الطراز الاوّل المجلد 1

اشاره

الطراز الأوّل والکِناز لما علیه من لغه العرب المعوّل (المقدمه)

المؤلف: السیّد علی بن أحمد بن محمّد معصوم الحسینی(سید صدرالدین علی بن احمد بن محمد معصوم حسینی دشتکی شیرازی، معروف به سید علی خان مدنی)

المحقق: مؤسسه آل البیت علیهم السلام لإحیاء التراث - قم

الناشر: مؤسسه آل البیت علیهم السلام لإحیاء التراث - مشهد

الطبعه: ١

الموضوع : اللغه والبلاغه

تاریخ النشر : ١٤٢٦ ه-.ق

ISBN (ردمک): 964-319-480-9

نسخه غیر مصححه

موضوع:زبان شناسان عرب

زبان عربی - اصطلاح ها و تعبیرها

زبان عربی - تحقیق

زبان عربی - واژه نامه ها - فقه اللغه عربی

مدنی، علی خان بن احمد، 1052 - 1120؟ق. - نقد و تفسیر

ص: 1

المقدمه

اشاره

صور

ص: 2

صور

ص: 3

ص: 4

المقدمه

المنهج الاستدراکی النقدی فی اللغه

ودور السیّد علیّ خان فی تطویره وتنمیقه

« دراسه معجمیه »

بقلم

السیّد علیّ الشهرستانیّ

اللغه : جسر یربط الإنسان ببنی نوعه ، وهی الاداه المثلی المعبره عن أحاسیس الفرد وأفکاره وطموحاته.

وهی الوسیله للإفصاح والإبانه عن المکنون ، بل هی الصوره الحاکیه عن شخصیه الإنسان وثقافته ومعلوماته.

قال ابن فارس عن الإعراب وأهمّیّته : الإعراب فیه تمییز المعانی ، ویوقف علی أغراض المتکلّمین ، وذلک أنّ قائلا لو قال ( ما أحسن زید ) غیر معرب ، أو ( ضرب عمر زید ) غیر معرب ، لم یوقف علی مراده ، فإذا قال ( ما أحسن زیدا ) أو ( ما أحسن زید ) أو ( ما أحسن زید ) أبان بالإعراب عن المعنی الّذی أراده.

وکذا الحال بالنسبه إلی الحرکات ، فهم یفرّقون المعانی بینها ، فلو قال ( مفتح ) أرادوا الآله الّتی یفتح بها ، و ( مفتح ) لموضع الفتح ، و ( مقصّ ) لآله القصّ ، و ( مقصّ ) للموضع الذی یکون فیه القص ...

وکأنّ هذا وغیره هو الذی جعل البعض یقول عن أصل کلمه العرب والعربی : إنّه اشتقّ من الإعراب ، وهو الإبانه ، فیقال : أعرب الرجل عن ضمیره ، إذا أبان عنه.

ص: 5

والکلمه العربیه تشتمل علی ماده وهیئه ، فالماده ک ( ض ر ب ) الدالّه علی الضرب ، وأمّا الهیئه - التی تسمّی بالبناء أو الوزن أو الصیغه - فیلحظ فیها الحروف الأصلیه والزائده ( کسامع ، ضارب ، شارب ، مشروب ، مضروب ، مقتول ، ... ).

وبالاشتقاق تتحدّد الکلمه من حیث الماده والمعنی ، وما مهمّه بحث الأبنیه أو الصرف إلاّ تحدید الشکل أو البناء الذی یکسب معنی زائدا یضاف إلی المعنی العام فیخصصه ویحدده.

إنّ اللغه العربیه تمتاز عن غیرها بکثره المفردات ، والاتساع فی الاستعاره والتمثیل ، وقلب الحروف ، والتمییز بین الفاعل والمفعول ، وبین التعجب والاستفهام ، والنعت والتأکید ، وتعویض کلمه مکان کلمه - کإقامه المصدر مقام فعل الأمر ، والفاعل مقام المصدر - أو التقدیم والتأخیر کما هو الحال فی تقدیم الخبر علی المبتدأ ، والمفعول علی الفاعل.

وهو ما یوضح أن اللغه العربیه واسعه جدّا وتتألف من أصل ومزید ، وهذه الزیاده علی الحروف ، إمّا أن تقع فی أوّل الکلمه ، أو وسطها ، أو آخرها ، وقد تکون هذه الزیاده من الحروف الصوتیّه أو الهوائیه ( مد ) و ...

وقد استقصی علماء اللغه ، الحروف الزائده فی الکلام العربی فوجدوها لا تخرج عن عشره حروف جمعوها فی قولهم ( سألتمونیها ) ، وإذا أضفنا الحرکات الثلاث وعددناها حروف مدّ قصیره ، کان مجموعها ثلاثه عشر ، هی سبب تنوّع الألفاظ المشتقّه من ماده واحده.

والکلمه المؤلفه من الحروف الأصلیه ، إمّا ثنائیه ، أو ثلاثیه ، أو رباعیه ، أو خماسیه ، وإن کان البعض قد ردّ الألفاظ المؤلفه من أربعه حروف أو أکثر إلی الثلاثی بطریق الاشتقاق أو النحت!!

ص: 6

والثلاثی هو ما یتألف من ثلاثه حروف أصلیه ک ( ض ، ر ، ب ) ، والثنائی هو ما یتألف من حرفین أصلین ک ( ق ، د )

وقد سعی البعض فی إرجاع الثلاثی إلی الثنائی ، وذلک بعد البحث عن الصله المعنویه بینهما ، وکان الخلیل ( ت 175 ه ) وسیبویه ( ت 180 ه ) وأبو علی الفارسی ( ت 377 ه ) وابن جنی ( ت 392 ه ) من الأوائل الذین طرحوا هذه النظریه ، وکان الأخیر أدقّهم وأجرأهم لتوثیق ما ذهب إلیه ، إذ بسط القول فی ذکر الأمثله وما شاهده من صلات بین الالفاظ المشترکه فی حرفین ، أو فی حرف واحد مع التشابه فی الحروف الأخری.

وقد اعتبر هؤلاء الحرف الثالث منوّعا للمعنی العام الذی تدلّ علیه الأصول الثنائیه ، ومثال ذلک : قط ، قطع ، قطف ، قطل ، قطم ...

فالأصل فی هذه الکلمات علی رأی القائلین بالثنائیه هما الحرفان الأوّلان منها ، وهما « قط » ، وأمّا الحرف الثالث فیها ( ع ، ف ، ل ، م ) فهی منوعه لمعنی القطع ، ومخصّصه له ، وکذلک ( غمز ، غمس ، غمر ، غمق ، غم ، غما ، غمی ) فالأصل فیها ( غم ) ویفید التغطیه والإخفاء ، والحرف الثالث مخصّص تفید الکلمه بإضافته معنی خاصا من معانی التغطیه.

ویمکن القول بمثل هذا فی المواد أو المجموعات الّتی تشترک فی النون والفاء ( نف ) ، والنون والباء ( نب ) ، أو القاف والصاد ( قص ) ، أو الفاء والراء ( فر ) وأمثالها.

هذا ، وإنّ غالب الذین ذهبوا إلی ثنائیه الکلمه یعتقدون أنّ الکلمه وضعت فی أوّل أمرها علی هجاء واحد ، متحرّک فساکن ، محاکاه لأصوات الطبیعه ، ثمّ فثّمت - أی زید فیها حرف أو أکثر فی الصدر ، أو القلب ، أو الطرف - فتصرّف المتکلّمون بها تصرّفا یختلف باختلاف البلاد ، والقبائل ، والبیئات ، والأهویه.

ص: 7

فکان لکلّ زیاده ، أو حذف ، أو قلب ، أو إبدال ، أو صیغه ، معناه ، أو غایه ، أو فکره دون أختها ، ثمّ جاء الاستعمال فأقرّها مع الزمن علی ما أوحته إلیهم الطبیعه ، أو ساقهم إلیها الاستقراء ، والتّتبّع الدقیق ، وفی کلّ ذلک من الأسرار والغوامض الآخذه بالألباب ، ما تجلّت بعد ذلک تجلّیا بدیعا ، استقرّت علی سنن وأصول وأحکام لن تتزعزع ... (1) ویسمّی هذا النوع من الاشتقاق بالاشتقاق الکبیر.

وممّا تجب الإشاره إلیه هنا ، هو إن الخلیل الفراهیدی أوّل من فتح باب الاشتقاق الکبیر ، أو قل التقالیب ک ( رکب ، ربک ، کبر ، کرب ، بکر ، برک ) لکنه لم یکن یعنی بعمله إرجاع الحروف الأصلیّه إلی معنی مشترک واحد بینها مثلما فعله ابن جنی وغیره ، بل إنّ عمله جاء طبقا لمخارج الحروف.

وعلیه فالقول بأنّ ( ق ، و، ل ) وسائر تراکیبها تفید الخفوف والحرکه ، وأنّ مقالیب ( ک ، ل ، م ) تفید القوه والشده ، و ( س ، ل ، م ) تفید الضعف واللین ، وما شابه ذلک إنّما هو شیء جاء من قبل اجتهادات ابن جنی فی کتابه الخصائص وغیره.

أمّا الاشتقاق الصغیر ، فهو الأساس الثلاثی للکلمه وما یشتق منه ، وهو أکثر أنواع الاشتقاق ورودا فی العربیه ، وهو الذی تدور علیه رحی کتب اللغه ف ( ض ، ر ، ب ) اشتق منه الضارب ، والمضروب ، واضرب ، ویضرب ، ویضربن و ...

ومثله ( ع ، ر ، ف ) فقد اشتق منه عرّف ، تعرف ، تعارف ، عرف و ...

هذا ، وقد ألّف بعض المتقدّمین کالأصمعی ، وقطرب ، وأبی الحسن ، والأخفش ، وأبی نصر الباهلی ، والمفضل بن سلمه ، والمبرد ، وابن درید ،

ص: 8


1- 1. نشوء اللغه العربیه ونموها ، لانستاس ماری الکرملی : 1.

والزجاج ، وابن السراج ، والنحاس وابن خالویه کتباً فی الاشتقاق.

وأمّا الاشتقاق الصغیر فإنّه یعنی رجوع التصاریف المختلفه إلی معنی جامع مشترک بینها کما رأیته فی ( ض ، ر ، ب ) و ( ع ، ر ، ف ) وهذا من خصائص اللغه العربیه ولم یلحظ مثله فی اللغات الأخری.

فإذا اخذت کلمه ( کتب ) مثلا واشتقاقاتها من ( کاتب ، مکتوب ، کتاب ، مکتبه ، مکتب ، یکتب ، اکتب و ... ) وجدت أن الحروف الأصلیه موجوده فی کلّ مفرده منها ، ومثله معنی الکتابه ، علی عکس اللغات الأخری ، حیث لا توجد صله بین کلمات الأسره الواحده ، فمثلا ( کتب ) فی اللغه الانجلیزیه تسمی ( Write ) والکتاب ( Book ) والمکتبه ( Library ) فلا علقه بین حروف ومفردات تلک اللغه ، الأمر الذی جعل اللغه الانجلیزیه تختلف من جیل إلی آخر ، ولا یلحظ الصله اللغویه بین ماضیها وحاضرها.

ومثله الحاله المشاهده فی اللغه العبریه ، فالتوراه لا یقرأها بلغتها العبریه إلاّ أحبار الیهود ، ونفر ممّن تفرّغوا لدراستها ، وأما سائر الیهود فیقرأون التوراه کلّ بلغه سکان البلاد الّتی یعیش فیها ، ومثله حال المسیحین مع لغتهم.

وهذا بخلاف العربیه ، إذ أنّ أبناءها الیوم وبعد ألف وأربعمائه سنه یفهمون أشعار الجاهلیّین کما یفهمون أشعار أبی تمام ، والبحتری ، والمتنبی ، وأبی العلاء المعرّی ، والشریف الرضی ، وهذان ما لا یلحظ فی اللغات الاخری ، إذ أنّ اللغه القدیمه عندهم تختلف عن الحدیثه بشیء.

قال بلاشیر : إنّ وحده اللغه العربیه هی وحده أخلاقیه ودینیه قبل کلّ شیء ، مؤسسه علی وحده تاریخ اللغه ، وإنّنا کلّما درسنا اللغه الفرنسیه لاحظنا أنّها تطوّرت عبر العصور بحیث نجد لها

ص: 9

أطوارا ، فإذا قارنّا حاله اللغه الفرنسیه فی العصور الوسطی وجدنا أنّها مغایره للّغه المستعمله فی القرن السابع عشر ، وهذه أیضا مختلفه عن لغتنا الیوم.

هذه الوحده فی اللغه الفرنسیه لا تتضح إلاّ بالبحث والمقارنه ، فی حین أنّ وحده اللغه العربیه تتّضح للقارئ ولو کان أجنبیا لأوّل وهله (1).

وبنظرنا أنّ فضل بقاء هذه الوحده اللغویه المحبکه یرجع إلی الإسلام والقرآن - ذلک الکتاب السماوی المنزل علی نبیّه محمّد صلی الله علیه و آله - الّذی حافظ علی قوام هذه اللغه ، وهو الذی جعل منها لغه عالمیه یؤذّن بها الفیلبینی ، ویصلّی بها الأمریکی ، ویتلو قرآنها الصینی والهندی والفارسی ویدعو بها الأسبانی والإیطالی و ...

وعلیه ، فالکلمه العربیه هی لغه الدین ، وهی مرکّبه من المادّه الصوتیه والقیمه التعبیریه الموحیه ، ولکلّ حرف منها ظلّ وشعاع ، وصدی وإشعاع ، ولو جمع الواحد منها مع الآخر کان له معنی ومفهوم یغایر الآخر ، وإن کان البعض - کابن جنی - یری سرّا فی هکذا اختلاف ، لأنّ « صعد » غیر « سعد » إذ أنّ ما هو بالصاد جاء للصعود من الجبل والحائط لأنّها قویه ، والسین لضعفها لما لا یظهر ولا یشاهد حسا ، إلاّ أنّه مع ذلک فیه صعود الجدّ ، لا صعود الجسم ، فجعلوا الصاد لقوتها فیما یشاهد من الافعال المعالجه المتجشمه ، وجعلوا السین لضعفها فیما تعرفه النفس وإنّ لم تره العین (2).

ص: 10


1- 1. الفصحی من لغه القرآن.
2- 2. انظر الخصائص 2 : 161.

وقال ابن درید فی الجمهره : الخنن فی الکلام أشدّ من الغنن ، والخنّه أشدّ من الغنّه ، والأنیت (1) أشدّ من الأنین ، والرّنین أشدّ من الحنین.

وفی الإبدال لابن السکیت : یقال : القبصه أصغر من القبضه ، قال فی الجمهره : القبص : الأخذ بأطراف الأنامل ، والقبض : الأخذ بالکفّ کلّها.

وقال الکسائی : القضم للفرس ، والخضم للإنسان.

وقال غیره : القضم بأطراف الأسنان ، والخضم بأقصی الأضراس.

وقال أبو عمرو : النضح - بالضاد المعجمه - : الشرب دون الریّ ، والنصح ، بالصاد المهمله : الشرب حتّی یروی ، والنشح ، بالشین المعجمه دون النضح بالضاد المعجمه ... (2)

والتغییر قد یقع فی وسط الکلمه ک ( ق ، ت ، ر ) و ( ق ، ط ، ر ) و ( ق ، د ، ر ) فالتاء خافیه ؛ کقولهم : قتر الشیء ، والطاء سامیه متصعّده ( قطر ) والدال لیس لها صعود الطاء ولا نزول التاء فتکون بین هذا وذاک.

وقد یأتی فی آخر الکلمه کما فی النضخ والنضح ، فالنضخ یأتی للماء وغیره ، وهو أقوی مما بالحاء ؛ کقوله ( فِیهِما عَیْنانِ نَضَّاخَتانِ ) (3) فاستعملت العرب الحاء لرقتها للماء الضعیف ، والخاء لغلظتها لما هو أقوی منه.

کانت هذه نماذج موضحه للقیمه التعبیریه للکلمه ، وهو ما یبحث غالبا فی فقه اللغه لا فی أنحاء اشتقاقها ، ونحن وإن کنّا لا نهدف التفصیل فی مثل هذه الأمور لکنّا رأینا أنّ طرح بعض الشیء فی هذا المجال ممّا لا یستغنی عنه احد.

ص: 11


1- 1. أنت یأنت أنیتا : أنّ.
2- 2. المزهر 1 : 51.
3- 3. الرحمن : 66.

والآن لنرجع إلی حقیقه الاشتقاق وأبنیه المصادر ، لکونها أوفق وأقرب لما نحن فیه ، إذ من الثابت أنّ أسماء الأعیان - المشاهده المرئیّه - وجدت قبل أسماء المعانی ، فلا یعقل تصور التّأبّل - أی اتّخاذ الإبل - قبل وضع لفظ « الإبل » نفسه ، والتضلع قبل « الضلع » ، والتبحر قبل « البحّر » ، والسموّ قبل « السماء ».

فأسماء الأعیان هی أصل الاشتقاق لا المصادر ، لأنّ هذه المصادر کالأفعال لا تتقید بموازین دقیقه ، ولا تقاس اقیسه سلیمه مطرده ، وقد أکثر العرب اشتقاق الأفعال والمصادر من هذه الأسماء.

ولو لاحظت معاجمنا لرأیتها تمتلک من الجواهر الّتی تفرعت عنها الاحوال والصفات والمصادر والأفعال الشیء الکثیر.

فمن الرأس اشتقوا : رأسته رأسا : إذا أصبت رأسه ، ومن الیافوخ : أفخته أفخا : إذا ضربت یافوخه ، فإن ضربت دماغه قلت دمغته ، وإن حاذیت صدغه بصدغک فی المشی فقد صدغته ، وإن أصبت منخره فقد نخرته و ...

ومن أسماء الأقارب اشتقّوا المصادر والأفعال ، فالتبنّی من الابن ، والتأبّی من الأب ، والتأمّم : اتخاذ الأمّ ، والبعال والمباعله : اتّخاذ البعل.

وولّدوا کثیرا من الألفاظ ، من أسماء الأمکنه ، فقالوا : أحرم القوم : دخلوا فی الحرم ، ساحلوا : أتوا السّاحل ، أعمن الرّجل : أتی عمان ، کوّف : صار إلی الکوفه ، قدّس : أتی بیت المقدس : أیمن : أتی الیمن.

ومنه : أخرفوا ، وأشتوا ، وأربعوا ، وأصافوا ، وأفجروا ، وأظهروا ، و ...

إشاره للدخول فی الخریف والشتاء والربیع والصیف والفجر والظهر و .. ، هذا شیء والشیء الآخر فی هذا المجال هو الکلام عن أبنیه المصادر وتحدید الصیغ الاسمیه والفعلیه ، فقد سعی السیوطی إلی ذکر من صنّف فی الصیغ الاسمیه

ص: 12

والفعلیه.

وکان سیبویه أوّل من أحصی الصیغ الاسمیه ، إذ اشار إلی 308 بناء للأسماء ، ثمّ زاد ابن السراج اثنین وعشرین بناء علیها ، فصارت 330 ، ثمّ أضاف إلیها أبو عمر الجرمی صیغا قلیله أخری ، وأخیرا جاء ابن خالویه بأمثله یسیره أخری فی هذا السیاق.

وقد روی صاحب المزهر عن ابن القطاع أنّه جمع ما تفرّق فی تألیف الأئمّه حتّی بلغ (1210).

ونحن لسنا بصدد تأیید أو تخطئه السیوطی وابن القطاع ، أو معارضه ما قالوه فی حصر واستقصاء صیغ الأسماء والأفعال ، لأن الذی یجب قوله هنا هو أنّ الصرفیّین کانوا قد حصروا أوزان الأفعال فکانت بضعه وعشرین بناء ، وهی الّتی یعرفها الطالب فی دراسه الفعل ثلاثیا ورباعیا ، مجرّدین ومزیدین ، بمعانیهما الداخله تحت کلّ قالب من قوالب هذه الأوزان.

وأمّا الأسماء ، فمن الصعب حصرها لکثرتها ، ولو اقتصرنا علی ذکر أشهرها لطال بنا الحدیث کذلک.

نحن لا نرید أن نردد قول ابن جنی فی أنّ الأسماء الّتی لا زیاده فیها تکون علی ثلاثه أصول : أصل ثلاثی ، وأصل رباعی ، وأصل خماسی ، وأن الأفعال الّتی لا زیاده فیها تکون علی أصلین فقط : ثلاثی ورباعی ، وأننا لا نجد علی خمسه أحرف فعلا لا زیاده فیه (1).

ص: 13


1- 1. انظر المصنف لابن جنی 1 : 18 وهو شرح لکتاب التصریف للمازنی ط الباب الحلبی بالقاهره ، تحقیق إبراهیم مصطفی وعبد الله أمین.

ولن نقول بقول الصرفیین : إن الأسماء الثلاثیه تکون علی عشره أمثله تصلح جمیعا لأن تکون إسما وصفه (1).

ولن نقطع مع حمله اللغه بأنّه « لیس فی الکلام اسم علی فعل - بضم الفاء وکسر العین - إنما هذا بناء یختص به الفعل المبنی للمفعول نحو ضرب وقتل إلاّ فی اسم واحد وهو دئل (2).

ولن نحظی بطائل إذا حصرنا هنا الأسماء الرباعیّه الّتی لا زیاده فیها فی سته أمثله : خمسه وقع علیها إجماع أهل العربیه ، وواحد تجاذبه الخلاف (3).

أو حصرنا الأفعال الرباعیه فی ( فعلل ) للمعلوم ، وفعلل للمجهول.

ولن نجزم کما جزم الأوائل بأنّ الأسماء أقوی من الأفعال ، فجعلوا لها علی الأفعال فضیله لقوّتها ، واستغنائها عن الأفعال ، وحاجه الأفعال إلیها.

ولن نستقری أمثله الأسماء الخماسیه سواء أکانت أربعه أم خمسه.

ولن نحصی الزوائد فی الأسماء والأفعال - ثلاثیه أو رباعیه أو خماسیه - ما دامت زیادتها تمت بضرب من الإلحاق الصرفی ک ( کوثر وجدول وجیئل ).

فکل هذه الحقائق یعرفها المشتغلون بأبحاث الصرف ، وهی کثیره ، وقد تبعدنا عن الهدف.

بل الذی نرید قوله هنا هو : هل أنّ العرب کانوا کلّهم فصحاء بلغاء ، أم أنّ بینهم من لا یعرف بعض الکلمات ویلحن فیها؟ ولماذا اتّخذت العرب لهجه قریش لغتها الرسمیه ، وهل جاء هذا لکونها بعیده عن بلاد العرب من جمیع جهاتها - حسبما قاله

ص: 14


1- (1) وهی فَعْل ، وفَعَلَ ، وفَعِل وفَعُل ، وفِعْل ، وفِعَل ، وفُعُل ، وفُعِل ، وفُعَل ( المنصف : 18 )
2- 2. قارن بالمنصف : 20.
3- 3. وهی فَعْلَل ، وفِعْلِل وفُعْلُل ، وفِعْلَل وفُعْلَل وفِعِلّ ( المصنف : 25 ).

ابن خلدون - أم أنّها جاءت لمکانه قریش بین القبائل العربیه ، أو أنّها ترجع إلی عوامل الزمن وتقادم الأخذ عن قریش وما احیط بهذه اللهجه من قداسه بعد الإسلام ، أم جاء لعوامل أخری؟

نحن لا یسعنا - هنا - الإجابه عن هذه الأسئله ، وقد یکون فیما نصوّره عن الجزیره العربیه قبل الإسلام ، وکیفیه تأثّر العرب بالحضارات المجاوره جواب عن بعض هذه التساؤلات.

العرب وتاثّرهم بالحضارات المجاوره

قد أشرنا سابقا إلی مکانه اللغه العربیه ، والآن نرید الإشاره إلی مدی تأثّر العرب بالحضارات المجاوره ، وهل أنّ اختلاف اللهجات عندهم یضرّ بمکانه اللغه أم لا؟

ولبیان ذلک نعطی صوره بسیطه عن الحضارات المجاوره لنوقف القارئ علی حقیقه الأمر.

کانت السومریه والأکدیه والبابلیه والآشوریه من الحضارات القدیمه الّتی استقرّت فی شمال شبه الجزیره العربیه ( العراق ) ومنذ خمسه الآف سنه قبل المیلاد ، وقد اهتم ملوک هذه الحضارات بالکتاب والمکتبه حتّی قیل بأن الملک ( شرجینیا ) أنشا مکتبه فی ( ورکا ) مملوءه بالکتب اللغویه والفلکیه والشرعیه والأدبیه وغیرها ، ثمّ نسخت بعد إنشائها بخمسه عشر قرنا بأمر من أمیر آشوری ، وحفظها فی دار خاصه بها کما تحفظ المکاتب الیوم ، وعثر المنقبون علی بقایا هذه المکتبه بین النهرین ونقلوها إلی المتحف البریطانی فی لندن (1).

ص: 15


1- 1. انظر : تاریخ ، آداب اللغه العربیه ، لجرجی زیدان 1 : 17 - 18.

وکانت حضاره بلاد الشام هی الأخری عریقه ، وترجع إلی ثلاثه الآف سنه قبل المیلاد ، وممّا أسّسته الدول الفینیقیه فی القرن الخامس والعشرین ق. م مدینه جبیل ، کما بنت مدینه بیروت ( بیریت ) فی القرن الثانی والعشرین ق. م.

وقد امتاز هؤلاء بأنّهم علی جانب عظیم من المعرفه والتفوّق فی العلوم والآداب والصناعه ، أما الآداب فقد ضربوا فیها بسهم عظیم ، ووضعوا الهجائیه واختصروها إلی اثنین وعشرین حرفا بعد أن کانت عند البابلیین والمصریین تعدّ بالمئات.

وکانت حضاره جنوب شبه الجزیره تتمثّل بحضاره الدوله المعینیه فی الیمن والدوله السبئیه والحمیریه ، اللتین کان أهلها علی جانب عظیم من الرقیّ الصناعیّ والزارعیّ والعمرانیّ والثقافیّ ، وقد کانت کتاباتهم علی الطریقه الحلزونیه ، أی أنّها تبدأ من الیمین إلی الشمال ، فإذا انتهی الکاتب من السطر الأوّل وأراد کتابه السطر الثانی کتب من الشمال إلی الیمین.

وکانت إلی جانب تلک الحضارات حضاره وادی النیل التی تعدّ هی الأخری من أقدم وأعرق الحضارات المجاوره لشبه الجزیره العربیه ، وقد کان أهلها علی جانب عظیم من الرقی والتحضّر فی العلم والعمران والزراعه ، وقد بقی من مآثرهم العمرانیه الأهرامات ، أبو الهول ، وغیرهما.

کان هذا استعراضا للحضارات القدیمه المجاوره لشبه الجزیره العربیه ، جئنا به للتمییز بین الوضع داخل الجزیره وخارجها ، إذ الثابت جغرافیا أنّ أرض الجزیره أرض صحراویه قاحله لیس فیها ماء ولا کلأ ، وهی کما قال سبحانه حکایه عن لسان

ص: 16

إبراهیم ( رَبَّنا إِنِّی أَسْکَنْتُ مِنْ ذُرِّیَّتِی بِوادٍ غَیْرِ ذِی زَرْعٍ عِنْدَ بَیْتِکَ الْمُحَرَّمِ ) (1) ولم یکن فیها حتّی نهر واحد (2) بل کان اعتماد الساکنین فیها علی الأمطار والآبار الّتی تمتلی شتاء وتجفّ صیفا ، وهذا الجفاف والیبس خلق عند سکانها حاله التنقّل بحثا عن الکلأ والماء ، فهم یجوبون البوادی بحثا عنهما ، وهذه الظروف جعلت العربی لا یستقرّ حتّی یبدع فی مجالات الزراعه والصناعات الیدویه إلاّ نادرا ، ولذا اعتمدوا علی التجاره ، خصوصا قریش - التی هی رأس القبائل العربیه فی الجزیره - وقد وصف سبحانه اشتغالهم التجاره بقوله ( لِإِیلافِ قُرَیْشٍ إِیلافِهِمْ رِحْلَهَ الشِّتاءِ وَالصَّیْفِ ) (3).

وتظهر شده الجفاف من خلال التنازع علی شرف سقایه الحاج ، ممّا نستطیع لمسه بوضوح فی قوله سبحانه : ( أَجَعَلْتُمْ سِقایَهَ الْحاجِّ وَعِمارَهَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ کَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْیَوْمِ الْآخِرِ ) .

وهذه البیئه الجغرافیه والظروف الاجتماعیه هی الّتی جعلت الجزیره العربیه بمأمن عن مطامع الدولتین العظمیین آنذاک ( الروم والفرس ) کما جعلت هذه الأرض أرضا آمنه یلجأ إلیها أعداء الروم والفرس.

فقد هاجر إلیها أوّلا یهود فلسطین ، فسکنوا یثرب ، وهاجرت بعدهم قبائل الاوس والخزرج من الیمن فسکنوا فدک وتیماء ، کل ذلک مضافا إلی الأعاجم الوافدین من الفرس والیونان.

هذا ، وإنّ العرب لم یکونوا فی تلک البرهه من التاریخ ذوی تراث وحضاره ، بل

ص: 17


1- 1. إبراهیم : 37.
2- 2. انظر المفصل فی تاریخ العرب قبل الإسلام ، لجواد علی 1 : 157.
3- 3. قریش : 2.

کان غالب سکان الجزیره أمیّین لا یقرأون ولا یکتبون ، إذ لم یدعوا أبناءهم لتعلّم العلم والکتابه ، وإن کانوا یعلمون بشرفهما ، حتّی أنّهم عدّوا الرجل الکامل فی الجاهلیه من کان یعرف الکتابه ویحسن العوم والرّمی (1) ، وجاء وصفهم فی الکتاب العزیز بقوله : ( هُوَ الَّذِی بَعَثَ فِی الْأُمِّیِّینَ رَسُولاً مِنْهُمْ ) ، وقوله تعالی : ( وَما کُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ کِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِیَمِینِکَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ) وجاء عنه صلی الله علیه و آله قوله : ( إنّا أمّه أمّیّه لا نکتب ولا نحسن الشّهر هکذا ) (2) :

إنّ الإشاره إلی الحاله الاجتماعیه والثقافیه فی الجزیره العربیه قبل الإسلام جاءت لتوضیح عظمه الإسلام ، وکیف أنّه جعل من هذه الأمّه - خلال ربع قرن - أمّه تقود العالم وتحطّم أکبر دولتین آنذاک ، وتحکّم لغتها علی البشریه.

ومن الشّطط فی القول ، القول بأنّ کلّ العرب کانوا فصحاء بلغاء یعرفون لغتهم ، بل لو تأنّیت وتدبّرت فی تاریخهم لعرفت مؤثّرات تلک الحضارات علی اللغه العربیه.

لقد کان بین الصحابه من یسأل رسول الله صلی الله علیه و آله عن غریب کلامه ومعنی أقواله ، وهذا یعنی عدم معرفتهم بکثیر من المفردات اللغویه والاشتقاق العربی ، حتّی جاء عن عمر أنّه سأل الصحابه عن معنی التخوّف فی قوله تعالی ( أَوْ یَأْخُذَهُمْ عَلی تَخَوُّفٍ ) فسکتوا ، فقام شیخ من هذیل ، فقال : هذه لغتنا ، التخوف : التنقص.

قال عمر : فهل تعرف العرب ذلک فی أشعارها؟

قال : نعم. قال شاعرنا زهیر.

ص: 18


1- 1. مصادر الشعر الجاهلی : 52 ، القصد والأمم : 22 کما فی الدراسات للاعظمی.
2- 2. صحیح البخاری 3 : 35 و 4 : 101 ، صحیح مسلم 2 : 761 ح 15.

تخوّف الرّجل شاعرنا تامکا قردا***کما تخوّف عود النّبعه السّفن (1)

وسئل عمر بن الخطاب : ما الأبّ؟ فلم یعرف معناه (2).

نعم ، إنّ اللّغه العربیه تأثّرت بالحضارات والثّقافات المجاوره کالفرس والإغریق و ...

لأنّ الهاربین من کسری وقیصر وفرعون و ... کانوا یلجأون إلی الجزیره العربیه لکونها فی مأمن من الشّرور ، وقد أثّر هؤلاء علی اللغه العربیه حتّی أکّد القرآن بأنّ اللسان الّذی نزل به هو عربی مبین ، فی قوله تعالی : ( لِسانُ الَّذِی یُلْحِدُونَ إِلَیْهِ أَعْجَمِیٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِیٌّ مُبِینٌ ) ، فأضاف سبحانه « المبین » إلی « العربی » کی یؤکد بأنّه کلام فصیح لا کدره فیه ولا عجمه ولا لحن.

وقد منعت العرب الأخذ من سکّان البراری المجاورین لغیر العربی ( کلخم وجذام ) المجاورین لمصر وقبط ، و ( قضاعه وغسان وإیاد ) المجاورین لأهل الشام ، وأکثرهم نصاری کانوا یقرأون بالعبریه ، و ( تغلب الیمن ) لمجاورتهم الیونان ، و ( بکر ) جیران النبط والفرس ، و ( عبد قیس وازد عمان ) لأنّهم کانوا بالبحرین وکانوا یختلطون بالهند والفرس ، و ( أهل الیمن ) لمخالطتهم الهند والحبشه ، ولم توخذ اللغه إلاّ من قریش ، وقیس : ، وتمیم ، وأسد ، وهذیل ، وبعض کنانه ، وبعض طیء ..

علماً بأنّ الکلام العربی لم یصلنا بکامله ، قال الکسائی : قد درس من کلام العرب کثیر (3).

وحکی یونس بن حبیب البصری ، عن أبی عمرو ، أنّه قال : ما انتهی إلیکم ممّا

ص: 19


1- 1. تهذیب الالفاظ : 6.
2- 2. انظر مقدمه الصحاح 1 : 15.
3- 3. انظر مقدّمه الصحاح : 23.

قالت العرب إلاّ أقلّه ، ولو جاءکم وافر لجاءکم علم وشعر کثیر (1).

وقال ابن فارس فی ( باب القول بأنّ لغه العرب لم تنته إلینا بکلّیّتها ، وأنّ الذی جاءنا عن العرب قلیل من کثیر ، وأنّ کثیرا من الکلام ذهب بذهاب أهله ) : ذهب علماؤنا أو أکثرهم إلی أنّ الذی انتهی إلینا من کلام العرب هو الأقلّ ، ولو جاءنا جمیع ما قالوه لجاءنا شعر کثیر وکلام کثیر ... (2)

وقد ذکر السیوطی فی المزهر - عن حمزه الإصبهانی فی کتاب الموازنه ، عدد أبنیه کلام العرب فی کتاب العین ، وکما ذکر ذلک الزبیدی فی مختصر کتاب العین عن الخلیل - عدد أبنیه کلام العرب المستعمل والمهمل علی مراتبها الأربع من الثنائی والثلاثی والرباعی والخماسی من غیر تکرار (3) ، فکان شیئا کثیرا جدّاً.

ولو أردنا استقصاء الکلام العربیّ المستعمل فی لغتنا الیوم ، فلا نراه یتجاوز من عشره آلاف ماده ، فی حین أنّ الموجود فی کتاب الصحاح للجوهری أربعون الف ماده ، وفی القاموس للفیروزآبادی أکثر من ذلک ، وفی التکمله للصغانی ستون ألف ماده ، وفی لسان العرب لابن منظور حوالی ثمانین ألف مادّه ، وفی التاج للزبیدی عشرون ألفا ومائه ألف ماده (4).

وهذا إن دل علی شیء فإنّما یدلّ علی سعه اللغه العربیه ، وعدم استفاده أبنائها منها فی العصور اللاحقه ، وهو الذی یدعونا للحفاظ علی کتب اللغه والاهتمام

ص: 20


1- 1. نزهه الأولیاء : 33.
2- 2. المزهر 1 : 66.
3- 3. المزهر 1 : 74 - 76.
4- 4. انظر مقدمه القاموس للشیخ نصر الهورتی 1 : 7 ومقدمه الصحاح 1 : 23 ، والفصحی فی لغه القرآن 10 : 7.

بقواعد الإعراب والبناء ، کما إنّ هذه الضآله فی الموادّ اللغویّه المستعمله بالنّسبه للمهمله ، تدل علی فداحه المقدار الضائع والذی لم یصل إلینا من لغه العرب ، إذ لو لا القرآن والسنه والتدوین لا ندثر الکثیر من لغه العرب ، کما حصل ذلک بالفعل من قبل کما سمعت.

وعلیه فالإسلام أقرّ تعدّد اللهجات للحفاظ علی الوحده الفکریه والسیاسیه عند العرب ، وقد عقد ابن جنی فی خصائصه فصلا باسم ( اختلاف اللغات وکلّها حجه ) قال فیه : ... لو استعملها لم یکن مخطئا لکلام العرب لکنه یکون مخطئا لأجود اللغتین (1).

وقال : فان کانت اللفظتان فی کلام متساویتین فی الاستعمال ، کثرتهما واحده ، فإنّ أخلق الأمر به أن تکون قبیلته تواضعت فی ذلک المعنی علی ذینک اللفظین ؛ لأنّ العرب قد تفعل ذلک للحاجه إلیه فی أوزان أشعارها وسعه تصرّف أقوالها .. (2)

وقال ابن هشام : کان العرب ینشد بعضهم شعر بعض ، وکلّ یتکلم علی مقتضی سجیته الّتی فطر علیها ، ومن هنا کثرت الروایات فی بعض الأبیات .. (3)

وقد نقل ابن جنی حکایه عن الأصمعی قال فیها : اختلف رجلان فی الصقر ، فقال أحدهما ( الصقر ) بالصاد ، وقال الآخر : ( السقر ) بالسین ، فتراضیا بأول وارد علیهما فحکیا له ما هما فیه ، فقال : لا أقول کما قلتما ، إنّما هو ( الزقر ).

ویعلق ابن جنی علی هذا بقوله : أفلا تری إلی کلّ واحد من الثلاثه کیف أفاد فی

ص: 21


1- 1. الخصائص 2 : 12.
2- 2. الخصائص 1 : 372.
3- 3. المزهر 1 : 261 ، وقارن بالنحو العربی علی ضوء اللغات السامیّه 39 - 40.

هذه الحال إلی لغته لغتین أخریین معها؟ وهکذا تتداخل اللغات ... (1)

وهذا القول یشیر إلی جواز اجتماع لغتین فصاعدا فی کلام العرب ، ویفید الذاهبین إلی القول بحجیه جمیع اللغات ، ولهذا تری اللغوی حینما یذکر معنی کلمه یقول : لغه فی کذا ، إشاره منه إلی ورود القول الثانی فی لغه الآخر ، وهو حجه.

ومن المشهور أنّ أفصح القبائل العربیه کانت ، تمیم ، طی ، هذیل ... ، لکونها بدویه ضاربه فی الصحراء ، وقد اشتهر منها الکثیر من الشعراء ، کأوس بن حجر ، وسلامه بن جندل ، وعلقمه بن عبده ، وعدیّ بن زید ، وعمرو بن الأهتم ، والبرّاق بن روحان ، والأسود بن یعفر التمیمیّین.

ومن شعراء الطائیّین : حاتم الطائی ، وإیاس بن قبیصه ، وأبو زید الطائی ، و ...

ومن شعراء الهذلیّین : أبو ذویب الهذلی ، وعامر بن حلیس ، وخویلد بن خالد و ...

وبهذا تکون المجموعه العربیه ، إمّا حجازیه وهی المعروفه ب- ( القرشیه ) ، وإما نجدیه شرقیه والمعروفه ب- ( التّمیمیّه ) ، وإنّ لغات هاتین المجموعتین موجوده فی الأعم الأغلب من المعاجم اللغویه ، إذ تجد تعلم ونعلم - بکسر حرف المضارعه - إلی جانب تعلم ونعلم ، ووجود حمر وحمه إلی جانب حمر وحمه ، ووجود حقد یحقد إلی جانب حقد یحقد ، ووجود مدیون إلی جانب مدین ، ومریه ومریه ، وهیهات وأیهات (2).

هذا ورای البعض أنّ العوامل السیاسیه والدینیه والاجتماعیه هی الّتی جعلت

ص: 22


1- 1. الخصائص 1 : 374.
2- 2. اللفظه الاولی من جمیع الأمثله لتمیم ، والأخری لقریش.

لهجه قریش هی الفصحی ، لکنّ هذا الرأی بعید عن الصحّه علی إطلاقه ، لأنّ فی لغه تمیم ما هو أوفق للقیاس من لغه قریش فی بعض الحالات ، لکنّ القول بأنّ لغه تمیم أوفق بالقیاس فی جمیع الحالات بعید جدّا وغیر صحیح أیضا ، إذ المشهور الذی لا مراء فیه عند الجمیع أنّ لغه قریش کانت أغزرها ماده ، وأرّقها أسلوبا ، أکثرها ثراء ، وقد ارتفعت قریش من الفصاحه عن عنعنه تمیم ، وکشکشه ربیعه ، وکسکسه هوازن ، وتضجّع قیس وعجرفیّه ضبّه ، وتلتله بهراء (1).

وقد أکّد الفراء صفاء لغه قریش بقوله : کانت العرب تحضر الموسم کلّ عام وتحج البیت فی الجاهلیه ، وقریش یسمعون لغات العرب ، فما استحسنوه من لغاتهم تکلّموا به ، فصاروا أفصح العرب ، وخلت لغتهم من مستبشع اللغات ومستقبح الألفاظ ، وقد کان الشاعر من غیر قریش یتحاشی خصائص لهجته ویتجنّب صفاتها الخاصّه فی بناء الکلمه وإخراج الحروف وترکیب الجمله لیتحدث إلی الناس بلغه ألفوها وتواضعوا علیها ، بعد أن أسهمت عوامل کثیره فی تهذیبها وصقلها.

وفی کتب اللغه إشارات إلی بعض المذموم من لهجات العرب ، ککشکشه ربیعه وقضاعه ، إذ هؤلاء یجعلون بعد کاف الخطاب فی المؤنث شینا ، فیقولون : رأیتکش ، وبکش وعلیکش.

والکسکسه هو أن یجعلون بعد الکاف أو مکانها سینا فی المذکّر.

ومن ذلک الفحفحه فی لغه هذیل ، حیث یجعلون الحاء عینا (2).

ص: 23


1- 1. انظر الخصائص 2 : 11.
2- 2. انظر المزهر 1 : 222 ، مقدمه التاج : 22.

ومن ذلک الطمطمانیّه من لغه حمیر : کقولهم : طاب امهواء : أی طاب الهواء (1).

ومن ذلک العجعجه فی لغه قضاعه ، حیث یجعلون الیاء المشدّده جیما ، یقولون فی تمیمیّ : تمیمج ؛ وقال أبو عمرو بن العلاء : قلت لرجل من بنی حنظله ممن أنت! قال فقیمجّ ، فقلت : من أیهم؟ قال : مرّجّ ، أراد فقیمیّ ومرّیّ ، ولذلک اشتهر إبدال الیاء جیما مطلقا فی لغه فقیم (2) .

ومن ذلک شنشنه الیمن ، تجعل الکاف شینا مطلقا ، فیقولون ( لبّیش اللهم لبّیش ) أی لبّیک اللهمّ لبّیک (3).

وکلامنا هذا لا یعنی الدفاع عن لهجه قریش والتعریض بالأخریات من أخواتها وإن کانت تلک الألفاظ شاذّه فی قرائتنا ولغتنا الیوم ، فشذوذها شیء وعدم کونها فصیحه شیء آخر.

نعم ، إنّ القرآن تاره أخذ بلغه قریش ، وأخری بلغه تمیم وإن کان فی الأعمّ الأغلب یأخذ بلغه قریش ، فلو أخذنا الثاء مثلا فهی عند تمیم تقابل الفاء عند الحجازیّین ، فالأثاثی فی لغه تمیم تقابل الأثافی عند قریش ، ومن ذلک قوله تعالی فی سوره البقره ( وَفُومِها ) بالفاء علی لغه أهل الحجاز ، وهو الثوم عند تمیم.

وهناک فروقات کثیره أخری بین لغتی تمیم وقریش لا یسعنا حصرها بل نشیر إلی بعضها إجمالاً : -

فمن تلک المفارقات أن قریش تفتح عین الفعل الماضی ، فتقول : زهد ، حقد ،

ص: 24


1- 1. انظر المزهر 1 : 223 ، مقدمه التاج : 23.
2- 2. أمالی القالی 2 : 77.
3- 3. المزهر 1 : 222.

وأما تمیم فتکسرها غالبا فتقول : - زهد ، حقد.

وإذا ضمّت قریش عین المضارع وقالت : یفرغ فروغا ، فتحتها تمیم وقالت : یفرغ فراغا.

وتقول قریش : برأت من المرض فأنا براء ، وتقول تمیم : برئت فأنا بریء کما هی لغه سائر العرب.

وتقول قریش : أوصدت الباب ، وتمیم : آصدته.

وتقول قریش : وکّدت توکیدا ، وتمیم : أکّدت تأکیدا.

وتقول قریش : لات الشیء یلیته ، إذا نقصه حقّه ، وتمیم : ألاته یلیته. و ...

ومن تلک المفارقات أنّ الصیغه الدالّه علی أسماء الزراعه هی ( فعال ) بکسر الفاء علی لغه الحجاز ( قریش ) فتقول : حصاد وقطاف ، بینما هی ( فعال ) بالفتح فی لغه تمیم ، وقد جاءت بلغه تمیم فی القرآن فی قوله تعالی ( وَآتُوا حَقَّهُ یَوْمَ حَصادِهِ ) .

ولغه الحجاز حج بالکسر ، ولغه تمیم حج بالفتح.

والحجاز : مریه بالکسر ، وتمیم : مریه بالضم.

والحجاز : کراهه ، وتمیم : کراهیه.

والحجاز : رضوان بالکسر ، وتمیم : رضوان بالضم.

والحجاز : قلنسیه ، وتمیم : قلنسوه.

ومن ذلک أنّ لهجه تمیم تنبر الهمزه - أی تحقّقها - وتلتزم النطق بها ، بعکس أهل الحجاز الّذین لا ینبرونها إلاّ إذا أرادوا محاکاه التمیمیّین قال أبو زید : أهل الحجاز وهذیل وأهل مکّه والمدینه لا ینبرون (1) ...

ص: 25


1- 1. لسان العرب 1 : 14.

هذا ، وإنّ القرآن نزل بنبر الهمزه ، وهو یدلّ علی أنّه کان یتّخذ لحن تمیم فی بعض الأحیان تخفیفا منه علی القبائل ومراعاه للهجاتها ، وأنّه لم یلزم أحدا بتحقیق الهمزه وإن التزمه فی الوحی ، فمالت قراءات أکثر الحجازیّین إلی التسهیل لا النبر کما هی الحال فی قراءه نافع وأبی جعفر من أشهر قراء المدینه ، فإنهما یقرآن ( وبیس المهاد ) ( واصبح فواد أمّ موسی فارغا ) ( خاسیاً وهو حسیر ).

ومن الفروق بین تمیم وقریش أیضا أنّ تمیما تجنح کثیرا إلی إدغام المثلین أو الحرفین المتجاورین المتقاربین ، فالأمر من ( غض ) فی لغه أهل الحجاز ( اغضض ) بالفکّ کما جاء فی قوله تعالی : ( وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِکَ ) - أی اخفض الصوت - وأهل نجد یقولون ( غضّ صوتک ) بالإدغام.

وتمیم تقول ( إن تمسّکم حسنه ) و ( من یحلّ علیه غضبی ) ( ولا تمنّ تستکثر ) وهی جمیعا فی القرآن بلهجه قریش مفکوکه الإدغام.

کانت هذه نماذج من اختلاف اللهجات عند العرب وإن لم یکن هدفنا جمع فتات ذلک ، حیث إنّ کتب اللغه کفیله بجمع هذا المتناثر من اللهجات عند القبائل وتدوینه کی یؤمن من الدخیل.

نعم ، إنّ علماء اللغه من أجل المحافظه علی أصاله القرآن والحدیث النبوی ولغه العرب ، جدّوا فی جمع تلک المواد اللغویه فی مصنّفاتهم ، فمنهم من جمعها علی حسب الموضوعات ، وآخر جمعها علی آخر الکلمه ( لام الفعل ) ، وثالث جمعها وفق احرف الهجاء فی أوّل الکلمه ( فاء الفعل ) ، و و و ... ، وکلّ اتّبع أسلوبا یختصّ به ، وإلیک ذلک علی نحو التفصیل الأوّلی :

ص: 26

مراحل من التطور المعجمی

من الثابت أنّ المعجم العربیّ لم یدوّن بهذه الصوره منذ قدیم الزمان ، بل قد مر بمراحل متعدّده حتّی وصل إلی ما نحن فیه :

منها : تفسیر الرسول لغریب کلامه صلی الله علیه و آله ، واستشهاد الصحابه بالشعر علی ما یریدونه.

ومنها : التصنیف الموضوعی والمعنوی للأشیاء ، مثل تدوین القدماء علی أساس موضوعی ، وتألیفهم فی مواضیع مثل ( النبات ، الحشرات ، الخیل ، الإبل ، ... ) وما شابه ذلک.

وکان النضر بن شمیل ( ت 204 ) هو أوّل من اعتنی بالتدوین اللغوی فی

ص: 27

النبات ، إذ خصّ الزرع ، والکرم ، والبقول ، والأشجار ، والریاح ، والسحاب ، والأمطار بالجزء الخامس من مجموعته اللغویه المسماه ب- ( الصفات ) (1).

وتبعه فی ذلک أبو عمرو الشیبانی ( ت 206 ) بکتاب النخله ، وأعقبهم الأصمعی ( ت 213 ) بکتابه النخله (2) ، ثمّ ألّف ابن الأعرابی ( ت 231 ) کتاب صفه النخل ( وله صفه الزرع والنبت والبقل کذلک ) ، وبعده ألّف أبو حاتم السجستانی ( ت 255 ) کتاب النخله ، والزبیر بن بکار ( ت 256 ) کتاب النخل.

وقد توقفت الکتابه عن النخل والنخله فی القرن الرابع حتّی جاء ابن سیده ( ت 458 ) وجعل للنخل کتابا فی السفر الحادی عشر من کتابه « المخصّص » ، ثمّ تلاه أبو عیسی بن إبراهیم الربعی ( ت 480 ) إذ عقد بابا للنخیل فی کتابه « نظام الغریب » ، هذا عن النخل والنخیل.

وقد کتب أبو زید الأنصاری ( ت 215 ) کتابا فی التمر ، ومحمّد بن حبیب ( ت 245 ) ، والحسین بن خالویه ( ت 370 ) کتابا فی الشجر ، وقد ألّف أبو حاتم السجستانی ( ت 255 ) فی الکرم خاصه.

ونسب إلی أبی عبیده ( ت 210 ) کتابا فی النبات والشجر ، وقیل أنّه ألّف کتاب الزرع کذلک.

وقد عقد أبو عبید القاسم بن سلاّم کتابا فی « الغریب المصنف » للشجر والنبات ولم یتعرض للإنسان.

وقد الف النضر بن شمیل ( ت 204 ) وأبو عمرو إسحاق بن مرار الشیبانی ( ت

ص: 28


1- 1. الفهرست لابن الندیم : 53.
2- 2. الفهرست لابن الندیم : 55 وقد شک البعض فی انتساب هذا الکتاب للاصمعی ودافع عنه آخر.

206 ) ، وأبو زید سعید بن أوس الأنصاری ( ت 215 ) ، والأصمعی ( ت 216 ) ، وابن زیاد الکلالی ( ت 215 ) ، ونصر بن یوسف - تلمیذ الکسائی - وأحمد بن حاتم ( ت 231 ) ، وأبو یوسف یعقوب بن السکیت ( ت 246 ) ، وأبو عکرمه الضبی ( ت 250 ) ، والجاحظ ( ت 255 ) ، وأبو حاتم سهل بن محمّد السجستانی ( ت 255 ) ، والریاشی ( ت 257 ) ، کتبا فی الإبل.

وکان أبو عبید القاسم بن سلاّم قد عقد بابا للإبل فی الغریب المصنف.

وهکذا نری أنّ العلماء العرب کتبوا عن بقیه أنواع الحیوان ولم یقتصروا علی ذکر أسماء الإبل ، بل کتبوا فی سائر الحیوانات کالخیل والبغال و .. وإن کانت الکتابه فی الإبل هی الأکثر.

وقد ألّف قطرب ( محمّد بن المستنیر ) ( ت 206 ) ، ومعمّر بن المثنی أبو عبیده ( ت 209 أو 213 ) ، وأبو زید سعید بن أوس الأنصاری ( ت 214 ) ، وأبو زیاد یزید بن عبد الملک الکلالی ( ت 215 ) ، والأصمعی ( ت 216 ) ، وابن السکّیت ( ت 243 ) والسجستانی ( ت 255 ) ، وأبو محمّد ثابت بن أبی ثابت ( ت 222 ) - ورّاق أبی عبیده القاسم بن سلام - کتبا فی الفروق.

وقد کان لهذه المصنفات دور فی المعاجم اللفظیه التی دوّنت ، إذ خدموا اللغویین الرّحّل إلی البادیه بجمعهم تلک الألفاظ والأسماء.

ومنها : التصنیف اللفظی لکلام العرب ، وهو ما نرید بسط الکلام فیه ، إذ اختلفت المناهج والمعاجم ، فطائفه رتّبت المعاجم اللفظیه علی مخارج الحروف وتقالیب الکلمه ، وأخری علی القافیه ولام الفعل ، وثالثا علی حروف الهجاء والأبجدیه.

وقد توخی البعض ضمن انتخابه لاحد المناهج هدفا اخر ؛ کالاخذ بالصحیح

ص: 29

فقط ، أو الجمع بین عده أصول ، أو الاستدراک ، أو الاستدراک مع النقد وغیرها. وسیأتی توضیحه لاحقا.

وأما المناهج ، فهی :

1- منهج التقالیب

کان بانی هذا المنهج ومؤسّسه الخلیل بن أحمد الفراهیدی ( ت 175 ) الّذی أحصی اللغه العربیه بتنقله فی البادیه ، فهو الرائد العربی الأوّل الّذی جمع اللغه.

ومن المعروف أن قوام مدرسه الخلیل هی ترتیب المواد علی الحروف حسب مخارجها ، وتقسیم المعجم إلی کتب ، وتفریع الکتب إلی ابواب بحسب الأبنیه ، وحشد الکلمات فی الأبواب ، وقلب الکلمه إلی مختلف الصیغ الّتی تأتی منها.

وإلیک الحروف حسب ما رتبها الخلیل.

1 - خمسه أحرف حلقیه ، وهی الّتی مبدأها من الحلق : ( ع ، ح ، ه ، خ ، غ ).

2 - حرفان لهویان ، ومبدأهما من اللهاه ، وهی : ( ق ، ک ).

3 - ثلاثه أحرف شجریه ، ومبدأها من شجر الفم - أی مفرج الفم - وهی : ( ج ، ش ، ض ).

4 - ثلاثه أحرف أسلیه ، ومبدأها من أسله اللسان - أی مستدق طرفه - وهی ( ص ، س ، ز ).

5 - ثلاثه أحرف نطعیّه ، ومبدأها من نطع الغار الأعلی ، وهی : ( ط ، د ، ت ).

6 - ثلاثه أحرف لثویه ، ومبدأها من اللثه ، وهی ( ط ، ذ ، ث ).

7 - ثلاثه أحرف ذلقیه ، ومبدأها من ذلق اللسان - وهو تحدید طرفی ذلق اللسان - وهی : ( ر ، ل ، ن ).

ص: 30

8 - ثلاثه أحرف شفویه ، ومبدأها من الشفه ، وهی : ( ف ، ب ، م ).

9 - أربعه أحرف هوائیه ، لعدم تعلّقها بشیء وهی : ( و، أ ، ی ، همزه ) ، وبذلک تکون الحروف فی اللغه العربیه عند الخلیل 29 حرفا اذ عدّ الألف اللینه والهمزه کلاّ علی حده ، فزاد علی الثمانیه والعشرین المعهوده.

وقد نظم ابو الفرج سلمه بن عبد الله المعافری ما رتبه الخلیل فی العین بقوله :

یا سائلی عن حروف العین دونکها

فی رتبه ضمّها وزن وإحصاء

العین والحاء ثمّ الهاء والخاء

والغین والقاف ثمّ الکاف أکفاء

والجیم والشین ثمّ الضاد تتبعها

صاد وسین وزای بعدها طاء

والدال والتاء ثمّ الظاء متصل

بالظاء ذال وثاء بعدها راء

واللام والنون ثمّ الفاء والیاء

والمیم والواو والمهموز والباء

وقد سار علی منهج الخلیل کثیر من اللغویین کابن درید ( ت 321 ) فی الجمهره ، وابن فارس ( ت 395 ) فی المجمل ، والقالی ( ت 356 ) فی البارع ، والأزهری ( ت 370 ) فی التهذیب ، والزبیدی ( ت 1205 ) فی مختصر العین ، والصاحب بن عباد ( ت 385 ) فی المحیط ، وابن سیده ( ت 485 ) فی المحکم وغیرهم.

وهذا لا یعنی أن هؤلاء کانوا مقلّدین للخلیل فی کلّ دقیقه من دقائق ما طرحه ، بل خالفوه فیما رسمه من منهج وأضافوا إلی ما قدّمه من موادّ لا تنقص من قدر هذا الإمام ، لأنّ هذه الإضافات منهم لا تتعدی فی الغالب إلاّ التکمیل والتوثیق ، أمّا الابتکار فکان من حصّه الخلیل فقط ، إذ أنّه سعی لحصر مفردات اللغه - کما حصر العروض من قبل بطریقه ریاضیه وحسابیه - کما هو الملاحظ فیما قدمه من إحصاء لأبنیه الثنائی والثلاثی والرباعی فی کتابه.

ص: 31

فابن درید مثلا انتهج منهج الخلیل لکن بشیء من التعدیل فی العرض ، إذ قسّم الخلیل کتابه إلی أربعه أبواب : الثنائی المضاعف ، والثلاثی الصحیح ، واللفیف ، وجعل الباب الرابع للرباعی والخماسی ، وأمّا ابن درید فبنی معجمه علی أساس من الأبنیه طبقا لأحرف الهجاء ، أی أنّه اقتفی منهج الخلیل فی التقالیب ، لکنّه خالفه بذکره الحرف الذی یلی الحرف المخصّص به الباب فمثلا : لو جاء ب- ( الخاء والدال ) لأردفه ب- ( الخاء والذال ) ، فالخاء والراء ...

وهکذا فی جمیع الموارد ، فیکون ( ر ، ج ، ع ) مذکورا عنده فی الجیم ، لأنّ الجیم أسبق من الراء فی الترتیب الألفبائی ، وهذا لا یتّفق مع نسق الخلیل الذی یجمع مقلوبات کلّ کلمه فی نفسها ، فمثلا ( ضرم ) یذکرها فی الضاد مع تقالیبها ( ضمر ، مرض ، مضر ، رضم ، رمض ) ، وإذا جاء إلی کتاب الراء والمیم أغفل ذکر الرضم والرمض والمرض لأنّه ذکرها فی کتاب الضاد.

هذا ، وقد استحسن البعض طریقه ابن درید ، واعتبرها البعض الآخر تعقیدا فی المنهج ، وتهجّم علیه ثالث کالأزهری ونفطویه ، بل هجاه الأخیر بأبیات ، هی :

ابن درید بقره

وفیه عیّ وشره

ویدّعی من حمقه

وضع کتاب الجمهره

وهو کتاب العین إلاّ

أنّه قد غیّره

وجاء ابن فارس ( ت 395 ) فلم یستسغ طریقتی الخلیل وابن درید ، وان کان ممّن تأسّی بالأخیر فی الاشتقاق ، لأنّ ابن درید کان قد ردّ فی کتابه « الاشتقاق » أسماء قبائل العرب وعمائرها ، وأفخاذها وبطونها ، وأسماء ساداتها وشعرائها وفرسانها وحکّامها إلی أصول لغویه اشتقّت منها هذه الأسماء ، فتأثّر ابن فارس به فی کتابه المقاییس وغیره.

ص: 32

قال فی مقدمه کتابه ( مجمل اللغه ) :

إنّی لمّا شاهدت ( کتاب العین ) الّذی صنفه الخلیل بن أحمد ووعوره ألفاظه ، وشدّه الوصول إلی استخراج أبوابه ، وقصده إلی ما کان یطلّع علیه أهل زمانه الّذین جبلوا علی المعرفه ولم یتصعب علیهم وعوره الألفاظ ، ورأیت کتاب ( الجمهره ) الذی صنّفه أبو بکر بن درید قد وفی بما جمعه الخلیل وزاد علیه ، لأنّه قصد إلی تکثیر الألفاظ ، وأراد إظهار قدرته وأن یعلم الناظرون فی کتابه أنّه قد ظفر بما سقط عن المتقدمین ، وإن کان قصب السبق مسلّما لهم ، لأنّ بناء المتأخّر علی ما قدّموه (1).

ولا یخفی علیک أنّ ابن فارس لم یرتّب کتابه ( معجم مقاییس اللغه ) علی أوائل الحروف وتقالیبها کما صنع ابن درید فی الجمهره ، وکذا لم یتّخذ منهج الخلیل أصلا وإن لم ینکر أنّ قد اعتمد العین وکتابی أبی عبیده - غریب الحدیث ، والمصنف الغریب - وکتاب المنطق لابن السکّیت والجمهره لابن درید فیما استنبطه من مقاییس اللغه (2).

وأمّا الأزهری فی التهذیب ، والقالی فی البارع ، والصاحب فی المحیط ، فانهم قد اتّبعوا الخلیل فی منهجه لکنّهم اختلفوا معه فی الترتیب وسعه الاستشهاد بالشعر وضیقه ، وکیفیه الاتیان بأسماء البلدان والأماکن وما شابه ذلک ، فقال الأزهری فی مقدّمه التهذیب :

ص: 33


1- 1. مجمل اللغه 1 : 141.
2- 2. معجم مقاییس اللغه 1 : 5.

( ... ولم أر خلافا بین اللغویین أن التأسیس المجمل فی أول کتاب العین لأبی عبد الرحمن الخلیل بن أحمد ، وأن ابن المظفّر [ یعنی لیثا ] أکمل الکتاب علیه بعد تلقّفه إیاه عن فیه ، وعلمت أنّه لا یتقدّم أحد الخلیل فیما أسّسه ورسمه ، فرأیت أن أحکیه بعینه لتتأمّل وتردّد فکرک وتستفید منه ما بک الحاجه إلیه ).

حتّی ختم کلامه بالقول :

« وقد سمّیت کتابی هذا تهذیب اللغه لأنّی قصدت بما جمعت فیه نفی ما أدخل من لغات العرب من الألفاظ الّتی أزالها الأغبیاء عن صیغها ، وغیّرها الغتم عن سننها ، فهذّبت ما جمعت فی کتابی من التصحیف والخطأ ، وبقدر علمی ، ولم أحرص علی تطویل الکتاب بالحشو الّذی لم أعرف أصله ، والغریب الّذی لم یسنده الثقات إلی العرب (1).

وکان الأزهری قد قال قبلها :

« ولم أودع کتابی هذا من کلام العرب إلاّ ما صحّ لی سماعاً منهم ، أو روایه عن ثقه أو حکایه عن خطّ ذی معرفه ثاقبه ، اقترنت إلیها معرفتی ، اللهمّ إلاّ حروفا وجدتها لابن درید وابن المظفّر فی کتابیهما فبیّنت شکّی فیهما وارتیابی بهما وستراها فی مواقعها من الکتاب ووقوفی منها » (2).

ص: 34


1- 1. مقدمه التهذیب للازهری 1 : 54.
2- 2. مقدمه التهذیب للازهری 1 : 54.

نعم ، إنّ الأزهری قد خالف الخلیل فی المهموز وأحرف العلّه ؛ إذ حشد الخلیل ما کان معتّلا بحرف أو حرفین مع المهموز دون تفریق ، وجعلهما فی باب اللفیف ، وأراد الأزهری إفراد المهموز وعزله عن المعتل لکنّه لم یوفّق لذلک.

وصنع الصاحب بن عبّاد صنیع الأزهری فی باب اللفیف ، إذ افتتح الباب بالصحیح ، ثمّ ما کان مبدوءا بالهمزه ، ثمّ ما کان أوّله واوا ، ثمّ ما کان أوّله یاء ، ولکنّه لم یتّبع هذا المنهج فی الثلاثی المعتل.

والأزهری جعل الأبنیه سته بخلاف الخلیل - الذی جعلها أربعه - :

1 - کتاب الثنائی المضاعف.

2 - کتاب الثلاثی الصحیح.

3 - کتاب الثلاثی المهموز.

4 - کتاب الثلاثی المعتل.

5 - کتاب الرباعی.

6 - کتاب الخماسی ، إلاّ أنّه کان یذکر الکلمه بما یرادفها من أنواع القلب کما صنع الخلیل.

وقد عنی الأزهری بالبلدان والمواضع والمیاه عنایه فائقه ، حتّی عدّ کتابه من أصح المصادر فی هذا السبیل ، لکون المنقول فیه حکایه عن حسّ لا عن حدس ، ولو جمعت هذه المفردات فی کتاب لأضافت إلی المکتبه العربیه والإسلامیه کتابا آخر فی البلدان.

هذا بعض الشیء عن الأزهری وکتابه.

وأمّا القالی ، فقد بدأ معجمه ( البارع ) بالهمزه ، ثمّ الهاء ، ثمّ العین ، وذکر التقالیب المذکوره.

ص: 35

فالقالی قد اتّبع الخلیل فی منهجه ، لکنّه خالفه فی ترتیب الأبنیه ، فالأبنیه عند القالی ستّه أبواب : الثنائی المضاعف ، ویسمیه : ( الثنائی فی الخط ، والثلاثی فی الحقیقه ) ، وأبواب الثلاثی الصحیح ، وأبواب الثلاثی المعتل ، وأبواب الحواشی ، وأبواب الرباعی ، وأبواب الخماسی ، وکان ( البارع ) أوّل معجم عربیّ ألّف فی الأندلس وطالت کتابته ( من سنه 339 إلی 356 ).

وأمّا الصّاحب بن عباد ، فهو الآخر قد سار علی منهج الخلیل فی ( العین ) سواء فیما یتعلّق بتسلسل الحروف مقسّمه علی مخارجها الصوتیه ، أو بترتیب الأبواب داخل کلّ حرف ابتداء ب- « باب المضاعف الثنائی » ، ثمّ باب الثلاثی الصحیح ، ثمّ باب الثلاثی المعتل ، ثمّ باب اللفیف ، ثمّ باب الرباعیّ ، ثمّ باب الخماسی.

وقد کان الصاحب قد عنی فی کتابه « المحیط » بذکر المجاز کثیرا وأغفل عن الشواهد وأسماء من نقل عنهم الغریب والنوادر ، وقد وصفه القفطی بقوله : کثّر فیه الألفاظ وقلّل الشواهد ، فاشتمل من اللغه علی جزء متوفّر (1).

ومما یجب التنبیه علیه هنا هو أنّ الصاحب بن عبّاد کان من تلامیذ ابن فارس - کما تتلمذ عند غیره - وقد توّج ابن فارس هذه العلاقه بینهما بتسمیه کتابه الجلیل فی فقه اللغه ب- ( الصاحبی ) نسبه للصاحب بن عباد (2).

کانت هذه إشاره سریعه لأهمّ کتب التقالیب ، والآن مع کتب منهج القافیه :

ص: 36


1- 1. انباه الرواه 1 : 201.
2- 2. انظر مقدمه الصاحبی : 2.

2 - منهج القافیه

وهی منهجیّه تنظر إلی الحرف الأخیر من الکلمه وتجعله بابا ، أمّا الحرف الأوّل منها فتجعله فصلا ، وذلک لثبوت لام الکلمه وعدم تغیّرها فی جمیع الحالات.

إذ أنّا نعلم بأنّ میزان الکلمه هو ( الفاء ، والعین ، واللام ) ، والتغییر یلحق بما قبل لام الکلمه کما هو المشاهد فی أفعل ، وفعّل ، وفاعل ، وانفعل ، وافتعل ، وافعلّ ، وتفاعل ، وتفعّل ، واستفعل ، وافعوعل ، وافعوّل ، وافعّال.

وهذه هی أوزان مزید الفعل الثلاثی المجرّد ، ویظهر منها أنّ التغییر تناول الفاء والعین ، فتاره یتقدم الفاء حرف ، وتاره حرفان ، وتاره ثلاثه ، وکذلک العین ، فإنّها قد تنفصل عن الفاء وقد تنفصل عن اللام ، وقد تضعّف.

وأمّا لام الکلمه ( لام الفعل ) فتبقی ثابته لا تتغیر مهما اختلفت صوره الکلمه إلاّ فی حالات قلیله ، ومتی ما لحقها التغییر والتضعیف انتقلت إلی أوزان أخری ولا تعتبر من الثلاثی ، بل تصیر رباعیه أو خماسیه.

وقد انتهج هذا المنهج الجوهری فی کتابه ( الصحاح ) وعدّ عند العلماء الرائد الأول لهذه المدرسه وإن ادّعی بعضهم أنّ الفارابی ( خال الجوهری ) (1) هو المؤسس لهذا المنهج قبله ، بل ذهب الدکتور کرنکوKrenkow إلی أبعد من ذلک حیث اتّهم الجوهری بسرقه مواد کتاب الفارابی (2) وإدخالها فی الصحاح.

ص: 37


1- 1. للفارابی کتاب ( دیوان الادب ) وقد تناوله ابو سعید محمّد بن جعفر بن محمّد الغوری - احد ائمّه اللغه ، وزاد علیه فی ابوابه وجعله فی عشره مجلدات ، وکذا هذبه الحسن بن المظفر النیسابوری (442) وسماه ( تهذیب دیوان الادب ).
2- 2. انظر مقالته فی مجله الجمعیه الاسیویه الملکیه المطبوعه سنه 1924 بعنوان ( بواکیر المعاجم العربیه حتّی عصر الجوهری ).

وهذا بهتان وفحش عظیم ، لأنّ التقاءهما فی نقطه أو نقاط لا یعنی أنّه سرق من الاول ، ولو صح هذا الکلام لکان الأزهری سارقا لکتاب العین.

وقد استدرک بعض الأعلام علی الصحاح ، ونقده آخرون کالهروی ( ت 433 ) ویاقوت الموصلی ( ت 618 ) وابن القطّاع ( ت 515 ) وابن برّی ( ت 582 ) والصغانی - الصاغانی ( ت 650 ) ، والقفطی والبطلیوسی ( ت 642 ) ، وابن الحاج الأشبیلی ( ت 651 ) والتبریزی ( ت 502 ) والشاطبی ( ت 684 ) ، والصفدی ( ت 764 ) والسیوطی ( ت 911 ) ، والقرافی ( ت 1008 ) ، والقرشی ( کان حیا 681 ) وابن الخواری ( وکان حیا 580 ) والفیروزابادی ( ت 816 ) ، وابن الصائغ ، والشریف والقرمانی ، والقارضی ، والهمدانی والاویسی والتنوخی ( ت 723 ) وغیرهم.

وقد کان ابن بری والصغانی هما أشهر من استدرک علی الصحاح ، لأنّ الصغانی ألّف کتابه ( التکلمه والذیل والصله ) لیستدرک علی الجوهری ما فاته من مواد اللغه فی صحاحه ، أو ما وقع فیه من وهم أو خطأ ؛ لقوله :

( هذا کتاب جمعت فیه ما أهمله أبو نصر إسماعیل بن حمّاد الجوهری رحمه الله فی کتابه ، وذیّلت علیه وسمیّته کتاب التکمله والذیل والصله ، غیر مدع استیفاء ما أهمله واستیعاب ما أغفله ) ...

