المعجم فی فقه لغه القرآن و سر بلاغته المجلد 2

اشارة

عنوان و نام پديدآور : المعجم فی فقه لغه القرآن و سر بلاغته/ اعداد قسم القرآن لمجمع البحوث الاسلامیه؛ بارشاد و اشراف محمد واعظ زاده الخراسانی.

مشخصات نشر : مشهد: بنیاد پژوهشهای اسلامی، 1419ق. = -1377.

مشخصات ظاهری : ج.

فروست : الموسوعة القرآنیة الکبری.

شابک : دوره 964-444-179-6 : ؛ دوره 978-964-444-179-0: ؛ 1430000 ریال (دوره، چاپ دوم) ؛ 25000 ریال: ج. 1 964-444-180-X : ؛ 30000 ریال: ج. 2 964-444-256-3 : ؛ 32000 ریال: ج. 3 964-444-371-3 : ؛ 67000 ریال (ج. 10) ؛ ج.12 978-964-971-136-2 : ؛ ج.19 978-600-06-0028-0 : ؛ ج.21 978-964-971-484-4 : ؛ ج.28 978-964-971-991-7 : ؛ ج.30 978-600-06-0059-4 : ؛ 1280000 ریال: ج.36 978-600-06-0267-3 : ؛ 950000 ریال: ج.37 978-600-06-0309-0 : ؛ 1050000 ریال: ج.39 978-600-06-0444-8 : ؛ 1000000 ریال: ج.40 978-600-06-0479-0 : ؛ ج.41 978-600-06-0496-7 : ؛ ج.43 978-600-06-0562-9 :

يادداشت : عربی.

يادداشت : جلد سی و ششم تا چهلم باشراف جعفر سبحانی است.

يادداشت : جلد سی و ششم با تنقیح ناصر النجفی است.

يادداشت : جلد سی و هفتم تا چهل و سوم با تنقیح علیرضا غفرانی و ناصر النجفی است.

يادداشت : مولفان جلد چهل و یکم ناصر نجفی، محمدحسن مومن زاده، سیدعبدالحمید عظیمی، سیدحسین رضویان، علی رضا غفرانی، محمدرضا نوری، ابوالقاسم حسن پور، سیدرضا سیادت، محمد مروی ...

يادداشت : ج. 2 (چاپ اول: 1420ق. = 1378).

يادداشت : ج. 3 (چاپ اول: 1421ق. = 1379).

يادداشت : ج.3 (چاپ دوم: 1429ق. = 1387).

يادداشت : ج. 10 (چاپ اول: 1426ق. = 1384).

يادداشت : ج.21 (چاپ اول: 1441ق.=1399) (فیپا).

يادداشت : ج.36 (چاپ دوم : 1440ق.=1398)(فیپا).

يادداشت : ج.37 (چاپ اول : 1440ق.=1397)(فیپا).

يادداشت : ج.39 (چاپ اول: 1441ق.=1399) ( فیپا).

يادداشت : ج.40 - 41(چاپ اول: 1442ق.= 1399) (فیپا).

يادداشت : جلد دوازدهم تا پانزدهم این کتاب در سال 1398 تجدید چاپ شده است.

يادداشت : ج.19 و 28 و 30 ( چاپ دوم: 1442ق = 1400 ) (فیپا).

يادداشت : ج.21 (چاپ دوم: 1399).

يادداشت : ج.38 (چاپ دوم: 1399).

يادداشت : ج.30 (چاپ دوم: 1399).

يادداشت : ج.29 (چاپ دوم: 1399).

يادداشت : ج.12 (چاپ چهارم: 1399).

يادداشت : ج.32 (چاپ دوم: 1399).

مندرجات : ج.3. ال و - ا ن س

موضوع : قرآن -- واژه نامه ها

Qur'an -- Dictionaries

موضوع : قرآن -- دایره المعارف ها

Qur'an -- Encyclopedias

شناسه افزوده : واعظ زاده خراسانی، محمدِ، 1385-1304.

شناسه افزوده : سبحانی تبریزی، جعفر، 1308 -

شناسه افزوده : Sobhani Tabrizi, Jafar

شناسه افزوده : نجفی، ناصر، 1322 -

شناسه افزوده : غفرانی، علیرضا

شناسه افزوده : بنیاد پژوهشهای اسلامی. گروه قرآن

شناسه افزوده : بنیاد پژوهش های اسلامی

رده بندی کنگره : BP66/4/م57 1377

رده بندی دیویی : 297/13

شماره کتابشناسی ملی : 582410

اطلاعات رکورد کتابشناسی : فیپا

ص: 1

اشارة

ص: 2

ص: 3

ص: 4

المؤلفون

الأستاذ محمّد واعظزاده الخراسانيّ

الدّكتور هادي حسن حمّودي

ناصر النّجفيّ

قاسم النّوريّ

محمّد حسن مؤمن زاده

حسين خاك شور

السيّد عبد الحميد عظيمي

السيّد جواد سيّدي

السيّد حسين رضويان

علي رضا غفرانى

و قد فوّض عرض الآيات و ضبطها إلى أبي الحسن الملكيّ و محمّد الملكوتيّ، و مقابلة النّصوص إلى محمّد جواد الحويزيّ و عبد الكريم الرّحيميّ في هذه الطّبعة،و تنظيم الجداول في لفظ الجلالة إلى أبي الفضل خوشمنش.و تنضيد الحروف إلى حسين الطّائيّ.

ص: 5

ص: 6

المحتويات

مقدّمة الطّبعة الثّانية 9

المقدّمة 11

أذي 13

أرب 45

أرض 61

أرك 201

أرم 211

أزر 227

أزز 239

أزف 247

إستبرق 257

إسحاق 269

أ س ر 279

إسرائيل 299

أ س س 313

أ س ف 321

إسماعيل 337

أ س ن 359

أ س و 367

أ س ي 381

أش ر 391

أ ص د 401

أ ص ر 411

أ ص ل 427

أف ف 445

أ ف ق 461

أ ف ك 475

أ ف ل 503

أ ق ت 515

أ ك ل 517

أ ل ت 595

أ ل ف 605

أ ل ل 655

أ ل م 671

أ ل ه 683

الأعلام المنقول عنهم بلا واسطة و أسماء كتبهم 999

الأعلام المنقول عنهم بالواسطة 1005

ص: 7

ص: 8

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

مقدّمة الطّبعة الثّانية

الحمد للّه على ما هدانا و الشّكر له على ما أولانا بنعمائه،و وفّقنا للخوض في أسرار كتابه بتقديم هذا المعجم و هذه الموسوعة القرآنيّة الكبرى الّتي لا نظير لها بين المؤلّفات القرآنيّة.و هذا ما اعترف به كلّ من نظر فيها و تتبّع مزاياها.

و ها نحن بدأنا بتجديد طبع المجلّد الأوّل و الثّاني من المعجم-و لم يتمّ تأليفه و نحن في وسط الطّريق-مع إكمال و تصحيح و تبديل فيهما.و من جملتها في هذا المجلّد و ما يتلوه من المجلّدات إضافة نصوص السّيّد فضل اللّه،و إيراد نصوص ابن سيده من كتابه«المحكم»بعد أن كنّا نحكيها عن غيره.

نسأل اللّه تبارك و تعالى مزيد التّوفيق و دوام التّسديد.و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم.

محمّد واعظزاده الخراسانيّ

مدير قسم القرآن في مجمع البحوث الإسلاميّة

بالآستانة المقدّسة الرّضويّة

ص: 9

ص: 10

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

المقدّمة

نحمد اللّه تعالى و نشكره على أن وفّقنا لتقديم المجلّد الثّاني من الموسوعة القرآنيّة الكبرى«المعجم في فقه لغة القرآن و سرّ بلاغته»إلى عشّاق علوم القرآن و المختصّين بمعرفة لغاته و أسرار بلاغته.و اشتمل هذا الجزء على شرح(33)كلمة قرآنيّة ابتداء من«أذي»و انتهاء ب«أ ل ه»الّتي ضمّت نصوصا و بحوثا و إحصاءات وافية حول لفظ الجلالة الّذي هو أكثر الأعلام بل الألفاظ القرآنيّة عددا سوى الضّمائر و الحروف فنسأل اللّه عزّ و جلّ أن يدوم و يستمرّ العمل إلى آخر المطاف و أن يكمل و يتمّ نعمته علينا و على الباحثين إنّه خير معين و بالإجابة جدير.

محمّد واعظزاده الخراسانيّ

مدير قسم القرآن في مجمع البحوث الإسلاميّة

بالآستانة المقدّسة الرّضويّة

ص: 11

ص: 12

ادامة حرف(أ)

أذي

اشارة

14 لفظا،24 مرّة:3 مكّيّة،21 مدنيّة

في 10 سور:4 مكّيّة،6 مدنيّة

الأذى 1:-1

أذى 7:-7

أذاهم 1:1

آذوا 1:-1

آذيتمونا 1:1

أوذي 1:-1

أوذوا 2:1-1

أوذينا 1:1

يؤذي 1:-1

يؤذون 4:-4

يؤذين 1:-1

تؤذوا 1:-1

تؤذونني 1:-1

آذوهما 1:-1

.....

النّصوص اللّغويّة

الخليل: الأذى:كلّ ما تأذّيت به،و رجل أذيّ، أي شديد التّأذّي،و أذي يأذى أذى.(8:206)

ابن شميّل: أذيّ الماء:الأطباق الّتي تراها ترفعها من متنه الرّيح دون الموج.(الأزهريّ 15:54)

الأمويّ: بعير أذ،و ناقة أذية،إذا كانا لا يقرّان في مكان واحد،عن غير وجع و لكن خلقة.

(الأزهريّ 15:51)

ابن السّكّيت: آذاني و أذيت أنا منه،و هي الأذيّة.(269)

ابن دريد: الآذيّ:الموج.و الأذى مقصور، و أذيت بالشّيء آذى أذى شديدا.(1:175)

يقال:أذيت آذى،و أذي فلان بالشّيء يأذى به.(2:281)

الأزهريّ: في الحديث:«أميطوا عنه الأذى»يعني الشّعر الّذي يكون على رأس المولود حين يولد.

يقال:آذيته إيذاء و أذيّة.و قد تأذّيت به تأذّيا.

و أذيت آذى أذى.(15:51،52)

الخطّابيّ: الأذى:الشّرّ الخفيف،فإن زاد فهو ضرر.(الزّبيديّ 10:13)

الجوهريّ: آذاه يؤذيه إيذاء،فأذي هو أذى و أذاة و أذيّة.و تأذّيت به.

و الآذيّ:موج البحر،و الجمع:الأواذيّ.

(6:2266)

ص: 13

مثله الرّازيّ.(12)

ابن فارس: الهمزة و الذّال و الياء أصل واحد، و هو الشّيء تتكرّهه و لا تقرّ عليه،تقول:آذيت فلانا أوذيه.و يقال:بعير أذ و ناقة أذية،إذا كان لا يقرّ في مكان من غير وجع،و كأنّه يأذى بمكانه.(1:78)

الهرويّ: في حديث الإيمان:«و أدناها إماطة الأذى عن الطّريق»أي تنحيته،يعني الشّوك و الحجر،و ما أشبه ذلك ممّا يتأذّى به المارّ فيه.(1:34)

ابن سيده: أذي به أذى،و تأذّى؛و الاسم:

الأذيّة،و الأذاة.

و رجل أذيّ:شديد التّأذّي.

و بعير أذ،و ناقة أذية:لا تستقرّ في مكان،من غير وجع،و لكن خلقة،كأنّها تشكو الأذى.

و الأذيّ-من النّاس و غيرهم-كالأذي، بالتّخفيف.

و قد يكون الأذيّ:المؤذي.

و قد آذيته.و آذى الرّجل:فعل الأذى.و في حديث النّبيّ-صلى اللّه عليه و سلم-للّذي تخطّى رقاب النّاس يوم الجمعة:

«رأيتك آذيت،و آنيت».

و الآذيّ:الموج.

و إذا،و إذ:ظرفان من الزّمان.فإذا:لما يأتي،و إذ:لما مضى،و هي محذوفة من إذا.

و إنّما قضينا على هذا بالياء،لأنّها لام،على ما تقدّم.[و استشهد بالشّعر ثلاث مرّات](10:121)

الطّوسيّ: الأذى:كلّما تأذّيت به.و رجل آذ،إذا كان شديد التّأذّي،تقول:آذى يؤاذي أذى،و أصله:

الضّرر بالشّيء.(2:158)

مثله الطّبرسيّ.(1:290)

الأذى:ضرر يجده صاحبه في حاله،يقال:آذاه يؤذيه أذى،و تأذّى به تأذّيا،و أكثر ما يقال في الضّرر القليل،و يقال أيضا:آذاه أذى عظيما.(6:280)

الرّاغب: الأذى:ما يصل إلى الحيوان من الضّرر إمّا في نفسه أو في جسمه أو تبعاته،دنيويّا كان أو أخرويّا،قال تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى البقرة:264،قوله تعالى: فَآذُوهُما...

النّساء:16،إشارة إلى الضّرب،و نحو ذلك في سورة التّوبة:61،يقال:آذيته أوذيه إيذاء و أذيّة و أذى، و منه الآذيّ،و هو الموج المؤذي لركّاب البحر.(15)

الزّمخشريّ: أعوذ باللّه من جارة بذيّة،تغادي و تراوح بأذيّة.و تقول:اركب الآذيّ،تشرب الماذيّ.

(أساس البلاغة:4)

في الحديث:«كلّ مؤذ في النّار»يريد أنّ كلّ ما يؤذي من الحشرات و السّباع و غيرها يكون في نار جهنّم عقوبة لأهلها.و قيل:هو وعيد لمن يؤذي النّاس.(الفائق 1:32)

الطّبرسيّ: الأذى:ضرر يتعجّل وصوله إلى المضرور.(1:374)

أذى مقصور،يقال:أذي فلان يأذى أذى،مثل:

فزع يفزع فزعا.(2:102)

ابن برّيّ: [قال الجوهريّ:]«آذاه يؤذيه أذى و أذاة و أذيّة،و تأذّيت به»صوابه آذاني إيذاء.فأمّا

ص: 14

أذى فمصدر أذي أذى.و كذلك أذاة و أذيّة،يقال:

أذيت بالشّيء آذى أذى و أذاة و أذيّة.

(ابن منظور 14:27)

ابن الأثير: في حديث ابن عبّاس في تفسير قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ الأعراف:172،قال:كأنّهم الذّرّ في آذيّ الماء.الآذيّ،بالمدّ و التّشديد:الموج الشّديد،و يجمع على أواذيّ.و منه خطبة عليّ:«تلتطم أواذيّ أمواجها».

(1:34)

ابن منظور: الأذيّ من النّاس و غيرهم كالأذي، و قد يكون الأذي المؤذيّ.و قوله عزّ و جلّ: وَ دَعْ أَذاهُمْ الأحزاب:48،تأويله أذى المنافقين لا تجازهم عليه إلى أن تؤمر فيهم بأمر.

و آذى الرّجل:فعل الأذى.و منه قوله صلى اللّه عليه و سلم للّذي تخطّى رقاب النّاس يوم الجمعة:«رأيتك آذيت و آتيت».(14:27)

الفيّوميّ: أذي الشّيء أذى من باب تعب،بمعنى قذر.قال اللّه تعالى: قُلْ هُوَ أَذىً البقرة:222،أي مستقذر.

و أذي الرّجل أذى:وصل إليه المكروه،فهو أذ مثل عم.و يعدّى بالهمزة،فيقال:آذيته إيذاء.و الأذيّة اسم منه،فتأذّى هو.(1:10)

مثله الطّريحيّ.(1:24)

الفيروزآباديّ: أذي به-كبقي بالكسر-أذى، و تأذّى.و الاسم الأذيّة و الأذاة،و هي المكروه اليسير.

و الأذيّ كغنيّ:الشّديد التّأذّي،و يخفّف،و الشّديد الإيذاء،ضدّ.

و الآذيّ:الموج.

و آذى:فعل الأذى،و صاحبه أذى و أذاة و أذيّة، و لا تقل:إيذاء.

و ناقة أذية مخفّفة،و بعير أذ:لا يقرّ في مكان،بلا وجع و لا مرض،بل خلقة.(4:300)

رشيد رضا: الأذى:ما يؤلم الحيّ المدرك في بدنه أو في نفسه و لو ألما خفيفا،يقال:أذي الإنسان كرضي بكذا أذى،و تأذّى تأذّيا،إذا أصابه مكروه يسير،كذا قالوا.

و آذى غيره إيذاء،و أنكر الفيروزآباديّ لفظ الإيذاء و إن كان هو القياس،لأنّه لم يسمع من العرب إلاّ الأذى و الأذاة و الأذيّة،و ربّما يشهد له قوله تعالى:

لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً. آل عمران:111،لأنّه من آذى المتعدّي بنفسه لا من أذي اللاّزم،إلاّ أن يقال:إنّه اسم مصدر.

و تقييدهم للأذى بالمكروه اليسير غير مسلّم على إطلاقه،فالظّاهر أنّه يطلق على اليسير و الخفيف و على الشّديد.و قوله تعالى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً من الأوّل،لأنّه مستثنى من الضّرر،و مثله ما ورد في الأذى من المطر،و أذى الرّأس من القمل.و من الثّاني قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهُ فِي الدُّنْيا... الأحزاب:57، وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ... الأحزاب:58.(10:516)

مجمع اللّغة:1-الأذى:ما يصل إلى الكائن الحيّ من الضّرر حسّا أو معنى.

ص: 15

2-و آذيته إيذاء و أذيّة:ألحقت به أذى.(1:34)

محمّد إسماعيل إبراهيم: أذي أذاة:أصابه أذى، و آذى الرّجل إيذاء:أوصل إليه الأذى،و تأذّى:أثّر فيه الأذى.و الأذى:الضّرر حسّا و معنى.(35)

حجازيّ: الأذى:ما يؤلم الإنسان في نفسه أو ماله أو بدنه،قليلا كان أو كثيرا.(10:57)

محمود شيت: 1-أذي أذى،و أذاة،و أذيّة:

قذر.و أذي:أصابه أذى.و يقال:أذي بكذا:تضرّر به و تألّم منه،فهو أذ.

ب-آذاه إيذاء:أصابه بأذى.

ج-تأذّى به:أذي.

د-الآذيّ:الموج الشّديد،جمعه:أواذيّ.

ه-الأذى:الضّرر غير الجسيم،قال تعالى:

لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً... آل عمران:111، و الأذى:العيب.

و-الأذاة:الأذى.

ز-الأذي:شديد التّأذّي.

ح-الأذيّ:الشّديد التّأذّي.

ط-الأذيّة:الأذى.

2-أ-الآذيّ:الموج الشّديد،يقال:أصيب الأسطول بالآذيّ.

ب-أذي الجيش في المعركة:تضرّر و أصيب بالخسائر.(1:41)

العدنانيّ: أذي أذى،و أذاة،و أذيّة،آذاه إيذاء.

و يخطّئون من يقول:آذاه إيذاء،و يقولون:إنّ الصّواب هو:آذاه أذى و أذاة و أذيّة،اعتمادا على المختار، و القاموس،و محيط المحيط.

و لكن:

1-ذكر التّاج،و المعجم الكبير أنّ أذى و أذاة و أذيّة هي مصادر للفعل اللاّزم«أذي بالشّيء»لا للفعل المتعدّي «آذاه».

2-أجاز آذاه إيذاء:

أ-معجم ألفاظ القرآن الكريم:آذيته إيذاء و أذيّة.

ب-و التّهذيب.

ج-و الصّحاح:آذاه يؤذيه إيذاء،فأذي هو أذى و أذاة و أذيّة.

د-و مفردات الرّاغب الأصفهانيّ:آذاه إيذاء و أذيّة و أذى.

ه-و ابن برّيّ،و اللّسان،و المدّ:الصّواب:آذاني إيذاء.فأمّا أذى فمصدر أذي أذى،و كذلك أذاة و أذيّة،يقال:أذيت بالشّيء آذى أذى و أذاة و أذيّة،فأنا أذ.

و-و المصباح.

ز-و شفاء الغليل:وقعت في كلام الثّقات،و هي صحيحة قياسا.

ح-و محمّد الفاسيّ:القياس يقتضي:آذاه إيذاء.

ط-و التّاج.

ي-و أقرب الموارد.

ك-و المتن:لا تقل إيذاء أو يقال.

ل-و المعجم الكبير«لازم و متعدّ»:1-آذى فلان:

فعل الأذى.2-أذى فلانا:أوصل إليه الأذى.

ص: 16

م-و المعجم الوسيط:1-أذي فلان يأذى أذى و أذاة و أذيّة:أصابه أذى.و يقال:أذي بكذا:

تضرّر به و تألّم منه،فهو أذ.2-آذاه إيذاء:

أصابه بأذى.(10)

المصطفويّ: الأصل الواحد في هذه المادّة هو ما يتكرّه و ما لا يلائم،فالإيذاء إيصال ما يكرهه.

و التّأذّي الحالة الحاصلة من وصول المكروه،و كذلك الأذى مصدرا كالتّعب.ثمّ استعملت هذه الكلمة فيما يتأذّى به.

وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ دَعْ أَذاهُمْ...

الأحزاب:48،مصدرا،أي أن يتأذّوا؛و اسما،أي دع ما يتكرّهوه. يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً... البقرة:222،أي أنّه أمر يتكرّه فاعتزلوهنّ.

لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى البقرة:

264،بما يؤذيهم و يتكرّهون.

أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ الأحزاب:59،حتّى لا يصل إليهنّ ما يكرهنه.

إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ الأحزاب 57،يوجبون التّأذّي و التّكرّه.(1:53)

النّصوص التّفسيريّة

الاذى

لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى...

البقرة:264

ابن عبّاس: بالمنّ على اللّه و الأذى للفقير.

(النّيسابوريّ 3:45)

الهرويّ :الأذى هو ما يسمعه من المكروه.

(1:33)

الغزاليّ: اختلفوا في حقيقة المنّ و الأذى،فقيل:

المنّ أن يذكرها،و الأذى أن يظهرها.

و قيل:المنّ أن يستخدمه بالعطاء،و الأذى أن يعيّره بالفقر.

و قيل:المنّ أن يتكبّر عليه لأجل عطائه،و الأذى أن ينتهره أو يوبّخه بالمسألة.(القاسميّ 3:698)

شوقي ضيف: الأذى:التّقريع و التّنديد و التّعرّض للمسكين بمثل:ما أكثر إلحاحك،و متى لا نراك،و نحو ذلك.(سورة الرّحمن و سور قصار:360)

اذى

1- فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ... البقرة:196

عطاء:القمل و غيره،و الصّداع،و ما كان في رأسه.(الطّبريّ 2:228)

الطّبريّ: أمّا الأذى الّذي يكون إذا كان برأس الإنسان خاصّة له حلقه،فنحو الصّداع و الشّقيقة و ما أشبه ذلك،و أن يكثر صئبان الرّأس،و كلّ ما كان للرّأس مؤذيا ممّا في حلقه صلاحه،و رفع المضرّة الحالّة به،فيكون ذلك له بعموم قول اللّه جلّ و عزّ:

أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ. (2:230)

الزّمخشريّ: هو القمل أو الجراحة،فعليه إذا احتلق فدية.(1:344)

مثله الطّريحيّ(1:24)،و الآلوسيّ(2:82)،

ص: 17

و رشيد رضا(2:222).

البروسويّ: أيّ ألم كائن من رأسه،كجراحة أو قمل أو صداع أو شقيقة.(1:311)

الطّباطبائيّ: الإتيان بقوله: أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ، بلفظة(أو)التّرديد،يدلّ على أنّ المراد بالأذى ما كان من غير طريق المرض كالهوامّ،فهو كناية عن التّأذّي من الهوامّ،كالقمل على الرّأس.(2:76)

2- وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً...

البقرة:222

مجاهد: الأذى:الدّم.(الطّبريّ 2:382)

عطاء: أي قذر.

مثله قتادة،و السّدّيّ.(الفخر الرّازيّ 6:68)

قتادة: معناه هو قذر و نجس.

مثله السّدّيّ.(الطّبرسيّ 1:319)

الطّبريّ: يعني تعالى ذكره بذلك،قل لمن سألك من أصحابك يا محمّد عن المحيض:هو أذى،و الأذى هو ما يؤذى به من مكروه فيه،و هو في هذا الموضع يسمّى أذى،لنتن ريحه و قذره و نجاسته،و هو جامع لمعان شتّى من خلال الأذى غير واحدة.(2:381)

الجصّاص: يعني أنّه نجس و قذر،و وصفه له بذلك قد أفاد لزوم اجتنابه،لأنّهم كانوا عالمين قبل ذلك بلزوم اجتناب النّجاسات،فأطلق فيه لفظا عقلوا منه الأمر بتجنّبه.و يدّل على أنّ الأذى اسم يقع على النّجاسات،قول النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم:«إذا أصاب نعل أحدكم أذى فليمسّها بالأرض و ليصلّ فيها فإنّه لها طهور»فسمّى النّجاسة أذى.و أيضا لمّا كان معلوما أنّه لم يرد بقوله:

قُلْ هُوَ أَذىً الإخبار عن حاله في تأذّي الإنسان به، لأنّ ذلك لا فائدة فيه،علمنا أنّه أراد الإخبار بنجاسته و لزوم اجتنابه.

و ليس كلّ أذى نجاسة،قال اللّه تعالى: وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ النّساء:102، و المطر ليس بنجس.و قال: وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً... آل عمران:186.

و إنّما كان الأذى المذكور في الآية عبارة عن النّجاسة،و مفيدا لكونه قذرا يجب اجتنابه،لدلالة الخطاب عليه،و مقتضى سؤال السّائلين عنه.

(1:336)

عبد الجبّار: قيل:هو أذى لهنّ و عليهنّ لما فيه من المشقّة.(الطّبرسيّ 1:319)

الرّاغب: فسمّي ذلك أذى باعتبار الشّرع و باعتبار الطّبّ،على حسب ما يذكره أصحاب هذه الصّناعة.

(15)

الزّمخشريّ: أي الحيض شيء يستقذر يؤذي من يقربه نفرة منه و كراهة له.(1:361)

مثله النّيسابوريّ(2:246)،و البروسويّ(1:

347).

الرّاونديّ: معناه قذر و نجاسة.و قيل:معنى أذى، أي ذو أذى،أي يتأذّى به المجامع بنفور طبعه عمّا يشاهد.(1:53)

القرطبيّ:أي هو شيء تتأذّى به المرأة و غيرها،

ص: 18

أي برائحة دم الحيض.

و الأذى:كناية عن القذر على الجملة.و يطلق على القول المكروه،و منه قوله تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى البقرة:264،أي بما تسمعه من المكروه.و منه قوله تعالى: وَ دَعْ أَذاهُمْ الأحزاب:

48،أي دع أذى المنافقين لا تجازهم إلاّ أن تؤمر فيه.(3:85)

الطّريحيّ: أي الحيض مستقذر يؤذي من يقربه نفرة منه؛إذ الأذى هو ما يكره و يغتمّ به.(1:24)

الآلوسيّ: الأذى:مصدر من آذاه يؤذيه أذى و إذاء،و لا يقال في المشهور:إيذاء.و حمله على المحيض للمبالغة،و المعنى المقصود منه المستقذر،و استعمل فيه بطريق الكناية.(2:121)

عزّة دروزة: (اذى)يمكن أن تكون الكلمة بمعنى عارض مرضيّ مؤذ،و يمكن أن تكون بمعنى القذارة و النّجاسة.(7:337)

الطّباطبائيّ: الأذى هو الضّرر على ما قيل،لكنّه لا يخلو عن نظر،فإنّه لو كان هو الضّرر بعينه لصحّ مقابلته مع النّفع،كما أنّ الضّرر مقابل النّفع،و ليس بصحيح.يقال:دواء مضرّ و ضارّ،و لو قيل:دواء مؤذ، أفاد معنى آخر.و أيضا قال تعالى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً آل عمران:111،و لو قيل:لن يضرّوكم الاّ ضررا،لفسد الكلام.

و أيضا كونه بمعنى الضّرر غير ظاهر في أمثال قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ... الأحزاب:

57،و قوله تعالى: لِمَ تُؤْذُونَنِي وَ قَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ... الصّفّ:5.

فالظّاهر أنّ الأذى هو الطّارئ على الشّيء غير الملائم لطبعه،فينطبق عليه معنى الضّرر بوجه.

و تسمية المحيض أذى على هذا المعنى،لكون هذا الدّم المستند إلى عادة النّساء حاصلا من عمل خاصّ، من طبعها يؤثّر به في مزاج الدّم الطّبيعيّ الّذي يحصله جهاز التّغذية،فيفسد مقدارا منه عن الحال الطّبيعيّ، و ينزله إلى الرّحم لتطهيره أو لتغذية الجنين أو لتهيئة اللّبن للإرضاع.

و أمّا على قولهم:إنّ الأذى هو الضّرر،فقد قيل:إنّ المراد بالمحيض إتيان النّساء في حال الحيض،و المعنى يسألونك عن إتيانهنّ في هذه الحال،فأجيب بأنّه ضرر،و هو كذلك.فقد ذكر الأطبّاء أنّ الطّبيعة مشتغلة في حال الطّمث بتطهير الرّحم و إعداده للحمل،و الوقاع يختلّ به نظام هذا العمل فيضرّ بنتائج هذا العمل الطّبيعيّ من الحمل و غيره.(2:207)

المراغيّ: أي أجبهم و قل لهم:هو ضرر و أذى.(2:156)

حسنين مخلوف: أي قذر أو موضع قذر،يقال:

أذي الشّيء يأذى أذى،أي قذر.و يطلق الأذى على الضّرر،و الحيض ضرر شرعا و طبّا.(1:74)

فضل اللّه: الأذى:الضّرر النّفسيّ أو الجسديّ، الدّنيويّ أو الأخرويّ.قال الرّاغب:«فسمّي المحيض أذى باعتبار الشّرع و باعتبار الطّبّ،و ربّما كان ذلك باعتبار القذارة و الرّائحة الكريهة».

و قد ناقش العلاّمة الطّباطبائيّ في إطلاق الضّرر

ص: 19

على الأذى،قال:«فإنّه لو كان هو الضّرر بعينه،لصحّ مقابلته بالنّفع.[إلى أن قال:]

و قد يخطر في البال أنّ التّرادف بين الألفاظ لا يوجب استعمال أحد اللّفظين في مقابل الآخر،لأنّ من الممكن أن يكون للمعنى الواحد في لفظ بعض الخصوصيّات الّتي لم تلاحظ في اللّفظ الآخر الّذي يختزن خصوصيّة أخرى، كما في كلمة إنسان الّتي تقال في مقابل الحيوان أو الجنّ، و كلمة بشر الّتي تقال في مقابل الملك،مع ملاحظة أنّ «الأذى»يمثّل جانبا من الضّرر؛و ذلك من خلال النّتائج النّفسيّة و الجسديّة.(4:243)

3- اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ...

البقرة:262

الطّبريّ: الأذى هو شكايته إيّاهم بسبب ما أعطاهم و قوّاهم من النّفقة في سبيل اللّه؛أنّهم لم يقوموا بالواجب عليهم في الجهاد،و ما أشبه ذلك من القول الّذي يؤذي به من أنفق عليه.(3:62)

الطّوسيّ: قوله:(و لا اذى)فهو نحو قولهم:أنت أبدا فقير،و من أبلاني بك،و أراحني اللّه منك،و ما أشبه ذلك،ممّا يؤذي قلب المعطى.(2:334)

نحوه الخازن.(1:239)

البغويّ: هو أن يعيّره فيقول:إلى كم تسأل،و كم تؤذيني.

و قيل:من الأذى،هو أن يذكر إنفاقه عليه عند من لا يحبّ وقوفه عليه.(1:239)

2Lالزّمخشريّ: الأذى:أن يتطاول عليه بسبب ما أزال[خ أسدى]إليه.(1:394)

نحوه البيضاويّ.(1:138)

الطّبرسيّ: الأذى أن يقول:أراحني اللّه منك، و من ابتلائي بك.

و يحتمل أن يكون معنى الأذى أن يعبس وجهه عليه أو يتعبه أو يؤذيه فيما يدفعه إليه،أو يصرفه في بعض أشغاله بسبب إنفاقه عليه.(1:374)

الفخر الرّازيّ: المنّ هو إظهار الاصطناع إليهم، و الأذى:شكايته منهم بسبب ما أعطاهم.[إلى أن قال:]

أمّا الأذى فقد اختلفوا فيه،منهم من حمله على الإطلاق في أذى المؤمنين،و ليس ذلك بالمنّ،بل يجب أن يكون مختصّا بما تقدّم ذكره.و هو مثل أن يقول للفقير:أنت أبدا تجيئني بالإيلام،و فرّج اللّه عنّي منك، و باعد ما بيني و بينك.فبيّن سبحانه و تعالى أنّ من أنفق ماله ثمّ إنّه لا يتبعه المنّ و الأذى فله الأجر العظيم و الثّواب الجزيل.

فإن قيل:ظاهر اللّفظ أنّهما بمجموعهما يبطلان الأجر،فيلزم أنّه لو وجد أحدهما دون الثّاني لا يبطل الأجر.

قلنا:بل الشّرط أن لا يوجد واحد منهما،لأنّ قوله:

لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لا أَذىً يقتضي أن لا يقع منه لا هذا و لا ذاك.(7:49،50)

القرطبيّ: الأذى:السّبّ و التّشكّي،و هو أعمّ من المنّ،لأنّ المنّ جزء من الأذى،لكنّه نصّ عليه لكثرة وقوعه.(3:308)

ص: 20

أبو حيّان: الأذى:يشمل المنّ و غيره،و نصّ على المنّ و قدّم لكثرة وقوعه من المتصدّق.

فمن المنّ أن يقول:قد أحسنت إليك و نعشتك و شبهه،أو يتحدّث بما أعطى فيبلغ ذلك المعطى فيؤذيه.

و من الأذى أن يسبّ المعطى أو يشتكي منه أو يقول:ما أشدّ إلحاحك،و خلّصنا اللّه منك،و أنت أبدا تجيئني،أو يكلّفه الاعتراف بما أسدى إليه.

و قيل:الأذى أن يذكر إنفاقه عليه عند من لا يحبّ وقوفه عليه.(2:306)

الأذى:ما يكره و يغتمّ به.(تحفة الأريب:40)

أبو السّعود: المنّ:أن يعتدّ على من أحسن إليه بإحسانه،و يريه أنّه أوجب بذلك عليه حقّا.و الأذى:

أن يتطاول عليه بسبب إنعامه عليه.

و إنّما قدّم المنّ لكثرة وقوعه،و توسيط كلمة(لا) للدّلالة على شمول النّفي لاتباع كلّ واحد منهما.

(1:195)

محمّد عبده: فأمّا المنّ فهو أن يذكر المحسن إحسانه لمن أحسن هو إليه،يظهر به تفضّله عليه،و أمّا الأذى فهو أعمّ،و منه أن يذكر المحسن إحسانه لغير من أحسن عليه بما-ربّما-يكون أشدّ عليه ممّا لو ذكره له.

و قد يشكل على بعض النّاس التّعبير ب«ثمّ»الّتي تفيد التّراخي،مع العلم بأنّ المنّ أو الأذى العاجل أضرّ، و أجدر بأن يجعل تركه شرطا لتحصيل الأجر و جوابه أنّ من يقرن النّفقة بالمنّ و الأذى أو يتبعها أحدهما أو كليهما عاجلا لا يستحقّ أن يدخل في الّذين ينفقون أموالهم في سبيل اللّه،أو يوصف بالسّخاء المحمود عند اللّه.و إذا كان من يمنّ أو يؤذي بعد الإنفاق بزمن بعيد لا يعتدّ اللّه بإنفاقه و لا يأجره عليه و لا يقيه الخوف و الحزن،أ فلا يكون المتعجّل به أجدر بذلك؟بلى.

و إنّما الكلام في السّخيّ الّذي ينفق في سبيل اللّه مخلصا متحرّيا للمصلحة و المنفعة،لا باغيا جزاء ممّن ينفق عليه و لا مكافأة،و لكنّه قد يعرض له بعد ذلك ما يحمله على المنّ و الأذى المحبطين للأجر،كأن يرى ممّن كان أنفق عليه غمطا لحقّه أو إعراضا عنه و تركا لما كان من احترامه إيّاه،فيثير ذلك غضبه حتّى يمنّ أو يؤذي.و مثل هذا قد يقع من المخلصين فحذّرهم اللّه تعالى منه.(رشيد رضا 3:61)

عزّة دروزة: الأذى هنا،بمعنى أيّ عمل أو قول أو إشارة فيها جرح نفس المتصدّق عليه و أذيّتها.

(7:391)

أبو رزق:كلّ ما يكره من اليد و اللّسان و يغتمّ به.

(1:36)

4- لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً وَ إِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ. آل عمران:111

الحسن: تسمعون منهم كذبا على اللّه،يدعونكم إلى الضّلال.(الطّبريّ 4:47)

يعني كذبهم و تحريفهم و بهتهم،لا أنّه تكون لهم الغلبة.

مثله قتادة.(القرطبيّ 4:173)

قتادة: لن يضرّوكم إلاّ أذى تسمعونه منهم.(الطّبريّ 4:46)

ص: 21

مثله الرّبيع.(الطّبريّ 4:47)

ابن جريج: إشراكهم في عزير و عيسى و الصّليب.

(الطّبريّ 4:47)

الفرّاء: هو استثناء منقطع،و التّقدير لن يضرّوكم، لكن أذى باللّسان.

مثله الزّجّاج.(أبو حيّان 3:30)

الطّبريّ: يعني بذلك جلّ ثناؤه لن يضرّكم يا أهل الإيمان باللّه و رسوله هؤلاء الفاسقون من أهل الكتاب بكفرهم و تكذيبهم نبيّكم محمّدا صلى اللّه عليه و سلم شيئا إلاّ أذى،يعني بذلك و لكنّهم يؤذونكم بشركهم،و إسماعكم كفرهم، و قولهم في عيسى و أمّه و عزير،و دعائهم إيّاكم إلى الضّلالة،و لا يضرّونكم بذلك.

و هذا من الاستثناء المنقطع الّذي هو مخالف معنى ما قبله،كما قيل:«ما اشتكى شيئا إلاّ خيرا»،و هذه كلمة محكيّة عن العرب سماعا.(4:46)

الطّوسيّ: الأذى المذكور في الآية هو أن يسمعوا منهم كذبا على اللّه يدعونهم به إلى الضّلالة.يقول أهل الحجاز:آذيتني،إذا أسمعته كلاما يثقل عليه.

و قال البلخيّ و الطّبريّ:الاستثناء منقطع هاهنا، لأنّ الأذى ليس من الضّرر في شيء.و هذا ليس بصحيح،لأنّه إذا أمكن حمله على الاستثناء الحقيقيّ لم يجز حمله على المنقطع.و المعنى في الآية لن يضرّوكم إلاّ ضررا يسيرا.فالأذى وقع موقع المصدر الأوّل.و إذا كان الأذى ضررا فالاستثناء متّصل،و المنقطع لا يكون فيه الثّاني مخصّصا للأوّل،كقولك:ما في الدّار أحد إلاّ حمارا،و كقولك:ما زاد إلاّ ما نقص،و ما نفع إلاّ ما ضرّ.

(2:559)

نحوه الطّبرسيّ.(1:487)

الميبديّ: أي إلاّ ضررا يسيرا باللّسان،مثل الوعيد و البهت.(2:246)

الزّمخشريّ: إلاّ ضررا مقتصرا على أذى بقول، من طعن في الدّين أو تهديد أو نحو ذلك.(1:455)

الفخر الرّازيّ: معناه أنّه ليس على المسلمين من كفّار أهل الكتاب ضرر،و إنّما منتهى أمرهم أن يؤذوكم باللّسان،إمّا بالطّعن في محمّد و عيسى عليهما السّلام، و إمّا بإظهار كلمة الكفر،كقولهم: عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ، و اَلْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ التّوبة:30،و إِنَّ اللّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ المائدة:73،و إمّا بتحريف نصوص التّوراة و الإنجيل،و إمّا بإلقاء الشّبه في الأسماع،و إمّا بتخويف الضّعفة من المسلمين.

و من النّاس من قال:إنّ قوله:(الاّ اذى)استثناء منقطع،و هو بعيد،لأنّ كلّ الوجوه المذكورة يوجب وقوع الغمّ في قلوب المسلمين،و الغمّ ضرر،فالتّقدير:

لا يضرّوكم إلاّ الضّرر الّذي هو الأذى،فهو استثناء صحيح،و المعنى لن يضرّوكم إلاّ ضررا يسيرا.و الأذى وقع موقع الضّرر،و الأذى مصدر أذيت الشّيء أذى.

(8:193)

القرطبيّ: الاستثناء متّصل،و المعنى لن يضرّوكم إلاّ ضررا يسيرا،فوقع الأذى موقع المصدر،فالآية وعد من اللّه لرسوله صلى اللّه عليه و سلم و للمؤمنين،أنّ أهل الكتاب لا يغلبونهم،و أنّهم منصورون عليهم،لا ينالهم منهم اصطلام إلاّ إيذاء بالبهت و التّحريف.و أمّا العاقبة فتكون

ص: 22

للمؤمنين.

و قيل:منقطع،و المعنى لن يضرّوكم البتّة،لكن يؤذونكم بما يسمعونكم.(4:173)

أبو حيّان: هاتان الجملتان تضمّنتا الإخبار بمغيبين مستقبلين،و هو أنّ ضررهم إيّاكم لا يكون إلاّ أذى،أي شيئا تتأذّون به لا ضررا يكون فيه غلبة و استئصال، و لذلك إن قاتلوكم خذلوا و نصرتم.و كلا هذين الأمرين وقع لأصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ما ضرّهم أحد من أهل الكتاب ضررا يبالون به،و لا قصدوا جهة كافر إلاّ كان لهم النّصر عليهم و الغلبة لهم.

و الظّاهر أنّ قوله:(الاّ اذى)استثناء متّصل،و هو استثناء مفرّغ من المصدر المحذوف،التّقدير:لن يضرّوكم ضررا إلاّ ضررا يسيرا لا نكاية فيه و لا إجحاف لكم.(3:30)

البروسويّ: استثناء مفرّغ من المصدر العامّ،أي لن يضرّوكم أبدا ضررا ما إلاّ ضرر أذى لا يبالى به،من طعن و تهديد،لا أثر له.(2:79)

الآلوسيّ: استثناء متّصل،لأنّ الأذى بمعنى الضّرر اليسير كما يشهد به مواقع الاستعمال،فكأنّه قيل:لن يضرّوكم ضررا ما إلاّ ضررا يسيرا.و قيل:إنّه منقطع، لأنّ الأذى ليس بضرر،و فيه نظر.(4:28)

حجازي: الأذى:الضّرر البسيط.(4:12)

فضل اللّه: اذى:ضرر في النّفس أو الجسم،و جاء نكرة تصويرا لتفاهته و حقارته،و عدم ضرره على المسيرة الإسلاميّة الصّاعدة،لأنّه يقتصر كما في «الكشّاف».[ثمّ نقل كلام الزّمخشريّ](6:222)

اذاهم

وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ دَعْ أَذاهُمْ...

الأحزاب:48

الهرويّ: أي دع أذى المنافقين،لا تجازهم إلى أن يؤمر فيهم.(1:33)

الزّمخشريّ: يحتمل إضافته إلى الفاعل و المفعول، يعني(ودع)أن تؤذيهم بضرر أو قتل،و خذ بظاهرهم، و حسابهم على اللّه في باطنهم،أو(ودع)ما يؤذونك به و لا تجازهم عليه حتّى تؤمر.(3:266)

مثله النّيسابوريّ.(22:23)

آذوا

لا تكونوا كالّذين آذوا موسى فبرّأه اللّه ممّا قالوا و كان عند اللّه وجيها.الأحزاب:69

النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:إنّ موسى كان رجلا حييّا ستّيرا، لا يكاد يرى من جلده شيء استحياء منه،فآذاه من آذاه من بني إسرائيل،و قالوا:ما تستّر هذا التّستّر إلاّ من عيب في جلده،إمّا برص و إمّا أدرة (1)و إمّا آفة،و إنّ اللّه أراد أن يبرّئه ممّا قالوا...

نحوه ابن عبّاس،و ابن زيد،و سعيد بن جبير.(الطّبريّ 22:52)

الإمام عليّ عليه السّلام: صعد موسى و هارون الجبل، فمات هارون،فقالت بنو إسرائيل:أنت قتلته،و كان أشدّ حبّا لنا منك،و ألين لنا منك،فآذوه بذلك.فأمر اللّه

ص: 23


1- الأدرة،بالضّمّ:نفخة في الخصية.

الملائكة فحملته،حتّى مرّوا به على بني إسرائيل و تكلّمت الملائكة بموته،حتّى عرف بنو إسرائيل أنّه قد مات،فبرّأه اللّه من ذلك،فانطلقوا به فدفنوه.

(الطّبريّ 22:52)

نحوه ابن عبّاس،و الجبّائيّ.(الطّبرسيّ 4:372)

أبو العالية: إنّ قارون استأجر مومسة لتقذف موسى بنفسها على رأس الملأ فعصمه اللّه تعالى من ذلك.

(الطّبرسيّ 4:372)

الطّبريّ: اختلف أهل التّأويل في الأذى الّذي أوذي به موسى الّذي ذكره اللّه في هذا الموضع،فقال بعضهم:رموه بأنّه آدر.و روى بذلك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم خبرا.

و قال آخرون:بل وصفوه بأنّه أبرص.

و قال آخرون:بل كان أذاهم إيّاه ادّعاؤهم على قتل هارون أخيه.

و أولى الأقوال في ذلك بالصّواب أن يقال:إنّ بني إسرائيل آذوا نبيّ اللّه ببعض ما كان يكره أن يؤذى به، فبرّأه اللّه ممّا آذوه به.و جائز أن يكون ذلك كان قيلهم:

إنّه أبرص،و جائز أن يكون كان ادّعاؤهم عليه قتل أخيه هارون،و جائز أن يكون كلّ ذلك،لأنّه قد ذكر كلّ ذلك،أنّهم قد آذوه به.و لا قول في ذلك أولى بالحقّ ممّا قال اللّه:إنّهم آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللّهُ مِمّا قالُوا. (22:50-52)

نحوه الطّوسيّ.(8:365)

أبو مسلم الأصفهانيّ: إنّهم آذوه من حيث إنّهم نسبوه إلى السّحر و الجنون و الكذب بعد ما رأوا الآيات.

(الطّبرسيّ 4:372)

الزّمخشريّ: قيل في أذى موسى عليه السّلام،هو حديث المومسة الّتي أرادها قارون على قذفه بنفسها.

و قيل:اتّهامهم إيّاه بقتل هارون،و كان قد خرج معه إلى الجبل فمات هناك،فحملته الملائكة و مرّوا به عليهم ميّتا،فأبصروه حتّى عرفوا أنّه غير مقتول.

و قيل:أحياه اللّه فأخبرهم ببراءة موسى عليه السّلام.

و قيل:قرفوه بعيب في جسده من برص أو أدرة، فاطّلعهم اللّه على أنّه بريء منه.(3:276)

نحوه أبو حيّان(7:252)،و الطّريحيّ(1:24).

الفخر الرّازيّ: حديث إيذاء موسى مختلف فيه، قال بعضهم:هو إيذاؤهم إيّاه بنسبته إلى عيب في بدنه.

و قال بعضهم:إنّ قارون قرّر مع امرأة فاحشة حتّى تقول عند بني إسرائيل:إنّ موسى زنى بي،فلمّا جمع قارون القوم و المرأة حاضرة ألقى اللّه في قلبها أنّها صدقت و لم تقل ما لقّنت.

و بالجملة الإيذاء المذكور في القرآن كاف،و هو أنّهم قالوا له: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا المائدة:24، و قولهم: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً.. البقرة:

55،و قولهم: لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ.. البقرة:

61،إلى غير ذلك.(25:233)

الطّباطبائيّ: نهى عن أن يكونوا كبعض بني إسرائيل،فيعاملوا نبيّهم بمثل ما عامل به بنو إسرائيل من الإيذاء،و ليس المراد مطلق الايذاء بقول أو فعل و إن كان منهيّا عنه،بل قوله: فَبَرَّأَهُ اللّهُ... يشهد بأنّه كان إيذاء من قبيل التّهمة و الافتراء المحوج في رفعه إلى

ص: 24

التّبرئة و التّنزيه.

و لعلّ السّكوت عن ذكر ما آذوا به موسى عليه السّلام، يؤيّد ما ورد في الحديث أنّهم قالوا:ليس لموسى ما للرّجال فبرّأه اللّه من قولهم،و سيوافيك.

و أوجه ما قيل في إيذائهم النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:أنّه إشارة إلى قصّة زيد و زينب،و إن يكن كذلك فمن إيذائه صلّى اللّه عليه و آله ما في كثير من روايات القصّة من سردها على نحو لا يناسب ساحة قدسه.(16:347)

فضل اللّه: هذه الآية خطاب للصّحابة الّذين كان بعضهم يثير الأقاويل الباطلة حول النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله كما ذكر في السّيرة ممّا أثاروه في قصّة زواج النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بزينب بنت جحش بعد طلاقها من مولاه زيد.

و قد ذكر المفسّرون في تفسير إيذاء بني إسرائيل بعض الأحاديث المرويّة في هذا الشّأن الّتي لا تثبت بها حجّة،و لا تتماسك أمام النّقد،فليرجع إليها من أحبّ، و لنجمل المسألة في ما أجمله اللّه منها،ليكون الحديث حديث المبدإ لا التّفاصيل.(18:357)

آذيتمونا

و لنصبرنّ على ما آذيتمونا و على اللّه فليتوكّل المتوكّلون.إبراهيم:12

الطّبريّ: على ما نلقى منكم من المكروه فيه،بسبب دعائنا إليكم إلى ما ندعوكم إليه،من البراءة من الأوثان و الأصنام،و إخلاص العبادة له.(13:191)

الطّوسيّ: من تكذيبنا و شتمنا في جنب طاعته و ابتغاء مرضاته و طلب ثوابه.(6:280)

القرطبيّ: أي من الإهانة و الضّرب،و التّكذيب و القتل،ثقة باللّه أنّه يكفينا و يثيبنا.(9:348)

البروسويّ: في أبداننا و أعراضنا،أو بالتّكذيب و ردّ الدّعوة و الإعراض عن اللّه و العناد و اقتراح الآيات،و غير ذلك ممّا لا خير فيه.(4:404)

الآلوسيّ: (ما)مصدريّة،أي إيذاؤكم إيّانا بالعناد و اقتراح الآيات و غير ذلك ممّا لا خير فيه.و جوّزوا أن تكون موصولة بمعنى«الّذي»،و العائد محذوف،أي الّذي آذيتموناه،و كان الأصل آذيتمونا به،فهل حذف «به»أو«الباء»،و وصل الفعل إلى الضّمير؟قولان.

(13:199)

اوذى

وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللّهِ... العنكبوت:10

الطّوسيّ: أي إذا لحقه شدّة في جنب اللّه.

(8:190)

الميبديّ: أي إذا أصيب بمكروه في سبب إظهار دين اللّه.(7:370)

الفخر الرّازيّ: قوله: فَإِذا أُوذِيَ فِي اللّهِ... هو في معنى قوله: وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي... آل عمران:195،غير أنّ المراد بتلك الآية الصّابرون على أذيّة الكافرين،و المراد هاهنا الّذين لم يصبروا عليها،فقال هناك: وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي...

و قال هاهنا: أُوذِيَ فِي اللّهِ، و لم يقل:في سبيل اللّه.

و اللّطيفة فيه أنّ اللّه أراد بيان شرف المؤمن الصّابر و خسّة المنافق الكافر،فقال هناك:أوذي المؤمن في سبيل اللّه ليترك سبيله و لم يتركه،و أوذي المنافق الكافر

ص: 25

فترك اللّه بنفسه،و كان يمكنه أن يظهر موافقتهم إن بلغ الإيذاء إلى حدّ الإكراه،و يكون قلبه مطمئنّا بالإيمان فلا يترك اللّه،و مع هذا لم يفعله بل ترك اللّه بالكلّيّة.

و المؤمن أوذي و لم يترك سبيل اللّه بل أظهر كلمتي الشّهادة،و صبر على الطّاعة و العبادة.(25:38)

الطّباطبائيّ: أي أوذي لأجل الإيمان باللّه بناء على أنّ(في)للسّببيّة كما قيل.و فيه عناية كلاميّة لطيفة بجعله تعالى،أي جعل الإيمان باللّه ظرفا للإيذاء و لمن يقع عليه الإيذاء،ليفيد أنّ الإيذاء منتسب إليه تعالى انتساب المظروف إلى ظرفه،و ينطبق على معنى السّببيّة و الغرضيّة.و نظيره قوله: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ... الزّمر:56،و قوله: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا... العنكبوت:69.

و قيل:معنى الإيذاء في اللّه هو الإيذاء في سبيل اللّه.

و كأنّه مبنيّ على تقدير مضاف محذوف.

و فيه أنّ العناية الكلاميّة مختلفة،فالإيذاء في اللّه ما كان السّبب فيه محض الإيمان باللّه،و هو قولهم: رَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا... فصّلت:30.

و الإيذاء في سبيل اللّه ما كان سببه سلوك السّبيل الّتي هي الدّين،قال تعالى: فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي آل عمران:195،و من الشّاهد على تغاير الاعتبارين قوله في آخر السّورة:

وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا... العنكبوت:

69،حيث جعل الجهاد في اللّه طريقا إلى الاهتداء إلى سبله،و لو كانا بمعنى واحد لم يصحّ ذلك.(16:105)

فضل اللّه: إنّهم المنافقون الّذين يعلم اللّه خفاياهم، فلا يغيب عن علمه شيء من ذلك كلّه وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللّهِ العنكبوت:10، أي كان الإيذاء متوجّها إليه بسبب إيمانه باللّه و علاقته به،من خلال تعرّض مصالحه للخطر،و علاقاته بمواقع القوّة في الحياة للتّعقيد،أو تعرّض جسده للتّعذيب و التّنكيل.و قد فسّر البعض الكلمة على أساس الحذف، أي أوذي في سبيل اللّه،في ما يفرضه ذلك من ضريبة المواجهة في خطّ الجهاد.

و لكنّ الظّاهر أنّ الكلمة ليست واردة في هذا السّياق،لأنّ هؤلاء الجماعة لم يتحرّكوا في خطّ الجهاد ليلحقهم أذاه،لا سيّما أنّ السّورة مكّيّة،في ما تقول بعض الرّوايات،ممّا يعني أنّها دائرة في سياق الأذى المترتّب على الالتزام العقائديّ-الإيمانيّ.

و لكنّها يمكن أن تختزن بعض المعاني الّتي تشمل ذلك،على أساس أنّ الإيذاء المترتّب على الالتزام العقائديّ للشّخص،إنّما يناله من جهة كونه موقفا في مواجهة موقف الكفر،و موقعا من مواقع القوّة للّه،فإذا حدث ذلك للإنسان منهم جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللّهِ العنكبوت:10،فكما يهرب الإنسان من عذاب اللّه فيترك كلّ شيء يؤدّي إليه،لأنّه لا يستطيع تحمّله لخطورته و قسوته،فإنّه يهرب من فتنة النّاس فيما تحتويه من ضغوط و تهاويل،و في ما تثيره من مشاكل في داخل حياته.(18:23)

اوذوا

فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أُوذُوا فِي

ص: 26

سَبِيلِي... آل عمران:195

أبو حيّان: ذكر الإذاية في سبيل اللّه،و المعنى في دين اللّه.و بدأ أوّلا بالخاصّ و هي الهجرة،و كانت تطلق على الهجرة إلى المدينة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم.

و ثنّى بما ينشأ عنه ما هو أعمّ من الهجرة و هو الإخراج من الدّيار،فقد يخرج إلى الهجرة إلى المدينة أو إلى غيرها،كخروج من خرج إلى الحبشة و كخروج أبي جندل؛إذ لم يترك يقيم بالمدينة.

و أتى ثالثا بذكر الإذاية،و هي أعمّ من أن تكون بإخراج من الدّيار،أو غير ذلك من أنواع الأذى.

و ارتقى بعد هذه الأوصاف السّنيّة إلى رتبة جهاد من أخرجه،و مقاومته و استشهاده في دين اللّه.فجمع بين رتب هذه الأعمال من تنقيص أحواله في الحياة لأجل دين اللّه بالمهاجرة،و إخراجه من داره و إذايته في اللّه، و مآله أخيرا إلى إفنائه بالقتل في سبيل اللّه.و الظّاهر الإخبار عن من جمع هذه الأوصاف كلّها بالخبر الّذي بعد.

و يجوز أن يكون ذلك من عطف الصّلات،و المعنى اختلاف الموصول لا اتّحاده،فكأنّه قيل:فالّذين هاجروا،و الّذين أخرجوا،و الّذين أوذوا،و الّذين قاتلوا،و الّذين قتلوا،و يكون الخبر عن كلّ من هؤلاء.

(3:145)

الآلوسيّ: المراد من الإيذاء ما هو أعمّ من أن يكون بالإخراج من الدّيار،أو غير ذلك ممّا كان يصيب المؤمنين من قبل المشركين.(4:169)

اوذينا

قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَ مِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا...

الأعراف:129

ابن عبّاس: قالوا ذلك حين أتبعهم و اضطرّهم إلى البحر فضاقت صدورهم،و رأوا بحرا أمامهم و عدوّا كثيفا وراءهم لمّا أسرى بهم موسى،حتّى هجموا على البحر التفتوا فإذا هم برهج دوابّ فرعون،فقالوا هذه المقالة،و قالوا:هذا البحر أمامنا و هذا فرعون وراءنا قد رهقنا بمن معه.

مثله السّدّيّ.(أبو حيّان 4:368)

عكرمة: (من قبل)بالاستعباد و قتل الأولاد(و من بعد)بالتّهديد و الإبعاد.

مثله الرّمّانيّ.(أبو حيّان 4:368)

الحسن: الأذى من قبل و من بعد واحد،و هو أخذ الجزية.(القرطبيّ 7:263)

الكلبيّ: كانوا يضربون له اللّبن و يعطيهم التّبن، فلمّا جاء موسى غرّمهم التّبن،و كان النّساء يغزلن له الكتّان و ينسجنه.(أبو حيّان 4:368)

الفرّاء: أمّا الأذى الأوّل فقتله الأبناء و استحياؤه النّساء.ثمّ لمّا قالوا له: أَ تَذَرُ مُوسى وَ قَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ الأعراف:127،قال:أعيد على أبنائهم القتل و استحيى النّساء،كما كان فعل.و هو أذى بعد مجيء موسى.(1:391)

الطّوسيّ: هذا إخبار من اللّه تعالى عمّا قال قوم موسى لموسى:بأنّا أوذينا من قبل أن تأتينا بالرّسالة.

ص: 27

و الأذى:ضرر لا يبلغ بصاحبه أن يأتي على نفسه، تقول:آذاه يؤذيه أذى و تأذّى به تأذّيا،و مثله آلمه يؤلمه إيلاما،و تألّم به تألّما.

و الأذى الّذي كان بهم قيل:هو استعباد فرعون إيّاهم،و قتل أبنائهم و استحياء نسائهم للاستخدام.

و الّذي كان بعد مجيء موسى الوعيد لهم بتجديد ذلك العذاب من فرعون و التّوعيد عليه.و كان هذا على سبيل الاستبطاء منهم لما وعدهم،فجدّد الوعد لهم، و حقّقه.(4:547)

الميبديّ: أوذينا بالقتل الأوّل من قبل أن تأتينا بالرّسالة و من بعد ما جئتنا بالرّسالة،بإعادة القتل و بالإتعاب في العمل و أخذ المال.(3:708)

نحوه الزّمخشريّ(2:105)،و الطّبرسيّ(2:

465).

ابن عطيّة: الّذي من بعد مجيئه يعنون به وعيد فرعون،و سائر ما كان خلال تلك المدّة من الإخافة لهم.

(أبو حيّان 4:368)

القرطبيّ: أي في ابتداء ولادتك بقتل الأبناء و استرقاق النّساء،و من بعد ما جئتنا،أي و الآن أعيد علينا ذلك،يعنون الوعيد الّذي كان من فرعون.

و قيل:الأذى من قبل:تسخيرهم لبني إسرائيل في أعمالهم إلى نصف النّهار،و إرسالهم بقيّته ليكتسبوا لأنفسهم.و الأذى من بعد:تسخيرهم جميع النّهار كلّه بلا طعام و لا شراب.(7:263)

نحوه النّسفيّ(2:71)،و النّيسابوريّ(9:33)، و البروسويّ(3:216).

أبو حيّان: أي بابتلائنا بذبح أبنائنا،مخافة ما كان يتوقّع فرعون من هلاك ملكه على يد المولود الّذي يولد منّا،من قبل أن تأتينا.

و قيل:من قبل أن تأتينا بعهد اللّه بالخلاص،و من بعد ما جئتنا به،قالوه في معرض الشّكوى من فرعون و استعانة عليه بموسى.[ثمّ ذكر قول ابن عبّاس و أضاف:]

و هذا القول فيه بعد،و سياق الآيات يدلّ على التّرتيب،و قد جاء بعد هذه وَ لَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ الأعراف:130.(4:368)

الآلوسيّ: يعنون بذلك قتل الجبّار أولادهم قبل مولده و بعده،إذ قيل له:يولد لبني إسرائيل غلام يسلبك ملكك،و يكون هلاكك على يديه وَ مِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا، أي رسولا يعنون به ما توعّدهم به من إعادة قتل الأبناء،و سائر ما كان يفعل لهم لعداوة موسى عليه السّلام من فنون الجور و العذاب.

و قيل:إنّ نفس ذلك الإيعاد إيذاء.

و قيل:أرادوا الإيذاء بقتل الأبناء قبل مولد موسى عليه السّلام و بعد مولده.

و قيل:المراد ما كانوا يستعبدون به و يمتهنون فيه من أنواع الخدم و المهن.(9:30)

رشيد رضا: يعنون أنّهم لم يستفيدوا من إرساله لإنقاذهم من ظلم فرعون شيئا،فهو يؤذيهم و يظلمهم بعد إرساله،كما كان يؤذيهم من قبله أو أشدّ.

(9:81)

فضل اللّه: إنّه منطق الضّعفاء الّذين لا يعرفون

ص: 28

معنى حركة القوّة في الدّاخل،من أجل تنمية روح التّحدّي في الواقع،فهم لا يتعاملون مع القضايا الّتي يعيشونها من موقع العلاقة بالأهداف البعيدة للحياة،بل يتعاملون معها من موقع المشاعر و الانفعالات في ما تختزنه من هموم و آلام.إنّهم يعيشون في جوّ الإحساس دون التّفكير في مضمون المشكلة؛إذ يجب أن يعرفوا أنّ هناك فرقا بين الإيذاء الّذي يتعرّض له الإنسان،و هو لا يحمل قضيّة،فيزيده الأذى شعورا بالانسحاق،لأنّه يحجز احساسه بالألم الّذي لحق به في اللّحظة الحاضرة، و بين الإيذاء الّذي يتعرّض له و هو يحمل قضيّة و يتحرّك من أجل رسالة فيزيده الأذى شعورا بالقوّة،لأنّه يضاعف معنى التّحدّي في مشاعره و أحاسيسه في عمليّة إيمان،بالقضيّة الكبيرة الّتي لا بدّ لها أن تستمرّ،لتحلّ المشكلة من جذورها،بعيدا عن كلّ عوامل التّخدير.

(10:217)

يؤذون

1- وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ... التّوبة:61

الطّوسيّ: أخبر اللّه تعالى في هذه الآية أنّ من جملة هؤلاء المنافقين الّذين وصفهم و ذكرهم من يؤذي النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله-و الأذى هو ضرر ربّما تنفر منه النّفس في عاجل الأمر-و أنّهم يقولون:(هو اذن)،يعنون النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله.(5:287)

الزّمخشريّ: إيذاؤهم له هو قولهم فيه:(هو اذن).

(2:199)

نحوه الفخر الرّازيّ.(16:116)

الطّبرسيّ: الأذى قد يكون بالفعل و قد يكون بالقول،و هو هنا بالقول.(3:44)

النّيسابوريّ: فسّر إيذاؤهم النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلم بأنّهم يقولون له:(هو اذن)؛و ذلك أنّهم قصدوا به المذمّة، و أنّه ليس ذا ذكاء و لا بعيد غور،بل هو سليم القلب سريع الاغترار بكلّ ما يسمع.

و يجوز أن يراد بالإيذاء أنواع أخر سوى هذا القول، أي يؤذونه بالغيبة و النّميمة و سائر أنواع الأذيّة، و يقولون في وجه الاعتذار عن ذلك:(هو اذن)،يقبل كلّ ما يسمع،فنحن نأتيه فنعتذر إليه،فيسمع عذرنا فيرضى.(10:120)

البروسويّ: بأن يقولوا في حقّه ما يتأذّى به الإنسان.(3:456)

الآلوسيّ: ما تأذّى به النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلم يحتمل أن يكون ما قالوه في حقّه عليه الصّلاة و السّلام من سائر الأقوال الباطلة،فيكون قوله سبحانه:(و يقولون)إلخ،غير ما تأذّى به.

و يحتمل أن يكون نفس قولهم:(هو اذن)،فيكون عطف تفسير،و(يؤذون)مضارع آذاه.و المشهور في مصدره أذى و أذاة و أذيّة،و جاء أيضا الإيذاء،كما أثبته الرّاغب.و قول«صاحب القاموس»:و لا تقل إيذاء ،خطأ منه.(10:126)

2- وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. التّوبة:61

أبو حيّان: أبرز اسم الرّسول و لم يأت به ضميرا

ص: 29

على نسق(يؤمن)بلفظ الرّسول،تعظيما لشأنه، و جمعا له في الآية بين الرّتبتين العظيمتين من النّبوّة و الرّسالة،و إضافته إليه زيادة في تشريفه،و حتم على من أذاه بالعذاب الأليم،و حقّ لهم ذلك(و الّذين يؤذون) عامّ يندرج فيه هؤلاء الّذين أذوا هذا الإيذاء الخاصّ و غيرهم.(5:63)

الآلوسيّ: أي بأيّ نوع من الإيذاء كان،و في صيغة الاستقبال المشعرة بترتّب الوعيد على الاستمرار على ما هم عليه،إشعار بقبول توبتهم.(لهم عذاب اليم)،أي بسبب ذلك كما ينبئ عنه بناء الحكم على الموصول.و جملة الموصول و خبره مسوق من قبله عزّ و جلّ على نهج الوعيد غير داخل تحت الخطاب،و في تكرير الإسناد بإثبات العذاب الأليم لهم،ثمّ جعل الجملة خبرا،ما لا يخفى من المبالغة.و إيراده عليه الصّلاة و السّلام بعنوان الرّسالة مع الإضافة إلى الاسم الجليل لغاية التّعظيم و التّنبيه على أنّ أذيّته عليه الصّلاة و السّلام راجعة إلى جنابه عزّ و جلّ،موجبة لكمال السّخط و الغضب منه سبحانه.

و ذكر بعضهم أنّ الإيذاء لا يختصّ بحال حياته صلّى اللّه تعالى عليه و سلّم بل يكون بعد وفاته صلّى اللّه تعالى عليه و سلّم أيضا،و عدّوا من ذلك التّكلّم في أبويه صلّى اللّه تعالى عليه و سلّم بما لا يليق،و كذا إيذاء أهل بيته رضي اللّه تعالى عنهم.(10:127)

رشيد رضا: في إضافة الرّسول إلى اسم اللّه عزّ و جلّ إيذان بأنّ إيذاءه إيذاء لمرسله،أي سبب لعقابه،كما أنّ طاعته طاعة له و سبب لثوابه مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللّهَ النّساء:80،و قوله: لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ جملة مستقلّة هي خبر لما قبلها،و في هذا تأكيد لمضمونها.

الآية و ما في معناها دليل على أنّ إيذاء الرّسول صلّى اللّه عليه و سلم كفر إذا كان فيما يتعلّق بصفة الرّسالة،فإنّ إيذاءه في رسالته ينافي صدق الإيمان بطبيعته.

و أمّا الإيذاء الخفيف فيما يتعلّق بالعادات و الشّئون البشريّة فهو حرام،لا كفر،كإيذاء الّذين كانوا يطيلون المكث في بيوته عند نسائه بعد الطّعام،فنزل فيهم: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ إلى قوله:

وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً... الأحزاب:53.

و قال في الأعراب الّذين كانوا يرفعون أصواتهم في ندائه و يسمّونه باسمه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ... الحجرات:2،فهذه آداب المؤمنين الّتي فرضها عليهم ربّهم مع رسوله صلّى اللّه عليه و سلم و في التّقصير فيها خطر حبوط الأعمال بدون شعور من المقصّر.

و صرّح بعض العلماء بأنّ إيذاءه صلّى اللّه عليه و سلم بعد انتقاله إلى الرّفيق الأعلى كإيذائه في حال حياته الدّنيا،و منه نكاح أزواجه من بعده،قال بعضهم:و منه الخوض في أبويه و آل بيته بما يعلم أنّه يؤذيه لو كان حيّا،و لكنّهم جعلوه ذنبا لا كفرا.

و لا شكّ أنّ الإيمان به صلّى اللّه عليه و سلم مانع من تصدّي المؤمن لما يعلم أو يظنّ أنّه يؤذيه صلوات اللّه و سلامه عليه إيذاء ما.و لكن لا يدخل في هذا كلّ ما يؤذي أحدا من سلائل

ص: 30

آله و عترته،بأيّ سبب من أسباب التّنازع بين النّاس، في الحقوق الماليّة و الجنائيّة و المخاصمات الشّخصيّة،لأنّ منها ما يكون فيها المنسوب إلى الآل الكرام جانيا آثما و متعدّيا ظالما،و قد قال اللّه تعالى: لا يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ النّساء:148، و قال صلّى اللّه عليه و سلم:«إنّ لصاحب الحقّ مقالا...إلخ»(10:521)

3- إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً. الأحزاب:57

ابن عبّاس: إيذاء الرّسول هو أنّه شجّ في وجهه و كسرت رباعيته.(البغويّ 5:227)

عكرمة:معناه بالتّصوير و التّعرّض لفعل ما لا يفعله إلاّ اللّه بنحت الصّور و غيرها.

(القرطبيّ 14:238)

قتادة: يا سبحان اللّه ما زال أناس من جهلة بني آدم حتّى تعاطوا أذى ربّهم.و أمّا أذاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فهو طعنهم عليه في نكاحه صفيّة بنت حييّ فيما ذكر.

(الطّبريّ 22:44)

الطّبريّ: يؤذون ربّهم بمعصيتهم إيّاه،و ركوبهم ما حرّم عليهم.و قد قيل:إنّه عني بذلك أصحاب التّصاوير،و ذلك أنّهم يرومون تكوين خلق مثل خلق اللّه.(22:44)

الجصّاص: يعني يؤذون أولياء اللّه و رسوله، و ذلك لأنّ اللّه لا يجوز أن يلحقه الأذى،فأطلق ذلك مجازا؛لأنّ المعنى مفهوم عند المخاطبين،كما قال:

وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ يوسف:82،و المعنى أهل القرية.

و قوله تعالى: وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا. الأحزاب:58،قد قيل:إنّه أراد من أضمر ذكره في الآية الأولى من أولياء اللّه،فأظهر ذكرهم بعد الضّمير،و بيّن أنّهم المرادون بالضّمير،و أخبر عن احتمالهم البهتان و الإثم اللّذين بهما يستحقّون ما ذكر في الآية الأولى من اللّعن و العذاب.

(3:371)

الطّوسيّ: أذى اللّه،يقال:هو أذى أوليائه،و إنّما أضافه إلى نفسه تعظيما لأوليائه،و مبالغة في عظم المعصية به.(8:360)

البغويّ: قيل:معنى يُؤْذُونَ اللّهَ، أي يلحدون في أسمائه و صفاته.

و قال بعضهم:يؤذون أولياء اللّه،كقوله تعالى:

وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ... يوسف:82،أي أهل القرية.

و روينا عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلم قال:«قال اللّه تعالى:من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب»،و قال:«من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة».

و معنى الأذى هو مخالفة أمر اللّه تعالى و ارتكاب معاصيه،ذكره على ما يتعارفه النّاس بينهم،و اللّه عزّ و جلّ منزّه عن أن يلحقه أذى من أحد.(5:227)

نحوه الميبديّ.(8:87)

الزّمخشريّ: فيه وجهان:

أحدهما:أن يعبّر بإيذائهما عن فعل ما يكرهانه و لا يرضيانه من الكفر و المعاصي،و إنكار النّبوّة و مخالفة الشّريعة،و ما كانوا يصيبون به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم من أنواع المكروه على سبيل المجاز،و إنّما جعلته مجازا فيهما جميعا

ص: 31

-و حقيقة الإيذاء صحيحة في رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم-لئلاّ أجعل العبارة الواحدة معطية معنى المجاز و الحقيقة.

و الثّاني:أن يراد يؤذون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم.

و قيل في أذى اللّه:هو قول اليهود و النّصارى و المشركين: يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ... المائدة:64، و ثالِثُ ثَلاثَةٍ... المائدة:73،و اَلْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ التّوبة:30،و الملائكة بنات اللّه،و الأصنام شركاؤه.

و قيل:قول الّذين يلحدون في أسمائه و صفاته.

و عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فيما حكى عن ربّه:«شتمني ابن آدم و لم ينبغ له أن يشتمني،و آذاني و لم ينبغ له أن يؤذيني.فأمّا شتمه إيّاي فقوله:إنّي اتّخذت ولدا،و أمّا أذاه فقوله:إنّ اللّه لا يعيدني بعد أن بدأني».

و قيل في أذى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قولهم:ساحر،شاعر، كاهن،مجنون.

و قيل:كسر رباعيته،و شجّ وجهه يوم أحد.

و قيل:طعنهم عليه في نكاح صفيّة بنت حييّ.

و أطلق إيذاء اللّه و رسوله[هنا]و قيّد إيذاء المؤمنين و المؤمنات[في الأحزاب:58]لأنّ أذى اللّه و رسوله لا يكون إلاّ غير حقّ أبدا،و أمّا أذى المؤمنين و المؤمنات فمنه و منه.(3:273)

نحوه القرطبيّ(14:237،238)،و النّسفيّ(3:

312)،و أبو حيّان(7:249)،و البروسويّ(7:237) و الآلوسيّ(22:87).

الطّبرسيّ: قيل:هم المنافقون و الكافرون و الّذين وصفوا اللّه بما لا يليق به،و كذّبوا رسله و كذبوا عليه.

فعلى هذا يكون معنى يُؤْذُونَ اللّهَ يخالفون أمره و يصفونه بما هو منزّه عنه و يشبّهونه بغيره،فإنّ اللّه عزّ اسمه لا يلحقه أذى،و لكن لمّا كانت مخالفة الأمر فيما بيننا تسمّى إيذاء خوطبنا بما نتعارفه.

و قيل: يُؤْذُونَ اللّهَ يلحدون في أسمائه و صفاته.

و قيل:معناه يؤذون رسول اللّه فقدّم ذكر اللّه على وجه التّعظيم؛إذ جعل أذى رسوله أذى له تشريفا له و تكريما،فكأنّه يقول:لو جاز أن يناله أذى من شيء لكان ينالني من هذا.

و اتّصاله بما قبله أنّه كأنّه يقول:صلّوا عليه و لا تؤذوا،فإنّ من آذاه فهو كافر.(4:370)

البيضاويّ: يرتكبون ما يكرهانه من الكفر و المعاصي،أو يؤذون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بكسر رباعيته، و قولهم:شاعر مجنون و نحو ذلك،و ذكر اللّه للتّعظيم له.

و من جوّز إطلاق اللّفظ الواحد على معنيين فسّره بالمعنيين،باعتبار المعمولين.(2:252)

النّيسابوريّ: رتّب الوعيد على إيذاء اللّه و رسوله،فيجوز أن يكون ذكر اللّه توطئة و تشريفا و إعلاما بأنّ إيذاء رسول اللّه هو إيذاء اللّه،كقوله تعالى:

فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ آل عمران:31.و يجوز أن يراد بإيذاء اللّه الشّرك به و نسبته إلى ما لا يجوز عليه.

و قيل:أذى رسول اللّه قولهم:إنّه ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون.

و قيل:طعنهم عليه في نكاح صفيّة بنت حييّ.

و الأظهر التّعميم.

و عن بعضهم أنّ اللّعن في الدّارين هو جزاء من يؤذي اللّه،و إعداد العذاب المهين هو جزاء من يؤذي

ص: 32

رسول اللّه،و لعلّ الفرق لاغ.(22:29)

القاسميّ: أي ينالون فيه الهوان و الخزي.

و المقصود من الآية الرّسول صلّى اللّه عليه و سلم،و ذكر اللّه تعالى إنّما هو لتعظيمه،ببيان قربه و كونه حبيبه،حتّى كأنّ ما يؤذيه يؤذيه،كما أنّ من يطيعه يطيع اللّه[إلى أن قال:]

و بالجملة،فاللّفظ عامّ في كلّ ما يصاب به صلّى اللّه عليه و سلم من أنواع المكروه،فيدخل المقصود من التّنزيل دخولا أوّليّا،و على هذا فالأذيّة على حقيقتها.

و قيل:المراد بأذيّة اللّه و رسوله ارتكاب ما لا يرضيانه مجازا مرسلا،لأنّه سبب أو لازم له،و إن كان بالنّسبة إلى غيره،فإنّه كان في العلاقة و ذكر اللّه و الرّسول على ظاهره.

و من جوّز إطلاق اللّفظ الواحد على معنيين -كاستعمال اللّفظ المشترك في معنييه،أو في حقيقته و مجازه-فسّر الأذيّة بالمعنيين باعتبار المعمولين،فتكون بالنّسبة إليه تعالى ارتكاب ما يكره مجازا،و إلى الرّسول على ظاهره.فإنّ تعدّد المعمول بمنزلة تكرّر لفظ العامل، فيجيء فيه الجمع بين المعنيين.(13:4906)

الطّباطبائيّ: إنّ اللّه سبحانه منزّه من أن يناله الأذى،و كلّ ما فيه وصمة النّقص و الهوان؛فذكره مع الرّسول و تشريكه في إيذائه تشريف للرّسول،و إشارة إلى أنّ من قصد رسوله بسوء فقد قصده أيضا بالسّوء؛ إذ ليس للرّسول بما أنّه رسول إلاّ ربّه،فمن قصده فقد قصد ربّه.(16:338)

نحوه فضل اللّه.(18:346)

4- وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً.

