله عدم التذکیه؛ إذ لیس لدینا شکّ فی التذکیه حتّی نجری أصاله عدم التذکیه، لکن ذکرو هذا الفرع الأوّل استطراداً، وهو أننّا نشکّ فی حیوانٍ أنّه محرّم الأکل، أو محلل الأکل، فإذا کان محلل الأکل، فهذا یعنی أنّ التذکیه مؤثره فی حلّیّه لحمه، کما هی مؤثره فی طهاره جلده، أمّا إذا کان محرّم الأکل، فهذا یعنی أنّ التذکیه لیست مؤثره شرعاً فی حلّیّه أکل لحمه، وهذا أیضاً قلنا أنّه یمکن تصوّره بنحو الشبهه الحکمیّه، وبنحو الشبهه الموضوعیّه، بنحو الشبهه الحکمیّه بأنْ لا نعلم أنّ تذکیه هذا الحیوان هل هی موجبه لحلّیّه أکل لحمه، أو لا ؟ هل حکم الشارع بأنّ التذکیه مؤثره فی حلیه الأکل، أو لا، فقط التذکیه مؤثره فی طهارته، هذا شکٌ فی الحکم الشرعی، یعنی شبهه حکمیّه. وأخری تکون الشبهه موضوعیّه، بأنْ لا نعلم أنّ هذا الحیوان هل هو شاه، أو هو من السباع، فإذا کان هذا الحیوان شاه، فأنّه یحلّ أکله؛ لأننّا نعلم أنّ الشارع جعل التذکیه فی الشاه موجبه لحلیه الأکل. أمّا إذا کان من السباع، فلا یحلّ أکله؛ لأننّا نعلم أنّ الشارع لم یجعل التذکیه فی السباع موجبه لحلیّه الأکل. فی هذا النحو الأوّل ذکروا أنّه إذا کانت الشبهه الحکمیّه کما مثّلنا؛ حینئذٍ لابدّ أنْ نفتّش عن عامّ فوقانی یدلّ علی حلّیّه الأکل، أو علی حرمته، قد نعثر علی عامّ فوقانی یدلّ علی حلّیه کل حیوان إلاّ أمور معیّنه استثناها الشارع، وقد نعثر ----- مثلاً ----- علی عامّ فوقانی یدلّ علی حرمه کل حیوانٍ إلاّ ما استُثنی، إذا عثرنا علی هکذا عمومات فوقانیه، فبلا إشکال یتعیّن حینئذٍ الرجوع إلیها؛ لأنّ الشبهه شبهه حکمیّه، فنسأل عنها الشارع، فإذا کان لدینا دلیل یقول أنّ کل حیوان هو محلل الأکل إلاّ ما استُثنی، فنتمسّک بهذا الدلیل فی هذه الشبهه الحکمیّه؛ لأنّ هذا لیس تمسّکاً بالعام فی الشبهه المصداقیه کما سیأتی فی الشبهه الموضوعیّه؛ لأننّا نحرز عدم انطباق ما استُثنی علی هذا الحیوان، فهو لیس داخلاً فی المستثنی قطعاً، فنتمسّک بهذا العام لإثبات حلّیه أکل لحمه، لکنّ الکلام فی أنّه هل یوجد هکذا عامّ فوقانی یمکن الرجوع إلیه واستنطاقه لمعرفه حکم هذا الحیوان الذی نشکّ فی أنّه حلال الأکل، أو لا ؟ إذا وجد، یتعیّن التمسّک به ولا تصل النوبه إلی الأصول العملیّه.

ص: 138

قد یقال: أنّ هناک ما یُستفاد منه هذا العموم، وهو قوله تعالی ﴿قل لا أجد فی ما أوحی ألیّ محرّم علی طاعمٍ یطعمه إلاّ أنْ یکون میته أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزیر﴾. (1) فیُستفاد من هذه الآیه الشریفه أنّ کلّ حیوانٍ ما عدا ما استُثنی الغیر المنطبق علی محل الشکّ ----- بحسب الفرض ----- یکون حلالاً.

لکن هناک تأمّل فی إمکان التمسّک بالآیه ودلاله الآیه علی هذا العموم حتّی بالنسبه إلی مورد الشکّ بالنظر إلی ما ثبت عندهم من أنّ الأحکام بُیّنت بشکلٍ تدریجی، فبالنظر إلی تدریجیّه بیان الأحکام الشرعیه یمکن أنْ یقال أنّ الآیه لیست ناظره إلی کلّ المحرّمات وفی جمیع الأزمنه، وإنّما هی ناظره إلی المحرّمات فی زمان نزولها، وکأنّ الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) عُلِّم أنْ یقول أنّی لا أجد فی هذه المحرّمات التی وصلت إلیّ فی زمان نزول الآیه محرّماً علی طاعمٍ یطعمه إلاّ أنْ یکون میته أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزیر.....الخ. فلا یکون فیها عموم أو إطلاق یشمل کلّ الأزمنه، هو لیس ناظراً إلی جمیع المحرّمات وفی جمیع الأزمنه، وإنّما ناظر إلی المحرمات التی کانت موجوده ونازله علی النبی(صلّی الله علیه وآله وسلّم) عند نزول الآیه الشریفه فی أوّل الشریعه، لکن لا یوجد فیها عموم بعدم وجود محرّم إلاّ هذه الأمور حتّی بلحاظ الأزمنه الآتیه؛ لأنّ الشریعه بُیّنت بشکلٍ تدریجی، وقد تُضاف إلی المُستثنیات بعض المحرّمات، ولعلّ هذا المشکوک منها. قد یُستشکل بدلاله الآیه بهذا الشکل.

علی کل حال. من ناحیه أصولیّه نقول: إنْ کان هناک عموم فوقانی یدلّ علی حلّیّه کل حیوان إلاّ ما استُثنی، أو یدلّ علی حرمه کل حیوان إلاّ ما استثنی، یتعیّن الأخذ به، ولا تصل النوبه إلی الأصول العملیّه. لکن إذا شککنا فی ذلک، أو منعنا من ذلک، وقلنا لا یوجد لدینا عموم قرآنی بهذه المثابه؛ حینئذٍ تصل النوبه إلی الأصول العملیّه، ما هو الأصل الذی یمکن التمسّک به فی المقام ؟ هنا احتمالات ثبوتیه:

ص: 139


1- انعام/سوره6، آیه145.

الاحتمال الأوّل: الرجوع إلی أصاله الحل(کل شیءٍ لک حلال حتّی تعلم أنّه حرام) ولحم هذا الحیوان لا نعلم أنّه حرام، فنثبت حلّیّه لحم هذا الحیوان.

الاحتمال الثانی: استصحاب عدم التذکیه.

الاحتمال الثالث: استصحاب الحلّیّه الثابته قبل التشریع.

الاحتمال الرابع: استصحاب الحرمه الثابته فی حال الحیاه.

هذه الأصول محتمله، ولو احتمالات ثبوتیه، فأصاله الحل، واستصحاب الحلّیّه الثابته قبل التشریع یثبتان حلّیه أکل لحم هذا الحیوان، واستصحاب عدم التذکیه، واستصحاب الحرمه الثابته حال الحیاه، أی استصحاب الحرمه المتیّقنه حال حیاه هذا الحیوان تثبتان حرمه أکل لحم هذا الحیوان. أیّ أصل من هذه الأصول هو الذی یجری ؟

لا إشکال فی أنّ استصحاب عدم التذکیه لا یجری فی هذا الفرع؛ ولذا قلنا أنّ هذا الفرع لیس له ربط بمحل الکلام الذی هو عباره عن استصحاب عدم التذکیه؛ لأنّه لیس لدینا شکّ من ناحیه التذکیه فی هذا الفرع حتّی نستصحب عدمها، فاستصحاب عدم التذکیه لا موقع له فی هذا المقام، ولا معنی لإجرائه لعدم الشکّ فی التذکیه. أو بعباره أخری: لأننا نقطع بتحققّ التذکیه، فلا معنی لاستصحاب عدم التذکیه، إنّما یکون هناک معنی لهذا الاستصحاب إذا شککنا فی تحققّ التذکیه وعدم تحقّقها، أمّا مع العلم بعدم تحققّها، لا یجری هذا الاستصحاب. إذن: استصحاب عدم التذکیه ینبغی عزله علی حِدی.

وأمّا استصحاب الحلّیّه الثابته قبل التشریع، فلا محذور فیه علی غرار ما تقدّم من استصحاب البراءه قبل التشریع، حیث قلنا أننّا إذا عجزنا عن إثبات البراءه بأدلّتها تصل النوبه إلی استصحاب البراءه، وقلنا أنّ استصحاب البراءه له تقریبات، استصحاب البراءه قبل البلوغ، استصحاب البراءه قبل عروض الحاله الخاصّه علی الموضوع، ومنها استصحاب البراءه الثابت قبل التشریع، باعتبار أنّ البراءه هی الثابته قبل التشریع، إنّما الحرمه هی التی تحتاج إلی تشریع. فإذا شککنا أنّ هذه البراءه والحلّیّه الثابته قبل التشریع هل لا زالت باقیه، أو ارتفعت بجعل الشارع تشریعاً للحرمه، حیث ترتفع البراءه والحلّیه إذا شرّع الشارع الحرمه، فشکّنا هو أنّ الشارع شرّع الحرمه أو لا ؟ فیجری استصحاب الحلّیه المتیقنه قبل زمان التشریع علی غرار استصحاب البراءه المتیقنه قبل التشریع، وإذا جری هذا الاستصحاب وآمنا به؛ حینئذٍ لا تصل النوبه إلی أصاله الحل؛ لأنّ الاستصحاب مقدّم علی أصاله الحل بالحکومه، أو بالورود، فلا تصل النوبه إلی أصاله الحل، وإنّما الذی یجری هو استصحاب الحل الثابت قبل التشریع، وهذا یثبت حلّیّه أکل لحم هذا الحیوان. وأمّا إذا ناقشنا فی جریان هذا الاستصحاب؛ حینئذٍ نتمسّک لإثبات الحلّیّه بأصاله الحل.

ص: 140

وأمّا استصحاب الحرمه الثابته حال الحیاه، فقد یقال: أنّ الأصل الذی یجری فی المقام لیس هو استصحاب الحل الثابت قبل التشریع، وإنّما الذی ینبغی إجرائه هو استصحاب الحرمه الثابته قبل زهاق الروح، یعنی فی حال الحیاه، حیث أنّ هذا الحیوان کان یحرم أکله، وبعد أنْ زُهقت روحه نشکّ فی أنّ هذه الحرمه ارتفعت، فیما إذا کانت التذکیه سبباً للحلّیه، أو لم ترتفع، فیما إذا کانت التذکیه لیست سبباً لحلّیته، فنستصحب الحرمه المتیقنه فی حال الحیاه، وهذا یثبت نتیجه معاکسه لاستصحاب الحلّیه قبل التشریع. هذا الاستصحاب یجری، أو لا ؟

قد یقال: بجریانه؛ بل لعلّه یظهر من بعضهم جریانه فی المقام، حیث نُسب إلی البعض أنّه تمسّک بهذا الاستصحاب ووصل إلی نتیجه أنّ الحیوان المشکوک بالنحو الأوّل فی الشبهه الحکمیّه یحرم أکله؛ لاستصحاب الحرمه المتیقنه حال الحیاه، ودلیله علی جریان هذا الاستصحاب هو أنّه کانت هناک حرمه ثابته فی حال الحیاه ویُشک بها لاحقاً، فتکون أرکان الاستصحاب متوفره، یقین سابق بالحرمه فی حال الحیاه، فهذا الحیوان فی حال حیاته کان یحرم أکله، وشکٌّ لاحق فی بقاء هذه الحرمه وزوالها، فتتوفّر أرکان الاستصحاب، فیجری الاستصحاب، وهذا الاستصحاب إذا جری فأنّه یمنع من استصحاب الحل الثابت قبل التشریع؛ لأنّه ناظر إلی حاله متأخّره.

ولکن هناک عدّه مشاکل فی هذا الاستصحاب:

المشکله الأولی: المناقشه فی الیقین السابق، من قال أنّ الحرمه ثابته فی حال الحیاه ؟ أو فلنقل: من قال أنّ الحیوان الحی یحرم أکله ؟ لا دلیل علی هذا؛ لأنّ کلّ العناوین التی ثبتت فیها حرمه الأکل لا تنطبق علی هذا الحیوان فی حال الحیاه، لا عنوان المیته ینطبق علیه، ولا عنوان غیر المذکی....الخ، فأنّ المُذکی وغیر المُذکی هو وصف للعنوان المیت، فالحیوان المیت یقال عنه أنّه مذکی، أو غیر مُذکی، أمّا الحیوان الحی لا یتّصف لا بالمُذکی، ولا بغیر المُذکی، فلا هو میته، ولا هو غیر مذکّی؛ لأنّ غیر المذکّی من صفات الحیوان المیت بعد إزهاق روحه، ولیس من صفات الحیوان الحی، فلا دلیل علی حرمه أکل الحیوان وهو حی، وعلی هذا الأساس أفتی جماعه من فقهائنا؛ بل لعلّ المعروف جواز ابتلاع السمک الصغیر وهو حی، مع وضوح أنّ ذکاه السمک لیست بإخراجه من الماء، وإنّما بموته خارج الماء، ولیس بمجرّد إخراج السمک من الماء تکون هذه تذکیه له بحیث یقال یجوز ابتلاعه لأنّه ذُکی بإخراجه من الماء؛ بل تذکیته هی موته خارج الماء، فإذا بقی حیّاً وبلعه، فأنّه یکون قد بلع حیواناً قبل تذکیته، وقالوا بجوازه؛ لأنّه لا دلیل علی حرمه لحم الحیوان فی حال حیاته، فإذن: القضیه لیست مسلّمه حتّی یقال لدینا یقین سابق وشکّ لاحق، أنّ هذا الحیوان فی حال حیاته کان یحرم أکله، والآن یُشکّ فی بقاء الحرمه، فنستصحب الحرمه المتیّقنه فی حال الحیاه، فلا یوجد لدینا یقین بالحرمه سابقاً حتّی یجری هذا الاستصحاب.

ص: 141

درس الأصول العملیّه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

کان الکلام فی الشکّ من النحو الأوّل: وبالتحدید کان الکلام فی ما إذا کان الشکّ بنحو الشبهه الحکمیّه، کما إذا شککنا فی حیوان أنّه محللّ الأکل، فتکون تذکیته موجبه لحلّیه أکل لحمه، أو محرّم الأکل، فتکون التذکیه غیر مفیده لإثبات حلّیه لحمه. قلنا أنّه إنْ کان هناک عام یمکن الرجوع إلیه، فیتعیّن الرجوع إلیه باعتباره دلیلاً اجتهادیاً، وإنْ لم یکن عندنا عام من هذا القبیل؛ فحینئذٍ تصل النوبه إلی الأصول العملیّه، وقلنا أنّه لا معنی للتمسّک باستصحاب عدم التذکیه؛ لأنّه لا یوجد عندنا شکّ من ناحیه التذکیه؛ لأننّا نحرز أنّ هذا الحیوان قد ذُکّی، فیدور الأمر بین أصاله الحلّیه، أو استصحاب الحل الثابت قبل الشریعه، وبین استصحاب الحرمه المتیّقنه فی حال الحیاه. قلنا بأنّه لا تصل النوبه إلی أصاله الحلّیه إذا جری أحد الاستصحابین، إمّا استصحاب الحلّ الثابت قبل الشریعه، أو استصحاب الحرمه الثابته فی حال الحیاه، وذلک لأنّ الاستصحاب یکون مقدّماً علی أصاله الحلّ بلا إشکال، وإنّما الکلام فی أنّ الاستصحاب الأخیر ------ استصحاب الحرمه الثابته فی حال الحیاه ------ هل یجری، أو لا ؟ نُسب إلی البعض بأنّه لا بأس بأنْ یجری استصحاب الحرمه الثابته فی حال الحیاه، وهذا یُثبت نتیجه معاکسه لما یُثبته استصحاب الحلّ الثابت قبل الشریعه. هذا الاستصحاب یُذکر بدعوی أنّ أرکان الاستصحاب تامّه فیه من الیقین السابق؛ لأنّه فی حال الحیاه کان یحرم أکله، والشکّ اللاحق، بعد أنْ ذُکّی نشکّ فی حرمه أکله وعدمها، فتستصحب الحرمه المتیقنه الثابته فی حال الحیاه. هذا ما یُقال فی مقام تقریب هذا الاستصحاب.

ص: 142

لکن المشکله هی: أنّ هناک تشکیکاً فی ثبوت الحرمه حال الحیاه، بمعنی أنّ الحیوان فی حال الحیاه لا یحرم أکله؛ ولذا قالوا أنّه ذهب جماعه من فقهائنا إلی جواز ابتلاع السمک وهو حی مع وضوح أنّ تذکیه السمک لیست بإخراجه من الماء، وإنّما هی بموته خارج الماء، فقبل موته خارج الماء لم یُذکَ ومع ذلک حکموا بجواز ابتلاعه، وهذا معناه أنّهم لا یرون أنّ هناک حرمه فی الأکل ثابته فی حال الحیاه، فأصل المتیقن سابقاً لیس واضحاً؛ لأنّ الاستصحاب مبنی علی افتراض ثبوت حرمهٍ فی حال الحیاه، وهذه الحرمه متیّقنه، ویُشکّ فی بقائها بعد ذلک، فتُستصحب تلک الحرمه المتیّقنه، بینما أصل ثبوت الحرمه حال الحیاه لیس واضحاً، والسرّ فی هذا هو أنّنا لا نملک دلیلاً علی حرمه أکل الحیوان الحی؛ لعدم انطباق عنوان المیته علیه، ولا غیر المذکّی؛ لأننّا قلنا أنّ توصیف الشیء بالمذکّی وغیر المذکّی إنّما یصح بلحاظ ما بعد زهاق الروح، فیُقال أنّ هذا مُذکّی وغیر مُذکّی، أمّا قبل زهاق الروح وفی حال الحیاه، فلا یصح وصف هذا الحیوان بأنّه مُذکّی، أو غیر مُذکّی، فالأدلّه الدالّه علی حرمه أکل المیته لا تشمله، والأدلّه الدالّه علی حرمه أکل غیر المذکی أیضاً لا تشمله، فلا دلیل علی حرمه أکل لحم الحیوان فی حال الحیاه.

وأمّا الآیه الشریفه التی استُدلّ بها علی ذلک ﴿حُرّمت علیکم المیته والدم ولحم الخنزیر وما أهل لغیر الله به والمنخنقه والموقوذه والمتردیه والنطیحه وما أکل السبع إلاّ ما ذکیتم﴾ (1) بأنْ یُدّعی أنّ هناک إطلاقاً فی المستثنی منه یشمل الحیوان المیّت والحیوان الحی بحیث یکون مفاد الآیه هو أننّا حرّمنا علیکم أکل الحیوان إلاّ المُذکی، والمستثنی منه یشمل بإطلاقه الحیوان الحی والحیوان المیّت، بمعنی کل حیوانٍ حرّمناه علیکم إلاّ ما ذُکّی، وحیث أنّه فی حال الحیاه لا توجد تذکیه، فیکون الحیوان فی حال حیاته محرّماً.

ص: 143


1- مائده/سوره5، آیه3.

لکن الاستدلال بهذه الآیه الشریفه مردود؛ لأنّ الآیه الشریفه ناظره إلی الحیوان المیّت، ولیست ناظره إلی الحیوان الحی، فالآیه استثناء من المیته وأمثالها، وهی ناظره إلی الحیوان المیّت، إلی الحیوان الذی زهقت روحه، هذا الحیوان الذی زهقت روحه حرّمناه علیکم، إلاّ ما ذکّیتم، فهی ناظره إلی الحیوان المیّت، ولیس فیها إطلاق، أو عموم یشمل الحیوان الحی حتّی یُستدل بها فی محل الکلام.

أمّا إذا تنزّلنا،وافترضنا أنّ هناک حرمه حال الحیاه بملاک عدم التذکیه؛ فحینئذٍ یقع الکلام فی أنّ هذا الاستصحاب المُدّعی ----- استصحاب الحرمه الثابته فی حال الحیاه ----- فی المقام هل یمکن إجراؤه ؟ مع التنزّل وافتراض وجود حرمهٍ فی حال الحیاه، ولو تمسّکاً بإطلاق المستثنی منه(إلاّ ما ذکیتم)فی الآیه الشریفه. هل یجری هذا الاستصحاب، أو أنّه لا یجری ؟

قد یقال بجریان هذا الاستصحاب، بعد التنزّل وتسلیم ثبوت الحرمه فی حال الحیاه، لا مانع من استصحاب هذه الحرمه المتیّقنه فی حال الحیاه، وذلک باعتبار أنّ حرمه أکل لحم الحیوان فی حال حیاته إنْ کانت بملاک کونه حیّاً، فمثل هذه الحرمه لا شکّ فی بقائها؛ بل نقطع بارتفاعها بعد زهاق روحه کما هو محل الکلام؛ لأنّ هذا الاستصحاب متقوّم بالحیاه کما هو المفروض؛ أی أنّ هذه الحرمه متقوّمه بالحیاه، باعتبار أنّ المفروض أنّ هذه الحرمه ثبتت له بملاک الحیاه، باعتباره حیّاً، ولو من باب احترام الحی ------ مثلاً ------ فهذه الحرمه الثابته بملاک الحیاه ترتفع بلا إشکال بزهاق روحه. إذن: لابدّ أنْ نفترض حرمه أخری یُراد استصحابها فی المقام یُشکّ فی بقائها؛ لأننّا نقطع بارتفاعها. وهذه الحرمه دائره بین حرمتین:

ص: 144

الحرمه الأولی: هی الحرمه بملاک عدم التذکیه. لنفترض من باب التنزّل أنّ الحیوان الحی یحرم أکله لکونه غیر مُذکی.

الحرمه الثانیه: الحرمه الذاتیّه الثابته فی الحیوان. بأنْ یکون الحیوان هو أصلاً محرّم الأکل، وهذه الحرمه ذاتیّه ثابته فیه فی حال الحیاه، وثابته فیه بعد زهاق روحه، باعتباره محرّم الأکل لا باعتباره غیر مُذکی، فسواء ذُکّی أم لم یُذکَ هو محرّم الأکل، والتذکیه فیه لا تنفع لإثبات حلّیه أکل لحمه.

إذن: هناک حرمتان یمکن افتراضهما فی المقام. أمّا الحرمه بملاک عدم التذکیه، فیُقطَع بارتفاعها؛ لأنّها ثابته بملاک عدم التذکیه، والمفروض فی محل الکلام فی هذا النحو إحراز التذکیه، وإحراز قبول الحیوان للتذکیه، هذه أمور نحرزها، فما معنی أنْ نفترض حرمه ثابته بملاک عدم التذکیه بعد التذکیه، وبعد إحراز قبول الحیوان للتذکیه، هذه الحرمه لو کانت ثابته فی حال الحیاه، فهی مرتفعه بعد التذکیه؛ لأنّها ثابته ----- بحسب الفرض ----- بملاک عدم التذکیه، فمع حصول التذکیه کما هو المفروض، ترتفع هذه الحرمه قطعاً.

وأمّا إذا کانت الحرمه المُدّعاه فی المقام والتی یُراد استصحابها هی الحرمه الذاتیه الثابته للحیوان حتّی لو ذُکّی؛ حینئذٍ هذه الحرمه باقیه حتّی بعد زهاق روحه وتذکیته؛ لأنّ الحرمه الذاتیه لا ترتفع بالموت وزهاق الروح، فهی باقیه حتماً، ومنه یظهر أنّه یمکن إجراء استصحاب الحرمه من باب استصحاب الکلّی من القسم الثانی الذی لا إشکال عندهم فی جوازه، کما إذا ترددّ الثابت سابقاً بین فردٍ یُقطَع ببقائه وبین فردٍ یُقطَع بارتفاعه، بمعنی أنّه لو کان الحادث هو هذا الفرد، فهو باقٍ جزماً، ولو کان الحادث هو الفرد الآخر، فهو مرتفع جزماً، فی مثل هذه الحاله لا مانع من استصحاب الکلّی؛ لأنّه من قبیل استصحاب الکلّی من القسم الثانی الذی لا شکّ عندهم فی جواز استصحابه، من قبیل ما إذا ترددّ الحیوان الموجود فی مکان بین أنْ یکون فیلاً أو حشره، وبعد مدّه لا تبقی الحشرات فیها عادهً؛ حینئذٍ یقال أننّا نشکّ فی أنّ الحیوان هل هو باقٍ فی هذا المکان، أو لا ؟ فیقال: أنّ هذا الحیوان إنْ کان فیلاً، فهو باقٍ، وإنْ کان حشره، فهو مرتفع قطعاً، فی مثل هذه الحاله یجری الاستصحاب بلحاظ الجامع، ویُستصحَب کلّی الحیوان فی حال الشکّ؛ لتوفّر أرکان الاستصحاب بالنسبه إلی الکلّی، وإنْ لم تتوفّر بالنسبه إلی کلٍ من الفردین، لکن بالنسبه إلی الکلّی هناک یقین بحدوث الکلّی، وشکّ فی ارتفاعه، هذا الکلّی الذی نحن علی یقین من حدوثه ونشکّ فی ارتفاعه یمکن إجراء الاستصحاب فیه. ما نحن فیه من هذا القبیل؛ لأنّ الحرمه الحادثه فی حال الحیاه المتیقنه سابقاً هی مرددّه بین فردین، بین حرمهٍ مرتفعهٍ قطعاً وهی الحرمه الثابته بملاک عدم التذکیه؛ لأنّ المفروض التذکیه فی محل الکلام، وبین حرمهٍ باقیهٍ علی تقدیر حدوثها، وهی الحرمه الذاتیه الثابته للحیوان باعتباره حیواناً محرّم الأکل شرعاً، هذه الحرمه الذاتیه علی تقدیر أنْ تکون هی الثابته سابقاً تکون باقیه قطعاً، فیدخل فی باب استصحاب الکلّی من القسم الثانی المرددّ بین ما لا بقاء له وبین ما یبقی، فلا مانع حینئذٍ من إجراء هذا الاستصحاب.

ص: 145

لکن، هذا الاستصحاب مبنی علی الالتزام بشیءٍ وهو أنّ الحرمه بملاک عدم التذکیه تختصّ بمأکول اللّحم ولا تشمل غیر مأکول اللّحم، تختصّ بغیر المحرّم الأکل ذاتاً، فعندنا حرمتان، حرمه بملاک عدم التذکیه مختصّه بالحیوانات المحللّه الأکل، وعندنا حرمه ذاتیه ثابته للحیوان محرّم الأکل، بناءً علی افتراض أنّ الحرمه الثابته للحیوان الحی بملاک عدم التذکیه مختصه بالحیوان محللّ الأکل؛ حینئذٍ یجری هذا التقریب للاستصحاب، بمعنی أنّ الاستصحاب فی المقام یکون جاریاً باعتباره من باب استصحاب الکلّی من القسم الثانی؛ لأنّ الحرمه الحادثه الثابته سابقاً مرددّه بین فردین من الحرمه، حرمه نقطع بارتفاعها علی تقدیر أنْ تکون هی الحادثه، وحرمه باقیه علی تقدیر أنْ تکون هی الحادثه، فیدخل فی باب استصحاب الکلّی من القسم الثانی؛ لأنّ هذا الحیوان الذی زهقت روحه إمّا أن یکون محلل الأکل ذاتاً، فالحرمه الثابته فیه فی حال الحیاه هی الحرمه من جهه عدم التذکیه، وإمّا أنْ یکون محرّم الأکل، ففیه الحرمه الذاتیه فقط لا الحرمه من جهه عدم التذکیه؛ لأنّ المفروض أنّنا قلنا أنّ الحرمه بملاک عدم التذکیه مختصّه بمأکول اللّحم ولا تشمل غیره، یعنی ما یکون محرّماً بالذات.

إذن: الأمر یدور بین فردین للحرمه، أحدهما باقٍ علی تقدیر حدوثه، وهی الحرمه الذاتیه، والآخر مرتفع علی تقدیر حدوثه، وهی الحرمه بملاک عدم التذکیه، فیکون من قبیل استصحاب الکلّی من القسم الثانی، فیصحّ إجراء الاستصحاب بهذا البیان. وأمّا إذا قلنا أنّ الحرمه الثابته بملاک عدم التذکیه لا تختصّ بمحلل الأکل، وأنّها کما تشمل محلل الأکل، کذلک تشمل محرّم الأکل، فکأنّه تجتمع فی محرّم الأکل حرمتان، حرمه ذاتیه وحرمه بملاک عدم التذکیه، بناءً علی هذا الکلام؛ حینئذٍ لا یصحّ إجراء الاستصحاب؛ لأنّ الاستصحاب حینئذٍ لا یکون من قبیل استصحاب الکلّی من القسم الثانی الذی لا إشکال فی جریانه عندهم، وإنّما یکون من قبیل الاستصحاب من القسم الثالث الذی لا إشکال عندهم فی عدم جریانه، والذی هو أنْ یکون هناک کلّی نعلم بتحققّه فی ضمن فردٍ، ونعلم بأنّ هذا الفرد قد ارتفع، لکن نشکّ فی أنّه قبل ارتفاعه هل حدث فرد آخر للکلّی اقترن بوجود ذلک الفرد الآخر وقبل ارتفاعه بحیث أنّ الکلّی یبقی موجوداً ولا یرتفع؛ لأنّه وإنْ ارتفع هذا الفرد، لکنّه اقترن به قبل ارتفاعه حدوث فردٍ آخر للکلّی بحیث یبقی الکلّی موجوداً، فی هذه الحاله لا یجری استصحاب الکلّی بالاتفاق، کما لو کنّا نعلم بوجود حیوانٍ فی مکان ما، ثمّ رأیناه خارج ذلک المکان، فهذا الذی تحققّ الکلّی فی ضمنه یکون قد ارتفع قطعاً، لکن احتملنا أنّه قبل أنْ یخرج وُجد حیوان آخر بحیث بقی الکلّی فی هذا المکان، هل یمکن إجراء استصحاب الکلّی ؟ لا، هنا لا یجری استصحاب الکلّی، بالاتفاق.

ص: 146

أقول: بناءً علی هذا الاحتمال، وهو أنّ الحرمه الثابته بملاک عدم التذکیه هی حرمه لا تختصّ بمأکول اللّحم، وإنّما تشمله وتشمل أیضاً محرّم الأکل، بمعنی أنّ ما نعلمه هو أحدی الحرمتین، وأحدی الحرمتین معلومه الحدوث ومعلومه الارتفاع وهی الحرمه بملاک عدم التذکیه، هذه حرمه معلومه الحدوث، سواء کان الحیوان محرّم الأکل، أو محللّ الأکل هذه الحرمه ثابته له بحسب الفرض، نحن افترضنا أنّ الحرمه بملاک عدمالتذکیه لا تختصّ بمحلل الأکل، وإنّما هی کما تثبت لمحلل الأکل، کذلک هی تثبت لمحرّم الأکل. إذن: هذا الحیوان مهما کان، سواء کان محرّم الأکل، أو محللّ الأکل ثبتت له حرمه بملاک عدم التذکیه فی حال الحیاه، لکن هذه الحرمه نعلم بارتفاعها بحصول التذکیه کما هو المفروض فی محل کلامنا، فهذه حرمه معلومه الحدوث ومعلومه الارتفاع، وعندنا حرمه أخری وهی الحرمه الذاتیه، وهی مشکوکه الحدوث أساساً؛ لأنّ الحرمه الذاتیه مختصّه بالحیوان محرّم الأکل، ونحن نشکّ فی أنّ هذا الحیوان محرّم الأکل، أو محلل الأکل، إذن: عندنا حرمتان، حرمه معلومه الحدوث ومعلومه الارتفاع، والحرمه الثانیه هی مشکوکه الحدوث أساساً، وهذا یکون من قبیل استصحاب الکلّی من القسم الثالث، ولا یکون من قبیل استصحاب الکلّی من القسم الثانی حتّی یجری فیه الاستصحاب.

إذن: إجراء استصحاب الحرمه فی محل الکلام مع التنزّل عمّا قلناه أولاً، یتوقّف علی افتراض أنّ الحرمه بملاک عدم التذکیه مختصّه بالحیوان مأکول اللّحم حتّی یحصل الترددّ، أنّ الحرمه الثابته سابقاً هی مرددّه بین فردین؛ لأنّ الحیوان إمّا محلل الأکل، أو محرّم الأکل، محرّم الأکل له حرمه واحده وهی الحرمه الذاتیه، ومحللّ الأکل له حرمه واحده وهی الحرمه بملاک عدم التذکیه، لو کان الحادث سابقاً هو الحرمه بملاک عدم التذکیه فهی مرتفعه، أمّا لو کان الحادث سابقاً هی الحرمه الذاتیه، فهی باقیه؛ لأنّ الحرمه الذاتیه لا تزول بالقتل وإزهاق الروح، فیدخل فی القسم الثانی، فهی مبنیّه علی هذا الاحتمال. وأمّا علی الاحتمال الآخر یکون الاستصحاب من قبیل استصحاب الکلّی من القسم الثالث، وهو لا یجری بالاتفاق.

ص: 147

لکن الظاهر ----- وفاقاً لهم ----- هو أنّ الاحتمال الأوّل هو الصحیح، بمعنی أنّ الحرمه من حیث عدم التذکیه مختصّه بمأکول اللّحم. وبعباره أخری: أنّ محرم الأکل، ما کانت حرمته ذاتیه لا یحرم إلاّ من حیث کونه محرّم الأکل، لا أنّه تجتمع فیه حرمتان، حرمه ذاتیه، وحرمه أخری من جهه کونه غیر مُذکّی؛ لأنّ ما دلّ علی حرمه غیر المُذکّی هو ناظر فی الحقیقه إلی الحیوان المیّت المحلل الأکل ولیس له إطلاق یشمل الحیوان الحی، وهی المناقشه الأولی، وفی المناقشه الثانیه تنزّلنا عن ذلک، هنا أیضاً نقول أنّ ما دلّ علی حرمه غیر المُذکّی هو ناظر إلی الحیوان محلل الأکل، یعنی أنّ الحیوان المحلل الأکل إذا زهقت روحه ولم یُذکَ فهو یحرم أکله، فهی ناظره إلی الحیوان محلل الأکل ولیست شامله إلی ما کان محرّم الأکل.

وبعباره أخری: أنّ الذی یُفهم من الأدلّه، الآیه الشریفه(إلاّ ما ذکّیتم)، أو الروایات الخاصّه الوارده فی المقام، الذی یُفهم منها هو أنّ التذکیه شرط فی حلّیه أکل اللّحم المحلل ذاتاً، ولا یحل أکل لحمه بعد زهاق روحه إلاّ بالتذکیه، التذکیه تکون موجبه لحلّیه أکل لحم ما کان حلال الأکل بالذات، فحلال الأکل بالذات إذا لم یُذکَ یحرم أکله، وإذا ذُکّی حلّ أکله، ولیس لها نظر إلی ما هو محرّم بالذات، ولا تقول أنّ المحرّم بالذات إذا لم یُذکَ فهو حرام من جهه عدم التذکیه. فالظاهر هو الاختصاص، وبناءً علی الاختصاص الظاهر أنّه لا مانع من إجراء استصحاب الحرمه فی المقام؛ لأنّه من قبیل استصحاب الکلّی من القسم الثانی. لکن هذا کلّه بناءً علی التنزّل عن الملاحظه الأولی، یعنی بناءً علی تسلیم أنّ هناک حرمه بملاک عدم التذکیه فی حال الحیاه، لکنّک عرفت بأنّ هذا أمر غیر مُسلّم، والأدلّه لا تُساعد علیه؛ لأنّ أدلّه حرمه غیر المذکّی ناظره إلی الحیوان الذی زهقت روحه، وأنّ هذا إذا ذُکی یحل أکله، وإذا لم یُذکَ یحرم أکله، ولیس لها نظر إلی الحیوان الحی.

ص: 148

إذن: لا یقین بحرمهٍ سابقهٍ فی حال الحیاه حتّی تُستصحب.

هذا تمام الکلام فی الشبهه الحکمیه من النحو الأوّل.

درس الأصول العملیّه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

انتهینا عن فرض الشبهه الحکمیّه من النحو الأوّل: ونؤکد مرهً أخری بأنّ هذا النحو هو أساساً خارج عن محل الکلام؛ لأنّ المفروض فیه إحراز التذکیه، وإحراز قبول الحیوان للتذکیه، وإنّما الشکّ من جههٍ أخری، وتبیّن أنّ الصحیح فی هذا الفرض إذا کانت الشبهه حکمیّه هو الرجوع إلی أصاله الحل، أو استصحاب الحلّیه الثابته قبل التشریع، وبالنتیجه یمکن الحکم بحلّیه هذا الحیوان المشکوک فی حلّیّه أکل لحمه، وحرمته بنحو الشبهه الحکمیه فی هذا النحو الأوّل.

وأمّا إذا کانت الشبهه موضوعیه، النحو الأوّل نفسه، نعلم فیه بتذکیه حیوانٍ، وبقبوله للتذکیه، لکننّا لا نعلم أنّ هذا الحیوان هل هو غنم حتّی یترتّب علی تذکیته حلّیه أکل لحمه ؟ أو أنّه من المسوخات، أو السباع حتّی لا یترتّب علی تذکیته حلّیه أکل لحمه بنحو الشبهه الموضوعیّه التی لا یکون الشکّ فیها مرتبطاً بالشارع ؟ وإنّما الشکّ فی أمورٍ خارجیّه وموضوعیّه. فی هذا الفرض یختلف فرض الشبهه الموضوعیه عن فرض الشبهه الحکمیّه فی أنّه فی فرض الشبهه الحکمیّه قلنا لا مانع من الرجوع إلی عامٍّ فوقانی ----- إذا وُجِد ----- یکون دالاً علی حلّیه کل حیوان، إلا ما استُثنی، لا مانع من الرجوع إلی هذا العام فی الشبهه الحکمیه، أمّا فی الشبهه الموضوعیّه فحتّی إذا وجد مثل هذا العام، فمن الواضح أنّه لا یجوز الرجوع إلیه؛ لأنّ التمسّک بالعام حینئذٍ یکون تمسّکاً بالعام فی الشبهه المصداقیّه للمخصصّ؛ لأنّ هذا العام الدال علی حلّیه کل حیوانٍ خرجت منه عناوین معیّنه، ونحن نشکّ فی أنّ هذا الحیوان المشتبه بنحو الشبهه الموضوعیّه هل هو شاه، أو هو من السباع، والسباع خرجت من دلیل(یحلّ أکل کل حیوان)، ونحن نشکّ أنّ هذا من السباع، أو لا ؟ إذن: هی شبهه مصداقیه للمخصصّ للعام، وفی الشبهه المصداقیّه بلا إشکال لا یجوز التمسّک بالعام. اللّهمّ إلاّ أنْ نحرز موضوع العام عن طریق إجراء أصاله عدم المخصص، یعنی أصاله عدم کونه من السباع، هذا الأصل یحرز لنا موضوع الحلّیّه؛ لأنّ موضوع الحلّیّه هو کل حیوان، وبعد التخصیص یکون ماعدا السباع، فیکون هذا هو موضوع الحلّیّه بعد التخصیص، هذا حیوان ونحرز أنّه لیس من السباع بأصاله عدم کونه من السباع، طبعاً هذا الأصل هو من باب استصحاب العدم الأزلی، یعنی من باب استصحاب العدم المحمولی، ولیس من باب استصحاب العدم النعتی، عدم کونه من السباع؛ لأنّ هذا الحیوان منذ وُلِد هو یُشکّ فی کونه من هذا، أو من هذا، ولیست هناک حاله متیقنه سابقه نحرز فیها بأنّ هذا لیس من السباع، فلابدّ من إجراء استصحاب العدم الأزلی، فیتنقّح موضوع الحلّیه، وهذا بحثٌ آخر وعام ویجری فی جمیع موارد التمسّک بالعام فی الشبهه المصداقیه، مثلاً إذا قال(أکرم کل عالم) وخرج منه الفُسّاق منهم، فأصبح موضوع الوجوب هو عباره عن العالم غیر الفاسق، لا یجوز التمسّک بهذا العام فی مورد الشکّ فی الشبهه المصداقیه، أنّ هذا عالم، لکن نشکّ أنّه عادل، أو فاسق، بلا شکٍّ لا یجوز التمسّک بالعام لإثبات وجوب إکرامه، لکن یمکن إحراز موضوع الوجوب عن طریق إجراء أصاله عدم کونه فاسقاً، ولو بنحو استصحاب العدم الأزلی. هذا کلام آخر، لکن بالنتیجه لا یمکن الرجوع إلی العام الفوقانی ----- لو وُجِد ----- لأنّه تمسّکٌ بالعام فی الشبهه المصداقیه.

ص: 149

وأمّا إذا لم یوجد عام فوقانی من هذا القبیل یدلّ علی الحلّیّه فی الحیوان، أو بالعکس، قد یدلّ علی حرمه کل حیوان إلاّ ما استُثنی، المهم أنّه دلیل اجتهادی یمکن التمسّک بعمومه، أو بإطلاقه، نفترض أنّه غیر موجود؛ حینئذٍ یتعیّن الرجوع إلی الأصول العملیّه، والأصل الذی یُرجَع إلیه هو عباره عن استصحاب الحل، أو اصاله الحل، لکن استصحاب الحل فی المقام أیضاً یکون بنحو استصحاب العدم الأزلی، ومعنی استصحاب الحل هو أنّ هذا الحیوان کان حلالاً، ما معنی کان حلالاً ؟ نحن لا نحرز أنّ هذا الحیوان بعد تولّده هو حلال، وإنّما من حین تولّده نشکّ فی أنّه من هذا القبیل، أو من هذا القبیل ؟ لا نعلم به، ولیس هناک حاله متیقنه کنّا نحرز أنّ هذا الحیوان کان حلالاً، ثمّ نشکّ بعدها هل هو باقٍ علی حلّیّته، أو ارتفعت حلّیّته حتّی نستصحب عدم الحرمه بنحو العدم النعتی، وإنّما هو کان من البدایه مشکوک، فلابدّ من استصحاب عدم الحرمه، أو نُعبّر عنه باستصحاب الحل بنحو استصحاب العدم الأزلی، یعنی عدم الحرمه الثابته ولو من باب السالبه بانتفاء الموضوع، هذه قطعاً کانت ثابته، هذا الحیوان ولو لأجل قبل وجوده کان حلالاً، یعنی لم تثبت له الحرمه ولو باعتبار عدم وجوده، فیمکن فی محل الکلام استصحاب عدم ثبوت الحرمه له ولو باعتبار عدم وجوده، وتثبت بذلک حلّیه هذا الحیوان. إذا عجزنا عن ذلک واستشکلنا فی جریان هذا الاستصحاب، فیمکن الرجوع إلی أصاله الحل؛ إذ لا إشکال فی جریانها فی الشبهات الموضوعیّه، وإنْ کان هناک کلام فی جریانها فی الشبهات الحکمیّه، هناک کلام فی أنّ أصاله الحل هل تجری فی الشبهات الحکمیّه، أو تختصّ بالشبهات الموضوعیّه، لکنّ جریانها فی الشبهات الموضوعیّه التی هی محل الکلام فعلاً هو أمر مسلّم، فیمکن الرجوع إلی أصاله الحل فی هذه الحاله. وهنا أیضاً نقول لا مجال ولا موقع للرجوع إلی استصحاب عدم التذکیه، لما قلناه من أنّه فی هذا النحو بکلا قسمیه لا یوجد هناک شکّ من جهه التذکیه؛ بل حتّی من جهه قبول الحیوان للتذکیه.

ص: 150

إذن: لا معنی لاستصحاب عدم التذکیه، أو استصحاب عدم قابلیه الحیوان للتذکیه؛ لأننّا نقطع بکلٍ منهما ----- بحسب الفرض ----- فیُرجَع إلی أصاله الحلّیّه، أو الاستصحاب الذی ذکرناه.

هناک أمر ینبغی التنبیه علیه، وهو أنّ الکلام فی جریان استصحاب الحرمه الثابته فی حال الحیاه أیضاً یجری فی المقام، والکلام نفس الکلام السابق، نفس ما ذکرناه فی الشبهه الحکمیّه أیضاً یجری فی الشبهه الموضوعیّه بأنْ نقول أنّ هذا المرددّ بین أنْ یکون من الغنم، أو یکون من السباع، هذا حینما کان حیّاً کان یحرم أکله، والآن کما کان، هذا استصحاب الحرمه الثابته فی حال الحیاه. نفس الإشکالات المتقدّمه علی جریان هذا الاستصحاب تجری فی محل الکلام، ونفس الکلام السابق یجری فی هذه الحاله، وانتهینا إلی نتیجه أنّ استصحاب الحرمه الثابته فی حال الحیاه لا یجری، والصحیح هو الرجوع إلی أصاله الحل.

النحو الثانی من أنحاء الشکّ فی الحلّیّه والحرمه: وهو ما إذا کان الشکّ فی حلّیه أکل لحم هذا الحیوان الزاهق الروح، أو حرمه أکل لحمه من جهه الشکّ فی قبوله التذکیه، وعدم قبوله، وبهذا یختلف هذا النحو عن النحو الأوّل، حیث فی النحو الأوّل لم یکن لدینا شکّ من جهه قبول الحیوان للتذکیه، وإنّما شکّ فی أنّه محلل الأکل بالذات، أو محرّم الأکل، بینما الشک هنا هو من جهه أنّ هذا الحیوان یقبل التذکیه، أو لا ؟ من قبیل ما إذا شککنا فی أنّ أسد البحر هل یقبل التذکیه، أو لا یقبلها ؟ هل حکم الشارع علیه بحلّیه أکل لحمه بعد التذکیه ؟ هذا معناه أنّه یقبل التذکیه، أو أنّه لم یحکم علیه بذلک ؟ أو فی مثال آخر کما ذکروا حیواناً تولّد من حیوانین أحدهما کلب والآخر شاه، ولا یلحقهما فی الاسم، فلا یصدق علیه عنوان(کلب)، ولا عنوان(شاه)، وشککنا فی أنّه یقبل التذکیه، أو لا ؟ هنا أیضاً الشبهه تاره تکون حکمیّه، وأخری تکون موضوعیّه. أمّا کونها حکمیّه فکما مثّلنا بأننّا لا نعلم أنّ أسد البحر هل یقبل التذکیه، أو لا ؟ أو هذا الحیوان المتولّد من کلبٍ وشاه، لا نعلم هل حکم الشارع علیه بحلّیه أکل لحمه بعد التذکیه ؟ هذه شبهه حکمیّه، ویُسأل عنها الشارع لأجل حلّها، وأمّا کون الشبهه موضوعیّه، فذلک بأنْ یُشکّ بأنّ هذا الحیوان زاهق الروح الذی نشکّ فی حلّیه أکل لحمه وحرمته هل هو غنم ؟ حتّی یکون قابلاً للتذکیه، ویحل أکل لحمه بعد الذبح، أو هو من السباع ؟ حتّی لا یحل أکله، هذه شبهه موضوعیّه ولیست شبهه حکمیّه، یُشک فی الحلّیه والحرمه من جهه الشکّ فی قبول هذا الحیوان للتذکیه، أو عدمه، لکن بنحو الشبهه الموضوعیّه.