وقد استقی الصاغانی کتابه هذا من نحو ألف کتاب فی غریب الحدیث واللغه والنحو والصرف ، إذ قال فی آخر کتاب التکمله :

( فمن رابه شیء ممّا فی هذا الکتاب فلا یتسارع إلی القدح والتزییف ، والنسبه إلی التصحیف والتحریف ، حتّی یعاود الأصول الّتی استخرجت منها ، والمآخذ الّتی أخذت علی تلک الأصول ، وإنها تربی علی ألف مصدر من کتب غریب الحدیث : کغریب أبی

ص: 38

عبیده ، والقتیبی ، والخطّابی ، والحربی ، والفائق للزمخشری والملّخص للباقرجی ، والغریب للسمعانی ، وجمل الغرائب للنیسابوری ؛ ومن کتب اللغه والنحو ودواوین الشعراء وأراجیز الرجاز ، وکتب الأبنیه وتصانیف محمّد بن حبیب : کالمنمق والمؤتلف ، وما جاء علی اسمین أحدهما أشهر من صاحبه ، وکتاب الطیر ، وکتاب النخله ؛ وجمهره النسب لابن الکلبی ، وأخبار کنده له ، وکتاب افتراق العرب له ، وکتاب المعمّرین له ، وکتاب أسماء سیوف العرب المشهوره له ، وکتاب اشتقاق أسماء البلدان له ، وکتاب ألقاب الشعراء له ، وکتاب الأصنام له ؛ والکتب المصنفه فی أسماء خیل العرب ، وکتاب أیام العرب ، وکتب المذکر والمؤنث ، والکتب المصنفه فی أسامی الأسد ، وفی الأضداد ، وفی أسامی الجبال والمواضع والبقاع والأصقاع ، والکتب المؤلفه فی النبات والأشجار ، وفیما جاء علی فعال مبنیا ، والکتب الّتی صنفت فیما اتفق لفظه وافترق معناه ، والکتب المؤلفه فی الآباء والأمهات والبنین والبنات ، ومعاجم الشعراء لدعبل والآمدی والمرزبانی ، والمقتبس له و ... ).

ولم یکتف الصغانی بهذا بل سعی لتصحیح ما وقع فیه الجوهری من أوهام وأغلاط وتصحیف وتحریف من الکلمات والأعلام وأسماء المواضع والشواهد ، وأکمل الشواهد الشعریه الناقصه ، وصحّح نسبه کبیره منها.

وأمّا ابن برّی المقدس المصری ( ت 582 ) فقد أراد بکتابه ( التنبیه والإیضاح عمّا وقع من الوهم من کتاب الصحاح ) الإشاره إلی أخطاء الجوهری فی الصحاح ،

ص: 39

وهذا الکتاب کان لأستاذه علیّ بن جعفر بن علیّ بن جعفر بن علیّ السعدی المعروف بابن القطاع الصقلی ( ت 515 ) أولا ، ثم بنی علیه ابن بری ولکنه لم یکمله لإدراکه المنیه وهو فی باب الشّین فصل الواو ( وقش أو ومش ) فبقی الکتاب ناقصا ، لکنّه بقی - والحق یقال - أنّه أحد المصادر اللغویه الّتی لا غنی عنها.

وقد اتبع هذه المدرسه جمع من اللغویین کمحمّد بن الحسن فی الراموز والصغانی فی کتبه الأخری کالعباب ومجمع البحرین ، ثمّ الفیروزآبادی فی القاموس والزبیدی فی تاج العروس.

لقد أراد الفیروزآبادی بقاموسه أن یناقش الجوهری ویخطئه فیما قاله من موارد الغلط فی صحاحه ، وذلک بعد فراغ الفیروزآبادی من کتابه الکبیر فی اللغه الموسوم ب- ( اللامع المعلم العجاب الجامع بین المحکم والعباب ).

قال فی مقدمه القاموس :

ولمّا رأیت إقبال الناس علی صحاح الجوهری وهو جدیر بذلک ، غیر أنّه فاته نصف اللغه أو أکثر ، إما بإهمال المادّه ، أو بترک المعانی الغریبه النادّه ، اردت أن یظهر للناظر بادی بدء فضل کتابی

هذا علیه ... إلی أن یقول :

« ثمّ إنی نبّهت فیه علی أشیاء رکب فیها الجوهری رحمه الله خلاف الصواب ، غیر طاعن فیه ولا قاصد بذلک تندیدا له وإزراء علیه وغضا منه ، بل استیضاحا للصواب واسترباحا للثواب ».

ثمّ یقول :

« واختصصت کتاب الجوهری من بین الکتب اللغویه مع ما فی غالبها من الأوهام الواضحه والأغلاط الفاضحه لتداوله واشتهاره

ص: 40

بخصوصه ، واعتماد المدرسین علی نقوله ونصوصه ... ».

وبهذا یمکن القول بأنّ الجوهری کان الرائد الأول لهذه المدرسه ، لأنّه وفّی علی الغایه ووصل فیه إلی النهایه ، وإنّ استدراک ونقد بعض اللاحقین لا یضرّ بزیاده الجوهری لمنهج القافیه (1).

هذا ، وقد اتبع سیدنا المصنّف هذا المنهج فی کتابه ( الطراز الأول ) لکن بشیء من الجدّه والإبداع ، والوقوف عند تخطئات الفیروزابادی للصحاح واستنصاره للجوهری ، ولنا ، وقفه مع المؤلف ومنهجه لاحقا إن شاء الله تعالی.


1- 1. انظر مقدمه الصحاح : 103.

3 - المنهج الألفبائی

وهو أحد المناهج التی نبهنا علیها من قبل وأوّل من رسم أصول هذا المنهج ورتّب معجمه حسب أوائل حروف الهجاء من القدماء هو أبو عمرو الشیبانی ( ت 206 ه ) فی کتاب الجیم (1) ، إذ قسّم کتابه إلی عشره أجزاء ، فرّق علیها المواد مرتبه علی حروف الهجاء بالترتیب الأبجدی الحدیث المعروف الیوم وهو : أ ب ت ث ج ح خ ...

لکنّه لم یراع الحرف الثانی والثالث فیها ، بل کان یحشر فی باب الألف کل کلمه یرتضیها ، فافتتح کتابه بکلمه الأوق ، الألب ، المأفول ، الأفق ، الأروح ثمّ المأموم وأنهی باب الألف بکلمه ( الإده ).

ص: 41


1- 2. ولهذا الکتاب اسمان آخران هما : کتاب الحروف وکتاب اللغات ( إنباه الرواه 1 : 224 و 27 ).

وقد اتبع محمّد بن تمیم البرمکی هذا المنهج فی کتابه المنتهی (1) ، إذ نظر إلی الحرف الذی تبتدی به الکلمه وراعی الحرف الثانی إذا کان اللفظ ثلاثیا ، والثالث إذا کان رباعیا ، والرابع إذا کان خماسیا.

ومما تجدر الإشاره إلیه هنا ، هو أنّ البعض قد یتصور أنّ الزمخشری هو مبتکر الأبجدیه الحدیثه ، لکنّ هذا تسرع فی القول ، إذ سبقه أبو عمرو الشیبانی ومحمّد بن تمیم البرمکی وآخرون.

نعم ، إنّ الزمخشری کان هو الأول ممّن أفرد المجاز عن الحقیقه ، والکنایه عن التصریح ، ودوّن اللغه فی عقد منظومه.

إنّ القدامی لم یکونوا یستسیغون هذا المنهج الأبجدی ، لأنّ فاء الکلمه غیر ثابته فی موضعها ، وکانوا یرجّحون ترتیب معاجمهم علی ( لام الفعل ) لثبوته ، لکنّ الباحثین الجدد استساغوا هذا المنهج ورجّحوه علی ما سبق لسهولته ، وقد اتبع هذا المنهج - غیر الشیبانی فی کتاب الجیم ، والبرمکی فی کتاب المنتهی ، والزمخشری فی الاساس - والفیومیّ فی المصباح ، والرازی فی مختار الصحاح ، ولو یس معلوف فی المنجد ، ومجمع اللغه العربیه فی المعجم الوسیط ، والخوری الشرتونی فی أقرب الموارد ، وغیرهم.

ص: 42


1- 1. صنف هذا الکتاب عام 397 ه ومنه نسخ فی المدینه انظر ( فهرست مکتبه کویر یلی رقم 6511 / 2 ).

الخلاصه

اتضح ممّا سبق أن المعاجم اللغویه کتبت علی نحوین :

تاره : علی المعانی والمواضیع وأسماء الأشیاء ، کما هو المشاهد فی کتب الغریب المصنف ، والفروق ، والإبل ، والخیل ، والطیر ، والأمطار ، وما شابه ذلک ، وما کتب فی الزرع ، والکرم ، والبقول ، والنخل ، والأشجار ، والریاح ، والسحاب ، والأمطار ، وما شابه ذلک ، وقد استفاد اللغویون من هذه المصنفات فی کتاباتهم ، وبذلک تکون هذه المصنفات وما شابهها - من کتابات بعض النحویین والصرفیین فی الهمز (1) والتثنیه والجمع (2) واللامات (3) ومعانی الحروف (4) وغیرها - قد ساعدت أصحاب المعاجم فی رسم ما یصبون إلیه فی بحوثهم.

وأخری : کتبت علی الألفاظ ، وهذه علی انواع ، أمّا علی أول الکلمه ، أو علی آخرها ، أو علی التقالیب أو ...

وعلیه فالمناهج اللفظیه : تاره اتّخذت التقالیب کأساس فی عملها ، کالخلیل فی العین ، وابن درید فی الجمهره ، والقالی فی البارع ، والازهری فی التهذیب ، والصاحب فی المحیط.

وقد عنی ابن جنی ، وابن فارس بالربط بین دلالات الصور واستنبطا معانی مشترکه عامه بینها ، وسمّی عملهما بالاشتقاق الکبیر کما هو الملاحظ فی الخصائص والمقاییس ، وهذا ما لم یفعله القدماء الأوائل من روّاد هذا المنهج الّذین

ص: 43


1- 1. ککتاب الهمز لقطرب ( ت 206 ) وابن زید ( ت 215 ).
2- 2. ککتاب التثنیه والجمع لابی عبده ( ت 210 ).
3- 3. ککتاب اللامات لابن فارس والزجاجی ( ت 377 ) والنحاس.
4- 4. ککتاب معانی الحروف أو معانی الحروف للرمانیّ ( ت 384 ) أو الازهیه فی علم الحروف للهروی ( ت 415 ).

کانوا یذکرون صور التقالیب دون التعرّض للربط بین دلالات تلک الصور ، فکان عملهم أقرب إلی الجرد والإحصاء من الاستنباط ورعایه وجه الربط.

وتاره أخری اتّخذت القافیه أو الأبجدیه کمنهج فی الترتیب والعرض کما سبق بیانه.

وهناک من اقتصر علی ذکر الصحیح من اللغه فقط ، کما هو المشاهد فی الصحاح والمجمل والتهذیب. قال السیوطی عن المعاجم اللغویه :

( وغالب هذه الکتب لم یلتزم فیها مؤلفوها الصحیح ، بل جمعوا فیها ما صحّ وغیره ، وینبّهون علی ما لم یثبت غالبا ، وأوّل من التزم الصحیح مقتصرا علیه الإمام أبو نصر إسماعیل بن حمّاد الجوهری ، ولهذا سمّی کتابه الصحاح ، فهو فی کتب اللغه نظیر صحیح البخاری فی الحدیث ، ولیس المدار فیه فی الاعتماد علی کثره الجمع بل علی شرط الصحه ) (1).

وقد قال ابن فارس مثل هذا القول فی مقدمه کتابه مجمل اللغه :

« ... قد ذکرنا الواضح من کلام العرب والصحیح منه دون الوحشی المستنکر ».

وقال فی آخر کتابه : « واقتصرت علی ما صحّ عندی سماعا ، ولو لا توخّی ما لم اشکک فیه من کلام العرب لوجدت مقالا ... » (2).

وقد ادّعی الأزهری جمعه للصحیح کذلک ، فقال :

« ولم أودع کتابی هذا من کلام العرب إلاّ ما صح لی سماعا منهم ، أو روایه عن ثقه ، أو حکایه عن خطّ ذی معرفه ثاقبه اقترنت إلیها معرفتی ، اللهمّ إلاّ حروفا وجدتها لابن درید وابن المظفر فی کتابیهما فبیّنت شکّی فیها و ... » (3).

ص: 44


1- 1. المزهر 1 : 79.
2- 2. هذا ما حکاه الزبیدی عن ابن فارس ( انظر مقدمه التاج 1 : 40 ).
3- 3. تهذیب اللغه 1 : 40.

وهناک من جدّ فی الجمع بین الأصول المهمه غیر هادف فی عمله الاستنباط والاستدلال ، واقتصاره علی الصحیح فعمل هؤلاء یشبه عمل بعض المحدثین من أهل السنه والجماعه الذین جمعوا بین الأصول الحدیثیه ، کابن الاثیر الذی جمع بین الکتب السته فی کتابه جامع الأصول ولم یزد علیها شیئا ، ومثل ذلک کان صنع المتقی الهندی فی کتابه کنز العمال.

أو أنّه یشبه عمل بعض محدثی الشیعه کالحر العاملی فی کتابه وسائل الشیعه الذی جمع فیه بین الکتب الروائیه الاربعه عند الشیعه بشیء من الإضافه والترتیب.

وعلیه ، فان عمل هؤلاء هو أقرب إلی الترتیب والمنهجیه من الاستنباط وإعمال الفکر ، وإن کان فی تبویب هؤلاء وعنونتهم للأبواب إشاره إلی ما یستنبطونه من الاخبار.

وعلی هذا کان عمل ابن منظور فی لسان العرب ، إذ جمع بین خمسه کتب لغویه ، هی : الصحاح للجوهری ، وحاشیه ابن بری ، والتهذیب للأزهری ، والمحکم لابن سیده ، والجمهره لابن درید.

وکان عمل الخوری فی ینابیع اللغه (1) ، أو البطلیوسی فی الجمع بین الصحاح والغریب المصنف (2) ، والتنوخی فی تهذیب التهذیب (3) من هذا القبیل.

قال ابن منظور فی مقدمه اللسان :

« ولیس لی من هذا الکتاب فضیله أمتّ بها ، ولا وسیله أتمسّک بسببها ، سوی أنّی جمعت فیه ما تفرّق فی تلک الکتب من العلوم ، وبسطت القول فیه ولم أشبع

ص: 45


1- 1. فالخوری فی کتابه قد جرّد الصحاح من الشواهد وضمّ إلیه تهذیب اللغه للأزهری والشامل لأبی منصور الجبان ، والمقاییس لابن فارس دون إشاره أو تعلیق.
2- 2. وهو کتاب ألّفه أبو اسحاق إبراهیم بن قاسم البطلیموسی (644).
3- 3. وهو کتاب جمع فیه بین الصحاح والتهذیب والمحکم.

بالیسیر ، وطالب العلم منهوم ، فمن وقف علی صواب أو زلل ، أو صحه أو خلل ، فعهدته علی المصنف الأوّل ، وحمده وذمّه لأصله الذی علیه المعوّل ، لأنّنی نقلت من کلّ أصل مضمونه ، ولم أبدل منه شیئا ، فیقال ( فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَی الَّذِینَ یُبَدِّلُونَهُ ) ، بل أدّیت الأمانه ، فی نقل الأصول بالنص ، وما تصرّفت فیه بکلام غیر ما فیها من النص ، فلیعتدّ من ینقل عن کتابی هذا أنّه ینقل عن هذه الأصول الخمسه ، ولیغن عن الاهتداء بنجومها فقد غابت لما أطلعت شمسه ... ) (1).

وهناک : معاجم اعتمدت بعض الکتب لکن لا بصوره بدائیه ومنهج جمعی وإعدادی بسیط ، بل اجهد المؤلف فیها فکر واستخدم طرق الاستنباط ، واستدرک ونقد ، ومن هذا القبیل کتاب ( مقاییس اللغه ) ، لابن فارس ، وکتاب ( ضاله الأدیب فی الجمع بین الصحاح والتهذیب ) لابن المعالی الخوری ، صاحب کتاب ( ینابیع اللغه ) آنف الذکر ، أو ( التکمله والذیل والصله ) للصغانی ، أو ( التنبیه والإیضاح عمّا وقع من الوهم فی کتاب الصحاح ) لابن بری ، فهذه الکتب الثلاثه الاخیره سعت فی الاستدراک علی الجوهری ونقده.

ولا یخفی علیک بأن کتاب القاموس کان السبّاق فی هذا المضمار إذ جدّ الفیروزآبادی لجمع سقطات الجوهری والکشف عن عواره ، ومن هذه الکتب کذلک کتاب سیّدنا المترجم له « الطراز الأول » فإنه وإن کان بحّد ذاته کتابا لغویا نافعا قد عنی بالمنهج الاحصائی ، لکنّه أیضا نهج منهج الاستدراک علی من سبقه ونقد مواطن النقد فی أعمال من تقدّمه من أرباب المعاجم ، وهنا یتضح سعیه وجدّه للوقوف علی سقطات اللغویین عموما ، والمجد الفیروزآبادی علی نحو الخصوص ، وهذا ما سیأتیک بیانه بشیء من التوضیح والتفصیل عند بیان ما للمؤلّف من منهجیه ومیزات وخصوصیات.

ص: 46


1- 1. مقدمه لسان العرب 1 : 8.

المؤلّف

هو العلاّمه الأدیب ، سلیل الشجره النبویه والدوحه العلویه ، صدر الدین السیّد علیّ خان المدنی ثمّ الهندی وأخیرا الشیرازی.

* ولد المترجم له بالمدینه وقیل بمکّه (1) لیله السبت الخامس عشر من جمادی الأولی سنه 1052 من أبوین کریمین.

والده : العالم الفاضل نظام الدین أحمد بن الأمیر محمّد معصوم الحسینی الحسنی (2) ، وقد قال المصنف فی مقدمه سلافه العصر عنه وعن بقیه أجداده : لا أقف علی حدّ حتّی أنتهی إلی أشرف جدّ (3).

والدته : ابنه الشیخ محمّد بن أحمد المتوفی سنه 1044 إمام الشافعیه بالحجاز.

* انحدر من أسره علمیه أغلبهم من العلماء والأمراء ، وله رساله شرح فیها الأحادیث الخمسه المسلسله بآبائه ، فرغ منها سنه 1109 ، وقد عرّف نفسه فی ( سلوه الغریب وأسوه الادیب : 84 ) ، بقوله : وزید بن علیّ هو الأب التاسع والعشرون من أجدادنا وبه یتصل نسبنا هکذا :

فأنا علیّ بن أحمد نظام الدین ، بن محمد معصوم بن أحمد نظام الدین بن إبراهیم بن سلام الله بن مسعود عماد الدین بن محمّد صدر الدین بن منصور غیاث الدین بن محمد صدر الدین بن

ص: 47


1- 1. ریاض العلماء 3 : 365.
2- 2. لجده السیّد محمّد معصوم المتوفی 1044 شعر ذکره المصنف فی سلوه الغریب : 202.
3- 3. سلافه العصر : 10.

إبراهیم شرف الملّه بن محمّد صدر الدین بن إسحاق عزّ الدین بن علیّ ضیاء الدین بن عربشاه فخر الدین بن الأمیر عزّ الدین أبی المکارم بن الأمیر خطیر الدین بن الحسن شرف الدین أبی علیّ ، بن الحسین أبی جعفر العزیزی ، بن علی أبی سعید النصیبینی ، بن زید الاعشم أبی ابراهیم ، بن علی ، [ بن الحسین ] أبی شجاع الزاهد ، بن محمّد أبی جعفر بن علیّ أبی الحسین بن جعفر أبی عبد الله بن أحمد بن نصیر الدین السکینی النقیب ، بن جعفر أبی عبد الله الشاعر بن محمّد أبی جعفر ، بن زید الشهید بن علیّ زین العابدین بن الحسین أبی عبد الله سیّد الشهداء بن أمیر المؤمنین علیّ بن أبی طالب علیهم السلام (1)

أولئک آبائی فجئنی بمثلهم

إذا جمعتنا یا جریر المجامع

وقال المیرزا عبد الله الأفندی فی ریاض العلماء :

... ثمّ اعلم أنّ أحمد السکّین - أحد اجداد المصنّف ، وقد یقال أحمد بن السکین - هذا الذی قد کان فی عهد مولانا الرضا صلوات الله علیه ، وکان مقربا عنده علیه السلام فی الغایه ، وقد کتب لأجله کتاب فقه الرضا علیه السلام ، وهذا الکتاب بخطّ الرضا علیه السلام موجود فی الطائف بمکّه المعظمه فی جمله کتب السیّد بالخطّ الکوفی ، وتاریخها سنه مائتین من الهجره ، وعلیها إجازات العلماء وخطوطهم ، وقد ذکر الامیر غیاث الدین المنصور - المذکور نفسه فی بعض إجازاته بخطّه هذه النسخه ،

ص: 48


1- 1. فی أسماء بعض سلسله آبائه وأجداده اختلاف : انظر أیضا ریاض السالکین 1 : 31 - و 139.

ثمّ أجاز هذا الکتاب لبعض الأفاضل ، وتلک الإجازه - بخطّه أیضا موجوده من جمله کتب السیّد علی خان عند أولاده بشیراز (1).

* اشتغل المترجم له بالعلم ، بعد أن ترکه والده عند أمه وهو صبی ، مهاجرا إلی حیدرآباد الهند بطلب من السلطان عبد الله قطب شاه ، مزوجا السلطان ابنته إیّاه ومسندا إلیه شؤون الدیوان وتدابیر الدوله.

* کان السیّد علی أبو سعید النصیبی ( الجدّ السادس عشر للمترجم له ) أوّل من انتقل من رجال هذه العائله إلی شیراز ، وکان جدّه السیّد محمّد معصوم أوّل من غادر شیراز إلی مکّه المعظّمه ، وذلک بعد انتقال عمه وختنه الامیر نصیر الدین حسین إلیها.

* سافر المترجم له إلی حیدرآباد باصرار من والده (2) وهو لم یتجاوز الرابعه عشر من عمره فی لیله السبت السادس من شهر شعبان سنه 1066 ، وقد طال سفره إلیها تسعه عشر شهرا ، کتب فیها رحلته فی قصاصات ثمّ دونها فی سنه 1074 وأتّمها فی عام 1075 ، وهی المطبوعه الیوم باسم ( رحله ابن معصوم المدنی ، أو سلوه الغریب ، وأسوه الأدیب ).

* وصل المترجم له إلی حیدرآباد یوم الجمعه لثمان بقین من شهر ربیع الاول سنه 1068.

* ظلّ المترجم له فی رعایه والده إلی أن توفّاه الله سنه 1086 فصار فی رعایه قطب شاه.

ص: 49


1- 1. ریاض العلماء 3 : 365.
2- 2. لو اردت المزید یمکنک مراجعه الصفحه 36 من ( سلوه الغریب ) وللمترجم له ولاخیه اشعار فی فراق مکّه انظر فی 38 - 29 من سلوه الغریب ..

* أمضی المترجم له ثمان عشره سنه فی حیدرآباد تعرف فیها - فی نادی أبیه - علی جمع من العلماء والأدباء ، ذکر أسماءهم فی کتابه سلوه الغریب (1).

* تولّی المترجم له مناصب مهّمه فی الدوله أیّام والده ، حتی حسده بعض منافسیه وخصوم أبیه بالذات ، وأخذوا یدبّرون المکائد للقضاء علیه ، فخرج إلی السلطان محمّد اورنک زیب شاه فی ( برهان بور ) وقد اشار المصنّف إلی هذه الحادثه بقوله :

و حثوا الجیاد السابحات لیلحقوا

و هل یلحق الکسلان شأو أخی المجد

فساروا وعادوا خائبین علی وجی

کما خاب من قد بات منهم علی وعد

وفی هذه الفتره ألّف المصنف کتابه ( الحدائق الندیه فی شرح الصمدیه ) وقال فی ختامه : ( وکان الفراغ من تبییض هذا الشرح المبارک مع تشویش البال ... ).

* لما أطیح بحکم قطب شاه ، جدّ أنصار الحاکم الجدید فی النیل من أصدقاء الشاه ، فهرب السلطان محمّد اورنک زیب شاه فجدّوا فی طلبه ، لکنهم لم یوفقوا لذلک ، وکان المترجم له صدیقا له وقد نظم بعض الأبیات فی مدحه (2) ، وقد قرّبه الأخیر فصار من أعاظم أمراء دولته ، وقلّده قیاده کتیبه من الجیش تعدادها ألف وثلاثمائه فارس ، وأعطاه لقب الخان ، فعرف السیّد بعلی خان ، واصطحبه الشاه إلی اوزنک آباد فأقام المترجم له فیها مده ، ثمّ جعله والیا علی ( ماهور ) ، ثمّ أعطاه رئاسه الدیوان فی ( برهان بور ) لمده سنتین ، أی إلی عام 1114 ، حیث طلب السیّد من الشاه أن یسمح له بالعوده إلی مکّه لحجّ بیت الله ولقاء الأحبه والأصدقاء فیها ، لأنّه

ص: 50


1- 1. سلوه الغریب من ص 206 إلی 239.
2- 2. انظر مقدمه ریاض السالکین 1 : 9 ، أنوار الربیع 6 : 149.

کان یحنّ إلیها کثیراً.

فسمح له السلطان بذلک ، فترک الهند بعد ثمان وأربعین سنه راجعا إلی وطنه ومسکنه ، فدخل المدینه ومکّه وبقی فی مکه مجاورا مده ، ثمّ عرّج إلی العراق فزار کربلاء والنجف والکاظمیه وسامراء ، ثمّ توجه إلی خراسان لزیاره الإمام الرضا علیه السلام ، ثمّ ذهب إلی أصفهان فوصلها سنه 1117 فی عهد السلطان حسین الصفوی ، فأهداه ما کتبه فی الهند فی شرح الصحیفه السجادیه ، وأخیرا حطّ رحاله فی مدینه شیراز ، فأقام بالمدرسه المنصوریه الّتی بناها جدّه السابع العلاّمه غیاث الدین منصور ، وانصرف بکلّیته إلی التدریس والتألیف وهناک کان أکبر همه الاشتغال بتألیف ( الطراز الأول ) حتّی توفاه الله بشیراز فی ذی القعده عام 1120 (1) ودفن بحرم الشاه چراغ أحمد بن الإمام موسی بن جعفر سلام الله علیهما عند جده غیاث الدین المنصور صاحب المدرسه المنصوریه.

مشایخه ، والرواه عنه

1 - یروی عن أبیه السیّد نظام الدین أحمد ، عن السیّد نور الدین ، عن صاحبی المعالم والمدارک.

2 - وعن الشیخ علی بن فخر الدین محمّد بن الشیخ حسن - صاحب المعالم - ابن الشهید الثانی المتوفی 1104.

3 - وعن شیخه وأستاذه الشیخ جعفر بن کمال الدین البحرانی ، عن الشیخ

ص: 51


1- 1. هذا أقرب الاقوال لاشتهاره عند أولاده وفی سبحه المجران : 87 أنه توفی سنه 117 ه ، وفی ریاض العلماء سنه 1118 ه ، وفی روضات الجنات : 398 وسفینه البحار 2 : 246 : سنه 1119 ه.

حسام الدین الحلی ، عن البهائی ، کما صرّح بذلک فی أوّل سنده إلی الصحیفه السجادیه الکامله.

4 - وعن العلاّمه المجلسی بالإجازه ، کما أنّ العلاّمه المجلسی روی عنه أیضاً.

5 - ویروی عنه الامیر السیّد محمّد صالح الحسینی الخاتون آبادی کما عن اجازته الکبیره الموسومه بمناقب الفضلاء ، وغیرها من الإجازات.

6 - وعنه السیّد الامیر محمّد حسین بن الامیر محمّد صالح الخاتون آبادی المتوفی 1151.

7 - والشیخ باقر بن المولی محمّد حسین المکّی کما فی الإجازه الکبیره للسیّد الجزائری.

أصدقاؤه وبعض فضلاء عصره

1 - الشیخ جعفر کمال الدین البحرانی (1).

2 - شرف الدین یحیی بن عبد الملک القصاص المتوفی 1074 (2).

3 - الأدیب أحمد بن محمّد بن علی الجوهری (3).

4 - السیّد محمّد بن عبد الله الحسینی - کبریت المدنی - المتوفی 1070 (4).

5 - محمّد بن عبد الحسین البحرانی (5).

ص: 52


1- 1. سلوه الغریب : 66 و 224.
2- 2. سلوه الغریب : 62.
3- 3. سلوه الغریب : 95.
4- 4. سلوه الغریب : 101.
5- 5. سلوه الغریب : 153.

6 - الشیخ محمّد بن علی بن یوسف الشامی (1).

7 - السیّد عمار بن برکات بن أبی نمی (2).

8 - الشیخ حسین بن شهاب الدین الشقی (3).

9 - الشیخ عفیف الدین عبد الحسن بن الحسین (4) وغیرهم.

مولفاته

للسیّد المدنی تألیفات ونوادر قیّمه ، فله کتب فی الحدیث ، والأدعیه المأثوره ، والتراجم ، والرحلات ، والشعر ، والبدیع ، والنحو ، والصرف ، وإن کانت السمه الغالبه علی مؤلفاته هی ما یتعلق بعلوم اللغه والنحو. وإلیک تلک المصنفات :

1 - أنوار الربیع فی أنواع البدیع

وهو کتاب شرح فیه - قصیدته البدیعیه الّتی نظمها فی اثنتی عشره لیله ، فی مائه وسبعه وأربعین بیتا ، بزیاده بیتین لنوعین من البدیع علی بدیعیه صفی الدین الحلی المولود سنه 677 والمتوفی 750 ، الّتی سماها ب- ( الکافیه البدیعیه فی مدح خیر البریه ).

والمصنف سعی فی کتابه هذا المقارنه بین بدیعیته وبدیعیات الآخرین ، کالصفی الحلی ، وابن جابر الأندلسی ، وشرف الدین المقری وغیرهم.

إذ أورد فی کتابه أکثر من أثنی عشر ألف بیتا کشاهد شعری ، وتعرّض إلی

ص: 53


1- 1. سلوه الغریب : 206.
2- 2. سلوه الغریب : 213.
3- 3. سلوه الغریب : 233.
4- 4. سلوه الغریب : 239.

حوادث تأریخیه ومسائل فقهیه وطرائف أدبیه ممّا یبهج النفوس ویوسع المدارک.

فرغ من تصنیفه عام 1093 وقد أرخه بقوله.

بعون الله تمّ الشرح نظما

و نثرا مخجلا درّ النظام

ومسک ختامه مذ طاب نشرا

أتی تاریخه ( طیب الختام )

وقد طبع هذا الکتاب مرتین : إحداهما فی سنه 1304 فی ایران علی الحجر ، والثانیه بمطبعه النعمان فی النجف الاشرف عام 1388 بتحقیق شاکر هادی شکر فی سبعه مجلدات.

2 - سلوه الغریب وأسوه الأدیب

أو رحله ابن معصوم المدنی إلی حیدر آباد الهند ، سجّل فیه ما شاهده أثناء السفر فی البحر والبر ، انتهی من تألیفه عام 1075.

طبع هذا الکتاب عام 1408 ه - 1988 فی بیروت دار عالم الکتب / ومکتبه النهضه العربیه بتحقیق شاکر هادی شکر.

3 - دیوان ابن معصوم

قال الأمینی : وله شعر کثیر لا یوجد فی دیوانه السائر الدائر ، منه تخمیس میمیه شرف الدین البوصیری الشهیره ب- ( البرده ) أولها مخمّسا.

یا ساهر اللیل یرعی النجم فی الظلم

و ناحل الجسم من وجد ومن ألم

ما بال جفنک یندو الدمع کالغیم

أمن تذکّر جیران بذی سلم

مزجت دمعا جری من مقله بدم؟

وهذه التخمیسه قد طبعت علی انفراد فی کراس ، ودیوان ابن معصوم مطبوع فی سنه 1408 ه - 1988 م فی دار عالم الکتب / مکتبه النهضه العربیه فی بیروت.

ص: 54

4 - ریاض السالکین فی شرح صحیفه سید الساجدین.

« وهو شرح کبیر جدا ، من أحسن الشروح وأطولها ، وقد أورد فیه فوائد غزیره عن کتب کثیره غریبه عزیزه ، نقل فیها أقوال سائر الشرّاح والمحشین ، وتعصّب فیه للشیخ البهائی من بین الشرّاح ، وطوّل البحث فی أکثر العلوم ولا سیّما العلوم العربیه.

وقد أخذ من شرحه هذا المولی الجلیل مولانا محمّد حسین بن المولی حسن الجیلانی فی شرحه الکبیر علی الصحیفه السجادیه ، ثمّ لمّا اطّلع هذا علی ذلک وطالع شرحه بالغ فی إنکاره وسبّه ، ولمّا عثر هذا المولی علی ذلک أخذ ثانیا فی ردّ کلامه فی أکثر مواضع شرحه المذکور » (1).

وقد طبع هذا الکتاب عده مرات بصوره حجریه ومحققه ، وقد طبعته موخرا ( مؤسسه النشر الإسلامی التابعه لجماعه المدرسین بقم ) بتحقیق السیّد محسن الأمینی فی سبعه أجزاء.

5 - نغمه الأغان فی عشره الأخوان - نغمه الأغانی فی عشره الاخوان.

وهی ارجوزه فی العشره والأخلاق ، ذکرت برمّتها فی کشکول المحدث البحرانی المسمی ( أنیس المسافر ) وهی مطبوعه معه ، أولها :

یقول الراجی الصمد ***علی بن أحمد

حمدا لمن هدانی***بالنطق والبیان

وبعد فالکلام***لحسنه أقسام

وخیره ماطربا***مستمعا وأعجبا

ص: 55


1- 1. ریاض العلماء 3 : 366.

وهذه أرجوزه***فی فنّها وجیزه

ضمّنتها معانی***فی عشره الأخوان

سمّیته إذ طربا***بنظمه وأغربا

ب « نغمه الأغانی فی عشره الأخوان »

وآخرها :

ثمّ الصلاه أبدا ***علی النبیّ أحمدا

ما طار طیر فشذا***و لاح فجر فبدا

وقد طبعت هذه المنظومه مستقلّه فی مجلّه العرفان الصیداویه (1)

6 - الکلم الطیّب والغیث الصیّب

کتاب فی الأدعیه والأحراز المأثوره ، فیه فوائد جلیله ، بقی ناقصا لم یتمه.

أوله : الحمد لله الّذی یصعد إلیه الْکلم الطَّیّب والعمل الصّالح یرفعه ومن لدیه ...

طبع بالحجر فی الهند.

7 - الحدائق الندیه فی شرح الصمدیه

هو شرح لکتاب الصمدیه للشیخ البهائی ، فرغ من تألیفه 1079 ، قال عنه الافندی : .. طویل الذیل حسن الفوائد ، وهو شرح لم یعمل مثله فی علم النحو ، وقد نقل فیه أقوال جمیع النحاه عن کتب کثیره غریبه (2).

طبع مکررا فی إیران والعراق.

ص: 56


1- 1. الذریعه 242 : 236.
2- 2. ریاض العلماء 3 : 366 وعنه فی الروضات 4 : 395 واعیان الشیعه 8 : 152.

8 - شرحان علی الصمدیه أیضا ( المتوسط والصغیر ).

الظاهر أنهما مفقودان.

9 - الفرائد البهیه فی شرح الصمدیه.

هکذا ذکره آغا بزرک الطهرانی فی الذریعه (1) ، وقال : له عده نسخ فی سبهسالار برقم 8107 ، ومکتبه شاه عبد العظیم الحسنی برقم 921 بعنوان « الفوائد » بالواو ، والظاهر أنّه أحد الشروح الثلاثه علی الصمدیه.

10 - سلافه العصر فی محاسن الشعر بکلّ مصر.

ترجم فیه لجمله من شعراء وأعیان عصره من العامّه والخاصّه ، مرتّبا علی أقسام خمسه 1 - أهل الحرمین 2 - أهل الشام ونواحیها 3 - أهل الیمن 4 - أهل العجم والبحرین والعراق 5 - أهل المغرب.

أوّله : یا من اودع جواهر الکلم حقائق الشفاه ...

شرع فی تألیفه سنه 1081 وفرغ منه سنه 1082 ، سلک فیه مسلک الثعالبی فی یتیمه الدهر ، والباخرزی فی دمیه القصر. طبع فی مصر سنه 1328 ، وأعید طبعه بالأوفسیت مرّتین ، کانت أولاهما علی نفقه أمیر قطر ، وطبع کذلک فی إیران.

11 - ملحقات السلافه مشحونه بکلّ أدب وظرافه - تذییل السلافه.

« فیه تراجم کثیره ألحقها بأصله من غیر ملاحظه ما هو ترتیب الأصل من الأقسام الخمسه ، وفی تلک التراجم ترجمه الشیخ جمال الدین محمّد بن عبد الله النجفی المالکی من ذریّه مالک الاشتر ، الذی ترجمه فی الاصل أیضا ووصفه بقوله : ذو

ص: 57


1- 1. الذریعه 16 : 134.

النسب الاشتری والأدب البحتری ... (1) ».

12 - الدرجات الرفیعه فی طبقات الشیعه

رتبه علی اثنتی عشره طبقه 1 - الصحابه 2 - التابعین 3 - المحدثین الذین رووا عن الائمّه الطاهرین 4 - علماء الدین 5 - الحکماء والمتکلمین 6 - علماء العربیه 7 - الساده الصفویه 8 - الملوک والسلاطین 9 - الأمراء 10 - الوزراء 11 - الشعراء 12 - النساء.

أوّله : الحمد لله الذی جعل لعباده المؤمنین لسان صدق ...

ویظهر من مقدمته أنّه ألّفه فی کبر سنه لقوله : بعد أن اشتعل الرأس شیبا وامتلات العیبه علما ... أخذت فی تالیف هذا الکتاب.

طبع جزء واحد من هذا الکتاب فی النجف الاشرف سنه 1382 ه ، یضم الطبقه الأولی وقسما من الطبقه الرابعه وجزءا قلیلا من الطبقه الحادیه عشره ، وهو کلّ ما عثر علیه من الکتاب.

13 - التذکره فی الفوائد النادره

وهو علی شاکله الکشکول للشیخ البهائی ، نقل عنه المحدث البحرانی فی أوائل کشکوله (2).

14 - المخلاه فی المحاضرات

وهو نظیر الکشکول للشیخ البهائی أیضا ، وهو غیر الکتاب آنف الذکر کما

ص: 58


1- 1. الذریعه 4 : 55.
2- 2. الذریعه 4 : 25.

استظهر ذلک صاحب الروضات بعد ذکره لکتاب المخلاه (1).

15 - الزهره فی النحو

ذکره صاحب الروضات ( 4 : 396 ) ، والذریعه ( 12 : 72 ) والغدیر ( 11 : 348 ) ، واعیان الشیعه وغیرهم.

16 - رساله نفثه المصدور

أشار إلیها المترجم له فی کتابه أنوار الربیع ( 2 : 343 ) فی باب الکلام الجامع.

17 - کتاب محک القریض

ذکر المصنف اسم هذا الکتاب فی باب المغایره من کتابه أنوار الربیع بقوله : « وقد أملیت کتابا لطیفا ودیوانا طریفا فی مقاصد الشعر ، ترجمته بمحک القریض .. ».

18 - منظومه فی علم البدیع

ذکر هذه المنظومه المیرزا عبد الله الأفندی فی ریاض العلماء 3 : 367 ، وقد تکون هی نفسها منظومته تلک الّتی شرحها فی أنوار الربیع ، فتأمل.

19 - رساله فی المسلسله بالآباء

شرح فیها الأحادیث الخمسه المسلسله بآبائه ، فرغ منها سنه 1109 ( الغدیر 11 : 348 ).

20 - موضح الرشاد فی شرح الارشاد فی النحو

ذکره الحاج خلیفه فی کشف الظنون ، وقد یعنی بالإرشاد کتاب إرشاد الهادی

ص: 59


1- 1. الذریعه 20 : 232 / 2727.

فی النحو لمسعود بن عمر التفتازانی.

21 - رساله فی أغالیط القاموس

ذکره الافندی فی ریاض العلماء ( 3 : 367 ) وعنه أخذ صاحب الروضات 4 : 395.

22 - الطراز الأوّل

وهو الماثل بین أیدینا.

وقفه قصیره

ذکر الاستاذ أحمد عبد الغفور عطار فی مقدمته علی کتاب الصحاح للجوهری ص 173 اسم سیدنا المترجم له ضمن شراح القاموس ، وذلک بعد أن أتی ب- ( تاج العروس ) للزبیدی ، و ( إضاءه الراموس ) لمحمّد بن طیب الفاسی ، فقال تحت الرقم « 3 » :

شرح القاموس لابن معصوم ، السید علی خان بن السید الامیر نظام الدین احمد بن محمد معصوم الحسینی الدشتکی الشیرازی الشیعی ( 1052 - 1235 ه ) (1).

ثمّ قال بعدها فی صفحه 177 وتحت الرقم (35) :

طراز اللغه ، للسید علی خان ، نقد فیه القاموس ، وردّ علی صاحبه ما وهّمّ فیه الصحاح.

ص: 60


1- 1. اخطأ الاستاذ فی سنه وفاه المؤلف فتاره قال سنه 1235 ، وفی صفحه 191 : قال سنه وفاته 1117 ، والصحیح أن وفاته سنه 1120.

وفی صفحه 191 عدّه ضمن من دافع عن الصحاح بالخصوص تحت الرقم (62).

ویفهم من ترتیب الاستاذ العطار أن للسید علیّ خان ثلاثه کتب : أحدها شرح للقاموس ، والآخر نقد له ، وثالث استنصار للجوهری ، لأنّه تاره ذکره ضمن شراح القاموس ، وأخری فیمن نقده ، وثالثه فیمن استنصر ودافع عن الصحاح والجوهری.

فهل أنّ للسید علی خان رساله مستقلّه فی الاستنصار للجوهری؟ إنّ هذا ما لم نره ولم نعرفه ، ولعلّه مما انفرد به الأستاذ العطار.

نعم ، ذکر المیرزا عبد الله الأفندی وجود رساله للمصنف فی أغالیط القاموس ، ویفهم من کلامه أنّها غیر الطراز ؛ لقوله بعد أن ذکر کتاب ( الطراز الأول ) : « ورساله فی اغالیط الفیروزآبادی فی القاموس وهی رساله حسنه » (1).

فإن کان الأستاذ العطار یفهم من وجود هذه الرساله وجود التلازم بین تغلیط الفیروزآبادی والتصحیح للجوهری فذاک شیء ، وإن لم یذهب إلی ذلک فکان علیه أن یذکر أنّه کرّر - أسماء کتب السیّد علیّ خان المدنی - باعتبار المواضیع ، وما رسمه من تقسیم ولیست هی عناوین مستقله ، هذا کلّه بغض النظر عن أنّ تعریف الطراز بأنّه شرح للقاموس مجازفه واضحه!

والحق أن رساله التغلیط إن ثبتت فلا تثبت التلازم بین تخطئه المؤلف للفیروزآبادی والتصحیح للجوهری ، لأنّک ستقف لاحقا علی تخطئه المؤلف للجوهری أیضا فی بعض المواضع من کتابه هذا : وهذا لا یخالف ما نذهب إلیه من أنّ همّ المؤلف کان الاستنصار للجوهری عموما فی الطراز.

ص: 61


1- 1. مقدمه الصحاح : 177.

وعلیه ، فلو أردنا الجمع بین هذه الأقوال الثلاثه وتصویبها فنقول : أن السیّد علی خان لم یکتب فی اللغه إلاّ کتاب ( الطراز الأول ) ، وبما أن هذا الکتاب فیه نقود للفیروزآبادی وتصحیحات للجوهری - وشرح للقاموس حسب ما ادعاه - فقد عدّها الأستاذ - تساهلا - کتبا مستقله (1).

نعم یمکن إفراد کلّ من الموضوعین فی رساله لاحقا ، والقول بأنّ : له رساله کذا وکذا مستلاّت من الطراز ، لکنّه الآن قول وادّعاء لا یمکن البت به قبل أوانه.

ویؤید ما قلناه هو عدم وجود نسخ لهذه الرسائل المزعومه فی المکتبات العامه ، ولم یذکرها الشیخ آغا بزرک الطهرانی فی کتابه ( الذریعه إلی مصنفات الشیعه ) بل اکتفی بذکر الطراز الأول وحده دون الکتابین الآخرین المزعومین.

ولو صح وجود رساله له فی الأغالیط أو الاستنصار للجوهری لذکرهما الزبیدی فی تاج العروس ضمن عدّه لأسماء من شرح أو استدرک أو نقد الفیروزآبادی لقوله :

« ... ومنهم کالمستدرک لما فات ، والمعترض علیه بالتعرض لما لم یات ، کالسیّد العلاّمه علیّ بن محمد معصوم الحسینی الفارسی » (2).

وهو واضح فی أنّه لیس لسیّدنا المترجم له کتاب آخر غیر الطراز ، وإلاّ لذکره.

ص: 62


1- 1. وخصوصا لو اعتقد الاستاذ بان الاستدارک بالمواد والشواهد والرجال والبلدان و .. هو یعنی الشرح ، حیث إن کتاب سیدنا المترجم له لیس بشرح بالمعنی المتصور کالتاج و .. ، نعم فی جملته توجد زیادات واستدارکات علی القامو�1. فهو لیس بشرح بل هو کتاب مستقل ، فتامل.
2- 2. مقدمه تاج العروس ، للزبیدی 1 : 3.

المؤلّف

یعدّ کتاب ( الطراز الأول ) من أهم کتب السیّد علیّ خان المدنی ، کما یعدّ من الکتب الّتی کتبت استدراکا ، ونقدا علی کتب وأقوال الآخرین ، إذ عرفنا وجود نهجین أساسیین فی کتابه اللغه.

أحدهما : الجمع والترتیب المعجمی المجرّد لمفردات اللغه.

وثانیهما : الاستدراکی النقدی الناظر علی مناهج السابقین من اللغویین.

وبما أن کتابنا من النمط الثانی ، کان لزاما علینا - قبل بسط الکلام عن المؤلّف - الإشاره إلی أمرین :

أحدهما : إلی المنهج العام عند اللغویین ، وتفسیرنا لبعض مصطلحاتهم کالمثلث ، الضد ، الإبدال ، المعرب ، القلب.

وثانیهما : بیان منهج الاستدراک النقدی وکیفیه تطور المعاجم اللغویه من حیث الکمّ والموادّ اللغویه العربیه بحیث صارت المعاجم بمرور الزمان تحوی الکثیر من المبعثر فی بطون الکتب والمنتشر فی الرسائل ، وفی شروح دواوین العرب وغیرها ثمّ الوقوف عند تخطئات الآخرین.

وهل أنّهم کانوا محقّین فیما قالوه ، أم وردت نقودات وردود علیهم؟

وهل أنّ المؤلّف وفّق لما کان یرجوه وصحت نقوداته علی الاخرین ، ام أنّه وقع فیما وقعوا فیه؟ وان کان الاخیر یستدعی وقتا طویلا لاثباته ، لکننا سعینا وبقدر المستطاع اعطاء صوره عما فعله المؤلف فی کتابه وللقارئ ان یحکم بالنتیجه.

مشیرین إلی أننا قد اکثرنا الشواهد فی هذه الدراسه ؛ لان بیان منهجیه کامله

ص: 63

وتثبت مدعیات ضخمه عن الکتاب والمؤلف لا یمکن تطبیقه بشاهد وشاهدین ، إذ کلما کثرت الشواهد اقترب المدعی إلی الصواب ، ولولاه لصارت هذه الدراسه مدعیات بلا ادلّه ، أو قل مدعیات ضخمه بادلّه قلیله.

المثلّث

وهی الکلمه الّتی اختلف ضبطها علی ثلاثه صور ( الضم ، الکسر ، الفتح ) مع الاتفاق ، أو الاختلاف فی المعنی.

ومثال الأول - أعنی مع الاتفاق فی المعنی - فإنه قد یأتی فی حرکه فاء الفعل مثل : الغمر ، الغمر ، الغمر. وأخری فی عین الفعل ک : الرّجل ، الرّجل ، الرّجل. وثالثه ، تکون فی ضمتین تقابلان فتحتین وکسرتین ک : السّمسم ، السّمسم ، السّمسم.

ومثال الثانی - أی مع الاختلاف فی المعنی - فهو ک : البضع ، بالفتح : تقطیع اللحم ، والشقّ ، والریّ من الماء ، والبضع : مصدر بضعت المراه ، إذا باشرتها.

البضع والبضع ، بالفتح والکسر : ما بین واحد إلی خمسه فی قول أبی عبیده وفی قول غیره : ما بین واحد إلی عشره.

ص: 64

البضع ، بالضم : النکاح.

وغالب ما فی کتابنا والمصادر هو من الشق الأول ، وقد اهتم الأعلام بالمثلّث فجمعوها فی مصنفات ، بعضها مفقوده ک ( کتاب أبی زید الانصاری ( ت 315 ) (1) ، والوشاء ( ت 325 ) (2) ، والشمشاطی ( کان حیا 377 ) (3) ، والهروی ( ت 433 ) (4) ، وأبی بکر یحیی بن علی الشیبانی ( ت 502 ) (5) ، وأبی حفص البلنسی القضاعی ( ت 570 ) (6) ، والزواوی المغربی الحنفی ( ت 628 ) (7) ، وعز الدین محمد بن أبی بکر بن جماعه ( ت 819 ) (8) وغیرهم.

وأخری مخطوطه نأمل لها أن تری النور ککتاب القزاز النحوی ( ت 412 ) (9) ، وابن الحوری ( ت 551 ) (10) ، والطائی ( ت 672 ) (11) ، والمجد الفیروزآبادی ( ت 817 ) (12).

ص: 65


1- 1. معجم الادباء 11 : 416 ، بغیه الوعاه 1 : 582 - 583.
2- 2. الفهرست لابن الندیم 126 ، معجم الادباء 17 : 132 ، بغیه الوعاه 1 : 18.
3- 3. معجم الادباء 14 : 241.
4- 4. انظر العباب حرف الهمزه.
5- 5. البلغه فی شذور الذهب 168.
6- 6. بغیه الوعاه 2 : 223 ، الذیل الکمله لکتابی الموصول والصله.
7- 7. بغیه الوعاه 2 : 344.
8- 8. کشف الظنون 2 : 1587.
9- 9. نسخه منه فی المکتبه الرضویه علی مشرفها السّلام.
10- 10. نسخه فی مکتبه عباس العزاوی.
11- 11. نسخه منه فی الظاهریه ، وقد طبع بشرح احمد بن الامین الشنقیطی بمطبعه الجمالیه بمصر سنه 1329.
12- 12. نسخ منه فی دار الکتب والخزانه العامه بالرباط.

وثالثه مطبوعه ک کتاب مثلثات قطرب ( ت 205 ) والّذی حقّقه الدکتور رضا السویس ، وکتاب المثلّث لابن السید البطلیوسی ( ت 521 ) ، وکتاب نیل الأدب فی نظم مثلثات العرب لحسن بن علی قوریه الخلیلی ( ت 1262 ) المطبوع ببولاق سنه 1302 ، وهناک منظومه بعنوان ( نفحه الاحکام فی مثلث الکلام ) للشیخ عبد الهادی الابیاری (1305).

وقد حقق الأستاذ الدکتور صلاح مهدی الفرطوسی کتاب المثلث لابن السید البطلیوسی فی مجلدین ، وطبعته دار الرشید ببغداد عام 1981.

ونحن قد أکّدنا سابقا بأنّ النوع الأول من المثلثات ( أی المتفقه فی المعانی ) یرجع إلی اختلاف لهجات العرب ، إذ لم یعهد أن تنطق قبیله واحده بالفاظ مختلفه.

وإلیک بعض المثلثات فی کتاب الطراز :

* قال المصنف فی ماده « بدأ » : کان ذلک فی مبدء الأمر - ویضم - ومبتدئه ، وفی بدأته مثلثه ، وفی بدأته محرّکه : فی أوّله.

* وفی ماده « بذأ » : بذؤ - کقرب - ویثّلث بذاء وبذاءه.

* وفی ماده « برأ » : برئ المریض مثلثّثه - برءا بالضمّ ویفتح وبروءا.

* وفی ماده « بهأ » : بهأت به - مثلثه العین - بهأ وبهوءا : أنست به.

* وفی ماده « نسأ » قال : نسئت المرأه ، بالبناء للمفعول : تأخّر حیضها فرجی حملها ، أو ظهر وحملت أوّل ما تحمل ؛ عن الاصمعی. وهی نسء مثلّثه ونسوء - کصبور - لا نسیء.

* وفی ماده « هنأ » قال : والهناء - ککتاب : القطران ؛ تقول : هنأت الإبل - کمنعتها - أهنؤها ( مثلّثه النون ) هنأ وهناء ، کدبغ ودباغ ، إذا طلیتها به ، فهی مهنؤه ، والاسم الهنء ، کعهن.

ص: 66

* وفی ماده « خمص » قال : خمص بطنه - بتثلیث المیم - خمصا کفلس وسبب وقفل ...

* وفی ماده « قصص » قال : وقصاص الشعر وقصاصته مثلّثین ، والضم أعلی.

الضد

وهو استعمال کلمه واحده فی معنیین کالقرء للحیض والطهر ، والغریم للطّالب والمطالب ، والقنیص للصائد والصید ، والمسجور للمملوء والفارغ ، والضد هو نوع من الاشتراک اللفظی.

قال أبو الحسین أحمد بن فارس : من سنن العرب فی الأسماء أن یسمّوا المتضادّین باسم واحد نحو الجون للأسود والجون للابیض (1).

وقد أنکر ابن درستویه وجود مسأله الضد فی الکلام العربی ، وکتب کتابا فی إبطال الأضداد (2) ، لکنّ ابن فارس ردّه بکتاب ، فقال فی الصاحبی ( ... وقد جردنا فی هذا کتابا ) (3).

وهناک کتب کثیره ألّفت فی الضد ، ککتاب قطرب ( ت 206 ) ، والأصمعی ( ت 216 ) وأبی محمد عبد الله بن محمد بن هارون التوزی ( ت 230 ) ، وابن السکیت ( ت 244 ) والسجستانی ( ت 255 ) ، وابن الأنباری ( ت 328 ) وابن الطیب اللغوی ( ت 351 ) وابن الدهان ( ت 569 ) والصغانی ( ت 650 ) وغیرهم.

ص: 67


1- 1. الصاحبی : 66.
2- 2. انظر المزهر 1 : 396.
3- 3. الصاحبی فی فقه اللغه 66 - 67.

وإلیک بعض الاضداد المذکوره فی کتاب الطراز :

* قال المصنف فی ماده « جفأ » : جفأت الباب : أغلقته وفتحته ؛ ضدّ.

* وفی ماده « رقأ » : رقأ بینهم ، کمنع : أفسد وأصلح ؛ ضد.

* وفی ماده « نوأ » ناء ینوء نوءا : نهض وارتفع بمشقّه وثقل ، وسقط ؛ ضد.

* وفی ماده « ورأ » قال : وراء : ظرف مکان تکون بمعنی خلف وبمعنی قدّام ؛ ضدّ وبمعنی سوی عن الفرّاء ومجرّده بمعنی الجانب.

* وفی ماده « هأهأ » قال : وهأهأ بالکلب : زجره ، وأشلاه ؛ ضد.

* وفی ماده « قرأ » والقرء بالفتح والضم والأوّل اشهر : الحیض والطهر ؛ ضدّ ... وأقرأت المرأه : حاضت وطهرت ؛ ضدّ.

* وفی ماده « لفأ » قال : لفأه حقّه ، کمنعه : انتقصه وبخسه ، وأعطاه إیّاه کلّه ؛ ضدّ.

* وفی ماده « قلص » قوله : قلصت البئر : نزحت ، وکثرت ماؤها ، وارتفع إلی أعلاها ؛ ضدّ. قال : والقلص ، کفلس : کثره الماء وقلّته وهو من الأضداد.

* وقد غفل السیّد المصنف ان ینبه فی ماده « دأدأ » علی انه من الأضداد ، لقوله : « دأدأ الصبیّ : سکّنه ، و - مهده : حرّکه ».

الإبدال أو التعاقب

ویعنی بالإبدال هو جعل حرف مکان آخر مع الإبقاء علی بقیه الحروف وترتیبها وهیئتها ، کأن یقول ثوم وفوم ، حثوان وحثیان ، حثیث وحفیف.

قال ابن فارس فی کتابه فی فقه اللغه : من سنن العرب إبدال الحروف ، وإقامه بعضها مقام بعض ، یقال : « مدحه ومدهه » ،

ص: 68

و « فرس رفل ، ورفن » ، وهو کثیر مشهور قد ألّف فیه العلماء (1).

وممّن ألّف فی الإبدال ابن السکیت ( ت 244 ) ، وأبو إسحاق الزجاجی ( ت 337 ) وأبو الطیب اللغوی ( ت 351 ) وغیرهم.

وقد اختلفوا فی التسمیه ، هل هی الإبدال أم التعاقب؟ فذهب بعض إلی تسمیتها إبدالا ، وذهب بعض آخر کابن جنی إلی أنّها تعاقب.

ویجری هذا الإبدال تاره بین حرف واحد مثل قضم وقطم ، وقد یجری بین حرفین ک ( سحق وسهک ) ، فالحاء بدل من الهاء وهما أختان ، والقاف بدل من الکاف وهما أختان.

وقد یجری بین حروف ثلاثه فی الکلمه الواحده نحو ( درأ وطلع ) ، فالدال والطاء متعاقبتان لأنّهما نطعیتان ، والراء واللام ذلقیتان واختان ، والهمز والعین أختان حلقیتان.

وقد علمت بذلک أنّ ما مر علیک فی حکایه الأصمعی عن الأعرابی ( سقر ، صقر ، زقر ) کان من هذا الإبدال الشائع الصحیح فی لغه العرب.

وإلیک بعض الإبدال فی کتاب الطراز ، ذاکرین ما کان لغه منهم فیه أیضا ، لأنّها تناسب الإبدال :

* قال فی ماده « دربأ » : دربأت فلانا ، کدربیته ، بابدال الهمزه یاء ، کما قالوا فی دهدهته دهدیته.

* وفی ماده « شسأ » : الشاسئ الجاسئ ، ابدلت الجیم شینا ، کما قالوا فی مدمج مدمش.

ص: 69


1- 1. المصدر نفسه.

* وفی ماده « شمأ » قال : الشّمأ : الشّمع ، کسبب فیهما - وهو موم العسل - أبدلت العین همزه ، لغه تمیمیه ، قال الخلیل : تمیم تبدل الهمزه من العین ، والعین من الهمزه ، یقولون فی خبع : خبأ ، وفی نزأ : نرع.

* وفی ماده « صدأ » : الصّدأ ، کجبل : اللطیف الجسم ، وأصله الصّدع ، بالعین أبدلت همزه ، کما قیل فی أباب عباب.

* وفی ماده « صرأ » قال : صرأ : صرخ ، أبدلوا الخاء المعجمه همزه ، قال الأخفش عن الخلیل : هو من غریب ما أبدلوه.

* وفی ماده « عنظأ » قال : عنظأ الرجل : لغه فی حنظأ - بالحاء المهمله - أی بذئ وأفحش فی کلامه.

* وفی ماده « فرأ » قال : الفرأ ، کرشأ وفضاء : حمار الوحش ، وتبدل همزته ألفا ، فیقال : فری کثری. الجمع فراء وافراء کجبال واسباب.

* وفی ماده « فشأ » قال : « تفشأ المرض فیهم : انتشر ، لغه فی المهمله » وقد کان المصنف قد قال قبلها فی ماده « فسأ » تفسأ فیهم المرض : فشا وانتشر.

* وفی ماده « ورأ » قال : وتورّأت علیه الأرض : لغه فی تودّأت ( بالدال ).

* وفی ماده « حذأ » قال : « حذئت الشاه حذأ ، کتعبت : لغه فی حدئت بالدال المهمله » وکان قد ذکر فی ماده « حدأ » قولهم : حدئت الشاه : اشتکت من انقطاع سلاها فی بطنها.

* وفی ماده « دثأ » قال : الدّثئی ، کعجمی : المطر یکون بعد الربیع ، أو ما یجیء صیفا ، ونتاج الغنم فیه. والدّفئی - بالفاء - لغه فیه.

واعادها فی ماده « دفأ » فقال : والدّفئی ، - کعجمی - من المطر ، کالّدثئی بالمثلثه زنه ومعنی. فلاحظ کیف ذکر ماده دفأ فی محلها وأحال علی ما ذکره فی دثأ.

ص: 70

* وفی ماده « وبأ » قال : وبأ إلیه ، وأوبأ ، لغه فی ومأ وأومأ : إذا أشار إلیه.

* وفی ماده « ودأ » قال : دأنی لغه فی دعنی ، وهذا یناسب من یجعل العین همزه.

* وفی ماده « طرص » قال لغه فی الطّرس.

* وفی ماده « قفص » قال : فی شرحه للأثر ( بیوت القافصه ) أی الجماعه القافصه : وهم اللّئام والصاد بدل من السین ؛ من قولهم : عبد أقفس وأمه قفساء.

* وفی ماده « قمص » : والقمّصی - کزمّکی - لغه فی القبّصی بالموحدّه ، وهو العدو السریع.

المعرب

وهو تعریب کلمه أجنبیه إلی العربیه وفق قواعد وأصول مکتوبه فی کتب المعرّبات ، وهذا التغییر تاره یکون بإبدال حرف من حرف ، أو زیاده حرف ، أو نقصان حرف ، أو إبدال حرکه بحرکه ، أو إسکان متحرّک ، أو تحریک ساکن و ....

کأن یبدلوا الکاف قافا فی العربیه ( کاشان ، قاسان ) أو الشین سینا ( دشت ، دست ).

وقد یغیّرونه إلی أنحاء مختلفه ک ( کربک ، کربج ، قربق ).

وقد عرفّه المصنّف السیّد علی خان المدنی فی المصطلح من ماده « عرب » ، قال :

المعرّب ، کمعظّم : ما استعملته العرب من الألفاظ الموضوعه لمعان فی غیر لغتها وتکلّمت به علی منهاجها ، تقول : عرّبته العرب تعریبا ، وأعربته إعرابا.

ص: 71

وهناک مصنفات فی المعرّب من الکلام الأعجمی ، أشهرها ما هو لابن منصور الجوالیقی ( موهوب بن احمد بن محمد بن الخضر المتوفی 540 ) ، وللبشبیشی المتوفی (830) کتاب ( التذییل والتکمیل لما استعمل من اللفظ الدخیل ) وللشهاب الخفاجی المتوفی (1069) ( شفاء العلیل فیما ورد فی کلام العرب من الدخیل ) وکتب اخری لغیرهم.

وإلیک بعض المعرّبات فی الکتاب :

* قال فی ماده « أمص » : الآمص والآمیص ، کصاحب وهابیل : معرّب الخامیز : وهو مرق السّکباج المبرّد المصفّی من الدّهن ، وأصله : یخ آمیز : أی المخروج بالثّلج ، وتبدل الهمزه عینا فیقال : عامص وعامیص ؛ وهو بالعربیه الهلام.

* وفی ماده « قربج » قال : القربج ، کقرطم : لغه فی الکربج بالکاف ، وهو الحانوت ، معرّب کربه.

* وفی ماده « طبرزد » قال : الطبرزد - کزبرجد - من السکّر والملح : الصلب الشدید ، وإذا أطلق یراد به السکّر الأبلوج معرّب تبرزد ، والتبر بالفارسیه : الفاس کأنّه نحت من جوانبه بفاس ، یقال : سکّر طبرزد ، فیکون صفه تابعه له فی الإعراب.

* وفی ماده « مرج » قال : المرج ، کفلس : الأرض الواسعه ذات النبات ترعی فیها الدوابّ ، معرّب مرز.

* وفی ماده « منج » قال : المنج ، کفلس : مالزق من التمر بعضه ببعض اثنتان وثلاث ، والبنج أو حبّه ، معرّب منک.

وبالضمّ : اللوز المرّ أو شجره ، والماش الأخضر معرّب منک - کقفل - وهی لفظه هندیّه.

* وفی ماده « یرج » قال : الیارج ، بفتح الراء : لغه فی الیارق ؛ وهو الدستبند أو

ص: 72

الدملج أو السوار أو غیر الملویّ منه وهو القلب ، معرّبان.

القلب

وهو تقدیم بعض حروف الکلمه علی بعض ک ( رجب ، جبر ، بجر ، جرب ، ربج ، برج ) وقد مر الکلام عنه سابقا ویعرف عن الصرفین بالقلب المکانی وعند اللغوین بالاشتقاق الأکبر أو الاشتقاق الکبیر ..

واللغویون درسوا ظاهره القلب الاشتقاقیّ وعلاقه القلب المکانی باختلاف اللهجات ثمّ وصلوا إلی عدم وجود علاقه بینها وبین اختلاف اللهجات (1).

لا نرید الإطاله فی هذا المجال بل نرید الإشاره إلی کون هذه الظاهره اللغویه هی من مظاهر التنوّع اللغوی عند العرب ، وهی موجوده فی معاجم الیوم ، وهم تاره یشیرون إلی کونها من المقلوب واخری لا یشیرون؟.

وقد عرف السیّد علی خان المقلوب فی کتابه ( الطراز ) بقوله :

« والقلب فی علم التصریف یقال لمعنیین : أحدهما : تصییر حرف العله إلی حرف عله آخر. والثانی : تصییر حرف مکان حرف بالتقدیم والتاخیر ک جذب وجبذ ».

وإلیک بعض المقلوب فی کتاب الطراز :

* قال المصنف فی ماده « بسأ » فی شرح الحدیث « لو کان أبو طالب حیا لرای سیوفنا وقد بسأت بالمآثل » : أی مرنت علی الفتک بهم وهم أفاضل القوم ، مقلوب الأماثل.

* وفی ماده « تفأ » قال : تفئّه الشیء ، کتحلّه : أوانه وإبّانه ، کأنّه مقلوب تئفّه ،

ص: 73


1- 1. انظر کلام ابن درید « باب الحروف التی قلبت وزعم قوم من النحوین ، أنّها لغات ».

بتقدیم الهمزه ، فلاحظ قوله « کأنه » فإنّ الذی فی التاج أنّها لغه أخری.

* وفی ماده « ثفأ » قال : « ثفأ القدر : فثأها. وفی ماده « فثأ » قال : فثأت القدر سکنت غلیانها بالماء ... » ولم ینص ولم ینبه علی أنّها من المقلوب.

* فی ماده « روأ » قال : راء کجاء لغه فی رأی مقلوبه منها.

* وفی ماده « صیأ » قال : صاء الفرخ والعقرب والفأر والخنزیر یصیء صیئا ، من باب جاء : صاح وصوّت وأصله صأی یصأی صئیا ، ثمّ قلبوه ، کما قالوا فی رأی راء ، وفی شأه شاءه.

* وفی ماده « ضاء » قال : والضّئاء بهمزتین بینهما الف : مقلوب الضّیاء.

* وفی ماده « کیأ » قال : کاء عن الامر - کباع - کیأه : هابه وجبن عنه ولم یقدم علیه ، ککاء کوءا - من باب قال - وکأوا علی القلب.

* وفی ماده « ماء » قال : ماء السّنّور یموء مواء ، کغراب بهمزتین : صاح ، وهو مقلوب مأی - مهموز العین - کقولهم فی صأی صاء ، وفی رأی راء.

* وفی ماده « نوأ » قال : ناء الرّجل : بعد ، مقلوب من نأی ، کراء من رأی.

* وفی ماده « ومأ » قال : ووامأه مؤامأه : حاکاه وباراه ، مقلوب وا أمه ، أو لغه فیه.

* وفی ماده « شیص » قال : الشیصی ، کعیسی ، وتمدّ أو هو ضروره والفصیح : القصر ، أو بالعکس ، وواحدته : شیصه وشیصاه.

* وفی ماده « ربص » قال التربص : الترقب ، التوقف ... قیل : هو مقلوب التصبر.

* وفی ماده « رفص » قال الرّفصه ، کغرفه : نوبه الماء ، وهی قلب الفرصه.

کانت هذه مصطلحات عامه تستعمل کثیرا فی کتب اللغه ، ولا یختص بها مؤلف دون آخر إلاّ سعه وضیقا ، وقلّه وکثره ، وقد ذکر المترجم له فی ( طرازه ) کثیرا منها جریا مع المشهور. ونحن لا نری ضروره لحصر تطبیقاتها فی الکتاب ، وإن فعلها بعض الکتاب الجدد فیما قدّمه من دراسه معجمیّه لأحد الکتب اللغویه!!

ص: 74

اشاره

تقدّمت الإشاره إلی المعنی بهذا المنهج ، والمراد منه هو استدراک ما فات علی المعاجم السابقه من اللغات العربیه والمعربّه والحقیقیه والمجازیه ، والفصحی وغیرها ، وذکر اسماء الأماکن والاعشاب والادویه وغیرها ، وإثبات ذلک فی محالّه من الأبواب والفصول اللغویه ، کما علمت بأنّ المراد من النقد هو التنبیه علی ما وقع لهم من الأغلاط والتصحیفات ، ونقل ما هو غیر ثابت ، وما هو من غلط العوام وأشباهها من الوجوه التی تستدعی التوقف عندها والنقد لها ، خصوصا مع بعد الزمان عن اللغه الأمّ وابنائها ، مما یزید فی مثل تلک الأغلاط والأوهام.

وقد صرّح المؤلف فی مقدمه ( الطراز ) بأنّه أودع کتابه ما لم تحوه المعاجم المتداوله ، وإنّه فاقها بالاستدراک والانتقاء والنقد فقال :

« علی أنّک أیها الفطن الألمعی ، واللقن اللوذعی ، إذا وعیت ما أوعیت ، وفلیت ما أملیت ، رأیته قد حوی ما لم تحوه البحور المحیطه ، وخیطت شواکله علی ما خلت عنه المهارق البسیطه ... ».

ثمّ راح یذکر الجمهره والصحاح والمحکم والعباب والتهذیب والمجمل ولسان العرب والقاموس ، ویبین میزه طرازه علیها ، وهذا ما عنیناه بالمنهج الاستدراکی ، فإنه استدرک علی هذه المعاجم الکثیر مما خلت عنه کما ستقف علیه لاحقا ، واودع معجمه ما یروق ویحسن ، وتستعذب جنا عذباته الالسن ، إلی غیر ذلک من النکت والملح ونخب الموضوع والمصطلح ، مع التقصی فی البیان والتبیین.

ص: 75

ومن جهه ثانیه اعتنی المصنف بمنهج النقد والتثبت فی النقل ، حیث صرح بذلک فی مقدمته فقال أنّه یتثبت فی المداحض والمزال ، ویتعمق فی التمییز بین الراجح والزال ، ولا یجمد علی ما وجده فی کتاب ، فقال :

« فإنّ هذه اللغه الشریفه الّتی رفع الله مقدارها ، وجعل علی ألسنه خیرته من خلقه مدارها ، لم تکن تؤخذ إلاّ بالسماع والتلقین ، أو الروایه الوافیه ببلج الحق وثلج الیقین ، وعلی هذا جری السلف من العلماء فی سالف الدهر ، فجنوا من ریاضها یانع الثمر ونافح الزهر ، وما کانوا لیتّکلوا علی ما فی بطن صحیفه ومتن مجله ما لم یشافهوا به الجهابذه من المشایخ الجله ، ثمّ طمست آثار تلک الأعلام ، وعمّت سبل الهدی غاشیه الظلام ، وحار طرف الدلیل ، وطاح صوت الحادی ، وأمسی الخرّیت ینادی : إنّه اللیل وأضواج الوادی.

فلم یبق إلاّ الرجوع إلی ما أودعه العلماء فی بطون الدفاتر ، والنهوض إلی الاقتباس منها بعزم غیر فاتر ، وإذ قد تعذّر الاستفهام عند الاستبهام ، والحصول علی الصواب ، بالسؤال والجواب.