الأحزاب:58

مجاهد: يقفون.(الطّبريّ 22:45)

الطّبريّ: فمعنى الكلام على ما قال مجاهد:و الّذين يقفون المؤمنين و المؤمنات،و يعيبونهم طلبا لشينهم.

(22:45)

القرطبيّ: أذيّة المؤمنين و المؤمنات هي أيضا بالأفعال و الأقوال القبيحة،كالبهتان و التّكذيب الفاحش المختلق.و هذه الآية نظير الآية الّتي في النّساء:

112، وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً كما قال هنا.

و قد قيل:إنّ من الأذيّة تعييره بحسب مذموم،أو حرفة مذمومة،أو شيء يثقل عليه إذا سمعه،لأنّ أذاه في الجملة حرام.

و قد ميّز اللّه تعالى بين أذاه و أذى الرّسول و أذى المؤمنين،فجعل الأوّل كفرا و الثّاني كبيرة.فقال في أذى المؤمنين: فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً....

(14:240)

النّيسابوريّ: رتّب الوعيد على إيذاء المؤمنين و المؤمنات،و لكن قيّده بقوله: بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا، لأنّه إذا صدر عن أحدهم ذنب،جاز إيذاؤه على الوجه المحدود في الشّرع،و لعلّ المراد هو الإيذاء القوليّ،لقوله:

فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً...

و يحتمل أن يقال:احتمال البهتان سببه الإيذاء القوليّ،و احتمال الإثم المبين سببه الإيذاء الفعليّ.و يحتمل

ص: 33

أن يكون كلاهما وعيدا لإيذاء القوليّ،و إنّما وقع الاكتفاء به لأنّه أجرح للقلب،و لإمكان الاستدلال به على الفعليّ،و لأنّ إيذاء اللّه لا يكون إلاّ بالقول،إلاّ إذا جعل السّجود للصّنم إيذاء.(22:29)

الطّباطبائيّ: تقييد إيذائهم بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا، لأنّ إيذاءهم بما اكتسبوا-كما في القصاص و الحدّ و التّعزير-لا إثم فيه.و أمّا إيذاؤهم بغير ما اكتسبوا و من دون استحقاق فيعدّه سبحانه احتمالا للبهتان و الإثم المبين.و البهتان هو الكذب على الغير يواجهه به.

و وجه كون الإيذاء من غير اكتساب بهتانا أنّ المؤذي إنّما يؤذيه لسبب عنده يعدّه جرما له،يقول:لم قال كذا؟لم فعل كذا؟و ليس بجرم فيبهته عند الإيذاء بنسبة الجرم إليه مواجهة،و ليس بجرم.(16:339)

فضل اللّه: فلم يصدر منهم أيّ عمل يستحقّون به الإيذاء،من قتل أو جراحة أو سباب أو إيذاء،في أهل أو مال أو ولد،بل كان سلوكهم معهم سلوكا طبيعيّا،لا يصدر عنه أيّة ردّة فعل في أيّ أمر من أمور النّاس فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً الأحزاب:58،في ما يعنيه البهتان من الافتراء و الكذب على الغير،الّذي يواجهه به،فكأنّ المؤذي يدّعي وجود سبب للإيذاء صادر عن الشّخص الآخر من موقع موقفه،فينسب إليه جرما بغير حقّ وَ إِثْماً مُبِيناً لأنّه ظلم واضح لا مجال للاعتذار عنه من قريب أو من بعيد.(18:347)

فلا يؤذين

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَ بَناتِكَ وَ نِساءِ اَلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ... الأحزاب:59

الطّبريّ: ...لئلاّ يعرض لهنّ فاسق-إذا علم أنّهنّ حرائر-بأذى من قول.(22:46)

الميبديّ:لا يتعرّض لهنّ.(8:89)

الزّمخشريّ: أي أولى و أجدر بأن يعرفن، فلا يتعرّض لهنّ و لا يلقين ما يكرهن.(3:274)

الفخر الرّازيّ: قيل:يعرفن أنّهنّ حرائر فلا يتبعن.و يمكن أن يقال:المراد يعرفن أنّهنّ لا يزنين،لأنّ من تستر وجهها مع أنّه ليس بعورة لا يطمع فيها أنّها تكشف عورتها،فيعرفن أنّهنّ مستورات لا يمكن طلب الزّنى منهنّ.(25:230)

القرطبيّ: أي الحرائر،حتّى لا يختلطن بالإماء، فإذا عرفن لم يقابلن بأدنى من المعارضة مراقبة لرتبة الحرّيّة؛فتنقطع الأطماع عنهنّ.(14:244)

الطّباطبائيّ: أي ستر جميع البدن أقرب إلى أن يعرفن أنّهنّ أهل السّتر و الصّلاح فلا يؤذين،أي لا يؤذيهنّ أهل الفسق بالتّعرّض لهنّ.

و قيل:المعنى ذلك أقرب من أن يعرفن أنّهنّ مسلمات حرائر،فلا يتعرّض لهنّ بحسبان أنّهنّ إماء أو من غير المسلمات من الكتابيّات أو غيرهنّ.و الأوّل أقرب.(16:339)

تؤذوا

وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً... الأحزاب:53

ص: 34

الطّوسيّ: المعنى ليس لكم أن تؤذوا رسول اللّه بطول الجلوس عنده و مكالمة نسائه.(8:357)

نحوه الطّبرسيّ.(3:368)

البيضاويّ: أن تفعلوا ما يكرهه.(2:251)

نحوه البروسويّ.(7:216)

أبو حيّان: عامّ في كلّ ما يتأذّى به وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا خاصّ بعد عامّ،لأنّ ذلك يكون أعظم الأذى، فحرّم اللّه نكاح أزواجه بعد وفاته.(7:247)

الآلوسيّ: أي تفعلوا في حياته فعلا يكرهه و يتأذّى به،كاللّبث و الاستئناس بالحديث الّذي كنتم تفعلونه و غير ذلك.و التّعبير عنه عليه الصّلاة و السّلام بعنوان الرّسالة لتقبيح ذلك الفعل،و الإشارة إلى أنّه بمراحل عمّا يقتضيه شأنه صلّى اللّه تعالى عليه و سلّم؛ إذ في الرّسالة من نفعهم المقتضي للمقابلة بالمثل،دون الإيذاء ما فيها.(22:72)

فضل اللّه: وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللّهِ، في نفسه و أهله بالكلمة و النّظرة و الحركة.(18:340)

تؤذوننى

وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَ قَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ... الصّفّ:5

الطّوسيّ: كانوا يؤذونه،فيقولون:هذا ساحر كذّاب،و يرمونه بالبرص و غير ذلك.(9:592)

الميبديّ: ذلك أنّهم كانوا يقولون:إنّ به عيبا و إنّه آدر،أي لم لا توقّرونني مع علمكم أنّي رسول اللّه إليكم.(10:86)

الزّمخشريّ: كانوا يؤذونه بأنواع الأذى من انتقاصه و عيبه في نفسه،و جحود آياته و عصيانه-فيما تعود إليهم منافعه-و عبادتهم البقر،و طلبهم رؤية اللّه جهرة،و التّكذيب الّذي هو تضييع حقّ اللّه و حقّه.

(4:98)

الطّبرسيّ: هذا إنكار عليهم،إيذائه بعد ما علموا أنّه رسول اللّه و الرّسول يعظّم و يبجّل و لا يؤذى،و كان قومه آذوه بأنواع من الأذى و هو قولهم: اِجْعَلْ لَنا إِلهاً الأعراف:138، فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا.

المائدة:24،و ما روي في قصّة قارون أنّه دسّ إليه امرأة و زعم أنّه زنى بها،و رموه بقتل هارون.و قيل:إنّ ذلك حين رموه بالأدرة.(5:278)

الفخر الرّازيّ: كانوا يؤذونه بأنواع الأذى قولا و فعلا،فقالوا: أَرِنَا اللّهَ جَهْرَةً النّساء:153، لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ... البقرة:61.

و قيل:قد رموه بالأدرة.(29:312)

القرطبيّ: ذلك حين رموه بالأدرة.

و من الأذى ما ذكر في قصّة قارون:إنّه دسّ إلى امرأة تدّعي على موسى الفجور.

و من الأذى قولهم: اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ الأعراف:138،و قولهم: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا. المائدة:24،و قولهم:إنّك قتلت هارون.

(18:82)

البروسويّ: أي بالمخالفة و العصيان فيما أمرتكم به.

و الأذى:ما يصل إلى الإنسان من ضرر،إمّا في نفسه أو في جسمه أو قنياته،دنيويّا كان أو أخرويّا.(9:496)

ص: 35

فضل اللّه: موسى يواجه الأذى من قومه

و ليس هذا الوضع المنحرف الّذي يختلف فيه الفعل عن القول،ببدع في المجتمع الدّينيّ،في ما كان يمارسه بعض المسلمين في زمان الدّعوة ممّا كان يؤذي النّبيّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله،بل كانت المشكلة سابقة مع موسى عليه السّلام الّذي عمل على إنقاذ قومه من ظلم فرعون،حتّى أخرجهم من العبوديّة إلى الحرّيّة،على أساس الدّعوة التّوحيديّة الّتي تجعل النّاس خاضعين للّه وحده في السّير،وفق أوامره و نواهيه،و لكنّهم كانوا خاضعين لرواسب العبوديّة الّتي تمنعهم من التّطلّع إلى آفاق الحرّيّة في آفاق اللّه.

وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ، بعد أن قطع معهم شوطا طويلا عانى فيه الكثير الكثير من المشاكل و التّحدّيات، من أجل أن يخرجهم من الظّلمات إلى النّور،و تألّم أشدّ الألم من أجلهم،حتّى كان إرسال بني إسرائيل معه المطلب البارز الّذي قدّمه إلى فرعون،لأنّه كان يريد أن يجعل من مجتمع الاستضعاف،الّذي عاشوا فيه القهر و الذّلّ،مجتمعا إيمانيّا قويّا،يحرّك كلّ ذكريات الماضي من أجل أن تتحوّل إلى ثورة عاصفة في وجه الاستكبار، على أساس شريعة اللّه القائمة على العدل و الحرّيّة.

و بدأ بالدّعوة في أوساطهم،و وضعهم في قلب التّجربة،و أعطاهم الحرّيّة في التّعبير عن أفكارهم، انطلاقا من إنسانيّة الدّين،في احترام إنسانيّة الإنسان.

و لكنّهم كانوا معتادين على الخضوع المطلق للجبّار الّذي يفرض عليهم إرادته بالقهر،فلم يحترموا الشّخص الّذي يكلّمهم بمنطق الإنسان،حتّى قالوا له: أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَ مِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا، الأعراف 129.

و هكذا استمرّوا في إيذائه و في مطالبهم الّتي لا تنتهي،و في مشاكلهم الّتي لا تعدّ،و في تمرّدهم على أوامره و نواهيه حتّى ضاق بهم ذرعا،فقال لهم-من موقع المستنكر المتألّم لا من موقع اليائس المنهزم-:

يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَ قَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ، فليست صفتي بينكم صفة الشّخص العادي الّذي ينتمي إليكم،لتعاملوني كما يعامل بعضكم بعضا،بل إنّ صفتي هي صفة الرّسول الّذي أرسله اللّه إليكم ليهديكم و ينقذكم من ظلم المستكبرين وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ القصص:5،و ليحقّق لكم النّتائج الكبيرة في ما هو الخير و السّعادة في الدّنيا و الآخرة.

و لو كنتم تجهلون هذه الصّفة الرّساليّة في موقعي،فقد يكون لكم عذر في ذلك،و لكنّكم تعلمون أنّي رسول اللّه إليكم،فلا عذر لكم في ما تفعلونه،لأنّكم لا تتمرّدون عليّ بما تفعلونه،بل تتمرّدون على اللّه،ممّا يجعل الألم الّذي أحسّ به ألما رساليّا،لا ألما ذاتيّا.(22:183)

آذوهما

وَ الَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَ أَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما... النّساء:16

الإمام عليّ عليه السّلام: الأذى المأمور به هو الجمع بين الحدّين:الجلد و الرّجم.(أبو حيّان 3:196)

ابن عبّاس: النّيل باللّسان و الضّرب بالنّعال.

(القرطبيّ 5:86)

ص: 36

بالتّعيير و الضّرب بالنّعال.

(رشيد رضا 4:437)

مجاهد: هو التّعيير و التّوبيخ.

مثله قتادة،و السّدّيّ.(الطّوسيّ 3:144)

يعني:سبّا.(الطّبريّ 4:296)

ابن قتيبة: أي عزّروهما.و يقال:حدّوهما.

(122)

الطّبريّ: اختلف أهل التّأويل في الأذى الّذي كان اللّه تعالى ذكره جعله عقوبة للّذين يأتيان الفاحشة من قبل أن يجعل لهما سبيلا منه،فقال بعضهم:ذلك الأذى أذى بالقول و اللّسان،كالتّعيير و التّوبيخ على ما أتيا من الفاحشة.

و قال آخرون: كان ذلك الأذى أذى باللّسان غير أنّه كان سبّا.

و قال آخرون: بل كان ذلك الأذى باللّسان و اليد.

و أولى الأقوال في ذلك بالصّواب أن يقال:إنّ اللّه تعالى ذكره كان أمر المؤمنين بأذى الزّانيين المذكورين إذا أتيا ذلك،و هما من أهل الإسلام.

و الأذى قد يقع بكلّ مكروه نال الإنسان من قول سيّئ باللّسان أو فعل،و ليس في الآية بيان أنّ ذلك كان أمر به المؤمنون يومئذ،و لا خبر به عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم من نقل الواحد و لا نقل الجماعة،الموجب مجيئها قطع العذر.

و أهل التّأويل في ذلك مختلفون،و جائز أن يكون ذلك أذى باللّسان و اليد،و جائز أن يكون كان أذى بأيّهما،و ليس في العلم بأنّ ذلك كان من أيّ نفع في دين و لا دنيا،و لا في الجهل به مضرّة؛إذ كان اللّه جلّ ثناؤه قد نسخ ذلك من محكمه،بما أوجب من الحكم على عباده فيهما،و في اللاّتي قبلهما.

فأمّا الّذي أوجب من الحكم عليهم فيهما،فما أوجب في سورة النّور:2،بقوله: اَلزّانِيَةُ وَ الزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما... و أمّا الّذي أوجب في اللاّتي قبلهما فالرّجم الّذي قضى به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فيهما.

و أجمع أهل التّأويل جميعا على أنّ اللّه تعالى ذكره قد جعل لأهل الفاحشة من الزّناة و الزّواني سبيلا، بالحدود الّتي حكم بها فيهم.

و قال جماعة من أهل التّأويل:إنّ اللّه سبحانه نسخ بقوله: اَلزّانِيَةُ وَ الزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ قوله: وَ الَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما...

النّساء:16.(4:296)

الطّوسيّ: فإن قيل:كيف ذكر الأذى بعد الحبس؟

قلنا:فيه ثلاثة أوجه:

أحدها:قال الحسن:إنّ هذه الآية نزلت أوّلا،ثمّ أمر بأن توضع في التّلاوة بعد،فكان الأذى أوّلا،ثمّ الحبس بعد ذلك،ثمّ نسخ الحبس بالجلد أو الرّجم.

الثّاني:قال السّدّيّ:إنّه في البكرين خاصّة دون الثّيّبين،و الأولى في الثّيّبين دون البكرين.

الثّالث:قال الفرّاء:هذه الآية نسخت الأولى.قال أبو عليّ الجبّائيّ:في الآية دلالة على نسخ القرآن بالسّنّة،لأنّها نسخت بالرّجم أو الجلد،و الرّجم ثبت بالسّنّة.و من خالف في ذلك يقول:هذه الآية نسخت بالجلد في الزّنى،و أضيف إليه الرّجم زيادة لا نسخا، فلم يثبت نسخ القرآن بالسّنّة.فأمّا الأذى المذكور في

ص: 37

الآية فليس بمنسوخ،فإنّ الزّاني يؤذى و يعنّف،و يوبّخ على فعله،و يذمّ.و إنّما لا يقتصر عليه،فزيد في الأذى إقامة الحدّ عليه،و إنّما نسخ الاقتصار عليه.(3:144)

نحوه الطّبرسيّ.(2:21)

الزّمخشريّ: فوبّخوهما و ذمّوهما،و قولوا لهما:أ ما استحييتما؟أ ما خفتما اللّه؟

و يحتمل أن يكون خطابا للشّهود العاثرين على سرّهما،و يراد بالإيذاء ذمّهما و تعنيفهما و تهديدهما بالرّفع إلى الإمام و الحدّ.(1:511)

نحوه النّيسابوريّ(4:203)،و البروسويّ(2:

177)،و الآلوسيّ(4:436).

الفخر الرّازيّ: اتّفقوا على أنّه لا بدّ في تحقيق هذا الإيذاء من الإيذاء باللّسان،و هو التّوبيخ و التّعيير،مثل أن يقال:بئس ما فعلتما،و قد تعرّضتما لعقاب اللّه و سخطه،و أخرجتما أنفسكما عن اسم العدالة،و أبطلتما عن أنفسكما أهليّة الشّهادة.

و اختلفوا في أنّه هل يدخل فيه الضّرب؟فعن ابن عبّاس:أنّه يضرب بالنّعال.

و الأوّل أولى،لأنّ مدلول النّصّ إنّما هو الإيذاء، و ذلك حاصل بمجرّد الإيذاء باللّسان،و لا يكون في النّصّ دلالة على الضّرب،فلا يجوز المصير إليه.

(9:235)

القرطبيّ: قال النّحّاس:و زعم قوم أنّه منسوخ.

و قيل-و هو أولى-:إنّه ليس بمنسوخ،و أنّه واجب أن يؤدّبا بالتّوبيخ،فيقال لهما:فجرتما و فسقتما و خالفتما أمر اللّه عزّ و جلّ.(5:86)

البيضاويّ: بالتّوبيخ و التّقريع،و قيل:بالتّغريب و الجلد.(1:209)

أبو حيّان: الأمر بالأذى يدلّ على مطلق الأذى بقول أو فعل أو بهما.

و قال قوم: بالفعل دون القول.

و قالت فرقة: هو السّبّ و الجفاء دون تعيير.

(3:196)

الطّريحيّ: قيل:المراد اللّواط،لإتيانه بلفظ التّذكير.و أكثر المفسّرين على إرادة الزّنى.و التّثنية للفاعل و المرأة،و غلب التّذكير.

و المراد بالإيذاء قيل:التّعيير و التّوبيخ و الاستخفاف.فعلى هذا لا يكون منسوخا،لأنّه حكم ثابت مطلقا،بل المنسوخ الاقتصار عليه،و على الأوّل يعني اللّواط،فالإيذاء هو القتل،و هو أبلغ مراتبه.

(1:24)

رشيد رضا: إذا كانت هذه الآية قد نزلت قبل آية سورة النّور،و كان المراد بها الزّنى،كما هو قول الجمهور، فالعقاب كان تعزيرا مفوّضا إلى الأمّة،و إلاّ جاز أن يراد بالإيذاء الحدّ المشروع نفسه.

و الظّاهر أنّ آية النّور نزلت بعد هذه،و هي مبيّنة و محدّدة للإيذاء هنا على القول بأنّ ماهنا في الزّنى،و إلاّ فتلك خاصّة بحكم الزّنى لأنّها صريحة فيه،و هذه خاصّة باللّواط.و لذلك اختلف الصّحابة و من بعدهم في عقاب من يأتيه،و هذا ما اختاره أبو مسلم.

و تخصيصه الفاحشة في هذه الآية باللّواط الّذي هو استمتاع الرّجل بالرّجل،و الفاحشة فيما قبلها بالسّحاق

ص: 38

الّذي هو استمتاع المرأة بالمرأة هو المناسب لجعل تلك خاصّة بالنّساء و هذه خاصّة بالذّكور.فهذا مرجّح لفظيّ يدعمه مرجّح معنويّ،و هو كون القرآن عليه ناطقا بعقوبة الفواحش الثّلاث،و كون هاتين الآيتين محكمتين.و الإحكام أولى من النّسخ حتّى عند الجمهور القائلين به.(4:437)

فضل اللّه: قيل:المراد به:التّوبيخ و الاستخفاف،و بهذا لا يكون منسوخا،لأنّه حكم ثابت مطلق بل المنسوخ الاقتصار عليه.و قيل:إنّه عنوان للحدّ الواجب في هذه المعصية.(7:138)

الوجوه و النّظائر

الدّامغانيّ: الأذى،على عشرة أوجه:

الحرام،القمل،الشّدّة،الشّتم،البهتان،العصيان، التّخلّف،شغل القلب،المنّ،العذاب.

فوجه منها:الأذى يعني الحرام،قوله تعالى:

وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً البقرة:222، يعني حراما.

الثّاني:يعني القمل،قوله تعالى: أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ البقرة:196،يعنى القمل.

الثّالث:الشّدّة،قوله تعالى: إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ النّساء:102،أي شدّة من مطر.

الرّابع:الشّتم،قوله تعالى: وَ الَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما... النّساء:16،يعني سبّوهما و عزّروهما،و قد نسخ السّبّ بجلد مائة،كقوله تعالى:

وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً... آل عمران:186.

الخامس:البهتان،قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللّهُ مِمّا قالُوا...

الأحزاب:69،و قد قالوا:إنّه آدر،كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ [إلى قوله:] وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا الأحزاب:57،58.

السّادس:العصيان،قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ...

الأحزاب:57،و هم اليهود يعصون اللّه تعالى.

السّابع:التّخلّف،قوله تعالى: وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ... التّوبة:61،أي الّذين تخلّفوا عن غزوة تبوك.

الثّامن:شغل القلب،قوله تعالى: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ... الأحزاب:53،أي يشغل قلبه، فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ أن يأمركم بالخروج،كقوله تعالى:

وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللّهِ الأحزاب:53، يعني بالدّخول في بيته بغير إذنه،و هو أذى به.

التّاسع:المنّ،قوله عزّ و جلّ: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَ مَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً... البقرة:263، أي المنّ.

العاشر:العذاب،قوله تعالى: فَإِذا أُوذِيَ فِي اللّهِ العنكبوت:10،أي عذّب،نظيره: قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَ مِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا... الأعراف:129، أي عذّبنا.(26)

الفيروزآباديّ:[مثل الدّامغانيّ،إلاّ أنّه أضاف:]

ص: 39

الحادي عشر:بمعنى غيبة المؤمنين: وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ الأحزاب:58.

(بصائر ذوي التّمييز 2:72)

الأصول اللّغويّة

1-الأصل في هذه المادّة هو الأذى بمعنى المكروه،أو الأذى في الجسم فقط،ثمّ تجاوز إلى غيرها،و اشتقّ منها الفعل،يقال:أذيت و تأذّيت بالشّيء أذى و تأذّيا،أي وقع مكروه منه عليّ.و آذيته أنا إيذاء و أذاة و أذيّة:

أوصلت إليه المكروه.

2-و هذا يطّرد في سائر التّقاليب المشتقّة منها بالاشتقاق الكبير،ف«الذّأي»يعني السّير العنيف، و طرد الحمار للأتان.و«الذّيأ»يعني فساد القرحة و تقطّعها،و انفصال اللّحم عن العظم بفساد أو طبخ.

و«اليذأ»أو«الوذأ»الزّجر و الحقارة و العلّة.

3-و الأذى و الضّرر مترادفان،إلاّ أنّ الأوّل يفترق عن الثّاني بكونه خفيفا،كأذى الرّأس بالقمل في قوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ البقرة:196، و أذى المطر في قوله تعالى: وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى النّساء:102.

أمّا الضّرر فهو يتعدّى حدود الأذى و يزيد عليه، كالضّرر الّذي أصاب أيّوب في قوله تعالى: وَ أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ الأنبياء:83،و لذا استعمل القرآن الضّرر دون الأذى عند الضّجيج إلى اللّه وَ إِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ الزّمر:8.

4-و الأصل في الأذى-كما هو سنّة التّدرّج في اللّغة -هو الأذى المادّيّ،و الألم البدنيّ الحسّيّ ممّا يمسّ الجسم،ثمّ توسّع إلى ما يستكرهه الإنسان ممّا يراه أو يسمعه أو يشعر به من الأمور الّتي لا ترضيه و لا تلائمه، و الّتي لا قرار له معها و لا راحة لنفسه من أجلها، و لا يستساغ العيش في جنبها.

الاستعمال القرآنيّ

1-جاء الأذى في القرآن بقسميه المادّيّ و المعنويّ، و هو يحمل إمّا معنى منفردا أو معنى مشتركا بينهما.

الأذى المادّيّ:

وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى النّساء:102

وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ البقرة:222

و باقي الآيات كما سترى بين ما يختصّ بالأذى المعنويّ،و ما يحتمل الاشتراك بينه و بين المادّيّ.

2-و كثيرا ما يشير القرآن إلى ما أصاب الأنبياء و المؤمنون من الأذى بقسميه:

إيذاء الأنبياء عليهم السّلام:

1- وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَ أُوذُوا حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا الأنعام:34

2- وَ ما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَ قَدْ هَدانا سُبُلَنا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا إبراهيم:12

إيذاء النّبيّ موسى عليه السّلام:

ص: 40

3- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللّهُ مِمّا قالُوا وَ كانَ عِنْدَ اللّهِ وَجِيهاً

الأحزاب:69

4- وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَ قَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ الصّفّ:5

إيذاء النّبيّ محمّد صلّى اللّه عليه و آله:

5- وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ التّوبة:61

6- إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً الأحزاب:57

7- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَ لكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَ لا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ.... .وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللّهِ عَظِيماً الأحزاب:53

إيذاء المؤمنين:

8- وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً

الأحزاب:58

9- فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي وَ قاتَلُوا وَ قُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ

آل عمران:195

10- لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً وَ إِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ اَلْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ آل عمران:111

11- وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللّهِ العنكبوت:10

12- قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَ مِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا الأعراف:129

يلاحظ أوّلا:أنّ إيذاء الأنبياء و منهم النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان معنويّا و نفسيّا أكثر منه مادّيّا و جسمانيّا،كالافتراء عليهم و إيصال الضّرر إليهم بالقول أو الفعل.

و ثانيا:أنّ الأذى كما يصيبهم من قبل أعدائهم قد يصيبهم من قبل المؤمنين بهم،و هو الغالب في القرآن بشأن موسى و النّبيّ عليهما السّلام.و هذا ممّا يثير الأسف و يبعث العجب أن يؤذى الأنبياء بأيدي المؤمنين بهم فضلا عن ما أوذوا من قبل الكافرين.

و ثالثا:أنّ الأنبياء و كذا المؤمنين إنّما تحمّلوا الأذى في سبيل الدّعوة إلى اللّه،و بهذا يستساغ لهم الأذى،لأنّ كلّ ما يصيب الإنسان في سبيل اللّه فهو خير و ليس بشرّ، و هذا ما يستحلي الصّبر عندهم: فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَ أُوذُوا، وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا.

و رابعا:جاء أذى الأنبياء من قبل أممهم مرّة، و أذى موسى من بني إسرائيل مرّتين،و أذى المؤمنين أربعا فيما مرّ من الآيات.في حين أنّ أذى النّبيّ في أمّته جاء من قبل المنافقين أو من بعض المؤمنين خمس أو ستّ مرّات،نظرا إلى أنّ قوله تعالى: لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فيه إيماء إلى إيذاء النّبيّ أيضا.و عليه فيكاد يكون تحمّله الأذى ضعفا لما تحمّله غيره من الأنبياء من أممهم،فيعدّ هذا تصديقا لما روي عنه صلّى اللّه عليه و آله

ص: 41

-و لم يثبت إسناده-«ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت».

و خامسا:تعقيبا لهذا و إكبارا لإيذائه تكرّر «الإيذاء»في آية التّوبة:61،و الأحزاب:53.

و سادسا:لعلّ التّعبير في الآيتين عن نبيّنا مرّة بلفظ «النّبيّ»و أخرى بلفظ«رسول اللّه»فيه أيضا نوع من الإكبار لإيذاء النّبيّ و التّشديد في اللّوم على من ارتكبه.

و سابعا:بنفس السّبب جاء إيذاء النّبيّ مقرونا باللّه و تلوا له: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ أي أنّ إيذاءه سوف يكون إيذاء اللّه تعالى قبل أن يكون إيذاء الرّسول،و هذا غاية التّعظيم له،كما أنّ حبّه حبّ اللّه و عداوته عداوة اللّه،و طاعته طاعة اللّه و مبايعته مبايعة اللّه.

و ثامنا:أنّ الآيات الّتي جاءت بشأن إيذاء النّبيّ و المؤمنين كلّها مدنيّة،و حازت سورة الأحزاب السّهم الأوفى من ذلك،فقد ذكر الإيذاء أربع مرّات في ثلاث آيات منها.و هذا إن دلّ على شيء يدلّ على شدّة آلام النّبيّ و محنه في المدينة،و لا سيّما في الآونة الّتي نزلت فيها سورة الأحزاب،و كانت غزوة الأحزاب آخر حرب أثارتها قريش على النّبيّ،و قد بلغت عداوتهم له و إيذاؤهم إيّاه أوجها.

و تاسعا:في الآيات إيماء إلى أنواع الإيذاء الّتي تحمّلها النّبيّ و المؤمنون من البهتان و الإهانة و الإخراج من الدّيار و القتل و إثارة الفتن و غيرها.

و عاشرا:في آيتي العنكبوت،و الأعراف:(11 و 12)،-و هما مكّيّتان-عتاب للمؤمنين الّذين يشكون من الأذى،فقوم موسى منّوا على موسى بأنّهم أوذوا من قبل أن يأتيهم موسى و من بعد ما جاءهم:و من المؤمنين بالنّبيّ من جعل عذاب النّاس كعذاب اللّه.و هذه آية النّفاق أو دليل على نقص في الإيمان.

و أمّا المؤمنون حقّا فبدل أن يشكوا من الأذى و يمنّوا بذلك على الأنبياء،يستقبلون الأذى و يعالجونه بالالتجاء إلى الصّبر و التّوكّل،و يقفون في وجه الأعداء معلنين إيّاهم بقولهم: وَ ما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَ قَدْ هَدانا سُبُلَنا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا تلك عشرة كاملة و هناك مزيد لمن تدبّر.

3-الأذى بعد الإنفاق:

1- اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ...

البقرة:262

2- قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَ مَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَ اللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ البقرة:263

3- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وَ لا يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ البقرة:264

يلاحظ أوّلا:أنّ الإنفاق و الصّدقة لا أجر لهما مع الأذى بل الأذى يبطلهما،و أنّ قولا معروفا خير من صدقة يتبعها أذى مهما كان الأذى و الصّدقة.

و ثانيا:أنّ الأذى في الآيات يعمّ الأذى المادّيّ و المعنويّ للإطلاق و العموم و فقد الموجب للاختصاص، إلاّ أن تعدّ مقارنته بالمنّ في آيتين،و مقابلته بقول معروف و المغفرة في آية،شاهدا على أنّه أريد به الأذى المعنويّ.

ص: 42

و ثالثا:كما يعمّ الكثير و القليل،فقليل الأذى يبطل الكثير من الصّدقة،و قليل من قول معروف و مغفرة خير من كثير من الصّدقة يتبعها أذى.

و رابعا:ضمّ الأذى بالمنّ في آيتين و جاء تاليا له، علما بأنّ المنّ نوع من الأذى النّفسيّ،و فيه إشعار بأنّ المنّ قبل كلّ شيء إيذاء لمن أنفقت عليه،و أنّه يضادّ تلك النّفسيّة الطّيّبة الّتي بعثتك على الإنفاق،فالإنفاق نشأ عن حبّ الخير و حبّ الغير،و إيثاره على النّفس و التّخلّي عن التّعلّق بالمال،و أمّا المنّ و الأذى فمنبعثان عن حبّ النّفس و شدّة علاقتها بالمال و تأسّفها على إنفاقه،فإتباع الصّدقة بالمنّ و الأذى يعتبر رجوعا في الصّدقة و استمرارا لتلك العلاقة المادّيّة،و تخلّيا عن تلك الرّوح الطّيّبة الّتي تظاهر بها من وراء الصّدقة رياء.

و خامسا:للتّأكّد من ذلك عقّبه بقوله: كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وَ لا يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ...

فالمرائي الّذي توسّل إلى مطامعه بالعمل الصّالح يكاد يكون فاقدا للإيمان باللّه و اليوم الآخر.

و سادسا:بذلك ننتهي إلى أنّ الّذي أبطل صدقته بالمنّ و الأذى يكاد يخرج و ينخلع عن ربقة الإيمان.

4-الأذى في مجال الأحكام:

1- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَ بَناتِكَ وَ نِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَ كانَ اللّهُ غَفُوراً رَحِيماً

الأحزاب:59

2- وَ الَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَ أَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللّهَ كانَ تَوّاباً رَحِيماً

النّساء:16

3- وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ دَعْ أَذاهُمْ وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَ كَفى بِاللّهِ وَكِيلاً الأحزاب:48

4- فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ... البقرة:196

5- وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ... البقرة:222

6- وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ... النّساء:102

يلاحظ أوّلا:أنّ الحذر و التّحفّظ عن أذى الآخرين مطلوب مرغوب فيه،و قد جعل في«1»إدناء النّساء عليهنّ الجلابيب كوسيلة للوصول إليه،و كعلامة على أنّهنّ مؤمنات،حرائر،عفيفات،فلا يؤذين،و تشملهنّ رحمة اللّه و غفرانه.

و ثانيا:الإيذاء فى«2»جاء مأمورا به تعزيرا و تأديبا على الفاحشة بالشّتم و السّبّ كما في التّفاسير، و ذلك قبل نزول آية الجلد في سورة النّور.

و ثالثا:في«3»منع النّبيّ عن أذى المنافقين و الكافرين في مرحلة محدّدة إمهالا لهم ليتوبوا أو ليظهروا بواطنهم فيعرفوا فيؤخذوا بأشقّ الأحوال،و ذلك مرفوع بآيات الجهاد،و بالتّشديد على المنافقين في مثل سورة التّوبة النّازلة في غزوة تبوك،و قد ميّز اللّه فيها المؤمنين عن المنافقين تماما.

و رابعا:في الثّلاث الأخيرة جاء الأذى إمّا علّة للحكم كما في«5»: قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي

ص: 43

اَلْمَحِيضِ أو عذرا لرفع الحكم كالمرض،ففي«4» وضع اللّه الحلق عن المحرم-إن كان مريضا أو به أذى من رأسه-بفدية من صيام أو صدقة،و في«6»رخّص وضع السّلاح في الصّلاة إن كان الرّجل مريضا أو به اذى من مطر.

و خامسا:قد عرفنا أن الأذى جاء في«4 و 5» بمعنى الجرح،و في«6»بمعنى التّحرّج.و للبحث عن كون المحيض أذى،فمجال واسع في الطّبّ،فلاحظ تفسير المراغيّ.

ص: 44

أرب

اشارة

لفظان مرّتان:1 مكّيّة،1 مدنيّة

في سورتين:1 مكّيّة،1 مدنيّة

الإربة 1:-1 مآرب 1:1

النّصوص اللّغويّة

الخليل: قطعت اللّحم آرابا،و الواحد:إرب،أي قطعا.و يقال في الدّعاء:أربت يده،أي قطعت يده، و أربت من يديك،أي سقطت آرابك.

و الإرب:الحاجة المهمّة،يقال:ما إربك إلى هذا الأمر،أي ما حاجتك إليه.و الإربة و الأرب و المأربة أيضا.

و الأرب،مصدر الأريب:العاقل،و أرب الرّجل يأرب إربا.

و المؤاربة:مداهاة الرّجل و مخاتلته،و في الحديث:

«مؤاربة الأريب جهل و عناء»،لأنّ الأريب لا يخدع عن عقله.

و التّأريب:التّحريش،و تأرّب فلان علينا،أي تعسّر و خالف و التوى.

و المستأرب من الأوتار:الجيّد الشّديد.[ثمّ استشهد بشعر](8:289)

الأربة:نصيب اليسر من الجزور.

(ابن فارس 1:90)

ابن شميّل: أرب في ذلك الأمر،أي بلغ فيه جهده و طاقته و فطن له.

و قد تأرّب في أمره،سواء.(الأزهريّ 15:256)

أبو عمرو الشّيبانيّ: المؤرّبة:الموفّرة الّتي لم ينقص منها شيء.و قد أرّبته تأريبا،إذا وفّرته؛مأخوذ من«الإرب»و هو العضو.يقال:قطّعته إربا إربا،أي عضوا عضوا.[ثمّ استشهد بشعر]

(الأزهريّ 15:256)

الفرّاء: المستأرب:الّذي قد أحاط الدّين،أو غيره من النّوائب بآرابه،من كلّ ناحية.[ثمّ استشهد

ص: 45

بشعر](الأزهريّ 15:255)

أبو زيد: رجل أريب،من قوم أرباء.و قد أرب يأرب:أحسن الإرب في العقل.و أرب يأرب أ ربّا،في الحاجة.و الاسم:الإربة.(الأزهريّ 15:257)

أرب الرّجل يأرب،إذا تشدّد و ضنّ و تحكّر.

(ابن فارس 1:90)

الأصمعيّ: تأرّبت في حاجتي:تشدّدت.و أرّبت العقدة:شددتها،و هي الّتي لا تنحلّ حتّى تحلّ.

(الأزهريّ 15:255)

أرب الرّجل يأرب إربا،إذا صار ذا دهي.أربت بالشّيء:صرت فيه ماهرا بصيرا،و منه الرّجل الأريب، أي ذو دهي و بصر.[ثمّ استشهد بشعر]

(الأزهريّ 15:256،257)

أبو عبيد: عضو مؤرّب،أي موفّر،و في حديث:

«إنّه أتي بكتف مؤرّبة فأكلها و صلّى و لم يتوّضأ».

آربت على القوم،مثال«أفعلت»،إذا فزت عليهم و فلجت.

و الإربة،و الإرب:الحاجة،و هي المأربة،و جمعها:

مآرب.قال تعالى: وَ لِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى طه:18، و قال تعالى: غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ النّور:31.

و في حديث عمر:«أربت عن ذي يديك»هو عندي مأخوذ من«الآراب»،و هي أعضاء الجسد.

فكأنّه أراد بقوله:«أربت عن ذي يديك»أي سقطت آرابك،من اليدين خاصّة.

و هو في حديث آخر:«سقطت عن ذي يديك،أ لا كنت حدّثتنا به؟»

الأربى:من أسماء الدّاهية.[و استشهد بشعر مرّتين](الأزهريّ:15:256-259)

ابن الأعرابيّ: في حديث:«أربت عن ذي يديك»معناه:ذهب ما في يديك حتّى تحتاج.و قد أرب الرّجل،إذا احتاج إلى الشّيء و طلبه،يأرب أ ربّا.

و يقال:أرب الدّهر:اشتدّ.

و أربت به:بصرت به.

أربت بالشّيء،أي كلفت به.

الرّبة:العقدة.

و في خبر ابن مسعود أنّ رجلا اعترض النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم ليسأله،فصاح به النّاس،فقال:«دعوا الرّجل أرب ماله»أي احتاج فسأل ماله.

(الأزهريّ 15:257-260)

يقال للعقل أيضا:إرب و إربة،كما يقال للحاجة:

إربة و إرب.

أرب الرّجل يأرب إربا.

الأربة:خلاف الأنشوطة.

رجل أرب،إذا كان محكم الأمر.[و استشهد بالشّعر 4 مرّات](ابن فارس 1:89،91،92)

قولهم:«أرب الدّهر»كأنّ له أ ربّا يطلبه عندنا فيلحّ لذلك.(ابن سيده 10:288)

ابن السّكّيت: جاء فلان في أربيّة من قومه،يعني في أهل بيته و بني عمّه.و لا تكون الأربيّة من غيرهم.

(39)

جاء بالأربى مقصورا،أي بالدّاهية المستنكرة.

(429)

ص: 46

يقال:قطّعه إربا إربا،أي قطعا قطعا.(508)

لي في هذا الشّيء إربة،و أرب و مأربة و مأربة، و قد أربت إلى الشّيء آرب أ ربّا.و منه قولهم:ما أربك إلى كذا و كذا،أي ما حاجتك.قال اللّه تعالى: وَ لِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى طه:18،أي حوائج.و قال أيضا: أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ النّور:31،يعني الّذين لا حاجة لهم في النّساء.(567)

إذا كان العضو تامّا لم يكسر منه شيء فهو جدل و إرب،يقال:قطّعه جدولا و آرابا،و قطّعه إربا إربا، و جدلا جدلا،و عضوا عضوا.و يقال:أعطه عضوا مؤرّبا،أي تامّا.(607)

ابن قتيبة: في قوله[صلّى اللّه عليه و آله و قد سبق في قول ابن الأعرابيّ:]«أرب ماله»أي سقطت أعضاؤه و أصيبت.و هي كلمة يقولها العرب لا يراد بها إذا قيلت وقوع الأمر،كما يقال:عقرى حلقى،و قولهم:

تربت يداه.(الأزهريّ 15:260)

ابن أبي اليمان: الإربة:الحاجة.(202)

ثعلب: الإرب:العقل و الدّين.

(ابن سيده 10:288)

الأربة:العقدة،و لم يخصّ بها الّتي لا تنحلّ و أرّبها:

عقدها[ثمّ استشهد بشعر].ابن سيده(10:289)

الطّبريّ: الإربة:الفعلة من الأرب،مثل الجلسة من الجلوس،و المشية من المشي،و هي الحاجة.يقال:

لا أرب لي فيك:لا حاجة لي فيك،و كذا أربت لكذا و كذا،إذا احتجت إليه،فأنا آرب له أ ربّا.

فأمّا الأربة،بضمّ الألف:فالعقدة.(18:123)

ابن دريد: الإرب:العضو بكماله،و الجمع:

آراب.و الإربة:الحاجة،و الجمع:إرب و آراب،و هي المأربة،و تجمع:مآرب.

و أرّبت العقدة تأريبا،إذا أحكمت عقدها،و تأرّب الرّجل في الأمر،إذا تشدّد فيه تأرّبا.

و إراب:موضع أو جبل،و مأرب:بلاد الأزد الّتي أخرجهم منها سيل العرم.

و الأرب:العقل،و قالوا:الإرب.

و يقال:لا أرب لي في كذا و كذا،أي لا حاجة لي فيه.

و رجل أريب:عاقل.(3:203)

يقال:أعطيته عضوا مؤرّبا،أي تامّا لم يؤخذ من لحمه شيء،مثل اليد و الجنب و ما يليهما.(3:204)

عبد الرّحمن الهمذانيّ: يقال:قد قضى فلان من الشّيء وطره،و قضى أربه،و قضى نهمته،و قضى حاجته.(272)

ابن الأنباريّ: في قول عمر:«أربت عن ذي يديك»أي ذهب ما في يديك حتّى تحتاج.

(الأزهريّ 15:259)

قوله صلّى اللّه عليه و آله:«أرب ماله»أي اشتكت آرابه و سقطت.(الهرويّ 1:35)

القاليّ: أرب:شدّ،يقال:أربت العقد،إذا شددته.

و الأربة:العقدة.(2:316)

الأزهريّ: قول ابن الأعرابيّ:الرّبة:العقدة،أظنّ الأصل كان«الأربة»فحذفت الهمزة و قيل:ربة.

و في الحديث إنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم ذكر الحيّات،فقال:«من

ص: 47

خشي خبثهنّ و شرّهنّ و إربهنّ فليس منّا»،أصل «الإرب»:الدّهاء و النّكر،و المعنى من توقّى قتلهنّ خشية شرّهنّ فليس من سنّتنا.

و قال اللّيث: التّأريب:التّحريش.

قلت:هذا تصحيف،و الصّواب:التّأريث،بالثّاء.

و جاء رجل إلى النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم فقال:دلّني على عمل يدخلني الجنّة،فقال:«أرب ماله؟»معناه:أنّه ذو أرب و خبرة و علم.

و أرب عضده،إذا سقط.

و أرب،إذا سجد على آرابه متمكّنا.

و في حديث رواه معمر عن أبي إسحاق،عن المغيرة،عن عبد اللّه،عن أبيه:أنّه أتى النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم بمنى فدنا منه،فنحّي،فقال النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم:«دعوه فأرب ما له».قال فدنوت منه.قلت:و«ما»صلة.

و يجوز أن يكون أراد:فأرب من الآراب جاء به فدعوه.(15:259)

الجوهريّ: الإرب:العضو.يقال:السّجود على سبعة آراب،و أرآب أيضا.

و رجل مستأرب بفتح الرّاء،أي مديون،كأنّ الدّين أخذ بآرابه.

و الإرب أيضا:الدّهاء،و هو من العقل.

يقال:ذو إرب.و قد أرب يأرب إربا،مثل:صغر صغرا،و أرابة أيضا بالفتح.

و فلان يؤارب صاحبه،إذا داهاه.و الأريب:

العاقل.

و الإرب أيضا:الحاجة،و فيه لغات:إرب،و إربة، و أرب،و مأربة،و مأربة.و في المثل:«مأربة لا حفاوة».

تقول منه:أرب الرّجل بالكسر،يأرب أ ربّا.

و أرب الدّهر أيضا،إذا اشتدّ.

و يقال أيضا:أرب الرّجل،إذا تساقطت أعضاؤه.

و يقال:أربت من يديك،أي سقطت آرابك من اليدين خاصّة.

و أرب بالشّيء أيضا:درب به و صار بصيرا فيه، فهو أرب.

و الأربة بالضّمّ:العقدة.و تأريب العقدة:

إحكامها،يقال:أرّب عقدتك،و هي الّتي لا تنحلّ حتّى تحلّ حلاّ.

و تأريب الشّيء أيضا:توفيره،و كلّ موفّر مؤرّب.

يقال:أعطاه عضوا مؤرّبا،أي تامّا لم يكسر.

و آربت على القوم،أي فزت عليهم و فلجت.

و مأرب:موضع،و منه ملح مأرب.و الأربى:الدّاهية، بضمّ الهمزة.[و استشهد بالشعر 4 مرّات](1:86)

ابن فارس: الهمزة و الرّاء و الياء لها أربعة أصول، إليه ترجع الفروع،و هي:الحاجة،و العقل،و النّصيب، و العقد.

فأمّا الحاجة فقال الخليل: الأرب:الحاجة، و ما أربك إلى هذا،أي ما حاجتك؟[إلى أن قال:]

و الإرب:العقل.و النّعت من الإرب أريب،و الفعل أرب،بضمّ الرّاء.

و قال ابن الأعرابيّ:أرب الرّجل يأرب إربا.و من هذا الباب الفوز و المهارة بالشّيء،يقال:أربت بالشّيء، أي صرت به ماهرا.

ص: 48

و من هذا الباب المؤاربة،و هي المداهاة.و كذلك الّذي جاء في الحديث:«مؤاربة الأريب جهل».

و أمّا النّصيب فهو و العضو من باب واحد،لأنّهما جزء الشّيء.[إلى أن قال:]

و أمّا العقد و التّشديد فقال أبو زيد:أرب الرّجل يأرب،إذا تشدّد و ضنّ و تحكّر.و من هذا الباب التّأريب،و هو التّحريش،يقال:أرّبت عليهم،و تأرّب فلان علينا،إذا التوى و تعسّر و خالف.[إلى أن قال:]

و إنّما سمّيت قلادة الفرس و الكلب أربة،لأنّها عقدت في عنقهما.[و استشهد بالشّعر مرّتين](1:89)

أبو هلال:الفرق بين العقل و الإرب،أنّ قولنا:

الإرب،يفيد وفور العقل من قولهم:عظم مؤرّب،إذا كان عليه لحم كثير وافر،و قدح أريب،و هو المعلّى؛ و ذلك أنّه يأخذ النّصيب المؤرّب،أي الوافر.(66)

الفرق بين الإبرام و التّأريب،أنّ التّأريب شدّة العقد،يقال:أرّب العقد،إذا جعل عقدا فوق عقد،و هو خلاف النّشط،يقال:نشطه،إذا عقده بأنشوطة،و هو عقد ضعيف،و أرّبه،إذا أحكم عقده،و أنشطه،إذا حلّ الأنشوطة.(175)

الهرويّ: في حديث عائشة:«كان أملككم لإربه» أرادت:لحاجته،تعني أنّه كان غالبا لهواه.و الأرب، و الإربة،و المأربة و المأربة:الحاجة.

و في الحديث:«أنّ رجلا اعترض النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم ليسأله فصاح به النّاس،فقال النّبيّ عليه السّلام:«دعوا الرّجل،أرب ماله؟».

قال ابن الأعرابيّ:أي احتاج فسأل فماله؟

و في حديث آخر:«فدعوه،فأرب ما له»قال الأزهريّ:معناه فحاجة جاءت به فدعوه.و«ما»صلة.

قال ابن الأنباريّ:قوله:«أرب ماله»أي اشتكت آرابه و سقطت.

و الآراب:الأعضاء،واحدها:إرب.و هذا الدّعاء من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فيه قولان:

أحدهما:أنّه لمّا رأى الرّجل يزاحم و يدافع،غلبه طبع البشريّة،فدعا عليه دعاء لا يستجاب في المدعوّ عليه؛إذ كان قال:«اللّهمّ إنّما أنا بشر فمن دعوت عليه فاجعل دعائي رحمة له».

و الثّاني:أنّ ظاهر الكلام الدّعاء،و المعنى التّعجّب من حرص السّائل،فكأنّ قوله:«أرب»يجري مجرى قوله:«للّه درّه»،كما قال:«عليك بذات الدّين تربت يداك»و هو يريد:للّه درّك.

قال:و في غير هذه الرّواية:«أرب ماله»بضمّ الباء و تنوينها،و معناه:الرّجل أرب،أي حاذق كامل.

و أرب الرّجل:صار ذا فطنة.

و في حديث سعيد بن العاص أنّه قال لابنه عمرو:

«لا تتأرّب على بناتي»أي لا تتشدّد.

و في الحديث«مؤاربة الأريب جهل و عناء»أي إنّ الأريب لا يختل عن عقله.(1:34)

الشّريف المرتضى: الإربة:الدّهاء.و الأربة:

العقدة.(2:60)

الإرب:الخديعة عند الحاجة.(2:210)

ابن سيده: الإرب:الحاجة.و في الحديث:«كان أملككم لإربه»،أي أغلبكم لهواه و حاجته.

ص: 49

و قال السّلميّ: الإرب:الفرج هاهنا،و هو غير معروف.

و الإربة،و الأرب،و المأرب-كلّه-كالإرب.تقول العرب:«مأرب لا حفاوة»،أي إنّما بك حاجتك لا تحفّيا بي.

و هي الآراب،و الإرب.

و المأربة،و المأربة مثله.

و أرب إليه أ ربّا:احتاج.

و الإرب،و الإربة،و الأربة،و الأرب:الدّهاء.

و البصر بالأمور.

أرب أرابة،فهو أريب،من قوم أرباء.

و أرب بالشّيء:درب به،و صار فيه ماهرا بصيرا.

قال أبو عبيد:و منه الأريب،أي ذو دهي و بصر.

و الأربى:الدّاهية.

و المؤاربة:المداهاة.

و أرب الرّجل أ ربّا:أيس.

و أرب بالشّيء:ضنّ به.

و الإرب:العضو الموفّر الكامل الّذي لم ينقص منه شيء،و في الحديث أنّه«أتي بكتف مؤرّبة فأكلها،و صلّى و لم يتوضّأ»؛و الجمع:آراب.

و الآراب:قطع اللّحم.

و أرب الرّجل:قطع إربه،و قد غلب في اليد.

فأمّا قولهم في الدّعاء:ما له!أربت يده؟فقيل:

قطعت.و قيل:افتقر،فاحتاج إلى ما في أيدي النّاس.

و أرّب العضو:قطعه موفّرا.

و قيل:كلّ ما وفّر فقد أرّب.

و الأربيّة:أصل الفخذ،تكون«فعليّة»و تكون «أفعولة»و سيأتي بابها.

و الأربة:العقدة الّتي لا تنحلّ حتّى تحلّ حلاّ.

و استأرب الوتر:اشتدّ.

و تأرّب في حاجته:تشدّد.

و تأرّب علينا:تعسّر.

و التّأريب:التّحريش،و التّفطين.

و الأربة:آخيّة الدّابّة.

و الأربة:قلادة الكلب الّتي يقاد بها،و كذلك الدّابّة، في لغة طيّئ.

و آرب على القوم:فاز،و فلح.

و أرب عليه:قوي.

و الأربان:لغة في العربان.

و إراب:موضع،أو جبل معروف.و قيل:هو ماء لبني رياح بن يربوع.[و استشهد بالشّعر ثلاث مرّات]

(10:288)

الإرب:العقل و الدّهاء و الفطنة.و الأرب:الدّهاء و الفطنة و البصر بالأمور.أرب إربا و أرابة:عقل،و كان ذا دهاء و فطنة،فهو أرب و أريب.و أربت الشّيء و به و فيه:صرت فيه ماهرا بصيرا.و تأرّب:تكلّف الدّهاء.

(الإفصاح 1:140)

الأرب و الإرب و الإربة و المأرب و المأربة:الحاجة أو الحاجة الشّديدة.أرب إلى الشّيء يأرب أ ربّا:احتاج و افتقر،و في المثل:«أرب لا حفاوة»يضرب للرّجل يتملّقك،أي إنّ ما جاء بك هو حاجة لا حفاوة.

(الإفصاح 2:1342)

ص: 50

1Lالطّوسيّ: الإربة:الحاجة،و هي فعلة من الأرب، كالمشية من المشي،و الجلسة من الجلوس.و قد أربت لكذا آرب له أ ربّا،إذا احتجت إليه.و منه الأربة بضمّ الألف:العقدة،لأنّ ما يحتاج إليه من الأمور يقتضي العقدة عليه،و لأنّ الحاجة كالعقدة حتّى تنحلّ بسدّ الخلّة،و لأنّ العقدة الّتي تمنع من المنفعة يحتاج إلى حلّها، و لأنّ العقدة عمدة الحاجة.(7:430)

الرّاغب: الأرب:فرط الحاجة المقتضي للاحتيال في دفعه،فكلّ أرب حاجة و ليس كلّ حاجة أ ربّا،ثمّ يستعمل تارة في الحاجة المفردة و تارة في الاحتيال،و إن لم يكن حاجة كقولهم:فلان ذو أرب و أريب،أي ذو احتيال،و قد أرب إلى كذا،أي احتاج إليه حاجة شديدة،و قد أرب إلى كذا أ ربّا و أربة و إربة و مأربة.

قال تعالى: وَ لِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى طه:18،و لا أرب لي في كذا،أي ليس بي شدّة حاجة إليه.

و قوله: أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ النّور:31، كناية عن الحاجة إلى النّكاح،و هي الأربى للدّاهية المقتضية للاحتيال،و تسمّى الأعضاء الّتي تشتدّ الحاجة إليها آرابا،الواحد:أرب،و ذلك أنّ الأعضاء ضربان:

ضرب أوجد لحاجة الحيوان إليه كاليد و الرّجل و العين، و ضرب للزّينة كالحاجب و اللّحية.

ثمّ الّتي للحاجة ضربان:ضرب لا تشتدّ إليه الحاجة،و ضرب تشتدّ إليه الحاجة،حتّى لو توهّم مرتفعا لاختلّ البدن به اختلالا عظيما،و هي الّتي تسمّى«آرابا».

و روي أنّه عليه السّلام قال:«إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب:وجهه و كفّاه و ركبتاه و قدماه».

و يقال:أرّب نصيبه،أي عظّمه؛و ذلك إذا جعله قدرا يكون له فيه أرب.و منه أرّب ماله،أي كثّر، و أرّبت العقدة:أحكمتها.(15)

الميبديّ: المآرب:الحوائج،واحدتها:مأربة و مأربة.و الإرب و الإربة أيضا:الحاجة.

و إرب الإنسان:عضوه،و جمعه:آراب،و صحّ في الحديث:«أمرت أن أسجد على سبعة آراب».

و الأريب:لهو العاقل الّذي يقوم لحوائجه.

(6:106)

الزّمخشريّ: في مثل:«مأربة لا حفاوة».

و يقولون:ألحق بمآربك من الأرض،أي اذهب إلى حيث شئت.[ثمّ استشهد بشعر]

و ما أربك إلى هذا الأمر؟و ما لي فيه أرب.و فلان مالك لإربه.و هو من غير أولى الإربة من الرّجال.

و فلان أرب و ذو إرب:و هو الدّهاء،و منه الأربى:

الدّاهية.و هو آرب من صاحبه.و هو يؤارب أخاه.

و يقال:مؤاربة الأريب جهل و عناء.

و أرّب الشّاة:عضّها و قطّعها إربا إربا.

و جذم فتساقطت آرابه.و تأرّبت العقدة:توثّقت، و أرّبتها:وثّقتها.

و من المجاز:تأرّب علينا فلان:تعسّر.

(أساس البلاغة:4)

قال له أبو أيّوب:يا رسول اللّه،دلّني على عمل يدخلني الجنّة،فقال:«أرب ماله؟تعبد اللّه،و لا تشرك به شيئا،و تقيم الصّلاة،و تؤتي الزّكاة،و تصل الرّحم»

ص: 51

و روي«أرب ماله!».

قيل في«أرب»:هو دعاء بالافتقار من الأرب، و هو الحاجة.و قيل:هو دعاء بتساقط الآراب،و هي الأعضاء.

و«ما له»:بمعنى ما خطبه؟و فيه وجه آخر لطيف، و هو أن يكون«أرب»ممّا حكاه أبو زيد من قولهم:

أرب الرّجل،إذا تشدّد و تحكّر،من تأريب العقدة،ثمّ يتأوّل بمنع،لأنّ البخل منع،فيعدّى تعديته،فيصير المعنى منع.

حديث عمر:«إنّ الحارث بن أوس سأله عن المرأة تطوف بالبيت،ثمّ تنفر من غير أن أزف طواف الصّدر إذا كانت حائضا،فأفتاه أن يفعل ذلك.فقال الحارث:

كذلك أفتاني رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.فقال عمر:أربت عن ذي يديك.و روي:أربت من ذي يديك،أ تسألني و قد سمعته من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كي أخالفه؟»و معناه منعت عمّا يصحب يديك و هو«ماله».

و معنى«أربت من يديك»:نشأ بخلك من يديك، و الأصل فيما جاء في كلامهم من هذه الأدعية الّتي هي:

قاتلك اللّه،و أخزاك اللّه،و لا درّ درّك،و تربت يداك و أشباهها،و هم يريدون المدح المفرط و التّعجّب للإشعار بأنّ فعل الرّجل أو قوله بالغ من النّدرة و الغرابة المبلغ الّذي لسامعه أن يحسده و ينافسه حتّى يدعوا عليه تضجّرا أو تحسّرا،ثمّ كثر ذلك حتّى استعمل في كلّ موضع استعجاب،و ما نحن فيه متمحّض للتّعجّب فقط.

و يجوز أن يكون على قول من فسّر«أرب»بافتقر، و أن يجرى مجرى عدم،فيعدّى إلى المال.

و أمّا أرب فهو الرّجل ذو الخبرة و الفطنة.[ثمّ استشهد بشعر](الفائق 1:34)

الفخر الرّازيّ: الإربة:الفعلة من الأرب كالمشية و الجلسة من المشي و الجلوس،و الأرب:الحاجة، و الولوع بالشّيء،و الشّهوة له.و الإربة:الحاجة في النّساء.و الإربة:العقل،و منه الأريب.(23:208)

ابن الأثير: في الحديث:«أنّ رجلا اعترض النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم ليسأله،فصاح به النّاس،فقال:دعوا الرّجل أرب ماله».

في هذه اللّفظة ثلاث روايات:

إحداها:«أرب»بوزن علم،و معناها الدّعاء عليه، أي أصيبت آرابه و سقطت،و هي كلمة لا يراد بها وقوع الأمر،كما يقال:تربت يداك،و قاتلك اللّه،و إنّما تذكر في معرض التّعجّب.[إلى أن قال:]

و الرّواية الثّانية:«أرب ماله»بوزن جمل،أي حاجة له،و«ما»زائدة للتّقليل،أي له حاجة يسيرة.

و قيل:معناه حاجة جاءت به،فحذف،ثمّ سأل،فقال:

ماله.

و الرّواية الثّالثة:«أرب»بوزن كتف،و الأرب:

الحاذق الكامل،أي هو أرب،فحذف المبتدأ.ثمّ سأل، فقال:ما له،أي ما شأنه.

و في حديث عمر:«أنّه نقم على رجل قولا قاله، فقال:أربت عن ذي يديك»أي سقطت آرابك من اليدين خاصّة.

و قال الهرويّ:معناه ذهب ما في يديك حتّى تحتاج.

و في هذا نظر،لأنّه قد جاء في رواية أخرى لهذا الحديث:

ص: 52

«خررت عن يديك»و هي عبارة عن الخجل مشهورة، كأنّه أراد أصابك خجل أو ذمّ.و معنى خررت:سقطت.

و منه حديث عائشة:«كان أملككم لأربه»أي لحاجته،تعني أنّه كان غالبا لهواه.و أكثر المحدّثين يروونه بفتح الهمزة و الرّاء،يعنون الحاجة.و بعضهم يرويه بكسر الهمزة و سكون الرّاء،و له تأويلان:

أحدهما:أنّه الحاجة،يقال فيها:الأرب،و الإرب و الإربة و المأربة.

و الثّاني:أرادت به العضو،و عنت به من الأعضاء الذّكر خاصّة.

و في حديث المخنّث:«كانوا يعدّونه من غير أولي الإربة»أي النّكاح.

و في حديث عمرو بن العاص:«قال:فأربت بأبي هريرة و لم تضرر بي إربة أربتها قطّ قبل يومئذ»أربت به،أي احتلت عليه،و هو من الإرب:الدّهاء و النّكر.

[و في الحديث:]«قالت قريش:لا تعجلوا في الفداء، لا يأرب عليكم محمّد و أصحابه»أي يتشدّدون عليكم فيه.

يقال:أرب الدّهر يأرب،إذا اشتدّ.و تأرّب عليّ، إذا تعدّى.و كأنّه من الأربة:العقدة.

و في حديث جندب:«خرج برجل آراب».قيل:

هي القرحة،و كأنّها من آفات الآراب:الأعضاء.

(1:35)

الفيّوميّ: الأرب بفتحتين،و الإربة بالكسر، و المأربة بفتح الرّاء و ضمّها:الحاجة،و الجمع:المآرب.

و الأرب في الأصل مصدر من باب تعب.يقال:أرب الرّجل إلى الشّيء،إذا احتاج إليه،فهو آرب على «فاعل».و الإرب بالكسر يستعمل في الحاجة و في العضو،و الجمع:آراب،مثل حمل و أحمال.

و في الحديث:«أنّه أقطع أبيض بن حمّال ملح مأرب»،يقال:إنّ مأرب مدينة باليمن من بلاد الأزد في آخر جبال حضرموت،و كانت في الزّمان الأوّل قاعدة التّبابعة،و إنّها مدينة بلقيس،و بينها و بين صنعاء نحو أربع مراحل،و تسمّى سبأ باسم بانيها،و هو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

و مأرب بهمزة ساكنة وزان مسجد،و لا تنصرف في السّعة للتّأنيث و العلميّة.و يجوز إبدال الهمزة ألفا، و ربّما التزم هذا التّخفيف للتّخفيف.و من هنا يوجد في «البارع»و تبعه في«المحكم»أنّ الألف زائدة و الميم أصليّة،و المشهور زيادة الميم.و الأربون:بفتح الهمزة و الرّاء،و الأربان:وزان عسفان،لغتان في العربون.

(1:11)

الفيروزآباديّ: الإرب،بالكسر:الدّهاء كالإربة و يضمّ،و النّكر،و الخبث،و الغائلة،و العضو، و العقل،و الدّين،و الفرج،و الحاجة،كالإربة بالكسر و الضّمّ،و الأرب محرّكة،و المأربة مثلّثة الرّاء.

و أرب إربا كصغر صغرا،و أرابة ككرامة:عقل، فهو أريب،و أرب.و كفرح:درب و احتاج،و الدّهر:

اشتدّ،و به:كلف،و معدته:فسدت،و الرّجل:

تساقطت أعضاؤه،و قطع إربه.و أربت من يديك:

سقطت آرابك من اليدين خاصّة،و يده:قطعت،أو افتقر فاحتاج إلى ما بأيدي النّاس.

ص: 53

و الأربة،بالضّمّ:العقدة،أو الّتي لا تنحلّ حتّى تحلّ،و القلادة،و حلقة الأخيّة،و بالكسر:الحيلة.

و الأربيّة بالضّمّ:أصل الفخذ.

و الأرب،بالفتح:ما بين السّبّابة و الوسطى، و بالضّمّ:صغار البهم ساعة تولد.

و الإربيان،بالكسر:سمك و بقلة.

و آرب عليهم إيرابا:فاز و فلج.

و أرب العقد كضرب:أحكمه،و فلانا:ضربه على إرب له.

و الأربى،بفتح الرّاء:الدّاهية.

و التّأريب:الإحكام و التّحديد و التّوفير، و التّكميل،و كلّ موفّر مؤرّب.

و تأرّب:تأبّى و تشدّد و تكلّف الدّهاء.

و المستأرب:المديون.

و المؤارب:المداهي.

و قدر أريبة:واسعة(1:37)

الطّريحيّ: الأرب:مصدر من باب تعب،يقال:

أرب الرّجل إلى شيء،إذا احتاج إليه،فهو آرب على «فاعل».

و الإرب-بالكسر-مستعمل في العضو،و الجمع:

أرآب،مثل حمل و أحمال،و منه«السّجود على سبعة أرآب»أي أعضاء،و أرآب أيضا.

و الأريب:العاقل لا يختل عن عقله،و منه قولهم:

يحرص عليه الأديب الأريب.(2:6)

العامليّ: الإربة:هي بمعنى الحاجة،كما أنّ المآرب جمع المأربة بمعنى الحاجة.و قيل:الإربة:العقل،و جودة الفهم.(69)

مثله الصّابونيّ.(2:146)

محمّد إسماعيل إبراهيم: أرب بالشّيء و إليه:

كلف به و لازمه،و الإرب و الإربة و المأرب:الحاجة الملحّة و البغية.(35)

المصطفويّ:الّذي يقوى في النّظر أنّ الأصل في هذه المادّة هو الحاجة الشّديدة،و أغلب ما تكون تلك الحاجة في الاحتياجات الدّاخليّة و الذّاتيّة و الأصليّة دون العرضيّة.و هذا هو الفارق بين المادّتين الإربة و الحاجة.

و بلحاظ هذه الخصوصيّة تطلق على مصاديق ذلك المفهوم و متعلّقاتها،كالعقل و الأعضاء البدنيّة، و ما يضاهيها كالنّصيب المخصوص به،و العقد الّذي يلتزم عليه،و أمثالهما.(1:54)

النّصوص التّفسيريّة

مآرب

قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَ أَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَ لِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى. طه:18

ابن عبّاس: حوائج أخرى قد علمتها.

(الطّبريّ 16:155)

نحوه الضّحّاك،و ابن زيد(الطّبريّ 16:155)، و البيضاويّ(2:47)،و القاسميّ(11:4175).

مجاهد: حاجات و منافع.(1:395)

نحوه قتادة،و ابن أبي نجيح.(الطّبريّ 16:155)

وهب بن منبّه:منافع أخرى.

ص: 54

(الطّبريّ 16:155)

السّدّيّ: حوائج أخرى،أحمل عليها المزود و السّقاء.(الطّبريّ 16:155)

الطّبريّ: و لي في عصاي هذه حوائج أخرى،و هي جمع مأربة.و فيها للعرب لغات ثلاث:مأربة بضمّ الرّاء، و مأربة بفتحها،و مأربة بكسرها،و هي«مفعلة»من قولهم:لا أرب لي في هذا الأمر،أي لا حاجة لي فيه.

و قيل:(أخرى)و هنّ مآرب جمع،و لم يقل:أخر، كما قيل: لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى طه:8،و قد بيّنت العلّة في توجيه ذلك هنالك.(16:155)

الرّمّانيّ: المآرب:الحوائج،واحدتها:مأربة، بضمّ الرّاء و فتحها و كسرها.(الطّبرسيّ 4:7)

مثله الهرويّ(1:34)،و ابن الشّجريّ(2:184)، و الفخر الرّازيّ(22:27)،و القرطبيّ(11:187)، و النّسفيّ(3:50)،و الطّريحيّ(2:6)،و الطّباطبائيّ (14:143).

الطّوسيّ: أي حوائج أخر،من قولهم:لا أرب لي في هذا،أي لا حاجة.و للعرب في واحدها ثلاث لغات:

مأربة،بضمّ الرّاء و فتحها و كسرها.(7:167)

الميبديّ: الحوائج،واحدتها:مأربة و مأربة.

و الإرب و الإربة أيضا:الحاجة.(6:106)

الطّبرسيّ: لم يقل:أخر،ليوافق رءوس الآي، أي حاجات أخرى،فنصّ على اللاّزم،و كنّى عن العارض.(4:8)

النّيسابوريّ: هي جمع المأربة،بضمّ الرّاء:

الحاجة،و قد تفتح الرّاء.و حكى ابن الأعرابيّ، و قطرب بكسر الرّاء أيضا.و مثله الأرب بفتحتين، و الإربة بكسر الهمزة و سكون الرّاء.(16:103)

نحوه البروسويّ(5:373)،و العامليّ(69)، و حجازيّ(16:45)،و عزّة دروزة(3:72).

أبو حيّان: ذكر المفسّرون أنّها كانت ذات شعبتين و محجن،فإذا طال الغصن حناه بالمحجن،و إذا طلب كسره لواه بالشّعبتين،و إذا سار ألقاها على عاتقه فعلّق بها أدواته من القوس و الكنانة و الحلاب،و إذا كان في البرّيّة ركزها و عرض الزّندين على شعبتها و ألقى عليها الكساء و استظلّ،و إذا قصر رشاؤه وصله بها،و كان يقاتل بها السّباع عن غنمه.

و المآرب:الحاجات،و عامل المآرب-و إن كانت جمعا-معاملة الواحدة المؤنّثة،فأتبعها صفتها في قوله:

(أخرى).(6:228)

المصطفويّ: التّعبير بهذه المادّة إشارة إلى شدّة الحاجة إليها،فكأنّها عضو من الأعضاء البدنيّة،يتوسّل إليها في رفع الحوائج المخصوصة.(1:55)

فضل اللّه: مثل الدّفاع بها عن النّفس أو عن الآخرين الّذين تتّصل مسئوليّتي بحياتهم العامّة و الخاصّة،أو غير ذلك.(15:102)

الاربة

...أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ...

النّور:31

ابن عبّاس: هو الأحمق الّذي لا حاجة له في النّساء.

ص: 55

هو الّذي لا تستحيي منه النّساء.

هو مغفّل في عقله،لا يكترث للنّساء، و لا يشتهيهنّ.(الطّبريّ 18:122)

الأبله المولّى عليه.(الطّبرسيّ 4:138)

سعيد بن جبير: المعتوه.(الطّبريّ 18:123)

الشّعبيّ: من تبع الرّجل و حشمه.الّذي لم يبلغ أربه أن يطّلع على عورة النّساء.

الّذي لا أرب له في النّساء.(الطّبريّ 18:122)

مجاهد: الّذي يريد الطّعام و لا يريد النّساء.

الّذين لا يهمّهم إلاّ بطونهم،و لا يخافون على النّساء.

هو الأبله الّذي لا يعرف شيئا من النّساء.

(الطّبريّ 18:123)

عكرمة: هو المخنّث الّذي لا يقوم زبّه.

(الطّبريّ 18:123)

هو العنّين الّذي لا إرب له في النّساء لعجزه.(الطّبرسيّ 4:138)

طاوس: الأحمق الّذي ليست له همّة في النّساء.

نحوه الزّهريّ.(الطّبريّ 18:122)

الإمام الصّادق عليه السّلام: الأبله المولّى عليه الّذي لا يأتي النّساء.(البحرانيّ 3:131)

أبو حنيفة: هو العبد الصّغير.

(الطّبرسيّ 4:138)

الشّافعيّ: إنّه الخصيّ المجبوب الّذي لا رغبة له في النّساء.(الطّبرسيّ 4:138)

القمّيّ: الشّيخ الكبير الفاني الّذي لا حاجة له في النّساء.(2:102)

الزّمخشريّ: الإربة:الحاجة،قيل:هم الّذين يتّبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم،و لا حاجة لهم إلى النّساء لأنّهم بله،لا يعرفون شيئا من أمرهنّ،أو شيوخ صلحاء إذا كانوا معهنّ غضّوا أبصارهم،أو بهم عنانة.

(3:62)

نحوه النّيسابوريّ.(18:94)

ابن عطيّة: [لاحظ قوله في أبي حيّان(6:448)]

الطّبرسيّ: قيل:إنّه الشّيخ الهمّ لذهاب إربه.عن يزيد بن أبي حبيب.(4:138)

القرطبيّ: اختلف النّاس في معنى قوله: أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ فقيل:هو الأحمق الّذي لا حاجة به إلى النّساء.

و قيل:الأبله.

و قيل:الرّجل يتبع القوم فيأكل معهم و يرتفق بهم، و هو ضعيف لا يكترث للنّساء و لا يشتهيهنّ.

و قيل:العنّين.

و قيل:الخصيّ.

و قيل:المخنّث.

و قيل:الشّيخ الكبير.

و هذا الاختلاف كلّه متقارب المعنى،و يجتمع فيمن لا فهم له،و لا همّة ينتبه بها الى أمر النّساء.

(12:234)

البيضاويّ: أي أولي الحاجة إلى النّساء،و هم الشّيوخ الأهمام و الممسوخون،و في المجبوب و الخصيّ خلاف.

و قيل:البله الّذين يتبعون النّاس لفضل طعامهم

ص: 56

و لا يعرفون شيئا من أمور النّساء.(2:125)

أبو حيّان: الإربة:الحاجة الى الوطء،لأنّهم بله لا يعرفون شيئا من أمر النّساء.

قال ابن عطيّة: و يدخل في هذه الصّفة المجنون و المعتوه و المخنّث و الشّيخ الفاني و الزّمن الموقوذ بزمانته.(6:448)

السّيوطيّ: أصحاب الحاجة إلى النّساء.

(الجلالين 2:124)

نحوه القاسميّ(12:4514)،و المراغيّ(18:97)، و مجمع اللّغة(1:35).

البروسويّ: أي الرّجال الّذين هم أتباع أهل البيت لا حاجة لهم في النّساء،و هم الشّيوخ الأهمام و الممسوخون،بالخاء المعجمة:و هم الّذين حوّلت قوّتهم و أعضاؤهم عن سلامتها الأصليّة إلى الحالة المنافية لها المانعة من أن تكون لهم حاجة في النّساء،و أن يكون لهنّ حاجة فيهم.(6:144)

الآلوسيّ: غير أصحاب الحاجة إلى النّساء،و هم الشّيوخ الطّاعنون في السّنّ الّذين قنت شهواتهم، و الممسوخون الّذين قطعت ذكورهم و خصاهم.

و في المجبوب و هو الّذي قطع ذكره،و الخصيّ و هو من قطع خصاه،خلاف.و اختير أنّهما في حرمة النّظر كغيرهما من الأجانب.(18:144)

الطّباطبائيّ: الإربة هي الحاجة،و المراد به الشّهوة الّتي تحوج إلى الازدواج.(15:112)

الصّابونيّ: غير أولي الميل و الشّهوة أو الحاجة إلى النّساء،كالبله و الحمقى و المغفّلين الّذين لا يدركون من أمور الجنس شيئا.(2:146)

المصطفويّ: إشارة إلى الحاجة إلى النّكاح،و أنّها من الحاجات الأصليّة الذّاتيّة البدنيّة،و ليست بعرضيّة.

(1:55)

فضل اللّه: هم الأشخاص الّذين لا يشتهون النّساء،من الخدم و الأجراء،ممّن تقدّم بهم السّنّ،أو كان لديهم عجز جسديّ يعطّل قدرتهم على الجنس،أو كان لديهم ضعف عقليّ يجعلهم في حالة اللاّوعي المتوازن، فإنّ إبداء الزّينة لهم لا يسبّب أيّة إثارة،و لا يسيء إلى عفّة المرأة.(17:306)

الأصول اللّغويّة

1-الأرب:الحاجة و العضو و العقل و الإدراك و الرّغبة،إلى غير ذلك من معان عدّها اللّغويّون و المفسّرون.و هذه المعاني جميعا تدور في فلك واحد، حول محور دلاليّ واحد هو الحاجة،لا مطلقا بل إذا نشأت عن شعور و إدراك و عقل دون الحاجات القهريّة الطّبيعيّة الّتي تسيطر على الإنسان بلا إدراك و شعور.

ففي الأرب معنى التّعقّل و الإدراك،كما أنّ فيه معنى الرّغبة،باعتبار أنّ الحاجة إلى شيء ترغّب الإنسان فيه.

فلنا أن نستنبط أنّ الحاجة و هي جوهر المعنى في مادّة «أرب».تلازم الإدراك و الرّغبة،و الأوّل بمنزلة العلّة، و الثّاني بمنزلة المعلول لها.

ثمّ تتلوّن هذه الحاجة المطلقة من سياق إلى آخر؛ ففلان ذو إربة و له أرب،دالّ على الحاجة و الرّغبة مطلقا،فإذا قلت:فلان ذو إربة في النّساء،و له أرب

ص: 57

فيهنّ.علم المقصود بهذا التّحديد،و أنّها حاجة لاصقة بعضو خاصّ،فيحاكي لفظ الإربة الرّغبة الجنسيّة،كما يحاكي العضو الخاصّ،حتّى أنّها قد تطلق على هذا العضو نفسه،لأنّه هو كلّ شيء في تلك الحاجة،فهو رأس الدّاء و الدّواء.

