آرشیو دروس خارج اصول آیت الله سید علیرضا حائری33-32

اشاره

سرشناسه:حائری، علیرضا

عنوان و نام پدیدآور:آرشیو دروس خارج اصول آیت الله سید علیرضا حائری33-32/علیرضا حائری.

به همراه صوت دروس

منبع الکترونیکی : سایت مدرسه فقاهت

مشخصات نشر دیجیتالی:اصفهان:مرکز تحقیقات رایانه ای قائمیه اصفهان، 1396.

مشخصات ظاهری:نرم افزار تلفن همراه و رایانه

موضوع: خارج اصول

العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

کُنَّا نبحث فِی السنه الدراسیه الماضیه دلالهَ العامّ، وذکرنا أن فِی هذا البحث توجد جهات ثلاث:

الجهه الأولی: فِی تعریف العموم.

الجهه الثَّانیه: فِی أقسام العموم.

الجهه الثَّالثه: فِی ألفاظ العموم وأدواته.

فتکلمنا سابقاً فِی الجهتین الأولی والثانیه، ووصلنا إلی الجهه الثَّالثه فِی ألفاظ العموم وأدوات العموم، وَقُلْنَا: إِنَّ هذه الألفاظ والأدوات عدیده، ذکرنا الأولی منها وهی عباره عن لفظه «کُلٍّ»، وبحثنا عنها مفصَّلاً وانتهینا منها، ووصلنا إلی اللفظه الثَّانیه من ألفاظ العموم وأدوات العموم وهی عباره عن الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ، أو قل بعباره أخری: «اللاَّم» الداخله عَلَیٰ الجمع. وَقُلْنَا: یمکن ثبوتاً وَعَقْلاً تصویر دلاله هذه «اللاَّم» الداخله عَلَیٰ الجمع، علی العموم والاستیعاب، وصورنا هذه الدِّلاَلَه بهذا النَّحْو وبهذا الشِّکْل، وهو أَنْ تَکُونَ «اللاَّم» دالَّه عَلَیٰ استیعاب معنی الهیئه لمعنی الْمَادَّه؛ فإِنَّهُ توجد ثلاثه أمور فی الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ من قبیل العلماء: 1- «اللاَّم». 2- هیئه الجمع (= هیئه العلماء). 3- هیئه الْمَادَّه (هیئه «عالم»). معنی الْمَادَّه واضح، فهو یَدُلّ عَلَیٰ طبیعه العالم. وهیئه الجمع (العلماء) تَدُلّ عَلَیٰ عددٍ من أفراد الْمَادَّه لا یقلّ عن ثلاثه. وَاللاَّم إذا دخلت عَلَیٰ الکلمه وأصبحت الکلمه عباره عن العلماء، فهذه «اللاَّم» یمکن ثبوتاً وَعَقْلاً تصویر هذه الدِّلاَلَه بأَنَّ بالإمکان أَنْ تَکُونَ «اللاَّم» تَدُلّ عَلَیٰ استیعاب معنی الهیئه لمعنی الْمَادَّه. أی: هذا العدد الَّذی لا یقل عن ثلاثهٍ مستوعبٌ لکل أفراد العالم الموجودین فِی الخارج. فمثلاً إذا کان عدد العلماء 100 عالم، فکلمه «العلماء» (أی: الهیئه) تَدُلّ عَلَیٰ أن معنی الهیئه (أی: العدد الَّذی لا یقل عن ثلاثه) مستوعب لکل أفراد العالم، أی: لکل المائه. هذا کُلّه بحثنا.

ص: 1

ثم انتقلنا إلی مقام الإثبات لنری ما هو الصَّحِیح؟ هل أن الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ حقیقهً یَدُلّ عَلَیٰ العموم؟ قلنا إن الْمَشْهُور والمعروف هو ذلک، و نحن نقبل ذلک. کما أن ذلک هو ظاهر لغه العرب. إلاَّ إن جاءت قرینه ودلّت عَلَیٰ خلاف ذلک. لکن کیف نثبت ذلک؟

قلنا: یوجد مسلکان فِی دلاله الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ عَلَیٰ العموم، مسلک یقول بأن هذه الدِّلاَلَه وضعیَّه، أی: «اللاَّم» الداخله عَلَیٰ الجمع وضعت فِی اللغه للعموم والاستیعاب.

مسلک آخر: «اللاَّم» لم توضع للعموم مباشره، بل «اللاَّم» مطلقاً (سواء الداخله عَلَیٰ الجمع أم الداخله عَلَیٰ المفرد) وضعت لتَعَیُّنِ مدخولها، أی: وضعت للدلاله عَلَیٰ أن مدخولها متعین ومتشخص. غَایَه الأَمْرِ أَنَّ تعین کل شیء بحسبه، إذا دخلت «اللاَّم» عَلَیٰ المفرد کان التّعیّن هناک بنحو، وإذا دخلت «اللاَّم» عَلَیٰ الجمع أیضاً تَدُلّ «اللاَّم» عَلَیٰ التّعیّن، تَدُلّ عَلَیٰ أن هذا الجمع المدخول للام متعین، وتعین الجمع لا یکون إلاَّ بالعموم. (فنحن نتصور تعین الجمع بما هو جمع بأن نقول أَنَّهُ أراد کل المائه، فلو أراد التسعین من المائه فهذا التسعین غیر متشخص، فهناک تسعینات عدیده داخل المائه). هذا مسلک ثان فِی باب إفاده الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ للعموم. شرحنا هذین المسلکین فِی السَّابِقَ وبیّنّا الفوارق بینهما، وقد أعدناه للتذکیر.

والآن علینا أن ندرس هذین المسلکین، فلنستعرض أوَّلاً المناقشات والاعتراضات الَّتی وجهت أو یمکن أن توجّه إلی هذین المسلکین أو إلی أحدهما فِی قِبَال الآخر.

وثانیاً بعد ذلک نستعرض سائر الوجوه الَّتی ذکرت أو الَّتی یمکن أن تذکر لدلاله الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ عَلَیٰ العموم.

أَمَّا المناقشات فنقتصر عَلَیٰ ثلاث مناقشات: مناقشه حول المسلک الأوّل ومناقشه حول المسلک الثَّانِی، ومناقشه ثانیه حول کلا المسلکین معاً.

ص: 2

أَمَّا المناقشه الأولی حول المسلک الأوّل الَّذی یقول بأن «اللاَّم» الداخله عَلَیٰ الجمع وضعت للعموم لغهً، وهی ما یذکرها السید الأستاذ الخوئی رحمه الله حیث یقول: إن هذا الکلام غیر صحیح ولا یمکننا أن نقبل أن «اللاَّم» الداخله عَلَیٰ الجمع وضعت للعموم؛ وذلک لأَنَّهُ لو کان الأمر کذلک للزم أن یکون استعمال الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ فِی موارد العهد استعمالاً مَجَازِیّاً. فإن الْمُتِکَلِّم قد یستعمل الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ ولا یرید منه العموم والاستیعاب، بل یرید جماعهً معهوده. مثلاً الأب یتحدث مع ابنه حول علماء الفقه وبعد قلیل یقول له: «أکرم العلماء»، ویکون مقصوده علماء الفقه؛ فإن استعمال الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ فِی موارد العهد وإراده جماعه معهوده مُعَیَّنَه مجازیهٌ بناءًا عَلَیٰ المسلک الأوَّل؛ لأَنَّ «اللاَّم» استعملت هنا فِی غیر معناها الحقیقی (فِی غیر العموم) بینما هذا باطل بالوجدان والضروره؛ فإن الوجدان یقضی ویحکم بأن هذا الاستعمال حقیقی، فلا یحس العربی بأی نوع من التَّجوُّز فِی مثل هذا الاستعمال.

إذن فهذا شاهد عَلَیٰ بطلان هذا المسلک الأوّل وهذا بخلاف المسلک الثَّانِی، فلو قلنا بالمسلک الثَّانِی لا یرد هذا الإشکال. أی: لو قلنا بأن «اللاَّم» وضعت لتعین مدخولها، فإن التّعیّن (=المعنی الحقیقی للام) محفوظ فِی مثل هذا المثال، فِی مثل موارد العهد. بناء عَلَیٰ المسلک الثَّانِی، سواء استعمل الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ فِی العموم أو استعمل فِی العهد فإن کلاهما استعمال حقیقی؛ لأَنَّ التّعیّن موجود. فلا یلزم المجاز ولا یلزم هذا الإشکال، بینما عَلَیٰ المسلک الأوّل یلزم هذا الإشکال. هذا ما أفاده السید الخوئی رحمه الله((1) ).

أقول: یمکن لقائل أن یدفع هذا الإشکال عن المسلک الأوّل ویقول بأن هذا الإشکال إِنَّمَا یرد عَلَیٰ المسلک الأوّل لو کان صاحب المسلک الأوّل یقول بأن «اللاَّم» الداخله عَلَیٰ الجمع وضعت بوضع واحد للعموم (أی: لها معنی واحد وقد وضعت له وهذا المعنی الواحد هو العموم)، لَوَرَد إِشْکَال السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله، وهو أَنَّهُ إذن یلزم المجاز لو استعملت «اللاَّم» الداخله عَلَیٰ الجمع فِی غیر العموم، استعملت فِی العهد، یلزم المجاز. لکن من المستبعد أن یکون أصحاب المسلک الأوّل یقولون بهذا الکلام. هم یعترفون بأن «اللاَّم» وضعت مطلقاً لتعین مدخولها، غایه الأمر: خصوص «اللاَّم» الداخله عَلَیٰ الجمع لها وضع ومعنی (حقیقی مَوْضُوع له) آخر. فهناک وضعان للام: أحدهما تعیّن المدخول والآخر العموم. أی: معنیان حقیقیان. أی: مشترک لَفْظِیّ. مثل کلمه «عین». فإذا استعملت «اللاَّم» فِی العهد کان الاستعمال حقیقیّاً؛ لأَنَّهَا استعملت فِی تعیّن مدخولها، وإذا استعملت «اللاَّم» فِی العموم، أیضاً کان الاستعمال حقیقیّاً؛ لأَنَّ العموم معنیً آخر أیضاً حقیقی. وقد سبق أن ذکرنا هذا المطلب فِی العامّ الماضی فِی الفارق الأوّل عندما کُنَّا نبحث الفوارق بین المسلکین. فلا یلزم الإشکال.

ص: 3


1- (1) - أجود التقریرات: ج1، 445.

وأمّا ما ذکره السید الهاشمی حفظه اللٰه فِی المقام فِی هامش تقریراته لبحث سَیِّدنَا الأُسْتَاذ الشَّهِید رحمه الله قائلاً: «إِنَّ الإنصاف هو أنَّ المصیر إلی الاشتراک اللَّفظیّ فِی مدلول اللام بینَ مَعْنَیَیْنِ لا رابط بینهما خلاف الوجدان جِدّاً». أی: الالتزام بالاشتراک اللَّفظیّ، أی: لو ادعی صاحب المسلک الأوّل الاشتراکَ اللَّفظیّ فحینئذٍ لا یرد علیه إِشْکَال السید الخوئی رحمه الله، یقول الهاشمی: الاشتراک اللَّفظیّ هنا خلاف الوجدان؛ لأَنَّه لا رابط بین هذین المعنیین، بأن نقول: «اللاَّم» وضعت بوضعین لمعنیین لا رابط بینهما، بنحو الاشتراک اللَّفظیّ، هذا خلاف الوجدان.

هذا الکلام غریب، لأَنَّهُ أوَّلاً متی کان مِنَ الشَّرْطِ فِی الاشتراک اللَّفظیّ وجود رابط بین معنییه أو بین معانیه؟! فإن کلمه «عین» مشترکه لفظیه ولا رابط بین معانیها، أو کلمه «المولی» مشترکه بین السید والعبد، والسید ضدّ العبد والعبد ضدّ السید ولا رابط بینهما أبداً.

وثانیاً: عَلَیٰ تقدیر التَّسْلِیم بِالشَّرْطِ (بأن نفرض أَنَّهُ یشترط فِی المشترک اللَّفظیّ وجود رابط بین معنییه) فإن هذا الشَّرْط متوفر فِی المقام؛ حیث أن صاحب المسلک الأول إذا ادعی أن «اللاَّم» الداخله عَلَیٰ الجمع لها معنیان وضعیان، أحدهما تعیّن المدخول والآخر العموم، فیوجد بینهما ترابط؛ لأَنَّ تعین المدخول فِی الجمع ملازم للعموم. فإن التّعیّن فِی الجمع ملازم للعموم((1) ).

المناقشه الثَّانیه هی المناقشه عَلَیٰ المسلک الثانی وهی مناقشه الآخوند حیث یقول الخُراسانیّ: إن کون «اللاَّم» موضوعه لتعیّن مدخولها لا یُنتج العموم، وتعیّن الجمع لا ینحصر بالعموم؛ لأَنَّ الجمع کما یکون تعیّنه بالعموم (أی: بإراده کل المائه والمرتبه العلیا والأخیره) کذلک یمکن تعیّن الجمع بإراده المرتبه الدنیا (وأقل الجمع وهی الثَّلاثه).

ص: 4


1- (2) - بحوث فِی علم الأصول: ج3، 245.

إذن، المسلک الثَّانِی لا یوصل صاحبه إلی العموم، وإنَّما نستفید العموم لو قلنا بالمسلک الأول، أی: لو قلنا بأن مجموع «اللاَّم» والجمع (أی: «اللاَّم» الداخله عَلَیٰ الجمع) وُضع للعموم.

إِشْکَال السید الأستاذ الخوئی رحمه الله عَلَیٰ کلام الآخوند: إِنَّ المسلک الثَّانِی الَّذی یقول بأن «اللاَّم» الداخله عَلَیٰ الجمع تفید تعیّن الجمع وتعیّن الجمع لا یکون إلاَّ بالمرتبه الأخیره المساوقه للعموم، یقصد بالتعیّنِ التعینَ فِی الصدق الخارجیّ. أی: أَنْ یَکُونَ مدخول «اللاَّم» مصداقه خارجاً مُعَیَّناً ومشخصاً. أی: یقصد بالتعیّن التّعیّن فِی الصدق والانطباق الخارجیّ، لا یقصد التّعیّن الْمَاهُوِیّ. نعم لو کان یقصد التّعیّن الْمَاهُوِیّ، فهذا التّعیّن الْمَاهُوِیّ کما هو موجود فِی المرتبه العلیا (المائه) کذلک موجود فِی المرتبه الدنیا (الثَّلاثه، فإن عدد الثَّلاثه مُعَیَّن ماهیهً، وموقعه مشخص، حیث یقع بعد الاثنین وقبل الأربعه)؛ فإِنَّهُ لا تردید فِی ماهیَّه أقل الجمع. فلو أراد القائل من قوله: «أکرم العلماء» کل العلماء الموجودین وهم مائه مثلاً، فإن المائه لَیْسَ لها إلاَّ مصداق واحد ولا تردید فیه؛ لأَنَّهُ لا توجد عندنا عدّه مئات. وهذا بخلاف ما إذا أراد من قوله «أکرم العلماء» التسعین، حَیْث أَنَّه تتصور هناک تسعینات عدیده، فالتسعین غیر مشخص. فیقول صاحب المسلک الثَّانِی: إن «اللاَّم» وضعت لتعین مدخولها تعینا من حیث المصداق الخارجیّ، ولا یکون هذا التّعیّن إلاَّ إذا أراد العموم وهو المائه. أَمَّا لو أراد أقل الجمع وهو الثَّلاثه، فتوجد تعین ماهوی فِی الثَّلاثه، ولکن لا یوجد فیها التّعیّن فِی الصدق الخارجیّ؛ إذ تتصور داخل المائه ثلاثات کثیره. فهذا الإشکال من الآخوند عَلَیٰ صاحب المسلک الثانی غیر وارد. هذا کلام السید الخوئی((1) ).

جواب السید الصدر: وقد أفاد السید الأستاذ الشهید أن بالإمکان أن ننتصر للخراسانی وندفع إِشْکَال السید الخوئی، وذلک بأن نقول: «اللاَّم» مطلقاً (سواء الداخله عَلَیٰ الجمع أو الداخله عَلَیٰ المفرد) وُضعت لتعیّن مدخولها، لکن لا یراد من التّعیّنِ التعینُ فِی الصدق الخارجیّ کما قال السید الخوئی، بل المراد منه تعیّن الجنس. والفرق بین تعین الجنس والتعین الخارجیّ هو أن تعین الجنس یکون فیما إذا کان مدخول «اللاَّم» مُفْرداً (فَیَکُونُ تعینه الجنسی بذات طبیعه العالم؛ فإن کل واحده من الطَّبَائِع لها تعین من حیث الطَّبِیعَه). أَمَّا إذا کان مدخول «اللاَّم» جمعاً، فَسَوْفَ یکون التّعیّن الجنسی عباره عن هذا الَّذی نقوله بین قوسین: (جماعه من أفراد الطَّبِیعَه لا تقل عن ثلاثه)، فهذا تعین ولا یوجد غموض وتردید وشک فِی معنی هذه العباره. وهذا مطلب عُرْفِیّ یبنی علیه العرف، فِی باب الجمع وفی باب التَّثْنِیَه. مثلاً یقول القائل العرفی: «العلماء خیر من العالم الواحد». فإن «اللاَّم» فِی هذا القول أفادت التعیّنَ، فهذا التّعیّن لَیْسَ تعیناً خارجیّاً فِی قول هذا القائل. أی: یرید أن یقول: «إن جنس الکثیر أحسن من جنس القلیل». فالتعین محفوظ، مع أَنَّهُ لا یوجد من حیث المصداق الخارجیّ تعینٌ؛ لأَنَّ الکلام لَیْسَ عن المصداق الخارجیّ أبداً. فیُؤتی باللام من أجل إفاده الحدّ الجنسی لماهیه الکثیر، من أجل بیان المقابله بین ماهیَّه الکثیر وماهیه القلیل.

ص: 5


1- (3) - أجود التقریرات: ج1، 445.

إذن، فاللام موضوعه لجامع التّعیّن، غایه الأمر هذا التّعیّن کما قد یکون خارجیاً من حیث المصداق الخارجیّ (کما فِی موارد العهد، لو قال «أکرم العلماء» وکان یقصد مجموعه مُعَیَّنَه من العلماء، فَیَکُونُ التّعیّن موجوداً ویکون خارجیاً) کذلک قد یکون ذِهْنِیّاً وَقَدْ یَکُونُ تعیّناً ماهویاً (تعینا للجنس).

إذن، بناء عَلَیٰ المسلک الثَّانِی القائل بأن «اللاَّم» الداخله عَلَیٰ الجمع تفید تعینَّ مدخولها، یأتی إِشْکَال الخُراسانیّ بأَنَّهُ لا وجه لاستفاده العموم؛ لأَنَّ التّعیّن الجنسی الموجود هنا الَّذی وضعت له «اللاَّم»، کما هو ثابت فِی المرتبه العلیا والأخیره (وهو المائه مثلاً)، کذلک هو ثابت فِی المرتبه الدنیا کما فِی الثَّلاثه، فیأتی إِشْکَال الآخوند.

إذن، بقی الإشکال عَلَیٰ المسلک الثَّانِی وارداً، ولا یدفعه انتصار السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله. للبحث تتمه تأتی إن شاء اللٰه تعالی.

العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

المناقشه الثَّالثه: وهی المناقشه حول أصل دلاله الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ عَلَیٰ العموم والاستیعاب، سواء عَلَیٰ المسلک الأوّل القائل بالوضع للعموم، أم عَلَیٰ المسلک الثَّانِی القائل بالوضع للتعیّن الملازم للعموم. والمناقشه هی أَنَّهُ لا شکّ فِی صحَّه دخول أدوات العموم الاسمیّه (من قبیل «کُلٍّ» و«جمیع» وأمثالهما) عَلَیٰ الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ (مثلاً یصحّ أن تدخل کلمه «کُلٍّ» عَلَیٰ کلمه «العلماء» ویقال: «أکرم کل العلماء»، وهذا استعمال صحیح بلا إِشْکَال، وکذلک کلمه «الجمیع» یصحّ أن تدخل عَلَیٰ الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ، وأمثال ذلک). وهذا شاهد ودلیل عَلَیٰ أن الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ هو فِی نفسه لا یفید العموم والاستیعاب، وإنَّما کلمه «کُلٍّ» أو کلمه «جمیع» أو نحوهما إذا دخلت عَلَیٰ هذا الجمع تفید العموم، وإلا فلو کان الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ بنفسه دالاًّ عَلَیٰ العموم والاستیعاب والاستغراق، للزم فِی موارد دخول کلمه «کُلٍّ» أو کلمه «جمیع» عَلَیٰ هذا الجمع، أحد محذورین:

ص: 6

إما مَحْذُور التَّکرار (وهو مَحْذُور إِثْبَاتِیّ خلاف الوجدان)؛ لأَنَّ کلمه «کُلٍّ» تَدُلّ عَلَیٰ العموم والجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ یَدُلّ عَلَیٰ العموم أیضاً. بینما من الواضح وجداناً أن ابن اللُّغَه لا یحس بالتکرار عندما یقال له: «أکرم کل العلماء».

وإما مَحْذُور ثُبُوتِیّ، وهو أن المماثل یقبل مماثله، بینما من المستحیل عقلاً قبول المماثل لمماثله. أو قل بعباره أخری: یستحیل اجتماع المثلین. فلا یجتمع الاستیعابان فِی شیء واحد. فلو کانت کلمه «العلماء» هی تفید العموم والاستیعاب، إذن ماذا تصنع کلمه «کُلٍّ» عندما تدخل عَلَیٰ کلمه «العلماء»؟ هل تفید الاستیعاب أیضاً؟ استیعابُ هذا المستوعِب؟! لا؛ لأَنَّ المستوعِب لا یُستوعَب (مثلاً: المُتِنَجّس بالنجاسه البولیه لا یتنجس مرّهً ثانیه بالنجاسه البولیه، ولا یجنب الجنب مرّهً ثانیه). فلو کانت کلمه «العلماء» تَدُلّ عَلَیٰ العموم، فیلزم فِی موارد دخول کلمه «کُلٍّ» عَلَیٰ العلماء، هذا المحذور الثُّبوتیّ، بینما من الواضح أیضاً أَنَّهُ لا یوجد مَحْذُور فِی هذا الاستعمال، عندما یقال: «أکرم کل العلماء».

إذن، هذا شاهد ودلیل عَلَیٰ أن الجمع نفسه لا یَدُلّ عَلَیٰ العموم، وإنَّما کلمه «کُلٍّ» هی الدَّالَّه عَلَیٰ العموم والاستیعاب، إذن فلا تَکرار ولا قبول المماثل لمماثله. هذا هو الإشکال الوارد عَلَیٰ أصل المطلب، بمعزل عن المسک الأوّل أو الثَّانِی.

جواب المناقشه: إلاَّ أن بالإمکان الإجابه عن هذا الإشکال بأن الاستیعاب الَّذی نفهمه من کلمه «کُلٍّ» غیر الاستیعاب الَّذی نفهمه من الجمع، حیث أن الاستیعاب الَّذی تَدُلّ علیه کلمه «کُلٍّ» (عندما تدخل هذه الکلمه عَلَیٰ «العلماء») إِنَّمَا هو استیعاب أجزائی، بینما الاستیعاب الَّذی یَدُلّ علیه لفظ «العلماء» (الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ نفسه) هو الاستیعاب الأَفْرَادِیّ. فأحد الاِسْتِیعَابَیْنِ غیر الآخر، فلا تَکرار ولا قبولَ المماثل للمماثله.

ص: 7

توضیح ذلک: قد تقدّم فِی العامّ الماضی عند دراستنا لکلمه «کُلٍّ» أن هذه الکلمه إذا دخلت عَلَیٰ النَّکِرَه أفادت الاستیعاب الأَفْرَادِیّ، وإذا دخلت عَلَیٰ المعرفه أفادت الاستیعاب الأَجْزَائِیّ. مثلاً عندما یقال: «اقرأ کل کتاب» یکون الاستیعاب الَّذی تَدُلّ علیه کلمه «کُلٍّ» استیعاباً أَفْرَادِیّاً، وهذا بخلاف ما إذا قیل: «اقرأ کل الکتاب»؛ إذ لا یکون الاستیعاب أَفْرَادِیّاً؛ لأَنَّ «الکتاب» هذا، لَیْسَ له أفراد. نعم یَدُلّ عَلَیٰ الاستیعاب الأَجْزَائِیّ؛ لأَنَّ الکتاب له أجزاء.

وحینئِذٍ إذا دخلت کلمه «کُلٍّ» عَلَیٰ الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ، فَوَفقاً للقانون المتقدّم هناک، تفید کلمهُ «کُلٍّ» الاستیعابَ الأَجْزَائِیَّ؛ لأَنَّ مدخولها معرَّف باللاَّم؛ فإنَّ الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ ببرکه «اللاَّم»، یُفید الاستیعابَ (استیعابَ کل أفراد العالم "کل أفراد الْمَادَّه"). وحینئِذٍ أصبح کل فرد من أفراد «العالم» جزءاً من معنی «العلماء»، ولیس فرداً؛ لأَنَّ العالم الواحد لَیْسَ من أفراد ومصادیق الجمع الَّذی لا یقل عن ثلاثه؛ فإن مصادیق هذا الجمع: أحدها الثَّلاثه، والآخر الأربعه، والخمسه وهکذا. فإذا دخلت «کُلٍّ» أفادت الاستیعاب الأَجْزَائِیّ، وَفقاً للقاعده.

فالاستیعاب الأَجْزَائِیّ فِی طول الاستیعاب الأَفْرَادِیّ. الاستیعاب الَّذی نفهمه من «کُلٍّ» یختلف سِنْخاً وَنَوْعاً عن الاستیعاب الَّذی نفهمه من «اللاَّم» الداخله عَلَیٰ الجمع. فلا یلزم شیء من المحذورین، لا التکرار (لأَنَّهُ یوجد هناک شیئان: "الاستیعاب الأَجْزَائِیّ من خلال کلمه «کُلٍّ»" و"الاستیعاب الأَفْرَادِیّ من خلال «اللاَّم»") ولا قبول المماثل للمماثله. الاستیعاب الأَجْزَائِیّ طرأ عَلَیٰ المستوعِب الأَفْرَادِیّ. من قبیل - بلا تشبیه - المُتِنَجّس بالنجاسه البولیه یتنجس بالدم؛ فَإِنَّ هذا مطلب آخر؛ إِذْ أَنَّ النَّجَاسَه الدمیه غیر النَّجَاسَه البولیه. نعم، المُتِنَجّس بالنجاسه البولیه لا یتنجس مرّهً أخری بالنجاسه البولیه، أَمَّا أَنَّهُ هل یتنجس بنجاسه أخری غیر النَّجَاسَه البولیه، فهذا لا إِشْکَال فیه. إذن، طرأ هنا المستوعِب الأَجْزَائِیّ عَلَیٰ الاستیعاب الأَفْرَادِیّ. فلا یرد مَحْذُور قبول المماثل للمماثله، فهذه المناقشه الثالثه غیر وارده.

ص: 8

وبهذا نختم الحدیث عن المناقشات الوارده عَلَیٰ هذه المسأله، وبعد ذلک - کما وعدنا بالأَمْسِ - نستعرض سائرَ الوجوه الَّتی اِسْتَدَلَّ بها أو الَّتی یمکن أن یُستدلّ بها لإِثْبَاتِ دلاله الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ عَلَیٰ العموم والاستیعاب. وهی وجوه عدیده نذکر منها ثلاثه أو أربعه، وبعد انتهائها ننتهی من بحث الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ، وذلک کالتالی:

الوجه الأوَّل: صحَّه الاستثناء من الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ؛ إذ لا شکّ ولا إشکال فِی أن الاستثناء من الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ صحیح فِی لغه العرب، حیث یصحّ أن یقال: «أکرم العلماء إلاَّ زیداً»؛ لأَنَّ معنی الاستثناء هو إخراجُ ما کان داخلاً (إخراج ما لو لا الاستثناء لکان داخلاً). ومعنی ذلک أن زَیْداً کان داخلاً فِی «العلماء»، ومعنی ذلک إفاده «العلماء» الاستغراقَ والشمولَ.

غایه الأمر یبقی مطلب لا بُدَّ من تنقیحه وهو أَنَّهُ هل کان زید داخلاً فِی المعنی الوضعیّ لکلمه «علماء»، أم کان مشمولاً للإطلاق الجاری فِی کلمه «العلماء». وعلی أساسه تختلف النَّتِیجَه؛ فإِنَّهُ لو کان «زید» داخلاً فِی الْمَدْلُول الوضعیّ لکلمه «العلماء» فهذا یثبت المطلوب. أی: صحَّه استثناء زید من العلماء، وإخراجه من المدلول الوضعیّ لکلمه «العلماء» دلیل عَلَیٰ أن الْمَدْلُول الوضعیّ لکلمه «العلماء» هو العموم، وهذا هو المطلوب والمُدَّعی.

أَمَّا لو کانت کلمه «العلماء» شامله ومستوعبه لزید، لا بِالدِّلاَلَهِ الوضعیَّه، بل بالإطلاق ومقدّمات الحِکْمَه، فلا ینتج الإطلاقُ ومقدّمات الحِکْمَه العمومَ. فقد تکلمنا فِی العامّ الماضی فِی تعریف العموم عن الفرق بین العامّ والمطلق، فقد تقدّم أن العموم عباره عن الاستیعاب الَّذی یَدُلّ علیه اللَّفظ بِالدِّلاَلَهِ الوضعیَّه، بخلاف الإِطْلاَق فإِنَّهُ لَفظ یَدُلّ عَلَیٰ العموم والشمول والاستیعاب، لکن لا بالوضع، بل ببرکه قرینه خارجیّه هی قرینه الحِکْمَه.

ص: 9

وهنا، صحَّه استثناء زید من «العلماء»، معناه أَنَّنَا أخرجنا زَیْداً من مدخول العلماء بعد أن کان داخلاً. أَمَّا أَنَّهُ هل کان داخلاً فِی الْمَدْلُول الوضعیّ للعلماء لکی یثبت المطلوب، أم أَنَّهُ کان داخلاً فِی الْمَدْلُول الحکمی، فهذا ما لا یثبت العموم.

فصاحب هذا الوجه یکمّل جوابه ویقول: نعم کان داخلاً فِی الْمَدْلُول الوضعیّ، لا أَنَّهُ کان مشمولاً للإطلاق ومقدّمات الحِکْمَه؛ لأَنَّ الإِطْلاَق إِنَّمَا یجری فیما إذا کان الْمُتِکَلِّم جاداً فِی کلامه، فإن شأن الإِطْلاَق ومقدّمات الحِکْمَه تعیینُ المراد الْجِدِّیّ لِلْمُتِکَلِّمِ. وهذا عباره عن أن مکان الإِطْلاَق هو فِی الموارد الَّتی یوجد فیها مراد جدّی لِلْمُتِکَلِّمِ، وأمّا فِی الموارد الَّتی لا یوجد فیها مراد جدّی لِلْمُتِکَلِّمِ فلا یجری الإِطْلاَق فِی کلام الْمُتِکَلِّم حتّی نثبت أَنَّهُ ما هو مراده من هذا الکلام؛ إذ هو هازل ولیس بجادٍّ. بینما نحن نری أن استثناء زید من الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ صحیح حتّی فِی موارد الهزل. أی: حتّی لو قال الْمُتِکَلِّم هازلاً: «أکرم العلماء إلاَّ زَیْداً»، لا یکون کلامه هذا مخالفاً لنظام اللُّغَه، ولم یرتکب الْمُتِکَلِّم مخالفهً لغویهً. وهذا معناه أَنَّهُ استعمل کل هذه الألفاظ فِی معانیها. فقد أخرج زیداً من العلماء (من الْمَدْلُول اللَّفظیّ ولیس الْمَدْلُول الحکمی).

فهذا یکشف عن أن صحَّه الاستثناء من الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ دلیل عَلَیٰ أن الْمَدْلُول الوضعیّ لکلمه «العلماء» عباره عن العموم والاستیعاب. إذن ثبت المطلوب. هذا وجه یذکر فِی مقام إثبات دلاله الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ علی العموم.

الرَّدّ عَلَیٰ الوجه الأوّل: إلاَّ أن هذا الوجه لا نقبله؛ وذلک لأَنَّهُ یرد علیه إشکالان أحدهما نقضیّ والآخر حلیّ.

أَمَّا الإشکال النقضی: فعباره عن النقض بصحه الاستثناء من المفرد، حیث یصحّ الاستثناء من المفرد الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ، کالآیات التالیه: «بسم اللٰه الرحمن الرحیم، والعصر إن الإنسان لفی خسر، إلاَّ الَّذین آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر». وکذلک «أَکْرِمِ الْعَالِمَ إلاَّ زَیْداً». فقد یکون هناک من یقول بأن المفرد المعرّف باللام یفید العموم، ولٰکِنَّهُ خلاف الْمَشْهُور. نعم، قد نستفید العموم والاستیعاب، ولکن ببرکه الإِطْلاَق.

ص: 10

فلو کانت صحَّه الاستثناء دَلِیلاً عَلَیٰ أن اللَّفظ المستثنی منه یفید العموم، لَوَرَدَ هذا النقض بأن نجعل صحَّه الاستثناء من المفرد المعرف باللام دَلِیلاً عَلَیٰ أن المفرد المعرف باللام یفید العموم، وهذا عَلَیٰ الأَقَلّ خلاف الْمَشْهُور.

وإن أشکلتم فِی هذا النقض بأَنَّ هناک فرقاً نشعر به وجداناً بین الاستثناء من المفرد المعرف باللام وبین الاستثناء من الجمع، وهو أن الاستثناء من المفرد لا یخلو من العنایه، ولکن الاستثناء من الجمع لا عنایه فیه.

إن أشکلتم بهذا الإشکال فنحن نبدل النقض وننقض بالجمع المضاف، مثل ما لو قیل: «أکرم علماء البلد إلاَّ زَیْداً»، حیث یصحّ الاستثناء منه بلا إِشْکَال. فلو کان صحَّه الاستثناء دَلِیلاً عَلَیٰ أن المستثنی منه یفید العموم، إذن یلزم بأن تقولوا هنا: إن الجمع المضاف یفید العموم، بینما لا تلتزمون بذلک (علماء البلد لا یفید العموم). هذا هو النقض ویبقی الجواب الحلی وهذا ما نؤجله إلی غد إن شاء اللٰه تعالی. تقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه.

العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

کُنَّا ندرس الوجه الَّذی یرید إثبات دلاله الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ عَلَیٰ العموم عن طریق الدَّلِیل الَّذی شرحناه بالأَمْسِ، وهو عباره عن أن صحَّه الاستثناء من الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ دَلِیل عَلَیٰ أن الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ یفید العموم.

قلنا: لا یمکن قبول هذا الدَّلِیل، ولا یمکن جعل صحَّه الاستثناء دَلِیلاً عَلَیٰ أن المستثنی منه یفید العموم، وذلک أوَّلاً للنقض الَّذی ذکرناه بالأَمْسِ، وثانیاً للجواب الحلی:

الجواب الحلی: هو أَنَّهُ یصحّ الاستثناء من الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ، ولا إِشْکَال فِی أن الاستثناء معناه إخراج ما هو داخل فِی المستثنی منه، وإنَّما الکلام فِی أَنَّ الاستثناء معناه إخراج ما کان داخلاً فِی المعنی الوضعیّ للمستثنی منه أو إخراج ما کان داخلاً فِی المعنی التَّصدیقیّ الْجِدِّیّ للمستثنی منه، أو لا هذا ولا ذاک، بل إخراج ما کان داخلاً فِی المعنی الاستعمالیّ؟!

ص: 11

فکأنَّ صاحب هذا الوجه لم یتصوّر إلاَّ شقین:

الشق الأوّل: إما أن یکون زیدٌ المستثنی فِی قولنا: «أکرم العلماء إلاَّ زَیْداً» داخلاً فِی المعنی الوضعیّ للعلماء وأُخرج فِی الاستثناء.

الشق الثَّانِی: وإما أن یکون داخلاً فِی المعنی التَّصدیقیّ والمراد الْجِدِّیّ لِلْمُتِکَلِّمِ وأُخْرِجَ.

ثُمَّ قَالَ صاحب الوجه (کما شرحنا بالأَمْسِ): أَمَّا الثَّانِی فمنتفی، باعتبار أَنَّهُ لو کانت صحَّه استثناء زید من الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ، دَلِیلاً عَلَیٰ أن زَیْداً داخل فِی المراد الْجِدِّیّ واستثنی، فهذا معناه أَنَّ صحَّه الاستثناء تختصّ بالموارد الَّتی یوجد فیها مرادٌ جدّی لِلْمُتِکَلِّمِ، أَمَّا فِی موارد الهزل الَّتی لا مراد جدّی لِلْمُتِکَلِّمِ فیها، فلا یمکن القول بأن زَیْداً استثنی من المراد الْجِدِّیّ. بینما نحن نری أَنَّهُ یصحّ الاستثناء حتّی فِی موارد الهزل، فإن للمازح أن یقول: «أکرم العلماء إلاَّ زَیْداً».

فَجَعَلَ صاحبُ هذا الوجه صحهَ الاستثناء حتّی فِی موارد الهزل دَلِیلاً عَلَیٰ تَعَیُّنِ الشق الأوّل (القول بأن المستثنی کان داخلاً فِی الْمَدْلُول الوضعیّ للمستثنی منه) فیثبت المُدَّعی.

لکِنَّنََا نقول: لا یدور الأمر بین هذین الشقین، بل هناک شق ثالث، وهو أنْ یکون زید الَّذی استثنی وأخرج من العلماء، یکون داخلاً قبل الاستثناء (لولا الاستثناء) لا فِی المعنی الوضعیّ للعلماء ولا فِی المراد الْجِدِّیّ لِلْمُتِکَلِّمِ من العلماء، بل یکون داخلاً فِی المراد الاستعمالیّ لِلْمُتِکَلِّمِ، بحیث یکون الْمُتِکَلِّم مستعملاً لفظ العلماء (= الجمع) فِی العموم، استعمالاً صحیحاً وحقیقیّاً؛ لأَنَّ هیئه الجمع (= العلماء) وضعت لجماعه من أفراد العالم لا تقلّ عن ثلاثه، فَیَصِحُّ استعمال لفظ العلماء فِی ثلاثه من العلماء، کما یصحّ استعمال هذا اللَّفظ فِی أربعه، وفِی عشره وفِی «کُلّ العلماء» أی: المائه. فَیَکُونُ استعمال هذا اللَّفظ فِی کُلّ هذه المراتب استعمالاً صحیحاً وحقیقیّاً؛ لأَنَّ هیئه الجمع (العلماء) وضعت بنحو الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ لکل جمع لا یقل عن ثلاثه.

ص: 12

إِنَّمَا أقول: «بنحو الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ» إشارهً إلی ما قلناه قبل سنین فِی بحث معانی الحروف والهیئات من أن الوضع فِی الحروف وکذلک فِی الهیئات بشکل عامّ، عامّ والموضوع له خاصّ. یعنی: أن الواضع حینما أراد أن یضع کلمه «فِی» (الَّتی هی حرف) تصوّرَ عنواناً عاماً (= مفهوماً اسمیّاً عامّاً) وهو مفهوم «الظرفیه»، ثم وضع لفظ «فِی» لا لهذا الْمَفْهُوم الاِسْمِیّ نفسه، لأَنَّ معنی لفظ «فِی» لَیْسَ الظرفیه؛ لأَنَّ «الظرفیه» اسم، بینما «فِی» حرف، والحرف لَیْسَ مرادفاً للاسم. أی: وضع لفظ «فِی» لمصادیق هذا المعنی الخاصّ، أی: واقع الظَّرفیّات الموجوده فِی الخارج. فالموضوع له خاصّ، أی: الْمَوْضُوع له فِی کلمه «فِی» نفس هذه الظرفیه الخارجیه. وهذا ما تقدّم شرحه مفصَّلاً بِالنِّسْبَهِ للحروف وکذلک بِالنِّسْبَهِ للهیئات؛ فإن هیئه «العلماء» وضعت بنحو الْمَوْضُوع له الخاصّ والوضع العامّ. یعنی: الواضع حینما أراد أن یضع هیئه «العلماء»، استظهر هذا العنوان العامّ (= الجامع الاِسْمِیّ) کعنوان مشیر إلی مصادیق هذا العنوان العامّ. مصادیق هذا العنوان العامّ کثیره منها الثَّلاثه ومنها الأربعه ومنها العشرین ومنها المائه الَّتی هی المرتبه الأخیره. فهذه المراتب کُلّهَا مصادیق لذاک الجامع، وهیئه الجمع وضعت لهذه المصادیق، أی: الوضع عامّ ولکن الْمَوْضُوع له خاصّ. هیئه الجمع وضعت للثلاثه ووضعت للأربعه ووضعت للعشرین ووضعت للمائه. إذن، یصحّ استعمال «العلماء» فِی کُلّ واحد واحدٍ من هذه المراتب وهذا الاستعمال حقیقی ولا تجوّز فیه. هذا شأن الجمع.

الْمُتِکَلِّم هنا استعمل لفظ «العلماء» فِی العموم (أی: فِی المائه) استعمالاً صحیحاً، ثم أخرج من هذا زیداً. فصحه الاستثناء لا تَدُلّ إلاَّ عَلَیٰ أن الْمُتِکَلِّم استعمل العلماء فِی العموم، ثم أخرج منه زیداً، وهذا ما لا کلام لنا فیه. فإِنَّهُ لا نتحدث عن صحَّه استعمال العلماء فِی العموم أو عدم صحَّه هذا الاستعمال؛ فإِنَّهُ لا شکّ فِی صحَّه هذا الاستعمال.

ص: 13

أَمَّا مدعاکم وهو أَنَّهُ لطالما الاستعمال صحیح فَیَکُونُ العلماء قد استعمل فِی العموم، فهذا کلام صحیح. وکذلک صحیح أن هذا الاستعمال حقیقی، ونحن أیضاً نقبل بذلک، لکن الکلام فِی أَنَّهُ هل أن استعمال العلماء فِی غیر العموم حقیقی أم هو مجازی؟ إذا کان «العلماء» (= الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ) مَوْضُوعاً للعموم فاستعماله فِی غیر العموم مجاز. وإذا لم یکن مَوْضُوعاً للعموم وإنَّما مَوْضُوع لکل جماعه لا تقل عن ثلاثه، إذن استعماله فِی غیر العموم استعمال حقیقی ولیس مَجَازِیّاً.

کلامنا فِی هذا. بینما أنتم تدعون أَنَّهُ مَوْضُوع للعموم، وتریدون إثبات ذلک بصحه الاستثناء. بینما لا تَدُلّ صحَّه الاستثناء عَلَیٰ أن لفظه العلماء موضوعه للعموم بحیث یکون استعماله فِی غیر العموم مجاز. بل صحَّه الاستثناء دلیل عَلَیٰ مطلبٍ یقبل به الکلُّ ولا نقاش فیه (= لا نقاش ولا خلاف فِی صحَّه استعمال الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ فِی العموم وهذا الاستعمال حقیقی بلا إِشْکَال، یقبل به المنکرون لوضع الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ؛ لأنهم یقولون إن الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ مثل الجمع غیر الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ، أی: العلماء مثل «علماء»، کما أَنَّهُ یقبل به المثبتون). فلیس الکلام فِی أن استعمال العلماء فِی العموم هل هو صحیح أم لا، حتّی تأتون بدلیل یقول: یصحّ الاستثناء من العلماء. فهذا ما نقبل به، ولا نقاش فیه. أَمَّا هل أن لفظه «العلماء» (أی: هیئه الجمع الَّتی حُلّیت باللام) هل هی موضوعه للعموم، بحیث لو استعمل العلماء وأرید منه العشره یکون الاستعمال مجازاً، أو لا؟

ولذا نقضنا بالأَمْسِ علی هذا الکلام بالجمع المضاف، فلو کان صحَّه الاستثناء تَدُلّ عَلَیٰ أن المستثنی منه مَوْضُوع للعموم فماذا تقولون فِی الجمع المضاف مثل «أکرم علماء البلد إلاَّ زَیْداً»، فهل تجعلون هناک صحَّه الاستثناء دَلِیلاً عَلَیٰ أن علماء البلد مَوْضُوع للعموم. رغم أن الاستثناء منه صحیح. هذا ما أردنا أن نقوله بِالنِّسْبَهِ للوجه الأوَّل.

ص: 14

إذن، الوجه الأوّل من هذه الوجوه الَّتی ذکرت لإِثْبَاتِ دلاله الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ عَلَیٰ العموم، غیر تامّ.

الوجه الثَّانِی: هو أَنَّهُ لا شکّ فِی صحَّه دخول أدوات العموم الاسمیّه من قبیل «کُلٍّ» و«جمیع» عَلَیٰ الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ، کما فِی قولنا: «أکرم کل العلماء» أو «أکرم جمیع العلماء»، کما لا إِشْکَال فِی أَنَّ العموم یستفاد من قوله «أکرم کل العلماء»، بینما استفاده العموم من الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ فقط محلّ خلاف. أی: لو قال: «أکرم العلماء» فَیَکُونُ مختلف فیه بأَنَّهُ هل یُستفاد منه العموم أو لا، ولکن لو قال: «أکرم کل العلماء» فلا شکّ فِی استفاده العموم منه عِنْدَ الْجَمِیعِ.

وحینئِذٍ یراد فِی هذا الوجه أن یجعل هذا دَلِیلاً عَلَیٰ أَنَّ الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ (أی: کلمه «العلماء») تَدُلّ عَلَیٰ العموم، عَلَیٰ عکس ما تقدّم بالأَمْسِ (فِی الإشکال الثَّالث) حیث کان یراد أن یُجعل دخول کلمه «کُلٍّ» عَلَیٰ «العلماء» دَلِیلاً عَلَیٰ أن الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ (= العلماء) لا یفید العموم؛ إذ لو أفاد العموم وکلمه «کُلٍّ» أیضاً تفید العموم فیلزم اجتماع المثلین أو التَّکرار. ولکن یأتی الوجه الثَّانِی عَلَیٰ عکس ذلک، أی: یجعل هذا دَلِیلاً عَلَیٰ دلاله الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ عَلَیٰ العموم؛ وذلک بأن یقال: إِنَّنّا ذکرنا سابقاً فِی العامّ الماضی عندما کُنَّا نبحث عن کلمه «کُلٍّ» (فِی الجهه الثَّانیه من جهات البحث عن لفظه «کُلٍّ») أنَّ العموم الْمُسْتَفَاد من کلمه «کُلٍّ» حین دخولها عَلَیٰ المعرفه عموم أجزائی ( مثل «احفظ کلَّ الکتاب»)، بینما العموم الْمُسْتَفَاد منها حین دخولها عَلَیٰ النَّکِرَه عموم واستیعاب أَفْرَادِیّ (أی: مصادیق عدیده، مثل: «اقرأ کل سوره» و«لا تأکل کل طعام»).

وکلامنا الآنَ فِی دخول کلمه «کُلٍّ» عَلَیٰ «العلماء»، فِی قول القائل: «أکرم کل العلماء»، حیث دخلت «کُلٍّ» عَلَیٰ المعرفه، ووَفقاً للقاعده المذکوره (إذا دخلت عَلَیٰ المعرفه أفادت الاستیعاب الأَجْزَائِیّ) تفید کلمه «کُلٍّ» الاستیعاب الأَجْزَائِیّ (أی: تفید استیعاب جمیع العلماء)؛ إذ أنَّها دخلت عَلَیٰ «العلماء» و«العلماء» معرفه. وأمّا ما هی أجزاء العلماء؟ فإن الأداه لا تُعَیِّن ولا تُحَدِّد أجزاء مدخولها، ولا دخل لها بأجزاء المدخول، وإنَّما بعد أن تتشخّص أجزاء مدخولها تأتی کلمه «کُلٍّ» وتدلّ عَلَیٰ استیعاب هذه الأجزاء. أی: أنَّ کلمه «کُلٍّ» لا تَدُلّ عَلَیٰ أَنَّهُ ما هی أجزاء الکتاب فِی «اقرأ کل الکتاب»، بل تأتی کلمه «کُلٍّ» وتدلّ عَلَیٰ استیعاب أجزاء الکتاب، وذلک بعد تعین وَتشَخّص أجزاء الکتاب. أَمَّا أجزاء الکتاب فتحددها طبیعه الکتاب. أی: کل طبیعه هی واجده لأجزاء نفسها. فالمدخول بعد أن تتعین أجزاؤه تأتی کلمه «کُلٍّ» لاستیعاب هذه الأجزاء.

ص: 15

وحینئِذٍ إذا قال المتکلّم: «أکرم کل العلماء» فمعنی ذلک تعیّن أجزاء العلماء وتشخصها قبل دخول کلمه «کُلٍّ»، لتأتی کلمه «کُلٍّ» بعد ذلک وتدلّ عَلَیٰ استیعاب هذه الأجزاء. والمعیِّن والمشخِّص لهذه الأجزاء هو «اللاَّم»؛ فإن «اللاَّم» هی الَّتی عیّنت أن أجزاء العلماء کلهم. فکل فرد من العلماء هو جزء لهذا المدخول (=الجمع)، لکی تأتی بعد ذلک کلمه «کُلٍّ» وتدلّ عَلَیٰ استیعاب هذه الأجزاء.

هذا خلاصه هذا الوجه. یبقی أن ندرس هذا الوجه فِی الیوم القادم إن شاء اللٰه تعالی. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه.

العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

کان الوجه الثَّانِی من وجوه إثبات أن الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ یَدُلّ عَلَیٰ العموم یقول: لا إِشْکَال فِی صحَّه دخول أدوات العموم الاسمیّه (من قبیل کلمه «کُلٍّ» و«جمیع» ونحوهما) عَلَیٰ الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ، وإذا دخلت لا شکّ فِی أَنَّهُ یُفهم منها العموم والاستیعاب. من قبیل أن یقال: «أکرم کل العلماء»، فإِنَّهُ لا إِشْکَال فِی فهم العموم هنا قَطْعاً، حتّی لدی المنکر لدلاله الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ عَلَیٰ العموم؛ فإِنَّهُ یقبل هنا بأَنَّهُ إذا دخلت «کُلٌّ» عَلَیٰ هذا الجمع یُفهم العموم.

والمطلب الثَّانِی هو أنَّ کلمه «کُلٍّ» إذا دخلت عَلَیٰ المعرفه أفادت الاستیعاب الأَجْزَائِیّ (استیعاب أجزاء مدخولها).

والمطلب الثَّالث هو أن کلمه «کُلٍّ» لا تُعیّن أجزاء مدخولها، وإنَّما بعد أن تتعیّن أجزاء المدخول، تَدُلّ کلمه «کُلٍّ» عَلَیٰ استیعاب هذه ا لأجزاء، أَمَّا نفس الأداه (کلمه «کُلٍّ» نفسها) لا تَدُلّ عَلَیٰ أن أجزاء المدخول ما هی؟ مثلاً عندما نقول: «اقرأ کل الکتاب» فإن کلمه «کُلٍّ» لا تُعیِّن أجزاء الکتاب، وإنَّما بعد أن تَعَیَّنَتْ أجزاءُ الکتاب بمعیّنٍ، تأتی کلمه «کُلٍّ» لتدل عَلَیٰ استیعاب هذه الأجزاء.

ص: 16

إذن، نفهم العموم من قوله: «أکرم کل العلماء» فیما إذا کانت کلمه «العلماء» دالَّه عَلَیٰ أن کل فرد فردٍ من العلماء هو جزء من معنی العلماء، وذلک فِی المرتبه السَّابِقَه عَلَیٰ دخول کلمه «کُلٍّ»، وبقطع النَّظَر عن دخول کلمه «کُلٍّ». فلو أن کلمه «العلماء» لم تَدُلّ عَلَیٰ أن کلَّ عالم هو جزء من مدلول هذه الکلمه، بأن کان عدد العلماء مائه مثلاً، ولم تکن «العلماء» دالَّه عَلَیٰ أن کل واحد من هؤلاء المائه هو جزء من مدلول هذه الکلمه (بأن نفرض مثلاً أن هذه الکلمه تَدُلّ عَلَیٰ أن تسعین منهم أجزاء، وعشره منهم لیسوا أجزاءً)، فحینئذٍ تَدُلّ کلمه «العلماء» عَلَیٰ معنیً أجزاؤه تسعون، ولیس بمائه. إذن کیف نفهم کلَّ المائه؟! والأداه لا تعین أجزاء مدخولها، بل تقول: أنا أستوعب أجزاء المدخول، أَمَّا أجزاء المدخول کم هی؟ ثمانون تسعون أو کل المائه؟! فیجب أن یَدُلّ المدخول بنفسه عَلَیٰ التسعین أو المائه حتّی تأتی بعد ذلک کلمه «کُلٍّ» لتدل عَلَیٰ کل المائه.

ویرد علیه باعتراضین:

الاعتراض الأوّل: النقض عَلَیٰ هذا الکلام بالجمع المضاف، مثل: «علماء البلد»، فإِنَّهُ یصحّ أن تدخل کلمه «کُلٍّ» عَلَیٰ هذا المضاف ویقال: «أکرم کل علماء البلد» ولا إِشْکَال فیه، کما لا إِشْکَال فِی فهم العموم منه. وحینئِذٍ نتساءل صاحب الوجه بأَنَّهُ هل یلتزم بما التزم به فی «أکرم العلماء». من أن یکون مدخول «کُلٍّ» دالاًّ عَلَیٰ استیعاب کل المائه؟ بحیث یصبح کل فرد فردٍ من العلماء جزءاً من العموم، حتّی تأتی کلمه «کُلٍّ» وتدلّ عَلَیٰ الاستیعاب الأَجْزَائِیّ؟! إِذْ أَنَّ الْمَشْهُور ذهبوا إلی أن الجمع المضاف (=علماء البلد) لا یفید العموم. ولئن کان هناک خلاف معتد به فِی الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ، فإِنَّهُ لا خلاف معتد به فِی الجمع المضاف. مَعَ أَنَّکم جعلتم صحَّه دخول کلمه «کُلٍّ» عَلَیٰ الجمع وإفاده العموم دَلِیلاً عَلَیٰ أن المدخول یفید العموم. فمقتضی هذا الدَّلِیل هو أن الجمع المضاف یفید العموم. أی: ما قلتموه فِی الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ (حین دخول کلمه «کُلٍّ») یأتی فِی الجمع المضاف عندما تدخل کلمه «کُلٍّ» علیه، مع أَنَّهُ لا تلتزمون بذلک. هذا أوَّلاً.

ص: 17

الاعتراض الثَّانِی (وهو الجواب الحلی للثغره الموجوده فِی هذا الوجه): وهو أن لدینا فِی قول القائل: «أکرم کل العلماء» أداه العموم (= کلمه «کُلٍّ»)، الداخله عَلَیٰ العلماء. فالمدخول عباره عن «العلماء»، وهذا المدخول له معنیً وَضْعِیّ لغهً وله معنیً استعمل هذا اللَّفظُ فیه مِن قِبَلِ الْمُتِکَلِّم. فهناک مدلول وَضْعِیّ لهذه الکلمه کما أنَّ هناک مدلولاً استعمالیّاً (أی: ذاک المعنی الَّذی أراده الْمُتِکَلِّم حینما استعمل هذا اللَّفظ، فإِنَّهُ لا بُدَّ لکل متکلم أن یکون له مراد استعمالی عندما یتکلم بکلمه، وهو ذاک المعنی الَّذی أراد إلقاءَهُ وإخطاره فِی ذهن السَّامِع. هذا هو المعنی أو الْمَدْلُول الاستعمالیّ).

أَمَّا ما هو المعنی الوضعیّ وما هو المعنی المستعمل فیه لکلمه «العلماء»؟ فنجیب عنهما تباعاً:

«المعنی المستعمل فیه» متعیّن فِی الواقع وفی نفس الأمر، فإِنَّهُ لا بُدَّ لهذا الْمُتِکَلِّم حینما تَلَفَّظَ بلفظ «العلماء» من أن یکون قد قصد إما ثلاثهً من العلماء أو أربعهً منهم أو خمسهً أو عشره أو عِشْرِینَ أو الجمیع (أی: کل المائه). أَمَّا أَنْ لاَّ یَکُونَ قد قصد لا الثَّلاثه ولا الأربعه ولا الخمسه ولا المائه، فماذا یکون قد قصد؟! فإحدی مراتب الجمع قَطْعاً هی مقصوده لِلَّفْظِ «العلماء». نعم، هو غیر متعیّن عند السَّامِع، لکن نفس الْمُتِکَلِّم یدری، بحیث إن سئل لأجاب أنه قصد ثلاثهً أو أربعه أو عشرهً من العلماء أو أَنَّهُ قصد کل المائه. فالمدلول الاستعمالیّ لِلْکَلِمَهِ متعیّن فِی الواقع ونفس الأمر وعند الْمُتِکَلِّم وإن کان غیر متعین عند السَّامِع.

أَمَّا «الْمَدْلُول الوضعیّ»، فهو غیر متعین؛ لأَنَّ الْمَدْلُول الوضعیّ لکلمه «العلماء» سنخ مدلولٍ ومعنیً مَرِن وانسیابی قابل للانطباق عَلَیٰ معانٍ عدیده. وذلک لأَنَّ کلمه «العلماء» تحتوی عَلَیٰ مَادَّهً وَهَیْئَهً. أَمَّا الْمَادَّه فهی «العالم» الَّتی تَدُلّ عَلَیٰ طَبِیعِیّ العالم، وهذا ما لا شغل لنا به. وأمّا المعنی الَّذی وضعت له هیئه الجمع (الْمَدْلُول الوضعیّ) هو عدد لأفراد الْمَادَّه لا یقل عن ثلاثه، أو قل: ما یزید عَلَیٰ اثنین من أفراد الْمَادَّه (= العالم). أی: ثلاثه فما فوق. و«ما یزید عَلَیٰ اثنین» ینطبق عَلَیٰ ثلاثه وأربعه وخمسه وهکذا إلی المائه. فکل واحده من هذه المراتب هی معنیً مَوْضُوع له لهیئه الجمع((1) ) (کالمشترک اللَّفظی الَّذی له معانٍ عدّه)، حیث وضع الواضع هیئهَ الجمع لکل مرتبه مرتبهٍ من مراتب الجمع. فهناک معانٍ حقیقیَّه عدیده بین الثَّلاثه إلی المائه، وهذه کُلّهَا معان حقیقیَّه (أی: وضعت هیئه الخمسه للخمسه بما هی خمسه، لا بما هی تحتوی عَلَیٰ الثلاثه أو الأربعه. ووضعت هیئه السِّتَّه للسته بما هی سته، لا بما هی تحتوی عَلَیٰ الخمسه أو الأربعه).

ص: 18


1- (1) - وهذا البحث یرتبط بالوضع العامّ والموضوع له الخاصّ المتقدّم فِی مبحث وضع الحروف والهیئات وَالَّذِی أشرنا إلیه بالأَمْسِ.

إذن الْمَدْلُول اللَّفظیّ لکلمه «العلماء» غیر متعین (کالمشترک اللَّفظیّ الَّذی یشبه المجاز، حیث یحتاج المجاز إلی قرینه صارفه، بخلاف المشترک اللَّفظیّ - مثل کلمه «العین» - الَّذی لا یحتاج إلی قرینه صارفه بل یحتاج إلی قرینه مُعَیِّنَه)، وحیث أن بحثنا فِی دخول الأداه عَلَیٰ العموم، نأتی إلی الأداه (کلمه «کُلٍّ») ونقول: قد سبق فِی العامّ الماضی أن کلمه «کُلٍّ» عندما تدخل عَلَیٰ المعرفه من قبیل «کل الکتاب»، تَدُلّ عَلَیٰ الاستیعاب الأَجْزَائِیّ، وأنَّ هذه الأداه لا تُعیِّن أجزاء مدخولها، وإنَّما بعد أن تتحدد أجزاء المدخول، تأتی کلمه «کُلٍّ» لتدل عَلَیٰ استیعاب هذه الأجزاء، لا أکثر.

هنا عندنا سؤال: هل تَدُلّ کلمه «کُلٍّ» عَلَیٰ استیعاب أجزاء المعنی المستعمل فیه لِلْمَدْخُولِ؟ أم تَدُلّ عَلَیٰ استیعاب أجزاء المعنی والوضعیّ (= الْمَوْضُوع له)؟

إن کان الأوّل فیتم هذا الوجه؛ لأَنَّهُ یقال حینئذٍ (کما قال صاحب هذا الوجه): لکی تکون الأداهُ دالَّهً عَلَیٰ استیعاب أجزاء المدخول، لا بُدَّ من أن تَتَحدَّد أجزاء المراد الاستعمالیّ من «العلماء» حتّی تأتی الأداه وتدلّ عَلَیٰ استیعابها.

إذن فهذا معناه أن المدخول (= العلماء) هی بنفسها تَدُلّ عَلَیٰ أجزائها (أی: تَدُلّ عَلَیٰ أن کل فرد من أفراد العلماء هو جزء من المراد الاستعمالیّ لِلْمُتَکَلِّمِ. ولیس مراده الاستعمالیّ ثلاثه من العلماء، ولا أربعه ولا خمسه ولا عِشْرِینَ من العلماء، بل المراد الاستعمالیّ هو کل المائه. لا بُدَّ أن نقول بهذا، لکی تکون کل المائه أجزاءً للمراد الاستعمالیّ حتّی تأتی «کُلّ» وتدلّ عَلَیٰ استیعاب أجزاء المراد الاستعمالیّ، ویتم فهم العموم.

وإلا فلو لم نقل بهذا، أی: لو قلنا بأن المراد الاستعمالی للمدخول خمسین مثلاً، ولیس مائه، وتأتی کلمه «کُلٍّ» وتدلّ عَلَیٰ استیعاب هؤلاء الخمسین، فبالنتیجه ما فهمنا العموم، والحال أَنَّنَا قلنا من المقطوع أَنَّنَا نفهم العموم عندما تدخل الأداه عَلَیٰ المدخول. أی: یَتُِمّ فهم العموم بالقول بأن الْمُتِکَلِّم أراد من «العلماء» المرتبهَ الأخیره (أی: المائه). أی: کل واحد من العلماء هو جزء، حتّی تأتی الأداه بعد ذلک وتدلّ عَلَیٰ استیعاب المراد الاستعمالیّ. فیتم هذا الوجه فیما إذا قلتم بأن کلمه «کُلٍّ» وضعت لاستیعاب الْمَدْلُول الاستعمالیّ.

ص: 19

لکن الواقع أن الأمر لَیْسَ هکذا؛ فإن کلمه «کُلٍّ» وضعت لاستیعاب أجزاء المدخول، لکن لا لاستیعاب أجزاء المراد الاستعمالیّ لکلمه المدخول، بل لاستیعاب أجزاء الْمَدْلُول الوضعیّ للمدخول. ولیس لنا دخل بالمراد الاستعمالیّ للمدخول. تَدُلّ کلمه «کُلٍّ» عَلَیٰ استیعاب أجزاء الْمَدْلُول الوضعیّ للمدخول. أی: کل ما یمکن أن یکون جزءاً من المعنی الوضعیّ للمدخول، تستوعبه کلمه «کُلٍّ». تماماً کما إذا دخلت «کُلّ» عَلَیٰ النَّکِرَه، فإن قوله: «اقرأ کل الکتاب»، لا یختلف عن قوله: «اقرأ کل کتابٍ» من جهه أَنَّهُ فِی کلا الموردین وضعت کلمه «کُلٍّ» لتدل عَلَیٰ استیعاب أجزاء الْمَدْلُول الوضعیّ، کما أَنَّنَا نقول فی «اقرأ کل کتاب» أن کلمه «کُلٍّ» تَدُلّ عَلَیٰ استیعاب کل ما یمکن أن ینطبق علیه الْمَدْلُول الوضعیّ للکتاب.

وکذلک الأمر فِی الدخول علی المعرفه، فَإِنَّنَا نبدل الفرد بالجزء فِی المعرفه ونقول: إن کلمه «کُلٍّ» تَدُلّ عَلَیٰ استیعاب کل ما یمکن أن یکون جزءاً من الْمَدْلُول الوضعیّ».

وحینئِذٍ عندما یقول القائل: «أکرم کل العلماء» وکان عندنا عالم واحد، فلا یصحّ هذا الکلام من القائل؛ لأَنَّهُ لا یصدق علیه أَنَّهُ جمعٌ، کما لا یصحّ هذا الکلام إن کان عندنا عالمان فحسب. أَمَّا إن کان لدینا ثلاثه علماء إلی المائه. فکل فرد من هؤلاء الثَّلاثه یمکن أن یکون جزءاً من الْمَدْلُول الوضعیّ لهیئه الجمع، فتستوعبه کلمه «کُلٍّ». وکذلک الفرد الرَّابع یمکن أن یکون جزءاً من الْمَدْلُول الوضعیّ لهیئه الجمع، فتستوعبه کلمه «کُلٍّ»، وکذلک الخامس إلی المائه. فالعموم الَّذی نفهمه من أمثال قوله: «أکرم کل العلماء» هذا عمل الأداه (= کلمه «کُلٍّ») نفسها ولیس منتوجاً ل_«العلماء» (حیث أراد صاحب الوجه أن یقول بأن هذا من صنیع العلماء ومن عمل المدخول)، إذن، فکلمه «کُلٍّ» تَدُلّ عَلَیٰ استیعاب الأجزاء.

ص: 20

وَالنَّتِیجَه أن فهم العموم واستفادته مستند إلی کلمه «کُلٍّ» (= الأداه) ولم یثبت أن العموم استفید من العلماء نفسه (أی: من الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ). فهذا الوجه الَّذی أراد أن یثبت أن الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ یفید العموم، لم یَتُِمّ ولم نقبله.

وبهذا البیان الَّذی ذکرناه نستطیع أن نفسر استفاده العموم من الکلام حتّی فِی الموارد الَّتی لا یوجد لِلْمُتَکَلِّمِ فیها مراد استعمالی. من قبیل المتکلم النائم الَّذی قال مِنْ دُونِ قصد: «أکرم العلماء». أی: لا یصحّ أن نقول: هذا الْمُتِکَلِّم النائم تَلَفَّظَ بهذا اللَّفظ لکی یُخطر المعنی الکذائی فِی ذهن السَّامِع؛ فإِنَّهُ لا التفات له ولا قصد لدیه. ونفهم العموم هنا بواسطه الأداه.

فَیَکُونُ هذا التَّفْسِیر فِی فهمنا للعموم تفسیر شامل لا یختصّ بموارد وجود الإراده الاِسْتِعْمَالِیَّه، فَإِنَّ من الواضح وجداناً أَنَّنَا نفهم العموم حتّی فِی موارد فقدان الإراده الاِسْتِعْمَالِیَّه کفهمنا من قول النائم: «أکرم کل العلماء».

فهذا شاهد عَلَیٰ أن کلمه «کُلٍّ» هی الَّتی تَدُلّ عَلَیٰ العموم، لا أنّ لفظ «العلماء» تَدُلّ عَلَیٰ العموم، کما تخیّل صاحب الوجه؛ إذ لو کان الأمر هکذا فصاحب الوجه لا یستطیع أن یفسّر لنا فهمَ العموم فِی موارد فقدان الإراده الاِسْتِعْمَالِیَّه کالنوم. إذن، فهذا الوجه الثَّانِی غیر تامّ أیضاً.

بعد ذلک نأتی إلی الوجه الثَّالث من الوجوه الَّتی یمکن أن تُذکر لإِثْبَاتِ أن الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ یَدُلّ عَلَیٰ العموم. وهذا الوجه یرید أن یرکّز ویدعم المسلک الثَّانِی من المسلکین المتقدّمین (فِی الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ). حیث بحثنا سابقین بأَنَّ هناک مسلکین: 1- الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ وُضِع للعموم فِی اللُّغَه مباشرو. 2- «اللاَّم» وضعت لا للعموم ابتداءً، بل وضعت لتعیّن مدخولها. غایه الأمر إذا دخلت «اللاَّم» عَلَیٰ الجمع تَدُلّ عَلَیٰ أن مدخولها وهو الجمع متعین، وتعین الجمع لا یکون إلاَّ بالمرتبه الأخیره، وإلا فلو أراد الْمُتِکَلِّم أقل من المرتبه الأخیره (کالتسعین) فَإِنَّهَا لا تکون متعینه؛ لأَنَّهُ تُتَصَوَّر عدّه تسعینات داخل المائه (فیبقی مردداً وغیر متعیناً من حیث المصداق الخارجیّ). فالتعین فِی الجمع ملازم للعموم، وهذا کان مسلکاً ثانیاً یؤدی بالمآل إلی العموم لکن یصل إلی العموم بصوره غیر مباشره.

ص: 21

فیراد دعم هذا المسلک الثَّانِی وتکمیله فِی الوجه الثَّانی الَّذی سوف نبینه غداً إن شاء اللٰه تعالی. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه.

العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

الوجه الثَّالث من وجوه إثبات أن الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ یفید العموم والاستیعاب هو أن یقال: بأن لا إِشْکَال فِی دلاله «اللاَّم» لغهً وعرفاً عَلَیٰ التّعیّن، وأن مدخول هذه الکلمه (هذا المدخول، مدخول «اللاَّم») معناه متعیّن ومشخص ولیس مردّداً ولا غموضَ ولا إجمال فیه عرفاً. وأمّا لغهً فقد نص علماء الْعَرَبِیَّه عَلَیٰ أن «اللاَّم» تَدُلّ عَلَیٰ التّعیین، فلا بُدَّ من أن یکون مدخولها مُتَعَیَّناً بنحو من أنحاء التّعیّن.

وحینما تدخل هذه «اللاَّم» عَلَیٰ الجمع مثل «علماء» فِی «العلماء»، یبقی للاَّمِ هنا المفاد نفسه الَّذی ذکرناه، أی: «اللاَّم» تَدُلّ عَلَیٰ أن هذا الجمع الَّذی دخلت علیه «اللاَّم»، جمعٌ متعین ومشخص. إلی هنا واضح، ولا إِشْکَال فیه.

وحینئِذٍ یبقی أن نعرف کیفیَّه تصوّر الجمع الْمُتَعَیّن، وأنَّه ما معنی تعیّن الجمع؟!

فِی الإجابه عن هذا السُّؤَال نَقُول: إِنَّ تعین الجمع له أحد الأنحاء الثَّلاثه التالیه:

النَّحْو الأوّل: أَنْ یَکُونَ هذا التّعیّن تعیناً عهدیّاً، أی: أَنْ یَکُونَ الجمعُ جمعاً معهوداً (جماعه معهوده)، سَوَاءٌ کَانَ هذا العهد عهداً ذِهْنِیّاً (أی: توجد جماعه معهوده من العلماء فِی ذهن الْمُتِکَلِّم وفی ذهن السَّامِع) أم کان عهداً ذِکریّاً (کما إذا قال الْمُتِکَلِّم: «أکرم العلماء» وکانا قد أتیا عَلَیٰ ذکر جماعهٍ معهوده) أم کان عهداً خارجیّاً (کما إذا کان هناک جماعه مُعَیَّنَه من العلماء جالسون بین یدی الْمُتِکَلِّم والسامع، وقال الْمُتِکَلِّم للسامع: «أکرم العلماء».

ص: 22

عَلَیٰ کلٍّ، لا إِشْکَال فِی أن التّعیّن الَّذی من «اللاَّم» تعین عهدی فِی کُلّ مورد یُفترض فیه وجودُ عهدٍ بنحو من الأنحاء الثلاثه. أی: أنّ «اللاَّم» تَدُلّ عَلَیٰ جماعه معهوده، ولا دلاله للام هنا عَلَیٰ العموم والاستیعاب (= کل العلماء)؛ لأَنَّ العهد قرینه قویه تمنع من أن تَدُلّ «اللاَّم» عَلَیٰ شیء غیر هذه الجماعه المعهوده. فلا إِشْکَال فِی عدم دلاله الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ عَلَیٰ العموم وعدم استفاده العموم منه فِی موارد العهد. أی: عدم التّعیّن العهدیّ أصلٌ موضوعیٌّ مفروغ عنه فِی باب دلاله الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ عَلَیٰ العموم. هذا هو النَّحْو الأوّل من التّعیّن وهو واضح.

النَّحْو الثَّانِی من التّعیّن هو أن یکون التّعیّن تعیناً جنسیّاً. أی: أن «اللاَّم» الداخله عَلَیٰ اسم الجنس (مثل العالم أو الرَّجُل أو المرأه) تَدُلّ عَلَیٰ تعیّن الجنس((1) ). والتعین الجنسی واضح فِی المفرد (مثل: العالم خیر من الجاهل)، ومعناه أن ذات الطَّبِیعَه (کطبیعه الرَّجُل) لها نحو من التعیّن والتشخص، ولا توجد طبیعه غامضه ومجمله.

أَمَّا إذا دخلت اللام عَلَیٰ الجمع، فَتَدُلُّ حینئذٍ عَلَیٰ الجنس أیضاً. أی: سوف یکون مقصود الْمُتِکَلِّم جنس الجمع، جنس الکثره، مثلاً إذا قال: «العلماء خیر من العالم الواحد» فإِنَّهُ لا یقصد من العلماء، علماء معهودین، ولا یقصد منه العموم (عموم الأفراد) بل یقصد جنس الجمع والکثره (أی: کثره العلماء خیر من العالم الواحد). هذا نحو آخر من التّعیّن. فلم یتجاوز الْمُتِکَلِّم هنا الوضعَ والمعنی الوضعیّ، ولم یتجوّز فِی استعماله واستعماله حقیقی.

ص: 23


1- (1) - فإنّ جنس الرَّجُل له تعیّن، وجنس المرأه له تعیّن، وجنس العالم له تعین کجنس، لا کفرد مُعَیَّن، أی: ذات الطَّبِیعَه؛ لأَنَّ اسم الجنس تَدُلّ عَلَیٰ الطَّبِیعَه، ذات الرَّجُل متمیزه عن الطَّبَائِع الأخری. فکل طبیعه من الطَّبَائِع لها نوع من التّعیّن والتشخص الخاصّ بها.

فیا تُرَیٰ هل لنا أن نحمل التّعیّن (فِی قوله: «أکرم العلماء») عَلَیٰ التّعیّن الجنسی؟

الجواب: لا؛ لأَنَّ التّعیّن الجنسی وإن کان نحواً من أنحاء التّعیّن، واستعمال «اللاَّم» فِی هذا النَّحْو من التّعیّن وإن کان صحیحاً وعرفیّاً، إلاَّ أَنَّهُ بحاجه إلی قرینه. فإن فِی قولنا: «العلماء خیر من العالم الواحد»، توجد قرینهٌ عَلَیٰ أن مقصوده من العلماء، کثرهُ العلماء. وهذه القرینه عباره عن أن هذا الْمُتِکَلِّم أوجد تقابلاً بین العلماء وبین العالم الواحد، مِمَّا جعلنا نفهم من هذا التقابل أَنَّهُ یرید أن یقیس الجمع بالمفرد. فمقصوده من العلماء «جمع العلماء». إذن، فلا إِشْکَال فِی أن الکلام یحمل عَلَیٰ هذا التّعیّن الجنسی.

أما إذا لم تکن هناک قرینه عَلَیٰ أن الْمُتِکَلِّم قصد التّعیّن الجنسی (أی: قصد جنس الجمع)، کما فِی قول القائل: «أکرم العلماء». فلا توجد قرینه عَلَیٰ أَنَّهُ أراد جنس الجمع، فلا موجب هنا عَلَیٰ حمل الکلام عَلَیٰ التّعیّن الجنسی. بل هناک قرینه ارتکازیه عَلَیٰ خلاف هذا العهد الجنسی، وهی عباره عن أَنَّهُ من المرتکز لدی العرف أن الْمُتِکَلِّم عندما یتلفظ بلفظ الجمع، یکون نظره إلی ذوات الأفراد، لا إلی جنس الجمع والکثره. وهذا الارتکاز یسبب انصراف الکلام إلی التّعیّن الجنسی (اللهم إلاَّ إذا کانت هناک قرینه، وقد تقدّم أَنَّها مسأله أخری. أَمَّا لو خلی الکلام وطبعه تقول القرینه الاِرْتِکَازِیَّه أن نظر الْمُتِکَلِّم إلی ذوات الأفراد، ولیس نظره إلی جنس الجمع وجنس الکثره).

النَّحْو الثَّالث: التّعیّن المصداقی وهو أَنْ یَکُونَ مدخول «اللاَّم» مُتَعَیَّناً خارجاً من حیث المصداق، ولیس مردّداً من حیث المصداق بین اثنین أو ثلاثه أو أربعه. وإذا بطل الأوّل وَالثَّانِی یَتَعَیَّنُ هذا النحو الثَّالث.

ص: 24

مثاله ما إذا دخلت «اللاَّم» عَلَیٰ الجمع وقیل: «أکرم العلماء»، فَحَیْثُ أَنَّ «اللاَّم» وضعت لغه وعرفاً لتدل عَلَیٰ أن مدخولها متعین، لا تعیّناً جنسیّاً (لأَنَّنَا قلنا أَنَّ هناک قرینه ارتکازیه عَلَیٰ خلافه) ولا تعیّناً عهدیّاً (لأَنَّ المفروض أَنَّهُ لا توجد قرینه عَلَیٰ العهد)، فَیَنْحَصِرُ التّعیّن بالتعین المصداقیّ. أی: «اللاَّم» تَدُلّ هنا عَلَیٰ أن مدخولها متعین من حیث المصداق خارجاً. ولا یتحقّق هذا التّعیّن المصداقی خارجاً إلاَّ إذا کان مراده من «العلماء» «کل العلماء»؛ لأَنَّه لا مصداق خارجاً لتمام المائه من إلاَّ مصداق واحد (إذ لا توجد أکثر من مائه داخل المائه). وأَمَّا لو أراد الْمُتِکَلِّم من العلماء ما هو أقل من المائه، کالتسعین أو الثمانین، فَتُتَصَوَّرُ هناک عدّه تسعینات وثمانینات داخل العلماء المائه.

إذن، أثبت هذا النحو الثَّالث أن الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ یَدُلّ عَلَیٰ العموم.

إلاَّ أن الصَّحِیح (کما أفاد سَیِّدنَا الأُسْتَاذ الشَّهِید رحمه اللَه) هو أنَّ هذا الوجه أیضاً لا یُثبت لنا أنَّ «اللاَّم» تَدُلّ عَلَیٰ العموم وحدها. نعم، نحن نقبل بنتیجه أن قوله: «أکرم العلماء» یفهم منه الشُّمُول والاستیعاب. أی: یفهم منه وجوب إکرام تمام المائه إذا کان عدد العلماء مائه مثلاً. وهذا واضح ولا نرید أن نناقشه. ولکن هل هذا الفهم (فهم الشُّمُول والاستیعاب) مستند إلی «اللاَّم» بالبیان الَّذی ذکره صاحب هذا الوجه؟ أو مستند إلی مجموع «اللاَّم» مع قرینه الحِکْمَه المتوفره فِی قوله: «أکرم العلماء»؟!

توضیح ذلک: أَنَّنَا لا نناقش فِی أن «اللاَّم» وضعت وتدلّ عَلَیٰ التّعیّن (تعین المدخول) ولا نناقش أیضاً فِی أن التّعیّن هو تعین مصداقی. بل نتساءل أن قوله: «أکرم العلماء» الَّذی یَدُلّ عَلَیٰ وجوب إکرام تمام الأفراد (المائه)، عَلَیٰ أی أفراد یَدُلّ؟ هل یَدُلّ عَلَیٰ تمام أفراد الْمَادَّه (= مادّه العلماء، یعنی العالم)؟ أم تَدُلّ عَلَیٰ أَنَّهُ أراد تمام أفراد «العالم العادل»؟ أم أراد تمام أفراد «العالم المؤلف»؟ أم أراد أفراد العالم الفقیه وهکذا سائر القیود الْمُتَصَوَّرَه والمحتمله؟! إذن، تَدُلّ «اللاَّم» عَلَیٰ أن مراده تمام الأفراد، لأَنَّ التّعیّن المصداقی منحصر فِی أن یکون مراده تمام الأفراد، ولیس مراده عدداً صحیحاً أقل من التمام (کالتسعین؛ لأَنَّ مصداقه مُرَدَّد بین أکثر من واحد) ولا عدداً کسراً أقل من العلماء (کنصف العلماء وثلث العلماء؛ لأَنَّ مصداقه مُرَدَّد) ولا نسبهً مئویه أقل (کعشرین بالمائه من العلماء؛ لأَنَّ مصداقه مُرَدَّد أیضاً). إلی هنا مقبول ولا نقاش فِیه.

ص: 25

لکن السُّؤَال هو أن مراده تمام أفراد «العالم» (أی: تمام أفراد الطَّبِیعَه المطلقه)، فَیَکُونُ مقصوده کل المائه، أم تمام أفراد «العالم العادل» من بین هؤلاء المائه، فإن مصداق تمام «العلماء العدول» من هؤلاء المائه، مُعَیَّن ولیس مردداً ولیس له مصداقان، فإذا قال الْمُتِکَلِّم: «أکرم العلماء» وأراد تمام أفراد العلماء العدول من بین المائه، لا یکون کلامه مردداً؛ إِذْ أَنَّ عدد العلماء العدول مُعَیَّن داخل المائه (مثلاً ثمانون منهم عدول وَعِشْرُونَ منهم فساق). إذن، التّعیّن محفوظ ولکن بماذا ننفی احتمال أن یکون مراده تمام علماء العدول، واحتمال أن یکون مراده الفقهاء من العلماء أو المتهجدین منهم أو ...؟! هل ننفیه ب_«اللاَّم»؟ الجواب: «اللاَّم» حیادیه حیال ذلک؛ إذ أنَّها ترید تمام الأفراد حتّی لا تکون مصداقه مُرَدَّداً فِی الخارج. وحینئِذٍ یصل الدّور إلی إجراء الإِطْلاَق وقرینه الحِکْمَه فِی طبیعه «العالم»، والقول بأَنَّهُ لطالما قال: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ»، تَدُلّ مَادَّه الجمع عَلَیٰ الطَّبِیعَه المطلقه (أی: هو أراد تمام أفراد الطَّبِیعَه المطلقه، وتمام الأفراد هو المائه).

والخلاصه أن فهمنا للعموم یکتمل فیما إذا ضممنا قرینه الحِکْمَه إلی جانب «اللاَّم»، وقلنا: إن «اللاَّم» تَدُلّ عَلَیٰ أَنَّهُ أراد تمام الأفراد، وقرینه الحِکْمَه تَدُلّ عَلَیٰ أَنَّهُ أراد تمام أفراد الطَّبِیعَه المطلقه؛ إذ لو کان مراده تمام أفراد «العالم العادل» لذکر القید، ولو أراد تمام أفراد العالم الفقیه لذکر القید. فلم یثبت ما أراده صاحب الوجه من أن فهم العموم والشمول والاستیعاب مستند إلی «اللاَّم»، باعتبار أنَّها وضعت للتعین ولا یکون تعیّن الجمع إلاَّ بالعموم (لکل المائه).

هذا هو التلفیق الَّذی یقوله سَیِّدنَا الأُسْتَاذ الشَّهِید رحمه اللَه. أی: مِنْ دُونِ التلفیق بین «اللاَّم» وبین مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ لا یَتُِمّ هذا الوجه.

ص: 26

یبقی عندنا الوجه الرَّابع وهو الوجه الأخیر من وجوه دلاله الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ عَلَیٰ العموم یأتی إن شاء اللٰه تعالی یوم الأحد؛ لأَنَّ یوم السبت یصادف ذکری استشهاد الإمام الصادق علیه السلام. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه.

العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

کُنَّا نتحدث فِی الوجه الثَّالث من الوجوه الَّتی قد تذکر لإِثْبَاتِ أن الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ یَدُلّ عَلَیٰ العموم وقد ذکرنا فِی البحث السَّابِقَ هذا الوجه، وکان هذا الوجه یستند إلی القول بأن اللاَّم موضوعه لتعین مدخولها، والتعیّن لا یمکن أن یکون فِی الجمع إلاَّ بإراده المرتبه الأخیره من الجمع؛ لأَنَّ الجمع له تعین فِی مرتبته الأخیره من حیث المصداق الخارجیّ. أی: مصداقه واضح ولیس له غیر مصداق واحد وهو کل المائه (فیما لو کان العلماء مائه). أَمَّا ما دون المرتبه الأخیره فهذا الأَقَلّ کالتسعین من المائه، لَیْسَ مشخصا خارجاً أَنَّهُ من هم؟ فاللام تَدُلّ عَلَیٰ التّعیّن والتعین فِی الجمع مساوق وملازم للعموم.

هذا الوجه ناقشناه فِی الیوم الدرسی الماضی، وأرید هنا أن أزیدکم شیئاً من التوضیح للجواب الَّذی ناقشنا به هذا الوجه ثم ننتقل إلی الوجه الرَّابع:

أقول: لا إِشْکَال فِی أن الجمع بمعزل عن اللاَّم مثل علماء له مراتب، وکل مرتبه من المراتب تتمثل فِی کثره وجماعه لا تقل عن ثلاثه، من مرتبه ثلاثه فما فوق. وبعض المراتب أکبر. وکل واحده من هذه المراتب محدده بحد تتقوّم بهذا الحدّ. وهذا الحدّ عَلَیٰ قِسْمَیْنِ: حدّ کمی، وحد کیفی.

أَمَّا الحدّ الکمی فنقصد به عدد أفراد هذه الجماعه وهذه الکثره، ومقدارها، مثلاً: سبعه من العلماء، أو ثلث من العلماء، أو عِشْرِینَ بالمائه من العلماء.

ص: 27

وأمّا الحدّ الکیفی ونقصد به نوعیه أفراد هذه الجماعه وهذه الکثره. أی: فئتهم الخاصّه الَّتی ینتسبون إلیها، هل هم من فئه العدول أو من فئه الْفُسَّاق، من فئه الفقهاء أو من فئه الفلاسفه وهکذا. وحینئِذٍ فعلی أی حال کل واحد من هذه الجماعه یتنسب إلی فئه واجده لقید أو فاقده لقید.

حینئذٍ نَقُول: إِنَّ هیئه الجمع وضعت (کأی هیئه من الهیئات) بالوضع العام والموضوع له الخاصّ لکل کثره وجماعه من هذه الکثرات والجماعات الَّتی قلنا أن کل واحده منها محدوده بحد کمی ومحدوده بحد کیفی.

ومعنی الوضع العامّ هو أنّ الواضع حینما أراد أن یضع هیئه الجمع تصوّر واستحضر فِی ذهنه معنیً عامّاً جامعاً مشیراً إلی واقع الکثرات والجماعات، واتخذه مشیراً إلی واقع هذه الکثرات الَّتی کل واحده منها متمیزه ومتحدّده بحد کمی وکیفی.

ومعنی الْمَوْضُوع له الخاصّ هو أن الواضع حینما وضع هیئه الجمع ما وضعها لهذا المعنی الجامع (وإلا لکان الوضع عامّاً والموضوع له عامّاً وکان یصبح اسم الجنس) وإنَّما وضع اللَّفظ لکل واحده واحدهٍ من هذه الکثرات الَّتی هی مصادیق لذاک المعنی العامّ (أی: لواقع الکثرات الموجوده فِی الخارج، بحیث أن کل جماعه لا تقل عن ثلاثه ومحدوده بحد کمی وکیفی، هی معنی من معانی هیئه الجمع. مثل المشترک اللَّفظیّ، حَیْث أَنَّ کل معنی من المعانی فِی المشترک اللَّفظیّ هو معنی مستقلّ للمشترک اللَّفظیّ، کذلک ثلاثه من العلماء معنیً من معانی هیئه الجمع، کما أن أربعه من العلماء معنیً من معانی هیئه الجمع وهکذا فِی الخمسه والسته والسبعه وغیرها. وکذلک الأمر فِی الحدّ الکیفی مثل العلماء العدول (أی: هذه الجماعه المحدده بحد کیفی وهو حدّ العداله) معنیً من معانی هیئه الجمع. وَالْحَاصِلُ أَنَّ هیئه الجمع لها معانٍ عدیده بعدد الکثرات والجماعات المحدده بحد کمی وکیفی. فتکون هیئه الجمع کالمشترک اللَّفظیّ تماماً.

ص: 28

غایه الأمر، أن المشترک اللَّفظیّ مَوْضُوع بأوضاعٍ عدیده لمعانٍ عدیده، لکن هیئه الجمع مَوْضُوع بوضع واحد لمعانٍ عدیده. وهذه میزه الْمَوْضُوع له الخاصّ کما قلنا. وکذلک الحروف مثل کلمه فِی؛ فإنّ الْمَوْضُوع له فِیها خاصّ، أی: هذه الظرفیه الخارجیه الموجوده بین هذا الماء وهذا الإناء بحدها الخارجیّ المتمیز هی معنیً من معانی فِی. ولیس معنی فِی عباره عن الظرفیه الجامع الَّذی هو مفهوم اسمی، وإلا فکانت فِی تصبح اسماً، بل معنی فِی واقع الظَّرفیّات الکثیره (المتوفره بالملایین) بین الظروف والمظاریف. فالحروف بشکل عام والهیئات بشکل عامّ الوضع فیها عامّ، لکن الموضوع له فیها خاصّ. ومعنی الْمَوْضُوع له فیها خاصّ یعنی خصوص ذاک الفرد الخارجیّ هو معنی من معانی هذا الحرف أو هذه الهیئه. ومن هنا بعضهم أنکره لأَنَّهُ بعید عن الذِّهْن ویحتاج إلی تعمّق. ونحن أثبتنا ذلک بِالنِّسْبَهِ للحروف والهیئات فِی البحوث السَّابِقَه قبل سنین.

وهذا معناه أن استعمال هیئه الجمع فِی کُلّ واحده واحدهٍ من هذه المعانی استعمالٌ صحیح (أی: لَیْسَ مخالفاً لنظام اللُّغَه) وحقیقیّ (أی: لیس مجازاً)؛ لأَنَّ کل واحده من هذه المراتب هی معنیً مَوْضُوع له. کما أن استعمال المشترک اللَّفظیّ فِی کُلّ معنیً من معانیه استعمالٌ صحیح وحقیقیّ (أی: لا یحتاج إلی قرینه صارفه). فإن استعمل الْمُتِکَلِّم لفظ علماء وأراد به ثلاثه من العلماء (بینما أن عدد العلماء مائه)، سوف یکون استعماله صحیحاً وحقیقیّاً. وکذلک یصحّ استعماله فیما لو استعمله وأراد به أربعه أو عشره (= الحدّ الکمی) أو أراد علماء عدول (= الحدّ الکیفی).

أجل، السَّامِع سوف لا یفهم مقصود الْمُتِکَلِّم، ویحتاج إلی قرینه مُعَیَّنَه للتفهیم، ولا یحتاج إلی قرینه صارفه، فإن الأخیره للمجاز، کما هو شأن المشترک اللَّفظیّ حیث یحتاج إلی قرینه مُعَیِّنَه وإلا فَسَوْفَ لا یفهم المخاطب مقصودَ الْمُتِکَلِّم. فعلی سبیل المثال إن کلمه القرء الوارده فِی الآیه الکریمه {والمطلقات یتربصن بأنفسهن ثلاثه قروء} تحتاج إلی قرینه معیِّنه تعیّن وتبین أن المقصود من القرء ثلاثه أطهار أو ثلاثه حیضات. مَعَ أَنَّ الاستعمال فِی کلیهما صحیح. فالإجمال موجود، ولکن وجود الإجمال لا یضرّ بصحه الاستعمال ولا یضرّ بکون الاستعمال استعمالاً حقیقیّاً.

ص: 29

الآنَ نأتی إلی اللاَّم، إذا جاءت اللاَّم ودخلت عَلَیٰ هذا الجمع، فنسلم ونؤمن بما یقوله صاحب الوجه الثَّالث من أن اللاَّم عندما تدخل عَلَیٰ الجمع، موضوعه لتعیّن هذا الجمع. والمقصود هو التّعیّن المصداقی دون العهدی والجنسی. أی: أَنْ یَکُونَ هذا الجمع الَّذی أراده الْمُتِکَلِّم وقصده وهذه الجماعه وهذه الکثره الَّتی أرادها الْمُتِکَلِّم حینما قال: العلماء، أَنْ تَکُونَ هذه الجماعه لها مصداق خارجی مُعَیَّن ومشخص. وهذا لا یکون إلاَّ إذا کان مراده مرتبه الاستغراق والتمام. أی: أَنْ یَکُونَ مقصوده تلک المرتبه من الکثره الَّتی هی المرتبه الأخیره. أی: تلک المرتبه من الکثره الَّتی لیست محدده بحد کمی. هذا معنی قولهم فِی النَّحْو: اللاَّم للاستغراق (أی: اللاَّم عندما تدخل عَلَیٰ الجمع تَدُلّ عَلَیٰ أن مدخولها متعین مصداقاً والتعین المصداقی لا یکون إلاَّ بالاستغراق). فالحاصل أَنَّنَا نقبل بأن المقصود تمام أفراد الکثره، ولیس نصفهم أو ثلثهم أو أقل من التمام.

إذن، هیئه الجمع عند دخول اللاَّم علیها تَدُلّ اللاَّم عَلَیٰ أن هذا الجمع الَّذی أرید مِن قِبَلِ الْمُتِکَلِّم، هو جمعٌ مستغرِق، أی: غیر محدّد بحد کمی.

ولکن یبقی سؤال آخر وهو أَنَّهُ بعد أن نفینا الحدّ الکمی من خلال اللاَّم، هل یُحدّد هذا الجمع بحد کیفیّ (أی: تمام العلماء العدول أو تمام العلماء المؤلفین أو تمام العلماء الزاهدین). فلا کلام حینئذٍ فِی قبول الاستغراق، وإنَّما الکلام کُلّه فِی هویه هذا الاستغراق، وهذا ما لا تعیّنه اللاَّم ولا تجیب عنه؛ إذ أنّ معنی اللاَّم (وهو تعیّن المدخول من حیث المصداق الخارجیّ) محفوظٌ فِی الحدّ الکیفی. أی: إذا أراد الْمُتِکَلِّم تمام العلماء العدول، لا نشک بأن مصداق تمام العلماء العدول فِی الخارج واحد وغیر مُرَدَّد؛ فإِنَّهُ لا یوجد عندنا تمامان من العلماء العدول، کما أَنَّهُ لا توجد عندنا مائتان من العلماء (حَسَبَ الْفَرْضِ). وحینئِذٍ نسأل: کیف ننفی أن یکون مراده تمام العلماء العدول (أو القیود الأخری) والحال أن اللاَّم حیادیه (حیال أن المراد تمام العلماء المائه أو تمام العلماء العدول) ولا تنفی شیئاً، ومعنی اللاَّم محفوظ فِی کلیهما. إذن، نحتاج إلی دالّ آخر یَدُلّ عَلَیٰ أنّ المقصود تمام أفراد العالم (= ذات الطَّبِیعَه مِنْ دُونِ أی قید)، مِنْ دُونِ قید العداله وقید التألیف والزهد وإلی ما هنالک من القیود المحتمله.

ص: 30

هذا هو التوضیح الَّذی أردت أن أبینه لمناقشه الوجه الثَّالث.

الوجه الرَّابع: من الوجوه الَّتی قد تذکر لإِثْبَاتِ دلاله الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ عَلَیٰ العموم هو أن یقال: لا إِشْکَال فِی فهم العموم والاستیعاب من الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ (ومن هنا فإن ورد أکرم العلماء لا یوجد فقیه لا یفتی بالاستیعاب والعموم ووجوب إکرام جمیع العلماء، کما تقدّم) إِنَّمَا الکلام فِی منشأ هذا الشُّمُول والاستیعاب الَّذی نفهمه من الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ. هل أن المنشأ هو الوضع؟ أو أَنَّ المنشأ هو الإِطْلاَق ومقدّمات الحِکْمَه.

فعلی الأوّل (أی: إن کان الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ حقیقهً مَوْضُوعاً فِی اللُّغَه للعموم) سوف یکون العموم مدلولاً وَضْعِیّاً تصوُّریّاً (أی: بمجرّد أن نسمع اللَّفظ، یأت العموم إلی الذِّهْن)، بحیث لو استعمل هذا اللَّفظ فِی غیر العموم لکان الاستعمال مجازاً.

وعلی الثَّانِی (أی: إن کان منشأ هذه الدِّلاَلَه والفهم هو الإِطْلاَق ومقدّمات الحِکْمَه دون الوضع)، فسوف لا یَکُونُ العموم والاستیعاب الَّذی نفهمه مدلولاً وَضْعِیّاً (لأَنَّهُ ثابت من خلال قرینه الحِکْمَه) تصوُّریّاً لِلَّفْظِ (لأَنَّ مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ تثبت المراد الْجِدِّیّ ولا تثبت المراد التَّصوُّریّ، ومن هنا لا یجری الإِطْلاَق فِی الموارد الَّتی لا یوجد مراد جدّی فیها لِلْمُتِکَلِّمِ، کالهازل والنائم).

إذن، لو کان منشأ هذه الدِّلاَلَه الإطلاقُ فهذا معناه أن الاستیعاب والشمول الَّذی نفهمه مدلول تصدیقی جدّی للکلام، وحینئِذٍ یکون استعمال الجمع فِی غیر العموم أیضاً استعمالاً حقیقیّاً؛ لأَنَّنَا فرضنا أن العموم هذا لم یدخل فِی المعنی الوضعیّ للکلمه وإنَّما استفدنا العموم من قرائن الحِکْمَه. فلو استعمل اللَّفظ فِی غیر العموم یکون الاستعمال حقیقیّاً ولیس مَجَازِیّاً. فنحن نرید أن نفهم هل أن منشأ الدِّلاَلَه ومنشأ هذا الفهم للعموم هو الوضع أو الإِطْلاَق؟ السُّؤَال المطروح فِی المقام هو أَنَّهُ هل تصلح مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ لکی تفسّر لنا هذا الفهم؟ أی: هل تصلح مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ لکی تکون منشأ هذه الدِّلاَلَه وهذا الفهم الَّذی ذکرناه؟ إن کانت صالحه فمعناه أن الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ سوف یبقی مُجْمَلاً، لأَنَّنَا سوف لا نفهم هل أن منشأ الشُّمُول (الَّذی فهمناه) هو الوضع أو الإِطْلاَق؟! حَیْث أَنَّ کلا من الوضع والإطلاق صالح لتفسیر هذا الفهم. أَمَّا لو لم تصلح مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ لتفسیر هذا الفهم، فحینئذٍ یَتَعَیَّنُ الوضع؛ إذ لا یوجد خیار ثالث. ومن هنا یرید الوجه الرَّابع الترکیز عَلَیٰ هذه النُّقْطَه، أی: یرید أن یثبت ببرهانین أن مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ غیر صالحه لتفسیر هذا الفهم والشمول، کی یکون التالی کون الوضع هو منشأ هذا الفهم. وهذا ما سوف نذکره غداً إن شاء اللٰه تعالی. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه.

ص: 31

العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

کانَ الکلامُ فی وجوه إثبات دلاله الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ عَلَیٰ العموم وانتهینا إلی الوجه الرَّابع وهذا الوجه یرید أن یثبت أن فهمنا للاستیعاب والشمول من الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ لَیْسَ مستنداً إلی مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ وقرائنها، وبالتَّالی فیتعین أن یکون هذا الفهم مستنداً إلی الوضع (فإن دلاله لفظ عَلَیٰ معنیً لا تأتی من السَّماء، ولا بُدَّ أَنْ تَکُونَ إما من قرینه وإما وضع الواضع فِی اللُّغَه) فیثبت المُدَّعی والمطلوب. فهذا الوجه یرید أن یثبّت أن هذه الدِّلاَلَه لَیْسَ منشأها مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ، فیتعین أن یکون منشأها هو الوضع؛ وذلک بالقول بأَنَّهُ لا إِشْکَال فِی أن هناک فرقاً بین العامّ وبین المطلق. وقد سبق أن ذکرنا هذا الفرق فِی أوَّل بحث العامّ عندما کُنَّا نذکر تعریف العموم حیث قلنا إِنَّه رغم أن العامّ (= مثل أَکْرِمْ کُلَّ عَالِمٍ) والمطلق (= مثل أَکْرِمِ الْعَالِمَ) مشترکان فِی الشُّمُول والاستیعاب (= سرایه الحکم إلی تمام الأفراد)، لکن هناک فرق جوهری وحقیقیّ بین العامّ والمطلق، وهذا الفرق هو أَنَّ فِی العامّ نظر الْمُتِکَلِّم فِی مرحله اللَّفظ والکلام إلی الأفراد (یعنی: الأفراد ملحوظه فِی مرحله اللَّفظ والکلام). الْمُتِکَلِّم حشر الأفراد فِی المدلول الوضعیّ والاستعمالی للعامّ، ثم صبّ الحکم وقال: أَکْرِمْ کُلَّ عَالِمٍ مثلاً، وإن کانت هذه النظره إجمالیه ولیست تفصیلیه. أی: اللَّفظ بمدلوله ناظر إلی الأفراد. هذا فِی باب العامّ.

أَمَّا فِی باب المطلق (= أَکْرِمِ الْعَالِمَ) فلا یکون اللَّفظ نَاظِراً إلی الأفراد، بل هو ناظر إلی ذات العالم ویدلّ عَلَیٰ ذات الطَّبِیعَه بما هی هِی، ثم بعد ذلک تأتی مقدّمات الحِکْمَه وتنفی القیودَ الزائده (تنفی قید العداله فیما إذا کُنَّا نحتمل إکرام العالم العادل وأی قید یُحتمل) لنبقی نحن والذّات بما هی هِی، لکی یسری حینئِذٍ الحکم الَّذی انصبّ عَلَیٰ ذات الطَّبِیعَه إلی الأفراد. ولا یکون هذا السریان باللَّفظ؛ إِذْ أَنَّ اللَّفظ لَیْسَ هو الَّذی أسری الحکمَ إلی الأفراد کما کان فِی باب العامّ، ومقدّمات الحِکْمَه لم تسرِ الحکم إلی الأفراد أیضاً وإنَّما هی نفت القید (نفت أن یکون المراد العالم العادل أو الفقیه أو...). أَمَّا سریان الحکم إلی الأفراد فإنما هو بقانون عقلی یقول: إن انطباق الطَّبِیعَه عَلَیٰ أفرادها قهری (لطالما أن الحکم منصب عَلَیٰ ذات الطَّبِیعَه ولطالما أن هذه الأفراد أفرادٌ لهذه الطَّبِیعَه ولیست أفراداً لطبیعه أخری من الطَّبَائِع فِی العالم، إذن تنطبق هذه الطَّبِیعَه عَلَیٰ أفرادها بالعقل).

ص: 32

هذا هو الفرق الجوهری بین باب العامّ وباب المطلق. وحینئِذٍ لو قال الْمُتِکَلِّم: أَکْرِم علماء مِنْ دُونِ اللاَّم (مع عدم افتراض التَّنْوِین الدَّالّ عَلَیٰ الْبَدَلِیَّه)، نفهم منه ثبوت الحکم عَلَیٰ جماعه لا تقل عن ثلاثه، من أفراد العالم.

وحینئِذٍ نقول بأننا لو بقینا مع مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ، یجب علینا أن نفهم من أکرم العلماء ما نفهمه من أَکْرِمِ الْعَالِمَ نفسه، فکما نفهم منه ثبوت الحکم عَلَیٰ طبیعه العالم (بمعزلٍ عن الأفراد، حَیْث أَنَّ الکلام فِی أَکْرِمِ الْعَالِمَ لَیْسَ نَاظِراً إلی الأفراد). إذن، إن نفینا فِی أَکْرِمِ الْعَالِمَ أَنْ تَکُونَ اللاَّم موضوعه للعموم وبقینا نحن ومقدّمات الحِکْمَه علینا أن نفهم ثبوت الحکم عَلَیٰ طبیعه جمع العالم (وَالَّذِی کُنَّا نفهمه هناک)، مِنْ دُونِ أن نفهم شیئاً أکثر من هذا.

والحال (یقول صاحب هذا الوجه) أن هذا خلاف الوجدان؛ لأن الوجدان قاضٍ بأننا نفهم من أکرم العلماء النَّظَر إلی الأفراد، لا إلی ذات الطَّبِیعَه بما هی هِی. فهناک فرق بین أکرم العلماء وبین أَکْرِمِ الْعَالِمَ. فلا نفهم فِی أَکْرِمِ الْعَالِمَ النظرَ إلی الأفراد (وإنَّما نظره إلی ذات الطَّبِیعَه)، بینما الْمَفْهُوم من أکرم العلماء هو النَّظَر إلی الأفراد. وهذه الأفراد منظوره بأی منظار؟ بمنظار مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ؟ لا، لأَنَّهُ تقدّم أن مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ لا تُری الأفراد، حتّی فِی أَکْرِمِ الْعَالِمَ وإنَّما دورها نفی القیود الزائده عَلَیٰ الطَّبِیعَه.