فمن اللازم للّبیب الحازم أن یتثبت فی المداحض والمزال ، ویتعّمق فی المیز بین الراجح والزال ، وأن لا یأمن غائله التعجیل ، بالمبادره إلی الإثبات والتسجیل حتّی یتقصّی فی الاستقراء ، لا سیّما عند التصنیف والإقراء ، فمن جمد علی ما وجد فی کتاب ، فقد استهدف لنبل اللوم وسهام العتاب ، وکأین

ص: 76

ممن صنف وألف ، وکلّف نفسه من کلفه الإفاده ما کلّف ، ما زاد علی أن ملأ المزاد ، بما وجد ورأی ، وأکتب ونأی ، ولم یدر أخطا أم أصاب ، وجنی الشهد أم الصاب؟ فهو حاطب لیل ، وخاطب ویب وویل ».

وهذا المنهج النقدی لم یکن بدعا من السید المصنف ، بل کان وما زال محط انظار المحققین من اللغویین الذین لا یذعنون لکلّ منقول بسهوله إلاّ بعد التحقیق والتثبت من النقل وصحته ، خصوصا بعد تطاول الأزمان وترامی الأقطار ، واختلاف النسخ الیوم بشکل أکثر بکثیر من السابق ، حتّی أنّ الخلیل وهو إمام اللغه ومؤسس معجمها لم یسلم من النقد والتغلیط ، وقل مثل ذلک فی ابن درید وغیره من أئمّه اللغه وأساطینها ، وهذا یعنی أنّ الحقیقه هی الهدف لا التقدیس ، وأنّ ضبط اللغه العربیه والحفاظ علی سلامتها هو الهدف المنشود.

ومن هنا کان السیّد المصنف ممن واصلوا هذا الطریق لکن بعنایه کبیره قد لا توجد فی معجم آخر ، فإنّه حاول أن یوضح کل ما فیه اختلاف ، والتنبیه علی ما وقع لهم من أغلاط واوهام وتصحیفات وتحریفات کما سعی إلی إثبات الفصیح ، والتنبیه علی المولّد وعلی أغلاط العامّه ، علی أنّه وبلا ریب صبّ اهتمامه الأوّل علی بیان أغلاط الفیروزآبادی بالذات کما سیأتیک إیضاح ذلک ، ولکنّه لم یقتصر علی أغلاطه ، بل غلّط حتّی الجوهری وغیره من أئمّه اللغه ، مما یدلّ علی أنّه کان جادّا فی تطبیق منهجه النقدی بعد تطبیق منهجه الاستدراکی.

وبمرور سریع علی سیر تغلیطات وتخطئات من لحق لمن سبق یتبین لنا أهمیه هذا المنهج فی تهذیب اللغه وصقلها وتنقیتها وإیصالها إلی الأجیال بافضل شکل ممکن ، خال عن الشوائب :

ص: 77

من خطّأ الخلیل

کان هذا هو منهج کثیر من اللغویین القدامی ، حیث کانوا یستدرکون وینقدون من سبقهم ، وما کانوا لیتکّلوا علی المصنفات.

ومن الذین استدرکوا علی الخلیل بن أحمد الفراهیدی - أوّل من صنّف فی اللغه وفق برنامج صوتی خاص - هو المفضل بن سلمه (1) وأبو بکر بن درید والجهضمی والسدوسی وغیرهم ، فبعض هؤلاء اختلفوا معه فی المنهجیه والترتیب ، والبعض الآخر اعترض علیه لتفرّده بذکر کلمات لم تسمع ، أو لإهماله أبنیه مستعمله (2) ، أو عدم استیفائه الصیغ الوارده فی کلام ، أو إشارات منهم إلی وجود أخطاء صرفیه وتصحیفات وتحریفات فی العین (3).

وقد أشار ابن منظور إلی ذلک وهو فی معرض النقد للخلیل ، فقال :

( کأن واضعه شرع للناس موردا عذبا وحلّأهم عنه ، وارتاد لهم مرتعا ومنعهم منه ، قد أخّر وقدّم ، وقصد أن یعرب فأعجم ، فرّق الذهن بین الثنائی المضاعف والمقلوب وبدّد الفکره باللفیف والمعتل والرباعی والخماسی ، فضاع المطلوب ) (4).

ص: 78


1- 1. وقد رده أبو محمّد بن درستویه فی کتاب خاص ، قال السیوطی ( ورواه بن درستویه وله کتاب فی الردّ علی المفضل بن سلمه فیما نسبه من الخلل إلیه ) المزهرا : 89.
2- 2. انظر تخطئه ابن درید للخلیل ، وأنّه صحف ( یوم لغات ) بالغین المعجمه ، وإنما هی بالمهمله ( المزهر 2 : 353 ).
3- 3. انظر جرد ذلک فی المزهر 2 : 381 - 390 عن الزبیدی فی استدراکه علی العین.
4- 4. انظر مقدمه لسان العرب 1 : 7.

قال ابن جنی فی الخصائص :

أما کتاب العین ففیه من التخلیط والخلل والفساد ما لا یجوز أن یحمل علی أصغر أتباع الخلیل ، فضلا عن نفسه ، ولا محاله أنّ هذا التخلیط لحق هذا الکتاب من قبل غیره ، وإن کان للخلیل فیه عمل فإنّما هو أنّه أومأ إلی عمل هذا الکتاب إیماء ، ولم یله بنفسه ، ولا قرّره ولا حرّره ، ویدلّ علی أنّه قد کان نحا نحوه أنّنی أجد فیه معانی غامضه ونزوات للفکر لطیفه ، وصنعه فی بعض الأحوال مستحکمه ، وذاکرت به یوما أبا علی فرأیته منکرا له.

فقلت له : إن تصنیفه منساق متوجّه ، ولیس فیه التعسف الذی فی کتاب الجمهره ، فقال : الآن إذا صنّف إنسان لغه بالترکیه تصنیفا جیدا أیؤخذ به فی العربیه! أو کلاما هذا نحوه (1).

أمّا الزّبیدی فی مختصر العین فقد وضّح سرّ کثره الأغلاط فی العین بقوله :

« وذلک أنّا قلنا فی صدر الکتاب ونحن نربأ بالخلیل عن نسبه الخلل إلیه أو التعرض للمقاومه له ، بل نقول : إنّ الکتاب لا یصحّ له ولا یثبت عنه ، وأکثر الظنّ فیه أنّ الخلیل سبّب أصله ، وثقّف کلام العرب ، ثمّ هلک قبل کماله ، فتعاطی إتمامه من لا یقوم فی ذلک مقامه ، فکان ذلک سبب الخلل الواقع فیه والخطأ الموجود فیه.

هذه لفظتنا نصا ، وقد وافقنا بذلک مقاله أبی العباس أحمد بن

ص: 79


1- 1. السیوطی فی المزهر 1 : 79 عن الخصائص 3 : 288.

یحیی ثعلب (1) قبل أن نطالعها أو نسمع بها حتّی ألفیناها بخطّ الصولی فی ذکر فضائل الخلیل.

قال الصولی : سمعت أبا العباس ثعلبا یقول : إنّما وقع الغلط فی کتاب العین ، لأنّ الخلیل رسمه ولم یحشه ، ولو أنّ الخلیل هو حشاه ما بقی فیه شیئا ، لأنّ الخلیل رجل لم یر مثیله.

قال : وقد حشا الکتاب قوم علماء إلاّ أنّه لم یؤخذ عنهم الروایه ، وإنما وجد بنقل الورّاقین ، فلذلک اختل الکتاب » (2).


1- 1. ذلک مذکور فی المزهر 1 : 78.
2- 2. المزهر 1 : 82.

من خطّأ ابن درید

وأمّا ابن درید ، فقد خطّأه الأزهری ونفطویه وابن خالویه وغیرهم ، إما استنصارا للخلیل أو تخطئه مباشره لنفسه.

قال الأزهری عن ابن درید ما نصه :

« وممّن ألف فی عصرنا الکتب فوسم بافتعال العربیه وتولید الألفاظ الّتی لیس لها أصول ، وإدخال ما لیس من کلام العرب فی کلامهم أبو بکر محمد بن الحسن بن درید الأزدی صاحب الجمهره وکتاب اشتقاق الأسماء ، وکتاب الملاحن ، وحضرته فی داره ببغداد غیر مرّه ، فرأیته یروی عن أبی حاتم ، والریاشی ، وعبد الرحمن ابن أخی الأصمعی ، فسألت إبراهیم بن عرفه الملقب

ص: 80

بنفطویه عنه فاستخفّ به ، ولم یوثّقه فی روایته.

ودخلت یوما علیه فوجدته سکران لا یکاد یستمرّ لسانه علی الکلام ، من غلبه السکر علیه ، وتصفّحت کتاب الجمهره له فلم أره دالا علی معرفه ثاقبه ، وعثرت منه علی حروف کثیره أزلّها عن وجوهها ، وأوقع فی تضاعیف الکتاب حروفا کثیره أنکرتها ولم أعرف مخارجها ، فأثبتها فی کتابی فی مواقعها منه ، لأبحث عنها أنا أو غیری ممّن ینظر فیه ، فإن صحّت لبعض الأئمّه اعتمدت ، وإن لم توجد لغیره وقفت ، والله المیّسر لما یرضاه وما یشاء » (1).

وقد مرّ علیک هجاء نفطویه وتحامله علی ابن درید.

وجاء ابن خالویه فاستدرک علی مواضع من الجمهره ، ونبه علی أوهام وتصحیفات لابن درید قال السیوطی - بعد أن ذکر هجاء نفطویه لابن درید وذهابه إلی أنّ هذا الطعن کان لما بینهما من منافره عظیمه (2) - :

« قلت : ظفرت بنسخه بخطّ أبی النمر أحمد بن عبد الرحمن بن قابوس الطرابلسی اللغوی ، وقد قرأها علی ابن خالویه بروایته لها عن ابن درید وکتب علیها حواشی من استدراک ابن خالویه علی مواضع منها ، ونبّه علی بعض أوهام وتصحیفات » (3).

ص: 81


1- 1. تهذیب اللغه للازهری 1 : 31.
2- 2. المزهر 1 : 93.
3- 3. المزهر 1 : 95.

من خطّأ قطرباً

وهو محمد بن المستنیر البصری المعروف بقطرب ، ألف فی معانی القرآن ، والعلل فی النحو ، والاشتقاق ، والمصنّف الغریب فی اللغه ، والرد علی الملحدین فی متشابه القرآن ، وقد نقد آراءه بعض الأعلام کالأزهری ، فقال :

« .. ومن نظراء اللیث محمد بن المستنیر المعروف بقطرب ، وکان متّهما فی روایته عن العرب ، أخبرنی أبو الفضل المنذری أنّه حضر أبا العباس أحمد بن یحیی فجری فی مجلسه ذکر قطرب فهجّنه ولم یعبأ به.

وروی أبو عمرو فی کتابه الیاقوته نحوا من ذلک ، قال : وقال قطرب فی قول الشاعر :

مثل الذّمیم علی قزم الیعامیر (1)

زعم قطرب أنّ الیعامیر واحدها یعمور : ضرب من الشجر ، وقال أبو العباس : هذا باطل ، سمعت ابن الأعرابی یقول : الیعامیر : الجداء ، واحدها یعمور ، وکان أبو إسحاق الزجاج یهجّن من مذاهبه فی النحو أشیاء نسبه إلی الخطأ فیها »(2)

ص: 82


1- صدره : تری لأخفافها من خلفها نسلا. تری لا خفاقها من خلفها تلا
2- تهذیب اللغه 1 : 30.

من خطّأ الصاحب بن عبّاد

هناک نقود واستدراکات وردت علی الصاحب بن عباد (1) ، منها نقودات الأزهری علی أحمد بن محمد البشتیّ المعرف بالخارزنجی ، والّتی هی بطبیعه الحال نقود علی الصاحب بن عباد ؛ لأنّ الصاحب أخذ من الخارزنجی کثیرا ، فتخطئه الخارزنجی تعنی تخطئه الصاحب کذلک.

فللخارزنجی کتب مثل کتاب العین ، والتفصله والتفضله ، وتفسیر أبیات أدب الکاتب ، قال الأزهری :

فنظرت فی أوّل کتاب البشتیّ (2) [ ویعنی به الخارزنجی ] فرأیته أثبت فی صدره الکتب المؤلفه الّتی استخرج کتابه منها فعدّدها (3) ...

ثمّ قال : قال أحمد بن محمد البشتیّ : استخرجت ما وضعته فی کتابی من هذه الکتب ...

ثمّ قال : ولعلّ بعض الناس یبتغی العنت بتهجینه والقدح فیه ، لأنّی أسندت ما

ص: 83


1- 1. قال الزبیدی فی تاج العروس فی ماده ( م ض ع ) والمضغه ، بالضم : بقیه الکلام ، هکذا نقله الصغانی فی کتابه عن ابن عباد ، ووجد هکذا فی نسخ المحیط ، وهو غلط والصواب بقیه من الکلأ ، ولم ینبه علیه الصاغانی وأورده صاحب اللسان علی الصواب ، ولله در الجوهری حیث قال : ان المحیط لابن عباد فیه ، اغلاط فاحشه ، ولذا ترک الأخذ منه.
2- 2. ویعنی به کتاب تکمله العین وهو مفقود الیوم.
3- 3. وهنا عدد الازهری اسماء الکتب الّتی أخذ منها الخارزنجی ترکناها للاختصار ( انظر تهذیب اللغه 1 : 32 - 33 ).

فیه إلی هؤلاء العلماء من غیر سماع.

قال : وإنما إخباری عنهم إخبار من صحفهم ، ولا یزری ذلک علی من عرف الغثّ من السمین ، ومیّز بین الصحیح والسقیم ، وقد فعل مثل ذلک أبو تراب صاحب کتاب الاعتقاب ، فإنّه روی عن الخلیل بن أحمد ، وأبی عمرو بن العلاء ، والکسائی ، وبینه وبین هؤلاء فتره.

قال : وکذلک القتیبی ، روی عن سیبویه والأصمعی وأبی عمرو ، وهو لم یر منهم أحدا. ثمّ قال الأزهری تعلیقا علی ذلک :

« وقد اعترف البشتی بأنّه لا سماع له فی شیء من هذه الکتب ، وأنّه نقل ما نقل إلی کتابه من صحفهم ، واعتلّ بأنّه لا یزری ذلک بمن عرف الغثّ من السمین ، ولیس کما قال ، لأنّه اعترف بأنّه صحفی ، والصحفیّ إذا کان رأس ماله صحفا قرأها فإنّه یصحّف فیکثر ، وذلک أنّه یخبر عن کتب لم یسمعها ودفاتر لم یدر أصحیح ما کتب فیها أم لا ، وإن أکثر ما قرأنا من الصحف الّتی لم تضبط بالنقط الصحیح ، ولم یتولّ تصحیحها أهل المعرفه ، لسقیمه لا یعتمدها إلاّ جاهل ».

ثمّ عرّج الأزهری علی أمر آخر وهو تجاسر البشتی علی الخلیل و ...

والحقّ هو أنّ الأزهری لم ینصف فی محاکمته للبشتی ، لأنّ کون السماع لا یساوق الصحه دائما أمر مفروغ عنه ، ولکن من سمعوا وقعوا أیضا فی الغلط والتصحیف والتحریف فهاهم أئمّه اللغه العربیه صحّفوا وحرّفوا ووقعوا فی أفحش الأغلاط ، کالأصمعی وقطرب ، وأبی عمرو بن العلاء ، والمفضّل بن سلمه ، والخلیل وسیبویه ، وابی الخطاب والأخفش وابن الأعرابی والفراء واللحیانی والجاحظ وثعلب وابن قتیبه والمبرد وابن السّکّیت ، وقد فصّل حمزه بن الحسن الاصبهانی هذه التصحیفات فی کتابه ( التنبیه علی حدوث التصحیف ).

ص: 84

وأمّا النکته الثانیه التی ذکرها ، فجوابها : أنّ هناک الکثیر ممّن استدرکوا علی الخلیل أو صحّحوا له بعض أخطائه ، ولو راجعت کتاب کشف الظنون لرأیت اسماء من خطّأوا الخلیل.

والمهم لدینا هنا لیست محاکمه الأزهری ، وإنّما المقصود هو أنّ منهج التخطئه والتغلیط کان شائعا ذائعاً.

من خطّأ الجوهری

هناک جمع من الأعلام قد استدرکوا أو نقدوا الصحاح للجوهری رغم تأثّرهم به ، منهم :

أبو محمد عبد الله بن برّی المصری ( ت 582 ) صاحب التنبیه والإیضاح عما وقع من الوهم فی کتاب الصحاح.

والحسن بن محمد بن الحسن الصغانی صاحب التکمله والذیل والصله.

وأبو الفضل محمد بن عمر بن خالد القرشی المعروف بجمال القرشی ( کان حیا سنه 681 ) فی کتابه ( القراح بتکمیل الصحاح ).

والشیبانی القفطی ( ت 646 ) حیث ألّف کتاب ( الاصلاح لما وقع من الخلل فی الصحاح ).

وأبو العبّاس أحمد بن محمد بن أحمد الأندلسی المالکی المعروف بابن النجاح الاشبیلی ( ت 651 ) ، حیث کتب کتاب ( نقود علی الصحاح ).

وصلاح الدین خلیل بن أبیک الصفدی ( ت 764 ) فی کتاب ( نفوذ السهم فیما وقع للجوهری من الوهم ).

وأبو الفضل محمد بن عمر القرشی فی کتابه ( نور الصباح فی أغلاط الصحاح )

ص: 85

وغیرها من الکتب.

قال أبو زکریا الخطیب التبریزی عن الصحاح : « إلاّ أنّه مع ذلک فیه تصحیف لا یشک فی أنّه من المصنّف لا من الناسخ ، لأنّ الکتاب مبنیّ علی الحروف ... قال : ولا تخلو هذه الکتب الکبار من سهو یقع فیها أو غلط ، وقد ردّ علی أبی عبیده ( معمر بن المثنی ) فی الغریب المصنّف مواضع کثیره منه ، غیر أنّ القلیل من الغلط الّذی فی الکتب إلی جنب الکثیر الذی اجتهدوا فیه وأتعبوا نفوسهم فی تصحیحه وتنقیحه معفوّ عنه » (1).

وقال القفطی : ( .. ولمّا دخلت منه نسخه إلی مصر نظرها العلماء فاستجودوا مأخذها وقربه ، ولمحوا فیها أوهاما کثیره انتدبوا لإصلاحها وزادوا فیها بعض ما لعله اخلّ به من ألفاظ لغویه ، الحاجه داعیه إلیها ، فلا شبهه فی أنّه نقلها من صحف فصحّف ، وانفرد فی تصریف الکلمه برأیه فحرّف ) (2).

وقال الباخرزی صاحب الدمیه : « ... فهو أحسن من الجمهره ، وأوقع من تهذیب اللغه ، وأقرب متناولا من مجمل اللغه ، هذا مع تصحیف فیه فی مواضع عدّه أخذها علیه المحقّقون ، وتتبّعها العالمون ، ومن ما ساء قط؟! ومن له الحسنی فقط »؟!

فإنّه رحمه الله غلط وأصاب ، وأخطأ المرمی وأصاب ، کسائر

ص: 86


1- 1. فی تقییداته علی الصحاح والّتی اطلع علیها الزبیدی فی خزانه الامیر أزبک ( مقدمه التاج : 5 ).
2- 2. إنباه الرواه 1 : 195.

العلماء الذین تقدّموه ، أو تأخّروا عنه ، فإنّی لا أعلم کتابا سلّم إلی مؤلفه فیه ، ولم یتبعه بالتتبّع من یلیه » (1).

وقال الفیروزآبادی فی مقدمه کتابه :

( ولمّا رأیت إقبال الناس علی صحاح الجوهری وهو جدیر بذلک ... ) الخ.

إلی أن یقول :

« واختصصت کتاب الجوهری من بین الکتب اللغویه - مع ما فی غالبها من الأوهام الواضحه والأغلاط الفاضحه - لتداوله واشتهاره بخصوصه واعتماد المدرّسین علی نقوله ونصوصه .. » (2).

وبهذا یتبیّن أنّ الجوهریّ کان آخر من توجّهت نحوه سهام النقد والانتقاد قبل الفیروزآبادی ، وقد کان الأخیر من الذین وجّهوا نقوده علی الجوهری ، فإنّه کان یرید مناقشه الجوهری وإظهار عجزه للقارئ لکنّه عجز أن یرسم منهجا خاصا به أو یجدّد فیه ولو بعض التجدید - کما فعل السید علی خان فی طرازه - بل راح یترسّم منهج الجوهری فی النظام والترتیب ولم یوفّق فی کثیر من مؤاخذاته علی الجوهری کما سیتبین لک.

ص: 87


1- 1. انظر الدمیه فی ترجمه الجوهری.
2- 2. انظر مقدمه القاموس.

من خطّأ الفیروزآبادی

القاموس کغیره من الکتب اللغه ، فیه الغث والسمین ، والشهد والحنظل ، وفیه الصحیح کما فیه الأوهام والاغالیط والتصحیفات.

وهذا الکتاب نال من الشهره وذیوع الصیت ما ندر أن یناله کتاب آخر من کتب اللغه ومعاجمها ، حتّی أنّ لفظه القاموس التی معناها البحر العظیم ووسطه ومعظمه وقعره الأقصی صارت علما لغویّا لمعجم الفیروزآبادی ، ثمّ لذیوع هذا الکتاب وشهرته بین الناس صارت کلمه القاموس تطلق توسّعا علی کل معجم لغوی أو غیره ، فیقال : القاموس اللغوی ، والقاموس الانجلیزی ، وقاموس الأمثال ، وقاموس الرجال ، وغیرها (1).

ورغم ما ناله هذا الکتاب من الإعجاب ، وما قیل فی مدحه وإطرائه ، ورغم ما کتب حوله من تألیفات فی مختلف زوایاه ، بالشرح والاختصار والتوضیح وفک غوامضه ونقده وتوهیمه والمقارنه بینه وبین الصحاح ، رغم کل ذلک نری أنّ هذا المعجم اللغویّ علی جلالته کأنّه کتاب رموز وطلاسم ، جعل مؤلفه ، اللغه من خلاله فی قوالب جامده متحجره ، بحیث إن القارئ فیه لا یتذوق حلاوه اللغه وحسن استعمالاتها وشواردها ونوادرها ، ولا یجد الروح الحیه النابضه التی امتازت بها لغه العرب ، ولا یحس بطلاوتها وحسن رونقها ، وجمال تنوع أسالیبها ، وفنون ملحها ونوادرها وحکایاتها.

وحسبک دلیلا علی ذلک أنّک تجد أئمّه اللغه والمعنیین بها کأنّهم لم یکادوا یستسیغون بقاءه علی ما هو علیه ، لما فیه من الوعوره والصعوبه والاختصار

ص: 88


1- 1. انظر المعجم الوسیط 2 : 758 ، ومقدمه الصحاح : 173.

بأسلوب جاف وعباره جامده ، فلذلک کتبوا له الشروح والتعلیقات والحواشی وحاروا فی فکّ غوامضه.

فقد کتب الزّبیدی ( ت 1205 ) « تاج العروس من جواهر القاموس » وهو شرح للقاموس ، وکتب محمد ابن طیب الفاسی ( ت 1170 ) « إضاءه الراموس » فی شرحه أیضا ، والف أحمد عاصم بن جنانی العینتابی الرومی ( ت 1235 ) « الاقیانوس فی شرح وترجمه القاموس » هذا إلی غیرها من الشروح التی لیس هنا محل ذکرها.

فإنّ المعجم اللغوی یراد منه إیصال اللغه إلی أکبر عدد من طالبیها ، فهو فی الواقع ینبغی له أن یکون موصلا للّغه ، قریب التناول. شارحا لمفرداتها واستعمالاتها وغوامضها ، لا أنّه یحتاج إلی شرح وإیضاح وتبیین ، وإلاّ لقلّت فائدته ، وانحصرت بطبقه خاصه من خبراء اللغه والمختصین بها کما هو الواقع الیوم.

ولهذا الذی قلناه اضطر البعض أن یشرح مغلقه ، فالّف محمد بن یحیی القرافی « القول المأنوس بشرح مغلق القاموس » ، وألّف علی بن أحمد الهیتی ( الذی کان حیّا سنه 1052 ه ) « مختصر القاموس » وحل فیه رموز القاموس ، ووضع جم غفیر من اللغویین علیه حواشی وتعلیقات وإیضاحات.

وعلی کل حال ، فإن ما یهمنا الآن هو أنّ الفیروزآبادی تحامل علی الجوهری تحاملا غریبا ، وحاول بکل حیله توهیمه وتغلیطه حتّی فیما کان الجوهری هو المصیب فیه ، فوقع المجد الفیروزآبادی نفسه فی کثیر مما وهّم فیه الجوهری ، فما وهمّ فیه الجوهریّ مدخول علیه وقد سبقه غیره إلیه کما صرح السیّد المصنف بذلک فی خطبه کتابه.

ومن هنا ألّف علماء اللغه ونحاریرها الکتب والرسائل والدراسات فی المقارنه والموازنه بین الصحاح والقاموس ، واستنصر کثیر منهم للجوهری وردوا

ص: 89

الفیروزآبادی ، ومن ثمّ الّف الکثیر منهم تألیفات خاصه فی أوهام الفیروزآبادی وأغلاطه.

ولا یخفی علیک أنّ الدفاع عن الجوهری وتغلیط الفیروزآبادی متلازمان فی کثیر من الأحیان ، بل إنّ شراح القاموس کالزبیدی فی تاج العروس لم یعدموا أن یدلوا بدلوهم ویبینوا ما وقع فی القاموس من الاغلاط والأوهام والتصحیفات والتحریفات وغیرها.

فمن الکتب التی ألّفت فی مجال المحاکمه بین الصحاح والقاموس والاستنصار للجوهری ، وتغلیط القاموس :

1 - « بهجه النفوس فی المحاکمه بین الصحاح والقاموس » للقرافی المصری ، المتوفی 1008 ه.

2 - « الداراللقیط فی أغلاط القاموس المحیط » لمحمد بن مصطفی الداوودی ، المعروف بداود زاده ( ت 11072 ه ) جمع فیه الأغلاط التی عزاها الفیروزآبادی إلی الصحاح وردّ علیها.

3 - « رساله العنقاء المغرب الواقع فی القاموس » للشیخ محمد عبد الرحمن الدنوشری الشافعی ( ت 1025 ).

4 - « مرج البحرین » لأویس القاضی ابن محمد ، المعروف ب- « ویس » ( ت 1037 ) أجاب فیه علی اعتراضات الفیروزآبادی علی الصحاح.

5 - « الوشاح وتثقیف الرماح فی رد توهیم المجد للصحاح » لأبی زید عبد الرحمن بن عبد العزیز التادلی.

6 - « فلک القاموس » لعبد القادر بن أحمد الیمنی ، من تلامیذ الطیب الفاسی ، علّل فی مقدمته إعجاب الناس بالقاموس ، وفضّل الصحاح علیه ، وتتبع فیه ما وهّمه

ص: 90

فیه الفیروزآبادی ، وردّ علیه.

7 - کتاب أبی عبد الله محمد بن أحمد الدلائی الشهیر بالمسناوی ( ت 1136 ه ) وهو نقد للقاموس ودفاع عن الصحاح.

8 - « الجاسوس علی القاموس » لأحمد فارس الشدیاق ، حیث نقد فیه الفیروزآبادی وبین أغلاطه ومعایب القاموس.

9 - « تصحیح القاموس » لأحمد تیمور باشا.

هذا ، إلی کثیر غیرها من الکتب والرسائل والحواشی التی لم یخل شیء منها من الإشاره إلی تغلیطات وأوهام الفیروزآبادی ، والدفاع عن الجوهری ، والتنبیه علی تحامل الفیروزآبادی علیه.

وفی هذا المجال یبرز الإمام اللغوی العلاّمه الادیب السیّد علی خان المدنی فی طلیعه العلماء اللغویین الذین استنصروا للجوهری ، وتتبعوا عثرات وزلات الفیروزآبادی ، حیث قال رحمه الله فی مقدمه طرازه الأوّل :

وإنی لأعجب من المجد الفیروزآبادی ، وهو المتسم بالامامه فی معرفه الالسان الضادیّ ، إذ صنّف قاموسه ، وشنّف قابوسه ، وتصدّی للتنبیه علی أغلاط الجوهری فی صحاحه ، وخاض فی غمر التشنیع علیه وضحضاحه ، زاعما أنّه لم یقصد بذلک مراء ، ولا تندیدا به وإزراء ، بل استیضاحا للصواب ، واسترباحا للثواب ، وحذرا من أن ینمی إلیه التصحیف ، أو یعزی إلیه الغلط والتحریف ، کیف خالف قوله فعله ، وزلت بقدمه نعله؟!

فوقع فی الأغلاط والأوهام ، فیما تحار فیه ثواقب الأفهام ، ومن التصحیف والتحریف ، والغلط فی مسائل النحو والتصریف ، فیما

ص: 91

لا یکاد یقضی منه العجب ، ولا تنقضی عن طرفیه جمادی ورجب ، کما ستقف علیه فی أثناء الکتاب مفصلا ، وتجده فی أطوائه إن شاء الله تعالی محصّلا. علی أنّ ما تتبع به کلام الجوهریّ وتعقّب ، ونقّر عنه بزعمه ونقّب ، أکثره مسبوق إلیه ، ومدخول فیه علیه.

وهنا یصبّ السیّد المدنیّ قسطا وافرا من جهده علی تبیین أغلاط الفیروزآبادی وأوهامه ، وتصحیفاته وتحریفاته ، وما وقع فیه من الطوامّ من الأغلاط فی مسائل النحو والصرف ، فذکر السیّد المصنف جمله وافره من ذلک ، بحیث لو أنّها جمعت لصارت کتابا مستقلاّ یستحق الدراسه والبحث ، فإنّه أودع فی تغلیطاته عیون المباحث وروائع الالتفاتات ودقائق العربیه کما ستری بعض ذلک قریبا.

ولم یکن السیّد المصنف إلاّ طالبا للحقیقه ، غیر متحامل عبثا علی الفیروزآبادی ، ولذلک نراه ربّما دافع وردّ تغلیطات بعض من غلّطه تحاملا ، ففی ماده « هرأ » ، قال :

وهرئ القوم والنّعم ، علی ما لم یسمّ فاعله : اشتدّ علیهم البرد ، فالقوم مهرؤون ، والنّعم مهروءه ، ولا تقل : هرئوا ولا هرئت ، بالبناء للفاعل ، وما ذکره الفیروزآبادی من قوله : « وبخط الجوهریّ : هرئ ، کسمع ، وهو تصحیف » یرید أنّه وجد بخطّه مضبوطا بفتح الفاء وکسر العین علی وزن سمع ، لا أنّه وجد بلفظ قوله « کسمع » کما توهّمه کثیرون فتعقبوه بأنّ نسخ الصحاح لیس فیها لفظه « کسمع ».

فالمصنف أنصف فی الدفاع عن الفیروزآبادی ، وأقرّ ما ذکره من الخطأ الموجود فی نسخ الصحاح ، ولم یتمحّل فی الدفاع عن الجوهری کما صنع ذلک الزبیدی فی

ص: 92

التاج (1).

هذا ، ولم یقتصر السیّد المصنف علی تغلیط الفیروزآبادی ، بل غلّط ووهّم أئمّه آخرین من أئمّه اللغه وتعقب علیهم ، مثل أبی عبیده وأبی حیان وأبی علی الفارسی وابن الأثیر والجوهری وغیرهم ، فمثّل بذلک منهج النقد خیر تمثیل ، لأنّه یستخلص ما یراه صوابا من بین رکام المنقولات ، ثمّ یبیّن ما وقع للآخرین من مجافاه للصحیح.

وبتقسیم أوّلیّ لمنهجه النقدی یمکننا أن نقسمه إلی ثلاثه أقسام :

أوّلها : ما نقد فیه الفیروزآبادی فی القاموس

وثانیها : ما نقد فیه الجوهری والفیروزآبادی معا.

وثالثها : ما نقد فیه الآخرین.

وهناک أیضا نقودات متفرّقه أخری فی ثنایا الکتاب یعرفها اللبیب من خلال مطالعته ، کما فی ماده « ببب » حیث نبّه الفیروزآبادی علی ثلاثه أغلاط للجوهریّ فیها ، فزاد علیها السیّد المصنف غلطا رابعا له لم یتنبّه له الفیروزآبادی.

قال الجوهری فی « ببب » : یقال للأحمق الثقیل : ببّه ... وهو أیضا اسمّ جاریه ؛ قال الراجز :

لأنکحنّ ببّه***جاریه خدبّه

مکرمه محبّه ***تجبّ أهل الکعبه

أی تغلبهم حسنا.

وقال الفیروزآبادی : وقول الجوهری : ببّه اسم جاریه غلط ، واستشهاده بالرّجز أیضا غلط ، وإنّما هو لقب عبد الله بن الحرث ، وقوله قال الراجز غلط أیضاً

ص: 93


1- 1. انظر تاج العروس 1 : 508 - 509.

والصواب : قالت هند بنت أبی سفیان وهی ترقّص ولدها : لانکحنّ ... الخ.

وقال السیّد المصنف : « وببّه ، کحبّه : الاحمق الثقیل ... ولقب ... عبد الله بن حارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، لأنّه کان أصمّ وبه لوثه ، أو هو صوت کان یصوّت به فی طفولیّته فلقّب به ، وکانت امه هند بنت أبی سفیان بن حرب بن أمیّه ترقّصه به وهو صبی ، فتقول : لأنکحنّ ببّه ... الرجز ، أی تغلبهم حسنا.

وقول الجوهری : ببّه اسم جاریه ، وإنشاده هذا الشعر شاهدا علیه ، لراجز ، وروایته : لأنکحن - بفتح الهمزه (1) - أربعه أغلاط ، لم یتفطّن الفیروزآبادی للرابع منها ».

وهناک شیء لا یستهان به من هذا القبیل فی الکتاب وتداخل فی تغلیطات بعض المغلّطین ، لکن المهم منها هو الأقسام الثلاثه التی ذکرناها ، وإلیک مفرداتها من فصل الهمزه من الطراز :


1- 1. الموجود فی الصحاح « لأنکحن » بضم الهمزه.

الأوّل : ما نقد فیه الفیروزآبادیّ

وهذا القسم یتضمن الکثیر من دفاعات السیّد المصنف عن الجوهری فی أثناء نقده للفیروزآبادیّ ، وهذا هو الذی أوقع أحمد عبد الغفور عطار فی الوهم فعدّ استنصاره للجوهری رساله علی حده کما تقدمت الإشاره إلیه ، فلا تغفل.

* قال فی ماده « أبأ » الأباء ، کسحاب : الأجم ، أو من الحلفاء والقصب خاصه ثمّ أطلق علی القصب نفسه ؛ کإطلاق الوشیج علی الرّماح ، وهو فی الأصل شجره أو

ص: 94

عروقها الواحده أباءه.

قال الفیروزآبادیّ : هذا موضع ذکره کما حکاه ابن جنی عن سیبویه ، لا المعتل کما توهّمه الجوهریّ وغیره ، انتهی.

ولم یتوهّم الجوهریّ ولا غیره ، بل رأوه من الإباء بمعنی الامتناع ؛ تفادیا من جعله من باب سلس لقلّته ، وخاصّه إذا کانت الفاء واللام همزه مع ثقلها ، واسم الجنس إذا صحّ فیه اشتقاق حمل علیه.

قال الرضیّ وغیره : قالوا : أصل أباءه أبایه وإن لم یسمع ؛ لأنّ فیها معنی الإباء وهو الامتناع ؛ لامتناعها من السلوک بما ینبت فیها من القصب وغیره.

ومن العجیب أنّ الفیروزآبادیّ ذکره فی المعتل أیضا قائلا : هو الأجمه من الحلفاء ؛ لأنّ الأجمه تمنع ، والقصب ، وموضعه المهموز ، انتهی.

وهو ظاهر التناقض ؛ فإنّ قوله « لأنّ الأجمه تمنع » یقتضی أنّها من الإباء ، فهی معتلّه کما ذهب إلیه الجمهور ، وهو یناقض قوله « وموضعه المهموز » ، وقوله هنا « هذا موضع ذکره لا المعتل » ، فإن زعم أنّ المهموز هو الذی بمعنی القصب دون الذی بمعنی الأجمه فقد وهم فی الفرق بینهما ، ولا قائل به ، فکان المتوهّم هو لا غیره (1) ، وهذه أوّل غلطاته ، وبدء فرطاته عفا الله عنه.

* وقال فی ماده « أشأ » الأشاء ، کسحاب : صغار النخل ، واحدته بهاء ، وهمزته عند سیبویه أصلیه ، وعند الجمهور منقلبه عن واو أو یاء ؛ لقلّه باب أجأ ، ولتصغیره علی أشیّ ، ولهذا لم یذکروه إلاّ فی المعتل.

ص: 95


1- 1. لاحظ دفاعه عن الجوهری فی ضمن محاکمته ونقده وتغلیطه للفیروزآبادی.

وتوهیم الفیروزآبادیّ للجوهریّ (1) فی ذکره هنا تعنّت ، علی أنّه تابعه علیه فأعاد ذکره ثمّه غیر منبّه علیه.

* وقال فی ماده « جبأ » : وجبّی بالضمّ والتشدید : اسم لعدّه قری ، موضعه « جبب » لأنّه بالف مقصوره ، لا ممدوده کما توهّمه الفیروزآبادیّ فذکره هنا ، فقد نصّوا علی أنّه فی الأصل اسم أعجمیّ ، ولیس فی کلام العجم ممدود ، قالوا : وکان القیاس أن ینسب إلیه جبّیّ أو جبّویّ أو جبّاویّ کنسبتهم إلی حبلی ، لکنّهم نسبوا إلیه جبّائیّ نسبتهم إلی الممدود علی غیر قیاس.

* وقال فی ماده « حشأ » : والمحشأ ، کمنبر : کساء غلیظ یؤتزر به ، وقول الفیروزآبادی : یتّزر به ، غلط ؛ لقوله بنفسه « ولا تقل اتّزر به » (2).

* وقال فی ماده « رجأ » أرجأت الأمر : أخّرته ووقّفته. وأرجأت الحامل : دنت لأن یخرج ولدها ، والناقه : دنا نتاجها ، فهی مرجئ ومرجئه ، والصائد : أخفق. وترک الهمز لغه فی الکلّ.

قال الجوهریّ : یقال : رجل مرجئ ، مثال مرجع ، والنسبه إلیه : مرجئیّ ، مثال مرجعیّ ، هذا إذا همزت ، فإذا لم تهمز قلت : رجل مرج ، مثال معط ، وهم المرجیّه بالتشدید.

وتعقّبه الفیروزآبادیّ ، فقال : إذا لم تهمز فرجل مرجیّ بالتشدید ، وإذا همزت فرجل مرجئ کمرجع ، لا مرج کمعط ، ووهم الجوهریّ ، وهم المرجئه بالهمز ، والمرجیه بالیاء مخفّفه لا مشدّده ، ووهم الجوهریّ ، انتهی.

ص: 96


1- 1. لاحظ دفاعه عن الجوهریّ واستنصاره له.
2- 2. انظر ماده « أزر » من القاموس.

وهو الواهم لا الجوهری (1) ، وذلک من جهاتٍ :

إحداهما : قوله : « إذا لم تهمز فرجل مرجیّ بالتشدید » وهو غلط صریح ، والصواب : مرج کمعط ، إلاّ أن یرید النسبه ، وهو خلاف الظاهر من عبارته.

الثانیه : قوله : « إذا همزت فرجل مرجئ کمرجع ، لا مرج کمعط ووهم الجوهری » وهو تشنیع بحت ، فإن الجوهریّ لم یقل « إذا همزت فرجل مرج کمعط » بل قال : « إذا لم تهمز قلت : رجل مرج ، مثال معط ، وهو صحیح بل متعیّن.

الثالثه : قوله : « وهم المرجئه بالهمز ، والمرجیه بالیاء مخفّفه لا مشدّده ، ووهم الجوهریّ » فإنه توهّم أنّ الجوهریّ أراد بقوله « وهم المرجیّه ، بالتشدید » اسم الفاعل ، وإنما أراد النسبه مع عدم الهمز ، وهو صحیح ، وکیف یتوهّم أنّه اراد به اسم الفاعل مع قوله « إذا لم تهمز قلت : رجل مرج مثال معط »؟! ولکنّ هذا الرجل أغری بتتبّع العثرات مع سوء فهمه ، والله المستعان .

* وفی ماده « رزأ » قال : وفلان کریم مرزّأ ، کمعظّم : یصیب الناس من ماله فیقع النقصان فیه لسخائه.

وقول الفیروزآبادیّ : وهم الجوهریّ فی تخفیفه ، لا أصل له ، بل هو بالتّشدید فی ما صحّ من نسخ الصحاح (2) ، فإن وقع فی نسخته مخفّفا فالغلط من ناسخها.

* وفی ماده « سیأ » قال : وقول الفیروزآبادی « تسیّأت الأمور : اختلفت » تصحیف (3) إنّما هو تشیّأت بالمعجمه ، کأنّها صارت أشیاء مختلفه.

* وفی ماده « شیأ » قال : واختلفوا فی منع أشیاء ... وقال الکسائی : هی جمع

ص: 97


1- 1. لاحظ دفاعه عن الجوهری واستنصاره له.
2- 2. لاحظ إن هذا التغلیط بناء علی ما فی نسخه الفیروزآبادیّ من الصحاح حسب ما یظهر.
3- 3. ادعی المصنف أنّه تصحیف ، مع أنّ غیر الفیروزآبادیّ نقله بالسین.

شیء ، ووزنها أفعال ، کبیت وأبیات ، وشیخ وأشیاخ ، ومنعت الصرف لشبهها بحمراء فی کونها جمعت علی أشیاوات کما جمعت حمراء علی حمراوات.

قال الجوهریّ : وهذا القول یدخل علیه ألا یصرف أبناء وأسماء.

وتعقبه الفیروزآبادیّ بأنّه لا یلزم ، لأنّهم لم یجمعوا أبناء وأسماء بالألف والتاء.

وهذا عجیب منه ، فإنّ کتب الصنعه کاد أن لا یخلو منها کتاب من حکایه أبناوات وأسماوات ... إلاّ إن کان لم یطّلع علیه ، فلم یکن للبدار بالإنکار وجه (1).

* وقال فی ماده « صرأ » قال الفیروزآبادیّ : أهملوه ، ولیس کذلک (2) ، قال حفص الأمویّ :

هلاّ بنا غالبا سألت إذا

هاج من الجربیاء مصرؤها

قال السیرافی : الجربیاء الشمال ، ومصرؤها هبوبها ، وعلی هذا فهو مصدر صرأت الریح - کمنعت - إذا هبّت.

وصرأ : صرخ ؛ أبدلوا الخاء المعجمه همزه. قال الأخفش ، عن الخلیل : هو من غریب ما أبدلوه.

* وفی ماده « غأغأ » قال : الغأغأ ، کسلسل : أصوات الخطاطیف الجبلیه ؛ وهی العواهق. وقول الفیروزآبادیّ : العواهق الجبلیه ، لا وجه له (3) ؛ فإنّ الخطّاف لا یقال له : عوهق ، حتّی یکون جبلیا ، کما أنّ الحمار لا یقال له : فرأ ، إلاّ إذا کان وحشیّا.

* وفی ماده « غرقأ » قال : الغرقئ ، کحصرم : قشره البیض الملتزقه ببیاضه ؛ یشبّه

ص: 98


1- 1. لاحظ قصور الفیروزآبادیّ فی النحو.
2- 2. لاحظ قله بضاعه الفیروزآبادیّ فی الاستقصاء فی مستعملات اللغه.
3- 3. لاحظ عدم دقه الفیروزآبادیّ فی شروحه اللغویه ، أو قصور باعه وعدم معرفته بهذا الفرق الظریف.

بها الثیاب فی جوده النسج.

قال الزجّاج : همزته زائده ؛ لأنّه فی معنی الغرق ؛ لأنّ هذه القشره تحتوی علی ما تحتها وتخفیه ویخفیها ما فوقها.

وقال ابن جنّی : هی أصلیه ؛ لأنّه لا یحکم بزیاده الهمزه فی غیر الأول إلاّ بثبت ، وما ذکر من الاشتقاق لیس بقاطع بل هو احتمال ، ولو سلّم فیجوز أن یکون المعنی واحدا مع اختلاف الأصلین ، کما فی کرف الحمار ، أی رفع رأسه ، والکرفئ : السحاب ؛ لارتفاعه.

ومن عجیب ما یحکی أنّ الجوهری ذکر هذا اللفظ هنا ، ونبّه علی أنّ همزته زائده - فی قول الفراء - لأنّه من الغرق ، وتبعه الفیروزآبادیّ فی ذکره هنا غیر منبّه علی ذلک ، ثمّ قال فی « غ ر ق » : همزته زائده وهذا موضعه ، ووهم الجوهریّ ، وهو تحامل غریب (1).

* وفی ماده « فندأ » قال : الفندأوه ، بالکسر : الفأس الحادّه ، کالفندأیه ، الجمع فنادید علی غیر قیاس. وفرق الفیروزآبادیّ بین الکلمتین وحکمه بزیاده الهمزه فی الأولی ، وأصالتها فی الثانیه ، تحکّم بحت (2) ؛ فإنّهما ونظائرهما من باب فنعلو عند سیبویه ، فالهمزه أصلیّه عنده فی جمیع الباب.

* وفی ماده « فیأ » قال : وجاء فلان علی تفیئه فلان ، کتریکه : علی أثره ؛ والتاء

ص: 99


1- 1. لاحظ بیانه لتحامل الفیروزآبادیّ علی الجوهریّ بلا مسوّغ ، فإن لأصاله الهمزه وزیادتها وجه ، وقد نبه الجوهریّ علی ذلک فی « غرفأ ». ثمّ قال السیّد المدنی بعد ذلک وغرقأت الدجاجه بیضها : باضته ولیس علیه إلاّ الغرقئ ، و [ غرقأت ] البیضه : خرجت کذلک ، قال أبو حیّان : وهو دلیل علی أصاله الهمزه فیه. فقوّی ما صنعه الجوهریّ.
2- 2. لاحظ عدم ضلوع الفیروزآبادیّ فی الاشتقاق والتصریف.

مزیده. قال جار الله : هی مقلوبه من التئفّه ؛ قدّمت العین واللام - أعنی الفائین - علی الفاء - أعنی الهمزه - ثمّ أبدلت ثانیه یاء ؛ کقولهم : تظنّیت ، ولو کانت تفعله من الفیء لخرجت علی زنه تهیئه ، وعلی هذا فموضع ذکرها « أ ف ف » لا هنا کما توهّمه الفیروزآبادیّ (1).

* وفی ماده « قدأ » قال : القندأو ، کحنطأو ، وبالهاء : الصلب الشدید ، والجریء المقدم ، والغلیظ القصیر ، وشدید الرأس ، وکبیره الحقیر الجثّه المعروق ، والسیّئ الخلق ، والسیّئ الغذاء ، والجمل السریع ، والناقه قندأوه.

وفأس قندأوه : حادّه.

قال الفیروزآبادیّ : ووهم أبو نصر فذکره فی الدال. وهو تعقّب فی غیر محلّه ، فلعلّه لا یری همزته أصلیّه ؛ فقد اختلف القوم فی هذا اللفظ وما هو علی وزنه علی أقوال :

فقال ابن درید : وزنه فِعْلَأْوٌ ؛ قال فی الجمهره : لم یجئ علی فعلأوه إلاّ سندأوه : جریء ، ورجل حنطأوه : عظیم البطن ، وکنثأوه : عظیم اللحیه وقندأوه : صلب شدید ، وعندأوه نحوه. وذکر الجوهریّ له فی الدال بناء علی هذا القول.

وقال السیرافیّ : الأولی أن یحکم بأصاله جمیع حروف ما جاء علی هذا الوزن ، فیکون کجردحل ، وعلی هذا فموضعه المعتلّ.

وقال الفرّاء : الزائد فی هذا الوزن إمّا النون وحدها فهو فنعلّ ، وإمّا النون مع الهمزه فهو فِنْعَأْل. وجعل النون زائده علی کلّ حال.

وقال سیبویه : الواو مع ثلاثه أصول من الغوالب فیحکم بزیادتها ، وکلّ واحده

ص: 100


1- 1. لاحظ عدم ضلوع الفیروزآبادیّ فی الاشتقاق والتصریف.

من النون والهمزه رسیلتها فی المثل المذکور ، فیجعل حکم إحداهما فی الزیاده حکم الواو وإن لم یکونا من الغوالب ، والحکم بزیاده النون أولی من الحکم بزیاده الهمزه ؛ لکون زیاده النون فی الوسط أکثر من زیاده الهمزه فوزنه فنعلو.

قال : وإنّما لزم الواو الزائده فی الأمثله المذکوره بعد الهمزه لأنّ الهمزه تخفی عند الوقف والواو تظهرها.

فظهر أنّ تعقیب الفیروزآبادیّ للجوهریّ إمّا عن جهل باختلاف القوم ، أو تحامل لا وجه له (1).

* وقال فی ماده « کمأ » الکمء ، کفلس : نبات معروف ینتأ من الأرض بلا أصل ولا ورق ولا زهر ، وهو واحد الکمأه ، عکس تمر وتمره ، وهو من النوادر ؛ یقال : جنیت کمأ واحدا ، وکمأین ، وثلاثه أکمؤ - کأفلس - وکمأه کثیره. هذا هو المعروف فی اللغه ، وما ذکره الفیروزآبادی من أنّها للواحد ، والکمء للجمع علی القیاس فی قول ، أو هی تکون واحده وجمعا ، لا معوّل علیه (2).

* وقال فی ماده « لألأ » : واللؤلؤه فی قول زهیر :

کأنّها بلوی الأجماد لؤلؤه

أو بطن فیحان موشیّ الشوی لهق

قال أبو عبیده : أراد بها البقره الوحشیه ، وهو من التشبیه بالمجاز ؛ کما تقول : کأنّ لسانه عقیقه ، ترید السیف ، فقول الفیروزآبادیّ : اللؤلؤه البقره الوحشیه. لیس

ص: 101


1- 1. لاحظ جهل الفیروزآبادیّ باختلافهم فی وزن « قندأو » و « قندأوه » ، أو معرفته بذلک الاختلاف وتحامله علی الجوهری. وفی هذا دفاع فی محلّه عن الجوهریّ.
2- 2. الفیروزآبادی ذکر جمیع الأقوال فی هذا الموضع ، وقدّم بالذکر ما هو المعروف عند أهل اللغه ، فلا محذور علیه ، فما ذکره السیّد المصنّف یصلح تنبیها علی الأصح المعروف ، وأنّ باقی الوجوه ضعیفه وإن نقلت عن بعض کبار الأئمّه.

بصواب (1).

* وقال فی ماده « لمأ » : وألمأ به ، وعلیه : اشتمل علیه ، أی ذهب به فواراه. وقول الفیروزآبادیّ : إذ عدّی بالباء فبمعنی ذهب به ، وب « علی » فبمعنی اشتمل ، موهم أنّ بین التعدیتین فرقا فی المعنی ، ولیس کذلک ، فإنّ الاشتمال علی الشیء هنا لیس إلا بمعنی الذهاب به ومواراته ؛ من قولهم : اشتمل علیه ، إذا واراه بثوبه.

قال ابن السکیت فی اصلاح المنطق ، والتبریزی فی التهذیب : یقال ذهب ثوبی ، وما أدری من ألمأ علیه ، ومن ألمأ به؟ أی من ذهب به ، فإن کان غرضه توجیه تعدیته تاره بالباء ، وتاره ب- « علی » مع اتّحاد المعنی - بتضمینه معنی الذهاب فی الأولی ، والاشتمال فی الثانیه - فلیس تحته کبیر أمر ، ألا تری أنّهم یقولون : مررت به ، ومررت علیه ، فی کثیر من الأفعال ، فلو ذهب اللغوی یوجّه نحو ذلک خرج عن غرضه (2).

* وقال فی ماده « لیأ » : اللّیاء ، کضیاء : حبّ کالحمّص شدید البیاض - تشبه به المرأه البیضاء ؛ فیقال : کأنّها اللیاء ، وقیل : هو اللوبیاء - وسمکه بحریه یتخذ منها الأتراس فلا یحیک فیها شیء ، وهذا موضع ذکره لا المعتل ؛ إذ لا یعرف له تصرّف ، ولا مانع من الحکم بأصاله همزته ، وذکر الفیروزآبادیّ له فی الموضعین لا وجه له (3).

ص: 102


1- 1. وقد صرّح الراغب والزمخشری وابن فارس بأنّ إطلاق اللؤلؤه علی البقره الوحشیه مجاز ، فلیس اللؤلؤه حقیقه فی البقره الوحشیه کما فی عباره الفیروزآبادی ، وهذا یدل علی عدم إلمامه بأسالیب العرب واستعمالاتها.
2- 2. لاحظ ضیق عطن الفیروزآبادیّ وقلّه معرفته باستعمالات العرب.
3- (3) لحظ هذا الإشکال علی منهجیه الفیروزآبادیّ ، المبتنی علی عدم بیان الفیروزآبادیّ لوجه اشتقاقه من المهموز أو المقصور.

* وفی ماده « ملأ » قال : ملأت الوعاء - کمنعته - ملأ وملأه - بالفتح والکسر کتمره وسدره - وملّأته تملئه ، فامتلأ ، وتملّأ ، وهو ملآن ، وهی ملای ، وملآنه لغه لبعض بنی أسد دون سائر العرب ، وإطلاق الفیروزآبادیّ غیر صواب (1) ، وهی أوعیه وغرائر ملاء ، کرجال.

* وقال فی ماده « نبأ » وقول العرب إنّ مسیلمه لنبیّئ سوء ، علی مثال غزیّل ، تصغیر نبیء.

قال الفیروزآبادیّ : هذا فیمن یجمعه علی نُبَآءَ ، وأمّا من یجمعه علی أنبیاء فیصغّره علی نبیّ ، وأخطأ الجوهریّ فی الإطلاق. یرید أنّ النّبیّئ - علی مثال غزیّل بالهمز - إنّما هو تصغیر نبیء مهموزا ، وهو المجموع علی نُبَآء کفقهاء ، وأمّا تصغیر نبیّ - بالإبدال والإدغام المجموع علی أنبیاء کأصفیاء - فهو نبیّ - کقصیّ - بحذف إحدی الیائین ؛ کما قالوا فی تصغیر علیّ : علیّ.

وقد أخطأ فی هذه التخطئه ؛ لأنّ الجوهریّ یری أنّ النبیّ من النبأ بمعنی الخبر کما صرّح به ، فتصغیره عنده نبیّئ کغزیّل سواء جمع علی نُبآءَ مهموزا ، أو علی أنبیاء مبدلا ؛ لأنّ الإبدال فیه عارض ، فإذا صغّر ردّ إلی أصله فی التصغیر ، کیف وهو أحد أدلّتهم علی أصاله همزه! فإطلاقه فی غیر محلّه (2).

نعم ، من یری أنّ النّبیّ من النباوه فتصغیره عنده نبیّ - کقصیّ - لا غیر. وتصغیر

ص: 103


1- لاحظ عدم دقه الفیروزآبادیّ فی إطلاق العبارات ، فإن « ملأی » هی القیاس ولغه العرب ، ولیست « ملآنه » علی حدّها ، فاطلاق الفیروزآبادیّ وتسویته بینهما مجاف للصواب.
2- لاحظ دفاعه عن الجوهریّ ، وهو محق فی ذلک ، وعدم فهم الفیروزآبادیّ.

النبوّه - مهموزه ومبدله - نبیئه بالهمز کجهینه ، ومنه قولهم : کانت نبیئه مسیلمه نبیئه سوء.

* وقال فی ماده « ندأ » ندأت الشیء : کرهته ، نقله الجوهریّ عن الأصمعی.

وقد أشار بقوله « نقله الجوهریّ عن الأصمعی » إلی تبرئه ساحه الجوهریّ من الوهم الذی رماه به الفیروزآبادیّ مردّدا ، حیث قال : « ندأه ، کمنعه : کرهه ، أو الصواب فیه بذأه - بالباء الموحّده والذال المعجمه - ووهم الجوهریّ » حیث وهّم الجوهریّ بناء علی صحه « بذأه » دون « ندأه » فأراده السیّد المصنف بیان أنّ الجوهریّ ناقل ما عن الأصمعی ، فالتبعه علی الأصمعی لا علیه إن لم نقل انهما لغتان کما أشار إلی ذلک صاحب التاج.

* وقال فی ماده « نشأ » : واستنشی الأخبار - بمعنی تتبعها - بالیاء لا بالهمز ، ووهم الفیروزآبادیّ (1).

* وفی ماده « وبأ » قال : ووبأ إلیه ، وأوبأ : لغه فی ومأ وأومأ ، إذ أشار إلیه ، أو « أوبأ » یختص بالإشاره إلی خلف ، و « أومأ » یختص بالإشاره إلی قدام ؛ لا بالعکس ، وغلط الفیروزآبادیّ (2) ، قال الفرزدق :

تری الناس ما سرنا یسیرون خلفنا

و إن نحن أوبأنا إلی الناس وقّفوا

ص: 104


1- 1. وقد وقع فی هذا الوهم جماعه آخرون ، وقد نص ابن السکیت وغیره أنّه مقصور وإذا همز فالهمزه لیست بأصل ، راجع ماده « نشأ » و « نشأ » من معاجم اللغه وکتب غریب الأثر.
2- 2. لاحظ عدم فهمه لعبارات اللغویین ، ونقله ما یخالفهم ، وانظر ما قاله فی تاج العروس هنا.

أی إن أشرنا إلی خلف وقفوا. والروایه المشهوره « وإن نحن أومأنا ... » فیکون الإیماء الإشاره مطلقا ، والإیباء یختص بها إذا کانت إلی خلفٍ.

* وفی ماده « ورأ » ، قال فی کلمه « وراء » : قال ابن جنّی : همزتها أصلیّه ؛ لتصغیرها علی وریّئه بالهمز.

وقال الجمهور : هی بدل من یاء ؛ لقولهم : تواریت بالیاء. فتوهیم الفیروزآبادیّ للجوهریّ فی القول باعتلالها لا وجه له (1).

وحکمها فی الإعراب والبناء حکم سائر الجهات السّتّ ، فإن أضیفت لفظا أعربت نصبا علی الظرفیه ، أو خفضا ب- « من » وإن قطعت عن الإضافه لفظا ونیّه أعربت کذلک ونوّنت ، فإن حذف المضاف ونوی لفظه أعربت الإعراب المذکور ولم تنوّن ، وإن نوی معناه بنیت علی الضم. وقول الفیروزآبادیّ : هی مثلّثه الآخر مبنیّه (2) ، وهم صریح ، أو إیهام قبیح ، علی أنّ إثبات دعوی الحکم ببنائها مثلّثه دونه خرط القتاد (3).

* وقال فی ماده « ومأ » : وقال بعضهم : الإیماء أن تشیر بیدک إلی من أمامک لیتقدّم ، فإن أشرت إلی من خلفک لیتأخّر أو یقف فهو الإیباء - بالباء الموحّده - لا بالعکس کما توهّمه الفیروزآبادیّ (4).

ص: 105


1- 1. لاحظ تحامله علی الجوهریّ مع أنّ الجمهور معه فی کون همزه « وراء » منقلبه عن یاء.
2- 2. وأعاد هذا القول فی ماده « وری » وسکت علیه صاحب التاج فی الموضعین.
3- 3. وهو یستلزم جهله بالنحو والإعراب ، أو ادّعاؤه ما لم یعرفه النحویون.
4- 4. وقد مرّ هذا التوهیم فی « وبأ » وأحال علیه الفیروزآبادیّ هنا ، فکأنه أعاد غلطه.

* وقال فی ماده « هوأ » والمهوئنّ - کمطمئنّ ، وتفتح الهمزه - للصحراء الواسعه ، موضع ذکره حرف الهاء من باب النون ؛ لقولهم : اهوأنّت المفازه - کاطمأنت - أی اتّسعت. ووزنه عند الجمهور « مُفْوَعِلٌّ » ، وعند السیرافی « مُفْعَلِلٌّ » ، فنونه أصلیه علی القولین. وذکر الجوهریّ له هنا لا یعدّ وهما ؛ لاحتمال أنّه یری اشتقاقه من الهوء (1) - ألحق باقشعرّ - بزیاده النونین کما ذهب إلیه بعضهم فی ارجحنّ ، وأنّه من الرجحان. ثمّ وقفت علی نسخه من القاموس ألحق فیها ما نصّه : « وذکره هنا وهم للجوهریّ ؛ لأنّ وزنه مفعولّ ، والواو زائده ؛ لأنّها لا تکون أصلا فی بنات الأربعه » انتهی.

وهو غلط صریح ؛ لأنّ تمثیله بمفعولّ وذکره له فی « هون » صریح فی أنّ الواو عین الکلمه ، فیکف تکون زائده؟ ومقابلته الهمزه بالواو فی الوزن غلط آخر.

إلاّ ان یکون الناسخ حرّف « مفوعلاّ » إلی « مفعولّ » کما یرشد إلیه حکمه بأنّه من بنات الأربعه ، فتکون الهمزه عنده أصلیّه ، لکن یناقض ذلک ذکره له فی « هون » من غیر تنبیه علی أصاله الهمزه ، فإنّه یقتضی أنّ الهمزه عنده زائده ، والکلمه ثلاثیه ، وتوهیم الجوهریّ لا وجه له کما عرفت.

هذه جمله من. توهیمات السیّد المصنف للفیروزآبادیّ ، ومنها یظهر إمکان تقسیم تلک النقودات حسب مواردها ، فإن منها الاغلاط والاوهام اللغویه التی وقع فیها نتیجه لسوء فهمه لعباراتهم.

ص: 106


1- 1. لاحظ دفاعه عن الجوهریّ ، والتوهیم الذی بعده بناء علی بعض النسخ واما النسخه الصحیحه الموجوده الیوم ففیها « مفوعل » وهو موافق لرأی الجمهور.

ومنها : ما وقع فیها نتیجه لتصحّفها علیه (1).

ومنها : ما لم ینفرد به لکن عدّه السیّد غلطا أو وهما وتصحیفا طبقا لما هو الأصحّ.

ومنها : الأغلاط النحویه والصرفیه والاشتقاقیه التی وقع فیها الفیروزآبادیّ.

ومنها : أغلاطه فی منهجیه الکتاب کما فی ذکره لکلمه واحده فی موضعین دون بیان لمحلّها الأصلی.

ومنها : تحامله علی الجوهریّ وتغلیطه إیاه وتوهیمه له بلا مبرّر علمی.

ومنها : ذکره لما ورد عن بعض العرب فی عرض ما ورد عن جمیع العرب ، و .. و .. و .. مما یحتاج کل ذلک إلی بحوث وافیه ، وتقسیم لماهیه تلک النقودات ، فإن تجلیه وجوه نقودات السیّد للفیروزآبادیّ مهمه صعبه تحتاج إلی دراسه مستقله وافیه یتبین من خلالها ملامح عبقریه السیّد المصنف وابداعه فی المنهج النقدی ، وخصوصا نقوداته للفیروزآبادیّ التی لم یسبقه إلیها أحد رغم کثره ما کتب من النقود للقاموس.

ومع دفاع السیّد المصنف عن الجوهریّ محقّا فی الأغلب الأعم من دفاعاته ، نراه لا یقدّس الجوهریّ تقدیسا أعمی ، ولا یتوخی إلاّ بیان الحقیقه ، ولذلک کان قسط وافر من النقد قد أشرک فیه الجوهریّ والفیروزآبادیّ.

ص: 107


1- 1. وقد مرّ مثاله فی ماده « نشأ ». وأوضح منه وأصرح ما وقع فی ماده « أسد » من التصحیف ؛ الأسدی ، کترکی : ضرب من الثیاب ؛ جمع ثوب ، وقول الفیروزآبادیّ : نبات ، تصحیف قبیح.

2.ما نقد فیه الجوهریّ والفیروزآبادیّ معاً

إن کتاب الصحاح رغم عظمته وعظمه مؤلّفه الإمام اللغویّ الجوهریّ ، لم یسلم من النقود ، ولم یخل من الأغلاط والأوهام ، وقد عرفت أنّ کثیرا من تغلیطات الفیروزآبادیّ لهذا الإمام اللغویّ کانت فی غیر محلّها ، وتحاملا بلا مسوّغ علیه ، لکنّ ذلک لا یصدنا عن القول بأن قسما منها کانت فی محلّها ، وإن حاول البعض تصحیحها بوجوه بعیده وتمحّلات غریبه ، لکنّ هناک منها ما غلّطه فیها الفیروزآبادیّ ، ووقع هو أیضا فی الغط ، فکان الإشکال متقابلا فی الطرفین ، وقد ذکر السیّد جمله صالحه من هذا النوع ، إلیک بعضها :

* قال السیّد المصنف فی ماده « أثأ » : وأَثَأْته بسهم إثاءه - کأبحته إباحه - أی رمیته به ، موضعه « ث وأ » کما أورده الفارابی فی دیوان الآدب (1) ، لا هنا کما توهّمه الفیروزآبادیّ تبعا لأبی عبید (2) ، ولا « ث أ ث أ » کما توهّمه الجوهری.

* وقال فی ماده « ثفأ » : الثّفاء کغراب وتفّاح : حبّ الرّشّاد ، واحدته بهاء ، ومنه الحدیث : ما فی الأمرّین من الشّفاء الصّبر والثّفاء.

قال جار الله : سمّی بذلک لما یتبع مذاقه من لذع اللسان لحدّته ؛ من قولهم : ثفاه یثفوه ویثفیه ، أی تبعه ، وهمزته منقلبه عن واو أو یاء علی اللغتین (3).

ص: 108


1- 1. ومثله صنع الصاغانی حیث أورده فی « ثأثأ » من تکملته وصرح بان موضعه « ثوأ ».
2- 2. لکنّه ذکره فی « ثأثأ » منبها علی أن موضعه « ثو » ، وذکره فی « ثوأ » ثمّ قال : وذکر فی « أثا » فکأنّه متخبّط فی موضعه.
3- 3. وصرّح بمثل ذلک الصاغانی فی العباب. وهو الصحیح اشتقاقا ، وإن احتمل ابن سیده ضعیفا ان الهمزه هکذا وضعا. انظر تاج العروس.

وعلی هذا فموضع ذکره المعتل لا هنا کما وقع فی الصحاح والقاموس.

* وقال فی ماده « ثوأ » : وأثأته بسهم ، کأبحته : رمیته به ، هذا موضعه ، لا « أ ث أ » ولا « ث أ ث أ ». فأعاد منبّها علی ما ذکره فی « أثأ ».

* وقال فی ماده « حبطأ » واحبنطأ : انتفخ بطنه ، وامتلأ غضبا ، ولصق بالأرض ، واصله من الحبط ؛ زیدت النون والهمزه (1) ، أو الیاء للإلحان ، فموضعه « ح ب ط » ، لا هنا ووهم الفیروزآبادیّ (2) ، ولا « ح ط أ » ووهم الجوهریّ (3).

* وقال فی ماده « حفتأ » قال : الحفیتأ ، کسمیدع : الرجل القصیر السمین ، وذکره فی « ح ل ت » وهم للجوهریّ ، وأهمله الفیروزآبادیّ هنا (4).

* وقال فی ماده « رقأ » : والرّقوء ، کرسول : ما یوضع علی الدم لیرقأ ، ومنه قول قیس بن عاصم لولده : « لا تسبّوا الإبل ، فإنّ فیها رقوء الدم ومهر الکریمه » ، أی بها یحقن الدم ؛ لأنّها تدفع فی الدیات ، فیکفّ صاحب الثأر عن طلبه ، فیحقن دم القاتل.

ووهم الجوهریّ ، فقال : فی الحدیث (5) ، والفیروزآبادی ، فقال : قول أکثم (6).

ص: 109


1- 1. قال ابن بری : صواب هذا أن یذکر فی ترجمه « حبط » لأن الهمزه زائده.
2- 2. حیث ذکره بعد « حبأ » وعدّ جمیع حروفه أصلیه. والصواب ما ذکره السیّد المصنف ، لأنّهم یقولون : حبط بطن الرجل ، إذا انتفخ لطعام أو غیره. وقد وهم الفیروزآبادیّ فشارک الجوهریّ فی وهمه حیث ذکره فی « حطأ ».
3- 3. حیث زعم زیاده النون وأصاله الهمزه.
4- 4. حیث زعم زیاده النون واصاله الهمزه.
5- 5. وهذا التوهیم بناء علی اختصاص « الحدیث » بما عن النبی صلی الله علیه و آله ، وإلاّ فلم یخطأ الجوهریّ إذ إطلاق الحدیث علی قول الصحابی لیس بعزیز عند العامّه ، وکتب الغریب مشحونه بذلک ، وقیس بن عاصم صحابی.
6- (6) هذا التوهیم بناء علی ما اختار السیّد المصنف ، وإلاّ فإن للفیروزآبادیّ موافقین فی أن الکلام لأکثم.

* وقال فی ماده « رنأ » : ویرنأ لحیته : خضبها به [ أی بالیرنّاء ] ، والیاء فی اوله زائده قطعا ؛ لإجماعهم علی أنّها لا تکون مع ثلاثه اصول إلاّ زائده ، سواء کانت أوّلا أو وسطا أو أخیرا ، وذکرها فی فصل الیاء من هذا الباب کما صنعه الجوهریّ والفیروزآبادیّ وهم (1).


1- وقد صرح أبو حیان زیاده الیاء ، وإلیه ذهب ابن جنی سیده. والفیروزآبادیّ تبع الجوهریّ والصاغانی فی التکمله والعباب فی هذا الوهم.

3 - ما نقد فیه الآخرین

کان السیّد المصنف قدس سره حریصا علی التهذیب والتتبع والتدقیق ، فلذلک نقد وخطّأ ووهّم الفیروزآبادیّ ودافع عن الجوهریّ ، ونقدهما معا وربّما انفرد بنقد الجوهریّ لوحده ، أو فی عداد جماعه آخرین ، کما أنّه کان ینقد أعلاما آخرین من أعلام اللغه ، مبیّنا موطن الخطأ والوهم عندهم.

* فقد مرّ علیک فی ماده « أثأ » توهیمه للفیروزآبادیّ تبعا لأبی عبید ، وتثلیثهما الجوهریّ فی الوهم.

* وقال فی ماده « حفسأ » : الحفیسأ ، کسمیدع : الرجل القصیر اللئیم الخلقه ، وذکر الجوهریّ له فی « ح ف س » وهم. فوهم الجوهریّ لوحده.

* وقال فی ماده « زأزأ » : قدر زوازئه وزوزئه - کعلابطه وعلبطه - أی عظیمه واسعه ؛ لضمّها الجزور أجمع. وذکرها فی المعتل وهم.

* وقال فی ماده « فتأ » فتأت النار : أطفأتها ، حکاه ابن مالک عن الفراء ، وتوهّم أبو حیان أنّه تصحیف عن « فثأ » بالمثلثه ، ولیس به.

ص: 110

* وقال فی ماده « منأ » المنیئه ، کسفینه : الجلد أوّل ما یدبغ ، وما دام فی الدباغ ، والدباغ الذی یدبغ به ، والمدبغه.

وقول الفارسی : هی مفعله من النیء - وهو اللحم لم ینضج - یدفعه قولهم : منأته.

* وقال فی ماده « وثأ » : وقد وثئت یده - بالبناء للمفعول - ولا تقل وثئت کتعبت.

* وقال فی الأثر من ماده « وجأ » ( فوجأت عنقها ) ضربتها بیدی ، أو رضضتها دقّا. وقول ابن الأثیر فی جامع الأصول : وجأت عنقه ، إذا دستها برجلک ، وهم ؛ لأن الدّروس بالرجل وطء لا وجء.

وهناک الکثیر من هذا النمط من النقودات والتنبیهات التی ذکر فیها أعلاما بخصوصهم وقعوا فیها ، تراها فی ثنایا الکتاب وموادّه ، مضافا إلی ما نبّه علیه من الاغلاط والأوهام ولم یصرّح بأسماء غالطین أو واهمین بأعیانهم ، مکتفیا بالإشاره الإجمالیه لذلک.