2-و من جهة أخرى فإنّ مادّة«أرب»من الأضداد الّتي تطلق على الشّيء و نقيضه،في سيرها اللّغويّ و تقلّبها الجذريّ حسب نظريّة الاشتقاق الأكبر.فمن تقلّباتها«أبر-ربأ-برأ»و كلّها دالّ على الخروج من الشّيء و الانقطاع عنه و العلوّ عليه.

و بضدّها«رأب-أرب-بأر»الدّالّة على الدّخول في الشّيء و وصل بعضه ببعض،و ادّخاره أيضا و المحافظة عليه.و من هذا الضّدّ يظهر أنّ«أرب»دالّ على الرّغبة في الشّيء و الحرص عليه و محاولة امتلاكه.و منه يؤخذ «الأرب»و هو العقل.

و بالنّظر لكون أجلّ الرّغبات في البيئة الصّحراويّة تتمثّل في غريزة المحافظة على النّوع،أطلق على العضو الخاصّ«الإرب»على ما ورد في الحديث:«أملككم لإربه»كما فسّره ابن فارس و غيره.

3-و من الأرب بمعنى الحاجة و الرّغبة تظهر المأربة، فالمآرب،مثلّثة الرّاء،و أصلها على زنة«مفاعل»بفتح الميم و كسر العين،لأنّه مصدر ميميّ.و إنّما ثلّثت الرّاء في مأربة-سماعا و بحسب لغات القبائل-لكونها ناشئة عن تلوّن الحاجات و اختلافها،و بذلك تلتقي لفظة مآرب بلفظة الأرب و الإربة؛من حيث دلالتها جميعا على الحاجة و الرّغبة.

الاستعمال القرآنيّ

ورد منه في القرآن لفظان(مآرب)في سورة مكّيّة، و(الاربة)في سورة مدنيّة:

1- قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَ أَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَ لِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى طه:18

2- وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ... أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ النّور:31

يلاحظ أوّلا:أنّه جاء بلفظ الجمع في المكّيّة؛حيث التّفرّق و الفوضى في المجتمع،و الفساد في العقيدة و الأخلاق،و التّعدّد في الآلهة.و جاء بلفظ المفرد في المدنيّة،حيث الوحدة و الانتظام في المجتمع،و التّوحيد في العقيدة.

مضافا إلى أنّ موسى عليه السّلام-و هو صاحب العصا- كانت له مآرب شتّى في عصاه،فهي موجّهة إلى أغراض مختلفة.و أمّا الرّجل ذو الإربة إلى النّساء،الّذي طغى عليه سلطان الشّهوة فلا همّ له إلاّ النّساء،فهمومه صارت همّا واحدا تركّز فيهنّ.

و ثانيا:تلاؤما و تلاحما مع ما ذكر تماما جاءت (مآرب)نكرة؛حيث تعدّدت الحاجات و الرّغبات، فتشتّت و اختلطت و تنكّرت،فلم يعرف بعضها من بعض،فضعفت الهموم و صغرت في نفس موسى،فليس له اهتمام بالغ لها.

و أمّا الإربة إلى النّساء فإنّها حاجة معروفة،مطلوب تنفيذها بأيّ حال مهما كلّف صاحبها،فلا يغفل عنها الرّجل،و هو في عنفوان الشّباب و غليان الباه و الشّهوة،

ص: 58

بل هي في هذا الحال أعرف الأشياء لديه،فلا بلاغة في تنكيرها.

على أنّ تنكير(مآرب)يفيد التّعميم و الإطلاق، فيشمل كلّ حاجة،و يذهب بذهن السّامع إلى كلّ مذهب ممكن،في حال أنّ الإربة بثبوتها و صمودها كأنّها شخّصت في واحد بعينه،لا تتجاوزه فجاءت معرفة.

و ثالثا:تعتيم المقصود من(مآرب)باستعمال لفظة (أخرى)و هي لفظة تجريديّة غير دالّة على شيء محدّد وجه من بلاغة التّعبير،و دعم لفائدة التّعميم،و لمّا كانت (مآرب)بغية مجهولة مبهمة يسعى إليها للحصول عليها من دون تحديدها في الذّهن،فهو سعي إلى واحد بين أرقام،و رمية من غير رام.فلهذه النّكتة عوملت معاملة المفرد،فوصفت بما هو في الأصل دالّ على الفرد المؤنّث و هو(أخرى)في مثل قولك:مسألة أخرى،و مسائل أخر.فإذا وحّدت تلك المسائل و حجّمتها و أنزلتها منزلة مفرد مجهول ضئيل،كان لك أن تصفها بلفظة «أخرى»بدل«أخر»و عند الطّبرسيّ-كما سبق-ليوافق رءوس الآي،قال:«فنصّ على اللاّزم،و كنّي عن العارض»و اللاّزم هو الموصوف:«المآرب»و العارض هو الصّفة:(اخرى).

و رابعا:اختيار لفظة(مآرب)على(إربة)و نحوها، و هي كما قلنا جمع مأرب،بمعنى الحاجة لعلّه-و اللّه أعلم-أنّها شبيهة بمآريب جمع مأروب-لو كان مستعملا عند العرب-أي ما يحتاج إليه الإنسان،و هو المقصود في الآية.و لهذا فسّرها بعضهم بالمنافع،فوضع مآرب مكان مآريب،أو هو مخفّف عنه،أو أنّ المصدر الميميّ جاء بمعنى اسم المفعول؛فالمأرب بمعنى ما يرغب فيه و يحتاج إليه،كما أنّ«المأثم»ما يأثم به الإنسان.

و خامسا:اختيار القرآن لفظ(اولى الاربة)على غيره،فيه عناية إلى أنّ رغبة الرّجل إلى المرأة شديدة، فتبدّلت إلى شعور و حاجة غريزيّة لا يتحاشى الرّجل عن إظهارها أمام المرأة،بما في ذلك من ذلّة و حقارة له توجب الرّيبة،و من هنا ففي(الاربة)معنى«الرّيبة»كما جاء في الفقه:«نظر الرّيبة».

و بين اللّفظين اشتراك جذريّ«أرب،ريب»بما بين الهمزة و الياء من علاقة تأصيل و تأثيل في لغة العرب قياسها و سماعها،و بخاصّة في باب الإعلال الصّرفيّ.

و إذا ما أفدنا من نظريّة التّقاليب،أي الاشتقاق الأكبر، عند ابن جنّيّ،و لاحظنا أنّ(اولى الاربة)يمكن أن يقع في دائرة الرّيب إن كشفت المرأة عن زينتها أمام الرّجل، أدركنا جمال اختيار(الإربة)على غيره.

و لا سيّما إذا لاحظنا أنّ في هذا التّعبير استثارة دخيلة الإنسان لأن ينفّذ الحكم الشّرعيّ،لأنّ ذوي الإربة هم ذوو ريب غالبا،و خصوصا في تلك الحال،أي حين تعرض أمامهم محاسن المرأة و زينتها؛فمثل هذا الرّجل إذا سمع لفظة«الإربة»استيقظ له معنى«الرّيب» للتّشابه اللّفظيّ و التّلازم المعنويّ.و فيه إيقاظ له و تنبّه بطريق غير مباشر،ليرغب عن الإثم و المعصية،و يتّجه بشطر التّقوى و الطّاعة.

ص: 59

ص: 60

أرض

اشارة

7 ألفاظ،461 مرّة:316 مكّيّة،145 مدنيّة

في 80 سورة:57 مكّيّة،23 مدنيّة

أرض 3:1-2

أرض 3:3

الأرض 31:22-9

الأرض 86:72-14

الأرض 328:210-118

أرضا 2:1-1

أرضهم 1:-1

أرضكم 3:3

أرضى 1:1

أرضنا 3:3

.....

.....

النّصوص اللّغويّة

الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام: إنّما سمّيت الأرض أرضا لأنّها تتأرّض ما في بطنها،يعني تأكل ما فيها.(البروسويّ 1:75)

الخليل: أرض،و جمعها:أرضون،و الأرض أيضا جماعة.

و أرض أريضة،أي ليّنة طيّبة المقعد.

و روضة أريضة:ليّنة الموطئ،واسعة.

و الأرضة:دويبّة بيضاء تشبه النّمل تأكل الخشب ،و تظهر أيّام الرّبيع.

و شحمة الأرض معروفة.

و الأرض:الرّعدة.

و الأرض:حافر الدّابّة.[ثمّ استشهد بشعر]

و الأرض:الزّكام.و أرض فهو مأروض.(7:55)

سيبويه: سألت الخليل عن قول العرب:أرض و أرضات؟فقال:لمّا كانت مؤنّثة و جمعت بالتّاء ثقّلت كما ثقّلت طلحات و صحفات.

قلت:فلم جمعت بالواو و النّون؟

قال:شبّهت بالسّنين و نحوها من بنات الحرفين، لأنّها مؤنّثة كما أنّ سنة مؤنّثة،و لأنّ الجمع بالتّاء أقلّ و الجمع بالواو و النّون أعمّ،و لم يقولوا:آراض و لا آرض،فيجمعونه كما جمعوا«فعل».

قلت:فهلاّ قالوا:أرضون كما قالوا:أهلون؟

قال:إنّها لمّا كانت تدخلها التّاء أرادوا أن يجمعوها بالواو و النّون كما جمعوها بالتّاء.(3:599)

ص: 61

1Lالأخفش: يقولون:أرض و آراض،مثل أهل و آهال.(الجوهريّ 3:1063)

ابن شميّل: الأريضة:الأرض السّهلة لا تميل إلاّ على سهل و منبت،و هي ليّنة كثيرة النّبات.و إنّها لأريضة للنّبت و إنّها لذات أراضة،أي خليقة للنّبت.

(الأزهريّ 12:62)

أبو عمرو الشّيبانيّ: الإراض:العراض،يقال:

أرض أريضة،أي عريضة.

أرض أريضة،أي مخيّلة للنّبت.

(الأزهريّ 12:63)

نزلنا أرضا أريضة،أي معجبة للعين.

(الجوهريّ 3:1064)

الفرّاء: يقال:ما آرض هذا المكان!أي ما أكثر عشبه.(الأزهريّ 12:63)

أبو زيد: يقال ما آرض الضّمان[:موضع]يا فتى! و ما آرض بلادكم!أي ما أشدّ اختلاط نباتها و أكثره.

(94)

التّأرّض و التّأيّي،و هو الانتظار.و يقال:تأرّضت له و تأيّيت له.(169)

سمعت العرب تقول في جمع الأرض:الأراضي و الأروض،مثل فلوس،و جمع«فعل»فعالي في أرض و أراضي و أهل و أهالي و ليل و ليالي،بزيادة الياء على غير قياس.(الفيّوميّ 1:12)

الأصمعيّ: إذا فسدت القرحة و تقطّعت قيل:

أرضت تأرض أرضا.

و الإراض:بساط ضخم من وبر أو صوف.

و تأرّض فلان بالمكان،إذا ثبت فلم يبرح.

(الأزهريّ 12:62،63)

يقال:هو آرضهم أن يفعل ذلك،أي أخلقهم.

و يقال:فلان أريض بكذا،أي خليق به.

و روضة أريضة:ليّنة الموطئ.

و قد أرضت أراضة و استأرضت.

و امرأة عريضة أريضة:ولود كاملة،على التّشبيه بالأرض.

و أرض مأروضة:أريضة.[و استشهد بالشّعر مرّتين](ابن منظور 7:114)

اللّحيانيّ: ما آرض هذه الأرض أي ما أسهلها و أنبتها و أطيبها.(ابن سيده 8:221)

ابن الأعرابيّ: أرضت الأرض تأرض أرضا،إذا أخصبت و زكا نباتها.

و أرض أريضة بيّنة الأراضة،إذا كانت كريمة.[ثمّ استشهد بشعر]

في قول أمّ معبد الخزاعيّة:«فشربوا حتّى أراضوا»، أي ناموا على الإراض،و هو البساط.

(الأزهريّ 12:63،64)

و الأرضة من النّبات:ما يكفي المال سنة.

و في حديث النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم:«لا صيام إلاّ لمن أرّض الصّيام»أي تقدّم فيه.(ابن سيده 8:222)

التّأرّض:التّثاقل إلى الأرض.(الزّبيديّ 5:5)

ابن السّكّيت: يقال:زكم فهو مزكوم،و أرض فهو مأروض،و الاسم:الأرض.(677)

الأرض:الّتي عليها النّاس.

ص: 62

و الأرض:سفلة البعير و الدّابّة،يقال:بعير شديد الأرض،إذا كان شديد القوائم.

و الأرض:الرّعدة.

و الأرض:الزّكام.يقال:رجل مأروض.

و الأرض:مصدر أرضت الخشبة تؤرض فهي مأروضة أرضا،إذا وقعت فيها الأرضة.

و الأرض:مصدر أرضت القرحة تأرض،إذا تمشّت و مجلت.و معنى تمشّت:اتّسعت.(إصلاح المنطق:73)

نزلنا أرضا أريضة،أي معجبة للعين.

يقال:تركتهم يتأرّضون للمنزل،أي يتخيّرون.

[و استشهد بالشّعر مرّتين](إصلاح المنطق:349)

الدّينوريّ: الأرضة ضربان:ضرب صغار مثل كبار الذّرّ،و هي آفة الخشب خاصّة.و ضرب مثل كبار النّمل ذوات أجنحة،و هي آفة كلّ شيء من خشب و نبات،غير أنّها لا تعرض للرّطب،و هي ذات قوائم.

و الجمع:أرض؛و الأرض اسم للجمع.

(ابن سيده 8:221)

ابن دريد: الأرض:الرّعدة،و الأرض:الزّكام أيضا.(3:198)

الأرض معروفة،و الجمع:أرضون.و لا يقول عربيّ:أرض.و يقال:مكان أريض بيّن الأراضة؛ و الإراضة،إذا كان خليقا للنّبت.[ثمّ استشهد بشعر]

و الإراض:البساط الّذي يلقى على الأرض، و الجمع:أرض.

و الأرضة هذه الدّابّة المعروفة،و الجمع:أرض، وزن«فعل».

و أرض العود فهو مأروض،إذا أكل.

و الأرض:النّفضة و الرّعدة.(3:249)

القاليّ:يقولون:عريض أريض،فالأريض:

الخليق للخير الجيّد النّبات،و يقال:أرض أريضة.[ثمّ استشهد بشعر](2:212)

أرضه[الفرس:]قوائمه.(2:255)

الأزهريّ: بي أرض فآرضوني،أي داووني.

أرض و أروض،و ما أكثر أروض بني فلان!

و يقال:أرض و أرضون و أرضات.و أرض أريضة للنّبات:خليقة،و إنّها لذات إراض.

المؤرّض:الّذي يرعى كلأ الأرض.

يقال:ما آرض هذا المكان!أي ما أحسنه و أطيبه.

التّأرّض:التّأنّي و الانتظار.

و يقال:تركت الحيّ يتأرّضون المنزل،أي يرتادون بلدا ينزلونه للنّجعة.«فشربوا حتّى أراضوا»بمعنى نقعوا و رووا.[و استشهد بالشّعر 3 مرّات]

(12:62-64)

الصّاحب: التّأريض:التّثقيل.و التّأريض:

التّلبيث،و قد أرّضه فتأرّض.(الزّبيديّ 5:5)

الجوهريّ: الأرض مؤنّثة،و هي اسم جنس، و كان حقّ الواحدة أن يقال:أرضة،و لكنّهم لم يقولوا.

و الجمع:أرضات.لأنّهم قد يجمعون المؤنّث الّذي ليس فيه هاء التّأنيث بالألف و التّاء،كقولهم:عرسات.

ثمّ قالوا:أرضون،فجمعوا بالواو و النّون،و المؤنّث لا يجمع بالواو و النّون إلاّ أن يكون منقوصا كثبة و ظبة، و لكنّهم جعلوا الواو و النّون عوضا من حذفهم الألف

ص: 63

و التّاء،و تركوا فتحة الرّاء على حالها،و ربّما سكّنت.

و قد تجمع على أروض.

و زعم أبو الخطّاب أنّهم يقولون:أرض و آراض، مثل أهل و آهال.

و الأراضيّ أيضا على غير قياس،كأنّهم جمعوا آرضا.

و كلّ ما سفل فهو أرض.

و أرض أريضة،أي زكيّة بيّنة الأراضة.

و قد أرضت بالضّمّ،أي زكت.

و يقال:لا أرض لك،كما يقال:لا أمّ لك.

و الأرض:أسفل قوائم الدّابّة:

و الأرض:النّفضة و الرّعدة.

و الأرض:الزّكام،و قد آرضهم اللّه إيراضا،أي أزكمه،فهو مأروض.

و فسيل مستأرض،و وديّة مستأرضة،بكسر الرّاء،و هو أن يكون له عرق في الأرض.فأمّا إذا نبت على جذع النّخل فهو الرّاكب.

و الإراض بالكسر:بساط ضخم من صوف أو وبر.

و رجل أريض،أي متواضع خليق للخير.و شيء عريض أريض،إتباع له.و بعضهم يفرده،و يقول:

جدي أريض،أي سمين.

و الأرضة بالتّحريك:دويبّة تأكل الخشب،يقال:

أرضت الخشبة تؤرض أرضا-بالتّسكين-فهي مأروضة،إذا أكلتها.

و المأروض:الّذي به خبل من الجنّ و أهل الأرض، و هو الّذي يحرّك رأسه و جسده على غير عمد.

و أرضت القرحة تأرض أرضا،مثال تعب يتعب تعبا،أي مجلت و فسدت بالمدّة.

و تأرّض النّبت،إذا أمكن أن يجزّ.

و جاء فلان يتأرّض إليّ،أي يتصدّى و يتعرّض.

و التّأرّض أيضا:التّثاقل إلى الأرض.[و استشهد بالشّعر مرّتين](3:1063)

ابن فارس: الهمزة و الرّاء و الضّاد ثلاثة أصول، أصل يتفرّع و تكثر مسائله،و أصلان لا ينقاسان بل كلّ واحد موضوع حيث وضعته العرب.

فأمّا هذان الأصلان فالأرض:الزّكمة،رجل مأروض،أي مزكوم؛و هو أحدهما.

و الآخر:الرّعدة،يقال:بفلان أرض،أي رعدة.

و أمّا الأصل الأوّل فكلّ شيء يسفل و يقابل السّماء، يقال لأعلى الفرس:سماء،و لقوائمه:أرض.

و الأرض:الّتي نحن عليها،و تجمع أرضين.و لم تجئ في كتاب اللّه مجموعة،فهذا هو الأصل.

ثمّ يتفرّع منه،قولهم:أرض أريضة؛و ذلك إذا كانت ليّنة طيّبة.

و منه:رجل أريض للخير،أي خليق له،شبّه بالأرض الأريضة.

و منه:تأرّض النّبت،إذا أمكن أن يجزّ،و جدي أريض،إذا أمكنه أن يتأرّض النّبت.

و الإراض:بساط ضخم من وبر أو صوف.

و يقال:فلان ابن أرض،أي غريب.

و يقال:تأرّض فلان،إذا لزم الأرض.[و استشهد بالشّعر 6 مرّات](1:79)

ص: 64

الهرويّ:في حديث ابن عبّاس:«أ زلزلت الأرض أم بي أرض»أي رعدة.

و الأرض أيضا:الزّكام.

و في الحديث:«لا صيام لمن لم يؤرّضه من اللّيل»أي لم يهيّئه من اللّيل،و لم ينوه.يقال:أرّضت الكلام،إذا سدّيته و هيّأته.

و مكان أريض،أي خليق للخير.(1:39)

ابن سيده: الأرض:الّتي عليها النّاس،أنثى...، و الجمع:آرض،و أروض،و أرضون،الواو عوض من الهاء المحذوفة المقدّرة.و فتحوا الرّاء في الكلمة،ليدخل الكلمة ضرب من التّكسير استيحاشا من أن يوفّروا لفظ التّصحيح،ليعلموا أنّ أرضا ممّا كان سبيله لو جمع بالتّاء أن تفتح راؤه،فيقال:أرضات.

و الأرض:سفلة البعير و الدّابّة،و ما ولي الأرض منه.

و أرض الإنسان:ركبتاه فما بعدهما.

و أرض النّعل:ما أصاب الأرض منها.

و تأرّض الرّجل:قام على الأرض.

و تأرّض و استأرض بالمكان:أقام به و لبث،و قيل:

تمكّن.

و تأرّض لي:تضرّع و تعرّض.

و الأرض:الزّكام،مذكّر.و قال كراع:هو مؤنّث.

و قد أرض أرضا.

و الأرض:دوار يأخذ في الرّأس عن اللّبن،فتهراق له الأنف و العينان.

و الأرض:الرّعدة،و منه قول ابن عبّاس:أ زلزلت الأرض أم بي أرض،يعني الرّعدة،و قيل:يعني الدّوار.

[ذكر قول الدّينوريّ و قال:]

و الجمع:أرض؛و الأرض:اسم للجمع.

و أرضت الخشبة أرضا،و أرضت أرضا كلاهما:

أكلتها الأرضة.

و أرض أرضة و أريضة:كريمة مخيّلة للنّبت و الخير، و قال أبو حنيفة:هي الّتي تربّ الثّرى و تمرح بالنّبات، و كذلك مكان عريض.

و رجل أريض بيّن الأراضة:خليق للخير،و قد أرض.

و روضة أريضة:واسعة ليّنة الموطئ.

و قد أرضت أراضة و استأرضت.

و امرأة عريضة أريضة:ولود كاملة،على التّشبيه بالأرض.

و أرض مأروضة:أريضة.

و الإراض:البساط،لأنّه يلي الأرض.

و آرض الرّجل:أقام على الإراض،و في حديث أمّ معبد:«فشربوا حتّى آرضوا»،و التّفسير لابن الأعرابيّ، حكاه الهرويّ في«الغريبين».

و تأرّض المنزل:ارتاده و تخيّره للنّزول.

و استأرض السّحاب:انبسط،و قيل:ثبت و تمكّن و أرسى.

و الأراضة:الخصب و حسن الحال.

القرحة أرضت:نفشت و مجلت ففسدت و تقطّعت.

[و استشهد بالشّعر 6 مرّات](8:219)

أرض النّعل:ما أصاب الأرض منها.

(الإفصاح 1:394)

ص: 65

الأرض:فراسن البعير.(الإفصاح 2:713)

الأرضة:دويبّة تأكل الخشب،الجمع:أرض و أرضات.يقال:أرضت الخشبة فهي مأروضة،إذا أكلتها الأرضة.(الإفصاح 2:861)

الأرض:الّتي عليها النّاس،مؤنّثة،اسم جنس،أو جمع بلا واحد.و لم يسمع:أرضة.

جمع الأرض:أرضات و أرضات و أروض و أرضون و أرضون و أراض.

و أراض غير قياسيّ.(الإفصاح 2:1020)

أرض الجذع يأرض أرضا:وقعت فيه الأرضة.(الإفصاح 2:1183)

الطّوسيّ: الأرض:هي المستقرّ للحيوان.و يقال لقوائم البعير:أرض،و كذلك الفرس إن قوي.(1:76)

الأرض:الطّبقة السّافلة،يقال:أرض البيت و أرض الغرفة،فهو سماء لما تحته من الطّبقة،و أرض لما فوقه.و قد صار الاسم كالعلم على الأرض المعروفة، و إنّما يقع على غيرها بالإضافة.(2:58)

نحوه الطّبرسيّ.(1:246)

الأرض:المستقرّ الّذي يمكن الحيوان التّصرّف فيه [و]عليه،و جملة الأرض الّتي جعلها اللّه قرارا للعباد فإذا أضيفت فقيل:أرض بني فلان،فمعناه مستقرّهم خاصّة.(4:525)

الرّاغب: الأرض:الجرم المقابل للسّماء،و جمعه:

أرضون.و لا تجيء مجموعة في القرآن،و يعبّر بها عن أسفل الشّيء كما يعبّر بالسّماء عن أعلاه.[ثمّ استشهد بشعر]

و يقال:أرض أريضة،أي حسنة النّبت،و تأرّض النّبت:تمكّن على الأرض فكثر،و تأرّض الجدي،إذا تناول نبت الأرض.

و الأرضة:الدّودة الّتي تقع في الخشب من الأرض، يقال:أرضت الخشبة فهي مأروضة.(16)

الحريريّ: يقولون في جمع أرض:أراض، فيخطئون فيه،لأنّ الأرض ثلاثيّة و الثّلاثيّ لا يجمع على أفاعل.و الصّواب أن يقال في جمعها:أرضون بفتح الرّاء؛ و ذلك أنّ الهاء مقدّرة في أرض،فكان أصلها:أرضة، و إن لم ينطق بها،و لأجل تقدير هذه الهاء جمعت بالواو و النّون على وجه التّعويض لها عمّا حذف منها،كما قيل في جمع عضة:عضون،و في جمع عزة:عزون.و فتحت الرّاء في الجمع لتؤذن الفتحة بأنّ أصل جمعها أرضات، كما يقال:نخلة و نخلات،و قيل:بل فتحت ليدخلها ضرب من التّغيير،كما كسرت السّين في جمع سنة، فقيل:سنون.(50)

الزّمخشريّ: هو آمن من الأرض،و أشدّ من الأرض.

و تأرّض فلان:لزم الأرض فلم يبرح.

و تقول:فلان إن رأى مطمعا تعرّض،و إن أصاب مطعما تأرّض.

و أتانا ابن أرض،أي غريبا.

و نزلنا بعروض عريضة،و أرض أريضة.و هو أريض للخير:خليق له.[ثمّ استشهد بشعر]

و هو أفسد من الأرضة.و خشبة مأروضة،و قد أرضت أرضا،دابّة الأرض تأكل منسأته.

ص: 66

و من المجاز:فرس بعيد ما بين سمائه و أرضه،إذا كان نهدا.[مرتفعا]

و يقال:من أطاعني كنت له أرضا،يراد التّواضع.

و فلان إن ضرب فأرض،أي لا يبالي بالضّرب.

(أساس البلاغة:4)

«لا صيام لمن لم يؤرّضه من اللّيل»أي لم يهيّئه بالنّيّة،من أرّضت المكان،إذا سوّيته،و هو من الأرض.

(الفائق 1:35)

أراضوا:من أراض الحوض،إذا استنقع فيه الماء، أي نقعوا بالرّيّ مرّة بعد أخرى.(الفائق 1:97)

ابن برّيّ: الصّحيح عند المحقّقين فيما حكي عن أبي الخطّاب:أرض و أراض و أهل و أهال،كأنّه جمع أرضاة و أهلاة،كما قالوا:ليلة و ليال،كأنّه جمع ليلاة.

[ثمّ نقل قول الجوهريّ:«و الأراضيّ على غير قياس، كأنّهم جمعوا آرضا»و قال:]صوابه أن يقول:جمع الأرض أرضى،مثل أرطى.و أمّا آرض فقياسه جمع أوارض.(ابن منظور 7:112)

قد يجيء المستأرض بمعنى المتأرّض،و هو المتثاقل إلى الأرض.

و تأرّض المنزل:ارتاده و تخيّره للنّزول.

[و استشهد بالشّعر مرّتين](ابن منظور 7:114)

ابن الأثير: في حديث أمّ معبد:«فشربوا حتّى أراضوا»أي شربوا عللا بعد نهل حتّى رووا؛من أراض الوادي،إذا استنقع فيه الماء.

و قيل:أراضوا،أي ناموا على الإراض،و هو البساط.

و قيل:حتّى صبّوا اللّبن على الأرض.

و في حديث الجنازة:«من أهل الأرض أم من أهل الذّمّة»أي الّذين أقرّوا بأرضهم.(1:39)

ابن منظور :الأرض،و الجمع:آراض و أروض و أرضون.الواو عوض من الهاء المحذوفة المقدّرة، و فتحوا الرّاء في الجمع،ليدخل الكلمة ضرب من التّكسير،استيحاشا من أن يوفّروا لفظ التّصحيح، ليعلموا أنّ أرضا ممّا كان سبيله لو جمع بالتّاء أن تفتح راؤه،فيقال:أرضات.

و أرض الإنسان ركبتاه فما بعدهما.

و أرض النّعل:ما أصاب الأرض منها.

و تأرّض الرّجل:قام على الأرض.و تأرّض و استأرض بالمكان:أقام به و لبث،و قيل:تمكّن.

و تأرّض لي:تضرّع و تعرّض،و جاء فلان يتأرّض لي،أي يتصدّى و يتعرّض.

و الأرض:دوار يأخذ في الرّأس عن اللّبن،فيهراق له الأنف و العينان.

و استأرض السّحاب:انبسط،و قيل:ثبت و تمكّن و أرضى.

و الأراضة:الخصب و حسن الحال.[و استشهد بالشّعر مرّتين](7:112-115)

أبو حيّان: الأرض مؤنّثة،و تجمع على أرض و أراض،و بالواو و النّون رفعا و بالياء و النّون نصبا و جرّا،شذوذا فتفتح العين.و بالألف و التّاء قالوا:

أرضات.و الأراضي جمع كأواظب.(1:61)

الفيّوميّ: الأرض مؤنّثة،و الجمع:أرضون،بفتح

ص: 67

الرّاء.

و ربّما ذكّرت الأرض في الشّعر على معنى البساط.

و الأرضة:دويبّة تأكل الخشب،يقال:أرضت الخشبة-بالبناء للمفعول-فهي مأروضة.و جمع الأرضة:أرض و أرضات،مثل قصبة و قصب و قصبات.(1:12)

الفيروزآباديّ: الأرض مؤنّثة اسم جنس أو جمع بلا واحد،و لم يسمع أرضة.و الجمع:أرضات و أروض و أرضون و آراض.و الأراضي غير قياسيّ.

و أسفل قوائم الدّابّة،و كلّ ما سفل،و الزّكام، و النّفضة،و الرّعدة.

و لا أرض لك كلا أمّ لك.

و هو ابن أرض:غريب،و ابن الأرض:نبت كأنّه شعر و يؤكل.

و المأروض:المزكوم-أرض كعني-و من به خبل من أهل الأرض و الجنّ،و المحرّك رأسه و جسده بلا عمد، و الخشب أكلته الأرضة-محرّكة-لدويبّة.

و أرضت القرحة،كفرح:مجلت و فسدت، كاستأرضت.

و أرضت الأرض ككرم،فهي أرض أريضة زكيّة معجبة للعين خليقة للخير.

و الأرضة،بالكسر و الضّمّ و كعنبة:الكلأ الكثير.

و أرضت الأرض:كثر فيها.و أرضتها:وجدتها.

كذلك و هو آرضهم به:أجدرهم.

و عريض أريض:اتباع أو سمين،و أريض أو يريض:بلد أو واد.

و الإراض ككتاب:العراض الوساع،و بساط ضخم من صوف أو وبر.

و آرضه اللّه:أزكمه.

و التّأريض:أن ترعى كلأ الأرض و ترتاده،و نيّة.

الصّوم و تهيئته،و تشذيب الكلام و تهذيبه،و التّثقيل و الإصلاح و التّلبيث،و أن تجعل في السّقاء لبنا أو ماء أو سمنا أو ربّا لإصلاحه.

و التّأرّض:التّثاقل إلى الأرض،و التّعرّض، و التّصدّي،و تمكّن النّبت من أن يجزّ.

و فسيل مستأرض:له عرق في الأرض،فإذا نبت على جذع أمّه فهو الرّاكب.و وديّة[:فسيل النّخل و صغيره]مستأرضة.(2:335)

البروسويّ: الأرض:جسم غليظ أغلظ ما يكون من الأجسام،واقف على مركز العالم مبيّن لكيفيّة الجهات السّتّ،فالشّرق حيث تطلع الشّمس و القمر، و الغرب حيث تغيب،و الشّمال حيث مدار الجدي، و الجنوب حيث مدار سهيل،و الفوق ما يلي المحيط، و الأسفل ما يلي مركز الأرض.(5:472)

الأرض:الجرم المقابل للسّماء.(6:486)

مجمع اللّغة: الأرض:تطلق على الكوكب الّذي يعيش عليه الإنسان،و هو ما يقابل السّماء.و قد تطلق على جزء من هذا الكوكب.

و أطلقت في القرآن على أرض الجنّة.

و جميع ما ورد في القرآن معرّفا بالألف و اللاّم في «450»موضعا،لا يخرج عن أحد هذه المعاني الثّلاثة.

و دابّة الأرض:هي الأرضة،و هي دويبّة تأكل

ص: 68

الخشب و نحوه.(1:35،36)

محمّد إسماعيل إبراهيم: الأرض:الكوكب السّيّار الّذي يعيش عليه الإنسان.

و أرض المكان:كثر عشبه و ازدهى،و حسن في العين،فهو أريض.(35)

المصطفويّ: إنّ المعنى الحقيقيّ للأرض ما سفل و ما يقابل السّماء،و هو اسم جنس يصحّ إطلاقه على كلّ ما يقابل السّماء،فإذا أطلقت في مقابل السّماء تشمل جميع ما سفل من الجماد و النّبات و الحيوان:

لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ البقرة:107، رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الرّعد:16، لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الزّمر:63.

و إذا أطلقت مطلقة و من حيث هي،تدلّ على الكرة الأرضيّة:

وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ الحجر:

19، وَ الْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ الطّارق:12، أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً المرسلات:25.

و قد تطلق و يراد منها العالم الجسمانيّ في قبال العالم الرّوحانيّ:

اَللّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ النّور:35، يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ النّور:41، أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ الحجّ:70، يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ السّجدة:5، وَ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الرّوم:

27.

و قد يراد منها قطعة محدودة معيّنة من الأرض من بلد أو محلّ:

يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ المائدة:21، وَ نَجَّيْناهُ وَ لُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا الأنبياء:

71، أَنّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ السّجدة:27، وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ لقمان:34، أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يوسف:9، وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ الأحزاب:27، يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ الأعراف:110.

فانكشف أنّ لكلمة الأرض إطلاقات،بعضها أوسع من بعض من جهة المفهوم:المسكن،المحلّ،القرية، البلدة،المملكة،القارّة،الكرة الأرضيّة،كلّ ما سفل و وقع تحت السّماء،كلّ ما في عالم الجسم و دون عالم الرّوح.

و في كلّ من هذه المفاهيم قد أخذ قيدان:السّفل، و النّسبة إلى العلوّ.

و بهذا اللّحاظ لا يصحّ إطلاقها على الإنسان أو الحيوان أو سائر ما فيه الرّوح و الحياة،فإنّ مفهوم «النّسبة إلى العلوّ»ففيها غير منظورة،و كأنّها بواسطة حياتها موجودات مستقلّة.

و أمّا جمعها على أرضون و أراض فغير فصيحة، و ما وردت في القرآن المجيد،و على تقدير ورودها في كلمات الأنبياء و الأئمّة عليهم السّلام،فلعلّ المراد القطعات و المصاديق و الجزئيّات من مطلق مفهوم الأرض.

و أمّا الآية الكريمة اَللّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ، فتدلّ على أنّ اللّه سبحانه خلق سبع سماوات عاليات منظومات،أو

ص: 69

طبقات أو ممدودات بحدود معلومة عند اللّه تعالى،و لا بدّ أن تكون لكلّ سماء بالنّسبة إليها أرض سافلة.

و يمكن أن يكون كلّ سماء بالنّسبة إلى ما فوقها أرضا، و بالنّسبة إلى ما تحتها سماء.

و يمكن أن يراد من السّماوات:السّماوات العلويّة الرّوحانيّة،و من الأرض في وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ الطّلاق:12،السّماوات السّبع الجسمانيّة المادّيّة.فكلّ منظومة بالنّسبة إلى عالمها الرّوحانيّ أرض،و كلّ عالم روحانيّ يتعلّق بمنظومة ممدودة مشهودة سماء،و اللّه العالم بحقائق الأمور.

و روي هذا المضمون عن الإمام ثامن الأئمّة الرّضا عليه السّلام.(1:56-58)

النّصوص التّفسيريّة

خلق الأرض

1- اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَ السَّماءَ بِناءً وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ... البقرة:22

ابن عبّاس: إنّ الأرض خلقت قبل خلق السّماء غير مدحوّة،فدحيت بعد خلقها و مدّت.

(الآلوسيّ 1:187)

الشّريف المرتضى: استدلّ أبو عليّ الجبّائيّ بقوله تعالى: اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً البقرة:

22،و في آية أخرى بِساطاً نوح:19،على بطلان ما يقوله المنجّمون:من أنّ الأرض كريّة الشّكل.

و هذا القدر لا يدلّ،لأنّه يكفي في النّعمة علينا أن يكون في الأرض بسائط و مواضع مفروشة و مسطوحة، و ليس يجب أن يكون جميعها كذلك.و معلوم ضرورة أنّ جميع الأرض ليس مسطوحا مبسوطا و إن كان مواضع التّصرّف فيها بهذه الصّفة،و المنجّمون لا يدفعون أن يكون في الأرض سطوح يتصرّف فيها و يستقرّ عليها، و إنّما يذهبون إلى أنّ جملتها كريّة الشّكل.

(الطّبرسيّ 1:61)

الميبديّ: قالوا:الأرض هنا:البدن،و السّماء:

العقل،و الماء الّذي ينزل من السّماء:العلم الّذي يحصل بالعقل،و الثّمرات:الأعمال الصّالحة الّتي يعملها العبد بمقتضى العلم.

و تشير الآية إلى أنّ اللّه هو الّذي خلقكم نفسا و صورة و بدنا،و زيّن البدن بجمال العقل،ثمّ أعطى بالعقل العلم و الذّكاء فنشأ منه الثّمرات العظام،و تلك الثّمرات هي الأعمال الحسنة الّتي تكون غذاء للرّوح، و فيها الحياة الطّيّبة.(1:114)

الزّمخشريّ: معنى جعلها فراشا و بساطا و مهادا للنّاس:أنّهم يقعدون عليها و ينامون و يتقلّبون كما يتقلّب أحدهم على فراشه و بساطه و مهاده.

فإن قلت:هل فيه دليل على أنّ الأرض مسطّحة و ليست بكريّة؟

قلت:ليس فيه إلاّ أنّ النّاس يفترشونها كما يفعلون بالمفارش،و سواء كانت على شكل السّطح أو شكل الكرة.فالافتراش غير مستنكر و لا مدفوع لعظم حجمها و اتّساع جرمها و تباعد أطرافها،و إذا كان متسهّلا في الجبل و هو وتد من أوتاد الأرض،فهو في

ص: 70

الأرض ذات الطّول و العرض أسهل.(1:234)

الفخر الرّازيّ: اعلم أنّه سبحانه و تعالى ذكر هاهنا أنّه جعل الأرض فراشا،و نظيره قوله: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَ جَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً النّمل:61، و قوله: اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً طه:53.

و اعلم أنّ كون الأرض فراشا مشروط بأمور:

الشّرط الأوّل:كونها ساكنة؛و ذلك لأنّها لو كانت متحرّكة لكانت حركتها إمّا بالاستقامة أو بالاستدارة.

فإن كانت بالاستقامة لما كانت فراشا لنا على الإطلاق، لأنّ من طفر من موضع عال كان يجب أن لا يصل إلى الأرض،لأنّ الأرض هاوية،و ذلك الإنسان هاو، و الأرض أثقل من الإنسان،و الثّقيلان إذا نزلا كان أثقلهما أسرعهما،و الأبطأ لا يلحق الأسرع؛فكان يجب أن لا يصل الإنسان إلى الأرض،فثبت أنّها لو كانت هاوية لما كانت فراشا.

أمّا لو كانت حركتها بالاستدارة لم يكمل انتفاعنا بها،لأنّ حركة الأرض مثلا إذا كانت إلى المشرق و الإنسان يريد أن يتحرّك إلى جانب المغرب،-و لا شكّ أنّ حركة الأرض أسرع-فكان يجب أن يبقى الإنسان على مكانه،و أنّه لا يمكنه الوصول إلى حيث يريد،فلمّا أمكنه ذلك علمنا أنّ الأرض غير متحرّكة لا بالاستدارة و لا بالاستقامة فهي ساكنة.ثمّ اختلفوا في سبب ذلك السّكون على وجوه.[ثمّ ذكر الوجوه إلى أن قال:]

الشّرط الثّاني:في كون الأرض فراشا لنا أن لا تكون في غاية الصّلابة كالحجر،فإنّ النّوم و المشي عليه ممّا يؤلم البدن،و أيضا فلو كانت الأرض من الذّهب مثلا لتعذّرت الزّراعة عليها،و لا يمكن اتّخاذ الأبنية منه لتعذّر حفرها و تركيبها كما يراد،و أن لا تكون في غاية اللّين كالماء الّذي تغوص فيه الرّجل.

الشّرط الثّالث:أن لا تكون في غاية اللّطافة و الشّفّافيّة،فإنّ الشّفّاف لا يستقرّ النّور عليه،و ما كان كذلك فإنّه لا يتسخّن من الكواكب و الشّمس،فكان يبرد جدّا،فجعل اللّه كونه أغبر،ليستقرّ النّور عليه فيتسخّن؛فيصلح أن يكون فراشا للحيوانات.

الشّرط الرّابع:أن تكون بارزة من الماء،لأنّ طبع الأرض أن يكون غائصا في الماء،فكان يجب أن تكون البحار محيطة بالأرض،و لو كانت كذلك لما كانت فراشا لنا،فقلب اللّه طبيعة الأرض،و أخرج بعض جوانبها من الماء-كالجزيرة البارزة-حتّى صلحت لأن تكون فراشا لنا.

و من النّاس من زعم أنّ الشّرط في كون الأرض فراشا أن لا تكون كرة،و استدلّ بهذه الآية على أنّ الأرض ليست كرة.و هذا بعيد جدّا،لأنّ الكرة إذا عظمت جدّا كانت القطعة منها كالسّطح في إمكان الاستقرار عليه،و الّذي يزيده تقريرا أنّ الجبال أوتاد الأرض،ثمّ يمكن الاستقرار عليها،فهذا أولى،و اللّه أعلم.(2:102)

النّيسابوريّ: هاهنا مسائل:

الأولى:في منافع الأرض؛الفراش:اسم لما يفرش، كالمهاد لما يمهد و البساط لما يبسط،و ليس من ضرورات الافتراش أن يكون سطحها مستويا كالفراش على ما ظنّ،فسواء كانت كذلك أو على شكل الكرة،

ص: 71

فالافتراش غير مستنكر و لا مدفوع لعظم جرمها و تباعد أطرافها،و لكنّه لا يتمّ الافتراش عليها ما لم تكن ساكنة في حيّزها الطّبيعيّ و هو وسط الأفلاك،لأنّ الثّقال بالطّبع تميل إلى تحت،كما أنّ الخفاف بالطّبع تميل إلى فوق؛و الفوق من جميع الجوانب ما يلي السّماء،و التّحت ما يلي المركز.فكما أنّه يستبعد صعود الأرض فيما يلينا إلى جهة السّماء،فليستبعد هبوطها في مقابلة ذلك،لأنّ ذلك الهبوط صعود أيضا إلى السّماء،فإذن لا حاجة في سكون الأرض و قرارها في حيّزها إلى علاقة من فوقها و لا إلى دعامة من تحتها،بل يكفي في ذلك ما أعطاها خالقها و ركز فيها من الميل الطّبيعيّ إلى الوسط الحقيقيّ بقدرته و اختياره إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا فاطر:41.

و ممّا منّ اللّه تعالى به على عباده في خلق الأرض، أنّها لم تجعل في غاية الصّلابة كالحجر،و لا في غاية اللّين و الانغمار كالماء،ليسهل النّوم و المشي عليها،و أمكنت الزّراعة و اتّخاذ الأبنية منها،و يتأتّى حفر الآبار و إجراء الأنهار.

و منها أنّها لم تخلق في نهاية اللّطافة و الشّفيف، لتستقرّ الأنوار عليها و تسخّن منها،فيمكن جوارها.

و منها أن جعلت بارزة بعضها من الماء-مع أنّ طبعها الغوص فيه-لتصلح لتعيش الحيوانات البرّيّة عليها؛ و سبب انكشاف ما برز منها و هو قريب من ربعها أنّها لم تخلق صحيحة الاستدارة،بل خلقت هي و الماء بحيث إذا انجذب الماء بطبعه إلى المواضع الغائرة و المنخفضة منها بقي شيء منها مكشوفا،و صار مجموع الأرض و الماء بمنزلة كرة واحدة،يدلّ على ذلك فيما بين الخافقين تقدّم طلوع الكواكب و غروبها للمشرقين على طلوعها و غروبها للمغربين،و فيما بين الشّمال و الجنوب ازدياد ارتفاع القطب الظّاهر و انحطاط الخفيّ للواغلين في الشّمال،و بالعكس للواغلين في الجنوب،و تركّب الاختلافين لمن يسير على سمت بين السّمتين،إلى غير ذلك من الأعراض الخاصّة بالاستدارة،يستوي في ذلك راكب البرّ و راكب البحر.و نتوء الجبال و إن شمخت لا يخرجها عن أصل الاستدارة،لأنّها بمنزلة الخشونة القادحة في ملاسة الكرة،لا في استدارتها.

و منها الأشياء المتولّدة فيها من المعادن و النّبات و الحيوان و الآثار العلويّة و السّفليّة،و لا يعلم تفاصيلها إلاّ موجدها.

و منها أن يتخمّر الرّطب به،فيحصل التّماسك في أبدان المركّبات.

و منها اختلاف بقاعها في الرّخاوة و الصّلابة و الدّماثة و الوعورة،بحسب اختلاف الأعراض و الحاجات وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ الرّعد:4.

و منها اختلاف ألوانها وَ مِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَ حُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَ غَرابِيبُ سُودٌ فاطر:27.

و منها انصداعها بالنّبات وَ الْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ الطّارق:12.

و منها جذبها للماء المنزل من السّماء وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ المؤمنون:18.

و منها العيون و الأنهار العظام الّتي فيها. وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها الحجر:19.

ص: 72

و منها أنّ لها طبع الكرم و السّماحة تأخذ واحدة و تردّ سبعمائة كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ البقرة:261.

و منها حياتها و موتها وَ آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها يس:33.

و منها الدّوابّ المختلفة وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ البقرة:164.

و منها النّباتات المتنوّعة وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ق:7.

فاختلاف ألوانها دلالة،و اختلاف طعومها دلالة، و اختلاف روائحها دلالة،فمنها قوت البشر،و منها قوت البهائم كُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعامَكُمْ طه:54،و منها الطّعام،و منها الإدام،و منها الدّواء،و منها الفواكه، و منها كسوة البشر:نباتيّة كالقطن و الكتّان،و حيوانيّة كالشّعر و الصّوف،و الإبريسم و الجلود.

و منها الأحجار المختلفة،بعضها للزّينة و بعضها للأبنية.فانظر إلى الحجر الّذي يستخرج منه النّار مع كثرته.و انظر إلى الياقوت الأحمر مع عزّته،و انظر إلى كثرة النّفع بذلك الحقير،و قلّة النّفع بهذا الخطير.

و منها ما أودع اللّه تعالى فيها من المعادن الشّريفة كالذّهب و الفضّة.

ثمّ تأمّل أنّ البشر استنبطوا الحرف الدّقيقة و الصّنائع الجليلة،و استخرجوا السّمك من قعر البحر،و استنزلوا الطّير من أوج الهواء،لكن عجزوا عن اتّخاذ الذّهب و الفضّة،و السّبب فيه أنّ معظم فائدتهما ترجع إلى الثّمنيّة،و هذه الفائدة لا تحصل إلاّ عند العزّة.و القدرة على اتّخاذهما تبطل هذه الحكمة،فلذلك ضرب اللّه دونهما بابا مسدودا،و من هاهنا اشتهر في الألسنة:من طلب المال بالكيمياء أفلس.

و منها ما يوجد على الجبال و الأراضي من الأشجار الصّالحة للبناء و السّقف،ثمّ الحطب و ما أشدّ الحاجة إليه في الخبز و الطّبخ؛و لعلّ ما تركنا من المنافع أكثر ممّا عدّدنا.

فإذا تأمّل العاقل في هذه الغرائب و العجائب اعترف بمدبّر حكيم و مقدّر عليم،إن كان ممّن يسمع و يعي و يبصر و يعتبر.(1:192)

أبو حيّان: قدّم ذكر(الأرض)على(السّماء)-و إن كانت أعظم في القدرة و أمكن في الحكمة و أتمّ في النّعمة و أكبر في المقدار-لأنّ السّقف و البنيان فيما يعهد لا بدّ له من أساس و عمد مستقرّ على الأرض،فبدأ بذكرها؛إذ على متنها يوضع الأساس و تستقرّ القواعد؛إذ لا ينبغي ذكر السّقف أوّلا قبل ذكر الأرض الّتي تستقرّ عليها قواعده،أو لأنّ الأرض خلقها متقدّم على خلق السّماء، فإنّه تعالى خلق الأرض و مهّد رواسيها قبل خلق السّماء، قال تعالى: قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ فصّلت:9،إلى آخر الآيات.أو لأنّ ذلك من باب التّرقّي بذكر الأدنى إلى ذكر الأعلى.

و قد تضمّنت هاتان الآيتان[البقرة:21 و 22]من بدائع الصّنعة و دقائق الحكمة و ظهور البراهين ما اقتضى تعالى أنّه المنفرد بالإيجاد المتكفّل للعباد،دون غيره من الأنداد الّتي لا تخلق و لا ترزق و لا لها نفع و لا ضرّ،ألا للّه الخلق و الأمر.

ص: 73

1Lقال بعض أصحاب الإشارات: لمّا امتنّ تعالى عليهم بأنّه خلقهم و الّذين من قبلهم،ضرب لهم مثلا يرشدهم إلى معرفة كيفيّة خلقهم،و أنّهم و إن كانوا متوالدين بين ذكر و أنثى مخلوقين من نطفة إذا تمنى،هو تعالى خالقهم على الحقيقة و مصوّرهم في الأرحام كيف يشاء، و مخرجهم طفلا و مربّيهم بما يصلحهم من غذاء و شراب و لباس،إلى غير ذلك من المنافع الّتي تدعو حاجتهم إليهم.

فجعل الأرض الّتي هي فراش مثل الأمّ الّتي يفترشها الزّوج،و هي أيضا تسمّى فراشا،و شبّه السّماء الّتي علت على الأرض بالأب الّذي يعلو على الأمّ و يغشاها،و ضرب الماء النّازل من السّماء مثلا للنّطفة الّتي تنزل من صلب الأب،و ضرب ما يخرج من الأرض من الثّمرات بالولد الّذي يخرج من بطن الأمّ؛يؤنس تعالى بذلك عقولهم و يرشدها إلى معرفة كيفيّة التّخليق، و يعرّفها أنّه الخالق لهذا الولد،و المخرج له من بطن أمّه، كما أنّه الخالق للثّمرات و مخرجها من بطون أشجارها و مخرج أشجارها من بطن الأرض،فإذا أوضح ذلك لهم أفردوه بالإلهيّة و خصّوه بالعبادة،و حصلت لهم الهداية.

(1:101)

البروسويّ: قال أهل اللّغة:الأرض بساط العالم و بسيطها؛من حيث يحيط بها البحر الّذي هو البحر المحيط أربعة و عشرون ألف فرسخ،كلّ فرسخ ثلاثة أميال و هو اثنا عشر ألف ذراع بالذّراع المرسلة،و كلّ ذراع ستّ و ثلاثون إصبعا،كلّ إصبع ستّ حبّات شعير مصفوفة بطون بعضها إلى بعض.فللسّودان اثنا عشر ألف فرسخ،و للبيضان ثمانية،و للفرس ثلاثة،و للعرب ألف،كذا في كتاب الملكوت.و سمت وسط الأرض المسكونة حضرة الكعبة،و أمّا وسط الأرض كلّها -عامرها و خرابها-فهو الموضوع الّذي يسمّى قبّة الأرض،و هو مكان يعتدل فيه الأزمان في الحرّ و البرد، و يستوي اللّيل و النّهار أبدا لا يزيد أحدهما على الآخر، كما في الملكوت.

و روي عن عليّ كرّم اللّه وجهه أنّه قال:إنّما سمّيت الأرض أرضا لأنّها تتأرّض ما في بطنها يعني تأكل ما فيها.

و قال بعضهم: لأنّها تتأرّض بالحوافر و الأقدام.

(1:75)

الآلوسيّ: قدّم سبحانه حال الأرض لما أنّ احتياجهم إليها و انتفاعهم بها أكثر و أظهر،أو لأنّه تعالى لمّا ذكر خلقهم ناسب أن يعقّبه بذكر أوّل ما يحتاجونه بعده و هو المستقرّ،أو ليحصل العروج من الأدنى إلى الأعلى، أو لأنّ خلق الأرض متقدّم على خلق السّماء،كما يدلّ عليه ظواهر كثير من الآيات،أو لأنّ الأرض لكونها مسكن النّبيّين و منها خلقوا أفضل من السّماء.

(1:188)

2- هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً...

البقرة:29

الطّبريّ: أخبرهم جلّ ذكره أنّه خلق لهم ما في الأرض جميعا،لأنّ الأرض و جميع ما فيها لبني آدم منافع،أمّا في الدّين فدليل على وحدانيّة ربّهم،و أمّا في الدّنيا فمعاش و بلاغ لهم إلى طاعته،و أداء فرائضه؛

ص: 74

فلذلك قال جلّ ذكره: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً. (1:190)

مثله الطّوسيّ(1:124)،و الطّبرسيّ(1:71).

الزّمخشريّ: لأجلكم و لانتفاعكم به في دنياكم و دينكم،أمّا الانتفاع الدّنيويّ فظاهر،و أمّا الانتفاع الدّينيّ فالنّظر فيه و ما فيه من عجائب الصّنع الدّالّة على الصّانع القادر الحكيم،و ما فيه من التّذكير بالآخرة و بثوابها و عقابها،لاشتماله على أسباب الأنس و اللّذّة، من فنون المطاعم و المشارب و الفواكه و المناكح و المراكب و المناظر الحسنة البهيّة،و على أسباب الوحشة و المشقّة من أنواع المكاره كالنّيران و الصّواعق و السّباع و الأحناش و السّموم و الغموم و المخاوف.

و قد استدلّ بقوله: خَلَقَ لَكُمْ على أنّ الأشياء الّتي يصحّ أن ينتفع بها و لم تجر مجرى المحظورات في العقل خلقت في الأصل مباحة مطلقا،لكلّ أحد أن يتناولها و يستنفع بها.

فإن قلت:هل لقول من زعم أنّ المعنى خلق لكم الأرض و ما فيها وجه صحّة؟

قلت:إن أراد بالأرض الجهات السّفليّة دون الغبراء -كما تذكر السّماء و تراد الجهات العلويّة-جاز ذلك،فإنّ الغبراء و ما فيها واقعة في الجهات السّفليّة.(1:270)

الميبديّ: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً أي خلق كلّ ما في الأرض من جبال و بحار،مع ما فيها من جواهر و معادن و عيون و أنهار و نبات و حيوان و طير، و خلق الحرّ و البرد و النّور و الظّلمة و السّكون و الحركة.

و أنّه خلق كلّ هذه النّعم لأجلكم،و هي على كثرتها لا تقدرون على إحصائها؛لقوله تعالى: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللّهِ لا تُحْصُوها إبراهيم:34.

و خلق لكم هذه النّعم لأمرين:

الأوّل:التّمتّع بنعيم الدّنيا،و الثّاني:معرفة المنعم و الدّلالة على وحدانيّة خالقها.(1:124)

الفخر الرّازيّ: اعلم أنّ هذا هو النّعمة الثّانية الّتي عمّت المكلّفين بأسرهم،و ما أحسن ما رعى اللّه سبحانه و تعالى هذا التّرتيب،فإنّ الانتفاع بالأرض و السّماء إنّما يكون بعد حصول الحياة،فلهذا ذكر اللّه أمر الحياة أوّلا ثمّ أتبعه بذكر السّماء و الأرض.

أمّا قوله:(خلق)فقد مرّ تفسيره في قوله: اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ البقرة:21.

و أمّا قوله:(لكم)فهو يدلّ على أنّ المذكور بعد قوله:(خلق)لأجل انتفاعنا في الدّين و الدّنيا.

أمّا في الدّنيا فليصلح أبداننا و لنتقوّى به على الطّاعات.

و أمّا في الدّين فللاستدلال بهذه الأشياء و الاعتبار بها.

و جمع بقوله: ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً جميع المنافع، فمنها ما يتّصل بالحيوان و النّبات و المعادن و الجبال،و منها ما يتّصل بضروب الحرف و الأمور الّتي استنبطها العقلاء.

و بيّن تعالى أنّ كلّ ذلك إنّما خلقها كي ينتفع بها،كما قال: وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ الجاثية:13،فكأنّه سبحانه و تعالى قال:كيف تكفرون باللّه و كنتم أمواتا فأحياكم،و كيف تكفرون باللّه و قد خلق لكم ما في السّماوات و ما في الأرض جميعا،أو يقال:

ص: 75

كيف تكفرون بقدرة اللّه على الإعادة و قد أحياكم بعد موتكم،و لأنّه خلق لكم ما في الأرض جميعا فكيف يعجز عن إعادتكم.

ثمّ إنّه تعالى ذكر تفاصيل هذه المنافع في سور مختلفة،كما قال: أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا عبس:25، و قال في أوّل سورة أتى أمر اللّه: وَ الْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ النّحل:5،إلى آخره.

و هاهنا مسائل[إلى أن قال:]

المسألة الثّانية:احتجّ أهل الإباحة بقوله تعالى:

خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً البقرة:29،على أنّه تعالى خلق الكلّ للكلّ فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلا.و هو ضعيف،لأنّه تعالى قابل الكلّ بالكلّ، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد،و التّعيين يستفاد من دليل منفصل،و الفقهاء رحمهم اللّه استدلّوا به على أنّ الأصل في المنافع الإباحة.و قد بيّنّاه في أصول الفقه.

المسألة الثّالثة:قيل:إنّها تدلّ على حرمة أكل الطّين،لأنّه تعالى خلق لنا ما في الأرض دون نفس الأرض،و لقائل أن يقول:في جملة الأرض ما يطلق عليه أنّه في الأرض،فيكون جمعا للموضعين،و لا شكّ أنّ المعادن داخلة في ذلك،و كذلك عروق الأرض و ما يجري مجرى بعض لها،و لأنّ تخصيص الشّيء بالذّكر لا يدلّ على نفي الحكم عمّا عداه.[إلى أن قال:]

قال بعض الملحدة:هذه الآية تدلّ على أنّ خلق الأرض قبل خلق السّماء،و كذا قوله: أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ فصّلت:9،إلى قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فصّلت:11،و قال في سورة النّازعات: أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها * رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها* وَ أَغْطَشَ لَيْلَها وَ أَخْرَجَ ضُحاها * وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها 27-30،و هذا يقتضي أن يكون خلق الأرض بعد السّماء.و ذكر العلماء في الجواب عنه وجوها:

أحدها:يجوز أن يكون خلق الأرض قبل خلق السّماء إلاّ أنّه ما دحاها حتّى خلق السّماء،لأنّ التّدحية هي البسط.

و لقائل أن يقول:هذا أمر مشكل من وجهين:

الأوّل:أنّ الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن التّدحية،و إذا كانت التّدحية متأخّرة عن خلق السّماء كان خلقها أيضا-لا محالة-متأخّرا عن خلق السّماء.

الثّاني:أنّ قوله تعالى: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ البقرة:29،يدلّ على أنّ خلق الأرض و خلق كلّ ما فيها متقدّم على خلق السّماء، لكن خلق الأشياء في الأرض لا يمكن إلاّ إذا كانت مدحوّة،فهذه الآية تقتضي تقدّم كونها مدحوّة قبل خلق السّماء،و حينئذ يتحقّق التّناقض.

و الجواب:أنّ قوله تعالى: وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها النّازعات:30،يقتضي تقديم خلق السّماء على الأرض و لا يقتضي أن تكون تسوية السّماء مقدّمة على خلق الأرض،و على هذا التّقدير يزول التّناقض.

و لقائل أن يقول:قوله تعالى: أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها* رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها النّازعات:27، 28،يقتضي أن يكون خلق السّماء و تسويتها مقدّم على

ص: 76

تدحية الأرض،و لكن تدحية الأرض ملازمة لخلق ذات الأرض،فإنّ ذات السّماء و تسويتها متقدّمة على ذات الأرض،و حينئذ يعود السّؤال.

و ثالثها:و هو الجواب الصّحيح أنّ قوله:(ثمّ)ليس للتّرتيب هاهنا،و إنّما هو على جهة تعديد النّعم،مثاله قول الرّجل لغيره:أ ليس قد أعطيتك النّعم العظيمة ثمّ رفعت قدرك ثمّ دفعت الخصوم عنك.و لعلّ بعض ما أخّره في الذّكر قد تقدّم،فكذا هاهنا،و اللّه أعلم.

(2:153)

سيّد قطب: يكثر المفسّرون و المتكلّمون هنا من الكلام عن خلق الأرض و السّماء،يتحدّثون عن القبليّة و البعديّة،و يتحدّثون عن الاستواء و التّسوية...

و ينسون أنّ«قبل و بعد»اصطلاحان بشريّان لا مدلول لهما بالقياس إلى اللّه تعالى،و ينسون أنّ«الاستواء و التّسوية»اصطلاحان لغويّان يقرّبان إلى التّصوّر البشريّ المحدود صورة غير المحدود،و لا يزيدان.

و ما كان الجدل الكلاميّ الّذي ثار بين علماء المسلمين حول هذه التّعبيرات القرآنيّة،إلاّ آفة من آفات الفلسفة الإغريقيّة و المباحث اللاّهوتيّة عند اليهود و النّصارى،عند مخالطتها للعقليّة العربيّة الصّافية، و للعقليّة الإسلاميّة النّاصعة،و ما كان لنا نحن اليوم أن نقع في هذه الآفة،فنفسد جمال العقيدة و جمال القرآن بقضايا علم الكلام.

فلنخلص إذن إلى ما وراء هذه التّعبيرات من حقائق موحية عن خلق ما في الأرض جميعا للإنسان،و دلالة هذه الحقيقة على غاية الوجود الإنسانيّ،و على دوره العظيم في الأرض،و على قيمته في ميزان اللّه،و ما وراء هذا كلّه من تقرير قيمة الإنسان في التّصوّر الإسلاميّ؛ و في نظام المجتمع الإسلاميّ، هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً البقرة:29،إنّ كلمة(لكم)هنا ذات مدلول عميق و ذات إيحاء كذلك عميق،إنّها قاطعة في أنّ اللّه خلق هذا الإنسان لأمر عظيم،خلقه ليكون مستخلفا في الأرض،مالكا لما فيها فاعلا مؤثّرا فيها،إنّه الكائن الأعلى في هذا الملك العريض،و السّيّد الأوّل في هذا الميراث الواسع.

و دوره في الأرض إذن و في أحداثها و تطوّراتها هو الدّور الأوّل،إنّه سيّد الأرض و سيّد الآلة،إنّه ليس عبدا للآلة كما هو في العالم المادّيّ اليوم،و ليس تابعا للتّطوّرات الّتي تحدثها الآلة في علاقات البشر و أوضاعهم كما يدّعي أنصار المادّيّة المطموسون،الّذين يحقّرون دور الإنسان و وضعه،فيجعلونه تابعا للآلة الصّمّاء و هو السّيّد الكريم.

و كلّ قيمة من القيم المادّيّة لا يجوز أن تطغى على قيمة الإنسان،و لا أن تستذلّه أو تخضعه أو تستعلي عليه،و كلّ هدف ينطوي على تصغير قيمة الإنسان مهما يحقّق من مزايا مادّيّة،و هو هدف مخالف لغاية الوجود الإنسانيّ.فكرامة الإنسان أوّلا،و استعلاء الإنسان أوّلا،ثمّ تجيء القيم المادّيّة تابعة مسخّرة.

و النّعمة الّتي يمتنّ اللّه بها على النّاس هنا-و هو يستنكر كفرهم به-ليست مجرّد الإنعام عليهم بما في الأرض جميعا،و لكنّها-إلى ذلك-سيادتهم على ما في الأرض جميعا،و منحهم قيمة أعلى من قيم المادّيّات الّتي

ص: 77

تحويها الأرض جميعا،هي نعمة الاستخلاف و التّكريم فوق نعمة الملك و الانتفاع العظيم.(1:53)

3- قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ... فصّلت:9

البيضاويّ: في مقدار يومين أو نوبتين،و خلق في كلّ نوبة ما خلق في أسرع ما يكون.و لعلّ المراد من (الأرض)ما في جهة السّفل من الأجرام البسيطة،و من «خلقها في يومين»أنّه خلق لها أصلا مشتركا ثمّ خلق لها صورا بها صارت أنواعا،و كفرهم به إلحادهم في ذاته و صفاته.(2:344)

الآلوسيّ: الظّاهر أنّ المراد ب(الأرض)الجسم المعروف،و قيل:لعلّ المراد منها ما في جهة السّفل من الأجرام الكثيفة و اللّطيفة من التّراب و الماء و الهواء، تجوّزا باستعمالها في لازم المعنى،على ما قيل بقرينة المقابلة.و حملت على ذلك لئلاّ يخلو الكلام عن التّعرّض لمدّة خلق ما عدا التّراب؛و من«خلقها في يومين»أنّه سبحانه خلق لها أصلا مشتركا،ثمّ خلق لها صورا بها تنوّعت إلى أنواع.(24:99)

فضل اللّه: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً في الآية لفتة إلى جانب النّعمة الّتي لا تجعل عظمة الخلق بعيدة عن حياة الإنسان و حاجاته،و ذلك من خلال ما توحيه كلمة(لكم)من تسخير الأرض للإنسان بكلّ ما فيها من طاقات ظاهرة أو باطنة،ممّا يجعل من توجيهه إليها و إلى التّفكير فيها عند التّفكير في طبيعة الخلق،حافزا للارتباط باللّه،من خلال شعوره بحاجته المطلقة إليه،إلى جانب الشّعور بعظمته المبدعة.

و قد يكون في هذا الأسلوب القرآنيّ الرّائع لفتة قرآنيّة تعطي قضيّة الإيمان باللّه حيويّة نابضة تتفجّر بالحياة الإنسانيّة في كلّ مظاهرها و حاجاتها،الأمر الّذي يبعدها عن الجفاف و الجمود الّذي يتمثّل في أساليب البحث في العقيدة كشيء تجريديّ خارج نطاق الحياة العمليّة للإنسان.

هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فقد أراد اللّه للإنسان أن يعيش على هذه الأرض،و هيّأ له الوسائل المتنوّعة الّتي تتّصل بحاجاته الخاصّة و العامّة في أعماق الأرض و سطوحها و آفاق الفضاء المحيط بها، ليستطيع الإنسان الحياة عليها من خلال قدرته على إدارته لها في تسخير كلّ طاقاتها له،و في تسخير الكون المطلّ عليها و المحيط بها،لرعاية كلّ أوضاعه.و هكذا، يؤكّد اللّه أنّه أبدع ما في الأرض لأجل الإنسان؛تكريما له،و تأكيدا لقيمته المميّزة لديه من بين مخلوقاته.

(1:208)

[و هنا أبحاث أخر راجع«ي و م»].

تفجير الأرض

وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ. القمر:12

الزّمخشريّ: و جعلنا الأرض كلّها كأنّها عيون تتفجّر،و هو أبلغ من قولك:و فجّرنا عيون الأرض.

و نظيره في النّظم[القرآنيّ:] وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً مريم:4.(4:37)

الفخر الرّازيّ: قال: وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً، و لم يقل:ففتحنا السّماء أبوابا،لأنّ السّماء أعظم من

ص: 78

الأرض و هي للمبالغة،و لهذا قال: أَبْوابَ السَّماءِ القمر:11،و لم يقل:أنابيب و لا منافذ و لا مجاري،أو غيرها.

و أمّا قوله تعالى: وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فهو أبلغ من قوله:و فجّرنا عيون الأرض،لأنّه يكون حقيقة لا مبالغة فيه،و يكفي في صحّة ذلك القول أن يجعل في الأرض عيونا ثلاثة،و لا يصلح مع هذا في السّماء إلاّ قول القائل:فأنزلنا من السّماء ماء أو مياها.و مثل هذا الّذي ذكرناه في المعنى لا في المعجز،و الحكمة قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ الزّمر:21،حيث لا مبالغة فيه،و كلامه لا يماثل كلام اللّه و لا يقرب منه،غير أنّي ذكرته مثلا وَ لِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى النّحل:60.(29:37)

القرطبيّ: قال عبيد بن عمير:أوحى اللّه إلى الأرض أن تخرج ماءها؛فتفجّرت بالعيون،و إنّ عينا تأخّرت فغضب عليها،فجعل ماءها مرّا أجاجا إلى يوم القيامة.(17:132)

البروسويّ: أي جعلنا الأرض كلّها كأنّها عيون منفجرة،أي جارية،و كان ماء الأرض مثل الحميم حرارة.و أصله:و فجّرنا عيون الأرض،فغيّر عن المفعوليّة إلى التّمييز قضاء لحقّ المقام من المبالغة،لأنّ قولنا:فجّرنا عيون الأرض،يكفي في صحّة تفجّر ما فيها من العيون،و لا مبالغة فيه،بخلاف:فجّرنا الأرض عيونا،فإنّ معناه فجّرنا أجزاء الأرض كلّها،بجعلها عيون الماء.و لا شكّ في أنّه أبلغ.(9:272)

سيّد قطب: هو تعبير يرسم مشهد التّفجّر،و كأنّه ينبثق من الأرض كلّها،و كأنّما الأرض كلّها قد استحالت عيونا.(6:3430)

مدّ الأرض

وَ هُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَ أَنْهاراً... الرّعد:3

الفخر الرّازيّ: اعلم أنّه تعالى لمّا قرّر الدّلائل السّماويّة أردفها بتقرير الدّلائل الأرضيّة،فقال: وَ هُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ.

و اعلم أنّ الاستدلال بخلقة الأرض و أحوالها من وجوه:

الأوّل:أنّ الشّيء إذا تزايد حجمه و مقداره صار كأنّ ذلك الحجم و ذلك المقدار يمتدّ،فقوله: وَ هُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ إشارة إلى أنّ اللّه سبحانه هو الّذي جعل الأرض مختصّة بذلك المقدار المعيّن الحاصل له لا أزيد و لا أنقص،و الدّليل عليه أنّ كون الأرض أزيد مقدارا ممّا هو الآن و أنقص منه،أمر جائز ممكن في نفسه، فاختصاصه بذلك المقدار المعيّن لا بدّ أن يكون بتخصيص و تقدير مقدّر.

الثّاني:قال أبو بكر الأصمّ:المدّ هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه،فقوله: وَ هُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ يشعر بأنّه تعالى جعل حجم الأرض حجما عظيما لا يقع البصر على منتهاه،لأنّ الأرض لو كانت أصغر حجما ممّا هي الآن عليه لما كمل الانتفاع به.

و الثّالث:قال قوم:كانت الأرض مدوّرة فمدّها و دحاها من مكّة من تحت البيت فذهبت كذا و كذا.

و قال آخرون:كانت مجتمعة عند البيت المقدّس،

ص: 79

فقال لها:اذهبي كذا و كذا.

اعلم أنّ هذا القول إنّما يتمّ إذا قلنا:الأرض مسطّحة لا كرة،و أصحاب هذا القول احتجّوا عليه بقوله:

وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها النّازعات:30،و هذا القول مشكل من وجهين:

الأوّل:أنّه ثبت بالدّلائل أنّ الأرض كرة فكيف يمكن المكابرة فيه؟

فإن قالوا:و قوله: مَدَّ الْأَرْضَ ينافي كونها كرة فكيف يمكن مدّها؟

قلنا:لا نسلّم أنّ الأرض جسم عظيم،و الكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كلّ قطعة منها تشاهد كالسّطح، و التّفاوت الحاصل بينه و بين السّطح لا يحصل إلاّ في علم اللّه،أ لا ترى أنّه قال: وَ الْجِبالَ أَوْتاداً النّبأ:7،مع أنّ العالم من النّاس يستقرّون عليها،فكذلك هاهنا.

و الثّاني:أنّ هذه الآية إنّما ذكرت ليستدلّ بها على وجود الصّانع،و الشّرط فيه أن يكون ذلك أمرا مشاهدا معلوما حتّى يصحّ الاستدلال به على وجود الصّانع، و كونها مجتمعة تحت البيت أمر غير مشاهد و لا محسوس، فلا يمكن الاستدلال به على وجود الصّانع،فثبت أنّ التّأويل الحقّ هو ما ذكرناه.(19:2)

البروسويّ: بسطها طولا و عرضا،و وسّعها لتثبت عليها الأقدام و يتقلّب الحيوان،أي أنشأها ممدودة لا أنّها كانت مجموعة في مكان فبسطها،و كونها بسيطة لا ينافي كريّتها،لأنّ جميع الأرض جسم عظيم،و الكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كلّ قطعة منها يشاهد كالسّطح.

و في تفسير أبي اللّيث:بسطها من تحت الكعبة على الماء،و كانت تكفأ بأهلها كما تكفأ السّفينة بأهلها، فأرساها بالجبال الثّقال.

و في بعض الآثار: أنّ اللّه تعالى قبل أن يخلق السّماوات و الأرض أرسل على الماء ريحا هفّافة فصفقت الرّيح الماء،أي ضرب بعضه بعضا،فأبرز منه خشفة -بالخاء المعجمة و هي حجارة يبست بالأرض في موضع البيت كأنّها قبّة-و بسط الحقّ سبحانه من ذلك الموضع جميع الأرض طولها و العرض؛فهي أصل الأرض،و سرّتها في الكعبة وسط الأرض المسكونة.

و أمّا وسط الأرض كلّها عامرها و خرابها فهي قبّة الأرض،و هو مكان تعتدل فيه الأزمان في الحرّ و البرد، و يستوي اللّيل و النّهار فيه أبدا،لا يزيد أحدهما على الآخر و لا ينقص.و أصل طينة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من سرّة الأرض بمكّة،و لمّا تموّج الماء رمى بتلك الطّينة إلى محلّ مدفنه بالمدينة،فلذلك دفن عليه السّلام فيها.

قال بعضهم:الأرض مضجعنا و كانت أمّنا،فيها معايشنا و فيها نقبر.(4:337)

الآلوسيّ: أي أرض قلوب أوليائه ببسط أنوار المحبّة.(13:135)

سيّد قطب: الخطوط العريضة في لوحة الأرض هي مدّ الأرض و بسطها أمام النّظر و انفساحها على مداه، لا يهمّ ما يكون شكلها الكلّيّ في حقيقته،إنّما هي مع هذا ممدودة مبسوطة فسيحة.

هذه هي اللّمسة الأولى في اللّوحة،ثمّ يرسم خطّ الرّواسي الثّوابت من الجبال،و خطّ الأنهار الجارية في

ص: 80

الأرض،فتتمّ الخطوط العريضة الأولى في المشهد الأرضيّ متناسقة متقابلة.(4:2045)

الطّباطبائيّ: أي بسطها بسطا صالحا،لأن يعيش فيه الحيوان و ينبت فيه الزّرع و الشّجر.و الكلام في نسبة مدّ الأرض إليه تعالى و كونه كالتّوطئة،و التّمهيد لما يلحق به من قوله: وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَ أَنْهاراً الرّعد:3،إلخ،نظير الكلام في قوله في الآية السّابقة:

اَللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها الرّعد:2.

(11:291)

نحوه فضل اللّه(13:17)

خلق السّماوات و الأرض

1- اَلْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ... الأنعام:1

الفخر الرّازيّ: لم ذكر السّماء بصيغة الجمع، و الأرض بصيغة الواحد مع أنّ الأرضين أيضا كثيرة، بدليل قوله تعالى: وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ؟الطّلاق:

12.

و الجواب:أنّ السّماء جارية مجرى الفاعل، و الأرض مجرى القابل.فلو كانت السّماء واحدة لتشابه الأثر؛و ذلك يخلّ بمصالح هذا العالم.أمّا لو كانت كثيرة اختلفت الاتّصالات الكوكبيّة،فحصل بسببها الفصول الأربعة،و سائر الأحوال المختلفة،و حصل بسبب تلك الاختلافات مصالح هذا العالم.أمّا الأرض فهي قابلة للأثر،و القابل الواحد كاف في القبول،و أمّا دلالة الآية المذكورة على تعدّد الأرضين،فقد بيّنّا في تفسير تلك الآية كيفيّة الحال فيها،و اللّه أعلم.(12:148)

القرطبيّ: (الأرض)هنا اسم للجنس،فإفرادها في اللّفظ بمنزلة جمعها.(6:386)

البروسويّ: اَلَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ بما فيها...

(و الارض)بما فيها من البرّ و البحر و السّهل و الجبل و النّبات و الشّجر،خلق السّماوات و ما فيها في يومين يوم الأحد و يوم الاثنين،و خلق الأرض و ما فيها في يومين يوم الثّلاثاء و يوم الأربعاء.

و تخصيص«خلق السّماوات و الأرض»بالذّكر لأنّهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد،و فيهما العبرة، و المنافع لهم.

و جمع(السّماوات)دون(الأرض)و هي مثلهنّ،لأنّ طبقاتها مختلفة بالذّات متفاوتة الآثار و الحركات،قالوا:

ما بين كلّ سماءين مسيرة خمسمائة عام.السّماء الدّنيا موج مكفوف،أي متصادم بعضه على بعض يمنع بعضه بعضا،أي ممنوع من السّيلان.و الثّانية مرمرة بيضاء.

و الثّالثة حديدة.و الرّابعة نحاس أو صفر.و الخامسة فضّة.و السّادسة ذهب.و السّابعة ياقوتة حمراء.و أمّا الأرض فهي تراب لا غير.

و الأكثرون على تفضيل الأرض على السّماء،لأنّ الأنبياء خلقوا من الأرض و عبدوا فيها و دفنوا فيها،و أنّ الأرض دار الخلافة و مزرعة الآخرة.و أفضل البقاع على وجه الأرض البقعة الّتي ضمّت جسم الحبيب صلّى اللّه تعالى عليه و سلّم في المدينة المنوّرة،لأنّ الجزء الأصليّ من التّراب محلّ قبره صلى اللّه عليه و سلم.