إذن، فبأی شیء تَمَّ هذا النَّظَر المحسوس لدی الوجدان العربی إلی الأفراد فِی أکرم العلماء؟ فلو لم نقل أن هذه النَّظَر من خلال اللاَّم الَّتی وضعت فِی اللُّغَه للدِّلاله عَلَیٰ هذا الاستیعاب والشمول والنظر إلی الأفراد، فمن أین أتی؟ فیستنتج صاحب هذا الوجه أَنَّه إذن نعرف من خلال وجدانیَه الرُّؤْیَه إلی الأفراد فِی الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ أَنَّهُ إذن الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ (أو قل اللاَّم الداخله عَلَیٰ الجمع) مَوْضُوع للعموم. هذا وجه من وجوه إثبات أن الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ یَدُلّ عَلَیٰ العموم.

ص: 33

الجواب عن هذا الوجه: إلاَّ أن هذا الوجه أیضاً کالوجوه السَّابِقَه قابل للمناقشه؛ وذلک لأَنَّ من ینکر وضع الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ للعموم بإمکانه أن یقول فِی الجواب عن هذا الوجه: إن هذا الأمر الوجدانی الَّذی نشعر به جمیعاً (وهو وجود نظره ولو إجمالیه إلی الأفراد فِی الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ، وَالَّذِی لا نشکک فیه) لَیْسَ دَلِیلاً عَلَیٰ أنّ اللاَّم موضوعه للعموم، وإن کان أمراً صحیحاً؛ وذلک لأَنَّ بإمکان القائل أن یقول: إنّ هذه الرُّؤْیَه جاءت من اللاَّم (لا من مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ)، لکن لا بما أن اللاَّم وضعت للعموم، بل أن اللاَّم وضعت لتعین مدخولها (أی: وضعت لکی تَدُلّ عَلَی أن مدخول اللاَّم مصداقاً مشخص ومعین وغیر مُرَدَّد بین أفراد، إما مُعَیَّن بالعهد أو بالجنس أو بالمصداق الخارجیّ)، ولنفترض أَنَّنَا رجحنا التّعیّن المصداقی والخارجی. ثم ماذا؟ إذا کانت اللاَّم تَدُلّ عَلَیٰ أن مدخولها مصداقه مُعَیَّن وغیر مُرَدَّد، وحینئِذٍ قال القائل: أکرم العلماء، فَسَوْفَ تَدُلّ اللاَّم هنا عَلَیٰ أن العلماء (الدالَّه عَلَیٰ جماعه لا تقل عن ثلاثه) تَدُلّ عَلَیٰ أن مصداق هذه اللاَّم مشخص خارجاً، وذلک فیما إذا أراد الْمُتِکَلِّم من قوله: أکرم العلماء تمامَ المائه. أَمَّا إن أراد أقل من المرتبه الأخیره فَحَیْثُ توجد بدائل عدیده للأقل من المائه (إِذْ أَنَّ هناک تسعینات عدیده داخل المائه عَلَیٰ البدل).

فینحصر التعین المصداقی الخارجیّ بالعموم؛ إِذْ أَنَّ النظر إلی الأفراد جاءت من اللاَّم. وذلک باعتبار أن اللاَّم تَدُلّ عَلَیٰ تعین مدخولها (تَدُلّ عَلَیٰ إراده مرتبه من الجمع هی غیر محدده بحد کمی. یعنی: مرتبه مستغرقه للأفراد). إذن سببه اللاَّم لکن لا بالسبب الَّذی تصورتموه أنتم، بأن اللاَّم وضعت للعموم رأساً؛ إذ قد یکون المنشأ أن اللاَّم وضعت لتعین المدخول وتعین المدخول هنا مساوق للعموم.

ص: 34

إذن، هذا هو النقاش الَّذی یمکن أن یناقش به هذا الوجه.

ومعنی ذلک أَنَّهُ لا یوجد حینئذٍ برهان ودلیل لدینا یقتضی الوضعَ للعموم ویثبت الوضع له. فلا یوجد ما یَدُلّ عَلَیٰ أن اللاَّم وضع للعموم ابتداء، ولا یوجد دلیل عَلَیٰ أن اللاَّم وضعت لتعین المدخول المساوق للعموم کما کان یقول المسلک الثَّانِی. لا یوجد دلیل عَلَیٰ شیء من الأَمْرَیْنِ؛ لأَنَّ الدَّلِیل إما هو دلیل لمی وهو تصریح علماء اللُّغَه، بأن الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ هکذا. أو أن الدَّلِیل إنّیّ، أی: نحن نشعر بالوجدان فِی نفوسنا بذلک، وهذا الوجدان لا یمکننا تفسیره إلاَّ عَلَیٰ أساس الوضع. فمن المعلول نکتشف العلّه.

أَمَّا الدَّلِیل الأوّل (= تصریح أهل اللُّغَه) فلم نجد أحد من اللغویین صَرَّحَ بأن الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ وضع للعموم.

وأمّا الدَّلِیل الثَّانِی (= أن نجد وجداناً فِی داخل نفوسنا ثم لا یمکننا أن نفسره إلاَّ عَلَیٰ أساس العموم) فصحیح أَنَّنَا نشعر بالاستیعاب (کما قلنا بالأَمْسِ أَنَّهُ لا شکّ أن الفقیه یفتی بوجوب إکرام الجمیع إن سمع أکرم العلماء، فلیس الکلام فِی الدِّلاَلَه وفی أصل الاستیعاب)، لکن هذا الوجدان لَیْسَ بحیث لا یمکننا تفسیره إلاَّ بالوضع، بل بالإمکان أیضاً تفسیره بِمُقَدَِّمَاتِ الْحِکْمَهِ کما عرفنا سابقاً.

إذن دلالته عَلَیٰ العمموم لم تکن لوضعه عَلَیٰ العموم. فلم یثبت الوضع للعموم لا ابتداءً ولا بتوسط التّعیّن (کما یقول المسلک الثَّانِی). أی: لم یثبت عندنا شیء من الأَمْرَیْنِ، بل لعلّ من المطمئن به عندنا عدم کلا الأَمْرَیْنِ. أی: أصل الدِّلاَلَه عَلَیٰ العموم بتوسط اللاَّم الداخله عَلَیٰ التّعیّن، قد ناقشناه فی الأیام الماضیه وَقُلْنَا: إِنَّ اللاَّم وضعت لتعین مدخولها وتعین المدخول یُقصد به التّعیّن من حیث المصداق الخارجیّ أیضا، ولکن غایه ما یثبته هذا هو أَنَّ الْمُتِکَلِّم أراد من قوله: أکرم العلماء تمامَ الأفراد، ولیس أقل من التمام؛ لأَنَّ التمام هو الَّذی مصداقه واحد ومصداق غیر التمام أکثر من واحد. لکن یبقی هذا السُّؤَال، أَنَّهُ أراد تمام ماذا؟ تمام أفراد أی شیء؟ تمام أفراد طبیعه العالم المطلقه؟ أو تمام أفراد طبیعه العالم المقیّده بالعداله؛ لأَنَّها أیضا تمام الأفراد، لٰکِنَّها تمام أفراد الطَّبِیعَه المقیّده بالعلم.

ص: 35

إذن، إن معرفه هویه التمام بحاجه إلی إجراء الإِطْلاَق ومقدّمات الحِکْمَه لکی نقول: تمام أفراد الطَّبِیعَه المطلقه مِنْ دُونِ القیود، وإلا فمن دون مقدّمات الحکمه نبقی فِی منتصف الطَّرِیق.

فکلا المسلکین غیر صحیح؛ لأَنَّ المسلک الأوّل أیضاً بالإضافه إلی کونه مستبعداً من خلال استبعاد الاشتراک؛ لأَنَّ معنی ذاک المسلک هو أن یکون ل_اللاَّم وضعان فِی اللغه: 1- وضعٌ لتعین المدخول. 2- ووضعٌ للعموم بالخصوص؛ فإن هذا الاشتراک نفسه مستبعد، أی: لا نصیر إلیه إلاَّ فِی موارد فیها دلیل قوی. فهذا یحتاج إلی إثبات قوی.

هذا، وهناک منبه یرشدنا إلی أن اللاَّم لم توضع فِی اللُّغَه للعموم، وهو عباره عن أَنَّنَا نری أَنَّهُ لا إِشْکَال فِی عدم العنایه والتجوز فیما لو أن الْمُتِکَلِّم قیّد الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ بقید وقال: أکرم العلماء العدول؛ إذ أَنَّهُ کلام عربی صحیح والاستعمال قوی ولا إحساس بالمجاز فِی هذه الجمله، فهو یشبه تقیید المفرد (مثل: أَکْرِمِ الْعَالِمَ العادل)، فکما لا نحتاج إلی العنایه فِی تقیید المفرد، کذلک لا نشعر بالعنایه والتجوز فِی تقیید الجمع.

وهذا یکشف ویدلّ عَلَیٰ أَنَّ اللاَّم هی لیست موضوعه للعموم، وإلا فلو کانت اللاَّم موضوعه للعموم لدخلت عَلَیٰ علماء وأفادت العموم ثم هذا العلماء الدَّالّ عَلَیٰ العموم خُصِّصَ بالعدول. وهذا معناه أن التخصیص والتقیید بالعدول تَنَافَی مع المعنی الَّذی تَدُلّ علیه کلمه العلماء؛ لأَنَّ کلمه العلماء عُرفت باللام ثم وُصفت بالعدول؛ لأَنَّ الوصف مُعَرَّفٌ (= العدول) والوصف المُعَرَّف هو وصف للموصوف المعرف.

فاللام أوَّلاً جعلت علماء معرفه (أی: دخلت علیها وعرّفتها) ثم وصفت بالعدول. فرتبه التوصیف بعد رتبه دخول اللاَّم. أی: أصبح لهذا الاستعمال نوع من التلکأ.

ص: 36

للکلام صله تأتی غداً إن شاء اللٰه تعالی. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه.

العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

قلنا إِنَّه لم یَتُِمّ شیء من المسلکین فِی باب دلاله الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ عَلَیٰ العموم:

المسلک الأوّل فکان یقول بدلاله الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ عَلَیٰ العموم؛ وذلک لأَنَّ اللاَّم الداخله عَلَیٰ الجمع وضعت فِی اللُّغَه للعموم مباشره وَرَأْساً، کما أنَّها وضعت لتعیّن مدخولها أیضاً (أی: وضعت مَرَّتَیْنِ وبوضعین: 1- وضعت لتعین مدخولها. 2- وضعت للعموم مباشره).

والمسلک الثَّانِی: فهو القائل بأن هذه الدِّلاَلَه ناشئه من کون اللاَّم قد وضعت لتعین مدخولها، وبما أن تعیّن مدخولها ملازم للعموم، فَتَدُلُّ اللاَّم عَلَیٰ العموم.

أَمَّا المسلک الثَّانِی: فقد تَمَّت مناقشته وطرحه.

وأمّا المسلک الأوّل: فقد رفضناه أیضاً وذلک عَلَیٰ أساس أن من المستبعد جِدّاً أَنْ تَکُونَ اللاَّم مشترکاً لفظیّاً فِی لغه العرب، وذکرنا منبهاً لهذا الاستبعاد لم نکمله، وإلیک التکمله:

المنبه هو أَنَّهُ لا إِشْکَال فِی عدم العنایه والتجوز فِی موارد تقیید الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ بالمقید المتصل، کقولنا: أکرم العلماء العدول؛ إِذْ أَنَّ هذا التَّقْیِید تقییدٌ لا مؤونه فیه، وهو عَلَیٰ حدّ تقیید المفرد الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ. فَکَمَا لا یحس العربی بالمئونه والتجوز فِی مثل أَکْرِمِ الْعَالِمَ العادل، کذلک لا یشعر بالمجاز فِی مثل أکرم العلماء العدول، من حیث کونهما تقییدین بمقیدین مُتَّصِلَیْنِ، مع أَنَّهُ لو کانت اللاَّم موضوعه للعموم (ودالهً عَلَیٰ استیعاب أفراد مدخولها) لَشعرنا بالعنایه فِی مثل أکرم العلماء العدول، حیث أن قید العدول سوف یکون منافیاً ومخالفاً للمعنی الَّذی وضعت له اللاَّم؛ إِذْ أَنَّ اللاَّم (حسب فرضکم) موضوعهٌ لاستیعاب المدخول لأفراد العالم، فإن اللاَّم دخلت عَلَیٰ کلمه علماء لتصبح علماء ببرکه اللاَّم مستوعبه لکل أفراد العالم (سواء العدول أو الْفُسَّاق)، وبعد ذلک حینما جاء قید العدول أصبح هذا القید منافیاً (بحسب الدِّلاَلَه الوضعیَّه) لذاک الاستغراق الْمَدْلُول علیه باللام. أی: دخلت اللاَّم عَلَیٰ علماء قبل أن نقیِّد العلماء بالعدول، ثم بعد أن دخلت اللاَّم عَلَیٰ کلمه علماء وحوّلتها إلی المعرفه (= العلماء)، أردفنا لها وصف العدول. فجاء التوصیف فِی مرحله مُتِأَخِّرَه عن دخول اللاَّم.

ص: 37

وبعباره أخری إن مدخول اللاَّم عباره عن علماء فحسب، لا المجموع المرکب من العلماء والعدول. فلو کان هذا المجموع المرکب مَدْخُولاً للاَّم، لَوَجَبَ أن یکون وصفه نکرهً أیضاً (وَفقاً للتنکیر الموجود فِی مدخول اللاَّم؛ إذ المدخول بواسطه اللاَّم یصبح معرفهً)، والحال أن الوصف معرفهٌ. فکان من المفروض أن نقول: أکرم العلماء عدول ولا نقول أکرم العلماء العدول؛ لأَنَّ المدخول عباره عن المجموع المرکب من علماء وعدول. والحال أن هذا الاستعمال خاطئ وصحیحه هو أکرم العلماء العدول. ومعنی ذلک أن التوصیف أتی بعد أن أصبحت کلمه علماء معرفهً (أی: بعد دخول اللاَّم)، ف_اللاَّم وضعت لاستیعاب أفراد مدخولها، إذن فهی تَدُلّ بدلالتها الوضعیَّه التَّصوُّریَّه (قبل مجیء عدول) عَلَیٰ الاستیعاب والاستغراق. إذن، بعد ذلک عندما یأتی قید عدول ویُخرج الْفُسَّاق سوف یکون هذا القیدُ منافیاً وضعاً للاستغراق الَّذی دَلَّتْ علیه اللاَّمُ. هذا هو المنبه عَلَیٰ أن اللاَّم لم توضع لاستیعاب تمام أفراد مدخولها.

وبعباره أکثر وضوحاً أقول: إن قلنا بأن اللاَّم وضعت لاستیعاب مدخولها فَسَوْفَ نواجه ثلاثه احتمالات (فِی موارد تقیید الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ بقید مُتَّصِل مثل أکرم العلماء العدول) کُلّهَا بعیده وفی کل واحد منها محذور، والاحتمالات هی کالتالی:

الاحتمال الأوّل: أن نفترض أن یکون هذا القید (هذا المقیِّد المتصل المتقدّم ذکره) أیضاً جزءاً من مدخول اللاَّم (أی: مدخول اللاَّم هو المجموع المرکب من المقیِّد والقید، أو قل: هو المجموع المرکب من الموصوف والوصف).

وهذا الاحتمال بعید جِدّاً من الناحیه الإثباتیه ومن ناحیه المنهج الْعُرْفِیّ للترکیبات اللَّفظیَّه وذلک بحسب علماء الْعَرَبِیَّه؛ إِذْ أَنَّ مدخول اللاَّم عباره عن کلمه علماء فحسب، ولیس مدخولها عباره عن کلمه علماء والکلمات الَّتی تأتی بعد کلمه علماء (أی: لَیْسَ القید جزءاً من المدخول)، فهذه مِمَّا لا یعتبرها علماء الْعَرَبِیَّه مَدْخُولاً للاّم. ولو کان هذا المجموع مَدْخُولاً للام، لزم منه صحهُ قولنا: أکرم العلماء عدول؛ لأَنَّ مدخول اللاَّم مرکب من الموصوف والوصف، والموصوف نکره. فهذا الاحتمال الأوّل مُنْتَفٍ إثباتاً.

ص: 38

الاحتمال الثَّانِی أن نفترض أن القید لَیْسَ جزءاً من المدخول، وإنَّما مدخول اللاَّم هو کلمه علماء فحسب، ولکن یفترض صاحب هذا الاحتمال أن اللاَّم وضعت لاستیعاب تمام أفراد المدخول، من دون أیّ شرط وقید. فالمقیَّد عامّ ومستغرق لجمیع الأفراد (لدخول اللاَّم علیه)، لکن جاء القید وأخرج بعض الأفراد. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. المقیِّد یقول: الکل والقید یقول: لَیْسَ الکل. فیحصل التَّنَافِی فِی مرحله الدِّلاَلَه الوضعیَّه بین الْمَدْلُول الوضعیّ للمقیَّد والمدلول الوضعیّ للقید. وهذا هو العنایه الَّتی قلنا إِنَّنّا نشعر بها.

أجل، إِنَّنّا نقدِّم القید عَلَیٰ المقیِّد أخیراً وفِی مرحله الدِّلاَلَه التصدیقیه الجدّیَّه؛ لأَنَّهُ قرینه متصله. ولکن هل یحصل التَّنَافِی المذکور؟ هل یشعر العربی بنوع من التضارب والتمانع بین المدلولین التصوریین هنا (بِغَضِّ النَّظَرِ عن تلک الدِّلاَلَه التصدیقیه الجدّیَّه "أی: فِی الدِّلاَلَه التَّصوُّریَّه الوضعیَّه")؟!

الجواب عنه: هو أَنَّنَا لا نشعر بذاک التَّنَافِی والعنایه والتجوز فِی الْمَدْلُول التَّصوُّریّ الوضعیّ (وهو العموم مثلاً) بین مدخول اللاَّم وبین هذا القید المتصل. إذن، فهذا الاحتمال بعید جِدّاً وهو خلاف الوجدان الْعُرْفِیّ الَّذی یشعر بعدم العنایه وعدم التَّجوُّز فِی مرحله الدِّلاَلَه الوضعیَّه.

الاحتمال الثَّالث هو أن نقول: إِنَّ القید خارج عن المدخول (کالاحتمال الثَّانِی) ومدخول اللاَّم کلمهُ علماء فحسب، وَاللاَّم وضعت لاستیعاب أفراد العالم لکن بشَرْطِ (خلافاً للاحتمال الثَّانِی) أن لا یُذکر بعد المدخول قیدٌ، أَمَّا إن ذُکر بعد المدخول قید فهذا القید سوف لا یکون منافیاً لما دَلَّتْ علیه اللاَّم؛ لأَنَّ اللاَّم حینئذٍ لا تَدُلّ عَلَیٰ العموم. فإن صَحَّ هذا الاحتمال فلا نشعر بالعنایه والتجوز.

لکن هذا الاحتمال أیضاً بعید جِدّاً وذلک لنقطتین:

النُّقْطَه الأولی: أَنَّهُ خلاف الوجدان القاضی بأن الإتیان بالقید تقییدٌ لسعه المقیَّد ولیس کاشفاً عن التَّقَیُّد؛ فإن الإتیان بالقید (بناء عَلَیٰ هذا الاحتمال) یکشف عن أن العلماء کان مقیّداً من البدایه؛ إِذْ أَنَّ هذا الاحتمال یقول: إن اللاَّم وضعت لاستیعاب مدخولها بشرط أن لا یُذکر قیدٌ، فمع ذکر القید تبیّن أن الشَّرْط (شرط دلاله اللاَّم علی العموم) غیر موجود من البدایه. بینما الوجدان یقضی بأن القید لَیْسَ کاشفاً وإنَّما هو تقیید للمقیَّد من حین ذکره للمقید، فشأنه تماماً کشأن المفرد؛ فحینما نقول: أَکْرِمِ الْعَالِمَ العادل لا یکشف العادل عن شیء مسبق، وإنَّما هو تقیید سعه المقیِّد.

ص: 39

النُّقْطَه الثَّانیه: هی أن لازم هذا الاحتمال الثَّالث هو أنَّ الْمَدْلُول التَّصوُّریّ الوضعیّ للجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ یبقی معلقاً بین السَّماء والأرض إلی أن یُنهی الْمُتِکَلِّمُ کلامَهُ. وحینئِذٍ لا یکون أی معنی للعلماء، لأَنَّ علینا أن ننتظر الْمُتِکَلِّم لنری هل سیذکر قیداً أو لا یذکر؟ إن ذکر قیداً فیکشف القید عن أَنَّ اللاَّم لا یَدُلّ عَلَیٰ الشُّمُول، إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. وإن لم یذکر القید فَیَکُونُ الشَّرْط متوفراً فَتَدُلُّ اللاَّم حینئذٍ عَلَیٰ الاستیعاب. أی: أن الدِّلاَلَه الوضعیَّه لکلمه علماء تبقی مذبذبه بین السَّماء والأرض، لا هی موجوده ولا هی مفقوده، إلی أن یُنهی الْمُتِکَلِّم کلامه. وهذا خطأ فادح؛ إِذْ أَنَّ کل کلمه بمجرّد أن تُلفظ تحصل عَلَیٰ مدلولها الوضعیّ اللغوی. إذن فهذا الاحتمال الثَّالث بعید أیضاً.

وبهذا نکون قد أکملنا الکلام فِی هذه الجهه الثَّانیه من الجهات الثَّلاث الَّتی عقدناها فِی الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ، حیث عقدنا فِی البدایه (فِی العامّ الماضی) ثلاث جهات:

الجهه الأولی: فِی البحث عن تصویر دلاله الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ عَلَیٰ العموم (ثبوتاً وَعَقْلاً)، وهذا ما درسناه فِی العامّ الماضی.

الجهه الثَّانیه: البحث عن إثبات هذه الدِّلاَلَه خارجاً، وهذه هی الَّتی انتهت الیوم. وقبل الانتقال إلی الجهه الثَّالثه والأخیره من جهات البحث حول الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ ألخص ما قلناه فِی هذه الجهه من أَنَّهُ اتَّضَحَ لنا من خلال هذه الجوله الواسعه أَنَّهُ یوجد بشأن دلاله الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ عَلَیٰ العموم تخریجان ومسلکان واتجاهان رئیسیان فِی علم الأصول:

المسلک الأوّل: اللاَّم وضعت للعموم ابتداءً ومباشره.

المسلک الثَّانِی: لم توضع اللاَّم ابتداء للعموم، بل وضعت لمعنی آخر ذاک المعنی یلازم العمومَ وذاک المعنی عباره عن تعیّن المدخول.

ص: 40

أَمَّا نحن فلم یثبت عندنا شیء من المسلکین، لا ثبت وضعُ اللاَّم للعموم ابتداء، ولا ثبت عندنا وضع اللاَّم للعموم بتوسط وضعها لتعین المدخول، بل لعلّ المطمئن به عدم کلا الأَمْرَیْنِ. نعم، إِنَّنّا لا ننکر أصل دلاله الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ عَلَیٰ العموم، بمعنی أَنَّهُ إن واجهنا فِی الفقه جمعاً محلی باللام منحطاً علیه حکم من الأحکام الشَّرعیَّه نفتی بلا إِشْکَال بالعموم. إلاَّ أَنَّهُ لم یتبرهن لدینا أن هذه الدِّلاَلَه هل هی مستنده إلی الوضع (کما یقول هذان المسلکان) أو أنَّها لیست مستنده إلی الوضع. وبالمآل والنتیجه: لا یمکننا أن نسمی الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ عاماً؛ إِذْ أَنَّ العامّ بالمصطلح الأُصُولِیّ هو الَّذی دلالته عَلَیٰ العموم تکون وضعیَّه. فأصل دلالته عَلَیٰ الشُّمُول والاستیعاب واضح، إلاَّ أَنَّهُ مذبذب بین العامّ والمطلق، فلم یتبرهن لدینا أَنَّهُ من أی واحد منهما.

هذا تمام الکلام فِی هذه الجهه الثَّانیه.

تبقی الجهه الثَّالثه وهی البحث عن أَنَّهُ هذا العموم الْمُسْتَفَاد من الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ أی قسم من أقسام العموم، فعندنا عموم استغراقیّ ومجموعی وبدلی. وهذا ما سنشرع فیه فِی الیوم القادم إن شاء اللٰه تعالی. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه.

العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

بقیت الجههُ الثَّالثه من جهات البحث عن الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ وهی عباره عن البحث عن نوعیه العموم الْمُسْتَفَاد من الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ. والسؤال المطروح هو أَنَّهُ هل یُستفاد العمومُ الْمَجْمُوعِیُّ من هذا الجمعِ. فهل یُستفاد من قوله «أکرم العلماء» وجوبُ إکرامِ مجموع العلماء، بحیث یکون لدینا حکم واحد وهو وجوب إکرام هذا المجموع بما هو مجموع. فلو کان عدد مجموع العلماء مائه، فهناک حکم واحد نحن مکلفون بامتثاله وهو وجوب إکرام هذه المائه. فلو أکرمنا تسعه وتسعین ولم نکرم واحداً لم نمتثل هذا الحکم أبداً؛ لأَنَّهُ کان یجب علینا إکرام مجموع المائه بما هو مجموع. إن کان هکذا فَسَوْفَ یکون العموم الْمُسْتَفَاد منه عموماً مجموعیّاً.

ص: 41

أم أن الْمُسْتَفَادَ من هذا الجمع عموم استغراقیّ شُمُولِیّ، لیکون الواجبُ فی مثل هذا المثال «إکرام هذا العالم» وإکرامُ عالم آخر بوجوب آخر وإکرام عالم ثالث بوجوب ثالث وهکذا إلی تمام المائه، بحیث یَنْحَلُّ الحکمُ إلی أحکامٍ عدیده بعدد أفراد العالم. فإن امتثلنا الجمیع نکون ممتثلین لجمیع الأحکام، ولو أکرمنا بعضهم نکون قد امتثلنا البعض وترکنا البعض.

ومن الطَّبِیعِیّ أن هناک عموماً ثالثاً لَیْسَ مستفاداً من الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ قَطْعاً، ألا وهو العمومُ الْبَدَلِیّ؛ فَإِنَّه إذا استفید العمومُ من الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ سوف یکون عموماً وشمولاً للأفراد بنحو عَرضِیّ، لا بنحو تبادلیّ، بحیث یکون أحد الأفراد بَدِیلاً عن الآخرین. فالعموم الْبَدَلِیّ لَیْسَ مراداً ولیس مستفاداً من الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ قَطْعاً. وإنَّما هو یستفاد من مثل قوله: «أکرم أحد العلماء»، فهو عامّ بدلیّ بإمکانه الانطباق عَلَیٰ کل واحد من أفراد العلماء، لکن انطباقه عَلَیٰ الفرد الأول لَیْسَ فِی عَرض انطباقه عَلَیٰ الأفراد الأخری، وإنَّما ینطبق علیه بنحو البدل. فالعموم الْمُسْتَفَاد من الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ منحصر فِی نحوین، والعموم فِی کلا النحوین عَرضِیّ، أی: یشمل الأفراد فِی عَرض واحد. غایه الأمر: العموم الْمَجْمُوعِیّ فیه عنایه توحید الأفراد وجعلهم أجزاء لمرکب واحد، أَمَّا فِی المرکب الْبَدَلِیّ لَیْسَ فیه هذا التوحید والترکب.

الجواب عن هذا السُّؤَال هو أَنَّهُ اتَّضَحَ مِمَّا تقدّم فِی العامّ الدراسی الماضی فِی الجهه الرَّابعه من الجهات الَّتی بحثنا فیها عن کلمه «کُلٍّ»، حیث طرحنا نفس هذا السُّؤَال بِالنِّسْبَهِ إلی هذه الکلمه (کلمه «کُلٍّ»)، وأجبنا عنه بجواب ینطبق فِی المقام أیضاً؛ لأَنَّ «اللاَّم» الداخله عَلَیٰ الجمع (بناء عَلَیٰ استفاده العموم منها) تکون مثل کلمه «کُلٍّ»، فکما أَنَّنَا اعتبرنا کلمه «کُلٍّ» من أدوات العموم ودالاًّ عَلَیٰ استیعاب مدخولها لکل الأفراد، کذلک «اللاَّم» (إن بنینا عَلَیٰ أنَّها موضوعه للعموم)، فنطبّق علیها ما ذکرناه هناک.

ص: 42

وحاصل ما ذکرناه هناک مع تطبیقه عَلَیٰ ما نحن فیه هو أن نَقُول: إِنَّ مقتضی الطبع الأوّلی ومقتضی أصاله التَّطَابُق بین مقام الإثبات ومقام الثُّبوت هو أن «اللاَّم» لطالما قد وضعت لاستیعاب مدخولها إذن فمقتضی الطبع الأوّل فِی هذا الاستیعاب هو أن یکون هذا الاستیعاب استیعاباً مجموعیّاً. أی: أَنْ یَکُونَ العموم عموماً مجموعیّاً. هذا هو المفاد الأوّلیّ للام؛ وذلک لأَنَّ الْمَجْمُوعِیَّه وإن کانت فیها عنایه تقیید بعض الأفراد بالبعض الآخر، وتحویل هذه المائه إلی أجزاء لمرکب واحد، لکی نَصُبَّ بعد ذلک الحکم (وهو وُجُوب الإِکْرَامِ) عَلَیٰ هذا المجموع المرکب، لٰکِنَّهَٰا ملحوظه لِلْمُتِکَلِّمِ عَلَیٰ کل حال، وداخله فِی المراد الاستعمالیّ لِلْمُتِکَلِّمِ؛ لأَنَّ «اللاَّم» حَسَبَ الْفَرْضِ وضعت وتدلّ عَلَیٰ استیعاب مدخولها، فلا بُدَّ من أن یکون مدخولها عباره عن مفهوم واحد یُحیط بتمام الأفراد، وأَمَّا مِنْ دُونِ أَنْ یکون معنی «اللاَّم» معنیً واحداً (أی: أَنْ یَکُونَ الملحوظ هو الأفراد الْمُتِکَثِّرَه بما هی مُتِکَثِّرَه) فلا یمکن أن تدخل «اللاَّم» علیها؛ إذ «اللاَّم» تدخل عَلَیٰ کلمه واحده، والکلمه الواحده تحکی عن مفهوم واحد (عن معنیً وحدانی) ولا یمکن أَنْ تَکُونَ الکلمه الواحده تَدُلّ عَلَیٰ الکثیرین بما هم کثیرون، مِنْ دُونِ توحید هذه الأفراد الْمُتَکَثِّرَه.

«اللاَّم» وضعت لکی تَدُلّ عَلَیٰ استیعاب مدخولها، فلا بُدَّ من أن یکون مدخولها معنیً واحداً. فالمتکلم لا بُدَّ له فِی مقام الاستعمال من إعمالِ عنایه توحید الکثیر. أی: هذه العنایه مأخوذه فِی الْمَدْلُول الاستعمالیّ لکلمه «العلماء»؛ لأَنَّ اللَّفظ لا یمکن استعمالُهُ فِی المتکثرات بما هی متکثرات. فاللام تَدخل عَلَیٰ هذا الْمَفْهُوم الوحدانی الواحد الَّذی توحدت فیه المتکثرات، کی یمکن استعمال هذا اللفظ فِی هذا الْمَدْلُول والمعنی الواحد. إذن، المراد الاستعمالیّ والمدلول الاستعمالیّ هو المعنی الواحد المرکب.

ص: 43

إذن هذا ما نفهمه من مقام الإثبات والاستعمال. فلفظ «العلماء» فِی مقام الإثبات استُعمل فِی معنیً واحد (أی: استعمل فِی مجموع العلماء، لا فِی الجمیع). هذا شأن الاستعمال. فمقام الإثبات عباره عن العموم الْمَجْمُوعِیّ.

وحینئِذٍ نضم إلی هذا المطلب مطلباً آخر وهو أن الأصل هو تطابق مقام الإثبات مع مقام الثُّبوت. فهناک أصل عُقَلاَئِیّ یبنیه العقلاء والعرف فِی المحاورات والاستعمالات، وهی عباره عن أصاله التَّطَابُق بین ما یقوله (فِی مقام الإثبات) وما یریده (فِی مقام الثُّبوت) فما یقوله یریده أیضاً. وهو قال: «أکرم العلماء» (= العموم الْمَجْمُوعِیّ) فهو یرید العموم الْمَجْمُوعِیّ. فبهذا الأصل نثبت أن عنایه توحید العلماء المتکثرین فِی معنیً واحد جاءت فِی مقام الاستعمال والإثبات؛ لأَنَّهُ مِنْ دُونِ هذه العنایه لم یکن بالإمکان استعمال لفظ «العلماء» فِی الکثیرین بما هم کثیرون. فهذه العنایه طرحت إثباتاً مِن قِبَلِ الْمُتِکَلِّم فتقول أصاله التَّطَابُق: إن الأصل أن یتطابق ما طُرح إثباتاً مع ما هو موجود فِی قَرارَه نفس الْمُتِکَلِّم ثبوتاً. إذن، فالموجود فِی قراره نفسه هو العموم الْمَجْمُوعِیّ أیضاً.

هذا معنی ما قلنا فِی بدایه البحث أن مقتضی الطبع الأوّلیّ ومقتضی أصاله التَّطَابُق هو العموم الْمَجْمُوعِیّ.

لکن هناک نکته زائده تتدخل فِی هذا الموقف، وهذه النُّکته ذکرناها سابقاً فِی بحث «کُلٍّ» (فَإِنَّنَا نعید ما ذکرناه فِی بحث «کُلٍّ»((1)

(2)

ص: 44


1- (1) - ذکرنا ذلک فِی الجلسه 89، من الیوم 19/06/1432 وما قبلها، وإلیک بعضاً مِمَّا تقدّم:
2- (2) النَّحْو الأوّل: أَنْ یَکُونَ توحید الکثیر أمراً أخذ فِی مقام الإثبات ومقام الاستعمال لضروره الاستعمال فقط وفقط ولا أکثر. أی: الْمُتِکَلِّم فِی مقام الاستعمال باعتبار أَنَّهُ لا یمکنه أن یستعمل اللَّفظ فِی الْمُتَکثّرَات بوصفها متکثرات، فکان مضطراً إلی أن یعتبر هذه المتکثرات أمراً واحداً ویُلبسها ثوبَ الوحده ویعتبر لها لوناً من الوحده ویتصور فیها نَوْعاً من الوحده فیها لکی یتمکن من أن یستعمل اللَّفظ فیها؛ باعتبار أن الأفراد مشترکه فِی صفه واحده کصفه العلم، وهو یرید أن یعبر عنهم جمیعاً بلفظ واحد وهو لفظ «کل»، فلم یکن له خیار غیر أن یُلبس هذه الأفراد المتکثرات ثوب الوحده ویجعلها شیئاً واحداً ویستعمل اللَّفظ فیه.

(1)

(2)

(3)

ص: 45


1- (3) إذن هذه عنایه، ولکنها من شؤون الاستعمال ومن شؤون إراءه المعنی، ولیس لها محکی وراء ذلک فِی الخارج؛ لأَنَّ هذه الصفه المشترکه (= العلم) فِی الأفراد الْمُتِکَثِّرَه لیست قائمه فِی الخارج بمجموع الأفراد، بل هی قائمه بالجمیع؛ فَإِنَّ «صفه العلم» قائمه بکل فرد فردٍ بما هو هو ومستقلاً. أی: هذا عالم سَوَاءٌ کَانَ الآخرون علماء أم لا، وذاک عالم أیضاً سَوَاءٌ کَانَ هذا وآخرون علماء أم لا. فصفه العلم لیست قائمه فِی الخارج بمجموع هؤلاء المائه (إذا افترضنا أن مجموعهم مائه عالم)، بحیث إذا کان 99 منهم عَالِماً ولم یکن الأخیر عَالِماً یسقط المجموع عن کونها عَالِماً، لا هذا لَیْسَ صحیحاً؛ لأَنَّ صفه العلم قائمه بالجمیع لا بالمجموع. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه فلم تُعطی هذه الصفه توحّداً للأفراد فِی الخارج، بحیث یصیّرهم مرکّباً واحداً، وإنَّما توحید هؤلاء أمر اعتباری اعتبره المستعمِل لضروره الاستعمال، بعد أن کان مکتوف الید ولم یکن بإمکانه أن یستعمِل اللَّفظ فِی المتکثرات بما هی مُتِکَثِّرَه.
2- (4) فعنایه توحید الکثیر هنا ضروره اِسْتِعْمَالِیَّه لا أکثر، وإلا فلا یوجد وراء هذه الضَّروره محکیٌّ فِی الخارج (فقد قلنا بأَنَّهُ لا یوجد توحد خارجی بین العلماء، فکل فرد مَوْضُوع مستقلّ). أی: لم تقم صفه العلم بمجموع المائه من العلماء بل قامت بکل واحد واحدٍ من المائه، أی: بالجمیع.
3- (5) وإذا کانت عنایهُ توحید الکثیر بهذا النَّحْو فالحق مع القول الأوّل، وهو القول بأن مقتضی الأصل هو کون العموم الْمُسْتَفَاد من لفظه «کل» عموماً اِسْتِغْرَاقِیّاً. أی: کل فرد فردٍ مَوْضُوع مستقلّ، ولیست هذه العنایه مأخوذهً فِی المُراد الْجِدِّیّ لِلْمُتِکَلِّمِ فِی مقام الثُّبوت. نعم هی مأخوذه فِی مقام الإثبات والاستعمال.

(1)

(2)

(3)

(4)

ص: 46


1- (6) لا یقال: إن هذا خلاف أصاله التَّطَابُق بین مقامی الإثبات والثُّبوت.
2- (7) إذ یقال: بأنَّها أصل عُقَلاَئِیّ یجریه العقلاء عندما کان المأخوذ لا لضروره الاستعمال وَالتَّعْبِیر، بل أخذ فِی مقام الإثبات لأَنَّ له محکیاً فِی الخارج وله ما بإزاء فِی الخارج وراء الاستعمال. أَمَّا فیما نحن فیه أخذ فِی مقام الإثبات والاستعمال عنایه التوحید لکن لأجل ضروره التَّعْبِیر فقط. فلا تنطبق أصاله التَّطَابُق المذکور هنا ولا یُشَکِّل أفراد العالم (فِی هذا المثال) مُرَکَّباً واحداً فِی الخارج، نعم وَحَّدَهُم المستعمِلُ اعتباراً لکی یتسنی لهم أن یستعمل کلمه «کُلٍّ» فیهم ویمکنه التَّعْبِیر بلفظ واحد. أی: ضروره تعبیریه وبیانیه واستعمالیه، وإلا فهم لیسوا واحداً فِی الخارج.
3- (8) إذن هذا الترکب والتوحد أمر اعتباری محض لضروره الاستعمال لَیْسَ أکثر، ومثل هذا (أی: التَّطَابُق بین الإثبات وَالثُّبُوت) لا یقتضی حفظَه فِی مقام الثُّبوت والمراد الْجِدِّیّ لِلْمُتِکَلِّمِ. فالحق مع العموم الاستغراقیّ فِی مثل هذا المورد.
4- (9) النَّحْو الثَّانِی: أَنْ تَکُونَ هذه العنایه (عنایه توحید المتکثرات وترکیبها) مأخوذه فِی الْمَدْلُول الاستعمالیّ بمعنی أنَّ هذا الترکیب والتوحید أمر واقعی فِی الخارج، أی: له ما بإزاء خارجاً ولیس أمراً اعتباریّاً بَحْتاً مِن قِبَلِ المستعمِل، بل هو أمر واقعی فِی الخارج وراء شؤون الاستعمال وبقطع النَّظَر عن اعتبار المستعمِل وبمعزلٍ عن طروّ الأداه واستعمالها مِن قِبَلِ الْمُتَکَلِّم ولها ما بإزاء خارجاً؛ باعتبار أنَّ الأفراد الْمُتَکَثِّرَه مشترکه فِی صفه واحده، هذه الصفه قائمه بمجموع الأفراد خارجاً، لا بالجمیع. أی: الأفراد الْمُتِکَثِّرَه تشترک فِی عنوان واحد أعطاها نَوْعاً من التوحد والترکب، فأصبحت الأفراد بمجموعها (لا بجمیعها) مرکزاً لهذا العنوان والصفه، وذلک من قبیل عنوان «الجیش» و«العسکر»، فهذا العنوان قائم بمجموع الجنود والعساکر، والجندی الواحد لَیْسَ جیشاً، بخلاف العالم الواحد فإِنَّهُ عالم والعنوانُ محفوظ فیه. فهذا العنوان فِی الخارج قائم بمجموع الأفراد، أی: قائم فلیس قَائِماً بکل فرد فردٍ مستقلاًّ.

(1)

(2)

(3) ) ولکن مع تطبیقه عَلَیٰ «اللاَّم» فیما إذا بنینا عَلَیٰ أن «اللاَّم» تَدُلّ عَلَیٰ العموم). إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه وبموجب تلک النُّکته الزائده الَّتی تقدّم ذکرها هناک، نلغی هذه العنایه (عنایه توحید الکثیر)، ویکون الْمُسْتَفَاد من قوله «أکرم العلماء» هو العموم الاستغراقیّ، لا العموم الْمَجْمُوعِیّ. والنُّکته هی أن هذه العنایه اعتبارٌ صادر من المستعمِل فِی مقام الاستعمال لمجرّد الاستطراق إلی التمکن من استعمال لفظ «العلماء» فِی الأفراد الْمُتِکَثِّرَه فحسب. أی: اعتبر کل المائه مُرَکَّباً واحداً لضروره الاستعمال. فهذه الضَّروره ضروره اِسْتِعْمَالِیَّه، مِنْ دُونِ اعمال هذه العنایه لم یکن بإمکان الْمُتِکَلِّم من أن یستعمل لفظ «العلماء» ویرید منه هذا العالم وهذا العالم وذاک العالم (مِنْ دُونِ أن یُلقی نظره وحدانیه إلی هؤلاء ویصبّهم فِی قالب واحد).

ص: 47


1- (10) ففرق کبیر بین عنوان العالم وبین عنوان الجیش والعسکر؛ حیث لم یعط عنوانُ «العالم» توحّداً وترکّباً لأفراد العالم، بینما العنوان الأخیر (الجیش أو العسکر) وحّد الأفراد توحیداً حقیقیّاً، فلیس توحیده لضروره التَّعْبِیر وإنَّما هو فِی مرحله أسبق من التَّعْبِیر، حیث یوجد توحد حقیقی وواقعی بین الأفراد.
2- (11) فإذا کانت العنایه من هذا القبیل، عندما یقول: «أکرم کل الجیش» أو «أکرم کل العسکر» تفید کلمه «کُلٍّ» العموم الْمَجْمُوعِیّ، فلا یوجد ألف وجوب بعدد الجنود (وهم ألف فرد)، بل الوجوب مجموعیّ.
3- (12) فالحاصل: أَنَّنَا نفرق بین قوله: «أَکْرِمْ کُلَّ عَالِمٍ» وبین قوله: «أکرم کل العسکر» أو «کل الجیش»؛ فإن مقتضی الإِطْلاَق فِی الأوّل هو أن العموم عموم استغراقیّ؛ وذلک لما قاله صاحب القول الأوّل من أنَّ الْمَجْمُوعِیَّه عنایه إضافیه وتحتاج إلی بیان زائد ولا یوجد فِی المقام بیان زائد. أی: تحتاجُ عنایهُ توحید الکثیر فِی مرحله المراد الْجِدِّیّ إلی قرینه ولا قرینه فِی المقام. بینما فِی الثَّانِی «أکرم کل الجیش» مقتضی الأصل هو أن یکون العموم مجموعیّاً؛ لأَنَّ ترکب الکثیر وتوحّده هناک له محکی خارجاً وراء عالم الاستعمال.

فإن الْمُتِکَلِّم فِی مثالنا یرید أن یستعمل لفظ «العالم» فِی هذه الأفراد الْمُتِکَثِّرَه العدیده والمشترکه فِی صفه «العلم»، فلا بُدَّ له من أن یُلبس هذه الأفراد ثوباً واحداً، وهو ثوب الوحده، ویجعلهم مرکباً واحداً ثم یستعمل اللَّفظ فیه. ولکن هذه العنایه لَیْسَ لها محکیّ وما بإزاء فِی الخارج؛ إذ لیست إلاَّ صرف اعتبار اعتبره الْمُتِکَلِّم (طبعاً لا أَنَّهُ تبرع بهذه العنایه مِنْ دُونِ الحاجه إلیها ومن دون ضرورتها) ولکنها عَلَیٰ أی حال حاجه اعتباریه اقتضتها ضروره الاستعمال.

وبعباره أخری: هذه الصفه المشترکه وهی صفه العلم فِی هؤلاء المائه لَیْست قائمه فِی الخارج بمجموع هؤلاء المائه، بل هی قائمه بکل فردٍ فرد منهم؛ فَإِنَّ کون زید عَالِماً فِی الخارج لا یتقوّم بکون «عمر» عَالِماً، وکون عمر عالم خارجاً لا یتقوّم بکون «بکر» عَالِماً. فکل واحد منهم عَالِمٌ برأسه. وهذا معنی أن صفه العلم فِی الخارج لیست قائمه فِی الخارج بالمجموع بما هو مجموع، بل هی قائمه بالجمیع، أی: هی قائمه بکل فرد فردٍ بما هو هو.

ومعنی ذلک أن صفه العلم لم تعط هؤلاء المائه توحداً فِی الخارج، بل هذا التوحد کان فِی ذهن المستعمل الْمُتِکَلِّم الَّذی أعمل هذه العنایه لحاجهِ الاستعمال، وإلا فلا یوجد توحد فِی الخارج بین هذا الاستعمال وذاک الاستعمال، فکل واحد من الأفراد عالمٌ برأسه؛ فقد تقدّم فِی بحث «کُلٍّ» أن قوله: «أَکْرِمْ کُلَّ عَالِمٍ» یختلف عن قوله: «أکرم کل الجیش». فإن عنوان «الجیش له محکی فِی الخارج» ومحکیه هو المجموع بما هو مجموع، بحیث لو نظرنا إلی الجندی الواحد لا نراه جیشاً، کما لا یکون الجندیان أو ثلاثه جنود جیشاً؛ إِذْ أَنَّ عنوان «الجیشیه» وصفه «الجیشیّه» قائمه خارجاً بمجموع الجنود بما هم مجموع. فیستفاد العموم الْمَجْمُوعِیّ من «أکرم کل الجیش»؛ لأَنَّهُ فِی مقام الإثبات ذکر الْمُتِکَلِّم العموم الْمَجْمُوعِیّ فتقتضی أصاله التَّطَابُق أن یکون هو المراد فِی مقام الثُّبوت؛ لأَنَّهُ فِی عَالَمِ الإِثْبَاتِ ذکر کلمه «الجیش» وکلمه الجیش إثباتاً تَدُلّ عَلَیٰ مجموع الجنود بما هم مجموع، ولا تَدُلّ عَلَیٰ الجمیع، فإِنَّهُ لَیْسَ کل جندی بما هو هوَ جیشاً، لکن کل عالم بما هو هوَ عالمٌ.

ص: 48

إذن، لا یوجد شیء وراء «العلماء» اسمه التوحد الحقیقی والخارجی، فلا تجری أصاله التَّطَابُق فِی مثله؛ فَإِنَّها أصل عُقَلاَئِیّ لا یجریها العقلاء فیما إذا کان ما ذکره الْمُتِکَلِّم إِنَّمَا ذکره لأَنَّهُ لَوْ لَمْ یَکُنْ یذکره لم یکن قادراً عَلَیٰ الاستعمال، فذکره لأجل أن یقدر عَلَیٰ استعمال اللَّفظ. فلا تقول أصالهُ التَّطَابُق أن ما ذکره المستعمل رغم أنفه لضروره الاستعمال، یکون قد أراده أیضاً. فإن لِلْمُتِکَلِّمِ أن یقول بِأَنَّ مَا ذکره لَیْسَ داخلاً فِی مراده الْجِدِّیّ، وإنَّما الَّذی ذکره مجرّد اعتبار یمکّنه من الاستعمال، لا أکثر.

وهذا بخلاف عنوان الجیش، فإن الوحده فیه خارجی أیضاً، ولیست وحده اعتباریه یعتبرها الْمُتِکَلِّم عندما یستعمل لفظ «الجیش»، بل توجد هناک وحده حقیقیَّه خارجیّه هی الَّتی تصحح استعمال لفظ الجیش عَلَیٰ الجنود. أی: لا یکون الجنود جیشاً مِنْ دُونِ هذه الوحده.

إذن، نحن بموجب هذه النُّکته نقول بأَنَّهُ بناء عَلَیٰ أصل استفاده العموم من دخول «اللاَّم» عَلَیٰ الجمع سوف یکون العموم الْمُسْتَفَاد من «اللاَّم» هو العموم الاستغراقیّ لا الْمَجْمُوعِیّ. هذا تمام الکلام فِی الجهه الثَّالثه، وبذلک تَمَّ الکلام عن الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ الَّذی هو اللَّفظ الثَّانِی من ألفاظ العموم، فکان اللَّفظ الأوّل هو کلمه «کُلٍّ» وقد درسناها فِی العامّ الماضی، واللَّفظ الثَّانِی من ألفاظ العموم وصیغه هذا الَّذی انتهینا منه الآنَ وهو «الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ». بعد ذلک إن شاء اللٰه نتعرض لِلَّفْظِ الثَّالث أو الصیغه الثَّالثه من صیغ العموم وهی عباره عن النَّکِرَه الواقعه فِی سیاق النَّفْی أو فِی سیاق النَّهْی.

النَّکِرَه الواقعه فِی سیاق النَّهی أو النفی/ألفاظ العموم /العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: النَّکِرَه الواقعه فِی سیاق النَّهی أو النفی/ألفاظ العموم /العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

ص: 49

الثَّالثه من صیغ العموم وأدواته وألفاظه النَّکِرَه الواقعه فِی سیاق النَّفْی أو الواقعه فِی سیاق النَّهْی، من قبیل قوله: «لا ضرر ولا ضرار» فإن کلاَّ من الضَّرَر والضرار نکره وقعت فِی سیاق النَّفْی. أو من قبیل: ﴿مَا جَعَلَ عَلَیْکُمْ فِی الدِّینِ مِنْ حَرَجٍ﴾ حَیْث أَنَّ ﴿حرج﴾ نکره واقعه فِی سیاق النَّفْی. أو من قبیل: ﴿لن یجعل اللٰه للکافرین عَلَیٰ المؤمنین سبیلاً﴾، حَیْث أَنَّ ﴿سبیلاً﴾ نکره وقعت فِی سیاق النَّفْی. ومن قبیل: ﴿والله أخرجکم من بطون أمهاتکم لا تعلمون شیئاً﴾، وهکذا کثیر فِی سیاق النَّفْی.

وکذلک فِی سیاق النَّهْی مثل «لا تلبَس شیئاً مِمَّا لا یؤکَل فِی الصَّلاه» ومثل ﴿لا یضار کاتب ولا شهید﴾ و﴿لا یغتب بعضکم بعضاً﴾ و﴿لا تضار والدهٌ بولدها ولا مولود له بولده﴾ و﴿لا یبخس منه شیئاً﴾ وهکذا فِی کثیر من الموارد.

اُدعی أنَّ وقوع النَّکِرَه فِی سیاق النَّهْی أو النَّفْی (أی: وقوعه عقیب النَّفْی) من أدوات العموم ومن صیغه.

أَمَّا ما هو المنشأ لهذه الدَّعْوَیٰ؟ فقد أفاد سَیِّدنَا الأُسْتَاذ الشَّهِید رحمه الله أنّ المنشأ والباعث لهذه الدَّعْوَیٰ فِی أکبر الظن هو أنهم لاحظوا أنَّ النَّکِرَه إذا وقعت فِی سیاق الإثبات (لا النَّهْی ولا النَّفْی) فلا دلاله لها عَلَیٰ الشُّمُولِیَّه. فإن «عَالِماً» فِی قوله: «أکرم عَالِماً» نکره أیضاً، مثل ﴿بعضاً﴾ فِی الآیه الشریفه ﴿لا یغتب بعضکم بعضاً﴾، ولکن لا یمکن إثبات الإِطْلاَق الشُّمُولِیّ ل_«عَالِماً» فِی هذا المثال، بحیث یسری وُجُوب الإِکْرَامِ إلی کل أفراد العالم، وإنَّما الإِطْلاَق هنا بدلیّ، کما تقدّم تفصیله فِی بحث المرَّه والتَّکرار وفی غیره حیث ذکرنا کراراً أن الإِطْلاَق فِی النَّکِرَه الواقعه بعد الإثبات إطلاق بدلیّ ولیس شُمُولِیّاً؛ فإن عَالِماً» فِی «أکرم عَالِماً» إطلاقه شُمُولِیّ ویصلح أن ینطبق عَلَیٰ هذا العالم وذاک العالم، لکن بشکل بدلیّ، أی: الاستیعاب استیعاب تبادلی ولیس عرضیّاً. ومن هنا یُکتفی فِی مقام الامتثال بإکرام شخص واحد. فإن قال: «صلِّ صلاهً» یکفی أن یصلی صلاهً واحده. هذا شأن النَّکِرَه الواقعه فِی سیاق الإثبات.

ص: 50

فإنهم لاحظوا أَنَّهُ لا یمکن إثبات الإِطْلاَق الشُّمُولِیّ للنَّکِرَه الواقعه فِی سیاق الإثبات؛ والسبب فِی ذلک هو أن النَّکِرَه (أی: اسم الجنس المنون بتنوین التَّنْکِیر) لا یقبل الاستیعاب العَرضیّ (أی: أن یستوعب کلَّ أفراده فِی عَرض واحد)؛ لأَنَّ هذه النَّکِرَه (هذا الاسم الجنس) مُنَوَّنه بتنوین التَّنْکِیر وتنوین التَّنْکِیر یَدُلّ عَلَیٰ الوحده (أی: فرد واحد من هذه الطَّبِیعَه). فکلمه «عَالِماً» تعنی: طبیعه العالم المقیّده بقید الوحده، کما أن «فَاسِقاً» یعنی: طبیعه الفاسق المقیّده بقید الوحده وکذلک «خَمْراً» فِی «لا تشرب خَمْراً» تعنی طبیعه الخمر المقیّده بقید الوحده. وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ تلک الطَّبِیعَه لا تَدُلّ عَلَیٰ الاستیعاب العَرضیّ لکل أفرادها؛ لأَنَّهَا مقیده بقید الوحده. ومن هنا لا یمکن أن یکون الإِطْلاَق فِی النَّکِرَه الواقعه فِی سیاق الإثبات شُمُولِیّاً، بل لا بُدَّ من أن یکون بَدَلِیّاً. هذا فِی جانب الإثبات.

هذا، بینما النَّکِرَه نفسها فِی سیاق النَّهْی أو النَّفْی تفید الشُّمُولِیَّه ولا تفید الْبَدَلِیَّه کما کانت تفیدها فِی جانب الإثبات. فَیَکُونُ معنی «لا تکرم فَاسِقاً»: لا تکرم أیَّ فاسقٍ. فلیس المقصود منه لا تکرم فَاسِقاً واحداً أَمَّا بقیه الْفُسَّاق فأکرمهم.

فلا بُدَّ من أن یکون الدَّالّ عَلَیٰ الشُّمُولِیَّه شیئاً آخر غیر النَّکِرَه، وإلا فإن هذه النَّکِرَه لا تفید الإِطْلاَق الشُّمُولِیّ فِی سیاق الإثبات، وهذا الشَّیْء الآخر عباره عن وقوع هذه النَّکِرَه عقیب النَّفْی أو النَّهْی. فهذا هو الباعث والمنشأ لهذه الدَّعْوَیٰ القائله بأن النَّکِرَه الواقعه فِی سیاق النَّفْی أو النَّهْی تفید الشُّمُولِیَّه.

لکن واقع المطلب هو أن هذه الشُّمُولِیَّه سواء فرضناها بنحو شمولیه العامّ (أی: اعتبرنا أن النَّکِرَه فِی سیاق النَّهْی أو النَّفْی هذه من صیغ العموم مثل کلمه «کُلٍّ» ومثل الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ بناء عَلَیٰ أنَّها موضوعه للعموم) أو فَسَّرْنّا الشُّمُولِیَّه فیها بنحو المطلق، نحتاج لفهم هذه الشُّمُولِیَّه إلی عنصرین:

ص: 51

العنصر الأوّل: أَنْ یَکُونَ هناک مفهوم اسمی قابل للاستیعاب الشُّمُولِیّ والعَرْضی.

العنصر الثَّانِی: أَنْ یَکُونَ هناک قرینه ودالّ یَدُلّ عَلَیٰ أن هذا الْمَفْهُوم الاِسْمِیّ القابل للاستیعاب الأرضی مستوعِب فعلاً. أی: هذه القابلیه أصبحت فِعْلِیَّه، وهذا الدَّالّ عباره عن الإِطْلاَق ومقدّمات الحِکْمَه.

ونحن دائماً نحتاج إلی هذین العنصرین سواء فِی باب الإِطْلاَق أو فِی باب العموم.

أَمَّا فِی باب الإِطْلاَق فکلمه «عالم» تَدُلّ عَلَیٰ مفهوم اسمی صالح للانطباق عَلَیٰ أفراده بصوره عَرضِیَّه، کما أن لدینا قرینه دالَّه عَلَیٰ أن هذا الْمَفْهُوم الاِسْمِیّ مستوعب لأفراده فعلاً، وتلک القرینه عباره عن مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ.

وأمّا فِی باب العموم (کما سبق شرحه فِی العامّ الماضی عند دراستنا لکلمه «کُلٍّ»)، فإِنَّهُ فِی مثل: «أَکْرِمْ کُلَّ عَالِمٍ» یوجد لدینا مفهوم اسمی صالح للانطباق عَلَیٰ أفراده واستیعاب أفراده بصوره عَرضِیَّه وهو مدخول الأداه (أی: مفهوم «عالم») کما یوجد لدینا دالّ یَدُلّ عَلَیٰ أن هذا الْمَفْهُوم (عالم) مستوعِب لأفراده فعلاً، وهذا الدَّالّ هو «کُلٌّ».

ولکن فِی المقام (النَّکِرَه فِی سیاق النَّهْی أو النَّفْی) ما هو ذاک الْمَفْهُوم الاِسْمِیّ القابل والصالح فِی ذاته للاستیعاب العَرضیّ فِی مقابل الْبَدَلِیّ، حتّی یأتی بعد ذلک دور الدَّالّ عَلَیٰ هذا الاستیعاب؟ وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ مفهوم النَّکِرَه («عالماً» الَّذی هو اسم الجنس المنون بتنوین التَّنْکِیر) لا یصلح أن یکون قابلاً للاستیعاب العَرضیّ؛ لأَنَّهُ مقیَّد بقید الوحده. إذن، کیف نفهم الشُّمُولِیَّه والاستیعاب العَرضیّ فِی المقام؟!

هنا یوجد تفسیران لهذه الشُّمُولِیَّه الَّتی نفهمها من النَّکِرَه الواقعه فِی سیاق النَّفْی أو النَّهْی.

التَّفْسِیر الأوّل

ما ذکره سَیِّدنَا الأُسْتَاذ الشَّهِید رحمه الله فِی الحلقه الثَّالثه ولم یذکره فِی مجلس بحثه، وهو أن نَقُول: تَثْبُتُ الشُّمُولِیَّه الَّتی نفهمها فِی المقام، بإجراء مقدّمات الحِکْمَه فِی النَّکِرَه نفسها، لکن بعد إخراجها عن کونها نکره. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه ویَتُِمّ هذا الإخراج بقرینه السِّیَاق (أی: بقرینه وقوع النَّکِرَه بعد النَّفْی أو النَّهْی). فلیس السِّیَاق (أی: تَعَقُّب النَّکِرَه بعد النَّفْی أو النَّهْی ووقوعها بعدهما) هو الدَّالّ عَلَیٰ الشُّمُولِیَّه، بل الدَّالّ علی الشمولیه هو الإِطْلاَق وقرائن الحِکْمَه، لکن السِّیَاق لعب دور إخراج النَّکِرَه عن کونها نکره، فیمنح السیاقُ النکرهَ صلاحیه الاستیعاب. أی: السِّیَاق یکون قرینه عَلَیٰ إخراج هذه الکلمه عن کونها نکره، أی: یجرّدها عن قید الوحده، وَالطَّبِیعَه إذا جُرّدت عن قید الوحده، تصبحُ صالحه للاستیعاب العَرضیّ. وحینئِذٍ یأتی الدَّالّ فعلاً عَلَیٰ الاستیعاب وهو مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ.

ص: 52

وهذا تفسیر معقول وممکن، وبه اتَّضَحَ الجواب عن السُّؤَال الأوّل وهو أَنَّهُ کیف أصبحت النَّکِرَه الَّتی إذا وقعت فِی سیاق الإثبات لا تفید إلاَّ الإِطْلاَق الْبَدَلِیّ (= لا تفید الإِطْلاَق الشُّمُولِیّ)، أَمَّا إذا وقعت هذه النَّکِرَه نفسها فِی سیاق النَّهْی أو النَّفْی أفادت الإِطْلاَق الشُّمُولِیّ، مع أنَّها هی هِی.

فالجواب بات وَاضِحاً وهو أنَّ النَّکِرَه إذا وقعت فِی السِّیَاق أخرجها السِّیَاقُ عن کونها نکره ووحیده، رغم وجود التَّنْوِین، وبالتَّالی جعل النکرهَ صالحهً للاستیعاب العَرضیّ، وحینئِذٍ جاءت مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ ودلت عَلَیٰ أن هذا الْمَفْهُوم الاِسْمِیّ القابل للاستیعاب العَرضیّ مستوعِب لأفراده فعلاً. فأصبحت مثل سائر الموارد ک_«أَکْرِمِ الْعَالِمَ» حیث أتت مقدّمات الحِکْمَه ودلت عَلَیٰ أن هذه الطَّبِیعَه (= العالم) الَّتی هی غیر مقیده بأی بقید زائد، مستوعِبه لأفرادها.

التَّفْسِیر الثَّانِی: ما أفاده المُحَقِّق الخُراسانیّ رحمه الله حیث قال: إن الشُّمُولِیَّه الَّتی نفهمها فِی موارد النَّکِرَه الواقعه فِی سیاق النَّهْی أو النَّفْی إِنَّمَا یحکم بها العقل (أی: نفهمها من القرینه اللُّبِّیَّه المتَّصله الْعَقْلِیَّه) فلیست الدِّلاَلَه عَلَیٰ الشُّمُولِیَّه لفظیّهً، بل هی عَقْلِیَّه، ولا دلاله للألفاظ (مثل لفظ النَّکِرَه أو لفظ «لا» الناهیه أو «لا» النافیه) عَلَیٰ هذه الشُّمُولِیَّه؛ وذلک لأَنَّ العقل دلَّ عَلَیٰ أن هذه الطَّبِیعَه منهی عنها (إذا کانت «لا» ناهیه) أو منتفیه ومنعدمه (إذا کانت «لا» نافیه). وحینئِذٍ یأتی العقل ویقول: إن انْتِفَاء الطَّبِیعَه لا یکون إلاَّ بانتفاء جمیع أفراده، أو أن انعدام الطَّبِیعَه لا یکون إلاَّ بانتفاء بانعدام جمیع أفرادها. فإِنَّهُ لطالما یوجد فرد واحد فِی الخارج فإن الطَّبِیعَه موجوده فِی ضمن ذاک الفرد. فالعقل هو الدَّالّ عَلَیٰ شُمُولِیَّه واستیعاب هذه النَّکِرَه لکل أفرادها، من باب أن انعدام الطَّبِیعَه لا یکون إلاَّ بانعدام جمیع أفراده. هذا تفسیر آخوندی لهذه الشُّمُولِیَّه.

ص: 53

أقول: توجد عدّه ملاحظات عَلَیٰ هذا التَّفْسِیر:

الملاحظه الأولی هی أن هذه الشُّمُولِیَّه لا تختصّ بالنکره؛ فإن المعرفه الواقعه فِی سیاق النَّفْی أو النَّهْی یفهم منها الشُّمُولِیَّه. فکما أَنَّنَا نفهم الشُّمُولِیَّه من قوله: «لا تکرم فَاسِقاً» کذلک نفهم الشُّمُولِیَّه من قوله: «لا تکرم الفاسق». فلا تختلف النَّکِرَه الواقعه فِی سیاق النَّفْی أو النَّهْی عن المعرفه الواقعه فِی سیاق النَّفْی أو النَّهْی فِی إفاده الاستیعاب وَالشُّمُولِیَّه. إذن هذه الشُّمُولِیَّه من شؤون نفس النَّهْی أو النَّفْی، سواء تعلقا بالنکره أو بالمعرفه. ونحن ذکرنا الکلام بالتفصیل سابقاً قبل عدّه سنوات فِی بحث دلاله الأمر عَلَیٰ المرَّه والتَّکرار وکذلک فِی بحث آخر فِی بحث دلاله النَّهْی عَلَیٰ الاِنْحِلاَلِیَّه، ولعله فِی غیرهما أیضاً، ولکننا فِی ذینک البحثین فصلنا الکلام حول وقوع الطَّبِیعَه فِی سیاق الأمر أو فِی سیاق النَّهْی. (إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه) ووضعنا لهذا قانوناً عامّاً وَقُلْنَا: إِنَّ الأصل فِی الْمُتَعَلَّق أن یکون الإِطْلاَق فیه إطلاقاً بَدَلِیّاً والأصل فِی الْمَوْضُوع أن یکون الإِطْلاَق فیه شُمُولِیّاً. ولکل من هذین القانونین استثناء ذکرناه هناک. فالأصل العام فِی الْمُتَعَلَّق أن یکون إطلاقه بَدَلِیّاً إلاَّ إذا کان الْمُتَعَلَّق متعلّقاً بِالنَّهْیِ (مثل صلِّ ولا تکذب). والأصل فِی الْمَوْضُوع أن یکون الإِطْلاَق شُمُولِیّاً (مثل «أَکْرِمِ الْعَالِمَ»، حَیْث أَنَّ الإِطْلاَق بدلیّ بِالنِّسْبَهِ لِلْمُتَعَلَّقِ؛ إذ لا یَدُلّ «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» عَلَیٰ وجوب إکرام العالم بکل مصادیق الإکرام. أَمَّا بِالنِّسْبَهِ إلی «العالم» فالإکرام شُمُولِیّ، أی: یجب إکرام جمیع أفراد العالم). فالأصل فِی الْمَوْضُوع الشُّمُولِیَّه إلاَّ إذا کان الْمَوْضُوع مُنَوَّناً بتنوین التَّنْکِیر، کما فِی قوله: «أکرم عَالِماً»؛ لأَنَّ هذا التَّنْوِین یعطیه قید الوحده، وإذا کان مقیّداً بقید الوحده فلا یمکن أن یکون دالاًّ عَلَیٰ الإِطْلاَق الشُّمُولِیّ. هذه هی الملاحظه الأولی، وتبقی الملاحظات الأخری تأتی غداً إن شاء اللٰه تعالی.

ص: 54

النَّکِرَه الواقعه فِی سیاق النَّهی أو النفی/ألفاظ العموم /العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: النَّکِرَه الواقعه فِی سیاق النَّهی أو النفی/ألفاظ العموم /العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

الملاحظه الثَّانیه عَلَیٰ التَّفْسِیر الَّذی ذکره الخُراسانیّ لِلشُّمُولِیَّهِ هی أن هذه الشُّمُولِیَّهَ المستفادهَ من القرینه الْعَقْلِیَّه (القائله بأن النَّهْی حیث أَنَّهُ نهی عن الطَّبِیعِیّ، أی یُطلب إعدامُ الطَّبِیعَه، وَالطَّبِیعَه لا تَنعدم إلاَّ بانعدام جمیع أفرادها)، لا تکون شمولیهً للحکم فِی مرحله الجعل، وإنَّما شمولیه فِی مرحله الامتثال؛ فإن شمولیه الحکم تارهً (وهذا بحث أیضاً تقدّم تفصیله فِی المرَّه والتَّکرار) تکون شمولیه فِی مرحله الجعل، أی: انحلال الحکم إلی أحکام عدیده بعدد الأفراد. مثلاً لو قال: «لا تکذب» سوف یَنْحَلُّ هذا النَّهْی إلی نواهٍ عدیده بعدد الکذبات الْمُتَصَوَّرَه، بحیث تکون کل کذبه محکومهً بحرمهٍ.

والنوع الآخر من الشُّمُولِیَّه لیست بمعنی انحلال الحکم إلی أحکام عدیده بعدد الأفراد، بل بمعنی أن لا یتحقّق الامتثال الخارجیّ للحکم إلاَّ بامتثال جمیع الأفراد، لکن لَیْسَ بالضروره معناه أن یکون الحکم مُنْحَلاًّ إلی أحکام عدیده، فإن هذا ینسجم مَعَ أَنْ یکون الحکم واحداً. فإن افترضنا أن الشُّمُولِیَّه شمولیه فِی مرحله الامتثال فِی مثال: «لا تکذب» المتقدّم، لا فِی مرحله الجعل. یعنی أن الحکم المجعول مِن قِبَلِ المولی واحد ولا توجد حرمات عدیده بعدد الکذبات، لکن هذه الْحُرْمَه الواحده الْمُتَعَلَّقَه بطبیعی الکذب لا تُمتَثَل خارجاً إلاَّ بترک کل الکذبات.

وتتمخض عن هذه القرینه الْعَقْلِیَّه الشُّمُولِیَّهُ من النَّوْع الثَّانِی (شمولیه الحکم فِی مرحله الامتثال)، ولا نصل إلی الشُّمُولِیَّه المتوخاه (وهی الشُّمُولِیَّه فِی مرحله الجعل). وتنسجم مقوله الآخوند هذه مع افتراض أَنْ تَکُونَ لدینا حرمه واحده مجعوله مِن قِبَلِ المولی لطبیعی الکذب، لا حرمات عدیده بعدد أفراد الکذب. ولکن لا یَتُِمّ امتثال هذه الْحُرْمَه الواحده إلاَّ بترک جمیع الکذبات. وهذا غیر ما یُراد من النَّکِرَه الواقعه فِی سیاق النَّهْی، وهو الوصول إلی الشُّمُولِیَّه فِی مرحله الجعل (= انحلال الحکم إلی أحکام عدیده بعدد الأفراد)، بحیث تکون هذه الکذبه محکومهً بالحرمه وتلک الکذبه محکومهً بالحرمه وهکذا باقی الکذبات. بحیث لو کذب کذبتین یکون قد ارتکب حرامین. هذا ما نریده وهذا لا یمکن الوصول إلیه من خلال القرینه الَّتی ذکرها الآخوند؛ إذ أنَّها تنسجم مع افتراض أن یکون الحکم واحداً ولیس متعدّداً، ولکن امتثالها لا یتحقّق إلاَّ بترک جمیع الکذبات. فلو لم یترک جمیع الکذبات لا یکون ممتثلاً لهذا الحکم. وَالَّذِی نریده أکثر من هذا، فَإِنَّنَا نرید أن نستفید الشُّمُولِیَّه بالمعنی الأوّل (= فِی مرحله الجعل) من وقوع النَّکِرَه فِی سیاق النَّهْی، بحیث یکون مثل قوله: «لا تکذب» (أو «لا کذب فِی الإسلام») مُنْحَلاًّ إلی نواهٍ عدیده بعدد الأفراد، بینما هذه القرینه الْعَقْلِیَّه الَّتی ذکرها الآخوند لا تثبت هذا المعنی.

ص: 55

لکن هناک قرینه أخری ذکرناها عندما کُنَّا نبحث عن اِنْحِلاَلِیَّه النَّهْی، فقد قلنا هناک: إن لدینا قرینه عُرْفِیَّه وهی غیر هذه القرینه الْعَقْلِیَّه الَّتی ذکرها الآخوند، بها تَتُِمّ الشُّمُولِیَّه الَّتی نریدها (وهی الشُّمُولِیَّه بمعنی انحلال الحکم إلی أحکام عدیده)، وحاصلها أَنَّ هناک مطلبین:

المطلب الأوّل: أن النَّهْی عرفاً ینشأ غالباً من المفسده، أی: أن فهم العرف من النَّهْی هو نشوء النَّهْی من وجود مفسده أو خطر أو ورطه.

والمطلب الثَّانِی: هو أَنَّهُ غالباً المفسده اِنْحِلاَلِیَّه. أی: فِی کُلّ فرد ومصداق من مصادیق الکلّی الطَّبِیعِیّ توجد مفسده.

فعلی سبیل المثال یری العرف أن النَّهْی فِی «لا تکذب» ناشئ من وجود مفسده فِی الکذب، هذا هو المطلب الأوّل. والمطلب الثَّانِی هو أن هذه المفسده الموجوده فِی الکذب اِنْحِلاَلِیَّه، أی: توجد المفسده فِی کُلّ مصداق من مصادیق الْمَنْهِیّ عَنْهُ (الکذب).

إذن، إِنَّمَا نصل إلی الشُّمُولِیَّه الَّتی نریدها من خلال هذه القرینه الْعُرْفِیَّه، دون القرینه الَّتی ذکرها الخُراسانیّ.

الملاحظه الثَّالثه عَلَیٰ کلام الآخوند هی أن هذه الشُّمُولِیَّه الَّتی أفادها المُحَقِّق الخُراسانیّ لا یمکن أن نعتبرها «عموماً» فِی المصطلح الأُصُولِیّ، وهی أجنبیه عن محلّ الکلام؛ فَإِنَّنَا نتکلّم عن ألفاظ العموم وصیغه، ومن الطَّبِیعِیّ أن هذه الشُّمُولِیَّه بموجب هذه القرینه الْعَقْلِیَّه أجنبیه عن محلّ الکلام؛ إِذْ أَنَّ معنی العموم کما تقدّم مراراً هو أن یکون الحکم شاملاً للأفراد بما هی أفراد، وبهذا میّزنا العموم عن الإِطْلاَق. الإِطْلاَق: ثبوت الحکم لِلطَّبِیعِیِّ ومن الطَّبِیعِیّ یسری إلی الأفراد. أمّا العموم فهو أقوی من الإِطْلاَق: أَنْ یَکُونَ الحکم شاملاً للأفراد بما هی أفراد. أی: أَنْ تَکُونَ هناک رؤیه للأفراد فِی مرحله الکلام واللَّفظ والدِّلاله الوضعیَّه، لکن نظره إجمالیه، ولیست نظره تفصیلیه إلی کل فرد فردٍ. ولعلّ الآخوند أیضاً لا یرید أکثر من ذلک.

ص: 56

الملاحظه الرَّابعه: هی أن هذه الشُّمُولِیَّه متوقّفه عَلَیٰ جریان مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ، بمعنی أن هذه القرینه الْعَقْلِیَّه الَّتی ذکرها الخُراسانیّ، لا تغنی عن قرینه الحِکْمَه، کما أفاد هذا المطلب وإلیک نص کلامه:

«ربما عد من الألفاظ الداله علی العموم النکرهُ فی سیاق النفی أو النهی، ودلالتها علیه لا ینبغی أن تُنکر عقلاً [أی: هذه القرینه العقلیه المتقدمه]؛ لضروره أنّه لا یکاد یکون الطبیعه معدومهً إلاّ إذا لم یکن فرد منها بموجود وإلاّ لکانت موجوده. لکن لا یخفی أنّها [أی: النکره الواقعه فی سیاق النفی أو النهی] تفیده [أی: الشمولَ] إذا أُخذت [النکره] مرسله [أی: مطلقه، اللابشرط القسمی] لا مبهمه [أی: ذات الطَّبِیعَه، واللابشرط المقسمی] وقابله للتقیید، وإلاّ فسلبها [لأن النهی یسلب هذه الطَّبِیعَه] لا یقتضی إلاّ استیعاب السلب لما أُرید منها یقیناً، لا استیعاب ما یصلح انطباقها علیه من أفرادها، وهذا لا ینافی کون دلالتها علیه عقلیه، فإنّها بالإضافه إلی أفراد ما یراد منها، لا الأفراد التی یصلح لانطباقها علیها، کما لا ینافی دلاله مثل لفظ «کل» علی العموم وضعاً کون عمومه بحسب ما یراد من مدخوله، ولذا لا ینافیه تقیید المدخول بقیود کثیره».

فحاصل ما یرید أن یقوله الآخوند هو أن فی النکره الواقعه فی سیاق النهی، تکون تلک القرینه العقلیه المتقدمه قرینهً علی الشمولیه بالمعنی المتقدّم فیما إذا کانت مطلقه فحسب، مثل: «لا تکرم فاسقاً»، فإن أجرینا الإطلاق فی کلمه «فاسقاً» وقلنا إن المراد الجدی من «فاسقاً» هو مطلق الفاسق، سواء صاحب المعصیه الکبیره أو صاحب الصغیره، حینئذٍ إذا وقعت هذه الطَّبِیعَه المطلقه فی سیاق النهی «لا تکرم فاسقاً»، فیکون هذا الوقوع دالاًّ علی الشمولیه وعلی أنه کل من یصلح أن ینطبق علیه أنه فاسق مشمول للنهی.

ص: 57

أَمَّا إذا لم نجر الإِطْلاَق فِی «فَاسِقاً» فمعنی ذلک أن من المحتمل أَنَّهُ أراد ب_«فَاسِقاً» خصوص صاحب الکبیره، وحینئِذٍ إذا لم نثبت أن المقصود به کل أصحاب المعاصی صغائر وکبائر، إذن إنَّ وقوع کلمه «فاسقاً» فِی سیاق النَّهْی سوف لا یدلنا عَلَیٰ الشُّمُول لکل أفراد الفاسق وإنَّما یَدُلّ عَلَیٰ الشُّمُول لخصوص مرتکبی الکبائر.

وبعباره أخری: غایه ما تقتضیه القرینه الْعَقْلِیَّه المتقدّمه هی أن الطَّبِیعَه الواقعه فِی سیاق النَّهْی شامله لکل أفرادها، أَمَّا ما هی هذه الطَّبِیعَه الواقعه فِی سیاق النهی؟ مرسله (مطلقه) أو مبهمه؟! فهذا مطلب خارج عن وقوع الطَّبِیعِیّ (النَّکِرَه) فِی سیاق النَّهْی؛ فَإِنَّ وقوع النَّکِرَه فِی سیاق النَّهْی یَدُلّ (بموجب القرینه الْعَقْلِیَّه الَّتی ذکرناها) عَلَیٰ أن هذه الطَّبِیعَه الواقعه فِی سیاق النَّهْی شامله لکل أفرادها، أَمَّا هل هذه الطَّبِیعَه هی طبیعه الفاسق (المطلقه)، أو هی طبیعه الفاسق المرتکب للکبیره (المقیّده)؟! هذا مطلب لا یفیده وقوعُ النَّکِرَه فِی سیاق النَّهْی. فلا بُدَّ من إجراء مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ أوَّلاً فِی هذه الطَّبِیعَه وإثبات أن هذه الطَّبِیعَه الواقعه فِی سیاق النَّهْی هی الطَّبِیعَه المطلقه والمرسله (بتعبیر الآخوند) ثم بعد ذلک نقول: وقوع هذه النَّکِرَه فِی سیاق النَّهْی یَدُلّ بموجب القرینه الْعَقْلِیَّه المتقدّمه عَلَیٰ أن الشُّمُول لکل أفرادها.

إذن، بموجب مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ تثبت الشُّمُولِیَّه ویتنقّح مَوْضُوع هذه الدِّلاَلَه الْعَقْلِیَّه.

هذه هی الملاحظه الرَّابعه. والأمر کما قال الخراسانی، أی: مِنْ دُونِ إجراء مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ فِی هذه النَّکِرَه لا یمکن أن نثبت الشُّمُولِیَّه.

طبعاً نحن أنکرنا فِی الملاحظه الثَّانیه أو الثَّالثه أصل دلاله هذه القرینه الْعَقْلِیَّه عَلَیٰ الشُّمُولِیَّه، لکن هذه الملاحظه صحیحه أیضاً، بأَنَّهُ حتّی لو فرضنا أن هذه الشُّمُولِیَّه ناشئه من هذه القرینه الْعَقْلِیَّه، لٰکِنَّهَٰا لا تثبت کل ما نریده، بل تثبت نصف ما نریده من أن ما وقع فِی سیاق النَّفْی أو النَّهْی شامل لکل أفراده. أَمَّا أَنَّهُ ما الَّذی وقع فِی سیاق النَّهْی؟ الطَّبِیعِیّ المطلق أو الطَّبِیعِیّ المقیِّد؟ فهذا خارج عن قوّه وقوع الطَّبِیعِیّ فِی سیاق النَّهْی وبحاجه إلی أن نستعین بِمُقَدَِّمَاتِ الْحِکْمَهِ لإِثْبَاتِ أن الواقع فِی سیاق النَّهْی هو الطَّبِیعَه المطلقه.

ص: 58

الملاحظه الخامسه والأخیره هی أنَّ هناک نقاشاً فِی هذه القرینه الْعَقْلِیَّه الَّتی ذکرها الآخوند وقد تقدّم ذکر هذا النقاش والجواب عنه فِی بحث دلاله الأمر عَلَیٰ المرَّه والتَّکرار وکذلک فِی بحث دلاله النَّهْی عندما کُنَّا نبحث عن أن النَّهْی نهی عن الطَّبِیعَه وشمولی.

والنقاش والإشکال هو أن هذا الکلام الَّذی ذکره الآخوند هنا هو فِی الواقع کلام یقال عاده فِی مقام الفرق بین الأمر وَالنَّهْی حیث یقولون عادهً: امتثال الأمر یَتَعَلَّقُ بالإتیان بفرد واحد، بینما امتثال النَّهْی لا یتحقّق إلاَّ بترک جمیع الأفراد. فلو قال المولی: «صلِّ» وأتی المُکَلَّف بصلاه واحده یکون ممتثلاً ولیس بحاجه إلی الإتیان بکل الصَّلَوَات الْمُتَصَوَّرَه. لکن فِی النَّهْی حینما یقال: «لا تکذب»، فلا یتحقّق الامتثال إلاَّ بترک جمیع الکذبات. فیقال فِی مقام الفرق بین الأمر والنهی: إن وقوع الطَّبِیعَه فِی سیاق النَّهْی یختلف عن وقوعها فِی سیاق الأمر؛ إِذْ أَنَّ معنی الثَّانِی هو أن المولی أمر بإیجاد الطَّبِیعَه، وإیجاد الطَّبِیعَه إِنَّمَا یکون بإیجاد فرد واحد عَلَیٰ أقل تقدیر، أَمَّا إذا نَهَیٰ المولی عن الطَّبِیعَه فیجب عَلَیٰ المُکَلَّف أن یقوم بإعدام الطَّبِیعَه، والإعدام لا یکون إلاَّ بإعدام جمیع الأفراد.

صاحب الإشکال یأتی هنا ویقول: إن هذا الکلام (القائل بأن الطَّبِیعِیّ یوجد بوجود فرد واحد ولکن لا ینعدم بانعدام جمیع الأفراد) غلط من أساسه، وإنَّما یَتُِمّ ویصح هذا الکلام عَلَیٰ مقوله الرَّجُل الْهَمِدَانِیّ (کلیّ الْهَمِدَانِیّ)، حیث ادعی وأصرّ (حسب نقل الشَّیْخ الرئیس نفسه) أن نسبه الکلّی الطَّبِیعِیّ إلی الأفراد نسبه الأب الواحد إلی الأبناء. ومن الطَّبِیعِیّ أن الرَّجُل الْهَمِدَانِیّ لا یرید أن یقول بأن هذا الوجود الواحد مستقلّ عن الأفراد خارجاً؛ إذ مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّه لا وجود مستقلّ لِلْکُلِّیِّ الطَّبِیعِیّ خارجاً فِی غیر أفراده، وإنَّما هو وجود واحد سِعیّ ومنتشر للأفراد.

ص: 59

لکن فِی مقابل هذا الکلام یأتی کلام شیخ الرئیس والمشهور والصحیح أیضاً من أنَّ نسبه الکلّی الطَّبِیعِیّ إلی الأفراد لَیْسَت نسبه الأب إلی الأبناء، بل نسبه الآباء العدیدین إلی الأبناء العدیدین:

لَیْسَ الطَّبِیعِیّ مع الأفراد کالأببل آباء مع الأولادفَکَمَا أَنَّ الآباء بِالنِّسْبَهِ إلی الأفراد لهم وجودات عدیده خارجاً، کذلک کلی الطَّبِیعِیّ (مثل کلی الإنسان) له وجودات عدیده فِی الخارج بعدد الأفراد ولیس کما یقول الْهَمِدَانِیّ.

صاحب الإشکال یقول: هذا الکلام الَّذی قلتموه وقاله الآخوند هنا وقاله غیره فِی أماکن أخری وهو أن الطَّبِیعِیّ یوجد بوجود فرد واحد، لٰکِنَّهُ لا ینعدم إلاَّ بانعدام جمیع الأفراد، هذا الکلام إِنَّمَا یصحّ عَلَیٰ بناء عَلَیٰ الکلّی الْهَمِدَانِیّ، وحیث أن الکلّی الْهَمِدَانِیّ باطل، والصحیح هو خلافه، إذن فهذا الکلام باطل أیضاً. وتوضیح هذا مع جوابه یأتی غداً إن شاء اللٰه تعالی.

النَّکِرَه الواقعه فِی سیاق النَّهی أو النفی/ألفاظ العموم /العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: النَّکِرَه الواقعه فِی سیاق النَّهی أو النفی/ألفاظ العموم /العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

کُنَّا بصدد دراسه الملاحظه الأخیره (وهی الَّتی ذکرها المُحَقِّق الإِصْفِهَانِیّ وتابعه علیها السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله) عَلَیٰ القرینه الْعَقْلِیَّه الَّتی أفادها المُحَقِّق الخُراسانیّ وَقَالِ: إِنَّ عَلَیٰ أساسها نفهم الشُّمُولِیَّه من النَّکِرَه الواقعه فِی سیاق النَّفْی أو النَّهْی، وهی عباره عن: «أنَّ الکلّی الطَّبِیعِیّ یوجد بوجود فرد واحد ولٰکِنَّهُ لا ینعدم بانعدام فرد أو فردین، بل ینعدم بانعدام کل الأفراد»، وقد أسلفنا هذا النقاش بالمناسبه فِی بحث المرَّه والتَّکرار وکذلک فِی مواطن أخری، وتتحصل الملاحظه فِی أن القرینه إِنَّمَا تَتُِمّ بناءًا عَلَیٰ فکره الرَّجُل الْهَمِدَانِیّ عن الکلّی الطَّبِیعِیّ، لا عَلَیٰ فکره الْمَشْهُور (کالشَّیْخ الرئیس).

ص: 60

توضیح ذلک: یعتقد الرَّجُل الْهَمِدَانِیّ أن وجود الکلّی الطَّبِیعِیّ فِی الخارج وجودٌ واحد سعیّ منتشر فِی جمیع الأفراد، بینما النظره الصحیحه والمشهوره هی أن الکلّی الطَّبِیعِیّ نسبته إلی أفراده نسبه الآباء العدیدین إلی الأبناء (أی: هناک وجودات عدیده لِلْکُلِّیِّ الطَّبِیعِیّ فِی الخارج بعدد أفراده. فإذا کان أفراد البشر مائه مثلاً، یکون لهذا الکلّی مائه وجود فِی الخارج، ولیس له وجود واحد سعی منتشر فِی هؤلاء الأفراد المائه، کما إذا کان عندنا مائه أب فِی الخارج).

هذا، وتفید ملاحظه الشَّیْخ الأصفهانی والسّیّد الأستاذ الخوئی رحمه الله أنّ هذه القرینه تتلاءم مع تصوّر الرَّجُل الْهَمِدَانِیّ عن الکلّی الطَّبِیعِیّ ولکننا معکم ومع الْمَشْهُور ننکر الکلّی الْهَمِدَانِیَّ ونَقُول: إِنَّ نسبه الکلّی الطَّبِیعِیّ إلی أفراده نسبه الآباء العدیدین إلی الأبناء العدیدین، وعلیه لا یصحّ القول بأن الطَّبِیعَه توجد بوجود فرد واحد ولکن لا تنعدم بانعدام جمیع الأفراد، بل یجب القول بأنها توجد بوجود فرد واحد وتنعدم بانعدام فرد واحد. أی: وجود کلی «الإنسان» فِی وجود «زید» غیر وجوده فِی فرد آخر منه وهو «عمرو»؛ فَإِنَّ کل واحد من أفراد الکلّی له وجود لِلْکُلِّیِّ غیر وجود الفرد الآخر، فلا یعقل بقاء الکلّی الطَّبِیعِیّ الموجود ضمن «زید» بانعدام «زید» لکون الکلّی موجوداً ضمن «عمرو». إذن، إذا کان وجوده ضمن «زید» غیر وجوده ضمن «عمرو» - کما هو الصَّحِیح - فیتحقق وجودُه فِی ضمن «زید» بتحقّق «زید» وینعدم وجودُه فِی ضمن «زید» بانعدام «زید» حتّی لو کان «عمرو» والآخرون موجودین. وَلاَ یُعْقَلُ غیر هذا الکلام إلاَّ إذا قیل بمقوله الْهَمِدَانِیّ عن الکلّی الطَّبِیعِیّ وهی مقوله باطله. أی: کَمَا أَنَّ هُنَاکَ وجودات عدیده لِلْکُلِّیِّ بعدد الأفراد، کذلک هناک أعدام عدیده لِلطَّبِیعَهِ بعدد الأفراد.

ص: 61

وحینئِذٍ بناءًا عَلَیٰ هذا یقول الإشکال: لا یبقی فرق بین باب الأمر وباب النَّهْی فِی عالم الامتثال؛ فإِنَّهُ بناء عَلَیٰ هذا الإشکال سوف ینهار الفارق الَّذی کان یُذکر بینهما فِی مقام الامتثال (بأَنَّ فِی امتثال الأمر یکفی الإتیانُ بفرد واحد من الْمُتَعَلَّق، ولکن فِی امتثال النَّهْی لا یکفی الانزجار والابتعاد عن فرد واحد. فإِنَّ فِی امتثال قوله: «صلِّ» یکفی الإتیان بصلاه ظهر واحده ولا تجب جمیع صلوات الظهر المتصوَّره. أَمَّا فِی قوله: «لا تکذب» لا یکون المُکَلَّف ممتثلاً إلاَّ إذا ترک کل أفراد الکذب)، ولا یبقی فرق بین الأمر وَالنَّهْی فِی مقام الامتثال؛ وذلک لأَنَّ الأمر تعلّق بالکلی الطَّبِیعِیّ وکذلک النَّهْی قد تعلّق بالکلی الطَّبِیعِیّ، وَالطَّبِیعَه توجد بوجودات عدیده فِی الخارج بعدد الأفراد، وحیث أن الأمر «طلبٌ» من المولی لإیجاد هذه الطَّبِیعَه فِی الخارج، وَالنَّهْی «زجرٌ» و«تبعیدٌ» من المولی للمکلَّف عن الطَّبِیعَه، فَیَکُونُ کل من الأمر وَالنَّهْی متعلّقاً بالکلی الطَّبِیعِیّ، ومعنی ذلک أن ل_«کلیَّ الصَّلاه» وجودات عدیده فِی الخارج بعدد أفراد الصَّلاه، وکذلک «کلی الکذب» له وجودات عدیده بعدد أفراد الکذب، إذن، فالأمر طلب لإیجاد کلی الصلاه فِی الخارج. فیا تُرَیٰ هل تعلّق هذا الطّلب بوجود واحد من هذه الوجودات العدیده أو تعلّق بکل هذه الوجودات؟

فإن قلتم إِنَّه تعلّق بوجود واحد من هذه الوجودات العدیده، إذن یَتُِمّ الامتثال فِی باب الأمر بالإتیان بصلاه واحده کما یجب أن یتحقّق الامتثال فِی باب النَّهْی بترک کذبه واحده؛ لأَنَّنَا افترضنا أن الْمُتَعَلَّق فِی کُلّ من الأمر وَالنَّهْی عباره عن وجود واحد من وجودات الطَّبِیعَه؛ فکما یتحقّق امتثال الأمر بالإتیان بصلاه واحده یتحقّق امتثال النَّهْی بترک کذبه واحده.

وإن قلتم إن الوجودات العدیده هی مُتَعَلَّق الأمر وَالنَّهْی ولیس الوجود الواحد، فأیضاً لا یبقی فارق بین الأمر وَالنَّهْی؛ إذ کما أن النَّهْی لا یمتثل إلاَّ بترک کل الکذبات فکذلک الأمر لا یمتثل إلاَّ بالإتیان بکل الصَّلَوَات ویجب الإتیان بکل الصَّلَوَات الْمُتَصَوَّرَه (کالصَّلاه فِی الدَّقِیقَه الأولی من بعد الزوال والثانیه وفی الثوب الفلانی والمکان الفلانی وهکذا).

ص: 62

وَالْحَاصِلُ أَنَّ التفریق بین الأمر وَالنَّهْی فِی مقام الامتثال بالقول بأن الأمر یمتثل بفرد واحد وَالنَّهْی لا یمتثل إلاَّ بترک جمیع الأفراد، کان قائماً عَلَیٰ أساس فکره الرَّجُل الْهَمِدَانِیّ القائله بأن الطَّبِیعِیّ یوجد بوجود فرد واحد ولٰکِنَّهُ لا ینعدم بانعدام جمیع الأفراد، وحیث انهار أساس تلک الفکره فقد انهار هذا التفریق المبتنی عَلَیها( (1) ).

الإجابه: ولکن قد ذکرنا الإجابه عن هذا الإشکال سابقاً (عند طرحنا هذا الإشکال فِی بحث المرَّه والتَّکرار) حیث قلنا: إن هذا الإشکال مبنیّ عَلَیٰ الخلط بین مسألتین فَلْسَفِیَّه وأصولیه؛ إِذْ أَنَّ هناک مسأله فَلْسَفِیَّه - وهی الَّتی دار حولها الخلاف بین الرَّجُل الْهَمِدَانِیّ والشیخ الرئیس ابن سینا - تدرس کیفیَّه وجود الکلّی الطَّبِیعِیّ خارجاً، بأَنَّهُ هل یوجد بوجود خارجی واحد أو له وجودات خارجیّه متعدّده؟ وحیث أن هذا من شؤون الوجود، تتکَفَّل الفلسفه الاهتمام به. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. وفی جانب آخر توجد مسأله أصولیه وهی معرفه مُتَعَلَّق الأمر وَالنَّهْی، فهل الْمُتَعَلَّق وجود الصَّلاه الخارجیّ أو مفهومها وعنوانها؟ فیأتی الأُصُولِیّ لیقول: إن الأحکام الشَّرعیَّه لا تَتَعَلَّقُ بالوجود الخارجیّ رأساً، بل تَتَعَلَّقُ بالعناوین، بل إن الأمر لا یقتصر عَلَیٰ الأحکام الشَّرعیَّه؛ فَإِنَّ هذا شأن کل حکم صادر من أی حاکم کان، کحکم الحاکم بکون النار حاره؛ لأَنَّ الحکم إذعان وفعل للنَّفس، وأفعال النَّفس کالنفس مجرّده عن الْمَادَّه، بینما الوجود الخارجیّ بالنار مادیّ، فکیف یَتَعَلَّقُ المجرّدُ عن الْمَادَّه بالمادیّ مباشره؟! إذن، لطالما أن هذا الحکم مجرّد عن الْمَادَّه فیجب أن یَتَعَلَّقُ بشیء من سنخه مجرّد عن الْمَادَّه، وهو عنوان «النار» ومفهومها، ولکن نظرنا إلی «مفهوم النار» لَیْسَ نظراً مفهومیّاً وإلا لما أمکننا أن نحکم علیه بالحراره، لأَنَّ الْمَفْهُوم لَیْسَ حاراً ولا بارداً وأساساً لَیْسَ مادیّاً. فالحکم الصَّادر عَلَیٰ الْمَفْهُوم قد انصب علیه بما هو عین النار الخارجیه وبالنظر الهوهویه والحمل الأولی (عَلَیٰ ما کان یعبر عنه السید الشهید الصدر رحمه الله)، أی: بنظره تَرَیٰ أن «مفهوم النار» هو النار الخارجیه، لا بما هو مفهوم.

ص: 63


1- (1) - راجع نهایه الدرایه: ج2، ص185، وکلمات السید الخوئی رحمه الله.

إذن، بعد أن تبینت المسأله الأصولیه واتضح الفارق بینها وبین المسأله الْفَلْسَفِیَّه، یجدر بنا أن لا نخلط بینهما؛ فَإِنَّ الخلاف فِی تلک المسأله الْفَلْسَفِیَّه یدور حول الوجود الخارجیّ لِلْکُلِّیِّ الطَّبِیعِیّ، بینما لا یهمنا الوجود الخارجیّ لِلْکُلِّیِّ فِی المسأله الأصولیه؛ لأَنَّ الأمر وَالنَّهْی لا یَتَعَلَّقَانِ بالوجود الخارجیّ بل یستحیل تعلقهما به؛ فَإِنَّ الممکن والواقع هو تعلّق الأمر وَالنَّهْی بالعناوین کعنوان الصَّلاه. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. وحینئِذٍ نَقُول: إِنَّ عنوان «الصَّلاه» بلحاظ مصادیق الصَّلاه، نسبته نِسْبَه الآباء العدیدین إلی أبنائهم؛ فَإِنَّ مفهوم الصَّلاه مفهوم واحد فِی عالم الْمَفَاهِیم، ولا یتعدّد مهما تعدّدت المصادیق، ونسبه الْمَفْهُوم إلی المصادیق نِسْبَه الأَبِ الْوَاحِدِ إِلَی أَبْنَائِهِ ولا خلاف فِی هذا، ولا یمکن إدخاله فِی الخلاف الْفَلْسَفِیّ بین الشَّیْخ الرئیس رحمه الله والرجل الْهَمِدَانِیّ؛ لأَنَّ ذاک خلاف فِی الوجود الخارجیّ لِلْکُلِّیِّ الطَّبِیعِیّ وهو خارج عن محلّ البحث الأُصُولِیّ.

وحینئِذٍ یَتُِمّ ذاک الفرق الَّذی ذکروه بین الأمر وَالنَّهْی ولا ینهار وهو أن امتثال الأمر یتحقّق بامتثال فرد واحد بینما لا یتحقّق امتثال النَّهْی إلاَّ بامتثال جمیع الأفراد؛ لأَنَّ الأمر تعلّق بالمفهوم وقد طلب المولی منی أن أوجِد هذا المفهومَ، وإیجاد الْمَفْهُوم خارجاً یتحقّق بإیجاد مصداق واحد من مصادیقه، بینما طلب المولی منی فِی النَّهْی أن أعدِمَ هذا الْمَفْهُوم، ولا ینعدم الْمَفْهُوم إلاَّ إذا انعدم کل الأفراد.

فالفرق الْمَشْهُور الَّذی قالوه بین الأمر وَالنَّهْی، فرق یبقی محفوظاً وصحیحاً ولا علاقه للمسأله بمسأله الکلّی الْهَمِدَانِیّ. فهذا الإشکال الَّذی أورده الإِصْفِهَانِیّ وکذلک السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله غیر وارد.

حصیله البحث: وهذا تمام الکلام بِالنِّسْبَهِ إلی النَّکِرَه فِی سیاق النَّهْی وَالنَّفْی. وقد اتَّضَحَ أن النَّکِرَه الواقعه فِی سیاق النَّفْی أو النَّهْی لا تَدُلّ عَلَیٰ العموم، بل تَدُلّ عَلَیٰ الإِطْلاَق الشُّمُولِیّ، ولا تعتبر عندنا من صیغ العموم ومن ألفاظ العموم، عَلَیٰ أَنَّنَا قد ذکرنا الشُّمُولِیَّه أیضاً وفسرنا نکتتها. وبهذا تَمَّ الکلام فِی الکلمه الثَّالثه من کلمات العموم وهی «النَّکِرَه الواقعه فِی سیاق النَّفْی أو النَّهْی» بعد أن درسنا الکلمتین الأخریین «کُلّ» و«الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ»، وبذلک یبقی الحدیث عن الکلمه الرَّابعه والأخیره وهی عباره عن أسماء الأعداد ک«عشره» و«العشرین» و«المائه» و«الألف»، والَّتی هی أسماءٌ لأعدادٍ ریاضیه، فقد یُتصوّر أنَّها من ألفاظ العموم وأدواته؛ وذلک لأَنَّهَا تستوعب ما تندرج تحتها من آحاد؛ فَإِنَّ کلمه «العشره» تستوعب الأجزاء والآحاد الموجوده تحت العشره.

ص: 64

وقد حاول المُحَقِّق الخُراسانیّ أن یدفع هذا التوهّم ویبطله، وذلک بعد إعطائه تعریفاً عن العموم فِی بدایه البحث بأَنَّهُ عباره عن أن یکون مفهوم مّا شاملاً ومستوعباً لجمیع الأفراد الَّتی یصلح هذا الْمَفْهُوم للانطباق علیها (شمول الْمَفْهُوم لجمیع ما یصلح المفهومُ للانطباق علیه) یقول: «وقد انقدح أن مثل شمول عشره وغیرها کالعقود الأخر لآحادها المندرجه تحتها لَیْسَ من العموم؛ لعدم صلاحیتها بمفهومها للانطباق عَلَیٰ کل واحد منها

[أی: مفهوم «العشره» بما هو مفهوم لا یصلح للانطباق عَلَیٰ کل واحد واحدٍ من هذه الآحاد] فلا یَتُِمّ تعریف العموم الَّذی ذکرناه

». ویأتی توضیح کلام الخُراسانیّ ودراسته غداً إن شاء اللٰه تعالی. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه.

النَّکِرَه الواقعه فِی سیاق النَّهی أو النفی/ألفاظ العموم /العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: النَّکِرَه الواقعه فِی سیاق النَّهی أو النفی/ألفاظ العموم /العامّ /دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

توضیح کلام المُحَقِّق الخُراسانیّ الَّذی نقلناه بالأَمْسِ حول أسماء الأعداد هو أن المقیاس فِی کون شیء مصداقاً وفردا للعامّ عباره عن أن صدق العامّ بما له من مفهوم عَلَیٰ ذاک الشَّیْء. فعلی سبیل المثال إن المقیاس فِی کون زیدٍ فرداً من أفراد الإنسان هو أن کلمه الإنسان (وهی العامّ) بما لها من مفهوم تصدق عَلَیٰ زید، بأَنَّهُ متی ما کان هکذا فحینئذٍ ذاک الفرد یُعتبر فرداً ومصداقاً لذاک العامّ؛ لأَنَّ العامّ بما له من مفهوم یصدق علیه. أَمَّا إذا لم یکن هکذا فلا یکون ذاک الشَّیْء فرداً للعامّ. وکذلک الأمر فِی المقام (أی: فِی أسماء الأعداد)؛ فَإِنَّ مفهوم العشره بما هو مفهوم لا یصدق عَلَیٰ کل واحد واحدٍ من الآحاد المندرجه تحتها ولا یستوعب أجزاء نفسه؛ إِذْ أَنَّ تلک الآحاد لیست أفراداً لها بل هی أجزاؤها المندرجه تحتها.

ص: 65

فحاصل جواب المُحَقِّق الخُراسانیّ عن توهّم کون اسم العدد من ألفاظ العموم هو أن العموم عباره عن استیعاب الأفراد، بینما الوحدات المندرجه تحت اسم العدد (کالعشره) لیست أفراداً للعشره، وإنَّما هی أجزاؤها.

فالاستیعاب فِی أسماء الأعداد عباره عن استیعاب مفهوم لأجزاء نفسه، بینما العموم عباره عن استیعاب مفهوم لأفراده ومصادیقه.

ومن الطَّبِیعِیّ أَنَّنَا نرفض هذا الجواب الآخوندی لما سبق منَّا فِی العامّ الماضی عند دراستنا لکلمه «کُلٍّ» أنَّ الاستیعاب تارهً یکون «استیعاباً أَفْرَادِیّاً» وذلک عند دخول «کُلّ» عَلَیٰ النَّکِرَه مثل «أکرم کل إنسان»، بینما «کُلّ» نفسها عندما تدخل عَلَیٰ المعرفه تفید الاستیعاب الأَجْزَائِیّ مثل «اقرأ کل الکتاب».

فکأنَّ الخُراسانیّ یرید أن یقول: إن اسم العدد تارهً یُلحظ بما هو مضاف إلی طبیعه من الطَّبَائِع (إلی کلی طَبِیعِیّ) مثل «مائه عالم» حیث أن «المائه» اسم عددٍ أضیف إلی «العالم»، وأخری نتکلّم عن اسم العدد بالقیاس إلی أجزاء نفسه مثل «المائه» حَیْث أَنَّ هناک أجزاءً تحت المائه صیّرتها مائه.

