الأصول في النحو المجلد 2

اشارة

سرشناسه : ابن سراج، محمد بن سری، - 316ق.

عنوان و نام پديدآور : الأصول في النحو / تألیف العلامة أبی بکر محمد بن السري بن سهل النحوي المعروف ب «ابن السراج»؛ تحقیق محمد عثمان

مشخصات نشر : قاهره : مکتبة الثقافة الدينية ، 1430ق = 2009م = 1387

مشخصات ظاهری : 2 ج

یادداشت : عربی

موضوع : ادبیات عرب -- نحو

توضیح : «الأصول فی النحو» اثر عربی ابن سراج ابوبکر محمد بن سری بن سهل( 316 ق / 929 م) در علم نحو و قواعد مربوط به آن می باشد.هدف نویسنده از نوشتن این کتاب، ذکر اصول و مواردی است که در کلام عرب شیوع داشته و اشاره به علتی که بعضی از قواعد تکرار می شوند.

یاقوت درباره این کتاب گفته است: «اصول و قواعد نحوی پراکنده و غیر قابل فهم بود تا اینکه ابن سراج آن ها را در کتاب اصول خود گردآورد و قابل فهم گردانید».

شرح هایی که علمای بعد از او بر این کتاب نوشته اند، مؤید ارزش و اهمیت کتاب است.

پاورقی ها مربوط به ذکر اسانید و شرح و تعلیقاتی است که محقق برای متن نوشته است.

ص: 1

اشارة

ص: 2

ص: 3

ص: 4

بسم الله الرّحمن الرحيم

باب إعراب الأفعال وبنائها

اشارة

الأفعال تقسم قسمين : مبني ومعرب.

فالمبني ينقسم قسمين : مبني على حركة (1) ومبني على سكون.

فأما المبني على حركة فالفعل الماضي (2) بجميع أبنيته نحو : قام واستقام وضرب واضطرب ودحرج وتدحرج وأحمر واحمارّ وما أشبه ذلك ، وإنما بني على الحركة ؛ لأنه. ضارع الفعل المضارع في بعض المواضع نحو قولك : إن قام قمت. فوقع في موضع : إن تقم.

ويقولون : مررت برجل ضرب ، كما تقول : مررت برجل يضرب ، فبني على الحركة كما بني (أول وعل) في بابه على الحركة ، وجعل له فضيلة على ما ليس بمضارع المضارع عما حصل (لأول وعل) أو من قبل ومن بعد فضيلة على المبنيات ، وأما المبني على السكون فما أمرت به وليس فيه حرف من حروف المضارعة ، وحروف المضارعة : الألف والتاء والنون والياء ، وذلك نحو قولك : قم واقعد واضرب ، فلما لم يكن مضارعا للاسم ولا مضارعا للمضارع ترك على سكونه ؛ لأن أصل الأفعال السكون والبناء ، وإنما أعربوا منها ما أشبه الأسماء وضارعها ، وبنوا منها على الحركة ما ضارع المضارع ، وما خلا من ذلك أسكنوه وهذه الألف في قولك : اقعد ألف وصل إنما تنطق بها إذا ابتدأت ؛ لأنه لا يجوز أن تبتدىء بساكن وما بعد حروف المضارعة ساكن فلما خلا الفعل منها واحتيج إلى النطق به أدخلت ألف الوصل وحق ألف الوصل أن تدخل على الأفعال المبنية فقط ولا تدخل على الأفعال المضارعة لأنها لا

ص: 5


1- الحركات التي يبنى عليها الفعل هي : الفتح والضم ، ولا يدخل الكسر في حركات بناء الأفعال.
2- الفعل الماضي الأصل فيه البناء على الفتح دائما ، إلا إذا اتصل بنون النسوة ، أو تاء الفاعل ، فيكون مبني على السكون حينئذ.

تدخل على الأسماء إلا على ابن وأخواته وهو قليل العدد ، وإنما بني فعل التعجب الذي يجيء على لفظ الأمر بني على السكون نحو قولك : أكرم بزيد وأسمع بهم وأبصر. وقد مضى ذكر ذا في باب التعجب.

وأما الفعل المعرب فقد بينا أنه الذي يكون في أوله الحروف الزوائد التي تسمى حروف المضارعة (1) ، وهذا الفعل إنما أعرب لمضارعته الأسماء وشبهه بها والإعراب في الأصل للأسماء وما أشبهها من الأفعال أعرب ، كما أنه إنما أعرب من أسماء الفاعلين ما جرى على الأفعال المضارعة وأشباهها ألا ترى أنك إنما تعمل (ضاربا) إذا كان بمعنى يفعل فتقول : هذا ضارب زيدا ، فإن كان بمعنى (ضرب) لم تعمله فمنعت هذا العمل ، كما منعت ذلك الإعراب واعلم أنه إنما يدخله من الإعراب الذي يكون في الأسماء : الرفع والنصب ولا جرّ فيه وفيه الجزم وهو نظير الخفض في الأسماء ؛ لأن الجرّ يخص الأسماء والجزم يخص الأفعال ونحن نذكرها نوعا نوعا بعون الله.

الأفعال المرفوعة

الفعل يرتفع بموقعه موقع الأسماء (2) كانت تلك الأسماء مرفوعة أو مخفوضة أو منصوبة فمتى كان الفعل لا يجوز أن يقع موقعه اسم لم يجز رفعه ، وذلك نحو قولك : يقوم زيد ويقعد عمرو وكذلك عمرو يقول وبكر ينظر ومررت برجل يقوم ورأيت رجلا يقول ذاك ألا ترى أنك إذا قلت : يقوم زيد جاز أن تجعل زيدا موضع (يقوم) فتقول : زيد يفعل كذا وكذلك إذا قلت : عمرو ينطلق فإنما ارتفع (ينطلق) ؛ لأنه وقع موقع (أخوك) إذا قلت : زيد أخوك فمتى وقع الفعل المضارع في موضع لا تقع فيه الأسماء فلا يجوز رفعه.

وذلك نحو قولك : لم يقم زيد لا يجوز أن ترفعه ؛ لأنه لا يجوز أن تقول : لم زيد فافهم هذا.

ص: 6


1- وهو الفعل المضارع ، وإعرابه بالضم ، أو بالنصب إذا سبقه حرف من حروف النصب ، أو يسكن إذا سبقه حرف من حروف الجزم ، أو وقع في جواب الطلب.
2- أي سبب قبوله الرفع ، هو وقوعه موقع الأسماء ، وهي مسألة نظرية وقع الاختلاف فيها كثيرا ، ولا طائل عمليا من ورائها.

واعلم أن الفعل إنما أعرب ما أعرب منه لمشابهته الأسماء فأما الرفع خاصة فإنما هو لموقعه موقع الأسماء فالمعنى الذي رفعت به غير المعنى الذي أعربت به.

الأفعال المنصوبة

اشارة

وهي تنقسم على ثلاثة أقسام : فعل ينصب بحرف ظاهر ولا يجوز إضماره وفعل ينتصب بحرف يجوز أن يضمر وفعل ينتصب بحرف لا يجوز إظهاره والحروف التي تنصب : أن ولن وكي وإذن.

الأول : ما انتصب بحرف ظاهر لا يجوز إضماره

وذلك ما انتصب بلن وكي تقول : لن يقوم زيد ولن يجلس فقولك : لن يفعل يعني : سيفعل يقول القائل : سيقوم عمرو فتقول : لن يقوم عمرو وكان الخليل يقول : أصلها لا أن فألزمه سيبويه : أن يكون يقدم ما في صلة (أن) في قوله : زيدا لن أضرب وليس يمتنع أحد من نصب هذا وتقديمه ، فإن كان على تقديره فقد قدم ما في الصلة على الموصول.

وأما (كي) فجواب لقولك : لمه إذا قال القائل : لم فعلت كذا فتقول : كي يكون كذا ولم جئتني فتقول : كي تعطيني فهو مقارب لمعنى اللام إذا قلت : فعلت ذلك لكذا فأما قول من قال : كيمه في الاستفهام فإنه جعلها مثل لمه فقياس ذلك أن يضمر (أن) بعد (كي) إذا قال : كي يفعل ؛ لأنه قد أدخلها على الأسماء.

وكذا قول سيبويه : والذي عندي أنه إنما قيل : كيمه لما تشبيها.

وقد يشبهون الشيء بالشيء ، وإن كان بعيدا منه.

وأما (إذن) فتعمل إذا كانت جوابا وكانت مبتدأة ولم يكن الفعل الذي بعدها معتمدا على ما قبلها وكان فعلا مستقبلا فإنما يعمل بجميع هذه الشرائط ، وذلك أن يقول القائل : أنا أكرمك فتقول : إذن أجيئك إذن أحسن إليك إذن آتيك.

فإن اعتمدت بالفعل على شيء قبل (إذن) نحو قولك : أنا إذن آتيك رفعت وألغيت كما تلغى ظننت وحسبت وليس بشيء من أخواتها التي تعمل في الفعل يلغى غيرها فهي في

ص: 7

الحروف نظير أرى في الأفعال ومن ذلك إن تأتني إذن آتك ؛ لأن الفعل جواب : إن تأتني ، فإن تم الكلام دونها جاز أن تستأنف بها وتنصب ويكون جوابا ، وذلك نحو قول ابن عنمة :

أردد حمارك لا تنزع سويّته

إذن يردّ وقيد العير مكروب (1)

فهذا نصب ؛ لأن ما قبله من الكلام قد استغنى وتمّ ألا ترى أنّ قوله : اردد حمارك لا تنزع سويته كلام قد ثمّ ثم استأنف كأنه أجاب من قال : لا أفعل ذاك فقال :

إذن يردّ وقيد العير مكروب

فإن كان الفعل الذي دخلت عليه (إذن) فعلا حاضرا لم يجز أن تعمل فيه ؛ لأن أخواتها لا يدخلن إلا على المستقبل ، وذلك إذا حدثت بحديث فقلت : إذن أظنه فاعلا وإذن أخالك كاذبا ، وذلك لأنك تخبر عن الحال التي أنت فيها في وقت كلامك فلا تعمل (إذن) ؛ لأنه موضع لا تعمل فيه أخواتها فإذا وقعت (إذن) بين الفاء والواو وبين الفعل المستقبل فإنك فيها بالخيار : إن شئت أعملتها كإعمالك أرى وحسبت إذا كانت واحدة منها بين اسمين ، وإن شئت ألغيت فأما الإعمال فقولك : فإذن آتيك فإذن أكرمك.

قال سيبويه : وبلغنا أن هذا الحرف في بعض المصاحف : (وإذن لا يلبثوا (خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلاً) [الإسراء : 76] ، وأما الإلغاء فقولك : فإذن أجيئك ، وقال عز وجل : فإذن (لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً) [النساء : 53].

واعلم أنه لا يجوز أن تفصل بين الفعل وبين ما ينصبه بسوى إذن وهي تلغى وتقدم وتؤخر تقول : إذن والله أجيئك فتفصل والإلغاء قد عرفتك إياه وتقول : أنا أفعل كذا إذن

ص: 8


1- على أنه يجوز على مذهب الكسائي أن يكون لا يرتع مجزوما بكون لا فيه للنهي ، لا أنه جواب الأمر. ويرد مجزوما لا منصوبا بكونه جوابا للنهي ، كما هو مذهبه في نحو : لا تكفر تدخل النار. فيكون المعنى لا يرتع ، إن يرتع يرد. وعند غيره : يرد منصوب ، وإذن منقطع عما قبله مصدر ، كأن المخاطب قال : لا أزجره. فأجاب بقوله : إذن يرد. أقول : يكون لا يرتع على قول الكسائي بدلا من ازجر ، وهو أوفى من الأول في تأدية المعنى المراد. انظر خزانة الأدب 3 / 246.

فتؤخرها وهي ملغاة أيضا ، وإذا قلت : إذن عبد الله يقول ذلك فالرفع لا غير ؛ لأنه قد وليها المبتدأ فصارت بمنزلة (هل) وزعم عيسى : أن ناسا يقولون : إذن أفعل في الجواب.

الثاني : ما انتصب بحرف يجوز إظهاره وإضماره

وهذا يقع على ضربين : أحدهما أن تعطف بالفعل على الاسم والآخر أن تدخل لام الجر على الفعل فأما الضرب الأول من هذا وهو أن تعطف الفعل على المصدر فنحو قولك :

يعجبني ضرب زيد وتغضب. تريد : وأن تغضب فهذا إظهار (أن) فيه أحسن.

ويجوز إضمارها فأن مع الفعل بمنزلة المصدر فإذا نصبت فقد عطفت اسما على أسم ولو لا أنك أضمرت (أن) ما جاز أن تعطف الفعل على الاسم ؛ لأن الأسماء لا تعطف على الأفعال ولا تعطف الأفعال على الأسماء ؛ لأن العطف نظير التثنية فكما لا يجتمع الفعل والاسم في التثنية كذلك لا يجتمعان في العطف فمما نصب من الأفعال المضارعة لما عطف على اسم قول الشاعر :

للبس عباءة وتقرّ عيني

أحبّ إليّ من لبس الشّفوف (1)

ص: 9


1- على أن تقر منصوب بأن بعد واو العطف. قال سيبويه : لما لم يستقم أن تحمل وتقر وهو فعل ، على لبس وهو اسم ، ولما ضممته إلى الاسم ، وجعلت أحب لهما ، ولم ترد قطعه ، لم يكن بد من إضمار أن. قال النحاس : قال أبو الحسن : أي لم ترد لبس عباءة أحب إلي. وأن تقر عيني ، لأن هذا يبطل المعنى ، لأنه لم يرد أن لبس عباءة أحب إليه. هذا سخف ، إنما أراد قرة العين ، فلهذا نصب. وقال الأعلم : نصب تقر بإضمار أن ليعطف على اللبس ، لأنه اسم وتقر فعل ، فلم يمكن عطفه عليه ، فحمل على إضمار إن لأن أن وما بعدها اسم ، فعطف اسما على اسم وجعل الخبر عنهما واحدا ، وهو أحب. والمعنى : لبس عباءة مع قرة العين ، وصفاء العيش أحب إلي من لبس الشفوف مع سخنة العين ونكد العيش. والعباءة : جبة الصوف. والشفوف : ثياب رقاق تصب البدن ، واحدها شفّ. انتهى. فإن قلت : ما الفرق بين واو الجمع ، وواو العطف ، وهل هما إلا شيء واحد؟ قلت : واو الجمع في الأصل للعطف ، لكنه خص ببعض أحواله ، وذلك أن المعطوف قد يكون قبل المعطوف عليه في الوجود ، وقد يكون بعده ، وقد يكون معه ، نحو : جاء زيد وعمرو قبله أو بعده أو معه. فخص واو الجمع بما يكون بمعنى مع ، فهو باعتبار أصل معنى العطف احتاج إلى تقدير مصدر منتزع من الأول. وباعتبار اختصاصه العارض بحال المعية ، صار كأنه قسيم للعطف المطلق الذي لا يتقيد. فواو الجمع عطف مقيد بالمعية ، وواو العطف غير مقيد بها. فهذا هو الفرق. وقال اللخمي في شرح أبيات الجمل : ولو رفعت وتقر لجاز ، على أن ينزل الفعل منزلة المصدر ، ونحو قولهم : " تسمع بالمعيدي" ، فتسمع منزل منزلة سماعك. انظر خزانة الأدب 3 / 278.

كأنه قال : للبس عباءة وأن تقرّ عيني.

وأما الضرب الآخر فما دخلت عليه لام الجر ، وذلك نحو قولك : جئتك لتعطيني ولتقوم ولتذهب وتأويل هذا : جئتك ؛ لأن تقوم جئتك ؛ لأن تعطيني ولأن تذهب ، وإن شئت أظهرت فقلت (لأنّ) في جميع ذلك ، وإن شئت حذفت (أن) وأضمرتها ويدلك على أنه لا بدّ من إضمار (أن) هنا إذا لم تذكرها أن لام الجر لا تدخل على الأفعال وأن جميع الحروف العوامل في الأسماء لا تدخل على الأفعال وكذلك عوامل الأفعال لا تدخل على الأسماء وليس لك أن تفعل هذا مع غير اللام لو قلت : هذا لك بتقوم تريد بأن تقوم لم يجز وإنما شاع هذا مع اللام من بين حروف الجر فقط للمقاربة التي بين كي واللام في المعنى.

الثالث : وهو الفعل الذي ينتصب بحرف لا يجوز إظهاره

اشارة

وذلك الحرف (أن) والحروف التي تضمر معها ولا يجوز إظهارها أربعة أحرف (حتى) إذا كانت بمعنى إلى أن والفاء إذا عطفت على معنى الفعل لا على لفظه والواو إذا كانت بمعنى الاجتماع فقط وأو إذا كانت بمعنى إلى (أن).

شرح الأول من ذلك وهو حتى

اعلم أن (حتى) إذا وقعت الموقع الذي تخفض فيه الأسماء ووليها فعل مضارع أضمر بعدها (أن) ونصب الفعل وهي تجيء على ضربين : بمعنى (إلى) وبمعنى (كي) فالضرب الأول قولك : أنا أسير حتى أدخلها والمعنى : أسير إلى أن أدخلها وسرت حتى أدخلها كأنه قال : سرت إلى دخولها فالدخول غاية للسير وليس بعلة للسير وكذلك : أنا أقف حتى تطلع

ص: 10

الشمس وسرت حتى تطلع الشمس والضرب الآخر أن يكون الدخول علة للسير فتكون بمعنى (كي) كأنه قال : (سرت كي أدخلها) فهذا الوجه يكون السير فيه كان والدخول لم يكن كما تقول : أسلمت حتى أدخل الجنة وكلمته كي يأمر لي بشيء (فحتىّ) متى كانت من هذين القسمين اللذين أحدهما يكون غاية الفعل وهي متعلقة به وهي من الجملة التي قبلها فهي ناصبة ، وإن جاءت بمعنى العطف فقد تقع ما بعدها جملة وارتفاع الفعل بعدها على وجهين :

على أن يكون الفعل الذي بعدها متصلا بالفعل الذي قبلها أو يكون منقطعا منه ولا بدّ في الجميع من أن يكون الفعل الثاني يؤديه الفعل الأول فأما الوجه الأول فنحو قولك : سرت حتى أدخلها ذكرت أن الدخول اتصل بالسير بلا مهلة بينهما كمعنى الفاء إذا عطفت بها فقلت : سرت فأنا أدخلها.

وصلت الدخول بالسير كما قال الشاعر :

ترادى على دمن الحياض ، فإن تعف

فإنّ المندّى رحلة فركوب

وينشد تراد لم يجعل بين الرحلة والركوب مهلة ولم يرد أنّ رحلته فيما مضى وركوبه الآن ولكنه وصل الثاني بالأول ومعنى قولي : إنّك إذا رفعت ما بعد حتى فلا بدّ من أن يكون الفعل الذي قبلها هو الذي أدى الفعل الذي بعدها أن السير به كان الدخول إذا قلت : سرت حتى أدخلها ، ولو لم يسر لم يدخلها.

ولو قلت : سرت حتى يدخل زيد فرفعت (يدخل) لم تجر ؛ لأن سيرك لا يؤدي زيدا إلى الدخول ، فإن نصبت وجعلتها غاية جاز فقلت : سرت حتى يدخل زيد تريد إلى أن يدخل زيد وكذلك : سرت حتى تطلع الشمس ولا يجوز أن ترفع (تطلع) ؛ لأن سيرك ليس بسبب لطلوع الشمس وجاز النصب ؛ لأن طلوع الشمس قد يكون غاية لسيرك.

وأما الوجه الثاني من الرفع : فأن يكون الفعل الذي بعد (حتّى) حاضرا ولا يراد به اتصاله بما قبله ويجوز أن يكون ما قبله منقطعا ومن ذلك قولك : لقد سرت حتى أدخلها وما أمنع حتى أني أدخلها الآن أدخلها كيف شئت ومثل قول الرجل : لقد رأى مني عاما أول شيئا حتى لا أستطيع أن أكلمه العام بشيء.

ص: 11

ولقد مرض حتى لا يرجونه إنما يراد أنه الآن لا يرجونه وأن هذه حاله وقت كلامه (فحتى) هاهنا كحرف من حروف الابتداء والرفع في الوجهين جميعا كالرفع في الاسم ؛ لأن حتى ينبغي أن يكون الفعل الأول هو الذي أدى إلى الثاني ؛ لأنه لو لا سيره لم يدخل ولو لا ما رأى منه في العام الأول ما كان لا يستطيع أن يكلمه العام ولو لا المرض ما كان لا يرجى وهذا مسألة تبين لك فيما فرق ما بين النصب والرفع تقول : كان سيري حتى أدخلها فإذا نصبت كان المعنى : إلى أن أدخلها فتكون (حتى) وما عملت فيه خبر كان ، فإن رفعت ما بعد (حتى) لم يجز أن تقول : كان سيري حتّى أدخلها لأنك قد تركت (كان) بغير خبر ؛ لأن معنى (حتى) معنى الفاء فكأنك قلت : كان سيري فأدخلها ، فإن زدت في المسألة ما يكون خبرا (لكان) جاز فقلت : كان سيري سيرا متعبا حتى أدخلها وعلى ذلك قرىء : (حتى يقول الرسول) (1) [البقرة : 214] وحتى يقول : من نصب جعله غاية ومن رفع جعله حالا.

ص: 12


1- اختلفوا في نصب اللام ورفعها من قوله جل وعز : (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ.) فقرأ نافع وحده : حتى يقول الرسول برفع اللام. وقرأ الباقون : حتى يقول الرسول نصبا. وقد كان الكسائي يقرؤها دهرا رفعا ، ثم رجع إلى النصب. وروى ذلك عنه الفراء ، قال : حدثني به ، وعنه محمد بن الجهم ، عن الكسائي. قال أبو علي : قوله عز وجل : (وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ) من نصب فالمعنى : وزلزلوا إلى أن قال الرسول. وما ينتصب بعد حتى من الأفعال المضارعة على ضربين : أحدهما : أن يكون بمعنى إلى ، وهو الذي تحمل عليه الآية. والآخر : أن يكون بمعنى كي ، وذلك قولك : أسلمت حتى أدخل الجنة ، فهذا تقديره : أسلمت كي أدخل الجنة. فالإسلام قد كان ، والدخول لم يكن ، والوجه الأول من النصب قد يكون الفعل الذي قبل حتى مع ما حدث عنه قد مضيا جميعا. ألا ترى أن الأمرين في الآية كذلك. وأما قراءة من قرأ : (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ) بالرفع ، فالفعل الواقع بعد حتى إذا كانا مضارعا لا يكون إلا فعل حال ، ويجييء أيضا على ضربين : أحدهما : أن يكون السبب الذي أدّى الفعل الذي بعد حتى قد مضى ، والفعل المسبب لم يمض ، مثال ذلك قولهم : (مرض حتى لا يرجونه) و: (شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه). وتتجه على هذا الوجه الآية ، كأن المعنى : وزلزلوا فيما مضى ، حتى أن الرسول يقول الآن : متى نصر الله ، وحكيت الحال التي كانوا عليها ، كما حكيت الحال في قوله : (هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ) وفي قوله : (وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ.) والوجه الآخر من وجهي الرفع : أن يكون الفعلان جميعا قد مضيا ، نحو : سرت حتى أدخلها ، فالدخول متصل بالسير بلا فصل بينهما ، كما كان في الوجه الأول بينهما فصل. والحال في هذا الوجه أيضا محكيّة ، كما كانت محكية في الوجه الآخر ، ألا ترى أن ما مضى لا يكون حالا؟. وحتى إذا رفع الفعل بعدها ، حرف ، يصرف الكلام بعدها إلى الابتداء ، وليست العاطفة ولا الجارّة ، وهي - إذا انتصب الفعل بعدها - الجارّة للاسم ، وينتصب الفعل بعدها بإضمار أن ، كما ينتصب بعد اللام بإضمارها. [الحجة للقراء السبعة : 2 / 306].
شرح الثاني : وهو الفاء

اعلم أن الفاء عاطفة في الفعل كما يعطف في الاسم كما بينت لك فيما تقدم فإذا قلت : زيد يقوم فيتحدث فقد عطفت فعلا موجبا على فعل موجب ، وإذا قلت : ما يقوم فيتحدث فقد عطفت فعلا منفيا على منفيّ فمتى جئت بالفاء وخالف ما بعدها ما قبلها لم يجز أن تحمل عليه فحينئذ تحمل الأول على معناه وينصب الثاني بإضمار (أن) ، وذلك قولك : ما تأتني فتكرمني وما أزورك فتحدثني لم ترد : ما أزورك وما تحدثني ولو أردت ذلك لرفعت ولكنك لما خالفت في المعنى فصار : ما أزورك فكيف تحدثني وما أزورك إلّا لم تحدثني جمل الثاني على مصدر الفعل الأول وأضمر (أن) كي يعطف اسما على اسم فصار المعنى ما يكون زيارة مني فحديث منك.

وكذا كلما كان غير واجب نحو الأمر والنهي والاستفهام فالأمر نحو قولك : إئتني فأكرمك والنهي مثل : لا تأتني فأكرمك والاستفهام مثل : أتأتني فأعطيك ؛ لأنه إنما يستفهم عن الإتيان ولم يستفهم عن الإعطاء وإنما تضمر (أن) إذا خالف الأول الثاني فمتى أشركت الفاء الفعل الثاني بالأول فلا تضمر (أن) وكذلك إذا وقعت موقع الابتداء أو مبنيّ على الابتداء.

ص: 13

شرح الثاني : وهو الواو

الواو تنصب ما بعدها في غير الواجب من حيث انتصب ما بعد الفاء وإنما تكون كذلك إذا لم ترد الإشراك بين الفعل والفعل وأردت عطف الفعل على مصدر الفعل الذي قبلها كما كان في الفاء وأضمرت (أن) وتكون الواو في جميع هذا بمعنى (مع) فقط ، وذلك قولك : لا تأكل السمك وتشرب اللبن أي لا تجمع بين أكل السمك وشرب اللبن ، فإن نهاه عن كل واحد منهما على حال قال : ولا تشرب اللبن على حال وتقول : لا يسعني شيء ويعجز عنك فتنصب ولا معنى للرفع في (يعجز) ؛ لأنه ليس يخبر أن الأشياء كلها لا تسعه وأن الأشياء كلها لا تعجز عنه إنما يعني لا يجتمع أن يسعني شيء ويعجز عنك كما قال :

لاتنه عن خلق وتأتي مثله

عار عليك إذا فعلت عظيم (1)

ص: 14


1- على أن تأتي منصوب بأن مضمرة بعد واو الجمعية الواقعة بعد النهي. قال سيبويه : واعلم أن الواو وإن جرت هذا المجرى ، فإن معناها ومعنى الفاء مختلفان. ألا ترى الأخطل قال : لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... البيت فلو دخلت الفاء هاهنا ، لأفسدت المعنى ، وإنما أراد : لا تجمعن النهي ، والإتيان ، فصار تأتي على إضمار أن. انتهى. ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : وأنت تأتي ، ولا يجوز جزمه ، لفساد المعنى. وعار خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو عار. وعظيم. صفته. وهذه الجملة دليل جواب إذا. ومعنى البيت من قوله تعالى : "أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ". وقال الحاتمي : هذا أشرد بيت قيل في تجنب إتيان ما نهي عنه. والبيت وجد في عدة قصائد. ومنه اختلف في قائله ، فنسبه الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في أمثاله إلى المتوكل بن عبد الله الليثي الكناني. وأورده في باب تعيير الإنسان صاحبه بعيب هو فيه. والمتوكل الليثي من شعراء الإسلام ، وهو من أهل الكوفة ، وكان في عصر معاوية وابنه يزيد ، ومدحهما. ونسبه إليه أيضا الآمدي في المؤتلف والمختلف ، وقال فيمن يقال له المتوكل : منهم المتوكل الليثي ، وهو المتوكل بن عبد الله بن نهشل بن وهب بن عمرو بن لقيط بن يعمر الشداخ بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة. انظر خزانة الأدب 3 / 275.

أي : لا يجتمع أن تنهي وتأتي ولو جزم كان المعنى فاسدا.

ولو قلت بالفاء : لا يسعني شيء فيعجز عنك كان جيدا ؛ لأن معناه : لا يسعني شيء إلا لم يعجز عنك ولا يسعني شيء عاجزا عنك.

فهذا تمثيل كما تمثل : ما تأتيني فتحدثني إذا نصبت بما تأتيني إلّا لم تحدثني وبما تأتيني محدثا وتنصب مع الواو في كل موضع تنصب فيه مع الفاء وكذلك إذا قلت : زرني فأزورك تريد ليجتمع هذان قال الشاعر :

ألم أك جاركم ويكون بيني

وبينكم المودّة والإخاء (1)

أراد : ألم يجتمع هذان ولو أراد الإفراد فيهما لم يكن إلا مجزوما والآية تقرأ على وجهين (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران : 142] وإنما وقع النصب في باب الواو والفاء في غير الواجب ؛ لأنه لو كان الفعل المعطوف عليه واجبا لم يبن الخلاف فيصلح إضمار (أن).

شرح الرابع وهو (أو)

اعلم أن الفعل ينتصب بعدها إذا كان المعنى معنى إلا أن تفعل تقول : لألزمنّك أو تعطيني كأنه قال : ليكوننّ اللزوم والعطية وفي مصحف أبي (تقاتلونهم أو يسلموا) على معنى :

إلا أن يسلموا أو حتى يسلموا وقال امرؤ القيس :

فقلت له : لا تبك عينك إنّما

نحاول ملكا أو نموت فنعذرا (2)

ص: 15


1- انظر الأغاني 2 / 364.
2- على أن سيبويه جوز الرفع في قوله : نموت إما بالعطف على نحاول ، أو على القطع ، أي : نحن نموت. وهذا نص سيبويه : واعلم أن معنى ما انتصب بعد أو على إلا أن ، كما كان معنى ما انتصب بعد الفاء. تقول : لألزمنك ، أو تقضيني حقي ، ولأضربنك أو تسبقني. فالمعنى لألزمنك إلا أن تقضيني ، ولأضربنك إلا أن تسبقني. هذا معنى النصب. قال امرؤ القيس : فقلت له لا تبك عينك ... البيت والقوافي منصوبة ، فالتمثيل على ما ذكرت لك ، والمعنى على إلا أن نموت فنعذرا. ولو رفعت لكان عربيا جيدا على وجهين : على أن تشرك بين الأول والآخر ، وعلى أن يكون مبتدأ مقطوعا من الأول ، يعني أو نحن ممن يموت. انظر خزانة الأدب 3 / 269.

أي : إلا أن نموت فنعذرا فكل موضع وقعت فيه أو يصلح فيه إلا أن وحتى فالفعل منصوب ، فإن جاء فعل لا يصلح هذا فيه رفعت ، وذلك نحو قولك أتجلس أو تقوم يا فتى والمعنى : أيكون منك أحد هذين وهل تكلمنا أو تنبسط إلينا لا معنى للنصب هنا وقال الله عز وجل : (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ 72 أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ) [الشعراء] فهذا مرفوع لا يجوز فيه النصب ؛ لأن هذا موضع لا يصلح فيه (إلّا أن).

الأفعال المجزومة

اشارة

الحروف التي تجزم خمسة : (لم ولمّا ولا في النهي ، واللام في الأمر ، وإن التي للجزاء) وهذه الحروف تنقسم قسمين : فأربعة منها لا يقع موقعها غيرها ولا تحذف من الكلام إذا أريدت وهي لم ولمّا ولا في النهي ولام الأمر والقسم الآخر حرف الجزاء قد يحذف ويقع موقعه غيره من الأسماء وحذف حرف الجزاء على ضربين : ضرب يقوم مقامه اسم يجازى به وضرب يحذف البتة ويكون في الكلام دليل عليه والأسماء التي يجازى بها على ضربين : اسم غير ظرف واسم ظرف وهو نحو : ما ومن وأي وأين ومتى وحيثما ومتهما وإذ ما.

شرح القسم الأول : وهو الأحرف الأربعة

(لم ولمّا ولا في النهي ، ولام الأمر)

أما لم فتدخل على الأفعال المضارعة واللفظ لفظ المضارع والمعنى معنى الماضي تقول : لم يقم زيد أمس ولم يقعد خالد ، وأما (لمّا) لم ضمت إليها (ما) وبنيت معها فغيرت حالها كما غيرت لو (ما) ونحوها ألا ترى أنك تقول : لمّا ولا يتبعها شيء ولا تقول ذلك في (لم) وجواب (لمّا) قد فعل يقول القائل : لمّا يفعل فيقول : قد فعل ويقول أيضا للأمر الذي قد وقع لوقوع غيره وتقول : لما جئت جئت فيصير ظرفا ، وأما (لا في

ص: 16

النهي) فنحو قولك : لا تقم ولا تقعد ولفظ الدعاء لفظ النهي كما كان كلفظ الأمر تقول : لا يقطع الله يدك ولا يتعس الله جدك ولا يبعد الله غيرك ولا في النهي بمعنى واحد لأنك إنّما تأمره أن يكون ذلك الشيء الموجب منفيا ألا ترى أنّك إذا قلت : قم إنّما تأمره بأن يكون منه قيام فإذا نهيت فقلت : لا تقم فقد أردت منه نفي ذلك فكما أنّ الأمر يراد به الإيجاب فكذلك النهي يراد به النفي ، وأما لام الأمر فنحو قولك : ليقم زيد وليقعد عمرو ولتقم يا فلان تأمر بها المخاطب كما تأمر الغائب وقال عز وجل : (فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس : 58] ويجوز حذف هذه اللام في الشعر وتعمل مضمرة قال متمم بن نويرة :

على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي

لك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى (1)

أراد : ليبك ولا يجوز أن تضمر لم ولا في ضرورة شاعر.

ولو أضمرا لالتبس الأمر بالإيجاب.

شرح القسم الثاني : وهو حرف الجزاء

اعلم أنّ لحرف الجزاء ثلاثة أحوال حال يظهر فيها وحال يقع موقعه اسم يقوم مقامه ولا يجو أن يظهر معه والثالث أن يحذف مع ما عمل فيه ويكون في الكلام دليل عليه.

ص: 17


1- قال الأعلم : هذا من أقبح الضرورة ، لأن الجازم أضعف من الجار ، وحرف الجر لا يضمر. وقد قيل : إنه مرفوع حذفت لامه ضرورة ، واكتفي بالكسرة منها. وهذا أسهل في الضرورة وأقرب. وقال النحاس : سمعت علي بن سليمان ، يقول : سمعت محمد بن يزيد ينشد هذا البيت ، ويلحن قائله ، وقال : أنشده الكوفيون ، ولا يعرف قائله ، ولا يحتج به ، ولا يجوز مثله في شعر ولا غيره ؛ لأن الجازم لا يضمر ؛ ولو جاز هذا ، لجاز يقم زيد ، بمعنى : ليقم. وحروف الجزم لا تضمر ، لأنها أضعف من حروف الخفض ، وحرف الخفض لا يضمر. فبعد أن حكى لنا أبو الحسن هذه الحكاية ، وجدت هذا البيت في كتاب سيبويه يقول فيه : وحدثني أبو الخطاب أنه سمع هذا البيت ممن قاله. قال أبو إسحاق الزجاج احتجاجا لسيبويه : في هذا البيت حذف اللام ، أي : لتفد. قال : وإنما سماه إضمارا ، لأنه بمنزلته. وأما قوله : أو يبك من بكى ، فهذا البيت لفصيح ، وليس هذا مثل الأول ، وإن كان سيبويه قد جمع بينهما. انظر خزانة الأدب 3 / 283.

فأما الأول الذي هو حرف الجزاء : فإن الخفيفة ويقال لها : أم الجزاء ، وذلك قولك : إن تأتني آتك ، وإن تقم أقم. فقولك : إن تأتني شرط وآتك جوابه ولا بدّ للشرط من جواب وإلا لم يتم الكلام وهو نظير المبتدأ الذي لا بدّ له من خبر ألا ترى أنّك لو قلت : (زيد) لم يكن كلاما يقال فيه صدق ولا كذب فإذا قلت : منطلق تمّ الكلام فكذلك إذا قلت : إن تأتني لم يكن كلاما حتى تقول : آتك وما أشبه وحقّ (إن) في الجزاء أن يليها المستقبل من الفعل لأنك إنما تشترط فيما يأتي أن يقع شيء لوقوع غيره ، وإن وليها فعل ماض أحالت معناه إلى الإستقبال ، وذلك قولك : إن قمت قمت إنما المعنى : إن تقم أقم (فإن) تجعل الماضي مستقبلا كما أنّ (لم) إذا وليها المستقبل جعلته ماضيا تقول : لم يقم زيد أمس والمعنى : ما قام فعلى هذا يجوز أن تقول :

إن لم أقم لم أقم فلا بد لشرط الجزاء من جواب والجواب يكون على ضربين : بالفعل ويكون بالفاء فالفعل ما خبرتك به فأما الفاء فنحو قولك : إن تأتني فأنا أكرمك ، وإن تأت زيدا فأخوه يحسن إليك ، وإن تتّق الله فأنت كريم فحق الفاء إذا جاءت للجواب أن يبتدأ بعدها اللام ولا يجوز أن تعمل فيما بعدها شيء مما قبلها وكذلك قولك : إن تأتني فلك درهم وما أشبه هذا وقد أجازوا للشاعر إذا اضطر أن يحذف الفاء.

وأما الثاني : فأن يقع موقع حرف الجزاء اسم والأسماء التي تقع موقعه على ضربين : اسم غير ظرف واسم ظرف.

فالأسماء التي هي غير الظروف : من وما وأيّهم تقول : من تكرم أكرم وكان الأصل : إن تكرم زيدا وأشباه زيد أكرم فوقعت (من) لما يعقل كما وقعت (من) في الاستفهام مبهمة لما في ذلك من الحكمة وكذلك : ما تصنع أصنع وأّيّهم تضرب أضرب تنصب أيهم بتضرب ؛ لأن المعنى : إن تضرب أيا ما منهم أضرب ولكن لا يجوز أن تقدم (تضرب) على (أي) ؛ لأن هذه الأسماء إذا كانت جزاء أو استفهاما فلها صدور الكلام كما كان للحروف التي وقعت مواقعها فكذلك من وما إذا قلت : من تكرم أكرم وما تصنع أصنع.

وموضعها نصب ، وإذا أردت أن تبين مواضعها من الإعراب فضع موضعها (إن) حتى يتبين لك ، وإذا قلت : من يقم أقم إليه فموضع (من) رفع لأنها غير معقولة وكذا ايهم يضرب

ص: 18

زيدا أضربه وأيهم يأتني أحسن إليه ، وأما (مهما) فقال الخليل : هي (ما) أدخلت معها (ما) لغوا وأبدلوا الالف هاء.

قال سيبويه : ويجوز أن تكون كإذ ضمت إليها (ما) ، وأما الظروف التي يجازى بها : فمتى وأين وأنّى وأي حين وحيثما وإذ ما لا يجازى بحيث وإذ حتى يضم إليهما (ما) تصير مع كل واحد منهما بمنزلة حرف واحد.

فتقول إذا جازيت بهن : متى تأتني آتك وأين تقم أقم وأنى تذهب أذهب وأي حين تصل أصل (فأيّ) إلى أي شيء أضفتها كانت منه إن أضفتها إلى الزمان فهي زمان.

وإن أضفتها إلى المكان فهي مكان وتقول : حيثما تذهب أذهب وإذ ما تفعل أفعل قال الشاعر :

إذ ما تريني اليوم مزجى ظعينتي

أصعّد سيرا في البلاد وأفرع (1)

فإنّي من قوم سواكم وإنّما

رجالي فهم بالحجاز وأشجع

ص: 19


1- قال ابن يعيش : إن قيل : إذ ظرف زمان ماض ، والشرط لا يكون إلا بالمستقبل ، فيكف يصح المجازاة بها؟ فالجواب من وجهين. أحدهما : أن إذ هذه التي تستعمل في الجزاء مع ما ، ليست الظرفية ، وإنما هي حرف غيرها ضمت إليها ما ، فركبا دلالة على هذا المعنى كإما. والثاني : أنها الظرفية ، إلا أنها بالتركيب غيرت ونقلت ، وغيرت عن معناها بلزوم ما إياها إلى المستقبل ، وخرجت بذلك إلى حيز الحروف. ولذلك قال سيبويه : ولا يكون الجزاء في حيث ولا في إذ حتى يضم إلى كل واحدة منهما ما ، إلخ. اه؟. ورواه أهل السير ، منهم ابن هشام : إما أتيت على النبي فقل له وعليه لا شاهد فيه ، وأصله إن ما ، وهي إن الشرطية ، وما الزائدة. والبيت من قصيدة للعباس بن مرداس الصحابي ، قالها في غزوة حنين يخاطب بها النبي صلّى الله عليه وسلم ، ويذكر بلاءه وإقدامه مع قومه في تلك الغزوة وغيرهما من الغزوات ، وعدتها ستة عشر بيتا. انظر خزانة الأدب 3 / 288.

قال سيبويه : والمعنى : إما.

وإذا لا يجازى بها إلا في الشعر ضرورة وهي توصل بالفعل كما توصل (حيث) ويقع بعدها مبتدأ وكل الحروف والأسماء التي يجازى بها فلك أن تزيد عليها (ما) ملغاة ، فإن زدت (ما) على (ما) لم يحسن حتى تقول : مهما فيتغير فأمّا (حيثما وإذ ما) لا يجازى بهما إلّا و (ما) لازمة لهما.

واعلم أن الفعل في الجزاء ليس بعلة لما قبله كما أنه في حروف الاستفهام ليس بعلة لما قبله.

واعلم أن الفعل إذا كان مجزوما في الجزاء وغيره فإنه يعمل عمله إذا كان مرفوعا أو منصوبا تقول إن تأتني ماشيا أمش معك ، وإن جعلت (تمشي) موضع (ماشيا) جاز فقلت : إن تأتني تمشي أمش معك ، وإن تأتني تضحك أذهب معك تريد (ضاحكا) ، فإن جئت بفعل يجوز أن يبدل من فعل ولم ترد الحال جزمت فقلت : إن تأتني تمش أمش معك وإنّما جاز البدل ؛ لأن المشي ضرب من الإتيان ولو لم يكن ضربا منه لم يجز لا يصلح أن تقول : إن تأتني تضحك أمشي معك فتجزم (تضحك) وتجعله بدلا وقد كنت عرفتك أنّ جميع جواب الجزاء لا يكون إلا بالفعل أو بالفاء وحكى الخليل : أنّ (إذا) تكون جوابا بمنزلة الفاء لأنها في معناها ؛ لأن الفاء تصحب الثاني الأول وتتبعه إياه ، وإذا وقعت لشيء يصحبه ، وذلك قوله عز وجل :

(وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ) [الروم : 36].

والمعنى : إن أصابتهم سيئة قنطوا ونظيره : (سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ) [الأعراف : 193] بمنزلة : أم صمتم ولا يجوز : إن تأتني لأفعلنّ.

ويجوز : إن أتيتني لأكرمنّك ، وإن لم تأتني لأغمنك ؛ لأن المعنى : لئن أتيتني لأكرمنّك فما حسن أن تدخل اللام على الشرط فيه حسن أن يكون الجواب لأفعلنّ وما لم يحسن في الشرط اللام لم يحسن في الجواب ؛ لأن الجواب تابع فحقه أن يكون على شكل المتبوع ولا يحسن أن تقول : لإن تأتني لأفعلنّ فلما قبح دخول اللام في الشرط قبح في الجواب ولو قلت ذاك أيضا لكنت قد جزمت (بإن) الشرط وأتيت بجوابها غير مجزوم ويجوز أن تقول : (آتيك إن تأتني)

ص: 20

فتستغني عن جواب الجزاء بما تقدم ولا يجوز : إن تأتني آتيك إلّا في ضرورة شاعر على إضمار الفاء ، وأما ما كان سوى (إن) منها فلا يحسن أن يحذف الجواب وسيبويه يجيز : إن أتيتني آتك ، وإن لم تأتني أجزك ؛ لأنه في موضع الفعل المجزوم وينبغي أن تعلم أنّ المواضع التي لا يصلح فيها (إن) لا يجوز أن يجازى فيها بشيء من هذه الأسماء البتة ؛ لأن الجزاء في الحقيقة إنما هو بها إذا دخل حرف الجر على الأسماء التي يجازى بها لم يغيرها عن الجزاء تقول : على أي دابة أحمل أركبه وبمن تؤخذ أو خذ به وإنما قدم حرف الجرّ للضرورة ؛ لأنه لا يكون متعلقا بالمفعول.

فإن قلت : بمن تمرّ به أمرّ وعلى أيهم تنزل عليه انزل رفعت وصارت بمعنى الذي وصارت الباء الداخلة في (من) لأمرّ والباء في (به) لتمرّ وقد يجوز أن تجزم بمن تمرر أمرر وأنت تريد (به) وهو ضعيف وتقول على ذلك : غلام من تضرب أضربه قدمت الغلام للإضافة كما قدمت الباء وهو منصوب بالفعل ولكن لا سبيل إلى تقديم الفعل على (من) في الجزاء والاستفهام.

وأما الثالث : الذي يحذف فيه حرف الجزاء مع ما عمل فيه وفيما بقي من الكلام دليل عليه ، وذلك إذا كان الفعل جوابا للأمر والنهي أو الاستفهام أو التمني أو العرض تقول : آتني آتك فالتأويل : ائتني فإنّك إن تأتني آتك هذا أمر ولا تفعل يكن خيرا لك وهذا نهي والتأويل لا تفعل فإنّك إن لا تفعل يكن خيرا لك وإلا تأتني أحدثك وأين تكون أزرك وألا ماء أشربه وليته عندنا يحدثنا فهذا تمنّ ألا تنزل تصب خيرا وهذا عرض ففي هذا كلّه معنى (إن تفعل) ، فإن كان للإستفهام وجه من التقدير لم تجزم جوابه.

ولا يجوز : لا تدن من الأسد فإنّك إن تدن من الأسد يأكلك فتجعل التباعد من الأسد سببا لأكلك فإذا أدخلت الفاء ونصبت جاز فقلت : لا تدن من الأسد فيأكلك ؛ لأن المعنى لا يكون دنو ولا أكل وتقول : مره يحفرها وقل له : يقل ذاك فتجزم ويجوز أن تقول : مره يحفرها فترفع على الابتداء ، وقال سيبويه : وإن شئت على حذف (أن) كقوله :

ص: 21

ألا أيّها الزّاجري احضر الوغى (1)

وعسينا نفعل كذا وهو قليل وقد جاءت أشياء أنزلوها بمنزلة الأمر والنهي ، وذلك قولهم : حسبك ينم الناس واتقى الله امرؤ وفعل خيرا يثب عليه.

ص: 22


1- على أن أحضر منصوب بأن مضمرة ، بدليل تمامه : وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي وتقدم الكلام عليه في الشاهد العاشر من أوائل الكتاب. وهذه رواية الكوفيين ، والرفع رواية البصريين. قال سيبويه : وقد جاء في الشعر : ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى قال الأعلم : الشاهد فيه رفع أحضر بحذف الناصب وتعريه منه. والمعنى : لأن أحضر الوغى. وقد يجوز النصب بإضمار أن ضرورة ، وهو مذهب الكوفيين. انتهى. وفي التذكرة القصرية ، وهي أسئلة من أبي الطيب محمد بن طوسي المعروف بالقصري ، وأجوبة من شيخه أبي علي الفارسي ، قال : سألت أبا علي عن أحضر الوغى ، أي شيء موضعه؟ فقال : نصب ، وهو يريد حاضرا. فقلت : كيف يجوز أن يكون حالا وإنما الحضور مزجور عنه لا عن غيره؟ فقال : قد يجوز أن يكون لم يذكر المزجور عنه. فقلت : قد فهمنا من قوله : ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى قد نهاه عن حضور الوغى. قال : صير أن يفهم منه هذا وإن كان ذلك لا يفهم منه إذا قدرته بقولك حاضرا. قلت : فإن الحضور لم يقع ، ونحن نعلم أنه ما نهاه وقد حضر. قال : هذا مثل قولك : هذا صاحب صقر صائدا به غدا. قلت : فما الحاجة إلى أن قدرته حالا. قال : ليتعلق بما قبله ، وإلا فلا سبيل إلى تعلقه بما قبله إلا على هذا الوجه. انتهى. انظر خزانة الأدب 3 / 259.

باب إعراب الفعل المعتل اللام

اعلم أن إعراب الفعل المعتل الذي لامه ياء أو واو أو ألف مخالف للفعل الصحيح والفرق بينهما أن الفعل الذي آخره واو أو ياء نحو : يغزو أو يرمي تقول فيهما : هذا يغزو ويرمي فيستوي هو والفعل الصحيح في الرفع في الوقت كما تقول : هو يقتل ويضرب ، فإن وصلت خالف يقتل ويضرب فقلت : هو يغزو عمرا ويرمي بكرا فتسكن الياء والواو ولا يجوز ضمها إلا في ضرورة شاعر ، فإن نصبت كان كالصحيح فقلت : لن يغزو ولن يرمي وإنما امتنع من ضم الياء والواو لأنها تثقل فيهما ، فإن دخل الجزم اختلفا في الوقف والوصل فقلت :لم يغز ولم يرم فحذفت الياء والواو وكذلك في الوصل تقول : لم يغز عمرا ولم يرم بكرا وإنما حذفت الياء والواو في الجزم إذا لم تصادف الجازم حركة يحذفها فحذفت الياء والواو ؛ لأن الحركة منهما وليكون للجزم دليل.

والأمر كالجزم ، تقول : ارم خالدا واغز بكرا فتحذف في الوقف والوصل إلا أنك تضم الزاي من (يغزو) وتكسر الميم من (يرمي) إذا وصلت.

فيدلان على ما ذهب للجزم والوقف وإنما تساوي الوقف في الأمر للجزم لأنهما استويا في اللفظ الصحيح فلما كان ذلك في الصحيح على لفظ واحد جعلوا المعتل مثل الصحيح فقالوا :

ارم واغز كما قالوا لم يرم ولم يغز وقالوا : اضربا واضربوا كما قالوا : لم يضربا ولم يضربوا.

ص: 23

مسائل من سائر أبواب إعراب الفعل

اشارة

تقول : انتظر حتى إن يقسم شيء تأخذ تجزم (تأخذ) ؛ لأنه جواب لقولك : إن يقسم وانتظر حتى إن قسم شيء تأخذ تنصب (تأخذ) إن شئت على حتّى تأخذ إن قسم ، وإن شئت جزمت (تأخذ) فجعلته جوابا لقولك : إن قسم هذا قول الأخفش وقبيح أن تفصل بين حتى وبين المنصوب قال : ومما يدلّك على أنه يكون جوابا ولا يحمل على (حتى) أنك تقول : حتى إن قسم شيء أخذته يعني أنه معلق بالجواب فلا يرجع إلى (حتى) ألا ترى أنك لا تقول : حتى أخذت إن قسم شيء وتقول : اجلس حتى إن يقل شيئا فتسمعه تجبنا جزم كله ولا يجوز أن تنصب (تجبنا) على حتى ؛ لأن قولك : إن تفعل مجزوم في اللفظ فلا بد من أن يكون جوابه مجزوما في اللفظ وتقول : أقم حتّى تأكل معنا وأقم حتى أيانا يخرج تخرج معه فأيّ مبتدأ لأنها للمجازاة وحتى معلقة وكذلك اجلس حتى إن يخرج تخرج معه وانتظر حتى من يذهب تذهب معه (فمن) في موضع رفع واجلس حتى (أيا) يأخذ تأخذ معه (أيا) منصوبة (بتأخذ) وتقول : أقم حتى أي القوم تعط يعطك تعمل في (أي) ما بعدها ولا تعمل فيها ما قبلها وتقول : اجلس حتى غلام من تلقّ تكرّم تنصب الغلام (بتعلق) واجلس حتى غلام من تلقه تكرم ترفع الغلام على الابتداء ولو أن (حتّى) تكون معلقة في شيء ما جاز دخولها هاهنا ؛ لأن حرف الجزاء إذا دخل عليه عامل أزاله عن حرف الجزاء ألا ترى أنك تقول : من يزرنا نزره فيكون مرفوعا بالابتداء وتكون للجزاء ، وذلك ؛ لأن حال الابتداء كحال (إن) التي للجزاء والشرط نظير المبتدأ والجواب نظير الخبر.

قال الأخفش : ومما يقوي (من) إذا كانت مبتدأة على الجزاء أن (إن) التي للجزاء تقع موقعها ولو أدخلت إنّ المشددة على (من) لقلت : إنّ من يزرونا نزوره ؛ لأن المجازاة لا تقع ها هنا ، فإن قلت : فلم لا تعمل إنّ في (من) وتدعها للمجازاة كما أعملت إنّ الابتداء فلأن (إن) التي للمجازة لا تقع هاهنا ؛ لأن إنّ المشددة توجب بها والمجازاة أمر مبهم يعني أنه لا تقع (إن) التي للمجازاة بعد (أنّ) الناصبة والمجازاة ليس بشيء مخصوص إنما هو للعامة ، وإن

ص: 24

الناصبة للإيجاب وكذلك : ليت من يزورنا نزوره ولعل وكان وليس لأنك إذا قلت من يزورنا نزوره ولعل وكان وليس لأنك إذا قلت من يزورنا نزورثه وما تعطي تأخذ فأنت تبهم ولا توضح وهكذا يجيء الجزاء بمن وأخواته ، فإن أوضحت منه شيئا بصلة ذهب عنه هذا العمل وجرى مجرى (الذي) وتقول : سكت حتى أردنا أن نقوم تقول : افعلوا كذا وكذا فترده على جواب (إذا) ولو رددته على حتى جاز على قبحه وحقّ (حتى) أن لا تفصل بينها وبين ما تعمل فيه وتقول : لا والله حتى إذا أمرتك بأمر تطيعني ترفع جواب (إذا) ، وإن شئت نصبت على (حتى) على قبح عندي إلا أن الفصل بالظرف أحسن من الفصل بغيره.

وتقول : لا والله حتى إن أقل لك لا تشتم أحدا لا تشتمه.

ولا تشتمه جواب (إن أقل لك) فلا يكون فيه النصب ؛ لأنه لا يرجع إلى : حتى لا والله ، وإذا قلت لك اركب تركب يا هذا تنصب (تركب) على أو وفصلت بالظرف والفصل بالظرف أحسن من الفصل بغيره أردت : ولا والله أو تركب إذا قلت لك اركب ومن رفع ما بعد (أو) في هذا المعنى رفع هذه المسألة وتقول : تسكت حتى إذا قلنا ارتحلوا لا يذهب الليل تخالفنا فلا تذهب (تذهب) معطوف على (تخالفنا) وحتى إن نقل إيت فلانا تصب منه خيرا لا تأته فتصب خيرا جزم على جواب إيت ولا تأته جواب (إن نقل).

وتقول : لئن جئتني لأكرمنّك الأولى توكيد والثانية لليمين ولا يجوز بغير النون ولئن جئتني لإليك أقصد ولإيّاك أكرم ولا تنون أكرم ؛ لأن اللام لم تقع عليه ولو وقعت عليه فقلت أكرمنّك وكذلك : لئن جئتني لأكفلن بك وفي كتاب الله عز وجل : (وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ) [آل عمران : 158] لما وقعت اللام على كلام مع الفعل لم تدخله النون وكذلك :(وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [آل عمران : 157] وكذلك : لئن جئتني لأهل ، وكذلك : ولئن وصلتك للصلاة أنفع لك.

قال الأخفش : المعنى : والله للصلة أنفع ، وإن وصلتك كما أن قولك : لئن جئتني لأكرمنك إنما هي : والله لأكرمنك إن جئتني قال : واللام التي في (لئن جئتني) زائدة وقوله عز وجل : (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ) [البقرة : 103] على معنى اليمين كأنه قال

ص: 25

والله أعلم والله لمثوبة من عند الله خير لهم ولو آمنوا وقال لا تقول : إنّ زيدا لقام وتقول : إنّ زيدا إليك كفيل ، وإن زيدا له ولك منزل ؛ لأن اللام لا تقع على فعل فإذا كان قبلها كلام ضمته معها جاز دخول اللام وتقول : سرت حتى أدخل أو أكاد ترفعهما جميعا لأنك تقول :حتى أكاد والكيدودة كائنة وكذلك سرت حتى أدخلها أو أقرب منها ؛ لأنه قد كان القرب أو الدخول وكذلك : سرت حتى أكاد أو أدخل وأشكل عليّ كلّ شيء حتى أظن أني ذاهب العقل فجميع هذا مرفوع ؛ لأنه فعل وهو فيه قال الجعدي :

وننكر يوم الرّوع ألوان خيلنا

من الطّعن حتى تحسب الجون أشقرا (1)

قال : يجوز في (تحسب) الرفع والنصب والرفع على الحال والنصب على الغاية وكأنك أردت إلى أن تحسب وحكى الأخفش إن النحويين ينصبون إذا قالوا : سرت أكاد أو أدخل يا هذا ينصبون الدخول ويقولون : الفعل لم يجب. والكيدودة قد وجبت.

قال : وهذا عندي يجوز فيه الرفع يعني الدخول ؛ لأنه في حال فعل إذا قلت : حتى أكاد يعني إذا كنت في حال مقاربة و (حتى) لا تعمل في هذا المعنى إنما تعمل في كل فعل لم يقع بعد والكيدودة قد وقعت وأنت فيها وتقول : الذي يأتيني فله درهم والذي في الدار فله درهم فدخول الفاء لمعنى المجازاة ولا يجوز. : ظننت الذي في الدار فيأتيك.

تريد : ظننت الذي في الدار يأتيك والأخفش يجيزه على أن تكون الفاء زائدة وقال : قول الله عز وجل : (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ) [الجمعة : 8] ولكن زدت (إن) توكيدا وقال : لو قلت : إن هذا لا يجوز أن يكون في معنى المجازاة كان صالحا لأنك إذا قلت :

إن الذي يأتينا فله درهم فمعناه : الذي يأتينا فله درهم ولا يحسن ليت الذي يأتينا فله درهم ولا لعل الذي يأتينا فنكرمه ؛ لأن هذا لا يجوز أن يكون في معنى المجازاة ولا يحسن (كأنّ الذي يأتينا فله درهم) ؛ لأن معنى الجزاء إنما يكون على ما يأتي لا على ما كان ، فإن قدرت فيه زيادة الفاء جاز على مذهب الأخفش.

ص: 26


1- انظر خزانة الأدب 1 / 364.

فصل يذكر فيه قلّ وأقلّ

اعلم أنّ قلّ : فعل ماض وأقلّ : اسم إلّا أن أقلّ رجل قد أجروه مجرى قلّ رجل فلا تدخل عليه العوامل وقد وضعته العرب موضع (ما) ؛ لأنه أقرب شيء إلى المنفى القليل كما أن أبعد شيء منه الكثير وجعلت (أقلّ) مبتدأة صدرا إذا جعلت تنوب عن النفي كما أن النفي صدر فلا يبنون أقلّ على شيء فتقول : أقلّ رجل يقول ذاك ولا تقول : ليت أقلّ رجل يقول ذاك ولا لعل ولا إنّ إلا أن تضمر في (إنّ) وترفع أقلّ بالابتداء قال الأخفش : هو أيضا قبيح ؛ لأن أقلّ رجل يجري مجرى : قلّ رجل وربّ رجل لو قلت : كان أقلّ رجل يقول ذاك فرفعت (أقلّ) على (كان) لم يجز ولكن تضمر في (كان) وترفع أقلّ على الابتداء وأقلّ رجل وقلّ رجل قد أجروه مجرى النفي فقالوا : أقلّ رجل يقول ذاك إلا زيد.

وقال سيبويه : لأنه صار في معنى : ما أحد فيهما إلا زيد وقال : وتقول : قلّ رجل يقول ذاك إلا زيد فليس زيد بدلا من الرجل في (قلّ) ولكن : قلّ رجل في موضع أقلّ رجل ومعناه كمعناه وأقل رجل مبتدأ مبني عليه والمستثنى بدل منه لأنك تدخله في شيء يخرج من سواه.

قال : وكذلك : أقلّ من وقلّ من إذا جعلت (من) بمنزلة رجل.

حدثنا بذلك يونس عن العرب يجعلونه نكرة كما قال :

ربّما تجزع النّفوس من الأمر

له فرجة كحلّ العقال (1)

ص: 27


1- قال ابن المستوفي في شرح الشواهد للمفصل : وجدت قوله ربما تكره النفوس من الأمر البيت ، في أبيات لأبي قيس صرمة بن أبي أنس ، من بني عدي بن النجار ، ووجد أيضا في أبيات لحنيف بن عمير اليشكري ، قالها لما قتل محكم بن الطفيل يوم اليمامة ، وهي : يا سعاد الفؤاد بنت أثال طال ليلي بفتنة الرجال إنها يا سعاد من حدث الده ر عليكم كفتنة الرجال إن دين الرسول ديني وفي القو م رجال على الهدى أمثالي أهلك القوم محكم بن طفيل ورجال ليسوا لنا برجال ربما تجزع النفوس من الأم ر له فرجة كحل العقال وحنيف أدرك الجاهلية والإسلام ، ولا تعرف له صحبة. وقال ابن حجر في الإصابة : هو مخضرم ، ذكره المزرباني ، وروى له هذه الأبيات عمر بن شبة ، ووجد أيضا في أبيات لأعرابي. وهي : يا قليل العزاء في الأهوال وكثير الهموم والأوجال اصبر النفس عند كل ملمّ إن في الصبر حيلة المحتال لا تضيقن بالأمور فقديك شف غماؤها بغير احتيال ربما تكره النفوس من الأم ر له فرجة كحل العقال قد يصاب الجبان في آخر الص ف وينجو مقارع الأبطال ورواها صاحب الحماسة البصرية لحنيف بن عمير المذكور ، وقيل أنها لنهار ابن أخت مسيلمة الكذاب ، لعنه الله. ونسبها العيني لأمية بن أبي الصلت. وهذا لا أصل له. وقوله : يا قليل العزاء هو بالفتح ، بمعنى الصبر والتجلد. وقوله : اصبر النفس ، أي : احبسها. والملم : الحادث من حوادث الدهر ، وهو اسم فاعل من ألم ، إذا نزل. وغماؤها : مبهمها ومشكلها ؛ وهو بالغين المعجمة ، يقال : أمر غمة ، أي : مبهم ملتبس. ويقال :صمنا بالغمى ، بفتح الغين وضمها ، وصمنا للغماء على فعلاء ، بالفتح والمد ، إذا غم الهلال على الناس وستره عنه غيم ونحوه. وصحفه العيني فقال : عماؤها بالعين المهملة وتشديد الميم للضرورة. والعماء في اللغة : السحاب الرقيق ، سمي بذلك لكونه يعمي الأبصار عن رؤية ما وراءه. وأراد بها ما يحول بين النفس ومرادها. هذا كلامه. انظر خزانة الأدب 2 / 305.

يريد أنّ (ربّ) دخلت على (ما) وهي لا تدخل إلا على نكرة فتنكير (ما) كتنكير (من) قال : وتقول : قلّ ما سرت حتى أدخلها من قبل أنّ قلّما نفي لقوله كثر ما كما أنّ ما سرت نفي لقوله : سرت ألا ترى أنه قبيح أن تقول : قلما سرت فأدخلها كما يقبح في ما سرت إذا أردت معنى فإذا أنا أدخل إنما قبحه ؛ لأنه إذا لم يكن سير لم يكن دخول فكذلك قلّما لمّا أريد بها النفي كان حكمها حكم قال وتقول : قلّما سرت فأدخلها فاتنصب بالغاءها هنا كما تنصب فيما قال.

وتقول : قلّما سرت إذا عنيت سيرا واحدا. أو عنيت غير سير كأنك قد تنفي كثير من السير الواحد كما تنفيه من غير سير يريد بقوله : من غير سير أي سيرا بعد سير.

قال الأخفش : الدليل على أن أقلّ رجل يجري مجرى ربّ وما أشبهها أنّك تقول : أقلّ امرأة تقول ذاك فتجعل اللفظ على امرأة وأقلّ امرأتين يقولان ذاك فينفي أقلّ كأنه ليس له خبر

ص: 28

ولا تحمله إلا على الآخر يعني : لا تحمل الفعل إلا على الذي أضفت إليه أقلّ فهذا يدل على أنه لا يشبه الأسماء يعني إذا كان الخبر يجيء على الثاني وكذلك : أقلّ رجال يقولون ذاك ولا يحسن كذلك لو قلت : أقلّ رجلين صالحان لم يحسن ولا يحسن من خبره إلا الفعل والظرف أقلّ رجلين صالحين في الدار وأقلّ امرأة ذات جمة في الدار وأقلّ رجل ذي جمة في الدار كان جيدا ولو ألغيت الخبر كان مذهبه كمذهب (ربّ) ، فإن قلت : فمالي إذا قلت : قلّ رجل يقول ذاك وقلّ رجل قائل ذاك وهو صفة لا يجوز حذفه فلأنك إنما قللت الموصوفين ولم تقلل الرجال مفردين في الوصف ألا ترى أنك لا تقول : قلّ رجل قائل ذاك إلا وأنت تريد القائلين ولست تريد أن تقلل الرجال كلهم.

ص: 29

فصل من مسائل الدعاء والأمر والنهي

اعلم أن أصل الدعاء أن يكون على لفظ الأمر وإنما استعظم أن يقال أمر والأمر لمن دونك والدعاء لمن فوقك ، وإذا قلت : اللهم اغفرلي فهو كلفظك إذا أمرت فقلت : يا زيد أكرم عمرا وكذلك إذا عرضت فقلت : انزل فهو على لفظ اضرب وقد يجيء الأمر والنهي والدعاء على لفظ الخبر إذا لم يلبس تقول : أطال الله بقاءه فاللفظ لفظ الخبر والمعنى دعاء ولم يلبس لأنك لا تعلم أنّ الله قد أطال بقاءه لا محالة فمتى ألبس شيء من ذا بالخبر لم يجز حتى يبين فتقول على ذا : لا يغفر الله له ولا يرحمه ، فإن قلت : لا يغفر الله له ويقطع يده لم يجز أن تجزم (يقطع) ؛ لأنه لا يشاكل الأول ؛ لأن الأول دعاء عليه ، وإذا جزمت (يقطع) فقد أردت : ولا يقطع الله فهذا دعاء له فلا يتفق المعنى ، وإذا لم يتفق لم يجز النسق.

وكذلك إذا قلت : ليغفر الله لزيد ويقطع يده لم يجز جزم (يقطع) لإختلاف المعنى ولكن يجوز في جميع ذا الرفع فيكون لفظه لفظ الخبر والمعنى الدعاء ، وإذا أسقطت اللام ولا رفعت الفعل المضارع فقلت : يغفر الله

لك وغفر الله لك وقال الله عز وجل : (الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ) [يوسف : 92] وقال : (فَلا يُؤْمِنُوا) وقال الله تبارك وتعالى : (لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ) باللام [يونس : 88].

وقال قوم : يجوز الدعاء بلن مثل قوله : (فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ) [القصص : 17].

وقال الشاعر :

لن تزالوا كذلكم ثم لا زلت لهم

خالدا خلود الجبال (1)

ص: 30


1- قوله : لن يزالوا بالياء التحتية بضمير الغيبة الراجع لمجموع من ذكر ممن قتلوا ، وأسروا ، ونهبوا من الأعداء ، وممن غزا معه وقتل وغنم من الأولياء. وقوله : لا زلت بالخطاب ، ولهم بضمير الغيبة. فظهر من هذا أن روايته في كتب النحو لن تزالوا بالخطاب ولا زلت لكم بالتكلم والخطاب ، على خلاف الرواية الصحيحة. وترجمة الأعشى تقدمت في الشاهد الثالث والعشرين من أوائل الكتاب. وهو شاعر جاهلي. وقد اشتبه على العيني فقال : قائل : رب رفد هرقته ذلك اليو ... م ... البيت أعشى همدان ، واسمه عبد الرحمن بن عبد الرحمن. ولا يخفى أن هذا الشاعر إسلامي في الدولة المروانية زمن الحجاج ، ولم يكن في زمن الأسود بن المنذر. انظر خزانة الأدب 3 / 442.

والدعاء (بلن) غير معروف إنما الأصل ما ذكرنا أن يجيء على لفظ الأمر والنهي ولكنه قد تجيء أخبار يقصد بها الدعاء إذا دلت الحال على ذلك الا ترى أنك إذا قلت : (اللهم افعل بنا) لم يحسن أن تأتي إلا بلفظ الأمر وقد حكى قوم : اللهم قطعت يده وفقئت عينه قال الشاعر :

لا هم ربّ الناس إن كذبت ليلى

وإن قدمت الأسماء فقلت : زيد قطعت يده كان قبيحا ؛ لأنه يشبه الخبر وهو جائز إذا لم يشكل ، وإذا قلت : زيد ليقطع الله يده كان أمثل ؛ لأنه غير ملبس وهو على ذلك اتساع في الكلام ؛ لأن المبتدأ ينبغي أن يكون خبره يجوز فيه الصدق والكذب والأمر والنهي ليسا بخبرين والدعاء كالأمر وإنما قالوا : زيد قم إليه وعمرو اضربه اتساعا كما قالوا : زيد هل ضربته فسدّ الاستفهام مسد الخبر وليس بخبر على الحقيقة وقال : إذا اجزت افعل ولا تفعل أمروا ولم ينهوا ، وذلك في المصادر والأسماء والأدوات فتقول : ضربا ضربا والله تريد : اضرب ضربا واتق الله.

وهلمّ وهاؤم إنما لم يجز في النهي ؛ لأنه لا يجوز أن يضمر شيئان لا والفعل ولو جاءوا (بلا) وحدها لم يجز أيضا أن يحال بين (لا) والفعل لأنها عاملة وتقول : ليضرب زيد وليضرب عمرو وتقول : زيدا اضرب تنصب زيدا (باضرب) وقال قوم : تنصب زيدا بفعل مضمر ودليلهم على ذلك أنك تدخل فيه الفاء فتقول : زيدا فاضرب وقالوا : إنّ الأمر والنهي لا يتقدمها منصوبهما ؛ لأن لهما الإستصدار والذين يجيزون التقديم يحتجون بقول العرب بزيد امرر ويقولون : إن الباء متعلقة بامرر ولأنه لا يكون الفعل فارغا وقد تقدمه مفعوله ويضمرون إذا شغلوا نحو قولهم : زيدا اضربه ولهذا موضع يذكر فيه إن شاء الله.

ص: 31

وتقول : ضربا زيدا تريد : اضرب زيدا.

وقوم يجيزون. ضرب زيد وأنت تريد : ضربا زيدا ثم تضيف وهذا عندي قبيح ؛ لأن ضربا قام مقام اضرب واضرب لا يضاف والألف في الأمر تذهب إذا اتصلت بكلام نحو قولك :

اضرب اضرب واذهب اذهب ويقولون : ادخل ادخل واذهب ادخل ويختارون الضم إذا كانت بعد مضموم والكسر جائز تقول : اذهب ادخل.

وقد حكوا : ادخل الدار للواحد على الإتباع وهو رديء ؛ لأنه ملبس وقالوا : يجوز الإتباع في المفتوح مثل قولك : اصنع الخير.

وقالوا : لا نجيزه ولم نسمعه لأنّا قد سمعناه إذا حرك نحو قول الشاعر :

يحسبه الجاهل ما لم يعلما (1) ...

ص: 32


1- شبهه بالجزاء حيث كان مجزوما وكان غير واجب ، وهذا لا يجوز إلا في اضطرار ، وهي في الجزاء أقوى. انتهى. وكذا قل الفراء إنه ضرورة ، قال عند تفسير قوله تعالى : "ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ" ما نصه : فمن ذلك قوله تعالى : "يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ". والمعنى والله أعلم : إن لم تدخل حطمتن. وهو نهي محض ، لأنه لو كان جزاء لم تدخله النون الشديدة ولا الخفيفة. ألا ترى أنك لا تقول : إن تضربني أضربنك ، إلا في ضرورة شعر ، كقوله : فمهما تشأ منه فزارة البيت انتهى. وكذا في المفصل ، قال : فإن دخلت في الجزاء بغير ما ، ففي الشعر ، تشبيها للجزاء بالنهي. وكذا في كتاب الضرائر لابن عصفور. وخالف ابن مالك فأجازه في الكلام ، قال في التسهيل : وقد تحلق جواب الشرط اختيارا ، وقال قبله : وتلحق الشرط مجردا من ما. وكذا قال في الألفية. قال الشاطبي : فإذا قلت إن تقومن أكرمتك ، ومهما تطلبن أعطك ، ومهما تأتيني أكرمك ، وحيثما تكونن أذهب إليك ، وكذلك سائر أدوات الشرط ، فهو جائز ، ولكنه قليل. ويحتمل أن كلام الناظم أن أدوات الشرط مسوغة لدخول النون مطلقا ، سواء أكان الفعل معها في جملة الشرط ، أو في جملة الجزاء. إذ لم يقيد ذلك بفعل الشرط. فيجوز على هذا أن تقول : إن تكرمنني أكرمنك. انتهى. وقوله : فمهما تشأ ... إلخ. قال الأعلم : أراد مهما تشأ فزارة إعطاءه تعطكم ، ومهما تشأ منعه تمنعكم ، فحذف الفعل لعلم السامع ، وإدخال النون الخفيفة على تمنعا ، وهو جواب الشرط ضرورة ، وليس من مواضع النون ، لأنه خبر يجوز فيه الصدق والكذب. إلا أن الشاعر إذا اضطر أكده بالنون تشبيها بالفعل في الاستفهام ، لأنه مستقبل مثله. انتهى. والبيت غير موجود في ديوان ابن الخرع ، وإنما هو من قصيدة للكميت بن ثعلبة ، أوردها أبو محمد الأعرابي في ضالة الأديب. انظر خزانة الأدب 4 / 211.

وقوله :

أجّره الرّمح ولا تهاله ...

لما كان قبله فتح اتبع.

فأما قول القائل : ما لم يعلما فقد قيل فيه أنه يريد النون الخفيفة ، وأما قوله لا تهاله فإنه حرك اللام لالتقاء الساكنين ؛ لأنه قد علم أنه لا بد من حذف أو تحريك وكان الباب هنا الحذف وأن تقول لا تهل ولكن فعل ذلك من أجل القافية ؛ لأن الالف لازمة لحرف الروي فرده إلى أصله فالتقى ساكنان الألف واللام التي أسكنت للجزم فحرك اللام بالفتح لفتحة ما قبلها ولما منه الفتح وهي الألف وأدخل الهاء لبيان الحركة وتقول : زرني ولأزرك فتدخل اللام ؛ لأن الأمر لك فإذا كان المأمور مخاطبا.

ففعله مبني غير مجزوم وقد بينا هذا فيما تقدم وقوم من النحويين يزعمون أنّ هذا مجزوم وأن أصل الأمر أن يكون باللام في المخاطب إلا أنه كثر فأسقطوا التاء واللام يعنون أن أصل اضرب لتضرب فأسقطوا اللام والتاء قال محمد بن يزيد وهذا خطأ فاحش ، وذلك ؛ لأن الإعراب لا يدخل من الأفعال إلا فيما كان مضارعا للأسماء وقولك : اضرب وقم ليس فيه شيء من حروف المضارعة ولو كانت فيه لم يكن جزمه إلا بحرف يدخل عليه.

ص: 33

ويروى عن رسول الله أنه قرأ : (فبذلك فلتفرحوا (1)) فإذا لم يكن الأمر للحاضر فلا بد من إدخال اللام تقول : ليقم زيد وتقول : زر زيدا وليزرك إذا كان الأمر لهما جميعا ؛ لأن زيدا غائب فلا يكون الأمر له إلا بإدخال اللام وكذلك إذا قلت : ضرب زيد فأردت الأمر من هذا قلت : ليضرب زيدا ؛ لأن المأمور ليس بمواجه والنحويون يجيزون إضمار هذه اللام للشاعر إذا اضطر وينشدون لمتمم بن نويرة :

على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي

لك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى (2)

أراد : ليبك وقول الآخر :

ص: 34


1- قرأ رويس بتاء الخطاب ، والباقون بياء الغيبة.
2- قال الأعلم : هذا من أقبح الضرورة ، لأن الجازم أضعف من الجار ، وحرف الجر لا يضمر. وقد قيل : إنه مرفوع حذفت لامه ضرورة ، واكتفي بالكسرة منها. وهذا أسهل في الضرورة وأقرب. وقال النحاس : سمعت علي بن سليمان ، يقول : سمعت محمد بن يزيد ينشد هذا البيت ، ويلحن قائله ، وقال : أنشده الكوفيون ، ولا يعرف قائله ، ولا يحتج به ، ولا يجوز مثله في شعر ولا غيره ؛ لأن الجازم لا يضمر ؛ ولو جاز هذا ، لجاز يقم زيد ، بمعنى : ليقم. وحروف الجزم لا تضمر ، لأنها أضعف من حروف الخفض ، وحرف الخفض لا يضمر. فبعد أن حكى لنا أبو الحسن هذه الحكاية ، وجدت هذا البيت في كتاب سيبويه يقول فيه : وحدثني أبو الخطاب أنه سمع هذا البيت ممن قاله. قال أبو إسحاق الزجاج احتجاجا لسيبويه : في هذا البيت حذف اللام ، أي : لتفد. قال : وإنما سماه إضمارا ، لأنه بمنزلته. وأما قوله : أو يبك من بكى ، فهذا البيت لفصيح ، وليس هذا مثل الأول ، وإن كان سيبويه قد جمع بينهما. وذلك أن المعطوف يعطف على اللفظ وعلى المعنى ، فعطف الشاعر على المعنى ، لأن الأصل في الأمر أن يكون باللام ، فحذفت تخفيفا ، والأصل : فلتخمشي ، فلما اضطر الشاعر عطف على المعنى ، فكأنه قال : فلتخمشي ، ويبك ، فيكون الثاني معطوفا على معنى الأول. والبعوضة : موضع بعينه قتل في رجال من قومه ، فحض على البكاء عليهم. وحذا ابن هشام في المغنى هذا الحذو ، وقال : وهذا الذي منعه المبرد أجازه الكسائي في الكلام ، بشرط تقدم قل ، وجعل منه : "قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ" ، أي : ليقيموا. انظر خزانة الأدب 3 / 283.

محمّد تفد نفسك كلّ نفس

إذا ما خفت من شيء تبالا

قال أبو العباس : ولا أرى ذا على ما قالوا : لأن عوامل الأفعال لا تضمر وأضعفها الجازمة ؛ لأن الجزم في الأفعال نظير الخفض في الأسماء ولكن بيت متمم يحمل على المعنى ؛ لأنه إذا قال : فاخمشي فهو في موضع فلتخمشي فعطف الثاني على المعنى.

وأما هذا البيت الأخير فليس بمعروف على أنه في كتاب سيبويه على ما ذكرت لك وتقول : ليقم زيد ويقعد خالد وينطلق عبد الله لأنك عطفت على اللام.

ولو قلت : قم ويقعد زيد لم يجز الجزم في الكلام.

ولكن لو اضطر إليه الشاعر فحمله على موضع الأول ؛ لأنه مما كان حقه اللام جاز وتقول : لا يقم زيد ولا يقعد عبد الله لأنك عطفت نهيا على نهي ، فإن شئت قلت : لا يقم زيد ويقعد عبد الله وهو بإعادتك (لا) أوضح لأنك إذا قلت : لا يقم زيد ولا يقعد عبد الله تبين أنك قد نهيت كل واحد منهما على حياله فإذا قلت : لا يقم زيد ويقعد عبد الله بغير (لا) ففيه أوجه : قد يجوز أن يقع عند السامع أنك أردت لا يجتمع هذان ، فإن قعد عبد الله ولم يقم زيد لم يكن المأمور مخالفا وكذلك إن لم يقم زيد وقعد عبد الله.

ووجه الاجتماع إذا قصدته أن تقول : لا يقم زيد ويقصد عبد الله ، أي : لا يجتمع قيام عبد الله وأن يقعد زيد (فلا) المؤكدة تدخل في النفي لمعنى تقول : ما جاءني زيد ولا عمرو إذا أردت أنه لم يأتك واحد منهما على الإنفراد ولا مع صاحبه لأنك لو قلت : لم يأتني زيد وعمرو وقد أتاك أحدهما لم تكن كاذبا (فلا) في قولك : لا يقم زيد ولا يقعد عمرو يجوز أن تكون التي للنهي وتكون المؤكدة التي تقع لما ذكرت لك في كل نفي.

واعلم أن الطلب من النهي بمنزلته من الأمر يجري على لفظه وتقول ائتني أكرمك وأين بيتك أزرك وهل تأتيني أعطك وأحسن إليك ؛ لأن المعنى : فإنّك إن تفعل أفعل فأما قول الله عز وجل : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) ثم قال :

ص: 35

(تُؤْمِنُونَ بِاللهِ ،) فإن أبا العباس رحمه الله يقول : ليس هذا الجواب ولكنه شرح ما دعوا إليه والجواب : (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ) [الشعراء : 10 - 12].

فإن قال قائل : فهلا كان الشرح (أن تؤمنوا) ؛ لأنه بدل من تجارة؟ فالجواب في ذلك : أن الفعل يكون دليلا على مصدره فإذا ذكرت ما يدل على الشيء فهو كذكرك إياه ألا ترى أنهم يقولون : من كذب كان شرا له يريدون : كان الكذب.

وقال الله عز وجل : (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ) [آل عمران : 180] ؛ لأن المعنى البخل خير لهم فدل عليه بقوله : (يَبْخَلُونَ) وقال الشاعر :

ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى

المعنى : عن أن أحضر الوغى فأن والفعل كقولك : عن حضور الوغى فلما ذكر (أحضر) دل على الحضور وقد نصبه قوم على إضمار (أن) وقدموا الرفع.

فأما الرفع فلأن الفعل لا يضمر عامله فإذا حذف رفع الفعل وكان دالا على مصدره بمنزلة الآية.

وهي : (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) ثم قال : (تُؤْمِنُونَ بِاللهِ ،) وذلك لو قال قائل : ما يصنع زيد؟ فقلت : يأكل أو يصلي لأغناك عن أن تقول : الأكل والصلاة.

ألا ترى أنّ الفعل إنّما مفعوله اللازم له إنما هو مصدره ؛ لأن قولك : قد قام زيد بمنزلة قولك : قد كان منه قيام.

فأما الذين نصبوا فلم يأبوا الرفع ولكنهم أجازوا معه النصب ؛ لأن المعنى (بأن) وقد أبان ذلك بقوله فيما بعده (وأن أشهد) فجعله بمنزلة الأسماء التي تجيء بعضها محذوفا للدليل عليه ، وفي كتاب الله عز وجل : (يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [الرحمن : 29] قال :

والقول عندنا أنّ (من) مشتملة على الجميع لأنها تقع للجميع على لفظها للواحد.

وقد ذهب هؤلاء إلى أن المعنى : ومن في الأرض وليس القول عندي كما قالوا.

ص: 36

وقالوا في بيت حسان بن ثابت :

فمن يهجو رسول الله منكم

ويمدحه وينصره سواء

إنما المعنى : ومن يمدحه وينصره وليس الأمر عند أهل النظر كذلك ولكنه جعل (من) نكرة وجعل الفعل وصفا لها ثم أقام في الثانية الوصف مقام الموصوف فكأنه قال : وواحد يمدحه وينصره ؛ لأن الوصف يقع موضع الموصوف إذا كان دالا عليه.

وعلى هذا قول الله عز وجل : (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ) [النساء : 159] وقال الشاعر :

كأنّك من جمال بني أقيش

يقعقع خلف رجليه بشنّ (1)

يريد : كأنك جمل ولذلك قال : يقعقع خلف رجليه. وقال في أشد من ذا :

ص: 37


1- على أن حذف الموصوف هنا بدون أن يكون بعضا من مجرور بمن أو في لضرورة الشعر ، والتقدير : كأنك جمل بني أقيش. وهذا مثال لقيام الظروف مقام الموصوف لضرورة الشعر ، والبيتان قبله لقيام الجملة مقامه كذلك. وقد أورده ابن الناظم والمرادي في شرح الألفية كما أورده الشارح المحقق. وفيه أن البيت من القسم الأول ، وهو أن الموصوف بالجملة أو الظرف إذا كان بعضا من مجرور بمن أو في يجوز حذفه كثيرا. وبيانه أن الموصوف يقدر هنا قبل يقعقع ، والجملة صفة له ، أي : كأنك جمل يقعقع ، وهو بعض من المجرور بمن ، ويكون قوله من جمال بني أقيش حالا من ضمير يقعقع الراجع إلى جمل المحذوف. وقد أورده الزمخشري في المفصل وصاحب اللباب فيما يجوز حذف الموصوف منه ، إلا أنهما جعلاه خبرا لكان كالشارح المحقق. وهما في ذلك تابعان لسيبويه ، فإنه قال في باب حذف المستثنى استخفافا ، قال : وذلك قولك ليس غير ، وليس إلا ، كأنه قال : ليس إلا ذاك وليس غير ذاك ، ولكنه حذفوا ذلك تخفيفا واكتفاء بعلم المخاطب ما يعنى. وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقول : ما منهما مات حتى رأيته فيي حال كذا ، وإنما يريد ما منهما واحد مات. ومثل ذلك قوله تعالى جده : "وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ" ، ومثل ذلك من الشعر : كأنّك من جمال بني أقيش أي : كأنك جمل من جمال بني أقيش. انظر خزانة الأدب 2 / 137.

ما لك عندي غير سهم وحجر

وغير كبداء شديدة الوتر

جادت بكفّي كان من أرمى البشر (1)

قال أبو بكر : وهذا كله قول أبي العباس ومذهبه.

ص: 38


1- على أن جملة كان مع ضميره المستتر صفة لموصوف محذوف ضرورة ، أي : بكفي رجل أو إنسان كان. والأولى بكفي رام ، للقرينة. قال ثعلب في أماليه : لم أسمع من في موضع الاسم إلا في ثلاثة مواضع ، قوله : جادت بكفي كان من أرمى البشر وقوله : ألا ربّ منهم من يقوم بمالكا وقوله : ألا ربّ منهم دارع وهو أشوس انتهى. وإنما قال لم أسمع لأن كان فعل ، ورب حرف ، ولا يليهما إلا الأسماء. وبهذا يستدل على حرفية من التبعيضية ، لأن رب لا تجر إلا النكرة. وأقول : لو لا وقوع هذا الموصوف مضافا إليه هنا لجاز أن يكون من قبيل : وكلمتها ثنتين كالماء منهما وقال ابن جني في الخصائص : روي أيضا بفتح ميم من أي : بكفي من هو أرمى البشر ، وكان على هذا زائدة. انتهى. أقول : جعل من على هذه الرواية نكرة موصوفة أولى من جعلها موصولة. وقوله : مالك عندي الخ ، لك : ظرف مستقر ، وغير : فاعله ، وعندي : متعلق بلك. وكبداء أي : قوس كبداء ، وهي التي يملأ الكف مقبضها. وجادت أي : أحسنت. وهذه رواية ثعلب وابن جني وغيرهما ، ووقع في رواية ابن هشام في المغني : ترمي بدل جدل جادت ، ويروي في بعض نسخ هذا الشرح كانت ، وهذا لا يناسب المعنى. انظر خزانة الأدب 2 / 136.