ص: 151

الکلام فعلاً فی الشبهه الحکمیّه، هنا لابدّ من افتراض إحراز التذکیه، یعنی لابدّ من إحراز أنّ هذا الحیوان قد ذُکّی، وإحراز فری الأوداج مع استقبال القبله مع التسمیّه وإسلام الذابح، هذه الأمور التی تُعتبر فی التذکیه، هذه الأمور کلّها محرزه، شکّنا لیس من هذه الجهه، أی لیس من جهه أنّ الذابح سمّی أو لم یُسمِّ، ولا من جهه أنّه ذُبح بالحدید، أو لم یُذبح بالحدید، وإنّما من جهه أنّ هذا الحیوان أساساً هل یقبل التذکیه، أو لا یقبل التذکیه ؟ مع إحراز حصول التذکیه علیه، الکلام هنا یقع فی أنّه هل یجری استصحاب عدم التذکیه لإثبات حرمه أکل لحم هذا الحیوان، أو لا یجری هذا الاستصحاب ؟ هنا بالإمکان تصوّر جریان استصحاب عدم التذکیه، باعتبار أنّ الکلام فی قبول الحیوان للتذکیه، أو عدم قبوله، فهل یجری هذا الاستصحاب ؟

قبل الجواب عن هذا السؤال ذکروا أنّه لابدّ من تحدید معنی التذکیه، وما هو المراد بالتذکیه؛ لأنّ تحدید معنی التذکیه یؤثر فی الجواب عن هذا السؤال من حیث أنّه یجری استصحاب عدم التذکیه أو لا یجری. ذکروا احتمالات فی معنی التذکیه، ثمّ دخلوا فی هذا البحث، ونحن نری أنّ المناسب جدّاً أنْ نذکر آراء بعض المحققین فی الجواب عن هذا السؤال، ثمّ منه ننطلق إلی بحث هذه المسأله التی ذکروها.

فی البدایه من المناسب جدّاً أنْ نذکر رأیّ المحقق النائینی(قُدّس سرّه) فی الجواب عن هذا السؤال، هل یجری استصحاب عدم التذکیه، أو لا ؟ مع افتراض أنّ الشبهه حکمیّه، وأنّ الشکّ هو من جهه قبول التذکیه وعدمه بعد إحراز عملیه التذکیه وما یُعتبر فیها خارجاً. المحقق النائینی(قُدّس سرّه) کما ورد فی تقریرات المحقق الکاظمی(قُدّس سرّه) ذکر بأنّ التذکیه التی تکون موجبه للطهاره ولحلّیه اللّحم یوجد فیها احتمالان: (1)

ص: 152


1- فوائد الأصول، إفادات المیرزا النائینی للشیخ الکاظمی الخراسانی، ج 3، ص 381.

الاحتمال الأوّل: أنْ تکون عباره عن أمرٍ بسیط یحصل من المجموع المرکّب من الأمور الخاصّه کفری الأوداج بالحدید مع الاستقبال والتسمیه، مع قابلیه المحل. إذن: هناک أمور خاصّه تتمثّل فی ما یفعله الذابح، ولنفترض أنّ ما یفعله الذابح واجدٌ لکلّ الشرائط، ویُضاف إلیه قابلیه المحل، إذا اجتمعت هذه الأمور، یعنی فعل المُذکّی زائداً قابلیه المحل للتذکیه، یترتّب علیها أمر بسیط وحدانی یُسمّی بالتذکیه، فالتذکیّه هی عباره عن أمرٍ بسیطٍ یترتّب علی مجموعهٍ من الأمور بما فیها قابلیه المحل للتذکیه، لکن نفس التذکیه هی أمر بسیط مسبَّب عن مجموع فعل الذابح مع قابلیه المحل، کما یقال أنّ الطهاره أمر مسبَّب عن الأفعال الوضوئیّه، هناک أفعال وضوئیه هی الغسلات والمَسَحات یترتّب علیها عنوان بسیط هو عنوان(الطهاره).

الاحتمال الثانی: أنْ یکون المراد بالتذکیه هو نفس الأمور الخاصّه المتقدّمه، ولیس أمراً بسیطاً مسبَّباً عن هذه الأفعال والأمور الخاصّه، وإنّما هو عباره عن نفس تلک الأمور الخاصّه، فالتذکیه عباره عن فری الأوداج بالحدید مع الاستقبال والتسمیه، وکون الذابح مسلماً، وقابلیه المحل خارجه عن حقیقه التذکیه، وإنْ کان لها دخل فی تأثیر هذه الأمور فی الطهاره والحلّیه، وقابلیه المحل لیست داخله فی مفهوم التذکیه، وإنّما هی شرط فی تأثیر هذه الأفعال والأمور الخاصّه فی الحلّیه، وهذه الأفعال لا تؤثر فی الحلّیه إلاّ بشرط أنْ یکون المحل قابلاً.

وبعبارهٍ أخری: أنّ قابلیه المحل تؤخذ فی التذکیه بنحو الشرطیه، فلا تکون داخله فی حقیقه التذکیه، وإنّما هی شرط فی التذکیه علی غرار الشروط الأخری التی لا تدخل فی حقیقه المشروط، وإنّما هی شرط فی التأثیر. المحقق النائینی(قُدّس سرّه) دخل فی بحثٍ فقهی، وهو أنّه أیّ الاحتمالین هو الأرجح، هو رجّح الاحتمال الثانی، یعنی هو یری أنّ التذکیه هی مجموعه الأفعال التی یمارسها الذابح بما فیها من الشرائط، لا أنّ التذکیه أمر بسیط مسبَّب عن هذه الأفعال. ثمّ قال: فعلی الأوّل ----- أی إذا قلنا أنّها أمر بسیط ----- تجری أصاله عدم التذکیه، باعتبار أنّ الحیوان فی حال الحیاه لم یکن مُذکّی، فیُستصحب هذا العدم، یعنی عدم التذکیه، حیث أنّ له حاله سابقه متیّقنه فی حال الحیاه، قطعاً التذکیه غیر حاصله، بعد ذلک نشکّ فی أنّه حصلت التذکیه، أو لا، فنستصحب عدم التذکیه إلی زمان خروج وزهاق روحه.

ص: 153

وبعبارهٍ أخری: إنّ هذا الأمر البسیط المتحصّل من هذه الأفعال الخاصّه بشرط قابلیه المحل قطعاً لم یکن موجوداً سابقاً فی حال الحیاه؛ لسببٍ بسیطٍ جدّاً وهو أنّ فی حال الحیاه لیس هناک تذکیه، حیث لا توجد عملیه الذبح وفری الأوداج، وإنّما هو أمر بسیط یحصل نتیجه مجموع هذه الأفعال الخاصّه زائداً قابلیه المحل، قطعاً فی حال الحیاه هذا الأمر البسیط ----- الذی هو التذکیه بناءً علی الاحتمال الأوّل ----- لم یکن حاصلاً؛ لما قلناه من أنّه بحسب الفرض لم تکن هناک تذکیه، یعنی لم تکن هناک عملیه فری الأوداج بشرائط، فقطعاً لم یکن هذا الأمر البسیط حاصلاً فی حال الحیاه، وبعد تذکیته وفری أوداجه الأربعه بالشرائط المعتبره نشکّ فی أنّ هذا الأمر البسیط یحصل، أو لا ؟ وذلک لأننّا نشکّ فی أنّ هذا الحیوان قابل للتذکیه، أو لا ؟ لأننّا قلنا أنّ القابلیه هی أحد الأمور التی تکون التذکیه مسبّبه عنها، فهی مسبّبه عن مجموعه أمور، مسبّبه عن فری الأوداج الأربعه مع قابلیه المحل، وبعد فری أوداجه وذبحه نشکّ فی حصول التذکیه فی هذا الأمر المسبّب عن مجموعه أمور، وذلک لأننّا نشکّ فی قابلیته للتذکیه وعدمها، فنستصحب عدم حصول هذا الأمر المسبّب؛ لأنّ هذا العدم کان متیقّناً سابقاً، فنستصحبه.

نعم، یقول المحقق النائینی(قُدّس سرّه) فی مقام التعلیق علی هذا الاستصحاب الذی حکم بجریانه: (1) غایه الأمر أنّ جهه الیقین والشکّ تختلف، جهه الیقین بعدم حصول هذا الأمر البسیط المسبّب، والسبب فی یقینی بعدم حصول هذا الأمر البسیط سابقاً هو عدم فری الأوداج فی حال الحیاه، هذه جهه الیقین سابقاً، جهه الشکّ فعلاً اختلفت وهی لیست نفس الجهه السابقه؛ لأنّه فُریت أوداجه، وذُبح بالحدید، جهه الشکّ لیست من هذه الجهه وإنّما من جهه قابلیه المحل وعدم القابلیه. یقول: أنّ اختلاف جهه الیقین والشکّ لا یؤثر فی جریان الاستصحاب، ما دام وحده الموضوع متحققّه، کون القضیه المشکوکه هی نفس القضیه المتیقنه، وهذا حاصل فی المقام، اختلاف جهه الشکّ لا یؤثر فی جریان الاستصحاب، فیجری استصحاب عدم التذکیه بهذا المعنی. هذا بناءً علی الاحتمال الأوّل.

ص: 154


1- فوائد الأصول، إفادات المیرزا النائینی للشیخ الکاظمی الخراسانی، ج 3، ص 383.

یقول: وأمّا علی الاحتمال الثانی ----- لا زال الکلام للمحقق النائینی(قُدّس سرّه) وهو أنّ التذکیه هی عباره عن الأفعال التی یأتی بها والشرائط التی یُعبّر عنها(فعل المکلّف)، هذه الأمور هی عباره عن التذکیه، وقابلیه المحل شرط فی تأثیرها فی الحلّیه والطهاره ----- لا تجری أصاله عدم التذکیه عند الشک فی قابلیه الحیوان للتذکیه وعدمها؛ لأنّ هذه القابلیه لیس لها حاله سابقه؛ لأنّ هذا الحیوان حینما وجد کان یُشک فی قابلیته للتذکیه وعدمها، ولم تمرّ علیه فتره کنّا نقطع بعدم قابلیته، ثمّ نشکّ فی قابلیته، وعدم قابلیته حتّی نستصحب عدم القابلیه المتیقنه سابقاً، وإنّما هذا الحیوان حینما وجد کان یُشکّ فی أنّه قابل، أو لیس قابلاً، فأسد البحر ----- مثلاً ------ حینما وُلد نحن نشکّ فی أنّه قابل، أو لا، أو هذا المتولّد من کلبٍ وشاه نشکّ من حینما وجد فی أنّه قابل للتذکیه، أو لا، فإذن: لا یجری استصحاب عدم التذکیه، لماذا ؟ (هذه نکته مهمّه) نحن نجری استصحاب عدم التذکیه من أیّ جهه ؟ التذکیه بمعنی فعل الذابح محرزه ----- بحسب الفرض ----- استصحاب عدم التذکیه من جهه القابلیه وعدم القابلیه، هذه الجهه هی الجهه المشکوکه، فلنترک استصحاب عدم التذکیه، ونتمسّک باستصحاب عدم القابلیه، هذا هو مقصوده، یقول: استصحاب عدم التذکیه من جهه الشکّ فی القابلیه وعدمه الذی هو بمعنی استصحاب عدم القابلیه لا یجری؛ لأنّ عدم القابلیه لیس لها حاله سابقه متیقنه، لیس لدینا حاله سابقه نستطیع أنْ نقول هذا الحیوان لیس قابلاً للتذکیه، والآن نشکّ ونستصحب عدماً متیقّناً سابقاً، فلا یجری استصحاب عدم قابلیه الحیوان للتذکیه.

ص: 155

إذن: المحقق النائینی(قُدّس سرّه) فصّل بحسب ما یُختار فی تفسیر وتحدید معنی التذکیه، إنْ کانت أمراً بسیطاً یجری استصحاب عدم التذکیه، وإلاّ فلا یجری. هذا خلاصه ما قال المحقق النائینی(قُدّس سرّه) .

درس الأصول العملیّه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

الکلام یقع فی النحو الثانی: وهو الشکّ فی الحلّیّه والحرمه من جهه الشکّ فی القابلیه وعدمها، وبنحو الشبهه الحکمیّه، والکلام یقع فی أنّه هل یمکن فی المقام إجراء استصحاب عدم التذکیه، أو لا یمکن ؟ والمقصود باستصحاب عدم التذکیه هو استصحاب عدم القابلیه؛ لأنّها هی الشیء المشکوک، وإلاّ التذکیه کأفعالٍ وشروط المفروض فی المقام تحققّها، بمعنی أنّ الحیوان قد ذُبح، وفُریت أوداجه بالحدید مع التسمیه والبسمله، هذا متیقن ولیس لدینا فیه شکّ، فنجری استصحاب عدم التذکیه بهذا المعنی، وإنّما المقصود باستصحاب عدم التذکیه یعنی التذکیه بالمعنی الشامل لقابلیه المحل التی ترجع بالحقیقه إلی استصحاب عدم القابلیه. هل یجری هذا الاستصحاب، أو لا ؟ نقلنا فی الدرس السابق کلاماً وتفصیلاً للمحقق النائینی(قُدّس سرّه).

نُعلّق علی هذا الکلام، ثمّ ننقل کلاماً آخر لبعض الأعلام، التعلیق قد لا یخرج عن کونه توضیحاً واستفهامات تُطرح فی المقام: بالنسبه إلی ما ذکره بناءً علی الاحتمال الأوّل فی تفسیر التذکیه، وهو أنّ التذکیه أمر بسیط مُسبَّب عن هذه الأفعال الخاصّه مع قابلیه الحیوان للتذکیه، فهی أمر بسیط، الآن نشکّ فی تحقق هذا الأمر البسیط ----- التذکیه ----- المسبّب عن مجموعه أفعالٍ بضمیمه قابلیه الحیوان للتذکیه، نشکّ فی أنّه هل تحققّ عندما فرینا أوداج هذا الحیوان بالشرائط المعتبره، لکن لا نحرز قابلیته للتذکیه، هل یتحقق هذا الأمر البسیط، أو لا ؟ هنا یقول: لا مانع من استصحاب عدم التذکیه. وبعباره أخری: عدم تحققّ هذا الأمر البسیط؛ لأنّه لا إشکال فی أنّه فی حال حیاه الحیوان قطعاً لم یکن هذا الأمر البسیط متحقّقاً، یعنی التذکیه بهذا المعنی لم تکن متحققّه قطعاً، ونشکّ فی تحققّها بعد ذلک، فنستصحب المتیّقنَ سابقاً وهو عدمَ تحققّ المعنی البسیط.

ص: 156

السؤال الذی یُطرح هو: أنّه(قُدّس سرّه) لم یُبیّن أنّ استصحاب عدم التذکیه بالمعنی البسیط هل هو بنحو العدم النعتی، أو هو بنحو العدم المحمولی الأزلی ؟ لکن یمکن أنْ یقال: أنّ الجواب عن هذا السؤال یرتبط ببحثٍ، حاصله: أنّ هناک کلاماً فی أنّه ما هو موضوع حرمه أکل اللّحم ؟ هل موضوعها هو عدم التذکیه المضاف إلی الحیوان ؟ أو موضوعها هو عدم التذکیه المضاف إلی زاهق الروح ؟ وهناک فرق بینهما وله ثمره عملیّه، فعلی الأوّل عندما یکون موضوع الحرمه هو عدم التذکیه المضاف إلی الحیوان؛ حینئذٍ لأجل أنْ لا نقع فی محذورٍ تقدّمت الإشاره إلیه وهو أنّه لم تثبت حرمه الأکل فی حال حیاه الحیوان، وقد تقدّم بحثه، أنّه لا دلیل علی حرمه أکل لحم الحیوان فی حال حیاته، فإذا قلنا أنّ موضوع الحرمه هو عدم التذکیه المضاف إلی ذات الحیوان، فهذا یوجب أنْ نحکم بحرمه الحیوان فی حال حیاته، فلابدّ حینئذٍ أنْ یُضاف جزءاً آخراً للموضوع وهو عباره عن زهاق الروح، فیکون موضوع الحرمه هو عباره عن مجموع أمرین، أحدهما: هو زهاق الروح، والآخر: هو عدم التذکیه، وکل منهما یکون مضافاً إلی الحیوان، بمعنی أنّهما أُخذا فی عرضٍ واحدٍ موضوعاً للحرمه، فکأنّه قیل: الحیوان إذا زُهقت روحه ولم یُذکِّ، فهو حرام؛ فحینئذٍ یصبح موضوع عدم التذکیه هو الحیوان، لکن بإضافه جزءٍ آخر أیضاً مضافاً إلی الحیوان وهو زهاق الروح. بناءً علی هذا الاحتمال؛ حینئذٍ لا مانع من استصحاب عدم التذکیه بنحو العدم النعتی، وجریان هذا الاستصحاب فی المقام لا یتوقّف علی القول باستصحاب العدم الأزلی، فحتّی لو لم نقل بجریان العدم الأزلی، مع ذلک فی المقام یصحّ أنْ نقول بجریان استصحاب عدم التذکیه، والسرّ فی ذلک هو أنّ هذا عدمٌ نعتی، ولیس عدماً أزلیاً، ووضوح أنّ هذا الموضوع ------ الحیوان ------ کان موجوداً وکان غیر مُذکّی جزماً، هذا عدم نعتی؛ إذ أننّا افترضنا أنّ موضوع الحرمه هو الحیوان، هذا الموضوع قطعاً کان موجوداً، وقطعاً لم تثبت له التذکیه فی حال حیاته، قبل ذبحه وزهاق روحه لم یُذکَّ قطعاً، فنستصحب هذا العدم الذی هو عدم نعتی؛ لأنّ الموضوع هو الحیوان، والحیوان موجود فی فترهٍ معیّنهٍ ولم تثبت له التذکیه، وهذا متیقّن عندنا، فنستصحب هذا العدم الثابت للموضوع وهو عدم نعتی ولیس عدماً أزلیاً ومحمولیاً، فإذن: بناءً علی هذا الاحتمال یجری الاستصحاب لا بنحو استصحاب العدم الأزلی، وإنمّا بنحو العدم النعتی. وبعباره أخری: تکون سالبه بانتفاء المحمول، یعنی موضوع ثابت ینتفی عنه المحمول، وهذا هو ملاک العدم النعتی.

ص: 157

وأمّا إذا قلنا بالرأی الثانی، أی قلنا بأنّ موضوع الحرمه هو زاهق الروح، فیکون زهاق الروح مع عدم التذکیه هو موضوع الحرمه، أی عدم التذکیه بما هو مضاف إلی زهاق الروح؛ حینئذٍ لابدّ أنْ یکون عدم التذکیه عدماً أزلیّاً، وعدماً محمولیّاً؛ لأنّ هذا الحیوان منذ زهاق روحه نحن نشکّ فی أنّه مُذکّی، أو غیر مُذکّی، لیس لدینا یقین بأنّ زهاق الروح متحققّ فی هذا الحیوان، ونعلم بعدم کونه مُذکّی حتّی نستصحب هذا العدم بنحو العدم النعتی، وإنّما هذا الحیوان منذ زهاق روحه هو مشکوک من حیث التذکیه وعدمها. نعم، عدم التذکیه ثابت له قبل زهاق الروح، وقبل تحققّ الموضوع، فیکون العدم عدماً أزلیّاً محمولیّاً لا نعتیّاً، یعنی عدم بانتفاء الموضوع وقبل تحققّ الموضوع، فیکون سالبه بانتفاء الموضوع، وهذا هو ملاک العدم الأزلی.

علی کلّ حال: من یبنی علی جریان الاستصحاب فی العدم الأزلی لا مشکله لدیه فی إجراء الاستصحاب فی محل الکلام؛ لأنّه إنْ کان بالنحو الأوّل، فالاستصحاب یکون بنحو العدم النعتی الذی لا إشکال فی جریانه، وأمّا إنْ کان بالنحو الثانی، فیجری الاستصحاب بنحو العدم الأزلی، فمن یبنی علی جریان الاستصحاب فی الأعدام الأزلیّه لا یواجه مشکله من إجراء استصحاب عدم التذکیه. هذا توضیح لمقطعٍ من کلامه.

الأمر الآخر: بالنسبه إلی الاحتمال الثانی فی معنی التذکیه وهو أنْ یکون المراد بالتذکیه هو مجموعه الأفعال الخاصّه مشروطه بقابلیه المحل، وذکر هو علی أنْ تکون قابلیه المحل لیست دخیله فی مفهوم التذکیه، وإنّما هی شرط فی تأثیر الأفعال الخاصّه فی حلّیّه اللّحم. فإذن: التذکیه کمفهوم لا یشمل القابلیه، لکنّ القابلیه شرط فیه. بناءً علی هذا الاحتمال قال: أنّ استصحاب عدم التذکیه لا یجری؛ لما ذکره من أنّ هذا الحیوان من أوّل وجوده یُشَکّ فی أنّه له قابلیه للتذکیه، أو لیس له قابلیه ؟ فإذن: لیس هناک حاله نتیقّن فیها بعدم ثبوت التذکیه لهذا الحیوان حتّی نجری استصحاب عدم التذکیه.

ص: 158

حینئذٍ یُطرح سؤال: لماذا لا نجری استصحاب عدم التذکیه بنحو العدم الأزلی ؟ هذا الذی ذکره صحیح بلحاظ العدم النعتی؛ لأنّ هذا الحیوان لم تمر علیه حاله ثبت له فیها عدم التذکیه، وقطعنا بأنّه لم یکن مُذکّی، ثمّ شککنا فی التذکیه، حتّی نستصحب عدم التذکیه المتیقّن بنحو العدم النعتی؛ بل هذا الحیوان من حین وجوده هو نشکّ فی أنّه قابل للتذکیه، أو لیس قابلاً لها، أسد البحر من حین وجوده نشکّ فی أنّه قابل للتذکیه، أو لیس قابلاً لها، والحیوان المتولّد من کلبٍ وشاه هو من حین أصل وجوده نحن نشک فی أنّه قابل للتذکیه، أو لیس قابلاً لها، إذن: متی نحرز عدم التذکیه ؟ هذا إشکال علی جریان استصحاب عدم التذکیه بنحو العدم النعتی؛ حینئذٍ یُطرح هذا السؤال: لماذا لا نجری استصحاب عدم التذکیه بنحو العدم الأزلی ؟ صحیح هذا الحیوان من حین وجوده هو مشکوک التذکیه، ولیس له حاله سابقه نتیقّن فیها بعدم تذکیته، لکن قبل وجود الحیوان یمکن استصحاب عدم التذکیه بنحو العدم الأزلی، ولو بنحو السالبه بانتفاء الموضوع الذی هو ملاک العدم الأزلی؛ وحینئذٍ نحکم بجریان استصحاب العدم الأزلی، ویترتّب علیه ما یترتّب علی استصحاب العدم فی الحاله السابقه وعلی الاحتمال الأوّل.

قالوا: بأنّ هذا الکلام صحیح، لکنّ جریان استصحاب العدم الأزلی فی محل الکلام یتوقّف علی إثبات أمرین، نحن نتکلّم بناءً علی أنّ المراد بالتذکیه هو الأفعال الخاصّه، والتذکیه شرط لتأثیر الأفعال الخاصّه فی حلّیّه اللّحم. فی هذه الحاله قال المیرزا(قدّس سرّه): (1) (لا یجری استصحاب عدم التذکیه؛ لأنّه لیست هناک حاله سابقه نتیقن فیها بکون الحیوان غیر مُذکّی). أمّا استصحاب العدم الأزلی، فلم یتعرّض له. هنا طُرح سؤال هو أنّه هل یمکن إجراء استصحاب العدم الأزلی ؟ أجابوا عنه بأنّه یمکن الالتزام بجریان استصحاب عدم التذکیه بنحو السالبه بانتفاء الموضوع بشرطین:

ص: 159


1- فوائد الأصول، إفادات المیرزا النائینی للشیخ الکاظمی الخراسانی، ج 3، ص 382.

الشرط الأوّل: أنْ یکون موضوع الحکم، وهو الحرمه، المرکّب من عدم التذکیه وزهاق الروح، أنْ یکون موضوعه هذین الجزئین المأخوذین فی الموضوع بنحو الترکیب، لا بنحو التوصیف، بمعنی أنّ زهاق الروح جزء من الموضوع، والجزء الآخر هو عدم التذکیه. هذا فی قبال أنْ یکون الجزءان مأخوذین فی الموضوع علی نحو التوصیف، بمعنی أنّ الحیوان الزاهق الروح المتّصف بعدم التذکیه، بحیث یکون اتّصاف زاهق الروح بالتذکیه دخیلاً فی الموضوع، لا ذات الجزئین. بناءً علی الأوّل إذا قلنا به؛ حینئذٍ یکون الکلام صحیحاً ویمکن إجراء استصحاب العدم الأزلی؛ إذ لا مانع أو محذور منه؛ لأنّ موضوع الحرمه هو عباره عن زهاق الروح زائداً عدم التذکیه، فیمکن أنْ نجری الاستصحاب فی عدم التذکیه بضمّه إلی الوجدان الذی یحرز لنا الجزء الأوّل وهو زهاق الروح، فیتألف موضوع الحکم بالحرمه؛ لأنّ موضوع الحکم بالحرمه هو زهاق الروح المحرز بالوجدان بحسب الفرض، وعدم التذکیه الذی یمکن إحرازه باستصحاب العدم الأزلی، فیتنقّح موضوع الحکم، ویُحکم بحرمه هذا الحیوان. وأمّا إذا کان المعتبر هو التوصیف، أُخذا علی نحو التوصیف فی موضوع الحرمه، بمعنی أنّ موضوع الحرمه هو عباره عن الحیوان الزاهق الروح المتّصف بعدم التذکیه، قالوا بأنّه هنا لا یمکن إجراء استصحاب العدم الأزلی؛ لأنّ ترتّب اتصاف زاهق الروح بعدم التذکیه علی استصحاب العدم الأزلی مبنی علی القول بالأصل المثبت؛ لأنّک تستصحب عدم التذکیه، اتّصاف زاهق الروح بهذا العدم، هذا إنّما یثبت باللازم، فالاستصحاب لا یثبت هذا الاتّصاف إلاّ بناءً علی القول بحجّیّه الأصل المثبت، بینما علی الأوّل لا یحتاج إلی الاتّصاف، هو فقط یثبت مفاده وهو عدم التذکیه؛ لأنّ المفروض أنّ الموضوع مرکّب من ذات الجزئین، زهاق الروح المحرز بالوجدان، وعدم التذکیه المحرز بالاستصحاب ولا نحتاج إلی أکثر من هذا، لا یتوقّف علی القول بالأصل المثبت، بینما إذا کان الموضوع مأخوذاً بنحو الاتّصاف، فاستصحاب العدم الأزلی لا یمکنه إثبات الاتّصاف، إلاّ إذا قلنا بالأصل المثبت.

ص: 160

الشرط الثانی: یتوقّف علی أنْ نقول ----- کبرویاً ----- بجریان الاستصحاب فی الأعدام الأزلیّه مطلقاً، أو لا أقل نقول بالتفصیل ------ کما اختاره جماعه من المحققّین ------ بین ما إذا کان الوصف الذی نرید استصحاب عدمه بنحو العدم الأزلی من لوازم الذات، من لوازم الماهیّه وثابت فی مرتبه الذات، وبین ما إذا کان الوصف الذی نرید استصحاب عدمه بنحو العدم الأزلی من لوازم الوجود، وثابت فی مرتبه الوجود. مثال الأول: الزوجیّه بالنسبه إلی الأربعه، فأنّها من لوازم الذات، من لوازم الماهیه، التفصیل یقول: إذا کان من لوازم الماهیّه وثابت فی مرتبه الذات، هنا لا یجوز استصحاب العدم الأزلی، وأمّا إذا کان من لوازم الوجود من قبیل القرشیه بالنسبه إلی المرأه، فهنا یجری استصحاب العدم الأزلی، ویُضاف إلی هذا التفصیل فی الصغری، أنّه فی محل الکلام نستصحب عدم التذکیه المقصود به عدم القابلیّه، أنْ نلتزم أنّ القابلیه من لوازم الوجود لا من لوازم الذات، فلکی یجری الاستصحاب فی المقام نحتاج إلی: إمّا أنْ نقول بجریان الاستصحاب فی الأعدام الأزلیّه مطلقاً، ولا یوجد فرق بین لوازم الوجود وبین لوازم الذات، فیجری. أو نقول بالتفصیل، لکن نلتزم بأنّ القابلیه التی نرید إجراء استصحاب عدمها بنحو العدم الأزلی هی من لوازم الوجود، وفی التفصیل یقول: إذا کان من لوازم الوجود یجری فیها الاستصحاب.

وأمّا إذا قلنا أنّ استصحاب العدم الأزلی أصلاً لا یجری کما هو مختار جماعه، أو قلنا بالتفصیل، لکن أنکرنا أنْ تکون القابلیه من لوازم الوجود، وإنّما من لوازم الماهیّه، فأیضاً لا یجری استصحاب العدم الأزلی. إذن: جریان استصحاب العدم الأزلی فی المقام یتوقّف علی إثبات أمرین، أحدهما: أنْ یکون الجزءان مأخوذان علی نحو الترکیب، لا علی نحو التوصیف، وثانیهما: أنْ نقول باستصحاب فی الأعدام الأزلیّه مطلقاً، أو بالتفصیل، مع الالتزام بأنّ القابلیه هی من لوازم الوجود لا من لوازم الذات؛ وحینئذٍ یتوقّف علی هذین الأمرین، وهذان الأمران محل کلامٍ ومحلّ خلافٍ ولیسا أمرین مسلمین عند الجمیع.

ص: 161

لکن هناک مشکله فی جریان استصحاب العدم الأزلی فی محل الکلام ولیس مطلقاً، وهذه المشکله ----- إذا تمّت ----- تمنع من جریان استصحاب العدم الأزلی حتّی إذا قلنا أنّ استصحاب العدم الأزلی یجری ولا مانع منه کبرویاً، أو قلنا بالتفصیل، أو أنکرنا التفصیل، لا علاقه له بالمختار فی مسأله استصحاب العدم الأزلی، حتّی إذا قلنا بجریان استصحاب العدم الأزلی مطلقاً، أو قلنا بالتفصیل وقلنا بأنّ القابلیه من لوازم الوجود، حتّی إذا قلنا بذلک، مع ذلک هناک مشکله فی خصوص المقام تمنع من جریان الاستصحاب، وهذه المشکله هی : بالتحلیل فرض المسأله هو الشکّ فی قابلیه الحیوان للتذکیه، وعدم قابلیته للتذکیه بنحو الشبهه الحکمیه، قابلیه الحیوان للتذکیه ماذا تعنی ؟ هی لا تعنی إلاّ أنّ الشارع حکم علی هذا الحیوان بحلّیه لحمه إذا ذُکی، لا أکثر، ونحن ننتزع من هذا الحکم عنوان القابلیه، وعدم القابلیه تعنی أنّ الشارع حکم علی هذا الحیوان بعدم حلّیه لحمه إذا ذُکّی، من هذا نفهم أنّ هذا الحیوان ----- الشاه، البقر، الجمل ----- قابل للتذکیه شرعاً، یعنی إذا ذُکی یحل لحمه، وهذا الحیوان لیس قابلاً للتذکیه، یعنی إذا ذُکّی لا یحل أکل لحمه، فقسّمنا الحیوانات إلی قسمین، قابل للتذکیه، وغیر قابل لتذکیه، هذه مجرّد عناوین لحکم الشارع بحلیه أکل لحم هذا عند ذبحه وفری أوداجه بالشرائط المعتبره، وعباره عن حکم الشارع بحرمه اللّحم عند تذکیه هذا، یعنی عندما تُفری أوداجه بالشرائط المعتبره، هذا هو معنی القابلیه، وعدم القابلیه.

إذن: واقع المطلب أنّ القابلیه وعدم القابلیه ترجعان إلی حکم الشارع، وحکم الشارع لیس عبثیاً؛ بل لابدّ أنْ تکون فی الحیوان الذی حکم الشارع علیه بقابلیه التذکیه وبحلیه لحمه عندما یُذکّی، أنْ تکون فیه خصوصیّه أوجبت ذلک، ومن غیر المعقول أنْ لا نقول بذلک؛ لأننّا إذا لم نقل بذلک، فهذا معناه أنّ فری الأوداج بالشرائط المعتبره یوجب حلّیّه اللحم، بینما الشارع فرّق فی ذلک بین هذا وبین هذا، فی هذا قال نفس العملیه التی تُجری علی هذا التی توجب حلّیه لحمه، فی هذا قال أنّ هذه العملیه إذا جرت علی هذا لا توجب حلّیه اللّحم، إذن: لماذا اختصّ هذا بهذا الحکم، إذا صارت تذکیته موجبه لحلّیه لحمه، ففیه خصوصیّه تستوجب ذلک، ولنفترض خصوصیه کونه غنماً، هذه خصوصیه موجوده فی هذا الحیوان تقتضی حلّیه لحمه بعد ذبحه، أو خصوصیّه أعمّ من کونه غنماً، ولنفترض أنّ الخصوصیه هی کونه حیواناً أهلیاً لا وحشیّاً، هذه خصوصیّه فی لحم الغنم ویشارکه فیها غیره، هذه أوجبت أنْ یکون ذبحه وفری أوداجه موجباً لحلّیه لحمه. هذه الخصوصیه لیست موجوده فی السباع، وإذا کانت غنماً، لیست موجوده فی غیر الغنم، إذا کانت الخصوصیه هی کونها أهلیه، فهی لیست موجوده فی الوحشیه. هذا معناه فی الحقیقه أنّ شکّنا فی القابلیه وعدم القابلیه یرجع إلی الشکّ فی أنّ هذا الحیوان(أسد البحر)، أو الحیوان المتولّد من کلبٍ وشاه هل توجد فیه الخصوصیّه التی تکون موجبه لحلّیه أکل لحمه عند فری أوداجه، أو لیست فیه هذه الخصوصیه ؟ شکّنا یرجع إلی هذا، هل هذا فیه تلک الخصوصیه، أو لیس فیه تلک الخصوصیه، الشک فی الحقیقه یرجع إلی الشکّ فی وجود الخصوصیه وعدم وجود الخصوصیه، ولا نعلم ما هی الخصوصیّه حتّی تکون الشبهه حکمیه، لا أنْ تکون الخصوصیه موجوده فی هذا، أو لا مع العلم بها، هذه تکون شبهه موضوعیه وسیأتی الکلام عنها. یدور أمر الخصوصیه بین أنْ تکون خصوصیه موجود فی هذا الحیوان الذی نشکّ فیه، أو خصوصیه غیر موجوده فی هذا الحیوان الذی نشکّ فیه. (مثلاً) إذا ذبحنا حماراً، أو خیلاً، وشککنا فی أنّه یقبل التذکیه، أو لا یقبلها، بنحو الشبهه الحکمیه، هذا الشک مرجعه کما قلنا إلی الشک فی أنّ الخصوصیه التی توجب حلّیه اللّحم عند تحققّها موجوده، أو لا ؟ نقول: إنْ کانت الخصوصیه هی کونه غنماً ----- مثلاً ----- أو کونه بقراً، أو کونه جملاً، فهی لیست موجوده فیه حتماً، فأنّ خصوصیته هی کونه خیلاً. نعم، إنْ کانت الخصوصیه التی أوجبت الحکم بحلّیه أکل لحم الغنم عندما یُذبح لیست هی کونه غنماً، وإنّما هی کونه حیواناً أهلیاً، هذه الخصوصیه موجوده فی هذا، فیُحکم بحلّیه أکل لحمه.

ص: 162

إذن: شکّنا فی الحقیقه أنّ الخصوصیه التی أوجبت حلّیه اللّحم فی حیوانات نعلم بأنّها محللّه الأکل، هل هی موجوده هنا، أو لیست موجوده هنا ؟ إنْ کانت الخصوصیه فی مثالنا هی الغنمیه، والبقریه، وأمثال هذه الأمور، فهی لیست موجوده قطعاً، وأمّا إذا کانت أوسع منها، کما لو کانت هی کونها حیواناً أهلیّاً، فهی موجوده قطعاً. إذن: یدور أمر الخصوصیه بین ما یُقطع بوجوده، وبین ما یُقطع بانتفائه، فی مثل هذه الحاله لا یجری الاستصحاب، حتّی لو قلنا بجریان الاستصحاب فی الأعدام الأزلیه، أو قلنا بالتفصیل المتقدّم، لا علاقه له بهذا البحث، هذه الخصوصیه یدور أمرها بین أنْ تکون مقطوعه الثبوت ، وبین أنْ تکون مقطوعه الانتفاء، إنْ کانت غنمیه فهی مقطوعه الانتفاء، وإن کانت هی کونها أهلیّه فهی مقطوعه الثبوت، فکیف نُجری الاستصحاب ؟

درس الأصول العملیّه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

کان الکلام فی الشبهه الحکمیّه، وذکرنا آراء المحقق النائینی(قدّس سرّه) وذکرنا بأنّ الصحیح فی الشبهه الحکمیّه هو عدم جریان استصحاب عدم التذکیّه، بقطع النظر عن ما نختاره فی استصحاب العدم الأزلی، فالقضیّه لیست مبنیّه علی القول باستصحاب العدم الأزلی، فحتّی لو قلنا بجریان استصحاب العدم الأزلی مطلقاً وبلا تفصیل، مع ذلک فی خصوص المقام نقول أنّ الاستصحاب لا یجری؛ لما أشرنا إلیه فی الدرس السابق من أنّ الشک فی القابلیه مرجعه فی الحقیقه إلی الشک فی أنّ الخصوصیه الموجوده فی هذا الحیوان المذبوح الذی نشکّ فی قابلیته للتذکیه وعدمها، هل اعتبرها الشارع؟ هل هی خصوصیّه موجبه لحلّیّه اللّحم علی تقدیر التذکیه، أو لا؟

ص: 163

إنْ قلنا أنّ حکم الشارع بالقابلیه، یعنی حکمه بحلّیه اللّحم علی تقدیر التذکیّه، وأنّ هذا الحکم لا یأتی اعتباطاً، وإنّما ینشأ من وجود خصوصیّه فی الحیوان؛ فلأنّ هذا الحیوان فیه هذه الخصوصیّه، کانت تذکیّته موجبّه لحلّیه لحمه؛ ولأنّ ذاک الحیوان لا توجد فیه هذه الخصوصیّه؛ لذا لم تکن تذکیته موجبه لحلّیه لحمه، فعندما نشک فی حیوان علی نحو الشبهه الحکمیّه، فهذا معناه أنّ الخصوصیّه موجوده فی هذا الحیوان؛ لأنّ الشبهه لیست موضوعیه، وإنّما هی شبهه حکمیّه، أنّ الخصوصیه الموجوده فی هذا الحیوان هل توجب حلّیه اللّحم علی تقدیر التذکیه، أو لا ؟ حتّی تکون الشبهه حکمیّه، مثلاً الخیل المذبوحه، خصوصیه الخیلیّه متوفّره فیها، وهی خصوصیه معروفه، وهی أنّه حیوان أهلی، لکننا لا نعلم أنّ الخصوصیه التی توجب حلّیه اللّحم علی تقدیر التذکیه هی خصوصیه کونه أهلیاً حتّی تکون موجوده فی هذا الحیوان، ویُحکم بحلّیه لحمه، أو أنّ الخصوصیه هی لیست کونه أهلیّاً، وإنّما الخصوصیه هی کونه ----- فرضاً ----- غنماً، أو بقراً، أو کونه من الدواب الثلاثه المعروفه، هذه هی الخصوصیه التی اوجبت حلّیه اللّحم علی تقدیر التذکیّه، هذه الخصوصیّه لیست موجوده فی هذا الحیوان المشکوک.

إذن: مرجع الشکّ فی القابلیه وعدمها إلی الشکّ فی أنّ الخصوصیّه الموجوده فی الحیوان المذبوح هل هی موجبه لحلّیه اللّحم علی تقدیر التذکیه، أو لا؟ إذا أرجعنا هذا الشکّ إلی هذا الشکّ؛ حینئذٍ یتبیّن أنه لا یصح إجراء استصحاب عدم الخصوصیّه؛ وذلک لأنّ الخصوصیه مردّده بین ما هو مقطوع البقاء، وبین ما هو مقطوع الانتفاء، الخصوصیه إنْ کانت خصوصیه غنمیّه وبقریّه وأمثالها، فهی مقطوعه الانتفاء فی الخیل، وإنْ کانت الخصوصیه هی کونه أهلیاً فهی مقطوعه البقاء، فما معنی أنْ نجری الاستصحاب فی الخصوصیه ؟ هل نجری أصاله عدم الخصوصیه الغنمیه ؟ لیس لدینا شکّ فی هذه الخصوصیه حتّی نستصحب عدمها؛ لأننّا نقطع بعدم کونه من الغنم، فلا معنی لاستصحاب عدم هذه الخصوصیه، کما لا معنی لإجراء الاستصحاب بلحاظ خصوصیه الأهلیّه، یعنی استصحاب عدم کونه حیواناً أهلیاً؛ لأننّا نقطع بوجود هذه الخصوصیه، ونقطع بأنّ هذا حیوان أهلی. إذن: واقع الخصوصیه مردّد بین ما یکون معلوم الوجود، وبین ما یکون معلوم الانتفاء، فلا مجال لجریان الاستصحاب فی الخصوصیه.

ص: 164

أمّا العناوین، کعنوان الخصوصیه وغیره، فلیس لها دخل فی الحکم الشرعی، هذه العناوین هی عناوین انتزاعیه لیست دخیله فی الحکم الشرعی، وإنّما الدخیل فی الحکم الشرعی هو واقع الخصوصیه، وأمّا عنوان الخصوصیه، فلیس له دخل فی الحکم الشرعی، فبلحاظ ما یکون دخیلاً فی الحکم الشرعی لا یجری الاستصحاب، وفی المقام لا یجری استصحاب عدم الخصوصیه الذی یرجع إلیه استصحاب عدم القابلیه. وهذا لا یُفرّق فیه بین أنْ نقول بجریان الاستصحاب فی العدم الأزلی، أو لا نقول بجریانه. هذا ما یرتبط بکلام المحقق النائینی(قدّس سرّه) مع بعض التعلیقات علیه.

ذکر المحقق العراقی(قدّس سرّه) فی نهایه الأفکار (1) نفس ما ذکره المحقق النائینی(قدّس سرّه) تقریباً، أنّ التذکیّه إنْ کانت أمراً بسیطاً یجری استصحاب عدم التذکیّه، وإنْ کانت أمراً مرکّباً من هذه الأفعال الخاصّه، وکانت القابلیه شرطاً فی تأثیر هذه الأفعال الخاصّه فی حلّیه اللّحم بحیث تکون القابلیه خارجه عن مفهوم التذکیه، وإنّما هی مأخوذه علی نحو الشرطیّه والقیدیّه، هنا أیضاً قال بعدم جریان استصحاب عدم التذکیه کما ذکر المحقق النائینی(قدّس سرّه).

نعم، هو أضاف معنیً ثالثاً فی معنی التذکیه غیر الاحتمالین الذین ذکرهما المحقق النائینی(قدّس سرّه)، وهذا الاحتمال هو نفس الاحتمال الثانی، لکنّه افترض أنّ القابلیه مأخوذه علی نحو الجزئیّه ولیس علی نحو الشرطیّه، فیکون الفرق بین الثانی والثالث هو أنّهما یشترکان فی أنّ التذکیّه أسم لهذه الأفعال الخاصّه من فری الأوداج وغیرها، لکن القابلیه تاره تؤخذ بنحو الشرطیّه فتکون خارجه عن مفهوم التذکیه کما فی الاحتمال الثانی، وتاره تکون جزءاً من مفهوم التذکیه، فتکون داخله فی مفهوم التذکیه بحیث یکون مفهوم التذکیه عباره عن مجموع الأفعال زائداً قابلیه الحیوان للتذکیّه. ذکر الاحتمال الثالث، وذکر أنّ حکمه هو نفس حکم الاحتمال الثانی، وهو عدم جریان استصحاب عدم التذکیّه، والتعلیل هو نفس التعلیل السابق، وهو عدم وجود حاله متیقنه کان فیها الحیوان وکنّا نحرز عدم التذکیه؛ لأنّنا أخذنا القابلیه قیداً، أو شرطا،ً حتّی نستصحب عدم القابلیه، لم یمر علی الحیوان زمان نقطع فیه بعدم التذکیّه؛ لأنّ الحیوان حینما وجد هو یُشک فی کونه مذکّی، أو غیر مذکّی، فأیّ عدم نستصحبه ؟ بعد وجود الحیوان لیس لدینا یقین بعدم التذکیه، لأنّ هذا الحیوان حینما وجد هو مشکوک فی کونه مذکّی، أو غیر مذکّی، وفی کونه قابلاً للتذکیه، أو غیر قابلٍ لها، فلیس لدینا یقین بعدم تذکیه هذا الحیوان حتّی نقول أننّا نشکّ الآن، فنستصحب عدم التذکیه، أو عدم القابلیه المتیّقن فی زمان وجود الحیوان، فقال(قدّس سرّه) بأنّ هذا یمنع من جریان الاستصحاب.

ص: 165


1- نهایه الأفکار، تقریر بحث آقا ضیاء للبروجردی، ج 2، ص 256.

الکلام هو الکلاممع إضافه، وهی أنّ الاحتمال الثالث الذی ذکره المحقق العراقی(قدّس سرّه) یبدو أنّه لیس محتملاً حتّی ثبوتاً، فکون القابلیه شرطاً فی التذکیه هو أمر معقول، فتکون خارجه عن مفهوم وحقیقه التذکیه، أمّا أنْ تکون القابلیه جزءاً من مفهوم التذکیه، فهذا لیس مقبولاً؛ لأنّه لا معنی لأنْ یقال أنّ قابلیه التذکیه جزء من مفهوم التذکیه؛ إذ أنّ قابلیه الحیوان للتذکیه هی شیء غیر التذکیه، القابلیه لا تکون جزءاً من مفهوم التذکیه، وإنّما الذی یکون جزءاً من مفهوم التذکیه هو التذکیه بمعنی فری الأوداج وأمثالها من الأمور، أما القابلیه للتذکیه، فهی خارجه عن مفهوم التذکیه ولیست جزءاً منه؛ ولذا الأصح هو أنْ یقال أنّ الاحتمال الثانی هو أنّ القابلیه غیر التذکیه، فتکون شرطاً فیها وهو الاحتمال الثانی المتقدّم، لا أنّ القابلیه جزء من التذکیه؛ لأنّ القابلیه للتذکیه غیر التذکیه، ولا تکون جزءاً من مفهوم التذکیه.

ثمّ المحقق العراقی(قدّس سرّه) اختار الاحتمال الثانی کالمحقق النائینی(قدّس سرّه) الذی قال بأنّه إما أنْ یکون أمراً بسیطاً، أو أمراً مرکباً، واختار أنّه أمر مرکب، وهذا أیضاً بحث فقهی، بحث استنباطی من الأدلّه، أننّا ماذا نفهم منها، هل التذکیه أمر بسیط، أو أنّها أمر مرکب ؟ أی عباره عن الأفعال الخاصّه، هذا بحث استنباطی فقهی، هو اختار الاحتمال الثانی کالمحققّ النائینی(قدّس سرّه).