أَمَّا فِی القسم الأوّل (أکرم مائه عالم) فمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ «المائه» لا تفید استیعاب مدخولها؛ لأَنَّ المدخول هو «عالم» وَقَدْ یَکُونُ ل_«عالم» مائه مصداق فِی مدینه قم، والمائه لا تستوعب الألف، وإنَّما تَدُلّ عَلَیٰ حصّه من المدخول (وهو الألف). إذن، إن الواضح أنّ «مائه عالم» لا تَدُلّ عَلَیٰ استیعاب تمام أفراد مدخوله؛ لأَنَّ أفراد العالم أکثر من المائه، وإنَّما یَدُلّ عَلَیٰ استیعاب مقدارٍ من أفراد مدخوله.

وأمّا فِی القسم الثَّانِی فِی مثل «أکرم المائه» مِنْ دُونِ إضافتها إلی طبیعه من الطَّبَائِع لا یکون عدم دلالتها عَلَیٰ الاستیعاب وَاضِحاً شیئاً ما؛ لأَنَّهُ قد یقال بأن المائه تَدُلّ عَلَیٰ استیعاب جمیع آحادها، ولیست ک_«مائه عالم» حیث لا تستوعب «المائه» جمیعَ أفراد العالم. ومن هنا یأتی هذا التوهّم القائل بأن اسم العدد من ألفاظ العموم؛ لأَنَّ أصل الشُّمُول والاستیعاب موجود نَوْعاً مّا هنا، لکن یأتی حینئذٍ جواب الخُراسانیّ بأَنَّ هناک فرقاً بین أداه العموم وبین اسم العدد، حیث تقتضی أداه العموم استیعابَ الْمَفْهُوم لأفراده، بینما اسم العدد لا یقتضی غیر استیعاب الْمَفْهُوم لأجزائه، وهذا لَیْسَ هو العموم المصطلح. ولکننا لم نرتض هذا الجواب لأَنَّ الاستیعاب أفرادی وأجزائی، ولا نعتبر استیعاب مفهومٍ لأجزائه خارجاً عن العموم.

ص: 66

الجواب الصَّحِیح هو أَنَّنَا:

تارهً

نبنی عَلَیٰ التَّعْرِیف المختار عن العموم فِی بدایه البحث عن العموم حیث قلنا بأَنَّهُ عباره عن استیعاب مفهومٍ وَضْعاً لمفهومٍ آخر، فلا بُدَّ من مفهومین فِی باب العموم أحدهما مستوعِب والآخر مستوعَب، کما لا بُدَّ من دالّ عَلَیٰ أن هذا الْمَفْهُوم الأوّل یستوعب ذاک الْمَفْهُوم الثَّانِی ولا بُدَّ أن یکون هذا الاستیعاب بالوضع، لا بقرینه الحِکْمَه أو بشیء آخر. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. غایه الأمر، إن استیعاب مفهومٍ لمفهوم آخر تارهً یکون ذاتاً، أی: ذاتاً یستوعب مفهوم مفهوماً آخر بالوضع، کما فِی «کُلٍّ» وکلمه «جمیع»؛ فإن مفهوم «کُلٍّ» یستوعب مفهوم مدخوله (کعالمٍ أو أی شیء آخر کان هو مدخوله) ومفهومُ مدخوله هو المستوعَب، وهذا الاستیعاب وَضْعِیّ و«کُلّ» ذاتاً یستوعب مدخوله ولا یحتاج إلی واسطه وأداه للاستیعاب.

وأخری

: یستوعب مفهومٌ مفهوماً آخر بدالٍ کما فِی «العلماء» (وهو الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ حسب ما صوّرناه فِی العامّ الماضی ثبوتاً وإن لم نقبل أن الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ وُضع إثباتاً للعموم، لکن ثبوتاً تعقلنا وتصورنا أن بالإمکان أن یوضع مِن قِبَلِ الواضع الجمعُ الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ بالنحو الَّذی یَدُلّ عَلَیٰ العموم بمعناه المصطلح الأُصُولِیّ وذلک بأن نفترض أن مفهوم هیئه الجمع هو المستوعِب ومفهوم مادّه الجمع هو المستوعَب، والدّال عَلَیٰ أن الأوّل یستوعب الثَّانِی هو «اللاَّم» (أی: وضعت «اللاَّم» لُغَهً للدِّلاله عَلَیٰ أن مفهومَ هیئه الجمع مستوعب لمادّه الجمع؛ فإن معنی هیئه العلماء عباره عن الجماعه الَّتی لا تقل عن ثلاثه، ومعنی مادّه الجمع عباره عن «العالم»؛ فاللام تَدُلّ عَلَیٰ أن تلک الجماعه الَّتی لا تقل عن ثلاثه مستوعِبه لأفراد «عالم»)، وهذا یصبح من القسم الثَّانِی، فإن هناک مفهوماً استوعب مفهوماً آخر، لٰکِنَّهُ استوعبه لا ذاتاً، بل بدال آخر هو «اللاَّم»، بخلاف «کُلٍّ» حیث أنَّها لا تحتاج إلی دالّ وإنَّما هی تَدُلّ ذاتاً عَلَیٰ استیعاب مدخوله.

ص: 67

بناء عَلَیٰ هذا التَّعْرِیف الَّذی هو الصَّحِیح فمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ اسم العدد لَیْسَ من ألفاظ العموم؛ لأَنَّ اسم العدد لا یستوعب مفهوماً آخر أساساً، سواء لاحظناه بما هو مضاف إلی طبیعه من الطَّبَائِع (أکرم مائه عالم، حَیْث أَنَّ کلمه «مائه» لا تستوعب جمیع أفراد العالم، فلا یوجد فِی الْبَین استیعاب لمفهوم آخر، المائه لم تستوعب مفهومَ «عالم») أم لاحظنا اسمَ العدد مضافاً إلی وحدات نفسه ولم نقل: «مائه عالم» بل قلنا «مائه»؛ فهنا أیضاً لا یستوعِب اسم العدد مفهوماً آخر، بل تَدُلّ «المائه» عَلَیٰ استیعاب أجزاء نفسه. إذن، بناء عَلَیٰ التَّعْرِیف المختار للعموم لا یمکن اعتبار اسم العدد من ألفاظ العموم.

أَمَّا بناء عَلَیٰ تعریف الخُراسانیّ عن العموم فأیضاً یمکننا أن نجیب عن التوهّم فِی المقام ونقول بأن أسماء الأعداد لیست من ألفاظ العموم، وذلک لأَنَّهَا لا تَدُلّ عَلَیٰ الاستیعاب أصلاً، وإنَّما هی موضوعه لمعانٍ ومفاهیم مرکبه (وهی الأعداد) من أجزاء، سواء قلنا بأنها مرکبه ترکیباً حقیقیّاً کما یقوله الفلاسفه حیث أنهم یعتبرون الأعداد من المرکبات الحقیقیَّه( (1) ) وسواء نعتبره مفهوماً انتزاعیاً، لا مجال لأَنَّ یتصوّر شخص بأنها من العموم؛ لأَنَّ الْمَفْهُوم المرکب وإن کان مستوعِباً لأجزائه لکن هذا الاستیعاب من خواصّه وآثاره التَّکْوِینِیَّه الواقعیه، لا أنَّ هذا الاستیعاب داخل فِی نفس مفهوم اللَّفظ. وعلی سبیل المثال إن لفظ «العشره» لا یَدُلّ بِالدِّلاَلَهِ اللَّفظیَّه عَلَیٰ استیعاب الآحاد المندرجه تحتها، بل إِنَّها تَدُلّ عَلَیٰ مفهوم مرکب من عشره أجزاء، من خواص هذا المرکب أن یکون واجداً لأجزائه، من قبیل لفظ «الکتاب» الْمَوْضُوع لهذا الموجود الخارجیّ المرکب من صفحات وأوراق وفصول، ومن الطَّبِیعِیّ أن یستوعب هذا الْمَوْضُوع الخارجیّ المرکب تلک الصفحات والأوراق والفصول. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. ومن هنا لم یتخیّل أحد أن من لفظ «الکتاب» من ألفاظ العموم، وکذلک لفظ «الدار» الَّذی یستوعب أجزاءه کالغرف والمطبخ والسطح والسرداب، لکن لفظ «الدار» لا یَدُلّ عَلَیٰ الاستیعاب بِالدِّلاَلَهِ اللَّفظیَّه، فلا یمکن أن نعتبره من ألفاظ العموم؛ لأَنَّ الدِّلاَلَه عَلَیٰ الاستیعاب لیست دلاله أساساً، وإنَّما الاستیعاب خاصیه تَکْوِینِیَّه للدار، والدار لا تکون داراً إلاَّ إذا کانت واجدهً لمرافقها، وکذلک الکتاب لا یکون کتاباً إلاَّ إذا کان واجداً لأجزائه. وهذا بخلاف ألفاظ العموم وأدوات العموم؛ فإن لفظ «کُلٍّ» مثلاً الَّذی نعتبره من ألفاظ العموم وضع فِی اللُّغَه لکی یَدُلّ عَلَیٰ الاستیعاب، بحیث إذا جرّدنا مفهوم کل من الاستیعاب لا یبقی لِلَّفْظِ «کُلٍّ» مفهوماً.

ص: 68


1- (1) - أی: أن الفلاسفه رحمهم اللٰه یعتبرون الأعداد من مقوله الکمّ المنفصل الَّتی هی إحدی مقولات العشر الحقیقیَّه، فإن «الکَمّ» عَلَیٰ قِسْمَیْنِ: منفصل کالأعداد، ومتصل کالخط الواحد الممتد مسافه مائه متر مثلاً، ومقوله «الکَمّ» مقوله عَرضِیَّه ولیست بجوهر.

أَمَّا هنا فِی کلمه «عشره» و«مائه» و«ألف» فحالها حال سائر الألفاظ الموضوعه للمرکبات، فلا یمکن أن یقال إِنَّها من أدوات العموم.

عَلَیٰ أی حال، فبناءًا عَلَیٰ مسلک الخُراسانیّ فِی تعریف العموم أیضاً یکون دفع هذا التوهّم وَاضِحاً؛ لأَنَّ الاستیعابَ الَّذی یکون عموماً - بالمعنی المصطلح - هو الثَّابِت فِی مرحله الدِّلاَلَه اللَّفظیَّه للکلام، بینما أسماء الأعداد لا تَدُلّ بِالدِّلاَلَهِ اللَّفظیَّه عَلَیٰ الاستیعاب، نعم إِنَّها تَدُلّ بِالدِّلاَلَهِ الْعَقْلِیَّه والواقعیه عَلَیٰ استیعاب أجزائها تَکْوِیناً وواقعاً.

وبعباره أوضح وأصرح: الاستیعاب حکم واقعی وخاصیه تَکْوِینِیَّه للعدد، ولیس مدلولاً لِلَفْظِ «العشره» (بأن تستوعب الکلمهُ أجزاءها أو آحادها)، ولذا لا یصدق علیها مفهوم العموم.

هذا تمام الکلام فِی أسماء الأعداد وقد اتَّضَحَ أنَّها لا تَدُلّ عَلَیٰ العموم وبهذا تَمَّ الکلام فِی الجهه الثَّالثه من جهات البحث عن العامّ؛ فَإِنَّنَا ذکرنا فِی بدایه البحث عن العامّ فِی العامّ الماضی أَنَّنَا ندرس العامّ فِی ثلاث جهات:

الجهه الأولی: فِی تعریف العموم.

الجهه الثَّانیه: فِی أقسام العموم.

الجهه الثَّالثه: فِی ألفاظ العموم.

وتناولنا فِی الجهه الثَّالثه کلمهَ «کلّ» ثم «الجمع الْمُحَلَّیٰ بِاللاَّمِ» ثم «النَّکِرَه الواقعه فِی سیاق النَّفْی أو النَّهْی» وأخیراً درسنا «أسماء الأعداد». وبهذا تَمَّ الحدیث عن العامّ، وهو البحث الرَّابع والعشرون من بحوث دلالات الدَّلِیل الشَّرْعِیّ اللَّفظیّ، وبعد ذلک إن شاء اللٰه ننتقل إلی البحث الخامس والعشرون من تلک البحوث وهو الأخیر فِی سلسله البحوث عن دلالات الدَّلِیل الشَّرْعِیّ اللَّفظیّ عَلَیٰ أن ننتقل بعد «الإِطْلاَق» من تلک الدلالات وهو بحث «المطلق»، عَلَیٰ أن ننتقل بعد الانتهاء من سلسله البحوث عن دلالات الدَّلِیل الشَّرْعِیّ اللَّفظیّ إلی البحث عن دلالات الدَّلِیل الشَّرْعِیّ غیر اللَّفظیّ کفعل المعصوم علیه السّلام وتقریره.

ص: 69

وطبیعی أن نری فِی «الکفایه» والکتبِ الأصولیهِ الأخری السائرهِ عَلَیٰ منهاج الکفایه وکذلک فِی تقریرات بحث السید الأستاذ الشهید رحمه الله بحوثاً أخری ترتبط بالخاص، ولکن حیث أَنَّنَا نمشی عَلَیٰ منهجیه «حلقات فِی علم الأصول

»، وأننا قد أفرزنا بحث العامّ عن بحث الخاصّ فیما تقدّم لما قلنا من أنَّ قسماً من بحث الخاصّ یرتبط ببحث حجیه الظُّهُور، کالبحث عن حجیه العامّ بعد التخصیص فِی الباقی، وقسماً کبیراً آخر من تلک البحوث یرتبط ببحث التعارض کالبحث عن المخصص المتصل والمنفصل (لأَنَّه البحث یقع فِی أَنَّهُ ماذا نصنع إذا تعارض العامّ والخاص)، فمن هذا المنطلق أجلّنا تلکَ البحوث کُلاًّ إلی موقعه الخاصّ کالبحث عن حجیه الظُّهُور والتعارض وغیرهما.

إذن، فلا یقع لبس للقارئ الکریم فِی کیفیَّه تبویب البحوث والمسائل. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه.

معنی المطلق/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: معنی المطلق/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

البحث الخامس والعشرون من بحوث دلالات الدَّلِیل الشَّرْعِیّ اللَّفظیّ هو بحث دلاله المطلق وهو البحث الأخیر من هذه السِّلْسِلَه من بحوث الدلالات، بعد ذلک إن شاء اللٰه ننتقل إلی دلالات دلیل الشَّرْعِیّ غیر اللَّفظیّ. وتوجد فِی هذا البحث جهتان لا بُدَّ من دراستهما:

الجهه الأولی: فِی معنی المطلق، أی: معنی اسم الجنس.

الجهه الثَّانیه: فِی معنی الإِطْلاَق، أی: معنی مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ.

أَمَّا الجهه الأولی فلا إِشْکَال فِی أن أسم الجنس مثل «الماء» و«الإنسان» وغیرهما، مَوْضُوع لمعنی کلیّ هو ماهیَّه «الإنسان»، لکن هذه الْمَاهِیَّه تارهً تُلحظ بصوره مطلقه مِنْ دُونِ أخذ قید زائد وحاله خاصّه، وأخری تلحظ بصوره مقیده کما إذا لوحظت ماهیَّه {البیع} ببیع البالغ، أو لوحظت ماهیَّه «الإنسان» بصوره مقیده هی «الإنسان العالم». فبما أن هذه الْمَاهِیَّه الکلّیّه الَّتی وضع لها اسم الجنس تُلحظ تارهً بهذا الشِّکْل وأخری بذاک الشِّکْل، وقع الکلام بین المحققین فِی أن هذا اللَّفظ هل هو مَوْضُوع للماهیه المطلقه بالخصوص، بحیث یکون الإِطْلاَق عنصراً دخیلاً فِی المعنی الَّذی وضع له لفظ {البیع} أو لفظ «الإنسان. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. وعلیه فإن لفظ «البیع مَوْضُوع للبیع المطلق» ومعناه الحقیقی هو البیع الملحوظ مطلقاً، ویترتَّب علیه أَنَّهُ:

ص: 70

أوَّلاً: لفظ {البیع} بنفسه سوف یکون دالاًّ عَلَیٰ الإِطْلاَق بِالدِّلاَلَهِ الوضعیَّه، ولا نحتاج إلی أی قرینه فِی استفاده الإِطْلاَق؛ لأَنَّ الإِطْلاَق أخذ قیداً فِی المعنی الْمَوْضُوع له.

وثانیاً: أن استعمال اللَّفظ فِی المقیِّد سوف یکون استعمالاً مَجَازِیّاً؛ لأَنَّ لفظ {البیع} مَوْضُوع للبیع المطلق، فإذا استعمل فِی بیع مقیَّد وخاص کبیع البالغ أو بیع العقدی فَسَوْفَ یکون هذا الاستعمال مَجَازِیّاً؛ لأَنَّهُ لم یستعمل فِی معناه الْمَوْضُوع له.

أم أن اسم الجنس لَیْسَ مَوْضُوعاً للماهیه المطلقه بل هی موضوعه للماهیه ذاتها مِنْ دُونِ أخذ أی شیء آخر معه، لا أخذ الإِطْلاَق ولا أخذ التَّقْیِید. إذن یترتَّب علیه أَمْرَانِ:

أوَّلاً: سوف لا یکون اللَّفظ (= اسم الجنس) دالاًّ بدلالته الوضعیَّه عَلَیٰ الإِطْلاَق؛ لأَنَّ الإِطْلاَق خارج عن المعنی الْمَوْضُوع له - کما قلنا - وإنَّما یَدُلّ اللَّفظ بدلالته الوضعیَّه عَلَیٰ ذات الْمَاهِیَّه. أَمَّا إذا أردنا أن نستفید الإِطْلاَق فلا بُدَّ من قرینه عامه تَدُلّ علیه وهی قرینه الحِکْمَه الَّتی سوف یأتی الحدیث عنه إن شاء اللٰه تعالی.

وثانیاً: سوف یکون استعمال هذا اللَّفظ فِی المقیِّد استعمالاً حقیقیّاً ولا یکون مَجَازِیّاً؛ لأَنَّ اللَّفظ وضع لذات الْمَاهِیَّه وذات الْمَاهِیَّه محفوظه وموجوده.

هذا هو الخلاف الواقع بینهم، وحینئِذٍ لا بُدَّ من تحقیق المطلب، وقبل التَّحْقِیق لکی یَتَّضِح المقصود أکثر فأکثر من الْمَاهِیَّه المطلقه والمقصود من ذات الْمَاهِیَّه عاده یذکر الأُصُولِیِّیُونَ مقدّمهً یشرحون فیها أنحاء تصوّر الْمَاهِیَّه ولحاظها لکی یوضح فِی ضوئه أن اسم الجنس وُضع لأی نحو من هذه الأنحاء من الْمَاهِیَّه.

مقدّمه تمهیدیه

ونتخذ ماهیَّه «الإنسان» بالقیاس إلی صفه «العلم» مثالاً نشرح الحال فِی هذه المقدّمه، فنقول: إن هذه الْمَاهِیَّه تارهً نتتبع وجودَها فِی الخارج وأخری نتتبّع وجوها فِی الذِّهْن. فإذا أردنا أن نلاحظ وجودها فِی الخارج فَسَوْفَ نری أن لهذه الْمَاهِیَّه خارجاً نحوان من الوجود لا أکثر. فهناک فِی الخارج «إنسان مع العلم» أی: الإنسان العالم، وهناک فِی الخارج «إنسان بلا علم»، أی: الإنسان اللاعالم. ولا یوجد شق ثالث فِی الخارج لماهیه الإنسان، بحیث یکون هناک إنسان لا هو واجد لصفه العلم ولا هو فاقد لها؛ لأَنَّ الوجدان والفقدان نقیضان ولا یرتفع النقیضان.

ص: 71

أَمَّا مفهوم الإنسان الجامع بین الإنسان الواجد للعلم والإنسان الفاقد للعلم فهو غیر موجود فِی الخارج بوجودٍ مستقلّ عن هذین، وإنَّما هو موجود فِی ضمن هذین، ومن هذا المنطلق یکون جامعاً بینهما، وإلا لما أمکنه أن یکون جامعاً بینهما؛ لأَنَّهُ إن کان قسماً ثالثاً فِی عرضهما لکان قسیماً لهما والقسیم لا یکون جامعاً لقسیمه بل المقسم هو الجامع للأقسام، اللهم إلاَّ إذا کان شیء قسیماً فِی وعاء وعالم، ومقسماً فِی عالم آخر، کما یأتی توضیحه إن شاء اللٰه تعالی.

أَمَّا إذا اجتزنا عالم الخارج إلی عالم الذِّهْن فنجد وعاءین أحدهما وعاء المعقولات الأولیه وثانیهما الَّذی هو فِی مرحله مُتِأَخِّرَه عن الوعاء الأوّل هو وعاء المعقولات الثانویه.

أَمَّا وعاء المعقولات الأولیه: یعنی ذاک الوعاء من الذِّهْن الَّذی یلتقط ویصوّر فیه الذِّهْن الْمَفَاهِیم من الخارج مباشره. ونجد فِی هذا الظرف والوعاء أن للماهیه فِی هذا الوعاء ثلاثه أنحاء وحصص من الوجود الذهنی، وکل واحد من هذه الأنحاء یشکّل صورهً ذهنیه تختلف عن الصورتین الأخریین:

تارهً یلحظ الذِّهْن ماهیَّه الإنسان مع وجود صفه العلم، أی: الْمَاهِیَّه بشرط شیء.وأخری یلحظ ماهیَّه الإنسان بلا صفه العلم، أی: الْمَاهِیَّه بشرط لا.وثالثه یلحظ الْمَاهِیَّه لا بشرط وهو مفهوم «الإنسان». ومفهوم الإنسان لَیْسَ جامعاً بین المفهومین الأولین؛ لأَنَّهُ صوره ذهنیه مستقلّه عنهما (=موجود ذهنی فِی عرضهما)، فهو قسیم لهما، وإذا کان قسیماً لهما فلا یمکن أن یکون هذا الْمَفْهُوم الثَّالث موجوداً فِی وعاء المعقولات الأولیه (الَّتی نتکلّم عنها الآنَ، لا وعاء المعقولات الثانویه)، ویستحیل أن یکون القسیم جامعاً لقسیمه.

بینما تقدّم قبل قلیل (عندما کُنَّا نتکلّم عن الوجود الخارجیّ للماهیه) أنَّ للماهیه وجودان فِی الخارج، ومفهوم «العالم» أو مفهوم «الإنسان» جامع بین هذین الوجودین الخارجیین. وهذا الْمَفْهُوم (=الإنسان) نفسه الَّذی أصبح جامعاً بین وجودین خارجیین للماهیه بات قسیماً للمفهومین الآخرین فِی وعاء المعقولات الأولیه. فلا یمکن أن یکون جامعاً لقسیمیه متزامناً مع کونه جامعاً بین وجودین خارجیین للماهیه؛ لاختلاف العالَم والوعاء. أی: لطالما أَنَّهُ فِی عالَمه ووعائه قسیم لمفهومین آخرین فلا یمکن أن یکون جامعاً بینهما، لٰکِنَّهُ فِی الخارج (= فِی غیر عالَمه) لَیْسَ قسیماً للوجودین الخارجیین (لأَنَّهُ لا یوجد عندنا فِی الخارج «إنسان» لا هو «عالم» ولا هو «لا عالم») وبالتَّالی یمکن أن یکون جامعاً بین ذینک الوجودین الخارجیین.

ص: 72

هذه الْمَفَاهِیم الثَّلاثه هی المعقولات الأولیه وکل واحد منها بخصوصیته یباین الآخر، وإذا دقَّقنا النَّظَر وقارنّا بین نحوی وجود الخارجیّ للماهیه والأنحاء الثَّلاثه للوجود الْمَاهِیَّه الذهنی، نجد أن کلاًّ من الوجودین الخارجیین للماهیه یتمیز من الآخر بخصوصیه خارجیّه. فعلی سبیل المثال إن «الإنسان العالم» فِی الخارج یتمیز بخصوصیه خارجیّه وهی عباره عن «وجدانه لصفه العلم» کما أن «الإنسان اللاعالم» خارجاً (وَالَّذِی هو نحو آخر للوجود الخارجیّ للماهیه) یتمیز بخصوصیه خارجیّه أخری وهی أَنَّهُ «فاقد لصفه العلم» خارجاً. وهاتان الخصوصیتان الخارجیتان للوجودین الخارجیین تُسمَّیانِ بالقیود الأولیه، أی: القیود الَّتی هی قیود للخارج مباشرهً (=قیود الخارج).

أَمَّا إذا تناولنا الوجودات الذِّهْنِیَّه الثَّلاثه للماهیه فنجد أن کل واحد منها یتمیز من الآخرین بخصوصیه لٰکِنَّهَٰا لیست خارجیّه، بل هی ذهنیه. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. مثلاً إن صوره الْمَاهِیَّه بشیء شیء تتمیز بوجود صوره للعلم (أی: خُصُوصِیَّه ذهنیه) فِی هذه الصُّورَه من الْمَاهِیَّه، لا أَنَّهُ یوجد العلم نفسه. کما أَنَّهُ توجد صوره لعدم العلم فِی «لحاظ الْمَاهِیَّه بشرط لا» إلی جانب تصویر الْمَاهِیَّه وتصوّرها. وفی التَّصْوِیر الثَّالث (فِی لحاظ الْمَاهِیَّه لا بشرط) یوجد تصویر ولحاظ للماهیه إلی جانب عدم لحاظ شیء آخر (أی: عدم لحاظ صفه العلم، وعدم لحاظ عدم صفه العلم).

هذه الخُصُوصِیّات الذِّهْنِیَّه الَّتی هی میزات للوجودات الذِّهْنِیَّه الثَّلاثه تُسمَّی بالقیود الثانویه؛ لأَنَّهَا لیست قیوداً للخارج بل هی قیود للشیء الَّذی انتزعه الذِّهْن من الخارج. أی: قیود للمعقولات الأولیه الَّتی انتُزِعَتْ من الخارج. بینما تلک القیود الأولیه انتزعت من الخارج مباشره، ومن هنا سمیت بالقیود الأولیه. فالمعقولات الثانویه قیودٌ لمفاهیمَ انتزعت من الخارج ولیست قیوداً للخارج مباشره.

ص: 73

وَالْحَاصِلُ أَنَّ لدینا قیدان أولیّان وهما وجود العلم خارجاً وعدم وجود العلم خارجاً، وعندنا ثلاثه قیود ثانویه عباره عن:

1- لحاظ وجود العلم.

2- لحاظ عدم وجود العلم.

3- عدم لحاظ شیء.

فالقیود الأولیه الَّتی تجعل الوجودات الخارجیه للماهیه متقابلهً، هذه خُصُوصِیّات خارجیّه من شؤون عالم الخارج، أَمَّا القیود الثانویه الَّتی تجعل المعقولات الأولیه متقابله فیما بینها، هی خُصُوصِیّات ذهنیه من شؤون عالم الذِّهْن ومن شؤون اللِّحَاظ وشؤون الصُّورَه الذِّهْنِیَّه للماهیه.

ومن هذا المنطلق حینما نقارن بین القیود الأولیه والقیود الثانویه نجد أن القید الثانوی الَّذی کان یمیِّز الصُّورَه الأولی (وهی صوره الْمَاهِیَّه بشرط شیء) من الصور الثَّلاث للماهیه فِی الذِّهْن، هو لحاظ العلم وتصوره ولیس العلم نفسه. هذا القید الثانوی الَّذی یمیِّز هذه الصُّورَه مرآهٌ لقیدٍ أوّلیّ، أی: إن لحاظ العلم یعکس وجود العلم خارجاً. فالقید الثانوی للحاظ الْمَاهِیَّه بشرط شیء مرآه للقید الأولی الَّذی کان قیداً للوجود الخارجیّ الأوّل للماهیه وهو وجود الإنسان العالم.

وکذلک القید الثانوی الَّذی کان یمیز الصُّورَه الثَّانِیه من الصور الثَّلاث (أی: صوره الإنسان بشرط لا، بشرط عدم العلم) بلحاظ عدم العلم مرآه لعدم وجود صفه العلم فِی الخارج.

أَمَّا القید الثانوی فِی الصُّورَه الثَّالثه فهو عباره عن عدم کلا اللحاظین، ولکن حَیْث أَنَّ عدم اللِّحَاظ لَیْسَ مرآهً لشیء ولا یعکس شیئاً، یَتَعَیَّنُ أن یکون المرئی والملحوظ فِی الصُّورَه الثَّالثه (فِی لحاظ الْمَاهِیَّه لا بشرط) هو ذات الْمَاهِیَّه ولیس شیئاً آخر؛ لأَنَّ هذا التَّصْوِیر الثَّالث له قید لکن قیده «عدم اللِّحَاظ» و«عدم اللِّحَاظ» لا یُری للإنسان شیئاً؛ إِذْ أَنَّ معنی «عدم اللِّحَاظ» هو عدم التَّصْوِیر (طبعاً إن «ذات الْمَاهِیَّه» فِی الخارج لا یوجد إلاَّ فِی ضمن الْمَاهِیَّه بشرط شیء أو الْمَاهِیَّه بشرط لا، ولا یمکن تحقّق «الإنسان» خارجاً «لا مع العلم» و«لا مِنْ دُونِ العلم»).

ص: 74

إذن النَّحْو الثَّالث من الوجود الذهنی للماهیه یشکّل جامعاً بین نحوی الوجود الخارجیّ للماهیه. وللبحث تتمه تأتی إن شاء اللٰه فِی یوم السبت. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. 1413 کلمه.

معنی المطلق/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: معنی المطلق/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

قلنا فِی البحث الماضی إن الْمَاهِیَّه إذا لوحظت فِی الذِّهْن وتُصورت فِی الذِّهْن فهناک ثلاثه أنحاء من هذا التَّصَوُّر الذهنی عن الْمَاهِیَّه، رغم أن هذه الْمَاهِیَّه نفسها إذا لاحظنا وجودها فِی الخارج لَیْسَ لها أکثر من وجودین خارجیین:

1- وجود الْمَاهِیَّه المتّصفه بالقید والواجده للقید.

2- وجود الْمَاهِیَّه الفاقده للقید.

ولکن توجد فِی الذِّهْن ثلاث صور ذهنیه وثلاثه أنحاء من لحاظ الْمَاهِیَّه:

1- لحاظ الْمَاهِیَّه بشرط شیء، مثل لحاظ ماهیَّه الإنسان بشرط العلم (= الإنسان العالم).

2- لحاظ الْمَاهِیَّه بشرط لا، کلحاظ ماهیَّه الإنسان بشرط عدم العلم (= الإنسان اللاَّعالم).

3- لحاظ الْمَاهِیَّه لا بشرط، مثل لحاظ ماهیَّه الإنسان مِنْ دُونِ کلا اللحاظین السابقین.

وقلنا أیضاً: إن لحاظ الْمَاهِیَّه بشرط شیء یُری وجوداً خارجیاً للماهیَّهِ (وهو الوجود الخارجیّ للماهیَّهِ الواجد للقید وهو الإنسان العالم)، کما أن لحاظ الْمَاهِیَّه بشرط لا أیضاً یُری وجوداً خارجیّاً للماهیَّهِ (وهو الإنسان الفاقد للعلم، الإنسان اللاعالم وَالَّذِی هو موجود فِی الخارج أیضاً). أَمَّا اللِّحَاظ الثَّالث فقد تقدّم أن میزته عدم اللحاظین السابقین، و«عدم اللِّحَاظ» لَیْسَ لحاظاً، والعدمُ لا یُری شیئاً؛ فإن اللِّحَاظ هو تصوّر والتصوّر یُری شیئاً، ولکن «عدم اللِّحَاظ» عدمٌ للتصوّر وعدم التَّصَوُّر لا یُری شیئاً.

ص: 75

إذن، لا یَری الإنسانُ فِی اللِّحَاظ الثَّالث إلاَّ ذات الْمَاهِیَّه؛ لأَنَّ المقطع الأخیر (وهو اللابشرط) لا یُری شیئاً، بل یبقی لحاظُ الْمَاهِیَّه. فبالتالی یکون المرئی والملحوظ فِی هذا اللِّحَاظ الثَّالث هو ذات الْمَاهِیَّه، وذات الْمَاهِیَّه محفوظه فِی المطلق کما أَنَّهَا موجوده فِی الْمُقَیَّد أیضاً. ومن هنا تکون «ذات الْمَاهِیَّه» جامعهً لهما. فیمکن القول بأن الملحوظ فِی اللِّحَاظ الثَّالث جامع بین الملحوظ فِی الرؤیتین الأولی والثانیه. نعم، إذا نظرنا إلی هذه الرُّؤْیَه الثَّالثه بوصفها رؤیهً ولحاظاً فَسَوْفَ تکون رؤیه ثالثه وراء الرؤیتین الأولیین ومستقلّه عنهما. هذا بِالنِّسْبَهِ إلی وعاء المعقولات الأولیه.

أَمَّا وعاء المعقولات الثانویه فلا یلتفت الذِّهْن فیه إلی الخارج حتّی ینتزع منه مفاهیمَ مُعَیَّنَه، بل یلتفت إلی وعاء المعقولات الأولیه (الَّتی سبق وأن انتزعها من الخارج) فینتزع منها بعض الْمَفَاهِیم. وهذا الَّذی ینتزعه الذِّهْن یُسمی بالمعقول الثانوی.

إذن، عرفنا أن الذِّهْن انتزع من الخارج ثلاثه مفاهیم:

1- مفهوم الْمَاهِیَّه بشرط شیء.

2- مفهوم الْمَاهِیَّه بشرط لا.

3 مفهوم الْمَاهِیَّه لا بشرط.

الآنَ یلقی الذِّهْنُ نظرهً أخری إلی هذه اللحاظات الثَّلاثه فینتزع منها مفهوماً اسمه «لحاظ الْمَاهِیَّه» وهذا هو «اللابشرط الْمَقْسَمِیّ» الجامع بین «البشرط شیء» و«البشرط لا» و«اللابشرط الْقِسْمِیّ».

إلی هنا اتَّضَحَ أن لدینا نحوین من الوجود الخارجیّ للماهیَّهِ، ولدینا أیضاً ثلاثه أنحاء من لحاظ الْمَاهِیَّه وتصورها مأخوذه من الخارج مباشره وتُسمی بالمعقولات الأولیه، ولدینا مفهوماً آخر أعمّ انتزع من هذه اللحاظات الثَّلاثه وهو مفهوم «لحاظ الْمَاهِیَّه» الَّذی سمّیناه ب_«اللابشرط الْمَقْسَمِیّ».

هناک کلام لِلسَّیِّد الأستاذ الخوئیّ رحمه الله بِالنِّسْبَهِ إلی «اللابشرط الْقِسْمِیّ» یقول فیه: إن ترکیبه هذه الصُّورَه الذِّهْنِیَّه الثَّالثه الَّتی نسمیها ب_«اللابشرط الْقِسْمِیّ» لیست عباره عن «لحاظ الْمَاهِیَّه» مع «عدم لحاظ لا وجود القید ولا فقدان القید»؛ لأَنَّهُ لا یکفی فیه هذا المقدار، بل لا بُدَّ فِی هذا اللِّحَاظ الثَّالث من أن یُلحظ عدم القید. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. أی: أن تُلحظ الطَّبِیعَه ویُلحظ معها «عدم دخل القید، لا دخل وجود القید ولا دخل فقدان القید» (أی: یُلحظ عدم دخل القید وجوداً وعدماً»، لا أَنَّهُ «لا یُلحظ دخل وجود القید» و«لا یلحظ دخل عدم القید». فلا بُدَّ من لحاظ عدم دخل القید وجوداً وعدماً لکی یکون اللِّحَاظ من القسم الثَّالِث( (1) ) و( (2) ).

ص: 76


1- (1) - الفیاض، محاضرات فِی علم الأصول (تقریراً لِلسَّیِّد الخوئیّ): ج5، ص362 وما بعدها.
2- (2) - فکأنه یقال: إن الْمَاهِیَّه إذا لوحظت ولوحظ معها عدمُ دخل القید (أی: لوحظ السریان والإطلاق مِن قِبَلِ الْمُتِکَلِّم) فحینئذٍ یَتُِمّ الإِطْلاَق (أی: یسری الحکم إلی جمیع الأفراد)، فهو لاحظ الطَّبِیعَه ولاحظ معها السریان (الإِطْلاَق). أَمَّا إذا لاحظ الطَّبِیعَه ولم یلحظ السریان - کما لم یلحظ التَّقْیِید أیضاً - فَیَکُونُ من الطَّبِیعَه المهمله وهی لا تصلح لأَنْ تَکُونَ مَوْضُوعاً للحکم؛ لأَنَّ الإهمال مستحیل فِی مقام الثُّبوت. طبعاً هناک خلاف بین الْمَشْهُور وبین سَیِّدنَا الأُسْتَاذ الشَّهِید رحمه الله حیث ذهب الأخیر إلی أن الإِطْلاَق «ذاتیّ» بینما قال الْمَشْهُور بأن الإِطْلاَق «لحاظیّ»، أی: لا بُدَّ وأن یُلحظ الإِطْلاَق وعدم دخل القید مضافاً إلی لحاظ ذات الطَّبِیعَه، وسیأتی توضیحه إن شاء اللٰه تعالی.

مناقشه کلام السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله: لا یمکن مساعده هذا الکلام، وذلک لأَنَّنَّا نتساءل عمَّا یترتَّب عَلَیٰ «اللابدیه» فِی قولکم «لا بُدَّ من لحاظ عدم دخل القید وجوداً وعدماً»، فهل یُشترط فِی ترتّب الحکم عَلَیٰ الْمَاهِیَّه أن تُلحظ الْمَاهِیَّه ویُلحظ معها عدم دخل القید؟ مثلاً: إذا قال المولی: «یحرم قتل الإنسان»، فلکی یترتَّب هذا الحکم (= حرمه القتل) عَلَیٰ ماهیَّه الإنسان، بصوره مطلقه ویسری إلی جمیع أفراد الإنسان، لا بُدَّ من أن یُلحظ عدم دخل قید العلم مثلاً، عدم دخل قید العداله وعدم دخل قید الفقر مثلاً أو أی قید آخر.

إن کان هذا هو المقصود، فیرد علیه أوَّلاً وثانیاً:

أَمَّا أوَّلاً فَلأَنَّ کلامنا هنا (فِی المقدّمه التمهیدیه) فِی نقطه أخری؛ وهی شرح أنحاء تصوّر الْمَاهِیَّه (أی: اعتبارات الْمَاهِیَّه) فِی نفسها وفی أقسام النظر التَّصوُّریّ الواقع عَلَیٰ الْمَاهِیَّه. ولیس الکلام فِی کیفیَّه ترتّب الحکم عَلَیٰ الْمَاهِیَّه (أی: بِغَضِّ النَّظَرِ عن أَنَّهُ أیّ حکم یترتَّب عَلَیٰ الْمَاهِیَّه).

وأَمَّا ثانیاً إذا سلمنا بأننا نرید أن نری ما هو دخیل فِی ترتّب الحکم عَلَیٰ الْمَاهِیَّه، لکن مع ذلک نَقُول: لا حاجه ل_«اشتراط عدم دخل القید» فِی ترتّب الحکم عَلَیٰ الْمَاهِیَّه، سواء لاحظ الْمَاهِیَّهَ ولاحظ عدم دخل القید، أم لاحظ الْمَاهِیَّه ولم یلحظ معها شیء أصلاً؛ لأَنَّ النَّتِیجَه نفسها الَّتی تتمخض عن «لحاظ عدم دخل القید» تؤخذ وتُستنتج من «عدم اللِّحَاظ»؛ لأَنَّ الطَّبِیعَه - کما قلنا - فِی نفسها صادقه عَلَیٰ تمام أفرادها، فلا حاجه إلی أن یُلحظ عدم دخل القید. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. أی: ذات الطَّبِیعَه المهمله أیضاً فِی قوّه المطلقه. ما إن لوحظت الطَّبِیعَهُ مِنْ دُونِ لحاظ شیء معها حتّی یَتُِمّ الإِطْلاَق ویسری الحکم إلی جمیع الأفراد والمصادیق، بلا حاجه إلی هذا الشَّرْط (لحاظ عدم دخل القید) الَّذی اشترطتموه.

ص: 77

إذن، یقول السّیّد الأستاذ الخوئی رحمه الله: إِنَّمَا نجعل عالم الإثبات دَلِیلاً عَلَیٰ عَالَمِ الثُّبُوتِ بشرط أن یکون عالم الإثبات کاشفاً عن عَالَمِ الثُّبُوتِ الَّذی هو لحاظ الطَّبِیعَه مع لحاظ عدم دخل القید. هذا الَّذی یجب أن یکشف الإثبات عنه لکی یَتُِمّ الإِطْلاَقُ. ونجیب عنه بأَنَّهُ لَیْسَ من الضروری أَن یکون الْمُتِکَلِّم ثبوتاً لاحظ الطَّبِیعَهَ ولاحظ معها عدم دخل القید، بل یکفی أن یکون قد لاحظ الطَّبِیعَه ولم یلحظ معها شیئاً. وللبحث تتمه تأتی إن شاء اللٰه غداً. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه.

معنی المطلق/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: معنی المطلق/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

کُنَّا نناقش ما أفاده السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله حیث قال: لا یکفی فِی اللابشرط الْقِسْمِیّ مجرّد لحاظ الْمَاهِیَّه مِنْ دُونِ أن یلحظ معها دخلَ القید، بل یشترط فیه أن یُلحظ عدم دخل القید. قلنا: إِنَّه ماذا تقصدون من هذا الاشتراط؟

1- الشق الأوّل: هل هذا شرط فِی ثبوت الحکم عَلَیٰ الْمَاهِیَّه أو هو شرط فِی تصوّر الْمَاهِیَّه بما هی هی فِی نفسها وبقطع النَّظَر عن ترتّب الحکم عَلَیٰ الْمَاهِیَّه، بحیث إذا لم یلحظ «عدم دخل القید» لا یثبت الحکم عَلَیٰ الْمَاهِیَّه. مثلاً لو قال: «یحرم قتل الإنسان» فهل أن الحکم (وهو حرمه القتل) لا یترتَّب عَلَیٰ الْمَاهِیَّه ولا یثبت عَلَیٰ ماهیَّه الإنسان إلاَّ إذا کان الْمُتِکَلِّم قد لاحظ ماهیَّه الإنسان إلی جانب لحاظه عدم دخل أی قیدٍ. إذا کان هذا هو المقصود فیرد علیه:

أوَّلاً: أن هذا أجنبی عن محلّ الکلام؛ لأَنَّ الحدیث دائر حول تصورات الْمَاهِیَّه فِی نفسها وبما هی هیَ وبمعزل عن ترتّب الحکم علیها. أَمَّا أَنَّهُ ماذا یشترط فِی الْمَاهِیَّه لکی یترتَّب الحکم علیها وماذا لا یشترط فهذا خارج عن محلّ بحثنا؛ إذ أَنَّنَا نرید أن نری کیفیَّه تصوّر الْمَاهِیَّه بما هی هیَ (أی: نرید أن نعرف أنحاء الْمَاهِیَّه وکم لها من الوجودات الذِّهْنِیَّه؟)، ولسنا بصدد دراسه أَنَّهُ إذا أرید إثبات حکم عَلَیٰ الْمَاهِیَّه فکیف یترتَّب هذا الحکم عَلَیٰ الْمَاهِیَّه، وما هو الطَّرِیق؟

ص: 78

وثانیاً: لنفترض أن کلامنا فِی «ما هو دخیل فِی ترتّب الحکم عَلَیٰ الْمَاهِیَّه وما هو غیر دخیل فیه» مع ذلک لا مبرِّر لهذا الشَّرْط (القائل باشتراط لحاظ عدم دخل القید فِی اللابشرط الْمَقْسَمِیّ)؛ لأَنَّ الأثر المتوخی والمطلوب من هذا العنصر الَّذی ذکرتموه (وهو لحاظ عدم دخل القید) لکی یثبت الحکم عَلَیٰ الْمَاهِیَّه (ویکون مَوْضُوع الحکم عباره عن ماهیَّه الإنسان مطلقاً) حتّی یسری الحکم إلی تمام أفراد الإنسان یحرم قتل الإنسان الجاهل، ویحرم قتل الإنسان العالم، وکذلک یحرم قتل باقی أفراد الإنسان من الإنسان العادل والفاسق و...

نقول: هذه الغایه وَالنَّتِیجَه (= حتّی یسری إلی تمام الأفراد) تحصل مِنْ دُونِ اشتراط لحاظ عدم دخل القید؛ فَإِنَّ سریان الحکم إلی تمام الأفراد لَیْسَ مَنُوطاً وَمَشْرُوطاً بأن یُلحظ عدم دخل القید، بل یکفی أن لا یُلحظ دخلُ القید، ولا یحتاج إلی «لحاظ عدم دخل القید».

وَبِعِبَارَهٍ أُخْرَی: إِن الإِطْلاَق (= سریان الحکم إلی کل أفراده) الَّذی تریدون استفادته إِنَّمَا هو من نتائج عدم دخل القید ولیس من نتائج لحاظ عدم دخل القید. أی: «نفس عدم دخل القید» ینتج أن یسری الحکم إلی کل الأفراد ولیس لحاظ ورؤیه عدم دخل القید.

2- الشق الثَّانِی: وأمّا إذا کان مقصودکم أن «لحاظ عدم دخل القید» شرط فِی تصوّر الْمَاهِیَّه بما هی هیَ فِی نفسها وبقطع النَّظَر عن ثبوت الحکم علیها أو عدم ثبوت الحکم علیها وترتب الحکم علیها. أی: تریدون أن تقولوا: إن الْمَاهِیَّه إذا لوحظت ولوحظ معها عدم دخل القید، حینئذٍ تکون هذه الْمَاهِیَّه متمیزه ومتصفه بأنها موجوده فِی الذِّهْن وحدها، فنسألکم: لحاظ عدم قصد القید الَّذی جعلتموه شرطاً لتصوّر الْمَاهِیَّه، هل المقصود منه «التَّصدیق بعدم دخل القید» أم المقصود منه «تصوّر عدم دخل القید»؟ فإن کلیهما لحاظ، ولکن الأوّل لحاظ تصدیقی لعدم دخل القید وَالثَّانِی لحاظ تصوّری له. فأی واحد منهما شرط فِی اللابشرط الْقِسْمِیّ؟

ص: 79

إن کان الأوّل (أی: شرط تصوّر الْمَاهِیَّه هو التَّصدیق بأنها وحدها ولیس معها شیء، أی: «التَّصدیق بعدم دخل القید وجوداً وعدماً» شرط فِی لحاظ الْمَاهِیَّه، بحیث أننی إن لم أصدّق بأن الْمَاهِیَّه وحدها فلا أکون مصدّقاً للماهیَّهِ) فهو محال؛ إذ کیف یکون التَّصدیق شرطاً للتصور والحال أن التَّصدیق متوقّف عَلَیٰ التَّصَوُّر؛ فَإِنَّ الصُّورَه حینما تأتی إلی الذِّهْن تکون معلومه لدی النَّفس بالعلم الحضوری (أی: حاضره لدیها)؛ فإن علم النَّفس بصورها الذِّهْنِیَّه علم حضوری، کعلم النَّفس بالجوع، فهو لَیْسَ علماً بصوره الجوع فِی النَّفس، وإنَّما هو علم بواقع الجوع.

وإن کان الثَّانِی وهو اللِّحَاظ التَّصوُّریّ (لحاظ عدم قصد القید = تصوّر عدم قصد القید) لا التَّصدیق الَّذی هو فِی طول تصوّر الْمَاهِیَّه، فهو أیضاً غیر معقول؛ لأَنَّنَا نتکلّم عن اللابشرط الْقِسْمِیّ، وهو عباره عن لحاظ من اللحاظات الثَّلاثه الموجوده لدی النَّفس عن الْمَاهِیَّه؛ لأَنَّ اللابشرط الْقِسْمِیّ من المعقولات الأولیه کما تقدّم فِی المقدّمه، والمعقولات الأولیه هی الأُمُور المنتزعه من الخارج مباشره. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. فالملحوظ فِی هذا اللِّحَاظ اللابشرط الْقِسْمِیّ هو ذات الْمَاهِیَّه، ومن هنا قلنا إن الملحوظ فِی اللابشرط الْقِسْمِیّ جامعٌ بین لحاظَیْ «بشرط شیء» و«بشرط لا»، وإن کان اللِّحَاظ مبایناً لهما. فعلی کل تقدیر لا یمکن أن نشترط «لحاظ عدم دخل القید» فِی الْمَاهِیَّه الملحوظه بنحو اللابشرط الْقِسْمِیّ. وهذا مطلب له آثاره کما سوف نری فِی البحوث المقبله.

هذا تمام الکلام فِی هذه المقدّمه التمهیدیه حول اعتبارات الْمَاهِیَّه وأقسام تصوّرها ولحاظها فِی الذِّهْن. والآن ندخل فِی صلب الْمَوْضُوع ونقول:

هناک خلاف بین الأُصُولِیِّینَ فِی نقاط ثلاث:

النُّقْطَه الأولی: هی أَنَّهُ بعد وضوح عدم انطباق الکلّی الطَّبِیعِیّ عَلَیٰ لحاظین من تلک اللحاظات وهما «البشرط شیء» و«البشرط لا» (أی: لیست ماهیَّه الإنسان المقیّده بالعلم کلّیّاً طبیعیّاً، کما أن ماهیَّه الإنسان المقیّده بالجهل - أی: اللاعالم - لیست کلّیّاً طبیعیّاً) وقع الکلام فِی انطباق الکلّی الطَّبِیعِیّ عَلَیٰ اللحاظین الآخرین وهما:

ص: 80

1- الْمَاهِیَّه الملحوظه بنحو اللابشرط الْقِسْمِیّ.

2- الْمَاهِیَّه الملحوظه بنحو اللابشرط الْمَقْسَمِیّ.

أو أَنَّهُ ینطبق عَلَیٰ ما یُعَبَّر عنه بالماهیه المهمله؟

النُّقْطَه الثَّانیه: فِی معرفه الْمَاهِیَّه المهمله من أنَّها تلک الْمَاهِیَّه الملحوظه بنحو اللابشرط الْقِسْمِیّ أم غیرها؟

النُّقْطَه الثَّالثه: فِی معرفه أن أسماء الأجناس موضوعه لأی واحد من هذه الأنحاء؟

أَمَّا النُّقْطَه الأولی: فَالصَّحِیحُ أن الکلّی الطَّبِیعِیّ هو نفس الْمَاهِیَّه الملحوظه بنحو اللابشرط الْقِسْمِیّ وذات المرئی الملحوظ بنحو اللابشرط الْقِسْمِیّ، مِنْ دُونِ دخل اللِّحَاظ والرؤیه. ولطالما أن هذا هو معنی الکلّی الطَّبِیعِیّ فالکلی الطَّبِیعِیّ من المعقولات الأولیه المنتزعه من الخارج مباشرهً. وقد قلنا فِی المقدّمه التمهیدیه إن الملحوظ بلحاظ اللابشرط الْقِسْمِیّ جامع بین الملحوظ بشرط شیء والملحوظ بشرط لا (أی: جامع بین الوجودین الخارجیین للماهیَّهِ).

وهذا بخلاف ما لو بنینا عَلَیٰ ما ذهب إلیه السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله وَالَّذِی ناقشناه الیوم وبالأمس، حیث قلنا یترتَّب عَلَیٰ هذا الخلاف بعض الآثار، وهذا من تلک الآثار؛ إذ بناء عَلَیٰ کلامه رحمه الله فَسَوْفَ یکون الملحوظ باللحاظ اللابشرط الْقِسْمِیّ شیئاً غیر الکلّی الطَّبِیعِیّ؛ لأَنَّ الملحوظ باللحاظ اللابشرط الْقِسْمِیّ یصبح - وَفقاً لهذا المبنی - مقیَّداً بالقید (وهو لحاظ عدم دخل القید). واللحاظ یعنی التَّصَوُّر والرؤیه، فهو أمر ذهنی. إذن، الملحوظ بلحاظ اللابشرط الْقِسْمِیّ مقیَّد بقید ذهنی، والْمُقَیَّد بقید ذهنی غیر موجود فِی الخارج. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. فلا توجد مشکله بناء عَلَیٰ ما قلناه، أی: لا یکون الملحوظ فِی لحاظ اللابشرط الْقِسْمِیّ مغایراً لِلْکُلِّیِّ الطَّبِیعِیّ؛ لأَنَّ الملحوظ فیه هو الْمَاهِیَّه ذاتها، لا أن یکون مقیّداً بقید ذهنی (وهو لحاظ عدم دخل القید المتقدّم ذکره، حتّی لا یکون موجوداً فِی الخارج، حتّی یتغایر مع الکلّی الطَّبِیعِیّ).

ص: 81

اعتراض السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله: حیث وجَّه رحمه الله اعتراضاً عَلَیٰ هذا الکلام القائل بأن الکلّی الطَّبِیعِیّ هو الْمَاهِیَّه عینها الملحوظه بنحو اللابشرط الْقِسْمِیّ، حیث یقول: کیف یصحّ هذا الکلام والکلی الطَّبِیعِیّ عباره عمَّا یکون صالحاً وقابلا للانطباق عَلَیٰ کل أفراده؟! بینما الملحوظ بلحاظ اللابشرط الْقِسْمِیّ هو المطلق والمنطبق بالفعل عَلَیٰ أفراده. فهناک عنصر موجود ومأخوذ فِی اللابشرط الْقِسْمِیّ هذا العنصر غیر موجود فِی الکلّی الطَّبِیعِیّ عباره عن فِعْلِیَّه الانطباق. اللابشرط الْقِسْمِیّ یعنی ما هو منطبق بالفعل علی أفراده. فعلی سبیل المثال عندما نقول: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» یکون «العالم» مطلقاً، أی: اللابشرط الْقِسْمِیّ، یعنی أَنَّهُ ینطبق بالفعل، لا أَنَّ هناک قابلیهً للانطباق، بینما فِعْلِیَّه الانطباق غیر موجود فِی الکلّی الطَّبِیعِیّ. وهذا إِشْکَال ندرسه غداً إن شاء اللٰه تعالی وتجدونه فِی أجود التقریرات( (1) ). إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. 1185 کلمه.

معنی المطلق/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: معنی المطلق/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

قلنا إن السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله اعترض عَلَیٰ القول بأن الکلّی الطَّبِیعِیّ هو نفس الْمَاهِیَّه الملحوظه بنحو اللابشرط الْقِسْمِیّ حیث قال: إن الکلّی الطَّبِیعِیّ هو غیر الْمَاهِیَّه الملحوظه بلحاظ اللابشرط الْقِسْمِیّ؛ وذلک لأَنَّ الکلّی الطَّبِیعِیّ هو ما یکون صالحاً وقابلاً للانطباق عَلَیٰ کل الأفراد، بینما الملحوظ بلحاظ اللابشرط الْقِسْمِیّ هو ما یکون بالفعل منطبقاً عَلَیٰ تمام الأفراد وفانیاً فیها؛ فَإِنَّ الملحوظ بلحاظ اللابشرط الْقِسْمِیّ هو المطلق (الَّذی یدور حدیثنا حوله) وهو منطبق بالفعل عَلَیٰ کل الأفراد وشامل لها، لا أَنَّهُ فیه قوّه وقابلیه الانطباق عَلَیٰ الأفراد. فکیف یکون أحدهما عین الآخر؟!

ص: 82


1- (1) - الخوئی، أجود التقریرات (تقریراً للنَّائینی): فِی هامش ص523.

جواب الاعتراض: ولکن هذا الاعتراض غیر وارد فِی رأینا؛ لأَنَّنا نتساءل عن المراد من «الفعلیّه» فِی قوله، فهل أن المقصود منها هو أن اللابشرط الْقِسْمِیّ تُری الأفرادَ بما هی أفراد وبما لها من خُصُوصِیّات فردیه وتعکسها (ولو إراءه إجمالیه وانعکاساً ضعیفاً)؟ فهذا غیر صحیح؛ لأَنَّ معناه أن یکون حالُ اللابشرط الْقِسْمِیّ حالَ العامّ، کما أن العامّ یُری الأفراد بما هی أفراد کذلک اللابشرط الْقِسْمِیّ الَّذی هو المطلق یُری الأفراد بما هی أفراد. أی: قولنا «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» حاله حال قولنا «أَکْرِمْ کُلَّ عَالِمٍ»؛ فَإِنَّ الأخیر یُری الأفرادَ - کما قلنا - ولکن «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» لا یُرِی الأفراد وإنَّما یُری الطَّبِیعَهَ، والطبیعهُ لا تُری إلاَّ نفسَها ولا تُری أفرادَها ولا تعکس مصادیقَها. إذن، إذا کان هذا هو المقصود فهذا غیر صحیح؛ لأَنَّهُ خلط بین العامّ والمطلق.

وإذا أردتم «بفعلیه الفناء والانطباق» المعنی الآخر وهو أَنَّهُ لو ترتّب وثبت حکم عَلَیٰ هذا الملحوظ بنحو اللابشرط الْقِسْمِیّ لَسَرَی هذا الحکمُ إلی کل الأفراد، فهذا موجود ومتوفر فِی الکلّی الطَّبِیعِیّ؛ لأَنَّهُ موجود فِی الخارج بوجود أفراده. فأین تلک «الفعلیّه» الموجوده فِی اللابشرط الْقِسْمِیّ وَالَّتِی هی مفقوده فِی الکلّی الطَّبِیعِیّ؟!

إذن، الصَّحِیح کما قلنا بالأَمْسِ هو أن الکلّی الطَّبِیعِیّ هو الْمَاهِیَّه عینها الملحوظه بنحو لحاظ اللابشرط الْقِسْمِیّ. والمقصود من الْعَیْنِیَّه بینهما (= هو عین ذاک) هو أَنَّ الکلّی الطَّبِیعِیّ عین الملحوظ باللِّحَاظ اللابشرط الْقِسْمِیّ، مِنْ دُونِ أخذ اللِّحَاظ فِی البین. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. أی: أن الکلّی الطَّبِیعِیّ هو عین الْمَاهِیَّه اللابشرط الْقِسْمِیّ، لکن لا بحدّها؛ لأَنَّ حدّها لَیْسَ داخلاً (حدها هو عدم لحاظ شیء)، وإنَّما المحدود بهذا الحدّ هو عین الکلّی الطَّبِیعِیّ.

ص: 83

إذن، هذه المناقشه مِن قِبَلِ السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله غیر وارده، ولعلّها نشأت من الخلط بین اللِّحَاظ والملحوظ. أی: أَنَّهُ رحمه الله اعتبر - کما تقدّم بالأَمْسِ - فِی الْمَاهِیَّه الملحوظه بنحو اللِّحَاظ اللابشرط الْقِسْمِیّ خُصُوصِیَّهً زائده عَلَیٰ ذات الْمَاهِیَّه وهی «لحاظ عدم دخل القید». ولطالما هو رحمه الله اعتبر هذه الْخُصُوصِیَّه الزائده فِی اللابشرط الْقِسْمِیّ وهو غیر موجود فِی الکلّی الطَّبِیعِیّ فکان من حقه أن یقول: یختلف الکلّی الطَّبِیعِیّ عن الْمَاهِیَّه الملحوظه بنحو اللِّحَاظ اللابشرط الْقِسْمِیّ، وَالْمَاهِیَّه المقیّده بهذا القید الذهنی غیر موجوده فِی الخارج ویستحیل أن یکون موجوداً فِی الخارج، بینما الکلّی الطَّبِیعِیّ موجود ضمن أفراده فِی الخارج، کما أسلفناه بالأَمْسِ.

وهناک قول آخر معاکس لهذا، وهو القول بأن الکلّی الطَّبِیعِیّ هو عین اللابشرط الْمَقْسَمِیّ، لا الْقِسْمِیّ. وهذا قول الفلاسفه أو عَلَیٰ الأَقَلّ قول بعضهم کالحکیم السبزواری( (1) ) بأن الکلّی الطَّبِیعِیّ هو عین الْمَاهِیَّه الملحوظه بنحو اللابشرط الْمَقْسَمِیّ.

هذا الکلام أیضاً مِمَّا لا یمکن المساعده علیه وذلک لأَنَّنَا ذکرنا فِی المقدّمه التمهیدیه أن اللابشرط الْمَقْسَمِیّ من المعقولات الثانویه ولیس من المعقولات الأولیه، بینما الکلّی الطَّبِیعِیّ من المعقولات الأولیه، أی: أَنَّهُ مأخوذ ومنتَزَع من الخارج مباشرهً، کما هم یقولون فِی تفسیر الکلّی الطَّبِیعِیّ. إذن هذا جامع بین المعقولات الأولیه، بینما أن الکلّی الطَّبِیعِیّ جامع بین الوجودات الخارجیه بناء عَلَیٰ تفسیرکم لِلْکُلِّیِّ الطَّبِیعِیّ.

إذن، فلا معنی لهذا الکلام (وهو أن الکلّی الطَّبِیعِیّ هو اللابشرط الْمَقْسَمِیّ) أبداً، فکأنّه حدث خلط بین المعقولات الأولیه والمعقولات الثانویه، غفله عن أن الکلّی الطَّبِیعِیّ معقول أولی بینما اللابشرط الْمَقْسَمِیّ معقول ثانوی.

ص: 84


1- (1) - السبزواری، شرح المنظومه: ص12.

هذا تمام الکلام فِی النُّقْطَه الأولی من النقاط الثَّلاث الَّتی عثرناها بالأَمْسِ حیث قلنا: وقع الخلاف بین الأُصُولِیِّینَ فِی نقاط ثلاث، کانت النُّقْطَه الأولی منها فِی أن الکلّی الطَّبِیعِیّ هل هو عین اللابشرط الْقِسْمِیّ أم هو عین اللابشرط الْمَقْسَمِیّ أم هو شیء ثالث؟ وقد اتَّضَحَ أن الصَّحِیح هو أن الکلّی الطَّبِیعِیّ عین اللابشرط الْقِسْمِیّ (بما هو ذات الْمَاهِیَّه لا مع أخذ اللِّحَاظ فیه).

أَمَّا النُّقْطَه الثَّانیه: فکانت عباره عن تحقیق حال الْمَاهِیَّه المهمله أو الطَّبِیعَه المهمله، فهل هی اللابشرط الْقِسْمِیّ أو الْمَقْسَمِیّ أو أنَّها شیء ثالث؟

من المعلوم أن الْمَاهِیَّه المهمله مصطلح یُراد به الْمَاهِیَّهَ الَّتی تَتَوَفَّرُ فیها خاصیتان:

الخاصیه الأولی: أنَّها من المعقولات الأولیه المنتزعه من الخارج.

الخاصیه الثَّانیه: أنَّها ملحوظه ومنظور إلیها بلا إضافه أی شیء إلیها حتّی أن «عدم دخل القید» لا یُضاف إلیها. فهی ملحوظه بذاتها وذاتیاتها، أی: هی من حیث هی، خلافاً للابشرط الْقِسْمِیّ الَّذی کان یوجد فیه قید «عدم وجود اللِّحَاظ» (وَالَّذِی هو الإِطْلاَق)، وهو الکلام نفسه الَّذی یقوله الفلاسفه من أن «الْمَاهِیَّه من حیث هی لیست إلاَّ هی».

وحینئِذٍ یقع الکلام فِی أن هذه الْمَاهِیَّه الجامعه لهاتین الْخُصُوصِیَّتَیْنِ هل هی اللابشرط الْقِسْمِیّ عینه؟ أم هی اللابشرط الْمَقْسَمِیّ عینه؟ أم هی شیء ثالث؟

یبدو أنهم متفقون عَلَیٰ أنَّها لیست هی اللابشرط الْقِسْمِیّ، ولکنهم بعد هذا الاتفاق اختلفوا فِی ماهیَّه هذه الْمَاهِیَّه المهمله، فذهب الخُراسانیّ( (1) ) إلی أنَّها هی الْمَاهِیَّه الملحوظه بنحو اللابشرط الْمَقْسَمِیّ، بینما اعترض علیه تلامذته کالمحقق الإِصْفِهَانِیّ رحمه الله( (2) ) وتلمیذه السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله( (3) ) وقالوا: إن الْمَاهِیَّه المهمله أمر آخر غیر اللابشرط الْمَقْسَمِیّ، وقالا فِی اعتراضهما عَلَیٰ الآخوند: إن الْمَاهِیَّه

ص: 85


1- (2) - الخُراسانیّ، کفایه الأصول: ج1، ص376.
2- (3) - الإصفهانی، نهایه الدِّرایه: ج2، ص213.
3- (4) - الخوئی، أجود التقریرات: ج1، ص523-525.

تارهً تُؤخذ منظوراً إلی ذاتها وذاتیاتها بلا إضافه أی شیء، وحینئِذٍ لا یُحکم ولا یصحّ أن یُحکم فِی هذه المرتبه من اللِّحَاظ بأی شیء آخر غیر ذاتها وذاتیاتها. ذاتها مثل: «الإنسان إنسان» وذاتیاتها کالحکم بما هو جنس أو فصل له مثل: «الإنسان حیوان ناطق».

وأخری تؤخذ الْمَاهِیَّه منظوراً إلیها بالقیاس إلی أشیاء أخری خارجه عن ذاتها، مثلاً ماهیَّه الإنسان تُلحظ بِالنَّظَرِ إلی صفه «العلم» الخارجه عن ذات الإنسان وذاتیاته. وحینئِذٍ تارهً تُقیَّد بالعلم فتکون هی الْمَاهِیَّه بشرط شیء، وأخری تُقیَّد بعدم العلم فتکون الماهیهُ بشرط لا، وثالثه لا تُقیَّد لا بوجود العلم ولا بعدم القید، وهذا هو اللابشرط الْقِسْمِیّ (المطلق). فاللابشرط الْمَقْسَمِیّ جامع بین الصور الثَّلاث (البشرط شیء وَاللاَّبِشَرْطِ، وَاللاَّبِشَرْطِ الْقِسْمِیّ) للحاظات الْمَاهِیَّه بالقیاس إلی الأُمُور الخارجه عن الذّات والذاتیات، أَمَّا الْمَاهِیَّه المهمله هی الْمَاهِیَّه مع قصر النَّظَر عَلَیٰ ذات الْمَاهِیَّه وذاتیاتها. هذا اعتراض الشَّیْخ الإِصْفِهَانِیّ رحمه الله والسّیّد الأستاذ الخوئی رحمه الله عَلَیٰ صاحب الکفایه.

أقول: أَمَّا ما ذهب إلیه صاحب الکفایه من أن الطَّبِیعَه المهمله عین اللابشرط الْمَقْسَمِیّ فهذا واضح البطلان؛ وذلک لما تقدّم فِی المقدّمه ولما تقدّم قبل قلیل أیضاً من أن اللابشرط الْمَقْسَمِیّ من المعقولات الثانویه بینما أن الْمَاهِیَّه المهمله فیها خصوصیتان تقدمت قبل قلیل، إذن هی غیر اللابشرط الْمَقْسَمِیّ. فهل هی اللابشرط الْقِسْمِیّ؟ أو أنَّها شیء ثالث؟ إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. بِالنِّسْبَهِ علی اللابشرط الْقِسْمِیّ تقدمت قبل قلیل «کأنهم اتفقوا عَلَیٰ أنَّها لیست اللابشرط الْقِسْمِیّ». وحینئِذٍ یجب أن ندقق النَّظَر فِی هذا الاتفاق، لنری ما هو دلیلهم عَلَیٰ ذلک، ویتخلص من مجموع کلماتهم فِی الاستدلال علیه أَمْرَانِ:

الأمر الأوّل: أن الْمَاهِیَّه اللابشرط الْقِسْمِیّ أخذ فیها حدّ وقید وهو الإِطْلاَق، أی: عدم الحدّ أخذ کحدٍ. أی: حدّها الَّذی یمیزها من المقیَّد هو أَنَّهُ لَیْسَ فیها حدٌّ. بینما أن الْمَاهِیَّه المهمله (کما تقدّم قبل قلیل) کانت لها خاصیتان، وکانت الثَّانیه منهما أنَّها عاریه عن کل حدّ وقید، حتّی حدّ عدم الحدّ، بینما الْمَاهِیَّه الملحوظه بنحو اللابشرط الْقِسْمِیّ یحظی بحد «عدم الحدّ».

ص: 86

ویرد علیه أَنَّهُ بناء عَلَیٰ ما قلنا فِی المقدّمه التمهیدیه من أن اللابشرط الْقِسْمِیّ هو أن تُلحظ الْمَاهِیَّه بهذا اللِّحَاظ، ویکون عدم الحدّ حَدّاً لها، لکن «عدم الحدّ» لَیْسَ قیداً لها، بل هو قید للحاظ الْمَاهِیَّه ورؤیتها. ومن هنا قلنا فِی المقدّمه أن المرئی فِی اللابشرط الْقِسْمِیّ جامع بین الملحوظین فِی اللحاظین الأولین، لأَنَّهُ لحاظ لذات الْمَاهِیَّه، وإلا لما أمکنه أن یکون جامعاً لهما.

هذا، وللبحث تتمه تأتی إن شاء اللٰه غداً. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. 1235 کلمه.

معنی المطلق/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: معنی المطلق/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

کُنَّا نناقش هذا الأمر الَّذی یبدو أَنَّهُ متفق علیه بینهم، وهو أن الْمَاهِیَّه المهمله هی غیر اللابشرط الْقِسْمِیّ، وقلنا إِنَّه یتحصل من مجموع کلماتهم دلیلان عَلَیٰ هذا المطلب، ذکرنا بالأَمْسِ الدَّلِیل الأوّل وناقشناه.

الدَّلِیل الثَّانِی: هو أن الْمَاهِیَّه المهمله یُقصر النَّظَر فیها عَلَیٰ ذاتها وذاتیاتها، ولا یُنظر فیها إلی شیء خارج عن ذاتها وذاتیاتها (کما تقدّم بالأَمْسِ فِی الخاصیه الثَّانیه للماهیَّهِ المهمله)، فمن هنا فهی عاریه عن أی قید حتّی قید «عدم القید»، فلا یمکن أن یُحکم علیها بشیء خارج عن ذاتها وذاتیاتها، بینما نحن نری أن الماهیه الملحوظه بنحو اللابشرط الْقِسْمِیّ یُحکم علیها بأمور خارجه عن ذاتها وذاتیاتها ویصح هذا الحکم، مثلاً نقول: «الإنسان عالم» أو «الإنسان یحرم قلته» أو «الإنسان یجب إکرامه» وهکذا. فهذا دلیل عَلَیٰ أن أحدهما غیر الآخر.

ولکن هذا الدَّلِیل غیر تامّ عندنا کسابقه، وذلک لأَنَّهُ یحتوی عَلَیٰ الخلط بین النَّظَر التَّصوُّریّ للماهیَّهِ وبین النَّظَر التَّصدیقیّ الحملی للماهیَّهِ؛ فَإِنَّ بإمکان الْمَاهِیَّه أن یُنظر إلیها بنحوین من النَّظَر:

ص: 87

تارهً یُنظر إلی الْمَاهِیَّه بِالنَّظَرِ التَّصوُّریّ المحض، وهذا النَّظَر مقصور بذات الْمَاهِیَّه وذاتیاتها فحسب.

وأخری یُنظر إلی الْمَاهِیَّه بِالنَّظَرِ التَّصدیقیّ الحملی، لا التَّصوُّریّ. أی: بِالنَّظَرِ الَّذی یُراد فیه حمل شیء عَلَیٰ الْمَاهِیَّه، ولا یُراد تصوّر الْمَاهِیَّه فحسب، أی: یراد فِی هذا النَّظَر أن یقال: إن هذا المحمول ثابت للماهیَّهِ. وهذا النَّظَر الثَّانِی أیضاً عَلَیٰ قِسْمَیْنِ:

القسم الأوّل: ما إذا أرید ثبوت هذا المحمول للماهیَّهِ فِی مرحله الذّات، فَیَصِحُّ فِی هذه المرحله حملُ الذّات أو الذاتیات عَلَیٰ «الإنسان»، ولا یمکن بحسب هذا النَّظَر أن یُحکم عَلَیٰ الْمَاهِیَّه بأمر خارج عن ذاتها وذاتیاتها. فلا یصحّ حمل «العلم» عَلَیٰ الإنسان فِی مرتبه الذّات؛ لأَنَّ العلم خارج عن الذّات.

القسم الآخر: ما إذا نُظر إلی الْمَاهِیَّه فِی مرتبه الواقع، لا فِی مرتبه الذّات؛ فَإِنَّ مرتبه الواقع أوسع من مرتبه الذّات وَالْمَاهِیَّه فِی مرتبه ذاتها أضیق منها فِی مرتبه الواقع. أی: إذا أرید حمل شیء عَلَیٰ الْمَاهِیَّه فِی عالم الواقع، لا حمل شیء عَلَیٰ الْمَاهِیَّه فِی مرحله الذّات. فَیَصِحُّ فِی هذه المرحله الحکم عَلَیٰ الْمَاهِیَّه بما هو خارج عن ذاتها وذاتیاتها (أی: بالعَرَضیّ).

وحینئِذٍ نأتی إلی استدلالهم القائل ب_«أن الْمَاهِیَّه المهمله غیر الْمَاهِیَّه اللابشرط الْقِسْمِیّ، بدلیل اقتصار النَّظَر فِی الْمَاهِیَّه المهمله عَلَیٰ ذاتها وذاتیاتها ولا یصحّ الحکم علیها إلاَّ بذاتها وذاتیاتها، بینما نحن نری أن الْمَاهِیَّه اللابشرط الْقِسْمِیّ یصحّ الحکم علیها بأمور خارجه عن ذاتها وذاتیاتها» ونقول: إن هذا الاستدلال غیر تامّ؛ لأَنَّ کون النَّظَر فِی الْمَاهِیَّه المهمله مقصوراً عَلَیٰ الذّات والذاتیات صحیح، لٰکِنَّهُ لا یعنی عدم صحَّه الحکم عَلَیٰ الْمَاهِیَّه بما هو خارج عن ذاتها وذاتیاتها. أی: قصر النَّظَر فِی الْمَاهِیَّه المهمله عَلَیٰ الذّات والذاتیات لا یعنی بوجهٍ من الوجوه أَنَّهُ لا یصحّ الحکم عَلَیٰ الْمَاهِیَّه المهمله بما هو خارج عن الذّات والذاتیات (أی: بالعرضی)؛ لأَنَّ قصر النَّظَر فِی الْمَاهِیَّه عَلَیٰ الذّات والذاتیات إِنَّمَا هو بِالنَّظَرِ التَّصوُّریّ المحض، لکن لَیْسَ معنی ذلک عدم إمکانیه النَّظَر إلی هذه الْمَاهِیَّه نفسها بنظره أخری غیر النَّظَر التَّصوُّریّ المحض کالنظره التصدیقیه؛ فَإِنَّهَا ممکنه للماهیَّهِ بأن ننظر إلی «الإنسان» بالنظره الحملیه التصدیقیه، وحینئِذٍ فإن أردت أن تحمل شیئاً عَلَیٰ الإنسان فِی مرتبه ذاته تحمل علیه الحیوانیه والناطقیه، فهذا شیء زائد عَلَیٰ النَّظَر التَّصوُّریّ؛ فَإِنَّ فِی النَّظَر التَّصوُّریّ لا یوجد حمل أساساً ولا یحمل شیء عَلَیٰ الإنسان، وإنَّما یُتَصَوَّر الإنسانُ. ولکن فِی النَّظَر التَّصدیقیّ یُحمل شیء عَلَیٰ الإنسان، لکن یُحمل شیء عَلَیٰ الْمَاهِیَّه فِی مرتبه ذاتها، فلا یصحّ الحکم عَلَیٰ الْمَاهِیَّه بالعرضی؛ لأَنَّ هذا حمل فِی مرتبه الذّات والعرضی لَیْسَ فِی مرتبه الذّات.

ص: 88

وأخری تنظر إلی ماهیَّه الإنسان بِالنَّظَرِ الحملی التَّصدیقیّ الَّذی ترید فیه أن تحمل شیئاً عَلَیٰ ماهیَّه الإنسان لا فِی مرحله الذّات بل عَلَیٰ ماهیَّه الإنسان کواقع من الواقعیات، فهنا یصحّ أن تحمل عَلَیٰ الإنسان حتّی العَرضیّ؛ لأَنَّ الإنسان کواقع یتّصف بالعرضی أیضاً کما أَنَّهُ یتّصف بذاتیاته، فنقول: «قصیر» و«طویل» و«عالم» و«جاهل» و«فقیر» و«غنی».

إذن، فمجرّد القول بأَنَّهُ لطالما أن النَّظَر فِی الْمَاهِیَّه المهمله مقصور عَلَیٰ الذّات والذاتیات، بینما الْمَاهِیَّه اللابشرط الْقِسْمِیّ یُحمل علیها العَرضیّ، فلیس معنی ذلک أن الْمَاهِیَّه اللابشرط الْقِسْمِیّ هی غیر الْمَاهِیَّه المهمله. فالماهیه المهمله هی عین الْمَاهِیَّه الملحوظه بلحاظ اللابشرط الْقِسْمِیّ (عین ذات الملحوظ ولیس مع أخذ اللِّحَاظ فیه کقید)، ولا یتنافی هذا مع قولهم: «إن الْمَاهِیَّه المهمله یُقصر النَّظَر فیها عَلَیٰ ذاتها وذاتیاتها» ولا یتنافی مع ما نری من أَنَّهُ یحکم عَلَیٰ الْمَاهِیَّه اللابشرط الْقِسْمِیّ بالعرضی؛ فَإِنَّ کل هذا شیء واحد (تارهً یُسمی بالماهیه المهمله وأخری باللابشرط الْقِسْمِیّ) ولکن تارهً یُتَصَوَّر وأخری یحکم علیه، إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. والحکم أیضاً تارهً فِی ذاتها وذاتیاتها وأخری یحکم علیه بالعرضیات، ولٰکِنَّهُ شیء واحد، ولا یوجد دلیل عَلَیٰ الاثنینیه، وما ذکرتموه من أَنَّهُ «بما أنهم ذکروا فِی خاصیات الْمَاهِیَّه المهمله أَنَّهُ یُقصر النَّظَر فیها عَلَیٰ الذّات والذاتیات ولا یصحّ أن یحکم علیها بالعرضی، بینما نری أن الْمَاهِیَّه اللابشرط الْقِسْمِیّ یحکم علیها بالعرضی، إذن یُبیّن أن هذا غیر ذاک» غیر تامّ.

إذن، هذا تمام الکلام فِی النُّقْطَه الثَّانیه من النقاط الثَّلاث الَّتی طرحناها للبحث، وهی أن الْمَاهِیَّه المهمله هل هی عین اللابشرط الْمَقْسَمِیّ أو هی عین اللابشرط الْقِسْمِیّ أو هی شیء ثالث؟ فقد اتَّضَحَ أن الصَّحِیح أن الْمَاهِیَّه المهمله عین الْمَاهِیَّه الملحوظه باللحاظ اللابشرط الْقِسْمِیّ، خلافاً لما قالوه. بعد ذلک ننتقل إلی النُّقْطَه الثَّالثه.

ص: 89

النُّقْطَه الثَّالثه: تحقیق المعنی الَّذی وضع له اسم الجنس لغهً. فهل أن اسم الجنس مَوْضُوع فِی اللُّغَه لذات الْمَاهِیَّه وَالطَّبِیعَه (فمن الآنَ وصاعداً نعبر عن الْمَاهِیَّه المهمله بالمهمله أو الطَّبِیعَه أو الکلّی الطَّبِیعِیّ، فقد تبین أن کُلّهَا واحد) أو أَنَّهُ مَوْضُوع للماهیَّهِ المطلقه؟ وندرس هذه النُّقْطَه ضمن خطوات:

الخطوه الأولی: لماذا یختصّ هذا البحث باسم الجنس؟ الجواب واضح؛ لأَنَّهُ لا یوجد فِی مقابل اسم الجنس من الأسماء إلاَّ اسم العَلَم (کأسماء الأعلام للأمکنه والأزمنه والأشخاص)، وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ اسم العلم غیر مَوْضُوع لِلطَّبِیعَهِ أساساً حتّی نبحث عن أَنَّهُ هل وُضع لِلطَّبِیعَهِ المهمله أو وضع لِلطَّبِیعَهِ المطلقه؟ ومن هنا اختص بحثنا باسم الجنس.

الخطوه الثَّانیه: فِی أن اسم الجنس لَیْسَ مَوْضُوعاً للماهیَّهِ اللابشرط الْمَقْسَمِیّ؛ لأَنَّهُ - کما عرفنا خلال البحوث السَّابِقَه - جامع بین اللحاظات الذِّهْنِیَّه، ولیس جامعاً بین الأفراد الخارجیه؛ لأَنَّهُ معقول ثانوی یجمع الموجودات فِی وعاء المعقولات الأولیه، بینما الألفاظ فِی اللُّغَه لیست موضوعه للأمور الذِّهْنِیَّه بما هی ذهنیه. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. کما أَنَّهُ لا شکّ أیضاً فِی أن اسم الجنس لَیْسَ مَوْضُوعاً للماهیَّهِ الملحوظه بلحاظ بشرط شیء، ولا للماهیَّهِ المأخوذه بشرط لا؛ فَإِنَّ لفظ «الإنسان» لَیْسَ مَوْضُوعاً للإنسان المقیَّد بالعلم، کما أَنَّهُ لَیْسَ مَوْضُوعاً للإنسان المقیِّد بعدم العلم. إذن، یَتَعَیَّنُ أن نقول: «إن اسم الجنس مَوْضُوع للماهیَّهِ الملحوظه بلحاظ اللابشرط الْقِسْمِیّ».

إلی هنا لا ینبغی الإشکال فیه، وإنَّما الکلام والخلاف فِی نقطه أخری وهی أَنَّهُ لطالما أن اسم الجنس مَوْضُوع للابشرط الْقِسْمِیّ بلا إِشْکَال، نرید أن نعرف هل أَنَّهُ مَوْضُوع للابشرط الْقِسْمِیّ مع حدّه الَّذی یتمیز به (وحدّه عدم اللِّحَاظ، أی: عدم لحاظ وجود القید وعدم لحاظ فقدان القید، أی: الْمَاهِیَّه مع حدّ الإطلاق)، أی: هل أن هذا الحدّ الإِطْلاَقیّ داخل أیضاً فِی المعنی الَّذی وضع له اسم الجنس لغه، بحیث أن لفظ «الإنسان» وضع لماهیه الإنسان المطلقه. أی: یَدُلّ لفظ «الإنسان» بِالدِّلاَلَهِ الوضعیَّه عَلَیٰ الإِطْلاَق، بحیث أَنَّنَا نستفید الإِطْلاَق من الْمَدْلُول الوضعیّ لِلْکَلِمَهِ، مِنْ دُونِ حاجه إلی قرینه الحِکْمَه، لیصبح کالعموم، أو أن اسم الجنس وضع للماهیَّهِ الملحوظه للابشرط الْقِسْمِیّ لکن مِنْ دُونِ حدّه هذا. هذا هو البحث الَّذی أمامنا. والحمد لله رب العالمین. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. 1157 کلمه.

ص: 90

معنی المطلق/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: معنی المطلق/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

کانَ الکلامُ فی معنی «المطلق» ونقصد به «اسم الجنس»، وکنا بصدد معرفه أَنَّهُ وضع لغه لأی شیء؟ قلنا بالأَمْسِ: لا شکّ فِی أن اسم الجنس لَیْسَ مَوْضُوعاً فِی اللُّغَه للماهیَّهِ الملحوظه بنحو اللِّحَاظ اللابشرط الْمَقْسَمِیّ؛ لأَنَّ ذاک جامع بین الوجودات الذِّهْنِیَّه ولیس جامعاً بین الوجودات الخارجیه، بینما الألفاظ توضع فِی اللُّغَه للمعانی الجامعه بین الأفراد والمصادیق الموجوده فِی الخارج. إذن، فهذا اللَّفظ لَیْسَ مَوْضُوعاً للابشرط الْمَقْسَمِیّ. کما أَنَّهُ لا إِشْکَال أَنَّهُ لَیْسَ مَوْضُوعاً للماهیَّهِ الملحوظه بشرط شیء ولا للماهیَّهِ الملحوظه بشرط لا؛ لأَنَّ کلتا هَاتَیْنِ الْمَاهِیَّتین ماهیَّه مقیَّده، وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ اللَّفظ لَیْسَ مَوْضُوعاً فِی اللُّغَه لمعنیً مع قیدٍ؛ فَإِنَّ القید لَیْسَ دخیلاً فِی حاقّ معنی اللَّفظ، فعلی سبیل المثال إن قید «البلوغ» لَیْسَ دخیلاً فِی حاقّ مفهوم «البیع»، بحیث یکون مفهوم البیع عباره عن بیع البالغ.

إذن، بعد إبعاد اللابشرط الْمَقْسَمِیّ وإبعاد البشرط شیء والبشرط لا، یبقی عندنا شیء واحد وهو الْمَاهِیَّه الملحوظه بنحو اللابشرط الْقِسْمِیّ، فیتعین أن یکون اسم الجنس مَوْضُوعاً لها. إلی هنا واضح ولا إِشْکَال فیه ولا خلاف، إِنَّمَا الکلام والخلاف فِی أن هذه الْمَاهِیَّه اللابشرط الْقِسْمِیّ لها حدّ وقید وقیدها الإِطْلاَق وعدم الحدّ واللابشرطیه (کما تقدّم)، فهذا أیضاً داخل فِی المعنی الَّذی وضع له اسم الجنس، بحیث أن اسم الجنس مثل لفظ «البیع» أو «الإنسان» مَوْضُوع للماهیَّهِ المطلقه. وعلیه فَسَوْفَ نستفید الإِطْلاَق من اللَّفظ نفسه، ومن الدِّلاَلَه الوضعیَّه لاسم الجنس نفسها، فلا نحتاج إلی قرینه کقرینه الحِکْمَه أو غیرها لاستفاده الإِطْلاَق؛ لأَنَّ حاله الإِطْلاَق واللابشرطیه داخله فِی صمیم المعنی الَّذی وضع له اسم الجنس.

ص: 91

هل هکذا، أو أن اسم الجنس (الَّذی قلنا لا إِشْکَال فِی أَنَّهُ مَوْضُوع للابشرط الْقِسْمِیّ) مَوْضُوع لذات الْمَاهِیَّه المرئیه برؤیه اللابشرط، بحیث تکون اللابشرطیه خارجه عن صمیم المعنی الَّذی وضع له اسم الجنس. بناء عَلَیٰ هذا یکون اسم الجنس مَوْضُوعاً للجامع بین المطلق والْمُقَیَّد؛ لأَنَّ ذات الْمَاهِیَّه محفوظه وموجوده فِی المطلق کما أنَّها محفوظه فِی المقیَّد، وقد فرغنا أن اللَّفظ مَوْضُوع لذات الْمَاهِیَّه الملحوظه والمرئیه، وذات الملحوظ والمرئی موجود فِی المطلق ومحفوظ فِی المقیَّد أیضاً، فقد تقدّم سابقاً أن الْمَاهِیَّه المرئیه بالرؤیه الثَّالثه نفسها جامعه بین المرئی بالرؤیتین الأولیین. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. فإذا کان اللَّفظ مَوْضُوعاً لهذا الجامع، فلا یَدُلّ اللَّفظ بنفسه عَلَیٰ الإِطْلاَق، کما لا یَدُلّ عَلَیٰ التَّقْیِید، بل یَدُلّ عَلَیٰ ذات الْمَاهِیَّه، أَمَّا إذا أردنا أن نستفید التَّقْیِید فنحتاج إلی قرینه، کما أن استفاده الإِطْلاَق بحاجه إلی القرینه أیضاً. وحینئِذٍ یجب البحث عن القرینه الَّتی تساعدنا عَلَیٰ فهم الإِطْلاَق، فنضطر إلی اللجوء إلی مقدّمات الحِکْمَه.

فذلکه الکلام هی أَنَّهُ یصحّ أن اسم الجنس مَوْضُوع للماهیَّهِ اللابشرط الْقِسْمِیّ، لٰکِنَّهُ هل هو مَوْضُوع لخصوص الْمَاهِیَّه المطلقه بحیث أن الإِطْلاَق داخل فِی المعنی الْمَوْضُوع له، أم أَنَّهُ مَوْضُوع للجامع بین المطلق والمقیَّد. والکلام فِی هذه النُّقْطَه یقع فِی مقامین:

المقام الأوّل: فِی البحث الثُّبوتیّ حول إمکان وضع اسم الجنس لأی واحد من هذین، فهل یعقل وضع اسم الجنس لخصوص المطلق؟ وهل یمکن ثبوتاً وَعَقْلاً وضع اسم الجنس للجامع بین المطلق والْمُقَیَّد أو لا یمکن؟

المقام الثَّانِی: فِی البحث عن الدَّلِیل الإثباتیّ لما تمخض من المقام الأوّل من إمکانیه وضع اسم الجنس لخصوص المطلق أو تعقّل وضعه للجامع بینهما.

ص: 92

أَمَّا المقام الأوّل: فیوجد فیه إِشْکَالاَن ثبوتیان:

الإشکال الأوّل: حول فرضیه وضع اسم الجنس لخصوص المطلق، حیث یرید أن یثبت استحاله وضعه له عقلاً، لیتعین الآخر.

الإشکال الثانی: عَلَیٰ عکس الأوّل، فهو إِشْکَال عَلَیٰ فرضیه وضع اسم الجنس للجامع بین المطلق والْمُقَیَّد، فیتعین أن یوضع لخصوص المطلق.

أَمَّا الإشکال الثُّبوتیّ الأوّل: فهو الظَّاهِر من کلمات المُحَقِّق الخُراسانیّ، وتوضیحه هو: أن الإِطْلاَق وبعباره أخری اللابشرطیه أو بعباره ثالثه: عدم لحاظ القید وجوداً وعدماً، هذا إِنَّمَا هو من القیود الثانویه؛ فقد سبق فِی المقدّمه التمهیدیه أن هناک قیوداً أولیه وهناک قیوداً ثانویه. وَقُلْنَا: إِنَّ القیود الأولیه هی الخُصُوصِیّات الخارجیه، کخصوصیه العلم الموجوده فِی الإنسان العالم، أو کخصوصیه فقدان العلم الموجوده الإنسان اللاعالم. والقیود الثانویه تعنی الصور الذِّهْنِیَّه الَّتی هی مرآه للقیود الأولیه، أی: لحاظ صفه العلم، لا العلم نفسه الموجود فِی الخارج فِی الإنسان العالم.

فهناک قیود أولیه وهی الصِّفات الخارجیه الَّتی تجعل الوجودات الخارجیه متقابلهً، کَمَا أَنَّ هُنَاکَ قیودات ثانویه وهی الصُّوَر الذِّهْنِیَّه الَّتی تجعل الصُّوَر الذِّهْنِیَّه متقابله (کلحاظ شیء یعنی بشرط شیء، ولحاظ عدم شیء أی: بشرط لا، وعدم اللحاظین).

حینئذٍ یقول الخُراسانیّ إِنَّ اللابشرطیه (أو الإِطْلاَق) قید ثانوی مثل البشرط شیء والبشرط لا، فهی من شؤون اللِّحَاظ نفسه والرؤیه نفسها، ولیس من شؤون الملحوظ (أی: المرئی وَالْمَاهِیَّه نفسها) وهی قید للحاظ. وحینئِذٍ إذا جعلنا هذا القید الثانوی قیداً فِی صمیم المعنی الَّذی وضع له اسم الجنس، کما هو الفرض؛ لأَنَّ هذا الإِطْلاَق کما قلنا من شؤون اللِّحَاظ، ولیس من شؤون الْمَاهِیَّه، فإذا جعلنا الإِطْلاَق قیداً فِی المعنی الَّذی وضع له اسم الجنس فَسَوْفَ یصبح المعنی الَّذی وضع له اسم الجنس معنیً مقیّداً بأمر ذهنی هو قید الإِطْلاَق وقید اللابشرطیه، وهذا المعنی المقیَّد بقید ذهنی غیر موجود فِی الخارج ویستحیل أن یوجَد فِی الخارج. فتصبح أسماء الأجناس موضوعهً لمعانٍ ذهنیه فقط، لا تنطبق عَلَیٰ المصادیق والأفراد الخارجیه؛ لأَنَّ شرط الانطباقِ والحملِ والصدقِ هو الاتحادُ فِی الوجود، وهذان غیر متحدین فِی الوجود (لأَنَّ الْمَاهِیَّه المطلقه موجوده فِی الذِّهْن بینما الْمَاهِیَّه الموجوده فِی الخارج لیست مطلقه بل مقیده بالعلم أو مقیَّده بعدم العلم). فهذا یَدُلّ عَلَیٰ استحاله أن یکون اسم الجنس وضع لغهً لماهیه مطلقه؛ لأَنَّ معنی اسم الجنس منطبق عَلَیٰ الخارج بینما الْمَاهِیَّه المطلقه بحدها الإطلاقی یمتنع انطباقها عَلَیٰ الخارج( (1) ). وإلیک نص کلام الخُراسانیّ:

ص: 93


1- (1) - الخُراسانیّ، کفایه الأصول: ص 224.

«وبالجمله الموضوع له اسم الجنس هو نفس المعنی وصرف المفهوم الغیر الملحوظ معه شیء أصلا [حتی عدم لحاظ شیء] الذی هو المعنی بشرط شیء، ولو کان ذاک الشیء هو الإرسال والعموم البدلی، ولا الملحوظ معه عدم لحاظ شیء معه الذی هو الماهیه اللابشرط القسمی، وذلک لوضوح صدقها بما لها من المعنی، بلا عنایه التجرید عما هو قضیه الاشتراط والتقیید فیها، کما لا یخفی، مع بداهه عدم صدق المفهوم بشرط العموم علی فرد من الأفراد، وإن کان یعم کل واحد منها بدلاً أو استیعاباً، وکذا المفهوم اللابشرط القسمی؛ فإنه کلی عقلی

لا موطن له إلا الذهن لا یکاد یمکن صدقه وانطباقه علیها

[أی: علی الأفراد والمصادیق الخارجیه]، بداهه أن مناطه [أی: مناط الصدق والانطباق هو] الاتحاد بحسب الوجود خارجاً، فکیف یمکن أن یتّحد معها [أی: مع الأفراد الخارجیه] ما لا وجود له إلا ذهناً؟!»

هذا الإشکال غیر تامّ؛ لأَنَّ الإِطْلاَق واللابشرطیه وإن صَحَّ أَنَّهُ قید ثانوی ومن شؤون اللِّحَاظ نفسه ومن شؤون الصُّورَه الذِّهْنِیَّه للماهیَّهِ ولیس من شؤون الْمَاهِیَّه نفسها - کما تقدّم - وإن صَحَّ أیضاً أَنَّهُ لو أخذ هذا الإِطْلاَق قیداً فِی المعنی الْمَوْضُوع له کانت النَّتِیجَه عباره عن أن المعنی الْمَوْضُوع له عباره عن أن المعنی الْمَوْضُوع له عباره عن معنی ذهنی، لکن مع ذلک نقول: لا مَحْذُور عقلی فِی أن نفترض أن الواضع قد وضع اسم الجنس لخصوص الْمَاهِیَّه المطلقه، وذلک بناء عَلَیٰ ما اخترناه فِی حقیقه الوضع المتقدّم قبل سنین من أن الوضع عباره عن القرن الأکید (الَّذی یوجِده الواضع بین اللَّفظ وبین صوره المعنی فِی الذِّهْن، بحیث یصبح اللَّفظ سبباً لإثاره صوره المعنی فِی ذهن السَّامِع) فلا مَحْذُور فِی أن یوجِد الواضع رَبْطاً سببیاً بین لفظ الإنسان وبین تلک الصُّورَه المطلقه عن ماهیَّه الإنسان وهی الصُّورَه الثَّالثه من الصور الذِّهْنِیَّه وهی الَّتی سمیناها باللابشرط الْقِسْمِیّ. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. فیأتی الواضع ویربط لفظ «الإنسان» بهذه الصُّورَه المطلقه عن ماهیَّه الإنسان، بحیث سَمَاع لفظ «الإنسان» یوجب إثاره هذه الصُّورَه الخالیه عن القید فِی الذِّهْن، وهذه الصُّورَه قابله للحکایه عن الخارج، وهذا معنی انطباق مدالیل الألفاظ عَلَیٰ مصادیقها. وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ الصُّورَه الخالیه عن القید لماهیه الإنسان قابله للحکایه عن الخارج، فینطبق مدلول اللَّفظ عَلَیٰ مصادیق وأفراده الخارجیه، بلا أی مَحْذُور.

ص: 94

وَالْحَاصِلُ أَنَّ وضع اسم الجنس لخصوص المطلق لا یعنی أن المعنی أصبح مقیَّداً بقید ذهنی؛ لأَنَّ حقیقه الوضع عندنا إیجاد العُلقه بین اللَّفظ وصوره المعنی فِی الذِّهْن، فعندما نَقُول: إِنَّ اسم الجنس وضع للماهیَّهِ نعنی أَنَّهُ وُجد ربط بین لفظ الإنسان وبین صوره ماهیَّه الثَّالثه المطلقه للإنسان فِی الذِّهْن.

إذن فهذا الإشکال الثُّبوتیّ الأوّل حول فرضیه وضع اسم الجنس لخصوص اسم الجنس، غیر تامّ، بعد ذلک یجب أن ننتقل إلی الإشکال الثُّبوتیّ الثَّانِی حول الْفَرَضِیَّه الأخری القائله بأن اسم الجنس وضع للجامع بین المطلق والْمُقَیَّد. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه.1300 کلمه.

اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

کُنَّا نتحدث قبل العطله عن المطلق (عن معنی اسم الجنس) فذکرنا فِی السِّیَاق أنّ هناک ثلاثَ نقاط لا بُدَّ من بیانها، ثم درسنا نقطتین منها وانتهینا إلی النُّقْطَه الثَّالثه حول معرفه المعنی الَّذی وضع له اسم الجنس فِی اللُّغَه:

1- فهل وُضع لذات الطَّبِیعَه وَالْمَاهِیَّه؟ أم وُضع للماهیّه وَالطَّبِیعَه المطلقه (بأن یکون الإِطْلاَقُ دخیلاً فِی المعنی الْمَوْضُوع له). مثلاً إن لفظ «الإنسان» هل وُضع لذات ماهیَّه الإنسان وطبیعته؟ لیکون معناه عدم أخذ معنی الإِطْلاَق ولا أی قید آخر فِی صمیم المعنی الْمَوْضُوع له (بل ذات الْمَاهِیَّه هی الْمَوْضُوع له وهو الجامع بین المطلق والْمُقَیَّد)، فلا یکون الإِطْلاَقُ مدلولاً وَضْعِیّاً للکلمه، وحینئِذٍ علینا أن نلتمس الإِطْلاَق من طریق آخر غیر الوضع.

2- أم أن اللَّفظَ وُضع للماهیه المطلقه بأن یَدُلّ وَضْعاً عَلَیٰ الإِطْلاَق؟ وهذا هو محلّ البحث فِی هذه النُّقْطَه.

ص: 95

طبعاً قلنا: إن مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ اسم الجنس لَیْسَ مَوْضُوعاً للماهیه اللابشرط الْمَقْسَمِیّ (وَالَّذِی تقدّم شرحه سابقاً)؛ لأَنَّ الْمَاهِیَّه اللابشرط الْمَقْسَمِیّ جامع بین اللحاظات الذِّهْنِیَّه (وهی 1- لحاظ اللابشرط الْقِسْمِیّ و2- لحاظ بشرط لا و3- لحاظ بشرط شیء)، بینما لا تُوضع الألفاظُ للأمور الذِّهْنِیَّه بما هی ذهنیه لا تنطبق عَلَیٰ الخارج کما هو شأن اللابشرط المقسمی، بل تُوضع للمعانی المنطبقه عَلَیٰ الخارج. إذن، من المقطوع به أن اسم الجنس لَیْسَ مَوْضُوعاً للابشرط الْمَقْسَمِیّ وکذلک لَیْسَ مَوْضُوعاً للماهیه «بشرط شیء» ولا للماهیه «بشرط لا». فعلی سبیل المثال لا یَکُونَ لفظ «الإنسان» مَوْضُوعاً لخصوص الإنسان بشرط العداله بحیث لا یکون الإنسان الفاسق إنساناً، کما أَنَّهُ لَیْسَ مَوْضُوعاً للماهیه بشرط لا أی: بشرط عدم العداله (وهو الإنسان الفاسق)، ولا أَنَّهُ مَوْضُوع للماهیه باللابشرط الْمَقْسَمِیّ، فیتعین أن یکون مَوْضُوعاً للماهیه اللابشرط الْقِسْمِیّ (لا الْمَقْسَمِیّ). إلی هنا واضح ولا غبار علیه، وإِنَّمَا الکلام فِی نقطتین:

النُّقْطَه الأولی: اسم الجنس هل هو مَوْضُوع للماهیه اللابشرط الْقِسْمِیّ بحدّه (أی: مع حدّه، والحد هو اللابشرطیه والإطلاق، أی: عدم لحاظ وجود القید وعدم لحاظ عدم القید)؟ وعلیه فَسَوْفَ یکون اسم الجنس مَوْضُوعاً لِلطَّبِیعَهِ المطلقه؛ لأَنَّ الحدّ وهو الإِطْلاَق دخل فِی المعنی الْمَوْضُوع له والْمَدْلُول الوضعیّ لِلْکَلِمَهِ. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه إذن، الوضع یَدُلّ علی الإِطْلاَق. أم أن اسم الجنس مَوْضُوع للماهیه اللابشرط الْقِسْمِیّ لکن لا مع حدّه، بل ذات الْمَاهِیَّه الملحوظه بنحو لحاظ اللابشرطی، مِنْ دُونِ أن یکون هذا اللِّحَاظ دخیلاً فِی المعنی الْمَوْضُوع له. هذا اللِّحَاظ عباره عن لحاظ الْمَاهِیَّه، واسم الجنس مَوْضُوع لنفس الْمَاهِیَّه، لا للماهیه مع لحاظها (الَّذی هو لحاظ لا بشرطی)، أی: نفس المرئی، لا المرئی مع کیفیَّه رؤیته؛ إِذْ أَنَّ کیفیَّه الرُّؤْیَه هی الإِطْلاَق واللابشرطیه عَلَیٰ ما تقدّم من أنّ رؤیه الْمَاهِیَّه تَتُِمّ بإحدی الأنحاء الثَّلاثه:

ص: 96

1- تارهً تَتُِمّ بکیفیه إطلاقیه.

2- وأخری تَتُِمّ بکیفیه بشرط شیئیه.

3- وثالثهً تَتُِمّ بکیفیه بشرط لائیه.

فهذه الأنحاء الثَّلاثه هی کَیفِیَّات لرؤیه الْمَاهِیَّه، وأمّا المرئی فهو الْمَاهِیَّه. إذن، اللَّفظ مَوْضُوع لذات المرئیّ مِنْ دُونِ أَنْ تَکُونَ کیفیَّه الرُّؤْیَه دخیلهً فِی المعنی الَّذی وُضع له اسمُ الجنس.

إذا قلنا بهذا الکلام، فمعنی ذلک أن اسم الجنس مَوْضُوع لذات الْمَاهِیَّه وهی الطَّبِیعَه الجامعه بین المطلق والْمُقَیَّد. فهذا هو محلّ الکلام، وإلا فلا إِشْکَال فِی أصل أن الْمَاهِیَّه موضوعه للابشرط الْقِسْمِیّ، وإنَّما الخلاف فِی أَنَّهُ مَوْضُوع للابشرط الْقِسْمِیّ بحدّه أو أَنَّهُ مَوْضُوع لذات الْمَاهِیَّه اللابشرط الْقِسْمِیّ مِنْ دُونِ أن یتدخل الحدّ. هنا قلنا لا بُدَّ من البحث فِی مقامین:

المقام الأوّل: فِی البحث الثُّبوتیّ عن أَنَّهُ هل یمکن ثبوتاً وَعَقْلاً وضعُ اللَّفظ ووضع اسم الجنس للماهیه المطلقه؟ وهل یمکن ثبوتاً وَعَقْلاً وضعُ اللَّفظ (= اسم الجنس) للماهیه الجامعه بین المطلق والْمُقَیَّد أو أن هناک مَحْذُور عقلی؟

المقام الثَّانِی: فِی البحث الإثباتیّ عن أَنَّهُ بعد أن ثبتت إمکانیه الفرضین ثبوتاً وَعَقْلاً، فعلی أیهما یَدُلّ الدَّلِیل إثباتاً؟

أَمَّا المقام الأوّل: فقد أسلفنا أن هناک إشکالین ثبوتیین یطرح کل واحد منهما بوجه فرض من ذینک الفرضین. الإشکال الثُّبوتیّ الأوّل هو ما طرحه صاحب الکفایه عَلَیٰ الفرض الأوّل وهو أنْ یکون اسم الجنس مَوْضُوعاً لخصوص الْمَاهِیَّه المطلقه. هذا ما طرحناه قبل العطله وأجبنا عنه وانتهینا إلی النَّتِیجَه التالیه: لا مَحْذُور ثُبُوتِیّ فِی أن یضع الواضعُ اسم الجنس لخصوص الْمَاهِیَّه المطلقه (أی: اللابشرط الْقِسْمِیّ بحدّه، بحیث یکون الإِطْلاَق دخیلاً فِی المعنی الْمَوْضُوع له).