فصل من مسائل الجواب بالفاء

يقول : (هل يقوم زيد فتكرمه) يجوز الرفع والنصب النصب على الجواب والرفع على العطف وقال الله عز وجل : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ) [الحديد : 11] يقرأ بالرفع والنصب وتقول : ما أنت الذي تقوم فتقوم إليه الرفع والنصب فالرفع على النسق والنصب على الجواب وتقول : من ذا الذي يقوم فيقوم إليه زيد الرفع والنصب وقوم يجيزون توسط الفاء في الجزاء فيقولون : هل تضرب فيأتيك زيد وهو عندي في الجزاء كما قالوا : لأن ما بعد الفاء إذا نصب فهو مع ما قبله من جملة واحدة والجزاء وجوابه جملتان تنفصل كلّ واحدة منهما عن صاحبتها.

فلا يجوز أن يختلطا ، فإن قال قائل : ينبغي أن يكون غير جائز عليمذهبكم من قبل أن التقدير عندكم : هل يقع ضرب زيدا فإتيانك فلو أجزت (زيدا) في هذه المسألة لم يجز ؛ لأنه في صلة (ضرب) فلا يجوز أن تفصل بين الصلة والموصول بشيء فالجواب في ذلك أنك إذا قلت :

هل تضرب فيأتيك زيدا فإنما العطف على مصدر يدل عليه (يضرب) فأغنى عنه وعلى ذلك فينبغي أن لا يجري على التقديم والتأخير في مثل هذا إلا أن يسمع نحوه من العرب ؛ لأنه قد خولف به الكلام للمعنى الحادث ، وإذا أزيل الكلام عن جهته لمعنى فحقه أن لا يزال بضده ولا يتصرف فيه التصرف الذي له في الأصل إلا أن يقول العرب شيئا فتقوله والفراء يقول :

إنما نصبوا الجواب بالفاء ؛ لأن المعنى كان جوابا بالجواب.

فلما لم يؤت بالجزاء فينسق على غير شكله فنصب مثل قولك : هل تقوم فأقوم وما قمت فأقوم إنما التأويل لو قمت لقمت وشبهه بقولهم : لو تركت والأسد لأكلك.

وتقول : لا يسعني شيء ويضيق عنك ، لم يحسن التكرير فنصبت وقال بعضهم : إنما نصب الجواب بالفاء ، وإن لا تلي إلا المستقبل فشبه (بأن) والفاء في الجزاء تلي كل شيء فبطلت والذي يجيزون توسط الجواب يقولون : ما زيد فنأتيه بمذنب يجيزون النصب ولا يجيزون الرفع ولا يجوز أن تقول : ما زيد نأتيه إلا أن تريد الاستفهام.

ص: 39

واعلم أنه لا يجوز أن تلي الفاء (ما) ولا شيء مما يكون جوابا وفي كتاب سيبويه في هذا الباب مسألة مشكلة وأنا ذاكر لفظه وما يجب فيها من السؤال والجواب عنه.

قال سيبويه : لا تدن من الأسد يأكلك قبيح إن جزمت وليس وجه كلام الناس لأنك لا تريد أن تجعل تباعده من الأسد سببا لأكله ، فإن رفعت فالكلام حسن ، فإن أدخلت الفاء فحسن ، وذلك قولك : لا تدن منه فيأكلك وليس كل موضع تدخل فيه الفاء يحسن فيه الجزاء ألا ترى أنه يقول : ما أتيتنا فتحدثنا والجزاء هاهنا محال وإنما قبح الجزم في هذا ؛ لأنه لا يجىء فيه المعنى الذي يجيء إذا أدخلت الفاء فمما يسأل عنه في هذا أن يقال : لم حسن مع الفاء النصب وقبح في الجزم ولم يفصل بينهما سيبويه بشيء قبحه فالجواب في ذلك أن الفرق بين المنصوب والمجرور أنك إذا جزمت إنما تقدر مع حرف الجزاء الفعل الذي ظهر ، وإن كان أمرا قدرت فعلا موجبا ، وإن كان نهيا قدرت فعلا منفيا ألا ترى أنك إذا قلت : قم أعطك فالتأويل : إن تقم أعطك ، وإذا قلت لا تقم أعطك.

فالتأويل : إلّا تقم أعطك فالإيجاب نظير الأمر والنفي نظير النهي ؛ لأن النهي نفي فهذا الجزاء على أنه لم ينقل فيه فعل إلى اسم ولا يستدل فيه بفعل على اسم ثم عطف عليه ، وإن قال : ما تأتيني فتحدثني فما بعد الفاء في تقدير اسم قد عطف على اسم دل عليه (تأتيني) ؛ لأن الأفعال تدل على مصادرها وكذلك إذا قال : لا تفعل فأضربك فالتأويل على ما قال سيبويه : أن المنصوب معطوف على اسم كأنه إذا قال : ليس تأتيني.

فتحدثني قال : ليس إتيان فحديث ، وإذا قال : لا تفعل فتضرب قد قال : لا يكن فعل فتضرب وهذا تمثيل وقد فسره وقواه ودل على أن الثاني المنصوب من الجملة الأولى ، وإن كانت الأولى مسألة.

قال : اعلم أن ما ينتصب على باب الفاء ينتصب على غير معنى واحد وكل ذلك على إضمار (أن) إلا أن المعاني مختلفة كما أن قولك : (يعلم الله) يرتفع كما يرتفع : يذهب زيد وعلم الله يفتح كما يفتح : ذهب زيد وفيها معنى اليمين قال : فالنصب هنا كأنك قلت : لم يكن إتيان ، فإن تحدث والمعنى غير ذلك كما أن معنى : علم الله لأفعلن غير معنى : رزق الله ، فإن (تحدث)

ص: 40

في اللفظ فمرفوعة بيكن ؛ لأن المعنى لم يكن إتيان فيكون حديث فقوله مرفوعة يدل على أن الفاء عاطفة عطفت اسما على اسم والكلام جملة واحدة ومن شأن العرب إذا أزالوا الكلام عن أصله إلى شيء آخر غيروا لفظه وحذفوا منه شيئا وألزموه موضعا واحدا إذا لم يأتوا بحرف يدلّ على ذلك المعنى ولم يصرفوه وجعلوه كالمثل ليكون ذلك دليلا لهم على أنهم خالفوا به أصل الكلام فقد دل ما قال سيبويه : على أن النفي والنهي إنما وقعا على المصدرين اللذين دل عليهما الفعلان ويقوى أن الفاء للعطف إذا نصبت ما بعدها الواو إن قصتها في النصب وهما للعطف ، فإن قال قائل : فلم جاءوا بالفعل بعد الفاء وهم يريدون الاسم قيل : لأن الظاهر الذي عطف عليه فعل.

فكان الأحسن أن يعطف فعل على فعل ويغير اللفظ فيكون ذلك التغيير دليلا على المصدرين ألا تراهم في النفي كما قالوا : لا أبالك فأضافوا إلى المعرفة أقحموا اللام ليشبه النكرة والمعطوف بالفاء والواو وغيرهما على ما قبله يجوز أن يكون ما قبله سببا له ويجوز أن لا يكون سببا له إذا كان لفظه كلفظه نحو قولك : يقوم زيد فيضرب ويقوم ويضرب وزيد يقوم فيقعد عمرو.

فيجوز أن يكون القيام سببا للضرب ويجوز أن لا يكون إلا أن الفاء معناه اتباع الثاني الأول بلا مهلة فإذا أرادوا أن يجعلوا الفعل سببا للثاني جاءوا به في الجزاء وفيما ضارع الجزاء وجميع هذه المواضع يصلح فيها المعنى الذي فيها من الإتباع ألا ترى أن الشاعر إذا اضطر فعطف على الفعل الواجب الذي على غير شرط بالفاء وكان الأول سببا للثاني نصب كما قال :

سأترك منزلي لبني تميم

وألحق بالحجاز فأستريحا

جعل لحاقه بالحجاز سببا لأستراحته فتقديره لما نصب كأنه قال : يكون لحاق فاستراحة وقد جاء مثله في الشعر أبيات لقوم فصحاء إلّا أنه قبيح أن تنصب وتعطف على الواجب الذي على غير شعر وألحق بالحجاز فإذا لحقت استرحت ، وإن ألحق أسترح ومع ذلك ، فإن الإيجاب على غير الشرط أصل الكلام وإزالة اللفظ عن جهته في الفروع أحسن منها في الأصول لأنها

ص: 41

أدلّ على المعاني ألا ترى أنهم جازوا بحرف الاستفهام والاستفهام وإنما جازوا بالأخبار لأفعال المستفهم عنها فقال أين بيتك يراد به أعلمني.

والعطف بالفاء مضارع للجزاء ؛ لأن الأول سبب للثاني وهو مخالف له من قبل عقده عقد جملة واحدة ألا ترى أنهم مثلوا ما تأتينا فتحدثنا في بعض وجوهها بما يأتينا محدثنا ، فإن قلت : لا تعص فتدخل النار فالنهي هو النفي كما عرفتك فصار بمنزلة قولك : ما تعصي فتدخل النار فقد نفيت العصيان الذي يتبعه دخول النار. وكذلك قد نهيت عنه.

فالنهي قد اشتمل على الجميع إلا أن فيه من المعنى في النصب ما ذكرنا ، فإن قلت : قم فاعطيك فالمعنى ليكن منك قيام يوجب عطيتي وكذلك اقعد فتستريح أي : ليكن منك قعود تتبعه راحة فيقرب معناه من الجزاء إذا قلت : قم أعطك أي إن تقم أعطك ، وإذا دخلت الفاء في جواب الجزاء فهي غير عاطفة إلّا أنّ معناها الذاتي يخصها تفارقه إنها تتبع ما بعدها ما قبلها في كلّ موضع وقال الشاعر في جواب الأمر :

يا ناق سيري عنقا فسيحا

إلى سليمان فنستريحا

فقد جعل سير ناقته سببا لراحته فكأنه قال : ليكن منك سير يوجب راحتنا وهذا مضارع لقوله : إن تسيري نستريح ولذلك سمى النحويون ما عطف بالفاء ونصب جوابا لشبهه بجواب الجزاء وكذلك إذا قال : أدن من الأسد يأكلك فهو مضارع لقوله : ادن من الأسد فيأكلك ؛ لأن معنى ذاك إن تدن من الأسد يأكلك ومعنى هذا : ليكن منك دنو من الأسد يوجب أكلك أو يتبعه أكلك إلّا أنّ هذا مما لا يؤمر به ؛ لأن من شأن الناس النهي عن مثل ذلك لا الأمر به ، فإن أردت ذاك جاز فإذا قلت : لا تدن من الأسد يأكلك لم يجز ؛ لأن المعنى :أنك تدن من الأسد يأكلك لم يكن إلّا على المجاز ، وإن السامع يعلم ما تعني ؛ لأن المعنى : إلّا تدن من الأسد يأكلك وهذا محال ؛ لأن البعد لا يوجب الأكل فإذا قلت : لا تدن من الأسد فيأكلك جاز ؛ لأن النهي مشتمل في المعنى على الجميع كأنه قال : لا يكن منك دنو من الأسد.

يوجب أكلك أو يتبعه أكلك وكذلك قوله : ما تدنو من الأسد فيأكلك هو مثل لا تدن لا فرق بينهما.

ص: 42

وفي الجزاء قد جعل نفي الدنّو موجبا للأكل.

واعلم أنّ كل نفي معنى تحقيق للإيجاب بالفاء نحو : ما زال ولم يزل لا تقول : ما زال زيد قائما فأعطيك وإنما صار النفي في معنى الإيجاب من أجل أنّ قولهم زال بغير ذكر ما في معنى النفي لأنك تريد عدم الخبر فكأنك لو قلت : زال زيد قائما لكان المعنى زال قيامه فهو ضد كان زيد قائما وكان وأخواتها إنما الفائدة في أخبارها والإيجاب والنفي يقع على الأخبار فلما كان زال بمعنى : ما كان ثم أدخلت (ما) صار إيجابا ؛ لأن نفي النفي إيجاب فلذلك لم يجز أن يجاب بالفاء وقوم يجيزون أنت غير قائم فتأتيك.

قال أبو بكر : وهذا عندي لا يجوز لأنّا إنما نعطف المنصوب على مصدر يدلّ عليه الفعل فيكون حرف النفي منفصلا وغير اسم مضاف وليست بحرف فتقول : ما قام زيد فيحسن إلّا حمد وما قام فيأكل إلا طعامه قال الشاعر :

وما قام منّا قائم في نديّنا

فينطق إلا بالّتي هى أعرف (1)

ص: 43


1- على أن النفي بالمعنى الثاني ، وهو أن يرجع النفي لما بعد الفاء ، كثير الاستعمال كما في البيت ، فإن النفي منصب على ينطق في المعنى ، وقام مثبت في تأويل المستقبل ، لمناسبة المعطوف. ولهذا قال الشارح المحقق : أي يقوم ، ولا يقوم إلا بالتي هي أعرف. وإنما جعل النفي هنا بالمعنى الثاني لأجل الاستثناء ، فإن الاستثناء المفرغ لا يكون إلا مع النفي ، فلما اعتبر في ينطق صح التفريغ. وجوز صاحب اللباب أن يكون النفي في البيت على ظاهره من القسم الأول. قال في باب الاستثناء : والمفرغ لا يكون إلا في الإثبات. إلى أن قال : ويجوز فيما هو جواب النفي. وأنشد هذا البيت. قال الفالي في شرحه : لا يقال ينبغي أن لا يجوز ، لأن قولك فينطق مثبت ، ولا يصح المفرغ في المثبت ، لأن قوله : فينطق بالنصب بأن المضمرة ، والتقدير : فأن ينطق ، وهذا المصدر معطوف على مصدر منتزع من الأول ، وهو قام ، أي : ما يكون قيام فنطق. فحكم النفي منسحب على القيام والنطق. فالنطق في المعنى منفيّ فيصح الاستثناء المفرغ فيه. ونظيره : ما تأتينا فتحدثنا ، بالنصب ، أي : ما يكون منك إتيان فتحديث على نفي المركب ، أي : ما يكون منك إتيان كثير ، ولا تحديث عقيبه. وهذا نص سيبويه في باب الفاء ، قال : وتقول ما أتيتنا فتحدثنا ، والنصب فيه كالنصب في الأول ، وإن شئت رفعت على معنى فأنت تحدثنا الساعة. والرفع فيه يجوز على ما. وإنما اختير النصب لأن الوجه هاهنا ، وحد الكلام أن تقول : ما أتيتنا فحدثتنا ، فلما صرفوه عن هذا الحد ضعف أن يضموا يفعل إلى فعلت ، فحملوه على الاسم ، كما لم يجز أن يضموا إلى الاسم في قولهم : ما أنت منا فتنصرنا يعني أنت ونحوه. وأما الذين رفعوه ، فحملوه على موضع أتيتنا ، لأن أتيتنا في موضع فعل مرفوع ، وتحدثنا هاهنا في موضع حدثتنا. وتقول : ما تأتينا فتكلم إلا بالجميل. فالمعنى : إنك لم تأتنا إلا تكلمت بجميل. ونصبه على إضمار أن كما كان نصب ما قبله على إضمار أن. وإن شئت رفعت على الشركة ، كأنه قال : وما تكلم إلا بالجميل. انظر خزانة الأدب 3 / 268.

تقول : ألا سيف فأكون أول مقاتل وليت لي مالا فأعينك.

وقوله : (يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ)(1) [الأنعام : 27] كان حمزة ينصب ؛ لأنه اعتبر قراءة ابن مسعود الذي كان يقرأ بالفاء وينصب.

ص: 44


1- قرأ حمزة ، وحفص : (فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ) بنصب الياء والنون ، جعلاه جواب التمني ؛ لأن الجواب بالواو ينصب كما ينصب بالفاء ، قال الشاعر : لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم وكما تقول : ليتك تصير إلينا ونكرمك. المعنى : ليت مصيرك يقع وإكرامنا ، ويكون المعنى : ليت ردنا وقع ، ولا نكذب ؛ أي : إن رددنا لم نكذب. وقرأ ابن عامر : يا ليتنا نرد ولا نكذب بالرفع ، ونكون بالنصب ، جعل الأول نسقا ، والثاني جوابا ؛ كأنه قال : ونحن لا نكذب ، ثم رد الجواب إلى (يا لَيْتَنا.) المعنى : يا ليتنا نرد فنكون من المؤمنين. وحجته قوله : (لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ....) وقرأ الباقون : (يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ) بالرفع فيهما ، جعلوا الكلام منقطعا عن الأول. قال الزجاج المعنى : أنهم تمنوا الرد ، وضمنوا أنهم لا يكذبون. المعنى : يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا رددنا أم لم نرد ، ونكون من المؤمنين ؛ أي : عانينا وشاهدنا ما لا نكذب معه أبدا ، قال : ويجوز الرفع على وجه آخر على معنى : يا ليتنا نرد ، ويا ليتنا لا نكذب بآيات ربنا ؛ كأنهم تمنوا الرد والتوفيق للتصديق. [حجة القراءات : 1 / 246]

والفراء يختار في الواو والفاء الرفع ؛ لأن المعنى : يا ليتنا نرد ولسنا نكذب استأنف ومن مسائلهم لعلّي سأحجّ فأزورك ولعلك تشتمنا فأقوم إليك ويقولون (لعل) تجاب إذا كانت استفهاما أو شكا وأصحابنا لا يعرفون الاستفهام بلعل وتقول : إنّما هي ضربة من الأسد فتحطم ظهره كأنه قال : إنّما هي ضربة فحطمه فأضمر (أن) ليعطف مصدرا على مصدر وقالوا : الأمر من ينصب الجواب فيه والنهي يجاب بالفاء ؛ لأنه بمنزلة النفي ويجوز النسق.

وقالوا : العرب تذهب بالأمر إلى الإستهزاء والنهي فتنصب الجواب فيقولون : استأذن فيؤذن لك أي لا تستأذن وتحرك فأصبنك قالوا : والعرب تحذف الفعل الأول مع الاستفهام للجواب ومعرفة الكلام فيقولون : متى فأسير معك وأجازوا : متى فآتيك تخرج ولم فأسير تسر وقالوا : كأنّ ينصب الجواب معها وليس بالوجه وذاك إذا كانت في غير معنى التشبيه نحو قولك : (كأنّك وال علينا فتشتمنا) والمعنى : لست واليا علينا فتشتمنا ، وتقول : أريد أن آتيك فأستشيرك ؛ لأنك تريد إتيانه ومشورته جميعا.

فلذلك عطفت على (أن) ، فإن قلت أريد أن آتيك فيمنعني الشغل رفعت لأنك لا تريد منع الشغل ، فإن أردت ذلك نصبت وقالوا : (لو لا) إذا وليت فعلا فهي بمنزلة هلّا ولو ما تكون استفهاما وتجاب بالفاء ، وإذا وليت الأسماء لم ينسق عليها بلا ولم تجب بالفاء وكانت خبرا نحو قوله : (لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ) [سبأ : 31] و (لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ) [المنافقون : 10] وقالوا : الإختيار في الواجب منها الرفع وقد نصب منها الجواب قال الشاعر :

ولو نبش المقابر عن كليب

فيعلم بالذّنائب أيّ زير (1)

ص: 45


1- قد يدّعى أنّ لو التي للتمني شرطية أشربت معنى التمنّي ، كما نقله في المغني عن بعضهم ، وصحّحه أبو حيان في الارتشاف ، وذلك لأنهم جمعوا لها بين جوابين : جواب منصوب بعد الفاء ، وجواب باللام كقوله : الوافر : فلو نبش المقابر عن كليب فيخبر بالذّنائب أيّ زير بيوم الشّعثمين لقرّ عينا وكيف لقاء من تحت القبور فلعله يختار هذا القول ، فتبجّحه على مختاره. فقول ابن الحاجب : ليس من ذا الباب ، أي : من باب لو الشرطية ، ممنوع عنده. انتهى. انظر خزانة الأدب 4 / 186.

ذهب به مذهب (ليت) والكلام الرفع في قوله عز وجل : (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) [القلم : 9].

واعلم أن الأسماء التي سمى بها الأمر وسائر الألفاظ التي أقيمت مقام فعل الأمر وليست بفعل لا يجوز أن تجاب بالفاء نحو قولك : تراكها ونزال ودونك زيدا وعليك زيدا لا يجاب ؛ لأنه لا ينهى به.

وكذلك إليك لا يجاب بالفاء ؛ لأنه لم يظهر فعل ومه وصه كذلك.

قالوا : الدعاء أيضا لا يجاب نحو قولك : ليغفر الله وغفر الله لك والكسائي يجيز الجواب في ذلك كله ، وأما الفراء فقال في الدعاء : إنّما يكون مع الشروط : غفر الله لك إن اسلمت ، وإن قلت : غفر الله لك فيدخلك الجنة جاز وهو عندي في الدعاء جائز إذا كان في لفظ الأمر لا فرق بينهما ولا يكون للفاء جواب ثان ولا لشيء جوابان.

وأما قوله عز وجل : (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنعام : 52].

إنما هو : ولا تطرد الذين يدعون ربهم فتكون من الظالمين ما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم فتكون جواب (لا) وقوله : فتطردهم جواب (ما) وتقول : ما قام أحد إلا زيد فتحسن إليه إن كانت الهاء لأحد فجائز ؛ لأن التقدير ما قام أحد فيحسن إليه ، وإن كانت الفاء لزيد فخطأ ؛ لأن الموجب لا يكون له جواب والاستثناء إذا جاء بعد النفي فالمستثنى موجب.

وكذلك إن قلت : ما قام إلّا زيد فتحسن إليه محال ؛ لأن التحقيق لا جواب له.

ص: 46

فصل من مسائل المجازاة

إذا شغلت حروف المجازاة بحرف سواها لم تجزم نحو : إن وكان ، وإذا عمل في حرف المجازاة الشيء الذي عمل فيه الحرف لم يغيره نحو قولك : من تضرب يضرب ، وأيا تضرب يضرب ، فمن وأي قد عملت في الفعل وعمل الفعل فيهما.

واعلم أنه لا يجوز الجواب بالواو ولو قلت : من يخرج الدلو له درهمان رفعت (يخرج) وصار استفهاما ، وإن جزمت لم يجز إلا بالفاء وتقول : من كان يأتينا وأيّ كان يأتينا نأتيه أذهبت المجازاة لأنك قد شغلت (أيا ومن) عن (يأتينا).

وحكى الأخفش : (كنت ومن يأتني آته) يجعلون الواو زائدة في (باب كان) خاصة ، وإن توصل (بما) فتقول : أمّا تقم أقم تدغم النون في الميم وتوصل (بلا) تقول : ألا تقم أقم إلا أن (ما) زائدة للتوكيد فقط و (لا) دخلت للنفي والكوفيون يقولون : إذا وليت أنّ الأسماء فتحت يقولون أما زيد قائما تقم ، وإن شرط للفعل وقال الكسائي : إن شرط والجزاء الفعل الثاني وهذا الذي ذكره الفراء مخالف لمعنى الكلام وما يجب من ترتيبه وللإستعمال ، وذلك أنّ كل شيء يكون سببا لشيء أو علة له فينبغي أن تقدم فيه العلة على المعلول فإذا قلت : إن تأتني أعطك درهما فالإتيان سبب للعطية به يستوجبها فينبغي أن يتقدم وكذلك إذا قلت : إن تعص الله تدخل النّار فالعصيان سبب لدخول النار فينبغي أن يتقدم فأما قولهم : أجيئك إن جئتني وإنك إن تأتني فالذي عندنا أن هذا الجواب محذوف كفى عنه الفعل المقدم وإنّما يستعمل هذا على جهتين : إما أن يضطر إليه الشاعر فيقدم الجزاء للضرورة وحقه التأخير وإما أن تذكر الجزاء بغير شرط ولا نية فيه فتقول : أجيئك فيعدك بذلك على كل حال ثم يبدو له ألا يجيئك بسبب فتقول : إن جئتني ويستغنى عن الجواب بما قدم فيشبه الاستثناء وتقول : اضرب إن تضرب زيدا تنصب زيدا بأي الفعلين شئت ما لم يلبس فإذا قدمت فقلت : اضرب زيدا إن تضرب فإنما تنصب زيدا بالأول ولا تنصب بالثاني ؛ لأن الذي ينتصب بما بعد الشروط لا

ص: 47

يتقدم وكذلك يقول الفراء ولا يجوز عنده إذا قلت : أقوم كي تضرب زيدا أن تقول : أقوم زيدا كي تضرب والكسائي يجيزه وينشد :

وشفاء غيّك خابرا أن تسألي (1)

وقال الفراء : (خابرا) حال من النفي : قمت كي تقوم وأقوم كي تقوم فهذا خلاف الجزاء ؛ لأن الأول ، وإن كان سببا للثاني فقد يكون واقعا ماضيا والجزاء ليس كذلك وهم يخلطون بالجزاء كل فعل يكون سببا لفعل والبصريون يقتصرون باسم الجزاء على ما كان له شرط وكان جوابه مجزوما وكان لما يستقبل.

ص: 48


1- على أن تقدم خابرا على أن نادر ، أو هو منصوب بفعل يدل عليه المذكور ، والتقدير : تسألين خابرا. ولم يذكر التخريج الثاني في البيت الذي قبله ، لأنه لا يتأتى هنا ، فإن خابرا منصوب. قال ابن السراج في الأصول : ولا يجوز عند الفراء إذا قلت أقوم كي تضرب زيدا : أقوم زيدا كي تضرب. والكسائي يجيزه ، وينشد : وشفاء غيك خابرا أن تسألي وقال الفراء : خابرا حال من الغي. ونقله صاحب اللباب ، فقال : ولا يجوز : قمت زيدا كي أضرب ، كما لا يجوز : أريد زيدا أن أضرب ، خلافا للكسائي. وقوله : وشفاء غيك خابرا أن تسألي مما يعضد مذهبه. والفراء يجعل المنصوب حالا من الغي على ما حكاه ابن السراج. وقول الفراء في البيت لا وجه له ، فإن خابرا اسم فاعل من خبرته أخبره ، من باب نصر ، خبرا بالضم ، إذا علمته. وهو بالخاء المعجمة والباء الموحدة. فالخابر : العالم. والغي ، بفتح الغين المعجمة : مصدر غوى غيا ، من باب ضرب ، أي : انهمك في الجهل ، وهو خلاف الرشد ، والاسم الغواية بالفتح. والمصراع عجز ، وصدره : هلا سألت وخبر قوم عندهم وشفاء غيك خابرا أن تسألي انظر خزانة الأدب 3 / 237.

وتقول : إن لم تقم قمت فلم في الأصل تقلب المستقبل إلى الماضي لأنها تنفي ما مضى فإذا أدخلت عليها إن أحالت الماضي إلى المستقبل ، وأما (لا) فتدع الكلام بحا إلا ما تحدثه من النفي تقول : إن لا تقم أقم ، وإن لا تقم وتحسن آتك وقوم يجيزون : إن لا تقم وأحسنت آتك ويقولون : إذا أردت الإتيان بالنسق جاز فيه الماضي فإذا قلت : إن لم تقم وتحسن آتك جاز معه الماضي إذا كان الأول بتأويل الماضي تقول : إن لم تقم ورغبت فينا نأتك وتقول : إن تقم فأقوم فترفع إذا أدخلت الفاء ؛ لأن ما بعد الفاء استئناف يقع قيه كل الكلام فالجواب حقه أن يكون على قدر الأول إن كان ماضيا فالجواب ماض ، وإن كان مستقبلا فكذلك.

وتقول : إن تقم وتحسن آتك تريد : إن تجمع مع قيامك إحسانا آتك وكذلك : إن تقم تحسن آتك تريد : إن تقم محسنا. ولم ترد : إن تقم ، وإن تحسن آتك وهذا النصب يسميه الكوفيون الصرف لأنّهم صرفوه على النسق إلى معنى غيره وكذلك في الجواب تقول : إن تقم آتك وأحسن إليك ، وإن تقم أنك فأحسن إليك ، وإذا قلت : أقوم إن تقم فنسقت بفعل عليها ، فإن كان من شكل الأول رفعته ، وإن كان من شكل الثاني ففيه ثلاثة أوجه : الجزم على النسق على (إن) والنصب على الصرف والرفع على الإستئناف فأمّا ما شاكل الأول فقولك : تحمد إن تأمر بالمعروف وتؤجر ؛ لأنه من شكل تحمد فهذا الرفع فيه لا غير ، وأما ما يكون للثاني فقولك تحمد إن تأمر بالمعروف وتنه عن المنكر فيكون فيه ثلاثة أوجه : فإن نسقت بفعل يصلح للأول ففيه أربعة أوجه : الرفع من جهتين : نسقا على الأول وعلى الاستئناف والجزم والنصب على الصرف وقال قوم : يرد بعد الجزاء فعل على يفعل ويفعل على فعل نحو قولك : آتيك إن تأتني وأحسنت ، وإن أحسنت وتأتني والوجه الاتفاق ، وإذا جئت بفعلين لا نسق معهما فلك أن تجعل الثاني حالا أو بدلا والكوفيون يقولون موضع بدل مترجما أو تكريرا ، فإن كررت جزمت ، وإن كان حالا رفعته وهو موضع نصب إذا ردّ إلى اسم الفاعل نصب فأما الحال فقولك : إن تأتني تطلب ما عندي أحسن إليك تريد : طالبا والتكرير مثل قولك : إن تأتني تأتني تريد الخير أعطك والبدل مثل قوله : (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً) ثم فسر فقال :(يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ) [الفرقان : 68 - 69] وكذلك إن تبرر أباك تصل رحمك تفعل ذاك لله

ص: 49

تؤجر إذا ترجمت عن الأفعال بفعل ولا يجوز البدل في الفعل إلا أن يكون الثاني من معنى الأول نحو قولك : إن تأتني تمشي أمش معك ؛ لأن المشي ضرب من الإتيان ولو قلت : إن تأتني تضحك معي آتك فجزمت تضحك لم يجز.

قال سيبويه : سألت الخليل عن قوله عز وجل : (وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا) [الروم : 51] فقال المعنى : ليظلّنّ ، وكذلك (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) [البقرة : 145] وإنما يقع ما بعدها من الماضي في معنى المستقبل لأنها مجازاة نظير ذلك : (وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما) [فاطر : 41] أي : لا يمسكهما وقال محمد بن يزيد رحمه الله : وأما قوله : والله لا فعلت ذاك أبدا فإنه لو أراد الماضي لقال : ما فعلت فإنما قلبت لأنها لما يقع ألا ترى أنها نفي سيفعل تقول : زيد لا يأكل فيكون في معنى ما يستقبل ، فإن قلت : ما يأكل نفيت ما في الحال.

والحروف تغلب الأفعال ألا ترى أنك تدخل (لم) على المستقبل فيصير في معنى الماضي تقول : لم يقم زيد : فكذلك حروف الجزاء تقلب الماضي إلى المستقبل تقول : إن أتيتني أتيتك قال أبو العباس رحمه الله : مما يسأل عنه في هذا الباب قولك : إن كنت زرتني أمس أكرمتك اليوم فقد صار ما بعد (إن) يقع في معنى الماضي فيقال للسائل عن هذا : ليس هذا من قبل (إن) ولكن لقوة كان ، وأنها أصل الأفعال وعبارتها جاز أن تقلب (إن) فتقول : إن كنت أعطيتني فسوف أكافيك فلا يكون ذلك إلا ماضيا كقول الله عز وجل : (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ) [المائدة : 116] والدليل على أنه كما قلت ، وإن هذا لقوة (كان) أنه ليس شيء من الأفعال يقع بعد (إن) غير (كان) إلا ومعناه الإستقبال لا تقول : إن جئتني أمس أكرمتك اليوم.

قال أبو بكر : وهذا الذي قاله أبو العباس رحمه الله لست أقوله ولا يجوز أن تكون (إن) تخلو من الفعل المستقبل ؛ لأن الجزاء لا يكون إلا بالمستقبل وهذا الذي قال عندي نقض لأصول الكلام.

ص: 50

فالتأويل عندي لقوله : (إن كنت زرتني أمس أكرمتك اليوم) إن تكن كنت ممن زارني أمس أكرمتك اليوم ، وإن كنت زرتني أمس زرتك اليوم فدلت (كنت) على (تكن) وكذلك قوله عز وجل : (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ) [المائدة : 116] أي : إن أكن كنت (أو) إن أقل كنت قلته أو أقر بهذا الكلام ، وقد حكي عن المازني ما يقارب هذا ورأيت في كتاب أبي العباس بخطه موقعا عند الجواب في هذه المسألة ينظر فيه وأحسبه ترك هذا القول وقال : قال سيبويه في قوله عز وجل : (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ) [الجمعة : 8] : إنما دخلت الفاء لذكره تفرون ونحن نعلم أنّ الموت ليس يلاقيكم من أجل أنهم فروا كقولك : الذي يأتينا فله درهمان فإنما وجب له الدرهمان من أجل الإتيان ولكن القول فيه والله اعلم إنما هو مخاطبة لمن يهرب من الموت ولم يتمنّه قال الله عز وجل : (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) [الجمعة : 6].

فالمعنى : أي أنتم إن فررتم منه فإنه ملاقيكم ودخلت الفاء لإعتلالهم من الموت عن أنفسهم بالفرار نحو قول زهير :

ومن هاب أسباب المنيّة يلقها

وإن رام أسباب السّماء بسلّم

ومن يهبها أيضا يلقها ولكنه قال هذا لمن يهاب لينجو ومثل ذلك : إن شتمتني لم اشتمك وهو يعلم أنه إن لم يشتمني لم اشتمه ولكنه قيل هذا ؛ لأنه كان في التقدير أنه إن شتم شتم كما كان في تقدير الفارّ من الموت : أن فراره ينجيه.

وقال : قال سيبويه : إنّ حروف الجزاء إذا لم تجزم جاز أن يتقدمها أخبارها نحو : أنت ظالم إن فعلت ثم أجرى حروف الجزاء كلها مجرى واحدا وهذه حكاية قول سيبويه وقد تقول : إن أتيتني آتيك أي : آتيك إن أتيتني قال زهير :

وإن أتاه خليل يوم مسألة

يقول لا غائب مالي ولا حرم (1)

ص: 51


1- لا يحسن إن تأتيني آتيك ، من قبل أن إن هي العاملة. وقد جاء في الشعر ، قال جرير بن عبد الله البجلي: يا أقرع بن حابس يا أقرع إنك إن يصرع أخوك تصرع أي : إنك تصرع إن يصرع أخوك. ومثل ذلك قوله : البسيط هذا سراقة للقرآن يدرسه والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب أي : والمرء ذئب إن يلق الرشا. قال الأصمعي : هو قديم أنشدنيه أبو عمرو. وقال ذو الرمة : الطويل وإني متى أشرف على الجانب الذي به أنت من بين الجوانب ناظر انظر خزانة الأدب 3 / 293.

ولا يحسن : إن تأتني آتيك من قبل أنّ (إن) هي العاملة.

وقد جاء في الشعر قال :

يا أقرع بن حابس يا أقرع

إنّك إن يصرع أخوك تصرع

أي : أنّك تصرع إن يصرع أخوك.

ومثل ذلك قوله :

هذا سراقة للقرآن يدرسه

والمرء عند الرّشا إن يلقها ذيب (1)

ص: 52


1- على أن الضمير في يدرسه راجع إلى مضمون يدرس ، أي : يدرس الدرس ، فيكون راجعا للمصدر المدلول عليه بالفعل ؛ وإنما لم يجز عوده للقرآن لئلا يلزم تعدي العامل إلى الضمير وظاهره معا. واستشهد به أبو حيان في شرح التسهيل على أن ضمير المصدر قد يجيء مرادا به التأكيد ، وأن ذلك لا يختص بالمصدر الظاهر على الصحيح. وأورده سيبويه على أن تقديره عنده : والمرء عند الرشا ذئب إن يلقها. وتقديره عند المبرد : إن يلقها فهو ذئب. وهذا من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يقف على قائلها أحد. قال الأعلم : هجا هذا الشاعر رجلا من القراء نسب إليه الرياء. وقبول الرشا. والحرص عليها وكذلك أورده ابن السراج في الأصول. وزعم الدماميني في الحاشية الهندية : أن هذا البيت من المدح لا من الهجاء ، وظن أن سراقة هو سراقة بن جعشم الصحابي مع أنه في البيت غير معلوم من هو - فيه تحريفات ثلاثة : الأول : أن الرشا بضم الراء - والقصر : جمع رشوة ؛ فقال : هو بكسر الراء مع المد : الحبل ، وقصره للضرورة وأنثه على معنى الآلة. وكلامه هذا على حد : زناه وحده. والثاني : أن قوله يلقها بفتح الياء من اللقي ، وهو ضبطه بضم الياء من الإلقاء. والثالث : أن قوله ذيب بكسر الذال وبالهمزة المبدلة ياء وهو الحيوان المعروف ؛ وهو صحفه ذنبا بفتح الذال والنون ، وقال : قوله عند الرشا متعلق بذنب لما فيه من معنى التأخر. والمعنى : إن يلق إنسان الرشا فهو متأخر عند إلقائها ، يريد أن سراقة درس القرآن فتقدم والمرء متأخر عند اشتغاله بما لا يهم كمن امتهن نفسه في السقي وإلقاء الأرشية في الآبار. هذا كلامه ؛ وتبعه فيه الشمني. انظر خزانة الأدب 1 / 164.

أي : المرء ذيب إن يلق الرّشا فجاز هذا في الشعر وشبهوه فالجزاء إذا كان جوابه منجزما ؛ لأن المعنى واحد قال : ثم قال في الباب الذي بعده.

فإذا قلت : آتي من أتاني فأنت بالخيار إن شئت كانت بمنزلتها في (إن) وقد يجوز في الشعر : آتي من يأتيني قال الشاعر :

فقلت تحمّل فوق طوقك إنّها

مطبّعة من يأتها لا يضيرها

كأنه قال : لا يضيرها من يأتها ولو أريد أنه حذف الفاء جاز وأنشد في باب بعده :

وما ذاك أن كان ابن عمّي ولا أخي

ولكن متى ما أملك الضّرّ أنفع (1)

ص: 53


1- والقوافي مرفوعة ، كأنه قال : ولكن أنفع متى ما أملك الضر ، ويكون أملك على متى في موضع جزاء ، وما لغو. ولم تجد سبيلا إلى أن تكون بمنزلة من فتوصل ، ولكنها كمهما. انتهى كلام سيبويه. فشرط جواز وقوع أداة الشرط بعد لكن تقدير الضمير بينهما ، وحينئذ لا ضرورة فيه ، بل هو حسن للفصل ، كما قال سيبويه. ولم يصب الأعلم في قوله : الشاهد في هذا البيت حذف المبتدأ بعد لكن ضرورة ، والمجازاة بعدها ، والتقدير : ولكن أنا متى يسترفد القوم أرفد. اه؟. وإن لم يقدر الضمير ، فلا يجوز وقوع الأداة بعد لكن إلا في الشعر. والشارح المحقق أخل بهذا التفصيل ، ولم يذكره ، وقد أخذ به أبو علي في التذكرة القصرية. انظر خزانة الأدب 3 / 299.

كأنه قال : ولكن أنفع متى ما أملك الضرّ ، قال أبو العباس رحمه الله : أما قوله : آتيك إن أتيتني فغير منكر ولا مرفوع استغنى عن الجواب بما تقدم.

ولم تجزم (إن) شيئا فيحتاج إلى جواب مجزوم أو شيء في مكانه.

وأما قولهم : وإن أتاه خليل يوم مسألة تقول على القلب فهو محال ، وذلك كان الجواب حقه أن يكون بعد (إن) وفعلها الأول وإنما يعني بالشيء موضعه إذا كان في غير موضعه نحو : ضرب غلامه زيد ؛ لأن حد الكلام أن يكون بعد زيد وهذا قد وقع في موضعه من الجزاء فلو جاز أن يعني به التقديم لجاز أن تقول : ضرب غلامه زيدا. تريد : ضرب زيدا غلامه ، وأما ما ذكره من (من ومتى) وسائر الحروف فإنه يستحيل في الأسماء منها والظروف من وجوه في التقديم والتأخير لأنك إذا قلت : آتي من أتاني وجب أن تكون (من) منصوبة بقولك : أتى ونحوه وحروف الجزاء لا يعمل فيها ما قبلها فليس يجوز هذا إلا أن تريد بها معنى الذي و (متى) إذا قلت : آتيك متى أتيتني فمتى للجزاء وهي ظرف (لأتيتني) ؛ لأن حروف الجزاء لا يعمل فيها ما قبلها ولكن الفعل الذي قبل متى قد أغنى عن الجواب كما قلت في الجواب : أنت ظالم إن فعلت فأنت ظالم ، منقطع من (إن) وقد سدّ مسدّ جواب (متى) و (إن) لم تكن منها في شيء ؛ لأن (متى) منصوبة (بيأتيني) ؛ لأن حروف الجزاء من الظروف والأسماء إنما يعمل فيها ما بعدها وهو الجزاء الذي يعمل فيه الجزم.

والباب كله على هذا لا يجوز غيره ولو وضع الكلام في موضعه لكان تقديره : متى أتيتني فآتيك أي : فأنا آتيك وإنما قوله (من) يأتها فمحال أن يرتفع (من) بقولك : لا يضيرها ومن مبتدأ كما لا تقول : زيد يقوم فترفعه (بيقوم) وكل ما كان مثله فهذا قياسه وهذه الأبيات التي أنشدت كلها لا تصلح إلا على إرادة الفاء في الجواب.

كقوله : (الله يشكرها) لا يجوز إلا ذلك.

وتقول : إن الله أمكنني من فلان فعلت : فتلى (إن) الاسم إلا أنك تضمر فعلا يليها يفسره (أمكنني) كما تفعل بألف الاستفهام.

وزعم سيبويه أنه جاز فيها ما امتنع في غيرها لأنها أصل الجزاء.

ص: 54

قال : والدليل على ذلك أنها حرفه الذي لا يزول عنه لأنها لا تكون أبدا إلا للجزاء ومن تكون استفهاما وتكون في معنى الذي وكذلك ما وأيّ وأين ومتى تكون استفهاما وجميع الحروف تنقل غيرها.

قال أبو العباس رحمه الله : فيقال له : (إن) قد تكون في معنى (ما) نحو : (إن الكافرون إلا في غرور) وتكون مخففة من الثقيلة وتكون زائدة نحو قوله :

وما إن طبنا جبن (1) ...

ثم قال : والدليل على ما قال سيبويه : أنّ هذا السؤال لا يلزم أنّ (من) تكون لما يعقل في الجزاء والاستفهام ومعنى الذي فهي حيث تصرفت واحدة و (ما) واقعة على كل شيء غير الناس وعلى صفات الناس وغيرهم حيث وقعت فهي واحدة وكذلك هذه الحروف و (إن) للجزاء لا تخرج عنه وتلك الحروف التي هي (إن) للنفي ومخففة من الثقيلة وزائدة ليس على معنى (إن) الجزاء ولا منها في شيء ، وإن وقع اللفظان سواء فإنهما حرفان بمنزلة الاسم والفعل إذا وقعا في لفظ وليس أحدهما مشتقا من الآخر : نحو قولك : هذا ذهب وأنت تعني التّبر وذهب من الذهاب ونحو قولك : زيد على الجبل وعلا الجبل فهذا فعل والأول حرف قال : وسألت أبا عثمان عن (ما) و (من) في الاستفهام والجزاء أمعرفة هما أم نكرة فقال : يجوز

ص: 55


1- على أنّ" ما الحجازيّة" إذا زيد بعدها" إن" لا تعمل عمل ليس ، كما في هذا البيت. قال الأعلم : " إن" كافة لما عن العمل ، كما كفت" ما" إن عن العمل. والطّبّ بالكسر هاهنا بمعنى العلّة والسبّب ، أي : لم يكن سبب قتلنا الجبن وإنّما كان ما جرى به القدر من حضور المنية ، وانتقال الحال عنّا والدّولة. وقال في" الصحاح" : تقول ما ذلك بطبّي ، أي : دهري وعادتي. وانشد هذا البيت للكميت. وهذه النسبة غير صحيحة كما يأتي بيانه قريبا. و" الجبن" : ضدّ الشّجاعة ، وهو مصدر جبن جبنا كقرب قربا ، فهو جبان أي : ضعيف القلب. والجبن المأكول فيه ثلاث لغات ، أجودها سكون الباء ، والثانية ضمّ الباء للاتباع ، والثالثة وهي أقلّها التشديد كذا في" المصباح". و" المنايا" : جمع منيّة ، وهي الموت ، لأنّها مقدّرة ، مأخوذة من المنا بوزن العصا وهو القدر ، يقال : مني له ، أي : قدّر بالبناء للمفعول فيهما. انظر خزانة الأدب 1 / 498.

أن يكونا معرفة وأن يكونا نكرة فقلت : فأيّ : ما تقول فيها قال : أنا أقول : إنّها مضافة معرفة ومفردة نكرة والدليل على ذلك أنك تقول : أية صاحبتك ولو كانت معرفة لم تتصرف.

قال : وكان الأخفش يقول : هي معرفة ولكن أنون ؛ لأن التنوين وقع وسط الاسم فهو بمنزلة امرأة سميتها خيرا منك وكان غيره لا يصرفها ويقول : أيّة صاحبتك لأنّها معرفة.

وشرح أبو العباس ذلك فقال : إن من وما وأيّ مفردة نكرات ، وذلك أنّ أيا منونة في التأنيث إذا قلت : أيّة جاريتك وقول الأخفش : التنوين وقع وسطا غلط وذاك ؛ لأن (أيّ) في الجزاء والاستفهام لا صلة لها (ومن وما) إذا كانتا خبرا فإنهما يعرفان بصلتهما.

فقد حذف ما كان يعرفهما فهما بمنزلة (أي) مفردة ومن الدليل على أنهن نكرات أنك تسأل بمن سؤالا شائعا ولو كنت تعرف ما تسأل عنه لم يكن للسؤال عنه وجه فالتقدير فيها على ما ذكرنا إذا قلت : ما زيد وأيّ زيد وما عندك وأيّ رجل وأي شيء فإذا قلت : أيهم وأيّ القوم زيد فقد اختصصته من قوم فأضفته إليهم والتقدير : أهذا زيد من القوم أم هذا للاختصاص.

فلذلك كانت بالإضافة معرفة وفي الإفراد نكرة.

وقال سيبويه : سألت الخليل عن (كيف) : لم لم يجازوا بها فقال : هي فيه مستكرهة وأصلها من الجزاء ذلك ؛ لأن معناها على أي حال تكن أكن.

وقال محمد بن يزيد : والقول عندي في ذلك : إنّ علة الجزاء موجودة في معناها فما صحّ فيه معنى الجزاء جوزي به وما امتنع فلا جزاء فيه وإنما امتنعت (كيف) من المجازاة ؛ لأن حروف الجزاء التي يستفهم بها كانت استفهاما قبل أن تكون جزاء والدليل على تقديم الاستفهام وتمكنه أنّ الاستفهام يدخل على الجزاء كدخوله على سائر الأخبار فتقول : أإن تأتني آتك ونحوه ولا يدخل الجزاء على الاستفهام ثم رأيت أنه ما كان من حروف الاستفهام متمكنا يقع على المعرفة والنكرة جوزي به : لأن حروف الجزاء الخالصة تقع على المعرفة والنكرة تقول إن تأتني زيد آته ، وإن يأتني رجل أعطه فكذلك من وما وأي وأين ومتى وأنّى.

ص: 56

وذلك إذا قلت في الاستفهام : من عندك جاز أن تقول : زيد أو رجل أم امرأة وكذلك كلما ذكرنا من هذه الحروف.

وأما كيف فحقّ جوابها النكرة ، وذلك قولك كيف زيد فيقال صالح أو فاسد ولا يقال الصالح ولا أخوك لأنّها حال والحال نكرة وكذلك كم لم يجازوا بها ؛ لأن جوابها لا يكون نكرة إذا قام كم مالك فالجواب : مائة أو ألف أو نحو ذلك والكوفيون يدخلون (كيف وكيفما) في حروف الجزاء ولو جازت العرب بها لأتبعناها وتقول : إن تأمر أن آتيك تريد إنّك إن تأمر بأن آتيك ، وإن أسقطت (إن) قلت : إن تأمر آتيك آتك ولا يجوز عندي إن تأمر لا أقم لا أقم إلا على بعد وقوم يجيزونه وتقول : إن تقم إنّ زيدا قائم تضمر الفاء تريد : فإن زيدا قائم ، وإن تقم لا تضرب زيدا.

يريد : فلا تضرب زيدا : وإن تقم أطرف بك أي فأطرف بك وتقول : إن تقم يعلم الله أزرك تعترض باليمين ويكون بمنزلة ما لم يذكر أعني قولك : يعلم الله ، وإن جعلت الجواب للقسم أتيت باللام فقلت : إن تقم يعلم الله : لأزورنّك وتضمر الفاء وكذلك : إن تقم يعلم الله لآتينك تريد : فيعلم الله لأزورنك ويعلم الله لآتينك.

ص: 57

باب الأفعال المبنية

اشارة

الأفعال التي تبنى على ضربين : فعل أصله البناء فهو على بنائه لا يزول عنه وفعل أصله الإعراب فأدخل عليه حرف للتأكيد فبني معه.

فأما الضرب الأول فقد تقدم ذكره وهو الفعل الماضي وفعل الأمر ، وأما الضرب الثاني فهو الفعل الذي أصله الإعراب فإذا دخلت عليه النون الثقيلة والخفيفة بني معها.

ذكر النون الثقيلة

هذه النون تلحق الفعل غير الماضي إذا كان واجبا للتأكيد فيبنى معها وهي تجيء على ضربين : فموضع لا بد منها فيه وموضع يصلح أن تخلو منه فأمّا الموضع الذي لا تخلو منه فإذا كانت مع القسم ، وذلك قولك : والله لأفعلنّ وأقسم لأفعلنّ وأشهد لأفعلنّ وأقسمت عليك بالله لتفعلنّ فهذه النون ملازمة للام وهي تفتح لام الفعل الذي كان معربا وتبنى معه وهي إذا كانت مشددة مفتوحة.

قال سيبويه : سألت الخليل عن قوله : لتفعلنّ مبتدأة لا يمين قبلها فقال : جاءت على نية اليمين.

وإذا حكيت عن غيرك قلت : أقسم لتفعلنّ واستحلفته لتفعلنّ.

وزعم : أنّ النون ألحقت (في لتفعلنّ) لئلا يشبه أنه ليفعل.

فإذا أقسمت على ماض دخلت اللام وحدها بغير نون نحو قولك : والله لقد قام ولقام وحكى سيبويه : والله أن لو فعلت لفعلت وتقول : والله لا فعلت ذاك أبدا تريد : لا أفعل وقال الله عز وجل : (وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا) [الروم : 51] على معنى : (ليظلّن) وتقول : لئن فعلت ما فعل تريد : ما هو فاعل وتقول : والله أفعل تريد لا أفعل ، وإن شئت أظهرت (لا) وإنما جاز حذف (لا) ؛ لأنه موضع لا يلبس ألا ترى أنك لو أردت الإيجاب ولم ترد النفي قلت : لأفعلن فلما لم تأت باللام والنون علم أنك تريد النفي ، وأما الموضع الذي تقع

ص: 58

فيه النون وتخلو منه فالأمر والنهي وما جرت مجراهما من الأفعال غير الواجبة ، وذلك قولك : أفعلنّ ذاك ولا تفعلنّ وهل تقولنّ وأتقولنّ ؛ لأن معنى الاستفهام معنى أخبرني.

وكذلك جميع حروف الاستفهام وزعم يونس أنك تقول : هلا تفعلنّ وألا تقولنّ لأنك تعرض ومعناه أفعل ومثل ذلك : لو لا تقولنّ ؛ لأنه عرض.

ومن مواضعها حروف الجزاء إذا أوقعت بينها وبين الفعل (ما) للتوكيد تقول : إمّا تأتني آتك وأيّهم ما يقولنّ ذاك نجزه وقد تدخل بغير (ما) في الجزاء في الشعر.

وقد أدخلت في المجزوم تشبيها به للجزم ولا يجوز إلا في ضرورة قال الشاعر :

يحسبه الجاهل ما لم يعلما

شيخا على كرسيّه معمّما (1)

والخفيفة والثقيلة سواء ، ويقولون : أقسمت لمّا لم تفعلن ؛ لأن ذا طلب.

وزعم يونس : أنّهم يقولون ربّما تقولنّ ذاك وكثر ما تقولنّ ذاك ؛ لأنه فعل غير واجب ولا يقع بعد هذه الحروف إلا و (ما) له لازمة ، وإن شئت لم تدخل النون فهو أجود فهذه النون تفتح ما قبلها مرفوعا كان أو مجزوما.

فإذا أدخلت النون الشديدة على (يفعلان) حذفت النون التي هي علامة الرفع لإجتماع النونات ولأن حقه البناء فينبغي أن تطرح الذي هو علامة الرفع وكذلك النون في (يفعلون) تقول : ليفعلن ذاك وقد حذفت النون فيما هو أشد من هذا لإجتماع النونات قرأ بعض القراء : (أتحاجونّي) و (فبم تبشرونّ) وسقطت الواو لالتقاء الساكنين فصار ليفعلنّ ، فإن أدخلتها على (تضربين) حذفت أيضا النون لإجتماع النونات لأنها تكون علما للرفع وحذفت الياء لالتقاء الساكنين فقلت : هل تضربين وتقول : اضربن زيدا وأكرمن عمرا وكان الأصل اضربي

ص: 59


1- على أن نون التوكيد تدخل بعد لم تشبيها لها بلا النهي عند سيبويه. وأنشد هذا الشعر. وتقدم نقل كلامه قبل أربعة أبيات ، وأنه عند ضرورة ، وأصله ما لم يعلمن ، فقلبت النون ألفا للوقف. قال ابن الأنباري في مسائل الخلاف : يدل على أن النون الخفيفة ليست مخففة من الثقيلة أنها تتغير في الوقف ، ويقف عليها بالألف ، قال تعالى : "لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ" ، وقال تعالى : "لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ" أجمع القراء على أن الوقف فيهما بألف لا غير. انظر خزانة الأدب 4 / 218.

وأكرمي وتقول لجماعة المذكرين : اضربنّ زيدا كان الأصل : اضربوا وأكرموا فسقطت الواو لالتقاء الساكنين وتقول في التثنية : اضربان يا رجلان بكسر النون تشبيها بالنون التي تقع بعد الألف وهي فيما سوى هذا مفتوحة ومتى دخلت النون بعد حرف إضمار تحرك إذا لقيته لام المعرفة حرك لها تقول : ارضونّ زيدا واخشونّ عمرا وارضينّ يا امرأة لأنك تقول : اخشو فتضم وتقول : ارضي الرجل فتكسر فلذلك ضممت وكسرت مع النون ، فإن أدخلت النون على : تضربن الذي هو لجماعة المؤنث قلت : هل تضربنان يا نسوة واضربنان لم تسقط هذه النون لأنها اسم للجماعة وفصلت بين النونات بالألف لئلا تجتمع النونات.

واعلم أن ما يحذف من اللامات في الجزم والأمر إذا أدخلت النون لم يحذفن تقول : ارمين زيدا وكان اللفظ : ارم زيدا ؛ لأن الياء والواو تحذفان في المواضع التي أصلها الإعراب فإذا أدخلت النون عادت لأنها تبنى مع ما قبلها ولا سبيل للجزم.

ص: 60

ذكر النون الخفيفة

كل شيء تدخله النون الثقيلة تدخله الخفيفة إلا أن النون الخفيفة في الفعل نظير التونين في الاسم فلا يجوز الوقف عليها كما لا يجوز الوقف على التنوين تقول اضربن زيدا إذا وصلت فإذا وقفت قلت اضربا كما تقول : ضربت زيدا في الوقف وقد فرقوا بين التنوين والنون الخفيفة بشيء آخر بأن الخفيفة لا تحرك لالتقاء الساكنين والتنوين يحرك لالتقاء الساكنين فمتى لقي النون الخفيفة ساكن سقطت لأنهم فضلوا ما يدخل الاسم على ما يدخل الفعل وتقول : إذا أمرت امرأة : اضربن يا هذه فإذا وقفت قلت : اضربي ولم يجز أن تقول : اضربن في الوقف لأنها بمنزلة التنوين وأنت تحذف التنوين إذا انكسر ما قبله فحذفت التنوين هاهنا فلما حذفتها عادت الياء ؛ لأن سقوطها كان لالتقاء الساكنين وتقول للجماعة : اضربن يا قوم فإذا وقفت قلت : اضربوا : أعدت الواو لأنها إنما سقطت لالتقاء الساكنين ولم يجز أن تقول : اضربن في الوقف كما لم يجز أن تقول : زيد في الوقف فقد يقفون وهم ينوون النون كما ينوون التنون في الرفع والجزم في الوقف.

وتقول في الوقف : اخشى وللرجال اخشوا وحكى سيبويه : أن يونس يقول : اخشي واخشنووا ، وقال الخليل : لا أرى ذلك إلا على قول من قال : هذا عمرو ومررت بعمري قول العرب على قول الخليل ، وإذا أدخلت النون بعد حرف إضمار تحرك إذا لقيته لام المعرفة حرك من النون.

وتقول : هل تضربن يا امرأة وكان الأصل : تضربين فسقطت النون التي كانت علامة للرفع كما تسقط الضمة في : هل تضربن وتثبت النون الخفيفة أو الثقيلة إن شئت وتسقط الياء لالتقاء الساكنين فيصير : هل تضربن في الوصل وكان في الأصل تضربين ، وإذا وقفت قلت : هل تضربين ، فأعدت النون التي كانت للرفع لأنك لا تقف على النون الخفيفة ولا يجوز أن تسقطها لأنك لم تأت بما تسقط من أجله وكذلك هل تضربون وهل تضربان فأما الثقيلة فلا

ص: 61

تتغير في الوقف ، وإذا كان بعد الخفيفة ألف ولام ذهبت لالتقاء الساكنين. تقول : اضربا الرجل.

وإذا أردت فعل الإثنين في الخفيفة كان بمنزلته إذا لم ترد الخفيفة في فعل الإثنين في الوصل والوقف لأنك لو أتيت بها لاحتجت إلى تحريكها لأنها بعد ألف وهي لا تحرك ، وذلك قولك : اضربا وأنت تنوي النون ، وإذا أردت الخفيفة في فعل جمع النساء قلت في الوقف والوصل : اضربن زيدا فيكون بمنزلته إذا لم ترد الخفيفة ولو أتيت بها للزمك أن تقول : اضربنان زيدا فتاتي بالألف لتفصل بين النونين وتكسر النون لالتقاء الساكنين فتحركها وهي لا تحرك.

قال سيبويه : وأما يونس وناس من النحويين فيقولون : اضربان زيدا واضربنان زيدا.

ويقولون في الوقف : اضربا واضربنا فيمدون.

فإذا وقع بعدها ألف ولام أو ألف وصل جعلوها همزة مخففة وهذا لم تفعله العرب والقياس أن يقولوا في : اضربن اضرب الرجل فيحذفون لالتقاء الساكنين.

ص: 62

مسائل من باب النون

تقول في المضاعف من الفعل : ردّن يا هذا وردّان وردّن وكان قبل النون ردّوا فسقطت الواو لالتقاء الساكنين وتقول في المؤنث ردّن وكان قبل النون : ردي فسقطت الياء لالتقاء الساكنين وتثنية المؤنث كتثنية المذكر.

تقول : ردّان يا امرأتان وتقول لجماعة النساء : ارددنان وكان قبل النون : ارددن.

فجئت بالألف لتفصل بين النونات.

وتقول : قولن وقولان وقولّنّ والمؤنث قولنّ : وقولان يا امرأتان وقلنا يا نسوة وقس على هذا جميع ما اعتلت عينه وكذلك ما عتلت لامه اقضين زيدا واقضيان واقضين تسقط الواو لسكون النون الأولى اقضين يا امرأة تسقط ياءين التي هي لام الفعل وياء التأنيث أما لام الفعل فتسقط كما تسقط في (تقضين) لالتقاء الساكنين لأنها ساكنة وياء التأنيث ساكنة ، وتسقط ياء التأنيث من أجل سكون النون الأولى ، فإن جمعت قلت : اقضينان والكوفيون يحكون إذا أمرت رجلا : اقضنّ يا هذا بكسر الضاد وإسقاط الياء كأنهم أسقطوا الياء لسكونها وسكون النون هكذا اعتلوا.

وعندي أنا : الذي فعل هذا إنما أدخل النون على (اقض) ولم يجد ياء فترك الكلام على ما كان عليه وهذا شاذ وتقول : من دعوت : ادعون زيدا أو ادعوان وادعن للجماعة سقطت الواوان في (ادعن) الواو التي هي لام الفعل سقطت لدخول واو الجمع وسقطت واو الجمع لدخول النون الأولى وهي ساكنة.

وتقول للواحدة : ادعن سقطت واوا وياء فالواو لام الفعل سقطت لدخول الياء التي هي للمؤنث حين قلت : ادعي.

وسقطت الياء للنون فصار ادعن وتقول : للإثنين : ادعوان مثل المذكرين وللجماعة ادعونان لأنك تقول : قبل النون : ادعون زيدا مثل اقضين زيدا تأتي بالألف إذا أردت النون

ص: 63

الشديدة فتفصل بين النونات لئلا تجتمع كما تقول : اقضنان زيدا وتقول : من خشيت : اخشين زيدا يا هذا واخشينان زيد يا هذان واخشون زيدا يا نسوة. تحرك الواو بالضم.

وحكم هذا الباب أنّ كل واو وياء تحركت فيه إذا لقيتها لام المعرفة تحركت هنا ، وإن كانت تسقط هناك لالتقاء الساكنين سقطت هنا فلهذا قلت : اخشون زيدا ضممت الواو كما تضمّها إذا قلت : اخشوا الرجل وتقول للمرأة : اخشين زيدا كما تقول : اخشى الرجل وتثنية المؤنث كتثنية المذكر وتقول لجماعة النساء : اخشين زيدا والكوفيون يحكون : اخشن يا رجل بإسقاط الياء من (اخشين) وهذا نظير (اقضن) وحكوا : لا يخفن عليك : يريدون لا يخفين عليك وقال الفراء : هذه لغة طيء لأنهم يسكنون الياء في النصب ولا ينصبون ، والنون لا تشبه ذلك.

وتقول : لا تضربني ولا تضربننا ومنهم من يخفض لكثرة النونات فيقول : لا تضربني ولا تضربنا والكوفيون يحكون : اضربن يا رجل ينوون الجزم قد ذكرنا جميع أصناف الأسماء المعربة والمبنية والأفعال المبنية وبقي ذكر الحروف مفردة.

ص: 64

باب الحروف التي جاءت للمعاني

اشارة

قد ذكرنا أول الكتاب ما يعرف به الحرف والفرق بينه وبين الاسم والفعل وإنما هي أدوات قليلة تدخل في الأسماء والأفعال وتحفظ لقلتها وسنذكرها بجميع أنواعها وكلها مبني وحقها البناء على السكون وما بني منها على حركة فإنما حرك لسكون ما قبله أو ؛ لأنه حرف واحد فلا يمكن أن يبتدأ به إلا متحركا وهي تنقسم أربعة أقسام : ساكن يقال له موقوف ومضموم ومكسور ومفتوح الأول.

الموقوف : ويبدأ بما كان منه على حرفين ، وذلك أم وأو وهل وتكون بمعنى : (قد) ولم نفي فعل ولن نفي سيفعل ، فإن للجزاء ووجوب الثاني لوجوب الأول وتكون لغوا في (ما إن يفعل) وتكون (كما) في معنى (ليس) قال الشاعر :

ورجّ الفتى للخير ما إن رأيته (1)

ومن ذلك (أن) المفتوحة يكون وما بعدها بمنزلة المصدر وتكون بمنزلة (أي) وتكون مخففة من الثقيلة وتكون لغوا نحو قولك : لمّا أن جاء.

وأما والله أن فعلت فأما كونها بمنزلة المصدر فقولك : أن تأتيني خير لك واللام تحذف من أن كقوله : أن تقتل أحدهما وأن كان ذا مال ويجوز أن تضيف إلى (أن) الأسماء تقول : إنه أهل أن يفعل ومخافة أن يفعل ، وإن شئت قلت : إنّه أهل أن يفعل ومخافة أن يفعل وإنّه خليق ؛ لأن يفعل وإنّه خليق أن يفعل وعسيت أن تفعل وقاربت أن تفعل ودنوت أن تفعل ولا تقول : عسيت الفعل ولا للفعل وتقول : عسى أن يفعل وعسى أن يفعلا وعسى أن يفعلوا وتكون

ص: 65


1- زاد إن بعد ما المصدرية ، وليست بنافية ، تشبيها لها بما النافية. ألا ترى أن المعنى : ورج الفتى للخير مدة رؤيتك إياه ، لا يزال يزيد خيرا على السن. لكن لما كان لفظها كلفظ ما النافية زادها بعدها ، كما تزاد بعد ما النافية ، في نحو قولك : ما إن قام زيد ، وقول الآخر : أنشده أبو زيد : يرجي المرء ما إن لا يلاقي ... البيت فزاد إن بعد ما ، وهي اسم موصول ، لشبهها باللفظ بما النافية. انظر خزانة الأدب 3 / 240.

عسى للواحد والإثنين وللجميع والمذكر والمؤنث ومن العرب من يقول : عسى وعسيا وعسوا وعسيت وعسيت وعسين فمن قال ذاك كانت (أن) فيهن منصوبة ومن العرب من يقول : عسى يفعل فشبهها بكاد يفعل فيفعل في موضع الاسم المنصوب في قوله : عسى الغوير أبؤسا.

فأما (كاد) فلا يذكرون فيها (أن) وكذلك كرب يفعل ومعناهما واحد وجعل وأخذ فالفعل هنا بمنزلة الفعل في (كان) إذا قلت : كان يقول.

وهو في موضع اسم منصوب بمنزلته ثم وقد جاء في الشعر : كاد أن يفعل ويجوز في الشعر : لعلّي أن أفعل بمنزلة عسيت أن أفعل وتقول : يوشك أن تجيء فيكون موضع (أن) رفعا ويجوز أن يكون نصبا وقد يجوز : (يوشك) تجيء بمنزلة (عسى) قال أمية بن أبي الصلت :

يوشك من فرّ من منيته

في بعض غراته يوافقها

قال سيبويه : وسألته - يعني : الخليل - عن معنى : أريد ؛ لأن تفعل فقال : المعنى إرادتي لهذا كما قال تعالى : (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) [الزمر : 12].

وأما (إن) التي بمعنى (أي) فنحو قوله : (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا) [ص : 6] ومثله : (ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ) [المائدة : 117] فأما كتبت إليه أن افعل وأمرته أن قم فتكون على وجهين : على التي تنصب الأفعال وعلى (أي) ووصلك لها بالأمر كوصلك للذي يفعل إذا خاطبت والدليل على أّنّها يجوز أن تكون الناصبة قولك : أوعز إليه بأن افعل وقولهم : أرسل إليه أن ما أنت وذا فهي على أي والتي بمعنى أن لا تجيء إلا بعد استغناء الكلام لأنها تفسير ، وأما مخففة من الثقيلة فنحو قوله : (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) يريد ، (أنه) ويجوز الإضمار بعد أن هذه وقولك و (كأنّ) هي أنّ دخلت عليها الكاف كما دخلت على ما خففت منه.

وقال سيبويه : لو أنّهم جعلوا أن المخففة بمنزلة إنّما كان قويا وفي هذا الباب شيء مشكل أنا أبينه.

ص: 66

اعلم أن الأفعال على ضروب ثلاثة : فضرب منها يقين وهو علمت وضرب هو لتوقع الشيء نحو : رجوت وخفت وضرب هو بينهما يحمل على ذا وعلى ذا نحو : ظننت وحسبت.

واعلم أن (أنّ) إنما هي لما تتيقنه ويستقر عندك وأن الخفيفة إنما هي لما لم يقع نحو قولك : أريد أن تذهب فإذا كانت أن الخفيفة بعد (علمت) فهي مخففة من الثقيلة ، وإذا خففت أتى بلا والسين وسوف عوضا مما حذف.

وجعلوا حذفها دليلا على الإضمار وقد ذكروا فيما تقدم و (أن) التي تنصب بها الأفعال تقع بعد رجوت وخفت. تقول : خفت أن لا تفعل.

فأما بعد حسبت وظننت فإنها تكون على ضربين : إن كان حسبانك قد استقر كانت مخففة من الثقيلة ، وإن حملته على الشك كانت خفيفة كقوله : (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ)(1) [المائدة : 71]. تقرأ بالرفع والنصب.

فمن رفع فكأنه أراد وحسبوا أن لا تكون لما استقر تقديرهم فصار عندهم بمنزلة اليقين وهذا مذهب مشايخنا.

وقد حكي عن المازني نحو منه ثم يتسعون فيحملون (رجوت) على علمت إذا استقر عندهم الرجاء وهذا أبعدها.

ص: 67


1- واختلفوا في رفع النون ونصبها من قوله جل وعز : (وَحَسِبُوا) أن لا (تَكُونَ فِتْنَةٌ.) فقرأ ابن كثير ، ونافع ، وعاصم ، وابن عامر : أن لا تكون فتنة نصبا. وقرأ أبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي : أن لا تكون فتنة رفعا. ولم يختلفوا في رفع (فتنة). قيل : إن المراد بقوله : (وَحَسِبُوا) أن لا (تَكُونَ فِتْنَةٌ :) حسبوا أن لا تكون فتنة بقولهم : (نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ.) قال أبو علي : الأفعال على ثلاثة أضرب : فعل يدل على ثبات الشيء واستقراره ، وذلك نحو : العلم والتيقن والتبين والتثبت. وفعل يدل على خلاف الاستقرار والثبات [الحجة للقراء السبعة 3 / 247].

وحكي عن أبي العباس ولست أحفظه من قوله : إنه إن سئل عن أن الخفيفة المفتوحة ومواضعها فقال : أن الخفيفة المفتوحة أصلها أنّ المفتوحة الثقيلة في جميع أحوالها وأنها مفتوحة كما انفتحت أنّ المعمول فيها كأنما خففت أنّ فصارت أن مخففة فلها في الكلام موضعان :

أحدهما : تقع فيه على الأسماء والأخبار.

والآخر : تقع فيه على الأفعال المضارعة للأسماء.

فأما كون وقوعها على الأسماء والأخبار : فإن ذلك لها إذا دخلت محل (أنّ) الثقيلة أعني في التأكيد للابتداء والخبر فإذا كانت بهذه المنزلة لم يقع عليها إلا فعل واجب وكانت مؤكدة لما تدخل عليه ، وأما كون وقوعها على الأفعال المضارعة فلأنّ العامل فيها غير واجب ولا واقع وإنما يترجى كونه ووقوعه فإذا وجدت العامل فيها واجبا على (أن) ففتحتها وأوقعتها على المضمر وجعلته اسما لها.

وأما قولهم : أما أن جزاك الله خيرا أو أما أن يغفر الله لك.

قال سيبويه : إنما جاز ؛ لأنه دعاء وقال : سمعناهم يحذفون إنّ المكسورة في هذا الموضع ولا يجوز حذفها في غيره.

يقولون : أما إن جزاك الله خيرا وهذا على إضمار الهاء في المحذوفة وقال : يجوز ما علمت إلا أن تأتيه إذا أردت معنى الإشارة لا أنك علمت ذلك وتيقنته.

والمبتدأ وخبره بعد (أن) يحسن بلا تعويض تقول : قد علمت أن عمرو ذاهب وأنت تريد (أنه) ويجوز : كتبت إليه أن لا تقل ذاك وأن ترفع (تقول) وأن تنصب.

فالجزم على النهي والنصب على (لئلا) والرفع على (لأنك لا تقول) أو بأنّك لا تقول وقد تكون أن بمنزلة لام القسم في قول الله : (أن لو فعل) وتوكيدا في قوله : لما أن فعل.

ومن الحروف (ما) وهي تكون نفي هو يفعل إذا كان في الحال وتكون كليس في لغة أهل الحجاز.

ص: 68

وتكون توكيدا لغوا تغير الحرف عن عمله نحو : إنما وكأنما ولعلما جعلتهنّ بمنزلة حروف الابتداء ومن ذلك حيثما صارت بمجيء (ما) بمنزلة إن التي للجزاء وما في (لمّا) مغيرة عن حال لم كما غيرت (لو ما) ألا ترى أنك تقول : (لمّا) ولا تتبعها شيئا ومنها (لا) وهي نفي لقوله يفعل ولم يقع الفعل وتكون (كما) في التوكيد واللغو في قوله (لئلا يعلم أهل الكتاب) وهو ؛ لأن يعلم ولا تكون توكيدا إلا في الموضع الذي لا يلتبس فيه الإيجاب بالنفي من أجل المعنى.

وقد تغير الشيء عن حاله كما تفعل (ما) ، وذلك قولك : (لو لا) غيرت معنى لو وستبين إذا ذكرنا معنى (لو) وكذلك هلا صيرت (لا) هل في معنى آخر وتكون ضدا لنعم وبلى ومنها (لو) وهو كان التي للجزاء ؛ لأن إن توقع الثاني من أجل وقوع الأول ولم تمنع الثاني من أجل إمتناع الأول تقول : إن جئتني أكرمتك فالإكرام إنما يكون متى إذا كان منك مجيء وتقول : لو جئتني لأكرمتك والمعنى : أنه امتنع إكرامي من أجل امتناع مجيئك.

وقال سيبويه : (لو) لما كان سيقع لوقوع غيره وهو يرجع إلى هذا المعنى ؛ لأنه لم يقع الأول لم يقع الثاني فتقدير إن قبل (لو) تقول : إن أتيتني أتيتك. يريد : فيما يستقبل فإذا لم تفعل وطالبتك بالإتيان قلت : لو أتيتني أتيتك.

ومنها (لو لا) وهي مركبة من معنى إن ولو وتبتدأ بعدها الأسماء ، وذلك أنها تمنع الثاني لوجود الأول تقول : لو لا زيد لهلكنا تريد : لو لا زيد في هذا المكان لهلكنا وإنما امتنع الهلاك لوجود زيد في المكان وقال عز وجل : (لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ) [سبأ : 31] وقد يستعملونها بمعنى هلا يولونها الفعل.

ومنها (كي) وهي جواب لقوله : كيمه كما تقول : لمه.

ومنها (بل) وهي لترك شيء من الكلام وأخذ في غيره.

ومنها (قد) وهي جواب لقوله : لمّا يفعل.

وزعم الخليل : أنّ هذا لقوم ينتظرون الخبر. وقد تكون (قد) بمنزلة ربّما.

ص: 69

ومنها (يا) وهي تنبيه وقد ذكرناها في باب النداء ومنها (من) وهي لابتداء الغاية وتكون للتبعيض وتدخل توكيدا بمنزلة (ما) إلا أنها تجرّ ، وذلك قوله : ما أتاني من رجل وويحه من رجل أكدتهما بمن. وقد ذكرناها فيما تقدم.

ومنها (مذ) وهي في قول من جرّ بها حرف فهي لابتداء غاية الأيام والأحيان وحقّ (مذ) أن لا تدخل على ما تدخل عليه (من) وكذلك (من) لا تدخل على ما تدخل عليه (مذ).

ومنها (عن) وهي لما عدا الشيء وقد استعملت اسما. وقد ذكرتها في الظروف.

وذكرها سيبويه في الحروف وفي الأسماء ، فقال : (عن) اسم إذا قلت : من عن يمين كذا.

وأما (مع) فهي اسم ويدلك على أنها اسم أنها متحركة ولو كانت حرفا لما جاز أن تحرك العين ؛ لأن الحروف لا تحرك إذا كان قبلها متحرك.

ص: 70

باب (أم) و (أو) والفصل بينهما

اعلم أنّ (أم) لا تكون إلا استفهاما وهي على وجهين : على معنى أيهما وأيهم وعلى أن تكون منقطعة من الأول.

فإذا كان الكلام بهما بمنزلة أيهما وأيّهم فهو نحو قولك : أزيد عندك أم عمرو وأزيدا لقيت أم بشرا. تقديم الاسم أحسن. لأنك عنه تسأل ويجوز تقديم الفعل.

وإذا قلت : أضربت زيدا أم قتلته كان البدء بالفعل أحسن لأنك عنه تسأل وتقول : ما أبالي أزيدا لقيت أم عمرا وسواء عليّ أزيدا كلمت أم عمرا وما أدري أزيد ثمّ عمرو أدخلت حرف الاستفهام للتسوية وعلى ذا ما أدري أقام أم قعد على التسوية.

وأما المنقطعة فنحو قولك : أعمرو عندك أم عندك زيد وأنّها لإبل أم شاء ويجوز حذف ألف الاستفهام في الضرورة.

فأما (أو) فقد ذكرناها مع حروف العطف كما ذكرنا أم.

وقد تختلط مسائلهما لاشتراك بينهما بعض المعاني.

واعلم أنّ (أو) إنما تثبت أحد الشيئين أو الأشياء وأنّ أم مرتبتها أن تأتي بعد أو.

ويقول القائل : لقي زيد عمرا أو خالدا.

فيثبت عندك أنه قد لقي أحدهما إلا أنك لا تدري أيّهما هو فتقول : حسب أعمرا لقي زيد أم خالدا.

وكذلك إذا قال لك القائل : قد وهب لك أبوك غلاما أو جارية.

فقد ثبت عندك أن أحدهما قد وهب لك إلا أنك لا تدري أغلام أم جارية فإذا سألت أباك عن ذلك قلت : أغلاما وهبت لي أم جارية وتقول : أيّهم تضرب أو تقتل ومن يأتيك أو يحدثك ؛ لأن (أم) قد استقر على أي ومن وكأنّك قلت : زيدا أم عمرا تضرب أو تقتل ثم أتيت بأي موضع زيد وعمرو ، فقلت : أيهما تضرب أو تقتل؟

ص: 71

وعلى هذا يجري (ما ومتى وكيف وأين) ؛ لأن جميع هذه الأسماء إذا كانت استفهاما فقد قامت مقام الألف وأم جميعا.

واعلم أن جواب أو نعم أو لا وجواب (أم) الشيء بعينه إن سأل سائل عن اسم أجبت بالاسم ، وإن سأل عن الفعل أجبت بالفعل إذا قال : أزيد في الدار أو عمرو فالجواب نعم أو لا ؛ لأن المعنى : أأحدهما في الدار وجواب أأحدهما في الدار : نعم أو لا وكذلك إذا قال : أتقعد أو تقوم فالجواب : نعم أو لا ، فإن قال أزيد أم عمرو في الدار فالجواب : أن تقول : زيد إذا كان هو الذي في الدار.

وكذلك إذا قال : أتقوم أم تقعد قلت : أقعد (فأو) تثبت أحد الشيئين أو الأشياء مبهما وأم تقتضي وتطلب إيضاح ذلك المبهم و (أو) تقوم مقام (أم) مع هل ، وذلك لأنك لم تذكر الالف وأو لا تعادل الألف ، وذلك قولهم : هل عندك شعير أو بر أو تمر وهل تأتينا أو تحدثنا لا يجوز أن تدخل (أم) في (هل) إلا على كلامين وكذلك سائر حروف الاستفهام وتقول : ما أدري هل تأتينا أو تحدثنا يكون في التسوية كما هو في الاستفهام ، وإذا قلت : أزيد أفضل أم عمرو لا يجوز إلا (بأم) لأنك تسأل عن أيهما أفضل ولو قلت : (أو) لم يصلح ؛ لأن المعنى يصير أحدهما أفضل فليس هذا بكلام ولكنك لو قلت : أزيد أو عمرو أفضل أم خالد جاز ؛ لأن المعنى أحد ذين أفضل أم خالد وجواب هذه المسألة أن تقول خالد إن كان هو الأفضل أو أحدهما إن كان هو الأفضل ويوضح هذه المسألة أن يقول القائل : الحسن أو الحسين أشرف أم ابن الحنفية فالجواب في هذه المسألة أن تقول : أحدهما بهذا اللفظ ولا يجوز أن تقول : الحسن دون الحسين أو الحسين دون الحسن ؛ لأنه إنما سألك أأحدهما أشرف أم ابن الحنفية وكذاك الدرّ أو الياقوت أفضل أم الزجاج فالجواب أحدهما ، فإن كان قال : الزّجاج أو الخزف أفضل أم الياقوت قلت :الياقوت.

وتقول : ما أدري أقام أو أقعد إذا لم يطل القيام ولم يبن من سرعته وكان بمنزلة ما لم يكن كما تقول : تكلمت ولم أتكلم فيجوز أن يكون ثمّ كلام ولكنه لقلّته جعله بمنزلة من لم يتكلم ويجوز أن يكون لم يبلغ به المراد فصار بمنزلة من لم يتكلم وهذا في الحكم بمنزلة قولك : صليت

ص: 72

ولم تصلّ فإذا قال : ما أدري أقام أو قعد وهو يريد ذا المعنى فهو قد علم منه قيامه ولكنه لم يعتد به وليس (لأم) هنا معنى ؛ لأنه إذا قال : ما أدري أقام أم قعد فقد استوى جهله في القيام والقعود وهاهنا قيام قد علم إلا أنه جعل بمنزلة ما يشك فيه لما خبرتك فعلى هذا تقول : ما أدري أقام أو قعد إذا كان لم يبن قيامه حتى قعد فهذا الباب كله إنما جعل بأو.

وكذلك أأذن أو أقام إذا كان ساعة إذن أقام وما أدري أبكى أو سكت ؛ لأنه لم يعد بكاؤه بكاء ولا سكوته سكوتا ، فإن كان لا يدري أأذن أم أقام قال : ما أدري أأذن أم أقام كما تقول :ما أدري أزيد في الدار أو عمرو إذا كنت تستيقن أن أحدهما في الدار ولا تدري أيهما هو.

ص: 73

باب ما جاء من ذلك على ثلاثة أحرف

فمن ذلك (على) ذكر محمد بن يزيد : أنها تكون حرفا واسما وفعلا ، وإن جميع ذلك مأخوذ من الإستعلاء وقد ذكرتها فيما تقدم.

وقال سيبويه : (على) معناها استعلاء الشيء ويكون أن تطوى مستعليا كقولك : أمررت يدي عليه ومررت على فلان كالمثل.

وكذلك علينا أمير وعليه دين ؛ لأنه شيء اعتلاه. ويكون مررت عليه : مررت على مكانه.

ويجيء كالمثل وهو اسم لا يكون إلا ظرفا قال : ويدل على أنه اسم قول بعضهم : غدت من عليه ومن ذلك (إلى) وهي منتهى لابتداء الغاية ومنها (سوف) وهي تنفيس فيما لم يكن بعد.

ألا تراه يقول : سوفته وهذا لفظ سيبويه ومنها (إنّ) وهي توكيد لقوله زيد منطلق ، وإذا خففت فهي كذلك غير أنّ لام التوكيد تلزمها إذا خفضت عوضا لما ذهب منها لئلا تلتبس بأن التي للنفي ومنها (ليت) وهي تمنّ ومنها بلى وهي توجب بها بعد النفي ومنها نعم وهي عدة وتصديق قال سيبويه : وليس بلى ونعم اسمين ، وإذا استفهمت فأجبت بنعم.

قال أبو بكر : والدليل على أنّ (نعم) حرف : أنها نقيضة (لا) ومنها (إذن) وهي جواب وجزاء. ومنها إلا وهي تنبيه.

باب ما جاء منها على أربعة حروف

من ذلك حتى : هي كإلى وقد بيّن أمرها في بابها ولها نحو ليس (لإلى) يقول : الرجل إنما أنا إليك أي أنت غايتي ولا تكون (حتى) هاهنا وهي أعم في الكلام من حتى.

تقول : قمت إليه فتجعله منتهى له من مكانك ولا تقول : حتاه ومنها (لكن) خفيفة وثقيلة توجب بها بعد النفي وقد ذكرناها فيما تقدم لعلّ.

قال سيبويه : لعلّ وعسى طمع وإشفاق.

ص: 74

باب ما جاء منها على حرف واحد

كل هذه التي جاءت على حرف واحد متحركات إلا لام المعرفة فإنها ساكنة فإذا أرادوا أن يبدأوا أيضا أتوا بألف الوصل قبلها ، وأما لام الأمر فهي مكسورة ويجوز أن تسكن ولا تسكن إلا أن يكون قبلها شيء نحو قولك : فليقم زيد فالحرف على ثلاثة أضرب : مبني على السكون وعلى الفتح وعلى الكسر فأما المبني على الفتح فواو العطف وليس فيه دليل أن أحد المعطوفين قبل الآخر والفاء كالواو غير أنها تجعل ذلك بعضه في أثر بعض.

وكاف الجر للتشبيه ولام الإضافة مع المضمر وفي الاستغاثة وواو القسم وتاء القسم بمنزلتها والسين في (سيفعل) وزعم الخليل أنها جواب لن.

وألف الاستفهام ولام اليمين في لأفعلنّ ولام الابتداء في قولك : لزيد منطلق.

وأما المبني على الكسر فباء الجر وهي للإلزاق والاختلاط ولام الإضافة مع الظاهر ومعناها الملك واستحقاق الشيء.

فجميع هذه جاءت قبل الحرف الذي جيء بها لها فأما ما جاء بعد فالكاف التي تكون للخطاب فقط في قولك : ذاك والتاء في أنت.

باب الحرف المبني مع حرف

من الحروف ما يبنى مع غيره ويصير كالحرف الواحد ويغير المعنى.

فمن ذلك : لو لا غيرت (لا) معنى لو.

وكذلك لما غيرت (ما) معنى لم و (مهما) زعموا : أنها (ما) ضمت إليها (ما) وأبدلوا الألف الأولى هاء ولما فعلوا ذلك صار فيها معنى المبالغة والتأكيد فكأنّ القائل إذا قال : مهما تفعل أفعل فقد قال لا أصغر عن كبير من فعلك ولا أكبر عن صغير أو ما أشبه هذا المعنى.

ومن ذلك (إنّما) إذا رفعت ما بعدها يصير فيها معنى التقليل : تقول (إنّما أنا بشر) إذا أردت التواضع وقال أصحابنا : إنّ اللام في (لعل) زائدة لأنهم يقولون علّ والذي عندي أنهما لغتان وأن الذي يقول لعلّ لا يقول علّ إلا مستعيرا لغة غيره لأني لم أر زائدا لغير معنى.

ص: 75

فإن قيل : إنها زيدت توكيدا فهو قول.

ومن ذلك كأنّ بنيت الكاف للتشبيه مع إنّ وجعلت صدرا ولو لا بناؤها معها لم يجز أن تبتدىء بها إلا وأنت تريد التأخير ومنها : هلّا بنيت (لا) مع (هل) فصار فيها معنى التحضيض وما لم أذكره فهذا مجراه فيما بنى له حرف مع حرف.