ثمّ بقعة الحرم المكّيّ،ثمّ بيت المقدّس و الشّام منه،ثمّ الكوفة و هي حرم رابع،و بغداد منه.(3:3)

ص: 81

الآلوسيّ: جمع سبحانه(السّماوات)و أفرد (الأرض)مع أنّها على ما تقتضيه النّصوص المتعدّدة متعدّدة أيضا،و المؤاخاة بين الألفاظ من محسّنات الكلام،فإذا جمع أحد المتقابلين أو نحوهما ينبغي أن يجمع الآخر عندهم؛و لذا عيب على أبي نؤاس قوله:

و مالك فاعلمن فينا مقالا

إذا استكملت آجالا و رزقا

حيث جمع و أفرد؛إذ جمع لنكتة سوّغت العدول عن ذلك الأصل،و هي الإشارة إلى تفاوتهما في الشّرف، فجمع الأشرف اعتناء بسائر أفراده،و أفرد غير الأشرف.

و أشرفيّة السّماء،لأنّها محلّ الملائكة المقدّسين على تفاوت مراتبهم،و قبلة الدّعاء و معراج الأرواح الطّاهرة،و لعظمها و إحاطتها بالأرض على القول بكريّتها الذّاهب إلى بعض منّا و عظم آيات اللّه فيها، و لأنّها لم يعص اللّه تعالى فيها أصلا،و فيها الجنّة الّتي هي مقرّ الأحباب،و لغير ذلك.

و الأرض و إن كانت دار تكليف و محلّ الأنبياء عليهم الصّلاة و السّلام،فليس ذلك إلاّ للتّبليغ و كسب ما يجعلهم متأهّلين للإقامة في حضيرة القدس،لأنّها ليست بدار قرار،و خلق أبدان الأنبياء عليهم الصّلاة و السّلام منها و دفنهم فيها-مع كون أرواحهم الّتي هي منشأ الشّرف ليست منها و لا تدفن فيها-لا يدلّ على أكثر من شرفها،و أمّا أنّه يدلّ على أشرفيّتها فلا يكاد يسلم لأحد،و كذا كون اللّه تعالى وصف بقاعا منها بالبركة لا يدلّ على أكثر ممّا ذكرنا،و لهذا الشّرف أيضا قدّمت على الأرض في الذّكر.

و قيل: إنّ جمع(السّماوات)و إفراد(الأرض)،لأنّ السّماء جارية مجرى الفاعل و الأرض جارية مجرى القابل،فلو كانت السّماء واحدة لتشابه الأثر و هو يخلّ بمصالح هذا العالم،و أمّا الأرض فهي قابلة و القابل الواحد كاف في القبول.

و حاصله أنّ اختلاف الآثار دلّ على تعدّد السّماء دلالة عقليّة،و الأرض و إن كانت متعدّدة لكن لا دليل عليه من جهة العقل،فلذلك جمعها دون الأرض.

و اعترض بأنّه على ما فيه ربّما يقتضي العكس.

و قال بعضهم: إنّه لا تعدّد حقيقيّا في الأرض،و لهذا لم تجمع.[إلى أن قال:]

و قوله تعالى: اَللّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ الطّلاق:12،محمول على المماثلة في السّبعة الموجودة في الأقاليم لا على التّعدّد الحقيقيّ.

و لا يخفى أنّ هذا من التّكلّف الّذي لم يدع إليه سوى اتّهام قدرة اللّه تعالى و عجزه سبحانه عن أن يخلق سبع أرضين،طبق ما نطق به ظاهر النّصّ الوارد عن حضرة أفصح من نطق بالضّاد،و أزال بزلال كلامه الكريم أوام كلّ صاد،و حمل المماثلة في الآية أيضا على المماثلة الّتي زعمها صاحب القيل خلاف الظّاهر.(7:81)

رشيد رضا :السّماوات و الأرض يطلقان في مثل هذا المقام على كلّ موجود مخلوق،أو ما يعبّر عنه بعض النّاس بالعالم العلويّ و العالم السّفليّ،و إن كان العلوّ و السّفل فيهما من الأمور الإضافيّة.(8:445)

ص: 82

2- تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَ السَّماواتِ الْعُلى.

طه:4

الطّبرسيّ: بدأ بالأرض ليستقيم رءوس الآي.

(4:2)

البروسويّ: تخصيص خلقهما لأنّهما قوام العالم و أصوله،و تقديم(الأرض)لكونها أقرب إلى الحسّ و أظهر عنده من(السّماوات)،و وصف(السّماوات) ب(العلى)-و هو جمع العليا،تأنيث الأعلى-للدّلالة على عظم قدرة خالقها بعلوّها،و عطف(السّماوات)على (الأرض)من عطف الجنس على الجنس،لأنّ التّعريف مصروف إلى الجنس،لا من عطف الجمع على المفرد، حتّى يلزم ترك الأولى من رعاية التّطابق بين المعطوف و المعطوف عليه.(5:363)

الآلوسي: تخصيص «خَلَقَ الْأَرْضَ وَ السَّماواتِ» بالذّكر مع أنّ المراد خلقهما بجميع ما يتعلّق بهما،كما يؤذن به قوله تعالى: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ طه:6،لإصالتهما و استتباعهما لما عداهما،و قيل:المراد بهما ما في جهة السّفل و ما في جهة العلوّ.

و تقديم «خَلَقَ الْأَرْضَ» قيل:لأنّه مقدّم في الوجود على خلق السّماوات السّبع كما هو ظاهر آية: أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ فصّلت:9، و كذا ظاهر آية: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ البقرة:29.

و نقل الواحديّ عن مقاتل أنّ خلق السّماوات مقدّم.

و اختاره كثير من المحقّقين لتقديم(السّماوات)على (الأرض)في معظم الآيات الّتي ذكرا فيها.و اقتضاء الحكمة تقديم خلق الأشرف،و السّماء أشرف من الأرض ذاتا و صفة،مع ظاهر آية: أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها النّازعات:27.

و اختار بعض المحقّقين أنّ خلق السّماوات بمعنى إيجادها بمادّتها قبل خلق الأرض،و خلقها بمعنى إظهارها بآثارها بعد خلق الأرض،و بذلك يجمع بين الآيات الّتي يتوهّم تعارضها،و تقديم(السّماوات)في الذّكر على (الأرض)تارة و العكس أخرى بحسب اقتضاء المقام، و هو أقرب إلى التّحقيق،و عليه و على ما قبله فتقديم خلق الأرض هنا قيل:لأنّه أوفق بالتّنزيل الّذي هو من أحكام رحمته تعالى،كما ينبئ عنه ما بعد و قوله تعالى:

اَلرَّحْمنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ الرّحمن:1،2،و يرمز إليه ما قبل،فإنّ الإنعام على النّاس بخلق الأرض أظهر و أتمّ، و هي أقرب إلى الحسّ.

و قيل:لأنّه أوفق بمفتتح السّورة بناء على جعل (طه)جملة فعليّة،أي طأ الأرض بقدميك،أو لقوله تعالى: ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى طه:2،بناء على أنّه جملة مستأنفة لصرفه صلى اللّه عليه و سلم عمّا كان عليه من رفع إحدى رجليه عن الأرض في الصّلاة،كما جاء في سبب النّزول.(16:152)

الطّباطبائيّ: اختيار خَلَقَ الْأَرْضَ وَ السَّماواتِ صلة للموصول و بيانا لإبهام المنزّل،لمناسبته معنى التّنزيل الّذي لا يتمّ إلاّ بعلوّ و سفل يكونان مبدأ و منتهى لهذا التّسيير،و قد خصّصا بالذّكر دون ما بينهما؛إذ لا غرض يتعلّق بما بينهما،و إنّما الغرض بيان مبدأ التّنزيل و منتهاه،بخلاف قوله: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي

ص: 83

اَلْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما طه:6؛إذ الغرض بيان شمول الملك للجميع.(14:120)

3- اَللّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ... الطّلاق:12

ابن مسعود: خلق اللّه سبع سماوات غلظ كلّ واحدة مسيرة خمسمائة عام،و بين كلّ واحدة منهنّ خمسمائة عام،و فوق السّبع السّماوات الماء،و اللّه جلّ ثناؤه فوق الماء لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم، و الأرض سبع،بين كلّ أرضين خمسمائة عام،و غلظ كلّ أرض خمسمائة عام.(الطّبريّ 28:153)

ابن عبّاس: لو حدّثتكم بتفسيرها لكفرتم،و كفركم تكذيبكم بها.(الطّبريّ 28:153)

إنّها سبع أرضين ليس بعضها فوق بعض،يفرق بينهنّ البحار،و يظلّ جميعهنّ السّماء،و اللّه سبحانه أعلم بصحّة ما استأثر بعلمه و اشتبه على خلقه.

(الطّبرسيّ 5:311)

الإمام الرّضا عليه السّلام: [روى العيّاشيّ بإسناده عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن عليه السّلام قال:بسط كفّه ثمّ وضع اليمنى عليها،فقال:]

هذه الأرض الدّنيا و السّماء الدّنيا عليها قبّة، و الأرض الثّانية فوق السّماء الدّنيا،و السّماء الثّانية فوقها قبّة،و الأرض الثّالثة فوق السّماء الثّانية،و السّماء الثّالثة فوقها قبّة-حتّى ذكر الرّابعة و الخامسة و السّادسة- فقال:و الأرض السّابعة فوق السّماء السّادسة،و السّماء السّابعة فوقها قبّة،و عرش الرّحمن فوق السّماء السّابعة،و هو قوله: سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ. (الطّبرسيّ 5:311)

الطّوسيّ: إخبار من اللّه تعالى أنّه الّذي أنشأ سبع سماوات وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ، أي و خلق من الأرض مثلهنّ في العدد لا في الكيفيّة،لأنّ كيفيّة السّماء مخالفة لكيفيّة الأرض.و المثل ما سدّ مسدّ غيره فيما يرجع إلى ذاته.(10:41)

مثله البيضاويّ.(2:485)

البغويّ: (مثلهنّ)في العدد.(7:95)

الميبديّ: اختلفوا في الأرض على أقوال:

أحدها:أنّ الأرض واحدة،و قوله: مِثْلَهُنَّ أي في الخلق لا في العدد،و ليس في القرآن ما يدلّ على أنّها سبع.

و الثّاني:أنّ المراد بها الأقاليم السّبعة،و الدّعوة شاملة جميعها.

و الثّالث:أنّها سبع أرضين متّصلة بعضها ببعض، و الحائل بين كلّ أرض و أرض بحار لا يمكن قطعها،و لا الوصول إلى الأرض الأخرى،و لا تصل الدّعوة إليه.

و الرّابع:أنّها سبع أرضين بعضها فوق بعض متّصلة لا فرجة بينها.

و الخامس:أنّ بين كلّ واحدة منها إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام،كما جاء في ذكر السّماء.و في كلّ أرض منها خلق،حتّى قالوا:في كلّ أرض آدم و حوّاء و نوح و إبراهيم،و هم يشاهدون السّماء من جانب أرضهم و يستهدون الضّياء.

و قيل:جعل اللّه لهم نورا يستضيئون به.

و قوله: وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ أي و خلق من

ص: 84

الأرض مثلهنّ.(10:147)

الزّمخشريّ: اَللّهُ الَّذِي خَلَقَ مبتدأ و خبر و قرئ(مثلهنّ)بالنّصب،عطف على(سبع سماوات)؛ و الرّفع على الابتداء،و خبره(من الارض).

قيل:ما في القرآن آية تدلّ على أنّ الأرضين سبع إلاّ هذه.

و قيل:بين كلّ سماءين مسيرة خمسمائة عام،و غلظ كلّ سماء كذلك،و الأرضون مثل السّماوات.(4:124)

مثله النّسفيّ.(4:268)

الطّبرسيّ: أي و خلق من الأرض مثلهنّ في العدد لا في الكيفيّة،لأنّ كيفيّة السّماء مخالفة لكيفيّة الأرض.

و ليس في القرآن آية تدلّ على أنّ الأرضين سبع مثل السّماوات إلاّ هذه الآية،و لا خلاف في السّماوات أنّها سماء فوق سماء.

و أمّا الأرضون فقال قوم:إنّها سبع أرضين طباقا بعضها فوق بعض كالسّماوات-لأنّها لو كانت مصمتة لكانت أرضا واحدة-و في كلّ أرض خلق خلقهم اللّه كما شاء.(5:310)

الفخر الرّازيّ: وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ في كونها طباقا متلاصقة،كما هو المشهور أنّ للأرض ثلاث طبقات:طبقة أرضيّة محضة،و طبقة طينيّة و هي غير محضة،و طبقة منكشفة بعضها في البحر و بعضها في البرّ، و هي المعمورة.و لا بعد في قوله: وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ من كونها سبعة أقاليم على حسب سبع سماوات و سبع كواكب فيها،و هي السّيّارة،فإنّ لكلّ واحد من هذه الكواكب خواصّ تظهر آثار تلك الخواصّ في كلّ إقليم من أقاليم الأرض،فتصير سبعة بهذا الاعتبار، فهذه هي الوجوه الّتي لا يأباها العقل.

و ما عداها من الوجوه المنقولة عن أهل التّفسير، فذلك من جملة ما يأباها العقل،مثل ما يقال:السّماوات السّبع أوّلها موج مكفوف،و ثانيها صخر،و ثالثها حديد،و رابعها نحاس،و خامسها فضّة،و سادسها ذهب،و سابعها ياقوت.

و قول من قال:بين كلّ واحدة منها مسيرة خمسمائة سنة،و غلظ كلّ واحدة منها كذلك،فذلك غير معتبر عند أهل التّحقيق،اللّهمّ إلاّ أن يكون نقل متواترا، و يمكن أن يكون أكثر من ذلك.و اللّه أعلم بأنّه ما هو، و كيف هو.(30:39)

القرطبيّ: يعني سبعا.و اختلف فيهنّ على قولين:

أحدهما:و هو قول الجمهور،أنّها سبع أرضين طباقا بعضها فوق بعض،بين كلّ أرض و أرض مسافة كما بين السّماء و السّماء،و في كلّ أرض سكّان من خلق اللّه.[ثمّ نقل قول الضّحّاك و أضاف:]

و الأوّل أصحّ،لأنّ الأخبار دالّة عليه في التّرمذيّ و النّسائيّ و غيرهما،و قد مضى ذلك مبيّنا في«البقرة».

[إلى أن قال:]

و القول الثّاني:أنّهم لا يشاهدون السّماء،و أنّ اللّه تعالى خلق لهم ضياء يستمدّونه،و هذا قول من جعل الأرض كالكرة.

و في الآية قول ثالث حكاه الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس:أنّها سبع أرضين منبسطة،ليس بعضها فوق بعض تفرّق بينها البحار و تظلّ جميعها السّماء.

ص: 85

فعلى هذا إن لم يكن لأحد من أهل الأرض وصول إلى أرض أخرى اختصّت دعوة الإسلام بأهل هذه الأرض،و إن كان لقوم منهم وصول إلى أرض أخرى، احتمل أن تلزمهم دعوة الإسلام عند إمكان الوصول إليهم،لأنّ فصل البحار إذا أمكن سلوكها لا يمنع من لزوم ما عمّ حكمه،و احتمل ألاّ تلزمهم دعوة الإسلام لأنّها لو لزمتهم لكان النّصّ بها واردا،و لكان صلى اللّه عليه و سلم بها مأمورا.

و اللّه أعلم ما استأثر بعلمه،و صواب ما اشتبه على خلقه.

(18:174)

نحوه الشّربينيّ(4:321)،و أبو السّعود(5:172).

النّيسابوريّ: ظاهر هذه الآية يدلّ على أنّ الأرض متعدّدة،و أنّها سبع كالسّماوات.فذهب بعضهم إلى أنّ قوله: مِثْلَهُنَّ أي في الخلق لا في العدد.

و قيل:إنّها سبع طبقات بعضها فوق بعض لا فرجة بينها.و هذا يشبه قول الحكماء:

منها طبقة هي أرض صرفة تجاور المركز،و منها طبقة طينيّة تخالط سطح الماء من جانب التّقعير،و منها طبقة معدنيّة يتولّد منها المعادن،و منها طبقة تركّبت بغيرها و قد انكشف بعضها،و منها طبقة الأدخنة و الأبخرة على اختلاف أحوالها،أي طبقة الزّمهرير،و قد تعدّ هذه الطّبقة من الهواء.(28:75)

أبو حيّان: قرأ الجمهور مِثْلَهُنَّ بالنّصب و المفضّل عن عاصم،و عصمة عن أبي بكر مِثْلَهُنَّ بالرّفع.فالنّصب قال الزّمخشريّ:عطفا على(سبع سماوات)انتهى.

و فيه الفصل بالجارّ و المجرور بين حرف العطف و هو الواو و المعطوف،و هو مختصّ بالضّرورة عند أبي عليّ الفارسيّ.و أضمر بعضهم العامل بعد الواو لدلالة ما قبله عليه،أي و خلق من الأرض مثلهنّ،ف(مثلهنّ)مفعول للفعل المضمر لا معطوف،و صار ذلك من عطف الجمل و الرّفع على الابتداء(و من الارض)الخبر،و المثليّة تصدق بالاشتراك في بعض الأوصاف.

فقال الجمهور: المثليّة في العدد،أي مثلهنّ في كونها سبع أرضين.

و في الحديث:«طوّقه من سبع أرضين و ربّ الأرضين السّبع و ما أقللن».

فقيل:سبع طباق من غير فتوق.

و قيل:بين كلّ طبقة و طبقة مسافة.

و قيل:و فيها سكّان من خلق اللّه.قيل:ملائكة و جنّ.

و عن ابن عبّاس من رواية الواقديّ الكذّاب،قال:

في كلّ أرض آدم كآدم و نوح كنوح و نبيّ كنبيّكم و إبراهيم كإبراهيمكم و عيسى كعيسى،و هذا حديث لا شكّ في وضعه.(8:287)

البروسويّ: [ذكر مثل القرطبيّ و أضاف:]

قال سعدي المفتيّ: و قد تؤول الآية تارة بالأقاليم السّبعة،أي فتكون الدّعوة شاملة لجميعها،و تارة بطبقات العناصر القوابل بالنّسبة إلى الأثيريّات،فهي أرضها الّتي ينزل عليها منها الصّور الكائنة،و هي النّار الصّرفة،و الطّبقة الممتزجة من النّار و الهواء المسمّاة كرة الأثير الّتي فيها الشّهب و ذوات الأذناب و غيرها.

و طبقة الزّمهرير،و طبقة النّسيم،و طبقة الصّعيد،و الماء

ص: 86

المشحونة بالنّسيم الشّاملة للطّبقة الطّينيّة الّتي هي السّادسة،و طبقة الأرض الصّرفة عند المركز.و إن حملناها على مراتب الغيوب السّبعة المذكورة من غيب القوى و النّفس و العقل و السّرّ و الرّوح و الخفيّ و غيب الغيوب،أي عين جمع الذّات،فالأرضون هي الأعضاء السّبعة المشهورة.و في«التّأويلات النّجميّة»هي طبقات القلوب من الصّدر و القلب و الفؤاد و الرّوع و الشّغاف و المهجة و الرّوح.و أراضي النّفوس و هي النّفس الأمّارة و اللّوّامة و الملهمة و المطمئنّة،و النّفس المعدنيّة و النّباتيّة و الحيوانيّة.(10:45)

الآلوسيّ: [ذكر مثل أبي حيّان ثمّ نقل روايات كثيرة فراجع 28:142]

المراغيّ: أي اللّه هو الّذي خلق السّماوات السّبع، و خلق مثلهنّ في العدد من الأرضين.

و هذا الأسلوب في اللّغة لا يفيد الانحصار في السّبعة، و إنّما يفيد الكثرة،فالعرب تعني في كلامها بذكر السّبعة و السّبعين و السّبعمائة الكثرة فحسب،و يؤيّد هذا أنّ علماء الفلك في العصر الحاضر قالوا:إنّ أقلّ عدد ممكن من الأرضين الدّائرة حول الشّموس العظيمة الّتي نسمّيها نجوما لا يقلّ عن ثلاثمائة مليون أرض،و لا شكّ أنّ هذا قول هو بالظّنّ أشبه منه باليقين.

و روى ابن مسعود أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم قال:«ما السّماوات السّبع و ما فيهنّ و ما بينهنّ،و الأرضون السّبع و ما فيهنّ و ما بينهنّ في الكرسيّ إلاّ كحلقة ملقاة بأرض فلاة».

و روي عن ابن عبّاس في قوله تعالى: سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ الآية،قوله:لو حدّثتكم بتفسيرها لكفرتم بتكذيبكم بها.

و هذا من الحبر (1)دليل على أنّ هناك عوالم كثيرة لا يجدر بالعلماء أن يحدّثوا عنها العامّة،فإنّ عقولهم تضلّ في فهمها،فلتبق في صدور العلماء و أهل الذّكر حتّى لا يفتنوا بها.(28:151)

طنطاوي: أي و خلق مثلهنّ في العدد من الأرض، و هذا العدد ليس يقتضي الحصر،فإذا قلت:عندي جوادان تركب عليها أنت و أخوك،فليس يمنع أن يكون عندك ألف جواد و جواد،هكذا هنا،فقد قال علماء الفلك كما تقدّم:«إنّ أقلّ عدد ممكن من الأرضين الدّائرة حول الشّموس العظيمة الّتي نسمّيها نجوما لا يقلّ عن ثلاثمائة مليون أرض»،هذا فيما عرفه النّاس،و هذا القول من هؤلاء ظنّيّ،فلم يدع أحد أنّه رأى أو قطع بشيء من ذلك،اللّهمّ إلاّ علماء الأرواح،فإنّهم لمّا سألوها قالت:

«عندنا كواكب آهلة بالسّكّان لا يحصى عددها و فيها سكّان أنتم بالنّسبة لهم كالنّمل للإنسان...»

(24:195)

الطّباطبائيّ: ظاهره المثليّة في العدد،و عليه فالمعنى:و خلق من الأرض سبعا كما خلق من السّماء سبعا،فهل الأرضون السّبع سبع كرات من نوع الأرض الّتي نحن عليها،و الّتي نحن عليها إحداها؟أو الأرض الّتي نحن عليها سبع طبقات محيطة بعضها ببعض، و الطّبقة العليا بسيطها الّذي نحن عليه؟أو المراد الأقاليم السّبعة الّتي قسّموا إليها المعمور من سطح الكرة وجوه:

ذهب إلى كلّ منها جمع،و ربّما لاح بالرّجوع إلى ما تقدّمس.

ص: 87


1- الحبر هنا لقب لابن عبّاس.

في تفسير سورة«حم السّجدة»محتمل آخر غيرها.

و ربّما قيل:إنّ المراد بقوله: وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ أنّه خلق من الأرض شيئا هو مثل السّماوات السّبع،و هو الإنسان المركّب من المادّة الأرضيّة،و الرّوح السّماويّة الّتي فيها نماذج سماويّة ملكوتيّة.

(19:326)

عبد الكريم الخطيب: هو عرض لقدرة اللّه و بسطة سلطانه على هذا الوجود،و أنّه سبحانه خلق سبع سماوات و خلق من الأرض سبع أرضين و ليست المثليّة الّتي بين السّماوات و الأرض مثليّة في القدر و الحجم،و إنّما هي مثليّة في التّنوّع و الاختلاف،فكما أنّ لكلّ سماء نظاما مختلفا عن الأخريات كمّا و كيفا،كذلك لكلّ إقليم من أقاليم الأرض أو كلّ طبقة من طبقاتها نظام،يختلف عمّا سواه قدرا و كيفا.

و من النّظر في خلق السّماوات و الأرض،يتبيّن ما للّه سبحانه و تعالى من قدرة،و ما له سبحانه من علم قائم على هذه العوالم،يضبطها و يدبّر أمرها...(14:1020)

فضل اللّه: اَللّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ، فهناك أرضون سبع،لم يتحدّث عن عددها إلاّ في هذه الآية،بينما تحدّث في أكثر من آية عن السّماوات السّبع،و لكن لم يعرف ما هو المراد بالأرضين السّبع،فهل هناك سبع كرات من نوع الأرض الّتي نحن عليها،و الّتي نحن عليها إحداها،أو الأرض الّتي نحن عليها سبع طبقات محيطة ببعضها البعض.و الطّبقة العليا بسيطها الّذي نحن عليه،أو المراد الأقاليم السّبعة الّتي قسّموا إليها المعمور من سطح الكرة؟وجوه،ذهب إلى كلّ منها جمع،و لكن لا طريق لنا إلى معرفة ذلك،لأنّ اللّه أجمل لنا ذلك،و لم تفصّله لنا السّنّة في ما صحّ منها.

(22:301)

ما دامت السّماوات و الأرض

خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ...

هود:107

الميبديّ: قالوا: اَلسَّماواتُ هنا إطباق جهنّم وَ الْأَرْضُ إدراكها.

و في الآية الأخرى،هود:108 اَلسَّماواتُ إطباق الجنّة وَ الْأَرْضُ تربتها.

و الأصحّ:أنّهما كناية عن التّأبيد،كما يقال:

لا أكلّمك و لا أفعل ذلك ما ذرّ شارق،و طلع كوكب، و هبّت ريح،و حتّى يعود اللّبن في الضّرع،و حتّى يعود أمس،و يبيض الغراب،و حتّى يرجع السّهم على فوقه.

(4:448)

النّيسابوريّ: ما دامت سماوات الأرواح و القلوب و أرض النّفوس البشريّة.(12:74)

و فيه أبحاث أخر راجع«دوم»

جنود السّماوات و الأرض

1- وَ لِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ كانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً. الفتح:4

ابن عبّاس: يعني الملائكة و الجنّ و الإنس و الشّياطين.(الطّبرسيّ 5:111)

الإمام الباقر عليه السّلام: كان كلّ شيء ماء و كان عرشه على الماء،فأمر اللّه عزّ ذكره الماء فاضطرم نارا،ثمّ أمر

ص: 88

النّار فخمدت،فارتفع من خمودها دخان،فخلق اللّه عزّ و جلّ السّماوات من ذلك الدّخان و خلق الأرض من الرّماد،ثمّ اختصم الماء و النّار و الرّيح،فقال الماء:أنا جند اللّه الأكبر،و قالت النّار:أنا جند اللّه الأكبر،و قالت الرّيح:أنا جند اللّه الأكبر،فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلى الرّيح:

أنت جندي الأكبر.(البحرانيّ 4:196)

الطّبريّ: وَ لِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أنصار،ينتقم بهم ممّن يشاء من أعدائه.(26:72)

الطّوسيّ: قيل:معناه إنّ جميع الجنود عبيده.

(9:316)

الميبديّ: جُنُودُ السَّماواتِ: الملائكة،و جنود الأرض:الإنس و الجنّ.

و قيل:كلّ ما في السّماوات و الأرض بمنزلة الجند له، لو شاء لانتصر به كما ينتصر بالجند.(9:208)

الفخر الرّازيّ: في جنود السّماوات و الأرض وجوه:

أحدها:ملائكة السّماوات و الأرض.

ثانيها:من في السّماوات من الملائكة و من في الأرض من الحيوانات و الجنّ.

و ثالثها:الأسباب السّماويّة و الأرضيّة،حتّى يكون سقوط كسف من السّماء و الخسف من جنوده.

(28:81)

مثله النّيسابوريّ.(26:42)

البيضاويّ: يدّبر أمرها فيسلّط بعضها على بعض تارة،و يوقع فيما بينهم السّلم أخرى،كما تقتضيه حكمته.(2:399)

مثله الكاشانيّ.(5:39)

أبو حيّان: إشارة إلى تسليم الأشياء إليه تعالى، ينصر من شاء و على أيّ وجه شاء،و من جنده السّكينة ثبّتت قلوب المؤمنين.(8:90)

البروسويّ: قال بعضهم:هم سماوات أرواح العارفين و قصور أرض قلوب المحبّين،و أنفاسهم جنوده ينتقم بنفس منهم من جميع أعدائه فيقهرهم.[إلى أن قال:]

و قال بعض الكبار: و للّه جنود السّماوات من الأنوار القدسيّة و الإمدادات الرّوحانيّة،و جنود الأرض من الصّفات النّفسانيّة و القوى الطّبيعيّة،فيغلب بعضها على بعض،فإذا غلب الأولى على الأخرى حصلت السّكينة و كمال اليقين،و إذا عكس وقع الشّكّ و الرّيب.

(9:13)

الطّباطبائيّ: السّياق يشهد أنّ المراد ب جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الأسباب الموجودة في العالم ممّا يرى و لا يرى من الخلق،فهي وسائط متخلّلة بينه تعالى،و بين ما يريده من شيء تطيعه و لا تعصيه.

(18:262)

فضل اللّه: وَ لِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ، سواء أ تمثّلوا في الأمور المعنويّة من أسباب و قوانين طبيعيّة أودعها اللّه في الأرض و السّماء،و حرّكها من أجل إقامة نظام الحياة كلّها،أم بمخلوقات حيّة متحرّكة في السّماوات و الأرض،الّتي جعلها اللّه خليفة عنه في مباشرة الأمور بأسبابها العاديّة،و بذلك كان إنزال السّكينة في قلوب المؤمنين متأتّيا عن تحريك جنوده

ص: 89

للموضع بشكل دقيق.(21:100)

2- وَ لِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ كانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً. الفتح:7

الطّبريّ: و للّه جنود السّماوات و الأرض أنصارا على أعدائه،إن أمرهم بإهلاكهم أهلكوهم،و سارعوا إلى ذلك بالطّاعة منهم له.(26:73)

الطّوسيّ: إنّما أعيد ذكر وَ لِلّهِ جُنُودُ... لأنّه متّصل بذكر المنافقين،أي و له الجنود الّتي يقدر على الانتقام منكم بها،و ذكر أوّلا لأنّه متّصل بذكر المؤمنين، أي له الجنود الّتي يقدر أن يغنيكم بها.(9:318)

نحوه الطّبرسيّ(5:112)،و البروسويّ(9:16).

ابن كثير: أي و لو أرسل عليهم ملكا واحدا لأباد خضراءهم،و لكنّه تعالى شرّع لعباده المؤمنين الجهاد و القتال.(6:330)

الآلوسيّ: ذكر سابقا على أنّ المراد أنّه عزّ و جلّ المدبّر لأمر المخلوقات بمقتضى حكمته،فلذلك ذيّل بقوله تعالى: عَلِيماً حَكِيماً الفتح:4،و هاهنا أريد به التّهديد،بأنّهم في قبضة قدرة المنتقم؛و لذا ذيّل بقوله تعالى: وَ كانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً فلا تكرار،كما قال الشّهاب.

و قيل:إنّ الجنود جنود رحمة و جنود عذاب،و المراد به هنا الثّاني كما ينبئ عنه التّعرّض لوصف العزّة.

(26:95)

المراغيّ: من الملائكة و الإنس و الجنّ و الصّيحة و الرّجفة و الحجارة و الزّلازل و الخسف و الغرق و نحو ذلك،أنصارا على أعدائه إن أمرهم بإهلاكهم أهلكوهم و سارعوا مطيعين لذلك.(26:87)

مقاليد السّماوات و الأرض

1- لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. الزّمر:63

ابن عبّاس: واحدها مقليد و مقلاد،يريد مفاتيح السّماوات و الأرض بالرّزق و الرّحمة.

مثله قتادة.(الطّبرسيّ 4:507)

الضّحّاك: خزائن السّماوات و الأرض،يفتح الرّزق على من يشاء و يغلقه عمّن يشاء.

(الطّبرسيّ 4:507)

نحوه الطّبريّ(24:23)،و الطّوسيّ(9:43).

السّدّيّ:خزائن السّماوات و الأرض.

(الطّبريّ 24:23)

ابن زيد:له مفاتيح خزائن السّماوات و الأرض.

(الطّبريّ 24:23)

الرّاغب: أي ما يحيط بها.و قيل:خزائنها،و قيل:

مفاتحها.و الإشارة بكلّها إلى معنى واحد،و هو قدرته تعالى عليها و حفظه لها.(411)

الميبديّ: قيل:مقاليد السّماوات:الأمطار، و مقاليد الأرض:النّبات.و معنى الآية:لا ينزل من السّماء ملك و لا قطرة،و لا ينبت من الأرض نبات إلاّ بإذنه.(8:434)

الزّمخشريّ: أي هو مالك أمرها و حافظها.و هو من باب الكناية،لأنّ حافظ الخزائن و مدبّر أمرها هو الّذي يملك مقاليدها.(3:406)

مثله الفخر الرّازي.(27:11)

ص: 90

النّيسابوريّ: قال أهل العرفان:بيده مفاتيح خزائن اللّطف و القهر،فيفتح على من يشاء أبواب خزائن لطفه في قلبه،فتخرج ينابيع الحكمة و جواهر الأخلاق الحسنة،و للآخر بالضّدّ.(24:16)

أبو حيّان: مَقالِيدُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قال ابن عبّاس:مفاتيح،و هذه استعارة،كما تقول:بيد فلان مفتاح هذا الأمر.(7:437)

الكاشانيّ: مفاتيحها،لا يملك أمرها و لا يتمكّن من التّصرّف فيها غيره،و هو كناية عن قدرته و حفظه لها.(4:328)

البروسويّ: في«التّأويلات النّجميّة»يشير إلى أنّ له مفاتيح خزائن لطفه،و هي مكنونة في سماوات القلوب،و له مفاتيح خزائن قهره و هي مودعة في أرض النّفوس،يعني لا يملك أحد مفاتيح خزائن لطفه و قهره إلاّ هو.(8:132)

الآلوسيّ: قيل:مجاز عن كونه مالك أمره و متصرّفا فيه بعلاقة اللّزوم،و يكنّى به عن معنى القدرة و الحفظ،و جوّز كون المعنى الأوّل كنائيّا،لكن قد اشتهر فنزل منزلة المدلول الحقيقيّ فكنّي به عن المعنى الآخر، فيكون هناك كناية على كناية.و قد يقتصر على المعنى الأوّل في الإرادة،و عليه قيل هنا:المعنى لا يملك أمر السّماوات و الأرض،و لا يتمكّن من التّصرّف فيها غيره عزّ و جلّ.

و البيضاويّ بعد ذكر ذلك قال:هو كناية عن قدرته تعالى و حفظه لها،و فيه مزيد دلالة على الاستقلال و الاستبداد لمكان اللاّم و التّقديم.[ثمّ نقل قول الرّاغب و قال:]

و جوّز أن يكون المعنى لا يملك التّصرّف في خزائن السّماوات و الأرض-أي ما أودع فيها و استعدّت له من المنافع-غيره تعالى.

و لا يخفى أنّ هذه الجملة إن كانت في موضع التّعليل؛ لقوله سبحانه: وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ الزّمر:62، على المعنى الأوّل،فالأظهر الاقتصار في معناها على أنّه لا يملك أمر السّماوات و الأرض،-أي العالم بأمره-غيره تعالى،فكأنّه قيل:هو تعالى يتولّى التّصرّف في كلّ شيء،لأنّه لا يملك أمره سواه عزّ و جلّ؛و إن كانت تعليلا له على المعنى الثّاني فالأظهر الاقتصار في معناها على أنّه لا قدرة عليها لأحد غيره جلّ شأنه،فكأنّه قيل:هو تعالى يتولّى حفظ كلّ شيء،لأنّه لا قدرة لأحد عليه غيره تعالى.

و جوّز أن تكون عطف بيان للجملة قبلها،و أن تكون صفة(وكيل)و أن تكون خبرا بعد خبر،فأمعن النّظر في ذلك و تدبّر.[ثمّ ذكر روايات متعدّدة و قال:]

و المعنى عليها أنّ للّه تعالى هذه الكلمات يوحّد بها سبحانه و يمجّد،و هي مفاتيح خير السّماوات و الأرض، من تكلّم بها من المؤمنين أصابه.فوجه إطلاق المقاليد عليها أنّها موصلة إلى الخير كما توصل المفاتيح إلى ما في الخزائن.(24:21،22)

الطّباطبائيّ: مفاتيح السّماوات و الأرض:مفاتيح خزائنها.قال تعالى: وَ لِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ المنافقون:7،و خزائنها غيبها الّذي يظهر منه الأشياء و النّظام الجاري فيها،فتخرج إلى الشّهادة.

ص: 91

قال تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ الحجر:21.

و ملك مقاليد السّماوات و الأرض كناية عن ملك خزائنها الّتي منها وجودات الأشياء،و أرزاقها و أعمارها و آجالها و سائر ما يواجهها في مسيرها،من حين تبتدئ منه تعالى إلى حين ترجع إليه.(17:289)

نحوه فضل اللّه(19:357)

عبد الكريم الخطيب: أزمّتها الّتي تقاد منها،كما يقاد الحيوان من عنقه،و هو موضع القلادة و هذا تشبيه و تمثيل،يراد به خضوع السّماوات و الأرض للّه، و انقيادهما لقدرته.(12:1188)

2- لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. الشّورى:12

مجاهد: أي مفاتيح أرزاق السّماوات و الأرض و أسبابها،فتمطر السّماء بأمره و تنبت الأرض بإذنه.

(الطّبرسيّ 5:24)

السّدّيّ: معناه،خزائن السّماوات و الأرض.

(الطّبرسيّ 5:24)

الطّبريّ: له مفاتيح خزائن السّماوات و الأرض، و بيده مغاليق الخير و الشّرّ و مفاتيحها،فما يفتح من رحمة فلا ممسك لها،و ما يمسك فلا مرسل له من بعده.

(25:13)

الطّوسيّ: معناه له مفاتيح الرّزق،منها بإنزال المطر من السّماء و استقامة الهواء فيها و إنبات الثّمار و الأقوات من الأرض.(9:150)

الميبديّ: أي مفاتيح السّماوات و الأرض.و من ملك المفتاح ملك الخزانة.

و قيل:خزانة السّماوات:الغيوب،و خزانة الأرض:

الآيات.(9:9)

الفخر الرّازيّ: يريد مفاتيح الرّزق من السّماوات و الأرض؛فمقاليد السّماوات:الأمطار،و مقاليد الأرض:

النّبات.(27:154)

البروسويّ: المقاليد:المفاتيح،و هي كناية عن الخزائن و قدرته عليها و حفظه لها،و فيه مزيد دلالة على الاختصاص،لأنّ الخزائن لا يدخلها و لا يتصرّف فيها إلاّ من بيده مفاتيحها.(8:295)

الطّباطبائيّ: في إثبات المقاليد للسّماوات و الأرض دلالة على أنّها خزائن لما يظهر في الكون من الحوادث و الآثار الوجوديّة.

(18:26)

عبد الكريم الخطيب: أي أنّ اللّه سبحانه و تعالى له السّلطان القائم على السّماوات و الأرض،و بيده سبحانه تصريفهما،لا يملك أحد معه من الأمر شيئا.

(13:26)

عرض الأمانة على السّماوات و الأرض

إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ... الأحزاب:72

الطّوسيّ: قيل في قوله: عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ -مع أنّ هذه الأشياء جمادات لا يصحّ تكليفها-أقوال:

أحدها:أنّ المراد عرضنا على أهل السّماوات و أهل الأرض و أهل الجبال.

و ثانيها:أنّ المعنى في ذلك تفخيم شأن الأمانة

ص: 92

و تعظيم حقّها،و أنّ من عظم منزلتها أنّها لو عرضت على الجبال و السّماوات و الأرض مع عظمها،و كانت تعلم بأمرها لأشفقت منها،غير أنّه خرج مخرج الواقع،لأنّه أبلغ من المقدّر.(8:367)

البغويّ: قال بعض أهل العلم:ركّب اللّه عزّ و جلّ فيهنّ العقل و الفهم حين عرض الأمانة عليهنّ حتّى عقلن الخطاب و أجبن بما أجبن.(5:229)

و هناك أبحاث أخر راجع«ع ر ض»و«أ م ن»

خزائن الأرض

1- قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ.

يوسف:55

ابن زيد: كان لفرعون خزائن كثيرة غير الطّعام، فأسلم سلطانه كلّه إليه،و جعل القضاء إليه،أمره و قضاؤه نافذ.(الطّبريّ 13:5)

شيبة الضّبّيّ:على حفظ الطّعام.

(الطّبريّ 13:5)

الطّبريّ: يقول جلّ ثناؤه:قال يوسف للملك:

اجعلني على خزائن أرضك،و هي جمع خزانة،و الألف و اللاّم دخلتا في(الأرض)خلفا من الإضافة.[ثمّ استشهد بشعر](13:5)

الطّوسيّ: يعني أرضك،الألف و اللاّم يعاقبان حرف الكناية،و أراد بذلك الأرض الّتي هي ملكه، و يجمع فيها ماله و طعامه.طلب إليه ذلك ليحفظ ذلك عمّن لا يستحقّه و يوصله إلى الوجوه الّتي يجب صرف الأموال لها،فلذلك رغب إلى الملك فيه.لأنّ الأنبياء لا يجوز أن يرغبوا في جمع أموال الدّنيا إلاّ لما قلناه.

(6:157)

نحوه الطّبرسيّ.(3:243)

الفخر الرّازيّ: أي على خزائن أرض مصر، و أدخل الألف و اللاّم على(الأرض)،و المراد منه:

المعهود السّابق.

روى ابن عبّاس رضي اللّه عنهما عن النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم في هذه الآية أنّه قال:«رحم اللّه أخي يوسف لو لم يقل:

اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ لاستعمله من ساعته، لكنّه لمّا قال ذلك أخّره عنه سنة».

و أقول:هذا من العجائب لأنّه لمّا تأبّى عن الخروج من السّجن سهّل اللّه عليه ذلك على أحسن الوجوه،و لمّا تسارع في ذكر الالتماس أخّر اللّه تعالى ذلك المطلوب عنه.و هذا يدلّ على أنّ ترك التّصرّف و التّفويض بالكلّيّة إلى اللّه تعالى أولى.(18:160)

البروسويّ: أرض الجسد،فإنّ للّه تعالى في كلّ شيء و عضو من أعضاء ظاهر الجسد و باطنه خزانة من القهر و اللّطف،فيها نعمة أخرى كالعين فيها نعمة البصر،فإن استعملها في رؤية العين و رؤية الآيات و الصّنائع فيجد اللّطف و ينتفع به،و إن استعملها في مستلذّاتها و شهوات النّفس و لم يحفظ نفسه منها فيجد القهر و يضرّه ذلك،فقس الباقي على هذا المثال.و لهذا قال يوسف: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (4:282)

الآلوسيّ: أي أرض مصر،و في معناه قول بعضهم:أي أرضك الّتي تحت تصرّفك.

و قيل:أراد بالأرض الجنس،و بخزائنها الطّعام الّذي يخرج منها.(13:5)

ص: 93

2- وَ لِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ...

المنافقون:7

مقاتل: يعني مفاتيح الرّزق و المطر و النّبات.

(الفخر الرّازيّ 30:17)

الطّبريّ: يقول:و للّه جميع ما في السّماوات و الأرض من شيء،و بيده مفاتيح خزائن ذلك،لا يقدر أحد أن يعطي أحدا شيئا إلاّ بمشيئته.(28:11)

الطّوسيّ: بمعنى له مقدوراته في السّماوات و الأرض،لأنّ فيها كلّ ما يشاء إخراجه،و له خزائن السّماوات و الأرض يخرج منهما ما يشاء،و هي داخلة في مقدوراته،و الخزانة-بكسر الخاء-،موضع يخبأ فيه الأمتعة،و إذا كان للّه خزائن السّماوات و الأرض،فلا يضرّك يا محمّد-صلّى اللّه عليه و آله-ترك إنفاقهم،بل لا يضرّون إلاّ أنفسهم دون أولياء اللّه و المؤمنين الّذين يسبّب اللّه قوّتهم،و لو شاء اللّه تعالى لأغنى المؤمنين، و لكن فعل ما هو أصلح لهم،و تعبّدهم بالصّبر على ذلك لينالوا منزلة الثّواب وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ذلك على الحقيقة،لجهلهم بعقاب اللّه تعالى.(10:14)

مثله الطّبرسيّ.(5:295)

الفخر الرّازيّ: قال أهل المعاني:خزائن اللّه تعالى مقدوراته،لأنّ فيها كلّ ما يشاء ممّا يريد إخراجه.

و قال الجنيد: خزائن اللّه تعالى في السّماوات الغيوب،و في الأرض القلوب،و هو علاّم الغيوب و مقلّب القلوب.(30:17)

الآلوسيّ: ردّ و إبطال لما زعموا من أنّ عدم إنفاقهم على من عند رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يؤدّي إلى انفضاضهم عنه عليه الصّلاة و السّلام،ببيان أنّ خزائن الأرزاق بيد اللّه تعالى خاصّة،يعطي منها من يشاء و يمنع من يشاء.

(28:115)

الطّباطبائيّ: جواب عن قولهم:(لا تنفقوا)إلخ، أي إنّ الدّين دين اللّه و لا حاجة له إلى إنفاقهم،فله خزائن السّماوات و الأرض،ينفق منها و يرزق من يشاء كيف يشاء،فلو شاء لأغنى الفقراء من المؤمنين،لكنّه تعالى يختار ما هو الأصلح،فيمتحنهم بالفقر و يتعبّدهم بالصّبر،ليؤجرهم أجرا كريما و يهديهم صراطا مستقيما،و المنافقون في جهل من ذلك.(19:282)

إحياء الأرض و عمارتها

1- ...وَ ما أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها... البقرة:164

الطّبريّ: إحياؤها:عمارتها و إخراج نباتها،و الهاء الّتي في(به)عائدة على الماء،و الهاء و الألف في قوله:

بَعْدَ مَوْتِها على الأرض.و موت الأرض:خرابها و دثور عمارتها،و انقطاع نباتها الّذي هو للعباد أقوات، و للأنام أرزاق.(2:64)

نحوه الطّوسيّ.(2:55)

الماورديّ: إحياؤها بذلك قد يكون من وجهين:

أحدهما:ما تجري به أنهارها،و عيونها.

و الثّاني:ما ينبت به من أشجارها و زروعها،و كلا هذين سبب لحياة الخلق من ناطق و بهم.(1:217)

الطّبرسيّ:أي فعمّر به الأرض بعد خرابها لأنّ الأرض إذا وقع عليها المطر أنبتت،و إذا لم يصبها مطر لم تنبت و لم يتمّ نباتها،فكانت من هذا الوجه كالميّت.

ص: 94

و قيل:أراد به إحياء أهل الأرض بإحياء الأقوات و غيرها،ممّا تحيا به نفوسهم.(1:246)

الخازن: فَأَحْيا بِهِ أي بالماء الأرض بعد موتها، أي يبسها و جدبها،سمّاه موتا مجازا،لأنّها إذا لم تنبت شيئا و لم يصبها المطر فهي كالميتة.و الآية في إنزال المطر و إحياء الأرض به أنّ اللّه تعالى جعله سببا لإحياء الجميع من حيوان و نبات،و نزوله عند وقت الحاجة إليه بمقدار المنفعة،و عند الاستسقاء و الدّعاء،و نزّله بمكان دون مكان.(1:115)

أبو حيّان: (فاحيا به)عطف على صلة(ما)الّذي هو(انزل)بالفاء المقتضية للتّعقيب و سرعة النّبات،و (به)عائد على الموصول،و كنّى بالإحياء عن ظهور ما أودع فيها من النّبات،و بالموت عن استقرار ذلك فيها و عدم ظهوره.و هما كنايتان غريبتان،لأنّ ما برز منها بالمطر جعل تعالى فيه القوّة الغاذية و النّامية و المحرّكة، و ما لم يظهر فهو كامن فيها كأنّه دفين فيها،و هي له قبر.

(1:465)

البروسويّ: (فاحيا به)عطف على(ما انزل)أي نضر بالماء النّازل(الأرض)بأنواع النّبات و الأزهار و ما عليها من الأشجار(بعد موتها)،أي بعد ذهاب زرعها و تناثر أوراقها باستيلاء اليبوسة عليها،حسبما تقتضيه طبيعتها.

قال ابن الشّيخ في حواشيه: لمّا حصل للأرض بسبب ما نبت فيها من أنواع النّبات حسن و كمال،شبّه ذلك بحياة الحيوان من حيث أنّ الجسم إذا صار حيّا حصل فيه أنواع من الحسن و النّضارة و البهاء و النّماء، فكذلك الأرض إذا تزيّنت بالقوّة المنبتة و ما يترتّب عليها من أنواع النّبات.(1:268)

نحوه الآلوسيّ.(2:32)

رشيد رضا: أي أوجد بسببه الحياة في الأرض الميتة بخلوّها من صفات الإحياء كالنّموّ و التّغذّي و النّتاج،(و بثّ)أي نشر و فرّق في أرجائها من جميع أنواع الأحياء الّتي تدبّ عليها،و هي لا تعدّ و لا تحصى؛ فبالماء حدثت حياة الأرض بالنّبات،و به استعدّت لظهور أنواع الحيوان فيها.

و هل المراد الإحياء الأوّل و ما تلاه من تولّد الحيوانات المعبّر عنها بكلّ دابّة؟أو هو ما يشاهد من آحاد الأحياء الّتي تتولّد دائما في جميع بقاع الأرض؟

الظّاهر أنّ المراد أوّلا و بالذّات:الإحياء الأوّل المشار إليه بقوله تعالى في آية أخرى: أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ الأنبياء:30،فهو يذكر جعل كلّ شيء حيّا بالماء،في إثر ذكر انفصال الأرض من السّماء؛و ذلك أنّ مجموع السّماوات و الأرض كان رتقا،أي مادّة واحدة متّصلا بعض أجزائها ببعض، على كونه ذرّات غازيّة كالدّخان،كما قال في آية التّكوين: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً فصّلت:11.

و لمّا كان ذلك الفتق في الأجرام،انفصل جرم الأرض عن جرم الشّمس،و صارت الأرض قطعة مستقلّة مائرة ملتهبة،و كانت مادّة الماء-و هي ما يسمّيه علماء التّحليل و التّركيب«علم الكيمياء»بالأكسجين

ص: 95

و الهدروجين-تتبخّر من الأرض بما فيها من الحرارة، فتلاقي في الجوّ برودة تجعلها ماء فينزل على الأرض كما وصفنا آنفا،فيبرد من حرارتها،و ما زال كذلك حتّى صارت الأرض كلّها ماء،و تكوّنت بعد ذلك اليابسة فيه،و خرج النّبات و الحيوان و كلّ شيء حيّ من الماء، فهذا هو الإحياء الأوّل.

و أمّا الإحياء المستمرّ المشاهد في كلّ بقاع الأرض دائما فهو المشار إليه بمثل قوله تعالى: وَ تَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ الحجّ:5،و ذلك إنّنا نرى كلّ أرض لا ينزل فيها المطر و لا تجري فيها المياه من الأراضي الممطورة لا في ظاهرها و لا في باطنها خالية من النّبات و الحيوان،إلاّ أن يدخلها من أرض مجاورة لها ثمّ يعود منها.

فحياة الأحياء في الأرض إنّما هي بالماء سواء في ذلك الإحياء الأوّل عند تكوين العوالم الحيّة و إيجاد أصول الأنواع،أو الإحياء المتجدّد في أشخاص هذه الأنواع،و جزئيّاتها الّتي تتولّد و تنمي كلّ يوم.

و هذه المياه الّتي يتغذّى بها النّبات و الحيوان على سطح هذه اليابسة كلّها من المطر،و لا يستثنى من ذلك أرض مصر،فيقال:إنّ حياتها بماء النّيل دون المطر،فإنّ مياه الأنهار و العيون الّتي تنبع من الأرض كلّها من المطر، فهو يتخلّل الأرض فيجتمع فيندفع.و قد امتنّ اللّه تعالى بذلك علينا و أرشدنا إلى آيته فيه،بقوله: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ الزّمر:21.فالبحيرات الّتي هي ينابيع النّيل من ماء المطر،و الزّيادة الّتي تكون فيه أيّام الفيضان هي من المطر الّذي يمدّ هذه الينابيع،و يمدّ النّهر نفسه في مجراه من بلاد السّودان.و كثرة الفيضان و قلّته تابعة لكثرة المطر السّنويّ و قلّته هناك.

هذا هو الماء في كونه مطرا،و في كونه سببا للحياة، و هو آية في كيفيّة وجوده و تكوّنه،فإنّه يجري في ذلك على سنّة إلهيّة حكيمة تدلّ على الوحدة و الرّحمة،ثمّ إنّه آية في تأثيره في العوالم الحيّة أيضا.

فإنّ هذا النّبات يسقى بماء واحد هو مصدر حياته، ثمّ هو مختلف في ألوانه و طعومه و روائحه،فتجد في الأرض الواحدة نبتة الحنظل مع نبتة البطّيخ، متشابهتين في الصّورة متضادّتين في الطّعم،و تجد النّخلة و تمرها ما تذوق حلاوة و لذّة،و تجد في جانبها شجرة اللّيمون الحامض و النّارنج و ثمرها ما تعرف حموضة و ملوحة،و تجد بالقرب منهما شجرة الورد لها من الرّائحة ما ليس للنّخلة،و ما يخالف في أريجه زهر النّارنج بل يوجد في الشّجر ما له زهر ذكيّ الرّائحة،فإذا قطعت الغصن الّذي فيه هذا الزّهر تنبعث منه رائحة خبيثة.

فتلك السّنن الّتي يتكوّن بها المطر و ينزل جارية بنظام واحد دقيق،و كذلك طرق تغذّي النّبات بالماء هي جارية بنظام واحد،فوحدة النّظام و عدم الخلل فيه تدلّ على أنّ مصدره واحد،فهو من هذه الجهة يدلّ على الوحدانيّة الكاملة،و من جهة ما للخلق فيه من المنافع و المرافق يدلّ على الرّحمة الإلهيّة الشّاملة.و قل مثل هذا فيما بثّ اللّه تعالى في الأرض من كلّ دابّة،فإنّها آيات على الوحدة،و دلائل وجوديّة على عموم

ص: 96

الرّحمة.(2:61)

2- وَ اللّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ... النّحل:65

الفخر الرّازيّ: المعنى:أنّه تعالى خلق السّماء على وجه ينزل منه الماء و يصير ذلك الماء سببا لحياة الأرض، و المراد بحياة الأرض نبات الزّرع و الشّجر و النّور و الثّمر،بعد أن كان لا يثمر،و ينفع بعد أن كان لا ينفع.

(20:63)

الآلوسيّ: بما أنبت به فيها من أنواع النّباتات(بعد موتها):بعد يبسها؛فالإحياء و الموت استعارة للإنبات و اليبس،و ليس المراد إعادة اليابس بل إنبات مثله، و الفاء للتّعقيب العادي،فلا ينافيه ما بين المتعاطفين من المهلة،و نظير ذلك:تزوّج فولد له ولد و الآية دليل لمن قال:إنّ المسبّبات بالأسباب لا عندها،و من قال به أوّل (انّ فى ذلك)أي في إنزال الماء من السّماء و إحياء الأرض الميتة(لآية).(14:175)

3- ...فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها...

العنكبوت:63

الطّبريّ: يقول:فأحيا بالماء الّذي نزل من السّماء الأرض،و إحياؤها:إنباته النّبات فيها.(21:12)

الميبديّ: بإخراج الزّرع و الأشجار عنها.

و الأرض الّتي ليست بمنبتة سمّيت ميتة،لأنّه لا ينتفع بها كما لا ينتفع بالميتة.(7:412)

نحوه فضل اللّه.(18:82)

4- ...كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ أَثارُوا الْأَرْضَ وَ عَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها... الرّوم:9

البغويّ:حرثوها و قلبوها للزّراعة و عمروها أكثر ممّا عمرها أهل مكّة.قيل:قال ذلك لأنّه لم يكن لأهل مكّة حرث.(5:169)

الزّمخشريّ: يعني أولئك المدمّرون أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها، من عمارة أهل مكّة،و أهل مكّة أهل واد غير ذي زرع،ما لهم إثارة الأرض أصلا و لا عمارة لها رأسا.فما هو إلاّ تهكّم بهم و بضعف حالهم في دنياهم، لأنّ معظم ما يستظهر به أهل الدّنيا و يتباهون به أمر الدّهقنة،و هم أيضا ضعاف القوى.(3:216)

أبو حيّان: (عمروها)من العمارة،أي بقاؤهم فيها أكثر من بقاء هؤلاء،أو من العمران،أي سكنوا فيها،أو من العمارة.(7:164)

الآلوسيّ: أي و عمرها أولئك الّذين كانوا قبلهم بفنون العمارات من الزّراعة و الغرس و البناء و غيرها.

و قيل:أي أقاموا بها.يقال:عمرت بمكان كذا و عمرته، أي أقمت به أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها، أي عمارة أكثر من عمارة هؤلاء إيّاها.

و الظّاهر أنّ الأكثريّة باعتبار الكمّ،و عمّمه بعضهم فقال:أكثر كمّا و كيفا و زمانا.و إذا أريد العمارة بمعنى الإقامة فالمعنى أقاموا بها إقامة أكثر زمانا من إقامة هؤلاء بها.

و في ذكر«أفعل»تهكّم بهم؛إذ لا مناسبة بين كفّار مكّة و أولئك الأمم المهلكة فإنّهم كانوا معروفين بالنّهاية في القوّة و كثرة العمارة،و أهل مكّة ضعفاء ملجئون إلى واد غير ذي زرع يخافون أن يتخطّفهم النّاس.

ص: 97

و نحو هذا يقال إذا فسّرت العمارة بالإقامة،فإنّ أولئك كانوا مشهورين بطول الأعمار جدّا،و أعمار أهل مكّة قليلة بحيث لا مناسبة يعتدّ بها بينها و بين أعمار أولئك المهلكين.(21:23)

5- ...يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها... الرّوم:19

الإمام الكاظم عليه السّلام:ليس يحييها بالقطر و لكن يبعث اللّه رجالا فيحيون العدل فتحيا الأرض لإحياء العدل،و لإقامة العدل فيه أنفع في الأرض من القطر أربعين صباحا.(العروسيّ 4:173)

الطّوسيّ: أي يحييها بالنّبات بعد جدوبها.

و لا يجوز أن يكون المراد إحياء الأرض حقيقة،كما لا يكون الإنسان أسدا حقيقة،إذا قيل:فلان أسد،لأنّه يراد بذلك التّشبيه و الاستعارة،فكذلك إحياء الأرض بعد موتها كأنّها تحيا بالنّبات الّذي فيها.(8:238)

6- اِعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها...

الحديد:17

الإمام الحسين عليه السّلام: منّا اثنا عشر مهديّا أوّلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و آخرهم التّاسع من ولدي هو القائم بالحقّ به يحيي اللّه الأرض بعد موتها و يظهر به الدّين الحقّ على الدّين كلّه و لو كره المشركون.(العروسيّ 5:242)

ابن عبّاس: يلين القلوب بعد قسوتها فيجعلها مخبتة منيبة،و كذلك يحيي القلوب الميتة بالعلم و الحكمة، و إلاّ فقد علم إحياء الأرض بالمطر مشاهدة.

(الخازن 7:30)

الإمام الباقر عليه السّلام: يحييها اللّه تعالى بالقائم عليه السّلام (بعد موتها)،يعني بموتها كفر أهلها و الكافر ميّت.

(الكاشانيّ 5:135)

الإمام الصّادق عليه السّلام: العدل بعد الجور.

(الكاشانيّ 5:135)

الطّوسيّ: بعد موتها بالجدب و القحط،فكذلك يحيي الكافر بالهدى إلى الإيمان بعد موته بالضّلال،بأن يلطف له ما يؤمن عنده.(9:529)

مثله الطّبرسيّ.(5:238)

الرّاغب: عبارة عن كلّ تكوين بعد إفساد،و عود بعد بدء،و لذلك قال بعض المفسّرين يعني به تليين القلوب بعد قساوتها.(16)

الميبديّ: أي كما أحيا الأرض بعد موتها كذلك يحيي الموتى.

و قيل:كما أحيا الأرض يحيي الكافر بالإيمان.

و قيل:كما أحيا الأرض يلين القلوب القاسية ليتفكّروا في الآيات.(9:495)

الزّمخشريّ: قيل:هذا تمثيل لأثر الذّكر في القلوب،و أنّه يحييها كما يحيي الغيث الأرض.

(4:64)

نحوه الكاشانيّ.(5:135)

الفخر الرّازيّ: فيه وجهان:

الأوّل:أنّه تمثيل،و المعنى أنّ القلوب الّتي ماتت بسبب القساوة،فالمواظبة على الذّكر سبب لعود حياة الخشوع إليها،كما يحيي اللّه الأرض بالغيث.

و الثّاني:أنّ المراد من قوله: يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ

ص: 98

مَوْتِها بعث الأموات،فذكر ذلك ترغيبا في الخشوع و الخضوع و زجرا عن القساوة.(29:230)

القرطبيّ: أي(يحيى الارض)الجدبة(بعد موتها) بالمطر.

و قال صالح المريّ: المعنى يلين القلوب بعد قساوتها.

و قال جعفر بن محمّد[عليهما السّلام]: يحييها بالعدل بعد الجور.

و قيل:المعنى فكذلك يحيي الكافر بالهدى إلى الإيمان بعد موته بالكفر و الضّلالة.

و قيل:كذلك يحيي اللّه الموتى من الأمم،و يميّز بين الخاشع قلبه و بين القاسي قلبه. قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ الحديد:17،أي إحياء اللّه الأرض بعد موتها دليل على قدرة اللّه،و أنّه لمحيي الموتى.

(17:252)

الشّربينيّ: أي على سبيل التّجديد و الاستمرار، كما تشاهدونه(الارض)،أي بالنّبات(بعد موتها)،أي يبسها،تمثيل لإحياء الأموات بجميع أجسادهم و إضافة الأرواح عليها،كما فعل بالنّبات و كما فعل بالأجسام أوّل مرّة،و لإحياء القلوب القاسية بالذّكر و التّلاوة، فاحذروا سطوته و اخشوا غضبه و ارجوا رحمته لإحياء القلوب،فإنّه قادر على إحيائها بروح الوحي كما أحيا الأرض بروح الماء،لتصير بإحيائها بالذّكر خاشعة بعد قسوتها،كما صارت الأرض رابية بعد خشوعها و موتها.

(4:209)

الطّباطبائيّ: قوله تعالى:«اعلموا ان الله»إلخ، في تعقيب عتاب المؤمنين على قسوة قلوبهم بهذا التّمثيل تقوية لرجائهم و ترغيب لهم في الخشوع.

و يمكن أن يكون من تمام العتاب السّابق،و يكون تنبيها على أنّ اللّه لا يخلّي هذا الدّين على ما هو عليه من الحال،بل كلّما قست قلوب و حرموا الخشوع لأمر اللّه جاء بقلوب حيّة خاشعة له،يعبد بها كما يريد.

(19:161)

7- وَ آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَ أَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ. يس:33

الطّبريّ: يقول تعالى ذكره:و دلالة لهؤلاء المشركين على قدرة اللّه على ما يشاء،و على إحيائه من مات من خلقه،و إعادته بعد فنائه،كهيئته قبل مماته، إحياؤه الأرض الميتة الّتي لانبت فيها و لا زرع،بالغيث الّذي ينزله من السّماء حتّى يخرج زرعها،ثمّ إخراجه منها الحبّ.(23:4)

الطّوسيّ: يعني هي الأرض(الميتة)القحطة المجدبة،و هي الّتي لا تنبت(احييناها)بالنّبات.

(8:457)

مثله الطّبرسيّ.(4:423)

الميبديّ: أي اليابسة(احييناها)بالمطر.

(8:225)

الزّمخشريّ: (احييناها)استئناف بيان لكون الأرض الميتة آية،و كذلك نَسْلَخُ يس:37.

و يجوز أن توصف الأرض و اللّيل بالفعل،لأنّه أريد بهما الجنسان مطلقين لا أرض و ليل بأعيانهما،فعوملا معاملة النّكرات في وصفهما بالأفعال،و نحوه:

ص: 99

*و لقد أمرّ على اللّئيم يسبّني*

(3:321)

الفخر الرّازيّ: فيه مسائل:

المسألة الأولى:ما وجه تعلّق هذا بما قبله؟

نقول:مناسب لما قبله من وجهين.

أحدهما:أنّه لمّا قال: وَ إِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ يس:

32،كان ذلك إشارة إلى الحشر،فذكر ما يدلّ على إمكانه قطعا لإنكارهم و استبعادهم و إصرارهم و عنادهم،فقال: وَ آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها كذلك نحيي الموتى.

و ثانيهما:أنّه لمّا ذكر حال المرسلين و إهلاك المكذّبين،و كان شغلهم التّوحيد ذكر ما يدلّ عليه،و بدأ بالأرض لكونها مكانهم لا مفارقة لهم منها عند الحركة و السّكون.

المسألة الثّانية:الأرض آية مطلقا فلم خصّصها بهم حيث قال: وَ آيَةٌ لَهُمُ ؟

نقول:الآية تعدّد و تسرد لمن لم يعرف الشّيء بأبلغ الوجوه،و أمّا من عرف الشّيء بطريق الرّؤية لا يذكر له دليل،فإنّ النّبيّ و عباد اللّه المخلصين عرفوا اللّه قبل الأرض و السّماء،فليست الأرض معرفة لهم،و هذا كما قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ فصّلت:53،و قال: أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ فصّلت:53،يعني أنت كفاك ربّك معرّفا،به عرفت كلّ شيء فهو شهيد لك على كلّ شيء،و أمّا هؤلاء تبيّن لهم الحقّ بالآفاق و الأنفس، و كذلك هاهنا آية لهم.

المسألة الثّالثة:إن قلنا:إنّ الآية مذكورة للاستدلال على جواز إحياء الموتى فيكفي قوله: أَحْيَيْناها و لا حاجة إلى قوله: وَ أَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا، و غير ذلك، و إن قلنا:إنّها للاستدلال على وجود الإله و وحدته فلا فائدة في قوله: اَلْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها، لأنّ نفس الأرض دليل ظاهر و برهان باهر،ثمّ هب أنّها غير كافية فقوله: اَلْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها كاف في التّوحيد فما فائدة قوله: وَ أَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا ؟يس:33.

نقول:مذكورة للاستدلال عليها،و لكلّ ما ذكره اللّه تعالى فائدة.أمّا قوله: وَ أَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فله فائدة بالنّسبة إلى بيان إحياء الموتى؛و ذلك لأنّه لمّا أحيا الأرض و أخرج منها حبّا كان ذلك إحياء تامّا،لأنّ الأرض المخضرّة الّتي لا تنبت الزّرع و لا تخرج الحبّ دون ما تنبته في الحياة،فكأنّه قال تعالى:الّذي أحيا الأرض إحياء كاملا منبتا للزّرع يحيى الموتى إحياء كاملا بحيث تدرك الأمور.

و أمّا بالنّسبة إلى التّوحيد فلأنّ فيه تعديد النّعم، كأنّه يقول:آية لهم الأرض فإنّها مكانهم و مهدهم الّذي فيها تحريكهم و إسكانهم،و الأمر الضّروريّ الّذي عنده وجودهم و إمكانهم،و سواء كانت ميتة أو لم تكن فهي مكان لهم لا بدّ لهم منها فهي نعمة،ثمّ إحياؤها بحيث تخضرّ نعمة ثانية،فإنّها تصير أحسن و أنزه،ثمّ إخراج الحبّ منها نعمة ثالثة،فإنّ قوتهم يصير في مكانهم، و كان يمكن أن يجعل اللّه رزقهم في السّماء أو في الهواء فلا يحصل لهم الوثوق،ثمّ جعل الجنّات فيها نعمة رابعة، لأنّ الأرض تنبت الحبّ في كلّ سنة،و أمّا الأشجار بحيث

ص: 100

تؤخذ منها الثّمار فتكون بعد الحبّ وجودا،ثمّ فجّرنا فيها العيون ليحصل لهم الاعتماد بالحصول،و لو كان ماؤها من السّماء لحصل،و لكن لم يعلم أنّها أين تغرس و أين يقع المطر و ينزل القطر.

و بالنّسبة إلى بيان إحياء الموتى كلّ ذلك مفيد؛و ذلك لأنّ قوله: وَ أَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا، كالإشارة إلى الأمر الضّروريّ الّذي لا بدّ منه،و قوله: وَ جَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ يس:34،كالأمر المحتاج إليه الّذي إن لم يكن لا يغني الإنسان لكنّه يبقى مختلّ الحال.

و قوله: وَ فَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ يس:34، إشارة إلى الزّينة الّتي إن لم تكن لا تغني الإنسان،و لا يبقى في ورطة الحاجة،لكنّه لا يكون على أحسن ما ينبغي و كأنّ حال الإنسان بالحبّ كحال الفقير الّذي له ما يسدّ خلّته من بعض الوجوه،و لا يدفع حاجته من كلّ الوجوه و بالثّمار،و يعتبر حاله كحال المكتفي بالعيون الجارية الّتي يعتمد عليها الإنسان و يقوّي بها قلبه،كالمستغني الغنيّ المدّخر لقوت سنين.

فيقول اللّه عزّ و جلّ:كما فعلنا في موات الأرض كذلك نفعل في الأموات في الأرض،فنحييهم و نعطيهم ما لا بدّ لهم منه في بقائهم و تكوينهم،من الأعضاء المحتاج إليها و قواها،كالعين و القوّة الباصرة،و الأذن و القوّة السّامعة و غيرهما،و نزيد له ما هو زينة كالعقل الكامل، و الإدراك الشّامل،فيكون كأنّه قال:يحيي الموتى إحياء تامّا كما أحيينا الأرض إحياء تامّا.(26:65)

البيضاويّ: أَحْيَيْناها خبر للأرض،و الجملة خبر(آية)أو صفة لها؛إذ لم يرد بها معيّنة،و هي الخبر أو المبتدأ،و«الآية»خبرها أو استئناف لبيان كونها آية.

(2:280)

أبو حيّان: بدأ ب(الأرض)لأنّها مستقرّهم حركة و سكونا حياة و موتا.و موت الأرض:جدبها و إحياؤها بالغيث،و الضّمير في(لهم)عائد على كفّار قريش و من يجري مجراهم،في إنكار الحشر،(و احييناها) استئناف بيان لكون(الارض الميتة)آية،و كذلك (نسلخ).

و قيل:(احييناها)في موضع الحال،و العامل فيها (آية)بما فيها من معنى الإعلام،و تكون(آية)خبرا مقدّما و(الارض الميتة)مبتدأ.فالنّيّة ي(آية) التّأخير و التّقدير:و الأرض الميتة آية لهم محياة، كقولك:قائم زيد مسرعا،أي زيد قائم مسرعا، و(لهم)متعلّق ب(آية)لا صفة.[بعد نقل قول الزّمخشريّ ثمّ قال:]

و هذا هدم لما استقرّ عند أئمّة النّحو من أنّ النّكرة لا تنعت إلاّ بالنّكرة و المعرفة لا تنعت إلاّ بالمعرفة،و لا دليل لمن ذهب إلى ذلك.

و قد تبع الزّمخشريّ ابن مالك على ذلك في«التّسهيل» من تأليفه.و في هذه الجمل تعدّد نعم إحيائها بحيث تصير مخضرّة تبهج النّفس و العين،و إخراج الحبّ منها حيث صار ما يعيشون به في المكان الّذي هم فيه مستقرّون لا في السّماء و لا في الهواء،و جعل الحبّات لأنّهم أكلوا من الحبّ،و ربّما تاقت النّفس إلى النّقلة،فالأرض يوجد منها الحبّ،و الشّجر يوجد منه الثّمر،و تفجير العيون يحصل به الاعتماد على تحصيل الزّرع و الثّمر،و لو كان

ص: 101

من السّماء لم يدر أين يغرس و لا أين يقع المطر.

(7:334)

البروسويّ: اليابسة الجامدة،(احييناها)استئناف مبيّن لكيفيّة كون الأرض الميتة آية،كأنّ قائلا قال:

كيف تكون آية؟فقال:أحييناها.

و الإحياء في الحقيقة إعطاء الحياة،و هي صفة تقتضي الحسّ و الحركة،و المعنى هاهنا هيّجنا القوى النّامية فيها و أحدثنا نضارتها بأنواع النّباتات في وقت الرّبيع،بإنزال الماء من بحر الحياة،و كذلك النّشور،فإنّا نحيي الأبدان البالية المتلاشية في الأجداث بإنزال رشحات من بحر الجود،فنعيدهم أحياء كما أبدعناهم أوّلا من العدم.(7:391)

الطّباطبائيّ: وَ آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها، و إن كان ظاهره أنّ«الآية»هي الأرض إلاّ أنّ الجملتين توطئتان لقوله: وَ أَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا إلخ، و مسوقتان للإشارة إلى أنّ هذه الأغذية النّباتيّة من آثار نفخ الحياة في الأرض الميتة،و تبديلها حبّا و ثمرا يأكلون من ذلك،فالآية بنظر هي الأرض الميتة من حيث ظهور هذه الخواصّ فيها،و تمام تدبير أرزاق النّاس بها.(17:85)

دابّة الأرض

فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ... سبأ:14

ابن عبّاس: الأرضة تأكل عصاه.

(الطّبريّ 22:73)

مثله مجاهد(2:524)،و الطّبريّ(22:73)، و الطّوسيّ(8:384)،و البغويّ(5:235)،و الطّباطبائيّ (16:363).

ابن السّكّيت: إنّها دويبّة سوداء الرّأس و سائرها أحمر،تتّخذ لنفسها بيتا مربّعا من دقاق العيدان،تضمّ بعضها إلى بعض بلعابها،ثمّ تدخل فيه و تموت.

(الآلوسيّ 22:121)

الزّمخشريّ: (دابّة الارض):الأرضة،و هي الدّويبّة الّتي يقال لها:السّرفة،و(الارض)فعلها فأضيف إليه،يقال:أرضت الخشبة أرضا،إذا أكلتها الأرضة.

و قرئ بفتح الرّاء من:أرضت الخشبة أرضا،و هو من باب:فعلته ففعل،كقولك:أكلت القوادح الأسنان أكلا فأكلت أكلا.(3:283)

نحوه البيضاويّ(2:257)،و النّسفيّ(3:321).

القرطبيّ: و في(دابّة الارض)قولان:

أحدهما:أنّها الأرضة،قاله ابن عبّاس،و مجاهد و غيرهما.

و قد قرئ(دابّة الأرض)بفتح الرّاء،و هو جمع الأرضة،ذكره الماورديّ.

الثّاني:أنّها دابّة تأكل العيدان.(14:280)

النّيسابوريّ: الأرض:مصدر أرضت الخشبة أرضا،إذا أكلتها الأرضة.(22:45)

أبو حيّان: دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ هي سوسة الخشب،و هي الأرضة.

و قيل:ليست سوسة الخشب،لأنّ السّوسة ليست من دوابّ الأرض بل هذه حيوان من الأرض،شأنه أن

ص: 102

يأكل الخشب،و ذلك موجود.

و قالت فرقة منها أبو حاتم:(الأرض)هنا مصدر أرضت الأبواب و الخشب:أكلتها الأرضة،فكأنّه قال:

دابّة الأكل الّذي هو بتلك الصّورة.و إذا كان(الأرض) مصدرا كان فعله أرضت الدّابّة الخشب تأرضه أرضا فأرض،بكسر الرّاء،نحو جدعت أنفه فجدع.

و يقال:إنّه مصدر لفعل مفتوح العين،قراءة ابن عبّاس.و العبّاس بن الفضل:(الأرض)بفتح الرّاء،لأنّ مصدر«فعل»المطاوع لفعل يكون على«فعل»نحو:

جدع أنفه جدعا،و أكلت الأسنان أكلا مطاوع«أكلت».

و قيل:(الأرض)بفتح الرّاء،جمع أرضة،و هو من إضافة العامّ إلى الخاصّ،لأنّ الدّابّة أعمّ من الأرض.

و قراءة الجمهور بسكون الرّاء،فالمتبادر أنّها الأرض المعروفة.و تقدّم أنّها مصدر لأرضت الدّابّة الخشب.

(7:266)

الطّريحيّ: الأرضة،بالتّحريك:دويبّة صغيرة كنصف العدسة تأكل الخشب،و هي الّتي ذكرها اللّه في كتابه العزيز،و لمّا كان فعلها في الأرض أضيفت إليها.

و نقل عن القزوينيّ في«الأشكال»:أنّه إذا أتى على الأرضة سنة نبت لها جناحان طويلان تطير بهما،و هي الدّابّة الّتي دلّت الجنّ على موت سليمان بن داود، و النّملة عدوّها و هي أصغر منها فتأتي من خلفها.

(4:193)

البروسويّ: أي الأرضة:و هي دويبّة تأكل الخشب،أضيفت إلى فعلها،و هو الأرض بمعنى الأكل، و لذا سمّيت الأرض مقابل السّماء أرضا لأنّها تأكل أجساد بني آدم،يقال:أرضت الأرضة الخشبة أرضا:

أكلتها فأرضت أرضا،على ما لم يسمّ فاعله،فهي مأروضة.(7:278)

الآلوسيّ:المراد ب«دابّة الأرض»:الأرضة -بفتحات-و هي دويبّة تأكل الخشب و نحوه،و تسمّى «سرفة»بضمّ السّين و إسكان الرّاء المهملة و بالفاء[إلى أن قال:]

و في المثل«أصنع من سرفة»و سمّاها في«البحر» ب«سوسة الخشب».

و(الأرض)على ما ذهب إليه أبو حاتم و جماعة:

مصدر أرضت الدّابّة الخشب تأرضه،إذا أكلته،من باب «ضرب يضرب»فإضافة دابّة إليه من إضافة الشّيء إلى فعله،و يؤيّد ذلك قراءة ابن عبّاس،و العبّاس بن الفضل:(الأرض)بفتح الرّاء،لأنّه مصدر«أرض»من باب«علم»المطاوع«لأرض»من باب«ضرب»،يقال:

أرضت الدّابّة الخشب بالفتح،فأرض بالكسر.كما يقال:

أكلت القوادح الأسنان أكلا فأكلت أكلا.فالأرض بالسّكون:الأكل،و الأرض بالفتح:التّأثّر من ذلك الفعل.

و قد يفسّر الأوّل بالتّأثّر الّذي هو الحاصل بالمصدر لتتوافق القراءتان.

و قيل:الأرض بالفتح جمع أرضة،و إضافة دابّة إليه من إضافة العامّ إلى الخاصّ.

و قيل:إنّ الأرض بالسّكون بمعناها المعروف، و إضافة دابّة إليها قيل:لأنّ فعلها في الأكثر فيها،و قيل:

لأنّها تؤثّر في الخشب و نحوه،كما تؤثّر الأرض فيه إذا

ص: 103

دفن فيها،و قيل غير ذلك.