ص: 97

انتهینا إلی الإشکال الثُّبوتیّ الآخر الَّذی یواجه الفرض الآخر، وهو أنْ یکون اسم الجنس مَوْضُوعاً لذات الْمَاهِیَّه الجامعه بین المطلق والْمُقَیَّد. وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ هذا الإشکال عَلَیٰ عکس ذاک الإشکال الثُّبوتیّ، حیث أَنَّهُ یرید القول بأَنَّهُ یستحیل أن یوضع اسم الجنس للجامع بین المطلق والْمُقَیَّد؛ وذلک لأَنَّ هذا الجامع لا یمکن لحاظُه وتصوره فِی الذِّهْن بما هو جامع (أی: بحدّه) عَلَیٰ أن یأتی دلیله قَرِیباً، وإذا استحال تصوّره فِی الذِّهْن استحال وضع اللَّفظ له؛ إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه لأَنَّ الوضع متوقّف عَلَیٰ أن یتصوّر الواضعُ اللَّفظَ ویتصور المعنی حتّی یمکنه أن یضع اللَّفظ له؛ لأَنَّ الوضع حکمٌ یُصدره الحاکمُ عَلَیٰ کلّ من اللَّفظ والمعنی، أَمَّا إذا کان معنی من المعانی مستحیل التَّصَوُّر إذن یستحیل وضعُ اللَّفظ له.

یبقی علیکم أن تسألوه لماذا لا یمکن أن یتصوّر الواضع هذا الجامع بین المطلق والْمُقَیَّد بما هو جامع؟

یقول فِی الجواب: لا یحضر هذا الجامع بحدّه (أی: بما هو جامع) إلی الذِّهْن؛ لأَنَّهُ بمجرّد أن یأتی إلی الذِّهْن إما یأتی معه قیدٌ وإما لا یأتی معه قید، ولا یوجد شق ثالث. فعلی الأول أصبح مقیّداً وعلی الثَّانِی أضحی مطلقاً وبالتالی لم یحضر إلی الذِّهْن الجامعُ بین المطلق والْمُقَیَّد. ولطالما الجامعُ هذا لا یمکن أن یوجد فِی الذِّهْن لا فِی ضمن المطلق ولا فِی ضمن المقیِّد، أی: أن یوجد فِی الذِّهْن مِنْ دُونِ أن یُلحظ معه قید ولا مِنْ دُونِ أن لا یلحظ معه قید، فکیف یمکن تصوّره؟ وهذا معناه ارتفاع النقیضین وهو مستحیل.

إذن، لا یمکن أن یوجد هذا فِی الذِّهْن إلا فِی ضمن المطلق أو المقیَّد، إذن یستحیل وجودُه مستقلاًّ عن المطلق والْمُقَیَّد فِی الذِّهْن، إذن یستحیل تصوّره مستقلاًّ، إذن یستحیل وضع اللَّفظ له مستقلاًّ. إذن، الْفَرَضِیَّه القائله بأن اسم الجنس مَوْضُوع فِی اللُّغَه للجامع بین المطلق والْمُقَیَّد مستحیله؛ لأَنَّ تصوّر هذا الجامع غیر معقول.

ص: 98

هذا هو الإشکال الثُّبوتیّ الَّذی یواجهه الشق الثَّانِی أو الفرض الثَّانِی.

وقد یجاب عن هذا الإشکال: بأن هذا الجامع وإن کان مستحیلاً وجودُه فِی الذِّهْن مستقلاًّ، إلاَّ أَنَّنَا لا نقبل أَنَّهُ یستحیل وضعُ اللَّفظ له مِن قِبَلِ الواضع؛ لأَنَّهُ وإن صَحَّ قولُکم من أنَّه لا بُدَّ للواضع من أن یتصوّر اللَّفظ ویتصور المعنی (یستحضر اللَّفظ ویستحضر المعنی) ولکننا لا ننسی ما ذکرناه فِی بحث الوضع من أَنَّهُ:

تارهً: یکون الوضعُ خاصّاً والموضوع له خاصّاً وذلک کأسماء الأعلام (مثل أسماء الأشخاص وأسماء الأماکن وغیرهما).

وأخری: یَکُونُ الوضعُ عامّاً والموضوع له عامّاً کما فِی أسماء الأجناس.

وثالثهً: یکون الوضع عامّاً لکن الْمَوْضُوع له خاصّ کالحروف والهیئات. أی: عندما أراد الواضع أن یضع لفظهَ «فِی» لهذا المعنی (الَّذی نفهمه من کلمه «فِی» وهو الظرفیه) استحضر فِی ذهنه مفهوماً عامّاً (وهو مفهوم الظرفیه، لٰکِنَّهُ مفهوم اسمی ولیس مترادفاً مع «فِی» وإلا لَصَحَّ استعمال هذا فِی مکان کلمه «فِی» وبالعکس) لکن حینما یرید أن یضع لفظ «فِی» یضعها لأفراد ومصادیق وواقع الظَّرفیّات الموجوده خارجاً فالموضوع له خاصّ والوضع عامّ.

وحینئِذٍ نسأل هل أن الواضع تصوّر هذه الظَّرفیّات أم لم یتصوّر؟ إن قلتم بأَنَّهُ لم یتصورها فکیف یضع لها اللَّفظ؛ لأَنَّ الوضع حکم والحکم یحتاج إلی تصوّر وإن لم یتصوّر المعنی لا یمکنه وضع اللَّفظ له؟ وإن قلتم بأَنَّهُ تصوّرها فَیَکُونُ تصوّره من خلال تصوّر وجهها وعنوانها (من خلال العنوان المشیر) وهذا المقدار یکفی فِی باب الوضع ولا یشترط فِی باب الوضع أن یتصوّر الواضعُ المعنی بنفسه (أی: یحضر المعنی نفسَه إلی الذِّهْن)، وهذا المقدار هو أن عَلَیٰ الواضع إما أن یتصوّر المعنی لوضع اللَّفظ له وإما أن یتصوّر العنوان المشیر إلی ذاک المعنی لکی یمکنه وضع اللَّفظ له.

ص: 99

وحینئِذٍ نأتی بالکلام نفسه إلی المقام ونقول: إن کلامکم القائل ب_«استحاله استحضار الجامع بین المطلق والْمُقَیَّد» صحیح کما أن الظَّرفیّات الخارجیه لا تحضر إلی الذِّهْن؛ لأَنَّ تلک الظرفیه الموجوده بین هذا الماء وهذا الإناء متکونه من طرفیها، وبمجرد أن یزول الماء أو الإناء تتبخر تلک الظرفیه، لکن تلک الظَّرفیّات أتت إلی الذِّهْن من خلال عنوانها المشیر إلیها، وهذا المقدار کان کافیاً فِی باب الوضع، وهنا فِی أسماء الأجناس أیضاً یجب أن نقول بکفایته وبأن اسم الجنس مَوْضُوع للماهیه الجامعه بین المطلق والْمُقَیَّد، إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه ولکن یستحیل وجود هذا الجامع بحدّه فِی الذِّهْن - کما قال صاحب الإشکال - لأَنَّهُ بمجرّد الحضور إلی الذِّهْن یزول حدّه لصیرورته إما مطلقاً وإما مقیّداً، لکن لَیْسَ من الضروری أن یستحضر الواضعُ هذا الجامعَ بنفسه حتّی یضع اللفظَ له، بل له أن یستحضر هذا الجامع من خلال عنوان اسمی مشیر إلیه، وهذا العنوان عباره عن «الجامع بین المطلق والْمُقَیَّد»، کما أن واقع الظَّرفیّات هناک لم یکن بإمکانه أن یحضر إلی الذِّهْن، لکن ذاک العنوان الاِسْمِیّ (= الظرفیه) کان عُنْوَاناً مشیراً إلیه، وهنا أیضاً یمکن أن یتصوّر الواضعُ هذا الجامع بین المطلق والْمُقَیَّد من خلال عنوانه المشیر، ثم یضع اللَّفظ لهذا الجامع (أی: للمعنوَن ولیس للعنوان).

هذا الکلام موجود فِی تقریرات السید الهاشمی حفظه اللٰه لبحوث سَیِّدنَا الأُسْتَاذ الشَّهِید رحمه الله( (1) ) إلاَّ أن هذا الجواب لَیْسَ جواباً عن الإشکال قدر ما هو تسلیم للإشکال؛ لأَنَّ نَتِیجَه هذا الجواب هی أن أسماء الأجناس لا یمکن أَنْ تَکُونَ موضوعه لهذا الجامع بنحو «الوضع العامّ والموضوع له العامّ» وهذا هو الاعتراف بالإشکال بأَنَّهُ یستحیل تصوّر الْمَاهِیَّه الجامعه بین المطلق والْمُقَیَّد وإنَّما قلتم: إما أن اسم الجنس بنحو العامّ والموضوع له العامّ یوضع لخصوص الْمَاهِیَّه المطلقه، وإما أن یوضع للجامع بین المطلق والْمُقَیَّد، لکن بنحو العامّ والموضوع له الخاصّ، وهذا معناه الاعتراف بالإشکال؛ لأنکم قبلتم بأن تصوّر هذا الجامع مستحیل بنفسه ولکن یمکن تصوّره من خلال وَجهه وعنوانه المشیر.

ص: 100


1- (1) - الهاشمی، بحوث فِی علم الأصول: ج3، ص409.

أَمَّا أَنَّهُ هل یمکن تصوّر هذا الجامع بنفسه أو لا یمکن، فسیأتی الکلام عنه غداً إن شاء اللٰه تعالی. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه.1546 کلمه

اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

کانَ الکلامُ فی أن اسم الجنس هل یمکن أن یکون مَوْضُوعاً للماهیه وَالطَّبِیعَه بما هی هیَ (الجامع بین المطلق والْمُقَیَّد)؟ فکان هناک إِشْکَال یقول بأَنَّهُ غیر ممکن؛ لأَنَّ الجامع بینهما یستحیل تصوّره ولحاظه فِی الذِّهْن؛ إذ بمجرّد أن یُلحظ فِی الذِّهْن ویُتصور فإما أن یتصوّر مِنْ دُونِ قید وهذا هو الْمَاهِیَّه المطلقه وإما یتصوّر مع قید وهذا هو الْمَاهِیَّه المقیّده. فلا یوجد جامع بحدّه الجامعی بینهما، وکل ما لا یمکن لحاظه وتصوره لا یمکن وضع اللَّفظ له؛ لأَنَّ الوضع متوقّف عَلَیٰ لحاظ الْمَوْضُوع له وتصوره.

هذا الإشکال أیضاً غیر صحیح کَالإِشْکَالِ الثُّبوتیّ، فَکَمَا أَنَّ الإشکال الثُّبوتیّ الأوّل الَّذی کان یستهدف وضع اسم الجنس لخصوص الْمَاهِیَّه المطلقه لم یکن وارداً، کذلک هذا الإشکال الثُّبوتیّ الَّذی یستهدف وضع اسم الجنس للجامع بین الْمَاهِیَّه المطلقه وَالْمَاهِیَّه المقیّده، غیر وارد أیضاً؛ وذلک لأَنَّنَا نَقُول: إِنَّ بإمکان الواضع حین الوضع أن یتصوّر الجامع بین المطلق والْمُقَیَّد والجامع هو ذات الْمَاهِیَّه بما هی هیَ. وهذا التَّصَوُّر واللحاظ هو اللِّحَاظ اللابشرط الْمَقْسَمِیّ الآنف الذکر، فبإمکانه أن یتصوّر ذات الْمَاهِیَّه بما هی هیَ ویضع اللَّفظَ للمتصوَّر، بمعزل عن الصُّورَه. یضع اللَّفظ للمرئی مِنْ دُونِ أخذ الرُّؤْیَه نفسها دخیلهً فِی المعنی الْمَوْضُوع له. أی: یضع اللَّفظ لذات المتصوَّر ولذات المرئی، لا للمرئی مع الرُّؤْیَه. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. أجل، إذا أراد أن یضع اللَّفظ للمرئی مع الرُّؤْیَه فَسَوْفَ لا یحصل الجامع بینهما؛ لأَنَّنا إذا لاحظنا المرئی مع کیفیَّه رؤیتها، فمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ کیفیَّه الرُّؤْیَه إما تکون مع القید فهذا هو المقیِّد وإما لا تکون مع القید وهذا هو المطلق. لکن کل هذه المشاکل نجمت من أَنَّنَا أردنا أن نُدخل الرُّؤْیَه فِی المعنی الْمَوْضُوع له، ونفترض أن الواضع یرید وضع اللَّفظ مع کیفیَّه رؤیتها. بینما لا مبرِّر لهذا الافتراض؛ إِذْ أَنَّ بإمکان الواضع أن یضع اللَّفظ لذات الْمَاهِیَّه مِنْ دُونِ دخل کیفیَّه لحاظ الْمَاهِیَّه فِی المعنی الْمَوْضُوع له.

ص: 101

إذن، الصَّحِیح هو أَنَّهُ تبین لحد الآنَ أَنَّهُ لا إِشْکَال ثُبُوتِیّ فِی البین لا فِی وضع اسم الجنس لخصوص الْمَاهِیَّه المطلقه، بحیث یکون الإِطْلاَق دخیلاً فِی المعنی الْمَوْضُوع له (هذا الَّذی انتهینا إلیه قبل العطله)، کما یمکن أن یوضع اللَّفظ للماهیه الأعمّ من المطلقه والمقیده (أی: الجامع) ولا مَحْذُور عقلی فیه. فلا یوجد مَحْذُور فِی الناحیه الثُّبوتیّه بأن یکون لفظ «الإنسان» مَوْضُوعاً ل_«ماهیه الإنسان المطلقه» بحیث یکون استعمال «الإنسان» فِی فرد خاصّ من الإنسان استعمالا مَجَازِیّاً، فهذا ممکن ومعقول کما أن من المعقول أن یکون لفظ «الإنسان» مَوْضُوعاً ل_«ماهیه الإنسان»، لا ل_«ماهیه الإنسان المطلقه أو المقیّده».

هذا تمام الکلام فِی المقام الأوّل، أی: فِی البحث الثُّبوتیّ.

أَمَّا المقام الثَّانِی: وهو البحث الإثباتیّ فِی أَنَّهُ ما هو الواقع خارجاً من هذین الفرضین الثبوتیین الممکنین ثبوتاً؟ أی: الواضع وضع اسم الجنس لأی فرض من ذینک الفرضین المعقولین؟ هل وضعه لِلطَّبِیعَهِ المطلقه أو لذات الطَّبِیعَه الجامعه بین المطلق والْمُقَیَّد؟

الصَّحِیح هو الأخیر، حَیْث أَنَّ اسم الجنس مَوْضُوع لغهً لذات الطَّبِیعَه لا لخصوص الطَّبِیعَه المطلقه، فاستعمال اسم الجنس فِی الطَّبِیعَه المطلقه استعمال حقیقی کما أن استعماله فِی الطَّبِیعَه المقیّده استعمال حقیقی؛ لأَنَّ اسم الجنس مَوْضُوع للأعمّ منهما.

النُّقْطَه الأولی: هی الشَّاهد عَلَیٰ ذلک الوجدان اللُّغَوِیّ وَالْعُرْفِیّ؛ فَإِنَّنَا نری فِی اللُّغَه الملایین من أسماء الأجناس، فلا نری أن اسم الجنس مَوْضُوعاً للإطلاق، ولا یوجد أساساً ذکر للإطلاق، وإنَّما تفسر کلمه مّا بهذه الطَّبِیعَه. ولا یوجد قید الإِطْلاَق؛ فَإِنَّنَا لا نجد ولا فِی مورد واحدٍ أَنْ تَکُونَ اللُّغَه فسرت اسم الجنس فیها بالطبیعه المطلقه. ولم تؤخذ خُصُوصِیَّه الإِطْلاَق فِی المعنی الْمَوْضُوع له لأسماء الأجناس، وإنَّما المأخوذ فِی معنی أسماء الأجناس هو الطَّبَائِع نفسها وَالطَّبِیعَه ذاتها.

ص: 102

النُّقْطَه الثَّانیه: هی أن الوجدان اللُّغَوِیّ وَالْعُرْفِیّ لابن اللُّغَه یحکم بعدم التَّجوُّز والعنایه فیما لو استعمل متکلمٌ اسمَ الجنس وأراد به نوعاً خاصّاً، کما إذا قال «الماء» وأراد منه ماء دجله أو ماء الفرات أو ماء النیل، فلا یحس ابن اللُّغَه بتجوز فِی مثل هذا الاستعمال، إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. مثلما إذا اغتسل فِی ماء الفرات وقال: «اغتسلت فِی الماء». بینما لو کان لفظ «الماء» مَوْضُوعاً فِی اللُّغَه لِلطَّبِیعَهِ المطلقه لکان استعماله فِی الطَّبِیعَه المقیّده استعمالا مَجَازِیّاً، أو مثل «یوم الخمیس» حَیْث أَنَّ کلمه «یوم» اسم جنس استعملناه فِی یوم خاصّ ولم نستعمله فِی ذات الیوم وماهیته، بل استعملناه فِی فرد خاصّ منه، ولکننا لا نشعر فیه بالتجوز، وکذلک «إنسان قرن العشرین» والملایین من الأمثله. فلو کان الإِطْلاَق دخیلاً فِی المعنی الَّذی وضع له لفظ الإنسان، إذن لکان الاستعمال فِی الطَّبِیعَه المقیّده استعمالاً مَجَازِیّاً.

فهذا کُلّه شاهد ودلیل عَلَیٰ أن اسم الجنس لَیْسَ مَوْضُوعاً لِلطَّبِیعَهِ المطلقه، وإنَّما هو مَوْضُوع لذات الطَّبِیعَه المنسجمه مع المطلقه والمنسجمه مع المقیّده، إذن استعمال اللَّفظ فِی المقیّده حقیقی کما أن استعماله فِی الطَّبِیعَه المطلقه حقیقی أیضاً.

إذن، انتهینا إلی هذه النَّتِیجَه القائله بأن اسم الجنس بنفسه لا یَدُلّ عَلَیٰ الإِطْلاَق، بل یَدُلّ عَلَیٰ ذات الطَّبِیعَه، أَمَّا الإِطْلاَق فلا نفهمه من «اسم الجنس» نفسه؛ لأَنَّهُ لم یوضع لِلطَّبِیعَهِ مع الإِطْلاَق، فالإطلاق بحاجه إلی قرینه کما أن التَّقْیِید بحاجه إلی قرینه وکلاهما خارجان عن المعنی الْمَوْضُوع له.

أَمَّا کون التَّقْیِید بحاجه إلی قرینه فهو واضح.

وأَمَّا أن الإِطْلاَق أیضاً بحاجه إلی القرینه وإلی ما یَدُلّ علیه. والدّال عَلَیٰ الإطلاق تارهً یکون قرینه خاصّه وهذا قد یحصل فِی بعض الموارد فِی الفقه، أَمَّا إذا لم تکن هناک قرینه خاصّه فنبقی نحن وقرینه عامه تُذکر للإطلاق وهذه القرینه العامه هی الَّتی تُسمی ب_«مقدمات الحِکْمَه» أو ب_«قرائن الحِکْمَه» أو ب_«قرینه الحِکْمَه» وهذا هو الَّذی نبحث عنه - إن شاء اللٰه تعالی - فِی الجهه الثَّانیه من البحث، ولکن قبل الانتقال إلی تلک الجهه ینبغی لنا أن نشیر إلی مطلب آخر وقع الخلاف فیه مِن قِبَلِ الأُصُولِیِّینَ، وهو أن التقابل بین الإِطْلاَق والتقیید من أی قسم من أقسام التقابل؟ هل هو من تقابل الضِّدَّیْن أو من «النقیضین» أو من «العدم والملکه»؟

ص: 103

وطبعاً هذا الخلاف خاصّ بالإطلاق والتقیید الثبوتیین ولا یشمل الإطلاق والتقیید الإثباتیین؛ إِذْ أَنَّهُ لا خلاف فِی الأخیر بل الکل متفق عَلَیٰ أن التقابل بینهما من العدم والملکه. فما المقصود من الإِطْلاَق والتقیید الثبوتیین وما المقصود من الإِطْلاَق والتقیید الإثباتیین؟

أَمَّا المقصود من الإِطْلاَق والتقیید الثبوتیین هو الإِطْلاَق والتقیید فِی عالم اللِّحَاظ، فإن المتصور والملاحَظ حینما یرید أن یتصوّر الْمَاهِیَّه تارهً یتصورها مطلقه وأخری یتصورها مقیده. وهذا ما نسمیه بالإطلاق والتقیید الثبوتیین.

أَمَّا المقصود من الإِطْلاَق والتقیید الإثباتیین فهو الإِطْلاَق والتقیید فِی عالم «الکلام». إذا ذکر الْمُتِکَلِّم وتلفظ بکلام یَدُلّ عَلَیٰ الْمَاهِیَّه، فإما أن یسکت عن ذکر ما یَدُلّ عَلَیٰ قیدٍ لهذه الْمَاهِیَّه، فهذا هو الإِطْلاَق الإثباتیّ، أی: السُّکوت فِی عالم الکلام عن ذکر القید وعدم التفوه بالقید. وإذا ذکر الْمُتِکَلِّم فِی کلامه ما یَدُلّ عَلَیٰ القید، فهذا هو التَّقْیِید الإثباتیّ. فالإطلاق والتقیید الإثباتیان یعنی ذکر القید أو السُّکوت عنه فِی عالم الکلام.

وطبعاً یکشف الإِطْلاَق الإثباتیّ عن الإِطْلاَق الثُّبوتیّ، أی: إذا رأینا أن الْمُتِکَلِّم ذکر فِی کلامه اسم الجنس (أی: ذکر ما یَدُلّ علی الْمَاهِیَّه) لٰکِنَّهُ لم یذکر ما یَدُلّ عَلَیٰ قید فِی هذه الْمَاهِیَّه، فقال: {أحل اللٰه البیع} و{البیع} اسم جنس یَدُلّ عَلَیٰ الْمَاهِیَّه، ولٰکِنَّهُ لم یقل: «أحل اللٰه البیع الَّذی جری بِاللُّغَهِ الْعَرَبِیَّهِ» مثلاً، أو «أحل اللٰه بیع البالغ» مثلاً. فحینئذٍ یکشف هذا الإِطْلاَق الإثباتیّ عن الإِطْلاَق الثُّبوتیّ، أی: یکشف عن أن الْمُتِکَلِّم عندما لاحظ ماهیَّه {البیع} لم یلحظ معها قید؛ إذ لو کان قد لاحظ قیداً ثبوتاً لذکر فِی الکلام وفی عالم الإثبات ما یَدُلّ علیه، فإذا لم یذکره إذن لم یلحظ القیدَ ولم یرده.

ص: 104

فالإطلاق الإثباتیّ یکشف عن الإطلاق الثُّبوتیّ کما أن التَّقْیِید الإثباتیّ یکشف عن التَّقْیِید الثُّبوتیّ. حینئذٍ متی یکون الإِطْلاَق الإثباتیّ کاشفاً عن الإِطْلاَق الثُّبوتیّ؟ أی: متی یکون السُّکوت فِی عالم الکلام دالاًّ عَلَیٰ أن الْمُتِکَلِّم لم یلحظ القید ولم یرده؟ فهل أن کل أنواع السُّکوت عن ذکر القید یَدُلّ عَلَیٰ أن الْمُتِکَلِّم لا یرید القید؟!

الجواب: لا؛ لأَنَّهُ قد لا یذکر الْمُتِکَلِّم القید لأنهم قد کمّموا فاه وألجموا فمه، وإن کان فِی مقام بیان تمام مراده. فهذا الإِطْلاَق لا یکشف عن الإِطْلاَق الثُّبوتیّ. فلیس کل سکوت عن ذکر القید دالاًّ عَلَیٰ أن القید غیر مراد وإنَّما السُّکوت عن القید الَّذی کان یمکن ذکره ولم یذکره. أی: تقابل العدم والملکه کالعمی والبصر حَیْث أَنَّ العمی عباره عن عدم البصر ولکن لَیْسَ کل عدم البصر، فإن الحائط لا یبصر ولکن لا یقال له أعمی؛ لأَنَّ عدم الإبصار إِنَّمَا هو فیما من شأنه الإبصار. إذن، إن من الواضح هنا أیضاً أن التقابل بین الإِطْلاَق والتقیید الإثباتیین تقابل العدم والملکه.

أَمَّا أن التقابل بین الإِطْلاَق والتقیید الثبوتیین (الإِطْلاَق الثُّبوتیّ یعنی «عدم لحاظ القید» والتقیید الثُّبوتیّ یعنی «لحاظ القید») من أی نوع من التَّقابل، فهذا هو محلّ البحث فعلاً. وقد اختلف الأعلام فِی تشخیص هویته.

نحن عرفنا من خلال البحوث السَّابِقَه أن الْمَاهِیَّه حینما یتصورها اللاحظ فتاره تکون مطلقه (أی: مِنْ دُونِ أن یلحظ معها قیداً) وأخری تکون مقیدهً. إذن إن الْمَاهِیَّه یعرض علیها ویطرأ علیها ویتوارد علیها وصفان:

تارهً تُلحظ مطلقهً، أی: یطرأ علیها وصف الإِطْلاَق.

وأخری تُلحظ مقیدهً، أی: یطرأ علیها وصف التَّقْیِید.

وهذا الوصفان متقابلان ولا یمکن اجتماعهما فِی شیء واحد فِی آن واحد. حینئذٍ وقع الخلاف فِی معرفه نوع هذا التَّقابل، فذهب السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله ذهب إلی أن التقابل بینهما تقابل التَّضَادّ، واختار المحقق النائینی العدم والملکه مثل الإِطْلاَق والتقیید الإثباتیین، کما أن مختار سَیِّدنَا الأُسْتَاذ الشَّهِید رحمه الله هو تقابل التناقض، أی: السَّلْب والإیجاب.

ص: 105

أَمَّا القول الأوّل (قول السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله) فهو مبنیّ عَلَیٰ الفکره الَّتی تبنّاها (وقد تقدمت قبل العطله الصیفیه) من أنَّ الإِطْلاَق عباره عن «اللابشرط الْقِسْمِیّ» وهو عباره عن أن تُلحظ الماهیهُ ویُلحظ معها عدمُ دخل القید. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. إذن، التقابل بینهما تقابل الضِّدَّیْن؛ لأنهما أَمْرَانِ وجودیان (لحاظ الْمَاهِیَّه ولحاظ عدم القید)، لکِنَّنََا رفضنا هذه الفکره من منطلق أن «اللابشرط» عباره عن لحاظ الْمَاهِیَّه مع عدم لحاظ دخل القید لا «لحاظ عدم دخل القید»، وفرق بینهما.

إذن، لا یمکننا المساعده عَلَیٰ القول الأوَّل؛ لأَنَّ مبناه غیر تامّ لدینا وهو أن «اللابشرط الْقِسْمِیّ» عباره عن لحاظ «الْمَاهِیَّه» مع لحاظ «عدم دخل القید» وجوداً و«عدم دخل القید» عدماً. وهذا المبنی باطل لأَنَّ الصَّحِیح أن «اللابشرط الْقِسْمِیّ» هو لحاظ الْمَاهِیَّه مِنْ دُونِ لحاظ القید، لا لحاظ الْمَاهِیَّه مع لحاظ عدم دخل القید.

إذن، یبطل القول الأوّل وهو أن التَّقابل تقابل التَّضَادّ، ویبقی الأمر بیننا وبین المیرزا وهذا ما سیأتی غداً إن شاء اللٰه تعالی. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. 1620 کلمه

اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

کانَ الکلامُ فی معرفه نوع التقابل بین الإِطْلاَق والتقیید الثبوتیین، فهل هو تقابل بنحو التَّضَادّ کما قال به السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله أم أَنَّهُ من العدم والملکه کما ذکره المیرزا أم أَنَّهُ من تقابل التناقض وَالسَّلْب والإیجاب کما أفاده سَیِّدنَا الأُسْتَاذ الشَّهِید رحمه الله، فقلنا بالأَمْسِ:

أَمَّا القول الأوّل (القائل بأن التقابل هو تقابل التَّضَادّ)فمرفوض عندنا؛ إذ لا یوجد ضِدَّانِ فی باب الإِطْلاَق والتقیید الثبوتیین؛ إذ لا یوجد لدینا أَمْرَانِ وجودیان، وإنَّما الموجود أمر وجودی وهو التَّقْیِید الَّذی هو عباره عن لحاظ القید، ویقع فِی مقابله الإطلاقُ وهو لَیْسَ أمراً وُجُودِیّاً؛ لأَنَّهُ لَیْسَ عباره عن «لحاظ عدم القید»، وإنَّما هو عباره عن أمر عدمی هو «عدم لحاظ القید»، وبالتَّالی ما أصبحا أَمْرَیْنِ وجودین حتّی یصبحا من التَّضَادّ. ویکفی عدم لحاظ القید فِی الإِطْلاَق.

ص: 106

أجل، إذا بنینا عَلَیٰ مبنی السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله من أن اللابشرط الْقِسْمِیّ متقوّم بلحاظ عدم القید، فحینئذٍ یصبح الإطلاق أمراً وُجُودِیّاً، لکِنَّنََا رفضنا فیما سبق أن یکون اللابشرط الْقِسْمِیّ متقوّماً بلحاظ عدم القید حیث قُلْنَا: إِنَّ «اللابشرط الْقِسْمِیّ» عباره عن «لحاظ الْمَاهِیَّه مِنْ دُونِ لحاظ القید» لا «مع لحاظ عدم القید».

إذن فالقول الأوّل مرفوض.

وأمّا القول الثَّانِی (القائل بأن التقابل بینهما من العدم والملکه) فیشترک معنا فِی التَّسْلِیم بأن الإِطْلاَق لَیْسَ أمراً وُجُودِیّاً وإنَّما هو أمر عدمیّ؛ لأَنَّهُ عباره عن «عدم لحاظ القید» بینما التقیید الثُّبوتیّ أمر وجودیّ. ولکن صاحب هذا القول یختلف معنا فیما یقول: الإِطْلاَق لَیْسَ عباره عن «کل عدم لحاظ القید»، بل هو عباره عن «عدم لحاظ القید فِی المورد الَّذی یمکن فیه عدم لحاظ القید ویکون قابلاً لِلتَّقْیِید»، فیصبح التقابل من العدم والملکه.

ویرد علیه بأنَّهُ لا مبرِّر لهذا الشَّرْط؛ فَإِنَّ الإِطْلاَق الثُّبوتیّ للماهیه لا یشترط فیه أَنْ تَکُونَ الْمَاهِیَّه قابله لِلتَّقْیِید، وإنَّما «سعه الْمَاهِیَّه لتمام الأفراد» أمر ذاتیّ لها.

أجل، إن الإِطْلاَق الإثباتیّ منوط بقابلیه المورد لِلتَّقْیِید الإثباتیّ. أی: فِی کُلّ مورد کان یمکن فیه ذکر القید فِی الکلام ولم یُذکر القید فهناک یتشکل الإِطْلاَق الإثباتیّ، أَمَّا فِی المورد الَّذی لم یکن بإمکان لِلْمُتِکَلِّمِ أن یتفوه بالقید بسبب من الأسباب (کما إذا أغلقوا فمه أو کان ذکر القید مستحیلاً وذلک مثلما یقال فِی استحاله أخذ قید «قصد امتثال الأمر» فِی الخطاب نفسه، أو مثلما یقال فِی استحاله أخذ العلم بالحکم فِی الحکم نفسه أو مثل استحاله أخذ قصد امتثال الأمر فِی مُتَعَلَّق الأمر وغیرها من الأمثله. فإذا کان التَّقْیِید الإثباتیّ مستحیلاً (أی: إذا لم یمکن ذکر القید) فحینئذٍ یصبح الإِطْلاَق الإثباتیّ غیر ممکن أیضاً؛ لأَنَّ الإِطْلاَق الإثباتیّ إِنَّمَا هو عباره عن عدم لحاظ القید فِی المورد الَّذی یمکن فیه ذکرُ القید، أَمَّا فِی المورد الَّذی لا یمکن فیه ذکر القید فلا یوجد فیه لا تقیید إِثْبَاتِیّ ولا إطلاق إِثْبَاتِیّ. لکن کلامنا الآنَ فِی الإِطْلاَق الثُّبوتیّ (أی: الإِطْلاَق والتقیید فِی عالم اللِّحَاظ) ولیس فِی الإِطْلاَق الإثباتیّ حَیْث أَنَّ بحثه تابع لمقدمات الحِکْمَه؛ لأَنَّ الإِطْلاَق الإثباتیّ یُکشف ویُفهم من مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه فکأن السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله قد انساق ذهنه إلی الإِطْلاَق الإثباتیّ ووقع لدیه خلط بین الإطلاق الثُّبوتیّ والإِطْلاَق الإثباتیّ؛ بینما أن الکل یسلّم بأن التقابل الموجود بین الإِطْلاَق والتقیید الإثباتیین تقابل العدم والملکه، لٰکِنَّهُ أجنبی عن الإِطْلاَق الثُّبوتیّ.

ص: 107

إذن، المتعیَّن من بین هذه الأقوال الثَّلاثه هو القول الثَّالث القائل بأن التقابل بین الإطلاق والتقیید الثبوتیین تقابل التناقض (وَالسَّلْب والإیجاب)، أی: أن الإِطْلاَق عباره عن عدم لحاظ القید والتقیید عباره عن لحاظ القید، وهما نقیضان.

توضیحه: أن معنی الإِطْلاَق هو تلک الْخُصُوصِیَّه الَّتی تقتضی أن یکون هذا الْمَفْهُوم صالحاً للانطباق عَلَیٰ جمیع الأفراد. فما هی تلک الْخُصُوصِیَّه؟ هل هی أن یَلحظ المتکلمُ عدمَ القید؟ أم أنَّها عباره عن أن لا یلحظ قیداً فِی المورد الَّذی یمکن فیه لحاظ القید؟ أم أنَّها عباره عن أن لا یلحظ الْمُتِکَلِّم قیداً مطلقاً، سَوَاءٌ کَانَ من الممکن لحاظ القید أم لا.

نحن نرید أن نَقُول: إِنَّ تلک الْخُصُوصِیَّه الَّتی یجعل الْمَفْهُوم صالحاً للانطباق عَلَیٰ جمیع الأفراد یکفی فیها مجرّد أن لا یلحظ فیها اللاحظ القیدَ؛ لأَنَّ کل مفهوم من الْمَفَاهِیم یوجد فیه ذاتاً القابلیهُ للانطباق عَلَیٰ کل فرد ومصداق یکون هذا الْمَفْهُوم محفوظاً فیه. مثلاً توجد قابلیه الانطباق الذّاتیَّه فِی مفهوم «العالم» عَلَیٰ کل فرد یکون مفهوم العالم محفوظاً فیه، کما أن تلک القابلیه موجوده فِی الْمَفَاهِیم الأخری ک_«العالم العادل» و«العالم العادل الهاشمی» وهی الَّتی تجعل کل مفهومٍ صالحاً لإسراء الحکم الثَّابِت فِیه إلی جمیع الأفراد. وحیث أن هذه القابلیه ذاتیَّه لِلْمَفْهُومِ، فهی لازمه له ویستحیل أن تنفک عنه. وإذا کانت القابلیه من اللوازم الذَّاتیَّه لِلْمَفْهُومِ فَإِنَّنَا بحاجه إلی عدم وجود حجر عثره ومانع یمنع هذا الْمَفْهُوم من الانطباق عَلَیٰ جمیع أفراده، وهذا المانع هو لحاظ القید حیث یأتی ویقف مانعاً أمام مفهوم «العالم» ویمنعه من الانطباق عَلَیٰ جمیع أفراده الَّتی قد حفظ فیها مفهوم «العالم»، وإن لم یکن هذا المانع موجوداً کان یکفی أن یصبح المفهومُ قابلاً للانطباق عَلَیٰ جمیع الأفراد، وبالتَّالی کان یسری الحکم المترتّب عَلَیٰ هذا الْمَفْهُوم إلی جمیع الأفراد، وهذا هو الإِطْلاَق.

ص: 108

یبقی هنا إِشْکَال: وهو ما أشار إلیه الشَّیْخ الطهرانی من أَنَّهُ کیف تقولون من جهه: إنّ هذه القابلیه (قابلیه انطباق الْمَفْهُوم عَلَیٰ جمیع أفراده) من اللوازم الذَّاتیَّه لِلْمَفْهُومِ واللازم الذَّاتیّ لا ینفک عن ملزومه، ومن جهه أخری تقولون: إذا لاحظ الْمَفْهُوم وَالْمَاهِیَّه ولاحظ القید، یصبح القید مانعاً من أن یکون قابلاً للانطباق عَلَیٰ جمیع الأفراد. کیف تصبح القابلیه ذاتیَّه وکیف یأتی القید ویفصل بین الملزوم ولازمه الذَّاتیّ. فالتفکیک بین الملزوم واللازم مستحیل.

الجواب هو أن التَّقْیِید ولحاظ القید لَیْسَ تفکیکاً بین اللاَّزِم وملزومه، وإنَّما إذا أردنا أن ندقق النَّظَر أکثر فعلینا أن نَقُول: إِنَّ التَّقْیِید فِی الحقیقه خلق مفهوم جدید (أی: العالم العادل مفهوم جدید یختلف عن مفهوم «العالم»)؛ لأَنَّ الْمَفَاهِیم فِی عالم الْمَفَاهِیم کُلّهَا متباینه، ولا توجد نسب أربع بین الْمَفَاهِیم، بل النِّسْبَهُ الموجوده فِی عالم الْمَفَاهِیم هی نسبه التَّبایُن، حتّی لو کان أحد المفهومین أعمّ من الآخر من حیث الصدق الخارجیّ، لکنهما فِی عالم الْمَفَاهِیم مفهومان متباینان (ک_«العالم» و«العالم العادل» و«العالم العادل الهاشمی» حیث لا تنفک القابلیه عن الْمَفْهُوم الأوّل فِی الْمَفْهُوم الثَّانِی والثالث، بل الموجود فِی الأخیرین هو خلق مفهومین جدیدین غیر الْمَفْهُوم الأوّل، وإلا - أی: إذا لاحظنا الْمَفْهُوم الأوّل بِغَضِّ النَّظَرِ عن الْمَفْهُوم الثَّانِی والثالث - فإنّ الْمَفْهُوم الأوّل لا زال قابلاً للانطباق عَلَیٰ جمیع أفراده). وعلی العموم إن الانطباق من شؤون العالم الخارجیّ ولا انطباق بین الْمَفَاهِیم بما هی مفاهیم.

وعلی هذا الأساس صَحَّ أن نقول: إِنَّنّا لو أردنا أن ندقق النَّظَر فِی هذه المسأله نری أَنَّهُ لا یوجد تقابل بین الإِطْلاَق والتقیید؛ لأَنَّ التقابل الَّذی قرأناه فِی المنطلق معناه أن یکون هناک شیئان یفرض ورودهما عَلَیٰ موضوع واحد، بینما الإِطْلاَق والتقیید لا یردان عَلَیٰ مورد واحد؛ إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه لأَنَّ الإِطْلاَق یرد عَلَیٰ مفهوم والتقیید یرد عَلَیٰ مفهوم آخر (لأَنَّ الْمَفَاهِیم متباینه فِی عالم الْمَفَاهِیم). الإطلاق اللِّحَاظِیّ یعنی أن تلحظ «العالم» ولا تلحظ معه قید، أی: مفهوم «العالم» فِی الذِّهْن. والتقیید الثُّبوتیّ یعنی أن تلحظ العالم ولا تلحظ معه قید، أی: مفهوم «العالم العادل» وهذا غیر مفهوم «العالم». فأین المورد الَّذی ورد فیه الإِطْلاَق والتقیید معاً عَلَیٰ مفهوم واحد حتّی یکونا متقابلین؟! فإِنَّهُ یستحیل بالدِّقَّه أن یرد الإِطْلاَق والتقیید الثبوتیین معاً عَلَیٰ مورد واحد، فلا یوجد تقابل حتّی لا یوجد تقابل التناقض الَّذی قلناه، وإنَّما ذکرنا التناقض ابتداءً ومن باب التسامح، فضلاً عن «التَّضَادّ» و«العدم والملکه».

ص: 109

إذن، انطباق الْمَاهِیَّه عَلَیٰ تمام أفرادها أمر ذاتیّ - کما قلنا - والذاتی لا یتخلّف أصلاً وهذا هو معنی الإِطْلاَق. أَمَّا التَّقْیِید ففی الواقع لَیْسَ تَخْصِیصاً لهذه القابلیه حتّی یأتی الإشکال بأن القابلیه الذَّاتیَّه کیف تنفک عن الْمَفْهُوم وتُخَصَّص، بل التَّقْیِید تَخَصُّص، أی: خلق مفهوم آخر (= العالم العادل)، الَّذی هو خارج عن مفهوم العالم تَخَصُّصاً.

إذن، الإطلاق یرد عَلَیٰ مفهوم والمفهوم یرد عَلَیٰ مفهوم آخر. فلیست نسبه المقیَّد إلی المطلق (کما یبدو فِی أوَّل وهله) نسبه الأکثر إلی الأَقَلّ، بحیث یأتی بِالنَّظَرِ التسامحی إلی الذِّهْن أن النِّسْبَه بین «العالم» و«العالم العادل» نسبه الأَقَلّ والأکثر، کی یقع التقابل بلحاظ هذا الزَّائِد. فکل هذا الکلام من باب التسامح، وإلا فبالدقه لا مجال لکل هذا الحدیث.

هذه هی الأقوال الثَّلاثه فِی مسأله التَّقابل بین الإِطْلاَق والتقیید الثبوتیین وقد عرفنا الصَّحِیح منها کما عرفنا واقع المطلب أیضاً. بعد ذلک ننتقل إلی الفوارق والثمرات الموجوده بین هذه الأقوال نشرحها غداً إن شاء اللٰه تعالی. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه.1311 کلمه

اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

بعد أن ذکرنا واستعرضنا الأقوال الثَّلاثه فِی باب التَّقابل بین الإِطْلاَق والتقیید الثبوتیین، لا بأس بأن نذکر بعض الفوارق بین هذه الأقوال والثمرات المترتّبه عَلَیٰ هذه الأقوال:

من جملتها أَنَّهُ بناء عَلَیٰ القول الثَّالث الَّذی یقول: بأن التَّقابل بین الإطلاق والتقیید الثبوتیین هو تقابل التناقض (تقابل السَّلْب والإیجاب) لا یمکن تصوّر حاله ثالثه غیر الإِطْلاَق والتقیید، بحیث لا تکون الطَّبِیعَه مطلقه ولا تکون مقیده، وهذا أمر غیر ممکن، بناء عَلَیٰ القول الثَّالث؛ لأَنَّهُ بناء عَلَیٰ هذا القول الإِطْلاَق والتقیید نقیضان والنقیضان لا ثالث لهما؛ لأَنَّ معنی الثَّالث هو ارتفاع النقیضین وهو محال.

ص: 110

وهذا بخلاف ما إذا بنینا عَلَیٰ القول الأوّل (للسید الخوئی) أو الثَّانِی (للمیرزا)، فبناء عَلَیٰ ذینک القولین یمکن تصوّر حاله ثالثه لا یوجد فیها لا الإِطْلاَق ولا التَّقْیِید؛ لأَنَّهُ عَلَیٰ قول السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله التَّقابل بین الإطلاق والتقیید تقابل التَّضَادّ، وَمِنَ الْوَاضِحِ أن الضِّدَّیْن لا یستحیل أن یکون لهما ثالث.

وکذلک إذا بنینا عَلَیٰ مبنی المیرزا (= القول الثَّانِی) القائل بأن التَّقابل بینهما تقابل العدم والملکه، فمن الواضح أَنَّهُ لا یستحیل أن یکون لهما ثالث؛ لأَنَّ الملکه إذا وجدت فبها، وإلا فإذا کان المورد من الموارد الَّتی یمکن فیها أَنْ تَکُونَ الملکه موجوده فیصبح عدم الملکه، وأمّا إذا کان المورد من الموارد الَّتی لا یمکن أَنْ تَکُونَ فیها الملکه، فلا توجد هناک لا الملکه ولا عدم الملکه.

إذن، فبناء عَلَیٰ هذین القولین لا یستحیل تصوّر حاله ثالثه غیر الإِطْلاَق والتقیید، وهذه الحاله الثَّالثه الَّتی یمکن افتراضُها بناءًا عَلَیٰ القول الأوّل وَالثَّانِی ولا یمکن افتراضها بناءًا عَلَیٰ القول الثَّالث هی الَّتی یصطلح علیها لدی الأُصُولِیِّینَ بحاله الإهمال أو «الطَّبِیعَه المهمله».

إذن، قَضِیَّه أن الطَّبِیعَه المهمله هل هی ممکنه أو غیر ممکنه، تختلف باختلاف المبنی من هذه الأقوال الثَّلاثه.

عَلَیٰ القول الثَّالث تکون غیر ممکنه؛ لأَنَّهَا لا تکون مطلقه ولا تکون مقیدهً، أی: ارتفع فیها النقیضان وهو مستحیل.

أَمَّا عَلَیٰ القولین الأولین تکون الطَّبِیعَه المهمله ممکنه، وذلک عَلَیٰ رأی السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله أو عَلَیٰ رأی المیرزا.

ثم بعد هذا انجر الکلام (بین هؤلاء القائلین بأن الطَّبِیعَه المهمله ممکنه) إلی أَنَّهُ إذا کانت الطَّبِیعَه المهمله ممکنه، وفرضنا مورداً تحقّق فیه هذا الإهمال (أی: فرضنا مورداً لا التَّقْیِید موجود فیه ولا الإِطْلاَق جارٍ فیه، وإنَّما الحاله حاله الإهمال) فهل الطَّبِیعَه المهمله هذه بحکم المطلقه أم أنَّها بحکم المقیّده؟

ص: 111

مثلما إذا فرضنا التَّقْیِید فی مُتَعَلَّق الأمر بقصد امتثال الأمر، وجرینا مع الْمَشْهُور القائلین بأن متعلّق الأمر یستحیل أن یُقیَّد بقصد امتثال الأمر، فلا یوجد تقیید فِی البین. وکذلک لا یوجد الإِطْلاَق؛ لعدم جریان مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ، فیصبح الأمر فِی قوله مثلاً: «انفق عَلَیٰ زوجتک» مهملاً من حیث التَّعبُّدیَّه والتَّوصُّلیَّه؛ إذ أَنَّهُ لَیْسَ مقیَّداً بقصد الْقُرْبَه؛ لاستحاله تعلّق قصد القُربه بالأمر، ولا أَنَّنَا قبلنا الإِطْلاَق. فلا یوجد لا التَّقْیِید لإِثْبَاتِ التَّعبُّدیَّه ولا الإِطْلاَق لکی یثبت التَّوصُّلیَّه، فأصبح مهملاً. ولکن یجب أن نعرف أن هذا المهمل فِی قوّه أی شیء؟ فهل هو فِی بمثابه المطلق أم هو بمثابه المقیِّد؟

هنا وقع الخلاف بین الأُصُولِیِّینَ بأن المهمله هل هی فِی قوّه المقیَّده (فکأنه قیَّدَ وإن لم یقیِّد) أو أنَّها فِی قوّه المطلقه؟ هذا خلاف بعد أن خلاف بین القائلین بالقول الأوّل وَالثَّانِی، أَمَّا عَلَیٰ القول الثَّالث فقلنا من البدایه أَنَّهُ لا تُتَصَوَّر فیه حالهُ الإهمال. بخلاف القولین الأولین حیث یمکن فیهما هذه الحاله، وحینئِذٍ یأتی هذا الکلام من أن هذه الحاله المهمله هل هی فِی حکم الإطلاق أم هی فِی حکم التَّقْیِید؟

هذه من الفوارق والثمرات المترتّبه عَلَیٰ هذه الأقوال.

ومن جمله هذه الفواق والثمرات المترتّبه عَلَیٰ هذه الأقوال هی أن إمکان الإِطْلاَق منوط بإمکان التَّقْیِید بناء عَلَیٰ القول الثَّانِی (المیرزا)، لکن بناء عَلَیٰ القولین الآخرین لا یکون إمکان الإِطْلاَق مَنُوطاً وَمَشْرُوطاً بإمکان التَّقْیِید. فبناء عَلَیٰ قول المیرزا فِی کُلّ مورد یمکن فیه التَّقْیِید یمکن الإِطْلاَق فیه، أَمَّا إذا فرضنا مورداً یستحیل فیه التَّقْیِید فیستحیل الإِطْلاَق فیه أیضا؛ لأَنَّ الإِطْلاَق عند المیرزا عباره عن عدم التَّقْیِید فیما من شأنه التَّقْیِید (أی: فِی مورد یمکن فیه التَّقْیِید، فإن لم یقیِّد فیه فهو الإِطْلاَق) أَمَّا فِی المورد الَّذی لا یمکن فیه التَّقْیِید فلا التَّقْیِید موجود (لأَنَّهُ لا یمکن حَسَبَ الْفَرْضِ) ولا الإِطْلاَق موجود؛ لأَنَّ الإِطْلاَق إِنَّمَا هو فیما إذا لم یقیِّد وکان التَّقْیِید ممکناً، والمقام لَیْسَ کذلک. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. فعندنا فِی علم الأصول بعض الموارد الَّتی یستحیل فیها التَّقْیِید ببعض القیود مثل المثال الَّذی ذکرناه من التَّعبُّدیّ والتَّوصُّلیّ من استحاله تقیید مُتَعَلَّق الأمر بقصد الْقُرْبَه (کما علیه الْمَشْهُور)؛ لأسباب یُذکر فِی محلّه (الدّور والتهافت فِی اللِّحَاظ). فهنا بناء عَلَیٰ قول المیرزا لطالما أن التَّقْیِید قصد الأمر بقصد الْقُرْبَه مستحیل، فیستحیل إطلاق مُتَعَلَّق الأمر أیضاً، ومن هنا اضطر المیرزا فِی بحث التَّعبُّدیّ والتَّوصُّلیّ إلی القول ب_«مُتَمِّم الجعل» لیُتمّم هذا الجعل الأوّل لکی یرتفع مَحْذُور الدّور والتهافت.

ص: 112

فالشاهد أن هذا من الموارد الَّتی یستحیل فیها التَّقْیِید، فبناء عَلَیٰ کلام المیرزا إذا استحال التَّقْیِید استحال الإِطْلاَق.

ومن جمله الموارد الَّتی یستحیل فیها التَّقْیِید هو تقیید الحکم بالعلم بالحکم (=أخذ العلم بالحکم فِی مَوْضُوع الحکم نفسه) مثلما یقول: «صلِّ إن علمتَ بوجوب الصَّلاه» (یستحیل لقضیه الدّور أو لأی مشکله أخری ذکرها سَیِّدنَا الأُسْتَاذ الشَّهِید رحمه الله من أنَّه یلزم من العلم أن یکون خالقاً لمعلومه، بینما دور العلم دور الکشف عن المعلوم)، وهنا أیضاً بناء عَلَیٰ مبنی المیرزا لطالما أن تقیید الحکم مستحیل فکذلک یستحیل الإِطْلاَق (إطلاق الحکم للعالم بالحکم والجاهل بالحکم مستحیل أیضاً)؛ لأَنَّ تقیید الحکم بالعالم بالحکم مستحیل، فکذلک إطلاق الحکم أیضاً مستحیل. لذلک بناء عَلَیٰ قول المیرزا لا یمکن إثبات اشتراک الأحکام بین العالمین والجاهلین بالإطلاق.

فَالْحَاصِلُ أَنَّ إمکان الإِطْلاَق منوط بإمکان التَّقْیِید (بناء عَلَیٰ کلام المیرزا) أَمَّا بناء عَلَیٰ القولین الآخرین لا یکون إمکان الإِطْلاَق مَنُوطاً بالتقیید (بناء عَلَیٰ قول السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله وسَیِّدنَا الأُسْتَاذ الشَّهِید رحمه الله) غایه الأمر، بناءًا عَلَیٰ قول السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله (القائل بأن التَّقابل بین الإِطْلاَق والتقیید الثبوتیین هو تقابل التَّضَادّ) حَیْث أَنَّ استحاله التَّقْیِید لا توجد استحاله الإِطْلاَق فکذلک استحاله التَّقیید لا توجب ضروریه الإِطْلاَق (حسب قوله)، بل یبقی ممکناً. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. بینما عَلَیٰ قول سَیِّدنَا الأُسْتَاذ الشَّهِید رحمه الله القائل بالتناقض: إذا استحال التَّقْیِید یصبح الإِطْلاَق ضروریّاً، لأنهما متناقضین. فیتعین أن یکون الإِطْلاَق هو الواقع وهو الثَّابِت.

هذه بعض الثمرات والفوارق بین هذه الأقوال. وبهذا انتهی کلامُنا فِی هذه الجهه الأولی من جهتی البحث فِی الإِطْلاَق وهی الجهه الَّتی عنوناها بالبحث عن معنی اسم الجنس وقد اتَّضَحَ أن معنی اسم الجنس الَّذی وضع له لغه عباره عن «ذات الْمَاهِیَّه وَالطَّبِیعَه المهمله الجامعه بین المطلق والْمُقَیَّد»، ولَیْسَ اسم الجنس مَوْضُوعاً لخصوص الطَّبِیعَه المطلقه. فلا دلاله وضعیَّه لاسم الجنس عَلَیٰ الإِطْلاَق. وعلیه لا بُدَّ فِی إثبات الإِطْلاَق من قرینهٍ؛ لأَنَّ الوضع لم یؤمن لنا ولم یتعهد لنا بإفاده الإِطْلاَق. إذن، لکی نثبت الإِطْلاَق أو التَّقْیِید نحتاج إلی قرینه.

ص: 113

التَّقْیِید عاده له قرینه خاصّه، أَمَّا الإِطْلاَق فإن وجدت قرینه خاصّه تَدُلّ علیه فبها ونعم، وأمر تشخیصه بید الفقیه فِی الفقه، وهذا لَیْسَ بحثاً أصولیاً؛ لأَنَّهُ لَیْسَ عنصراً مشترکاً سیّالاً فِی جمیع الأبواب الفقهیّه، حتّی یأتی فِی علم الأصول.

أَمَّا إذا لم نجد قرینه خاصّه فحینئذٍ ینفتح باب هذا البحث وهو أَنَّهُ هل توجد قرینه عامه تفید الإطلاقَ أو لا؟ وهذا ما نبحث عنه فِی الجهه الثَّانیه.

الجهه الثَّانیه: وهی البحث عن الإِطْلاَق ومُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ، وهی القرینه العامه الَّتی یقال بموجبها تَتُِمّ دلاله اسم الجنس عَلَیٰ الطَّبِیعَه المطلقه بالخصوص؛ لأَنَّهُ لا إِشْکَال فِی أن اسم الجنس رغم أَنَّهُ لم یوضع للمطلق لٰکِنَّهُ یَدُلّ عَلَیٰ المطلق بالخصوص ویُستفاد منه الإِطْلاَق ولو فِی الجمله وضمن شروط مُعَیَّنَه سوف نذکرها.

فیقال: إن أساس هذه الدِّلاَلَه (دلاله اسم الجنس عَلَیٰ الطَّبِیعَه المطلقه) عباره عن قرینه عامه متوفره فِی کُلّ الموارد وهی الَّتی تسمی بقرینه الحِکْمَه الَّتی تقتضی الإطلاقَ.

وهناک کلام آخر فِی قِبَال هذا الکلام یقول بأن أساس هذه الدِّلاَلَه لَیْسَ عباره عن قرینه الحکمه، بعد القبول بأن اسم الجنس لم یوضع لغه للدِّلاله عَلَیٰ الطَّبِیعَه المطلقه وأن له الدِّلاَلَهُ عَلَیٰ الطَّبِیعَه المطلقه. فیقول صاحب هذا القول: بأن هذه الدِّلاَلَه لیست وضعیَّه ولیست أیضاً مستنده إلی قرینه الحکمه وإنَّما مستنده إلی أساس آخر.

إذن، هناک أساسان لإِثْبَاتِ الإِطْلاَق، ونرید معرفه هذین الأساسین ونعرف موقفنا منها والصحیح منهما. إذن، توجد فرضیتان یمکن طرحهما ابتداءً لکیفیه استفاده الإِطْلاَق من اسم الجنس، بعد الفراغ من أن اسم الجنس لَیْسَ مَوْضُوعاً لغه لِلطَّبِیعَهِ المطلقه:

الْفَرَضِیَّه الأولی: هی أن یقال إن الإِطْلاَق وإن لم یکن مدلولاً وَضْعِیّاً لاسم الجنس (کما تقدّم فِی الجهه الأولی) إلاَّ أن قرینه الحِکْمَه (الَّتی سوف نذکرها بعد ذلک) تَدُلّ عَلَیٰ الإِطْلاَق، وذلک باعتبار أن الإِطْلاَق مدلول اِلْتِزَامِیّ لقرینه الحِکْمَه.

ص: 114

وقرینه الحِکْمَه عباره عن أن یکون الْمُتِکَلِّم بصدد بیان تمام مرامه فِی شخص کلامه هذا، لا أن یکون فِی مقام بیان تمام مراده فِی مجموع کلماته المبعثره طیله عمره، وأن لا ینصب قرینه عَلَیٰ القید (طبعاً سوف نشرح هذا بکلا جزئیها مفصَّلاً).

فیقال: إن قرینه الحِکْمَه هذه، تُوَلِّدُ هذا الظُّهُور الْحَالِیّ لِلْمُتِکَلِّمِ، فِی کونه بصدد بیان تمام مرامه بکلامه، ولازم هذا الظُّهُور (الْمَدْلُول الاِلْتِزَامِیّ لهذا الظُّهُور) هو أَنَّهُ هنا أراد الطَّبِیعَه المطلقه فِی المقام. فمثلاً عندما یقول: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» فإن ظاهر حال الْمُتِکَلِّم أَنَّهُ بصدد بیان تمام مراده فِی کلامه، لازم هذا الظُّهُور هو أَنَّهُ أراد من العالم مطلق العالم؛ لأَنَّهُ لو أراد من العالم خصوص العالم العادل مثلاً، لم یکن قد بین تمام مرامه فِی کلامه؛ لأَنَّ المفروض أن تمام مراده «إکرام العالم العادل» ولٰکِنَّهُ فِی کلامه ذکر نصف هذا المراد وهو «وجوب إکرام العالم». وهذا خلاف ظاهر حال کل متکلم عُرْفِیّ یتکلم وفق النُّظُم والقوانین الْعُقَلاَئِیَّه للمحاورات لابن اللُّغَه، القاضی بأَنَّهُ حینما یفتح فمه یکون فِی مقام بیان تمام مراده، أَمَّا أَنَّهُ یرید التکلم بالألغاز فهو لَیْسَ مستحیلاً ولٰکِنَّهُ خلاف الأصل الأوّلی.

فکون الْمُتِکَلِّم تَلَفَّظَ وتکلم معناه أَنَّهُ أصبح بصدد بیان تمام مرامه للآخرین من خلال هذا الکلام. هذا الظُّهُور الْحَالِیّ یَسْتَلْزِم أن یکون تمام مرامه هو وجوب العالم مِنْ دُونِ أی قید، بحیث لو أراد المقیِّد ولم یبین القید یکون قد خالف ظاهر حاله. فنثبت الإِطْلاَق بوصفه مدلولاً اِلْتِزَامِیّاً وبوصفه من لوازم الظُّهُور الْحَالِیّ الَّذی بیّنّاه. هذا هو الأساس الأوّل فِی المقام.

الاعتراض: هناک اعتراض عَلَیٰ هذا الأساس وهذه الاستفاده (استفاده الإِطْلاَق بهذه الطَّرِیقَه) بأننا نرضخ لهذا الظُّهُور الْحَالِیّ المذکور، لکن قولکم: «إن من لوازم هذا الظُّهُور الْحَالِیّ أَنَّ الْمُتِکَلِّم أراد الإِطْلاَق ولم یرد التَّقْیِید» غیر مقبول؛ لأَنَّ الْمُتِکَلِّم یکون قد ارتکب مخالفه لهذا الظُّهُور الْحَالِیّ سواء أراد الإِطْلاَق أم أراد التَّقْیِید؛ إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. لأَنَّهُ إن أراد المقیَّد فَیَکُونُ قد خالف ظهوره الْحَالِیّ فِی أَنَّهُ فِی مقام بیان تمام مراده (وهو المقیَّد). ولو فرضنا أَنَّهُ أراد المطلق أیضاً یکون قد خالف الظُّهُور الْحَالِیّ (أی: لم یبین تمام مراده فِی الکلام)؛ لأَنَّ کلامه لم یکن إلاَّ اسم الجنس حیث قال: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» واسم الجنس لا یَدُلّ عَلَیٰ الإِطْلاَق؛ فقد فرغنا فِی الجهه الأولی من البحث عن أن اسم الجنس لا یَدُلّ لا عَلَیٰ الإِطْلاَق ولا عَلَیٰ التَّقْیِید، بل یَدُلّ عَلَیٰ ذات الْمَاهِیَّه المطلقه. إذن، لا یستفادُ الإطلاقُ من هذا الظُّهُور الْحَالِیّ. ویأتی جوابه غداً إن شاء اللٰه تعالی. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. 1738 کلمه.

ص: 115

اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

قلنا إن الْمُسْتَفَادَ من اسم الجنس حین استعماله مِنْ دُونِ القید هو الإطلاق، رغم أن اسم الجنس لم یوضع فِی اللُّغَه للماهیه مع الإِطْلاَق، وإنَّما وضع لذات الْمَاهِیَّه، مع ذلک یستفاد منه الإِطْلاَق. وقلنا إِنَّه توجد فرضیتان لاستفاده الإِطْلاَق من اسم الجنس، کلتا الفرضیتین تُسَلِّم وتقبل أن اسم الجنس لم یوضع للماهیه المطلقه، بل هی مَوْضُوع لذات الْمَاهِیَّه، لکن مع ذلک یُستفاد منه الإِطْلاَق. هَاتَانِ الفرضیتان نذکرهما تباعاً:

الْفَرَضِیَّه الأولی: هی أنَّ الإِطْلاَق یُستفاد من اسم الجنس (رغم أَنَّهُ لَیْسَ مدلولاً وَضْعِیّاً لاسم الجنس)؛ لأَنَّ هذا الإِطْلاَق مدلول اِلْتِزَامِیّ لظاهر حال الْمُتِکَلِّم القاضی بأَنَّهُ فِی صدد بیان تمام مراده بکلامه، ولازم هذا الظُّهُور الْحَالِیّ (اللاَّزِم العَقْلِیّ أو الْعُرْفِیّ) هو أَنَّهُ عندما یقول: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» مثلاً یرید من «العالم» الطَّبِیعَهَ المطلقه ولم یرد الطَّبِیعَهَ المقیّده بقید العداله أو بأی قید آخر؛ لأَنَّهُ لو کان قد أراد من قوله «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» المقیَّدَ وهو وجوب إکرام العالم العادل بالخصوص، فمعنی ذلک أَنَّهُ لم یُبَیِّن تمام مراده؛ لأَنَّ المفروض أن تمام مراده هو المقیَّد، بینما فِی کلامه أتی بلفظ یَدُلّ عَلَیٰ الْمَاهِیَّه ولم یأت بلفظ یَدُلّ عَلَیٰ التَّقْیِید (= علی العداله). إذن، لو کان قد أراد «العالم العادل» والحال أَنَّهُ قال: «العالم» فهذا معناه أَنَّهُ قد بَیَّن بکلامه بعض مراده، وهذا خلاف الظُّهُور الْحَالِیّ المتقدّم ذکره.

فإراده المقیَّد مخالفه مِن قِبَلِ الْمُتِکَلِّم لهذا الظُّهُور الْحَالِیّ، وهذا بخلاف ما إذا افترضنا أَنَّهُ أراد من قوله «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» المطلقَ، فلو کان مراده المطلق لکان یبیّن تمام هذا المراد بکلامه؛ لأَنَّ تمام مرامه حَسَبَ الْفَرْضِ هو ذات الْمَاهِیَّه، مِنْ دُونِ دخل القید، وقد أتی فِی الکلام بلفظ یَدُلّ عَلَیٰ ذات الْمَاهِیَّه، وهو اسم الجنس. فقد تقدّم فِی الجهه الأولی من البحث فهو لم یرتکب مخالفه لذات الظُّهُور الْحَالِیّ. إذن فلازم الظُّهُور الْحَالِیّ المذکور هو أن یکون الْمُتِکَلِّم قد أراد المطلق لا المقیِّد.

ص: 116

هذا هو جوهر وروح قرینه الحِکْمَه.

قلنا: إن هذا الکلام قد یُعترض علیه بأن هذا الظُّهُور الْحَالِیّ الَّذی ذکرتموه صحیح؛ إذ لا إِشْکَال فِی أن ظاهر حال کل متکلم حینما یتکلم أَنَّهُ فِی صدد بیان تمام مراده بشخص کلامه، لکِنَّنََا لا نقبل قولکم «إنَّ لازم هذا الظُّهُور الْحَالِیّ هو أَنَّهُ أراد المطلق»، فلا نقبل أن یکون الإِطْلاَق مدلولاً اِلْتِزَامِیّاً لهذا الظُّهُور الْحَالِیّ؛ لأَنَّهُ عَلَیٰ کل تقدیر (سَوَاءٌ کَانَ قد أراد المطلق أو أراد المقیِّد) لم یمش وَفق الظُّهُور الْحَالِیّ بل ارتکب مخالفه؛ لأَنَّهُ إما یرید المقیَّد وإما یرید المطلق. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی. أَمَّا عَلَیٰ الأوّل فواضح بأَنَّهُ ارتکب مخالفه، وأمّا لو کان مراده المطلق أیضاً لم یبیّن تمامَ مراده بکلامه؛ لأَنَّ تمام مراده حَسَبَ الْفَرْضِ هو الْمَاهِیَّهُ والإطلاق، بینما لم یأت فِی کلامه بما یَدُلّ عَلَیٰ الْمَاهِیَّه والإطلاق، بل أتی فِی کلامه بما یَدُلّ عَلَیٰ الْمَاهِیَّه وهو اسم الجنس، وقد فرغنا فِی الجهه الأولی من أن اسم الجنس یَدُلّ عَلَیٰ ذات الْمَاهِیَّه ولا یَدُلّ عَلَیٰ الإِطْلاَق. إذن یکون قد خالف الظُّهُور الْحَالِیّ أیضاً. إذن، ارتکب هذا الْمُتِکَلِّم مخالفه للظهور الْحَالِیّ سواء أراد التَّقْیِید أو أراد الإِطْلاَق، ومن المقطوع أَنَّهُ أراد أحدهما (المطلق أو المقیَّد) من «أَکْرِمِ الْعَالِمَ».

وعلی کل تقدیر هو ارتکب مخالفه الظُّهُور الْحَالِیّ، فکیف تقولون إن الظُّهُور الْحَالِیّ المذکور یَسْتَلْزِم عقلاً أو عرفاً أن نقول إن هذا الْمُتِکَلِّم أراد المطلق. کلا، لا یَسْتَلْزِم أن یکون قد أراد المطلق ولا یَسْتَلْزِم أن یکون أراد المقیِّد، بل یَسْتَلْزِم أن یکون قد أراد ذات الْمَاهِیَّه. هذا هو الاعتراض.

بالإمکان التَّخلُّص من هذا الاعتراض بأحد هذه الأجوبه بنحو الترتیب:

ص: 117

الجواب الأوّل: أن نقول إن الظُّهُور الْحَالِیّ (الَّذی تمسکنا بدلالته الاِلْتِزَامِیَّه وَقُلْنَا: إِنَّ مدلوله الاِلْتِزَامِیّ هو الإِطْلاَق) المتقدّم ذکره ما هو بالتحدید؟ فهو بالتحدید عباره عن کون الْمُتِکَلِّم بصدد بیان تمام مراده ومرامه، ونقصد بالمَرام والمراد الملحوظ والمتصوَّر والمرئی لهذا الْمُتِکَلِّم. أی: ما وقع تحت لحاظه وتصوره وما رآه. وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ الْمُتِکَلِّم لو کان قد أراد من قوله «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» المطلقَ، فَیَکُونُ ملحوظه فِی هذه الصُّورَه هو ذات الْمَاهِیَّه؛ فَإِنَّ الإِطْلاَق کیفیَّه اللِّحَاظ والرؤیه، ولیس دخیلاً فِی الملحوظ والمرئی، بل المرئی بالرؤیه الإطلاقیه هو ذات الْمَاهِیَّه (کما تقدّم شرحه سابقاً). أی: هذه الکیفیات الثَّلاثه الآنفه الذکر (اللابشرط الْقِسْمِیّ والبشرط شیء، والبشرط لا) هذه کَیفِیَّات لرؤیه الْمَاهِیَّه ولحاظها، أَمَّا الملحوظ فهو ذات الْمَاهِیَّه.

إذن، إن خُصُوصِیَّه الإِطْلاَق لا تدخل فِی المرئی والملحوظ، بینما نحن مقصودنا من «المراد» فِی الظُّهُور الْحَالِیّ المتقدّم ذکره (حیث قلنا إن ظاهر حال کل متکلم أَنَّهُ بصدد بیان کل مراده) هو ملحوظه ومتصوَّره، لا کل ما هو موجود فِی ذهنه؛ فَإِنَّه إن أراد الْمُتِکَلِّم المطلقَ فیوجد فِی ذهنه شیئان: 1- ذات الْمَاهِیَّه. و2- کیفیه لحاظ هذه الْمَاهِیَّه (وهی کیفیَّه اللابشرطیه). ولکننا لا نقصد بالمراد والمرام کل ما هو موجود فِی ذهن الْمُتِکَلِّم وتصوَّره ولاحظه، لا الشَّیْء الملحوظ فِی ذهنه وَالَّذِی لَیْسَ ملحوظاً له کنفس اللِّحَاظ والرؤیه مع أَنَّهُ أمر ذهنی ولٰکِنَّهُ لا یدخل فِی المقام.

فحینئذٍ بناء عَلَیٰ هذا المبنی وهو الصَّحِیح (حیث قلنا فِی اللابشرط الْقِسْمِیّ إِنَّهُ عباره عن أن تلحظ الْمَاهِیَّه ولا تلحظ معها قیداً، فالملحوظ فِی اللابشرط الْقِسْمِیّ هو الْمَاهِیَّه ذاتها، ولا یوجد شیء آخر زائد عَلَیٰ ذات الْمَاهِیَّه). فلو قال: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» ودار الأمر بَیْنَ أَنْ یَّکُونَ قد أراد المطلق أو أراد المقیَّد نقول: إذا کان قد أراد المقیَّد فمعنی ذلک أَنَّهُ وقع تحت نظر الْمُتِکَلِّم ولحاظه شیئان: ذات الْمَاهِیَّه، والقید (قید العداله مثلاً)، فملحوظه ومتصوَّره شیئان، أَمَّا هی فواحده.

ص: 118

أَمَّا لو افترضنا أَنَّهُ أراد المطلق (ولاحظ الْمَاهِیَّهَ بنحو اللابشرط الْقِسْمِیّ)، فَیَکُونُ ملحوظه هو ذات الْمَاهِیَّه، ولم یقع تحت ملحوظه شیئان. فالأمر دائر بَیْنَ أَنْ یَّکُونَ ملحوظه ومتصوره شَیْئَیْنِ (ذات الْمَاهِیَّه والقید) وبین أن یکون ملحوظه ومتصوره شیئاً واحداً وهو ذات الْمَاهِیَّه.

فإن کان قد أراد الأوّل (أی: المقیِّد) إذن هو لم یبین تمام ملحوظه ومراده بکلامه، ویکون مخالفاً للظهور الْحَالِیّ؛ لأَنَّ الظُّهُور الْحَالِیّ کان عباره عن کونه بصدد بیان تمام مراده وملحوظه ومتصوَّره بکلامه، والمفروض أن متصوره وملحوظه شیئان: الْمَاهِیَّه والقید. فَیَکُونُ قد بین الْمَاهِیَّه مِنْ دُونِ القید، وهذا هو المخالفه لظهوره الْحَالِیّ.

وهذا بخلاف ما إذا فرضنا أَنَّهُ أراد المطلق؛ فَإِنَّ ما تصوّره فِی المطلق هو ذات الْمَاهِیَّه، وقد أتی بلفظ یَدُلّ عَلَیٰ ذات الْمَاهِیَّه. وهذا هو المطلوب ولا نطالب الْمُتِکَلِّم بشیء أکثر من هذا وهو الإتیان بلفظ یَدُلّ عَلَیٰ تمام مراده ومقصوده، والمقصود من المراد والمقصود هو المتصوَّر والملحوظ، ولیس کل شیء یوجد فِی ذهنه. وخُصُوصِیَّه الإِطْلاَق کیفیَّه من کَیفِیَّات اللِّحَاظ ولا تقع تحت اللِّحَاظ؛ لأَنَّ الإطلاق عندنا لم یکن إلاَّ عباره عن أن تلحظ الْمَاهِیَّه فقط. فتمام المراد هو ذات الْمَاهِیَّه وقد أتی بلفظ یَدُلّ عَلَیٰ ذات الْمَاهِیَّه، فلم یرتکب مخالفه فیما لو فرضنا أَنَّهُ أراد المطلق. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی. فلیس الأمر کما تَوَهُّمه صاحب الإشکال أَنَّهُ عَلَیٰ کلا التقدیرین خالف الْمُتِکَلِّم الظُّهُور الْحَالِیّ؛ فإِنَّهُ عَلَیٰ تقدیر أن یکون أراد المقیَّد یکون قد خالف الظُّهُور الْحَالِیَّ؛ لأَنَّ مراده وملحوظه شیئان ولٰکِنَّهُ أتی بلفظ یَدُلّ عَلَیٰ أحد الشیئین فقط.بینما عَلَیٰ فرض أن یکون أراد المطلق لا یکون قد خالف الظُّهُور الْحَالِیّ حیث أتی بلفظ یَدُلّ عَلَیٰ تمام ملحوظه؛ لأَنَّ تمام ملحوظه (عندما یرید المطلق) هو الْمَاهِیَّه ذاتها؛ لأَنَّ هذا هو معنی الإِطْلاَق؛ فإن الإِطْلاَق هو أن تلحظ الْمَاهِیَّه فقط.

ص: 119

إذن، فنرجع مرّهً أخری إلی ما قلناه من أن الظُّهُور الْحَالِیّ المذکور یَسْتَلْزِم أن یکون قد أراد الإِطْلاَق. فلم تنخرم الملازمه (بَیْنَ أَنْ یَّکُونَ قد بین تمام مرامه وبین أن یکون أراد المطلق) بهذا الإشکال.

هذا هو الجواب الأوّل، وهو جواب صحیح عَلَیٰ مبنانا المتقدّم فِی تفسیر «اللابشرط الْقِسْمِیّ» حیث قلنا بأَنَّهُ عباره عن لحاظ الْمَاهِیَّه وعدم لحاظ شیء آخر معه؛ لأَنَّهُ وَفقاً لهذا المبنی لا تقع خُصُوصِیَّه الإِطْلاَق تحت لحاظ الْمُتِکَلِّم، لَیْسَ الإِطْلاَق أن تلحظ الْمَاهِیَّه وتلحظ الإِطْلاَق (أی: أن تلحظ عدم القید)، بل حقیقه الإِطْلاَق عندنا عباره عن أن تلحظ الْمَاهِیَّه ولا تلحظ معها شیء. فبناء عَلَیٰ هذا المبنی یَتُِمّ هذا الجواب؛ لأَنَّ الأمر دائر بَیْنَ أَنْ یَّکُونَ قد لاحظ الْمَاهِیَّه ولاحظ قیداً، وبین أن یکون قد لاحظ الْمَاهِیَّه مِنْ دُونِ أی قید. فإن أراد الأوّل لا یکون قد بیّن کلَّ ما أراده بکلامه، وإن أراد الثَّانِی یکون قد بیَّن تمام مراده بکلامه.

أجل، بناء عَلَیٰ مبنی السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله القائل بأن الإِطْلاَق (وهو اللابشرط الْقِسْمِیّ عنده) عباره عن شَیْئَیْنِ: أن تلحظ الْمَاهِیَّه وأن تلحظ عدم دخل القید، ومن هنا أصبح الإِطْلاَق والتقیید عنده أَمْرَیْنِ وجودیین (لحاظُ عدم دخل القید ولحاظ القید). وحینئِذٍ سواء أراد الْمُتِکَلِّم المطلق أم أراد المقیِّد، فما وقع تحت لحاظه شیئان:

أ) - عَلَیٰ تقدیر أن یکون مراده المقیَّد فواضح أَنَّهُ وقع تحت لحاظه أَمْرَانِ: 1- ذات الْمَاهِیَّه و 2- القید، بینما أتی فِی کلامه بلفظ یَدُلّ عَلَیٰ ذات الْمَاهِیَّه، فَیَکُونُ کلامه ناقصاً ولا یکون مبیِّناً تمامَ مرامه بکلامه، وهذا خلاف الظُّهُور الْحَالِیّ.

ب) - وعلی تقدیر أن یکون قد أراد المطلق فأیضاً وقع تحت لحاظه شیئان: 1- ذات الْمَاهِیَّه و2- لحاظ عدم القید (= الإِطْلاَق)، بینما ما أتی فِی کلامه بما یَدُلّ عَلَیٰ ذات الْمَاهِیَّه فقط. فیأتی الإشکال عَلَیٰ مبنی السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله ولا یَتُِمّ هذا الجواب الأوّل. أی: یجب أن یفتش السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله عن جواب آخر عن هذا الإشکال.

ص: 120

الجواب الثَّانِی: هو أن نقول إنَّنا نسلّم بأن الإِطْلاَق کما یقول السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله عباره عن لحاظ الماهیه ولحاظ عدم القید، مع ذلک هذا الإشکال المتقدّم هنا غیر تامّ؛ وذلک لأَنَّنَا مع ذلک نقول هذا المتکلم لو أراد المقیِّد خالف الظُّهُور الْحَالِیّ ولٰکِنَّهُ لو أراد المطلق لم یخالف ظهوره الْحَالِیّ الْمُسْتَلْزَم بأَنَّهُ أراد المطلق؛ وذلک بأن نَقُول: إِنَّ هذا الظُّهُور الْحَالِیّ (الَّذی نرید أن نتمسک بدلالته الاِلْتِزَامِیَّه عَلَیٰ إراده الإِطْلاَق) تحدیداً عباره عن کون الْمُتِکَلِّم بصدد بیان تمام مرامه. ونقصد ب_«المرام» المراد الْجِدِّیّ، لا المراد الاستعمالیّ والتّصوّریّ. ظاهر حال کل متکلم عُرْفِیّ وعاقل هو أَنَّهُ بصدد بیان تمام مرامه الْجِدِّیّ، لا تمام ما تصوّره وإن لم یرده جِدّاً؛ فقد یتصوّر الْمُتِکَلِّم أمورا لٰکِنَّهَٰا غیر داخله فِی مراده الْجِدِّیّ، فلا یکون حال الْمُتِکَلِّم ظاهراً فِی أَنَّهُ بصدد بیان هذه الأُمُور، بل ظاهر حال الْمُتِکَلِّم الْعُرْفِیّ أَنَّهُ بصدد بیان تمام مراده الْجِدِّیّ من کلامه، وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ خُصُوصِیَّه الإِطْلاَق حتّی عَلَیٰ مبنی السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله (الَّذی عم نحکی عَلَیٰ مبناه فِی هذا الجواب الثَّانِی) داخله تحت اللِّحَاظ والتصوّر (لأَنَّ الإِطْلاَق عنده عباره عن أن تلحظ الْمَاهِیَّه وتلحظ معها رفضَ القید)، لٰکِنَّهَٰا قَطْعاً غیر داخله فِی المراد الْجِدِّیّ لِلْمُتِکَلِّمِ. أی: حتّی السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله یقبل ویسلّم بأن خُصُوصِیَّه الإِطْلاَق وإن کانت ملحوظه للإنسان عندما یرید المطلق؛ لأَنَّهُ لاحظ الْمَاهِیَّه ولاحظ عدم القید. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. أَمَّا فِی مرحله الْمَدْلُول التَّصدیقیّ الْجِدِّیّ لِلَّفْظِ الَّتی هی مرحله الإسناد وجعل الحکم لا یمکن أَنْ تَکُونَ خُصُوصِیَّه الإِطْلاَق داخله ضمن المراد والمدلول التَّصدیقیّ الْجِدِّیّ من اللَّفظ؛ لأَنَّهُ یَسْتَلْزِم أن یکون الحکم مجعولاً لا عَلَیٰ هذا الْمَوْضُوع بما هو فانٍ فِی الخارج، بل مجعولاً عَلَیٰ هذا الْمَوْضُوع بما هو مطلق ومجرّد عن القید؛ لأَنَّ الملحوظ والمتصور هو هذا (وَفقاً لمبناه)، وهذا لازم فاسد. أی: من الواضح أَنَّهُ لَیْسَ من أفراد هذا الْمَوْضُوع فِی الخارج ما یکون مطلقاً ومجرداً عن القید، بینما قَطْعاً هو یقصد من الْمَوْضُوع ما له فرد فِی الخارج حتّی یمکن إکرامه، وإلا فإن الإنسان المطلق غیر موجود فِی الخارج حتّی نکرمه. وکذلک الأمر فِی قوله: {أحل اللٰه البیع}، فلو فرضنا أن الإِطْلاَق داخل فِی المراد الْجِدِّیّ للآیه الکریمه، فَیَکُونُ معناها: «أحل اللٰه البیع المطلق»، ولکن أین البیع المطلق خارجاً؟ فمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ البیع الخارجیّ لا یکون مطلقاً، بل إما یکون بشرط شیء (کالبلوغ) أو بشرط لا.

ص: 121

إذن، خُصُوصِیَّه الإِطْلاَق عَلَیٰ فرض إراده المطلق وإن کانت داخله تحت اللِّحَاظ عَلَیٰ رأی السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله، لٰکِنَّهَٰا لیست داخله تحت المراد الْجِدِّیّ، بینما الظُّهُور الْحَالِیّ الَّذی شرحناه عباره عن ظهور حال الْمُتِکَلِّم أَنَّهُ بصدد بیان تمام مراده الْجِدِّیّ، لا تمام ما هو فِی ذهنه وما هو متصوَّر له.

فلو أراد المطلق یکون مراده الْجِدِّیّ هو ذات الْمَاهِیَّه (ماهیَّه البیع) وقد أتی بلفظ یَدُلّ عَلَیٰ ذات الْمَاهِیَّه وهو اسم الجنس الدَّالّ عَلَیٰ ذات الْمَاهِیَّه، ومراده الْجِدِّیّ ذات الْمَاهِیَّه أیضاً حتّی عَلَیٰ رأی السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله، ولیس ذات الْمَاهِیَّه مع الإِطْلاَق؛ لأَنَّه بناء عَلَیٰ مبناه یکون الإِطْلاَق مراداً تصوُّریّاً واستعمالیّاً ولیس مراداً جدیّاً وإن لم یکن عَلَیٰ مبنانا مراداً تصوُّریّاً حتّی فضلاً عن أن یکون مراداً جدیّاً.

إذن، إذا لاحظ ما هو موضوع الحکم جِدّاً، فالأمر دائر بین الأَقَلّ والأکثر: إمّا أن مراده الْجِدِّیّ عباره عن الْمَاهِیَّه مع القید (البیع + البلوغ) وإما أن یکون مراده شیئاً واحداً وهو الْمَاهِیَّه (=البیع). نعم إن مراده التَّصوُّریّ الاستعمالیّ حتّی فِی الفرض الثَّانِی عباره عن ماهیَّه البیع مع الإِطْلاَق، لٰکِنَّهُ مراد تصوُّریّ، ولٰکِنَّهُ لَیْسَ ما کان الْمُتِکَلِّم بصدد بیان تمامه؛ فإِنَّهُ کان بصدد بیان تمام مراده الْجِدِّیّ، فهو لم یرتکب مخالفهً لهذا الظُّهُور الْحَالِیّ، حتّی لو بنینا عَلَیٰ مبنی السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله.

إذن هذا هو الجواب الثَّانِی عن الإشکال، وهو جواب یَتُِمّ عَلَیٰ کل المبانی، سواء عَلَیٰ مبنانا أم عَلَیٰ مبنی السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. 2025 کلمه.

اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

ص: 122

العنوان: اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

قلنا إن استفاده الإطلاق من اسم الجنس بعد الفراغ عن أن اسم الجنس لَیْسَ موضوعاً لِلطَّبِیعَهِ المطلقه (فالإطلاق لا یُستفاد من الدِّلاَلَه الوضعیَّه للکلمه) توجد فرضیتان لاستفاده الإِطْلاَق من اسم الجنس، کُنَّا نتکلّم فی الفرضیه الأولی منهما، وهی الْفَرَضِیَّه القائله بأن الإِطْلاَق إِنَّمَا یستفاد من اسم الجنس باعتبار أن هذا الإِطْلاَق مدلول اِلْتِزَامِیّ لظهور حالیٍّ لِلْمُتِکَلِّمِ، هذا الظُّهُور مفاده هو أن الْمُتِکَلِّم عاده بصدد بیان تمام مراده بکلامه. لازم هذا الظُّهُور العَقْلِیّ أو الْعُرْفِیّ هو أَنَّهُ أراد المطلق؛ لأَنَّهُ لو أراد المقیِّد کان معناه أَنَّهُ لم یبیّن بکلامه تمام مراده، بل بیّن بکلامه قسماً من مراده، وسکت عن قسم آخر من کلامه، وهذا خلاف ظاهر حاله.

وقد واجه هذا الظُّهُور الْحَالِیّ (الَّذی أردنا أن نستفید منه الإِطْلاَق) مشکلهً واعتراضاً یقول بأن الْمُتِکَلِّم عَلَیٰ کل حال لم یمش وفق هذا الظُّهُور الْحَالِیّ، سواء أراد المطلق أم أراد المقیَّد؛ لأَنَّهُ إن أراد المقیِّد فواضح أَنَّهُ لم یبین کل هذا المقیَّد فِی کلامه، وإن أراد المطلق أیضاً لم یبیّن المطلق فِی کلامه، بل بَیَّن فِی کلامه اسمَ الجنس وهو لا یَدُلّ عَلَیٰ المطلق، بل یَدُلّ عَلَیٰ الطَّبِیعَه (لا عَلَیٰ الطَّبِیعَه المطلقه). فلا الإِطْلاَق بینه فِی کلامه ولا التَّقْیِید، إذن لم یبین تمام مراده بکلامه، فکنا بصدد معالجه هذه المشکله والإجابه عنها.

ذکرنا جوابین ألخصهما فِی سطر:

یرید کلا الجوابین أن یقول: إنَّ هذا الظُّهُور الْحَالِیّ الَّذی بیّناه وهو ظهور حال الْمُتِکَلِّم فِی کونه بصدد بیان تمام مراده، المقصود من «مراده» یعنی: ما تصوّره فِی ذهنه وأراده جِدّاً. فظاهر حال الْمُتِکَلِّم هو أَنَّهُ بصدد بیان ما تصوّره وأراده جِدّاً.

ص: 123

فالجواب الأوّل عَلَیٰ هذا الأساس یقول: إن الْمُتِکَلِّم لم یتصوّر الإطلاقَ، فلو أراد المقیَّد لم یبیّن تمامَ ما تصوّره؛ لأَنَّ تمام ما أراده هو الْمَاهِیَّه مع القید، ولو أراد المطلق بین تمام ما أراده؛ لأَنَّ تمام ما أراده هو ذات الْمَاهِیَّه، وذات الْمَاهِیَّه هی الْمُتَصَوَّرَه، أَمَّا إطلاقها فلیس داخلاً تحت التَّصَوُّر. هذا هو الجواب الأوّل الَّذی قلنا إِنَّه جواب صحیح.

فبناء عَلَیٰ إرادته المطلق، لا یکون مخالفاً لظهور حاله، أَمَّا إذا أراد المقیَّد فتمام متصوَّره هو الْمَاهِیَّه مع القید، فلم یبیِّن تمامَ ما تصوّره، فَیَکُونُ قد خالف ظهور حاله.

والجواب الثَّانِی: کان یقول: حتّی لو فرضنا أن الإِطْلاَق یدخل تحت التَّصَوُّر، لٰکِنَّهُ لا یدخل تحت المراد الْجِدِّیّ قَطْعاً، فَحَتَّی لو فرضنا أن الإِطْلاَق عباره عن لحاظ عدم القید - کما یقوله السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله - ولٰکِنَّهُ لَیْسَ هو المراد الْجِدِّیّ لِلْمُتِکَلِّمِ، وإنَّما مراده الْجِدِّیّ هو ذات الْمَاهِیَّه. فلو أراد المطلق یکون مراده الْجِدِّیّ هو ذات الْمَاهِیَّه، وکلامه وافٍ ببیان ذات الْمَاهِیَّه (کلامه اسم الجنس، واسم الجنس وافٍ ببیان ذات الْمَاهِیَّه)، فلم یزد مراده الْجِدِّیّ عَلَیٰ کلامه. أی: بیَّنَ کل مراده الْجِدِّیّ بکلامه، وقد بیّنها من خلال اسم الجنس.

بخلاف ما إذا فرضنا أَنَّهُ أراد المقیَّد؛ فَإِنَّ فی مثل: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» یکون مراده الْجِدِّیّ «العالم العادل» بینما کلامه غیر وافٍ بهذا المراد, فلم یبین تمام مراده بکلامه. أی: خالف الظُّهُور الْحَالِیّ، فالظهور الْحَالِیّ یَسْتَلْزِم أَنَّهُ أراد المطلق. هذا هو الجواب الثَّانِی.

الجواب الثَّالث بعد فرض التنزل عن الجوابین الأولین، وبعد فرض أن یقال إِنَّنّا تنزلنا عن الجواب الأوّل القائل بأن الإِطْلاَق غیر داخل تحت اللِّحَاظ والتصوّر، بل قلنا بأن اللِّحَاظ لَیْسَ کیفیَّه فِی اللِّحَاظ کما یقول به السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله، وتنزلنا عن الجواب الثَّانِی أیضاً القائل بأن الإِطْلاَق لَیْسَ داخلاً فِی المراد الْجِدِّیّ، مع ذلک نرید أن نقول: إذا دار الأمر بَیْنَ أَنْ یَّکُونَ الْمُتِکَلِّم أراد بقوله: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» المطلق أو أراد المقیَّد، فإذا دار الأمر بینهما یمکننا أن نقول بأَنَّهُ أراد المطلق لا المقیَّد. ونعین ذلک بالظهور الْحَالِیّ الَّذی ذکرناه لکن بالاستعانه إلی الظُّهُور القائل بعدم وجود مؤونه زائده، وذلک بالقول بأن من الصَّحِیح أن هذا الْمُتِکَلِّم سواء فرضناه أَنَّهُ یرید المقیَّد فَیَکُونُ مراده أزید من کلامه؛ لأَنَّ کلامه عباره عن «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» ولکن مراده عباره عن إکرام العالم العادل.

ص: 124

ولو أراد المطلق یکون مراده أزید من کلامه؛ لأَنَّ کلامه «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» بینما مراده الْجِدِّیّ هو «أَکْرِمِ الْعَالِمَ المطلق» حَسَبَ الْفَرْضِ، فعلی کل تقدیر، سواء أراد المقیَّد أم أراد المطلق (والإطلاق عباره عن لحاظ عدم القید) یکون قد أراد شیئاً زائداً عَلَیٰ ما یَدُلّ علیه اسم الجنس وَالَّذِی یَدُلّ عَلَیٰ ذات الْمَاهِیَّه (إما ذات الْمَاهِیَّه مع عدم لحاظ القید أو لحاظ الْمَاهِیَّه مع لحاظ عدم القید).

إذن، توجد زیاده فِی کُلّ من المطلق والْمُقَیَّد، ولکن زیاده المطلق أقل وزیاره المقیَّد أکثر؛ لأَنَّ المقیَّد عباره عن لحاظ الْمَاهِیَّه مع لحاظ وجود القید، بینما المطلق زیادته أقل فِی نظر العرف (الَّذی هو المحکّم فِی الظهورات)؛ لأَنَّهُ لا یَسْتَلْزِم تلک المؤونه الزائده فِی المقیَّد. فلو دار الأمر بینهما یکون الأصل عدم تلک المؤونه الزائده فِی المقیَّد.

إذن، بضمیمه أصاله عدم المؤونه الزائده (وَالَّتِی هی من الأُصُول الْعُقَلاَئِیَّه أیضاً) مع ضمه إلی ذاک الظُّهُور الْحَالِیّ الَّذی یَقُولُ: إِنَّهُ بیَّن تمامَ مراده بکلامه، هو أَنَّهُ بیّن المطلقَ بکلامه؛ لأَنَّهُ لو کان قد أراد المطلق لکان لاحظ الْمَاهِیَّه ولاحظ عدم القید، أَمَّا معنی أَنَّهُ یرید المقیَّد أَنَّهُ لاحظ الْمَاهِیَّه ولاحظ وجود القید. والعرف یری أن مؤونه الثَّانیه أثقل من الأوّل، فینصرف إلی الأوَّل، إلاَّ أَنْ تَکُونَ هناک قرینه عَلَیٰ الثَّانِی وحینئِذٍ یصبح مقیَّداً. وعلی أی حال نصل إلی الإِطْلاَق الَّذی نریده.

هذه أجوبه ثلاثه عَلَیٰ هذا الإشکال الَّذی کان یستهدف الْفَرَضِیَّه الأولی القائله بإمکانیه استفاده الإِطْلاَق من اسم الجنس بمؤونه الظُّهُور الْحَالِیّ الَّذی یقول إن ظاهر حال الْمُتِکَلِّم دائماً فِی أَنَّهُ بصدد بیان تمام مراده فِی کلامه. إذن، ارتفع الإشکال فسَلُمَتْ الْفَرَضِیَّه الأولی من الإشکال، وهذه الْفَرَضِیَّه هی الصحیحه وَالَّتِی نتبنّاها.

ص: 125

ومن هنا وقبل أن ننتقل إلی الْفَرَضِیَّه الثَّانیه، تبیّنت النُّکْتَه المتکرره فِی البحوث السَّابِقَه من أن «الإِطْلاَق مدلولٌ تصدیقی للکلام ولیس مدلولاً تصوُّریّاً للکلام»؛ لأَنَّنَا عرفنا من خلال هذا البحث الَّذی انتهینا منه الآنَ؛ لأَنَّنَا عرفنا من خلاله أن الإِطْلاَق هو فرع الظُّهُور الْحَالِیّ الَّذی ذکرناه (أی: مدلول اِلْتِزَامِیّ لهذا الظُّهُور الْحَالِیّ)، وهذا الظُّهُور یعیِّن الْمَدْلُول التَّصدیقیّ الْجِدِّیّ لِلْمُتِکَلِّمِ. أی: ظاهر حال الْمُتِکَلِّم هو أَنَّهُ بیّن بکلامه مرادَه الْجِدِّیّ (أی: محور هذا الظُّهُور هو المراد الْجِدِّیّ لِلْمُتِکَلِّمِ). فهو ظهور ناظر إلی عالم الواقع وعالم الجد، ولیس إلی الْمَدْلُول التَّصوُّریّ. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی. أی: یقول هذا الْمُتِکَلِّم الَّذی أتی باسم الجن: لَیْسَ فِی مراده الْجِدِّیّ ما یزید عَلَیٰ ما یَدُلّ علیه اسم الجنس، بل کل ما یَدُلّ عَلَیه اسم الجنس هو مراده الْجِدِّیّ، وقد بیّنا معنی «اسم الجنس» فِی الجهه الأولی من أن معنی اسم الجنس هو ذات الْمَاهِیَّه. فالإطلاق من شؤون المراد الْجِدِّیّ للکلام دائماً.

وهذا بخلاف ما إذا قلنا: إن الإِطْلاَق مأخوذ فِی المعنی الوضعیّ لاسم الجنس (طبعاً إِنَّنّا لم نقل به ولا نعهد أن أحد الأُصُولِیِّینَ قال به) ولکن لو قال به أحد فیصبح الإِطْلاَق من الْمَدْلُول التَّصدیقیّ للکلام ولیس تصوُّریّاً؛ لأَنَّ الوضع هو الَّذی یُحَدِّدُ المدالیل التَّصوُّریّه للکلمات. أَمَّا الَّذی یُحَدِّدُ وَیُعَیِّنُ المرادات الجدّیَّه للمتکلمین عباره عن الظهورات الحالیه للمتکلمین، ومنها هذا الظُّهُور الْحَالِیّ.

هنا قد یقال: بأن الوجدان یحکم ویقضی بأن الإِطْلاَق مدلول تصوُّریّ للکلام، ولیس مدلولاً تَصْدِیقِیّاً له؛ لأَنَّنَا إذا سمعنا جمله ﴿أحل اللٰه البیع﴾ وحسبنا حساب الصُّورَه الذِّهْنِیَّه التَّصوُّریَّه الَّتی ترد إلی ذهننا عند سَمَاع هذه الجمله، فمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ ما ینطبع وینتقش فِی ذهننا هو صوره ذهنیه عن ماهیَّه البیع مِنْ دُونِ لحاظ أی قید زائد، وهذا هو الإِطْلاَق. فهو کان عباره عن الْمَاهِیَّه مِنْ دُونِ لحاظ أی شیء، إذن فقد أتت إلی ذهننا صوره الْمَاهِیَّه المطلقه. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. فالإطلاق أصبح مدلولاً تصوُّریّاً للکلام، ولیس مدلولاً تَصْدِیقِیّاً؛ لأَنَّهُ بمجرّد أن نسمع هذا اللَّفظ یأتی إلی ذهننا صوره ماهیَّه مِنْ دُونِ قید، وَالْمَاهِیَّه مِنْ دُونِ قید هو الإِطْلاَق، وَاللاَّبِشَرْطِ الْقِسْمِیّ.

ص: 126

فما قلتموه وکررتموه مراراً فِی حنایا علم الأصول من أن الإِطْلاَق مدلول تصدیقی للکلام لَیْسَ إلاَّ خطأ وذلک بحکم الوجدان؛ لحضور هذه الصُّورَه إلی الذِّهْن بمجرّد سَمَاع هذا اللَّفظ من أی مصدر، سواء سمعناه من اللافظ الشاعر أم من اصطکاک حجر بحجر، وسواء کان اللافظ شَاعِراً أم نائما، وسواء کان هذا اللافظ الشاعر جادّاً أم کان هازلاً، فالإطلاق مدلول تصوُّریّ للکلام ولیس مدلولاً تَصْدِیقِیّاً. هذا ما قد یقال.

الرَّدّ: إلاَّ أن هذا الکلام فیه من الخطأ والاشتباه ما لا یخفی، فلا بُدَّ من توضیح الخطأ فیه، وحاصل الجواب عن هذا الإشکال هو:

أن ما قلتموه صحیح؛ إذ لا شکّ فِی أَنَّ الصُّورَه الذِّهْنِیَّه الَّتی تحضر فِی ذهن السَّامِع عند سَمَاعه اسم الجنس (من أی مصدر کان) عباره عن صوره الْمَاهِیَّه مِنْ دُونِ قید، وهی الْمَاهِیَّه المطلقه، بناء عَلَیٰ ما بنینا علیه من أن الإِطْلاَق هو عدم لحاظ القید. لکن هذا کُلّه لا یعنی أن هذه الصُّورَه المطلقه الَّتی جاءت إلی ذهننا بعد سَمَاع لفظ «البیع» أتت کُلّهَا بتأثیر من لفظ «البیع»، بعد الاعتراف بمجیء هذه الصُّورَه المطلقه بعد سَمَاع لفظ «البیع» إلی الذِّهْن، ولکن هل کان السَّبَب لحضور کل هذه الصُّورَه إلی الذِّهْن لفظ «البیع»؟ لأَنَّ فِی هذه الصُّورَه عنصران:

الأوّل: عنصر ذات الْمَاهِیَّه.

الثَّانِی: عنصر عدم القید.

ومجموع هذین العنصرین شکّلا الصُّورَه المطلقهَ. فهل أتی مجموع هذین العنصرین إلی الذِّهْن بسبب لفظ ﴿البیع﴾؟ أو العنصر الأوّل فقط؟

هذا ما نرید أن نُؤَکِّد علیه ونقول: الَّذی سبَّبَ مجیء العنصر الأوّل إلی الذِّهْن، هو لفظ ﴿البیع﴾؛ لأَنَّهُ وُضع فِی اللُّغَه لذات الْمَاهِیَّه والوضع هو الَّذی یُحَدِّدُ الدلالات التَّصوُّریَّه. فالوضع سبب لدلاله لفظ البیع تصوُّراً عَلَیٰ ذات الْمَاهِیَّه.

ص: 127

أَمَّا العنصر الثَّانِی وهو «عدم القید» فهل أتی إلی الذِّهْن بسبب لفظ ﴿البیع﴾؟ کلا، بل کان سببه عدم وجود لفظ یَدُلّ عَلَیٰ القید؛ لأَنَّ وجود لفظ یَدُلّ عَلَیٰ القید علهٌ لتصوّر القید، وعدم العلّه علّه لعدم المعلول. فإذا ذکرت القید فِی الکلام یکون هذا علّه لتصوّر القید، وإذا لم یذکر قید فِی الکلام فَسَوْفَ یکون عدم ذکر القید علّه لعدم تصوّر القید وعدم لحاظه.

إذن، لَیْسَ سبب العنصر الثَّانِی هو لفظ ﴿البیع﴾، بل سببه عدم وجود لفظ یَدُلّ عَلَیٰ القید، ولطالما أن سبب العنصر الثَّانِی لَیْسَ هو لفظ البیع فکیف یمکننا أن نقول: هذه الصُّورَه المطلقه بمجموعها مدلول تصوُّریّ لِلَّفْظِ البیع. فإن نصف هذه الصُّورَه المطلقه مدلول تصوُّریّ لِلَّفْظِ ﴿البیع﴾، ونصفها الآخر معلول لعلّته التَّکْوِینِیَّه ولیس له علاقه بلفظ البیع، وعلته التَّکْوِینِیَّه هی عدم وجود القید فِی الکلام. فالإطلاق لَیْسَ مدلولاً تصوُّریّاً لِلَّفْظِ ﴿البیع﴾. وتأتی تتمه البحث وتوضیحه غداً إن شاء اللٰه تعالی. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. 1602 کلمه.

اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

قلنا إن الإِطْلاَق مدلول تصدیقی للکلام، ولیس مدلولاً تصوُّریّاً له، وشرحنا هذا المطلب بالأَمْسِ وذکرنا اعتراضاً عَلَیه أیضاً بأنَّ الإطلاق لَیْسَ مدلولاً تَصْدِیقِیّاً للکلام بل هو مدلول تصوُّریّ، وذلک بحکم الوجدان القاضی بأننا بمجرّد سَمَاعنا «البیع» فِی قوله «البیع حلال» أو «البیع نافذ» مثلاً، تنتقش فِی ذهننا صورهٌ عن ماهیَّه «البیع» مِنْ دُونِ أی قید زائد علیها، حتّی إذا سمعنا هذا اللَّفظ من لافظ غیر جاد کالإنسان الهازل بل حتّی إذا سمعنا هذا اللَّفظ من لافظ لَیْسَ فقط لا إراده جدیه له، بل لا شعور ولا التفات له کالنائم والساهی، بل حتّی لو سمعنا هذا اللَّفظ من غیر لافظ کالحجر، وعلی أی حال تأتی إلی ذهننا صوره ذهنیه عن الْمَاهِیَّه «البیع» مِنْ دُونِ قید، بواسطه سَمَاعه من أی مصدر کان، وهذا هو الإِطْلاَق؛ فقد تقدّم أن الإطلاق عباره عن لحاظ الْمَاهِیَّه مِنْ دُونِ لحاظ قید معها (خلافاً لِلسَّیِّد الأستاذ الخوئیّ رحمه الله الَّذی ذهب إلی أن الإِطْلاَق هو لحاظ الْمَاهِیَّه مع لحاظ عدم القید)، وهذه الصُّورَه الذِّهْنِیَّه الَّتی تأتی إلی الذِّهْن بمجرّد سَمَاع لفظ «البیع» هی الصُّورَه المطلقه. إذن أصبح الإِطْلاَق مدلولاً تصوُّریّاً لِلَّفْظِ بلا حاجه إلی المراد الْجِدِّیّ.