قال أبو بكر : قد أتينا على ذكر الاسم والفعل والحرف وإعرابها وبنائها ونحن نتبع ذلك ما يعرض في الكلام من التقديم والتأخير والإضمار والإظهار إن شاء الله.

ص: 76

باب التقديم والتأخير

اشارة

الأشياء التي لا يجوز تقديمها ثلاثة عشر سنذكرها ، وأما ما يجوز تقديمه فكل ما عمل فيه فعل متصرف أو كان خبرا لمبتدأ سوى ما استثنيناه فالثلاثة عشر التي لا يجوز تقديمها : الصلة على الموصول ، والمضمر على الظاهر في اللفظ والمعنى ؛ إلا ما جاء على شريطة التفسير ، والصفة وما اتصل بها على الموصوف ، وجميع توابع الاسم حكمها كحكم الصفة ، والمضاف إليه وما اتصل به على المضاف ، وما عمل فيه حرف أو اتصل به حرف زائد لا يقدم على الحرف ، وما شبه من هذه الحروف بالفعل فنصب ورفع فلا يقدم مرفوعه على منصوبه ، والفاعل لا يقدم على الفعل ، والأفعال التي لا تتصرف لا يقدم عليها ما بعدها ، والصفات المشبهة بأسماء الفاعلين ، والصفات التي لا تشبه أسماء الفاعلين لا يقدم عليها ما عملت فيه ، والحروف التي لها صدور الكلام لا يقدم ما بعدها على ما قبلها ، وما عمل فيه معنى الفعل فلا يقدم المنصوب عليه ولا يقدم التمييز وما عمل فيه معنى الفعل ، وما بعد إلا وحروف الاستثناء لا تعمل فيما قبلها ، ولا يقدم مرفوعه على منصوبه ولا يفرق بين الفعل العامل والمعمول فيه بشيء لم يعمل فيه الفعل.

شرح الأول من ذلك : وهو الصلة

لا يجوز أن تقدم على الموصول لأنها كبعضه ، وذلك نحو صلة (الذي) وأن فالذي توصل بأربعة أشياء بالفعل والفاعل والمبتدأ والخبر وجوابه والظرف ولا بدّ من أن تكون في صلتها ما يرجع إليها والألف واللام إذا كانت بمنزلة (الذي) فصلتها كصلة (الذي) إلا أنك تنقل الفعل إلى اسم الفاعل في (الذي) فتقول في (الذي قام) : القائم وتقول في (الذي ضرب زيدا) : الضارب زيدا فتصير الألف واللام اسما يحتاج إلى صلة وأن تكون في صلته ما يرجع إلى الألف واللام فلو قلت : (الذي ضرب زيدا عمرو) فأردت أن تقدم زيدا على (الذي) لم يجز ولا يصلح أن تقدم شيئا في الصلة ظرفا كان أو غيره على (الذي) البتة فأما قوله : (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) [يوسف : 20] فلا يجوز أن تجعل (فيه) في الصلة.

ص: 77

وقد كان بعض مشايخ البصريين يقول : إنّ الألف واللام هاهنا ليستا في معنى (الذي) وأنّهما دخلتا كما تدخل على الأسماء للتعريف وأجاز أن يقدم عليها إذا كانت بهذا المعنى ومتى كانت بهذا المعنى لم يجز أن يعمل ما دخلت عليه في شيء فيحتاج فيه إلى عامل فيها.

قال أبو بكر : وأنا أظن أنه مذهب أبي العباس يعني أنّ الألف واللام للتعريف والذي عندي فيه أنّ التأويل : (وكانوا فيه زاهدين من الزاهدين) فحذف (زاهدين) وبينه بقوله : (مِنَ الزَّاهِدِينَ)(1) وهو قول الكسائي ولكنه لم يفسر هذا التفسير وكان هو والفراء لا يجيزانه إلا في صفتين في (من وفي) فيقولان : (أنت فينا من الراغبين وما أنت فينا من الزاهدين) ، وأما (أن) فنحو قولك : (أن تقيم الصلاة خير لك) لا يجوز أن تقول : (الصلاة أن تقيم خير لك) ولا تقدم (تقيم) على (أن) وكذلك لو قلت : (أن تقيم الصلاة الساعة خير لك) لم يجز تقديم (الساعة) على (أن) وكذلك إذا قلت : (أأن تلد ناقتكم ذكرا أحبّ إليكم أم أنثى) لم يجز أن تقول : أذكرا أأن تلد ناقتكم أحبّ إليكم أم أنثى ؛ لأن (ذكرا) العامل فيه (تلد) وتلد في صلة (أن) وكذلك المصادر التي في معنى (أن نفعل) لا يجوز أن يتقدم ما في صلتها عليها لو قلت : أولادة ناقتكم ذكرا أحبّ إليكم أم ولادتها أنثى ما جاز أن تقدم (ذكرا) على (ولادة) وكل ما كان في صلة شيء من اسم أو فعل مما لا يتمّ إلا به فلا يجوز أن نفصل بينه وبين صلته بشيء غريب منه لو قلت : (زيد نفسه راغب فيكم) لم يجز أن تؤخر (نفسه) فتجعله بين (راغب) و (فيكم) فتقول : زيد راغب نفسه فيكم ، فإن جعلت (نفسه) تأكيدا لما في (راغب) جاز.

شرح الثاني : توابع الأسماء

وهي الصفة والبدل والعطف لا يجوز أن تقدم الصفة على الموصوف ولا أن تعمل الصفة فيما قبل الموصوف ولا تقدم شيئا بصيغة المجهول مما يتصل بالصفة على الموصوف وكذلك البدل إذا قلت : مررت برجل ضارب (زيدا) لم يجز أن تقدم (زيدا) على (رجل)

ص: 78


1- قال أبو إسحاق : ليست (فيه) داخلة في الصلة ، ولكنها تبيين. أي : زهادتهم فيه. وحكى سيبويه ، والكسائي : زهدت فيه وزهدت. بكسر الهاء وفتحها. [إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس : 2 / 197].

وكذلك إذا قلت : (هذا رجل يضرب زيدا) لم يجز أن تقول (هذا زيدا رجل يضرب) ؛ لأن الصفة مع الاسم بمنزلة الشيء الواحد وكذلك كل ما اتصل بها فإذا قلت : (عبد الله رجل يأكل طعامك) لم يجز أن تقدم (طعامك) قبل (عبد الله) ولا قبل (رجل).

والكوفيون يجيزون إلغاء (رجل) فيجعلونه بمنزلة ما ليس في الكلام فيقولون : (طعامك عبد الله رجل يأكل) لا يعتدون برجل وتقديره عندهم (طعامك عبد الله يأكل) وإلغاء هذا غير معروف وللإلغاء حقوق سنذكرها إن شاء الله ولكن هذه المسألة تجوز على غير ما قدروا وهو أن تجعل (رجلا) بدلا من (عبد الله) ترفعه بالابتداء وتجعل (يأكل) خبرا فحينئذ يصلح تقديم (طعامك) ، وأما البدل فلا يتقدم على البدل منه وكذلك ما اتصل به لا يتقدم على الاسم المبدل منه.

وأما العطف فهو كذلك لا يجوز أن يتقدم ما بعد حرف العطف عليه وكذلك ما اتصل به والذين أجازوا من ذلك شيئا أجازوه في الشعر ولو جعلنا ما جاء في ضرورات الشعر أصولا لزال الكلام عن جهته فقدموا حرف النسق مع المنسوق به على ما نسق به عليه وقالوا : إذا لم يكن شيء يرفع لم يجز تقديم الواو والبيت الذي أنشدوه :

عليك ورحمة الله السّلام (1) ...

ص: 79


1- ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السّلام لما تقدم في البيت قبله ، بدليل العطف عليه. فإن قوله" ورحمة الله" عطف على الضمير المستكن في" عليك" الراجع إلى" السّلام" ، لأنه في التقدير : السّلام حصل عليك ، فحذف حصل ونقل ضميره إلى عليك واستتر فيه. ولو كان الفعل محذوفا مع الضمير لزم العطف بدون المعطوف عليه. وبهذا البيت سقط قول ابن خروف بأن الظرف إنما يتحمل الضمير إذا تأخر عن المبتدأ. قال ابن هشام في المغني : " قول ابن خروف مخالف لإطلاقهم ولقول ابن جني في هذا البيت : إن الأولى حمله على العطف على ضمير الظرف لا على تقديم المعطوف على المعطوف عليه. قد اعترض بأنه تخلص من ضرورة بأخرى ، وهو العطف مع عدم الفصل ، ولم يعترض بعدم الضمير. وجوابه : أن عدم الفصل أسهل لوروده في النثر ، كمررت برجل سواء والعدم ، حتى قيل : إنه قياس". وإنما نسب الأولوية إلى ابن جني لأنه ذهب - تبعا لغيره - في حرف الواو من المغني إلى أنه من باب تقدم المعطوف على المعطوف عليه ، وأنه من خصائص الواو. وما زعمه الدماميني في" الاختصاص" : بأن السعد قال في" شرح المفتاح" إن تقديم المعطوف جائز بشرط الضرورة ، وعدم التقديم على العامل ، وكون العاطف أحد حروف خمسة : الواو ، والفاء ، وثم ، وأو ، ولا ، وصرح به المحققون. قال ابن السيد في" شرح أبيات الجمل" : مذهب الأخفش أنه أراد : عليك السّلام ورحمة الله ، فقدم المعطوف ضرورة ؛ لأن السّلام عنده فاعل عليك. ولا يلزم هذا سيبويه لأن السّلام عنده مبتدأ ، وعليك خبره ، ورحمة الله معطوف على الضمير المستر. انظر خزانة الأدب 1 / 139.

فإنما جاز عندهم ؛ لأن الرافع في مذهبهم (عليك) وقد تقدم ولا يجيزون للشاعر إذا اضطر أن يقول : (إنّ وزيدا عمرا قائمان) ؛ لأن (إنّ) أداة وكل شيء لم يكن يرفع لم يجز أن تليه الواو عندهم على كل حال فهذا شاذ لا يقاس عليه وليس شيء منصوب مما بعد حرف النسق يجوز تقديمه إلا شيء أجازه الكوفيون فقط ، وذلك قولهم : زيدا قمت فضربت وزيدا أقبل عبد الله فشتم. وقالوا : الإقبال والقيام هنا لغو.

شرح الثالث : وهو المضاف إليه

لا يجوز أن تقدم على المضاف ولا ما اتصل به ولا يجوز أن تقدم عليه نفسه ما اتصل به فتفصل به بين المضاف والمضاف إليه إذا قلت : (هذا يوم تضرب زيدا) لم يجز أن تقول : (هذا زيدا يوم تضرب) ولا هذا يوم زيدا (تضرب) وكذلك : هذا يوم ضربك زيدا لا يجوز أن تقدم (زيدا) على (يوم) ولا على (ضربك) ، وأما قول الشاعر :

لله درّ اليوم من لامها ...

وقوله :

كما خطّ الكتاب بكفّ يوما

يهودي يقارب أو يزيل (1)

ص: 80


1- البصريون احتجوا بأن قالوا إنّما قلنا لا يجوز ذلك لأنّ المضاف والمضاف إليه بمنزلة شيء واحد ، فلا يجوز أن يفصل بينهما. وإنّما جاز الفصل بالظرف وحرف الجرّ كما قال ابن قميئة : لله درّ اليوم من لامها وقال أبو حيّة النميريّ : " الوافر" كما خطّ الكتاب بكفّ يوما يهوديّ يقارب أو يزيل وقال ذو الرمّة : كأن أصوات من إيغالهنّ بنا لآنّ الظرف وحرف الجر يتّسع فيهما ما لا يتسع في غيرهما. انظر خزانة الأدب 3 / 92.

فزعموا : أن هذا لما اضطر فصل بالظرف ؛ لأن الظروف تقع مواقع لا تكون فيها غيرها وأجازوا : (أنا طعامك غير آكل) وكان شيخنا يقول : حملته على (لا) إذ كانت (لا) تقع موقع (غير).

قال أبو بكر : والحق في ذا عندي أن يكون طعامك منصوبا بغير (آكل) هذا ولكن تقدر ناصبا يفسره (هذا) كأنك قلت : أنا لا آكل طعامك واستغنيت (بغير آكل) ومثل هذا في العربية كثير مما يضمر إذا أتى بما يدل عليه.

شرح الرابع : الفاعل

لا يجوز أن يقدم على الفعل إذا قلت : (قام زيد) لا يجوز أن تقدم الفاعل فتقول : زيد قام فترفع (زيدا) بقام ويكون (قام) فارغا ولو جاز هذا لجاز أن تقول : (الزيدان قام والزيدون قام) تريد : (قام الزيدان وقام الزيدون).

وما قام مقام الفاعل مما لم يسم فاعله فحكمه حكم الفاعل إذا قلت : (ضرب زيد) لم يجز أن تقدم (زيدا) فتقول : (زيد ضرب) وترفع زيدا (بضرب) ولو جاز ذلك لجاز : (الزيدان ضرب والزيدون ضرب) فأما تقديم المفعول على الفاعل وعلى الفعل إذا كان الفعل متصرفا فجائز وأعني بمتصرف أن يقال : منه فعل يفعل فهو فاعل كضرب يضرب وهو ضارب ، وذلك اسم الفاعل الذي يعمل عمل الفعل حكمه حكم الفعل.

الخامس : الأفعال التي لا تتصرف

لا يجوز أن يقدم عليها شيء مما عملت فيه وهي نحو : نعم وبئس وفعل التعجب (وليس) تجري عندي ذلك المجرى لأنها غير متصرفة ومه وصه وعليك وما أشبه هذا أبعد في التقديم والتأخير.

ص: 81

السادس : ما أعمل من الصفات تشبيها بأسماء الفاعلين وعمل عمل الفعل

وذلك نحو (حسن وشديد وكريم) إذا قلت : هو كريم حسب الأب ، وهو حسن وجها لم يجز أن تقول : هو وجها حسن ولا هو حسب الأب كريم وما كان من الصفات لا يشبه أسماء الفاعلين فهو أبعد له من العمل والتقديم وكل ما كان فيه معنى فعل وليس بفعل ولا اسم فاعل فلا يجوز أن يتقدم ما عمل فيه عليه.

السابع : التمييز

اعلم أن الأسماء التي تنتصب انتصاب التمييز لا يجوز أن تقدم على ما عمل فيها ، وذلك قولك : (عشرون درهما) لا يجوز : (درهما عشرون) وكذلك له عندي رطل زيتا لا يجوز : (زيتا رطل) وكذلك إذا قلت : (هو خير عبدا) لا يجوز : (هو عبدا خير) ، فإن كان العامل في التمييز فعلا فالناس على ترك إجازة تقديمه سوى المازني ومن قال بقوله ، وذلك قولك : (تفقأت سمنا) فالمازني يجيز : (سمنا تفقأت) وقياس بابه أن لا يجوز ؛ لأنه فاعل في الحقيقة وهو مخالف للمفعولات ألا ترى أنه إذا قال : (تفقأت شحما) فالشحم هو المفقىء كما أنه إذا قال : (هو خير عبدا) فالعبد هو خير ولا يجوز تعريفه فبابه أولى به ، وإن كان العامل فيه فعلا وفي الجملة أن المفسر إنّما (ينبغي أن) يكون بعد المفسر واختلف النحويون في : بطرت القرية معيشتها وسفه زيد رأيه فقال بعضهم : نصبه كنصب التفسير والمعنى : (سفه رأي زيد) ثم حول السفه إلى زيد فخرج الرأي مفسرا فكأن حكمه أن يكون : (سفه زيد رأيا) فترك على إضافته ونصب كنصب النكرة قالوا : وكما لا يجوز تقديم ما نصب على التفسير لا يجوز تقديم هذا وأجاز بعض التقديم وهو عندي القياس ؛ لأن المفسر لا يكون إلا نكرة وإنما يجري هذا والله أعلم على :جهل زيد رأيه وضيّع زيد رأيه.

وما أشبه هذا وكذلك : (بَطِرَتْ مَعِيشَتَها) [القصص : 58] كأنه : كرهت معيشتها وأحسب البطر أنه كراهية الشيء من غير أن يستحق أن يكره وكان شيخنا رحمه الله لا يجيز :(وجع عبد الله رأسه) في تقديم ولا تأخير ؛ لأن (وجع) لا يكون متعدية وهي جائزة في قول الكسائي والفراء.

ص: 82

الثامن : العوامل في الأسماء والحروف التي تدخل على الأفعال

الأول من ذلك : ما يدخل على الأسماء ويعمل فيها فمن ذلك : حروف الجر لا يجوز أن يقدم عليها ما عملت فيه ولا يجوز أن يفرق بينها وبين ما تعمل فيه ولا يجوز أن يفصل بين الجار والمجرور حشو إلا ما جاء في ضرورة الشعر لا يجوز أن تقول : (زيد في اليوم الدار) تريد : (في الدار اليوم) ولا ما أشبه ذلك وقد أجاز قوم : (لست زيدا بضارب) ؛ لأن الباء تسقط والقياس يوجب أن تضمر فعلا ينصب (زيدا) تفسره (بضارب) ومن ذلك (إنّ وأخواتها) لا يجوز أن يقدم عليهن ما عملنّ فيه ولا يجوز أن تفرق بينهن وبين ما عملنّ فيه بفعل ولا تقدم أخبارهن على أسمائهن إلا أن تكون الأخبار ظروفا ، فإن كان الخبر ظرفا قلت : إنّ في الدار زيدا ، وإن خلفك عمرا والظروف يتسع فيهن خاصة ولكن لا يجوز أن تقدم الظرف على (إنّ) ومن الحروف التي لا يقدم عليها ما يليها : (إلا) وجميع ما يستثنى به ؛ لأن ما بعد حرف الاستثناء نظير ما بعد (لا) إذا كانت عاطفة وقد فسرنا هذا فيما تقدم.

وأما الحروف التي تدخل على الأفعال فلا تتقدم فيها الأسماء وهي على ضربين : حروف عوامل وحروف غير عوامل فالحروف العوامل في الأفعال الناصبة نحو : (جئتك كي زيد يقول ذاك) لا يجوز : (ولا خفت أن زيد يقول ذاك) ومنها الحروف الجوازم وهي : لم ولمّا ولا التي تجزم في النهي واللام التي تجزم في الأمر لا يجوز أن تقول : (لم زيد يأتك) ؛ لأن الجزم نظير الجر ولا يجوز لك أن تفصل بينها وبين الفعل بحشو كما لا يجوز لك أن تفصل بين الجار والمجرور بحشو إلا في ضرورة شعر ولا يجوز ذلك في التي تعمل في الأفعال فتنصب كراهية أن تشبه بما يعمل في الأسماء ؛ لأن الاسم ليس كالفعل كذلك (ما يشبهه) ألا ترى كثرة ما يعمل في الاسم وقلة ما يعمل في الفعل وحروف الجزاء يقبح أن يقدم الاسم معها على الأفعال شبهوها بالجوازم التي لا تخلو من الجزم إلا أنّ حروف الجزاء (فقط) جاز ذلك فيها في الشعر ؛ لأن حروف الجزاء يدخلها (فعل ويفعل) ويكون فيها الاستفهام ويجوز في الكلام أن تلي (إن) الاسم إذا لم يجزم نحو قوله :

ص: 83

عاود هراة ، وإن معمورها خربا (1)

وإن جزمت فلا يجوز إلا في الشعر لأنها تشبه (بلم) وإنما جاز هذا في (إن) لأنها أم الجزاء لا تفارقه كما جاز إضمار الفعل فيها حين قالوا : (إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر) وهي على كل حال : إن لم يلها فعل في اللفظ فهو مقدر في الضمير.

وأما سائر حروف الجزاء فهذا فيها ضعيف ومما جاء في الشعر مجزوما في غير (إن) قول عدي بن زيد :

فمتى واغل ينبهم يحيّوه

وتعطف عليه كأس السّاقي

وقال الحسام :

صعدة نابتة في حائر

أينما الرّيح تميّلها تمل (2)

ص: 84


1- يجوز الفرق في الكلام في إن إذا لم تجزم في اللفظ ، نحو قوله : عاود هراة وإن معمورها خربا فإن جزمت ففي الشعر ، لأنه يشبه بلم. وإنما جاز في الفصل ، ولم يشبه ، لأن لم لا يقع بعدها فعل. وإنما جاز هذا في إن لأنها أصل الجزاء ، ولا تفارقه ، فجاز هذا ، كما جاز إضمار الفعل فيها حين قالوا : إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر. وأما سائر حروف الجزاء فهذا فيه ضعف في الكلام ، لأنها ليست كإن ، فلو جاء في إن وقد جزمت كان أقوى ، إذ جاز فيه فعل. ومما جاء في الشعر مجزوما في غير إن. انظر خزانة الأدب 3 / 291.
2- تكون الريح فاعلة بفعل محذوف يفسره المذكور ، أي : أينما تميّلها الريح تميلها. وهذا البيت من قصيدة لابن جعيل ، منها هذه الأبيات : وضجيع قد تعللت به طيّب أردانه غير تفل في مكان ليس فيه برم وفراش متعال متمهل فإذا قامت إلى جاراتها لاحت الساق بخلخال زجل وبمتنين إذا ما أدبرت كالعنانين ومرتج رهل صعدة قد سمتت في حائر. " الضجيع" : المضاجع ، مثل النديم بمعنى المنادم والجليس بمعنى المجالس ، من الضجوع وهو وضع الجنب على الأرض ؛ وهو مجرور برب المقدرة بعد الواو ؛ وجملة" قد تعللت" جواب رب وهو العامل في مجرورها ؛ وقد وقع جواب رب قبل وصفه. و" التعلل" : التلهي. و" طيب" : صفة ضجيع ، و" أردانه" : فاعله. و" التفل" : بفتح المثناة الفوقية وكسر الفاء ، وصف من تفلت المرأة تفلا فهي تفلة ، من باب : تركت الطيب والأدهان. و" البرم" بفتحتين : مصدر برم به ، بالكسر : إذا سئمه وضجر منه. و" فراش" : معطوف على مكان. و" متمهل" : اسم فاعل من اتمهل الشيء ، على وزن اقشعرّ ، أي : طال واعتدل ؛ وأصل المادة تمهل بمثناة فوقية فميم فهاء فلام. و" زجل" : بفتح الزاي المعجمة وكسر الجيم. أي : مصوت. وذلك أنهم كانوا يجعلون في الخلاخيل جلاجل. وقوله : " وبمتنين" ، هو تثنية متن ، وهو - كما قال ابن فارس - مكتنفا الصلب من العصب واللحم ؛ وهو متعلق بمحذوف ، أي : وإذا ما أدبرت أدبرت بمتنين كالعنانين وبمرتج الخ ، وهو مثنى عنان الفرس ؛ وعنانا المتن : حبلاه ؛ أراد أن خصرها مجدول لطيف ؛ وأراد بالمرتج الكفل. و" الرهل" ، بفتح فكسر : المضطرب. وقوله : " صعدة" أي : هي صعدة ؛ و" الصعدة" : القناة التي تنبت مستوية فلا تحتاج إلى تثقيف وتعديل ؛ وامرأة صعدة : مستوية القامة ، شبهها بالقناة. وأنشده الجوهري - في مادة صعد - ولم ينسبه إلى أحد. وقال العيني : نسبه الجوهري إلى الحسام بن صداء الكلبي. ولا أدري أين ذكره. و" الحائر" بالحاء المهملة ، قال أبو نصر : يقال للمكان المطمئن الوسط المرتفع الحروف : حائر - وأنشد هذا البيت - وإنما قيل له حائر ، لأن الماء يتحير فيه فيجيء ويذهب .. قال الأعلم : الحائر : القرارة من الأرض يستقر فيها السيل فيتحير ماؤه. أي :يستدير ولا يجري ، وجعلها في حائر لأن ذلك أنعم لها وأشد لتثنيها إذا اختلفت الريح 1. ه. وقال أبو بكر الزبيري في كتاب لحن العامة ويقولون تكون في الحظيرة تكون في الدراحير ويجمعونه أحيارا والصواب حائر وجمعه حوران وحيران بالبصرة حائر الحجاج معروف وقال أحمر بن يحيى ثعلب : الحائر هو الذي تسميه العامة حيرا وهو الحائط 1. ه. وروي بدل نابتة : " قد سمقت" ، أي : طالت وارتفعت. و" ابن جعيل" صاحب هذا الشعر ، بضم الجيم مصغر جعل. واسمه كعب بن جعيل بن قمير ، مصغر قمر ، ابن عجرة بن ثعلبة بن عوف بن مالك بن بكر بن حبيب بن عمرو بن تغلب بن وائل. وهو شاعر مشهور إسلامي كان في زمن معاوية. انظر خزانة الأدب 1 / 326.

وإذا قالوا في الشعر : (إن زيد يأتك يكن كذا) إنما ارتفع على فعل هذا تفسيره وهذا يبين في باب ما يضمر من الفعل ويظهر إن شاء الله.

ص: 85

الضرب الثاني منه الحروف التي لا تعمل فمنها : (قد) وهي جواب لقوله : (أفعل) كما كانت (ما فعل) جوابا لهل (فعل) إذا أخبرت أنه لم يقع ولما يفعل وقد فعل إنما هما لقوم ينتظرون شيئا فمن ثم أشبهت (قد) لما في أنها لا يفصل بينها وبين الفعل ومن هذه الحروف (سوف يفعل) لا يجوز أن تفصل بين (سوف) وبين (يفعل) لأنها بمنزلة (السين) في (سيفعل) وهي إثبات لقوله : (لن يفعل) ومما شبه بهذه الحروف (ربّما وقلما وأشباهما) جعلوا (ربّ) مع (ما) بمنزلة كلمة واحدة ليذكر بعدها الفعل ومثل ذلك (هلّا ولو لا وألا ألزموهن لا) وجعلوا كل واحدة مع (لا) بمنزلة حرف واحد وأخلصوهن للفعل حيث دخل فيهن معنى التحضيض وقد يجوز في الشعر تقديم الاسم قال الشاعر :

صددت فأطولت الصّدود وقلّما

وصال على طول الصّدود يدوم

وهذا لفظ سيبويه.

التاسع : الحروف التي تكون صدور الكلام

هذه الحروف عاملة كانت أو غير عاملة فلا يجوز أن يقدم ما بعدها على ما قبلها ، وذلك نحو ألف الاستفهام و (ما) التي للنفي ولام الابتداء لا يجوز أن تقول : (طعامك أزيد آكل) ولا (طعامك لزيد آكل) وإنّما أجزنا : إنّ زيدا طعامك لآكل ؛ لأن تقدير اللام أن يكون قبل (إنّ) وقد بينا هذا فيما تقدم هذه اللام التي تكسر (إنّ) هي لام الابتداء وإنما فرق بينهما ؛ لأن معناهما في التأكيد واحد فلما أزيلت عن المبتدأ وقعت على خبره وهي لا يجوز أن تقع إلا على اسم (إنّ) أو يكون بعدها خبره فالاسم نحو قولك : (إنّ خلفك لزيدا) والخبر نحو : (إنّ زيدا لآكل طعامك) ، فإن قلت : (إنّ زيدا آكل لطعامك) لم يجز لأنها لم تقع على الاسم ولا الخبر.

ومن ذلك (ما) النافية تقول : (ما زيد آكلا طعامك) ولا يجوز أن تقدم (طعامك) فتقول :(طعامك ما زيد آكلا) ولا يجوز عندي تقديمه ، وإن رفعت الخبر ، وأما الكوفيون فيجيزون :(طعامك ما زيد آكلا) يشبهونها (بلم) و (لن) وأباه البصريون وحجة البصريين أنهم لا

ص: 86

يوقعون المفعول إلا حيث يصلح لناصبه أن يقعه فلما لم يجز أن يتقدم الفعل على ما لم يجز أن يتقدم ما عمل فيه الفعل والفرق بين (ما) وبين (لم ولن) : أنّ (لن ولم لا يليهما إلا الفعل فصارتا مع الفعل بمنزلة حروف الفعل).

وأجاز البصريون : (ما طعامك آكل إلّا زيد) وأحالها الكوفيون إلا أحمد بن يحيى.

ومن ذلك (لا) التي تعمل في النكرة النصب وتبنى معها لا تكون إلا صدرا ولا يجوز أن تقدم ما بعدها على ما قبلها وهي مشبهة (بإنّ) وإنما يقع بعدها المبتدأ والخبر فكما لا يجوز أن تقدم ما بعد (إنّ) عليها كذلك هي والتقديم فيما أبعد ؛ لأن (إنّ) أشبه بالفعل منها فأما (لا) إذا كانت تلي الأسماء والأفعال وتصرفت في ذلك ولم تشبه (بليس) فلك التقديم والتأخير تقول : (أنت زيدا لا ضارب ولا مكرم) وما أشبه ذلك ومن ذلك (إن) التي للجزاء لا تكون إلا صدرا ولا بدّ من شرط وجواب فالجزاء مشبه بالمبتدأ والخبر إذ كان لا يستغنى أحدهما عن الآخر ولا يتم الكلام إلا بالجميع فلا يجوز أن تقدم ما بعدها على ما قبلها لا يجوز أن تقول : (زيدا إن تضرب أضرب) بأي الفعلين نصبته فهو غير جائز ؛ لأنه إذا لم يجز أن يتقدم العامل لم يجز أن يتقدم المعمول عليه وأجاز الكسائي أن تنصبه بالفعل الأول ولم يجزها أحد من النحويين وأجاز هو والفراء أن يكون منصوبا بالفعل الثاني.

قال الفراء : إنما أجزت أن يكون منصوبا بالفعل الثاني ، وإن كان مجزوما ؛ لأنه يصلح فيه الرفع وأن يكون مقدما فإذا قلت : (إن زيدا تضرب آتك) فليس بينهم خلاف (وتضرب جزم) إلا أنهم يختلفون في نصب (زيد) فأهل البصرة يضمرون فعلا ينصب وبعضهم ينصبه بالذي بعده وهو قول الكوفيين وأجازوا : (إن تأتني زيدا أضرب) إلا أنّ البصريين يقولون بجزم الفعل بعد (زيد) وأبى الكوفيون جزمه وكان الكسائي يجيز الجزم إذا فرق بين الفعلين بصفة نحو قولك : (إن تأتني إليك أقصد).

فإذا فرق بينهما بشيء من سبب الفعل الأول فكلهم يجزم الفعل الثاني.

ص: 87

العاشر : أن يفرق بين العامل والمعمول فيه بما ليس للعامل فيه سبب وهو غريب منه

وقد بينا أنّ العوامل على ضربين : فعل وحرف ، وقد شرحنا أمر الحرف فأما الفعل الذي لا يجوز أن يفرق بينه وبين ما عمل فيه فنحو قولك : (كانت زيدا الحمى تأخذ) هذا لا يجوز لأنك فرقت بين (كان) واسمها بما هو غريب منها ؛ لأن (زيدا) ليس بخبر لها ولا اسم ولا يجوز : (زيد فيك وعمرو رغب) إذا أرددت : (زيد فيك رغب وعمرو) لأنك فرقت بين (فيك) ورغب بما ليس منه.

وإذا قلت : (زيد راغب نفسه فيك) فجعلت (نفسه) تأكيدا (لزيد) لم يجز لأنك فرقت بين (راغب وفيك) بما هو غريب منه ، فإن جعلت (نفسه) تأكيدا لما في (راغب) جاز وكذلك الموصولات لا يجوز أن يفرق بين بعض صلاتها وبعض بشيء غريب منها تقول : (ضربي زيدا قائما) تريد : إذا كان قائما (فقائما) حال لزيد وقد سدت مسدّ الخبر ؛ لأن (ضربي) مبتدأ ، فإن قدمت (قائما) على زيد لم يجز ؛ لأن (زيدا) في صلة (ضربي) و (قائما) بمنزلة الخبر فكما لا يجوز :(ضربي حسن زيدا) تريد : (ضربي زيدا حسن) كذاك لا يجوز هذا وكذلك جميع الصلات.

الحادي عشر : تقديم المضمر على الظاهر في اللفظ والمعنى

أما تقديم المضمر على الظاهر الذي يجوز في اللفظ فهو أن يكون مقدما في اللفظ مؤخرا في معناه ومرتبته ، وذلك نحو قولك : (ضرب غلامه زيد) كان الأصل : ضرب زيد غلامه فقدمت ونيتك التأخير ومرتبة المفعول أن يكون بعد الفاعل فإذا قلت : (ضرب زيدا غلامه) كان الأصل : (ضرب غلام زيد زيدا) فلما قدمت (زيدا) المفعول فقلت : ضرب زيدا قلت : غلامه وكان الأصل : (غلام زيد) فاستغنيت عن إظهاره لتقدمه قال الله عز وجل : وإذا (ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ) [البقرة : 124].

وهذه المسألة في جميع أحوالها لم تقدم فيها مضمرا على مظهر ، إنما جئت بالمضمر بعد المظهر إذا استغنيت عن إعادته فلو قدمت فقلت : (ضرب غلامه زيدا) تريد : ضرب زيدا غلامه لم يجز لأنك قدمت المضمر على الظاهر في اللفظ والمرتبة ؛ لأن حق الفاعل أن يكون قبل

ص: 88

المفعول فإذا كان في موضعه وعلى معناه فليس لك أن تنوي به غير موضعه إنما تنوي بما كان في غير موضعه موضعه فافهم هذا ، فإن هذا الباب عليه يدور.

فإذا قلت : (في بيته يؤتى الحكم) جاز ؛ لأن التقدير (يؤتى الحكم في بيته) فالذي قام مقام الفاعل ظاهر وهو (الحكم) ولم تقدم ضميرا على ظاهر مرتبته أن يكون قبل الظاهر ، فإن قلت : (في بيت الحكم يؤتى الحكم) جاز أن تقول : (يؤتى) وتضمر استغناء عن إظهاره إذ كان قد ذكره كما تقول : إذا ذكر إنسان زيدا قام وفعل وكذلك إذا ذكر اثنين قلت : (قاما وفعلا) فتضمر اسم من لم تذكر استغناء بأنّ ذاكرا قد ذكره ، فإن لم تقدره هذا التقدير لم يجز ، فإن قدمت فقلت : (يؤتيان في بيت الحكمين) تريد : (في بيت الحكمين يؤتيان) لم يجز ومن هذا :زيدا أبوه ضرب أو يضرب أو ضارب فحقه أن تقول : (زيدا أبو زيد ضرب).

واختلفوا في قولهم : (ما أراد أخذ زيد) فأجازه البصريون ورفعوا زيدا (بأخذ) وفي (أراد) ذكر من زيد وأبى ذلك الكوفيون ففرقوا بينه وبين (غلامه ضرب زيد) بأن الهاء من نفس الاسم بمنزلة التنوين فصار بمنزلة : غلاما ضرب زيد ويقول قوم من النحويين : إذا كان المخفوض ليس في نية نصب فلا يقدم مكنيه تقول (في داره ضربت زيدا) ولا يجوز عندهم :(في داره قيام زيد) وهذا الذي لم يجيزوه هو كما قالوا من قبل أني إذا قلت قيام زيد فقيام مبتدأ ويجوز أن يسقط (زيد) فيتم الاسم فهو بمنزلة ما ليس في الكلام ؛ لأنه من حشو الاسم وليس بالاسم وإنما أجزت : (قيام زيد في داره) استغناء بذكر (زيد) ولو قلت : قيام زيد في دار تمّ الكلام ولم يضطر فيه إلى إضمار فإذا جاء الضمير والكلام غير مضطر إليه كان بمنزلة ما لم يذكر فإذا كان الضمير مؤخرا بهذه الصفة فهو في التقديم أبعد.

واختلفوا في قولهم : (لبست من الثياب ألينها) فمنهم من يجيزها كما يجيز درهمه أعطيت زيدا ومن أباه قال : الفعل واقع على (ألين) دون الثياب وأجازوا جميعا : (أخذ ما أراد زيد) (وأحبّ ما أعجبه زيد) (وخرج راكبا زيد) لم يختلفوا إذا قدموا الفعل وأهل البصرة أجازوا (راكبا خرج زيد) ولم يجزها الفراء والكسائي وقالا : فيها ذكر من الاسم فلا يقدم على الظاهر ولو كان لا يقدم ضمير البتة على ظاهر لوجب ما قالا ولكن المضمر يقدم على الظاهر إذا كان

ص: 89

في غير موضعه بالصفة التي ذكرت لك وأجمعوا على قولهم : (أحرز زيدا أجله) وفي القرآن :(لا ينفع نفسا إيمانها) ؛ لأنه ليس في ذا تقديم مضمر على ظاهر وأجمعوا على : (أحرز زيدا أجله) وعلى : (زيدا أحرز أجله) ، فإن قالوا : (زيدا أجله أحرز) فأكثر النحويين المتقدمين وغيرهم يحيلها إلّا هشاما وهي تجوز ؛ لأن المعنى : (أجل زيد أحرز زيدا) فلما قلت : (زيدا أجل زيد أحرز) لم تحتج إلى إظهار زيد مع الأجل واختلفوا في (ثوب أخويك يلبسان) وهي عندي جائزة ؛ لأن المعنى : (ثوب أخويك يلبس أخواك) فاستغنى عن إعادة الأخوين بذكرهما فأضمرا.

وأجاز الفراء : دار قومك يهدم هم (ويهدمون هم) وتقول : (حين يقوم زيد يغضب) لأنك تريد : (حين يقوم زيد يغضب زيد) فلو أظهرته لجاز واستغنى عن إضماره بذكر زيد ولو أظهرته لظن أنه زيد آخر وهو على إلباسه يجوز وليس هذا مثل : (زيدا ضرب) إذا أردت :(ضرب نفسه) لأن هذا إنما امتنع ؛ لأنه فاعل مفعول وقد جعلت المفعول لا بدّ منه وحقّ الفاعل أن يكون غير المفعول إلا في الظن وأخواته فإذا أردت هذا المعنى قلت : (ضرب زيدا نفسه) (وضرب زيد نفسه) وقالوا : فإن لم تجيء بالنفس فلا بدّ من إظهار المكنى ليقوم مقام ما هو منفصل من الفعل ؛ لأن الضمير المنفصل بمنزلة الأجنبي فتقول : (ضرب زيدا هو) (وضرب زيد إيّاه) واحتجوا بقوله عز وجل : (وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) [المدثر : 31] كأنه في التقدير : (وما يعلم جنود ربك إلّا ربّك) ولو جاز أن تقول : ضربتني وضربتك فأوقعت فعلك على نفسك ومن تخاطبه للزمك أن تقول : (ضربه) للغائب فتوقع فعل الغائب على نفسه بالكناية فلا يعلم لمن الهاء فإذا قلت : (ضرب نفسه) بأنّ لك ذلك وما الذي يجوز فيه تعدى فعل الفاعل إلى نفسه فقولك : (ظننتي قائما وخلتني جالسا) ، فإن هذا وما أشبهه يتعدى فيه فعل المضمر إلى المضمر ولا يتعدى فعل المضمر إلى الظاهر ؛ لأنه يصير في المفعول الذي هو فضلة لا بدّ منه وإلا بطل الكلام.

وهذه مسألة شرحها أبو العباس وذكر قول أصحابه ثم قوله قال : قال سيبويه : (أزيدا ضربه أبوه) ؛ لأن ما كان من سببه موقع به الفعل كما يوقعه ما ليس من سببه ولا أقول : (أزيدا

ص: 90

ضرب) فيكون الضمير في (ضرب) هو الفاعل وزيد مفعول فيكون هو الضارب نفسه وأضع الضمير في موضع أبيه حيث كان فاعلا قيل له : لم لا يجوز هذا وما الفصل بينه وبين أبيه وقد رأينا ما كان من سببه يحلّ محله في أبواب فالجواب في ذلك : أن المفعول منفصل مستغن عنه بمنزلة ما ليس في الكلام وإنما ينبغي أن يصحح الكلام بغير مفعول ثم يؤتي بالمفعول فضلة وأنت إذا قلت : (أزيدا ضرب) فلو حذفت المفعول بطل الكلام فصار المفعول لا يستغنى عنه وإنما الذي لا بدّ منه مع الفعل الفاعل.

وكذلك لا تقول : (أزيدا ظنه منطلقا) ؛ لأن الفاعل إذا مثل بطل فصرت إن قدمته لتضعه في موضعه صار (ظنّ زيدا منطلقا) فأضمرت قبل الذكر ولكن لو قلت : (ظنه زيد قائما) وإياه ظن زيد أخا كان أجود كلام ؛ لأن فعل زيد يتعدى إليه في باب (ظننت وعلمت وأخواتهما) ولا يتعدى إليه في (ضرب) ونحوه ألا ترى أنك تقول : غلام هند ضربها فترد الضمير إليها لأنها مستغن عنها لأنك لو قلت (غلام هند ضرب) لم تحتج إلى المفعول فلما كانت في ذكرك رددت إليها وحلت محل الأجنبي ولو قلت : (غلام هند ضربت) تجعل ضمير هند الفاعل لكان غلطا عند بعضهم ؛ لأن هندا من تمام الغلام والغلام مفعول فقد جعلت المفعول الذي هو فضلة لا بدّ منه ليرجع الضمير الذي هو الفاعل إليه ، فإن قلت : فما بالي أقول : (غلام هند ضاربته هي) فيجوز واجعل هي إن شئت إظهار الفاعل وهو (لهند) ، وإن شئت ابتداء وخبرا فالجواب فيه أنه إنما جاز هنا ؛ لأن الغلام مبتدأ و (ضاربته) على هذا التقدير مبتدأ والفاعل يسدّ مسدّ الخبر فهو منفصل بمنزلة الأجنبي ألا ترى أنّك لو وضعت مكان (هي) جاريتك أو غيرها استقام والفاعل المتصل لا يحل محلّه غيره ، فإن قلت أفتجيز : (غلام هند ضاربته هي) تجعل (هي) إن شئت ابتداء مؤخرا ، وإن شئت جعلت (ضاربته) ابتداء و (هي) فاعل يسدّ مسد الخبر فكل هذا جيد ؛ لأن (هي) منفصل بمنزلة الأجنبي ولو قلت : (غلام هند ضربت أمّها) كان جيدا ؛ لأن الأم منفصلة وإنّما أضفتها إلى هند لما تقدم من ذكرها فهند هاهنا وغيرها سواء ألا ترى أني لو قلت : غلام هند ضربت أمّ هند كان بتلك المنزلة إلا أن الإضمار أحسن لما تقدم الذكر والضمير المتصل لا يقع موقعه المنفصل المذكور إلا على معناه وتقديره وإنما هذا

ص: 91

كقولك : (زيدا ضرب أبوه) ؛ لأن الأب ظاهر ولو حذفت ما أضفت إليه صلح فقلت : أب وغلام ونحوهما والأول بمنزلة : (زيدا ضرب) الذي لا يحل محله ظاهر فلذلك استحال.

قال أبو العباس : وأنا أرى أنه يجوز : (غلام هند ضربت) وباب جوازه أنّك اضمرت (هندا) لذكرك إياها وكان التقدير غلام هند (ضربت هند) فلم تحتج إلى إظهارها لتقدم ذكرها وكان الوجه (غلامها ضربت هند) ويجوز الإظهار على قولك : (ضرب أبا زيد زيد) ولو قلت : (أباه) كان أحسن فإنما أضمرتها في موضع ذكرها الظاهر ولكن لا يجوز بوجه من الوجوه : (زيدا ضرب) إذا جعلت ضمير زيد ناصبا لظاهره لعلتين : إحداهما : أنّ فعله لا يتعدى إليه في هذا الباب لا تقول : (زيد ضربه) إذا رددت الضمير إلى (زيد) ولا تقول : ضربتني إذا كنت الفاعل والمفعول وقد بين هذا والعلة الأخرى : ما تقدم ذكره من أن المفعول الذي فضلة يصير لازما ؛ لأن الفاعل الذي لا بدّ منه معلق به ولهذا لم يجز : زيدا ظنّ منطلقا إذا أضمرت (زيدا) في (ظنّ) ، وإن كان فعله في هذا الباب يتعدى إليه نحو : (ظننتي أخاك) ولكن لم يتعد المضمر إلى الظاهر لما ذكرت لك ، وأما (غلام هند ضربت) فجاز ؛ لأن هندا غير الغلام ، وإن كانت بالإضافة قد صارت من تمامه ألا ترى أنك تقول : (غلام هند ضربها) ولا تقول : (زيد ضربه).

فهذا بين جدا واختلفوا في : (ضربني وضربت زيدا) فرواه سيبويه وذكر : أنهم أضمروا الفاعل قبل ذكره على شريطة التفسير وزعم الفراء : أنه لا يجيز نصب (زيد) وأجاز الكسائي على أن (ضرب) لا شيء فيها وحذف (زيدا) وقال بعض علمائنا (رحمه الله) : والذي قال الفراء : لو لا السماع لكان قياسا.

وأما (عبد الله زيد ضارب أباه) فالبصريون يجيزون : (أباه عبد الله زيد ضارب) وغيرهم لا يجيزها وهو عندي : قبيح لبعد العامل من الذي عمل فيه.

و (طعامك زيد يأكل أبوه) لا يجيزها الفراء ولا يجيز : (آكل) أيضا ويجيزها الكسائي إذا قال : (طعامك زيد آكل أبوه) ؛ لأن زيدا ارتفع عنده (بآكل) فأجاز تقديم الطعام ولما كان

ص: 92

يرتفع بما عاد عليه من الذكر لم يجزه وقال الفراء : هو في الدائم غير جائز ؛ لأنه لا يخلو من أن أقدره تقدير الأفعال فيكون بمنزلة الماضي والمستقبل إذا قدره تقدير الأسماء فلا يجوز أن أقدم مفعول الأسماء ولكني أجيزه في الصفات ويعني بالصفات (الظروف) وهذه المسألة لم يقدم فيها مضمر على ظاهر.

والمضمر في موضعه إلا أن (أبوه) فاعل (يأكل) وطعامك مفعول وقد بعد ما بينهما وفرقت بين الفاعل والمفعول به (بزيد) وليس له في الفعل نصيب ولكن يجوز أن تقوله من حيث قلت : (طعامك زيد يأكل) فالفاعل مضمر فقام (أبوه) مقام ذلك المضمر.

الثاني عشر : التقديم إذا ألبس على السامع أنه مقدم

وذلك نحو قولك : (ضرب عيسى موسى) إذا كان (عيسى) الفاعل لم يجز أن يقدم (موسى) عليه ؛ لأنه ملبس لا يبين فيه إعراب وكذلك : (ضرب العصا الرجى) لا يجوز التقديم والتأخير ، فإن قلت : (كسر الرحى العصا) وكانت الرحى هي الفاعل وقد علم أنّ العصا لا تكسر الرحى جاز التقديم والتأخير ومن ذلك قولك : (ضربت زيدا قائما) إذا كان السامع لا يعلم من القائم الفاعل أم المفعول لم يجز أن تكون الحال من صاحبها إلا في وضع الصفة ولم يجز أن تقدم على صاحبها ، فإن كنت أنت القائم قلت : (ضربت قائما زيدا) ، وإن كان زيد القائم قلت : ضربت زيدا قائما ، فإن لم يلبس جاز التقديم والتأخير وكذلك إذا قلت :(لقيت مصعدا زيدا منحدرا) لا يجوز أن يكون المصعد إلا أنت والمنحدر إلا (زيد) لأنك إن قدمت وأخرت التبس ولو قلت : (ضرب هذا هذا) تريد تقديما وتأخيرا لم يجز فإذا قلت :(ضرب هذا هذه) جاز التقديم والتأخير فقلت : (ضربت هذه هذا) ؛ لأنه غير ملبس ولو قلت : (ضرب الذي في الدار الذي في البيت) لم يجز التقديم والتأخير لإلباسه ومن ذلك إذا قلت : (أعطيت زيدا عمرا) لم يجز أن تقدم (عمرا) على (زيد) وعمرو هو المأخوذ ؛ لأنه ملبس إذا كان كل واحد منهما يجوز أن يكون الآخذ فإذا قلت : (أعطيت زيدا درهما) جاز التقديم والتأخير فقلت : (أعطيت درهما زيدا) ؛ لأنه غير ملبس والدرهم لا يكون إلا مأخوذا.

ص: 93

الثالث عشر : إذا كان العامل معنى الفعل ولم يكن فعلا

لا يجوز أن يقدم ما عمل فيه عليه إلا أن يكون ظرفا ، وذلك قولك : (فيها زيد قائما) لا يجوز أن تقدم (قائما) على فيها ؛ لأنه ليس هنا فعل وإنما أعملت (فيها) في الحال لما تدل عليه من الاستقرار وكذلك إذا قلت : (هذا زيد منطلقا) لا يجوز أن تقدم (منطلقا) على (هذا) ؛ لأن العامل هنا دلّ على ما دل عليه (هذا) وهو التنبيه وليس بفعل ظاهر ومن ذلك : (هو عبد الله حقا) لا يجوز أن تقدم (حقا) على (هو) ؛ لأن العامل هو المعنى وإنما نصبت (حقا) لأنك لما قلت : هو عبد الله دلّك على (أحق دلك) فقلت (حقا) فأما الظرف الذي يقدم إذا كان العامل فيه معنى فنحو قولك : (أكلّ يوم لك ثوب) العامل في (كلّ) معنى (لك) وهو الملك.

ص: 94

ذكر ما يعرض من الإضمار والإظهار

اعلم أنّ الكلام يجيء على ثلاثة أضرب : ظاهر لا يحسن إضماره ومضمر مستغمل إظهاره ومضمر متروك إظهاره.

الأول : الذي لا يحسن إضماره : ما ليس عليه دليل من لفظ ولا حال مشاهدة لو قلت :زيدا وأنت تريد : كلم زيدا فأضمرت ولم يتقدم ما يدل على (كلم) ولم يكن إنسان مستعدا للكلام لم يجز وكذلك غيره من جميع الأفعال.

الثاني : المضمر المستعمل إظهاره : هذا الباب إنما يجوز إذا علمت أنّ الرجل مستغن عن لفظك بما تضمره فمن ذلك ما يجري في الأمر والنهي وهو أن يكون الرجل في حال ضرب فتقول : زيدا ورأسه وما أشبه ذلك تريد : اضرب رأسه وتقول في النهي : الأسد الأسد نهيته أن يقرب الأسد وهذا الإضمار أجمع في الأمر والنهي وإنما يجوز مع المخاطب ولا يجوز مع الغائب ولا يجوز إضمار حرف الجر ومن ذلك أن ترى رجلا يسدد سهما فتقول : (القرطاس والله) أي يصيب القرطاس أو رأيته في حال رجل قد أوقع فعلا أو أخبرت عنه بفعل فقلت : (القرطاس والله) أي : أصاب القرطاس وجاز أن تضمر الفعل للغائب ؛ لأنه غير مأمور ولا منهيّ وإنما الكلام خبر فلا لبّس فيه كما يقع في الأمر وقالوا : (الناس مجزيون بأعمالهم) إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر يراد إن كان خيرا.

ومن العرب من يقول : (إن خيرا فخيرا) كأنه قال : (إن كان ما فعل خيرا جزي خيرا) والرفع في الآخر أكثر ؛ لأن ما بعد الفاء حقه الإستئناف ويجوز : (إن خير فخير) على أن تضمر (كان) التي لها خبر وتضمر خبرها ، وإن شئت أضمرت (كان) التي بمعنى (وقع) ومثل ذلك قد مررت برجل إن طويلا ، وإن قصيرا ولا يجوز في هذا إلا النصب وزعم يونس : أنّ من العرب من يقول : (إن لا صالح فطالح) على إن : لا أكن مررت بصالح فطالح.

وقال سيبويه : هذا ضعيف قبيح قال : ولا يجوز أن تقول عبد الله المقتول وأنت تريد (كن عبد الله) ؛ لأنه ليس فعلا يصل من الشيء إلى الشيء ومن ذلك : أو فرقا خيرا من حبّ) ولو

ص: 95

رفع جاز كأنه قال : (أو امرىء فرق) وألا طعام ولو تمرا أي : (ولو كان الطعام تمرا) ويجوز :(ولو تمر) أي : ولو كان تمر ومن هذا الباب : (خير مقدم) أي قدمت ، وإن شئت قلت : (خير مقدم) فجميع ما يرفع إنما تضمر في نفسك ما تظهر وجميع ما ينصب إنما تضمر في نفسك غير ما تظهر فافهم هذا ، فإن عليه يجري هذا الباب ألا ترى أنك إذا قلت : خير مقدم فالمعنى : قدمت فقدمت فعل وخير مقدم اسم والاسم غير الفعل فانتصب بالفعل فإذا رفعت فكأنّك قلت : قدومك خير مقدم فإنما تضمر قدومك خير مقدم فقدومك (هو خير مقدم) وخبر المبتدأ هو المبتدأ ، وإذا قلت : (خير مقدم) فالذي أضمرت (قدمت) وهو فعل وفاعل والفعل والفاعل غير المفعول فافهم هذا ، فإن عليه يجري هذا الباب ومن هذا الباب قولهم : (ضربت وضربني زيد) تريد : (ضربت زيدا وضربني) إلا أن هذا الباب أضمرت ما عمل فيه الفعل ، وذلك أضمرت الفعل نفسه وكذلك كلّ فعلين يعطف أحدهما على الآخر فيكون الفاعل فيهما هو المفعول فلك أن تضمره مع الفعل وتعمل المجاوز له فتقول على هذا متى ظننت أو قلت :زيد منطلق ؛ لأن ما بعد القول محكي وتقول : (متى قلت أو ظننت زيدا منطلقا) فإذا قلت : (ضربني وضربت زيدا) ثنيت فقلت : (ضرباني وضربت الزيدين) فأضمرت قبل الذكر ؛ لأن الفعل لا بد له من فاعل ولو لا أنّ هذا مسموع من العرب لم يجز وإنما حسن هذا لأنك إذا قلت : (ضربت وضربني زيد) وضربني وضربت زيدا فالتأويل : تضاربنا فكل واحد فاعل مفعول في المعنى فسومح في اللفظ لذلك.

ومن ذلك : (ما منهم يقوم) فحذف المبتدأ كأنه قال : (أحد منهم يقوم) ومن ذلك قوله عز وجل : (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)(1) [يوسف : 18]. أي : (أمرى صبر جميل).

ص: 96


1- فصبر جميل أي : فأمري صبر جميل ، أو فصبر جميل أمثل. وقرأ أبي ، والأشهب ، وعيسى بن عمر : فصبرا جميلا بنصبهما ، وكذا هي في مصحف أبيّ ، ومصحف أنس بن مالك. وروي كذلك عن الكسائي. ونصبه على المصدر الخبري أي : فاصبر صبرا جميلا. قيل : وهي قراءة ضعيفة عند سيبويه ، ولا يصلح النصب في مثل هذا إلا مع الأمر ، وكذلك يحسن النصب في قوله :شكا إلي جملي طول السرى.

الثالث : المضمر المتروك إظهاره : المستولي على هذا الباب الأمر وما جرى مجراه وقد يجوز فيه غيره فمن ذلك ما جرى على الأمر والتحذير نحو قولهم : (إياك) إذا حذرته والمعنى : (باعد إياك) ولكن لا يجوز إظهاره.

وإياك والأسد وإياك الشرّ كأنه قال : إياي لأتقينّ وإياك فأتقينّ فصارت (إياك) بدلا من اللفظ بالفعل ومن ذلك : (رأسه والحائط وشأنك والحجّ وامرأ ونفسه) فجميع هذا المعطوف إنما يكون بمنزلة (إياك) لا يظهر فيه الفعل ما دام معطوفا ، فإن أفردت جاز الإظهار والواو ها هنا بمعنى (مع) ومما جعل بدلا من الفعل : (الحذر الحذر والنجاء النجاء وضربا ضربا) انتصب على (الزم) ولكنهم حذفوا ؛ لأنه صار بمعنى (افعل) ودخول (إلزم) على (افعل) محال وتقول : (إياك أنت نفسك أن تفعل) ونفسك إن وصفت المضمر الفاعل رفعت ، وإن أضفت إياك نصبت ، وذلك ؛ لأن (إياك) بدل من فعل ، وذلك الفعل لا بدّ له من ضمير الفاعل المأمور ، وإن وصفت (إياك) نصبت وتقول : (إياك أنت وزيد وزيدا) بحسب ما تقدر ولا يجوز : (إياك زيدا) بغير واو وكذلك : (إياك أن تفعل) إن أردت : (إياك والفعل) ، وإن أردت :إياك أعظ مخافة أن تفعل جاز وزعموا أن ابن أبي إسحاق أجاز :

إيّاك إيّاك المراء فإنّه

إلى الشّرّ دعاء وللخير زاجر (1)

ص: 97


1- الشاهد فيه أنه أتى بالمراء وهو مفعول به ، بغير حرف عطف. وعند سيبويه أن نصب المراء بإضمار فعل ، لأنه لم يعطف على إياك. وسيبويه وابن أبي اسحاق ينصبه ويجعله كأن والفعل وينصبه بالفعل الذي نصب إياك يقدر فيه : اتق المراء ، كما يقدر فعلا آخر ينصب إياك. وقال المازني : لما كرر إياك مرتين ، كان أحدهما عوضا من الواو. وعند المبرد : المراء بتقدير أن تماري ، كما تقول : إياك أن تماري : أي مخافة أن تماري. وهذا البيت نسبه أبو بكر محمد التاريخي في طبقات النحاة - وكذلك ابن بري في حواشيه على درة الغواص الحريرية ، وكذلك تلميذه ابن خلف في" شرح شواهد سيبويه" - للفضل بن عبد الرحمن القرشي ، يقوله لابنه القاسم بن الفضل. قال ابن بري : وقبل هذا البيت : من ذا الذي يرجو الأباعد نفعه إذا هو لم تصلح عليه الأقارب و" الأباعد" : فاعل يرجو. يريد : كيف يرجو الأجانب نفع رجل أقاربه محرومون منه. و" المراء" : مصدر ماريته أماريه مماراة ومراء. أي : جادلته. ويقال ماريته أيضا : إذا طعنت في قوله ، تزييفا للقول ، وتصغيرا للقائل. ولا يكون المراء إلا اعتراضا ، بخلاف الجدال : فإنه يكون ابتداء ، واعتراضا. والجدال مصدر جادل : إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب كذا في" المصباح". انظر خزانة الأدب 1 / 332.

كأنه قال : (إياك) ثم أضمر بعد (إياك) فعلا آخر فقال : اتق المراء.

وقال الخليل : لو أنّ رجلا قال : إياك نفسك لم أعنفه يريد أن (الكاف) اسم وموضعها خفض.

قال سيبويه : وحدثني من لا أتهم عن الخليل أنه سمع أعرابيا يقول : (إذا بلغ الستين فإيّاه وإيّا الشواب) ومن ذلك : (ما شأنك وزيدا) كأنه قال : (وما شأنك وملابسة زيدا) وإنما فعلوا ذلك فرارا من العطف على المضمر المخفوض وحكوا ما أنت وزيدا وما شأن عبد الله وزيدا كأنه قال ما كان : فأما : ويله وأخاه فانتصب بالفعل الذي نصب ويله كأنّك قلت ألزمه الله ويله.

وإن قلت : ويل له وأخاه نصبت ؛ لأن فيه ذلك المعنى ومن ذلك سقيا ورعيا وخيبة ودفرا وجدعا وعقرا وبؤسا وأفة وتفة له وبعدا وسحقا وتعسا وتبّا وبهرا وجميع هذا بدل من الفعل كأنه قال : سقاك الله ورعاك ، وأما ذكرهم (لك) بعد (سقيا) فليبينوا المعنى بالدعاء وليس بمبني على الأول ومنه : (تربا) وجندلا أي : ألزمك الله وقالوا : فاها لفيك يريدون : الداهية ومنه هنيئا مريا ومنها ويلك وويحك وويسك وويبك وعولك لا يتكلم به مفردا ولا يكون إلا بعد (ويلك) ومن ذلك سبحان الله ومعاذ الله وريحانه وعمرك الله إلا فعلت وقعدك الله إلا فعلت بمنزلة : نشدتك الله وزعم الخليل : أنه تمثيل لا يتكلم به ومنه قولهم : كرما وصلفا وفيه معنى التعجب كأنه قال : (ألزمك الله) وصار بدلا من أكرم به وأصلف به ومنه : لبيك وسعديك وحنانيك وهذا مثنى وجميع ذا الباب إنما يعرف بالسماع ولا يقاس وفيما ذكرنا ما يدلّك على الشيء المحذوف إذا سمعته ومن ذلك قولهم : (مررت به فإذا له صوت صوت

ص: 98

حمار) ؛ لأن معنى : (له صوت) هو يصوت فصار له صوت بدلا منه ومن هذا : (أزيدا ضربته) تريد : أضربت زيدا ضربته فاستغنى (بضربته) وأضمر فعل يلي حرف الاستفهام وكذلك يحسن في كل موضع هو بالفعل أولى كالأمر والنهي والجزاء تقول : (زيدا اضربه) وعمرا لا يقطع الله يده وبكرا لا تضربه وإن زيدا تره تضربه.

وكذلك إذا عطفت جملة على جملة فكانت الجملة الأولى فيها الاسم مبني على الفعل كان الأحسن في الجملة الثانية أن تشاكل الأولى ، وذلك نحو : (ضربت زيدا وعمرا كلمته) والتقدير : ضربت زيدا وكلمت عمرا فأضمرت فعلا يفسره (كلمته) وكذلك إن اتصل الفعل بشيء من سبب الأول تقول : (لقيت زيدا وعمرا ضربت أباه) كأنك قلت (لقيت زيدا وأهنت عمرا وضربت أباه) فتضمر ما يليق بما ظهر ، فإن كان في الكلام الأول المعطوف عليه جملتان متداخلتان كنت بالخيار ، وذلك نحو قولك : (زيد ضربته وعمرو كلمته) إن عطفت على الجملة الأولى التي هي الابتداء والخبر رفعت ، وإن عطفت على الثانية التي هي فعل وفاعل ، وذلك قولك : ضربته نصبت ومن ذلك قولهم : أمّا سمينا فسمين ، وأما عالما فعالم ومنه قولهم :(لك الشاء شاة بدرهم) ومنه قولهم : (هذا ولا زعماتك) أي لا أتوهم زعماتك وكليهما وتمرا.

ومن العرب من يقول : (كلاهما وتمرا كأنه قال (كلاهما لي ثابتان وزدني تمرا) ومن ذلك : (انتهوا خيرا لكم ووراءك أوسع لك وحسبك خيرا لك) لأنّك تخرجه من أمر وتدخله في آخر ولا يجوز ينتهي خيرا لي لأنّك إذا نهيته فأنت ترجيه إلى أمر ، وإذا أخبرت فلست تريد شيئا من ذلك ومن ذلك : (أخذته فصاعدا وبدرهم فزائدا).

أخبرت بأدنى الثمن فجعلته أولا ثم قررت شيئا بعد شيء لأثمان شتى ولا يجوز دخول الواو هنا ويجوز دخول (ثمّ) وممّا انتصب على الفعل المتروك إظهاره المنادى في قولك : (يا عبد الله) وقد ذكرت ذلك في باب النداء.

قال سيبويه : ومما يدلّك على أنه انتصب على الفعل قولك : (يا إيّاك) إنما قلت : يا إياك أعني ولكنهم حذفوا وذكر أمّا أنت منطلقا انطلقت معك فقال : إنها (إن) ضمت إليها (ما) وجعلت عوضا من اللفظ بالفعل تريد : إن كنت منطلقا قال : ومثل ذلك : (إمّا لا) كأنّه قال :

ص: 99

(افعل هذا إن كنت لا تفعل غيره) وإنما هي (لا) أميلت في هذا الموضع لأنّها جعلت مع ما قبلها كالشيء الواحد فصارت كأنها ألف رابعة فأميلت لذاك ومن ذلك : مرحبا وأهلا زعم الخليل أنه بدل من : رحبت بلادك ومنهم من يرفع فيجعل ما يضمر هو ما يظهر.

واعلم أن جميع ما يحذف فإنهم لا يحذفون شيئا إلا وفيما أبقوا دليل على ما ألقوا.

ص: 100

الاتساع

اعلم أن الاتساع ضرب من الحذف إلا أن الفرق بين هذا الباب والباب الذي قبله أن هذا تقيمه مقام المحذوف وتعربه بإعرابه ، وذلك الباب تحذف العامل فيه وتدع ما عمل فيه على حاله في الإعراب وهذا الباب العامل فيه بحاله وإنما تقيم فيه المضاف إليه مقام المضاف أو تجعل الظرف يقوم مقام الاسم فأمّا الاتساع في إقامة المضاف إليه مقام المضاف فنحو قوله :(سل (الْقَرْيَةَ)(1)) [يوسف : 82] تريد : أهل القرية وقول العرب : بنو فلان يطؤهم الطريق :يريدون : أهل الطريق وقوله : (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ) [البقرة : 177] إنما هو بر من آمن بالله.

وأما اتساعهم في الظروف فنحو قولهم : (صيد عليه يومان) وإنما المعنى : صيد عليه الوحش في يومين ، (وولد له الولد ستون عاما) والتأويل : (ولد له في ستين عاما) ومن ذلك قوله عز وجل : (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) [سبأ : 33] وقولهم : (نهارك صائم وليلك قائم) وإنما المعنى : (أنّك صائم في النهار وقائم في الليل) وكذلك :

يا سارق اللّيلة أهل الدّار (2)

ص: 101


1- قال أبو عبيد : ومن مجاز ما حذف وفيه مضمر ، قال : (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها) (1282) ، فهذا محذوف فيه ضمير مجازه : وسل أهل القرية ، ومن في العير : انظر مجاز القرآن ص / 7.
2- على أنه قد يتوسع في الظروف المنصرفة فيضاف إليها المصدر والصفة المشتقة منه ، فإن الليل ظرف متصرّف ، وقد أضيف إليه سارق وهو وصف. وقد وقع هذا في كتاب سيبويه. وأورده الفرّاء أيضا في تفسيره ، عند قوله تعالى "فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ" وقال : أضاف سارق إلى الليلة ونصب أهل. وكان بعض النحوييين ينصب الليلة ويخفض أهل ، فيقول : يا سارق الليلة أهل الدار هذا كلامه. قال ابن خروف في شرح الكتاب : أهل الدار منصوب بإسقاط الجار ، ومفعوله الأول محذوف والمعنى : يا سارق الليلة لأهل الدار متاعا ، فسارق متعد لثلاثة ، أحدهما الليلة على السعة ، والثاني بعد إسقاط حرف الجر ، والثالث مفعول حقيقي. وجميع الأفعال متعديها ولازمها يتعدى إلى الأزمنة والأمكنة. انتهى. - وفيه نظر ، فإن أهل اللغة نقلوا : أن سرق يتعدى بنفسه إلى مفعولين ، قال صاحب المصباح وغيره : سرقه مالا يسرقه من باب ضرب ، وسرق منه مالا ، يتعدى إلى الأول بنفسه وبالحرف على الزيادة. انتهى. انظر خزانة الأدب 1 / 346.

وإنما سرق في الليلة وهذا الاتساع أكثر في كلامهم من أن يحاط به وتقول : (سرت فرسخين يومين) إن شئت نصبت. انتصاب الظروف وإن شئت جعلت نصبهما بأنهما مفعولان على السعة وعلى ذلك قولك : (سير بزيد فرسخان يومين) إذا جعلت الفرسخين يقومان مقام الفاعل ولك أن تقول : سير بزيد فرسخين يومان فتقوم اليومين مقام الفاعل.

اعلم أن الإلغاء إنما هو أن تأتي الكلمة لا موضع لها من الإعراب إن كانت مما تعرب وإنها متى أسقطت من الكلام لم يختل لكلام وإنما يأتي ما يلغى من الكلام تأكيدا أو تبيينا والجمل التي تأتي مؤكدة ملغاة أيضا وقد عمل بعضها في بعض فلا موضع لها من الإعراب والتي تلغى تنقسم أربعة أقسام : اسم وفعل وحرف وجملة.

الأول : الاسم : وذلك نحو : (هو) إذا كان الكلام فصلا فإنه لا موضع له من الإعراب لو كان له موضع لوجب أن يكون له خبر إن كان مبتدأ أو يكون له مبتدأ إن كان هو خبرا وقيل في قوله : (ولباس التقوى ذلك خير) (ذلك) زائدة.

الثاني : الفعل : ولا يجوز عندنا أن يلغى فعل ينفذ منك إلى غيرك ولكن الملغى نحو : (كان) في قولك : (ما كان أحسن زيدا) الكلام ما أحسن زيدا و (كان) إنما جيء بها لتبيّن أنّ ذلك كان فيما مضى.

الثالث : الحرف : وذلك نحو : ما في قوله عز وجل : (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ) [النساء : 155] لو كان (لما) موضع من الإعراب ما عملت الباء في (نقضهم) وإنما جيء بها زائدة للتأكيد ومن ذلك (إن) الخفيفة تدخل مع (ما) للنفي في نحو قوله : وما إن طبنا جبن وكذلك (إن) في قولك : (لما إن جاء قمت إليه) المعنى : (لما جاء قمت) وكذلك (ما) إذا كانت كافة فلا موضع لها من الإعراب في نحو قولك : (إنّما زيد منطلق) كفت (ما) (إن) عن

ص: 102

الإعراب كما منعت إن (ما) من الإعراب وكذلك (ربّما) تقول : (ربّما يقوم زيد) لو لا (ما) لما جاز أن يلي (ربّ) فعل ومن ذلك (بعد ما) قال الشاعر :

أعلاقة أمّ الوليّد بعد ما

أفنان رأسك كالشّهاب المخلس (1)

فجميع هذه لا موضع لها من الإعراب وقد جاءت حروف خافضة وذكروا أنها زوائد إلا أنها تدخل لمعان فمن ذلك : (ليس زيد بقائم) أصل الكلام : (ليس زيد قائما) ودخلت الباء لتؤكد النفي وخص النفي بها دون الإيجاب ومن ذلك : (ما من رجل في الدار) دخلت (من) لتبين أن الجنس كله منفي وأنه لم يرد القائل أن ينفي رجلا واحدا.

قال أبو بكر : وحقّ الملغى عندي أن لا يكون عاملا ولا معمولا فيه حتى يلغى من الجميع وأن يكون دخوله كخروجه لا يحدث معنى غير التأكيد وهذه الحروف التي خفض بها قد دخلت لمعان غير التأكيد من الحروف الملغاة (لا) شبهوها (بما) فمن ذلك قولك : (ما قام زيد ولا عمرو) والواو العاطفة ولا لغو و (لا) إنما دخلت تأكيدا للنفي وليزول بها اللبس إذا كان منفيا ؛ لأنه قد يجوز أن تقول : ما قام زيد وعمرو ما قاما معا وقالوا في قوله : (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ) [القيامة : 1] إنّ (لا) زائدة و (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ) [الحديد : 29] إنما هو :لأن يعلم وجملة الأمر أنها لا تزاد إلا في موضع غير ملبس كما لا تزاد (ما) وأما قولك :

ص: 103


1- بعد منتصب بما نصب به المصدر الذي هو علاقة ، فكذلك ينبغي أن يكون الفعل على ما كان عليه قبل دخول هذا الحرف ، من اقتضائه للفاعل وإسناده إليه. هذا كلامه. وقوله : ولم نر في سائر كلامهم الفعل بلا فاعل يرد عليه زيادة كان في نحو : ما كان أحسن زيدا. وفيه أيضا دخول فعل على فعل. فقوله : غير موجود ممنوع. وقوله : ويقوي هذا أن الفعل مع دخول ما هذه تجده دالا إلى آخره ، يرد عليه أن الحرف المكفوف عن عمله باق على معناه ، ولا ينكر أن يكف الفعل عن عمله في الفاعل ، مع بقائه على معناه. وقوله : ألا ترى أن الاسم في حال دخول هذا الحرف إياه على ما كان عليه قبل انتصابه بالظرف وتعلقه بالفعل ... إلخ ، هذا يشهد عليه لا له ، فإن الكلام في طلب المعمول لا في طلب العامل ، والمعمول لبعد بالإضافة مفقود لوجود المانع ، وهو الكف. وهذا هو المدعى. فلا يرد على سيبويه شيء مما ذكره. والله أعلم. انظر خزانة الأدب 4 / 17.

(حسبك به) كلام صحيح كما تقول : كفايتك به وفيه معنى الأمر أو التعجب وقولهم : (كفى بالله).

قال سيبويه : إنما هو (كفى الله) والباء زائدة والقياس يوجب أن يكون التأويل : (كفى كفايتي بالله) فحذف المصدر لدلالة الفعل عليه وهذا في العربية موجود.

الرابع : الجملة : وذلك نحو قولك : (زيد ظننت منطلق) بنيت (منطلقا) على (زيد) ولم تعمل (ظننت) وألغيته وصار المعنى زيد منطلق في ظني ، فإن قدمت (ظننت) قبح الإلغاء ومن هذا الباب الإعتراضات ، وذلك نحو قولك : زيد أشهد بالله منطلق ، وإن زيدا فافهم ما أقول رجل صدق ، وإن عمرا والله ظالم ، وإن زيدا هو المسكين مرجوم وعلى ذلك يتأول قوله عز وجل : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً 30 أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ) [الكهف] (فأولئك) هو الخبر ، و (إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً) اعتراض ، ومنه قول الشاعر :

إنّي لأمنحك الصّدود وإنّني

قسما إليك مع الصّدود لأميل (1)

ص: 104


1- على أن قسما تأكيد للحاصل من الكلام السابق بسبب إن واللام ، يعني أن قسما تأكيد لما في قوله : وإنني مع الصدود لأميل إليك : من معنى القسم ، لما فيه من التحقيق والتأكيد من إن ولام التأكيد ؛ فلما كان في الجملة منهما تحقيق والقسم أيضا تحقيق صار كأنه قال : أقسم قسما. وقال ابن خلف : الشاهد فيه أنه جعل قسما تأكيدا لقوله : وإنني إليك لأميل ، وقوله وإنني إليك لأميل جواب قسم ، فجعل قسما تأكيدا لما هو قسم. وروى أبو الحسن : أصبحت أمنحك كأنه قال : أصبحت أمنحك الصدود ووالله إني إليك لأميل. وهم يحذفون اليمين وهم يريدونها ويبقون جوابها. وفيه نظر من وجهين : الأول أن الجملة ليست جواب قسم محذوف. والثاني : أن المؤكد لا يحذف. وجعل ابن السراج في الأصول التوكيد من جهة الاعتراض فقال : قوله قسما اعتراض ، وجملة هذا الذي يجيء معترضا إنما يكون تأكيد للشيء أو لدفعه ، لأنه بمنزلة الصفة في الفائدة يوضح عن الشيء ويؤكده. وقال ابن جني في إعراب الحماسة : انتصاب قسم ، لا يخلو أن يكون بما تقدم من قوله إني لأمنحك الصدود ، أو من جملة إنني إليك لأميل. ولا يجوز الأول من حيث كان في ذلك الحكم ، لجواز الفصل بين اسم - إن وخبرها بمعمول جملة أخرى أجنبي عنها ؛ فثبت بذلك أنه من الجملة الثانية وأنه منصوب بفعل محذوف دل عليه قوله : وإنني إليك لأميل ، أي : أقسم قسما ، وأضمر هذا الفعل ، وإنما سبق الجزء الأول من الجملة الثانية وهو اسم إن ؛ وهذا واضح. وهذا البيت من قصيدة للأحوص الأنصاري ، يمدح بها عمر بن عبد العزيز الأموي. انظر خزانة الأدب 1 / 179.

قوله (قسما) اعتراض.

وجملة هذا الذي يجيء معترضا إنما يكون توكيدا للشيء أو لدفعه ؛ لأنه بمنزلة الصفة في الفائدة يوضح عن الشيء ويؤكده.

واعلم أنه لا يجوز أن يعترض بين واو العطف وبين المعطوف بشيء لا يجوز أن تقول :(قام زيد فأفهم عرمو ولا قام زيد ووالله عمرو).

وقد أجاز قوم الإعتراض في (ثمّ وأو ولا) ؛ لأن أو ولا وثمّ (يقمن بأنفسهنّ) فيقولون :(قام زيد ثم والله محمد).

ومما يلغيه الكوفيون ولا يعرفه البصريون : (زيدا قمت فضربت) يلغون القيام كأنهم قالوا : (زيدا ضربت) وهذا رديء في الإلغاء ؛ لأن ما يلغى ليس حقه أن يكون بعد فاء تعلق ما بعدها به.

قال أبو بكر : قد انتهينا إلى الموضع الذي يتساوى فيه كتاب الأصول وكتاب الجمل بعد ذكر (الذي) والألف واللام ثمّ لا فرق بينهما إلا أنّ بعد التصريف زيادة المسائل فيه والجمل ليس فيه ذلك.

ذكر (الذي) و (الألف واللام)

اشارة

الإخبار بالذي والألف واللام التي في معناه : ضرب من المبتدأ والخبر وموضع (الذي) من الكلام أن يكون مع صلته صفة لشيء وإنما اضطر إلى الصفة (بالذي) للمعرفة ؛ لأن وصف النكرة على ضربين : مفرد وجملة فالمفرد نحو قولك : مررت برجل عاقل وقائم وما

ص: 105

أشبه ذلك والجملة التي توصف بها النكرة تنقسم قسمين : مبتدأ وخبر نحو قولهم : مررت برجل (أبوه منطلق) وفعل وفاعل نحو قولك : مررت برجل قام أبوه فلما كانت النكرات قد توصف بالحديث والكلام التام احتيج في المعرفة إلى مثل ذلك فلم يجز أن توصف المعرفة بما توصف به النكرة ؛ لأن صفة النكرة نكرة مثلها وصفة المعرفة معرفة مثلها فجاز وصف النكرة بالجمل ؛ لأن كلّ جملة فهي نكرة ولو لا أنها نكرة ما كان للمخاطب فيها فائدة ؛ لأن ما يعرف لا يستفاد فلما كان الأمر كذلك وأريد مثله في المعرفة جاءوا باسم مبهم معرفة لا يصح معناه إلا بصلته وهو (الذي) فوصلوه بالجمل التي أرادوا أن يضعوا المعرفة بها لتكون صفة المعرفة معرفة كما أن صفة النكرة نكرة (فالذي) عند البصريين أصله (لذي) مثل (عمى) ولزمته الألف واللام فلا يفارقانه ويثنى فيقال (اللذان) في الرفع (واللذين) في الخفض والنصب ويجمع فيقال : (الذين) في الرفع وغيره ومنهم من يقول : (اللذون) في الرفع (واللذين) في الخفض والنصب والمؤنث (التي واللتان واللاتي واللواتي) وقد حكى في (الذي) (الذي) بإثبات الياء (والذ) بكسر الذال بغير ياء والذ باسكان الذال (والذيّ) بتشديد الياء وفي التثنية (اللذان) بتشديد النون (واللّذا) بحذف النون وفي الجمع (الذين والذون واللاؤن وفي النصب والخفض اللائين واللاء بلا نون واللاي) بإثبات الياء في كل حال والأولى وللمؤنث التي واللاء بالكسر ولا ياء والتي والت بالكسر بغير ياء والت بإسكان التاء واللتان واللتا بغير نون واللتانّ بتشديد النون وجمع (التي) اللاتي واللات بغير ياء واللواتي واللوات بالكسر بغير ياء واللواء واللاء بهمزة مكسورة واللاات مثل اللغات مسدود مكسور التاء وطيء تقول : (هذا ذو قال ذاك) يريدون : الذي قال ذلك.

و (مررت بذو قال ذاك) في كل وجه في الجمع وحكى : أنه يجوز ذوات قلت ذاك ورأيت ذو قال ذاك وللأنثى : ذات قالت ذاك قلت ذاك (فذو) يكون في كل حال رفعا ويكون موحدا في التثنية والجمع من المذكر والمؤنث قالوا : ويجوز في المؤنث أن تقول : (هذه ذات قالت ذاك) في الرفع والنصب والخفض فأما التثنية في (ذو وذات) فلا يجوز فيه إلا الإعراب في كل الوجوه وحكى : أنه قد سمع في (ذات) و (ذوات) الرفع في كل حال.

ص: 106

وقال غير البصريين : إن أصل (الذي) هذا وهذا عندهم أصله ذال واحدة وما قالوه :بعيد جدا ؛ لأنه لا يجوز أن يكون اسم على حرف في كلام العرب إلا المضمر المتصل ولو كان أيضا الأصل حرفا واحدا ما جاز أن يصغر والتصغير لا يدخل إلا على اسم ثلاثي وقد صغرت العرب (ذا) والموجود والمسموع مع ردنا له إلى الأصول من (الذي) ثلاثة أحرف لام وذال وياء وليس لنا أن ندفع الموجود إلا بالدليل الواضح والحجة البينة على أني لا لا أدفع أنّ (ذا) يجوز أن يستعمل في موضع (الذي) فيشار به إلى الغائب ويوضح بالصلة ؛ لأنه تقل من الإشارة إلى الحاضر إلى الإشارة إلى الغائب فاحتاج إلى ما يوضحه لما ذكرنا.

وقال سيبويه : إن (ذا) تجري بمنزلة (الذي) وحدها وتجري مع (ما) بمنزلة اسم واحد فأما إجراؤهم (ذا) بمنزلة (الذي) فهو قولهم : ماذا رأيت فيقول : متاع حسن وقال لبيد :

ألا تسألان المرء ما ذا يحاول

أنحب فيقضى أم ضلال وباطل (1)

وأما إجراؤهم إياه مع (ما) بمنزلة اسم واحد فهو قولك : ماذا رأيت فتقول : خيرا كأنك قلت : ما رأيت ومثل ذلك قولهم : ماذا ترى : فتقول : خيرا وقال الله : (ماذا أنزل ربكم قالوا :خيرا) كأنه قال : ما أنزل ربكم قالوا : خيرا أي أنزل خيرا فلو كان (ذا) لغوا لما قالت العرب :عما ذا تسأل ولقالوا : عمّ ذا تسأل ولكنهم جعلوا (ما وذا) اسما واحدا كما جعلوا (ما وإنّ) حرفا واحدا حين قالوا : (إنّما) ومثل ذلك كأنّما و (حيثما) في الجزاء ولو كان (ذا) بمنزلة (الذي) في هذا الموضع البتة لكان الوجه في (ماذا رأيت) إذا أراد الجواب أن تقول : خير فهذا الذي ذكر سيبويه بيّن واضح من استعمالهم (ذا) بمنزلة (الذي) فأما أن تكون (الذي) هي (ذا) فبعيد جدا ألا ترى أنّهم حين استعملوا (ذا) بمنزلة (الذي) استعملوها بلفظها ولم يغيروها والتغيير لا يبلغ هذا الذي ادعوه والله أعلم ولا يعرف له نظير في كلامهم ومن وما وأي

ص: 107


1- هذا البيت من قصيدة أزيد من خمسين بيتا للبيد بن ربيعة الصحابي ، رضي الله عنه ، رثى بها النعمان بن المنذر ملك الحيرة .. وأولها : ألا تسألان المرء ما ذا يحاول أنحب فيقضى أم ضلال وباطل انظر خزانة الأدب 1 / 243.

يستعملن بمعنى (الذي) فيوصلن كما توصل ولكن لا يجوز أن (يوصف بهن) كما وصف (بالذي) لأنها أسماء لمعان تلزمها ولهن تصرف غير تصرف (الذي) لأنهن يكنّ استفهاما وجزاء وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم والألف واللام تستعمل في موضع (الذي) في الوصف ولكنها لا تدخل إلا على اسم فلما كان ذلك من شأنها وأرادوا أن يصلوها بالفعل نقلوا الفعل إلى اسم الفاعل والفعل يريدون فيقولون في موضع (الذي قام) القائم فالألف واللام قد صار اسما وزال المعنى الذي كان له واسم الفاعل هاهنا فعل وذاك يراد به ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول : (هذا ضارب زيدا أمس) حتى تضيف ويجوز أن تقول : (هذا الضارب زيدا أمس) لأنك تنوي (بالضارب) الذي ضرب ومتى لم تنو بالألف واللام (الذي) لم يجز أن تعمل ما دخلت عليه وصار بمنزلة سائر الأسماء إلا أن الفاعل هنا إعرابه إعراب (الذي) بغير صلة ؛ لأنه لا يمكن فيه غير ذلك وكان الأخفش يقول : (إنّ زيدا) في قولك : (الضارب زيدا أمس) منصوب انتصاب : الحسن وجها وأنه إنما نصب ؛ لأنه جاء بعد تمام الاسم.

وقال أبو بكر : ليس عندي كما قال ؛ لأن الأسماء التي تنتصب عن تمام الاسم إنما يكنّ نكرات والحسن وما أشبهه قد قال سيبويه : إنه مشبه باسم الفاعل وقد ذكرنا ذا فيما تقدم.

ذكر ما يوصل به (الذي)

اعلم أنّ (الذي) لا تتم صلتها إلا بكلام تام وهي توصل بأربعة أشياء : بالفعل والمبتدأ والظرف والجزاء بشرطه وجوابه ولا بد من أن يكون في صلته ما يرجع إليه ، فإن لم يكن كذلك فليس بصلة له والفعل الذي يوصل به (الذي) ينقسم انقسامه أربعة أقسام قبل أن يكون صلة : فعل غير متعد وفعل متعد إلى مفعول واحد وفعل متعد إلى مفعولين وفعل متعد إلى ثلاثة مفاعيل وفعل غير حقيقي نحو (كان) و (ليس) فهذه الأفعال كلها يوصل بها (الذي) مع جميع ما عملت فيه ، وذلك قولك : الذي قام والذي ضرب زيدا والذي ظنّ زيدا منطلقا والذي أعطى زيدا درهما والذي أعلم زيدا عمرا أبا فلان (والذي كان قائما والذي ليس منطلقا) ففي هذه كلها ضمير (الذي) وهو يرجع إليه وهو في المعنى فاعل فاستتر في الفعل ضمير الفاعل ؛ لأنه قد جرى على من هو له ، فإن كان الفعل لغيره لم يستتر الضمير وقلت :

ص: 108

(الذي قام أبوه أخوك) والذي ضرب أخوه زيدا صاحبك ، وأما وصله بالمبتدأ فنحو (الذي هو زيد أخوك) والذي زيد أبوه غلامك والذي غلامه في الدار عبد الله.

وأما صلته بالظرف فنحو قولك : (الذي خلفك زيد) كأنّك قلت : (الذي استقرّ خلفك زيد) والذي عندك والذي أمامك وما أشبه ذلك ، وأما وصله بالجزاء فنحو قولك : (الذي إن تأته يأتك عمرو) و (الذي إن جئته فهو يحسن إليك) ولا يجوز أن تصل (الذي) إلا بما يوضحه ويبينه من الأخبار فأما الإستخبار فلا يجوز أن يوصل به (الذي) وأخواتها لا يجوز أن تقول : (الذي أزيد أبوه قائم) وكذلك النداء والأمر والنهي وجملة هذا أن كل ما تمكن في باب الأخبار ولم يزد فيه معنى على جملة الأخبار وصلح أن يقال فيه صدق وكذب وجاز أن توصف به النكرة فجائز أن يوصل به (الذي) ويجوز أن تصل بالنفي فتقول : (الذي ما قام عمرو) ؛ لأنه خبر يجوز في الصدق والكذب ولأنك قد تصف به النكرة فتقول : (مررت برجل ما صلى).