والأمر الآخر هو أنّه نصّ علی أنّ استصحاب عدم القابلیه بنحو العدم الأزلی لا یجری، (1) باعتبار أنّ المختار فیه هو التفصیل بین ما إذا کانت الصفه من لوازم الماهیه، وبین ما إذا کانت من لوازم الوجود، وهذا الاستصحاب لا یجری إلاّ إذا کانت الصفه من لوازم الوجود، وهو یری أنّ القابلیه لیست من لوازم الوجود، وإنّما هی من لوازم الماهیّه؛ لذا یقول حتّی لو قلنا بجریان استصحاب العدم الأزلی، فهو لا یجری فی المقام؛ لأننّا لا نقول بجریانه مطلقاً، وإنّما نقول بجریانه حینما تکون الصفه المشکوکه من لوازم الوجود، والقابلیه فی محل الکلام لیست من لوازم الوجود، وإنّما هی من لوازم الماهیّه. هناک کلمات أخری لمحققّین آخرین کالمحققّ الأصفهانی(قدّس سرّه) لا داعی للتعرّض لها، فنکتفی بهذا المقدار فی الشبهه الحکمیّه.

ص: 166


1- نهایه الأفکار، تقریر بحث آقا ضیاء للبروجردی، ج 2، ص 258.

الآن ننتقل إلی الشبهه الموضوعیه: مثال الشبهه الموضوعیّه هو ما إذا علمنا بأنّ الغنم قابل للتذکیه، وأنّ الخنزیر لیس قابلاً للتذکیه، لکننّا لا نعلم أنّ هذا الّلحم الموجود أمامنا، هل هو لحم شاهٍ حتّی تکون قابلیه التذکیه موجوده فیه، أو هو لحم خنزیر ؟ وهذا الشک هو شکّ فی شبهه موضوعیّه، سببّها ---- فرضاً ---- ظلمه الهواء، فلا یعلم بسبب هذه الظلمه بأنّ هذا اللّحم لحم خنزیر، أو لحم شاه ؟ أو أنّ هذا الحیوان قد ذُبح بشکلٍ بحیث تقطّعت أوصاله وأصبح قطعاً صغیره من اللّحم، فلا یُمیّز بین لحم الخنزیر وبین لحم الشاه، فیُشکّ بأنّ هذا اللّحم المذبوح والمُذکّی هل هو لحم شاه حتّی یکون حلالاً، أو هو لحم خنزیر حتّی لا یکون حلالاً، أو أنّه لحم سباعٍ حتّی لا یکون حلال الأکل؟

مثال آخر لهذه الشبهه الموضوعیّه: وهو ما إذا علمنا أنّ الخصوصیه التی حکم الشارع بأنّ الحیوان الواجد لها یحلّ أکله إذا ذُکّی، علمنا أنّ هذه الخصوصیه هی کونه أهلیّاً، لکننّا نشکّ فی کون هذا اللّحم المُذکّی الموجود فی الخارج لحم حیوان أهلی حتّی تکون الخصوصیه موجوده فیه، وبالتالی یُحکم بحلّیه لحمه، أو هو حیوان وحشی، حتّی لا یکون قابلاً للتذکیّه، وبالتالی لا یحل أکله ؟ هذه هی أیضاً شبهه موضوعیّه؛ إذ لیس لدینا شک من جهه الشارع، فنحن نعلم بأنّ هذه الخصوصیّه توجب حلّیه اللّحم علی تقدیر تذکیته، والوحشیّه لا توجب ذلک، لکنّنا نشکّ فی أنّ هذا اللّحم هل هو لحم حیوان وحشی، أو لحم حیوانٍ أهلی، بنحو الشبهه الموضوعیّه.

ص: 167

الذی یظهر من کلمات المحققّین، خصوصاً المحقق العراقی(قدّس سرّه) أنّ نفس ما تقدّم فی الشبهه الحکمیّه یجری فی المقام، وصرّح(قدّس سرّه) بأنّه لا فرق بین الشبهتین.

لکن یمکن أنْ یقال: أنّ هناک فرقاً بین الشبهه الحکمیّه وبین الشبهه الموضوعیّه، وهذا الفرق یظهر بناءً علی الاحتمال الثالث الذی ذکره المحقق العراقی(قدّس سرّه) ------ إذا تعقّلناه ----- وهو أنْ تکون القابلیه جزءاً من مفهوم التذکیه، لا أنّها مأخوذه علی نحو الشرطیّه؛ بل إنّما تکون مأخوذه علی نحو الجزئیه، فی هذه الحاله، فی الشبهه الموضوعیّه یمکن استصحاب عدم تلک الخصوصیه بنحو العدم الأزلی، بخلاف الشبهه الحکمیّه المتقدّمه، فأنّه هناک کان لا یجری استصحاب عدم الخصوصیه علی ما تقدّم، والفرق یکمن فی أنّه فی الشبهه الموضوعیّه عندما نشکّ فی الخصوصیه یمکن استصحاب عدمها، وذلک لأنّ الشکّ فی وجود الموضوع شکّ فی وجود الخصوصیه، وهذا الوجود مسبوق بالعدم، ولو العدم الأزلی ولیس العدم النعتی، فأننّا لا نحرز العدم النعتی، فلیس لدینا یقین بأنّ هذا الحیوان وجد ولم تکن فیه هذه الخصوصیه، بعد وجود الحیوان لیس لدینا یقین؛ لأنّ الحیوان حینما وجد هو مشکوک من حیث أنّ فیه هذه الخصوصیه، أو لیس فیه هذه الخصوصیه، وهل أنّه قابل للتذکیه، أو لیس قابلاً لها، لکن بنحو العدم الأزلی یمکن استصحابه، بأن نستصحب عدم الخصوصیّه بنحو العدم الأزلی، حیث لا مانع منه فی الشبهه الموضوعیّه؛ لأنّ الشکّ فی وجود الخصوصیه، وهذا الوجود مسبوق بالعدم، ولو بنحو العدم الأزلی، ولو بنحو السالبه بانتفاء الموضوع، فلا مانع من استصحابه بناءً علی المبانی فی استصحاب العدم الأزلی، فإذا قلنا بجریان استصحاب العدم الأزلی مطلقاً، فأنّه یجری فی المقام، وإذا قلنا بالتفصیل المتقدّم، فیجری فی المقام إذا کانت الخصوصیه من لوازم الوجود لا من لوازم الماهیّه.

ص: 168

وأمّا فی الشبهه الحکمیه، فلا یجری استصحاب العدم الأزلی، باعتبار أنّ الشکّ فی الشبهه الحکمیّه لیس فی وجود الموضوع، أی لیس فی وجود الخصوصیه، وإنّما الشکّ هو فی موضوعیّه هذا الموجود، الشکّ هو فی أنّ هذا الموجود الذی لا شکّ فیه، هل هو موضوع لحلّیه اللّحم علی تقدیر التذکیه، أو لیس موضوعاً ؟ فالشک فی المقام هو فی موضوعیه الموجود لا فی وجود الموضوع، ومن هنا لا شکّ فی الشبهه الحکمیّه فی الخصوصیه، حیث فی الشبهه الحکمیّه نعلم بأنّ هذا الحیوان خیل، وأنّه حیوان أهلی، وإنّما الشکّ هو فی أنّ الأهلیه هل ثبت أنّها موضوعاً لحلّیه اللّحم علی تقدیر التذکیه، أو لا ؟ لیس الشکّ فی وجود الخصوصیه حتّی نستصحب عدمها، ولو بنحو العدم الأزلی کما فی الشبهه الموضوعیّه، وإنّما الموضوع محرز، بمعنی أنّ هذه الخصوصیه نعلم بوجودها بلا إشکال، وإنّما نشکّ فی حکمها الشرعی، وهل اعتبرها الشارع خصوصیه موجبه لحلّیه اللّحم، أو لا ؟ فلا مجال لجریان الاستصحاب فی الشبهات الحکمیّه، بینما هناک مجال لإجراء الاستصحاب فی الشبهه الموضوعیّه.

قلنا بأنّ جریان الاستصحاب فی الشبهه الموضوعیّه بنحو العدم الأزلی یبتنی علی أنْ لا تکون الخصوصیه من لوازم الماهیه، فإذا کانت من لوازم الوجود وقلنا بجریان استصحاب العدم الأزلی؛ فحینئذٍ یجری الاستصحاب، وأمّا إذا کانت من لوازم الماهیه، فالقول بجریان الاستصحاب فیها مبنی علی القول بجریان الاستصحاب فی العدم الأزلی مطلقاً.

نکتفی بهذا المقدار من النحو الثانی الذی هو عباره عن حلّیه اللّحم وعدم حلّیته من جهه الشکّ فی قابلیه التذکیه وعدمها، وهو النحو المهم فی هذا البحث؛ لأنّه فی هذا البحث بحثنا عن استصحاب عدم التذکیه، فأنّه إنّما یُتصوّر جریانه عندما یکون هناک شکّ فی القابلیه، فعندما نشکّ فی قابلیه الحیوان للتذکیه، فهذا الشکّ یکون موجباً للشک فی حلّیه اللّحم وعدم حلّیته؛ وحینئذٍ یقع هذا الکلام. وإلاّ قلنا أنّ النحو الأوّل خارج عن محل الکلام، ولا کلام لنا فیه بالنسبه إلی أصاله عدم التذکیه.

ص: 169

النحو الثالث: هو ما إذا کان الشکّ فی الحلّیّه والحرمه من جهه الشکّ فی طرو المانع، یعنی نحن نعلم بأنّ هذا الحیوان قد ذُکّی، ونعلم بأنّه قابل للتذکیه، إمّا بلحاظ کلا الأثرین، حلّیه اللّحم والطهاره، أو بلحاظ أحدهما، لکن بالنتیجه نعلم بأنّ هذا الحیوان قابل للتذکیه، فلیس لدینا شکّ فی أصل التذکیه، ولا فی قابلیه الحیوان للتذکیه، وإنّما نشک فی أنّه هل حدث مانع یمنع من تأثیر هذه القابلیه فی حلّیه اللّحم ؟ حیث هناک موانع تمنع من تأثیر التذکیه فی حلّیه اللّحم، حتّی فی الحیوان القابل، من قبیل الجلل، فأنّه یمنع من تأثیر الذبح والتذکیه فی حلّیّه اللّحم، فنشکّ فی أنّ هذا الحیوان هل هو من الحیوانات الجلاله، أو لا ؟ هذ أیضاً قد یکون بنحو الشبهه الحکمیّه، وقد یکون الشبهه الموضوعیّه. أمّا بنحو الشبهه الحکمیّه، فهو کما إذا شککنا فی أنّ الجلل مانع، أو لا، مع إحراز الجلل فی هذا الحیوان. وأمّا بنحو الشبهه الموضوعیّه فهو أنْ نشکّ فی تحققّ الجلل، مع العلم بکونه مانعاً

درس الأصول العملیّه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

کان الکلام فی النحو الثالث من أنحاء الشکّ فی حلّیه الحیوان وحرمته، وهو ما إذا کان الشکّ ناشئاً من الشکّ فی وجود المانع من التذکیه، إمّا بنحو الشبهه الحکمیّه التی کان فیها الکلام، وإمّا بنحو الشبهه الموضوعیّه، وکلامنا فعلاً هو فی الشبهه الحکمیّه، کما إذا شککنا فی أنّ الجلل مانع، أو لیس بمانع، مع فرض إحراز أنّ هذا الحیوان الذی نشکّ فی حلّیته وحرمته هو حیوان جلاّل، لکننّا نشکّ فی أنّ الجلل مانع شرعاً، أو لیس بمانع.

ص: 170

قلنا أخیراً بأنّ الصحیح هو أننّا تاره نفترض وجود دلیل اجتهادی یمکن الرجوع إلیه لنفی اعتبار عدم الجلل فی حلّیه أکل لحم الحیوان، أو لنفی أنّ الشارع اعتبر الجلل مانعاً، فإذا کان هناک إطلاق دلیل یثبت لنا أنّ الجلل لیس مانعاً، وأنّ عدم الجلل لم یؤخذ قیداً ولا جزءاً فی التذکیه والحلّیه؛ حینئذٍ یمکن الرجوع إلی هذا الدلیل لإثبات أنّ الجلل لیس مانعاً؛ وحینئذٍ یُلتزَم بتحقق التذکیه فی الحیوان، وبالتالی یکون مُحلّل الأکل.

وأمّا إذا فرضنا عدم وجود دلیلٍ اجتهادی یمکن أنْ نتمسّک به لنفی اعتبار عدم الجلل، فبقی الشکّ علی حاله، وبقینا نشکّ فی أنّ الجلل هل هو مانع، أو لیس بمانع ؟ فإنْ کان مانعاً، فهذا الحیوان غیر مُذکی، وبالتالی لا یکون حلالاً، وإنْ لم یکن مانعاً، فهذا الحیوان مُذکی، وبالتالی یکون حلالاً؛ حینئذٍ تصل النوبه إلی الأصول العملیه، وفی مقام تحدید ما هو الأصل العملی الذی یجری فی المقام یأتی هذا الکلام الذی أُشیر إلیه سابقاً، وهو أنّ هذا یختلف باختلاف ما نختاره فی تفسیر معنی التذکیه، فتاره نفترض أنّ التذکیه هی عباره عن مجموعه من الأفعال والشروط الخاصّه، نفس الأفعال، فری الأوداج بالحدید، واستقبال القبله، والتسمیّه.... وهکذا. وأخری نفترض أنّ التذکیه هی عباره عن أمرٍ بسیطٍ مُسَببّ عن هذه الأفعال، بمعنی أنّ هذه الأفعال تکون سبباً فی تحققّ هذا المفهوم البسیط المُعبّر عنه بالتذکیه، فبناءً علی الأوّل وأنّ المراد بالتذکیّه هی نفس الأفعال الخاصّه الخارجیّه وما یعتبر فیها؛ حینئذٍ لا مجال لاستصحاب عدم التذکیّه، باعتبار أننّا لا نشکّ فی التذکیه بهذا المعنی؛ لأنّ المفروض أننّا نحرز تحقق کل الأفعال الخاصّه، کما لاشکّ فی الجلل، فأننّا أیضاً نحرز تحقّقه فی الخارج وأنّ هذا الحیوان هو حیوان جلاّل.

ص: 171

إذن: لا معنی لجریان استصحاب عدم التذکیّه بهذا المعنی؛ لعدم الشکّ فی الأعمال والشرائط، فلا یوجد عندنا شکّ فی الأعمال والشرائط حتّی یجری استصحاب عدم التذکیّه؛ بل الأعمال کلّها محرزه، والجلل أیضاً محرز ------ بحسب الفرض ------ فلا مجال فی محل الکلام لاستصحاب عدم التذکیّه بهذا المعنی، بمعنی الأفعال الخاصّه الخارجیّه مع الشرائط المعتبره.

نعم، یمکن فی المقام الرجوع إلی ما ذکرناه سابقاً وهو استصحاب عدم اعتبار الجلل مانعاً شرعاً، بمعنی استصحاب أنّ الشارع لم یعتبر الجلل مانعاً شرعاً من التذکیّه؛ لأنّ الشکّ هو فی ذلک، فالشکّ لیس فی تحققّ الجلل، المفروض أنّ الشکّ هو فی مانعیه هذا الشیء المتحققّ، هل هو مانع؟ أو لیس بمانع ؟ یعنی هل اعتبره الشارع مانعاً من التذکیه، أو لا ؟ وقلنا أنّه یجری استصحاب عدم المانع، یعنی عدم اعتبار هذا الجلل مانعاً من التذکیه، باعتباره أمراً مشکوکاً مسبوقاً بالعدم، کما هو الحال فی استصحاب عدم الجعل الذی تکلّمنا عنه سابقاً، حیث أنّ استصحاب عدم الجعل لإثبات البراءه کان أحد الطرق لإثبات البراءه، والاستدلال علیها کان هو التمسّک باستصحاب عدم الجعل، بمعنی أننّا حینما نشکّ أنّ الشارع هل جعل هذا الحکم، أو لم یجعله ؟ نستصحب عدم جعل هذا الحکم الثابت قبل الشریعه، وهذا أیضاً جعل واعتبار، ونشکّ فیه، هل اعتبر الشارع الجلل مانعاً من التذکیه أو لا ؟ هذا أمر مسبوق بالعدم، فیمکن إجراء الاستصحاب فیه؛ وحینئذٍ یکون الحکم هو الحلّیه اعتماداً علی هذا الاستصحاب، وهو استصحاب عدم کون الجلل مانعاً من التذکیه، والمفروض أنّ بقیه الأمور کلّها محرزه، فیُحکم بتذکیه الحیوان، ویُحکم بحلّیته، ولو ناقشنا فی هذا الاستصحاب، ومنعنا من جریانه؛ فحینئذٍ لا مشکله فی إثبات الحلّیّه؛ لأنّه یمکن حینئذٍ التمسّک بأصاله الإباحه؛ لأنّ هذا حیوان نشکّ فی إباحته وحرمته، وأنّ لحمه هل هو مباح، أو لیس مباحاً ؟ وکل شیءٍ یُشکّ فی حرمته وحلّیته، فالأصل فیه هو الإباحه، فیمکن الرجوع إلی أصاله الإباحه، باعتبار أنّ هذا الحیوان یُشکّ فی حرمه أکل لحمه وإباحته؛ لأنّه إنْ کان الجلل مانعاً، فهو محرّم الأکل، وإلاّ، إذا لم یکن الجلل مانعاً، فلا یکون محرّم الأکل؛ بل یکون محلّل الأکل؛ لأنّه حاله حال سائر الأمور التی یُشکّ فی حرمتها وحلّیتها. هذا کلّه إذا کانت التذکیه عباره عن نفس الأفعال الخاصّه الخارجیّه.

ص: 172

وأمّا إذا کانت التذکیه عباره عن أمر بسیط یترتّب علی هذه الأفعال، فتکون هذه الأفعال سبباً لتحقّقه. فی هذه الحال الظاهر أنّه لا مانع من إجراء استصحاب عدم التذکیّه؛ لأننّا نشکّ فی تحققّ التذکیه بهذا المعنی، بالمعنی السابق لم یکن عندنا شکّ فی تحقق التذکیه؛ لأنّ المعنی السابق کان یقول أنّ التذکیه عباره عن الأفعال، ولا شکّ فی الأفعال، والشرائط أیضاً لا شکّ فیها، المحرزه والمحتمله، لکن عندما یکون المراد بالتذکیه هو النتیجه، الأمر الذی تکون هذه الأفعال سبباً لتحققّه، نحن بالوجدان نشکّ فی تحققّ هذا الأمر البسیط، ولا ندری أنّ هذا الأمر البسیط متحققّ، أو غیر متحقق ؟ لأنّه إنْ کان الجلل مانعاً، فهذا الأمر البسیط غیر متحققّ، وإنْ لم یکن مانعاً، فالأمر البسیط متحققّ، فعندنا شکّ وجدانی فی تحققّ هذا الأمر البسیط، وإذا شککنا فی تحققّ هذا الأمر البسیط، فالأصل عدمه؛ لأنّه أمر مسبوق بالعدم قطعاً، نشکّ فی تحققّه، فنستصحب العدم المتیقّن سابقاً، وهذا هو معنی استصحاب عدم التذکیّه، لکن استصحاب عدم التذکیّه بناءً علی أنّ المراد بالتذکیه أمر بسیط مسَببّ عن هذه الأفعال، فی قباله یوجد أمران:

الأمر الأوّل: ما ذکرناه من استصحاب عدم کون الجلل مانعاً من تحقق التذکیّه، باعتبار أنّ الشکّ فی التذکیه مسَببّ عن الشکّ فی اعتبار الشارع الجلل مانعاً، أو عدم اعتباره، لماذا نشکّ فی أنّ هذا الحیوان المذبوح مذکی، أو غیر مذکی ؟ لأننّا نشکّ فی أنّ الجلل مانع، أو لیس بمانع، والأصل الجاری فی الشکّ السببی یکون حاکماً علی الأصل الجاری فی الشکّ المسَببّی، فیکون استصحاب عدم التذکیّه ------ الذی قلنا لا مانع من جریانه أساساً ------ محکوماً باستصحابٍ هو عباره عن نفس الاستصحاب السابق الذی هو استصحاب عدم کون الجلل مانعاً من التذکیه شرعاً.

ص: 173

الأمر الثانی: یمکن إبراز استصحاب تعلیقی أیضاً یکون مقدماً علی استصحاب عدم التذکیّه علی بعض الآراء، أو یکون معارضاً له، وعلی کلا التقدیرین لا یجری استصحاب عدم التذکیّه، وهذا الاستصحاب التعلیقی یکون باعتبار أنّ هذا الحیوان قبل الجلل تصدق فی حقّه هذه القضیه الشرطیه، وهی أنّ هذا الحیوان لو ذُبح بالشرائط المعروفه لکان مذکی بلا إشکال، فنستصحب هذه القضیه الشرطیه، وهو معنی الاستصحاب التعلیقی، فنقول: هذا الآن کما کان سابقاً، فکما أنّ هذا سابقاً لو ذُبح لکان مذکی، الآن أیضاً کذلک لو ذبح لکان مذکی، ونحن نحرز الذبح بحسب الفرض بالأفعال والشروط المعتبره، فنقول أنّ هذا یکون مذکی، وهذا الاستصحاب التعلیقی، إمّا أنْ یکون معارضاً لاستصحاب عدم التذکیّه، وإمّا أنْ یکون مقدّماً علی استصحاب عدم التذکیّه بناءً علی أنّ الاستصحاب التعلیقی یکون حاکماً علی الاستصحاب التنجیزی کما هو أحد الآراء فی المسأله والذی اختاره صاحب الکفایه(قدّس سرّه)، والاستصحاب التنجیزی فی محل کلامنا هو استصحاب عدم التذکیّه؛ لأننّا قلنا لا مانع من جریانه، والاستصحاب التعلیقی هو أنّ هذا لو ذُبح قبل الجلل لکان مذکی، وهو الآن کما کان.

إذن: علی کل حال لا یمکن الالتزام بحرمه أکل لحم هذا الحیوان وبعدم کونه مذکّی، فالظاهر أنّه فی الشبهه الحکمیه بالنحو الثالث، علی کلّ التقادیر وعلی کلّ الاحتمالات لابدّ من الالتزام بالتذکیه وبالحلّیه، فیحکم بحلّیه هذا الحیوان، فی النحو الثالث بنحو الشبهه الحکمیه.

وأمّا إذا کانت الشبهه موضوعیه فی النحو الثالث، کما إذا شککنا فی أنّ هذا الحیوان جلاّل، أو لا، مع إحراز أنّ الجلل مانع من التذکیه، ولا شکّ لدینا من ناحیه الحکم الشرعی فی أنّ الجلل مانع، لکن لا نعلم أنّ هذا الحیوان الذی زهقت روحه هل هو جلاّل ؟ حتّی یکون غیر مذکّی ومحرّم الأکل، أو أنّه لیس بجلال ؟ حتّی یکون مذکّی ومحلّل الأکل.

ص: 174

هنا أیضاً نقول: تاره تکون التذکیه هی عباره عن نفس الأفعال الخاصّه الخارجیّه، التذکیه مرکّبه من مجموعه هذه الأمور الخارجیه؛ حینئذٍ یمکن إجراء استصحاب عدم الجلل، وهذا استصحاب لا مانع من جریانه فی المقام؛ لأنّ الجلل حاله مسبوقه بالعدم، فإذا شککنا فی تحققّها، فالأصل عدمها.

وبعبارهٍ أخری: أنّ هذا الحیوان قطعاً مرّ علیه زمان لم یکن جلاّلاً، والآن نشکّ فی أنّه صار جلاّلاً، أو لم یصر جلاّلاً، هل تعنون بعنوان(الجلاّل) أو لا ؟ الأصل هو عدم تحققّ الجلل، فیمکن إجراء استصحاب عدم الجلل، وبضم هذا الاستصحاب إلی ما نحرزه وجداناً ویقیناً من تحققّ الأفعال الخاصه والشروط المعتبره فی التذکیه؛ حینئذٍ یمکن إثبات التذکیه، وبالتالی إثبات حلّیه اللّحم؛ لأنّ التذکیه بحسب الفرض هی عباره عن مجموعه الأفعال زائداً عدم الجلل؛ لأنّ المفروض أننّا نعلم بأنّ الجلل مانع.

إذن: التذکیه هی عباره عن مجموعه الأفعال الخاصّه زائداً عدم الجلل، الأفعال الخاصّه والشروط الأخری غیر عدم الجلل نحرزها بالوجدان، وبحسب الفرض لیس لدینا شکّ فیها، وعدم الجلل المعتبر فی التذکیه بحسب الفرض نحرزه بالاستصحاب، وبذلک نحرز التذکیه بضمّ الوجدان إلی التعبّد(الاستصحاب) فنحرز التذکیه، وبالتالی حلّیه أکل لحم هذا الحیوان، فیجری استصحاب عدم الجلل وبضمّه إلی الوجدان یمکن إحراز التذکیه وبالتالی حلّیه الأکل. هذا إذا کانت التذکیه عباره عن نفس الأفعال الخاصّه والشروط المعتبره فیها.

وأمّا إذا قلنا أنّ التذکیه أمر بسیط مسَببّ عن الأفعال الخاصّه؛ حینئذٍ یمکن إثبات نفس الکلام السابق الذی قلناه فی الاحتمال السابق، لکن فیما إذا فرضنا أنّ هذا الأمر البسیط هو عباره حکمٍ شرعی، صحیح أنّ التذکیه هی أمر مسَببّ عن الأفعال الخاصّه، لکنّ هذا الأمر البسیط المسَببّ عن الأفعال الخاصّه هو جعل شرعی یتمثّل فی حکم شرعی، الشارع یحکم بالتذکیه عندما تتحققّ الأفعال الخاصّه، التذکیه غیر الأفعال الخاصّه، مترتّب علی الأفعال الخاصّه، لکنه عباره عن حکم شرعی، وجعل شرعی یُعبّر عنه بالتذکیه. بناءً علی هذا الکلام هو نفس الکلام السابق؛ لأنّ معنی هذا الکلام هو أنّ هناک جعلاً وحکماً شرعیّاً وهو التذکیه، نفترض أنّ التذکیه حکم شرعی، وموضوع هذا الحکم الشرعی الذی یترتّب علیه ترتّب الحکم علی موضوعه هو عباره عن الأفعال الخاصّه زائداً عدم الجلل الذی هو بمثابه الموضوع للتذکیه التی هی حکم شرعی، والتذکیه تترتّب علی الأفعال الخاصّه زائداً عدم الجلل ترتّب الحکم علی موضوعه؛ حینئذٍ یمکن إحراز هذا الحکم الشرعی بنفس ما قلناه سابقاً، بضمّ الوجدان إلی الاستصحاب؛ لأنّ موضوع هذا الحکم الشرعی هو الأفعال الخاصّه زائداً عدم الجلل، الأفعال والشرائط الخاصّه محرزه بالوجدان، وبحسب الفرض، وعدم الجلل یمکن إحرازه بالاستصحاب، فبضمّ استصحاب عدم الجلل إلی ما نحرزه وجداناً، نحرز موضوع هذا الحکم الخاص وهو التذکیه، فالتذکیه بناءً علی هذا تکون حکماً شرعیاً موضوعه مرکّب من هذین الجزئین، أحد الجزئین نحرزه بالوجدان، والآخر نحرزه بالاستصحاب، فنحرز موضوع الحکم الشرعی، فیترتب الحکم الشرعی علی موضوعه بعد إحرازه، فیجری استصحاب عدم الجلل، ویترتّب علیه بعد ضمّه إلی الوجدان هذا الحکم الشرعی. غایه الأمر أنّ الفرق بینه وبین ما تقدّم هو أنّه فیما تقدّم لم نقل أنّ التذکیه حکم شرعی یترتّب علی الأفعال؛ بل التذکیه هی نفس الأفعال، فیمکن إحرازها بضم الوجدان إلی التعبّد، هنا نقول أنّ التذکیه حکم شرعی موضوعه مرکّب من الأفعال زائداً عدم الجلل، فنستطیع أنْ نحرز موضوع هذا الحکم الشرعی بضمّ الوجدان إلی التعبّد.

ص: 175

وأمّا إذا قلنا أنّ التذکیه أمر بسیط مسَببّ عن الأفعال الخاصّه، لکنها لیست حکماً شرعیاً، وإنّما هی أمر تکوینی واقعی یترتّب علی الأفعال الخاصّه، حاله من الحالات التکوینیه الواقعیه تترتّب علی هذه الأفعال الخاصّه من قبیل ترتّب الموت علی إطلاق النار، فالموت أمر تکوینی واقعی ولیس جعلاً شرعیاً، التذکیه هی من هذا القبیل، أمر تکوینی واقعی یترتّب علی هذه الأفعال الخاصّه، إذا قلنا بذلک؛ حینئذٍ تختلف المسأله، فی هذه الحاله لا یمکن إجراء استصحاب عدم الجلل لإثبات الحلّیه کما هو المطلوب فی المقام، لا یمکن إجراء استصحاب عدم الجلل إلاّ بناءً علی القول بحجّیه الأصل المثبت، باعتبار أنّ التذکیه لیست من اللّوازم الشرعیه لعدم الجلل حتّی یمکن إثباتها باستصحاب عدم الجلل، وإنّما هی من اللّوازم المترتبه علی عدم الجلل، لازم تکوینی، حیث قلنا أنّها مسَببّ تکوینی لهذه الأفعال الخاصّه بما فیها عدم الجلل. إذن: هی أمر تکوینی یترتّب علی عدم الجلل زائداً الأفعال الخاصّه، فهل یمکن بإجراء استصحاب عدم الجلل أنْ نثبت هذا الأمر التکوینی ثمّ نثبت الأثر الشرعی الذی هو حلّیّه الأکل ؟ فحلّیه الأکل تترتّب علی التذکیه، والتذکیه بحسب الفرض تترتب علی الأفعال الخاصّه زائداً عدم الجلل، باستصحاب عدم الجلل لا یمکن إثبات هذا الأمر التکوینی ثمّ الانتقال إلی الأثر الشرعی؛ لأنّ هذا اصل مثبت، إثبات الحلّیه اعتماداً علی استصحاب عدم الجلل لا یکون تامّاً، إلاّ بناءً علی القول بحجّیه الأصل المثبت، فالاستصحاب لا تثبت به الأمور التی تترتب علیه عقلاً وتکویناً، وإنّما تترتّب علیه خصوص الأمور التی تترتّب علیه شرعاً، یعنی تترتّب علیه آثاره الشرعیه، عدم الجلل إذا کانت له آثار شرعیه تترتّب علی الاستصحاب، ولا یکون الاستصحاب مثبتاً، أمّا آثاره العقلیه والتکوینیه فهی لا تترتّب علی استصحاب عدم الجلل، ومن هنا لا یمکن إجراء استصحاب عدم الجلل لإثبات حلّیه الأکل فی محل الکلام؛ وحینئذٍ الظاهر أنّ الأصل الجاری فی المقام هو استصحاب عدم التذکیه، باعتبار أننّا نشکّ فی تحققّ هذا الأمر التکوینی المسَببّ عن الأفعال الخاصّه، لیس لدینا أصل یحرز لنا تحققّه، فنشکّ فی تحققّه، والأصل عدم تحققّه، وهو عباره عن استصحاب عدم التذکیّه، والمفروض أنّ الشبهه فی المقام موضوعیّه ولیست حکمیّه حتّی یجری استصحاب عدم جعل الشارع هذا مانعاً، لیس لدینا شکّ فی ذلک، قطعاً الجلل مانع شرعاً، وإنّما الشکّ فی تحققّه خارجاً، فتصل النوبه إلی استصحاب عدم التذکیّه، یعنی عدم الأمر المسَببّ، التذکیّه مسبوقه بالعدم، ونشکّ فی تحققّها والأصل عدم تحققّها.

ص: 176

إذن: لا یجری استصحاب عدم الجلل لغرض إثبات الحلّیه؛ لأنّه أصل مثبت، وتصل النوبه إلی استصحاب عدم التذکیه، باعتبار أنّ التذکیه حینئذٍ تکون أمراً مشکوکاً مسبوقاً بالعدم، فیجری استصحاب عدمها.

هذا تمام الکلام فی النحو الثالث.

درس الأصول العملیّه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّه/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

الکلام فی النحو الرابع من أنحاء الشکّ: وهو أنْ نفترض أنّ الشک فی حلّیّه الحیوان الزاهق الروح وحرمته ناشئه من الشکّ فی تحقق جمیع ما هو معتبر فی التذکیه، إمّا بنحو الشبهه الحکمیّه، أو بنحو الشبهه الموضوعیه، وکان کلامنا فیما إذا کان هذا الشکّ بنحوالشبهه الحکمیّه، ومثّلنا لذلک بما إذا شککنا فی شرطیه التسمیه فی التذکیه مع إحراز عدم التسمیه علی هذا الحیوان، وإلاّ إذا أحرزنا التسمیه؛ فحینئذٍ لا یوجد شکّ، فعلی تقدیر أنْ تکون التسمیه معتبره فهی متحققّه، وإنّما یکون الشک فی الحلّیه والحرمه فیما إذا أحرزنا عدم التسمیه، أی أننّا نعلم بأنّ هذا الحیوان المذبوح لم یُسمّ علیه حین ذبحه، وشککنا فی أنّ التسمیه معتبره أو لا، فإنْ کانت معتبره، فهذا الحیوان غیر مذکی، ولا یحل أکله، وإنْ کانت غیر معتبره، فهذا الحیوان حلال الأکل، فتکون هذه الشبهه شبهه حکمیّه.

فی هذه الشبهه الحکمیّه الظاهر أنّه یجری فیها نفس ما تقدّم فی الشبهه الحکمیّه من الشک فی النحو الثالث، وحاصل ما تقدّم أنّه إنْ کان هناک دلیل اجتهادی کالإطلاق وأمثاله یمکن الرجوع إلیه لنفی اعتبار ما یُشکّ فی اعتباره، أخذنا به، ونفینا اعتبار التسمیه فی التذکیه، ویترتّب علی ذلک أنّ هذا الحیوان یکون محلّل الأکل؛ لأنّ الدلیل دلّ علی أنّ التسمیه لیست معتبره فی التذکیه بحسب الفرض، ولا تصل النوبه إلی الأصول العملیه.

ص: 177

وأمّا إذا لم یکن مثل هذا الدلیل موجوداً؛ حینئذٍ تصل النوبه إلی الأصول العملیه؛ وحینئذٍ نفرّق بین التفسیرین المتقدّمین للتذکیه، فإنْ قلنا بأنّ التذکیه عباره عن نفس الأفعال الخاصّه والشرائط الخارجیه؛ حینئذٍ لا مجال لاستصحاب عدم التذکیه، لعدم الشکّ فی شیءٍ من هذه الأفعال والشرائط؛ لأنّ المفروض أننّا نحرز تحققّ جمیع الأفعال، والمفروض أننّا نحرز عدم التسمیه، فلا تجری اصاله عدم التذکیه، فالتذکیه عباره عن مجموع هذه الأفعال والشرائط، ولا یوجد شکّ فی هذه الأفعال والشرائط؛ بل المفروض أننّا نحرز جمیع الأفعال والشرائط، ونحرز أیضاً ونقطع بعدم التسمیه، فأین یجری الاستصحاب ؟ إذا فسّرنا التذکیه بذلک؛ فحینئذٍ لا مجال لجریان أصاله عدم التذکیه؛ لعدم الشکّ فی الأفعال والشرائط.

نعم، تقدّم أنّه یمکن إجراء استصحاب عدم اعتبار التسمیه فی التذکیه شرعاً؛ لأننّا نشکّ فی أنّ الشارع هل اعتبر التسمیه فی التذکیه، أو لم یعتبر ذلک ؟ هذا اعتبار مشکوک فیه، والأصل عدمه، وإذا جرت أصاله عدم اعتبار التسمیه فی التذکیه؛ حینئذٍ یمکن إثبات الحلّیه اعتماداً علی هذه الأصاله، وقد تقدّم أننّا لو ناقشنا فی هذا الأصل؛ فحینئذٍ یکون المرجع هو أصاله الحلّیه؛ لأنّه حیوان نشکّ فی حرمته وحلیته، ولا یوجد أصل یُنقّح لنا الحرمه، ولا أصل یُنقّح لنا الحلّیه، ولا دلیل اجتهادی بحسب الفرض؛ فحینئذٍ تصل النوبه إلی الأصل العملی الذی هو عباره عن أصاله الحلّیه، وهی أنّ کلَ شیء تشکّ فی حرمته وحلّیته، فهو لک حلال. هذا إذا کانت التذکیه عباره عن نفس الأفعال والشرائط.

وأمّا إذا کانت التذکیه أمراً بسیطاً مُسَببّاً عن الأفعال ویحصل بتحققّ هذه الأفعال والشرائط، فی هذه الحاله لا مانع ابتداءً من جریان أصاله عدم التذکیه؛ لأننّا نشکّ واقعاً فی تحققّ هذا الأمر البسیط وعدم تحققّه، علی تقدیر أنْ تکون التسمیه معتبره، فهذا الأمر البسیط غیر متحققّ، وعلی تقدیر أنْ تکون التسمیه غیر معتبره، فهذا الأمر البسیط متحققّ، فنشکّ فی تحققّ هذا الأمر البسیط خارجاً، وعدم تحققّه، وحیث أنّه أمر حادث مسبوق بالعدم، فیجری استصحاب عدمه، فلا مانع من جریان أصاله عدم التذکیه بناءً علی ذلک، لکننّا قلنا سابقاً فی النحو الثالث بأنّ هذا الشکّ فی تحقق التذکیه بهذا المعنی وعدم تحققّها هو مُسببّ عن الشکّ فی اعتبار التسمیه فی التذکیه شرعاً، فعلی تقدیر أنْ تکون التسمیه معتبره شرعاً، فالتذکیه غیر متحققّه فی الخارج، وعلی تقدیر أنْ لا تکون التسمیه معتبره فی التذکیه شرعاً، فالتذکیه متحققّه فی الخارج، منشأ الشکّ فی تحقق التذکیه وعدم تحققّها هو الشکّ فی أن التسمیه التی نعلم بعدم تحققّها بحسب الفرض هل هی معتبره، أو غیر معتبره ؟ والأصل الجاری فی الشکّ السببی یکون حاکماً ومقدّماً علی الأصل الجاری فی الشکّ المسببّی، وقد قلنا بجریان أصاله عدم اعتبار الشارع التسمیه فی التذکیه شرعاً، وهذا الأصل یکون حاکماً علی أصاله عدم التذکیه علی تقدیر جریانه کما هو الصحیح.

ص: 178

قبل أنْ ننتقل إلی الشبهه الموضوعیه هنا مطلب ذکره السید الخوئی(قدّس سرّه) یرتبط بالرجوع إلی الدلیل الاجتهادی، فقد قلنا أنّه إنْ کان هناک دلیل اجتهادی مثل إطلاق دلیل یمکن التمسّک به لنفی ما یُشکّ فی اعتباره، باعتبار أنّ الشبهه حکمیّه، أخذنا به. السید الخوئی(قدّس سرّه) له تعلیق علی ذلک (1) ، وحاصله:

أنّه یقول ما نصّه:(أنّ دعوی الرجوع إلی إطلاق دلیل التذکیه لنفی اعتبار الأمر المشکوک فیه غیر مسموعه؛ لأنّ التذکیه لیس أمراً عرفیاً حتّی یُنزّل الدلیل علیه، ویُدفع احتمال التقیید بالإطلاق کما کان الأمر کذلک فی مثل قوله تعالی:﴿أحل الله البیع﴾. (2) یقول(قدّس سرّه) البیع أمر عرفی یمکن تنزیل الدلیل علیه، فإذا شککنا فی اعتبار شیءٍ فیه، أو فی تقییده بشیءٍ، یمکن نفی التقیید بإطلاق الدلیل. أمّا التذکیه، فلیست أمراً عرفیاً، وإنّما هی أمر شرعی؛ وحینئذٍ لا یمکن تنزیل الدلیل علیه والتمسّک بالإطلاق لنفی التقیید المحتمل.

اعتُرض علی هذا الکلام: بأنّ التمسّک بالإطلاق لنفی القید لا یتوقّف علی عرفیّه المدلول، بأنْ یکون المدلول أمراً عرفیّاً؛ بل یکفی فی نفی القید بالإطلاق عرفیّه الدلاله، بأنْ تکون الدلاله عرفیه، ولا إشکال فی أنّ الدلاله العرفیه موجوده فی المقام؛ لأنّ السکوت عن القید فی مقام البیان یدلّ عرفاً علی انتفاء التقیید، وانتفاء القید، هذه دلاله عرفیه، ما دام المتکلّم فی مقام البیان، فإذا سکت عن بیان القید، یُفهم منه عرفاً عدم إراده القید، الدلاله عرفیه، لا نفترض أنّ التذکیه لیست أمراً عرفیاً، المدلول لیس أمراً عرفیاً، لکن نفی القید بالإطلاق لا یتوقف علی ذلک، وإنّما یُشترَط فیه أنْ تکون الدلاله علی الإطلاق وعدم إراده القید أمراً عرفیاً، وهذا أمر ثابت فی المقام؛ وحینئذٍ لا فرق بین أحلّ الله البیع، وبین التمسّک بدلیل التذکیه لنفی اعتبار ما یُشکّ فی اعتباره کالتسمیّه کما مثّلنا.

ص: 179


1- مصباح الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للبهسودی، ج 2، ص 313.
2- بقره/سوره2، آیه275.

أقول: فی مقام التعلیق علی هذا الکلام، یبدو ----- والله العالم ----- أنّ السید الخوئی(قدّس سرّه) یشیر إلی مطلبٍ آخر، وهو أنّ التمسّک بالإطلاق لنفی اعتبار ما یُحتمَل اعتباره، نفی القید المحتمل اعتباره، المشکوک الاعتبار إنّما یصح فی ما إذا شککنا فی اعتبار قیدٍ فی الموضوع لا یکون مقوّماً للموضوع، ولا مأخوذاً فی مفهومه؛ بل لا یُحتمل فیه ذلک، یعنی یعتبر فی التمسّک بالإطلاق أنْ لا نحتمل، فضلاً عن أنْ نعلم، بأنّ هذا القید الذی نشکّ فی اعتباره هو مقوّم للموضوع، ومأخوذ فی مفهومه، کما هو الحال فی مثال احتمال تقیید الرقبه بالإیمان فی قوله(اعتق رقبه)، فالإیمان لیس مقوّماً للرقبه؛ بل لا نحتمل أنّ الإیمان مقوّم للرقبه، أو مأخوذ فی مفهومها؛ حینئذٍ یصح التمسّک بالإطلاق لنفی القید؛ لأننّا نحرز انطباق مفهوم الموضوع علی الفرد الفاقد لذلک القید، وإنّما نشکّ فی اعتبار قیدٍ زائدٍ علی المفهوم، هل اعتبر فی الرقبه التی یجب عتقها أنْ تکون مؤمنه ؟ هذا القید علی تقدیر اعتباره هو قید زائد علی المفهوم، والمفهوم یصدق من دونه، ویُحرز صدقه علی الفرد الفاقد من دونه، وإنّما یُشکّ فی أنّ الشارع هل اعتبر قید الإیمان فی هذا المفهوم، أو لم یعتبر ذلک ؟ حینئذٍ من الواضح أنّه یجوز فیه التمسّک بالإطلاق ونفی اعتبار ذلک القید المشکوک الاعتبار. وأمّا إذا کان القید الذی نشکّ فی اعتباره دخیلاً فی المفهوم، ومأخوذاً فی مفهوم الموضوع، أو احتملنا أنّ القید الذی نشکّ فی اعتباره مأخوذ فی مفهوم الموضوع بحیث أنّ المفهوم علی تقدیر اعتباره لا یصدق علی الفرد الفاقد لذلک القید، فی هذه الحاله لا یکون التمسّک بالإطلاق جائزاً؛ لأنّ مثل هذا الشکّ مرجعه فی الحقیقه إلی صدق الموضوع؛ لأننّا نشکّ فی أنّ الموضوع متحققّ، أو غیر متحققّ؛ لأنّ القید نشکّ فی اعتباره، لکن المفروض أنّه دخیل فی مفهوم الموضوع، أو یُحتمل أنّه دخیل فی مفهوم الموضوع، فأننا لا نحرز انطباق الموضوع علی الفرد الفاقد للقید حتّی نتمسّک بالإطلاق لنفی اعتبار القید الزائد، وإنّما مرجع هذا فی الحقیقه إلی الشکّ فی تحققّ الموضوع، أنّ الموضوع أساساً ینطبق علی هذا الفرد الفاقد، أو لا ؟ وفی مثله من الواضح أنّه لا یجوز التمسّک بالدلیل لإثبات حکمه فی الفرد الفاقد، مع أنّ المفروض أننّا لا نحرز انطباق الموضوع علی ذلک الفرد الفاقد.

ص: 180

هذا المطلب مطلب کلّی، کأنّه ----- والله العالم ----- أنّ السید الخوئی(قدّس سرّه) یرید أنْ یُطبّق هذا فی محل الکلام، فیقول أنّ الموضوع إنْ کان أمراً عرفیاً من قبیل(أحلّ الله البیع) وکان القید المشکوک اعتباره لیس مقوّماً لهذا الموضوع العرفی، ولا مأخوذاً فی مفهومه؛ حینئذٍ یمکن التمسّک بالإطلاق لنفی اعتبار ذلک القید، کالإیمان بالنسبه إلی الرقبه. وأمّا إذا کان مقوّماً للموضوع، أو یُحتمل فیه ذلک، هنا لا یجوز التمسّک بالإطلاق، وکون الموضوع لیس عرفیّاً کما ادّعاه فی التذکیه حیث قال أنّ التذکیه لیست أمراً عرفیاً، وإنّما هو من المخترعات من قِبل الشارع، أمر تأسیسی ولیس عرفیاً، إذا کان الموضوع لیس عرفیاً، وإنّما کان تأسیسیاً، أو اختراعیاً من قِبل الشارع؛ حینئذٍ یکون حاله حال القید الذی نشکّ فی اعتباره مع احتمال کونه مأخوذاً فی مفهوم الموضوع؛ لأنّ الأمر الاختراعی هو عباره عن الشیء الذی اخترعه الشارع، فإذا شککنا فی أنّ التسمیه هل هی معتبره فی هذا الأمر الاختراعی، أو لا ؟ فأننّا لا نحرز انطباق هذا الأمر الاختراعی علی هذا الفرد الفاقد للتسمیه؛ لأنّ التسمیه علی تقدیر اعتبارها تکون دخیله فی الموضوع الاختراعی التأسیسی الذی جعله الشارع، بمعنی أنّ هذا المفهوم الاختراعی التأسیسی لا یصدق من دون التسمیه علی تقدیر اعتبار التسمیه، ولا نحرز صدقه علی الفرد الفاقد للتسمیه علی تقدیر اعتبارها، فیکون الشکّ حینئذٍ شکّاً فی صدق الموضوع المخترع التأسیسی، ومعه لا یصح التمسّک بالإطلاق لنفی اعتبار ما یُشکّ فی اعتباره، کأنّ السید الخوئی(قدّس سرّه) یُشیر إلی ذلک، فیقول بأنّ التذکیه لیست کالبیع، فالبیع أمر عرفی، والعرف یفهم ما هو المراد من البیع؛ حینئذٍ ما یشکّ فی اعتباره، إنْ کان یُحتمل، فضلاً عن ما إذا عُلم دخالته فی هذا الموضوع؛ فحینئذٍ لا یجوز التمسّک بالإطلاق. أمّا إذا أحرز الإنسان باعتباره هو العرف، بأنّ هذا القید المشکوک الاعتبار لیس دخیلاً فی مفهوم الرقبه کما هو واضح؛ فحینئذٍ یمکن التمسّک بالإطلاق، وإلاّ إذا احتمل دخالته لا یجوز التمسّک بالإطلاق؛ لأنّ هذا تمسّک بالدلیل فی الشبهه المصداقیه للدلیل، یعنی تمسّک بالدلیل مع عدم إحراز موضوعه الذی یُراد إثبات الحکم فیه تمسّکاً بذلک الدلیل، ومن الواضح أنّ التمسّک بالدلیل لإثبات حکمه هو فرع إحراز انطباق موضوعه علی ذلک الفرد، إذا کان الموضوع اختراعیاً ولیس عرفیاً کالتذکیه لا یجوز التمسّک بالدلیل؛ لأنّ أی شیء نشکّ فی اعتباره شرعاً یعنی نشکّ فی دخالته فی ذلک الموضوع المخترع، ولا نحرز انطباق ذلک الموضوع علی الفرد الفاقد لذلک الشیء الذی یُشکّ فی اعتباره.