و الأولى التّفسير الأوّل،و إن لم تجئ الأرض في القرآن بذلك المعنى في غير هذا الموضع.(22:121)

المراغيّ: هي الأرضة-بفتحات-الّتي تأكل الخشب و نحوها.(22:68)

نحوه فضل اللّه.(19:28)

مشارق الأرض و مغاربها

وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها... الأعراف:137

الحسن: الشّام.

مثله قتادة.(الطّبريّ 9:43)

(مشارق الأرض):الشّام،(و مغاربها):ديار مصر، ملّكهم اللّه إيّاها بإهلاك الفراعنة و العمالقة.

(أبو حيّان 4:376)

زيد بن أسلم:هي قرى الشّام.

(رشيد رضا 9:97)

الجبّائيّ: هي أرض مصر.(الطّبرسيّ 2:470)

الطّبريّ: و كان بعض أهل العربيّة يزعم أنّ مشارق الأرض و مغاربها نصب على المحلّ يعني:و أورثنا القوم الّذين كانوا يستضعفون في مشارق الأرض و مغاربها،و أنّ قوله:(و اورثنا)إنّما وقع على قوله:(الّتى باركنا)و ذلك قول لا معنى له،لأنّ بني إسرائيل لم يكن يستضعفهم أيّام فرعون غير فرعون و قومه،و لم يكن له سلطان إلاّ بمصر،فغير جائز و الأمر كذلك أن يقال:

الّذين يستضعفون في مشارق الأرض و مغاربها.فإن قال قائل:فإنّ معناه:في مشارق أرض مصر و مغاربها، فإنّ ذلك بعيد من المفهوم في الخطاب مع خروجه عن أقوال أهل التّأويل،و العلماء بالتّفسير.(9:43)

الطّوسيّ: مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا يريد جهات المشرق بها و المغرب.(4:559)

الميبديّ:(مشارق الأرض):نواحي فلسطين و أرض القدس و عرانين الشّام،و(مغارب):أخريات الغرب و منخفضات أرض مصر.(3:721)

الزّمخشريّ: (الأرض):أرض مصر و الشّام، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة و العمالقة،و تصرّفوا كيف شاءوا في أطرافها و نواحيها الشّرقيّة و الغربيّة.

(2:109)

الطّبرسيّ:يعني جهات الأرض الشّرق و الغرب منها،يريد به ملك فرعون من أدناه إلى أقصاه.

(2:470)

أبو البركات: مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا في نصبه وجهان:

أحدهما:أن يكون منصوبا على أنّه مفعول،و العامل فيه(اورثنا)،أي جعلناهم ملوك الشّام و مصر.

و الثّاني:أن يكون منصوبا على الظّرف،و العامل (يستضعفون).(1:372)

الفخر الرّازيّ: اختلفوا في معنى(مشارق الارض و مغاربها)فبعضهم حمله على مشارق أرض الشّام و مصر و مغاربها،لأنّها هي الّتي كانت تحت تصرّف فرعون لعنه اللّه،و أيضا قوله: اَلَّتِي بارَكْنا فِيها المراد باركنا فيها بالخصب وسعة الأرزاق؛و ذلك لا يليق إلاّ بأرض الشّام.

ص: 104

و القول الثّاني:المراد جملة الأرض؛و ذلك لأنّه خرج من جملة بني إسرائيل داود و سليمان،و قد ملك الأرض،و هذا يدلّ على أنّ الأرض هاهنا اسم الجنس.

(14:221)

القرطبيّ: زعم الكسائيّ و الفرّاء أنّ الأصل:في مشارق الأرض و مغاربها،ثمّ حذفت«في»فنصب.

و الظّاهر أنّهم ورثوا أرض القبط.فهما نصب على المفعول الصّريح.

الأرض هي أرض الشّام و مصر،و مشارقها و مغاربها:جهات الشّرق و الغرب بها،فالأرض مخصوصة،عن الحسن و قتادة و غيرهما.

و قيل:أراد جميع الأرض،لأنّ من بني إسرائيل داود و سليمان،و ملكا الأرض.(7:272)

نحوه النّيسابوريّ.(9:37)

الخازن:يعني أرض الشّام و مصر،و أراد بمشارقها و مغاربها جميع جهاتها و نواحيها.

و قيل:أراد بمشارق الأرض و مغاربها الأرض المقدّسة،و هو بيت المقدس و ما يليه من الشّرق و الغرب.

و قيل:أراد جميع جهات الأرض،و هو اختيار الزّجّاج،قال:لأنّ داود و سليمان عليهما السّلام كانا من بني إسرائيل و قد ملكا الأرض.(2:239)

أبو حيّان: مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا قالت فرقة:هي الأرض كلّها.

قال ابن عطيّة:ذلك على سبيل المجاز،لأنّه تعالى ملّكهم بلادا كثيرة،و أمّا على الحقيقة فإنّه ملّك ذرّيّتهم و هو سليمان بن داود.(4:376)

الآلوسيّ: أي جميع جهاتها و نواحيها،و المراد بها على ما روي عن الحسن و قتادة و زيد بن أسلم أرض الشّام.

و ذكر محي السّنّة البغويّ:أنّها أرض الشّام و مصر.

و في رواية أنّها أرض مصر الّتي كانت بأيدي المستضعفين،و إلى ذلك ذهب الجبّائيّ،و رواه أبو الشّيخ عن اللّيث بن سعد،أي و أورثنا المستضعفين أرض مستضعفيهم و ملكهم.[إلى أن قال:]

قد يقال:المراد بالأرض-هنا و فيما تقدّم من قوله سبحانه: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ الأعراف:129-الأرض المقدّسة الّتي طلب موسى عليه السّلام من فرعون بني إسرائيل ليذهب بهم إليها فإنّها موطن آبائهم،فيكون موسى عليه السّلام قد وعدهم هلاك عدوّهم المانع لهم من الذّهاب إليها،و جعل اللّه تعالى إيّاهم خلفاء فيها بعد آبائهم و أسلافهم،أو بعد من هي في يده إذ ذاك من العمالقة.ثمّ أخبر سبحانه هنا أنّ الوعد قد نجز،و قد أهلكنا أعداء أولئك الموعودين، و أورثناهم الأرض الّتي منعوهم عنها و مكّنّاهم،و فيها حصول بغية موسى عليه السّلام و ما ألطف توريث الأبناء مساكن الآباء.(9:37)

رشيد رضا :عن عبد اللّه بن شوذب:فلسطين، و عن كعب الأحبار قال:إنّ اللّه بارك في الشّام من الفرات إلى العريش.

و يؤيّد هذه الرّوايات قوله تعالى في إبراهيم عليه السّلام:

وَ نَجَّيْناهُ وَ لُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ

ص: 105

الأنبياء:71،و قوله تعالى: وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها الأنبياء:81، و قوله عزّ و جلّ: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ الإسراء:1.

و روي عن اللّيث بن سعد أنّها أرض مصر الّتي كان فيها بنو إسرائيل،و أطلق بعض المفسّرين القول بأنّها أرض مصر و فلسطين جميعا.

و ربّما يتراءى أنّ إرادة أرض مصر هي الظّاهر المتبادر من قوله تعالى في قوم فرعون: فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَ عُيُونٍ* وَ كُنُوزٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ* كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ الشّعراء:57-59،و قوله فيهم: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَ عُيُونٍ* وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ* وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ* كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ الدّخان:25-28،لأنّ فرعون خرج بمن معه من الملأ و الجند من مصر،و تركوا ما كانوا فيه من النّعيم إلى الغرق المؤدّي إلى الجحيم،و لكن هذا الوصف أظهر في بلاد الشّام ذات الجنّات الكثيرة و العيون الجارية.و معنى إخراج المصريّين منها إزالة سيادتهم و سلطانهم عنها و حرمانهم من التّفكّه بنعيمها،فقد كانت بلاد فلسطين إلى الشّام تابعة لمصر،و كان من عادة فراعنة مصر كغيرهم من الأمم المستعمرة أن يقيموا في البلاد الّتي يستولون عليها حكّاما و جنودا لئلاّ تنتقض عليهم،و أن يسكنها كثيرون منهم يتمتّعون بخيراتها.

و قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ الأعراف:129، جملة من الأثر المصريّ القديم الوحيد الّذي وجد فيه ذكر لبني إسرائيل تنطق بأنّ هذه البلاد كانت تابعة لمصر.(9:97)

الطّباطبائيّ: الظّاهر أنّ المراد ب(الأرض)أرض الشّام و فلسطين،و يؤيّده أو يدلّ عليه قوله بعد: اَلَّتِي بارَكْنا فِيها فإنّ اللّه سبحانه لم يذكر بالبركة غير الأرض المقدّسة الّتي هي نواحي فلسطين إلاّ ما وصف به الكعبة المباركة،و المعنى:أورثنا بني إسرائيل و هم المستضعفون الأرض المقدّسة بمشارقها و مغاربها.و إنّما ذكرهم بوصفهم فقال:القوم الّذين كانوا يستضعفون، ليدلّ على عجيب صنعه تعالى في رفع الوضيع و تقوية المستضعف،و تمليكه من الأرض ما لا يقدر على مثله عادة إلاّ كلّ قويّ ذو أعضاد و أنصار.(8:228)

عبد الكريم الخطيب: المراد ب(مشارق الأرض و مغاربها)سعة هذه الأرض،و قدرتهم على التّحرّك فيها،و التّنقّل بين شرقها و غربها،غير مضيّق عليهم من أحد.فهي أرض ذات آفاق متعدّدة،كلّ أفق منها مشرق و مغرب،فهي بهذا الاتّساع مشارق و مغارب.

و المراد بالأرض الّتي بارك اللّه فيها،هي الأرض المقدّسة الّتي دعاهم موسى بعد ذلك إلى دخولها،و ذلك ما يشير إليه قوله تعالى على لسان موسى: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ المائدة:

21.(5:469)

أرض اللّه

1- ...أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها

ص: 106

فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ ساءَتْ مَصِيراً. النّساء:97

سعيد بن جبير: إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها،و تلا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ واسِعَةً. (القرطبيّ 5:347)

الطّبريّ: فتخرجوا من أرضكم و دوركم، و تفارقوا من يمنعكم بها،من الإيمان باللّه و اتّباع رسوله صلى اللّه عليه و سلم إلى الأرض الّتي يمنعكم أهلها من سلطان أهل الشّرك باللّه،فتوحّدوا اللّه فيها و تعبدوه،و تتّبعوا نبيّه.(5:233)

مثله الطّوسيّ(3:303)،و الطّبرسيّ(2:99).

القمّيّ:أي دين اللّه و كتاب اللّه واسع فتنظروا فيه.

(1:149)

البغويّ:يعني إلى المدينة،و تخرجوا من مكّة من بين أهل الشّرك،فأكذبهم اللّه تعالى و أعلمنا بكذبهم.(1:485)

الزّمخشريّ: أرادوا إنّكم كنتم قادرين على الخروج من مكّة إلى بعض البلاد الّتي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم،و من الهجرة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم،كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة.

و هذا دليل على أنّ الرّجل إذا كان في بلد لا يتمكّن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب-لبعض الأسباب و العوائق عن إقامة الدّين لا تنحصر-أو علم أنّه في غير بلده أقوم بحقّ اللّه و أدوم على العبادة حقّت عليه المهاجرة.(1:556)

نحوه الفخر الرّازيّ(11:12)،و النّسفيّ(1:

246)،و رشيد رضا(5:355).

القرطبيّ: المراد بقوله: أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ...

المدينة،أي أ لم تكونوا متمكّنين قادرين على الهجرة و التّباعد ممّن كان يستضعفكم.

و في هذه الآية دليل على هجران الأرض الّتي يعمل فيها بالمعاصي.(5:346)

أبو حيّان: قيل:(أرض اللّه)أي المدينة واسعة، آمنة لكم من العدوّ فتخرجوا إليها.(3:334)

الآلوسيّ: أي أ لم تكن سعة استعدادكم بحيث تهاجروا فيها من مبدإ فطرتكم إلى نهاية كمالكم،و ذلك مجال واسع،فلو تحرّكتم و سرتم بنور فطرتكم خطوات يسيرة بحيث ارتفعت عنكم بعض الحجب انطلقتم عن أسر القوى،و تخلّصتم عن قيود الهوى،و خرجتم عن القرية الظّالم أهلها الّتي هي مكّة النّفس الأمّارة،إلى البلدة الطّيّبة الّتي هي مدينة القلب.(5:130)

الطّباطبائيّ: قد أضافت الملائكة«الأرض»إلى اللّه،و لا يخلو من إيماء إلى أنّ اللّه سبحانه هيّأ في أرضه سعة أوّلا ثمّ دعاهم إلى الإيمان و العمل،كما يشعر به أيضا قوله بعد آيتين: وَ مَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَ سَعَةً النّساء:100.

و وصف«الأرض»بالسّعة هو الموجب للتّعبير عن الهجرة بقوله: فَتُهاجِرُوا فِيها... أي تهاجروا من بعضها إلى بعضها،و لو لا فرض السّعة لكان يقال:

فتهاجروا منها.(5:50)

2- يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ. العنكبوت:56

ص: 107

ابن الشّخّير:إنّ رزقي لكم واسع.

(الطّبريّ 21:9)

إنّ رحمتي واسعة.(القرطبيّ 13:358)

سعيد بن جبير: إذا عمل فيها بالمعاصي،فاخرج منها.(الطّبريّ 21:9)

إنّ الأرض الّتي فيها الظّلم و المنكر تترتّب فيها هذه الآية،و تلزم الهجرة عنها إلى بلد حقّ.

مثله عطاء،و مالك.(القرطبيّ 13:357)

مجاهد: إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فهاجروا و جاهدوا.(الطّبريّ 21:9)

عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا،فإنّ أرضي واسعة.(الطّبريّ 21:9)

مجانبة أهل المعاصي.(الطّبريّ 21:9)

الثّوريّ: إذا كنت بأرض غالية فانتقل إلى غيرها تملأ فيها جرابك خبزا بدرهم.(القرطبيّ 13:358)

الإمام الصّادق عليه السّلام: إذا عصي اللّه في أرض أنت فيها فاخرج منها إلى غيرها.(الطّبرسيّ 4:291)

الفرّاء: يعني المدينة،أي فلا تجاوروا أهل الكفر.(2:318)

الجبّائيّ: إنّ أرض الجنّة واسعة.

(الطّوسيّ 8:221)

إنّ الآية عدة منه عزّ و جلّ بإدخال الجنّة لمن أخلص له سبحانه العبادة.(الآلوسيّ 21:10)

الطّبريّ: اختلف أهل التّأويل في المعنى الّذي أريد من الخبر عن«سعة الأرض»،فقال بعضهم:أريد بذلك أنّها لم تضق عليكم،فتقيموا بموضع منها لا يحلّ لكم المقام فيه،و لكن إذا عمل بمكان منها بمعاصي اللّه،فلم تقدروا على تغييره،فاهربوا منه.

و قال آخرون: معنى ذلك؛إنّ ما أخرج من أرضي لكم من الرّزق واسع لكم.

و أولى القولين بتأويل الآية قول من قال:معنى ذلك إنّ أرضي واسعة،فاهربوا ممّن منعكم من العمل بطاعتي، لدلالة قوله: فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ على ذلك،و أنّ ذلك هو أظهر معنييه؛و ذلك أنّ الأرض إذا وصفها بسعة فالغالب من وصفه إيّاها بذلك أنّها لا تضيق جميعها على من ضاق عليه منها موضع،لا أنّه وصفها بكثرة الخير و الخصب.(21:9،10)

الفخر الرّازيّ: إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ إشارة إلى عدم المانع من عبادته،فكأنّه قال:إذا كان لا مانع من عبادتي فاعبدوني.(25:84)

القرطبيّ: أخبرهم اللّه تعالى بسعة أرضه،و أنّ البقاء في بقعة على أذى الكفّار ليس بصواب،بل الصّواب أن يتلمّس عبادة اللّه في أرضه مع صالحي عباده،أي إن كنتم في ضيق من إظهار الإيمان بها فهاجروا إلى المدينة فإنّها واسعة،لإظهار التّوحيد بها.

(13:357)

البروسويّ: الأرض:الجرم المقابل للسّماء،أي بلاد المواضع الّتي خلقتها واسعة.(6:486)

الآلوسيّ: نزلت على ما روي عن مقاتل و الكلبيّ، في المستضعفين من المؤمنين بمكّة أمروا بالهجرة عنها، و على هذا أكثر المفسّرين.و عمّم بعضهم الحكم في كلّ من لا يتمكّن من إقامة أمور الدّين كما ينبغي في أرض

ص: 108

لممانعة من جهة الكفرة أو غيرهم،فقال:تلزمه الهجرة إلى أرض يتمكّن فيها من ذلك.

و قال مطرّف بن الشّخّير: إنّ الآية عدة منه تعالى بسعة الرّزق في جميع الأرض.

و على القولين فالمراد ب«الأرض»الأرض المعروفة.

و عن الجبّائيّ: أنّ الآية عدة منه عزّ و جلّ بإدخال الجنّة لمن أخلص له سبحانه العبادة،و فسّر«الأرض» بأرض الجنّة و المعوّل عليه ما تقدّم.(21:9)

الطّباطبائيّ: الّذي يظهر من السّياق أنّ المراد ب«الأرض»هذه الأرض الّتي نعيش عليها،و إضافتها إلى ضمير التّكلّم للإشارة إلى أنّ جميع الأرض لا فرق عنده في أن يعبد في أيّ قطعة منها كانت،و وسعة الأرض كناية عن أنّه إن امتنع في ناحية من نواحيها أخذ الدّين الحقّ و العمل به،فهناك نواح غيرها لا يمتنع فيها ذلك،فعبادته تعالى وحده ليست بممتنعة على أيّ حال.(16:144)

نحوه فضل اللّه.(18:75)

3- قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَ أَرْضُ اللّهِ واسِعَةٌ...

الزّمر:10

ابن عبّاس: هذا حثّ لهم على الهجرة من مكّة.(الطّبرسيّ 4:492)

مجاهد: فهاجروا و اعتزلوا الأوثان.

(الطّبرسيّ 23:203)

فتهاجروا عن دار الشّرك.(الطّوسيّ 9:13)

نحوه الطّبريّ.(23:203)

مقاتل: قيل:معناه(و أرض اللّه)الجنّة(واسعة) فاطلبوها بالأعمال الصّالحة.(الطّبرسيّ 4:492)

أبو مسلم الأصفهانيّ: لا يمتنع أن يكون المراد من«الأرض»أرض الجنّة؛و ذلك لأنّه تعالى أمر المؤمنين بالتّقوى و هي خشية اللّه،ثمّ بيّن أنّ من اتّقى فله في الآخرة الحسنة و هي الخلود في الجنّة،ثمّ بيّن أنّ (أرض اللّه)،أي جنّته واسعة،لقوله تعالى: نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ... الزّمر:74،و قوله تعالى:

وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ آل عمران:133.(الفخر الرّازيّ 26:253)

الماورديّ: يحتمل أن يريد ب«سعة الأرض»سعة الرّزق،لأنّه يرزقهم من الأرض،فيكون معناه و رزق اللّه واسع.(القرطبيّ 15:241)

الطّوسيّ: قيل:(أرض اللّه)يعني أرض الجنّة واسعة.(9:13)

الزّمخشريّ: معنى وَ أَرْضُ اللّهِ واسِعَةٌ أن لا عذر للمفرّطين في الإحسان البتّة،حتّى إن اعتلّوا بأوطانهم و بلادهم،و أنّهم لا يتمكّنون فيها من التّوفّر على الإحسان و صرف الهمم إليه.

قيل لهم:فإنّ أرض اللّه واسعة و بلاده كثيرة، فلا تجتمعوا مع العجز،و تحوّلوا إلى بلاد أخر،و اقتدوا بالأنبياء و الصّالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم، ليزدادوا إحسانا إلى إحسانهم و طاعة إلى طاعتهم.

و قيل:هو للّذين كانوا في بلد المشركين فأمروا بالمهاجرة عنه؛كقوله تعالى: أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها... النّساء:97.

و قيل:هي أرض الجنّة.(3:391)

ص: 109

نحوه الفخر الرّازيّ(26:253)،و النّسفيّ(4:

52)،و البروسويّ(8:85)،و المراغيّ(23:153).

القرطبيّ: فهاجروا فيها و لا تقيموا مع من يعمل بالمعاصي.

و قيل:المراد أرض الجنّة،رغّبهم في سعتها وسعة نعيمها،كما قال: وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ آل عمران:133،و الجنّة قد تسمّى أرضا،قال اللّه تعالى: وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ الزّمر:

74.

و الأوّل أظهر،فهو أمر بالهجرة،أي ارحلوا من مكّة إلى حيث تأمنوا.(15:240)

النّيسابوريّ: في قوله: أَرْضُ اللّهِ واسِعَةً إشارة إلى أسباب التّقوى إن لم تتيسّر في أرض،وجبت الهجرة إلى أرض يتيسّر ذلك فيها،فيكون كقوله: أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها... النّساء:

97.(23:119)

أبو حيّان: [مثل الزّمخشريّ و أضاف:]

و قال عطاء: (و ارض اللّه)المدينة للهجرة،قيل:

فعلى هذا يكون(احسنوا)هاجروا،و(حسنة)راحة من الأعداء.

قال قوم:(ارض اللّه)هنا الجنّة.

قال ابن عطيّة: و هذا القول تحكّم لا دليل عليه.

(7:419)

الطّباطبائيّ: حثّ و ترغيب لهم في الهجرة من مكّة؛إذ كان التّوقّف فيها صعبا على المؤمنين بالنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،و المشركون يزيدون كلّ يوم في التّشديد عليهم و فتنتهم،و الآية بحسب لفظها عامّة.

و قيل:المراد ب(أرض اللّه)الجنّة،أي إنّ الجنّة واسعة لا تزاحم فيها،فاكتسبوها بالطّاعة و العبادة،و هو بعيد.(17:244)

فضل اللّه: وَ أَرْضُ اللّهِ واسِعَةٌ، فيمكن لكم أن تهاجروا فيها إذا اشتدّ الحصار عليكم،و أطبقت الضّغوطات من حولكم،ليمنعكم هؤلاء المشركون من القيام بالتزاماتكم الإيمانيّة،و أعمالكم الصّالحة،فاللّه لا يريد للمؤمن أن يستسلم لضعفه أمام القوى الطّاغية المستكبرة أو يستضعف نفسه في ساحاتهم،بل يريد له أن يأخذ بأسباب القوّة في مواقع أخرى،ليرجع إلى مواقعه الأولى من قاعدة القوّة الجديدة المكتسبة،حتّى تظلّ إرادة القوّة في عمليّة تكوين الشّخصيّة للإنسان المؤمن.

و قد يعتبر البعض هذا التّوجيه القرآنيّ بالهجرة من أرض الوطن إلى أرض أخرى،للتّخفّف من الضّغوط، نوعا من أنواع الهروب من السّاحة،لأنّ المفروض للمؤمنين أن يصمدوا في مواقع الصّراع.

و لكنّنا نلاحظ على هذه الفكرة،أنّ الآية واردة في مقام الرّخصة للّذين يخافون أن يسقطوا أمام الضّغوط،و يضعفوا في ساحة التّحدّيات،لأنّهم لا يملكون الظّروف الّتي تسمح لهم بالصّمود،و لا يملكون القوّة الّتي تمنحهم الاستمرار على الثّبات،فهم يخافون من نقاط ضعفهم أن تستيقظ لتسقطهم من حيث لا يشعرون،و ليست الآية واردة في الأشخاص الّذين يملكون إمكانات الصّمود و

ص: 110

الاستمرار؛إذ هؤلاء عليهم أن يصمدوا ليحقّقوا للموقف الإسلاميّ القوّة من خلال مواقعهم و مواقفهم، بالمستوى الّذي قد لا يجوز فيه لهم الخروج إلى أرض أخرى،و موقع آخر.و هذا ما نستوحيه من الحديث عن سعة الأرض،فإنّها إشارة لمن تضيق به أرضه،لا لمن تتّسع لحركته،و لو كان ذلك بطريقة صعبة.(19:313)

الأرض المقدّسة

1- يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ...

المائدة:21

معاذ بن جبل:هي ما بين الفرات و عريش مصر.

(الآلوسيّ 6:106)

ابن عبّاس: الطّور و ما حوله.

(الطّبريّ 6:171)

مثله مجاهد.(1:197)

هي أريحاء.

مثله السّدّيّ،و ابن زيد.(الطّبريّ 6:172)

هي بيت المقدس.

مثله ابن زيد،و السّدّيّ،و أبو عليّ الفارسيّ.

(الطّوسيّ 3:483)

الضّحّاك: إيليا و بيت المقدس.(البغويّ 2:26)

قتادة: هي الشّام.(الطّبريّ 6:172)

الكلبيّ: صعد إبراهيم عليه السّلام جبل لبنان،فقال له جبريل:انظر فما أدركه بصرك فهو مقدّس،و هو ميراث لذرّيّتك.(أبو حيّان 3:454)

هي دمشق و فلسطين و بعض الأردن.

(البغويّ 2:26)

مثله الزّجّاج،و الفرّاء.(الطّوسيّ 3:483)

الطّبريّ: اختلف أهل التّأويل في الأرض الّتي عناها ب(الأرض المقدّسة)،فقال بعضهم:عنى بذلك الطّور و ما حوله.

و قال آخرون:هو الشّأم.

و قال آخرون:هي أرض أريحاء.

و قيل:إنّ(الأرض المقدّسة)دمشق و فلسطين و بعض الأردن.

و أولى الأقوال في ذلك بالصّواب أن يقال:هي الأرض المقدّسة،كما قال نبيّ اللّه موسى صلّى اللّه عليه و سلم،لأنّ القول في ذلك بأنّها أرض دون أرض،لا تدرك حقيقة صحّته إلاّ بالخبر،و لا خبر بذلك يجوز قطع الشّهادة به،غير أنّها لن تخرج من أن تكون من الأرض،الّتي ما بين الفرات و عريش مصر،لإجماع جميع أهل التّأويل و السّير و العلماء بالإخبار على ذلك.(6:172)

الزّمخشريّ: يعني أرض بيت المقدس.

و قيل:الطّور و ما حوله.

و قيل:الشّام.

و قيل:فلسطين و دمشق و بعض الأردن.

و قيل:سمّاها اللّه لإبراهيم ميراثا لولده حين رفع على الجبل،فقيل له:انظر فلك ما أدرك بصرك.و كان بيت المقدس قرار الأنبياء و مسكن المؤمنين.(1:603)

الآلوسيّ:التّقديس:التّطهير،و صفت تلك الأرض بذلك إمّا لأنّها مطهّرة من الشّرك؛حيث جعلت مسكن الأنبياء عليهم الصّلاة و السّلام،أو لأنّها مطهّرة

ص: 111

من الآفات.و غلبة الجبّارين عليها لا يخرجها عن أن تكون مقدّسة،أو لأنّها طهّرت من القحط و الجوع.

و قيل:سمّيت مقدّسة لأنّ فيها المكان الّذي يتقدّس فيه من الذّنوب.(6:106)

رشيد رضا: عن معاذ بن جبل:أنّ(الأرض المقدّسة)ما بين العريش إلى الفرات.و روى عبد الرّزّاق و عبد بن حميد عن قتادة:أنّها الشّام.

و المعنى واحد،فالمراد بالقولين القطر السّوريّ في عرفنا.و هذا يدلّ على أنّ هذا التّحديد لسوريّة قديم، و حسبنا أنّه من عرف سلفنا الصّالح.

و قالوا:إنّه هو مراد اللّه تعالى،و لا أحقّ و لا أعدل من قسمة اللّه تعالى و تحديده.

و في اصطلاح بعض المتأخّرين أنّ سوريّة هي القسم الشّماليّ الشّرقيّ من هذا القطر،و الباقي يسمّونه فلسطين أو بلاد المقدس،و المشهور عند النّاس أنّها هي الأرض المقدّسة.

و القول الأوّل هو الصّحيح،فإنّ بني إسرائيل ملكوا سوريّة؛فسوريّة و فلسطين شيء واحد في هذا المقام.

و يسمّون البلاد المقدّسة:أرض الميعاد،فإنّ اللّه تعالى وعد بها ذرّيّة إبراهيم.

و يدخل فيما وعد اللّه به إبراهيم الحجاز و ما جاوره من بلاد العرب،و قد خرج موسى ببني إسرائيل من مصر ليسكنهم الأرض المقدّسة الّتي وعدوا بها من عهد أبيهم إبراهيم صلّى اللّه عليه و على آله و سلّم.

و إنّما كان يريد موسى عليه السّلام بأرض الموعد و البلاد المقدّسة ما عدا بلاد الحجاز الّتي هي أرض أولاد عمّهم العرب.

قال الدّكتور بوست في«قاموس الكتاب المقدّس»:

اختصّ اسم فلسطين أوّلا بأرض الفلسطينيّين،ثمّ أطلق على كلّ أرض الإسرائيليّين غربيّ الأردن،فكان يطلق عليها في الأصل اسم كنعان.

و كانت فلسطين معروفة أيضا بالأرض المقدّسة، و أرض إسرائيل و أرض الموعد و اليهوديّة.و هي واقعة على الشّاطئ الشّرقيّ للبحر المتوسّط بين سهول النّهرين:الدّجلة و الفرات و البحر المذكور،و بين ملتقى قارّتي آسية و إفريقيّة،و هي متوسّطة بين آشور و مصر و بلاد اليونان و الفرس-إلى أن قال-و يعسر علينا معرفة حدود فلسطين،فإنّه مع دقّة الشّرح عن التّخوم الّتي تفصل بين سبط و آخر،لم يشرح لنا في الكتاب المقدّس شرحا مستوفى،تتميّز به تخوم فلسطين عن تخوم الأمم المجاورة لها.و يظهر أنّ هذه التّخوم كانت تتغيّر من جيل إلى جيل.

أمّا الأرض الموعود بها لإبراهيم و الموصوفة في كتابات موسى،فكانت تمتدّ من جبل هور إلى مدخل حماة،و من نهر مصر:العريش إلى النّهر الكبير نهر الفرات(تك 15:18،وعد 34:2-12،و تث 1:17) و أكثر هذه الأراضي كانت تحت سلطة سليمان.

فكان التّخم الشّماليّ حينئذ سوريّة،و الشّرقيّ الفرات،و البرّيّة السّوريّة،و الجنوبيّ برّيّة التّيه و أدوم،و الغربيّ البحر المتوسّط.بنصّه مع اختصار حذف به أكثر الشّواهد،و لا حاجة لنا بغير الأخيرة منها،و هي الّتي ذكرناها.(6:325)

ص: 112

الطّباطبائيّ: قد وصف الأرض بالمقدّسة،و قد فسّروه بالمطهّرة من الشّرك لسكون الأنبياء و المؤمنين فيها،و لم يرد في القرآن الكريم ما يفسّر هذه الكلمة.

و الّذي يمكن أن يستفاد منه ما يقرب من هذا المعنى قوله تعالى: إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ الإسراء:1،و قوله: وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها الأعراف:137.

و ليست المباركة في الأرض إلاّ جعل الخير الكثير فيها،و من الخير الكثير إقامة الدّين و إذهاب قذارة الشّرك.(5:288)

2- وَ قُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ... الإسراء:104

الطّبريّ: أرض الشّام.(15:176)

مثله الطّوسيّ(6:529)،و أبو حيّان(6:86).

البغويّ:يعني أرض مصر و الشّام.(4:153)

مثله الميبديّ(5:630)،و الطّبرسيّ(3:444)، و القرطبيّ(10:338)،و الخازن(4:153).

الزّمخشريّ: فأراد فرعون أن يستخفّ موسى و قومه من أرض مصر و يخرجهم منها،أو ينفيهم عن ظهر الأرض بالقتل و الاستئصال،فحاق به مكره بأن استفزّه اللّه بإغراقه مع قبطه(اسكنوا الارض)الّتى أراد فرعون أن يستفزّكم منها.(2:469)

نحوه الفخر الرّازيّ.(21:66)

البروسويّ: الّتي أراد أن يستفزّكم منها،و هي أرض مصر إن صحّ أنّهم دخلوها بعده،أو الأرض مطلقا.(5:209)

مثله الآلوسيّ.(15:186)

الطّباطبائيّ: المراد بالأرض الّتي أمروا أن يسكنوها،هي الأرض المقدّسة الّتي كتبها اللّه لهم بشهادة قوله: اُدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ المائدة:21،و غير ذلك.كما أنّ المراد ب(الأرض)في الآية السّابقة مطلق الأرض،أو أرض مصر بشهادة السّياق.(13:219)

عبد الكريم الخطيب: الّتي دعي بنو إسرائيل إلى سكناها،و أكثر الآراء على أنّها الأرض المقدّسة الّتي أشار إليها قوله تعالى على لسان موسى: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ المائدة:21.

(15:563)

3- وَ نَجَّيْناهُ وَ لُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ. الأنبياء:71

أبيّ بن كعب: الشّام.

مثله الحسن،و ابن جريج،و ابن زيد.

(الطّبريّ 17:46)

ابن عبّاس: يعني مكّة،و نزول إسماعيل البيت.

(الطّبريّ 17:47)

قتادة: كانا بأرض العراق،فأنجيا إلى أرض الشّام، و كان يقال للشّام:عماد دار الهجرة،و ما نقص من الأرض زيد في الشّام،و ما نقص من الشّام زيد في فلسطين،و كان يقال:هي أرض المحشر و المنشر،و بها مجمع النّاس،و بها ينزل عيسى بن مريم،و بها يهلك اللّه شيخ الضّلالة الكذّاب الدّجّال.(الطّبريّ 17:46)

ص: 113

الطّبريّ:هي أرض الشّام.

و قد اختلف أهل التّأويل في الأرض الّتي ذكر اللّه أنّه نجّى إبراهيم و لوطا إليها،و وصفه أنّه بارك فيها للعالمين.فقال بعضهم بنحو الّذي قلنا في ذلك.

و قال آخرون:بل يعني مكّة،و هي الأرض الّتي قال اللّه تعالى: اَلَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ....

و إنّما اخترنا ما اخترنا من القول في ذلك،لأنّه لا خلاف بين جميع أهل العلم،أنّ هجرة إبراهيم من العراق كانت إلى الشّام،و بها كان مقامه أيّام حياته،و إن كان قد كان قدم مكّة،و بنى بها البيت و أسكنها إسماعيل ابنه مع أمّه هاجر،غير أنّه لم يقم بها و لم يتّخذها وطنا لنفسه،و لا لوط،و اللّه إنّما أخبر عن إبراهيم و لوط أنّهما أنجاهما إلى الأرض الّتي بارك فيها للعالمين.(17:46)

القرطبيّ:قيل:بيت المقدس.و قيل:الأرض المباركة:مصر.(11:305)

الآلوسيّ:المراد بهذه الأرض أرض الشّام.و قيل:

أرض مكّة،و قيل:مصر.و الصّحيح الأوّل.

(17:70)

فضل اللّه:هي الأرض المقدّسة،و هي أرض الشّام الّتي هاجر إليها إبراهيم عليه السّلام،الّتي جعل اللّه فيها من البركة الرّوحيّة الّتي تمثّلت بالأنبياء الّذين قادوا المسيرة الرّساليّة،بكلّ وعي و إيمان و إخلاص،و انفتاح على النّاس،و تلك هي البركة في العمق الرّوحيّ الّذي يحتوي الفكر و الضّمير و الشّعور و الوجدان،و يهيّئ الحياة لموسم إيمان متحرّك جديد.(15:241)

4- وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَ كُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ. الأنبياء:81

الطّوسيّ: يعني الشّام،لأنّها كانت مأواه،فأيّ مكان شاء مضى إليه،و عاد إليها بالعشيّ.(7:270)

نحوه فضل اللّه(15:252)

أبو حيّان:(الأرض):أرض الشّام،و كانت مسكنه و مقرّ ملكه.و قيل:أرض فلسطين،و قيل:بيت المقدس.

قيل:و يحتمل أن تكون الأرض الّتي يسير إليها سليمان كائنة ما كانت.(6:332)

نحوه فضل اللّه.(15:252)

أرض التّيه

قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ... المائدة:26

الإمام الباقر عليه السّلام:[في حديث]في مصر وفيا فيها.(الكاشانيّ 2:26)

الرّبيع:كان مقداره ستّة فراسخ.

(الطّوسيّ 3:490)

مقاتل:كان مسافة الأرض الّتي تاهوا فيها ثلاثين فرسخا في عرض تسعة فراسخ.(الآلوسيّ 6:109)

الطّبريّ: كان تيههم،ذلك أنّهم كانوا يصبحون أربعين سنة كلّ يوم جادّين،في قدر ستّة فراسخ للخروج منه،فيمسون في الموضع الّذي ابتدءوا السّير منه.(6:185)

نحوه الطّبرسيّ(2:181)،و البغويّ(2:30)، و الزّمخشريّ(1:605).

ص: 114

الطّوسيّ:التّيهاء من الأرض،هي الّتي لا يهتدى فيها،يقال:أرض تيه و تيهاء.[ثمّ استشهد بشعر]

(3:490)

مثله القرطبيّ.(6:129)

أبو حيّان:الأرض الّتي تاهوا فيها على ما حكي، طولها ثلاثون ميلا،في عرض ستّة فراسخ،و هو ما بين مصر و الشّام.

و قال ابن عبّاس:تسعة فراسخ.

قال مقاتل:هذا عرضها،و طولها ثلاثون فرسخا.

و قيل:ستّة فراسخ في طول اثني عشر فرسخا.

و قيل:تسعة فراسخ.(3:458)

نحوه الآلوسيّ.(6:109)

أبو السّعود:أي يتحيّرون في البرّيّة.و كان طول البرّيّة تسعين فرسخا.[ثمّ ذكر نحو أبي حيّان]

(2:19)

الآلوسيّ:[التّأويل]أي أرض الطّبيعة،و ذلك بقائهم في مقام النّفس،و كان ينزل عليهم من سماء الرّوح نور عقد المعاش فينتفعون بضوئه.(6:123)

أدنى الأرض

الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. الرّوم:1-3

ابن عبّاس: في طرف الشّام.(الطّبريّ 21:21)

بالأردن و فلسطين.

مثله السّدّيّ.(الآلوسيّ 21:17)

مثله مقاتل.(القرطبيّ 14:4).

مجاهد: فِي أَدْنَى الْأَرْضِ: من أرض الشّام إلى أرض فارس،يريد الجزيرة،و هي أقرب أرض الرّوم إلى فارس.(الطّبرسيّ 4:294)

عكرمة:بأذرعات،و هي ما بين بلاد العرب و الشّام.(القرطبيّ 14:4)

يريد أذرعات و كسكر.(الطّبرسيّ 4:294)

الإمام الباقر عليه السّلام:يعني غلبتها فارس فِي أَدْنَى الْأَرْضِ و هي الشّامات و ما حولها،و فارس من بعد غلبهم الرّوم سيغلبون في بضع سنين.(القمّيّ 2:152)

ابن زيد:(ادنى الارض):الشّام.

(الطّبريّ 21:20)

الطّبريّ: إنّما معناه فِي أَدْنَى الْأَرْضِ من فارس، فترك ذكر فارس استغناء بدلالة ما ظهر من قوله: فِي أَدْنَى الْأَرْضِ عليه منه.(21:21)

الزّجّاج: فِي أَدْنَى الْأَرْضِ: من أرض العرب.

(الطّبرسيّ 4:294)

نحوه فضل اللّه.(18:99)

الطّوسيّ: المراد ادنى الارض إلى جهة عدوّهم.

(8:229)

الميبديّ:يعني في أقرب أرض الحجاز منهم، و هي أذرعات و بصرى،فهي أدنى الشّام إلى أرض العرب.(7:425)

الزّمخشريّ: (الأرض):أرض العرب،لأنّ الأرض المعهودة عند العرب أرضهم،و المعنى:غلبوا في أدنى أرض العرب منهم و هي أطراف الشّام،أو أراد أرضهم على إنابة اللاّم مناب المضاف إليه،أي في أدنى أرضهم إلى عدوّهم.(3:213)

ص: 115

ابن عطيّة:إن كانت الواقعة بأذرعات فهي من أدنى الأرض بالقياس إلى مكّة،و هي الّتي ذكرها امرؤ القيس في قوله:*تنوّرتها من أذرعات و أهلها*

و إن كانت الواقعة بالجزيرة فهي أدنى بالقياس إلى أرض كسرى،و إن كانت بالأردن فهي أدنى إلى أرض الرّوم.(القرطبيّ 14:4)

النّيسابوريّ:أي انتهى ضعفهم إلى أن وصل عدوّهم إلى طريق الحجاز و كسروهم،و هم في بلادهم.

(21:23)

السّيوطيّ:أي أقرب أرض الرّوم إلى فارس بالجزيرة التقى فيها الجيشان،و البادي بالغزو الفرس.(الجلالين 2:215)

الآلوسيّ:المراد ب(الأرض)أرض الرّوم،على أنّ «أل»نائبة مناب الضّمير المضاف إليه،و الأقربيّة بالنّظر إلى أهل مكّة،لأنّ الكلام معهم،أو المراد بها أرض مكّة و نواحيها لأنّها الأرض المعهودة عندهم،و الأقربيّة بالنّظر إلى الرّوم،أو المراد بالأرض أرض الرّوم لذكرهم،و الأقربيّة بالنّظر إلى عدوّهم،أعني فارس لحديث المغلوبيّة.و قد جاء من طرق عديدة أنّ الحرب وقع بين أذرعات و بصرى.(21:17)

عزّة دروزة:المتبادر أنّها كناية عن البلاد المتآخمة للحجاز.و بعض المفسّرين قالوا:إنّها بلاد الشّام، و بعضهم قالوا:إنّها جزيرة الفرات.

و كلا القولين وجيه،لأنّ الرّوم انكسروا أمام الفرس في بلاد جزيرة الفرات،ثمّ في بلاد الشّام في زمن النّبيّ صلى اللّه عليه و سلّم.(6:283)

الضّرب في الأرض

1- وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ...

النّساء:101

الطّبريّ: و إذا سرتم أيّها المؤمنون في الأرض.

(5:242)

مثله الطّوسيّ(3:307)،و الميبديّ(2:653)، و الطّبرسيّ(2:100)،و الزّمخشريّ(1:558)، و الخازن(1:486)،و البروسويّ(2:273)، و الآلوسيّ(5:131)،و الطّباطبائيّ(5:61).

رشيد رضا :الضّرب في الأرض عبارة عن السّفر فيها،لأنّ المسافر يضرب الأرض برجليه و عصاه أو بقوائم راحلته،كما يقال:طرق الأرض إذا مرّ بها،كأنّه ضربها بالمطرقة.و منه الطّريق،أي السّبيل المطروق.

و قال هاهنا: ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ و لم يقل:

ضربتم في سبيل اللّه،كما قال في الآية«93»من هذه السّورة الواردة في حكم إلقاء السّلام في الحرب،لأنّ هذه أعمّ فهي رخصة لكلّ مسافر،و لو لم يكن سفره في سبيل اللّه للدّفاع عن الحقّ و إقامة الدّين،بأن كان للتّجارة أو لمجرّد السّياحة مثلا.و إذا كان السّفر في سبيل اللّه فالمسافر أحقّ بالرّخصة و هي له أوّلا و بالذّات بقرينة السّياق و ما جاء في الآية بعد هذه.(5:363)

و بهذا المعنى جاءت:

2- ...إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ...

المائدة:106

3- ...إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ... آل عمران:156

4- ...وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ... المزّمّل:20

ص: 116

5- ...لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ...

البقرة:273

الخلود إلى الأرض

...وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ... الأعراف:176

ابن عبّاس: كان في بني إسرائيل بلعام بن باعر، أوتي كتابا،فأخلد إلى شهوات الأرض،و لذّتها و أموالها،لم ينتفع بما جاء به الكتاب.

(الطّبريّ 9:127)

يريد مال إلى الدّنيا.

مثله مقاتل(الفخر الرّازيّ 15:56)

و مثله الطّبرسيّ(2:500)

سعيد بن جبير: يعني ركن إلى الأرض.

نزع إلى الأرض.(الطّبريّ 9:127)

السّدّيّ:فاتّبع الدّنيا،و ركن إليها.

(الطّبريّ 9:128)

الطّبريّ: يقول تعالى ذكره:و لو شئنا لرفعنا هذا الّذي آتيناه آياتنا،بآياتنا الّتي آتيناه وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ يقول:سكن إلى الحياة الدّنيا في الأرض، و مال إليها،و آثر لذّتها و شهواتها على الآخرة،و اتّبع هواه،و رفض طاعة اللّه،و خالف أمره.

و أصل الإخلاد في كلام العرب:الإبطاء و الإقامة، يقال منه:أخلد فلان بالمكان،إذا أقام به،و أخلد نفسه إلى المكان،إذا أتاه من مكان آخر.[ثمّ استشهد بشعر]

و كان بعض البصريّين يقول:معنى قوله: أَخْلَدَ لزم و تقاعس و أبطأ،و المخلد أيضا هو الّذي يبطئ شيبه من الرّجال،و هو من الدّوابّ الّذي تبقى ثناياه حتّى تخرج رباعيتاه.(9:124-129)

الطّوسيّ: معناه:سكن إلى الدّنيا،و ركن إليها،و لم يسم إلى الغرض الأعلى.(5:39)

الطّبرسيّ:معناه،و لكنّه مال إلى الدّنيا بإيثار الرّاحة و الدّعة في لذّته.(2:500)

الفخر الرّازيّ:قال أصحاب العربيّة:أصل الإخلاد اللّزوم على الدّوام،و كأنّه قيل:لزم الميل إلى الأرض،و منه يقال:أخلد فلان بالمكان،إذا لزم الإقامة به.[ثمّ استشهد بشعر]

قال ابن عبّاس: وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ يريد مال إلى الدّنيا،و قال مقاتل:بالدّنيا،و قال الزّجّاج:

سكن إلى الدّنيا.

قال الواحديّ:فهؤلاء فسّروا(الأرض)في هذه الآية بالدّنيا؛و ذلك لأنّ الدّنيا هي الأرض،لأنّ ما فيها من العقار و الضّياع و سائر أمتعتها من المعادن و النّبات و الحيوان مستخرج من الأرض،و إنّما يقوى و يكمل بها، فالدّنيا كلّها هي الأرض،فصحّ أن يعبّر عن الدّنيا بالأرض.

و نقول:لو جاء الكلام على ظاهره لقيل: لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ... و لكنّا لم نشأ،إلاّ أنّ قوله: وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ لما دلّ على هذا المعنى،لا جرم أقيم مقامه.

(15:55)

البروسويّ:أي مال إلى الدّنيا فلم نشأ رفعه، لمباشرته لسبب نقيضه.

و الإخلاد إلى الشّيء:الميل إليه مع الاطمئنان، و عبّر عن الدّنيا بالأرض،لأنّ ما فيها من العقار و الرّباع

ص: 117

كلّها أرض،و سائر متاعها مستخرج من الأرض.

و الإخلاد إلى الأرض كناية عن الإعراض عن ملازمة الآيات و العمل بمقتضاها،و الكناية أبلغ من التّصريح.(3:278)

رشيد رضا :أي و لكنّه اختار لنفسه التّسفّل المنافي لتلك الرّفعة،بأن أخلد و مال إلى الأرض و زينتها، و جعل كلّ حظّه من حياته التّمتّع بما فيها من اللّذائذ الجسديّة،فلم يرفع إلى العالم العلويّ رأسا،و لم يوجّه إلى الحياة الرّوحيّة الخالدة عزما،و اتّبع هواه في ذلك، فلم يراع فيه الاهتداء بشيء ممّا آتيناه من آياتنا.

و قد مضت سنّتنا في خلق نوع الإنسان،بأن يكون مختارا في عمله المستعدّ له في أصل فطرته،ليكون الجزاء عليه بحسبه،و أن نبتليه و نمتحنه بما خلقنا في هذه الأرض من الزّينة و المستلذّات إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً الكهف:7، و نولّي كلّ إنسان منهم ما تولّى مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً* وَ مَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَ سَعى لَها سَعْيَها وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً* كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَ هَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَ ما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً* اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَ لَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَ أَكْبَرُ تَفْضِيلاً الإسراء 18-21.

و قد مضت سنّتنا أيضا بأنّ اتّباع الإنسان لهواه بتحرّيه و تشهّيه،ما تميل إليه نفسه في كلّ عمل من أعماله،دون ما فيه المصلحة و الفائدة له؛من حيث هو جسد و روح،يضلّه عن سبيل اللّه الموصلة إلى سعادة الدّنيا و الآخرة،و يتعسّف به في سبل الشّيطان المردية المهلكة.قال تعالى لخليفته داود عليه السّلام: وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ ص:26،و قال تعالى في أوّل ما أوحاه إلى كليمه موسى عليه السّلام بعد ذكر السّاعة:

فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَ اتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى طه:16،و قال جلّ جلاله لخاتم أنبيائه عليه صلواته و سلامه: أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً الفرقان:43.

و الآيات في ذمّ الهوى و النّهي عنه كثيرة.و حسبك منها قوله: وَ لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ المؤمنون:71.

و حاصل معنى الشّرط و الاستدراك أنّ من شأن من أوتي آيات اللّه تعالى أن ترتقي نفسه،و ترتفع في مراقي الكمال درجته،لما فيها من الهداية و الإرشاد و الذّكرى، و إنّما يكون ذلك لمن أخذ هذه الآيات و تلقّاها بهذه النّيّة «و إنّما لكلّ امرئ مانوى».

و أمّا من لم ينو ذلك و لم تتوجّه إليه نفسه،و إنّما تلقّى الآيات الإلهيّة اتّفاقا بغير قصد،أو بنيّة كسب المال و الجاه،و وجد مع ذلك في نفسه ما يصرفه عن الاهتداء بها فلن يستفيد منها،و أسرع به أن ينسلخ منها،فهو يقول: لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها الأعراف:176،لأنّها في نفسها هدى و نور،و لكن تعارض المقتضي و المانع، و هو إخلاده إلى الأرض و اتّباع هواه.(9:406)

فضل اللّه:مثل الّذي أخلد إلى الأرض كمثل الكلب

و هذا حديث عن شخص من بني إسرائيل،قيل:إنّ

ص: 118

اسمه بلعم بن باعورا كان يملك الاسم الأعظم،و قيل:إنّه شخص معاصر للدّعوة الإسلاميّة،كان يعرف الكثير من آيات اللّه و تعاليمه،و لكن هذا الشّخص انحرف عن الخطّ المستقيم،فلم ينتفع بما يملك من المعرفة،و لم ينفتح على الآفاق الرّحبة العالية الّتي ترفعه إلى اللّه في عمليّة سموّ و طهر و إيمان،بل هوى إلى الأرض في حالة انحطاط روحيّ و فكريّ،فلم يتطلّع إلاّ إلى الأجواء السّفلى الّتي تربط مطامحه بالتّراب و لا شيء إلاّ التراب...و هذا ما نريد أن نتابعه مع هاتين الآيتين:

وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا في ما رزقناه من وسائل المعرفة،في ما يهدي إليه العقل أو الوحي، فَانْسَلَخَ مِنْها و ابتعد عنها في عمليّة رفض و انحراف، فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ* وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها الأعراف:175،176،لأنّ الفكر الّذي تمثّله هو فكر الذّرى الشّمّاء الّذي ينظر إلى أعالي الأمور،و لا يتطلّع إلى أسافلها؛حيث الرّوحيّة المنفتحة على اللّه في آفاق المطلق.

وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ و التصق بها،و أقبل عليها في عبادة و خضوع و نهم إلى التّراب.و الالتصاق بالأرض،يعني الانغماس في القيم المادّيّة الّتي لا تنبض فيها خفقة من قلب،و لهفة من روح،و نبضة من وحي، بل تتجمّع فيها كلّ أنانيّة النّفس الأمّارة بالسّوء، و شهوات الجسد الباحث أبدا عن المتعة الحسّيّة و أطماع الذّات الّتي لا تفكّر إلاّ بمطامعها و لو على حساب الآخرين،و بذلك يسترخي الإنسان مع أجواء السّعادة الحسّيّة المادّيّة.و يستريح للخطوات اللاّهثة وراء الرّغبة، و يبتعد رويدا رويدا عن كلّ آفاق الرّوح الباحثة أبدا عن المطلق في رحاب اللّه؛حيث يعيش الإنسان إنسانيّته في أريحيّة القيم وَ اتَّبَعَ هَواهُ. ... فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ الأعراف:176(10:286)

الاستخلاف في الأرض

1- ...إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً... البقرة:30

الطّوسيّ: قيل:إنّ(الأرض)أراد بها مكّة،روي ذلك عن ابن سارط (1)،أنّ النّبيّ قال:«دحيت الأرض من مكّة»و لذلك سمّيت أمّ القرى.قال:«دفن نوح و هود،و صالح،و شعيب بين زمزم و المقام».

و قال قوم: إنّها الأرض المعروفة،و هو الظّاهر.

(1:131)

مثله الطّبرسيّ(1:74)،و القرطبيّ(1:263).

الفخر الرّازيّ: الظّاهر أنّ(الأرض)الّتي في الآية جميع الأرض من المشرق إلى المغرب.و روى عبد الرّحمن بن سابط عن النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم أنّه قال:«دحيت الأرض من مكّة و كانت الملائكة تطوف بالبيت،و هم أوّل من طاف به،و هو في الأرض الّتي قال اللّه تعالى:

إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً...» .

و الأوّل أقرب إلى الظّاهر.(2:165)

النّيسابوريّ: الظّاهر أنّ(الأرض)يراد بها ما بين الخافقين.و قد روي عن النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم«أنّ الأرض هاهنا أرض مكّة الّتي دحيت الأرض من تحتها».(1:231)

أبو حيّان: قوله:(فى الارض)ظاهره الأرض

ص: 119


1- كذا،و الصّواب(سابط).كما عن الفخر الرّازيّ.

كلّها،و هو قول الجمهور.و قيل:أرض مكّة.و روى ابن سابط هذا التّفسير بأنّها أرض مكّة مرفوعا إلى النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم،فإن صحّ ذلك لم يعدل عنه.

قيل:و لذلك سمّي وسطها بكّة،لأنّ الأرض بكّت من تحتها،و اختصّت بالذّكر لأنّها مقرّ من هلك قومه من الأنبياء،و دفن بها نوح و هود و صالح بين المقام و الرّكن.

و تكون الألف و اللاّم فيها للعهد نحو: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ يوسف:80، وَ كَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ... يوسف:56، اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ القصص:5.[ثمّ استشهد بشعر](1:140)

الآلوسيّ: [ذكر مثل أبي حيّان و أضاف:]

و خصّ سبحانه الأرض،لأنّها من عالم التّغيير و الاستحالات،فيظهر بحكم الخلافة فيها حكم جميع الأسماء الإلهيّة الّتي طلب الحقّ ظهوره بها،بخلاف العالم الأعلى.(1:220)

2- وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ... النّور:55

النّقّاش: يريد ب(الأرض)أرض مكّة،لأنّ المهاجرين سألوا ذلك.(الطّوسيّ 7:455)

الطّوسيّ: معناه:يورّثهم أرض المشركين من العرب و العجم.(7:455)

مثله البغويّ(5:71)،و الطّبرسيّ(4:152).

القرطبيّ: فيه قولان:

أحدهما:يعني أرض مكّة،لأنّ المهاجرين سألوا اللّه تعالى ذلك فوعدوا كما وعدت بنو إسرائيل،قال معناه النّقّاش.

الثّاني:بلاد العرب و العجم.قال ابن العربيّ:و هو الصّحيح،لأنّ أرض مكّة محرّمة على المهاجرين.

(12:299)

النّسفيّ: أي أرض الكفّار،و قيل:أرض المدينة.

و الصّحيح أنّه عامّ لقوله عليه الصّلاة و السّلام:

«ليدخلنّ هذا الدّين على ما دخل عليه اللّيل».

(3:152)

الآلوسيّ: المراد ب(الأرض)على ما قيل:جزيرة العرب.

و قيل:مأواه عليه السّلام من مشارق الأرض و مغاربها، ففي الصّحيح«زويت لي الأرض فأريت مشارقها و مغاربها،و سيبلغ ملك أمّتي ما زوي لي منها».

(18:203)

العلوّ و الفساد و الإسراف في الأرض

و إجلاء أهلها منها

1- إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً... القصص:4

قتادة: أي بغى في الأرض.(الطّبريّ 20:27)

السّدّيّ:تجبّر في الأرض.(الطّبريّ 20:27)

الطّبريّ: إنّ فرعون تجبّر في أرض مصر و تكبّر، و علا أهلها و قهرهم،حتّى أقرّوا له بالعبودة.

(20:27)

مثله الطّبرسيّ(4:239)،و أبو حيّان(7:104).

الطّوسيّ: ببغيه و استعباده بني إسرائيل،و قتل أولادهم.

ص: 120

و قيل:بقهره و ادّعائه الرّبوبيّة.

و قيل:بشدّة سلطانه.(8:128)

الزّمخشريّ: يعني أرض مملكته قد طغى فيها و جاوز الحدّ في الظّلم و العسف.(3:164)

الميبديّ: تجبّر و استكبر و طغى و بغى.

و قيل:عظم أمره بكثرة من أطاعه.(7:274)

البروسويّ:فهو استئناف مبيّن لذلك البعض، و تصديره بحرف التّأكيد للاعتناء بتحقيق مضمون ما بعده.و العلوّ:الارتفاع،أي تجبّر و طغى في أرض مصر و جاوز الحدود المعهودة في الظّلم و العدوان.

و قال الجنيد: ادّعى ما ليس له.(6:381)

مثله الآلوسيّ.(20:42)

الطّباطبائيّ: العلوّ في الأرض:كناية عن التّجبّر و الاستكبار.(16:7)

2- ...وَ إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ. يونس:83

الطّبريّ: و إنّ فرعون لجبّار مستكبر على اللّه في أرضه.(11:151)

الطّوسيّ: العلوّ في الامر:عظم الشّأن فيه،و كلّ معنى لا يخلو من أن يكون في صفة عالية،أو دانية،أو فيما بينهما من الجلالة و الضّعة.(5:481)

الزّمخشريّ: لغالب فيها قاهر.(2:249)

مثله الفخر الرّازيّ.(17:145)

الطّبرسيّ: أي مستكبر باغ طاغ في أرض مصر و نواحيها.(3:127)

مثله البروسويّ.(4:71)

الآلوسيّ :أي لغالب قاهر في أرض مصر.

و استعمال العلوّ بالغلبة و القهر مجاز معروف.

(11:169)

3- ...لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً...

القصص:83

النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:أوصيكم بتقوى اللّه،و أوصى اللّه بكم انّى لكم نذير مبين ألاّ تعلوا على اللّه في عباده و بلاده، فإنّ اللّه تعالى قال لي و لكم: تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ القصص:83.(العروسيّ 4:143)

الإمام عليّ عليه السّلام: فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة و مرقت أخرى و فسق آخرون،كأنّهم لم يسمعوا اللّه سبحانه؛إذ يقول: تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ القصص:83،بلى و اللّه لقد سمعوها و وعوها، و لكنّهم حليت الدّنيا في أعينهم و راقهم زبرجها.

(العروسيّ 4:143)

إنّ الرّجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه،فيدخل تحتها.(العروسيّ 4:144)

سعيد بن جبير: البغي.(الطّبريّ 20:122)

عكرمة: العلوّ:التّجبّر.(الطّبريّ 20:122)

العلوّ في الأرض:التّكبّر و طلب الشّرف و المنزلة عند سلاطينها و ملوكها.و الفساد:العمل بالمعاصي و أخذ المال بغير حقّه.(الآلوسيّ 20:125)

الحسن: العلوّ:العزّ و الشّرف إن جرّ البغي.

(أبو حيّان 7:136)

ص: 121

الإمام الصّادق عليه السّلام: العلوّ:الشّرف،و الفساد:

النّساء.(القمّيّ 2:147)

ابن جريج: تعظّما و تجبّرا،(و لا فسادا):عملا بالمعاصي.(الطّبريّ 20:122)

الطّبريّ: تلك الدّار الآخرة نجعل نعيمها للّذين لا يريدون تكبّرا عن الحقّ في الأرض و تجبّرا عنه (و لا فسادا)يقول:و لا ظلم النّاس بغير حقّ،و عملا بمعاصي اللّه فيها.(20:122)

الطّوسيّ: إنّما قبّح طلب العلوّ في الأرض،لأنّه ركون إليها،و ترك لطلب العلوّ في الآخرة،و معاملة لها بخلاف ما أراده اللّه بها من أن تكون دار ارتحال لا دار مقام فيها.(و لا فسادا)أي و لا يريدون فسادا في الأرض بفعل المعاصي.(8:182)

الآلوسيّ: أي غلبة و تسلّطا.(و لا فسادا)أي ظلما و عدوانا على العباد كدأب فرعون و قارون.

و ليس الموصول مخصوصا بهما،و في إعادة(لا) إشارة إلى أنّ كلاّ من العلوّ و الفساد مقصود بالنّفي،و في تعليق الموعد بترك إرادتهما لا بترك أنفسهما مزيد تحذير منهما.(20:125)

الطّباطبائيّ: أي نختصّها بهم،و إرادة العلوّ هو الاستعلاء و الاستكبار على عباد اللّه،و إرادة الفساد فيها ابتغاء معاصي اللّه تعالى،فإنّ اللّه بنى شرائعه الّتي هي تكاليف للإنسان على مقتضيات فطرته و خلقته،و لا تقتضي فطرته إلاّ ما يوافق النّظام الأحسن الجاري في الحياة الإنسانيّة الأرضيّة،فكلّ معصية تقضي إلى فساد في الأرض بلا واسطة أو بواسطة.قال تعالى:

ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ الرّوم:41.

و من هنا ظهر أنّ إرادة العلوّ من مصاديق إرادة الفساد،و إنّما أفردت و خصّت بالذّكر اعتناء بأمرها.

و محصّل المعنى:تلك الدّار الآخرة السّعيدة نخصّها بالّذين لا يريدون فسادا في الأرض بالعلوّ على عباد اللّه و لا بأيّ معصية أخرى.(16:81)

4- وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ. البقرة:11

ابن عبّاس: إظهار معصية اللّه تعالى.

مثله الحسن،و السّدّيّ،و قتادة.

(الفخر الرّازيّ 2:66)

و مثله أبو العالية،و مقاتل.(أبو حيّان 1:64)

إفسادهم في الأرض بالكفر.(أبو حيّان 1:64)

مجاهد: بترك امتثال الأمر و اجتناب النّهي.

(أبو حيان 1:64)

الضّحّاك: بقصدهم تغيير الملّة.

(أبو حيّان 1:65)

السّدّيّ: إفسادهم في الأرض بالكفر و المعصية.

(أبو حيّان 1:65)

الرّبيع: كان فسادهم على أنفسهم ذلك معصية اللّه جلّ ثناؤه،لأنّ من عصى اللّه في الأرض أو أمر بمعصيته، فقد أفسد في الأرض،لأنّ إصلاح الأرض و السّماء بالطّاعة.(الطّبريّ 1:125)

الطّبريّ: الإفساد في الأرض:العمل فيها بما نهى اللّه جلّ ثناؤه عنه،و تضييع ما أمر اللّه بحفظه،فذلك جملة

ص: 122

الإفساد.كما قال جلّ ثناؤه في كتابه مخبرا عن قيل ملائكته: قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ البقرة:30،يعنون بذلك أ تجعل في الأرض من يعصيك و يخالف أمرك.فكذلك صفة أهل النّفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربّهم،و ركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه،و تضييعهم فرائضه،و شكّهم في دين اللّه الّذي لا يقبل من أحد عملا إلاّ بالتّصديق به، و الإيقان بحقّيّته،و كذبهم المؤمنين بدعواهم،غير ما هم عليه مقيمون من الشّكّ و الرّيب،و بمظاهرتهم أهل التّكذيب باللّه و كتبه و رسله على أولياء اللّه،إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا.(1:126)

نحوه الطّوسيّ.(1:74)

الزّمخشريّ: الفساد في الأرض:هيج الحروب و الفتن،لأنّ في ذلك فساد ما في الأرض،و انتفاء الاستقامة عن أحوال النّاس و الزّروع و المنافع الدّينيّة و الدّنيويّة قال اللّه: وَ إِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ البقرة:205، أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ البقرة:30.

و منه قيل لحرب كانت بين طيّئ:حرب الفساد.(1:179)

الفخر الرّازيّ: الفساد:خروج الشّيء عن كونه منتفعا به،و نقيضه الصّلاح فأمّا كونه فسادا في الأرض، فإنّه يفيد أمرا زائدا،و فيه ثلاثة أقوال:

أحدها:قول ابن عبّاس،و الحسن،و قتادة، و السّدّيّ:إنّ المراد بالفساد في الأرض إظهار معصية اللّه تعالى،و تقريره ما ذكره القفّال رحمه اللّه،و هو أنّ إظهار معصية اللّه تعالى إنّما كان إفسادا في الأرض،لأنّ الشّرائع سنن موضوعة بين العباد،فإذا تمسّك الخلق بها زال العدوان و لزم كلّ أحد شأنه،فحقنت الدّماء و سكنت الفتن،و كان فيه صلاح الأرض و صلاح أهلها.

أمّا إذا تركوا التّمسّك بالشّرائع و أقدم كلّ أحد على ما يهواه لزم الهرج و المرج و الاضطراب،و لذلك قال تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ محمّد:22،نبّههم على أنّهم إذا أعرضوا عن الطّاعة لم يحصلوا إلاّ على الإفساد في الأرض به.

و ثانيها:أن يقال:ذلك الفساد هو مداراة المنافقين للكافرين و مخالطتهم معهم،لأنّهم لمّا مالوا إلى الكفر -مع أنّهم في الظّاهر مؤمنون-أوهم ذلك ضعف الرّسول صلى اللّه عليه و سلم و ضعف أنصاره،فكان ذلك يجرّئ الكفرة على إظهار عداوة الرّسول،و نصب الحرب له و طمعهم في الغلبة؛و فيه فساد عظيم في الأرض.

و ثالثها:قال الأصمّ:كانوا يدعون في السّرّ إلى تكذيبه،و جحد الإسلام،و إلقاء الشّبه.(2:66)

أبو حيّان: إفسادهم في الأرض بالكفر قاله ابن عبّاس،أو المعاصي قاله أبو العالية و مقاتل،أو بهما قاله السّدّيّ عن أشياخه،أو بترك امتثال الأمر و اجتناب النّهي قاله مجاهد،أو بالنّفاق الّذي صافوا به الكفّار و أطلعوهم على أسرار المؤمنين ذكره عليّ بن عبيد اللّه، أو بإعراضهم عن الإيمان برسول اللّه-صلى اللّه عليه و سلم-و القرآن،أو بقصدهم تغيير الملّة قاله الضّحّاك،أو باتّباعهم هواهم، و تركهم الحقّ مع وضوحه قاله بعضهم.[ثمّ ذكر قول الزّمخشريّ و أضاف:]

ص: 123

و وجه الفساد بهذه الأقوال الّتي قيلت،إنّها كلّها كبائر عظيمة و معاص جسيمة،و زادها تغليظا إصرارهم عليها.و الأرض متى كثرت معاصي أهلها و تواترت،قلّت خيراتها و نزعت بركاتها و منع عنها الغيث الّذي هو سبب الحياة،فكان فعلهم الموصوف أقوى الأسباب لفساد الأرض و خرابها،كما أنّ الطّاعة و الاستغفار سبب لكثرة الخيرات و نزول البركات و نزول الغيث،أ لا ترى قوله تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ نوح:10، وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ الجنّ:16، وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا الأعراف:96 وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ المائدة:66،الآيات.

و قد قيل في تفسيره ما روي في الحديث:من أنّ الفاجر (1)يستريح منه العباد و البلاد و الشّجر و الدّوابّ، أنّ معاصيه يمنع اللّه بها الغيث فيهلك البلاد و العباد لعدم النّبات و انقطاع الأقوات.

و النّهي عن الإفساد في الأرض من باب النّهي عن المسبّب و المراد النّهي عن السّبب،فمتعلّق النّهي حقيقة هو مصافاة الكفّار و ممالأتهم[معاونتهم]على المؤمنين بإفشاء السّرّ إليهم،و تسليطهم عليهم لإفضاء ذلك إلى هيج الفتن المؤدّي إلى الإفساد في الأرض،فجعل ما رتّب على المنهيّ عنه حقيقة منهيّا عنه لفظا،و النّهي عن الإفساد في الأرض كالنّهي في قوله تعالى: وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ البقرة:60،و ليس ذكر الأرض لمجرّد التّوكيد بل في ذلك تنبيه على أنّ هذا المحلّ الّذي فيه نشأتكم و تصرّفكم،و منه مادّة حياتكم و هو سترة أمواتكم،جدير أن لا يفسد فيه؛إذ محلّ الإصلاح لا ينبغي أن يجعل محلّ الإفساد،أ لا ترى إلى قوله تعالى:

وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها الأعراف:

56،و قال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ الملك:15،و قال تعالى: وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها* أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها* وَ الْجِبالَ أَرْساها* مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ النّازعات:30-33،و قوله تعالى: أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا عبس:25،إلى غير ذلك من الآيات المنبّهة على الامتنان علينا بالأرض،و ما أودع اللّه فيها من المنافع الّتي لا تكاد تحصى.(1:64)

الآلوسيّ:الفساد:التّغيّر عن حالة الاعتدال و الاستقامة،و نقيضه الصّلاح،و المعنى لا تفعلوا ما يؤدّي إلى الفساد،و هو هنا الكفر،كما قاله ابن عبّاس،أو المعاصي،كما قاله أبو العالية،أو النّفاق الّذي صافوا به الكفّار فأطلعوهم على أسرار المؤمنين،فإنّ كلّ ذلك يؤدّي-و لو بالوسائط-إلى خراب الأرض و قلّة الخير و نزع البركة و تعطّل المنافع.

و إذا كان القائل بعض من كانوا يلقون إليه الفساد فلا يقبله ممّن شاركهم في الكفر،يحمل الفساد على هيج الحروب و الفتن الموجب لانتفاء الاستقامة،و مشغوليّة النّاس بعضهم ببعض،فيهلك الحرث و النّسل.

و لعلّ النّهي عن ذلك لخور أو تأمّل في العاقبة، و إراحة النّفس عمّا ضرره أكبر من نفعه،ممّا يميل إليه الحذّاق.على أنّ في أذهان كثير من الكفّار إذ ذاك توقّعح.

ص: 124


1- كذا،و الظّاهر لا يستريح.

ما يغني عن القتال،من وقوع مكروه بالمؤمنين وَ يَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ... التّوبة:32.

و لا يخفى ما في هذا الوجه من التّكلّف،و المراد من (الأرض)جنسها،أو المدينة المنوّرة.و الحمل على جميع الأرض ليس بشيء؛إذ تعريف المفرد يفيد استيعاب الأفراد لا الأجزاء،اللّهمّ إلاّ أن يعتبر كلّ بقعة أرضا، لكن يبقى أنّه لا معنى للحمل على الاستغراق،باعتبار تحقّق الحكم في فرد واحد.و ليس ذكر(الأرض)لمجرّد التّأكيد بل في ذلك تنبيه على أنّ الفساد واقع في دار مملوكة لمنعم أسكنكم بها و خوّلكم بنعمها.

و أقبح خلق اللّه من بات عاصيا

لمن بات في نعمائه يتقلّب

(1:153)

5- ...وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. البقرة:27

الطّوسيّ: قال قوم:استدعاؤهم إلى الكفر.

و قال قوم:إخافتهم السّبيل و قطعهم الطّريق.

و قال قوم:أراد كلّ معصية تعدّى ضررها إلى غير فاعلها.(1:121)

نحوه الطّبرسيّ(1:70)،و أبو حيّان(1:128).

الفخر الرّازيّ: فالأظهر أن يراد به الفساد الّذي يتعدّى دون ما يقف عليهم.و الأظهر أنّ المراد منه الصّدّ عن طاعة الرّسول عليه الصّلاة و السّلام،لأنّ تمام الصّلاح في الأرض بالطّاعة،لأنّ بالتزام الشّرائع يلتزم الإنسان كلّ ما لزمه،و يترك التّعدّي إلى الغير.و منه زوال التّظالم،و في زواله العدل الّذي قامت به السّماوات و الأرض،قال تعالى فيما حكى عن فرعون أنّه قال:

إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ... المؤمن:26.(1:148)

القرطبيّ: أي يعبدون غير اللّه تعالى،و يجورون في الأفعال؛إذ هي بحسب شهواتهم،و هذا غاية الفساد.

(1:247)

البيضاويّ: بالمنع عن الإيمان و الاستهزاء بالحقّ، و قطع الوصل الّتي بها نظام العالم و صلاحه.(1:42)

النّيسابوريّ: الإفساد في الأرض إمّا إظهار المعاصي،و إمّا التّنازع و إثارة الفتن.(1:221)

البروسويّ: أي يفسدون بذر التّوحيد الفطريّ في أرض طينتهم بالشّرك،و الإعراض عن قبول دعوة الأنبياء،و سقي بذر التّوحيد بالإيمان و العمل الصّالح.

(1:89)

الآلوسيّ: [مثل الطّوسيّ و أضاف:]

و ذكر فِي الْأَرْضِ إشارة إلى أنّ المراد فساد يتعدّى دون ما يقف عليهم.(1:212)

فضل اللّه: في نسيانهم للّه و ابتعادهم عن خطّه المستقيم الّذي يؤدّي إلى السّير في دروب الفساد،بما يثيرونه في أقوالهم و أفعالهم و علاقاتهم و مواقفهم،من عوامل الفساد في الأرض،على مستوى الواقع الاقتصاديّ الّذي يفسدون به حركة المال في الإنسان.و الواقع الاجتماعيّ الّذي يتحرّك فسادهم فيه،ليؤدّي إلى تمزيق المجتمع و تحلّله الأخلاقيّ،و انهياره،و الواقع السّياسيّ الّذي يسقط تحت تأثير الظّلم و العدوان الّذي يعيش فيه النّاس ظلم الحاكم و الحكم و القانون.و

ص: 125

الواقع الأمنيّ الّذي يفتقد فيه النّاس من خلال هؤلاء الأمن في حياتهم الخاصّة و العامّة فتدبّ الفوضى عندهم، و يسود الاضطراب وجودهم،و هكذا ينطلق هؤلاء ليتحوّلوا إلى جهة مفسدة للحياة كلّها،و للإنسان كلّه أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ، الّذين خسروا أنفسهم في الدّنيا،عند ما أبعدوها عن خطّ الاستقامة،فعاشوا التّخبّط في خطواتهم العمليّة في السّير على غير هدى، و واجهوا المتاعب المتنوّعة في ذلك،و خسروا مصيرهم في الآخرة،في عصيانهم للّه و تمرّدهم عليه،ممّا يستوجب دخولهم في النّار و بئس القرار.(1:103)

6- ...وَ لَوْ لا دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ... البقرة:251

مجاهد: و لو لا دفع اللّه بالبارّ عن الفاجر،و دفعه ببقيّة أخلاف النّاس بعضهم عن بعض،لفسدت الأرض بهلاك أهلها.

مثله الرّبيع.(الطّبريّ 2:633)

الزّمخشريّ: و لو لا أنّ اللّه يدفع بعض النّاس ببعض و يكفّ بهم فسادهم،لغلب المفسدون و فسدت الأرض و بطلت منافعها و تعطّلت مصالحها من الحرث و النّسل،و سائر ما يعمر الأرض.

و قيل:و لو لا أنّ اللّه ينصر المسلمين على الكفّار لفسدت الأرض بعبث الكفّار فيها و قتل المسلمين،أو لو لم يدفعهم بهم لعمّ الكفر و نزلت السّخطة،فاستوصل أهل الأرض.(1:382)

نحوه البروسويّ.(1:392)

أبو حيّان :أسند الفساد إلى الأرض حقيقة بالخراب و تعطيل المنافع،أو مجازا و المراد أهلها.

(2:270)

الآلوسيّ: بطلت منافعها و تعطّلت مصالحها من الحرث و النّسل،و سائر ما يصلح الأرض و يعمرها.

و قيل:هو كناية عن فساد أهلها و عموم الشّرّ فيهم.

و في هذا تنبيه على فضيلة الملك،و أنّه لولاه ما استتبّ أمر العالم،و لهذا قيل:الدّين و الملك توأمان، ففي ارتفاع أحدهما ارتفاع الآخر،لأنّ الدّين أسّ و الملك حارس،و ما لا أسّ له فمهدوم و ما لا حارس له فضائع.(2:174)

الطّباطبائيّ: من المعلوم أنّ المراد بفساد الأرض فساد من على الأرض،أي فساد الاجتماع الإنسانيّ،و لو استتبع فساد الاجتماع فسادا في أديم الأرض فإنّما هو داخل في الغرض بالتّبع لا بالذّات،و هذه حقيقة من الحقائق العلميّة ينبّه لها القرآن.[ثمّ بيّن كيفيّة الفساد في الاجتماع الإنسانيّ فراجع و لاحظ(ف س د) «فساد»](2:293)

7- وَ قَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً. الإسراء:4

البغويّ:المراد ب(الأرض)أرض الشّام و بيت المقدس.(4:117)

مثله البروسويّ(5:131)،و القرطبيّ(10:

214)،و الخازن(4:117).

الفخر الرّازيّ: يعني أرض مصر.(20:155)

ص: 126

الآلوسيّ: المراد ب(الأرض)الجنس،أو أرض الشّام و بيت المقدس.(15:16)

الطّباطبائيّ: هي أرض فلسطين.(13:39)

8- وَ كانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَ لا يُصْلِحُونَ. النّمل:48

البروسويّ: في أرض الحجر بالمعاصي.

و في«الإرشاد»[لأبي السّعود]في الأرض لا في المدينة فقط،و هو بعيد لأنّ(الأرض)في نظائر هذه القصّة إنّما حملت على أرض معهودة هي أرض كلّ قبيلة و قوم،لا على الأرض مطلقا.(6:356)

نحوه الآلوسيّ.(19:212)

9- ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ.

المائدة:32

الآلوسيّ: ذكر(الأرض)مع أنّ الإسراف لا يكون إلاّ فيها للإيذان بأنّ إسراف ذلك الكثير ليس أمرا مخصوصا بهم،بل انتشر شرّه في الأرض و سرى إلى غيرهم.(6:118)

10- ...وَ ما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ.