وكل فعل تصل به (الذي) أو تصف به النكرة لا يجوز أن يتضمن ضمير الموصول أو الموصوف فغير جائز أن تصل به (الذي) لو قلت : (مررت برجل نعم الرجل) لما جاز إلا أن تريد : (هو نعم الرجل) فتضمر المبتدأ على جهة الحكاية.

ومن ذلك فعل التعجب لا يجوز أن تصل به ولا تصف لا تقول : (مررت برجل أكرم به من رجل) ؛ لأن الصفة موضعها من الكلام أن تفصل بين الموصوفات وتبين بعضها من بعض وإنما تكون كذلك إذا كانت الصفة محدودة متحصلة فأما إذا كانت مبهمة غير متحصلة فلا يجوز ، ألا ترى أنك إذا قلت : (أكرم بزيد وما أكرمه) فقد فضلته في الكرم على غيره إلا أنك لم تذكر المفضول إذ كان أبلغ في المدح أن يظن به كل ضرب من الكرم فإذا قلت : أكرم من فلان فقد تحصّل وزال معنى التعجب وجاز أن تصف به وتصل به فنعم وبئس من هذا الباب ، فإن أضمرت مع جميع هذه القول جاز فيهنّ أن يكنّ صفات وصلات ؛ لأن الكلام يصير خبرا فتقول : مررت برجل يقال له : ما أحسنه ويقال : أحسن به وبرجل تقول له : اضرب زيدا وبالذي يقال له : اضرب زيدا ، وبالذي يقول : اضرب زيدا ، ومررت برجل نعم الرجل هو ، أي : تقول نعم الرجل هو وبالذي نعم الرجل هو أي : بالذي يقول : نعم الرجل هو.

ص: 109

واعلم أنّ الصلة والصفة حقهما أن تكونا موجودتين في حال الفعل الذي تتذكره ؛ لأن الشيء إنما يوصف بما فيه فإذا وصفته بفعل أو وصلته فالأولى به أن يكون حاضرا كالاسم ألا ترى أنك إذا قلت : مررت برجل (قائم) فهو في وقت مرورك في حال قيام ، وإذا قلت : (هذا رجل قام أمس) فكأنك قلت : (هذا رجل معلوم) أي : (أعلمه) الساعة أنه قام أمس ولأنك محقق ومخبر عما تعلمه في وقت حديثك وكذلك إذا قلت : (هذا رجل يقوم غدا) فإنما المعنى : (هذا رجل معلوم الساعة أنّه يقوم غدا) وعلى هذا أجازوا : مررت برجل معه صقر صائدا به غدا فنصبوا (صائدا) على الحال ؛ لأن التأويل (مقدرا الصيد به غدا) ، فإن لم يتأول ذلك فالكلام محال وكل موصوف فإنما ينفصل من غيره بصفة لزمته في وقته وكذلك الصلة إذا قلت : (الذي قام أمس والذي يقوم غدا) ، فإن وصلت (الذي) بالفعل المقسم عليه نحو قولك : (ليقومنّ) لم تحتج إليه ؛ لأن القسم إنما يدخل على ما يؤكد إذا خيف ضعف علم المخاطب بما يقسم عليه والصفة إنما يراعى فيها من الكلام مقدار البيان وبابها : أن يكون خبرا خالصا لا يخلطه معنى قسم ولا غيره ، فإن وصل به فهو عندي جائز ؛ لأن التأكيد لا يبعده من أن يكون خبرا ، وأما إنّ وأخواتها فحكم (إنّ) من بين أخواتها حكم الفعل المقسم عليه إن لم تذكرها في الصلة فالكلام غير محتاج إليها ، وإن ذكرتها جاز فقلت : (الذي إنّ أباه منطلق أخوك) وفي (إنّ) ما ليس في الفعل المقسم عليه ؛ لأن خبر (إنّ) قد يكون حاضرا وهو بابها وفعل القسم ليس كذلك إنما يكون ماضيا أو مستقبلا فحكمه حكم الفعل الماضي والمستقبل إذا وصف به و (ليت ولعلّ) لا يجوز أن يوصل بهما لأنهما غير أخبار ولا يجوز أن يقال فيهما صدق ولا كذب و (لكنّ) لا يجوز أن يوصل بها ولا يوصف لأنهما لا تكون إلا بعد كلام.

وأما (كأنّ) فجائز أن يوصل بها ويوصف بها وهي أحسن من (إنّ) من أجل كاف التشبيه تقول : (الذي كأنّه الأسد أخوك ومررت بالذي كأنّه الأسد) ؛ لأنه في معنى قولك :مثل الأسد واعلم أنّه لا يجوز أن تقدم الصلة على الموصول ولا تفرق بين الصلة والموصول بالخبر ولا بتوابع الموصول بعد تمامه كالصفة والبدل وما أشبه ذلك.

ص: 110

ذكر الإخبار عن (الذي)

اعلم أنّ (الذي) إذا تمت بصلتها كان حكمها حكم سائر الأسماء التامة فجاز أن تقع فاعلة ومفعولة ومجرورة ومبتدأة وخبرا لمبتدأ فتقول : (قام الذي في الدار ورأيت الذي في الدار ومررت بالذي في الدار وزيد الذي في الدار) فيكون خبرا والذي في الدار زيد فتكون (الذي) مبتدأة وزيد خبر المبتدأ ، وإذا جعلت مبتدأة فحينئذ تكثر المسائل وهو الباب الذي أفرده النحويون وجعلوه كحدّ من الحدود فيقولون إذا قلت : (قام زيد) كيف تخبر عن زيد بالذي وبالألف واللام فيكون الجواب : (الذي قام زيد والقائم زيد) فتكون الذي مبتدأ وقام صلته وفيه ضمير يرجع إليه وبه تمّ.

وهو في المعنى : (زيد) ؛ لأن الضمير هو الذي والذي هو زيد فهو في المعنى : الفاعل كما كان حين قلت : (قام زيد) وكذلك إذا دخلت الألف واللام بدلا من الذي قلت : (القائم زيد) فالألف واللام قد قامتا مقام الذي و (قائم) قد حلّ مقام (قام) وفي (قائم) ضمير يرجع إلى الألف واللام والألف واللام هما زيد إلا أنك أعربت (القائم) بتمامه بالإعراب الذي يجب (للذي) وحدها إذ لم يكن سبيل إلى غير ذلك وكل اسم قيل لك أخبر عنه فحقه أن تنتزعه من الكلام الذي كان فيه وتضع موضعه ضميرا يقوم مقامه ويكون ذلك الضمير راجعا إلى الذي أو الألف واللام وإنما كان كذلك ؛ لأن كل مبتدأ فخبره إذا كان اسما مفردا في المعنى هو هو فإذا ابتدأت (بالذي) وجعلت اسما من الأسماء خبره فالخبر هو (الذي) والذي هو الخبر وهذا شرط المبتدأ والخبر وإنما الأخبار عن (الذي والألف واللام) ضرب من المبتدأ والخبر وقد كنت عرفتك أن الصلة كالصفة للنكرة فإذا أشكل عليك شيء من ذلك فاجعل الصلة صفة ليبين لك إن قال قائل إذا قلت : (ضربت زيدا) كيف تخبر عن زيد قلت : (الذي ضربته زيد) فجعلت موضع (زيد) الهاء وهي مفعولة كما كان (زيد وهو) (الذي والذي هو زيد) ، فإن جعلته صفة قلت : (رجل ضربته زيد) إلا أنّ حذف الهاء في صلة (الذي) حسن لأنهم استثقلوا اجتماع ثلاثة أشياء في الصلة (فعل وفاعل ومفعول) فصرن مع (الذي) أربعة أشياء

ص: 111

تقوم مقام اسم واحد فيحذفون الهاء لطول الاسم ولك أن تثبتها على الأصل ، فإن أخبرت عن المفعول بالألف واللام قلت : (الضاربه أنا زيد) وكان حذفها قبيحا وقد أجازوه على قبحه.

وقال المازني : لا يكاد يسمع من العرب وحذف الهاء من الصفة قبيح إلا أنه قد جاء في الشعر.

والفرق بينه وبين الألف واللام أنّ الهاء ثمّة تحذف من اسم وهي في هذا تحذف من فعل ، وإن قيل لك : أخبر عن (زيد) من قولك : (زيد أخوك) قلت : (الذي هو أخوك زيد) أخذت زيدا من الجملة وجعلت بدله ضميره وهو مبتدأ كما كان زيد مبتدأ وأخوك خبره كما كان وقولك : هو وأخوك جميعا صلة (الذي) وهي راجعة إلى (الذي) والذي هو (زيد) ، وإن أردت أن تجعله صفة فتعتبره بهاء قلت : (رجل هو أخوك زيد) فقولك : هو أخوك جملة وهي صفة لرجل وزيد الخبر ، فإن أردت أن تخبر عن (أخوك) قلت : (الذي زيد هو أخوك) فجعلت الضمير موضع (الذي) انتزعته من الكلام وجعلته خبرا وإنما قال النحويون أخبر عنه وهو في اللفظ خبر ؛ لأنه في المعنى محدث عنه ولأنه قد يكون خبرا ولا يجوز أن يحدث عنه نحو الفعل والألف واللام لا مدخل لهما في المبتدأ والخبر كما عرفتك وهذه المسائل تجيء في أبوابها مستقصاة إن شاء الله ، فإن كان خبر المبتدأ فعلا أو ظرفا غير متمكن لم يجز الإخبار عنه إذا قال لك : (زيد قام) كيف تخبر عن (قام) لم يجز ؛ لأن الفعل لا يضمر.

وكذا لو قال : (زيد في الدار) أخبر عن (في الدار) لم يجز ؛ لأن هذا مما لا يضمر وقد بينا أن معنى قولهم : أخبر عنه ، أي : انتزعه من الكلام واجعل موضعه ضميرا ثم اجعله خبرا فهذا لا يسوغ في الأفعال ولا الحروف.

واعلم أنه إذا كان صلة (الذي) فعلا جاز أن يدخل الفاء في الخبر نحو (قام فله درهم) والذي جاءني فأنا أكرمه شبه هذا بالجزاء ؛ لأن قولك : فله درهم تبع المجيء وكذلك هو في الصفة تقول : (كلّ رجل جاءني فله درهم وكلّ رجل قام فإني أكرمه) والأصل في جميع هذا طرح الفاء وأنت في ذكرها مخير إلا أنها إذا دخلت ضارع الكلام الجزاء ويبين أن الخبر من

ص: 112

أجل الفعل ولذلك لم يجز أن تدخل الفاء في كل حال وبأن لو قلت : (الذي إن قمت قام فله درهم) لم يجز ؛ لأن معنى لجزاء قد تمّ في الصلة ولكن لو قلت : (الذي إن قمت قام فله درهم إن أعطاني أعطيته) جاز ؛ لأنه بمنزلة قولك : (زيدق إن أعطاني أعطيته) وكذلك إذا قلت : (الذي إن أتاني فله درهم له دينار) لا يجوز أن تدخل الفاء على (له دينار) فالفاء إذا دخلت في خبر (الذي) أشبه الجزاء من أجل أنه يقع الثاني بالأول ألا ترى أنك إذا قلت : الذي يأتيني له درهم قد يجوز أن يكون له درهم لا من أجل إتيانه ويجوز أن يكون له درهم من أجل إتيانه فإذا قلت : الذي يأتيني فله درهم دلت الفاء على أنّ الدرهم إنما يجب له من أجل الإتيان إلا أن الفرق بين الذي وبين الجزاء الخالص أنّ الفعل الذي في صلة (الذي) يجوز أن يكون ماضيا وحاضرا ومستقبلا والجزاء لا يكون إلا مستقبلا ، وإذا جاءت الفاء فحق الصلة أن تكون على اللفظ الذي يحسن في الجزاء في اللفظ ، وإن اختلف المعنى.

فمن أجل هذا يقبح أن تقول : (الذي ما يأتني فله درهم) ؛ لأنه لا يجوز أن تقول : (إن ما أتاني زيد فله درهم و (لا) كلّ رجل ما أتاني فله درهم) إذا أردت هذا المعنى قلت : (الذي لم يأتني فله درهم وكلّ رجل لم يأتني فله درهم) والقياس يوجب إجازته للفرق الذي بين (الذي وبين الجزاء) ؛ لأنه إذا جاز أن يلي الذي من الأفعال ما لا يلي (إن) وكان المعنى مفهوما غير مستحيل فلا مانع يمنع من إجازته وإنما أجزنا دخول الفاء في هذا ؛ لأن الذي ما فعل قد يجب له شيء بتركه الفعل إذا كان ممن يقدر منه ذلك الفعل وإنما لم يجز (ما) مع (إن) في الجزاء ؛ لأن (ما) لا تكون إلا صدرا والجزاء لا يكون إلا صدرا فلم يجز ؛ لأن (إن) تعمل فيما بعد (ما) فلما أرادوا النفي أتوا (بلم) وبنوها مع الفعل حتى صارت كأنها جزء منه أو (بلا) فقالوا (إن لم تقم قمت ، وإن لم تقم لا أقم).

واعلم أن كل اسم لا يجوز أن تضمره وترفعه من الكلام وتكني عنه فلا يجوز أن يكون خبرا في هذا الباب من أجل أنك متى انتزعته من الكلام وهو اسم ظاهر أو مضمر فلا بد من أن تضمر في موضعه كما خبرتك.

ص: 113

ولك اسم مبني إلا المبهمات والمضمرات والذي وما كان في معناه فإنهن في أصول الكلام لا يجوز أن يكنّ خبرا (للذي) وكذلك كلّ ظرف غير متمكن في الإعراب ليس مما يرفع لا يجوز أن يكون خبرا للذي ؛ لأن جميع الأسماء إذا صارت أخبارا (للذي) والذي مبتدأ لم يكن بد من رفعها فكلّ ما لا يرتفع لا يجوز أن يكون خبرا لو قلت : الموضع الذي فيه زيد عندك لم يجز ؛ لأنه كان يلزم أن يرفع (عنه) وهو لا يرتفع وكذلك ما أشبهه.

ولو قلت : الموضع الذي قمت فيه خلفك. جاز ؛ لأن (خلف) قد يرفع ويتسع فيه فيقال : (خلفك واسع) ، وأما ما يجوز من المبهمات والمضمرات فنحو قولك : (الذي في الدار هذا والذي في الدار الذي كان يحبّك والذي في الدار هو) وكذلك : ما كان في معنى (الذي) تقول : (الذي في الدار من تحبّ والذي في الدار ما تحبّ) فيكون الخبر (ما ومن) بصلتهما وتمامهما ، فإن كانتا مفردتين لم يجز أن يكونا خبرا (للذي) وكذلك الذي لا يجوز أن يكون خبرا وهو بغير صلة إلا على نحو ما جاء في الشعر مثل قوله :

بعد اللتيّا واللتيّا والتي (1) ...

فإن هذا حذف الصلات لعلم المخاطب بالقصة ولا يجوز أن تخبر عن النعت لأنك تحتاج أن تضمره فإذا أضمرته زال أن يكون نعتا ولو قيل لك أخبر عن العاقل في قولك : (زيد العاقل أخوك) فأخبرت لزمك أن تقول : (الذي زيد هو أخوك العاقل) فتضع موضع (العاقل) هو فيصير نعتا لزيد وهو لا يكون نعتا.

ولا يجوز أن تخبر عن (زيد) وحده في هذه المسألة ؛ لأنه يلزمك أن تقول : (الذي هو العاقل أخوك زيد فتصف (هو) بالعاقل وهذا لا يجوز ولكن إذا قيل لك أخبر عن مثل هذا فانتزع زيدا وصفته جميعا من الكلام وقل : (الذي هو أخوك زيد العاقل) ومما لا يجوز أن يكون خبرا المضاف دون المضاف إليه لو قيل : (هذا غلام زيد) أخبر عن (غلام) ما جاز ؛ لأنه كان

ص: 114


1- لم يأت للموصولين الأولين بصلة ، لأن صلة الموصول الثالث دلت على ما أراد. ومثله : من اللواتي والتي واللاتي ... البيت. انظر خزانة الأدب 2 / 318.

يلزم أن تضمر موضع غلام وتضيفه إلى (زيد) والمضمر لا يضاف فأما المضاف إليه فيجوز أن يكون خبرا ؛ لأنه يجوز أن يضمر وجميع ما قدمت سيزداد وضوحا إذا ذكرت الأبواب التي أجازها النحويون.

ص: 115

باب ما جاز أن يكون خبرا

اشارة

اعلم أن أصول الكلام جملتان : فعل وفاعل ومبتدأ وخبر وقد عرفتك كيف يكون الفاعل خبرا وأن الفعل لا يجوز أن يكون خبرا مخبرا عنه في هذا الباب وذكرت لك المبتدأ والخبر والإخبار عن كل واحد منهما وأبواب هذا الكتاب تنقسم بعدد أسماء الفاعلين والمفعولين وبحسب ما يتعدى من الأفعال وما لا يتعدى فكلّ ما يتعدى إليه الفعل ويعمل فيه إلا ما استثنيناه مما تقدم فهو جائز أن تخبر عنه إلا أن يكون اسما نكرة لا يجوز أن يضمر فيعرف فإنه لا يجوز الإخبار عنه نحو ما ينتصب بالتمييز فجميع الأبواب التي يجوز الإخبار عن الأسماء التي فيها مميز أربعة عشر بابا :

الأول : الفعل الذي لا يتعدى.

والثاني : الفعل الذي يتعدى إلى مفعول واحد.

والثالث : ما يتعدى إلى مفعولين ولك أن تقتصر على أحدهما.

والرابع : ما يتعدى إلى مفعولين وليس لك أن تقتصر على أحدهما.

والخامس : ما يتعدى إلى ثلاثة مفعولين.

والسادس : الفعل الذي بني للمفعول الذي لم يذكر من فعل به.

والسابع : الذي تعداه فعله إلى مفعول واسم الفاعل والمفعول لشيء واحد.

والثامن : الظروف من الزمان والمكان.

والتاسع : المصدر.

والعاشر : المبتدأ والخبر.

والحادي عشر : المضاف إليه.

والثاني عشر : البدل.

والثالث عشر : العطف.

والرابع عشر : المضمر.

ص: 116

وقد كان يجب أن يقدم باب ما يخبر فيه (بالذي) ولا يجوز أن يخبر عنه بالألف واللام ولكنا أخرناه ليزداد وضوحه بعد هذه الأبواب.

فأما ما قاسه النحويون من المحذوفات في الكلام ومن إدخال (الذي) على (الذي) و (التي) وركبوه من ذلك فنحو نفرده بعد إن شاء الله.

الأول : باب الفعل الذي لا يتعدى الفاعل إلى المفعول

وهو (ذهب زيد وقعد خالد) وكذلك جميع ما أشبهه من الأفعال التي لا تتعدى إذا قيل لك أخبر عن (زيد) بالذي قلت : (الذي ذهب زيد) فالذي مبتدأ و (ذهب) صلته وفيه ضمير الفاعل وهو يرجع إلى (الذي) فقد تم (الذي) بصلته وخبره زيد ، فإن قيل لك أخبر عنه بالألف واللام قلت : (الذاهب أخوك) فرفعت الذاهب ؛ لأنه اسم ومعناه : (الذي ذهب) ولم يكن بد من رفعه ؛ لأن اللام لا تنفصل من الصلة كإنفصال (الذي) وهي جزء من الاسم ولكن المعنى معنى (الذي) ، فإن ثنيت (الذي) قلت : (اللذان قاما أخواك) ، فإن جعلت (موضع) الذي الألف واللام قلت : (القائمان أخواك) ثنيت (القائم) إذ لم يكن سبيل إلى ثنية الألف واللام والتأويل : (اللذان قاما) ويرجع إلى الألف واللام الضمير الذي في (القائمين) وليست الألف بضمير في (قائمان) وإنما هي ألف التثنية مثلها في سائر الأسماء التي ليس فيها معاني الأفعال كما تقول : الزيدان أخواك ، فإن جمعت قلت : (الذين قاموا إخوتك) وبالألف واللام : (القائمون إخوتك) وتفسير الجمع كتفسير التثنية ومن استفهم قال القائمون إخوتك و (القائمان أخواك) ولا يجوز أن تقول القائم اخوتك على قول من قال أقائم أخوتك ؛ لأن قولهم : (أقائم أخوتك) تجري مجرى : أيقوم أخوتك وما كان فيه الألف واللام لا يجري هذا المجرى ؛ لأنه قد تكملّ اسما معرفة والمعارف لا تقوم مقام الأفعال ؛ لأن الأفعال نكرات ولكن لا يجوز أن تعمل ما في صلة الألف واللام وهو (قائم) فتقول : (القائم أبوه وأخوك والقائم أبوهما أخواكض) ولا يجوز أن تقول : (القائمان أبواهما أخواك) من أجل أنّ (قائم) قد عمل عمل الفعل وما تمت الألف واللام بعد بصلتهما وما لم يتم فلا يجوز أن يثنى فإذا أعملت (ما) في صلة الألف واللام في (فاعل) امتنعت التثنية وإنّما جاز أن تقول : (القائمان أخواك) ؛ لأن

ص: 117

الاسم قد تم والضمير الذي في (القائم) لا يظهر فأشبه ما لا ضمير فيه وإنما احتمل الضمير الاسم إذا كان في صلة ما هو له وجاريا عليه استغناء بعلم السامع وليس باب الأسماء أن تضمر فيها إنما ذلك للأفعال فإذا لم يكن اسم الفاعل فعلا في الحقيقة للألف واللام أو لما يوصف به أو يكون خبرا له لم يحتمل الضمير البتة وقد بينت ذا فيما تقدم.

وتقول : (القائم أخواه زيد والقائم أخوته عمرو) ؛ لأن الفعل للأخوين وللأخوة وهو مقدم فالضمير أبدا عدته بحسب الألف واللام إن عنيت بهما واحدا كان واحدا ، وإن عنيت اثنين كان مثنى ، وإن عنيت جميعا كان جمعا وكذلك الألف واللام والذي إنما هي بحسب من تضمر في العدة ، وإذا قلت : (اللذان ذهبا أخواك) قلت (الذاهبان أخواك) ، وإذا قلت (الذين يذهبون قومك) قلت : (الذاهبون قومك) تثنى اسم الفاعل في الموضع الذي تثنى فيه الفعل ألا ترى أنك تقول : (الزيدان ذاهبان) لما كنت تقول (الزيدان يذهبان) ولا يجوز أن تقول (الزيدان ذاهب) وتضمرهما وتقول : (الزيدان ذاهب أبوهما) كما كنت تقول : (الزيدان يذهب أبوهما) إلا أنّ تقدير الالف في (ذاهبان) غير تقديرها في (يذهبان) ؛ لأن ألف (يذهبان) للتثنية والضمير وهي في (ذاهبان) تثنية وإنما الضمير في النية.

الثاني : الفعل الذي يتعدى إلى مفعول واحد

وذلك قولك : (ضرب زيد عمرا) اعلم أن هذا الباب لا بد من أن يكون في جميع مسائله اسمان في كل مسألة فاعل ومفعول ، فإن قيل لك : (أخبر عن الفاعل بالذي) قلت : (الذي ضرب عمرا زيد) فالذي رفع بالابتداء (وضرب عمرا) صلته وفي (ضرب) ضمير (الذي) هو راجع إليه وضرب وعمرو في صلة (الذي) وبهما تم اسما والخبر زيد وزيد هو (الذي).

فإن قيل لك : ثنّ واجمع قلت : (اللذان ضربا عمرا الزيدان) والذين ضربوا عمرا الزيدون لا بد من أن يكون الخبر بعد المبتدأ مساويا له وكذلك الضمير الذي في الصلة وهي كلها يشار بها إلى معنى واحد الذي والضمير والخبر ، فإن قيل لك : أخبر بالألف واللام عن الفاعل في هذه المسألة قلت (الضارب عمرا زيد) والتفسير كالتفسير في (الذي) ، فإن قيل لك : ثنّ واجمع.

ص: 118

قلت : (الضاربان عمرا الزيدان) والضاربون عمرا الزيدون ولا يجوز أن تقول : (الضارب عمرا الزيدان ؛ لأن المبتدأ قد نقص عدده من عدة الخبر والضارب عمرا واحد وليس في الصلة دليل على أن الألف واللام لجماعة فإذا ثنيت وجمعت قام الدليل وقد مضى تفسير ذا وينبغي أن تراعي في التثنية والجمع (اللذين) في الألف واللام أن يكون الاسم الذي فيه الألف واللام بأسره نظير (الذي) وحدها في إعرابه وتثنيته وجمعه ، فإن رفعت (الذي) رفعته ، وإن نصبته نصبته ، وإن خفضته خفضته ، وإن ثنيته وجمعته ثنيته وجمعته وكذلك يكونان إذا قام أحدهما مقام الآخر.

ومن حيث أعرب الفاعل في هذا الباب نحو : (الضارب) كإعراب (الذي) كذلك ثني وجمع تثنيته وجمعه ولو كانت الألف واللام تثنى أو يكون فيها دليل إعراب لأنفصلت كإنفصال (الذي) من الصلة فما فيه الألف واللام مما جاء على معنى الذي لفظه لفظ الاسم غير الموصول ومعناه معنى الموصول ، فإن قيل لك أخبر عن المفعول في قولك : ضرب زيد عمرا قلت : (الذي ضربه زيد عمرو) وحذف الهاء حسن كما خبرتك به ، وإن شئت قلت : الذي ضربه زيد عمرو فالذي مبتدأ وضربه زيد صلته والهاء ترجع إلى (الذي) وعمرو خبر المبتدأ والذي هو عمرو.

فإن ثنيت وجمعت قلت : اللذان ضربهما زيد العمران والذين ضربهم زيد العمرون ، فإن أخبرت بالألف واللام قلت : الضاربه زيد عمرو جعلت : الضاربه مبتدأ والهاء ترجع إلى الألف واللام ورفعت زيدا بأنه خبر الضارب وحذف الهاء في هذه المسألة قبيح وهو يجوز على قبحه ، فإن ثنيت وجمعت قلت : الضاربهما زيد العمران والضاربهم زيد العمرون فإذا قلت : (ضربت زيدا) فقيل لك : أخبر عن (التاء) فهو كالإخبار عن الظاهر وتأتي بالمكنى المنفصل فتقول : (الذي ضرب زيدا أنا).

فإن قيل لك : أخبر عن زيد قلت : (الذي ضربته زيد) ؛ لأن الضمير وقع موقعه من الفعل فلم يحتج إلى المنفصل ، فإن ثنيت أو جمعت الأول في ذا كالفاعل في الذي قبله ، وقال المازني مثل ذلك.

ص: 119

قال أبو بكر : والذي عندي أنّ المفعول الأول يجوز أن يقتصر عليه كما (كان) يجوز أن يقتصر على الفاعل بغير مفعول وليس في الأفعال الحقيقية فعل لا يجوز أن تقتصر فيه على الفاعل بغير مفعول.

وكل فعل لا يتعدى إذا نقل إلى (أفعل) تعدى فلما كان يجوز أن أقول : (علم زيد) فاقتصر على الفاعل جاز أن أقول : (أعلم الله زيدا) ولكن لا يجوز أن يقتصر على المفعول الثاني في هذا الباب ؛ لأنه المفعول الأول في الباب الذي قبله وإنما استحال هذا من جهة المعنى لأنّك إذا قلت : (ظننت زيدا منطلقا) فالشكّ إنما وقع في الإنطلاق لا في زيد فلذلك لا يجوز أن تقول : (ظننت زيدا) وتقطع الكلام ويجوز أن تقول : ظننت وتسكت فلا تعديه إلى مفعول وهذا لا خلاف فيه ، وإذا جاز أن تقول : (ظننت وتسكت فيساوي (قمت) في أنه لا يتعدى جاز أن تقول : (أظننت زيدا) إذا جعلته يظن به كما تقول أقمت زيدا ؛ لأنه لا فرق بين (ظنّ زيد) إذا لم تعده وبين قام زيد كما تقول : أقمت زيدا وكل فعل لا يتعدى إذا نقلته إلى (أفعل) تعدّى إلى واحد ، فإن كان يتعدى إلى واحد تعدّى إلى اثنين ، وإن كان يتعدى إلى اثنين تعدى إلى ثلاثة ، فإن نقلت (فعل) إلى (فعل) كان بالعكس ؛ لأنه إن كان لا يتعدى لم يجز نقله إلى (فعل) ، وإن كان يتعدى إلى مفعول واحد أقيم المفعول فيه مقام الفاعل ولم يتعد بعده إلى مفعول ، وإن كان يتعدى إلى مفعولين أقيم أحدهما مقام الفاعل فتعدى إلى مفعول واحد وكذلك إن كان يتعدى إلى ثلاثة مفعولين تعدى إلى مفعولين (ففعل) ينقص من المفعولات و (أفعل) يزيد فيها إذا كان منقولا من (فعل) فإذا أخبرت عن الفاعل (بالذي) من قولك : أعلم الله زيدا عمرا خير الناس قلت : (الذي أعلم زيدا عمرا خير الناس الله) وتفسيره كتفسير ما قبله ، فإن قيل لك ثنّ هذه المسألة بعينها فهو محال كفر ؛ لأن الله عز وجل لا سمي له ولا يجوز تثنيته ولا جمعه ولكن لو قلت : (أعلم بكر عمرا زيدا خير الناس) لجاز تثنية بكر وجمعه على ما تقدم من البيان ، وإن قلته : بالألف واللام وأردت الإخبار عن الفاعل فهو كالإخبار عنه في الباب الذي قبله ، وذلك قولك : (المعلم زيدا عمرا خير الناس الله) والمنبىء زيدا عمرا أخاك الله ، وإن أخبرت عن المفعول الأول قلت : (المعلمه الله عمرا خير الناس زيد) وإثبات الهاء هاهنا هو الوجه

ص: 120

وحذفها جائز وهو هاهنا أسهل عند المازني وعندي لكثرة صلة هذا حتى قد أفرط طوله ، وإن أخبرت عن المفعول الثاني قلت : (المعلمه الله زيدا خير الناس عمرو) ، وإن شئت قلت : (المعلم الله زيدا إيّاه خير الناس عمرو) وهو الوجه والقياس ؛ لأن تقديم الضمير كأنه يدخل الكلام لبسا فلا يعلم عن أي مفعول أخبرت : أعن الأول أم الثاني وكذلك إذا أخبرت عن الثالث قدمت الضمير إن شئت قلت : (المعلمه الله زيدا عمرا خير الناس) ، وإن أخرت قلت : المعلم الله زيدا عمرا إيّاه خير الناس وهو القياس لما يدخل من اللبس ولأنّ حقّ الضمير أن يقع موقع الاسم الذي انتزع ليخبر عنه في موضعه.

السادس : الفعل الذي بني للمفعول ولم يذكر من فعل به

اعلم أن المفعول الذي تقيمه مقام الفاعل حكمه حكم الفاعل تقول : ضرب زيد كما تقول : (ضرب زيد) فإذا أردت أن تخبر عن (زيد) من قولك : ضرب زيد بالذي قلت : (الذي ضرب زيد) ففي (ضرب) ضمير (الذي) والذي مبتدأ وضرب مع ما فيه من الضمير صلة له وزيد الخبر على ما فسرنا في الفاعل ، فإن ثنيت قلت : (اللذان ضربا الزيدان) ، وإن جمعت قلت : (الذين ضربوا الزيدون) ، فإن قلت ذلك بالألف واللام قلت : (المضروب زيد) ؛ لأن مفعولا في هذا الباب كفاعل في غيره ألا ترى أنّك إذا جعلته صفة قلت : (رجل ضرب زيد) ورجل مضروب زيد ، فإن ثنيت قلت : (المضروبان الزيدان) و (المضروبون الزيدون) وتفسير المفعول كتفسير الفاعل ، فإن قلت : (أعطي زيد درهما) فأخبرت عن (زيد) قلت : (أعطي درهما زيد) ، وإن أخبرت عن الدرهم قلت : (الذي أعطي زيد درهم) ، وإن شئت قلت : (الذي أعطيه زيد درهم) ولك أن تقول : (أعطي زيد إيّاه درهم) وهو القياس ؛ لأن الضمير في موضعه والتقديم في هذه المسألة جائز ؛ لأنه غير ملبس ولكن لو كان أصل المسألة : أعطي زيد عمرا. ما جاز هذا عندي فيه ؛ لأنه ملبس لا يعرف المأخوذ من الآخذ وليس الدرهم كذلك ؛ لأنه لا يجوز أن يكون آخذا وعلى هذا المثال : (باب ظننت وأخواتها) تقول : ظنّ زيد قائما ، فإن أخبرت عن (زيد) بالذي قلت : الذي ظنّ قائما زيد.

ص: 121

وإن أخبرت عن (قائم) قلت : (الذي ظنّ قائما زيد) ، وإن أخبرت عن (قائم) قلت : (الذي ظنّ زيد قائم) ، وإن شئت قلت : الذي ظنّه زيد قائم ولك أن تقول : (الذي ظنّ زيد إياه قائم) وهو القياس ، وإن قلته بالألف واللام وأخبرت عن (زيد) قلت : (المظنون قائما) ، وإن أخبرت عن (قائم) قلت : (المظنونه زيدق قائم) ، وإن شئت قلت : (المظنون زيد إياه قائم) ، فإن ثنيت قلت : (المظنونان قائمين الزيدان) ، وإن جمعت قلت : (المظنونون قائمين الزيدون) فإذا أخبرت عن (قائم) قلت : (المظنونهما الزيدان قائمان) ، وإن شئت قلت : (المظنون الزيدان إيّاهما قائمان) وعلى هذا القياس في الفعل الذي يتعدى إلى ثلاثة مفعولين.

السابع : الفاعل الذي تعداه فعله إلى مفعول واسم الفاعل والمفعول فيه لشيء واحد

وذلك كان ويكون وما تصرف منه وليس وما دام وما زال وأصبح وأمسى وما كان نحوهنّ تقول : (كان عبد الله أخاك وأصبح زيد أباك).

فإن أخبرت عن الفاعل في هذا الباب بالذي قلت : (الذي كان أخاك عبد الله) ففي كان ضمير الذي وهو اسمها وأخاك خبرها وهي اسمها وخبرها صلة (الذي) و (الذي) مبتدأ وعبد الله خبره والذي أصبح أباك زيد مثله.

فإن أخبرت بالألف واللام قلت : (الكائن أخاك زيد) وتقديره تقدير : (الضارب أخاك زيد) ولا خلاف في الإخبار عن اسم (كان) فأما خبرها ففيه اختلاف فمن الناس من يجيز الإخبار عنه فيقول : الكائنه زيد أخوك والمصبحه عمرو أخوك ، وإن شئت جعلت المفعول منفصلا فقلت : (الكائن زيد إياه أخوك) والمصبح زيد إياه أبوك وقال قوم : إن الإخبار عن المفعول في هذا الباب محال ؛ لأن معناه : (كان زيد من أمره كذا وكذا) فكما لا يجوز أن تخبر عن (كان من أمره كذا وكذا) كذلك لا يجوز أن تخبر عن المفعول إذا كان في معناه كذا حكى المازني جميع هذا.

قال أبو بكر : والإخبار عندي في هذا الباب عن المفعول قبيح ؛ لأنه ليس بمفعول على الحقيقة وليس إضماره متصلا إنما هو مجاز وعلامات الإضمار هاهنا غير محكمة ؛ لأن الموضع

ص: 122

الذي تقع فيه الهاء لا يجوز أن تقع (إيّاه) ذلك الموقع فأجازتهم إيّاه (في) كان وأخواته دليل على أن علامات الإضمار لا تستحكم هاهنا قال الشاعر :

ليت هذا اللّيل شهرا

لا تريا فيه عريبا

ليس إيّاي وإيّاك

ولا نخشى رقيبا (1)

ص: 123


1- الفصل ، هو المختار في خبر ان وأخواتها كما قال ليس إياي ، ولو وصل لقال ليسني. قال سيبويه : ومثل ذلك كان إياه ، لأن كانه قليلة ، لا تقول : كانني وليسني ، ولا كانك ؛ فصارت غيا هاهنا بمنزلتها في ضربي إياك. قال الشاعر : ليت هذا الليل شهر الخ وبلغني عن العرب الموثوق بهم أنهم يقولون : ليسني ، وكذلك كانني. قال الأعلم : الشاهد في إتيانه بالضمير بعد ليس منفصلا ، ولوقوعه موقع خبرها والخبر منفصل من المخبر عنه ، فكان الاختيار فصل الضمير إذا وقع موقعه. واتصاله بليس جائز ، لأنها فعل وإن لم تقو قوة الفعل الصحيح. وليس في هذا البيت تحتمل تقديرين : أحدهما أن تكون في موضع الوصف للاسم قبلها ، كأنه قال : لا نرى فيه عربيا غيري وغيرك. والتقدير الآخر : أن تكون استثناء بمنزله غلا. وعريب بمعنى أحد ، وهو بمعنى معرب ، أي : لا نرى فيه متكلما يخبر عنا ويعرب عن حالنا. وقوله : ليت هذا الليل شهر قال أبو القاسم سعيد الفارقي فيما كتبه في تفسير المسائل المشكلة في أول المقتضب للمبرد : وقد روي في شهر الرفع والنصب جميعا ؛ وهو عندي أشبه بمعنى البيت. وكلاهما حسن. وقد قضينا هذا في كتابنا تفسير أبيات كتاب سيبويه. ولم يظهر لي وجه النصب. ونرى من رؤية العين. وعريب من الألفاظ الملازمة للنفي ، واسم ليس ضمير مستتر راجع إلى عريب ، وإياي خبرها بتقدير مضاف ، أي : ليس عريب غيري وغيرك ، فحذف غير ، وانفصل الضمير وقام مقامه في النصب. تمنى أن تطول ليلته بمقدار شهر. وجملة لا نرى فيه خبر ثان لليت. وجملة لا نخشى رقيبا معطوف عليه ، والرابط محذوف ، أي : فيه. ويجوز أن يكون جملة لا نرى صفة لشهر. وقال بعض فضلاء العجم في شرح أبيات المفصل : يقول لحبيبته : ليت هذا الليل الذي نجتمع فيه طويل كالشهر ، لا نبصر فيه أحدا ليس إياي وإياك ، أي : ليس فيه غيري وغيرك أحد. وهو استثناء لنفسه كما قال إلاك ، لا نحاف فيه رقيبا. وهذا الشعر نسبه خدمة كتاب سيبويه إلى عمر بن أبي ربيعة المذكور آنفا. ونسبه صاحب الأغاني ، وتبعه صاحب الصحاح إلى العرجي ، وهو عبد الله بن عمر ابن عمرو بن عثمان بن عفان. نسب إلى العرج ، وهو من نواحي مكة ، لأنه ولد بها ، وقيل بل كان له بها مال ، وكان يقيم هناك. والله أعلم. انظر خزانة الأدب 2 / 215.

فقال : (ليس) إيّاي ولم يقل : ليسني فقد فارق باب (ضربني) وقد روى (عليه رجلا ليسني) وإنما هذا كالمثل لأنهم لا يأمرون (بعليك) إلا المخاطب فقد شذ هذا من جهتين من قولهم : (عليه) فأمروا غائبا ومن قولهم : (ليسني) فأجروه مجرى (ضربني) فإذا قلت : (ليس زيد أخاك) وأخبرت عن الفاعل والمفعول فإنّه لا يجوز إلا (بالذي) ولا يجوز بالألف واللام ؛ لأن (ليس) لا تتصرف ولا يبنى منها فاعل ألا ترى أنّك لا تقول : (يفعل) منها ولا شيئا من أمثلة الفعل وهي فعل وأصلها (ليس) مثل (صيد) البعير.

وألزمت الإسكان إذ كانت غير متصرفة فتقول : إذا أخبرت عن الفاعل من قولك : (ليس زيد أخاك) الذي ليس أخاك زيد ، وإن أخبرت عن المفعول قلت : الذي ليس زيد إياه أخوك) ، وإن شئت قلت : (الذي ليسه زيد أخوك) على قياس الذين أجازوه في (كان) والذين أجازوا الإخبار عن المفعول في باب (كان) وأخواتها يحتجون بقول أبي الأسود الدؤلي :

فإن لا تكنها أو تكنه فإنّه

أخوها غذته أمّه بلبانها

فجعله كقولك : اضربها ويضربها ولو قلت : (كان زيد حسنا وجهه) فأخبرت عن الوجه لم يجز لأنّك كنت تضع موضعه (هو) فتقول : الذي كان زيد حسنا هو وجهه إذا كان يلزمك أن تضع موضع الاسم الذي تخبر عنه ضميرا يرجع إلى (الذي) كما بينت فيما تقدم فإذا كان (هو) يرجع إلى (الذي) لم يرجع إلى زيد شيء ، وإن رجع إلى زيد لم يرجع إلى الذي ولكن لو أخبرت عن قولك : (حسنا وجهه بأسره) جاز في قول من أجاز الإخبار عن المفعول في هذا الباب فتقول : الكائنه زيد حسن وجهه ولو أخبرت (بالذي) لقلت : (الذي كان زيد حسن

ص: 124

وجهه) وحذفت ضمير المفعول من (كان) كما حذفته من (ضربت) حين قلت : الذي ضرب زيد ولو أثبت الهاء لجاز ، وإن أخبرت بالذي على قول من جعل المفعول (إيّاه) لم يجز حذفه ؛ لأنه منفصل وكنت تقول : الذي كان زيد إياه حسن وجهه.

الثامن : الظروف من الزمان والمكان

اعلم أنّ الظرف إذا أخبرت عنه فقد خلص اسما وصار كسائر المفعولات إلا أنّك إذا أضمرته أدخلت حرف الجرّ على ضميره ولم تعد الفعل إلا ضميره إلا بحرف الجر إلا أن تريد السعة فتقدر نصبه كنصب سائر المفعولات وهذه الظروف منها ما يكن اسما وظرفا ومنها ما يكون ظرفا.

ولا يكون اسما وقد تقدم ذكرها في هذا الكتاب إلا أنّا نعيد منه شيئا هاهنا ليقوم هذا الحدّ بنفسه فالذي يكون منه ظرفا واسما ضمّ اليوم والليلة والشهر والسنة والعام والساعة ونحو ذلك.

وأما ما يكون ظرفا ولا يكون اسما فنحو (ذات مرة وبعيدات بين وبكرا وسحرا) إذا أردت (سحرا) بعينه ولم تصرف ولم ترد سحرا من الأسحار وكذلك ضحيّا إذا أردت ضحى يومك وعشية وعتمة إذا أردت عشية يومك وعتمة ليلتك لم يستعملن على هذا المعنى إلا ظروفا ، وأما الأماكن وما يكون منها اسما فنحو المكان والخلف والقدام والأمام والناحية وتكون هذه أيضا ظروفا والظروف كثيرة ، وأما ما يكون ظرفا ولا يكون اسما فنحو : عند وسوى وسواء إذا أردت بهنّ معنى (غير) لم تستعمل إلا ظروفا وربّما كان الظرف ظرفا والعمل في بعضه لا في كله نحو : آتيك يوم الجمعة وإنما تأتيه في بعضه لا كله وكذلك آتيك شهر رمضان وكل ما كان في جواب (متى) فعلى هذا يجيء ، وأما ما كان جوابا (لكم) فلا يكون العمل إلا فيه كله نحو : سرت فرسخين وفرسخا وميلا لا يجوز العمل في بعضه دون بعض.

وإذا قلت : صمت يوما لم يجز أن يكون الصوم في بعضه من أجل أنه وضع للإمساك عن الطعام والشراب وغيره في اليوم كله.

ص: 125

فما كان من الظروف قد يستعمل اسما فالإخبار عنه جائز وما كان منها لا يجوز إلا ظرفا لم يجز الإخبار عنه تقول : (ذهبت اليوم) فإذا قيل لك : أخبر عن اليوم (بالذي) قلت : الذي ذهبت فيه اليوم ولم يجز حذف (فيه) كما كان يجوز حذف الهاء ؛ لأن الضمير قد انفصل بحرف الجر وكذلك إذا قلت : (قمت اليوم يا هذا) فجعلت اليوم مبتدأ قلت : (اليوم قمت فيه) ؛ لأنه قد صار اسما والمضمر لا يكون ظرفا وكل ما دخل عليه حرف الجر فهو اسم وإنما الظرف هو الذي قد حذف حرف الجر منه ، وذلك المعنى يراد به ، فإن ثنيت قلت : اللذان ذهبت فيهما اليومان.

فإن قلت ذلك بالألف واللام قلت : (الذاهب فيه أنا اليوم) والذاهب فيهما أنا اليومان فالألف واللام قد قام مقام (الذي) وأفردت (ذاهبا) ولم تثنيه ؛ لأن فاعله غير مضمر فيه وهو مذكور بعده ، وإن جمعت قلت الذاهب فيهن أنا الأيام وكذلك الإخبار عن المكان إذا قلت : (جلست مكانك) فإذا أردت الإخبار عن (مكانك) قلت : (الذي جلست فيه مكانك) واللذان جلست فيهما مكاناك وبالألف واللام : (الجالس فيه أنا مكانك) والجالس فيهما أنا مكاناك ، فإن جعلت الزمان والمكان في هذه المسائل مفعولين على السعة أسقطت حرف الجر فصار حكمه حكم المفعول الذي تقدم ذكره فقلت : في (ذهبت اليوم) إذا أردت أن تخبر عن اليوم بالذي قلت : (الذي ذهبت اليوم) كما تخبر عن زيد في قولك : (ضربت زيدا) تريد : الذي ذهبته اليوم ، وإن شئت أظهرت الهاء وهو الأصل وإثباتها عندي في هذا أولى منه في ضربت : لأن هنا حرف الجر محذوف الهاء معه إخلال بالكلام وتقوله بالألف واللام : الجالسه أنا مكانك وتقول : (سرت بزيد فرسخين يومين) فالفرسخان ظرف من المكان واليومان ظرف من الزمان ، فإن أخبرت عن اليومين (بالذي) قلت : اللذان سرت بزيد فرسخين فيهما يومان وبالألف واللام السائر أنا بزيد فرسخين (فيهما يومان) ، وإن أخبرت عنهما على السعة قلت : السائرهما أنا بزيد فرسخين يومان وبالذي : اللذان سرت بزيد فرسخين يومان ، وإن شئت قلت : سرتهما وهو أحبها إليّ كي لا يكثر ما يحذف ، فإن بنيت الفعل للمفعول فقلت : (سير بزيد فرسخان يومين) فأنت بالخيار إن شئت نصبت الفرسخين ورفعت اليومين ، وإن شئت

ص: 126

رفعت الفرسخين ونصبت اليومين إلا أنّ الذي ترفعه تجعله مفعولا على السعة ؛ لأنه قد صار اسما وخرج عن حد الظرف وتجعل الثاني ظرفا إن شئت ، وإن شئت جعلته مفعولا على السعة أيضا فإذا أخبرت عن الفرسخين فيمن رفعهما بالذي قلت : (اللذان سيرا بزيد يومين الفرسخان ، وإن قلته بالألف واللام قلت (المسيران بزيد يومين) فرسخان) ، وإن أخبرت عن (اليومين) في هذه المسألة وقد رفعت الفرسخين قلت (المسير بزيد فرسخان فيهما يومان) هذا إذا كان (اليومان) ظرفا ، فإن جعلتهما مفعولين على السعة قلت : (المسير هما بزيد فرسخان يومان) ، وإذا قدمت الفرسخين من قولك : (سير بزيد فرسخان يومين) قلت : (الفرسخان سيرا بزيد يومين) فجعلت ضمير الفرسخين في (سير) فقلت : سيرا وخلف الضمير الفرسخين فقام مقامهما ، فإن قدمت اليومين قلت : (اليومان سير بزيد فيهما فرسخان) فأظهرت حرف الجرّ لمّا احتجت إلى إضمار (اليومين) ، فإن جعلتهما مفعولين على السعة قلت : اليومان سيرهما بزيد فرسخان ، فإن قدمت الفرسخين واليومين قلت : (الفرسخان اليومان سيراهما بزيد) فالفرسخان : مبتدأ واليومان مبتدأ ثان وسيراهما بزيد خبر اليومين والألف ضمير الفرسخين وهي ترجع إليهما وهما ضمير اليومين هذا إذا جعلتهما في أصل المسألة مفعولين على السعة ، فإن لم تجعلهما كذلك قلت : سيرا فيهما وكل ما قدمته فقد مقام مقامه ضميره ، فإن أدخلت (اللذين) في (سير) وجعلت (اللذين) هما الفرسخان قلت : (الفرسخان اليومان اللذان سيرا بزيد فيهما هما) فالفرسخان : مبتدأ أول واليومان مبتدأ ثان واللذان مبتدأ ثالث وصلته سيرا بزيد فيهما والخبر (هما) والألف في (سيرا) ترجع إلى اللذين و (فيهما) ترجع إلى اليومين واليومان مبتدأ وخبرهما اللذان وصلتهما مع خبرهما الجملة واليومان وما بعدهما خبر الفرسخين ، وإن شئت قلت : (اللذان سيراهما) ، فإن أخبرت بالألف واللام قلت : (الفرسخان اليومان المسيران بزيد فيهما هما) واعتبر صحة هذه المسائل بأن تجعل كل اسم ابتدأته موضع ضميره ، فإن استقام ذلك وإلا فالكلام خطأ ألا ترى أن قولك : (هما) ضمير الفرسخين و (هما) التي في قولك : المسيراهما ضمير اليومين فإذا جعلت كلّ واحد منهما موضع ضميره صار الكلام : (المسيران بزيد يومين فرسخان) فعلى هذا يقع التقديم والتأخير في كل

ص: 127

هذه المسائل ، فإن جعلت (اللذين) في هذه المسألة لليومين قلت : الفرسخان اليومان اللذان سيرا فيهما بزيد فالفرسخان مبتدأ واليومان مبتدأ ثان و (اللذان) خبر (اليومين) وهما اليومان والألف في (سيرا) ضمير الفرسخين وفيهما ضمير (اللذين) فلو جعلت (الفرسخين) موضع ضميرهما لقلت : اليومان اللذان سير الفرسخان فيهما بزيد هما ، فإن أخبرت بالألف واللام في هذه المسألة وجعلتهما (لليومين) أيضا قلت : (الفرسخان اليومان المسيرهما بزيد هما) فهما الأولى : مفعولة على السعة والثانية فاعلة وإنما ظهر الفاعل هاهنا ؛ لأن كلّ اسم كان فيه ضمير الفاعل جرى على غير نفسه ، فإن الفاعل يظهر فيه وإنما جاز في (اللذين سيرا) ؛ لأنه فعل فتثنيه ، وإن كان جاريا على غير من هو له ومعنى قولي : جار على غير من هو له أن اللذين لليومين والألف في (سيرا) للفرسخين فلما قلته بالألف واللام لم يصلح أن تقول : المسيراهما كما قلت : (اللذان سيراهما) ؛ لأن مسيرا اسم ولو ثنيته لكان فيه ضمير الألف واللام ولا يجوز غير ذلك كما بينت فيما تقدم يجوز أن تقول القائمان وضمير الفاعل للألف واللام وكذلك المضروبان فالألف واللام في هذا بخلاف (الذي) وحده لأنها تتحد مع الاسم الذي بعدها فيثني تثنية (الذي) وحده إذا كان الفعل له ، فإن لم يكن الفعل للألف واللام يدخل على اسم الفاعل واسم الفاعل لا يحتمل الضمير إذا جرى على غير من هو له فإذا جرى اسم الفاعل على غير من هو له أفرد وذكر الفاعل بعده إما مظهرا وإما مكنيا فلذلك قلت : الفرسخان اليومان المسيرهما بزيد هما لأنك لو جعلت الفرسخين في موضعهما لقلت : اليومان المسيرهما بزيد الفرسخان ويبين لك اسم الفاعل والمفعول إذا جرى على غير من هو له في هذه المسألة تقول : الفرسخان اليومان مسيرهما بزيد (هما) فتجعل الأولى مفعولة والثانية تقوم مقام الفاعل ؛ لأن قولك : مسيرهما هما الفرسخان فإذا جعلت : (مسيرهما) خبرا عن اليومين فقد أجريتهما على غير من هما له فلم يحتمل الاسم إذ جرى على غير نفسه أن يكون فيه ضمير مرفوع ولو قلت : (الفرسخان اليومان سيراهما بزيد) جاز والألف للفرسخين ألا ترى أنك تقول : (زيد ضاربه أنا) ولو قلت : (زيد اضربه) لم تحتج إلى (أنا) ؛ لأن الفعل مما يضمر فيه ، وإن جرى على غير صاحبه.

ص: 128

التاسع : الإخبار عن المصدر

اعلم أن المصدر إذا كان منصوبا وجاء للتوكيد في الكلام فقط ولم يكن معرفة ولا موصوفا فالإخبار فنه قبيح ؛ لأنه بمنزلة ما ليس في الكلام ألا ترى أنك إذا قلت : (ضربت ضربا) فليس في (ضربا) فائدة لم تكن في (ضربت) وإنما تجيء تأكيدا فإذا قلت : ضربت ضربا شديدا أو الضرب الذي تعلم فقد أفادك ذلك أمرا لم يكن في (ضربت) فهذا الذي يحسن الإخبار عنه ، فإن أردت الإخبار عن ذلك قلت : (الذي ضربت ضرب شديد) تريد : (الذي ضربته ضرب شديد) ، وإن قلت سير بزيد سير شديد قلت الذي سير بزيد سير شديد والذي يجوز أن تخبر عنه من المصادر ما جاز أن يقوم مقام الفاعل كما كان ذلك في الظروف قال الله تبارك وتعالى : (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ) [الحاقة : 13].

وذكر المازني : أن الإخبار عن النكرة يجوز من هذا الباب ، وإن الأحسن أن يكون معرفة أو موصوفا وهو عندي غير جائز إلا أن تريد بالمصدر نوعا من الفعل فتقول على ذلك :(ضرب ضرب) أي : نوع من الضرب وفيه بعد وتقول : (ضربتك ضربا شديدا) فإذا أخبرت عنه بالألف واللام قلت : (الضاربك أنا ضرب شديد) أي : (الذي ضربتكه ضرب شديد) ، فإن ثنيت المصدر أو أفردت المرة فيه حسن الإخبار لأنك تقول : ضرب ضربتان فتكون فيه فائدة ؛ لأن قولك : (ضرب) لا يفصح عن ضربتين وكذلك لو قلت : (ضرب ضربة واحدة) أو ضربة ولم تذكر واحدة فإذا قلت : (ضرب بزيد ضرب شديد) قلت : (المضروب بزيد ضرب شديد) و (المنفوخ في الصور نفخ شديد) ، وإذا قلت : (شربت شرب الإبل) قلت : (الشاربه أنا شرب الإبل) ، وإذا قلت : (تبسمت وميض البرق) قلت : المتبسمة أنا وميض البرق وقد قال قوم : إنّ وميض البرق ينتصب على (فعل) غير (تبسمت) كأنهم قالوا :(ومضت وميض البرق) فهؤلاء لا يجيزون الإخبار عن هذه الجهة ومن نصب المصادر إذا كانت نكرة على الحال لم يجز الإخبار عنها كما لا يجوز الإخبار عن الحال ، وإذا كانت المصادر وغيرها أيضا حالا فيها الألف واللام لم يجز أن تخبر عنها نحو : أرسلها العراك والقوم فيها الجماء الغفير ورجع عوده على بدئه وما أشبه هذا مما جاء حالا وهو معرفة وكل ما شذّ عن بابه

ص: 129

فليس لنا أن نتصرف فيه ولا نتجاوز ما تكلموا به وكل اسم لا يكون إلا نكرة فلا يجوز الإخبار عنه وقد ذكرنا هذا فيما تقدم فقصة : ربّ رجل وأخيه وكلّ شاة وسخلتها وما أشبه هذا مما جاء معطوفا نكرة فهو كالحال لا يجوز الإخبار عنه ولو أجزته لوجب أن تكرر (ربّ) فتقول : (الذي ربّه).

ولا حجة في قول العرب : ربّه رجلا وربّها امرأة ؛ لأن هذا ليس بقياس ولا هو اسم تقدم.

قال المازني : وأما قول العرب : (ويحه رجلا) فإنّما جاءت الهاء بعد مذكور وقد يجوز الإخبار عنها كما يجوز الإخبار عن المضمر المذكور فتقول : (الذي ويحه رجلا هو) وفيه قبح ؛ لأن (ويح) بمعنى الدعاء مثل الأمر والنهي والذي لا يوصل بالأمر والتي لأنّهما لا يوضحانه والدعاء بتلك المنزلة قال : إلا أنّ هذا أسهل ؛ لأن لفظه كلفظ الخير.

قال أبو بكر : أنا أقول : (وهو عندي غير جائز ؛ لأن هذه أخبار جعلت بموضع الدعاء فلا يجوز أن تحال عن ذلك ، وأما ما جاء من المصادر مضمرا فعله مثل : إنما أنت ضربا وأنت سيرا وضربا ضربا) فلا يجوز عندي الإخبار عنه لأنها مصادر استغنى بها عن ذكر الفعل فقامت مقامه فلا يجوز الإخبار غعنها كما لا يجوز الإخبار عن الفعل والمصدر يدل على فعله المحذوف فإذا أضمرته لم يدل ضميره على الفعل.

والمازني : يجيز الإخبار عن هذا فيقول إذا أخبرت عن (سير) من قولك : إنّما أنت سيرا قلت : (الذي انت إيّاه سير شديد) كأنّك قلت : الذي أنت تسيره سير شديد.

العاشر : الابتداء والخبر

اعلم أنّ هذا الباب لا يجوز الإخبار فيه إلا بالذي ؛ لأنه لا يكون منه فاعل.

وذلك قولك : (زيد أخوك) إن أخبرت عن (زيد) قلت : (الذي هو أخوك زيد) انتزعت زيدا من الصلة وجعلت موضعه (هو) فرجع إلى (الذي) والذي هو زيد على ما بينت فيما تقدم ، وإن أخبرت عن الأخ.

ص: 130

قلت : (الذي زيد هو أخوك) جعلت (هو) مكان الخبر كما كان في أصل المسألة ولا يجوز هذا التقديم والتأخير ؛ لأنه ملبس.

وتقول : (أنت منطلق) للذي تخاطب ، وإن أردت أن تخبر عن المخاطب قلت : (الذي هو منطلق أنت) ، وإن أخبرت عن منطلق قلت الذي أنت هو منطلق ، وإن أخبرت عن المضمر في (منطلق) لم يجز لأنك تجعل مكانه ضميرا يرجع إلى (الذي) ولا يرجع إلى المخاطب فيصير المخاطب مبتدأ ليس في خبره ما يرجع إليه ، وإذا قلت : (زيد ضربته) فأخبرت عن (زيد) أقمت مقامه (هو) فقلت : (الذي هو ضربته زيد) فهو يرجع إلى (الذي) والهاء في (ضربته) لم يجز لأنك تصير إلى أن تقول : (الذي زيد ضربته هو) ، فإن جعلت الهاء التي في (ضربته) ترجع إلى (زيد) لم يرجع إلى (الذي) شيء ، وإن رددته إلى (الذي) لم يرجع إلى (زيد) شيء.

قال المازني : هل يجوز أن أحمل هذا على المعنى ؛ لأن زيدا هو الذي في المعنى ، فإن ذلك أيضا غير جائز لأنك لا تفيد حينئذ بالخبر معنى ولا يجوز الإخبار عن (ضربته) في هذه المسألة ؛ لأنه فعل وجملة والأفعال والجمل لا يخبر عنها لأنك إذا أخبرت احتجت أن تضمر ما تخبر عنه والفعل لا يضمر وكذلك الجملة ؛ لأن ذلك محال ، وإذا قلت زيد ذهب عمرو إليه جاز أن تخبر عن زيد فتقول : (الذي هو ذهب عمرو إليه زيد) لأنك تجعل الهاء التي في (إليه) يرجع إلى (هو) وتجعل (هو) يرجع إلى (الذي) ، وإن أخبرت عن (عمرو) فجائز.

فتقول : (الذي زيد ذهب إليه عمرو) وتجعل للفاعل في (ذهب) ضميرا يرجع إلى (الذي) وتجعل عمرا خبرا للمبتدأ ، وإن جعلت في موضع (عمرو) في هذه المسألة (هندا) كان أبين إذا قلت : (زيد ذهبت هند إليه) فأخبرت عن (هند) قلت : التي زيد ذهبت إليه هند ، فإن ثنيت هندا قلت : (اللتان زيد ذهبتا إليه الهندان) فصار الكلام أوضح لما ظهر ضمير الفاعل وهو الراجع إلى (اللتين) ، فإن أخبرت عن (الهاء) في هذه المسألة لم يجز من حيث لم يجز الإخبار عن الهاء في (زيد ضربته) ، فإن قلت : (زيد ذاهب إليه عمرو) فأخبرت عن (عمرو) قلت : الذي زيد ذاهب إليه هو (عمرو) جعلت (هو) فاعلا وجعلت (هو) منفصلا ؛ لأن (ذاهبا) اسم إذا صار خبرا لغير من هو له أو صفة أو حالا صار فاعله منفصلا والفعل ليس كذلك وقد مضى

ص: 131

تفسير هذا وتقول : (زيد يضربه أبوه) ، فإن أخبرت عن (زيد) قلت : (الذي هو يضربه أبوه زيد) جعلت (هو) موضع. (زيد) وهو الراجع إلى (الذي) والهاء في يضربه ترجع إلى (هو) وكذلك الهاء في (أبيه) كما كان في أصل المسألة ، وإن أخبرت عن الأب قلت : (الذي زيد يضربه أبوه) فتجعل في (يضربه) فاعلا وهو صلة (الذي) وجعلت الأب خبرا وهو (الذي) وهذه المسألة تلبس بقولك : (زيد يضرب أباه) لو قيل لك أخبر عن (الأب) لقلت : الذي زيد يضربه أبوه ولو جعلت موضع أبيه أمه لارتفع اللبس لو قيل لك كيف تخبر عن الأم من قولك : (زيد تضربه أمه) لقلت : (التي زيد تضربه أمه) ولو قلت (زيد يضرب أمه) فأخبرت عن الأم لقلت : (التي زيد يضربها أمه) وهذه المسألة متى ما لم يخالف فيها بين المبتدأ والفاعل أو المفعول ألبس فلم يعلم الفاعل من المفعول ، فإن خالفت بأن تجعل أحدهما مفردا والآخر مثنى أو مجموعا أو تجعل أحدهما مذكرا والآخر مؤنثا زال اللبس ألا ترى أن أصل المسألة إذا قلت : (زيد يضربه عمرو) وعمرو فاعل لو قيل لك : قدم عمرا لقلت : عمرو زيد يضربه ففي (يضربه) ضمير (عمرو) مرفوع ولو قيل لك : قدم عمرا من قولك : (زيد يضرب عمرا) لقلت : (عمرو زيد يضربه) ففي (يضربه) ضمير (زيد) واللفظ واحد جعلت عمرا فاعلا أو مفعولا إذا قدمته وابتدأته ، فإن خالفت بين الاسمين حتى يقع ضميراهما متخالفين بأن المراد ، وذلك أن تجعل موضع عمرو العمران.

فإذا قلت : زيد يضربه العمران فقدمت العمرين مبتدأين قلت : (العمران زيد يضربانه) ، وإن قلت : (زيد يضرب العمرين) فقدمت العمرين مبتدأين قلت : العمران زيد يضربهما ، فإن جعلت موضع (يضرب) ضاربا من قولك : زيد يضربه أبوه قلت : زيد ضاربه أبوه ، فإن أخبرت عن الأب قلت : الذي زيد ضاربه هو أبوه فأظهرت (هو) منفصلة لما تقدم ذكره ، فإن أخبرت عن الأب من قولك : (زيد ضارب أباه) قلت : (الذي زيد ضاربه أبوه) ولم تحتج إلى (هو) ؛ لأن (ضارب) إلى جانب زيد وهو له فأما قولهم : (السمن منوان بدرهم) فهذا مستعمل بالحذف يريدون : السمن منوان منه بدرهم ، فإن أخبرت عن السمن قلت : (والذي هو منوان

ص: 132

بدرهم السمن) تريد : (الذي هو منوان منه بدرهم السمن) نقلته عما كان والحذف بحاله والهاء التي في (منه) ترجع إلى (هو) كما كانت ترجع إلى السمن في أصل المسألة.

وإن أخبرت عن (المنوين) قلت : (اللذان السمن هما بدرهم منوان) ، وإن أتممت الكلام قلت : (اللذان السمن هما بدرهم منه منوان) والإتمام هو أحبّ إليّ ؛ لأن المحذوف لا ينبغي أن يصرف تصرف غير المحذوف وحقه أن يترك على لفظه ليدل على ما حذف منه وهذه المسألة نظير قولك : (زيد عمرو قائم إليه) فزيد : مبتدأ كالسمن ومنوان : مبتدأ ثان كعمرو وقولك :(بدرهم منه) خبر (منوين) والهاء في (منه) ترجع إلى (السمن) كرجوع الهاء في (إليه) ، فإن قيل لك : أخبر عن خبر السمن بأسره وهو قولك : (منوان منه بدرهم) لم يجز ؛ لأن الجمل لا تضمر وكذلك لو قيل لك : أخبر في قولك : زيد عمرو قائم إليه عن خبر (زيد) بأسره لم يجز.

الحادي عشر : المضاف إليه

اعلم أن المضاف إليه على ضربين : فضرب منه يكون الاسمان فيه كحروف زيد وعمرو يراد بهما التسمية فقط كرجل اسمه عبد الله أو عبد الملك فهذا الضرب لا يجوز أن تخبر فيه عن المضاف إليه ؛ لأنه كبعض حروف الاسم وضرب ثان من الإضافة وهي التي يراد بها الملك نحو : (دار عبد الله) وغلام زيد فهذان منفصلان جمع بينهما الملك ومتى زال الملك زالت الإضافة فهذا الضرب الذي يجوز أن تخبر عن المضاف إليه أما المضاف الأول فلا يجوز أن تخبر عنه البتة أعني (غلاما ودارا) إذا قلت : غلام زيد ودار عمرو لأنك لو أخبرت عنه لوجب أن تضمره وتضيفه والمضمر لا يضاف فإذا قلت : (هذا غلام زيد) فأردت الإخبار عن (زيد) قلت : (الذي هذا غلامه زيد) جعلت الهاء موضع زيد وهي الراجعة إلى الذي وكذلك إذا قلت قمت في دار زيد قلت الذي قمت في داره زيد ، فإن قلت : هذا ابن عرس وسام أبرص وحمار قبان وأبو الحرث وأنت تعني الأسد فأخبرت عن المضاف إليه في هذا الباب لم يجز ؛ لأن الثاني ليس هو شيء يقصد إليه وإنما حمار قيان اسم للدابة ليس أن قبان شيء يقصد إليه كما كان زيد شيئا يقصد إليه.

ص: 133

وقال أبو العباس عن أبي عثمان : أنه قد جاء الإخبار في مثل : حمار قبان وأبي الحرث وما أشبهه ولكنه في الشعر شاذ.

الثاني عشر : البدل

(1)

اختلف النحويون في الإخبار في هذا الباب فمنهم من لا يجيز الإخبار عن المبدل منه إلا والبدل معه كما يفعل في النصب.

قال أبو بكر : وإلى هذا أذهب وهو الذي يختاره المازني ومنهم من يجيز الإخبار عن المبدل منه دون البدل فإذا قلت : (مررت برجل أخيك) فأخبرت عن (رجل) قلت : الذي مررت به رجل أخوك والمار به أنا رجل أخوك تجعل الرجل خبرا ثم تبدل الأخ منه كما كان في أصل المسألة وقوم يقولون : المار به أنا أخيك رجل فيجعلون (الأخ) بدلا من الاسم المضمر كما كان بدلا من مظهر.

قال المازني : فإن أخبرت عن أخيك من قولك : (مررت برجل أخيك) قلت : المار أنا برجل به أخوك قال : وهذا قبيح لأنّك جئت بالبدل الذي لا يصح الكلام إلا به فجعلته بعد ما قدرت كلامك تقديرا فاسدا قال : ومن أجاز هذا أجاز : (زيد ضربت أخاك أباه) قال : وهو جائز على قبحه.

قال أبو بكر : ومعنى قول المازني : قدرت كلامك تقديرا فاسدا يعني : أنّ حقّ الكلام أن يستغني بنفسه قبل دخول البدل ؛ لأن حقّ البدل أي يكون بمنزلة ما ليس في الكلام وأن يكون متى أسقط استغنى الكلام فلو قلت : (المارّ أنا برجل أخوك) لم يجز ؛ لأنه لم يرجع إلى الألف واللام شيء فكان الكلام فاسدا وكذلك لو قلت : (زيد ضربت أخاك) لم يجز ؛ لأنه لم يرجع إلى (زيد) شيء وقولك (أباه) بعد بمنزلة ما ليس في الكلام ، قال المازني : وكلا القولين مذهب وليسا بقويين.

ص: 134


1- قال الجرجاني في التعريفات : البدل : تابع مقصود بما نسب إلى المتبوع دونه ، قوله : مقصود بما نسب إلى المتبوع ، يخرج عنه : النعت ، والتأكيد ، وعطف البيان ، لأنها ليست بمقصودة بما نسب إلى المتبوع ، وبقوله : دونه ، يخرج عنه العطف بالحروف ، لأنه وإن كان تابعا مقصودا بما نسب إلى المتبوع ، كذلك مقصود بالنسبة.

الثالث عشر : العطف

(1)

اعلم أن العطف يشبه الصفة والبدل من وجه ويفارقهما من وجه أما الوجه الذي أشبههما فإنه تابع لما قبله في إعرابه ، وأما الوجه الذي يفارقهما فيه ، فإن الثاني غير الأول والنعت والبدل هما الأول.

ألا ترى أنك إذا قلت : (زيد العاقل) فالعاقل هو زيد ، وإذا قلت : (مررت بزيد أخيك) فأخوك هو زيد ، وإذا قلت (قام زيد وأخوك) فأخوك غير زيد فلذلك يجوز أن تخبر عن الاسم المعطوف عليه الأول ويجوز أن تخبر عن الاسم المعطوف الثاني التابع لما قبله ولك أن تخبر عنهما جميعا تقول : زيد وعمرو في الدار ، فإن أخبرت عنهما جميعا قلت : (اللذان هما في الدار زيد وعمرو).

وإن أخبرت عن زيد قلت : (الذي هو وعمرو في الدار زيد) ، وإن أخبرت عن زيد قلت :(الذي هو وعمرو في الدار زيد) ، وإن أخبرت عن (عمرو) قلت : (الذي زيد وهو في الدار عمرو) ، وإن شئت قلت : (الذي هو زيد في الدار عمرو) ؛ لأن المعنى واحد ، فإن قلت : (قام زيد وعمرو) فأخبرت عنهما جميعا قلت : (اللذان قاما زيد وعمرو) ، وإن أخبرت عن (زيد) قلت : الذي قام هو وعمرو (زيد) فأكدت الضمير في (قام) بهو لتعطف عليه الظاهر ويجوز أن لا تذكر (هو) فتقول : (الذي قام وعمرو زيد) وفيه قبح ، وإن أخبرت عن (عمرو) قلت : (الذي قام زيد وهو عمرو زيد) ، فإن قلت في هذه المسائل بالألف واللام فقياسه قياس ما تقدم ، وإن أخبرت عن المفعول من قولك : ضربت زيدا وعمرا ، فإن أردت أن تخبر عن (زيد) قلت : الذي ضربته وعمرا زيد ، وإن أخبرت عن عمرو) قلت : (الذي ضربت زيدا وإياه عمرو) ، فإن لم ترد ترتيب الكلام على ما كان عليه قلت : الذي ضربته وزيدا عمرو وجاز ذلك ؛ لأن قولك : (ضربت زيدا وعمرا وضربت عمرا وزيدا) في الفائدة سواء ، فإن قلت :

ص: 135


1- قال الجرجاني في التعريفات : العطف : تابع يدل على معنى مقصود بالنسبة مع متبوعه ، يتوسط بينه وبين متبوعه أحد الحروف العشرة ، مثل : قام زيد وعمرو ، فعمرو تابع مقصود بنسبة القيام إليه مع زيد.

ضربت زيدا وقام عمرو لم يجز الإخبار عن واحد منهما لأنهما من جملتين والعاملان يختلفان فلو أخبرت عن (زيد) لكنت قائلا : (الذي ضربته وقام عمرو زيد) فليس لقولك قام عمرو اتصال بالصلة ، فإن زدت في الكلام فقلت وقام عمرو إليه أو من أجله جاز ، فإن قلت :ضربت زيدا أو عمرا فأخبرت عن (زيد) ، فإن الأخفش يقول (الضاربه أنا أو عمرا زيد) قال ؛ لأن عمرا قد صار كأنه من سببه إن وقع عليهما فعل واحد كما تقول : مررت برجل ذاهب أبوه أو عمرو ولو قلت : أو ذاهب عمرو لم يجز لأنهما لم يجتمعا في فعل واحد فيصير عمرو إذا جعلت له فعلا على حدته كأنك قلت : مررت برجل ذاهب عمرو وكذلك لا يجوز الضاربه أنا والضارب زيدا عمرو.

قال أبو بكر : لأنه قد انفصل من العامل الذي في صلة الضارب ، وإذا قلت : ضربت أو شتمت عمرا فأخبرت عن (عمرو) قلت : (الذي ضربت أو شتمت عمرو) تريد : (الذي ضربته أو شتمته عمرو) فالفعلان داخلان في الصلة ، فإن قلته بالألف واللام احتجت أن تقول : الضاربه أنا والشاتمه أنا عمرو فأخرجت ما كان في صلة (الذي) عنها ؛ لأنه لا بد من ألف ولام أخرى حتى يصير فاعل بمعنى الفعل وهذا لا يجوز ومعنى الكلام أيضا يتغير لأنك إذا قلت : الذي ضربت أو شتمت عمرو فالشك واقع في الفعلين ، وإذا قلت (الضاربه أنا أو الشاتمه أنا عمرو) فالشك في الاسمين ، فإن قلت : ضربت زيدا أو شتمت عمرا لم يجز أن تخبر عن زيد إلا أن تضمر في الجملة الثانية ما يرجع إلى (زيد) فتقول : (الذي ضربت أو شتمت عمرا من أجله أو له زيد).

واعلم أنه قد جاء في العطف أشياء مخالفة للقياس فمن ذلك قولك : (مررت برجل قائم أبواه لا قاعدين) فقولك : (لا قاعدين) معطوف على (قائم) وليس في قولك : (قاعدين) شيء يرجع إلى رجل كما كان في قولك : قائم أبواه ضمير يرجع إلى (رجل) فجاز هذا في المعطوف على غير قياس وهذا لفظ المازني وقول كلّ من يرضى قوله وكان ينبغي أن تقول : مررت برجل قائم أبواه ولا قاعد أبواه وأن لا يجيء الأبوان مضمرين ولكنه حكى عن العرب وكثر في كلامهم حتى صار قياسا مستقيما ومما جاء في العطف لا يجوز في الأول قول العرب : (كلّ شاة

ص: 136

وسخلتها بدرهم) ولو جعلت السخلة تلي (كلّ) لم يستقم ومثله : (ربّ رجل وأخيه) فلو كان الأخ يلي : (ربّ) لم يجز ومن كلام العرب : (هذا الضارب الرجل وزيد) ولو كان زيد يلي الضارب لم يكن جرا وينشدون هذا البيت جرا :

الواهب المائة الهجان وعبدها

عوذا تزجّى خلفها أطفالها

وكان أبو العباس رحمه الله يفرق بين عبدها وزيد : ويقول : إن الضمير في (عبدها) هو المائة فكأنه قال : وعبد المائة ولا يستحسن ذلك في (زيد) ولا يجيزه وأجاز ذلك سيبويه والمازني ولا أعلمهم قاسوه إلا على هذا البيت.

وقال المازني : إنه من كلام العرب والذي ، قال أبو العباس أولى وأحسن فإذا قلت : (مررت بزيد القائم أبواه لا القاعدين) أجريت (القاعدين) على القائم أبواه عطفا فصارا جميعا من صفة زيد ولم يكن في القاعدين ما يرجع إلى الموصول في اللفظ ولكنه جاز في المعرفة كما جاز في النكرة وتقول على هذا القياس : مررت بهند القائم أبواها لا القاعدين فتجري (القاعدين) عليها.

قال المازني : وقد قال قوم من أهل العلم : نجيز هذا في الألف واللام ولا نجيزه في (الذي) ؛ لأن الألف واللام ليستا على القياس و (الذي) لا بد في صلته من ضميره وقال هؤلاء ألا ترى أنك تقول : (نعم الذاهب زيد ونعم القائم أبوه زيد ونعم الضارب زيدا عمرو) ولا تقول : (نعم الذي ذهب زيد) ألا ترى أن الألف واللام قد دخلتا مدخلا لا يدخله (الذي) وكذلك جاز مررت بهند القائم أبواها لا القاعدين ولم يجز : (مررت بهند القائم أبواها لا اللذين قعدا).

وقال الآخرون : نجيزه (بالذي) معطوفا ونجعل صلته على المعنى كما قلنا : أنا الذي قمت ، وأنت الذي قمت ، وأنا الذي ضربتك ، فحملناه على المعنى فكان الحمل على المعنى في العطف أقوى إذ كان يكون ذلك في هذا وليس معطوفا لأنّا قد رأينا أشياء تكون في العطف فلا تكون في غيره فإذا كانت صلة (الذي) جائزة أن تحمل على المعنى غير معطوفة فهي معطوفة أشد احتمالا فأجازوا هذا الباب على ما ذكرت لك.

ص: 137

قال المازني : وهو عندي جائز على المعنى كما تقول : (اللذان قام وقعد أخواك) فتجعل الضمير الذي في (قام وقعد) يرجع إلى (اللذين) على معناهما لا على لفظهما.

ومما جاء في الشعر في صلة الذي محمولا على معناه لا على لفظه :

وأنا الّذي قتّلت بكرا بالقنا

وتركت تغلب غير ذات سنام

ولو حمله على لفظه لقال : (قتل) قال : وليس كل كلام يحتمل أن يحمل على المعنى لو قلت : أخواك قام وأنت تريد : قام أحدهما لم يكن كلاما لأنك ابتدأت الأخوين ولم تجيء في خبرهما بما يرجع إليهما فلذلك لم يجز هذا ولو قلت : أخواك قام وقعد فحملت (قام وقعد) على معنى الأخوين كان هذا أقوى ؛ لأن الكلام كلما طال جاز فيه ما لا يجوز فيه إذا لم يطل ولو قلت : (اللذان قام أخواك) تريد : (اللذان قام أحدهما أخواك) لم يجز وقد يضطر الشاعر فيجيء بالشي على المعنى فيكون ذلك جائز كما جاز له صرف ما لا ينصرف ووضع الكلام في غير موضعه ولا يجوز ذلك في غير الشعر فكلّ ما شنع في السمع أجازته ولم يستعمل لا تجزه.

وقال الأخفش : لو أنّ رجلا أجاز : مررت بالذي ذهبت جاريتاه والذي أقامتا على القياس يعني في هذا الباب وعلى أنه يجوز في العطف ما لا يجوز في الإفراد كان قياسا على قبحه وعلى أنه ليس من كلام العرب ومن لم يجز هذا لم يجز : (مررت بالحسنة جاريتاه لا القبيحتين) إذا أراد معنى (الذي) ويجوز هذا على أن لا يجريه مجرى (الذي) ولكن يدخل الألف واللام للمعرفة ، وإذا قلت : (ضربت زيدا فعمرا) فأردت الإخبار عن (زيد) قلت : (الذي ضربته فعمرا زيد) ، فإن أخبرت عن (عمرو) قلت : (الذي ضربت زيدا فإياه عمرو) ولا يجوز أن تجعل ضميره متصلا وتقدمه كما فعلت في الواو ؛ لأن معنى الفاء خلاف ذلك وثمّ كالفاء وكذلك (لا) إذا كانت عاطفة فإذا قلت : (ضربت زيدا ثمّ شتمت عمرا) لم يجز أن تخبر عن زيد بالألف واللام ؛ لأنه يلزمك أن تقول : (الضاربه أنا ثمّ الشاتم أنا عمرا زيد) فلا يكون لقولك : (الشاتم أنا عمرا) اتصال بما في الصلة إلا أن تريد له أو من أجله كما بينا في مسائل تقدمت لو قلت : الذي ضربته وضربت عمرا زيد أو ثمّ ضربت عمرا أو فضربت عمرا لم يجز ذلك كله إلا على هذا الضمير أو تكون تريد : (ضربته وزيدا) فتقول : ضربته وضربت زيدا ترد

ص: 138

الفعل الثاني توكيدا فيجوز على هذا وهو أيضا قبيح وكذلك لو قلت : الذي ضربته وقمت أو ثم قمت أو قلت زيد لم يجز إلا على ما ذكرت لك وهو قبيح ألا ترى أنّك لو قلت : (مررت برجل قائم أبوه وأنا) جاز ولو قلت : (مرّ زيد برجل وذاهب أنا) لم يجز إلا على ما ذكرت لك من الضمير فتقول : وذاهب أنا من أجله ولو قلت : (الذي ضربته فبكى زيد أخوك) جاز ؛ لأن بكاء زيد كان لضربك إياه ولو قلت : (الضاربه أنا والباكي زيد أخوك) لم يجز لأنك إذا أدخلت الألف واللام لم تجعل الأول علة للآخر وإنما يكون ذلك في الفعل ولو قلت : الذي ضربته وقمت زيد كان جيدا ؛ لأن الفعلين جميعا من صلة (الذي).

وقال الأخفش : لو قلت : الضاربه أنا وقمت زيد كان جائزا على المعنى ؛ لأن معنى الضاربه أنا الذي ضربته ، وفي كتاب الله عز وجل : (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا. اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ)(1) [الحديد : 18] ولو قلت : الضاربة أنا والقائم أنا زيد لم يجز ؛ لأن كل واحد منهما اسم على حياله والقائم أنا ليس فيه ذكر زيد ولو قلت : (الضارب زيدا فمبكيه أنت) كان جائزا على أن يكون الضرب علة للبكاء لأنك لو قلت : (الضارب زيدا فبكى أنا) كان جيدا ولو قلت : (الضارب زيدا فالباكي هو أنا) لم يحسن.

وقال الأخفش : إلا على وجه بعيد كأنه ليس فيه ألف ولام كما قالت العرب : هم فيها الجماء الغفير يريدون : هم فيها جما غفيرا وأرسلها العراك يريد : أرسلها عراكا وقال : قالت العرب : (هم الخمسة العشر) يريدون : (هم الخمسة عشر).

الرابع عشر : الإخبار عن المضمر

إذا قلت : (قمت) فأخبرت عن (التاء) قلت : (القائم أنا) ، فإن قلت (قمت) فأخبرت عن (التاء) قلت : (القائم أنت) ، فإن كان الضمير غائبا قلت : (القائم هو) ، وإن أخبرت (بالذي)

ص: 139


1- قرأ ابن كثير ، وعاصم في رواية أبي بكر مخففة الصّاد. وقرأ الباقون مشدّدا في الحرفين جميعا أرادوا : المتصدّقين فأدغموا التّاء في الصّاد فالتّشديد من جلل ذلك ، وليس في تشديد الدّال اختلاف ؛ لأنّه على وزن تفعّل تصدّق مثل تكبّر ، وتجبّر ، ومن خفّف حذف التّاء اختصارا. [إعراب القراءات السبع وعللها : 2 / 351].

قلت : (الذي قام هو والذي قام أنت والذي قام أنا) لأنك لو قلت : (الذي قمت أنا والذي قمت أنت) لم يكن في صلة (الذي) شيء يرجع إليه وزعموا أنه سمع من العرب وهو في أشعارهم : أنا الذي قمت وأنت الذي قمت إذا بدأت بالمخاطب قبل (الذي) أو بدأ المتكلم (بأنا) قبل (الذي) فحملت (الذي) في هذا الباب على المعنى والجيد : أنا الذي قام والآخر جائز فإذا قلت : (ضربتني) فأخبرت عن المفعول قلت : (الذي ضربته أنا) ، فإن قلت : (ضربتك) فأخبرت عن الفاعل قلت : الذي ضربك أنا) ولا يجوز : (الذي ضربتك أنت) ولا (الذي ضربتني أنا) إذا أخبرت عن (التاء) ، فإن قدمت (نفسك) قبل (الذي) قلت : (أنا الذي ضربتك وأنا الذي ضربتني).

قال المازني : ولو لا أن هذا حكي عن العرب الموثوق بعربيتهم لرددناه لفساده ، وإذا قلت : ضربتك فخبرت عن المفعول بالذي قلت : (الذي ضربت أنت) إن شئت حذفت الهاء من (ضربت) ، وإن شئت أثبتها وكذلك إذا قلت : مررت بك فأخبرت عن (الكاف) بالذي قلت :(الذي مررت به أنت) ، فإن قلت : ضربتني أو مررت بي فأخبرت عن نفسك قلت : (الذي مررت به أنا والذي ضربته أنا) فالمجرور والمنصوب والمرفوع من المضمر على هذا فإذا قلت :هذا غلامك فأخبرت عن (الكاف) قلت : الذي هذا غلامه أنت ، وإذا قلت : هذا غلامي فأخبرت عن الياء قلت : (الذي هذا غلامه أنا) ، وإذا قلت : (هذا غلامه) قلت : (الذي هذا غلامه هو) ؛ لأن (أنا) للمتكلم وأنت للمخاطب وهو للغائب.

وقال المازني في هذا الباب : إنه جائز عند جميع النحويين.

ثم قال : وهو عندي رديء في القياس ولو لا اجتماع النحويين على إجازته ما أجزته :قال أبو بكر : والذي جعله عنده رديئا في القياس أنك تخرج المضمر الذي هو أعرف المعارف إلى الظاهر ؛ لأن (الذي) ، وإن كان مبهما فهو كالظاهر ؛ لأنه يصحّ بصلته.

ص: 140

باب ما تخبر فيه بالذي ولا يجوز أن تخبر فيه بالألف واللام

وما يجوز بالألف واللام ولا يجوز بالذي ، وذلك المبتدأ والخبر

أما ما يخبر فيه (بالذي) ولا يجوز بالألف واللام فالمبتدأ والخبر وقد بيناه فيما تقدم وكذلك ما جرى مجراهما والمضاف إليه والاسم المعطوف وكل اسم لا يتصل به فعل فيرفعه أو ينصبه أو يتصل به بحرف جر لا يجوز أن تخبر عنه إلا (بالذي) وكل فعل لا يتصرف فلا يجوز عنه الإخبار إلا (بالذي) وقد تقدم ذكر هذا.