ص: 128

إذن، فالإطلاق مدلول تصوُّریّ لِلَفْظِ البیع، وکیف قلتم: الإِطْلاَق مدلول تصدیقی منوط بالإراده الجدّیَّه؟

الجواب عن هذا الإشکال هو أن هذه الصُّورَه الحاضره فِی الذِّهْن عند سَمَاع لفظ البیع من أی مصدر کان، وإن صَحَّ أنَّها صوره الْمَاهِیَّه المطلقه - کما قلتم - بحکم الوجدان، لکن بالضَّبط نرید أن نحدد أَنَّهُ أی عنصر من هذه الصُّورَه تأتی إلی الذِّهْن بسبب اللَّفظ (= لفظ البیع) وأی عنصر من هذه الصُّورَه جاء إلی الذِّهْن بسبب عامل آخر غیر اللَّفظ.

یَتُِمّ الْمَدْلُول التَّصوُّریّ لِلَّفْظِ (حیث تریدون أن تجعلوا الإِطْلاَق مدلولاً تصوُّریّاً لِلَّفْظِ) فیما لو کان اللَّفظ هو السَّبَب فِی استحضار ذاک المعنی إلی الذِّهْن، نتیجه القرن الأکید الحاصل عند الواضع بین اللَّفظ والمعنی، ولیس کل تصوّر یأتی إلی الذِّهْن (بأی عامل من العوامل) یُسمی بالمدلول التَّصوُّریّ.

هذه الصُّورَه المطلقه عن الْمَاهِیَّه الَّتی قلتم بأَنَّهُ تأتی إلی الذِّهْن صوره الْمَاهِیَّه البیع المطلقه، هذه الصُّورَه المطلقه متکونه من عنصرین هما یشکلان هذه الصُّورَه المطلقه؛ لأَنَّ هذه الصُّورَه المطلقه عباره عن صوره الْمَاهِیَّه زائداً عدم صوره القید. فهناک صورتان: صوره الْمَاهِیَّه حضرت إلی الذِّهْن بسبب لفظ البیع، فلولا أن لفظ البیع وضع فِی لغه العرب لماهیه البیع لم تکن تأتی صوره ماهیَّه البیع إلی ذهننا عند سَمَاع لفظ «البیع»، کما أَنَّنَا حینما نسمع أی لفظ آخر لا تأتی إلی ذهننا صوره ماهیَّه البیع، کلفظ الماء الَّذی لا یسبب حضور ماهیَّه البیع إلی الذِّهْن. هذا العنصر مدلول تصوُّریّ للکلام.

أَمَّا العنصر الثَّانِی وهو «عدم صوره عن القید» فسببه هو أَنَّهُ لم یکن هناک لفظ یَدُلّ عَلَیٰ القید. عدم اللَّفظ سبب لعدم تصوّر القید، کما أن عدم العلّه علّهٌ لعدم المعلول. وهذا العنصر الثَّانِی لاَ عَلاَقَهَ لَهُ بلفظ «البیع».

ص: 129

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصُّورَه المطلقه عن البیع (البیع مِنْ دُونِ لحاظ قید) وإن کانت تأتی إلی ذِهْن السَّامِع عند سَمَاع لفظ «البیع» لکن حضورها بکلا عنصریها لَیْسَ بسبب لفظ «البیع»، وإنَّما حضورها بعنصرها الأوّل بسبب لفظ «البیع»، أَمَّا حضورها بعنصرها الثَّانِی (الَّذی هو أمر عدمی) فلَیْسَ بسبب لفظ «البیع»، بل سببه عدم لفظ القید. إذن، فإن کانت الصُّورَه موجوده عند سَمَاع اللَّفظ ولکنها لیست مدلولاً تصوُّریّاً لِلَفْظِ «البیع»، عَلَیٰ مبنانا القائل بأن الإِطْلاَق عباره عن صوره الْمَاهِیَّه مِنْ دُونِ صوره القید. فلا یصحّ أن نعتبر الإِطْلاَق مدلولاً تصوُّریّاً للکلام لِلَفْظِ «البیع» کما قال المستشکل، وإنَّما یبقی مدلولاً تَصْدِیقِیّاً.

إذن، کون الإِطْلاَق ثابتاً فِی هذه الصُّورَه الذِّهْنِیَّه الَّتی تتکَوَّن فِی ذهن السَّامِع عند سَمَاع «البیع حلال» شیء، وکون هذا الإِطْلاَق داخلاً فِی الْمَدْلُول التَّصوُّریّ لِلَفْظِ «البیع» شیء آخر. فالأوّل مقبول عندنا (بأن هذا الإِطْلاَق ثابت فِی الصُّورَه الذِّهْنِیَّه الَّتی تتکَوَّن فِی ذهن السَّامِع عند سَمَاع «البیع») أَمَّا کونه داخلاً فِی الْمَدْلُول التَّصوُّریّ لِلَّفْظِ «البیع» لا نقبله، وثبوت الأوّل لا یقتضی ثبوت الثَّانِی.

طبعاً هذا کُلّه بناء عَلَیٰ مبنانا المختار الصحیح من أن الإِطْلاَق هو أن تُلحظ الْمَاهِیَّه ولا تُلحظ معها شیء، ولم نقبل المبنی الآخر (مبنی السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله) القائل بأن الإِطْلاَق (=اللابشرط الْقِسْمِیّ) هو لحاظ الْمَاهِیَّه مع لحاظ عدم القید. فقد اتَّضَحَ جواب الإشکال بناء عَلَیٰ مبنانا، وأَمَّا بناء عَلَیٰ مبنی السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله (وهو أن الإِطْلاَق عباره عن لحاظ عدم القید) فالإشکال یرتفع من أساسه؛ لأَنَّه وَفقاً لمبناه لا تأتی صوره الْمَاهِیَّه المطلقه إلی الذِّهْن أساساً؛ لأَنَّ الْمَاهِیَّه المطلقه عنده «لحاظ الْمَاهِیَّه مع لحاظ عدم القید» والحجر ما عنده لحاظ، فَإِنَّنَا لاحظنا الْمَاهِیَّه عندما سمعنا لفظ «البیع» من اصطکاک حجر بحجر، فحضرت صوره ذات الْمَاهِیَّه إلی الذِّهْن إثر القرن الأکید، لکن العنصر الثَّانِی (=لحاظ عدم القید) فمنتفٍ لأَنَّهُ لَیْسَ من شأن الحجر أن یلحظ عدم القید. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. وبالتَّالی لا تأتی صوره الْمَاهِیَّه المطلقه إلی الذهن بناءًا عَلَیٰ مبنی السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله؛ لأَنَّهُ لا لفظ البیع (=اسم الجنس) مَوْضُوع للماهیَّهِ المطلقه (وهذا ما یوافق علیه الکلُّ)، ولا أن هذا الإِطْلاَق معلول لسببه التَّکوینیّ؛ لأَنَّ السَّبَب فِی أن یلحظ المخاطب القیدَ هو أن یکون الْمُتِکَلِّم قد لاحظه، وَالْمُتِکَلِّم لم یلحظ القیدَ؛ لأَنَّنَا فرضنا أن الْمُتِکَلِّم غیر جاد أو غیر لافظ.

ص: 130

وبهذا یَتَّضِح أَنَّهُ إذا أردنا أن یکون الإِطْلاَق مدلولاً للکلام، لا یکون إلاَّ مدلولاً تَصْدِیقِیّاً. نعم، إذا أرید بالإطلاق کأمر واقعی وکشیء موجود ثابت فِی ذهن السَّامِع (= توجد الآنَ فِی ذهنه صوره ماهیَّه البیع المطلقه) فهی موجوده فِی ذهن السَّامِع، لکن هذا لا یُسمی بالمدلول التَّصوُّریّ للکلام، بل نصف هذا مدلول تصوُّریّ للکلام ونصفه الآخر معلول لعلته التَّکْوِینِیَّه کما شرحنا.

فإن قیل: ما الفرق بحسب النَّتِیجَه بین أن نفترض الإِطْلاَق الَّذی نشعر به وجداناً عند سَمَاع قوله: «البیع حلال» ثابتاً فِی الصُّورَه الذِّهْنِیَّه الموجوده فِی ذهننا کأمر واقعی (نتیجه وجود سببه التَّکوینیّ) وبَیْنَ أَنْ یَّکُونَ مدلولاً تصوُّریّاً للکلام؟ فإن المُهِمّ ما رضیتم به من حصول الصُّورَه المطلقه عن الْمَاهِیَّه فِی ذهن السَّامِع، بِقَطْعِ النَّظَرِ عن مرحله المراد الْجِدِّیّ، ولو سُمع اللَّفظ من حجر أو من لافظ غیر جاد، غایه الأمر قلتم إن هذه الصُّورَه لیست مدلولاً تصوُّریّاً لِلَفْظِ «البیع»، بل نصفها مدلول تصوُّریّ له ونصفها الآخر معلول لعلته التَّکْوِینِیَّه، وما یفیدنا هو ما رضیتم به من أن الإِطْلاَق فِی ذهن السَّامِع یحصل مِنْ دُونِ الإراده الجدّیَّه، وهذا هو المراد، حیث أَنَّنَا نرید الترکیز عَلَیٰ أن الإِطْلاَق لَیْسَ مدلولاً تَصْدِیقِیّاً للکلام، وبالتَّالی لسنا بحاجه إلی الظُّهُور الْحَالِیّ المتقدّم ذکره.

الجواب: الفارق کبیر بین أن نفترض أن هذه الصُّورَه المطلقه الحاضره فِی ذهننا (بمجرّد سَمَاع لفظ البیع من أی مصدر، وهی صوره «الْمَاهِیَّه المطلقه») کُلّهَا مدلول تصوُّریّ لکلام الْمُتِکَلِّم وبین أن یکون نصفها مدلولاً تصوُّریّاً ونصفها الآخر معلولاً لسبب تَکْوِینِیّ؛ إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. لأَنَّنَا لو افترضنا أن کل هذه الصُّورَه بکلا عنصریها (الْمَاهِیَّه والإطلاق) مدلول تصوُّریّ لکلام الْمُتِکَلِّم فیمکننا أن ندین الْمُتِکَلِّم عَلَیٰ هذا الإِطْلاَق ونؤاخذه ونحاسبه ونتعامل معه کما نتعامل مع الْمُتِکَلِّم الَّذی تکلم بالإطلاق؛ لأَنَّنا افترضنا أن هذه الصُّورَه المطلقه مدلول تصوُّریّ لکلامه، أی: هو قالها. فنطبق علیه القانون القائل بِأَنَّ مَا قاله أراده. أی: مقتضی التَّطَابُق بین الْمَدْلُول التَّصوُّریّ (أی: ما قاله) وبین المدلول التَّصدیقیّ (أی: ما أراده) هو أَنَّهُ لطالما تکلم الْمُتِکَلِّم بالإطلاق فَیَکُونُ قد أراده. والخلاصه أَنَّنَا نحمّله مسؤولیّهَ الإِطْلاَق ونقول: إنک أردت البیع المطلق.

ص: 131

وهذا بخلاف الفرض الثَّانِی؛ لأَنَّ فِی الفرض الثَّانِی لا یکون کل الصُّورَه المطلقه الحاضره فِی الذِّهْن عند سَمَاع لفظ «البیع» مدلولاً تصوُّریّاً لِلَفظ البیع، فلا یکون الْمُتِکَلِّم هو الَّذی قالها کُلّهَا، بل قال نصفها؛ لأَنَّهُ تَلَفَّظَ بلفظ «البیع» وهو یَدُلّ عَلَیٰ ذات الْمَاهِیَّه، أَمَّا الإِطْلاَق (= عدم لحاظ القید) فهذا خارج عن معنی لفظ «البیع». إذن، هو لم یقل بالإطلاق، ولطالما لم یقل به فلا یمکننا أن نحمّله مسؤولیّه الإِطْلاَق؛ إذ هو مسؤول عمَّا قاله ولیس مسؤولاً عمَّا لم یقله.

وحینئِذٍ نتمسک بالظهور الْحَالِیّ ونثبت الإِطْلاَق، فلا یوجد طریق آخر. وللبحث صله. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. 1241 کلمه.

اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

قلنا إن هذا الإِطْلاَق الَّذی نشعر به وجداناً، یَصِحُّ أن یُنسب إلی الْمُتِکَلِّم ونحمّله مسؤولیتَه فیما إذا کان مدلولاً تصوُّریّاً للکلام وناشئاً من دلاله اللَّفظ عَلَیه، فنثبت بأصاله التَّطَابُق بین الْمَدْلُول التَّصوُّریّ والمدلول التَّصدیقیّ أَنَّهُ أراد الإِطْلاَق جِدّاً؛ لأَنَّهُ قاله، فَیَکُونُ قد أراده.

أَمَّا إذا لم یکن الإِطْلاَق مدلولاً تصوُّریّاً لکلام الْمُتِکَلِّم (أی: لم یکن ناشئاً من دلاله کلام الْمُتِکَلِّم علیه وإنَّما کان ناشئاً من عاملٍ تَکْوِینِیّ آخر لاَ عَلاَقَهَ لَهُ بلفظ الْمُتِکَلِّم وکلامه) فلا یصحّ أن ننسب الإِطْلاَق إلیه ونقول: إِنَّه أراد الإِطْلاَق؛ لأَنَّنَا فرضنا أن الإِطْلاَق مسبَّب عن سبب وعامل تَکْوِینِیّ، وهو لَیْسَ کاشفاً عن مراد الْمُتِکَلِّم؛ فَإِنَّه یُعقل أن یکون کلام الشخص کاشفاً عن مراد الْمُتِکَلِّم، أَمَّا أن یکون هناک عامل تَکْوِینِیّ أثّر عَلَیٰ ذهن السَّامِع وخلق فِی ذهنه شیئاً یکون هذا الشَّیْء مراداً لِلْمُتِکَلِّمِ، فهذا غیر صحیح ولا یَتُِمّ کشف مراد الْمُتِکَلِّم بهذه الطَّرِیقَه؛ لأَنَّ الْمُتِکَلِّم لَیْسَ هو الَّذی کوَّن هذا الإطلاقَ فِی ذهن السَّامِع من خلال کلامه.

ص: 132

وَالنَّتِیجَه أَنَّهُ لا یوجد أی کشفٍ فِی هذا الإطلاق التَّکوینیّ عن مراد الْمُتِکَلِّم، کی یمکن التَّمسُّک به لإِثْبَاتِ إراده الإِطْلاَق. فإذا أردنا أن نستکشف أن الْمُتِکَلِّم أراد الإِطْلاَق فلا بُدَّ أن ندخل الإِطْلاَق فِی الْمَدْلُول التَّصوُّریّ لکلام الْمُتِکَلِّم ونقول: إن اسم الجنس (لفظ البیع) وضع فِی اللُّغَه للبیع المطلق، فیکون کلام الْمُتِکَلِّم دالاًّ بِالدِّلاَلَهِ التَّصَوُّرِیَّهِ الوضعیَّه عَلَیٰ الإِطْلاَق، وحینئِذٍ نثبت بأصاله التَّطَابُق بین الْمَدْلُول التَّصوُّریّ والمدلول التَّصدیقیّ أن الْمُتِکَلِّم أراد الإِطْلاَق؛ لأَنَّه تکلم بلفظ معناه فِی اللُّغَه الإِطْلاَق (البیع المطلق)، والأصل فِی کُلّ متکلم أن یکون قد أراد مرادَه.

ولکننا رفضنا ذلک فِی الجهه الأولی من البحث (فِی معنی اسم الجنس) حیث قلنا إن معانی أسماء الأجناس لیست عباره عن الطَّبَائِع المطلقه، وإنَّما وضع اسم الجنس لِلطَّبِیعَهِ، لا لِلطَّبِیعَهِ مع خُصُوصِیَّه الإِطْلاَق. فهذا الطَّرِیق (أن یکون الإطلاق مدلول کلامه) مسدود علینا، فَیَنْحَصِرُ الطَّرِیق باستفاده الإِطْلاَق من ذاک الظُّهُور الْحَالِیّ السیاقی.

هذه هی الْفَرَضِیَّه الأولی، وهی فِی الواقع روح مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ؛ فَإِنَّهَا کما تأتی إن شاء اللٰه ترجع بروحها إلی مطلبین ومقدمتین:

المقدّمه الأولی: کون الْمُتِکَلِّم فِی مقام البیان. ومرجع هذه المقدّمه إلی هذا الظُّهُور الْحَالِیّ السیاقی القائل بأن ظاهر حال الْمُتِکَلِّم فِی أَنَّهُ بصدد بیان تمام مراده بکلامه.

المقدّمه الثَّانیه: أن لا ینصب قرینه عَلَیٰ القید. ومرجع هذه المقدّمه إلی تتمیم الدِّلاَلَه الاِلْتِزَامِیَّه للظهور الْحَالِیّ. فالظهور الْحَالِیّ عباره عن کون الْمُتِکَلِّم بصدد بیان تمام مراده بکلامه، ویدلّ هذا الظُّهُور بِالدِّلاَلَهِ الاِلْتِزَامِیَّه عَلَیٰ أن هذا الْمُتِکَلِّم أراد المطلق.

وتتم هذه الدِّلاَلَه فیما إذا لم تنصب الْمُتِکَلِّم قرینهً عَلَیٰ التَّقْیِید، وإلا فلا توجد دلاله التزامیه عَلَیٰ أَنَّهُ أراد المطلق؛ لأَنَّهُ فِی فرض نصب قرینه عَلَیٰ التَّقْیِید لم یکن قد خالف ظهوره الْحَالِیّ القائل بأَنَّهُ فِی صدد بیان تمام مراده بکلامه، وهو قد بیَّن تمام مراده بکلامه الَّذی کان فیه ذکرٌ للمقیَّد. فإراده المقیَّد هنا لا تعنی خلف الظُّهُور الْحَالِیّ، بل فیما لو أراد المقیَّد ولم ینصب قرینه عَلَیٰ القید یعتبر مخالفاً.

ص: 133

فمجموع مقدمتی الحِکْمَه یشکلان الدِّلاَلَه الاِلْتِزَامِیَّه عَلَیٰ الظُّهُور الَّذی ذکرناه عَلَیٰ الإِطْلاَق. وهذه الْفَرَضِیَّه یَتَعَیَّنُ الأخذ بها فیما إذا أبطلنا الأخذ بالفرضیه الثَّانیه.

الْفَرَضِیَّه الثَّانیه: إن الإِطْلاَق یستفاد من اسم الجنس بعد الفراغ من أن اسم الجنس غیر مَوْضُوع لِلطَّبِیعَهِ المطلقه، بل هو مَوْضُوع لأصل الطَّبِیعَه، لکِنَّنََا نستفید الإطلاق بِالدِّلاَلَهِ الْمُطَابِقِیَّه (رغم أَنَّهُ لَیْسَ مدلولاً وَضْعِیّاً لاسم الجنس) من نفس عدم ذکر القید، مِنْ دُونِ حاجه إلی مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ، ومن دون حاجه إلی الدِّلاَلَه الاِلْتِزَامِیَّه لهذا الظُّهُور الْحَالِیّ الَّذی ذکرناه.

فکأنّ هذه الْفَرَضِیَّه حاله وسطیه بین القول بأن الإِطْلاَق مستفاد من الوضع وبین القول بأن الإِطْلاَق مستفاد من قرینه الحِکْمَه. فالإطلاق لا هو مستفاد من الوضع (وهذا ما فرغنا عنه فِی الجهه الأولی) ولا هو مستفاد من قرینه الحِکْمَه الَّتی کانت الْفَرَضِیَّه الأولی، وإنَّما یستفاد من عدم ذکر القید (= یستفاد الإِطْلاَق بِالدِّلاَلَهِ الْمُطَابِقِیَّه من «التجرد عن ذکر القید»).

ولهذه الْفَرَضِیَّه تقریبان:

التَّقریب الأوّل: هو أن اسم الجنس فِی حدّ ذاته مَوْضُوع لِلطَّبِیعَهِ (لا لِلطَّبِیعَهِ المطلقه) لکن وضع «عدم ذکر القید إلی صفّ اسم الجنس» فِی اللُّغَه بوضعٍ ثان غیر وضع اسم الجنس للإطلاق. کما یقولون أحیاناً فِی النَّحْو إن التجرد عن شیء یَدُلّ عَلَیٰ شیء آخر، مثل تجرد المبتدأ عن عامل النصب وعامل کذا یکون عاملاً لِلرَّفْع، فلا نحتاج إلی الظُّهُور الْحَالِیّ ولا إلی مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ.

إذن، إن اسم الجنس یَدُلّ عَلَیٰ الإِطْلاَق بِالدِّلاَلَهِ الوضعیَّه وَالَّتِی هی أقوی من قرینه الحِکْمَه وهذه الدِّلاَلَه تَتُِمّ بمجموع وضعین: 1- وضعُ اسم الجنس لذات الْمَاهِیَّه. 2- وضع تجرده عن ذکر القید.

والدَّلیل عَلَیٰ هذا الوضع هو أَنَّهُ لو کان اسم الجنس مَوْضُوعاً للماهیَّهِ المطلقه لکان استعماله فِی موارد المقیِّد المتصل (مثل «ماء دجله» أو «یوم الجمعه») مَجَازِیّاً، والحال أَنَّنَا لا نلتزم بِالتَّجَوُّزِ فِی هذه الموارد. أی: سواء استعملنا اسم الجنس (= الماء) فِی المقیَّد (= ماء دجله عذب) أو استعملناه فِی المطلق (الماء لذیذ)؛ لأَنَّ اسم الجنس وضع لِلطَّبِیعَهِ المهمله وأصل الطَّبِیعَه موجود فِی المقیَّد کما أَنَّهُ موجود فِی المطلق، فالمعنی الْمَوْضُوع له محفوظ فِی کلیهما، فالاستعمال حقیقی فِی کلیهما.

ص: 134

وحینئِذٍ یترتَّب عَلَیٰ هذا أَنَّهُ لو استعمل اسم الجنس وحده ومن دون قید مثل «الماء أمر نافع» (بخلاف «ماء دجله») فیستفاد منه الإِطْلاَق ببرکه الوضع الثَّانِی.

أَمَّا إذا استعمل اسم الجنس مع القید مثل «ماء دجله عذب»، فیستفاد منه المقیَّد مِنْ دُونِ أن یلزم منه المجاز؛ لأَنَّ اسم الجنس (الماء) إذا استعمل مع القید لا یکون له حینئذٍ إلاَّ وضع واحد، وهو الوضع لِلطَّبِیعَهِ المهمله، ویستفاد من کلمه «دخله» القیدَ، فبتعدد الدَّالّ والمدلول نستفید المقیَّد مِنْ دُونِ أن یلزم المجاز.

فبهذه الْفَرَضِیَّه استعطنا أن نجتنب التَّجوُّز فِی موارد التَّقْیِید المتصل، عَلَیٰ أساس الوضع الأوّل، متزامنا مع استفادتنا الإِطْلاَق فِی موارد عدم التَّقْیِید وذلک عَلَیٰ أساس الوضع الثَّانِی. هذه هی الْفَرَضِیَّه الثَّانیه.

الاعتراض: وقد یقال بصدد الاعتراض عَلَیٰ هذا التَّقریب الأوّل للفرضیه الثَّانیه: إِنَّه بناء عَلَیٰ أن یکون اسم الجنس مع خُصُوصِیَّه التجرد عن ذکر القید مَوْضُوعاً بالوضع الثَّانِی لِلطَّبِیعَهِ المطلقه، یصبح اسم الجنس مشترکاً لفظیّاً، مثل لفظ «العین» الَّذی له معان عدیده، إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. وکذلک اسم الجنس له معنیان، فِی أحد الوضعین معناها الْمَاهِیَّه المهمله، وفی الوضع الآخر الْمَاهِیَّه المطلقه (لأَنَّ الوضع الثَّانِی کان عباره عن اسم الجنس مِنْ دُونِ ذکر القید) وأیهما المراد؟

وقد یجاب عنه بأن الأصل فِی المشترک اللَّفظیّ أن یکون مستعملاً فِی جمیع معانیه فِی آن واحد، وإنَّما نرفع الید عن هذا الأصل الأولیّ فِی المشترک اللَّفظیّ ونقول: لا یمکن لِلْمُتِکَلِّمِ أن یکون قد أراد کلا المعنیین بسبب تعدّد اللِّحَاظ عند الْمُتِکَلِّم، وهو مستحیل فِی آن واحد.

هذا المحذور یسبب أن نقول فِی المشترک اللَّفظیّ عاده لا یمکن أن یکون قد أراد کلا المعنیین معاً فِی آن واحد، أَمَّا فِی المقام فلا یوجد هذا السَّبَب. فلو قلنا إن الْمُتِکَلِّم أراد الطَّبِیعَه المهمله الَّتی هی المعنی الأوّل لاسم الجنس بحسب الوضع الأوّل وأیضاً أراد الطَّبِیعَه المطلقه بحسب الوضع الثَّانِی، لأَنَّ الطَّبِیعَه المهمله موجوده فِی ضمن المهمله.

ص: 135

إذن، لا یلزم هنا تعدّد اللِّحَاظ، نعم فِی سائر المشترکات اللَّفظیَّه فِی اللُّغَه یلزم هذا المحذور؛ لأَنَّ هذا المعنی هناک غیر موجود فِی ضمن المعنی الآخر، فعلی سبیل المثال الطهر غیر موجود فِی الحیض، ولا الحیض موجود فِی الطهر، أو کالمولی فِی اللُّغَه الَّذی یعنی العبد أیضاً، ولکن العبد غیر موجود فِی المولی، کما أن المولی غیر موجود فِی العبد أیضاً.

فلا یوجد مانع من أن نقول هنا إِنَّه أراد المطلق، فنستفید الإطلاق بلا أی مَحْذُور. إن قبلتم هذا الجواب فبه ونعم، وإلا فَسَوْفَ ننتقل إلی الجواب الآخر غداً إن شاء اللٰه تعالی. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. 1182 کلمه.

اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

کانَ الکلامُ فی التَّقریب الأوّل للفرضیه الثَّانیه لاستفاده الإِطْلاَق من اسم الجنس، وکان حاصله - کما شرحناه بالأَمْسِ - هو أن اسم الجنس مع تجرده عن القید مَوْضُوع للدِّلاله عَلَیٰ الإِطْلاَق. فکأنَّ اسم الجنس له وضعان: وضعٌ لاسم الجنس فِی حدّ ذاته للماهیَّهِ (وهی الَّتی نعبر عنها بالمهمله)، ووضع آخر لاسم الجنس مجرداً عن القید (بشرط لا عن القید) للماهیَّهِ المطلقه.

وقد وُجِّه إلی هذا الکلام اعتراض یَقُولُ: إِنَّهُ إذن لو استعمل اسم الجنس وحده مِنْ دُونِ ذکر القید یصبح اسم الجنس مشترکاً لفظیّاً لما له من معنیین:

المعنی الأوّل: الْمَاهِیَّه المهمله بحکم الوضع الأوّل.

والمعنی الثَّانِی: هو الْمَاهِیَّه المطلقه، بحکم الوضع الثَّانِی.

والمفروض هنا هو تجرد اسم الجنس عن القید، فیدور مراد الْمُتِکَلِّم بین المعنیین. وعدم وجود قرینه فِی المقام یحیل دون استفاده الإِطْلاَق ویعرقلها.

ص: 136

وَقُلْنَا: إِنَّ بالإمکان الإجابه عن هذا الاعتراض بأن الأصل الأولیّ فِی المشترک اللَّفظیّ هو أن الْمُتِکَلِّم یرید کلا المعنیین المشترکین لفظیّاً من منطلق کونهما حقیقیّین (لأَنَّ الأصل فِی کُلّ متکلم أن یرید المعنی الحقیقی)، إلاَّ أَنَّنَا إن قلنا بأن الْمُتِکَلِّم إن أراد «کلا المعنیین» المشترکین لفظیّاً (مثل کلمه «قروء» فِی قوله: {والمطلقات یتربصن بأنفسهن ثلاثه قروء} حیث أنها مشترک لَفْظِیّ بین «ثلاثه حیضات» وبین «ثلاثه أطهار») فیلزم منه محذور تعدّد اللِّحَاظ (أی: یلزم منه لحاظ شَیْئَیْنِ متباینین) وإن أراد «أحدهما دون الآخر» فهو ترجیح بلا مرجِّح وإن أراد«أحدهما الْمُرَدَّد» فَیَکُونُ فاقداً للمعنی.

إذن، إن مَحْذُور تعدّد اللِّحَاظ هو سرّ ابتلاء المشترک اللَّفظیّ بالإجمال (وإلا فکنّا نحمله عَلَیٰ کلا المعنیین)، فنحتاج إلی قرینه معیِّنه لرفع هذا الإجمال (لا القرینه الصارفه الَّتی یحتاجها المجازُ).

أَمَّا فِی خصوص ما نحن فیه لا مَحْذُور فِی حمل اسم الجنس عَلَیٰ کلا المعنیین ولا یلزم مَحْذُور تعدّد اللِّحَاظ؛ لأَنَّ أحد معنیی اسم الجنس هو الْمَاهِیَّه (بالوضع الأوّل) وَالثَّانِی هو الْمَاهِیَّه المطلقه (بالوضع الثَّانِی). وهذان المعنیان متداخلان؛ إِذْ أَنَّنَّا حینما نلحظ الْمَاهِیَّه بلحاظ واحد نری أنَّها موجوده فِی ضمن الْمَاهِیَّه المطلقه. إذن، لا یوجد مَحْذُور باسم تعدّد اللِّحَاظ فِی هَذَا الْفَرْضِ.

هذا هو الجواب الَّذی قد یذکر عَلَیٰ هذا الإشکال. فإن تَمَّ هذا الجواب عندنا فبه ونعم، وإلا فعلینا أن نعدل الجواب تعدیلاً لا یرد علیه هذا الإشکال.

تعدیل التَّقریب: هو أن لا نفترض اسم الجنس مَوْضُوعاً بوضعین أحدهما وضعٌ للماهیَّهِ والآخر وضعٌ ل_«عدم ذکر القید» حیث أَنَّهُ مَوْضُوع فِی اللُّغَه للإطلاق. أی: هذا الأمر المعنویّ الَّذی نعبر عنه بالتجرد عن ذکر القید هذا وُضع للإطلاق لغهً. وحینئِذٍ لا یوجد لدینا مشترک لَفْظِیّ حتّی یأتی ذاک الإشکال (بأن المشترک اللَّفظیّ یحتاج إلی قرینه مُعَیِّنَه ولا توجد قرینه مُعَیِّنَه فِی المقام)، بل عندنا وضع لاسم الجنس ووضع آخر للتجرد عن ذکر القید.

ص: 137

هذا هو التَّقریب الأوّل للفرضیه الثَّانیه، فهل هذا التَّقریب (سواء بشکله المعدَّل أو بشکله غیر المعدَّل) صحیح أو لا؟

الجواب عن التَّقریب بشکلیه: هو أن هذا التَّقریب وإن کان معقولاً ثبوتاً وفی نفسه، لکن یرد علیه أَنَّهُ خلاف الاستظهار الْعُرْفِیّ الخارجیّ؛ فَإِنَّنَا نلاحظ خارجاً فِی موارد عدم تَمَامِیَّه ذاک الظُّهُور الْحَالِیّ السیاقی (الَّذی تحدثنا عنه فِی الْفَرَضِیَّه الأولی)، بل کان (بصدد الإهمال والإجمال) متعمّداً أن یذکر کلامه مُجْمَلاً ومهملاً، لغرض من أغراضه، کالآیات المتشابهه فِی القرآن الکریم، فلا نستفید الإِطْلاَقَ فِی هذه الموارد، والحال أن المفروض بناءًا عَلَیٰ هذا التَّقریب هو استفاده الإِطْلاَق بینما لا تَتُِمّ استفادته؛ لأَنَّهُ لم یکن بصدد تمام مراده بکلامه، وهذا یکشف أن استفاده الإِطْلاَق منوطه بذاک الظُّهُور الْحَالِیّ، وإلا لو کانت استفاده الإِطْلاَق مرتبطه بوضع اسم الجنس (بالنحو الأوّل وهو أَنَّهُ مع عدم ذکر القید مَوْضُوع للإطلاق أو بالنحو المعدَّل بأَنَّ اسم الجنس مَوْضُوع للماهیَّهِ وعدم ذکر القید مَوْضُوع للإطلاق) لکان المفروض أن نستفید الإِطْلاَقَ حتّی فِی موارد الإهمال والإجمال (= حتّی فِی الموارد الَّتی لا یکون الْمُتِکَلِّم بصدد بیان تمام مراده بکلامه)؛ فإنکم ربطتم الإطلاق بالوضع، لا بالظهور الحالی، فینخرم هذا التَّقریب الأوّل.

فهذا منبه وجدانی عَلَیٰ عدم صحَّه هذا التَّقریب، وعدم إمکان الاستغناء فِی مقام استفاده الإِطْلاَق من ذاک الظُّهُور الْحَالِیّ السیاقی الَّذی ذکرناه.

التَّقریب الثَّانِی لهذه الْفَرَضِیَّه الثَّانیه أن یقال: إن اسم الجنس فِی حدّ ذاته موضوع لأصل الْمَاهِیَّه وهذا ما قد فرغنا عنه سابقاً، لکن العقلاء تعهدوا بِأَنْ یَّکُونَ عدم ذکر القید کاشفاً عندهم عن الإِطْلاَق، أی: تبانی العقلاء عَلَیٰ أَنَّهُ متی ما ذَکروا اسم الجنس ولم یذکروا القید أرادوا الإِطْلاَق، فهذا تعهد عُقَلاَئِیّ یکشف عن الإطلاق.

ص: 138

وتوضیحه: لو بینینا نحن فِی باب الوضع عَلَیٰ مسلک التَّعَهُّد الَّذی بنی علیه السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله وقال: لَیْسَ الوضع أساساً إلاَّ تعهد مِن قِبَلِ کل متکلم بأَنَّهُ إذا ذکر اللَّفظ (کالأسد) یرید منه المعنی الفلانی (وهو الحیوان المفترس فِی المثال). ومن هنا یری رحمه الله أنَّ کل متکلم هو واضع، لا أنَّ هناک واضعاً وضع الألفاظ للمعانی لیأتی الآخرون ویستعملوها فِی تلک المعانی. وإذا کان هکذا فَیَکُونُ هذا التَّقریب راجعاً إلی التَّقریب الأوّل؛ لأَنَّ التَّعَهُّد هو وضعٌ، وسوف یکون الإِطْلاَق مستفاداً من الوضع.

أَمَّا إذا لم نبن عَلَیٰ مبناه رحمه الله ولم نقل بأن حقیقه الوضع هی التَّعَهُّد - کما لم نقل به - بل قلنا بالقرن الأکید، فحینئذٍ یصبح هذا التَّقریب تقریباً مستقلاًّ عن التَّقریب الأوّل، بل یرتبط بالتزام والتَّعهد العُقَلاَئِیّ المخصوص الَّذی یکشف عن إراده الإِطْلاَق عند العقلاء، بأنهم کُلَّمَا ذکروا اسم الجنس ولم یذکروا القید.

الجواب: أَنَّهُ یرد عَلَیٰ هذا التَّقریب نفس الإیراد الَّذی أوردناه عَلَیٰ التَّقریب السَّابِقَ، وهو أَنَّهُ یلزم من هذا التَّقریب أن نستفید الإِطْلاَق حتّی فِی موارد عدم تَمَامِیَّه ذاک الظُّهُور الْحَالِیّ (أی: فِی مورد علمنا وجزمنا أن الْمُتِکَلِّم لم یکن بصدد بیان تمام مراده بکلامه)؛ لأَنَّ هذه الْفَرَضِیَّه لا تُربط الإِطْلاَقَ بالظُّهُور الْحَالِیّ لِلْمُتِکَلِّمِ بل یفترض أن هناک تعهداً والتزاماً عُقَلاَئِیّاً بأَنَّهُ کُلَّمَا ذکروا اسم الجنس ولم یذکروا القید یریدون الإطلاقَ، والحال أَنَّنَا لا نستفید الإِطْلاَق فِی الموارد الَّتی نعلم بأن الْمُتِکَلِّم بصدد الإجمال قَطْعاً. فلو کان الإِطْلاَق مُرْتَبِطاً بهذا التَّعَهُّد والالتزام الْعُقَلاَئِیّ لکان المفروض أن نستفید الإِطْلاَق حتّی فِی موارد تعهد الإجمال والإهمال مِن قِبَلِ الْمُتِکَلِّم. وهذا دلیل عَلَیٰ أن الإِطْلاَق إِنَّمَا هو من شؤون الدِّلاَلَه الاِلْتِزَامِیَّه لذاک الظُّهُور الْحَالِیّ الَّذی ذکرناه، ولیس ناشئاً من ملاک مستقلّ، سَوَاءٌ کَانَ هذا الملاک المستقل عباره عن الوضع، أو کان عباره عن التَّعَهُّد، أو أی شیء آخر؛ لأَنَّهُ لو کان له ملاک مستقلّ لَمَا ارتبط الإطلاقُ بذاک الظُّهُور وجوداً وعدماً، بینما نحن نری أَنَّهُ مرتبط به.

ص: 139

إذن، فالفرضیه الثَّانیه لاستفاده الإِطْلاَق من اسم الجنس غیر تامَّه (وهی فرضیه استفاده الإِطْلاَق من شیء آخر غیر الظُّهُور الْحَالِیّ المتقدّم ذکره).

فَالصَّحِیحُ فِی المقام عباره عن الْفَرَضِیَّه الأولی الَّتی تقول: إن الإِطْلاَق إِنَّمَا یستفاد من قرینه الحِکْمَه، بدعوی أن الإِطْلاَق مدلول اِلْتِزَامِیّ لظهور حالی ینعقد لِلْمُتِکَلِّمِ عادهً، وهذا الظُّهُور مفاده ومقتضاه أن الْمُتِکَلِّم بصدد بیان تمام مرامه بکلامه، وهذا الظُّهُور یَسْتَلْزِم (له دلاله التزامیه عُرْفِیَّه وعقلیه) عَلَیٰ أن الْمُتِکَلِّم أراد المطلق؛ لأَنَّ المفروض أن لا یزید کلامه عَلَیٰ مرامه ولا مرامه یزید عَلَیٰ کلامه. وهذا الظُّهُور فِی الواقع عباره عن صیاغه فنیه لمقدمات الحِکْمَه الَّتی ذکرها الأصحاب.

والآن بعد أن اتَّضَحَ ارتباطُ استفاده الإِطْلاَق بهذا الظُّهُور الْحَالِیّ، وتبیَّن أن منشأ دلاله الکلام عَلَیٰ الإِطْلاَق هو هذا الظُّهُور الْحَالِیّ، فحینئذٍ لا بُدَّ لنا أن نتعرض لخلافین فِی المقام ویرجع کل من هذین الخلافین فِی الحقیقه إلی تحدید هذا الظُّهُور الْحَالِیّ (بعد أن أثبتنا أصلَه)، فما هو بالضَّبط؟

الخلاف الأوّل: حول أن المقیِّد المنفصل أو قل القید المنفصل أو قل القرینه المنفصله عَلَیٰ التَّقْیِید، هل هذه تهدم الظُّهُور والإطلاق أو لا؟

الخلاف الثَّانِی: حول وجود القَدْر المتیَقَّن فِی باب التخاطب هل یخلّ بالظهور والإطلاق أو لا؟ وکل من هذین الخلافین یرجع إلی الخلاف حول هذا الظُّهُور الْحَالِیّ، فلا بُدَّ من أن ندرس الخلافین معاً،

أَمَّا الخلاف الأوّل حول القرینه المنفصله، فقد اتفقوا عَلَیٰ أن المقیِّد المتصل یهدم الظُّهُور (مثل: «أکرم الإنسان العالم» حیث أنَّ کلمه «العالم» تمنع من أن ینعقد للإنسان إطلاق) ثم اختلفوا فِی أن المقیِّد المنفصل (مثلما إذا قال: «أکرم الإنسان» ثم سکت سکوتاً طویلاً یعتبره العرف مُنْفَصِلاً عن الکلام الثَّانِی الَّذی ذکر فیه «العالم») هل یهدم ظهور الکلام الأوّل فِی الإطلاق، أو أن هذا لا یهدم ظهور الأوّل المنعقد فِی الإِطْلاَق، بل عندنا کلام مطلق وعندنا کلام آخر مقیِّد، فیتکاذبان بعضهما البعض ویدخلان فِی باب التعارض، والعرف حینئذٍ یجمع بینهما بحمل المطلق عَلَیٰ المقیَّد. أی: یسبب الکلام الثَّانِی أن نرفع الید عن الکلام الأوّل. أی: تسقط حجیه الکلام الأوّل ولا یسقط ظهوره الإطلاقی.

ص: 140

وسوف ندرس الصَّحِیح منهما إن شاء اللٰه فِی یوم السبت، أَمَّا غداً فیصادف استشهاد الإمام السجاد علیه السلام.

اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

قلنا بعد أن بَیَّنَّا کیفیَّهَ استفاده الإِطْلاَق من اسم الجنس (وذلک عَلَیٰ أساس الظُّهُور الْحَالِیّ الَّذی ذکرناه) لا بُدَّ من التَّعَرُّض لمسألتین خلافیتین مرجع کلتیهما إلی الخلاف فِی تحدید ذاک الظُّهُور الْحَالِیّ ومدی دلالته، وهما:

المسأله الأولی: عباره عن الخلاف فِی أن المقیِّد المنفصل هل یهدم الظُّهُورَ فِی الإِطْلاَق کالمقیِّد المتَّصِل أو ینفی حُجِّیَّته فحسب؟

والمسأله الثَّانیه: فِی أنَّ وجود القَدْرِ المتیَقَّنِ فِی مقام التخاطب هل یهدم أو یمنع عن انعقاد ظهورٍ فِی الکلام عن الإِطْلاَق (= هل یضرّ بالإطلاق)؟

فلا بُدَّ من دراسه هَاتَیْنِ المسألتین تباعاً:

أَمَّا المسأله الأولی: فتوضیحها هو أَنَّهُ بعد اتفاقهم عَلَیٰ أن المقیِّد المتصل یهدم الظُّهُور فِی الإِطْلاَق بلا إِشْکَال، اختلفوا فِی أن المقیِّد المنفصل هل هو کذلک؟ فعلی سبیل المثال إن قال: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» ثُمَّ بیَّن قیدَ العداله فِی کلام آخر منفصلٍ عن هذا الکلام قائلاً: «لا تکرم العالم الفاسق» أو «إن العالِم الَّذی یجب إکرامُه یجب أن یکون عادلاً» (أو بأی لسان آخر)، فهل هذا المقیِّد المنفصل یسبّب أن لا یبقی للکلام الأوّل ظهور فِی الإِطْلاَق أبداً؟ أو أنَّ الکلام الأوّل تستقر دلالتُه عَلَیٰ الإِطْلاَق بمجرّد ذِکر «العالم» مِنْ دُونِ ذکر قیدٍ مُتَّصِل به، ومجیء القید المنفصل لا یوجب انثلامَ ذاک الظُّهُور الإطلاقی وإنَّما یکذِّبه قائلاً: ذاک الظُّهُور غیر مراد جِدّاً لِلْمُتَکَلِّمِ، لا أَنَّهُ ینفی أصل ذاک الظُّهُور، بل إنّ أصل الظُّهُور باقٍ، ولازال الکلام الأوّل ظاهراً فِی الإِطْلاَق (= فِی وجوب إکرام العالم، و«العالم» مطلق)، إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. والکلام الثَّانِی یکذّب هذا الظُّهُور قائلاً: إنَّ هذا الظُّهُور لَیْسَ بمرادٍ جِدّاً لِلْمُتِکَلِّمِ. ومعنی ذلک أنَّ المقیِّد المنفصل یهدم حجیهَ الکلام المطلق، لا أَنَّهُ یهدم ظهوره فِی الإِطْلاَق.

ص: 141

أَمَّا الآخوند الخُراسانیّ فذهب إلی أن المقیِّد المنفصل لا یهدم أصل الظُّهُور، بل یهدم حُجِّیَّته، بینما ذهب النائینی إلی أَنَّهُ یهدم أصل الظُّهُور الإطلاقی.

وَالَّذِی ینبغی أن یکون هو المنشأ لهذا الاختلاف عباره عن الاختلاف فِی تحدید ذاک الظُّهُور الْحَالِیّ المتقدّم الَّذی قلنا إِنَّه یَدُلّ بِالدِّلاَلَهِ الاِلْتِزَامِیَّه الْعَقْلِیَّه أو الْعُرْفِیَّه عَلَیٰ أن الْمُتِکَلِّم حینما یذکر اسم الجنس مِنْ دُونِ القید یکون قد أرادَ الإِطْلاَق؛ لأَنَّهُ إن أراد التَّقْیِید دون الإِطْلاَق فمعناه أَنَّهُ لم یُبَیِّن تمام مراده بکلامه، بینما یقول الظُّهُور الْحَالِیّ: إن ظاهر حال کل متکلم هو أَنَّهُ بصدد بیان تمام مراده بکلامه.

ولکن ما هو مفاد هذا الظُّهُور بالتحدید؟ فهل أن مفاده هو أن حال کل الْمُتِکَلِّم ظاهر فِی کونه بصدد بیان تمام مراده بشخص کلامه هذا؟ أم أن ظاهر حال کل متکلم أَنَّهُ بصدد بیان تمام مراده فِی مجموع کلماته طیله عمره، لا فِی شخص هذا الکلام. أیهما هو الظهور الْحَالِیّ الْعُرْفِیّ الْعُقَلاَئِیّ للمتکلمین؟

فإن بنینا عَلَیٰ الأوّل فَسَوْفَ یکون الحق مع الخُراسانیّ؛ لأَنَّهُ قد بیَّن تمام مراده فِی هذا الکلام، فإذا لم یکن فِی هذا الکلام قیدٌ فَیَکُونُ مراده هو المطلق؛ لأَنَّ ظاهر حاله هو أَنَّهُ بصدد بیان تمام مراده الْجِدِّیّ فِی شخص هذا الکلام ولا یوجد فِی شخص هذا الکلام قیدٌ.

وأمّا إن بنینا عَلَیٰ الثَّانِی فلا یکون کلامه مخالفاً لظهور حاله، والأصل عدم المخالفه؛ إِذْ أَنَّ الأصل فِی کُلّ متکلم أَنَّهُ یتکلم وَفق الأصول الْعُقَلاَئِیَّه الجاریه فِی المحاورات، ومن جمله هذه الأصول أن کلّ متکلم بصدد بیان تمام مراده الْجِدِّیّ فِی شخص کلامه. فإذا لم یذکر قیداً مُتَّصِلاً فِی شخص کلامه واستقر الکلام الأوّل وَصَحَّ السُّکوت علیه، یکون ظاهر حاله أَنَّهُ بیَّن کلَّ مراده فِی هذا الکلام، وکلُّ مراده هو اسم الجنس؛ لأَنَّهُ مطلقٌ. فَیَکُونُ الحق مع صاحب الکفایه من أن المقیِّد المنفصل لا یهدم هذا الظُّهُور المستقَرّ فِی الإطلاق.

ص: 142

إذن، أصبحنا أَمام ظهور فعلی ناجز جاهز قائم، ومن ثَمَّ إن جاء کلام آخر مخالف، فَسَوْفَ یخالف هذا الظُّهُور ویکذّبه قائلاً: إن ما یظهر من هذا الکلام لَیْسَ بمرادٍ جِدّاً.

وحینئِذٍ یجب الرجوع إلی أسالیب الجمع الْعُرْفِیّ، فقد یُقدِّم الجمعُ العرفی الثَّانِی عَلَیٰ الأوّل، أی: یقول: إن ذلک یوجب هدم حجیه هذا الظُّهُور، لا أَنَّهُ ینفی وینسف ظهوره من الأساس. فشأن المقیِّد المنفصل شأن المخصص المنفصل. فعلی سبیل المثال حینما یقول: «أَکْرِمْ کُلَّ عَالِمٍ» ثُمَّ یخصصه قائلاً: «لا تکرم العالم الفاسق» لا یکون قد هدَّم بهذا التخصیص ظهورَ الکلام الأوّل فِی العموم، بل یبقی الکلام الأوّل (حتّی بعد مجیء المخصص المنفصل) ظاهراً فِی العموم والشمول لکل العلماء حتّی ذاک الشخص المستثنی، لکن هذا الظُّهُور لَیْسَ بمراد من الْمُتِکَلِّم بقرینه المخصص المنفصل، ولا یمکن الاعتماد عَلَیٰ هذا الظُّهُور الأول، أی: لَیْسَ حجّه. فلا یرتفع هذا الظُّهُور وإنَّما ترتفع حُجِّیَّته بمجیء المخصص المنفصل.

هذا إذا بنینا عَلَیٰ أن الصِّیَاغَه الفنیه للظهور الْحَالِیّ الَّذی تکلمنا عنه عباره عن أن الْمُتِکَلِّم إِنَّمَا هو بصدد بیان تمام مرامه فِی شخص کلامه.

وأمّا إذا بنینا عَلَیٰ الصِّیَاغَه الأخری الَّتی تقول بأن صیاغه الظُّهُور الْحَالِیّ هی أن ظاهر حال کل الْمُتِکَلِّم أَنَّهُ بصدد بیان تمام مرامه فِی مجموع کلامه، لا فِی خصوص هذا الکلام، فَسَوْفَ یکون الحق مع النائینی القائل بأن المقیِّد المنفصل یهدم الظُّهُورَ؛ لأَنَّهُ وإن صَحَّ أَنَّهُ ذکر فِی کلامه الأوّل اسمَ الجنس ولم یذکر القید، لکن مع ذلک لا مانع من أن یرید بکلامه الأوّل المقیَّد؛ فلا یکون مخالفاً لظهوره الْحَالِیّ؛ لأَنَّ ظهوره الْحَالِیّ هو أن الکلام الأوّل مع الکلام الثَّانِی ومع الکلام الثَّالث و... کُلّهَا یُبَیِّن مرادَه. فکلامه الأوّل لَیْسَ ظاهراً فِی أَنَّهُ أراد الإِطْلاَق حتّی یکون الثَّانِی مکذِّبا للکلام الأوّل. فلا یکون الإِطْلاَق منعقداً بالکلام الأوّل. أی: لا یکون هناک مخالفه بین ظاهر کلامه الأوّل وبین ما أراده من التَّقْیِید.

ص: 143

إذن، فکل من یبنی عَلَیٰ أن إحدی مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ عدمُ ذکر القید المتصل، فهذا معناه أن الظُّهُور الْحَالِیّ عند هذا الشخص إِنَّمَا هو الصِّیَاغَه الأولی (أَنَّهُ بصدد بیان تمام مراده فِی شخص کلامه)، ومن هنا سوف تکون إحدی مقدّمات الحِکْمَه عند هذا الشخص عبارهً عن عدم ذکر القید المتصل. هذا عند صاحب الصِّیَاغَه الأولی.

أَمَّا من یبنی عَلَیٰ أن إحدی مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ عباره عن عدم ذکر القید ولو مُنْفَصِلاً، فمعناه أن الظُّهُور الْحَالِیّ عند هذا الشخص هی الصِّیَاغَه الأوسع الَّتی ذکرناها، وهی أن هذا الْمُتِکَلِّم بصدد بیان مراده فِی مجموع کلامه.

هذا بیان لأصل الخلاف وجذره ومنشأه، أَمَّا أَنَّ «الحق مع من؟» فلا إِشْکَال فِی أن الحق مع صاحب الکفایه، أی: أن المقیِّد المنفصل لاَ عَلاَقَهَ لَهُ بأصل الظُّهُور فلا یهدم أصل الظُّهُور والإطلاق؛ فإن الإِطْلاَق ینعقد للکلام بمجرّد عدم ذکر المقیِّد المتصل. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. أی: ظاهر حال الْمُتِکَلِّم حینما یتصدَّی لإبراز معنیً من المعانی بکلامٍ، فظاهر حاله هو أَنَّهُ بصدد بیان تمام مراده بشخص کلامه؛ لأَنَّهُ یلزم عَلَیٰ کلام النائینی لازمٌ باطل یکشف ببطلانه عن بطلان الملزوم.

واللازم الباطل هو أن هذا الظُّهُور الْحَالِیّ الَّذی ذکرناه (من أن الْمُتِکَلِّم بصدد بیان تمام مراده) إذا کان کما یقوله المیرزا (بأن ظاهر حال کل متکلم أَنَّهُ بصدد بیان تمام مراده بجموع کلامه)، فلازمه أَنَّهُ لا یجوز لنا أن نتمسک بالإطلاق فِی کُلّ مورد نحتمل فیه صدور مقیِّد منفصل؛ لأَنَّ الظُّهُور الْحَالِیّ هو أن الْمُتِکَلِّم بصدد بیان تمام مراده فِی مجموع کلامه، أی: مراد الْمُتِکَلِّم مبیَّن فِی مجموع کلامه، هذا الکلام و ما سیصدر وما صدر مستقلاًّ عنه فِی کلام سابق. فإذا احتملنا أن له کَلاَماً آخر فِی نفس هذه المسأله فلا نقدر أن نتمسک بإطلاق هذا الکلام.

ص: 144

فاللاَّزِم الباطل لکلام النائینی هو نسف أصاله الإِطْلاَق من أساسها، بینما یکثر وجود المقیِّدات فِی الشّریعه، فعلی سبیل المثال یتحدث الإمام الصادق علیه السلام بحدیث شریف ثُمَّ یرد المقیِّد فِی حدیث الإمام الرضا علیه السلام أو الإمام الهادی علیه السلام.

إذن، اللاَّزِم الباطل هو أَنَّهُ بناء عَلَیٰ هذا الکلام لا یمکن حمل هذا الکلام الأوّل عَلَیٰ الإِطْلاَق، أی: یکون احتمال المقیِّد المنفصل مثل الاحتمال المقیِّد المتصل تماماً، فَکَمَا أَنَّ احتمال المقیِّد المتصل یمنع من حمل الکلام عَلَیٰ الإِطْلاَق فکذلک یمنع المقیِّد المنفصل عن انعقاد الإِطْلاَق عَلَیٰ مبنی المیرزا، وهذا فِی الحقیقه تعطیل لأصاله الإِطْلاَق، فِی کُلّ ما یحتمل فیه التَّقْیِید المنفصل، وغالباً وعادهً نحتمل فِی الخطابات الشَّرعیَّه وجود تقییداتٍ منفصله.

هنا، قد یُدافع عن المیرزا ویُنتصر له بأن له ولمن یقول بمقالته (= أن المقیِّد المنفصل یهدم أصل الظُّهُور) أن یتمسّک بطریقه لنفی هذا الاحتمال وَالطَّرِیقَه هی التَّمسُّکُ بأصاله عدم القرینه لنفی وجود قرینه منفصله، وحینئِذٍ یَتُِمّ الإطلاق (لانتفاء القرینه المتَّصله والمنفصله).

إلاَّ أن هذا الدفاع لا ینفع؛ لأَنَّنَا نتساءل: هل أن المقصود من «بأصاله عدم القرینه» أَنْ تَکُونَ أصلاً عُقَلاَئِیّاً أم أصلاً شَرْعِیّاً (کاستصحاب عدم القرینه)؟

إذا کان المقصود هو الأوّل، فمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ العقلاء یجرون هذا الأصل الْعُقَلاَئِیّ عند احتمال وجود قرینه منفصله عَلَیٰ خلاف ظهور فعلیّ ناجز وجاهز ومستقر ولا یرتّبون أثراً عَلَیٰ احتمال القرینه المنفصله، ولکن أین نحن من ذاک الظُّهُور القائم فِی المقام؟ فإن المفروض عدمُ وجود ظهور فِی المقام؛ لأَنَّ الظُّهُور عند المیرزا متقوّم بأن لا تکون هناک قرینه منفصله. فالظهور هنا متوقّف عَلَیٰ عدم القرینه المنفصله فکیف نقول بأن العقلاء یجرون هنا أصالهَ عدم القید والقرینه؟

ص: 145

فلا تجری فِی المقام أصاله عدم القرینه عند العقلاء.

وإن أرید بأصاله عدم القرینه الأصل الشَّرْعِیّ والتَّعَبُّد الشَّرْعِیّ (کاستصحاب عدم القرینه)، بأن یقول المیرزا بأننا نقطع بعدم وجود قرینه منفصله سابقاً (ولو قبل الشّریعه)، وبعد التشریع نشک بأَنَّهُ هل یوجد تقیید منفصل لهذا التشریع أو لا؟ لیَکُون الأصل عدمه، فنستصحب عدم القرینه المفصله.

وحینئِذٍ یطرح السُّؤَال نفسه بأنکم تریدون إثبات أی شیء بهذا الاستصحاب؟ فهل تریدون إثبات أن مراد الْمُتِکَلِّم هو المطلق؟ إن کان هذا هو المقصود فمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّه «أصل مثبت». أی: توجد ملازمه عَقْلِیَّه أو عُرْفِیَّه بین أن لم یکن قد ذکر القید المنفصل وبین أن یکون قد أراد الإِطْلاَق. وأنت استصحبتَ عدم القید لکی تثبتَ هذا اللاَّزِم العَقْلِیّ وهو أنه «إذن أراد المطلق». وهذا من أظهر مصادیق الأصل المثبت؛ لأَنَّ إرادته الإطلاقَ لَیْسَ أثراً شَرْعِیّاً یترتَّب علی المستصحَب؛ فَإِنَّ الآثار الشَّرعیَّه تترتّب عَلَیٰ المستصحَب، ولیس الآثار الْعَقْلِیَّه؛ فإن المستصحَب عباره عن «عدم ذکر القید المنفصل» ولطالما ذکر اسم الجنس و لم یذکر اسم الجنس فَیَکُونُ قد أراد المطلق. وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ هذه النَّتِیجَه القائله «إذن أراد المطلق» لازم غیر شَرْعِیّ، بل هو لازم عقلی أو عُرْفِیّ. إذن هذا الاستصحابُ لا ینتجُ.

وقد یتخیّل کما ذکر النائینی هذا التخیل حسب تقریرات تلمیذه البارز السَّیِّد الأُسْتَاذ الْخُوئِیّ رحمه الله( (1) ) وهو أن بالإمکان أن یتخلص النائینی ببیان یأتی مع جوابه غداً إن شاء اللٰه تعالی. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. 1593 کلمه.

اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

ص: 146


1- (1) - أجود التقریرات: ج1، ص530.

العنوان: اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

کُنَّا ندرس أن المقیِّد المنفصل هل یخلّ بالظهور والإطلاق أم لا؟ وَقُلْنَا: إِنَّ المُحَقِّق النائینی اختار أن المقیِّد المنفصل یخلّ بالإطلاق، بمعنی أن إحدی مقدّمات الحِکْمَه عنده عباره عن عدم ذکر القید سواء القید المتصل أو المنفصل. فکما لو ذکر القیدَ المتصل لا ینعقد للکلام إطلاق، کذلک لو ذکر القید المنفصل لا ینعقد للکلام إطلاق.

ونحن أرجعنا کلامه هذا إلی أن یکون الظُّهُور الْحَالِیّ (الَّذی تحدثنا عنه) عنده عباره عن أن ظهور حال کل الْمُتِکَلِّم أَنَّهُ بصدد بیان تمام مراده فِی مجموع کلامه، وعلی أساسه یقول المیرزا بأن الْمُتِکَلِّم إذا ذکر القیدَ فِی مجموع کلامه - وإن لم یذکره فِی شخص کلامه - وحملنا کلامه عَلَیٰ المقیَّد، لا یلزم منه خلفُ الظهور الْحَالِیّ.

فکنا بصدد دراسه هذا الکلام وفی هذا السِّیَاق قلنا بالأمس: إن هذا الکلام یُنتَقض بأَنَّهُ إن بنینا علیه فَسَوْفَ لا یصحّ التَّمسُّک بالإطلاق فِی کُلّ مورد یحتمل فیه صدورُ المقیِّد المنفصل، وبالتَّالی لا یمکن التَّمسُّک بأصاله الإِطْلاَق.

وقد ذکر النائینی نفسه طریقاً لِلتَّخَلُّصِ من هذا المأزق حیث قال: إن لقولنا «الإِطْلاَق مشروط بعدم ذکر القید ولو مُنْفَصِلاً» صورتان، لا تُنتقض إحداهما بهذا النقض دون الأخری، وهما کالتالی:

الصُّورَه الأولی: افتراض أنَّ إجراء الإطلاق فِی کُلّ کلام مشروطٌ بعدم ذکر مقیِّد منفصل ولو فِی المستقبل، فإن جاء مقیِّد فِی المستقبل یکشف عن عدم انعقاد الإِطْلاَق لهذا الکلام من البدایه؛ لأَنَّ دلاله هذا الکلام عَلَیٰ الإِطْلاَق مشروط بِنَحْوِ الشَّرْطِ المتأخر بعدم مجی المقیِّد المنفصل بعد ذلک.

فبناء عَلَیٰ هذه الصُّورَه یأتی النقض المذکور؛ إذ طالما نحتمل أَنَّهُ قد یأتی مقیِّد منفصل فِی المستقبل، لا نحرز شرط الإِطْلاَق المتأخر، ومع عدم إحراز شرط الإِطْلاَق لا یَتُِمّ الإِطْلاَق، وعدم تَمَامِیَّه الإِطْلاَق معناها تسجیل هذا النقض عَلَیٰ الصُّورَه الأولی.

ص: 147

الصُّورَه الثَّانیه: أن نقول بأن الإِطْلاَق فِی الکلام مشروط بعدم المقیِّد بِنَحْوِ الشَّرْطِ المقارن (لا بِنَحْوِ الشَّرْطِ المتأخر)، بِأَنْ یَّکُونَ الإِطْلاَق فِی کُلّ کلام مشروطاً بِأَنْ لاَّ یَکُونَ فِی ذاک الوقت مقیِّد ولو مُنْفَصِلاً. فعلی سبیل المثال إن قال الْمُتِکَلِّم فِی یوم السبت: {أحل اللٰه البیع} ولم یذکر مقیِّداً مُنْفَصِلاً فِی یوم السبت ینعقد الإِطْلاَق، ولکن بقاء الإِطْلاَق إلی یوم الأحد مشروط بِأَنْ لاَّ یَکُونَ هناک مقیِّد ولو منفصل فِی یوم الأحد ولکن حدوث الإِطْلاَق لَیْسَ مشروطاً بأن لا یأتی مقیِّد فِی یوم الأحد. بحیث إن جاء یوم الأحد مقیِّد لکلامه (الصَّادر فِی یوم السبت) لا یکشف هذا المقیِّد عن عدم انعقاد الإِطْلاَق لکلامه فِی یوم السبت، بل کان لکلامه إطلاق فِی یوم السبت ولٰکِنَّه لم یبق إلی یوم الأحد الَّذی جاء فیه المقیِّد. وبالتَّالی لا یرد النقض عَلَیٰ المیرزا فِی هذه الصُّورَه الثَّانیه؛ لأَنَّ الإِطْلاَق ینعقد للکلام الفاقد للمقیِّد المتصل والمنفصل فِی الیوم الأوّل ویبقی احتمال ورود المقیِّد المنفصل بعد انعقاد الإِطْلاَق فِی الأیام والسنین اللاحقه، فإن ورد مقیِّد فِی الأزمنه التالیه فَسَوْفَ یهدم هذا المقیِّد ذاک الإِطْلاَق، أی: یزول الإِطْلاَقُ بقاءً لا حدوثاً.

وهذا ینتج مقصود المُحَقِّق النائینی، وهو أَنَّهُ متی ما جاءت القرینه فِی المستقبل ینهدم الإِطْلاَق نفسه (لا حُجِّیَّته کما یقول الآخونی)، لکن ینهدم من حین مجیء القرینه. أی: القرینه تمیت الَّذی کان موجوداً، لا أنّ القرینه تکشف عن موت الإِطْلاَق من الأوّل. وبهذا یمکن التَّخلُّص من المأزق الَّذی واجهه المیرزا مع إصراره عَلَیٰ المبنی.

الجواب: إلاَّ أن هذا التَّخلُّص لا یجدی المیرزا نفعاً وذلک:

أوَّلاً: لأَنَّ هذا غیر معقول فِی نفسه أساساً؛ فَإِنَّ الإِطْلاَق بالمعنی الَّذی نتحدث عنه (أی: الظُّهُور ودلاله الکلام) لَیْسَ أمراً له حدوث وبقاء؛ فهو یختلف عن الْحُجِّیَّه الَّتی هی حکم عُقَلاَئِیّ وشرعی یمکن أن یکون ثابتاً فِی یوم السبت ولا یکون ثابتاً فِی یوم الأحد؛ إذ هو شیء له الْحُجِّیَّه فِی یوم السبت ولکن ترتفع حُجِّیَّته فِی یوم الأحد بمجیء حجّهٍ أقوی منه. أَمَّا الظُّهُور فشأنه لَیْسَ هکذا؛ فَإِنَّ دلاله الکلام وظهوره عَلَیٰ مطلبٍ إما یکون موجوداً وإما لا یکون موجوداً، أَمَّا أن یکون له ظهور الآنَ ولکن غداً لا یکون له ظهور فهذا غیر معقول؛ لأَنَّ تکوّن الظُّهُور فِی الیوم الأوّل حقیقهٌ وواقعٌ ولا ینقلب الواقع عمَّا وقع علیه.

ص: 148

وثانیاً: إن سلمنا بأن هذا معقول، لکن مع ذلک لا یتخلص النائینی من النقض الَّذی أوردناه علیه؛ وذلک لأَنَّهُ إن صدر کلام مطلق من الْمُتِکَلِّم وشککنا فِی أَنَّهُ صدرت قرینه عَلَیٰ التَّقْیِید منه أو لا؟ لا یمکن التَّمسُّک بإطلاق هذا الکلام بناء عَلَیٰ مبنی المیرزا؛ لأَنَّ الإِطْلاَق له حدوثٌ وبقاء (عند النائینی)، وبقاؤه مشروط بعدم القرینه عَلَیٰ القید. ونحن قد شککنا فِی هذا الشَّرْط، وإذا شککنا فِی شرط الإِطْلاَق نکون قد شککنا فِی الإِطْلاَق نفسه. إذن، لا یَتُِمّ الإِطْلاَق وهذا هو النقض عینه؛ لأَنَّ الإِطْلاَق إِنَّمَا یَتُِمّ عندکم مع إحراز شرطه، وشرطه أن لا تکون هناک قرینه عَلَیٰ القید، ولو بنحو الصُّورَه الثَّانیه الَّتی تقولونها (ولیس بِنَحْوِ الشَّرْطِ المتأخر فِی الصُّورَه الأولی).

فإن قلت دفاعاً عن المیرزا: نستصحب الإطلاقَ، حَیْث أَنَّ الإِطْلاَق کان موجوداً أن الإِطْلاَق له حدوث وبقاء، ولکن قلتم لا یوجد یقین ببقاء الإِطْلاَق.

قلت: لا یمکن ربط مصیر الإِطْلاَق بمصیر الاستصحاب، إذ لو لم نبن عَلَیٰ حجیه الاستصحاب فَسَوْفَ لا یکون لدینا الإِطْلاَق، وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ الإطلاقات الوارده فِی الکتاب والسنه لیست متوقّفه عَلَیٰ صحیحه زراره المثبِته للاستصحاب بالوجدان الفقهیّ( (1) ).

وهذا دلیل عَلَیٰ أَنَّهُ یجب علینا أن نصوغ نظریَّه الإِطْلاَق بنحو یُصَحِّح التَّمسُّکَ بالإطلاقات الوارده فِی الکتاب والسنه مباشره ومن دون الحاجه إلی حجیه الاستصحاب أو إلی حجیه أی شیء آخر. فنتمسک بالإطلاق فِی موارد احتمال القرینه المنفصله، وهذا ما لا یمکن عَلَیٰ مبنی المُحَقِّق النائینی، فلا یصحّ التَّمسُّک بأصاله الإِطْلاَق فِی کُلّ مَوْرِد نحتمل فیه القیدَ المنفصل، وهذا معناه تعطیل أصاله الإِطْلاَق، وقد تقدّم أن أصاله عدم القرینه لا تجری أیضاً، وبینا السَّبَب. فلا یمکن التَّخلُّص من هذا المأزق أبداً، فنبقی نحن والنقض عَلَیٰ قوّته.

ص: 149


1- (1) - مضافاً إلی وجود إطلاقات فِی أدلّه الاستصحاب نفسها. منه عفی عنه.

هذا تمام الکلام فِی المسأله الخلافیه الأولی، وهی الخلاف حول المقیِّد المنفصل، وقد تبین أن الحق مع الآخوند، ولیس مع المیرزا، والحق أن المقیِّد المنفصل لا یضرّ بالظهور، وإنَّما یضرّ بحجیته، لا نفس الظُّهُور.

بعد ذلک ندخل فِی المسأله الخلافیه الثَّانیه، وهی عباره عن الخلاف حول ما إذا کان وجود قدر متیقن فِی مقام الخطاب یضرّ بالإطلاق ویمنع من انعقاده؟ فمثلاً إن سأل السائل: «هل أتصدق عَلَیٰ الفقیر الهاشمی»؟ وأتی الجواب من الإمام × ب_«تصدق عَلَیٰ الفقیر». فَحَیْثُ توجد حصّه متیقنه من الفقیر مشموله لجواب الإمام وهی الفقیر الهاشمی؛ لأَنَّهُ هو المسؤول عنه ولا یُعقل أن یشمل جواب الإمام × الفقیرَ الهاشمی ولا یشمل المسؤول عنه. فهل وجود هذا القَدْر المتیَقَّن یضرّ بإطلاق کلام الإمام × بحیث لا یمکن التَّمسُّک بإطلاق کلام الإمام والقول بأن قوله ×: «تصدق عَلَیٰ الفقیر» یشمل الفقیر الهاشمی کما أَنَّهُ یشمل الفقیر غیر الهاشمی. هذه هی المسأله الثَّانیه الَّتی نرید أن ندرسها غداً إن شاء اللٰه تعالی.

اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

انتهینا إلی المسأله الخلافیه الثَّانیه وهی عباره عن أن وجود القَدْر المتیَقَّن فِی عالم الخطاب والکلام، هل یضرّ بالإطلاق ویمنع عن دلاله الکلام عَلَیٰ الإِطْلاَق کالقرینه المتَّصله فِی المقیِّد المتصل أو لا؟

توضیح ذلک هو أن الکلام الَّذی یصدر من المتکلم له ثلاث صور:

الصُّورَه الأولی: عدم وجود القَدْر المتیَقَّن، لا فِی عالم الخطاب ولا فِی خارج مقام التخاطب.

الصُّورَه الثَّانیه: وجود القَدْر المتیَقَّن فِی الکلام، إلاَّ أَنَّهُ غیر معلوم من مقام التخاطب، بل هو معلوم من خارج الکلام والخطاب، وهذا ما یسمونه بالقدر المتیقن خارج مقام التخاطب.

ص: 150

والصوره الثَّالثه: وجود القَدْر المتیَقَّن من داخل الخطاب، وهذا ما یُسَمَّی بالقدر المتیقن فِی مقام التخاطب.

أَمَّا الصُّورَه الأولی فالإطلاق تامّ فیها بلا خلاف.

وأمّا الصُّورَه الثَّانیه فالمشهور ذهب إلی تَمَامِیَّه الإِطْلاَق فیها.

وأمّا الصُّورَه الثَّالثه فهی محلّ النِّزَاع والخلاف بین الأُصُولِیِّینَ.

أَمَّا شرح الصُّورَه الأولی فکما إذا قال المولی: «تَصَدَّق عَلَیٰ الفقیر» ولا یوجد لدینا فرد متیقن بأَنَّهُ هو مراد المولی من أفراد الفقیر؛ فَإِنَّ أفراد الفقیر کثیره کالفقیر العالم والجاهل، والفقیر العادل والفاسق، والفقیر المجاهد والقاعد وهکذا.. وکلّ هذه الأفراد متکافئه فِی احتمال ثبوت هذا الحکم (= وجوب التصدق) له؛ إذ یحتمل أن یکون هذا الحکم مُخْتَصّاً بالفقیر الهاشمی کما یحتمل اختصاصه بباقی أفراد الفقیر. ومعنی ذلک عدم وجود فرد أولی من غیره فِی ثبوت الحکم له، أی: عدم وجود القَدْر المتیَقَّن من بین أفراد العالم.

فقلنا بأَنَّهُ لا خلاف ولا إِشْکَال فِی انعقاد الإِطْلاَق لکلام المولی فِی هذه الصُّورَه.

أَمَّا شرح الصُّورَه الثَّانیه فهو ما إذا لم تکن أفراد المطلق الوارد فِی کلام الإمام × (تصدق عَلَیٰ الفقیر) متکافئه ومتساویه فِی احتمال ثبوت هذا الحکم لها، بل هناک بعض الأفراد هی أولی من غیرها من ثبوت هذا الحکم لها. لکِنَّنََا علمنا بهذه الأَوْلَوِیَّه من خارج هذا الخطاب، کما إذا علمنا من الآیه الکریمه: {فَضَّلَ اللٰهُ المجاهدینَ عَلَیٰ القاعدینَ دَرَجهً وکُلاًّ وَّعَدَ اللٰهُ الحسنی وفَضَّلَ اللٰهُ المجاهدینَ عَلَیٰ القاعدینَ أجراً عظیماً}( (1) ) الَّتی هی خارج عن خطاب «تصدق عَلَیٰ الفقیر» أن المجاهد أولی من الفقیر القاعد فِی ثبوت هذا الحکم له.

ص: 151


1- (1) - سوره النساء (4): الآیه 95.

أو کمثالنا السَّابِقَ وهو حدیث «ثمن العذره سحت» الوارد فِی کتاب المکاسب؛ فإن «العذره» لفظ مطلق یشمل عذرهَ کل من الإنسان وغیر الإنسان مِمَّا یؤکل لحمه، وممَّا لا یؤکل لحمه. لکن القَدْر المتیَقَّن من مصادیق العذره الَّذی هو أولی من غیره فِی ثبوت هذا الحکم له (= کون ثمنه سحتاً) هو عذره الإنسان والحیوان الَّذی لا یؤکل لحمه. أی: لا نحتمل أن قوله: «ثمن العذره سحت» مختص بعذره الحیوان الَّذی یؤکل لحمه بحیث لا یشمل عذره الإنسان والحیوان الَّذی لا یُحرم أکل لحمه.

ذهب الْمَشْهُور هنا إلی أن وجود القَدْر المتیَقَّن فِی خارج التخاطب لا یضرّ بالإطلاق. فقوله: «ثمن العذره سحت» مطلق یشمل جمیع أنواع العذرات؛ لأَنَّ الإِطْلاَق تامّ (رغم أن بعض أفراد العذره قدر متیقن) لٰکِنَّهُ من خارج الخطاب.

إذن، إن وجود القَدْر المتیَقَّن من خارج الخطاب لا یضرّ بإطلاق الخطاب، أی: لا یضرّ بذاک الظُّهُور الْحَالِیّ (الَّذی تحدثنا عنه وقلنا إِنَّه هو الأساس فِی دلاله الکلام عَلَیٰ الإِطْلاَق، بأن الْمُتِکَلِّم فِی مقام بیان تمام مراده بشخص کلامه). فهنا إن أراد المولی من «العذره» مطلقَ العذره، فشخص هذا الکلام قد وفی بتمام مراده. أَمَّا إن أراد من کلمه «العذره» فِی هذا الخطاب فرداً خاصّاً (= المقیَّد)، فلا یفی کلامه لا بتمام مراده؛ لأَنَّهُ لا یوجد فِی کلامه ما یَدُلّ عَلَیٰ الْخُصُوصِیَّه والقید. فیکون قد خالف هذا الظُّهُور الْحَالِیّ وأضرّ به، بینما مقتضی الظُّهُور الْحَالِیّ أَنَّهُ بیَّن کلَّ مراده فِی شخص کلامه. فالمشهور ذهب إلی تَمَامِیَّه الإطلاق وإحکامه فِی هذه الصُّورَه.

أَمَّا شرح الصُّورَه الثَّالثه: فهو فیما إذا تکلم المولی بکلام مطلق (مثل «أکرم الفقیر) ولم تکن أفراد المطلق (الفقیر فِی المثال) متکافئه ومتساویهً فِی احتمال ثبوت هذا الحکم (وُجُوب الإِکْرَامِ) لها، بل کان یحظی بعض الأفراد بالأولویه وبکونه القَدْر المتیَقَّن، کما إذا کان الفرد وقع موقع سؤال السائل (مثل «هل أکرِمُ الفقیر الهاشمی»؟) فأجاب الإمام × عنه (ب_: «أکرم الفقیر»)، فالقَدْر المتیَقَّن من أفراد الفقیر هو مورد سؤال السائل (أی: الفقیر الهاشمی) ولا یُعقل أن یجیب الإمام × عمَّا لَیْسَ هو مورد السُّؤَال؛ لأَنَّهُ خلاف المحاوره. إذن، کون الفقیر الهاشمی هو القَدْر المتیَقَّن أمر مقطوع به من خلال الخطاب.

ص: 152

هذا هو الَّذی وقع فیه الخلاف، بأَنَّهُ مع وجود القَدْر المتیَقَّن فِی داخل الخطاب، هل یتشکل إطلاق للکلام، بحیث یشمل غیر هذا القَدْر المتیَقَّن؟ فقوله: «أکرم الفقیر» هل یشمل «الفقیر غیر الهاشمی» (بعد أن عرفنا أَنَّهُ یشمل الفقیر الهاشمی لأَنَّهُ القَدْر المتیَقَّن)؟ هل للکلام إطلاق یشمل غیر المورد الَّذی هو القَدْر المتیَقَّن؟ أو لَیْسَ له إطلاق؛ لأَنَّ وجود القَدْر المتیَقَّن یمنع من أن ینعقد للکلام إطلاق. هنا ذهب صاحب الکفایه إلی المنع وهناک من ذهب إلی خلاف ذلک.

هذا هو الخلاف الَّذی أردنا أن نبیّنه. ولیُعلم أن الصورتینِ الأولیینِ خارجتان عن محلّ البحث.

وحینئِذٍ نربط هذا الخلاف الثَّانِی بما ربطنا به الخلاف الأوّل (حول المقیِّد المنفصل) أیضاً، حیث قلنا: إنَّ مدی الظُّهُور الْحَالِیّ لِلْمُتِکَلِّمِ (بأنه فِی مقام بیان تمام مراده فِی شخص کلامه کی لا یضرّ المقیِّد المنفصل بالإطلاق، أو أَنَّهُ فِی مقام بیان تمام مراده فِی مجموع کلماته حتّی یکون المقیِّد المنفصل مضراً بالإطلاق) هو المنشأ للخلاف الأوّل. فیطرح السُّؤَال نفسه هنا بأَنَّهُ إن وُجد القَدْر المتیَقَّن فِی شخص کلامه فهل یضرّ هذا القَدْر المتیَقَّن بالإطلاق؟ أی: إن أراد المولی من «أکرم الفقیر» الفقیرَ الهاشمیَّ یکون قد بَیَّنَ کلَّ مراده فِی شخص کلامه؛ لأَنَّ ثبوت هذا الحکم للفقیر الهاشمی هو المتیقَّن من داخل الکلام. فإن أراد من «أکرم الفقیر» خصوصَ الفقیر الهاشمی، لا یقال بأن المولی لم یُبَیِّن کل مراده فِی شخص کلامه. وهناک من یقول هنا: إن أراد المولی منه خصوص الفقیر الهاشمی لم یکن قد بیَّن کلَّ مراده فِی شخص کلامه؛ لأَنَّ کلامه لا زال عباره عن اسم الجنس (ذات الفقیر). هذا هو البحث المعروف ب_«المورد هل یخصص الوارد» وهو مُهِمّ جِدّاً فقهیّاً.

ص: 153

فیقول صاحب الکفایه: إن وجود القَدْر المتیَقَّن فِی مقام التخاطب یمنع من انعقاد الإِطْلاَق للکلام. أی مثلاً: الوارد یُخَصِّصُ المورد.

إذن، إن الشبهه الموجوده فِی ذهن صاحب الکفایه هی أَنَّهُ لو أراد المولی هنا من الکلمه خصوصَ الفقیر الهاشمی مثلاً، فلم یخالف ظهوره الْحَالِیّ؛ لأَنَّ ظهوره الْحَالِیّ کان عباره عن أن یبیّن کل مراده فِی شخص کلامه، وهو بیَّن کلَّ کلامه فِی شخص کلامه فعلاً؛ لأَنَّ وجود القَدْر المتیَقَّن فِی شخص هذا الکلام یکون کالبیان، وکما إن بیَّن القید، أی: کالقرینه المتَّصله، فلو کان قَدْ بَیَّنَ القید لا یوجد اعتراض عَلَیٰ کلام المولی؛ لأَنَّهُ أراد المقیَّد وَقَدْ بَیَّنَ القیدَ. وهنا وإن لم یُبَیِّن المولی القیدَ بلسانه، لکن کون الفقیر الهاشمی هو القَدْر المتیَقَّن فِی شخص هذا الکلام فهذا بمثابه أن یذکر المولی قید «الهاشمی». إذن، إراده المتیقن هنا لا یخالف الظُّهُور الْحَالِیّ، فنتحیر بأَنَّهُ هل أراد المقیَّد أم أراد المطلق، والکلام لا یَدُلّ عَلَیٰ الإِطْلاَق. وهذه هی شبهه صاحب الکفایه القائل بأن وجود القَدْر المتیَقَّن یُخِلُّ بالإطلاق، فیصبح الکلام مُجْمَلاً بِالنِّسْبَهِ للفقیر غیر الهاشمی، أَمَّا بِالنِّسْبَهِ إلی الفقیر الهاشمی فهو القَدْر المتیَقَّن.

وقد یجاب عن هذه الشُّبهَه قائلاً: إن وجود القَدْر المتیَقَّن فِی مقام التَّخاطب لا یضرّ بالإطلاق؛ لأَنَّ مفاد الظُّهُور الْحَالِیّ المتقدّم ذکره (ظهور حال الْمُتِکَلِّم فِی کونه فِی مقام بیان تمام مراده فِی شخص کلامه) بالضَّبط هو شیئان:

الأوّل: أن الْمُتِکَلِّم بین کل مراده فِی شخص هذا الکلام.

الثَّانِی: أن ما بیَّنه فِی شخص هذا الکلام هو تمام المراد، أی: غیره لَیْسَ بمراد.

یأتی شرحه غداً.

ص: 154

اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

کانَ الکلامُ فی أَنَّهُ هل یضرّ القَدْر المتیَقَّن المعلوم من داخل الخطاب بالإطلاق ویمنع من دلاله الکلام عَلَیٰ الإِطْلاَق، أم لا؟ حیث تقدّم بأَنَّهُ حینما لا یکون هناک قدر متیقن نقول بأن ظاهر حال الْمُتِکَلِّم أَنَّهُ بیَّن کل مراده فِی هذا الکلام (أی: فِی «أکرم الفقیر»). فإذا کان المقیَّد هو مراد الْمُتِکَلِّم (أی: أراد من «الفقیر» فقیراً خاصّاً مُعَیَّناً مثل الفقیر الهاشمی أو الفقیر العادل أو الفقیر المجاهد) لزم الخلف (أی: لزم أَنْ لاَّ یَکُونَ قَدْ بَیَّنَ کل مراده فِی هذا الکلام؛ لأَنَّهُ لم یُبَیِّن القید، فلم یُبَیِّن کلَّ مراده). إذن، فمقتضی هذا الظُّهُور الْحَالِیّ أَنَّهُ لم یخالف هذا الظُّهُورَ الحال، بل مشی وفقه وبیَّن کلَّ مراده فِی کلامه؛ إذن مراده المطلق؛ لأَنَّ کلامه وافٍ ببیان مراده، لٰکِنَّهُ لَیْسَ وافیاً ببیان المقیَّد.

هذا أمر کُنَّا نقوله فِی سائر الموارد، والآن نرید أن نری هل لنا أن نطبقه فِی المقام (= وجود القَدْر المتیَقَّن فِی مقام التخاطب) ونقول بأَنَّهُ: «وإن کان سؤال السائل عن إکرام الفقیر الهاشمی وأمر الإمام علیه السلام بالتصدق عَلَیٰ الفقیر، ولکن القَدْر المتیَقَّن من الفقیر هو الفقیر الهاشمی الَّذی هو مورد السُّؤَال، فلو أراد المولی علیه السلام من الفقیر الفقیرَ الهاشمی، لم یکن کلامُه وافیاً بتمام المراد، بل کان کلامه مبیِّنا لنصف المراد، وهذا خلاف ظاهر حال الإمام علیه السلام من أَنَّهُ بصدد بیان تمام المراد، إذن فتمام مراده هو مطلق الفقیر سواء الهاشمی أم غیره»، هل یمکننا أن نقول بهذا الکلام؟ أی: هل یمکننا أن نقول: «لو أراد المقیَّد لزم الخلف»؟ إن صَحَّت هذه المقوله فمعناها أن وجود القَدْر المتیَقَّن فِی داخل الخطاب لا یضرّ بالإطلاق ولا یمنع من دلاله الکلام عَلَیٰ الإِطْلاَق. أو لا یمکننا أن نقول بهذه المقوله من منطلق أن کلام المتکلم یفی ببیان المقیَّد؛ لأَنَّ السُّؤَال کان عن المقیَّد (=الفقیر الهاشمی)، فَیَکُونُ کلام المولی علیه السلام (=أکرم الفقیر) وافیاً بهذا المراد ولا یلزم منه الخلف إن أراد المقیَّد، کما لا یلزم منه الخلف لو أراد المطلق أیضاً. وبالتَّالی فِی موارد وجود القَدْر المتیَقَّن لا یکون للکلام دلاله عَلَیٰ الإِطْلاَق، ویبقی الکلام مُجْمَلاً.

ص: 155

القَدْر المتیَقَّن مشمول قَطْعاً، أَمَّا بِالنِّسْبَهِ لغیر الهاشمی فلا یوجد إطلاق، فمعنی ذلک أن القَدْر المتیَقَّن یضرّ بالإطلاق.

الشُّبهَه: هنا قلنا تأتی الشُّبهَه الَّتی یتمسّک بها کلّ مَن یقول بأن القَدْر المتیَقَّن یضرّ بالإطلاق کصاحب الکفایه وغیره من أن الْمُتِکَلِّم لو أراد المقیَّد لا یلزم الخلف؛ لأَنَّ کلامه وافٍ ببیان هذا المقیَّد، فلو کان مراده إکرام الفقیر الهاشمی لم یکن قد خالف هذا الظُّهُور الْحَالِیّ؛ لأَنَّ هذا الفقیر الهاشمی باعتباره متیقَّناً فِی مقام التخاطب یَکُونُ بمثابه البیان له (=کونه هو المتیقن بمثابه بیانه)، فکأنه قال: «أکرم الفقیر الهاشمی»، فالکلام وافٍ ببیان المقیَّد. فلو أراد الإمام علیه السلام الفقیرَ الهاشمی لم یخالف ذاک الظُّهُور الْحَالِیّ المتقدّم. أی: بیَّن تمام مرامه بشخص هذا الکلام. فلو أراد المولی من قوله: «أکرم الفقیر» خصوص الفقیر الهاشمی لا یحق لأحد أن یقول للمولی لماذا لم تبیّن؟ لأَنَّهُ یقول: کلامی کان صَرِیحاً فِی الفقیر الهاشمی باعتباره هو المتیقَّن.

ومن هنا یفرق صاحب الکفایه وغیره ممن یقول بکلام صاحب الکفایه بین ما إذا کان القَدْر المتیَقَّن من داخل الخطاب وبین ما إذا کان من خارج الخطاب. فلو کان القَدْر المتیَقَّن من داخل الخطاب إذن حینما یرید الْمُتِکَلِّم خصوصَ المقیَّد لم یخالف الظُّهُور الْحَالِیّ؛ لأَنَّ کلامه وافٍ ببیان هذا المقیَّد. أَمَّا لو کان القَدْر المتیَقَّن من خارج الخطاب، فلا یکون کلامه وافیاً ببیان تمام المراد لو أراد المقیَّد. مثلاً فِی قوله: «ثمن العذره سحت» لا یأتی هذا الکلام، حینما یکون القَدْر المتیَقَّن من خارج الخطاب، لو أراد الْمُتِکَلِّم خصوص المقیَّد (أی: لو أراد المولی علیه السلام من العذره خصوصَ عذره الإنسان) یلزم الخلف. أی: یلزم أن یکون قد خالف هذا الظُّهُور الْحَالِیّ الَّذی ذکرناه، والإمام لم یبین کل مراده (خصوص عذره الإنسان) فِی کلامه، ومن هنا وإن کان عذره الإنسان هو المتیقن من خارج الخطاب، ولکن کونها هو المتیقن من خارج الخطاب لا یمنع من أن نتمسک بإطلاق «العذره» فِی قول الإمام علیه السلام؛ لأَنَّ الظُّهُور الْحَالِیّ المتقدّم یقتضی أن یکون الْمُتِکَلِّم أراد المطلق عندما قال: «ثمن العذره سحت» إذ لو کان أراد المقیَّد لم یکن کلامه وافیاً ببیان کل هذا المراد، وهذا خلاف ظاهر حاله؛ إذن فمقتضی ظاهر الحال أَنَّهُ بین تمام مراده فِی هذا الکلام وتمام مراده الَّذی بُیِّن بهذا الکلام هو المطلق. فوجود القَدْر المتیَقَّن من خارج الخطاب لا یضرّ بالإطلاق بهذه النُّکته، وهذا بخلاف وجود القَدْر المتیَقَّن فِی داخل الخطاب.

ص: 156

جواب الشُّبهَه: هو أَنَّنَا إذا أردنا تقویم هذه الشُّبهَه لا بُدَّ لنا من معرفه مفاد الظُّهُور الْحَالِیّ الَّذی تحدثنا عنه قائلین: إن الإِطْلاَق یُستفاد من الظُّهُور الْحَالِیّ. فهل أن مفاده مطلب واحد أم أَنَّهُ یفید مجموع مطلبین؟ فعلی الأوّل (بِأَنْ یَّکُونَ المتکلم بصدد بیان تمام مراده بکلامه) ترد الشُّبهَه، أی: وجود القَدْر المتیَقَّن داخل الخطاب یمنع من دلاله الکلام عَلَیٰ الإِطْلاَق؛ لأَنَّ السائل عندما یسأل: «هل أُکرِمُ الفقیر الهاشمیّ»؟ ویجیبه الإمام علیه السلام ب_ «أکرم الفقیر»، یتکوّن لدینا قدر متیقن وهو «الفقیر الهاشمی» وَالَّذِی سوف یمنع من أن یکون کلام الإمام دالاًّ بإطلاقه عَلَیٰ وجوب إکرام فقیر غیر الهاشمی؛ لأَنَّنَا نستفید الإِطْلاَق من الظُّهُور الْحَالِیّ، وقد فرضنا أن مفاد الظُّهُور الْحَالِیّ مطلب واحد وهو کون الْمُتِکَلِّم بصدد بیان تمام مراده فِی کلامه. فهنا لو أراد المولی خصوص الفقیر الهاشمی فهل کان کلامه وافیاً؛ إذن لو أراد المقیَّد لم یکن الإمام قد خالف الظُّهُور الْحَالِیّ، لأَنَّهُ کان یُبَیِّن هذا المطلب الواحد. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. کما لو أَنَّهُ أراد المطلق یکون کلامه وافیاً. فکلاهما (المطلق والْمُقَیَّد) سواءٌ، إذن لا دلاله للکلام عَلَیٰ الإِطْلاَق (عَلَیٰ شمول الحکم للفقیر غیر الهاشمی).

ومن هنا یمنع القَدْر المتیَقَّن فِی مقام التخاطب من انعقاد الإِطْلاَق للکلام فِی الشُّمُول للفقیر غیر الهاشمی.

هذا إن کان مفاده مطلب واحد.

أَمَّا لو افترضنا أَنَّهُ یقتضی مطلبین، کُلَّمَا تَمَّ هذان المطلبان یَتُِمّ هذا الظُّهُور الْحَالِیّ:

المطلب الأوّل: أَنْ یَکُونَ کلام الْمُتِکَلِّم وافیاً بتمام المراد.

المطلب الثَّانِی: أَنّ ما بیَّنه فِی کلامه هو المراد؛ أی: غیره لَیْسَ بمراد.

وإذا کانت هذه الصِّیَاغَه هی صیاغه الظُّهُور الْحَالِیّ، فلا ترد شبهه صاحب الکفایه. أی: وجود القَدْر المتیَقَّن فِی مقام التخاطب لا یمنع من التَّمسُّک بالإطلاق، ولا یمنع من انعقاد ظهور للکلام فِی الإِطْلاَق؛ لأَنَّهُ وإن کان القَدْر المتیَقَّن فِی هذا المثال هو إکرام الفقیر الهاشمی لأَنَّهُ هو مورد السُّؤَال. فلو أراد المولی من قوله «أکرم الفقیر» کان کلامه وافیاً ببیان هذا المراد، لکن هذا هو المطلب الأوّل من الظهور الْحَالِیّ. لکن هل کان کلامه وافیاً ببیان أن هذا هو التمام وغیر هذا (أی: المطلق) لَیْسَ بمراد؟ فلو أراد المقیَّد یکون نصف الظُّهُور الْحَالِیّ متوفرا، لکن نصفه الآخر (وهو أنْ یکون کلام الإمام وافیاً ببیان أن هذا هو تمام المراد وغیره لَیْسَ بمراد) لم یُبَیِّنه الإمام علیه السلام؛ لأَنَّهُ لا یوجد قید فِی کلام الإمام علیه السلام.

ص: 157

فَیَکُونُ الإمام علیه السلام قد أراد المطلق؛ إذ لو أراد المقیَّد لزم الخلف (أی: أَنَّهُ ذکر نصف مراده). فَیَکُونُ الظُّهُور الْحَالِیّ مقتضیاً لحمل کلام الإمام علیه السلام عَلَیٰ الإِطْلاَق، ومعنی ذلک عدم ورود شبهه صاحب الکفایه (أی: وجود القَدْر المتیَقَّن یخل بالإطلاق).

فلو بنینا عَلَیٰ الصِّیَاغَه الأولی یَتُِمّ کلام صاحب الکفایه، ولٰکِنَّهُ غیر تامّ عَلَیٰ الصِّیَاغَه الثَّانیه.

إلاَّ أن سَیِّدنَا الأُسْتَاذ الشَّهِید قال: لا أصل الشُّبهَه تامَّه ولا هذا الجواب وتوضیح ذلک یَتُِمّ من خلال ذکر اعتراضین عَلَیٰ هذا الجواب الَّذی ذکرناه:

الاعتراض الأوَّل: هو أن هذا الجواب فِی الواقع اعتراف بورود الشُّبهَه بناءًا عَلَیٰ الصِّیَاغَه الأولی للظهور الْحَالِیّ (وهی الَّتی تقول بأن الظُّهُور الْحَالِیّ لِلْمُتِکَلِّمِ فِی أن شخص کلام الْمُتِکَلِّم وافٍ بتمام مراده فِی شخص کلامه)؛ لأَنَّهُ إذا کان مقصود المولی علیه السلام من قوله: «أکرم الفقیر» المقیَّدَ (أی: الفقیر الهاشمی) لا یلزم الخلف؛ لأَنَّ کلام الإمام علیه السلام وافٍ ببیان إکرام الفقیر الهاشمی، باعتباره هو القَدْر المتیَقَّن المعلوم من داخل کلام الإمام علیه السلام حسب الفرض. فیعترف الجواب عن الشُّبهَه بتسجیل شبهه صاحب الکفایه بناءًا عَلَیٰ الصِّیَاغَه الأولی.

وهذا ما نفنّده ونقول: إن هذه الشُّبهَه غیر وارده حتّی لو فَسَّرْنّا الظُّهُور الْحَالِیّ بالصیاغه الأولی. فلنفرض أن مضمون الظُّهُور الْحَالِیّ شیء واحد ولیس شَیْئَیْنِ، وهو أنْ یکون کلام الْمُتِکَلِّم وافیاً بتمام مرامه، مع ذلک لا تصح شبهه صاحب الکفایه؛ لأَنَّ ظاهر حال الْمُتِکَلِّم هو کونه بصدد بیان تمام مراده، وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ المقصود من «تمام مراده» هو المراد الْجِدِّیّ لِلْمُتِکَلِّمِ والثَّابِت عَلَیٰ مَوْضُوع مُعَیَّن. فالمقصود النهائی والمراد الْجِدِّیّ للإمام علیه السلام عباره عن «وُجُوب الإِکْرَامِ» المجعول عَلَیٰ مَوْضُوع محدَّد. وإن حملنا کلام الإمام علیه السلام عَلَیٰ المقیَّد لم یُبَیَّن فیه أَنَّهُ ما هو مَوْضُوع الحکم. نعم، الفقیر الهاشمی قدر متیقن، فنقطع بوجوب إکرامه، لکن ما هو موضوع الحکم لِوُجُوبِ الإِکْرَامِ فِی الشریعه؟ هل هو ذات الفقیر أو هو الفقیر الهاشمی؟ فإذا حملنا کلام الإمام علیه السلام عَلَیٰ المقیَّد لا یکون کلامه علیه السلام وافیاً ببیان مَوْضُوع الحکم. وهذا خلاف ظاهر حال کل متکلم؛ فَإِنَّ ظاهر حال کل متکلم أَنَّهُ بصدد بیان تمام مراده الْجِدِّیّ، أی: بصدد بیان تمام مَوْضُوع الحکم.

ص: 158

فالظهور الْحَالِیّ حتّی عَلَیٰ الصِّیَاغَه الأولی یقتضی حمل کلام الإمام عَلَیٰ الإِطْلاَق، وهذا معناه عدم ورود شبهه صاحب الکفایه، أی: وجود القَدْر المتیَقَّن لا یمنع من التَّمسُّک بالإطلاق.

للکلام تتمه وشرح یأتی إن شاء اللٰه تعالی. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه.

مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

ذکرنا بالأَمْسِ الشُّبهَهَ الَّتی عَلَیٰ أساسها یُقال (کما قال صاحب الکفایه) إن وجود القَدْر المتیَقَّن فِی مقام التخاطب یمنع من انعقاد الإطلاق. وَکَانَ حَاصِلُهَا أن الْمُتِکَلِّم فِی هَذَا الْفَرْضِ لو کان مراده خصوص المقیَّد (مثلاً فِی المثال المتقدّم بالأَمْسِ عندما یسأل عن إکرام الفقیر الهاشمی فیأتی الجواب: أکرم الفقیر، هنا الإمام علیه السلام الَّذی قال: أکرم الفقیر)، أی: وجوب إکرام الفقیر الهاشمی، هذا المراد قد بیَّنه الإمام علیه السلام وکلامه علیه السلام وافٍ ببیانه؛ لأَنَّ السُّؤَال کان عن الفقیر الهاشمی وجاء الجواب عنه. وکذلک إن کان مراده المطلق یکون کلامه وافیاً به أیضاً؛ لأَنَّهُ قال: تصدق عَلَیٰ الفقیر، والفقیر مطلق یشمل الهاشمی وغیر الهاشمی. إذن، کیف نفهم الإِطْلاَق وأن مراده المطلق؟ لأَنَّ کلامه ینسجم مع إراده المطلق کما ینسجم مع إراده المقیَّد. وبالتَّالی یبقی الکلام مُجْمَلاً، طبعاً مُجْمَلاً بِالنِّسْبَهِ إلی الفقیر غیر الهاشمی. ولا یمکن التَّمسُّک بإطلاق کلام الإمام علیه السلام.

فکان الجواب عن هذه الشُّبهَه بالأَمْسِ وحَاصِلُهُ التَّفْصِیل بین ما إذا کان الظُّهُور الْحَالِیّ الَّذی هو أساس الدِّلاَلَه عَلَیٰ الإِطْلاَق) بحسب الصِّیَاغَه الأولی المتقدّمه بالأَمْسِ، أی: ظاهر حال الْمُتِکَلِّم أَنَّهُ بصدد بیان تمام مراده بهذا الکلام، فتکون الشُّبهَه وارده؛ لأَنَّهُ کما قلنا: کلام الإمام وافٍ ببیان المقیَّد لو کان هو المراد کما أَنَّهُ وافٍ ببیان المطلق لو کان هو المراد. فکلاهما ینسجم مع الظُّهُور الْحَالِیّ. فیبقی الکلام مُجْمَلاً بین التَّقْیِید والإطلاق.

ص: 159

أَمَّا إذا کان الظُّهُور الْحَالِیّ عباره عن هذه الصِّیَاغَه الثَّانیه وهو «أن ظاهر حال الْمُتِکَلِّم هو أَنَّهُ بصدد بیان تمام مراده بکلامه وأیضاً بصدد بیان أن ما ذکره هو تمام المراد وغیره لَیْسَ هو المراد» فلا ترد الشُّبهَه؛ لأَنَّهُ لو کان مراد الإمام هو المقیَّد (حسب هذه الصِّیَاغَه، أی: وجوب إکرام الفقیر الهاشمی) فَیَصِحُّ القول بأن کلامه وفی به (لأَنَّهُ وقع مورد السُّؤَال) ولکن الأمر الثَّانِی غیر موجود، وهو أن هذا هو تمام المراد وغیره (أی: إکرام الفقیر غیر الهاشمی) لَیْسَ بمراد. فمعنی ذلک أن القَدْر المتیَقَّن لا یضرّ بالإطلاق، ولا تکون الشبهه وارده.

إلاَّ أن سَیِّدنَا الأُسْتَاذ الشَّهِید قال: إِنَّه لا أصل الشُّبهَه تامّ ولا هذا الجواب. أَمَّا هذا الجواب غیر تامّ؛ فَلأَنَّهُ یوجد هناک اعتراضان عَلَیٰ هذا الجواب، الاعتراض الأوّل هو أَنَّ صاحب هذا الجواب اعترف بأن الشُّبهَه وارده بناء عَلَیٰ التَّفْسِیر الأوّل للظهور الْحَالِیّ (بأن الکلام وافٍ بالمراد لو أراد المطلق ولو أراد المقیَّد)، بینما هذا الکلام غیر صحیح؛ لأَنَّ الشُّبهَه غیر وارده حتّی بناء عَلَیٰ الصِّیَاغَه الأولی؛ وذلک لأَنَّهُ إن کان المقصود من قولکم: «إن أراد الْمُتِکَلِّم المقیَّد کان کلامه وافیاً بتمام المراد» أن کلامه وافٍ ببیان أن المقیَّد هو مَوْضُوع الحکم (أی: کلام الإمام علیه السلام عندما قال: أکرم الفقیر، وافٍ ببیان أن الْمَوْضُوع الحکم الشَّرْعِیّ عباره عن الفقیر الهاشمی) فهو واضح البطلان؛ لأَنَّ الخطاب وهو قوله أکرم الفقیر، لم یُبَیَّن فیه تعلّق الحکم بالفقیر الهاشمی؛ لأَنَّهُ لم یؤخذ فیه قیدُ «الهاشمی» بل قال علیه السلام: «أکرم الفقیر»، وبما أن القید لم یذکر فِی مَوْضُوع الحکم فلا یَدُلّ الکلام عَلَیٰ أن مَوْضُوع وُجُوب الإِکْرَامِ هو الفقیر الهاشمی، وإنَّما الَّذی بُیِّنَ فِی هذا الکلام هو أن الفقیر الهاشمی یجب إکرامه، باعتباره هو القَدْر المتیَقَّن فِی مقام التخاطب، لکن لم یُبیَّن أن مَوْضُوع وُجُوب الإِکْرَامِ هو الفقیر أو الفقیر الهاشمی. فقد بُیِّن أن الفقیر الهاشمی یجب إکرامه. لکن هذا لا یعنی أن مَوْضُوع الحکم هو الفقیر الهاشمی؛ إذ من الممکن أن یکون مَوْضُوع الحکم هو الفقیر الهاشمی، کما أن من الممکن أن یکون مَوْضُوع الحکم هو الفقیر. فعلی کل تقدیر یکون وجوب إکرام الفقیر الهاشمی ثابتاً وقدراً متیقناً، ولکن مجرّد ثبوت وُجُوب الإِکْرَامِ للفقیر الهاشمی لا یُعَیِّنُ بالضروره أن مَوْضُوع الحکم بوجوب الإکرام هو الفقیر الهاشمی، فقد یکون هو مَوْضُوع الحکم کما یمکن أن یکون الفقیر الهاشمی هو مَوْضُوع الحکم أیضاً.