التّوبة:74

الرّازيّ: فإن قيل:قوله تعالى: وَ ما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ... لم خصّ الأرض بالنّفي مع أنّ المنافقين ليس لهم وليّ و لا نصير من عذاب اللّه في الأرض و لا في السّماء،في الدّنيا و لا في الآخرة؟

قلنا:لمّا كان المنافقون لا يعتقدون الوحدانيّة و لا يصدّقون بالآخرة،كان اعتقادهم وجود الوليّ و النّصير مقصورا على الدّنيا،فعبّر عن الدّنيا بالأرض و خصّها بالذّكر لذلك.

الثّاني:أنّه أراد ب(الأرض)أرض الدّنيا و الآخرة فكأنّه قال:و ما لهم في الدّنيا و الآخرة من وليّ و لا نصير.

(121)

الآلوسيّ: أي في الدّنيا،و التّعبير بذلك للتّعميم، أي ما لهم في جميع بقاعها و سائر أقطارها من وليّ و لا نصير.(10:140)

11- أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ...

هود:20

الشّريف المرتضى: إن سأل سائل،فقال:أيّ معنى الاختصاص (1)(الارض)بالذّكر،و هم لا يفوتون اللّه تعالى و لا يعجزونه،و لا يخرجون عن قبضته على كلّ حال و في كلّ مكان؟

و لم نفى الأولياء عنهم،و قد نجد أهل الكفر يتولّى بعضهم بعضا و ينصرونهم و يحمونهم من المكاره؟و كيف نفى استطاعتهم للسّمع و الإبصار،و أكثرهم قد كان يسمع بأذنه و يرى بعينه؟

الجواب:قلنا:أمّا الوجه في اختصاص الذّكر ب(الأرض)،فلأنّ عادة العرب جارية بقولهم للمتوعّد:

لا مهرب لك منّي،و لا وزر،و لا نفق-و الوزر:الجبل، و النّفق:السّرب-و كلّ ذلك ممّا يلجأ إليه الخائف المطلوب،فكأنّه تعالى نفى أن يكون لهؤلاء الكفّار عاصم منه،و مانع من عذابه،و أنّ جبال الأرضص.

ص: 127


1- كذا و الصّحيح لاختصاص.

و سهولها لا تحجز بينهم و بين ما يريد إيقاعه بهم،كما أنّها تحجز عن كثير من أفعال البشر،لأنّ معاقل الأرض هي الّتي يهرب إليها البشر من المكاره،و يلجئون إلى الاعتصام بها عند المخاوف.فإذا نفى تعالى أن يكون لهم في الأرض معقل فقد نفى المعقل من كلّ وجه.

(1:550)

12- قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. الحجر:39

الآلوسيّ: أي هذا الجرم المدحوّ،و كأنّ اللّعين أشار بذلك إلى أنّي أقدر على الاحتيال لآدم،و التّزيين له الأكل من الشّجرة في السّماء،فأنا على التّزيين لذرّيّته في الأرض أقدر.

و يجوز أنّه أراد ب(الأرض)الدّنيا،لأنّها محلّ متاعها و دارها.و ذكر بعضهم أنّ هذا المعنى عرفيّ للأرض، و أنّها إنّما ذكرت بهذا اللّفظ تحقيرا لها.و لعلّ التّقييد على ما قيل للإشارة إلى أنّ للتّزيين محلاّ يقوى قبوله،أي لأزيّننّ لهم المعاصي في الدّنيا الّتي هي دار الغرور.و جوّز أن يكون يراد بها هذا المعنى و ينزّل الفعل منزلة اللاّزم ثمّ يعدّى ب«في»و في ذلك دلالة على أنّها مستقرّ التّزيين و أنّه تمكّن المظروف في ظرفه.[ثمّ استشهد بشعر]

(14:49)

13- وَ أَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللّهَ فِي الْأَرْضِ وَ لَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً. الجنّ:12

الآلوسيّ: فائدة ذكر(الارض)تصوير أنّها مع هذه البسطة و العراضة ليس فيها منجى منه تعالى و لا مهرب،لشدّة قدرته سبحانه،و زيادة تمكّنه جلّ و علا.

و قيل:فائدة ذكر(الأرض)تصوير تمكّنهم عليها و غاية بعدها عن محلّ استوائه سبحانه و تعالى،و ليس بذاك.(29:88)

14- وَ إِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ...

الإسراء:76

مجاهد: هي مكّة.

مثله قتادة.(الطّوسيّ 6:508)

مثله البروسويّ(5:190)،و الآلوسيّ(15:

129)،و الطّباطبائيّ(13:174).

الطّبريّ: اختلف أهل التّأويل في الّذين كادوا أن يستفزّوا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ليخرجوه من الأرض و في الأرض الّتي أرادوا أن يخرجوه منها،فقال بعضهم:

الّذين كادوا أن يستفزّوا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من ذلك اليهود، و الأرض الّتي أرادوا أن يخرجوه منها المدينة.

و قال آخرون:بل كان القوم الّذين فعلوا ذلك قريشا،و الأرض مكّة.

و أولى القولين في ذلك عندي بالصّواب قول قتادة و مجاهد،و ذلك أنّ قوله: وَ إِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ...

في سياق خبر اللّه عزّ و جلّ عن قريش،و ذكره إيّاهم و لم يجر لليهود قبل ذلك ذكر،فيوجّه قوله: وَ إِنْ كادُوا إلى أنّه خبر عنهم،فهو بأن يكون خبرا عمّن جرى له ذكر أولى من غيره.(15:132)

الفارسيّ: همّوا بأن يخرجوه من أرض العرب لا من مكّة فقط؛إذ قد أخرجوه من مكّة.

(الطّوسي 6:508)

ص: 128

الطّوسيّ: قال المعتمر بن أبي سليمان عن أبيه:

الأرض الّتي أرادوا استزلاله منها،هي أرض المدينة، لأنّ اليهود قالت له:هذه الأرض ليست أرض الأنبياء و إنّما أرض الأنبياء الشّام.(6:508)

الفخر الرّازيّ: في هذه الآية قولان:

الأوّل:قال قتادة:هم أهل مكّة،همّوا بإخراج النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم من مكّة،و لو فعلوا ذلك ما أمهلوا،و لكنّ اللّه منعهم من إخراجه،حتّى أمره اللّه بالخروج.

و القول الثّاني:قال ابن عبّاس:إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لمّا هاجر إلى المدينة حسدته اليهود و كرهوا قربه منهم، فقالوا:يا أبا القاسم،إنّ الأنبياء إنّما بعثوا بالشّام و هي بلاد مقدّسة و كانت مسكن إبراهيم،فلو خرجت إلى الشّام آمنّا بك و اتّبعناك.

فالقول الأوّل اختيار الزّجّاج و هو الوجه،لأنّ السّورة مكّيّة،فإن صحّ القول الثّاني كانت الآية مدنيّة.

و الأرض في قوله: لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ على القول الأوّل مكّة،و على القول الثّاني المدينة.و كثر في التّنزيل ذكر(الأرض)و المراد منها مكان مخصوص، كقوله: أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ... المائدة:33،يعني من مواضعهم،و قوله: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ يوسف:

80،يعني الأرض الّتي كان قصدها لطلب الميرة.

فإن قيل:قال اللّه تعالى: وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ... محمّد:13، يعني مكّة و المراد أهلها،فذكر أنّهم أخرجوه،و قال في هذه الآية: وَ إِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها... الإسراء:76،فكيف الجمع بينهما على قول من قال:(الأرض)في هذه الآية مكّة؟

قلنا:إنّهم همّوا بإخراجه،و هو عليه السّلام ما خرج بسبب إخراجهم و إنّما خرج بأمر اللّه تعالى،فزال التّناقض.

(21:23)

القرطبيّ: يريد أرض مكّة،كقوله: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ يوسف:80،أي أرض مصر،دليله:

وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ... محمّد:13،يعني مكّة.(10:301)

15- يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَما ذا تَأْمُرُونَ.

الأعراف:110

الطّبريّ: أرض مصر.(9:16)

مثله الآلوسيّ.(9:21)

الطّوسيّ: بإزالة ملككم بتقوية أعدائكم عليكم.

و قوله تعالى: مِنْ أَرْضِكُمْ فالأرض:المستقرّ الّذي يمكن الحيوان التّصرّف فيه عليه،و جملة الأرض الّتي جعلها اللّه قرارا للعباد،فإذا أضيفت فقيل:أرض بني فلان،فمعناه مستقرّهم خاصّة.(4:525)

الطّبرسيّ: يخرجكم من بلدتكم.(2:460)

16- اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ... يوسف:9

الطّبريّ: اقتلوا يوسف أو اطرحوه في أرض من الأرض،يعنون:مكانا من الأرض.(12:155)

الميبديّ:يعني أبعدوه عن أرض أبيه إلى أرض بعيدة عنه،و تقديره:في أرض،فحذف الجارّ،و تعدّى

ص: 129

الفعل إليه.(5:16)

الزّمخشريّ: أرضا منكورة مجهولة بعيدة من العمران،و هو معنى تنكيرها و إخلائها من الوصف، و لإبهامها من هذا الوجه نصبت نصب الظّروف المبهمة.

(2:305)

الطّبرسيّ: أي اطرحوه في أرض بعيدة عن أبيه فلا يهتدي إليه.

و قيل:معناه في أرض تأكله السّباع،أو يهلك بغير ذلك.(3:212)

القرطبيّ: أي في أرض،فأسقط الخافض و انتصب الأرض.[ثمّ استشهد بشعر]

و المعنى أرضا تبعد عن أبيه،فلا بدّ من هذا الإضمار، لأنّه كان عند أبيه في أرض.(9:131)

أبو حيّان: انتصب(أرضا)على إسقاط حرف الجرّ،قاله الحوفيّ و ابن عطيّة،أي في أرض بعيدة من الأرض الّتي هو فيها،قريب من أرض يعقوب.

و قيل:مفعول ثان على تضمين(اطرحوه)معنى أنزلوه،كما تقول:أنزلت زيدا الدّار.

و قالت فرقة:ظرف.و اختاره الزّمخشريّ،و تبعه أبو البقاء.[ثمّ ذكر قول الزّمخشريّ:]

و قال ابن عطيّة: و ذلك خطأ بمعنى كونها منصوبة على الظّرف،قال:لأنّ الظّرف ينبغي أن يكون مبهما، و هذه ليست كذلك بل هي أرض مقيّدة،بأنّها بعيدة أو قاصية و نحو ذلك،فزال بذلك إبهامها.و معلوم أنّ يوسف لم يخل من الكون في أرض،فتبيّن أنّهم أرادوا أرضا بعيدة غير الّتي هو فيها،قريب من أبيه،انتهى.

و هذا الرّدّ صحيح،لو قلت:جلست دارا بعيدة،أو قعدت مكانا بعيدا،لم يصحّ إلاّ بوساطة«في»،و لا يجوز حذفها إلاّ في ضرورة شعر،أو مع«دخلت»،على الخلاف في«دخلت»أ هي لازمة أو متعدّية؟(5:283)

مثله الآلوسيّ.(12:191)

البروسويّ: منكورة مجهولة بعيدة من العمران، ليهلك فيها أو يأكله السّباع،و هو معنى تنكيرها و إبهامها،لا أنّ معناه أيّ أرض كانت،لذلك نصبت نصب الظّروف المبهمة،و هي ما ليس له حدود تحصره و لا أقطار تحويه.

و فيه إشارة إلى أنّ التّغريب يساوي القتل،كما في قوله تعالى: وَ لَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا الحشر:3،فسلاطين الزّمان كأنّهم قاتلون العلماء لا سيّما المشايخ منهم،بتغريبهم و إقصائهم إلى البلاد البعيدة،و تفريقهم من أولادهم و اتباعهم؛و ذلك لكونه من غير سبب موجب غالبا.أصلحنا اللّه تعالى و إيّاهم.(4:219)

القاسميّ: تنكير(أرضا)،و إخلاؤها من الوصف للإبهام،أي في أرض مجهولة لا يعرفها الأب،و لا يمكن ليوسف أن يعرف طريق الوصول إليه.(9:3514)

رشيد رضا :أي اقتلوه قتلا لا مطمع بعده و لا أمل في لقائه،أو انبذوه كالشّيء اللّقى الّذي لا قيمة له في أرض مجهولة،بعيدة عن مساكننا أو عن العمران،بحيث لا يهتدي إلى العودة إلى أبيه سبيلا،إن هو سلم فيها من الهلاك.(12:261)

الطّباطبائيّ: حكاية رأيهم الثّاني فيه،و المعنى

ص: 130

صيّروه أو غيّبوه في أرض لا يقدر معه على العود إلى بيت أبيه،فيكون كالمقتول ينقطع أثره و يستراح من خطره،كإلقائه في بئر أو تغريبه إلى مكان ناء،و نظير ذلك.

و الدّليل عليه تنكير«أرض»و لفظ«الطّرح»الّذي يستعمل في إلقاء الإنسان المتاع أو الأثاث الّذي يستغني عنه و لا ينتفع به،للإعراض عنه.(11:95)

فساد السّماوات و الأرض

1- وَ لَوْ لا دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَ لكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ. البقرة:251

النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله: لو لا عباد للّه ركّع و صبيان رضّع و بهائم رتّع،لصبّ عليكم العذاب صبّا.(العروسيّ 1:253)

الإمام عليّ عليه السّلام: يدفع اللّه بالبرّ عن الفاجر، الهلاك.(الطّبرسيّ 1:357)

مثله الإمام الباقر(الطّوسيّ 1:301)،و قتادة (الطّبرسيّ 1:357).

ابن عبّاس: لو لا دفع اللّه بجنود المسلمين الكفّار و معرّتهم لغلبوا و خرّبوا البلاد.

مثله مجاهد.(الطّبرسيّ 1:357)

و نحوه مقاتل.(ابن الجوزيّ 1:300).

مجاهد:لو لا دفع اللّه بالبارّ عن الفاجر،و دفعه ببقيّة أخلاف النّاس بعضهم عن بعض،لفسدت الأرض بهلاك أهلها.(الطّبريّ 2:633)

لو لا أن يدفع اللّه بمن أطاعه عمّن عصاه،كما دفع عن المتخلّفين عن طالوت بمن أطاعه،لهلك العصاة بسرعة العقوبة.(ابن الجوزيّ 1:300)

الحسن:ما يزع اللّه بالسّلطان أكثر ممّا يزع بالقرآن؛ لأنّ من يمتنع عن الفساد لخوف السّلطان أكثر ممّن يمتنع منه،لأجل الوعد و الوعيد الّذي في القرآن.

(الطّبرسيّ 1:357)

مثله البلخيّ.(الطّوسيّ 1:301)

الرّبيع: لهلك من في الأرض.(الطّبريّ 2:633)

نحوه ابن الجوزيّ.(1:300)

الإمام الصّادق عليه السّلام: إنّ اللّه ليدفع بمن يصلّي من شيعتنا عمّن لا يصلّي من شيعتنا،و لو أجمعوا على ترك الصّلاة لهلكوا،و إنّ اللّه ليدفع بمن يزكّي من شيعتنا عمّن لا يزكّي،و لو أجمعوا على ترك الزّكاة،لهلكوا،و إنّ اللّه ليدفع بمن يحجّ من شيعتنا عمّن لا يحجّ،و لو أجمعوا على ترك الحجّ لهلكوا،و هو قول اللّه عزّ و جلّ: وَ لَوْ لا دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَ لكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ فو اللّه ما نزلت إلاّ فيكم و لا عنى بها غيركم(الكلينيّ 2:451)

الماورديّ: فيه وجهان:أحدهما:لفسد أهل الأرض،و الثّاني:لعمّ الفساد في الأرض.

و في هذا الفساد وجهان:أحدهما الكفر.و الثّاني:

القتل.(1:321)

الطّوسيّ: يدفع باللّطف للمؤمن و الرّعب في قلب الفاجر،أن يعمّ الأرض الفساد.(1:301)

القشيريّ: لو تظاهر الخلق و توافقوا بأجمعهم لهلك المستضعفون لغلبة الأقوياء،و لكن شغل بعضهم ببعض، ليدفع بتشاغلهم شرّهم عن قوم.(1:270)

الزّمخشريّ: و لو لا أن يدفع بعض النّاس ببعض

ص: 131

و يكفّ بهم فسادهم،لغلب المفسدون و فسدت الأرض و بطلت منافعها و تعطّلت مصالحها،من الحرث و النّسل و سائر ما يعمر الأرض.

و قيل:لو لا أنّ اللّه ينصر المسلمين على الكفّار، لفسدت الأرض بعبث الكفّار فيها و قتل المسلمين،أو لم يدفع بهم لعمّ الكفر و نزلت السّخطة فاستؤصل أهل الأرض.(1:382)

نحوه البروسويّ(2:392)

ابن عطيّة: أخبر اللّه تعالى في هذه الآية،لو لا دفعه بالمؤمنين في صدور الكفرة على مرّ الدّهر لفسدت الأرض،لأنّ الكفر كان يطبقها و يتمادى في جميع أقطارها،و لكنّه تعالى لا يخلي الزّمان من قائم بحقّ وداع إلى اللّه و مقاتل عليه،إلى أن جعل ذلك في أمّة محمّد صلى اللّه عليه و سلم إلى قيام السّاعة،له الحمد كثيرا.

قال مكّيّ:و أكثر المفسّرين على أنّ المعنى:لو لا أن يدفع بمن يصلّي عمّن لا يصلّي و بمن يتّقي عمّن لا يتّقي لأهلك النّاس بذنوبهم.

و ليس هذا معنى الآية و لا هي منه في ورد و لا صدر، و الحديث الّذي رواه ابن عمر صحيح و ما ذكر مكّيّ من احتجاج ابن عمر عليه بالآية لا يصحّ عندي لأنّ ابن عمر من الفصحاء.(1:337)

الفخر الرّازيّ[لاحظ«د ف ع»](6: 204)

النّيسابوريّ: يعني أرباب الطّلب بالمشايخ البالغين الواصلين الهادين المهتدين،كما قال: وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ الرّعد:7،لفسدت أرض استعداداتهم،المخلوقة في أحسن التّقويم،عن استيلاء جالوت النّفس بتبديل أخلاقها و تكدير صفائها.(2:322)

أبو حيّان: بقتل المؤمنين و تخريب البلاد و المساجد، قال معناه ابن عبّاس و جماعة من المفسّرين

و الّذي يظهر أنّ المدفوع بهم،هم المؤمنون و لو لا ذلك لفسدت الأرض،لأنّ الكفر كان يطبقها و يتمادى في جميع أقطارها و لكنّه تعالى لا يخلي زمانا من قائم يقوم بالحقّ و يدعو إلى اللّه تعالى إلى أن جعل ذلك في أمّة محمّد صلى اللّه عليه و سلم.(2:269)

الآلوسيّ: لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ و بطلت منافعها و تعطّلت مصالحها من الحرث و النّسل و سائر ما يصلح الأرض و يعمرها،و قيل:هو كناية عن فساد أهلها و عموم الشّرّ فيهم.

و في هذا تنبيه على فضيلة الملك و أنّه لولاه لما استتبّ أمر العالم،و لهذا قيل:الدّين و الملك توأمان،ففي ارتفاع أحدهما ارتفاع الآخر لأنّ الدّين أسّ و الملك حارس،و ما لا اسّ له فمهدوم و ما لا حارس له فضائع.(2:174)

الطّباطبائيّ:[ لاحظ«د ف ع»](295)

2- لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا...

الأنبياء:22

راجع أل ه:«آلهة»

3- وَ لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ. المؤمنون:71

القمّيّ:فساد السّماء إذا لم تمطر،و فساد الأرض إذا لم تنبت،و فساد النّاس في ذلك.(2:92)

ص: 132

الطّوسيّ:إنّ الحقّ لمّا كان يدعو إلى الأفعال الحسنة،و الأهواء تدعوا إلى الأفعال القبيحة،فلو اتّبع الحقّ داعي الهوى لدعاه إلى قبيح الأعمال و إلى ما فيه الفساد و الاختلاط،و لو جرى الأمر على ذلك لفسدت السّماوات و الأرض و من فيهنّ.

و وجه فساد العالم بذلك:أنّه يوجب بطلان الأدلّة و امتناع الثّقة بالمدلول عليه،و أنّه لا يؤمن وقوع الظّلم، الّذي لا ينصف منه،و تختلط الأمور أقبح الاختلاط، و لا يوثق بوعد و لا وعيد،و لا يؤمن انقلاب عدل الحكيم، و هذا معنى عجيب.

و قال قوم من المفسّرين:إنّ الحقّ-في الآية-هو اللّه،و التّقدير:لو اتّبع الحقّ،أعني اللّه أهواء هؤلاء الكفّار، و فعل ما يريدونه لفسدت السّماوات و الأرض.

و قال الجبّائيّ:المعنى لو اتّبع الحقّ-الّذي هو التّوحيد-أهواءهم في الإشراك معه معبودا سواه،لوجب أن يكون ذلك المعبود مثلا له،و لصحّ بينهما الممانعة، فيؤدّي ذلك إلى الفساد كما قال تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا (7:382)

نحوه الطّبرسيّ(4:112)،و الميبديّ(6:454).

الزّمخشريّ: دلّ بهذا على عظم شأن الحقّ و أنّ السّماوات و الأرض ما قامت و لا من فيهنّ إلاّ به،فلو اتّبع أهواءهم لانقلب باطلا،و لذهب ما يقوم به العالم،فلا يبقى بعده له قوام.أو أراد أنّ الحقّ الّذي جاء به محمّد صلى اللّه عليه و سلم هو الإسلام،و لو اتّبع أهواءهم و انقلب شركا لجاء اللّه بالقيامة،و لأهلك العالم و لم يؤخّر.(3:37)

الفخر الرّازيّ: في تفسيره وجوه:

الأوّل:أنّ القوم كانوا يرون أنّ الحقّ في اتّخاذ آلهة مع اللّه تعالى.لكن لو صحّ ذلك لوقع الفساد في السّماوات و الأرض على ما قرّرنا في قوله: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا الأنبياء:22.

الثّاني:أنّ أهواءهم في عبادة الأوثان و تكذيب محمّد صلى اللّه عليه و سلم،هما منشأ المفسدة،و الحقّ هو الإسلام،فلو اتّبع الإسلام قولهم لعلم اللّه حصول المفاسد عند بقاء هذا العالم و ذلك يقتضي تخريب العالم و إفناءه.

الثّالث:أنّ آراءهم كانت متناقضة فلو اتّبع الحقّ أهواءهم لوقع التّناقض و لاختلّ نظام العالم.

(23:112)

نحوه النّيسابوريّ.(18:30)

أبو السّعود: خرجت عن الصّلاح و النّظام بالكلّيّة،لأنّ مناط النّظام ليس إلاّ ذلك،و فيه تنويه شأن الحقّ و التّنبيه على سموّ مكانه ما لا يخفى و أمّا ما قيل:

لو اتّبع الحقّ الّذي جاء به عليه السّلام أهواءهم و انقلب شركا لجاء اللّه تعالى بالقيامة و لأهلك العالم و لم يؤخّر،ففيه أنّه لا يلائم فرض مجيئه عليه السّلام به.و كذا ما قيل:لو كان في الواقع،إلهان لا يناسب المقام.

و أمّا ما قيل:لو اتّبع الحقّ أهواءهم،لخرج عن الإلهيّة،فممّا لا احتمال فيه أصلا.(4:38)

البروسويّ: [قال نحو أبي السّعود و أضاف:]

قال بعضهم:لو لا أنّ اللّه أمر بمخالفة النّفوس و مباينتها لاتّبع الخلق أهواءهم و شهواتهم،و لو فعلوا ذلك لضلّوا عن طريق العبوديّة و تركوا أوامر اللّه تعالى و أعرضوا عن طاعته و لزموا مخالفته،و الهوى يهوي

ص: 133

بمتابعيه إلى الهاوية.(6:95)

الآلوسيّ: أي لخرّب اللّه تعالى العالم و قامت القيامة،لفرط غضبه سبحانه و هو فرض محال من تبديله عليه الصّلاة و السّلام ما أرسل به من عنده.

و جوّز أن يكون المراد بالحقّ الأمر المطابق للواقع في شأن الألوهيّة،و الاتّباع مجاز عن الموافقة أي لو وافق الأمر المطابق للواقع أهواءهم بأن كان الشّرك حقّا، لفسدت السّماوات و الأرض حسبما قرّر في قوله تعالى:

لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا الأنبياء:22، و لعلّ الكلام عليه اعتراض للإشارة إلى أنّهم كرهوا شيئا لا يمكن خلافه أصلا،فلا فائدة لهم في هذه الكراهة.

و اعترض عليه بأنّه لا يناسب المقام،و فيه بحث، و كذا ما قيل:إنّ ما يوافق أهواءهم هو الشّرك في الألوهيّة لأنّ قريشا كانوا و ثنيّة،و هو لا يستلزم الفساد،و الّذي يستلزمه إنّما هو الشّرك في الرّبوبيّة،كما تزعمه الثّنويّة،و هم لم يكونوا كذلك كما ينبئ عنه قوله تعالى: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ الزّمر:38.

و جوّز أن يكون المعنى:لو وافق الحقّ مطلقا أهواءهم لخرجت السّماوات و الأرض عن الصّلاح و الانتظام بالكلّيّة،و الكلام استطراد لتعظيم شأن الحقّ بأنّ السّماوات و الأرض ما قامت و لا من فيهنّ إلاّ به، و لا يخلو عن حسن.(18:52)

الطّباطبائيّ:[ لاحظ«ه و ي»](15:46)

الانتشار في الأرض

فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ...

الجمعة:10

العامليّ: يعني ب(الأرض)الأوصياء،أمر اللّه بطاعتهم و ولايتهم كما أمر بطاعة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و أمير المؤمنين عليه السّلام.كنّى اللّه في ذلك عن أسمائهم فسمّاهم بالأرض.(75)

الميلانيّ: وجه التّصريح بقوله: فِي الْأَرْضِ -مع أنّه لازم الانتشار-تأكيدا للكلام بالمطابقة بعد الالتزام،و أنّ الغرض ليس تفرّق بعضهم عن بعض كما في قوله تعالى: فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا... الأحزاب:

53،فإنّ الغرض في هذا المقام تفرّق بعضهم عن بعض بالخروج من عند النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله،بل الغرض فيما نحن فيه اكتساب المعيشة.(تفسير سورتي الجمعة و التّغابن:85)

نقص الأرض

1- أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها... الرّعد:41

ابن عبّاس: أ و لم يروا أنّا نفتح لمحمّد الأرض بعد الأرض.(الطّبريّ 13:172)

يعني بذلك ما فتح اللّه على محمّد فذلك نقصانها.(الطّبريّ 13:172)

قال:أ و لم يروا إلى القرية تخرب حتّى يكون العمران في ناحية.(الطّبريّ 13:173)

نقصان أهلها و بركتها.(الطّبريّ 13:172)

ذهاب علمائها و فقهائها و خيار أهلها.

(الطّبريّ 13:174)

مثله عطاء.(أبو حيّان 5:400)

ص: 134

أ و لم ير هؤلاء الكفّار أنّا ننقص أطراف الأرض بإماتة أهلها.(الطّبرسيّ 3:300)

الشّعبيّ: لو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حشّك،و لكن تنقص الأنفس و الثّمرات.

(الطّبريّ 13:173)

مجاهد: خرابها.(الطّبريّ 13:173)

في الأنفس و في الثّمرات،و في خراب الأرض.

(الطّبريّ 13:173)

موت أهلها.(الطّبريّ 13:174)

موت العلماء.(الطّبريّ 13:174)

عكرمة:نخرب من أطرافها.(الطّبريّ 13:173)

هو الموت،لو كانت الأرض تنقص لم نجد مكانا نجلس فيه.(الطّبريّ 13:174)

هو قبض النّاس.(الطّبريّ 13:174)

لو كان كما يقولون لما وجد أحدكم جبّا يخرأ فيه.

(الطّبريّ 13:174)

الضّحّاك: ما تغلّبت عليه من أرض العدوّ.

(الطّبريّ 13:173)

يعني أنّ نبيّ اللّه صلى اللّه عليه و سلم كان ينتقص له ما حوله من الأرضين،ينظرون إلى ذلك فلا يعتبرون،قال اللّه في سورة الأنبياء: نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ الأنبياء:44،بل نبيّ اللّه صلى اللّه عليه و سلم و أصحابه هم الغالبون.(الطّبريّ 13:173)

الحسن: هو ظهور المسلمين على المشركين.

(الطّبريّ 13:173)

إنّ المراد نقصد الأرض نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها بالفتوح على المسلمين.

مثله الضّحّاك،و مقاتل.(الطّبرسيّ 3:300)

ابن جريج: خرابها و هلاك النّاس.

(الطّبريّ 13:173)

الجبّائيّ: إنّ معناه أ و لم يروا ما يحدث في الدّنيا من الخراب بعد العمارة،و الموت بعد الحياة،و النّقصان بعد الزّيادة؟!(الطّبرسيّ 3:300)

الطّبريّ: اختلف أهل التّأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم:معناه أ و لم ير هؤلاء المشركون من أهل مكّة،الّذين يسألون محمّدا الآيات أنّا نأتي الأرض، فنفتحها له أرضا بعد أرض حوالي أرضهم،أ فلا يخافون أن نفتح له أرضهم كما فتحنا له غيرها؟!

و قال آخرون:بل معناه أ و لم يروا أنّا نأتي الأرض فنخربها،أو لا يخافون أن نفعل بهم و بأرضهم مثل ذلك، فنهلكهم،و نخرب أرضهم؟!

و قال آخرون:بل معناه:ننقص من بركتها و ثمرتها و أهلها،بالموت.

و قال آخرون:معناه أنّا نأتي الأرض ننقصها من أهلها،فنتطرّفهم بأخذهم بالموت.

و قال آخرون: نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها بذهاب فقهائها و خيارها.

و أولى الأقوال في تأويل ذلك بالصّواب قول من قال: نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها بظهور المسلمين من أصحاب محمّد صلى اللّه عليه و سلم عليها،و قهرهم أهلها،أ فلا يعتبرون بذلك،فيخافون ظهورهم على أرضهم و قهرهم إيّاهم؟!

و ذلك أنّ اللّه توعّد الّذين سألوا رسوله الآيات من

ص: 135

مشركي قومه بقوله: وَ إِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَ عَلَيْنَا الْحِسابُ الرّعد:40،ثمّ وبّخهم تعالى ذكره بسوء اعتبارهم،بما يعاينون من فعل اللّه بضربائهم من الكفّار، و هم مع ذلك يسألون الآيات،فقال: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها بقهر أهلها،و الغلبة عليها،من أطرافها و جوانبها،و هم لا يعتبرون بما يرون من ذلك.(13:174،175)

الطّوسيّ: يقول اللّه تعالى لهؤلاء الكفّار على وجه التّنبيه لهم على الاعتبار بأفعال اللّه:أ و ما يرون أنّا ننقص الأرض من أطرافها؟!

و قيل في معناه أربعة أقوال:

[فحكى قول ابن عبّاس،و الحسن،و الضّحّاك، و مجاهد إلى أن قال:]

و النّقص أخذ الشّيء من الجملة،و في فلان نقص، أي نقص منزلة عن منزلة عظيمة في المقدور أو المعلوم، و الثّاني للأمور.(6:265)

الزّمخشريّ: أرض الكفر نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها بما نفتح على المسلمين من بلادهم،فننقص دار الحرب و نزيد في دار الإسلام؛و ذلك من آيات النّصرة و الغلبة،و نحوه: أَ فَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ الأنبياء:44، سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ فصّلت:53.(2:363)

الطّبرسيّ: أي نقصدها.

و اختلف في معناه على أقوال:

أحدها:أو لم ير هؤلاء الكفّار أنّا ننقص أطراف الأرض بإماتة أهلها،و مجازه:ننقص أهلها من أطرافها، كقوله: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ أي أ فلا يخافون أن نفعل مثل ذلك بهم،عن ابن عبّاس،و قتادة،و عكرمة.

و ثانيها:ننقصها بذهاب علمائها و فقهائها و خيار أهلها،عن عطاء،و مجاهد،و البلخيّ.و روي نحو ذلك عن ابن عبّاس،و سعيد بن جبير.و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام،قال عبد اللّه بن مسعود:موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدّها شيء ما اختلف اللّيل و النّهار.

و ثالثها:أنّ المراد نقصد الأرض نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها بالفتوح على المسلمين،معناه فننقص من أهل الكفر و نزيد في المسلمين،يعني ما دخل في الإسلام من بلاد الشّرك،عن الحسن،و الضّحّاك،و مقاتل.قال الضّحّاك:أ و لم ير أهل مكّة أنّا نفتح لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله ما حولها من القرى.و قال الزّجّاج:علم اللّه تعالى أنّ بيان ما وعد المشركون من قهرهم قد ظهر،أي أ فلا يخافون أن نفتح لمحمّد أرضهم كما فتحنا له غيرها.و قد روي ذلك أيضا عن ابن عبّاس.قال القاضيّ:و هذا القول أصحّ،لأنّه يتّصل بما وعده من إظهار دينه و نصرته.

و رابعها:أنّ معناه أ و لم يروا ما يحدث في الدّنيا من الخراب بعد العمارة،و الموت بعد الحياة،و النّقصان بعد الزّيادة؟!عن الجبّائيّ.(3:300)

الفخر الرّازيّ: فيه أقوال:

القول الأوّل:المراد أنّا نأتي أرض الكفرة ننقصها من أطرافها؛و ذلك لأنّ المسلمين يستولون على أطراف مكّة و يأخذونها من الكفرة قهرا و جبرا،فانتقاص أحوال الكفرة و ازدياد قوّة المسلمين من أقوى العلامات

ص: 136

و الأمارات،على أنّ اللّه تعالى ينجز وعده.و نظيره قوله تعالى: أَ فَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ الأنبياء:44،و قوله: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ فصّلت:53.

و القول الثّاني:عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما أنّ قوله: نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها المراد موت أشرافها و كبرائها و علمائها و ذهاب الصّلحاء و الأخيار.

و قال الواحديّ:و هذا القول و إن احتمله اللّفظ إلاّ أنّ اللاّئق بهذا الموضع هو الوجه الأوّل.

و يمكن أن يقال:هذا الوجه أيضا لا يليق بهذا الموضع،و تقريره أن يقال:أ و لم يروا ما يحدث في الدّنيا من الاختلافات خراب بعد عمارة،و موت بعد حياة، و ذلّ بعد عزّ،و نقص بعد كمال.و إذا كانت هذه التّغييرات مشاهدة محسوسة فما الّذي يؤمنهم من أن يقلب اللّه الأمر على هؤلاء الكفرة،فيجعلهم ذليلين بعد أن كانوا عزيزين،و يجعلهم مقهورين بعد أن كانوا قاهرين.و على هذا الوجه فيحسن اتّصال هذا الكلام بما قبله.

و قيل: نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها بموت أهلها و تخريب ديارهم و بلادهم.

فهؤلاء الكفرة كيف أمنوا من أن يحدث فيهم أمثال هذه الوقائع؟(19:67)

القرطبيّ: قيل:المراد به هلاك من هلك من الأمم قبل قريش،و هلاك أرضهم بعدهم،و المعنى أ و لم تر قريش هلاك من قبلهم و خراب أرضهم بعدهم،أ فلا يخافون أن يحلّ بهم مثل ذلك؟!

و قيل:نقصها بجور ولاتها.

قلت:و هذا صحيح معنى؛فإنّ الجور و الظّلم يخرب البلاد بقتل أهلها و انجلائهم عنها،و ترفع من الأرض البركة،و اللّه أعلم.(9:334)

أبو حيّان: (الارض):أرض الكفّار المذكورين، و يعني بنقصها من أطرافها:للمسلمين من جوانبها.كان المسلمون يغزون من حوالي أرض الكفّار ممّا يلي المدينة،و يغلبون على جوانب أرض مكّة.

و الأطراف:الجوانب.و قيل:الطّرف من كلّ شيء خياره،و منه قول عليّ بن أبي طالب:«العلوم أودية،في أيّ واد أخذت منها خسرت،فخذوا من كلّ شيء طرفا»يعني خيارا،قاله ابن عطيّة.و الّذي يظهر أنّ معنى«طرفا»جانبا و بعضا،كأنّه أشار إلى أنّ الإنسان يكون مشاركا في أطراف من العلوم،لأنّه لا يمكنه استيعاب جميعها.و لم يشر إلى أنّه يستغرق زمانه في علم واحد.

و قال ابن عبّاس،و الضّحّاك: نأتي أرض هؤلاء بالفتح عليك،فننقصها بما يدخل في دينك من القبائل و البلاد المجاورة لهم،فما يؤمنهم أن يمكّنه منهم.و هذا التّفسير لا يتأتّى إلاّ أن قدّر نزول هذه الآية بالمدينة.

و قيل:(الارض)اسم جنس،و الانتقاص من الأطراف:بتخريب العمران الّذي يحلّه اللّه بالكفرة.

و روي هذا عن ابن عبّاس أيضا و مجاهد.

و عنهما أيضا:الانتقاص هو بموت البشر و هلاك الثّمرات و نقص البركة.و عن ابن عبّاس أيضا:موت

ص: 137

أشرافها و كبرائها و ذهاب الصّلحاء و الأخيار،فعلى هذا الأطراف هنا:الأشراف.

و قال ابن الأعرابيّ: الطّرف و الطّرف:الرّجل الكريم.

و عن عطاء بن أبي رباح: ذهاب فقهائها و خيار أهلها.

و عن مجاهد: موت الفقهاء و العلماء.

و قال عكرمة و الشّعبيّ: هو نقص الأنفس.

و قيل: هلاك من أهلك من الأمم قبل قريش، و هلاك أرضهم بعدهم.

و المناسب من هذه الأقوال هو الأوّل.

و لم يذكر الزّمخشريّ إلاّ ما هو قريب منه،قال:

(نأتي الارض):أرض الكفر نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها:

بما يفتح على المسلمين من بلادهم،فينقص دار الحرب و يزيد في دار الإسلام؛و ذلك من آيات الغلبة و النّصرة، و نحوه: أَ فَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ الأنبياء:44، سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ فصّلت:53.

و المعنى عليك بالبلاغ الّذي حملته و لا تهتمّ بما وراء ذلك،فنحن نكفيكه،و نتمّ ما وعدناك من الظّفر، و لا يضجرك تأخّره،فإنّ ذلك لما نعلم من المصالح الّتي لا تعلمها،ثمّ طيّب نفسه و نفّس عنها بما ذكر من طلوع تباشير الظّفر.

و يتّجه قول من قال:النّقص بموت الأشراف و العلماء و الخيار،و تقريره:أ و لم يروا أنّا نحدث في الدّنيا من الاختلافات خرابا بعد عمارة و موتا بعد حياة،و ذلاّ بعد عزّ و نقصا بعد كمال،و هذه تغييرات مدركة بالحسّ، فما الّذي يؤمنهم أن يقلب اللّه الأمر عليهم و يصيرون ذليلين بعد أن كانوا قاهرين.

و قرأ الضّحّاك(ننقّصها)مثقّلا من نقّص،عدّاه بالتّضعيف من نقص اللاّزم.(5:400)

البروسويّ: الإشارة: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ البشريّة نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها من أوصافها بالازدياد في أوصاف الرّوحانيّة،و أرض الرّوحانيّة ننقصها من أخلاقها بالتّبديل بالأخلاق الرّبّانيّة،و أرض العبوديّة ننقصها من آثار الخلقيّة بإظهار أنوار الرّبوبيّة.(4:389)

الطّباطبائيّ: كلام مسوق للعبرة بعد ما قدّم إليهم الوعيد بالهلاك،و منه يعلم أنّ إتيان الأرض و نقصها من أطرافها كناية عن نقص أهلها بالإماتة و الإهلاك،فالآية نظيرة قوله: بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَ آباءَهُمْ حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَ فَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ الأنبياء:44.

و قول بعضهم: إنّ المراد به أ و لم ير أهل مكّة أنّا نأتي أرضهم فننقصها من أطرافها بفتح القرى واحدة بعد واحدة للمسلمين،فليخافوا أن نفتح بلدتهم و ننتقم منهم.يدفعه أن السّورة مكّيّة و تلك الفتوحات إنّما كانت تقع بعد الهجرة،على أنّ الآيات بوعيدها ناظرة إلى هلاكهم بغزوة بدر و غيرها لا إلى فتح مكّة.

(11:378)

2- ...أَ فَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ

ص: 138

أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ. الأنبياء:44

ابن عبّاس: ننقصها بفتح البلدان.

مثله مقاتل،و الكلبيّ.(الفخر الرّازيّ 22:175)

يريد نقصان أهلها و بركتها.

(الفخر الرّازيّ 22:175)

نقصانها:موت العلماء و الفقهاء و خيار النّاس،لأنّ عمارة الأرض بحياة العلماء و الخيار.(الميبديّ 6:251)

عكرمة: تخريب القرى عند موت أهلها.

(الفخر الرّازيّ 22:175)

مثله الطّبرسيّ.(4:49)

الحسن: أي بالظّهور عليها لك يا محمّد صلى اللّه عليه و سلم أرضا بعد أرض،و فتحها بلدا بعد بلد،ممّا حول مكّة.

(القرطبيّ 11:292)

الكلبيّ: بالقتل و السّبي.(القرطبيّ 11:292)

الإمام الصّادق عليه السّلام: نقصانها:ذهاب عالمها.

(الطّبرسيّ 4:49)

الطّبريّ: أ فلا يرى هؤلاء المشركون باللّه،السّائلو محمّد صلى اللّه عليه و سلم الآيات،المستعجلوه بالعذاب،أنّا نأتي الأرض نخرّبها من نواحيها؛بقهرنا أهلها و غلبتناهم، و إجلائهم عنها،و قتلهم بالسّيوف؛فيعتبروا بذلك و يتّعظوا به،و يحذروا منّا أن ننزل من بأسنا بهم،نحو الّذي قد أنزلنا بمن فعلنا ذلك به من أهل الأطراف.

و قد تقدّم ذكر القائلين بقولنا هذا و مخالفيه بالرّوايات عنهم في سورة«الرّعد»،بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.(17:31)

الطّوسيّ: قيل:بخرابها.

و قيل:بموت أهلها.

و قيل:بموت العلماء.(7:252)

الميبديّ: نفتحها لمحمّد صلى اللّه عليه و سلم و نخرجها من أيدي المشركين،و نزيدها في أرض المسلمين.

و قيل: نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها: نميت الواحد بعد الواحد،و القرن بعد القرن.

قال ابن عبّاس: نقصانها:موت العلماء و الفقهاء و خيار النّاس،لأنّ عمارة الأرض بحياة العلماء و الخيار، و المعنى إذا لم يبق الخيار و العلماء لم يبق الأشرار و الكفّار.

و قيل:نقصانها:جور ولاتها،و قيل:نقصانها:

ذهاب البركة عن ثمارها و نباتها.(6:251)

الزّمخشريّ: ننقص أرض الكفر و دار الحرب، و نحذف أطرافها بتسليط المسلمين عليها،و إظهارهم على أهلها و ردّها دار إسلام.

فإن قلت:أيّ فائدة في قوله: نَأْتِي الْأَرْضَ ؟

قلت:الفائدة فيه تصوير ما كان اللّه يجريه على أيدي المسلمين،و أنّ عساكرهم و سراياهم كانت تغزو أرض المشركين،و تأتيها غالبة عليها،ناقصة من أطرافها.(2:574)

الفخر الرّازيّ: المعنى:أ فلا يرى هؤلاء المشركون باللّه المستعجلون بالعذاب آثار قدرتنا في إتيان الأرض من جوانبها،نأخذ الواحد بعد الواحد،و نفتح البلاد و القرى ممّا حول مكّة،و نزيدها في ملك محمّد صلى اللّه عليه و سلم، و نميت رؤساء المشركين الممتّعين بالدّنيا،و ننقص من الشّرك بإهلاك أهله.أما كان لهم في ذلك عبرة،فيؤمنوا برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و يعلموا أنّهم لا يقدرون على الامتناع

ص: 139

من اللّه و إرادته فيهم،و لا يقدرون على مغالبته.

في تفسير النّقصان وجوه:الأوّل و الثّاني:قولا ابن عبّاس.و ثالثها:قول عكرمة.

و رابعها:بموت العلماء،و هذه الرّواية إن صحّت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فلا يعدل عنها،و إلاّ فالأظهر من الأقاويل ما يتعلّق بالغلبة،فلذلك قال: أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ و الّذي يليق بذلك أنّه ينقصها عنهم و يزيدها في بلاد الإسلام.

قال القفّال: نزلت هذه الآية في كفّار مكّة،فكيف يدخل فيها العلماء و الفقهاء؟فبيّن تعالى أنّ كلّ ذلك من العبر الّتي لو استعملوا عقلهم فيها لأعرضوا عن جهلهم.

(22:174)

أبو حيّان: (هؤلاء)إشارة إلى المخاطبين قبل،و هم كفّار قريش،و من اتّخذ آلهة من دون اللّه،أخبر تعالى أنّه متّع هؤلاء الكفّار و آباءهم من قبلهم بما رزقهم من حطام الدّنيا،حتّى طالت أعمارهم في رخاء و نعمة،و قد عسوا في الضّلالة بإمهاله تعالى إيّاهم و تأخيرهم إلى الوقت الّذي يأخذهم فيه أَ فَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ تقدّم تفسير هذه الجملة في آخر الرّعد.[و نقل قول الزّمخشريّ ثم قال:]

في ذلك تبشير للمؤمنين بما يفتح اللّه عليهم،و أكثر المفسّرين على أنّها نزلت في كفّار مكّة.و في قولهم:

أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ دليل على ذلك؛إذ المعنى أنّهم هم الغالبون،فهو استفهام فيه تقريع و توبيخ حيث لم يعتبروا بما يجري عليهم.(6:315)

البروسويّ:أرض الكفرة الّتي هي دار الحرب، نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها بتسليط المؤمنين عليها، فكيف يتوهّمون أنّهم ناجون من بأسنا؟و الجملة خبر بعد خبر أو حال أو بدل.و الأطراف جمع طرف بالتّحريك،و هو ناحية من النّواحي،و طائفة من الشّيء.

قالوا:هذا تمثيل و تصوير لما يخرّبه اللّه من ديارهم على أيدي المسلمين،و يضيفه إلى دار الإسلام؛و ذلك أنّ اللّه لا يأتي بل العساكر تغزو أرض الكفرة،و تأتي غالبة عليها ناقصة من نواحيها.(5:483)

الآلوسيّ: أي أرض الكفرة أو أرضهم، نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها بتسليط المسلمين عليها و حوز ما يحوزونه منها،و نظمه في سلك ملكهم.

و العدول عن أنّا ننقص الأرض من أطرافها،إلى ما في النّظم الجليل لتصوير كيفيّة نقصها و انتزاعها من أيديهم،فإنّه بإتيان جيوش المسلمين و استيلائهم.و كان الأصل،يأتي جيوش المسلمين،لكنّه أسند الإتيان إليه عزّ و جلّ تعظيما لهم،و إشارة إلى أنّه بقدرته تعالى و رضاه.و فيه تعظيم للجهاد و المجاهدين.

و الآية-كما قدّمنا أوّل السّورة-،مدنيّة،و هي نازلة بعد فرض الجهاد،فلا يرد أنّ السّورة مكّيّة، و الجهاد فرض بعدها حتّى يقال:إنّ ذلك إخبار عن المستقبل،أو يقال:إنّ المراد ننقصها بإذهاب بركتها،كما جاء في رواية عن ابن عبّاس،أو بتخريب قراها و موت أهلها،كما روي عن عكرمة،و قيل:ننقصها بموت العلماء.و هذا إن صحّ عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فلا معدل عنه، و إلاّ فالأظهر نظرا إلى المقام ما تقدّم،و يؤيّده قوله تعالى:

ص: 140

أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ. (17:53)

الطّباطبائيّ: الأنسب للسّياق أن يكون المراد من نقص الأرض من أطرافها،هو انقراض بعض الأمم الّتي تسكنها،فإنّ لكلّ أمّة أجلا ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَ ما يَسْتَأْخِرُونَ الحجر:5،و قد تقدّمت الإشارة إلى أنّ المراد بطول العمر عليهم:طول عمر مجتمعهم.

و المعنى:أ فلا يرون أنّ الأرض تنقص منها أمّة بعد أمّة بالانقراض بأمر اللّه،فما ذا يمنعه أن يهلكهم، أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ إن أرادهم اللّه سبحانه بضرّ أو هلاك و انقراض؟

و قد مرّ بعض الكلام في الآية في نظيرتها من سورة الرّعد فراجع.

و اعلم أنّ في هذه الآيات وجوها من الالتفات لم نتعرّض لها لظهورها.(14:291)

خسف الأرض

فَخَسَفْنا بِهِ وَ بِدارِهِ الْأَرْضَ... القصص:81

ابن عبّاس: قيل للأرض:خذيهم[قارون و من معه]فأخذتهم إلى أعقابهم،ثمّ قيل لها:خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم،ثمّ قيل لها:خذيهم،فأخذتهم إلى أحقابهم،ثمّ قيل لها:خذيهم،فأخذتهم إلى أعناقهم،ثمّ قيل لها:خذيهم،فخسف بهم،فذلك قوله: فَخَسَفْنا بِهِ وَ بِدارِهِ الْأَرْضَ. (الطّبريّ 20:117)

خسف بهم إلى الأرض السّابعة.

(ابن كثير 5:302)

خسف به إلى الأرض السّفلى.

(الطّباطبائيّ 16:84)

قتادة: ذكر لنا أنّه يخسف به كلّ يوم قامة،و أنّه يتجلجل فيها،لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة.

نحوه ابن جريج(الطّبريّ 20:119)

السّدّيّ: دعا قارون امرأة من بني إسرائيل بغيّا، فقال لها:إنّي أعطيك ألفين على أن تجيئي غدا إذا اجتمعت بنو إسرائيل عندي،فتقولي:يا معشر بني إسرائيل ما لي و لموسى قد آذاني.قالت:نعم،فأعطاها خريطتين عليهما خاتمه،فلمّا جاءت بيتها ندمت، و قالت:يا ويلتى قد عملت كلّ فاحشة فما بقي إلاّ أن أفتري على نبيّ اللّه،فلمّا أصبحت أقبلت و معها الخريطتان حتّى قامت بين بني إسرائيل،فقالت،إنّ قارون قد أعطاني هاتين الخريطتين على أن آتي جماعتكم،فأزعم أنّ موسى يراودني عن نفسي و معاذ اللّه أن أفتري على نبيّ اللّه،و هذه دراهمه،عليها خاتمه.

فعرف بنو إسرائيل خاتم قارون،فغضب موسى، فدعا اللّه عليه،فأوحى اللّه إليه:إنّي أمرت الأرض أن تطيعك و سلّطتها عليه فمرها،فقال موسى:يا أرض خذيه،و هو على سريره و فرشه،فأخذته حتّى غيّبت سريره،فلمّا رأى قارون ذلك ناشده الرّحم،فقال:

خذيه،فأخذته حتّى غيّبت قدميه،ثمّ أخذته حتّى غيّبت ركبتيه،ثمّ أخذته حتّى غيّبت حقويه،و هو يناشده الرّحم فأخذته حتّى غيّبته.فأوحى اللّه إليه:

يا موسى ناشدك الرّحم و استغاثك فأبيت أن تغيثه،لو إيّاي دعا و استغاثني لأغثته.(الطّبرسيّ 4:267)

مقاتل:لمّا أمر موسى الأرض فابتلعته،قال بنو إسرائيل:إنّما فعل ذلك موسى ليرث ماله،لأنّه كان ابن

ص: 141

عمّه،فخسف بداره و بجميع أمواله بعده بثلاثة أيّام،فلم يقدر على ماله بعده أبدا.(الطّبرسيّ 4:267)

الطّوسيّ: الخسف:ذهاب في الأرض في جهة السّفل.(8:180)

القرطبيّ: يقال:خسف المكان يخسف خسوفا:

ذهب في الأرض،و خسف اللّه به الأرض خسفا،أي غاب به فيها،و منه قوله تعالى: فَخَسَفْنا بِهِ وَ بِدارِهِ الْأَرْضَ و خسف هو في الأرض و خسف به.

(13:318)

الطّباطبائيّ: قيل:انشقّت الأرض الّتي تحتهم، و فتحت الأرض فاها و ابتلعتهم و بيوتهم،و كلّ من كان لقارون مع كلّ الأموال،فنزلوا هم و كلّ ما كان لهم أحياء إلى الهاوية،فانطبقت عليهم الأرض،فبادوا من بين الجماعة.(16:85)

2- أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ. الملك:16

الطّبريّ: فإذا الأرض تذهب بكم و تجيء و تضطرب.(29:7)

مثله ابن كثير.(7:72)

الطّبرسيّ: يعني أن يشقّ الأرض فيغيّبكم فيها إذا عصيتموه.(5:327)

الطّباطبائيّ: خسف الأرض بقوم كذا،شقّها و تغييبهم في بطنها.(19:358)

فضل اللّه: بما يوحي به ذلك من زوال الأمم و انقراضها الّذي هو وجه من وجوه انتقاص الأرض من ساكنيها،أ فلا يفكّرون بأنّ من الممكن أن ينقرضوا كما انقرض أولئك،و يزولوا كما زالوا من دون أن يملكوا أيّة قوّة مضادّة للدّفاع و الحماية.(15:227).

الطّوفان في الأرض

...وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ. هود:44

الطّوسيّ: حكى اللّه تعالى في هذه الآية قصّة نوح و قومه بأوجز لفظ و أبلغه،و بلوغ الغاية الّتي لا تدانيها بلاغة و لا تقاربها فصاحة،لأنّ قوله: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ إخبار منه عن إذهاب الماء عن وجه الأرض في أوجز مدّة،فجرى ذلك مجرى أن قال لها:ابلعي فبلعت.

و قيل:في هذه الآية وجوه كثيرة من عجيب البلاغة:

منها أنّه خرج مخرج الأمر على جهة التّعظيم من نحو كُنْ فَيَكُونُ البقرة:117،لأنّه من غير معاناة و لا لغوب.

و منها حسن تقابل المعنى.

و منها حسن ائتلاف الألفاظ،و من ذلك حسن البيان في تصوير الحال.

و منها الإيجاز من غير إخلال.

و منها تقبّل الفهم على أتمّ الكمال،إلى غير ذلك ممّا عليه هذا الكلام في الحسن العجيب و اللّطف البديع.

(5:562)

الزّمخشريّ: نداء الأرض و السّماء بما ينادي به الحيوان المميّز على لفظ التّخصيص،و الإقبال عليهما بالخطاب من بين سائر المخلوقات،و هو قوله:

ص: 142

يا أَرْضُ وَ يا سَماءُ، ثمّ أمرهما بما يؤمر به أهل التّمييز و العقل من قوله: اِبْلَعِي ماءَكِ و أَقْلِعِي من الدّلالة على الاقتدار العظيم.و أنّ السّماوات و الأرض و هذه الأجرام العظام منقادة لتكوينه،فيها ما يشاء غير ممتنعة عليه،كأنّها عقلاء مميّزون،قد عرفوا عظمته و جلالته و ثوابه و عقابه و قدرته على كلّ مقدور،و تبيّنوا تحتّم طاعته عليهم و انقيادهم له،و هم يهابونه و يفزعون من التّوقّف دون الامتثال له،و النّزول على مشيئته على الفور من غير ريب،فكما يرد عليهم أمره،كان المأمور به مفعولا لا حبس و لا إبطاء.

(2:271)

مثله الفخر الرّازيّ.(17:234)

السّكّاكيّ: النّظر في هذه الآية من أربع جهات:

من جهة علم البيان،و من جهة علم المعاني،و هما مرجع البلاغة.و من جهة الفصاحة المعنويّة،و من جهة الفصاحة اللّفظيّة.

أمّا النّظر فيها من جهة علم البيان-و هو النّظر فيما فيها من المجاز و الاستعارة و الكناية و ما يتّصل بها- فنقول:إنّه عزّ سلطانه لمّا أراد أن يبيّن معنى أردنا أن نردّ ما انفجر من الأرض إلى بطنها،فارتدّ،و أن نقطع طوفان السّماء فانقطع،و أن نغيض الماء النّازل من السّماء فغاض، و أن نقضي أمر نوح-و هو إنجاز ما كنّا وعدنا من إغراق قومه-فقضي،و أن نسوّي السّفينة على الجوديّ فاستوت،و أبقينا الظّلمة غرقى؛بني الكلام على تشبيه المراد بالمأمور،الّذي لا يتأتّى منه لكمال هيبته العصيان.

و تشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النّافذ في تكوّن المقصود،تصويرا لاقتداره العظيم،و أنّ السّماوات و الأرض و هذه الأجرام العظام تابعة لإرادته إيجادا و إعداما،و لمشيئته فيها تغييرا و تبديلا،كأنّهما عقلاء مميّزون قد عرفوه حقّ معرفته،و أحاطوا علما بوجوب الانقياد لأمره،و الإذعان لحكمه،و تحتّم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده،و تصوّروا مزيد اقتداره، فعظمت مهابته في نفوسهم،و ضربت سرادقها في أفنية ضمائرهم،فكما يلوح لهم إشارته كان المشار إليه مقدّما، و كما يرد عليهم أمره كان المأمور به متمّما لا تلقى لإشارته بغير الإمضاء و الانقياد،و لا لأمره بغير الإذعان و الامتثال.

ثمّ بنى على تشبيهه هذا نظم الكلام،فقال جلّ و علا:(قيل)على سبيل المجاز عن الإرادة الواقع بسببها قول القائل،و جعل قرينة المجاز الخطاب للجماد و هو (يا ارض)(و يا سماء)،ثمّ قال كما ترى:(يا ارض) (و يا سماء)مخاطبا لهما على سبيل الاستعارة للشّبه المذكور،ثمّ استعار لغور الماء في الأرض«البلع»الّذي هو أعمال الجاذبة في المطعوم للشّبه بينهما،و هو الذّهاب إلى مقرّ خفيّ،ثمّ استعار الماء للغذاء استعارة بالكناية تشبيها له بالغذاء،لتقوى الأرض بالماء في الإنبات للزّروع و الأشجار تقوّي الآكل بالطّعام،و جعل قرينة الاستعارة لفظة(ابلعى)لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء،ثمّ أمر على سبيل الاستعارة للشّبه المقدّم ذكره، و خاطب في الأمر ترشّحا لاستعارة النّداء.

ثمّ قال:(ماءك)بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز،تشبيها لاتّصال الماء بالأرض باتّصال الملك

ص: 143

بالمالك،و اختار ضمير الخطاب لأجل التّرشيح.

ثمّ اختار لاحتباس المطر«الإقلاع»الّذي هو ترك الفاعل الفعل للشّبه بينهما في عدم ما كان،ثمّ أمر على سبيل الاستعارة و خاطب في الأمر قائلا(اقلعى)لمثل ما تقدّم في(ابلعى).

ثمّ قال: وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَ قِيلَ بُعْداً فلم يصرّح بمن غاض الماء، لا بمن قضى الأمر،و سوّى السّفينة،و قال:بعدا،كما لم يصرّح بقائل:(يا ارض و يا سماء)في صدر الآية، سلوكا في كلّ واحد من ذلك لسبيل الكناية،أنّ تلك الأمور العظام لا تتأتّى إلاّ من ذي قدرة لا يكتنه قهّار لا يغالب.

فلا مجال لذهاب الوهم إلى أن يكون غيره جلّت عظمته قائل:(يا ارض و يا سماء)و لا غائض مثل ما غاض و لا قاضي مثل ذلك الأمر الهائل،أو أن تكون تسوية السّفينة و إقرارها بتسوية غيره و إقراره.

ثمّ ختم الكلام بالتّعريض تنبيها لسالكي مسلكهم في تكذيب الرّسل ظلما لأنفسهم لا غير،ختم إظهار لمكان السّخط و لجهة استحقاقهم إيّاه،و أنّ قيمة الطّوفان و تلك الصّورة الهائلة ما كانت إلاّ لظلمهم.

و أمّا النّظر فيها من حيث علم المعاني،و هو النّظر في فائدة كلّ كلمة منها،وجهة كلّ تقديم و تأخير فيما بين جملها؛فذلك أنّه اختير(يا)دون سائر أخواتها لكونها أكثر في الاستعمال،و أنّها دالّة على بعد المنادى الّذي يستدعيه مقام إظهار العظمة و إبداء شأن العزّة و الجبروت،و هو تبعيد المنادى المؤذن بالتّهاون به.و لم يقل:(يا ارض)بالكسر،لإمداد التّهاون.و لم يقل:

يا أيّتها الأرض،لقصد الاختصار مع الاحتراز عمّا في «أيّتها»من تكلّف التّنبيه غير المناسب بالمقام.

و اختير لفظ«الأرض»دون سائر أسمائها لكونه أخفّ و أدور،و اختير لفظ«السّماء»لمثل ما تقدّم في «الأرض»مع قصد المطابقة و ستعرفها.و اختير لفظ (ابلعى)على ابتلعي لكونه أخصر،و لمجيء خطّ التّجانس بينه و بين(اقلعى)أوفر.

و قيل:(ماءك)بالإفراد دون الجمع،لما كان في الجمع من صورة الاستكثار المتأبّى عنها مقام إظهار الكبرياء و الجبروت،و هو الوجه في إفراد«الأرض» و«السّماء»،و إنّما لم يقل:(ابلعى)بدون المفعول لأن لا يستلزم تركه،ما ليس بمراد من تعميم الابتلاع للجبال و التّلال و البحار و ساكنات الماء بأسرهنّ،نظرا إلى مقام ورود الأمر الّذي هو مقام عظمة و كبرياء،ثمّ إذا بيّن المراد اختصر الكلام مع(اقلعى)احترازا عن الحشو المستغنى عنه،و هو الوجه في أن لم يقل:قيل يا ارض ابلعي ماءك فبلعت و يا سماء اقلعي فأقلعت.

و اختير(غيض)على غيّض المشدّد،لكونه أخصر و قيل:(الماء)دون أن يقال:ماء طوفان السّماء،و كذا (الأمر)دون أن يقال أمر نوح،و هو إنجاز ما كان اللّه وعد نوحا من إهلاك قومه،لقصد الاختصار و الاستغناء بحرف التّعريف عن ذلك،و لم يقل:سوّيت على الجوديّ،بمعنى أقرّت،على نحو(قيل،و غيض،و قضي) في البناء للمفعول،اعتبارا لبناء الفعل للفاعل مع السّفينة في قوله: وَ هِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ هود:42،مع

ص: 144

قصد الاختصار في اللّفظ.

ثمّ قيل: بُعْداً لِلْقَوْمِ دون أن يقال:ليبعد القوم، طلبا للتّأكيد مع الاختصار،و هو نزول(بعدا)منزلة ليبعدوا بعدا،مع فائدة أخرى و هو استعمال اللاّم مع (بعدا)الدّالّ على معنى أنّ البعد حقّ لهم،ثمّ أطلق «الظّلم»ليتناول كلّ نوع حتّى يدخل فيه ظلمهم أنفسهم،لزيادة التّنبيه على فظاعة سوء اختيارهم في تكذيب الرّسل.هذا من حيث النّظر إلى تركيب الكلم.

و أمّا من حيث النّظر إلى ترتيب الجمل فذلك أنّه قد قدّم النّداء على الأمر،فقيل: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي دون أن يقال:ابلعي يا أرض و أقلعي يا سماء،جريا على مقتضى اللاّزم فيمن كان مأمورا حقيقة من تقديم التّنبيه،ليتمكّن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادى،قصدا بذلك لمعنى التّرشيح.ثمّ قدّم أمر الأرض على أمر السّماء،و ابتدئ به لابتداء الطّوفان منها،و نزولها لذلك في القصّة منزلة الأصل-و الأصل بالتّقديم أولى-ثمّ أتبعهما قوله: وَ غِيضَ الْماءُ لاتّصاله بقصّة الماء و أخذه بحجزتها.أ لا ترى أصل الكلام قيل:يا أرض ابلعي ماءك فبلعت ماءها،و يا سماء أقلعي عن إرسال الماء فأقلعت عن إرساله،و غيض الماء النّازل من السّماء فغاض،ثمّ أتبعه ما هو المقصود من القصّة،و هو قوله: وَ قُضِيَ الْأَمْرُ أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة و إنجاء نوح و من معه في السّفينة.ثمّ أتبعه حديث السّفينة،و هو قول: وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ، ثمّ ختمت القصّة بما ختمت،هذا كلّه نظر في الآية من جانبي البلاغة.

و أمّا النّظر فيها من جانب الفصاحة المعنويّة فهي كما ترى،نظم للمعاني لطيف،و تأدية لها ملخّصة مبيّنة، لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد،و لا التواء يشيك الطّريق إلى المرتاد،بل إذا جرّبت نفسك عند استماعها وجدت ألفاظها تسابق معانيها،و معانيها تسابق ألفاظها،فما من لفظة في تركيب الآية و نظمها تسبق إلى أذنك إلاّ و معناها أسبق إلى قلبك.

و أمّا النّظر فيها من جانب الفصاحة اللّفظيّة، فألفاظها على ما ترى عربيّة مستعملة جارية على قوانين اللّغة،سليمة عن التّنافر بعيدة عن البشاعة، عذبة على العذبات سليسة على الأسلات،كلّ منها كالماء في السّلاسة،و كالعسل في الحلاوة،و كالنّسيم في الرّقّة...(176-178)

القرطبيّ: هذا مجاز لأنّها موات.

و قيل:جعل فيها ما تميّز به.

و الّذي قال إنّه مجاز قال:لو فتّش كلام العرب و العجم ما وجد فيه مثل هذه الآية على حسن نظمها، و بلاغة رصفها،و اشتمال المعاني فيها.(9:40)

أبو حيّان: هذا النّداء و الخطاب بالأمر هو استعارة مجازيّة،و على هذا جمهور الحذّاق.

و قيل:إنّ اللّه تعالى أحدث فيهما إدراكا و فهما لمعاني الخطاب.(5:228)

البروسويّ: قدّم أمر الأرض على أمر السّماء لابتداء الطّوفان منها.(4:134)

الآلوسيّ: قال سبحانه كما ترى:(يا ارض) (و يا سماء)مخاطبا لهما على سبيل الاستعارة.و الظّاهر

ص: 145

أنّه أراد أنّ هناك استعارة بالكناية حيث ذكر المشبّه، أعني السّماء و الأرض المراد منهما حصول أمر،و أريد المشبّه به،أعني المأمور الموصوف بأنّه لا يتأتّى منه العصيان ادّعاء بقرينة نسبة الخطاب إليه،و دخول حرف النّداء عليه-و هما من خواصّ المأمور المطيع-و يكون هذا تخييلا.

و قد يقال:أراد أنّ الاستعارة هاهنا تصريحيّة تبعيّة في حرف النّداء،بناء على تشبيه تعلّق الإرادة بالمراد منه بتعلّق النّداء و الخطاب بالمنادى المخاطب، و ليس بشيء؛إذ لا يحسن هذا التّشبيه ابتداء بل تبعا للتّشبيه الأوّل،فكيف يجعل أصلا لمتبوعه؟!على أنّ قوله للشّبه المذكور يدفع هذا الحمل.ثمّ استعار لغور الماء في الأرض«البلع»الّذي هو أعمال الجاذبة في المطعوم للشّبه بينهما،و هو الذّهاب إلى مقرّ خفيّ.

و في الكشّاف جعل«البلع»مستعارا لنشف الأرض الماء،و هو أولى،فإنّ النّشف دالّ على جذب من أجزاء الأرض لما عليها كالبلع بالنّسبة إلى الحيوان،و لأنّ النّشف فعل الأرض،و الغور فعل الماء مع الطّباق بين الفعلين تعدّيا.

ثمّ استعار الماء للغذاء استعارة بالكناية تشبيها له بالغذاء لتقوى الأرض بالماء في الإنبات للزّروع و الأشجار،تقوى الآكل بالطّعام،و جعل قرينة الاستعارة لفظة(ابلعى)لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء.

و لا يخفى عليك أنّه إذا اعتبر مذهب السّلف في الاستعارة يكون(ابلعى)استعارة تصريحيّة،و مع ذلك يكون بحسب اللّفظ قرينة للاستعارة بالكناية في الماء على حدّ ما قالوا:في يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ. و أمّا إذا اعتبر مذهبه فينبغي أن يكون«البلع»باقيا على حقيقته كالإنبات في«أنبت الرّبيع البقل»و هو بعيد،أو يجعل مستعارا لأمر متوهّم كما في«نطقت الحال»فيلزمه القول:بالاستعارة التّبعيّة كما هو المشهور،ثمّ إنّه تعالى أمر على سبيل الاستعارة للتّشبيه الثّاني،و خاطب في الأمر ترشيحا لاستعارة النّداء.

و الحاصل أنّ في لفظ(ابلعى)باعتبار جوهره استعارة لغور الماء،و باعتبار صورته،أعني كونه صورة أمر استعارة أخرى لتكوين المراد،و باعتبار كونه أمر خطاب ترشيح للاستعارة المكنيّة الّتي في المنادى،فإنّ قرينتها النّداء،و ما زاد على قرينة المكنيّة يكون ترشيحا لها.و أمّا جعل النّداء استعارة تصريحيّة تبعيّة حتّى يكون خطاب الآمر ترشيحا لها فقد عرفت ما فيه.

[ثمّ نقل كلام السّكّاكيّ المتقدّم في«ماءك»إلى أن قال:]

و زعم بعضهم أنّ الأرض و السّماء أعطيتا ما يعقلان به الأمر،فقيل لهما حقيقة ما قيل،و أنّ القائل(بعدا) نوح عليه السّلام و من معه من المؤمنين.و لا يخفى أنّ هذا خلاف الظّاهر و لا أثر فيه يعوّل عليه،و الكلام على الأوّل أبلغ.

(12:63-65)

رشيد رضا :أي و صدر من عالم الغيب الأعلى نداء خاطب الأرض و السّماء بأمر التّكوين،الّذي يسجد له العقلاء و غير العقلاء:يا أرض ابلعي ماءك كلّه الّذي عليك،أو الّذي تفجّر من باطنك إن صحّ أنّ ماء السّماء

ص: 146

صار بحرا.[إلى أن قال:]

قرّر علماء البلاغة الفنّيّة أنّ هذه الآية أبلغ آية في الكتاب العزيز،أحاطت بالبلاغة من جميع جوانبها و أرجائها اللّفظيّة و المعنويّة،الّتي وضعت لفلسفتها الفنون الثّلاثة:المعاني و البيان و البديع،و إنّ مثل هذا التّفاضل بين الآيات الّذي يقتضيه الحال و المقام،لا ينافي بلوغ كلّ آية في موضعها و موضوعها درجة الإعجاز، و لا يعدّ من التّفاوت المعهود في كلام أشهر البلغاء كأبي تمّام و المتنبّيّ،و كذا غيرهما من شعراء الجاهليّة،و من بعدهم في الدّرجات الثّلاث العليا و السّفلى و ما بينهما، فآياته كلّها في الدّرجة العليا المعجزة للبشر،و إن كان لبعضها مزيّة على بعض،كما تراه في تكرار القصّة الواحدة من هذه القصص،و قد بسطناه في تفسير آية التّحدّي بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ هود:13،من هذه السّورة.(12:80)

الطّباطبائيّ: نداء صادر من ساحة العظمة و الكبرياء،لم يصرّح باسم قائله و هو اللّه عزّ اسمه للتّعظيم،و الأمر تكوينيّ تحمله كلمة(كن)الصّادرة من ذي العرش تعالى،يترتّب عليه من غير فصل أن تبتلع الأرض ما على وجهها من الماء المتفجّر من عيونها،و أن تكفّ السّماء عن أمطارها.

و فيه دلالة على أنّ الأرض و السّماء كانتا مشتركتين في إطغاء الماء بأمر اللّه كما يبيّنه قوله تعالى: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ* وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ القمر:11،12.

(10:230)

حفني محمّد شرف:تلك آية عدد ألفاظها سبع عشرة لفظة،بلغ حسن نظمها الدّرجة العليا،و انسجام ألفاظها و ائتلاف معانيها أدّيا إلى وجود عشرين لونا من ألوان البلاغة.

ففيها المناسبة التّامّة في(اقلعى)و(ابلعى).

و المطابقة اللّفظيّة في ذكر السّماء و الأرض.

و المجاز في قوله:(يا سماء)فإنّ الحقيقة يا مطر السّماء.

و الإشارة في قوله تعالى: وَ غِيضَ الْماءُ، فإنّه سبحانه و تعالى عبّر بهاتين اللّفظتين عن معان كثيرة، لأنّ الماء لا يغيض حتّى يقطع مطر السّماء،و تبلع الأرض ما يخرج من عيون الماء،فينقص الحاصل على وجه الأرض من الماء.

و الإرداف في قوله: وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ فإنّه عبّر عن استقرار السّفينة على هذا المكان، و جلوسها جلوسا متمكّنا لا زيغ فيه و لا ميل،لطمأنينة أهل السّفينة بلفظ قريب من لفظ الحقيقة.

و التّمثيل في قوله: وَ قُضِيَ الْأَمْرُ فإنّه عبّر بذلك عن هلاك الهالكين و نجاة النّاجين،بلفظ فيه بعد ما من لفظ الحقيقة بالنّسبة إلى لفظ الإرداف.

و التّعليل لأنّ غيض الماء علّة الاستواء.

و صحّة التّقسيم حين استوعب سبحانه أقسام أحوال الماء حالة نقصه؛إذ ليس إلاّ احتباس ماء السّماء، و احتقان الماء الّذي ينبع من الأرض،و غيض الماء الحاصل على ظهر الأرض.

و الاحتراس في قوله: وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ محترسا من توهّم من يتوهّم أنّ الهلاك ربّما عمّ من

ص: 147

لا يستحقّ الهلاك،فجاء سبحانه بالدّعاء على الهالكين، ليعلم أنّهم مستحقّو الهلاك،فإنّ عدله منع أن يدعو على غير مستحقّ للدّعاء عليه.

و الانفصال فإنّ لقائل أن يقول:إنّ لفظة(القوم) مستغنى عنها،فإنّه لو قيل:«و قيل بعدا للظالمين»لتمّ الكلام،و الانفصال عن ذلك أن يقال:لمّا سبق في صدر الكلام قبل الآية قوله تعالى: وَ كُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ، و قال سبحانه قبل ذلك مخاطبا لنوح عليه السّلام: وَ لا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ هود:37،فاقتضت البلاغة أن يؤتى بلفظة (القوم)الّتي آلة التّعريف فيها للعهد،ليتبيّن أنّهم القوم الّذين تقدّم ذكرهم في قوله تعالى: وَ كُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ، و وصفهم بالظّلم،و أخبر بسابق علمه أنّهم هالكون بقوله: وَ لا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ، فحصل الانفصال عن الإشكال،و علم أنّ لفظة(القوم)ليست فضلة في الكلام.

و المساواة لأنّ لفظ الآية لا يزيد على معناه و لا ينقص عنه.

و حسن النّسق في عطف القضايا بعضها على بعض بأحسن ترتيب،حسبما وقعت أوّلا فأوّلا؛فإنّه سبحانه أمر الأرض بالابتلاع،ثمّ عطف على ذلك أمر السّماء بالإقلاع،ثمّ عطف غيض الماء على ذلك،ثمّ عطف على ذلك قضاء الأمر بهلاك الهالكين و نجاة النّاجين،ثمّ عطف على ذلك استواء السّفينة على الجوديّ،ثمّ عطف على ذلك الدّعاء على الهالكين،فجاء عطف الجمل على ترتيب وقوعها في الوجود،و ائتلاف اللّفظ مع المعنى، لكون كلّ لفظة لا يصلح في موضعها غيرها.

و الإيجاز لأنّه سبحانه اقتصّ القصّة بلفظها مستوعبة؛بحيث لم يخلّ منها بشيء في أخصر عبارة، بألفاظ غير مطوّلة.

و التّسهيم لأنّ من أوّل الآية إلى قوله تعالى:

(اقلعى)يقتضي آخرها.

و التّهذيب لأنّ مفردات الألفاظ موصوفة بصفات الحسن،كلّ لفظة سهلة مخارج الحروف،عليها رونق الفصاحة،مع الخلوّ من البشاعة،و التّركيب سليم من التّعقيد و أسبابه.

و حسن البيان من جهة أنّ السّامع لا يتوقّف في فهم معنى الكلام،و لا يشكل عليه شيء منه.

و التّمكين لأنّ الفاصلة مستقرّة في قرارها،مطمئنّة في مكانها،غير قلقة و لا مستدعاة.

و الانسجام في تحدّر الكلام بسهولة و عذوبة سبك، مع جزالة لفظ،كما ينسجم الماء العليل من الهواء.

فانظر إلى عظمة هذا الكلام،و ما انطوى عليه نظمه و ما تضمّنه لفظه لتقدّره قدره.(366-368)

علم اللّه بما في الأرض

1- ...وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ... يونس:61

الزّمخشريّ: فإن قلت:لم قدّمت(الأرض)على (السماء)بخلاف قوله: عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ ؟سبأ:3.

قلت:حقّ(السّماء)أن تقدّم على(الأرض)،و لكنّه لمّا ذكر شهادته على شئون أهل الأرض و أحوالهم

ص: 148

و أعمالهم،و وصل بذلك قوله: لا يَعْزُبُ عَنْهُ لاءم ذلك أن قدّم(الأرض)على(السّماء)على أنّ العطف بالواو حكمه حكم التّثنية.(2:243)

مثله الفخر الرّازيّ(17:123)،و نحوه النّسفيّ(2:

169)،و الرّازيّ(129)،و النّيسابوريّ(11:97).

البيضاويّ: أي في الوجود و الإمكان،فإنّ العامّة لا تعرف ممكنا غيرهما ليس فيهما،و لا متعلّقا بهما.