وأما ما يجوز بالألف واللام ولا يجوز (بالذي) مكانه فقال الأخفش تقول : (مررت بالقائم أخواه إلا القاعدين) ولو قلت : (مررت بالذي قعدت جاريتاه لا الذي قامتا) لم يجز ؛ لأن (الذي) لا بد من أن يكون في صلتهما ذكرها وكذلك لو قلت : (مررت بالقاعد أبواها لا القائمين) كان جيدا.

ولو قلت : مررت بالتي قعد أبواها لا التي قاما لم يجز ؛ لأنه ليس في صلة (التي) ذكر لها ألا ترى أنك تقول : (المضروب الوجه عبد الله) ولا تقول : (الذي ضرب الوجه عبد الله) وتقول : المضروبة الوجه ضربتين أمة الله.

ولا تقول : (التي ضربت الوجه ضربتين أمة الله ؛ لأنه ليس في صلة (التي) لها ذكر.

ص: 141

ذكر المحذوفات التي قاس عليها النحويون

وذلك قولك : (ضربت وضربني زيد) وضربني وضربت زيدا قال الأخفش : إذا قلت :(ضربت وضربني زيد) فأدخلت عليه الألف واللام وجعلت (زيدا) خبرا قلت : (الضاربه أنا والضاربي زيد) لا يحسن غير ذلك لأنك حين طرحت المفعول في (ضربت وضربني) لم تزد على ذلك وأنت لو طرحت (الهاء) من قولك (الضاربه أنا والضاربي زيد) كنت قد طرحت المفعول به كما طرحته في (ضربت) وطرحت الشيء الذي تصحّ به الصلة ؛ لأن كلّ شيء من صلة (الذي) لا يرجع فيه ذكر (الذي) فليس هو بكلام قال : إلا أنّ بعض النحويين قد أجاز هذا وهو عندي غير جائز لطول الاسم ؛ لأنه صير (الضارب أنا والضاربي) كالشيء الواحد ، وإذا جعلت (أنا) هو الخبر يعني إذا أخبرت عن (التاء) كان حذف (الهاء) أمثل من هذا ، وذلك أنك إذا قلت : (الضارب والضاربه زيد أنا) إنما أوقعت من (الضارب) المفعول به ولم توقع ذكر (الذي) فلم تزد على مثل ما صنعت في (ضربت وضربني زيد) لأنك إنما ألغيت ثم المفعول وألغيته هاهنا أيضا ، وإن كان في قولك : (الضارب والضاربه زيد أنا) أقبح منه في (ضربت وضربني زيد) ؛ لأن هذا مما يخل بصلة الاسم أن يحذف منه المفعول به حتى يصير الاسم كأنه لم يتعد.

قال المازني : إذا أردت الإخبار عن زيد ، فإن ناسا من النحويين يقولون : (الضارب أنا والضاربي زيد) قال : وما أرى ما قالوا إلا محالا إن كنت لم تنو أن يكون في (الضارب) مفعول محذوف ، فإن كنت أردت أن يكون محذوفا فإثباته أجود قال : وإن قلت : إني إنما أحذفه كما أحذفه في الفعل ، فإن ذلك غير جائز لأنك حين حذفته في الفعل لم تضمر وأنت هاهنا تحذفه مضمرا فحذفهما مختلف فلذلك لم يكن مثله في الفعل قال : والقياس عندي أن أقول :(الضارب أنا والضاربي زيد) فأجعل (الضارب) مبتدأ وأجعل (أنا) خبره فأجعل (الضاربي) مبتدأ وأجعل زيدا خبره وأجعله تفسيرا لما وقع عليه (ضربت) كما كان تفسيرا له مع الفعل وأجعل الضارب الأول غير متعدّ كما كان الفعل الذي بنيته منه غير متعدّ وأجعل (أنا) خبرا

ص: 142

له ؛ لأن الفعل والفاعل نظيرهما من الأسماء المبتدأ والخبر لأنك إذا قلت : (ضرب زيد) فلا بد لضرب من (زيد) كما أنك إذا قلت : (زيد منطلق) فلا بد له من (منطلق) أو ما أشبهه فجعلت الأول مبتدأ و (أنا) خبره وعطفت عليه مبتدأ وخبره لتكون جملة عطفتها على جملة كما كان الفعل والفاعل جملة عطفت عليها فعلا وفاعلا جملة قال : فهذا أشبه وأقيس مما قال النحويون.

قال أبو بكر : وهذا الباب عندي لا يجوز الإخبار فيه من أجل أن هاتين الجملتين كجملة واحدة لحاجة الأولى إلى ما يفسرها من الثانية ، وإذا أدخلت الألف واللام فصلت ، فإن أحوجت الضرورة إلى الإخبار فهما بالألف واللام فأقيس المذهبين مذهب المازني ليكون الاسم محذوفا ظاهرا غير مضمر كما كان في الفعل.

وقال الأخفش : من جوز الحذف في (ضربت وضربني زيد) إذا أدخل عليه الألف واللام قال في (ظننت وظنني زيد عاقلا) إذا أعمل الآخر (الظانّ) أنا (والظاني عاقلا زيد) ، فإن قال : قد أضمرت اسمين من قبل أن تذكرهما قلت : أما الأول منهما فأضمرته ليكون له في الصلة ذكر والثاني أضمرته ؛ لأنه لا بد إذا أعملت الفعل في واحد من أن تعمله في الآخر قال :فإن جعلت (أنا) هو الخبر يعني : إذا أخبرت عن الياء فحذف الهاء أمثل شيئا لأنك لم تزد على حذف المفعول به كما حذفته من قبل الألف واللام فتقول : (الظانّ والظانه زيد عاقلا أنا) ، وإن ألحقت (الهاء) قلت : (الظانه إياه والظانه عاقلا زيد أنا).

قال المازني : فإن قلت : (ضربني وضربت زيدا) فأخبرت عن (زيد) قلت : (الضاربي هو والضاربه أنا) فجعلت الضاربي مبتدأ وهو خبره كما كان فاعلا في (ضربني) ليكون الضارب يستغني ويكون (هو) يحتاج إلى أن يفسر كما كان محتاجا وهو في موضع (ضربني) وليكون جملة معطوفة على جملة وكذلك إن كان فعلا تعدى إلى مفعولين نحو : أعطيت وأعطاني زيد درهما إذا أخبرت عن نفسك قلت : المعطي أنا والمعطى درهما زيد فجعلت (أنا) الأول خبرا (للمعطى) كما كان فاعلا (لأعطيت) وجعلت الثاني مبتدا وآخر الكلام خبره فجعلته جملة معطوفة على جملة.

ص: 143

قال أبو بكر : فعلى هذا يجيء هذا الباب ، وإن كثرت مسائله فقسه على ما ذكرت لك وليس أحد يقوله علمت من أهل العلم لأنهم إنما جروا على أشياء اصطلحوا عليها لم يفكروا في أصولها وهذا أقيس وأشبه بكلام العرب.

ص: 144

باب ما ألّف النحويون من (الذي) و (التي) وإدخال (الذي) على (الذي) وما ركب من ذلك

وقياسه قد تقدم من قولنا : إن (الذي) لا يتم إلا بصلة وإنه وصلته بمنزلة اسم مفرد فمتى وصلت (الذي) بالذي فانظر إلى الأخير منهما فوقه صلته فإذا تم بصلته وخبره فضع موضعه اسما مضافا إلى ضمير ما قبله ؛ لأنه إن لم يكن فيه ضمير يرجع إليه لم يصلح فإذا كان الأول مبتدأ فإنه يحتاج إلى صلة وخبر كما كان يحتاج وصلته غير (الذي) ويكون (الذي) الثاني يحتاج إلى صلة وخبر ويكون الثاني وصلته وخبره صلة للأول ولا بد من أن يرجع إلى كل واحد منهما ضمير في صلته حتى يصح معناه إلا أن (الذي) التالي للأول يحتاج إلى أن يكون فيه ضميران أحدهما يرجع إلى الثاني والآخر يرجع إلى (الذي) الأول ، وإن كان (الذي) بعد (الذي) الأول مرتين أو ثلاثا أو أربعا أو خمسا أو ما بلغ فحاله كحال الذي ذكرت لك من المبتدأ والخبر وحاجة كل واحد منهما إلى ما يتمه وما يكون خبرا له تقول : (الذي التي قامت في داره هند عمرو) فيكون (الذي) الأول مبتدأ ويكون (التي) الثانية مبتدأة أيضا ويكون (قامت في داره) فيه ضميران : أحدهما مرفوع وهو المضمر في (قامت) وهو راجع إلى (التي) والهاء راجعة إلى (الذي) الأول وتكون (هند) خبر (التي) الثانية وتكون (التي) الثانية وصلتها وخبرها صلة للذي (الأول) ويكون (عمرو) خبر (الذي) الأول ، فإن ثنيت قلت : (اللذان اللتان قامتا في دارهما الهندان العمران) فظهر الضمير الذي كان في (قامت) في الواحدة والتفسير ذلك التفسير.

وكذلك لو قلت : الذي التي في داره هند عمرو ففي (داره) ضميران أحدهما مرفوع والآخر مجرور فالمرفوع مضمر في الاستقرار المحذوف الذي قام الظرف مقامه (فالتي) مع صلتها تقوم مقام اسم مضاف إلى ضمير (الذي) ألا ترى أنك لو وضعت موضع ذلك (أخته) لجاز أن تقول : (الذي أخته هند عمرو) وتقول : (الذي الذي ضرب عمرو زيد) تجعل الفاعل الذي في (ضرب) يرجع إلى (الذي) الأول ، وإن شئت إلى الثاني وتجعل المفعول المحذوف في

ص: 145

(ضرب) يرجع إلى الآخر وتجعل عمرا خبرا للثاني وزيدا خبرا للأول وتقول : (الذي التي أخته أمها هند زيد) فتجعل (الذي) مبتدأ والتي مبتدأ ثانيا وأخته أمها (صلة التي) وفيها ما يرجع إلى (الذي) وإلى (التي) وهند خبر (التي) فصارت (التي) مع صلتها مبتدأ خبره (هند) وهذا المبتدأ والخبر صلة (الذي) وقد تم به ؛ لأن فيه ذكره و (زيد) خبر (الذي) فكأنك قلت :(الذي أخته هند زيد) فلو قلت الذي التي أخته هند أختها زيد لم يجز لأنك لم تجعل في صلة التي شيئا يرجع إليهما ولو قلت الذي التي أختها هند أخته زيد جاز لأنك جعلت (أختها) مبتدأة و (هندا) خبرها وهما في صلة (التي) وجعلت قولك : أخته خبر التي وجعلت (الهاء) التي أضفت الأخت إليها راجعة إلى (الذي) وجعلت التي وصلتها وخبرها صلة (للذي) فصار خبرها مضافا إلى ضمير الذي يرجع إلى (الذي) في صلته وصار زيد خبرا عن (الذي) فكأنك قلت (الذي هند أخته زيد) فصلح أن تضع هذا موضع (التي) ؛ لأنه ليس في (التي) وصلتها ما يرجع إلى (الذي) ولو لا الهاء في (أخته) ما كان كلاما ، فإن أدخلت كان على هذا قلت : (كان الذي التي أختها هند أخته زيدا) ، وإن أدخلت (ظننت) قلت : (ظننت الذي التي أختها هند زيدا) فنصبت (الذي وزيدا) وتركت سائر الكلام الذي هو صلة للذي مرفوعا ، فإن أدخلت في هذه المسائل (الذي) ثالثة فالقياس واحد تقول : (اللذان الذي التي أخته أختها أختهما هند زيد أخواك) لا بد في صلة الأخير وخبره من ثلاثة مضمرات بعدد المبتدآت الموصولات.

فإن لم يكن كذلك فالمسألة خطأ فتجعل اللذين ابتداء والذي ابتداء ثانيا والتي ابتداء ثالثا وتجعل أخته أختها صلة (للتي) والهاء في (أخته) ترجع إلى (الذي) وها في (أختها صلة للتي) والهاء في (أخته) ترجع إلى (الذي) وها في (أختها) ترجع إلى (التي) وأختهما خبر للتي وهي مضافة إلى ضمير (اللذين) وهي وصلتها وخبرها صلة (للذي) وزيد خبر الذي والذي وصلته وخبره صلة للذين وأخواك خبر (اللذين) وتعتبر هذا بأن تجعل موضع (التي) مع صلتها اسما مؤنثا مضافا إلى ضمير ما قبله كما كان في قولك : (أخته) فتقول : (اللذان الذي أمه أختهما زيد أخواك) فتجعل موضع (الذي) بتمامه صاحبهما فتقول : (اللذان صاحبهما زيد

ص: 146

أخواك) فالكلام ، وإن طال فإلى هذا يرجع فنعتبره إذا طال بهذا الإمتحان فإنه يسهله وتعرف به الخطأ من الصواب.

وتقول : (اللذان الذي أخوه زيد أخوهما أبوه أخواك) تجعل اللذين ابتداء والذي ابتداء ثانيا و (أخوه زيد) صلة الذي وأخوهما ابتداء وأبوه خبره وهما جميعا خبر (الذي) والضمير الذي في (أخيهما) راجع إلى (اللذين) والضمير الذي في قولك : (أبوه) راجع إلى الذي والكلام الذي بعد (اللذين) إلى قولك : (أبوه) صلة للذين وأخواك خبر عنهما ولو أدخلت على هذا (كان) أو ظننت وما أشبههما من العوامل كان الكلام على حاله كله ما خلا (اللذين وأخويك) فإنهما يتغيران ، وذلك قولك : (ظننت اللذين الذي أخوه زيد أخوهما أبوه أخويك) فلو أخبرت عن اللذين لقلت : (الظانّهما أنا أخويك اللذان الذي أخوه زيد أخوهما أبوه).

قال المازني : فإن أخبرت عن زيد جاز فقلت : (الظانّ أنا اللذين الذي أخوه هو أخوهما أبوه أخويك زيد) جعلت (الظانّ) ابتداء وأوقعته على (اللذين والأخوين) وجعلت صلتهما على حالها وجعلت قولك : هو راجعا إلى (الظانّ) فلذلك صح الكلام قال : ولو أخبرت عن (غير زيد) مما في الصلة لم يجز وإنما لم يجز ذلك ؛ لأن ما في الصلة من الأسماء التي هي غير (زيد) كلها مضافات إلى مضمرات فلو أخبرت عنهما احتجت أن تنتزعهما من الكلام وتجعل موضعهما ضميرا فلا يقوم مقام الراجع الذي كان شيء ولو أخبرت عن (الذي) لقلت : الظانّ أنا اللذين هو أخوهما أبوه أخويك الذي أخوه زيد.

وقال أبو بكر : وهذه مسألة في كتاب المازني ورأيتها في كثير من النسخ مضطربة معمولة على خطأ والصواب ما وجدته في كتاب أبي العباس محمد بن يزيد بخطه عن المازني وقد أثبته كما وجدته قال : لو قلت (الذي التي اللذان التي أبوهما أخواك أختها أخته زيد) جاز أن تجعل (الذي) مبتدأ (والتي) مبتدأة أيضا (واللذين) مبتدأين والتي مبتدأة ، وتجعل (أبوها) مبتدأ وهو مضاف إلى ضمير (التي) الثانية وأبوهما خبر (أبيها) وهو مضاف إلى ضمير (اللذين) وأختها خبر (التي) الثانية وهو مضاف إلى ضمير (التي) الأولى وهذا كله صلة للذين وأخواك

ص: 147

خبر اللذين وهذا كله صلة للتي الأولى يعني اللذين وصلتهما وخبرهما (وأخته) خبر عن (التي) وهي وصلتها وخبرها صلة (للذي) وزيد خبر عن (الذي).

قال أبو بكر : ويعتبر هذاه بأن تقيم مقام كل موصول مع صلته اسما حتى تردّ الجميع إلى واحد فإذا قلت : (الذي التي اللذان التي أبوها أبوهما أختها أخواك أخته زيد) عمدت إلى (التي) الثانية وصلتها أبوها أبوهما فأقمت مقامهما (أمهما) فصار الكلام الذي التي اللذان أمهما أختها أخواك أخته زيد ثم تقيم مقام (اللذين) وصلتهما اسما فتقول : الذي التي صاحباها أخواك أخته زيد ثم تقيم مقام (التي) مع صلتها (هند) فيصير الكلام : (الذي هند أخته زيد) فإلى هذا التقدير ونحوه ترجع جميع المسائل ، وإن طالت.

وإذا قلت : (الذي التي اللذان التي أبوها أبوهما أختها أخواك أخته زيد) فأردت الإخبار عن (الذي) قلت : (الذي هو زيد الذي التي اللذان التي أبوهما أختها أخواك أخته) ؛ لأن هذا كله صلة (للذي) الذي أخبرت عنه ، وإن أخبرت عن شيء في الصلة وكان مضافا إلى ضمير لم يجز ، وإن كان غير مضاف فالإخبار عنه جائز نحو الأخوين وزيد فالإخبار عن هذا كله جائز وتقول : (الذي إنّه زيد الذي إنّ أباه منطلق) تجعل (الذي) مبتدأ وتعمل (إنّ) في ضميره وتجعل (زيدا) خبرا (لأن) وتجعل (إن) وما عملت فيه صلة (للذي) وتجعل (الذي) الثاني خبرا للذين الأول وتجعل (إنّ أباه منطلق) صلة للذي الثاني.

قال المازني : وإنما جاز أن تجعل في صلة (الذي) إنّ ؛ لأنه قد جاء في القرآن : (ما إنّ مفاتحه) كأنه قال والله أعلم الذي إنّ (مفاتحه) ؛ لأن (ما) إذا كانت بمنزلة (الذي) كانت صلتها كصلة الذي.

ص: 148

باب أخوات (الذي)

وهي (ما (1) ومن وأي) مضاف ومفرد يكنّ استفهاما وجزاء وخبرا بمنزلة (الذي) فإذا كن استفهاما أو جزاء لم يحتجن إلى صلات وكن أسماء على حدتهن تامات نحو : (من أبوك) وما مالك وأي أبوك والجزاء نحو : (من يأتنا نأته) وأي يذهب تذهب معه وأيا تأكل آكل وقد يكن بمنزلة (الذي) فإذا كن كذلك وصلن بما وصل به (الذي) بالابتداء والخبر وبالظروف وبالفعل وما يعمل فيه نحو : (اضرب من في الدار واضرب من أبوه منطلق) وكل ما أكل زيد تريد : (ما أكله زيد) وتحذف الهاء من الصلة كما تحذفها من صلة (الذي) لطول الاسم وقد توصل (أي) بالابتداء والخبر وقد يحذف المبتدأ من اللفظ ويؤتي بالخبر فإذا كانت كذلك وكانت مضافة بنيت على الضمة في كل أحوالها كقولك : اضرب أيهم أفضل واضرب أيهم قائم ومثل ذلك قراءة الناس : (ثمّ لننزعنّ من كل شيعة أيّهم أشدّ) (2) لأنك لو وضعت (الذي) هاهنا كان قبيحا إنما تقول : (الذي هو قائم) ، فإن قلت : (الذي قائم) كان قبيحا ، فإن قلت :اضرب أيهم في الدار واضرب أيهم هو قائم واضرب أيهم يأتيك نصبت لأنك لو وضعت

ص: 149


1- ما الموصولة : وتستعمل فيما لا يعقل نحو : (ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ) (الآية : 96 سورة النحل) ، وقد تكون له مع العاقل نحو (سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) (الآية : 1 سورة الصف) ومنه (إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ) ومنه (إنما توعدون لآت) وفي كليهما : إنّ الذي صنعوا ، وإن الذي توعدون. وتكون لأنواع من يعقل نحو : (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) (الآية : 3 سورة النساء) وتكون للمبهم أمره ، كقولك حين ترى شبحا من بعد" انظر إلى ما ظهر". وإن جعلت الصّفة في موضع الموصوف على ما يعقل ، ومن كلام العرب : " سبحضان ما سبّح الرعد بحمده" ، وقال تعالى : (وَالسَّماءِ وَما بَناها) (الآية : 5 سورة الشمس). انظر معجم القواعد 25 / 5.
2- في حالة أن تضاف ويحذف صدر الصلة نحو يعجبني أيهم قائم ففي هذه الحالة تبنى على الضم فتقول يعجبني أيهم قائم ورأيت أيهم قائم ومررت بأيهم قائم وعليه قوله تعالى (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا) وقول الشاعر إذا ما لقيت بني مالك فسلم على أيهم أفضل انظر شرح ابن عقيل 1 / 162.

(الذي) هاهنا كان حسنا وزعموا أن من العرب من يقول : (اضرب أيهم أفضل) على القياس وقد قرأ بعض أهل الكوفة : (ثم لننزعنّ من كل شيعة أيّهم أشّد) وإنما حذف المبتدأ من صلة (أي) مضافة لكثرة استعمالهم إياها فإذا كانت مفردة لزمها الإعراب فقلت : (اضرب أيا أفضل) ولا تثني هاهنا ، وإن كانت (الذي) تقبح هاهنا من قبل أنهم إنما بنوها مضافة وتركوها مفردة على القياس.

قال أبو بكر : هذا مذهب أصحابنا وأنا أستبعد بناء (أي) مضافة وكانت مفردة أحق بالبناء ولا أحسب الذين رفعوا أرادوا إلا الحكاية كأنه إذا قال : (اضرب أيهم أفضل) فكأنه قال : اضرب رجلا إذا قيل : (أيهم أفضل) قيل : هو.

والمحذوفات في كلامهم كثيرة والإختصار في كلام الفصحاء كثير موجود إذا آنسوا بعلم المخاطب ما يعنون وهذا الذي اختاره مذهب الخليل.

قال سيبويه : زعم الخليل : أن (أيهم) إنما وقع في قولهم اضرب أيهم على أنه حكاية كأنه قال : (اضرب الذي يقال له أيّهم أفضل).

وشبهه بقول الأخطل :

ولقد أبيت من الفتاة بمنزل

فأبيت لا حرج ولا محروم (1)

ص: 150


1- على أن لا حرج عند الخليل مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، والجملة محكية بقول محذوف ، أي : أبيت مقولا في : هو لا حرج ولا محروم. وهذا من حكاية الجمل بتقدير المبتدأ ، ولا يصح أن يكون من حكاية المفرد ، لأن حكاية إعرابه إنما تكون إذا أريد لفظه ، نحو : قال فلان : زيد ، إذا تكلم بزيد مرفوعا ، وفي غير هذا يجب نصبه ، إلا أن يكون بتقدير شيء ، فنجب حكاية إعرابه كما هنا. وهذا نص سيبويه في المسألة : وزعم الخليل أن أيهم إنما وقع في قولهم : اضرب أيهم أفضل على أنه حكاية ، كأنه قال : اضرب الذي يقال له : أيهم أفضل. وشبه بقول الأخطل : ولقد أبيت من الفتاة بمنزل ... البيت قال الأعلم : الشاهد في رفع حرج ومحروم ، وكان وجه الكلام نصبهما على الحال. ووجه رفعهما عند الخليل الحمل على الحكاية ، والمعنى : فأبيت كالذي يقال له لا حرج ولا محروم. ولا يجوز : رفعه حملا على مبتدأ مضمر ، كما لا يجوز : كان زيد لا قائم ولا قاعد ، على تقدير : لا هو قائم ، ولا هو قاعد لأنه ليس موضع تبعيض ولا قطع ، فلذلك حمله على الحكاية. اه. وقال النحاس : قال سيبويه : زعم الخليل أن هذا ليس على إضمار أنا ، ولو كان كذلك لجاز : كان عبد الله لا مسلم ولا صالح ، ولكنه فيما زعم الخليل : فأبيت كالذي يقال له : لا حرج ولا محروم. وإنما فر الخليل من إضمار أنا وإن كانت قد تضمر في هذا الموضع ، لأنه يلزم عليه أن يقول : كنت لا خارج ولا ذاهب. وهذا قبيح جدا ، فجعله على الحكاية : فأبيت بمنزلة الذي يقال له : لا حرج ولا محروم ، أي : إنها لم تحرمني ، فيقال لي محروم ، ولم أتحرج من حضوري نعها ، فيقال لي : حرج. وقال أبو إسحاق الزاج : هو بمعنى لا حرج ولا محروم في مكاني. فإذا لم يكن في مكانه حرجا ولا محروما ، فهو لا حرج ولا محروم. وزعم الجرمي أنه على معنى فأبيت وأنا لا حرج ولا محروم. قال سيبويه : وقد زعم بعضهم أنه على النفي ، كأنه قال : فأبيت لا حرج ولا محروم بالمكان الذي أنا فيه. وكلام أبي إسحاق شرح لهذا. قال أبو الحسن : فيكون في المكان الذي أنا فيه خبرا عن حرج ، والجملة خبر أبيت. انتهى كلام النحاس. قال السيرافي :وهذا التفسير أسهل ، لأن المحذوف خبر حرج ، وهو ظرف ، وحذف الخبر في النفي كثير كقولنا : " لا حول ولا قوة إلا بالله" ، أي : لنا. وقوله : ولقد أبيت ، قال صاحب المصباح : بات له معنيان : أحدهما كما نقل الأزهري عن الفراء : بات الرجل ، إذا سهر الليل كله في طاعة أو معصية. وثانيهما : بمعنى صار ، يقال : بات بموضع كذا ، أي : صار به ، سواء كان في ليل ، أو نهار. وعليه قوله عليه الصلاة والسّلام : " فإنه لا يدري أين باتت يده" ، أي : صارت ووصلت. اه. والمناسب هنا المعنى الثاني. والرواية في ديوان الأخطل : ولقد أكون. والمستقبل هنا في موضع الماضي ، لأنه يريد أن يخبر عن حاله فيما مضى ، وأكثر ما يجيء هذا فيما علم منه ذلك الفعل خلقا وطبعا ، وقد تكرر ذلك الفعل منه ، ولا يكون كفعل فعله في الدهر مرة واحدة. والفتاة : الجارية الشابة ، يريد أنه كان في شبابه تحبه الفتيات ، ويبيت عندهن بمنزل يعنى بمنزلة جميلة. والحرج بفتح الحاء وكسر الراء : المضيق عليه. يقول : إن موضعه لم يكن مضيقا به ، ولا هو محروم من جهتها ما يريده. انظر خزانة الأدب 2 / 312.

وأما يونس فزعم : أنه بمنزلة قولك : (أشهد أنه لعبد الله) واضرب (معلقة) يعني (بمعلقة) أنها لا تعمل شيئا والبناء مذهب سيبويه والمازني وغيرهما من أصحابنا ومن العرب من يعمل (من) وما نكرتين فإذا فعلوا ذلك ألزموهما الصفة ولم يجيزوهما بغير صفة قالوا : اضرب من طالحا أو امرر بمن صالح قال الشاعر :

يا ربّ من يبغض أذوادنا

رحن على بغضائه واغتدين (1)

ص: 151


1- من النّكرة الموصوفة : وتدخل عليها" ربّ" دليلا على أنّها نكرة وذلك في قول الشّاعر : - ربّ من أنضجت غيظا قلبه قد تمنّى لي موتا لم يطع واستشهد سيبويه على ذلك بقول عمرو بن قميئة : يا ربّ من يبغض أذوادنا رحن على بغضائه واغتدين وظاهر في البيتين أنها واقعة على الآدميّين أي للعاقل. كما أنها وصفت بالنّكرة في نحو قولهم" مررت بمن معجب لك". ومثالها قول الفرزدق : إني وإيّاك إذ حلّت بأرحلنا كمن بواديه بعد المحل ممطور أي كشخص ممطور بواديه. انظر معجم القواعد 25 / 101.

وقال الآخر :

ربّما تكره النّفوس من الأمر

له فرجة كحلّ العقال (1)

فجعلها نكرة وأدخل عليها (ربّ).

واعلم أنه يجوز أن تقول : لأضربن أيهم في الدار وسأضرب أيهم في الدار ولا يجوز : (ضربت أيهم في الدار) وهذه المسألة سئل عنها الكسائي في حلقة يونس فأجازها مع المستقبل ولم يجزها مع الماضي فطولب بالفرق فقال : (أي) كذا خلقت.

قال أبو بكر : والجواب عندي في ذلك أن (أيا) بعض لما تضاف إليه مبهم مجهول فإذا كان الفعل ماضيا فقد علم البعض الذي وقع به الفعل وزال المعنى الذي وضعت له (أيّ) والمستقبل ليس كذلك.

ص: 152


1- قد تدخل" ما" النكرة الموصوفة على" ربّ" وتوصف بالجملة التي بعدها ، نحو قول أمية بن أبي الصّلت : ربّما تكره النّفوس من الأم ر له فرجة كحلّ العقال والتّقدير : ربّ شيء تكرهه النّفوس ، وضمير له يعود على ما. وقد تلحق ربّ ما الزّائدة فتكفّها عن العمل فتدخل حينئذ على المعارف وعلى الأفعال فتقول : " ربّما عليّ قادم" و" ربّما حضر أخوك". انظر معجم القواعد 11 / 1.

باب الاستفهام إذا أردت الإخبار عنه

إذا قلت : (أيهم كان أخاك (1)) فأردت الإخبار عن الأخ قلت : أيهم الذي هو كأنه أخوك ، وإن شئت (كان إيّاه) كما ذكر في مفعول (كان) المضمر فيما مضى ، وذلك أن اسم (أي) كان مضمرا في (كان) ولم يستقم أن تجعل (الذي) قبل (أي) ؛ لأنه استفهام فجعلت (هو الذي) هو ضمير أي تقوم مقامه فصار (أي) ؛ لأنه استفهام فجعلت (هو الذي) هو ضمير أي تقوم مقامه فصار (أي) ابتداء في (كان) وأخوك خبر (الذي) والذي وخبره خبر أي وتقديره تقدير :زيد الذي أبوه ضربه عمرو تجعل (الذي) لعمرو والأب هو الفاعل ، فإن أخبرت عن (أي) في هذه المسألة قلت : (أيهم الذي هو ضرب أخاك) تجعل (أيهم) خبرا مقدما وتجري الكلام مجراه كأنه في الأصل : (الذي هو ضرب أخاك أيّهم) ثم قدمته ؛ لأنه بمنزلة : زيد ضرب أخاك فالإخبار عن (زيد) الذي هو ضرب أخاك زيد فإذا قدمت زيدا وأدخلت عليه ألف الاستفهام قلت : (أزيد الذي هو ضرب أخاك) فهذا نظير (أيهم) ، فإن قلت : (أيهم ضرب أخوك) فجعلت (أي) مفعولة فأردت الإخبار عن (أي) قلت : أيهم الذي إياه ضربت أخوك والتقدير : (الذي إياه ضرب أخوك أيهم) إلا أنك قدمت (أي) وهي خبر الابتداء لأنها استفهام.

(الذي بعضهم هو زيد) ولكنك قدمت للاستفهام (فبعض) يجوز فيها التقديم والتأخير وأن يقع صلة وغير صلة وخبرا وأيهم إذا كانت استفهاما لا يجوز أن يكون إلا صدرا كسائر حروف الاستفهام.

ص: 153


1- الثالث أن يكون الخبر له صدر الكلام وهو المراد بقوله كذا إذا يستوجب التصديرا نحو أين زيد فزيد مبتدأ مؤخر وأين خبر مقدم ولا يؤخر فلا تقول زيد أين ؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام وكذلك أين من علمته نصيرا فأين خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وعلمته نصيرا صلة من. انظر شرح ابن عقيل 1 / 243.

باب من الألف واللام يكون فيه المجاز

تقول في قولك : (ضربنا الذي ضربني) إذا كنت وصاحبك ضربتما رجلا ضربك فأردت أن تجعل اسميكما الخبر قلت : (الضاربان الذي ضربني نحن).

وتصحيح المسألة : (الضاربان الذي ضرب أحدهما نحن) وإنما جاز أن تقول : (الذي ضربني) على المجاز وإنه في المعنى واحد ألا ترى أنك لا تقول : (الضارب الذي ضربني أنا) إلا على المجاز وتصحيح المسألة : (الضارب الذي ضربه أنا) ؛ لأن الضارب للغائب وإنما جاز الضارب الذي ضربني أنا على قصد الإبهام كأنه قال : (من ضرب الذي ضربك).

فأجبته بحسب سؤاله فقلت : (الضارب الذي ضربني أنا) كما تقول : (الضارب غلامي أنا) والأحسن : (الضارب غلامه أنا) ؛ لأن الذي هو غلامه قد تقدم ذكره والأحسن أن تضيفه إلى ضميره.

فإن أردت أن تجعل اسم المضروب هو الخبر من قولك : (ضربنا الذي ضربني) قلت :(الضاربة نحن الذي ضربني) هذا المجاز وتصحيح المسألة الضاربه نحن الذي ضرب أحدنا.

ص: 154

باب مسائل من الألف واللام

اشارة

تقول : هذا ثالث ثلاثة قلت : الذين هذا ثالثهم ثلاثة ، فإن قيل لك : في حادي أحد عشر وثالث ثلاثة عشر أخبر عن أحد عشر وثلاثة عشر.

لم يجز أن تقول : الذين هذا حاديهم أحد عشر ولا الذين هذا ثالثهم ثلاثة عشر كما قلت :الذين هذا ثالثهم ثلاثة ؛ لأن أصل (حادي) أحد عشر وثالث ثلاثة عشر حادي عشر أحد عشر وثالث عشر ثلاثة عشر هذا الأصل ولكن استثقلوا أن يجيئوا باسم قد جمع من اسمين ويوقعوه على اسم قد جمع من اسمين فلما ذهب لفظ (أحد عشر) وقام مقامه ضمير رد حادي عشر إلى أصله ومع هذا فلو جاز أن تضمر أحد عشر واثني عشر من قولك حادي أحد عشر وثاني اثني عشر ولا ترد ما حذف لوجب أن تقول : حاديهم وثانيهم وثالثهم ورابعهم فيلبس بثالثهم وأنت تريد ثلث ثلاثة ولو أردت إدخال الألف واللام ، فقلت : الحادي عشرهم أنا أو الثاني عشرهم أنا لم يجز في شيء من هذا إلى العشرين ؛ لأن هذا مضاف ولا يجري مجرى الفعل ؛ لأنه اشتق من شيئين وكان حق هذا أن لا يجوز في القياس ولو لا أن العرب تكلمت به لمنعه القياس وإنما ثاني اثني عشر في المعنى أحد اثني عشر وليس يراد به الفعل وثالث ثلاثة إنما يراد به أحد ثلاثة.

قال الأخفش : ألا ترى أن العرب لا تقول : هذا خامس خمسة عددا ولا ثاني اثنين عددا وقد يجوز فيما دون العشرة أن تنون وتدخل الألف واللام ؛ لأن ذلك بناء يكون في الأفعال ، وإن كانت العرب لا تتكلم به في هذا المعنى قال : ولكنه في القياس جائز أن تقول : الثاني اثنين أنا والثانيهما أنا اثنان ليس بكلام حسن ، وإذا قلت : هذا ثالث اثنين ورابع ثلاثة فهو بما يؤخذ من الفعل أشبه لأنك تريد : هذا الذي جعل اثنين ثلاثة والذي جعل ثلاثة أربعة ومع ذلك فهو ضعيف ؛ لأنه ليس له فعل معلوم إنما هو مشتق من العدد وليس بمشتق من مصدر معروف كما يشتق (ضارب) من الضرب ومن ضرب فإذا قلت : هذا رابع ثلاثة تريد رابع ثلاثة ، فأخبرت عن ثلاثة قلت : الذين هذا رابعهم ثلاثة وبالألف واللام : الرابعهم هذا ثلاثة

ص: 155

وإنما يجوز مثل ذا عندي في ضرورة ؛ لأن هذه الأشياء التي اتسعت فيها العرب مجراها مجرى الأمثال ولا ينبغي أن يتجاوز بها استعمالهم ولا تصرف تصرف ما شبهت به فثالث ورابع مشبه بفاعل وليس به وتقول : مررت بالضاربين أجمعون زيدا فتؤكد المضمرين في (الضاربين) ؛ لأن المعنى : (الذين ضربوا أجمعون زيدا).

ولو قلت : مررت بالضاربين أجمعين زيدا لم يجز ؛ لأن الصلة ما تمت ولا يجوز أن تؤكد (الذين) قبل أن يتم بالصلة ألا ترى أنك لو قلت : (مررت بالذين أجمعين في الدار) لم يجز أنك وصفت الاسم قبل أن يتم.

وتقول : (زيد الذي كان أبوه راغبين فيه) فزيد : مبتدأ و (الذي) خبره ولا بد من أن يرجع إليه ضمير أما الهاء في (أبويه) ، وأما الهاء في (فيه) لا بد من أن يرجع أحد الضميرين إلى (الذي) والآخر إلى (زيد) فكأنك قلت : (زيد الرجل الذي من قصته كذا وكذا) ، فإن جعلت (الذي) صفة لزيد احتجت إلى خبر فقلت : زيد الذي كان أبواه راغبين فيه منطلق.

فكأنك قلت : (زيد الظريف منطلق) ، فإن جعلت موضع زيد (الذي) فلا بد من صلة ولا يجوز أن تكون (الذي) الثانية صفة ؛ لأن (الذي) لا يوصف حتى يتم بصلته فإذا قلت :الذي الذي كان أبواه راغبين فيه فقد تم الذي الثاني بصلته والأول ما تم فإذا جئت بخبر تمت صلة الأولى (بالذي الثانية) وخبرها فصار جميعه يقوم مقام قولك : زيد فقط واحتجت إلى خبر ، فإن قلت : أخوك تم الكلام فقلت : الذي الذي كان أبواه راغبين فيه منطلق أخوك كأنك قلت : (الذي أبوه منطلق أخوك) ، فإن جعلت موضع (منطلق) مبتدأ وخبرا ؛ لأن كل مبتدأ يجوز أن تجعل خبره مبتدأ وخبرا قلت : (الذي الذي كان أبواه راغبين فيه جاريته منطلقة أخوك).

فكأنك قلت : (الذي أبوه جاريته منطلقة أخوك) ، فإن جعلت موضع (أخوك) مبتدأ وخبرا قلت الذي الذي كان أبواه راغبين فيه جاريته منطلقة عمرو أخوه فالذي الثانية صلتها (كان أبواه راغبين فيه) وهي مع صلتها موضع مبتدأ وجاريته مبتدأ ومنطلقة خبر جاريته وجاريته ومنطلقة جميعا خبر الذي الثانية والذي الثانية وصلتها وخبرها صلة للذي الأولى فقد

ص: 156

تمت الأولى بصلتها وهي مبتدأ ، وعمرو مبتدأ ثان ، وأخوه خبر عمرو وعمرو وأخوه جميعا خبر الذي الأولى ، فإن جعلت (من) موضع الذي فكذلك لا فرق بينهما تقول : من من كان أبواه راغبين فيه جاريته منطلقة عمرو أخوه ، فإن أدخلت (كان) على (من) الثانية قلت : (من كان من أبواه راغبين فيه جاريته منطلقة عمرو أخوه) لا فرق بينهما في اللفظ إلا أن موضع جاريته منطلقة نصب ألا ترى أنك لو جعلت خبر (من) الثانية اسما مفردا كمنطلق لقلت :(من من كان أبواه راغبين فيه منطلقا عمرو أخوه) ، فإن أدخلت على (من) الأولى (ليس) فاللفظ كما كان في هذه المسألة إلا أن موضع قولك : (عمرو أخوه) نصب ؛ لأن (من) بجميع صلتها اسم ليس وعمرو أخوه الخبر فكأنك قلت : (ليس زيد عمرو أخوه).

وقال الأخفش : (إذا قلت الضاربهما أنا رجلان) جاز ولا يجوز : الثانيهما أنا اثنان لأنك إذا قلت : (الضاربهما) لم يعلم أرجلان أم امرأتان فقلت : رجلان أو أمرأتان ، وإذا قلت :الثانيهما أنا لم يكونا إلا اثنين فكان هذا الكلام فضلا أن تقول : الثانيهما أنا اثنان قال : ولو قالت المرأة الثانيتهما أنا اثنان كان كاملا لأنها قد تقول : الثانيتهما أنا اثنتان إذا كانت هي وامرأة.

قال : فإن قلت : الضاربتهن أنا إماء الله والضاربهن أنا إماء الله وقد علم إذا قلت : الضاربهن أنهن من المؤنث قلت : أجل : ولكن لا يدري لعلهن جوار أو بهائم وأشباه ذلك مما يجوز في هذا ولو قالت المرأة : (الثالثتهن أنا ثلاث) كان رديئا ؛ لأنه قد علم إذا قالت : الثالثتهن أنه لا يكون إلا ثلاث وكذلك إذا قالت : الرابعتهن أنا أربع يكون رديئا ؛ لأنه قد علم.

فإذا قلت : رأيت الذي قاما إليه فهو غير جائز ؛ لأن قولك : الذي قاما إليه ابتداء لا خبر له وتصحيح المسألة رأيت اللذين الذي قاما إليه أخوك فترجع الألف في (قاما) إلى (اللذين) والهاء في (إليه) إلى (الذي) وأخوك خبر (الذي) فتمت صلة اللذين وصح الكلام ولو قلت :(ظننت الذي التي تكرمه يضربها) لم يجز ، وإن تمت الصلة ؛ لأن (التي) ابتداء ثان وتكرمه صلة لها وتضربها خبر (التي) وجميع ذلك صلة (الذي) فقد تم الذي بصلته وهو مفعول أول (لظننت) وتحتاج (ظننت) إلى مفعولين فهذا لا يجوز إلا أن تزيد في المسألة مفعولا ثانيا فتقول :(ظننت الذي التي تكرمه يضربها أخاك) وما أشبه ذلك وتقول : (ضرب اللذان القائمان إلى

ص: 157

زيد أخواهما الذي المكرمه عبد الله) فاللذان ارتفعا (بضرب) والقائمان إلى (زيد) مبتدأ وأخواهما خبرهما وجميع ذلك صلة اللذين فقد تمت صلة (اللذين) (1) والذي مفعول والمكرمة مبتدأ وعبد الله خبره وجميع ذلك صلة (الذي) وقد تم بصلته.

وإن جعلت (الذي) الفاعل نصبت (اللذين) وتقول : رأيت الراكب الشاتمه فرسك والتقدير رأيت الرجل الذي ركب الرجل الذي شتمه فرسك وتقول : (مررت بالدار الهادمها المصلح داره عبد الله) فقولك : (الهادمها) في معنى (التي هدمها الرجل الذي أصلح داره عبد الله) وتقول : (رأيت الحامل المطعمة طعامك غلامك) أردت : رأيت الرجل الذي حمل الذي أطعمه غلامك طعامك وحق هذه المسائل إذا طالت أن تعتبرها بأن تقيم مقام (الذي) مع صلته اسما مفردا وموضع (الذي) صفة مفردة لتتبين صحة المسألة وتقدير هذه المسألة : رأيت الحامل الرجل الظريف وتقول : (جاءني القائم إليه الشارب ماءه الساكن داره الضارب أخاه زيد) فالقائم إليه اسم واحد وهذا كله في صلته والشارب ارتفع بقائم والساكن ارتفع (بشارب) والضارب ارتفع (بساكن) وزيد (بضارب) وتقول : (الضارب الشاتم المكرم المعطيه درهما القائم في داره أخوك سوطا أكرم الآكل طعامه غلامه) تريد : (أكرم الآكل طعامه غلامه الضارب الشاتم المكرم المعطيه درهما القائم في داره أخوك سوطا) كأنك قلت : أكرم زيد الضارب الرجل سوطا.

ص: 158


1- الموصول الاسمي فالذي للمفرد المذكر والتي للمفرد المؤنثة ، فإن ثنيت أسقطت الياء وأتيت مكانها بالألف في حالة الرفع نحو اللذان واللتان والياء في حالتي الجر والنصب فتقول اللذين واللتين وإن شئت شددت النون عوضا عن الياء المحذوفة فقلت اللذان واللتان وقد قرىء (واللذان يأتيانها منكم) ويجوز التشديد أيضا مع الياء وهو مذهب الكوفيين فتقول اللذين واللتين وقد قرىء (ربنا أرنا اللذين) بتشديد النون. وهذا التشديد يجوز أيضا في تثنية ذا وتا اسمي الإشارة فتقول ذان وتان وكذلك مع الياء فتقول ذين وتين وهو مذهب الكوفيين والمقصود بالتشديد أن يكون عوضا عن الألف المحذوفة. انظر شرح ابن عقيل 1 / 141.

واعلم أنه لك أن تبدل من كل موصول إذا تم بصلته ولا يجوز أن تبدل من اسم موصول قبل تمامه بالصلة فتفقد ذا فمن قولك (الضارب) إلى أن تفرغ من قولك سوطا اسم واحد فيجوز أن تبدل من القائم بشرا ومن المعطي بكرا ومن المكرم عمرا ومن الشاتم خالدا ثم لك أن تبدل من الضارب وما في صلته فتقول : (عبد الله) فتصير المسألة حينئذ : الضارب الشاتم المكرم المعطيه درهما القائم في داره أخوك سوطا بشر بكرا عمرا خالدا عبد الله أكرم الآكل طعامه غلامه وإنما ساغ لك أن تبدل من القائم مع صلته لأنك لو جعلت موضعه ما أبدلته منه ولم تذكره لصلح ولا يجوز أن تذكر البدل من (المعطيه) قبل البدل من (القائم) لأنك إذا فعلت ذلك فرقت بين الصلة والموصول والبدل من القائم في صلة المعطي والبدل من المعطي في صلة المكرم فحق هذه المسألة وما أشبهها إذا أردت الإبدال أن تبدأ بالموصول الأخير فتبدل منه ثم الذي يليه وهو قبله فإذا استوفيت ذلك أبدلت من الموصول الأول ؛ لأنه ليس لك أن تبدل منه قبل تمامه ولا لك أن تقدم البدل من الضارب الذي هو الموصول الأول على اسم من المبدلات الباقيات لأنها كلها في صلة الضارب ولو فعلت ذلك كنت قد أبدلت منه قبل أن يتم ، فإن أبدلت من الفاعل وهو (الآكل) فلك ذاك فتقول : الضارب الشاتم المكرم المعطيه درهما القائم في داره أخوك سوطا أكرم الآكل طعامه غلامه جعفر.

وتقول : الذي ضربني إياه ضربت فالذي مبتدأ وخبره إياه ضربت والهاء في (إياه) ترجع إلى الذي وإنما جاء الضمير منفصلا لأنك قدمته وتقول بالذي مررت بأخيه مررت تريد : مررت بأخيه إذا قلت : (الذي كان أخاه زيد) إن أردت النسب لم يجز ؛ لأن النسب لازم في كل الأوقات ، وإن أردت من المؤاخاة والصداقة جاز تكون الهاء ضمير رجل مذكور وتقول :الذي ضربت داره دارك فالذي مبتدأ وضربت صلته وداره مبتدأ ثان ودارك خبرها وهما جميعا خبر (الذي) وتقول : (الذي ضربت زيد أخوك) فالذي مبتدأ و (ضربت) صلته وزيد الخبر وأخوك بدل من زيد وتقول : الذي ضربت زيدا شتمت تريد : (شتمت الذي ضربته زيدا) فتجعل زيدا بدلا من الهاء المحذوفة وتقول : (الذي إياه ظننت زيد) (الذي ظننته زيدا) وتجعل إياه لشيء مذكور ولا يجوز أن تقول : (الذي إياه ظننت زيد).

ص: 159

وإن جعلت (إياه) للذي ؛ لأن الظن لا بد أن يتعدى إلى مفعولين ولا يجوز أن تعديه إلى واحد ، فإن قلت : المفعول الثاني الهاء محذوفة من (ظننت) فلا يجوز في هذا في الموضع أن تحذف الهاء لأنها ليست براجعة إلى الذي وإنما هي راجعة إلى مذكور قبل الذي وإنما تحذف الهاء من صلة (الذي) متى كانت ترجع إلى (الذي) وكذاك : (الذي أخاه ظننت زيد) ، وإن أضمرت هاء في (ظننت) ترجع إلى الذي جاز ، وإن جعلت الهاء في (أخيه) ترجع إلى (الذي) لم يجز أن تحذف الهاء من (ظننت) لأنها حينئذ لمذكور. غير الذي وإنما جاز حذف الهاء إذا كانت ضمير (الذي) لأنها حينئذ لا يتم الذي إلا بها فتحذف منه لطول الاسم كما حذفوا الياء من اشهيباب فقالوا : اشهباب لطول الاسم.

فأما إذا كانت الهاء ضميرا لغير الذي فقد يجوز أن تخلو الصلة من ذلك البتة فأفهم الفرق بين الضميرين وما يجوز أن يحذف منهما وما لا يجوز حذفه وتقول : (الذي ضارب أخوك) تريد الذي هو ضارب أخوك فتحذف هو وإثباتها أحسن (فهو) مبتدأ وضارب خبره وهما جميعا صلة (الذي) وهو يرجع إلى (الذي).

وتقول : الذي هو وعبد الله ضاربان لي أخواك.

نسقت بعبد الله على (هو) فتقول في هذه المسألة على قول من حذف : (هو الذي وعبد الله ضاربان لي أخوك) عطفت (عبد الله) على (هو) المحذوف وهو عندي قبيح والفراء يجيزه وإنما استقبحته ؛ لأن المحذوف ليس كالموجود ، وإن كنا ننويه ويجب أن يكون بينهما فرق والعطف كالتثنية فإذا جئت بواو وليس قبلها اسم مسموع يعطف عليه كنت بمنزلة من ثنى اسما واحدا لا ثاني له ألا ترى أن العرب قد استقبحت ما هو دون ذلك ، وذلك قولك : (قمت وزيد) يستقبحونه حتى يقولوا : قم أنت وزيد فاذهب أنت وربّك ؛ لأنه لو قال (اذهب وربك) كأن في السمع العطف على الفعل ، وإن كان المعنى غير ذلك وهو يجوز على قبحه وتقول : (الذي هو وعبد الله ضرباني أخوك) ، فإن حذفت (هو) من هذه المسألة لم يجز لا تقول : (الذي وعبد الله ضرباني أخوك) فتضمر (هو) ؛ لأن هو إنما تحذف إذا كان خبر المبتدأ اسما ألا ترى أنك إذا قلت : (الذي هو ضربني زيد) لم يجز أن تحذف (هو) وأنت تريده فتقول : (الذي ضربني زيد) ؛

ص: 160

لأن الذي قد وصلت بفعل وفاعل والفاعل ضمير (الذي) ولا دليل في (ضربني) على أن هنا محذوفا كما يكون في الأسماء ألا ترى أنك إذا قلت : (الذي منطلق زيد) فقد ذلك ارتفاع (منطلق) على أن ثم محذوفا قد ارتفع به ولا يجوز حذف ما لا دليل عليه فلما لم يجز هذا في الأصل لم يجز في قولك : (الذي وعبد الله ضرباني أخوك) وجاز في قولك : (الذي وعبد الله ضاربان لي أخوك) فهذا فرق ما بين المسألتين ولا يجوز أيضا : (الذي وعبد الله خلفك زيد) تريد : (الذي هو) (1) ، فإن أظهرت (هو) جاز والفراء يجيز : الذي نفسه محسن أخوك تريد :الذي هو نفسه محسن أخوك يؤكد المضمر وكذاك : (الذين أجمعون محسنون أخوتك) تريد : (الذين هم أجمعون) فيؤكد المضمر قال : ومحال : (الذي نفسه يقوم زيد) وقام أيضا وكذلك في الصفة يعني الظرف محال الذي نفسه عندنا عبد الله ، فإن أبرزته فجيد في هذا كله ومن قال :(الذي ضربت عبد الله) لم يقل : (الذي كان ضربت عبد الله) وفي (كان) ذكر الذي ؛ لأن الضمير الراجع إلى الذي في (كان) فليس لك أن تحذفه من (ضربت) ؛ لأن الهاء إذا جاءت بعد ضمير يرجع إلى (الذي) لم تحذف وكانت بمنزلة ضمير الأجنبي ، فإن جعلت في (كان) مجهولا جاز أن تضمر الهاء ؛ لأنه لا راجع إلى الذي غيرها وليس في هذه المسألة (ككان) تقول : (الذي ليس أضرب عبد الله) وفي (ليس) مجهول ، فإن كان فيه ذكر (الذي) لم يجز ، فإن ذهبت (بليس) مذهب ما جاز أن ترجع الهاء المضمرة إلى (الذي) فإذا قلت : (الذي ما ضربت عبد الله) الهاء

ص: 161


1- قال ابن عقيل : وأشار بقوله وفي ذا الحذف إلى آخره إلى المواضع التي يحذف فيها العائد على الموصول وهو إما أن يكون مرفوعا أو غيره ، فإن كان مرفوعا لم يحذف إلا إذا كان مبتدأ وخبره مفرد نحو (وهو الذي في السماء إله) وأيهم أشد فلا تقول جاءني اللذان قام ولا اللذان ضرب لرفع الأول بالفاعلية والثاني بالنيابة بل يقال قاما وضربا ، وأما المبتدأ فيحذف مع أى ، وإن لم تطل الصلة كما تقدم من قولك يعجبني أيهم قائم ونحوه ولا يحذف صدر الصلة مع غير أي إلا إذا طالت الصلة نحو جاء الذي هو ضارب زيدا فيجوز حذف هو فتقول جاء الذي ضارب زيدا ومنه قولهم ما أنا بالذي قائل لك سوءا التقدير بالذي هو قائل لك سوءا ، فإن لم تطل الصلة فالحذف قليل وأجازه الكوفيون قياسا نحو جاء الذى قائم التقدير جاء الذي هو قائم ومنه قوله تعالى (تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) في قراءة الرفع والتقدير هو أحسن. انظر شرح ابن عقيل 1 / 165.

المضمرة ترجع على (الذي) ، فإن قلت : (الذي ما هو أكرمت زيد) في قول من جعل (هو) مجهولا جاز ؛ لأن الإضمار يرجع على (الذي) وتقول : (الذي كنت أكرمت عبد الله) تريد أكرمته.

وتقول : (الذي أكرمت ورجلا صالحا عبد الله) تريد : أكرمته وعطفت على الهاء والأحسن عندي أن تظهر الهاء إذا عطفت عليها وتقول : (الذي محسنا ظننت أخوك) تريد :ظننته ومحسنا مفعول ثان فإذا قلت : (الذي محسنا ظننت وعبد الله أخوك) قلت : محسنين لأنك تريد : الذي ظننته وعبد الله محسنين.

وأجاز الفراء : (ما خلا أخاه سار الناس عبد الله) تريد : الذي سار الناس ما خلا أخاه عبد الله.

ويقول : الذي قياما ليقومن عبد الله تريد : (الذي ليقومن قياما عبد الله) وكذلك : (الذي عبد الله ليضربن محمد) ورد بعض أهل النحو (الذي ليقومن زيد) فيما حكى الفراء وقال فاحتججنا عليه بقوله : (وإنّ منكم لمن ليبطئن) ، وإذا قلت : (الذي ظنّك زيدا منطلقا عبد الله) فهو خطأ ؛ لأنه لم يعد على الذي ذكره ، وإذا قلت : (الذي ظنك زيدا إياه عبد الله) فهو خطأ أيضا ؛ لأنه لا خبر للظن وهو مبتدأ ، فإن قلت : (الذي ظنك زيدا إياه صواب عبد الله) جاز ؛ لأن الذكر قد عاد على (الذي) وقد جاء الظن بخبر ولا يجوز أن تقول : (الذي مررت زيد) تريد : (مررت به زيد) كما بينت فيما تقدم.

ويجوز : (الذي مررت ممر حسن) ؛ لأن كل فعل يتعدى إلى مصدره بغير حرف جر و (الذي) هنا هي المصدر في المعنى ولك أن تقول : (الذي مررته ممر حسن) وقال الفراء : لا إضمار هنا ؛ لأنه مصدر كأنك قلت : (ممرك ممر حسن) واحتج بقول الله عز وجل : (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ) [الحجر : 94] وقال : لا إضمار هنا ؛ لأنه في مذهب المصدر وكذاك : (وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى) [الليل : 3] لم يعد على (ما) ذكر ؛ لأنه في مذهب المصدر.

قال أبو بكر : أما قوله في (ما) ففيها خلاف من النحويين من يقول : أنها وما بعدها قد يكون بمعنى المصدر.

ص: 162

ومنهم من يقول : إنها إذا وقعت بمعنى المصدر فهي أيضا التي تقوم مقام (الذي) ولا أعلم أحدا من البصريين يجيز أن تكون (الذي) بغير صلة ولا يجيز أحد منهم أن تكون صلتها ليس فيها ذكرها إما مظهرا وإما محذوفا ولا أعرف لمن ادعى ذلك في (الذي) حجة قاطعة وقوله عز وجل : (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ) [الحجر : 94] قد بينت ذلك : أن الأفعال كلها ما يتعدى منها وما لا يتعدى فإنه يتعدى إلى المصدر بغير حرف جر وتقول : (ما تضرب أخويك عاقلين) تجعل (ما) وتضرب في تأويل المصدر كأنك قلت : (ضربك أخويك إذا كانا عاقلين وإذ كانا عاقلين) ولا يجوز أن تقدم (عاقلين) فتقول : (ما تضرب عاقلين أخويك) ولا يجوز أيضا : ما عاقلين تضرب أخويك وإنما استحال ذلك من قبل أن صلة (ما) لا يجوز أن تفصل بين بعضها وبعض ولا بين (ما) وبينها بشيء ليس من الصلة.

وتقول : (الذي تضرب أخوينا) (قبيحين) تريد : (إذا كانا قبيحين) ، فإن قلت : قبيح رفعت فقلت : (الذي تضرب أخوينا قبيح).

واعلم أن هذه الأسماء المبهمة (1) التي توضحها صلاتها لا يحسن أن توصف بعد تمامها بصلاتها لأنهم إذا أرادوا ذلك أدخلوا النعت في الصلة إلا (الذي) وحدها ؛ لأن (الذي) لها تصرف ليس هو لمن وما ألا ترى أنك تقول : (رأيت الرجل الذي في الدار) ولا تقول : رأيت الرجل من في الدار وأنت تريد الصفة وتقول : (رأيت الشيء الذي في الدار) ولا تقول : (رأيت

ص: 163


1- إذا اعتمد الظرف والمجرور على ما ذكرت في باب اسم الفاعل وهو النفي والاستفهام والاسم المخبر عنه والاسم الموصوف والاسم الموصول عملا عمل فعل الاستقرار فرفعا الفاعل المضمر أو الظاهر تقول ما عندك مال وما في الدّار زيد والأصل ما استقر عندك مال وما استقرّ في الدار زيد فحذف الفعل وأنيب الظرف والمجرور عنه وصار العمل لهما عند المحققين وقيل إنما العمل للمحذوف واختاره ابن مالك ويجوز لك أن تجعلهما خبرا مقدما وما بعدهما مبتدأ مؤخرا والأول أولى لسلامته من مجاز التقديم والتأخير وهكذا العمل في بقية ما يعتمدان عليه نحو (أفي الله شكّ) وقولك زيد عندك أبوه وجاء الذي في الدار أخوه ومررت برجل فيه فضل. فإن قلت ففي أي مسألة يعتمد الوصف على الموصول حتى يحال عليه الظرف والمجرور. انظر شرح شذور الذهب 1 / 526.

الشيء ما في الدار) وأنت تريد : الصفة فالذي لما كان يوصف بها حسن أن توصف و (من وما) لما لم يجز أن يوصف بهما لم يجز أن يوصفا ويفرق بين الذي وبين (من) وما أن الذي تصلح لكل موصوف مما يعقل ولا يعقل وللواحد العلم وللجنس وهي تقوم في كل موضع مقام الصفة و (من) مخصوصة بما يعقل ولا تقع موقع الصفة و (ما) مخصوصة بغير ما يعقل ولا يوصف بها.

وقال الفراء : من نعت (من وما) على القياس لم نردد عليه ونخبره أنه ليس من كلام العرب.

قال : وإنما جاز في القياس ؛ لأنه إذا ادعى أنه معرفة لزمه أن ينعته قال : وأما (ما ومن) فتؤكدان يقال : نظرت إلى ما عندك نفسه ومررت بمن عندك نفسه.

قال أبو بكر : والتأكيد عندي جائز كما قال ، وأما وصفهما فلا يجوز ؛ لأن الصلة توضحهما وقد بينت الفرق بينهما وبين (الذي) وقد يؤكد ما لا يوصف نحو المكنيات ، وأما (أن) إذا وصلتها فلا يجوز وصفها لأنها حرف والقصد أن يوصف الشيء الموصول وإنما الصلة بمنزلة بعض حروف الاسم وإنما تذكر (أن) إذا أردت أن تعلم المخاطب أن المصدر وقع من فاعله فيما مضى أو فيما يأتي إذا كان المصدر لا دليل فيه على زمان بعينه فإذا احتجت إلى أن تصف المصدر تركته على لفظه ولم تقله إلى (أن) وتقول : (من أحمر أخوك) تريد : من هو أحمر أخوك من حمراء جاريتك تريد : من هي حمراء جاريتك وليس لك أن تقول من أحمر جاريتك فتذكر أحمر للفظ من ؛ لأن أحمر ليس بفعل تدخل التاء في تأنيثه ولا هو أيضا باسم فاعل يجري مجرى الفعل في تذكيره وتأنيثه لا يجوز أن تقول : (من أحمر جاريتك) ويجوز أن تقول : من محسن جاريتك لأنك تقول : محسن ومحسنة كما تقول : ضرب وضربت.

فليس بين محسن ومحسنة في اللفظ والبناء إلا الهاء وأحمر وحمراء ليس كذلك للمذكر لفظ وبناء غير بناء المؤنث وهذا مجاز والأصل غيره وهو في الفعل عربي حسن تقول : من أحسن جاريتك ومن أحسنت جاريتك كلّ عربي فصيح ولست تحتاج أن تضمر (هو) ولا (هي) فإذا قلت : (محسن جاريتك) فكأنّك قلت : (من هو محسن جاريتك فأكدت تذكير (من) بهو ثم

ص: 164

يأتي بعد ذلك بمؤنث فهو قبيح إذا أظهرت (هو) وهو مع الحذف أحسن وتقول : (ضربت الذي ضربني زيدا) إذا جعلته بدلا من (الذي) ، فإن جعلته بدلا من اسم الفاعل وهو المضمر في (ضربني) رفعته فقلت : ضربت الذي ضربني زيد ؛ لأن في (ضربني) اسما مرفوعا تبدل زيدا منه وتقول : (ضربت وجه الذي ضرب وجهي أخيك) ؛ لأن الأخ بدل من (الذي) ، فإن أبدلته من اسم الفاعل المضمر في (ضرب) رفعته ولا يجوز أن تنصب (الأخ) على البدل من الوجه ؛ لأن الأخ غير الوجه.

وتقول : ضربت وجوه اللذين ضربا وجهي أخويك إذا جعلت أخويك بدلا من (اللذين) ، فإن جعلتهما بدلا من الألف التي في (ضربا) رفعت وإنما قلت : ضربت وجوه (اللذين) ؛ لأن كل شيئين من شيئين إذا جمعتهما جعلت لفظهما على الجماعة.

قال الله جل ثناؤه : (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما) [المائدة : 38] وقال : (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما)(1) [التحريم : 4] وتقول : (ضرب وجهي الذين ضربت وجوههم أخوتك) ترفع الأخوة إذا جعلتهم بدلا من (الذين) ، فإن جعلتهم بدلا من الهاء والميم اللتين في جوههم جررت.

وتقول : (مررت باللذين مرا بي أخويك) إذا كانا بدلا من (اللذين) فإن كانا بدلا من الألف في (مرا) رفعت فقلت : (أخواك) ؛ لأن في (مرا) اسمين مضمرين ولو قلت : (ضربني اللذان ضربت الصالحان) وأكرمت وأنت تريد أن تجعل : (وأكرمت) من الصلة لم يجز لأنك قد فرقت بين بعض الصلة وبعض بما ليس منها وتقول : المدخول به السجن زيد ؛ لأن السجن

ص: 165


1- صرح النحاة بأن كل مثنى في المعنى مضاف إلى متضمنه يجوز فيه الجمع والإفراد والتثنية والمختار الجمع نحو : (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) (التحريم : 4) ، ويترجح الإفراد على التثنية عند الناظم وعند غيره بالعكس وكلاهما مسموع كقوله : حمامة بطن الواديين ترنّمي وكقوله : ومهمهين قذفين مرتين ظهراهما مثل ظهور التّرسين. انظر شرح الأشموني 1 / 199.

قام مقام الفاعل وشغلت الباء بالهاء فالمدخول به السجن ابتداء وزيد خبر الابتداء وتقول :المدخل السجن زيد : على خبر الابتداء وأضمرت الاسم الذي يقوم مقام الفاعل في (المدخل) ويدلك على أن في (المدخل) إضمارا أنك لو ثنيته لظهر فقلت المدخلان وأقمت السجن مقام المفعول به والتأويل الذي أدخل السجن زيد ، وإن شئت قلت : (المدخله السجن زيد) كأنك قلت : (الذي أدخله السجن زيد) ولك أن تقول : (الذي أدخل السجن إياه زيد) ؛ لأن (أدخل) في الأصل يتعدى إلى مفعولين فإذا بنيته للمفعول قام أحد المفعولين مقام الفاعل واقتضى مفعولا آخر ولا بدّ من إظهار الهاء في (المدخله) وقد بينت هذا وضربه فيما تقدم.

وتقول : (أدخل المدخل السجن الدار) ؛ لأن في (المدخل) ضمير الألف واللام وهو الذي قام مقام الفاعل والسجن مفعول للفعل الذي في الصلة والمدخل وصلته مرفوع بأدخل :والدار منصوبة بأدخل ؛ لأنه مفعول له كأنك قلت : أدخل زيد الدار وتقول : (أدخل المدخول به السجن الدار) قام المدخول به مقام الفاعل ورفعت السجن لأنك شغلت الفعل به وشغلت الهاء بالباء ومن قال : (دخل بزيد السجن) قال : أدخل المدخول به السجن الدار.

وتقول : (دخل بالمدخل السجن الدار) والتأويل : (دخل بالذي أدخل السجن الدار) ، فإن ثنيت قلت : (باللذين أدخلا السجن الدار) وتقول : (جارية من (1) تضرب نضرب)

ص: 166


1- من الموصولة : هي في الأصل للعاقل نحو : (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ) (الآية : 43 سورة الرعد). وقد تكون لغير العاقل في ثلاث مسائل : (إحداها) أن ينزّل غير العاقل منزلة العاقل نحو قوله تعالى : (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) (الآية : 5 سورة الأحقاف) وقول امرئ القيس : ألا عم صباحا أيّها الطّلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي فأوقع" من" على الطّلل وهو غير عاقل ، فدعاء الأصنام في الآية ، ونداء الطّلل سوّغ استعمال" من" إذ لا يدعى ولا ينادى إلّا العاقل. (الثانية) أن يجتمع مع العاقل فيما وقعت عليه" من" نحو قوله تعالى : (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ) (الآية : 17 سورة النحل) لشموله الآدميّين والملائكة والأصنام ، ونحو قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) (الآية : 18 سورة الحج). (الثالثة) أن يقترن بالعاقل في عموم فصل ب" من" الموصولة ، نحو : (وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ)(مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ) (الآية : 45 سورة النور) فأوقع" من" على غير العاقل لمّا اختلط بالعاقل. وقد يراد ب" من" الموصولة المفرد والمثنّى والجمع والمذكّر والمؤنّث ، فمن ذلك في الجمع قوله عزّ وجلّ : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ) (الآية : 45 سورة النور). انظر معجم القواعد 25 / 100.

تنصبهما بالفعل الثاني إذا جعلت (من) بمعنى (الذي) كأنك قلت : (جارية الذي تضربه تضرب) ، فإن جعلت (من) للجزاء قلت : (جارية من تضرب نضرب) تجزم الفعلين وتنصب الجارية بالفعل الأول ؛ لأن الثاني جواب ، فإن جعلت (من) استفهاما قلت : (جارية من تضرب) جزمت (أضرب) ؛ لأنه جواب كما تقول : (أتضرب زيدا أضرب) أي : إن تفعل ذاك أفعل وتقول : جارية من تضربها نضرب ترفع الجارية بالابتداء وشغلت الفعل بالهاء و (من) وحدها اسم ؛ لأنه استفهام والكلام مستغن في الاستفهام والجزاء لا يحتاج (من) فيهما إلى صلة ، فإن جئت بالجواب بعد ذلك جزمت على الجزاء ، وإن أدخلت في الجواب الفاء نصبت وتقول : على من أنت نازل إذا كنت مستفهما توصل نازلا (بعلى) إلى (من) ، فإن جعلت (من) بمعنى الذي في هذه المسألة لم يكن كلاما ؛ لأن الذي تحتاج إلى أن يوصل بكلام تام يكون فيه ما يرجع إليها ، فإن كانت مبتدأ احتاجت إلى خبر ، وإن لم تكن كذلك فلا بدّ من عامل يعمل فيها فلو قلت : على من أنت نازل عليه لم يجز لأنك لم توصل بعلى إلى (من) شيئا ، فإن قلت : (نزلت على من أنت عليه نازل) جاز وتقول : أبا من تكنى وأبا من أنت مكنى (فمن) في هذا استفهام ولا يجوز أن تكون فيه بمعنى (الذي) أضمرت الاسم الذي يقوم مقام الفاعل في مكنى وتكنى ونصبت أبا من ؛ لأنه مفعول به متقدم وإنما نصبته (بتكنى) وهو لا يجوز أن يستقدم عليه ؛ لأنه استفهام فالاستفهام صدر أبدا مبتدأ كان أو مبنيا على فعل والفعل الذي بعده يعمل فيه إذا كان مفعولا ولا يجوز تقديم الفعل على الاستفهام وكلما أضفته إلى الأسماء التي يستفهم بها فحكمها حكم الاستفهام لا تكون إلا صدرا.

ص: 167

ولا يجوز أن يقدم على حرف الاستفهام شيء مما يستفهم عنه من الكلام وتقول : أبو من أنت مكنى به رفعت الأول لأنك شغلت الفعل بقولك (به) كأنك قلت : أأبو زيد أنت مكنى به ولو قلت : بأبي من تكنى به كان خطأ لأنك إنما توصل الفعل بياء واحدة ألا ترى أنك تقول : (بعبد الله مررت) ولا يجوز : (بعبد الله مررت به) ولو جعلت (من) في هذه المسألة بمعنى (الذي) لم يجز حتى تزيد فيها فتقول : (أبو من أنت مكنى به زيد) ألا ترى أنك تقول :من قام فيكون كلاما تاما في الاستفهام ، فإن جعلت (من) بمعنى (الذي) صار (قام) صلة واحتاجت إلى الخبر فلا بدّ أن تقول : (من قام زيد) وما أشبههه وتقول : (إنّ بالذي به جراحات أخيك زيد عيبين) فقولك : عيبين اسم (إنّ) وجعلت الهاء بدلا من الذي ثم جعلت زيدا بدلا من الأخ وتقول : إن الذي به جراحات كثيرة أخاك زيدا به عيبان تجعل الأخ بدلا من (الذي) وزيدا بدلا من الأخ وبه عيبين خبر إنّ وتقول : (إنّ الذي في الدار جالسا زيد) تزيد : إنّ الذي هو في الدار جالسا زيد ، وإن شئت لم تضمر وأعملت الاستقرار في الحال ألا ترى أن (الذي) يتم بالظرف كما يتم بالجمل ، وإن شئت قلت : (إنّ الذي في الدار جالس زيد) تريد : (الذي هو في الدار جالس) فتجعل جالسا خبر هو وتقول : (إنّ الذي فيك راغب زيد) لا يكون في (راغب) إلا الرفع ؛ لأنه لا يجوز أن تقول : (إن الذي فيك زيد) وتقول : (إن اللذين بك كفيلان أخويك زيد وعمرو) تريد : (إنّ) أخويك اللذين هما بك كفيلان زيد وعمرو فزيد وعمرو خبر (إنّ) ولا يجوز أن تنصب كفيلين ؛ لأن بك لا تتم بها صلة (الذي) في هذا المعنى وقال الأخفش : تقول : (إنّ الذي به كفيل أخواك زيد) لأنها صفة مقدمة قال : وإن شئت قلت : (كفيلا) في قول من قال : أكلوني البراغيث (1).

ص: 168


1- يوحّد الفعل مع تثنية الفاعل وجمعه كما يوحّد مع إفراده نحو" زحف الجيش" و" تصالح الأخوان" و" فاز السّابقون" و" تعلّم بناتك" ومثله" أزاحف الجيش" و" أفائز السّابقون" و" أمتعلّم بناتك". ولغة توحيد الفعل هي الفصحى وبها جاء التنزيل ، قال تعالى : (قالَ رَجُلانِ) (الآية : 23 سورة المائدة) و (قالَ الظَّالِمُونَ) (الآية : 8 سورة الفرقان) و (قالَ نِسْوَةٌ) (الآية : 30 سورة يوسف) ولغة طيئ وأزد شنوءة (وهي المشهورة بلغة" أكلوني البراغيث" كما في سيبويه) : موافقة الفعل لمرفوعه بالإفراد والتّثنية والجمع نحو (ضربوني قومك) وضربتني نسوتك" و" ضرباني أخواك" وقال أميّة : يلومونني في اشتراء النّخي ل أهلي فكلّهم ألوم ("أهلي" فاعل يلومونني ، فألحق الفعل علامة الجمع مع أنه مسند إلى الظاهر). وقال أبو فراس الحمداني : نتج الرّبيع محاسنا ألقحنها غرّ السّحائب (غر جمع "غراء" مؤنث أغر بمعنى أبيض ، وهي فاعل "ألقحنها" وألحق به علامة جمع المؤنث وهي النون). والصّحيح أنّ الألف والواو والنون في ذلك أحرف دلّوا بها على التّثنية والجمع تذكيرا وتأنيثا ، لا أنّها ضمائر الفاعلين ، وما بعدها مبتدأ على التّقديم والتأخير أو ما بعدها تابع على الإبدال من الضّمير ، بدل كل من كلّ. انظر معجم القواعد 21 / 8.

قال أبو بكر : معنى قوله : (صفة مقدمة). يعني : أن كفيلا صفة وحقها التأخير فإذا قدمت أعملت عمل الفعل ولكن لا يحسن أن تعمل إلا وهي معتمدة على شيء قبلها وقد بينا هذا في مواضع ومعنى قوله في قول من قال : (أكلوني البراغيث) أي تثنية على لغتهم وتجريه مجرى الفعل الذي يثنى قبل مذكور ويجمع ليدل على أن فاعله اثنان أو جماعة كالتاء التي تفصل فعل المذكر من فعل المؤنث نحو : قام وقامت وقد مضى تفسير هذا أيضا.

وتقول : (إن اللذين في دارهما جالسين أخواك أبوانا) تريد : أن اللذين أخواك في دارهما جالسين تنصب (جالسين) على الحال من الظرف.

وإن رفعت (جالسين) فقلت : إن اللذين في دارهما جالسان أخواك أبوانا تريد أن اللذين أخواكض في دارهما جالسين رفعت وجعلتهما خبر الأخوين وتقول : منهن من كان أختك وكانت أختك : فمن ذكر فللفظ ومن أنث فللتأويل وكذلك : منهن من كانتا أختيك ومنهن من كان أخواتك وكنّ أخواتك ومن يختصمان أخواك ، وإن شئت : من يختصم أخواك توحد اللفظ وكذاك : من يختصم إخوتك ويختصمون وتقول : من ذاهب وعبد الله محمد نسقت بعبد

ص: 169

الله على ما في (ذاهب) والأجود أن تقول : (من هو وعبد الله ذاهبان محمد) فإذا قلت : (من ذاهب وعبد الله محمد) فالتقدير من هو ذاهب هو وعبد الله محمد (فهو الأول) مبتدأ محذوف.

وتقول : (من يحسن أخوتك) ولك أن تقول : (من يحسنون إخوتك) مرة على اللفظ ومرة على المعنى.

وتقول : (من يحسن ويسيء إخوتك ومن يحسنون ويسيئون أخوتك وقبيح أن تقول : (من يحسن ويسيئون إخوتك) لخلطك المعنى باللفظ في حال واحدة.

وتقول : (الذي ضربت عبد الله فيها) تجعل عبد الله بدلا من (الذي) بتمامها ، فإن أدخلت (إن) قلت : (إن الذي ضربت عبد الله فيها) نصبت عبد الله على البدل ، فإن قلت : (الذي فيك عبد الله راغب) لم يجز ؛ لأن (راغبا) مع (فيك) تمام الذي فلا يجوز أن يفرق بينهما وتقول : (الذي هو هو مثلك) الأول كناية عن الذي والثاني كناية عن اسم قد ذكر وكان تقديم ضمير الذي أولى من تقديم ضمير الأجنبي ومن قال : (الذي منطلق أخوك) وهو يريد : (الذي هو منطلق أخوك) جاز أن تقول : (الذي هو مثلك) يريد : (الذي هو هو مثلك) فتحذف (هو) التي هي ضمير الذي وتترك (هو) التي هي ضمير مذكور وقد تقدم لأنها موضع (منطلق) من قولك الذي منطلق مثلك.

وتقول : (مررت بالذي هو مسرع ومسرعا) فمن رفع (مسرعا) جعل هو مكنيا من (الذي) ومن نصب فعلى إضمار (هو) أخرى كأنه قال : الذي هو هو مسرعا ؛ لأن النصب لا يجوز إلا بعد تمام الكلام.

وتقول : (مررت بالذي أنت محسنا) تريد : الذي هو أنت محسنا ولا يجوز رفع (محسن) في هذه المسألة وتقول : من عندك اضرب نفسه تنصب (نفسه) ؛ لأنه تأكيد (لمن) فموضع (من) نصب (بأضرب) ، فإن جعلت نفسه تأكيدا للمضمر في (عند) رفعت وقدمته قبل (أضرب) ولم يجز تأخيره ؛ لأن وصف ما في الصلة وتأكيده في الصلة فتقول : إذا أردت ذلك من عندك نفسه أضرب وتقول : (من من أضرب أنفسهم عبد الله) تؤكد (من) فتجر ، وإن شئت نصبت أنفسهم تتبعه المضمر كأنك قلت من من أضربهم أنفسهم وأجاز الفراء : (من من أضرب

ص: 170

أنفسه) يجعل الهاء (لمن) ويوحد للفظ (من) وقال : حكى الكسائي عن العرب : ليت هذا الجراد قد ذهب فأراحنا من أنفسه الهاء للفظ الجراد وقال : تقول : (من من داره تبنى زيد) تريد : (من الذين دورهم تبنى زيد) قال : ولا يجوز أن تقول : (من من رأسه يخضب بالحناء زيد) حتى تقول : (من من (1) أرأسه مخضوبات) فرق بين رأس ودار ؛ لأن الدار قد تكون لجماعة والرأس لا يكون لجماعة قال : ويجوز : (من من رأسه يخضب بالحناء زيد) فيمن أجاز ضربت رأسكم وتقول : (من المضروبين أحدهم محسن زيد) تريد : (من المضروبين وأحدهم محسن زيد) والأحسن أن تجيء بالواو إلا أن لك أن تحذفها إذا كان في الكلام ما يرجع إلى الأول ، فإن لم يكن لم يجز حذف الواو.

فإن قلت : (من المظنونين أحدهم محسن زيد) جاز بغير إضمار واو ؛ لأن قولك : (أحدهم محسن) مفعول للظن كما تقول : (ظننت القوم أحدهم محسن) فأحدهم محسن مبتدأ وخبر في موضع مفعول ثان للظن فإذا رددته إلى ما لم يسم فاعله قلت : (ظنّ القوم أحدهم محسن) وتقول : (مررت بالتي بنى عبد الله) تريد : (الدار التي بناها عبد الله) وتقول : (الذي بالجارية كفل أبوه أبوها) ولا يجوز : (الذي بالجارية كفل أبوه) ولو جاز هذا لجاز : زيد أبوه وهذا لا يجوز إذا لم يكن مذكور غير زيد ؛ لأنه لا يجب منه أن يكون زيد أبا نفسه وهذا محال إلا أن تريد التشبيه أي : زيد كأبيه وتقول : (مررت بالذي كفل بالغلامين أبيهما) تجعل (الأب) بدلا من الذي (وهما في أبيهما ضمير الغلامين) وكذاك : (إنّ الذي كفل بالغلامين أبوهما) فأبوهما خبر إن (وهما) من أبيهما يرجع إلى الغلامين وتقول : (مررت بالذي أكرمني وألطفني عبد الله) نسقت (ألطفني) على (أكرمني) وهما جميعا في صلة الذي وعبد الله بدل من الذي ، فإن عطفت

ص: 171


1- ممّا : تكون مركّبة من" من" الجارّة ، و" ما" الزّائدة نحو : (مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا) (الآية : 25 سورة نوح) وقد تكون" ما" المتّصلة ب" من" مصدرية نحو" سررت ممّا كتبت" أي من كتابتك ، أو من الذي كتبته فتكون" ما" موصولة وقد تأتي" ممّا" كلمة واحدة ومعناها" ربّما" ومنه قول أبي حيّة النّميري : وإنّا لممّا نضرب الكبش ضربة على رأسه تلقي اللسان من الفم وهذا ما قاله سيبويه والمبرّد. انظر معجم القواعد 25 / 82.

(ألطفني) على مررت رفعت عبد الله فقلت : (مررت بالذي أكرمني وألطفني عبد الله) فأخرجت (ألطفني عبد الله) من الصلة كأنك قلت : (مررت بزيد وألطفني عبد الله) وتقول :(الذي مررت وأكرمني عبد الله) رجع إلى الذي ما في (أكرمني) فصح الكلام ولا تبال أن لا تعدى (مررت) إلى شيء هو نظير قولك : الذي قعدت وقمت إليه زيد.

فإن قلت : (الذي أكرمني ومررت عبد الله) جاز أيضا ؛ لأن الكلام لا خلل فيه كما تقول :(أكرمني زيد ومررت) لا تريد أنك : مررت بشيء وإنما تريد : مضيت.

وقال قوم : (الذي أكرمني ومررت عبد الله) محال لا بدّ من إظهار الباء وهو قولك :(الذي أكرمني ومررت به عبد الله) وهذا إنما لا يجوز إذا أراد أن يعدى (مررت) إلى ضمير الذي ، فإن لم ترد ذلك فهو جائز وهم مجيزون : (الذي مررت وأكرمني عبد الله) على معنى الإضمار ، وإذا قلت : (الذي أكرمت وظننت محسنا زيد) جاز تريد : (ظننته) لا بدّ من إضمار الهاء في (ظننت) ؛ لأن الظن لا يتعدى إلى مفعول واحد ، وأما أكرمت فيجوز أن تضمرها معها ويجوز أن لا تضمر كما فعلت في (مررت).

وتقول : (مررت بالذي ضربت ظننت عبد الله) تلغي الظن ، فإن قدمت (ظننت) على (ضربت) قبح ؛ لأن الإلغاء كلما تأخر كان أحسن وتقول : (الذي ضربت ضربت عبد الله) والتأويل : (الذي ضربته أمس ضرب اليوم) (فالذي) منصوب (بضربت) الثاني وعبد الله بدل من (الذي).

وتقول : (للذي ظننته عبد الله درهمان) تريد : للذي ظننته عبد الله درهمان فإذا قلت :للذي ظننت ثم عبد الله درهمان صار (ثم) المفعول الثاني للظن والمفعول الأول الهاء المحذوفة من (ظننت) وجزرت عبد الله مبدلا له من الذي وتقول : تكلم الذي يكلم أخاك مرتين إن نصبت أخاك (يتكلم) الفعل الذي في الصلة فتكون مرتين إن شئت في الصلة ، وإن شئت كان منصوبا بتكلم بالفعل الناصب (للذي) ، فإن جعلت أخاك بدلا من (الذي) لم يجز أن يكون (مرتين) منصوبا بالفعل الذي في الصلة لأنك تفرق بين بعض الصلة وبعض بما ليس منها.

ص: 172

وتقول : الذين كلمت عامة أخوتك تريد : (الذين كلمتهم عامة أخوتك) والذين كلمت جميعا أخوتك مثله تنصب (عامة) وجميعا نصب الحال ، فإن قلت : الذين (عامة) كلمت إخوتك قبح عندي ؛ لأنه في المعنى ينوب عن التأكيد والمؤكد لا يكون قبل المؤكّد كما أن الصفة لا تكون قبل الموصوف وتقول : (الذي عن الذي عنك معرض زيد) تريد : الذي هو معرض عن الذي هو عنك معرض زيد كأنك قلت : (الذي معرض عن الرجل زيد) وهذا شيء يقيسه النحويون ويستبعده بعضهم لوقوع صلة الأول وصلة الثاني في موضع واحد وتقول :(أعجبني ما تصنع حسنا) تريد : (ما تصنعه حسنا) وكذلك : (أعجبني ما تضرب أخاك) تريد :(ما تضربه أخاك) فما وصلتها في معنى مصدر وكذلك : (أعجبني الذي تضرب أخاك) تريد :الذي تضربه أخاك و (ما) أكثر في هذا من (الذي) إذا جاءت بمعنى المصدر.

واعلم أنك إذا قلت : (الذي قائم زيد) فرفعت (قائما) وأضمرت (هو) لم يجز أن تنسق على هو ولا تؤكده لا تقول : (الذي نفسه قائم زيد) الذي وعمرو قائمان زيد وقوم يقولون إذا قلت : (الذي قمت فضربته زيد) إذا كان القيام لغوا فالصلة (الضرب) ، وإن كان غير لغو فهو الصلة ولا يجيزون أن يكون لغوا إلا مع الفاء ولا يجيزونه مع جميع حروف النسق ، فإن زدت في الفعل جحدا أو شيئا فسد نحو قولك : (الذي لم يقم فضربته زيد) والغاء القيام لا يعرفه البصريون وإنما من الأفعال التي تلغى الأفعال التي تدخل على المبتدأ وخبره نحو (كان وظننت) ؛ لأن الكلام بتم دونها و (قام) ليس من هذه الأفعال وهؤلاء الذين أجازوا إلغاء (القيام) إنما أن يكونوا سمعوا كلمة شذت فقاسوا عليها كما حكى سيبويه ما جاءت حاجتك أي : صارت على جهة الشذوذ فالشاذ محكي ويخبر بما قصد فيه ولا يقاس عليه ، وأما أن يكونوا تأولوا أنه لغو وليس بلغو لشبهة دخلت عليهم وقال من يجيز اللغو إذا قلت : (الذي قام قياما فضربته زيد) خطأ إذا أردت اللغو وكذاك : الذي قمت قياما فضربته وهؤلاء يجيزون : (الذي ضارب أنت زيد) يريدون : (الذي ضاربه أنت زيد) فإذا حذفوا نونوا ومثل ذا يجوز عندي في شعر على أن ترفع أنت بضارب وتقيمه مقام الفعل كما تقول : (زيد ضاربه أنت) تريد :(ضارب أنت إيّاه) إذا أقمنا (ضارب) مقام الفعل حذفنا معه كما تحذف مع الفعل ضرورة ولا

ص: 173

يحسن عندي فلا غير ضرورة ؛ لأنه ليس بفعل وإنما هو مشبه بالفعل وما شبه بالشيء فلا يصرف تصريفه ولا يقوى قوته وإنما هذا شيء قاسوه ولا أعرف له أصلا في كلام العرب وهؤلاء لا يجيزون : (الذي يقوم كان زيد) على أن تجعل (يقوم) خبر كان تريد : (الذي كان يقوم زيد) والقياس يوجبه ؛ لأنه في موضع (قائم) وهو يقبح عندي من أجل أن (كان) إنما تدخل على مبتدأ وخبر فإذا كان خبر المبتدأ قبل دخولها لا يجوز أن يقدم على المبتدأ فكذا ينبغي أن تفعل إذا دخلت (كان) وأنت إذا قلت : (زيد يقوم) فليس لك أن تقدم (يقوم) على أنه خبر زيد ، وإذا قلت : (الذي كان أضرب زيد) كان خطأ ؛ لأن الهاء المضمرة تعود على ما في كان ولا تعود على الذي وإنما يحذف الضمير إذا عاد على الذي ، فإن قلت الذي كنت أضرب زيد جاز ؛ لأن الهاء (للذي) وتقول : (الذي ضربت فأوجعت زيد) تريد : (الذي ضربته فأوجعته) إذا كان الفعلان متفقين في التعدي وفي الحرف الذي يتعديان به جاز أن تضمر في الثاني.