* ففی الأثر من ماده « رزأ » قال : « المؤمن مرزّی » کمعظّم بترک الهمزه تخفیفا : مصاب بالأرزاء فیما یحبّ أو کثیرا ما تصیبه الرزایا ، ومن ضبطه بتشدید الیاء فقد وهم ..

* وقال فی ماده « سبأ » : السّابیاء ، کالسافیاء : المشیمه ؛ قال جار الله : هی من سبأت جلده ، إذا سلخته. وعلی هذا فأصل یائها الهمز ، وهنا موضع ذکرها لا المعتل. فأشار معرّضا بمن ذکرها فی المعتل.

* وقال فی المثل من ماده « فرأ » : « کل الصید فی جوف الفرا » اصله أن ثلاثه نفر اصطاد أحدهم ظبیا ، والآخر أرنبا ، والثالث حمارا ، فاستطال صاحب الظبی

ص: 111

وصاحب الأرنب علی صاحب الحمار ، فقال لهم ذلک ، أی کل صید دونه لعظمه. یضرب لمن یفضّل علی اقرانه. وتمثل به النبیّ صلی الله علیه و آله فی أبی سفیان بن الحارث بن عبد المطّلب ، لا أبی سفیان بن حرب کما توهّمه غیر واحد (1).

* وقال فی الأثر من ماده « نتأ » : ( ناتئ الجبین ) أی مرتفعه ، یروی بلا همز تخفیفا ، وأصله الهمز ، فهذا موضع ذکره لا المعتل کما توهّم.

* وقال فی الأثر من ماده « وجأ » : ( ضحی بکبشین موجوءین ) ولا تقل موجأین - کمکرمین - فانه خطأ من الرواه (2).

هذه بعض النماذج المبینه لمنهج السیّد المصنف النقدی فی اللغه وعلومها ، اقتصرنا علی أخذها من کتاب الهمزه ، ذکرناها لتقف علی ما قلناه من براعته فیها وضلوعه فی التدوین ، وأنّه یعدّ بحقّ من المجدّدین فی معاجم اللغه العربیه ، من حیث النقد وعنایته الفائقه بتقدیم الصحیح الفصیح ، دون نقل الکلمات علی عواهنها ، ومن حیث الاستدراک والسعه وتکثیر المشتقات والمستعملات کما سیأتیک بیان بعض الشیء عنه ، وعن منهجیته فی « طرازه الأول » بعد قلیل :

ص: 112


1- 1. سیاتی فی میزاته ومنهجیته فی المثل.
2- 2. سیاتی فی میزاته ومنهجیته فی الأثر.

المنهج الاجمالی للکتاب

لقد رسم السیّد المصنف منهجه العام فی مقدمته للکتاب ، فصرّح بأنّه ینقل أوّلا ما تکلمت به العرب فی الماده اللغویه ، ثمّ یتعرض لغریب القرآن وغریب الأثر ، ویذکر المجاز ، والمصطلح ، وأمثال العرب ، قال :

« هذا کتاب جمعت فیه من لسان العرب ما یحظی منه بارتشاف الضّرب ، وأحرزت فیه من غریب القرآن والأثر ، ما یرضی منه صدق العین والأثر ، وأضفت إلی ذلک من بیان مجازات الکلام.

ومصطلحات العلماء الأعلام ، وأمثال العرب العرباء » (1).

ثمّ قال فی مقدّمته مفصّلا هذا الترتیب المجمل ، فقال :

« وأمّا طریقه تحریره ، وأسلوب تقریره ، فإنی أبدأ الفصل من الباب ، باللغه العامّه ، ثمّ الخاصه بالکتاب ، ثمّ أجیء علی الأثر بالأثر ، ثمّ بالمصطلح فالمثل » (2).

فکان ترتیبه هو أن یذکر :

ص: 113


1- 1. مقدمه المصنف : 3 - 4.
2- 2. مقدمه المصنف : 8.

1 - اللغه العامه - والمجاز.

2 - الکتاب.

3 - الأثر.

4 - المصطلح.

5 - المثل.

فمع علمنا أنّ المجاز داخل فی معانی کل صیغه من الصیغ ، یبقی الکتاب خماسیّ الترتیب فی کل فصل.

« هذا إذا اشترک الجمیع فی المادّه ، واشتبک فی سلوک تلک الجادّه ، وإلاّ ذکرت ما اتفق ، انفرد أو ارتفق » (1).

وهذه الطریقه طریقه جدیده مبتکره ، لم یسبقه إلیها أحد من المؤلفین والمصنفین ، لا من القدماء ولا من المتأخرین ، فإنهم فی تآلیفهم وتصانیفهم یخلطون الحقیقه والمجاز ، بل ربّما قدموا المجاز علی الحقیقه ، ویأتون فی أثناء سرد المواد اللغویه بما أرادوه أو سنح لهم من تفسیر بعض الفاظ الکتاب والأثر ، وربّما جاءوا ببعض الأمثال ، وبعض المصطلحات التی غالبا ما یذکرون منها ما یتعلق بعلوم اللغه ، کاصطلاحات علم العروض والقوافی ، أو النحو والتصریف ، دون أن یتعرضوا الباقی المصطلحات التی لها أصول لغویه صحیحه.

وهم فی کل ذلک لا یلتزمون منهجا محدّدا ، ولا ترتیبا معیّنا ، بل یذکرون ما یذکرون من ذلک بحسب مناسبته لمکان الماده اللغویه المشروحه.

علی أنّ کثیرا من ألفاظ غریب القرآن والأثر والمصطلح والمثل تحتمل أکثر من

ص: 114


1- 1. مقدمه المصنف : 8.

وجه لغوی ، ویختلف فی تفسیرها اختلافا متباعدا ، فیکون ذکرها فی مکان ما دون آخر ، تضییع لباقی المعانی ، وخلط لصواب الآراء.

وإذا ذکروا الوجوه المتعدّده وفسّروها ، کانت بعض الوجوه فی غیر محلها ، أعنی غیر مناسبه لمکان المعنی المذکوره فیه ، وذلک ما یتعب طالب الشرح ، ویجعل تناول المعانی صعبا عسیرا ، یحتاج إلی جهد واستقصاء.

فأمّا فصله بین الحقیقه والمجاز

فهو بهذا الفصل جعل استعمالات العرب فی أنصبتها الموضوعه لها والمستعمله فیها ، ومیّز بین ما هو حقیقه عندهم وما هو مجاز ، وهذا ما یجعل تناول اللغه الصحیحه سهلا جدّا بخلاف ما سارت علیه معاجم اللغه ، من خلطها بین الحقیقه والمجاز ، وربّما قدموا المجاز بالذکر ثمّ ذکروا الحقیقه ، ولعل هذا الخلل فی المعاجم هو الذی حدا بالزمخشری فی أساسه أن یفصل بین الحقیقه والمجاز ، فکان له قدم السبق بذلک ، لکننا نری من لحقه لم یقتفوا أثره ، ربّما کان ذلک لوعوره الطریق وصعوبه المسلک ، فإنّ التفریق بین الحقیقه والمجاز ، لا یستطیع میزه إلاّ من أوتی غایه الحظ من الأدب ، والإلمام بفصل الخطاب من کلام العرب ، ومن کان ضلیعا فی علم المعانی.

وقد اقتفی السیّد علیّ خان أثر الزمخشری فی إفراده الحقیقه عن المجاز ، ولمّ شعث الاستعمالات ، مضیفا الکثیر من الاستعمالات المجازیه ، وربّما بیّن وجه مجازیّتها وعلاقتها بالأصل اللغوی فی بعض الأحایین ، فرفع بذلک خللا عظیما کان فی معاجم اللغه.

قال الاستاذ فارس الشدیاق : « ومما أحسبه من الخل أیضا تقدیم المجاز علی الحقیقه ، أو العدول عن تفسیر الألفاظ بحسب أصل وضعها ، ... مثال ذلک لفظه

ص: 115

« عبر » أصل وضعها للنهر ؛ یقال : عبر النهر عبرا وعبورا إذا قطعه إلی الجانب الآخر ثمّ شبّه به عبر الرؤیا وتعبیرها أی تفسیرها ، وحقیقه معناها عبور أمر من مجهول إلی معلوم ، مع أنّ الجوهری ابتدأ هذه الماده بالعبره وهی الاسم من الاعتبار ، والفیروزآبادی ابتدأ بعبر الرؤیا ، والزمخشری ابتدأها بقوله : الفرات یضرب العبرین بالزّبد وهما شطّاه ، وناقه عبر أسفار : أی لا تزال یسافر علیها ، غیر أنّ الصغانی وصاحب المصباح ابتدءا بعبر النهر ، وهو الحقّ لأنّ عبور النهر کان للعرب الزم من عبر الرؤیا » (1).

أقول : وابتدأ ابن منظور بقوله : عبر الرؤیا یعبرها عبرا وعباره ، وعبّرها فسّرها وأخبر بما یؤول إلیه أمرها. ثمّ ذکر کلاما کثیرا ثمّ قال : وقیل : أخذ هذا کله من العبر وهو جانب النهر ...

وابتدأ الصاحب فی محیطه الماده بقوله : « عبر الرّؤیا عبرا وعباره وعبّرها ، جمیعا ... » (2).

وابتدأ ابن درید فی جمهرته الماده بقوله : « والعبر شاطئ النهر ، وهما عبران ... وعبرت النهر أعبره عبرا ، وکذلک عبرت الرّؤیا أعبرها وعبّرتها تعبیرا ، والاسم العباره ... » (3)

والفیومی وإن ذکر « عبرت النهر » فی صدر الماده ، لکنّه حین ذکر « عبرت الرؤیا » لم یشر إلی مجازیتها ووجه أخذها من عبور النهر (4).

ص: 116


1- 1. الجاسوس : 11 - 12.
2- 2. المحیط فی اللغه 2 : 34.
3- 3. جمهره اللغه 1 : 318.
4- 4. انظر المصباح للفیومی : 389.

فأمّا السیّد علیّ خان ، فقد تجاوز هذه الإشکالیّه ، فبدأ بما عرفته العرب من عبور النهر ، ثمّ ذکر عبر الرأیا وبین علاقه المجاز بالحقیقه ، فقال :

« عبرت النهر عبرا وعبورا - کنصر - تجاوزته وقطعته عرضا من احد جانبیه إلی الآخر ... وعبر الرؤیا عبرا وعباره : فسّرها ، وحقیقته ذکر عاقبتها وآخر أمرها ؛ من عبور النّهر ؛ کأنّه عبر من ظاهرها إلی باطنها » (1).

ولهذا نظائر کثیره ، تجدها فی أغلب المواد اللغویه ، وتجدها فی المجاز ، حیث کان دأب السیّد المصنف ودیدنه ، ذکر الحقیقه ، ثمّ المجاز ، وبیان العلاقه بینها فی بعض الاحیان.

وأمّا إفراده الکتاب

فهو أیضا له نفس ما قلناه من میزه سهوله التناول ، وجمع المعانی المفسّره فی مکان واحد ، مضافا إلی تسهیله الاطلاع علی القراءات إن وجدت فی آیه ما من الآیات الکریمه ، ومعناها.

ففی ماده « حسس » من اللسان نراه فی تفسیر قوله تعالی : ( فَلَمَّا أَحَسَّ عِیسی مِنْهُمُ الْکُفْرَ ) (2) کلّما تعرّض لمعنی من معانی الماده تحتمله الآیه جاء بها وفسّرها به ، قال :

« وتحسّست من الشیء أی تخبّرت خبره ، وحسّ منه خبرا وأحسّ ، کلاهما : رأی ، وعلی هذا فسّر قوله تعالی : ( فَلَمَّا أَحَسَّ عِیسی مِنْهُمُ الْکُفْرَ ) . وحکی اللحیانی : ما أحسّ منهم أحدا ، أی ما رأی. وفی التنزیل العزیز : ( هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ

ص: 117


1- 1. الطراز « عبر ».
2- 2. آل عمران : 52.

مِنْ أَحَدٍ ) معناه هل تبصر هل تری؟ ... ».

وقال بعد خمسه أسطر :

« وقال الفراء فی قوله تعالی : ( فَلَمَّا أَحَسَّ عِیسی مِنْهُمُ الْکُفْرَ ) وفی قوله ( هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ ) ، معناه : فلما وجد عیسی ، قال والاحساس الوجود ... وقال الزجاج : معنی ( أَحَسَ ) علم ووجد فی اللغه ... وقال اللیث فی قوله تعالی : ( فَلَمَّا أَحَسَّ عِیسی مِنْهُمُ الْکُفْرَ ) أی رأی ، یقال : أحسست من فلان ما ساءنی ، أی رایت ... ».

فهنا یلاحظ تکرر الآیه ونقل الأقوال فیها ، وإدخال آیه اخری معها وتکرارها مرّتین ، کل ذلک مما یشوش علی الطالب ، ویجعل العثور علی خلاصه معنی الآیه صعبا ، ناهیک عن أنّهم یشرحون موضع الشاهد منها دون معناها کاملا.

ومثل هذا نجده فی تهذیب الازهری حیث نقل ما قاله الفراء فیها وفی قوله : ( هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ ) ، ثمّ ما قاله الزجاج ، ثمّ نقل ما قاله المنذری فی قوله تعالی : ( لا یَسْمَعُونَ حَسِیسَها ) ، وفی قوله : ( هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ ) ، ثمّ نقل ما قاله اللیث ... (1).

واقتصر فی الصحاح علی تفسیر الآیه بمعنی « رأی » (2) ومثله صنع الزبیدی فی التاج (3).

وفی المفردات قال الراغب : ( « فَلَمَّا أَحَسَّ عِیسی مِنْهُمُ الْکُفْرَ ) فتنبیه أنّه قد ظهر منهم الکفر ظهورا بان للحسّ فضلا عن الفهم » (4).

ص: 118


1- 1. انظر تهذیب اللغه 3 : 407 - 408.
2- 2. الصحاح ، للجوهریّ 2 : 918.
3- 3. تاج العروس 15 : 541.
4- 4. المفردات للراغب : 116.

فها هم بین مختصر مخل ، وبین مطوّل خالط للآیات ، ومفرّق للمعانی مکرّر للآیه حسب معانیها.

ومقابل هذا نری حسن صنیع السیّد المدنی ، فی فصله للکتاب ، وذکره کل آیه علی حده ، وتفسیرها بوضوح ، ونقل المعانی الموجوده فیها بلا ارتباک ولا تکرار ، قال :

« ( فَلَمَّا أَحَسَّ عِیسی مِنْهُمُ الْکُفْرَ ) ، علم ، أو عرف ، أو وجد ، أو رأی - من رؤیه العین أو القلب - أو خاف ، أقوال. والکفر : جحود نبوّته وإنکار معجزته ».

فجمع الاقوال فی تفسیر « أَحَسَّ » من الآیه ، ثمّ استطرد فشرح المراد من الکفر ، وبذلک تبیّن معنی الآیه کاملا ، فأفاد فی شرح الکتاب شرح المادّه المتوخّاه ، وشرح معنی الآیه المبارکه ، بکل وجوهها ، بأحسن عباره واوضح ترتیب ، وبلا تعقید ولا خلط بالآیات الأخری.

وفی إفراده الأثر

مثل ما سبق من فائده هذه المنهجیه ، ووضوح المعنی أو المعانی ، والتخلّص من الارتباک.

ففی ماده « نمر » من اللسان قال بعد أن ذکر النمر الحیوان المعروف : « وفی الحدیث : نهی عن رکوب النّمار ، وفی روایه : النّمور ، أی جلود النمور ، وهی السباع المعروفه ، واحدها نمر ، وإنما نهی عن استعمالها لما فیها من الزینه والخیلاء ولانه زی العجم أو لأن شعره لا یقبل الدباغ عند أحد الأئمّه إذا کان غیر ذکی ، ولعل أکثر ما کانوا یأخذون جلود النمور إذا ماتت ، لأنّ اصطیادها عسیر ، وفی حدیث أبی أیّوب : انه أتی بدابه سرجها نمور فنزع الصّفّه ... ».

ص: 119

ثمّ ذکر بعد أکثر من صفحه معنی تنمّر « أی تنکّر وأوعد لأن النمر لا تلقاه أبدا إلا متنکرا غضبان ... » ، ثمّ استرسل فی ذر الاستعمالات حتّی قال بعد عشرین سطرا : « وفی حدیث الحدیبیه : قد لبسوا لک جلود النمور ، هو کنایه عن شدّه الحقد والغضب تشبیها بأخلاق النّمر وشراسته ... ».

ثمّ قال بعد ثمانیه أسطر : « وفی الحدیث : فجاءه قوم مجتابی النمار ... کأنّها أخذت من لون النمر لما فیها من السواد والبیاض ... » ، ثمّ استرسل فذکر بعض الآثار إلی ان قال : « وفی حدیث خباب : لکنّ حمزه لم یترک له إلاّ نمره ملحاء ، وفی حدیث سعد : نبطی فی حبوته ، اعرابیّ فی نمرته ، اسد فی تامورته ... ».

فهذه المعانی کلها ترجع إلی النّمر الحیوان المفترس المعروف ، نراها مشتته فی الماده غیر مجموعه فی مکان واحد.

ولم یذکر فی التهذیب إلا « وفی الحدیث فجاءه قوم مجتابی النمار » (1) ، ولم یذکر فی الصحاح ولا القاموس شیئا من الأثر.

وأما السیّد علیّ خان فإنه أفرد الأثر ، فقال :

« نهی عن رکوب النمار » ویروی النمور ، وهما جمع نمر ، أی جلودها لما فیها من الریبه والخیلاء ، ولأنّه زی العجم ، ولان شعره لا یقبل الدباغ ، ولعل اکثر جلودها انما تؤخذ بعد موتها ؛ لان اصطیادها عسیر. وفی حدیث الحدیبیه « لبسوا جلود النمور » أی اظهروا العداوه وکشفوها وتشمروا للشر وجدّوا فی إبدائه ، أو اشتد حقدهم وغضبهم! تشبیها بأخلاق النمور وشراستها.

ص: 120


1- 1. التهذیب ، للازهری 15 : 219.

« عربی فی نمرته » : ککلمه : هی البرده المخططه تلبسها الاعراب . ومنه : « لکنّ حمزه لم تکن له إلا نمره ملحاء ».

وحدیث « جاءه قوم حفاه عراه مجتابی النمار » وهی جمع نمره . وقد مرّ فی ( ج وب ) .

فذکر ما أراد بشرحه وفسره من الأثر مفردا ، مقدّما النمر الحیوان ، ثمّ المجاز منه الذی بمعنی الشر ، ثمّ ذکر الآثار التی فیها ذکر النمره بمعنی الثیاب المخططه.

کل هذا مع توضیح شاف للمعنی دون تطویل ونقل للأقوال المختلفه ، فإنّ هدفه هو إیصال اللغه لا استعراض الأقوال ، واستقصاء نقولات اللغویین ، إذ لا داعی لذلک مع عدم الاختلاف أو وقوع النزاع فیه.

وأمّا المصطلح

فإن السیّد المدنی مضافا إلی إفراده إیاه ، ذکر کثیرا من المصطلحات من أنواع العلوم ولم یقتصر علی مصطلحات علوم اللغه.

ففی ماده « جزأ » مثلا من اللسان ذکر المجزوء من الشعر ، بعد ذکره لمعنی الجزء فی کلام العرب بمعنی النصیب ، ثمّ ذکر حدیث « الرؤیا الصالحه جزء من سته واربعین جزءا من النبوّه » والاختلافات فی روایته من حیث العدد ، ثمّ ذکر الحدیث « الهدی الصالح والسمت الصالح جزء من خمسه وعشرین جزءا من النبوه » وشرحه علی ما فی شرحه من اختلافات ، ثمّ ذکر الحدیث « ان رجلا اعتق سته مملوکین عند موته لم یکن له مال غیرهم فدعاهم رسول الله فجزّأهم أثلاثا ثمّ أقرع بینهم فاعتق اثنین وارقّ أربعه » ثمّ شرح معناه واختلاف الفقهاء الاربعه فی ذلک.

ثمّ قال : « والمجزوء من الشّعر : ما حذف منه جزآن أو کان علی جزأین فقط ، فالأولی علی السّلب والثانیه علی الوجوب.

ص: 121

وجزأ الشّعر جزءا وجزّأه فیها : حذف منه جزأین أو بقّاه علی جزأین.

التهذیب : والمجزوء من الشعر : إذا ذهب فعل کل واحد من فواصله ، کقوله :

یظن الناس بالملکی

ن أنّهما قد التأما

فان تسمع بلأمهما

فإنّ الأمر قد فقما

ومنه قوله :

أصبح قلبی صردا

لا یشتهی أن یردا

ذهب منه الجزء الثالث من عجزه ».

ثمّ راح یذکر باقی معانی ماده « جزأ » ...

ولم یذکر الفیروزآبادی والجوهری حتّی هذا المصطلح العروضی.

وفی المحیط : والشعر المجزوء إذا ذهب منه فعل واحد من فواصله (1).

وفی تکمله الصاغانی : المجزوء من الشعر ما سقط منه جزآن (2).

وفی العین : والمجزوء من الشعر إذا ذهب فصل واحد من فصوله.

مثل قوله :

یظن النّاس بالملکین

وذکر مثل ما مرّ عن التهذیب (3) وفی العباب : المجزوء من الشعر ما أسقط منه جزآن ، وبیته قول ذی الاصبع العدوانی :

عذیر الحیّ من عدوا***ن کانوا حیّه الأرض (4)

ص: 122


1- 1. المحیط فی اللغه 7 : 152.
2- 2. التکمله والذیل للصاغانی 1 : 11.
3- 3. العین ، للخلیل 6 : 163 - 164.
4- 4. العباب الزاخر واللباب الفاخر 1 : 34.

وهکذا نراهم یذکرون هذا المصطلح فقط واینما اتفق مکانه من الماده ویدورون حوله ، ولا یأتون بشیء آخر ، حتّی کأنّ لغه العرب عجزت أمام المصطلحات مع أنّها لیست کذلک قطعاً.

ولذلک نری السیّد المدنی یفرد « المصطلح » ویذکر امّهات المصطلحات التی ترجع إلی الأصل اللغوی لماده جزأ ، قال :

( المصطلح : الجزء : ما یترکّب الشیء منه ومن غیره.

والجزء الذی لا یتجزّأ : جوهر ذو وضع لا یقبل الانقسام أصلاً لا بحسب الخارج ، ولا بحسب الوهم.

والجزئیّ الحقیقی : ما یمنع نفس تصوّره عن وقوع الشرکه فیه ؛ کزید . والجزئیّ الاضافی : کلّ أخصّ تحت الأعم ؛ کالإنسان بالاضافه إلی الحیوان.

والجزء فی العروض : ما من شأنه أن یکون الشعر مقطعا به ، وهی عشره اجزاء ، أربعه اصول ، وستّه فروع.

والمجزوء : بیت ذهب جزءا عروضه وضربه.

والإجزاء : هو الأداء الکافی لسقوط المتعبّد به ، وقیل : سقوط القضاء ).

فهنا نری ذکر السیّد المدنی للاصطلاح الفلسفی ثمّ المنطقی ثمّ العروضی ثمّ الفقهی.

والذی یهمّنا هنا هو ذکره للمصطلح العروضی تحت عنوان « المصطلح » لا کیفما اتفق ، ثمّ إنّه ذکر الجزء العروضی وأوضحه ، ثمّ ذکر البیت المجزوء ، بحیث تبیّن أنّ المجزوء مأخوذ من سقوط « الجزء » مع أنّ باقی المعاجم کما سردناها علیک

ص: 123

لم تذکر إلاّ المجزوء دون بیان الجزء ، ذکر المصنف ذلک بعد فراغه عن بیان المعنی أو المعانی اللغویه لماده « جزأ » ؛ کل ذلک بلا تطویل ممل ولا إیجاز مخلّ ، هذا مع خلوّه من الخلط بالکتاب أو الأثر أو المثل.

وأمّا المثل

ففی ماده « صفر » قال فی لسان العرب : « والصفیر : من الصوت بالدواب إذا سقیت ، صفر یصفر صفیرا ، وصفر بالحمار وصفّر : دعاه إلی الماء. والصافر : کل ما لا یصید من الطیر. ابن الأعرابی : الصّفاریّه الصعوه والصافر الجبان ؛ وصفر الطائر یصفر صفیرا أی مکا ؛ ومنه قولهم فی المثل : أجبن من صافر وأصفر من بلبل ، والنسر یصفر ... ».

وفی الجمهره ویقال : ما بالدار صافر ، أی ما بها أحد. ومن أمثالهم « أجبن من صافر » وله تفسیران ، ولیس هذا موضعه (1).

وفی الصحاح : « وصفر الطائر یصفر صفیرا ، أی مکا ، ومنه قولهم « أجبن من صافر » و « أصفر من بلبل » ... » (2).

وفی المحیط للصاحب قال « وفی المثل : أجبن من صافر ، وهو الذی یصفر لریبه ، وقیل هو طائر یتعلق برجلیه وینکس رأسه ثمّ یصفر لیلته » (3).

وتاج العروس علی سعته وتأخره عن السیّد علی خان لم یأت بجدید ، فذکر مثل ما فی اللسان لکنّه أضاف معنی آخر وهو اللصّ ، فقال : « والصافر : اللصّ »

ص: 124


1- 1. جمهره اللغه 2 : 740.
2- 2. الصحاح فی اللغه 2 : 715.
3- 3. محیط اللغه 8 : 132.

کالصفّار ککتّان ؛ لأنّه یصفر لریبه ، فهو وجل ان یظهر علیه ، وبه فسّر بعضهم قولهم « اجبن من صافر » ( و ) الصافر ( طیر جبان ) ینکس راسه ویتعلق برجله ، وهو یصفر خیفه ان ینام فیؤخذ ، وبه فسّر بعضهم قولهم « أجبن من صافر » ویقال أیضا : أصفر من البلبل » (1).

فها هی المعاجم تاره تذکر بعض المعانی للمثل ، وأخری تشیر إلی بعض معانیه إشاره ، وکل ذلک تذکره عند الصفیر بمعنی المکاء ، مع أنّ المثل یحتمل معان أخری کما ستری. ولذلک أفرد السیّد علی خان المثل ، وجمع فیه وجوه شرحه بعد أن فرع من ذکر الماده اللغویه واستعالاتها الحقیقیه والمجازیه وبعد أن ذکر الکتاب والأثر والمصطلح ، فقال :

« أجبن من صافر » هو کل ما یصفر من الطیر ؛ وهو ما یصاد منها دون ما یصید. أو هو الطائر المسمّی التّنوّط والصّفاریّه. أو هو الداخل الذی یصفر بالمرأه للرّیبه ، وإنما یجبن لخوفه ان یعلم به فیفتضح. أو هو فاعل بمعنی مفعول ؛ أی الذی إذا صفر به هرب.

فجمع کل المعانی للمثل دون إرباک ولا تعقید ، ولا تطویل ولا اخلال ، علی أنّ المثل وشروحه موجوده فی کتب الأمثال ، لکن المعاجم غفلت أو تغافلت عنها فلم تذکر إلاّ ما مرّ علیک مقتضبا مشوّشا.

فهذا هو المنهج الاولی والتقسیم الإجمالی لکل فصل من فصول الکتاب.

وقد وضح السیّد المصنف عن منهجه فی خطبه الکتاب بقوله :

« وأملیته حاویا للفصیح ، والثابت الصحیح ، والآحاد والمتواتر ،

ص: 125


1- 1. تاج العروس 12 : 335.

والشوارد والنوادر ، معتمدا فی النقل علی الکتب المشهوره ، وأمّهات الزبر المأثوره ، مع الأخذ بالثقه فی البیان والتعریف ، والتحرّز فی الضبط عن التصحیف والتحریف ، غیر متّکل علی النقل دون النقد ، إلاّ ما أجمع علیه أهل الحل والعقد » (1).

ثمّ تعجّب المصنّف من الفیروزآبادی فی تصدّیه للتنبیه علی أغلاط الجوهری ، مع أنّه هو بنفسه وقع فی الأغلاط والاوهام ، والتصحیف والتحریف ، والغلط فی مسائل النحو والتصریف ، ناهیک عن أن ما تعقب به الجوهری اکثره مسبوق إلیه (2).

ثمّ أشار رحمه الله إلی أنّه فیما اقتطفه من کلام العرب وصنّفه حوی ما لم تحوه البحور المحیطه وبرّز علی غیره من امهات المعاجم المشهوره المتداوله فی جهه من الجهات ومیزه من المیزات ، فامتاز علی الجمهره والصحاح والمحکم والعباب والتهذیب والمجمل ولسان العرب والقاموس ، بحسن الانتقاء والانتقاد ، وتمییز النقاده من النّقاد ، وإیراد ما. یروق ویحسن ، مضافا إلی النکت والملح ونخب الموضوع والمصطلح ، مع التقصی فی البیان والتبیین ، والتحری فی التخصیص والتعیین ، ورعایه المناسبه فی سوق الکلمات بین معانیها الملتئمات ثمّ إذا افتقر لفظ إلی شکله مثّله بلفظ آخر من شکله » (3).

ثمّ قال فی أواخر مقدمته :

« وإذا منّ الله بإتمامه وتطوّل ، سمیته « الطراز الأول » إذ کان أوّل

ص: 126


1- 1. مقدمه المؤلف : 4.
2- 2. انظر ص 5 من مقدمه المؤلف.
3- 3. انظر مقدمه المؤلف : 6 - 7.

مصنّف جمع هذا الجمع » (1).

وعلیه یتلخص منهج السیّد المصنف ب- :

1 - سعته وجمعه للّغات والاستعمالات مع ذکر النکت والملح.

2 - رعایه المناسبه فی سوق الکلمات ، فیبدأ بالفعل الثلاثی ثمّ الرباعی ثمّ باقی الصیغ واستعمالاتها وذکر ما یناسبها.

3 - تمثیل اللفظ بلفظ آخر تحرّیا للضبط.

4 - ذکر ما أجمع علیه أئمّه اللّغه دون نقد ، فإن اختلف فی شیء حقّق الصواب وأثبت بعد النقد والتمحیص والتمییز.

5 - التحرز عن التصحیف والتحریف.

6 - الحرص علی سلاسه العباره وسهولتها ، متقصیّا فی البیان والتبیین.

7 - ذکر الفصیح والثابت الصحیح.

8 - ذکر الآحاد والمتواتر.

9 - ذکر الشوارد والنوادر. ونحن قد وقفنا علی تفاصیل مهمّه لهذه المنهجیّه - من خلال تحقیقنا للکتاب - حیث عثرنا علی الخیوط الأساسیه ، والمیزات التفصیلیه التی امتاز بها هذا المعجم اللغوی العظیم سواء ضمن التی ذکرها المصنف انفا أو التی لم یذکرها فی مقدّمته ، حیث سنبیّنها بأمثلتها.

وکیف أنّ هذا المعجم اللغوی « الطراز » مضافا إلی بکاره منهجیته الخماسیه ، رفع کثیرا من مساوئ المعاجم المتقدّمه علیه ، فی دقه تحقیقاته اللغویه ، وفی کیفیه عرضه للماده ، وکثره تفریعاته واستدراکاته ، وترتیبه الموادّ وتنسیقها ، من حیث

ص: 127


1- 1. مقدمه المؤلف : 8.

الافعال ثلاثیه ورباعیه ومزیداتها ، ومن حیث حرکه عین الفعل فی ماضیه ومضارعه ، ومن حیث المصادر واستقصائها وارجاع کل مصدر إلی فعله دون خلط بینها ، ومن حیث تعمیمه القیاس فی القیاسیات مما لم یقیسوا علیه من قبله ولم یذکروه ، ووو ... وکثیر من تفاصیل میزاته التی شأبها باقی المعاجم اللغویه المتداوله. والان مع المیزات التفصیله فی تقسیمات المؤلف الخماسیه :

ص: 128

أ - ما ذکره من اللغات والاستعمالات مما لم تذکره المعاجم المتداوله ، سواء الحقیقه منها أم المجازیه ، فلا تکاد تمرّ بماده إلاّ وتجد فیها الجدید الذی ینوف علی ما فی المعاجم من حیث السعه والجمع.

* ففی ماده « ثمأ » قال : « ثمأ لحیته - کمنع - وثمّأها بالتشدید : خضبها ». ولم تذکر المعاجم المتداوله لغه التشدید.

* وفی ماده « حصأ » ، قال : « الحنصئ ، کزبرج : الضعیف من الرجال ، کالحنصأو کجردحل ، وبهاء ». ولم تذکر المعاجم الحنصئ کزبرج ، وإنّما اقتصروا علی

ص: 129

« الحنصأ » ، وفی نسخه من القاموس « الحنصاء ». فالحنصأو والحنصأوه أیضا مما لم یذکروه وذکره السیّد المدنی.

* وفی ماده « حضأ » قال : « الحضیّا ، بالضمّ : لهب النار ».

* وفی ماده « حظأ » قال : « الحظیئه ، کسفینه : الفرقه من الناس ». ولم نعثر علیهما فی المعاجم.

* وفی ماده « حلأ » قال : « المحلأه ، کمحبره : حدیده یحلأ بها الأدیم ، کالمحلؤه ، کمکرمه ». وهذه الثانیه - أعنی المحلوه - لم نجدها فی المعاجم.

* وفی ماده « دأدأ » ، قال : « دأدأ المکیال : دعدعه ». ولم تذکرها المعاجم فی ماده « دأدأ » ، ویظهر أنّها من الإبدال ، إذ أنّ من منهج السیّد المصنف رحمه الله أنّ یأخذ المبدل والمبدل منه ویضعها فی موضعها کما سیأتی ، فالدعدعه هی الملء ، قال طرفه :

نحن بنو أمّ البنین الأربعه

المطعمون الجفنه المدعدعه

أی المملوءه.

* وفی ماده « رثأ » قال : « المرثأ ، کمربع : ما یجیش به الصدر عند الغضب من الکلام لاختلاطه ». وهذا الاستعمال صحیح قطعا وفقا لمعنی المادّه ، ولکن لم نر من نقله من معاجم اللغه وغریب الأثر.

* وفی ماده « ردأ » قال : « ویقال للعدل : ردء وردءه ».

* وفی ماده « رطأ » قال : « الرّطاء والرّطاءه : الحمق ». واللغتان الثانیتان فی تذکرا فی المعاجم ، أعنی « ردءه » و « الرّطاءه ».

* وفی ماده « زنا » قال : « زنّأ علیه تزنئه : ضیّق ، والاسم المزنؤه ، کمکرمه ». واسم المصدر هذا لم نعثر علیه عند غیر السیّد المصنف رحمه الله .

ص: 130

* وقال فی ماده « فرأ » : « الفراء : إبل کانت لأبی قرط من بنی یربوع تدعی بهذا الاسم ». ولم نجدها.

* وقال فی ماده « فیأ » : « الفیئه ، کعیبه ، وتکسر : الحین ، وطائر یشبه العقاب إذا خاف البرد انحدر إلی الیمن ». ولغه الکسر انفرد السیّد المصنف من بین المعاجم بذکرها ، فالذی فی القاموس والتاج واللسان : الفیئه طائر کالعقاب ، والحین.

وفی التکمله (1) والعباب (2) : الفیئه : الحدأه التی تصطاد الفراریج من الدیار.

وفی حیاه الحیوان : الفینه : طائر یشبه العقاب إذا خاف البرد انحدر إلی الیمن ؛ قاله ابن سیده ، والفینات الساعات ، یقال : لقیته الفینه بعبد الفَیْنَه ، أی الحین بعد الحین ، وإن شئت حذفت الالف واللام فقلت : لقیته فینه ، فکأنّ هذا الطائر لمّا کان فی حین ینحدر إلی الیمن وفی حین آخر ینحدر عنها ، سمّی باسم الزمان » (3). وعلی کل حال فإنّ نقولاتهم خالیه عن لغه الکسر ، فی الحین وفی الطائر.

* وفی ماده « قأقأ » قال : « القئقئ ، کالغرقئ زنه ومعنی ... کالقیقئ - بالیاء بین القافین - والقیقاءه کحرباءه ».

والمذکور فی معاجم اللغه أنّ القیقاءه هی المشربه ، والأرض الغلیظه ، وقشره الطلعه کما فی اللسان والصحاح والتهذیب ، ولم یذکروا أنّ القیقاءه هی الغرقئ ، فذکرها السیّد المصنف رحمه الله (4).

ص: 131


1- 1. التکمله والذیل ، للصاغانی 1 : 41.
2- 2. العباب الزاخر 1 : 93.
3- 3. حیاه الحیوان 2 : 193.
4- 4. لکن هناک لغات أخری فات علی السیّد ذکرها مع أنّه یجمع اللغات فی مثل هذه المواطن. 1 : 305 فی ماده « حرب » ذکر القیقاءه.

* وفی ماده « قمأ » قال : « قمأه کدفعه زنه ومعنی ».

وهذا المعنی لم نره فی معاجم اللغه ، وإنما الموجود « قمأه : قمعه » وقال الزبیدی فی تاج العروس : ( قال شیخنا : صرح أهل الصرف والاشتقاق أنّ هذا لیس لغه أصلیه ، بل بعض العرب أبدلوا الهمزه عینا ). لکن السیّد علیّ خان کأنّه لا یرتضی الابدال ، وإلاّ لقال « قمأه کقمعه زنه ومعنی » ، ثمّ إنّ القمع غیر الدفع ، فیبقی السیّد المصنف ذاکرا ما لم یذکروه.

* وقال فی ماده « کدأ » : « أرض مکدؤه ، کمکرمه : یکثر فیها کدء الزرع ». ولم یذکروها.

وقال : « کدأ الرّجل ، کمنع : عدا وأحضر ». ولم یذکرها أحد من المعجمیین ، بل الموجود فی العباب والتکمله فی ماده « کدا » ، واللسان ماده « دأدأ » ، والقاموس « کدأ » : کودأ : إذا عدا.

* وفی ماده « کلأ » قال : « کلأ الله فی عمره : مدّ فیه وأخّره ». ولم نجد إلاّ قول الزمخشری فی الأساس : کلأ عمره طال وتأخّر.

* وفی ماده « کیأ » قال : « فلان کیء عن الفحشاء : متباعد عنها » (1). ولم تذکره المعاجم.

* وفی ماده « لمأ » ، قال : « لمأ الشیء ، وعلیه : أخذه برّمته ». والمذکور فی

ص: 132


1- لعلّه استفاده من قول أبی حزام العکلی : وإنی لکئء عن الموئبات إذا ما الرطیء انمأی مرثؤه فان الموئبات هی المخزیات کما فی ماده « وأب » من اللسان. فکأنّه فسّر البیت بالمتباعد عن الفحشاء ، فهو أعم من تفسیرهم الکیء بالجبان الضعیف الفؤاد.

المعاجم لمأ الشیء ، دون التعدیه ب- « علی ».

وانفرد فی هذه الماده بقوله : « لمأ علی الظبیه ، قنصها ، وفی نسخه قبضها ».

وفیها أیضا قال : « لمأ علی الشیء : استولی علیه سرّا وعلانیه ، کلمّأه تلمئه ». وقد ذکر السیّد المصنف لغه التضعیف ومصدرها « لمأه تلمئه » لکنّه أخل بعدم ذکره « لَمَأَه » بنفس المعنی ، حیث ذکروها ولم یذکرها.

وفی هذه الماده أیضا ، قال : « الملمؤه ، کمکرمه : موضع الشیء الذی یوجد فیه ویکون به ، وحجر یقع علیه الطائر ، والشبکه ، وقتره الصائد ؛ لأنّه یستتر فیها ».

ولم نعثر علی الملمؤه بمعنی الحجر الّذی یقع علیه الطائر ، وهو صحیح قطعا بقرینه معانی هذه الصیغه ، فجمع کل معانی الملمؤه ، وزاد علیها هذا المعنی الذی لم یذکروه.

* وفی ماده « ملأ » قال : « الملأ کسبب : المشاوره والاجتماع ... والأمل والجماعه وأشراف القوم ». ولم نر من ذکر الملأ بمعنی الأمل. نعم ، قالوا أنّ الملأ هو الطمع ، فلعله أراده.

* وفی ماده « نسأ » ذکر النّسأه کهجره ، مصدرا أو اسم مصدر من قولهم نسأت عنه الدّین ، أی أخّرته. ولم یذکرها غیره.

* وفی ماده « نصأ » قال : « نصأت الفرس علیهم : حملته. وما نصأک علی هذا الأمر : ما بعثک علیه ». ولم یذکروهما.

* وفی ماده « هتأ » ، قال : « مضی من اللیل هتء - کفلس ویکسر - ... وهیتئ ، کزبرج ... أی جانب ». والموجود فی القاموس هیتأ کدرهم ومثله فی اللسان ، ولم یذکروه کزبرج ، وهو موجود فی المنجد ، فهو یفوق ما قبله من المعاجم.

* وفی ماده « هجأ » قال : « هجأ الرّجل : أسکته ». انفرد بها.

ص: 133

وفیها ، قال : « والهجأه کرطبه : الضفدع الصغیر ، والاحمق ». ولم نجد من نصّ علی الهجأه بمعنی الضفدع الصغیر ، وإنما المنقول هو « الهجاه » بمعنی الضفدع الصغیر ، کما فی اللسان والقاموس ماده « هجو » والجمهره (1). وهی الهاجه أیضا کما فی الجمهره وعلی کل التقادیر فإنّ مما امتاز به الطراز هو ذکره للهجأه فی المهموز مع عدم وجودها فی المعاجم المتداوله التی علیها المدار فی اللغه.

* وفی ماده « هجأ » قال : « وهجأ هجأ ، کهدع هدع : زجر للاسد ». والمنقول فی کتب اللغه هو « هجا هجا » و « هجا هجا » وغیرهما کما فی التهذیب (2) واللسان ماده « هجج » ، ولم یذکروا هجأ هجأ مهموزا ، بل المصنف نفسه فی ماده « هجج » قال : هجا وهج - بالسکون ویکسر منوّنا - زجر للاسد والذئب وغیرهما. فما ذکره بالهمز هنا مما انفرد به رحمه الله ولم یذکروه فی معاجمهم.

* وفی ماده « هدأ » ، قال : « مهدؤه الطیر ، کمکرمه : موضعها التی تهدأ وتبیت فیه ». ولم یذکروها.

وفیها قال : « هدئ سنام البعیر والناقه : صغر لکثره الحمل ، فهو هدئ کحذر ، وهی بهاء ». وهاتان الصفتان للمذکر والمؤنث لم تذکرا فی المعاجم (3).

ص: 134


1- 1. انظر اللسان 15 : 353 والقاموس المحیط 4 : 40 والجمهره فی اللغه 2 : 1047.
2- 2. انظر التهذیب 5 : 344 ، اللسان 2 : 387.
3- 3. بل المسموع المنقول الموافق للقیاس هو ما فی اللسان والقاموس والتاج ، من قولهم : الهدآء من الإبل ، التی هدئ سنامها من الحمل. ونص عباره القاموس : « الهدآء ناقه هدئ سنامها من الجمل ». وهذا یقتضی أنّ مذکرها « أهدأ ». الشافیه 1 :143. 144 ). نعم قد یدخل فعل علی أفعل فی العیوب الظاهره نحو حدب وأحدب وقعس وأقعس ولکن ذلک یحتاج إلی السماع.

وقال أیضا فی هذه الماده : « ورجل أهدأ : شدید الثبات بالمکان لا یبرح ». ولم یذکروها.

* وفی ماده « هرأ » قال : « هرأ البرد الزرع : أیبسه ، والاسم المهرؤه ، کمکرمه ، یقال : شتاؤنا له مهرؤه ». ولم تذکر المعاجم المهرؤه وذکرها السیّد المصنف سعه واستقصاء فی اللغه.

* وفی ماده « هیأ » قال « هیّأ الله الأمر : یسّره وسهّله ». والعجب ، أنّ هذا الاستعمال رغم تداوله وانتشاره فی شتی المصنفات ، لم یذکر فی معاجم اللغه فی بابه ، وذکره السیّد المصنف.

* وفی ماده « ودأ » ، قال : « الودأ - کسبب - الهلاک ، الجمع أوداء ، کأسباب ». ولم یذکر أحد سواه هذا الجمع ، وهو قیاسی ، وقد وزن ب- سبب وأسباب ایذانا منه بذلک.

* وفی ماده « وضأ » ، قال : « استوضأت الشیء » استحسنته واستنظفته ». ولم نر من ذکر هذا ، مع انه صحیح قطعا استفعال من وضؤ.

وفی المجاز من ماده « وطأ » قال : « وطّأ نفسه علی الأمر : ذلّلها له لتحتمله ». وهذا أیضا شائع الاستعمال منتشر فی اللسان والکلام ، لکنهم لم یذکروه.

ومن المجاز أیضا قوله : « وطئ فراشه : زنی بامرأته ». وهذا ستعمال صحیح ، وعلاقه مجازیته بالحقیقه أوضح من أن تخفی ، ولم یذکروه ، ناهیک عن انه جاء فی الأثر النبوی « ولکم علیهن أن لا یوطئن فرشکم أحدا تکرهونه » فإنه ربّما فسّر بالزنا ،

ص: 135

وربّما فسّر بظاهر المنع من إدخال الأجنبی إلی البیت.

* وفی فصل الباء ، قال فی ماده « أرب » : « أرِب ماله : کثر. وقال : أخذه بإربه لا یعرفها ، وهی شیء یخدعه به » ولم یذکروا هذین الاستعمالین.

* وفی ماده « أنب » ، قال : « الانب کفلس : فاکهه معروفه منابت شجرها الهند والیمن ، وقد تبدل همزتها عینا ».

* وقال فی ماده « عنب » : « وکفلس : ثمره هندیه معرّب أنب ، واحدتها بهاء ».

* وفی ماده « بسب » قال : « الباسب ، کقالب : جوهر کالزمرّد فی لونه ومائه ، لا یمیّز بینهما إلاّ البصیر الناقد ومعدنهما واحد ». وهذا مأخوذ قطعا من کتب الجواهر والمعادن وغیرها ، ولم یذکروه.

* وفی فصل الصاد ، قال فی ماده « خوص » : « فی المجاز : ومن الکنایه : هذه أرض ما تمسک خوصتها الطائر ، أی رطبه الشجر إذا وقع علیه الطائر مال به عودها من رطوبته ونعمته ». وهذه لم یذکروها ، ولا ذکروا وجه هذه الکنایه اللطیفه.

* وفی ماده « فصص » قال : « فصّصت الخاتم تفصیصا : رکّبت فیه فصّه ».

والفصیص : شجر تنبت فی أصله الکمأه. وکلا هذین غیر موجودین فی معاجم اللغه المتداوله.

وخلاصه القول هنا ، هو أنّ السیّد المدنی ذکر کثیرا من الاستعمالات اللغویه والمفردات التی لم تذکر فی المعاجم المتداوله ، ذکرها آخذا لها من بطون الکتب ومطاوی الأسفار ، واضعا لها فی مواضعها من الفصول.

ص: 136

ب - استدراکه بعض الموادّ اللغویه کامله.

ونتیجه لسعه اطّلاع السیّد المصنف ، واستقصائه اللغات ، وحرصه علی لمّ شتات أکبر قدر من مفردات اللغه واستعمالاتها ، رأیناه یستدرک موادّ کامله علی اللغویین ، فیذکرها فی محالّها ، محاولا عدم الاخلال بشیء منها ، وإلیک بعض المواد الکامله التی ذکرها ولم تذکر فی المعاجم المتداوله.

* فقد ذکر ماده « برب » وقال : البربی ، کسکری : کلمه قبطیه ، اسم لبیت الحکمه ، الجمع برابی - کصحاری - وهی أبنیه عجیبه ببلاد مصر ، فیها تماثیل وصور مختلفه موجوده إلی الآن.

ولم تذکر هذه الماده ولا هذا المعنی فی المعاجم المتداوله ، وهی مذکوره فی رسم « برابی » من معجم البلدان (1) ، نعم ذکر هذه الماده ومعناها الزبیدی فی التکمله والذیل والصله (2) ، لکنّه متأخر عن السیّد المدنی.

* وذکر ماده « بعقب » قائلا :

« بعقوبا ، بالفتح : قریه کبیره علی عشره فراسخ من بغداد ، ینسب إلیها جماعه من أهل العلم.

وبعیقبه ، مصغّره : قریه بینها وبین بعقوبا فرسخان ، وهی التی أنعم بها المسترشد بالله علی الحیص بیص فلم یرضها ، وبها کانت الواقعه بین

ص: 137


1- 1. انظر ما سیأتی من أخذه من کتب التفسیر والحدیث والمثل والبلدان وغیرها.
2- 2. التکمله والذیل والصله ، للزبیدی 1 : 147.

البقس وبین المقتفی بالله.

وباعقوبا ، بزیاده الف بعد الباء الاولی : قریه بأعلی النهروان ، منها أبو هاشم الباعقوبی ».

وهذه البلدان لم تذکر فی ضمن ماده « بعقب » ، بل لم تذکر الماده کلها فی المعاجم ، مع ان هذه البلدان کلها معروفه مشهوره ، وفی معجم البلدان وغیره مذکوره ، أخذها السیّد المصنف ، وذکر أنّها من « بعقب » ، فاستدرک علیهم هذه الماده کامله.

* وذکر ماده « خشلب » وقال فیها : « المخشلب ، بفتح المیم والشین المعجمه بینهما الخاء ساکنه ، وفتح اللام : خرز کاللؤلؤ یتخذ منه قلائد للجواری ، إلیه ینسب محمد بن الأصبغ المخشلبی المحدّث ، ذکره ابن السمعانی فی الانساب ». ولم یذکروا هذه الماده فی معاجم اللغه ، وقد صرّح السیّد المصنف بمأخذه فیها ، وحکم بزیاده المیم فذکر ماده « خشلب » التی لم یذکرها غیره.

* وذکر ماده « أنج » فقال : « أنج ، کقفل : ناحیه بین الموصل وأرمینیه ». وهی فی معجم البلدان ، ولم یذکروها.

* وذکر ماده « بغرج » فقال : « بغراج ، بالضم : قوم من الترک ، بلادهم مسیره شهر ، لهم ملک عظیم الشأن یذکر أنّه علوی من ولد یحیی بن زید ، وعندهم مصحف مذهب علی ظهره أبیات فی مرثیه زید بن علی ، وهم یعبدون ذلک المصحف ، والنسابون علی انّ یحیی بن زید لا عقب له ». وهذه الماده وهذا المعنی لم یذکروه.

* وذکر ماده « برسج » فقال : « برسجان ، کزعفران ، ویقال برساجان : أحد قواعد بلاد الترک ». ولم یذکروها.

* وذکر ماده « بستیباج » فقال : « البستیباج : اسم رومی للحسک ، وهو نبات

ص: 138

معروف ». ولم یذکروه.

* وذکر ماده « قد عج » فقال : ( القدعاج ، کسرداب : الطویل ؛ عن ابن القطاع فی کتاب « الطوال » ). فقد استدرک علیهم ماده « قدعج » ومعنی القدعاج ، وذکر مصدره فی ذلک ، مشعرا بأنّ المعاجم لم تذکره.

* وذکر ماده « سغبر » فقال : « السّغبر ، کجعفر : نبات لا ساق له ولا زهر ولا ثمر یتداوی بعروقه ، وهو المسمی بالفارسیه سرخسا ». ولم یذکروا هذه الماده ولا هذا المعنی ، فاستدرکه علیهم.

* وذکر ماده « لمر » قائلا : « لامری ، بسکون المیم وکسر الراء : مدینه بجزیره جاوه فی بحر الهند ، ویقال لها : راملی ». ولم یذکروها ، ولعلّه استفادها من خلال سکناه فی الهند.

* وذکر ماده « بخرز » فقال : « باخرز ، بفتح الخاء المعجمه وسکون الراء : ناحیه بنیشابور ، منها علی بن الحسن الباخرزی صاحب دمیه القصر ، وجماعه من العلماء والفضلاء ». وهذه الماده مهمله فی المعاجم ، انفرد المصنف من بینهم بذکرها.

* وذکر ماده « سعفص » فقال : « سعفص ، کجعفر : اسم احد الملوک الثمانیه الذین یسمّی کل واحد منهم بکلمه من « أبی جاد » ، قال المنتصر بن المنذر المدنی :

ملوک بنی حطّی وسعفص فی الندی

و هوّز أرباب الثنیّه والحجر »

وهذه الماده وهذا المعنی غیر مذکور فی هذا الموضع من معاجم اللغه ، ولو أردنا استقصاء ما استدرکه علیهم من المواد اللغویه لطال المقام ، وفیما ذکرناه من النبذ ، کفایه وغنی للتدلیل علی سعه اطلاع السیّد المصنف ، ومبلغ استدراکه الموادّ اللغویه کامله علی معاجم اللغه ، وذلک بعد ان یتتبع المعانی ویرجعها إلی اشتقاقها ؛ من حروفها الاصلیه والمزیده ، فیکون عنده ماده کامله یستدرکها فی أبواب اللغه

ص: 139

وفصولها.

ج - ما ذکره من مفردات اللّغه واستعمالاتها التی لم یذکروها مستفیدا من القیاس اللغویّ فی مواطن اطّراده.

* فمن ذلک ما فی ماده « روأ » حیث قال : « رأی مروّأ ، کمعظّم : صادر عن رویّه ونظر ». لم نر من ذکره ، وهو صحیح اشتقاقا ؛ لأنّه اسم مفعول من قولهم روّأ فی الأمر تروئه ، نظر فیه وفکّر وتدبّر.

* وفی ماده « سطأ » قال : « سطأ المرأه - کمنع - نکحها ، فهو ساطئ » واسم الفاعل « ساطئ » قیاسی ولم یذکروه فذکره السیّد المدنی واستدرکه فی محله من الهمز.

* وفی ماده « صاء » قال : « صاء الفرخ یصیء صیئا ، أصله صأی یصأی صئیا ». فإنّ المصدر « صیئا » قیاسی ، ولم یذکروه ، فلم یفت السیّد المصنف ذکره توسّعا فی اللغه وإلماما باستعمالاتها.

* وفی ماده « فشأ » ، قال : « أفشأ علیهم ، استکبر فهو مفشئ ». فذکر اسم الفاعل ولم یذکره أحد سواه من أصحاب المعاجم ، مع أنّه قیاسی ، ووارد فی قول أبی حزام العکلی :

وندّک مفشئ ریّخت منه **نؤورا آض رئد نؤور عوط

* وفی ماده « فیأ » قال : « فاء الغنیمه : حازها ، کتفیّأها واستفاءها ». والذی فی المعاجم فاء الغنیمه واستفاءها ، دون تفیّأها ، مع أنّه تفعّل یفید معنی طلب رجوع الغنیمه إلی الغانم ، ویساوق الاستفعال فی « استفاءها » وقالوا فی مثله : تفیّأ الأخبار

ص: 140

واستفاءها تتبعها کأنّه یطلب رجوعها إلیه.

* فی ماده « فیأ » أیضا قوله : « ومن المجاز : تفیّأ واستفاء بفیئه ، کاستظلّ بظلّه ». والذی ذکرته المصادر « تفیأ بفیئه بمعنی استظل بظله » ولم یذکروا استفاء ، مع أن الاستفعال یساوق التفعّل فی هذا المورد ، فجاء بالاستفعال هنا کما جاء بالتفعّل فی سابقه حرصا علی لم شمل اللغه وجمع شتاتها واستعمالاتها القیاسیه التی لم یذکروها.

* وفی ماده « قرأ » قال : « القرّاء ، کعباس کثیر القراءه ، ومجیدها ». والذی ذکرته المعاجم هو المعنی الثانی حیث قالوا : « القرّاء حسن القراءه » فذکر السیّد المصنف معنی کثیر القراءه لأنّ صیغه فعّال موضوعه لمعنی المبالغه والتکثیر ، ولذلک وزنه ب- « عباس » إیذانا منه بأنّه مقاس.

* وفی ماده « قمأ » قال : « قمأت الماشیه : سمنت ، کأقمأت ، فهی قامئه ومقمئه ».

والذی فی کتب اللغه « قمأت الماشیه قموءا فهی قامئه » ، وزادت بعض المصادر کالقاموس : کأقمأت. فنسّق السیّد المصنف الفعلین وذکر مصدریهما ، وهما قیاسیان ، والثانی من المصدرین لم یذکروه کما علمت.

* وفی ماده « کدأ » قال : « أکدأت الأرض إذا لم تنبت ، ککدأت ، فهی مکدئه وکادئه ».

والذی ذکرته المعاجم « أرض کادئه بطیئه النبت » فذکروا اسم الفاعل من کدأت الأرض فقط ، مع أنّ ابن القطاع فی کتابه الافعال قال : « کدأت الأرض : أبطأ نباتها ، وکدأ کدأ وأکدأ کذلک » (1).

ص: 141


1- 1. الافعال لابن القطاع 3 : 101 - 102.

فذکر السیّد المصنف الفعلین « کدأ » و « أکدأ » واسم الفاعل منهما « کادئه ومکدئه » مع أن المعاجم خلت عن ذکر الفعلین الماضیین فی الأرض ، وذکروا اسم الفاعل « کادئه » فقط. وهو نقص کبیر عندهم ، تلافاه السیّد المصنف فی طرازه الأول.

* وفی ماده « کلأ » جاء السیّد علیّ خان المدنی بمصدر « کلّأ » المضعّف فی کثیر من موارد الماده « تکلئه » ، کما فی قوله مثلا : « کلأ فی أمره : تأمّل ونظر ، ککلّأ تکلئه ».

مع أنّ غالب المعاجم تذکر المصدر « تکلیئا » فقط ، معرضه عن المصدر تکلئه ، مع انه قیاسی هاهنا (1) ، فلذلک نری السیّد المصنف فی مثل هذا المورد إما أن یذکر کلا المصدرین « التفعیل والتفعله » أو یقتصر علی ذکر ما أغفلوه أو أهملوه وهو « التفعله » کما هنا فی « التکلئه ».

* وفی ماده « لبأ » قال : « ألبأت الشاه ولدها : أرضعته ، کلبّأته تلبئه ». والمصادر لم تذکر إلاّ لَبّأتُهُ تلبیئا.

وفی ماده « لطأ » قال : « ألطأه بالأرض : ألصقه بها ».

لم نر من ذکرها ، لکنها صحیحه باعتبار أن فعلها الثلاثی المجرد لازم وهو « لطأ » قالوا : لطأ بالأرض ولطئ ، أی لصق ، فتعدیته بهمزه النقل قیاسیه ، وکذلک لو قال : لطّأه بالأرض ، لکان صحیحا.

* وفی ماده « مرأ » قال : « مرؤ الطعام مراء ومراءه ».

والمصدر الأوّل لم نر من ذکره ، مع أنّه الغالب فی باب کرم. ففی شرح الشافیه

ص: 142


1- 1. انظر شرح الشافیه 1 : 163 - 164. وفی شرح ابن عقیل 3 :1. 129 قال : فما کان علی وزن فعّل وکان مهموزا فمصدره علی تفعیل وعلی تفعله ، نحو خطّأ تخطیئا وتخطئه ...

« وفعل نحو کرم علی کرامه غالبا » فعاله فی مصدر فعل أغلب من غیره ، وقیل : الأغلب فیه ثلاثه : فعال کجمال ، وفعاله ککرامه ، وفعل کحسن ، والباقی یحفظ حفظا » (1).

وفی الافعال للسرقسطی ، قال أبو عثمان : وقال أبو زید : مرؤ الشیء مراءه - علی مثلا کرم کرامه - إذا کان مریئا ، وهذا هو أقیس (2).

فاستفاد السیّد المصنف من القیاسی وذکر ما کان أقیس فجمع مصدری مرؤ ، ما نصوا علیه والآخر القیاسی.

* وفی ماده « نبأ » قال : « أنبأته بکذا : أخبرته به ، وأنبأته إیاه : أعلمته ، کنبّأته تنبیئا وتنبئه ».

ومصادر اللغه لم تذکر هذین المصدرین ، واقتصر فی العباب علی « نبّأته تنبئه » ، وهم وإن کانوا ربما یعرضون عن ذکر القیاسی اعتمادا علی أنّه معلوم للقاریء ، إلاّ أنّ السیّد المصنف لا یفوته غالبا أن یذکر مثل هذا وإن کان فی غایه الوضوح ، حرصا منه علی تطویر المنهج الاستدراکی النقدی ، فإن إغفال مثل هذا - ولا شک - نقص فی معاجم العربیه ، اراد السیّد المصنف - فوفق فی کثیر منه - رفعه وتقدیم اللغه حیه نابضه بکل مفرداتها واستعمالاتها المسموعه والمقیسه ، الفصحی والافصح.

* وفی ماده « نسأ » ، قال : « نسأک الله ، ونسأ فی أجلک ، وأنسأ فیه ونسّأ فیه تنسئه : أطال أجلک وأبقاک ».

ص: 143


1- 1. شرح الشافیه 1 : 163.
2- 2. الافعال للسرقطی 4 : 208.

ونسّأ فعّل وهو یفید التأکید ، ومصدره قیاسی کما عرفت ولم یذکروه.

* وفی ماده « وبأ » قال : « وبأت الشیء - کمنعته - عبأته ، کوبّأته توبئه ».

فالمصدر « توبئه » قیاسی ، ذکره السیّد المصنّف ولم یذکروه.

* وفی ماده « ودأ » قال : « ودّأت علیه الأرض : سوّیتها ، وواریته فیها ، کودّأتها علیه تودیئا وتودئه ، فتودّأت هی علیه تودّءا : وارته واستوت علیه ».

والمصادر اقتصرت علی ذکر « ودّأها علیه تودیئا » فذکر السیّد المصنف المصدر القیاسی الآخر « تودئه » جمعا لاطراف اللغه. کما أنّهم لم یذکروا مصدر « تودّأت علیه هی » ، وذکره السیّد المصنف « تودّءا » وهو قیاسی ، توسّعا فی اللغه وذکر مفرداتها.

* وفی ماده « وذأ » قال : وذأه - کمنعه - زجره ، وشتمه وعابه ، فهو واذء له ؛ قال أبو حزام العکلی :

ولست بواذئ الأحباء حوبا

واسم الفاعل هذا « واذئ » مع أنّه قیاسی ، ووراد فی شعر أبی حزام ، لم یذکروه فی « وذأ » ، نعم ذکروا هذا البیت - کما فی العباب والتاج - لابی حزام فی ماده « علط » لأنّ عجزه :

ولا تنداهم جشرا علوطی

فاسم الفاعل هذا مضافا إلی کونه قیاسیا ، نری السیّد المصنف یأتی به من ماده أخری ویضعه فی مکانه المناسب ، وهذه من ملامح منهجیته کما سیاتی بیانها حین یأخذ لغات مذکوره فی المقصور وفیها لغه فی الهمزه اللغویون یذکرونها فی المقصور فقط ، فیأتی السیّد المصنف بلغه همزها فی المهموز ، وکذلک فی المواد الأخری یأتی بمفرداتها فی اماکنها مع أنّ سائر المعاجم تذکرها فی غیر محلها

ص: 144

بمناسبه مفرده أخری یریدون بیانها فی ماده أخری.

* وفی ماده « وضأ » قال : « واضأه وضاء ومواضأه : فاخره بالوضاء ، فوضأه یضؤه ویوضؤه : غلبه فیها ».

والذی ذکرته المعاجم « واضأه فوضأه یضؤه : فاخره بالوضاءه » فامتاز السیّد المصنف علیها بذکره مصدری واضأ القیاسیّین وهما « وضاء » و « مواضأه » ، توسّعا فی اللغه وجمعا لمفرداتها.

وکذلک امتاز بذکره الفعلین المضارعین ل- « وضأه » وهما « یضؤه » و « یوضؤه » فإن المصادر اقتصرت علی ذکر الأول دون الثانی ، مع أنّ الأول من الشواذ ، والثانی هو القیاس ، لأنّ افعال المبالغه (1) کلّها کنصر ینصر ، فالقیاس إذن هو وضأه یوضؤه (2).

* وفی فصل الباء قال فی ماده « جعب » : « الجعبه : کنانه السهام ، الجمع جعاب وجعبت ».

والجمع الثانی قیاسی (3) ، ذکره المصنف ولم یذکروه.

* وفی فصل الباء من ماده « جرب » قال : « أجرب البعیر الأجرب الإبل : أعداها ».

ولم تذکر المصادر « أجرب » متعدیا ، مع أن تعدیته قیاسیّه ، ناهیک عن ورود هذا الاستعمال فی الأثر فی قولهم « أجرب بعیر فأجرب مائه بعیر » (4).

ص: 145


1- 1. کذا فی التاج. والصواب : المغالبه. انظر شرح الشافیه 1 : 70.
2- 2. انظر تاج العروس 1 : 491.
3- 3. انظر شرح الشافیه 2 : 109.
4- 4. مسند أبی داود الطیالسی : 315 ، ومسند احمد 1 : 269 و 328.
د - أخذه المعانی من کتب التفسیر والأثر والمثل والطب والحیوان وغیرها.

کان من منهج السیّد المصنّف فی إلمامه بمفردات لغه الضّاد واستعمالاتها ووجوه تصرّف کلماتها ، أخذه المعانی والمفردات التی لم تذکر فی معاجم اللغه من کتب شتّی ، ککتب التفسیر وشروح الحدیث وغریب الأثر ، وکتب الأمثال والطبّ والحیوان والبلدان وغیرها من الکتب ، واستدراک ما فات علی أرباب المعاجم ذکره.

علی أننا لا ننکر أن تکون تلک المستدرکات ربّما وجدت فی کتب لغویه أخری غیر المعاجم المتداوله ، لکننا بالتتبع والاستقصاء لم نجدها إلاّ فی مظانها التی سنذکرها ، وبالتالی فإنّ ما نصبو إلیه بالدرجه الأولی هو بیان امتیاز کتاب « الطراز الاول » علی باقی امهات المعاجم من حیث السعه اللغویه والشمولیه والاستقصاء فی الجمع وذکر أکبر قدر استطاعه مما لم یذکروه.

* ففی ماده « سوأ » قال : « ساءه سوءا - بالفتح - وسوءا وسواء وسواءه ، وسوائیه ، وسوایه ، وسوأی ، ومساءه ، ومسائیه ، ومسایه : فعل به ما یکره ، وغمّه ، فاستاء هو ، فهو مستاء ».

فها هنا عدّ السیّد المصنف السّوأی من مصادر « ساء » ، مع أنّ المعاجم اقتصرت علی التصریح بأنّها اسم مصدر لا مصدر.

وحین رجعنا إلی « الکتاب » من ماده « سوأ » وجدنا السیّد المصنف یشرح الآیه العاشره من سوره الروم وهی قوله تعالی ( ثُمَّ کانَ عاقِبَهَ الَّذِینَ أَساؤُا السُّوای ) بمعانی اسم المصدر. ثمّ قال : أو هی مصدر کالبشری وصف به العقوبه مبالغه ، وأیّد

ص: 146

کلامه بأنّ بعضهم کابن مسعود قرأ الآیه الکریمه ( ثُمَّ کانَ عاقِبَهَ الَّذِینَ أَساؤُا السُّوای ) .

وهذا التفصیل والکلام فی مصدریه السوأی « أو اسمیتها » ذکره أرباب التفاسیر دون معاجم اللغه :

ففی تفسیر الطبری قال : « وکان بعض اهل العربیه یقول : السوای فی هذا الموضع مصدر مثل البقوی ، وخالفه فی ذلک غیره ، وقال : هی اسم » (1).

وفی مجمع البیان قال : ویکون السوای علی هذا مصدرا لأساؤا ، لأنّ فعلی من أبنیه المصادر ، کالرّجعی والشوری والبشری ، ویدل علی أنّ السوأی والسوء بمنزله المصدر ما انشده أبو عمرو :

أنّی جزوا عامرا سوءا بفعلهم

أم کیف یجزوننی السّوأی من الحسن (2)

وفی تفسیر البیضاوی قال : « و السوای تأنیث الأسوأ ، کالحسنی ، أو مصدر کالبشری نعت به » (3).

فالسیّد المدنی أخذ السوای مصدرا ، وذکرها مع المصادر جمعا للّغات ، مستفیدا من کتب التفسیر.

* وفی ماده « لطأ » قال : « التطأ به : التصق ».

ولم تذکر معاجم اللغه هذا الافتعال من « لطأ » ، لکنه موجود فی الأثر ، ففی النهایه الأثیریه قال : « وفی حدیث نافع بن جبیر : إذا ذکر عبد مناف « فالطه » هو من

ص: 147


1- 1. تفسیر الطبری : 21 : 25.
2- 2. مجمع البیان : 4 : 396.
3- 3. تفسیر البیضاوی : 4 : 144.

لطئ بالأرض ، فحذف الهمزه ، ثمّ أتبعها هاء السّکت ، یرید إذا ذکر فالتصقوا بالأرض ولا تعدّوا أنفسکم ، وکونوا کالتراب. ویروی « فالتطئوا » ) (1).

* وفی مادّه « نشأ » قال : « النّشء ، کفلس : القرن ینشأ من بعد قرن مضی ، والمرتفع من السحاب ، واوّل ما یبدو منه ، کالناشئ ».

ولم یوجد فی ماده « نشأ » من معاجم اللغه « النشیء » بالمعنی الأوّل ، أی القرن ینشأ من بعد قرن مضی ، وقال فی « الأثر » من ماده « نشأ » قال : « نشء یکونون فی آخر الزمان » أی قرن وأصل زمان ینشؤون فیه.

وبعد التتبع وجدنا أنّ المصنف أخذ شرح هذا الأثر من کتب الغریب ووضعه فی محله من الماده ، ففی الفائق قوله « النّشء : القرن الذی ینشأ بعد قرن مضی ، وهو مصدر کالضّیف » (2).

فهذا نص العباره أخذه السیّد المصنف واستدرکه فی الماده اللغویه فسدّ خللا ونقصا من نواقص المعاجم اللغویه حیث اغفلت مثل هذه المفرده الوارده فی کلام سیّد الفصحاء رسول الله صلی الله علیه و آله .

وفی النهایه الأثیریه « رواه « نشأ » ثمّ قال : قال أبو موسی : والمحفوظ بسکون الشین ، کأنّه تسمیه بالمصدر » (3).

* وفی ماده « هدأ » قال : « هدأت الحبلی : صرخت ، وسمعت هدأتها : صوتها وصرختها ».

ومعاجم اللغه خالیه عن ذکر هذا الفعل واسم المصدر منه ، مع أنّهما موجودان

ص: 148


1- 1. النهایه ، لابن الاثیر 4 : 249 - 250.
2- 2. الفائق للزمخشری 1 : 323.
3- 3. النهایه ، لابن الاثیر 5 : 51 - 52.

فی الأثر فی حدیث استسقاء العباس بن عبد المطلب أیّام عمر ، وفیه قولهم : فنشأت طریره من سحاب ... ثمّ تلامّت واستتمّت ، ومشت فیها ریح ، ثمّ هدّت ودرّت.

قال الزمخشری فی الفائق « هدّت من الهدّه ، قال أبو زید : الهدّه - بتشدید الدال - صوت ما یقع من السماء ، والهدأه مهموزه صوت الحبلی. وروی [ الأثر ] « هدأت » علی تشبیه الرعد بصرخه الحبلی » (1).

فاقتنص السیّد المدنی هذا الفعل الثلاثی الصحیح المستعمل ووضعه فی موضعه ، أعنی ماده « هدأ » ثمّ ذکر اسم مصدره ، وهذا أیضا مما امتاز به علی سائر معاجم اللغه حیث لم تذکر هذا الفعل ولا اسم المصدر.

* وقال فی ماده « هیا » : « الهیئه - کشیبه وتکسر - الحاله الظاهره التی یکون علیها الشیء ... وتطلق علی المروءه ، وحسن السمت ، والطریقه المرضیه ، والجمال الظاهر ؛ یقال إنّه لذو هیئه ».