و تقديم(الأرض)لأنّ الكلام في حال أهلها،و المقصود منه البرهان على إحاطة علمه بهما.(1:452)

مثله الآلوسيّ.(11:145)

أبو حيّان: لمّا ذكر شهادته تعالى على أعمال الخلق ناسب تقديم(الأرض)الّتي هي محلّ المخاطبين على السّماء،بخلاف ما في سورة«سبأ»،و إن كان الأكثر تقديمها على(الأرض).(5:174)

رشيد رضا: أي في الوجود سفليّة و علويّة، و قدّم ذكر(الأرض)لأنّ الكلام مع أهلها،و أخّره في «سبأ».و قدّم(السّماء)،لأنّها في سياق ثنائه تعالى على نفسه و وصفه بإحاطة علمه؛فناسب تقديم السّماء لأنّها أعظم،فإنّ فيها من الشّموس و عوالمها ما يبعد بعضه عن بعض مسافة ألوف الألوف من السّنين الّتي تقدّر أبعادها بسرعة النّور،كما ثبت في علم هذا العصر.

(11:414)

2- إِنَّ اللّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ. آل عمران:5

الطّوسيّ: فإن قيل:لم قال: لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ و لم يقل:لا يخفى عليه شيء على وجه من الوجوه؛إذ كان أشدّ مبالغة؟

قيل:ليعلمنا أنّ الغرض علم ما يستسرّ به في الأرض أو في السّماء،و لأنّ الإفصاح بذكر ذلك أعظم في النّفس و أهول في الصّدر،مع الدّلالة على أنّه عالم بكلّ شيء،إلاّ أنّه على وجه التّصرّف في العبارة عن وجوه الدّلالة.(2:393)

نحوه الطّبرسيّ.(1:406)

الفخر الرّازيّ: فإن قيل:ما الفائدة في قوله: فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ مع أنّه لو أطلق كان أبلغ؟

قلنا:الغرض بذلك إفهام العباد كمال علمه،و فهم هذا المعنى عند ذكر السّماوات و الأرض أقوى؛و ذلك لأنّ الحسّ يرى عظمة السّماوات و الأرض فيعين العقل على معرفة عظمة علم اللّه عزّ و جلّ،و الحسّ متى أعان العقل على المطلوب كان الفهم أتمّ و الإدراك أكمل، و لذلك فإنّ المعاني الدّقيقة إذا أريد إيضاحها ذكر لها مثال،فإنّ المثال يعين على الفهم.(7:178)

البيضاويّ: أيّ شيء كائن في العالم،كلّيّا كان أو جزئيّا أو كفرا،فعبّر عنه بالسّماء و الأرض؛إذ الحسّ لا يتجاوزهما.و إنّما قدّم(الأرض)ترقّيا من الأدنى إلى الأعلى،و لأنّ المقصود بالذّكر ما اقترف فيها،و هو كالدّليل على كونه حيّا.(1:148)

نحوه أبو حيّان.(2:379)

3- ...وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ...

لقمان:34

الرّازيّ: فإن قيل:كيف قال تعالى: وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ و لم يقل:بأيّ وقت تموت،

ص: 149

و كلاهما غير معلوم؟بل نفي العلم بالزّمان أولى،لأنّ من النّاس من يدّعي علمه و هم المنجّمون،بخلاف المكان فإنّ أحدا لا يدّعي علمه؟

قلنا:إنّما خصّ المكان بنفي علمه لوجهين:

أحدهما:أنّ الكون في مكان دون مكان في وسع الإنسان و اختياره،فيكون اعتقاده علم مكان الموت أقرب بخلاف الزّمان.

الثّاني:أنّ للمكان تأثيرا في جلب الصّحّة و السّقم بخلاف الزّمان،أو تأثير المكان في ذلك أكثر.(274)

4- رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَ ما نُعْلِنُ وَ ما يَخْفى عَلَى اللّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ. إبراهيم:38

الآلوسيّ: تقديم(الأرض)على(السّماء)مع توسيط(لا)بينهما،باعتبار القرب و البعد منّا المستعدّين للتّفاوت بالنّسبة إلى علومنا.

و المراد من(السّماء)ما يشمل السّماوات كلّها.و لو أريد من(الأرض)جهة السّفل و من السّماء جهة العلو -كما قيل-جاز.(13:241)

وراثة الأرض

1- ...وَ لِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اللّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. آل عمران:180

الطّبريّ: إن قال قائل فما معنى قوله:«له ميراث السّماوات و الارض»و الميراث المعروف هو ما انتقل من ملك مالك إلى وارثه بموته،و للّه الدّنيا قبل فناء خلقه و بعده؟

قيل:إنّ معنى ذلك ما وصفنا من وصفه نفسه بالبقاء،و إعلام خلقه أنّه كتب عليهم الفناء؛و ذلك أنّ ملك المالك إنّما يصير ميراثا بعد وفاته،فإنّما قال جلّ ثناؤه: وَ لِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إعلاما بذلك منه عباده،أنّ أملاك جميع خلقه منتقلة عنهم بموتهم،و أنّه لا أحد إلاّ و هو فان سواه،فإنّه الّذي إذا هلك جميع خلقه،فزالت أملاكهم عنهم،لم يبق أحد يكون له ما كانوا يملكونه غيره.(4:193)

الطّوسيّ: معناه:أنّه يبطل ملك كلّ شيء إلاّ ملك اللّه؛فيصير كالميراث لصحّة الملك الثّاني بعد زوال الأوّل،و إن لم يكن في صفات اللّه على جهة الانتقال، لأنّه لم يزل مالكا عزّ و جلّ.(3:64)

نحوه الطّبرسيّ.(1:546)

الميبديّ: [قوله:] وَ لِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كقوله تعالى: إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَ مَنْ عَلَيْها مريم:40،يعني يفنى أهلها،و تبقى الأموال و الأملاك،و لا مالك إلاّ اللّه عزّ و جلّ.(2:364)

الفخر الرّازيّ: فيه وجهان:

الأوّل:و له ما فيهما ممّا يتوارثه أهلهما من مال و غيره.فما لهم يبخلون عليه بملكه و لا ينفقونه في سبيله؟!و نظيره قوله تعالى: وَ أَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ الحديد:7.

و الثّاني:و هو قول الأكثرين:المراد أنّه يفنى أهل السّماوات و الأرض،و تبقى الأملاك و لا مالك لها إلاّ اللّه، فجرى هذا مجرى الوراثة؛إذ كان الخلق يدعون الأملاك،فلمّا ماتوا عنها و لم يخلفوا أحدا كان هو الوارث لها،و المقصود من الآية أنّه يبطل ملك جميع المالكين إلاّ

ص: 150

ملك اللّه سبحانه و تعالى،فيصير كالميراث.

قال ابن الأنباريّ: يقال ورث فلان علم فلان،إذا انفرد به بعد أن كان مشاركا فيه.و قال تعالى: وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ النّمل:16،و كان المعنى انفراده بذلك الأمر،بعد أن كان داود مشاركا له فيه و غالبا عليه.

(9:115)

نحوه النّيسابوريّ(4:137)،و أبو حيّان(3:129).

الآلوسيّ: أي للّه تعالى وحده لا لأحد غيره استقلالا أو اشتراكا ما في السّماوات و الأرض،ممّا يتوارث من مال و غيره،كالأحوال الّتي تنتقل من واحد إلى آخر،كالرّسالات الّتي يتوارثها أهل السّماء مثلا،فما لهؤلاء القوم يبخلون عليه بملكه و لا ينفقونه في سبيله و ابتغاء مرضاته:فالميراث مصدر كالميعاد و أصله:

موراث،فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها،و المراد به ما يتوارث.و الكلام جار على حقيقته و لا مجاز فيه.

و يجوز أنّه تعالى يرث من هؤلاء ما في أيديهم ممّا بخلوا به،و ينتقل منهم إليه حين يهلكهم و يفنيهم،و تبقى الحسرة و النّدامة عليهم.ففي الكلام على هذا مجاز.

قال الزّجّاج: أي إنّ اللّه تعالى يفني أهلهما فيبقيان بما فيهما،ليس لأحد فيهما ملك،فخوطبوا بما يعلمون، لأنّهم يجعلون ما يرجع إلى الإنسان ميراثا ملكا له.

(4:140)

2- ...إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ...

الأعراف:128

الطّبريّ: يقول:إنّ الأرض للّه،لعلّ اللّه أن يورثكم إن صبرتم على ما نالكم من مكروه في أنفسكم و أولادكم من فرعون،و احتسبتم ذلك و استقمتم على السّداد،أرض فرعون و قومه،بأن يهلكهم و يستخلفكم فيها،فإن اللّه يورث أرضه من يشاء من عباده.

(9:27)

الطّوسيّ: إخبار عمّا قال موسى لقومه:من أنّ الأرض كلّها ملك للّه يورثها من يشاء من عباده.

و الإرث:جعل الشّيء للخلف بعد السّلف،و الأغلب أن يكون ذلك في الأموال.و قد يستعمل في غيرها مجازا كقولهم:«العلماء ورثة الأنبياء»،و قولهم:«ما ورّث والد ولدا أجلّ من أدب حسن».

و معنى يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ قيل في معناه قولان:

أحدهما:التّسلية لهم بأنّها لا تبقى على أحد،لأنّها تنقل من قوم إلى قوم إمّا محنة أو عقوبة.

الثّاني:الإطماع في أن يورثهم اللّه أرض فرعون و قومه.(4:546)

الزّمخشريّ: يجوز أن تكون اللاّم للعهد،و يراد أرض مصر خاصّة،كقوله: وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ الزّمر:

74،و أن تكون للجنس فيتناول أرض مصر،لأنّها من جنس الأرض،كما قال ضمرة:«إنّما المرء بأصغريه»، فأراد بالمرء الجنس،و غرضه أن يتناوله تناولا أوّليّا.

(2:105)

نحوه النّيسابوريّ.(9:33)

الطّبرسيّ: أي ينقلها إلى من يشاء نقل المواريث، فيورثكم بعد إهلاك فرعون كما أورثها فرعون،و هذا وعد لهم بحسن العاقبة،ليكون داعيا لهم إلى

ص: 151

الصّبر.(2:465)

أبو حيّان: أي أرض مصر،و«أل»فيه للعهد، و هي الأرض الّتي كانوا فيها.

و قيل:(الأرض):أرض الدّنيا،فهي على العموم.

و قيل:المراد أرض الجنّة،لقوله: وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ الزّمر:74.(4:368)

البروسويّ: أي أرض البشريّة لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ يورث أرض بشريّة السّعداء الرّوح و صفاته فيتّصف بصفاته،و يورث أرض بشريّة الأشقياء النّفس و صفاتها فتتّصف بصفاتها.(3:216)

الآلوسيّ: أي أرض مصر،أو الأرض مطلقا، و هي داخلة فيها دخولا أوّليّا.(9:29)

رشيد رضا: جنسها،أو الأرض الّتي وعدكم ربّكم إيّاها و هي فلسطين،للّه تعالى الّذي بيده ملكوت كلّ شيء يورثها من يشاء من عباده لا لفرعون،فهي بحسب سنّته تعالى دول،و العاقبة الحسنة الّتي ينتهي التّنازع بين الأمم للمتّقين،أي الّذين يتّقون اللّه بمراعاة سننه في أسباب إرث الأرض،كالاتّحاد و جمع الكلمة و الاعتصام بالحقّ و إقامة العدل و الصّبر على المكاره و الاستعانة باللّه،و لا سيّما عند الشّدائد،و نحو ذلك ممّا هدى إليه وحيه و أيّدته التّجارب.

و مراده عليه السّلام أنّ العاقبة ستكون لكم بإرث الأرض، و لكن بشرط أن تكونوا من المتّقين له تعالى بإقامة شرعه،و السّير على سننه في نظام خلقه،و ليس الأمر كما تتوهّمون و يتوهّم فرعون و قومه،من بقاء القويّ على قوّته و الضّعيف على ضعفه،أو أنّ الآلهة الباطلة ضمنت لفرعون بقاء ملكه،على عظمته و جبروته و ظلمه.(9:80)

3- وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ. الأنبياء:105

ابن عبّاس: أرض الجنّة.

مثله مجاهد،و سعيد بن جبير،و ابن زيد،و أبو العالية.(الطّبريّ 17:104)

إنّها أرض الأمم الكافرة،ترثها أمّة محمّد صلى اللّه عليه و سلم.

(الطّبريّ 17:105)

المراد من(الأرض)أرض الدّنيا،فإنّه سبحانه و تعالى سيورثها المؤمنين في الدّنيا.

مثله الكلبيّ.(الفخر الرّازيّ 22:230)

الكلبيّ: يعنى أرض الشّام،يرثها الصّالحون من بني إسرائيل.(الطّوسيّ 7:284)

الإمام الباقر عليه السّلام:إنّ ذلك وعد للمؤمنين بأنّهم يرثون جميع الأرض.(الطّوسيّ 7:284)

الفرّاء: يقال:أرض الجنّة.

و يقال:إنّها الأرض الّتي وعدها بنو إسرائيل،مثل قوله: وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الأعراف:137.

(2:213)

ابن قتيبة: يقال:الأرض المقدّسة،ترثها أمّة محمّد صلى اللّه عليه و سلم.(289)

مثله الزّمخشريّ.(2:586)

عامر بن عبد اللّه: هي الأرض الّتي تجتمع إليها أرواح المؤمنين حتّى يكون البعث.(الطّبريّ 17:105)

ص: 152

الطّبريّ:إنّ أرض الجنّة يرثها عبادي العاملون بطاعته،المنتهون إلى أمره و نهيه من عباده،دون العاملين بمعصيته منهم المؤثرين طاعة الشّيطان على طاعته.

و قال آخرون: هي الأرض يورثها اللّه المؤمنين في الدّنيا.

و قال آخرون:عني بذلك بنو إسرائيل؛و ذلك أنّ اللّه وعدهم ذلك فوفّى لهم به،و استشهد لقوله ذلك بقول اللّه: وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها الأعراف:137.

(17:105)

الميبديّ: يعني أرض الجنّة. يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ: المؤمنون،دليله قوله: أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ* اَلَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ المؤمنون:10 ،11،و قال تعالى: اَلْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ الزّمر:74،يعني أرض الجنّة.

و قالوا:(الأرض)هنا أرض الدّنيا،ثمّ اختلفوا، فقال قوم:الأرض المقدّسة،و(عبادى الصّالحون)هم بنو إسرائيل الّذين ورثوا من الجبّارين.

و قال بعضهم: أرض مصر ورثوا من القبط.

و قال آخرون:أرض الدّنيا كلّها الّتي يرثها أمّة محمّد،و هذا حكم من اللّه سبحانه بإظهار الدّين و إعزاز المسلمين و قهر الكافرين.قال اللّه تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ التّوبة:33،و قال وهب:قرأت في عدّة كتب من كتب اللّه سبحانه،قال اللّه عزّ و جلّ:«إنّي لأورث الأرض عبادي الصّالحين»من أمّة محمّد.(6:318)

الطّبرسيّ: قيل:يعني أرض الجنّة،يرثها عبادي المطيعون،عن ابن عبّاس،و سعيد بن جبير،و ابن زيد، فهو مثل قوله: وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ الزّمر:74،و قوله:

اَلَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ.

و قيل:هي الأرض المعروفة يرثها أمّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله بالفتوح بعد إجلاء الكفّار،كما قال صلّى اللّه عليه و آله:«زويت لي الأرض فأريت مشارقها و مغاربها و سيبلغ ملك أمّتي ما زوي لي منها».عن ابن عبّاس في رواية أخرى.

(4:66)

الفخر الرّازيّ: فيه وجوه:

أحدها:(الأرض):أرض الجنّة،و«العباد الصّالحون»هم المؤمنون العاملون بطاعة اللّه تعالى، فالمعنى أنّ اللّه تعالى كتب في كتب الأنبياء عليه السّلام و في اللّوح المحفوظ أنّه سيورث الجنّة من كان صالحا من عباده،و هو قول ابن عبّاس،و مجاهد،و سعيد بن جبير،و عكرمة،و السّدّيّ،و أبي العالية.و هؤلاء أكّدوا هذا القول بأمور:

أمّا أوّلا:فقوله تعالى: وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ الزّمر:74.

و أمّا ثانيا:فلأنّها الأرض الّتي يختصّ بها الصّالحون لأنّها لهم خلقت،و غيرهم إذا حصل معهم في الجنّة فعلى وجه التّبع،فأمّا أرض الدّنيا فلأنّها للصّالح و غير الصّالح.

و أمّا ثالثا:فلأنّ هذه الأرض مذكورة عقيب الإعادة و بعد الإعادة،الأرض الّتي هذا وصفها لا تكون

ص: 153

إلاّ الجنّة.

و أمّا رابعا:فقد روي في الخبر أنّها أرض الجنّة، فإنّها بيضاء نقيّة.

و ثانيها:أنّ المراد من(الأرض)أرض الدّنيا،فإنّه سبحانه و تعالى سيورثها المؤمنين في الدّنيا،و هو قول الكلبيّ،و ابن عبّاس في بعض الرّوايات.

و دليل هذا القول قوله سبحانه: وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا النّور:55،إلى قوله: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ، و قوله تعالى: قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَ اصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ الأعراف:128.

و ثالثها:هي الأرض المقدّسة يرثها الصّالحون، و دليله قوله تعالى: وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها الأعراف:137،ثمّ بالآخرة يورثها أمّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله عند نزول عيسى بن مريم عليه السّلام.

(22:229،230)

نحوه الآلوسيّ.(17:103)

البروسويّ: قال في عرائس البقلي:كان في علم الأزليّة أنّ أرض الجنان ميراث عباده الصّالحين من الزّهّاد و العبّاد و الأبرار و الأخيار،لأنّهم أهل الأعواض و الثّواب و الدّرجات و أنّ مشاهدة جلال أزليّته ميراث أهل معرفته و محبّته و شوقه و عشقه،لأنّهم في مشاهدة الرّبوبيّة و أهل الجنّة في مشاهدة العبوديّة.

قال سهل:أضافهم إلى نفسه و حلاّهم بحلية الصّلاح،معناه:لا يصلح لي إلاّ ما كان لي خالصا لا يكون لغيري فيه أثر،و هم الّذين أصلحوا سريرتهم مع اللّه و انقطعوا بالكلّيّة عن جميع ما دونه.(5:527)

الطّباطبائيّ: المراد من«وراثة الأرض»انتقال التّسلّط على منافعها إليهم،و استقرار بركات الحياة بها فيهم.و هذه البركات إمّا دنيويّة راجعة إلى الحياة الدّنيا كالتّمتّع الصّالح بأمتعتها و زيناتها؛فيكون مؤدّى الآية أنّ(الأرض)ستتطهّر من الشّرك و المعصية،و يسكنها مجتمع بشري صالح،يعبدون اللّه و لا يشركون به شيئا، كما يشير إليه قوله تعالى: وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ إلى قوله يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً النّور:55.و إمّا أخرويّة و هي مقامات القرب الّتي اكتسبوها في حياتهم الدّنيا،فإنّها من بركات الحياة الأرضيّة،و هي نعيم الآخرة،كما يشير إليه قوله تعالى حكاية عن أهل الجنّة:

وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ الزّمر:74، و قوله: أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ* اَلَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ المؤمنون:10،11.

و من هنا يظهر أنّ الآية مطلقة،و لا موجب لتخصيصها بإحدى الوراثتين كما فعلوه،فهم بين من يخصّها بالوراثة الأخرويّة تمسّكا بما يناسبها من الآيات،و ربّما استدلّوا لتعيّنه بأنّ الآية السّابقة تذكر الإعادة،و لا أرض بعد الإعادة حتّى يرثها الصّالحون.

و يردّه أنّ كون الآية معطوفة على سابقتها غير متعيّن، فمن الممكن أن تكون معطوفة على قوله السّابق: فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ الأنبياء:94،كما سنشير إليه.

ص: 154

و بين من يخصّها بالوراثة الدّنيويّة،و يحملها على زمان ظهور الإسلام أو ظهور المهديّ عليه السّلام الّذي أخبر به النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في الأخبار المتواترة المرويّة من طرق الفريقين،و يتمسّك لذلك بالآيات المناسبة له الّتي أومأنا إلى بعضها.

و بالجملة الآية مطلقة تعمّ الوراثتين جميعا،غير أنّ الّذي يقتضيه الاعتبار بالسّياق أن تكون معطوفة على قوله السّابق: فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ الأنبياء:94،إلخ المشير إلى تفصيل حال المختلفين في أمر الدّين من حيث الجزاء الأخرويّ،و تكون هذه الآية مشيرة إلى تفصيلها من حيث الجزاء الدّنيويّ،و يكون المحصّل أنّا أمرناهم بدين واحد،لكنّهم تقطّعوا و اختلفوا فاختلف مجازاتنا لهم،أمّا في الآخرة فللمؤمنين سعي مشكور و عمل مكتوب و للكافرين خلاف ذلك،و أمّا في الدّنيا فللصّالحين وراثة الأرض بخلاف غيرهم.

(14:330)

فضل اللّه:الأرض يرثها عبادي الصّالحون

كيف يجب أن يفكر أتباع الرّسالات الّذين يعيشون الإيمان فكرا و موقفا و منهج حياة؟هل يواجهون المستقبل،الّذي يتحرّك من حاضر مليء بالصّعوبات و التّحدّيات الّتي يمثّلها الكافرون و المنافقون و المشركون و الضّالّون و قوى الشّرّ و الظّلم و الطّغيان؟هل يتساقطون في وهدة اليأس أمام ذلك كلّه،أو يتماسكون في مواقفهم،ليتطلّعوا إلى الأمل الكبير القادم من وعد اللّه لعباده الصّالحين بالنّصر الرّساليّ في نهاية المطاف؟

إنّ اللّه يوحي إلى المؤمنين الصّالحين بأنّ المسألة لا تحتمل الشّكّ،بل هي في حجم الحقيقة الكونيّة الّتي يمثّلها التّكوين الإلهيّ،في نهاية الحياة.

و لهذا فإنّ عليهم أن يتابعوا الجهاد في كلّ المواقع، و يؤكّدوا الرّسالة في جميع المواقف،ليثيروا قضايا الحقّ في كلّ مجالات الحياة،و كلّ مواقع الإنسان،و يتحمّلوا الكثير الكثير من المشاكل و الآلام و التّضحيات،لأنّ ذلك هو الّذي يحقّق للمستقبل ثباته و قوّته،و يدفع به إلى الآفاق الرّحبة في موعد الشّروق.

وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ الّذي أنزله اللّه على داود عليه السّلام مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ و هو التّوراة-كما قيل-لأنّ اللّه سمّاها به في قوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ النّحل:43.

و قيل:هو القرآن لأنّ اللّه أطلق عليه ذلك في أكثر من آية أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ، فيسيطرون عليها سيطرة حكم و قيادة و رسالة، فينفّذون برنامج الرّسالات الّذي يحوّل الأرض إلى ساحة للإيمان باللّه و إطاعة أوامره،و ربّما يضاف إلى ذلك وراثة الأرض،في ما وعد اللّه عباده المتّقين،في وراثة الأرض الّتي تطلّ على الجنّة الّتي يتبوّءون فيها مواقعهم كما يشاءون.

فهم الّذين يرثون الحياة كلّها في الدّنيا و الآخرة، ليشعروا بالثّقة،بأنّ الأرض ليست مجرّد فرصة للأشرار، في حكمهم و عبثهم و فسادهم،بل قد تكون-و لو في نهاية المطاف-فرصة للأخيار من أتباع الرّسالات، لينطلقوا بالحركة الرّساليّة،لتشمل الحياة كلّها في مواردها و مصادرها و أوضاعها و أشخاصها...،ليكونوا

ص: 155

هم الجيل الأخير للبشريّة الّذين يسلّمون الحياة إلى اللّه في الأرض على خطّ الأمانة الّتي حمّلها للإنسان،ليؤدّيها إلى أهلها كاملة غير منقوصة،و ليتسلّموا من اللّه مواقعهم من رضوانه و من جنّته.

و قد كثرت الأحاديث المرويّة عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عن أهل بيته و أصحابه،بأنّ الإمام المهديّ عليه السّلام،هو الّذي يرث الأرض مع أصحابه الصّالحين،ليملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا.(15:276)

4- وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ... الزّمر:74

أبو العالية:إنّهم ورثوا الأرض الّتي كانت تكون لأهل النّار لو كانوا مؤمنين.(القرطبيّ 15:287)

مثله الطّبريّ.(24:37)

قتادة: أرض الجنّة.

مثله السّدّيّ،و ابن زيد.(الطّبريّ 24:37)

و مثله الميبديّ.(8:438)،و فضل اللّه.

(19:364)

أرض الدّنيا.

مثله ابن زيد،و السّدّيّ.(الآلوسيّ 24:35)

الطّوسيّ: يعنون أرض الجنّة.

و قيل:ورثوها عن أهل النّار.

و قيل:لمّا صارت الجنّة عاقبة أمرهم كما يصير الميراث،عبّر ذلك بأنّه أورثهم.(9:50)

مثله الطّبرسيّ.(4:511)

الزّمخشريّ: عبارة عن المكان الّذي أقاموا فيه و اتّخذوه مقرّا و متبوّأ.(3:411)

الفخر الرّازيّ:المراد ب(الأرض)أرض الجنّة،و إنّما عبّر عنه بالإرث لوجوه:

الأوّل:أنّ الجنّة كانت في أوّل الأمر لآدم عليه السّلام،لأنّه تعالى قال: وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما البقرة:

35،فلمّا عادت الجنّة إلى أولاد آدم كان ذلك سببا لتسميتها بالإرث.

الثّاني:أنّ هذا اللّفظ مأخوذ من قول القائل:هذا أورث كذا و هذا العمل أورث كذا،فلمّا كانت طاعتهم قد أفادتهم الجنّة،لا جرم قالوا: وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ و المعنى أنّ اللّه تعالى أورثنا الجنّة بأن وفّقنا للإتيان بأعمال أورثت الجنّة.

الثّالث:أنّ الوارث يتصرّف فيما يرثه كما يشاء من غير منازع و لا مدافع،فكذلك المؤمنون المتّقون يتصرّفون في الجنّة كيف شاءوا و أرادوا،و المشابهة علّة حسن المجاز.(27:23)

البيضاويّ: يريدون المكان الّذي استقرّوا فيه على الاستعارة.و إيراثها تمليكها مخلّفة عليهم من أعمالهم،أو تمكينهم من التّصرّف فيها تمكين الوارث فيما يرثه.(2:329)

مثله البروسويّ.(8:146)

القرطبيّ: أي أرض الجنّة.

و قيل:إنّها أرض الدّنيا على التّقديم و التّأخير.

(15:287)

الآلوسيّ:يريدون المكان الّذى استقرّوا فيه،فإن كانت أرض الآخرة الّتي يمشي عليها تسمّى أرضا حقيقة

ص: 156

فذاك،و إلاّ فإطلاقهم(الأرض)على ذلك من باب الاستعارة تشبيها له بأرض الدّنيا،و الظّاهر الأوّل.

و حكي عن قتادة،و ابن زيد،و السّدّيّ:أنّ المراد أرض الدّنيا،و ليس بشيء.

و إيراثها تمليكها مخلّفة عليهم من أعمالهم،أو تمكينهم من التّصرّف فيها تمكين الوارث فيما يرثه،بناء على أنّه لا ملك في الآخرة لغيره عزّ و جلّ،و إنّما هو إباحة التّصرّف و التّمكين ممّا هو ملكه جلّ شأنه.

و قيل:ورثوها من أهل النّار،فإنّ لكلّ منهم مكانا في الجنّة كتب له بشرط الإيمان.(24:35)

الطّباطبائيّ: المراد ب(الأرض)-على ما قالوا- أرض الجنّة،و هي الّتي عليها الاستقرار فيها.و قد تقدّم في أوّل سورة المؤمنون أنّ المراد بوراثتهم الجنّة بقاؤها لهم بعد ما كانت في معرض أن يشاركها غيرهم،أو يملكها دونهم،لكنّهم زالوا عنها فانتقلت إليهم.

و قوله: نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ بيان لإيراثهم الأرض،و تبديل ضمير(الأرض)بالجنّة للإشارة إلى أنّها المراد بالأرض.

و قيل:المراد ب(الأرض)هي أرض الدّنيا،و هو سخيف إلاّ أن يوجّه بأن الجنّة هي عقبى هذه الدّار.قال تعالى: أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ الرّعد:22.

(17:298)

5- وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها... الأحزاب:27

عكرمة: كلّ أرض تفتح إلى يوم القيامة.

(الزّمخشريّ 3:258)

الحسن:هي الرّوم و فارس،و ما فتح اللّه عليهم.

(الطّبريّ 21:155)

قتادة: هي مكّة.(الطّوسيّ 8:333)

مقاتل: هي خيبر.(الزّمخشريّ 3:258)

مثله يزيد بن رومان،و ابن زيد.

(الطّوسيّ 8:333)

يعني حنين،و لم يكونوا نالوها،فوعدهم اللّه إيّاها.

(القرطبيّ 14:161)

الطّبريّ: اختلف أهل التّأويل فيها،أيّ أرض هي؟فقال بعضهم:هي الرّوم و فارس،و نحوها من البلاد الّتي فتحها اللّه بعد ذلك على المسلمين.

و قال آخرون:هي مكّة.و قال آخرون:بل هي خيبر.

و الصّواب من القول في ذلك أن يقال:إنّ اللّه تعالى ذكره أخبر أنّه أورث المؤمنين من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أرض بني قريظة و ديارهم و أموالهم،و أرضا لم يطئوها يومئذ،و لم تكن مكّة و لا خيبر،و لا أرض فارس و الرّوم و لا اليمن،ممّا كان وطئوه يومئذ،ثمّ وطئوا ذلك بعد،و أورثهموه اللّه،و ذلك كلّه داخل في قوله: وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها لأنّه تعالى ذكره لم يخصص من ذلك بعضا دون بعض.(21:155)

الزّمخشريّ: من بدع التّفاسير أنّه أراد نساءهم.

(3:258)

الفخر الرّازيّ: قيل:المراد القلاع.

و قيل:المراد الرّوم و أرض فارس.

و قيل:كلّ ما يؤخذ إلى يوم القيامة، وَ كانَ اللّهُ عَلى

ص: 157

كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً الأحزاب:27،هذا يؤكّد قول من قال:إنّ المراد من قولهم: وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها هو ما سيؤخذ بعد بني قريظة.و وجهه هو أنّ اللّه تعالى لمّا ملّكهم تلك البلاد و وعدهم بغيرها،دفع استبعاد من لا يكون قويّ الاتّكال على اللّه تعالى،و قال:أ ليس اللّه ملّككم هذه فهو على كلّ شيء قدير يملّككم غيرها.(25:204)

الآلوسيّ: قيل:اليمن.و قال عروة:لا أحسبها إلاّ كلّ أرض فتحها اللّه تعالى على المسلمين،أو هو عزّ و جلّ فاتحها إلى يوم القيامة.و الظّاهر أنّ العطف على (أرضهم).

و استشكل بأنّ«الإرث»ماض حقيقة بالنّسبة إلى المعطوف عليه،و مجازا بالنّسبة إلى هذا المعطوف، و أجيب بأنّه يراد ب(أورثكم)أورثكم في علمه و تقديره؛ و ذلك متحقّق فيما وقع من الإرث كأرضهم و ديارهم و أموالهم،و فيما لم يقع بعد كإرث ما لم يكن مفتوحا وقت نزول الآية.

و قدّر بعضهم أورثكم في جانب المعطوف مرادا به يورثكم،إلاّ أنّه عبّر بالماضي لتحقّق الوقوع،و الدّليل المذكور،و استبعد دلالة المذكور عليه لتخالفهما حقيقة و مجازا.

و قيل:الدّليل،ما بعد من قوله تعالى: وَ كانَ اللّهُ إلخ،ثمّ إذا جعلت«الأرض»شاملة لما فتح على أيدي الحاضرين،و لما فتح على أيدي غيرهم ممّن جاء بعدهم،لا يخصّ الخطاب الحاضرين كما لا يخفى.

و من بدع التّفاسير أنّه أريد بهذه الأرض نساؤهم، و عليه لا يتوهّم إشكال في العطف.(21:180)

الطّباطبائيّ: هي أرض خيبر أو الأرض الّتي أفاء اللّه ممّا لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب.

و أمّا تفسيرها بأنّها كلّ أرض ستفتح إلى يوم القيامة،أو أرض مكّة أو أرض الرّوم و فارس،فلا يلائمه سياق الآيتين.(18:291)

نحوه فضل اللّه.(16:291)

تبدّل الأرض

يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ...

إبراهيم:48

النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:يبدّل اللّه(الأرض)غير الأرض، (و السّماوات)فيبسطها و يمدّها مدّ الأديم العكاظيّ لا ترى فيها عوجا و لا أمتا،ثمّ يزجر اللّه الخلق زجرة،فإذا هم في هذه المبدّلة مثل مواضعهم من الأولى،ما كان في بطنها كان في بطنها،و ما كان على ظهرها كان على ظهرها.

يحشر النّاس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النّقيّ ليس فيها معلم لأحد.

(الطّبرسيّ 3:324)

المتحابّون في اللّه عزّ و جلّ يوم القيامة على أرض زبرجدة خضراء،في ظلّ عرشه عن يمينه،و كلتا يديه يمين.(الكاشانيّ 3:97)

أبيّ بن كعب: إنّ الأرض تصير نيرانا.

(المراغيّ 13:169)

ابن مسعود: تبدّل أرضا بيضاء نقيّة كأنّها فضّة، لم يسفك فيها دم حرام،و لم يعمل فيها خطيئة.

ص: 158

نحوه أنس بن مالك،و مجاهد،و عمرو بن ميمون.

(الطّبريّ 13:250)

الأرض كلّها يوم القيامة نار و الجنّة من ورائها،ترى كواعبها و أكوابها و يلجم (1)النّاس العرق،أو يبلغ منهم العرق،و لم يبلغوا الحساب.(الطّبريّ 13:251)

الإمام عليّ عليه السّلام:الأرض من فضّة،و الجنّة من ذهب.و في رواية:و السّماء من ذهب.

نحوه أنس بن مالك،و ابن عبّاس.

(الطّبريّ 13:251)

ابن عبّاس: هي تلك الأرض،و إنّما تغيّر.[ثمّ استشهد يشعر](أبو حيّان 5:439)

تمدّ كما يمدّ الأديم،و تزال عنها جبالها و آكامها و شجرها و جميع ما فيها،حتّى تصير مستوية لا ترى فيها عوجا و لا أمتا.

و تبدّل(السّماوات)بتكوير شمسها و انتثار كواكبها و انشقاقها،و خسوف قمرها.(أبو حيّان 5:439)

الإمام السّجّاد عليه السّلام: تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ يعني بأرض لم تكسب عليها الذّنوب،بارزة ليس عليها جبال و لا نبات،كما دحاها أوّل مرّة.

(الكاشانيّ 3:97)

سعيد بن جبير: هي أرض من خبز يأكل منها المؤمنون من تحت أقدامهم.

مثله محمّد بن كعب.(أبو حيّان 5:439)

الضّحّاك: أرضا من فضّة بيضاء كالصّحائف.

(أبو حيّان 5:439)

الحسن: يحشرون على الأرض السّاهرة،و هي أرض غير هذه،و هي أرض الآخرة،و فيها تكون جهنّم.(الطّبرسيّ 3:325)

الإمام الباقر عليه السّلام: (تبدّل الارض)خبزة نقيّة يأكل النّاس منها حتّى يفرغوا من الحساب.

(الكاشانيّ 3:96)

مثله عن الإمام الصّادق عليه السّلام.(الطّبرسيّ 3:325)

الطّبريّ: اختلف في معنى قوله: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ فقال بعضهم:معنى ذلك يوم تبدّل الأرض الّتي عليها النّاس اليوم،في دار الدّنيا غير هذه الأرض،فتصير أرضا بيضاء كالفضّة.

و قال آخرون:بل تبدّل الأرض أرضا من فضّة.

و أولى الأقوال في ذلك بالصّواب قول من قال:معناه يوم تبدّل الأرض الّتي نحن عليها اليوم يوم القيامة غيرها،و كذلك السّماوات اليوم تبدّل غيرها،كما قال جلّ ثناؤه.

و جائز أن تكون المبدّلة أرضا أخرى من فضّة، و جاز أن تكون نارا،و جائز أن تكون خبزا،و جائز أن تكون غير ذلك.و لا خبر في ذلك عندنا من الوجه الّذي يجب التّسليم له،أيّ ذلك يكون،فلا قول في ذلك يصحّ إلاّ ما دلّ عليه ظاهر التّنزيل.(13:249)

ابن الأنباريّ: مرّة كالمهل،و مرّة وردة كالدّهان.

(أبو حيّان 5:439)

ابن عطيّة: سمعت من أبي رضي اللّه عنه،روى أنّ التّبديل يقع في(الأرض)و لكن تبدّل لكلّ فريق بما يقتضيه حاله،فالمؤمن يكون على خبز يأكل منه بحسبم.

ص: 159


1- يبلغ أفواههم.

حاجته إليه،و فريق يكونون على فضّة إن صحّ السّند بها،و فريق الكفرة يكونون على نار و نحو هذا،و كلّه واقع تحت قدرة اللّه تعالى.

و في الحديث:المؤمنون وقت التّبديل في ظلّ العرش،و فيه أنّهم ذلك الوقت على الصّراط.

(أبو حيّان 5:439)

الطّبرسيّ: قيل:تبدّل الأرض لقوم بأرض الجنّة و لقوم بأرض النّار.(3:325)

النّيسابوريّ: التّأويل:يوم تبدّل أرض البشريّة بأرض القلوب،فتضمحلّ ظلماتها بأنوار القلوب، و تبدّل سماوات الأسرار بسماوات الأرواح،فإنّ شموس الأرواح إذا تجلّت لكواكب الأسرار انمحت أنوار كواكبها بسطوة أشعّة شموسها،بل تبدّل أرض الوجود المجازيّ عند إشراق تجلّي أنوار هويّته بحقائق أنوار الوجود الحقيقيّ،كما قال: وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها الزّمر:69،و حينئذ بَرَزُوا لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ إبراهيم:48،فإنّ شموس الأرواح تصير مقهورة في تجلّي نور الألوهيّة.(13:142)

البروسويّ: نقل القرطبيّ عن صاحب الإفصاح أنّ«الأرض و السّماء»تبدّلان مرّتين:

المرّة الأولى تبدّل صفتهما فقط،و ذلك قبل نفخة الصّعق،فتتناثر كواكبها و تخسف الشّمس و القمر،أي يذهب نورهما،و يكون مرّة كالدّهان و مرّة كالمهل، و تكشف الأرض و تسير جبالها في الجوّ كالسّحاب، و تسوّى أوديتها و تقطّع أشجارها و تجعل قاعا صفصفا، أي بقعة مستوية.

و المرّة الثّانية تبدّل ذاتهما،و ذلك إذا وقفوا في المحشر فتبدّل الأرض بأرض من فضّة لم يقع عليها معصية، و هي السّاهرة،و السّماء تكون من ذهب،كما جاء عن عليّ رضي اللّه عنه.(4:436)

نحوه الآلوسيّ.(13:154)

المراغيّ: أي إنّه تعالى ذو انتقام يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ بأن تتطاير هذه الأرض كالهباء و تصير كالدّخان المنتشر،ثمّ ترجع أرضا أخرى بعد ذلك،و تبدّل السّماوات بانتشار كواكبها و انفطارها و تكوير شمسها و خسوف قمرها.[إلى أن قال:]

و هذه الآية الكريمة من معجزات القرآن الّتي أيّدها العلم الحديث و انطبقت عليه أشدّ الانطباق،فعلماء الفلك الآن يقولون:إنّ الأرض و الشّمس و سائر الكواكب السّيّارة كانت فيما مضى كرة ناريّة حارّة طائرة في الفضاء،و دارت على محورها ملايين السّنين، ثمّ تكوّنت منها الشّمس،و بعد ملايين أخرى فصلت منها السّيّارات و منها الأرض،و بعد مئات الألوف انفصلت عنها الأقمار.

و لا شكّ أنّ هذه الحال بعينها ستعاد كرّة أخرى،أي أنّ الأرض و الكواكب و الشّمس بعد ملايين السّنين ستنحلّ مرّة أخرى،و يذوب ذلك الموجود كلّه، و يتطاير في الفضاء حقبة من الزّمن،ثمّ تعاد كرّة أخرى و تكون شمس غير هذه الشّمس و أرض غير هذه الأرض و سماوات غير هذه السّماوات.[إلى أن قال:]

و على الجملة فقد اتّفق العلم الحديث مع الآيات و الأحاديث على أنّ الأرض تصير نارا،و أنّ النّاس

ص: 160

لا يكونون عليها،بل هناك ما هو أعجب،و هو ما روي عن ابن مسعود و أنس رضي اللّه عنهما،من قولهما:

يحشر النّاس على أرض بيضاء لم يخطئ عليها أحد خطيئة و لا بدع في أن تكون أرضا جديدة لم يسكنها أحد،بل تخلق خلقا جديدا.(13:168)

الطّباطبائيّ: للمفسّرين في معنى«تبدّل الأرض و السّماوات»أقوال مختلفة:

فقيل:تبدّل الأرض فضّة و السّماوات ذهبا،و ربّما قيل:إنّ الأرض تبدّل من أرض نقيّة كالفضّة، و السّماوات كذلك.

و قيل:تبدّل الأرض نارا و السّماوات جنانا.

و قيل:تبدّل الأرض خبزة نقيّة،تأكل النّاس منها طول يوم القيامة.

و قيل:تبدّل الأرض لكلّ فريق ممّا يقتضيه حاله، فتبدّل لبعض المؤمنين خبزة يأكل منها ما دام في العرصات،و لبعض آخر فضّة.و تبدّل للكافر نارا.

و قيل:«التّبديل»هو أنّه يزاد في الأرض و ينقص منها،و تذهب آكامها و جبالها و أوديتها و شجرها، و تمدّ مدّ الأديم،و تصير مستوية لا ترى فيها عوجا و لا أمتا،و تتغيّر السّماوات بذهاب الشّمس و القمر و النّجوم ،و بالجملة يتغيّر كلّ من الأرض و السّماوات عمّا هو عليه في الدّنيا من الصّفات و الأشكال.

و منشأ اختلافهم في تفسير«التّبديل»اختلاف الرّوايات الواردة في تفسير الآية،مع أنّ الرّوايات لو صحّت و اتّصلت كان اختلافها أقوى شاهد على أنّ ظاهرها غير مراد،و أنّ بياناتها واقعة موقع التّمثيل للتّقريب.

و التّدبّر الكافي في الآيات الّتي تحوم حول«تبديل الأرض و السّماء»يفيد أنّ أمر«التّبديل»أعظم ممّا تتصوّره من بسط الجبل على السّهل،أو تبديل التّراب فضّة أو خبزا نقيّا مثلا،كقوله تعالى: وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها الزّمر:69،و قوله: وَ سُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً النّبأ:20،و قوله: وَ تَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ النّمل:88،إن كانت الآية ناظرة إلى يوم القيامة،إلى غير ذلك من الآيات.

فالآيات تنبئ عن نظام غير هذا النّظام الّذي نعهده، و شئون دون ما نتصوّره،فإشراق الأرض يومئذ بنور ربّها غير إشراق بسيطها بنور الشّمس أو الكواكب أو غيرها،و سير الجبال ينتهي عادة إلى زوالها عن مكانها، و تلاشيها مثلا،لا إلى كونها سرابا.(12:88)

فضل اللّه: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ، و هو أمر حدّثنا اللّه عنه في أكثر من آية، تصويرا لفناء الأرض عبر تحوّلها إلى غبار منتشر،أو إلى قاع صفصف،و تحوّل السّماء إلى كون تتناثر فيه الكواكب و تتساقط،و غير ذلك ممّا لم يوضح لنا تفاصيله،و ممّا لا نستطيع تصوّره بشكل واضح،لأنّنا لا نملك النّموذج الّذي نستطيع وعي الصّورة من خلا،في وقفة مواجهة حاسمة لنتائج أعمالهم في الدّنيا،من خير و شرّ؛حيث يعذّب اللّه الكافر بكفره،و يثيب المؤمن بإيمانه.

(13:130)

و ستأتي نصوص اخرى مرتبطة بالبحث في مادّة

ص: 161

«ب د ل»،فراجع.

إشراق الأرض بنور ربّها

وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها... الزّمر:69

الفخر الرّازيّ:(الأرض)المراد منه الأرضون السّبع،و يدلّ عليه وجوه:

الأوّل:قوله: جَمِيعاً الزّمر:67،فإنّ هذا التّأكيد لا يحسن إدخاله إلاّ على الجمع،و نظيره قوله:

كُلُّ الطَّعامِ آل عمران:93،و قوله تعالى: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ النّور:

31،و قوله تعالى: وَ النَّخْلَ باسِقاتٍ ق:10،و قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ العصر:2،3.

فإنّ هذه الألفاظ الملحقة باللّفظ المفرد تدلّ على أنّ المراد منه الجمع،فكذا هاهنا.

و الثّاني:أنّه قال بعد: وَ السَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ الزّمر:67،فوجب أن يكون المراد بالأرض:الأرضون.

الثّالث:أنّ الموضع موضع تعظيم و تفخيم،فهذا مقتضى المبالغة.(27:16)

أبو حيّان: (الأرض)في هذه الآية:الأرض المبدّلة من الأرض المعروفة.(7:441)

البروسويّ: أرض الوجود بنور ربّها إذا تجلّى.

(8:140)

الآلوسيّ: أي أرض المحشر،و هي الأرض المبدّلة من الأرض المعروفة.

و في الصّحيح:يحشر النّاس على أرض بيضاء عفراء كقرصة النّقيّ ليس فيها علم لأحد و هي أوسع بكثير من الأرض المعروفة.

و في بعض الرّوايات:أنّها يومئذ من فضّة، و لا يصحّ.(24:29)

الطّباطبائيّ: هذا الإشراق و إن كان عامّا لكلّ شيء يسعه النّور،لكن لمّا كان الغرض بيان ما للأرض و أهلها يومئذ من الشّأن خصّها بالبيان،فقال:

وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها. و ذكره تعالى بعنوان ربوبيّة الأرض،تعريضا للمشركين المنكرين لربوبيّته تعالى للأرض و ما فيها.

و المراد ب(الأرض)مع ذلك:الأرض و ما فيها و ما يتعلّق بها،كما تقدّم أنّ المراد ب(الأرض)في قوله:

وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ... الزّمر:67،ذلك.

(17:295)

فضل اللّه: وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها، و انفتحت كلّ السّاحات أمام النّاظرين،فلا شيء يحجب شيئا منها عن شيء،و لا مجال للحواجز المنتصبة في الآفاق ممّا يمنع عن الرّؤية،و قد يكون المقصود من «النّور»هنا:المعنى الحسّيّ الّذي يوحي بالإضاءة الطّبيعيّة،بما يخلقه اللّه من الوسائل الّتي تحقّق ذلك،أو بالتّجلّي الإلهيّ للأرض،كما يتجلّى لفصل القضاء.و قد يكون المقصود منه العدل الّذي تضيء به الحياة أو الحقّ و البرهان،بما يقيمه اللّه فيها من الحقّ و العدل،و يبسطه من القسط في الحساب و وزن الحسنات و السّيّئات،أو انكشاف الغاء و ظهور الأشياء بحقائقها و بروز الأعمال من خير أو شرّ أو طاعة و معصية،أو حقّ أو باطل للنّاظرين.و لمّا كان إشراق الشّيء هو ظهوره بالنّور،فلا

ص: 162

ريب أنّ مظهره يومئذ هو اللّه سبحانه؛إذ الأسباب ساقطة دونه،فلأشياء مشرقة بنور مكتسب منه.

و ربّما لا يكون الأمر بحاجة إلى كلّ هذه التّوجيهات، لأنّ المسألة المطروحة هي أنّ اللّه سبحانه هو الّذي يصلّ بنوره الّذي تشرق به الأرض،لتكون الكلمة كلمة الّتي يشعر الجميع هناك في أرض المحشر بأنّ اللّه هو-وحده- الّذي يملك الأمر كلّه،و يشرق نوره على السّاحة كلّها.

(19:362)

[و ستأتي مباحث دكّ الأرض و حملها و خرقها و...

لاحظ موادّها]

الأصول اللّغويّة

1-الأصل في«الأرض»هو الجرم الّذي يعيش عليه الإنسان المقابل للسّماء،و به جاء في السّماع عن العرب و في القرآن،و منه تفرّعت سائر المعاني و المشتقّات في استعمالات تذكر فيما يلي:

أ-أرض الفرس:قوائمه،لأنّها تمسّ الأرض و تؤثّر فيها،أو لأنّها مقابلة لأعلاه.

ب-الأرض:سفلة البعير و الدّابّة لما ذكر،و قد يعبّر بها عن أسفل كلّ شيء كما يعبّر بالسّماء عن أعلاه،و منه أرض الإنسان:ركبتاه فما أدناهما،و أرض النّعل:

ما أصاب الأرض منها.

ج-فلان ابن أرض،أي غريب لا يعلم أنّه من أيّ أرض.

د-الأرض:الرّعدة و النّفضة-و هي مرض-تشبيها برعدة الأرض و زلزالها،و جعله ابن فارس أصلا،و كذا الزّكام إلى جانب معناها الأصليّ.

ه-الأرض:دوار يأخذ في الرّأس عن اللّبن فيهراق له الأنف و العينان،فيتخيّل أنّ الأرض تدور حوله.

و-الأرض:الزّكام؛لأنّ المزكوم يهراق له الأنف و العينان،و يعرض له الصّداع،و قد يتخيّل دوران الأرض حوله.و يحسن فيه و فيما قبله التّشبيه بالأنهار الجارية من أعالي الأرض إلى أسافلها،كما يقال:جرت عيني كالسّيل.

ز-روضة أريضة:واسعة الوطء،و هو من قبيل شعر شاعر،فإنّ الأرض واسعة.و الأريضة:الأرض السّهلة و الخضرة المعجبة للعين،و منه:ما آرض هذا المكان!أي ما أحسن أرضه و أطيبها و أكثر عشبها! و منه:أرض أريضة:كثيرة النّبات خصبة حسنة النّبات، و منه:امرأة أريضة:الولود،تشبيها لها بالأرض الكثيرة الخيرات.

ح-الأرضة:دويبّة تأكل الخشب،و أصلها من الأرض،و منه:أرض العود فهو مأروض،أي أصابته الأرضة.

ط-و أرضت القرحة:فسدت حتّى اتّسعت مثل الأرض،أو جعلت صاحبها حليف الأرض.

ي-أراضوا،أي روّوا،حتّى تثاقلوا إلى الأرض من كثرة شرب الماء.

ك-بي أرض فآرضوني،أي داووني،لأنّ المرض أثقله إلى الأرض.

ل-المؤرّض:الّذي يرعى كلأ الأرض.

م-الإراض:البساط،و لا تطلق إلاّ على البساط

ص: 163

الملقى على الأرض،و منه:أراض،أي نام على الإراض أو الأرض،و استأرض،أي انبسط و استلقى كالبساط، و أرض،أي تفشّى و اتّسع مثل الأرض،و منه:

استأرض السّحاب،أي انبسط مثل الأرض.

ن-جدي أريض:سمين،كأنّه كتلة من التّراب و ذرورة من الأرض،أو كالأرض المثمرة،مثل امرأة أريضة.

س-يتأرّضون المنزل:يرتادون أرضا نزلوا فيها لرعي النّعاج.

ع-التّأرّض:التّثاقل إلى الأرض،و كذا التّأريض و التّثقيل و التّلبيث،و منه:قد أرّضه فتأرّض.

ف-فسيل مستأرض:له عرق في الأرض،و لعلّ منه:استأرض السّحاب،أي ثبت و تمكّن مثل الأرض، و منه:لا أرض لك،كما يقال:لا أمّ لك،أي ليس لك أصل و عرق متجذّر.

ص-التّأرّض و التّألّي:الانتظار،لأنّ صاحبه يجلس على الأرض من شدّة التّعب و طول الانتظار، و منه:تأرّضت له و تأنّيت له.

ق-ما تأرّض:لم يلزم الأرض.

ر-و رجل أريض:متواضع مثل الأرض،أو جلس على تراب الأرض.

ش-و في الحديث:«لا صيام لمن لم يؤرّضه من اللّيل»أي لم يهيّئه بالنّيّة؛من أرضت المكان،إذا سوّيته و هيّأته.

2-الأرض:اسم جنس مؤنّث سماعيّ،يشعر بالسّفل في مقابل العلوّ،و لها استعمالات مجازيّة كما تقدّم،و لها مفاهيم متعدّدة بحسب ما ضمّ إليها،كما يأتي في الاستعمال القرآنيّ.

3-جمعت كلمة«أرض»على عشر صيغ:أرضات، أرضات،أرضون،أرضون،أروض،آراض،أرض، آرض،أراض،أرض.

و لعلّ الحريريّ قد اشتبه عليه الأمر إذ رأى أنّ أراضي على وزن«أفاعل»و الحال أنّ الهمزة أصليّة،إذ هي على وزن«فعالي»و هو من جمع الجمع.

و لم يستعمل الجمع لكلمة«الأرض»في الجاهليّة إلاّ قليلا،مثال ذلك قول قسّ بن ساعدة الأياديّ:

«اللّهمّ ربّ السّماوات الأرفعة،و الأرضين الممرعة»ثمّ كثر استعماله فيما بعد كما نجد ذلك في الحديث النّبويّ الشّريف و الأدعية المرويّة عن البيت النّبويّ،إضافة إلى«نهج البلاغة».

و من هنا نستدلّ على فصاحة جمع«أرضون»مع فصاحة كلمة«أرض»بمنزلة الجمع،أو بمعنى الجمع بلا واحد.و لعلّ الجمع جاء لحاجة مستجدّة،كجمع المعاني المشتقّة من الأرض،مثال ذلك:أرضون و أرضات، مرادا بها بعض قطع الأرض و أجزاؤها،أو أرضات، جمع أرضة:الدّويبّة البيضاء.فالأرض كلّ الأرض، و الأرضون أجزاء منها.و أروض و آراض و غيرهما جمع لما اشتقّ من«الأرض»من كلمات.

أمّا في القرآن فلم تأت إلاّ مفردة كما سترى.

ص: 164

الاستعمال القرآنيّ

اشارة

و فيه مباحث:

المبحث الأوّل:جاءت الأرض و السّماوات في مجالات شتّى،و الأرض مؤخّرة«187»مرّة:

1-خلقهما:

وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ الأنعام:73

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ

إبراهيم:19

خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ

الزّمر:5،النّحل:3

خَلَقَ اللّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ

العنكبوت:44،الجاثية:22

ما خَلَقَ اللّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ الرّوم:8

وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ

آل عمران:191

خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ التّغابن:3

ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ الحجر:85،الأحقاف:3

وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ الدّخان:38

إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ الأعراف:54،يونس:3

هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ

هود:7،الحديد:4

اَلَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ الفرقان:59،السّجدة:4

وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ق:38

أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ الإسراء:99

أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى

الأحقاف:33

أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ يس:81

إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ التّوبة:36

وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ... العنكبوت:61

وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ الزّمر:38،لقمان:25

وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الزّخرف:9

اَلْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ الأنعام:1

اَللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً إبراهيم:32

أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً النّمل:60

اَللّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ الطّلاق:12

ص: 165

أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ الطّور:36

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ.. .لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ البقرة:164

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ آل عمران:190

إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ما خَلَقَ اللّهُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ... يونس:6

وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ الرّوم:22

وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ الشّورى:29

ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ الكهف:51

لَخَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ المؤمن:57

2-فطرهما:

قُلْ أَ غَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الأنعام:14

فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ يوسف:101

أَ فِي اللّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ

إبراهيم:10

اَلْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ فاطر:1

قُلِ اللّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الزّمر:46

فاطِرُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً الشّورى:11

قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ الأنبياء:56

إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ الأنعام:79

3-بدعهما:

بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ إِذا قَضى أَمْراً

البقرة:117

بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ الأنعام:101

4-له ما فيهما:

وَ قالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ البقرة:116

وَ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لَهُ الدِّينُ واصِباً

النّحل:52

لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ

البقرة:255،النّساء:171،يونس:68،إبراهيم:

2،طه:6،الحجّ:64،سبأ:1،الشّورى:4،53.

وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ

الأنبياء:19،الرّوم:26

لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ

يونس:55،النّور:64،لقمان:26

لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ

البقرة:284،آل عمران:109،129،النّساء:

126،131،132،النّجم:31.

أَلا إِنَّ لِلّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ

ص: 166

اَلْأَرْضِ يونس:66

قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قُلْ لِلّهِ

الأنعام:12

وَ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ النّساء:131

5-له ملكهما:

أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ البقرة:107،المائدة:40

أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما

ص:10

لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ

الأعراف:158،التّوبة:116،الزّمر:44، الحديد:2،5،البروج:9.

اَلَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً الفرقان:2

وَ تَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما الزّخرف:85

لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ

آل عمران:189،المائدة:17،18،120،النّور:

42،الشّورى:49،الجاثية:27،الفتح:14.

6-خضوعهما له:

وَ كَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها يوسف:105

وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ شَيْئاً النّحل:73

إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً مريم:93

وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ

الجاثية:13

وَ هُوَ اللّهُ فِي السَّماواتِ وَ فِي الْأَرْضِ الأنعام:3

وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ

آل عمران:83

يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ

الرّحمن:29

وَ لَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ

الجاثية:37

فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللّهُ لقمان:16

أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ لقمان:20

لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ سبأ:22

قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ

سبأ:24

إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا

فاطر:41

لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ

الزّمر:63،الشّورى:12

وَ لِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اللّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ آل عمران:180

وَ ما لَكُمْ أَلاّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَ لِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الحديد:10

ص: 167

وَ ما كانَ اللّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ فاطر:44

وَ لِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الفتح:4،7

وَ لِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ المنافقون:7

يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الرّحمن:33

وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ البقرة:255

7-إنّه ربّهما:

قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الرّعد:16

ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ

الإسراء:102

فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ

الكهف:14

رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ مريم:65

قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ الأنبياء:56

فَلِلّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَ رَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ الجاثية:36

قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ الشّعراء:24

رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما

الصّافّات:5،ص:66،الدّخان:7،النّبأ:37

سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ الزّخرف:82

8-تسبيحهما فيهما للّه:

سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الحديد:1

سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ

الحشر:1،الصّفّ:1

تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ

الإسراء:44

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ النّور:41

يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الحشر:24

يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ

الجمعة:1،التّغابن:1

9-سجود ما فيهما للّه:

وَ لِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ

الرّعد:15

وَ لِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ

النّحل:49

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ الحجّ:18

أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ النّمل:25

10-علمه تعالى بما فيهما:

قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ البقرة:33

وَ لِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ

النّحل:77،هود:123

ص: 168

وَ اللّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ

الحجرات:16

إِنَّ اللّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ

فاطر:38

إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ

الحجرات:18

قُلِ اللّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الكهف:26

قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللّهُ النّمل:65

قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ يونس:18

قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الفرقان:6

وَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ

آل عمران:29

ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ المائدة:97

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ المجادلة:7

يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَ ما تُعْلِنُونَ التّغابن:4

وَ رَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ

الإسراء:55

فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللّهُ لقمان:16

لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ سبأ:3

قُلْ كَفى بِاللّهِ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ العنكبوت:52

11-إنّه نور السّماوات و الأرض:

اَللّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ النّور:35

12-عرض الأمانة عليهما:

إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الأحزاب:72

13-سعتهما:

عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ آل عمران:133

عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ

الحديد:21

14-انفطارهما:
اشارة

تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ

مريم:90

و يلاحظ أوّلا:أنّ المراد ب(الأرض)في هذه الآيات كلّها الكرة الأرضيّة في قبال غيرها من الأجرام السّماويّة.

و ثانيا:أنّ المراد ب اَلسَّماواتُ وَ الْأَرْضُ -كما يستأنس من التّدبّر في هذه القائمة القرآنيّة-العالم بأجمعه،أي ما سوى اللّه،و كلّها مخلوق له تعالى،فهذا السّياق اَلسَّماواتُ وَ الْأَرْضُ أينما جاء في القرآن، أريد به كلّ ما خلق اللّه؛لأنّ ما خلق اللّه إمّا هذه الكرة الأرضيّة أو ما فوقها،و ليس وراء السّماوات و الأرض

ص: 169

و ما بينهما مخلوق للّه،و هذا ما يوقف عليه بعد أن يعهد الإنسان القرآن أمدا طويلا.و يؤيّده أنّه لا يوجد في القرآن التّعبير ب«ما فوقها»او«ما تحتها»مع وجود «ما فيهما».

و ثالثا:لعلّ سرّ تقديم(السّماوات)على(الأرض)في تلك الآيات هو الإشارة إلى سعة السّماوات و عظمها و صغر الأرض في جنبها.ثمّ الاهتمام بتوجيه الإنسان إلى الانسلاخ عن هذه الأرض و الابتعاد عنها،و الالتفات إلى جهة العلوّ.ثمّ إنفاذ همّته و توسيع فكره نحو الآفاق الرّحبة،و الإحاطة بها،و كشف أسرارها أوّلا،ثمّ لفت نظره إلى الأرض ثانيا.و بتعبير آخر،الهدف من ذلك هو تفضيل الجانب المعنويّ على الجانب المادّيّ.لكنّ القرآن أتى بكلمة(الأرض)و أضافها إلى(السّماوات)حذرا من أن يهمل الإنسان الأرض الّتي فيها و منها خلقه،و إليها معاده،و فيها معاشه.

و رابعا:جاءت السّماوات و الأرض«166»مرّة مجرّدة-و هي أكثرها-و«20»مرّة مع قوله:(و ما بينهما) و مرّة مع قوله: وَ ما خَلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ الأعراف:

185،و هذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ المراد بالجميع-كما قلنا-هو العالم بأجمعه،إلاّ أنّ السّياق قد يقتضي تفصيلا و توضيحا أكثر،فأضيف إلى اَلسَّماواتُ وَ الْأَرْضُ قوله: وَ ما بَيْنَهُما أو وَ ما خَلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ أو ما يجري مجراه،فلنلاحظ نموذجا من الآيات:

1- أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما خَلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ الأعراف:185

2- اَلَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ الفرقان:59

3- وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ق:38

4- ما خَلَقَ اللّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ الرّوم:8

5- ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ الحجر:85،الأحقاف:3

6- وَ تَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما الزّخرف:85

فالآية«1»فيها ترغيب للنّاس أن ينظروا في واقع السّماوات و الأرض،و كلّ ما خلق اللّه من شيء،فالنّظر يستدعي الاستيعاب لكلّ ما خلق اللّه واحدا بعد آخر.

و هناك وجه آخر في الآية،و هو أنّ النّظر قسمان:نظر إلى ملكوت السّماوات و الأرض إجمالا على النّحو الكلّيّ، و نظر إلى ما فيهما تفصيلا.و صدر الآية يدعو إلى الأوّل، و ذيلها إلى الثّاني.

و الآيتان«2 و 3»بصدد بيان أنّ السّماوات و الأرض بما فيهما من المخلوقات إنّما خلقهما اللّه في ستّة أيّام فقط.و هذا أبلغ في تجسيم سعة قدرة اللّه،و أوقع في النّفوس.

و الآيتان«4 و 5»بصدد بيان أنّ اللّه لم يخلق شيئا إلاّ بالحقّ،و ذلك يعلم بالنّظر إلى السّماوات و الأرض إجمالا،و إلى ما بينهما تفصيلا.

و كذلك الآية«6»بصدد إثبات عظمة ملك اللّه، و أنّه مبارك كثير الخيرات،فينبغي النّظر إليه إجمالا

ص: 170

و تفصيلا.

و خامسا:أضيفت إلى خلق السّماوات و الأرض في بعض الآيات أمور أخرى من صنيع فعله تعالى:

1- وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ التّغابن:3

2- وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ العنكبوت:61

3- وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ الأنعام:1

4- وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً إبراهيم:32

5- وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً النّمل:60

6- وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ

البقرة:164،آل عمران:190

7- وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ الرّوم:22

8- وَ ما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ الشّورى:29

9- وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ الكهف:51

10- أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ المؤمن:57

11- يُحْيِي وَ يُمِيتُ التّوبة:116

12- وَ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً الفرقان:2

و نحو ذلك،و في ذلك تعميم لقدرته،و بسط لسلطانه،و ضرب للأمثال،و تفصيل للآيات بعد الإجمال.

و سادسا:تهدف هذه القائمة من الآيات جميعا-مع ما فيها من اختلاف السّياق-إلى توصيفه تعالى بإحدى صفات الجمال و الجلال كما يأتي:

أ-عظم قدرته و ربوبيّته و سعة ملكه و سلطانه

في صيغ مختلفة:

1- خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ.

2-فاطر السّماوات و الأرض أو فطرهنّ.

3- بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ.

و يلفت النّظر هنا أمران:

أحدهما:الفرق بين الثّلاث مع اشتراكها في إفادة معنى الإيجاد،أنّ الخلق بمعنى الإيجاد،أو كما قيل:إيجاد الشّيء من شيء،و لهذا قال: خُلِقَ الْإِنْسانُ دون «بديع الإنسان»،لأنّ الإنسان خلق من مادّة سبقته، فالخلق صريح فيه لا في الابتداء و الاختراع،و لكنّ الفطر و البدع بالعكس،إذ هما صريحان في الابتداء يفهم الإيجاد منهما مع الفرق فيما بينهما،و هو أنّ الفطر مجاز فيه، لأنّه في الأصل بمعنى الشّقّ،فكأنّه شقّ العدم و أخرج منه الموجودات،و البدع حقيقة فيه،لأنّه كما قيل:إيجاد الشّيء من لا شيء،أو بتعبير أصحّ إيجاد الشّيء لا من شيء.و قيل:العناية في البدع بنفي المثال السّابق،و في الفطر بطرد العدم.لاحظ«خ ل ق،ب د ع،ف ط ر».

و ثانيهما:هناك فرق بين الثّلاث في الصّيغ الّتي جاءت في الآيات:

ففي الخلق جاء دائما خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ بصيغة الفعل الماضي،و لم يأت حتّى مرّة واحدة«خالق السّماوات و الأرض»نعم جاء خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ أربع مرّات:

لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ الأنعام:102

ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ

المؤمن:62

اَللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ

الزّمر:62

قُلِ اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ الْواحِدُ

ص: 171

اَلْقَهّارُ الرّعد:16

و في الفطر جاء«5»مرّات فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و مرّتين(فطر)،و في البدع جاء مرّتين بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ دون بدع أو أبدع السّماوات و الأرض،فما هو السّرّ في ذلك؟نترك الباب مفتوحا للتّفكّر و النّظر و إبداء الرّأي لمن يتدبّر.[ لاحظ:

«ب د ع»،و«ف ط ر»]

4- لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ.

5- لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ.

6- لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ.

7- رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ.

8-«يسجد لله ما في السماوات و الأرض.»

9-«يسبح لله ما في السماوات و الأرض.»

10- وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ.

11-«ففزع من في السماوات و الأرض.»

12-«فصعق من في السماوات و الأرض.»

13- وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ.

و الجدير بالذّكر أنّ هذه الصّيغ تعبير عن قدرته و ربوبيّته إيماء أو تصريحا:

فقوله: رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ صريح في ربوبيّته تعالى و إيماء إلى ملكه و سلطانه.

و قوله: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ صريح في سعة ملكه و سلطانه و إيماء إلى ربوبيّته.

و كذلك(له ما)أو(من)في السّماوات و الأرض.

أمّا السّجود و التّسبيح و التّسليم للّه فتكشف عن شمول رحمته الملازمة لبسط سلطانه إذا كانت صادرة عن شعور و اختيار،و إن صدرت قهرا و تكوينا فتكشف عن سعة سلطانه و ملكه.

و أمّا فزع من في السّماوات و الأرض و صعقهم،فهو تعبير عن شعور منهم عند قيام السّاعة.

و أمّا سعة كرسيّه السّماوات و الأرض فتعبير بليغ عن بسط قدرته و عظم تدبيره.

ب-إحاطة علمه في صور شتّى:

1-علمه غيب السّماوات و الأرض،أو له غيب السّماوات و الأرض.

2-علمه بالسّرّ في السّماوات و الأرض.

3-علمه بما في السّماوات و الأرض.

4-لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السّماوات و الأرض.

5-إتيانه بكلّ ما في السّماوات و الأرض.

و معلوم أنّها متفاوتة ظهورا و خفاء و شمولا و عموما.

فالعلم بغيب السّماوات و الأرض أظهر و أشمل من:

له غيب السّماوات و الأرض،و كذلك العلم بسرّ السّماوات و الأرض أوضح و أدقّ من:العلم بما في السّماوات و الأرض.و إتيانه بكلّ ما في السّماوات و الأرض صريح في عموم قدرته؛و إيماء إلى شمول علمه لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ سبأ:3،صريح في أنّه لا يخفى عليه شيء،و هو كالصّريح في شمول علمه لها.

[لاحظ:«ع ل م»و«غ ى ب»و«ع ز ب»]

ج-شمول رحمته في صيغتين:

1-خلقه ما خلق للإنسان.

2-تسخيره السّماوات و الأرض للإنسان.

ص: 172

و اللاّم في الموضعين للنّفع و الرّحمة،و يلزمها شمول ربوبيّته و بسط سلطانه.

و سابعا:جاء الخلق محدودا بستّة أيّام،«6»مرّات، و هو إمّا لبيان نفاذ القدرة؛حيث خلقهما مع عظمتهما في ستّة أيّام لا أكثر،أو لبيان أنّه تعالى يراعي الحكمة و المصلحة في خلقه،فقد كان قادرا على خلقهما في لحظة، و لكنّه لم يستعجل؛فخلقهما في ستّة أيّام.

و ثامنا:جاء الخلق مقيّدا بالحقّ في«7»آيات، و هذا يزيد على بسط قدرته و وصفه بالحكمة،و أنّ كلّ ما صدر منه فهو واقع في محلّه،و لأجل غاية معقولة،فهي بمثابة قوله تعالى: وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ الدّخان:38.

و تاسعا:أضيفت إلى السّماوات و الأرض كلمات غير ما ذكر:

1- اَللّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ النّور:35

2- مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الأنعام:75

3- خَزائِنُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ المنافقون:7

4- مِيراثُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ

آل عمران:180،الحديد:10

5- مَقالِيدُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ

الشّورى:12،الزّمر:63

6- جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الفتح:4 و 7

7- أَقْطارِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الرّحمن:33

و هذه كلّها تعابير بليغة عن نفاذ قدرته وسعة ملكه.

و قد تقدّم البحث عن بعضها في النّصوص التّفسيريّة، و التّفصيل موكول إلى موادّها.

المبحث الثّاني:جاءت الأرض متقدّمة على السّماوات«6»مرّات:

1- تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَ السَّماواتِ الْعُلى

طه:4

2 و 3- ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ الأحقاف:4،فاطر:40

4- يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ

إبراهيم:48

5- وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ الزّمر:67

6- قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ...

قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ المؤمنون:84-86

و يلاحظ أنّ تقديم(السّماوات)فيما سبق من الآيات كان في محلّه،لأنّها أهمّ و أعظم من(الأرض)،لا لأنّها خلقت أوّلا،و إنّما أخّرت في هذه الآيات لنكتة:

و النّكتة في الآية«1»تناسب رءوس الآيات،كما يعلم من ملاحظة الآيات في سورة طه.

و في«2 و 3»نفي لشركة الشّركاء في الخلق،ابتداء من الأرض الّتي هي قريبة إلينا و انتهاء بالسّماوات،و هي بعيدة عنّا.

و في«4 و 5»ذكر لتبدّل الأرض و السّماوات أو طيّهما عند قيام السّاعة،ابتداء من الأرض و انتهاء إلى السّماوات،و هي أعظم.

و في«6»احتجاج على المشركين،ابتداء من الأرض القريبة إليهم إلى السّماوات،و هي بعيدة عنهم.

ص: 173

المبحث الثّالث:جاءت الأرض متأخّرة عن السّماء«36»مرّة:

1- وَ ما أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها البقرة:164

2- إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ

يونس:24

3- أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً الحجّ:63

4- وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ المؤمنون:18

5- وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها العنكبوت:63

6- أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً... وَ أَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ الرّعد:17

7- وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ الرّوم:25

8- ...وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ البقرة:164

9- أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَ زَيَّنّاها وَ ما لَها مِنْ فُرُوجٍ* وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها

ق:6،7

10- قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ الأنبياء:4

11- وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَ إِنّا لَمُوسِعُونَ* وَ الْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ

الذّاريات:47،48

12- أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ الحجّ:70

13- أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها...

وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها النّازعات:27-30

14- وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ النّمل:75

15- إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ* وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها وَ حُقَّتْ * وَ إِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ الانشقاق:1-3

16- وَ السَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ* وَ الْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ الطّارق:11،12

17- وَ السَّماءِ وَ ما بَناها* وَ الْأَرْضِ وَ ما طَحاها الشّمس:5،6

18- وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها الرّوم:24

19- أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ الزّمر:21

20- وَ ما أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها الجاثية:5

21- وَ اللّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها النّحل:65

22- كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ الكهف:45

23- وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ الأعراف:96

24- قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أَمَّنْ

ص: 174

يَمْلِكُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ يونس:31

25- وَ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللّهِ النّمل:64

26- هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ فاطر:3

27- فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ الذّاريات:23

28- وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ الأنبياء:16

29- وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلاً ص:27

30- وَ يُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ الحجّ:65

31- أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ الملك:16

32- وَ جَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا الحديد:21

33- وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ

الزّخرف:84

34- فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ الدّخان:29

35- أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ سبأ:9

36- يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ السّجدة:5

و يلاحظ أنّ المراد ب(السّماء)في الجميع جهة العلوّ،و ب(الأرض)جنس الأرض دون الكرة الأرضيّة جميعها؛ حيث إنّ موضوعها:

1-نزول الماء من السّماء إلى الأرض لإحيائها،و هو أكثر.

2-فتح بركات السّماء و الأرض عليهم،و هي نازلة طبعا من السّماء إلى الأرض.

3-رزقهم من السّماء و الأرض،و الرّزق ينزل من السّماء.

4-إنّه لم يخلق السّماء و الأرض عبثا،و السّماء مبدأ الخيرات و موطن أمر اللّه.

5-إنّه يمسك السّماء أن تقع على الأرض.

6-إنّه يدبّر الأمر من السّماء إلى الأرض.

7-قيام السّماء و الأرض بأمره،و أمره ينزل من السّماء بطبيعة الحال.

8-السّحاب المسخّر بين السّماء و الأرض،و هو في جهة العلوّ،فيعدّ من السّماء لمجاورته إيّاها.

9-إنّ اللّه يخسف الأرض بأمر من السّماء.

10-إنّ الجنّة-و هي في السّماء-عرضها كعرض السّماء و الأرض.

11-النّظر إلى ما في السّماء أوّلا ثمّ ما في الأرض.

12-عدم بكاء السّماء و الأرض عليهم كناية عن خسرانهم،و هو بأمر اللّه من السّماء.

13-إنّه يعلم القول و كلّ شيء في السّماء و الأرض، و العلم موطنه موطن الأمر و التّدبير،و هو السّماء.

14-كلّ غائبة في السّماء و الأرض في كتاب،و هو اللّوح المحفوظ.

ص: 175

و بذلك كلّه يعلم وجه إفراد السّماء و تقديمها على الأرض في هذه الآيات.

المبحث الرّابع:جاءت الأرض مع السّماء و هي متقدّمة«20»مرّة:

1- اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَ السَّماءَ بِناءً البقرة:22

2- اَللّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَ السَّماءَ بِناءً المؤمن:64

3- اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَ سَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً طه:53

4- اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَ جَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ* وَ الَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ الزّخرف:10،11

5- وَ جَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَ جَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ* وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً الأنبياء:31،32

6- هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ البقرة:29

7- قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ... ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ

فصّلت:9-11

8- فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ الأنعام:35

9- وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي

هود:44

10- أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ يُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ الحجّ:65

11- وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ العنكبوت:22

12- إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ سبأ:9

13- قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً

الإسراء:95

14- إِنَّ اللّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ آل عمران:5

15- وَ ما يَخْفى عَلَى اللّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ إبراهيم:38

16- وَ ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ يونس:61

17 و 18- يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَ ما يَخْرُجُ مِنْها وَ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ سبأ:2،الحديد:4

19- مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَ أَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً الأنعام:6

20- وَ حُمِلَتِ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً... وَ انْشَقَّتِ السَّماءُ الحاقّة:14-16

و موضوعها أمور:

1-جعل الأرض فراشا و السّماء بناء.

2-جعل الأرض مهدا للإنسان و إنزال الماء من السّماء.

3-جعل السّبل و الرّواسي و الفجاج فجّا للأرض

ص: 176

و جعل السّماء سقفا محفوظا فوق الأرض.

4-خلق الأرض أوّلا ثمّ استوى إلى السّماء.

5-لا يستطيع الإنسان أن يبتغي نفقا في الأرض أو سلّما في السّماء.

6-ليس النّاس بمعجزين في الأرض و لا في السّماء.

7-إنّه يخسف بهم الأرض أو يسقط عليهم كسفا من السّماء.

8-لو كان في الأرض ملائكة لنزّل عليهم من السّماء ملكا رسولا.

9-إنّه يعلم ما يلج في الأرض و ما ينزل من السّماء.

10-لا يخفى عليه شيء في الأرض-و هي قريبة إلينا-و لا في السّماء.

11-إنّه مكّنهم في الأرض ثمّ أرسل عليهم من السّماء ماء مدرارا.

فمن لاحظ ذلك لا يرتاب في وجه تقديم الأرض على السّماء.

المبحث الخامس:جاءت الأرض مجرّدة عن السّماء في مجالات شتّى:

أ-مضافة إلى اللّه:

1- قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها النّساء:97

2- وَ أَرْضُ اللّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ الزّمر:10

3- يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ العنكبوت:56

4 و 5- ...هذِهِ ناقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ هود:64،الأعراف:73

و يلاحظ أوّلا:أنّ الآيات كلّها أريد بها إشعال الرّحمة و إثارة العاطفة؛حيث أمر اللّه عباده بالهجرة و التّقوى و الصّبر،و إطلاق ناقة اللّه و عدم مسّها بسوء.