وكذلك : (الذي أحسنت إليه وأسأت زيد) أحسنت تعدت (بإليه) وأسأت مثلها ، وإذا اختلف الفعلان لم يجز لو قلت : (الذي ذهبت إليه وكفلت زيد) تريد : به لم يجز ؛ لأن (به) خلاف (إليه) وحكوا : مررت بالذي مررت وكلفت بالذي كفلت فاجتزوا بالأول فإذا اختلف كان خطأ لو قالوا : (كفلت بالذي ذهبت) لم يجز حتى تقول : إليه.

وقالوا : (أمرّ بمن تمرّ وأرغب فيمن ترغب) قالوا : وهو في (من) أجود ؛ لأن تأويل الكلام عندهم جزاء ، ومن قولهم : (إن هذا والرجل) وكل ما دخلته الألف واللام وكل نكرة وكل ما كان من جنس هذا وذاك يوصل كما توصل (الذي) فما كان منه معرفة ووقع في صلته نكرة نصبت النكرة على الحال وهي في الصلة ، وإذا كان نكرة تبع النكرة وهو في الصلة ، وإذا كان في الصلة معرفة جئت (بهو) لا غير فتقول في هذا والرجل قام : (هذا ظريفا) فظريف حال من (هذا) وهو في صلة (هذا) وضربت هذا قائما وقام الرجل ظريفا وظريف في صلة الرجل وضربت الرجل يقوم وقام وعندك يجري على ما جرى عليه (الذي) لا فرق بينهما عندهم إلا في نصب النكرة فتقول في النكرة : ضربت رجلا قام ويقوم وقائما وضربت رجلا ضربت

ص: 174

وضربت في صلة (رجل) وثم هاء تعود على (رجل) ويقولون إذا قلت : (أنت الذي تقوم وأنت رجل تقوم وأنت الرجل تقوم) ، فإن هذا كله يلغى ؛ لأن الإعتماد على الفعل ، فإن جعلوا الفعل للرجل قالوا : (أنت الرجل يقوم) وقالوا إذا قلت : (أنت من يقوم) لم يجز إلا بالياء ؛ لأن (من) لا تلغى وقالوا قلت (أنت رجل تأكل طعامنا) وقدمت الطعام حيث شئت فقلت :(أنت طعامنا رجل تأكل) أجازوه في (رجل) وفي كل نكرة وهذا لا يجوز عندنا ؛ لأن الغاء (رجل) والرجل والذي غير معروف عندهم وهؤلاء يقولون إذا قلت : (أنت الرجل تأكل طعامنا) أو آكلا طعامنا لم يجز أن تقول : (أنت طعامنا الرجل آكلا) ؛ لأنه حال وصلة الحال والقطع عندهم لا يحال بينهما وقالوا : إذا قلت : (أنت فينا الذي ترغب) كان خطأن ؛ لأن (الذي) لا يقوم بنفسه ورجل قد يقوم بلا صلة قالوا : فإن جعلت (الذي) مصدرا جاز فقلت :(أنت فينا الذي ترغب) ووحدت (الذي) في التثنية والجمع قال الله عز وجل : (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا) [التوبة : 69] يريد : كخوضهم ويقولون على هذا القياس : (أنت فينا الذي ترغب) وأنتما فينا الذي ترغبان وأنتم فينا الذي ترغبون وكذاك المؤنث (أنت فينا الذي ترغبين) تريد : (أنت فينا رغبتك) ولا تثنى (الذي) ولا تجمع ولا تؤنث وكذاك : (الذي تضرب زيدا قائما وما تضرب زيدا قائما) تريد : (ضربك زيدا قائما) قالوا : ولا يجوز هذا في (إن) ؛ لأن (إن) أصله الجزاء عندهم ، وإذا قدمت رجلا والرجل والذي وهو ملغى كان خطأ في قول الفراء قال : إنه لا يلغى متقدما وقال الكسائي : تقديمه وتأخيره واحد.

وإذا قلت : (أين (1) الرجل الذي قلت وأين الرجل الذي زعمت) ، فإن العرب تكتفي (بقلت وزعمت) من جملة الكلام الذي بعده ؛ لأنه حكاية تريد : الذي قلت إنه من أمره كذا

ص: 175


1- أين الاستفهاميّة : اسم استفهام عن مكان ، وهي مغنية عن الكلام الكثير ، وذلك أنّك إذا قلت : " أين بيتك". أغناك عن ذكر الأماكن كلّها ، وهو سؤال عن المكان الّذي حلّ فيه الشيء ، ، وإذا دخلته" من" كان سؤالا عن مكان بروز الشيء تقول : " من أين قدمت" وهو مبنيّ على الفتح في الحالات كلّها. انظر معجم القواعد 2 / 140.

وكذا وقد كنت عرفتك أن العرب لا تجمع بين الذي والذي ولا ما كان في معنى ذلك شيء قاسه النحويون ليتدرب به المتعلمون وكذا يقول البغداديون الذين على مذهب الكوفيين يقولون : إنه ليس من كلام العرب ويذكرون أنه إن اختلف جاز وينشدون :

من النّفر اللّائي (1)

الّذين إذا هم

يهاب اللّئام حلقة الباب قعقعوا

قالوا : فهذا جاء على إلغاء أحدهما وهذا البيت قد رواه الرواة فلم يجمعوا بين (اللائي والذين) ويقولون : (على هذا مررت بالذي ذو قال ذاك) على الإلغاء ، فقال أبو بكر : وهذا عندي أقبح ؛ لأن الذي يجعل (ذو) في معنى (الذي) من العرب طيء فكيف يجمع بين اللغتين ولا يجيزون : (الذي من قام زيد) على اللغو ويحتجون بأنّ (من) تكون معرفة ونكرة مررت بالذي القائم (أبوه) على أن تجعل الألف واللام للذي وما عاد من الأب على الألف واللام ويخفض القائم يتبع (الذي) وهذا لا يجوز عندنا ؛ لأن (الذي) لا بدّ لها من صلة توضحها ومتى حذفت الصلة في كلامهم فإنما ذاك ؛ لأنه قد علم ، وإذا حذفت الصلة وهي التي توضحه ولا معنى له إلا بها كان حذف الصفة أولى فكيف تحذف الصلة وتترك الصفة ويقولون : إن العرب إذا جعلت (الذي والتي) لمجهول مذكر أو مؤنث تركوه بلا صلة نحو قول الشاعر :

فإن أدع اللّواتي من أناس

أضاعوهنّ لا أدع الّذينا (2)

ص: 176


1- الّلات ، أو : الّلاتى ، والّلاء ، أو : اللائي. وتختص بجمع المؤنث للعاقلة وغير العاقلة ، تقول : الّلات سبقن في الميدان العملى كثيرات ، ومنهن الّلاء اشتهرن بالاختراع ... أو اللاتى أو : اللائ. وامتلأ البحر بالسفن اللات تشقه طولا وعرضا ، وهى محملة بالبضائع المتنوعة اللاء تنتقل بين أطراف المعمورة ... أو اللاتى أو : اللائى. (واللات واللاء مبنيتان على الكسر. أما اللاتى واللائ فمبنيتان على السكون). وكلها في محل رفع ، أو :نصب ، أو : جرّ ، على حسب موقعها من الجملة. انظر النحو الوافي 1 / 232.
2- قال أبو علي الفارسي في إيضاح الشعر : أنشده أحمد بن يحيى ثعلب وقال : يقول : فإن أدع النساء اللاتي أولادهن من رجال قد أضاعوا هؤلاء النساء : أي : لا أهجو النساء ، ولكن أهجو الرجال الذين لم يمنعوهن. فعلى تفسيره ينبغي أن يكون المبتدأ مضمرا في الصلة ، كأنه قال : فإن أدع اللواتي أولادهن من أناس أضاعوهن فلن يحموهن كما تحمي البعولة أزواجها فلا أدع الذين. والتقدير : إن أدع هجو هؤلاء النساء الضعاف ، لا أدع الضعاف ، لا أدع هجو الرجال المضيعين ، وذمهم على فعلهم. فالمضاف محذوف في الموضعين. وتقدير حذف المبتدأ غير ممتنع هنا ، وقد حذف المبتدأ من الصلة. انظر خزانة الأدب 2 / 319.

ويقولون : الذي إذا كان جزاء فإنه لا ينعت ولا يؤكد ولا ينسق عليه ؛ لأنه مجهول لا تقول : (الذي يقوم الظريف فأخواك ولا الذي يقوم وعمرو فأخواك) ؛ لأنه مجهول (وعمرو) عندهم معروف.

قال أبو بكر : إن كان (أخاه) من النسب فلا معنى لدخول الفاء ؛ لأنه أخوه على كل حال ، وإن كان من المؤاخاة فجائز ، وأما النعت والتوكيد فهو عندي كما قالوا إذا جعلت (الذي) في معنى الجزاء ؛ لأنه لم يثبت شيئا منفصلا من أمة فيصفه ، وإذا قلت : (الذي يأتيني فله درهم) على معنى الجزاء فقد أردت : (كل من يأتيني) فلا معنى للصفة هنا والعطف يجوز عندي كما تقول الذي يجيء مع زيد فله درهم فعلى هذا المعنى تقول : (الذي يجيء هو وزيد فله درهم) أردت الجائي مع زيد فقط ولك أيضا أن تقول في هذا الباب : (الذي يجيئني راكبا فله درهم) ويجيزون أيضا الدار تدخل فدارنا يجعلونها مثل (الذي) كأنك قلت : (الدار التي تدخل فدارنا) وهذا لا يجوز لما عرفتك إلا أن يصح أنه شائع في كلام العرب وأجازوا (الذي يقوم مع زيد أخواك) يريدون : (الذي يقوم وزيد أخواك) يعطفون (زيدا) على (الذي) وإنما يجيزون أن يكون مع بمنزلة الواو إذا كان الفعل تاما ، وإذا كان ناقصا لم يجز هذا.

قال الفراء : إذا قلت : (الذي يقوم مع زيد أخواك) لم أقل : (أخواك الذي يقوم مع زيد) قال : ولا أقول : (الذي يختصم مع زيد أخواك) لأن الاختصام لا يتم والطوال وهشام يجيزانه مع الناقص وفي التقديم والتأخير ويجعلونه (مع) بمنزلة الواو والفراء لم يكن يجيزه إلا وهو جزاء ، وإذا قلت : (الذي يختصم زيد أخواك) فزيد لا يجوز أن ينسق به إلا على ما في الاختصام ؛ لأنه لا يستغني عن اسمين ويقول : (اللذان اختصما كلاهما أخواك) فاللذان ابتداء واختصما صلة لهما و (كلاهما) ابتداء ثان وأخواك خبره وهذه الجملة خبر اللذين ، فإن جعلت (كلاهما) تأكيدا لما في اختصما لم يجز ؛ لأن الاختصام لا يكون إلا من اثنين فلا معنى للتأكيد

ص: 177

هنا ، فإن قلت : اللذان اختصما كلاهما أخوان لم يجز على تأويل وجاز على تأويل آخر إن أردت بقولك : (أخوان) أن كل واحد منهما أخ لصاحبه لم يجز ؛ لأن (كلاهما) لا معنى لها هاهنا وصار مثل (اختصما) الذي لا يكون إلا من اثنين ؛ لأن الأخوين كل واحد منهما أخ لصاحبه مثل المتخاصمين والمتجالسين ، فإن أردت بأخوين أنهما أخوان لا نسيبان جاز ؛ لأنه قد يجوز أن يكون أحدهما أخا لزيد ولا يكون الآخر أخا لزيد فإذا كان أحدهما أخا لصاحبه فلا بدّ من أن يكون الآخر أخا له فلا معنى (لكلا) هاهنا وتقول : (الذي يطير الذباب فيغضب زيد) فالراجع إلى (الذي) ضميره في (يغضب) والمعنى الذي إذا طار الذباب غضب زيد ولا يجوز الذي يطير الذباب فالذي يغضب زيد ؛ لأن الذي الأولى ليس في صلتها ما يرجع إليها وقوم يجيزون الطائر الذباب (فالغاضب زيد) ؛ لأن الألف والام الثانية ملغاة عندهم فكأنهم قالوا :(الطائر الذباب) فغاضب زيد وهذا لا يجوز عندنا على ما قدمنا في الأصول أعني إلغاء الألف واللام.

واعلم أن من قال : (من يقوم ويقعدون قومك ومن يقعدون ويقومون أخوتك) فيرد مرة إلى اللفظ ومرة إلى المعنى فإنه لا يجيز أن تقول : (من قاعدون وقائم إخوتك) فيرد (قائما) إلى لفظ (من) لأنك إذا جئت بالمعنى لم يحسن أن ترجع إلى اللفظ وتقول : (من كان قائما إخوتك ومن كان يقوم إخوتك) ترد ما في كان على لفظ (من) وتوحد فإذا وحدت اسم كان لم يجز أن يكون خبرها إلا واحدا فإذا قلت من كانوا قلت قياما ويقومون ولا يجوز (من كان يقومون إخوتك وقوم يقولون إذا قلت : (أعجبني ما تفعل) فجعلتها مصدرا فإنه لا عائد لها مثل (أن) فكما أنّ (أن) لا عائد لها فكذلك ما وقالوا : إذا قلت : (عبد الله أحسن ما يكون قائما) فجاءوا (بما) مع (يكون) ؛ لأن (ما) مجهول و (يكون) مجهول فاختاروا (ما) مع يكون : أردت : (عبد الله أحسن شيء يكون) فما في (يكون) (لما) فإذا قلت : (عبد الله أحسن من يكون) فأردت أحسن من خلق جاز ولا فعل (ليكون) يعنون لا خبر لها وقالوا إذا قلت : (عبد الله أحسن ما يكون قائما) إذا أردت أن تنصب (قائما) على الحال أي : أحسن الأشياء في حال قيامه قالوا :ولك أن ترفع عبد الله بما في (يكون) وترفع أحسن بالحال وتثنى وتجمع فتقول : (الزيدان

ص: 178

أحسن ما يكونان قائمين والزيدون أحسن ما يكونون قائمين) يرفعون (أحسن) بالحال ولا يستغنى عن الحال هاهنا عندهم ، فإن قلت : (عبد الله أحسن ما يكون) وأنت أحسن ما تكون على هذا التقدير لم يجز ؛ لأن عبد الله إذا ارتفع بما في (يكون) لم يكن لأحسن خبر ومعنى.

قولهم : ارتفع بما في (يكون) يعنون أنهم يرفعون بالراجع من الذكر وهذا خلاف مذهب البصريين ؛ لأن البصريين يرفعون بالابتداء قالوا : فهذا وقت فلا يرتفع عبد الله بجملته ، فإن أردت : (عبد الله أحسن شيء يكونه) فهو جائز وهو صفة فإذا قلت : (أحسن ما يكون عبد الله قائما) جرى مجرى : (ضربي زيدا قائما).

وقال محمد بن يزيد : قول سيبويه : (أخطب ما يكون الأمير قائما) تقديره : على ما وضع عليه الباب : أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائما كما قال (هذا بسرا أطيب منه تمرا ، فإن قال قائل : أحوال زيد إنما هي القيام والقعود ونحو ذلك فكيف لم يكن أخطب ما يكون الأمير بالقيام أي : (أخطب أحواله القيام (1)) فالجواب في ذلك : أن (القيام) مصدر وحال زيد هي الحال التي يكون فيها من قيام وقعود أو نحوه ، فإن ذكرت المصدر أخليته من زيد وغيره وإنما

ص: 179


1- يجب حذف الخبر إذا وقع قبل حال لا تصلح خبرا (عن) المبتدأ (الّذي خبره قد أضمرا) وذلك فيما إذا كان المبتدأ مصدرا عاملا في اسم مفسر لضمير ذي حال بعده لا تصلح ؛ لأن تكون خبرا عن ذلك المبتدأ ، أو اسم تفضيل مضافا إلى المصدر المذكور أو إلى مؤول به فالأول. (كضربي العبد مسيئا و) الثاني مثل (أتم تبييني الحقّ منوطا بالحكم) إذا جعل منوطا جاريا على الحق لا على المبتدأ. والثالث نحو أخطب ما يكون الأمير قائما ، والتقدير إذ كان أو إذا كان مسيئا ومنوطا وقائما ، نصب على الحال من الضمير في كان ، وحذفت جملة كان التي هي الخبر للعلم بها وسد الحال مسدها ، وقد عرفت أن هذه الحال لا تصلح خبرا لمباينتها المبتدأ إذ الضرب مثلا لا يصح أن يخبر عنه بالإساءة ، فإن قلت جعل هذا المنصوب حالا مبني على أن كان تامة ، فلم لا جعلت ناقصة والمنصوب خبرها ؛ لأن حذف الناقصة أكبر : فالجواب أنه منع من ذلك أمران : أحدهما أنا لم نر العرب استعملت في هذا الموضع إلا أسماء منكورة مشتقة من المصادر فحكمنا بأنها أحوال إذ لو كانت أخبارا لكان المضمرة لجاز أن تكون معارف ونكرات ومشتقة وغير مشتقة. الثاني وقوع الجملة الاسمية مقرونة بالواو موقعه ، كقوله عليه الصّلاة والسّلام : «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد». انظر شرح الأشموني على الألفية 1 / 108.

المصدر لذات الفعل فأما اسم الفاعل فهو المترجم عن حال الفاعل لما يرجع إليه من الكناية ولأنه مبني له ، وذلك نحو : (جائني زيد راكبا) ؛ لأن في (راكب) ضمير زيد وهو اسم الفاعل لهذا الفعل ، فإن احتج القائل في إجازتنا : أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة فالتقدير :(أخطب أيام الأمير يوم الجمعة) فجعلت الخطبة للأيام على السعة وقد تقدم تفسير ذلك في الظروف مبينا كما قال الله عز وجل : (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) [سبأ : 33] أي : مكركم فيهما.

قال محمد : وجملة هذا أن الظرف من الزمان متضمن الفاعل لا يخلو منه وقد يخلو من فعل إلى آخر وقال في موضع آخر : كان سيبويه يقول في قولهم : أكثر ضربي زيدا قائما إن قائما سد مسدّ الخبر وهو حال قال : وأصله إنما هو على (إذ كان) ، وإذا كان ومثله : (أخطب ما يكون الأمير قائما وأكثر شربي السويق ملتوتا وضربي زيدا قائما) وتقول ذلك في كل شيء كان المبتدأ فيه مصدرا وكذلك إن كان في موضع الحال ظرف نحو قولك : أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة وأحسن ما يكون زيد عندك وقال : وكان أبو الحسن الأخفش يقول : (أخطب ما يكون الأمير قائم) ويقول : أضفت أخطب إلى أحوال قائم أحدها ويزعم سيبويه أنك إذا قلت : (أخطب ما يكون الأمير قائما) فإنما أردت : (أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائما) فحذفت ؛ لأنه دل عليهما ما قبلها و (قائما) حال وقد بقي منها بقية وكذلك قوله : ضربي زيدا راكبا أي : إذا كان راكبا وهي (كان) التي معناها (وقع) فأما أكلي الخبز يوم الجمعة فلا يحتاج فيه إلى شيء ؛ لأن يوم الجمعة خبر المصدر وينبغي أن يكون على قول سيبويه ظننت ضربي زيدا قائما وظننت أكثر شربي السويق ملتوتا أنه أتى (لظننت) بمفعول ثان على الحال التي تسد مسد المفعول الثاني كما سدت مسد الخبر ، فإن قيل : إن الشك إنما يقع في المفعول الثاني قيل : إن الشك واقع في (إذ كان) و (إذا كان) والحال دليل ؛ لأن فيها الشك وأن يعمل فيها (ظننت) ولكن في موضعها كما كنت قائلا : القتال يوم الجمعة فتنصب يوم الجمعة بقولك القتال ، فإن جئت بظننت قلت : (ظننت القتال يوم الجمعة) فيوم الجمعة منتصب بوقوع القتال وليس (بظننت) والدليل على ذلك أنه ليس يريد أن يخبر أن القتال هو اليوم هذا محال ولكنه يخبر أن القتال في اليوم وتقول : إنّ القتال اليوم ظننت فتنصب ؛ لأن (إنّ) لا تعمل فيه شيئا إنما تعمل

ص: 180

في موضعه كما وصفت لك وقياس (ظننت) ، وإن وكان والابتداء والخبر واحد وكذلك لو قلت : (كان زيد خلفكم) لم تكن كان الناصبة (لخلف) فكذلك إذا قلت : (كان أكثر شربي السويق ملتوتا) نصب (ملتوتا) بما كان انتصب به قبل دخول (كان) سد مسد خبرها كما سد مسد خبر الابتداء ولكن ما ينصب هذه الظروف هو الخبر لهذه العوامل كما كان خبر الابتداء فإذا قلت : (كان زيد خلفكم) فتقديره : (كان زيد مستقرا خلفكم) وكان ضربي زيدا إذا كان قائما وما كان مثلهن فهذا مجراه.

ص: 181

ذكر ما يحرك من السواكن في أواخر الكلم

وما يسكن من المتحركات وما تغير حركته لغير إعراب وما يحذف لغير جزم

أما ما يتحرك من السواكن (1) لغير إعراب فهو على ضربين : إما أن يحرك من أجل ساكن يلقاه ، ولا يجوز الجمع بين ساكنين. وإما أن يكون بعده حرف متحرك فيحذف ويلقي حركته عليه.

الأول على ضربين

أحدهما : إما أن يكون آخر الحرف ساكنا فيلقاه ساكن نحو قولك : (قم الليل) حركت الميم بالكسر لالتقاء الساكنين وأصل التحريكات لالتقاء الساكنين الكسر ولم ترد الواو ؛ لأن الكسر غير لازمة في الوقف وكذلك قولك : (كم المال ومن الرجل) ، فإن قلت : (من الرجل)

ص: 182


1- إذا التقى ساكنان فإمّا أن يكون أولهما مدّة أو لا ، فإن كان أوّلهما مدّة وجب حذفها لفظا وخطّا سواء أكان الساكن الثاني والأول من كلمة أم كان الثاني كجزء من الكلمة ، فالأول نحو" خف" من خاف يخاف و" قل" من قال يقول و" بع" من باع يبيع ، والثاني نحو" تغزون" أصلها تغزوون (اجتمع ب" تغزوون" واو الكلمة وواو الجمع ، تحركت الواو الأولى وانفتح ما قبلها قلبت ألفا فصارت تغزوان ، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين وحركت الزاي بالضّمة لمناسبة الواو ، وهكذا غيرها) بواو الكلمة وواو الجمع و" ترمنّ" أصلها :ترميينّ بياء الكلمة وياء المخاطبة. و" تغزنّ" يا رجال و" ترمنّ" أصلهما : تغزووننّ وترموننّ ونحو" أنت ترمين وتغزين". أصلهما ترميين وتغزوين و" لتغزنّ" يا هند ، " ولترمنّ" وأصلهما : لتغزووننّ (اجتمع في" تغزووننّن" واوان : واو الكلمة ، وواو الجمع ، وثلاثة نونات ، وإعلالها : تحركت الواو الأولى وانفتح ما قبلها قلبت ألفا ، ثم حذفت لالتقاء الساكنين فبقى واو الجماعة وثلاث نونات ، حذفت نون الرفع لتوالي النونات ، فالتقى ساكنان : واو الجماعة ونون التوكيد فحذفت واو الجماعة ورمز إليها بالضمة قبل نون التوكيد فصارت تغزنّ وهكذا غيرها) ولترمييننّ. وتحذف لفظا فقط إذا كان الساكنان في كلمتين نحو" يخشى الله" و" يغزو الجيش" و" يرمي الحاجّ" ومنه (وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ) (الآية : 15 سورة النمل) ، (وَما قَدَرُوا)(قَدْرِهِ) (الآية : 91 سورة الأنعام) (أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ونحو (ركعتا الفجر خير من الدّنيا وما فيها). انظر معجم القواعد 2 / 91.

فالفتح أحسن من قبل أن الميم مكسورة فيثقل الكسر بعد كسرة ولكثرة الاستعمال أيضا والكسرة الأصل فكل ما لا يتحرك إذا لقيه ساكن حرك من ذلك قولك : (هذا زيد العاقل) حركت التنوين بالكسر.

والآخر (1) : ما حرك من أواخر الكلم السواكن من أجل سكون ما قبلها وليس التحريك تحرك البناء كأين وأولاء وحيث فمن ذلك الفعل المضاعف والعرب تختلف فيه ، وذلك إذا اجتمع حرفان من موضع واحد فأهل الحجاز يقولون : (اردد ، وإن تضارر أضارر وغيرهم يقول : (ردّد) وفرّ ، وإن تردّ أردّ ويقولون : لا تضار ؛ لأن الألف يقع بعدها المدغم والذين يدغمون يختلفون في تحريك الآخر فمنهم من يحركه بحركة ما قبلها أي حركة كانت ، وذلك ردّ وعضّ وفرّ واطمئن واستعدّ واجترّ ؛ لأن قبلها فتحة فإذا جاءت الهاء والألف التي لضمير المؤنث فتحوا أبدا فقالوا : ردّها وعضّها وفرّها ؛ لأن الهاء خفية فكأنه قال : فرّا وردّا ولم يذكرها فإذا كانت الهاء مضمومة (2) في مثل قولهم : ردهو ضموا كأنهم قالوا : ردوا.

فإن جئت بالألف واللام وأردت الوصل كسرت الأول كله فقلت : ردّ القوم وردّ ابنك وعضّ الرجل وفرّ اليوم ، وذلك ؛ لأن الأصل : أردد فهو ساكن فلو قلت : أردد القوم لم يكن

ص: 183


1- والثاني ما ليس أولهما مدّة :إن لم يكن أول السّاكنين مدّة وجب تحريكه إلّا في موضعين - وسنأتي على ذكر الموضعين بنهاية هذا البحث - وتحريكه إمّا بالكسر على أصل التّخلّص من التقاء الساكنين وإمّا بالضم وإما بالفتح. أما التّحريك بالكسر فهو الأصل كما قدمنا ، ويكون في كلّ ما عدا موضعي الضّمّ ومواضع الفتح. انظر معجم القواعد 2 / 92.
2- التّحريك بالضّم فيجب في موضعين : 1- أمر المضعّف المتّصل به هاء الغائب ومضارع المضعّف المجزوم نحو" ردّه" و" لم يردّه" والكوفيون يجيزون الفتح والكسر. 2- الضّمير المضموم نحو (لهم البشرى) (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ) ويترجّح الضمّ على الكسر في واو الجماعة المفتوح ما قبلها نحو" اخشول الله" ؛ لأن الضمة على الواو أخفّ من الكسرة ، ويستوي الكسر والضّم في ميم الجماعة المتّصلة بالضمير المكسور نحو" بهم اليوم". انظر معجم القواعد 2 / 93.

إلا الكسر فهذه الدال تلك وهي على سكونها وهو الأصل على لغة أهل الحجاز ألا ترى أن الذال في (مذ واليوم في ذهبتم لما لقيها الألف واللام احتيج إلى تحريكها لالتقاء الساكنين ردّ إلى الأصل وأصلها الضم فقلت : مذ اليوم وذهبتم اليوم ؛ لأن أصل (مذ) منذ يا هذا وأصل ذهبتم : ذهبتم يا قوم فرد مذ وذهبتم إلى أصله وهي الحركة ومنهم من يفتح على كل حال إلا في الألف واللام وألف الوصل وهم بنو أسد.

قال الخليل : شبهوه (بأين وكيف) ومنهم من يدعه إذا جاء بالألف واللام مفتوحا يجعله في جميع الأشياء (كأين) ومن العرب من يكسر ذا أجمع على كل حال فيجعله بمنزلة (اضرب الرجل) ، وإن لم تجىء بالألف واللام ؛ لأنه فعل حرك لالتقاء الساكنين والذي يكسرون كعب وغني.

ولا يكسر هلم البتة من قال : هلما وهلمي ليس إلا الفتح وأهل الحجاز وغيرهم يجمعون على أنهم يقولون للنساء أرددن ؛ لأن سكون الدال هنا لا يشبه سكون الجزم ولا سكون الأمر والنهي لأنها إنما سكنت من أجل النون كما تسكن مع التاء وزعم الخليل وغيره إن ناسا من بكر بن وائل يقولون (ردّن ومرّن وردّت) كأنهم قدروا الإدغام قبل دخول النون والتاء والشعراء إذا اضطروا إلى ما يجتمع أهل الحجاز وغيرهم على إدغامه أخرجوه على الأصل ومن ذلك الهمزة إذا خففت وقبلها حرف ساكن حذفت وألقيت الحركة على الساكن وسنذكر باب الهمزة إن شاء الله.

والثاني : ما يسكن لغير جزم وإعراب

وهو على ثلاثة أضرب : إسكان لوقف ، وإسكان لإدغام ، وإسكان لاستثقال.

أما الوقف فكل حرف يوقف عليه فحقه السكون كما أن كل حرف يبتدأ به فهو متحرك وأنا أفرد ذكر الوقف والابتداء.

وأما الإدغام فنحو قولك : (جعل لك) فمن العرب من يستثقل اجتماع كثرة المتحركات فيدغم وهذا يبين في الإدغام.

وأما إسكان الاستثقال فنحو ما حكوا في شعر امرىء القيس في قوله :

ص: 184

فاليوم أشرب (1) غير مستحقب

إثما من الله ولا واغل

كان الأصل : أشرب فأسكن الباء كما تسكنها في (عضد) فتقول : (عضد) للإستثقال فشبه المنفصل والإعراب بما هو من نفس الكلمة وهذا عندي غير جائز لذهاب علم الإعراب ولكن الذين قالوا (وهو) فأسكنوا الهاء تشبيها (بعضد) والذين يقولون في (عضد) (عضد) وفي (فخذ) إنما يفعلون هذا إذا كانت العين مكسورة أو مضمومة فإذا انفتحت لم يسكنوا.

الثالث : ما غيرت حركته لغير إعراب

تقول : هذا غلام فإذا أضفته إلى نفسك قلت : غلامي فزالت حركت الإعراب وحدث موضعها كسرة وقد ذكرت ذا فيما تقدم فهذه الياء تكسر ما قبلها إذا كان متحركا ، فإن كان قبلها ياء نحو : (يا قاضي) قلت : قاضيّ وجواريّ ، فإن كان قبلها واو ساكنة وقبلها ضمة قلبتها ياء وأدغمت نحو (مسلميّ) ، فإن كان ما قبلها ياء ساكنة وقبلها حرف مفتوح لم تغيرها تقول :(رأيت غلامي) تدع الفتحة على حالها وكل اسم آخره ياء يلي حرفا مكسورا فلحقته الواو والنون والياء للجمع تحذف منه الياء ويصير مضموما تقول في (قاض) إذا جمعت (قاضون) وقاضين لما لزم الياء التي هي لام السكون أسقطت لالتقاء الساكنين ، فإن أضفت (قاضون (2)) إلى نفسك قلت : (قاضي) كما قلت : مسلميّ وتختلف العرب في إضافة المنقوص إلى الياء فمن العرب من يقول : بشراي بفتح الياء ومنهم من يقول : بشريّ ، وأما قولهم : في عليّ عليك ولديّ لديك فإنما ذاك ليفرقوا بينهما وبين الأسماء المتمكنة كذا قال سيبويه : وحدثنا الخليل إن ناسا من العرب يقولون : علاك ولداك وإلاك وسائر علامات المضمر المجرور بمنزلة الكاف

ص: 185


1- ليس قوله أشرب مجزوما وإنما هو مرفوع ولكن حذفت الضمة للضرورة أو على تنزيل ربغ بالضم من قوله أشرب غير منزلة عضد بالضم فإنهم قد يجرون المنفصل مجرى المتصل فكما يقال في عضد بالضم عضد بالسكون كذلك قيل في ربغ بالضم ربغ بالإسكان. شرح شذور الذهب 1 / 276.
2- إن جمع المنقوص هذا الجمع حذفت ياؤه وضم ما قبل الواو وكسر ما قبل الياء فتقول في قاض قاضون رفعا وقاضين جرا ونصبا. انظر شرح ابن عقيل 4 / 109.

وهؤلاء على القياس قال : وسألته عن من قال : رأيت كلا أخويك ومررت بكلا أخويك ومررت بكليهما فقال : جعلوه بمنزلة : عليك ولديك وكلا لا تفرد أبدا إنما تكون للمثنى.

الرابع : ما حذف لغير جزم

وذلك على ضربين :

أحدهما : ما يحذف من الحروف المعتلة لالتقاء الساكنين.

والآخر : ما يحذف في الوقف ويثبت في الإدراج.

فأما الذي يحذف لالتقاء الساكنين فالألف والياء التي قبلها كسرة والواو التي قبلها ضمة ، وذلك نحو : هو يغزو الرجل ويرمي القوم ويلقي الفارس وكذلك إن كانت واو جمع أو ياء نحو : مسلمو القوم ومسلمي الرجل ، فإن كان قبل الواو التي للجمع فتحة لم يجز أن يحذف لأنها لا تكون كذا إلا وقبلها حرف قد حذف لالتقاء الساكنين وهي مع ذلك لو حذفت لإلتبست بالواحد ، وذلك قولك : هم مصطفو القوم واخشوا الرجل والفتح مع ذلك أخف من الضم ، وأما الذي يحذف في الوقف ويثبت في غيره فنذكره في الوقف والابتداء ونجعله يتلو ما ذكرنا ثم نتبعه الهمز للحاجة إليه إن شاء الله.

ص: 186

باب ذكر الابتداء

اشارة

كل كلمة يبتدأ بها من اسم وفعل وحرف ، فأول حرف تبتدئ به وهو متحرك ثابت في اللفظ ، فإن كان قبله كلام لم يحذف ولم يغير إلا أن يكون ألف وصل فتحذف البتة من اللفظ ، وذلك إجماع من العرب أو همزة قبلها ساكن فيحذفها من يحذف الهمزة ويلقي الحركة على الساكن ، وسنذكر هذا في تخفيف الهمزة ، فأما ما يتغير ويسكن من أجل ما قبله فنذكره بعد ذكر ألف الوصل إن شاء الله.

ألف الوصل

ألف الوصل (1) : همزة زائدة يوصل بها إلى الساكن في الفعل والاسم والحرف إذ كان لا يكون أن يبتدأ بساكن وبابها أن تكون في الأفعال غير المضارعة ثم المصادر الجارية على تلك الأفعال وقد جاءت في أسماء قليلة غير مصادر ودخلت عليحرف من الحروف التي جاءت لمعنى ونحن نفصلها بعضها من بعض إن شاء الله.

ص: 187


1- همزة الوصل : 1 - تعريفها : هي : همزة سابقة موجودة في الابتداء مفقودة في الدّرج. 2 - مواضعها : قد تأتي في بعض الأسماء ، وبعض الأفعال ، وبعض الحروف. 3 - مجيؤها في بعض الأسماء : تجيء من الأسماء في مصادر" الخماسي" و" السداسي" ك" انطلاق"" استنفار" وفي ااثني عشر اسما وهي :" اسم ، واست (الاست : الدبر) ، وابن ، وابنم ، وابنة ، وامرؤ وامرأة ، واثنان ، واثنتان ، وايمن المخصوص بالقسم ، وايم لغة فيه وأل الموصوفة" (- في حروفها). 4 - مجيؤها في بعض الافعال : تأي همزة الوصل من الأفعال في الفعل" الخماسي" ك" انطلق" و" اقتدر" والفعل" السداسي" ك" استخرج" وأمر الثلاثي نحو" اكتب". 5 - مجيؤها في بعض الحروف : لا تأتي همزة الوصل من الحروف إلّا بحرف واحد هو" أل". انظر معجم القواعد 27 / 12.

أما كونها في الأفعال غير المضارعة فنحو قولك مبتدئا : اضرب اقتل اسمع اذهب كان الأصل : تذهب تضرب وتقتل وتسمع فلما أزلت حرف المضارعة وهو (التاء) بقي ما بعد الحرف ساكنا فجئت بألف الوصل لتصل إلى الساكن وأصل كل حرف السكون فكان أصل هذه الهمزة أيضا السكون فحركتها لالتقاء الساكنين بالكسر ، فإن كان الثالث في الفعل مضموما ضممتها وتكون هذه الألف في (انفعلت) نحو : انطلقت وافعللت نحو : احمررت وافتعلت نحو : احتبست ويكون في : استفعلت نحو : استخرجت وافعللت نحو : اقعنسست وافعاللت نحو : اشهاببت وافعولت نحو : اجلوذت وافعوعلت نحو : اغدودنت وكذلك ما جاء من بنات الأربعة على مثال استفعلت نحو احرنجمت واقشعررت فألف الوصل في الفعل في الابتداء مكسورة أبدا إلا أن يكون الثالث مضموما فتضمها نحو قولك : اقتل استضعف احتقر احرنجم والمصادر الجارية على هذه الأفعال كلها وأوائلها ألفات الوصل مثلها في الفعل ولا يكون إلا مكسورة تقول : انطلقت انطلاقا واحمررت احمرارا واحتبست احتباسا واستخرجت استخراجا واقعنسست اقعنساسا واشتهابيت اشهيبابا واجلوذت اجلواذا واغدودنت اغديدانا.

وأما الأسماء التي تدخل عليها ألف الوصل سوى المصادر الجارية على أفعالها وهي أسماء قليلة : فهي : ابن وابنة واثنان واثنتان وامرؤ وامرأة وابنم واسم واست فجميع هذه الألفات مكسورة في الابتداء ولا يلتفت إلى ضم الثالث تقول : مبتدئا ابنم وامرء لأنها ليست ضمة تثبت في هذا البناء على حال كما كانت في الفعل ، وأما الحرف الذي تدخل عليه ألف الوصل فاللام التي يعرف بها الأسماء نحو : القوم والخليل والرجل والناس وما أشبه ذلك إلا أن هذه الألف مفتوحة وهي تسقط في كل موضع تسقط فيه ألف الوصل إلا مع ألف الاستفهام (1)

ص: 188


1- همزة الاستفهام إذا دخلت على همزة الوصل ، ثبتت همزة الاستفهام وسقطت همزة الوصل ، وذلك ؛ لأن همزة الوصل إنما أتي بها ليتوصّل بها إلى النطق بالساكن الذي بعدها ، فلمّا دخلت عليها همزة الاستفهام استغني عنها بهمزة الاستفهام ، فأسقطت ، نحو قولك في الاستفهام" أبن زيد أنت؟ " و" أمرأة عمرو أنت؟ "" أستضعفت زيدا"" أشتريت كتابا؟ " ومنه قوله تعالى : (أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً)؟ (أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ) (أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ؟) (أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ)؟ (أَطَّلَعَ الْغَيْبَ) (افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً) إلى كثير من الأمثال. وقال ابن قيس الرّقيّات : فقالت : أبن قيس ذا؟ وبعض الشّيب يعجبها وقال ذو الرّمّة : أستحدث الرّكب عن أشياعهم خبرا؟ أم راجع القلب من أطرابه طرب؟ انظر معجم القواعد 27 / 9.

فإنهم يقولون : أالرجل عندك فيمدون كيلا يلتبس الخبر بالاستفهام وقد شبهوا بهذه الألف التي في (أيم وأيمن) في القسم ففتحوها لما كان اسما مضارعا للحروف ، وأما ما يتغير إذا وصل بما قبله ولا يحذف فالهاء من (هو) إذا كان قبلها واو أو فاء نحو قولهم : فهو قال ذاك وهي أمك وكذلك لام الأمر في قولك : لتضرب زيدا إذا كان قبلها واو وصلت فقلت : ولتضرب والعرب تختلف في ذلك فمنهم من يدع الهاء في (هو) على حالها ولا يسكن وكذلك هي ومن ترك الهاء على حالها في (هي) و (هو) ترك الكسرة في اللام على حالها فقال في قوله :فلينظر (فلينظر) ، فإن كان قبل ألف الوصل ساكن حذفت ألف الوصل وحركت ما قبل الساكن لالتقاء الساكنين ، وإن كان مما يحذف لالتقاء الساكنين حذفته فأما الذي يحرك لالتقاء الساكنين من هذا الباب فإنه يجيء على ثلاثة أضرب يحرك بالكسر والضم والفتح فالمكسور نحو قولك : (اضرب ابنك واذهب اذهب) و (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ 1 اللهُ) [الإخلاص] ، وإن الله وعن الرجل وقط الرجل ، وأما الضم فنحو قوله : (قُلِ انْظُرُوا) [يونس : 101](وَقالَتِ اخْرُجْ) [يوسف : 31] وعذاب أركض ومنه أو انقض إنما فعل هذا من أجل الضم الذي بعد الساكن ومنهم من يقول : قل انظرزا ويكسر جميع ما ضم غيره ومن ذلك الواو التي هي علامة الإضمار يضمّ إذا كان ما قبلها مفتوحا نحو : (وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) [البقرة : 237].

قال الخليل : لفصل بينها وبين واو (لو) وأو التي من نفس الحرف وقد كسر قوم ، وقال قوم : لو استطعنا والياء التي هي علامة الإضمار وقبلها مفتوح تكسر لا غير نحو أخشى

ص: 189

الرجل يا هذه وواو الجميع وياؤه مثل الضمير نقول : (مصطفو الله) في الرفع و (مصطفى الله) في النصب والجر ، وأما الفتح فجاء في حرفين (الم (1) اللهُ) [آل عمران] فرقوا بينه وبين ما ليس بهجاء.

والآخر : من الله ومن الرسول لما كثرت وناس من العرب يقولون : (من الله) واختلفت العرب في (من) إذا كان بعدها ألف وصل غير ألف اللام فكسره قوم ولم يكسره قوم ولم يكسروا في ألف اللام لكثرتها معها إذ كانت الألف واللام كثيرة في الكلام وذلك : (من ابنك) (ومن امرىء) وقد فتح قوم فصحاء فقالوا : (من ابنك) ، وأما ما يحذف من السواكن إذا وقع بعدها حرف ساكن فثلاثة أحرف الألف والياء التي قبلها حرف مكسور والواو التي قبلها حرف مضموم فالألف نحو : رمى الرجل وحبلى الرجل ومعزى القوم ورمت دخلت التاء وهي ساكنة على ألف (رمى) فسقطت وقالوا : رميا وغزوا لئلا يلتبس بالواحد وقالوا : حبليان وذفريان لئلا يلتبس بما فيه ألف تأنيث والياء مثل : يقضي القوم ويرمي الناس والواو نحو :يغزو القوم ومن ذلك : لم يبع ولم يقل ولم يخف.

فإذا قلت : لم يخف الرجل ولم يبع الرجل ورمت المرأة لم ترد الساكن الساقط وكان الأصل في (يبع) (يبيع) وفي (يخف) يخاف وفي (يقل) يقول : فلم نرد لأنها حركة جاءت لالتقاء الساكنين غير لازمة وقولهم : (رمتا) إنما حركوا للساكن الذي بعده ولا يلزم هذا في (لم يخافا) (ولم يبيعا) ؛ لأن الفاء غير مجزومة وإنما حذفت النون للجزم ولم تلحق الألف شيئا حقه السكون.

ص: 190

ذكر الوقف على الاسم والفعل والحرف

اشارة

أما الأسماء فتنقسم في ذلك على أربعة أقسام : اسم ظاهر سالم ، وظاهر معتل ، ومضمر مكني ، ومبهم مبنيّ.

الأول : الأسماء الظاهرة السالمة

نحو : (هذا خالد وهذا حجر ومررت بخالد وحجر) فأما المرفوع والمضموم فإنه يوقف عنده على أربعة أوجه : اسكان مجرد وإشمام وروم (1) التحريك والتضعيف وجعل سيبويه لكل شيء من ذلك علامة في الخط فالإشمام نقطة علامة.

وعلامة الإسكان وروم الحركة خط بين يدي الحرف وللتضعيف الشين فالإشمام لا يكون إلّا في المرفوع خاصة لأنك تقدر أن تضع لسانك في أي موضع شئت ثم تضم شفتيك وإشمامك للرفع إنما هو للرؤية وليس بصوت يسمع فإذا قلت : (هذا معن) فأشممت كانت عند الأعمى بمنزلتها إذا لم تشم وإنما هو أن تضم شفتيك بغير تصويت وروم الحركة صوت

ص: 191


1- في الوقف على المتحرك خمسة أوجه : الإسكان ، والروم ، والإشمام ، والتضعيف ، والنقل. ولكل منها حدّ وعلامة : فالإسكان عدم الحركة وعلامته خ فوق الحرف ، وهي الخاء من خف أو خفيف ، والإشمام ضم الشفتين بعد الإسكان في المرفوع والمضموم للإشارة للحركة من غير صوت ، والغرض به الفرق بين الساكن والمسكن في الوقف ، وعلامته نقطة قدام الحرف هكذا. والروم وهو أن تأتي بالحركة مع إضعاف صوتها ، والغرض به هو الغرض بالإشمام إلا أنه أتم في البيان من الإشمام ، فإنه يدركه الأعمى والبصير ، والإشمام لا يدركه إلا البصير ، ولذلك جعلت علامته في الخط أتم. وهو خط قدام الحرف هكذا - والتضعيف تشديد الحرف الذي يوقف عليه ، والغرض به الإعلام بأن هذا الحرف متحرك في الأصل ، والحرف المزيد للوقف هو الساكن الذي قبله وهو المدغم ، وعلامته ش فوق الحرف وهي الشين من شديد. والنقل تحويل الحركة إلى الساكن قبلها ، والغرض به إما بيان حركة الإعراب أو الفرار من التقاء الساكنين ، وعلامته عدم العلامة ، وسيأتي تفصيل ذلك : فإن كان المتحرك هاء التأنيث لم يوقف عليها إلا بالإسكان ، وليس لها نصيب في غيره ، ولذلك قدم استثناءها ، وإن كان غيرها جاز أن يوقف عليه بالإسكان وهو الأصل وبالروم مطلقا أعني في الحركات الثلاث ، ويحتاج في الفتحة إلى رياضة لخفة الفتحة ، ولذلك لم يجزه أكثر القراء في المفتوح ووافقهم أبو حاتم. ويجوز الإشمام والتضعيف والنقل لكن بالشروط الآتية. انظر شرح الأشموني 2 / 2.

ضعيف ناقص فكأنك تروم ذاك ولا تتممه ، وأما التضعيف فقولك : هذا خالد وهو يجعل وهذا فرح ومن ثم قالت العرب في الشعر في القوافي (سبسبا تريد : السبسب وعيهلّ تريد : العيهل) وإنما فعلوا ذلك ضرورة وحقه الوقف إذا شدد ، وإذا وصل رده إلى التخفيف ، فإن كان الحرف الذي قبل آخر حرف ساكنا لم يضعفوا نحو (عمرو) فإذا نصبت فكل اسم منون تلحقه الألف في النصب في الوقف فتقول : (رأيت زيدا وخالدا) فرقوا بين النون والتنوين ولا يفعل ذلك في غير النصب وأزد السراة يقولون : هذا زيدو وهذا عمرو وبكرو ومررت بزيدي يجعلون الخفض والرفع مثل النصب والذين يرومون الحركة يرومونها في الجر والنصب والذين يضاعفون يفعلون ذلك أيضا في الجر والنصب إذا كان مما لا ينون فيقولون : مررت بخالدّ ورأيت أحمرّ.

وقال سيبويه : وحدثني من أثق به أنه سمع أعرابيا يقول : أبيضّه يريد : أبيضّ وألحق الهاء مبنيا للحركة فأما المنون في النصب فتبدل الألف من التنوين بغير تضعيف وبعض العرب يقول في (بكر) : هذا بكرو من بكر فيحرك العين بالحركة التي هي اللام في الوصل ولم يقولوا :رأيت البكر ؛ لأنه في موضع التنوين وقالوا : هذا عدل وفعل فأتبعوها الكسرة الأولى ؛ لأنه ليس من كلامهم فعل وقالوا في اليسر فأتبعوها الكسرة الأولى ؛ لأنه ليس في الأسماء فعل وهم الذين يقولون في الصلة اليسر فيخففون وقالوا : (رأيت العكم) ولا يكون هذا في (زيد وعون) ونحوهما لأنهما حرفا مدّ ، فإن كان اسم آخره هاء التأنيث نحو : (طلحة وتمرة وسفرجلة) وقفت عليها بالهاء في الرفع والنصب والجر وتصير تاء في الوصل فإذا ثنيت الأسماء الظاهرة وجمعتها قلت : زيدان ومسلمان وزيدون ومسلمون تقف على النون في جميع ذلك ومن العرب من يقول : ضاربانه ومسلمونه فيزيد هاء يبين بها الحركة ويقف عليها والأجود ما بدأت به ، وإذا جمعت المؤنث بالألف والتاء نحو : تمرات ومسلمات فالوقف على التاء وكذلك الوصل لا فرق بينهما فإذا استفهمت منكرا فمن العرب من يقول إذا قلت رأيت زيدا قال : أزيدنيه ، وإن كان مرفوعا أو مجرورا فهذا حكمه في إلحاق الزيادة فيه فأما آخر الكلام فعلى ما شرحت لك من الإعراب فإذا كان قبل هذه العلامة حرف ساكن كسرته لالتقاء الساكنين ، وإن كان

ص: 192

مضموما جعلته واوا ، وإن كان مكسورا جعلته ياء ، وإن كان مفتوحا جعلته ألفا ، فإن قال :(لقيت زيدا وعمرا) قلت : أزيدا وعمرنيه ، وإذا قال : (ضربت عمر) قلت : أعمراه ، وإن قال : (ضربت زيدا الطويل) قلت : الطويلاه ، فإن قال : (أزيدا يا فتى) تركت العلامة لما وصلت ومن العرب من يجعل بين هذه الزيادة وبين الاسم (إن) فتقول : أعمرانيه.

القسم الثاني : وهو الظاهر المعتل

اشارة

المعتل من الأسماء على ثلاثة أضرب :

[الضرب الأول : ما كان آخره ياء قبلها كسرة]

ما كان آخره ياء قبلها كسرة (1) أو همزة أو ألف مقصورة فأما ما لامه ياء فنحو : (هذا قاض وهذا غاز وهذا العم) يريد : القاضي والغازي والعمى أسقطوها في الوقف لأنها تسقط في الوصل من أجل التنوين.

قال سيبويه : وحدثنا أبو الخطاب : أنّ بعض من يوثق بعربيته من العرب يقول : (هذا رامي وغازي وعمي) يعني في الوقف والحذف فيما فيه تنوين أجود ، فإن لم يكن في موضع تنوين ، فإن البيان أجود في الوقف ، وذلك قولك : هذا القاضي والعاصي وهذا العمي لأنها ثابتة في الوصل ومن العرب من يحذف هذا في الوقف شبهوه بما ليس فيه ألف ولام كأنهم

ص: 193


1- المنقوص المختوم بياء فإذا وقفنا عليه وجب إثبات يائه في ثلاث مسائل : 1- أن يكون محذوف الفاء أي أوّل الكلمة كما إذا سمّيت بمضارع" وفى" وهو" يفي" ؛ لأن أصلها" يوفى"" حذفت" فاؤه فلو حذفت لامه لكان إجحافا. 2- أن يكون محذوف العين أي وسط الكلمة نحو" مر" اسم فاعل من" أرى" أصله" مرئي" نقلت حركة عينه وهي الهمزة إلى الرّاء ، ثمّ حذفت للتّخفيف ، وأعلّ قاض (قاض : أصلها قاضي بياء ساكنة وتنوين ساكن فحذفنا الياء الساكنة للتخلص من التقاء الساكنين) فلا يجوز حذف الياء في الوقف. 3- أن يكون منصوبا منوّنا نحو (رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً) (الآية : 193 سورة آل عمران) ، أو غير منوّن نحو (كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ) (الآية : 26 سورة القيامة) ، ، فإن كان مرفوعا أو مجرورا جاز إثبات يائه وحذفها ، ولكنّ الأرجح في المنوّن الحذف نحو" هذا ناد" و" نظرت إلى ناد" ويجوز الإثبات (ورجحه يونس) وبذلك قرئ ولكل قوم هادي (الآية : 7 سورة الرعد) ، وما لهم من دونه من والي (الآية : 11 سورة الرعد) والأرجح في غير المنوّن الإثبات نحو" هذا الدّاعي" و" مررت بالرّاعي" و" قرأ الجمهور (الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ) (الآية : 9 سورة الرعد) بالحذف". انظر معجم القواعد 28 / 10.

أدخلوا الألف واللام بعد أن وجب الحذف فيقولون : (هذا القاض والعاص) هذا في الرفع والخفض فأما النصب فليس فيه إلا البيان لأنها ثابتة في الوصل تقول : رأيت قاضيا ورأيت القاضي وقال الله عز وجل : (كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ) [القيامة : 26] وتقول : رأيت جواري وهنّ جوار يا فتى في الوصل ومررت بجوار فالياء كياء قاضي والياء الزائدة هاهنا كالأصلية نحو : ياء ثمان ورباع إذا كان يلحقها التنوين في الوصل.

قال سيبويه : وسألت الخليل عن (القاضي) في النداء فقال : (اختار يا قاضي) ؛ لأنه ليس بمنون كما اختار هذا القاضي فأما يونس فقال : (يا قاض) بغير ياء وقالا في (مر) وهو اسم من أرى هذا مري بياء في الوقف كرهوا أن يخلو بالحرف فيجمعوا عليه لو قالوا : مر ذهاب الهمزة والياء ، وذلك أن أصله مرئي مثل : مرعي ، فإن كان الاسم آخره ياء قبلها حرف ساكن أو واو قبلها ساكن فحكمه حكم الصحيح نحو : (ظبي وكرسيّ) وناس من بني سعد يبدلون الجيم مكان الياء في الوقف لأنها خفيفة فيقولون : هذا تميمج يريدون تميمي وهذا علجّ يريدون : علي وعربانج يريدون : عرباني والبرنج يريدون : البرني وجميع ما لا يحذف في الكلام وما لا يختار فيه أن لا يحذف يحذف في الفواصل والقوافي فالفواصل قول الله عز وجل : (وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ) [الفجر : 4]. و (ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ) [الكهف : 64] و (يَوْمَ التَّنادِ) [غافر : 32] ، و (الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ) [الرعد : 9].

الضرب الثاني : وهو ما كان آخره همزة

ما كان في الأسماء في آخره همزة وقبل الهمزة ألف فحكمه حكم الصحيح وإعرابه كإعرابه تقول : هذا كساء ومررت بكساء وهو مثل حمار في الوصل والوقف ، فإن كانت الهمزة ألف قبلها وقبلها ساكن فحكمها حكم الصحيح وحكمها أن تكون كغيرها من الحروف كالعين ، وذلك قولك : الخبء حكمه حكم الفرع في الإسكان وروم الحركة والإشمام فتقول :هو الخبء ساكن والخبء بروم الحركة والخبء تشم وناس من العرب كثير يلقون على الساكن الذي قبل الهمزة الحركة ومنهم تميم وأسد يقولون : (هو الوثوء) فيضمون الثاء بالضمة التي كانت في الهمزة في الوصل وفي الوثيء ورأيت الوثأ وهو البطؤ ومن البطيء

ص: 194

ورأيت البطأ وهو الردؤ وتقديرها : الردع ومن الردّىء ورأيت الردأ وناس من بني تميم يقولون : هو الرديء كرهوا الضمة بعد الكسرة وقالوا رأيت الرديء سووا بين الرفع والنصب وقالوا : من البطؤ ؛ لأنه ليس في الكلام (فعل) ومن العرب من يقول : هو الوثو فيجعلها واوا من الوثي ورأيت الوثاء ومنهم من يسكن الثاء في الرفع والجر ويفتحها في النصب ، وإذا كان ما قبل الهمزة متحركا لزم الهمزة ما يلزم النّطع من الإشمام والسكون وروم الحركة وكذلك يلزمها هذه الأشياء إذا حركت الساكن قبلها ، وذلك قولك : هو الخطأ والخطأ تشم والخطأ تروم.

قال سيبويه : ولم نسمعهم ضاعفوا لأنهم لا يضاعفون الهمزة في آخر الكلمة ومن العرب من يقول : هو الكلو حرصا على البيان ويقول : من الكلى ورأيت الكلاء وهذا وقف الذين يحققون الهمزة فأما الذين لا يحققون الهمزة من أهل الحجاز فيقولون : الكلا وأكمو وأهنى يبدل من الهمزة حرفا من جنس الحركة التي قبلها ، وإذا كانت الهمزة قبلها ساكن فالحذف عندهم لازم ويلزم الذي ألقيت عليه الحركة ما يلزم سائر الحروف من أصناف الوقف.

الضرب الثالث : منه وهو ما كان في آخره ألف مقصورة

(1)

حقّ هذا الاسم أن تقف عليه في الرفع والنصب والجر بغير تنوين ، وإن كان منصرفا فتقول : هذا قفا ورأيت قفا ومررت بقفا إلا أن هذه الألف التي وقفت عليها يجب أن تكون

ص: 195


1- المقصور المنون يوقف عليه بالألف ، نحو : رأيت فتى وفي هذه الألف ثلاثة مذاهب : الأول أنها بدل من التنوين في الأحوال الثلاث ، واستصحب حذف الألف المنقلبة وصلا ووقفا ، وهذا مذهب أبي الحسن والفراء والمازني وهو المفهوم من كلام الناظم هنا ؛ لأنه تنوين بعد فتحة. والثاني أنها الألف المنقلبة في الأحوال الثلاثة وأن التنوين حذف فلما حذف عادت الألف ، وهو مروي عن أبي عمرو والكسائي والكوفيين ، وإليه ذهب ابن كيسان والسيرافي ، ونقله ابن الباذش عن سيبويه والخليل ، وإليه ذهب المصنف في الكافية. قال في شرحها : ويقوي هذا المذهب ثبوت الرواية بإمالة الألف وقفا والاعتداد بها رويّا وبدل التنوين غير صالح لذلك. ثم قال : ولا خلاف في المقصور غير المنون أن لفظه في الوقف كلفظه في الوصل ، ، وإن ألفه لا تحذف إلا في ضرورة. انظر شرح الأشموني على الألفية 2 / 19.

عوضا من التنوين في النصب وسقطت الألف التي هي لام لالتقاء الساكنين كما تسقط مع التنوين في الوصل هذا إذا كان الاسم مما ينون مثله وبعض العرب يقول في الوقف : هذا أفعى وحبلى وفي مثّنّى مثنّى فإذا وصل صيرها ألفا وكذلك كل ألف في آخر اسم وزعموا أن بعض طيء يقول : (أفعو) لأنها ابين من الياء وحكى الخليل عن بعضهم : هذه حبلا مهموز مثل حبلع ورأيت رجلا مثل رجلع فهمزوا في الوقف فإذا وصلوا تركوا ذلك.

القسم الثالث : وهي الأسماء المكنية

من ذلك (أنا) الوقف بألف فإذا وصلت قلت : أن فعلت ذاك بغير ألف ومن العرب من يقول في الوقف : هذا غلام يريد : هذا غلامي. شبهها بياء قاض وقد أسقان وأسقن يريد :أسقاني وأسقني ؛ لأن (في) اسم.

وقد قرأ أبو عمرو فيقول : (رَبِّي أَكْرَمَنِ) و (رَبِّي أَهانَنِ) [الفجر : 16 ، 15] على الوقف وترك الحذف أقيس فأما : هذا قاضيّ وهذا غلاميّ ورأيت غلاميّ فليس أحد يحذف هذا ومن قال : غلاميّ فاعلم وإني ذاهب لم يحذف في الوقف لأنها كياء القاضي في النصب ومن ذلك قولهم : (ضربهو زيد وعليهو مال ولديهو رجل وضربها زيد) وعليّها مال فإذا كان قبل الهاء حرف لين ، فإن حذف الياء والواو في الوصف أحسن وأكثر ، وذلك قولك : عليه يا فتى ولديه فلان ورأيت أباه قبل وهذا أبوه كما ترى وأحسن القراءتين : (وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً) [الإسراء : 106] و (إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ) [الأعراف : 176] (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ) [يوسف : 20] و (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ) [الحاقة : 30].

والإتمام عربي ولا يحذف الألف في المؤنث فيلتبس المذكر والمؤنث ، فإن لم يكن قبل هاء التذكير حرف لين أثبتوا الواو والياء في الوصل وجميع هذا الذي يثبت في الوصل من الواو والياء يحذف في الوقف إلا الألف في (ها) وكذلك إذا كان قبل الهاء حرف ساكن ، وذلك قول بعضهم : منه يا فتى وأصابته جائحة والإتمام أجود ، فإن كان الحرف الذي قبل الهاء متحركا فالإثبات ليس إلا كما تثبت الألف في التأنيث وهاتان والواو والياء تلحقان الهاء التي هي كناية يسقطان في الوقف هذا في المكنى المتصل فأما إن كانت الكناية منفصلة نحو : هو وهي وهما

ص: 196

وهنّ ، فإن جميع ذا لا يحذف منه في الوقف شيء ومن العرب من يقول : هنّه وضربتنّه وذهبتّه وغلاميه ومن بعديه وضربنه فأما من رأى أن يسكن الياء فإنه لا يلحق الهاء وهيه يريدون (هي) وهوه يريدون (هو) يا هذا وخذه بحكمكه وكثير من العرب لا يلحقون الهاء في الوقف.

فإذا قلت : عليكمو مال وأنتمو ذاهبون ولديهمي مال فمنهم من يثبت الياء والواو في الوصل ومنهم من يسقطهما في الوصل ويسكن الميم والجميع إذا وقفوا وقفوا على الميم ولو حركوا الميم كما حركوا الهاء في (عليه مال) لاجتمع أربع متحركات نحو : (رسلكمو) وهم يكرهون الجمع بين أربع متحركات وهذه الميمات من أسكنها في الوصل لا يكسرها إذا كان بعدها ألف وصل ولكن يضمها لأنها في الوصل متحركة بعدها واو كما أنها في الإثنين متحركة بعدها ألف نحو : غلامكما وإنما حذفوا وأسكنوا استخفافا ، وذلك قولك : كنتم اليوم وفعلتم الخير وتقول : مررت بهي قبل ولديهي مال ومررت بدارهي وأهل الحجاز يقولون : مررت بهو قبل ولديهو مال ويقرأون : (فخسفنا بهو وبدار هو الأرض) [القصص : 81] وجميع هذا الوقف فيه على الهاء ويقول بهمي داء وعليهمي مال ومن قال : (بدار هو الأرض) قال :عليهمو مال وبهمو داء والوقف على الميم.

الرابع : المبهم المبني

تقول في الوصل : علام تقول كذا وكذا وفيم صنعت ولم فعلت وحتام وكان الأصل : على (ما) وفي ما ولما صنعت فالأصل (ما) إلا أن الألف تحذف مع هذه الأحرف إذا كان (ما) استفهاما فإذا وقفت فلك أن تقول : فيم وبم ولم وحتام ولك أن تأتي بالهاء فتقول : لمه وعلامه وحتامه وبمه وثبات الهاء أجود في هذه الحروف لأنك حذفت الألف من (ما) فيعوضون منها في الوقف الهاء ويبينون الحركة ، وأما قولهم : مجيء م جئت ومثل م أنت فإنك إذا وقفت ألزمتها الهاء ؛ لأن (مجيء ومثل) تستعملان في الكلام مفردين لأنهما اسمان ويقولون : مثل ما أنت ومجيء ما جئت ، وأما حيهّل إذا وصلت فقلت : حيهّل بعمر ، وإذا وقفت ، فإن شئت قلت : حيهّل ، وإن شئت قلت : حيهّلا تقف على الألف كما وقفت في (أنا) وتقول : هذي أمة

ص: 197

الله فإذا وقفت قلت : (هذه) فتكون الهاء عوضا عن الياء وقد مضى ذكر ذا وقد تلحق الهاء بعد الألف في الوقف ؛ لأن الألف خفية ، وذلك قولهم : هؤلاء وهاهناه والأجود أن تقف بغير هاء ومن قال : هؤلاء وهاهناه لم يقل في (أفعى وأعمى) ونحوهما من الأسماء المتمكنة كيلا يلتبس بهاء الإضافة ؛ لأنه لو قال : أعماه وأفعاه لتوهمت الإضافة إلى ضمير.

واعلم أنهم لا يتبعون الهاء ساكنا سوى هذا الحرف الذي يمتد به الصوت ؛ لأنه خفي وناس من العرب كثير لا يلحقون الهاء.

ص: 198

الوقف على الفعل

اشارة

(1)

الفعل ينقسم إلى قسمين : سالم ، ومعتل. فأما السالم فما لم تكن لامه ألفا ولا ياء ولا واوا ، والمعتل ما كان لامه ألفا أو ياء أو واوا.

الأول : الفعل السالم

والوقف عليه كما تقف على الاسم السالم في الرفع في جميع المذاهب غير مخالف له إلا في الاسم المنصوب المنصرف الذي تعوض فيه الألف من التنوين فيه فتعوض منه تقول لن نضرب أما المجزوم فقد استغنى فيه عن الإشمام والروم وغيره ؛ لأنه ساكن وكذلك فعل الأمر تقول : لم يضرب ولم يقتل واضرب واقتل ، وإذا وقفت على النون الخفيفة في الفعل كان بمنزلة التنوين في الاسم المنصوب فتقول : اضربا ومنهم من إذا ألحق النون الشديدة قال في الوقف :اضربنّه وافعلنّه وافعلنّه ومنهم من لا يلحق الهاء. وقد ذكرنا باب النونين الخفيفة والشديدة.

ص: 199


1- قال الأشموني في شرح الألفية : (وقف بها السّكت على الفعل المعل بحذفآخر كأعط من سأل) يعني أن هاء السكت من خواص الوقف ، وأكثر ما تزاد بعد شيئين : أحدهما الفعل المعتل المحذوف الآخر جزما نحو لم يعطه ، أو وقفا نحو أعطه. والثاني ما الاستفهامية إذا جرت بحرف نحو على مه ولمه ، أو باسم نحو اقتضاء مه ، ولحاقها لكل من هذين النوعين واجب وجائز أما الفعل المحذوف الآخر فقد نبه عليه بقوله (وليس حتما في سوى ما كع أو كيع مجزوما فراع ما رعوا) يعني أن الوقف بهاء السكت على الفعل المعل بحذف الآخر ليس واجبا في غير ما بقي على حرف واحد أو حرفين أحدهما زائد ، فالأول نحو عه أمر من وعى يعي ، ونحو ره أمر من رأى يرى ، والثاني لم يعه ولم يره ؛ لأن حرف المضارعة زائد فزيادة هاء السكت في ذلك واجبة لبقائه على أصل واحد ، كذا قاله الناظم. قال في التوضيح : وهذا مردود بإجماع المسلمين على وجوب الوقف على لم أك من تق بترك الهاء. تنبيه : مقتضى تمثيله أن ذلك إنما يجب في المحذوف الفاء وإنما أراد بالتمثيل التنبيه على ما بقي على حرف واحد أو حرفين أحدهما زائد كما سبق ، فمحذوف العين كذلك كما سبق في التمثيل بنحوره ولم يره. وفهم منه أن لحاقها لما بقي منه أكثر من ذلك نحو أعطه ولم يعطه جائز لا لازم (وما في الاستفهام إن جرّت حذف ألفها) وجوبا سواء جرت بحرف أو اسم. انظر شرح الأشموني 2 / 28.

الثاني : الفعل المعتل

(1)

نحو : يرمي ويغزو وأخشى ويقضي ويرضى وجميع هذا يوقف عليه بالواو والياء والألف ولا يحذف منه في الوقف شيء ؛ لأنه ليس مما يلحقه التنوين في الوصل فيحذف فأما المعتل إذا جزم أو وقف للأمر ففيه لغتان : من العرب من يقول : إرمه ولم يغزه وأخشه ولم يقضه ولم يرضه ومنهم من يقول : ارم واغز واخش فيقف بغير هاء.

ص: 200


1- من خصائص الوقف اجتلاب هاء السّكت ، ولها ثلاثة مواضع : (أحدها) الفعل المعلّ بحذف آخره ، سواء أكان الحذف للجزم نحو" لم يغزه" و" لم يرمه" و" لم يخشه" ومنه (لَمْ يَتَسَنَّهْ) (الآية : 259 سورة البقرة). ومعنى لم يتسنه : لم تغيره السنون) ، أو لأجل البناء نحو" اغزه" و" اخشه" و" ارمه" ومنه : (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) (الآية : 90 سورة الأنعام) ، والهاء في هذا كلّه جائزة ، وقد تجب إذا بقي الفعل على حرف واحد كالأمر من وعى يعي ، فإنّك تقول : " عه". (ثانيها): " ما" الاستفهاميّة المجرّدة ، فإنّه يجب حذف ألفها إذا جرّت في نحو" عمّ ، وفيم" مجرورتين بالحرف" ومجيء م جئت" (الأصل : جئت مجيء م؟ وهذا سؤال عن صفة - المجيء ، أي على أي صفة جئت ثم أخّر الفعل ؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام ، ولم يمكن تاخير المضاف) مجرورة بالمضاف ، فرقا بينها وبين" ما" الموصوليّة الشرطيّة. فإذا وقفت عليها ألحقت بها الهاء حفظا للفتحة الدّالّة على الألف المحذوفة ، وتجب الهاء إن كان الخافض ل" ما" الاستفهاميّة اسما كالمثال المتقدم : " مجيء" وتترجّح إن كان الخافض بها حرفا نحو : عمه يتساءلون (عمه : وبها السكت قرأ البزي) (الآية : 1 سورة النبأ). (ثالثها) : كلّ مبنيّ على حركة بناء دائما ، ولم يشبه المعرب كياء المتكلم ك" هي" و" هو" وفي القرآن الكريم : (مالِيَهْ) (الآية : 28 سورة الحاقة) و (سُلْطانِيَهْ) (الآية : 29 سورة الحاقة) و (ما هِيَهْ) (الآية : 10 سورة القارعة) وقال حسّان : إذا ما ترعرع فينا الغلام فما إن يقال له من هوه هب : بصيغة الأمر ، وهي من أفعال القلوب وتفيد في الخبر رجحانا ، وهي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر نحو قول عبد الله بن همّام السّلولي : فقلت أجرني أبّا خالد وإلّا فهبني امرءا هالكا ويقال" هبني فعلت ذلك" أي احسبني واعددني ، ولا يقال : " هب أني فعلت". انظر معجم القواعد 27 / 2.

قال سيبويه : حدثنا بذلك عيسى بن عمر ويونس وهذا اللغة أقل اللغتين فأما : لا تقه من وقيت ، وإن تع أعه من (وعيت) فإنه يلزمها الهاء في الوقف من تركها في (اخش) وقد قالوا :لا أدر في الوقف ؛ لأنه كثر في كلامهم وهو شاذ كما قالوا : (لم يك) شبهت النون بالياء حيث سكنت ولا يقولون : لم يك الرجل لأنها في موضع تحريك فيه فلم يشبه بلا أدر ولا تحذف الياء إلا في أدر وما أدر.

ص: 201

الوقف على الحرف

اشارة

الحروف كلها لك أن تقف عليها على لفظها فالصحيح فيها والمعتل سواء وقد ألحق بعضهم الهاء في الوقف لبيان الحركة فقال : إنّه يريدون (أنّ) ومعناها أجل قال الشاعر :

ويقلن شيب قد علاك

وقد كبرت فقلت إنّه (1)

وليته ولعله كذلك.

باب الساكن الذي تحركه في الوقف

إذا كان بعدها المذكر الذي هو علامة الإضمار وذلك قولك في : (ضربته ضربته وأضربه وقده ومنه وعنه) قال سيبويه : سمعنا ذلك من العرب ألقوا عليه حركة الهاء وقال أبو النجم :

فقرّبن هذا وهذا أزحله ...

وسمعنا بعض بني تميم من بني عدي يقولون : قد ضربته وأخذته حرك لسكون الهاء وخفائها فإذا وصلت أسكنت جميع هذا لأنك تحرك الهاء فتبين.

ص: 202


1- على أن سيبويه ، قال : إن فيه حرف تصديق للخبر ، بمنزلة أجل. والهاء للسكت ، قال سيبويه في باب ما تلحقه الهاء لتتبين الحركة : ومثل ما ذكرت قول العرب إنه ، وهم يريدون إنه ، ومعناها أجل. وأنشد هذا البيت. قال الأعلم : الشاهد فيه تبيين حركة النون بهاء السكت ، لأنها حركة بناء لا تتغير لإعراب ، فكرهوا تسكينها لأنها حركة مبني لازمة. ومعنى إن هاهنا نعم. انتهى. وقال النحاس : وفي نسخة أبي الحسن الأخفش هذا البيت ، وليس عندي عن أبي إسحاق. وفي النسخة : أي فقلت أجل. وسألت عنه أبا الحسن ، فقال : إن بمعنى نعم ، والهاء لبيان الحركة ، وكانت خطباء قريش تفتتح خطبتها بنعم. انتهى. وقال أبو علي في البغداديات بعد نقل قول سيبويه في البيت : وكان أبو بكر أجاز فيه مرة أن تكون إن المحذوفة الخبر ، كأنه قال : إن الشيب قد علاني ، فأضمره فجرى بذلك ذكره ، وحذف خبره للدلالة عليه. قال : وحذف الخبر في هذا أحسن ، لأن عنايته بإثبات الشيب نفسه ، كما أنه يحذف معها الخبر لما كان غرضه ووكده ، كإثبات المحل في قوله : المنسرح إن محلا وإن مرتحلا قال : وهذا أحد ما تشبه فيه إن لا النافية العاملة النصب. انتهى. انظر خزانة الأدب 4 / 158.

الوقف على القوافي

العرب إذا ترنمت في الإنشاد ألحقت الألف والياء والواو فيما ينون ولا ينون لأنهم أرادوا مدّ الصوت فإذا لم يترنموا فالوقف على ثلاثة أوجه : أما أهل الحجاز فيدعون هذه القوافي ما نون منها وما لم ينون على حالها في الترنم ليفرقوا بينه وبين الكلام فيقولون :

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلي (1)

وفي النصب :

فبتنا نصد الوحش عنّا كأنمّا

قتيلان لم يعلم لنا النّاس مصرعا (2)

ص: 203


1- أورد سيبويه المصراع الأول في باب وجوه القوافي في الإنشاد من أواخر كتابه ، قال : أما إذا ترنّموا فإنهم يلحقون الألف والياء والواو ، ما ينوّن ، وما لا ينوّن ، لأنهم أرادوا مدّ الصوت ، وذلك كقول امرىء القيس : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلي البيت. انظر خزانة الأدب 4 / 98.
2- هو من من قصيدة لامرئ القيس ، ورأينا أن نقتصر عليها ، وهي : بعثت إليها والنجوم خواضع حذارا عليها أن تقوم فتسمعا فجاءت قطوف المشي هائية السرى يدافع ركناها كواعب أربعا يزجنيها مشي النزيف وقد جرى صباب الكرى في مخها فتقطعا تقول وقد جردتها من ثيابها كما رعت مكحول المدامع أتلعا وجدك لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعا إذن لرددناه ولو طال مكثه لدينا ولكنا بحبك ولعا فبتنا نصد الوحش عنا كأننا قتيلان لم يعلم لنا الناس مصرعا إذا أخذتها هزة الروع أمسكت بمنكب مقدام على الهول أروعا قوله : بعثت إليها ... إلخ ، قال شارح ديوانه خواضع حائلة للمغيب من آخر الليل حذارا عليها أن تقوم في سمع ولدها صوتها وقوله : فجاءت قطوف ... إلخ هذا البيت ساقط من رواية ديوانه ، وفاعل جاءت ضمير المرأة ، وقطوف بالنصب حال منه. والقطف : ضيق المشي ، كمشي المقيد ، والفعل من باب ضرب. وكذلك : هائية السرى حال. وركناها :جانباها. والكواعب : جمع الكاعب ، وهي الجارية حين يبدو ثديها للنهود. وقوله : يزجنيها .. إلخ ، هذا البيت أيضا ساقط من رواية ديوانه. ويزجنيها : يدفعنها ويسقنها. يقال : زجيته تزجيه ، إذا دفعته برفق للمشي. وهو بالزاي المعجمة والجيم. والنون ضمير الكواعب ، أي : يمشينها كمشي النزيف ، أي : السكران ، وهو بالنون والزاي المعجمة. والصبابة : البقية. والكرى : النون ، يعني كأن فيها فتور النوم. وقوله : تقول وقد جردتها ... إلخ ، راعه يروعه روعا ، إذا أفزعه. والمدامع : الأجفان. والأتلع بالمثناة الفوقية : الطويل العنق. يقول : كأنها ظبي مكحول الأجفان ، أي : أكحل. وقوله : وجدك لو شيء ... إلخ ، هذا البيت ، وما بعده مقول قولها. والواو للقسم ، وجدك مقسم به. والجد ، بالفتح : العظمة ، والحظ والغنى ، والاجتهاد في الشيء ، وأبو الأب. وكل من هذه الخمسة مناسب. والمشهور : وأقسم لو شيء فالمقسم به محذوف ، أي : وأقسم بما يقسم به ، كما نبه عليه الشارح المحقق في آخر الفصل. قال شارح ديوانه : شيء بمعنى أحد ، قال تعالى : وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار ، أي : أحد من أزواجكم. تريد : لو أن إنسانا أتانا رسوله سواك ما أتيته ، ولكن لم نجد مدفعا ندفعك به عنا. انتهى. وجملة أتانا رسوله : صفة شيء ، وسواك : إما ظرف متعلق بمحذوف ، وإما اسم خارج عن الظرفية صفة ثانية لشيء ، ويجوز أن يكون حالا من الهاء في رسوله. وقوله : إذن لرددناه هذا يدل على أنه جواب لو ، لا جواب القسم ، فإذا إذن في الغالب تكون جوابا للو ، أو لإن الشرطيتين ، ظاهرتين أو مقدرتين ، ولم يسمع وقوعها في جواب القسم. وهذا البيت ساقط من رواية الديوان. وقوله : فبتنا نصد الوحش عنا ... إلخ ، قال شارح ديوانه : لأن الوحش لا تقرب القتلى ، ولا النيام ، ولا غير ذلك من الناس. وإنما قال : قتيلان ، لأنهما نائمان في الفلاة. وفي رواية الديوان بيت بعد هذا ، وهو : تجافى عن المأثور بيني وبينها وتدني عليها السابري المضلعا تجافى : مضارع أصله تتجافى ، أي : ترتفع عنه. قال شارحه : المأثور : السيف الذي به أثر ، أي : جوهر. والسابري : ضرب من الثياب. والمضلع : الذي فيه طرائق. يقول : ترتفع عنه لئلا يؤذيها يبسه. يصف أنه متقلد سيفا وتدني عليها السابري ليقيها من يبس السيف. وقوله : إذا أخذتها هزة ... إلخ ، الهزة ، بالفتح مصدر هززت الشيء هزا فاهتز ، أي : حركته فتحرك ، والهزة ، بالكسر : نوع منه. والروع : الفزع. د قال شارح ديوانه : أي أخذتها رعدة الفزع ، إذا فزعت من شيء تراه ، أو من خوف أن يشعروا بنا. ويقال : يعتريها رعدة الجماع ، ويقال : تخاف من الافتضاض ، فتمسك بمنكبي تضمني إليها ، لتسكن من شدة الفزع ، لأنها لم تخرج من خدرها ، ولم تباشر الرجال ، فهي فزعة مذعورة لما يراد منها. انظر خزانة الأدب 3 / 474.

ص: 204

وفي الرفع :

هريرة ودعها ، وإن لام لائمو

هذا فيما ينون فأما ما لا ينون في الكلام وقد فعلوا به كفعلهم بما ينون فقول جرير في الرفع :

متى كان الخيام بذي طلوح

سقيت الغيث أيّتها الخيامو (1)

وقال في الجر :

أيهات منزلنا بنعف سويقة

كانت مباكة من الأيامي

وفي النصب :

أقلّي اللّوم عاذل والعتابا

وقولي إن أصبت لقد أصابا (2)

فهذا وجه :

ص: 205


1- البيت من قصيدة لجرير هجا بها الأخطل النصراني. وهذا مطلعها : متى كان الخيام بذي طلوح سقيت الغيث أيتها الخيام تنكر من معالمها ومالت دعائمها وقد بلي الثمام أقول لصحبتي لما ارتحلنا ودمع العين منهمر سجام انظر خزانة الأدب 3 / 313.
2- على أن تنوين الترنم يلحق الفعل والمعرف باللام - وقد اجتمعا في هذا البيت - والفعل سواء كان ماضيا كما ذكر أو مضارعا. انظر خزانة الأدب 1 / 25.

الثاني : ناس كثيرون من بني تميم يبدلون مكان المدة النون فيما ينون ولا ينون لمّا لم يريدوا الترنم يقولون :

يا أبتا علّك أو عساكن

ويا صاح ما هاج الدموع الذّرفنّ

قال العجاج :

من طلل كالأتحمي أنهجن

وكذلك الجر والرفع والمكسور والمبني والمفتوح المبني والمضموم المبني في جميع هذا كالمجرور والمرفوع والمنصوب.

الثالث : إجراء القوافي في مجراها لو كانت في الكلام ولم تكن قوافي شعر يقولون :

أقلّي اللّوم عاذل والعتاب

وقال الأخطل :

واسأل بمصقلة البكري ما فعل (1)

ويقولون :

قد رابني حفص فحرّك حفصا

يثبتون الألف التي هي بدل من التنوين في النصب كما يفعلون في الكلام والياءات والواوات اللواتي هنّ لا مات إذا كان ما قبلها حرف الروي فعل بها ما فعل بالواو والياء اللتين ألحقتا للمد في القوافي فالأصل والزائد للإطلاق والترنم سواء في هذا من أثبت الزائد أثبت الأصل ومن لم يثبت الزائد لم يثبت الأصل فمن ذلك إنشادهم لزهير :

وبعض القوم يخلق ثمّ لا يفر

ص: 206


1- أي : عن مصقلة. وتغلب : قبيلة القطامي ، وهو تغلب بن وائل. ثم أخذ بعد هذا يذكر مآثر قومه في الجاهلية. انظر خزانة الأدب 3 / 316.

وكذلك : يغزو لو كانت في قافية كنت حاذفا الواو إن شئت وهذه اللامات لا تحذف في الكلام وتحذف في القوافي والفواصل فتقرأ (والليل إذا يسر) إذا وقفت ، وأما يخشى ويرضى ونحوهما مما لامه ألف فإنه لا يحذف منهنّ الألف ؛ لأن هذه الألف لما كانت تثبت في الكلام جعلت بمنزلة ألف النصب التي في الوقف بدلا من التنوين فلم تحذف هذه الألف كما لم يجز حذف ألف النصب ألا ترى أنه لا يجوز لك أن تقول : لم يعلم لنا الناس مصرع فتحذف الألف قال رؤبة :

داينت أروي والدّيون تقضى

فمطلت بعضا وأدّت بعضا (1)

فكما لا تحذف ألف (بعضا) لا تحذف (لف تقضي).

وزعم الخليل : أن واو يغزو وياء (يقضي) إذا كانت واحدة منهما حرف الروي ثم تحذف لأنها ليست بوصل حينئذ وهي حرف روي كما أن القاف في (وقاتم الأعماق خاوي المخترق) حروق رويّ فكما لا تحذف القاف لا تحذف واحدة منهما وهذا هو القياس كما قال إذا كانتا حرفي روي فأما إذا جاءتا بعد حرف الروي فحكمها حكم ما يزاد للترنم.

وقال سيبويه : وقد دعاهم حذف ياء (يقضي) إلى أن حذف ناس كثيرون من قيس وأسد الواو والياء اللتين هما علامتا المضمر ولم تكثر واحدة منهما في الحذف ككثرة ياء (يقضي) لأنهما يجيئان لمعنى الأسماء وليستا حرفين بنينا على ما قبلهما فهما بمنزلة الهاء في قوله :

يا عجبا للدّهر شتّى طرائقه

وقال : سمعت من العرب من يروي هذا الشعر :

لا يبعد الله أصحابا تركتهم

لم أدر بعد غداة الأمس ما صنع

يريد : ما صنعوا.

وقال عنترة :

ص: 207


1- الشاهد تنوين الترنم يلحق الفعل والمعرف باللام - وقد اجتمعا في هذا البيت - والفعل سواء كان ماضيا كما ذكر أو مضارعا. انظر خزانة الأدب 1 / 25.

يا دار عبلة بالجواء تكلّم (1) ...

يريد : تكلمي.

فأما (الهاء) فلا تحذف من قولك : شتّى طرائقه وما أشبهه ؛ لأن الهاء ليست من حروف المد واللين قال : وأنشدنا الخليل :

خليليّ طيرا بالتّفرّق أوقعا ...

فلم يحذف الألف كما لم يحذفها من (يقضي) فإنما جاء الحذف في الياء والواو إذا كانا ضميرين فقط ولم يجيء في الألف ولم يجز لما نقدم ذكره.

واعلم أن الساكن والمجزوم يقعان في القوافي فإذا وقع واحد منهما في القافية حرك وجعلوا الساكن والمجزوم لا يكونان إلا في القوافي المجرورة حيث احتاجوا إلى حركتها ولا يقع ذلك في غير المجرور كما أنهم إذا اضطروا إلى تحريكها لالتقاء الساكنين كسروا ، قال امرؤ القيس :

أغرّك منّي أنّ حبّك قاتلي

وأنّك مهما تأمري القلب يفعل

وقال طرفة :

متى تأتني أصبحك كأسا رويّة (2) فإن كنت عنها غانيا فاغن وازدد

ص: 208


1- يبنى المضارع على حذف النون إذا اتصل بآخره ألف الاثنين ؛ مثل : اخرجا ، أو واو الجماعة ، مثل : اخرجوا ، أو ياء مخاطبة ؛ مثل : اخرجى. فكل واحد من هذه الثلاثة فعل أمر ، مبنى على حذف النون ، والضمير فاعل (وهو ألف الاثنين ، أو واو الجماعة ، أو ياء المخاطبة). ومن الأمثلة قوله تعالى لموسى وفرعون : (اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ،) وقوله : (فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ) وغدا - وقول الشاعر : يا دار عبلة بالجواء تكلمى .... وعمى صباحا - دار عبلة - واسلمى
2- هو من معلقة طرفة بن العبد. وقبله : الطويل ولست بحلال التلاع مخافة ولكن متى يسترفد القوم أرفد فإن تبغني في حلقة القوم تلقني وإن تقتنصني في الحوانيت تصطد متى تأتني أصبحك كأسا روية وإن كنت عنها ذا غنى فاغن وازدد انظر خزانة الأدب 3 / 412.