ثمّ عاد فی الأثر فقال :

« أقیلوا ذوی الهیئات عثراتهم » أی أصحاب المروءات ، وقیل : ذوی الوجوه بین الناس ، وقیل : اهل الصلاح ، وقیل : الذین لم تظهر منهم ریبه ، وقیل : الذین یلزمون هیئه واحده وسمتا واحدا ولا تختلف حالاتهم بالتنقل من هیئه إلی هیئه.

والّذی فی کتب اللغه والنهایه الأثیریه هو تفسیر هذا الأثر ب- « الذین یلزمون هیئه واحده وسمتا واحدا ... الخ » وأما باقی المعانی فإن السیّد المصنف استقاها من کتب

ص: 149


1- 1. الفائق للزمخشری 3 : 218.

الأثر والحدیث وشروحها.

ففی عون المعبود : « قال ابن مالک : الهیئه الحاله التی یکون علیها إنسان من الأخلاق المرضیه ، وفیه أیضا : وقال البیضاوی : المراد بذوی الهیئات أصحاب المروءات والخصال الحمیده ، وقیل ذوو الوجوه من الناس » (1).

وفی فیض القدیر قال : « هی المروءه والخصال الحمیده » (2).

وفیه أیضا (3) قال : « والله سبحانه یحب ان یری علی عبده الجمال الظاهر کما یحب أن یری علیه الجمال الباطن بالتقوی ، قال فی المواهب : الجمال فی اللباس والهیئه ... ».

فاقتنص السیّد المصنف جمیع معانی الهیئه ، وذکرها فی الأصل اللغوی للماده ، أعنی اللغه العامه من ماده « هیأ » ثمّ ذکر الأثر وشرحه بها ، فراعی توسّع اللغه ، وأحاط بمتفرعاتها أخذا من الأثر النبوی وشروحه المعتبره.

* وفی ماده « وضأ » قال : « واستوضأته الأمر : سألته کشفه وبیانه ». وهذا المعنی لم یذکروه فی المعاجم اللغویه المتداوله.

وعاد السیّد المصنف فی الأثر فقال : استیضاء الحق : استکشافه واستبانته. وهذا الأثر لم یذکر فی کتب الغریب بتاتا لا فی النهایه ولا فی الفائق ولا فی غریب ابن الجوزی ولا الهروی ولا غیرها.

وقد ذکر هذا الأثر فی أمهات کتب الحدیث النبوی فقد ذکر الحدیث فی شرح

ص: 150


1- 1. عون المعبود 12 : 26.
2- 2. فیض القدیر 2 : 74.
3- 3. فیض القدیر 2 : 297.

النووی علی صحیح مسلم (1) ، والدیباج علی صحیح مسلم (2). وفیه وجوه کثیره لروایته ، فقد روی کالمثبت « استیضاء الحق » ، وروی « استیفاء الحق » وروی « استضاء الحق » وروی « استقصاء الحق ». وذکروا معانی هذا الأثر علی کل الوجوه وعلی الروایه التی أثبتها السیّد المدنی یکون شرحها بما ذکره.

فالسیّد بهذا استدرک علی اللغویین ما کان علیهم ذکره ، کما استدرک علی أصحاب الغریب فی الأثر ما کان علیهم شرحه وفسره من الأثر.

* وفی ماده « أبب » أدخل کلمه الأبّیّه فیها وشرحها - مع أنّها لم تذکر فی معاجم اللغه - مصرّحا بأخذه عن الزمخشری ، قال :

« الأبّیّه ، کذرّیّه : الکبر ؛ قال جار الله : یجوز ان یکون « فعّیله » أو « فعّوله » من الأباب ، کالعبّیّه بمعناها من العباب ، والأظهر أن تکون فعّوله من الإباء ». وهذا الکلام فی فائق الزمخشری (3) ، جاء به السیّد المصنف مستدرکا هذه الماده ذاکرا ما لم یذکروه.

* وفی ماده « أهب » قال السیّد المدنی : « الإهاب ، ککتاب : الجلد قبل أن یدبغ أو مطلقا ، الجمع أهب - بضمتین علی القیاس ککتاب وکتب - وبفتحتین علی غیر قیاس کعماد وعمد ... وقد تلحق بالجمعین هاء فیقال : ثلاثه أهبه وأهبه ».

وهذان الجمعان الأخیران خلت منهما معاجم اللغه ، مقتصره علی ذکر الجمعین الأوّلین - القیاسی وغیر القیاسی - أو أحدهما ، مضیفه إلیهما عن ابن الأعرابی جمعا ثالثا هو « آهبه » بالمد وکسر الهاء.

ص: 151


1- 1. شرح النووی علی صحیح مسلم 3 : 29.
2- 2. الدیباج علی صحیح مسلم 1 : 238.
3- 3. الفائق للزمخشری 2 : 384.

ففی العین : الإهاب الجلد ، وجمعه أهب (1).

وفی التهذیب : الإهاب الجلد ، وجمعه أهب وأهب (2).

وفی الجمهره : الإهاب الجلد قبل أن یدبغ ، والجمع أهب (3).

وفی الصحاح : الإهاب الجلد ما لم یدبغ ، والجمع أهب علی غیر قیاس ... وقد قالوا : أهب بالضمّ ، وهو قیاس (4).

وفی المحیط : الإهاب الجلد ، والجمع أهبّ وآهبه (5).

وفی التکمله : الآهبه بالمد جمع إهاب ؛ عن ابن الأعرابی (6).

وفی المصباح المنیر : الإهاب الجلد ... والجمع أهب - بضمتین علی القیاس مثل کتاب وکتب - وبفتحتین علی غیر قیاس (7).

وفی القاموس : الإهاب ککتاب : الجلد أو ما لم یدبغ ، الجمع آهبه وأهب وأهب (8).

وفی اللسان : الإهاب الجلد من البقر والغنم والوحش ما لم یدبغ ، والجمع القلیل آهبه ... والکثیر أهب ، وأهب علی غیر قیاس (9).

ص: 152


1- 1. العین 4 : 99.
2- 2. التهذیب 6 : 465.
3- 3. الجمهره 2 : 1209.
4- 4. الصحاح 1 : 89.
5- 5. المحیط 4 : 80.
6- 6. تکمله الصاغانی 1 : 69.
7- 7. المصباح المنیر : 28.
8- 8. القاموس 1 : 39.
9- 9. اللسان 1 : 217.

هذه أقوالهم ونقولهم ، وکلها کما تری تدور فی مدار هذه الجموع الثلاثه التی ذکرناها ، غافله أو متغافله عن الجمعین الآخرین « أهبه » و « أهبه » مع أنّهما واردان فی الأثر ، ففی حدیث اعتزال النبیّ نساءه ودخول عمر إلی غرفته صلی الله علیه و آله ، قال : « فو الله ما رأیت فیها شیئا یردّ البصر إلاّ أهبه ثلاثه » (1).

وهذا الاثر - کما تراه - مرویّ فی أمهات مصادر الحدیث والاثر ، وقد غفلوا عن ذکر هذا الجمع منه « أهبه » ، ناهیک عن شروحه التی صرّح فیها بلغه ضم الهمزه والهاء.

ففی مقدمه فتح الباری : أهبه - بحرکات - جمع إهاب علی غیر قیاس ، وفی روایه الأصیلی « آهبه علیه » بکسر الهاء قبلها مدّه ، وهو وهم (2).

وفیه أیضا فی مکان آخر : أهبه بفتح الهمز والهاء ، ویجوز ضمّها (3).

وفی تحفه الاحوذی بضم الهمزه والهاء ، وبفتحهما ، جمع إهاب ؛ وهو الجلد (4) ...

فها هنا یتّضح اهتمام السیّد المصنف بکتب الحدیث والأثر وشروحها وأخذه اللغات منها ، مستدرکا علی اللغویین ما فاتهم ذکره من اللغات الصحیحه الفصیحه ،

ص: 153


1- 1. انظره فی صحیح البخاری 3 : 105 ، وسنن الترمذی 5 : 95 ، ومسند أحمد 1 : 34 ، وصحیح ابن حبان 9 : 495 ، ومسند أبی یعلی 1 : 194.
2- 2. مقدمه فتح الباری : 81.
3- 3. فتح الباری 5 : 88 ، وفیه ضمّها والصواب « ضمّهما ».
4- 4. تحفه الأحوذی 9 : 161.

الوارده فی لسان العرب ، وذلک ما لم یصنعه أحد من أرباب المعاجم قبله.

ویتأکد ما قلناه ، من أنّ السیّد المصنف یعدّ الاثر والحدیث الصحیح النقل من مصادر اللغه العربیه ، خلافا لمن لا یری ذلک ولا یعتمد إلاّ علی نقل أئمّه اللغه واربابها ، یتأکد ذلک أکثر فأکثر حین نراه یحکّم الأثر الصحیح الروایه حتّی علی قواعد النحو ، ولا یخشی أن یستدرک به علی النحاه ما فاتهم ، ففی ماده « وهب » قال :

« وأما « وهبته منه » فقیل : خطأ محض ؛ ولیس کذلک ، بل جاءت به أحادیث صحیحه ، فهو إما علی أنّ « من » بمعنی اللام وإن لم یذکره النحاه ، وکفی بالحدیث شاهداً.

أو علی أنّها زائده ، کقوله : مهرت منها حیه وتیسا ، أی مهرتها.

وأما تأویله بتضمین التمکین فلا یصح ؛ لدخول « من » علی الموهوب له دون الموهوب ، ومعنی التمکین یقتضی العکس ».

فهو یصرح بضرس قاطع بالاستدراک علی النحاه ، مستشهدا ومستدلا بهذا الأثر علی ما یذهب إلیه ، وبناء علی ذلک فهو یخطّئ من قال بخطأ مثل هذا الاستعمال الوارد فی الأحادیث الصحیحه.

وکما أفاد المصنف من التفاسیر وشروح غریب الأثر وشروح أمّهات مصادر الحدیث ، کذلک أفاد فی اللغه وتوسعتها وتکثیر استعمالاتها ومفرداتها من کتب الأمثال.

* ففی ماده « درأ » قال : « الدّرء کفلس : الشرّ ، وحجم الغده فی الإبل ، والعوج فی العصا ونحوها ».

ثمّ عاد فی المثل فقال : « لو کان درءا لم تئل » الدّرء الشرّ ، والوأل النجاه ، أی لو

ص: 154

کان الخطب کما قلت لم تنج ولکنه دون ما قلت.

والدّرء بمعنی الشر لم تذکره معاجم اللغه ، مع أنّه معنی صحیح تکلمت به العرب فی أمثالها ، ففی شرح هذا المثل من مجمع الأمثال قال : « الدّرء : الدفع ، وکل ما یحتاج إلی دفعه یسمّی درءا ، ومنه درء الأعادی ، أی شرّهم » (1).

فاستدرک السیّد المدنی هذا المعنی فی هذه المادّه من شرح المثل ، أخذا من الإمام اللغوی المیدانی ، ومن جهه اخری نری السیّد المصنف رغم إکباره للزمخشری فی أکثر من مجال ، نراه یعرض عن تفسیره هذا المثل فی المستقصی بان الدرء هو الخراج الذی یخرج فی الابط والحلق.

* وفی ماده « سلأ » قال : « السالئه : المرأه الصّناع تسلأ السمن ، وهنّ نساء سوالئ ».

وقال فی المثل : « أکذب من السالئه » أی المرأه التی تسلأ السمن ، لأنّها إذا سلأته کذبت مخافه العین ، وکذبها أنّها تقول : قد احترق ، قد ارتجن ، أی فسد ولم یصف.

والعجب أن کتب اللغه خلت عن اسم الفاعل هذا اعنی « السالئه » مع أنّه قیاسی ومع أنّها ذکرت قول الفرزدق :

کانوا کسالئه حمقاء إذ حقنت

سلاءها فی أدیم غیر مربوب

ذکروه شارحین السّلاء فی قوله « سلاءها » بأنّه اسم السمن المطبوخ ، معرضین عن ذکر السالئه.

ص: 155


1- 1. الأمثال للمیدانی 2 : 181.

هذا مع أنّ المثل موجود فی کتب المثل ، وقد ذکره العسکری فی جمهرته (1) والزمخشری فی مستقصاه (2) والمیدانی فی مجمع الأمثال (3).

فهذه الکلمه مقیسه من « سلأ » ووارده فی شعر الفرزدق وفی امثال العرب ، ولم تذکرها المعاجم ولم تشرحها ، فأخذها السیّد المصنف وبیّنها احسن البیان ، ثمّ ذکر جمعها « سوالئ » وهو قیاسی (4) ، فأثری معجمه الطراز ومن ثمّ معاجم اللغه بثراء اللغه العربیه وسعتها.

* ومضافا إلی ما تقدّم فقد اخذ السیّد المدنی کثیرا من الکنی والمعانی من کتاب المرصّع لابن الاثیر ، ووضعها فی محالّها وأماکنها.

* ففی ماده « جدب » قال : « وأمّ جندب : کنیه ذکر الجراده ، والداهیه والتخلیط والهلکه والجور والغشم والظلم والانظلام والشده والقحط ، والأرض ذات الرمل ؛ لأنّ الجراد یربّی بیضه فیها ».

ولم تذکر معاجم اللغه کونها کنیه لذکر الجراده کما لم تذکر معانی الهلکه والجور والشده والقحط والتخلیط ، واقتصروا علی أنّها من اسماء الاساءه.

وقد أخذها جمیعا عن المرصع : قال : أمّ جندب هی الداهیه ، وقیل التخلیط والهلکه ، ویقال وقع القوم فی أمّ جندب إذا ظلموا وإذا ظلموا ... وهی کنیه الجور والظلم مطلقا. وکنیه الجراد ، وقیل الغشم أیضاً (5).

ص: 156


1- 1. جمهره العسکری 2 : 731.
2- 2. المستقصی 1 : 291.
3- 3. مجمع الأمثال 2 : 167.
4- 4. فان فواعل هو جمع قیاسی لفاعله. انظر شرح النظام علی الشافیه : 143.
5- 5. المرصع : 124 - 125.

هذا ، وقد ذکرت بعض هذه المعانی فی المثل ، ففی مجمع الأمثال قال فی شرح المثل « وقعوا فی ام جندب » قال : کأنّه اسم من اسماء الاساءه .. » (1) ثمّ ذکر معنی الظلم ، والشدّه والقحط.

وفی جمهره الأمثال : فی اثناء المثل « قولهم ابن الإیّام وما یجری فی بابه » قال : وأمّ جندب : الغشم والظلم ... وأم جندب أیضا من أسماء الداهیه » (2).

فهنا توسّع السیّد المصنف وذکر جمیع المعانی المطروحه فی أم جندب دون ذکر بعضها والاخلال بالبعض الآخر ، مع أنّها معان صحیحه نص علیها أئمّه اللغه وفحولهم ، فالعدول عنها وعدم ذکرها یعدّ نقصا فی المعاجم العربیه ، حاول السیّد المصنف سدّه فوفق فی ذلک.

* وفی ماده « جخدب » قال : « والجخدب - کقطرب - ویفتح ثالثه : ... أو الضخم من الجراد والخنافس ، کالجخادب والجخادبه وأبی جخادب وأمّ جخادب والجخادباء وأبی جخادباء وأمّ جخادباء - بالمد والقصر فیها - وأبی جخادبی ، بفتح الدال والقصر وضمّ أول الجمیع ».

وقد انفرد السیّد المصنف عن المعاجم بذکر أمّ جخادباء وأمّ جخادب ، وقد أخذها من المرصع حیث قال : « أمّ جخادب ، ویقال أمّ جخادباء هی الحرباء ، وقیل الجراد الأخضر ، وقد ذکرناه فی الآباء » (3).

وکان قد قال فی : 118 « أبو جخادب ... هو الحرباء ، وقیل الجراد الأخضر الطویل الرجلین وغیر ذلک ... ویقال له أیضا : أبو جخادباء وأبو جخادبی ، بفتح

ص: 157


1- 1. مجمع الأمثال 2 : 360.
2- 2. جمهره الأمثال 1 : 47.
3- 3. المرصع : 122.

الدال والقصر والإماله ».

فاخذ السیّد المدنی اللغات من هذین الموضعین ، وأضاف إلیها باقی ما ورد عن العرب من لغات فی الجراده هنا ، واحسن سردها وتنسیقها ، کما سیأتی بیان ذلک عند بیان حسن جمعه ، إلا ان المهم هنا هو أخذه من کتاب المرصع واستدراکه بعض اللغات وتفوقه علی سائر المعاجم اللغویه المتداوله.

* وفی ماده « حبب » قال : أبو حباب : الماء (1).

وهذه الکنیه للماء لم تذکر فی معاجم اللغه ، مع أنّها واضحه ، لأن الحباب هو الموج ، والماء ذو امواج ، وهی موجوده فی المرصع : حیث قال : أبو حباب هو الماء (2).

* وفی ماده « حفص » قال السیّد المصنف : « وأمّ حفص : الطفشیل ، وأمّ حفصه : الدجاجه والبطّه والرخمه ».

وما ذکره السیّد المصنف لم تذکر منه معاجم اللغه « أم حفص الطفشیل » ولا ذکرت أم حفصه بمعنی البطه ، فذکرهما السیّد أخذا من المرصع بالنصّ (3).

ومضافا إلی اخذه رحمه الله من کتب التفسیر والاثر والمثل والمرصّع والبلدان رأیناه رحمه الله یأخذ من کتب الأدویه المفرده ، خصوصا کتاب تذکره أولی الالباب والجامع للعجب العجاب للانطاکی ، حیث استدرک علی اللغویین ما یختص بموضع هذا الکتاب من الأدویه وذکر بعض الأدواء.

ص: 158


1- 1. المرصع : 118.
2- 2. المرصع : 136.
3- 3. انظر المرصع : 141.

* ففی ماده « وبأ » قال : « الوبأ - کسبب ، ویمدّ - : تعفّن یعرض للهواء فیوجب تعفّن الأخلاط ، ففساد المزاج ، فالمرض العامّ ، فالموت الذریع ، ویطلق علی نفس المرض ، وهو من مبادئ الطاعون ولیس به ، بل الطاعون خراج یحدث فی زمنه غالبا ».

وهذه التفرقه تفرقه علمیه دقیقه ظریفه ، لم یذکرها - بل لم یشر إلیها - أحد من أرباب معاجم اللغه ، وقد ذکرها السیّد المصنف حرصا علی إیضاح المفرده اللغویه بالدقه الدقیقه ، فلذلک فرق بین الوباء والطاعون.

وهذه التفرقه أخذها رحمه الله من تذکره الانطاکی ، إذ قال : « وباء : هو فی الحقیقه تغیر یعرض للهواء یخرج به من تعدیل الصحه إلی ایجاب المرض ، ثمّ نقل عرفا إلی الطاعون ... والوباء اعظم ، لأنّه قد یتکون الدم الفاسد به فی أماکن مخصوصه وذلک هو الطاعون ، وقد لا یتکون منه ذلک بل یوجب مطلق فساد المزاج ثمّ المرض ... » (1).

وقال الانطاکی فی تذکرته بعد صفحات « طاعون ... کل ورم یظهر للحس ، ثمّ خصص بالحارّ القتال السریع التعفن الکائن فی نحو المرافق والمغابن ، ویطلق علی الوباء للتلازم الحاصل بینهما غالبا ... وهو فی الحقیقه بثر کالباقلاء ... » (2).

* وفی ماده « ترب » قال : « وتراب القیء : صمغ الخرشف ، وتراب الهالک : سم الفار ، وتراب الفار : الزرنیخ ».

وکتب اللغه لم تذکر هذه الأنواع الثلاثه من الاتربه ، وقد أخذها السیّد المصنف من کتب الأدویه المفرده والمرکبه وکتب الطب ، وخصوصا عن کتاب التذکره

ص: 159


1- 1. تذکره أولی الالباب 2 : 113.
2- 2. تذکره اولی الالباب 2 : 150.

للانطاکی.

ففی التذکره 1 : 92 قال : وتراب القیء صمغ الخرشف ، وتراب الفار هو الرهج.

وفی ج 1 : 217 فی رسم « شک » قال : شک بضم المعجمه ویسمی الهالک وسمّ الفار والرهج.

وفی ص : 198 : الرهج المعروف بسمّ الفار.

* وقد صرح المصنف فی ماده « یرج » بأخذه عن التذکره للانطاکی ، فقال : « والإیارج ، بکسر الهمزه وتفتح ، وفتح الراء : لفظ یونانی معناه المسهل ، وهو دواء مرکّب مسهل معرّب أیاره ، الجمع أیارجات ، وقیل معناه الدواء الالهی.

وقال البصیر [ أی الانطاکی ] فی التذکره : وعندهم کل مسهل یسمّی الدواء الالهی ، لان غوصه فی العروق وتنقیته الخلط واخراجه علی الوجه الحکمی حکمه الهیه أودعها المبدع الفرد فی أفراده ، وألهم ترکیبها الأفراد من أخصائه ».

* وفی ماده « جوز » قال : « وجوز الهند : النارجیل ... وجوز القطا نبت کالرّجله ینبت بمناقع المیاه تأکله القطا ».

وهاتان المفردتان لم تذکرهما الکتب اللغویه المتقدمه علی الطراز ، نعم ، ذکر الزبیدی فی التاج جوز الهند ، ولکنّه متأخّر عن السیّد المصنف ، ویبقی « جوز القطا » لم یذکره أحد.

وقد أخذه عن کتاب التذکره للانطاکی بالنص.

* وفی ماده « زیز » قال : « وبصل الزّیز ، بالکسر : نوع من البصل لا طاقات له ، وهو البلیوس بالیونانیه » (1).

ص: 160


1- 1. التذکره للانطاکی 1 : 112.

وهذا المعنی لم یذکر فی معاجم اللغه ، أخذه السیّد المصنف من کتب الطب والاعشاب ، فان السیّد المصنف أخذه بالنص من کتاب الأدویه للغافقی (1).

هذا ، إلی مواد أخری انفرد بها أخذها من کتب متفرقه ، کما فی ماده « بسب » حیث قال : الباسب ، کقالب : جوهر کالزمرد فی لونه ومائه ، لا یمیّز بینهما إلاّ البصیر الناقد ومعدنهما واحد.

ولم نجده فی کتب اللغه ، وکأنه أخذه من کتب المعادن والجواهر.

وفی هذا المجال لم یفت السیّد المصنف أن یستفید من وجوده فی الهند ورحلاته ، فذکر بعض البلدان التی رآها ولم تذکر فی معاجم البلدان ولا کتب اللغه ، ففی ماده « لمر » مثلا قال : لامری - بسکون المیم وکسر الراء - مدینه بجزیره جاوه فی بحر الهند ، ویقال لها : راملی. وهذه المدینه لم تذکر فی کتب البلدان ولا کتب اللغه ، ویظهر أنّها من مشاهداته رحمه الله ، فإنّ دأبه فی الطراز أن یذکر کثیرا من البلدان الهندیه والتی لم یذکروها.

ومهما یکن من أمر ، فإنّ مما أمتاز به الطراز ، هو استدراکه علی اللغویین کثیرا من المواد والمعانی من کتب ومصادر معتبره ، أخلوا بالأخذ عنها ، فتدارک هو رحمه الله هذا الخلل واستفاد من کتب التفسیر وغریب الأثر والحدیث والمثل والادویه والطب والاعشاب والمرصّع وما شابهها فأغنی جانبا عظیما من معاجم اللغه وزادها سعه واستیعابا وثراً.

ص: 161


1- 1. انظر المصطلح الاعجمی 2 : 216 ، وتذکره الأنطاکی 1 : 77 و 84.
ه- - اعتناؤه بالمهموز والمقصور ، والمخفف من المهموز

لقد کان من منهجیه السیّد المصنّف أن یأخذ ما ذکروه من المهموز فی المعتل أو فی مکان آخر ، ویضعه فی مکانه من الهمز ، فاستدرک فی کتاب الهمز علی باقی معاجم اللغه کثیرا مما لم یذکروه ، وبما أنّ کتاب الطراز خال من المعتل - لأنّ المصنف رحمه الله التحق بربه قبل إتمامه - رأینا أن نذکر ، ما وسعنا جمعه المقصورات التی ذکرها فی المهموز ، وکذلک ما خفّف من المهموز ، ثمّ نذکر بعد ذلک ما انفرد عن معاجم اللغه بذکره من المهموز.

* ففی ماده « ألأ » ، قال : « الألاء ، کسحاب ویقصر : شجر مرّ الطعم حسن المنظر ؛ لأنّه دائم الخضره ، واحدته بهاء ، وهمزته أصلیه عند سیبویه ... وذکره الجمهور فی المعتل ... ونص صاحب جامع اللغه علی أنّه واویّ ویائی ، وقالوا : سقاء مألوء ومألوّ ومألیّ - بالهمز والواو والیاء - إذا کان مدبوغا به ».

* وفی ماده « بهأ » ، قال : « أبهأ البیت إبهاء : أخلاه ، لغه فی أبهاه ».

* وفی ماده « تنأ » قال : « تنأ علی کذا : إذا استمر علیه لازما لا یفارقه ، وتنأتنوءا أیضا : أثری وکثر ماله ، وربّما خففوا فترکوا الهمز فی الکل ، فقالوا : تنا فهو تان ، کقوله :

شیخا یظل الحجج الثمانیا

ضیفا ولا تلقاه إلاّ تانیا

ومنه التنایه بمعنی الفلاحه والزراعه وعماره الأرض ، وأصلها الهمز ».

* وفی ماده « جلظأ » قال : « اجلَنظَأَ ، بالظاء المعجمه : استلقی علی قفاه ورفع رجلیه ، لغه فی اجلنظی ».

ص: 162

* وفی ماده « جمأ » قال : الجماء ، کسحاب ویقصر : الشخص ، قال :

وقرصه مثل جماء التّرس

* وفی ماده « حبطأ » قال : « الحبنطأ کغضنفر ، والمحبنطئ کمحرنجم ، ویترک الهمز فیهما (1) : القصیر البطین ».

* وفی الأثر من ماده « حطأ » قال : « فحطأنی حطأه » دفعنی بکفه ، أو ضربنی بها بین کتفی ، ویروی بلا همز من الحطو وهو تحریک الشیء مزعزعا له ».

* وفی ماده « خبأ » قال : « والخابیه : الجرّه ؛ ترکوا همزتها تخفیفا ، وقد تهمز علی الأصل ».

* وفی ماده « خنأ » قال : « خنأت الجذع ، کمنعته : لغه فی خنیته ، أی قطعته ».

* وفی ماده « دفأ » قال : « والدّفأ ، کسبب : لغه فی الدفا مقصور ».

* وفی ماده « ردأ » قال : « أردأ علی الخمسین : زاد ، لغه فی أردی ».

* وفی الأثر من ماده « رزأ » قال : « المؤمن مرزّا ، کمعظم بترک الهمز تخفیفا : مصاب بالارزاء فیما یحب ... ».

* وفی المثل من ماده « رطأ » قال : « من رطاته لا یعرف قطاته من لطاته : أی من حمقه ، وترک الهمز للمزاوجه ».

* وفی ماده « رقأ » قال : « رقأ السّلّم : صعده ، لغه فی رقی ».

* وفی ماده « رمأ » قال : « رمأ علی العشر ، زاد ، کأرمأ ، لغه فی المعتلّ ».

* وفی ماده « رنأ » قال : « رنأ إلیه ، کمنع : نظر ، لغه فی المعتل ».

ص: 163


1- 1. انظر ماده « حبطأ » وکیف أن المذکورتین مهموزتان ومقصورتان. وقد رووا الحدیث النبوی « إن السقط لیجیء محبنطئا » بالهمز وبدونه ، وزاد فی کتاب الغریبین « محبنطا ».

* وفی « ضبأ » قال : « والضابئ : الرماد ، لغه فی المعتل ».

* وفی ماده « ضهأ » قال : « ضاهأت زیدا مضاهأه : شابهته ، لغه فی ضاهیته ».

* وفی ماده « طثأ » قال : « طثأ ، کمنع : لعب بالقله ، لغه فی المعتل ».

* وفی ماده « طنأ » قال : « وهذه حیه لا تطنئ : لا تنجی من الهلاک من لسعته بل تقتله من ساعتها ، تهمز ولا تهمز ، وأصله الهمز ».

* وفی ماده « فجأ » قال : « فجئت الناقه فجأ ، کتعبت تعبا : عظم بطنها ؛ لغه فی فجیت کرضیت ».

* وفی ماده « فرأ » قال : « الفرأ ، کرشأ وفضاء حمار الوحش ، وتبدل همزته ألفا ، فیقال : فری ، کثری ».

وفیها أیضا ، قال : « وأمر فریء : عظیم ، لغه فی المعتل ».

* وفی ماده « فسأ » قال : « تفاسأ : تقاعس ، أو أخرج عجزه ، کتفاسی ، یهمز ولا یهمز ».

* وفی ماده « قما » قال : « وما قامأنی : ما وافقنی ، لغه فی المعتل ».

* وفی « لبأ » قال : « ولبّأت بالحجّ : لبّیت ، همزوا ما لیس بمهموز ».

* وفی ماده « متأ » قال : « متأت الحبل ، کمنعته : لغه فی متوته ، إذا مددته ».

* وفی الأثر من ماده « نتأ » قال : « ناتئ الجبین : أی مرتفعه ، یروی بلا همز تخفیفا ، وأصله الهمز ، فهذا موضع ذکره لا المعتل کما توهّم ».

* وفی ماده « نصأ » قال : « نصأت الرجل : أخذت بناصیته ؛ لغه فی نصوته ».

* وفی ماده « هجأ » قال : « تهجّأت الحرف ، لغه فی تهجّیته ».

* وفی ماده « هدأ » قال : « هدأ هدء فلان : سار بسیرته ، لغه فی هدی هدیه ».

هذا جلّ - أو کلّ - ما ذکره السیّد المصنّف من المعتل أو المخفف فی فصل

ص: 164

المهموز ، وهناک موادّ لغویه کامله ذکرها السیّد ولم یذکروها کماده « حذأ » حیث ذکرها السیّد المصنف وذکر اسعمالاتها ومفرداتها ولم یفردها أحد بالذکر ، کما أنّ هناک مفردات مهموزه ذکروها فی المعتل أو فی فصول أخری ولم یذکروها فی أماکنها من المهموز ، استدرکها السیّد المصنف وجعلها فی أماکنها. فالسیّد المصنف ذکر ماده « حذأ » فقال :

* « حذأه حذءا ، کمنع : قطعه. وحذئت الشاه حذأ ، کتعبت : لغه فی حدئت ، بالدال المهمله ».

وهذه الماده لم یذکروها رأسا ، ولا ذکروا فیها ما ذکره السیّد المنصف من المعنیین المذکورین.

فأمّا المعنی الأوّل فقد أخذه من المقصور « حذا » ، حیث قالوا : حذا النعل حذوا وحذاء : قدّرها وقطعها.

وأمّا المعنی الثانی فهو مأخوذ من ماده « حدأ » بالدال المهمله ، حیث قالوا : حذئت الشاه حذأ ، کتعبت : لغه فی حدئت بالدال المهمله.

فها هنا أخذ السیّد المصنف ما أوردوه فی غیر مظانه وجعله فی مکانه ، فاستدرک علیهم ما أخلوا بذکره.

* وفی ماده « دربأ » قال : « دربأت الشیء فتدربأ : دهدهته فتدهده .. وفلانا : ألقیته ، کدربیته ؛ بإبدال الهمزه یاء ، کما قالوا فی دهدهته دهدیته ».

وهذه الماده « دربأ » لم یذکروا فیها سوی قولهم تدربأ الشیء تدهدأ. حیث ذکر ذلک الصاغانی فی التکمله (1) والفیروزآبادی فی القاموس (2) وابن فارس فی

ص: 165


1- 1. التکمله والذیل والصله للصاغانی 1 : 20.
2- 2. القاموس المحیط 1 : 15.

المقاییس (1) والمجمل (2) وغیرهم.

وأمّا دربأت فلانا بمعنی ألقیته ، فإن السیّد المصنف صرّح بأنّه رباعی مهموز ، وبأنّ قولهم « در بیت فلانا » من باب إبدال الهمزه یاء.

والذی فی المعاجم أنّه غیر مهموز ، وهو إمّا من « درب » أو من « دربی ».

ففی لسان العرب ماده « درب » قال : ابن الأعرابی : دربی فلان فلانا یدربیه إذا ألقاه ، وأنشد :

اعلوّطا عمرا لیشبیاه

فی کل سوء ویدربیاه

یشبیاه ویدربیاه أی یلقیانه ، وذکرها الازهری فی الثلاثی هنا وفی الرباعی فی « دربی ».

والذی فی تهذیب الازهری : دربی فلان فلانا یدربیه ، إذا ألقاه (3).

وفی الرباعی « دربی » قال : ثعلب عن ابن الاعرابی : دربی فلان فلانا یدربیه إذا ألقاه (4).

وذکرها الصاغانی فی التکمله والعباب والصاحب فی المحیط فی « درب ».

وفی ماده « درب » من التاج قال : دربی فلانا یدربیه درباء.

وفی المحیط والدرباه الدفع (5).

ص: 166


1- 1. معجم مقاییس اللغه 2 : 274.
2- 2. مجمل اللغه 2 : 267.
3- 3. تهذیب اللغه للازهری 14 : 104 ( درب ).
4- 4. تهذیب اللغه للازهری 14 : 247.
5- 5. محیط اللغه 9 : 295.

وعلق محقق التاج فقال : فی الأصل « درباه » وانظر ماده « سلقی سلقاء ». وقال الزبیدی فی ماده « سلق » : سلق فلانا إذا طعنه ودفعه وصدمه ، کسلقاه یسلقیه سلقاء یزیدون فیه الیاء ، کما قالوا فی جعبیته جعباء من جعبته أی صرعته.

وبناء علی هذا وضعوها فی « درب » ، ولکن المصنّف یری أنّ الهمز أصلیه وأنّ الفعل رباعیّ تماما کما فی « تدربأ الشیء » بمعنی تدهدی ، ومعناهما قریب جدّا.

* وفی ماده « حظأ » قال السیّد المصنف : « حنظأ الرجل : بذأ وأفحش فی الکلام ».

وهذه الماده أعنی « حنظأ الرجل » لم یذکرها أحد من أرباب المعاجم ومصنفی اللغه فی ماده « حظأ » وانما ذکروها فی « حنظ » و « حظو ».

ففی « حنظ » من لسان العرب ، قال : حنظی به أی ندّد به وأسمعه المکروه ، والألف للالحاق بدحرج ... قال الازهری : حنظی وحنذی وعنظی ملحقات بالرباعی ، وأصلها ثلاثی ، والنون فیها زائده ، کأنّ الأصل فیها معتل. وانظر کلام الازهری فی التهذیب 4 : 458.

وفی ماده « حظو » من اللسان ، قال : یقال حنظی به ، لغه فی عنظی به إذا ندّد به وأسمعه المکروه.

وفی ماده « حنظ » من الصحاح قال : حنظی به ، أی ندّد به واسمعه المکروه ، والالف للالحاق بدحرج.

وفی ماده « حظا » منه ، قال : قال ابن السکیت : حنظی به ، لغه فی قولک عنظی به ، إذا ندّد به واسمعه المکروه.

وفی ماده « حنظ » من التاج استدرکه علی الفیروزآبادی ، فقال : حنظی به ، أی ندّد به وأسمعه المکروه ، والألف للإلحاق بدحرج کما فی الصحاح والمصنف [ أی الفیروزآبادی ] ذکره فی « خ ن ظ » کما سیأتی قریبا.

ص: 167

وفی ماده « خنظ » من القاموس قال : وخنظی به سمّع وندّد وسخر وأغری وأفسد.

وخلاصه الکلام ، هو أنّ من ذکروه ذکروه فی « حنظ » لأنّ الألف للالحاق ، أو فی « حظو » وان النون زائده ، لکن السیّد المصنف یری زیاده النون وأصاله الهمز ، فلذلک جعلها فی « حظأ » وبالتالی فقد ذکر ما یراه مهموزا فی موضعه من الهمز ، مخالفا من اللغویین کما رأیت وهو یدل علی طول باعه وسعه اطلاعه ، وأنّه صاحب رأی ونظر فی اللغه.

* وفی ماده « حمأ » قال رحمه الله : « احمومأ السحاب : اشتدّ سواده. ورأس الرجل : حلک شعره. والمحمومئ : الشدید الخضره فی سواد ».

وهذه المفردات المهموزه ومعانیها ، لا توجد فی ماده « حمأ » من أمهات المعاجم اللغویه التی علیها المدار ، مع أنّ الهمز فیها صحیح اصیل ، وقد تکلمت به العرب.

ففی التهذیب قال : « اللیث : احمومی الشیء فهو محموم » ، یوصف به الأسود من نحو اللیل والسحاب ، وقال الاصمعی : المحمومی من السحاب الاسود المتراکم » (1).

وفی لسان العرب « حمی » قال : واحمومی الشیء اسود کاللیل والسحاب ، قال :

تألق واحمومی وخیّم بالربی

أحمّ الذّری ذو هیدب متراکب

... اللیث : احمومی الشیء فهو محموم ، یوصف به الاسود من نحو

ص: 168


1- 1. تهذیب اللغه 5 : 276 ماده ( حمی ).

اللیل والسحاب. والمحمومی من السحاب : المتراکم الأسود.

وفی ماده « حمی » من القاموس : واحمومی الشیء : أسودّ کاللیل والسحاب.

هذا مع أنّهم نصوا علی أنّ الهمز لغه عند العرب فی ذلک ، ففی العین 3 : 314 : واحمومی الشیء فهو محموم : واحمومی اللیل السحاب : وذلک من السواد ، ومنهم من یهمز.

وفی کتاب الافعال للسرقسطی فی المعتل من « افعوعل » قال : احمومی ؛ قال أبو عثمان : احمومی الشیء فهو محموم : إذا اسودّ من نحو اللیل ، وکذلک احمومی السحاب : إذا اسودّ وتراکم ، ومنهم من یهمز (1).

وفی المحیط للصاحب : « واحمومی الشیء : اسودّ ، ومنهم من یهمزه » (2).

فاستدرک السیّد المصنف هذه المفردات والاستعمالات وذکرها فی ماده « حمأ » مع أنّ المعاجم خلت عنها ، وقد عرفت صحه الهمز فیها ، فلا وجه للعدول عنها ، وقد تکلمت بها العرب. وهذا ما یوضح ضخامه العمل المعجمی ودقته وجامعیته عند السیّد المصنف ، وکیف أنّه حاول سدّ الفراغات التی کانت وما زالت فی معاجم اللغه العربیه ، فوفّق ایّما توفیق فی کثیر منها.

* وفی ماده « ذمأ » قال المصنف : « ذمأه کمنعه : أهلکه. والشیء : شقّ علیه وکرهه ، کذمئه بالکسر ، یقال : ذمأتنی وذمئتنی هذه الریح ، إذا کانت منتنه ، فشقت علیه وکرهها ».

ص: 169


1- 1. الافعال للسرقسطی 1 : 431.
2- 2. محیط اللغه للصاحب بن عباد 3 : 229.

وأمّا « ذمأ علیه » فکلونه بمعنی شقّ ، وإنّما أصله أن یتعدی بنفسه.

والذی ذکرته عامه المصادر والمعاجم اللغویه فی ماده « ذمأ » من هذه المعانی هو قولهم : ذمأ علیه - کمنع - ذما : شق علیه ، أی المعنی الاخیر فقط.

ففی اللسان « ذمأ » قال : رأیت فی بعض نسخ الصحاح ذمأ علیه ذمأ : شق علیه (1). وعلی هذا اقتصر فی العباب والقاموس والافعال لابن القطاع (2).

وإذا رجعت إلی ماده « ذمی » من المعاجم وجدت کل هذه المعانی التی ذکرها السیّد المدنی موجوده فیه ولها وجه صحیح فی الهمز لکنهم لم یذکروها الا فی المقصور. انظر علی سبیل المثال فی ذلک التهذیب 15 : 27 والمحیط للصاحب 10 : 112 - 113 ، واللسان والقاموس والصحاح والافعال للسرقسطی 1 : 609 ، ولابن القطاع 1 : 396.

لکنّ الانصاف أنّ ذکر هذه الافعال فی المهموز بهذا الترتیب وبلغاتها من فتح عین الفعل وکسرها ، وبیان وجه تعدیه الفعل « ذمأ » ب- « علی » مما لم یوجد فی معجم من معاجمهم ، فالسیّد المصنف تتبّع لغات الهمز ، وذکرها فی الهمز ، ولم یقتصر کما فعلوا علی إیرادها مقتضبه فی المقصور.

* وفی ماده « سوأ » قال : « وأسوأ إسواء : أحدث ».

ومعاجم اللغه خالیه عن هذا الحرف فی ماده « سوأ » اذ لم یذکروا هذا الفعل ولا مصدره ولا معناه ، وإنما ذکروا الفعل « اسوی » فی المقصور دون مصدره ثمّ ذکروا معناه. مع أن الهمز صحیح منصوص علیه من کلام العرب.

ص: 170


1- 1. وهی غیر موجوده فی الصحاح المطبوع.
2- 2. انظر العباب 1 : 59 القاموس المحیط 1 : 16 ، الافعال لابن القطاع 1 : 399.

ففی تهذیب الازهری قال : « وقال أبو عمرو : یقال : اسوی الرجل إذا أحدث من امّ سوید ... قلت : أری قول أبی عبد الرحمن السلمی « اسوی برزخا » بمعنی أسقط ، أصله من اسوی [ وفی نسخه من التهذیب : « اسوأ » وهی توافق نسخه الزبیدی فی التاج ] إذا احدث ، واصله من السوءه ، وهی الدبر ، فترک الهمز فی فعلها ، والله أعلم » (1).

وفی الصحاح قال : « وأسویت الشیء ، أی ترکته وأغفلته : هکذا حکاه أبو عبید ، وأنا أری أن أصل هذا الحرف مهموز » (2).

وفی لسان العرب قال : « وأسوی الرجل أحدث ... وأسوی حرفا من القرآن أو آیه : أسقط » (3).

وروی عن أبی عبد الرحمن السلمی أنّه قال : ما رأیت أحدا اقرأ من علیّ صلینا خلفه فاسوی برزخا ، ثمّ رجع إلیه فقرأه ، ثمّ عاد إلی الموضع الذی کان انتهی إلیه.

قال الکسائی : أسوی بمعنی أسقط وأغفل ، یقال : أسویت الشیء إذا ترکته وأغفلته.

قال الجوهری : کذا حکاه أبو عبید ، وأنا أری أنّ اصل هذا الحرف مهموز.

قال أبو منصور : أری قول أبی عبد الرحمن فی علی « اسوی برزخا » بمعنی اسقط ، أصله من قولهم : اسوی إذا أحدث ، وأصله من السوأه ، وهی الدبر ، فترک الهمز فی الفعل.

ص: 171


1- 1. تهذیب اللغه للازهری 13 : 130 فی ماده ( سوی ).
2- 2. الصحاح للجوهری 6 : 2385 ماده ( سوی ».
3- 3. لسان العرب 14 : 415 - 416.

وقال الزبیدی فی تاج العروس : « وأسوی إذا خری ، وهو من السوأه » (1).

وقال أیضا : « وأسوی حرفا من القرآن : أسقط وترک وأغفل ؛ من أسویت الشیء ، إذا ترکته وأغفلته ، ومنه حدیث أبی عبد الرحمن السلمی : ما رأیت احدا أقرأ من علی علیه السلام : صلینا خلفه فأسوی برزخا ثمّ رجع إلیه فقرأه ، ثمّ عاد إلی الموضع الذی کان انتهی إلیه ... وقال الجوهری : هکذا حکاه أبو عبید ، وأنا أری أن أصل هذا الحرف مهموز.

قلت : وذکر الازهری ذلک أیضا ، فقال : اراه من قولهم أسوأ إذا أحدث ، واصله من السوأه وهی الدبر ، فترک الهمز فی الفعل » انتهی.

وصرّح ابن القطّاع فی کتابه الأفعال بأنّ الهمز أصل صحیح فیه ، فقال : « واسوأ الرجل : أحدث ، وأسوی کذلک » (2).

فنری أئمّه اللغه یصرحون بأنّه مهموز ، لکنهم یذکرون ذلک فی المعاجم فی المقصور ، وقد صرح ابن القطاع بأنّه مهموز أیضا کما أنّه مقصور ، فالاخلال بذکره فی ماده « سوأ » مع وجوده واستعمالهم لمصدره یعدّ خللا ونقصا فی المعاجم ، استدرکه السیّد المصنف ، فجاء بهذا الحرف فی محله من الهمز (3).

ص: 172


1- 1. تاج العروس 10 : 189 ماده ( سوی ).
2- 2. الافعال لابن القطاع 2 : 156.
3- 3. هذا علی أنّ ذکر محاسن الطراز لا تمنعنا من القول بوجود بعد المؤخذات والنواقص فیه فی المهموز. ففی ماده « خضأ » ذکر السیّد المصنف الحفیتأ ، کسمیدع : الرجل القصیر السمین. واکتفی بذلک مع أنّ الزبیدی فی التکمله والذیل والصله : ٣٧٣ قال : ویقال أیضا : حفیتی ، مقصوراً. فکان الأفضل الإشاره إلیه هنا ، ولعل فی خلوّ الکتاب عن المقصور عذرا للمصنف وأنّه لو قدّر له أن یتمه لذکر هذا الحرف المقصور. وفی ماده « رنا » ذکر السیّد المصنف رنأ إلیه ، بمعنی نظر ، لغه فی رنا یرنو. وقد تابع المصنف الفیروزآبادی فی صنیعه هذا ، وکان الأوّل به أن یذکر الرّنّءَ ، بمعنی الصوت ، فهو أصل صحیح مهموز قطعا ، فالعدول عنه إلی غیره وتصدیر الباب به مما ینتقد علیه ، وقد انتقد الزبیدیّ الفیروزآبادی فی صنیعه هذا وتعجب منه ، هذا مع وجود شاهد عربی صحیح للرّنء ، قال الکمیت یصف سهما : یرید أهزع حنّانا یعلّله***عند الإدامه حتّی یرنأ الطّرب

وقال فی ماده « هدأ » : والهدأ والهدأن ، کعنب وهزبر : الرجل فیه خبطه من حمق ، والثقیل الرأس الطویل النوم.

وهاتان المفردتان لم نر من ذکرهما فی المهموز ، بل اقتصرت أمّهات المعاجم علی ذکرهما فی المقصور « هدی » وقالوا : ورجل هدان وهداء : للثقیل الوخیم. وقال ابن سیده : الهداء : الرجل الضعیف البلید.

وذکروا فی فصل النون « هدن » فقالوا : ورجل هدان بلید یرضیه الکلام ، والأحمق الثقیل ، وقیل الهدان والمهدون النوّام الذی لا یصلّی ولا یبکّر فی حاجه.

وهم بین هذا وذاک لم یذکروا لغه الهمز فیهما ، وقد ذکرها السیّد المصنف فی « هدأ » مصرّحا بأنّها من المهموز ، فذکر ما لم یذکروه.

وتتضح دقه السیّد المصنف فی معجمه الطراز اکثر فاکثر فی عدم ذکره لماده « تطأ » فی المهموز.

قال فی لسان العرب ، ماده « تطأ » : التهذیب : اهمله اللیث. ابن الأعرابی : تطأ إذا ظلم. ونقل عین هذه العباره الزبیدی فی التاج وقال بعدها : کذا فی اللسان.

ص: 173

وهذا الحرف أورده الفیروزآبادی والصاغانی وابن منظور وغیرهم فی المعتل « تطا » ، وهو کذلک فی المعتل من التهذیب حیث قال : « اهمله اللیث. وقال ابن الاعرابی : تطا إذا ظلم ، وتطا إذا هرب ، رواه ابو العباس عنه » (1).

فالأزهری ینقل هذا الحرف فی المعتل لا فی المهموز ، فلا وجه لذکر ابن منظور والزبیدی له فی « تطأ » المهموز ، ولذلک لم یذکره السیّد المدنی دقه منه وعمق نظر.

وخلاصه الکلام فی هذا المقام ، هو ان السیّد المصنف عنی عنایه فائقه فی هذا الفصل - اعنی الهمز - وغیره ، فذکر فیه ما هو مهموز ولم یأتوا به ، أو ذکروه فی المقصور واشاروا أو صرّحوا بأنّه مهموز ، أو فیه لغه الهمز ، کما أنّه خلص معجمه عمّا ذکروه خطأ فی المهموز وهو لیس منه ، هذا ناهیک عن أنّه کان فی المهموز یشیر فی کثیر من الأحیان إلی لغه القصر فیه إن وجدت ، فکان معجمه اقرب المعاجم للجمع والدقه والاستدراک لما فاتهم ذکره.


1- 1. تهذیب اللغه 14 : 4.
و - ذکره للأفعال - وخصوصا ثلاثیها - وحسن ترتیبه لها.

إنّ من جمله الإشکالیات المطروحه حول معاجم العربیه هو إغفالها لذکر الفعل الثلاثی مع ذکرها للمتصرّفات منه ، بل یذکرون الرباعی مثلا دون الثلاثی ، فیحسب القارئ أن الثلاثی غیر موجود فی کلام العرب ، وکذلک تراهم یذکرون المشتقات من الرباعی دون ذکرهم لأصل الفعل الرباعی.

هذا ، ناهیک عن أنّهم یذکرون الألفاظ بلا نظام ، ویخلطون الافعال ومشتقاتها

ص: 174

أیّما خلط ، ویقدّمون المصدر أو اسم الفاعل أو المکان أو الزمان أو غیرها علی الفعل.

قال الاستاذ أحمد فارس الشدیاق فی الجاسوس : « إنّ من أعظم الخلل وأشهر الزلل فی کتب اللغه جمیعا - قدیمها وحدیثها ، مطولها ومختصرها ، ومتونها وشروحها ، وتعلیقاتها وحواشیها - خلط الأفعال الثلاثیه بالأفعال الخماسیه والسداسیه ، وخلط مشتقاتها ، فربما رایت فیها الفعل الخماسی والسداسی قبل الثلاثی والرباعی ، أو رأیت احد معانی الفعل فی أول المادّه وباقی معانیه فی آخرها ، فإذا رأی المطالع أنّ الماده تملأ صفحتین أو ثلاثا عاد نشاطه ملالا ، وجدّه کلالا ، فربّما تصفح الماده کلها وأخطأه الغرض ، بخلاف ما إذا کانت الأفعال مرتبه علی ترتیب الصرفیین ، فانه ینظر أوّلا إلی الفعل الثلاثی ومشتقاته فی أوّل الماده ، وإلی الخماسی والسداسی ومشتقاتها فی آخرها ، وإلی الرباعی ومشتقاته فی وسطها ، فلا یضیع له بذلک وقت ولا یکل له عزم ولا یخیب سعی » (1).

وقال أیضا : « ومن ذلک إیرادهم الفعل الرباعی دون الثلاثی فیوهمون أنّ الثلاثی غیر وارد ... وأغرب من ذلک اقتصار جمیع اهل اللغه (2) علی قولهم « قدّس تقدیسا » وما أحد منهم ذکر له فعلاً

ص: 175


1- 1. الجاسوس علی القاموس : 10.
2- 2. ستعلم أنّ السیّد المصنّف لم یفته ذکر هذا الفعل الثلاثی ، فما ذکره الاستاذ الشدیاق علی إطلاقه لا یشمل المصنّف رحمه الله .

ثلاثیاً أو نبه علی عدم مجیئه ، مع أنّهم قالوا أنّ القدس اسم ومصدر ، فکیف یکون مصدر من دون فعل ، أو فی الاقل من دون تنبیه علیه کما نبهوا علی غیره ، ویقال أیضا « قدوس » و « اسم الله الاقدس » و « بیت المقدس » فکیف جاء النعت وافعل التفضیل واسم المکان من غیر اشتقاق؟! مع ان سیبویه قال إنّ الکلم کلّه مشتق » (1).

وملخص الکلام هنا هو أنّ الاشکال یکمن فی موطنین :

أوّلهما : عدم ذکرهم للفعل الثلاثی أو الرباعی أو غیرهما مع ذکرهم ما اشتق منهما وما تصرّف.

وثانیهما : هو البعثره فی سرد المعانی والالفاظ وذکرها بلا نسق ، مما یتعب القارئ ویضیع علیه بغیته أحیانا ، ویوهمه بعدم وجود الفعل من المستعملات والمشتقات أحیانا اخری.

وکأنّ السیّد المصنف رحمه الله کانت هاتان الاشکالیتان محطّ نظره ، ومورد عنایته ، فحاول تخطیهما فیما رسمه من منهج لمعجمه اللغوی « الطراز الأوّل ».

فذکر فی کلّ مادّه أفعالها - ثلاثیه ورباعیه وخماسیه وسداسیه إن وجدت - ذاکرا عند کلّ واحد منها ما اشتق منه واستعمل ، فرفع رحمه الله بهذه المنهجیه - وتلک المیزه من استقصاء البحث عن الأفعال وذکرها ، رفع - کلا الإشکالین آنفی الذکر.

فأمّا ابتداؤه بذکر الفعل الثلاثی فإنّ ذلک دأبه ومنهجه فی سائر أبواب وفصول

ص: 176


1- 1. الجاسوس : 13.

الکتاب ، وذلک ما لا حاجه لنا بسرده ، فالکتاب ماثل بین أیدینا ، نعم - إذا لم یکن فی الفصل فعل اکتفی بسرد الفاظ ومعانی الماده - وکذلک إذا کان ذکر الفعل یحتاج إلی تقدیم غیره علیه ، قدّمه.

* ففی ماده « سأر » قال : « السّوْر ، کقفل : بقیه الماء التی یبقیها الشارب فی الإناء أو الحوض ، کالسؤره کغرفه ، ثمّ استعیر لکل بقیه من طعام وغیره. الجمع أسآر کاقفال ، وسؤر کغرف ».

فانّه هنا قدّم معنی السّؤر وذکر لغه السؤره فیه ، ثمّ ذکر جمعه ، ثمّ قال :

« وقد سئرت فی الإناء بقیّه سؤرا - کبخلت بخلا - وسأرت سؤورا ، کخضعت خضوعا : أی بقیت ».

وفی ماده « سمر » قال : « السّمره ، کالحمره : احد الألوان المرکّبه من البیاض والسواد ».

فعرّف السّمره أوّلا ، ثمّ أردفها بلا فصل بفعلها ، فقال : « وقد سمر کقرب ، وسمر کفرح ، سمره فیهما ، فهو أسمر ، وهی سمراء. کاسمارّ اسمیرارا فهو مسمارّ ».

فالمصنف فی مثل هذه الحالات التی یری أنّ تقدیم المصدر أو اسم المصدر أو غیرهما دخیل فی بیان الفعل وشرحه یؤخر الفعل عنها ؛ لأنّ « سئرت فی الإناء بقیه » لا یمکن شرحها إلاّ بالسّؤر. فلذلک قدّمه المصنف لیکون مفهوما مشروحا ، فإذا ذکر الفعل اتضح معناه. ونفس هذا الکلام یقال فی « سمر » فإنّ سمر بمعنی صار ذا سمره ، أی أسمر ، لا بدّ فیه من تقدیم معنی السمره ، لیکون شرح الفعل مفهوماً.

فالمنهج العام للکتاب إذن هو ذکر الفعل أوّلا (1) ، إلاّ أن لا یکون فی الماده فعل

ص: 177


1- (1) قال الاستاذ الشدیاق فی الجاسوس : 14 ومن ذلک [ أی الخلل ] أنّهم یبتدئون الماده باسم الفاعل أو المفعول أو الصفه المشبهه أو اسم المکان والآله أو المعرب. عوضا عن الابتداء بالفعل والمصدر.

- أو أن یکون هناک ما یقتضی تقدمه علی الفعل لأجل إیضاح معنی الفعل ، کما مرّ فی المثالین السالفین. وهو بعد ذلک یذکر الأفعال ویسردها مرتّبه کلّ فعل مع استعمالاته وما اشتق منه ، الثلاثی فالرباعی فالخماسی فالسداسی ، علی أنّا لا ننکر أنّه ربما عدل عن هذا الأخیر فجمع الثلاثی وغیره باعتبار الاشتراک فی معنی مراد.

* ففی ماده « برأ » مثلا ابتدأ بذکر الفعل الثلاثی « برأ » بمعنی خلق ثمّ « برئ » بمعنی صحّ من المرض ، والرجل من دینه سقط عنه الطلب.

ثمّ ذکر أبرأه من الدّین ، اسقط عنه حقه ، ثمّ ذکر برّأته من العیب ... وذکر فی ضمنه ما یتعلق بالبریء ، والبَرَاء.

ثمّ ذکر بارأت شریکی : فاصلته ، وتبارأنا أبرأنی وأبرأته.

ثمّ استبرأت الشی : طلبت منتهاه و و .. وغیرها من استعمالات استبرأ.

ثمّ عاد فذکر برئ منه بمعنی انفصل عنه وخرج من عهدته.

ثمّ ذکر تبرّأ منه : أظهر البراءه ، وذکر فی ضمنها البراء وهی آخر لیله أو یوم من الشهر ... سمیت بذلک لتبرّؤ القمر فیها من الشمس. ثمّ ذکر الفعل منها وهو : أبرأ أی دخل فی البراء ...

فذکر رحمه الله الثلاثی « برأ » و « برئ » ، ثمّ الرباعی « أبرأ » و « برّأ » ، ثمّ المفاعله « بارأ » و « تبارأ » ثمّ الاستفعال - وهنا عاد فذکر برئ بمعنی انفصل عنه وکان المفروض ان یجعلها فی بدایه الماده - ثمّ ذکر التفعّل.

* وفی ماده « جفأ » ابتدأ فذکر الثلاثی اللازم جفأ الوادی والقدر ، ثمّ ذکر متعدّیه

ص: 178

جفاتُ البرمه والرجل والباب والبقل والقدر والوادی ، ثمّ ذکر الرباعی اللازم تجفّأت البلاد وأجفأت ، ثمّ ذکر الرباعی المتعدی بنفسه أجفأ دابته ، ثمّ بحرف « أجفأ به ». ثمّ ذکر الجفاء ومعانیه.

* وفی ماده « جیأ » ابتدئأ بالثلاثی اللازم جاء بمعنی أتی ، وجاء الغیث وأمر السلطان ، ثمّ ذکر متعدّیه « جئت شیئا حسنا » وجئت زیدا ، ثمّ ذکر ما یتعدی بحرف الجر فذکر جئت بالشیء ، ثمّ ذکر الرباعی أجأته ، - ثمّ ذکر رجل جیّاء وجئاء وجائی کثیر المجیء ، وکان حقها ان یذکرها بعد الثلاثی اللازم فی اول الماده - ثمّ ذکر المفاعله جایأنی مجایأه ..

* وفی ماده « کثأ » ذکر الثلاثی اللازم ، ثمّ الکثأه وهی زبد القدر ، مأخوذه من کثأت القدر : أزبدت للغلی ، ثمّ ذکر الفنعله ، وهی کنثأت اللحیه ، ثمّ ذکر الکنثأو وهی اللحیه العظیمه.

وهکذا تجده فی سائر الفصول یحرص علی هذا الترتیب ، وإن لم یتخذه منهجا دقّیّا فی کل الکتاب ، والذی نعتقده أنّ الکتاب کان ولمّا یصل إلی مرحله النضج الکامل. وقد توفی المصنف رحمه الله ولمّا یتمّه ، فلو قدّر أن یمتدّ به العمر - بنظرنا - لطّور معجمه هذا بشکل أدق بکثیر عما هو علیه الآن ، ولکان له فیما نحن فیه الآن هذا المنهج المذکور بلا هذه النواقص التی هو علیها الآن.

ومهما کان الأمر فإن منهجه العام فی الکتاب هو ما ذکرناه ، وقد حرص السیّد المصنف علی جمع الأفعال واستلهامها وإغناء معجمه بها ، فابتدأ الفصول بالأفعال. وذکر أفعالا لم تذکر فی معاجم اللغه المتداوله ، وذلک توسّعا منه ، وحرصا ، ورفعا لإشکال ذکر المشتقات والمفردات دون مبدئها الذی هو الفعل ، ممّا قد یوهم أن لا فعل لها ، فیذکر السیّد الفعل رفعا لمثل هذا التوهمّ ، بل نراه یذکر حتّی

ص: 179

الفعل الذی صرّحوا بأنّه ممات ، غیر آبه بذلک ، إذ عدم استعمالهم له لا یدل علی عدم صحّته. فتتبعه للأفعال وذکره لها ، یعدّ میزه امتاز بها الطراز علی ما قبله من المعاجم.

* ففی ماده « زنأ » قال : « زنأ الأمر : قارب ... ویقال : الأمر ما بیننا زناء ، أی مقارب ».

وهذا الفعل والصفه المشبهه منه غیر مذکورین فی معاجم اللغه ، مع أنّهما صحیحان قطعا ، ففی الفائق : « أن النبیّ صلی الله علیه و آله نهی أن یصلّی الرجل وهو زناء » ، قال الزمخشری : هو فی الصفات نظیر براء وجواد وجبان ، وهو الضیّق ، یقال : مکان زناء ، وبئر زناء ، وظلّ زناء ، أی قالص ، وقد زنأ الظّلّ ، قال الأخطل :

وإذا قذفت إلی زناء قعرها

غبراء مظلمه من الأحفار

وقال ابن مقبل :

وتدخل فی الظّلّ الزّناء رؤوسها

وتحسبها هیما وهنّ صحائح

وقال آخر :

تناهوا بنی القداح والأمر بیننا

زناء ولما یغضب المتحلّم

أی مقارب ، فاستعیر للحاقن لأنّه یضیق ببوله (1) ، انتهی.

وجمیع المعانی الآنفه وفعلها مذکوره فی معاجم اللغه الاّ المعنی الأخیر الذی ذکر فی البیت الأخیر ، فإنّهم لم یذکروه فجاء به السیّد المصنف ، وذکر فعله الثلاثی « ز ن أ » فاستدرک ما فاتهم.

* وفی ماده « قرأ » ، قال فی أوّل الماده حیث ذکر الفعل الثلاثی ، فقال : « قرأ

ص: 180


1- 1. الفائق 2 : 124 - 125.

کتاب الله - کمنع - قراءه وقرآنا : تلاه.

والصحیفه : نطق بالمکتوب فیها.

وبأمّ الکتاب : أوقع القراءه بها ، وتلاها متبرّکا بها ».

وها هنا فوائد :

الاولی : قوله : « قرأ الصحیفه : نطق بالمکتوب فیها » فإن کتب اللغه خالیه عن ذکر هذا الفعل ، فهم مقتصرون علی قولهم : « صحیفه مقروءه » لا یجیز الکسائی والفرّاء غیر ذلک ، وهو القیاس.

ومع أنّه القیاس ، ففعله « قرأ » ، ولم یذکروه ، وذکروا اسم المفعول منه « مقروء » کما عرفت ، فانتبه السیّد إلی هذا وذکر الفعل.

الثانیه : أنّه فرّق تفریقا دقّیا بین قرأ کتاب الله - فقال إنه بمعنی تلاه ، لأنّ الکتاب هو المکتوب ، وهو یقرأ ، وقد عبّر عنه بالتلاوه المختصه بکتاب الله - وبین قرأ الصحیفه ، فقال إنّها بمعنی نطق بالمکتوب فیها ، لأنّ الصحیفه نفسها لا تقرأ وإنّما یقرأ المکتوب بها وینطق به.

الثالثه : أنّه أوضح معنی الباء فی قولنا : « قرأ بامّ الکتاب » ، حیث أنّها إمّا تضمین الفعل « قرأ » معنی « أوقع القراءه » فتعلقت الباء ب- « قرأ » ، وأما أن تکون الباء متعلقه بحال مقدّره ، أی تلاها متبرّکا بها (1).

فالسیّد المصنف ذکر الفعل ، واستعمالاته وفرق بینها تفریقا دقیقا لم نجده فی معجم آخر من معاجم اللغه.

* وفی نفس هذه الماده قال : « أقرأ جاریته : جعلها عند امرأه حتّی تحیض

ص: 181


1- 1. انظر التفصیل فی مثل هذا فی ریاض السالکین 1 : 61 - 62.

للاستبراء ».

وهذا الفعل الرباعی بهذا الاستعمال غیر مذکور فی معاجم اللغه المتداوله ، مع أنّه صحیح منصوص علیه ، حیث قال الهروی فی کتاب الغریبین فی الحدیث - « دعی الصلاه أیّام إقرائک » أی أیّام حیضک - ویقال : دفع فلان إلی فلان جاریته تقرئها ، أی تمسکها عندها حتّی تستبرئ حیضها (1).

فأخذ السیّد المصنف الفعل الماضی الرباعی منه وذکره.

هذا ، ناهیک عن أنّهم ذکروا الثلاثی « قرأت » لازما ، وذکروا المضعف منه المتعدی « قرّأها » ولم یذکروا « أقرأها ».

فقد ذکروا قرأت المرأه : ضمّت رحمها علی حیضه.

وقالوا : قرّئت المرأه - بالتشدید - تقرئه : حبست لینتظر بها انقضاء أقرائها ، فهی مقرّأه ، کمعظمه.

وفی العباب ، قال : قال أبو عمرو بن العلاء : یقال : دفع فلان إلی فلانه جاریته تقرّؤها ، أی تمسکها عندها حتّی تحیض للاستبراء (2).

فاستدرک السیّد المصنف علیهم « أقرأها » - مضافا إلی قرأت هی ، وقرّأتها غیرها - حرصا علی ذکر الأفعال وعدم الإخلال بشیء منها.

* وفی ماده « قمأ » قال : « قمؤ الرجل - کرم ومنع - قمأه کهضبه ، وقمأ کعهن ، وقمأ کقفل ، وقماء وقماءه ، کسحاب وسحابه ، وقمئ قمأ کتعب تعبا : ذلّ وصغر فی أعین الناس ، فهو قمیء کصغیر ».

ص: 182


1- 1. الغریبین 5 : 1517.
2- 2. العباب الزاخر واللباب الفاخر 1 : 98.

والمصنف هنا ناهیک عن جمعه للأفعال - وهی میزه له سیأتی بیانها - ذکر الفعل قمئ قمأ ، کتعب تعبا ، مع أنّ کتب اللغه لم تذکره فهی خالیه منه ، وهو فعل صحیح منصوص علیه ، فقد قال ابن القطاع فی أفعاله قمؤ قماءه ذل وصغر وقمئ قمأ کذلک (1). فترکهم لذکره تقصیر فی جمع اللغه.

* وفی ماده « کأکأ » قال : « کأکأته عن الأمر فتکأکأ : ردعته وکففته ».

ومعاجم اللغه خالیه عن ذکر « کأکأته » متعدّیا ، وإنّما اقتصرت علی ذکر فعل المطاوعه « تکاکأ » ومصدره التکأکؤ ، ومن العجب أنّهم ذکرو الکأکأه وهی مشتقه من کأکأ ، ولم یذکروا فعلها ، فیظن أن لا فعل لها ، مع أنّ الواقع غیر ذلک ، فان هذا الفعل الرباعی وارد ومنصوص علیه.

قال ابن القطاع فی کتاب الافعال : کأکأته فتکأکأ ، أی ارتدع (2).

فجاء به السیّد المصنف ، وبما اشتق منه ، فأغنی الماده من حیث الأفعال ، فلم یخلّ بذکر هذا الفعل کما أخلوا به.

* وفی ماده « کلأ » قال : « کلأ بصره فی الشیء : ردّده ... کأکلأ وکلّأ تکلئه ».

والمذکور فی معاجم اللغه هو باب « أفعل » فقط حیث قالوا : أکلأ بصره فی الشیء : إذا ردّده فیه مصعّدا ومصوّبا. ولم یذکروا سواه ، کما فی الصحاح والقاموس والعباب والمحیط واللسان والتاج وغیرها ، فاستدرک السیّد المصنف علیهم الفعلین کلأ وکلّأ.

* وفی ماده « کلأ » أیضا ، قال : « کلأت عینه : سهرت ولم تنم حذرا ، کاکتلأت.

ص: 183


1- 1. الأفعال لابن القطاع 3 : 53.
2- 2. الأفعال لابن القطاع 3 : 110.

وأکلأها أسهرها ورجل کلوء العین : ساهرها ، أو قویّ علی السهر لا یغلبه النوم ».

فاما الفعل « اکتلأت » فقد ذکروه ، لکنهم لم یذکرو الثلاثی « کلأت عینه » مع أنّه صحیح قیاسی من قولهم : رجل کلوء العین أی ساهرها ، فانه فعول من کلأ ، فلذلک استدرکه السیّد المصنف وجاء به فی حین أنّهم لم یذکروه.

وأمّا تعدیه هذا الفعل بالهمز والتضعیف ، أعنی « أکلأها وکلّأها » فهما - مع کونهما قیاسیین - نص علیهما الزمخشری فی أساسه کما فی نسخه الزبیدی فی التاج حیث قال : « وأکلأتها وکلّأتها : أسهرتها » لکن نسخه الاساس المطبوعه لم یذکر فیها إلاّ « أکلأتها : أسهرتها » فکأنّ نسخه المصنف هی هذه الساقط منها « کلّأتها » لکن یبقی أنّه کان علی السیّد المصنف ذکرها وإن لم تذکر فی الاساس لأنّها قیاسیه.

* وفی ماده « کلأ » قال : « کلأ نظره إلیه : أدامه متأمّلا ، کأکلأ وکلّأ تکلئه ».

فأمّا الثلاثی ففی التهذیب : کلأت فی فلان ، أی نظرت إلیه متأمّلا فاعجبنی.

وفی القاموس والتاج : کلّأ فیه أی فلان : نظر إلیه متأمّلا فاعجبه حسنه.

فذکروا الثلاثی « کلأ » والمزید بالتضعیف « کلّأ » ، ولم یذکروا « أکلأ » فاستدرکه السیّد علی خان رحمه الله .

* وفی ماده « لجأ » ، قال : « ألجأ الرجل علی الأمر : اکرهه واضطره ، کلجّأ تلجئه ؛ یقال : فعل ذلک من غیر إکراه ولا تلجئه ».

والعجب أنّهم ذکروا فی معاجمهم التلجئه ، ولم یذکروا فعلها ، فقد صرّحوا بأنّ التلجئه هی الاکراه ، وهی مصدر من لجّأ ، فذکروا المصدر ، ولم یذکروا الفعل ، فجاء السیّد المصنف بفعله المضعف حرصا علی ذکر الأفعال ، التی هی مبدأ الاشتقاق.

* وفی ماده « نبأ » قال : « نبّأه الله وتنبّأه واستنبأه : بعثه نبیّا ».

وهذه الأفعال المتعدیه الثلاثه غیر مذکوره ولا مسطوره فی معاجم اللغه بهذا

ص: 184

الوضوح والترتیب والجمع ، نعم قال الزمخشری فی الاساس « نبّئ رسول الله واستنبئ » ، وهذان المجهولان أرجعهما السیّد المصنف إلی الفعل المعلوم ، فکانا « نبّأه واستنبأ » ، وذکر السیّد أیضا « تنبّأه الله » وهی مما لم یذکر ، فجمع الافعال المستعمله فی هذه المادّه بلا تعقید ولا تکلف.

* وفی ماده « هیأ » قال : « تهیّأ القوم وتهایؤوا : توافقوا ؛ کأنّهم صاروا علی هیئه واحده ... وقد هایأته مهایأه ».

وهذا الفعلان « تهیّأ » و « تهایأ » لم یذکرا فی المعاجم بهذا الوضوح والانفراد ، وإنما ذکرا فی أثناء کلامهم علی المهایأه.

ففی مفردات الراغب : المهایأه : ما یتهیّأ القوم له فیتراضون علیه (1).

وفی اللسان : وتهایؤوا علی کذا : تمالؤوا ، والمهایأه : الأمر المتهایأ علیه ، والمهایأه : أمر یتهایأ القوم فیتراضون به (2).

وفی المحیط للصاحب المهایأه أمر یتهایا القوم علیه فیتراضون (3).

وفی العباب : المهایأه أمر یتهایأ القوم فیتراضون به (4).