ص: 181

هذا ما أراد السید الخوئی(قدّس سرّه) أنْ یقوله، وهذا الکلام له وجه، ولا علاقه له بعرفیّه الدلاله وعرفیه المدلول، هو یقول أنّ المدلول لابدّ أنْ یکون عرفیّاً بهذا المعنی فی مقابل الموضوع الاختراعی الذی یخترعه الشارع ویؤسّسه کما هو الحال فی التذکیه.

نعم، یمکن أنْ یُلاحظ علی ما ذکرهالسید الخوئی(قدّس سرّه) شیء آخر وهو أنْ یقال أنّ هذا الذی ذکره إنّما یتم فیما لو کان المدّعی هو التمسّک بالإطلاق اللّفظی لدلیل التذکیه فی محل الکلام؛ حینئذٍ یکون لهذا الکلام وجه، فیقال بأنّ التذکیه لیست أمراً عرفیاً، وإّنما هی أمر اختراعی، فأیّ شیء یُشکّ فی أخذه فی التذکیه شرعاً یمنع من التمسّک بالإطلاق. وأمّا إذا کان المقصود بالإطلاق الذی یمکن الرجوع إلیه هو الإطلاق المقامی ولیس الإطلاق اللفظی، بأنْ فرضنا أنّ الشارع هو فی مقام بیان التذکیه المخترعه التأسیسیه، لکن هو فی مقام بیان ما هی التذکیه التی یخترعها، وما هی الأمور المعتبره فی هذا المفهوم المُخترع، إذا فرضنا أنّه فی هذا المقام وسکت، ذکر الاستقبال وفری الأوداج، وذکر أنّ الذبح بالحدید وسکت عن التسمیه، هنا یمکن التمسّک بالإطلاق المقامی لنفی اعتبار التسمیه، هذا الإطلاق المقامی غیر الإطلاق اللّفظی، ذاک الکلام یأتی فی الإطلاق اللّفظی؛ لأنّ هناک نتمسّک بالدلیل الذی یثبت الحکم لموضوعه، هنا عندما نرید أنْ نتمسّک بهذا الدلیل لإثبات الحکم فی فردٍ لابد أنْ نحرز انطباق الموضوع علی ذلک الفرد حتّی یمکن التمسّک بالدلیل لإثبات حکمه فیه، وهذا غیر متحققّ فیما إذا کان الموضوع مفهوماً اختراعیاً تأسیسیاً، أمّا عندما یکون المقصود بالإطلاق هو الإطلاق المقامی، فهذا حتّی فی المفاهیم المخترَعه التأسیسیه مع افتراض أنّ الشارع فی مقام بیان ذلک الأمر التأسیسی، وما هو المعتبر فیه، فإذا ذکر جمله من الأشیاء وسکت عن التسمیه، فهذا الإطلاق لا مانع من التمسّک به حتّی إذا کان الموضوع أمراً تأسیسیاً. هذا کلّه إذا کانت الشبهه حکمیّه بالنحو الرابغ.

ص: 182

وأمّا إذا کانت الشبهه موضوعیّه کما إذا شُکّ فی تحققّ التسمیه مع العلم باعتبارها شرعاً، بمعنی أننّا نعلم أنّ التسمیه معتبره، لکننّا لا ندری أنّ هذا اللّحم الموجود هل هو لحم حیوانٍ سُمّی علیه عند ذبحه، أو لمْ یُسمّ علیه عند ذبحه ؟ فإذا سُمّی علیه، فهو حلال، وإنْ لم یُسمّ علیه، فهو محرّم، فنشکّ فی حلّیته وحرمته بنحو الشبهه الموضوعیه، فإنْ کانت التذکیه عباره عن مجموعه الأفعال الخاصّه والشرائط الخاصّه؛ فحینئذٍ یمکن إجراء استصحاب عدم التسمیه؛ لأننّا نشکّ فی أنّ التسمیه متحققّه، أو غیر متحقّقه، التسمیه أمر حادث مسبوق بالعدم، والأصل عدمه، وینتج حرمه أکل لحم هذا الحیوان.

وأمّا إذا کانت التذکیه عباره عن أمرٍ بسیط مُسببّ عن هذه الأفعال الخاصه؛ حینئذٍ یمکن استصحاب عدم التذکیه؛ لأنّ التذکیه أمر بسیط یحصل نتیجه الإتیان بهذه الأفعال الخاصّه بالشرائط الخاصّه، ونحن نشکّ فی تحققّ التذکیه وحصول هذا الأمر البسیط وهو کما قلنا أمر حادث بسیط مسبوق بالعدم، فیجری استصحاب عدم التذکیه، والنتیجه واحده.

هذا تمام الکلام فی أصل التنبیه الأوّل، کلامنا واضح فی تنبیهات البراءه، حیث عقدوا باباً مستقلاًّ سمّوه بتنبیهات البراءه وکان التنبیه الأوّل هو أنّ البراءه عندما تصل النوبه إلیها عندما لا یکون هناک أصل موضوعی یکون حاکماً علیها، ومثّلوا للأصل الموضوعی بأصاله عدم التذکیه مانعاً من التمسّک بالإباحه والبراءه، ودخلوا فی بحث استصحاب عدم التذکیه. وفرغنا من أصل التنبیه الأوّل، ویبقی الکلام فی بعض الأمور التی ترتبط بذلک، وغالب هذه الأمور بسطوا الکلام فیه، لکنّها أبحاث فقهیّه إثباتیه تعتمد علی استنباط أمور معیّنه من الروایات، هذا بحث فقهی، لکنّنا ننبّه علی هذه الأمور بالنسبه إلی ما یرتبط بالبحث الأصولی ولا ندخل فی البحث الفقهی؛ لأنّه له مجال آخر.

ص: 183

الأمر الأوّل: نبحث فی الأمر الأوّل عن ما یترتّب علی استصحاب عدم التذکیّه فی موارد جریانه، فقد تبیّن من البحث السابق أنّ استصحاب عدم التذکیه یجری فی بعض الحالات ولا یجری فی حالات أخری، فی موارد جریان استصحاب عدم التذکیه ماذا یترتّب علیه ؟ قالوا بأنّه لا إشکال فی ترتّب حرمه الأکل علی استصحاب عدم التذکیه ؛ لأنّ حرمه الأکل مترتّبه فی لسان الأدلّه علی عدم التذکیه.

وبعباره أخری: أنّ موضوع حرمه الأکل هو عدم التذکیه، ولو باعتبار قوله تعالی:﴿ حُرّت علیکم المیته والدم ولحم الخنزیر وما أهل لغیر الله به والمنخنقه والموقوذه والمتردّیه والنطیحه وما أکل السبع إلاّ ما ذکّیتم ﴾ (1) یُفهم من ذلک أنّ موضوع هذه الحرمه هو عدم التذکیّه، فإذا أحرزنا الموضوع باستصحاب عدم التذکیه یترتّب الحکم علی ذلک، وهو حرمه الأکل، وإنّما یقع الکلام فی النجاسه، أنّ النجاسه هل تترتّب أیضاً علی استصحاب عدم التذکیه، أو أنّها لا تترتّب علی استصحاب عدم التذکیه.

درس الأصول العملیّه/ البراءه/ تنبیهات البراءه/ التنبیه الأوّل بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّه/ البراءه/ تنبیهات البراءه/ التنبیه الأوّل

کان الکلام فی ما یترتّب علی استصحاب عدم التذکیّه فی موارد جریانه، ذکروا، ومنهم السیّد الخوئی(قدّ سرّه) أنّه لا إشکال فی ترتّب حرمه الأکل علی استصحاب عدم التذکیه، باعتبار أنّ حرمه الأکل مترتّبه فی لسان دلیلها علی عدم التذکیه، فیکون موضوع حرمه الأکل هو غیر المذکّی، فإذا ثبت هذا الموضوع باستصحاب عدم التذکیه یترتّب علیه الحکم بلا إشکال، واستُفید ذلک من قوله تعالی:﴿ حُرّمت علیکم المِیْته والدمَ ولحمَ الخنزیر وما أُهلّ لغیر الله به والمنخنقه والموقوذه والمتردّیه والنطیحه وما أکل السبع إلاّ ما ذکّیتم ﴾. (2) فی مقام الاستثناء من حرمه الأکل، ویُفهم أنّ التذکیه هی موضوع الحلّیّه وأنّ عدمها هو موضوع الحرمه، فیکون موضوع الحرمه هو عدم التذکیه، فتثبت باستصحاب عدم التذکیّه.

ص: 184


1- مائده/سوره5، آیه3.
2- مائده/سوره5، آیه3.

وأمّا النجاسه، فإن کان موضوعها هو نفس موضوع حرمه الأکل، إذا ادُّعی بأنّ النجاسه أیضاً موضوعها هو غیر المذکی، وفی الأدلّه ثبتت حرمه الأکل لغیر المذکّی، وثبتت له فی الأدلّه أیضاً النجاسه، کما ادُّعی ذلک، حیث حُکی عن المحققّ الهمدانی(قدّس سرّه) أنّه یری أنّ موضوع النجاسه هو غیر المذکّی، (1) بناءً علی هذا أیضاً لا مشکله؛ إذ یمکن إثبات النجاسه أیضاً باستصحاب عدم التذکیه، باعتبار أنّ موضوع النجاسه هو غیر المذکّی، ویثبت باستصحاب عدم التذکیّه، فباستصحاب عدم التذکیه تترتّب حرمه الأکل والنجاسه.

وأمّا إذا قلنا، کما هو الرأی المعروف والمشهور أنّ موضوع النجاسه لیس هو عدم التذکیه وغیر المذکی، وإنّما موضوع النجاسه هو المیته، وفُسرّت المیته بأنّها عباره عن ما زهقت روحه من دون سببٍ محللٍ شرعی، فتشمل ما مات حتف أنفه، وتشمل ما مات بالضرب، أو بالشق، وتشمل ما ذُبح مع اختلال بعض الشرائط المعتبره فی التذکیه، کلّ هذا یُعتبر میته؛ لأنّ المیته بناءً علی هذا التفسیر هی عباره عن کلّ ما زهقت روحه من دون سببٍ شرعی محللٍ، وفی کلّ هذه الحالات لا یوجد سبب محللّ، والتذکیه بالمعنی الشرعی غیر متحققّه، فتکون میته، هذا هو المراد بالمیته، إذا کان موضوع النجاسه هو المیته، وفُسّرت المیته بذلک، أی بالمعنی العام الذی لا یختصّ بما مات حتف أنّفه؛ بل یشمل کل ما مات من غیر سبب محللّ، بناء علی ذلک؛ حینئذٍ لا یمکن إثبات النجاسه باستصحاب عدم التذکیه، إلاّ بناءً علی القول بالأصل المثبت، باعتبار أنّ المیته بهذا المعنی المتقدّم هی أمر وجودی(ما مات بدون سببٍ شرعی محلل) ملازم لعدم التذکیه، ولا یمکن إثبات هذا الأمر الوجودی باستصحاب عدم التذکیه، وإنْ کان بینهما ملازمه، لکن لمّا کان موضوع النجاسه هو الأمر الوجودی، فاستصحاب عدم التذکیه لا یثبت به هذا الأمر الوجودی؛ لأنّ ما یثبت باستصحاب عدم التذکیه هو عدم التذکیه، ولازم عدم التذکیه هو کونه میته، والأثر مترتّب علی هذا اللّازم الذی هو أمر وجودی، وهو کونه میته، وهذا لا یثبت باستصحاب عدم التذکیه، إلاّ بناء علی القول بالأصل المثبت؛ بل قد یقال فی هذه الحاله ------ بناءً علی هذا الذی ذکرناه ------ بجریان أصاله عدم کونه میته، ویکون هذا الأصل معارضاً لأصاله عدم التذکیه؛ لأنّ کلاً منهما أمر وجودی مسبوق بالعدم، فالتذکیه أمر وجودی مسبوق بالعدم، وکونه میته هو أیضاً أمر وجودی مسبوق بالعدم، فکما یجری استصحاب عدم کونه مذکّی یجری أیضاً استصحاب عدم کونه میته، وهذان أصلان متنافیان ومتعارضان، فیتساقطان، فإذا تساقطا؛ فحینئذٍ یمکن الرجوع إلی أصاله الطهاره عندما نشکّ فی طهاره هذا الحیوان ونجاسته، وبذلک نفکّک بین حرمه الأکل وبین النجاسه، فنلتزم بحرمه أکل لحم هذا الحیوان اعتماداً علی أصاله عدم التذکیه؛ لأنّ موضوع الحرمه هو عدم التذکیه، وهو یثبت بهذا الاستصحاب، ولا نلتزم بالنجاسه؛ بل نلتزم بالطهاره اعتماداً علی قاعده الطهاره، باعتبار أنّ أصاله عدم التذکیه وأصاله عدم کونه میته تتعارضان وتتساقطان، فلا یوجد عندنا ما یثبت النجاسه، أو ینفی الطهاره؛ لأنّ استصحاب عدم کونه میته وإنْ کان ینفی النجاسه کما قلنا؛ لأنّ موضوع النجاسه هو کونه میته، واستصحاب عدم کونه میته ینفی النجاسه، لکنّ المفروض أنّ استصحاب عدم کونه میته سقط بالمعارضه مع استصحاب عدم التذکیه؛ لأنّهما أصلان متنافیان، تعارضا فتساقطا، فبقینا نحن وهذا المشکوک الذی نشکّ فی أنّه طاهر، أو نجس، فنرجع إلی قاعده الطهاره لإثبات طهارته.

ص: 185


1- مصباح الأصول، تقریر بحث السیّد الخوئی للبهسودی، ج 2، ص 314.

السید الخوئی(قدّس سرّه) (1) (4)ذکر فی هذا المقام بأنّه لا داعی لإیقاع التعارض بین هذین الأصلین والتنافی؛ بل من الممکن الالتزام بجریانهما معاً، فتجری أصاله عدم التذکیه وتجری أصاله عدم کونه میته، کلّ منهما یجری؛ لأنّ کلاً منهما حادث مسبوق بالعدم، فیجریان معاً ولا مانع من ذلک، ونلتزم بمقتضی کلٍ منهما، فأصاله عدم التذکیه یترتّب علیها حرمه الأکل، وأصاله عدم کونه میته یترتّب علیها الطهاره، أو قل بعباره أخری: یترتّب علیها نفی النجاسه؛ لأنّ موضوع النجاسه هو المیته، وأصاله عدم کونه میته ینفی النجاسه بنفی موضوعها، فنلتزم بأنّ هذا یحرم أکله، لکنّه فی نفس الوقت هو لیس نجساً، أو نقول أنّه طاهر، فنلتزم بالطهاره وحرمه الأکل. ویقول: لا مانع من الالتزام بذلک وإجراء الاستصحابین؛ إذ لا یلزم من ذلک إلاّ التفکیک بین أمرین بینهما تلازم واقعی، یعنی نفکک بین حرمه الأکل والنجاسه، والحال أنّ حرمه الأکل والنجاسه أمران متلازمان فی الواقع، بلحاظ الواقع هذا الحیوان المشکوک إنْ کان مذکّی، فهو حلال الأکل وطاهر، وإنْ لم یکن مذکّی، فهو حرام الأکل ونجس، أمّا أنْ نلتزم بحرمه أکله وبطهارته، فهذا تفکیک بین أمرین بینهما تلازم فی الواقع. یقول: لا مشکله فی ذلک؛ لأنّ هذا التفکیک تفکیکاً ظاهریّاً وبحسب الأدلّه الظاهریه، وبحسب الأصول العملیه، هذا التفکیک الظاهری بین أمرین بینهما تلازم واقعی لا محذور فیه ولا مانع منه، فبحسب الظاهر أننّا نلتزم بذلک للأدلّه التی دلّت علی أنّ هذا حرام الأکل وفی نفس الوقت هو طاهر، أو لیس نجساً، وقد ثبت هذا فی جمله من الموارد، ومثّل لذلک بما إذا توضأ بمایع مرددّ بین کونه ماءً، أو بولاً، هنا یُحکم علیه بالطهاره من الخبث، ولکن یُحکم علیه ببقاء الحدث اعتماداً علی الاستصحاب الجاری فی کلٍ منهما، فبلحاظ بدنه کان البدن قبل أنْ یتوضأ بهذا المایع طاهراً، وبعد أنْ توضأ بهذا المایع المرددّ بین البول والماء یشکّ فی أنْ بدنه هل تنجّس بنجاسه خبثیه، أو لا ؟ فیستصحب بقاء الطهاره من الخبث بالنسبه إلی بدنه، فیحکم بأنّ بدنه طاهر، لکن بالنسبه إلی الحدث کانت حالته السابقه هی أنّه محدث فکان یرید أنْ یتوضأ بهذا المایع، فیشکّ فی أنّ حدثه ارتفع، أو لا ؟ فیستصحب بقاء الحدث، فیُلتزَم بأنّ البدن طاهر، ویُلتزَم ببقاء الحدث مع أنّ هذین الأمرین بینهما تلازم واقعی، فبلحاظ الواقع هو إنْ توضأ بالماء، فبدنه طاهر وحدثه مرتفع، وإنْ توضأ بالبول، فحدثه باقٍ وبدنه نجس، وأمّا أنْ یُلتزم بطهاره البدن وبقاء الحدث، فهذا تفکیک بین أمرین لا یمکن التفکیک بینهما واقعاً. یقول: لا محذور فی أنْ نفکک بینهما بحسب الظاهر باعتبار جریان الأدلّه والأصول العملیه.

ص: 186


1- مصباح الأصول، تقریر بحث السیّد الخوئی للبهسودی، ج 2، ص 314.

هناک تعلیقان علی هذا الکلام:

التعلیق الأوّل: مسأله تفسیر المیته بما تقدّم من زهاق الروح الغیر المستند إلی سبب شرعی بحیث أنّ عنوان(المیته) لا یختصّ بما مات حتف أنفه، وإنّما یعمّ حتی ما ذُبح ولکن مع اختلال بعض الشرائط، وما مات بشقّ بطنه، أو بإلقائه من شاهق وأمثال هذه الأمور. الظاهر أنّ هذا التفسیر لیس هو باعتبار أنّ عنوان(المیته) ظاهر فی ذلک، فالظاهر أنّ عنوان(المیته) لیس له ظهور فی ذلک، وإنّما الظاهر منه أنّه ما مات حتف أنفه کما یشهد لذلک عطف المتردیّه والنطیحه والموقوذه علی المیته فی الآیه الشریفه:﴿ حُرّمت علیکم المِیْته والدمَ ولحمَ الخنزیر وما أُهلّ لغیر الله به والمنخنقه والموقوذه والمتردّیه والنطیحه وما أکل السبع إلاّ ما ذکّیتم ﴾. (1) هذا العطف لا وجه له إذا کان المراد بالمیته هذا المعنی العام؛ لأنّ هذا المعنی العام یشمل المتردیّه والنطیحه والموقوذه، النطیحه یعنی ما ماتت بالنطح، والمتردّیه ما ماتت بالتردّی، المیته بناءً علی هذا المعنی، یعنی کل ما مات بلا سبب شرعی محلل، وإنّما تکون هذه فی قبال المیته إذا أردنا بالمیته ما مات حتف أنّفه، وبالمتردّیه ما مات بالتردی، وبالنطیحه ما مات بالنطح.....وهکذا، وهذا یشهد لأنّ المراد بالمیته هو ما مات حتف أنفه، والذی دعاهم إلی القول بأنّ المراد بالمیته هو هذا المعنی العام، فی أدلّه النجاسه، باعتبار أنّهم ذکروا أنّ موضوع دلیل النجاسه هو المیته، وفسّروا المیته بهذا المعنی العام، الذی دعاهم إلی ذلک هو عدم إمکان الالتزام باختصاص النجاسه بخصوص ما مات حتف أنفه؛ إذ لا إشکال فقهیاً فی أنّ النجاسه لا تختصّ بخصوص ذلک، وإنّما هی کما تشمل ما مات حتف أنفه کذلک تشمل المتردیه والنطیحه وکل ما مات بغیر سببٍ شرعی، وکل ما مات بغیر تذکیه فهو نجس، فتفسیر المیته بهذا المعنی العام إنّما هو بهذا الاعتبار لا علی أساس أنّه هو المعنی اللّغوی للمیته، وإلاّ فالمعنی اللّغوی للمیته کما قلنا بشهاده الآیه الشریفه لیس هو هذا، وإنّما هو عباره عن ما مات حتف أنفه.

ص: 187


1- مائده/سوره5، آیه3.

التعلیق الثانی: أنّ مسأله کون موضوع حرمه الأکل هو غیر المُذکّی، الظاهر أنّه أمر لیس مسلّماً عند الجمیع، فهناک من یری أنّ حرمه الأکل کما رُت-ّبت فی بعض الأدلّه علی غیر المذکّی، رُتّبت أیضاً فی بعض الأدلّه الأخری علی عنوان(المیته)، ولا نرید أنْ ندخل فی البحث الفقهی ونستعرض الروایات، هناک روایات التزم بعضهم بأنّ حرمه الأکل کما هی مرتّبه علی غیر المذکّی هی مرتّبه أیضاً علی عنوان(المیته) بمعنی أنّ موضوع حرمه الأکل هو المیته، وموضوع حلّیه الأکل هو المذکّی، ولیس موضوع حرمه الأکل نقیض المذکّی(عدم التذکیه)، أو(غیر المذکّی)، وإنّما موضوعها هو عنوان وجودی وهو عباره عن المیته.

إذن: لیس مُسلّماً أنّ موضوع حرمه الأکل هو غیر المذکّی حتّی نقول لا إشکال فی أنّ الحرمه تثبت باستصحاب عدم التذکیه، وإلاّ بناءً علی أنّ موضوعها المیته فأننّا سوف نواجه نفس المشکله التی واجهناها فی النجاسه بناءً علی أنّ موضوعها هو المیته؛ لأنّ استصحاب عدم التذکیه یعجز عن إثبات الحرمه والنجاسه إذا کان موضوعهما المیته، إلاّ بناءً علی القول بالأصل المثبت. ومن هنا قیل بوقوع التعارض بین استصحاب عدم التذکیه وبین استصحاب عدم کونه میته؛ لأنّ استصحاب عدم التذکیه ینفی الحلّیه، واستصحاب عدم کونه میته ینفی الحرمه؛ لأنّ موضوع الحرمه بحسب هذا الفرض، والاحتمال الأخیر هو المیته، فاستصحاب عدم کونه میته ینفی الحرمه، موضوع الحلّیه هو المُذکّی، فاستصحاب عدم کونه مذکّی ینفی الحلّیه، وهذان استصحابا متعارضان؛ لأنّ أحدهما ینفی الحرمه، والآخر ینفی الحلّیه، فیقع التعارض بینهما، فقد یقال بتساقطهما والرجوع إلی أصاله الحلّیه، وأصاله البراءه. هذا التعارض بهذا النحو کلّه مبنی علی أنْ یکون موضوع حرمه الأکل هو المیته، وموضوع حلّیه الأکل هو المذکّی، فیجری استصحاب عدم التذکیه، واستصحاب عدم کونه میته، ویقع بینهما التعارض فیتساقطان، فیُرجع إلی أصاله الحلّیه.

ص: 188

وقد یُستدل علی ذلک بالآیه الشریفه، ویقال بأنّ ظاهر الآیه الشریفه أنّ المیته هی موضوع لحرمه الأکل کما هو الحال بالنسبه إلی الدم ولحم الخنزیر، وقلنا بأنّ المراد بالآیه بحسب الظاهر هو ما مات حتف أنفه، حرّمت علیکم المیته والدم، فالدم هو نفسه موضوع لحرمه الأکل، ولحم الخنزیر أیضاً موضوع لحرمه الأکل، والمیته هی أیضاً موضوع لحرمه الأکل، فیکون ظاهر الآیه هو أنّ موضوع حرمه الأکل هو المیته.

إذن: لیس من الأمور المسلّمه أنّ کلّ الأدلّه التی ذُکرَت فیها الحرمه رُتبت فیها الحرمه علی غیر المذکّی؛ بل هناک من الأدلّه ما رُتّبت فیه الحرمه علی عنوان(المیته).

وأمّا قوله تعالی فی ذیل الآیه:﴿إلاّ ما ذکّیتم﴾ یمکن أنْ یقال بأنّ هذا لیس استثناءً من المیته، ولا من الدم، ولا من لحم الخنزیر، وإنّما هو استثناء ممّا أکل السبع، ویمکن أنْ یقال بأنّه یرجع إلی المتردّیه والنطیحه أیضاً، بمعنی المتردّیه یحرم أکلها إلاّ ما ذکّیتم، وما أکل السبع یحرم أکله إلاّ ما ذکّیتم، أمّا أنّ المیته یحرم أکلها إلاّ ما ذکّیتم، فهذا لا وجه له، کما لا وجه إلی الرجوع إلی الدم وإلی لحم الخنزیر، فهو استثناء یرتبط بالأمور الأخیره، وعلی کلّ حال یمکن أنْ یُدّعی بأنّ حرمه الأکل فی بعض الأدلّه رُتّبت علی عنوان(المیته) کما رُتّبت فی أدلّهٍ أخری علی عنوان(غیر المذکّی).

لکن یمکن أنْ یقال فی قبال ذلک: أنّ الآیه الشریفه وإنْ جُعل عنوان(المیته) فیها موضوعاً للحرمه، لکن یبدو أنّ ذلک باعتبار کونه مصداقاً لعنوان(غیر المذکّی)، یعنی أنّ موضوع الحرمه هو غیر المذکّی، والمیته ذُکرت فی الآیه، أو فی أدلّه أخری إنّما هو باعتبار أنّ المیته هی مصداق لغیر المذکّی بقرینه ذیل الآیه الذی یقول(إلاّ ما ذکّیتم) والذی فُهم منه أنّ موضوع الحرمه هو غیر المذکی، وأنّ موضوع الحلّیه هو المذکّی، فیقول یحرم علیکم ما أکل السبع ----- مثلاً ----- إلاّ ما ذکیتم، أخرج المذکّی وحکم علیه بالحلّیه، فیبقی غیر المذکّی وهو موضوع الحرمه الذی هو غیر ما خرج بالاستثناء، فالذی فُهم من الاستثناء فی ذیل الآیه هو أنّ موضوع الحرمه هو غیر المذکّی، ونحن نعلم من الخارج أنّ الحرمه حرمه واحده، ولیس لدینا حرمتان، موضوع أحداهما هو غیر المذکّی، وموضوع الأخری هو المیته بمعنی ما مات حتف أنفه کما فی الآیه، هذه الحرمه إمّا أنْ یکون موضوعها غیر المذکّی الذی هو أعمّ من المیته، وأمّا أنْ یکون موضوعها المیته، وإلاّ لا توجد عندنا حرمتان، وفی حاله من هذا القبیل، مقتضی الجمع بین الدلیلین، ومقتضی الأخذ بکلا الدلیلین هو الالتزام بأنّ موضوع الحرمه هو العنوان الأعمّ، والالتزام بأنّ العنوان الأخص إنّما ذُکر موضوعاً للحرمه باعتباره مصداقاً للموضوع الأعم؛ لأنّه بهذا یتحقق العمل بکلا الدلیلین، وأمّا إذا لم نلتزم بذلک؛ فحینئذٍ قد یلزم من ذلک طرح وإلغاء أحد الدلیلین إذا قلنا أنّ الموضوع هو المیته، یعنی ما مات حتف أنفه، مقتضی الجمع بین الدلیلین هو أنّ یُحمل الأوّل ------ ذکر العنوان الخاص ------ علی أنّه مصداق للعنوان العام، وأنّ الاعتبار بالعنوان العام، ولا محذور فی أنْ یفرض مصداقاً للعنوان العام ویجعله موضوعاً للحرمه، فلا محذور فی ذلک کما لو فرضنا أنّ وجوب الإکرام رُتّب فی دلیلٍ علی الفقیه(أکرم الفقیه)، وفی دلیل آخر رُتّب علی مطلق العالم(أکرم العالم) فی حالهٍ من هذا القبیل واضح أنّ مقتضی الجمع بینهما هو حمل الفقیه علی أنّه ذُکر باعتباره مصداقاً لمطلق العالم، ولا خصوصیّه له فی قبال سائر أفراد العالم، وإنّما باعتباره مصداقاً للعالم؛ لأنّه بذلک یمکن الجمع بین الدلیلین، والأخذ بکلیهما، بینما إذا قلنا بأنّ موضوع الحکم هو خصوص الفقیه یلزم إلغاء الدلیل الآخر، وهذا بلا وجه، الجمع العرفی بینهما یقتضی الالتزام بأنّ موضوع الحکم هو الأعم، ففی محل الکلام یُلتزم بأنّ موضوع الحکم هو غیر المذکّی، والمیته وإنْ ذُکرت فی الآیه، أو حتّی فی الروایات الأخری، لکن الظاهر أنّها ذُکرت باعتبار أنّها مصداق لغیر المذکّی، فیکون موضوع الحکم بالحرمه هو عباره عن غیر المذکّی. هذا کلّه إذا أرید بالمیته الوارده فی الآیه کما هو الظاهر، أو الوارده فی الروایات کما أشار إلیه القائل الذی یقول بأنّه ورد فی بعض الروایات أنّ الحکم بالحرمه مرتّب علی عنوان(المیته) إذا أرید بالمیته ما مات حتف أنفه، فیرد فیه الکلام السابق.

ص: 189

وأمّا إذا کان المراد بالمیته المعنی العام کما فُسّرت به، یعنی ما مات بلا سببٍ شرعی محلّل الذی هو أعمّ ممّا مات حتف أنّفه، إذا کان هذا المراد؛ فحینئذٍ هکذا یکون الحال: فی بعض الأدلّه الحرمه مرتّبه علی غیر المذکّی، وفی بعض الأدلّه الحرمه مرتّبه علی عنوان( المیته) والمراد بالمیته المعنی العام، هنا لا یرِد فیه الکلام السابق؛ لأنّ المیته بهذا المعنی هی مساویه لغیر المُذکّی، ولیست أخص منه؛ لأنّ المراد بالسبب الشرعی الذی أُخذ عدمه فی معنی المیته هو التذکیه، والمیته ه ما مات بلا سببٍ شرعی، یعنی بلا تذکیه، فإذن: بحسب الروح معناهما واحد، غیر المذکّی والمیته بهذا المعنی الواسع، لا یکون هذا أخص من هذا، وإنّما هو مساوی له.

نعم هذا الفرق یؤثّر فی مقام الإثبات وکیفیّه التعامل مع الأدلّه، یؤثّر فی أنّه إذا کان موضوع حرمه الأکل هو غیر المذکّی، فهذا عنوان عدمی یمکن إثباته باستصحاب عدم التذکیه، ولا یکون بلحاظه أصلاً مثبتاً؛ لأننّا نثبت نفس العنوان، أی عنوان(غیر المذکّی)، فیترتّب علیه الحکم بالحرمه؛ لأنّ موضوع الحرمه هو غیر المذکّی، فلا یکون الأصل الجاری ----- اصاله عدم التذکیه ----- لإثبات حرمه الأکل بناءً علی أنّ الموضوع یکون هو غیر المذکّی لا یکون مثبتاً، بینما إذا کان الموضوع هو المیته، ولو بالعنوان العام وهو عنوان وجودی، یکون استصحاب عدم التذکیه لإثبات الحرمه یکون بلحاظه أصلاً مثبتاً؛ لأنّ استصحاب عدم التذکیه یعجز عن إثبات الحرمه، إلاّ باعتبار التلازم الموجود بین عدم التذکیه وبین عنوان المیته، والمفروض أنّ موضوع الحرمه هو عنوان(المیته).

ص: 190

درس الأصول العملیّه/ البراءه/ تنبیهات البراءه/ التنبیه الثانی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّه/ البراءه/ تنبیهات البراءه/ التنبیه الثانی

کان الکلام فی الأمر الثانی: وهو تحدید معنی التذکیه، وذکرنا رأیین فی معناها والکلام الذی یدور حول ذلک. هناک رأی ثالث تبنّاه جماعه من المتأخّرین، وهو أنّ التذکیه عباره عن النقاء والطهاره لا أنّها شیء تثبت له الطهاره، واستُشهد علی ذلک :

أولاً: أنّ ادّعائنا هذا هو المفهوم عرفاً من معنی التذکیه والذُکاه، فالمفهوم عرفاً منها هو الطهاره والنقاء والطیب.

ثانیاً: استعمال الذُکاه والتذکیه فی عدید من الأخبار ولا یُحتمل أنْ یُراد بها الذبح ونفس الأعمال الخارجیه ممّا یدل علی أنّ التذکیه لیست مرادفه للعملیه وللذبح، حیث استُعملت فی موارد لا یُحتمل أنْ یُراد بها ذلک، مثلاً: ورد فی مقام بیان عدم الانفعال بملاقاه الیابس فی بعض الروایات أنّ الیابس ذکی، (1) من الواضح هنا أنّه لا یُعقل إراده الذبح وما یشبه هذا المعنی، وإنّما المراد بالذکی هو الطاهر والنقی والملائم للطبع وأمثال هذه العبارات، وکذا ورد فی بعض الجلود أنّ الجلد الذکی یجوز الصلاه فیه، (2) وعُبّر هنا عن الجلد بأنّه ذکی، ومن الواضح أنّ الذکاه فی هذا النص جُعلت صفه للجلد، وهذا لا معنی لأنْ یکون المراد به الذبح إلاّ بالتأویل بأنْ یکون المقصود هو جلد حیوان ذکی، فلا معنی لأنْ یقال عن نفس الجلد بأنّه ذکی بمعنی الذبح، إلاّ بالتأویل، وهو خلاف الظاهر، ومنه یظهر أنّ إطلاق الذکی علی الجلد إنّما هو بمعنی الطهاره والنقاء وأمثال هذه العبائر، وکذا ورد فی ما لا تحلّه الحیاه من المیته کالصوف والبیض من أنّه ذکی، (3) هذا کلّه وارد فی روایات ثابته، وهنا الذکاه بمعنی الذبح لا معنی لها حتّی بالتأویل الذی ذُکر فی النصّ السابق، وذلک لأنّ نفس الحیوان لیس بذکی؛ لأنّ المفروض أنّه میته، الروایه تتحدّث عن ما لا تحلّه الحیاه من المیته، فحتّی التأویل السابق فی نسبه الذکی إلی الصوف لا یتأتّی فی هذه الحاله، ولا نستطیع أنْ نقول صوف حیوان ذکی کما قلنا فی السابق؛ لأنّ المفروض أنّه صوف میته، فإذن: لا یمکن أنْ یُراد بالذکی فی المقام ما یساوق الذبح، وکذا ورد فی الجنین من أنّ ذکاته ذکاه أمّه، (4) فأیضاً أطلق الذکی علی الجنین، فیُفهم من ذلک أنّ التذکیه تُطلق علی ما یساوق الطهاره والنقاء. هذا من جهه.

ص: 191


1- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 1، ص 351، باب 31 من أبواب أحکام الخلوه، ح 5.
2- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 4، ص 347، باب 2 من أبواب لباس المصلّی، ح 8.
3- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 24، ص 180، باب 33 من أبواب الأطعمه المحرّمه، ح 3، و4، و5.
4- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 24، ص 33، باب 18 من أبواب الذبائح، ح 2،و3، و6، و7، و8، و11، و12.

ومن جههٍ أخری: أننّا وجدنا أنّ الذکاه أطلقت فی بعض الأخبار علی نفس العملیه، ونفس الأفعال الخارجیّه، فقیل التسمیه ذُکاه، والتسمیه فعل خارجی، وقیل إخراج السمک من الماء ذُکاه. (1) من هذا وهذا یُعرّف أنّ ذلک العنوان البسیط الذی هو عباره عن الطهاره والنقاء هو عنوان ینطبق علی نفس العملیه، وإنّما قیل أنّ هذه الأعمال ذُکاه باعتبار أنّ هذا العنوان ینطبق علیها، فکون إخراج السمک من الماء حیّاً تذکیه لا یعنی أنّ التذکیه هی عباره عن هذه الأفعال، وإنّما یعنی أنّ التذکیه بما لها من المعنی البسیط الذی هو النقاء والطهاره ینطبق علی هذه الأفعال.

النتیجه: أنّ التذکیه هی عباره عن أمر بسیط، لیس هو عباره عن الأفعال، ولا هو أمر مسبّب عن الأفعال کما فی الرأیین المتقدّمین، وإنّما هو أمر بسیط یساوق الطهاره والنقاء والملائمه للطبع، وأمثال هذه العبارات، ینطبق علی الأفعال وعلی عملیه الذبح بالشرائط، فهذا هو المراد بالتذکیه.

لکن الذی یُبعّد هذا الاحتمال أمران:

الأمر الأوّل: أنّ المُلاحظ أنّه لم تستعمل التذکیه بمعنی الطهاره وبمعنی الطیب فی غیر الحیوان وما یتبع الحیوان، إلاّ نادراً، وباقی تلک الموارد قابله للتأویل، لو کان معنی التذکیه والذُکاه هو الطهاره والطیب؛ فحینئذٍ لا داعی لعدم استعمالها فی غیر الحیوان وتوابع الحیوان کالصوف والبیض والشعر کما تقدّم، استعمال التذکیه بمعنی الطهاره فی غیر الحیوان وتوابعه معدوم أو نادر، وهذا یُبعّد هذا الاحتمال، إذا کان معناها الطیب، فلماذا لا یقال أنّ الماء ذکی ؟ بل لا یصحّ هذا التعبیر، علی الأقل هو غیر متعارف وغیر مستعمل، ولا یقال أنّ الثوب ذکی، وأنّ الید ذکیه، فعدم استعمال الذُکاه والتذکیه بمعنی الطهاره والطیب فی غیر الحیوان وتوابعه یشکّل قرینه معاکسه علی أنّه لا یُراد بالتذکیه فی موارد الحیوان وتوابعه ذاک المعنی؛ بل لابدّ أنْ یُراد بها معنیً آخر، وإلاّ لو کان هذا هو معناها لوصل إلینا هذا الاستعمال، ولکان استعمالاً صحیحاً ومُتعارفاً.

ص: 192


1- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 24، ص 75، باب 31 من أبواب الذبائح، ح 8.

الأمر الثانی: ما ذکره من أنّ التذکیه أطلقت فی بعض الأخبار علی نفس العملیه، کما ذکر إخراج السمک من الماء ذُکاه، وفی بعض الروایات(التسمیه ذُکاه)، وفی بعض الروایات(صیده ذُکاته)، وفی بعض الروایات(قتله ذُکاه) إطلاق الذُکاه والتذکیه علی نفس العملیه ولا داعی للتأویل، وافتراض أنّ التذکیه بمعنی الطهاره، وأنّ الطهاره تنطبق علی هذه العملیه هو خلاف الظاهر، فالظهور الأوّلی عندما یقول أنّ التسمیه ذُکاه، فالظاهر هو أنّ التذکیه هی نفس هذه العملیه، أو علی الأقل أنّ هذه العملیه هی سبب للتذکیه، فیثبت أحد القولین السابقین من أنّ التذکیه هی إمّا نفس الأعمال الخارجیه، وإمّا هی أمر مُسببّ عن الأعمال الخارجیه، وإنْ کان الأظهر بلحاظ الروایات التی تستعمل هذه المادّه أنّها عباره عن نفس العملیّه، ویؤیّد ذلک:

أولاً: تفسیر اللّغویین للتذکیه بالذبح، وهذا لا ینافی أنّ التذکیه قد لا تتمثّل بخصوص الذبح، فقد تکون بأرسال الکلب المُعلّم للصید، فهو أیضاً تذکیه، وقد تکون بإطلاق السهم أو الحیوان، هذه أیضاً تذکیه، لکن بالنتیجه التذکیه عمل یصدر من المکلّف فی الخارج یترتب علیه الحکم بحلّیه الحیوان، أو طهارته، وهذا لا یخرج عن کون التذکیه هی عباره عن نفس العمل. اللّغویّون فسّروه بخصوص الذبح، لعلّهم ناظرین إلی التذکیه بالمعنی اللّغوی الأصلی، لکن هذا لا یمنع من أنْ یکون المقصود بالتذکیه الأعمّ من هذا ولا یختصّ بالذبح.

وبعبارهٍ أخری: أنّ التذکیه عباره عن الأعمال التی تترتّب علیها شرعاً الحلّیه والطهاره، وهذا یناسب المعنی اللّغوی.

ثانیاً: الروایات الظاهره فی أنّ التذکیه هی عباره عن نفس العملیه، الذبح وغیره، هناک روایات عدیده یُستفاد من مجموعها أنّ التذکیه هی عباره عن نفس العملیه لا أنّها عنوان بمعنی الطهاره ینطبق علی نفس العملیه؛ بل التذکیه هی نفس هذا العمل، مثلاً:

ص: 193

ورد فی روایه محمد بن مسلم وغیر واحد، عنهما (علیهما السلام) أنّهما قالا:(فی الکلب یرسله الرجل ویسمّی، قالا: إنْ أخذه فأدرکت ذُکاته فذکّه). (1) الظاهر منها أنّ قوله(علیه السلام) (فذکّه) یعنی أذبحه.

وأیضاً عن أبی بکر الخضرمی، قال:(سألت أبا عبد الله علیه السلام عن صید البزاه والصقوره والفهد والکلب، قال: لا تأکل صید شیءٍ من هذه إلاّ ما ذکیتموه). (2)

وفی روایه زراره عن أبی عبد الله(علیه السلام) فی حدیث أنّه قال:(وأمّا خلاف الکلب ممّا تصید الفهود والصقور وأشباه ذلک، فلا تأکل من صیده إلاّ ما أدرکت ذُکاته). (3)

وفی روایه جمیل بن درّاج، قال:(سألت أبا عبد الله علیه السلام عن الرجل یرسل الکلب علی الصید، فیأخذه ولا یکون معه سکین فیذکّیه بها). (4) یعنی یذبحه بها.

وفی روایه أخری لجمیل بن درّاج، قال:(قلت لأبی عبد الله علیه السلام أرسل الکلب فأسمی علیه فیصید، ولیس معی ما أذکّیه به). (5) یعنی ما أذبحه به، ولیس معه آله جارحه یذبحه بها.

ص: 194


1- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 23، ص 341، باب 4 من أبواب الصید، ح 2.
2- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 23، ص 393، باب 4 من أبواب الصید، ح 2.
3- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 23، ص 340، باب 4 من أبواب الصید، ح 3.
4- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 23، ص 347، باب 8 من أبواب الصید والذباحه، ح 1.
5- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 23، ص 348، باب 9 من أبواب الصید والذباحه، ح 2.

وفی روایهٍ عبد الرحمن بن أبی عبد الله، قال:(سألت أبا عبد الله علیه السلام عن رجلٍ لأرسل بازیه، أو کلبه، فأخذ صیداً، فأکل منه، آکل من فضلهما ؟ فقال: ما قتل البازی فلا تأکل منه إلاّ أنّ تذبحه) (1) ، وهی تفسّر أنّ المقصود بالتذکیه فی الروایات الأخری هو الذبح.

وعن محمد بن مسلم، قال:(سألت أبا جعفر علیه السلام عن الذبیحه باللّیطه، وبالمروه، فقال: لا ذُکاه إلاّ بحدیده). (2)

وعن سماعه بن مهران، قال:(سألته عن الذکاه، فقال لا تُذکِ إلاّ بحدیده). (3)

لا أرید أنْ أقول أنّها نصّ فی أنّ المراد بالتذکیه فی هذا هو نفس العملیه، یمکن تفسیرها بمعنیً آخر تکون العملیه سبباً للتذکیه، لکن الظهور الأوّلی بهذا الشکل(لا تذکی إلاّ بحدیده) یعنی لا تذبح إلاّ بحدیده، (لا ذُکاه إلاّ بحدیده).

وفی روایه أبی بکر الحضرمی، عن أبی عبد الله(علیه السلام) أنّه قال:(لا یؤکل ما لم یذبح بحدیده). (4)

وفی روایه درست، عن أبی عبد الله(علیه السلام) قال:(ذکرنا الرؤوس من الشاء، فقال: الرأس موضع الذُکاه) (5) ، یعنی موضع الذبح.

ص: 195


1- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 23، ص 351، باب 9 من أبواب الصید والذباحه، ح 9.
2- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 24، ص 7، باب 1 من أبواب الذبائح، ح 1.
3- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 24، ص 8، باب 2 من أبواب الذبائح، ح 4.
4- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 24، ص 8، باب 2 من أبواب الذبائح، ح 3.
5- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 24، ص 11، باب 3 من أبواب الذبائح، ح 3.

وعن الفضیل بن یسار، قال:(سألت أبا جعفر علیه السلام عن رجلٍ ذبح، فتسبقه السکین، فتقطع الرأس، فقال: ذُکاه وحِیّه ---- یعنی سریعه ---- لا بأس بأکله). (1)

وفی روایه محمد الحلبی، قال:(قال أبو عبد الله علیه السلام فی ثورٍ تعاصی، فابتدره قوم بأسیافهم وسمّوا، فأتوا علیاً علیه السلام فقال: هذه ذُکاه وحِیّه، ولحمه حلال). (2) یعنی ذُکاه سریعه.

وفی روایه عمّار بن موسی(عن أبی عبد الله علیه السلام ----- فی حدیث ----- أنّه سأله عن الشاه تُذبح، فیموت ولدها فی بطنها، قال: کله، فأنّه حلال؛ لأنّ ذُکاته ذُکاه أمّه، فإنْ هو خرج وهو حیّ، فاذبحه وکل). (3) یعنی إذا خرج وهو میّت، فالشارع اعتبر أنّ ذُکاته ذُکاه أمّه، فیکون حلالاً، أمّا إذا خرج وهو حیّ، فذکّه، فهنا یحتاج إلی تذکیه، بینما هناک لم یحتج إلی تذکیه، وعبّر عن التذکیه بقوله(أذبحه). إلی غیرها من الروایات التی لها ظهور فی أنّ المراد بالتذکیه هو نفس العملیه. نعم، أشرنا إلی أنّه لیس المقصود بذلک خصوص الذبح؛ بل هی عباره عن الأعمال التی اعتبرها الشارع موجبه لحلّیه الحیوان وطهارته.

فی روایات أخری رُتبت الحلّیه علی نفس الأعمال ولیس علی التذکیه، کما فی صحیحه سلیمان بن خالد، قال:(سألت أبا عبد الله علیه السلام عن الرمیه یجدها صاحبها، أیأکلها ؟ قال: إنْ کان یعلم أنّ رمیته هی التی قتلته، فلیأکل). (4) علی القتل المستند إلی الرمیه، یعنی علی نفس الأفعال، فالحلّیه ----- حلّیه الأکل) رتّبت علی نفس الأفعال.