ولو كانت في قواف مرفوعة أو منصوبة كان اقواء وقال أبو النجم :

إذا استحثّوها بحوب أو حلى ...

وحل مسكنة في الكلام.

قال سيبويه : ويقول : الرجل إذا تذكر ولم يرد أن يقطع كلامه (قالا) فيمد (قال ويقولوا) فيمد (يقول) ومن العامي فيمدّ (العام) سمعناهم يتكلمون به في الكلام ويجعلونه علامة ما يتذكرونه ولم يقطعوا كلامهم فإذا اضطروا إلى مثل هذا في الساكن كسروا سمعناهم يقولون : إنه (قدي) في (قد) ويقولون : إلى في الألف واللام يتذكرون الحارث ونحوه.

قال : وسمعنا من يوثق به في ذلك يقول : (هذا سيفني يريد : سيف ولكنّه تذكر بعد كلاما ولم يرد أن يقطع اللفظ ولو أراد القطع ما نون فالتنوين حرف ساكن فكسر كما كسر دال (قد).

ص: 209

باب (من) و (أي) إذا كنت مستفهما عن نكرة

إذا قال القائل : رأيت رجلا قلت : منا ، وإذا قال هذا رجل قلت : منو ، وإن قال : رأيت رجلين قلت : منين ، وإن قال : (هذان رجلان) قلت : منان (1) وفي الجميع منون ومنين وللمؤنث : منه ومنت مثل : بنت وابنة ومنتان ومنات.

وزعم الخليل : أنّ هذا الباب في (مأ) إذا وصلت قلت : من يا فتى وإنما يصلح هذا في الوقف فقط.

قال سيبويه : وحدثنا يونس : أن ناسا يقولون : منا ومنى ومنو واحدا كان أو اثنين أو جماعة ، وإذا قال : رأيت امرأة ورجلا قلت : من ومنا لأنك تقول : من يا فتى في الصلة للمؤنث ، وإن بدأت بالمذكر قلت : من ومنه قال : فإذا قال : (رأيت عبد الله) فلا تقل : منا لا يصلح ذلك في شيء من المعرفة.

قال سيبويه : وسمعنا من العرب من يقال له : ذهب معهم فيقول : مع منين وقد رأيته فيقول : منا ، وذلك أنه سأله على أن الذين ذكر ليسوا عنده ممن يعرفهم بأعيانهم والعرب تختلف في الاسم المعروف فأهل الحجاز إذا قال الرجل : (رأيت زيدا) قال : (من زيدا) يحكون نصب أو رفع أو جر ، وأما بنو تميم فيرفعون على كل حال وإنما يكون هذا في الاسم الغالب فإذا قال : (رأيت أخا زيد) لم يجز : (من أخا زيد) إلا قول من قال : (دعنا من تمرتان) وليس بقرشيا والواجب الرفع وقال يونس : إذا قال رجل : رأيت زيدا وعمرا أو زيدا وأخاه أو زيدا أخا عمرو فالرفع يرده إلى القياس والأصل إذا جاوز الواحد كما ترد : ما زيد إلا منطلق إلى

ص: 210


1- تثنّى" من" الاستفهامية ، وذلك إذا كنت مستفهما عن نكرة ، تقول : " رأيت رجلين" فتقول : منين؟ كما تقول : أيّين؟ وأتاني رجلان ، فتقول : منان؟ ، وأتاني رجال فتقول : منون؟ ، وإذا قلت : رأيت رجالا ، فتقول :منين؟ كما تقول : أيّين. ، وإذا قال : رأيت امرأة ، قلت : منه؟ كما تقول : أيّة ، وإن قال : رأيت امرأتين ، قلت :منين؟ كما قلت : أيّتين ، ، فإن قال : رأيت نساء ، قلت : منات؟ كما قلت : أيّات. إلّا أنّ الواحد يخالف أيّا في موضع الجرّ والرّفع ، وذلك قولك" أتاني رجل" فتقول : منو؟ وتقول : مررت برجل ، فتقول : مني؟. انظر معجم القواعد 25 / 100.

الأصل فأما ناس فإنهم قالوا : من أخو زيد وعمرو ومن عمرا وأخا زيد يتبع الكلام بعضه بعضا ، وإذا قالوا : (من عمرا ومن أخو زيد) رفعوا (أخا زيد) قال : وسألت يونس عن رأيت زيد بن عمرو فقال : أقول : من زيد بن عمرو ؛ لأنه كالواحد فمن نون زيدا رفع في قول يونس ، فإن أدخلت الواو والفاء في (من) فقلت : فمن أو منون لم يكن فيما بعده إلا الرفع ويقول القائل : رأيت زيدا فتقول : المنيّ ، فإن قال : رأيت زيدا وعمرا قلت : المنين ، وإن ذكر ثلاثة قلت : المنيينّ تحمل الكلام على ما حمل عليه المتكلم كأنك قلت : القرشيّ أم الثقفيّ نصب ، وإن شاء رفع على (هو) كما قال صالح في جواب كيف أنت وما أي فهي مخالفة (لمن) لأنها معرفة فإذا استفهمت بها عن نكرة قلت : إذا قال : رأيت رجلا أيا ، فإن قال : رجلين قلت : أييّن وللجميع : أيين ، فإن ألحقت (يا فتى) فهي على حالها ، وإذا قلت : رأيت امراة قلت : أية يا فتى وللإثنتين : أيتّين (1) يا فتى والجماعة أيّات يا فتى ، وإن تكلم بجميع ما ذكرنا ومجرورا جررت ، وإن رفع رفعت ، فإن قال : رأيت عبد الله ، فإن الكلام من عبد الله وأي عبد الله ليس مع (أيّ) في المعرفة إلا الرفع فأيّ ومن يتفقان في أشياء ويختلفان.

فأما اتفاقهما فإنهما يستفهم بهما ويكونان بمعنى (الذي) تقول : اضرب أيهم هو أفضل واعط أيهم كان أفضل واضرب أيهم أبوه زيد كما تقول : اضرب من أبوه زيد ومن هو أفضل ، فإن قلت : (اضرب أيهم عاقل) رفعت هذا مذهب سيبويه وهو عندي مبني (لأنّ) الذي عاقل قبيح ، فإن دخلت (هو) نصبت وزعم الخليل أنه سمع عربيا يقول : ما أنا بالذي قال لك شيئا فعلى هذا تقول : اضرب أيهم قائل لك خيرا إذا طال الكلام حسن حذف (هو) ومن لا يقدر فيها الرفع إذا قلت : اضرب من أفضل ورفع أضرب أيّهم أفضل وهو بمعنى (الذي) عندي

ص: 211


1- تقول : أيّين؟ وأتاني رجلان ، فتقول : منان؟ ، وأتاني رجال فتقول : منون؟ ، وإذا قلت : رأيت رجالا ، فتقول : منين؟ كما تقول : أيّين. ، وإذا قال : رأيت امرأة ، قلت : منه؟ كما تقول : أيّة ،. وإن قال : رأيت امرأتين ، قلت : منين؟ كما قلت : أيّتين ، ، فإن قال : رأيت نساء ، قلت : منات؟ كما قلت : أيّات. إلّا أنّ الواحد يخالف أيّا في موضع الجرّ والرّفع ، وذلك قولك" أتاني رجل" فتقول : منو؟ وتقول : مررت برجل ، فتقول : مني؟. انظر معجم القواعد 25 / 100.

ناقص لأصول العربية إلا أن تراد الحكاية أو ضرب من الضروب يمنع الفعل من الإتصال (بأي) وما يفارق (أي) فيه (من) أن أي تضاف و (من) لا تضاف ومن تصلح للواحد والإثنين والجماعة والمذكر والمؤنث فمن ذلك : (ومنهم من يستمعون إليك) ومن كانت أمّك وتقول أيضا : أيهم كانت أمّك وزعم الخليل أن بعضهم قرأ : (ومن يقنت منكنّ لله) وقال الفرزدق :

نكن مثل من يا ذئب يصطحبان (1)

فأي : إنما هي بعض لما أضيفت إليه ومن قد حكى فيها أنها تكون نكرة وتوصف نحو قولك : مررت بمن صالح وقالوا : من تكون استفهاما وتعجبا وجزاء قال بعض الكوفيين : إذا وقعت على نكرة كانت تعجبا ولم تكن استفهاما ولم يجاز بها إذا وقعت على نكرة أزادتها كلها ، وإذا وقعت على معرفة أزادت بعضها في الجزاء والاستفهام فإذا قلت : أيّ الرجلين أخواك وأي رجال إخوتك فهو على العدد ، وإذا قلت : أي الزيدين أخوك وأي الثلاثة صاحبك وصاحباك فلا يجوز أصحابك لأنها تزيد بعد المعرفة.

واعلم أنها في جميع ذلك لا تخرج عن معنى البعض لأنك إذا قلت : أي الرجلين أخواك إنما تريد : أي الرجال إذا صنفوا رجلين رجلين أخواك وقد حكى أن (ذا) قد جاءت بمعنى (الذي).

ص: 212


1- أن يقترن بالعاقل في عموم فصل ب" من" الموصولة ، نحو : (وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ)(مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ) (الآية : 45 سورة النور) فأوقع" من" على غير العاقل لمّا اختلط بالعاقل. وقد يراد ب" من" الموصولة المفرد والمثنّى والجمع والمذكّر والمؤنّث ، فمن ذلك في الجمع قوله عزّ وجلّ : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ) (الآية : 45 سورة النور) وقال الفرزدق في الاثنين : تعشّ فإن عاهدتني لا تخونني نكن مثل من يا ذئب يصطحبان وفي المؤنث قرأ بعضهم : ومن تقنت منكن لله ورسوله (الآية : 31 سورة الأحزاب). أما المفرد المذكر فكثير. انظر معجم القواعد 25 / 101.

باب ما تلحقه الزيادة في الاستفهام

يقول الرجل : ضربت زيدا ، فتقول إذا أنكرت : أزيدنيه ، وإن كان مرفوعا أو مجرورا فهذا حكمه.

إذا كان قبل هذه العلامة حرف ساكن كسرته لالتقاء الساكنين مثل التنوين.

وإن كان مضموما جعلته واوا ، وإن كان مكسورا جعلته ياء ، وإن كان مفتوحا جعلته ألفا ، فإن قال : (لقيت زيدا وعمرا) قلت : أزيدا وعمرنيه ، وإذا قال : ضربت عمر قلت :أعمراه ، فإن قال : ضربت زيدا الطويل قلت : الطويلاه ، وإن قلت : أزيدا يا فتى تركت الزيادة إذا وصلت ومن العرب من يجعل بين هذه وبين الاسم أن فيقول : أعمرانيه.

قال سيبويه : سمعنا رجلا من أهل البادية قيل له : أتخرج إن أخصبت البادية فقال : أنا إنيه منكرا.

ومما زادوا الهاء فيه بيانا قولهم : أضربه يريد : اضرب وتقول إني قد ذهبت فيقول : أذهبتوه ويقول : أنا خارج فتقول : أنا إنيه تلحق الزيادة ما لفظته وتحكيه.

ص: 213

ذكر الهمزة وتخفيفه

اشارة

الهمزة لا تخلو من أن تكون ساكنة أو متحركة ، فالساكنة لها ثلاث جهات : إما أن يكون قبلها فتحة أو كسرة أو ضمة.

فإن كان قبلها فتحة أبدلت ألفا ، وذلك في راس راس وفي يأس ياس وفي قرأت قرات ، وإن كان قبلها كسرة أبدلت ياء ، وذلك قولهم : في الذئب الذيب (1) وفي المئرة الميرة ، وإن كان قبلها ضمة أبدلتها واوا ، وذلك قولك في البؤس البوس والمؤمن المومن وإنما يبدل مكان كل همزة ساكنة الحرف الذي منه حركة ما قبلها ؛ لأنه ليس شيء أقرب منه فالفتحة من الألف والضمة من الواو والكسرة من الياء والهمزة المتحركة لا تخلو من أن يكون ما قبلها ساكنا أو متحركا فالهمزة المتحركة التي قبلها ساكن تكون على ضربين :

1 - همزة قبلها حرف مد وهو واو قبلها ضمة أو ياء قبلها كسرة أو ألف زيد للمد.

2 - والضرب الآخر : همزة قبلها حرف غير مد

فالضرب الأول : الهمزة المتحركة التي قبلها مدّة

فهي تبدل إذا كان قبلها واوا أو ياء ، وذلك في قولك مقروءة مقروة ومقروّ فاعلم وأبدلت الهمزة واوا وإنما فعلت ذاك ؛ لأن الواو زائدة وقبلها ضمة وهي على وزن مفعولة ومفعول ، وإذا كان قبل الهمزة ياء ساكنة قبلها كسرة وهي زائدة أبدلت الهمزة ياء تقول في : خطيئة خطيّة ، وفي النسيء النسيّ يا هذا ، وفي أفيئس تصغير أفأس أفيّس ، وفي سويئل وهو تصغير سائل سويل ، فياء التصغير بمنزلة ياء خطية.

ص: 214


1- الهمزة الساكنة إن كان كا قبلها متحركا : تكتب الهمزة السّاكنة وقبلها متحرّك على حرف من جنس الحركة التي قبلها ، ، فإن كان ما قبلها مفتوحا كتبت على" ألف" نحو" رأس" و" بأس" و" كأس" ، وإن كان ما قبلها مكسورا كتبت على" ياء" (عنما قلت على ياء ، ولم أقل على نبرة كما هو اصطلاح المتأخّرين ، لأنها تسهّل إلى ياء والحجازيّون وهم أفصح العرب وأكثر السّلف يسهّلون هذا النوع من الهمزات إلى الحروف التي تحتها فيقولون مثلا" ذيب" و" بير" و" يومن" و" كاس" ، ، فإن لم تقل توضع الهمزة على ياء وعلى ألف وعلى واو ضاع التّسهيل ، وأضعنا نطفا فصيحا) ، نحو"" ذئب" و" بئر" وشئت" و" جئت" ، وإن كان ما قبلها مضموما كتبت على" واو" نحو" مؤمن" و" يؤمن" و" بؤس". انظر معجم القواعد 30 / 4.

وإن كان ما قبل ياء التصغير مفتوحا قلبوها لأنهم أجروها مجرى المدة كانت لا تحرك أبدا وهي نظير الألف التي تجيء في جمع التكسير ونحو ألف دراهم ألا ترى أنك تقول : دريهم فتقع ياء التصغير ثالثة كما تقع الألف ويكسر ما بعدها كما يكسر ما بعد الألف ولا تحرك كما لا تحرك الألف ، وإن كان الساكن الذي قبل الهمزة ألفا جعلت بين بين ومعنى قول النحويين :(بين بين) أن تجعل الهمزة في اللفظ بين الحرف الذي منه حركتها وبين الهمزة بأن تلينها ، فإن كانت مفتوحة جعلت بين الألف والهمزة ، وإن كانت مضمومة جعلت بين الواو والهمزة ، وإن كانت مكسورة جعلت بين الياء والهمزة.

وقال سيبويه : ولا يجوز أن تجعل الهمزة بين بين في التخفيف إلا في موضع يجوز أن يقع موضعها حرف ساكن ولو لا أن الألف يقع بعدها الحرف الساكن ما جاز ذلك ؛ لأنه لا يجمع بين ساكنين ، وذلك في المسائل المسايل يجعلها بين الياء والهمزة وفي هباءة هباأة فيجعلونها بين الهمزة والألف يلين الصوت بها وتقول في : جزاء أمه جزاؤامه جزاؤامه.

الضرب الثاني : الهمزة المتحركة التي قبلها حرف ساكن ليس بحرف مدّ

فمن يخفف الهمزة يحذفها ويلقي حركتها على الساكن الذي قبلها ، وذلك قولك في المرأة المرة وفي الكماة الكمة وقال الذين يخففون : (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)(1) [النمل : 25] ومن

ص: 215


1- (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ) هذه قراءة أبي عمرو ، وعاصم ، ونافع ، وحمزة ؛ وقرأ الزهري ، وأبو جعفر ، وأبو عبد الرحمن ، وحميد ، وطلحة ، والكسائي : (ألا يا اسجدوا لله) القراءة الأولى هي أن دخلت عليها ، و (إن) في موضع نصب ، قال الأخفش المعنى : لئلا يسجدوا ، وقال الكسائي المعنى : فصدهم أن لا يسجدوا ، وقال علي بن سليمان : أن بدل من أعمالهم في موضع نصب ، وقيل : موضعها خفض على البدل من (السبيل) ، والقراءة الثانية بمعنى : ألا يا هؤلاء اسجدوا ؛ كما قال : ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ولا زال منهلا بجرعائك القطر وقال آخر : يا لعنة الله والأقوام كلهم والصالحين على سمعان من جار والمعنى : يا هؤلاء لعنة الله ؛ قال أبو جعفر : وهذا موجود في كلام العرب ؛ إلا أنه غير معتاد أن يقال : يا قدم زيد ؛ والقراءة به بعيدة ؛ لأن الكلام يكون معترضا ، والقراءة الأولى يكون الكلام بها متسقا ، وأيضا السواد على غير هذه القراءة ؛ لأنه قد حذف منها ألفان ، وإنما يختصر مثل هذا بحذف ألف واحدة نحو : (يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) [إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس : 3 / 142].

ذلك : من بوك ومن مّك وكم بلك إذا خففت ومثل ذلك : الحمر تريد الأحمر وقد قالوا : الكماة والمراة ومثله قليل ومما حذف في التخفيف ؛ لأن ما قبله ساكن قولهم : أرى وترى ونرى ويرى.

وقد أجمعت العرب على تخفيف المضارع من رأيت لكثرة استعمالهم إياه فإذا خففت همزة أرأوه قلت : روه حذفت الهمزة وألقيت حركتها وهي الفتحة على الراء وسقطت ألف الوصل وتقديره أرأوه مثل : أرعوه دخلت ألف الوصل من أجل سكون الراء فلما حركت سقطت ألف الوصل ، فإن أمرت واحدا قلت : ذاك نطقت بالراء وحدها وكان الأصل ارأى فحذفت الألف التي هي لام الفعل للأمر كما حذفتها في : اخش يا هذا وكان الأصل اخشى وحذفت الهمزة للتخفيف وألقيت حركتها على الراء فسقطت ألف الوصل فبقيت الراء وحدها قال سيبويه : وحدثني أبو الخطاب : أنه سمع من يقول : قد أراهم فجاء به على الأصل.

ص: 216

باب ذكر الهمزة المتحركة

لا تخلو الهمزة المتحركة من إحدى ثلاث جهات من الضم أو الكسر أو الفتح وكل همزة متحركة وقبلها حرف متحرك فتخفيفها أن تجعلها (بين بين) إلا أن تكون مفتوحة قبلها ضمة أو كسرة فإنك تبدلها وإنما صار ذلك كذلك ؛ لأن الهمزة لو خففتها وقبلها ضمة أو كسرة لنحوت بها نحو الألف والألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا ، وذلك محال فأما ما تجعل من ذلك (بين بين) فنحو : سأل وسيئم وقد قرأه وكل همزة متحركة قبلها حرف متحرك فهذا حكمها أن تجعلها (بين بين) إلا ما استثنيته من الهمزة المفتوحة التي قبلها ضمة أو كسرة ، فإن كانت وقبلها فتحة جعلت بين بين بين الألف والهمزة ، وإن كان قبلها ضمة أبدلتها واوا ، وإن كان قبلها كسرة أبدلتها ياء فتقول في التخفيف في التؤدة التودة فيجعلونها واوا خالصة ونريد أن نقريك في نقرئك وفي المئر المير ياء خالصة وتقول في المتصل من غلام يبيك وهذا غلام وبيك ، وإن كانت الهمزة مكسورة وقبلها فتح صارت بين الهمزة والياء ، وذلك في يئس ييس وفي سئم سيم (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ) [إبراهيم : 35].

وإن كانت مضمومة وقبلها فتحة صارت بين الهمزة والواو ، وذلك قولك : ضربت أختك ، وإن كانت مضمومة وقبلها ضمة جعلت بين بين ، وذلك : هذا درهم أختك ، وإن كانت مضمومة وقبلها كسرة جعلت بين بين ، وذلك من عند أختك وقال سيبويه : وهو قول العرب والخليل.

ص: 217

باب الهمزتين إذا التقتا

اشارة

وذلك على ضربين : فضرب يكونان فيه في كلمة واحدة (1) وضرب في كلمتين منفصلتين

[الضرب الأول : يكونان فيه في كلمة واحدة]

اعلم أن الهمزتين إذا التقتا في كلمة واحدة لم يكن بدّ من إبدال الآخرة ولا تخفف فمن ذلك قولك في فاعل جائي أبدلت مكانها الياء ؛ لأن ما قبلها مكسور وكذلك إن كان قبلها مفتوح جعلتها ألفا نحو : آدم لانفتاح ما قبلها قال : وسألت الخليل عن فعلل من جئت فقال : جيأي

ص: 218


1- لما كانت الهمزة حرفا جلدا على اللسان في النطق بها كلفة بعيد المخرج يشبه بالسعلة لكونه نبرة من الصدور توصل إلى تخفيفه فسهل النطق به كما تسهل الطرق الشاقة والعقبة المتكلف صعودها ، فلهذا سمي تخفيفها تسهيلا ثم تخفيفها يكون على ثلاثة أنواع الإبدال والنقل وجعلها بين بين وتجتمع الأنواع الثلاثة في باب وقف حمزة وهشام وللنقل باب مختص به والإبدال له باب الهمز المفرد وهو يقع في المتحركة والساكنة ، ، وأما النقل وبين بين فلا يكونان إلا في المتحركة وهذا الباب وما بعده مختصان بما يسهل بين بين ويقع فيهما ذكر الإبدال قليلا ولفظ التسهيل ، وإن كان يشمل هذه الأنواع الثلاثة تسمية من حيث اللغة والمعنى إلا أنه قد صار في اصطلاح القراء وكثرة استعمالهم وتردده في كلامهم كالمختص ببين بين أي تكون الهمزة بينها وبين الحرف الذي منه حركتها وقد بين ذلك في آخر الباب الذي بعد هذا ، ثم الهمزة الأولى في هذا الباب لا تكون إلا مفتوحة محققة إلا أن يأتي قبلها ساكن فتنقل حركتها إليه في مذهب من يرى ذلك بشرطه نحو (قل أؤنبئكم) - (قلءأنتم أعلم) - (قل أئنكم لتكفرون) ، وهذا سيأتي ذكره في بابه إن شاء الله تعالى ، وأخرى بمعنى أخيرة أي الهمزة الأخيرة من همزتين واقعتين بكلمة وهي الثانية والأصل الأخرى تأنيث آخر بفتح الخاء كقوله تعالى ، (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى ،) ثم استعملت أخرى بمعنى أخيرة كقوله تعالى (وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى ،) وقال تعالى في موضع آخر (ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ،) فقابل بهما سبحانه لفظ الأولى في قوله تعالى (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى ،) وقال تعالى أيضا (قالَتْ أُخْراهُمْ) و (قالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ ،) أي الفرقة المتقدمة للفرقة المتأخرة ومنه قوله جاء بي في أخريات الناس أي أواخرهم ولا أفعله أخرى الليالي أي أبدا ، فالهمزة الأخيرة من همزتين وهي الثانية تسهيلها بأن يجعل لفظها بين الهمزة والألف إن كانت مفتوحة وبين الهمزة والياء إن كانت مكسورة وبين الهمزة والواو إذا كانت مضمومة والذين فعلوا هذا التسهيل مدلول قوله سما وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وسما خبر قوله وتسهيل أخرى همزتين وإنما صح الابتداء بلفظ تسهيل وهو نكرة لتخصيصه بإضافته إلى مضاف إلى موصوف إن جعلنا بكلمة صفة لهمزتين أي كائنتين بكلمة كقولك بيت رجل ذي علم مقصود.

مثال جيعا ، وإذا جمعت آدم قلت : أوادم كما أنك إذا حقرت قلت : أويدم صيروا ألفه بمنزلة ألف خالد ؛ لأن البدل من نفس الحرف فشبهت ألف آدم بألف (خالد) لإنفتاح ما قبلها لأنها ليست من نفس الكلمة ولا بأصل فيها ، وأما خطايا فأصلها خطائي فحقها أن تبدل ياء فتصير : خطائي فقلبوا الياء ألفا رفعوا ما قبلها كما قالوا مداري أبدلوا الهمزة الأولى ياء كما أبدلوا (مطايا) وفرقوا بينها وبين الهمزة التي من نفس الحرف وناس يحققون فإذا وقعت الهمزة بين ألفين خففوا ، وذلك قولهم : كساءان ورأيت كساءين كما يخففون إذا التقت الهمزتان ؛ لأن الألف أقرب الحروف إلى الهمزة ولا يبدلون ياء ؛ لأن الألف الآخرة تسقط ويجري الاسم في الكلام.

الضرب الثاني : من التقاء الهمزتين وهو ما كان منه في كلمتين منفصلتين

(1)

ص: 219


1- قال الشاطبي : وأسقط الأولى في اتّفاقهما معا إذا كانتا من كلمتين فتى العلا فتى العلا فاعل أسقط يعني ولد العلا وهو أبو عمرو بن العلاء أسقط الهمزة الأولى من المتفقتين بالفتح والكسر والضم وهذا نقل علماء القراءات عن قراءة أبي عمرو بإسقاط الهمزة ، ثم منهم من يرى أن الساقطة هي الأولى ؛ لأن أواخر الكلم محل التغيير غالبا ومنهم من يجعل الساقطة هي الثانية ؛ لأن الثقل بها حصل ، والذي نقله النحاة عن أبي عمرو أنه يخفف الأولى من المتفق والمختلف جميعا ، قال أبو علي في التكملة أهل التحقيق يحققون إحداهما فمنهم من يخفف الأولى ويحقق الثانية ومنهم من يحقق الأولى ويخفف الثانية وهو الذي يختاره الخليل ويحتج بأن التخفيف وقع على الثانية إذا كانتا في كلمة واحدة نحو آدم وآخر فكذلك إذا كانتا من كلمتين ، قال الخليل رأيت أبا عمرو قد أخذ بهذا القول في قوله (يا ويلتي أألد) ، قال العبدي في شرحه مذهب أبي عمرو تخفيف الأولى ، ومذهب الخليل تخفيف الثانية والقراء على خلاف ما حكاه النحويون عنه وذلك أنهم يقولون الهمزتان إذا التقيا بحركة واحدة حذفت إحداهما حذفا من غير أن تجعلها بين بين ، وإذا اختلفت الحركة عادوا إلى ما قلناه ، قال وقياس قول أبي عمرو المحذوفة هي الأولى ؛ لأنه حكى مذهبه أن تكون الأولى بين بين ، قلت ومن فوائد هذا الاختلاف ما يظهر في نحو (جاء أمرنا) ، من حكم المد فيه ، ، فإن قيل الساقطة هي الأولى كان المد فيه من قبيل المنفصل ، ، وإن قيل هي الثانية كان المد من قبيل المتصل ، وقد نص مكي في كتاب التبصرة على قول أن الساقطة هي الأولى ، ثم إن القارئ لأبي عمرو إذا وقف على جاء فإنه يمد يعني قوله تعالى في سورة يوسف (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ،) خالفا فيها أصلهما فعدلا عن تسهيل همزة السوء بين بين ؛ لأن لغة العرب في تخفيف همزة مثل ذلك على وجهين سيأتي ذكرهما في باب وقف حمزة وهشام ، أحدهما أن تلقى حركة الهمزة على الواو وبحذف الهمز وهذا لم يقرأ به لهما وهو الوجه المختار في تخفيف همز ذلك وقد نبه عليه مكي رحمه الله في التبصرة ، والثاني أن تبدل الهمزة واوا وتدغم الواو التي قبل الهمزة فيها وهذا الوجه هو المذكور لهما في هذا البيت أي أبدلا الهمز واوا ثم أدغما فيها الواو التي قبلها وإنما اختارا هذا على وجه نقل الحركة ؛ لأن النقل يؤدي هنا إلى أن تنكسر الواو بعد ضمة فتصير مثل قول وهو مرفوض في اللغة وقول بالتشديد مستعمل وهو أخف من قول ولعل سببه حجز الساكن بين الضمة والكسرة ، وقد فعل قالون نحو ذلك في لفظ النبي في موضعين في سورة الأحزاب ؛ لأنه يهمز لفظ النبي وقبل الهمز ياء فأبدل الهمزة ياء وأدغم فيها الياء التي قبلها وذلك متعين ثم لا يجوز فيه نقل حركة الهمزة إلى الياء لأنها زائدة بخلاف الواو هنا وهذا سيأتي ذكره في سورة البقرة إن شاء الله تعالى ثم قال وفيه أي وفي تخفيف بالسوء خلاف عن قالون والبزي ليس مقفلا أي ليس مغلقا أو ليس مقفلا عليه أي ممنوعا لا يوصل إليه بل هو مشهور معروف في كتب مصنفة منها التبصرة لمكي ، وإن كان صاحب التيسير ما ذكره ولم يذكر هذه المسألة إلا في سورتها والخلاف المشار إليه أنهما قرآها بين بين على أصلهما ولا يمنع من ذلك كون الواو ساكنة قبلها فإنها لو كانت ألفا لما امتنع جعلها بين بين بعدها لغة على ما يأتي فالواو قريبة منها والله أعلم ، قال مكي ذكر عن قالون فيها أنه يجعل الأولى كالياء الساكنة قال والأحسن الجاري على الأصول إلقاء الحركة ولم يرو عنه ويليه في الجواز الإبدال والإدغام وهو الأشهر عن قالون وهو الاختيار لأجل جوازه والرواية قال فأما البزي فقد روي عنه الوجهان. انظر إبراز المعاني لأبي شامة 1 / 198.

اعلم أن الهمزتين إذا التقتا وكل واحدة منهما في كلمة ، فإن أهل التحقيق يخففون إحداهما ويستثقلون تحقيقهما كما يستثقل أهل الحجاز تحقيق الواحدة وليس من كلام العرب أن تلتقي همزتان محققتان إلا إذا كانتا عينا مضاعفة في الأصل نحو : سمائين ومن كلامهم تحقق الآخرة وهو قول أبي عمرو ، وذلك قول الله عز وجل : (فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها) [محمد : 18](يا زَكَرِيَّا إِنَّا) [مريم : 7] ومنهم من يحقق الأول ويخفف الآخرة وكان الخليل يستجب هذا ويقول : لأني رأيتهم يبدلون الثانية في كلمة واحدة كآدم وأخذ به أبو عمرو في قوله : (يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ) [هود : 72].

فحقق الأولى وقال سيبويه : وكل عربي والزنة واحدة محققة ومخففة ويدلك على ذلك قول الأعشى :

أأن رأت رجلا أعشى أضرّبه

ص: 220

فلو لم يكن بزنتها محققة لانكسر البيت ، وأما أهل الحجاز فيخففون الهمزتين ؛ لأنه لو لم يكن إلا واحدة لخففت فتقول : اقرأ آية في قول من خفف الأولى ؛ لأن الهمزة الساكنة إذا خففت أبدلت بحركة ما قبلها ومن حقق الأولى قال : اقر آية ويقولون : اقري مثل : اقر آية ؛ لأنه خفف همزة متحركة قبلها حرف ساكن ، وأما أهل الحجاز فيقولون : اقرأ آية. ويقولون : (أقري باك السّلام) يبدلون الأولى ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ويحذفون الثانية لسكون ما قبلها ومن العرب ناس يدخلون بين ألف الاستفهام وبين الهمزة ألفا إذا التقتا ، وذلك لأنهم كرهوا التقاء الهمزتين ففصلوا كما قالوا : اخشينان فهؤلاء أهل التحقيق ، وأما أهل الحجاز فمنهم من يقول : آإنك وآأنت وهي التي يختار أبو عمرو ويدخلون بين الهمزتين ألفا ويجعلون الثانية بين بين كما يخفف بنو تميم في التقاء الهمزتين وكرهوا الهمزة التي هي بين بين مع الأول كما كرهوا معها المخففة ، وأما الذين لا يخففون الهمزة فيحققونهما جميعا ويدخلون بينها ألفا ، وإن جاءت ألف الاستفهام وليس قبلها شيء لم يكن من تحقيقها بد وخففوا الثانية واعلم أن الهمزة التي يحقق أمثالها أهل التحقيق من بني تميم وأهل الحجاز وتجعل في لغة أهل التخفيف بين بين قد تبدل مكانها الألف إذا كان ما قبلها مفتوحا والياء إذا كان ما قبلها مكسورا ياء مكسورة وليس هذا بقياس مطرد وإنما يحفظ عن العرب حفظا فمن ذلك قولهم في (منسأة) منسأة ومن العرب من يقول في أو أنت أوّنت وأبو يوب في أبو أيوب وكذلك المنفصلة إذا كانت الهمزة مفتوحة وقال بعض هؤلاء : سوّة وضو شبهوه بأوّنت ، فإن خففت في قولهم : أحلبني إبلك وأبو أمّك لم تثقل الواو كراهية لإجتماع الواوات والضمات والياءات والكسرات وحذفت الهمزة وألقيت حركتها على ما قبلها وبعضهم يقول : يريد أن يجيك ويسوك وهو يجيك ويسوك يحذف الهمزة ويكره الضمة مع الياء والواو وعلى هذا تقول : هو يرم خوانه يريد : يرم أخوانه حذف الهمزة وأذهب الياء لالتقاء الساكنين.

قال أبو بكر : ذكرنا ما يلحق الكلم بعد تمامها وبقي ما يلحق الكلم في ذاتها وهو تخفيف الهمز وقد ذكرناه والمذكر والمؤنث والمقصور والممدود والتثنية والجمع الذي على حدها والعدد وجمع التكسير والتصغير والنسب والمصادر وما اشتق منها والإمالة والأبنية والتصريف والإدغام وضرورة الشاعر.

ص: 221

باب المذكر والمؤنث

التأنيث يكون على ضربين : بعلامة وغير علامة ، فعلامة التأنيث في الأسماء تكون على لفظين : فأحد اللفظين التاء تبدل منها في الوقف هاء في الواحدة والآخر الألف ، أما الهاء فتأتي على سبعة أضرب :

الأول : دخولها على نعت يجري على فعله ، وذلك قولك : في قائم ومفطر وكريم ومنطلق إذا أردت تأنيث قائمة وقاعدة ومفطرة وما لم يسم فهذا بابه وجميع هذا نعت لا محالة وهو مأخوذ من الفعل.

الثاني : دخولها فرقا بين الاسم المذكر والمؤنث الحقيقي الذي لأنثاه ذكر ، وذلك قولهم :امرؤ وامرأة ومرء ومرأة ويقولون رجل وللأنثى رجلة قال الشاعر :

ولم يبالوا حرمة الرّجلة ...

والثالث : دخولها فرقا بين الجنس والواحد منه نحو قولك : تمر وتمرة ، وبسر وبسرة وشعير وشعيرة وبقر وبقرة فحق هذا إذا أخرجوا منه الهاء أن يجوز فيه التأنيث والذكير فتقول هو التّمر وهو البسر وهو العنب وكذلك ما كان في منهاجه ولك أن تقول : هي التمر وهي الشعير وكذلك ما كان مثلها قال الله عز وجل : (كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ) [الحاقة : 7] فالتذكير على معنى الجمع والتأنيث على معنى الجماعة ومن هذا الباب جراد وجرادة وإنما هو واحد من الجنس ليس جراد بذكر جرادة.

واعلم أن هذا الباب مؤنثه لا يكون له مذكر من لفظه ؛ لأنه لو كان كذلك لالتبس الواحد المذكر بالجمع وجملتها أنها مخلوقات على هيئة واحدة فأما حيّة فإنما منعهم أن يقولوا في الجنس (حيّ) ؛ لأنه في الأصل نعت حي يقع لكل مذكر من الحيوان ثم تنفصل أجناسها لضروب.

الرابع : ما دخلته الهاء وهو مفرد لا هو من جنس ولا له ذكر وذلك : بلدة ومدينة وقرية غرفة.

ص: 222

الخامس : ما تدخله الهاء من النعوت لغير فرق بين المذكر والمؤنث فيه وهو نعت للمذكر للمبالغة وذلك : علّامة ونسابة وراوية فجميع ما كانت فيه الهاء من أي باب كان فغير ممتنع جمعه من الألف والتاء لحيوان أو غيره لمذكر أو مؤنث قلت أو كثرت.

السادس : الهاء التي تلحق الجمع الذي على حد مفاعل وبابه ينقسم على ثلاث أنحاء فمن ذلك ما يراد به النّسب نحو : الأشاعثة والمهالبة والمناذرة والثاني : أن يكون من الأعجمية المعربة نحو : الجواربة والموازجة والسيّابجة والبرابرة.

وهذا خاصة يجتمع فيه النسب والعجمة فأنث في حذف الهاء من هذا والذي قبله بالخيار الثالث : أن تقع الهاء في الجمع عوضا من (ياء) محذوفة فلا بد منها أو من الياء ، وذلك في جمع جحجاج جحاجيج وفي جمع زنديق زناديق وفيفرزان فرازين ، فإن حذفت الياء قلت فرازنة وزنادقة وجحاجحة وليس هذا كعساقلة وصياقلة لأنك حذفت من هذا شيئا لا يجتمع هو والهاء ولو اجتمعا لم يكن معاقبا ولا عوضا.

وإنما قلت : إن باب الهاء في الجمع للنسب والعجمة لمناسبة العجمة أن تناسب الهاء ألا ترى أن الاسم تمنعه الهاء من الإنصراف كما تمنعه العجمة فيما جاوز الثلاثة ، وإن الهاء كياء النسب تقول : بطة وبط وتمرة وتمر فلا يكون بين الواحد والجمع إلا الهاء وكذلك تقول :(زنجي وزنج وسندي وسند وروميّ وروم ويهوديّ ويهود) فلا يكون بين الجمع والواحد إلا الياء المشددة وكذلك التصغير إنما يصغر ما قبل الياء المشددة التي للنسبة تأتي بها في أي وزن كان وكذلك تفعل بالهاء تقول في تصغير تميمي تميميّ وفي تصغير جمزي جميزيّ وتقول : في عنترة عنتيريّ فالاسم على ما كان عليه.

السابع : ما دخلت عليه الهاء وهو واحد من جنس إلا أنه للمذكر والأنثى ، وذلك نحو :حمامة ودجاجة وبطة وبقرة واقع على الذكر والأنثى ألا ترى قول جرير :

لمّا تذكّرت بالدّيرين أرّقني

صوت الدّجاج وقرع بالنّواقيس

إنما يريد : زقاء الديوك.

ص: 223

باب التأنيث بالألف

اشارة

هذه الألف تجيء على ضربين : ألف مقصورة وألف ممدودة

[الضرب الأول من ألف التأنیث : هو الألف المقصورة]

والألف المقصورة تجيء على ضربين : فضرب لا يشك في ألفه أنها ألف تأنيث وضرب يلبس فيحتاج إلى دليل.

الأول : ما جاء على فعلى فهو أبدا للتأنيث لا يكون هذا البناء لغيره ، وذلك نحو : حبلى وأنثى وخنثى ودنيا ؛ لأنه ليس في الكلام اسم على مثال (جعفر) فهذا ممتنع من الإلحاق.

الثاني منه : ما جاء على وزن الأصول وبابه أن ينظر هل يجوز إدخال الهاء عليه.

فإن دخلت فإنه ليس بألف تأنيث ؛ لأن التأنيث لا يدخل على التأنيث ، وإن امتنعت فهي للتأنيث فما الذي لا تدخل عليه الهاء فسكرى وغضبى ونحوه مما بني الذكر منه على فعلان نحو : سكران وغضبان وكذلك جمعه نحو : سكارى في أن الألف للتأنيث ومن ذلك : مرضى وهلكى وموتى فأما ما تدخله الهاء فنحو : علقاة وأرطأة وقد ذكرته فيما ينصرف وما لا ينصرف.

الضرب الثاني من ألف التأنيث : هو الألف الممدودة

وهي تجيء على ضربين : منه ما يكون صفة للمؤنث ولمذكره لفظ منه على غير بنائه ومنه ما يجيء اسما وليس له مذكر اشتق له من لفظه.

فالضرب الأول يجيء على فعلاء نحو : حمراء وخضراء وسوداء وبيضاء وعوراء : والمذكر من جميع ذا على (أفعل) نحو : أحمر وأخضر وأعور وجميع ما جاء على هذا اللفظ مفتوح الأول فألفه للتأنيث.

وأما ما جاء اسما لواحد ولجميع فالواحد نحو : صحراء وطرفاء وقعساء وحلفاء وخنفساء وقرفصاء ، وأما ما جاء لجمع فنحو : الحكماء والأصدقاء والأخمساء ، وأما بطحاء وأبطح : فأصله صفة ، وإن كان قد غلب عليه حتى صار اسما مثل : أبرق وبرقاء وإنما هو اختلاط بياض البقعة بسوادها يقال : جبل أبرق ، وأما قوباء وخششاء فهو ملحق بقسطاط

ص: 224

وقرطاط وكذلك : علباء وحرباء وقيقاء وزيزاء مذكرات ملحقات بسرادح ومداتهن منقلبات وما كان على هذا الوزن مضموم الأول أو مفتوحا ليست ألفه للتأنيث.

الضرب الثاني : من القسمة الأولى من المؤنث وهو ما أنث بغير علامة من هذه العلامات وهذا النوع يجيء على ثلاثة أضرب منه ما صيغ للمؤنث ووضع له وجعل لمذكره اسم يخصه أيضا فغير عن حرف التأنيث واسم يلزم التأنيث ، وإن لم تكن له علامة ولا صيغة تخصه ولكن بفعله وبالحديث عنه تأنيثه واسم يذكر ويؤنث.

الأول : قولك : أتان وحمار وعناق ورخل وجمل وناقة صار هذا المؤنث بمخالفته المذكر معرفا معروفا (بذي) عن العلامة ومن قال رجل وامرأة وهو المستعمل الكثير فهو من ذلك وكذلك حجر.

الثاني : ما كان تأنيثه بغير علامة ولا صيغة وكان لازما أما الثلاثي فنعرفه بتصغيره ، وذلك أنه ليس شيء من ذوات الثلاثة كان مؤنثا إلا وتصغيره يرد الهاء فيه ؛ لأنه أصل للمؤنث ، وذلك قولك : في بغل بغيلة وفي ساق سويقة وفي عين عيينة ، وأما قولهم في : حرب حريب وفي فرس فريس ، فإن حرابا إنما هو في الأصل مصدر سمي به ، وأما فرس فإنه يقع للمذكر والأنثى ، فإن أردت الأنثى خاصة لم تقل إلا فريسة ، فإن كان الاسم رباعيا لم تدخله الهاء في التصغير ، وذلك نحو : مقرب وأرنب وكل اسم يقع على الجمع لا واحد له من لفظه إذا كان من غير الآدميين فهو مؤنث ، وذلك نحو : إبل وغنم تقول في تصغير غنم غنيمة وفي إبل أبيلة ولا واحد في لفظه وكذلك خيل هو بمنزلة هند ودعد وشمس فتصغر ذلك فتقول :غنيمة وخييلة ، فإن كان شيء من ذلك من الناس فهو مذكر ولك أن تحمله على التأنيث.

الثالث : وهو ما يذكر ويؤنث ، فمن ذلك الجموع لك أن تذكر إذا أردت الجمع وتؤنث إذا أردت الجماعة فأما قوم فيقولون في تصغيره قويم وفي بقر بقير وفي رهط رهيط لأنك تقول في ذلك (هم) ولا يكون ذلك لغير الناس ، فإن قلت فقد أقول : جاءت الرجال و (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ)

ص: 225

[الحج : 42] وما أشبه ذلك فإنما تريد جاءت جماعة الرجال وكذبت جماعة قوم نوح كقول الله تعالى : (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف : 82] إنما هو أهل القرية وأهل العير فما كان من هذا فأنت في تأنيثه مخير ألا ترى إلى قول الله تعالى : (كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) [القمر : 20] فهذا على لفظ الجنس.

وقال : (كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ) [الحاقة : 7] على معنى الجماعة وتقول : هذه حصى كبيرة وحصى. كثيرة وكذلك كل ما كان ليس بين جمعه وواحده إلا الهاء قال الأعشى :

فإن تبصرني ولي لمّة

فإنّ الحوادث أودى بها (1)

لأن الحوادث جمع حدث والحدث مصدر والمصدر واحده وجمعه يؤولان إلى معنى واحد وكذلك قول عامر بن حريم الطائي :

فلا مزنة ودقت ودقها

ولا أرض أبقل إبقالها (2)

ص: 226


1- على أن إن الشرطية المقرونة بما الزائدة ، يلزم توكيد شرطها بالنون عند الزجاج. وترك توكيد جيد عند غيره. وهذا البيت يدل لغير الزجاج ، فإنه لم يؤكد فعل الشرط فيه. قال ابن الناظم : وأما الشرط بإما فتوكيده بالنون جائز ، قال تعالى : "فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ" ، و "إِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً". وقد تخلو من التوكيد بها. كما في قوله : فإما تريني ولي لمة البيت وقول الآخر : البسيط يا صاح إما تجدني عير ذي جدة فما التخلي عن الخلان من شيمي وقال ابن هشام في المغني : يقرب التوكيد من الوجوب بعد إما. وذكر ابن جني أنه قرئ : فإما ترين بياء ساكنة بعدها نون الرفع. انظر خزانة الأدب 4 / 224.
2- هو نظير لعرفات : في كونها مؤنثة لا يجوز فيها التذكير إلا بتأويل بعيد ، وهو أن يراد بها المكان. وأورده أيضا في باب المذكر والمؤنث على أنه لا يحذف علامة التأنيث في المسند إلى ضمير المؤنث المجازي إلا لضرورة الشعر. وهو من شواهد الكتاب و" مغني اللبيب". قال ابن خلف : الشاهد فيه أنه ذكر" أبقل" وهو صفة للأرض ضرورة ، حملا على معنى المكان ، فأعاد الضمير على المعنى وهو قبيح. والصحيح أنه ترك فيه علامة التأنيث للضرورة واستغنى عنه مما علم من تأنيث الأرض. وإلى هذا الوجه أشار أبو علي. وقال غيره : وإنما قبح ذلك لاتصال الفاعل المضمر بفعله ، فكأنه كالجزء منه حتى لا يمكن الفصل بينهما بما يسد مسد علامة التأنيث. ولا يخفى ما فيه. وعند ابن كيسان والجوهري أن الفعل إذا كان مسندا لضمير المؤنث المجازي لا يجب إلحاق علامة التأنيث. وقول بعضهم : وهذا ليس بضرورة لأنه كان يمكنه أن يقول" ولا أرض أبقلت إبقالها" بنقل حركة الهمزة إلى ما قبلها وإسقاطها - ليس بجيد ، لأن الصحيح أن الضرورة ما وقع في الشعر ، سواء كان للشاعر عنه فسحة أم لا. وأجاب السيرافي بأنه يجوز أن يكون الشاعر ليس من لغته تخفيف الهمزة ، وحينئذ لا يمكنه ما ذكره. وذكر ابن يسعون أن بعضهم رواه بالتاء بالنقل المذكور. وقال ابن هشام : فإن صحت الرواية وصح أن القائل ذلك هو الذي قال و" لا أرض أبقل" بالتذكير صح لابن كيسان مدعاة ، وإلا فقد كانت العرب ينشد بعضهم بعضا ، وكل يتكلم على مقتضى لغته التي فطر عليها ، ومن هنا كثرت الروايات في بعض الأبيات. وزعم جماعة أنه لا شاهد فيه ، فقال أبو القواس في" شرح ألفية ابن معطي" أنه روى" إبقاها" بالرفع ، مسندا إلى المصدر. ويرده أن إبقالها منصوب على المصدر التشبيهي ، أي : ولا أرض أبقلت كإبقال هذه الأرض. ولو كان كما زعم كان معناه نفي الإبقال ، وهو نقيض مراد الشاعر. وزعم بعضهم أن ضمير أبقل عائد على مذكر محذوف ، أي : ولا مكان أرض ، فقال أبقل باعتبار المحذوف ، وقال إبقالها باعتبار المذكور. وهذا فاسد أيضا ، لأن ضمير إبقالها ليس عائدا على الأرض المذكورة هنا ، فتذكير" أبقل" باعتبار المحذوف لا دليل عليه ، ولو قال إن الأرض مما يذكر ويؤنث - كما قال أبو حنيفة الدينوري في" كتاب النبات" عند ما أنشد هذا البيت : إن الأرض تذكر وتؤنث ، وكذلك السماء ، ولهذا قال أبقل إبقالها - لكان وجها. انظر خزانة الأدب 1 / 16.

لأن أرضا ومكانا سواء ولو قال على هذا : (إنّ زينب قام) لم يجز ؛ لأن تأنيث هذا تأنيث حقيقي فمهما اعتوره من الاسم فخبرت عنه بذلك ، فإن الخبر عنه لا عن الاسم.

واعلم أن من التأنيث والتذكير ما لا يعلم ما قصد به كما أنه يأتيك من الأسماء ما لا يعرف لأي شيء هو تقول : فهر فهي مؤنثة وتصغيرها فهيرة وتقول : قتّب لحشوة البطن وهو المعي وتصغيره قتيبة وبذلك سمي الرجل قتيبة وكذلك : طريق وطرق وطريقين جرن وجرنات وأوطب وأواطب والشيء قد يكون على لفظ واحد مذكر ومؤنث فمن ذلك :

ص: 227

اللسان يقال هو وهي والطريق مثله والسبيل مثله ، وأما قولهم : أرض فكان حقه أن يكون الواحد أرضة والجمع أرض لو كان ينفصل بعضها من بعض كتمرة من تمر ولكن لما كانت نمطا واحدا وقع على جميعها اسم واحد كما قال الله عز وجل : (فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [الأنعام : 14] وقال : (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ) [الطلاق : 12] فإذا اختلفت أجناسها بالخلقة أو انفصل بعضها من بعض بما يعرض من حزن وبحر وجبل قيل : أرضون كما تقول في التمر تمران تريد ضربين فكان حق أرض أن تكون فيها الهاء لو لا ما ذكرنا وإنما قالوا : أرضون والمؤنث لا يجمع بالواو والنون إلا أن يكون منقوصا كمشية وثبة وقلة وكلية لا بد أنها كانت هاء في الأصل فلذلك جاءت الواو والنون عوضا.

وطاغوت فيها اختلاف فقوم يقولون : هو أحد مؤنث وقال قوم : بل هو اسم للجماعة قال الله تعالى : (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها) [الزمر : 17] فهذا قول قال محمد بن يزيد : والأصوب عندي والله أعلم أنه جماعة وهو كل ما عبد من دون الله من إنس وجن وغيره ومن حجر وخشب وما سوى ذلك قال الله عز وجل : (أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ) [البقرة : 257] فهذا مبين لا شك فيه ولا مدافعة له وقولهم : إنه يكون واحدة لم يدفعوا به أن يكونوا الجماعة وادعاؤهم أنه واحدة مؤنثة تحتاج إلى نعت والعنكبوت مؤنثة قال الله جل اسمه : (كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً) [العنكبوت : 41] والسّماء تكون واحدة مؤنثة بالبنية على وزن عناق وأتان وكل ما أنث وتأنيثه غير حقيقي والحقيقي : المؤنث الذي له ذكر فإذا ألبس عليك فرده إلى التذكير فهو الأصل قال الله تعالى : (فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى) [البقرة : 275] ؛ لأن الوعظ والموعظة واحد ، وأما حائض وطامث ومفصل فهو مذكر وصف به مؤنث.

ص: 228

ذكر المقصور والممدود

وهما بنات الياء والواو اللتين هما لا مات فالمنقوص كل حرف من بنات الياء والواو وقعت ياؤه أو واوه بعد حرف مفتوح فأشياء يعلم أنها منقوصة ؛ لأن نظائرها من غير المعتل إنما يقع أواخرهنّ بعد حرف مفتوح ، وذلك نظائرها من غير المعتل ، وذلك نحو : معطي وأشباهه ؛ لأنه معتل مثل مخرج ومثل ذلك المفعول ، وذلك أن المفعول من سلقيته فهو مسلقى والدليل على ذلك أنه لو كان بدل هذه الياء التي في (سلقيت) حرفا غير الياء لم يقع إلا بعد مفتوح فكذلك هذا وأشباهه وكل شيء كان مصدرا لفعل يفعل وكان الاسم أفعل فهو منقوص ؛ لأنه على مثال : حول يحول فهو حول واسمه أحول فمن ذلك قولهم : للأعشى به عشي وللأعمى به عمى وللأقنى به قنى.

وما يعلم أنه منقوص أن ترى الفعل فعل يفعل والاسم منه فعل ، وذلك فرق يفرق فرقا فمصدر هذا من بنات الياء والواو على (فعل) هوي يهوى ورديت تردى وهو رد وهو الردّى وصديت صدى وهو صدّ ولويت لوى وكذلك : كري يكرى كرى ، وإذا كان (فعل) يفعل فعلاء والاسم منه فعلان فهو أيضا منقوص نظيره من الصحيح : عطش يعطش عطشا وهو عطشان وله فعلى نحو : عطشى والمعتل : نحو طوي يطوي طوى وصدي يصدى صدى وهو صديان وقالوا : رضي يرضى رضا وهو راض وهو الرضا ونظيره : سخط يسخط سخطا وهو ساخط وكسروا الراء من رضا كما قالوا : الشيع فلم يجيئوا به على نظائره وذا لا يجسر عليه إلا سماعا ومن المنقوص ما لا يعلم أنه منقوص إلا بالسماع نحو : قفا ورحىّ وقد يستبدل بالجمع إذا سمعت أرحاء وأقفاء علمت أنه جمع لمنقوص وهذا بين في الجمع وكل جماعة واحدها فعلة أو فعلة فهي مقصورة نحو : عروة وعرى وفرية وفرى أما الممدود فكل شيء ياؤه أو واوه بعد ألف فمنها ما يعلم أنه ممدود في كل شيء نحو : الإستسقاء ؛ لأن استسقيت مثل استخرجت فكذلك الإشتراء ؛ لأن اشتريت مثل احتقرت ومن ذلك الأحبنطاء والإسلنقاء فإنه يجيء على مثال الإستفعال في وروده ووزن متحركاته وسواكنه ومما يعلم أنه ممدود أن تجد المصدر

ص: 229

مضموم الأول ويكون للصوت ، وذلك نحو : العواء والزقاء والرّغاء ونظيره من غير المعتل الصّراخ والنّباح ومن ذلك البكاء.

قال الخليل : والذين قصروه جعلوه كالحزن ويكون العلاج كذلك نحو النّزاء ونظيره من غير المعتل القماص وقلما يكون ما ضم أوله من المصدر منقوصا ؛ لأن فعلا لا تكاد تراه مصدرا من غير بنات الياء والواو ومنه ما لا يعلم إلا سماعا نحو : السماء والرشاء والألاء والمقلاء ومما يعرف به الممدود الجمع الذي يكون على مثال أفعلة فواحدها ممدود نحو : أفنية واحدها فناء وأرشية واحدها رشاء.

ص: 230

ذكر التثنية والجمع الذي على حد التثنية

الأسماء المثناة والمجموعة على ضربين : صحاح ومعتلة ، فأما الصحاح فقد تقدمت معرفتها ، وهذا الجمع إنما يكون لمن يعقل خاصة.

والمعتل على ثلاثة أضرب : مقصور ، وممدود ، وما آخره ياء.

الأول المقصور : ما كان على ثلاثة أحرف فصاعدا فالألف بدل غير زائدة ، فإن كان من بنات الواو أظهرت الواو ، وإن كان ياء أظهرت الياء فبنات الواو مثل : قفا وعصا ورحا والدليل عليه قولهم رضا فلا يميلون وليس شيء من بنات الياء لا يجوز فيه الإمالة فتقول على هذا فيه : قفوان وعصوان ورحوان ومن ذلك رضا والدليل على أن الألف منقلبة من واو قولهم : مرضوّ ورضوان ، وأما مرضي فبمنزلة مسنية وهي من سنوت استثقلوا الواوين فأبدلوا وبنات الياء مثل : رحى وعمى وهدى وفتى ، لأنهم يقولون : فتيان ورحيان فأما الواو في الفتوة فمن أجل الضمة التي قبلها وحكم الجمع بالتاء في هذا حكم التثنية قالوا : قنوات وأدوات وتقول في ربا ربوان لقولهم : ربوت فإذا جاء من المنقوص شيء ليس له فعل ولا اسم تثبت فيه الواو وألزمت ألفه الإنتصاب فهو من بنات الواو نحو : لدىّ وإلىّ وإنما يثنيان إذا صار اسمين ، وإن جاء من المنقوص شيء ليس فعل تثبت فيه الياء وإلا اسم وجازت إمالته فالياء أولى به ، وذلك نحو : متى وبلى وحكم الجمع بالتاء حكم التثنية ، فإن كان الاسم المقصور على أربعة أحرف فما زاد أو كانت ألفه بدلا من نفس الحرف أو زائدة فتثنية ما كان من الواو من هذا كتثنية ما كان من الياء والجمع بالتاء كالتثنية ، وذلك نحو قولك : في مصطفى مصطفيان ومصطفيات وأعمى وأعميان ، فإن جمعت المنقوص جمع السلامة فإنك تحذف الألف وتدع الفتحة التي قبلها على حالها تقول في مصطفى مصطفون وفي رجل سميته : قفا قفون.

الثاني : من الممدود : اعلم أن الممدود بمنزلة غير المعتل تقول في كساء : كساءان وهو الأجود ، فإن كان لا ينصرف وآخره زيادة جاءت للتأنيث فإنك تبدل الألف واوا وكذلك إذا جمعته بالتاء ، وذلك قولك جمراوان وحمراوات وناس كثيرون يقولون : علباوان وحرباوان

ص: 231

شبهوه بحمراء إذ كان زائدا مثله وإنما تثنيته علباءان وحرباءان ؛ لأن علباء ملحق بسرواح والملحق كالأصل وهذا يبين في التصريف وقال ناس : كساوان وغطاوان ورداوان ، وإن.

جعلوه بمنزلة علباء وعلباوان أكثر من كساوان.

قال سيبويه : وسألته - يعني : الخليل - عن عقلته بثنايين لم لم يهمز فقال : لأنه لم يفرد له واحد.

الثالث : الاسم المعتل : الذي لامه ياء قبلها كسرة نحو : قاض وغاز تثنيه : قاضيان وغازيان وتجمعه : قاضون وتثبت الياء في التثنية وتسقط في الجمع.

كما كانت في مصطفى إذا ثنيت فقلت : مصطفيان ، وإذا جمعت قلت : مصطفون والتثنية ترد فيها الأشياء إلى أصولها.

ص: 232

باب جمع الاسم

الذي آخره هاء التأنيث إذا سميت رجلا : طلحة أو امرأة فجمعه بالتاء لا تغيره عما كان عليه فأما حبلى وحمراء وخنفساء إن سميت بها رجلا قلت : حبلون وحمراوون تجمع جميع هذا بالواو والنون لأنها ليست تزول إذا قلت : حمراوان فمن حيث قلت حمراوان قلت : حمراوون ولما لم يجز تمرتان لم يجز تمرتون وتجمع عيسى وموسى عيسون وموسون.

باب جمع الرجال والنساء

قال سيبويه : إذا جمعت اسم رجل فأنت فيه بالخيار إن شئت جمعته بالواو والنون ، وإن شئت كسرته ، وإذا جمعت اسم امرأة فأنت بالخيار جمعت بالتاء ، وإن شئت كسرته على حد ما تكسر عليه الأسماء للجمع فإذا سميت بأحمر قلت : الأحامر جعلته مثل أرنب وأرانب وأخرجته من جمع الصفة ، وإن سميت بورقاء جعلتها كصلفاء تقول : صلاف وصحراء صحار ، وإن جمعت خالدا وحاتما قلت : خوالد وحواتم ولو سميت رجلا أو امرأة بسنة لكنت بالخيار ، وإن شئت قلت : سنون ، وإن شئت قلت : سنوات وكذلك ثبة تقول : ثبات وثبون لا تجاوز جمعهم الذي كان عليه وشية وظبة شيات وظبات لأنهم لم يجاوزوا هذا وكان اسما قبل أن يسمى به.

وابن بنون وأبناء وأم أمهات وأمات واسم وأسمون وأسماء.

وامرؤ امرؤن مستعمل بألف الوصل وإنما سقطت في بنون لكثرة استعمالهم إياه.

وشاة إذا سميت بها لم تقل إلا شياة لأنهم قد جمعوه ولم يجمعوه بالتاء.

ولو سميت رجلا بربة فيمن خفف قلت : ربات وربون وعدة عدات وعدون كلدون وشفة في التكسير شفاه ولا يجوز في أمة آمات ولا شفات كذا.

قال سيبويه والقياس يجيزه وقالوا : آم وإماء في أمة وقال بعضهم : أمّة وإموان ولو سميت رجلا ببرة لقلت : برى مبرة كما فعلوا به قبل : وإذا جاء شيء مثل (برة) لم تجمعه العرب ثم قست ألحقت التاء والواو والنون ؛ لأن الأكثر مما فيه هاء التأنيث من الأسماء التي على حرفين

ص: 233

الجمع بالتاء والواو والنون ولم تكسر على الأصل ، وإن سميت رجلا وامرأة بشيء كان وصفا ثم أردت أن تكسره كسرته على تكسيرك إياه لو كان اسما على القياس ، فإن كان اسما قد كسرته العرب لم تجاوز ذلك ، وأما والد وصاحب فجعلوهما كضارب ، وإن تكلم بهما كما يتكلم بالأسماء ، فإن أصلهما الصفة ، وإذا كسرت الصفة على شيء قد كسر عليه نظيرها من الأسماء كسرتها إذا صارت اسما على ذلك كما قالوا في أحمر أحامر والذين قالوا : في حارث حوارث إنما جعلوه اسما ولو كان صفة لكان حارثون ولو سميت رجلا بفعيلة قلت : فعائل ، وإن سميته بشيء قد جمعوه فعلا جمعته كما جمعوه مثل صحيفة وصحف وسفينة وسفن ، وإن سميته بفعيلة صفة لم يجز إلا فعائل ؛ لأنه الأكثر ولو سميته بعجوز قلت : العجز نحو : عمود وعمد وقالوا في أب أبون وفي أخ أخون لا يغير إلا أن تحذف العرب شيئا كما قال :

وفديننا بالأبينا (1) ...

وعثمان : لا يجوز أن تكسره لأنك توجب في تحقيره عثيمين وإنما تحقيره. عثيمان وهذا يبين في التصغير وما يجمع الاسم فيه بالتاء من هذه المنقوصة لمذكر كان أو لمؤنث فرجل تسميه :ببنت وأخت وهنت وذيت تقول في جمعه : بنات وذيّات وهنات وفي أخت أخوات ، وإن سميته : بمساجد ومفاتيح جمعته للمذكر بالواو والنون والمؤنث بالالف والتاء ؛ لأنه جمع لا يكسر وكذلك قالوا : سراويلات حين جاء على هذا المثال ، وإن سميت بجمع يجوز تكسيره كسرته ، وإن سمعت اسما مضافا فهو مثل جمعه مفرد تقول في عبد الله كما تقول : عبدون وأسقطت النون للإضافة ، وإن جمعت أبا زيد قلت : أباء زيد لأنك عرفتهم بالثاني ، وإن جمعت بالواو والنون قلت : أبو زيد تريد : أبون.

ص: 234


1- أجاز المبّرد أبي وأخيّ ، وأنشد : وأبيّ مالك ذو المجاز بدار وصحّة محمله على الجمع في قوله : وفدّيننا بالأبينا تدفع ذلك. يريد أن أبيّ جاء على لفظ الجمع ، ولا قرينة مخلّصة للإفراد فتعارض الاحتمالان ، فحمل على لفظ الجمع وسقط الاحتجاج به في محلّ الخلاف فيكون أصله على هذا أبين ، حذفت النون عند الإضافة ، فأدغمت الياء التي هي ياء الجمع في ياء المتكلّم. فوزن أبي فعي لا فعلي. وعلى هذا حمل ابن جنّي وغيره قراءة من قرأ : " نعبد إلهك وإله أبيك إبراهيم وإسمعيل وإسحق" ؛ ليكون في مقابلة آبائك في القراءة الآخرى. انظر خزانة الأدب 2 / 108.

قال سيبويه : وسألت الخليل عن قولهم الأشعرون فقال : كما قالوا : الأشاعرة والمسامعة حين أراد بني مسمع وكذلك الأعجمون كما قال بعضهم : النميرون وليس كل هذا النحو تلحقه الواو والنون ولكن تقول فيما قالوه يعني بقوله : هذا النحو الجمع الذي جاء على معنى النسبة.

قال سيبويه : وسألت الخليل عن (مقتوى ومقتوين) فقال : هو بمنزلة النسب للأشعرين ، وقال سيبويه : لم يقولوا : (مقتون) جاءوا به على الأصل وليس كل العرب تعرف هذه الكلمة وقوله : جاءوا به على الأصل ؛ لأن الواو حقها إذا تحرك ما قبلها فانفتح أن تقلب ألفا ، فإن صارت ألفا طرحت لالتقاء الساكنين كما قال : مصطفون وقال في تثنية المبهمة ذان وتان واللذان ويجمع اللذون وإنما حذفت الياء (في) من الذي والألف في ذا في. هذا الباب ليفرقا بينها وبين الأسماء المتمكنة غير المبهمة وهذه الأسماء لا تضاف.

ص: 235

ذكر العدد

اشارة

الأسماء التي توقع على عدة المؤنث والمذكر لتبين ما العدد إذا جاوز الاثنين والثنتين إلى أن يبلغ تسع عشرة وتسعة عشر ، فإذا جاوز الاثنين فيما واحدة مذكر ، فإن أسماء العدد مؤنثة فيها الهاء ، وذلك ثلاثة بنين وأربعة أجمال ، فإن كان واحده مؤنثا أخرجت الهاء ، وذلك قولك :ثلاث بنات وأربع نسوة فإذا جاوز المذكر العشرة فزاد عليها واحدا قلت : أحد عشر ، وإن جاوز المؤنث العشرة فزاد عليها واحدا قلت : إحدى عشرة في لغة بني تميم وبلغة أهل الحجاز :إحدى عشرة ، وإن زاد المذكر واحدا على أحد عشر قلت : اثنا عشر ، وإن له اثني عشر حذفت النون ؛ لأن عشر بمنزلة النون والحرف الذي قبل النون حرف إعراب ، وإذا زاد المؤنث واحدا على إحدى عشرة قلت ثنتا عشرة ، وإن له ثنتي عشرة واثنتي عشرة وبلغة أهل الحجاز عشرة فإذا جاوزت ذلك قلت : ثلاثة عشر وأذا زاد على ثنتي عشرة واحدا قلت : ثلاث عشرة وحكم أربعة عشر وما يليها من العدد إلى العشرين من حكم ثلاثة عشر.

ص: 236

باب ما اشتق له من العدد اسم به تمامه وهو مضاف إليه

وذلك قولهم : خامس خمسة وثاني اثنين وثالث ثلاثة إلى قولك : عاشر عشرة فقولك : ثاني وثالث مشتق من اثنين وثلاثة وبالثالث كمل العدد فصار ثلاثة وقد أضفته إلى العدد وهو (ثلاثة) فمعناه : أحد ثلاثة وأحد أربعة وتقول للمؤنث : خامسة فتدخلها الهاء كما تدخل في (ضاربة) لأنك قد بنيته بناء اسم الفاعل فإذا أضفت قلت : ثالثة ثلاث ورابعة أربع وتقول :هذا خامس أربعة تريد : هذا الذي خمس الأربعة وتقوله في المؤنث : هذا خامسة أربع وكذلك جميع هذا من الثلاثة إلى العشرة فإذا أردت أن تقول في أحد عشر كما قلت : في (خامس) قلت :حادي عشر وثاني عشر وثالث عشر إلى أن تبلغ إلى تسعة عشر ويجري مجرى خمسة عشر في فتح الأول والآخر.

وفي المؤنث : حادية عشرة كذلك إلى أن تبلغ تسعة عشر.

ومن قال خامس خمسة قال : خامس خمسة عشر وحادي أحد عشر. (فحادي وخامس) هاهنا يجرّ ويرفع ولا يبنى وبعضهم يقول : ثالث عشر ثلاثة عشر ونحوه وهو القياس وليس قولهم : ثالث ثلاثة عشر في الكثرة كثالث ثلاثة لأنهم قد يكتفون بثالث عشر وتقول : هذا حادي أحد عشر إذا كنّ عشر نسوة فيهن رجل ومثل ذلك : خامس خمسة إذا كن أربع نسوة فيهن رجل كأنك قلت : هو تمام خمسة والعرب تغلب التذكير إذا اختلط بالمؤنث وتقول : هو خامس أربعة إذا أردت به أن صير أربع نسوة خمسة ولا تكاد العرب تكلم به وعلى هذا تقول :رابع ثلاثة عشر كما قلت : خامس أربعة فأما بضعة عشر فبمنزلة تسعة عشر في كل شيء وبضع عشرة كتسع عشرة في كل شيء.

ص: 237

باب العدد المؤنث المواقع على معدود مؤنث

تقول : ثلاث شياه ذكور وله ثلاث من الشّاء والإبل والغنم فأجريت ذلك على الأصل ؛ لأن أصله التأنيث.

وقال الخليل : قولك : هذا شاة بمنزلة قولك : هذا رحمة. أي هذا شيء رحمة وتقول : له ثلاث من البط لأنك تصيره إلى بطة وتقول له ثلاثة ذكور من الغنم لأنك لم تجيء بشيء من التأنيث إلا بعد أن أضفت إلى المذكر ثم جئت بالتفسير فقلت : من الإبل ومن الغنم لا تذهب الهاء كما أن قولك : ذكور بعد قولك : من الإبل لا تثبت الهاء.

وتقول : ثلاثة أشخص ، وإن عنيت نساء ؛ لأن الشخص اسم مذكر وكذلك : ثلاث أعين ، وإن كانوا رجالا ؛ لأن العين مؤنثة تريد الرجل الذي هو عين القوم وثلاثة أنفس ؛ لأن النفس عندهم : إنسان وثلاثة نسابات وهو قبيح ؛ لأن النسابة صفة فأقمت الصفة مقام الموصوف فكأنه لفظ بمذكر ثم وصفه فلم يجعل الصفة تقوى قوة الاسم.

وتقول : ثلاثة دواب إذا أردت المذكر ؛ لأن أصل الدابة عندهم صفة فأجروها على الأصل ، وإن كان لا يتكلم بها كأسماء.

وتقول : ثلاث أفراس إذا أردت المذكر ؛ لأنه قد ألزم التأنيث وتقول : سار خمس عشرة من بين يوم وليلة لأنك ألقيت الاسم على الليالي فكأنك قلت : خمس عشرة ليلة ، وقولك : من بين يوم وليلة توكد بعد ما وقع على الليالي ؛ لأنه قد علم : أن الأيام داخلة مع الليالي وتقول :أعطاه خمسة عشر من بين عبد وجارية لا غير لاختلاطها.

قال سيبويه : وقد يجوز في القياس : خمسة عشر من بين يوم وليلة وليس بحدّ في كلام العرب وتقول : ثلاث ذود ؛ لأن الذود أنثى وليس باسم كسر عليه فأما ثلاثة أشياء فقالوها لأنهم جعلوا أشياء بمنزلة أفعال لو كسروا عليه (فعل) ومثل ذلك : ثلاثة رجلة ؛ لأنه صار بدلا من أرجال وزعم الخليل : أن أشياء مقلوبة كقسى وزعم يونس عن رؤبة : أنه قال : ثلاث أنفس على تأنيث النفس كما قلت : ثلاث أعين.

ص: 238

واعلم أن الصفة في هذا الباب لا تجري مجرى الاسم ولا يحسن أن تضيف إليها الأسماء التي تعدد تقول : هؤلاء ثلاثة قرشيون وثلاثة مسلمون كراهية أن يجعل الاسم كالصفة إلا أن يضطر شاعر.

ص: 239

ذكر جمع التكسير

اشارة

هذا الجمع يسمى : مكسرا ؛ لأن بناء الواحد فيه قد غير عما كان عليه فكأنه قد كسر ؛ لأن كسر كل شيء تغييره عما كان عليه والتكسير يلحق الثلاثي من الأسماء والرباعي ولا يكادون يكسرون اسما خماسيا لا زائد فيه فمتى كسروه حذفوا منه وردوه إلى الأربعة ويكسرون ما يبلغ بالزيادة أربعة أحرف فأكثر من ذلك ؛ لأنه يسوغ لهم حذف الزائد منه.

والذي يحذف على ضربين : ضرب يحذف ويعرض من الحذف الياء تعويضا لازما وضرب التعويض فيه وتركه جائزان وسنذكر كل واحد من ذلك في موضعه إن شاء الله.

وأبنية هذه الجموع تجيء أيضا على ثلاثة أضرب : ضرب يكون اسما للجمع ومنها ما بني للأقل من العدد وهي العشرة فما دونها ومنها ما هي للأكثر والكثير ما جاوز العشرة ويتسعون فيها فمنها ما يستعمل في غير بابه ومنها ما يقتصر به على بناء القليل عن الكثير والكثير منها ما يستغنى فيه بالقليل عن الكثير فالذي يستغنى فيه بناء الأقل عن الأكثر فتجده كثيرا والإستغناء بالكثير عن القليل نحو : ثلاثة شسوع وثلاثة قروء ، وإذا أردت أن تعرف ما يكون اسما للجمع فهو الذي ليس له باب يكسر فيه وتطرد الأسماء المجموعة المكسرة على ضربين :أحدهما عدته ثلاثة أحرف والآخر عدته أربعة أحرف والثلاثة على ضربين أحدهما مذكر لا هاء فيه أو على لفظ المذكر والآخر فيه هاء التأنيث وكذلك ما كان على أربعة أحرف ونبدأ بالاسم الثلاثي الذي لا زائد فيه وهو يجيء على عشرة أبنية : فعل فعل فعل فعل فعل فعل فعل فعل فعل.

وأبنية الجموع على ثلاثة عشر بناء : فعل فعل فعلة فعلة أفعل فعيل فعال فعول فعالة فعولة فعلان فعلان أفعال فأفعل وإفعال بناءان للقليل وفعال وفعول أخوان وهما للكثير وفعالة وفعولة ومؤنثاهما يجريان مجراهما والثلاثي يجيء أكثره على بناء هذه الأربعة وفعول وفعال أخوان وليست أفعل وإفعال أخوين ؛ لأن ما يجيء على فعال يجيء فيه بعينه كثيرا فعول وفعلان وفعلان ايضا للكثير وما لم يخص القليل ولا الكثير فيهما فهو اسم للجمع وأسماء

ص: 240

الجمع منها : فعل وفعل إلا أن يكون مقصورا من فعول وفعلة وفعلة إن لم تكن مقصورة من فعلة وفعيل.

الأول من أبنية الجموع : فعل

فعل كسروا (فعل) على (فعل) وهو قليل قالوا : أسد وأسد وقد جاء في (فعل فعل) وهو قولهم : الفلك للواحد وللجمع الفلك وهو اسم للجميع لا يقاس عليه وقالوا : أركن وركن وبعض العرب يقول : نصف ونصف وقد جاء في (فعل) رهن ورهن ففعل : اسم للجميع ولمتأول أن يتأول أنّ (فعل) مخفف (فعل ، وإن (فعل) مقصور من (فعول) وكيف كان الأمر فهو بمنزلة اسم للجمع لا يقاس عليه وقالوا فيما أعلت عينه : دار ودور وساق وسوق وناب ونيب فهذا في الكثير.

الثاني : فعل

قالو : أسد وأسد فهذا مما يدل على أن (فعل) في ذلك الباب مخفف من (فعل) وكسروا (فعل) عليه قالوا : نمر ونمر قال الراجز :

فيها عياييل أسود ونمر

وهو عندي مقصور عن فعول حذفت الواو وبقيت الضمة والذين قالوا : أسد وفلك ينبغي أن يكون خففوا (فعل) والقياس يوجب أن يكون لفظ الجمع أثقل من لفظ الواحد.

الثالث : فعلة

جمعوا (فعل) عليه قالوا : رجل وثلاثة رجلة استغنوا بها عن أرجال.

الرابع : فعلة

كسروا عليه ثلاثة أبنية : فعل وفعل وفعل ، وذلك قولهم : فقع وفقعة وجب وجبأة وهو اسم جمع وقالوا في المعتل : عود وعودة وزوج وزوجة وثور وثورة وبعض يقول : ثيرة فأما فعل فنحو : حسل وحسلة وقرد وقردة للقليل والكثير وقالوا : فيما اعتلت عينه : ديك وديكة وكيس وكيسة وفيل وفيلة.

ص: 241

وأما فعل فنحو : حجر وحجرة وخرج وخرجة وكرز وكرزة وهو كثير ومضاعفه حب وحببة.

الخامس : فعيل

جاء فعل على فعيل قالوا : كلب كليب وهو اسم للجمع لا يقاس عليه وعبد وعبيد وجاء فيه فعل قالوا : ضرس وضريس.

السادس : أفعل

وهو يجيء جمعا لخمسة أبنية : فعل فعل فعل فعل فعل فأما فعل فنحو : كلب وأكلب وفلس وأفلس وأفعل في الثلاثي إنما يكون لأقل العدد وأقل العدد العشرة فما دونها والمضاعف يجري هذا المجرى ، وذلك ضبّ وأضّب وبنات الياء والواو بهذه المنزلة تقول : ظبي وأظبّ ودلو وأدل كان الأصل : أظبو وأدلو ولكن الواو لا تكون لاما في الأسماء وقبلها متحرك فقلبوها ياء وكسروا ما قبلها.

وجاء في المعتل العين : ثوب وأثوب وقوس وأقوس ، وذلك قليل.

وقالوا : أير وآير وقد جاء أفعل في الكثير أيضا جمع فعل قالوا : أكفّ.

الثاني : فعل نحو : زمن وأزمن وقالوا في المعتل : عصا وأعصّ بدل من أعصاء.

الثالث : فعل نحو : ضلع وأضلع.

الرابع : فعل نحو : ذئب وأذؤب وقطع وأقطع وجرو وأجرّ ورجل وأرجل إلا أنهم لا يجاوزون أفعل في القليل والكثير.

الخامس : فعل : ركن وأركن وجاء في (فعل) مما اعتلت عينه : دار وأدور وساق وأسوق ونار وأنور وقال يونس : وما جاء مؤنثا ومن (فعل) من هذا الباب فإنه يكسر على أفعل.

وقال سيبويه : لو كان هذا صحّ للتأنيث لما قالوا : رحا وأرحاء وقفا وأقفاء في قول من أنث القفا وقال : في جمع قدم أقدام وأفعل إنما هو مستعار في فعل وإنما حقه أفعال في القليل ولكنهم قد يدخلون بعض هذه الجموع على بعض ؛ لأن جمعها إنما هو جمع اسم ثلاثي.

ص: 242

السابع من أبنية الجموع : فعال

وهو جمع خمسة أبنية : فعل فعل فعل فعل فعل : فأما فعل فهو كلب وكلاب وربما كان في الحرف الواحد لغتان قالوا : فرخ وفروخ وفراخ ؛ لأن فعولا أخت فعال والمضاعف يجري هذا المجرى قالوا : ضبّ وضباب وصكّ وصكاك والمعتل مثله وقالوا : ظبي وظباء ودلو ودلاء وقالوا فيما اعتلت عينه سوط وسياط ولم يستعملوا (فعولا) حينما اعتلت عينه من ذوات الواو وقد يجيء خمسة كلاب يراد به خمسة من الكلاب أي من هذا الجنس وكان القياس خمسة أكلب ؛ لأن (أفعل) للقليل وفعالا للكثير ، وأما فعل فيجمع في الكثير على فعال أيضا نحو :جمل وجمال وهو أكثر من فعول ، وأما فعل فنحو رجل ورجال وسبع وسباع ، وأما فعل فنحو :بئر وبئار وذئب وذئاب ومضاعفه : زقّ وزقاق والمعتل نحو : ريح ورياح ، وأما فعل فنحو :جمد وجماد وقرط وقراط ومضاعفه خصّ وخصاص وعشّ وعشاش والمضاعف فيه كثير.

الثامن من الجموع : فعول

وقد جاء جمعا لستة أبنية : فعل وفعل وفعل وفعل وفعل فعل فأما فعل فإذا جاوز العشرة فإنه قد يجيء على (فعول) قال : نسر ونسور وبطن وبطون والمضاعف مثله : صكّ وصكوك وبتّ وبتوب وبنات الياء والواو مثله قالوا : ثدي وثدي ودلو ودلي فهو فعول ، وذلك يبين في التصريف وفوج وفؤوج وبحر وبحور وبيت وبيوت ابتزت فعول الياء كما ابتزت فعال الواو فأما (فعل) فيجمع في الكثير على فعول نحو أسد وأسود وذكر وذكور وهو أقل من فعال والمضاعف فيه قياسه فعول فالذي جاء على أفعال نحو : لبب وألباب والمعتل : نحو قفا وقفيّ وقفيّ وعصا وعصيّ وعصيّ وإنما كسرت الفاء من أجل الياء والكسرة والمعتل العين نحو :ناب ونيوب وقال بعضهم في ساق سؤوق فهمزوا ، وأما فعل فنحو : نمر ونمور ووعل ووعول ، وأما فعل فنحو : ضلع وضلوع وإرم وأروم ، وأما فعل : فنحو : حمل وحمول وعرق وعروق وشسع وشسوع استغنوا فيها عن بناء أدنى العدد والمضاعف : لصّ ولصوص والمعتل فيل وفيول وديك وديوك ، وأما فعل فنحو : برج وبروج وخرج وخروج.

ص: 243

التاسع من أبنية الجموع : فعالة

جاء في فعل فعولة وفعالة وزعم الخليل : إنما أرادوا أن يحققوا التأنيث نحو الفحالة يعني تأنيث الجمع وجاء في فعل جمل وجمالة وحجر وحجارة وقالوا أحجار.

العاشر من أبنية الجموع : فعولة

جاء في فعل فعولة نحو : بعل وبعولة وعمّ وعمومة وجاء فيما اعتلت عينه : عير وعيور وخيط وخيوط.

الحادي عشر : فعلان

وهو لأربعة أبنية : فعل وفعل وفعل وفعل فأما فعل فنحو : خرب وخربان وبرق وبرقان في الكثير وفي المعتل جار وجيران وقاع وقيعان وقل فيه فعال وألزموه فعلان وقد يستغنى فيه بأفعال نحو : مال وأموال.

وأما فعل : نحو : جحل وجحلان ورأل ورئلان وفيما اعتلت عينه نحو : ثور وثيران وقوز وقيزان وهو قطعة من الرمل.

وأما فعل : نحو : رئد ورئدان وهو فرخ الشجرة وصنو وصنوان وقنو وقنوان ، وأما فعل :فنحو : خشّ وخشّان وقالوا : خشّان لأن فعلان وفعلان : أختان وجاء في المعتل من بنات الواو التي هي عين فعلان انفردت به فعلان نحو : عود وعيدان وغول وغيلان وكوز وكيزان وحوت وحيتان ونون ونينان.

الثاني عشر : فعلان

وهو لأربعة أبنية : فعل وفعل وفعل وفعل : جاء في الكثير جمعا لفعل نحو : جمل وجملان وسلق وسلقان وجاء فعل على فعلان نحو : ثغب وثغبان وبطن وبطنان وظهر وظهران وجاء في فعل نحو : ذئب وذئبان وفي مضاعفة زقّ وزقان وجاء في (فعل) في المضاعف نحو : خشّ وخشّان جميعا.

ص: 244

الثالث عشر : أفعال جاءت جمعا لعشرة أبنية

فعل. فعل. فعل. فعل. فعل. فعل. فعل. فعل. فعل.

فأما فعل : فنحو : جمل وأجمال وجبل وأجبال وأسد وآساد وهذا لأدنى العدد وفي المعتل : قاع وأقواع وجار وأجوار ويستغني به عن الكثير في : مال وأموال وباع وأبواع ، وأما فعل فقد جاء جمعه : أفعال وليس ببابه فقالوا : زند وأزناد وقال الأعشى :

وزندك أثقب أزنادها ...

وقالوا في المضاعف : جدّ وأجداد وفيما اعتلت عينه لأدنى العدد : سوط وأسواط وقد يقتصرون عليها للقليل والكثير نحو : لوح وألواح ونوع وأنواع وبيت وأبيات للقليل.

ومما جاء أفعال لأكثر العدد ، وذلك نحو : قتب وأقتاب وارسان وقد جاء في فعل للكثير قالوا : أرآد ومضاعف (فعل) أفعال لم يجاوزوه في القليل والكثير نحو : لبب وألباب ومدد وأمداد وفنن وأفنان كما لم يجاوزوا الأقدام والأرسان والمعتل اللام من فعل نحو : صفا وأصفاء وصفيّ وقفا وأقفاء وقالوا : أرحاء في القليل والكثير.

قال أبو بكر : ومن ذكرى قتب إلى هذا الموضع فهو في الصنف الأول في باب فعل ، وأما فعل فنحو : كبد وأكباد وفخذ وأفخاذ ونمر وأنمار وقلما يجاوز بفعل هذا الجمع.

فأما فعل فنحو : ضلع وأضلاع وإرم وأرماء ، وأما فعل : فنحو : عضد وأعضاد وعجز وأعجاز اقتصروا على أفعال في (عضد) ، وأما فعل فنحو : عنق وأعناق وطنب وأطناب مقتصر عليه في جمع (طنب) ، وأما فعل فنحو : ربع وأرباع ورطب وأرطاب ، وأما فعل فنحو :إبل وآبال ، وأما فعل فنحو : حمل وأحمال وجذع وأجذاع ومما استعمل فيه للقليل والكثير :خمس وأخماس وشبر وأشبار وطمر وأطمار والمعتل نحو : نحي وأنحاء وفيما أعتلت عينه : فيل وأفيال وجيد وأجياد وميل وأميال في القليل وقد يقتصر فيه على أفعال.

قال سيبويه : وقد يجوز أن يكون أصل (فيل) وما أشبهه (فعلا) كسر من أجل الياء كما قالوا : أبيض وبيض قال أبو الحسن الأخفش : هذا لا يكون في الواحد إنما للجميع.