وفی التهذیب قوله : « والمهایأه امر یتهایأ للقوم فیتراضون به » (5).

وهکذا دارت المعاجم بین أمرین ، إمّا عدم ذاکر لهذین الفعلین أصلا ، وإما ذاکر لهما فی ضمن المهایأه ، حیث ذکروا المضارع « یتهیّأ » ولم یذکروا ماضیه « تهیّأ » ،

ص: 185


1- 1. المفردات : 548.
2- 2. اللسان 1 : 189.
3- 3. محیط اللغه 4 : 93.
4- 4. العباب 1 : 205.
5- 5. تهذیب اللغه 6 : 485.

وکذلک ذکروا « المتهایأ علیه » و « یتهایأ القوم » ولم یذکروا ماضیه : تهایأ سوی لسان العرب والمصباح حیث قال : « تهایأ القوم تهایؤا » فاقتنص السیّد المصنف هذین الفعلین ، وذکرهما فی نسق واحد مع ایضاح معناهما ، ثمّ ذکر اشتقاق المهایأه ، مفاعله من هایأته.

* وفی ماده « أزب » قال : « أزب الدهر ، کتعب : اشتدّ ». وهذا الفعل ذکره السیّد المصنف ولم یذکروه.

* وفی ماده « ببب » قال : « الببّ : الکثیر اللحم ، والغلام التارّ ، وقد ببّ یببّ - کمرّ یمرّ - ببّا وبببا ، کسبّ وسبب ».

وهذا الفعل ومضارعه ومصدراه لم یذکرا فی معاجم اللغه ، فجاء السیّد المصنف بذکره ، هذا مع أنّ أبا حیان قال : غلام ببّه ، والفعل منه ببّ یببّ ببّا وبببا (1). فضبط بضبط القلم بکسر عین المضارعه.

فالسیّد المصنف یذکر الفعل من « ببّه » مع أنّهم لم یذکروه ، موهمین أنّه لا فعل له ، بل قال ابن فارس : الباء والباء فی المضاعف لیس أصلا ، لأنّه حکایه صوت (2).

وهذا الکلام لا نصیب له من الصحه بعد أن عرفت الفعل الثلاثی له ، وأنّه مستعمل.

* وقال فی نفس الماده أیضا : « ببّ یببّ - کملّ یملّ - ببّا وبببا : صوّت فهو ببب ، ککتف. قال ابن القطاع کأنّه حکایه جرس ، قال الراجز [ وهو رؤبه ] :

ص: 186


1- 1. ارتشاف الضرب 1 : 184.
2- 2. معجم مقاییس اللغه 1 : 193.

یسوقها أعیس هدّار ببب

إذا دعاها أقبلت لا تتئب

ثمّ ذکر کلام أبی حیان التوحیدی بأنّ فعلها إمّا من باب « ببّ » أو من المهموز ، فذکر أیضا الفعل الماضی ومضارعه والمصدر ل- « ببّ » بمعنی صوّت ، وهذا الفعل لم تذکره المعاجم اللغویه المتداوله ، جاء به السیّد المصنف وذکره فی محله من ماده « ببب » ، وهذا ما خلت عنه المعاجم. وهذه السعه فی ذکر الأفعال لا توجد فی معجم لغوی سابق علی الطراز.

* وفی ماده « جعثب » قال : « جعثب علی الأمر جعثبه : حرص وشره ، وجعثب ، کقنفذ : اسم ».

فامّا الجعثب کقنفذ فقد صرح ابن درید فی الجمهره (1) أنّه اسم مأخوذ من فعل ممات. وذکره بالتاء المثناه ، وفی بعض نسخ القاموس بالمثناه وفی بعضها الآخر بالثاء المثلثه ، وصرح الزّبیدی بأنّه مأخوذ من فعل ممات سواء کان بالمثناه أو المثلثه.

وأما الفعل « جعثب » فإنّهم لم یذکروه ، وإنّما اقتّصروا علی ذکر « الجعثبه » بمعنی الحرص والشره ، وهی مشتقه من الفعل « جعثب » قطعا ، وهو القیاس ، فذکر السیّد المصنف هذا الفعل ثمّ ذکر مصدره ، فتلافی ما قصروا فیه حیث ذکروا المصدر دون الفعل.

* ومن أوضح مصادیق استقصائه وحرصه علی ذکر الأفعال ثمّ مشتقاتها ومستعملاتها ، ما تقدمت الإشاره إلیه من تقصیرهم وخلطهم فی ماده « قدس » قال

ص: 187


1- 1. الجمهره 2 : 1110.

الشدیاق :

وأغرب من ذلک اقتصار جمیع أهل اللغه علی قولهم « قدّس تقدیسا » وما أحد منهم ذکر له فعلا ثلاثیا ، أو نبّه علی عدم مجیئه مع أنّهم قالوا : إنّ القدس اسم ومصدر ، فکیف یکون مصدر من دون فعل؟! أو فی الأقل من دون تنبیه علیه کما نبهوا علی غیره ، ویقال أیضا : قدوس واسم الله الأقدس وبیت المقدس ، فکیف جاء النعت وأفعل التفضیل واسم المکان من غیر اشتقاق؟! مع ان سیبویه قال أنّ الکلم کله مشتق (1).

وهذا الکلام واضح ولا غبار علیه ، وهذه الإشکالیه فی المعاجم موجوده لا ینکرها إلاّ مکابر ، خصوصا وأنت تری هذه الموارد ماثله للعیان ، ولذلک کان السیّد حریصا علی رفع هذه الإشکالیه. فقال فی ماده « قدس ».

« قدس فی الأرض قدسا ، کضرب : ذهب فیها وأبعد ، ومنه التقدیس بمعنی التطهیر ؛ لأنّه إبعاد للمقدّس عن النجاسه ، والقدس ، کعنق ویسکن : الطهر والبرکه.

وقدّس الله ، و [ قدّس ] له تقدیسا نزّهه وأبعده عما لا یلیق بجنابه ».

فذکر السیّد المدنی الفعل الثلاثی « قدس » وذکر معناه فی الاشتقاق الکبیر ، بأنّه معنی الإبعاد ، ثم ذکر التفعیل منه أی التقدیس ، وباقی المشتقات منه ، وهذه غایه البراعه والحذاقه والاستقصاء للأفعال ، ومحاوله عدم الإخلال بشیء منها.

وفی هذا المجال أیضا نری ذکر السیّد المصنف للأفعال المنحوته فی أماکنها ، مع أنّ سائر المعاجم إمّا أن تذکرها فی غیر مظانها أو أن لا تذکرها أصلا.

ص: 188


1- 1. الجاسوس : 13.

قال الأستاذ سعید الخوری الشرتوتی فی مقدمه أقرب الموارد عند ذکره للذیل الذی ضمّه مؤلّفه ، وقال إنّ فیه ثلاثه أمور ، الثانی منها هو : ذکر ما استدرکته علی اللسان والتاج مما أخذته من کتب الثقات ، أو من نفس الکتابین ، واردا فی غیر مظانه ، فمن ذلک « تظلف » إذا حصل فی ظلف من الأرض ؛ ذکره الراغب فی ترجمه « ع ز ز » ، ومنه « تعبقس » إذا تعلّق بعبد القیس ؛ ذکره السیوطی فی باب النحت من المزهر (1).

* وفیما یخص « تعبقس » ذکر السیّد علی خان هذا الفعل المنحوت فی موضعه ومظنه ، أی ماده « عبقس » ، فقال :

« العبقسیّ : نسبه إلی عبد القیس ، وتعبقس : انتسب إلیه ».

هذا مع أنّ الخلیل ذکر هذا الفعل فی العین فی باب المضاعف « باب العین مع الحاء والهاء والخاء والغین » (2) ، والجوهری وابن منظور ذکراه فی ماده « شمس » تاره و « قیس » تاره أخری. والزبیدی ذکره فی ماده « قیس » من تاجه.

ولا یخفی أنّ ذکره فی تلک المواد إنّما هو استطرادیّ وفی غیر محله اللغوی ، فلذلک أخذ السیّد المصنف هذا الفعل وجعله فی محله ومظنه ، وهو ماده « عبقس ».

* وفی ماده « جعفر » ، ذکر السیّد المصنف معنی الفعل « تجعفر » واستشهد له شعر السیّد الحمیری ، فقال :

ص: 189


1- 1. مقدمه أقرب الموارد 1 : 7.
2- 2. العین 1 : 60.

وتجعفر الرجل : انتقل إلی مذهب جعفر الصادق وقال بقوله ؛ ومنه قول السیّد الحمیری :

تجعفرت باسم الله والله أکبر

وهذا الفعل « تجعفر » بهذا المعنی لم یذکروه لا فی مظنه « جعفر » ولا فی مواطن أخری من معاجمهم ، ذکره السیّد المدنی ، وذکر شاهده معه.

وفی ماده « طنبر » ذکر السیّد المصنّف الطنبور وذکر أنّه معرّب ، ثمّ قال : « طنبر طنبره : ضرب به ». فآذن بأنّهم اشتقوا من الطنبور المعرّب فعلا رباعیا ثمّ صرّفوه ، فکان مصدره « طنبره » ، وهذا الفعل والمصدر لم یذکرا فی معاجم اللغه فی هذه الماده.

وفیما ذکرناه من جمعه للأفعال ، وحرصه علی ذکرها مرتبه ، کل فعل مع مستعملاته ، کفایه للتدلیل علی سعه هذا المعجم « الطراز » وغناه من حیث ذکر الأفعال واستقصائها والإلمام بها ، ما ذکروه منها فی غیر موضعه وما لم یذکروه.

ز - عنایته بعین الفعل المضارع.

ومن میزات معجم الطراز هو عنایته بحرکه عین الفعل وخصوصا المضارع ، وسعیه لجمع حرکته وضبط أبوابه.

وقد مرّت الإشاره - فی حسن الاستقراء والاستقصاء - إلی ما فی ماده « قمأ » ، حیث قال السیّد المصنف : « قمؤ الرجل - ککرم ومنع - ... وقمئ قمأ ، کتعب تعبا : ذلّ وصغر فی أعین الناس ».

فقد نقل السیّد المصنف لغات عین الفعل الماضی من الضم والفتح والکسر ،

ص: 190

مع أنّ معاجم اللغه غفلت عن ذکر لغه کسر عین الفعل - أعنی قمئ - واقتصرت علی ذکر اللغتین الأخریین - باب کرم ومنع (1) - مع أن ابن القطاع ذکرها فی أفعاله فقال « قمؤ قماءه : ذلّ وصغر ، وقمئ قمأ کذلک » (2).

وقد مرّت عند ذکر المثلث بعض الأفعال الماضیه المثلّثه حرکه عین الفعل التی ذکرها السیّد المدنی فی حرف الهمزه.

والذی یهمنا هنا هو بیان عنایته بذکر عین المضارع وحرکاتها.

* ففی ماده « هنأ » قال : « هنأنی الولد ونحوه یهنؤنی - من باب نفع وضرب وکتب - هنأ وهناء وهناءه ، کضرب وسلام وسلامه : سرّنی ، فهو هانئ ، والطعام : ساغ لی ولذّ ... ».

فأمّا فی الولد فلم یذکره سوی الفیومی فی مصباحه ، فقال : هنأنی الولد یهنؤنی ، مهموز من بابی نفع وضرب. ولم یذکر مضارعه من باب « کتب ».

وأمّا « هنأنی الطعام » فلم یذکره مثلث عین المضارعه سوی الفیروزآبادی ، وفی المصباح : هنأنی الطعام یهنؤنی : ساغ ولذّ ... ویهنؤ بضم المضارع فی الکل لغه ؛ قال بعضهم : ولیس فی الکلام یفعل بالضمّ مهموزا ممّا ماضیه بالفتح غیر هذا الفعل. فذکر مضارعه من بابی « نفع » و « کتب » ولم یذکره من باب « ضرب ».

فلعلّ السیّد المدنی أخذه من هنا ، وصرّح بأنّ مضارعه مثلّث ، ولذلک عطف « هنأنی الطعام » علی « هنأت الطعام » کمنعته وضربته : أصلحته ».

ولم یذکر هذا الاستعمال فی المعاجم المتداوله مضبوط حرکه عین مضارعه ،

ص: 191


1- 1. انظر لسان العرب ، والصحاح ، والعباب ، والقاموس ، والمحیط 6 : 60 ، والتهذیب 9 : 363.
2- 2. الأفعال 3 : 53.

وإنّما ذکر ماضیه فقط ، ففی القاموس ولسان العرب ، اقتصرا علی قولهما : « هنأ الطعام هنأ وهنأ وهناءه : أصلحه ». فتتبع السیّد المصنف هذا الفعل الماضی وذکر حرکه مضارعه ، وضبطها من بابی منع وضرب ، فی حین خلت المعاجم المتداوله عن ذلک.

* وفی ماده « جلب » قال : « جلب الرجل ، کقتل وضرب : جنی جنایه ».

والذی فی التهذیب : الجلب : الجنایه علی الإنسان ، وکذلک الأجل ، وقد جلب علیه وأجل علیه : أی جنی علیه (1).

وفی تکمله الصاغانی : الجلب بالفتح : الجنایه ؛ یقال : جلب علیه ، اذا جنی.

وفی اللسان : الجلب : الجنایه علی الإنسان ... وقد جلب علیه وجنی علیه وأجل.

فها هم جمیعا ذکروا المصدر ، ثمّ ذکروا فعله الماضی دون بیان حرکه الفعل المضارع منه.

نعم ، ذکر الفیروزآبادی مضارعه من باب « نصر » فقط ، فقال : والجلب الجنایه ، جلب کنصر. وتبعه الزبیدی فی التاج علی ذلک ولم یذکر ضبطا آخر لمضارعه.

وهنا تتضح براعه السیّد المدنی واستقصاؤه وحرصه علی بیان حرکه عین المضارع ، فلذلک ضبطه من بابی « قتل » و « ضرب » وذلک ما لم یذکره غیره من أرباب المعاجم المتداوله.

* وفی ماده « هرد » قال : « الهرد ، کقفل : الکرکم ، أو أصل الورس ، أو صنف منه ؛ معرّب هلد - کسبب - بالهندیّه ، وهو أصول صفر صلبه کالزنجبیل یصبغ بها کما یصبغ

ص: 192


1- 1. التهذیب 11 : 95.

بالزعفران یجلب من جزائر الهند ، وهردت الثوب - کقتل وضرب - صبغته ، وهو ثوب مهرود وهردیّ کترکیّ ».

وقد ذکرت معاجم اللغه اللهرد والمهرود دون أن تذکر الفعل الماضی الثلاثی لها ، فذکرت المتصرّف من الفعل دون ذکرها لأصل الفعل (1) ، رافعا ما قد یتوهّم من أنّ تلک المتصرفات لیس لها فعل ثلاثی أو أنّه لم تستعمله العرب.

وأمّا حرکه عین المضارع ، فهم أیضا لم یذکروها ، وذلک بدیهیّ بعد عدم ذکرهم لأصل الفعل.

ففی تهذیب اللغه : قال شمر : قال أبو عدنان : أخبرنی العالم من أعراب باهله أن الثوب یصبغ بالورس ثمّ بالزعفران فیجیء لونه مثل لون زهره الحوذانه ، فذلک الثوب المهرود ، قال : أخبرنی بعض أصحاب الحدیث أنّه بلغه انّ المهرود الذی یصبغ بالعروق ، قال والعروق یقال لها الهرد (2).

وفی الجمهره : الهرد ، العروق التی یصبغ بها (3).

وفی مجمل اللغه : ثوب مهرود : صبغ أصفر (4).

وفی معجم مقاییس اللغه : الهاء والراء والدال کلمات تدل علی معالجه شیء بصبغ أو ما أشبهه ، وثوب مهرود : صبغ أصفر (5).

ص: 193


1- 1. راجع ما کتبناه تحت عنوان « ذکره للافعال وخصوصا ثلاثیها وحسن ترتیبه لها ».
2- 2. تهذیب اللغه 6 : 189.
3- 3. الجمهره 2 : 642.
4- 4. المجمل فی اللغه 4 : 477.
5- 5. معجم مقاییس اللغه 6 : 49 - 50.

وفی المحیط قال : الهرد صبغ أصفر ، ویقال طین أحمر (1).

وفی القاموس قال : و [ الهرد ] بالضمّ : الکرکم ، وطین أحمر ، وعروق یصبغ بها ، والهردیّ : المصبوغ به.

وفی لسان العرب : الهرد : العروق التی یصبغ بها ، وقیل : هو الکرکم ، وثوب مهرود ومهرد.

وفی تکمله الصغانی : الهرد بالضم : العروق ، والعروق : صبغ أصفر یصبغ به ، وقال أبو عدنان : أخبرنی العالم من أعراب باهله أنّ الثوب یصبغ بالورس ثمّ بالزعفران ، فیجیء لونه مثل لون زهره الحوذانه ، فذلک الثوب المهرود.

وهکذا دارت معاجم اللغه فی هذا المدار ، وتحیّرت کتب غریب الأثر أیضا فی حدیث وردت فیه لفظه « مهرودتین » أو « مهروذتین » أو « مهروئتین » (2) ، لکن السیّد المدنی قال فی الأثر : « فی مهرودتین ، أی فی حلّتین مصبوغتین بالهرد ، أو فی شقّتین ؛ أخذا من الهرد وهو الشق ، والأوّل هو الصواب ». والحقّ معه إذ بمقارنه بسیطه بین ما قاله السیّد المصنف وما ارتبکوا فیه وتمحّلوا ، یظهر لک صواب ما قاله وصحه اشتقاقه وسقم ما تأوّلوه وحاروا فیه.

هذا ، إذا أعرضنا عن عدم ذکرهم أنّ لفظه « الهرد » معرّبه عن « هلد » بالهندیه ، فإنهم لم یذکروا ذلک ، بل لم تذکره أکثر کتب المعرّب.

وهنا نری براعه السیّد المصنف فی ذکره أصل الهرد وأنه معرب ، وفی ذکره للفعل الماضی الثلاثی « هرد » ، وفی ذکره بابی فعله المضارع حیث نص علی ان

ص: 194


1- 1. المحیط فی اللغه 3 : 441.
2- 2. انظر الفائق 3 : 397 ، والنهایه 5 : 258 ، والغریبین 6 : 1926 - 1927.

المضارع من بابی « قتل » و « ضرب » ، أی هرد یهرد ویهرد ، وذلک ما لم تذکره معاجم اللغه العربیه.

* وفی ماده « اشر » قال : « أشرت المرأه أسنانها أشرا - کقتل وضرب وأشّرتها تأشیرا : حدّدتها ورقّقت أطرافها ، وهو ثغر مأشور ومؤشّر ».

فذکر أنّ مضارع « أشر » هنا من بابی « قتل » و « ضرب » ، مع أنّ المعاجم المتداوله بین غافله عن ذکر مضارع « اشر » الثلاثی بهذا المعنی ، وبین ذاکره المضارع من باب « ضرب » فقط.

ففی الصحاح : وتأشیر الأسنان : تحزیزها وتحدید أطرافها.

وفی المحیط : وفی الحدیث « لعن الله الواشره والمؤتشره » وهی الآشره تأشر أسنانها ، أی تصیّرها ذوات أشر ، وهی تحزیز اطرافها (1).

وفی مصباح الفیومی : أشرت المرأه أسنانها : رقّقت اطرافها.

وفی اللسان : وقد أشرت المرأه أسنانها تأشرها أشرا ، وأشّرتها : حزّزتها.

وفی القاموس : أشرت أسنانها تأشرها أشرا ، وأشّرتها : حزّزتها. واقتصر علیه الزبیدی فی التاج فلم یضف ضبطا آخر لمضارعه.

وفی أفعال السرقسطی : وأشرن النساء أسنانهنّ : رقّقن أطرافها (2).

فهذا ما ذکر فی المعاجم المتداوله ، ولم یذکر أرباب غریب الحدیث شیئا جدیدا ذا بال هنا ، إذ الجمیع اقتصروا علی ذکر التأشیر فی حدیث النبیّ « لعن الله الواشره والموتشره » ، وقد ذکر الصاحب بن عباد والفیروزآبادی وابن منظور مضارعه

ص: 195


1- 1. المحیط 7 : 377.
2- 2. الأفعال 1 : 103.

من باب « ضرب » غافلین عن ذکر باب « نصر » ولکنّ السیّد المصنف لعنایته بذکر عین الفعل المضارع ، لم یفته أن یذکر بابی المضارع.

* وفی المجاز من ماده « جفر » قال : « جفر المریض ، کنصر : طاب وخرج من مرضه ».

ومن ذکر هذا المعنی من اللغویین لم یذکر عین الفعل المضارع ، فانهم اقتصروا علی ذکر فعله الماضی فقط.

ففی المحیط : وجفر من مرضه إذا خرج منه (1). وذکر نفس هذا النص الصغانی فی التکمله.

وفی القاموس : وجفر من المرض : خرج. ولم یذکر الزبیدی عین المضارع.

هذا ، ناهیک عن أنّهم ذکروا هذا الاستعمال دون الاشاره إلی أنّه من المجاز ، وقد أوضح السیّد المصنف کلا هاتین النکتتین فذکر أن هذا الاستعمال مجازی ، کما ذکر عین مضارعه.

* وفی المجاز من ماده « حدر » قال : « وحدرت العین الدمع ، کنصر وضرب : أرسلته. والدموع الکحل : سالت به. وتحدّرت دموعه وتحادرت : تصبّبت ».

وکثیر من کتب اللغه هنا اقتصرت علی « تحدّر الدمع » ، ومن ذکر الفعل الماضی والمضارع منهم اقتصر علی ذکر أنّه من باب « نصر » غافلین عن ذکر باب « ضرب ».

ففی المحیط : وحدرت العین الدمع فانحدر وتحدّر (2).

وفی الاساس : والعین تحدر الدمع ، والدمع یحدر الکحل.

ص: 196


1- 1. المحیط 7 : 91.
2- 2. المحیط 3 : 35.

وفی العین : وحدرت عینی الدمع ، وانحدر الدمع (1).

وفی تهذیب اللغه : وحدرت عینی الدمع ، فانحدر الدمع وتحدّر (2).

وفی لسان العرب : وحدر الدمع یحدره حدرا وحدورا ، وحدّره فانحدر وتحدّر ، أی تنزّل.

واقتصر فی القاموس علی قوله : وتحدّر تنزّل. وشرحها الزبیدی فی تاجه فقال : ( و ) حدر الدمع یحدره حدرا وحدورا ، وحدّره ، فانحدر و ( تحدّر ) أی ( تنزّل ) (3).

ثمّ قال فی موضع آخر بعده : ومن المجاز : الدمع یحدر الکحل (4).

فهم جمیعهم لم یذکروا مضارعه من باب « ضرب » مقتصرین علی أنّه من باب « نصر » ، والسیّد المصنف جمع بین بابی مضارعه ، حرصا علی أن لا یفوته شیء من ذلک.

* وفی ماده « خسر » قال : « وأخسر الرجل إخسارا : وقع فی الخسران ... والمیزان : نقصه ، کخسره یخسره - بتثلیث العین - خسرا ، وخسّره تخسیرا ».

وتثلیث عین المضارع لم نر من ذکره ، بل اقتصروا علی أنّه من باب فرح أو منع ، وتنازعوا فی وروده من باب « ضرب » ثمّ صحّحوا وروده من هذا الباب ، وبالتالی فلم یذکروا ورود مضارعه مضموم العین من باب « نصر ».

ففی العین : کلته ووزنته فأخسرته ، أی نقصته (5).

ص: 197


1- 1. العین 3 : 178.
2- 2. تهذیب اللغه 4 : 407.
3- 3. تاج العروس 10 : 561.
4- 4. تاج العروس 10 : 563.
5- 5. العین 4 : 195.

وفی المحیط : وأخسرته أی نقصته (1). فاقتصروا علی الرباعی.

وفی التهذیب : ویقال کلته ووزنته فأخسرته ، أی نقصته ، قال الله عزّ وجلّ : ( وَإِذا کالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ یُخْسِرُونَ ) قال الزجاج : أی ینقصون فی الکیل والوزن ، قال : ویجوز فی اللغه « یخسرون » ، یقال : أخسرت المیزان وخسرته ، ولا أعلم أحدا قرأ « یخسرون » (2).

وفی الصحاح : وخسرت الشیء - بالفتح - وأخسرته : نقصته (3).

وفی الأساس : أخسر المیزان وخسّره وخسره : نقصه (4).

وفی مصباح الفیومی : أخسرت المیزان إخسارا : نقصت الوزن ، وخسرته خسرا من باب ضرب لغه فیه (5).

وفی المقاییس : یقال خسرت المیزان وأخسرته ، إذا نقصته. ومثله فی المجمل (6).

وفی القاموس والتاج : ( خسر کفرح وضرب ) الثانی لغه شاذه کما صرّح به المصنف فی البصائر ، قال : ومنه قراءه الحسن البصری « ولا تَخْسِرُوا المیزان » ( خسرا ) ...

وفی التاج قال أیضا : وخسر الوزن والکیل خسرا ، وأخسره نقصه. ویقال : کلته

ص: 198


1- 1. المحیط 4 : 260.
2- 2. التهذیب 7 : 162 - 163.
3- 3. الصحاح 2 : 645.
4- 4. أساس البلاغه : 110.
5- 5. المصباح المنیر : 169.
6- 6. مقایس اللغه 2 : 182 ، ومجمل اللغه 2 : 186.

ووزنته فأخسرته ، أی نقصته. هکذا فسّر الزجاج قوله تعالی : ( أَوْ وَزَنُوهُمْ یُخْسِرُونَ ) أی ینقصون فی الکیل والوزن ، قال : ویجوز فی اللغه « یخسرون » ؛ تقول : أخسرت المیزان خسرته ، قال : ولا أعلم أحدا قرأ « یَخْسِرُونَ » ، قلت وهو قراءه بلال بن أبی برده (1).

وفی لسان العرب : وخسرت الشیء - بالفتح - وأخسرته : نقصته. وخسر الوزن والکیل خسرا وأخسره : نقصه. ویقال : کلته ووزنته فأخسرته ، أی نقصته. قال الله تعالی ( وَإِذا کالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ یُخْسِرُونَ ) ؛ الزجاج : أی ینقصون ... ثمّ نقل ما سلف نقله من کلام الزجاج.

وفی أفعال السرقسطی : خسرت المیزان خسرا ، وأخسرته : نقصته (2). ومثله بالضبط فی أفعال ابن القطاع (3).

فها هم یذکرون ماضیه « خسر » مقتصرین علی ذلک معتمدین علی فهم القارئ ، وبعضهم صرّح أنّه من باب منع أو فرح وقد وردت به قراءه بلال بن أبی برده ، وأبان ، وعثمان (4).

وأما کونه من باب « ضرب » فقد أرسله السیّد المصنف ارسال المسلّمات بلا تطویل ممل کما قرأت ، ولا حذر کحذر الفیومی ، ولا دعوی الشذوذ کما فی البصائر إذ لا معنی لذلک بعد ورود هذا الباب فی قراءه الحسن البصری کما صرح بذلک فی التاج ، وقراءه بلال بن أبی برده کما فی التاج واللسان وغیرهم ، وقراءه زید بن علیّ

ص: 199


1- 1. تاج العروس 11 : 164.
2- 2. الأفعال للسرقسطی 1 : 435.
3- 3. الأفعال لابن القطاع 1 : 279.
4- 4. انظر معجم القراءات القرآنیه 7 : 46.

کما فی معجم القراءات القرآنیه (1) ، وکل هؤلاء ممن یحتج بکلامهم من ارباب الکلام فی العصور المتقدّمه.

وأمّا کون مضارعه من باب « نصر » مضموم العین ، فهو اللغه الثالثه التی أرسلها السیّد المصنف إرسال المسلّمات ، وهم لم یذکروها فی معاجمهم ، مع أنّه قد وردت بها قراءه من قراءات العرب ، فلا حجه لهم فی عدم ذکرها.

ففی تفسیر أبی السعود : وقرئ « ولا تَخْسِروا » بفتح التاء ، وضمّ السین وکسرها - یقال : خسر المیزان یخسره ویخسره - وبفتح السین أیضا (2) ... فصرّح بأنّ الفعل مثلث عین المضارعه.

وفی البحر المحیط : وقرأ الجمهور ( وَلا تُخْسِرُوا ) من أخسر ، أی أفسد ونقص ... وبلال بن أبی برده وزید بن علیّ « تخسر » بفتح التاء ؛ یقال خسر یخسر وأخسر یخسر بمعنی واحد کجبر وأجبر ، وحکی ابن جنّی وصاحب اللوامع عن بلال فتح التاء والسین مضارع خسر بکسر السین ... وقرئ أیضا تَخْسُرُوا بفتح التاء وضمّ السین (3) ...

وبعد وجود التصریح بصحه ورود قراءه عن العرب بضم عین المضارعه لا معنی للتخطی عن ذکر هذا المضارع المضموم العین ، فمن هنا ذکر السیّد المصنف أن مضارع « خسر » مثلث العین فی المضارع (4).

* وفی ماده « طزر » قال : « طزره طزرا ، کنصر : دفعه بلکز ؛ عن ابن الأعرابی ».

ص: 200


1- 1. انظر معجم القراءات القرآنیه ومآخذه فی هذه القراءه 7 : 45.
2- 2. تفسیر أبی السعود 8 : 177.
3- 3. البحر المحیط 8 : 189.
4- 4. وانظر ما ذکرناه سابقا من أخذه من کتب التفسیر واستدراکه ما فات علی اللغویین منها.

وهذا المعنی لم یذکر فی العین ولا الصحاح ولا التهذیب ولا الجمهره ولا المحیط ولا المصباح ولا المقاییس ولا المجمل ولا الأساس ولا کثیر من مصادر اللغه ، بل بعضهم أهمل الماده « طزر » کلها فلم یذکرها أصلا ؛ کالجوهری فی صحاحه ، والصاحب فی محیطه ، والأزهری فی تهذیبه وغیرهم. ومن ذکر هذا المعنی لم یذکر مضارع هذا الفعل « طزر » ولم یصرّح به.

ففی تکمله الصغانی ، قال : روی ثعلب عن ابن الأعرابی : الطّزر : الدفع باللّکز ؛ یقال طزره طزرا ، إذا دفعه (1).

وفی القاموس والتاج : ( الطّزر ) أهمله الجوهری ، وقال ثعلب عن ابن الأعرابی هو ( الدفع باللکز ) یقال طزره طزرا إذا دفعه (2).

فقد ذکروا الفعل والمصدر ولم یصرحوا بحرکه عین المضارع ، فأوضحه السیّد المصنف ، وذکر أن المضارع علی أنّه لم یفته أن یذکر أن هذا المعنی نقله ابن الأعرابی لا غیره ، ولذلک قال : عن ابن الأعرابی.

* وفی ماده « أصص » قال : « وأصّت الناقه تئصّ وتؤصّ وتأصّ أصیصا : سمنت واشتدّ لحمها وتلاحکت ألواحها ، فهی أصوص ، کرسول ».

وتثلیث عین المضارع لم یذکر فی المعاجم اللغویه المتداوله التی علیها المدار ، إذ اقتصرت علی ذکر « تئصّ » و « تؤصّ » دون « تأصّ » ، هذا مع وقوع الاختلاف بینهم فی کسر عین المضارع وضمّها ، ناهیک عن عدم ذکرهم فتحه.

فقد اقتصر ابن فارس فی مقاییسه علی قوله : ویقال للناقه المجتمعه الخلق

ص: 201


1- 1. التکمله والذیل والصله 2 : 89.
2- 2. القاموس والتاج « طرز ».

أصوص.

وقال فی مجمله : وناقه أصوص مجتمعه الخلق. فلم یذکر حتّی الفعل الماضی فضلا عن المضارع وحرکه عینه.

واقتصر السرقسطی وابن القطاع علی ذکرهما الفعل الماضی والمصدر دون المضارع ، فقالا : أصّت الناقه أصّا : اشتدّت ، فهی أصوص (1).

وفی المحیط الأصوص : الناقه الحائل السمینه ... وقیل هی الموثقه الخلق ، وجمعه أصص ، وقد أصّت تؤصّ (2).

وفی الصحاح : أبو عمرو : وناقه أصوص أی شدیده ، وقد أصّت تؤصّ ، حکاه عنه أبو عبید.

فها هما قد اقتصرا علی نقل لغه ضم عین المضارع ، وجاء الصغانی لینقل لغه کسر المضارع أیضا ، فقال فی التکمله : أبو عمر : أصّت الناقه تئصّ - بالکسر - إذا اشتدّ لحمها وتلاحکت ألواحها ، لغه فی تؤصّ ... الأصوص الناقه الحائل.

وکذلک اقتصر الفیروزآبادی علیهما فقال : وأصّت الناقه تؤصّ وتئصّ : اشتد لحمها وتلاحکت ألواحها وغزرت ...

وفی لسان العرب : ناقه أصوص ... وقد أصّت تئصّ ... وقد أصّت تؤصّ أصیصا ، إذا اشتد لحمها وتلاحکت ألواحها.

وفی تاج العروس ذکر اختلافهم فی الضم والکسر ، فقال : « أصّت ( الناقه تؤصّ ) بالضمّ ، قاله أبو عمرو ، وحکاه عنه أبو عبید ؛ نقله الجوهری ( وتئصّ ) بالکسر ،

ص: 202


1- 1. الأفعال للسرقسطی 1 : 83 ، والأفعال لابن القطاع 1 : 53.
2- 2. المحیط 8 : 216.

أصیصا ، وهذه عن أبی عمرو أیضا کما نقله الصاغانی وضبطه ، وقال أبو زکریا عند قول الجوهری : « تؤصّ » بالضم : الصواب تئصّ بالکسر لأنّه فعل لازم ، وقال أبو سهل النحوی : الذی قرأته علی أبی أسامه فی الغریب المصنّف : أصّت تئصّ - بالکسر - وهو الصواب ، لأنّه فعل لازم.

قلت : وقد جمع بینهما الصاغانی ، وقلّده المصنّف [ أی الفیروزآبادی ] إذا ( اشتد لحمها وتلاحکت الواحها ) قال شیخنا : لم یذکره غیر المصنّف ، فهو إما أن یستدرک به علی الشیخ ابن مالک فی الأفعال التی أوردها بالوجهین ، أو یتعقّب المصنّف بکلام ابن مالک وأکثر الصرفیین واللغویین حتّی یعرف مستنده. انتهی.

قلت : الصواب أنّه یستدرک به علی ابن مالک ویتعقّب ، فإن الضمّ نقله الجوهری عن أبی عبید عن أبی عمرو ، والکسر نقله الصاغانی عن أبی عمرو أیضا ، وصوّبه أبو زکریّا وأبو سهل ، فهما روایتان ، وهذا هو المستند ، فتأمّل » (1).

فلاحظ اختلافهم ، وتطویلهم فی تصحیح حرکه هذا المضارع أو ذاک ، مع ورود النقل بکلیهما وصحتهما عند الأئمّه ، ولم یلتفت السیّد المصنف إلی مثل ذلک مع ثبوت النقل ، وزاد علیهم لغه فتح عین المضارع ، فنقل لغه « تأصّ » مستدرکا علیهم ما فاتهم.

فهذه بعض النماذج التی حرص المصنف فیها علی ذکر حرکه عین المضارع ، واستدراکه علی اللغویین ما لم یذکروه فی معاجمهم ، فکان عمله هذا إغناء للعمل المعجمی ، وزیاده فی إثراء اللغه العربیه.

ص: 203


1- 1. تاج العروس 17 : 474 - 475.
ح - ذکره لحروف التعدیه ، وبیانه لاختلاف المعنی باختلافها

لقد منیت معاجم العربیه فی هذا المجال بخللین. أفترضت ضروره رقعهما وسدّ خللهما.

الأوّل : ما ذکره الأستاذ الشدیاق قائلا :

ومن هذا القصور تعریفهم لفظه بلفظه أخری من دون ذکر الفرق بینهما بالنظر إلی تعدیتهما بحرف الجر ، کقول الجوهری مثلا : الوجل الخوف ، ومثلها عباره القاموس والمصباح ، مع أن « وجل » یتعدی ب- « من » وخاف یتعدی بنفسه.

وکقوله أیضا : الجنف المیل ، وقد جنف - بالکسر - یجنف جنفاً.

ومنه قوله تعالی ( فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً ) وهو یوهم أنّه یقال : جنف عنه وعلیه وإلیه ، کما یقال مال عنه وعلیه وإلیه. وعباره المصباح « جنف جنفا من باب تعب : ظلم » وهی توهم أنّه یقال « جنفه » کما یقال « ظلمه ». وعباره العباب « الجنف : المیل والجور والعدول ».

وکقول المصنف [ أی الفیروزآبادی ] : « العتب : الموجده والملامه » و « لام » یتعدی بنفسه ، وعتب ووجد یتعدّیان ب- « علی ».

وکقوله أیضا : « العوذ الالتجاء کالعیاذ ... والاستعاذه » و « عاذ » یتعدی بالباء و « التجأ » یتعدی ب- « إلی ». وعباره المحکم عاذ به

ص: 204

عوذاً وعیاذا ومعاذا : لاذ به.

وکقوله فی آخر ماده « حسب » : « واحتسب انتهی » ؛ و « انتهی » یتعدی ب- « عن » - یقال : انتهی عنه ، أی کفّ ، وهو مطاوع نهی - ویتعدی أیضا ب- « إلی » ، و « احتسب » یتعدی بنفسه نحو « احتسب أجرا عند الله » أی ادّخره عنده ، ویتعدی أیضا بالباء نحو « احتسب بالشیء » أی اکتفی ، و « فلان لا یحتسب به » أی لا یعتد به. وهذا النموذج کاف انتهی کلامه (1).

ونحن وإن کنّا لا نذعن تماما بما قرّره الأستاذ الشدیاق من القصور ، لأنّا لانری اللغویین - وحتّی الفیروزآبادی - یلحظون هذه الدقه التی افترضها الاستاذ ، لأنّهم کما هو ظاهر للعیان یریدون بیان مؤدّی ومعنی الکلمه المشروحه ، فیوضحونها بما هو أوضح وأجلی وأعرف عند السامع ، أی أنّهم یلاحظون نفس المعنی المصدری دون ملاحظه الفعل الماضی ، فضلا عن ملاحظه ما یتعدی به ، لأنّ الغرض هو البیان والإیضاح والتعریف ، وما سوی ذلک لم یتقیّدوا بالتزامه.

نعم ، ربّما یکون کلامه متینا وإشکاله واردا فی الأفعال ، حیث أنّهم إذا شرحوا فعلا بفعل ، تبادر إلی الذهن تعدیتهما بنفس حرف التعدیه ، ففی مثل ذلک ینبغی الدقه ومعادله الفعل بفعل آخر یتعدی بمثل ما یتعدی به.

أقول : نحن وإن کنا لا نذعن بذاک ونؤیّد هذا ، نری خلوّ معجم الطراز من هذه الإشکالیه التی طرحها الأستاذ الشدیاق ، فهی علی دقتها الشدیده ، لا نراها جاریه فی کتاب ( الطراز ) إذ صنّف بدقه متناهیه فی هذا المجال ، حتّی خلا عن مثل هذه

ص: 205


1- 1. الجاسوس : 12.

النکات السلبیه الظریفه جدّا.

فما طرحه من الإشکال علی القاموس فی « العتب : الموجده والملامه » إذا سلّم وردده علی خصوص القاموس ، فإنه مرتفع فی اصل اللغه ، وخصوصا بملاحظه ما ذکره السیّد المدنی فی ماده « عتب » حیث قال : « عتب علیه وعتبه : إذا وجد علیه » ، فنحن نری « وجد » و « عتب » یتعدیان بنفس الحرف « علی » وهذه من دقه السیّد المصنف ، ومن ناحیه أخری ، فإنّه لا إشکال فی شرح « العتب بالملامه » لأنّ « لام » کما یتعدّی بنفسه ، فإنّ « عتب » أیضا یتعدّی بنفسه کما نقله السیّد المصنّف.

وما طرحه فی ماده « عوذ » ، نراه مرتفعا فی الطراز. حیث قال السیّد المدنی :

« عاذ به ... لجأ إلیه واعتصم به ، کأعاذ به وتعوّذ واستعاذ به ». فذکر الفعل الثلاثی « عاذ » متعدیا بالباء ، وشرحه بفعل آخر « لجأ » وذکر أنّه یتعدی ب- « إلی » فرفع التوهم ، ثمّ بالغ فی رفع التوهّم فعادله بفعل یتعدی بنفس ما یتعدی به الفعل المشروح ، فقال « واعتصم به » ، فإنّ اعتصم یتعدّی بالباء تماما کما یتعدی « عاذ » بالباء.

وما طرحه فی ماده « حسب » ، أیضا متلافی فی الطراز الأول ، حیث قال السیّد المصنّف « واحتسبت بکذا : اکتفیت ». فکما أنّ الفعل « احتسب » یتعدّی بالباء ، فکذلک « اکتفی » یتعدی بالباء ، فلا لبس ولا إیهام.

وهذه نماذج عرضناها ممّا أشکل بها علی القاموس ، واتضح من خلال مقارنتها بالطراز ، خلوّ الطراز من تلک الإشکالات ، وکیف أنّه سار ضمن منهج دقیق ، تخطی به الکثیر من الإشکالیات التی ابتلیت بها معاجم اللغه العربیه.

وهکذا الحال فی جمیع الکتاب وأبوابه وفصوله ، تراه خالیا من الإیهام والتعقید ، بل هو سلس سهل فی تناول موادّه ، خصوصا فیما نحن فیه أعنی الأفعال

ص: 206

باعتبار تعدیها وما تتعدی به من حروف ، علی أنّ الذی أبعد السیّد المصنف عن الوقوع بمثل هذا النقص ، هو اهتمامه بذکر الأفعال وشرحها إمّا بأفعال أخری ، أو بجمل وافیه بشرح المعنی ، ثمّ ذکره ما یشتق منها من مصدر أو اسم مصدر أو اسم مکان أو زمان أو آله أو غیرها ، فهو بعید فی جملته ومنهجه عن شرح المصدر مباشره بمصدر آخر أو غیره من المتصرفات والمشتقات بما یعادلها وذلک ما یجنّبه الوقوع فی إشکالیّه اختلاف تعدیتهما بهذا الحرف أو ذاک ، فهو یشرح الفعل بالفعل ، مطابقا لکلیهما من حیث الدقه فی إیصال المعنی وفی ما یتعدیان به.

الثانی : هو ما یلحظ فی أمّهات کتب اللغه من ذکرهم جمله من استعمالات الفعل واختلاف معانیها ، دون إیضاح ما یتعدّی به ، بل لعلّهم یذکرون الفعل بدون حرف تعدیه ، ثمّ یشرحونه یما یقتضی وجود حرف التعدیه فیه ، وذلک ما یضیّع علی الطالب فرصه التعرف علی کیفیه الاستعمال الصحیح للفعل ، وما یؤدّیه من معنی فی الجمل.

وفی هذا المجال یبرز السیّد المصنف مسابقا مجلّیا فی الحلبه ، حیث دقّق أیما تدقیق فی فصل کل معنی بحسب کل استعمال وفق ما یتعدی به من حرف ، وأطرد هذا فی کتابه ، فجاء نظاما محکما محبوکا فی هذا الباب وإلیک بعض النماذج فی هذا المضمار :

* ففی ماده « زأزأ » قال :

« زأزأه زأزه : طرده وخوّفه.

وعنه الخوف : جنّبه ...

وتزأزأ : تزعزع.

ومنه : خاف وتصاغر له هیبه.

ص: 207

وعنه : تواری.

وفی مشیه : حرّک عطفیه جهده ».

فأما قوله « زأزأ عنه الخوف » بمعنی جنّبه فلم أر من ذکره من أرباب المعاجم المتداوله ، وهو صحیح قطعا أخذا من قولهم زأزأه بمعنی طرده ، فإذا عدیت ب- « عن » صارت بمعنی طرد عنه ، أی جنّبه.

وأما قوله « تزأزأ عنه : تواری » فإنهم لم یذکروا فیه حرف التعدیه ، مقتصرین علی تفسیر « تزأزا » ب- « تواری » و « اختبأ » دون إشاره إلی ما یتعدی به ، أو کیف یستعمل هذا الفعل ، واستشهدوا بشعر جریر :

تبدو فتبدی جمالا زانه خفر

إذا تزأزأت بالسود العناکیب

فإنّ معناه اختبأت وتوارت عن الناس ، فشرحوه بالتواری الذی یتعدی ب- « عن » دون تصریح باستعمال « تزأزا » مع « عن » ، وصنیعهم هذا موهم بأنّه یدل علی معناه بلا حرف ، غیر منبهین علی ما نبّه علیه السیّد المصنف ، من استعماله متعدّیا ب- « عن » وافتراق معناه عنه عند تعدیته ب- « من ».

وکذلک یلاحظ استعمال « تزأزأ فی مشیه : بمعنی حرک عطفیه جهده » ، فإنّ اللغویین اقتصروا علی قولهم « تزأزأ : مشی محرکا أعطافه کهیئه القصار » ، فأوضح السّید المصنّف هذا الاستعمال عبر حرف الجر « فی » لیتضح معنی تحریک العطف ، فلذلک قدم قوله « تزأزأ فی مشیه » ثمّ شرحه بتحریک الاعطاف.

* وفی ماده « فشأ » قال : « وأفشأ علیهم : استکبر ، فهو مفشیء ».

فعدّی الفعل « أفشأ » بحرف الجر « علی » ثمّ شرحه بالفعل استکبر ، وهذا هو المعنی الدقیق لهذا الفعل والاستعمال الصحیح ، وأمّا معاجم اللغه ، فقد تساهلت فی ذلک مکتفیه بقولها : « أفشأ : استکبر » ، متغافله عن أنّ استکبر یتعدی ب- « علی » ،

ص: 208

فلا بد أن یکون الفعل المفسّر متعدیا ب- « علی » ، فتلافی السیّد المصنف هذا القصور أو التقصیر ، وأرجع الأفعال المشروحه إلی الاستعمالات الأصیله وحروفها : متطابقه مع الأفعال الشارحه من حیث التعدّی.

* وفی ماده « فطأ » قال السیّد المصنف : « فطأ ظهر البعیر : غمزه فتطأطأ له ، و [ فطأ ] علیه : حمل عبأ ثقیلا فتطامن ».

وهذان المعنیان مع الفرق بینهما فی غایه الوضوح ، فإن « فطأ » المتعدی بنفسه یقابله بالشرح غمزه المتعدی بنفسه ، و « فطأ » المتعدی ب- « علی » یقابله « حمل » المتعدی ب- « علی » أیضا ، أی حمل علیه عبأ ثقیلا فتطامن ، فالمتعدی بنفسه یعطی معنی الغمز وتطأطؤ البعیر ، والمتعدّی ب- « علی » یعطی الحمل علیه والتطامن من الثقل.

وإذا نظرت إلی عبارات اللغویین فی استعمال هذا الفعل ، وقفت امام رکام هائل من الخلط بین هذین المعنیین ، بحیث یصعب علی القارئ أن یهتدی إلی الفرق بینها بسهوله.

ففی القاموس والتاج : فطأ ظهر بعیره - کمنع - أی حمل علیه حملا ثقیلا فاطمأنّ ودخل (1).

وفی الکنز اللغوی لابن السکیت فطأت ظهر دابتک : إذا حملت علیها فأثقلتها (2).

وفی کتاب الأفعال لابن القطاع فطأ ظهر الدابه أثقلها فدخل ظهرها (3) ... وأیضا

ص: 209


1- 1. القاموس والتاج « فطأ ».
2- 2. الکنز اللغوی : 212.
3- 3. الأفعال لابن القطاع 2 : 484.

ضرب ظهر الدابه بیده.

وفی الأفعال للسرقسطی : فطأ ظهر الدابه : إذا أثقلها فیندخل ظهرها (1).

وفی العباب والصحاح : أبو زید : فطأه أی ضربه علی ظهره ، مثل حطأه (2).

وفی الجمهره : وفطأت ظهره أفطؤه فطأ إذا حملت علیه حملا ثقیلا حتّی یتفزّر ، أو ضربته حتّی یطمئن (3).

وهکذا تظهر عباراتهم متداخله فی المعنیین ، فلا یحسّ الفرق بین فطأ ظهر البعیر إذا حمل علیه حمل ثقیلا وبین فطأه إذا ضربه حتّی یطمئن ، لا یحس الفرق بینها إلاّ بشقّ الأنفس ، إذ أوضح عباراتهم فی هذا المورد هی عباره الجمهره وهی کما تری غیر مفصحه عن الفرق بشکل واضح ، بخلاف عباره السیّد المدنی وتفریقه بین المعنیین والاستعمالین من خلال تعدیه الاول بنفسه ، وتعدیه الثانی ب- « علی » لأنّ فیه معنی الحمل ، فاتضح الفرق جلیّا بین التطامن والتطأطؤ من الغمز وبینه من الحمل علیه.

* وفی ماده « ذأر » قال :

« ذئر ، کتعب : غضب واشتدّ غیظه.

ومنه : فزع.

وعلیه : اجترأ ...

ص: 210


1- 1. الأفعال للسرقطی 4 : 32.
2- 2. العباب والصحاح « فطأ ».
3- 3. جمهره اللغه 2 : 179.

وبه : ضری واعتاده ، فهو ذئر ».

ولم تذکر هذه الاستعمالات بهذا النسق وهذا الوضوح فی المعاجم ، بل ذکرت مرتبکه متفاوته الدرجه من الوضوح بین عباره وأخری ، هذا ناهیک عن أنّهم جمیعا قالوا « ذئر : فزع » ، ولم یعدّوه ب- « من » ، لکنّ السیّد المصنّف لاحظ الدقه فذکر استعماله مع « من » فقال : « ذئر منه : فزع » لأنّ الفزع أیضا یتعدی ب- « من » یقال « فزع منه » ، فتعدیه ذئر ب- « من » هو الاستعمال الصحیح الذی یقابل « فزع منه ».

* وفی ماده « قیس » قال : « قاس به وعلیه وإلیه قیسا ، کباع : قدّره به ، فانقاس ».

هنا جمع السیّد الحروف التی یتعدی بها الفعل « قاس » ، وهی الباء و « علی » و « إلی » ، مع أن باقی المعاجم ذکرت بعضها دون بعض ، ففی الصحاح ذکر التعدیه بالباء فقط ، وفی القاموس واللسان والعباب ذکروا التعدیه بالباء و « علی » ، واستدراک السیّد المصنف علیهم التعدیه ب- « إلی ».

* وفی ماده « بوص » قال :

« باصه بوصا ، کقال : تقدّمه ، وسبقه ، وفاته ، واستعجله فی تحمیله إیاه أمرا لا یدعه یتمهّل فیه.

وعنه : هرب.

ومنه : استتر.

وعلیه : ألحّ ، وسار سیرا شدیدا ... ومنه خمس بائص أی جاد مستعجل.

ومن العمل : تعب ».

فهذا الترتیب یجعل تناول الماده اللغویه وفهمها سهلا سریعا خلوا من الارتباک والتعقید ، لوضوح کل استعمال طبق حرف الجر وما یتعلق به.

وبمقارنه بسیطه لهذه المستعملات بما ذکروه منها فی معاجم اللغه یتضح

ص: 211

الفارق شاخصا جلیّا بین منهجیه السیّد المصنّف فی ذکر الأفعال ومتعلقاتها ، وبین صنبابیه منهجیتهم وذکرهم المعانی مجمله ضمن المصادر ، دون إیضاح کیفیه استعمال فعلها ومع أیّ حرف یؤدی المعنی الفلانی المتوخّی ، وکیف یتبدل مفاد الفعل بتبدل الحروف المتعلقه به.

ففی القاموس :

البوص : السبق ، والتقدم ، والاستعجال ، والاستتار ، والهرب ، والالحاح ... والتعب.

فذکر المصدر ومعانیه مجمله دون ذکر للفعل ، أو کیفیه استعماله.

وفی لسان العرب :

البوص : الفوت والسبق والتقدم. باصه یبوص بوصا فاستباص : سبقه وفاته ... والبوص أیضا الاستعجال ... وبصته استعجلته ... وباصه فاته ... ومنه حدیث عمر : أنّه أراد أن یستعمل سعید بن العاص فباص منه ، أی هرب واستتر وفاته.

فخلط بین المصادر والأفعال ، وقدّم بعضا وأخرّ بعضا ، وشرح حدیث عمر بثلاثه معان بینها تفاوت دقیق ، کل ذلک بلا ترتیب ولا نسق ولا نظام ، ولا أثر واضح للفعل وما یتعدی به.

وفی الصحاح :

البوص السبق والتقدم ، قال امرؤ القیس :

أمن ذکر لیلی اذ نأتک تنوص

فتقصر عنها خطوه وتبوص

وخمس بائص أی مستعجل ...

فذکر المصدر واستشهد له بشعر فیه الفعل المضارع ، ثمّ ذکر معنی الاستعجال

ص: 212

من خلال اسم الفاعل ، فلم یذکر الفعل الماضی أصلا ولا معانیه.

وفی التهذیب قال :

البوص : الفوت والسّبق ؛ یقال باصنی الرجل أی فاتنی وسبقنی ، وقال اللیث : البوص أن تستعجل إنسانا فی تحمیلکه امرا لا تدعه یتمهل فیه وانشد :

فلا تعجل علیّ ولا تبصنی

ودالکنی فانی ذو دلال

وسار القوم خمسا بائصا أی معجلا ملحّا ... ثعلب عن ابن الأعرابی بوّص : إذا سبق ، وبوّص إذا سبق فی الحلبه (1) ...

فهو أیضا ذکر المصدر وبعض معانیه ثمّ ذکر الفعل الماضی ثمّ ذکر المصدر ومعنی الاستعجال ثمّ أنشد له شاهدا فیه فعله المضارع ، ثمّ جاء بجمله فیها اسم الفاعل « بائص » وذکر معنی آخر للبوص ، ثمّ ذکر المضعّف.

وهذا نفس التخبط فی باقی المعاجم اللغویه ، فأنّها دارت فی نفس هذا المدار (2).

فإذا قارنت هذه العبارات ، بما ذکره السیّد المصنف من ذکر الفعل الثلاثی ، متعدیا بنفسه بمعنی تقدمه وسبقه وفاته ، ثمّ عداه ب- « عن » بمعنی هرب ، وب « من » بمعنی استتر وهو المراد فی حدیث عمر ، وب « علی » بمعنی الالحاح لان ألحّ تتعدی ب- « علی » ، ومن ثمّ افترق المعنی عند تعدیته ب- « من » بالنسبه للعمل ، فانه یکون بمعنی التعب ، فأین ذلک الخلط والارتباک وعدم النسق ، من هذا الطراز الاول

ص: 213


1- 1. تهذیب اللغه 12 : 258.
2- 2. انظر جمهره اللغه 1 : 351 ، والعین 7 : 169 ، ومعجم مقاییس اللغه 1 : 317 - 318 ، والمحیط 8 : 204.

فی ذکر الفعل الماضی واستعمالاته طبق ما یتعدی به؟! إنّ فیما ذکرناه کفایه فی المقام.

ط - حسن الاستقراء والاستقصاء.

إنّ من میزات کتاب الطراز ومنهجیّته هو سعیه للاستقراء والاستقصاء وجمع وبیان الوجوه واللغات ، سواء کان ذلک فی الجموع أو المصادر أو الأسماء الجوامد أو سائر المشتقات ، وکذلک یحاول الاستقصاء فی بیان الوجوه الإعرابیه والصور التی تکلّمت بها العرب فی الجمل ، وهذه المیزه بهذه الشمولیه لم نجدها فی المعاجم الأخری ، فإنها تذکر البعض دون البعض الذی حاول ذکر أکبر قدر من الوجوه واللغات والجموع والمصادر لم یستقصها ولم یصل إلی ما وصل إلیه المصنف فی طرازه الأوّل.

* ففی ماده « بدأ » مثلا ، قال :

« وافعل هذا بادئ بدء کفلس. وبادئ بدیء کبدیع ، وبادئ بدئ ککتف ، وبدء بدء کفلس فیهما ، وبدأه بدأه « کضربه ضربه » ، کل ذلک باضافه الأول إلی الثانی ، والهمز فیهما.

وبدء ذی بدء کفلس فیهما ، وبدء ذی بداءه کفلس وسحابه ، وبدء ذی بدأه ک « ضرب ذی ضربه » ، وبدأه ذی بدء ک « ضربه ذی ضرب » ، وبدأه ذی بدأه کضربه فیهما ، وبدیء ذی بدیء ، کبدیع فیهما ، وبدأه بدأه بالبناء کصحره بحره ، والکلمتان فی کلّ ذلک بالهمز.

ص: 214

وبادی بدیء کبدیع ، وبادی بداء کسحاب ، وبادی بدء کفلس ، بسکون یاء الاول بعد القلب تخفیفا فی الثلاث وهمز الثانی فیهن.

وبادی بدی بیاء ساکنه فیهما ، وبادی بدا کقالی قلا ، وبادی بدیّ کوادی علیّ ، وبادی بد بسکون یاء الأوّل وحذف لام الثانی ک « ید » وافعله بدیئا - کبدیع - وبدءا ، وأوّل بدء ، کفلس بالهمز فیهما : کل ذلک بمعنی افعله مبتدئا به أوّل کل شیء ».

ولم یجمع مصدر من المصادر هذه اللّغات ، ولا ذکرها ذاکر بهذا النسق والترتیب ، ولا مثّلوا لها بمثل ما مثّل به السیّد المصنّف من الوضوح ، بحیث لا یلتبس علی طالب العلم واللّغه أیّ لغه من تلک اللّغات ، فإنّه ذکر أوّلا ما قیل مهموزا فی کلا الکلمتین مع الإضافه ، ثمّ ذکر الکلمتین مهموزتین مستعملتین مع « ذی » فی وسطهما. ثمّ ألحق فی آخر هذه الاستعمالات ما قیل مهموزا مبنیّا ومثّل له بصحره بحره ، ثمّ ذکر ما قیل بإضافه الأوّل بسکون الیاء إلی الثانی المهموز ، ثمّ ذکر المتفرّقات من الاستعمالات التی لا یجمعها جامع أخیرا. ففاق باقی المعاجم بجمعه واستقصائه لکل وجوه هذا الاستعمال مع أنّهم لم یجمعوها جمیعا ، کما فاقها بحسن عرضه لها ودقّه تمثیله لکل استعمال مبهم منها (1).

* وفی ماده « جبأ » قال : « الجبء ، کفلس : واحد الجبأه - کالکمء والکمأه - وهی الکمأه الحمراء ... الجمع أجبؤ وجباء کرجال ، وجبأه کقرده ، وأجباء کأحمال ».

ومعاجم اللّغه ذکرت هذه الجموع مبعثره دون نسق ، مردّده فی بعضها بین کونه

ص: 215


1- 1. قایس بلسان العرب 1 : 27 ، والصحاح 1 : 35 ، والقاموس 1 : 8 ، والعباب 1 : 23 حیث ذکر بعضها وأحال فی الباقی علی المعتل مع تصریحه بأنّ ترک الهمز لکثره الاستعمال ، والتهذیب 14 : 203 - 204 « بدا » ، والمفردات للراغب : 40 « بدا » ، والمحیط 9 : 375.

جمعا أو اسم جمع ، فأثبتها السیّد المصنّف علی نسق واحد وعدّها جموعا ، هذا ناهیک عن أنّ جمیع المعاجم لم تذکر الجمع « أجباء کأحمال » مع أن هذا الجمع هو الغالب المسموع فی جمع القله لما کان مفرده ک « فلس ».

ففی شرح الشافیه : فالمسموع فی قله « فعل » فی غیر الأجوف « أفعال » کأنف وآناف ... وربما اقتصروا فی « فعل » علی أفعل وأفعال فی القله والکثره » (1).

* وفی ماده « دفأ » قال : « ودفئ الرّجل دفأ - کتعب تعبا - ودفاء ودفائیه ، کذهاب وکراهیه : خلاف البرد » والمصدر « دفائیه » لم یذکروه.

* وفی ماده « سرأ » قال : « سرأت الجراده سرءا ومسرءا : باضت ، کسرّأت تسرئه ».

ولم تذکر المعاجم المصدر « مسرءا » مع أنّه مصدر میمی قیاسی ، قال النظام فی شرح الشافیه : ویجیء المصدر [ المیمی ] من الثلاثی المجرّد أیضا علی مفعل - بفتح العین - قیاسا مطردا (2).

* وفی ماده « قمأ » قال : « قمأ إلی المنزل قمأ وقموءا : دخل » ، والمصدر « قموءا » لم یذکروه.

* وقال فیها أیضا : « قمؤ الرجل - ککرم ومنع - قمأه کهضبه ، وقمأ کعهن ، وقمأ کقفل ، وقماء وقماءه ، کسحاب وسحابه ، وقمئ قمأ کتعب تعبا : ذلّ وصغر فی أعین الناس ».

وهذه المصادر کلها لم یجمعها کتاب لغوی فی صعید واحد ، وإنما ذکرت

ص: 216


1- 1. شرح الشافیه 2 : 91 - 375.
2- 2. شرح النظام : 75.

متفرقه ، إذ کل مصدر ذکر بعضا منها دون بعض.

ففی لسان العرب : قمأ الرجل وغیره ، وقمؤ قمأه وقماء وقماءه.

وفی الصحاح : قمؤ الرجل - بالضمّ - قماء وقماءه : صار قمیئا.

وفی التهذیب وقد قمؤ الرجل قماءه (1).

وفی العباب : قمؤ الرجل قماءه وقماء.

وفی القاموس : قمأ - کجمع وکرم - قمأه وقماءه وقمأه بالضم والکسر : ذلّ وصغر. وکتب فی هامش القاموس عند المصدر الأخیر : « وقمأ ». فقد فاته ذکر « قماء » و « قمأ ».

وفی المحیط وقد قمؤ قماءه (2).

وهکذا نراهم یذکرون بعض المصادر دون بعض ، بل فوق ذلک نراهم ذاهلین عن الفعل قمئ کتعب ، وعن مصدره « قمأ » مع أنّ الفعل والمصدر منصوص علیها ، ففی کتاب الأفعال لابن القطاع « قمؤ قماءه : ذل وصغر ، وقمئ قمأ کذلک » (3).

فالسیّد المصنف جمع المصادر فی نسق واحد وصعید واحد ولم یخل بشیء منها ، مع أنّ تلک المصادر یعسر بل - یستحیل عاده - أن تجدها فی مکان واحد ، هذا مضافا إلی ذکره للفعل قمؤ وقمأ وقمئ ، ککرم ومنع وتعب ، فإنهم لم یذکروها کلّها ، غیر ان المهم هنا هو جمعه للمصادر کلّها ، فأمتاز علی سائر المعاجم بهذه المیزه.

* وفی ماده « قنأ » قال : « قنأ اللّبن قنأ : مزجه » والمصدر « قنأ » لم تذکره

ص: 217


1- 1. التهذیب 9 : 363.
2- 2. المحیط 6 : 60.
3- 3. الأفعال 3 : 53.

المعاجم ، فذکره السیّد المصنف لکی لا یخلّ بشیء من المصادر ، هذا علی أنّ هذا المصدر صحیح قطعاً.

ففی شرح الشافیه قال ابن الحاجب : قال الفراء : إذا جاءک فعل مما لم یسمع مصدره فاجعله « فعلا » للحجاز (1) ...

فذکره للمصدر من جمله منهجه فی کتابه ومیزه من میزاته حیث یستقری ویستقصی المصادر والأفعال واللّغات محاولا أن لا یخل بشیء منها.

* وفی ماده « کفأ » قال : « الکفء - کجزء ویفتح ویکسر - والکفؤ کعنق ، والکفوء کسعود ، والکفیء کأمیر ، والکفئ کحذر ، والکفاء ککتاب - وهو فی الأصل مصدر - : المثل والنظیر ».

وهذه اللّغات الثمانیه لم تجمع فی مصدر هذا الجمع ، ولا ذکرت بهذا الوضوح علی هذا النسق الفرید المفصح ، وإلیک ما فی المصادر لتقارن بین ما فیها وما فی الطراز.

ففی المصباح للفیومی : ومنه الکفیء - بالهمز علی فعیل - والکفوء علی فعول ، والکفء مثل قفل : کلّها بمعنی المماثل.

وفی الصحاح : والکفیء : النظیر ، وکذلک الکفء والکفؤ ، علی فعل وفعل.

وفی القاموس : وهذا کفاؤه وکفأته (2) وکفیئه وکفؤه وکفؤه وکفؤه وکفوءه : مثله.

وفی لسان العرب : الکفیء النظیر ، وکذلک الکفء والکفوء ، علی فعل وفعول ... وتقول لا کفاء له بالکسر وهو فی الأصل مصدر ، أی لا نظیر له.

ص: 218


1- 1. شرح الشافیه 1 : 151.
2- 2. فی نسخه من القاموس : وکفیأته. وقال الزبیدی : وفی بعض النسخ بالفتح والمدّ.

وفی التهذیب : وقال الزجاج فی قوله ( وَلَمْ یَکُنْ لَهُ کُفُواً أَحَدٌ ) فیها أربعه أوجه ، القراءه منها بثلاثه : کُفُؤاً بضم الکاف والفاء ، کُفْؤاً بضمّ الکاف وسکون الفاء ، وکِفْأً بکسر الکاف وسکون الفاء ، ویجوز کفاء بکسر الکاف والمدّ ولم یقرأ بها ... ویقال فلان کفیء فلان وکفؤ فلان (1) ... ونقله عنه فی اللسان.

وفی العباب : والکفیء : النظیر ، وکذلک الکفء والکفوء - بالضم فیهما علی فعل وفعول - والکفء بالکسر ... والکفاء مثال الکساء وهو فی الأصل مصدر.

وفی المحیط الکفؤ : المثل ... وهو کفیئک : أی کفؤ لک ... والکفیء علی وزن فعیل هو الکفؤ ... وفلان کفاء لک (2).

وهکذا یلحظ عدم ذکر المعاجم إلاّ لبعض اللّغات ، ثمّ ذکرها لها مفرّقه مشتّته أوزاعا ، وخیر من جمع أکبر قدر منها هو الفیروزآبادی ومع ذلک أخلّ بذکر اثنتین منها ، وهی الکفؤ کعنق والکفئ کحذر ، فکان للسیّد المصنّف قدم السبق فی الجمع والاستقراء والاستقصاء وذکر ما لم یذکروه.

* وفی ماده « کلأ » قال : « والکلأ ، کسبب : العشب رطبا کان أو یابسا ... وکلأت الأرض - کمنعت - وأکلأت : أنبتته ... وهی أرض کالئه وکلئه وکلیئه ومکلئه (3) ومکلأه ، کمزرعه ذات کلأ أو کثیرته ».

وهذه اللغات فی الأرض ذات الکلأ لم تجمع فی مصدر هذا الجمع.

ففی القاموس : « وأرض کلیئه ومکلأه کثیرته » وفی نسخه الزبیدی منه « کلئیّه » بدلا عن « کلیئه » ، وعلی کلّ حال فإن الفیروزآبادی ذکر لغتین فقط ، وزاد الزبیدی

ص: 219


1- 1. التهذیب 10 : 385.
2- 2. المحیط 6 : 336.
3- 3. فی نسخه « ت » و « ش » : تکلئه. وفی « ج » : تکلئیه. وفی التاج کلیئه علی النسبه.

علیها بقوله « ویقال فیه أیضا مکلئه کمحسنه ».

وفی التهذیب : « والکلأ مهموز : ما یرعی ، وأرض مکلئه ... وأرض مکلئه ومکلاء (1) : کثیره الکلأ ... وقال النضر : أرض مکلئه ... والمکلئه والکلئه واحد » (2).

وفی لسان العرب : وأرض کلئه علی النّسب ، ومکلأه ... ومکلئه.

وفی الصحاح : ارض مکلئه وکلئه ، أی ذات کلأ.

وفی العباب وقد کلئت الأرض فهی کلیئه.

وفی مفردات الراغب : ومکان مکلأ وکالئ یکثر کلؤه.

وفی المصباح المنیر : وموضع کالئ ومکلئ : فیه الکلأ.

وفی المحیط وأرض مکلئه وکلئه : مکلأه (3).

فها هنا یتّضح کیف جمع السیّد المصنّف ما تفرّق فی المصادر من الوجوه واللغات واستقصاها ، فوضعها فی موضع واحد ، بحیث یکاد یطمئن طالب اللغه بعدم وجود مفرده ولغه أخری فیما یبحث عنه فی هذا المعنی.

* وفی ماده « لبأ » قال : « اللّبؤه ، کمثله : أنثی الأسد - والهاء فیها لتاکید التأنیث کما فی « ناقه » و « نعجه » إذ لیس لها مذکّر من لفظها لتکون فارقه - وفیها ثمانی لغات أخری لبأه کتمره ، ولباءه کسحابه ، ولبأه کحطمه ، ولبوه - بالواو - کهضبه وسدره وسمره ، ولباه کقظاه ، ولبه کدعه ».

فذکر تسع لغات فی أنثی الأسد لم تجمع ولم تذکر کلها فی معجم من المعاجم اللغویه سوی القاموس ، وزاد علیه حسنا بذکر فائده کون الهاء فی « اللبؤه » لتأکید

ص: 220


1- 1. فات السیّد المصنف أن یذکر هذه المفرده.
2- 2. التهذیب 10 : 363.
3- 3. المحیط 6 : 328.

التأنیث ، حیث أخذ تلک الفائده عن مصباح الفیومی ، وزاد علیه حسنا ودقّه فی تقدیمه لغه « اللّبؤه » لأنّها هی التی ذکرها ثعلب فی الفصیح ، وقال یونس فی نوادره : هی اللغه الجیده ، ولذلک قال شیخ الزبیدی أنّه کان ینبغی للفیروزآبادی تقدیمها علی غیرها.

* وفی ماده « نسأ » قال : « ونسأت عنه الدّین ، وأنسأته إیاه ، وفیه : أخّرته. والاسم النّساء ، والنّسیء ، والنسیئه ، والنّسأه ، والنّسأه ، کبنات ونعیم وخطیئه ونصره وهجره ، أو الاولان مصدران - کالمساس والمسیس - وما بعدهما اسماء.

والذی فی القاموس نسأه أخّره نسأ [ وفی نسخه منه نساء ] ومنسأه ... وبعته بنسأه بالضّمّ ونسیئه علی فعیله بأخره ، والنّسیء الاسم منه (1).

وفی المصباح المنیر : والنّسیء مهموز علی فعیل ... وهو التأخیر ، والنسیئه علی فعیله مثله ، وهما اسمان.

وفی لسان العرب ذکر النسیئه والنسیء والنّسأه بمعنی التأخیر ، ثمّ قال : وقال فقیه العرب : من سرّه النساء ولا نساء فلیخفف الرداء ...

وفی الصحاح النّسأه بالضم التأخیر ... وکذلک النسیئه ... وکذلک النّساء فی العمر ممدود.

وفی التکمله : قال الفراء : النسیء مصدر وقال الأزهریّ : النسیء بمعنی الإنساء اسم وضع موضع المصدر الحقیقی من أنسأت. وانظر تهذیب الأزهری (2).

ص: 221


1- 1. لم یعدّ السیّد المصنف « منسأه » لأنّه مصدر میمی ، وهو فی مقام ذکر اسماء المصادر. واما « النسیء » فقد ذکر الفیروزآبادی أنّه اسم مصدر ولم یشر کالسیّد المدنی إلی أنّ منهم من یعدّه مصدرا.
2- 2. التهذیب 13 : 83.

وفی التهذیب أیضا : وأنسأته الدّین : إذا أخّرته ، واسم ذلک الدین النسیئه (1).

وفی العباب : نسأت الشیء نسأ : أخّرته ، ونسأ الله فی أجله ، ونسأته البیع : بعته بنسیئه ، ونسأت عنه دینه نساء بالفتح والمد وکذلک النّساء فی العمر.