ص: 160

إذن، «کون الفقیر الهاشمی هو المتیقن» شیء و«کون الفقیر الهاشمی هو مَوْضُوع الحکم» شیء آخر، والأول أعمّ من الثَّانِی، وهذا هو اللاَّزِم الأعمّ، وعلیه فینعقد الإِطْلاَق ولا ترد الشُّبهَه حتّی عَلَیٰ الصِّیَاغَه الأولی، فلا یُسجَّل هذا الاعتراض، أی: القَدْر المتیَقَّن لا یضرّ بالإطلاق؛ لأَنَّ الصِّیَاغَه الأولی تقتضی أن یکون کلام الْمُتِکَلِّم وافیاً ببیان تمام عناصر مَوْضُوع حکمِه، بینما إذا کان مَوْضُوع الحکم عباره عن إکرام الفقیر الهاشمی لا یکون کلام الإمام علیه السلام مبیِّناً له، وإلاَّ لکان یقول: «أکرم الفقیر الهاشمی»، کأی حکم آخر مع موضوعه حیث یُبَیِّن الإمام علیه السلام تمام عناصره.

هذا فیما لو أراد صاحب الشُّبهَه بقوله: «لو کان المراد هو المقیَّد فهو مبیَّنٌ فِی الکلام» أَنَّهُ بُیِّن بما هو موضوع الحکم فهو واضح البطلان.

وأمّا إن أراد بقوله: «الکلام وافٍ ببیان المراد» أَنْ یَکُونَ کلامه وافیاً ببیان ثبوت الحکم لذات المقیَّد (أی: وفائه ببیان وجوب إکرام الفقیر الهاشمی) لا للمقیَّد بوصفه مقیَّداً (کی یرجع إلی الفرض السَّابِقَ)، أی: إن لم یکن الکلام وافیاً ببیان أن الفقیر الهاشمی هو مَوْضُوع الحکم، فحینئذٍ یأتی الإشکال القائل بأَنَّهُ کما أَنَّ القَدْر المتیَقَّن فِی مقام التخاطب یضرّ بالإطلاق کذلک القَدْر المتیَقَّن من خارج مقام التخاطب یضرّ بالإطلاق. أی: نرجع إلی مثال «ثمن العذره سحت» حیث کان یوجد القَدْر المتیَقَّن فیه من خارج الخطاب؛ لأَنَّنَا نعلم من خارج الخطاب أن القَدْر المتیَقَّن من العذرات الَّتی ثمنها سُحت هو عذره الإنسان قَطْعاً، ولم نعلم به من داخل الخطاب؛ لعدم وجود سؤال، بل الإمام علیه السلام ابتداءً قال: «ثمن العذره سحت». أی: لا یمکن أن یکون ثمن عذره الإنسان والحیوان المحرم أکل لحمه غیر سحت، ولکن یکون ثمن عذره الحیوان المأکول اللحم سحتاً. وهذا - بناءًا عَلَیٰ الفرض الثَّانِی - یضرّ بالإطلاق أیضاً، بحیث لو أراد المقیَّد (أی: عذره الإنسان بالخصوص) لم یخالف الظُّهُور الْحَالِیّ؛ لأَنَّ الظُّهُور الْحَالِیّ کان عباره عن أن یکون کلامه وافیاً ببیان ثبوت الحکم للمقیَّد، وهو کذلک؛ لأَنَّ هذا المقیَّد هو المتیقن (وإن کان متیقناً من الخارج). وکذلک لو أراد المطلق لا یکون قد خالف ظهور حاله. إذن، کلامه وافٍ ببیان کل من المطلق والْمُقَیَّد. وبالتَّالی نبقی حائرین فِی أن قوله «ثمن العذره سحت» هل یشمل عذره غیر الإنسان أو لا؟ فلا یمکننا أن نتمسّک بالإطلاق. وهذا معناه أن وجود القَدْر المتیَقَّن من خارج الخطاب أیضاً یضرّ بالإطلاق. والحال أنکم قلتم مع الْمَشْهُور بأن وجود القَدْر المتیَقَّن خارج مقام التخاطب لا یضرّ بالإطلاق. هذا بِالنِّسْبَهِ إلی الفرض الثَّانِی.

ص: 161

فهذا منبه وجدانی عَلَیٰ أن المعنی الصَّحِیح ل_«کون الکلام وافیاً بتمام المراد» هو الأوّل، أَنْ یَکُونَ الکلام وافیاً ببیان مَوْضُوع الحکم. أی: ظاهر حال الْمُتِکَلِّم هو أَنَّهُ بصدد بیان ما هو موضوع الحکم بتمام عناصره، وحینئِذٍ لا تکون الشُّبهَه وارده؛ لأَنَّ الإمام سواء فِی قوله: «ثمن العذره سحت» أو فِی قوله: «أکرم الفقیر» جواباً عن سؤال السائل: «هل أکرم الفقیر الهاشمی»؟ لو کان مراد الإمام علیه السلام المقیَّد لم یکن کلامه وافیاً بتمام المراد؛ لأَنَّ المفروض أن یکون کلامه وافیاً بأن مَوْضُوع الحکم هو هذا، بینما لم یُبَیِّن مَوْضُوع الحکم فِی کلا الموردین، بینما لو کان مَوْضُوع الحکم هو المطلق کان کلامه وافیاً به.

ومن هنا ینقدح حل الشُّبهَه نفسها أیضاً؛ فَإِنَّ حلها هو أَنَّهُ سَوَاءٌ کَانَ هناک قدر متیقن فِی مقام التخاطب أو لم یکن قدر متیقن فِی مقام التخاطب، لو أراد الْمُتِکَلِّم المقیَّد یلزم خلف الظُّهُور الْحَالِیّ وَالَّذِی هو - بحسب صیاغته الصحیحه - عباره عن أن ظاهر حال الْمُتِکَلِّم هو أَنَّهُ بصدد بیان تمام مراده (أی: تمام موضوع حکمه الْجِدِّیّ) بکلامه، أَمَّا إن أراد المطلق لا یلزم الخلف.

هذا هو الاعتراض الأوّل من الاعتراضین عَلَیٰ هذا الجواب الَّذی ذُکر عن الشُّبهَه.

الاعتراض الثَّانِی هو أَنَّهُ لو سَلَّمنا وغضضنا النَّظر عن الاعتراض الأوَّل، وسلَّمنا بتسجیل الشُّبهَه بناءًا عَلَیٰ الصِّیَاغَه الأولی ولا ینعقد الإِطْلاَق عند وجود القدر المتیقَّن فِی مقام التخاطب، إذن المفروض أن لا یَتُِمّ الإِطْلاَق عَلَیٰ الصِّیَاغَه الثَّانیه أیضاً؛ فإن تفصیلکم بین الصیاغتین بالقول بأن الشُّبهَه وارده عَلَیٰ الصِّیَاغَه الأولی دون الثَّانیه، غیر صحیح؛ لما یقال فِی الصِّیَاغَه الثَّانیه من أن الظُّهُور الْحَالِیّ مفاده أَمْرَانِ:

ص: 162

أوَّلاً: کون الکلام وافیاً بتمام المرام.

وثانیاً: کون الکلام وافیاً ببیان أن هذا هو التمام وغیره لَیْسَ بمراد.

وهذا معناه أن هناک ظهورین حالیین لِلْمُتِکَلِّمِ. ظهور یتناول الجانب الإیجابی ویقول: إن هذا هو مراد الْمُتِکَلِّم، وظهور آخر یتناول الجانب السلبی ویقول: إن غیره لَیْسَ بمراد.

وحینئذٍ نقول: إذا صرفنا النَّظَر الآنَ عن الظُّهُور الثَّانِی فَسَوْفَ نری أَنَّهُ إذا کان مراد الْمُتِکَلِّم هو المقیَّد، لا یلزم منه خلف الظُّهُور الْحَالِیّ الأوّل؛ لأَنَّهُ لا شکّ أن الکلام وافٍ بوجوب إکرام الفقیر الهاشمی. وهذا معناه أن وجوب القدر المتیقَّن فِی مقام التخاطب یمنع من أن یکون للکلام إطلاق یشمل الفقیر غیر الهاشمی. أی: یصبح الکلام مُجْمَلاً، وإذا کان کذلک فَسَوْفَ لا یکون هذا الکلام وافیاً بإراده ما زادَ عَلَیٰ هذا المقیَّد؛ لأَنَّ الکلام مجملٌ والمجمل لا یُبَیِّنُ شیئاً. وحیث أن الْمُتِکَلِّم فِی مقام بیان تمام مراده - حسب الظُّهُور الْحَالِیّ الأوّل - وکلامه لم یُبَیِّن ما زاد عَلَیٰ المقیَّد، فنثبت بهذا الظُّهُور الأوّل أن ما زاد عَلَیٰ المقیَّد لَیْسَ بمرادٍ. وهذا معناه الحفاظ عَلَیٰ الظُّهُور الثَّانِی. إذن، بات الْمُتِکَلِّم مبیِّناً أن المقیَّد هو تمام المراد وأن غیره لَیْسَ بمراد. فإذا أراد المولی المقیَّدَ لا یلزم خلفٌ لشیء من الظهورین، لا خلف الظُّهُور الْحَالِیّ الأوّل ولا خلف الظُّهُور الْحَالِیّ الثَّانِی، وبالتَّالی لا ینعقد الإِطْلاَق (لأَنَّه إن أراد المقیِّد لا یلزم منه الخلف، کما إذا أراد المطلق لا یلزم منه الخلف، فبالتالی لا نعرف بأَنَّهُ هل أراد المقیَّد أم أراد المطلق، فلا ینعقد الإِطْلاَق) حتّی علی الصِّیَاغَه الثَّانیه.

فقولکم: «بناء عَلَیٰ الصِّیَاغَه الثَّانیه ینعقد الإِطْلاَق والقَدْر المتیَقَّن لا یضرّ» غیر صحیح.

ص: 163

مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

بعد أن اتَّضَحَ عدمُ ورودِ الشُّبهَهِ الَّتی أثارها المُحَقِّقُ الخُراسانیُّ حولَ الإِطْلاَقِ فِی مواردِ وجودِ القَدْرِ المتیَقَّنِ فِی مقامِ التخاطبِ، یَتَّضِح أن الصَّحِیحَ جریانُ الإِطْلاَقِ فِی کُلّ الموارد التَّالیهِ:

1)- المورد الَّذی لا یوجد فیه قَدْرٌ متیَقَّن أصلاً، کما إذا قال: «تَصَدَّق عَلَیٰ الفقیر».

2)- المورد الَّذی یوجد فیه قَدْرٌ متیَقَّن من خارج الخطاب، کما إذا قال: «تصدق عَلَیٰ الفقیر» وعلمنا من الخارج أن الفقیر المجاهد مثلاً أولی من غیره.

3)- المورد الَّذی یوجد فیه قَدْرٌ متیَقَّن من داخل الخطاب، کما إذا کان السُّؤَال عن الفقیر العالم وأجاب الإمام علیه السلام: «تصدق عَلَیٰ الفقیر».

وَالْحَاصِلُ أَنَّ وجود القَدْر المتیَقَّن فِی مقام التخاطب لا یضرّ بالإطلاق بتاتاً، ناهیک عنه فِی خارج الخطاب.

وللمقارنه بین تصوّرنا وتصوّر الخُراسانیّ عن المطلق والْمُقَیَّد نلفت نظر القارئ الکریم إلی مثال «تَصَدَّقْ عَلَیٰ الْفَقِیرِ»! فإذا کان العددُ الکلّی للفقراء مائه، وکان خَمْسُونَ منهم هاشمیین وَخَمْسُونَ آخرون غیر هاشمیین، حینئذٍ یَتَرَدَّدُ الأمر بین ثبوت الحکم (وهو وُجُوب الإِکْرَامِ) لمطلق الفقیر وبین ثبوت الحکم لِلْمُقَیَّدِ (= خصوص الهاشمیین). وَالنِّسْبَه بین المطلق والْمُقَیَّد هنا هی نسبه الأَقَلّ والأکثر، ولکن أیهما هو الأَقَلّ وأیهما هو الأکثر؟

الجواب: إذا کان الملحوظ فِی المقارنه بین المطلق والْمُقَیَّد هو مصادیق الحکمِ الخارجیهُ من حیث الکمّیّهِ (بأن تکون مصادیق المطلق أکثر من مصادیق المقیَّد خارجاً أو أقل منها)، فمِنَ الْوَاضِحِ - حسب هذا التَّصَوُّر - أنْ یکون المقیَّدُ هو الأَقَلّ، والمطلقُ هو الأکثر.

ص: 164

هذا، بینما یلحظ التَّصَوُّر الثَّانِی (فِی المقارنه بین المطلق والْمُقَیَّد) العنوانَ الَّذی یقع مَوْضُوعاً للحکم فِی عالم الجعل، عَلَیٰ أن تنقلب الآیهُ وَالنِّسْبَهُ - وَفق هذا التَّصَوُّر - لیکون المقیَّدُ هو الأکثر، والمطلقُ هو الأَقَلُّ؛ إذ لو کان الحکم (وهو وجوب التصدق) ثابتاً للمطلق (وهو الفقیر) - فِی هذا التَّصَوُّر - لکان مَوْضُوع الحکم فِی عالم الجعل عباره عن ذات الفقیر فحسب، خلافاً لما إذا کان الحکم ثابتاً للمقیَّد (وهو الفقیر الهاشمی) فحینئذٍ لا یکون مَوْضُوع الحکم عباره عن ذات الفقیر، بل یکون عُنْوَاناً مُرَکَّباً من جزأین هما «الفقیر» و«الهاشمی»، وبالتَّالی یصبح المقیَّد هو الأکثر والأزید والمطلقُ هو الأَقَلّ، عَلَیٰ عکس النَّتِیجَه الَّتی تمخضت عن التَّصَوُّر الأوّل.

وکلام المُحَقِّق الخُراسانیّ راجع روحه إلی التَّصَوُّر الأوّل؛ لأَنَّ تمام مرام الْمُتِکَلِّم بلحاظ الأفراد الموجودین فِی الخارج عباره عن وجوب إکرام خمسین منهم؛ لأَنَّ الموجود خارجاً هو خَمْسُونَ هاشمیّاً، والمفروض أن کلامه قد وفی بذلک؛ لأَنَّ هؤلاء الخمسین هم القَدْرُ المتیَقَّن فِی مقام التخاطب؛ إذ هم مورد السُّؤَال بحسب الفرض. فلا یلزم الخلف لو أراد المقیِّد، فلا ینعقد لکلامه إطلاق.

ونحن لنا کلامان مع الخُراسانیّ:

أوَّلاً: أنَّ أساس التَّصَوُّر الأوّل (عن المطلق والْمُقَیَّد) غیر صحیح ومرفوض، وإِنَّنَا نأخذ بالتصور الثَّانِی (القائل بأن الْمُطْلَقِ والْمُقَیَّد إِنَّمَا هما بلحاظ ما هو موضوع الحکم فِی عالم الجعل) ونقول: لو أراد الْمُتِکَلِّم المقیَّدَ (الَّذی هو الهاشمی فحسب) لا یکون قَدْ بَیَّنَ تمامَ مراده (رغم أن المقیَّد هو القَدْر المتیَقَّن؛ لأَنَّهُ وقع مورد السُّؤَال)؛ لأَنَّنَا نقصد ب_«تمام المرام» تمام العنوان الَّذی هو مَوْضُوع (کلی) للحکم فِی عالم الجعل، والمفروض أن یکون کلام الْمُتِکَلِّم وافیاً بکل ما هو مَوْضُوع للحکم فِی عالم الجعل.

ص: 165

إذن، إن الخطاب مرتبط بعالم الجعل ولیس مُرْتَبِطاً بالمصادیق الخارجیه؛ إِذْ أَنَّ الخطابات لا تَدُلّ إلاَّ عَلَیٰ جعل الحکم عَلَیٰ مَوْضُوع محدّد. فإذا أرید من الکلام أن یکون وافیاً بتمام المرام یجب أن یکون الکلام وافیاً ببیان کل ما هو مَوْضُوع الحکم فِی عالم الجعل. فإن أراد المولی خصوص المقیَّد (الفقیر الهاشمی الَّذی وقع السُّؤَال عنه) لم یُبَیِّن فِی کلامه ما هو تمام مَوْضُوع الحکم فِی کلامه؛ إذ أَنَّ «تَصَدَّقْ عَلَیٰ الْفَقِیرِ» خطاب یتکفَّل بیان حکمٍ ثابت عَلَیٰ مَوْضُوع محدّد هو «الفقیر». فإذا فرضنا أن تمام المرام وتمام ما هو مَوْضُوع الحکم عند المولی هو الفقیر الهاشمی، لا یکون کلام الإمام وافیاً ببیان تمام ما هو مَوْضُوع الحکم.

أجل، إن إکرام الفقیر الهاشمی واجب عَلَیٰ أی حال؛ لأَنَّهُ مَوْضُوع السُّؤَال، لکن هل یجب إکرامه لوجوب إکرام الفقیر الهاشمی دون غیره، أو یجب إکرامه من منطلق وجوب إکرام مطلق الفقیر، ومن جملتهم الفقیر الهاشمی؟!

فلو أراد المقیَّد لم یکن کلامه وافیاً بتمام المرام، لأَنَّ تمام المرام (= مَوْضُوع الحکم) مرکب من جزأین (= الفقیر والهاشمی) والإمام بیَّنَ جزءاً وهو الفقیر الهاشمی ولم یُبَیِّن الجزء الآخر، فلم یکن کلامه وافیاً بتمام مراده، فیلزم الخلف، و من هنا نَقُول: ینعقد الإِطْلاَق لکلام الإمام علیه السلام؛ لأَنَّهُ لو لم یرد المطلق وأراد المقیَّد خالف ظهوره الْحَالِیّ. إذن فالظهور الْحَالِیّ یقتضی أَنَّهُ علیه السلام أراد المطلق، وهذا معناه أن القَدْر المتیَقَّن لم یضرّ بالإطلاق.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ المقصود من الظُّهُور الْحَالِیّ (القائل بأن الْمُتِکَلِّم فِی مقام بیان تمام مرامه) هو کون المتکلِّم فِی مقام بیان تمام ما هو مأخوذ فِی موضوع الحکم فِی مقام الجعل؛ لأَنَّ هذا هو مدلول الخطاب (لأَنَّ الخطابات بشکل عامّ تَدُلّ عَلَیٰ جعول وتشریعات) ولیس المقصود من الظُّهُور الْحَالِیّ المتقدّم کون الْمُتِکَلِّم فِی مقام بیان تمام ما هو مصداقٌ لحکمه خارجاً. وشتّان بین المطلبین.

ص: 166

فَیَکُونُ المقیَّد بلحاظ هو الأکثر والمطلق هو الأَقَلّ (أی: أضفنا عنصراً زائداً عَلَیٰ عنصر الطَّبِیعَه. أی: هل الطَّبِیعَه أکثر؟ أو الطَّبِیعَه مع شیء آخر، أکثر؟).

عَلَیٰ کل حال، بناءًا عَلَیٰ هذا التَّصَوُّر فِی موارد وجود القَدْر المتیَقَّن فِی مقام التخاطب، بُیِّن لِلْمُقَیَّدِ أن وُجُوب الإِکْرَامِ ثابت له، ولکن لم یُبَیِّن أَنَّهُ مَوْضُوع الحکم. فلو أراد المولی هذا لم یکن کلامه وافیاً ببیانه. وهذا خلاف ظاهر حال المولی؛ إِذْ أَنَّ ظاهر حاله أَنَّ کلامه وافٍ ببیان موضوع الحکم، والمولی قال: «أکرم الفقیر»، فنتمسک بإطلاق الفقیر ونقول: إن مَوْضُوع الحکم هو ذات الفقیر، هاشمیّاً کان أم غیره.

وثانیاً: یَسْتَلْزِم من التَّصَوُّر الأوّل عدّه محاذیر نسردها تباعاً:

المحذور الأوّل: هو ما تقدّم شرحه فی البحوث السَّابِقَه من الالتزام بعدم تَمَامِیَّه الإِطْلاَق بناء عَلَیٰ التَّصَوُّر الأوّل فِی موارد وجود القَدْر المتیَقَّن فِی مقام التخاطب، حتّی لو کان ظاهر حال الْمُتِکَلِّم کونه فِی مقام بیان تمام المراد وأنه هو التمام (أی: حتّی إذا کان مفاد الظُّهُور الْحَالِیّ أَمْرَیْنِ).

المحذور الثَّانِی: عدم إمکانیه التَّمسُّک بالإطلاق حتّی فِی موارد وجود القَدْر المتیَقَّن من خارج الخطاب، کما إذا افترضنا أن الإمام علیه السلام قال ابتداءً: «تَصَدَّقْ عَلَیٰ الْفَقِیرِ» (مِنْ دُونِ السُّؤَال والجواب)، وعلمنا من الخارج (ومن القیم الَّتی تهتم بها الشّریعه) أن بعض الفقراء أولی من الآخرین، فمن الطَّبِیعِیّ أن نتمسک بالإطلاق، بینما بناء عَلَیٰ تصوّر الخُراسانیّ المتقدّم لا یَتُِمّ الإِطْلاَق فِی هَذَا الْفَرْضِ. أو المثال الفقهیّ المتقدّم «ثمن العذره سحت» لا یوجد فیه القَدْر المتیَقَّن فِی داخل الخطاب؛ لأَنَّهُ کلام ابتدائی من الإمام علیه السلام، ولا یوجد فیه سؤال، لکن نعلم من خارج السُّؤَال أن عذره الحیوان المحرم أکله هو المتیقن، بحیث لا نحتمل أن هذا الحکم یختصّ بعذره الحیوان المحلل الأکل ولا یشمل الحیوان المحرم الأکل.

ص: 167

فهنا بناءًا عَلَیٰ تصوّر الخُراسانیّ لا یَتُِمّ الإِطْلاَق؛ لأَنَّهُ معنی کون الْمُتِکَلِّم فِی مقام بیان تمام المراد هو أَنَّهُ فِی مقام بیان تمام الأفراد والمصادیق الَّتی یریدها، ولیس معناه بیان تمام ما هو مَوْضُوع للحکم فِی مقام الجعل. فلا یلزم الخلف - بناءًا عَلَیٰ هذا التَّصَوُّر - إذا أراد الْمُتِکَلِّم المقیَّدَ. فعلی سبیل المثال إن کان مقصوده من «الفقیر» هو «الفقیر المجاهد» (القَدْر المتیَقَّن الَّذی نعلمه من الخارج) لا یلزم الخلف؛ لأَنَّهُ قد بیَّن هذا المرام والمراد فِی کلامه، ولو فِی ضمن بیان المطلق؛ فهو قَدْ بَیَّنَ وجوب إکرام الفقیر المجاهد ولو فِی ضمن المطلق. فلا یمکننا أن نقول: «إن أردت المقیَّد لم تمش علی ظهور حاله، فمرادک المطلق»، بل یحتمل أن یکون مراده المطلق کما یحتمل أن یکون مراده المقیَّد، فلا ینعقد لکلامه إطلاق.

فلطالما أن الظُّهُور الْحَالِیّ عند الخُراسانیّ هو أن الْمُتِکَلِّم فِی مقام بیان تمام ما هو مصداق للحکم خارجاً (التَّصَوُّر الأوّل عن المطلق والْمُقَیَّد)، فلماذا تخصصون الْقَضِیَّهَ بالقدر المتیقن فِی مقام التخاطب؟ بل إن القَدْر المتیَقَّن من خارج الخطاب یضرّ بالإطلاق أیضاً؛ للنُّکته نفسها الَّتی تذکرونها للقدر المتیقن داخل الخطاب.

اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

تقدّم أن الخُراسانیّ ذهب إلی أن «وجود القدر المتیقَّن فِی مقام التخاطب یمنع من انعقاد الإِطْلاَق»، وهذا الکلام راجع بروحه إلی التَّصَوُّر الآنف الذّکر عن المطلق والْمُقَیَّد وَالَّذِی کان ینتج أنّ المطلق هو الأکثر والأوسع والأزید، والْمُقَیَّدُ هو الأَقَلّ؛ لأَنَّهُ یُراد بِالْمُطْلَقِ الأفراد والمصادیق الخارجیه لموضوع الحکم. فعلی سبیل المثال إن کان عدد الفقراء مائه، فالمطلق یعنی کل المائه، بینما المقیَّد یعنی الفقراء الهاشمیون الخمسون، والخمسون بِالنِّسْبَهِ إلی المائه أقل، وهذا واضح.

ص: 168

وتقدم أیضاً أن هناک محاذیر تُوجَّه إلی هذا التَّصَوُّر، أسلفنا المحذور الأوّل منها وإلیک:

المحذور الثَّانِی: أن یلزم منه عدم انعقاد الإطلاق حتّی فِی موارد وجود القدر المتیقَّن من خارج الخطاب، مثلما إذا قال المولی: «أکرم الفقیر» مِنْ دُونِ أن یلفّ الخطابَ قدرٌ متیقن، ولکِنَّنََا علمنا من الخارج أن الفقیر المجاهد أولی من غیره لجهاده، أو أن الفقیر العادل أولی من غیره لعدالته. فحینئذٍ یُفترض أن لا ینعقد للکلام إطلاق - بناءًا عَلَیٰ هذا التَّصَوُّر - مع أَنَّهُ قال: «أکرم الفقیر»؛ لأَنَّ وجود القَدْر المتیَقَّن من خارج الخطاب یضرّ بهذا الإِطْلاَق بنفس النُّکته الموجوده فِی القدر المتیقَّن فِی مقام التخاطب؛ لأَنَّ ظهور حال الْمُتِکَلِّم (وَفقاً للتصور الآخوندی) عباره عن أَنَّهُ فِی مقام بیان تمام مراده فِی کلامه، وتمام مراده (وَفقاً لهذا التَّصَوُّر) هو تمام الأفراد الخارجیه الَّتی یریدهم (أی: یرید وجوبَ إکرامهم)، فإن کان مراد المتکلم بقوله: «أکرم الفقیر» خصوص الفقراء المجاهدین، یکون قَدْ بَیَّنَه بکلامه ولو فِی ضمن العباره المطلقه؛ لأَنَّ الظُّهُور الْحَالِیّ هو أساس الدِّلاَلَه عَلَیٰ الإِطْلاَق وقد تصوّره الآخوند بهذا التَّصَوُّر. فلا یکون کلامه مخالفاً لظهور حاله فیما لو أراد المقیَّد، فلا یقتضی ظهوره الْحَالِیّ أن یکون مراده المطلقُ؛ لأَنَّهُ لو أراد المقیَّد کان ماشیاً عَلَیٰ وفق الظُّهُور الْحَالِیّ. فکیف نتمسّک بإطلاق کلامه؟

فإن قلتم: لو سَلَّمنا بهذا المحذور یجب أن نسلم به حتّی فِی موارد عدم القَدْر المتیَقَّن أساساً (لا فِی داخل الخطاب ولا خارج الخطاب)؛ لأَنَّ النُّکته فیه ما ذکرتموها من أن تصوّر الآخوند یفترض أن یکون الْمُتِکَلِّم فِی مقام بیان تمام مرامه، وتمام المرام عباره عن تمام الأفراد الَّذین یرید ثبوت الحکم لهم. وعلیه لا ینعقد الإِطْلاَق فِی موارد وجود القَدْر المتیَقَّن فِی خارج الخطاب فقط، بل لا ینعقد حتّی فِی موارد عدم وجود القَدْر المتیَقَّن أساساً. فلنفترض عَلَیٰ سبیل المثال أَنَّهُ قال: «تصدق عَلَیٰ الفقیر»، ولم یکن هناک سؤال ولا جواب حتّی یکون لدینا قدر متیقن ولم تکن هناک أولویه خارجیّه لبعض الفقراء عَلَیٰ بعضهم (أی: أن یحتمل اختصاص الحکم للفقیر الهاشمی دون غیره إلی جانب احتمال اختصاص الحکم للفقیر غیر الهاشمی دون الهاشمی، مع احتمال أن یکون الحکم ثابتاً لهما معاً) وکان کل أفراد الفقیر متکافئه فِی احتمال اختصاص الحکم لها وفی شمول الحکم لها.

ص: 169

هنا یقول المستشکل: حینئذٍ لا شکّ بأنکم تتمسکون بالإطلاق، بینما یفترض بکم من منطلق الإشکال الَّذی أوردتموه عَلَیٰ الآخوند أن لا تتمسکوا بالإطلاق؛ لأَنَّ النُّکته الَّتی ذکرتموها تأتی هنا، فقد قلتم فِی الإشکال عَلَیٰ الآخوند: «یقتضی الظُّهُور الْحَالِیّ لِلْمُتِکَلِّمِ أن یکون فِی مقام بیان تمام مراده بکلامه، وتمام المراد یعنی تمام الأفراد الَّذین یرید ثبوت الحکم لهم، إذن، فلو أراد المقیَّد لم یلزم الخلف». هنا أیضاً نقول: «لو أن الْمُتِکَلِّم أراد بقوله "تصدق عَلَیٰ الفقیر" الفقیرَ الهاشمیَّ (أی: أراد المقیَّدَ)، کان کلامه وافیاً ببیان تمام الأفراد الخارجیّه الَّذین یرید ثبوت الحکم لهم، فلا یحق لنا أن نقول: لم یرد المقیَّد وأراد المطلق؛ لأَنَّهُ إِنَّمَا یحق لنا أن نقول ذلک فیما إذا لزم الخلفُ (خلاف ظاهر حاله) من إرادته المقیَّد، بینما هنا لا یلزم الخلف إن أراد المقیَّد. فلا یمکننا أن نقول: إِنَّه أراد المطلق. إذن، ینسد باب الإِطْلاَق نهائیّاً. وَمِنَ الْوَاضِحِ أَن لا أحد یلتزم بهذا اللاَّزِم الباطل!!

قلت: إن ما ذکرناه من الإشکال والمحذور عَلَیٰ کلام الآخوند فِی فرض وجود القدر المتیقَّن من خارج الخطاب، لا یأتی فِی هَذَا الْفَرْضِ (فرض عدم وجود القَدْر المتیَقَّن أبداً)؛ فإِنَّهُ عندما یوجد قدر متیقن ولو من خارج الخطاب یصحّ أن نَقُول: إن أراد الْمُتِکَلِّم المقیَّدَ لم یخالف ظاهر حاله؛ لأَنَّ کلامه وافٍ ببیان المقیَّد. أَمَّا فِی هذا المورد الَّذی ذکرتموه فِی الإشکال وهو مورد عدم وجود القَدْر المتیَقَّن أبداً فلا یصحّ أن نَقُول: إِنَّ الْمُتِکَلِّم لو أراد المقیَّد لکان قَدْ بَیَّنَ ذلک؛ فإِنَّهُ إن قلتم بأَنَّهُ بیَّن المقیَّد فِی ضمن المطلق، نجیب بأَنَّهُ لم یُبَیِّن وجوب التصدق عَلَیٰ تمام الأفراد الَّذین یریدهم (کالهاشمیین)؛ لأَنَّنا افترضنا أن کل الفقراء متساوون، فَکَمَا نحتمل أن الحکم ثابت للهاشمی دون غیره، نحتمل العکس أیضاً: نحتمل أن یکون الحکم لغیر الهاشمی دون الهاشمی. أی: لا یوجد فقیر أولی من غیره فِی ثبوت هذا الحکم له. فهناک احتمالات متعارضه، فکیف نقول: لو أراد المقیَّد لکان مبیَّناً ذلک فِی کلامه؟ کیف یُبَیِّن المتناقضات فِی هذا الکلام؟ إذن، یقتضی الظُّهُور الْحَالِیّ أن ننفی احتمالات إراده المقیَّدات ونتمسک بالإطلاق کسائر الموارد.

ص: 170

وحاصل المحذور المترتّب عَلَیٰ کلام الخُراسانیّ هو أَنَّهُ بناءًا عَلَیٰ تصوّره عن المطلق والْمُقَیَّد یلزم عدم انعقاد الإِطْلاَق فِی موارد وجود القَدْر المتیَقَّن من خارج الخطاب، فلا تختصّ الْقَضِیَّه بوجود القَدْر المتیَقَّن فِی داخل الخطاب.

المحذور الثَّالث: هو أَنَّهُ یلزم من التَّصَوُّر الخُراسانیّ عن المطلق والْمُقَیَّد سدّ باب الإِطْلاَق وغلق بابه نهائیّاً؛ لأَنَّ جوهر مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ والإطلاق هو أن یقال: إن کلام الْمُتِکَلِّم دائر أمره بین المطلق والْمُقَیَّد ولا یمکن أن یکون الْمُتِکَلِّم قد أراد المقیَّد؛ لاستلزامه خلف الظُّهُور الْحَالِیّ لدیه، فیَتَعَیَّنُ الإطلاق.

فهناک جملتان بمجموعهما تُشکّلان مُقَدَِّمَاتِ الْحِکْمَهِ:

الجمله الأولی هی أن الْمُتِکَلِّم لو أراد الإِطْلاَق یکون کلامه وافیاً به، بینما لو أراد المقیَّد لا یکون کلامه وافیاً به. وبما أن ظاهر حاله أن کلامه یجب أن یفی بتمام مراده، إذن فهو أراد المطلق.

أَمَّا الجمله الأولی: فتَتُِمّ بناء عَلَیٰ تصورنا نحن عن المطلق والْمُقَیَّد (وَالَّذِی تقدّم شرحه فِی البحث الماضی). أی: أَنَّهُ بناء عَلَیٰ تصورنا یصحّ فِی مثل هذه الجمله (مثل: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» فِی الموارد الاعتیادیه ولیس فِی موارد القَدْر المتیَقَّن) أن نقول: لو أراد المطلق لکان کلامه وافیاً به؛ لأَنَّ تصورنا عن المطلق کان عباره عن ما هو تمام الْمَوْضُوع الکلّی للحکم فِی عالم الجعل، لا تمام الأفراد والمصادیق لموضوع الحکم. فتصبح العباره: «هل أن الْمُتِکَلِّم عندما قال: أَکْرِمِ الْعَالِمَ، وکان مراده أن یکون مَوْضُوع حکمه عباره عن المطلق (أی: ذات الفقیر مِنْ دُونِ أی قید) یکون کلامه قد وفی بذلک أم لا»؟ نعم؛ لأَنَّ کلامه کان عباره عن لفظ «العالم» وهو اسم جنس یَدُلّ عَلَیٰ ذات العالم. فلو کان قد أراد المطلق. أی: أراد أن یکون مَوْضُوع حکمه فِی عالم الجعل عباره عن ذات الفقیر، لکان کلامه وافیاً به؛ لأَنَّهُ جعل اسم الجنس فِی کلامه واسم الجنس یَدُلّ عَلَیٰ ذات الفقیر. فلو أراد المطلق (حسب تصورنا) کان کلامه وافیاً. بینما إن انتقلنا إلی تصوّر الآخوند نری أن المطلق عنده عباره عن الأفراد والمصادیق الخارجیه للحکم، فلا یصحّ - بناءًا علیه - أن نقول: لو أراد المطلق لکان کلامه وافیاً ببیانه؛ لأَنَّ کلامه کان عباره عن اسم الجنس (= أَکْرِمِ الْعَالِمَ) واسم الجنس لا یَدُلّ عَلَیٰ الأفراد والمصادیق الخارجیه؛ فَإِنَّ المطلق والْمُقَیَّد عند الآخوند عباره عن الأفراد (المطلق تمام المائه عنده والْمُقَیَّد الخمسون فقیراً مثلاً).

ص: 171

فَالْحَاصِلُ أَنَّ هذا الطرز من التفکیر الَّذی یتبناه الخُراسانیّ عن المطلق والْمُقَیَّد لا ینسجم مع طبیعه الدِّلاَلَه الإطلاقیّه، ولا ینسجم مع ملاک دلاله مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ؛ فإن جوهر هذه الدِّلاَلَه قائم عَلَیٰ أساس أن اسم الجنس وحده لا یفی بِالدِّلاَلَهِ عَلَیٰ المقیَّد، وإنَّما یفی بِالدِّلاَلَهِ عَلَیٰ المطلق. أی: الَّذی توجّه أذهان الأُصُولِیِّینَ والعرف نحو أن الْمُتِکَلِّم أراد المطلق ولم یرد المقیَّد هو أَنَّهُ بما أن اسم الجنس وحده یمکنه أن یوصّل إلی ذهننا المطلقَ، لٰکِنَّهُ لا یستطیع أن یوصل إلی ذهننا المقیَّد، وهذا أساس الإطلاق. وأمّا «اللابشرطیه» فقد تقدّم بأنها خارجه عن ذات الْمَاهِیَّه والمرئی، بل هی کیفیَّه فِی الرُّؤْیَه.

وهذا معناه أن المطلق هو الأَقَلّ والْمُقَیَّد هو الأزید (مرکب من ذات الْمَاهِیَّه ومن شیء آخر)، فهذا الأکثر بحاجه إلی بیان زائد (أی: التَّقْیِید)، ومن هنا أصبح التَّقْیِید محتاجاً إلی بیان. وهذا کُلّه إِنَّمَا یَتُِمّ بناءًا عَلَیٰ تصورنا عن المطلق والْمُقَیَّد وهو التَّصَوُّر الثَّانِی فِی فهم وتصویر الإطلاق. أی: أَنْ یَکُونَ النَّظَر إلی مَوْضُوع الحکم فِی مرحله الجعل فَیَکُونُ التَّقْیِید هو الأکثر والإطلاق هو الأقل، بینما إذا نظرنا إلی المصادیق تنقلب الآیه ویصبح الإِطْلاَق هو الأکثر ویصبح التَّقْیِید هو الأَقَلّ.

هذا تمام الکلام فِی المسأله الخلافیه الثَّانیه، وقد تبیَّن أن المقیَّد المنفصل لا یضرّ بالإطلاق فِی المسأله الخلافیه الأولی، وتبیَّن فِی الثَّانیه أن القَدْر المتیَقَّن لا یضرّ بالإطلاق، وأن الإِطْلاَق ینعقد مع وجود القَدْر المتیَقَّن حتّی فِی داخل الخطاب، فضلاً عن وجوده فِی خارج الخطاب. فالإطلاق تامّ فِی جمیع الصور الثَّلاثه الَّتی طرحناها فِی بدایه المسأله:

الصُّورَه الأولی: ما إذا لم یوجد قدر متیقن أبداً.

الصُّورَه الثَّانیه: ما إذا کان القَدْر المتیَقَّن فِی خارج الخطاب.

ص: 172

الصُّورَه الثالثه: ما إذا کان القَدْر المتیَقَّن فِی داخل الخطاب.

اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: اسم الجنس/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

بعد أن اتَّضَحَ جوهر مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ وروحها وحالُ المسألتین الخلافیتین (المقیِّد المنفصل والقَدْر المتیَقَّن فِی مقام التخاطب) المترتبتین عَلَیٰ هذا الجوهر وهذه الروح، نأتی لنطبق ما ذکرناه عَلَیٰ مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ الَّتی ذکرها الأصحاب فِی کتبهم، فقد ذکر الخُراسانیّ( (1) ) أن مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ ثلاث:

المقدّمه الأولی: کون الْمُتِکَلِّم فِی مقام البیان، لا فِی مقام الإهمال والإجمال.

المقدّمه الثَّانیه: عدم نصب قرینه عَلَیٰ القید.

المقدّمه الثَّالثه: عدم وجود قدر متیقن فِی مقام التخاطب.

أَمَّا المقدّمه الأولی: فقد ذکر الخُراسانیّ أنَّها تُثبَتُ بالأصل الْعُقَلاَئِیّ حیث یقال: «إن الأصل فِی کُلّ متکلّم أن یکون فِی مقام البیان، لا فِی مقام الإهمال والإجمال». وقلنا فیما سبق: إن هذه المقدّمه تعبّر بشکلٍ وآخرَ عن ذاک الظُّهُور الْحَالِیّ الآنف الذکر (وَالَّذِی قلنا إِنَّه الأساس فِی استفاده الإِطْلاَق) وبناءًا علیه نقول للخراسانی هنا:

1)- إن قصدتم بهذا الأصل الْعُقَلاَئِیّ ذاک الظُّهُور الْحَالِیّ (وإن کان تعبیرکم عن الظُّهُور بالأصل تعبیراً مسامحیّاً) فهذا عین ما قلناه سابقاً (من أن ظاهر حال کل متکلم أَنَّهُ بصدد بیان مرامه ولیس بصدد إجمال مرامه).

2)- وأمّا إذا کان مقصودکم منه الْحُجِّیَّه والقرار العُقَلاَئِیّ الموجود (کما هو الظَّاهِر والمتعارف من کلمه «الأصل»)، أی: تریدون أن تقولوا: إن العقلاء تبانوا وقرّروا حمل هذه الکلمه عَلَیٰ هذا المحمل (أَنَّهُ بصدد البیان لا الإجمال والإهمال) بحیث یکون کل کلامٍ حجّهً تَعَبُّدِیَّه وأمارهً عُقَلاَئِیَّه عَلَیٰ أن الْمُتِکَلِّم کان فِی مقام البیان ولم یکن فِی مقام الإهمال والإجمال.

ص: 173


1- (1) - کفایه الأصول: ج1، ص384، طبعه المشکینی.

فهذا یرد علیه أَنَّهُ لا یوجد عندنا أصل من هذا القبیل فِی مقابل أصاله الظُّهُور وبغض النَّظَر عن الظُّهُور الَّذی ذکرناه. أی: لا یوجد فِی المقام أصل تعبدی عُقَلاَئِیّ غیر أصاله الظُّهُور، ولا یوجد تبانٍ مِن قِبَلِ العقلاء عَلَیٰ حمل کلام الْمُتِکَلِّم عَلَیٰ هذا المحمل لَیْسَ إلاَّ صغری من صغریات أصاله الظهور. أی: إن أرجعنا أصاله «کون الْمُتِکَلِّم فِی مقام البیان» إلی أصاله الظُّهُور نفسها فبها المراد، وأَمَّا إن أرید بها شیء آخر غیر أصاله الظُّهُور فنحن ننکره؛ إذ لا یوجد شیء آخر غیر أصاله الظُّهُور ولا نحتاج أیضاً إلی شیء غیر أصاله الظُّهُور.

إذن، فجوهر هذه المقدّمه الأولی من مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ هو هذا الظُّهُور الْحَالِیّ القائل بأن الْمُتِکَلِّم فِی مقام بیان تمام مرامه بکلامه.

لفته نظر:

ولا بُدَّ من الالتفات فِی خصوص هذه المقدّمه الأولی إلی أنَّ هذه المقدّمه لا تُعَیِّنُ أنَّ الْمُتِکَلِّم فِی مقام بیان أی شیء؟ وإنَّما بعد تشخیص أن المتکلم بصدد بیان الشَّیْء الفلانی (وذلک بالاستعانه من ظهورات الکلام) یأتی دور هذه المقدّمه الأولی (أو قل: دور هذا الظُّهُور الْحَالِیّ) لیقول: إن الأصل فِی ذاک الشَّیْء الَّذی کان الْمُتِکَلِّم بصدد بیانه أَنَّ الْمُتِکَلِّم بصدد بیان تمامه لا بصدد بیان بعضه وقطعهٍ منه. أی: دور هذه المقدّمه الأولی من مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ یأتی بعد أن یتعیَّن أن معنی کلام الْمُتِکَلِّم ما هو؟

فعلی سبیل المثال إن قال المولی: «کلوا مِمَّا افترسه الکلبُ»، فیجب علینا أوَّلاً أن نُعَیِّنَ أَنَّهُ ما هو الظَّاهِر من هذه الجمله؟ هل أن الأمر بالأکل مِمَّا افترسه الکلبُ إرشادٌ إلی طهارهِ فریسه الکلب؟ أو أَنَّهُ إرشاد إلی تذکیته؟ وقبل هذا التّعیین لا یأتی دور مقدّمه الحِکْمَه، بل یأتی دورها بعد أن استظهرنا أَنَّهُ إرشاد إلی التذکیه لیقول: ظاهر حال الْمُتِکَلِّم الَّذی أصبح بصدد بیان تذکیه فریسه الکلب أَنَّهُ بیَّن کلَّ العناصر الدخیله فِی تذکیه الفریسه (أی: بیَّن کل ذاک المعنی الَّذی استظهرناه من کلامه). فإذا لم یأت بقید خاصّ ولم یذکر نَوْعاً خاصّاً من الأکل، أو نَوْعاً خاصّاً من الافتراس، أو ما ذکر شرطاً خاصّاً، فحینئذٍ نتمسک بالإطلاق ونقول: إن ظاهر حاله أَنَّهُ بصدد بیان کل ما له دخل فِی التذکیه وما ذکره ولم یذکر القید. أَمَّا إذا لم یَتَعَیَّنْ عندنا معنی الکلام بعدُ، فلا معنی لأَنْ تأتی المقدّمه الأولی.

ص: 174

نکته مهمه:

ومن هنا حینما یقال فِی کثیر من الموارد: «هذا الکلام لَیْسَ فِی مقام البیان من هذه الجهه کی تتمسک بإطلاقها»، هذا الکلام لا ینافی هذا الظُّهُور الْحَالِیّ (المقدّمه الأولی من مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ)؛ فَإِنَّ هذا الفقیه الَّذی یقول بهذا الکلام یعترف بهذه المقدّمه أیضاً ولا یرید النقاش فیها، بل یقصد بالأصل والمقدّمه الأولی لزوم تعین وَتشَخّص معنی الکلام لنقول بعد ذلک: إِنَّه کان بصدد بیان کل هذا المعنی، لا بعضه.

فلیست وظیفه هذا الظُّهُور الْحَالِیّ تعیین مفاد الکلام، بل تعیین مفاد الکلام یأتی بالظهورات اللَّفظیَّه المقرَّره، وإنَّما یأتی الظُّهُور الْحَالِیّ بعد تعیّن ظاهر الکلام لیقول: إن ظاهر حال الْمُتِکَلِّم هو أَنَّهُ بصدد بیان تمام ما هو مراده.

مثلاً إن أراد فقیهٌ أن یتمسّک بإطلاق {فَکُلُواْ مِمَّا أَمْسَکْنَ عَلَیْکُمْ} فِی الآیه الشریفه: {یَسْأَلُونَکَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَکُمُ الطَّیِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُکَلِّبِینَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَکُمُ اللّهُ فَکُلُواْ مِمَّا أَمْسَکْنَ عَلَیْکُمْ وَاذْکُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَیْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِیعُ الْحِسَابِ}( (1) ) ویقول: یجوز أکل کلّ ما افترسه الکلب؛ لأَنَّ هذه الآیه تثبتُ تذکیهَ کل ما افترسه الکلب، حتّی الأرنب الَّذی نشک فِی أَنَّهُ هل یجوز أکل لحمه أو لا، فَتَدُلُّ الآیه عَلَیٰ جواز أکله، مَعَ أَنَّ جواز أکل لحم الأرنب غیر ثابت لدینا من خارج هذه الآیه. فیرد عَلَیٰ هذا الکلام بأنَّ الآیه لیست بصدد بیان هذه الجهه، أی: أنَّ الآیه لیست بصدد بیان أنّ أیّ حیوان یجوز أکل لحمه ذاتاً وأی حیوان لا یجوز أکل لحمه ذاتاً ومن غیر تذکیه.

هذا تمام الکلام فی المقدّمه الأولی.

ص: 175


1- (2) - سوره المائده (5): الآیه 4.

وأَمَّا المقدّمه الثَّانیه: فهی عباره عن أنْ لا ینصب الْمُتِکَلِّمُ قرینهً عَلَیٰ التَّقْیِید. وهذه المقدّمه ضروریه؛ لأَنَّ الْمُتِکَلِّم حینما ینصب قرینهً عَلَیٰ التَّقْیِید یکون قَدْ بَیَّنَ المقیَّد فیما إذا کان مراده المقیَّد، ولطالما بیّن المقیَّد فذاک الظُّهُور الْحَالِیّ لا یَدُلّ بِالدِّلاَلَهِ الاِلْتِزَامِیَّه عَلَیٰ أَنَّهُ أراد المطلق؛ لأَنَّ ذاک الظُّهُور الْحَالِیّ إِنَّمَا کان یَدُلّ بِالدِّلاَلَهِ الاِلْتِزَامِیَّه عَلَیٰ أن الْمُتِکَلِّم أراد الإِطْلاَق فیما إذا لم یُبَیِّن الْمُتِکَلِّم مرامه فِی فرض إرادته المقیَّد. أی: فِی الحاله الَّتی إن کان الْمُتِکَلِّم یرید المقیَّد لم یکن قَدْ بَیَّنَ المقیَّد. فِی هذه الحاله کُنَّا نقول: إذن ظاهر حاله أَنَّهُ أراد المطلق. أَمَّا إذا بیّن القید فلیس ظاهر حاله أَنَّهُ أراد المطلق؛ لأَنَّهُ بیّن القید.

إذن، الأصل والشرط والسبب الضروری فِی تکوّن الدِّلاَلَه الالتزامیه لذاک الظُّهُور الْحَالِیّ عَلَیٰ الإِطْلاَق هو أَنْ لاَّ یَکُونَ الْمُتِکَلِّم قَدْ بَیَّنَ القید والْمُقَیَّد. أی: أن لا ینصب قرینه عَلَیٰ القید؛ فحینئذٍ یصبح هذا سبباً فِی القول بأَنَّهُ أراد الإِطْلاَق؛ لأَنَّ ظاهر حاله أن تمام مراده مُبَیَّنٌ.

إذن، أصل هذه المقدّمه واضحه وضروریه.

لکن الکلام الَّذی لا بُدَّ من طرحه فِی المقام هو فِی معرفه صیاغه هذه المقدّمه؛ إِذْ أَنَّ هناک اِخْتِلاَفاً فِی صیاغتها عَلَیٰ قِسْمَیْنِ، فقد ذهب الخُراسانیّ إلی الصِّیَاغَه الأولی القائله بأن من مقدّمات الحکمه عدمُ نصب القرینه المتَّصله عَلَیٰ القید. بینما ذهب النائینی ومدرسته إلی الصِّیَاغَه الثَّانیه القائله بأن من مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ عدم نصب القرینه لا المتَّصله ولا المنفصله. أی: إن القرینه المنفصله عندهم تمنع من الإِطْلاَق وتضر بانعقاد الإِطْلاَق.

فهنا عندما نرید دراسه هذه المقدّمه الثَّانیه یجب أن نعرف ما هی الصِّیَاغَه الصحیحه لهذه المقدّمه؟ وقد ذکرنا سابقاً أن من نتائج الفرق الصیاغتین هو أَنَّهُ بناء عَلَیٰ الصِّیَاغَه الأولی لا تزاحم القرینه المنفصلهُ أصلَ الإِطْلاَق بل یزاحم حجیّتَه، بینما عَلَیٰ الصِّیَاغَه الثَّانیه (صیاغه المیرزا) تزاحمُ القرینهُ المنفصلهُ أساس الإِطْلاَق.

ص: 176

هَاتَانِ الصیاغتان تشترکان فِی «عدم نصب قرینه متصله عَلَیٰ القید» وتفترقان فِی «عدم نصب قرینه منفصله» وَالَّتِی یقول به المیرزا دون الآخوند، وإذا أردنا دراسه ما به الاشتراک علینا أن نقول: توجد ثلاثه احتمالات فِی تفسیره نذکرها غداً إن شاء اللٰه تعالی.

مقدّمات الحکمه/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: مقدّمات الحکمه/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

کانَ الکلامُ فی المقدّمه الثَّانیه من مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ وَالَّتِی هی عباره عن عدم نصب الْمُتِکَلِّم قرینهً عَلَیٰ التَّقْیِید، وَقُلْنَا: إِنَّ هذه المقدّمه توجد لها صیاغتان:

الصِّیَاغَه الآخوندیه: القائله بأن المقدّمه عباره عن عدم نصب الْمُتِکَلِّم قرینهً متصله عَلَیٰ التَّقْیِید.

الصِّیَاغَه المیرزائیه: القائله بأن المقدّمه الثَّانیه عباره عن عدم نصب الْمُتِکَلِّم قرینهً عَلَیٰ التَّقْیِید مطلقاً، سواء المتَّصله أم المنفصله.

وَقُلْنَا: إن هَاتَیْنِ الصیاغتین مشترکتان فِی اشتراط عدم نصب قرینه متصله عَلَیٰ التَّقْیِید وتمتاز الصِّیَاغَه الثَّانیه باشتراط عدم نصب قرینه منفصله أیضاً عَلَیٰ التَّقْیِید.

فلنتکلم أوَّلاً فِی ما به اشتراک الصیاغتین، وثانیاً فیما به امتیاز الصِّیَاغَه الثَّانیه:

أَمَّا ما به اشتراکهما، أعنی: اشتراک عدم نصب قرینه متصله عَلَیٰ التَّقْیِید، ففی تفسیره توجد ثلاثه احتمالات وتفاسیر( (1)

ص: 177


1- (1) - یرجی الالتفات إلی الأمثله الخمسه أدناه، لکی یَتَّضِح البحث أکثر فأکثر من خلالها، وهی کالتالی:المثال الأوّل: أن یقول: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ العادل».المثال الثَّانِی: أن یقول: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ ولا تکرم العالم الفاسق».المثال الثَّالث: أن یقول: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ ولیکن العالمُ عادلاً».المثال الرَّابع: أن یقول: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ ولا تکرم الفاسق».المثال الخامس: أن یقول: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ ولا تکرم کل فاسق».

):

الاحتمال أو التَّفْسِیر الأوّل: أَنْ یَکُونَ المقصود من «القرینه المتَّصله» الَّتی یکون عدمها من مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ وَشَرْطاً لانعقاد الإِطْلاَق، خصوص ما یصلح للقرینیّه عَلَیٰ القید حتّی فِی فرض کون الاستیعاب وَضْعِیّاً بحیث حتّی لو کان المطلق عامّاً أیضاً لکان هذا صالحاً لتقییده؛ لأَنَّهُ قرینه عَلَیٰ القید، وذلک إما بالتصریح بالقید عَلَیٰ نحو التوصیف، کقوله: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ العادل»، وإما بکون المقیِّد فِی جمله أخری متصله وصالحه للقرینیّه إما بالأخصیه، کقوله: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ ولا تکرم العالم الفاسق»، وإما بِالنَّظَرِ والحکومه کقوله: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ ولْیَکُنْ العالم عادلاً»؛ فَإِنَّ القرینه فِی مثل هذه الموارد صالحه لِلْقَرِینِیَّهِ عَلَیٰ ما هو الصَّحِیح، حتّی لو أبدلنا المطلق بالعامّ الوضعیّ، بأن نقول فِی المثال الأوّل: «أَکْرِمْ کُلَّ عَالِمٍ عادل»، ونقول فِی المثال الثَّانِی: «أَکْرِمْ کُلَّ عَالِمٍ ولا تکرم العالم الفاسق»، ونقول فِی المثال الثَّالث: «أَکْرِمْ کُلَّ عَالِمٍ ولیکن عادلاً».

إذن، فمقتضی هذا الاحتمال هو أن ما ینافی الإِطْلاَق إِنَّمَا هو مثل هذه القرینه المتَّصله، وأمّا إذا جیء مع المطلق ببیانٍ یَدُلّ عَلَیٰ عدم ثبوت الحکم لغیر المقیَّد ضمن مطلق آخر، کما إذا قال: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ ولا تکرم الفاسق»، أو ضمن عامّ کما إذا قال: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ ولا تکرم کل فاسق» فَسَوْفَ لا یکون هذا منافیا للإطلاق؛ لأَنَّ هذا المطلق الآخر أو العامّ لا یصلح لِلْقَرِینِیَّهِ حتّی فِی فرض تبدیل المطلق بالعامّ الوضعیّ، بأن نقول: «أَکْرِمْ کُلَّ عَالِمٍ ولا تکرم الفاسق» أو نقول: «أَکْرِمْ کُلَّ عَالِمٍ ولا تکرم کل فاسق»؛ ضرورهَ أن النِّسْبَه حینئذٍ بین العامّ والمطلق (فِی المثال الأوّل) أو بین العامین (فِی المثال الثَّانِی) هی العموم من وجهٍ.

وحاصل التَّفْسِیر الأوّل هو أن یکون المراد من عدم نصب قرینه متصله هو عدم نصب قرینه عَلَیٰ القید، لا عدم الإتیان ببیان یَدُلّ عَلَیٰ عدم ثبوت الحکم لغیر المقیَّد.

ص: 178

وعلیه، فتَتُِمّ مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ وینعقد الإِطْلاَق فِی المطلق الَّذی جیء معه ببیان دالّ عَلَیٰ عدم ثبوت الحکم لغیر المقیَّد ضمن مطلق آخر (کقوله: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ ولا تکرم الفاسق») أو ضمن عامّ (کقوله: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ ولا تکرم کل فاسق»)، غایه الأمر یقع التعارض بین الظهورین الإطلاقیین فِی المثال الأوّل، کما أَنَّهُ یقع التعارض بین الظُّهُور الإطلاقی والظهور الوضعیّ فِی المثال الثَّانِی کما هو واضح.

الاحتمال أو التَّفْسِیر الثَّانِی: أَنْ یَکُونَ المقصود ب_«القرینه المتَّصله» الَّتی یکون عدمها من مقدّمات الحِکْمَه وَشَرْطاً لانعقاد الإِطْلاَق ما یشمل البیان الدَّالّ فعلاً عَلَیٰ نفی الحکم عن غیر المقیَّد ضمن عامّ وَضْعِیّ نسبته إلی هذا المطلق نسبهُ العموم من وجهٍ، کما فِی قوله: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ ولا تکرم کل فاسق»، فلیس المراد من عدم نصب قرینه متصله فِی هذا الاحتمال خصوص عدم نصب ما یصلح لِلْقَرِینِیَّهِ عَلَیٰ القید کما کان (بناءًا عَلَیٰ الاحتمال الأوّل)، بل یشمل أیضاً عدم الإتیان بکلام دالّ بالفعل عَلَیٰ عدم ثبوت الحکم لغیر المقیَّد، ولو لم یکن هذا الکلام صالحاً لِلْقَرِینِیَّهِ، کالعام الوضعیّ فِی المثال المتقدّم آنِفاً؛ فإِنَّهُ بِالرَّغْمِ من عدم صلاحیته لِلْقَرِینِیَّهِ (حیث لا قرینیّهَ للعامّ عَلَیٰ الإِطْلاَق) بیان دالّ فعلاً عَلَیٰ عدم ثبوت الحکم لغیر العادل، فلا ینعقد الإِطْلاَق فِی «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» حینئذٍ؛ لانهدام المقدّمه الثَّانیه من مقدّمات الحِکْمَه وهی أن لا یَأْتِی الْمُتِکَلِّم ببیان یکون دالاًّ بالفعل عَلَیٰ عدم وجوب إکرام الفاسق من العلماء، والمفروض أن العامّ الوضعیّ هنا (أی: قوله «لا تکرم کل فاسق») دالّ بالفعل عَلَیٰ عدم وجوب إکرام الفاسق من العلماء؛ لأَنَّ دلالته وضعیَّه تنجیزیّه (ولیست مُعَلّقَه عَلَیٰ عدم القرینه)، فَیَکُونُ العامّ الوضعیّ رَافِعاً لمقدمات الحِکْمَه فِی المطلق، فلا ینعقد الإِطْلاَق من أساسه. وهذا هو معنی ما یقولونه من «حکومه العامّ عَلَیٰ المطلق»؛ لأَنَّ ظهور العامّ تنجیزیّ، وظهور المطلق تعلیقی، فبینما لم یکن مثل هذا العالم الوضعیّ منافیاً للإطلاق بناءًا عَلَیٰ الاحتمال الأوّل (کما رأینا) نجده منافیاً للإطلاق بناءًا عَلَیٰ هذا الاحتمال الثَّانِی، فما ینافی الإِطْلاَق بناءًا عَلَیٰ هذا الاحتمال لا یختصّ بما کان ینافیه بناءًا عَلَیٰ الاحتمال الأوّل، بل یشمل البیان الدَّالّ فعلاً عَلَیٰ عدم ثبوت الحکم لغیر المقیَّد ولو لم یکن صالحاً لِلْقَرِینِیَّهِ، کالعام الوضعیّ فِی المثال المتقدّم.

ص: 179

وعلیه، فإذا لم یأت عقیب المطلق بکلام دالّ بالفعل عَلَیٰ عدم ثبوت الحکم لغیر المقیَّد، وإنَّما أتی بکلام لا یَدُلّ فعلاً عَلَیٰ عدم ثبوت الحکم لغیر المقیَّد (کما إذا قال: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ ولا تکرم الفاسق») فَسَوْفَ تکون المقدّمه الثَّانیه من مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ محفوظه ویتم الإِطْلاَق بناءًا عَلَیٰ هذا الاحتمال؛ لأَنَّ کلا من المطلقین (أی: قوله «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» وقوله «لا تکرم الفاسق») لا یَدُلّ بالفعل عَلَیٰ نفی الحکم المذکور فِی الآخر عن غیر المقیَّد؛ إذ لا الأوّل دالّ فعلاً عَلَیٰ نفی الْحُرْمَه عن إکرام الفاسق العالم، ولا الثَّانِی دالّ فعلاً عَلَیٰ نفی الوجوب عن إکرام العالم الفاسق.

وعلیه، ما یقتضی الإِطْلاَق فِی کُلّ منهما (أعنی مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ) موجود وتام بناءًا عَلَیٰ هذا الاحتمال، وحینئِذٍ یکون التعارض بین الإطلاقین من باب تزاحم المقتضیین، ومصیرهما مصیر ظهورین عمومیّین وضعیین إذا تعارضا، کما إذا قال: «أَکْرِمْ کُلَّ عَالِمٍ ولا تکرم کل فاسق». إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه.

مقدّمات الحکمه/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: مقدّمات الحکمه/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

کانَ الکلامُ فی المقدّمه الثَّانیه من مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ، فقلنا: إن لهذه المقدّمه صیاغتین، أحدهما ما أفاده الخُراسانیّ والأخری ما ذکرها المیرزا، ثُمَّ قلنا: إن هَاتَیْنِ الصیاغتین مشترکتان فِی اشتراط عدم نصب قرینه متصله عَلَیٰ التَّقْیِید وتمتاز الصِّیَاغَه الثَّانیه باشتراط عدم نصب قرینه منفصله أیضاً عَلَیٰ التَّقْیِید. ثُمَّ تحدثّنا عن ما به اشتراک الصیاغتین وَقُلْنَا: إِنَّ هناک ثلاثه احتمالات وتفاسیر فِی اشتراک عدم نصب قرینه متصله عَلَیٰ التَّقْیِید، تقدّم التَّفْسِیران الأوّل وَالثَّانِی منها، وبقی التَّفْسِیر الثَّالث لنذکره فِیما یلی:

ص: 180

الاحتمال أو التَّفْسِیر الثَّالث: أَنْ یَکُونَ المقصود ب_«القرینه المتَّصله» الَّتی یکون عدمها من مقدّمات الحِکْمَه وَشَرْطاً لانعقاد الإِطْلاَق ما یشمل الکلام الَّذی یکون - لو خُلّی وطبعه - دالاًّ عَلَیٰ عدم ثبوت الحکم لغیر المقیَّد، وإن کان هذا الکلام عباره عن مطلق آخر، کما إذا قال: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ ولا تکرم الفاسق».

فلیس المراد من عدم نصب قرینه متصله - بناءًا عَلَیٰ هذا الاحتمال - خصوص عدم نصب ما یصلح لِلْقَرِینِیَّهِ عَلَیٰ القید (مثلما کان بناءًا عَلَیٰ الاحتمال الأوّل) ولا خصوص عدم الإتیان بکلام دالّ فعلاً عَلَیٰ عدم ثبوت الحکم لغیر المقیَّد (کما کان بناءًا عَلَیٰ الاحتمال الثَّانِی) بل یشمل أیضاً عدم الإتیان بکلام یَدُلّ - ولو بإطلاقه - علی عدم وجوب إکرام العالم الفاسق. فلا تَتُِمّ مقدّمه الحِکْمَه هنا، لا فِی قوله: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» ولا فِی قوله: «لا تکرم الفاسق»؛ لأَنَّ کلا منهما مبتلی بکلام لو خلی وطبعه دلَّ عَلَیٰ عدم ثبوت الحکم لغیر المقیَّد. إذن، بناء عَلَیٰ هذا التَّفْسِیر أو الاحتمال الخامس لا ینعقد الإِطْلاَق فی کل هذه الأمثله الخمسه.

هذه هی الاحتمالات أو التفاسیر الثَّلاثه للقرینه المتَّصله الَّتی یُشترط عدم وجودها لکی یَتُِمّ الإطلاق. وکما لاحظتم أنَّها مُتدرّجه من الأضیق إلی الأوسع؛ فَإِنَّ دائره القرینه المتَّصله بناءًا عَلَیٰ الاحتمال الأول أضیق من دائره القرینه المتَّصله من الاحتمالین الأخیرین، کما أنَّها بناءًا عَلَیٰ الاحتمال الثَّانِی أضیق من دائره الاحتمال الثَّالث وأوسع من دائره الاحتمال الأوّل؛ فَإِنَّنَا فِی الاحتمال الأوّل کُنَّا نکتفی فِی دائره القرینه المتَّصله بخصوص ما یصلح لِلْقَرِینِیَّهِ، وفی الاحتمال الثَّانِی توسّعنا وقلنا: «ما یصلح لِلْقَرِینِیَّهِ أو حتّی إذا لم یصلح لِلْقَرِینِیَّهِ لکن یَدُلّ فعلاً عَلَی التَّقْیِید»، بینما توسعنا أکثر فأکثر فِی الاحتمال الثَّالث، حیث قلنا: «حتّی لَوْ لَمْ یَکُنْ صالحاً لِلْقَرِینِیَّهِ ولم یکن دالاًّ فعلاً عَلَیٰ التَّقْیِید لکن کان لو خلی وحده لَدَلَّ عَلَیٰ التَّقْیِید»، أی: هذا المقدار یکفی فِی القرینه المتَّصله.

ص: 181

وفی المقابل دائره الإِطْلاَق عَلَیٰ الاحتمال الأوّل أوسع منها عَلَیٰ الاحتمالین الأخیرین؛ لأَنَّه عَلَیٰ الاحتمال الأوّل یَتُِمّ الإِطْلاَق فِی المثال الرَّابع والخامس، أَمَّا علی الاحتمال الثَّانِی یَتُِمّ الإِطْلاَق فقط فِی المثال الرَّابع، بینما لا یَتُِمّ الإطلاق عَلَیٰ الاحتمال الثَّالث فِی شیء من الأمثله الخمسه).

فلو قال مثلاً: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ ولا تکرم الفاسق» (= المثال الرَّابع) أو قال مثلاً: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ ولا تکرم کل فاسق» (المثال الخامس)، فهنا یَتُِمّ الإِطْلاَق فِی کلمه «عالم» فِی کلا المثالین بناءًا عَلَیٰ الاحتمال الأوّل؛ لأَنَّ مقدّمه الحِکْمَه محفوظه، وبناءًا عَلَیٰ الاحتمال الثَّانِی یَتُِمّ الإِطْلاَق فِی المثال الرَّابع، ولٰکِنَّهُ لَیْسَ تامّاً فِی المثال الخامس، بینما إذا بنینا علی الاحتمال الثَّالث لا یَتُِمّ الإِطْلاَق فِی شیء من المثالین، کالأمثله الثَّلاثه الأولی.

إذن، فالقدر المشترک بین هذه الاحتمالات الثَّلاثه هو «اشتراک عدم ذکر ما یصلح لِلْقَرِینِیَّهِ بالنحو الَّذی ذکرناه فِی الاحتمال الأوّل». هذا هو القَدْر المتیَقَّن الَّذی لا نشک بأَنَّهُ شرط معتبرٌ فِی مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ؛ لأَنَّ من الواضح الَّذی لا إِشْکَال فیه هو أنَّ المرجع فِی صحَّه الاحتمالات الثَّلاثه هو ذاک الظُّهُور الْحَالِیّ لِلْمُتِکَلِّمِ، وقد قلنا إِنَّه یَدُلّ بالالتزام عَلَیٰ أن الْمُتِکَلِّم أراد المطلق دون المقیَّد؛ لأَنَّهُ لو أراد المقیَّد رغم أَنَّهُ لم یُبَیِّن ذلک، لزم خلف الظُّهُور الْحَالِیّ الَّذی یقول بأن الْمُتِکَلِّم بصدد بیان تمام مرامه بکلامه. فلا بُدَّ من معرفه أَنَّهُ متی یلزم الخلف لو أراد المقیَّدَ ومتی یرتفع الخلفُ لو أراد المقیَّد، کی نحدد بعد ذلک موقفنا من هذه التفاسیر الثَّلاثه.

ولا إِشْکَال فِی أن الْمُتِکَلِّم إذا لم یُبَیِّن القید أصلاً بوجهٍ من الوجوه (أی: قال: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ»)، فمن الواضح فِی مثل هذه الصُّورَه أَنَّهُ لو أراد المقیَّد لزم خلف ذاک الظُّهُور الْحَالِیّ، إذن فَیَدُلُّ ذاک الظُّهُور الْحَالِیّ التزاما عَلَیٰ أَنَّهُ أراد المطلق ولم یرد المقیَّد.

ص: 182

أَمَّا إذا بیّن المقیَّد فلا بُدَّ من أن نعرف أن أیّ مقدارٍ من بیان المقیَّد یوجب ارتفاع الخلف، بحیث لو أراد المقیَّد لا یلزم منه أن یکون خالف ظهورَ حاله؟

الجواب عنه هو الَّذی یُحَدِّدُ موقفنا تجاه هذه التفاسیر والاحتمالات الثَّلاثه المتقدّمه؛ فإن بیان المقیَّد عباره أخری عن القرینه المتَّصله الَّتی یشترط عدمها فِی مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ، فهنا یَتَّضِح جلیّاً أن ما به الاشتراک بین الاحتمالات الثَّلاثه هو ما ذکر فِی الاحتمال الأوّل من عدم بیان ما یصلح لِلْقَرِینِیَّهِ عَلَیٰ القید بالنحو الَّذی ذکرناه فِی الاحتمال الأوّل. أی: عدم وجود ما یصلح لأنْ یکونَ قرینه عَلَیٰ المطلق حتّی لو بدلنا المطلق بالعامّ کما ذکرنا فِی الاحتمال الأوّل. فاشتراط عدم وجود ما یصلح لِلْقَرِینِیَّهِ عَلَیٰ التقیید فِی الإِطْلاَق أمر واضح؛ لأَنَّهُ إن أراد المتکلم المقیَّدَ مع وجود ما یصلح لِلْقَرِینِیَّهِ عَلَیٰ التَّقْیِید، لا یلزم منه خلفُ الظُّهُور الْحَالِیّ. فعلی سبیل المثال إن قال: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ العادل» (= المثال الأول) لا یکون قد خالف ظهورَ حاله إن أراد خصوص العالم العادل؛ لأَنَّهُ بیّن المقیَّد فِی کلامه.

وکذلک فِی «أَکْرِمِ الْعَالِمَ ولا تکرم العالم الفاسق» (المثال الثَّانِی) لو أراد المقیَّد لا یکون قد خالف ظهور حاله؛ لأَنَّ ظاهر حاله أَنَّهُ فِی مقام بیان تمام مرامه بکلامه، وقد بیَّن تمام مرامه وهو «وجوب إکرام العالم العادل وعدم إکرام خصوص العالم الفاسق»، وقد بیَّنه بکلامه، فلا ینعقد الإِطْلاَق؛ لأَنَّهُ إن أراد المقیَّد لا یلزم الخلف.

وکذلک فِی «أَکْرِمِ الْعَالِمَ ولیکن العالم عادلاً» (=الاحتمال الثَّالث) حَیْث أَنَّ هذا الکلام وافٍ بتمام مرامه وهو أن الإکرام ثابت لخصوص العالم العادل، فلا ینعقد الإِطْلاَق بحیث یشمل العالم الفاسق.

ص: 183

إذن، لا شکّ أن المقدار الَّذی یقوله الاحتمال وَالتَّفْسِیر الأوّل مشترطٌ عدمُه لکی یَتُِمّ الإِطْلاَق؛ لأَنَّه مع وجوده لا تَتُِمّ الدِّلاَلَه الاِلْتِزَامِیَّه للظُّهُور الْحَالِیّ عَلَیٰ الإطلاق. فهذا النَّحْو من بیان المقیَّد یوجِب ارتفاع الخلف. فلکی تَتُِمّ الملازمه بین الظُّهُور الْحَالِیّ وبین إراده الإِطْلاَق نحتاج إلی أن نشترط عدم وجود قرینه یکون الکلام مع وجودها وافیاً بتمام المرام فِی فرض کون المرام هو المقیَّد.

فالمقدار الَّذی یشترطه الاحتمال الأوّل لانعقاد الإِطْلاَق، لا شکّ فِی اشتراطه کما عرفنا.

إذن، الاحتمال الأوّل صحیح، أی: هذا المقدار مُسَلَّمٌ أنَّ القرینه المتَّصله الَّتی نشترط عدمها فِی مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ عباره عن خصوص ما یصلح لِلْقَرِینِیَّهِ حتّی لو بدلنا المطلق بالعامّ، یصلح للقرینه.

یبقی أن نعرف حال التفسیرین الآخرین وهذا ما سیأتی غداً إن شاء اللٰه تعالی.

مقدّمات الحکمه/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: مقدّمات الحکمه/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

تمخض عمَّا تقدّم أَنَّنَا نوافق عَلَیٰ المقدار المشتَرَط فی الاحتمال الأوّل (من الاحتمالات الثَّلاثه فِی القرینه المتَّصله) لانعقاد الإِطْلاَق (لأَنَّه القَدْرُ المتیَقَّن والأضیق بین هذه الاحتمالات الخمسه)، ونقبل به کمقدّمه ثَانیهٍ من مقدّمات الحِکْمَه وهو عباره عن عدم وجود ما یصلح لِلْقَرِینِیَّهِ عَلَیٰ التَّقْیِید، وإلاَّ (فِی فرض وجود ما یصلح لِلْقَرِینِیَّهِ) فلا تکون المقدّمه الثَّانیه محفوظهً وبالتَّالی لا ینعقد الإِطْلاَق، کما فِی المثال الأوّل وَالثَّانِی والثالث من تلک الأمثله الخمسه.

أَمَّا الاحتمالان الآخران فیطرح حولهما سؤالان:

السُّؤَال الأوّل: هل الاحتمال الثَّالث صحیح؟ أی: هل یشترط فِی انعقاد الإِطْلاَق عدمَ وجود ما یصلح لِلْقَرِینِیَّهِ أو ما یَدُلّ فعلاً عَلَیٰ التَّقْیِید أو حتّی ما لا یَدُلّ فعلاً عَلَیٰ التَّقْیِید لٰکِنَّهُ لو عزل وجیء به بصوره مستقلّه لَدَلَّ عَلَیٰ التَّقْیِید؟

ص: 184

فإن قال: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ ولا تکرم الفاسق»، نری أن الجمله الثَّانیه (= ولا تکرم الفاسق) تَدُلّ فعلاً عَلَیٰ التَّقَیید بأَنَّهُ لا یجب إکرام العالم الفاسق (أی: الجمله الثَّانیه لا تقیِّد الأولی)؛ لأَنَّ الجمله الثَّانیه مطلقه کالأولی، المطلق إذا اقترن بمطلق آخر لا یَدُلّ عَلَیٰ تقییده، بل اقترانهما ببعضهما یصیّرهما معاً مجملین. ولکن إن کانت الجمله الثَّانیه منفصله ومعزوله وخلیت وحدها لدلّت - ولو بإطلاقها - عَلَیٰ عدم وجوب إکرام العالم الفاسق. وعلیه، فهل المقدّمه الحِکْمَه الثَّانیه من مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ تبقی محفوظه هنا؟

الجواب هو عدم الحفاظ عَلَیٰ مقدّمه الحِکْمَه فِی الاحتمال الثَّالث؛ لأَنَّهُ کان یشترط فِی المقدّمه الثَّانیه عدمَ وجود جمله من هذا القبیل (عدم وجود ما لو خلی وحده لدل عَلَیٰ التَّقْیِید)، فلا ینعقد الإِطْلاَق فِی قوله: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» لکی یشمل «العالم العادل» و«العالم الفاسق» معاً؛ لفقدان المقدّمه الثَّانیه؛ إذ أنَّها کانت عباره عن أَنْ لاَّ یَکُونَ فِی الکلام ما لو خلی وحده لدل عَلَیٰ التَّقْیِید، والحال أَنَّهُ یوجد فِی الکلام ما لو خلی وحده لدل عَلَیٰ التَّقیید (وهو ما یتبناه الاحتمال الثَّانِی) أو لا یشترط هذا الشَّرْط فِی مقدّمه الحِکْمَه، بمعنی أَنَّهُ حتّی لو کان فِی الکلام ما لو خلی وحده لدَلَّ عَلَیٰ التَّقْیِید لٰکِنَّهُ فعلاً لا یَدُلّ عَلَیٰ التَّقْیِید. فأی من الاحتمالین الثَّانِی والثالث صحیح؟

الجواب: هو الثَّانِی، أی: نحن لا نشترط فِی المقدّمه الثَّانیه من مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ هذا الشَّرْط الثَّانِی، أی: حتّی لو اقترن بِالْمُطْلَقِ کلامٌ، هذا الکلام لو خلی وحده یَدُلّ عَلَیٰ التَّقْیِید لٰکِنَّهُ فعلاً لا یَدُلّ عَلَیٰ التَّقیید، فإن ذلک لا یضرّ بانعقاد الإِطْلاَق، أی: مقتضی الإِطْلاَق تامّ حتّی مع وجود هذا الکلام؛ لأَنَّ ذاک الظُّهُور الْحَالِیّ الَّذی هو الأساس للدِّلاله عَلَیٰ الإِطْلاَق یقول: إن ظاهر حال الْمُتِکَلِّم هو أَنَّهُ بصدد بیان تمام مرامه بکلامه. فإن أراد من قوله: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» (فِی «أَکْرِمِ الْعَالِمَ ولا تکرم الفاسق») إکرامَ خصوص العالم العادل، لا یکون کلامه وافیاً ببیان هذا المراد؛ لأَنَّهُ لم یُبَیِّن التَّقْیِید بالعداله. بینما ظاهر حاله أن یکون کلامه وافیاً بتمام مرامه. إذن، نقول: لازم هذا الظُّهُور الْحَالِیّ هو أَنَّهُ أراد من قوله «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» مطلق العالم. فلو کان یرید مطلق العالم لکان کلامه وافیاً. فالمتقضی للإطلاق محفوظ فِی هذه الصُّورَه.

ص: 185

وبعباره أخری: لو أراد المقیَّد لزم خلف الظُّهُور الْحَالِیّ؛ باعتبار أن السَّامِع - عَلَیٰ أی حال - عندما یسمع قوله: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ ولا تکرم الفاسق» لا یتحصل له مراد الْمُتِکَلِّم وهو وجوب إکرام العالم العادل؛ لأَنَّ هذا الکلام بمجموعه «أَکْرِمِ الْعَالِمَ ولا تکرم الفاسق» لم یُبَیِّن للسامع حکم العالم الفاسق (بأَنَّهُ یجب إکرامه لأَنَّهُ عالم، أو یحرم إکرامه لأَنَّهُ فاسق)، فلم یُبَیِّن الْمُتِکَلِّم تمام مرامه لو کان مراده واقعاً وجوب إکرام خصوص العالم العادل، أی: خالف ظهوره الْحَالِیّ، والأصل أَنْ لاَّ یَکُونَ الْمُتِکَلِّم مخالفاً لظهور حاله، بل یکون قد مشی وَفق ظهوره الْحَالِیّ بأن بیّن کل مرامه فِی کلامه. وهذا معناه أن کلامه مطلق وفِیه اقتضاء الإِطْلاَق. إذن، هذا المقدار الَّذی یشترطه الاحتمال الثَّالث لا نقبله.

هذا فیما یخصّ السُّؤَال الأوّل من السؤالین الَّذین طرحناهما.

السُّؤَال الثَّانِی: هل یُشترط فِی الاحتمال الثَّانِی ذاک المقدار الزَّائِد الَّذی یشترطه الاحتمال الثَّانِی إضافهً إلیٰ ما یشترطه الاحتمال الأوّل؟

وبالرجوع إلی الاحتمال الثَّانِی نری أَنَّهُ کان یقول: إن القرینه المتَّصله المشترط عدمها لانعقاد الإِطْلاَق، إما هی عباره عمَّا یصلح لِلْقَرِینِیَّهِ عَلَیٰ التَّقْیِید، أو أنَّها عباره عن کلام یَدُلّ فعلاً (لا لو عُزل) التَّقْیِید. فجمله «ولا تکرم کل فاسق» فِی «أَکْرِمِ الْعَالِمَ ولا تکرم کل فاسق» (= المثال الخامس) عامّ ولا یصلح أن یکون قرینه عَلَیٰ شیء؛ إذ لَیْسَ من موارد الجمع الْعُرْفِیّ قرینیه العامّ عَلَیٰ المطلق، لکن هذه الجمله الثَّانیه فعلاً تَدُلّ بدلاله ناجزه ومستقره (ولیس لو عُزلت) عَلَیٰ العموم بدلاله وضعیَّه «لا تکرم کل فاسق»، أی: حتّی لو کان الفاسق عَالِماً. فتَدُلّ هذه الجمله الثَّانیه فعلاً عَلَیٰ أن وُجُوب الإِکْرَامِ غیر ثابت للعالم الفاسق (أی: تَدُلّ عَلَیٰ التَّقْیِید). فهل لنا أن نعتبره قرینه متصله لکی لا ینعقد الإِطْلاَق؟

ص: 186

کان یقول الاحتمال الثَّانِی: إن هذا قرینه متصله أیضاً، ویشترط عدمها لانعقاد الإِطْلاَق. فنرید الآنَ أن نری هل أن هذا الشَّرْط صحیح؟ أی: لو أن المطلق اقترن بعامّ فهل اقترانه بالعامّ یسبب إنهدام المقدّمه الثَّانیه من مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ، وبالتَّالی لا ینعقد الإِطْلاَق فِی المطلق أم لا؟ هذا هو السُّؤَال الثَّانی الَّذی نرید أن نجیب عنه.

هنا یوجد وجهان وکلامان لصحه الاحتمال الثَّانِی:

الوجه الأوّل: هو صحَّه المقدار الَّذی یشترطه الاحتمال الثَّانِی لانعقاد الإطلاق. أی: أَن العامّ المقترن بالمطلقِ بیانٌ للمقیَّد عند العرف؛ فَإِنَّ قوله: «لا تکرم کل فاسق» عامّ ودلاله العامّ وضعیَّه ویفهم العرف من العامّ العموم والاستیعاب، أی: «لا تکرم کل فاسق، حتّی لو کان الفاسق عَالِماً»، فَیُعتبر هذا الکلامُ بَیَاناً عند العرف لقید العداله فِی قوله: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ»، فلو أراد الْمُتِکَلِّم المقیَّد هنا لم یکن خالف ظهوره الْحَالِیّ؛ لأَنَّ ظاهر حاله أن یکون کلامه وافیاً بتمام مرامه وفعلاً کلامه وافٍ بتمام مراده، فلا معنی لحمل کلامه عَلَیٰ الإِطْلاَق.

ولطالما حکّمنا العامّ عَلَیٰ المطلق (باعتبار أن دلاله العامّ تنجیزیّه ولیست مُعَلّقَهً عَلَیٰ شیء، بخلاف المطلق، حَیْث أَنَّ دلاله المطلق مُعَلّقَه عَلَیٰ تَمَامِیَّه مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ) نسنتیج بالنهایه أن وُجُوب الإِکْرَامِ ثابت لغیر العالم الفاسق، أی: نُخرج العالمَ الفاسق الَّذی هو مادّه الاجتماع عن المطلق (وهو قوله: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ») وندخله فِی «لا تکرم کل فاسق». فَالْمُقَیَّدُ هو تمام مرامه ولا یلزم الخلف. إذن، إن وجود العامّ کافٍ فِی رفع الخلف وهدم مقدّمه الحِکْمَه. فالاحتمال الثَّانِی صحیح.

الوجه الثَّانِی: یستظهر خلاف هذا الوجه الأوّل، وهو أَنَّهُ لا یشترط فِی مقدّمه الحِکْمَه عدمُ وجود عامّ من هذا القبیل، بل حتّی مع وجوده یَتُِمّ الإِطْلاَق وینعقد؛ لأَنَّ الْمُتِکَلِّم لو أراد المقیَّد (أی: خصوص العالم العادل من قوله: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ») لم یکن قد مشی عَلَیٰ وفق الظُّهُور الْحَالِیّ بل خالفه؛ لأَنَّهُ وإن کان کلامه یَدُلّ عرفاً عَلَیٰ التَّقْیِید، ولکن إن أمعنا النَّظَر فِی الظهور الْحَالِیّ لِلْمُتِکَلِّمِ (القائل بأَنَّهُ الْمُتِکَلِّم بصدد بیان تمام مرامه بکلامه) نری أَنَّهُ لا یقتضی أَنَّ الْمُتِکَلِّم بصدد بیان تمام مرامه بکلامه کیف ما اتفق لیتم الظُّهُور الْحَالِیّ، بل إن الظُّهُور الْحَالِیّ (الَّذی هو أساس الإِطْلاَق) عباره عن أن یکون الْمُتِکَلِّم فِی مقام بیان تمام مرامه بکلامه بمعنی أن یکون الکلام وافیاً بتمام المرام بالنحو الَّذی یتطابق مع واقع المرام لا کیف ما اتفق. فواقع المرام عباره عن تقیید العالم بالعداله، وأین بُیِّن هذا التَّقْیِید فِی الکلام؟ کلامه لم یکن وافیاً بهذا المرام بالنحو الَّذی یتطابق مع واقع هذا المرام.

ص: 187

وبعباره أخری: ظاهر حال الْمُتِکَلِّم أَنَّهُ إن أراد العالم العادل، یکون کلامه بلسان الْقِیْدِیَّه أیضاً، بینما لم یکن کلامه بلسان الْقِیْدِیَّه بل کان کلامه بلسان الإِطْلاَق. أجل، إن الجمله الثَّانیه عامّ آخر ونحن حکّمنا العامّ عَلَیٰ المطلق، وبذلک فهم العرفُ بالکاد والقوّه أَنَّهُ لا یجب إکرام العالم الفاسق، ولکن عَلَیٰ أی حال لم یکن لسان العامّ لسان التَّقْیِید.

فیقول صاحب الوجه الثَّانِی: الظُّهُور الْحَالِیّ هو أن یکون کلام الْمُتِکَلِّم وافیاً بتمام المرام بالنحو الَّذی یتطابق مع نفس المرام، فإذا کان نفس المرام عباره عن التَّقْیِید، یکون الکلام أیضاً بلسان التَّقْیِید، لا بلسان آخر یجمع العرف بینه وبین لسان آخر لیصل إلی التَّقْیِید فِی نهایه المطاف؛ فَإِنَّ هذا لَیْسَ مقتضی الظُّهُور الْحَالِیّ، بل مقتضی الظُّهُور الْحَالِیّ هو أَنَّهُ إذا کان مرامک التَّقْیِید إذن یجب أن یکون فِی کلامک التَّقْیِید أیضاً، والحال أن کلامک لَیْسَ بلسان التَّقْیِید، نعم فُهم منه التَّقْیِید بالنتیجه وکیف ما اتفق، لکن اللسان ما کان لسان التَّقْیِید.

وبعباره ثالثه: إن العرف یأخذ التطابقَ بین مقام الإثبات مع مقام الثُّبوت فِی الحسبان والاعتبار، فإذا کانت الْقِیْدِیَّه موجوده فِی عَالَمِ الثُّبُوتِ فیجب أَنْ تَکُونَ مذکوره وموجوده فِی عالم الکلام. والعامّ الوضعیّ (= قوله: لا تکرم کل فاسق) وإن دَلَّتْ بالنتیجه عَلَیٰ أن الحکم المذکور (= إکرام العالم) مختص بالعالم العادل، لٰکِنَّهُ لَیْسَ بلسان قیدیه العداله (أی: قیدیه عدم الفسق)؛ لأَنَّ هذا اللسان لَیْسَ لسانَ القید. فلو کان مراد الْمُتِکَلِّم عباره عن الْقِیْدِیَّه إذن یکون قد خالف الظُّهُور الْحَالِیّ. إذن، فهذا النَّحْو من بیان المقیَّد لا یوجد ارتفاع الخلف، وبالتَّالی لا یصحّ الاحتمال الثَّانِی، بل ینعقد الإِطْلاَق فِی کلمه «العالم» فِی هذا المثال( (1) ).

ص: 188


1- (1) - ذکر الأستاذ حفظه اللٰه بعد مجلس بحثه أَنَّهُ یمیل إلی عدم صحَّه الاحتمال الثَّانِی (أی: لا یحتمل أکثر من المقدار الَّذی یشترطه الاحتمال الأوّل) بعد وضوح بطلان الاحتمال الثَّالث.

هذا تمام الکلام فِی هذه الاحتمالات والتفاسیر الثَّلاثه لهذه المقدّمه الثَّانیه من مقدّمات الحِکْمَه، طبعاً بالصیاغه المشترکه بین الآخوند والمیرزا، وهی عباره عن عدم نصب قرینه متصله عَلَیٰ التَّقْیِید. فلم نصل بعد إلی الصِّیَاغَه الَّتی ینفرد بها المیرزا وهی عدم نصب قرینه لا متصله ولا منفصله عَلَیٰ التَّقْیِید. فکان الاحتمال الأوّل صحیحاً والاحتمال الثَّالث قَطْعاً غیر صحیح، والاحتمال الثَّانِی کان فیه وجهان، بإمکانکم أن تختاروا أیهما شئتم.

مقدّمات الحکمه/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: مقدّمات الحکمه/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

اتَّضَحَ مِمَّا تقدّم صحَّهُ المقدّمه الثَّانیه من مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ الَّتی کانت تشترط فِی انعقاد الإِطْلاَق عدمَ وجود قرینه متصله عَلَیٰ التَّقْیِید. وعلیه فقد اتَّضَحَ لنا - إلی الآنَ - مقدمتان من مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ هما:

المقدّمه الأولی: کون الْمُتِکَلِّم فِی مقام بیان تمام مراده بکلامه، وقد سلمنا بهذه المقدّمه وَقُلْنَا: إِنَّ هذا هو ظاهر حال کل متکلم.

المقدّمه الثَّانیه: هی عدم نصب قرینه متصله عَلَیٰ التَّقْیِید.

نکته: من خلال ما ذکرناه تتضح نکته أخری لدینا وهی أن هذه المقدّمه الثَّانیه - بالشرح الَّذی قدّمناه - تساهِمُ فِی تکوین الإطلاق وانعقاده وتتمیم المقتضی للإطلاق؛ فإنَّ عَدم وجود قرینه متصله عَلَیٰ التَّقْیِید فِی الکلام جزء من المقتضی للإطلاق؛ لأَنَّ المقدّمه الثَّانیه بیانٌ لعدم المانع، ولیست بَیَاناً لوجود المقتضی؛ فَإِنَّ المقتضی للإطلاق إِنَّمَا هو بالمقدّمه الأولی من مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ الَّتی تقول: إن الْمُتِکَلِّم بصدد بیان تمام مراده بکلامه. أَمَّا المقتضی فیعطی مفعوله إذا انعدم المانع الَّذی هو وجود قرینه متصله فِی داخل الکلام عَلَیٰ التَّقْیِید. فالواقع أنَّ المقدمه الثَّانیه تمثِّل عدمَ المانع، ولا تمثل المقتضی. فإذا بیّن الْمُتِکَلِّم التَّقْیِید فِی الکلام (أی: نصب قرینه متصله عَلَیٰ التَّقْیِید) فلا یؤثر المقتضی أثرَه. فإذا لم یُبَیِّن معناه عدم وجود مانعٍ من أن یؤثر المقتضی أثره وتتم دلاله الکلام عَلَیٰ الإِطْلاَق فعلاً.

ص: 189

فقد اتَّضَحَ بطلان هذا التوهّم من خلال شرحنا لواقع المقدّمه الثَّانیه؛ فإِنَّهُ قد اتَّضَحَ مِمَّا قدمناه أن هناک لاَزِماً وملزوماً :

1)- الملزوم هو ظهور حال الْمُتِکَلِّم فِی کونه بصدد بیان تمام مرامه بکلامه.

2)- اللاَّزِم هو أن ما ذکره الْمُتِکَلِّم (من کلامٍ مَوْضُوعٍ فِی اللُّغَه لذات الطَّبِیعَه بلا أی قید، ولم ینصب قرینهً متصله عَلَیٰ التَّقْیِید) یشکّل تمامَ مرامه. والإطلاق إِنَّمَا یثبت لکونه لاَزِماً لذاک الظُّهُور الْحَالِیّ. إذن، إن دلاله الکلام عَلَیٰ الإِطْلاَق دلالهٌ عَلَیٰ لازم ذاک الظُّهُور الْحَالِیّ.

وعلیه، إذا أراد شیئاً زائداً عَلَیٰ ذات الطَّبِیعَه ولم یذکره فِی کلامه، لا یکون قد بیَّن تمام مراده فِی کلامه، والحال أن ظاهر حاله أَنَّهُ بصدد بیان تمام مراده بکلامه. فإنما یَدُلّ الکلام عَلَیٰ الإطلاق بوصفه لاَزِماً لذاک الظُّهُور الْحَالِیّ، ولا تَتُِمّ الدِّلاَلَه عَلَیٰ اللاَّزِم إلاَّ إذا توفر مجموع أَمْرَیْنِ: أحدهما ثبوت الملزوم والآخر ثبوت الملازمه بین الملزوم واللازم. ولا تَتُِمّ الدِّلاَلَه عَلَیٰ اللاَّزِم بصرف إثبات الملزوم مِنْ دُونِ إثبات الملازمه. وحینئِذٍ نَقُول: لا تحدث الملازمه بین هذا الظُّهُور الْحَالِیّ وبین إراده الإطلاق بمجرّد أن یذکر الْمُتِکَلِّم فِی کلامه قرینهً عَلَیٰ التَّقْیِید.

وَبِعِبَارَهٍ أُخْرَی: إذا کان مراده الواقعی فِی «أَکْرِمِ الْعَالِمَ العادل» (أی: فِی حال ذکر قرینه عَلَیٰ التَّقْیِید) خصوص «العالم العادل» (وهو المقیَّد)، لا تنافی هذه الإرادهُ ظاهر حاله؛ فَإِنَّه بیّن تمام مرامه بکلامه حینما قال: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ العادلَ». ومعنی ذلک أن ذاک الظُّهُور لا یقتضی الإِطْلاَقَ فِی هَذَا الْفَرْضِ (أی: لا یقتضی القول بأن المراد من العالم فِی هَذَا الْفَرْضِ مطلق العالم). ومعنی ذلک أن لا ملازمه بین الظُّهُور الْحَالِیّ وبین إراده الإِطْلاَق

ص: 190

الإِطْلاَقَ فِی هَذَا الْفَرْضِ (أی: لا یقتضی القول بأن المراد من العالم فِی هَذَا الْفَرْضِ مطلق العالم). ومعنی ذلک أن لا ملازمه بین الظُّهُور الْحَالِیّ وبین إراده الإِطْلاَق، وبانتفاء الملازمه لا یمکن إثبات اللاَّزِم (وهو الإِطْلاَق) بالملزوم وحده مِنْ دُونِ الملازمه. إذن، إن هذه المقدّمه تحقّق أصلَ الملازمه بین الملزوم واللاَّزم.

والخلاصه أن هَاتَیْنِ المقدمتین بمجموعهما دخیلان فِی تکوین المقتضی للإطلاق ولیس الأمر کما تَوَهُّمه المتوهِّم من أن المقدّمه الثَّانیه تعبر عن عدم المانع، بینما المقتضی بالمقدّمه الأولی نفسها، بل الصَّحِیح أن المقتضی لا یَتُِمّ إلاَّ بمجموع الأَمْرَیْنِ؛ لأَنَّ المقتضی للإطلاق لا یَتُِمّ إلاَّ إذا ثبت الملزوم وثبتت الملازمه، کما هو شأن سائر الملزومات ولوازمها، غایه الأمر قد تکون الملازمه عَقْلِیَّه فالعقل هو الَّذی یسعفنا ببیان الملازمه، وَقَدْ تَکُونُ عُرْفِیَّهً کما نحن فیه، فلا تَتُِمّ هذه الملازمه الْعُرْفِیَّه - فِی المقام - إلاَّ إذا لم یذکر الْمُتِکَلِّم فِی کلامه ما یکون قرینه عَلَیٰ التَّقْیِید.

إلی هنا تناولنا الحدیث عن ما به الاشتراک بین الصِّیَاغَه الآخوندیه والصیاغه المرزائیه فِی المقدّمه الثَّانیه، بعد ذلک یصل الدّور إلی ما به امتیاز الصیاغتین، حیث اشترطت مدرسه المیرزا النائینی (بالإضافه إلی ما قلناه من کون الْمُتِکَلِّم فِی مقام البیان وعدم نصب قرینه متصله عَلَیٰ التَّقْیِید) عدم نصب قرینه منفصله عَلَیٰ التَّقْیِید. ویُتَصَوَّر لهذا الشَّرْط صیغتان:

الصیغه الأولی لِلشَّرْطِ: هی صیغه الشَّرْط المتأخر، بأن یتوقَّف انعقاد الإِطْلاَق وتکوّن الظُّهُور لکلام الْمُتِکَلِّم (من حین صدور الکلام) عَلَیٰ أن لا یَنصبَ الْمُتِکَلِّم بعد ذلک قرینه عَلَیٰ التَّقْیِید (ولو بعد حین، سنه أو سنین)، بحیث لو نَصَبَ قرینهً منفصلهً عَلَیٰ التَّقْیِید فَسَوْفَ تکشف هذه القرینه (فِی أی وقت جاءت) أَنَّهُ لم ینعقد لکلامه إطلاق من أوَّل الأمر.

ص: 191

والصیغه الثَّانیه لِلشَّرْطِ: هی صیغه الشَّرْطِ المقارن، بأن ینعقد إطلاق کلامه من حین صدوره ویستمر إلی حین مجیء القرینه عَلَیٰ التَّقْیِید. ومعنی ذلک أن یکون الإِطْلاَق فِی کُلّ یومٍ (یلی صدورَ الکلام من الْمُتِکَلِّم) مشروطاً بعدم توفر القرینه إلی الیوم التالی، بحیث إن جاءت القرینه عَلَیٰ التَّقْیِید بعد خمسه أیام من صدور الکلام، لا تکون هذه القرینه کاشفهً (خلافاً للصیاغه الأولی) عن أَنَّهُ من الیوم الأوّل لم ینعقد الإِطْلاَق فِی کلامه، بل تقوم هذه القرینه بارتفاع الإِطْلاَق ابتداء من الیوم الخامس فصاعداً.

ولکن الواقع أن کلتا الصیاغتین باطلتان، وقد تقدّم الوجهُ (أو بعض الوجه) فِی بطلانهما عند دراسه المسأله الخلافیه الأولی، حیث کانت عبارهً عن أَنَّهُ هل أن القرینه المنفصله عَلَیٰ التَّقْیِید کالقرینه المتَّصله تمنع عن الإِطْلاَق أو لا؟ فقد ذکرنا هناک رأیَ المیرزا القائل بأنها کالقرینه المتَّصله تمنع عن الإطلاق، فِی مقابلِ الرَّأْی الآخر القائل بأنها لا ترفع ولا تزیل الإِطْلاَق فِی الکلام وإنَّما ترفع حجّیّه ذاک الإِطْلاَق وتکذّبه؛ فإن الإِطْلاَق یبقی موجوداً ولکن لا یبقی لوجوده مفعول ولا طائل، ولا یکشف هذا الإِطْلاَق عن المراد الْجِدِّیّ لِلْمُتِکَلِّمِ. وقد سجلّنا هناک إِشْکَالاَت عَلَیٰ رأی المیرزا بکلتا صیغتیه، ولا بأس أن نبیّن المطلب هنا بشکل کامل وذلک بالإشکال علی کلتا الصیاغتین:

أَمَّا الصیغه الأولی فیرد علیها إشکالان حلی ونقضی:

أَمَّا الإشکال الحلی عَلَیٰ الصیغه الأولی: فهو أَنَّهُ مخالف للوجدان اللُّغَوِیّ وَالْعُرْفِیّ؛ إذ لا نری العرف یتعامل هکذا فِی باب المحاورات، فإن الوجدان الْعُرْفِیّ یقضی بأن الظُّهُور الْحَالِیّ الَّذی تحدثنا عنه (وهو أن ظاهر حال کل متکلم هو أَنَّهُ بصدد بیان تمام مراده بکلامه) یَدُلّ بالالتزام عَلَیٰ الإطلاق منذ البدایه ومن حیث صدور الکلام، إذا لم ینصب الْمُتِکَلِّم فِی ذلک الکلام قرینه عَلَیٰ التَّقْیِید، ویتمسک العقلاء بهذا الإِطْلاَق ولا ینتظرون المجیءَ المحتملَ للقرینه المنفصله مستقبلاً.

ص: 192

وَبِعِبَارَهٍ أُخْرَی: لا بُدَّ أن المیرزا لا یشترط جزافاً عدم القرینه المنفصله بِنَحْوِ الشَّرْطِ المتأخر فِی انعقاد الإِطْلاَق من أوَّل الأوّل، بل یشترطه بنکتهٍ کعدمِ تکوّنِ الدِّلاَلَه الاِلْتِزَامِیَّه عَلَیٰ الإِطْلاَق لکلام الْمُتِکَلِّم مِنْ دُونِ هذا الشَّرْط. أی: یُرجع هذا الشَّرْط الإِضَافِیّ الَّذی ذکره إلی مسأله أن ذاک الظُّهُور الْحَالِیّ یقتضی هذا الشَّرْط.

ولکی یحصحص الحق لا بُدَّ لنا أن نراجع هذا الظُّهُور الْحَالِیّ بوصفنا أفراداً من العرف لنری هل أَنَّهُ یقتضی هذا الشَّرْط؟ أی: هل أن ظهور حال الْمُتِکَلِّم أَنَّهُ بصدد بیان مراده فِی شخص کلامه أو فِی مجموع کلماته فِی حیاته؟!

فعلی الثَّانِی یجب علینا بعد سَمَاع قوله: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» أن نصبر حتّی نسمع کلماته الأخری الَّتی سوف یقولها فِی حیاته، لنری هل أنَّها تحتوی عَلَیٰ قرینه لکی یکون مراده المقیَّد، أم أَنَّهُ لا یأتی بالقرینه لیکون مراده المطلق؟!

وعلی الأوّل ینعقد الإِطْلاَق للکلام ولا یجب علینا أن ننتظر لنری ماذا یصدر منه فِی المستقبل؟

وقد قلنا: لا شکّ بأن ظاهر حال الْمُتِکَلِّم هو الأوّل؛ لأَنَّ الوجدان یری أَنَّهُ ما إن یَتُِمّ الکلام (الَّذی یصحّ السُّکوت علیه) حتّی ینعقد له ظهوره. أی: ظاهر حال الْمُتِکَلِّم الْعُرْفِیّ أَنَّهُ بصدد بیان تمام مرامه فِی شخص کلامه. فلطالما لا توجد قرینه متصله عَلَیٰ التَّقْیِید لا نشترط عدم القرینه المنفصله عَلَیٰ التَّقْیِید أیضاً، لانعقاد الإِطْلاَق.

أَمَّا الإشکال النقضی عَلَیٰ الصیغه الأولی: فقد أردفنا سابقاً أَنَّهُ یلزم من هذا الکلام (أی: اشتراط عدم القرینه المنفصله بِنَحْوِ الشَّرْطِ المتأخر فِی الإِطْلاَق) عدمُ التَّمسُّک بالإطلاق ما إذا احتملنا عدم مجیء القرینه المنفصله (عَلَیٰ التَّقْیِید) فِی المستقبل، أو احتملنا مجیئها ولکنها لم تصلنا؛ لأَنَّ الإِطْلاَق - بناءًا عَلَیٰ هذه الصیغه - فرعُ عدم مجیء القرینه المنفصله مستقبلاً، فیتم إحراز الإطلاق بعد أن أحرزنا عدم مجیء القرینه. أَمَّا ما لم نحرز عدم مجیء القرینه فِی المستقبَل أو عدم وصولها إلینا، لا نکون قد أحرزنا الشَّرْط وبالتَّالی لم نحرز المشروط.

ص: 193

والخلاصه أنَّ مع الشَّکّ فِی مجیء القرینه نشک فِی تکوّن الإِطْلاَق وحدوثه، ومعنی ذلک أن احتمال المقیِّد المنفصل کاحتمال المقیِّد المتصل یمنع عن التَّمسُّک بالإطلاق. وهذا فِی الحقیقه نسف لنظریه الإطلاق وتعطیل له من أساسه. هذا هو اللاَّزِم الباطل الَّذی یطویه هذا الکلام.