ص: 196


1- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 24، ص 17، باب 9 من أبواب الذبائح، ح 1.
2- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 24، ص 19، باب 10 من أبواب الذبائح، ح 1.
3- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 24، ص 35، باب 18 من أبواب الذبائح، ح 8.
4- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 23، ص 365، باب 18 من أبواب الصید، ح 1.

وفی صحیحه حریز، نفس العباره السابقه، حیث قال:(سُئل أبو عبد الله علیه السلام عن الرمیه یجدها صاحبها من الغد أیأکل منه ؟ قال: إنْ علم أنّ رمیته هی التی قتلته، إنْ کان سمّی). (1) فرتّب الحلّیه علی الرمیه مع التسمیه وهی عباره عن الأفعال.

فی معتبره سُماعه بن مهران، قال:(سألت أبا عبد الله علیه السلام عن الرجل یرمی الصید وهو علی الجبل، فیخرقه السهم حتّی یخرج من الجانب الآخر، قال: کله). (2) رتّب حلّیه الأکل علی نفس الأفعال.

وعن أبی عبیده، عن أبی عبدالله علیه السلام قال:(إذا رمیت بالمعراض فخرق فکل). (3) رتّب الحلّیه علی الرمی بالمعراض إذا خرق ولم یصب عرضاً إلی غیر ذلک فهو کثیر.

وممّا تقدّم یتبیّن أنّ حلّیه الأکل مترتّبه فی الأدلّه علی أمرین، أحدهما: التذکیه. والثانی: الأفعال الخاصّه بالشروط الخاصّه.

قد یقال: احتمال أنْ یکون الترتّب علی الأفعال فی بعض الروایات باعتبارها محققّه ومحصّله للتذکیه. صحیح فی هذه الروایات رتبت الحلّیه علی العملیه الخارجیه، لکن لیس لخصوصیّه فی العملیه، وإنّما باعتبار أنّها محققّه للتذکیه بمعنی الطهاره ----- مثلاً ----- التی هی شیء آخر غیر الأفعال.

أقول: هذا الاحتمال لیس بأولی من تفسیر التذکیه بالأفعال الخارجیه، أنّ المراد بالتذکیه فی الأخبار الأخری التی رتبت الحلّیه علی التذکیه هی عباره عن نفس الأفعال والشرائط الخاصه؛ بل الظاهر من الروایات السابقه أنّ هذا هو الأقرب والمتعیّن، أی أنْ نفسّر التذکیه بالأفعال الخاصّه؛ وحینئذٍ ینتهی الکلام عن هذا الأمر الثانی الذی هو تحدید معنی التذکیه، والأقرب من هذه الأقوال هو ما ذکرناه من أنّها نفس العملیه.

ص: 197


1- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 23، ص 365، باب 18 من أبواب الصید، ح 2.
2- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 23، ص 369، باب 20 من أبواب الصید، ح 1.
3- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 23، ص 370، باب 22 من أبواب الصید، ح 1.

نعم، قد یرد فی بعض الأخبار إطلاق آخر، لکنّه أیضاً قابل للتأویل، والأغلب فی الإطلاقات أنْ یکون معنی التذکیه هو عباره عن نفس الأفعال الخاصّه.

الأمر الثالث: قد یقال: أنّ هناک بعض الأخبار التی تنافی استصحاب عدم التذکیه؛ بل تکون دلیلاً علی بطلانه وعدم جریانه؛ وحینئذٍ ینبغی ملاحظه هذه الأخبار؛ لأننّا انتهینا إلی أنّ استصحاب عدم التذکیه یجری، علی الأقل فی بعض الموارد لا مانع من جریانه، ویترتّب علیه الأثر، لکن قد یقال أنّ هناک بعض الأخبار المعتبره سنداً التی تنافی ذلک وتقتضی إبطال استصحاب عدم التذکیه، من هذه الروایات:

الروایه الأولی: معتبره عیسی بن عبد الله القمّی. الروایه معتبره سنداً، وإذا کان توقّف من جهه عیسی بن عبد الله القمّی من جهه أنّه لم یُنص علی وثاقته، لکن قیل بأنّه شیخ جلیل القدر، عظیم المنزله، وتعبیرات من هذا القبیل التی تفید المدح، وهذا یکفی فی اعتبار الروایه، قال:(قلت لأبی عبد الله علیه السلام: أرمی بسهمی، فلا أدری سمّیت، أم لم أسمّی، قال: کل، لا بأس). (1) فبالرغم من أنّه یشکّ فی التذکیه؛ لأنّ التسمیه معتبره فی التذکیه، فشکّه فی التسمیه یعنی شکّ فی التذکیه، لم یقل له الإمام(علیه السلام) اعتنِ باستصحاب عدم التذکیه، وابنِ علی الحرمه، وإنّما قال له کل، لا بأس، وهذا ینافی استصحاب عدم التذکیه.

الروایه الثانیه: روایه علی بن أبی حمزه، وبناءً علی أنّ علی بن أبی حمزه یمکن الاعتماد علیه تکون الروایه معتبره سنداً کما هو الظاهر؛ لأنّ باقی الرواه فی السند لیس فیهم خدشه. ورد فی هذه الروایه قوله(علیه السلام):(ما علمت أنّه میته، فلا تصل فیه). (2) ومفهومها هو(ما لم تعلم، أو ما تشکّ فی أنّه میته تجوز الصلاه فیه) علی إبطال وإلغاء استصحاب عدم التذکیه؛ لأنّ ما لم یعلم أنّه میته یعنی یشکّ فی أنّه مذکّی، أو میته، ومقتضی استصحاب عدم التذکیه هو عدم جواز الصلاه فیه، بینما الإمام(علیه السلام) جوّز الصلاه فیه. وفی روایه أخری صُرّح بهذا المفهوم وهی روایه سُماعه بن مهران، ورد فیها(لا بأس ----- یعنی بالصلاه فیه ----- ما لم تعلم أنّه میته) والمستفاد من مفهوم النصّ الأوّل ومنطوق النصّ الثانی هو جواز الصلاه بالرغم من الشکّ فی کونه میته، أو مذکّی، وهذا علی خلاف استصحاب عدم التذکیه.

ص: 198


1- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 23، ص 377، باب 25 من أبواب الصید، ح 1.
2- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 3، ص 491، باب 50 من أبواب النجاسات والأوانی والجلود، ح 4.

بالنسبه إلی الروایه الأولی یمکن الجواب عنها بأنّ الروایه إنّما حکمت بالحلّیه باعتبار أنّ ترک التسمیه فیها إنّما هو لأجل النسیان، هذا هو ظاهر الروایه، بضمیمه ما ثبت بالأدلّه من أنّ التسمیّه شرط ذکری، بمعنی أنّ هذه الشرطیه ترتفع أصلاً فی حاله النسیان، بمعنی أنّ التذکیه فی حاله النسیان لیست التسمیه شرطاً فیها، وبضمیمه هذا؛ حینئذٍ یکون الحکم بالحلّیه علی وفق القاعده، وهو(علیه السلام) لم یحکم بالحلّیه فی ظرف الشکّ، لم یحکم بحلّیه ظاهریه حتّی یقال أنّ هذا ینافی استصحاب عدم التذکیه الذی یقتضی عدم الحلّیه ظاهراً، وإنّما یحکم بحلّیه واقعیه، باعتبار أنّ المکلّف ترک التسمیه ناسیاً، والتسمیه شرط ذکری إنّما یعتبر فی حال الالتفات والذکر، وفی حال النسیان لا یعتبر أصلاً، فهذه تذکیه واقعیه حقیقیه، والتذکیه الواقعیه الحقیقیه تترتّب علیها الحلیه الواقعیه.

فإذن: الروایه لیست ناظره أساساً إلی فرض الشکّ فی التذکیه وعدمها الذی هو مورد جریان استصحاب عدم التذکیه حتّی یقال بأنّ الإمام(علیه السلام) لم یحکم باستصحاب عدم التذکیه، وحکم بالحلّیه الظاهریه حتّی یکون هذا إبطال وإلغاء لاستصحاب عدم التذکیه، وکلا الأمرین ثابتان، أمّا الأمر الأوّل الذی هو أنّ ترک التسمیه فی الروایه علی تقدیره یکون من باب النسیان، فهذا واضح فی الروایه؛ لأنّه یقول لا أدری سمّیت، أم لم أسمِ، فإذا کان قد سمّی، فلا مشکله حینئذٍ، وإذا لم یسمِّ، فترکه للتسمیه یکون من باب النسیان لا من باب العمد، إذن: هو علی کلا التقدیرین، سمّی، أو لم یسمِّ حصلت منه التذکیه الواقعیه، فالحکم بالتذکیه حینئذٍ یکون حکماً واقعیاً لا حکماً ظاهریاً.

ص: 199

إذن: الروایه لا تصلح أنْ تکون دلیلاً علی إبطال استصحاب عدم التذکیه.

وأمّا الروایه الثانیه، فی مقام الجواب عنها قیل أنّ مورد هذه الروایه هو وجود إمارات داله علی التذکیه من قبیل سوق المسلمین، وید المسلم وأمثالها، ومن الواضح أنّه مع وجود الإمارات الدالّه علی التذکیه لا یجری الاستصحاب؛ إذ لا معنی لأنْ نقول أنّ هذه الروایه تکون معارضه للاستصحاب وموجبه لإبطاله، فی مورد الروایه أصلاً لا یجری الاستصحاب؛ لوجود إمارات دالّه علی التذکیه، فلا معنی لأنْ نلتزم باستصحاب عدم التذکیه فی موارد الشکّ حیث لا إماره علی التذکیه کما هو المدّعی، المقصود هو أنّ استصحاب عدم التذکیه یمکن التمسّک به فی موارد الشکّ حیث لا إماره علی التذکیه، وإلاّ مع وجود الإماره علی التذکیه، لا إشکال فی أنّ هذا یمنع من جریان الاستصحاب. إذن، هذه الروایه لا تمنع من الالتزام بجریان استصحاب عدم التذکیه حیث لا إماره علی التذکیه، وهذا هو المدّعی،

إذن: هذه الروایه لا تبطل جریان الاستصحاب بالمعنی المقصود؛ لأنّه لا أحد یلتزم باستصحاب عدم التذکیه حتّی فی موارد وجود الإماره علی التذکیه، لکن المشکله أنّ هاتین الروایتین لیس فیهما أی إشاره علی التذکیه. نعم فی روایات الباب یفترض السائل أنّه اشتری شیئاً من السوق، لکن فی هاتین الروایتین لا توجد أیّ إشاره فیهما إلی وجود إماره علی التذکیه من قبیل سوق المسلمین، وید المسلم وأمثالهما، مقتضی إطلاق هذه الروایه هو أنّ هذا إذا لم تعلم أنّه میته تجوز الصلاه فیه مطلقاً، یعنی سواء قامت إماره علی التذکیه، أو لم تقم إماره علی التذکیه، وهذا هو الذی یکون منافیاً لاستصحاب عدم التذکیه، حتّی إذا لم تقم إماره علی التذکیه تجوز الصلاه فیه؛ لأنّ مقتضی استصحاب عدم التذکیه عدم جواز الصلاه فیه، فهذا فی الحقیقه ما یمنع من الأخذ بهذا الجواب وهو أنّ الروایات لیس فیها إشاره إلی اختصاصها بصوره وجود إماره علی التذکیه، ومقتضی إطلاقها هو شمولها لحالتی وجود الإماره وعدم وجود الإماره علی التذکیه، وهذا یبطل جریان استصحاب عدم التذکیه.

ص: 200

درس الأصول العملیّه/ البراءه/ تنبیهات البراءه/ التنبیه الثانی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّه/ البراءه/ تنبیهات البراءه/ التنبیه الثانی

کان الکلام فی وجود بعض الروایات التی قد یقال بأنّها منافیهلاستصحاب عدم التذکیه، وانتهی الکلام إلی روایتی علی بن أبی حمزه، وروایه سُماعه بن مهران، حیث یُفهم منهما الجواز والحلّیه مع الشکّ فی جواز الصلاه فیه مع الشکّ فی التذکیه، وهذا معناه عدم جریان استصحاب عدم التذکیه.

فی الدرس السابق ذکرنا جواباً عن ذلک، لکن بینّا أنّ الروایات لیس فیها ما یُشیر إلی أنّ الحکم بالحلّیه فیها إنّما هو لأجل وجود إماره علی التذکیه، وإلاّ ظاهرها الإطلاق، أنّها تحکم بالحلّیه والجواز مطلقاً، أی سواء کانت هناک إماره علی التذکیه، أو لم تکن هناک إماره علی التذکیه، وهذا مُنافٍ لاستصحاب عدم التذکیه فی صوره عدم العلم بالتذکیه وعدم وجود إماره علی التذکیه، هذه الروایات تحکم بالجواز والحلّیه، فی حین أنّ مقتضی الاستصحاب هو عدم الجواز وعدم الحلّیه.

الذی یمکن أنْ یقال فی المقام هو أنّ هذه الروایه وإنْ کان ظاهرها المنافاه مع استصحاب عدم التذکیه، لکن هذه الروایه معارضه بأکثر من روایهٍ فی نفس المورد تدلّ علی أنّ الحکم هو عدم الجواز، وفی هذا الصدد تُذکر موثقه ابن بُکیر، عن زراره، عن أبی عبد الله(علیه السلام) قال:(إنْ کان ممّا یؤکل لحمه، فالصلاه فی وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه، وکل شیءٍ منه جائز إذا علمت أنّه ذکی). (1) فقیّد الجواز بما إذا علمت أنّه مذکّی، ومفهومها هو إذا لم تعلم أنّه مذکّی، یعنی شککت فی تذکیته، تکون الصلاه منه فی هذه الأمور جائزه، فتکون هذه الروایه معارضه للروایات السابقه، باعتبار أننّا فی نفس المورد نحکم فی صوره الشکّ بعدم الجواز خلافاً لتلک الروایات. هذه الروایه إنْ جعلناها معارضه للروایات السابقه؛ حینئذ بعد فرض التعارض وعدم وجود المرجّح لا یمکن الاستناد إلی کلٍ منهما، فیتساقطان للتعارض؛ وحینئذٍ لا مانع من الرجوع إلی أصاله عدم التذکیه فی حاله الشکّ کما هو محل الکلام؛ لأنّ الروایه التی فُرض کونها مانعه من جریان أصاله عدم التذکیه سقطت بالمعارضه مع الروایه الأخری، فکأنّه نبقی نحن وأصاله عدم التذکیه من دون أنْ یوجد ما یمنع من استصحاب عدم التذکیه، فیُلتزم باستصحاب عدم التذکیه إذا جعلناها معارضه لتلک الروایات. ونفس الکلام یقال، أنّ النتیجه نفس النتیجه إذا فرضنا أنّ هذه الروایه مطلقه من حیث وجود إماره علی التذکیه وعدم وجود إماره علی التذکیه، بمعنی أنّ الروایه الأخیره بمفهومها تدلّ علی عدم الجواز فی حاله الشکّ وعدم العلم بالتذکیه، فی حاله الشکّ یُحکم بعدم الجواز، ومقتضی إطلاقها هو أنّه یُحکم بعدم الجواز فی صوره وجود إماره علی التذکیه وصوره عدم وجود إماره علی التذکیه، هذا الإطلاق لا یمکن الالتزام به، ولابدّ من تخصیصها؛ لأنّه فی صوره وجود إماره علی التذکیه لا یمکن الحکم بعدم الجواز استناداً إلی استصحاب عدم التذکیه؛ إذ لا إشکال أنّه فی صوره وجود إماره علی التذکیه لا یجری الاستصحاب، فحکم الروایه بعدم الجواز لابدّ من تخصیصه وإنْ کان مطلقاً بحسب الظاهر یشمل صوره وجود الإماره علی التذکیه وصوره عدم وجود الإماره علی التذکیه، لکن لابدّ من تخصیصها بصوره عدم وجود الإماره علی التذکیه حتّی یمکن أنْ نلتزم بعدم الجواز استناداً إلی استصحاب عدم التذکیه، یعنی نُخرج منها صوره وجود الإماره علی التذکیه، فتبقی هذه الروایه بعد التخصیص بعد إخراج صوره وجود الإماره علی التذکیه تبقی مختصّه بصوره عدم وجود الإماره علی التذکیه؛ حینئذٍ نلاحظ نسبه هذه الروایه بعد هذا التخصیص إلی الروایات السابقه التی تحکم بالحلّیه، سوف نجد أنّ النسبه بینهما هی العموم والخصوص المطلق؛ لأنّ الروایات السابقه الحاکمه بالحلّیه تحکم بالحلیه مطلقاً، سواء وجدت الإماره علی التذکیه، أم لم توجد الإماره علی التذکیه؛ ولذا جُعلت منافیه لاستصحاب عدم التذکیه، فهی تحکم بالحلّیه مطلقاً، بینما هذه الروایه تحکم بالحرمه بعد التخصیص فی صوره عدم وجود إماره علی التذکیه، وتکون نسبتها إلی تلک الروایات نسبه الخاص إلی العام، تلک الروایات تحکم بالحلّیه مطلقاً، بینما هذه تحکم بالحرمه فی صوره عدم وجود إماره علی التذکیه، فتخصّص تلک الروایات، یعنی نحمل تلک الروایات علی صوره وجود إماره علی التذکیه، وبهذا لا تکون حینئذٍ منافیه لاستصحاب عدم التذکیه، یعنی سوف نصل إلی نفس النتیجه التی ذُکرت فی الجواب السابق الذی لم نرتضه وناقشنا فیه، وهو أنّ هذه الروایات مختصّه بصوره وجود الإماره علی التذکیه، قلنا أنّ هذا إذا استفید من نفس الروایات، فالروایات لیس فیها إشاره إلی اختصاص الحکم بالحلّیه فی صوره وجود إماره علی التذکیه، وإنّما هی مطلقه، لکن عندما أبرزنا هذه الروایه الدالّه علی الحرمه وعدم الجواز، قلنا أنّ هذه الروایه إنْ کانت معارضه لتلک الروایات، بأنْ کنّا لا نؤمن بانقلاب النسبه الذی هو مبنی الوجه الآخر الذی ذکرناه؛ حینئذٍ یتعارضان ویتساقطان؛ فحینئذٍ لا مانع من الالتزام بأصاله عدم التذکیه ولیس هناک ما یمنع من جریانه؛ لأنّ المانع من جریانه هو تلک الروایات وقد سقطت بالمعارضه.

ص: 201


1- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 3، ص 408، باب 9 من أبواب النجاسات والأوانی والجلود، ح 6.

وأمّا إذا آمنّا بکبری انقلاب النسبه، فسوف تکون النسبه بین هذه الروایه الأخیره وبین تلک الروایات هی نسبه العموم والخصوص المطلق؛ لما قلناه من أنّ هذه الروایه وإنْ کانت مطلقه تدّل علی الحرمه مطلقاً، یعنی سواء قامت إماره علی التذکیه، أو لم تقم، لکن هذا لا یمکن الالتزام به، لأنّ فی صوره قیام الإماره علی التذکیه کیف یُلتزَم بعدم الجواز اعتماداً علی استصحاب عدم التذکیه ؟ إذن: لابدّ أنْ نخرج منها صوره قیام الإماره علی التذکیه ونحملها علی صوره عدم قیام الإماره علی التذکیه. إذن: هی تدلّ علی عدم الجواز فی صوره عدم قیام الإماره علی التذکیه، إذا اختصّت بصوره عدم قیام الإماره علی التذکیه تکون أخصّ مطلقاً من تلک الروایات وهذا معناه انقلاب النسبه؛ لأنّ تلک الروایات تدلّ علی الحلّیه مطلقاً سواء کانت هناک إماره علی التذکیه أو لم تکن هناک إماره علی التذکیه، فتخصص هذه الروایه الأخیره تلک الروایات، یعنی نخرج من تلک الروایات صوره عدم وجود الإماره علی التذکیه؛ لأنّ صوره عدم وجود الإماره علی التذکیه هذه الروایه تحکم بعدم الجواز، تلک تحکم بالحلّیه، لکن تحکم بالحلّیه مطلقاً، لا أنّها تحکم بالحلّیه فی هذه الصوره حتّی تعارضها، وإنّما تحکم بالحلّیه مطلقاً فنخصصّها ونحمل تلک الروایات الدالّه علی الحلّیه علی صوره وجود الإماره علی التذکیه، وحملها علی صوره وجود الإماره علی التذکیه لا ینافی استصحاب عدم التذکیه؛ لأننّا لا نتکلّم فی صوره وجود إماره علی التذکیه؛ إذ لا إشکال فی تقدّم الإماره علی الاستصحاب، فیثبت المطلوب، سواء قلنا بالمعارضه، أو قلنا بانقلاب النسبه، النتیجه هی نفس النتیجه وهی أنّه لا مانع من إجراء استصحاب عدم التذکیه، ولا مانع منه من جهه هذه الروایات.

ص: 202

هذا تمام الکلام فی استصحاب عدم التذکیه.

التنبیه الثانی: یقع فی حسن الاحتیاط واستحبابه. وذلک لأنّه بعد أنْ تقدّم فی أصل البحث عدم تمامیه ما استدلّ به الأخباریون علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات البدویه التحریمیه، أو مطلقا، علی الخلاف فی أنّه یجب مطلقاً، أو فی خصوص الشبهات التحریمیه. بعد أن فرغنا من ذلک، أنّ ما أقاموه من أدلّهٍ علی وجوب الاحتیاط فی هذه الشبهات غیر تام، فلا نلتزم بوجوب الاحتیاط؛ حینئذٍ ینفتح المجال للبحث فی أنّه هل الاحتیاط الذی فرغنا عن عدم وجوبه هل یمکن الالتزام بحسنه عقلاً ؟ واستحبابه شرعاً؟ أو لا ؟ ذکروا بأنّ الحسن العقلی للاحتیاط لا إشکال فیه، ولا ینبغی أنْ یقع الکلام فیه، بمعنی أنّه لا إشکال فی حُسن الاحتیاط فی جمیع أقسام الشبهه البدویه التحریمیه والوجوبیه وحتّی الشبهه الموضوعیه، لا إشکال فی حُسن الاحتیاط عقلاً، باعتبار أنّ الاحتیاط یمثّل إدراک الواقع، والوصول إلی مطلوب الشارع ومراده، والعقل یحکم بحُسن هذا الشیء بلا إشکال. فحُسن الاحتیاط ورجحانه عقلاً ممّا لا إشکال فیه ولا بحث فیه، وإنّما یقع الکلام فی استحبابه شرعاً، هل یمکن أنْ نلتزم باستحبابه بحیث أنّ المفتی یفتی بأنّ الاحتیاط مستحب شرعاً، حاله حال المستحبات الأخری. الکلام الذی طرحوه تکلّموا عن إمکان هذا الشیْ، هل یمکن فرض الاستحباب الشرعی للاحتیاط ؟ وتکلّموا عن کیفیّه استفادته، وإثباته. البحث الأوّل بحث ثبوتی، فی أنّه هل یمکن فرض استحبابٍ شرعی متعلّق بالاحتیاط، أو أنّه غیر ممکن ؟ البحث الثانی یحث إثباتی فی کیفیّه استفاده الاستحباب، فی إثبات الاستحباب، ما هو الدلیل علی الاستحباب، فرضاً أنّ الاستحباب الشرعی المولوی للاحتیاط أمر ممکن؛ إذ لا محذور فیه ثبوتاً، لکن ما هو الدلیل علیه، هذا بحث إثباتی.

ص: 203

فی کلماتهم وقع خلط بین البحثین، ولم یُمیّز أحدهما عن الآخر، بینما ینبغی التمییز بینهما، ولو من ناحیه منهجیه. ثمّ أنّ البحث فی حکم الاحتیاط فی الشبهات البدویه وإن کان یعمّ العبادات وغیر العبادات، فی کلٍ منهما یجری هذا الکلام، الاحتیاط فی العبادات لیس واجباً، فیقع الکلام فی أنّه هل یمکن أنْ یکون مستحبّاً ؟ أو لا یمکن أنْ یکون مستحبّاً ؟ شیء یدور أمره بین أنْ یکون واجباً، أو غیر واجب، فرضاً قلنا أنّه لا یجب الاحتیاط، هذا قد یُتصوّر فی غیر العباده، وقد یُتصوّر فی العباده، أنّ صلاه رکعتین عند دخول المسجد واجبه، أو لیست بواجبه ؟ فیقع الکلام فی أنّ هذا الاحتیاط هل هو مستحب فی العباده، أو لیس مستحبّاً فی العباده ؟ الکلام کما یقع فی هذا یقع فی غیره أیضاً، فی غیر العبادات ممّا یدور أمره بین الوجوب وغیره، لکن حیث أنّ العبادات تختصّ بنکاتٍ خاصّه لیست موجوده فی غیرها ناسب ذلک إیقاع هذا البحث فی مقامین، المقام الأوّل فی الشبهات البدویه بشکلٍ عام من دون أنْ نبحث عن خصوصیّه کون المشکوک عباده. والمقام الثانی عن حکم الاحتیاط فی خصوص العبادات؛ لأننّا قلنا أنّ العبادات فیها بعض النکات التی تختصّ بها.

المقام الأوّل: فی الشبهات البدویه بشکلٍ عام، من دون ملاحظه خصوصیه کون المشکوک عباده.

الکلام یقع فی بحثین:

البحث الأوّل: فی البحث الثبوتی، فی إمکان فرض استحبابٍ شرعی مولوی للاحتیاط، هل یمکن فرضه، أو لا یمکن فرضه ؟

البحث الثانی: بعد فرض الإمکان فی البحث الأوّل یقع الکلام فی کیفیّه استفاده هذا الاستحباب، وما هو الدلیل علی هذا الاستحباب ؟

ص: 204

قبل أنْ نتکلّم عن هذین البحثین الثبوتی والإثباتی لابدّ من الإشاره إلی أنّ المقصود بالاستحباب فی المقام الذی نبحث عن إمکانه، وعن کیفیه إثباته، هو الاستحباب المولوی الطریقی لا الاستحباب المولوی النفسی، الاستحباب الطریقی الذی یکون ملاکه هو نفس ملاک الواقع، ویکون الغرض منه هو الوصول إلی الواقع المشکوک، والتحفّظ علی ملاکات الواقع المشکوک، هذا الاستحباب الطریقی هو طریق لإدراک الواقع المشکوک، فیؤمر بالاحتیاط علی نحو الاستحباب لغرض الوصول إلی إدراک الواقع، والتحفّظ علی ملاکات الواقع، فیکون هذا الاستحباب استحباباً طریقیاً، هذا هو محل کلامنا؛ لأننّا نتکلّم عن الاحتیاط الذی تکلّمنا فیه سابقاً، والذی عجزت أدلّه الإخباریین عن إثبات وجوبه، وذاک الاحتیاط احتیاط طریقی الغرض منه هو إدراک الواقع المشکوک والتحفّظ علیه، هذا إذا لم تنهض الأدلّه لإثبات وجوبه؛ حینئذٍ لا یقع الکلام فی أنّه مستحب، أو غیر مستحب.

وأمّا الاستحباب المولوی النفسی الذی ینشأ من ملاکات لیس لها علاقه بالواقع المشکوک؛ بل ینشأ من ملاکات أخری، لیس الغرض منه إدراک الواقع المشکوک، والتحفّظ علی ملاکه؛ بل له ملاک آخر من قبیل ما أشارت إلیه بعض الروایات المتقدّمه حینما تقول من ترک ما اشتبه علیه من الإثم فهو لما استبان له أترک، هذا ملاک للاستحباب وهو أنّ الاحتیاط یخلق فی نفس الإنسان حاله الاقتدار علی ترک ما یعلم حرمته، أی المحرّمات المعلومه، ومن الواضح أنّ الذی یترک ما یحتمل کونه حراماً یکون أقدر بلا إشکال علی ترک ما یعلم کونه حراماً، هذا ملاک للاستحباب، ملاک لترک ما یحتمل حرمته، وفعل ما یحتمل وجوبه، لکن لیس الملاک فی هذا هو مسأله إدراک الواقع المشکوک، وإنّما الملاک هو خلق حاله الاقتدار علی ترک المحرّمات المعلومه، وفعل الواجبات المعلومه، کلامنا لیس فی هذا؛ لأنّ مثل هذا الاستحباب النفسی المولوی لا إشکال فی إمکانه، کما أنّه لا ینبغی الإشکال فی إمکان استفادته من بعض نصوص الباب کهذا الحدیث الذی ذکرناه؛ إذ من الواضح أنّه ظاهر فی هذا الشیء، فلیس هو مورداً للبحث أنّ الاستحباب المولوی النفسی الشرعی للاحتیاط ممکن، أو لیس ممکناً ؟ هو ممکن بلا إشکال؛ لأنّ المحذور الذی سنذکره علی الاستحباب المولوی الطریقی لیس موجوداً فی الاستحباب المولوی النفسی الذی هو کما سیأتی أنّه یستلزم محذور اللّغویه، لیس هناک لغویه فی جعل استحباب نفسی مولوی للاحتیاط، ولا یلزم منه لغویه بالرغم من أنّ العقل یحکم بحسنه، فأنّ اللغویه إنّما ترد من جهه أنّ العقل یحکم بحسنه، فما هو الداعی لجعل الاستحباب ؟ هذا إنّما یُتصوّر فی الاستحباب الطریقی المولوی، أمّا الاستحباب المولوی النفسی للاحتیاط لا یلزم منه لغویه بالرغم من أنّ العقل یحکم بحسن الاحتیاط، لکن الملاک للاحتیاط اختلف، حیث أنّ العقل یحکم بحسن الاحتیاط باعتبار إدراک الواقع المشکوک، الشارع یحکم باستحبابه بملاک آخر، ملاک نفسی لیس له علاقه بالواقع حتّی یلزم من جعل الاستحباب ----- مثلاّ ----- توهّم محذور اللّغویه، فإذن: الاستحباب النفسی المولوی خارج عن محل الکلام، نحن نتکلّم عن الاستحباب المولوی الطریقی، هل هو أمر ممکن، أو لا ؟

ص: 205

أمّا الکلام فی البحث الثبوتی: وهو الإمکان وعدمه، فقد یقال بعدم الإمکان، باعتبار لزوم اللّغویه من جعله بعد فرض حکم العقل بحُسنه؛ لأنّ الغرض من جعل الاستحباب هو جعل ما یحرّک المکلّف نحوه لا علی نحو الإلزام، والمفروض وجود هذا المحرّک، أی وجود ما یحرّک المکلّف نحو الإتیان بما یحتمل وجوبه، وترک ما یحتمل حرمته، وهو حکم العقل بحسن الاحتیاط، عقل الإنسان یحکم بحسن الاحتیاط وهذه قضیّه مسلّمه، وهذا یکون محرّکاً له نحو الإتیان بما یحتمل وجوبه، وترک ما یحتمل حرمته، ومع فرض وجود المحرّک لا معنی لأنْ یجعل الشارع استحباباً لغرض إیجاد المحرّک لتحریک المکلّف؛ إذ هناک ما یحرّک المکلّف وهو حکم العقل الذی ذکرناه؛ وحینئذٍ یکون جعل الاستحباب من قِبل الشارع لنفس الغرض، لإیجاد ما هو حاصل یکون لغواً وبلا فائده. وهذا المحذور الثبوتی الذی إذا تمّ سوف یستوجب الحکم باستحاله جعل الاستحباب المولوی الطریقی للاحتیاط، هنا واضح عدم تعددّ الملاک فی هذین المحرّکین، حکم العقل بحُسن الاحتیاط ملاکه إدراک الواقع المشکوک، والاستحباب المولوی الطریقی أیضاً ملاکه إدراک الواقع المشکوک، فالملاک واحد وغیر متعددّ؛ ولذا قلنا أنّه إذا کان الاستحباب نفسیاً فلا إشکال فی إمکانه؛ لأنّ الملاک متعدد، ملاک إدراک الواقع، وملاک أنْ یکون أقدر علی ترک المحرّمات المعلومه، فلا یلزم اللّغویه، بینما هنا ترد شبهه اللّغویه؛ لأنّ الملاک واحد، فی کلٍ منهما ملاک واحد، هذا یُحرک المکلّف، فما هو الداعی لجعل محرّک آخر للمکلّف ؟!

لکن الذی یُلاحظ علی هذا الکلام هو أنّ جعل الاستحباب الطریقی من قِبل المولی إنّما هو لغرض إدراک الواقع المحتمل والتحفّظ علی ملاکاته، فإذا فرضنا أنّ الواقع المحتمل وملاکاته فی نظر المولی واصل إلی درجه من الأهمیه لیست بذاک المقدار الذی لا یرضی بتفویته؛ إذ أنّ أهمیّه الواقع المحتمل، وأهمیّه ملاکاته فی نظر المولی، مرّه نفترض أنّه واصل إلی درجه من الأهمّیه بحیث لا یرضی بتفویته، فی هذه الحاله سوف یجعل وجوب الاحتیاط علی المکلّف حتّی یدرک الواقع؛ لأنّه لا یرضی بتفویت الواقع. نحن نفترض أنّ الواقع وملاکاته بالغه إلی درجه من الأهمّیه مهمّه فی نظر المولی، لکنها لیست واصله إلی حدٍّ بحیث لا یرضی بتفویته؛ بل هو یرضی بتفویته، لکنّه یهتم به، واصله إلی درجه من الأهمیّه تتناسب مع استحباب الاحتیاط، یعنی تتناسب مع حثّ العبد نحو إدراک الواقع وتحصیل ملاکاته، لکنّه یرضی بتفویته، إلاّ أنّه من الأهمّیه بمکان بحیث یطلب من المکلّف طلباً غیر إلزامی بأنْ یُدرک الواقع؛ فحینئذٍ یجعل استحباب الاحتیاط.

ص: 206

أقول: هذا الفرض یمکن فرضه ثبوتاً ولیس هناک مانع منه، فی هذه الحاله لا مانع من جعل استحباب مولوی طریقی للاحتیاط ولا یلزم من جعله فی هذا الفرض اللّغویه؛ وذلک لأنّ مثل هذا الاستحباب یوجب تأکید حکم العقل بحسن الاحتیاط، ویوجب إیجاد محرّک آخر للمکلّف، ولو علی مستوی الاستحباب، ومع کونه یحقق هذین الأمرین، تأکید المحرّکیه الموجود باعتبار حکم العقل بحسن الاحتیاط، وکونه یوجد محرّکاً آخراً غیر محرّکیه حکم العقل، هذا یرفع محذور اللّغویه؛ وحینئذٍ لا یکون جعله لغواً، فمن دون جعل الاستحباب المولوی الطریقی هذین الأمرین لا یحصلا، لا حکم العقل بالاحتیاط یکون حکماً مؤکّداً، ولا المحرّکیه تکون متعدّده؛ بل تکون المحرّکیه واحده وهی محرّکیه حکم العقل، هذا یُضیف إلی المحرّکیه محرّکیه أخری، ولو بنفس الملاک.

وبعباره أخری: أنّ حکم العقل وإنْ کان یوجد داعٍ عند المکلّف بالتحرّک علی المستوی المناسب للرجحان والاستحباب، لکن هذا لا یعنی لغویّه جعل داعٍ آخر عند المکلّف للتحرّک، یعنی یجعل الشارع داعٍ آخر عند المکلّف للتحرّک، وذلک بجعل استحباب الاحتیاط؛ بل یمکن أنْ یقال أنّه یکفی فی عدم لغویّه هذا الاستحباب الطریقی المولوی هو أنّه قد یکون محرّکاً بالفعل بالنسبه إلی بعض الناس الذین لا یتحرّکون من الحکم العقلی؛ إذ من الممکن فرض أنّ بعض الناس لا یتحرّکون من الحکم العقلی، بالفعل لا یتحرّک للإتیان بالاحتیاط لمجرّد أنّ العقل یدرک حُسنه، لکن إذا قال له الشارع هذا مستحب فأنّه قد یتحرّک نحو الإتیان بالاحتیاط، وهذا یکفی فی رفع لغویّه جعل الاستحباب المولوی الطریقی للاحتیاط، والظاهر أنّ الجماعه لم یهتموا بهذا الإشکال، وفرغوا عن إمکان جعل الاستحباب الطریقی للاحتیاط، وهذا هو الصحیح، یعنی فی عالم الثبوت لا توجد مشکله فی افتراض استحبابٍ مولویٍ طریقیٍ للاحتیاط.

ص: 207

درس الأصول العملیّه/ البراءه/ تنبیهات البراءه/ التنبیه الثانی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّه/ البراءه/ تنبیهات البراءه/ التنبیه الثانی

الکلام الإثباتی: فی کیفیّه استفاده هذا الاستحباب، هناک طریقان لإثبات هذا الاستحباب:

الطریق الأوّل: دعوی استفادته من أدلّه الاحتیاط، باعتبار أنّ أدلّه الاحتیاط تدلّ علی وجوب الاحتیاط، وبعد صرفها عن ظاهرها کما تقدّم سابقاً، ولو باعتبار أدلّه تدلّ علی البراءه؛ وحینئذٍ لا یمکن الأخذ بهذا الظاهر؛ وحینئذٍ تُحمل علی الاستحباب، ویُستفاد منه الاستحباب، أو المطلوبیه، لکن لا علی نحو الإلزام؛ بل قد یُدّعی أنّ بعض الروایات السابقه فیها دلاله علی الاستحباب مباشره، هی لا تدلّ علی أکثر من الاستحباب؛ فحینئذٍ یثبت الاستحباب باعتبار تلک الأدلّه.

الطریق الثانی: أنْ یُستفاد الاستحباب من حکم العقل بحُسن الاحتیاط بناءً علی الملازمه بین ما یحکم به العقل وما یحکم به الشرع، فإذا حکم العقل بحُسن الاحتیاط؛ حینئذٍ بناءً علی الملازمه یمکن أنْ یُستفاد من ذلک استحباب الاحتیاط شرعاً، یعنی مطلوبیه الاحتیاط شرعاً.

أمّا الطریق الأوّل وهو استفاده استحباب الاحتیاط من أدلّه الاحتیاط، فقد استشکل المحققّ النائینی(قدّس سرّه) فی ذلک، وقال فی وجه الإشکال:(وفی استحبابه الشرعی من جهه أوامر الاحتیاط إشکال لاحتمال أنْ تکون الروایات الوارده فی الباب ----- علی کثرتها ----- للإرشاد إلی ما یستقلّ به العقل من حُسن الاحتیاط تحرّزاً عن الوقوع فی المفسده الواقعیه وفوات المصلحه النفس الأمریه، وحکم العقل برجحان الاحتیاط وحسنه إنّما یکون طریقاً إلی ذلک، لا أنّه نشأ عن مصلحه فی نفس ترک ما یحتمل الحرمه، وفعل ما یحتمل الوجوب بحیث یکون ترک المحتمل وفعله بما أنّه محتمل ذا مصلحه یحسن استیفائها عقلاً). (1)

ص: 208


1- فوائد الأصول، إفادات المیرزا النائینی للشیخ الکاظمی الخراسانی، ج 3، ص 398.

وبناءً علی حمل هذه الروایات علی الإرشاد؛ حینئذٍ لا یمکن أنْ نستفید منها الاستحباب المطلوب فی محل الکلام؛ لأننّا نتکلّم عن الاستحباب الشرعی المولوی للاحتیاط، ومثل هذا الاستحباب المولوی الشرعی للاحتیاط لا یمکن أنْ یُستفاد من الأوامر إذا حُملت علی الإرشاد، أوامر إرشادیه لا یُعمِل الشارع فیها المولویه، فکیف نستفید منها الطلب والاستحباب المولوی؛ بل هذه الأخبار فی الحقیقه لا تزید عن حکم العقل بحُسن الاحتیاط، وهی ترشد إلی ذلک لا أزید، فاستشکل(قدّس سرّه) فی استفاده استحباب الاحتیاط من الأخبار السابقه الدالّه علی وجوب الاحتیاط.

مسأله حمل الأوامر علی الإرشاد لاحتمال أنْ تکون هذه الأوامر إرشادیه لا ینفع فی المقام؛ لأنّ الظهور الأوّلی للأوامر الصادره من الشارع أنّها أوامر مولویه، بمعنی أنّ الشارع أعمل فیها المولویه، وحملها علی خلاف ذلک، أی علی أنّها إرشادیه، وأنّ الشارع لم یُعمِل فیها المولویه یحتاج إلی قرینه، لا بأس به إذا کانت هناک قرینه تدلّ علی ذلک، وهذه القرینه قد تکون موجوده فی بعض الأخبار السابقه علی ما تقدّم، لکن الظاهر أنّها غیر موجوده بشکل واضح فی جمیع الأخبار السابقه، بحیث نحمل جمیع أخبار الاحتیاط بطوائفها الکثیره السابقه علی أنّها فی مقام الإرشاد، المحقق النائینی(قدّس سرّه) لم یبرز قرینه وإنّما الذی ذکره هو احتمال أنْ تکون هذه الأوامر أوامر إرشادیه ولم یذکر القرینه.

أقول: هذا الاحتمال وحده لا یبررّ لنا رفع الید عن الظهور الأوّلی للأوامر الصادره من المولی فی أنّها أوامر مولویه.

قد یقال: أنّ القرینه علی حمل الأوامر علی الإرشاد فی المقام موجوده وهی نفس حکم العقل بحُسن الاحتیاط، باعتبار أنّ حکم العقل بحُسن الاحتیاط یمنع من حمل هذه الأوامر علی الاستحباب المولوی للاحتیاط ویقتضی أنْ تُحمل هذه الأوامر علی الإرشاد.

ص: 209

الجواب عن ذلک: إنّ هذا فی الحقیقه بحسب الروح راجع إلی ما تقدّم سابقاً من دعوی اللّغویه، بمعنی أنّ حکم الشارع مولویاً باستحباب الاحتیاط، بعد فرض حکم العقل بحُسن الاحتیاط، یکون لغواً وبلا فائده، فإذا کان لغواً؛ فحینئذٍ لابدّ من حملها علی الإرشاد، فیکون ورود هذه الأوامر فی مورد حکم العقل هو بنفسه قرینه علی الإرشاد کما قیل؛ لأنّ کون هذه الأوامر مولویه فی مورد حکم العقل لغو، فلابدّ من حملها علی الإرشاد. وأجیب عن ذلک سابقاً بمنع اللّغویه، وأنّه لا توجد لغویه فی أنْ یطلب الشارع طلباً مولویاً بالاحتیاط، ولو علی نحو الاستحباب، فلا توجد لغویه بذاک المعنی؛ لأننّا قلنا سابقاً بأنّه من الممکن افتراض فوائد وآثار تترتّب علی الطلب الشرعی بالرغم من کون المورد مورداً لحکم العقل بحُسن الاحتیاط، بالرغم من ذلک هناک فوائد یمکن تصوّرها فی المقام لرفع المحذور الثبوتی، یمکن تصوّر فوائد للطلب الشرعی المولوی بحیث یمنعنا من أنْ نقول أنّ هذا مستحیل؛ لأنّه لغو وبلا فائده، بل یمکن تصوّر ترتّب فوائد علی الطلب الشرعی کما بیّنّا سابقاً، فإذن: هذا بحسب الروح یرجع إلی دعوی اللّغویه بحیث یکون ورود هذه الأوامر فی موارد حکم العقل هو قرینه علی حملها علی الإرشاد، فنکررّ ما قلناه من أنّ هذا ممنوع ویرجع کلامنا السابق من عدم وجود قرینه واضحه فی جمیع تلک الأخبار علی أنّها للإرشاد، قد تکون هذه القرینه موجوده فی بعض الأخبار، لکنّ دعوی وجودها فی جمیع هذه الأخبار هذا غیر واضح، والظهور الأوّلی للأوامر أنّها أوامر مولویه.

وأمّا الطریق الثانی، وهو استکشاف الاستحباب الشرعی المولوی علی أساس الملازمه لحکم العقل بحُسن الاحتیاط بعد الإیمان بالملازمه. من الواضح أنّ هذا الطریق مبنی علی الإیمان بالملازمه بین ما حکم به العقل وما حکم به الشرع، أی بین الحکم العقلی وبین الحکم الشرعی، وقد تقدّم فی بحث التجرّی إنکار هذه الملازمه، وأنّه لا توجد ملازمه تحتّم بالضروره أنْ یحکم الشارع فی مورد حکم العقل بحُکم شرعی؛ لأنّه من الممکن ثبوتاً اکتفاء الشارع بما حکم به العقل، وبالإدراک العقلی للحسن والقبح، ویمکن افتراض عدم وجود داعٍ یدعو الشارع إلی أنْ یحکم علی طبق ما حکم به العقل، لو فرضنا أنّ الشارع لا یهتم بذاک الأمر اهتماماً أزید ممّا یقتضیه الحکم العقلی، الحکم العقلی یحرّک المکلّف نحو الفعل، أو نحو الترک بمقدارٍ ما، إذا فرضنا أنّ الشارع لا یهتم بذاک المطلب أزید من هذا المقدار، فیترک الأمر لحکم العقل، ولا یری داعیاً لأنْ یجعل هو حکماً شرعیاً علی طبق الحکم العقلی، فی أحیان أخری نجد أنّ الشارع یری أنّ هناک مبررّاً لأنْ یحکم بحکم شرعی فی مورد حکم العقل، وذلک حینما یکون مهتمّاً بذلک الفعل، أو بذلک الترک بدرجه أکبر ممّا یحققّه الإدراک العقلی، وما یقتضیه الإدراک العقلی، هو یهتم بذلک المورد؛ فحینئذٍ یجعل حکماً علی طبقه، هذا لا یعنی وجود ملازمه بأنّه کلمّا حکم العقل بشیءٍ، فلابدّ أنْ یکون هناک حکم شرعی علی طبقه، کلا، الأمر لیس هکذا، لیس هناک ملازمه تثبت بالضروره وجود حکم شرعی فی مورد حکم العقل. إذن: أساساً الطریق الثانی مبنی علی دعوی الملازمه.