وفی هذا المدار دارت باقی المعاجم اللغویه ، حیث ذکرت النسیء والنسیئه والنّساء ذکرتها مبعثره غیر منظّمه تاره فی خصوص تأخیر الدین ، وأخری عند مطلق التأخیر ، ثمّ إنّهم قد یذکرون - کما عرفت - فی الأثناء تنقیح أنّ « النسیء » مصدر أو اسم مصدر. فهم إذن یذکرون بعض أسماء المصادر لا کلّها ، وذکرهم لها مبعثر یحتاج استقصاؤه إلی قراءه کل الماده اللغویه « نسأ » ، ثمّ إن القارئ لیعیا حتّی یقف علی أنّ النّسیء والنساء مصدران أو اسما مصدرین ، وذلک کله ما لا تجده فی الطراز ، حیث إنه جمع أسماء المصادر وأشار إلی ما قیل إنّها أسماء مصدر ، وذلک کلّه فی محلّه وهو تأخیر الدّین ، هذا ناهیک عن أنّ « النّسأه کهجره » لم تذکر فی أیّ من المعاجم اللغویه المتداوله وامهات الأسفار المشهوره.

* وفی ماده « هتأ » قال : « ومضی من اللیل هتء کفلس ویکسر ، وهتأه کهضبه ، وهتیء کأمیر ، وهتاء ککتاب ، وهیتئ کزبرج ، وهیتاء کغربال : أی جانب ».

وهذه اللّغات مذکوره فی معاجم اللغه إمّا جلّها واکثرها کما فی القاموس واللسان أو بعضها کما فی سائر المصادر ، لکنّها کلّها لم تذکر « هیتئ کزبرج » (2) ، مع أنّ صاحب المنجد ذکر هذه اللغه ، فالسیّد المصنف وکما ذکرنا کان حریصا علی لم شتات اللّغات وجمع متفرقاتها وذکرها فی مکان واحد.

ص: 222


1- 1. التهذیب 13 : 84.
2- 2. وذکر بدلها فی القاموس واللسان « هیتأ کدرهم » فکأنّ السیّد المصنف یری أنّها کزبرج وأنّ ما فی القاموس واللسان غیر ثابت عنده علی الأقل.

* وفی ماده « هزأ » قال : « هزئ به ، ومنه - کسمع - وهزأ کنفع ، وتهزّأ واستهزأ ، هزءا بالفتح ، وهزوءا کجلوس ، ومهزأ ، ومهزأه : سخر منه وما زحه. والاسم الهمزء - بالضمّ وبضمّتین - والمهزؤه کمکرمه ».

وکتب فی هامش نسخه « ش » شاهد الهزوء کجلوس قول حفص :

أعدت هزوءا به وحقّ لها

مما ذأت أن یطول مهزؤها

وکتب بعدها « منه ».

وهذا البیت فی الواقع شاهد للهزوء مصدرا ، کما هو شاهد للمهزؤه اسم مصدر ، ولا یفوتنا أن ننبه هنا إلی أنّ السیّد المصنف کان قلیلا ما یأتی بالشواهد الشعریه فی متن کتابه ، فهو یذکر اللغات والاستعمالات اللغویه کافّه باعتبارها مسلّمات ثابته ؛ لأنّ اللّغه دوّنت وکتبت ووضعت قواعدها کامله منذ أمد بعید ، وإنما کانوا یأتون بالشاهد کدلیل علی صحه ما ینقلونه من لغه عن العرب.

وأما الیوم فإنّنا نأخذ اللغه - کما صرح السیّد المصنف فی مقدمته - من بطون الأسفار والکتب ، إذ قد انقضی زمان المشافهه والسماع ، ومع هذا القید فلا داعی لذکر الشواهد التی هی أدله صحه المنقولات ، ولذلک تلحظ قله إن لم نقل ندره نقل الشواهد الشعریه علی هذه اللغه أو تلک فی ( الطراز ) ، وهو إذا أعجبه زیاده الافهام نقل الشاهد فی الهامش لا فی المتن ، وإذا ما ذکر شعرا شاهدا فی المتن فهو فی کثیر من الأحیان یلحظ فیه نکته أو التفاته أو معنی یتصیّده لم یلحظوه کما لحظه هو.

والمهم هنا هو ملاحظه منهج السیّد المصنف ومیزته فی الجمع والاستقراء والاستقصاء ، مع حسن العرض والنسق ، ففی المورد المذکور ذکر السیّد رحمه الله الأفعال فی معنی سخر ، فذکر الفعلین « هزئ » و « هزأ » بکسر عین الفعل وفتحها ، ثمّ ذکر تفعّل واستفعل أیضا بمعنی فعل ، فجمع لغات الأفعال المستعمله ، شافعا ذلک

ص: 223

ببیان حرفی التعدیه المستعمل معهما الفعل وهما الباء و « من ».

ثمّ ذکر السیّد رحمه الله المصادر من الفعل « هزئ وهزأ » وجمعها فی نسق واحد جمعا لم نره فی معجم من المعاجم التی قبله ، فانهم ذکروا بعضها دون بعض.

ثمّ ذکر ثالثه أسماء المصادر الثلاثه منه ، فجمع الأفعال ، وما تتعدی به وتستعمل معه من حروف ، ثمّ ذکر المصادر ، ثمّ اسماء المصادر ، ذکرها کلّها مستقصاه مستقراه کامله ، لیس علیها فی مصادر اللغه مزید ، بخلاف معاجم اللغه وقوامیسها ، فانها ذکرت کل ذلک مبعثرا ، خالطه الأفعال وما تتعدی به ، ذاکره المصادر واسماء المصادر مختلطه بعضها مع بعض ، هذا مع أنّهم لم یذکروا المصادر کلّها ولا اسماء المصادر کلها فی مکان واحد ، بل هم فی کل ذلک یذکرون البعض دون البعض ، أو یذکرون الکل مبعثرا دون فصل وتنسیق وترتیب لها ، وإلیک بعض عباراتهم :

ففی العباب : وهزئت منه وبه ، عن الاخفش : هزءا وهزوءا : سخرت منه. وهزأت به أیضا هزءا ومهزأه ، عن أبی زید ومهزؤه.

وفی الصحاح : الهزء والهزء : السخریه. تقول : هزئت منهه وهزئت به ، عن الأخفش. واستهزأت به ، وتهزّأت به ، وهزأتبه أیضا هزء ومهزأه عن أبی زید.

وفی مفردات الراغب : الهزء مزح فی خفیه ... [ ثمّ قال بعد ثمانیه اسطر ] .. یقال : هزئت به واستهزأت ، والاستهزاء ارتیاد الهزء وإن کان قد یعبر به عن تعاطی الهزء ...

وفی مصباح الفیومی : هزئت به أهزأ - مهموز من باب تعب ، وفی لغه من باب نفع - : سخرت منه ، والاسم الهزء ، وتضم الزای وتسکن للتخفیف أیضا وقرئ بهما فی السبعه ، واستهزات به کذلک.

ص: 224

وفی التهذیب الهزء السّخریه ، یقال : هزئ به یهزأ به واستهزأ به (1).

وفی الجمهره : هزئت من الشیء : سخرت منه (2).

وفی المقاییس : یقال : هزئ واستهزأ : إذا سخر.

وفی المجمل : الهزء السخریه ، یقال هزئ به واستهزأ.

وفی المحیط : الهزء السخریه ، هزئ به یهزأ وهزأ ، واستهزأ وتهزأ به (3).

وفی لسان العرب : الهزء والهزء السخریه. هزئ به ومنه. وهزأ یهزأ فیهما هزءا وهزؤا ومهزأه ، وتهزّأ واستهزأ به : سخر.

وفی أفعال ابن القطاع : وهزأت به وهزئت به هزءا وهزءا سخرت منه (4).

وفی الأفعال للسرقسطی : وهزأت به ، وهزئت به هزءا وهزءا : سخرت منه (5).

وفی القاموس : هزأ منه وبه ، کمنع وسمع هزءا وهزءا (6) ومهزأه (7) : سخر ، کتهزّأ واستهزأ.

وبمقارنه بسیطه ونظره سریعه ، یتبین الفرق بین ما فی الطراز وباقی المعاجم ، من حیث أجمعیه الطراز للغات ، مصادر وأسماء مصادر ، ومن حیث دقه العرض والتعدیه وعدم إدخاله بعضا ببعض ، ویتضح من خلال الموازنه بینهما أنّ معاجم

ص: 225


1- 1. التهذیب 6 : 369.
2- 2. الجمهره 2 : 1072.
3- 3. المحیط 4 : 37.
4- 4. الأفعال 3 : 361.
5- 5. الأفعال 1 : 177.
6- 6. فی نسخه الزبیدی زیاده « وهزوءا ».
7- 7. فی نسخه الزبیدی « ومهزؤه » علی مفعله بضمّ العین.

اللغه کلّها منیت بعیب من العیوب ، ونقص من النقائص ، إمّا بعدم ذکر بعضها لأحد حرفی التعدیه ، وإما بإغفالها ذکر بعض المصادر ، وإمّا بإغفالها ذکر بعض أسماء المصادر وإما بخلطها بین المصادر وأسماء المصادر ، وکلّهم لم یذکروا اسم المصدر « المهزؤه کمکرمه » سوی الزبیدی - حیث ضبطها علی ما فی نسخته من القاموس علی مفعله - معدوده فی عداد المصادر ، مع أنّ شعر حفص الاموی الذی ذکره السیّد علی خان المدنی صریح فی صحتها وکونها اسم مصدر من « هزئ ». فهذه میزه واضحه فاق ( الطراز الاول ) بها باقی المعاجم اللغویه من حیث الأجمعیه وعدم الاخلال بشیء من اللغات ، ومن حیث حسن العرض والنسق.

* وفی ماده « هنأ » قال : « هنأنی الولد ونحوه ، یهنؤنی - من باب نفع وضرب وکتب - هنأ وهناء وهناءه ، کضرب وسلام وسلامه : سرّنی ».

وهذه المصادر الثلاثه لم تذکر فی معجم المعاجم اللغویه ، ذکرها السیّد المصنف ، ونظّر أوزانها بکلمات أخری لئلا یقع الالتباس.

* وفی ماده « هوأ » قال السیّد المصنف فی لغات « هأ » و « هاء » و « هاء » :

وهأکدع ، وهاء بالمدّ بمعنی : خذ ، وفی کلّ منهما عدّه لغات ..

أمّا لغات الأولی :

فإحداها : إلزام همزتها السکون علی کلّ حال ، فتقول : هأ ، للواحد والإثنین والجماعه ، مع التذکیر والتأنیث بلفظ واحد.

الثانیه : تصریفها تصریف « دع » فتقول : هأ یا زید کدع ، وهأا یا زیدان ویا هندان کدعا ، وهؤوا یا زیدون کدعوا ، وهئی یا هند کدعی ، وهأن یا هندات کدعن.

الثالثه : تصریفها تصریف « خف » ؛ فتقول : هأ کخف ، وهاءا

ص: 226

کخافا ، وهاؤوا کخافوا ، وهائی کخافی ، وهأن کخفن.

وهی علی اللغه الأولی اسم فعل مبنی علی السکون ، وعلی اللغتین الأخیرتین فعل أمر لا ماضی له ولا مضارع.

وأمّا لغات الثانیه :

فأحدها : إلزام همزتها الفتح علی کلّ حال ؛ فتقول : هاء - کجاء - للواحد وفروعه تذکیرا وتأنیثا.

الثانیه : إلحاق همزتها کاف الخطاب ؛ فتقول : هاءک کجاءک ، وهاءکما کجاءکما ، وهاءکم کجاءکم ، وهاءک کجاءک ، وهاءکنّ کجاءکنّ.

الثالثه : تصریف همزتها تصریف کاف الخطاب ؛ فتقول : هاء کهاک ، وهاؤما کهاکما ، وهاءموا کهاکموا ، وهائی کهاک ، وهاؤنّ کهاکنّ.

والرابعه : تصریفها تصریف ناد ؛ فتقول : هاء کناد ، وهائیا کنادیا ، وهاؤوا ، کنادوا ، وهائی کنادی ، وهائین کنادین.

وأفصحها اللغه الثالثه ، وبها جاء التنزیل ؛ قال تعالی : ( هاؤُمُ اقْرَؤُا کِتابِیَهْ ) ، والکلمه علی اللغه الأخیره فعل أمر غیر متصرّف ، وعلی غیرها اسم فعل.

ویقال أیضاً : ها - بألف ساکنه - للواحد وفروعه تذکیرا وتأنیثا ، وقد تلحق هذه الألف کاف الخطاب ؛ فیقال : هاک یا زید ، وهاک یا هند ، وهاکما یا زیدان ویا هندان ، وهاکم یا زیدون ، وهاکنّ یا هندات.

ص: 227

فهذه تسع لغات فی « ها » بمعنی خذ.

وهاء - بالمدّ والکسر - کهات زنه ومعنی ، وهی تتصرّف بحسب المأمور إفرادا وتثنیه وجمعا وتذکیرا وتأنیثا کاللغه الرابعه فی « هاء » بمعنی خذ. وربّما قالوا فیها : ها - بألف ساکنه - للواحد وفروعه کما قالوه فی « هأ » بمعنی خذ أیضا ، وینبغی أنّ تعدّ علی هاتین اللغتین من الأضداد.

والمهوَئنّ - کمطمئنّ ، وتفتح الهمزه - للصحراء الواسعه ، موضع.

وهذه اللغات لم تذکر فی مصدر من المصادر ولا معجم لغویّ من المعاجم بهذا الجمع والاستقصاء والترتیب ، بل ذکروا بعضها مبعثره غیر منسقه ولا مستقصاه کاستقصاء السیّد المصنف ولا مشروحه وجوهها الإعرابیه والصرفیه کشرحه ، وهذا الجمع والاستقراء والاستقصاء من میزات الطراز ومنهجیه السیّد علی خان التی فاق بها المعاجم التی تقدمته.

فانظر علی سبیل المثال هذه اللغات وما یتعلق بها فی التهذیب للازهری حیث ذکر اللغه الثالثه من الثانیه ثمّ نقلها عن ابن السکّیت ، ثمّ نقل اللغه الثالثه من الأولی ثمّ الرابعه من الثانیه (1).

ثمّ ذکر عن الکسائی انه یقال هات وهاء أی اعط وخذ ... قال : ومن العرب من یقول : هاک هذا یا رجل ، وهاکما ... فذکر اللغه التاسعه التی ذکرها السیّد علی خان.

ثمّ قال : وقال أبو زید : هاءَ یا رجل بالفتح ، وهاءِ یا رجل بالکسر ، وهاء یا للاثنین

ص: 228


1- 1. التهذیب 6 : 478 - 479.

فی اللغتین جمیعا بالفتح ، ولم یکسروا فی الاثنین وهاءوا فی الجمع ... قلت [ والقول للازهری ] : فهذه جمیع ما جاء من اللغات فی « ها » بمعنی « خذ » انتهی. مع أنک تری بعثره اللغات المنقوله وتداخلها بعضها بالبعض ، وأنّ المنقول بعضها ولیس کلّها.

وهکذا بقیه معاجم اللغه فأنّها ذکرت بعض اللغات دون بعض ، ذکرتها متداخله مبعثره ، حتّی أنّ المحققین ربّما اشتبهوا فی ضبط لغه وتمییزها عن أختها الأخری ، لعدم استقصائهم اللغات وعدم التمییز فی السرد والعرض بینها ، فیخلطون لغات « هأ » بلغات « هاء » بلغات « ها » وکلّها بمعنی « خذ » ، وکما یخلطون بین لغات هذه اللغات الثلاثه التی بمعنی « خذ » یخلطون بینها وبین « هاء » التی بمعنی هات.

انظر ذلک الارتباک والخلط والنقص فی عرض هذه اللّغات فی القاموس (1) والتاج (2) والعباب (3) والمصباح (4) والصحاح (5) ومفردات الراغب (6) والتکمله والمحیط (7) واللسان (8) والعین (9) ، وقارن ما ذکروه بما ذکره السیّد المصنف ، فستری أجمعیته واستقصاءه للغات مع حسن العرض والتفصیل بالامثله التی تسهل

ص: 229


1- 1. القاموس 1 : 36.
2- 2. تاج العروس 1 : 517 - 518.
3- 3. العباب 1 : 204.
4- 4. المصباح المنیر : 644.
5- 5. الصحاح 1 : 84 - 85.
6- 6. المفردات : 549.
7- 7. والمحیط 4 : 94 - 95.
8- 8. اللسان 1 : 188.
9- 9. العین 4 : 102.

علی طالب اللغه تناولها واستقصاء وجوهها بلا غناء.

* وفی ماده « وطأ » قال : « وطؤ الموضع یوطؤ - ککرم یکرم - وطاءه ووطوءه وطئه وطأه ، ککرامه وسهوله وعده وسعه : لان ودمث ، فهو وطیء ککریم ».

وهذه المصادر لم تجمع هذا الجمع فی معجم من معاجم اللغه.

ی - توفیقه بین أصول اللغه والاشتقاق الصرفی وبین مسموعاتها.

ومن ممیزات منهجیه السیّد المصنّف ، توفیقه بین الأصول اللغویه التی تردّ لها الکلمات ، وبین المسموع فیها ، فهو یحاول أن یعتمد علی المسموع ما وسعه ذلک ، وإذا کان له وجه فی تطابقه مع الأصول اللغویه ، ذهب إلیه لا محاله.

ففی ماده « جرأ » قال : والجرّیئه کسکّینه : بیت تصاد فیه السباع ، والقانصه ، والحلقوم ، وتخفّف الهمزه فیقال : جرّیّه کعلّیّه ، الجمع جرائئ بهمزتین.

وهنا نری اختلاف المضبوط فی کتب اللغویین ، فهل أنّ الذی بمعنی الحوصله هو الجرّیئه والجرّیّه مخففه عنه؟ أم هو الجریّه أم الجرّئه؟

وهل أنّ الذی بمعنی البیت الذی تصاد فیه السّباع هو الجرّیئه والجرّیّه أیضا ، أو هو الجریئه مثال خطیئه؟! هذا مع اختلافهم فی النقل عن أبی زید ، واختلاف کلماتهم وعدم وضوحها فی هل أنّ هناک فرقا فی الفاظ هذه المعانی أو بعضها ، خصوصا « الجرّیئه » أو « الجرّیّه » ، وأیّهما الأصل؟

وهل هما لغتان مستقلتان ، أم أنّ أحداهما فرع عن الأخری؟

وهنا نری السیّد المصنّف یأخذ لبّه المطلب ، ویعرضه عرضا خالیا عن الارتباک والتکلّف ، فیقرّر أنّها جمیعها بالهمز « جرّیئه » وأنّ اللغه الأخری « جرّیه » مخففه

ص: 230

عنها فی الجمیع.

هذا من ناحیه ، ومن ناحیه أخری ، سنقف علی تصریحهم تبعا لأبی زید بأنّ « جرائئ » باجتماع الهمزتین من الأصول المرفوضه وغیر المأخوذ بها ، لکنّ السیّد المصنّف لا یأبه بذلک بعد ورود السماع به ، فینقل هذا الجمع مصرّحا أنّه بهمزتین مطابقا لأصل المفرد. وإلیک بعض کلماتهم.

ففی نوادر أبی زید قال فی البیت الذی تصاد فیه السباع : الجرّیئه مهموزه ... وجماعها الجرائی بهمزتین مخففتین ، قال أبو حاتم : واجتماع الهمزتین غیر مأخوذ به ولا مفلح. والجرّیئه أیضا قانصه الطیر (1).

وفی التهذیب ، قال : أبو عبید عن الفراء : یقال : ألقه فی جریّتک (2) ، وهی الحوصله. أبو زید : هی القریّه والجریّه (3) النوطه لحوصله الطائر ؛ هکذا رواه ثعلب عن ابن نجده عنه بغیر همز ، وأما ابن هانی فانه روی لابی زید الجرّئه (4) بالهمز (5).

وفی لسان العرب : الجرّیّه والجرّیئه : الحلقوم. والجرّیئه ممدود : القانصه (6) ، التهذیب : أبو زید : هی الفرّیّه والجرّیّه والنّوطه لحوصله الطائر ؛ هکذا رواه ثعلب عن ابن نجده بغیر همز ؛ وأمّا ابن هانئ فإنّه قال : الجرّیئه مهموز ؛ لأبی زید ، والجریئه مثال خطیئه : بیت یبنی من حجاره ویجعل علی بابه حجر یکون أعلی الباب ، ویجعلون لحمه السّبع فی مؤخّر البیت ، فإذا دخل السبع فتناول اللحمه

ص: 231


1- 1. النوادر فی اللغه : 259.
2- (2. 4 ) یبدو أنّ ما فی التهذیب هنا من غلط النسخ ، کما ستعلم من خلال ما نقله ابن منظور عنه.
3- 3. التهذیب 11 : 173.
4- 4. لاحظ صنیعه فانه مشعر بأنّ فی الحلقوم لغتین ، وفی القانصه لغه المد فقط.

سقط الحجر علی الباب فسدّه. وجمعها جرائئ ؛ کذلک رواه أبو زید ، قال : وهذا من الأصول المرفوضه عند أهل العربیه إلاّ فی الشذوذ.

وفی القاموس والتاج ( والجریئه کالخطیئه : بیت ) یبنی من الحجاره ویجعل علی بابه حجر یکون أعلی الباب ( یصطاد فیه السباع ) لأنّهم یجعلون لحمه للسبع فی مؤخّر البیت فإذا دخل السبع لیتناول اللحمه سقط الحجر علی الباب فسدّه ( ج جرائئ ) رواه أبو زید ؛ قال : وهذا من الأوزان المرفوضه عند أهل العربیه إلاّ فی الشذوذ ( و ) قال ابن هانئ : الجرّیئه بالمد والهمز ( کالسکّینه ) وفی بعض النّسخ : بالتخفیف ، وفی أخری بغیرها ( القانصه والحلقوم کالجرّیّه ) وهی الحوصله ، وفی التهذیب : قال أبو زید : هی القرّیّه والجرّیّه والنّوطه لحوصله الطائر ، هکذا رواه ثعلب عن ابن نجده بغیر همز.

وفی التکمله والعباب ، قال الصاغانی : قال ابن هانئ : الجرّیئه - بالمدّ والهمز - الحوصله ؛ لغه فی الجرّیّه (1).

وفی المحیط قال الصاحب : والجرّیئه : القانصه ، مهموزه بوزن جرّیعه (2).

فها نحن نری أبا زید ینقل أنّ « الجرّیئه » بمعنی القانصه - وهی نفسها الحوصله - ونری التخبّط والغلط فی النقل عنه ، فقد نقلها الأزهری فی التهذیب عن أبی زید « الجریّه » نقلا عن ثعلب عن ابن نجده عن أبی زید ، ونقلها عن ابن هانئ عن أبی زید « الجرّئه ».

ونقل ابن منظور عن التهذیب : عن ثعلب عن ابن نجده عن أبی زید « الجرّیّه » ،

ص: 232


1- 1. التکمله والذیل 1 : 11 ، العباب الزاخر 1 : 33.
2- 2. المحیط 7 : 176.

وعن ابن هانئ عن أبی زید « الجرّیئه » ، وهذا هو النقل الصحیح ، وما فی التهذیب المطبوع مصحّف مغلوط.

ونقل الفیروزآبادیّ أنّ الجرّیئه کسکّینه کالجرّیّه. وکذلک هو فی التکمله والعباب عن ابن هانئ ، قال : الجرّیئه الحوصله لغه فی الجرّیّه. ونقلهما صحیح ، ولکنّهما لم ینبّها علی أن اللغه الثانیه إنّما هی تخفیف عن اللغه الأصلیه المهموزه.

واقتصر الصاحب علی نقل الجرّیئه بالهمز (1).

ونقل ابن منظور الجرّیّه والجرّیئه بمعنی الحلقوم ، ثمّ قال : والجرّیئه القانصه. فأوهم أنّ بینهما فرقا ، وأنّ التی بمعنی الحلقوم فیها لغتان ، والتی بمعنی القانصه فیها لغه واحده.

وهنا تبدو براعه السیّد المصنف حیث نقل ما هو الثبت الصحیح من کونها کسکّینه ، وأنّ اللغه الثانیه کعلّیّه مخففه منها ، ولم یلتفت إلی ما فی التهذیب من غلط فی النقل ، أو لعلّه کانت عنده نسخه منه صحیحه کالتی نقل عنها ابن منظور.

هذا فیما یخص الجرّیئه بمعنی القانصه - الحوصله - والحلقوم.

وأمّا ما یخصّ الجرّیئه بمعنی البیت الذی تصاد فیه السباع ، فقد نقل السیّد المصنف النقل الثبت الصحیح عن النسخ الصحیحه لنوادر أبی زید ، دون التفات إلی ما وقع فی القاموس واللسان ، فإنّ الذی صرّح به أبو زید هو أنّ « الجرّیئه » هی البیت الذی تصاد فیه السباع.

فما فی القاموس من قوله : « والجریئه ، کالخطیئه : بیت یصطاد فیه السباع » وصرّح الزبیدی بأنه نقله عن أبی زید ، غلط من الفیروزآبادی أو من نسخه النوادر

ص: 233


1- 1. المحیط 7 : 176.

التی أخذ عنها دون تثبّت ، وکذلک ما صنعه ابن منظور حیث نقل نفس هذا النقل المغلوط عن أبی زید ، وبالتالی فانهما - أعنی الفیروزآبادی وابن منظور - فرّقا فی ضبط ما بمعنی الحوصله عن ما هو بمعنی البیت الی تصطاد فیه السباع.

والسیّد المصنف هنا ، ضبط هذه اللغه ، وقررّ أنّ القانصه ، والحلقوم ، والبیت الذی تصاد فیه السباع. کلها « الجرّیئه » کسکّینه ، مصرحا بان اللغه الثانیه « الجرّیه » کعلّیّه مخففه منها.

وفوق کل هذا لم یلتفت السیّد المدنی إلی کون « جرائئ » جمعا شاذا ، أو لا خیر فیه ، أو من الأصول المرفوضه عند أهل اللغه ، لأنّ السماع حاکم فی مثل هذا ، وقد نقله أبو زید صحیحا عن العرب ، فلذلک تخطی السیّد المصنف الأصول اللغویه واعتمد علی النقل والسماع الصحیح.

* وفی ماده « زوأ » قال السیّد المصنّف : زاء الدهر به زوءا ، کقال : انقلب ؛ من افراد أبی عمرو ، قال : فرحت بهذا الکلمه. وزوء المنیّه ، کضوء : حادثها ، أو هو تصحیف زوّ - بدون همز - وهو ما انزوی إلی المرء منها ، وما قصد منها إلی من حان موته ، قال لبید :

ولا یدفع زوّ المنیّه الحیل

فهنا السیّد المصنّف أبدی التردید فی الأصل اللغوی لکلمه « زوء » ، هل أنّها من « زوأ » أی من المهموز ، أم هی من « زوی » أی من المقصور؟ ولم یترک الموضوع دون إشاره أو تحقیق ، وذلک لأنّ الفعل « زاء » مسموع ؛ انفرد بنقله أبو عمرو ، وامّا ماده « زوی » فلها مشتقات ومستعملات عربیه کثیره ، وهی أصل صحیح لا کلام فیه.

فهل أن الکلمه « زوء » بالهمز ترجع إلی ما انفرد أبو عمرو فی نقله؟ أم أنّها مشتقه من « زوی » الأصل العربی الصحیح؟!

ص: 234

یبدوا أنّ السیّد المصنّف مال هنا إلی کونها من « زوی » موافقه للأصل الثلاثی المقصور ، لکنّه لم یفته ذکرها فی المهموز لصحه السماع بها.

ویظهر میله إلی أنّها من ماده « زوی » انشاده الشعر بلا همز ، واحتماله أنّ « زوء » مصحفه عن « زوّ » بدون همز ، ویعضده فی ذلک ما روی من أشعار العرب فی کلمه « زوّ » بلا همز.

والذیّ أصرّ علی أنّها بالهمز هو الأصعمی وحده مع أنّ الجوهری نقلها عنه « زوّ » بلا همز ، وهذا یعضد احتمال أن الهمز تصحیف ، کما یعضده فی ذلک شک اللغویین وارتیابهم فی روایه « لیزوأنّ » فی الحدیث الشریف الذی سیأتی نقله ، وتصریح بعضهم بعدم سماعه بالهمز ، وتصویبهم روایه « لیزوینّ » (1) ، ومع کل هذا لم یشک أحد منهم بصحه اشتقاقها من المقصور « زوی ».

بعدم سماعه بالهمز ، وتصویبهم روایه « لیزوینّ » (2) ، ومع کل هذا لم یشک أحد منهم بصحه اشتقاقها من المقصور « زوی ».

وإلیک بعض کلماتهم فی ماده « زوأ » ، بعد أن اهملها الخلیل والجوهری وابن درید والزمخشری وغیرهم ، ومن ذکرها قال فیما نحن فیه :

ففی المحیط : الزّوء ، مهموز : الحمام والقدر ، زاء الله علینا ذاک ، وزیء علینا : أی قدّر لنا ، وزاء بهم الدهر : أی ساء وانقلب بهم (3).

وفی التکمله : أهمله الجوهری ، وقال أبو عبید عن الأصمعی : زوء المنیه ، ما یحدث منها ، بالهمز ... وقال أبو عمرو : قد زاء الدهر بفلان : انقلب به ، وهذا دلیل

ص: 235


1- 1. ولا یفوتنا أن ننبه إلی ان بعضهم رواه « لیأرزنّ ».
2- 2. ولا یفوتنا أن ننبه إلی ان بعضهم رواه « لیأرزنّ ».
3- 3. المحیط 9 : 112.

علی أنّه مهموز ؛ قال أبو عمرو : فرحت بهذه الکلمه (1). ومثله فی العباب (2).

وفی افعال ابن القطاع اقتصر علی الفعل ، قائلا : وزاء الدهر زوءا : انقلب (3).

وفی اللسان : روی فی الحدیث أن النبیّ قال : « إن الإیمان بدأ غریبا وسیعود کما بدأ ، فطوبی للغرباء إذا فسد الناس ، والذی نفس أبی القاسم بیده لیزوأنّ الإیمان بین هذین المسجدین کما تأرز الحیه فی جحرها » ، هکذا روی بالهمز.

قال شمر : لم أسمع زوأت بالهمز ، والصواب لیزوینّ ، أی لیجمعنّ ولیضمّنّ ؛ من زویت الشیء إذا جمعته ، وسنذکره فی المعتل إن شاء الله. [ ونفس هذا الحدیث وما قیل فیه ذکره الازهری قبله فی التهذیب ].

وقال الأصمعی : الزّوء بالهمز زوء المنیه : ما یحدث من المنیه.

أبو عمرو : زاء الدهر بفلان أی انقلب به ، قال أبو منصور : زاء فعل من الزوء ، کما یقال من الزوغ : زاغ.

وفی القاموس : زوء المنیه : ما یحدث منها ، وزاء الدهر به انقلب ، قال أبو عمرو : فرحت بهذه الکلمه. وشرحها الزبیدی فی التاج بما فی اللسان ، وذکر حدیث النبی والکلام علیه.

وأمّا أقوالهم فی ماده « زوی ».

ففی الصحاح : قال الأصمعی : زوّ المنیه ما یحدث من هلاک المنیه ، ویقال : الزوّ القدر. یقال : قضی علینا وقدّر ، وحمّ ، وزیّ ، قال الشاعر :

من ابن مامه کعب ثمّ عیّ به

زوّ المنیّه إلاّ حرّه وقدی

ص: 236


1- 1. التکمله والذیل والصله للصاغانی 1 : 26.
2- 2. العباب الزاخر 1 : 67.
3- 3. الأفعال 2 : 103.

وفی التهذیب : وأمّا الزوء بالهمز ، فإن أبا عبید روی عن الأصمعی انه قال : زوء المنیه ما یحدث من المنیه. وأخبرنی المنذری ، عن الحرانی ، عن ابن السکیت أنّه قال : قال ابن الأعرابی : الزّوّ القدر. وأنشد :

من ابن مامه کعب ثمّ عیّ به

زوّ المنیه إلاّ حرّه وقدی

ویروی زوّ الحوادث ، رواه ابن الاعرابی بغیر همز ، وهمزه الاصمعی.

وروی أبو سعید عن أبی عمرو انه قال : تقول زاء الدهر بفلان أی انقلب به ، قال أبو عمرو : فرحت بهذه الکلمه ، قلت : زاء فعل من الزوء ، کما یقال من الزّوغ : زاغَ.

وفی الاساس : أدرکه زَوُّ المنیّه قدرها.

وفی اللسان : قال أبو الهیثم ... وأما الزّوء بالهمز ، فإن الأصمعی یقول : زوء المنیه ما یحدث من هلاک المنیه ، والزَّوء الهلاک ، وقال ثعلب : زوّ المنیّه أحداثها ... قال :

من ابن مامه کعب ثمّ عیّ به

زوّ المنیه إلاّ حرّه وقدی

وهذا البیت أورده الازهری والجوهری مستشهدا به علی قول ابن الاعرابی : الزّوّ القدر ، یقال : قضی علینا وقدّر وحمّ وزُیَّ وزِیَّ ... وانشد ابن بری للاسود بن یعفر :

فیا لهف نفسی علی مالک

و هل ینفع اللهف زوّ القدر

وأنشد أیضا لمتمم بن نویره :

أفبعد من ولدت بسیبه أشتکی

زوّ المنیّه أو أری أتوجّع

ویروی : زوّ الحوادث ، ورواه ابن الاعرابی بغیر همز ، وهمزه الأصمعی.

ولم یذکره الفیروزآبادی فی المقصور فاستدرکه علیه الزبیدی ، وقال : ونقل الجوهری عن الاصمعی زوّ المنیه ما یحدث من هلاک المنیه ، وفی المحکم : الزوّ

ص: 237

الهلاک ، وزوّ المنیه أحداثها عن ثعلب ... قال الجوهری : ویقال : الزوّ القدر ، یقال : قضی علینا وقدّر وحمّ وزیّ ، قال الشاعر الایادی :

من ابن مامه کعب ثمّ عیّ به

زوّ المنیه إلاّ حرّه وقدی

وفی التهذیب : ویروی زوّ الحوادث ، قال : ورواه الاصمعی « زوء » بالهمزه.

قلت : وقد تقدم ذلک للمصنف [ أی الفیروزآبادی ] فی الهمزه. وقال أبو عمرو : زاء الدهر بفلان انقلب به ، قال أبو عمرو : فرحت بهذه الکلمه ، قال الازهری : زاء فعل من الزوّ ، کما یقال من الزّوغ زاغ.

وبعد تصفح أقوالهم والأشعار المرویه ، وما اضافه هو رحمه الله من الشعر یظهر واضحا اعتناء السیّد المصنف بالمسموع ، مع ترجیحه أو المیل إلی ترجیح ما یوافق الأصول اللغویه. وقد ذکر کل ذلک بأخصر عباره وأوضحها ، وأشار إلی علّه ترجیحه حین ذکر وجه اشتقاقها من « زوی » قائلا : « وهو ما انزوی إلی المرء منها » ، واحتمل التصحیف فی نقل الهمز - خصوصا بعد نقل الجوهری القصر عن الاصمعی - وبعد انفراد أبی عمرو بسماع « زاء الدهر به » ؛ إذ مع وجود أصل صحیح متفق علیه لا داعی للمصیر إلی مفرده واحده انفرد بسماعها واحد.

ویؤکد ذلک ما روی من حدیث رسول الله صلی الله علیه و آله : لیزوأنّ الإیمان بین هذین المسجدین. ففی الغریبین للهروی (1) ذکره فی ماده « زوی » ثمّ قال : قال شمر : صوابه لیزوینّ ، أی لیجمعنّ ولیضمّنّ. ومثله صنع ابن الجوزی فی غریب الحدیث (2).

ص: 238


1- 1. الغریبین 3 : 140.
2- 2. غریب الحدیث 1 : 447.

ثمّ جاء ابن الأثیر فی نهایته فذکر الحدیث وقال بلا تردّد ولا عزو لشمر ولا غیره : والصواب لیزوینّ بالیاء ، أی لیجمعنّ ویضمّنّ (1). فعدّ روایته بالهمزه غلطاً.

* وفی ماده « سوأ » قال السیّد المصنّف : « المساءه خلاف المسّره ، الجمع مساوی بترک الهمزه تخفیفا ، وبدت مساویه : نقائصه ومعایبه ، قیل : لا واحد لها کالمحاسن ».

وهنا صرّح الکثیر من أهل اللغه بان المساوی لا واحد لها من لفظها ، کما فی ماده أمم من لسان العرب (2) ، ومجمع الأمثال للمیدانی عند نقل المثل « الخیل تجری علی مساویها » ، قال : قال اللحیانی : لا واحد للمساوی ، مثل المحاسن والمقالید (3).

وصرّح بعضهم بأنّ مفردها « سوء » علی غیر قیاس ، قال أبو العبید البکری فی کتاب فصل المقال : قال أبو بکر ابن القوطیه : المساوئ جمع سوء علی غیر قیاس ، وقال غیره : لا واحد لها (4).

وقال الزبیدی عند شرح هذا المثل « الخیل تجری علی مساویها » : والمساوی هی العیوب ، وقد اختلفوا فی مفردها ، قال بعض الصرفیین : هی ضد المحاسن ؛ جمع سوء علی غیر قیاس ، وأصله الهمز ، ویقال انّه لا واحد لها کالمحاسن (5).

ص: 239


1- 1. النهایه الأثیریه 2 : 320.
2- 2. لسان العرب 12 : 33.
3- 3. مجمع الأمثال 1 : 238.
4- 4. فصل المقال فی شرح کتاب الأمثال 1 : 159.
5- 5. تاج العروس 1 : 279.

وهذان الرأیان لم یرتضهما السیّد المصنّف ، أمّا إنها لا واحد لها فقد ضعّفه ومرّضه بقوله « قیل » ، وذلک لأنّه ما دام هناک مفرد له متطابق مع أصول الصرف واللغه والاشتقاق ، فلا معنی للقول بان هذا الجمع لا مفرد له.

وأمّا الرأی الآخر ، وهو الرأی القائل بأنّ مفردها « سوء » علی غیر قیاس ، فقد أعرض عنه السیّد المصنّف ولم یذکره أصلا اشعارا منه بوهنه وسقوطه ، لأنّ ورود المفرد علی غیر قیاس للجمع فی غایه الشذوذ ، ولا یصار إلی مثله مع ورود النقل بمفرد یتطابق مع الاشتقاق وأصول اللغه.

ففی ماده « طیب » من لسان العرب ، قال : الأصمعی : یقال أطعمنا من مطایبها وأطایبها ، واذکر منانتها وأنانتها ، وامرأه حسنه المعاری ، والخیل تجری علی مساویها ، الواحده مسواه ، أی علی ما فیها من السوء کیفما تکون علیه من هزال أو سقوط منه. والمحاسن والمقالید : لا یعرف لهذه واحده. وقال الکسائی : واحد المطایب مطیب ، وواحد المعاری معری ، وواحد المساوی مسوی (1).

وذهب الفیومی فی مصباحه إلی کون مفردها « مسوأه » دون أن یذکر الرأیین الآخرین ، فقال : المساءه نقیض المسرّه ، وأصلها مسوأه علی مْفْعله - بفتح المیم والعین - ولهذا تردّ الواو فی الجمع فیقال : هی المساوئ ، لکن استعمل الجمع مخففا.

وذهب إلی هذا الاشتقاق الصحیح ، المغنی عن الذهاب إلی الآراء الشاذه ، الشیخ الطریحی فی مجمع البحرین أیضاً.

هذا ، وفی ماده « طیب » من لسان العرب ، قال : عن السیرافی : أنه سأل بعض

ص: 240


1- 1. لسان العرب 1 : 566 - 567.

العرب عن مطایب الجزور ما واحدها؟ فقال مطیب.

وهنا تبدو مسلکیه السیّد المصنّف ومنهجیته فی التوفیق بین الأصول اللغویه والصرفیه ومبانی الاشتقاق وبین ما قیل أو یقال خلافه ، فمع تصریح الاصمعی والکسائی وغیرهما من أئمّه اللغه بصحه مفرد لهذا الجمع مسموع مطابق لأصول الاشتقاق (1) لا ضروره للمصیر إلی عدم وجود مفرد لها ، أو ذکر مفرد لها علی غیر قیاس.

* وفی ماده « فقأ » ، قال : « الفقء ، کفلس : حفره فی وسط الحرّه ، أو نقره فی صخره تجمع الماء. الجمع : فقآن کرغفان ».

قال الصاغانی فی العباب والتکمله : شمر : الفقء ، کالحفره أو الجفره - شک أبو عبید - فی وسط الحره ، وجمعه فقآن.

وفی الجمهره : الفقء : نقر فی صخره یجتمع فیه ماء المطر. والجمع فقآن (2).

وفی التهذیب : قال شمر : الفقء کالجفره فی وسط الحرّه ، وجمعها فقآن (3). فهؤلاء کلّهم صرحوا بأنّ جمع الفقء فقآن.

وفی نسخه من التهذیب کما فی هامشه : وجمعها « فقاء » بضم الفاء. وقال المحقّق : وصواب هذه « فقاء » بالکسر ککلب وکلاب.

ونقل ابن منظور أن الفقء کالفقیء ، وأنّ جمع الفقیء فقآن ، فقال بعد ان ذکر ما قاله أبو عبید من معنی الفقء بمعنی الحفره والفقیء کالفقء ... وجمع الفقیء فقآن.

واقتصر فی القاموس علی ذکر المفرد فقال : والفقء نقر فی حجر أو غلظ یجمع

ص: 241


1- 1. انظر شرح الشافیه 2 : 182 - 184.
2- 2. الجمهره 2 : 967 و 1101.
3- 3. التهذیب 9 : 331.

الماء کالفقیء. فشرحه الزبیدی فی التاج قائلا : وجمع الفقیء فقآن.

وهنا اجتمعت عندنا ثلاثه آراء :

أوّلها : أنّ جمع الفقء : فقآن.

وثانیها : أن جمع الفقء : فقاء.

وثالثها : أمّ « فقآن » جمع الفقیء لا الفقء.

فأمّا ما ذکره ابن منظور وذهب إلیه الزبیدی ، من إرجاع الفقء إلی الفقیء ، وتصریحهما بأنّ الفقآن جمع الفقیء ، فذلک لما تقرر من کون « فعلان » من جموع الکثره الغالبه فی « فعیل » ، کرغیف ورغفان ، وکثیب وکثبان وقلیب وقلبان (1).

وأمّا ما فی نسخه من التهذیب وتصویبها بالکسر « فقاء » جمع الفقء ، فذلک لأنّ الغالب فی جمع قله « فعل » - فی غیر باب « بیت » - و « ثوب » أفعل ، وفی جمع کثرته فعول ... وفعال (2).

وأمّا ما ذکره السیّد المصنّف من أنّ جمع الفقء فقآن ، فهو مضافا إلی تصریح شمر وأبی عبید به ، ومصیر ابن درید والصاغانی والأزهری إلیه ، مع کل ذلک نراه مطابقا للمسموع عن العرب.

قال سیبویه : القیاس فی « فعل » ما ذکرناه ، وما سوی ذلک یعلم بالسمع ... فالمسموع فی قلّه فعل - غیر الأجوف - أفعال ، وفی کثرته فعلان کجحشان ورئلان ، وفعلان کظهران وبطنان ، قال سیبویه : وفعلان بالکسر أقلّهما (3).

ص: 242


1- 1. انظر شرح الشافیه 2 : 131 - 132.
2- 2. انظر شرح الشافیه 2 : 91.
3- 3. شرح الشافیه 2 : 91.

وهنا یظهر منهج السیّد فی توفیقه بین المسموع والأصول اللغویه والصرفیه فی الاشتقاق ، فلذلک لم یذهب السیّد المصنف إلی ما فی اللسان من التکلّف فی ردّ « فقآن » إلی فقیء ، لأن « فعلان » من جموع فعل المسموعه أیضا ، وقد نقله من علمت فلا معدل عنه.

ولا یخفی علیک أنّ هذا بخلاف « المساوئ » فإنّ کونها لا واحد لها یحتاج إلی دلیل ، مع أنّه مفقود فهی دعوی مجرّده یدحضها وجود مفرد صحیح الاشتقاق مصرّح به ، وأمّا کونها جمعا ل- « سوء » علی غیر قیاس فهو الرأی الآخر الّذی لا یصار إلیه ما دام هناک مصرّحون بوجود مفرد لها مطابق للقیاس الصرفی والأصل اللغوی.

فها هو یأخذ السماع أوّلا إذا کان صحیحا ، کما أنّه یأخذ بالقیاس فی موارده ، ویحکمه ، وإذا تعدّدت الآراء ، أو تعدّد المسموع ، أثبت المسموع الذی یطابق قواعد الصرف وأصول اللغه.

ومن هنا نری السیّد المدنی یعرض عن النقل الذی لا یوافق الاصول إذا کان ذلک النقل غیر ثابت عن الاثبات ، فمع ما قدمنا من اعتماده علی کتب الاثر والحدیث واخذه اللغات منها ، نراه لا یعبأ بما یخالف الاصول من النقل غیر الثبت ، بل یجزم بأنّه من خطأ الرواه.

قال فی الاثر من ماده « وجأ » : « ضحی بکبشین موجوئین ، ولا تقل : موجأین - کمکرمین - فانه من خطأ الرواه ». فحکم بخطأ الرواه حین رووا ما یخالف قواعد الاشتقاق الصرفی ؛ لان اسم المفعول من « وجأ » موجوء ، وهذا ما جاءت به الروایات الصحیحه عن الرواه الضابطین.

وأمّا ما نقلوه بلفظ « موجأین » فانه لا یستقیم ؛ لانه یقتضی کونه مشتقا من « أوجأه » وهو غیر وارد فی کلام العرب ، فتکون الروایه الثانیه من خطأ الرواه لا محاله.

ص: 243

ک - دقته فی اقتناص المعانی وحسن فصله لها.

ومما لوحظ فی منهج السیّد المصنّف فی تدوین طرازه الأول هو دقته فی اقتاص المعانی اللغویه ، وتقریره للمعانی وفق ما ورد من استعمالات العرب ، وإن لم ینصّ اللغویون علی ذلک ، أو نصّوا علی غیره.

* ففی ماده « جمأ » قال : « وبعیر مجمأ - کمصعب - إذا کانت أسنانه داخله ؛ قال :

إلی مجمآت الهام صعر خدودها

[ معرّقه الإلحی سباط المشافر ]

والذی قاله الصاغانی فی العباب هو : والإجماء : أن تکون غرّه الفرس أسیله داخله ؛ وفرس مُجمَأ الغرّه ، قال :

إلی مجمَآت الهام صعر خدودها

معرّقه الإلحی سباط المشافر

ونقل مثله فی هامش بعض نسخ التکمله.

وقال الزبیدی شارحا عباره القاموس : ( وفرس أجمأ ومجمأ : أسیله الغرّه ) داخلتها ( والاسم الإجماء ) قال :

إلی مجمآت الهام صعر خذودها

معرّفه الإلحی سباط المشافر

والسیّد المصنّف کان قد ذکر من قبل أن الإجماء هو إساله غره الفرس ، فهی مجمئ کمحسن ، وأجماء کحمراء : أسیلتها.

وقد شرح هنا هذا البیت الشعری واقتضی معنی « مجمأ » وصفا للناقه لا للفرس ، لأنّ البیت ظاهر فی إراده وصف شدّه تحمّل هذه البعران للسیر والتعب ، خصوصا وانّ المشافر مختصه بالبعیر ، وتقابلها الجحفله للفرس ، وإن کانت المشافر قد تستعمل للفرس مستعاره من استعمالها للابل ، ویؤید فهم السیّد المصنّف أیضا ،

ص: 244

وصفها ب- « معرّقه الإلحی » حیث وصفها بانها معروقه الإلحی من السیر والتعب ، حتّی أنّ مشافرها سباط بارزه من الضعف.

* وفی ماده « هنأ » قال : « واستهنأه : استمرأه ، واستعطاه ، واستطعمه ، واستکفاه » ؛ قال عدیّ بن زید :

نحسن الهنء إذا استهنأتنا

و دفاعا عنک بالأیدی الکبار (1)

فهنا جاء السیّد المصنّف بهذا الشعر شاهدا علی معنی الاستکفاء ، أی نحسن الاستکفاء إذا استکفیتنا ، وهذا التفسیر لهذه اللقطه لعلّه متعیّن فی هذا البیت ، لأنّ عجزه یدلّ علی ذلک « ودفاعا عنک بالأیدی الکبار » ، فإنّ البیت یراد منه الاستنصار والدفاع ، فلذلک استشهد به السیّد المصنّف علی هذا المعنی ، وعدل عمّا فعله بعضهم من الاستشهاد بهذا البیت علی معنی الاستعطاء ، وفسّروا « الایدی الکبار » بالمنن والعطایا.

ففی لسان العرب : واستهنأ الرجل : استعطاه. وانشد ثعلب :

نحسن الهنء إذا استهنأتنا

و دفاعا عنک بالأیدی الکبار

یعنی بالأیدی الکبار المنن.

وفی القاموس والتاج ( واستهنأ ) الرجل ( : استنصر ) أی طلب منه النصر ، نقله الصاغانی ( و ) استهنأه أیضا ( استعطی ) أی طلب منه العطاء ، انشد ثعلب : نحسن الهنء ... الخ.

وفی الافعال للسرقسطی : هنأتُ الرجل ... أعطیته ، وأنشد أبو عثمان لعدی بن زید :

ص: 245


1- 1. کتب العجز فی هامش نسخه « ش ».

ننجد الهنء إذا استهنأتنا

و دفاعا عنک بالأیدی الکبار

قوله « ننجد » نکثر ، ومنه نأقه نجود وهی الغزیره (1).

فالسیّد المصنّف هنا یذهب إلی أن الاستهناء فی هذا البیت هو بمعنی الاستکفاء ، لا الاستعطاء ، فلو أنّهم فعلوا کالصاغانی فی تکملته لکان أوضح وأجود وأبعد عن اللبس ، حیث استشهد علی معنی الاستعطاء ببیت لابی حزام العکلی ، فقال : والاستهناء الاستعطاء ، قال أبو حزام العکلی :

ألزّی مستهنیء فی البدیء

فیرمأ فیها ولا یبذؤه

وکذلک لو اقتصروا علی استشهادهم ببیت عروه بن الورد :

ومستهنی ، زید أبوه ، فلم أجد

له مدفعا فاقنی حیاءک واصبری (2)

لکان أجود ، وقد ذکروا هذا البیت مستشهدین به علی معنی الاستعطاء ، فکانّ السیّد المصنّف لا یرتضی استشهادهم ببیت عدی بن زید علی معنی الاستعطاء ، ولذلک فسّره بالاستکفاء والاستنصار فدقق فی شرح البیت واقتنص منه المعنی واستشهد به علی الاستکفاء لا الاستعطاء.

* وفی ماده « ودأ » قال السیّد المدنی : « المودّأ ، کمعظّم : القبر ، وبهاء : المهلکه والمفازه ».

فأمّا کون المودّأه بهاء بمعنی المهلکه والمفازه ، فمما لا کلام فیه ، وقد أطبق علی نقله أهل أصل اللغه بلا نزاع.

وأمّا « المودّأ » بمعنی القبر کما نقله السیّد المصنّف ، فلم یذکروه ، واقتصروا

ص: 246


1- 1. الأفعال 1 : 177 - 178.
2- 2. کما فی اللسان ، والتهذیب 6 : 432 عند قولهم « استهنأ فلان بنی فلان فلم یهنئوه » أی سألهم فلم یعطوه.

علی نقل ما قاله ابن الاعرابی من أنّ المودّأه هی حفره المیت.

ففی التهذیب : أبو عبید عن أبی عمرو : الأرض المودّأه المهلکه ، وهی فی لفظ المفعول به ... قال : وقال ابن الاعرابی : المودّأه حفره المیت ...

وقال ابن شمیل : یقال : تودّأت علی فلان الأرض وهو ذهاب الرجل فی أباعد الأرض حتّی لا یدری ما صنع ... وأخبرنی المنذری عن أبی الهیثم ، یقال : تودّأت علیه الأرض فهی مودّأه ، قال : وهذا کما قیل : أحصن فهو محصن ، وأسهب فهو مسهب ، وألفج فهو ملفج ، ولیس فی الکلام مثلها. (1)

وفی العباب : أبو عبید : المودّأه المهلکه والمفازه ، قال : وهی علی لفظ المفعول به. أبو زید : ودّأت علیه الأرض تودیئا ، إذا سوّیت علیه الأرض ؛ قال رجل من بنی ضبه یرثی أخاه أبیّا :

أأبیّ إن تصبح رهین مودّا

زلج الجوانب قعره ملحود

وفی التکمله : وقال ابن الأعرابی : المودّأه حفره المیت.

وفی الصحاح : أبو عبید : المودّأه المهلکه والمفازه ... أبو زید : ودّأت علیه الأرض تودیئا ، إذا سوّیت علیه الأرض ، قال الشاعر الضبی یرثی أخا أبیّا : أأبیّ إن تصبح ... البیت.

وفی لسان العرب : قال ابن شمّیل : یقال : تودّأت علی فلان الارض ، وهو ذهاب الرجل فی أباعد الأرض حتی لا تدری ما صنع ... وتودّأت علیه الأرض غیّبته وذهبت به ... وودّأت علیه الأرض تودیئا : سوّیتها علیه. قال زهیر بن مسعود الضبی یرثی أخاه أبیّا :

ص: 247


1- 1. التهذیب 14 : 234.

أأبیّ إن تصبح رهین مودّا

زلج الجوانب قعره ملحود ...

أبو عمرو : المودّأه : المهلکه والمفازه ، وهی فی لفظ المفعول به ... وقال ابن الاعرابی : المودّأه حفره المیت ، والتودئه الدفن.

وفی التاج شارحا متن القاموس : ( و ) قال أبو عمرو ( المودّأه کمعظّمه : المهلکه والمفازه ) جاءت علی لفظ المفعول به ، ... وقال ابن الاعرابی : المودّأه : حفره المیت ، والتودئه الدفن ، وانشد :

لو قد ثویت مؤدّا لرهینه

زلج الجوانب راکد الأحجار

( وودّأ علیه الأرض تودیئا : سوّاها ) علیه ، قال زهیر بن مسعود الضبیّ یرث أخاه أبیّا :

أأبیّ إن تصبح رهین مودّإ

زلج الجوانب قعره ملحود ...

فکلماتهم صریحه فی أنّ المودّأه هی المفازه والمهلکه ، وأنّها جاءت علی لفظ المفعول ، لأنّ القیاس یقتضی أنّ تکون « مودّئه » علی صیغه الفاعل ، وأما حفره المیت ، فان الوحید الذی نقلها هو أبو عبید عن ابن الأعرابیّ.

فهل هی من قولهم « ودّأتنا الأرض غیّبتنا » وقولهم « تودأت علیه الأرض فهی مودّأه » وجاءت علی لفظ المفعول؟ أم من قولهم : « ودّأت علیه الأرض تودیئا سوّیتها علیه فهی مودّأه » اسم مفعول علی القیاس؟

ظاهر استعمالاتهم وکلماتهم أنّها من الثانی ، لأنّهم أنشدوا عنده قول زهیر بن مسعود الضبی فی رثاء أخیه أبیّ کما فی اللسان وغیره.

وبما أنّه کذلک فصل السیّد المصنّف « المودّأ » بمعنی القبر عن المودّأه بمعنی المفازه والمهلکه ، لأنّ اللفظه الأولی علی القیاس ، والثانیه علی لفظه المفعول ، مع أن حقّها ان تکون علی لفظه الفاعل.

ص: 248

ویؤید ما فعله السیّد المدنی من فصل المعنیین ، أنّ ما ورد بمعنی القبر - والذی عبر عنه ابن الاعرابی بحفره المیت - ورد فی الشعر بلا هاء ، « رهین مودّإ » ، فکأنّ ابن الأعرابی أنّث وقال « المودّأه » باعتبار « الحفره » وإن کان أصل ما عن العرب هو « المودّأ » بمعنی القبر.

ویؤیّد ذلک ما فی شرح حماسه أبی تمام للخطیب التبریزی ، حیث روی البیت :

أأبیّ إن تصبح رهین قراره

زلخ الجوانب قعرها ملحود

وقال فی شرح ما نحن فیه : یعنی ب- « قراره » القبر ، والقرار والقراره واحد ، ودخول الهاء وسقوطها فی أسماء المواضع کثیر ، نحو دار وداره ومکان ومکانه ومرقب ومرقبه ، فإذا دخلت الهاء کان أخصّ. (1)

* وفی ماده « أوب » قال : « الأوب ، کثوب : المطر ، والسحاب ، والریح ... ».

ولم تذکر المعاجم المتداوله المطر من معانی الأوب ، وذکرت فی مقابل ذلک النّحل من معانی الأوب ، فی حین لم یذکره السیّد المصنّف فی طرازه.

وقد أخذ اللغویون تفسیر الأوب بالنّحل من خلال تفسیرهم بیت شعر للمتنخل الهذلی ، قاله یصف عزّ هضبه ومنعتها :

ربّاء شمّاء لا یأوی لقلّتها

إلاّ السحاب وإلاّ الأوب والسّبل

قال السکّری فی شرحه : والأوب : رجوع النّحل ، والسّبل : القطر حین یسیل. (2)

ص: 249


1- 1. شرح الحماسه 3 : 44.
2- 2. شرح أشعار الهذلیین 3 : 1285.

وفی التکمله : الأوب : السحاب ، والأوب الریح ، والأوب جماعه النّحل ، قال المتنخّل الهذلی - واسمه مالک بن عویمر - یرثی ابنه أثیله :

ربّاء شمّاء لا یدنو لقلّتها

إلاّ سحاب وإلاّ الأوب والسّبل

وفی اللسان : الاوب النحل ، وهو اسم جمع ؛ کأنّ الواحد آیب ، قال الهذلی : ربآء شمّاء ... البیت ، وقال أبو حنیفه : سمّیت أوبا لإیابها إلی المباءه ، قال : وهی لا تزال فی مسارحها ذاهبه وراجعه ، حتّی إذا جنح اللیل آبت کلّها ، حتّی لا یتخلّف منها شیء.

وذکر الفیروزآبادی فی القاموس النحل من معانی الاوب ، وشرح عبارته الزبیدی مستدلاّ بقول الهذلی آنف الذکر ، ثمّ نقل قول أبی حنیفه فی ذلک.

فواضح أنّ الجمیع أخذوا المعنی من قول المتنخل الهذلی ، مفسّرین للأوب بالنحل ، لکن السیّد المصنّف لم یرتض هذا التفسیر لأنّه لا یتلائم مع معنی البیت الشعری تماما ، وإن کان له وجه فضعیف ، ولذلک أعرض المصنف رحمه الله عنه ، لأنّ مجرّد رجوع النحل إلی بیوتها لیلا یصحح وصفها بالأوب ، ولکن لا یصححّ وصف العلوّ والشمم فی الجبال ، لأنّ النحل لا یرجع إلی خصوص الاماکن المرتفعه من الهضاب ، بل یرجع إلی بیوته اینما کانت ، فإذن یکون مراد الشاعر فی وصفه عن الهضبه ومنعتها غیر ما ذکروه ، إذ کون الاوب بمعنی المطر انسب واوفق بهذا الوصف ، لأنّ المکان العالی المرتفع لا یصله إلاّ السحاب والمطر والسّبل ، ووصفه بذلک هو عین المبالغه فی علوّه.

فالمطر یسمّی أوبا ویسمّی رجعا ، قال الزمخشری : سمّی المطر رجعا ، کما سمّی أوبا ، قال :

ربّاء شماء لا یأوی لقلّتها

إلاّ السحاب وإلاّ الاوب والسّبل

ص: 250

تسمیهً بمصدری رجع وآب ، وذلک أنّ العرب کانوا یزعمون أن السحاب یحمل الماء من بحار الأرض ثمّ یرجعه إلی الأرض ، وأرادوا التفاؤل فسمّوه رجعا وأوبا ، لیرجع ویؤوب ، وقیل لأنّ الله یرجعه وقتا فوقتا. (1)

وقال القرطبی فی تفسیره : وقد یسمّی المطر أیضا أوبا کما یسمّی رجعا ، قال :

ربّاء شماء لا یأوی لقلّتها

إلاّ السحاب وإلاّ الاوب والسّبل (2)

والذی یؤیّد ما ذهب إلیه السیّد المدنی ، قول إمام البلاغه أمیر المؤمنین علیّ علیه السلام فی خطبته الشقشقیه : أما والله لقد تقمصها ابن أبی قحافه ، وإنه لیعلم أنّ محلی منها محل القطب من الرحی ، ینحدر عنّی السّیل ، ولا یرقی إلیّ الطیر (3) ...

قال ابن أبی الحدید فی شرح قوله علیه السلام « ینحدر عنی السیل » : یعنی رفعه منزلته علیه السلام ، کأنّه فی ذروه جبل أو یفاع مشرف ، ینحدر السیل عنه إلی الوهاد والغیطان ، قال الهذلی :

وعیطاء یکثر فیها الزلیل

وینحدر السیل عنها انحدارا (4)

وهنا تتجلی دقه السیّد المصنّف فی اقتناص المعانی ، وإثبات ما هو الصحیح الموافق لکلام العرب ، دون النقل المجرّد بلا تدقیق ولا تحقیق ، ولذلک لم یتابعهم فی تفسیرهم الاوب بالنحل.

وتتضح هذه المیزه فی منهجیته فی تدوین اللغه بما لا یقبل الشک ، حیث صرّح برفضه لتفسیرهم « الجأب » ، فی ماده « جأب » حیث قال :

ص: 251


1- 1. الکشاف 4 : 736.
2- 2. الجامع لأحکام القرآن 20 : 10.
3- 3. نهج البلاغه 1 : 31 / الخطبه 3.
4- 4. شرح النهج 1 : 152.

« وظبیه وبقره جأبه المدری ، أی ملساء القرن أو غلیظته ، قیل : وهو کنایه عن صغر سنّها ، لأنّ القرن أوّل ما یطلع یکون غلیظا ثمّ یدقّ ، ویأباه قول طرفه :

جأبه المدری خذول مغزل

تنفض الضّال وأفنان السّمر

فإن المغزل ذات الغزال ، ولا ظبیه تکون مغزلا أوّل ما یطلع قرنها ».

والسیّد المصنّف أشار هنا إلی تغلیط من ذهب إلی أنّ الجأبه المدری هی الظبیه حین یطلع قرنها.

ففی التهذیب : أبو عبید ، عن أبی عبیده : جأبه المدری من الظباء - غیر مهموز - حین طلع قرنه. ویقال : الملساء اللینه القرن. وقال شمر : جأبه المدری أی جائبته ، أی حین جاب قرنها الجلد فطلع. (1)

وفی الصحاح : ویقال للظبیه حین طلع قرنها : جأبه المدری ... قال بشر :

تعرّض جأبه المدری خذول

بصاحه فی أسرّتها السّلام

وصاحه : جبل ، والسلام : شجر ، وإنّما قیل : جأبه المدری ، لأنّ القرن أول ما یطلع یکون غلیظا ثمّ یدقّ ، فنبّه بذلک علی صغر سنها.

وفی القاموس : والظبیه أوّل ما طلع قرنها جأبه المدری ، لأنّ القرن أوّل طلوعه غلیظ ، ثمّ یدق. وشرحها الزبیدی بعین ما نقلناه عن الصحاح.

ونقل ابن منظور فی اللسان عین ما فی الصحاح.

وفی المحیط : والجأبه : الظبیه التی قد تمّت وأسنّت وطلع قرنها (2). فذهب

ص: 252


1- 1. التهذیب 11 : 220.
2- 2. المحیط 7 : 201.

إلی ما ذهب إلیه الجوهری من أنّه القرن أول ما یطلع.

وقال الزمخشری فی الاساس : وظبیه وبقره جأبه المدری : شدیده القرن ، قال طرفه یصف ظبیه ذات غزال :

جأبه المدری خذول مغزل

تنفض الضّال وأفنان السّمر

وهنا تبدو دقّه السیّد المصنّف فی اقتناص المعانی وفصل بعضها عن بعض ، ولذلک لاحظ ما نقله الازهری والجوهری عن أبی عبیده وشمر ، وما نقله الصاحب والفیروزآبادی وابن منظور وغیرهم ، ثمّ لاحظ ما نقله الزمخشری ، فخرج بنتیجه لغویه متّزنه من خلال الشاهد الشعری واستعمالاته ، فتخطی تصریحات من صرّحوا أن معناها القرن اول ما یطلع وإن کانوا من عمالقه اللغه ، لأنّ ما اعتمدوا علیه من الشواهد یغلّطهم ویحکی غیر ما توهّموه ، فإنّ شعر بشر وشعر طرفه ، کلاهما فیه أنّ الظبیه الموصوفه « خذول » وهی من الظباء والبقر التی تخذل صواحبها وتنفرد مع ولدها (1) ، ومعنی هذا أنّ عندها ولدا ، فکیف یستقیم هذا مع قولهم إنّها مکنی علیها بالصغر وبدو طلوع قرنها؟! وإذا قلنا إنّ الخذول هی مطلق المتخلّفه عن القطیع المنفرده عن صواحبها ، فهنا یبقی قول طرفه « مغزل » أی انها ذات غزال ، وهذا لا محاله دلیل علی کبر سنّها واستواء قرنها ، لا إنّ قرنها طالع توّا. وهذا ما فات علی الکثیر من اللغویین ولم ینبهوا علیه ، التفت إلیه السیّد المصنّف ونبه علیه مصرّحا بذلک ، وأبان عن منهجه فی فهم اللغه وتدوینها.

* ومن حسنی فصله للمعانی بعد اقتناص الصحیح منها ، قوله فی ماده « فطأ » :

« ورجل أفطأ : أفطس أو دونه ؛ وذلک إذا کان فی أنفه تطامن کأنّه فطس. وهو بیّن

ص: 253


1- 1. انظر ماده « خذل » من لسان العرب 11 : 202.

الفطأه ، محرّکه. والأفطأ أیضا : الأقعس ، وتفاطأ تقاعس ».

وهذه العباره واضحه جدّا فی أنّ الأفطأ تاره یاتی بمعنی الأفطس ، وتاره اخری بمعنی الأقعس ، وأما عبارات أکثر اللغویین ففیها من الخلط والمزج ما لا یهتدی معه إلی المراد من نقولاتهم بسهوله :

ففی الصحاح : الفطأه : الفطسه. رجل أفطأ بیّن الفطأ وفطئ البعیر ، إذا تطامن ظهره خلقه.

وفی العباب : الفطأه - بالتحریک - الفطسه ، ورجل أفطأ بیّن الفطإ ، وکان مسیلمه الکذاب أفطأ. وفطئ البعیر إذا تطامن ظهره خلقه.

وفی المحیط : بعیر أفطأ الظهر ، أی متقاعس جدّا ، والفعل فطئ یفطأ فطأ ، وهو الأفطس (1). وهذه العباره توهم لأوّل وهله أنّ قوله « هو الأفطس » یرجع إلی معنی المتقاعس ، مع انه أراد بالضمیر « هو » الإنسان ، لأنّهم دأبوا کما رایت وتری. علی التمثیل للقعس بالبعیر وللفطس بالإنسان.

وفی العین : الفطأ فی سنام البعیر ، بعیر أفطأ الظهر ، فطئ یفطأ فطأ ، وتفاطأ فلان ، وهو أشدّ من التقاعس (2).

وفی المقاییس : یقال للرجل الأفطس : الأفطأ. ویقولوا : فطئ البعیر : إذا تطامن ظهره خلقه (3).

وفی القاموس بشرح التاج : ( الفطأ محرّکه ، والفطأه بالضمّ ) الفطسه ، هو ( دخول الظهر ) وقیل : دخول وسط الظهر ( وخروج الصدر ، فطئ کفرح ) فطآء ( فهو

ص: 254


1- 1. المحیط 9 : 225.
2- 2. العین 7 : 459.
3- 3. المقاییس 4 : 510.

أفطأ ) أفطس ، والأنثی فطآء ( والفطأ ) محرّکه ( الفطس ) ورجل أفطأ بیّن الفطاء.

وهذه العباره موهمه ، خالطه بین الفطس فی الأنفس ، والقعس فی الظهر ، علی أنّ کل عباراتهم توهم اختصاص القعس بالبعیر ، واختصاص الفطس بالإنسان ، مع أنّه لیس کذلک ، ولعلّ عباره اللسان أوضح من الجمیع واکثرها تبیینا للمعنیین والفصل بینهما ، وإیضاح عموم استعمالهما للإنسان وغیره ، حیث قال :

الفطأ : الفطس ، والفطأه : الفطسه. والأفطأ : الافطس. ورجل أفطأ بیّن الفطإ ، وفی حدیث عمر : أنّه رأی مسیلمه اصغر الوجه أفطأ الأنف دقیق الساقین.

والفطأ والفطأه : دخول وسط الظهر ، وقیل : دخول الظهر وخروج الصدر. فطئ فطأ ، وهو أفطأ ، والأنثی فطآء ، واسم الموضع الفطأه ، وبعیر أفطأ الظهر کذلک.

وتفاطأ فلان ، وهو أشدّ التقاعس.

فهذه عباراتهم کلها ، فیها التشبیه والتطویل وعدم الوضوح الذی ربّما اوقعهم فیه اجترازهم لکلمات من قبلهم أو اعتمادهم علی فهم السامع فی تلک الازمان ، وأما عباره السیّد المصنف فهی علی اختصارها وقصرها وافیه بالمطلب علی احسن وجه ، مفصّله بین الأفطا بمعنی الأقعس ، والأفطأ بمعنی الأفطس ، رافعه توهّم اختصاص الاقعس بالبعیر.

هذا کله مع تعبیره بالأقعس ، عادلا عن التعبیر بدخول الظهر وخروج الصدر.

وبالتالی فإنه اقتنص المعانی وفصلها عن بعضها ، ورفع التوهم ، ووفی المطلب بأحسن وجه ، بحیث لا تری مثله فی معاجم اللغه.

* ومثل ذلک قوله فی ماده « کرثأ » : « الکرثئ ، کحصرم : قیض البیض ، والنبت الکثیف الملتف ، والغیم العظیم المتراکم ، واحدته بهاء ».

فإذا لاحظنا ما نقله السیّد المصنّف ، وقارنّاه مع ما فی المعاجم اللغویه تبین لنا

ص: 255

مقدار براعته واقتناصه للمعانی وفصله لها بما لا یدع مجالا للخلط والالتباس ، فإن اللغویین ذکروا هذه المفردات التی نقلها المصنّف فی « کرثأ » و « کرفأ » (1) ، ففی ماده « کرثأ ».

قال الصاغانی فی التکمله : أهمله الجوهری. وقال الاصمعی : الکرثئ - بالثاء المنقوطه بثلاث - السحاب المرتفع المتراکم ، وقشر البیض الأعلی الذی یقال له القیض ، لغه فی الکرفئ بالمعنیین ، وکأنّهم أبدلوا الثاء من الفاء ، کقولهم : جدف وجدث ، الکرثأه : النبت المجتمع الملتف ...

وفی العباب : الکرثأه : النبت المجتمع الملتفّ ... الأصمعی : الکرثئ بالکسر السحاب المرتفع ... إلی آخر ما نقله فی التکمله عن الأصمعی.

وفی المحیط : الکرثئ : لغه فی الکرفئ ، وهو من السحاب المتراکم ، وقیل : الخفیف الجائل من السحاب ، وکذلک الکرثأه ... والکرثأه النبت المجتمع الملتف (2).

وفی اللسان : الکرثئه : النبت المجتمع الملتف ... والکرثئ من السحاب.

وقد اختصر الفیروزآبادیّ کلماتهم فقال : الکرثئ کزبرج : السحاب المرتفع المتراکم ، وقیض البیض ، وبهاء - وقد یفتح (3) - النبت المجتمع الملتفّ.