لا یقال: إِنَّنّا نتمسک بأصاله عدم القرینه فِی موارد القرینه المنفصله.

لأَنَّنَا نَقُول: إِنْ قصدتم بأصاله عدم القرینه الأصلَ الْعُقَلاَئِیّ، فمن الواضح أنهم إِنَّمَا یبنون عَلَیٰ عدم القرینه المنفصله فیما إذا کان لدیهم فعلاً ظهور فعلی ناجز مستقر ویرون أن تلک القرینه المنفصله المحتَمله مکذِّبه لهذا الظُّهُور، فیتمسکون بحجیه هذا الظُّهُور لیسقطوا ذاک الظُّهُور عن الْحُجِّیَّه. ولکن بناءًا عَلَیٰ کلام المیرزا لا یوجد ظهور فعلیّ؛ لأَنَّ ظهور الکلام فِی الإِطْلاَق فرعُ عدم القرینه المنفصله، ولا نحرز عدم القرینه المنفصله، وبالتَّالی لا نحرز وجود ظهور فعلیّ فِی الإِطْلاَق. فلا معنی لأصاله عدم القرینه.

وإن قصدتم بأصاله عدم القرینه الاستصحابَ فقد تقدّم سابقاً بأَنَّهُ أصل مثبت (أی: التَّمسُّک باستصحاب عدم القرینه المنفصله لإِثْبَاتِ أن لهذا الکلام ظهور فِی الإِطْلاَق، لازم عقلی وعرفی، والاستصحاب لا یثبت إلاَّ اللوازم الشَّرعیَّه). هذا تمام الکلام فِی الصیغه الأولی، یبقی الحدیث عن الصیغه الثَّانیه وهو ما نتناوله غداً إن شاء اللٰه تعالی. إعداد وتقریر: الشَّیْخ محسن الطهرانی عفی عنه. 1476 کلمه.

مقدّمات الحکمه/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: مقدّمات الحکمه/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

وأَمَّا الصیغه الثَّانیه: فمن الطَّبِیعِیّ أن لا یرد علیها الإشکال النقضی الْمُوَجَّه إلی الصیغه الأولی؛ لأَنَّ بإمکاننا أن نتمسک بإطلاق الکلام قبل مجیء القرینه حتّی مع احتمال مجیئها فِی المستقبل ولا نتوقف عن العمل به إلی حین مجیء القرینه فِی المستقبل.

ص: 194

فمثلاً لو قال فِی یوم السبت: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» ولم یردف کلامه بقرینه متصله، ینعقد لکلامه إطلاق فِی یوم السبت. وحیث أن هذا الإطلاق مشروط بعدم القرینه المنفصله والمفروض أَنَّهُ لا توجد قرینه منفصله یوم السَّبت، فیستمرّ الإِطْلاَق إلی یوم الأحد. واستمرار الإطلاق إلی یوم الأحد منوط بعدم قرینه منفصله إلی یوم الأحد. وهکذا یوم الاثنین وباقی الأیام.

بینما بناءًا عَلَیٰ الصیغه الأولی کان الإطلاق فِی یوم السبت مَنُوطاً بعدم القرینه یوم الأحد، حیث کُنَّا نستکشف عدم انعقاد الإطلاق منذ یوم الأحد بمجیء القرینه یوم الأحد. وهذا ینتج مقصودَ الْمُحقق النائینی؛ فإن مقصوده هو أَنَّهُ متی ما تأتی القرینه فِی المستقبل ینهدم الإِطْلاَق من حین مجیئها، وبذلک یمکن التخلّص من النقض الوارد عَلَیٰ الصیغه الأولی مع التَّحَفُّظ عَلَیٰ أصل المبنی، إلاَّ أن هذه الصیغه الثَّانیه کالصیغه الأولی لا تسلم من الإشکال والاعتراض، لا حلاًّ ولا نقضاً:

أَمَّا الإشکال الحلی عَلَیٰ الصیغه الثَّانیه: فَلأَنَّها وإن لم یرد علیها الوجدانُ الَّذی ادّعیناه فِی الصیغه الأولی (لأَنَّ الصیغه الثَّانیه لا تنافی عملَ العقلاء بإطلاق الکلام قبل مجیء القرینه المنفصله مستقبلاً) إلاَّ أنَّها غیر معقوله ثبوتاً؛ لأَنَّ أصل هذا الشرط الَّذی أضافه المیرزا (وهو اشتراط عدم القرینه المنفصله) لَم یشترطه المیرزا جزافا؛ وإنَّما اشترطه لعدم تکوّن الدِّلاَلَه عَلَیٰ الإِطْلاَق لکلام الْمُتِکَلِّم مِنْ دُونِ هذا الشَّرْط. فکأنه یری أن الظُّهُور الْحَالِیّ (الَّذی هو أساس الإِطْلاَق) هو الَّذی یفرض علینا أن نشترط هذا الشَّرْط لکی یلزم الإِطْلاَق من ذاک الظُّهُور، وإلاَّ فمِنْ دُونِ هذا الشَّرْط لا یکون لازم ذاک الظُّهُور الإِطْلاَق. فإذا کان الأمر هکذا فلا بُدَّ لنا من مراجعه هذا الظُّهُور الْحَالِیّ لکی نعرف مقتضی هذا الظُّهُور! فهل یقتضی حقّاً مثل هذا الشَّرْط الَّذی اشترطه المیرزا أم لا؟

ص: 195

ولدی مراجعتنا لهذا الظُّهُور الْحَالِیّ نجد أن فیه احتمالات ثلاثه:

الاحتمال الأوّل: أَنْ یَکُونَ هذا الظُّهُور عباره عن ظهور حال الْمُتِکَلِّم فِی أَنَّهُ بصدد بیان تمام مرامه بشخص کلامه.

الاحتمال الثَّانِی: أَنْ یَکُونَ هذا الظُّهُور عباره عن ظهور حال الْمُتِکَلِّم فِی أَنَّهُ بصدد بیان تمام مرامه بجموع کلامه الْفِعْلِیّ والاستقبالی.

الاحتمال الثَّالث: أَنْ یَکُونَ هذا الظُّهُور عباره عن ظهور حال الْمُتِکَلِّم فِی أَنَّهُ بصدد بیان تمام مرامه بجموع ما هو فعلاً من کلامه، أی: بمجموع ما صدر عنه لحد الآنَ من الکلمات. أو قل: ظهور حال الْمُتِکَلِّم فِی أَنَّهُ بصدد بیان تمام مرامه فِی کُلّ آنٍ، بمجموع ما یصدر منه إلی ذلک الآنَ. فلو قال یوم الجمعه: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» ولم یصدر منه تقیید فی یوم السبت، سوف یکون کلامه الْفِعْلِیّ فِی یوم الجمعه ویوم السبت واحداً، فمقتضی ظهوره الْحَالِیّ أَنَّهُ أراد الإطلاق فِی هذین الیومین. وحینئِذٍ لو صدر منه القیدُ فِی یوم الأحد أصبح مجموع الکلامین هو الْفِعْلِیّ من کلامه، أحدهما الکلام الَّذی قاله یوم الجمعه وهو کان مطلقاً، والآخر کلامه فِی یوم الأحد وهو الکلام الدَّالّ عَلَیٰ التقیید. فَیَکُونُ مقتضی ظهور حاله أَنَّهُ أراد التَّقْیِید یوم الأحد حین صدوره. فیرتفع هذا الظُّهُور الْحَالِیّ حین صدور القرینه یومَ الأحد. فلا یکون ظاهر حاله فِی یوم الأحد فما بعد أَنَّهُ أراد الإِطْلاَق. لکن قبل یوم الأحد یکون ظاهر حاله أَنَّهُ یرید الإِطْلاَق.

یتمخض عن الاحتمال الأوّل أن الْمُتِکَلِّم ما إن أکمل کلامه وسکت ولم ینصب قرینه متصله عَلَیٰ التَّقْیِید حتّی یفی کلامه بتمام مرامه، فَیَدُلُّ الظُّهُور الْحَالِیّ بِالدِّلاَلَهِ الاِلْتِزَامِیَّه عَلَیٰ الإِطْلاَق، سواء وُجدت القرینهُ المنفصله أم فُقِدت؛ فَإِنَّه لو أراد المقیَّدَ لزم الخلف؛ لأَنَّ ظهور حاله کان عباره عن أن یکون شخصُ کلامه وافیاً بتمام مراده. بینما هو یرید المقیَّد هنا، فشخص الکلام لم یف بتمام المراد، بل وفی بجزء من الکلام والجزء الآخر وفتْ به القرینهُ المنفصله، وهذا خلاف ذاک الظُّهُور الْحَالِیّ.

ص: 196

إذن بناءًا عَلَیٰ الاحتمال الأوّل (الَّذی هو الصَّحیح عندنا وجداناً کما سبق) فِی تفسیر هذا الظُّهُور الْحَالِیّ، لا یشترط فِی الإِطْلاَق عدمُ القرینه المنفصله عَلَیٰ التَّقْیِید أصلاً، لا بنحو القرینه المتأخره ولا بِنَحْوِ الشَّرْطِ المقارن.

ویُنتج عن الاحتمال الثَّانِی أن یَدُلّ هذا الظُّهُور الْحَالِیّ بِالدِّلاَلَهِ الاِلْتِزَامِیَّه عَلَیٰ الإطلاق فیما إذا لم ینصب الْمُتِکَلِّم قرینهً عَلَیٰ التَّقْیِید أصلاً، لا متصله ولا منفصله، بحیث ما لم نتأکد من انْتِفَاء القرینتین ولم نحرز انتفاءهما لا نستطیع التَّمسُّک بالإطلاق؛ لأَنَّ الإِطْلاَق فرض لزوم الخلف من إراده المقیَّد؛ وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ مع وجود القرینه المتَّصله عَلَیٰ التَّقْیِید لا یلزم الخلفُ من إراده المقیَّد؛ لأَنَّ مجموع کلامه (الْفِعْلِیّ والاستقبالی) قد وفی بتمام مراده. فَیَکُونُ الإِطْلاَق - بناءًا عَلَیٰ هذا الاحتمال - مشروطاً بعدم القرینه المنفصله بِنَحْوِ الشَّرْطِ المتأخر. أی: إطلاق الکلام الیومَ مشروط بعدم مجیء قرینه ولو بعد سنه؛ إذ لو أتت قرینه بعد سنه تکون مجموع کلامه (مع القرینه المنفصله بعد سنه) وافیاً بتمام مرامه، وهذا یرجع إلی الصیغه الأولی الَّتی تقدمت بالأَمْسِ وناقشناها.

ویتمخض عن الاحتمال الثَّالث أن هذا الظُّهُور الْحَالِیّ إِنَّمَا یَدُلّ بِالدِّلاَلَهِ الاِلْتِزَامِیَّه عَلَیٰ الإِطْلاَق ما لم ینصب قرینه عَلَیٰ التَّقْیِید، وترتفع تلک الدِّلاَلَه الاِلْتِزَامِیَّه بمجرد صدور القرینه عَلَیٰ التَّقْیِید. هذا هو الَّذی تقتضیه الصیغه الثَّانیه (أی: بِنَحْوِ الشَّرْطِ المقارن).

وحینئِذٍ بعد أن أفادنا الاحتمال الأوّل ولم یفد المیرزا أبداً، وبعد أن أرجعنا الاحتمال الثَّانِی إلی الصیغه الأولی (الشَّرْط المتأخر)، وارتفعت هذه الصیغه الثَّانیه بالشکل الثَّالث، نرید أن نقول إن الاحتمال الثَّالث غیر معقول ثبوتاً؛ لأنَّ معناه أن الظهور الْحَالِیّ (فِی کلام الْمُتِکَلِّم) یقتضی أَنَّهُ أراد الإِطْلاَق فِی یوم الجمعه ویوم السبت وأراد التَّقْیِید فِی یوم السبت, وهذا واضح البطلان؛ لأَنَّ هناک کَلاَماً واحد هو «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» وله معنی واحد، بینما یلزم منه أن یکون للکلام الواحد مفادان ومرادان من کلام واحد، وهذان المرادان (الإِطْلاَق والتقیید) متهافتان، ولا یمکن أن یکون هناک مرادان ومقصودان متهافتان من کلام واحد. إذن، هذه الصیغه غیر معقوله؛

ص: 197

هذا هو الجواب والاعتراض الحلی عَلَیٰ هذه الصیغه.

الإشکال النقضی: هو عَلَیٰ فرض التَّسْلِیم بتعقّل هذه الصیغه (أی: تنزلنا عن الإشکال الحلی) نتساءل عن المقصود من قولکم: «الإِطْلاَق مشروط بعدم مجیء القرینه المنفصله بِنَحْوِ الشَّرْطِ المقارن»، فهل المقصود أن الإِطْلاَق مشروط بعدم صدور القرینه المنفصله عَلَیٰ التَّقْیِید؟ أم هو مشروط بعدم وصول القرینه المنفصله عَلَیٰ التَّقْیِید؟

فعلی الأوّل یلزم عدمُ صحَّه التَّمسُّک بالإطلاق عند احتمال صدور القرینه المنفصله عَلَیٰ التَّقْیِید من الْمُتِکَلِّم؛ إذ مع عدم إحراز الشَّرْط (وهو عدم صدور القرینه المنفصله) لا یمکننا إحراز المشروط (وهو الإِطْلاَق)، بینما من الواضح لدی کل أحد أَنَّهُ یصحّ التَّمسُّک بالإطلاق فِی موارد احتمال صدور ووجود قرینه منفصله (عَلَیٰ التَّقْیِید) لم تصل إلینا.

وعلی الثَّانِی یلزم باطل واضح آخر؛ لأَنَّ وصول کلام آخر لا دخل له بظهور الکلام الأوّل (المطلق) فِی تشخیص ظهور هذا الکلام وتشخیص مرام الْمُتِکَلِّم منه (وهو التَّقْیِید)؛ إذ قد یصل التَّقْیِید إلی شخص ولا یصل إلی الآخر، ولکن ینعقد للکلام الأوّل (المطلق) ظهوره الثَّابِت عند کلیهما، فلا یختلف معنی «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» من سامع إلی آخر. فلا یکون وصول التَّقْیِید إلی شخص دخیلاً فِی تشخیص ظهور الکلام الأوّل (= المراد الْجِدِّیّ من الإطلاق).

نعم «وصول کلام آخر وعدم وصوله» له دخل فِی مُنَجَّزِیَّه الکلام الأوّل ومعذریته، أی: حینما یصل التَّقْیِید إلی الشخص الأوّل تسقط حجیه الکلام الأوّل لدیه، أَمَّا الشخص الآخر الَّذی لم یصله التَّقْیِید یبقی الکلام المطلق حجّهً علیه. إذن، الصیغه الثَّانیه باطله أیضاً.

وعلیه، فقد اتَّضَحَ أن الإِطْلاَق غیر مشروط بعدم القرینه المنفصله عَلَیٰ التَّقْیِید لا بنحو الشَّرْط المتأخر ولا بِنَحْوِ الشَّرْطِ المقارن، فما اختارته مدرسه النائینی غیر تامّ؛ فَالصَّحِیحُ فِی المقدّمه الثَّانیه من مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ ما قاله الخُراسانیّ، وهو أَنَّهُ المقدّمه الثَّانیه عباره عن عدم نصب قرینه متصله عَلَیٰ التَّقْیِید.

ص: 198

هذا تمام الکلام فِی المقدّمه الثَّانیه من مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ الثَّلاث الَّتی ذکرها الخُراسانیّ.

المقدّمه الثَّالثه: هی عدم وجود قدر متیقن فِی مقام التخاطب.

وقد اتَّضَحَ لنا مفصَّلاً أَنَّهُ لا أساس لهذه المقدّمه، وأن وجود القدر المتقین فِی مقام التخاطب لا یضرّ بانعقاد الإطلاق وتمامیه مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ، فنحن لا نقبل هذه المقدّمه الثَّالثه.

هذا تمام الکلام فِی مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ وقد اتَّضَحَ أن الصَّحیح فِی مقدّمه الحِکْمَه أَمْرَانِ:

المقدّمه الأولی: کون الْمُتِکَلِّم فِی مقام بیان تمام مرامه بشخص کلامه.

المقدّمه الثانیه: عدم نصب قرینه متصله عَلَیٰ التَّقْیِید.

بقیت فِی ختام البحث فِی هذه الجهه الثَّانیه (المعقوده لبحث مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ) عدّهُ أمور ینبغی التَّعَرُّض لها ضمن خطوات نسمیها بتنبیهات مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ.

تنبیهات مُقَدَّمَات الْحِکْمَهِ/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: تنبیهات مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

تنبیهات مقدّمات الحکمه

بعد أن انتهینا قبل العطله من الحدیث حول الإِطْلاَق ومقدّمات الحِکْمَه بقیت فِی المقام عدّه تنبیهات بها تکتمل نَظَرِیَّه الإِطْلاَق:

التَّنبیه الأوّل

هو أَنَّهُ فِی ضوء ما ذکرناه فِی صیاغه الإِطْلاَق ومقدّمات الحِکْمَه وتفسیر الإِطْلاَق تتضح عدّه أمور کثیراً مّا تتردد عَلَیٰ الألسن وکُنَّا نحیل تحقیقها عَلَیٰ بحث دلاله المطلق، فقد آن الأوان لذکرها وَفقاً للتفسیر الَّذی قدّمناه للإطلاق ومقدّمات الحِکْمَه:

الأمر الأوّل: هو أن الإِطْلاَق مدلول تصدیقی للکلام ولیس مدلولاً تصوُّراً، ووجه ذلک واضح فِی ضوء ما تَقَدَّمَ؛ فَإِنَّ ملاک الإطلاق وأساس دلاله الکلام علیه کما عرفت هو الظُّهُور الْحَالِیّ السِّیَاقِیّ لِلْمُتِکَلِّمِ فِی کونه بصدد بیان تمام ما هو دخیل فِی مراده الْجِدِّیّ (وهو الجعل والحکم) وهذا لا ینتج أکثر من إثبات ما هو المدلول التَّصْدِیقِیّ (أی: الحکم وحدوده)؛ فقرینه الحکمه الداله عَلَیٰ الإِطْلاَق ناظره إلی المدلول التَّصْدِیقِیّ للکلام ابتداءً ولا تدخل فِی تکوین المدلول التصوری للکلام، خِلاَفاً لما إذا قیل بأن الدِّلاَلَه عَلَیٰ الإِطْلاَق وَضْعِیَّه، باعتباره قَیْداً مَأْخُوذاً فِی المعنی الَّذِی وضع له اللَّفْظ؛ فَإِنَّ الدِّلاَلَه الإِطْلاَقِیَّه تدخل حِینَئِذٍ فِی تکوین المدلول التَّصَوُّرِیّ.

ص: 199

الأمر الثَّانِی: (وَالَّذِی أیضاً تکررت الإشارهُ إلیه فِی البحوث السَّابِقَه) هو أن الإِطْلاَقَ لا یُثبت الحکمَ عَلَیٰ الأفراد، وإنَّما یُثبته عَلَیٰ ذات الطَّبِیعَه خِلاَفاً للعموم، وقد اتضح وجه هذا الفرق فِی ضوء ما تقدّم قبل العطله؛ فَإِنَّ الإِطْلاَق عباره عن عدم دخل القید فِی مَوْضُوع الحکم زَائِداً عَلَیٰ الطَّبِیعَه، وهذا غایه ما یقتضیه إثبات الطَّبِیعَه المطلقه، والطبیعه المطلقه لیست غیر لحاظ الماهیه وعدم لحاظ القید، وَبِالتَّالِی لا نظر لها إلی الأفراد، وَإِنَّمَا المستفاد فِی هذه المرحله هو ثبوت الحکم للطبیعی، وَأَمَّا ثبوت الحکم للأفراد وسرایته إلی کُلّ فرد فردٍ فلیس مدلولاً لِلدَّلِیلِ المطلق نفسه، وَإِنَّمَا هو بحکم العقل القائل بانحلال الحکم فِی مرحله التطبیق والفعلیه بعدد الأفراد، وهذا بخلاف باب العموم حیث أن الدَّلِیل الْعَامّ ناظر إلی الأفراد مباشره؛ فالأفراد متصوَّره ومدلوله له ولو إجمالاً.

فلو قال: {أحل اللٰه البیع}، الإِطْلاَق یقول: قید البلوغ لَیْسَ دخیلاً فِی الحکم بحلیه البیع وصحته ونفوذه، أو قید الإسلام لَیْسَ دخیلاً، أو أی قید آخر یُشک فیه. وهذا معناه أن مَوْضُوع الحکم ذات طبیعه البیع. فالإطلاق لا یثبت أکثر من هذا المقدار وهو أن الحکم منصب عَلَیٰ ذات الطَّبِیعَه، أَمَّا سرایه الحکم من الطَّبِیعَه إلی الأفراد لیست بموجب الإطلاق ومقدّمات الحِکْمَه، بل هو بموجب عامل آخر. الإطلاق بنفسه لا یقتضی ثبوت الحکم عَلَیٰ الأفراد. بل یقتضی ثبوت الحکم عَلَیٰ الطَّبِیعَه. فتدل {أحل اللٰه البیع} بإطلاقها عَلَیٰ أن الحلیه والنفوذ ثابت لذات البیع وطبیعته، أَمَّا سرایه هذا الحکم إلی هذا البیع وذاک البیع فهذا لا یثبت بهذا الدَّلِیل المطلق، وإنَّما بحکم عقلی، کما ذکرناه فِی مورده ومحله. فالعقل یقول: إذا انصب الحکم فِی مرحله الجعل عَلَیٰ ذات الطَّبِیعَه إذن یَنْحَلُّ هذا الحکم فِی مرحله المجعول إلی مجعولات عدیده بعدد الأفراد. فهذا انحلال فِی مرحله الفعلیّه والتطبیق والمجعول.

ص: 200

الأمر الثَّالث: هو أن الإِطْلاَق عباره عن رفض القیود لا جمعها، وقد تبین وجه هذا أَیْضاً من خلال ما تَقَدَّمَ؛ فَإِنَّ الإِطْلاَق هو استشکاف عدم دخل القید فِی المرام ثبوتاً من عدم ذکره فِی مَوْضُوعَ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ إِثْبَاتاً، فهو انتقال من عدم القید إِثْبَاتاً إلی عدم دخله ثُبُوتاً، لا إلی دخل القیود جمیعا فِی الْحُکْمِ؛ فَإِنَّ هذا أمر زائد لا تقتضیه مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ بوجهٍ کما لا یخفی.

وبعباره أخری: إن ثبوت الحکم لواجد القید ولفاقده لَیْسَ بلحاظ أن هذا واجد للقید وذاک فاقد له، بل ثبوته لهما إِنَّمَا هو بلحاظ الحقیقه المشترکه المحفوظه فیهما معاً، فلا الوجدان قید دخیل فِی ثبوت الحکم ولا الفقدان له؛ لأَنَّ مُقْتَضَیٰ التطابق بین مدلول الکلام وتمام المرام هو أن تمام المرام لا یزید عَلَیٰ مدلول الکلام، ووجود القید لَیْسَ داخلاً فِی مدلول الکلام، وَحِینَئِذٍ یخرج عن المرام.

إذن، فالإطلاق هو إخراج القید ورفضه عن المرام تبعاً لخروجه ورفضه عن مدلول الکلام.

الأمر الرَّابِع: هو أن الإِطْلاَق والتقیید الإثباتیین متقابلان تقابل العدم والملکه، بخلاف الإِطْلاَق والتقیید الثبوتیین فِی عالم الجعل فهما متقابلان تقابل النقیضین (أی: تقابل السَّلْب والإیجاب). وقد اتضح وجه هذا مِمَّا تَقَدَّمَ أَیْضاً؛ فَإِنَّ عدم نصب القرینه عَلَیٰ القید إِنَّمَا ینتج الإِطْلاَق ویکشف عنه فِی مورد یکون الْمُتَکَلِّم فیه قادراً عَلَیٰ ذکر القید ولا یکون ممنوعاً عنه لتقیهٍ أو عجزٍ أو ضیق وقت أو غیر ذلک من الأسباب، وَإلاَّ فلا تنشأ الدِّلاَلَه الاِلْتِزَامِیَّه للظهور الْحَالِیّ وعدم ذکر القید عَلَیٰ إراده الإِطْلاَق کما هو واضح.

وبعباره أخری: إن الإِطْلاَق الحَکَمِیّ المنصبّ عَلَیٰ الطَّبِیعَه رهین لمُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ الَّتِی من جملتها عدم نصب قرینه عَلَیٰ القید، وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ ترک نصب القرینه عَلَیٰ القید:

ص: 201

تَارَهً: یکون لعدم قدره الْمُتَکَلِّم لساناً عن نصبها وذکرها لأمثال الموانع الَّتِی أشیر إلیها آنفاً.

وأخری: یکون عدم ذکر القید رغم تمام الاقتدار عَلَیٰ ذکره إثباتاً.

وعلی الثَّانِی یلزم من إراده الْمُقَیَّد الخلف لذاک الظُّهُور الْحَالِیّ السِّیَاقِیّ لِلْمُتَکَلِّمِ؛ لأَنَّهُ فِی مقام بیان تمام مراده بشخص کلامه، فلو کان مراده الْمُقَیَّد وهو قادر عَلَیٰ ذکر القید ومع هذا لم یذکره فهو مخالف للظهور الْحَالِیّ المذکور، وببرهان استحاله الخلف یثبت الإِطْلاَق، وَبِالتَّالِی هو یرید الإطلاق.

وَأَمَّا إن فرض الشق الأَوَّل وهو أن الْمُتَکَلِّم غیر قادر عَلَیٰ ذکر القید إِثْبَاتاً تَکْوِیناً، فَحِینَئِذٍ لا یکون إراده الْمُقَیَّد خُلفاً؛ إذ قد یکون تمام مراده الْمُقَیَّد وهو فِی مقام بیان تمام المرام، لٰکِنَّهُ حیل ما بینه وبین ذکر القید لعارض العجز فِی اللسان أو ما شابه ذلک، فَحِینَئِذٍ لا یلزم الخلف من إراده الْمُقَیَّد ومعه لا یتعین کون المطلق هو المرام، وَبِالتَّالِی لا ینعقد الإِطْلاَق ولا یکون الکلام حِینَئِذٍ مُطْلَقاً کما أَنَّهُ لَیْسَ مُقَیَّداً أیضاً لعدم ذکر القید ففی موارد عدم إمکان ذکر القید ینتفی کُلّ من الإِطْلاَق وَالتَّقْیِید الإثباتیین؛ لأَنَّ الإِطْلاَق الإِثْبَاتِیّ هو عدم ذکر التقیید إِثْبَاتاً عند إمکانه.

وهذا بخلاف الإِطْلاَق الثبوتی الَّذِی معناه عدم لحاظ القید؛ فَإِنَّهُ یقابل التقیید الثبوتی الَّذِی معناه لحاظ القید تقابل السلب والإیجاب؛ ففی موارد عدم إمکان لحاظ القید (نظیر ما یذکر فِی بحث التَّعَبُّدِیّ وَالتَّوَصُّلِیّ من عدم إمکان لحاظ القیود الَّتِی هی من التقسیمات الثَّانَوِیَّه للحکم کقید قصد امتثال الأمر فِی مُتَعَلَّق الأمر فِی مقام الجعل) حیث أن التقیید الثبوتی غیر ممکن، فیتعیّن الإِطْلاَق الثبوتی؛ لاستحاله ارتفاع النقیضین.

ونلخص النقاط المذکوره فِی التَّنْبِیه الأَوَّل فِی أربعه أمور کالتالی:

ص: 202

1)_ الإِطْلاَق مدلول تصدیقی ولیس تصوُّریّاً.

2)- الإِطْلاَق عباره عن کون الحکم مُنْصَبّاً عَلَیٰ الطَّبِیعَه ولیس عَلَیٰ الأفراد.

3)- الإِطْلاَق هو رفض القیود ولیس جمعاً للقیود.

4)- الإِطْلاَق وَالتَّقْیِید الإثباتیان متقابلان تقابل العدم والملکه بخلاف الإِطْلاَق وَالتَّقْیِید الثبوتیین فإِنَّ تقابلهما تقابل السلب والإیجاب (أو قل التناقض).

تنبیهات مُقَدَّمَات الْحِکْمَهِ/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: تنبیهات مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

التَّنبیه الثَّانِی

هو أَنَّهُ قد اتضح فِی ضوء ما ذکرناه فِی الأمر الأَوَّل من الأمور الَّتِی ذکرناها فِی التَّنْبِیه الأَوَّل أن الإِطْلاَق لَیْسَ مدلولاً تصوُّریّاً للکلام بل هو مدلول تصدیقی للکلام، والآنَ نرید أن نرتب شیئاً عَلَیٰ هذا المطلب وهو أَنَّهُ لطالما الإِطْلاَق مدلول تصدیقی للکلام إذن یترتَّب علیه أن الإِطْلاَق لا یجری فِی الجمل الناقصه؛ إذ لَیْسَ لها مدلول تصدیقی (مثل المضاف والمضاف إلیه) بل مدلولها تصوری بحت، وقد قلنا إن مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ لا تشخّص ما هو المدلول التَّصَوُّرِیّ للکلام، فإن هذا یؤخذ من نظام اللغه والعلاقه اللغویه الثَّابِتَه بین الألفاظ ومعانیها.

أَمَّا الجمل التَّامَّه فهی مشتمله عَلَیٰ معانٍ اسمیه ومعان حرفیه؛ فَإِنَّ مثل جمله أَکْرِمِ الْعَالِمَ تشتمل عَلَیٰ معنی حَرْفِیّ وهو عباره عن النِّسْبَه التامه الإِرْسَالِیَّه الَّتِی تَدُلُّ علیها هیئه أکرم، وتشتمل عَلَیٰ معنیین اسمیین وهما الإکرام الَّذِی هو المتعلَّق والَّذِی تَدُلُّ علیه ماده أکرم الَّتِی هی اسم جنس، والآخر العالم الَّذِی هو الْمَوْضُوع والَّذِی یَدُلّ علیه لفظ العالم الَّذِی هو أَیْضاً اسم جنس.

وهذان المعنیان الاسمیان هما فِی الواقع أحد طرفی النِّسْبَه التامه الإِرْسَالِیَّه، وهو المرسل إلیه، وَأَمَّا الطَّرف الآخر فهو المرسَل (أی: المخاطب) وهو أَیْضاً معنی اسمی، لکن لا یَدُلّ علیه اسم جنس، بل یَدُلّ علیه الضمیر المستتر فِی أکرم.

ص: 203

إذن، فالمعانی الاسمیه الَّتِی تشتمل علیها الجمله التامه هی فِی الواقع أطراف المعنی الْحَرْفِیّ الَّذِی تشتمل علیه الجمله، ولا إشکال فِی جریان الإِطْلاَق فِی المعانی الاسمیه وأطراف النِّسْبَه التامه إذا کانت مدالیل لأسماء الأجناس؛ ذلک طبقا لما تَقَدَّمَ من بحوث فِی نَظَرِیَّه الإِطْلاَق، ففی المثال المذکور یجری الإِطْلاَق فِی کُلّ من الإکرام والعالم، غایه الأمر أن الإِطْلاَق فِی الإکرام بدلیّ، وفی العالم شمولی کما سیأتی قریباً التعرض له إن شاء الله تعالی.

وَأَمَّا المعنی الْحَرْفِیّ نفسه (کالنسبه التامه الإِرْسَالِیَّه فِی المثال المتقدم الَّتِی هی مفاد هیئه إکرام وَالَّتِی وقع المدلول التَّصْدِیقِیّ والمراد الجدّیّ لِلْمُتَکَلِّمِ بإزائها) فهل یجری فیه الإِطْلاَق أم لا؟ هل الإِطْلاَق یجری فِی المعانی الحرفیَّه والنسب؟ فیه بحث وکلام وخلاف بینهم، حیث یُدعی أن المعنی الْحَرْفِیّ لا یمکن أن یجری الإطلاق فیه، وقد تعرضنا لذلک وأجبنا عنه فِی بحث معانی الحروف والهیئات وکذلک فِی بحث مفهوم الشَّرْط.

التَّنبیه الثَّالِث

إن تقسیم الإِطْلاَق إلی شمولی وبدلی لَیْسَ بلحاظ نفس ما تنتجه مقدماتُ الحکمه، بل لهما مقیاس آخر.

وتوضیحه: أن الإِطْلاَق قد یکون شمولیا کما فِی {البیع} من قوله تعالی: {وأحل الله البیع}، کما قد یکون بَدَلِیّاً کما فِی الرقبه من قوله: اعتق رقبه، بل قد یکون الإِطْلاَق فِی حکم واحد شمولیا بلحاظ موضوعه وَبَدَلِیّاً بلحاظ متعلقه، کما فِی قوله: أَکْرِمِ الْعَالِمَ، حیث أَنَّهُ بلحاظ أفراد العالم یکون الحکم شمولیا، ولکن بلحاظ أفراد الإکرام یکون الحکم بَدَلِیّاً، کما أَنَّهُ قد یکون الإِطْلاَق بلحاظ الْمُتَعَلَّق أَیْضاً شمولیا کما فِی الکذب من قوله: لا تکذب.

ومن هنا یأتی السؤال عن منشأ الشُّمُولِیَّه والْبَدَلِیَّه مع کون الدَّال عَلَیٰ الإِطْلاَق فِی جمیع هذه الموارد شَیْئاً واحداً وهو عباره عن مقدمات الکمه، فکیف اختلفت النَّتِیجَه مع وحده الْمُقَدَِّمَه؟

ص: 204

وقد تعرضنا لهذا البحث مُفَصَّلاً فِی بحث دلاله الأمر عَلَیٰ المره أو التَّکْرَار، وأیضا فِی بحث دلاله النهی، وقلنا: إن الإِطْلاَق الَّذِی تنتجه مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ لَیْسَ سوی شیء واحد وهو ثبوت الحکم عَلَیٰ ذات الطَّبِیعَه بلا قید، إلا أن هذه الطَّبِیعَه إذا وقعت موضوعاً للحکم فالأمر یختلف عَمَّا إذا وقعت متعلقاً للحکم، ووقوعها مَوْضُوعاً للحکم مِنْ دُونِ تنوین الوحده یختلف عن وقوعها موضوعاً للحکم مع تنوین الوحده، کما أن وقوعها متعلقاً للأمر یختلف عن وقوعهاً متعلقاً للنهی، فعلیک بمراجعه البحثین لمعرفه النکات والتفاصیل.

التَّنبیه الرَّابِع

وهو أن الإطلاق أحیاناً لا یَتُِمّ ولا ینعقد فِی بعض الموارد بسبب الانصراف( (1) ) الَّذِی هو عباره عن حاله معینه قد تؤدی إلی عدم تَمَامِیَّه مقدمات الحکمه وعدم انعقاد الإِطْلاَق، ویُقصد ب_الانصراف أن یتبادر إلی الذِّهْن عند سَمَاع اللَّفظ حصّه خاصّه من حصص الطَّبِیعَه، أو فرد خاصّ من أفراد الطَّبِیعَه الَّتی وُضع اللَّفظُ لها؛ وذلک بسبب أنس ذهنی بتلک الحِصَّه أو بذاک الفرد، وهو عَلَیٰ أقسام ثلاثه باعتبار أن سبب الأنس الذهنی المذکور أحد أمور ثلاثه والأقسام هی:

القسم الأَوَّل: هو الانصراف النّاشِئ من کثره وجود تلک الحصه الخاصه (أو الفرد الخاص) المأنوسه إلی الذِّهْن من بین سائر حصص الطَّبِیعَه وغلبه وجودها فِی الخارج وندره وجود سائر الحصص، فقد توجب هذه الغلبه فِی الوجود والکثره الخارجیه أنس الذِّهْن بتلک الحصه الغالبه الکثیره، ویکون هذا الأنس هو السَّبَب فِی انصراف اللَّفْظ عند سماعه إلی تلک الحصه وتبادرها بالخصوص إلی الذِّهْن.

ص: 205


1- (1) - بحث الانصراف بحث مُهِمّ؛ لأَنَّهُ فِی الفقه کَثِیراً ما تُناقَش الإطلاقاتُ بالانصراف.

ومثاله أن نفرض شخصاً یعیش فِی بلد یکثر فِیه الإنسان الأسود، فقد توجب هذه الکثره أنس ذهنه بخصوص الإنسان الأسود، ویکون هذا الأنس هو السَّبَب فِی انصراف لفظ إنسان عند سماعه مِنْ قِبَلِ هذا الشخص إلی خصوص الإنسان الأسود وتبادره إلی ذهنه.

وکذلک العکس فیما إذا فرضنا شخصاً یعیش فِی بلد یکثر فیه الإنسان الأبیض، فقد توجب هذه الکثره الأنس بخصوص الأبیض وَبِالتَّالِی انصراف اللَّفْظ إلیه وتبادر الأبیض إلی ذهن هذا الشخص عند سَمَاع لفظ الإنسان.

وهذا القسم من الانصراف لا علاقه له بِاللَّفْظِ والدلیل أصلاً، بل هو انصراف بدوی لا أثر له فِی فهم المعنی من الدَّلِیل ولا یوجب هدم الإِطْلاَق والمنع عن انعقاده وإعاقه مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ؛ لأَنَّ فهم ذلک المعنی الخاص وتبادر تلک الحصه الخاصه إلی الذِّهْن لَیْسَ مسبَّباً عن اللَّفْظ ومستنداً إلیه ولیس ظهوراً للکلام بما هو کلام، بل هو فهم مسبّب عن الغلبه والکثره الخارجیه مِنْ دُونِ أَنْ یَکُونَ للکلام دخل فیه.

إذن، فیبقی اللَّفْظ دالاً عَلَیٰ معناه الَّذِی وضع له وهو الطبیعی ویکون مُقْتَضَیٰ الظُّهُور الْحَالِیّ السِّیَاقِیّ الَّذِی ذکرناه أن الْمُتَکَلِّم قد أراد الإِطْلاَق؛ إذ لو کان قد أراد هذه الحصه الخاصه لم یکن کلامه وافیا ببیانه، فیلزم الخلف، فمقدمات الحکمه تَامَّه.

أجل، إذا کانت ندره سائر الحصص الَّتِی انصرف عنها الذِّهْن بالغه إلی درجه بحیث لا تُری عرفاً أَنَّهَا من أفراد هذه الطَّبِیعَه، ویُری أن اللَّفْظ لَیْسَ موضوعاً للمقسم الشامل لها فَحِینَئِذٍ ینهدم الإِطْلاَق لعدم تَمَامِیَّه مُقَدَِّمَه الْحِکْمَهِ؛ إذ لو أراد الْمُتَکَلِّم هذه الحصه الخاصه لم یلزم الخلف، لوفاء الکلام ببیانه؛ إذ المفروض ضیق مدلول اللَّفْظ واقتصاره عَلَیٰ هذه الحصه.

ص: 206

تنبیهات مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: تنبیهات مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

القسم الثَّانِی (من الانصراف): هو الانصراف النّاشِئ من کثره استعمال اللَّفظ فِی تلک الحصه الخاصه المأنوسه لدی الذِّهْن من بین سائر حصص الطَّبِیعَه؛ وذلک إما استعمالاً مجازیا، أو بنحو تَعَدّد الدَّال والمدلول؛ فَإِنَّ هذا الاستعمال الکثیر والاقتران المتکرّر بین اللَّفْظ وهذه الحصه قد توجب حدوث العلاقه الشدیده بین اللَّفْظ وتلک الحصه بحیث یأنس الذِّهْن بتلک الحصه، ویکون هذا الأنس هو السَّبَب فِی انصراف اللَّفْظ عند سماعه إلی تلک الحصه وتبادرها بالخصوص إلی الذِّهْن.

ومثاله لفظه إمام الَّتِی معناه اللغوی عباره عن کُلّ من یُقتدی به، لکنها استعملت کثیراً فِی خصوص مَن یُقتدی به فِی الصَّلاَه وأرید منها هذا المعنی کثیراً، إما بنحو المجاز بأن قیل: رأیت الإمام وأرید به إمام الجماعه، أو بنحو تَعَدّد الدَّال والمدلول بأن قیل: رأیت إمام الجماعه فحصل بین اللَّفْظ وبین هذا الفرد من طبیعی الإمام أنس أوجب الانصراف عند استعماله.

وهذا الأنس الذهنی مسبب عن اللَّفْظ ومستند إلیه؛ لأَنَّهُ ناشئ من استعمال اللَّفْظ فِی هذه الحصه الخاصه وإفادتها به، فهو أنس لفظی لا خارجی، فهو یختلف حَقِیقَه عن الأنس الموجود فِی الْقِسْمِ الأَوَّل من أقسام الانصراف؛ فَإِنَّ ذاک مسبب کما رأینا عن الغلبه الخارجیه، بینما هذا حاصل بسبب اللَّفْظ.

وهذا الأنس الناشئ من کثره الاستعمال هو الَّذِی قد یؤدی إلی الوضع التعیّنی إذا بلغ مرتبهً عالیه فیصبح اللَّفْظ منقولاً عن معناه الأَوَّل أو مشترکاً بینه وبین المعنی الجدید؛ فَإِنَّ هذا الأنس له مراتب بعضها أشد من بعض، فإذا بلغ الأنس مرتبهً نسمّیها بالوضع التعینی (کما تَقَدَّمَ فِی بحث الوضع) وَحِینَئِذٍ فقد یُهجر المعنی الأَوَّل فیکون اللَّفْظ منقولاً (وقد لا یُهجر).

ص: 207

وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ هذا الأنس إذا وصل إلی هذه المرتبه مِنْ دُونِ هجر المعنی الأَوَّل فَسَوْفَ یصبح اللَّفْظ حِینَئِذٍ مشترکاً لفظیاً بین المعنی الأعم وبین الحصه الخاصه المأنوسه إلی الذِّهْن. وَحِینَئِذٍ إذا أطلق اللَّفْظ بعد ذلک وتردد بین المعنیین یکون مجملاً، کما هو الحال فِی کُلّ مشترک إذا أطلق ولم یعیّن أحد معنییه أو معانیه بقرینهٍ معینه.

وَأَمَّا إذا لم یصل الأنس إلی هذه المرتبه (أی: مرتبه الوضع التعیّنی) وَإِنَّمَا کان قریبا منها جِدّاً ومجرد أنس وعلاقه شدیده، فَحِینَئِذٍ سوف تصلح هذه المرتبه المعتدّ بها من الأنس لاعتماد الْمُتَکَلِّم علیها فِی مقام بیان إراده الحصه الخاصه المأنوسه، وإن لم تصلح لإیجاد الوضع، فلا یکون الاعتماد علیها فِی مقام البیان خروجاً عن ذاک الظُّهُور الْحَالِیّ السِّیَاقِیّ الَّذِی هو الأساس فِی مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ ومخالفهً له.

وَحِینَئِذٍ یمکن القول بأن إراده الْمُتَکَلِّم للمقیَّد والحصه (مع وجود هذه المرتبه من الأنس بین اللَّفْظ وبین الْمُقَیَّد والحصه) لا یلزم منها الخلُف بِالنِّسْبَهِ إلی ذاک الظُّهُور؛ لأَنَّ البیان الَّذِی یجب عَلَیٰ الْمُتَکَلِّم أن یوفّره لَیْسَ بأقوی من البیان الَّذِی وفّره فِعْلاً؛ فالانصراف بهذا المعنی إذن قد یوجد الخلل فِی مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ وعدم تمامیتها کما أَنَّهُ یوجب إجمال الکلام حِینَئِذٍ کما هو واضح.

القسم الثَّالث: الانصراف النّاشِئ من المناسبات الموجوده بین الحکم وَالْمَوْضُوع الْعُرْفِیَّه الْعُقَلاَئِیَّه الموجوده فِی الخطاب، وذلک فِی الخطابات المتعرضه لتشریعات لها جذور عُرْفِیَّه مرکوزه فِی أذهان العرف وتطبیقات عُقَلاَئِیَّه موجوده لدی الْعُقَلاَء.

وتوضیح ذلک أن الخطاب الشَّرْعِیّ قد یتعرض لعملیه أو تشریع، وهذه العملیه عملیه عُرْفِیَّه لها تطبیق عرفی مُعَیَّن، أو هذا التشریع هو تشریع له جذور عُرْفِیَّه، والعرف بما هو مرکوز عنده من مناسبات بین هذا التشریع وبین موضوعه له نحو استیناس بمقدار هذه العملیه وبحدود هذا التشریع، وَحَیْثُ أَنَّ استیناسه یکون بین الحکم وبین حصه معینه لذا فقد یکون هذا الاستیناس الناشئ من تلک المناسبات المرکوزه الْعُقَلاَئِیَّه موجباً لانصراف الذِّهْن العرفیّ إلی تلک الحصه الخاصه عند سَمَاع اللَّفْظ.

ص: 208

ومثاله أن یرد خطاب شرعی یقول الماء مطهّر وَحَیْثُ أَنَّ المطهریه حکم وتشریع له منشأ عرفی وجذر عقلائی، والمناسبه المرکوزه فِی ذهن العرف بین المطهریه والمطهر هی أن الشیء المطهِّر والمزیل للقذاره لا تزول بقذاره، إذن فالعرف له استیناس بحدود هذا التشریع، وَحَیْثُ أَنَّ استیناسه إِنَّمَا هو بین هذا الحکم والتشریع (أی: المطهریه) وبین حصه معیّنه من الْمَوْضُوع (أی: الماء) وهی عباره عن الماء الطاهر، لذا یکون هذا الاستیناس الناشئ من تلک المناسبات المرکوزه موجباً لانصراف الذِّهْن العرفیّ إلی تلک الحصه الخاصه عند سَمَاع اللَّفْظ، فیفهم من دلیل المطهریه بموجب مناسبه الحکم وَالْمَوْضُوع أن المراد من الماء المطهر هو الماء الطاهر فِی نفسه لا النجس، فینصرف لفظ الماء إلی هذه الحصه الخاصه.

فهذا الانصراف ناشئ من مناسبه الحکم وَالْمَوْضُوع (أی: المناسبه الْعُرْفِیَّه القائله بأن مثل هذا الحکم إِنَّمَا یناسب خصوص هذا الْمَوْضُوع وهذه الحصه الخاصه) ولذا لو تغیّر هذا الحکم إلی حکم آخر کما إذا ورد خطاب شَرْعِیّ یقول: لا ینظر المُحرم إلی الماء فَسَوْفَ یتغیر الانصراف المذکور ویزول، فلا ینصرف الذِّهْن العرفیّ (فِی الخطاب الثَّانِی) إلی خصوص الماء الطاهر؛ إذ لا توجد مناسبه عُرْفِیَّه تقول بأن مثل هذا الحکم وهو النهی عن النَّظَر إِنَّمَا یناسب خصوص هذا الْمَوْضُوع وهذه الحصه الخاصه (أی: الماء الطاهر)، بل لا یریٰ العرف بفهمه العرفیّ وبما لدیه من مرکوزات أی مانع من شمول هذا الحکم لمطلق الماء (طاهره ونجسه) ولذا یتمسک حِینَئِذٍ بإطلاق الماء، بینما فِی الفرض الأَوَّل کان لا یتقبل بفهمه العرفیّ وبما لدیه من مرکوزات شمول الحکم لمطلق الماء.

إذن، فالانصراف الناشئ من مناسبات الحکم وَالْمَوْضُوع الْعُرْفِیَّه مانع عن انعقاد الإِطْلاَق وهادم لِلْمُقَدَّمَهِ الثَّانیه من مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ؛ لأَنَّهُ یوجب ظهوراً للکلام فِی إراده الْمُقَیَّد والحصه الخاصه؛ لأَنَّ مناسبات الحکم وَالْمَوْضُوع الْعُرْفِیَّه هی قرائن لبّیه متصله تکتنف الدَّلِیل وتشارک فِی ظهوره فِی مرحله المدلول التَّصْدِیقِیّ، وإذا تَمَّ ظهور الدَّلِیل فِی الْمُقَیَّد لم یَتُِمّ الإِطْلاَق حِینَئِذٍ لعدم تَمَامِیَّه الْمُقَدَِّمَه الثَّانیه من مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ، وهی عباره عن عدم وجود قرینه متصله عَلَیٰ التقیید.

ص: 209

ومن هذا القبیل أَیْضاً قوله تعالی: {یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَی الصَّلاهِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَکُمْ وَأَیْدِیَکُمْ إِلَی الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِکُمْ وَأَرْجُلَکُمْ إِلَی الْکَعْبَینِ}( (1) ) حیث أن هذا الخطاب بتعرض لعملیه مسح الرأس، وهی عملیه عُرْفِیَّه لها تطبیق عرفی مُعَیَّن عند العرف وهو عباره عن المسح بالید، حیث أن أیّ إنسان إذا أراد المسح برأسه أو أراد مسح رجله مسحه بکفّه، فالعرف له نحو استیناس بمقدار هذه العملیه وَحَیْثُ أَنَّ استیناسه إِنَّمَا هو بحصه معینه من المسح وهی المسح بالید، لذا یکون هذا الاستیناس موجباً لانصراف الذِّهْن العرفیّ عند سَمَاع لفظ المسح إلی خصوص المسح بالید، فلا ینعقد الإِطْلاَق فِی الخطاب المذکور بحیث یشمل المسح بغیر الید.

تنبیهات مُقَدَّمَات الْحِکْمَهِ/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: تنبیهات مُقَدَّمَات الْحِکْمَهِ/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

قلنا إن العامل وَالسَّبَب الثَّالِث الَّذِی قد یوجِب الانصراف ویمنع عن تَمَامِیَّهِ مُقَدَِّمَاتِ الْحِکْمَهِ والإطلاق عباره عن مناسبه الحکم وَالْمَوْضُوع المرکوزه فِی ذهن العرف والعقلاء حیث أنسوا بهذا الحکم مع هذا الْمَوْضُوع، فلا یَتَعَقَّل العرفُ أَنْ یَکُونُ هذا الحکم ثابتاً لموضوع آخر، بل یری أن المناسب لهذا الحکم هو هذا الْمَوْضُوع. فتأتی مناسبه الحکم وَالْمَوْضُوع فِی الأحکام الشرعیه والتشریعات الدینیه التی لها جذور عُرْفِیَّه وَعُقَلاَئِیَّه (بخلاف التشریعات التَّعَبُّدِیَّه المحضه التی هی تأسیس من الشارع؛ لأن العرف لَیْسَ له مثل هذا التشریع، فلا معنی لمناسبه الحکم وَالْمَوْضُوع فیه)؛ لأن للعرف مثل هذا التشریع، فقد یری العرف أن هذا الحکم وهذا التشریع یناسبه الْمَوْضُوع الفلانی ولا یناسبه الْمَوْضُوع الفلانی. وهذا الاستیناس والارتکاز العرفی یُشَکِّل قرینهً لُبِّیَّه کَالْمُتَّصِلَهِ بِالْکَلاَمِ، بحیث لا تمنع من أن ینعقد للکلام إطلاق. وقد مثّلنا له بالأمس بما لو ورد فِی خطاب شرعی أن «الماء مطهِّر»، فلا یکون الشَّارِع مُؤَسِّساً فِی هذا التشریع؛ إذ أن العرف غیر الْمُتَشَرِّعِیّ أَیْضاً یعتبر الماءَ مُنَظِّفاً للقذارات، مع أن الشَّارِع والعرف یختلف عن بعضهما فِی مصادیق النجاسات والقذارات، لکنهما متفقان فِی کون الماء مُطَهِّراً للقذارات والنجاسات وَالتَّلَوُّثَات، وهذا التشریع الشرعی له منشأ وجذر عقلائی؛ فإن من الواضح أن العرف فِی تشریعه العرفیّ لا یری أن کُلَّ ماء مُنَظِّف، بل له استیناس بِنَوْعٍ مُّعَیَّنٍ من الماء، وهو الماء الَّذِی یکون نَظِیفاً فِی نفسه، وَإلاَّ فإن العرفَ لا یری الماء الوسخَ مُنَظِّفاً للأوساخ والمتلوثات؛ إذ من الواضح أن القذاره لا تزول بقذاره أخری. إذن، العرفُ لا یُشَرِّعُ الْمُشَرِّعِیَّهَ فِی تشریعه لمطلق الماء ولو کان الماء فِی نفسه قذراً، وَإِنَّمَا یُشَرِّع الْمُشَرِّعِیَّهَ للماء النظیف. فهنا هذه المناسبه العرفیه المرکوزه فِی ذهن العرف بین هذا الحکم وهذا الْمَوْضُوع تَتَدَخَّل فِی الموقف وَیُشَکِّل مَانِعاً وَعَائِقاً من أن ینعقد إطلاق فِی قول الشَّارِع عندما قال: «الماء مُطَهِّر» فتقول: «لا یمکن التَّمَسُّک بإطلاق قوله: "الماء مُطَهِّر" لیقال: «الماء مُطَهِّر حتَّی الماء النجس؛ لأن الماء النجس ماء أیضاً ویشمله إطلاق الکلام». فلا یصح هذا الکلام؛ ذلک لأن الْمُقَدَِّمَه الثَّانیه (أی: أن لا ینصب الْمُتَکَلِّم قرینه متصله عَلَیٰ القید) من مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ غیر تامه؛ لأن المولی بقوله «الماء مُطَهِّر» نصبَ قرینهً لُبِّیَّه کَالْمُتَّصِلَهِ بهذا الخطاب تقول: «لَیْسَ کُلّ ماء، بل خصوص الماء الطاهر» والقرینه اللُبِّیَّه عباره عن هذه المناسبه العرفیه المذکوره فِی ذهن العرف بین مُطَهِّرِیَّه الماء وطهاره الماء.

ص: 210


1- (1) - سوره المائده (5): الآیه 6.

لکن هذه المناسبه التی شکلت قرینهً لُبِّیَّه متصله بالخطاب، قلنا مناسبه بین خصوص هذا الحکم (المطهریه) وهذا الْمَوْضُوع. ولذا لو تغیر الحکم وبقی الموضوعُ (وهو الماء)، کما إذا غیّرنا الحکم وکان الحکم عباره عن «المحرم لا ینظر فِی الماء»، هنا نتمسک بإطلاق الماء ونقول: النظر الحرام عَلَیٰ المحرم هو النظر فِی کُلّ ماءٍ، سَوَاءً الماء الطاهر أم الماء النجس؛ لأن تلک المناسبه العرفیه التی کانت مرکوزه فِی ذهن العرف والتی کانت تشکل قرینه متصله فِی المطهریه، غیر موجوده فِی المقام؛ لأن هذا الحکم (وهو حرمه نظرِ المحرِمِ إلی الماء) لَیْسَ له جذر عقلائی، بل هو حکم تعبدی محض، ومن هنا لا توجد لدی العرف مرتکزات حول هذا التشریع، بأن هذا الحکم هل یناسب هذا الْمَوْضُوع أو یناسب مَوْضُوعاً آخر؛ لأَنَّهُ جدیدٌ علیه هذا التشریع. ومن هنا نَتَمَسَّک بإطلاق الماء هنا ونقول: إذا حرم النظر فِی الماء عَلَیٰ المحرم یحرم علیه فِی مطلق الماء، سَوَاءً الماء الطاهر أو الماء النجس.

فلو کان مراد المولی خصوص الماء الطاهر فِی الجمله الثَّانیه فکلامه غیر واف بمراده. وهذا خلاف ظهوره الحالی؛ فإن ظاهر حال کُلّ متکلم أَنَّهُ بصدد بیان تمام مراده بکلامه. فیجری الإِطْلاَق هناک مِنْ دُونِ مانع.

إذن، لا یجری الإِطْلاَق فِی مثل هذا.

کذلک افرضوا مثالا آخر وهو الآیه الکریمه : {یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَی الصَّلاهِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَکُمْ وَأَیْدِیَکُمْ إِلَی الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِکُمْ وَأَرْجُلَکُمْ إِلَی الْکَعْبَینِ} فإن من الواضح أن المرکوز عند العرف أن الناس یمسحون رؤوسهم وأرجلهم بأیدیهم، فتدل الآیه عَلَیٰ وجوب المسح بالید، فلو مسح رجله برجله الآخر فلا یصح.. فالآیه وإن کانت مطلقه من ناحیه المسح، بأن الماسح أی شیء کان، ولکن یوجد ارتکاز عرفی یصرف الآیه عن ذاک المعنی وهو أن الناس یمسحون رؤوسهم وأرجلهم بأیدیهم. وهذا بخلاف الغسل فإن بالإمکان أن یُغمس شخص یده أو رجله تحت الماء ویغسلها بالغمس, ولا توجد مناسبه عرفی فِی المقام.

ص: 211

موجباً لانصراف الذِّهْن العرفیّ عند سَمَاع لفظ المسح إلی خصوص المسح بالید، فلا ینعقد الإِطْلاَق فِی الخطاب المذکور بحیث یشمل المسح بغیر الید.

هذا تمام الکلام فِی التَّنبیه الرَّابِع من تنبیهات مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ.

التنبیه الخامس

إن الإِطْلاَق الْحَکَمِیّ الذی یثبت من خلاله مُقَدَِّمَه الْحِکْمَهِ یختلف عن الإِطْلاَق الْمَقَامِیّ اختلافاً جَوْهَرِیّاً وأساسیّاً؛ ذلک لأَنَّ الأمر المحتمل فِی موارد الإِطْلاَق الْحَکَمِیّ والَّذِی یُراد نفیه بالإطلاق هو شیء عَلَیٰ فرض ثبوته یکون قَیْداً فِی الْمُرَادِ الجدّی من اللَّفْظ وَمُوجِباً لتضییق دائره مدلوله التَّصْدِیقِیّ. فعلی سبیل المثال حینما یقول: «أَکْرِمِ الْعَالِمَ» فَسَوْفَ یکون الأمر المحتَمل فِی المقام هو «العداله» مثلاً، وهی عَلَیٰ فرض ثبوتها ودخلها فِی مراد الْمُتَکَلِّم تکون مُقَیَّدَه ومضیّقهً للمراد الجدّی من «العالم»، فیدور أمر المراد الجدّیّ لِلْمُتَکَلِّمِ من قوله «أَکْرِمِ الْعَالِمَ»» بین أَنْ تَکُونَ العداله دخیله فیه وبین أن لا تکون کذلک، وَحِینَئِذٍ فَبِالإِطْلاَقِ الْحَکَمِیِّ نثبت عدم دخلها فیه وذلک عَلَیٰ أساس الظُّهُور الْعَامّ الَّذِی هو عباره عن ذاک الظُّهُور الْحَالِیّ السِّیَاقِیّ القائل بکون الْمُتَکَلِّم بصدد بیان تمام موضوع الحکم المدلول لکلامه من خلال شخص کلامه هذا؛ فالإطلاق الحکمی ینفی القید بهذا الظُّهُور الْعَامّ ولا یحتاج إلی قرینه وعنایه خاصه فِی مورده، ومن هنا کان الإِطْلاَق الْحَکَمِیّ هو مُقْتَضَیٰ الأصل، وأما الإِطْلاَق الْمَقَامِیّ فلیس کذلک. بمعنی أن الأمر المحتمل فِی موارد الإِطْلاَق الْمَقَامِیّ والَّذِی یُرَادُ نفیه بالإطلاق الْمَقَامِیّ هو شیء عَلَیٰ فرض ثبوته لَیْسَ قَیْداً فِی الْمُرَادِ الجدّیّ من اللَّفْظ والکلام الَّذِی بأیدینا ولیس موجباً لضیق دائره مدلوله التَّصْدِیقِیّ، بل هو عَلَیٰ فرض ثبوته مطلب آخر ومرام ومراد جدی آخر وراء هذا المرام والمراد الجدّیّ.

ص: 212

فالإطلاق الْمَقَامِیّ مرتبط بمرام آخر علاوهً عَلَیٰ المدلول التَّصْدِیقِیّ للکلام الموجود. فَمَثَلاً إذا قال الإمام علیه السلام فِی مقام بیان الوضوء: «ألا أعلّمکم وضوء رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم؟ ثُمَّ قال علیه السلام: «غسل الوجه من الوضوء، وغسل الیدین جزء، ومسح الرّأْس کُلّ منهما جزء وهکذا إلی آخره. فهنا:

تَارَهً نَشُکُّ فِی أن غسل الوجه الَّذِی هو جزء هل هو غسل الوجه کیفما اتفق أم غسله من الأعلی إلی الأسفل؟ فهنا تجری مُقَدَِّمَه الْحِکْمَهِ وَنَتَمَسَّک بِالإِطْلاَقِ الْحَکَمِیِّ لإثبات أنَّ الغَسل جزء کیفما وقع؛ ؛ لأَنَّهُ لو کانت الْجُزْئِیَّه مخصوصه بخصوص حصه خاصه من غسل الوجه (وهی حصه غسل الوجه من الأعلی مثلاً) لکان هذا قَیْداً زَائِداً فِی المرام الجدّیّ من کلامه، فکان لابد من بیانه بِمُقْتَضَیٰ الظُّهُور الْحَالِیّ السِّیَاقِیّ القائل بکونه بصدد بیان تمام ما له دخل فِی مرامه الجدّیّ بشخص کلامه، وحیث أن المفروض أَنَّهُ لَمْ یُبَیِّنْهُ؛ لأن کلامه لا یقتضیه ولا یَدُلّ علیه، فننفیه بِالإِطْلاَقِ الْحَکَمِیِّ وَیَتَعَیَّنُ بِمُقْتَضَیٰ ذاک الظُّهُور الْحَالِیّ أن ما هو جزء فِی الوضوء إنما هو طبیعی غسل الوجه ثُبُوتاً؛ ؛ لأَنَّهُ هو الْمُبَیَّن إِثْبَاتاً. إذن، فالمرجع فِی هذه الحاله هو الإِطْلاَق الْحَکَمِیّ.

وأخری نَشُکُّ فِی جزئیه أمر آخر غیر الأمور التی ذکرها، کما لو شککنا فِی جزئیه المضمضه مثلاً فِی الوضوء واحتملنا وجوبها، وکان الإمام علیه السلام قد سکت عنها فِی سیاق ما ذکره من أجزاء للوضوء، فهنا لا یمکن التمسک بِالإِطْلاَقِ الْحَکَمِیِّ لإثبات عدم جزئیّتها ولا تجری مُقَدَِّمَه الْحِکْمَهِ؛ وذلک لأن المضمضه المحتمل وجوبُها هی عَلَیٰ فرض ثبوت وجوبها وجزئیّتها للوضوء فِی الواقع لیست قَیْداً فِی المرام الجدّیّ من کلامه الدال عَلَیٰ وجوب غسل الوجه والیدین ومسح الرأس والقدمین، بل هی عَلَیٰ فرض ثبوت وجوبها وجزئیتها مطلب آخر ومرام جدی آخر وراء مرامه الجدّیّ هذا المدلول لکلامه؛ فوجوب المضمضه وَجُزْئِیَّتهَا حکم آخر وراء الحکم الَّذِی یَدُلّ علیه الکلام، ولیس هذا الحکم قَیْداً لذاک، وَإِنَّمَا یمکن التمسک حِینَئِذٍ بالإطلاق الْمَقَامِیّ لفنی جُزْئِیَّتِهَا ووجوبها بشرط أن نحرز أن الْمُتَکَلِّم کان فِی مقام استیعاب تمامِ أجزاء الوضوء وقد سکت عن جزئیه المضمضه؛ فإن نفس الدَّلِیل الدال عَلَیٰ أَنَّهُ فِی مقام استیعاب تمام أجزاء الوضوء مع سکوته عن جزئیه المضمضه یَدُلّ بِالاِلْتِزَامِ عَلَیٰ أن ما سکت عنه ولم یذکره لَیْسَ جُزْءاً للوضوء ولیس وَاجِباً، وإلا لکان خلف الدَّلِیل الدال عَلَیٰ أَنَّهُ فِی مقام استیعاب تمام أجزاء الوضوء، ولکن الدَّلِیل الَّذِی یَدُلّ عَلَیٰ أن الْمُتَکَلِّم فِی مقام استیعاب تمام أجزاء الوضوء اتفاقی قد یحصل (کما فِی المثال الَّذِی ذکرناه حیث أن الظاهر من قوله: «ألا أعلّمکم وضوءَ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم» أَنَّهُ فِی مقام استیعاب تمام أجزاء الوضوء)، وقد لا یحصل (کما إذا قال الإمام علیه السلام رأساً وابتداءً: «غسل الوجه جزء من الوضوء»، فَإِنَّهُ حِینَئِذٍ لَیْسَ ثَمَّه ما یَدُلّ عَلَیٰ أَنَّهُ فِی مقام استیفاء تمام أجزاء الوضوء، وهذا بخلاف الظُّهُور الْحَالِیّ السِّیَاقِیّ الَّذِی هو الأساس للإطلاق الحکمی؛ فَإِنَّهُ ثابت عَلَیٰ القاعده فِی کُلّ موردٍ تصدّیٰ فیه الْمُتَکَلِّم لإبراز تمام موضوع الحکم المدلول لکلامه من خلال شخص کلامه؛ فإن ظاهر حاله أَنَّهُ قد بَیَّنَ تمام موضوع ذاک الحکم، ولذا یکون الإِطْلاَق الْحَکَمِیّ عَلَیٰ القاعده ظُهُوراً عَامّاً ثابتاً عَلَیٰ القاعده؛ إذ لَیْسَ هناک ظهور عام یقول: إن ظاهر حال کُلّ مَن تصدّیٰ لبیان حکمٍ ومرامٍ هو أن یبیّن حکماً ومراماً آخر أَیْضاً.

ص: 213

تنبیهات مُقَدَّمَات الْحِکْمَهِ/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: تنبیهات مُقَدَّمَات الْحِکْمَهِ/المطلق/دلاله الدلیل/الدلیل الشرعی اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

إذن، فالإطلاق الْمَقَامِیّ باعتبار کونه مرتبطاً بمرامٍ وحکمٍ آخر علاوهً عَلَیٰ مدلول الکلام تکون الاستفاده منه مُبْتَنِیَه عَلَیٰ عنایه زائده ومقام بیان خاصّ أکثر مما قد أبرزه الکلام الَّذِی تکلم به. أی: أن الإِطْلاَق الْمَقَامِیّ یصبح بحاجه إلی عنایه زائده وقرینه خاصه عَلَیٰ أَنَّهُ فِی مقام بیان ذلک المرام الآخر وتلک الجهه وَالْحَیْثِیَّه التی لم یُبرزها الْمُتَکَلِّم بکلامه الأَوَّل الَّذِی تکلم به، وهذه القرینه فِی الإِطْلاَق الْمَقَامِیّ عَلَیٰ نحوین:

النحو الأَوَّل: أَنْ تَکُونَ لفظیه إما صریحه أو تُفهم من ظاهر حال المتلفِّظ، کما لو قال الإمام علیه السلام: «ألا أعلمکم الوضوء»؟ وهناک عَبَائِر وکلمات أقل من هذه یمکن أن یُسْتَظْهَر منها أَنَّهُ فِی مقام بیان المرام الآخر واستیعاب أجزاء الوضوء، ومعرفه هذه القرائن اللَّفْظِیَّه منوطهٌ باستظهار الفقیه من الروایه فِی کُلّ مورد بخصوصه؛ فإن تَمَّ ذلک تَمَّ الإِطْلاَق الْمَقَامِیّ.

النحو الثَّانِی: أَنْ تَکُونَ غیر لَفْظِیَّهٍ وهی عباره عن اقتضاء شأن الشارع الأقدس فتکون دلالتها من نوع دلاله الاقتضاء، لا من نوع دلاله الألفاظ، کما إذا فرض أن جُزْءاً من الأجزاء کان مِمَّا یُغفلُ عنه عَادَهً بحسب نوعه، بحیث لو لَمْ یُبَیِّنْهُ الشَّارِعُ بنفسه لم یَلْتَفِت إلیه عَامَّه الناس لیسألوا الشَّارِع عنه؛ لعدم خطور احتمال دخله فِی مراد الشَّارِع عَلَیٰ الأذهان العادیه، وإن کان هو مِمَّا یخطر عَلَیٰ الأذهان تَصَوُّراً، کقصد القربه مثلاً، وقد یکون هو أَیْضاً مِمَّا لا یخطر حتَّی تَصَوُّراً عَلَیٰ أذهانهم وَإِنَّمَا یَلْتَفِت إلیه الأصولیون والفقهاء کقصد الوجه أو التَّمْیِیز؛ فَإِنَّهُ فِی مثل هذه الموارد تَتُِمّ دلالهُ الاقتضاء فیقال: إن ما یناسب شأن الشَّارِع ویقتضیه هو بیان دخل هذا الجزء فِی مراده لو کان حَقّاً جُزْءاً، فحیث لَمْ یُبَیِّن ذلک فِی کلامه وسکت عنه نَتَمَسَّکُ بالإطلاق الْمَقَامِیِّ لکلامه لنفی الْجُزْئِیَّه؛ فإن نفس اقتضاء شأن الشَّارِع مع سکوته عن الْجُزْئِیَّه یَدُلّ بالالتزام عَلَیٰ عدم الْجُزْئِیَّه، وَإلاَّ لکان خلف ما یقتضیه شأنه.

ص: 214

وعندما نقول هنا: «إننا نَتَمَسَّک بالإطلاق الْمَقَامِیّ لکلام المولی لا نقصد التمسک بکلام واحد من کلماته وخطاب واحد من خطاباته، بل نقصد التمسک بمجموع کلماته وخطاباته بأن نقول: إن مجموع الکلمات والخطابات الواصله إلینا من الشَّارِع لَیْسَ فیها أی إشاره إلی جزئیه التَّمْیِیز أو قصد الوجه مثلاً، ونضمّ إلی ذلک الاطمئنان بعدم وجود إشاره إلیهما فِی روایه أخری لم تصلنا واختفت علینا لعلّهٍ مّا، فیَتُِمّ الإِطْلاَق الْمَقَامِیّ.

هذا تمام الکلام فِی التَّنْبِیه الخامس، وبذلک تَمَّ الکلام فِی تنبیهات مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ. وبهذا نکون قد انتهینا من الکلام فِی الجهه الثَّانیه من جهتی البحث وهی الجهه الْمُتَکَفِّلَه للبحث عن مُقَدَِّمَات الْحِکْمَهِ، وبه تَمَّ الکلام فِی بحث دلاله المطلق وهو البحث الخامس والعشرون من بحوث دلالات الدَّلِیل الشرعی اللفظی، وهذا البحث هو الأخیر من هذه البحوث، وبذلک نکون قد استکملنا کُلّ دلالات الدَّلِیل الشَّرْعِیّ اللَّفْظِیّ.

وأما البحوث المرتبطه بالتخصیص (والتی ذکرها الأصحاب فِی بحث الْعَامّ والخاص) وکذلک الْبُحُوث المرتبطه بالتقیید (والتی ذکروها فِی بحث المطلق وَالْمُقَیَّد) وکذلک بحث المجمل والمبیّن، فالأنسب حسب تقسیمنا لمباحث علم الأُصُول إیکالها إلی بحث التعارض؛ فإن هذه البحوث هی فِی الواقع تحاول الإجابهً عن هذا السؤال وهو أَنَّهُ إذا ورد دلیلان أحدهما عام والآخر خاصّ، أو أحدهما مطلق والآخر مُقَیَّد، أو أحدهما مجمل والآخر مُبَیَّن، فما هو الحلّ؟ فهی بحوث مرتبطه بتعارض دلیلین، فلا معنی للتعرض لها فِی ضمن بحوث الدلالات.

وعلیه، فقد قمنا لحدّ الآن بتحدید دلالات الأَدِلَّه الشرعیّه اللَّفْظِیَّه واستوعبناها، وبذلک تَمَّ البحث الأَوَّل من بحوث الفصل الأَوَّل السّتّه بحمد الله، ویتلوه بعد ذلک بعون الله ومشیئته البحث الثَّانِی فِی تحدید دلالات الأَدِلَّه الشرعیه غیر اللَّفْظِیَّه.

ص: 215

دلاله الْفِعْل أو التَّرْک الصادر من الْمَعْصُوم علیه السلام/الدَّلِیل الشَّرْعِیّ غیر اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: دلاله الْفِعْل أو التَّرْک الصادر من الْمَعْصُوم علیه السلام/الدَّلِیل الشَّرْعِیّ غیر اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

دلاله الفعل أو الترک الصادر من المعصوم علیه السلام

البحث الثَّانِی من بحوث الأَدِلَّه هو عباره عن البحث عن دلالات الدَّلِیل الشَّرْعِیّ غیر اللَّفْظِیّ، و هو عباره عمّا یصدر من المعصوم علیه السلام ولیس من نوع اللَّفْظ والکلام وله دلاله بنحو من الأنحاء عَلَیٰ الحکم الشَّرْعِیّ.

وهذا له مصداقان: أحدهما الفعل أو الترک، والآخر التقریر. فلا بد من البحث عن دلاله کُلّ منهما.

أَمَّا الفعل فلو صدر من المعصوم فعل معیَّن أو ترکُ فعلٍ معیَّن، فتارهً یقترن بقرینه (حالیهٍ أو مقالیهٍ) تَدُلُّ عَلَیٰ مطلب مُعَیَّنٍ فَحِینَئِذٍ یتحدّد مدلول الفعل أو الترک عَلَیٰ أساس تلک القرینه، کما إذا دلّت قرینه عَلَیٰ أن عملیه الوضوء التی قام بها الإمام علیه السلام کانت بغرض تعلیم الوضوء لِلْمُکَلَّفِ، فَیَدُلُّ الفعل حِینَئِذٍ عَلَیٰ أن الوضوء الشَّرْعِیّ إِنَّمَا هو بذاک النحو الَّذِی صدر من المعصوم علیه السلام، وکما إذا دَلَّتْ قرینهٌ عَلَیٰ أن الفعل الَّذِی قام به کان وَاجِباً أو مُسْتَحَبّاً أو مُبَاحاً، أو عَلَیٰ أن الفعل الَّذِی ترکه کان حَرَاماً أو مَکْرُوهاً أو مُبَاحاً؛ فَإِنَّ الْفِعْلَ أو التَّرْکَ حِینَئِذٍ یکتسب مدلوله من تلک القرینه وَیَدُلُّ الأَوَّلُ بموجبها عَلَیٰ الوجوب أو الاستحباب أو الإباحه، والثانی عَلَیٰ الْحُرْمَه أو الکراهه أو الإباحه.

وأخری یفترض عدم اقتران الْفِعْل أو التَّرْک الصادر منه بقرینه من هذا القبیل. بل وقع مجرداً عنها، فَحِینَئِذٍ تثبت له بعض الدلالات:

ص: 216

منها: دلاله صدور الْفِعْل منه عَلَیٰ عدم حرمه ذاک الْفِعْل فِی الشریعه؛ وذلک بحکم عصمته، ولا یَدُلّ عَلَیٰ وجوب ذاک الْفِعْل ولا عَلَیٰ استحبابه، فَلَعَلَّهُ مباح، وهل یَدُلّ عَلَیٰ عدم کراهته أم لا؟ سیأتی الکلام فیه.

ومنها: دلاله ترکه فِعْلاً مُعَیَّناً عَلَیٰ عدم وجوب ذاک الفعل فِی الشریعه؛ وذلک بنکته العصمه، ولا یَدُلّ عَلَیٰ حرمته ولا عَلَیٰ کراهته، فَلَعَلَّهُ مباح، وهل یَدُلّ عَلَیٰ عدم استحبابه أم لا؟ سیأتی الکلام فیه.

ومنها: دلاله صدور الْفِعْل عَلَیٰ وجهٍ عِبَادِیٍّ عَلَیٰ مَطْلُوبِیَّهِ ذاک الْفِعْل ورجحانه، کما إذا رأیناه یصوم فِی یوم الخمیس مثلاً، أو یصلّی فِی مکانٍ مّا أو زمانٍ مّا صلاهً مُعَیَّنَهً؛ وذلک لأن عدم حرمه الْعَمَلِ العِبَادِیِّ مساوق لمشروعیّته ورجحانه.

ومنها: دلاله تکرار صدور الْفِعْل منه ومواظبته علیه مع کونه من الأعمال الَّتِی لا یقتضی الطبعُ تکرارها والمواظبه علیها عَلَیٰ رجحان ذاک الْعَمَل فِی الشَّرِیعَه؛ لأَنَّهُ مع التَّکْرَار والمواظبه فِی مثل ذلک نحرز عدم وجود أیّ حافزٍ ومحرِّکٍ غیر شرعی له عَلَیٰ ذلک، فَیَتَعَیَّنُ کون الحافز والمحرِّک له شَرْعِیّاً من دلیل آخر غیر التَّکْرَارِ والمواظبه.

یبقی أن نری أن صدور الْفِعْل هل یَدُلّ عَلَیٰ عدم کونه مَرْجُوحاً وَمَکْرُوهاً أم لا یَدُلّ عَلَیٰ أکثر مِمَّا تَقَدَّمَ من عدم الْحُرْمَه؟ وأن ترکه لفعلٍ هل یَدُلّ عَلَیٰ عدم کون ذاک الْفِعْل راجحاً ومستحبّاً أم لا یَدُلّ عَلَیٰ أکثر مِمَّا تَقَدَّمَ من عدم الوجوب؟ هناک وجوه ثلاثه:

الوجه الأَوَّل: أن یقال بأنه یَدُلّ عَلَیٰ ذلک مُطْلَقاً، سَوَاء تکرر منه ذلک أم لا.

الوجه الثَّانِی: أن یقال بعدم دلالته عَلَیٰ ذلک مُطْلَقاً.

الوجه الثَّالِث: أن یقال بدلالته عَلَیٰ ذلک فِی فرض تکرار صدور ذاک الْفِعْل أو ذاک التَّرْک من المعصوم علیه السلام وعدم دلالته عَلَیٰ ذلک فِی فرض عدم التَّکْرَار.

ص: 217

وهذه الوجوه الثَّلاَثه مبنیهٌ عَلَیٰ:

1)- أن المعصوم علیه السلام هل یجوز فِی حقه ترک الأولی وفعل المکروه بشرط عدم التَّکْرَار؟

2)- أم یجوز حتَّی مع التَّکْرَار والمواظبه عَلَیٰ ذلک؟

3)- أم لا یجوز شیء من ذلک بِالنِّسْبَهِ إلیه؟

فعلی الأَوَّل: تکون النَّتِیجَه عباره عن الوجه الثَّالِث.

وعلی الثَّانِی: تکون النَّتِیجَه عباره عن الوجه الأَوَّل.

وعلی الثَّالِث: تکون النَّتِیجَه عباره عن الوجه الأَوَّل.

وعلیه، فَیَکُونُ صدور الْفِعْل منه دَالاًّ عَلَیٰ عدم کراهته؛ إذ لا یفعل المکروهَ. کما هو دال أَیْضاً عَلَیٰ عدم کون ترک ذاک الْفِعْل مُسْتَحَبّاً وأولی من فعله؛ إذ لا یترک الأولی. کما أنَّ ترکَ الْمَعْصُومِ لفعلٍ مُعَیَّنٍ یکون دَالاًّ حِینَئِذٍ عَلَیٰ أن ترکه لَیْسَ بِمَکْرُوهٍ؛ إذ لا یرتکب الْمَکْرُوهَ. کما یَدُلّ أَیْضاً عَلَیٰ عدم کون ذاک الْفِعْل مُسْتَحَبّاً وأولی من ترکه؛ إذ لا یترک الأولی.

والصحیح بِالنِّسْبَهِ إلی النَّبِیِّ الأَعْظَمِ صلی الله علیه وآله وسلم وأهل بیته المعصومین علیهم أفضل الصَّلاَه والسلام هو عدم صدور فعل المکروه وترک الأولی والمستحب منهم؛ لا لأَنَّ عصمتهم تقتضی ذلک کی یناقَش بأن العصمه إِنَّمَا تعین عصمتهم عن العصیان وعن الخطأ والسهو والنسیان، وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ فعل المکروه وترک الأولی لا هو عصیان ولا خطأ أو سهو أو نسیان، بل لما دَلَّ من الروایات عَلَیٰ أنهم أفضل من جمیع الأنبیاء السابقین، ولا شک فِی أن مُقْتَضَیٰ الأفضلیه ذلک؛ فَإِنَّ من وجوه الأفضلیه عدم صدور ما کان قد یصدر من الأنبیاء السابقین أو من بعضهم من ترک الأولی.

هذه هی دلالات الْفِعْل أو التَّرْک الصادر من الْمَعْصُوم علیه السلام.

ص: 218

تبقی هنا نقطه ینبغی الالتفات إلیها، وهی أن هذه الدَّلاَلاَتِ إِنَّمَا تَتَحَقَّقُ وتثبت حکماً لِلْمُکَلَّفِ وَتَدُلُّ علیه بشرط افتراض وحده الظَّرْف الَّذِی یعیشه الْمُکَلَّف وَالظَّرْف الَّذِی صدر فیه الْفِعْل أو التَّرْک من الْمَعْصُوم وتُماثِل هذین الظرفین فِی جمیع الجهات الَّتِی یحتمل کونها دخیله فِی الحکم الشَّرْعِیّ ومؤثره فِی ثبوته؛ ذلک لأن الفعل أو التَّرْک الصادر من الْمَعْصُوم علیه السلام دلیل صامت لَیْسَ له إِطْلاَقٌ؛ إذ لَیْسَ من نوع اللَّفْظ والکلام کی یتمسک بِإِطْلاَقِهِ لکل الظروف والحالات ویقال: إن هذا اللَّفْظَ یَدُلّ ُ ببرکه الإِطْلاَق عَلَیٰ عدم دخل ظرف خَاصّ أو حاله خاصه فِی ثبوت الحکم.

وعلیه، فهو لا یعیّن ما هی الظروف الَّتِی لها دخل فِی إثبات ذلک الحکم للمعصوم علیه السلام. إذن، فاللازم هو الأخذ بالقدر المتیقن وهی صوره المماثله فِی جمیع الخصائص المحتمل کونها مؤثره فِی ثبوت الحکم ولا یمکن تعمیم الحکم المستکشف من فعل الْمَعْصُوم علیه السلام أو ترکه لکل الحالات، بحیث نقول: إن هذا الحکم ثابت لغیر الْمَعْصُوم أیضاً فِی کُلّ حالاته وخصوصیاته، بل ما لم نحرز وحده الظروف المحتمل دخلُها لا یمکن إثبات الحکم، وَبِالتَّالِی یثبت (من خلال فعل الْمَعْصُوم علیه السلام أو ترکه) ذلک الحکم فِی کُلّ حاله مماثله لحاله الْمَعْصُوم علیه السلام من جمیع الجهات المحتمل دخلها فِی ثبوت ذاک الحکم له، فیثبت ذلک الحکم فِی حقّنا أَیْضاً فیما إذا کانت الصفات والخصائص الَّتِی توفّرت فِی الْمَعْصُوم علیه السلام حین صدور الْفِعْل أو التَّرْک منه والتی نحتمل کونها مؤثره فِی ثبوت ذلک الحکم له متوفره فینا أیضاً. فإذا رأیناه مثلاً یدعو بدعاء معیّنٍ حین البدء بالأکل، واحتملنا مدخلیّه حاله البدء بالأکل فِی ثبوت رجحان هذا الدعاء له، فلا یثبت الرجحان لنا إلاَّ فِی نفس الظَّرْف المحتمل دخله فِی ثبوت الرجحان للمعصوم، وهو ظرف البدء بالأکل.

ص: 219

ومن هنا فقد یُثار اعتراض عَامّ فِی المقام وهو أنَّ نفس «النبوه» و«الإمامه» ظرف یمیّز الْمَعْصُوم دائماً من غیره، فکیف یمکن أن نثبت الحکم عَلَیٰ أساس فعل الْمَعْصُوم أو ترکه؟

والجواب عن ذلک هو أن احتمال دخل هذا الظَّرْف فِی ثبوت الحکم له بحیث یکون الحکم من مختصاته مَلْغِیٌّ بقوله تعالی: {لَقَدْ کَانَ لَکُمْ فِی رَسُولِ اللَهِ أُسْوَهٌ حَسَنَهٌ

}( (1) ) وما یناظره من الأَدِلَّه الشَّرْعِیَّه الداله عَلَیٰ جعل النَّبِیّ صلی الله علیه وآله وسلم والإمام علیه السلام قدوهً( (2) )؛ فَإِنَّ فرض ذلک یقتضی إلغاء دخل النبوه والإمامه فِی سلوکهما المتمثّل فِی الْفِعْل أو التَّرْک الصادر منهما لکی یکون هذا السلوک قدوهً لغیرهما، فما لم یثبت بدلیلٍ أن الْفِعْل أو التَّرْک الْمُعَیَّن من مختصات النَّبِیّ صلی الله علیه وآله وسلم والإمام علیه السلام، یُبنی عَلَیٰ عدم الاختصاص، لکن بشرط المماثله معه فِی الحالات والخصائص المحتمل دخلها فِی ثبوت الحکم له کما عرفت آنفاً.

هذا تمام الکلام فِی دلاله الْفِعْل أو التَّرْک الصادر من الْمَعْصُوم علیه السلام.

دلالهُ تقریرِ الْمَعْصُومِ علیه السلام/الدَّلِیل الشَّرْعِیّ غیر اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: دلالهُ تقریرِ الْمَعْصُومِ علیه السلام/الدَّلِیل الشَّرْعِیّ غیر اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

دلاله تقریر الْمَعْصُوم علیه السلام

وَأَمَّا التقریر فهو عباره عن إمضاء الْمَعْصُوم علیه السلام لموقفٍ یتّخذه غیرُه بمرأی منه ومَسْمعٍ، سَوَاء کان الموقف فَرْدِیّاً مُتَمَثَّلاً فِی سلوک شخصیّ کما إذا مسح امرئٌ فی الوضوء رأسه منکوساً (من مقدَّم الرأس إلی مؤخّره) مقابل الْمَعْصُوم علیه السلام، أم کان الموقف اِجْتِمَاعِیّاً مُتَمَثّلاً فِی سلوک عَامّ یُسَمَّیٰ ببناء العقلاء أو السیره الْعُقَلاَئِیَّه کسیره العقلاء عَلَیٰ التصرف فِی مال الغیر بطیب نفسه ولو لم یأذن لَفْظِیّاً، وکسیره العقلاء عَلَیٰ التملک بالحیازه فِی المنقولات، وسواء کان الموقف متجسّداً فِی سلوک خارجیّ، کما لاحظنا فِی الأمثله، أم لم یتجسّد فِی سلوک خارجی وَإِنَّمَا کان مرتکزاً عُقلائیّاً وإن لم یصدر من العقلاء بالفعل سلوک خارجی عَلَیٰ طبقه لعدم تَحَقُّق موضوعه بعدُ، کما إذا کان من المرتکز عند کُلّ عاقل أَنَّهُ إذا قُدِّر له أن یمارس حاله الْمَوْلَوِیَّه ویتقمّص قمیصها فَسَوْفَ یجعل خبر الثقه حجهً بینه وبین عبده.

ص: 220


1- (1) - سوره الأحزاب (33): الآیه 21.
2- (2) - بحار الأنوار: ج92، ص96، وج102، ص163.

وإمضاء الْمَعْصُوم علیه السلام للموقف الَّذِی یواجهه قد یکون من خلال لفظ وکلام صادر منه ودال عَلَیٰ الإمضاء، فهذا خارج عن محل البحث وداخل فِی الدَّلِیل الشَّرْعِیّ اللَّفْظِیّ الَّذِی تحدّثنا عن دلالاته فِی البحث السابق.

وأخری یکون من خلال فعلٍ أو ترکٍ صادر من الْمَعْصُوم علیه السلام ودال عَلَیٰ الإمضاء، فهو أَیْضاً خارج عن محل البحث وداخل فِی الْفِعْل أو التَّرْک الصادر من الْمَعْصُوم وقد فرغنا عن بحثه آنفاً.

وثالثه: یکون من خلال سکوت الشَّارِع وعدم ردعه عن الموقف الَّذِی واجهه، وهذا هو الَّذِی نرید البحث عنه وهو المراد ب_«التقریر» فِی المصطلح الأُصُولِیّ، فالتقریر إذن هو الإمضاء المکتشف من سکوت الْمَعْصُوم عن الردع عن الموقف الاجتماعی المتمسک فِی السلوک الْعَامّ العقلائی أو المتمثل فِی الارتکاز الْعَامّ العقلائی. ومنه یتضح الحال فِی إمضائه للموقف الفردی المتمثل فِی السلوک الشخصی؛ إذ لَیْسَ فیه نکته إضافیه کما سنری.

وعلیه فبحثنا الآن إِنَّمَا هو عن «المواقف الْعُقَلاَئِیَّه» سَوَاء تجسّدت فِی سلوک عقلائی خارجی أم کانت عباره عن ارتکاز عقلائی ولنطلق عَلَیٰ الجمیع اسم «السیره»، ولا توفرت الشروط اللازمه الَّتِی سوف تتضح من خلال البحث إن شاء تعالی تکون السِّیرَهُ دلیلا عَلَیٰ الحکم الشَّرْعِیِّ ولکن لا بذاتها، بل باعتبار تقریر الشَّارِع لها وإمضائه المکتشف من سکوت الْمَعْصُوم عن الردع عنها.

وبالرغم من أن الاِسْتِدْلاَلَ بالسیره موجود فِی کلمات الأصحاب فِی بعض الموارد، لکنهم لم ینقّحوا بحث «السِّیرَه» عَلَیٰ حدّ تنقیحهم لسائر الأبحاث کبحث حجیه خبر الواحد، وبحث الحکم الظَّاهِرِیّ والجمع بینه وبین الحکم الْوَاقِعِیِّ وغیرهما، بینما موارد الحاجه إلی الاِسْتِدْلاَل بالسیره کثیره، سَوَاء فِی علم الأُصُول وفی علم الفقه؛ ففی علم الأُصُول نلاحظ أن من أهم الأَدِلَّه الَّتِی یستدل بها عَلَیٰ حُجِّیَّهِ أهمّ الأمارات (کالظهور وخبر الثقه وهما أهم أمارتین فِی الفقه) إِنَّمَا هو السِّیرَه الْعُقَلاَئِیَّه کما یستدل بها عَلَیٰ أمارات أخری أَیْضاً، وفی الفقه أَیْضاً شاع الاستدلال بالسیره فِی کثیر من الفروع والمسائل الفقهیه، خُصُوصاً فِی مثل أبواب المعاملات الَّتِی یکون للعقلاء تقنین فیها، فیتمسک بالسیره لإثبات کثیر من النکات، بل الملحوظ هو اتّساع دائره الاستدلال بالسیره بالتدریج کلما تقلّصت دائره الاستدلال بالأدله الَّتِی کان یُعوّل علیها سابقا فِی الفقه لإثبات المسلّمات والمرتکزات الفقهیه، ثُمَّ بطلت بعد ذلک فِی علم الأُصُول تلک الأدلهُ والمدارک الَّتِی کان یُعتمد علیها فِی الفقه. فعلی سبیل المثال کان یُعوَّل سابقا عَلَیٰ «الإجماع المنقول» وعلی «الشهره» وعلی «إعراض المشهور عن الْعَمَل بخبر صحیح» وعلی «عمل المشهور بخبر ضعیف» ونحوها. فکانت هذه القواعد تکفی وتفی للفقیه بإثبات ما أفتی به القدماء من الأصحاب وما هو المسلّم أو المشهور فِی کلماتهم، وکانت تدفع عنه محذور الوقوع فِی ما یتحرّج الفقیهُ نفسیّاً من الوقوع فیه وهو مخالفه ما هو المسلّم فِی کلمات الأصحاب والَّذِی یُعد خلافه غریبا، حیث أن هناک حاله نفسانیه ثابته فِی نفس الفقیه تمنعه عن مخالفه المسلمات عند الأصحاب، ولذا تری أَنَّهُ کثیراً ما یذکر فِی الفقه بِالنِّسْبَهِ إلی أمرٍ من الأمور أَنَّهُ یلزم منه تأسیس فقه جدید، ویُجعل هذا دلیلا عَلَیٰ بطلان ذاک الأمر، فیقال مثلاً: «لو کانت نتیجه المعاطاه الإباحهُ یلزم منه تأسیس فقه جدید» أو یقال مثلاً: «لو أخذنا بقاعده لا ضرر فِی المورد الفلانی تأسیس فقه جدید» والَّذِی یظهر من القرائن المحفوفه بکلماتهم ومن سوابق هذا الکلام ولواحقه فِی الموارد المختلفه أَنَّهُ لَیْسَ المقصود بذلک إبطال ذاک الأمر بعمومٍ أو إطلاقٍ أو إجماعٍ، وَإلاَّ لقالوا: إن هذا الأمر ینافی العموم الوارد فِی النصّ الفلانی، أو ینافی إطلاق النص الفلانی، أو ینافی الإجماع، بل الظاهر أن مقصودهم بذلک دعوی ما هو أقوی من الإجماع، وهو أن الالتزام بذاک الأمر عَلَیٰ أساس الدَّلِیل الفلانی یستلزم الالتزام بعدّه أمور یکون الالتزام بمجموعها خلاف الضروره الفقهیه وما هو المسلّم عند الأصحاب، وخلاف ما هو مقطوع به لغایه وضوحه، ولا یمکن التفصیل بین بعض تلک الأمور والبعض الآخر؛ لأن کُلّهَا من وادٍ واحد، ونسبه الدَّلِیل الفلانی إلی کُلّ هذه الأمور عَلَیٰ حد سَوَاء، فنستکشف من ذلک إجمالاً بطلان ذاک الدَّلِیل الفلانی وظهور خلافه عند الأصحاب بنحو یُعدّ ذلک الأمر فقهاً جدیداً عَلَیٰ الأصحاب لم یعهدوه.

ص: 221

وکأنَّ هذه الحاله (أعنی حاله رفض مخالفه المسلّمات عند الأصحاب) موجوده فِی نفوس علماء فقهاء الْعَامّه أَیْضاً بِالنِّسْبَهِ إلی مسلمات عصر الصحابه مثلاً، فیرون مخالفه ما کان مسلّماً فِی عصر الصحابه شیئا لا یقبله الطبع.

ومن هنا یقع الفقیه فِی حرج عندما یصل بحسب مُقْتَضَیٰ الأَدِلَّه والقواعد إلی خلاف ما هو المسلّم عند الأصحاب، فتقع المنافاه عنده بین تلک الحاله النفسیه وهی حاله التحرّج من مخالفه المسلّمات عند الأصحاب وبین الأَدِلَّه والقواعد؛ فالحالهُ تزجره وتمنعه عن الإفتاء بالأمر الَّذِی توصّل إلیه فِی ضوء الأَدِلَّه والقواعد، نظراً إلی أَنَّهُ یخالف المسلّمات عند الأصحاب، بینما الأَدِلَّه والقواعد تبعثه نحو الإفتاء بذاک الأمر.

وکأنَّ ما صدر من الْعَامّه من سدّ باب الاجتهاد وحصره فِی الدائره الرباعیّه وبعض تلامذتهم کان الدافع لهم إلیه فِی الواقع هذه الحاله النفسیه الکامنه فِی نفوسهم، حیث أن سدّ باب الاجتهاد وحصره فِی تلک الدائره یعالج لهم تلک المشکله؛ إذ لا تقع مخالفه بعد هذا بین الأَدِلَّه وبین تلک الحاله النفسیّه؛ لأن الأَدِلَّه هی أدله الفقهاء الأربعه عَلَیٰ الأحکام، والفقهاء الأربعه لم یخالفوا مسلّمات الصحابه مثلاً، فأراحهم هذا الْعَمَل (أی: سد باب الاجتهاد) عن لزوم تأسیس فقه جدیدٍ وحکم غریب عَلَیٰ الصحابه انطلاقاً من الأَدِلَّه والقواعد، کما أن هذا الْعَمَل (أی: سد باب الاجتهاد) أراحهم أَیْضاً عن لزوم تأسیس فقه جدید وحکم غریب عَلَیٰ الصحابه، انطلاقاً من حاله عدم المبالاه بالدین؛ إذ کان کثیر منهم لا یبالون بدینهم ولا یتحرّجون من الإفتاء برأیهم وجعل الحکم عند أنفسهم، ولو کان عَلَیٰ خلاف ما هو المسلّم فِی نظرهم عند الصحابه مثلاً.

وَأَمَّا أصحابنا فقهاء الإمامیه رضوان الله علیهم فهو ولله الحمد بعیدون کُلَّ البعد عن هذه الناحیه الثَّانیه (أعنی: تأسیس فقه جدید وحکم غریبٍ مخالفٍ للمسلّمات عند الأصحاب) انطلاقاً من حاله عدم المبالاه بالدین؛ إذ لَیْسَ فِی فقهاء الإمامیه عَلَیٰ الإِطْلاَق مَن یجعل الحکم من عند نفسه، وهذه من نِعَم الله تعالی علیهم ومن برکات أهل البیت علیهم أفضل الصَّلاَه والسلام.

ص: 222

وَأَمَّا الناحیه الأولی (تأسیس فقه جدید وحکم غریبٍ مخالفٍ للمسلّمات عند الأصحاب انطلاقاً من الأَدِلَّه والقواعد) فقد کانوا أَیْضاً بعیدین عنها سابقا؛ لأن أدلّتهم وقواعدهم کانت بنحوٍ یتّسق مع المسلّمات والمشهورات بین الأصحاب وذلک لأن جملهً منهم کان یقول بحجیه الإجماع المنقول، وجمله منهم کان یقول بحجیه الشهره أَیْضاً، وجمله منهم کان یقول بجبر ضعف سند الخبر بعمل الأصحاب وبوهن الخبر الصَّحِیح سنداً بإعراض الأصحاب، بل تعمّقوا فِی هذا المضمار أکثر من ذلک، فقال بعضهم بانجبار الدِّلاَلَه أَیْضاً بعمل الأصحاب، ویوجد مثل ذلک فِی کلمات الشیخ الأَعْظَم الأنصاری قده (مع أَنَّهُ یقال أَنَّهُ مؤسس صناعه الأُصُول الموجوده بأیدینا الیوم وإن کان الصَّحِیح أن مؤسس الأُصُول بمرحلته المألوفه الیوم هو الوحید البهبهانیّ ( (1) )) فَإِنَّهُ عَلَیٰ سبیل المثال قد یقول: لعل هذا الحدیث دلالته منجبره بعمل الأصحاب، وقد یقال: إن إطلاق دلیل القرعه إِنَّمَا نعمل به فِی موردٍ عَمِلَ به الأصحاب فیه، ونحو ذلک مِمَّا یوجد فِی کلماتهم.

وهذه المبانی والأدله والقواعد کانت تدفع عنهم محذور الوقوع فِی مخالفه تلک الحاله النفسیه وتأسیس فقهٍ جدید وحکم غریب مخالفٍ للمسلّمات عند الأصحاب انطلاقاً من الأَدِلَّه والقواعد.

ولکنَّ المتأخرین من الأصحاب رحمهم الله أخذوا یهدمون هذه المبانی والقواعد شیئاً فشیئاً، فقد کان هدم بعضها من قِبَل الوحید البهبهانی ومن بعده الشیخ الأنصاری رحمهما الله سُلَّماً لوصول مَن تأخّر عنهما من الأصحاب إلی نهایه ما یقتضیه هذا المسلک من هدم کُلّ تلک المبانی والقواعد؛ إذ کان التفطّن إلی بطلان بعضها مستدعیاً للتفطّن بالتدریج إلی بطلان ما یشابهه، وکأّنَّ السَّیِّدَ الأُسْتَاذَ الْخُوئِیَّ رحمه الله من أوائل مَن بَنی عَلَیٰ عدم انجبار ضعف السَّنَدِ (فضلاً عن الدِّلاَلَه) بعمل الأصحاب، وعدم وهن صحّه السند بإعراضهم.

ص: 223


1- (1) - راجع فِی ذلک المعالم الجدیده.

وقد کانوا فِی أوائل أیام الشروع فِی إبطال هذه المبانی والقواعد یبطلونها فِی «الأُصُول» ولکن یتمسّکون بها فِی «الفقه»، ولذا کان یُشکَل علیهم بأن «الإجماع المنقول» مثلاً أصبح فِی «الأُصُول» فیرجحه ولٰکِنَّهُ فِی «الفقه» حجه وتری الشیخ الأَعْظَم الأنصاری رحمه الله یجعل لمثل الإجماع المنقول أثراً مهمّاً فِی الفقه والإفتاء مع إبطاله إیّاه فِی الأُصُول.

وواقع المطلب هو أن الدافع لهم فِی الحقیقه إلی الإفتاء بعدّه من الفتاوی والأحکام الَّتِی یتراءی أنهم استندوا فیها إلی أدلّهٍ من قبیل «الإجماع المنقول» و«الشهره» ونحوها إِنَّمَا هو عباره عن تلک الحاله النفسیه المذکوره الَّتِی کانت تمنعهم عن مخالفه المسلّمات عند الأصحاب، ولکنّ التزامهم بالفنّ کان مانعاً عن ظهور ذلک لهم بوضوح وموجباً للاستنکاف من الإفتاء بشیءٍ رغم اعترافهم بعدم اقتضاء الأدلّه والقواعد له، فکان أثر تلک الحاله النفسیه یبرز لهم فِی شکل دلیلٍ من قبیل «الإجماع المنقول» و«الشهره» ونحو ذلک کی لا یکون إفتاؤهم بتلک الفتاوی والأحکام خروجا عن الفنّ وإفتاءًا بما لا تقتضیه القواعد والأدله، بینما الدَّلِیل الحقیقی الْوَاقِعِیِّ لهم عَلَیٰ تلک الفتاوی إِنَّمَا هو تلک الحاله النفسیه دون هذه الأَدِلَّه الَّتِی استندوا إلیها (مثل الإجماع المنقول والشهره ونحوهما) ولذا تراهم ینکرون هذه الأَدِلَّه فِی الأُصُول ویعملون بها ویستندون إلیها فِی الفقه؛ لوجود نفس الدافع السابق والَّذِی کان موجوداً عند مَن تقدّم علیهم ونفس الدَّلِیل الحقیقی الکامن فِی النفس، فکأن واقع الدَّلِیل لم یبطل ولا زال باقیا فِی النفس، وإن بطلت الأدلّهُ الصوریه الَّتِی کانت فِی الحقیقه ولیدهً لواقع الدَّلِیل ولتلک الحاله النفسیه.

إلی أن انتهی الأمر بالتدریج إلی جعل ما فِی علم الأُصُول الجدید من إبطال هذه المبانی مؤثّراً عَلَیٰ الفقه، فتری السَّیِّدَ الأُسْتَاذَ الْخُوئِیَّ رحمه الله یبنی فتاواه فِی الفقه عَلَیٰ ما یقتضیه إنکار الجبر بالعمل وإنکار الوهن بالعمل ونحو ذلک مِمَّا تنقّح فِی الأُصُول.

ص: 224

ولأجل هذه التطوّرات بدأت تلک الحاله النفسیه تظهر فِی مظهر آخر وهو حُجِّیَّه «السِّیرَه» ولذا تری الاستدلال بالسیره فِی ألسنه المتأخرین عن الشیخ الأَعْظَم رحمه الله کثیراً، بینما هو فِی لسان الشیخ قلیلٌ، ناهیک عَمَّا قبله.

هذا هو معنی ما قلناه من اتّساع دائره الاستدلال بالسیره بالتدریج کلّما تقلّصت دائره الاِسْتِدْلاَل بالأدله الَّتِی کان یعوّل علیها سابقاً فِی الفقه لإثبات المسلّمات والمرتکزات الفقهیه ثُمَّ بطلت بعد ذلک فِی علم الأُصُول مثل الإجماع المنقول والشهره والجبر بالعمل والوهن بالإعراض ونحو ذلک.

ومن هنا فقد اشتدّت الحاجه إلی بحث «السِّیرَه» بعد أن بطلت تلک المدارک الفقهیه، وَأَمَّا الإجماع المحصّل واتفاق الکلّ، فدعوی القطع به لیست بأهون من دعوی القطع بالحکم ابتداءً.

ومن هنا أصبحنا بحاجه ماسه الیوم إلی بحث وافٍ فِی نفس دلیلیّه «السِّیرَه» قبل استعمالها کدلیل لإثبات غیرها بها، وفی شروط هذه الدلیلیه ونکاتها حتَّی نکون عَلَیٰ بصیره ورؤیه واضحه منها من حیث کیفیه الاستدلال بها، وأنه متی یکون الاستدلال بها صحیحاً؟ ومتی لا یکون؟

ومن أجل ذلک رأی سَیِّدُنَا الأُسْتَاذُ الشَّهِیدُ رحمه الله أن من الضروری عقد بحث مستقل فِی علم الأُصُول عن «السِّیرَه» بعنوانها، وهذا هو الصَّحِیح، وهو الَّذِی قام به رحمه الله فِعْلاً؛ فقد عقد بحثاً رائعاً عن السِّیرَه الْعُقَلاَئِیَّه والمتشرعیه أبرز فیه الأسس والقوانین والنکات الَّتِی یبتنی الاِسْتِدْلاَل بالسیره عَلَیٰ أساسها کما سوف نری ذلک إن شاء الله تعالی.