ص: 210

الآن نُسلّم الملازمه، لنفترض أنّ الملازمه ثابته بین الحکم العقلی والحکم الشرعی، بناءً علی الملازمه هل هذا الطریق تام ؟ هل یمکن استکشاف استحباب الاحتیاط من حکم العقل بحُسن الاحتیاط، أو لا یمکن استکشاف ذلک ؟

المحقق النائینی(قدّس سرّه) أیضاً استشکل فی ذلک، (1) وحاصل ما ذکره فی مقام الإشکال علی هذا الطریق لاستکشاف استحباب الاحتیاط هو أنّ المورد لیس مورداً لقاعده الملازمه، وذلک باعتبار الرأی المعروف عنه والذی تبنّاه السید الخوئی (قدّس سرّه)، وحاصله : أنّه یُفرّق بین نوعین من الأحکام العقلیه، یُفرّق بین حکم عقلی واقع ---- حسب تعبیره ----- فی سلسله علل الأحکام الشرعیه، وهو الحکم العقلی الذی یثبت بقطع النظر عن الحکم الشرعی، لا أنّه یثبت فی طوله، هذا نوع من الأحکام العقلیه، وهناک نوع آخر من الأحکام العقلیه وهو الحکم العقلی الذی یثبت فی سلسله معلولات الأحکام الشرعیه، یعنی یثبت فی مرحله امتثال الحکم الشرعی، أو قل هو الحکم العقلی الواقع فی طول الحکم الشرعی. الأوّل من قبیل حکم العقل بحُسن العدل، وقُبح الظلم، فهذا الحکم العقلی لا علاقه له بالحکم الشرعی، فهو یثبت بقطع النظر عن افتراض وجود حکم شرعی، سواء وجد حکم شرعی، أو لم یوجد، العقل یحکم بحُسن العدل وقُبح الظلم. الأمر الثانی هو من قبیل حکم العقل بحُسن الطاعه وقُبح المعصیه، یقول هذا واقع فی سلسله معلولات الأحکام الشرعیه، یعنی واقع فی طول الحکم الشرعی، وفی مرحله امتثاله، ومعنی حُسن الطاعه الذی یحکم به العقل هو أنّ الشارع إذا حکم بشیء؛ فحینئذٍ یحسُن منک طاعته، وتقبح منک معصیته، فهو حکم واقع فی طول الحکم الشرعی، وفی مرحله امتثاله، یقول(قدّس سرّه) هناک فرق بینهما: الملازمه ثابته فی القسم الأوّل، العقل یحکم بحُسن العدل، الملازمه تثبت حکماً شرعیاً بوجوب العدل، العقل یدرک قبح الظلم، هذه الملازمه أیضاً تثبت حکماً شرعیاً بأنّ الظلم حرام شرعاً، هذا لا مانع منه، فتُطبّق الملازمه فی القسم الأوّل ویُستنبط منها حکم شرعی مولوی. وأمّا فی القسم الثانی، فیقول القسم الثانی لیس مورداً لقاعده الملازمه، وذلک باعتبار أنّ صیروره الحکم العقلی فی القسم الثانی منشئاً للحکم الشرعی یلزم منه محذور التسلسل؛ لأنّ الحکم العقلی فی القسم الثانی واقع فی طول الحکم الشرعی، یعنی هو یفترض حکماً شرعیاً، وأمراً مولویاً، وهو یقول بأنّه تحسُن إطاعته وتقبح معصیته، وهذا معناه أننّا لابدّ أنْ نفترض أنّ هناک حکماً شرعیاً ----- فرضاً ----- بوجوب الصلاه، أو حرمه شرب الخمر، العقل یحکم بحُسن إطاعتهما، وقُبح معصیتهما، هذا الحکم العقلی بحُسن إطاعه هذا التکلیف الشرعی لو کان منشئاً لحکم شرعی مولوی؛ حینئذٍ یلزم التسلسل، فإذن صیروره الحکم العقلی فی القسم الثانی منشئاً للحکم الشرعی المولوی یلزم منه التسلسل؛ لأنّه إذا جعل الشارع حکماً شرعیاً مطابقاً للحکم العقلی بمضمون تجب إطاعه الأوامر الشرعیه؛ لأنّ ما یحکم به العقل هو حسن الإطاعه وقبح المعصیه، هذا الحکم العقلی إذا استلزم حکماً شرعیاً، فأنّه سوف یکون حکماً شرعیاً مولویاً بمضمون یجب إطاعه الأوامر الشرعیه ویحرم معصیه الأوامر الشرعیه، وهذا الحکم الشرعی المستکشَف من الحکم العقلی هو حکم شرعی مولوی صادر من الشارع بما هو مولی، وأیضاً یحکم العقل بحُسن إطاعته؛ إذ لا فرق بینه وبین الحکم الشرعی الأوّل الذی فرضناه بوجوب الصلاه وحرمه شرب الخمر، کل منهما حکم مولوی صادر من الشارع بما هو مولی، العقل أیضاً یحکم بحُسن إطاعته وقُبح معصیته، فإذا حکم بحُسن إطاعته وقُبح معصیته، والمفروض أنّ هذا الحکم العقلی یستلزم ویُستکشَف منه حکم شرعی، فأیضاً یستلزم جعل حکم شرعی آخر..... وهکذا یلزم التسلسل؛ لأنّه لا نهایه له؛ ولذا هنا تقف المسأله، یعنی لا یمکن استکشاف الحکم الشرعی المولوی من الحکم العقلی فی القسم الثانی، وإنّما یمکن ذلک فی خصوص القسم الأوّل.

ص: 211


1- فوائد الأصول، إفادات المیرزا النائینی للشیخ الکاظمی الخراسانی، ج 3، ص 399.

یقول المحقق النائینی(قدّس سرّه) بأنّ ما نحن فیه، وهو حکم العقل بحُسن الاحتیاط هو من قبیل القسم الثانی؛ لأنّ الاحتیاط طریق محض ----- حسب تعبیره ----- للتخلّص من فوات المصلحه والوقوع فی المفسده الواقعیه، یقول: فهو نظیر حکمه بحُسن الإطاعه وقُبح المعصیه وهو فی القسم الثانی، یعنی من قبیل الأحکام العقلیه الواقعه فی طول الأحکام الشرعیه، من قبیل الأحکام العقلیه الواقعه فی مرحله امتثال الحکم الشرعی، یعنی هناک حکم شرعی ناشئ من مصلحه واقعیه، أو من مفسده واقعیه، الاحتیاط یقول یحسُن الاحتیاط تجنّباً لتفویت المصلحه، أو تجنّباً للوقوع فی المفسده الواقعیه، فیکون حاله حال أوامر الطاعه، وحکم العقل بحُسن الطاعه وحکمه بقبح المعصیه، فإذا کان ما نحن فیه من قبیل القسم الثانی؛ حینئذٍ حتّی لو آمنّا بالملازمه لا یمکن استکشاف الاستحباب الشرعی للاحتیاط من حکم العقل بحُسن الاحتیاط.

لکن استُشکل فی کلام المحقق النائینی(قدّس سرّه) کبرویاً وصغرویاً، هذا کلّه بقطع النظر عن الملازمه؛ لأننّا إذا أنکرنا الملازمه؛ فحینئذٍ لا یأتی هذا الکلام؛ بل ینتفی الطریق الثانی أصلاً؛ لأنّ الطریق الثانی مبنی علی التسلیم بالملازمه، فإذا أنکرنا الملازمه؛ فحینئذٍ کیف یمکن استکشاف الحکم الشرعی من حکم العقل بحُسن الاحتیاط ؟ لا یمکن استکشافه، کلامنا کلّه مبنی علی تسلیم الملازمه، کلام المحقق النائینی(قدّس سرّه) المبنی علی تسلیم الملازمه استُشکل فیه کبرویاً وصغرویاً.

المراد من الکبری هو التفصیل بین نوعین من الأحکام العقلیه، هل هذه الکبری تامّه بعد تسلیم الملازمه ؟ هل أنّ هناک فرقاً بین الأحکام العقلیه من القسم الأوّل التی یکون مورداً للملازمه ویستکشف منها الحکم الشرعی المولوی وبین الحکم العقلی من قبیل القسم الثانی الذی لا یمکن فیه ذلک، هل هذا صحیح ؟ هذه الکبری.

ص: 212

أمّا الصغری فهو فی تطبیق ذلک علی محل الکلام وأنّ محل الکلام وهو حکم العقل بحُسن الاحتیاط هو من قبیل القسم الثانی، یعنی من قبیل الأحکام العقلیه الواقعه فی طول الأحکام الشرعیه وفی سلسله معلولاتها کما یسمّیه. هذه الصغری. کل منهما استُشکل فیها.

أما الکبری: فقد تقدّم الکلام عنها أیضاً فی بحث التجرّی، علی تقدیر تسلیم الملازمه هل هناک فرق بین نوعین من الأحکام العقلیه، أو لا ؟ والذی انتهینا إلیه فی ذاک البحث أنّها تامّه، بمعنی أنّ الأحکام الشرعیه من قبیل القسم الأوّل یمکن استکشاف الحکم الشرعی من الحکم العقلی فیها، بخلاف القسم الثانی، والسرّ فی ذلک هو أنّ استکشاف الحکم الشرعی من الحکم العقلی فی القسم الثانی، یعنی فی الأحکام العقلیه الواقعه فی طول الأحکام الشرعیّه یلزم منه اللّغویه، افتراض حکم شرعی فی مورد الحکم العقلی من قبیل القسم الأوّل الذی مثاله حکم العقل بحُسن الإطاعه، وقُبح المعصیه، یلزم من استکشاف الحکم الشرعی المولوی فی هذا المورد اللّغویه، فیصح کلام المحقق النائینی(قدّس سرّه)، بمعنی أنّه فی القسم الثانی لا یمکن استکشاف الحکم الشرعی، بخلاف القسم الأوّل، باعتبار أنّ المفروض فی القسم الثانی وجود تکلیفٍ شرعی مولوی کما قلنا، ونمثّل له بوجوب إقامه الصلاه، أو حرمه شرب الخمر، والعقل یحکم بحُسن إطاعه هذا الحکم الشرعی، وقُبح معصیته، هذا التکلیف المولوی الذی افترضناه لا إشکال فی أنّه یُحرّک المکلّف ویوجد عنده داعٍ للتحرّک لکنّه بتوسط حکم العقل بحُسن إطاعته وقُبح معصیته، وإلاّ التکلیف وحده، وبقطع النظر عن إدراک العقل للزوم إطاعته وقُبح معصیته لا یکون محرّکاً للمکلّف، فالذی یُحرّک المکلّف هو التکلیف بتوسّط حکم العقل بحُسن الإطاعه وقُبح المعصیّه، وإلاّ من دون إدراک العقل لا یکون التکلیف محرّکاً له، فإذا فرضنا کما یقول من یُنکر علی المحقق النائینی(قدّس سرّه) هذا التفصیل، إذا فرضنا جعل حکم مولوی شرعی وطبّقنا الملازمه واستکشفنا حکماً شرعیاً مولویاً بمضمون وجوب إطاعه هذا التکلیف، وحرمه معصیته، الکلام هو فی أنّ هذا لغو، أو لیس لغواً ؟ أنّ مثل هذا التکلیف الشرعی المولوی الذی یُراد استکشافه بوجوب إطاعه ذلک التکلیف وحرمه معصیته، هل هذا لغو، أو لا ؟ المُدّعی هو أنّ هذا لغو وبلا فائده، وذلک لأنّ الفائده المتوخاه من وجوبٍ من هذا القبیل هو الداعویه، أی جعل داعٍ للتحرّک، وقلنا أنّ أیّ تکلیفٍ شرعی لا یدعو المکلّف للتحرّک إلاّ بتوسّط إدراک العقل للزوم الإطاعه وقبح المعصیه، وهذا التکلیف المستکشف له داعویه بتوسّط حکم العقل بحسن الإطاعه وقبح المعصیه، هذه الداعویه الثابته بهذا التکلیف الشرعی المولوی المستکشف بتوسّط حکم العقل بحُسن الطاعه وقبح المعصیه هی نفس الداعویه الموجوده بقطع النظر عن هذا التکلیف الشرعی المستکشف، ولیس شیئاً آخراً غیرها، سابقاً کان هناک تکلیف یدعو المکلّف للتحرک، وهذا التحرّک لا یحصل عند المکلّف فعلاً، إلاّ بتوسّط حکمه العقلی وإدراکه العقلی لحُسن الإطاعه وقبح المعصیه. نفس هذه الداعویه هی التی سوف یحققّها التکلیف الجدید إذا استکشفناه من الحکم العقلی فی هذا القسم ولیس شیئاً إضافیاً، أو جدیداً، وبهذا یختلف الکلام هنا عن ما قلناه بالنسبه إلی استحباب الاحتیاط، هنا نفترض وجود تکلیف شرعی، وفی مسأله استحباب الاحتیاط لم نفترض وجود تکلیف شرعی، هنا نفترض وجود تکلیف شرعی یأمر بالصلاه، وحکم عقلی یقول تلزم إطاعه هذا التکلیف ویقبح معصیته، هذا سوف یخلق داعیاً عند المکلّف للتحرّک بلا إشکال، هذا التکلیف الذی یُستکشف هو لا یزید علی ذلک، غایه الأمر أنّ العباره قد تبدّلت، بدل أنْ یأمر بالصلاه یأمر بوجوب إطاعه الأمر بالصلاه، فلا فرق بینهما، وإلاّ المضمون واحد، ذاک یقول أقیموا الصلاه، وهذا التکلیف المستکشف ------- بحسب الفرض ------- بناءً علی ثبوت الملازمه فی القسم الثانی مضمونه وجوب إطاعه وأقیموا الصلاه، هذا أیضاً یحرّک المکلّف ویوجد داعیاً عند المکلّف بتوسّط حکم العقل بحُسن الطاعه وقُبح المعصیه باعتباره أیضاً تکلیفاً مولویّاً شرعیّاً، هذه الداعویه التی یخلقها هذا التکلیف الجدید بضمیمه حکم العقل هی نفس الداعویه التی کانت ثابته سابقاً ولیست شیئاً جدیداً، أو أضافیاً حتّی نقول أنّ هذا التکلیف تکون له فائده؛ لأنّه یضیف شیئاً جدیداً، ومنه یظهر الفرق بین هذا وبین الحکم العقلی الذی لا یُفترض فیه وجود حکم شرعی مسبق یدعو المکلّف للتحرّک بتوسّط الحکم العقلی، وعلی هذا الأساس تقدّم سابقاً أنّ جعل استحباب شرعی للاحتیاط لیس لغواً؛ لأننّا لم نفترض مسبقاً أنّ الشارع بتکلیف شرعی مولوی حرّک المکلّف نحو الاحتیاط، وإنّما نرید استکشاف ذلک من نفس حکم العقل بحُسن الاحتیاط. الآن نرید أنْ نستکشفه، ولم نفترضه فی مرحلهٍ سابقه، لو کنّا نفترض فی مرحلهٍ سابقه أنّ الشارع حکم باستحباب الاحتیاط؛ فحینئذٍ کل هذا الکلام لا یأتی؛ لأنّ الشارع حکم باستحباب الاحتیاط، وإنّما نتکلّم عن استحباب الاحتیاط شرعاً باعتبار أننّا لم نفترض الحکم باستحباب الاحتیاط، وإنّما فقط افترضنا حکماً عقلیّاً بحُسن الاحتیاط، ونرید أنْ نستکشف من هذا الحکم العقلی حُسن الاحتیاط الشرعی، وهذا لیس فیه لغویه، لا أرید أنْ أقول نستکشف من ذلک، وإنّما الکلام عن افتراض استحباب الاحتیاط شرعاً لیس فیه لغویّه، ولیس محالاً؛ لأنّ هذا الاستحباب المولوی الشرعی یحققّ داعویه وتحریک غیر ما تحقق بمجرّد افتراض الحکم العقلی. أمّا فی القسم الثانی الذی ذکره المحقق النائینی(قدّس سرّه) وهو حکم العقل بحسن الإطاعه وقبح المعصیه، وقلنا أنّه فی طول الحکم الشرعی، یعنی لابدّ أنْ نفترض حکماً شرعیّاً من الشارع یدعو المکلّف نحو فعل یحکم العقل بحسن إطاعته وبقبح معصیته؛ ولذا یمکن أنْ یقال أنّ کلام المحقق النائینی(قدّس سرّه) ثابت وصحیح باعتبار أنّ الحکم الشرعی یحققّ فائده ویحققّ داعویه غیر ما تقدّم سابقاً حتّی فی القسم الثانی؛ ولذا لا یکون لغواً ولا محذور فیه، فإذا دفعنا إشکال التسلسل؛ حینئذٍ یکون لا بأس به، هذا الکلام منظور فیه.

ص: 213

درس الأصول العملیّه/ البراءه/ تنبیهات البراءه/ التنبیه الثانی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّه/ البراءه/ تنبیهات البراءه/ التنبیه الثانی

کان الکلام فی الطریق الثانی لاستکشاف الاستحباب الشرعی المولوی للاحتیاط، وذکرنا بأنّ المحقق النائینی(قدّس سرّه) استشکل فی هذا الطریق، ببیان أنّ لیس جمیع الأحکام العقلیه یُستکشف منها الحکم الشرعی، وإنّما الذی یستکشف منه الحکم الشرعی هو خصوص الحکم العقلی الثابت بقطع النظر عنالحکم الشرعی لا الثابت فی طوله؛ لأنّ الحکم العقلی الثابت فی طول الحکم الشرعی لا یستکشف منه، ولا یکون منشئاً للحکم الشرعی، وذلک للزوم التسلسل علی ما ذکرنا، والمقام من قبیل الثانی، ما نحن فیه ----- حُسن الاحتیاط ----- هو حکم عقلی ثابت فی مرحله الامتثال وفی طول الحکم الشرعی، فیکون حاله حال حکم العقل بحُسن الطاعه وقبح المعصیه، وکما أنّ هناک لا یمکن استکشاف الحکم الشرعی من هذا الحکم العقلی(حسن الطاعه وقبح المعصیه) هنا أیضاً لا یمکن استکشاف الاستحباب الشرعی للاحتیاط من حکم العقل بُحسن الاحتیاط.

قلنا أنّ هذا الکلام نوقش فیه کبرویاً وصغرویاً:

أمّا کبرویاً فقد نوقش فیه بمناقشات تقدّم ذکرها فی بحث التجرّی، لکن قلنا الظاهر أنّ هذه الکبری تامّه لا من جهه التسلسل الذی یذکره؛ لأنّ إجراء التسلسل والالتزام التام بالتسلسل فی الأمور الشرعیه الاعتباریه لا یخلو من إشکال، قد یمکن افتراض التسلسل فی التکوینیات، لکن فی الأمور الاعتباریه التسلسل لیس محذوراً، وإنما الوجه فی صحّه هذه الکبری والتفرقه بین النوعین من الأحکام العقلیه هو ما ذکرناه فی الدرس السابق من أنّه فی الأحکام العقلیه الواقعه فی طول الحکم الشرعی من قبیل حکم العقل بحُسن الطاعه وقُبح المعصیه یلزم من استکشاف الحکم الشرعی منها محذور اللّغویه؛ لأنّ الحکم الشرعی المستکشف لا یترتّب علیه شیء غیر ما هو حاصل وفُرض حصوله فی مرحله سابقه، الداعویه التی کانت موجوده بافتراض الحکم الشرعی بوجوب الصلاه وحرمه شرب الخمر بضمیمه حکم العقل بلزوم طاعه المولی وقبح معصیته، هذه الداعویه المفروض وجودها لا یثبت بالحکم الشرعی المستکشف شیء غیر ذلک، وشیء أزید من ذلک حتّی لا یکون جعل مثل هذا الحکم الشرعی لغواً؛ بل الظاهر أنّه بلا فائده، ولا یثبت به شیء أزید ممّا هو ثابت سابقاً کما وضّحنا فی الدرس السابق، بخلاف الأحکام العقلیه الثابته بقطع النظر عن الحکم الشرعی من قبیل حکم العقل بحسن العدل وقبح الظلم، هنا لا یلزم من افتراض استکشاف حکم شرعی بوجوب العدل وحرمه الظلم من هذا الحکم العقلی لا یلزم منه اللّغویه؛ لأننّا لم نفترض محرّکیه فی مرحله سابقه ثابته بحکمٍ شرعی بضمیمه الحکم العقلی، وإنّما الذی افترضناه فقط هو حکم العقل بحُسن العدل وقبح الظلم، وقلنا سابقاً بأنّ هذا لا ینافی ولا یجعل الحکم الشرعی فی مورد هذا الحکم العقلی لغواً؛ بل تتصوّر له فوائد علی ما بیّنّا سابقاً فلا یکون لغواً، فلا محذور فی استکشاف حکم شرعی من هذه الأحکام العقلیه الثابته بقطع النظر عن الحکم الشرعی، بخلاف الأحکام العقلیه الثابته فی مرحله امتثال الحکم الشرعی وفی طوله، فإنّ افتراض ثبوت حکم شرعی مستکشف من الحکم العقلی یکون لغواً وبلا فائده ولا یترتّب علیه أثر فی مقام الداعویه والمحرّکیه؛ لأنّ الداعویه هی بنفسها موجوده سابقاً ولا یثبت بالحکم الشرعی أزید من ذلک حتّی یرتفع محذور اللّغویه.

ص: 214

إذن: الکبری التی یذکرها المحقق النائینی(قدّس سرّه) بحسب الظاهر تامّه.

وأمّا الصغری: یعنی تطبیق هذه الکبری علی محل الکلام لإثبات أنّ حکم العقل بُحسن الاحتیاط لا یُستکشف منه الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط. المحقق النائینی(قدّس سرّه) طبّق هذه الکبری فی محل الکلام وأدخل محل الکلام فی القسم الثانی، یعنی أدخل محل الکلام فی الأحکام العقلیه الثابته فی طول الحکم الشرعی، وقد ذهب إلی استحاله استکشاف الحکم الشرعی فی هذه الحاله، إمّا للزوم التسلسل کما ذکره، أو لعدم الفائده وللغویه کما ذکرنا. بالنتیجه إذا طبّقنا هذه الکبری علی محل الکلام والتزمنا بأنّ حکم العقل بحسن الاحتیاط هو من قبیل حکم العقل بحُسن الطاعه وقبح المعصیه؛ حینئذٍ یثبت المطلب وهو أنّه لا یمکن استکشاف استحباب الاحتیاط الشرعی المولوی من حکم العقل بحسن الاحتیاط.

هذه الصغری أیضاً وقعت محل مناقشه، بمعنی أنّه علی تقدیر تسلیم الکبری، وقد عرفت أنّها صحیحه وثابته، إمّا أنْ نعترف بثبوت الکبری، وإمّا أنْ نأخذها ثابته ومسلّمه، وعلی تقدیر ثبوتها نتکلّم فی انطباق هذه الکبری علی محل الکلام. استُشکل أیضاً فی هذا الانطباق بأمرین:

الأمر الأوّل: أنْ یقال بأنّها لیست مصداقاً لهذه القاعده، بمعنی أنّها لیست صغری لهذه الکبری، وذلک باعتبار الفرق الواضح بین حکم العقل بحسن الإطاعه وقبح المعصیه وبین حکم العقل بحسن الاحتیاط، فأننّا نجد أنّ المحذور الذی لأجله قیل باستحاله استکشاف الحکم الشرعی من حکم العقل بحسن الإطاعه وقبح المعصیه لا یجری فی استکشاف الحکم الشرعی لاستحباب الاحتیاط من حکم العقل بُحسن الاحتیاط، المحذور لا یجری فی محل الکلام، فلا یقع المقام صغری لتلک الکبری، فی تلک الکبری قلنا أنّ الحکم العقلی الواقع فی طول الأحکام الشرعیه لا یُستکشف منه الحکم الشرعی، إمّا للزوم التسلسل، أو للزوم اللّغویه، والمثال الواضح لذلک هو ما تقدّم من حکم العقل بُحسن الطاعه وقبح المعصیه، أمّا حکم العقل بُحسن الاحتیاط لا یلزم من استکشاف الحکم الشرعی منه، أی استحباب الاحتیاط، لا یلزم کلا المحذورین، لا یلزم اللّغویه کما لا یلزم محذور التسلسل، وهذا معناه أنّ هذا الحکم العقلی بُحسن الاحتیاط لیس مصداقاً وصغری لتلک الکبری، فی الکبری نسلّم التفصیل، لکنّ المقام لیس صغری لتلک الکبری. وأمّا عدم لزوم محذور اللّغویه، فباعتبار أننّا لم نفترض فی هذا الحکم العقلی الذی هو محل الکلام، أی حکم العقل بُحسن الاحتیاط، لم نفترض فیه وجود داعویه شرعیه فی مرحله سابقه بضمیمه حکم العقل بُحسن الطاعه، بینما افترضنا ذلک فی حکم العقل بُحسن الطاعه وقبح المعصیه، فی حکم العقل بحسن الطاعه وقبح المعصیه هذا یستبطن افتراض تکلیف شرعی کما مثّلنا من قبیل(أقیموا الصلاه)، و(یحرم شرب الخمر) العقل یقول بلزوم إطاعه هذا التکلیف وقبح معصیته، وبضمیمه حکم العقل إلی الحکم الشرعی؛ حینئذٍ تثبت داعویه ومحرّکیه للمکلّف نحو الامتثال، إذا استکشفنا حکماً شرعیاً من حکم العقل بُحسن الطاعه، هذا الحکم الشرعی هو لا یزید عن ما کان ثابتاً سابقاً، والداعویه التی تثبت به أیضاً تحتاج إلی ضمیمه حکم العقل؛ لأننّا قلنا أنّ التکلیف وحده، مجرّد التکلیف من دون إدراک العقل للزوم الإطاعه وقبح المعصیه لا یکون محرّکاً للعبد، وإنّما یکون التکلیف محرّکاً للعبد بضمیمه حکم العقل، هذه الداعویه والمحرّکیه الثابته باعتبار التکلیف الشرعی بضمیمه الحکم العقلی هی بنفسها سوف تثبت لو استکشفنا حکماً شرعیاً بوجوب الطاعه وحرمه المعصیه، ولا یثبت به شیء أزید ممّا ثبت سابقاً؛ لأنّ هذا الحکم الشرعی علی تقدیر استکشافه هو عباره عن حکم بوجوب الطاعه وحرمه المعصیه، هذا لا یکون داعیاً إلاّ بضمیمه حکم العقل، فلا یثبت داعویه إضافیه أزید ممّا ثبت سابقاً، کان عندنا(أقیموا الصلاه) بضمیمه حکم العقل له درجه من الداعویه، استکشفنا حکماً شرعیاً بوجوب الطاعه وحرمه المعصیه، هذا أیضاً لا یکون له داعویه إلاّ بضمیمه حکم العقل بُحسن الطاعه وقبح المعصیه؛ لأنّ التکلیف المجرّد لا یدعو المکلّف للتحرّک إلاّ بضمیمه داعویه العقل ومحرّکیته، وهذا الشیء کان ثابتاً سابقاً، کان هناک حکم شرعی افترضنا وجوده یدعو المکلّف بضمیمه حکم العقل، وداعویته تکون ثابته، ولا نستکشف شیئاً إضافیاً بالحکم الشرعی الجدید؛ ولذا یکون لغواً، وهذا بخلاف محل الکلام، فی محل الکلام نحن لم نفترض إلاّ حکم العقل بُحسن الاحتیاط، لم نفترض داعویه فی مرحله سابقه غیر داعویه العقل وإدراک العقل بُحسن الاحتیاط، بینما إذا استکشفنا والتزمنا بأنّ هذا الحکم العقلی بُحسن الاحتیاط یُستکشف منه حکم الشرع باستحباب الاحتیاط لا یلزم من استحباب الاحتیاط المستکشف لغویه؛ لأنّ الداعویه التی تثبت علی تقدیر أنْ یحکم الشارع باستحباب الاحتیاط لم یُفرض وجودها فی مرحله سابقه حتّی یکون استکشاف هذا الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط لغواً کما هو الحال فی استکشاف وجوب الطاعه وحرمه المعصیه من الحکم العقلی بحسن الطاعه وقبح المعصیه، هنا کان هذا الاستکشاف یلزم منه اللّغویه، بینما فی محل الکلام هذا الاستکشاف لا یلزم منه اللّغویه، لم نفترض داعویه سابقه هی نفس الداعویه التی نثبتها باستکشاف الحکم الشرعی، وإنّما الداعویه التی نثبتها باستکشاف الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط لم تکن موجوده ومفروضه سابقاً حتّی یلزم اللّغویه، بخلاف أصل الکبری فی القسم الثانی من الأحکام العقلیه، فأنّ افتراض استکشاف الحکم الشرعی یلزم منه اللّغویه علی ما ذکرنا سابقاً، ومن هنا لا یکون المقام مصداقاً لهذه الکبری. هذه الکبری صحیحه، ونفرّق علی اساسها بین نوعین من الأحکام العقلیه، لکن الحکم العقلی الذی لا یُستکشف منه الحکم الشرعی هو ما کان من قبیل حُسن الطاعه وقبح المعصیه، لا ما کان من قبیل حکم العقل بُحسن الاحتیاط، المناط فی الحقیقه لیس هو فی وقوع الحکم العقلی فی طول الحکم الشرعی، وإنّما المناط فی التفرقه بین الحکمین العقلیین، وهو أنّه هل یلزم من جعل الحکم الشرعی فی مورد الحکم العقلی محذور ثبوتی من قبیل التسلسل کما قال، أو اللّغویه کما قلنا ؟ هل یلزم ذلک، أو لا یلزم ؟ هذا هو المناط. فی حکم العقل بُحسن الطاعه وقبح المعصیه یلزم من استکشاف الحکم الشرعی فی موردهما هذان المحذوران، التسلسل علی ما قال، أو اللّغویه، بینما من استکشاف استحباب الاحتیاط من حکم العقل باستحباب الاحتیاط لا یلزم اللّغویه؛ لأننّا لم نفترض داعویه فی مرحله سابقه، وإنّما افترضنا فقط فی المقام إدراک العقل لحُسن الاحتیاط، هل یلزم اللّغویّه من جعل الشارع حکماً مولویّاً باستحباب الاحتیاط؟ لأنّ هذه الداعویه باعتبار الحکم الشرعی، لم تکن مفروضه فی مرحله سابقه وإنّما المفروض فی مرحله سابقه هو فقط حکم العقل بُحسن الاحتیاط، فلا مانع من أنْ نستکشف من هذا الحکم العقلی حکماً شرعیاً باستحباب الاحتیاط، کما لا یلزم التسلسل الذی ذکره المحقق النائینی(قدّس سرّه)، باعتبار أنّ الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط الذی یُراد استکشافه من حکم العقل بحُسن الاحتیاط، هذا الحکم الشرعی لا یترتّب علیه حکم عقلی بلزوم الاحتیاط حتّی یُدّعی التسلسل، باعتبار أنّ العقل لا یستقل بلزوم الاحتیاط فی جمیع الموارد، قد فی موارد معینه من قبیل موارد العلم الإجمالی یستقل بلزوم الاحتیاط، لکن لا یستقل بلزوم الاحتیاط فی جمیع الموارد، فإذن: لو استکشفنا الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط من حکم العقل بحُسن الاحتیاط لا یلزم محذور التسلسل؛ لأنّ هذا الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط لا یترتب علیه حکم عقلی بلزوم الاحتیاط حتّی یتسلسل الحکم العقلی بلزوم الاحتیاط یلازم الحکم الشرعی ...وهکذا حتّی یتسلسل؛ لأنّ العقل لا یحکم بلزوم الاحتیاط فی جمیع الموارد، ما نستکشفه هو حکم الشرع باستحباب الاحتیاط، استکشفناه من حکم العقل بحُسن الاحتیاط، هذا الحکم الشرعی المستکشف باستحباب الاحتیاط لا یترتّب علیه حکم عقلی حتّی یلزم محذور التسلسل.

ص: 215

نعم، قد یقال: بأنّ العقل یحکم بحُسن إطاعه هذا التکلیف المولوی الشرعی المستکشف؛ لأننّا استکشفنا من حکم العقل بحسن الاحتیاط استحباب الاحتیاط شرعاً، قد یقال بأنّ هذا الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط یترتّب علیه حکم عقلی بحُسن إطاعته، ولیس بلزوم إطاعته، وینبغی أنْ نفرّق بین الحُسن وبین اللّزوم، هذا حکم مولوی باستحباب الاحتیاط، یحکم العقل بحُسن إطاعته، بالنتیجه هذا حکم صادر من الشارع بما هو مولی، ویطلب من العبد الاحتیاط، فیحکم العقل بأنّه یحُسن من العبد أنْ یطیع مثل هذا الطلب. إذن: یترتّب علی الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط المستکشف من حکم العقل بحُسن الاحتیاط یترتّب حکم عقلی، لکن نسأل أنّ هذا الحکم العقلی هل هو ثابت بنفس ملاک الحکم العقلی الذی فرضنا وجوده سابقاً، أو بملاکٍ آخر ؟ الجواب أنّه ثابت بملاک آخر، الحکم العقلی الذی فرضناه هو عباره عن حکم العقل بحُسن الاحتیاط، بملاک الاحتیاط، بملاک إدراک الواقع، وإدراک ملاکات الواقع، بینما هذا الحکم العقلی ------- علی تقدیر ثبوته ------ الذی یترتّب علی حکم الشارع باستحباب الاحتیاط هو حکم عقلی ثابت بملاک حُسن الطاعه للمولی، بملاک قبح المعصیه بمستوً من المستویات، ثابت بملاک إطاعه المولی؛ لأنّ المولی حکم باستحباب الاحتیاط، فهناک استحباب مولوی شرعی للاحتیاط، العقل یقول هذا التکلیف المولوی، ولو علی مستوی الاحتیاط یحسُن إطاعته، هو لا یثبت بملاک الاحتیاط، وإنّما یثبت بملاک الطاعه، فإذن: هذا الحکم العقلی، علی تقدیر استکشافه، وإلاّ فقد قلنا لا یوجد هکذا حکم عقلی، فالعقل لا یحکم بلزوم الاحتیاط، ولا یحکم بقُبح معصیه هذا التکلیف، ولا یحکم بحُسن الاحتیاط مطلقاً، وإنّما یحکم بحُسن الاحتیاط فی موارد معیّنه. فإذن: هذا الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط لا یوجد حکم عقلی علی طبقه فی مورده بأنْ یحکم العقل بلزوم الاحتیاط، فالعقل لا یحکم بلزوم الاحتیاط مطلقاً، وإنّما الذی یمکن أنْ یقال هو أنّ العقل یحکم بحُسن إطاعه هذا التکلیف الشرعی المولوی، فیکون هذا الحکم العقلی ثابت بملاک الطاعه، بینما الحکم العقلی السابق ثابت بملاک الاحتیاط، العقل یحکم بحُسن الاحتیاط، هذا الذی فرضناه سابقاً، بینما الحکم العقلی الذی یُفترض وجوده، ثابت بملاک الطاعه، وهذا غیر ذاک، فلا یلزم التسلسل، بناءً علی ما هو الصحیح وهو أنّ العقل لا یحکم، ولا یوجد عنده حکم حینئذٍ، عنده حکم بحُسن الاحتیاط، وهذا استکشفنا منه استحباب الاحتیاط وانتهی المقام، ولا یترتب علی هذا الحکم الشرعی المستکشف حکم عقلی حتّی یلزم التسلسل، وعلی تقدیر أنْ یثبت حکم عقلی، هو یثبت أیضاً بملاک الطاعه لا بملاک الاحتیاط، فیکون هذا الحکم العقلی غیر ذاک الحکم العقلی، وهذا حتّی لو تسلسل، فأنّه یتسلسل بملاک الطاعه.

ص: 216

وبعبارهٍ أخری: یلزم التسلسل باعتباره مصداقاً لتلک الکبری التی هی أنّ الأحکام العقلیه بحُسن الطاعه وقبح المعصیه، استکشاف الحکم الشرعی منها یلزم منه المحذور لا أنّه یتسلسل بالملاک الذی نتحدّث عنه وهو أنّ العقل یحکم بحُسن الاحتیاط، هذا الحکم العقلی بحُسن الاحتیاط استکشاف الحکم الشرعی منه باستحباب الاحتیاط لیس فیه محذور اللّغویه ولیس فیه محذور التسلسل، ومن هنا لا یقع صغری لتلک الکبری.

الملاحظه الثانیه: علی جعل المقام صغری لتلک الکبری ومنع استکشاف الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط من حکم العقل بحُسن الاحتیاط، تتلخّص الملاحظه الثانیه فی أنّ الحکم الذی یقع مورداً لهذه الکبری هو عباره عن الحکم العقلی الذی یکون الحکم الشرعی الذی یُراد استکشافه منه علی أساس الملازمه فی القسم الأوّل من القسمین العقلیین السابقین، أو یُمنع من استکشافه من الحکم العقلی کما فی القسم الثانی من الحکمین العقلیین یلزم أنْ یکون من سنخ الحکم العقلی. الحکم الشرعی الذی یُراد استکشافه من الحکم العقلی، أو یُراد نفی استکشافه، یلزم أنْ یکون هذا الحکم الشرعی من سنخ الحکم العقلی حتّی یمکن فرض الاستکشاف، وإلاّ لامعنی للاستکشاف، ولا لنفی الاستکشاف، حتّی یمکن فرض استکشاف هذا من ذاک لابدّ أنْ یکون من سنخه.

إذن: لابدّ أنْ یکون محل الکلام هو عباره عن حکم شرعی نتکلّم عن استکشافه من الحکم العقلی، أو عدم استکشافه، أنْ یکون من سنخ الحکم العقلی حتّی یدخل مصداقاً لهذه الکبری ومورداً لهذه القاعده، من قبیل حکم العقل بحسن العدل، وحکم العقل بقبح الظلم، هنا ما یراد استکشافه هو عباره عن حکم الشارع بوجوب العدل وهو من سنخ حکم العقل بحسن العدل. ما یُراد استکشافه هو حکم الشارع بحرمه الظلم وهو من قبیل حکم العقل بقبح الظلم ومن سنخه، فیدخل فی القاعده. وهکذا فی القسم الثانی ما یُراد نفی استکشافه، ایضاً هو من قبیل الحکم العقلی، الحکم العقلی فی القسم الثانی یحکم بحُسن الطاعه، وقبح المعصیه، وما یُراد نفی استکشافه هو حکم الشارع بوجوب العدل، وهو من قبیل حکم العقل بحُسن العدل، ما یراد نفی استکشافه هو حکم الشارع بحرمه الظلم، وهو من قبیل حکم العقل بقبُح الظلم.

ص: 217

وأمّا إذا کان من غیر سنخه، فهذا لا یصلح أنْ یکون صغری لهذه الکبری، ومانحن فیه من هذا القبیل، باعتبار أنّ الاستحباب الشرعی للاحتیاط الذی یُراد استکشافه من حکم العقل بحُسن الاحتیاط لیس من سنخ حکم العقل بحُسن الاحتیاط، وذلک باعتبار أنّ هناک فرقاً بین الاستحباب الشرعی للاحتیاط وبین حکم العقل بحُسن الاحتیاط، حکم العقل بحُسن الاحتیاط لا یثبت للاحتیاط مطلقاً، وإنّما یدرک العقل حُسن الاحتیاط إذا جیء به علی نحو قربی، أی إذا جاء به العبد متقرّبا إلی الله(سبحانه وتعالی) حینئذٍ یدرک العقل حُسن الاحتیاط، أمّا إذا جاء به لا علی نحو التقرّب إلی الله(سبحانه وتعالی) وإنّما جاء به لغرضٍ آخر من قبیل التحرّز عن الضرر ------ مثلاً ------، مثل هذا لا یحکم العقل بحُسنه. ترک شرب العصیر العنبی الذی یحتمل حرمته تارهً یکون هذا الترک بداعٍ قربی، فهذا احتیاط حسن بنظر العقل. وأخری لا یکون بداعٍ قربی، وإنّما یکون لغرضٍ آخر، مثل هذا الترک والاحتیاط لا یحکم العقل بحُسنه، والغالب أنّه بنکته أنّ ما یحکم به العقل هو حُسن التقرّب إلی الله(سبحانه وتعالی)، فالاحتیاط إنْ تعنون بهذا العنوان یحکم العقل بحُسنه، وإنْ لم یتعنون بهذا العنوان، فلا یحکم العقل بحسنه.

إذن: حکم العقل بحُسن الاحتیاط لیس مطلقاً، وإنّما هو مقیّد بذلک. هذا الحکم العقلی. أمّا إذا أتینا إلی الحکم الشرعی الذی یُراد استکشافه وهو استحباب الاحتیاط، فسنجد أنّ الاستحباب ثابت لمطلق الاحتیاط، ولیس مشروطاً فی الاستحباب أنْ یکون المکلّف قد جاء بالاحتیاط علی نحوٍ قربی، وإنّما الاحتیاط مطلقاً مستحب، سواء إنْ جاء به المکلّف بنحو قربی، أو جاء به لا بذلک النحو، وذلک باعتبار أنّ الاحتیاط عباره عن إدراک الواقع وتجنّب مخالفه الواقع، فإذا دلّ دلیل علی استحباب الاحتیاط وثبت استحباب الاحتیاط شرعاً، فهذا هو المطلوب، أنْ یتجنّب مخالفه الواقع، وأنْ یدرک الواقع علی کل حال، وهذا یتحققّ سواء جاء به بنحوٍ قربی وبداعٍ مقرّب، أو جاء به لغرضٍ آخر لا یتقرّب به إلی الله(سبحانه وتعالی) علی کل حال هو یدرک الواقع، ویتجنّب مخالفه الواقع، فیکون مستحبّاً، الحکم بالاستحباب لا یختص بخصوص الاحتیاط الذی یؤتی به بداعٍ قربی بل یثبت مطلقاً.

ص: 218

إذا تمّ هذان الأمران فی الحکم العقلی وفی الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط؛ حینئذٍ یثبت أنّ الحکم الشرعی الذی یُراد استکشافه هو لیس من سنخ الحکم العقلی المفروض ثبوته فی المقام، فإذا لم یکن من سنخه أصلاً لا یکون مورداً لهذه الکبری؛ لأننّا قلنا أنّ ما یکون مورداً للکبری هو عباره عن الحکم الشرعی الذی یُراد استکشافه، أو یُنفی استکشافه، إذا کان هذا الحکم الشرعی من سنخ الحکم العقلی الذی یراد استکشاف هذا الحکم الشرعی منه، أو یُراد نفی استکشافه؛ لِما قلناه، وإلاّ لا معنی للاستکشاف، لا معنی لأنْ نستکشف هذا من هذا إذا لم یکن من سنخه، إنّما الاستکشاف یکون له معنی، ونفی الاستکشاف أیضاً کذلک، إنّما یکون له معنی عندما یکون من سنخه، وإلاّ فلا معنی لاستکشافه، أو نفی استکشافه. فی محل الکلام الحکم الشرعی الذی نتکلّم عن استکشافه هو لیس من سنخ الحکم العقلی.

فإذن: لا یکون صغری لهذه الکبری؛ وحینئذٍ تکون هذه ملاحظه ثانیه علی الصغری التی ذکرها المحقق النائینی(قدّس سرّه).

درس الأصول العملیّه/ البراءه/ تنبیهات البراءه/ التنبیه الثانی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّه/ البراءه/ تنبیهات البراءه/ التنبیه الثانی

الکلام فی أنّ حکم العقل باستحباب الاحتیاط هل هو من قبیل حکم العقل بحُسن الطاعه وقبح المعصیه فی أنّه لا یمکن استکشاف الحکم الشرعی منه بقاعده الملازمه، هل هو من قبیل القسم الثانی من القسمین المتقدّمین فی کلام المحقق النائینی(قدّس سرّه) أو أنّه لیس من هذا القبیل ؟ هذه المناقشه الصغرویه.

قلنا بأنّه استُشکل فی ذلک بإشکالین:

الإشکال الأوّل: فی کون المقام من قبیل حکم العقل بحسن الطاعه الذی فرغنا عن إمکان استکشاف الحکم الشرعی منه، هل هو من هذا القبیل أو لا ؟ الأشکال الأوّل کان مبنیّاً علی أنّه لیس من قبیله؛ لأنّ المناط فی التقسیم السابق للحکمین العقلیین وإنْ ذُکر فی کلام المحقق النائینی(قدّس سرّه)، لیس المناط هو کون الحکم العقلی واقعاً فی طول الحکم الشرعی، أو واقعاً بقطع النظر عنالحکم الشرعی، لیس هذا هو المیزان حتّی یقال بأنّ حکم العقل بحسن الطاعه بالنتیجه أیضاً واقع فی طول الأحکام الشرعیه المحتمله، المیزان فی القسم الثانی لیس هو کونه واقعاً فی طول الحکم الشرعی حتّی نقول أنّ حکم العقل بحسن الطاعه کذلک، وإنّما المیزان فی التفرقه بین القسمین من الأحکام العقلیه هو أنّ الحکم العقلی إنْ کان هناک محذور فی استکشاف الحکم الشرعی منه، فهو من قبیل القسم الثانی، وإنْ لم یکن هناک محذور؛ فحینئذٍ لا مانع من استکشاف الحکم الشرعی منه، وإنّما قلنا بأنّ الحکم العقلی بحُسن الطاعه وقبح المعصیه یختلف عن الحکم العقلی بحُسن العدل وقبح الظلم، الاختلاف بینهما یکون فی أنّ استکشاف الحکم الشرعی من الحکم العقلی بحُسن الطاعه فیه محذور التسلسل کما یقول المیرزا(قدّس سرّه)، أو اللّغویه کما تقدّم، بینما لا یلزم ذلک من استکشاف الحکم الشرعی من الحکم العقلی بحُسن العدل وقبح الظلم، بناءً علی الملازمه کما هو المفروض، لا یلزم ثبوت محذور، فهذا هو الفارق بینهما، ولیس الفارق بینهما فی أنّ الأوّل واقع وثابت بقطع النظر عن الأحکام الشرعیّه، والثانی ثابت فی طول الأحکام الشرعیّه حتّی یقال أنّ حکم العقل بحُسن الطاعه لابدّ أنْ یکون من قبیل الثانی؛ لأنّه أیضاً واقع بمعنیً من المعانی فی طول الأحکام الشرعیه المحتمله، المیزان هو أنّه هل یلزم محذور من استکشاف الحکم الشرعی من الحکم العقلی، أو لا ؟ بناءً علی هذا الکلام یتّضح أنّ حکم العقل بحُسن الاحتیاط لیس من قبیل حکم العقل بحُسن الطاعه وقبح المعصیه؛ لأنّه لا یلزم محذور من استکشاف الحکم الشرعی منه، لا اللّغویه کما بیّنا فی الدرس السابق ولا التسلسل، فإذن: هو لیس مصداقاً للکبری، لیس مصداقاً للقسم الثانی الذی فرغنا عن أنّه لا یمکن استکشاف الحکم الشرعی منه.

ص: 219

الظاهر أنّ هذه الملاحظه تامّه وتوجب الإشکال فی کون محل الکلام من قبیل حکم العقل بحُسن الطاعه وقبح المعصیه فی عدم إمکان استکشاف الحکم الشرعی منه؛ بل الصحیح عدم وجود محذور ثبوتی فی هذا الاستکشاف، لا التسلسل، ولا اللّغویه.

الإشکال الثانی: وقد بیّناه فی الدرس السابق وکان حاصله: إنّما یکون المورد مورداً للکبری المتقدّمه فیما إذا کان الحکم الشرعی الذی یراد استکشافه من الحکم العقلی، أو یراد نفی استکشافه من الحکم العقلی هو من سنخ الحکم العقلی، وأمّا إذا کان من غیر سنخه، فلا معنی لهذا الاستکشاف، ولا معنی لنفی الاستکشاف، الاستکشاف یعنی أنّ هذا ناشئ من هذا، فلابدّ أنْ یکون من قبیله حتّی یکون مستکشفاً منه. الإشکال یقول: أننّا نلاحظ أنّ الحکم العقلی بحُسن الاحتیاط لیس من سنخ الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط، الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط ثابت للاحتیاط مطلقاً وإنْ لم یأتِ به بقصد القربی، بینما الحکم العقلی بحُسن الاحتیاط لیس ثابتاً للاحتیاط مطلقاً، وإنّما هو ثابت له بقید أنْ یأتی به بقصد القربی، إذن: هو لیس من سنخه، فإذا لم یکن من سنخه یخرج عن موضوع القاعده، وعن الکبری المتقدّمه والتقسیم المتقدّم. إذن: هو لیس صغری لما تقدّم.

من الواضح أنّ هذا الإشکال یتوقّف علی الالتزام بأنّ الحکم العقلی بحُسن الاحتیاط لیس مطلقاً؛ بل هو مقیّد بما إذا کان بقصد التقرب إلی الله(سبحانه وتعالی).