و يساوقها تصدير الخطاب في الزّمر و العنكبوت،بقوله:

يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا و في آيتي ناقة ثمود بقوله:

يا قَوْمِ فإنّه خطاب عاطفيّ أيضا مشعر بالاستعطاف.

و ثانيا:أنّ(الأرض)في الثّلاث الأولى وصفت بأنّها واسعة،مشعرة بأنّها حيث كانت أرض اللّه فلا بدّ أن تكون واسعة؛لأنّها مضافة إلى القدرة غير المتناهية، و يعادله قوله في(2): إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ

و ثالثا:أنّه نسب(الأرض)إلى نفسه في(3)بعد أن نسب(العباد)إلى نفسه،بقوله: يا عِبادِيَ مباشرة تشريفا لها و لهم،و تناسقا بين أجزاء الخطاب.

و رابعا:هناك تجانس بين صدر الآية(3)و خاتمتها:

يا عِبادِيَ... فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ فالأرض أرض اللّه و هي محلّ عبادة اللّه،كما قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:«جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا».

و خامسا:أنّها موصوفة بالسّعة و منسوبة إلى اللّه الواسع،فلا حرج على العبد أن يعبد اللّه في أيّ أرض يستطيع،فكلّها أرض اللّه وَ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ البقرة:

115.

و سادسا:في آيتي النّاقة،أضيفت(الأرض)إلى (اللّه)كما أضيفت(النّاقة)إلى(اللّه)،و فيه من التّناسق

ص: 177

و التّعاطف ما لا يخفى،أي إنّ النّاقة ناقة اللّه و الأرض أرض اللّه فلا ينبغي منعها من أن تأكل في أرض اللّه.

و سابعا:في الآيتين جميعا توسّط قوله: لَكُمْ آيَةٌ و هذا بمثابة الدّليل على الحكم،أي إذا كانت آية لكم فلا ينبغي الإساءة إليها و منعها من الأكل،بل الجدير بكم الاعتبار و الاهتداء بها إلى معرفة اللّه،و صدق الرّسول.

ب-مضافة إلى ضمير المخاطبين ثلاث مرّات:

1- قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ* يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ الشّعراء:34،35

2- قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ* يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَما ذا تَأْمُرُونَ

الأعراف:109،110

3- قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَ يَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى* فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا... طه:63،64

و يلاحظ أوّلا:أنّ الآيات الثّلاث حسب ترتيبها خطاب من فرعون إلى ملئه،أو من ملئه إلى المصريّين، أو محاورة بين السّحرة.

و ثانيا:أنّ فرعون و ملأه تشبّثوا في خطابهم دائما بالعاطفة القوميّة و العلاقة الأرضيّة،و أثاروها بأنّ موسى يريد ان يخرجكم من أرضكم أي إنّ الأرض لكم لا لموسى و لقومه من بني إسرائيل،و هو الآن عازم على أن يخرجكم من أرضكم.

و ثالثا:أنّهم في الآيات الثّلاث مصرّون على إفهام القوم بأنّ موسى-و معه هارون في(3)-ساحر،ليزيلوا من نفوسهم أثر تلك الآيات البيّنات الّتي أتى بها،و تمام الكلام في«س ح ر».

و رابعا:يعلم منها أنّ هذه الحيلة في إضلال القوم نشأت أوّلا من فرعون إلى ملئه و السّحرة و أنّهم،إنّما اهتدوا إليها و تعلّموها منه،ثمّ خاطبوا بها القوم أو تحاوروها بينهم،و أنّه رأس الحيلة و الضّلالة.

و خامسا:أنّ فرعون و ملأه أرادوا أن يستأمروا القوم حتّى يشعروا الخطر بأنفسهم،فيقوموا جميعا ضدّ موسى صفّا واحدا،ففي«الأعراف و الشّعراء» فَما ذا تَأْمُرُونَ و في طه:64، فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَ قَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى أي تشاوروا فيما بينكم لكي تجتمع كلمتكم و يركّز كيدكم.

و سادسا:جاء الإنذار في آيتي«الأعراف و الشّعراء»بشأن موسى منفردا،و في«طه»بشأنه مع أخيه هارون،و فيه من الدّلالة على تكرير الخطاب منهم،و أنّهم مرّة وجّهوا التّهمة إلى موسى و أخرى إليهما جميعا،لتهويل الخطر على القوم.

ج-مضافة إلى ضمير المتكلّمين ثلاث مرّات:

1- وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا إبراهيم:13

2- قالَ أَ جِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى طه:57

3- وَ قالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا القصص:57

و يلاحظ أوّلا:أنّ الآية الأولى-و هي قول الأمم الماضية لرسلهم-مشعرة بأنّ تخويف الرّسل بإخراجهم

ص: 178

من أرضهم كان حيلة قديمة بين الأمم،و قد توسّلوا بها في شأن موسى عليه السّلام و محمّد صلّى اللّه عليه و آله،فنسبوا الأرض إلى أنفسهم ليبرّروا تهديدهم بإخراج الرّسل عن بلدتهم.

و الثّانية:خطاب من فرعون لموسى متّهما إيّاه بأمرين:أنّه ساحر،و أنّه يريد أن يخرجهم أي القوم جميعا من أرضهم بسحره.فنرى أن قول هذا انعكس في كلام السّحرة،الّذين جمعهم لمقابلة موسى: فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَ أَسَرُّوا النَّجْوى* قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَ يَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى طه:62،63.

و الثّالثة:خطاب موجّه من كفّار قريش إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله.و هو مشعر بأنّ فريقا من الكفّار إنّما لم يؤمنوا خوفا من أن يتخطّفوا من أرضهم،و هذا الخوف نشأ من تهديد الرّؤساء و الملأ إيّاهم أن لو آمنوا بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله لأخرجوهم من بلدتهم.

و ثانيا:كلّها تدلّ على أنّ علاقة الأمم بأرضهم و خوفهم من أن يخرجوا منها كان عمدة ما تشبّث به الجبابرة و ملؤهم،لإثارة العاطفة القوميّة و الوطنيّة بين الأمم،و تحريضهم على الرّسل.

د-مضافة إلى ضمير الغائبين مرّة واحدة:

وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ

الأحزاب:27

و يلاحظ أوّلا:أنّ(ارضهم)وردت مرّة واحدة بشأن أموال بني قريظة؛إذ منّ اللّه بها على المسلمين بعد غزوة الخندق،و قد انتهت الآية بأحسن خاتمة وَ كانَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً تأكيدا بأنّ اللّه قادر على توريثكم أيّ أرض،فالّتي كانت«أرضهم»صارت «أرضكم».

و ثانيا:أنّها هي الآية الوحيدة الّتي نسبت فيها الأرض إلى القوم على لسان اللّه تعالى،و أمّا في غيرها من الآيات فقد رأينا أنّ(أرضكم)و(أرضنا)في القرآن جاءت بلسان الكفّار دائما،و صدر من اللّه مرّة(أرضي) و أضيفت إلى(اللّه)على لسان الملائكة مرّة،و على لسان اللّه مرّة،و على لسان النّبيّ صالح مرّتين.و هذا إن دلّ على شيء فيدلّ أنّ الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده،و ليست ملكا للنّاس.

و ثالثا:أنّ نسبة الأرض إلى بني قريظة من باب الاستخلاف،لورودها على لسان اللّه تعالى،و للتّفريق بينها و بين الأرض الّتي أورثها اللّه للمسلمين،و لم يكونوا قد وطئوها بأقدامهم،و سيفتحها اللّه عليهم،و هي خيبر.و قيل:هي مكّة،أو أرض الرّوم أو فارس.أو كلّ أرض يفتحها اللّه للمسلمين إلى يوم القيامة على خلاف بينهم،و خصّها الطّباطبائيّ بأرض خيبر، وَ ما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ الحشر:6،و هي أرض بني النّظير بحجّة أنّ ما قالوه من التّعميم خلاف سياق الآيتين،فلاحظ.

ه-و جاءت نكرة مرّتين:

اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ يوسف:9

وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها الأحزاب:27

و يلاحظ:أنّ التّنكير في الأولى للتّحقير و التّبعيد،

ص: 179

أي اطرحوه أرضا بعيدة مجهولة خالية من النّاس،كي لا يستطيع أن يعود منها و لا يصل منها خبره.

و في الثّانية إمّا للتّعظيم،أي أرضا لا توصف خيراتها،أو لكونها مجهولة على المخاطبين بدليل توصيفها بقوله: لَمْ تَطَؤُها. و قد تكلّمنا فيها في(د).

المبحث السّادس:و جاءت مفردة دائما مع ورودها«461»مرّة،منها«178»مرّة مردفة بالسّماوات و«73»مردفة بالسّماء و«210»مجرّدة عنهما.و ليس السّرّ أنّه لم يجىء لها جمع في اللّغة،أو جاء في غير الفصيح،كما تقدّم في الأصول اللّغويّة،بل الأمر كما يأتي:

أوّلا:إذا كانت الأرض مقرونة مع السّماوات،فلأنّ الأرض-و هي الّتي نحن عليها-إحدى الكرات السّماويّة الّتي لا تحصى،فهي بالنّسبة إليها واحدة، و تلك كثيرة،فلا تستحقّ الجمع.

و ثانيا:إذا جاءت مع السّماء فقد اعتبر كلّ منهما واحدا،فالأرض هي هذا البسيط و السّماء ما وراءها، فالأرض و السّماء هنا بمنزلة الفوق و التّحت،فلا تستحقّ الجمع أيضا.

و ثالثا:إذا جاءت مجرّدة عن السّماء و السّماوات، فإمّا أريد بها أرض خاصّة أو جميع الأرض،و في كلتا الحالتين لا مسوّغ لأن تجمع،و مثالهما:

وَ إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ يونس:83

إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ العنكبوت:56

فإنّ المراد بالأرض في الأولى أرض مصر،و بالثّانية جميع الأرض.

و رابعا:هناك آيتان وردت(الأرض)فيهما بمعنى الجمع مفهوما من السّياق:

اَللّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ

الطّلاق:12

وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ الزّمر:67

أمّا الأولى ففيها وجهان:الأوّل:-و عليه الأكثر- و هو المثليّة في العدد،أي إنّه خلق سبع سماوات و سبع أرضين،لأنّ النّصّ جاء بكلمة(مثلهنّ)لا بصيغة«سبع أرضين»لأنّ المماثلة-كما عن الطّوسيّ و غيره-في أصل العدد دون الكيفيّة،لاختلاف كيفيّة خلق السّماوات عن الأرضين،فهذا كما نقول-و هو الأبلغ-:لاقيت سبعا من العلماء و مثلهم من الطّلبة،رعاية لشأن العلماء و تمييزا لهم عن الطّلبة.فالأرض أرض و لو كانت سبعا لا ينبغي عدّها سبعا في عرض السّماوات السّبع،و عليه فالوجه في اختلاف التّعبير هو صغر الأرض،في جنب السّماوات، و اختلاف خلقهما.

و الثّاني:-عن الفخر الرّازيّ-أنّ المثليّة في الكيفيّة لا في العدد،أي هي مثلهنّ في كونها طباقا لا في العدد،و ليس في القرآن ما يدلّ على أنّها سبع.

ثمّ الّذين جعلوا المثليّة في العدد اختلفوا في تعيين الأرضين السّبع،فلاحظ النّصوص التّفسيريّة.

و أمّا الآية الثّانية-و ربّما لها نظير-فإنّ السّياق مع كلمة(جميعا)يدلاّن على وجود جمع للأرض،لكن ليست لها دلالة صريحة على تعدّد الأرض،بل تحتمل كلّ الأرض،لا بعضها فقط،و لعلّه الأظهر.

ص: 180

المبحث السّابع:العلوّ و الاستكبار و الاستضعاف في الأرض،و في ذلك«18»آية:

1- إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً [إلى قوله:] وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ القصص:4،5

2- وَ إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ يونس:83

3- لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً الإسراء:4

4- تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً القصص:83

5- سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ الأعراف:146

6- وَ اسْتَكْبَرَ هُوَ وَ جُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ القصص:39

7- وَ لَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ العنكبوت:39

8- فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ فصّلت:15

9- فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ الأحقاف:20

10- اِسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَ مَكْرَ السَّيِّئِ

فاطر:43

11- وَ تَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ

يونس:78

12- وَ لَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ

الجاثية:37

13- وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً

الإسراء:37،لقمان:18

14- وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الأعراف:137

15- وَ اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ الأنفال:26

16- قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ النّساء:97

و يلاحظ أوّلا:أنّ العلوّ و الاستكبار في الأرض مذمومان و مرفوضان دائما،و أنّ الدّار الآخرة جعلها اللّه للّذين لا يريدونهما،حتّى أنّه نهى عن المشي في الأرض مرحا،كما ذمّ كلّ مختال فخور في آيتي الإسراء و لقمان.

و ثانيا:قيّد الاستكبار في الأرض أربع مرّات بقوله:

بِغَيْرِ الْحَقِّ إعلاما بأنّ الاستكبار لا يصدر من النّاس إلاّ بغير الحقّ،و ليس يعني أنّ هناك استكبار بحقّ،فهذا القيد إنّما جاء مبرّرا لما أخذه اللّه على المستكبرين، و أنذرهم به إنذارا عنيفا.

و ثالثا:يعلم من سياق الآيات أنّ للاستكبار و العلوّ في الأرض أسبابا و تبعات،و هي الإسراف،و الفساد، و الفسق،و العثوّ،و الختل،و الفخر،و المكر السّيّئ، و الكفر باللّه و اليوم الآخر،و تكذيب الرّسل،و الغفلة عن الحقّ،و الانحراف عن سبيل الرّشد و التزام سبيل الغيّ،و ما إلى ذلك.فهما جماع الشّرّ،كما أنّ التّقوى و الإيمان جماع الخير،و بهما ينجو و يبتعد النّاس عن الاستكبار و الاستعلاء.

ص: 181

و رابعا:أدان القرآن فرعون و هامان و جنودهما، و قارون و قوم عاد من الغابرين بالعلوّ و الاستكبار،كما أدان الكفّار عامّة و كفّار قريش خاصّة بذلك،إشعارا بأنّ الكفر ملّة واحدة،و أنّ الكافرين و المستكبرين بعضهم من بعض.

و خامسا:أنّ قوم موسى قاسوا موسى و هارون بأنفسهم و نسبوا إليهما الاستكبار وَ تَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ يونس:78،و هذا شأن المستكبرين و الّذين لا يؤمنون،كما يقال في الفارسيّة:

«كافر همه را به كيش خود پندارد»أي«إنّ الكافر يحسب النّاس جميعا أنّهم على دينه».

و سادسا:أنّ اللّه كما رفض الاستكبار في الأرض رفض الاستضعاف أيضا و أنّه ذنب يؤاخذ به المستضعفون إلاّ من لا حيلة له،فحتّم عليهم التّخلّي عن الاستضعاف بالهجرة،و التّوكّل على اللّه و مواجهة الطّاغية،كما ضمّ إليه البشرى للمؤمنين بأنّ أمر المستعلي و المستكبر سيئول إلى الانهيار،و أنّ الأرض للّه سيورثها للمستضعفين الصّالحين،و يجعلهم أئمّة، و يجعلهم الوارثين.

و سابعا:أنّه لم يكلّف المستضعفين أنفسهم بأن ينسلخوا و يتجرّدوا من جلباب الاستضعاف فحسب بل كلّف به المؤمنين،فأمرهم بأن يقاتلوا في سبيل هؤلاء المستضعفين بقوله: وَ ما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ...

النّساء:75،إشعارا بأنّ ذلك قتال في سبيل اللّه.

و ثامنا:قد جمع القرآن في غير آية بين الاستكبار و الاستضعاف،مشعرا بأنّهما لا يفترقان؛فمهما وجد في الأرض استكبار فسيوجد بجانبه استضعاف،و كما قال الإمام عليّ عليه السّلام:«ما رأيت نعمة موفورة إلاّ و بجانبها حقّ مضيّع».و أنّ النّضال بين المستكبرين و المستضعفين شيء مستمرّ.و تمام الكلام في«ك ب ر»و«ض ع ف».

و تاسعا:جاء الاستضعاف في«4»آيات،و العلوّ و الاستكبار و المرح في«12»آية،أي ثلاثة أضعافه، و هذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ هذه الأمور تصدر في الأرض من الطّغاة أضعاف ما يصدر الاستضعاف من المستضعفين،و أنّه رأس الإثم،و لهم الحظّ الأوفى من هذه الجرثومة الاجتماعيّة،من دون أن نعذر الّذين تحمّلوا الاستضعاف بسبب هؤلاء الطّغاة.

المبحث الثّامن:العثوّ في الأرض«5»مرّات:

1 و 2- وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ

البقرة:60،الأعراف:74

3 و 4- وَ لا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ هود:85،الشّعراء:183

5- وَ ارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ العنكبوت:36

و يلاحظ أوّلا:أنّ العثوّ-و هو بمعنى أشدّ الإفساد- جاء دائما مع الإفساد في سياق واحد و هو وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ أي بتوجيه النّهي إليهم مباشرة مع تقييد العثوّ بقوله: فِي الْأَرْضِ و بقوله:

مُفْسِدِينَ مشعرا بأنّ تلك الأقوام-و هم قوم موسى و صالح و شعيب-بلغوا في الفساد أوجه،و أنّه لم يكن فسادهم خاصّا بموطنهم فحسب،بل كان يسري إلى

ص: 182

الأرض-و هذا شأن الفساد و مقتضى طبيعته-و لا خاصّا بزمان أو حدثا عرضيّا بل اشتدّ الفساد منهم حتّى وصفوا بأنّهم مفسدون،و صار ذلك طبيعة ثابتة لهم.

و ثانيا:أنّ الخطاب بذلك مسبوق بدعوات إلى الخير و المعروف و نواه عن الشّرّ و المنكر،فقد دعوا إلى الأكل من رزق اللّه،لا من رزق الشّيطان،و إلى ذكر اللّه و عدم نسيانه،و إلى الإنصاف مع النّاس و عدم الإجحاف بحقّهم،و إلى تذكّر الآخرة و عدم الغفلة عنها.و هذا دليل على أنّ العثوّ و الفساد في الأرض لا يجتنب عنهما إلاّ بمثل هذه الدّعوات و العمل بها.

و ثالثا:أنّ الفساد في الأرض تكرّر النّهي عنه و الإدانة له في غير هذا السّياق كما سترى.

المبحث التّاسع:الفساد في الأرض«23»مرّة:

1- وَ قَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ الإسراء:4

2- وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ* أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ البقرة:11،12

3 و 4- وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها الأعراف:56-85.

5- فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ محمّد:22

6- قالُوا تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ يوسف:73

7- قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ البقرة:30

8- وَ إِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها

البقرة:205

9- أَ تَذَرُ مُوسى وَ قَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ

الأعراف:127

10 و 11- وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ البقرة:27،الرّعد:25

12- اَلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَ لا يُصْلِحُونَ

الشّعراء:152

13- وَ كانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ النّمل:48

14- مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ المائدة:32

15- إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَ فَسادٌ كَبِيرٌ الأنفال:73

16- يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ

هود:116

17- وَ لا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ

القصص:77

18- إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ المؤمن:26

19- إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ

المائدة:33

20- كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً المائدة:64

ص: 183

21- تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً القصص:83

22- إِنَّ يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ

الكهف:94

23- أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ص:28

و يلاحظ أوّلا:أنّ الفساد في الأرض له أسباب و ملابسات:

1-التّولّي عن أمر اللّه.الآية(5)و(8)

2-قطع ما أمر اللّه بوصله.الآية(10)و(11)

3-وقوع الفتنة.الآية(15)

4-محاربة اللّه و رسوله.الآية(19)

5-حبّ العلوّ في الأرض.الآية(21)

6-الإسراف في الأرض.الآية(12)

و ثانيا:أنّ قوما من المنافقين يفسدون في الأرض، و هم يدّعون الإصلاح.الآية(2)

و ثالثا:أنّ بعضا من الطّغاة نسبوا الفساد في الأرض إلى أنبياء اللّه قياسا بأنفسهم و تخفيفا في جريمتهم بمشاركة هؤلاء إيّاهم.الآية(18)

و رابعا:أنّ المنهيّ عنه ليس الإفساد في الأرض فحسب بل السّعي فيه و طلبه.الآية(17)و(19)

و خامسا:أنّ بعض النّاس يفسدون في الأرض بعد إصلاحها.الآية(3)و(4)

و سادسا:أنّ الّذي يفسد في الأرض لا يكون مصلحا و لا محسنا و لا ممّن آمن و عمل الصّالحات.

الآية(12)و(17)و(23)

و سابعا:أنّ الفساد في الأرض بمثابة قتل النّاس بغير حقّ.الآية(14)

و ثامنا:أنّ من أوصاف المؤمن النّهي عن الفساد في الأرض.الآية(16)

و تاسعا:أنّ بني إسرائيل و كثيرا ممّن ذمّهم القرآن كانوا من المفسدين.الآية(1)و(13)و(22)،و كثير من الآيات المتقدّمة.

و عاشرا:أنّ السّرقة إفساد في الأرض.الآية(6)

و الحادي عشر:جاء الفساد في الأرض«31»مرّة، منها«7»مرّات اسم فاعل في«22 و 23»،و«5» مرّات مع العثوّ،و«10»مرّات فعلا مضارعا في«1 و 5 و 13»،و ثلاث مرّات فعلا مضارعا مع لاء النّاهية في «2 و 3 و 4»،و«8»مرّات مصدرا أو اسم مصدر:

(فساد)في«14 إلى 21».

و كلّها دالّ على استمرار الفساد في الأرض في المستقبل،و أنّ الإنسان سوف يرتكب الفساد على وجه هذه البسيطة فيما يستقبل أكثر بكثير ممّا مضى،و للّه الأمر من قبل و من بعد.

و الثّالث عشر:الفساد في الأرض كما هو المفهوم منه يشمل كلّ عمل سيّئ و ذي نزعة إجراميّة يسري أثره إلى المجتمع و يتجاوز من تصدّى له و ليس مطلق السّوء.

و يظهر من استقصاء الآيات أنّه لا يختصّ بمن شهر السّلاح و قطع الطّريق على السّالكين-كما عند بعض الفقهاء-فهذا تفسير للمحارب في قوله تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً المائدة:33،و أمّا المفسد في الأرض فيعمّ كلّ

ص: 184

من يخلّ بالنّظام و ينشر الفساد.

و عليه فلو قلنا:إنّ الفساد في الأرض بمفرده يستحقّ العقوبات المنصوص عليها في الآية،لصحّ إجراؤها على المفسد و لو لم يكن محاربا.و يشمل كلّ عمل يخلّ بالنّظام و يفسد المجتمع،كبيع المخدّرات و طبع الصّور المنافية للحياء و الحشمة و ما يسيء إلى الأخلاق أو يضرّ بالاقتصاد أو الأمن أو غيرهما.و لو قيل:إنّ حاكم الشّرع يكون له الخيار في تعيين نوع العقوبة بما جاء في الآية بحسب ما يراه مناسبا للفساد-كما جاء في بعض الرّوايات-لم يكن بعيدا عن الصّواب.لاحظ الطّبرسيّ(2:188).

المبحث العاشر:فساد الأرض و السّماوات«3» مرّات:

1- وَ لَوْ لا دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ. البقرة:251

2- وَ لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ. المؤمنون:71

3- لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا...

الأنبياء:22

يلاحظ أوّلا:أنّ الفساد في الجميع مشروط بشرط لم يقع،كما هو مفاد(لو)الشّرطيّة،ففي الأولى كان الشّرط عدم دفع اللّه النّاس بعضهم ببعض،و في الثّانية اتّباع الحقّ أهواءهم،و في الثّالثة وجود آلهة إلاّ اللّه،و كلّها منفيّة،فالفساد فيها منفيّ.

و ثانيا:أنّ فسادهما يغاير الفساد في الأرض،فإنّ الفساد في الأرض-كما سبق في النّصوص-هو الإخلال بنظم المجتمع،و إهلاك الحرث و النّسل،و إثارة الحروب، و قتل النّفوس،و الإضرار بالنّاس،و ضياع الأموال،و نحو ذلك ممّا يصدر عن النّاس.

و أمّا فساد الأرض و السّماء،فهو عبارة عن زوال نظامهما المحكم الّذي فطره اللّه تعالى،و دبّر أمره بحكمة بالغة،فبزواله ينهدم العالم من أساسه،و هذا لو وقع،فهو فعل اللّه،و ليس فعل النّاس.

و ثالثا:أنّ الأخيرتين ظاهرتان في المعنى الثّاني، و الأولى في الأوّل.و هناك وجوه في الجميع،و هي إلى المعنى الثّاني أقرب،فلاحظ النّصوص.

المبحث الحادي عشر:الإسراف في الأرض ثلاث مرّات:

ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ المائدة:32

وَ إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ يونس:83

وَ لا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ* اَلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ الشّعراء:151،152

و يلاحظ أوّلا:أنّ الإسراف تبع للعلوّ في الأرض.

و ثانيا:أنّ الإسراف و العلوّ و الإفساد في الأرض لا ينفكّ بعضها عن بعض.

و ثالثا:أنّ القرآن وصف فرعون و غيره من الطّغاة بالأوصاف الثّلاثة.

المبحث الثاني عشر:الأرض و اختصاصاتها:

ا-خلقها،تقدّم في خلق السّماوات و الأرض.

ب-مدّها و تثبيتها بالرّواسي،تسع مرّات:

ص: 185

1- وَ هُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَ أَنْهاراً الرّعد:3

2 و 3- وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ الحجر:19،ق:7

4 و 5- وَ أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ

النّحل:15،لقمان:10

6- وَ جَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَ جَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً الأنبياء:31

7- أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَ جَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَ جَعَلَ لَها رَواسِيَ النّمل:61

8- خَلَقَ الْأَرْضَ... وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ

فصّلت:9،10

9- أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً... وَ جَعَلْنا فِيها رَواسِيَ... المرسلات:25-27

و يلاحظ أوّلا:أنّ الرّواسي لها علاقة بمدّ الأرض؛ لئلاّ تميد بهم،فلو كان مدّ بلا رواسي لهلك النّاس.

و ثانيا:أنّ مدّ الأرض و قرارها و الأنهار و السّبل اقترنت مع بعضها بعضا في كثير من الآيات،و كأنّها تعبير عن كيفيّة المدّ،و أنّ مدّ الأرض يشمل هذه الأشياء و يلازم قرارها.

و ثالثا:أنّه عبّر عن الجبال بالرّواسي تنبيها على خاصيّتها،كما قال:

أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً* وَ الْجِبالَ أَوْتاداً

النّبأ:6،7

وَ الْجِبالَ أَرْساها* مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ

النّازعات:32،33

و الجدير بالذّكر أنّ القرآن تحدّث عن الجبال،و لم يتعرّض لخلقها و جعلها في غير آية إلاّ بوصف الإرساء و الإيتاد،لاحظ«ج ب ل».

ج-سبلها و فجاجها و مناكبها،ستّ مرّات:

1- وَ أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ أَنْهاراً وَ سُبُلاً النّحل:15

2- اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَ سَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً طه:53

3- اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَ جَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً الزّخرف:10

4- وَ جَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَ جَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً الأنبياء:31

5- وَ اللّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً* لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً نوح:19،20

6- هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها الملك:15

و يلاحظ أوّلا:أنّ التّعبير عن طرق الأرض جاء بلفظ(سبلا)ثلاث مرّات،و بألفاظ: سُبُلاً فِجاجاً و فِجاجاً سُبُلاً و مَناكِبِها كلّ واحد مرّة واحدة.

و ثانيا:أنّ السّبل جمع السّبيل اسم و هو مطلق السّبيل،و قد كرّر تعميما لأقسام الطّرق،و الفجاج جمع فجّ وصف في الأصل بمعنى الواسع،و يطلق على الطّريق الواسع و على السّبيل الواقع بين الجبلين أو السّبيل الواسع بينهما و سُبُلاً فِجاجاً أي طرقا واسعة أو طرقا واسعة بين الجبلين،و هذا الأخير أنسب بقوله:

وَ جَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَ جَعَلْنا فِيها

ص: 186

فِجاجاً سُبُلاً في(4)،حيث جاء فِجاجاً بعد «الرّواسي»:و هي الجبال.

و أمّا ما قيل:«سبلا في الصّحاري و فجاجا في الجبال»فلا يصحّ لعدم عطف أحدهما على الآخر حتّى يكونا متغايرين بل هما متّحدان.

و ثالثا:الفرق بين سُبُلاً فِجاجاً و فِجاجاً سُبُلاً على ما قيل:أنّ الأوّل إعلام بأنّه جعل فيها طرقا واسعة ليسلك النّاس فيها،و الثّاني إعلام بأنّه خلقها حين خلقها على تلك الصّفة،فهو بيان لما أبهم أوّلا.

و عندنا أنّ التّقديم و التّأخير في الكلمتين دليل على أنّ المراد ب«الفجاج»فيهما،أو في فِجاجاً سُبُلاً المعنى الاسميّ دون الوصفيّ.و إنّهما عطف بيان أو بدل و ليسا بصفة و موصوف،و ليس(فجاجا)في الأخير حالا،على ما التزم به صاحب«الكشّاف»حذرا من وقوع الصّفة موصوفا،لاحظ«ف ج ج».

و رابعا:المناكب:جمع منكب،و هو مجتمع ما بين العضد و الكتف،و استعير هنا لسطح الأرض كاستعارة الظّهر للأرض ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ فاطر:

45،و فيه تشبيه الأرض بالمركب الذّلول المنقاد يركبها الرّاكب آمنا من السّقوط،فإنّ الذّلول وصف للدّابّة، و فيه إشارة إلى حركة الأرض حركة هادئة،لاحظ «ن ك ب و ذ ل ل».

و خامسا:قد ظهر ممّا مرّ أنّ في كلّ من السّبل و الفجاج و المناكب توصيفا لشأن الأرض مغايرا للآخر.

د-أنهارها و مياهها و عيونها،عشر مرّات:

1- مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ... وَ جَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأنعام:6

2- وَ هُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَ أَنْهاراً الرّعد:3

3- وَ أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ أَنْهاراً وَ سُبُلاً النّحل:15

4- أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَ جَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً النّمل:61

5- وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ هود:44

6- وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها* أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها النّازعات:30،31

7- وَ آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها... وَ فَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ يس:33،34

8- وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ القمر:12

9- وَ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً الإسراء:90

10- أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ الزّمر:21

و يلاحظ أوّلا:أنّ(الأنهار)جاءت بعد«الرّواسي» في«2 و 3»إشعارا بأنّ الرّواسي تجعل الأرض مرتفعة و منخفضة فتجري فيها الأنهار،و لو كانت الأرض مسطّحة تماما لم تجر الأنهار فيها،و إليه إيماء في قوله:

وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها* أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها* وَ الْجِبالَ أَرْساها* مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ النّازعات:30-33

و ثانيا:أنّه كلّما ذكر«العيون»ذكر معها«التّفجير»،

ص: 187

و فيه إشعار بادّخار الماء في جوف الأرض،و له قدرة على الخروج منها بقوّة من دون آلة،و للإنسان أن يستفيد من تلك المياه المدّخرة بسهولة.و مثل العيون (الينبوع)في(9)

و ثالثا:قوله: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ، فيه تصريح بأنّ ماء الأرض من السّماء و بادّخار المياه فيها،و هذا ما أومأ إليه في آيات التّفجير،لاحظ«ف ج ر»و«ن ب ع».

ه-نباتها و حياتها،تسع و عشرون مرّة:

1- وَ تَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ الحجّ:5

2- وَ اللّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً نوح:17

3- وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ الحجر:19

4- أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ الشّعراء:7

5- وَ أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ... وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ

لقمان:10

6- وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها... وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ق:7

7- ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا* فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا* وَ عِنَباً وَ قَضْباً* وَ زَيْتُوناً وَ نَخْلاً* وَ حَدائِقَ غُلْباً* وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا عبس:26-31

8- يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَ قِثّائِها وَ فُومِها وَ عَدَسِها وَ بَصَلِها البقرة:61

9- سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ يس:36

10- فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَ الْأَنْعامُ يونس:24

11- فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً

الكهف:45

12- وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَ جَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ الرّعد:4

13- وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ إبراهيم:26

14- إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها

الكهف:7

15- أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً الحجّ:63

16- وَ الْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ* فِيها فاكِهَةٌ وَ النَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ* وَ الْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَ الرَّيْحانُ الرّحمن:10-12

17- اَلْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها... وَ جَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ يس:33،34

18- وَ آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَ أَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا يس:33

19- تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى فصّلت:39

20- وَ ما أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ

ص: 188

اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها البقرة:164

21- وَ اللّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها النّحل:65

22- مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها العنكبوت:63

23- فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها الجاثية:5

24- فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها فاطر:9

25- يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها الرّوم:19

26- وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها الرّوم:24

27- كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها الرّوم:50

28- اِعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها

الحديد:17

29- أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً* أَحْياءً وَ أَمْواتاً

المرسلات:25،26

و جاء في ثلاث آيات بدل«الأرض»«البلد» و«بلدة»

1- وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ الأعراف:58

2- وَ أَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً ق:11

3- وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً* لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً الفرقان:48 و 49

و يلاحظ أوّلا:أنّ القرآن جعل حياة الأرض بالنّبات و موتها بالجدب،و أنّ ماء السّماء هو سبب حياتها،و تشابهها حياة الإنسان بوحي من السّماء، و بذلك أوّلوا بعض الآيات تماشيا مع السّياق.و قد عبّر القرآن عن المؤمن و الكافر بالحيّ و الميّت في غير آية.

فالمؤمن يتلقّى من وحي السّماء روح الإيمان فيحيا، و الكافر حرم منه فبقي ميّتا.لاحظ«ح ي ي»و«م و ت».

و ثانيا:أنّ الإحياء و إنزال الماء كلاهما من فعل اللّه، و الثّاني وسيلة للأوّل و ليس فاعلا له،و هذا يوافق تماما لما قاله علماء البلاغة:إنّ قولنا:«أنبت الرّبيع البقل»مجاز في الإسناد،لأنّ الّذي ينبت البقل في واقع الأمر هو اللّه تعالى،و الرّبيع سبب من الأسباب.

و ثالثا:وصف(الأرض)بأنّها ميتة من دون نسبتها إلى اللّه،مع أنّه جعل إحياءها و خسفها و زلزالها و نقصانها من فعله تعالى،و في هذا أدب منه تعالى لنفسه،و هذا مثل الحسنة و السّيّئة و الخير و الشّرّ فكلّها مخلوقة للّه،إلاّ أنّه لا ينسب إلى اللّه ما لا يليق بجلاله و جماله.

و رابعا:خصّ القرآن بحياة الأرض و نباتها و مياهها هذه الكمّيّة الكبيرة من الآيات،تماشيا مع ما هو الواقع و المعلوم ضرورة من أنّ عنصر الحياة في الأرض-سواء للإنسان أو الحيوان أو النّبات-بالماء كما قال تعالى:

وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ الأنبياء:30.

و-سعتها و سطحها و دحوها،ثمان مرّات:

1- قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها النّساء:97

2- وَ مَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَ سَعَةً النّساء:100

3- إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ

العنكبوت:56

ص: 189

4- وَ أَرْضُ اللّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ الزّمر:10

5- وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ

التّوبة:25

6- حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ التّوبة:118

7- أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ*... وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ الغاشية:17-20

8- وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها النّازعات:30

و يلاحظ أوّلا:أنّ(الأرض)حينما توصف بالسّعة تضاف إلى(اللّه)لسعة رحمته و قدرته،في حين أنّها لم تأت مضافة إليه تعالى في كثير من خصالها،و هذا من جزالة القرآن و بلاغته.

كما لم تأت مضافة في قوله: وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ و يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَ سَعَةً لاختلاف أسلوبهما عن سائر الآيات،و لقيام قوله: فِي سَبِيلِ اللّهِ في الآية الأخيرة مقامها،أي من يهاجر في سبيل اللّه يجد في أرض اللّه مراغما كثيرا وسعة،و لسبق قوله: أَرْضُ اللّهِ في الآية الأولى:

أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ واسِعَةً فتكفي عنها.

و ثانيا:أنّ آيات«سعة الأرض»وردت كلّها- سوى آيتى التّوبة-بشأن الهجرة إمّا نصّا كما في آيتي النّساء،أو سياقا كما في آيتي العنكبوت و الزّمر النّازلتين قبيل الهجرة؛توطينا للمؤمنين و ترغيبا لهم إلى الهجرة.

و أنّ أرض اللّه واسعة لا تنحصر في موطنهم مكّة،فأينما حلّوا و نزلوا فهم في أرض اللّه و في كنف حمايته و ظلّ رحمته.

أمّا الآيتان(5 و 6)فجاء التّعبير فيهما(ضاقت-بما رحبت)كناية عن شدّة الضّغط على المؤمنين يوم حنين في موطنهم الأوّل مكّة،و على الثّلاثة الّذين خلّفوا عن غزوة تبوك،فسياقها خلاف سياق سائر الآيات، فلاحظ.

و ثالثا:قوله في(7):(كيف سطحت)أي بسطت و سوّيت فصلحت لسكنى الإنسان،و مهّدت لتقلّبه عليها،فهي بمعنى البساط و الفراش و المهاد،و تشهد به ملاحظة ما قبلها: أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَ إِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ* وَ إِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ الغاشية:17-19،فالإبل خلقت لتحمل الأثقال و الأشخاص على ظهورها،فظهرها يناسب هذا الغرض إلى كثير من أوصافها،و السّماء رفعت لينزل منها الماء إلى كثير من آثارها،و الجبال نصبت على الأرض لئلاّ تميد بهم و لانحدار المياه منها على الأرض،و الأرض سطحت،أي سوّيت و بسطت ليستقرّ عليها الإنسان و يتقلّب فيها.و بذلك ظهر أنّ الآية لا تدلّ على أنّ الأرض مسطّحة و ليست بكرويّة،و لو سلّم بأنّ (سطحت)بمعنى كونها مسطّحا،فمعناها أنّها كذلك بحسب النّظر و بحسب مقدار ما يتمكّن منه الإنسان،فإنّ كلّ قطعة منها مسطّحة فلا تنفي كرويّة الأرض.

و رابعا:قوله:(دحاها)عند المفسّرين،أي بسطها و مدّها لسكنى أهلها،فهي و(سطحت)كلاهما بمعنى

ص: 190

بسطت و فرشت و مهّدت كما سبق،و شذّ بعض المتأخّرين حيث فسّرها بأنّه تعالى حرّكها حول نفسها كحركة الجوز،و قد سمّي اللاّعب بالجوز داحيا،و منه الأدحيّ على وزان«أفعول»يقال لموضع بيض النّعامة، لأنّها تحرّك البيض و تقلّبها بيدها.و قد بنوا على هذا أنّ الآية تشير إلى كرويّة الأرض أوّلا،و إلى حركتها الوضعيّة و الانتقاليّة ثانيا كحركة الجوز تماما،لاحظ «د ح و».

ز-شقّها و صدعها،أربع مرّات:

1- تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا مريم:90

2- يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ق:44

3- ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا* فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا

عبس:26،27

4- وَ السَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ* وَ الْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ الطّارق:11،12

و يلاحظ أوّلا:أنّه قد جاء توصيف الأرض في هذه الآيات بالشّقّ و الانشقاق و التّشقّق و الصّدع متناسقا مع الواقع تماما.

و ثانيا:أنّ الشّقّ يفيد الفكّ من دون شدّة،فيناسب شقّ الأرض بالنّبات في الآية«3»و يكون(شقّا)فيها للتّنويع لا للتّأكيد،و الانشقاق فيه شدّة و عنف فجاء تمثيلا لفضاعة قولهم: اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً مريم:88، متناسقا لآيات قبلها و بعدها: لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا* تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا مريم:89،90،و«التّفطّر»هو الفطور بشدّة.و«الهد»هو السّقوط أو الكسر بشدّة.

و مثل الانشقاق التّشقّق حيث جاء في الآية«2» تعبيرا عن انشقاق الأرض عن الأموات يوم القيامة سراعا،لاحظ«ش ق ق».

و ثالثا:أنّ(الصّدع)وصفت به(الأرض)مقابلة ل(السّماء ذات الرّجع)-أى ترجع شمسها و قمرها في وجهه لاحظ ر ج ع-تعبيرا عن حالة الأرض عند قيام السّاعة و انشقاقها بشدّة.و(الصّدع):الشّقّ في الأجسام الصّلبة كالزّجاج و الحديد و نحوهما،و لا يقع إلاّ بعنف، لاحظ«ص د ع».

ح-رتقها و فتقها،مرّة واحدة:

أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما الأنبياء:30

و يلاحظ أنّ المفسّرين اختلفوا في رتق الأرض و فتقها.فلاحظ النّصوص التّفسيريّة،و لاحظ «ر ت ق»و«ف ت ق».

ط-إمساكها،مرّة واحدة:

إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا

فاطر:41

و يلاحظ أنّ القرآن وصف اللّه بأنّه يمسك السّماوات و الأرض كما نسب الإنبات إليه،مع أنّ وجود الأسباب و المسبّبات شيء لا ينكر و اعترف بها القرآن.و جميعها من صنع اللّه فآثارها منسوبة إليه،لاحظ«م س ك».

ي-جعلها قرارا و مهدا و مهادا للإنسان، خمس مرّات:

1- أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً النّمل:61

ص: 191

2- اَللّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً

المؤمن:64

3 و 4- اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً

طه:53،الزّخرف:10

5- أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً النّبأ:6

و يلاحظ:أنّ(قرارا)و(مهدا)و(مهادا)كلّها مصادر بمعنى ما مهّد للقرار عليه،إلاّ أنّ المهد ما مهّد للصّبيّ،و كذا المهاد كما قيل،ففيهما معنى زائد على القرار،و هو أنّ الأرض للإنسان كالمهد للصّبيّ فيستريح فيها كالطّفل في المهد.و فيه إشارة إلى أنّ الإنسان لا يزال طفلا في عقله و جسمه فيحتاج إلى الحضانة،و إلى أنّ الأرض لها حركة هادئة كالمهد.

ك-جعلها فراشا و بساطا،ثلاث مرّات:

1- اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً البقرة:22

2- وَ الْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ

الذّاريات:48

3- وَ اللّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً نوح:19

و يلاحظ أوّلا:أنّ الفراش و البساط مصدران بمعنى ما يبسط و ما يفرش كالكتاب بمعنى ما يكتب،و قد يتّصف الفراش بالبساط فيقال:فراش مبسوط،و المعنى أنّه جعلها فراشا لهم و أنّهم يقعدون عليها و ينامون و يتقلّبون كما يتقلّب أحدهم على فراشه و بساطه، ففيهما معنى الرّاحة تماما كما في المهد و المهاد.و عن الطّبرسيّ:«و الفراش و المهاد و البساط نظائر»إلاّ أنّ في المهد و المهاد-كما قلنا-لطفا ليس في البساط و الفراش، لاحظ«ف ر ش»و«ب س ط».

و ثانيا:أنّ البساط من البسط بمعنى السّعة دون السّطح،على أنّه أيضا بمعنى البسط كما سبق،و ليس فيه دلالة على كون الأرض مسطّحة كما قيل،لاحظ «ف ر ش»و«ب س ط».

ل-خسفها و نقصها،سبع مرّات:

1- أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ النّحل:45

2- فَخَسَفْنا بِهِ وَ بِدارِهِ الْأَرْضَ القصص:81

3- وَ مِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ

العنكبوت:40

4- إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ سبأ:9

5- أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ الملك:16

6 و 7- أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها

الرّعد:41،الأنبياء:44

و يلاحظ أوّلا:أنّ الأرض الّتي جعلها اللّه قرارا و مهدا و فراشا و راحة للإنسان يبدّلها بالخسف عذابا و دمارا له بذنبه و جريرته،و الفاعل في الحالتين هو اللّه، و في هذا عبرة لمن اعتبر.

و ثانيا:في قوله: أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ مقابلة و معادلة من جهتين:من في السّماء و من في الأرض،و الأمن في السّماء و الخسف في الأرض.

و ثالثا:هناك خلاف بين المفسّرين في تفسير قوله:

نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها و الآيتان مسوقتان للإنذار بالعذاب،لقوله فيها: أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ و لأن ما قبلهما إنذار،فلاحظ،و راجع النّصوص و مادّتي.«ن ق ص»

ص: 192

و«أ ت ي».

م-إنشاء الإنسان منها مرّتين،و استعماره فيها،مرّة واحدة:

1- هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها

هود:61

2- هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ

النّجم:32

و يلاحظ أنّ اللّه أنشأ الإنسان من الأرض ثمّ استعمره فيها،و كأنّ بين الأمرين علاقة وطيدة كعلاقة الابن بأمّه،فالإنسان ابن الأرض،فحقّ عليه عمارتها، و إسداء الخدمة إليها،كما أنّه يجب على الابن الإحسان إلى أبويه،و هذا أمر في غاية اللّطف.

ن-بركاتها و أرزاقها للإنسان،اثنتا عشرة مرّة:

1- خَلَقَ الْأَرْضَ... وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَ بارَكَ فِيها فصّلت:9،10

2- وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها

الأعراف:137

3- وَ نَجَّيْناهُ وَ لُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ الأنبياء:71

4- تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها

الأنبياء:81

5- لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ

الأعراف:96

6- قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ

يونس:31

7- وَ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ

النّمل:64

8- قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ

سبأ:24

9- هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ فاطر:3

10- وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ شَيْئاً وَ لا يَسْتَطِيعُونَ

النّحل:73

11- وَ لَقَدْ مَكَّنّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ الأعراف:10

12- وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها... وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ الحجر:19،20

و يلاحظ أوّلا:أنّه كلّما قال: بارَكْنا فِيها في«2 و 3 و 4»فقد أراد بالأرض أرضا معيّنة،و كلّما قال:

بارَكَ فِيها أو لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ في«1 و 5» أراد بها الأرض في مقابل السّماء لا أرضا معيّنة.

و ثانيا:أنّه كلّما عبّر بالرّزق أتى بالسّماء و الأرض معا،كما في«6-10»،لأنّ الأرزاق حصيلة السّماء و الأرض كليهما.و كان الفلاسفة يعبّرون عنها قديما بالآباء و الأمّهات،كما عبّر في أربع منها بقوله:

يرزقكم بلفظ الاستفهام ب(من)و(هل).و أمّا العاشرة فهي نفي لغير اللّه أن يرزقهم بقوله:

ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ، و ليس إثباتا لرزق اللّه،فلهذا تغيّر السّياق.

ص: 193

و ثالثا:حينما ذكر المعايش جاء بالأرض وحدها، كما في«11 و 12»،لأنّ المعيشة ما يكسبها الإنسان بسعيه،بخلاف الرّزق فهو محصول السّماء و الأرض-كما سبق-

15-إسكان الإنسان و تمكينه فيها،إحدى عشرة مرّة:

1 و 2- وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ البقرة:36،الأعراف:24

3- لَقَدْ مَكَّنّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ الأعراف:10

4- وَ قُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ الإسراء:104

5 و 6- وَ كَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ

يوسف:21،56

7- إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ الكهف:84

8- اَلَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ الحجّ:41

9- وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ* وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ القصص:5،6

10- أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ الأنعام:6

11- فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ* وَ لَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ إبراهيم:13،14

و يلاحظ أوّلا:أنّ الآيات«1-3»خطاب إلى نوع الإنسان بأنّ اللّه بلطفه و منّه أسكنه و مكّنه في الأرض، و جعل له فيها متاعا و معايش إلى حين ليشكره،و قليلا ما يشكرون.

و الآيات«4-6»حكاية حال بني إسرائيل و يوسف عليه السّلام حيث أسكنهم الأرض المقدّسة،و مكّن يوسف من أرض مصر.فأريد بالأرض فيها أرض معيّنة،و في الباقي جنس الأرض.و الآية«7»حكاية تمكين ذي القرنين في الأرض.

و الآيتان«8 و 9»تحكيان حال الصّالحين و المستضعفين بأنّهم إن مكّنوا في الأرض لآمنوا و أصلحوا.

و الآيتان«10 و 11»إنذار و تهديد للكافرين و الظّالمين بأنّه سوف تدور عليهم الدّوائر كما دارت على من كانت قبلهم.

و ثانيا:أنّ الآيات جميعا امتنان على النّاس عامّة و على بني إسرائيل و يوسف خاصّة ليسكنوا الأرض شاكرين للّه و محسنين إلى عباده.

و ثالثا:أنّ الإسكان أعمّ من التّمكين أو مغاير له، لأنّ التّمكين إسكان مع القدرة و السّلطة في الأرض، و ليس الإسكان كذلك بل هو من السّكون،و فيه معنى الأمن و الاطمئنان،كما قال: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ يونس:67،و يبدو أنّ ما جاء غاية للإسكان-من المتاع و المعيشة-و الاستقرار،بيان لتلك القدرة و السّلطة الّتي وهبها اللّه الإنسان بتمكينه في الأرض.

و رابعا:تقارن المادّتين«س ك ن»و«م ك ن»مع تفاوت ما بينهما،تعبير عن تقاربهما و تفاوتهما في المعنى.

و لم يغفل عنه القرآن فجاء بهما جميعا،فلاحظ المادّتين.

ص: 194

ع-السّير و النّظر في الأرض و الاعتبار بما فيها و السّياحة فيها،ثلاث عشرة مرّة:

1 و 2- فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ آل عمران:137،النّحل:36

3- قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ الأنعام:11

4- قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ النّمل:69

5- قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ العنكبوت:20

6- قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ

يونس:101

7-9- أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ...

يوسف:109،المؤمن:82،محمّد:10

10- أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ المؤمن:21

11 و 12- أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الرّوم:9،فاطر:44

13- أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها الحجّ:46

14- فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ التّوبة:2

و يلاحظ أوّلا:أنّ الآيات بحسب السّياق ثلاثة أقسام:

1-أمر بالسّير أو النّظر في الأرض«6»مرّات.

2-توبيخ على أنّهم لا يسيرون ليعتبروا بما في الأرض«7»مرّات.

3-أمر بالسّياحة في الأرض،مرّة واحدة.

و ثانيا:أنّ آيات السّير من حيث الغاية الّتي ترتّبت عليها ثلاثة أقسام أيضا:

1-لاعتبار المؤمنين بعاقبة الّذين من قبلهم من الظّالمين و المجرمين و المكذّبين،حيث ينفعهم في عملهم و خلقهم،بل و في عقيدتهم.و هي أكثرها.

2-ليتعقّلوا بما في الأرض فتنفعهم في عقيدتهم و في معيشتهم.

3-ليعلموا كيف بدأ اللّه الخلق فتنفعهم في علمهم و خبرتهم في الحياة.و في عقيدتهم بالنّشأة الأخرى.

و ثالثا:ممّا يلفت النّظر أنّ هذه الآيات جمعاء لم تتناول السّير الّذي اعتاد عليه النّاس في هذا العصر للتّنزّه و السّياحة و المرح،و في هذا عبرة لمن اعتبر.

و رابعا:جاء عن الإمام عليّ و الإمام الصّادق عليهما السّلام في تفسير الآيات:«أ و لم ينظروا في القرآن أو في أخبار الأمم الماضية»و فيه تعميم و توسعة في مفهوم الآيات بأنّهم يسيرون في الأرض ليشاهدوا عاقبة من قبلهم رأي العين،و يسيرون في ثنايا التّاريخ أو في القرآن ليعلموا أخبارهم،لاحظ«س ي ر».

و خامسا:لا يراد بقوله:(14) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ السّياحة فيها للتّنزّه كما شاع في هذا العصر، و لا للاعتبار بما فيها،بل هي ترخيص و تأمين للمشركين بحرّيّة الانتقال في الأرض مع الأمان بل الأمر في القرآن على العكس،فإنّ السّائحين فسّروا بالصّائمين؛لأنّ السّائح في الأمم الماضية كان هو النّاسك

ص: 195

الّذي يطوف البلاد من غير زاد و لا راحلة،يجانب اللّذّات،فلمّا جاء الإسلام أتى بالصّوم بدل السّياحة.

و قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله:«سياحة أمّتي الصّوم»و عن بعضهم:

«ليس في أمّة محمّد سياحة إلاّ الهجرة»،لاحظ «س ى ح».

ف-الضّرب في الأرض،خمس مرّات:

1- وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ النّساء:101

2- أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ المائدة:106

3- وَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى آل عمران:156

4- وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللّهِ المزّمّل:20

5- لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ البقرة:273

و يلاحظ أوّلا:أنّ أصل الضّرب إيقاع شيء على شيء،ثمّ استعمل الضّرب في الأرض في السّفر لما فيه ضرب على الأرض بالأرجل أو العصا للماشي،و بقوائم الدّابّة للرّاكب،أو لأنّ المسافر الرّاكب يضرب دابّته بالسّوط و العصا للسّير،أو لأنّ في السّفر و حاجاته تضاربا مع النّاس و تشاغلا بالصّعوبات،حتّى قيل:

«السّفر قطعة من السّقر».

و ثانيا:ملاحظة سياق الآيات و آراء المفسّرين تقنعنا بأنّ«الضّرب في الأرض»في القرآن يغلب عليه السّفر للتّجارة و كسب المعيشة.و هذا المعنى متعيّن في الآيات«3-5»بقرينة عطف أَوْ كانُوا غُزًّى في«3» على الضّرب في الأرض؛و لقوله: يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللّهِ في«4»و(الفقراء)في«5»،كما أنّ الآية الأولى بقرينة ذيلها وردت في الغزو في سبيل اللّه،و الثّانية محتملة أو شاملة لهما.

و ثالثا:أنّ الآيات كلّها مدنيّة حتّى آية المزّمّل-مع أنّ السّورة نفسها مكّيّة-لكونها مدنيّة سياقا، و تغايرها عمّا قبلها أسلوبا،و لأنّها نزلت متأخّرة عن آيات أوائل السّورة،ناسخة لها و لأنّ المسلمين إنّما تشاغلوا بالسّفر لكسب المعاش أو للقتال في سبيل اللّه في المدينة دون مكّة؛حيث أنّ الظّروف فيها لم تسمح لهم بذلك،لاحظ«ض ر ب».

ص-آثار الأمم في الأرض،تسع عشر مرّة:

1- ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ الأنفال:67

2- لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا

إبراهيم:13

3- وَ لا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ هود:85

4- الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ الرّوم:1-3

5- اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ يوسف:9

6- فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي

يوسف:80

7- ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَ ما كُنّا سارِقِينَ

ص: 196

يوسف:73

8- يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ

المائدة:21

9- قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ المائدة:26

10- إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ

البقرة:71

11- وَ لَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ

إبراهيم:14

12- اُسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً الإسراء:104

13- أَ تَذَرُ مُوسى وَ قَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ

الأعراف:127

14- وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ الأعراف:137

15- وَ إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ يونس:83

16- يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ المؤمن:29

17- فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ

البقرة:61

18- وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ

الأحزاب:27

19- يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ

الأعراف:110

و يلاحظ أوّلا:أنّ القرآن تعرّض لأحوال الأمم بالإجمال و التّفصيل كليهما،و ما من أمّة إلاّ و لها تعلّق بأرض،فجميع قصص القرآن لها علاقة بالأرض إلاّ أنّ لفظ(الأرض)إنّما جاءت في هذه الآيات خاصّة لنكتة نذكرها.

و ثانيا:أنّ أكثرها،أي سوى أربع آيات منها جاءت في بني إسرائيل عامّة أو أشخاص منهم خاصّة، إشعارا بشدّة علاقتهم بالأرض؛حتّى أنّ أحدهم يودّ لو يعمّر ألف سنة.

و ثالثا:أنّ قسما من هذه الآيات بشارة بحلول السّكينة و الأمن و الدّخول في الأرض المقدّسة،و قسما منها آيات تنذر بسوء المصير و العاقبة.ففي ذكر الأرض إنذار و تبشير و ترغيب و ترهيب معا لهداية هؤلاء القوم و ما كادوا ليهتدوا لو لا أن هداهم اللّه.

و رابعا:و أمّا الّتي وردت في غير بني إسرائيل،أي الأربع الأول:

فالأولى منها:جاءت بشأن الأسرى و إنّه لا ينبغي لنبيّ أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض.و هذا تعريض للنّبيّ و المسلمين،حيث أسروا أفرادا من قريش في غزوة بدر.

و الثّانية:جاءت بشأن الأمم و الأنبياء؛حيث كانوا يهدّدون أنبياءهم بإخراجهم من أرضهم.

و الثّالثة:جاءت بشأن قوم شعيب،و أنّه منعهم من العثوّ و الفساد في الأرض.

و ليس في الثّلاثة سوى التّشاؤم و الإنذار دون التّبشير و الوعد الحسن.

و الرّابعة:فيها تبشير بالنّصر بعد الإخبار بأنّ الرّوم

ص: 197

غلبت في واقعة حدثت بينهم و بين الفرس في أرض فلسطين،و هي(أدنى الأرض).

المبحث الثّالث عشر:الأرض و القيامة،و قد جاءت في مجالات شتّى:

أ-الأرض و اختصاصاتها في القيامة:

1-زلزالها و رجّها و دكّها و شقّها:

1- إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها الزّلزال:1

2- يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ المزّمّل:14

3- إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا الواقعة:4

4- كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا الفجر:21

5- وَ حُمِلَتِ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً الحاقّة:14

6- يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ق:44

و يلاحظ أوّلا:أنّ فيها خمسة تعابير عن اهتزاز الأرض:الزّلزلة،و الرّجف،و الرّجّ و الدّكّ،و الانشقاق.

و معلوم أنّ بينها فرقا:فالزّلزلة:الحركة العنيفة-و هي الباعثة على البقيّة-و الرّجف:الزّلزلة العظيمة و الاضطراب الشّديد.و الرّجّ:التّحريك الشّديد للشّيء بحيث ينهدم ما فوقه.و الدّكّ:ضرب بعض الشّيء ببعضه حتّى يندقّ.و الشّقّ هنا خاصّ بشقّ القبور لا كلّ الأرض؛و هو صدع الأرض عن قبور الموتى فيخرجون.فليلاحظ موادّها.و منها يعلم أنّ اهتزاز الأرض في القيامة يقع بكلّ أنواعها.

و ثانيا:أنّها جميعا وردت بشأن الأرض عند قيام السّاعة و خراب الأرض كعلم من أعلامها،و ليس فيها ذكر عن الزّلازل الطّبيعيّة كأنّها لا تقاس بتلك الزّلازل.

2-سيرها و مدّها:

1- وَ إِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ الانشقاق:3

2- وَ حُمِلَتِ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ الحاقّة:14

3- وَ تَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً الطّور:10

4- وَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ الكهف:47

5- وَ سُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً النّبأ:20

6- وَ إِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ التّكوير:3

و يلاحظ أنّ فيها ثلاثة تعابير:المدّ،و الحمل و السّير و هو أكثرها،فلا بدّ من إبداء الفرق بينها في موادّها.

و هي جميعا راجعة إلى القيامة أيضا.

3-إخراج ما فيها:

1- وَ إِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ* وَ أَلْقَتْ ما فِيها وَ تَخَلَّتْ الانشقاق:3،4

2- وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها الزّلزال:2

4-بروزها:

1- وَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَ تَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً

الكهف:47

5-إشراقها:

1- وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها الزّمر:69

6-قبضها:

1- وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ

الزّمر:67

7-تبديلها:

1- يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ

إبراهيم:48

ب-الأرض و أحوال أهلها يوم القيامة:

ص: 198

1- يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ... ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً الأعراف:187

2- وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ النّمل:87

3- وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ الزّمر:68

4- يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ عَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ النّساء:42

5- لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ المائدة:36

6- يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ...وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ المعارج:11-14

7- وَ لَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ يونس:54

8- لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ الرّعد:18

9- فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَ لَوِ افْتَدى بِهِ آل عمران:91

10- وَ لَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ الزّمر:47

11- خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ هود:107،108

و يلاحظ أوّلا:أنّ كثيرا من هذه الآيات تبيّن علاقة القيامة بالأرض،و أنّها عند قيام السّاعة تغاير حالها قبل قيامها،و هي أوّل ما يحدث للأرض لدى السّاعة مباشرة.و هذا ما يهمّ النّاس الّذين عاشوا في هذه الأرض و آنسوا بها و تعلّقت قلوبهم بما فيها من الخيرات.

و ثانيا:أنّ ما يحدث للأرض كلّها أمور مفزعة و مخيفة،كالزّلزال و الرّجف و الرّجّ و الدّكّ و التّشقّق و المدّ و سير الجبال-على ثقلها و كبرها-و غيرها،فقراءة هذه الآيات و العلم بما فيها من الأهوال يبعثان القلوب على الخوف و الخشية و الاعتبار و الحذر من سوء العاقبة.

و ثالثا:أنّ احتواء الآيات على إخراج الأرض لأثقالها و إشراق الأرض بنور ربّها و إبراز ما فيها،أو أنّها تبدّل غير الأرض،أو أنّها جميعا قبضته يوم القيامة، تجعل الإنسان يراجع نفسه حيث ستتجلّى أعماله أمامه و تمثّل قباله،فيقال له: كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً الإسراء:14.

و رابعا:أنّ احتواء الآيات على أحوال النّاس يوم القيامة استمرار لما قبلها من الآيات،فتمثّل فزع النّاس من شدّة العذاب؛بحيث يودّ الكافرون لو تسوّى بهم الأرض،أو يفتدوا بما في الأرض و مثله معه-لو كان لهم- و أنّه لا يقبل الفداء منهم،و لو كان ملء الأرض ذهبا.

و خامسا:أنّهم بعد استقبال و تحمّل تلك الأهوال و الصّعوبات،مخلّدون في النّار ما دامت السّماوات و الأرض،و معلوم أنّها كناية عن دوام العذاب؛إذ ليس حين ذاك سماء و لا أرض،فالسّماوات مطويّات بيمينه، و الأرض تبدّلت بأرض غيرها.

ج-الأرض و الجنّة:

1- وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ آل عمران:133

ص: 199

2- سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَ رُسُلِهِ الحديد:21

3- وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ

الزّمر:74

و يلاحظ أوّلا:أنّ سياق الآيات الثّلاث واحد، و هي الإعلام بسعة الجنّة،و أنّها لا حدّ لها.

و ثانيا:أنّ ذكر السّماء و الأرض في الآيتين الأوليين تمثيل لسعة الجنّة للنّاس الّذين عاشوا في الدّنيا تحت مظلّة السّماء و فوق بسيط الأرض،و استأنسوا بهما،و ليس شيء عندهم أعظم منهما،و إلاّ فلا يوجد يوم ذاك سماء و لا أرض.

و ثالثا:الآية الثّالثة تبيّن لنا أنّ أهل الجنّة لا يزال لهم علاقة بالأرض؛حيث يسمّون الجنّة أرضا.

و رابعا:قوله: نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ يحكي لنا أنّ أهل الجنّة سوف يكونون أحرارا في مسكنهم كما أنّهم-حسب آيات أخرى-أحرار في مأكلهم و مشربهم تماما،فيأكلون و يشربون منها رغدا ما شاءوا و حيث شاءوا.

و خامسا:هذه الآيات و أمثالها على طرف نقيض تماما لآيات العذاب الّتي ذكر بعضها،فالكفّار مخلّدون في النّار و المؤمنون مخلّدون في الجنّة،لا حدّ لعذاب هؤلاء و لا للذّات أولئك.و هذا من بلاغة القرآن؛حيث يقابل دائما أحوال المؤمنين و الكافرين إنذارا و تبشيرا لهم.

ص: 200

أرك

اشارة

الأرائك

لفظ واحد،5 مرّات:4 مكّيّة،1 مدنيّة

في 4 سور:3 مكّيّة،1 مدنيّة

النّصوص اللّغويّة

الخليل: الأراك:شجر السّواك.

و إبل أوارك:اعتادت أكل الأراك.و قد أركت تأرك أركا و أروكا،و هي أوارك،إذا لزمت مكانها فلم تبرح.

و أرك الرّجل بالمكان يأرك أروكا:أقام به.

الأريكة:سرير في حجلة،فالحجلة و السّرير:

أريكة.

و أرك و أريك:جبلان بين النّقرة و العسيلة.[ثمّ استشهد بشعر](5:404)

الكسائيّ: أرك فلان بالمكان يأرك،إذا أقام به.

و أركت الإبل أركا،إذا اشتكت من أكل الأراك، و هي إبل أراكى،و أركة،و كذلك:طلاحى و طلحة و قتادى و قتدة.(الأزهريّ 10:353)

ابن شميّل: الأراك:شجرة طويلة خضراء ناعمة،كثيرة الورق و الأغصان،خوّارة العود،تنبت بالغور،يتّخذ منها المساويك.(الأزهريّ 10:354)

أبو عمرو الشّيبانيّ: يقال للإبل الّتي تأكل الأرك (1):أراكيّة و أوارك.(ابن فارس 1:83)

أبو زيد: إذا صلح الجرح و تماثل قيل:أرك يأرك أروكا.(الأزهريّ 10:354)

نحوه أبو عبيد.(ابن فارس 1:84)

الأصمعيّ: هو آرضهم أن يفعل ذاك،و آركهم أن يفعله:أي أخلقهم.(الأزهريّ 10:354)

أركت الإبل بمكان كذا،إذا لزمته

ص: 201


1- هكذا في الأصل،و الظّاهر«الأراك».

فلم تبرح.(الجوهريّ 4:1572)

مثله ابن السّكّيت.(إصلاح المنطق:425)

ابن السّكّيت: نعر الجرح بالدّم ينعر،إذا ارتفع دمه؛و إذا سكن ورم الجرح قيل:قد حمص يحمص، و انحمص انحماصا،و اسخأتّ اسخئتاتا؛فإذا صلح و تماثل قيل:أرك يأرك،أروكا.(107،108)

و أرك يأرك أروكا و هو آرك.و يقال:إبل آركة في الحمض،إذا أقامت فيه،و إبل أوارك.(445)

نحوه الزّمخشريّ.(الفائق 3:33)

و يقال:قد ظهرت أريكته،إذا ذهبت غثيثته و ظهر اللّحم صحيحا أحمر و لم يعله الجلد،و ليس بعد ذلك إلاّ علوّ الجلد و الجفوف.(إصلاح المنطق:356)

الإبل الأوارك:المقيمات في الحمض و إذا كان البعير يأكل الأراك قيل:آرك.(الأزهريّ 10:353)

شمر: يأرك[بالكسر]لغة.

(الأزهريّ 10:354)

الدّينوريّ: الواحد من الأراك:أراكة،و بها سمّيت المرأة أراكة.

و يقال:ائترك الأراك،إذا استحكم.

و جعل الكسائيّ:«الإبل الأراكيّة»من«الأروك» و هو الإقامة.و ليس هذا مأخوذا من لفظ«الأراك»،و لا دالاّ على أنّها مقيمة في الأراك خاصّة،بل هذا لكلّ شيء،حتّى في مقام الرّجل في بيته يقال منه:أرك يأرك و يأرك أروكا.[و استشهد بالشّعر مرّتين]

(ابن فارس 1:83)

ابن دريد: ورك بالمكان يرك وروكا،إذا أقام به، فهو وارك.و أرك يأرك أروكا؛هي اللّغة الفصيحة.

(2:414)

أرك:موضع،و أريك:موضع.و الأريكة واحدة الأرائك،و هي-[فيما]زعموا-الفرش في الحجال و الوسائد.و لا يسمّى شيء منها أرائك إلاّ أن تكون كذلك.

و أرك بالمكان يأرك أروكا و أرك يأرك،إذا أقام به؛ فهو آرك.

و الأراك:نبت معروف،و إذا رعته الإبل فهي أوارك،و أهلها موركون.(3:251)

القاليّ: الأرائك:السّرر،واحدها:أريكة.و قال قوم:الفرش.(1:44)

الجوهريّ: الأراك:شجر من الحمض،الواحدة:

أراكة.

و أركت الإبل تأرك و تأرك أروكا،إذا رعت الأراك.

و أرك الرّجل بالمكان،أي أقام به.و أرك الجرح أروكا:سكن ورمه و تماثل.

و أركت الإبل بالكسر،تأرك أركا،أي اشتكت بطونها عن أكل الأراك؛فهي أركة و أراكى،مثل طلحة و طلاحى.و رمثة و رماثى.

و الأريكة:سرير منجّد مزيّن في قبّة أو بيت،فإذا لم يكن فيه سرير فهو حجلة،و الجمع:الأرائك.

و الأريك:اسم واد.و أرك،بالضّمّ:مكان.(4:1572)

ابن فارس: الهمزة و الرّاء و الكاف أصلان،عنهما يتفرّع المسائل،أحدهما:شجر،و الآخر:الإقامة.

ص: 202

فالأوّل:الأراك و هو شجر معروف.و أرض أركة:كثيرة الأراك.و يقال للإبل الّتي ترعى الأراك:أركة أيضا، كقولك:حامض من الحمض.

و الأصل الثّاني:الإقامة.[ثمّ نقل قول أبي حنيفة الدّينوريّ و قال:]

و الدّليل على صحّة ما قاله أبو حنيفة:تسميتهم السّرير في الحجلة أريكة،و الجمع:أرائك.

فإن قال قائل:فإنّ أبا عبيد زعم أنّه يقال للجرح إذا صلح و تماثل:أرك يأرك أروكا،قيل له:هذا من الثّاني،لأنّه إذا اندمل،سكن بغيه و ارتفاعه عن جلدة الجريح.

و من هذا الباب اشتقاق اسم أريك،و هو موضع.

[و استشهد بالشّعر مرّتين](1:83،84)

الثّعالبيّ: لا يقال:أريكة،إلاّ إذا كان عليها حجلة،و إلاّ فهي سرير.(50)

مثله الجزائريّ.(228)

ابن سيده: الأراك:شجر يستاك بفروعه.

قال أبو حنيفة:هو أفضل ما استيك بفرعه من الشّجر،و أطيب ما رعته الماشية رائحة لبن.قال:و قال أبو زياد:منه تتّخذ هذه المساويك من الفروع و العروق، و أجوده عند النّاس:العروق،و هي تكون واسعة محلالا.

واحدته:أراكة.

الأراكة،أيضا:القطعة من الأراك،كما قيل للقطعة من القصب:أباءة.و قد جمعوا أراكا،فقالوا:أرك.

و إبل أراكيّة:ترعى الأراك.

و أراك أرك،و مؤترك:كثير ملتفّ.

و أركت الإبل أركا،و أركت أركا:اشتكت من أكل الأراك.و هي أراكى،و أركة.

و أركت تأرك أروكا:رعت الأراك.

و أركت تأرك و تأرك أروكا:لزمت الأراك و أقامت فيه تأكله.

و قيل:هو أن تصيب أيّ شجر كان فتقيم فيه.

قال أبو حنيفة:الأراك:الحمض نفسه.

قال:و قال بعض الرّواة:أركت النّاقة أركا،فهي أركة،مقصور،من إبل أرك و أوارك:أكلت الأراك.و جمع «فعلة»على«فعل و فواعل»شاذّ.

و قوم مؤركون:رعت إبلهم الأراك.

و أرك بالمكان يأرك،و يأرك أروكا،و أرك أركا كلاهما:أقام.

و أرك الرّجل:لجّ.

أرك الأمر في عنقه:ألزمه إيّاه.

و أرك الجرح يأرك أروكا:تماثل و برأ.

و الأريكة:سرير في حجلة؛و الجمع:أريك و أرائك، و في التّنزيل: عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ يس:56.

و أرّك المرأة:سترها بالأريكة.

و أرك،و أريك:موضع.

و أرك:أرض قريبة من تدمر.[و استشهد بالشّعر 5 مرّات](7:82)

الأريكة:سرير منجّد مزيّن في قبّة،و كلّ ما يتّكأ عليه من سرير و منصّة و فراش.الجمع:أريك و أرائك.

(الإفصاح 1:317)

أرك الجرح يأرك أروكا:سكن ورمه و تماثل.

ص: 203

و يقال:ظهرت أريكة الجرح،إذا ذهبت غثيثته و ظهر اللّحم صحيحا أحمر و لم يعله الجلد،و ليس بعد ذلك إلاّ علوّ الجلد و الجفوف.و قيل:هو أن تسقط جلبته و ينبت لحما.(الإفصاح 1:539)

الأريكة:سرير في حجلة.

و أرّك الجارية:سترها بها.(الإفصاح 1:578)

أركت الإبل،كفرح و نصر و عني:اشتكت من أكل الأراك،و هي أركة و أراكى.(الإفصاح 2:764)

الرّاغب: الأريكة:حجلة على سرير،جمعها:

أرائك.و تسميتها بذلك إمّا لكونها في الأرض متّخذة من أراك و هو شجرة،أو لكونها مكانا للإقامة،من قولهم:

أرك بالمكان أروكا.و أصل الأروك:الإقامة على رعي الأراك،ثمّ تجوّز به في غيره من الإقامات.(16)

الحريريّ:في كلام العرب أشياء تختلف أسماؤها باختلاف أوصافها.فمن ذلك أنّهم لا يقولون للسّرير:

أريكة،إلاّ إذا كانت عليه حجلة.(19)

الزّمخشريّ: أفديك من مستاكه،بعود أراكه.

و كأنّهنّ ظباء أوارك.و تقول:هم متّكئون على الأرائك، مع بيض كالتّرائك.(أساس البلاغة:5)

ابن الأثير: في الحديث:«ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عنّي و هو متّكئ على أريكته،فيقول:بيننا و بينكم كتاب اللّه»الأريكة:السّرير في الحجلة من دونه ستر،و لا يسمّى منفردا أريكة.و قيل:هو كلّ ما اتّكئ عليه من سرير أو فراش أو منصّة،و قد تكرّر في الحديث.

و في حديث الزّهريّ عن بني إسرائيل:«و عنبهم الأراك»هو شجر معروف له حمل كعناقيد العنب،و اسمه الكباث بفتح الكاف،و إذا نضج يسمّى المرد.

و منه الحديث:«أتي بلبن إبل أوارك»أي قد أكلت الأراك.يقال:أركت تأرك و تأرك فهي أركة،إذا أقامت في الأراك و رعته.و الأوارك:جمع أركة.(1:40)

القرطبيّ: جاءت عن العرب أسماء تحتوي على صفات؛أحدها:الأريكة،لا تكون إلاّ في حجلة على سرير.(19:137)

الفيّوميّ: أرك بالمكان أروكا،من باب«قعد» و كسر المضارع لغة:أقام.

و أركت الإبل:رعت الأراك،فهي آركة،و الجمع:

الأوارك.و الأراك شجر من الحمض يستاك بقضبانه، الواحدة:أراكة.

و يقال:هي شجرة طويلة ناعمة،كثيرة الورق و الأغصان خوّارة العود،و لها ثمر في عناقيد يسمّى البرير،يملأ العنقود الكفّ.(12)

الفيروزآباديّ: الأراك كسحاب:القطعة من الأرض،و الحمض كالإرك بالكسر،و شجر من الحمض يستاك به.الجمع:أرك بضمّتين،و أرائك.

و إبل أراكيّة:ترعاه.و أرض أركة كفرحة:كثيرته.

و أراك آرك و مؤترك:كثير ملتفّ.

و أركت الإبل،كفرح و نصر و عني:اشتكت من أكله،فهي أركة و أراكى.

و أركت تأرك و تأرك أروكا:رعته أو لزمته و أقامت فيه تأكله،أو هو أن تصيب أيّ شجر كان فتقيم فيه.

و أركتها أنا أركا:فعلت بها ذلك،و الرّجل:لجّ،

ص: 204

و في الأمر:تأخّر،و الجرح:سكن ورمه و تماثل، و بالمكان:أقام،كأرك و فرح،و الأمر في عنقه:ألزمه إيّاه.

و قوم مؤركون:نازلون بالأراك يرعونها.

و الأريكة،كسفينة:سرير في حجلة،أو كلّ ما يتّكأ عليه من سرير و منصّة و فراش،أو سرير منجّد مزيّن في قبّة أو بيت،فإذا لم يكن فيه سرير فهو حجلة.جمعه:

أريك و أرائك.

و أرّكها تأريكا:سترها بها.

و ظهرت أريكة الجرح،أي ذهبت غثيثته،و ظهر لحمه الصّحيح الأحمر.

و المأروك:الأصل،و هو آركهم بكذا:أخلقهم.

و ائترك الأراك:استحكم و ضخم،أو أدرك.

و عشب له إرك بالكسر،أي تقيم فيه الإبل.

(3:301)

الطّريحيّ: في الحديث:«إنّ أصحاب الأراك لا حجّ لهم»الأراك،كسحاب:شجر يستاك بقضبانه،له حمل كعناقيد العنب يملأ العنقود الكفّ.

و المراد به هنا موضع بعرفة من ناحية الشّام قرب نمرة.

و كأنّه حدّ من حدود عرفة،فالوقوف به ليس بوقوف،فلا يكون مبرأ للذّمّة.

و أركت الإبل،إذا رعت الأراك.(5:253)

المصطفويّ: الّذي يظهر من موارد استعمال هذه المادّة أنّ الأصل الواحد فيها هو الإقامة و السّكون.

و الأريكة«فعيلة»:ما يقام و يهيّأ،كالفريضة لما يفرض من الحكم و الصّدقة،و السّكينة لما يسكن من الوقار و الطّمأنينة،و الحديقة لما يطاف و يحاط.

و من هذا المعنى ما يقام و يهيّأ و يزيّن للعروس حتّى تقوم فيها ما كانت عروسا.فهذا المعنى يشمل مجموع ما يهيّأ بهذا المنظور من السّرير و الفرش و الكرسيّ و البساط و السّتر،و يعبّر عنها بالحجلة.فتخصيص الأريكة بالسّرير أو بالبساط أو الفراش أو غيرها،غير وجيه.

و لا يبعد أن يكون«الأراك»-و هو الشّجر الّذي يستاك بفروعه و أطيب م