ص: 245

وإنما اقتصارهم على أفعال كقولهم : أميال وأنياب وقالوا : ريح وأرواح فأما فعل : فجند وأجناد وبرد وأبراد في القليل وربما استغنوا به في الكثير نحو : ركن وأركان وجزء وأجزاء وشفر وأشفار ومضاعفه حبّ وأحباب والمعتل : مدي وأمداد لا يجاوز به وفيما اعتلت عينه عود وأعواد وغول وأغوال وحوت وأحوات وكوز وأكواز في القليل.

ص: 246

باب جمع الثلاثي الذي فيه هاء التأنيث في الجمع

فعل فعل فعل فعول فعول فعال فعلان فعلان فعلات فعلات فعلاء أفعل وإنما يقع فعل في الباب الثاني وهو ما الفرق بين جمعه وواحده الهاء فقط. هذه أبنية الجمع فيه.

فأما أبنية الأسماء المجموعة فستة : فعلة وفعلة وفعلة وفعلة وفعلة وفعلة.

الأول : فعلة : جمعها بالتاء في أدنى العدد وتفتح العين فتقول : فعلات نحو : جفنة وجفنات فإذا جاوزت أدنى العدد صار على فعال مثل : قصاع وقد جاء على فعول وهو قليل مثل : مأنة ومؤون والمأنة أسفل البطن وقد يجمعون بالتاء وهم يريدون الكثير وبنات الياء والواو بهذه المنزلة وكذلك المضاعف فالمعتل نحو : ركوة وركاء وقشوة وقشاء وركوات وقشوات وظبية وظبيات والمضاعف نحو : سلّة وسلات فأما ما اعتلت عينه فإذا أردت أدنى العدد ألحقت التاء ولم تحرك العين ، وذلك نحو : عيبة وعيبات وعيات وضيعة وضيعات وضياع وروضة وروضات ورياض وقد قالوا : نوبة ونوب ودولة ودول وجوبة وجوب ومثلها قرية وقرى ونزوة ونزى وفعلة من بنات الياء على (فعل) نحو : خيمة وخيم.

الثاني : فعلة : وهو بمنزلة فعلة ، وإن جاء شيء من بنات الواو والياء والمضاعف أجري مجرى الضرب وهو عزيز ، وذلك قولك : رحبة ورحبات ورقبة ورقبات ورقاب ولم يذكر سيبويه مثالا لما اعتلت لامه فأما ما اعتلت عينه فيكسر على (فعال) قالوا : ناقة ونياق وقد كسر على (فعل) قالوا : قامة وقيم وتارة وتير.

قال الراجز :

يقوم تارات ويمشي تيرا (1) ...

ص: 247


1- تقول : بينا نستخدم الناس وندبر أمورهم ، وطاعتنا واجبة عليهم ، وأحكامنا نافذة ، تقلبت الأمور ، واتضعت الأحوال ، وصرنا سوقة تخدم الناس. - ونسوس من ساس زيد الأمر يسوسه سياسة : دبره وقام بأمره. والسياسة لفظة عربية خالصة ، زعم بعضهم أنها معرب سه يسا ، وهي لفظة مركبة من كلمتين ، أولاهما أعجمية ، والأخرى تركية. فسه بالفارسية ثلاثة ، ويسا بالمغلية الترتيب ، فكأنه قال : التراتيب الثلاثة. انظر خزانة الأدب 2 / 464.

فكأنّ (فعل) في هذا الباب مقصورة من فعال.

الثالث : فعلة : تجمع على فعلات نحو : ركبة وركبات وغرفة وغرفات فإذا أردت الكثير كسرته على (فعل) قلت : ركب وغرف وقد جاء نقرة ونقار وبرمة وبرام ومن العرب من يفتح العين فيقول : ركبات وغرفات وبنات الواو بهذه المنزلة نحو : خطوة وخطوات وخطى ومن العرب من يسكن فيقول : خطوات وبناء الياء نحو : كلية وكلى ومدية ومدى اجتزأوا ببناء الأكثر ومن خفف قال : كليات ومديات والمضاعف يكسر على (فعل) مثل ركبة وركب وقالوا : سرّات وسرر ولا يحركون العين لأنها كانت مدغمة والفعال في المضاعفة كثير نحو :جلال وقباب والمعتل العين نحو : دولة ودولات ودول.

الرابع : فعلة : نحو ما في القليل بالألف والتاء وتكسر العين نحو : سدرة وسدرات وكسرة وكسرات.

ومن العرب من يفتح العين فيقول : سدرات وكسرات ، فإن أردت الكثير قلت : سدر.

ومن قال : غرفات فخفف قال : سدرات وقد يريدون الأقل فيقولون : كسر وفقر في القليل لقلة استعمالهم التاء في هذا الباب.

والمعتل اللام فيه نحو : لحية ولحى وفرية وفرى ورشوة ورشا. اجتزأوا بهذا عن التاء ومن قال : كسرات. قال : لحيات.

والمضاعف : قدّة وقدّات وقدة وربّة وربّات وربب وقد جاء (فعلة) على (أفعل) قالوا :نعمة وأنعم وشدّة وأشد ولم تجمع : رشوة بالتاء ولكن من أسكن قال : رشوات ؛ لأن الواو لا تعتل في الإسكان هنا : والمعتل العين : قيمة وقيمات وريبة وقيم وريب.

ص: 248

الخامس : فعلة : نحو : نعّمة ونعّم ومعدة ومعد ، وذلك أن تجمع بالتاء ولا تغير.

السادس : فعلة : نحو : تخمة وتخم وتهمة وتهم وليس هذا كرطبة ورطب ألا ترى أن الرطب مذكر كالبرّ وهذا مؤنث كالظّلم والغرف.

ص: 249

باب ما يكون من بنات الثلاثة واحدا يقع على الجميع

ويكون واحد على بنائه من لفظه إلا أنه مؤنث تلحقه الهاء للفصل وهذا الباب حقه أن يكون لأجناس المخلوقات وهي تجيء على تسعة أبنية :

الأول : فعلة : نحو : طلحة وطلح وتمرة وتمر ونخلة ونخل وصخرة وصخر ، وإذا أردت القليل جمعت بالتاء وربما جاءت الفعلة على فعال نحو : سخلة وسخال وبهمة وبهاما وهم شبهوها بالقصاع.

وقال بعضهم : صخرة وصخور وبنات الياء والواو نحو : مروة ومرو وسروة وسرو.

وقالوا : صعوة وصعاء وشرية وشري.

والمضاعف نحو : حبّة وحبّ.

والمعتل العين نحو : جوزة وجوز وبيضة وبيض وبيضات وقد قالوا : روضة ورياض.

الثاني : فعلة : وهي مثل فعلة قالوا : بقرة وبقر وبقرات وقالوا : أكمة وإكام وبنات الياء والواو نحو : حصى وحصاة وقطاة وقطا وقطوات وقال : أضاة وأضى وإضاء مثل إكام وأكم وقالوا : حلق وفلك ثم قالوا : حلقة وفلكة فخففوا في الواحد حيث ألحقوه الزيادة وغيروا المعنى هذا لفظ سيبويه قال : وزعم يونس عن أبي عمرو أنهم يقولون : حلقة.

والمعتل العين هام وهامة وهامات وراح وراحة وراحات وساعة وساع وساعات.

الثالث : فعلة : نحو : نبقة ونبقات ونبق فلم يجاوزوا هذا.

الرابع : فعلة : نحو : عنبة وعنب وإبرة وإبرات وهو فسيل المقل.

الخامس : فعلة : نحو : سمرة وسمر وسمرات.

السادس : فعلة : نحو بسرة وبسر.

السابع : فعلة : نحو عشر وعشرة ورطب ورطبة ورطبات ويقول ناس للرطب أرطاب مثل : عنب وأعناب وهذا عندي إنما يجوز إذا اختلفت أنواعه ونظيره من الياء مهاة ومهي وهو ماء الفحل في رحم الناقة.

ص: 250

الثامن : فعلة : نحو : سلقة وسلق وسلقات. وقد قالوا : سدرة وسدر وقالوا : لقحة ولقاح وفي المضاعف حقّة وحقاق وقالوا : حقق قال المسيب بن علس :

قد نالني منهم على عدم

مثل الفسيل صغارها الحقق

والمعتل العين نحو : تينة وتين وتينات وطين وطينة وطينات ، قال سيبويه : وقد يجوز أن يكون هذا (فعلا).

التاسع : فعلة : نحو : دخنة ودخن ودخنان ومن المضاعف : درّة ودرّ ودرّات وقالوا : درر كما قالوا : ظلم ومن المعتل العين : تومة وتوم وتومات وصوفة وصوفات وصوف.

ص: 251

باب ما جاء لفظ واحدة وجمعه سواء

وقالوا : حلفاء للجميع وحلفاء واحدة وطرفاء مثله وهذا عندي : إنما يستعمل فيهما ليحقر الواحد منه.

قال أبو العباس : حدثني أبو عثمان المازني عن الأصمعي قال : واحد الطرفاء طرفة وواحد القصباء قصبة وواحد الحلفاء حلفة تكسر اللام مخالفة لأختيها.

باب ما كان على حرفين وليس فيه علامة التأنيث

اعلم أن ما كان أصله (فعلا) كسر على (أفعل) نحو : يد وأيد وفي الكثير على (فعال) و (فعول) وذلك : دماء مدمي ، فإن كان (فعل) كسر في القليل على (أفعال) ، وذلك أب وآباء.

وزعم يونس أنه يقول : أخ وآخاء. وقال إخوان.

وبنات الحرفين تكسر على قياس نظائرها التي لم تحذف.

وأما ما كان من بنات الحرفين وفيه الهاء للتأنيث فإنهم يجمعونها بالتاء وبالواو والنون ، كأنه عوض فإذا جمعت بالتاء لم تغير وذلك : هنة وهنات وشية وشيات وفئة وفئات وثبة وثبات وقلة وقلّات وربما ردوها إلى الأصل إذا جمعوها بالتاء فقالوا : سنوات وعضوات فإذا جمعوا بالواو والنون كسروا الحرف الأول ، وذلك نحو : سنون وقلون وثبون ومئون فرقوا بين هذا وبين ما الواو له في الأصل نحو قوله : هنون ومنون وبنون وبعضهم يقول : قلون فلا يغير ، وأما هنة ومنة فلا يجمعان إلا بالتاء لأنهما قد ذكرا.

وقد يجمعون الشيء بالتاء فقط استغناء ، وذلك نحو قولهم : ظبة وظبات وشيّة وشيات والتاء تدخل على ما دخلت فيه الواو والنون ؛ لأن الاصل لها فقد يكسرون هذا النحو على بناء يرد ما ذهب من الحرف.

وذلك قولهم : شفة وشفاة وشاة وشياه واستغنوا عن التاء حيث عنوا بها أدنى العدد وتركوا الواو حيث ردوا ما يحذف منه وقالوا : أمة وآم وإماء وهي (فعلة) لأنهم كسروا (فعلة) على (أفعل) ولم نرهم كسروا (فعلة) على (أفعل) وقالوا : برة وبرات وبرون وبرى ولغة ولغى

ص: 252

وقد يستغنون بالشيء عن الشيء وقد يستعملون فيه جمع ما يكون في بابه وقالت العرب : أرض وأرضات وأرضون فجمعوا بالواو والنون عوضا من حذفهم الألف والتاء وتركوا الفتحة على حالها وزعم يونس أنهم يقولون : حرّة وحرّون وقالوا : إوزّة وإوزون وزعم يونس أيضا أنهم يقولون : حرّة وإحرون يعنون الحرار كأنه جمع إحرّة ولكن لا يتكلم بها.

وقد يجمعون المؤنث الذي ليست فيه هاء التأنيث بالتاء ، وذلك قولهم : عرسات وأرضات وقالوا : سماوات استغنوا بالتاء عن التكسير وقالوا : أهلات فشبهوها بصعبات وقالوا : أهلات وقالوا : إموان جماعة أمة.

ص: 253

باب تكسير ما عدة حروفه بالزيادة أربعة أحرف للجمع

الأسماء المكسرة في هذا الباب ستة : فعال وفعال وفعال وفعيل وفعول وفاعل.

فالأول : فعال : جاء في القليل على (أفعلة) نحو : حمار وأحمرة والكثير (فعل) نحو : حمر ولك أن تخفف في لغة بني تميم فتقول : حمر وربما عنوا ببناء أكثر العدد أدناه ، وذلك قولهم :ثلاثة جدر وثلاثة كتب.

والمضاعف لا يجاوز به أدنى العدد ، وإن عنوا الكثير وذلك : جلال وأجلة وعتان وأعنّة وكنان وأكنة وكذلك المعتل نحو : رشاء وأرشية وسقاء وأسقية.

وما أعتلت عينه فيكسر على (أفعلة) نحو : خوان وأخونة ورواق وأروقة ، فإن أردت الكثير جاء على (فعل) ، وذلك نحو : خون وروق بون.

وذوات الياء عيان وعين والعيان : حديدة تكون في متاع الفدان فثقلوا ؛ لأن الياء أخفّ من الواو كما قالوا : بيوض وبيض وزعم يونس : أن من العرب من يقول : صيود وصيد.

والثاني : فعال : يجيء على (أفعلة) في القليل نحو : زمان وأزمنة وقذال وأقذلة والكثير (فعل) نحو : قذل وقد يقتصرون على أدنى العدد فيه.

وبنات الواو والياء على (أفعلة) نحو : سماء وأسمية. وكرهوا بناء الأكثر.

الثالث : فعال : يجيء على (أفعلة) في القليل : غراب وأغربة والكثير (فعلان) نحو : غربان وغلمان ولم يقولوا : أغلمة استغنوا بغلمة والمضاعف ذباب وأذبة في القليل وذبّان في الكثير وقالوا في المعتل في أدنى العدد أحورة والذين يقولون : حوار يقولون : حيران.

وأما سوار وسور فوافق الذين يقولون : سوار للذين يقولون : سوار كما اتفقوا في الحوار وقال قوم : حوران وربما اقتصروا على بناء أدنى العدد فيه كما فعلوا ذلك في غيره وقالوا : فؤاد وأفئدة وقالوا : قراد وقرد وذباب وذب.

الرابع : فعيل : يجمع في القليل على (أفعلة) والكثير فعل وفعلان مثل : رغيف وأرغفة ورغف ورغفان وربما كسروه على (أفعلاء) نحو : أنصباء.

ص: 254

وقد قال بعضهم فيه (فعلان) قال : فصيل وفصلان والمعتل نحو : قريّ وأقرية وقريان ولم يقولوا في صبيّ وأصبية استغنوا بصبية وقالوا : في المضاعف : حزيز وأحزة وحزّان وقال بعضهم : حزّان وقالوا : سرير وأسرة وسرر وقالوا : فصيل وفصال حيث قالوا : فصيلة وتوهموه الصفة فشبهوه بظريفة وظراف حيث أنثوا وكان هو المنفصل من أب وقد قالوا : أفيل وأفائل وهو حاشية الإبل. وقالوا : إفال شبهوها بفصال حيث قالوا : في الواحد أفيلة فأشبه الصفة.

الخامس : فعول : ويذكر في باب المؤنث.

السادس : فاعل وفاعل : يكسران على فواعل ويكسرون الفاعل أيضا على (فعلان) نحو :حاجر وحجزان وعلى فعلان في المعتل نحو : حائط وحيطان وكان أصله : صفة فأجري مجرى الأسماء فيجيء على (فعلان) نحو : راكب وركبان وفارس وفرسان.

وقد جاء على فعال نحو : صحاب ولا يكون فيه فواعل ؛ لأن أصله صفة وله مؤنث فيفصلون بينهما إلا في فوارس.

ص: 255

باب المؤنث

والأبنية المجموعة فيه أحد عشر بناء : فعال وفعال وفعال وفعيل وفعول وفعل وفعل وفعيلة وفعالة وفعالة وفعالة.

اعلم أنّ ما كان من هذه الأسماء التي تجيء بالزيادة على أربعة أحرف وهي مؤنثة فجمعها في القليل على (أفعل).

فأمّا فعال : فمثل : عناق وأعنق وفي الكثير على (فعول) مثل عنوق.

وأمّا فعال : فنحو : ذراع وأذرع ولا يجاوزونها هذا ومن أنث اللسان قال : ألسن ومن ذكر قال : ألسنة.

وقد جاء في شمال : شمائل كسرت على الزيادة. وقالوا : أشمل.

وأما فعال : فنحو : عقاب وأعقب. وقالوا : عقبان.

وأما فعيل : فيمين وأيمن لأنّها مؤنثة وقالوا : أيمان.

وأما فعول : فنحو : قدوم وقدم وهو بمنزلة فعيل في القليل في المذكر ، فإن أردت الكثير كسرته على فعلان نحو : خرفان وقالوا : عمود وعمد وزبور وزبر وقد كسروا أشياء منها من بنات الواو على (أفعال) قالوا : فلوّ وأفلاء وعدو وعدوّ وصف ولكنّه ضارع الأسماء.

وأما فعلى ، فإن كانت : فعلى أفعل (فتكسيرها) على (فعل) نحو : الصّغرى والصّغر ومثله من ذوات الياء والواو : الدّنيا والدّنى والقصوى والقصى ، وإن شئت جمعتهنّ بالتاء فقلت :الصّغريات والكبريات كما يجمع المذكر بالواو والنون نحو : الأصغرون.

فعلى وفعلى إذا كسرته حذفت الزيادة التي هي للتأنيث ثم تبنى على (فعالى) وتبدل الياء من الألف نحو : حبالى وذفارى ولم ينونوا ذفرى.

و (فعلى وفعلى) في هذا الباب سواء وقالوا في ذفرى : ذفار قال : فقولهم : ذفار يدلّك أنّهم جمعوا هذا الباب على (فعال) ثمّ قلبوا الياء ألفا وجاء على الأصل والفرق بين حبلى والصّغرى أنّ الصّغرى فعلى أفعل مثل الأصفر ولا تفارقها الألف واللام وحبلى ليست كذلك فأشبهت

ص: 256

ذفرى ، وأما فعلى فهو مثل حبلى إذا كسرته حذفت الزيادة التي هي للتأنيث ثمّ بنيته على (فعالى) وأبدلت من الياء الألف وفعلى وفعلى في هذا الباب سواء.

وقالوا في ذفرى : ذفار ولم ينونوا ذفرى وما كانت الألف في آخره للتأنيث فحكمه حكم ذفرى تحذف الألف التي قبل الطرف نحو : صحراء وصحارى وقالوا : صحار ، فإن أردت أدنى العدد جمعت بالتاء.

فقلت : صحراوات وذفريات وحبليات وقالوا : أنثى وإناث وربى ورباب.

وأما فعيلة : فما عدة حروفه أربعة وفيه هاء التأنيث حذفوا وكسروه على (فعائل).

وربّما كسروه على (فعل) ليس يمتنع شيء من هذا أن يجمع بالتاء إذا أردت ما يكون لأقلّ العدد نحو : صحيفة وصحائف وصحف وقد يقولون : ثلاث صحائف.

فأما فعالة : فمثل فعيلة نحو : عمامة وعمائم.

وأمّا فعالة فنحو : حمامة وحمائم ودجاجة ودجائج وفي التاء مثل (فعيلة).

وأمّا فعالة : فمثل ما قبلها نحو : ذوابة وذوائب وليس ممتنع شيء من ذا من الألف والتاء إذا أردت أدنى العدد.

واعلم أن فعيلا وفعالا وفعالا وفعالا إذا كان شيء منها يقع على الجميع (فواحده) يكون على بنائه وتلحقه هاء التأنيث مثل : دجاجة ودجاج وسفينة وسفين ومرارة (ومرار) ودجاجات وسفينات ومرارات فأمرها كأمر ما كان عليه ثلاثة أحرف من الجمع بالتاء وغيره وكذلك بنات الياء والواو فيه. وقالوا : دجائج وسحائب.

وكلّ ما كان واحدا مذكرا على الجميع فإنه بمنزلة ما كان على ثلاثة أحرف من الجميع وغيره مما ذكرنا كثرت حروفه أو قلّت : نحو : سفرجلة وسفرجل كما يقولون تمرة وتمر.

ص: 257

باب ما كان من الأسماء على أربعة أحرف من غير زيادة

اعلم أنّ ما كان من بنات الأربعة لا زيادة فيه فإنه يكسر على مثال (مفاعل) نحو : ضفادع وإنء عنيت الأقلّ أيضا لا تجاوزه لأنك لا تصل إلى التاء ؛ لأنه مذكر ، فإن كان فيه حرف رابع زائد وهو حرف لين كسرته على مثال (مفاعيل) نحو : قنديل وقناديل وكلّ شيء من بنات الثلاثة ألحق بزيادة ببنات الأربعة وألحق ببنائها فتكسره أيضا على مثال مفاعل والملحق بمنزلة الأصلي ، وذلك نحو : جدول وجداول وأجدل وأجادل ومما لم يلحق بالأربعة وفيه زيادة وليست الزيادة بمدة فتكسيره على مثال (مفاعل) أيضا نحو : تنضب وتناضب وكلّ شيء من بنات الثلاثة قد ألحق ببنات الأربعة فصار رابعه حرف مدّ فهو بمنزلة ما كان من بنات الأربعة له رابع حرف مدّ كقرطاط وقراطيط وكذلك ما كانت فيه زائدة ليست بمدة ولا رابعه حرف مدّ ولم يبن بناء بنات الأربعة التي رابعها حرف مدّ نحو : (كلوب وكلاليب) ويربوع ويرابيع وكلّ شيء مما ذكرنا كانت فيه هاء التأنيث فتكسيره على ما ذكرنا من الأربعة إلّا أنّك تجمع بالتاء إذا أردت أدنى العدد.

واعلم أنّ الخماسي من الأسماء التي هي أصول لا يجوز تكسيره فمتى استكرهوا حذفوا منها وردوه إلى الأربعة تقول في سفرجل : سفارج فتحذف اللام وقالوا في فرزدق : فرازق حذفوا الدال لأنّها من مخرج التاء والتاء من حروف الزوائد والقياس أن يقولوا : فرازد وما جاء من الأسماء ملحقا فاحذف بالخمسة منها الزوائد وردّه إلى الأربعة ، فإن كان فيه زائد ثان أو أكثر فأنت بالخيار في حذف الزوائد حتى تردّه إلى مثال : (مفاعل) ومفاعيل ، فإن كان إحدى الزوائد دخلت لمعنى أثبتّ ما دخل لمعنى وحذفت ما سواه ، وذلك نحو : مقعنسس وهو ملحق بمحرنجم فالميم زائدة والنون زائدة والسين الأخيرة زائدة فتقول : مقاعس ، وإن شئت : مقاعيس فتحذف النون والسين ولا تحذف الميم لأنّها أدخلت لمعنى اسم الفاعل وأنت بالتعويض بالخيار والتعويض أن تلحق ياء ساكنة بين الحرفين اللذين بعد الألف ، فإن كانت الزيادة رابعة فالتعويض لازم كما ذكرنا في قنديل وقناديل لا يجوز إلّا التعويض.

ص: 258

وربّما اضطر فزاد الياء من غير تعويض من شيء كما قالوا :

نفي الدّراهم تنقاد الصّياريف (1)

ص: 259


1- على أنّ فيه الفصل بالمفعول أيضا بين المتضايفين ، فإن أصله : نفي تنقاد الصياريف الدراهيم ، ففصل بالمفعول وهو الدراهيم ، بين المتضايفين. وإضافة نفي إلى تنقاد ، من إضافة المصدر إلى فاعله. وروي أيضا بغضافة نفي إلى الدراهيم ورفع تنقاد ، فيكون من إضافة المصدر. وعلى هذه الرواية أنشده ابن الناظم وابن عقيل في" شرح الألفيّة". قال العينيّ : وفي شرح الكتاب : ويجوز نصب التّنقاد ورفع الدراهيم في العمل ، على القلب ، من حيث أمن اللبس ، يعني أنّه روي بجرّ الدراهيم بإضافة نفي إليه ونصب تنقاد ، فيكون من قبيل إضافة المصدر إلى فاعله على تقدير القلب بجعل الفاعل مفعولا والمفعول فاعلا. وأورده سيبويه في" اوائل كتابه ، في باب ما يحتمل الشعر" قال : وربّما مدّوا فقالوا : مساجيد ومنابير ، شبّهوه بما جمع على غير واحدة في الكلام كما قال الفرزدق : نفي الدنانير تنقاد الصّياريف وينشد : نفي الدراهيم. انتهى كلامه ومحلّ الشاهد فيه عند أبي جعفر النحاس ، الدنانير والدراهيم ، قال : من روى الدنابير فلا ضرورة عنده فيه ، لأنّ الأصل في دينار دنّار فلما جمعت رددته إلى أصله فقلت دنانير. ومن روى الدراهيم فذكر أبو الحسن بن كيسان أنه قد قيل في بعض اللغات درهام ، قال : فيكون هذا على تصحيح الجمع. قال : أو يكون على أنه زاده للمد. قال : ويكون على الوجه الذي قال سيبويه أنّه بنى الجمع على غير لفظ الواحد ، كما أ، قولهم : مذاكير ليس على لفظ ذكر ، إنما هو على لفظ مذكار ، وهو جمع لذكر على غير بناء واحده. قال : ولم ينكر أن يكون الجمع على غير بناء الواحد ، فلذلك زاد الياء في دراهيم. وقال لي علي بن سليمان : واحد الصياريف صيرف ، وكان يجب أن يقول صيارف انتهى كلامه. وعند الشنتمري الشاهد في الصياريف ، قال : زاد الياء في الصياريف صرورة تشبيها لها بما جمع في الكلام على غير واحد ، نحو ذكر ومذاكير ، وسمح ومساميح. ولم يتعرض للدراهيم والدنانير. وقد جمع ابن خلف بينهما فقال : الشاهد فيه على زيادة الياء في جمع الدراهم والصيارف. أقول : الظاهر كلام الأعلم لا غير ، وروي الدراهم بلا ياء ، وجميعهم لم يتعرضوا إعراب الدراهيم والتنقاد. انظر خزانة الأدب 2 / 96.

ذكر تكسير الصفة باب الثلاثي منها

الأول : فعل جاء فيه تسعة أبنية : فعال فعول فعل أفعل فعيل أفعال فعلان فعلة فعلان.

فعال : نحو صعب وصعاب ولا يكسر للقليل.

وفعول نحو : كهل وكهول وليس شيء من هذا إذا كان للآدميين يمتنع من الواو والنون ، وإذا ألحقته الهاء للتأنيث كسر على (فعال) نحو : عبلة وعبال وليس شيء من هذا يمتنع من التاء إلا أنك لا تحرك الأوسط ؛ لأنه صفة.

وقالوا : شياه لجبات فحركوا ومن العرب من يقول : شاة لجبة وقالوا : رجال ربعات ؛ لأن أصل (ربعة) اسم مؤنث وقع على المذكر والمؤنث وقد كسروا (فعلا) على (فعل) مثل كثّ وكثّ وكسروا ما استعملوا منه استعمال الأسماء على (أفعل) نحو : عبد وأعبد وقالوا : عبيد كما قالوا : كليب وقالوا : شيخ وأشياخ وشيخان وشيخة وقالوا : وغد ووغدان ووغدان وربّما كسروا الصفة تكسير الأسماء.

الثاني : فعل على ثلاثة أبينة : فعال وفعلان وأفعال وذلك : حسن وحسان عند الباب وقالوا : خلق وخلقان وبطل وأبطال استغنوا به عن (فعال) فألحقته الهاء للتأنيث كسر أيضا على (فعال) وليس شيء من هذا للآدميين يمتنع من الواو والنون.

وما كان على (أفعال) نحو : أبطال ، فإن مؤنّثه إذا لحقته الهاء جمع بالتاء نحو : بطلة وبطلات من قبل أن مذكره لم يجمع (على فعال) فيكسر هو عليه. (فعلة) كما لا يجمع مؤنث (فعل) على (أفعل) كما قالوا : رجل صنع وقوم صنعون ورجل رجل وقوم رجلون والرّجل :هو الرّجل الشّعر ولم يكسروهما.

الثالث : فعل : جاء على (أفعال) وهو في الصفات قليل ، وذلك قولك : جنب فمن جمع من العرب قال : أجناب ، وإن شئت قلت : جنبون وقالوا : رجل شلل ولا يجاوزون (شللون) وهو الخفيف في الحاجة.

ص: 260

الرابع : فعل : على (أفعال) و (أفعل) ، وذلك جلف وأجلاف.

وقال بعض العرب : أجلف.

وقالوا : رجل صنع وقوم صنعون وليس شيء مما ذكرنا يمتنع من الواو والنون ومؤنثه إذا لحقته الهاء بمنزلة مؤنث ما كسر على (أفعال) من باب (فعل) يجمع بالألف والتاء وقالوا :علجة وعلج.

الخامس : فعل : وأفعال يقولون : رجل مرّ وأمرار وهو مثل (فعل) في القلة ويقال : رجل حلو وقوم حلون وهو العظيم البطن.

السادس : فعل على أفعال : وذلك : يقظ وأيقاظ ونجد وأنجاد وبابه أن يجمع بالواو والنون.

السابع : فعل : جاء على (أفعال) وقالوا : نكد وأنكاد.

فجميع الأبنية التي جاءت من الثلاثي في الصفات سبعة أبنية.

الأول : فعل. وجاء فيه تسعة أبنية : فعال وفعول وفعل وأفعل وفعيل وأفعال وفعلان وفعلة وفعلان.

الثاني : فعل وجاء فيه ثلاثة أبنية : فعال وفعال وأفعال.

الثالث : فعل : جاء على أفعال.

الرابع : فعل : جاء على أفعال وأفعل.

الخامس : فعل : جاء على أفعال.

السادس : فعل : جاء على أفعال.

السابع : فعل : جاء على أفعال.

ص: 261

واعلم أنّ جميع هذه النعوت لا تمتنع من الواو والنون والألف والتاء لأنّها على الفعل تجري والأسماء أشدّ تمكنا في التكسير فمتى احتجت إلى تكسير صفة ولم تعلم أنّ العرب كسرتها فكسرها تكسير الاسم الذي هو على بنائه لأنّها أسماء ، وإن كانت صفات.

والضرورة تقع في الشعر فأمّا إذا احتجت إلى ذلك في الكلام فاجمع بالواو والنون والألف والتاء إلّا أن تعلم أنّ العرب قد كسروا من ذلك شيئا فتكسر عليه.

ص: 262

باب تكسير ما كان في الصفات عدد حروفه أربعة أحرف بالزيادة

تجيء الصفة في هذا الباب على تسعة أبنية :

الأول : فاعل : جاء على سبعة أبنية : فعّل وفعّال وفعلة وفعلة فيما اعتلت لامه. وفعل وفعلاء وفواعل.

فأما (فعّل) فنحوه شاهد وشهّد ومثله من بنات الياء والواو التي هنّ عينات : صائم وصوّم وغائب وغيّب وفي اللامات : غاز وغزّى.

وأما (فعّال) فنحو : جاهل وجهّال وشاهد وشهّاد وهو كثير.

وأما فعلة فنحو : فاسق وفسقة وبارّ وبررة وهو كثير ومثله فيما اعتلت عينه : كخائن وخونة وبائع وباعة ويجيء نظيره من بنات الياء والواو والتي هي لام على (فعلة) نحو : قاض وقضاة ورام ورماة.

وأمّا فعّل : فبازل وبزّل وعائط وعيّط وحائل وحوّل.

وأما (فعلاء) : فعالم وعلماء وصالح وصلحاء وفعّل وفعلاء في هذا الباب ليس بالقياس المتمكن وليس شيء للآدميين يمتنع من الواو والنون ، وإذا ألحقت الهاء للتأنيث كسر على فواعل : كضاربة وضوارب وكذلك إن كان صفة للمؤنث ولم يكن فيه هاء التأنيث : كحائض وحوائض ويكسرونه على (فعّل) نحو : حيّض وزائر وزوّر لا يمتنع شيء فيه الهاء من هذه الصفات من التاء ، وإن كان فاعل لغير الآدميين كسر على (فواعل) ، وإن كان لمذكر أيضا مثل :جمال بوازل وقد اضطرّ الفرزدق فقال :

وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم

خضع الرقاب نواكس الأبصار (1)

ص: 263


1- على أن جمع التكسير نحو" نواكس" لا يمتنع جمعه جمع سلامة كنواكسين ، كما ذكره أبو علي في" الحجة". أقول : ذكره أبو علي في" إعراب الشعر" أيضا. واعلم أن الكلام على هذه الكلمة من ثلاثة وجوه : " أحدها" : أن" نواكس" جمع ناكس وهو المطأطأ رأسه ؛ وفاعل إذا كان اسما نحو كاهل ، أو صفة مؤنث سواء كان ممن يعقل نحو حائض أو ممن لا يعقل نحو ناقة حاسر : إذا أعيت ، أو صفة مذكر غير عاقل نحو - صاهل يجمع قياسا على فواعل ، تقول : كواهل وحوائض وحواسر وصواهل. أما إذا كان صفة المذكر عاقل لا يجمع على فواعل ، وقد شذت ألفاظ خمسة : وهي ناكس ونواكس ، وفارس وفوارس نحو : " البسيط" لو لا فوارس من نعم وأسرتهم وهالك وهوالك قالوا : " هالك في الهوالك" ، وغائب وغوائب ، وشاهد وشواهد ، قال عتبة بن الحارث لجزء بن سعد : " الوافر" أحامي عن ديار بني أبيكم ومثلي في غوائبكم قليل فقال له جزء : نعم ، وفي شواهدنا! فجمع" عتبة" غائبا على غوائب ، وجمع" جزء" شاهدا على شواهد. وقد وجهت بتوجيهات : أما الأول فقد حمله سيبويه على اعتبار التأنيث في الرجال ، قال : لأنك تقول هي الرجال كما تقول هي الجمال. فشبهه بالجمال. ومنه أخذ أبو الوليد فقال في" شرح كامل المبرد" : هذا مخرج على غير الضرورة ، وهو أن تريد بالرجال جماعات الرجال ، فكأنه جماعات نواكس وواحده جماعة ناكسة ، فيكون مقيسا جاريا على بابه كقائله وقوائل. ووجهه ابن الصائغ على أنه صفة للإبصار من جهة المعنى ، لأن الأصل قبل النقل نواكس أبصارهم ، والجمع في هذا قبل النقل سائغ لأنه غير عاقل ، فلما نقلوا تركوا الأمر على ما كان عليه لأن المعنى لم ينتقل. وأما الثاني فقالوا : إنه من الصفات التي استعملت استعمال الأسماء فقرب بذلك منها ، ولأنه لا لبس فيه ، لما ذكر سيبويه من أن الفارس في كلامهم لا يقع إلا للرجال. وأما الثالث فوجهه أنه جرى عندهم مجرى المثل ، ومن شأن الأمثال أن لا تغير عن أصلها. انظر خزانة الأدب 1 / 72.

فجعل الآدميين كغيرهم.

الثاني : فعيل : يجيء تكسيره على عشرة أبنية : فعلاء. وفعال. وأفعلة في المضاعف.

وأفعلاء في المعتل. وفعل. وفعلان وفعلان وأفعال وفعائل في المؤنث وفعول ، وذلك نحو : فقيه وفقهاء وقالوا : لئيم ولئام وما كان منه مضاعفا كسر على (فعال) : كشديد وشداد ونظير فعلاء فيه أفعلاء : كشديد وأشدّاء وقد يكسّرون المضاعف على (أفعلة) نحو : شحيح وأشحّة ومتى كان من بنات الياء والواو ، فإن نظير فعلاء فيه : أفعلاء : كغني وأغنياء وغويّ وأّغوياء.

استغنوا بهذا عن (فعال) وبالواو والنون.

ص: 264

وما كان من بنات الياء والواو وهي عينات كسر على (فعال) نحو : طويل وطوال وهو قليل في الكلام وليس شيء من هذا للآدميين يمتنع من الواو والنون.

وأما فعل فمثل نذير ونذر ومثله من بنات الياء : ثنيّ وثن وكان الأصل : ثنوّا فوقعت الواو طرفا قبلها ضمة فقلبت ياء وكسر ما قبلها وهذا يبين في موضعه إن شاء الله.

وقد جاء (فعلان) قال : ثنيّ وثنيان وجاء فعلان قالوا : خصيّ وخصيان و (أفعال) مثل :(يتيم وأيتام) وقالوا : صديق وأصدقاء حيث استعمل كما تستعمل الأسماء نحو : نصيب وأنصباء ، وإذا ألحقت الهاء (فعيلا) للتأنيث فالمؤنث يرافق المذكر مثل : صبيحة وصباح ويكسر على (فعائل) وقد يستغنون على (فعائل) بغيرها نحو : صغير وصغار وقالوا : خليفة وخلائف جاءوا به على الأصل وقالوا : خلفاء من أجل أنه لا يقع إلّا على مذكر فصار مثل :ظريف وظرفاء ، وأما فعول فجاء في جمع ظريف : ظروف.

وقال أبو بكر : هو جمعه عندي على حذف الزوائد كأنه جمع ظرفاء.

وقال الخليل : هو بمنزلة : مذاكير إذا لم يكسر على ذكر.

فقد أجري شيء من فعيل مستويا في المذكر والمؤنث شبّه بفعول نحو : جديد وسديس وفعيل إذا كان بمعنى فعول فهو في المذكر والمؤنث سواء لا يجمع بالواو والنون ويكسر على فعلى نحو : قتيل وقتلى.

وقال سيبويه : سمعنا من يقول : قتلاء.

الهاء تدخل في باب فعيل على ما كان مقدرا فيه قبل أن يفعل به ذاك فإذا فعل كان بغير هاء تقول : هذه ذبيحة فلان قبل أن تذبح فإذا ذبحت قيل : شاة ذبيح.

الثالث : فعول : ويجيء على : فعل وفعائل للمؤنث وفعلاء قالوا : صبور وصبر وفي المؤنث : عجوز وعجائز وليس شيء من هذا يجمع بالواو والنون كما أنّ مؤنثه لا يجمع بالتاء.

وقالوا للمذكر : جزور وجزائر لمّا لم يكن من الآدميين شبهوه بالمؤنث وقالوا : رجل ودود وودودة شبهوه : بصديق وصديقة وقالوا : امرأة فروقة وملولة.

ص: 265

الرابع : فعال : يجيء على ثلاثة أبنية : على فعل وفعل فيما اعتلت عينه وفعلاء ، وذلك نحو :صناع وصنع وقالوا فيما اعتلت عينه : نوار ونور وجواد وجود والهاء لا تدخل في مؤنثه وجاء :جبان وجبناء.

الخامس : فعال : جاء على ثلاثة أبنية : فعل فعائل وفعال.

اعلم أنّ فعالا بمنزلة : فعال لا تدخل الهاء في مؤنثه وجمع على : فعل نحو : ناقة دلاث ودلث وزعم الخليل : أنّ هجان للجماعة بمنزلة : ظراف وزعم أبو الخطاب : أنّ الشّمال تجعل.

جمعا وقالوا : درع دلاص وأدرع دلاص لفظ الجميع لفظ الواحد وإنّما وقع هذا ؛ لأن (فعال وفعول وفعيل) أخوات فالزيادة من جميعهنّ في موضع واحد.

السادس : فيعل : وهذا البناء لا يكون إلّا في المعتلّ فيجيء جمعه على : (أفعال) وأفعلاء ، وذلك نحو : ميّت وأموات وحقه الواو والنون نحو : قيّم وقيمون ومثل أموات : قيل وأقيال والأصل : قيّل فخفّف ولو لم يكن (فيعلا) لما جمعوا بالواو والنون فقالوا : قيلون ؛ لأن (فعيل) التكسير فيه أكثر وفيعل الواو والنون فيه أكثر ويقولون للمؤنث أيضا : أموات وقالوا : هيّن وأهوناء.

السابع : مفعل : يكسر على مفاعل مدعس ومداعس.

الثامن : مفعل : ومفعل يجمع بالواو والنون والمؤنث بالتاء إلّا أنّهم قد قالوا : منكر ومناكير وموسر ومياسير.

وأما مفعل الذي يكون للمؤنث ولا تدخله الهاء فإنه يكسر نحو : مطفل ومطافل وقد قالوا على غير القياس : مطافيل.

التاسع : فعّل : يجمع بالواو والنون ، وذلك نحو : زمّل وجبّا يقال : رجل جبّا إذا كان ضعيفا.

ص: 266

باب ما ألحق من بنات الثلاثة ببنات الأربعة من الصفات

وهو يجيء على ثلاثة أبنية على : فعول وفيعل وأفعل.

والأول : فعول : نحو : قسور وقساور وتوأم وتوائم أجروه مجرى : قشعم وقشاعم.

الثاني : فيعل : نحو : غيلم وغيالم شبهوها : بسملق وسمالق ولا يمتنعان من الواو والنون أعني : فعلول وفيعل إذا عنيت الآدميين والتاء إذا عنيت غير الآدميين.

الثالث : أفعل : إذا كان صفة كسر على : (فعل) وفعلان ، وذلك نحو : أحمر وحمر ولا يحركون العين إلّا أن يضطر شاعر وهو مما يكسر على (فعلان) نحو : حمران وسودان ويمضان.

فالمؤنث من هذا يجمع على (فعل) نحو : حمراء وحمر وفي (أفعل) إذا كان صفة هل هو ملحق أم غير ملحق نظر وسؤال.

قال : والحقيقة أنه غير ملحق ولو كان ملحقا لما أدغم في مثل الأصمّ.

وأما الأصغر والأكبر فإنّه لا يوصف به كما يوصف بأحمر ولا تفارقه الألف واللام لا تقول : رجل أصغر.

قال سيبويه : سمعنا العرب تقول : الأصاغرة كما تقول : القشاعمة ، وإن شئت قلت :الأصغرون وقالوا الآخرون ولم يقولوا غيره.

ص: 267

باب تكسير ما جاء من الصفة على أكثر من أربعة أحرف

وهي تجيء على عشرة أبنية :

الأول : مفعال : ويجيء على : مفاعيل ولا تدخله الهاء ولا يجمع بالواو والنون نحو : مهذار ومهاذير ومفعل بمنزلته للمذكر والمؤنث كأنه مقصور منه.

الثاني : مفعيل : تقول في محضير : محاضير وقالوا : مسكينة شبهت بفقيرة فأدخلوا الهاء فيجوز على ذا : مسكينون ، وقالوا أيضا : امرأة مسكين فمن قال هذا لم يجز أن يجمع بالواو والنون ومؤنثه بالألف والتاء ؛ لأن الهاء تدخله.

[الثالث : فعول : بمعنى فاعل نحو : امرأة صبور وشكور وفخور ، وقد جاء حرف شاذّ فقالوا : " هي عدوّة الله. قال سيبويه : شبهوا عدوّة بصديقة. فإذا كان في تأويل مفعول لحقته التّاء نحو : الحمولة ، والرّكوبة ، والحلوبة تقول : هذا الجمل ركوبتهم وأكولتهم.](1)

الرابع : فعّال : مثل (فعّال) نحو : الحسّان وقالوا : عوّار وعواوير.

الخامس : مفعول : مثله بالواو والنون وقالوا : مكسور ومكاسير وملعون وملاعين شبهوها بالأسماء.

السادس : فعّيل : نحو : زمّيل وجمعه كجمع : فعّل بالواو والنون.

السابع : فعلان : إذا كان صفة وكان له فعلى كسر على (فعال) نحو : عطشان وعطاش وقد يكسر على : فعالى وفعال نحو : سكارى وكذلك المؤنث أيضا.

وجاء بعضه على (فعالى) نحو : سكارى ، ولا يجمع فعلان بالواو والنون ولا مؤنثه بالتاء إلّا أن يضطر شاعر وقد قالوا فيما يلحق مؤنثه الهاء كما قالوا في هذا ؛ لأن آخره ألف ونون زائدتان وذلك : ندمانة وندمان وندامى وقالوا : خمصانة وخمصان وخماص ومنهم من يقول :خمصان.

ص: 268


1- ما بين المعكوفتين ساقط من (ط).

وقد يكسرون (فعلا) على : (فعالى) ؛ لأنه يدخل (فعلان) فيعني به ما يعني (بفعلان) وذلك : رجل عجل وسكر وحذر قالوا : حذارى وقالوا : رجل رجل ورجالى وقال بعضهم :رجلان ورجلى وقالوا : رجال كما قالوا : عجال ويقال : شاة حرمى وشياه حرام وحرامى ؛ لأن (فعلى) صفة بمنزلة التي لها فعلان.

الثامن : فعلان نحو : خمصان وعريان يجمع بالواو والنون ولم يقولوا في عريان : عراء ولا :عرايا استغنوا بعراة وعراة إنّما هو جمع عار إلا أن المعنى واحد في عريان وعار.

التاسع : فعلاء : فهي بمنزلة فعلة من الصفات ؛ لأن الألفين للتأنيث نظير الهاء وذلك :نفساء ونفساوات ونفاس وليس شيء من الصفات آخره علامة التأنيث يمتنع من الجمع بالتاء غير : فعلاء أفعل وفعلى فعلان.

العاشر : فعلاء : قد ذكرنا في باب (أفعل) أنّها تجيء على (فعل) نحو : حمراء وحمر فالمذكر والمؤنث فيه سواء كما كان في جمع فعلى فعلان وقال : بطحاوات في جمع بطحاء حيث استعملت كالأسماء وقالوا : بطحاء وبطاح وبرقاء وبراق.

ص: 269

باب ما كان من الأسماء عدة حروفه خمسة وخامسه ألف التأنيث أو ألفا التأنيث

فما كان على (فعالى) يجمع بالتاّء نحو : حبارى وحباريات وما كان آخره ألفان على فاعلاء نحو : القاصعاء فهو على : (فواعل) تقول فيه : قواصع شبهوا (فاعلاء) بفاعلة وجعلوا ألفي التأنيث بمنزلة الهاء وقالوا : خنفساء وخنافس.

باب ما جمع على المعنى لا على اللفظ

قال الخليل : إنّما قالوا : مرضى وهلكى وموتى وجربى ؛ لأن المعنى معنى : مفعول وقد قالوا : هلّاك وهالكون فجاءوا به على الأصل وقالوا : مراض وسقام ولم يقولوا : سقمى وقالوا : وجع وقوم وجعى ووجاعتى وقالوا : قوم وجاع كما قالوا : بعير جرب وإبل جراب وقالوا : مائق وموقى وأحمق وحمقى وأنوك ونوكى ؛ لأنه شيء أصيبوا به.

وقالوا : أهوج وهوج على القياس وأنوك ونوك وقالوا : سكرى كمرضى وروبى : للذين اسثقلوا نوما والواحد : رائب وقالوا : زمن وزمنى وضمن وضمنى ورهيص ورهصى وحسير وحسرى ، وإن شئت قلت : زمنون وهرمون.

وقالوا : أسارى مثل : كسالى وقالوا : وج ووجيا بلا همز وقالوا : ساقط وسقطى مثله :وفاسد وفسدى وليس يجيء في كلّ هذا على المعنى لم يقولوا : بخلى ولا سقمى.

قال أبو العباس : لو قالوه جاز. وقالوا : يتامى.

قال سيبويه : وقالوا : عقيم وعقم.

وقال : لو قيل إنها لم تجىء على (فعل) لكان مذهبا يعني : أنّ بابها أن يقال عقمى مثل :قتيل وقتلى فصرفت عن بابها لأنّها بلية فأكثر ما تجيء على فعلى.

ص: 270

باب ما جاء بناء جمعه على غير ما يكون في مثله

فمن ذلك : رهط وأراهط وباطل وأباطيل كأنّهم كسروا : أرهط وأبطال ومن ذلك : كراع وأكارع وحديث وأحاديث وعروض وأعاريض وقطيع وأقاطيع ؛ لأن هذا لو كسرته وعدة حروفه أربعة بالزيادة التي فيها لكانت (فعائل) ولم يكن في الأول زيادة.

ومثل أراهط أهل وأهال. وليلة وليال كأنه جمع : أهلا وليلا.

وقال أبو العباس : ليلة أصلها (ليلا) فحذفت وزعم أبو الخطاب : أنّهم يقولون : أرض وآراض كما قالوا : أهل وآهال فهذا على قياسه وقال بعضهم : أمكن كأنه جمع مكن.

وقال سيبويه : ومثل ذلك : توأم وتوائم كأنهم كسروه على (تئم) كما قالوا : ظئر وظؤار.

وقال أبو العباس : توأم اسم من أسماء الجمع وفعال لا يكون من أبواب الجمع وكذلك : رجل ورجال وقالوا : كروان. وللجمع : كروان.

وقال أبو العباس : كروان جمع : كروان تحذف الزوائد وكذلك قال في أمكن جمع : مكان.

وقال سيبويه : إنما جمع (كروان) على (كرى) وقالوا في مثل : أطرق كرا إنّ النعام في القرى ومثل هذا : حمار وحمير وصاحب وأصحاب وطائر وأطيار.

ص: 271

باب ما هو اسم يقع على الجميع ولم يكسر عليه واحده وهو من لفظه

وذلك نحو : ركب وسفر وطائر وطير وصاحب وصحب ألا ترى أنك تقول في التصغير : ركيب وسفير ولو كان تكسيرا لردّ إلى الواحد ومثل ذلك : أديم وأدم وعمود وعمد وحلقة وحلق وفلكة وفلك ومن ذلك : الجامل والباقر وأخ وإخوة وسريّ وسراة من ذلك لو قال قائل : شبّه (فعيل بفاعل) نحو : فاسق وفسقة قيل له : مثال هذا في المعتلّ إنّما يجيء على (فعلة) نحو : قاض وقضاة و (فعلة) ليس من جموع المعتلّ فلذلك لم يجعل جمعا وصار في ركب وسفر وقالوا : فاره وفرهة مثل : صاحب وصحبة وغائب وغيب وخادم وخدم وإهاب وأهب وماعز ومعز وضائن وضأن وعازب وعزيب وغاز وغزيّ.

ص: 272

باب جمع الجمع

أما أبنية أدنى العدد فيجمع على (أفاعل) وأفاعيل نحو : أيد وأياد وأوطب وأواطب وأفعال بمنزلة إفعال نحو : أنعام وأناعيم وقد جمعوا (أفعلة بالتاء).

قالوا : أغطية وأغطيات وأسقية وأسقيات وقالوا : أسورة وأساورة وقالوا : جمال وجمائل.

وقالوا : جمالات وبيوتات عملوا بفعول ما عملوا بفعال وكذلك (فعل) قالوا : الحمرات بضم الميم.

قال سيبويه : وليس كلّ جمع يجمع. لم يقولوا : في جمع برّ أبرار وقالوا : في تمر تمران.

وأبو العباس يجيز : أبرار في جمع برّ ويركن إلى القياس وقالوا في مصران : مصارين.

وأبيات وأبابيت وبيوت وبيوتات وقالوا : عوذ وعوذات ودور ودورات وحشّان وحشاشين وكلّ بناء من أبنية الجموع ليس على مثال (مفاعل) ومفاعيل إذا اختلفت ضروبه فجمعه عندي جائز وقياسه أن ينظر إلى ما كان على بنائه من الواحد أو على عدته فتكسره على مثال تكسيره.

وقال سيبويه : من قال : أقاويل وأبابيت في أبيات لا يقول : أقوالان لا يثني (أقوالا) وكذلك : البسر والتّمر إلّا أن تريد ضربين مختلفين فهذا يدلّك على أنّ جمع الجمع يجيء على نوعين : فنوع يراد به التكثير فقط ولا يراد به ضروب مختلفة ونوع يراد به الضروب المختلفة وهو الذي لا يمتنع منه جمع قالوا : إبلان ؛ لأنه اسم لم يكسر.

وقال : لقاحان سوداوان لأنّهم لم يقولوا : لقاح واحدة وهو في إبل أقوى ؛ لأنه لم يكسر.

قال سيبويه : سألت الخليل عن : ثلاثة كلاب فقال : يجوز في الشعر على (من) ، وإن نونت قلت : ثلاثة كلاب.

ص: 273

باب ما لفظ به مثنى كما لفظ بالجمع

وهو أن يكون كلّ واحد بعض شيء مفرد من صاحبه كقولك : ما أحسن رؤوسهما وزعم يونس أنّهم يقولون : غلمانهما وإنّما هما اثنان.

وزعم أيضا أنّهم يقولون : ضربت رأسيهما وأنه سمع ذلك من رؤبة والباب ما جاء في القرآن قال الله عزّ وجلّ : (إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما)(1) [التحريم : 4]. (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما) [المائدة : 38].

باب ما كان من الأعجمية على أربعة أحرف وقد أعرب

جمع هذا الضرب على مثال مفاعل وزعم الخليل : أنهم يلحقون جمعه الهاء إلّا قليلا : كموزج وموازجة وطيلسان وطيالسة وقد قالوا : جوارب وكيالج وقد أدخلوا الهاء أيضا.

وكذلك إذا كسرت الاسم وأنت تريد : آل فلان أو جماعة الحي كالمسامعة والمناذرة والمهالبة وقد قالوا : دياسم وهنّ ولد الذئب من الضبع.

وقالوا : ولد الكلب من الذئبة وقالوا : البرابرة والسيابجة فاجتمع فيهما الأعجمية والإضافة.

ص: 274


1- قوله تعالى (إِنْ تَتُوبا) جواب الشرط محذوف تقديره فذلك واجب عليكما أو يتب الله عليكما ودل على المحذوف فقد صغت لأن اصغاء القلب إلى ذلك ذنب. قوله تعالى : (قُلُوبُكُما) إنما جمع وهما اثنان لأن لكل انسان قلبا وما ليس في الانسان منه الا واحد جاز أن يجعل الاثنان فيه بلفظ الجمع وجاز أن يجعل بلفظ التثنية وقيل وجهه أن التثنية جمع. [التبيان في إعراب القرأن 2 / 149]

باب التحقير

اشارة

التصغير (1) شيء اجتزىء به عن وصف الاسم بالصغر وبني أوله على الضمّ وجعل ثالثه ياء ساكنة قبلها فتحة ولا يجوز أن يصغر اسم يكون على أقل من ثلاثة أحرف فإذا كان الاسم ثلاثيا فالإعراب يقع على الحرف الذي بعد الياء نحو قولك في حجر : حجير ، فإن كان آخره هاء التأنيث فلا بدّ من أن ينفتح لها ما قبلها ، فإن جاوز الاسم الثلاثة بزائد أو غير زائد فهو نظير الجمع الذي يجيء على (مفاعل) ومفاعيل فالألف في الجمع نظيره الياء في التصغير وما بعدها مكسور كما أنّ ما بعد الألف مكسور إلّا أنّ أول الجمع مفتوح وأول هذا مضموم وجميع التصغير يجيء على ثلاثة أمثلة على مثال تصغير : فلس ودرهم ودينار وتصغيرها : فليس ودريهم ودنينير وهذا الياء التي تجيء في مثال : دنينير وما أشبه تكون عوضا لازما متى كان في الاسم زائدة تابعة كما وقعت في دينار وتكون غير ملازمة متى كان في الاسم زيادة تابعة كما وقعت في دينار وتكون غير ملازمة متى كان في الاسم زيادة غير تابعة فحينئذ لك فيه الخيار فياء التصغير زائدة وياء التعويض زائدة فالتصغير إنّما يكون في الثلاثي وفيما كان عدده أربعة أحرف بزيادة أو غير زيادة ، فإن تجاوز العدد ذلك حذف حتى يردّ إلى هذا العدد.

والأسماء تنقسم ثلاثة أقسام : اسم لا زيادة فيه ولا نقص ، واسم فيه زيادة ، واسم منقوص.

الأول : الاسم الذي لا زيادة فيه ولا نقص

اشارة

وهذا الضّرب ينقسم ثلاثة أقسام : اسم ثلاثي واسم رباعي واسم خماسي.

أما الثلاثي : فينقسم أيضا ثلاثة أقسام : اسم صحيح واسم مضاعف واسم معتلّ.

ص: 275


1- قال الجرجاني : التصغير : تغيير صيغة الاسم لأجل تغيير المعنى ، تحقيرا ، أو تقليلا ، أو تقريبا ، أو تكريما ، أو تلطيفا ، كرجيل ، ودريهمات ، وقبيل ، وفويق ، وأخي ، ويبنى عليه ما في قوله صلّى الله عليه وسلّم في حق عائشة رضي الله عنها : " خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء".

الأول من الثلاثي : أمّا الصّحيح فعلى ضربين : مذكر ومؤنث فالمذكر نحو قولك : رجل ورجيل وحجر وحجير وجمل وجميل وكلب وكليب والمؤنث نحو : قدم وقدر تقول : قديمة لأنّك تقول : قدم صغيرة وقديرة لأنك تقول : قدر صغيرة وفي عين عيينة وأذن : أذينة.

الثاني من الثلاثي : وهو المضاعف تقول في دنّ : دنين وفي مدّ : مديد يزول الإدغام لتوسطّ ياء التصغير.

الثالث من الثلاثي : وهو المعتلّ يجيء على ضربين فالضرب الأول : ما كانت الألف بدلا من عينه والضرب الثاني : ما لامه ياء أو واو.

ص: 276

ذكر تحقير ما كانت الألف بدلا من عينه

حقّ هذا الاسم إذا صغّر أن يردّ إلى أصله ، فإن كانت الألف منقلبة من واو ردت الواو ، وإن كانت منقلبة من ياء ردت الياء تقول في ناب نييب والناب من الإبل كذلك لأنك تقول :أنياب وتقول في بيت : بييت وفي شيخ : شييخ هذا الأحسن.

ومنهم من يكسر الأول فيقول : شييخ وبييت وتقول في تصغير سيّد : سييد وهو الأحسن ، وإن حقرت رجلا : اسمه : سار وغاب لقلت غييب وسيير لأنهما من الياء ولو حقّرت السّار وأنت تريد السائر : لقلت : سوير لأنها ألف (فاعل).

قال سيبويه : وسألت الخليل عن : خاف ومال يعني إذا قلت : رجل خاف ورجل مال فقال : خاف يصلح أن يكون (فاعلا) ذهبت عينه ويصلح أن يكون (فعلا) ؛ لأنه من فعلت.

يعني : أنّ اسم الفاعل إذا كان ماضيه على (فعل) أنه قد يجيء هو أيضا على فعل : نحو :حذر فهو رجل حذر وفرق فهو رجل فرق قال : وأما مال فإنّهم لم يقولوا (مائل).

قال : وحدثني من أثق به : أنه يقال : رجل مال إذا كثر ماله وكبش صاف إذا كثر صوفه ونعجة صافة قال : وإذا جاء اسم نحو : النّاب لا تدري أمن الياء هو أم من الواو.

فاجمله على الواو حتى يتبين لك لأنّها مبدلة من الواو أكثر.

قال أبو العباس : إنما قلبت الألف يعني الألف التي لا يدرى أصلها إلى الواو للضمة التي قبلها يعني في باب التصغير.

قال سيبويه : ومن العرب من يقول في ناب : نويب فيجيء بالواو ؛ لأن هذه الألف يكثر إبدالها من الواوات وهو غلط منه ، وأما المؤنث فتقول : في نورة : نويرة وفي جوزة جويزة.

الضرب الثاني : ما لامه معتلة من الثلاثي

تقول في قفا : قفيّ وفي فتى فتيّ وفي جرو : جري وفي ظبي : ظبيّ فيصير جميع ذلك إلى الياء.

القسم الثاني : مما لا زيادة فيه وهو الرّباعي

ص: 277

وذلك نحو : جعفر وسلهب تقول : جعيفر وسليهب والتصغير كالتكسير.

القسم الثالث : مما لا زيادة فيه وهو الخماسي

وذلك نحو : سفرجل وفرزدق تقول : سفيرج وفريزد وقال بعضهم : فريزق ؛ لأن الدال تشبه التاء والتاء من حروف الزيادة وكذلك خدرنق : خديرق فيمن قال : فريزق ومن قال : فريزد قال : خديرن ولا يجوز في (جحمرش) حذف الميم ، وإن كانت تزاد لأنها رابعة بعد ياء التحقير.

وقال الخليل : لو كنت محقرا مثل هذه الأسماء لا أحذف منها شيئا لقلت : سفيرجل حتى يصير مثل : دنينير.

الثاني من القسمة الأولى : وهو ما كان من الأسماء فيه زيادة

اشارة

وهو على عشرة أضرب :

الأول : المضاعف المدغم.

الثاني : اسم ثلاثي لحقته الزيادة للتأنيث فصار بالزيادة أربعة أحرف.

الثالث : اسم ثلاثي أدخل عليه أيضا التأنيث وما ضارعهما.

الرابع : اسم يحذف منه في التحقير من بنات الثلاثة الزيادة التي كسرته للجميع لحذفتها.

الخامس : اسم يحذف منه الزواد من بنات الثلاثة مما أوله ألف الوصل.

السادس : اسم فيه زائدتان تكون فيه بالخيار أيّهما شئت حذفت.

السابع : اسم من بنات الثلاثة تثبت زيادته في التحقير.

الثامن : ما يحذف في التحقير من زوائد بنات الأربعة.

التاسع : ما أوله ألف الوصل وفيه زيادة من بنات الأربعة.

العاشر : تحقير الجمع.

الأول : المضاعف المدغم

تقول في مدقّ : مديّق وفي أصمّ : أصيّم تجمع بين ساكنين كما فعلت في الجمع ؛ لأن هذه الياء نظيرة تلك الألف.

ص: 278

الثاني : تصغير ما كان على ثلاثة أحرف

ولحقته الزيادة للتأنيث فصار بالزيادة أربعة أحرف تقول في حبلى : حبيلى وفي بشرى : بشيرى وفي أخرى : أخيرى فلا تكسر ما قبل الألف كما لا تكسر ما قبل الهاء في طليحة وسليمة ، فإن جاءت الألف للإلحاق قلبت ياء تقول في معزى : معيز وفي أرطى : أريط وفيمن قال : علقى فنون عليق ، وإذا كانت الألف خامسة للتأنيث أو لغيره حذفت تقول في : قرقرى : قريقر وفي حبركى : حبيرك.

الثالث : اسم ثلاثي أدخل عليه ألفا التأنيث

وما ضارعهما تقول في حمراء : حميراء فلا تغير وكذلك (فعلان الذي له) (فعلى) تقول في (عطشان) وسكران : عطيشان وسكيران ؛ لأن مؤنثه : عطشى وسكرى فأما ما كان آخره كآخر (فعلان) الذي له فعلى وعلى عدة حروفه ، وإن اختلفت حركاته ولم تكسره للجمع حتى يصير على مثال (مفاعيل) فتحقيره كتحقير (عطشان وسكران) ، فإن كان يكسر على مثال (مفاعيل) كسرحان وسراحين ، فإن تصغيره : سريحين فأما ما كان على ثلاثة أحرف فلحقته زائدتان فكان ممدودا منصرفا فإنه مثل ما هو بدل من ياء من نفس الحرف نحو : علباء وحرباء تقول : عليبي وحريبى يحقر كما يحقر ما تظهر فيه الياء من نفس الحرف ، وذلك نحو : درحاية ودريحية ومن صرف غوغاء قال : غويغى ومن لم يصرف جعلها كعوراء فقال : غويغاء يا هذا ومن صرف قوباء قال : قويبى ومن لم يصرف قوباء قال :قويباء ؛ لأن تحقير ما لحقته ألفا التأنيث وكان على ثلاثة أحرف حكمه حكم واحد كيف اختلفت حركاته وكلّ اسم آخره ألف ونون يجيء على مثال (مفاعيل) فتحقيره كتحقير : سرحان تقول في سرحان : سريحين وفي ضبعان : ضبيعين لأنك تقول : ضباعين حومان :حويمين لأنك تقول : حوامين وسلطان : سليطين لأنك تقول : سلاطين وفي فرزان : فريزين كقولهم : فرازين ومن قال : فرازنة قال أيضا : فريزين ؛ لأنه جاء مثل جحاجحة وزنادقة وتقول في ورشان وريشين لأنك تقول : وراشين ، وأما ظربان فتقول : ظريبان لأنك تقول : ظرابيّ ولا تقول : ظرابين فلا تأتي بالنون في جمع التكسير كما لا تأتي بها في جمع سكران إذا قلت : سكارى ، وإذا جاء شيء على مثال : سرحان ولم تعلم العرب كسرته في الجمع فتحقيره كتحقير سكران تثبت الألف والنون في آخره كألفي التأنيث.

ص: 279

ولو سمّيت رجلا : سرحان ، ثم حقرته لقلت : سريحين ؛ لأنه يجمع جمع الملحق في نكرته ، وإذا جمعت العرب شيئا فقد كفتك إيّاه.

فأمّا عثمان فتصغيره عثيمان ؛ لأنه لم يكسر على عثامين ولا له أصل في النكرة يكسر عليه.

الرابع : ما يحذف في التحقير من بنات الثلاثة من الزيادات

لأنك لو كسرته للجمع حذفتها تقول في مغتلم : مغيلم : كقولك : مغالم ، وإن شئت عوضت فقلت : مغيليم العوض هنا غير لازم ؛ لأن الزيادة لم تقع رابعة وفي جوالق : جويليق إذا أردت التعويض وفي مقدّم ومؤخّر : مقيدم ومؤيخر تحذف الدال ولا تحذف الميم ؛ لأن الميم دخلت أولا لمعنى ، وإن شئت عوضت فقلت : مقيديم ومؤيخير.

واعلم أنه لا يجوز أن تقول : مقيدم فتدع الدال على تشديدها ؛ لأنه لا يكون الكلام مقادم من أجل أنه لا يجتمع ثلاثة أحرف من الأصول بعد ألف الجمع ، وأما منطلق فتقول فيه :مطيلق ومطيليق تحذف النون ولا تحذف الميم لأنّها أول وتقول في : مذكّر مذيكر وكان الأصل مذتكرا فقلبت التاء ذالا من أجل الدال ثم أدغمت الذال في الدال وهذا يبين في موضعه إن شاء الله.

فإذا حقرت حذفت الدال لأنّها التاء في مفتعل وظهرت الذال إذ لم يكن ما تدغم فيه ، وإن شئت عوضت فقلت : مذيكير وكذا مستمع تقول : مسيمع ومسيميع وتقول في مزدان مزيّن ومزيين ؛ لأن أصل مزدان مزتان وهو مفتعل من الزّين فأبدلت التاء دالا فلما صغرت حذفتها لأنها زائدة في حشو الاسم وتقول : محمرّ محيمر ومحيمير وفي : محمار محيمير لا بدّ من التعويض وإنّما ألزمتها العوض ؛ لأن فيها إذا حذفت الرّاء ألفا رابعة في محمارّ.

وتقول في حمارّة : حميرّة جمع بين ساكنين لأنك لو كسرت قلت : حمارّ وفي جبنّة جبينّة لأنّك لو كسرت قلت : جبان وقد قالوا : جبنة فخففوا.

وتقول في مغدودن : مغيدين فتحذف الدال الثانية ؛ لأنه مفعوعل فالعين الثانية هي المكررة الزائدة.

ص: 280

هذا القياس عند سيبويه. وإن حذفت الدال الأولى فهو بمنزلة جوالق وتقول في خفيدد : خفيدد وخفيديد وغدودن مثل ذلك وقطوطى : قطيط وقطيطيّ.

ومقعنسس تحذف النون وإحدى السينين فتقول : مقيعس ومقيعيس ، وأما معلوّط فليس إلّا : معيليط وعفنجج : عفيجج وعفيجيج ؛ لأن النون بمنزلة واو غدودن وياء خفيدد والجيم بمنزلة الدال.

وعطوّد : عطيّد وعطيّيد.

وإنّما ثقلت الواو الملحقة كما ثقلت باء عدبّس ونون عجنّس عثول : وعثيّل لأنّهم يقولون : عثاول وعثاويل والواو ملحقة بمنزلة شين قرشبّ واللام الزائدة بمنزلة الباء في قرشبّ فحذفتها كما حذفت الباء في : قراشب.

وأثبتوا ما هو بمنزلة الشين.

وألندد ويلندد واحد تقول : أليدّ ولو سميت رجلا بألبب لقلت : أليبّ. ترده إلى القياس ؛ لأن (ألببا) شاذ كحيوة.

إذا حقرت حيوة صار مثل : حذوة وجميع هذا قول سيبويه وإستبرق : أبيرق وأبيريق.

وأرندج وأريدج مثل ألندد.

ولا تلحق الألف إلّا بنات الثلاثة فتدع الزائد الأول وتحذف النون.

وذرحرح ذريرح ؛ لأن الراء والحاء ضوعفا كما ضوعفت دال مهدد : والدليل على ذلك : ذرّاح وذرّوح ومن لغته ذرحرح يقول : ذرارح.

وقالوا : جلعلع وجلالع.

وزعم يونس : أنّهم يقولون : في صمحمح صمامح فتقول على هذا جليلع ، وإن شئت عوضت فقلت : ذريريح.

ص: 281

وزعم الخليل : أنّ (مرمريس) من المراسة فضاعفوا الميم والدال في أوّله وتحقيره : مريريس ؛ لأن الياء تصير رابعة فصارت الميم أولى بالحذف من الراء ؛ لأن الميم إذا حذفت تبين في التحقير أن أصله من الثلاثة كأنّك حقرت (مرّاس) ومسرول مسيريل ليس إلا ومساجد اسم رجل مسيجد تحقير مسجد.

الخامس : ما تحذف منه الزوائد من بنات الثلاثة

مما أوائله ألفات الوصل تقول في استضراب تضيريب حذفت ألف الوصل والسين لا بدّ من تحريك ما يليها ولم تحذف التاء ؛ لأنه ليس في كلامهم سفعال وفيه التّجفاف والتّبيان وتقول في افتقار : فتيقير تحذف ألف الوصل لتحرك ما يليها ولا تحذف التاء الزائدة إذا كانت ثانية في بنات الثلاثة وكان الاسم عدة حروفه خمسة رابعهنّ حرف لين لم يحذف منه شيء في تكسير الجمع ولا في تصغير وإنما تحذف الزائد إذا زاد على هذه العدة وخرج عن الوزن وانطلاق.

قال سيبويه : نطيليق ؛ لأن الزيادة إذا كانت أولا في بنات الثلاثة وكانت على خمسة أحرف فكان رابعهن حرف لين لم يحذف منه شيء في التصغير ولا في الجمع كتجفاف تجافيف.

وقال أبو عثمان المازني : أقول في انطلاق طليق طلييق ؛ لأنه ليس في كلامهم نفعال.

قال أبو بكر : والذي أذهب إليه قول سيبويه ؛ لأنه إنّما يحذف الزائد ضرورة فإذا قدر على إثباته كان أولى لئلا يلبس بغيره مما لا زائد فيه فأمّا استفعال فلم يجز أن تثبت السين والتاء فيه ؛ لأنه ستة أحرف كان حذف السين أولى لأنّها ساكنة ولأنّها إذا حذفت بقي من الاسم مثال تكون عليه الأسماء فكانت أولى بالحذف وليس يلزمنا متى حذفنا زائدا أن نبقي الباقي على مثال معروف من الأسماء ولو وجب هذا لما جاز أن تقول : في افتقار فتيقير ؛ لأنه ليس في الكلام (فتعال) ولا شيء من هذا الضرب وتقول في اشهيباب : شهيبيب واغديدان : غديدين تحذف الألف والياء.

ص: 282

واقعنساس تحذف الألف والنون وحذف النون أولى من السين واعلوّاط وعلييّط تحذف الألف والواو الأولى لأنّها بمنزلة الياء في اغديدان والواو المتحركة بمنزلة ما هو من نفس الحرف ؛ لأنه ألحق الثلاثة بالأربعة.

السادس : اسم من الثلاثي

فيه زائدتان تكون فيه بالخيار أيّهما شئت حذفت تقول في قلنسوة : قليسية وحبنطى :حبيط وحبينط لأنها جميعا دخلت للإلحاق.

وكوألل : وهو القصير زيادة كؤيلل وكؤيليل وكوئيل وكويئيل وفي حبارى : حبيرى وحبيّر.

قال أبو بكر : والذي أختاره إذا كانت إحدى الزائدتين علامة لشيء لم تحذف العلامة إلّا أن يكون الزائد الآخر ملحقا ، فإن الملحق بمنزلة الأصلي فأرى أن تصغر حبيرى وتحذف الألف الأولى التي في حشو الاسم وتترك ألف التأنيث وكان أبو عمرو يقول : حبيرة يجعل الهاء بدلا من ألف التأنيث وألما علانية وثمانية فأحسنه علينية وثمينية ؛ لأن الياء في آخر الاسم أبدا بمنزلة ما هو من نفس الحرف لأنها تلحق بناء ببناء فياء (عفارية وقراسية) بمنزلة راء عذافرة وقد قال بعضهم : عفيرة وثمينة شبهها بألف حبارى وكذلك صحارى وأشباه ذلك ، فإن سميت رجلا بمهارى وصحارى قلت : مهير وصحير.

قال سيبويه : وهو أحسن ؛ لأن هذه الألف لم تجيء للتأنيث إنّما أرادوا : مهاريّ وصحاريّ فحذفوا وأبدلوا وعفرناة وعفرني عفيرن وعفيرية لأنّهما زيدتا للإلحاق العرضني ضرب من السير عريضن ؛ لأن النون ملحقة والألف للتأنيث فثبات الملحق أولى.

وقبائل اسم رجل : قبيئل وقبيئيل. إذا عوضت وطرح الألف أولى من الهمزة لأنّها بمنزلة جيم مساجد وهمزة برائل وهذا قول الخليل ، وأما يونس فيقول : (قبيّل) بحذف الهمزة.

قال أبو بكر : فقول الخليل أحسن ؛ لأن حذف الساكن أولى من حذف المتحرك وبقاء الهمزة أدلّ على المصغر وتقول في لغّيزى : لغيغيز تحذف الألف لأنّك لو حذفت الياء الرابعة لاحتجت إلى أن تحذف الألف فتقول : لغيغز ؛ لأنه يستوفي عدد الخمسة وكذلك اقعنساس :

ص: 283

قعيسيس تحذف النون وتترك الألف لأنك لو حذفت الألف لاحتجت إلى حذف النون فحذف ما يستغنى بحذفه وحده أولى من أن تخلّ بالاسم.

وياء لغّيزى ليست بياء تصغير ؛ لأن ياء التصغير لا تكون رابعة فهي بمنزلة الألف في خضّارى وتصغير خضّارى كتصغير لغّيزى وبركاء وجلولاء بريكاء وجليلاء ففرقوا بين هذه الألف التي للتأنيث وقبلها ألف وبين الهاء التي للتأنيث ؛ لأن هذه لازمة والهاء غير لازمة وتقول في : عبدّى عبيد تحذف الألف ولا تحذف الدال وفي معلوجاء ومعيوراء : معيليجاء ومعييراء تلزم العوض ؛ لأن الواو رابعة.

قال سيبويه : لو جاء في الكلام فعولاء ممدودا لم تحذف الواو في قول من قال في أسود :أسيود فأمّا من قال في سيد : أسيد وفي جدول جديّل فإنه يلزمه أن يحذف فيقول : فعيلاء ؛ لأنه غير الحرف الملحق فصار بمنزلة الزائد في (بركاء) ويحقر : ظرفين وظريفات ظريفون وظريفات.

وقال سيبويه : سألت يونس عن تحقير ثلاثين فقال : ثليثون ولم يثقل شبهوها بواو جلولاء ؛ لأن ثلاثا لا تستعمل مفردة وهي بمنزلة عشرين لا تفرد عشرا.

ولو سميت رجلا جدارين ثم حقرت لقلت : جديرين ولم تثقل لأنك لست تريد معنى التثنية ، فإن أردت معنى التثنية ثقلت وكذلك لو سميته بدجاجات وظريفين ثقلت في التحقير ؛ لأن تحقير ما كان من شيئين كتحقير المضاف فدجاجة كدراب جرد ودجاجتين كدراب جردين.

السابع : كلّ اسم من بنات الثلاثة تثبت فيه زيادته في التحقير

وذلك قولك في تجفاف : تجيفيف. وإصليت : أصيليت. ويربوع : يربيع ؛ لأنّها تثبت في الجمع وعفريت : عفيريت وملكوت : مليكيت لقولهم : ملاكيت وكذلك : رعشن لقولك : رعاشن وسنبتة لقولهم : سنابت والدليل على زيادة التاء قولهم : سنبة.

وقرنوة تصغر : قرينية لأنّك لو جمعت قلت : قران.

ص: 284

وبردرايا وحولايا بريدر وحويلي ؛ لأن الياء ليست للتأنيث وهي كياء درحاية.

الثامن : ما يحذف من زوائد بنات الأربعة كما تحذفها في الجمع

تقول في قمحدوة قميحدة لقولهم : قماحد وسلحفاة سليحفة لسلاحف وفي منجنيق مجينيق لمجانيق وعنكبوت : عنيكب وعنيكيب لعناكب وعناكيب.

وتخربوت تخيرب وتخيريب تعوض ، وإن شئت فعلت ذلك بقمحدوة وسلحفاة ونحوهما.

عيطموس : عطيميس لقولهم : عطاميس وعيضموز : عضيميز لأنّك لو كسرت قلت :عضاميز وحجنفل حجيفل وحجيفيل النون زائدة وكذلك عجنّس وعدبّس ضاعفوا كما ضاعفوا ميم محمّد وكذلك قرشبّ ضاعفوا الباء كما ضاعفوا دال معدّ وكنهور لا تحذف واوه لأنّها رابعة فيما عدته خمسة أحرف.

وعنتريس عتيريس والنون زائدة ؛ لأن العترسة الشدة والعنتريس الشديد وخنشليل خنيشيل تحذف إحدى اللامين زائدة لأنّها زائدة يدلّك على ذلك التضعيف والنون من نفس الحرف حتى يتبين لك سوى ذلك ومنجنون منيجين وطمأنينة طميئينة تحذف إحدى النونين لأنّها زائدة.

وفي قشعريرة قشيعرة وقندأو إن شئت حذفت الواو كما حذفت ألف حبركى ، وإن شئت النون وإبراهيم بريهيم وقد غلط في هذا سيبويه ؛ لأنه حذف الهمزة فجعلها زائدة ومن أصوله أنّ الزوائد لا تلحق ذوات الأربعة من أوائلها إلّا الأسماء الجارية على أفعالها ويلزمه أن يصغر إبراهيم : أبيرية ويصغّر اسماعيل : سميعيل وقال : تحذف الألف حتى تجيء على مثال : فعيعيل ومجرفس جريفس وجريفيس ولو لم يحذف الميم لم يجيء التحقير على مثال : فعيعل وفعيعيل ومقشعر ومطمئن تحذف الميم وأحد الحرفين المضاعفين.

فتقول : قشيعير وطميئين وخورنق مثل : فدوكس وبردرايا بريدر تحذف الزوائد حتى تصير على مثال (فعيعل) ، وإن عوضت قلت : بريدير وحويليّ ؛ لأن الياء فيهما ليست للتأنيث ولكنها بمنزلة ياء درحاية.

ص: 285

التاسع : تحقير ما أوله ألف الوصل وفيه زيادة من بنات الأربعة

وذلك احرنجام تقول : حريجيم تحذف الألف والنون حتى يصير ما بقي على مثال :فعيعيل ومثله الاطمئنان والاسلنقاء.

العاشر : ما كسّر عليه الواحد للجمع

كلّ بناء لأدنى العدد فتحقيره جائز وهو على أربعة أبنية : أفعل وأفعال وأفعلة وفعلة ، وذلك قوله في أكلب : أكيلب وفي أجمال : أجيمال وفي أجربة أجيربة وفي غلمة : غليمة وفي وليدة : وليدة ، فإن حقرت ما بني للكثير وددته إلى بناء أقلّ العدد تقول في تصغير : دور أدير تردّء إلى أدنى العدد ، فإن لم تفعل تحقرها على الواحد وألحق تاء الجمع ، فإن حقرت مرابد وقناديل قلت : قنيديلات ومريبدات ودراهم دريهمات وفتيان وفتيّة ترده إلى فتية ، وإن شئت قلت : فتيّون والواو والنون بمنزلة الألف والتاء وفقراء فقيرون ، فإن كان الاسم قد كسّر على واحده المستعمل في الكلام فتحقيره على واحده المستعمل تقول في ظروف جمع ظريف : ظريفون وفي السّمحاء : سميحون وفي شعراء شويعرون ترده إلى سمح وظريف وشاعر فإذا جاء جمع لم يستعمل واحده حقّر على القياس نحو : عباديد تقول : عبيديدون ؛ لأنه جمع فعلول أو فعلال أو فعليل فكيف كان فهذا تحقيره.

وزعم يونس : أنّ من العرب من يقول : سرييلات في تصغير سراويل يجمعه جمعا بمنزلة :دخاريض ودخرضة وتقول في جلوس وقعود : جويلسون وقويعدون فأما ما كان اسما للجمع وليس من لفظ واحد مكسرا فإنّه يحقر على لفظه ؛ لأنه اسم للجمع كالاسم الواحد ، وذلك نحو : قوم يحقر قويم ورجل رجيل ؛ لأنه غير مكسر وكذلك النفر والرّهط والنسوة والصحبة ، فإن كسرت شيئا من هذا لأدنى العدد حقرته بعد التكسير نحو : أقوام أقيام وأنفار تقول :أنيفار والأراهط رهيطون.

قال أبو عثمان المازني : قال الأصمعي : بنات رهط وأراهط وأراهط فعلى هذا تقول :أريهط ، وأما قوله :

ص: 286

قد شربت الأدهيد هينا ...

فكأنه حقّر دهاده فرده إلى الواحد وأدخل الياء والنون للضرورة كما يدخل في أرضين والدّهداه : حاشية الإبل ، وإذا حقرت السنين قلت : سنيّات لأنك قد رددت ما ذهب وأرضون أريضات لأنك قد غيرت البناء ، وإن كان اسم امرأة قلت : أريضون وكذلك سنون لا تردّ إلى الواحد لأنك لا تريد جمعا تحقره ، وإذا حقرت سنين اسم امرأة في قول من قال : سنين قلت : سنيّن على قوله في يضع : يضيّع لا تحتاج إلى أن تردّ ؛ لأنه على مثال المصغرات من فعيل وفعيعل فمن قال : سنون قال : سنيّون فلم يكن بدّ من الردّ ؛ لأن الواو والنون ليستا من الاسم المصغر.

وقال سيبويه : تقول في أفعال اسم رجل أفيعال فرقوا بينها وبين إفعال.

ص: 287

الثالث من القسمة الأولى : وهو الاسم المنقوص

اشارة

(1)

وهو على سبعة أضرب :

الأول : ما ذهبت فاؤه من بنات الحرفين.

الثاني : ما ذهبت عينه.

الثالث : ما ذهبت لامه.

الرابع : ما ذهبت لامه وكان أوله ألف الوصل.

الخامس : ما كان فيه تاء التأنيث.

السادس : ما حذف منه ولا يردّ في التحقير.

السابع : الأسماء المبهمة.

الأول : ما ذهبت فاؤه من بنات الحرفين

من حقّ هذا الباب أن تردّ الاسم فيه إلى أصله حتى يصير على مثال فعيل نحو : عدة وزنة تقول : وعيدة ووزينة ووشية.

ويجوز أعيدة وأشية وكل إذا سميت به قلت : أكيل وخذ أخيذ.

الثاني : ما ذهبت عينه

وذلك مذ يدلّك على ذهاب العين منذ وتحقيره منيذ وسل هو من سألت وتحقيره سؤيل ومن قال : سال يسال فلم يهمز قال : سويل ويحقرسه ستيهة.

الثالث : ما ذهب لامه

نحو : دم تقول : دميّ يدلّك عليه دماء ويد يدية يدلّك عليه أيد وشفة شفيهة يدلّك شفاة شافهت وحر حريح يدلّك أحراح ومن قال في سنة سانيت.

قال : سنية ومن قال : سانهت قال : سنيهة.

ص: 288


1- قال الجرجاني : المنقوص : هو الاسم الذي في آخره ياء قبلها كسرة ، نحو : القاضي.

ومنهم من يقول في عضة عضيهة من العضاه ومنهم من يقول عضيّة من عضّيت وعلى ذلك قالوا : عضوات وتقول في فل : فلين دليله فلان ورب مخففة تحقيرها ربيب تدل ربّ الثقيلة عليهما.

وكذلك بخ يدلك عليها (بخّ) الثقيلة. وكلّ هذا يبنى إذا سمى به.

قال سيبويه : وأظن قط كذلك ؛ لأن معناها انقطاع الأمر وفم فويه يدلّ عليه : أفواه وذه ذييّة لو كانت امرأة ؛ لأن الهاء في ذه بدل من ياء فتذهب هذه الهاء كما ذهبت ميم (فم) ، وإذا خففت (إنّ) ثم حقرتها رددت ، وأما (إن) الجزاء (وأن) التي تنصب الفعل و (إن) التي في معنى ما و (إن) التي تلغى في قولك ما إن تفعل وعن تقول : عنيّ وأنيّ وليس على نقصانها دليل ما هو فحمل على الأكثر وهو الياء ألا ترى أنّ ابنا واسما ويدا وما أشبه إنّما نقصانه الياء وجميع هذا قول سيبويه.

الرابع : ما ذهبت لامه وكانت أوله ألفا موصولة

تقول في اسم سميّ ويدلّ أسماء وابن بنيّ يدلّ أبناء وأست : ستيهة ويدل أستاه.

الخامس : تحقير ما كان من ذلك فيه تاء التأنيث

اعلم أنهم يردونه إلى الأصل ويأتون بالهاء فيقولون في أخت : أخية.

وفي بنت : بنية وذيت : ذييّة وهنت : هنية ومن العرب من يقول في (هنت) : هنيهة يجعل الهاء بدلا من التاء في (هنت) ولو سميت امرأة : (بضربت) ثم حقرت لقلت : ضريبة تجعل الهاء بدلا من التاء.

السادس : ما حذف منه ولا يردّ في التحقير ما حذف منه

وذلك من قبل أنّ ما بقي منه لا يخرج عن أمثلة التحقير من ذلك ميت : مييت والأصل ميّت وهار : هوير والأصل هائر.

وزعم يونس : أنّ ناسا يقولون : هويئر فهؤلاء لم يحقروا هارا وإنّما حقروا هائرا كما قالوا :أبينون كأنّهم حقروا أبنى ومرّ ويرى إذا سمي بهما مريّ ويرىّ ولا يقاس على (هويئر).

ص: 289

قال سيبويه : فأما يونس فحدثني أنّ أبا عمرو كان يقول في : (يرى) يريئي يهمز ويجرّ وهذا رده إلى الأصل وتصغير يضع : يضيع على مذهب سيبويه وكان أبو عثمان يرى الردّ فيقول : يوضع ومرئين وهو أجود عنده لأنها عين ويقول في خير منك : خيير منك وشترير منك لا تردّ الزيادة.

السابع : الأسماء المبهمة

اعلم أنّ التحقير يضم أوائل الأسماء غير هذه ، فإن أوائلها تترك على حالها تقول في هذا : هذيّا وذاك ذيّاك وألا أليّا.

وألحقوا هذه الألف الزائدة أواخرها لتخالف أواخر غيرها كما خالفت أوائلها قال : هذا قول الخليل.

قال سيبويه : قلت فما بال ياء التصغير فيه ثان