قد یقال: أنّ هذا لا یمکن الالتزام به؛ لأنّ هذا یؤدی فی الحقیقه والواقع إلی إنکار هذا الحکم العقلی، یؤدی إلی أننّا ننکر أنْ یکون هناک حکم عقلی بحُسن الاحتیاط، مآله إلی إنکار وجود حکم عقلی بحُسن الاحتیاط، وإنّما الذی یحکم العقل به هو حُسن التقرّب إلی الله(سبحانه وتعالی)، هذا الذی یدرکه العقل، التقرّب إلی الله(سبحانه وتعالی) هو حسن بنظر العقل، فإذا انطبق هذا علی الاحتیاط؛ حینئذٍ یکون الاحتیاط حسناً عقلاً، وإنْ لم ینطبق، فلا یکون حسناً عقلاً. إذا جاء المکلّف بالاحتیاط قربهّ إلی الله(سبحانه وتعالی) یکون حسناً، وإذا جاء بالاحتیاط لا لذلک؛ بل لغرضٍ آخر لا یکون حسناً، هذا معناه فی الحقیقه والواقع إنکار أنْ یکون للعقل حکم بحُسن الاحتیاط، فإذن: لا خصوصیه للاحتیاط حتّی یحکم العقل بحُسنه، وإنّما یحکم العقل بحُسنه باعتباره تقرّباً إلی الله(سبحانه وتعالی)، فلابدّ أنْ یقصد المکلّف التقرّب حتّی یقال بأنّه حسن بنظر العقل، فی حین أنّ الصحیح بحسب ما ندرکه هو أنّ العقل یدرک حُسن الاحتیاط بعنوانه لا باعتباره تقرّباً إلی الله(سبحانه وتعالی)، وإنّما بعنوانه یدرک حُسنه حتّی لو لم یأتِ به بنحوٍ قربی، باعتباره إدراکاً للحکم الواقعی المحتمل، حرمه، أو وجوباً، وتجنّباً لمخالفه الواقع، ولیس باعتباره مقرّباً إلی المولی، وإنّما الاحتیاط فی حدّ نفسه هو إدراک للواقع، وإحراز للواقع، وفیه تجنّب عن مخالفه الحکم الواقعی المحتمل، هذا فی حدّ نفسه هو أمر حسن سواء جاء به بنحو قربی، أو لم یأتِ به بنحوٍ قربی، هذا أمر حسن یدرکه العقل، فلا داعی لأنکار أنْ یکون هناک حکم عقلی بحُسن الاحتیاط بما هو احتیاط، ولیس باعتبار کونه مقرباً إلی الله(سبحانه وتعالی).

ص: 220

وبعبارهٍ أخری: أنّ الکلام لیس فی العبادات، العبادات سیقع الکلام فیها فی المقام الثانی، نحن نتکلّم عن الاحتیاط فی الشبهات بقطع النظر عن أنْ یکون المحتمل عباده، فیمکن أنْ نفترضه واجباً توصّلیاً، أو حراماً توصّلیاً بقطع النظر عن العباده، شخص یحتمل أنّ شرب النبیذ حرام، فیترک شرب النبیذ احتیاطاً، هذا یمکن تصوّره علی نحوین:

النحو الأوّل: أنْ یحتاط بترک شرب النبیذ الذی یحتمل حرمته قربه إلی الله(سبحانه وتعالی)، ولاحتمال أنْ یکون الشارع قد حرّم هذا؛ حینئذٍ یکون قد جاء بالاحتیاط بنحوٍ قربی.

النحو الثانی: أنْ یترک شرب النبیذ لا لذلک؛ بل لغرض آخر، لا لکونه محتمل الحرمه شرعاً الذی یحققّ القربیه، وإنّما لغرضٍ الآخر. هذا الثانی فرضاً لا یحققّ القربیه، ولا یجعل العمل عباده؛ لأنّه لم یقصد به التقرّب، لکن هذا الاحتیاط فیه إدراک للواقع، وفیه تجنّب لمخالفه الواقع، وفیه إدراک للملاکات الواقعیه التی تدور الأحکام الشرعیه مدارها، هذا فی حدّ نفسه أمر حسن یحکم العقل بحُسنه، فلماذا ننکر حکم العقل وإدراکه لحُسن الاحتیاط؟ هذا رأی.

نتیجه هذا الرأی هو: أنّه لا فرق حینئذٍ بین الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط وبین حکم العقل بحُسن الاحتیاط فی أنّهما من سنخ واحد؛ لأنّ کلاً منهما ثابت للاحتیاط مطلقاً، الاستحباب ثابت للاحتیاط مطلقاً، والحُسن العقلی أیضاً ثابت للاحتیاط مطلقاً لا للاحتیاط بقید أنْ یؤتی به بقصد التقرّب؛ بل الأعم من هذا، فیکونان من سنخ واحد؛ فحینئذٍ یرتفع هذا الإشکال الثانی.

فی المقابل قد یقال: أنّ التحقیق فی هذه المسأله منوط بتحدید معنی الاحتیاط أوّلاً. ما هو الاحتیاط ؟ هل قصد القربی مأخوذ فی مفهوم الاحتیاط، أو لیس مأخوذاً فی مفهوم الاحتیاط ؟ هل الاحتیاط یُراد به التحرّز عن مخالفه الواقع بترک ما یُحتمل حرمته، أو فعل ما یُحتمل وجوبه لاحتمال الحرمه شرعاً ولاحتمال الوجوب شرعاً ؟ أو أنّ الاحتیاط هو عباره عن التحرّز عن مخالفه الواقع من دون قید موافقه الوجوب المحتمل، أو الحرمه المحتمله ؟ الاحتیاط هو أنْ یترک ما یحتمل حرمته موافقه للواقع، ولیس أنْ یترک ما یحتمل حرمته لاحتمال أنْ یکون حراماً شرعاً، وإنّما الاحتیاط عباره عن إدراک الواقع، والتحرّز عن مخالفته، وإدراک المصالح الواقعیّه، لکن لیس مأخوذاً فیه أنْ یفعل ذلک قربه إلی الله(سبحانه وتعالی)، احتمالان:

ص: 221

الاحتمال الأوّل: یقتضی أنْ یکون التقرّب مأخوذاً فی مفهوم الاحتیاط، الاحتیاط هو عباره عن إدراک الواقع والتحرّز عن مخالفته لاحتمال أنْ یکون حراماً، أو أنْ یکون واجباً، هذا معناه أنّه یأتی به تقرّباً إلی الله(سبحانه وتعالی)؛ لأنّه یأتی به لاحتمال التحریم، فکأنّ قصد القربی مأخوذ فی مفهوم الاحتیاط.

الاحتمال الثانی: قصد القربه لیس مأخوذاً فی مفهوم الاحتیاط، الاحتیاط عباره عن التحرّز عن مخالفه الواقع، إذا ترک شرب النبیذ فقد تحرّز عن مخالفه الواقع، وادرک المصالح الواقعیه، وتجنّب المفاسد الواقعیه حتّی إذا جاء به لا لأجل احتمال حرمته، أو ترکه لا لأجل احتمال حرمته، وإنّما ترکه لغرض آخر، هذا هو الاحتیاط. ما هو الصحیح منهما، وما معنی الاحتیاط ؟

الظاهر أنّه لا یُفهم من الاحتیاط إلاّ المعنی الثانی، بمعنی أننّا لا نفهم من الاحتیاط أخذ قصد القربی فی مفهومه، الاحتیاط عباره عن تجنّب مخالفه الواقع، وفعل ما یکون موافقاً للواقع، وإدراک الواقع، وتجنّب مخالفته، وإدراک المصالح الواقعیه، لکن لا یُشترط فیه أنْ یفعل ذلک بداعی قربی، وبقصد القربی، ماده الاحتیاط لا تساعد علی ذلک، وإنمّا هو عباره عن التحرّز کما قلنا عن مخالفه الواقع ولیس أکثر من ذلک.

إذن: قصد التقرّب لم یؤخذ فی مفهوم الاحتیاط؛ ولذا لو تمّت مقدّمات الاستکشاف واستکشفنا الاستحباب، أو لنقل أنّ الاستحباب الشرعی علی تقدیر ثبوته للاحتیاط یثبت مطلقاً، لا أنّه یثبت له بقصد أنْ یأتی به بداعٍ قربی؛ لأنّ الاحتیاط معناه مطلق ولم یؤخذ فیه قصد التقرّب.

هناک بحث آخر أیضاً یتوّقف علیه الوصول إلی النتیجه، وهو أنّه علی التقدیر الثانی الذی هو الظاهر، وهو أنّ قصد التقرّب لم یؤخذ فی مفهوم الاحتیاط، نأتی إلی الحکم العقلی بالحُسن، العقل ماذا یدرک ؟ العقل عندما یحکم بحُسن الاحتیاط، هذا الاحتیاط الذی یحکم العقل بحُسنه، أو یدرک حُسنه، أیّ احتیاطٍ هو ؟ هل هو عباره عن الاحتیاط بقصد التقرّب ؟ بأی نحو من أنحاء التقرّب، ولو کما قلنا یترک الفعل المحتمل الحرمه لاحتمال الحرمه، أو یفعل الفعل المحتمل الوجوب لاحتمال الوجوب، هذا أیضاً قصد قربی، هل ما یحکم العقل بحُسنه هو هذا فقط ؟ موافقه الواقع وتجنّب مخالفته، وإدراک الملاکات الواقعیه، لکن إذا جاء بها بداعٍ قربی، أو أنّ العقل یحکم بحُسن الاحتیاط مطلقاً ؟ حتّی لو قلنا بأنّ الاحتیاط هو عباره عن ذات التجنّب وذات الموافقه للواقع ولم یؤخذ فیه قصد القربی، فیُثار هذا البحث؛ لأننّا نحتمل أنّ ما یحکم العقل بحُسنه لیس هو الاحتیاط بمفهومه الذی تقدّم؛ بل یضیف له قیداً، وهو أنْ یؤتی به بقصد القربی، وإنْ لم یؤخذ فی مفهومه. یحکم العقل بحُسن إدراک الواقع وتجنّب مخالفته، والاحتیاط بمعناه المتقدّم السابق، هذا الذی یحکم العقل بحُسنه، سواء کان بقصد القربی، أو لم یکن بقصد القربی.

ص: 222

الظاهر فی هذا البحث الثانی: أنّ العقل لا یدرک حسن الاحتیاط مطلقاً، وإنّما ما یدرکه العقل هو حُسن الاحتیاط إذا جاء به المکلّف بداعی التقرّب إلی الله(سبحانه وتعالی)، هذا هو الذی یدرکه العقل، وأمّا أزید من ذلک، أنْ یدرک العقل حُسن الاحتیاط ولو لم یأتِ به المکلّف بقصد قربی، فهذا غیر واضح، وإنْ کنّا نسلّم بأنّ الاحتیاط فیه إدراک للواقع وللمصالح الواقعیه، وتجنّب مخالفه الواقع والأحکام التکلیفیه الواقعیه المحتمله، لکن الکلام فی أنّ المحتاط لماذا یأتی بذلک ؟ هل یقصد التقرّب، أو لا ؟ إذا قصد التقرّب، فلا إشکال فی أنّ العقل یحکم بحُسن الاحتیاط حینئذٍ، أمّا إذا لم یقصد التقرّب، لا یترک ما یحتمل حرمته لاحتمال حرمته، وإنّما یترک ما یحتمل حرمته ریاءً، أو سمعه، أو یترک ما یحتمل حرمته غافلاً، بالنتیجه هو أدرک الواقع، تجنّب المفاسد الواقعیه؛ لأنّه ترک ما یحتمل حرمته، کل هذه المعانی متوفره فیه، لکن هل یمکن أنْ نقول أنّ العقل یحکم بحُسن هذا الاحتیاط ؟ من غیر الواضح وجود حکم عقلی جزمی بحُسن الاحتیاط فی هذه الحاله، خصوصاً فی حالات الریاء والسمعه والغفله، وفی حالات ما إذا جاء بالاحتیاط لغرضٍ دنیوی آخر لیس له علاقه بالمولی إطلاقاً، لا أنّه یترک بالفعل لاحتمال أنّه حرام، فترک الفعل لاحتمال أنّه حرام هو من أرقی أنواع الطاعه ویحکم العقل بحُسنه بلا إشکال، وإنّما یترکه لغرض آخر، هل یحکم العقل بحُسنه ؟ لا یمکن القول بأنّ العقل یحکم بحُسنه حینئذٍ. الذی یمکن الجزم به هو أنّ العقل یحکم بحُسن الاحتیاط إذا أضیف هذا الاحتیاط إلی المولی(سبحانه وتعالی) بنحوٍ من أنحاء الإضافه، وما عدا ذلک لا وضوح فی وجود حکم عقلی بالحُسن.

ص: 223

وبعباره أکثر وضوحاً: أنّ الظاهر أنّ حکم العقل بحُسن الاحتیاط المسلّم بلا إشکال، ملاکه الانقیاد إلی أمر المولی، ومن الواضح أنّ هذا الانقیاد لا یتحققّ إلاّ إذا أضیف الاحتیاط إلی المولی بنحوٍ من أنحاء الإضافه، وأمّا إذا جاء به لا بهذا النحو؛ فحینئذٍ هذا لیس انقیاداً، الانقیاد مأخوذ فیه أنْ یترکه لاحتمال أنّ الشارع حرّمه، أو یأتی به لاحتمال أنّ الشارع أوجبه هنا یتحققّ قصد القربی، فتکون فیه إضافه، هذا یحکم العقل بحُسنه بلا إشکال، کلامنا فی ما عدا ذلک، فی غیر هذه الحاله، هل یحکم العقل بالحُسن، أو لا ؟ وبهذا نصل إلی أنّ الإشکال الثانی أیضاً وارد علی کون المقام صغری للکبری السابقه، بمعنی أنّ الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط الذی یراد استکشافه من الحکم العقلی هو لیس من سنخ الحکم العقلی؛ لأنّ الاستحباب علی تقدیره هو استحباب ثابت للاحتیاط مطلقاً، وإنْ لم یکن بقصد القربی، بینما ما یحکم العقل بحسنه هو عباره عن الاحتیاط إذا قُصد به التقرّب وأُضیف إلی المولی(سبحانه وتعالی).

ومن هنا یظهر أنّه علی تقدیر الإیمان بالملازمه بین ما حکم به العقل وما حکم به الشرع لا محذور فی صیروره الحکم العقلی بحُسن الاحتیاط منشئاً لاستحبابه شرعاً حتّی لو سلّمنا الکبری المیرزائیه المتقدّمه، فی القسم الثانی ممّا یقوله المیرزا(قدّس سرّه) نسلّم أنّه لا یمکن استکشاف الحکم الشرعی من حکم العقل بحُسن الطاعه وقبح المعصیه، إمّا للزوم اللّغویه، أو التسلسل کما یقول، حتّی علی تسلیم الکبری فی المقام لا مانع من استکشاف الحکم الشرعی؛ لأنّ المقام لیس صغری لتلک الکبری، فإذا سلّمنا الملازمه، فلا محذور فی استکشاف استحباب الاحتیاط من حکم العقل بحُسن الاحتیاط، حتّی إذا سلّمنا تلک الکبری، وبالنتیجه کل هذا موقوف علی التسلیم بالملازمه، لکنّک عرفت أنّ الملازمه أساساً لیست ثابته، وبهذا یبطل الطریق الثانی لاستکشاف الاستحباب؛ لأنّ الطریق الثانی لاستکشاف الاستحباب کان مبنیّاً علی الملازمه بین ما یحکم به العقل وبین الحکم الشرعی، فإذا أنکرنا الملازمه لا مجال لاستکشاف الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط من حکم العقل بحُسن الاحتیاط.

ص: 224

نعم، یبقی الطریق الأوّل، وهو استکشاف الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط من الأخبار المتقدّمه التی استدل بها الأخباریون علی وجوب الاحتیاط، فأنّه بعد أنْ فرغنا عن عدم إمکان حملها علی ظاهرها وهو الوجوب لما تقدّم سابقاً؛ حینئذٍ تُحمل علی الاستحباب، فیُستکشف الاحتیاط من هذه الأخبار، واستکشاف الاحتیاط من هذه الأخبار خالٍ عن الإشکال، فتکون هی المنشأ لاستحباب الاحتیاط، ولا مشکله فی استکشاف استحباب شرعی مولوی طریقی الذی هو محل کلامنا، حیث أنّ محل کلامنا فی الاستحباب الطریقی ولیس فی الاستحباب النفسی؛ لأنّ الاستحباب النفسی خارج عن محل الکلام ولا إشکال فی إثباته، افتراض استحباب شرعی للاحتیاط لا محذور فیه علی ما تقدّم، نستکشف کون هذا الاستحباب مولویاً من نفس الأخبار، بناءً علی القاعده المتقدّمه أنّ الأصل فی کلام الشارع فی هذا المجال هو أنْ یکون صادراً منه بما هو مولی لا أنّه صادر منه بما هو مرشد ومنبّه، فنأخذ بهذا الظهور الأوّلی ما لم تقم قرینه علی الإرشاد، وحیث لا قرینه علی الإرشاد، فنأخذ بهذا الأصل الأوّلی ونحمل الاستحباب علی کونه مولویّاً، وأمّا أنّه طریقی الغرض منه هو التحرّز عن مخالفه الواقع، فهذا واضح؛ لأنّ هذا شیء مأخوذ فی نفس الاحتیاط، فالاحتیاط عباره عن التحفّظ علی الواقع والتحرّز عن مخالفته، والمنظور فی الاحتیاط هو إدراک الواقع وتجنّب مخالفته، وهذا معنی أنّ الاحتیاط المستحب احتیاط طریقی، هذا لا مانع من استکشافه من الأخبار بشکل عام من دون التدقیق فی الأخبار وأنّه من أیّ لسانٍ یُستفاد، لکن إذا فرضنا أنّ هناک أخباراً تدل علی وجوب الاحتیاط وتعذّر حملها علی الوجوب لوجود أخبار تدلّ علی البراءه؛ حینئذٍ لا یبقی محذور فی حملها علی الاستحباب، ولا مشکله فی افتراض الاستحباب المولوی الطریقی. هذا کلّه فی المقام الأوّل.

ص: 225

المقام الثانی: حکم الاحتیاط فی العبادات.

العبادات لها خصوصیّه، الکلام فی هذا المقام یقع بعد أنْ فرغنا فی المقام الأوّل عن حُسن الاحتیاط عقلاً؛ بل فرغنا ----- إذا تمّ الکلام الأخیر ----- عن استحبابه شرعاً، إذن، الاحتیاط حسن عقلاً، ومستحب شرعاً علی ما تقدّم، یقع الکلام فی أنّه کیف یمکن تصوّر الاحتیاط فی العبادات؛ لأنّ تصوّر الاحتیاط فی الواجبات التوصّلیه لا مشکله فیه؛ لأنّ المطلوب فی التوصّلیات هو تحققّ الفعل فی الخارج بأیّ نحوٍ افتُرض تحققّه، مجرّد أنْ یتحققّ الفعل فی الخارج؛ حینئذٍ هذا هو المطلوب فی باب التوصّلیات، ولا یُشترط فی تحققّه ------ فی المطلوب فی التوصّلیات ------ أنْ یؤتی به بقصد القربی، فلا مشکله فی الاحتیاط فی التوصّلیات، یحتمل أنّ هذا حرام، فیترکه، أو یحتمل أنّه واجب، فیفعله، لکن المشکله موجوده فی ما إذا کان الشیء عباده وأردنا أنْ نحتاط فی تلک العباده، وفرضنا أننّا شککنا فی أنّ هذه العباده واجبه، أو لا ؟ ویجب أنْ نفترض أنّ الأمر لا یدور بین الوجوب والاستحباب، وإلاّ أیضاً لا توجد مشکله فی العبادات إذا دار الأمر بین الوجوب والاستحباب؛ لأنّه فی هذه الحاله یحرز المکلّف الطلب من المولی، غایه الأمر أنّه یشکّ فی أنّ هذا الطلب، أو الأمر وجوبی، أو استحبابی، لکن الطلب موجود، فلا مشکله فی تصوّر الاحتیاط فی العباده حینئذٍ؛ لأنّه بإمکانه أنْ یأتی بهذه العباده المحتمله الوجوب بقصد امتثال أمرها؛ لأنّه یحرز تعلّق الأمر بهذه العباده، وإنْ کان یشکّ أنّه واجب، وأنّه علی نحو الوجوب، أو علی نحو الاستحباب ؟ الکلام لیس فی هذا، الکلام فیما إذا دار الأمر بین الوجوب والإباحه ----- مثلاً ----- أو بین الوجوب واللّغویه کما فی تقریرات السید الخوئی(قدّس سرّه) (1) یعنی أنّ هذه العباده إمّا أن تکون واجبه، أو تکون لغواً.

ص: 226


1- دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الشاهرودی، ج 3، ص 296.

الإشکال یقول: کیف یمکن تصویر الإتیان بما یشکّ فی وجوبه ویحتمل أنّه لیس واجباً، وإنّما هو مباح أو لغو، یأتی به علی نحو عبادی، والحال أنّ العباده مشروطه بقصد امتثال الأمر، ولا یستطیع المکلّف أنْ یقصد امتثال الأمر إلاّ إذا جزم بوجوده، فتتحققّ العبادیه، وأمّا إذا کان شاکّاً بالأمر وغیر عالم به؛ حینئذٍ کیف یمکن أنْ یأتی به علی نحو عبادی؛ لأنّ کونه عباده مشروط بقصد امتثال الأمر، وهذا إنّما یمکن عندما یکون جازماً بالأمر، وأمّا مع عدم الجزم بالأمر والشکّ فیه، فلا یمکن الإتیان بالفعل علی نحو عبادی، إذن: لا یمکن الاحتیاط فی باب العبادات.

درس الأصول العملیّه/ البراءه/ تنبیهات البراءه/ التنبیه الثانی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّه/ البراءه/ تنبیهات البراءه/ التنبیه الثانی

الکلام فی الإشکال الذی أورد علی إمکان الاحتیاط فی العبادات، والذی کان یقول بأنّ قصد القربه، والإتیان بالعباده کعباده غیر ممکن فی حال الشکّ وعدم العلم بالأمر الذی هو المفروض فی محل الکلام، فلا یمکن تصوّر الاحتیاط فی العبادات.

الجواب عن هذا الإشکال: وهو جواب صحیح، وهو أنّ هذا الإشکال إنّما یتوجّه ویکون له وجه عندما نفترض أننّا نختار القول بأنّ عبادیه العباده تتوقّف علی الاتیان بها بقصد أمرها الجزمی، واشترطنا فی صحّه العباده قصد امتثال الأمر الجزمی؛ حینئذٍ یتوجه الإشکال کما هو واضح؛ لأنّه لا یتمکّن من امتثال الأمر الجزمی؛ لأنّه لا جزم بالأمر حتّی یقصد امتثاله، والمفروض أنّ عبادیه العباده تتوقّف علی ذلک، وهو غیر ممکن، إذن، الاحتیاط غیر ممکن فی ظرف الشکّ وعدم العلم.

لکن هذا القول لیس صحیحاً؛ بل الصحیح هو أنّه یکفی فی عبادیه العباده مجرّد إضافتها إلی المولی(سبحانه وتعالی)، وهذه الإضافه تتحققّ بلا إشکال بالإتیان بالعباده برجاء احتمال أنْ تکون مأموراً بها، یعنی قصد امتثال الأمر الاحتمالی کقصد امتثال الأمر الجزمی یکون محققّاً لعبادیه العباده من دون أنْ یکون هناک فرق بینهما فی تحقق عبادیه العباده، حیث لم یدل دلیل علی اعتبار قصد امتثال الأمر الجزمی فیها؛ بل ما یُستفاد من الدلیل هو أنْ یأتی بالعباده قربه إلی الله تعالی، مضافه إلی الله تعالی، وکما أنّ هذا یتحقق بقصد امتثال الأمر الجزمی کذلک یتحقق بقصد امتثال الأمر الاحتمالی، بالنتیجه هو جاء بها لله(سبحانه وتعالی) ولم یأتِ بها لغیره، هذه إضافه، والإتیان بالعمل علی هذا ألأساس یُعتبر انقیاداً للمولی وتقرّباً إلیه، وهذا یکفی فی کون العباده وقعت علی نحو قربی، ونحن لا نرید أکثر من أنْ یقع الفعل بنحوٍ قربی، والمکلّف قد جاء بالعباده علی هذا النحو سواء قصد امتثال الأمر الجزمی عندما یکون عالماً بوجود الأمر، أو یقصد امتثال الأمر الاحتمالی عندما لا یکون عالما وجازماً بوجود الأمر، علی کلا التقدیرین انبعاثه وتحرّکه یصدق علیه أنّه نحو من التقرّب، وهذا المقدار یکفی فی عبادیه العباده وصحّتها.

ص: 227

وعلیه: یرتفع الإشکال السابق؛ لأنّه کان مبنیّاً علی افتراض اعتبار قصد امتثال الأمر الجزمی، وأمّا إذا قلنا بعدم اعتبار ذلک، وکفایه قصد امتثال الأمر الاحتمالی، فهذا الإشکال یرتفع من أساسه ولا وجه له إطلاقاً، ولم یُناقش أحد فی کون هذا التحرّک والانبعاث من احتمال الأمر نوعاً من التقرّب إلی المولی، هذه قضیه مسلّمه عند الجمیع ولا إشکال فیها، فالجمیع یسلّمون أنّ الانبعاث عن احتمال الأمر هو نحو تقرّبٍ إلی المولی(سبحانه وتعالی) ویتحققّ به قصد القربه المعتبر فی العباده.

نعم، تکلّموا فی ناحیه أخری أثارها الشیخ(قدّس سرّه) وهی أنّه هل هناک طولیه بین الامتثال الاحتمالی والاحتمال الجزمی، أو لا ؟ بمعنی أنّه هل یعتبر فی صحه الامتثال الاحتمالی، یعنی الإتیان بالعباده لاحتمال تعلّق الأمر بها، الذی هو محل کلامنا، هل یعتبر فی ذلک عدم التمکّن من الامتثال الجزمی ؟ بحیث إذا تمکّن من الامتثال الجزمی لا یصح منه الامتثال الاحتمالی، أو لا یُعتبر ذلک ؟ وهذا کلام آخر، لکن الکل یتّفقون علی أنّ التقرّب یتحققّ بالامتثال الاحتمالی کما یتحقق بالامتثال الجزمی، والکل یتّفقون علی أنّ الانبعاث والتحرّک عن الأمر الاحتمالی کالانبعاث والتحرّک عن الأمر الجزمی، کل منهما تقرّب إلی المولی، وکل منهما یتحقق فیه قصد التقرّب المعتبر فی العباده. وهذا الجواب عن الإشکال لا یُفرّق فیه بین ما یُختار فی باب قصد القربه المعتبر فی العباده من أنّ الحاکم به هو العقل، أو أنّ الحاکم به هو الشارع، أنّه هل أنّ قصد القربه معتبر فی الغرض من دون أنْ یکون داخلاً فی الأمر ومتعلّق الأمر إطلاقاً بحیث یکون الأمر المتعلّق بالواجبات التوصّلیه کالأمر المتعلّق بالواجبات العبادیه، قصد القربه خارج عن کلٍ منهما، وکما هو خارج ------ قصد القربه ------ ولیس له علاقه بمتعلّق الأمر التوصّلی، أیضاً قصد القربه لیس مأخوذاً فی متعلّق الأمر العبادی، وإنّما قصد القربه فی العبادات دخیل فی الغرض، ویکون معتبراً من ناحیه الغرض، بمعنی أنّ المأمور به یتحققّ، لکن الغرض لا یترتّب علی الواجب العبادی إلاّ إذا جاء به علی نحو قربی، بخلاف الواجب التوصّلی، فأنّ الغرض یتحقق منه حتّی إذا جاء به لا بنحو قربی، ومن هنا یکون الحاکم باعتبار قصد القربه، ولا بدّیه قصد القربه هو العقل، فأنّه هو الذی یحکم باعتبار قصد القربه کما هو رأی صاحب الکفایه(قدّس سرّه). أو نقول أنّ قصد القربه مأخوذ فی متعلّق الأمر المتعلّق بالعباده، سواء کان فی متعلّق نفس الأمر المتعلّق بالعباده، أو فی متعلّق أمر آخر سمّاه المحقق النائینی(قدّس سرّه) بمتممّ الجعل بناءً علی استحاله أخذ قصد القربه فی متعلّق الأمر المتعلّق بالعباده، فقال بأنّه أخذ فی متعلّق الأمر الآخر المتممّ للجعل، فکأنّه علی رأیه هناک أمران، (1) أمر یتعلّق بذات العباده، وأمر یتعلّق بالعباده مع قصد امتثال الأمر الأوّل المتعلّق بالعباده، یعنی بالإتیان بها علی نحو قربی. أمر یتعلّق بذات العباده فقط ولم یؤخذ فیه قصد القربه، والأمر الثانی یتعلّق بإتیانها علی نحو قربی. علی کل حال هنا یکون الحاکم باعتبار قصد القربه هو الدلیل والشارع. علی کل هذه التقادیر، سواء کان الحاکم هو العقل، أو کان الحاکم هو الشرع، وسواء أخذناه فی متعلّق الأمر المتعلّق بالعباده، أو أخذناه فی متعلّق أمر آخر متمم للجعل، علی کل هذه التقادیر یصح هذا الجواب، وعند أصحاب کل هذه الأقوال لا إشکال فی أنّ الامتثال الاحتمالی والانبعاث عن احتمال الأمر هو کافی فی تصحیح العباده، کما هو الحال فی الامتثال الجزمی والانبعاث عن الأمر الجزمی من دون فرقٍ بین هذه الأقوال.

ص: 228


1- أجود التقریرات، تقریرات بحث النائینی للسید الخوئی، ج 1، ص 116.

إذن: لا ینبغی التوقّف فی هذه المسأله، وبالتالی فی إمکان الاحتیاط فی العباده التی لا یعلم المکلّف تعلّق الأمر بها، وإنّما هو یحتمل تعلّق الأمر بها. نعم، علی الاحتمال الآخر، بناءً علی أنّه یُشترط فی صحّه العباده قصد الأمر الجزمی یکون هذا الإشکال وارداً لما تقدّم من عدم الجزم بالأمر فی محل الکلام الذی هو الشکّ فی تعلّق الأمر بالعباده.

قد یقال: حتّی لو ذهبنا إلی الرأی الثانی الذی یقول باعتبار قصد الأمر الجزمی فی صحّه العباده، مع ذلک یمکن تصحیح الإتیان بالعباده احتیاطاً؛ بأنْ لا یقصد الأمر المتعلّق بالعباده حتّی یقال بأنّه لا جزم فیه، فلا یمکن قصده إلاّ علی نحو التشریع، وإنّما ما یقصده هو الأمر المتعلّق بالاحتیاط، یقصد امتثال الأمر بالاحتیاط، فأنّ الأمر بالاحتیاط هو فی واقعه أمر بالعباده لکن بعنوان الاحتیاط، حیث أنّه شاکّ فی أنّ هذه العباده مأمور بها، أو لیست مأموراً بها، وهناک أمر بالاحتیاط ولو بنحو الاستحباب، هذا الأمر بالاحتیاط هو فی واقعه أمر بالإتیان بالعباده، لکن بعنوان الاحتیاط، وهذا أمر جزمی لا شک فیه، تعلّق الأمر بالاحتیاط ولو علی نحو الاستحباب بحسب الفرض أیضاً جزمی نجزم به، أو لا أقل بناءً علی ثبوت استحباب الاحتیاط، هذا أمر معلوم للمکلّف؛ فیمکنه حینئذٍ أنْ یأتی بالعباده قاصداً امتثال الأمر بالاحتیاط، باعتبار أنّ الأمر بالاحتیاط هو أمر بالعباده لکن بعنوان الاحتیاط، فیأتی بالعباده ویقصد امتثال هذا الأمر؛ وحینئذٍ تصح العباده ویتحققّ الشرط المعتبر فیها وهو قصد الأمر الجزمی، وهنا قصد امتثال الأمر الجزئی، وبذلک یرتفع الإشکال حتّی علی الرأی الآخر.

تکلّموا عن هذا الطرح وعن التخلّص عن هذا الإشکال علی الرأی الآخر، هل هذا الطرح تام، وهل یلزم منه محذور، أو لا ؟ وقد ذکروا محذوراً عقلیاً لهذا الفرض، بأنْ یأتی المکلّف بالعباده قاصداً امتثال الأمر بالاحتیاط بحیث یکون قصد امتثال الأمر بالاحتیاط هو المصحح لعبادیه العباده کما هو المطلوب فی المقام؛ لأنّ المصحح لعبادیه العباده هو قصد الأمر الجزمی المتعلّق بالعباده، هنا کأنّه محاوله لإثبات تصحیح العباده بقصد امتثال الأمر بالاحتیاط، قالوا أنّ هذا یلزم منه محذور، والمحذور هو محذور الدور، أو ما یشبه الدور، وذلک باعتبار أنّ الأمر بالاحتیاط یتوقف علی الاحتیاط توقف کل أمر علی متعلّقه، وتوقف کل عارض علی معروضه؛ لأنّ الأمر یعرض علی الاحتیاط، فیکون الأمر متوقفاً علی ما یعرض علیه وهو الاحتیاط، قالوا: فلو أردنا تصحیح الاحتیاط بالأمر لزم الدور؛ لأنّ معنی ذلک أنّ الاحتیاط یتوقف علی الأمر به، بینما الأمر بالاحتیاط کان متوقفاً بحسب الفرض علی الاحتیاط توقف کل عارض علی معروضه، فیلزم شیء یشبه الدور، الأمر بالاحتیاط یتوقف علی الاحتیاط، والاحتیاط لا یمکن أنْ یتوقف علی الأمر به، إذا أردنا تصحیح الاحتیاط فی المقام بالأمر بالاحتیاط، فهذا معناه أنّ الاحتیاط توقف علی الأمر به، والحال أنّ الأمر بالاحتیاط یتوقف علی الاحتیاط، فیلزم شیء من هذا القبیل. وتکلموا کثیراً فی هذه الناحیه، وأنّه ممکن، أو غیر ممکن، وأطالوا الکلام فی ذلک، ولا نری داعیاً فی الحقیقه للدخول فی تفاصیل ذلک باعتبار أنّ کل هذه التفاصیل وکل هذا الکلام مبنی علی فرض غیر صحیح، وهو افتراض اعتبار قصد الأمر الجزمی فی صحّه العباده. بناءً علی هذا حاولوا التخلّص من الإشکال بقصد الأمر بالاحتیاط، بینما هذا الفرض غیر صحیح، ولیس هو غیر صحیح عند جماعه؛ بل عند الجمیع، الجمیع یتّفقون علی کفایه الأمر الاحتمالی، والظاهر أنّه لا أحد یستشکل فی صحّه العباده إذا قصد الأمر الاحتمالی، أمّا أنّه مع تمکنه من قصد الأمر الجزمی هل یمکنه الامتثال الاحتمالی، أو لا ؟ فهذه مسأله أخری أشرنا إلیها، لکن لنفترض أنّ المکلّف غیر متمکن من الأمر الجزمی کما هو مفروض فی محل کلامنا، حیث المفروض فی محل کلامنا أنّ المکلّف لا علم له بتعلّق الأمر بتلک العباده، الجمیع یتّفقون علی کفایه الامتثال الاحتمالی وأنّ الانبعاث عن احتمال الأمر یکون مقرّب إلی المولی سبحانه وتعالی، فیتحقق فیه قصد القربه والإتیان بالفعل بنحوٍ قربی، وکل الأمور المعتبره فی العباده تتحقق کذلک، فإذن: لا داعی للدخول فی هذه التفاصیل، ونختم البحث بذلک.

ص: 229

النتیجه: لا إشکال فی إمکان الاحتیاط فی العبادات کما هو ممکن فی غیر العبادات.

هذا تمام الکلام فی التنبیه الثانی من تنبیهات البراءه.

التنبیه الثالث من تنبیهات البراءه

التنبیه الثالث: ما یُسمّی بقاعده(التسامح فی أدلّه السنن)، أو فی أحادیث من(بلغه). هذا البحث هو من توابع البراءه کما هو مقتضی التسلسل الموجود حیث ذُکر فی تنبیهات البراءه، یکون من توابع البراءه بناءً علی تفسیر الأحادیث التی هی مستند هذه القاعده والتی هی المدرک فی هذا البحث، تفسیرها بتفسیر؛ فحینئذٍ من المناسب إدراج البحث عن هذه القاعده فی ذیل البحث عن البراءه وجعلها من تنبیهات البراءه، وهذا التفسیر هو أنْ یقال: أنّ مفاد أخبار(من بلغ) التی هی مدرک هذه القاعده هو الإتیان بالعمل برجاء موافقه الواقع مع الشکّ فی الحکم، عندما لا یعلم المکلّف بحکم هذا ویشکّ به ولا یثبت عنده ثبوتاً واضحاً، الأخبار تقول لیأتی به برجاء أنْ یکون هذا الشیء الذی بلغه ثابتاً، إذا احتمل استحباب شیءٍ، الذی هو مورد القاعده، لم یثبت عنده الاستحباب، ولم یدل علیه دلیل تام السند، وإنّما دلّ علیه خبر ضعیف، لا یوجد إلاّ احتمال الاستحباب، الأخبار تقول لیأتی بالفعل برجاء أنْ یکون هذا الاستحباب ثابتاً، ویکون له ثواب حتّی إذا لم یکن ذلک الاستحباب ثابتاً. هذا یناسب جعله من تنبیهات البراءه؛ لأنّه ناظر إلی حثّ المکلّف علی الإتیان بالعمل المشکّوک حکمه، ولو کان حکمه حکماً غیر إلزامی کما هو مورد القاعده. إذن: کأنّ الأخبار تتحدّث عن حکم الفعل الذی لا یُعلم ما هو حکمه، لیس حکمه الواقعی، وإنّما بمقدار أنّه لو جاء به برجاء أنْ یکون مستحبّاً یکون له ذلک الثواب، فهی تعالج هذه القضیه، فلعلّها تناسب جعلها من تنبیهات البراءه.

ص: 230

لکن إذا فُسّرت الأخبار بتفسیر آخر، بأنْ قیل أنّ المستفاد منها جعل الحجّیه للخبر الضعیف فی الأحکام غیر الإلزامیه، أمّا فی الأحکام الإلزامیه فالحجّه ثابت شرعاً فقط لخبر الثقه، لکن فی الأحکام غیر الإلزامیه تتّسع دائره الحجّیه لتشمل خبر غیر الثقه، فیکون الخبر الضعیف حجّه لإثبات الحکم الغیر الإلزامی، فکما أنّ خبر الثقه حجّه لإثبات الحکم الإلزامی، خبر الضعیف أیضاً یکون حجّه لإثبات الخبر الغیر الإلزامی، بناءً علی هذا التفسیر؛ حینئذٍ یناسب أنْ تکون هذه القاعده من توابع خبر الواحد، خبر الواحد إذا کان راویه ثقه، وعادلاً؛ حینئذٍ یکون حجّه ودلّت الأدله علی حجّیتهّ فی الأحکام الإلزامیه، ویبحث بعد ذلک فی الأحکام غیر الإلزامیه حیث دلّت الأدله علی أنّ دائره الحجّیه أوسع من ذلک، وأنّ الحجّیه تثبت حتّی لخبر الضعیف، فالمناسب أنْ یبحث فی ذلک البحث.

علی کل حال، وردت روایات عدیده وبعضها تام سنداً بلا إشکال، ذکر هذه الروایه الشیخ صاحب الوسائل(قدّس سرّه) فی مقدّمه العبادات فی الباب 18، حیث جمع معظم هذه الروایات وعقد لها باباً مستقلاً، وهذه الروایات بمضمون من بلغه ثواب علی عمل فعمله التماس ذلک الثواب الذی بلغه کان له ذلک الثواب وإنْ لم یکن کما بلغه. (1)

الکلام عن هذه القاعده یقع فی جهات:

الجهه الأولی: تحدید مفاد هذه الأخبار، حتّی علی ضوء تحدید مفادها نستطیع أنْ نتکلّم فی الجهات الأخری، توجد عدّه احتمالات ثبوتیه فی تعیین وتحدید مفاد هذه الأخبار. السید الخوئی ذکر ثلاثه احتمالات، ورجّح أحد الاحتمالات علی الاحتمالات الباقیه، الاحتمالات التی ذکرها هی (2) :

ص: 231


1- وسائل الشیعه(آل البیت)، الحر العاملی، ج 1، ص 81، أبواب مقدّمه العبادات، باب 18، ح 1، و3، و4، و6، و7، و8، و9.
2- دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الشاهرودی، ج 3، ص 301.

الاحتمال الأوّل: أنْ یکون المراد بها هو الإرشاد إلی حکم العقل بحسن الانقیاد والانبعاث من المطلوبیه الاحتمالیه، هناک روایات إرشادیه لا یُستفاد منها حکم مولوی تأسیسی، وإنّما مفادها الإرشاد الصرف إلی حکم العقل بحسن الانبعاث عن المطلوبیه الاحتمالیه، والعقل یحکم بحسن الانبعاث عن المطلوبیه الاحتمالیه، وقلنا سابقاً بأنّ العقل یحکم بحسن کل تقرّب إلی المولی سبحانه وتعالی.

الاحتمال الثانی: أنْ یکون مفاد هذه الأخبار ------ کما أشرنا قبل قلیل ------ هو جعل واسقاط شرائط حجّیه الخبر فی المستحبّات، حیث أنّ أخبار(من بلغ) تُسقط الشرائط المعتبره فی حجّیه الخبر فی الأحکام الإلزامیه، فاشتراط العداله والوثاقه، وکل ما نشترط فی حجّیه الخبر فی الأحکام الإلزامیه، أخبار(من بلغ) تُسقِط هذه الشرائط فی المستحبّات، یعنی فی الأحکام غیر الإلزامیه.

وبعباره أخری: أنّ مفادها هو جعل الحجّیه للخبر الضعیف فی الأحکام غیر الإلزامیه.

الاحتمال الثالث: هو جعل استحباب نفسی موضوعه البلوغ، بمعنی أنّ العمل یکون مستحبّاً علی حدّ استحباب سائر الأفعال الأخری، فیکون العمل مستحباً لکن بالعنوان الثانوی، بعنوان أنّه بلغه ثواب علیه، لا أنّه مستحبّ بعنوانه الأوّلی، لکنّه یکون مستحبّاً نفسیاً بعنوان ثانوی، وهو عنوان أنّه بلغه ثواب علیه، کأنّ هذا العنوان الثانوی عندما عرض علی هذا العمل الذی هو لیس مستحبّاً بعنوانه الأوّلی، عندما عرض علیه أوجب حدوث ملاک ومصلحه فیه تقتضی أنْ یتعلّق به الاستحباب النفسی، فیکون العمل الذی بلغه ثواب علیه مستحبّاً علی حدّ سائر المستحبّات الأخری، وهذا لیس غریباً أنْ یکون عنوان ثانوی یوجب تغیّر الحکم، وهذا لا مشکله فیه، حیث هناک الکثیر من هذه العناوین التی توجب تغیّر الحکم کعنوان الضرر وعنوان الحرج وغیرها من العناوین، فیکون هناک حکم یُعبّر عنه بالحکم الثانوی، بمعنی أنّه حکم نفسی ثابت بعنوان ثانوی، یعنی لولا العنوان الثانوی هذا الحکم النفسی لا یثبت لذات الفعل، فالبلوغ هو من هذا القبیل.

ص: 232

درس الأصول العملیّه/ البراءه/ تنبیهات البراءه/ التنبیه الثالث بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّه/ البراءه/ تنبیهات البراءه/ التنبیه الثالث

کان الکلام فی تحدید مفاد أخبار(من بلغ) المتقدّمه، وهذه هی الجهه الأولی التی یقع الکلام فیها من هذا البحث، قلنا أنّ السید الخوئی(قدّس سرّه) فی المصباح ذکر احتمالات ثلاثه: (1)

الاحتمال الأوّل: أنْ تکون الأخبار إرشادیه، أی إرشاد إلی حکم العقل بحسن الانقیاد والاحتیاط.

الاحتمال الثانی: أنْ یکون مفادها استحباب العمل استحباباً نفسیاً واقعیاً، لکن بعنوان ثانوی، وهو بعنوان(البلوغ) العمل بعنوانه الأولی لیس مستحبّاً، لکن عندما یتعنون بعنوان(البلوغ) یکون مستحبّاً استحباباً واقعیاً ثانویاً کما قد تتّصف بعض الأفعال التی لا تکون واجبه بعنوانها الأوّلی، لکنّها قد تتّصف بالوجوب بالعنوان الثانوی، کما إذا أمر بالفعل من تجب طاعته.

الاحتمال الثالث: أنْ یکون مفادها جعل الحجّیّه للخبر الضعیف فی باب المستحبات.

ثمّ ذکر بأنّ المناسب لقاعده التسامح فی أدلّه السنن هو الاحتمال الثالث، یعنی جعل الحجّیه للخبر الضعیف. وبعباره أخری: اسقاط شرائط الحجّیه فی باب المستحبات، هذا الذی یناسب عنوان القاعده الذی هو التسامح فی أدلّه السنن، السنن والأحکام غیر الإلزامیه نتسامح فی أدلّتها، فلا یُشترط فیها الشرائط التی تشترط فی الأحکام الإلزامیه. لکنّه استبعد هذا الاحتمال باعتبار أنّه لا یناسب لسان الحجّیه، أی أنّ لسان الأخبار لا یناسب لسان الحجّیه؛ إذ أنّ لسان الحجّیه هو لسان الواقع، وإلغاء احتمال الخلاف، فلا یناسبه التصریح بفرض أنّ هذا قد یکون مخالفاً للواقع، هذا المطلب ذکره المحقق النائینی أیضاً (2) قبل السید الخوئی(قدّس سرّهما)، ذکره بعد أنْ اختار الاحتمال الثالث فی أحدی دورتیه، لکن رجع فی الدوره الثانیه واستشکل فیه بهذا الإشکال، وأنّ الاحتمال الثالث لا یناسب لسان الأخبار؛ لأنّ لسان الأخبار یقول(کان له ذلک وإنْ لم یقله) هذا التصریح بأنّه ثابت حتّی إذا لم یکن مطابقاً للواقع لسانه لا یناسب لسان جعل الحجّیه، فلسان جعل الحجّیه لسان إحراز الواقع، وإلغاء احتمال الخلاف، فلا یناسب هذا اللّسان، فلذلک یکون حمل الأخبار علیه خلافاً لظاهر الأخبار، أو لا أقل ----- کما یقول السید الخوئی(قدّس سرّه) ------ من أنْ الأخبار لا تدل علیه، لا أقل من أنْ نقول أنّ الأخبار لیس فیها دلاله علی هذا الاحتمال الثالث.

ص: 233


1- مصباح الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للبهسودی، ج 2، 319.
2- أجود التقریرات، تقریر بحث النائینی للسید الخوئی، ج 2، ص 208.