فحطّت «السِّیرَه» بفضل هذا البحث البدیع الرفیع قوائمها عَلَیٰ أسس متینه وقوانین رصینه ونکات جمّه، فهو بحث جدید تماماً عَلَیٰ علم الأُصُول، لا تجد أصولیّاً طرقه من قبل، وکم له رحمه الله فِی «الأُصُول» من مثل ذلک من الأبحاث القیّمه والجواهر الثمینه والدرر المضیئه الَّتِی تبهر العقول، مَلأَ بها مدرستَه الأصولیه الفریده.

ص: 225

ولا غرو، فهو ذاک الأُصُولِیّ العملاق الَّذِی أسّس هذه المدرسه الأصولیه الرصینه وهذا البنیان الأُصُولِیّ الشامخ والمرصوص الَّذِی فاق المدارسَ الأصولیه الأخری دقّهً واستیعاباً وإبداعاً مِمَّا یجعلنا نعتبر المرحله الَّتِی وصل إلیها مستوی هذا العلم عَلَیٰ یدیه رحمه الله طفرهً حقیقیهً وقفزهً نوعیه متمیّزه فِی هویّتها عَلَیٰ من المراحل السابقه لهذا العلم.

فلَئِن کان عصر الوحید البهبهانی ومن بعده الشیخ الأنصاری رحمه الله هو عصر کمال علم الأُصُول، فالعصر الَّذِی دخل فیه علم الأُصُول عَلَیٰ ید سَیِّدِنَا الأُسْتَاذِ الشَّهِیدِ رحمه الله هو عصر قمّه کماله وذروه تمامه. فلله درّه وعلیه أجره.

ولندخل الآن فِی بحث «السِّیرَه» والکلام حولها یقع فِی جهات عدیده:

الجهه الأولی: فِی أقسام السِّیرَه.

الجهه الثَّانیه: فِی کیفیه الاستدلال بها عَلَیٰ الحکم الشَّرْعِیّ.

الجهه الثَّالثه: فِی تخصیص الحکم الشَّرْعِیّ الَّذِی یثبت بسیره المتشرعه.

الجهه الرابعه: فِی حدود إمضاء الشَّارِع علیه السلام لسیره العقلاء.

الجهه الخامسه: فِی الفوارق بین «سیره العقلاء» و«سیره المتشرّعه».

وفیما یلی نَتَحَدَّثُ عن هذه الجهات تباعاً.

: أقسام السِّیرَهِ/السِّیرَه/الدَّلِیل الشَّرْعِیّ غیر اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: أقسام السِّیرَهِ/السِّیرَه/الدَّلِیل الشَّرْعِیّ غیر اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

السِّیرَه

الجهه الأولی من الجهات الَّتِی لا بد من البحث عنها فِی باب السِّیرَه عباره عن البحث عن أقسام السِّیرَه؛ فَإِنَّ السِّیرَه یمکن تقسیمها إلی ثلاثه أقسام:

القسم الأَوَّل: السِّیرَهُ الَّتِی تُنَقِّحُ مَوْضُوعَ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ وصغراه، فلا یُراد بها إِثْبَات الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ نفسِهِ، ولا یُرَاد بها تنقیح ظُهُور الدَّلِیلِ الشَّرْعِیِّ فِی الْحُکْمِ.

ص: 226

القسم الثَّانِی: السِّیرَهُ الَّتِی تُنَقِّحُ فهمَنا للدلیل الدَّال عَلَیٰ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ والظهورَ الدَّالَ عَلَیٰ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ، ولا یُرَاد به إثبات مَوْضُوعَ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ، ولا یُرَاد به أَیْضاً إِثْبَات الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ نفسه؛ فَإِنَّ للدَّلِیلَ الشَّرْعِیَّ دلیلُه، وَإِنَّمَا فهمنا لذاک الدَّلِیل یُثبت بِالسِّیرَهِ.

القسم الثَّالِث: السِّیرَهُ الَّتِی یُراد بها إِثْبَات الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ نفسه، أی: هی الدَّلِیل عَلَیٰ الحکم الشَّرْعِیّ.

فنلاحظ أنَّ هذه الأقسامَ الثَّلاَثهَ تختلف عن بعضها تماماً، ولکل واحد منها نحو أو أنحاء نبدأ فیما یلی بشرحها وتوضیحها:

أَمَّا القسم الأَوَّل: فهو عَلَیٰ نحوین:

النَّحْوُ الأَوَّل: أَنْ تَکُونَ السِّیرَهُ موجِدهً ثُبُوتاً للموضوع؛ أی: تُحَقِّق الْمَوْضُوعَ ثُبُوتاً.

النحو الثَّانِی: أَنْ تَکُونَ السَّیْرهُ کاشفهً إِثْبَاتاً عن وجود الْمَوْضُوع.

أَمَّا النحو الأَوَّل: فَالسِّیرَهُ فِی هذا النَّحْو تَتَصَرَّفُ وَتَتَدَخَّلُ فِی الْمَفْهُومِ والعنوانِ الَّذِی أُخِذ مَوْضُوعاً للحکم الشَّرْعِیِّ،کالسِّیرَهِ القائمهِ عَلَیٰ الإنفاق عَلَیٰ الزَّوْجَهِ بمستویً مُعَیَّنٍ، بحیث لو أنفق الزوجُ علیها بأقل من هذا المستوی لم یکن مصداقاً لِلإِمْسَاکِ بِالْمَعْرُوفِ فِی الآیه الکریمه {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاکٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِیحٍ بِإِحْسَانٍ

}( (1) ) أو مِصْدَاقاً لِلْمَعْرُوفِ فِی الآیه {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ

}( (2) )؛ فَإِنَّ الدَّلِیلَ الدَّالَّ عَلَیٰ وجوبِ النَّفَقَهِ عَلَیٰ الزَّوْجَهِ لَمْ یُبَیِّن مقدارَ النَّفَقَهِ ولا نوعَها ولا حدودَها، وَإِنَّمَا دَلَّ القرآنُ الکریمُ عَلَیٰ وُجُوبِ إمساکِ الزَّوْجَهِ بِالْمَعْرُوفِ أو تسریحها بإحسان. فکیف یتحقق مَوْضُوعَ الْحُکْمِ الَّذِی هو «الإمساک بِالْمَعْرُوفِ»؟ ومتی یکون الإنفاق علیها إنفاقاً یتحقق به المقدار الواجب؟ فهل یتحقق «الإمساک بِالْمَعْرُوفِ» فِی المأکل برغیف من الخبز والفجل؟ أم هل یتحقق ذلک فِی المسکن بحجره داخل مضیف أو فندق؟ أم عَلَیٰ عکس ذلک یتحقق «الإمساک بِالْمَعْرُوفِ» فِی المأکل باللحم والرز والفواکه، وفی المسکن بأن یأخذ الزَّوْجُ لها مسکناً خاصاً؟

ص: 227


1- (1) - سوره البقره (2): الآیه 229.
2- (2) - سوره النساء (4): الآیه 19.

للإجابه عن هذا السؤال نأتی إلی الدَّلِیل الشَّرْعِیِّ ونری أَنَّهُ لم یُحَدِّدْ مقدارَ هذا الإنفاق وحدودَه، وبذلک یُفسح المجال أمام السِّیرَهِ لتُشخِّصَ وتُحدِّدَ أنَّ هذا المعروف عباره عَمَّا هو المتعارف بین النَّاس. فإذا کانت السِّیرَه المتعارفه فی «الإمساک بالمعروف» فِی المسکن قبل قرونٍ شَیْئاً بسیطاً یقتصر فِی إسکان الزَّوْجَهِ فِی حجرهٍ واحدهٍ للظروف الاقتصادیه أو لظروف أخری، لکن شَیْئاً فشیئاً تغیرت الأزمنه ومن فیها وباتت السِّیرَهُ المتعارفه بین الناس عَلَیٰ أن «الإمساک بالمعروف» فِی المسکن عباره عن بیت وبعض الکمالیات، ولا ننسی أن الأماکن لها دخل فِی السِّیرَه، فالقریه عَلَیٰ سبیل المثال أبسط من المدینه من ناحیه الإمکانیات و..

إذن، فالمهمّ أنّ السِّیرَهَ هنا نَقَّحَتْ مَوْضُوعَ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ، وإذا تَنَقَّحَ الْمَوْضُوعُ یثبت الحکمُ الشَّرْعِیُّ؛ فإِنَّ الحکمَ یتبع الْمَوْضُوعَ (أی: الشَّارِع أوکلَ الحکمَ إلی الْمَوْضُوع وَالْمَوْضُوعُ مَوْضُوعٌ یمکن للعرف أن یتدخَّل فِی تشخیص مصداقه).

وَأَمَّا النحو الثَّانِی (أَنْ تکشف السِّیرَهُ إِثْبَاتاً عن وجود الموضوع وثبوته): فمعنی السِّیرَه فیه أنها لا تَتَصَرَّفُ ولا تَتَدَخَّل فِی الْمَوْضُوع والعنوان المأخوذ مَوْضُوعاً فِی الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ ولا تدخل فِی تکوینه وإیجاد فردٍ ومصداقٍ له، وَإِنَّمَا تکشف السِّیرَهُ عن وجود هذا الْمَوْضُوع. وإلی هذا النَّحْوِ من السِّیرَهِ یرجع أغلب البناءاتِ الْعُقَلاَئِیَّهِ الَّتِی یُراد بها تحلیل مرتکزات المتعاملین ومقاصدهم النَّوْعِیَّه فِی المعاملات. ونذکر کمثال عَلَیٰ ذلک تلک السِّیرَهَ القائمهَ عَلَیٰ اشتراط عدم الْغَبْن فِی المعامله بحیث یکون هذا الاشتراط مَفْهُوماً ضمناً (وإن لم یُصرَّح فِی العقد مِنْ قِبَلِ المتعاملین ولٰکِنَّ هذا الشَّرْطَ موجود فِی ارتکاز الطرفین)، وهذه سیرهٌ تُنَقِّحُ مَوْضُوعَ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ إِثْبَاتاً (ولیس ثُبُوتاً کما فِی النَّحْو الأَوَّل)، أی: یکشف عن أن مَوْضُوعَ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ ثابت؛ لأَنَّ الْحُکْمَ الشَّرْعِیَّ الَّذِی ثبت بِالدَّلِیلِ هو النبوی صلی الله علیه وآله وسلم «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» وهذا مَا نُسَمِّیهِ فِی کتاب المکاسب ب_«خیار الشَّرْطِ»( (1) ). فإذا فرضنا أن البناء الْعَامّ لدی الْعُقَلاَء هو أنهم لا یرضون بأن تَفُوتَهُمْ مالیهُ مالٍ، بل یرضون بأن یُعَوَّضَ شَخْصُ المالِ بمال آخر مساوٍ له فِی الْمَالِیَّهِ أو إذا اختلف عنه فِی الْمَالِیَّهِ یکون الاختلاف والفارقُ بَسِیطاً جِدّاً. إعداد وتقریر: الشیخ محسن الطهرانی عفی عنه. إذن، المساواه بین المالیتین شرطٌ ضمنیٌّ فِی المعاملات، وإن لم یصرح بها العقلاءُ.

ص: 228


1- (3) - فالحکم هنا هو ثبوت الخیار وَالْمَوْضُوع هو اشتراط الخیار. أی: إذا اشترطتَ خیار الْغَبْن فِی العقد فَسَوْفَ یثبت لک هذا الخیار، أی:هذا الحکم یثبت عَلَیٰ هذا الموضوع.

هنا نقول: إِنَّ هذا البِناءَ الْعُقَلاَئِیَّ یوجب ظُهُوراً حَالِیّاً وَنَوْعِیّاً فِی أنهما قد اشترطا ضمناً المساواهَ فِی المالیتین عُرْفاً (أی: اشترط أحدهما عَلَیٰ الآخر أن لا یکون الاختلاف فاحشاً، أی: اشترطا عدم الْغَبْن)، فَالسِّیرَهُ کشفت هنا عن أن شرط «عدم الْغَبْن» موجودٌ فِی المعامله، والدلیل دَلَّ عَلَیٰ أَنَّهُ متی ما اشترط «عدم الْغَبْن» فالْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ (أی: نَقَّحَتْ وأثبتت السِّیرَهُ مَوْضُوعَ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ، بِمَعْنَی أَنَّهَا کشفت عَنْ أَنَّ مَوْضُوعَ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ (اشتراط الخیار) موجود فِی هذا الحکم الشَّرْعِیّ (وهو ثبوت الخیار).

ویترتب عَلَیٰ ما ذکرناه من الفرق بین هذین النحوین من السِّیرَه أثرٌ مهمٌّ فِی مقام استنباط الفقیه الحکمَ الشَّرْعِیَّ فِی حق الإنسان الَّذِی یشذُّ عن هذه السِّیرَه ویخالف الآخرین فِی مورد مُعَیَّنٍ؛ فَإِنَّ موقف الفقیه فِی حق هذا الإنسان فِی النَّحْو الأَوَّل یختلف عن موقفه تجاهه فِی النَّحْو الثَّانِی، أی: یختلف حکم الشذوذ عن النَّحْو الأَوَّل عن حکم الشذوذ عن النَّحْو الثَّانِی؛ فَإِنَّ بالإمکان أن یشذ بعض النَّاس عن النَّحْو الأَوَّل کما یمکن أن یشذ بعض النَّاس عن النَّحْوِ الثَّانِی (بأن یقول: إننی أوفِّر للزوجه هذا المستوی الأدنی من وسائل الراحه وإن کان هذا المستوی مخالفاً لسیره النَّاس والمتعارف بینهم). هنا یظهر الفارق بین النحوین حیث أن موقف الفقیه تجاه الإنسان الأَوَّل (الَّذِی شذ عن السِّیرَه بالنحو الأَوَّل) یختلف عن موقفه تجاه الإنسان الثَّانِی (الَّذِی شذ عن السِّیرَه بالنحوِ الثَّانِی)؛ فَإِنَّ شذوذَ الإنسان الأَوَّل (الَّذِی شذ عن السِّیرَه الموجِده للموضوع) لا یُؤَثِّرُ فقهیّاً فِی فاعلیّهِ هذه السِّیرَهِ؛ لأننا قلنا: إن السِّیرَه توجِد فرداً حقیقیاً للموضوع. إذن یجب عَلَیٰ الزَّوْجِ الَّذِی یرید امتثال الحکمِ الشَّرْعِیِّ حقیقهً أن یُنفق عَلَیٰ زوجته بهذا المستوی المتعارف الیوم، فلو أنفق علیها بالمقدار الأقل لم یمتثل الحکم (وهو الإمساک بِالْمَعْرُوفِ) حتَّی وإن کان شاذاً ویخالف الآخرین فِی هذه السِّیرَه، ولکن هذه السِّیرَه عَلَیٰ أی حال حققت الفردَ الحقیقیَّ لموضوع الإنفاق؛ إذ یجب علیه أن یوجِدَ الفردَ الحقیقیَّ للإنفاق، ولیس الفرد الادّعائیّ الشاذ الَّذِی یدّعیه.

ص: 229

وَالْحَاصِلُ أَنَّ شذوذَ الإنسان الأَوَّل لا یؤثر فِی فاعلیه هذه السِّیرَه وَإِنَّمَا تؤثر هذه السِّیرَه أثَرَها وتوجِد فرداً حقیقیاً لموضوعِ الحکمِ الشَّرْعِیِّ. فعلی هذا الإنسان الشاذ (إذا کان ملتزماً بالشَّریعه) أن یمتثل الحکمَ الشَّرْعِیَّ امتثالا بهذا النَّحْو فقط ولیس أقل من ذلک، ولو کان هو من المخالفین لهذه السِّیرَه؛ فَإِنَّ مخالفتَه لا تغیِّر الحکمَ الشَّرْعِیَّ، وهذا بخلاف النحو الثَّانِی، فإن الشذوذ والمخالفه یؤثر فِی حکم هذا الشخص، کما سوف نری ذلک إن شاء الله غداً. إعداد وتقریر: الشیخ محسن الطهرانی عفی عنه.

أقسام السِّیرَهِ/السِّیرَه/الدَّلِیل الشَّرْعِیّ غیر اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: أقسام السِّیرَهِ/السِّیرَه/الدَّلِیل الشَّرْعِیّ غیر اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

کُنَّا نَتَکَلَّمُ فِی الْقِسْمِ الأَوَّلِ مِنَ السِّیرَهِ وهی الَّتِی تُنَقِّحُ مَوْضُوعَ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ وتحقق فَرْداً حَقِیقِیّاً لِمَوْضُوعِ الْحُکْمِ وَذَکَرْنَا أَنَّهَا عَلَیٰ نحوین؛ إذ تَارَهً تُنقِّح مَوْضُوعَ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ ثُبُوتاً وأخری تُنقِّح موضوعَه إِثْبَاتاً. وذکرنا الفرق بین هذین النحوین، ثُمَّ انتهینا إلی آثار هذا الفرق، فذکرنا الأَثَرَ الأَوَّلَ وهو أن شذوذ الإنسان عن السِّیرَه بِالنَّحْوِ الأَوَّل لا یرفع عنه الحکمَ الشَّرْعِیَّ الثابت عَلَیٰ ذاک الْمَوْضُوع الَّذِی نَقَّحَتْ هذه السِّیرَهُ وجودَه وفرده حَقِیقَهً ووجداناً.

وهذا أثر مهم فِی مقام استنباط الفقیه للحکم الشَّرْعِیّ بشأن هذا الإنسان، فالفقیه یفتیه أنک وإن کنت مخالفاً للسیرهِ ورافضاً لها ولکن هذه السِّیرَهَ أوجدتْ عندکَ فَرْداً حَقِیقِیّاً من موضوع الحکم الشَّرْعِیّ، وَبِالتَّالِی أنت أحرزتَ الْمَوْضُوعَ الشَّرْعِیَّ، أی: أنت تقبل بأن سیره الناس قائمه الیوم عَلَیٰ أن إمساک الزوجه والإنفاق علیها بالمعروف مثلاً هو أن یأخذ لها بیتاً خاصاً ویؤمن لها المأکل والمشرب والملبس المناسب لشؤونها فِی هذا العصر، ولیس ما کان یعتبر إنفاقاً بالمعروف قبل قرون، فیفتی الفقیه حِینَئِذٍ بوجوب اتّباع السِّیرَه.

ص: 230

وهذا بخلافِ الإنسان الَّذِی یشذ عن السِّیرَهِ الکاشفه عن وجود الْمَوْضُوعِ (أی: النَّحْوِ الثَّانِی)؛ إذ أن نتیجه السِّیرَهِ لیست ملزمه له، وقد مثّلنا له بِالسِّیرَهِ القائمهِ بین المتعاملین فِی عُرف الناس عَلَیٰ أَنَّهُم یشترطون «عدم الْغَبْن» بنحو الاشتراط الضمنی. فلو أن متبایعین بَنَیَا عَلَیٰ رفض هذه السِّیرَه ومخالفتها، وأقدما عَلَیٰ المعامله مِنْ دُونِ أن یشترطا ضِمْناً ما یشترطه الناسُ (من عدم الغبن) فَحِینَئِذٍ لا یثبت الحکمُ بشأنهما؛ فَإِنَّ الحکم الَّذِی کان ثابتاً عَلَیٰ الْمَوْضُوع عباره عن وجوب الوفاء بِالشَّرْطِ (= الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ)، بینما لم یشترط هذان الشخصان «عدمَ الْغَبْن»، فلا یثبت علیهما الحکم ب_«الْمُؤْمِنِینَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ»، فلا یثبت لأی واحد منهما خیارُ الشَّرْط (فإِنَّنَا فِی هذا الفرض أرجعنا خیارَ الْغَبْن إلی خیار الشَّرْط).

وکذلک لو فرضنا أنَّ المشتری وحده رفض هذه السِّیرَهَ فأقدم عَلَیٰ شراء هذه السلعه بأی سعرٍ کان، باعتبار أن حاجته إلی هذه السلعه شدیده، فأقدم عَلَیٰ هذه المعامله ولو کانت غبنیهً. ومعنی ذلک أَنَّهُ رفع یده عن ذاک الارتکاز الموجود لدی العقلاء المتقدم وهو أن الْعُقَلاَء یبنون فِی معاملاتهم عَلَیٰ عدم رفع الید عن مالیه مالهم إلا بمالیهٍ مساویه له أو بأقل منها بقلیل؛ فلا یثبت بشأنه خیار الفسخ؛ لأن السِّیرَهَ (فِی هذا النَّحْو الثَّانِی) لا تُحمِّلُه الخیار؛ لأَنَّ دور هذه السِّیرَه هو الکشف عن قصد المرء وهذا المتبایعُ لم یشترط عدمَ الْغَبْن، فانتفی موضوع الحکم (وهو اشتراط الخیار)، فانتفی الحکم (وهو الخیار) أَیْضاً.

هذا هو الأثر الأَوَّل من آثار الفرق بین هذین النحوین من السِّیرَه فِی الْقِسْمِ الأَوَّلِ.

الأثر الثَّانِی: هو أنَّ هناک فارقاً جَوْهَرِیّاً بین الحکمِ الَّذِی یستنبطه الفقیهُ مبنیّاً عَلَیٰ النَّحْوِ الثَّانِی من السِّیرَهِ وبین الحکم الَّذِی یستنبطه بمعزل عن هذا النَّحْو الثَّانِی مِنَ السِّیرَهِ. فعلی سبیل المثال نذکر مثال «خیار الغبن» المتقدم الَّذِی ذکرناه کمثال فِی النَّحْو الثَّانِی مِنَ السِّیرَهِ فنقول: لقد تعلمنا فِی کتاب «المکاسب» أن هناک طریقین أمام الفقیه لاستنباط خیار الغبن للمتعامل المغبون (بائعاً کان أم مشتریاً):

ص: 231

الطریق الأَوَّل: هو الطریق الَّذِی سلکناه وهو عباره عن إثبات خیار الْغَبْن بإرجاعه إلی خیار الشَّرْط، بحیث یکون خیار الغبن أحد مصادیق خیار الشَّرْط. أی: هناک خیار ثابت فِی الشَّرِیعَه اسمه «خیار الْغَبْن» ودلیله هو «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ»، أی: کُلّ من اشترط شرطاً فِی المعامله فله خیار فسخ المعامله إذا تخلف الشَّرْط.

فتکون السِّیرَهُ فِی هذا النَّحْو الثَّانِی (مِنَ السِّیرَهِ الکاشفه عن الْمَوْضُوع) قائمه عَلَیٰ أن کُلّ عاقد لا یرفع یده عن مَالِیَّه ماله، فهذا معناه أن کُلّ عاقد یشترط ضمناً فِی المعامله أن لا یکون مغبوناً غبناً فاحشاً من حیث الْمَالِیَّهِ، وَحَیْثُ أَنَّ الظاهر أن هذین المتعاملین عاقلان أَیْضاً وماشیان عَلَیٰ ممشی الْعُقَلاَء فِی مقاصدهم المُعاملیه والتی من جملتها عدمُ رفع الید عن مَالِیَّه المال، إذن ینعقد للمشتری مثلاً ظهور حالی عرفی فِی أن ظاهر حاله أَنَّهُ اشترط خیارَ الْغَبْن، فیشمله قوله صلی الله علیه وآله وسلم: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ». فیکون له خیار فسخ المعامله عند الْغَبْن باعتبار أَنَّهُ قد اشترط فِی المعامله ضِمْناً أن لا یقع مَغْبُوناً والدلیل قال: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ».

والفقیه إذا سلک هذا الطریق لإثبات خیار الْغَبْن، وواجه إنساناً قد شذَّ عن الآخرین برفع یده عن مَالِیَّه ماله بما لا یساوی ماله أو یضاهیه قیمهً، بل دفع أضعافاً مضاعفهً من المال لأجل سلعهٍ رخیصهٍ. فهذا معناه أَنَّهُ لم یشترط الخیار لنفسه، وَحِینَئِذٍ لا یثبت له خیار الشَّرْط، رغم کونه مَغْبُوناً؛ لأننا أثبتنا خیار الْغَبْن عن طریق الشَّرْط وهذا الشَّرْط مفقود هنا؛ لأَنَّهُ لم یشترط فِی المعامله، فلیس له خیار، وإن کان مَغْبُوناً، ولکن الْغَبْن لَیْسَ له مَوْضُوعِیَّه فِی نفسه، وَإِنَّمَا نعتبره فیما إذا اشترط فِی المعامله عدمُ الْغَبْن، فإذا لم یشترط فیها عدم الْغَبْن فلا تکون للغبن خصوصیه، فلا یکون له الخیار حتَّی لو وقع مَغْبُوناً.

ص: 232

الطریق الثَّانِی: أن نثبت خیار الْغَبْن لا من باب أن البائع أو المشتری اشترطا عدمَه ضِمْناً، بل کان دلیلنا عَلَیٰ إثبات خیار الْغَبْن دلیلاً آخر کالسیره (من النَّوْع الثَّالِث وهی السِّیرَه المشرِّعه للحکم والتی تُثْبِتُ الحکمَ الشَّرْعِیّ رأساً) أو کدلیل لفظی أو دلیل لبی آخر دَلَّ عَلَیٰ أَنَّهُ یجب أن لا یکون المشتری أو مَغْبُوناً. والمهمّ أن خیار الْغَبْن فِی هذا الطریق خیار شرعیّ ولیس بإرجاعه إلی خیار الشَّرْط، سَوَاء اشترط فِی المعامله «عدم الخیار» أم لم یشترط فیها، فیکون خیار الغبن ثابتاً حتَّی لمن شذ عن عُرف النَّاس؛ لأَنَّه ثابت له شَرْعاً ولیس بإرجاعه إلی خیار الشَّرْط حتَّی نقول بأنه لم یشترط عدم الْغَبْن (لا ضِمْناً ولا صریحاً).

فهذان نحوانِ من السِّیرَه من القسم الأَوَّل وهی السِّیرَه المنقِّحهُ للموضوعِ.

وَحِینَئِذٍ نقول: یَتَرَتَّبُ عَلَیٰ القسم الأَوَّل بکلا نحویه أثران:

الأَوَّل: أَنَّ حُجِّیَّهَ هذه السِّیرَهِ عَلَیٰ القاعده ولا نحتاج إلی فتح بحثٍ عن أن هذه السِّیرَه (بکلا نحویها) هل هی حجه أم لا؟ لأن دور هذه السِّیرَه إِنَّمَا هو دور إحراز الْمَوْضُوع. أی: یحرز الْمُکَلَّفُ ویقطع بأنَّ مَوْضُوعَ الْحُکْمِ موجود وثابت. وَحِینَئِذٍ لا معنی لإفرادِ بحثٍ عن حُجِّیَّهِ القسم الأَوَّل مِنَ السِّیرَهِ؛ لأَنَّ هذا القسم مِنَ السِّیرَهِ لا یرید أن یثبت الحکمَ الشَّرْعِیَّ حتَّی تقولوا: کیف یثبتُ الحکمُ الشَّرْعِیُّ بِالسِّیرَهِ الْعُقَلاَئِیَّه؟ بل الحکم الشَّرْعِیّ هنا ثابت بدلیله وَإِنَّمَا السِّیرَه هذه تحرزُ مَوْضُوعَ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ، وَحِینَئِذٍ یأتی الحکم الشَّرْعِیُّ ویحمل عَلَیٰ هذا الْمَوْضُوع. إذن، إن حُجِّیَّه هذه السِّیرَه ترجع إلی حُجِّیَّه إحراز الحکم الشَّرْعِیِّ، بأن الْمُکَلَّف إذا أحرز مَوْضُوعَ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ فهل یکون إحرازُه حُجَّهً علیه أم لا؟ بالتأکید حجهٌ علیه وهذا لا یحتاج إلی بحث آخر.

ص: 233

وَثَانِیاً: لطالما أن حُجِّیَّه هذا القسم الأَوَّل عَلَیٰ القاعده فلا یُشترط فِی حجیّتها أَنْ تَکُونَ هذه السِّیرَه معاصره للمعصوم علیه السلام، بخلاف القسم الثَّانِی والثالث مِنَ السِّیرَهِ، بل تَتَوَقَّف عَلَیٰ أَنْ تَکُونَ هذه السِّیرَهُ موجودهً الیوم. وهذا ما نشرحه إن شاء الله یوم السبت.

السِّیرَه/الدَّلِیل الشَّرْعِیّ غیر اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: السِّیرَه/الدَّلِیل الشَّرْعِیّ غیر اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

کان الکلام فِی الْقِسْمِ الأَوَّل من أقسام السِّیرَه وهو عباره عن السِّیرَه الَّتِی تُنَقِّحُ مَوْضُوعَ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ، بکلا نحویها سَوَاء الَّتِی توجد الْمَوْضُوع أو الَّتِی تکشف عن وجود الْمَوْضُوع. وقلنا: یَتَرَتَّبُ عَلَیٰ هذا القسم الأَوَّل مِنَ السِّیرَهِ:

أوَّلاً: أن حُجِّیَّه هذه السِّیرَه عَلَیٰ القاعده ولا تحتاج حُجِّیَّتُهَا إلی بحث؛ فَإِنَّ المفروض أن هذه السِّیرَه تُحرز لِلْمُکَلَّفِ الموضوعَ الشَّرْعِیَّ (أی: توجب له القطع والقطع بموضوع الحکم الشَّرْعِیّ حجهٌ کما تَقَدَّمَ فِی بحث القطع)، فلا یوجد بحث آخر هنا.

وَثَانِیاً: أَنَّهُ لا یشترط فیها أَنْ تَکُونَ معاصرهً لعصر حضور الْمَعْصُوم علیه السلام، بل حتَّی لو کانت هذه السِّیرَهُ حادثهً بعد عصر الْمَعْصُوم تکون حجهً، وکونها معاصره لعصر الْمَعْصُوم الحاضر لَیْسَ له دخل فِی حُجِّیَّه هذه السِّیرَه؛ وَذَلِکَ لأَنَّ وظیفهَ هذه السِّیرَه لیست هی الکشف عن أصل الحکم الکلیّ الشَّرْعِیّ کی یقال: إن سیره الْعُقَلاَء المتأخرین عن عصر حضور الْمَعْصُوم علیه السلام کیف یستکشف بها الحکم الشَّرْعِیّ، بل یُراد بها تنقیح مَوْضُوعِ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ کما عرفتم. إذن، اللازم فِی هذه السِّیرَه هو ملاحظهُ وجودها فِی الزمان الَّذِی یُراد إِثْبَات الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ فیه (أی: زمان الْمُکَلَّف).

بل نقول أکثر من ذلک: لو ثبتت سیرهٌ تُنَقِّحُ مَوْضُوعَ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ وکانت معاصرهً لزمان الْمَعْصُوم ثُمَّ انتفت وزالت تلک السِّیرَه وانتهی أثرها وسقطت ولم تعد موجوده الیوم، فتلک السِّیرَه الموجوده فِی زمن الْمَعْصُوم سقطت عن مجال الاستنباط؛ لأنها لم تعد حِینَئِذٍ منقِّحه ومحرِزهً للموضوع فِی زماننا. إذن، فالحجه هی السِّیرَه الفعلیه فِی الْقِسْمِ الأَوَّل.

ص: 234

هذا تمام الکلام فِی الْقِسْمِ الأَوَّل.

وأَمَّا القسم الثَّانِی مِنَ السِّیرَهِ فهو السِّیرَه الَّتِی تُنَقِّحُ ظهورَ الدَّلِیلِ وفهمَنا لِلدَّلِیلِ (فلیس دورها إِثْبَات الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ ولا إثبات الْمَوْضُوع) وذلک من قبیل المناسبات الْعُرْفِیَّه والبناءات والارتکازات العُقلائیه الَّتِی تُنَقِّحُ فهمَنا للأدله والنصوص الشَّرْعِیَّه؛ فإننا سوف نُبَیِّن فِی بحث حُجِّیَّه الظُّهُور إن شاء الله تعالی أن المرتکزات الْعُرْفِیَّه والبناءات الْعُقَلاَئِیَّه کثیراً مّا تَتَدَخَّلُ فِی تکوین الظُّهُور لِلدَّلِیلِ وَتَتَصَرَّفُ فِی تحقیق دَلاَلَهِ الدَّلِیل عَلَیٰ معنی مُعَیَّنٍ وتُشَکِّلُ قرائنَ لُبِّیَّهٍ مکتنفه بِالدَّلِیلِ (أی: غیر متصله بالخطاب) کالقرائن اللَّفْظِیَّه الْمُتَّصِلَه بِالدَّلِیلِ الَّتِی تَتَصَرَّفُ فِی ظهور الدَّلِیل وَتُحَدِّدُ ظهورَ الدَّلِیل وَتُحَدِّد المراد من الدَّلِیل، وتوسِّعُ الدَّلِیل أو تضیق الدَّلِیل، أو تغیر الدَّلِیل من معنی إلی معنی آخر، کما سوف تأتی الأمثله لها.

وحجیه هذا القسم مِنَ السِّیرَهِ أَیْضاً کالقسم الأَوَّل ثابتهٌ عَلَیٰ القاعده ولا تحتاج إلی البحث، وذلک بعد الفراغ عن أصل حُجِّیَّه الظُّهُور؛ لأَنَّ هذه السِّیرَه تُنَقِّحُ الظُّهُورَ وحجیه الظُّهُور تثبت فِی بحث حُجِّیَّه الظُّهُور، فلا نحتاج إلی بحث آخر لإثبات حُجِّیَّه هذه السِّیرَه.

إذن، مع تَمَامِیَّه الدَّلِیل عَلَیٰ حُجِّیَّه الظُّهُور لاَ بُدَّ من أخذ هذا القسم مِنَ السِّیرَهِ بعین الاعتبار.

مثال هذه السِّیرَه: لنفرض أن الدَّلِیل دَلَّ عَلَیٰ أن «المشتری إذا جاء بالثمن خلال ثلاثه أیام فله، وَإلاَّ فلا بیع بینهما»، فهذا الدَّلِیل إن لم نضمّه إلی ارتکاز عرفی عقلائی وجمدنا عَلَیٰ حاق هذا اللَّفْظ فَسَوْفَ نفهم من هذا الدَّلِیل انفساخ البیع بعد ثلاثه أیام، فلا یبقی بینهما لا بیع لازم ولا بیع متزلزلٌ، فیکون البیع بعد الثَّلاَثه باطلاً.

أَمَّا إذا أخذنا بالارتکاز العرفیّ وأَعْمَلْنَا هذه المناسبهَ الْعُرْفِیَّه عَلَیٰ أن معنی هذه الجمله هو أن «لا بیع لازم بینهما»، ولیس معناه «بطلان البیع وانفساخه»، فَحِینَئِذٍ بإمکانه أن یفسخ البیع باعتبار خیار التأخیر؛ لأَنَّهُ تأخر فِی دفع الثمن، کما له أن یستمر فِی بیعه. فبحسب مرتبه اللزوم لا یوجد بیع بینهما، لا بحسب الصِّحَّه والاقتضاء.

ص: 235

إذن، یُجعل الارتکازُ العرفیّ قرینهً عَلَیٰ أن البیع المنفی فِی قوله «فلا بیع بینهما» إِنَّمَا هو البیع اللازم، ولیس هو البیع الصَّحِیح الجائز.

وهذا القسم مِنَ السِّیرَهِ یختلف عن القسم الأَوَّل مِنَ السِّیرَهِ، وهو أن هذه السِّیرَه بحاجه إلی إثبات معاصرته لزمن التشریع وزمان صدور الدَّلِیل وحضور الْمَعْصُوم علیه السلام (بخلاف القسم الأَوَّل مِنَ السِّیرَهِ) کی تُؤَثِّر عَلَیٰ ظهور الدَّلِیل آنذاک؛ فَإِنَّ ظهور الدَّلِیل حجه فِی زمن التشریع، فیجب علینا أن نعرف معنی ذاک الدَّلِیل فِی ذاک الوقت، وَإلاَّ فلا تُشَکِّلُ هذه السِّیرَه قرینهً لُبِّیَّهً کَالْمُتَّصِلَهِ بالنص، وَبِالتَّالِی لا تؤثر عَلَیٰ ظهور الدَّلِیل فِی عصر صدوره؛ لأنها لم تکن موجوده فِی ذاک العصر ولم تکن معاصرهً لعصر النص، فلا تؤثر عَلَیٰ ظهور الدَّلِیل آنذاک، مع أن الحجیه إِنَّمَا هی لظهور النص فِی عصر صدوره ولیس فِی یومنا هذا.

وَحِینَئِذٍ توجد عندنا صور ثلاث:

الصُّورَه الأولی: أن نقطع بأن هذه السِّیرَه کانت موجوده فِی عصر صدور الدَّلِیل، فتکون حجه بلا خلاف من باب حُجِّیَّه الظُّهُور.

الصُّورَه الثَّانیه: أن نقطع بأن هذه السِّیرَه لم تکن موجوده فِی عصر صدور النص، وَحِینَئِذٍ لا کلام أَیْضاً؛ لأنها سوف لا تعود حجهً من باب حُجِّیَّه الظُّهُور؛ لأنها لم تکن موجوده آنذاک حتَّی تُحدد ظهورَ الدَّلِیل.

الصُّورَه الثَّالثه: أن نَشُکُّ فِی أن هذه السِّیرَه الموجوده فِی زماننا هل کانت موجوده فِی عصر التشریع أَیْضاً لکی تؤثر فِی ظهور الدَّلِیل أم لم تکن موجوده آنذاک؟ فهنا لا یوجد عندنا إلا احتمال وجود هذه السِّیرَه آنذاک.

أقول: هذا الاحتمال أَیْضاً کاف فِی المقام ویمکن الاعتماد علیه؛ وذلک لأننا نعتبر السِّیرَه الموجوده الیوم قرینهً وذلک لوجوه ثلاثه:

ص: 236

الوجه الأَوَّل: أن نقول بأن احتمال وجود هذه السِّیرَه واحتمال ثبوتها فِی عصر التشریع یُشَکِّل احتمالَ وجود القرینه الْمُتَّصِلَه، وفی الموارد المماثله لا یمکن التَّمَسُّک بالمدلول اللغوی لِلدَّلِیلِ.

الوجه الثَّانِی: أن نُدخلَ المسألهَ تحت کبری أصاله عدم النقل وأصاله الثُّبات فِی اللغه والتی هی حجه فِی باب دلالات الألفاظ؛ فإن هذه السِّیرَه وهذا الارتکاز - کما قلنا - دخیلٌ فِی ظهور الکلام، وهذا معناه أن هذا الکلام لو صدر الآن لکان معناه هذا الشیء المعین، وَأَمَّا لو صدر قبل هذا (فِی عصر النص) فلا ندری ماذا کان معناه؟ لأننا لا ندری هل أن هذه السِّیرَه کانت موجده آنذاک أم لا؟ فتجری حِینَئِذٍ أصاله عدم النقل ویثبت أن ما هو الظاهر من الکلام الیوم هو منه سابقاً.

الوجه الثَّالِث: أن نغض الطَّرف عن الوجهین السابقین ونقول: بما أن السِّیرَه موجوده لدینا الیوم ونشک أنها کانت موجوده فِی عصر الْمَعْصُوم أو لا، فهناک طرق لإثبات معاصره السِّیرَه الموجوده الیوم فِی عصر التشریع والنصوص، وسوف نذکرها فِی الجهه الثَّانیه من جهات البحث عن السِّیرَه.

أَمَّا القسم الثَّالِث مِنَ السِّیرَهِ (وهو المهم) فهو السِّیرَه الَّتِی یُراد بها إثبات نفس الحکم الشَّرْعِیّ، لا تنقیحَ موضوعِ الحکم الشَّرْعِیّ ولا تنقیحَ فهمِنا لِلدَّلِیلِ الدَّال عَلَیٰ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ. وبالإمکان تقسیم هذا القسم إلی نحوین:

النَّحْو الأَوَّل: السِّیرَه بلحاظ مرحله الواقع، ونقصد بها السِّیرَه الْعُقَلاَئِیَّه القائمه عَلَیٰ تصرفٍ مُعَیَّن وسلوک مُعَیَّن مِنْ قِبَلِ الْعُقَلاَء، وهذا السلوک یتخذه الْعُقَلاَءُ کموقفٍ ینبغی اتخاذه فِی مثل هذا المورد.

وبعباره أخری: السِّیرَه الَّتِی یُرَاد بها إِثْبَاتُ وتنقیحُ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ الْوَاقِعِیِّ.

وهذه السِّیرَه هی الَّتِی یقع الاستدلال بها فِی الفقه عَادَهً، سَوَاء کان هذا الحکم الْوَاقِعِیِّ الَّذِی یُرَاد إثباته بِالسِّیرَهِ حُکْماً تَکْلِیفِیّاً أم حُکْماً وَضْعِیّاً.

ص: 237

مثال الأَوَّل (الحکم التَّکْلِیفِیّ): السِّیرَه الْعُقَلاَئِیَّه القائمه عَلَیٰ أن التصرف فِی مال الغیر منوطٌ ومشروطٌ بأن یکون بطیب نفسه، وإن لم یأذن لفظاً بالتصرف، فالإذن اللَّفْظِیّ لَیْسَ دخیلاً فِی جواز التصرف فِی مال الغیر، والحکم الشَّرْعِیّ الْوَاقِعِیِّ الَّذِی یُراد إثباته بهذه السِّیرَه عباره عن جواز التصرف فِی مال الغیر عند إحراز طیب نفسه.

مثال الثَّانِی (السِّیرَه الَّتِی یُرَاد بها إِثْبَات الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ الْوَاقِعِیِّ الوضعی): له أمثله عدیده کالسِّیرَه الْعُقَلاَئِیَّه القائمه عَلَیٰ التملک بالحیازه فِی المنقولات؛ فَإِنَّ الحکم الشَّرْعِیّ الْوَاقِعِیِّ الَّذِی یُراد إثباته عن طریق هذه السِّیرَه لَیْسَ حُکْماً تَکْلِیفِیّاً وَإِنَّمَا هو حکم وضعی (أی: الملکیه)، فَیُقَالُ: إن السِّیرَه الْعُقَلاَئِیَّه قائمه عَلَیٰ أن من یحوز شَیْئاً من الأموال المنقوله المباحه یکون مالکاً لذاک المال الَّذِی حازَه. فُیستدل بهذه السِّیرَه عَلَیٰ أن من حاز ملک شَرْعاً.

مثال آخر: السِّیرَه الْعُقَلاَئِیَّه القائمه عَلَیٰ أن انفساخ المعامله بسبب تلف المبیع والمُثمن قبل القبض، فیُرَاد بها إثبات الحکمِ الشَّرْعِیّ الْوَاقِعِیِّ الوضعی (الوضعی عباره عن انفساخ البیع)، فیتمسک بِالسِّیرَهِ لإثبات أن التلف قبل القبض یوجب انفساخ المعامله وبطلانها شَرْعاً.

ومثال ثالث: السِّیرَه القائمه عَلَیٰ ثبوت خیار الْغَبْن للمغبون (والَّذِی تَحَدَّثْنَا عنه فِی الْقِسْمِ الأَوَّل مِنَ السِّیرَهِ)، فیراد بها إِثْبَات الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ الْوَاقِعِیِّ ولٰکِنَّهُ لَیْسَ حُکْماً تَکْلِیفِیّاً وَإِنَّمَا هو حکم وضعی وهو عباره عن خیار الْغَبْن. فهذه السِّیرَه قائمه عَلَیٰ أن المغبون (بائعاً کان أم مشتریاً) له خیار الفسخ (بحیث لا نرجع خیار الْغَبْن إلی خیار الشَّرْط، بل رأساً نثبت خیار الْغَبْن عن طریق القول بأن سیره الْعُقَلاَء قائمه عَلَیٰ أن کُلّ مغبون فِی المعامله له خیار الفسخ، وَإلاَّ رجعنا إلی القسم الأَوَّل) حتَّی لو لم یشترط عدم الغبن.

ص: 238

هذا هو النَّحْو الأَوَّل من القسم الثَّالِث مِنَ السِّیرَهِ.

النَّحْو الثَّانِی من هذه السِّیرَه هی السِّیرَه بلحاظ مرحله الظاهر (لا بلحاظ مرحله الواقع)، أی: نقصد بها السِّیرَه القائمه عَلَیٰ تصرف مُعَیَّن مِنْ قِبَلِ الْعُقَلاَء عندما یشکّون فِی أمر مُعَیَّن، فَیُراد بهذه السِّیرَه إِثْبَات الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ الظَّاهِرِیّ. وهذه السِّیرَه هی الَّتِی یقع الاستدلال بها عَادَهً فِی الأُصُول:

المثال الأَوَّل: من قبیل السِّیرَه القائمه عَلَیٰ الرجوع إلی قول اللغوی عند الشَّکّ فی معنی الکلمه، وإن لم یفد کلامُ اللغوی لهم أکثر من الظن.

المثال الثَّانِی: السِّیرَه القائمه عَلَیٰ رجوع کُلّ مأمور إلی الثقه للتعرف عَلَیٰ أمر المولی، وإن لم یفد خبر الثقه هذا له أکثر من الظن.

المثال الثَّالِث: السِّیرَه القائمه عَلَیٰ رجوع غیر أهل الخبره إلی أهل الخبره، أو رجوع غیر الأخصائی إلی الأخصائی، أو رجوع الجاهل إلی العالم وأهل الخبره (کالتقلید).

المثال الرَّابِع: السِّیرَه القائمه عَلَیٰ حُجِّیَّه الظُّهُور؛ فَإِنَّ الْعُقَلاَء یرجعون إلی ظاهر کلام الْمُتَکَلِّم ویکتشفون مراده من خلال ظاهر کلامه، وإن لم یفد ظاهر کلامه إلا الظن.

إذن، هذان نحوان مِنَ السِّیرَهِ فِی الْقِسْمِ الثَّالِث.

السِّیرَه/الدَّلِیل الشَّرْعِیّ غیر اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: السِّیرَه/الدَّلِیل الشَّرْعِیّ غیر اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

انتهینا إلی القسم الثَّالِث من أقسام السِّیرَه والَّذِی شرحناه بالأمس، وقلنا إنها عباره عن السِّیرَه الَّتِی یُرَاد منها إِثْبَات الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ، وقلنا إنها عَلَیٰ نحوین؛ فتاره یُراد بها السِّیرَه الَّتِی تُثْبِتُ لنا الحکم الشَّرْعِیّ الْوَاقِعِیِّ، وأخری یُرَاد بها السِّیرَه الَّتِی یُرَاد بها أن تُثْبِتُ لنا الحکم الشَّرْعِیّ الظَّاهِرِیّ، ومثّلنا لکل من النحوین ببعض الأمثله.

ص: 239

وسوف یظهر من خلال الْبُحُوث القادمه إن شاء الله تعالی بعضُ الفوارق الفنیه بین هذین النحوین مِنَ السِّیرَهِ من القسم الثَّالِث. من حیث أن طریقه استعمال النَّحْو الأَوَّل فِی مقام إِثْبَات الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ الْوَاقِعِیِّ تختلف عن طریقه استعمال النَّحْو الثَّانِی فِی مقام إِثْبَات الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ الظَّاهِرِیّ.

وعلی کُلّ حال فهذا القسم الثَّالِث یختلف عن القسمین السابقین مِنَ السِّیرَهِ فِی نقطهٍ مهمه وهی أن حُجِّیَّهَ هذا القسم مِنَ السِّیرَهِ ودلیلیّتها غیر ثابته عَلَیٰ القاعده، بل تَتَوَقَّف عَلَیٰ إعمال عنایه إضافیه (خلافاً للقسمین السابقین) لکی تثبت حُجِّیَّتُه ودلیلیته عَلَیٰ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ، وَإلاَّ فمن دون العنایه لا یتبادر إلی الذِّهْن إلا التساؤل والاستفهام عن معنی الاستدلال بسیره النَّاس عَلَیٰ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ؟ فإنَّ عمل الْعُقَلاَء إِنَّمَا یکشف (عَلَیٰ أحسن التقادیر) عن حکمٍ جعلوه وقرّروه عَلَیٰ أنفسهم، بینما یهتم الفقیه والأصولی بما هو الحکم المجعول مِنْ قِبَلِ الشَّارِع!

فما شروط تلک العنایه الَّتِی لاَ بُدَّ من إعمالها؟

الشَّرْط الأَوَّل: طبعاً سوف نتعرض لها بالتفصیل فِی البحوث الآتیه إن شاء الله، لکن نقول بالإجمال: إن تلک العنایه هی أن نستکشف إمضاء الشَّارِع لهذه السِّیرَه الْعُقَلاَئِیَّه الَّتِی فرضناها قائمهً عَلَیٰ شیء مُعَیَّن ونستکشف موقفاً مناسباً وملائماً مِنْ قِبَلِ الشَّارِع (ولو إجمالاً)، وأدنی درجات هذا الموقف الملائم عباره عن سکوته عن ردع هذه السِّیرَه، وَحِینَئِذٍ یثبت مضمونها وهو الحکم الشَّرْعِیّ الَّذِی نریده.

إذن، لیست الحجه والدلیل بحسب الواقع عبارهً عن عمل النَّاس وَإِنَّمَا الحجه عباره عن إمضاء الشَّارِع لعملهم لا لِلسِّیرَهِ نفسها.

وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ هذه الصیغه من العنایه الَّتِی نحتاج إلیها فِی هذا القسم الثَّالِث مِنَ السِّیرَهِ متوقفه عَلَیٰ أَنْ تَکُونَ السِّیرَه الَّتِی نرید الاستدلال بها عَلَیٰ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ معاصرهً لعصر الْمَعْصُوم علیه السلام وموجوده فِی زمن حضور الْمَعْصُوم علیه السلام؛ ذلک لأن هذه الصیغه من العنایه تتمسک بالموقف الملائم من الْمَعْصُوم تجاه السِّیرَه، وهذا فرع أَنْ یَکُونُ الْمَعْصُوم مَوْجُوداً ظَاهِراً بین النَّاس یتخذ المواقف تجاه أعمال النَّاس وسِیَرِ الْعُقَلاَء وَإلاَّ فالمعصوم الغائب عن أعین النَّاس لا یمکن أن نستکشف من سکوته شَیْئاً؛ لأَنَّ المفروض به أن لا یتخذ موقفاً من عمل النَّاس فِی هذه الکره الأرضیه.

ص: 240

إذن، أول شرط فِی هذه العنایه هو معاصره السِّیرَه لزمن التشریع وحضور الْمَعْصُوم علیه السلام.

وبهذا یتضح أن هذا القسم الثَّالِث مِنَ السِّیرَهِ یتفق مع القسم الثَّانِی فِی الحاجه إلی إثبات معاصرتها للمعصوم ×؛ فَإِنَّ القسم الثَّانِی مِنَ السِّیرَهِ الَّتِی تَقَدَّمَ الکلام عنه أَیْضاً قلنا: یشترط فیه أَنْ تکون معاصره لزمان صدور النص من الْمَعْصُوم. وهذا بخلاف القسم الأَوَّل.

الشَّرْط الثَّانِی: أن یتخذ الْمَعْصُوم علیه السلام موقفاً ملائماً تجاه هذه السِّیرَه ولا یتخذ موقفاً شاجباً ورادعاً لهذه السِّیرَه، وذلک بالفحص عن الموقف الملائم الَّذِی یُراد استکشاف الإمضاء والتقریر منه. وسوف نَتَحَدَّثُ حول هذین الرکنین مفصلاً فِی الجهه الثَّانیه من جهات بحثنا وهی الجهه الَّتِی تتناول الاستدلال بِالسِّیرَهِ عَلَیٰ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ.

تنبیه: وقبل ذلک تبقی نکته لا بد من التَّنْبِیه علیها وهی أَنَّهُ من خلال ما قلنا لعله یتضح الجواب والرد عَلَیٰ ما قد یُتساءل فِی المقام، وهذا التساؤل سار وجار خاصه بین المثقفین والشباب، أَنَّهُ لماذا یحرص الفقهاء فِی الاستدلال الفقهی فِی مثل هذه الأَدِلَّه اللُبِّیَّه عَلَیٰ أن یتمسکوا بِالسِّیرَهِ الْعُقَلاَئِیَّه القدیمه ویترکون السِّیرَه الْعُقَلاَئِیَّه المتحضره المدنیه المستحدثه الیوم؛ فَإِنَّ وضع الْعُقَلاَء لَیْسَ فِی تخلف وتأخر وانحطاط عَمَّا کانوا علیه سَابِقاً من حیث المعارف بل هم فِی تَقَدَّمَ ونضج مستمر وتعایش مع الخبرات الفکریه والاجتماعیه والقانونیه، فما الَّذِی میّز سیره الْعُقَلاَء القدماء عن سیره الْعُقَلاَء الیوم؟ فکما بنی الْعُقَلاَء بالأمس عَلَیٰ حقوق کحق الخیار وحق الاختصاص بسبب الحیازه، کذلک جرت سیره الْعُقَلاَء الیوم عَلَیٰ حق التألیف والنشر والطبع؟

فجوابه واضح؛ لأَنَّ الفقهاء إذا کانوا یریدون اتخاذ عمل الْعُقَلاَء بما هم عقلاء دلیلاً لصحّ هذا الکلام، لکننا عرفنا أن المقیاس لَیْسَ هذا، بل یستدلون بِالسِّیرَهِ بما هی کاشفه عن رأی الشَّارِع؛ فَإِنَّ المفید للفقیه فِی مقام الاستنباط هو موقف الشَّارِع من موقف الْعُقَلاَء، لا موقف الْعُقَلاَء بما هم عقلاء، وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ موقف الشَّارِع من الْعُقَلاَء وسیرتهم لا یکشف لنا مِنْ دُونِ معاصره موقف الشَّارِع لموقف الْعُقَلاَء، حتَّی یمکننا أن نستکشف موقف الشَّارِع من موقف الْعُقَلاَء وسیرتهم وَإلاَّ فلا معنی للاستدلال بِالسِّیرَهِ الْعُقَلاَئِیَّه المستحدَثه بعد عصر التشریع.

ص: 241

وقد یقال (لا بد من أن نثبت أن الشَّارِع أمضی السِّیرَه وَإلاَّ فإن السِّیرَه بما هی سیره لَیْسَ لها قیمه): بأن الشَّارِع أمضی کُلّ السِّیَر الْعُقَلاَئِیَّه بنحو القضایا الحقیقیه وبوصفها النوعی وبما هی سیره العقلاء، لا بوصفها مفرده خارجیه کانت موجوده فِی ذاک الوقت. أی: أننا نفهم من عدم تصدّی الشَّارِع لبیان أحکام وتأسیس تشریعات فِی مجالات مختلفه مِمَّا للعقلاء شأن فیه کأبواب المعاملات، نعرف من ذلک أَنَّهُ ترک هذه الأمور للعقلاء وإن تدخل أحیاناً بشکل جُزْئِیّ ولٰکِنَّهُ لم یتدخل بشکل تفصیلی فِی أبواب المعاملات کالتدخل الَّذِی نلحظه فِی باب العبادات والنکاح والطلاق وأمثالها. فنستکشف من سکوت الشَّارِع وعدم تصدیه فِی هذه المجالات أَنَّهُ عوَّل عَلَیٰ سیره النَّاس بطبعها ونوعها وارتکازاتهم، فیکون هذا إمضاءً مسبَقاً مِنْ قِبَلِ الشَّارِع لکل ما سوف یستقر علیه سیره النَّاس؛ إلا الموارد الْجُزْئِیَّه الَّتِی عرفنا فیها ردع الشَّارِع عن بعض أعمال الناس کالربا وغیرها.

وفیه أوَّلاً: لم یثبت لنا سکوت الشَّارِع وعدم تصدّیه لبیان أحکام وتأسیس تشریعات فِی مجالات متعدده من الحیاه مِمَّا للعقلاء شأنٌ فیه، کی نفهم أَنَّهُ ترک هذا المجال والحقلَ للناس فِی عمود الزمان؛ فَإِنَّ هذه المجالات الَّتِی یُتوهم أن الشَّارِع ترکها لِلسِّیرَهِ أَیْضاً بُیِّنت فِی الشَّرِیعَه أحکامُها أو ورد ما یُحتمل أَنْ یَکُونُ بیاناً لها، بإطلاق دلیل أو عمومه أو قاعده کلیه أو فقهیه. فیُستبعد أَنْ یَکُونُ لدینا حکم مفتقر إلی السِّیرَه إلا وفیه خبرٌ یعالج لمورد السِّیرَه (بقطع النَّظَر عن صحه الخبر)، وَأَمَّا قله الأَدِلَّه فلعلها ناشئه من عدم وجود تفصیلات واستثناءات کثیره لتلک العمومات والإطلاقات، لا لتلک النکته الَّتِی أشیر إلیها.

وما قد یقال من أن مجرد عدم وجود إطلاق أو عموم لا یکفی للردع عن سیرهٍ مُتَجَذِّرَهٍ مرتکزه فِی أذهان النَّاس، فهذا إِنَّمَا یصح فِی سیره مُعَاشَهٍ حیه موجوده فِی عصر التشریع حیث نقول بأن هکذا سیره ضاربه فِی الأرض ومترسخه لا یکفی فِی الردع عنها إطلاقُ آیه أو عموم آیه، وَإِنَّمَا إذا أراد الشَّارِع أن یردع عنها فیردع عنها بنصوص وافره ومؤکده، کما أکد فِی القیاس والربا.

ص: 242

وَثَانِیاً: لنفترض أن الشَّارِع ردع عن هذه السِّیرَه، لکن سکوته إِنَّمَا یَدُلّ عَلَیٰ إمضائه لِلسِّیرَهِ لا بوصفها النوعی وبنحو القضیه الحقیقیه وَإِنَّمَا إذا سکت الشَّارِع عن سیره فمعناه أَنَّهُ أمضی هذه السِّیرَهَ بوصفها الشخصی وبنحو القضیه الخارجیه؛ لأَنَّهَا هی الَّتِی سکت عنها الشَّارِع ولم یسکت عن مطلق أعمال النَّاس فِی عمود الزمان إلی یوم القیامه.

هذا تمام الکلام فِی الجهه الأولی من جهات البحث والتی عقدناها لبیان أقسام السِّیرَه.

الجهه الثَّانیه: البحث عن کَیْفِیَّه الاستدلال بِالسِّیرَهِ عَلَیٰ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ. وقد تبین أن السِّیرَه المشرِّعه (أی: القسم الثَّالِث) للحکم الشَّرْعِیِّ لاَ بُدَّ من توفر شرطین ورکنین فیها، إذا تَمَّ هذان الرکنان تصبح هذه السِّیرَه حجهً ودلیلاً عَلَیٰ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ وهما:

الرکن الأَوَّل: معاصره السِّیرَه لزمن التشریع وحضور الْمَعْصُوم علیه السلام.

الرکن الثَّانِی: الملازمه بین هذه السِّیرَه وبین الحکم الشَّرْعِیّ، وهذه الملازمه تتجسد وتتمثل فِی موقفٍ ملائم یتخذه الْمَعْصُوم علیه السلام تجاه هذه السِّیرَه ویکون هذا الموقف الملائم کاشفاً عن إمضائه وقبوله لهذه السِّیرَه.

إذ، یجب أن ندرس من الآن فصاعداً هذین الرکنین ونحقق حال هذین الشرطین وندرس کَیْفِیَّه إثبات الشَّرْط الأَوَّل (أَیْ: أَن سیرهً مّا کانت موجوده فِی عصر التشریع) ونحن الآن بعیدون عن عصر التشریع بقرون؟ وبعد ذلک کیف نثبت الإمضاء والقبول بالسکوت؟

السِّیرَه/الدَّلِیل الشَّرْعِیّ غیر اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: السِّیرَه/الدَّلِیل الشَّرْعِیّ غیر اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

قلنا: لاَ بُدَّ من البحث عن حُجِّیَّه القسم الثَّالِث من السِّیرَه، وهذا بحث عن الشرطین أو الرکنین الذَّیْنِ ذکرناهما لحجیه السِّیرَه، وهما:

الشَّرْط أو الرکن الأَوَّل: معاصره السِّیرَه لزمن التشریع.

ص: 243

الشَّرْط أو الرکن الثَّانِی: الملازمه بین هذه السِّیرَه وبین الحکم الشَّرْعِیّ.

أَمَّا الشَّرْط الأَوَّل: فإن أساس هذه المعاصره واضح (کما تَقَدَّمَ)؛ إذ أنَّ السِّیرَه الَّتِی تلازمُ الحکم الشَّرْعِیّ (کما سوف یأتی فِی الشَّرْط الثَّانِی) إِنَّمَا هی عباره عن خصوص السِّیرَه الملازمه لحکم الشَّارِع دون غیرها، وبما أَنَّنَا لم نعاصر الشَّارِع فنحتاج فِی إثبات السِّیرَه المعاصره للشارع إلی طرق من خلالها أو من خلال بعضها نُثبت أن السِّیرَه کانت موجوده فِی عصر الشَّارِع، وَإلاَّ فمن دون هذا یبقی الاستدلال الفقهی ناقصاً؛ لأَنَّ غایه ما یصنعه الفقیه أن یتأمل فِی سیره النَّاس الیوم ویطمئن ویثق بأن سیرتهم قائمه عَلَیٰ سلوک مُعَیَّنٍ کقیام سیرتِهم عَلَیٰ حُجِّیَّه خبر الواحد فِی الموضوعات. لکن کیف یثبت أن هذه السِّیرَه بذاتها کانت موجوده فِی عصر الشَّارِع، وکان النَّاس یعملون بخبر الثقه فِی الموضوعات آنذاک. هنا یمکن ذکر عده طرق لإثبات هذه المعاصره:

الطریق الأَوَّل: ما یبدو فِی أول وهله وفِی بادئ النَّظَر وهو أن یقال: لطالما أن هذه السِّیرَه موجوده الیوم فهی کانت موجوده آنذاک أَیْضاً؛ وذلک بِعَقْلِیَّهِ الاستصحاب القهقرائی الَّتِی هی عباره عن إحراز الماضی عن طریق الواقع الحاضر، سَوَاء کانت تلک السِّیرَه الَّتِی نرید إثبات وجودها فِی عصر التشریع کانت سیره عُقَلاَئِیَّه أم کانت سیره مُتَشَرِّعِیَّه؛ فإننا نقول فِی

1)- السِّیرَه الْعُقَلاَئِیَّه إننا نحدس بأن السِّیرَه القائمه الیوم عَلَیٰ حُجِّیَّه خبر الواحد فِی الموضوعات ناشئه من القریحه العامه والسلیقه النَّوْعِیَّه والنکات الفطریه للعقلاء مِمَّا کانت موجوده فِی عصر الشَّارِع أَیْضاً؛ إذ أن هذه القریحه لا تختلف من عقلاءٍ إلی عقلاء. فیثبت بذلک وجود هذه السِّیرَه فِی ذاک الزمان مثلاً.

2)- کما بإمکاننا أن نذکر بیاناً آخر یعم سیرهَ الْعُقَلاَء وسیرهَ المتشرعه معاً وهو أننا إذا وجدنا الیوم سیرهً قائمهً فِعْلاً ومنعقده مِنْ قِبَلِ النَّاس (سَوَاء مِنْ قِبَلِ العرف الْعَامّ أو مِنْ قِبَلِ المتشرعه بالخصوص) عَلَیٰ شیء مُعَیَّن الیوم، فمن البعید جِدّاً أَنْ نفترض أنها حصلت دفعه وبصوره فجائیه وانقلابیه، مِنْ دُونِ أَنْ تَکُونَ هذه السِّیرَه موجوده سابقاً (فِی عصر الشَّارِع)، بحیث لا نحتمل احتمالاً متعارفاً وعقلائیاً أن سیره النَّاس آنذاک کانت عَلَیٰ شیء ثُمَّ تحولت دفعه إلی شیء آخر نجده الیوم؛ لأَنَّ من المستبعد التحول الفجائی فِی السِّیَر والبناءات الْعُقَلاَئِیَّه والارتکازات. فنقول: الظاهر أن هذه السِّیرَه الموجوده الیوم قد وصلت إلینا یداً عن ید (حسب عقلیه الاستصحاب القهقهری) وَإلاَّ فإن انقلاب سیره النَّاس فجأهً یُعدّ فِی ذاته شَیْئاً عجیباً، أو إذا حدث هکذا تحول فجائی فِی سیرتهم لَنَقَلَتْهُ کتب التأریخ.

ص: 244

وَالْحَاصِلُ أَنَّ المدعی فِی هذا الطریق الأَوَّل هو أننا عند ما نواجه سیره موجوده الیوم یحصل لدینا هذا الحدس أو الاطمئنان بوجودها سابقاً؛ لأَنَّهَا إذا کانت عُقَلاَئِیَّه فناشئه من القریحه الْعُقَلاَئِیَّه العامه لدی الْعُقَلاَء، وإذا کانت عُقَلاَئِیَّه ومتشرعیه فمن المستبعد أن تتبدل هذه السِّیرَه ولا تنقله کتب التاریخ.

مثلما لو قلنا بأن سیره المتشرعه قائمه عَلَیٰ الإخفات فِی صلاه الظهر من یوم الجمعه، فیقول المدعی هنا: نحن من خلال هذه السِّیرَه سوف نعلم بأن هذه السِّیرَه موجوده فِی الأجیال السابقه وفی عصر التشریع ومتلقاهٌ من ذاک العصر؛ لأَنَّه إن کانت السِّیرَه عَلَیٰ ضد السِّیرَه الموجوده فِی عصرنا فهذا شیء غریب ولو کانت لنقلت فِی کتب التأریخ. ومن الصعب أن یتحول التزام المتشرعه من شکل إلی شکل آخر نقیض له، ولابد أَنْ یَکُونُ له سبب أو ظرف مُعَیَّن لهذا التحول، وحیث لم یذکر هکذا ظرف لهذا التحول ، فنطمئن بعدم وجوده.

والخلاصه أن هذا الطریق یجعل انعقاد السِّیرَه الیوم دلیلاً عَلَیٰ أَنَّهُ کان موجوداً سابقاً وله جذور قدیمه ترتفع إلی عهد الأئمه علیهم السلام، بنکته أَنَّهُ مستعبد أن تتحول السِّیرَه من نقیض إلی نقیض.

دراسه الطریق:

هذا الطریق لا یمکننا أن نسلکه لإثبات معاصره السِّیرَه لزمان الشَّارِع وذلک:

أوَّلاً: ما ذکر من الحدس والقریحه العامه والنکات الفطریه المشترکه بین جمیع الْعُقَلاَء غیر تَامّ؛ فَإِنَّ السِّیرَه کما یمکن أَنْ تَکُونَ ناشئه من جهه الاشتراک الموجوده بیننا وبین النَّاس فِی ذاک الزمان، کذلک یمکن أَنْ تَکُونَ ناشئه مِمَّا نمتاز به عنهم. فلا یمکن اعتبار الواقع الحاضر دلیلاً عَلَیٰ الماضی.

وَثَانِیاً: أَنَّ ما ذُکر من استبعاد انقلاب السِّیرَه وتحول الالتزام الْعُقَلاَئِیّ أو الْمُتَشَرِّعِیّ فیرد علیه أوَّلاً

ص: 245

أن هذا الانقلاب والتحول إِنَّمَا یکون غَرِیباً لو فرضنا حصوله الفجائی، بل قد نقطع بعدم حصول تحول فجائی مماثل (أی: بحسب حساب الاحتمالات، احتمال أَنْ تکون سیره الْعُقَلاَء کانت قائمه عَلَیٰ الْعَمَل بخبر الثقه فِی الموضوعات مده مدیدهً، ثُمَّ فجأه تحولت هذه السِّیرَه إلی عدمها)، لکن أصل هذا الافتراض لَیْسَ هو الافتراض الوحید الموجود عَلَیٰ طاوله البحث، بل بالإمکان أن نفترض التحول التدریجی فِی السِّیَر، فهذا أمر اعتیادی ومتعارف فِی تأریخ المجتمعات.

ویمکن أن نذکر الإجهار فِی صلاه الظهر من یوم الجمعه مثاله له؛ فَإِنَّ بالإمکان افتراض انعقاد السِّیرَه فِی أیام الْمَعْصُوم عَلَیٰ الجهر فیها؛ لأَنَّ نظر المتشرعه آنذاک کان عَلَیٰ وُجُوبِ الإجهار باعتبار وجود روایات الجهر فِی یوم الجمعه والتی لا تُحَدِّد أن الجهر فِی یوم الجمعه خَاصّ بصلاه الظهر أو بصلاه الجمعه من ظهر الجمعه، ثُمَّ بعد مضی مده دقق بعض الفقهاء والتفت أَنَّهُ لا یوجد وجوب للجهر فِی صلاه الظهر من یوم الجمعه، وَإِنَّمَا الروایات تَدُلُّ عَلَیٰ الجهر من یوم الجمعه، وعمل المتشرعه وإن کان قائماً عَلَیٰ الإجهار ولکن الْعَمَل دلیل صامت ولا یَدُلّ عَلَیٰ الوجوب، فلعل المتشرعه کانوا یجهرون فیها لاستحباب الإجهار، وَبِالتَّالِی برزت هذه الفتوی مِنْ قِبَلِ هذا الفقیه أو مِنْ قِبَلِ بعض الفقهاء بأن الجهر فِی صلاه الظهر من یوم الجمعه غیر واجب، وَبِالتَّالِی تبعه مقلِّدوه وأدی ذلک إلی عدم التزام جمله من المتشرعه بالجهر فِیها، ثُمَّ کثر الفقهاء والمحققون الَّذِین أدی نظرهم إلی الإخفات (إما اجتهاداً أو تقلیداً)، ثُمَّ بعد مضی زمان استفاد بعض الفقهاء من الجمع بین الأخبار عدمَ استحباب الجهر أساساً، ثُمَّ أتی من یشکک فِی أصل جواز الإجهار فیها.

وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ فرضیه من هذا القبیل لیست غریبه ولا صعبه التوقع، وتجعل الفقیهَ غیر قادر عَلَیٰ الاستدلال بواقع الحاضر الموجود عَلَیٰ ثبوت هذا الواقع فِی الماضی.

ص: 246

وثالثاً: سلمنا أن من الغریب أن تنقلب السِّیرَه إلی ضدها، لکن من الممکن أن نفترض عدم وجود سیره قائمه عَلَیٰ أحد الطرفین فِی زمن التشریع کمثال الجهر والإخفات، فَلَعَلَّهُ لم تکن عندهم سیرهٌ قائمه عَلَیٰ أحد الطرفین، بل کان الحکم مختلفاً فیه عند المتشرعه، فکان بعضهم یجهر وبعضهم یخفت، کما أن هناک روایات متعارضه إلی جانب اختلاف السِّیرَه بین المتشرعه والناس باعتبار الروایات المختلفه، ومن هنا کانوا یسألون الإمام × عن حکم الإجهار أو الإخفات فِی صلاه الظهر من یوم الجمعه حیث کان بعض الفرق والجماعات یجهرون والبعض الآخر کانوا یخفتون. فهذه الفرضیه ممکنه أَیْضاً ولا تنحصر الفرضیه فِی قیام السِّیرَه عَلَیٰ شیء مُعَیَّن آنذاک لکی نثبت أن السِّیرَه الموجوده فِی زماننا هی نفس تلک السِّیرَه آنذاک؛ إذ لعل السِّیرَه الیوم قائمه عَلَیٰ أمر مُعَیَّن ولکن فِی ذاک العصر لم تکن توجد هذه السِّیرَه، کما إذا کان هناک اختلاف بین المتشرعه.

ورابعاً: قد لا یکون ما نراه الیوم فِی الواقع المعاصر من سیره المتشرعه سیرهً لهم بما هم متشرعه، وَإِنَّمَا اتفقوا عَلَیٰ هذه السِّیرَه لأمور غیر الشرع، فبعضهم من باب الغفله عَنِ الْحُکْمِ الشَّرْعِیّ وبعضهم من باب النسیان، وبعضهم من باب الجری عَلَیٰ سیره الْعُقَلاَء وذوقهم، وبعضهم من باب التقصیر، ثُمَّ أتی أبناء هؤلاء ونظروا فِی سیرهم فتخیلوا أنها هی الصحیحه فجروا علیها فاستقرت السِّیرَه علیها، کما فِی مسأله بطلان معامله الصبی (کما هو المشهور)؛ فَإِنَّ ذوق الْعُقَلاَء لا یمیز بین معامله البالغ وبین الصبی الممیز، بینما قامت سیره المسلمین عَلَیٰ صحه معاملته لکن لا بما هم مسلمون بل بما هم عقلاء أو من باب الغفله أو من باب النِّسْبَه أو من باب التقصیر أو القصور. المهم أن سیره المسلمین کانت قائمه عَلَیٰ صحه معامله الصبی.

ص: 247

إذن أصل مسأله «الواقع الحاضر دلیل عَلَیٰ الواقع المعاصر لعصر التشریع» لا نقبله.

وبذلک نکون قد انتهینا من الطریق الأَوَّل لإثبات المعاصره، وقد تبین بطلانه.

السِّیرَه/دلاله التقریر/الدَّلِیل الشَّرْعِیّ غیر اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: السِّیرَه/دلاله التقریر/الدَّلِیل الشَّرْعِیّ غیر اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

الطریق الثَّانِی: إثبات السِّیرَه المعاصره للمعصومین علیهم السلام عن طریق النقل التأریخی والشهادات، سَوَاء فِی ذلک نطاق التأریخ الْعَامّ أو نطاق الروایات والأحادیث الفقهیه، ولهذا الطریق أمثله عدیده نذکر ثلاث منها تباعاً:

المثال الأَوَّل: ما ینقله الشیخ الطوسی رحمه اللَه فِی «العُدَّه» ویشهد به من استقرار بناء أصحاب الأئمه علیهم السلام وثبوت سیره المتشرعه فِی عهدهم علیهم السلام جیلاً بعد جیل عَلَیٰ الْعَمَل بخبر الثقه فِی مقام أخذ معالم دینهم.

المثال الثَّانِی: ما تعکسه (من الناحیه التأریخیه) الروایات والأحادیث الوارده فِی باب الزکاه من ثبوت سیره المتشرعه فِی زمان الإمام علیه السلام عَلَیٰ جواز التعامل بالنقد الأجنبی، حیث کثر السؤال فِی الروایات عن ثبوت الزکاه فِی النقد الأجنبی وعدمه، وعن ثبوتها فِی الدرهم المغشوش وعدمه (1) ؛ فَإِنَّ هذا یَدُلّ عَلَیٰ أنهم کانوا یتعاملون بالنقد الأجنبی.

المثال الثَّالِث: ما ینقله التأریخ الْعَامّ من ثبوت السِّیرَه آنذاک عَلَیٰ استخراج الفرد بعض أقسام المعدِن کالعقیق والملح، وتملّکه إیاه بذلک.

وکما یمکن الاستفاده فِی هذا المجال من الروایات والأحادیث الفقهیه باعتبار أنها تعکس ضمناً جوانب من حیاه الرواه والناس فِی ذلک الزمان (کما مثّلنا له آنفاً)، کذلک یمکن الاستفاده أَیْضاً فِی هذا المجال من فتاوی الجمهور والعامّه فِی باب المعاملات مثلاً، باعتبار أنها مأخوذه ومنتزعه أحیاناً عن الوضع الْعَامّ المرتکز عُقَلاَئِیّاً.

ص: 248


1- (1) - العاملی، وسائل الشیعه: ج6، ب7، زکاه النقدین.

وهذا الطریق یتوقف اعتباره عَلَیٰ أحد شرطین؛ فَإِنَّ النقل لاَ بُدَّ من أَنْ یَکُونُ بأحد نحوین کی یمکننا الاعتماد علیه فِی إثبات السِّیرَه المعاصره للمعصومین علیهم السلام:

الشَّرْط الأَوَّل: أَنْ یَکُونُ النقل التَّأْرِیخِیُّ والشهاده من الناحیه الْکَمِّیَّه وَالْکَیْفِیَّه بِالنَّحْوِ الَّذِی یوجب العلم أو الاطمئنان عَلَیٰ أقل التقدیر بکون السِّیرَه معاصرهً للمعصوم علیه السلام؛ فمن ناحیه الکمّ لاَ بُدَّ من أَنْ یَکُونُ النقل کثیراً ومستفیضاً , أن توجد هناک شهادات عدیده بثبوت السِّیرَه فِی زَمَن الْمَعْصُوم علیه السلام، ومن نَاحِیَه الکیف لاَ بُدَّ وأن یکون النقل مقترناً بخصوصیات وشواهد لصدقه وأن لا یکون مقروناً بما یضعفه ویکسره، فلو نقل التأریخ لنا مثلاً استخراج الفرد للنفط وتملّکه فِی زمن النَّبِیّ صلی الله علیه وآله وسلم لم نصدّقه؛ لأَنَّ هناک نَقْلاً تَأْرِیخِیّاً أدقّ منه یَدُلّ عَلَیٰ أن اکتشاف النفط أساساً کان فِی زمن متأخر عن زمان النَّبِیّ الأَعْظَم صلی الله علیه وآله وسلم وأن معرفه النَّاس بعین النفط کانت متأخره عن عهده صلی الله علیه وآله وسلم (1) .

الشَّرْط الثَّانِی: أَنْ یَکُونُ جامعاً لشروط الحجیه التَّعَبُّدِیَّه فِیمَا إذا لم یکن موجباً للعلم ولا للاطمئنان، کما إذا کان النقل مِنْ قِبَلِ ناقل واحد ثقه وبنینا عَلَیٰ حُجِّیَّه خبر الواحد الثقه بدلیل آخر غیر هذه السِّیرَه الَّتِی یُرَاد إثباتها بشهاده الثقه، کما لو فرضنا أن الشیخ الطوسی رحمه اللَه نقل لنا أن سیرهَ أصحاب الأئمه والمتشرعه کانت عَلَیٰ ترک صلاه الجمعه؛ فهذا نقل للسیره بخبر الثقه الَّذِی هو حجه، وبه نثبت تَعَبُّداً سیره أصحاب الْمَعْصُوم × عَلَیٰ ترک الجمعه.

ص: 249


1- (2) - الظاهر أن الإمام الصادق علیه السلام هو أول من کشف الغطاء عن وجود النفط وبشّر بخروج الزیت (النفط)، حیث ینقل أَنَّهُ علیه السلام عندما جث عَلَیٰ رکبته فی بعض مناطق الجزیره العربیه قال: إن تحت هذه الأرض أشیاء یشبه الزیت لو أخرجته لأغنیت العرب جمیعاً. الطهرانی عفی عنه.

فإذا فرض أن هذا کان مشمولاً لدلیل الحجیه؛ فَإِنَّ حِینَئِذٍ تثبت السِّیرَه ویثبت بذلک لوازم هذه السِّیرَه الَّتِی منها إمضاء الْمَعْصُوم علیه السلام لها عَلَیٰ ما سیأتی الحدیث عنه فِی الرکن الثَّانِی - إن شاء اللَه تعالی - فیکون لکلام الشیخ الطوسی رحمه اللَه (فِی المثال) مدلول مطابقی وهو السِّیرَه المعاصره للمعصوم علیه السلام، ومدلول التزامی وهو إمضاء الشَّارِع لها وثبوت الحکم الشَّرْعِیّ.

تنبیه: وینبغی هنا أن ننبّه عَلَیٰ نقطه هی أن حُجِّیَّه خبر الثقه الناقل للسیره المعاصره للمعصوم علیه السلام لا علاقه لها بمسأله حُجِّیَّه خبر الثقه فِی الموضوعات ولیست متوقفه عَلَیٰ القول بالحجیه فِی تلک المسأله رغم أن الخبر هنا خبر عن موضوع خارجی (وهو السِّیرَه المعاصره للمعصوم)، بل إن الخبر (فِی المقام وفی کُلّ موضوع آخر مماثل لما نحن فیه، أی: کُلّ خبر عن موضوع یکون لازمه ثبوتُ الحکم الشَّرْعِیّ) لاَ بُدَّ من الفراغ عن حُجِّیَّتُه فِی مقام إِثْبَات الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ الملازم لذاک الْمَوْضُوع، سَوَاء قلنا فِی تلک المسأله بحجیه خبر الواحد فِی الموضوعات أم لم نقل.

توضیح ذلک أن الخبر فِی الموضوعات عَلَیٰ ثلاثه أقسام:

القسم الأَوَّل: أَنْ یَکُونُ الخبرُ خبراً عن المَوْضُوع الَّذِی هو مصداق لموضوع الحکم الکُلِّیّ، ویترتب عَلَیٰ هذا الخبر حکمٌ جُزْئِیّ وفرعی ولیس حُکْماً کُلّیّاً، کالإخبار عن خمریه سائلٍ، أو الإخبار عن طهاره سائل؛ فَإِنَّ خمیّرهَ هذا السائل أو طهارته من مصادیق الخمریّه والطهاره وهما موضوعان للحکم الکلی الَّذِی هو عباره عن حرمه شرب الخمر وجواز شرب السائل الطاهر، ویَتَرَتَّبُ عَلَیٰ هذا الإخبار حکم جُزْئِیّ وفرعی هو حرمه شرب هذا أو جواز شرب ذاک.

القسم الثَّانِی: أَنْ یَکُونُ الخبر خبراً عن الْمَوْضُوع الَّذِی هو مصداق لمَوْضُوعِ الحکم الکُلِّیِّ، ویترتب عَلَیٰ هذا الخبر حکمٌ جُزْئِیّ، لکن تنتهی حُجِّیَّتُه إلی إثبات حکم کُلِّیّ، کما إذا أخبر الشیخ أو النجاشی أو المفید أو الآخرون من الأجله (الَّذِی یوثّقون لنا الرواهَ) أن فلانا من الرواه ثقهٌ؛ فَإِنَّ وثاقه هذا الراوی مصداق من مصادیق الوثاقه الَّتِی هی موضوع للحکم الکلی وهو عباره عن حُجِّیَّه خبر الثقه، ویَتَرَتَّبُ عَلَیٰ هذا الإِخْبَار حکم جُزْئِیّ وفرعی وهو حُجِّیَّه خبر هذا الراوی الَّذِی وثَّقه النجاشی، لکن تنتهی حُجِّیَّتُه إلی إثبات حکم کُلِّیّ وهو الحکم الَّذِی رواه ذاک الراوی کما لو نقل لنا حُکْماً کُلّیّاً عن الإمام الصادق علیه السلام مثل: «فِی المعدن الخمس».

ص: 250

القسم الثالث: أَنْ یَکُونُ الخبر خبراً عن مَوْضُوع یلازم الحکم الکلی (ولیس خبراً عن مِصْدَاق لموضوع کُلِّیّ کما فِی القسمین الأولین)، کالإخبار عن السِّیرَه المعاصره للمعصوم والتی هی ملازمه للحکم الشَّرْعِیّ الکلی وهو مورد کلامنا الآن.

وَحِینَئِذٍ إن افترضنا أن هناک إطلاقاً فِی دلیل حُجِّیَّه خبر الثقه یشمل الإخبار عن الموضوعات، بحیث لم یکن دلیل الحجیه مختصاً بخبر الثقه فِی الأحکام، أو افترضنا وجود سیرهٍ تَدُلُّ عَلَیٰ حُجِّیَّه خبر الثقه فِی الموضوعات، ثبتت حُجِّیَّه خبر الثقه فِی الموضوعات مُطْلَقاً، فتکون الأقسام الثَّلاَثه کُلّهَا حجه.

أَمَّا إذا لم یکن هناک إطلاق فِی دلیل الحجیه أو سیره من هذا القبیل؛ فَإِنَّ کان لدلیل حُجِّیَّه خبر الثقه فِی الأحکام إطلاق یشمل الخبر عن ا لموضوع الَّذِی یؤدی إلی حکم کُلِّیّ، ثبتت حُجِّیَّه خصوص القسمین الأخیرین دون الأَوَّل، وکذلک الأمر لو کانت هناک سیره قائمه عَلَیٰ حُجِّیَّه الإخبار عن الْمَوْضُوع المؤدی إلی حکم کُلِّیّ.

أَمَّا إذا لم یکن هناک شیء من هذا القبیل أَیْضاً، فَحِینَئِذٍ لا یبقی دلیل عَلَیٰ حُجِّیَّه خبر الثقه فِی الموضوعات، ولا یمکن ترتیب الآثار والأحکام الشَّرْعِیَّه المترتبه عَلَیٰ الْمَوْضُوع الَّذِی أخبر به الثقه، فلا یبقی مجال لحجیه القسمین الأولین.

وَأَمَّا القسم الثَّالِث فهو یختلف سنخاً وجوهراً عنهما فِی أن الخبر فِی هذا القسم لَیْسَ خبراً عن مَوْضُوعَ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ، بل هو خبر عن ملازم الحکم الشَّرْعِیّ، فلا یوجد هنا أثر وحکم شرعی یَتَرَتَّبُ عَلَیٰ الْمَوْضُوع الَّذِی أخبر به الثقه حتَّی یدخل هذا القسم فِی مسأله حُجِّیَّه خبر الثقه فِی الموضوعات؛ فَإِنَّ تلک المسأله تعنی بالبحث عن خبر الثقه فِی موضوعات الأحکام الشَّرْعِیَّه، بینما الخبر فِی الْقِسْمِ الثَّالِث لَیْسَ کذلک، فلا نحتاج فیه إلی القول بحجیه خبر الثقه فِی الْمَوْضُوعات؛ لأَنَّ الحکم الشَّرْعِیّ فیه لَیْسَ أثرا مترتباً عَلَیٰ الْمَوْضُوع المخبَر به، بل هو من لوازم هذا الْمَوْضُوع؛ ضرورهَ أن إمضاء الشَّارِع لَیْسَ من الآثار الشَّرْعِیَّه المترتبه عَلَیٰ السِّیرَه المعاصره، ولیست السِّیرَه مَوْضُوعاً للحکم الشَّرْعِیّ وإمضاء الشَّارِع, وَإِنَّمَا الحکم والإمضاء من لوازم السِّیرَه.

ص: 251

وعلیه، فحجیه الخبر فِی الْقِسْمِ الثَّالِث لیست مبنیه عَلَیٰ حُجِّیَّه الخبر فِی موضوعات الأحکام الشَّرْعِیَّه، وَإِنَّمَا حُجِّیَّتُه مستفاده من دلیل حُجِّیَّه الخبر نفسه فِی الأحکام الشَّرْعِیّ، وإن لم یکن له إطلاق یشمل الخبر عن موضوعات الأحکام؛ ذلک لأن العرف لا یحتمل الْفَرْق بین نقل الثقه للحکم الشَّرْعِیّ الکلی بالمطابقه، وبین نقله لذلک بالملازمه، عَلَیٰ حد عدم احتماله الْفَرْق فِی الحجیه فی باب الأمارات بین الدِّلاَلَه الْمُطَابَِقِیَّه والدلاله الاِلْتِزَامِیَّه. وهذا یعنی حُجِّیَّه خبر الثقه فِی الْقِسْمِ الثَّالِث (أی: فِی الخبر عن الْمَوْضُوع الملازم للحکم) وحجیّته هذه لیست لأجل إثبات الْمَوْضُوع المخبَر به، کیف وقد فرضنا أننا نستفید هذه الحجیه من الدَّلِیل الدَّال عَلَیٰ حُجِّیَّه الخبر عن الحکم الشَّرْعِیّ، والخبر للموضوع المخبر به.

وبعباره أخری: الحجیه هنا إِنَّمَا هی للدلاله الاِلْتِزَامِیَّه لهذا الخبر، حیث أن الدِّلاَلَه الْمُطَابَِقِیَّه له عباره عن الإخبار عن السِّیرَه المعاصره للمعصوم، والدلاله الاِلْتِزَامِیَّه له عباره عن الإخبار عن الحکم الشَّرْعِیّ وإمضاء الشَّارِع.

السِّیرَه/دلاله التقریر/الدَّلِیل الشَّرْعِیّ غیر اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: السِّیرَه/دلاله التقریر/الدَّلِیل الشَّرْعِیّ غیر اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

کنّا ندرس الطرق الَّتِی یمکن أن تُذکر لإثبات وجودٍ سیرهٍ معاصره للمعصوم علیه السلام، وانتهینا إلی الطریق الثَّانِی وقد شرحناه بالأمس.

لا یقال: إن الدِّلاَلَهَ الاِلْتِزَامِیَّهَ تَابِعَهٌ لِلدَّلاَلَهِ الْمُطَابَِقِیَّهِ فِی الْحُجِّیَّهِ، والمفروض هنا عدم حُجِّیَّهِ الدِّلاَلَهِ الْمُطَابَِقِیَّهِ؛ لأَنَّ الإخبار عن السِّیرَه المعاصره للمعصوم لَیْسَ إخباراً عن الحکم الشَّرْعِیّ کی یشمله دلیل حُجِّیَّه خبر الثقه عن الحکم الشَّرْعِیّ. إذن، فالدَّلاَلَهُ الاِلْتِزَامِیَّهُ أَیْضاً تابعه لها فِی عدم الْحُجِّیَّهِ.لأننا نقول: إن القول بِالتَّبَعِیَّهِ لا یشمل المقامَ؛ لأَنَّ التَّبَعِیَّهَ إِنَّمَا هی فیما إذا کان مُقْتَضِی الْحُجِّیَّه شاملاً لکلتا الدَّلاَلَتَیْنِ، أی: لم یکن دلیل الْحُجِّیَّهِ ابتداءً مُخْتَصّاً بِالدَّلاَلَهِ الاِلْتِزَامِیَّهِ وَإِنَّمَا سقط کشف الدِّلاَلَه الْمُطَابَِقِیَّه بسبب وجود المعارض أو بسبب العلم بخطئها وعدم مطابقتها للواقع، أو لأی سبب آخر من هذا القبیل، فهنا نقول بتبعیه الدِّلاَلَه الاِلْتِزَامِیَّه لها فِی الْحُجِّیَّه، أَمَّا إذا لم یکن مُقْتَضِی الْحُجِّیَّه أصلاً شاملاً لکلتا الدَّلاَلَتَیْنِ، بل کان دلیل الْحُجِّیَّه ابتداءً مُخْتَصّاً بِالدَّلاَلَهِ الاِلْتِزَامِیَّهِ، کما فِی ما نحن فیه، حیث أن دلیل الْحُجِّیَّه إِنَّمَا دَلَّ عَلَیٰ حُجِّیَّه الخبر عن الحکم الشَّرْعِیّ، وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ الدِّلاَلَه الْمُطَابَِقِیَّه هنا لیست إخبارا عن الحکم الشَّرْعِیّ، وَإِنَّمَا الدِّلاَلَه الاِلْتِزَامِیَّه هی الإخبار عَنِ الْحُکْمِ الشَّرْعِیّ، فمقتضی الْحُجِّیَّه هنا مُخْتَصّ بالدِّلاَلَه الاِلْتِزَامِیَّه، فلا یجری فِی المقام القول بِالتَّبَعِیَّهِ. إذن، فَلاَ یُتَوَهَّمُ أنَّ حُجِّیَّهَ خَبَرِ الثِّقَهِ النَّاقِلِ لِلسِّیرَهِ المعاصره للمعصوم علیه السلام فِی المقام مَبْنِیَّهٌ عَلَیٰ القول بِحُجِّیَّهِ خَبَر الثِّقَهِ فِی الموضوعات؛ نَظَراً إلی أنَّ الإخبار الَّذِی هو حجهٌ إِنَّمَا هو الإخبار عَنِ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ، والخبر المذکور النَّاقِل لِلسِّیرَهِ لَیْسَ إخباراً عَنِ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ إلا بدلالته الاِلْتِزَامِیَّهِ، وهی تابعه لِلدَّلاَلَهِ الْمُطَابَِقِیَّهِ فِی الْحُجِّیَّهِ، وبما أَنَّ الدِّلاَلَهَ الْمُطَابَِقِیَّهَ لهذا الخبر النَّاقِل لِلسِّیرَهِ عباره عن الإخبار عن الْمَوْضُوع، فبناءً عَلَیٰ حُجِّیَّه الخبر فِی الموضوعات تَتُِمّ حُجِّیَّه هذا الخبر وَإلاَّ فلا؛ فَإِنَّ هذا التوهم لَیْسَ بصحیح، لما عرفت من أن تبعیه الدِّلاَلَه الاِلْتِزَامِیَّه لِلدَّلاَلَهِ الْمُطَابَِقِیَّهِ فِی الْحُجِّیَّه لا تجری فیما لو کان دلیل الْحُجِّیَّه ابتداءً مُخْتَصّاً بِالدَّلاَلَهِ الاِلْتِزَامِیَّهِ کما فِی المقام؛ فالخبر المذکور النَّاقِل لِلسِّیرَهِ وإن لم یکن إخباراً عَنِ الْحُکْمِ الشَّرْعِیّ إلا بدلالته الاِلْتِزَامِیَّه، إلا أنَّ هذه الدِّلاَلَهَ الاِلْتِزَامِیَّهَ غیر تابعه لِلدَّلاَلَهِ الْمُطَابَِقِیَّه فِی الْحُجِّیَّه کی تبتنی الْحُجِّیَّه فِی المقام عَلَیٰ الْحُجِّیَّه فِی باب الموضوعات؛ لأَنَّ دلیل الْحُجِّیَّه ابتداءً مُخْتَصّ بِالدَّلاَلَهِ الاِلْتِزَامِیَّهِ لهذا الخبر؛ لأنها الإخبار عَنِ الْحُکْمِ الشَّرْعِیِّ.

ص: 252

وَأَمَّا دلالته الْمُطَابَِقِیَّه فبما أنها لیست إخباراً عَنِ الْحُکْمِ، فمقتضی الْحُجِّیَّه غیر متوفر فیها، فلا تجری التَّبَعِیَّه، وبانتفائها ینتفی ابتناء المسأله هنا عَلَیٰ مسأله حُجِّیَّه الخبر فِی الموضوعات.

وکیفما کان، فلنرجع إلی ما کنّا بصدده، فقد قلنا: إن خَبَر الثِّقَهِ النَّاقِل لِلسِّیرَهِ المعاصره للمعصوم إن کان مشمولاً لدلیل الْحُجِّیَّه، فَحِینَئِذٍ تثبت به السِّیرَه تَعَبُّداً، ویکون طریقاً صحیحاً لإثبات السِّیرَه.

ولا یقدح فِی حُجِّیَّه نقل سیره أصحاب الأئمه علیهم السلام مِنْ قِبَلِ الأصحاب (کالشیخ الطوسی رحمه اللَه وغیره) ما نراه منهم من التسامح فِی نقلهم للإجماع؛ فَإِنَّ تلک التسامحات الَّتِی ثبت وجودها کثیراً فِی کلمات أصحابنا فِی الإجماعات المنقوله إِنَّمَا یُلحظ وجودها فِی مقام نقل فتاوی الأصحاب ورأی فقهاء عصر الغیبه.

أَمَّا فِی مقام نقل سیره المتشرعه وأصحاب الأئمه علیهم السلام فلم یثبت بناؤهم عَلَیٰ التسامح فِی نقلها؛ فالناقلون للإجماعات المنقوله ثبت التسامح منهم فِی نقلها، أَمَّا الناقلون لِلسِّیرَهِ المتشرعه وأصحاب الأئمه فلم یثبت تسامحهم فِی نقلها؛ لأَنَّ نقلها إِنَّمَا هو إخبار عن عمل خارجی لا عن رأی ونظر فِی مسأله علمیه کی یکتفی النَّاقِل فِی مقام تحصیل الآراء والفتاوی الموافقه لفتواه عَلَیٰ مجرد توفّر الدَّلِیل علیها واقتضائها لها.

إذن، فحینما یقول الشیخ رحمه اللَه: «استقر بناء أصحاب الأئمه والمتشرعه فِی حیاتهم جیلاً بعد جیل عَلَیٰ الْعَمَل بأخبار الثقات» یُحمل کلامه عَلَیٰ ظاهره ویُؤخذ به.

هذا تمام الکلام فِی الطریق الثَّانِی، وقد عرفت تمامیّتَهُ بِالنَّحْوِ الَّذِی ذکرناه.

الطریق الثَّالِث: إثبات السِّیرَه المعاصره للمعصومین علیهم السلام عن طریق القول بأن المسأله الَّتِی یُرَاد إثبات السِّیرَه فیها إذا کانت أوَّلاً: من المسائل الداخله عادهً فِی محل الابتلاء بها کثیراً لدی النَّاس والمتدیّنین وَثَانِیاً کان السلوک الَّذِی یُرَاد إثبات انعقاد السِّیرَه علیه فِی المقام نحو سلوکٍ لا یوجد مبرّر لعدم الالتزام به، أی: لم یکن ذاک السلوک سلوکاً خلافه من الواضحات لدی النَّاس والمتشرعه، وثالثاً لم یکثر السؤال والجواب فِی المسأله فِی المجامیع الروائیه، هنا یَتُِمّ هذا الطریق الثَّالِث، وإن لَمْ تَتَوَفَّرْ هذه الشروط لا یَتُِمّ هذا الطریق الثَّالِث، سیأتی شرح هذه الشروط فِی البحث القادم إن شاء الله تعالی.

ص: 253

السِّیرَه/دلاله التقریر/الدَّلِیل الشَّرْعِیّ غیر اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول بحث الأصول

العنوان: السِّیرَه/دلاله التقریر/الدَّلِیل الشَّرْعِیّ غیر اللفظی/الدلیل الشرعی/الأدله المحرزه/علم الأصول

الطریق الثَّالِث: إثبات السِّیرَه المعاصره للمعصومین علیهم السلام عن طریق القول بأن المسأله الَّتِی یُرَاد إثبات السِّیرَه فیها إذا کانت أوَّلاً: من المسائل الداخله عادهً فِی محل الابتلاء بها کثیراً لدی النَّاس والمتدیّنین وَثَانِیاً کان السلوک الَّذِی یُرَاد إثبات انعقاد السِّیرَه علیه فِی المقام نحو سلوکٍ لا یوجد مبرّر لعدم الالتزام به؛ إذ لَیْسَ خلافه من الواضحات لدی النَّاس والمتشرعه ولم یکثر السؤال والجواب فِی المسأله فِی ما بأیدینا من الروایات والنصوص، فَحِینَئِذٍ یستکشف فِی مثل ذلک أن ذاک السلوک کان ثابتاً فِی زمان الْمَعْصُوم علیه السلام أَیْضاً وکانت السِّیرَه منعقده علیه، وَإلاَّ لزم إما أن یکثر السؤال عنه ویأتی الجواب فیه من الْمَعْصُوم علیه السلام وَإِمَّا أَنْ یَکُونُ خلافه من الواضحات لدی النَّاس عادهً، بحیث یکون هناک مبرِّر لانصرافهم عنه وعدم التزامهم به، وکلاهما خلف.

فَمَثَلاً إذا فرض الاِسْتِدْلاَل بِالسِّیرَهِ عَلَیٰ الْعَمَل بخبر الثِّقَه وأرید إثبات السِّیرَه المعاصره للمعصوم عَلَیٰ ذلک عن هذا الطریق فیقال: بما أن المسأله کانت واقعه فِی محل ابتلاء أصحاب الأئمه علیه السلام کثیراً، ولم یکن هناک ما یبرر انصراف النَّاس عن الْعَمَل بخبر الثِّقَه (بقطع النَّظَر عن الشرع) باعتبار أن عدم حجیّته لَیْسَ من الأمور الواضحه بحسب الطباع الْعُقَلاَئِیَّه بحیث لا تحتاج إلی السؤال عن حُجِّیَّتُه، ولم تکثر فِی الأَدِلَّه والنصوص الصادره من المعصومین علیهم السلام الأسئله والأجوبه حول هذه المسأله، فَحِینَئِذٍ یثبت أن الْعَمَل بخبر الثِّقَه کان هو المتَّبَع والثابت آنذاک؛ لأَنَّ الأمر لا یخلو من أحد فرضین:

1)- فإما أن حُجِّیَّه خَبَر الثِّقَهِ کان من الواضحات عندهم، فلذا لم یکثر السؤال والجواب عنها، فیثبت المطلوب.

ص: 254

2)- وَإِمَّا أنها لم تکن من الواضحات عندهم فکان ینبغی إذن أن یکثر السؤال والجواب فِی المسأله؛ لأَنَّهَا محل الابتلاء کثیراً ولیس عدم الْحُجِّیَّه من الواضحات حسب الفرض، فإذا رأینا أن المسأله لم یکثر فیها السؤال والجواب بل ورد فیها ما یَدُلّ عَلَیٰ الْحُجِّیَّه نستکشف من ذلک کون الْحُجِّیَّه من الواضحات عندهم وأنهم کانوا یعملون بأخبار الثقات.

وَالْحَاصِلُ أَنَّه کلما کان لعدم قیام السِّیرَه المعاصره للمعصوم علیه السلام عَلَیٰ أمر من الأمور لازم، وکان هذا اللازم منتفیاً وجداناً، ثبت قیام السِّیرَه آنذاک عَلَیٰ ذاک الأمر.

ولنوضّح ذلک فِی مثال آخر: لنفرض أننا نرید أن نثبت أن السِّیرَه المعاصره للأئمه علیهم السلام کانت قائمه عَلَیٰ الاجتزاء والاکتفاء فِی الوضوء بالمسح ببعض الکف، فنقول: إن السِّیرَه آنذاک إما أنها کانت منعقده حَقّاً عَلَیٰ ذلک، فهذا بنفسه یکون دلیلا عَلَیٰ عدم وجوب المسح بتمام الکلف لدی مَن یحاول الاستعلام عن حکم المسأله، فیُغنیه عن السؤال ما دام یریٰ أن سیره المتشرعه قد انعقدت عَلَیٰ المسح ببعض الکف؛ إذ لا یَحتمل حِینَئِذٍ وجوب المسح بتمام الکف. إذن، فیثبت المطلوب.

وَإِمَّا أن السِّیرَه آنذاک لم تکن منعقده عَلَیٰ ذلک وکان السلوک الْعَمَلِیّ لکثیر من المتشرعه هو المسح بتمام الکف، فهذا یعنی أن استعلام حکم المسأله ینحصر بالسؤال من المعصومین علیهم السلام أو الرجوع إلی روایاتهم؛ لأَنَّ مسح المتشرعه بتمام الکفّ لا یَدُلُّ عَلَیٰ وُجُوبِ هذا المسح؛ فَلَعَلَّهُ مستحب.

وَحَیْثُ أَنَّ المسأله محل الابتلاء لعموم أفراد المکلفین، ووجوب المسح بتمام الکف یستبطن عادهً عنایهً فائقه تحفّز عَلَیٰ السؤال، فمن الطبیعی أن تکثر الأسئله فِی هذا المجال وتکثر الأجوبه تبعاً لذلک. وفی هذه الحاله یکون المفروض عادهً وصول مقدار من هذه الأسئله والأجوبه إلینا عَلَیٰ أقل تقدیر، لاستبعاد اختفائها مع توفّر الدواعی عَلَیٰ نقلها وعدم وجود ما یبرّر إخفاءها أو اختفاءها. فإذا لم یصل إلینا ذلک تعرف أَنَّهُ لم تکن هناک أسئله وأجوبه کثیره. وَبِالتَّالِی لم تکن هناک حاجه إلی استعلام حکم المسأله عن طریق السؤال من المعصومین، وهذا یعیّن افتراض قیام السِّیرَه عَلَیٰ الاکتفاء بالمسح ببعض الکف، فهذا الاستدلال (کما لاحظنا) متوقف عَلَیٰ أَنْ تَکُونَ المسأله محل ابتلاء عَامَّه النَّاس، وأن یکون الحکم المقابل (کوجوب المسح بتمام الکف فِی المثال) مقتضیاً لسلوکٍ لا یقتضیه الطبع بنفسه، وأن تتوفر الدواعی عَلَیٰ نقل ما یرد فِی حکم المسأله، وأن لا توجد مبرّرات للإخفاء والاختفاء، وأن لا یصل شیء معتدّ به من الروایات وفتاوی المتقدمین فِی هذا المجال لإثبات الحکم المقابل.

ص: 255

فهذا الطریق الثَّالِث إذن یتقوّم بشروط عدیده بعضها شروط عَامَّه جاریه فِی جمیع الموارد الَّتِی یُرَاد التَّمَسُّک فیها بهذا الطریق لإثبات السِّیرَه المعاصره، وبعضها شروط خاصه لبعض الموارد لخصوصیه فِی تلک الموارد، ولکن لا یمکن ضبط تلک الشروط الخاصه، وَإِنَّمَا یکفی غالباًً توفّر الشروط العامّه فِی حصول العلم لنا بِالسِّیرَهِ المعاصره، وتلک الشروط العامه یمکن حصرها وضبطها فِی أربعه شروط کما یلی:

الشَّرْط الأَوَّل: أَنْ یَکُونَ الحکم الَّذِی یُرَاد إثباته من خلال السِّیرَه حُکْماً فَرْدِیّاً، أَمَّا إذا کان حُکْماً اِجْتِمَاعِیّاً راجعا إلی ولی الأمر فلا یَتُِمّ الطریق المذکور