وهکذا الأمر فی الاحتمال الثانی وهو الاستحباب النفسی الثانوی للعمل بعنوان البلوغ، مثل هذا الاحتمال الثانی أیضاً لا نلتزم به، ولا دلاله للأخبار علی أنّ البلوغ ممّا یوجب حدوث مصلحه فی العمل یصیر بها العمل مستحبّاً کما هو مقتضی الاحتمال الثانی، حیث کان الاحتمال الثانی یقول بمجرّد أنْ یتعنون العمل بعنوان البلوغ؛ حینئذٍ تحدث فیه مصلحه، الاستحباب استحباب واقعی، لکنه ثانوی، بمعنی أنّه ثابت للفعل لیس بعنوانه الأوّلی، وإنّما بعنوانه الثانوی، هو استحباب واقعی ینشأ من مصلحه فی العمل، هذه المصلحه ناشئه من تعنونه بعنوان البلوغ. قال(قدّس سرّه):(فالمتعیّن هو الاحتمال الأوّل، فأنّ مفادها مجرّد الإخبار عن فضل الله(سبحانه وتعالی) وأنّه سبحانه بفضله ورحمته یعطی الثواب الذی بلغ العامل، وإنْ کان غیر مطابق للواقع، فهی ------ کما تری ------ غیر ناظره إلی العمل وأنّه یصیر مستحبّاً لأجل طرو عنوان البلوغ، ولا إلی إسقاط شرائط حجّیه الخبر فی باب المستحبّات). (1) یعنی أنْ نحمل الأخبار علی الإرشاد إلی حکم العقل بحسن الاحتیاط وحسن الانقیاد.

ثمّ أشار(قدّس سرّه) إلی أنّه یترتّب علی ذلک ----- علی اختیار الاحتمال الأوّل ونفی الاحتمال الثانی والثالث ----- انتفاء جمله من المباحث التی ذکروها؛ لأنّ هذه المباحث کلّها مبتنیه علی الاحتمالین الثانی والثالث، فإذا نفینا هذین الاحتمالین، فلا داعی للبحث فی هذه المباحث، قال(قدّس سرّه):(فتحصّل أنّ قاعده التسامح فی أدلّه السنن ممّا لا أساس لها، وبما ذکرناه من عدم دلاله هذه الأخبار علی الاستحباب الشرعی سقط کثیر من المباحث التی تعرّضوا لها فی المقام): (2)

ص: 234


1- مصباح الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للبهسودی، ج 2، 319.
2- مصباح الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للبهسودی، ج 2، 320.

(منها) أنّ المستفاد من الأخبار هل هو استحباب ذات العمل، أو استحبابه إذا أتی به بعنوان الرجاء، واضح أنّ هذا البحث یلغو بناءً علی ما ذکره؛ لأنّه متفرّع علی الاحتمال الثالث، متفرّع علی الالتزام بأنّ الأخبار تدلّ علی استحباب العمل، فیقع الکلام فی أنّ هذا الاستحباب ثابت لذات العمل، أو ثابت للعمل المأتی به رجاءً، ولغرض التماس ذلک الثواب.

و(منها) ظهور ثمره الاختلاف بین الاحتمالین الأخیرین، أنّه ما هی الثمره التی تترتّب علی الاحتمالین الأخیرین، الثانی والثالث، ذکر أنّ الثمره هی إذا دلّ خبر ضعیف علی استحباب شیءٍ ثبتت حرمته بإطلاق، أو عموم، قال أنّ الثمره فی الاحتمالین الثانی والثالث تظهر فی هذا المورد، وذلک باعتبار أنّه علی الاحتمال الثالث الخبر الضعیف یکون مخصصاً للعموم، أو مقیّداً للإطلاق؛ لأنّه حجّه، فأنّ الخبر الضعیف فی المستحبات حجّه، وحیث أنّه أخصّ مطلقاً من العموم، وأخصّ مطلقاً من المطلق؛ فحینئذٍ یقیّد المطلق، ویخصص العام، فنرفع الید عن العام الدال علی حرمه هذا الشیء بالخبر الضعیف الدال علی استحبابه، ونلتزم باستحبابه. هذا علی الاحتمال الثالث. وأمّا علی الاحتمال الثانی، فهو یثبّت الاستحباب بعنوان البلوغ؛ فحینئذٍ یقع التزاحم بین الحکم التحریمی والحکم الاستحبابی، حکمان شرعیان یقع التزاحم بینهما؛ حینئذٍ النتیجه واضحه، حیث نقدّم الحکم الإلزامی التحریمی؛ لأنّ الحکم الاستحبابی لا یزاحم الحکم الإلزامی التحریمی، لکن لا یدخل فی باب التخصیص والإطلاق وأمثاله، فلا نخصص العام، وإنّما هذا یدلّ علی حرمه هذا، ودلیل آخر یُثبت لنا استحباب هذا ولیس حجّیه الخبر الضعیف، وإنّما هو بعنوان البلوغ یصیر مستحباً، فالعمل بمقتضی أخبار(من بلغ) مستحب، ومقتضی ذاک الإطلاق، أو العموم هو الحرام، فیتزاحمان، فیُقدم التحریم.

ص: 235

هذا أیضاً نقول لا داعی لبحثه؛ لأنّه مبتنٍ علی بیان الثمره للقول الثانی والثالث، والمفروض أنّ کلاً منهما غیر ثابت، وإنّما أخبار(من بلغ) إنّما تدلّ علی الاحتمال الأوّل.

و(منها) البحث عن معارضه أخبار(من بلغ) لما دلّ علی اعتبار العداله والوثاقه فی حجّیه الخبر، وقالوا أنّ هذه الأخبار تتقدّم علی ما دلّ علی اعتبار العداله والوثاقه فی حجّیه الخبر بالأخصّیه. هذا البحث أیضاً متفرّع علی الاحتمال الثالث، هذا التقدیم إنّما یمکن تصوّره إذا التزمنا بأنّ مفاد الأخبار هو جعل الحجّیه للخبر الضعیف فی باب المستحبات، تلک الأخبار تقول أنّه یُشترَط العداله والوثاقه فی حجّیه الخبر، یخرج عن هذه الأخبار فی باب المستحبّات بالخصوص؛ لأنّ أخبار(من بلغ) جعلت الحجّیه للخبر الضعیف، وإنْ لم یکن عادلاً، وإنْ لم یکن ثقه، جعلت له الحجّیه فی باب المستحبات، فیُقدّم علبها بالأخصّیه. هذا البحث أیضاً یلغو؛ لأنّه مبنی علی الاحتمال الثالث.

و(منها) البحث عن ثبوت الاستحباب بفتوی الفقیه، هل یثبت الاستحباب بفتوی الفقیه ؟ باعتبار صدق البلوغ؛ إذ لا یشترط فی تحقق عنوان(البلوغ) أنْ یکون بروایه، وإنّما یمکن أنْ یتحققّ بفتوی فقیه ، فلو افتی فقیه باستحباب فعل أیضاً یصدق أنّه بلغنی ثواب علیه. هذا البحث أیضاً یلغو؛ لأنّه متفرّع علی الاحتمال الثانی، متفرّع علی الالتزام بأنّ أخبار(من بلغ) تدلّ علی الاستحباب بعنوان البلوغ، فنتحدّث عن أنّ هذا هل یشمل فتوی الفقیه حتّی یکون الفعل الذی افتی الفقیه باستحبابه مستحبّاً بمجرّد البلوغ، أو لا ؟ هذا هو الموجود فی المصباح.

لکن فی التقریرات الأخری للسید الخوئی(قدّس سرّه) وهی(الدراسات) (1) جعل الاحتمال الثانی لیس ثبوت الاستحباب بعنوان(البلوغ)، وإنّما ثبوت الثواب علی العمل بعنوان(البلوغ)، یقول: أنّ مفاد الأخبار هو أنّه إذا بلغک ثواب علی عمل، فإذا عملته برجاء ذلک الثواب، فأنّه یحدث، ولیس الاستحباب، وإنّما ذلک الثواب یثبت، فمفادها هو جعل الثواب، وإعطاء الثواب للمکلّف الذی بلغه ثواب علی عمل وعمله لالتماس ذلک الثواب، وإنْ کان ذلک الثواب غیر مطابق للواقع، لکن الشارع یُعطی ذلک الثواب للمکلّف. ثبوت الثواب علی العمل بالعنوان الثانوی الطارئ، یعنی عنوان البلوغ، ولیس ثبوت الاستحباب النفسی کما هو الحال فی الاحتمال الثانی فی المصباح. ثمّ التزم فی الدراسات بتعیّن هذا الاحتمال الثانی فی قبال الاحتمالین الأوّل والثالث، بینما هناک التزم بتعیّن الاحتمال الأوّل، یعنی حمل الأخبار علی الإرشاد، وهنا التزم بتعیّن الاحتمال الثانی ونفی الاحتمال الأوّل وهو الإرشاد، باعتبار أنّ الأخبار وارده فی مقام الترغیب والحث علی العمل لا فی مقام الإرشاد، وإنّما هو یحثّ علی العمل، لا أنّه یرشد إلی ما حکم العقل به من حسن الانقیاد، فنفی الاحتمال الأوّل بذلک، والاحتمال الثالث أیضاً منفی بما تقدّم من أنّ لسان الأخبار لا یناسب لسان جعل الحجّیه، وعیّن الثانی، لکنّه طرح الثانی فی البدایه بهذا الشکل: أنّه یستفاد من الأخبار جعل ثواب لهذا الشخص الذی بلغه ثواب علی عمل، فعمله رجاء ذلک الثواب، مفاد الأخبار أنّه یعطی له ذلک الثواب، وإنْ کان ما بلغه غیر مطابق للواقع.

ص: 236


1- دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الشاهرودی، ج 3، ص 302.

ثمّ ذکر(قدّس سرّه) فی مقام الاستدلال علی الاحتمال الثانی الذی اختاره هنا أنّ هذا هو الذی یساعده الظهور العرفی والذوق الطبعی، قال(قدّس سرّه):(فالمتعیّن هو الاحتمال الثالث، وهو الذی یساعده الظهور العرفی والذوق الطبعی، فأنّ المناسب لعظمه الشخص أنّه إذا أسند إلیه الوعد بشیء أنْ یُنجّزه، وإنْ لم یکن الإسناد مطابقاً للواقع). (1) هذا معنی الاحتمال الثانی الذی ذکره فی الدراسات، أنّ الله(سبحانه وتعالی) یعطی ذلک الثواب وإنْ لم یکن ثابتاً. ومن هنا نستطیع أنْ نقول إلی هنا یظهر أنّ هناک فرقاً بین الاحتمال الثالث هنا وبین الاحتمال الثانی هناک، فالاحتمال الثانی هناک هو جعل استحباب واقعی ثانوی نفسی للعمل بعنوان البلوغ، بینما هنا مجرّد أشبه بإعطاء ثواب، والتزام بإعطاء ثواب فی هذه الحاله لا أکثر من هذا، والدلیل الذی ذکره أیضاً یؤیّد هذا الفهم، یؤیّد الفرق بین الاحتمال الثالث هنا وبین الاحتمال الثانی هناک، الدلیل هنا هو مسأله أنّ المناسب لعظمه الشارع أنّه إذا أُسند إلیه وعد أنْ یُنجّز هذا الوعد، القضیه مرتبطه بالثواب، إذا بلغ شخصاً ثواب من الله(سبحانه وتعالی) فهو یعطی ذلک الثواب، لکن فی الدراسات نفسها بعد أنْ طرح الثانی بهذا الشکل، عباراته الأخری واضحه فی أنّ المقصود من الاحتمال الثانی هو الاستحباب، وعبارته صریحه، قال:(وکیف کان فالظاهر من هذه الروایات هو استحباب العمل بمجرد بلوغ الثواب علیه)، (2) وبعد ذلک قال:(واما علی ما اخترناه من ثبوت الاستحباب الشرعی بالبلوغ فیقع التزاحم بین الحکم الاستحبابی و التحریمی). بعد ذلک عقد جهه مستقلّه تکلّم فیها عن البحث الأوّل الذی قال عنه فی المصباح بأنّه یلغو هذا البحث، بینما فی الدراسات عقد جهه مستقلّه تکلّم فیها عن ذلک البحث الذی هو أنّ الاستحباب هل یثبت لذات العمل، أو یثبت للعمل إذا جیء به رجاء ذلک الثواب، وهنا عقد جهه مستقلّه تکلّم فیها عن هذه الجهه، وهذا یعنی أنّه یختار القول بالاستحباب للعمل، غایه الأمر تکلّم فی أنّ الاستحباب یثبت لذات العمل، أو یثبت للعمل المقیّد بما إذا جیء به بعنوان الالتماس والرجاء وأمثاله. وهذا یؤیّد أنّ المقصود بالاحتمال الثالث فی الدراسات هو الاستحباب، ثمّ هناک أیضاً هو نفس المعنی السابق، لعلّه ذکر الثواب هنا فی الدراسات لعلّه تقیّداً بأخبار(من بلغ)، فأنّ أخبار(من بلغ) لا تذکر الاستحباب وإنّما تذکر الثواب، ومن جهه أخری لعلّه من باب أنّه یری الملازمه بین ترتّب الثواب وبین الاستحباب، أفرض أنّ الروایات تحدّثت عن ترتب ثواب، لکن هذا ترتّب الثواب یکشف عن مطلوبیه للعمل من قبل الشرع وهذا هو معنی الاستحباب، فتکون هناک ملازمه بین ترتّب الثواب وبین الاستحباب.

ص: 237


1- دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الشاهرودی، ج 3، ص 302.
2- دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الشاهرودی، ج 3، ص 302.

إذن: لا فرق بین أنْ نقول أنّ أخبار(من بلغ) تثبت الاستحباب، وبین أنْ نقول أنّها تثبت إعطاء الثواب الذی بلغه کما بلغه فی هذه الحاله؛ لأنّ ترتب الثواب علی العمل الذی بلغه وجاء به برجاء ذلک الثواب، یستلزم افتراض استحباب العمل شرعاً، فیثبت استحباب العمل شرعاً باعتبار هذه الملازمه، لعلّه من هذا الباب.

نعم، یبقی هناک تنافٍ بین ما ذکره فی الدراسات وبین ما ذکره فی المصباح، حیث قال فی المصباح أنّ هذا البحث یلغو، وأنّه لا یری الاستحباب، قال أنّ هذا البحث أنّه هل یثبت الاستحباب لذات العمل، أو للعمل بقید الإتیان به رجاءً، قال یلغوا هذا البحث هناک، بینما هنا عقد جهه مستقله تکلّم فیها عن ذلک، وهذا معناه أنّه یری الاستحباب ویقول به. هذا مضافاً إلی أنّه فی المصباح عیّن الاحتمال الأوّل وهو حمل الأخبار علی الإرشاد، بینما هنا لغی الاحتمال الأوّل وناقش فیه بأنّه خلاف ظاهر الأخبار؛ لأنّ ظاهر الأخبار أنّها فی مقام الحثّ والترغیب من قبل الشارع لا فی مقام الإرشاد. دعوی الملازمه بین ترّتب الثواب والاستحباب هذه فی المقام لیست واضحه، وسیأتی الحدیث عنها مفصّلاً، وأنّه هل توجد ملازمه بین ترتّب الثواب وبین الاستحباب، لا أقل فی خصوص المقام ؟ سیأتی الحدیث عنها مفصلاً إنْ شاء الله تعالی. هذا ما نُقل عن السید الخوئی(قدّس سرّه) فی تقریره.

السید الشهید الصدر(رضوان الله علیه) ذکر احتمالات أخری ثبوتیه غیر الاحتمالات الثلاثه المتقدّمه: (1)

ص: 238


1- بحوث فی علم الأصول، تقریر بحث السید محمد باقر الصدر للسید محمود الشاهرودی، ج 5، ص 121.

الاحتمال الرابع: أنْ یکون مفاد أخبار(من بلغ) مجرّد الوعد لمصلحه فی نفس الوعد بإعطاء ذلک الثواب الذی بلغ هذا المکلّف، وبعد حصول الوعد نقطع بالوفاء بلا إشکال، فالشارع کأنّه یعد من بلغه ثواب علی عمل بإعطائه ذلک الثواب إذا عمله برجاء ذلک الثواب لمصلحهٍ فی نفس الوعد من دون أنْ تکون هناک مصلحه فی الفعل، ومن دون افتراض جعل حکم من قبل الشارع، ولا تحدث مصلحه فی العمل، وإنّما هناک مصلحه فی نفس الوعد، وأنّ هذا الثواب الذی أعدک أنا سوف أعطیه لک بالمقدار الذی بلغک، مجرّد وعد إلهی من قبل المولی بإعطاء هذا الثواب بهذه الشروط، إذا بلغه ثواب علی عمل فعمله رجاء ذلک الثواب، الله سبحانه یعده بإعطائه ذلک الثواب.

الاحتمال الخامس: أنْ یکون مفادها جعل الاحتیاط الاستحبابی فی موارد بلوغ الثواب، مفادها احتیاط لکن فی المستحبّات، الغرض منه التحفّظ علی الملاکات الواقعیه الراجحه الموجوده فی المستحبات الواقعیه فی موارد التزاحم الحفظی، علی أنّه هو یری أنّ الأحکام الظاهریه کلّها تعبّر عن ترجیح ملاکات واقعیه متزاحمه تزاحماً حفظیاً فی مقام حفظها عندما تتزاحم، الأحکام الظاهریه هی تعبیر عن اهتمام الشارع ببعض الملاکات لأهمیتها وترجیحها علی ملاکات أخری تزاحمها، مفاد أخبار(من بلغ) احتیاط استحبابی، احتیاط فی باب المستحبّات لإدراک المستحبّات الواقعیه وملاکاتها الواقعیه، یقول له إذا بلغک ثواب علی عمل، فاحتط وأتی بالعمل حتّی تدرک ملاکات المستحبات الواقعیه إذا کان الشارع یهتمّ بها.

هذه عمده المحتملات الثبوتیه فی أخبار(من بلغ). الفوارق بین هذه الاحتمالات واضحه من خلال ما تقدّم، الفرق بین الاحتمال الأوّل وبین باقی الاحتمالات واضح؛ إذ أنّ الاحتمال الأوّل إرشاد صرِف، ولیس فیه إعمال مولویه، یعنی الشارع لم یعمل مولویته فی هذه الأخبار إطلاقاً، وإنّما هو إرشاد إلی حکم العقل بحسن الاحتیاط، بینما فی سائر الاحتمالات الأخری هناک إعمال مولویه، جعل حجّیه، وجعل استحباب، ووعد إلهی بإعطاء الثواب مثلاً، جعل احتیاط فی باب المستحبّات.

ص: 239

درس الأصول العملیّه/ البراءه/ تنبیهات البراءه/ قاعده التسامح فی أدلّه السنن بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّه/ البراءه/ تنبیهات البراءه/ قاعده التسامح فی أدلّه السنن

بعد أنْ استعرضنا الاحتمالات المتقدّمه الثبوتیه فی مفاد أخبار(من بلغ) تکلّمنا عن الفوارق بین هذه الاحتمالات، هناک کلام ذکره السید الخوئی(قدّس سرّه) ظاهره أنّه ینکر وجود ثمره فقهیه بین الاحتمالین الثانی والثالث المتقدّمین، (1) یعنی بین القول بأنّ مفاد الأخبار هو جعل الاستحباب للعمل بعنوان(البلوغ)، وبین کون مفاد الأخبار هو جعل الحجّیه للخبر الضعیف فی المستحبّات، یقول لا ثمره عملیه فقهیه بینهما؛ لأنّه علی کلا التقدیرین المجتهد یفتی باستحباب العمل، أمّا علی الثانی فواضح؛ لأنّ مفاد الأخبار علی الثانی هو استحباب العمل بالعنوان الثانوی. وأمّا علی الثالث، فأیضاً واضح؛ لأنّ الخبر الضعیف هو حجّه فی إثبات الاستحباب، فالفقیه ینتهی إلی نتیجه ثبوت الاستحباب ویفتی حینئذٍ باستحباب العمل علی کلا التقدیرین، غایه الأمر أنّ الاستحباب الثابت علی التقدیر الثانی هو استحباب واقعی ثانوی ثابت بعنوان(البلوغ)، بینما علی الثالث هو استحباب واقعی أوّلی ثابت للعمل باعتبار دلاله الخبر الضعیف الحجّه بناءً علی الاحتمال الثالث علی استحبابه.

ثمّ ذکر السید الخوئی(قدّس سرّه) وقال: قد یقال بظهور الثمره فی مورد وهو ما إذا دلّ خبر ضعیف علی استحباب ما ثبتت حرمته بعمومٍ، أو إطلاق. تقدّم ذکر هذا عند نقل کلامه فی البحوث التی قال بأنّها مبنیّه علی اختیار أحد الاحتمالین الثانی، أو الثالث، وحیث أنّه فی المصباح ----- مثلاً ----- لم یرتضِ کلاً منهما، فقال حینئذٍ یلغو هذا البحث، ویکون بلا فائده؛ لأنّه مبنی علی اختیار البحث الأوّل، أو البحث الثانی، إذا قام خبر ضعیف علی استحباب شیءٍ وکان مقتضی عموم دلیل، أو مقتضی إطلاق دلیل حرمه ذلک الشیء، هنا ذکروا بأنّه بناءً علی القول الثانی حینئذٍ یقع التزاحم بین الحکم الاستحبابی وبین الحکم التحریمی؛ لأنّ أخبار(من بلغ) تدلّ علی استحبابه، بینما العموم والإطلاق یدلّ علی تحریمه، فیقع التزاحم بین هذین الحکمین، ولا إشکال فی تقدیم الحکم الإلزامی فی هذا المجال، فیُحکم بحرمته، بینما علی الاحتمال الثالث، یعنی حجّیه الخبر الضعیف فی المستحبّات؛ حینئذٍ یکون هذا أخص مطلقاً من العموم، أو الإطلاق، فیخصصّ العموم، أو یقیّد الإطلاق، وبالتالی یُلتزم باستحبابه لا بحرمته، وهذه ثمره بین القولین، السید الخوئی(قدّس سرّه) سابقاً کان یقول هذا البحث یلغو؛ لأنّه علی أحد الاحتمالین الثانی، أو الثالث، وکما قلنا أنّه فی المصباح لم یرتضِ کلاً منهما، الآن یقول قد یقال: بأنّ الثمره بین القولین تظهر فی هذا الفرض؛ لأنّه علی الاحتمال الثانی یُحکم بحرمه الفعل، بینما علی الاحتمال الثالث یُحکم باستحبابه؛ لأنّه علی الاحتمال الثالث یکون الخبر الضعیف الحجّه ------ بحسب الفرض ------ مقیّداً للعموم والإطلاق، العموم یشمله بعمومه، فیخصصّه هذا الخبر، والإطلاق یشمله بإطلاقه، فیقیّده هذا الخبر، وبالتالی نلتزم بمضمون هذا الخبر، یعنی نلتزم بالاستحباب، وهذه ثمره تظهر بین القولین، فقد یقال: بأنّ هناک ثمره بین القولین تظهر فی هذا المورد.

ص: 240


1- دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الشاهرودی، ج 3، ص 302.

وأجاب عن ذلک: (1) بادعاء أنّ مثل هذا الخبر فی هذا المورد الخاص أصّلاً لا تشمله أخبار(من بلغ) حتّی نتکلّم أنّه بناءً علی الاحتمال الثالث فیها نلتزم بالتخصیص وبالتالی بالاستحباب، وأمّا علی الاحتمال الثانی فیها، فیُلتزم بالتزاحم وبالتالی یُلتزم بالتحریم، یقول هذا الخبر أصلاً لیس مشمولاً لأخبار(من بلغ)؛ لأنّه یری أنّ الأخبار منصرفه عن مثله، ومختصّه بمن بلغه الثواب فقط، أمّا من بلغه العقاب مضافاً إلی بلوغ الثواب کما هو فی هذا المورد؛ لأنّ هذا المورد بلغه الثواب بالخبر الضعیف، وبلغه العقاب بالعموم والإطلاق الدال علی حرمته بإطلاقه، أو بعمومه، فیکون المکلّف قد بلغه العقاب أیضاً علی هذا العمل، یقول الأخبار منصرفه عن ذلک، والأخبار لا تشمل إلاّ من بلغه الثواب فقط، أمّا من بلغه الثواب والعقاب، فهذا لا تکون الأخبار شامله له؛ بل منصرفه عنه، وفی (المصباح) (2) ذکر وجهاً یمکن جعله هو الوجه فی دعوی الانصراف، وهو دعوی أنّ الأخبار لا تشمل مقطوع الحرمه، ولو قطعاً تعبّدیاً کما هو المفروض فی محل الکلام؛ لأننّا نفترض أنّ العموم والإطلاق ثابت اعتباراً؛ فحینئذٍ یکون موجباً للقطع بالحرمه، ولو قطعاً ----- کما قلنا ----- تعبّدیاً، والقطع بالحرمه یستلزم القطع بالعقاب واستحقاق العقاب، باعتبار الملازمه بین القطع بالحرمه والقطع باستحقاق العقاب؛ حینئذٍ کیف یمکن الالتزام بترتّب الثواب علی الاتیان به مع القطع باستحقاق العقاب علی الاتیان به، هذا غیر ممکن أصّلاً، ومن هنا، فإنّ أخبار(من بلغ) لا تشمل مقطوع الحرمه؛ لأنّ القطع بحرمته یساوق القطع بترتّب العقاب علی فعله، ومع القطع بالعقاب علی الفعل کیف یمکن الالتزام بترتّب الثواب علی الفعل، ومن هنا تختص أخبار(من بلغ) بخصوص من بلغه الثواب، فلا تشمل محل الکلام؛ لأنّه فی محل الکلام فرضنا بلوغ الثواب وبلوغ العقاب، وأخبار(من بلغ) منصرفه عن ذلک ولا تشمله، فإذن: لا یصح دعوی وجود الثمره بالشکل الذی ثبوته فرع الالتزام بشمول أخبار(من بلغ) لذلک الخبر الضعیف حتّی یُفصَّل علی الاحتمال الثانی وعلی الاحتمال الثالث، بینما أخبار(من بلغ) أساساً هی لا تشمل مثل هذا الخبر؛ حینئذٍ هذه الثمره لا تکون صحیحه.

ص: 241


1- دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الشاهرودی، ج 3، ص 303.
2- مصباح الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للبهسودی، ج 2، ص 320.

هذا الکلام کأنّه غیر مقبول، أمّا علی الاحتمال الثالث، بناءً علی أنّ مفاد أخبار(من بلغ) هو جعل الحجّیه للخبر الضعیف؛ لأنّ الخبر الضعیف بناءً علی هذا الاحتمال یصیر حجّه فی إثبات الاستحباب، وإذا صار حجّه یکون موجباً للقطع بترتّب الثواب علی الفعل، کما أنّ دلیل الحرمه الحجّه یوجب القطع بترتّب العقاب علی الفعل، علی الاحتمال الثالث یکون الخبر الضعیف موجباً للقطع بترتّب الثواب علی الفعل، فیجب أنْ نتعامل معهما علی هذا الأساس، یوجب القطع بترتّب الثواب علی الفعل، ولا یمکن أنْ نقول أنّ الأخبار لا تشمل هذا المورد؛ لأنّ القطع بالحرمه یستلزم ترتّب العقاب علی الفعل؛ إذ لا فرق بین دلیل الحرمه ودلیل الاستحباب بناءً علی الاحتمال الثالث، فأنّ کلاً منهما حجّه، یعنی القطع بترتّب العقاب یقابله القطع بترتّب الثواب، فلا وجه لأنْ نقول بأنّ القطع بالحرمه یوجب القطع بترتّب العقاب، فلا تشمله هذه الأخبار، إبراز هذه النکته وحدها فقط غیر کافیه لإثبات الانصراف؛ لأنّ القطع بترتّب العقاب یقابله القطع بترتّب الثواب علی الاحتمال الثالث؛ بل لعلّ الأمر کذلک علی الاحتمال الثانی أیضاً بناءً علی أنّ مفاد الأخبار هو ثبوت الاستحباب للفعل بالعنوان الثانوی، أی بعنوان(البلوغ)؛ لأنّه بناءً علیه الاستحباب فی الحقیقه لا یثبت للخبر الضعیف کما هو الحال بناءً علی الاحتمال الثالث، الاستحباب لا یثبت للخبر الضعیف علی الاحتمال الثانی؛ لأننّا لم نصل إلی نتیجه أنّ الخبر الضعیف حجّه فی المستحبات، وإنّما الاستحباب یثبت لأخبار(من بلغ) غایه الأمر أنّ الخبر الضعیف یحقق موضوع هذا الاستحباب وشرطه وهو عنوان(البلوغ) یحققه وجداناً، وإنْ کان خبراً ضعیفاً لیس حجّه، لکن یحقق عنوان(البلوغ)، فإذا تحققّ عنوان(البلوغ) حینئذٍ یثبت الاستحباب بأخبار(من بلغ) لا بالخبر الضعیف، بمعنی أنّ الاستحباب یثبت لا بالخبر الضعیف حتّی علی الاحتمال الثانی، وإنّما یثبت بأخبار(من بلغ) والمفروض أنّ أخبار(من بلغ) تامّه سنداً وحجّه ومعتبره، ویکون هذا موجباً للقطع بالاستحباب بعد تحقق موضوعه وجداناً بالخبر الضعیف، والقطع بالاستحباب أیضاً یوجب القطع بترتّب الثواب، فکما أنّ هناک قطعاً بترتّب العقاب علی الفعل، هناک قطع بترتّب الثواب علی الفعل، دلیل الحرمه یوجب القطع بترتّب العقاب علی الفعل، الخبر الضعیف علی الاحتمال الثالث، أخبار من بلغ علی الاحتمال الثانی توجب القطع بترتّب الثواب، فیقع التعارض بینهما. إبراز هذه النکته کنکتهٍ للانصراف لیس واضحاً.

ص: 242

نعم، یمکن إدّعاء الانصراف بنکتهٍ أخری، یعنی انصراف أخبار(من بلغ) عن مورد بلوغ العقاب علی العمل، مضافاً إلی بلوغ الثواب یُدّعی الانصراف بقرینه أخری وهی قوله(علیه السلام):(فعمله التماساً لذلک الثواب) هذا لا یبعد انصرافه إلی حاله بلوغ الثواب فقط، ولعلّ ظاهره أیضاً بلوغ الثواب فقط؛ لأنّ التماس ذلک الثواب تصوّره لیس صحیحاً عندما یکون الشخص بلغه ثواب وبلغه عقاب علی العمل، فعندما یبلغه ثواب علی العمل ویبلغه عقاب علی العمل، خصوصاً فی مورد الکلام الذی بلغه عقاب علی العمل بدلیلٍ معتبر، بینما بلغه الثواب بخبر ضعیف ------ بحسب الفرض ------ ونحن نرید أنْ نتکلّم عن أخبار(من بلغ) أنّها تدل علی حجّیه الخبر الضعیف، أو لا ؟ بالنتیجه هو بلغه ثواب بخبر ضعیف، وبلغه عقاب علی العمل بخبر معتبر بعموم، أو إطلاق، الخبر عندما یقول:(فعمله التماساً لذلک الثواب) منصرف عن هذه الحاله، ظاهر فی بلوغ الثواب فقط، هذا غیر بعید، ولا یبعُد أنْ یقال ذلک، أنّ الخبر منصرف عن حاله بلوغ العقاب مع بلوغ الثواب، فلا یکون شاملاً لذلک، وإنّما هو یختص بحاله بلوغ الثواب، أنّ الشخص الذی یبلغه العقاب علی عمل بخبر معتبر، ویبلغه الثواب علی العمل نفسه بخبر ضعیف عادهً لا یأتی بالعمل التماساً للثواب مع وصول العقاب علیه بدلیل معتبر، الأخبار لیست ناظره إلی هذه الحاله، وإنّما ناظره إلی حاله بلوغ الثواب فقط، جاءه خبر یدلّ علی ثبوت الثواب لشیءٍ، هذا تکون الأخبار شامله له، وأمّا افتراض أنّه بلغه الثواب وبلغه العقاب بخبر المعتبر کما هو المفروض فی هذا المقام، لا یبعُد کما قال انصراف الأخبار عنه، فعلی کل حالٍ یمکن ذکر ثمره، أو بعض الثمرات بین القولین الثانی والثالث غیر ما ذُکر، وتتفرّع هذه الثمره علی ما قلناه من أنّ الاستحباب الثابت بناءً علی الاحتمال الثانی هو استحباب واقعی ثانوی، یعنی ثابت للفعل بعنوانه الثانوی، أی بعنوان(البلوغ) بینما الاستحباب إذا ثبت علی الاحتمال الثالث یکون استحباباً واقعیاً ثابتاً للفعل بعنوانه الأوّلی بناءً علی حجّیه الخبر الضعیف فی باب المستحبات، یترتب علی ذلک هذه الثمره، وهی تظهر فیما إذا دلّ خبر ضعیف علی استحباب شیءٍ ودلّ خبر صحیح علی عدم استحبابه ولیس علی حرمته.

ص: 243

أمّا علی الاحتمال الثانی فلا توجد مشکله، فنأخذ بکلا الخبرین، بمعنی أننّا نلتزم باستحباب الفعل بعنوانه الثانوی، وعدم استحبابه بعنوانه الأوّلی عملاً بالخبر الصحیح الدال علی عدم استحبابه، بأنّه ینفی الاستحباب عنه بعنوانه الأوّلی، وهذا لا ینافی أنْ نلتزم بأنّ نفس هذا الفعل، لکن بعنوانه الثانوی یکون مستحبّاً عملاً بأخبار(من بلغ) بعد أنْ نختار فی تفسیرها وتحدید مفادها الاحتمال الثانی الذی یثبت استحباب الفعل بعنوان(البلوغ)، ولا محذور فی أنْ نلتزم بأنّه مستحب بعنوانه الثانوی، ولیس مستحبّاً بعنوانه الأوّلی، فنأخذ بکلا الدلیلین، یعنی بالخبر الصحیح النافی للاستحباب، وبأخبار(من بلغ) الداله علی الاستحباب بالعنوان الثانوی.

وأمّا علی الاحتمال الثالث، یعنی بناءً علی حجّیه الخبر الضعیف فی باب المستحبات؛ حینئذٍ یقع التعارض بین الخبرین؛ لأنّه علی الاحتمال الثالث الخبر الضعیف یکون حجّه فی باب الاستحباب، فیعارض الخبر الصحیح النافی للاستحباب، فیقع التعارض بینهما.

هذه ثمره بین القولین علی الاحتمال الثانی نأخذ بکلا الدلیلین، ونلتزم بالاستحباب بالعنوان الثانوی، بینما علی الاحتمال الثالث یقع التعارض بین الخبرین، فالثمره بین القولین الثانی والثالث تظهر فی هذا المورد وفی غیره من الموارد لا داعی للتعرّض لها.

نأتی إلی البحث الإثباتی، إنّ هذه الاحتمالات المتعددّه فی أخبار(من بلغ) ما هو الاحتمال الأقرب منها علی ضوء ما یُفهم من الأدلّه ؟ نتعرّض أولاً للاحتمال الثالث وهو أنّ مفاد الأخبار هو عدم اعتبار شرائط الحجّیه فی الخبر فی باب المستحبات، أو بعباره أخری: جعل الحجّیه للخبر الضعیف فی باب المستحبات.

هذا الاحتمال الثالث استُشکل فی إفادته من أخبار(من بلغ) بهذا الإشکال المعروف، وهو أنّ دلیل الحجّیه لابدّ أنْ یکون ناظراً إلی الواقع، ومثبتاً للواقع بإلغاء احتمال الخلاف، بینما هذه الأخبار کما نفهمها صریحه فی إثبات ترتّب الثواب مع عدم التعرّض لإلغاء احتمال الخلاف؛ بل ------ وهو المهم ------ التعرّض لتقریر هذا الاحتمال بقوله:(وإنْ لم یکن کما بلغه) کما فی بعض الروایات، أو(وإنْ کان رسول الله لم یقله) هذا التصریح بأنّ هذا حجّه وطریق لإدراک الواقع، وإنْ لم یکن مطابقاً للواقع لا یناسب لسان الحجّیه، فلسان الحجّیه لسان إلغاء احتمال الخلاف، لسان أنّ هذا یحرز الواقع، هذا لا یناسبه أنْ یُصرّح بأنّ هذا حجّه وإنْ لم یحرز الواقع، هذا التصریح بأنّه وإنْ لم یکن مطابقاً للواقع یُعبر عنه فی الروایات(وإنْ لم یکن کما بلغه)، أو(وإنْ لم یکن کما قاله رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلّم) حسب اختلاف التعبیرات، هذا لا یناسب الحجّیه، فلسان الحجّیه أنّ هذا یحرز الواقع وموصل إلی الواقع، إلغِ احتمال الخلاف، ولا تعتنی باحتمال الخلاف، وتتمیم الکشف، وأمثال هذه التعبیرات، وکلّها ترجع إلی جعل هذا طریقاً موصلاً إلی الواقع، فما معنی أنْ یقول: أبنِ علی أنّ هذا طریق إلی الواقع، محرز للواقع، والغ احتمال الخلاف وإنْ کان غیر مطابقاً للواقع، هذا لا یناسب لسان الحجّیه، فاللّسان الموجود فی هذه الأخبار لا یناسب لسان الحجّیه. ومن هنا یکون هذا الاحتمال الثالث مستبعداً علی هذا الأساس. هذا الإشکال منقول عن المحقق النائینی(قدّس سرّه)، نقله عنه تلامذته. (1)

ص: 244


1- (4) أجود التقریرات، تقریر بحث النائینی للسید الخوئی، ج 2، ص 208. .

أجیب عن هذا الکلام: کما هو موجود فی کلامٍ للشیخ حسین الحلّی(قدّس سرّه) تعلیقاً علی کلام استاذه بعد أنْ نقله بهذا المضمون علّق علیه، ذکر ما حاصله: أنّ إبداء احتمال المخالفه وإنْ کان لا یناسب جعل الحجّیه کما ذکر؛ لأنّ المناسب له هو صرف نظر المکلّف عن احتمال المخالفه وتحویل نظره إلی البناء علی المطابقه لا جعل احتمال المخالفه نصب عینیه، وکأنّ الروایات تجعل احتمال المخالفه نصب عینیه عندما تقول(وإنْ لم یکن کما قاله)، أو (وإن کان لیس کما بلغک) یقول هذا لا یناسب جعل الحجّیه، إلاّ أنّه مع ذلک لعلّ المقام مقام إبداء ذلک الاحتمال، فیمکن أنْ نفترض أنّ المقام یستدعی إبداء ذلک الاحتمال وسدّه تعبّداً بأنْ یقال له هذا الخبر حجّه کاشف عن الواقع، فیلزمک البناء علی المطابقه للواقع وإنْ کنت وجداناً تحتمل المخالفه للواقع، حتّی إذا کنت تحتمل المخالفه للواقع أبنِ علی أنّ هذا مطابق للواقع، الذی هو معنی الحجّیه، وذکر بأنّ هذا یصح إذا فرض تشکیکه فی ذلک، ولو من جهه ظاهر حاله، أنّ المخاطَب فُرض فیه أنّه یشکّک فی جعل الحجّیه حتّی مع احتمال المخالفه للواقع، یُشککّ فی جعل الحجّیه، فیقال له هذا الکلام، فیُبرَز له هذا الاحتمال ویُحکم بإلغائه وأنّه لا قیمه له، أنّ هذا أجعله حجّه وطریقاً موصلاً إلی الواقع حتّی إنْ کنت تشکّ فی مطابقته للواقع، إبداء هذا الاحتمال وإبرازه قد یکون لغرض، صحیح طبیعه جعل الحجّیه یقتضی أنْ لا یُبرَز هذا الاحتمال وأنْ یُجعَل نصب عینیه کما قال، هذا هو المناسب لجعل الحجّیه، لکن لا مانع من فرض أنّه فی حاله معیّنه قد یستدعی المقام إبراز هذا الاحتمال من قبل نفس جاعل الحجّیه، فیبرز هذا الاحتمال له حتّی یسدّه، حتّی یحکم بإلغائه، فیقول له وإنْ کنت تحتمل المخالفه للواقع وعدم المطابقه للواقع، أنا أقول لک أجعله طریقاً للواقع، فیکون مناسباً لجعل الحجّیه، بناءً علی هذا لا یکون هذا اللّسان لساناً منافیاً لجعل الحجّیه.

ص: 245

هذا الکلام ----- فرضاً ----- ممکن، لکن المشکله أنّ أخبار(من بلغ) عندما جعلت الحجّیه لا تنظر إلی خصوص هذا، وإنّما جعلت الحجّیه مطلقاً، جعلت الحجّیه لکل شخصٍ لا خصوص هذا الذی یفترض کونه یشککّ فی جعل الحجّیه مع المخالفه، لیس فقط لهذا، وإنّما جُعلت الحجّیه بهذا اللّسان بإبراز احتمال المخالفه للواقع مطلقاً، ولکل أحد، هذا یقال أنّه لا یناسب جعل الحجّیه، خصوصاً وأنْ الأخبار تقول(وإنْ لم یکن کما قاله)، ولیس أنّها تقول(وإن کنت تحتمل أنّها مخالفه) کما هو ذکر، وإنّما تقول(وإنْ لم یکن کما قاله رسول الله)، أو(وإنْ لم یکن کما بلغک) یعنی إبداء احتمال المخالفه الواقعیه لا أنّ المکلّف، وإن کنت تحتمل المخالفه للواقع وعدم المطابقه له، وإنّما اللّسان واضح فی أنّ جعل الحجّیه بمعنی الطریقیه، بمعنی الکشف عن الواقع، بمعنی أصاله الواقع وإلغاء احتمال الخلاف، وإنْ لم یکن مطابقاً للواقع، هذا مفاد الأخبار، التصریح بهذا لیس مناسباً لجعل الحجّیه، وإنّما المناسب لجعل الحجّیه أنْ یجعلها طریقاً، ولا یصرّح بأنّه حجّه حتّی إذا کان مخالفاً للواقع، هو فی الواقع هکذا، هو حجّه حتّی إذا کان مخالفاً للواقع، لکن الکلام لیس فی هذا، وإنّما الکلام فی تصریح الجاعل نفسه، کما ذکر هو(قدّس سرّه) بأنّ المناسب لیس أنْ یبرز هذا الاحتمال ویجعله أمام عینیه، المناسب أنْ یجعل هذا طریقاً إلی الواقع ویسکت، ویلغی احتمال الخلاف أمّا أنْ یقول أبنِ علی أنّ هذا مطابق للواقع، وإنْ کان مخالفاً فی الواقع، فهذا لا یناسب لسان جعل الحجّیه.

نعم، أصل الإشکال مبنی علی مسلک جعل الطریقیه فی تفسیر الحجّیه، بمعنی أنه بناءً علی جعل الطریقیه وتتمیم الکشف، وإلغاء احتمال الخلاف یأتی هذا الکلام، أنّ هذا اللّسان الموجود فی الأخبار لا یناسب جعل الحجّیه؛ لأنّ جعل الحجّیه یعنی تتمیم الکشف، یعنی جعله طریقاً إلی الواقع، فلا معنی لأنْ یقول له هذا طریق إلی الواقع، وإنْ لم یطابق الواقع.

ص: 246

وأمّا إذا فسّرنا الحجّیه بمسالک أخری من قبیل جعل الحکم المماثل، أو من قبیل المنجّزیه والمعذریه؛ فحینئذٍ لا یرد هذا الکلام، فلسان الأخبار لیس منافیاً للسان جعل الحجّیه بهذا المعنی، بمعنی جعل الحکم المماثل، لا علاقه له بالواقع، یجعل حکماً مماثلاً لمؤدّی الإماره، أو أنّ مؤدّی الإماره منجّز علیه، أو معذّر له، هذا لا یرد علیه الإشکال؛ لأنّ أصل الإشکال مبنی علی الطریقیه وتتمیم الکشف وأمثال هذه الأمور، لکن بالرغم من هذا ----- أنّ هذا مبنی علی مسلک جعل الطریقیه، وأننّا إذا فسّرنا الحجّیه بتفسیر آخر، فهذا الإشکال لا یرد ----- مع ذلک یمکن أنْ یقررّ الإشکال بتقریر آخر خالٍ من هذا، یأتی بیانه إنْ شاء الله تعالی ، یعنی یجری علی کل المسالک فی تفسیر الحجّیه.

درس الأصول العملیّه/ البراءه/ تنبیهات البراءه/ قاعده التسامح فی أدلّه السنن بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّه/ البراءه/ تنبیهات البراءه/ قاعده التسامح فی أدلّه السنن

کان الکلام فی الاحتمال الثالث فی تفسیر أخبار(من بلغ) ویبدو أنّه تامّ،ولکنّه مبنی علی مسلک الطریقیه، مبنی علی مسلک تفسیر الحجّیه بإلغاء احتمال الخلاف والطریقیه؛ حینئذٍ الحجیه لا یناسبها هذا اللّسان الموجود فی هذه الأخبار، لسان إبداء احتمال المخالفه للواقع، ومن هنا لا یمکن أنْ نفسّر الأخبار بأنّ المقصود بها هو حجّیه الخبر الضعیف فی باب المستحبات. أمّا إذا اخترنا مسلکاً آخراً فی الحجّیه، لا ینافیه هذا اللّسان، هذا اللّسان لا یکون منافیاً لتفسیر الحجّیه بالمنجّزیه والمعذّریه، أو تفسیرها بجعل الحکم المماثل وأمثاله.

لکن قد یقال: یمکن الخدشه فی هذا الاحتمال باعتبار أنّه ینافی ظاهر بعض الأخبار وهی الأخبار التی تقیّد العمل بما إذا جاء به رجاء ذلک الثواب، أو رجاء أنْ یکون کما قاله الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، برجاء أنْ یکون مطابقاً للواقع. لا یبعد أنّ هذه قرینه علی عدم حدوث هذا الاحتمال؛ لأنّ هذا الاحتمال لا ینسجم مع الإتیان بالعمل رجاءً، والتماس ذلک الثواب، هذا موجود فی بعض أخبار الباب، هذا إنّما یکون عندما لا یکون الشیء ثابتاً، وإنّما هو احتمال صرف، مجرّد احتمال؛ فحینئذٍ یقال: یؤتی به برجاء ذلک الشیء الغیر الثابت، هو قال: من جاء بالعمل اعتماداً علی الخبر الضعیف برجاء أنْ یکون الثواب ثابتاً یکون له ذلک الثواب؛ لأنّ الخبر الضعیف حجّه، واستفیدت حجّیته من هذه الأخبار، هذا لا یناسب إلاّ ما إذا کان الشیء غیر ثابت، لا ثبوتاً وجدانیاً، ولا ثبوتاً تعبّدیاً، وإنّما هو احتمال صرف، الإتیان بالعمل رجاءً یناسب ذلک، أمّا إذا فرضنا أنّ الشیء کان ثابتاً وجداناً، أو کان الشیء ثابتاً ثبوتاً تعبّدیاً. أمّا إذا فرضنا الحجّیه، وأنّ مفاد الأخبار هو جعل الحجّیه للخبر الضعیف الدال علی الاستحباب، تقیید العمل وترتّب الثواب علیه بما إذا جاء به رجاء ذلک الثواب، هذا لا یناسب جعل الحجّیه؛ لأنّه إذا قامت الحجّه علی الثواب وعلی الاستحباب، فلا معنی لأنّ یأتی به برجاء ذلک الثواب، کیف ؟ والثواب ثابت ------ بحسب الفرض ------ الثواب والاستحباب ثابت بالحجّه والدلیل المعتبر، فیأتی به لاستحبابه ولیس برجاء الاستحباب والثواب، هذا لا یناسب الحجّیه، وإنّما یقال: المناسب ف