ص: 256


1- 1. وحکم بعضهم بزیاده الهمزه فذکروها فی « کرث » و « کرف » فلا تغفل.
2- 2. المحیط 6 : 239.
3- 3. فات علی السیّد المصنّف أن یذکر هذه اللغه - أعنی الفتح - فی معنی النبت المجتمع الملتفّ. ولغه الفتح منقوله أیضا فی « الکرثأه » بمعنی السحاب المتراکم ، وقد فاتت علی السیّد المصنّف ، کما فاتت علی الفیروزآبادی فی هذا الموض�3. مع أنّها منقوله فی المحیط 6 : 239. هذا ولعلّ السیّد المصنّف لم یذکر لغه الفتح « الکرثأه » لأنّه یری أنّها مصدر قیاسی من « کرثأ » فالتسمیه بها تسمیه بالمصدر ، ولیست هی لغه مستقله.

وعبارته واضح فی أنّه یخصّ لغه « الکرثأه » بالهاء والفتح بالنبت الملتف ، جمعا لظاهر عباراتهم فی ماده « کرثأ » غافلا عن انها مبدله من ماده « کرفأ » التی صرّحوا فیها بانّ لغه الهاء والکسر اعنی « الکرثئه » وارده بمعنی السحاب وقیض البیض أیضا ، وأنّ الهاء فیها للوحده.

ففی ماده « کرفأ » من التهذیب ، قال : أبو عبید ، عن الأصمعی : الکرفئ واحدتها کرفئه ، وهی قطع متراکمه من السحاب ، وهی الکرثئ أیضا بالثاء (1).

وفی الصحاح : الکرفئ السحاب المرتفع الذی بعضه فوق بعض ، والقطعه منه کرفئه. ونقلها عنه فی اللسان والتاج.

وفی لسان العرب : الکرفئ : قشر البیض الاعلی ، والکرفئه قشره البیضه العلیا ...

والکرفئ من السحاب مثل الکرثئ.

واستدرکها الزبیدی علی القاموس فی ماده « کرفأ » فقال : الکرفئه قشره البیض العلیا الیابسه.

وقال أبو الفرج فی الأغانی : قال الأصمعی : الکرفئه وجمعها کرفئ : قطع من السحاب بعضها فوق بعض (2).

فتصریحاتهم هذه تدل علی أنّ « الکرفئه » بالافراد وارده بمعنی السحاب وقیض البیض أیضا ، وأنّ الهاء للافراد ، وأن الجمع هو الکرفئ ، وبما أنّ الثاء مبدله عن الفاء ، فیکون حکمهما واحد ، وقد التفت السیّد المصنّف إلی ذلک وقرّره ، مستفیدا من الإبدال ، وقرّر المعانی علی ما هی علیه وأحسن تفصیلها ، فی حین اننا لا نجد ذلک فی المعاجم إلاّ بشقّ الأنفس.

ص: 257


1- 1. التهذیب 10 : 193.
2- 2. الاغانی 15 : 93.
ل - ذکره للفوائد اللغویه والنحویه والصرفیه ، وجمعه للأقوال ، وآراؤه فیها

ومن المیزات التی امتاز بها معجم « الطراز » ، هی ما اهتمّ به المصنّف فی منهجه ، من جمعه وتتبّعه للفوائد اللغویه والنحویه والصرفیه ووجوه الاشتقاق ، وإسقاطها علی مواضعها المختصه بها ، فهو لطول باعه وسعه اطلاعه فی هذه المجالات ، ینتخب المبانی من الکتب المختصّه ویطبّقها فی منهجه فی تدوینه للّغه ، بحیث تأتی الفائده المذکوره مطبقه فی موضعها ، وحاکیه عن منهج ورأی السیّد المصنّف فیها.

هذا فی مجال ، وفی مجال آخر فی هذا المضمار یحرص السیّد المصنّف علی ذکر الاختلافات الموجوده فی الموضع المختلف فیه ، واستعراضها ، ربّما یعرضها عرضا بحتا ، وربّما ظهر خلالها ترجیحه للرأی الذی یذهب إلیه من بینها.

وفی مجال ثالث فی هذا الإطار یظهر السیّد المصنّف شخصیته متکامله متینه خلال طرحه لآرائه بصراحه وقوّه ، ذاکرا ما یرتأیه ، وإن فاتهم شیء فی ذلک ذکره مصرّحا بذلک.

وهو بعد کل ذلک یوشّح فوائده تلک بالطرائف والنکت والملح والشوارد ، التی ینتقیها من کتب الأدب والشعر وموسوعات الشعراء وغیرها.

فأمّا ما یخص ذکره للفوائد اللغویه والنحویه والصرفیه ، فالیک بعضها :

* قال فی ماده « بأبأ » : « وبأبأته ، وبه ، بأبأه وبئباء : قلت له « بأبی أنت وأمّی » ، قال ابن جنّی : الباء من قولک « بأبی أنت » حرف جرّ ، فإذا اشتققت منه فعلا اشتقاقا صوتیّا استحال ذلک التقدیر ، فقلت : بأبأت به بئباء ، وقد أکثرت من البأبأه ، فالباء الآن فی تقدیر

ص: 258

الأصل وإن کنّا قد علمنا أنّها فیما اشتقّت منه زائده للجرّ ، فالبئباء علی هذا فعلال کالزّلزال ، والبأبأه فعلله کالقلقله ».

فهنا تبنّی السیّد المصنّف ما قرره ابن جنّی من کون الباء فی الأصل زائده ، ثمّ دخولها فی اشتقاق الفعل وصیرورتها من أصله ، وحلولها فی فائه ، وقد علمنا مذهب السیّد المصنّف فی اشتقاق هذه المتصرفات من قولهم « بأبی أنت » من خلال عرضه لرأی ابن جنی ونقله له ساکتا علیه.

* وقال فی ماده « بشأ » : « بشاءه ، کسحابه : موضع ، وهو فی شعر خالد بن زهیر الهذلی (1) ، ولا یعرف له مبدأ اشتقاق ولا تصرّف ، قال ابن جنی فی الخصائص : القیاس فیما جاء من الممدود الذی لا یعرف له تصرّف ولا مانع من الحکم بجعل همزته أصلا ، أن یعتقد فیها أنّها أصلیه ».

* وقال فی ماده « ثدأ » « وثندؤه الأنف : طرف أرنبته ، علی التشبیه [ بالثندوه التی هی الثدی ] ، ووزنها فنعله فالنون زائده ، وقیل فعلوه ، والنون أصلیّه. الجمع ثناد علی النقص ».

* وقال فی ماده « جیأ » : « فائده یقال : جاء شیء ، ولا یقال : جاء جاء ، وإن کان الجائی أخصّ من « شیء » ؛ لأنّ « جاء » مسند ، والمسند إلیه الفاعل ، ومعرفه المسند إلیه سابقه علی معرفه المسند ، فمتی عرف المجیء عرف الجائی ، فلا فائده فی الإسناد حینئذ ، والشیء قد لا یعرف مجیئه ، ولا یرد نحو « أتانی آت » ونحو قوله : « هریره ودّعها وإن لام لائم » ، فإن التنکیر فی ذلک لمعنی خاص ، وکلامنا إنّما هو فی « جاء جاء »

ص: 259


1- وهو قوله : رویدا رویدا والحقوا ببشاءه إذا الجرف راحت لیله بعذوب

من غیر إراده شیء خاصّ ».

* وقال فی الأثر من ماده « جیأ » : « فی الدعاء « وذاهبا وجائیا » الأصل جایئا - بتقدیم الیاء علی الهمزه - قلبت الیاء همزه ک « صائن » ، فصار « جائئا » بهمزتین ، فقلبت الثانیه یاء لکسر ما قبلها ، أو هو علی القلب ک « شائک » فوزنه « فالع » ».

* وقال فی الأثر من ماده « حدأ » : « فجاءت الحدیّا بالوشاح. الحدیّا کالثّریّا مصغّر حدأه. وروی « الحدیّاه » بهاء ، وکلاهما علی غیر القیاس. وروی الحدیئه - بالهمز - وهو القیاس ، فإن القیت حرکه الهمزه علی الیاء وشددتها قلت : الحدیّه ، کسمیّه.

* وقال فی ماده « حشأ » : « وحکی : حشأه ، أی أصاب حشاه علی غیر قیاس. وذلک لان القیاس فی مثله أن یقال أحشأه ، کما تقول أجافه بمعنی أصاب جوفه ».

* وقال فی ماده « خبأ » : « والمخبّأه ، بالتشدید : المحجوبه لم تتزوج بعد ؛ قال :

کأنّی إذ دخلت علی ابن عمرو

دخلت علی مخبّأه کعاب (1)

والخبء ، کفلس : ما خبئ ؛ تسمیه بالمصدر ، کالخبأه والخبیء والخبیئه. فهو هنا ینبّه حتّی علی ما قد یکون واضحا ، وهو أن التسمیه بالخبء تسمیه بالمصدر ».

* وقال فی ماده « درأ » : « درأ الکوکب : طلع فدفع الظلام بضوئه ، ومنه : کوکب درّیء - کسجّین ومرّیق - ولیس « فعّیل » بالضمّ سواهما وسوی مرّیخ للعظم الهش فی جوف القرن علی ما نقله أبو حیان فی الارتشاف عن بعضهم ، الجمع دراریء » (2).

* وقال فی نفس الماده أیضا : وجاءهم السیل درءا ، ویضمّ : من بعد لم یشعروا

ص: 260


1- 1. الشعر لمدرک بن حصن کما فی المعارف : 199. ولم یأتوا به شاهدا علی المخبأه وأتی به السیّد المصنّف.
2- 2. انظر ارتشاف الضرب 1 : 90. وانظر العباب 1 : 53 وادعاءه أنّها غیر مهموزه.

بمطره ، وهو سیل درء نعت بالمصدر.

وقال فیها أیضا : تدارأوا : اختلفوا وتدافعوا فی الخصام ، کادّارأوا ، وأصله تدارأوا ، فأدغمت التاء فی الدال ، وجیء بالف الوصل لانه لا یبتدأ بالساکن.

وقد نبه السیّد المصنّف فی هذین الاخیرین علی ما هو معلوم واضح ، حرصا منه علی تنبیه أکبر قدر من طلاب ورواد اللغه العربیه علی دقائقها وأصولها ، وإن کانت معلومه واضحه عند الکثیر منهم.

* وقال فی ماده « ذرأ » فیما یخص کلمه الذرّیّه : قال أبو عبید : ترکت العرب الهمز فی أربعه أشیاء لکثره الاستعمال : فی الخابیه وهی من « خبأ » ، والبریّه وهی من « برأ الله الخلق » ، والنبیّ وهو من النّبإ ، والذریّه وهی من « ذرأ الله الخلق ». قال یونس : وأهل مکه یخالفون العرب فی ذلک فیهمزونها جمیعاً.

* وقال فی ماده « ذمأ » : « ذمأه ، کمنعه : أهلکه ، والشیء : شقّ علیه وکرهه ، کذمئه بالکسر ، یقال : ذمأتنی وذمئتنی هذه الریح : إذا کانت منتنه فشقت علیه وکرهها. وامّا « ذمأ علیه » فلکونه بمعنی شقّ ، وإنّما أصله أن یتعدّی بنفسه ».

* وقال فی ماده « رنأ » : « یرنأ لحیته : خضبها به ، والیاء فی أوّله زائده قطعا ؛ لاجماعهم علی أنّها لا تکون مع ثلاثه أصول إلاّ زائده ، سواء کانت أوّلاّ أو وسطا أو أخیراً ».

* وقال فی ماده « روأ » « روّأ فی الأمر تروئه : نظر فیه وفکّر وتدبّر ، والاسم الرویّه - بیاء مشدّده ، جرت علی ألسنتهم بغیر همز تخفیفا ، قلبوا الهمزه یاء وأدغموها فی الیاء ، وربّما همزوها علی الأصل - : وهی خلاف البدیهه ».

* وقال فی ماده « سبأ » « سبأ - کسبب - اسم رجل ، وهو أبو عرب الیمن کلّها ... وهو منصرف علی أنّه اسم له أو للحیّ ، وممنوع علی أنّه اسم للقبیله : ، ثمّ سمّیت مدینه مأرب

ص: 261

بسبإ - وبینها وبین صنعاء ثلاث لیال - وهی مصروفه علی أنّها اسم للبلد ، وممنوعه علی أنّها اسم للمدینه ».

* وقال فی المثل من هذه الماده : ذهبوا أیدی سبا وأیادی سبا ...

والجزآن مبنیان أو معربان ، أو الأوّل مبنی والثانی معرب. وألزمت یاء أیدی وأیادی السکون ، وسکّنت همزه سبا ، ثمّ قلبت ألفا بناء أو تخفیفا فیهما ، وقد ینوّن « سبأ » بعد قلب الهمزه ألفا.

* وقال فی ماده « سوأ » : « أسأت به الظنّ ، وسؤت به ظنّا ، تعرّف الظن مع الرباعی ، وتنکّره مع الثلاثی ، وأمّا « أسات به ظنّا » فقال أبو عمرو : لغه لا خیر فیها ».

* وقال فیها أیضا ، والسّیّئه : الفعله القبیحه ، ونقیض الحسنه ، والذنب ، أصلها سیوئه ، قلبت الواو یاء وادغمت. فبین هنا وجه کون هذه الکلمه فی المعتل الواوی مع أنّ صورتها هی المعتل الیائی حرصا منه علی رفع الوهم واللبس ، وبیان وجه صنیعه وصنیع اللغویین فی وضعها فی « سوأ ».

* وقال فی نفس الماده بعد ان ذکر مصادر « سوأ » : « قال الخلیل فی هذه المصادر : سوائیه فعالیه کعلانیه ، وسوایه بترک الهمز واصله الهمز ، ومسائیه مقلوب مساوئه ؛ کرهوا الواو مع الهمزه ، ومسایه بحذف الهمز تخفیفا ».

* وقال فی ماده « ضهیأ » : « الضّهیأ : المرأه لا تحیض ، والتی لا ثدی لها ولا البن ، کالضّهیأه والضّهیاه والضّهیاء بالمدّ ».

قال سیبویه : هی ممدوده علی فعلاء ، وهمزتها زائده.

وحکی أبو عمرو الشیبانی : امرأه ضهیاءه ، کطرفاءه.

قال ابن جنی : من قال « ضهیاء وطرفاء » فالهمزه عنده للتأنیث ، ومن قال « ضهیاءه وطرفاءه » فالتاء للتأنیث والهمزه زائده ؛ کیلا یلزم الجمع بین علامتی التأنیث ؛ سمیت

ص: 262

بذلک لانها ضاهأت الرجال.

فاستعرض السیّد المصنّف خلاصه الاقوال فی الضهیأ والضهیاءه ، وهل انّهما من المهموز أو المقصور ، متخلّصا من الاخلال بعدم ذکر اشتقاقها ووزنها الصرفی ومن التطویل فی ذکر ذلک والاسهاب (1).

* وقال فی ماده « طرأ » : « طرآن ، کعثمان ، جبل فیه حمام کثیر ، إلیه ینسب الحمام الطرآنیّ ، وقال أبو حاتم : حمام طرآنی ، لا یعرف من أین جاء ، والعامه تقول : طورانی ، وهو خطأ ». فلم یفته نقل تنبیه أبی حاتم علی خطأ العامه فی هذه اللفظه.

* وقال فی الأثر من ماده « فجأ » : « وفی الدعاء : أعوذ بک من فجاءه نقمتک ، أی المعاجله بالانتقام ، وهی بالضمّ والمدّ ، أو بالفتح [ فحأه ] کتمره ، ولا تقل : فجأه - کغرفه - فإنه غلط مشهور ».

* وقال فی ماده « فیأ » : « والفیء : الخراج والغنیمه ، ولا تقل الفیء بالإبدال والادغام ، لان باب ذلک الزائد ، ولا یکون فی الأصل إلاّ ضروره ».

* وقال فی ماده « قثا » : « وارض مقثأه ، کمرحله : ذات قثّاء ، یقال هذه مقتأه فلان ، وقد تضم العین ، والعامه یقولون : مقثاه - کمشکاه - وهو تحریف ». وهذا الغلطان وغیرهما من أغلاط العامه کثیرا ما ینبّه علیها السیّد المصنّف فی طرازه مع أنّ المعاجم اللغویه المشهوره خلت من التنبیه علیها.

* وقال فی ماده « نأنأ » : « هو رأی منانأ ، وأصله منأنأ فیه ، فحذفوا الصله تخفیفا ».

* وقال فی ماده « هزأ » « رجل هزّاء کعبّاس ، وهزأه کرطبه : یهزأ بالناس ، وکغرفه : یهزأ منه الناس ، وکذلک کل ما جاء علی فعله - بضم الفاء وفتح العین - من النعوت فهو

ص: 263


1- 1. انظر مادتی « ضهأ » و « ضها » من المعاجم ، وقارنه بصنیع السیّد المصنف.

فی معنی فاعل ، وما جاء منها علی فعله - بضم الفاء وسکون العین - فهو فی معنی مفعول ». وهذه القاعده فی الفرق بین « فعله » و « فعله » لم تذکر فی معجم من المعاجم التی علیها المدار. وإن ذکروا أنّ الهزأه بمعنی الهزّاء الذی یهزا بالناس ، والهزأه هو الذی یهزأ منه الناس.

* وقال فی ماده « هنأ » : « المهنأ ، کمرکب : ما اتاک بلا تعب ، وما سرّک وساغ لک ولذّ ، ومصدر بمعنی الهناءه ، تقول : لک المهنأ ، وهنیئا لک ، أی هناءه لک ؛ أقیمت الصفه مقام المصدر ، فنصبت علی المصدریه ، والأصل « هنؤ هناءه لک » ، فحذف الفعل وجوبا إبانه لقصد الدوام واللزوم ، إذا کان وضعه علی الحدوث والتجدد ، واطّرد ذلک کما فی « حمدا لک » و « شکرا لک » وجوّز کونه نصبا علی الحال المؤکّده نحو « قم قائما » و « تعال جائیا ». وهذه الفائده النحویه الاعرابیه لا توجد فی غیر الطراز فی هذا الموضع.

* وقال فی ماده « هیأ » : « هم هیئتهم - بالنصب علی التشبیه بالظرف - أی فی هیئتهم ؛ شبّهت [ الهیئه ] بالمکان فجعلت خبرا عن الجثه ». وهذه الفائده اخت سابقتها.

* وقال فی الأثر من ماده « وجأ » : « ضحّی بکبشین موجوئین » ولا تقل موجأین - کمکرمین - فإنه من خطا الرواه.

* وقال فی الأثر من ماده « وجأ » : « من قتل نفسه بحدیده فحدیدته فی یده یتوجّأ بها فی جهنم » أی یطعن بها نفسه مره بعد أخری ، فالتفعّل هنا للعمل المتکرر ، أو للتکلّف لأنه عن غیر رضی ».

* وقال فی ماده « صطر » : « کل سین وقعت بعدها طاء جاز قلبها صادا قیاسا مطّردا ».

ص: 264

* وقال فی ماده « خصص » : « وتخصص به : أی انفرد ، وقالوا : الأصل فی لفظ الخصوص وما یتفرع عنه أن یستعمل بإدخال الباء علی المقصور علیه ، أی ما له الخاصه ، فیقال : خصّ المال بزید ، أی هو له دون غیره ، لکنّ الشائع فی الاستعمال ادخالها علی المقصود - اعنی الخاصه - کما قال تعالی ( یَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ یَشاءُ ) ».

* وقال فی ماده « قصص » : « قصصت الشعر والریش قصّا ، کمدّ : قطعته.

والظفر : قلّمته ، کقصّصته تقصیصا ، وقصّیته ، والأصل « قصّصته » بتشدید الصاد ، فاجتمع ثلاثه أمثال ، فابدل أحدها یاء للتخفیف ، فقیل : قصّیته ».

* وذکر فی نفس الماده فائده أخری عن سیبویه ، فقال معلقا علی نقلهم القصاصاء بمعنی القصاص : « وقد قال سیبویه : لیس فی کلامهم فعالاء ، والکلمه إذا کان لم یروها إلاّ واحد لم یجب ان تجعل أصلا ، لأنّه یجوز أن تکون کذبا أو غلطا ».

فهذه بعض الفوائد التی ذکرها فی اللغه وما هو صحیح منها وما هو من غلط العامه أو من التحریف ، وبعض الفوائد فی النحو ووجوه الإعراب ، وبعض الفوائد فی الصرف ووجوه الاشتقاق وارجاع الکلمه إلی اصلها اللغوی ، وهی اکثر الفوائد التی عنی بها ، هذه الفوائد ینقلها تاره عن ابن جنی وأبی عبید وأبی عمرو الشیبانی والخلیل وأبی حاتم وسیبویه وغیرهم مصرّحا بالنقل عنهم ، وتاره یذکرها بلا تحدید للمنقول عنه ، وإنما هی من خزین ملکاته فی مختلف فنون الادب ، یحاول أن لا یغفل عن ذکر شیء منها فی موضعه.

وأمّا ما یخصّ جمعه للأقوال فی الموضع المختلف فیه ، فهو أیضا یذکر ذلک معتنیا بها ، جامعا لها فی مکان واحد ، مع أنهم قد یذکرونها فی أماکن متفرقه ، أو یذکرون بعضها فی محله من معاجمهم ، وقد لا یذکرونها فی محلها أصلا ، وکل ذلک یذکره باختصار وبلا تطویل ، فیعرض خلاصه الآراء ولباب الأقوال فی المسأله ، إما

ص: 265

ساکتا أو مرجحا لبعضها علی بعض أو مشعرا بذلک.

* ففی ماده « ألأ » قال : « الإلاء ، کسحاب ویقصر : شجر مرّ الطعم حسن المنظر ؛ لأنّه دائم الخضره ، واحدته بهاء.

وهمزته اصلیه عند سیبویه ، قال فی کتابه : وأمّا ألاءه وأشاءه فتصغیرهما ألیّئه واشیّئه ؛ لأنّ الهمزه لیست مبدله ، ولو کانت کذلک لکان الحرف خلیقا أن یقولوا فیه ألایه ، کما قالوا فی عباءه : عبایه ، وفی صلاءه : صلایه ، فلیس له شاهد من الیاء والواو ، فإذا کان کذلک فهو عندهم مهموز ، ولا یخرجها إلاّ بأمر واضح.

وذکره الجمهور فی المعتل ؛ کأنّهم رأوه مشتقّا من ألا یألو ، أی قصّر فی طعمه مع حسن منظره ، وهو کرأی بعضهم فی الألوه أنّها مشتقّه من ذلک ؛ کأنّها لا تألو ریحا وذکاء عرف.

ونصّ صاحب جامع اللغه علی أنّه واویّ ویائیّ ؛ وقالوا : سقاء مألوء ومألوّ ومألیّ - بالهمز والواو والیاء - إذا کان مدبوغا به ».

فالسیّد المصنف هنا جمع الآراء فی اشتقاق هذه الکلمه من الهمز أو من المعتل ، وإذا کانت من المعتل فهل هی من الواوی أو الیائی؟ ومن خلال جمعه للآراء ونقله لها ، استشفّ منها رأیه فی المسأله ، فإنّه بعد أن نقل کلام سیبویه ودلیله ، نقل رأی الجمهور فی کونها واویّه وتبیینهم لوجه ذلک ، ثمّ نقل ثالثه نصّ جامع اللغه فی أنه واوی ویائی ، مشعرا بعدم دقه الرأیین الأوّلین ، فکانه رحمه الله یذهب إلی الرأی الثالث وإن خالف سیبویه والجمهور ، لکنه فی نفس الوقت وضعها فی المهموز لکی لا یغفل رأی مثل سیبویه.

* وقال فی ماده « أوأ » : « آء ، کباب : ثمر السرح ، وشجر أو نجم ؛ لقول الأزهری : لا ساق له ، واحدته آءه ، وأصلها أوءه کسوءه.

ص: 266

قال سیبویه : إذا أشکلت علیک الالف فی موضع العین فاحملها علی الواو ؛ لأنّ الأجوف أکبر ، فتصغیرها أویئه.

والأخفش یحملها علی الیاء لأنّها أخفّ ، فیقول : أییئه ».

فذکر رأی سیبویه بعد أن ذهب إلی أنّ عینها واو ، مشعرا بتعلیل ما ذهب إلیه ، ثمّ ذکر رأی الأخفش فی حمل العین علی الیاء ، جمعا للأقوال ، وحرصا علی عدم الإخلال بالوجه والرأی الآخر.

* وقد وردت عن العرب عده کلمات لا غیر اختلفوا فی وزنها ، وما هو الأصلی من حروفها وما هو الزائد منها ، وهی الحنطأو ، والحنظأو ، والسّندأو ، والعندأو ، والفندأوه ، والقندأو ، والکنتأو ، والکنثأو ، وقد ذکر السیّد المصنف الاختلافات فی اشتقاقها :

فقال فی ماده « حطأ » : « والحنطأو ، کجردحل وبهاء : القصیر السمین ، والعظیم البطن ، کالحنطئ کزبرج ».

وقال فی ماده « حظأ » : « والحنظأو ، کالحنطأو زنه ومعنی ، ووزنهما فنعلو ».

وقال فی ماده « سندأ » « السّندأو ، کقرطعب ، وبهاء : المقدم الجریء ، والخفیف ، والعظیم الراس مع رقه جسمه ... قال سیبویه : وزنه فنعلو ، فهذا موضع ذکره (1). وقیل : فنغال ، فموضعه المعتل. وقیل : فعلأ وفموضعه « سند » ».

وقال فی ماده « عندأ » « العندأو ، کجردحل ویفتح ، وبهاء فیهما : الصلب الشدید ... قال سیبویه : وزنه فنعلو ، والزموه الواو الزائده ؛ لانّ الهمزه تخفی عند الوقف والواو تظهرها. قالوا : والمسموع من هذا الوزن عده الفاظ کلّها ثانیه نون وآخره

ص: 267


1- 1. وضعت فی النسخ بعد ماده « سلطأ » والصواب جعلها بین مادتی « سخأ » و « سرأ ».

واو. وهی : حنطأو - بطاء مهمله ومعجمه - وسندأو ، وقد تقدّمن ، وعندأو ، وفندأو بالفاء ، وقندأو بالقاف ، وکنتأو بتاء ومثلثه ، وعنزهو ، وسیأتین ».

وقال فی ماده « فندأ » : « الفندأوه ، بالکسر : الفأس الحاده ، کالفندأیه الجمع فنادید علی غیر قیاس ، وفرق الفیروزآبادی بین الکلمتین وحکمه بزیاده الهمزه فی الاولی واصالتها فی الثانیه تحکّم بحت ؛ فإنهما ونظائرهما من باب فنعلو عند سیبویه ، فالهمزه أصلیه عنده فی جمیع الباب ».

وقال فی ماده « قدأ » مفصّلا : القندأو ، کحنطأو وبالهاء : الصلب الشدید ... وفأس قندأوه : حادّه ... اختلف القوم فی هذا اللفظ وما هو علی وزنه علی أقوال :

فقال ابن درید : وزنه فِعْلَأْو ؛ قال فی الجمهره : لم یجئ علی فعلأوه إلاّ سندأوه : جریء ، ورجل حنطأوه : عظیم البطن ، وکنثأوه : عظیم اللحیه وقندأوه : صلب شدید ، وعندأوه نحوه. وذکر الجوهری له فی الدال بناء علی هذا القول.

وقال السیرافیّ : الأولی أن یحکم باصاله جمیع حروف ما جاء علی هذا الوزن ، فیکون کحجردحل ، وعلی هذا فموضعه المعتلّ.

وقال الفراء : الزائد فی هذا الوزن إمّا النون وحدها فهو فنعلّ ، وإمّا النون مع الهمزه فهو فنعأل ، وجعل النون زائده علی کل حال.

وقال سیبویه : الواو مع ثلاثه اصول من الغوالب ، فیحکم بزیادتها ، وکل واحده من النون والهمزه رسیلتها فی المثل المذکوره ، فیجعل حکم إحداهما فی الزیاده حکم الواو وإن لم یکونا من الغوالب ، والحکم بزیاده النون اولی من الحکم بزیاده الهمزه ؛ لکون زیاده النون فی الوسط أکثر من زیاده الهمزه ، فوزنه فنعلو.

قال : وإنما لزم الواو الزائده فی الامثله المذکوره بعد الهمزه لأنّ الهمزه تخفی عند الوقف والواو تظهرها.

ص: 268

ولم یتعرض فی مادتی « کتأ » و « کثأ » للاختلاف بینهم ، واقتصر علی ذکر المعانی وتفسیرها.

وخلال هذا الاستعراض للخلاف والوجوه فی اصول هذه الکلمات وما هو وزنها ، - وإن کان اورده فی معرض الرد علی الفیروزآبادی - یظهر رأی السیّد المصنف وانتخابه لرأی سیبویه ، حیث ذکر هذه المفردات فی الثلاثی المهموز « حطأ » « حظأ » « عدأ » « فدأ » « قدأ » « کتأ » « کثأ » ومن خلال تبنّیه لهذا الرأی عرفنا أنّ وضع « سندأ » فی غیر محلها انما هو من غلط النساخ.

والمهم هنا هو استعراضه لخلافاتهم ، ونقله اقوالهم ، بشکل مختصر وواف بالموضوع ، بلا إخلال ولا تطویل ، وذلک لحاجه مثل هذا الموضع لذکر اختلافهم ، وعدم إمکان غض النظر عن مثله.

* وقال فی ماده « دبأ » : « الدّبّاء ، کتفّاح : الیقطین ، قیل : همزته أصلیه لأنّه من « دبأ » : بمعنی هدأ ، کما قیل له یقطین من « قطن » ، جعل انسداحه قطونا وهدوءا ».

وقال فی ماده « دبب » : « الدّبّاء ، کثفّاء : القرع ، واحدته بهاء ، وزنه « فعّال » من الدبیب ؛ لأنّه یدبّ حتّی یعلو الشجره السحوق ».

قال الزمخشری : لامه همزه کالقثّاء ، علی اعتبار ظاهر اللفظ ؛ وهو من « دبأ » بمعنی هدأ ؛ جعل انبساطه هدوءاً.

قال : ویجوز أن یکون من الدّبا وهو أصغر الجراد کما سیأتی بیانه هناک.

وقد وضع السیّد المصنّف « الدبّاء » فی « دبأ » باعتبارها مأخوذه من دبأ بمعنی هدأ ، ووضعها مرّه أخری فی « دبب » باعتبارها مأخوذه من الدبیب ، ثمّ ذکر أنّه

ص: 269

سیضعها فی « دبا » باعتبارها مأخوذه من الدّبا بمعنی أصغر الجراد (1) ، فکانه رحمه الله لم یرجّح رأیا علی آخر ، وأنه یری أنّها متساویه فی تصحیح الاشتقاق ، فلذلک ذکرها فی المواضع الثلاثه مکررا لها وإن کنا لا ندری ما هو صنعه فی المقصور لو کان الله قد مدّ فی عمره فدوّنه.

* وقال فی ماده « طلأ » : « الطّلاّء ، کمکّاء : الدم ، أو القشره الرقیقه فوقه ، وموضع ذکره المعتل کما فعله الجوهریّ ، أو یقال أنّه فعّال فعلاء ». والمصادر بعضها ذکره فی المهموز کالفیروزآبادی ، وبعضها اقتصر علی نقلها فی المقصور « طلا » کابن منظور فی اللسان ، دون تنبیه علی أصل اشتقاقها ، وقد ذکرها السیّد المصنّف هنا وبین انه یمکن ان یقال انها « فعلاء » ، لکنه ذهب إلی الصحیح ذکرها فی المعتل ، فهی « فعّال » ، وهذه الفائده غفل الأکثر عن ذکرها هنا.

* ومن فوائده ونقله لاختلاف القوم فی النحو ، ما ذکره من وجوه فی علّه منع « اشیاء » من الصرف ، قال :

واختلفوا فی وجه منع أشیاء :

فقال الخلیل وسیبویه وجمهور البصریین : هی اسم جمع - کطرفاء - وأصلها : شیئاء بهمزتین بینهما ألف ، فقلبت بتقدیم لامها علی فائها ، فصار وزنها لفعاء ، ومنعت الصرف ، لألف

ص: 270


1- 1. وقد غلّط الفیروزآبادی فی ماده « دبا » الجوهریّ لذکره الدباء هنالک ، مع أنّ لذلک وجها صحیحا کما ذکره الزمخشری ، وقال الزبیدی فی التاج : قال الشهاب الخفاجی : أخطأ من خطّأ الجوهری ، لأنّ الزمخشری ذکره فی المعتل ، ووجهه أنّ الهمزه للإلحاق کما ذکروه ، فهی کالأصلیه کما حرروه. انتهی.

التأنیث الممدوده.

وقال الأخفش : هی جمع شیء ، وأصلها أشیئاء علی أفعلاء ، فاجتمعت همزتان ، فحذفت الهمزه التی هی لام الکلمه وفتحت الیاء لیسلم الجمع ، فصارت أشیاء علی أفعاء ، ومنعت الصرف ؛ لألف التأنیث.

وقال الکسائیّ : هی جمع شیء ، ووزنها أفعال ، کبیت وأبیات وشیخ وأشیاخ ، ومنعت الصرف ؛ لشبهها بحمراء فی کونها جمعت علی أشیاوات کما جمعت حمراء علی حمراوات.

قال الجوهریّ : وهذا القول یدخل علیه ألاّ یصرف أبناء وأسماء.

وتعقّبه الفیروزآبادیّ بأنّه لا یلزم ؛ لأنّهم لم یجمعوا أبناء وأسماء بالألف والتاء.

وهذا عجیب منه ؛ فإنّ کتب الصنعه کاد أن لا یخلو منها کتاب من حکایه أبناوات وأسماوات ، قال فی التسهیل وشرحه : وقد یجمع أفعال بالألف والتاء ، کقولهم فی جمع أسماء : أسماوات ، وفی أبناء سعد : أبناوات.

وقال أبو حیّان فی الارتشاف : قالوا أبناء سعد ، وأبناوات ، وأسماء جمع اسم وأسماوات ، فکیف ساغ له إنکار ذلک؟! إلاّ إن کان لم یطلع علیه ، فلم یکن للبدار بالإنکار وجه.

وهذا الجمع لأقوالهم فی عله منع الصرف وإن کان فی معرض الرد علی الفیروزآبادی ، إلاّ أنّه یبین مدی سعه اطلاع السیّد المصنّف فی النحو ، ومعرفته بالاختلافات ووجوهها فیه ، وإن کان رحمه الله لم یصرّح بما یلتزمه من هذه

ص: 271

الوجوه ، وهذا یوضح ما قلناه من حرصه علی جمع الأقوال واستعراضها فی مواطنها.

* وفی المصطلح من ماده « قرأ » بین السیّد المصنّف وجه اشتقاق القرآن من أیّ شیء هو؟ وما هی وجوه الاختلاف فی ذلک ، وهل ان اصله مهموز ام لا؟ وهل أنّ نونه أصلیه ام زائده؟ فقال :

القرآن : مجموع کتاب الله المنزل علی محمّد صلی الله علیه و آله ، وقد یطلق علی القدر المشترک بینه وبین بعض أجزائه الذی له نوع اختصاص به.

واختلف فی هذا الاسم ؛ فقال قوم : هو اسم علم غیر مشتقّ ، خاصّ بکلام الله ، فهو غیر مهموز ، وبه قرأ ابن کثیر ، وإلیه ذهب الشافعیّ.

وقال جماعه منهم الأشعریّ : هو مشتقّ من قرنت الشیء بالشیء ؛ لقران الکلم والآیات والسور.

وقال الفرّاء : هو من القرائن ؛ لان الآیات یصدّق ویشابه بعضها بعضا ، فهی قرائن.

وعلی القولین ، فهو بلا همز أیضا ، ونونه أصلیّه.

قال الزجّاج : هذا القول سهو ، والصحیح أنّ ترک الهمزه فیه من باب التخفیف ونقل حرکه الهمزه إلی الساکن قبلها.

وقال اللحیانیّ وآخرون : هو مهموز ، وأصله مصدر ل- « قرأت » - کالغفران - سمّی به الکتاب المقروء ، من باب تسمیه المفعول بالمصدر.

ص: 272

وقال الزجّاج وطائفه : هو وصف علی فعلان ؛ من القرء - بالهمز - بمعنی الجمع ؛ لأنّه جمع السور بعضها إلی بعض.

وقال بعض العلماء : تسمیه هذا الکتاب قرآنا من بین کتب الله لکونه جامعا لثمره کتبه ، بل لجمعه ثمرات جمیع العلوم.

فقد جمع السیّد المصنّف رحمه الله امهات الوجوه الموجوده فی اشتقاق القرآن لکنّه لم یمل إلی واحد منها ولا رجّح أحدها ، لکنه استعرضها من خلال نقل اقوال اللغویین وبعض الفقهاء ، بشکل لا یوجد فی معجم آخر من معاجم العربیه ، من حیث الاختصار وایفاء المطلب ، ونقل عمده أقوال علماء العربیه.

* وقال فی ماده « لألأ » : « اللؤلؤ ... محترفه لئّال کنجّار ، وحرفته اللّئاله کالنجاره ... وقال الفراء : والقیاس لئّاء مثل لعّاء. قال علی بن حمزه : خالف الفرّاء فی هذا کلام العرب والقیاس ، لأنّ المسموع لئّال ، والقیاس لؤلئیّ ؛ لانه لا یبنی من الرباعیّ فعّال ، ولئّال شاذّ ».

فقد نقل السیّد المصنّف قول الفراء وردّ الکسائی علیه ساکتا علی ذلک مشعرا بتصویبه لردّ الکسائی ، لأنّه حقّ کما لا یخفی ، وانما یستقیم کلام الفراء لو کان اللؤلؤ مشتقا من « لأء » ولیس کذلک - بل هو من الرباعی لألأ ، والقیاس منه ما ذکره علی بن حمزه الکسائی ، لکنّ الذی اثبته السیّد المصنّف هو السماعی الذی ثبت نقله عن العرب.

* وقال فی ماده « سأر » : « والسّائر : الباقی من کلّ شیء ؛ قال الزمخشری : هو اسم فاعل من سأر : إذا بقی ، وهذا ممّا یغلط فیه الخاصه فتضعه موضع الجمیع.

وقال بعضهم : استعمال لفظه سائر بمعنی الجمیع مردود عند أهل اللغه معدود فی غلط العامه وأشباههم من الخاصه.

ص: 273

قال الازهری : أهل اللغه اتّفقوا علی أنّ معنی سائر الباقی ، ولا التفات إلی قول الجوهری : سائر الناس جمیعهم : فإنه لا یقبل ما انفرد به ، وقد حکم علیه بالغلط فیه من وجهین : تفسیره له بالجمیع ، وذکره فی « س ی » وحقّه أن یذکره فی « س أ ر » لأنّه من السّؤر بالهمز.

وتعقّبه النواویّ فقال : بل هی لغه صحیح لم ینفرد الجوهری بها ، بل وافقه علیها الإمام أبو منصور الجوالیقی فی أوّل کتابه « شرح أدب الکاتب » واستشهد علیه ، وإذا اتفق هذان الإمامان علی نقلها فهی لغه.

وأنکر أبو علی أن یکون سائر من السؤر بمعنی البقیه ؛ لانها تقتضی الأقلّ والسائر الأکثر ، ولحذفهم عینها فی نحو قوله :

وسوّد ماء المرد فاها فلونه

کلون النّؤور وهی أدماء سارها

لأنّها اعتلّت بالقلب اعتلّت بالحذف ، ولو کانت العین همزه فی الأصل لما حذفت.

وقال ابن برّیّ : من جعل سائرا من سار یسیر فیجوّز أن تقول : سائر القوم ، أی الجماعه التی یسیر فیها هذا الاسم ، وأنشدوا علی ذلک قول الأحوص :

فجلتها لنا لبابه لمّا

وقذ النوم سائر الحرّاس

وقال ابن درید : سائر الشیء یقع علی جلّه ومعظمه ولا یستغرقه ؛ کقولهم بنی فلان ، أی جلّهم ، ولک سائر المال ، أی معظمه.

وقال ابن ولاّد : سائر یوافق بقیّه فی نحو « أخذت من المال بعضه وترکت سائره » لأن المتروک بمنزله البقیه ، ویفارقها من حیث أنّ السائر لما کنز والبقیه لمّا قلّ تقول : أخذت من الکتاب ورقه وترکت سائره ، ولا تقول : ترکت بقیته ».

وقول الحریریّ : الصحیح أنّه یستعمل فی کلّ باق قلّ أو کثر ، لا شاهدا له علیه.

ص: 274

فجمع عیون الاقوال وخلاصتها فی معنی « سائر » بمعنی البقیه أو الجمیع ، کما جمع الأقوال فی اشتقاقها من « سأر » وهو الذی ذکرت هذه الکلمه علی اساسه فی هذه الماده ، أو من « سیر » کما ذهب إلیه جمع.

وهذه المیزه للکتاب لا ندّعی أنّه انفرد بها عن باقی المعاجم ، بل نقول أنّه اکثر فیها عنایه من باقی المعاجم ؛ خصوصا إیضاحه ذلک فی الموارد التی لم یوضحوها ، أو التی ذکروها فی غیر محالّها ومظانّها ، کما انه امتاز عنها بانه ینقل لباب الأقوال وعیون المطالب دون تطویل واجترار للکلمات.

وأمّا فوائده وآراؤه الخاصه التی صرّح بها أو ألمح إلیها ، فهی کثیره جدّا لا تکاد تخلو منها ماده أو فصل ، وهی تدل علی ضلوعه فی اللغه وعلومها ، کما تدلّ علی مقدار اهتمامه بتطبیق إفاداته فی مواضعها ، وعدم الاخلال بذکرها.

* ففی ماده « سوأ » قال : « وقیل : السّوء والسّوء لغتان کالکره والکره ، خلا أنّ المفتوح غلب فی أن یضاف إلیه کلّ ما یراد ذمّه ، والمضموم جری مجری الشرّ ، فإن عرّفت الاول قلت : الرجل السّوء ، بالفتح علی النعت. ومنع ذلک الأخفش معلّلا بأنّ الرجل لیس بالسّوء ، ولیس بشیء ؛ فان النعت بالمدر سائغ فی کلامهم ، وهو أوضح من أن یخفی ».

* وفی ماده « شنأ » ، قال : « قال أبو زید : جاء الشنآن مصدرا ووصفا ، وهما جمیعا قلیلان. وقال سیبویه : ما کان من المصادر علی فعلان - بالتحریک - لم یتعدّ فعله ، إلاّ أن یشذّ نحو شینئه شنآنا ».

قال أبو حیان : ولا یعلم غیره.

قلت : بل علم. وهو نضخه نضخانا ، وشاهده قول القطامی :

حرجا کأنّ من الکحیل صبابه

نضخت مغابنها بها نضخانا

ص: 275

* وفی ماده « یرنأ » قال : « الیرنّأ - بضم الیاء وفتحها ، وفتح الراء المهمله وتشدید النون متلوّه بالهمزه بلا فاصل - ویقال : الیرنّاء أیضا ، بالضم والمدّ مشدّده : الحناء.

وقال ابن جنی : إذا قلت الیرنّأ - بالفتح کجهنّم - همزت لا غیر ، وإذا ضممت جاز الهمز وترکه.

قال القتیبی : ولا أعرف لهذه الکلمه فی الأبنیه مثلاً.

قلت : ومثلها یوصّی بألف مقصوره علی ما ذکره فی الارتشاف (1) ، وهو اسم طائر من جوارح الطیر ».

* وقال فی ماده « وهب » : وأمّا وهبته منه ، فقیل : خطأ محض ، ولیس کذلک ، بل جاءت به أحادیث صحیحه ، فهو إما علی أنّ « من » بمعنی اللام وإن لم یذکره النحاه ، وکفی بالحدیث شاهدا ، أو علی أنّها زائده ، کقوله :

مهرت منها حیّه وتیسا

أی مهرتها.

وأما تأویله بتضمین التمکین فلا یصحّ ؛ لدخلو « من » علی الموهوب له دون الموهوب ، ومعنی التمکین یقتضی العکس.

فهذه بعض الآراء التی صرّح بها هو بنفسه ، والأخیر منها رأی بکر لم یفترعه غیره ، وهو فی کل ذلک متین العارضه قوی الحجّه ، یقدّم رأیه مدعوما بالدلیل ، غیر خاش ان یغلّط مثل الأخفش ، ولا هائب أن یستدرک علی سیبویه وأبی حیّان ، ولا متحذّر أن یشفع ما ادعی القتیبی أنّه وتر ، ثمّ هو یردّ بقوه علی کل من غلّط ما ورد فی الاحادیث الصحیحه ، مخرّجا ذلک الاستعمال أحسن تخریج ، ومستدلاً

ص: 276


1- 1. الذی فی ارتشاف الضرب المطبوع 1 : 86 یوصّی ویرنّأ.

أقوی استدلال.

هذا ، ناهیک عن آرائه الکامنه فی ضمن تبنّیه لوجهات النظر فی اللغه والاشتقاق.

* ففی ماده « بوأ » مثلا قال : « باء فلان بفلان بوءا وبواء - کقضاء - إذا کان له کفأ یقتل به ، ثمّ یقال : هم بواء ، أی اکفاء فی القصاص ، والمعنی أولو بواء ، وکثر حتّی قیل : هم فی هذا الأمر بواء ، أی سواء ».

فقرر التطور اللغوی ، الذی حدث لهذه اللفظه واستعمالها بعد أن ثبت أصلها اللغوی ، إذ التفت إلی ان الأصل الموضوعه له هو خصوص المساواه فی القصاص - لأنّ العرب أوّل ما عرفت ذلک من خلال حروبها وأخذ الثار والقصاص - ثمّ قرّر أنّها صارت تستعمل فی کلّ مساوی ، هذا مع أنّ هناک من اللغویین من ذهب إلی أنّ اصلها اللزوم مطلقا ، ثمّ صارت تستعمل فی کل مکان بما یناسبه.

قال الزبیدی فی تاجه : اصل البواء اللزوم کما فی النهایه ، ثمّ استعمل فی کل مقام بما یناسبه ؛ صرّح به الزمخشری والراغب.

* وفی ماده « ملأ » قال : « ملأه علی الأمر ، کمنعه : أعانه. ومالأه ملاء وممالأه : عاونه وشایعه وتابعه. وتمالئوا علیه : تعاونوا واجتمعوا ، وأصله المعاونه والاجتماع فی الملء ، ثمّ عمّ ».

وهذا المذهب ذهب إلیه الزمخشری فی الاساس ، وسائر المصادر اکتفت بشرح الممالأه بالمعاونه ، وقد انتخب السیّد هذا المذهب لأنّه مطابق لما عرفته العرب فی حیاتها من الاجتماع فی الملء قبل کل شیء ، ثمّ تطورت حتّی صارت تستعمل فی کلّ معاونه واجتماع ، وفی ما یخص تشخیص الأصول الاشتقاقیه اللغویه ، فاننا نراه یذکر القئقئ والقیقاءه فی ماده « قأقأ » تبعا للتکمله والعباب ، وإن

ص: 277

ذکره الجوهری فی « قیق » والأزهری فی « قوقی » وابن منظور فی « قوا ».

وذکر السیّد المصنّف الهوهاءه علی فوعاله : الرجل المنطیق الجریء علی ما أتی ... الخ ، ذکر ذلک فی « هوأ » وصرّح بوزنه علی « فوعاله » ، مع أن أغلب المصادر ذکرت ذلک فی « هو » کما فی المقاییس والمجمل واللسان والتاج والنهایه الأثیریه ، لکن السیّد المصنّف بین مذهبه فی الاشتقاق هنا ، معرضا عما صنعوه من ذکرها فی « هوه ».

ولم یخل السیّد المصنّف طرازه الأول من النکت والشوارد والملح والطرائف ، فذکر جمله منها فی مواضعها ، مع أنّها موجوده بشکل مبعثر فی بطون کتب الأدب ومعاجم الشعراء وکتب النحو والصرف والبلاغه وغیرها.

* ففی ماده « ززز » مثلا نقل طریفه انفرد بذکرها من بین معاجم اللغه ، وهی من طرائف الإلغاز قال : وانشد حماد الروایه ابا عطاء السندی قوله ملغزا :

فما اسم حدیده فی الرمح ترسی

دوین الصدر لیست بالسنان

فقال : زرّ ، فقال : أصبت ، اراد « زجّ » بالجیم ، فقلبها زایا لعجمه کانت فی لسانه.

* ونقل فی ماده « خلص » قصه خالصه جاریه هارون الرشید مع ابی نؤاس ، وذلک بمناسبه ذکره ل- « برکه خالصه » فقال :

برکه خالصه : بین الأجفر والخزیمیه بطریق مکه من الکوفه ، بنتها خالصه ، وهی الجاریه السوداء التی کانت حظیّه لبعض الخلفاء ، وکان یکرمها ویلبسها الحلیّ الفاخر ، فقال بعض الشعراء :

لقد ضاع شعری علی بابکم

کما ضاع درّ علی خالصه

فبلغ الخلیفه ذلک فأمر باحضاره ، وأنکر علیه بما بلغه منه ، فقال : یا أمیر المؤمنین کذبوا ، إنما قلت :

ص: 278

لقد ضاء شعری علی بابکم

کما ضاء درّ علی خالصه

فاستحسن تخلصه وأنعم علیه ، فقال بعض الحاضرین : هذا بیت قلعت عیناه فأبصر.

* وفی ماده « قصص » قال : أقصصته : أمکنته من أن یقصّ ویحکی قصّته ، وکان یقول حاکم المدینه للخصم إذا أراد أن یوجّه علیه القضاء : قد أقصصتک الجرحه ، فإن کان عندک ما تجرح به الحجه التی توجّهت علیک فهلمّها ، أی أمکنتک من أن تقص ما تجرح به البیّنه.

* وقال فی نفس هذه الماده : ولأخبرنّک ذلک الأمر قصص الغزال : ای لا أخطئ فیما أخبرک ، وذلک ان الغزال إذا ما قصّه الإنسان فی السهل لم یزل قاصدا حتّی یأتیه فلا یصرف عنه بصره ، ومتی صرفه اضلّه ، قال الحکم بن ریحان الکلابی :

یا ایها الملحف بالسؤال

لا نطقنّ الصدق فی مقالی

یوم التقینا قصص الغزال

أی لأصدقنّک کقصص الغزال الذی لا یخطئ أثره.

وهاتان القضیتان الملیحتان لا توجد فی معاجم اللغه المتداوله.

والواقع إنّ ما ذکرناه فی هذا المقام ، بل جلّ ما ذکرناه فی منهجیته ، إنّما ذکرناه علی نحو الاستعراض والتعلیقات المقارنه البسیطه لمعرفه منهجیته بشکل عام ، وإلاّ فإنّ الوقوف علی تفاصیل مباینه اللغویه والنحویه والصرفیه والاشتقاقیه بشکل کامل یحتاج إلی دراسه معمقه لهذا المعجم العظیم الذی حوی ما لم یحوه غیره من المعاجم اللغویه استدراکا ونقدا وعمقا ومبانی لغویه وصرفیه ونحویه ، وافادات ، وفوائد ونکات ، وعنایه بالضبط والتحقیق ، والمهموز والمقصور ، والمعرّب والفصیح و و و ...

ص: 279

م - توخّیه سلاسه العباره فی الإفهام والتفهیم

إن من الإشکالیات المأخوذه علی معاجم العربیه القدیمه ، هی الغموض فی الشروح والتعاریف وربما الخطأ فی بعضها ، فهی شروح وتعاریف الأخفی أو بالمساوی ، وقد تنبه لهذا النقص فی المعاجم جمع ممن تأخر عن السیّد علی خان المدنی وحاولوا رفع هذا الخلل ، وأمّا الذین قبله فلم نعهد واحدا منهم نبه علی ذلک أو سعی لرفعه.

قال المیرزا محمّد علی الشیرازی فی مقدمه کتابه « معیار اللغه » فی معرض ذکره لعیوب ونواقص المعاجم السابقه علیه : ومنها تعبیر لفظ بلفظ علی سبیل الدور ؛ کقوله العوذه الرقیه (1) ، والرقیه العوذه ، وکلتاهما مجهولتان عند الأکثرین ، وأمثال ذلک ، ومنها تعبیر لفظه غیر معروفه بلفظه غیر معروفه أخری لا علی سبیل الدور ، کقوله الحثربه : الحثرمه ، وهی الدائره وسط الشفه العلیا (2).

وقال الدکتور إبراهیم مدکور فی مقدمته علی المعجم الوسیط : والمعجم العربی القدیم علی غزاره مادته وتنوّع اسالیبه ، أضحی لا یواجه تماما حاجه العصر ومقتضیاته ، ففی شروحه غموض ، وفی بعض تعاریفه خطأ (3) ...

ص: 280


1- 1. واما السیّد المصنف فقد قال فی ماده « عوذ » العوذه بالضم ، والمعاذه بالفتح ، والتعویذ : الرقیه یرقی بها الإنسان من جنون أو فزع ؛ لانه یعاذ بها.
2- 2. معیار اللغه 1 : 2.
3- 3. مقدمه المعجم الوسیط 1 : 7.

وقال الاستاذ سعید الخوری الشرتونی فی مقدمه أقرب الموارد : المقصد الثانی : « فی تساهل اللغویین فی التعریف الدوری وفی تصور تعریف النبات والحیوان » : اعلم أنّ الدور فی التعریف هو أن یعرّف الشیء بشیء ثمّ یعرّف هو أیضا بالذی عرّن به ، وهو لا یفید الإیضاح المقصود من التعریف ، ولهذا کان معیبا عند المناطقه ، مثال ذلک قول القاموس : تنجّح الحاجه واستنجحها : تنجزها ، ثمّ قوله : تنجز الحاجه واستنجزها : استنجحها ، فقد فسّر تنجّح ب- « تنجّز » ثمّ فسّر تنجّز ب- « استنجح » فبقی المعنی محجوبا لا یستخرج الا بعد تدبّر أکثر ما فی المادّتین ، وهذا مجرّد تساهل ، وإلاّ لما کان یعجز المجد أو غیره أن یقول تنجّح الحاجه : سأل قضاءها أو طلب الفوز بها (1) ..

وفی هذا المجال تظهر عنایه السیّد المصنّف الفائقه بالافهام والتفهیم باسلس عباره وأوضحها ، واجلی تعریف وأظهره ، فهو لم یقف عند حدّ التخلص من التعریف بالدور ، والتعریف بالمساوی أو الأخفی.

بل حرص علی أن یخلّص القارئ من الإحالات ؛ فإذا کانت اللفظه مفسّره بلفظه غیر مفهومه لکنها مذکوره فی ماده أخری ، فسّرها فی مکانها وفکّ أسرها وازال غموضها ، وفیما سنعرضه من نماذج أکبر دلیل علی ما نقوله من هذه المیزه الواضحه للطراز علی سائر المعاجم.

* ففی ماده « حمأ » قال الفیروزآبادی فی القاموس : ورجل حمئ العین کخجل :

ص: 281


1- 1. مقدمه أقرب الموارد 1 : 9. وهنا نری السیّد المصنف لا یفوته ذلک فقد قال فی ماده « نجح » : وتنجّح حاجته واستنجحها : تنجزها. ثمّ قال فی ماده « نجز » واستنجز حاجته وتنجّزها : طلب قضاءها.

عیون. وجاء الزبیدی لیشرحها فقال : ( و ) یقال ( رجل حمئ العین ، کخجل : عیون ) مثل نجئ العین ؛ عن الفراء ، قال : ولم نسمع له فعلا.

وفی التکمله للصاغانی : وإنّه لحمئ العین ، مثل نجئ العین ، عن الفراء ؛ قال : ولم نسمع منه فعلا.

وفی العباب : وإنّه لحمئ العین ، عل فعل ، مثل نجئ العین ، عن الفراء : إذا کان عیونا ، ولم نسمع له فعلا.

وهکذا دارت عباراتهم فی هذا المدار ، مقتصره علی تفسیر حمئ ب- « نجئ » ، أو ذاکره ان الحمئ العین هو العیون ، وهنا لا یهتدی طالب اللغه العربیه إلی المعنی المفسّر به فضلا عن المفسّر ، فیضطر إلی مراجع مادتی « نجأ » و « عان » لیری المعنی الذی فسّروا به ، ثمّ لیفهم المعنی المراد تفسیره.

وهنا تبدو میزه الطراز ومنهجیه السیّد المصنف حیث قال : رجل حمئ العین ، کحذر : شدید الإصابه بالعین. فشرح المعنی باسهل عباره واقربها مأخذا ، بلا حاجه إلی مراجعه « نجأ » ولا « عان » ، إذ أنّه لم یقتصر کما فعلوا علی اجترار ما قاله الفرّاء تساهلا وقله اعتناء ومبالاه ، وإلاّ فلا معنی لعدولهم عمّا صنعه السیّد المصنف.

* وماده « دهدأ » اهملها الجوهری ولم یستدرکها علیه الصاغانی فی تکملته ، ولا ذکرها فی عبابه ، وفاتت علی الفیروزآبادی ، فاستدرکها علیه الزبیدی ، وهذه الماده ذکرها أبو زید ، فذکرها من ذکرها مجترّا الفاظه.

ففی لسان العرب : أبو زید : ما ادری أیّ الدّهدإ هو ، کقولک ما ادری أیّ الطّمش هو ، مهموز مقصور. وذکر عین هذه العباره الزبیدی فی تاجه مستدرکا علی القاموس.

ص: 282

وقال الزبیدی فی التکمله والذیل والصله لما فات صاحب القاموس : الدهدأ ، مهموز مقصور ، أهمله صاحب القاموس ، وقال أبو زید : یقال لا أدری أی الدهدأ هو؟ أی أیّ الطّمش هو؟

وعباراتهم هذه المجتره لعباره أبی زید لا تکاد تروی الغلیل ، ولا تفهم القارئ ، لأنّ الطّمش لیس باعرف من « الدهدأ » ، وهنا یضطر طالب اللغه إلی مراجعه ماده « طمش » للعثور علی المعنی المراد التفسیر به.

وأما عباره السیّد المصنف فهی رافعه لهذا الغموض تماما ، شارحه للمعنی احسن شرح ، حیث قال : الدهدأ ، کجعفر : الناس ، یقال : ما أدری أیّ الدهدأ ، انت؟ أی الناس.

* وفی ماده « رتأ » من القاموس ، قال : والرّتآن الرّتکان.

وجاء الزبیدی لیشرحها فی تاجه فلم یوضح أکثر مما فی القاموس ، فقال : ( والرتآن ) محرکه ممدوده مثل ( الرتکان ) وزنا ومعنی.

وقال الصاغانی فی التکمله : « رتأ » أهمله الجوهری ... والرّتآن مثل الرتکان.

وفی العباب : والرتآن مثل الرّتکان.

وهنا لا یکاد القارئ یفهم الرتکان ، فلا یفهم الرتآن أیضا ، فکان علیهم ان یبدلوا العباره « الرتکان » أو یفسّروها لیتضح المعنی ، وهذا ما صنعه السیّد المصنف ، فقال : الرتآن کالرتکان زن ومعنی ، وهو مقاربه البعیر خطوه. فاغنانا من مراجعه ماده « رتک » أو ماده « رتو » لفهم معنی الرتآن.

* وفی ماده « کأکأ » رددوا عباره أبی عمرو الشیبانی حیث قال : الکأکاء الجبن الهالع.

ففی القاموس : والکأکاء کسلسال الجبن الهالع.

ص: 283

وشرحها الزبیدی فقال : ( والکأکاء کسلسال ) عن أبی عمرو انه ( الجبن الهالع ) ...

وفی التکمله للصاغانی : وقال أبو عمرو : الکأکاء ، بالمد : الجبن الهالع.

وفی العباب : أبو عمرو : الکأکاء - بالفتح والمد - الجبن الهالع.

وفی اللسان : أبو عمرو : الکأکاء : الجبن الهالع.

فها هم کلّهم یصرّحون باجترارهم عباره أبی عمرو ، وإذا کان للقدماء عذر فی ذلک ، حرصا علی حفظ اللغه فی عصور تدوینها الأولی ، فینقلون نصّ العبارات تدلیلا علی صحه نقلهم وإشاره إلی المصدر المنقول عنه ، وأمّا الآن ، وبعد تدوین اللغه ، وکثره معاجمها ، وثبات ارکانها ، فلا معنی لاجترار الکلمات ، بل لابد من توخّی العباره الاسهل والطریق الأقرب لأیصال لغتنا الأم ، ولذلک قال السیّد علی خان فی هذه المفرده :

الکأکاء کصلصال : الجبان الهلوع. فوضع اسم الفاعل بدلا عن الوصف بالمصدر ، وصیغه فعول « هلوع » للمبالغه بدلا عن اسم الفاعل « هالع » ، فإنّ « هلوع » تؤدّی المبالغه التی ارادوها من الوصف بالمصدر للمبالغه ، وهی اوضح منها ، واستعمل « الجبان » بلا مبالغه وهی أیضا أوضح من الوصف بالمصدر « الجبن ».

* وفی ماده « کدأ » قالوا : کدئ الغراب إذا صار کانه یقیء فی شحیجه ففی التهذیب : کدئ الغراب فی شحیجه یکیدأ کدأ (1).

وفی المحیط : وکدأ الغراب فی شحیجه یکدأ کدءا : کأنّه یقیء (2).

ص: 284


1- 1. التهذیب 10 : 326.
2- 2. المحیط 6 : 306.

وفی التکمله : وکدأ الغراب فی شحیجه یکدأ کدءا ، کنکد ینکد نکدا ، کأنّه یقیء من شحیجه.

وفی أفعال ابن القطاع : و [ کدئ ] الغراب فی شحیجه کأنّه یقیء کذلک (1).

وفی القاموس : وکدئ الغراب کفرح صار کأنه یقیء فی شحیجه. واضطرّ صاحب التاج أن یشرح قوله « فی شحیجه » فقال : بالشین المعجمه ثمّ الحاء المهمله وبعد الیاء جیم ، أی صوته فی غلظ.

وفی لسان العرب : وکدئ الغراب یکدأ کدأ إذا رایته کأنّه یقیء فی شحیجه.

وقد استعرضنا بعض عباراتهم لتقف علی ما قلنا من اعادتهم نفس الکلمات ، غافلین أو متغافلین عن مدی إیفائها للشرح ، ومدی إفهامها لمن یرید اللغه العربیه ، وهنا نری عباره السیّد المصنف خالیه عن تعقیدهم ، موصله للمعنی ، عادله عن لفظه الشحیج إلی النغیق المعروفه لکل سامع عربیّ ، فقال : کدئ الغراب : ردّد فی نغیقه کأنه یرید أن یقیء.

* وقال الفیروزآبادی فی ماده « مسأ » مسأ القدر فثأها ، وأحال الزبیدی علی ماده « فثأ » فقال : وقد تقدم معناه.

وفی العباب : مسأت القدر : فثأتها.

وهنا لابد من الرجوع إلی ماده « فثأ » لنری معنی « فثأ القدر » ثمّ منها نفهم معنی « مسأ القدر » ، فماده « مسأ » إذن لم تحل المشکله ولم تف بالتفهیم ، ولذلک عدل السیّد المصنف عن هذا التعریف بالمساوی أو الأخفی ، بل عن هذه الاحاله فی الواقع ، عدل عن ذلک إلی قوله : مسأ القدر : سکّن غلیانها.

ص: 285


1- 1. الأفعال لابن القطاع 3 : 102.

* وفی ماده « هدأ » قالوا : هدئ جنئ.

قال الازهری : قال [ المنذری عن أبی الهیثم ] : وهدئ وهیئ إذا انحنی (1).

وقال الصاغانی فی ماده « هتأ » من التکمله : وهتئ الرجل إذا انحنی مثل هدئ. ولم یذکر معنی الفعل « هدئ » فی ماده « هدأ ».

وفی أفعال ابن القطاع : هدئ هدأ مالت منکباه إلی صدره (2). وذکر مثلها السرقسطی فی أفعاله (3).

وفی القاموس : هدئ کفرح فهو أهدأ : جنئ ، واهدأه الکبر.

وشرحها فی التاج قائلا : ( وهدئ کفرح ) هدأ ( فهو أهدأ : جنئ ) بالجیم ، أی انحنی ، یقال منکب اهدأ ( واهدأه الکبر ) أو الضرب.

وفی لسان العرب : وهدئ هدأ. فهو أهدأ : جنئ ، وأهدأه الضرب أو الکبر.

فهذه عباراتهم ، تاره مبهمه تماما فی قولهم : « جنئ » ، وتاره تفسّر هدئ ب- « انحنی » وأخری بأن هدئ بمعنی مال منکباه إلی صدره مع أنّ « جنئ » لیست باوضح من « هدئ » ، والانحناء غیر واف بالشرح ، وکذلک میل المنکبین غیر موضع تماما.

نعم ، ذکروا أن الأهدأ هو الاحدب ، والأنثی هداء ، لکنهم اقتصروا علی ما عرفت من العبارات ولم یقولوا « هدئ : حدب » ، وهنا لا بد لطالب العربیه ان یقرأ کل ماده « هدأ » ویراجع « جنا » لیعرف ما تفسیرهم بالضبط.

ص: 286


1- 1. التهذیب 6 : 385.
2- 2. الأفعال 1 : 361.
3- 3. الأفعال للسرقسطی 1 : 177.

ولذلک عدل السیّد عن عباراتهم ، حیث جمع کل معانیها ، وما حاموا حوله بأخصر عباره وأدقّها واسهلها ، فقال : هدئ الرجل هدأ : حدب وانحنی خلقه أو کبرا.

* ومن ماده « کلأ » تتتبین هذه المیزه التی قلناها جلیه ، ویتضح اهتمامه بسهوله العباره وایصالها المعنی من خلال انتقاده للقاموس فی ذکره عباره موهمه فی هذه الماده ، فقال :

کلأ الدّین کلوءا ، کخضع خضوعا : تأخّر ، فهو کالئ. وعمره : طال وانتهی ، وعباره القاموس توهم أن مصدر هذا کمصدر ما قبله ، وهو خطأ.

فصّرح السیّد المصنف بسوء عباره الفیروزآبادی حیث قال : کلأه کمنعه ، کلأ وکلاءه وکلاء - بکسرهما - : حرسه ، وبالسوط : ضربه ، والدّین تأخّر.

وهذه العباره موهمه أنّ مصدر « کلأ الدین » هو : « کلأ وکلاءه وکلاء » ، مع أنّ المنصوص علیه هو ما اوضح السیّد المدنی من ان مصدر « کلأ الدین » هو « کلوءا » ، لا کلأ (1) ولا کلاءه ولا کلاء ، وقد صرّح الفیومی فی المصباح والزمخشری فی الاساس وغیرهما بانّ مصدر کلأ الدین هو کلوءا لا غیر ، فما قد یتوهم من عباره القاموس إنّما کان لسوء العباره وایهامها.

* وفی ماده « جأب » عدل السیّد المصنف عن قول سائر اللغویین : « الجأب : المغره » لأنّ المغره لیست باعرف من الجأب ، فیحتاج مع هذه العباره إلی مراجعه ماده « مغر » ، ولذلک عدل المصنف عنها وذکر معنی المغره مباشره ، فقال : الجأب : الطین الأحمر الذی یصبغ به.

* وفی ماده « جدب » قالوا : جادبت الابل العام : إذا أجدبت السنه فلم تجد ما

ص: 287


1- 1. وإذا صح نقل ابن منظور لهذا المصدر فی الدّین فیبقی المصدران الآخران.

تأکله إلاّ الدرین.

وهنا لا بد من مراجعه المعاجم للعثور علی معنی الدرین لیتوصّل من خلال ذلک إلی معنی ما شرحوا به من عباره ، لکن السیّد المصنف لم یقتصر علی عبارتهم هذه وما شاکلها ، بل ذکرها وشرح الدرین فی نفس الموضع ، فقال : جادبت الابل العام : إذا اجدبت السنه فلم تجد ما تاکله إلا الدرین ، وهو یبیس کل حطام من نبت أو شجر. ولم یصنع أحد هذا الصنیع الجمیل فی تسهیل فهم اللغه.

* وفی ماده « جعب » قالوا : الجعب ما اندال من تحت السره إلی القحقح ، فقد عبر بذلک الصاحب فی المحیط والصاغانی فی التکمله والفیروزآبادی فی القاموس ، وغیرهم.

وهذه العباره کما تری فیها خفاء معنی « القحقح » وربما خفاء کلمه « اندال » فلذلک عدل السیّد إلی عباره أوضح وأقرب للفهم ، فقال : الجعب : مندلق البطن من تحت السرّه إلی عظم الدبر. فاغنی عن مراجعه معنی القحقح.

وفی هذا السیاق أیضا نری تسهیله للاستعمالات وایضاحه لها وفک غوامضها ، فضلا عن تسهیله عبارات الشرح.

ففی ماده « فطأ » اقتصرت المصادر والمعاجم المتداوله علی عباره « فطأ بها : حبق » ، وهی عباره تعتمد علی خلفیه السامع وفهمه ، وإلاّ فهی بنفسها غیر واضحه ، ولذلک عدل السیّد المصنف عنها واوضح معناها فقال : « فطأ بریح بطنه : حبق » فأتی بالألفاظ التی دلت علیها الهاء فی « بها » لرفع الخفاء.

* وفی ماده « نزأ » قالت المصادر « نزأ فلانا علی الشیء : حمله علیه » مقتصره علی ذلک ، لکن السیّد المصنف أبی إلاّ ان یطبق استعمالا لغویا لهذه الترکیبه اللغویه ، فقال : « نزأ الرجل فرسه علی قرنه : حمله علیه » فجاء بها فی غایه الوضوح

ص: 288

فی کیفیه الاستعمال ، حیث ذکر الفاعل فی « نزأ » ظاهرا « الرجل » وذکروه مستترا ، وذکروا « فلانا » فعوّضها بالمفعول « فرسه » ، وقالوا « علی الشیء » دون تحدید لذلک الشیء ، فعوضها السیّد المصنف بقوله « علی فرسه ». فلم یبق أیّ إبهام فی هذا الاستعمال.

* وفی ماده « وجأ » قالوا : وجأت به الأرض ، إذا ضربتها به ، وهی وإن کانت غیر خافیه کل الخفاء. الاّ أنّها غیر وافیه تماما بمعنی هذه الجمله ، ولذلک اوضحها السیّد المصنف هنا فقال : « وجأ به الارض : صرعه ، کأنّه ضربها به » ، فأوضح ان معناها هو الصّرع ، وان ضرب الارض به إنما هو کنایه عن الصرع ، فلم یبق المصنف أیّ إجمال أو خفاء فی هذا الاستعمال.

وفی نهایه ما ذکرناه من میزات کتاب الطراز الاول - فی اللغه العامه - ومنهجیه السیّد المصنف فی تصنیفه ، لابدّ لنا من القول ، بأنّ هناک میزات جمه أخری ، کعنایته بالمعرّب واستدراکه بعض المعربات علیهم ، مثل ما صنع فی ذکر « بی بی » بمعنی السیده ، معربه عن الهندیه.

وهناک میزات أخری مثل اختیاره للافصح وإن ورد غیره فی اللغه ، کما صنع ذلک فی ماده « حدأ » حیث فرق بین الحدأه کقصبه بمعنی الفأس ، وبین الحدأه کعنبه بمعنی الطائر الخبیث ، مع أنّ کلاّ من هذین المعنیین ورد فیه الفتح والکسر ، ونقله اللغویون ، لکنّه أثبت الفرق طبق اللغه الأفصح کما صرحوا بذلک.

هذا إلی میزات کثیره لا یسع المجال لذکرها ، لأنّ ما اشرنا إلیه انما هو مقدمه للکتاب وتعریف له ، أما بیان میزات الکتاب بأجمعها ، والمبانی اللغویه والنحویه والصرفیه وغیرها فیه بشکل دقیق ، إنما هو من مهمّه الدراسات المطوله ، فلا یسعنا هنا الاّ ان ندعو الباحثین ورواد العربیه إلی القیام بدراسات موسعّه شامله دقیقه عن

ص: 289

هذا المعجم الذی سمی بحق الطراز الاول فی لغه العرب المعول والمؤوّل ، وعن منهجیه السیّد المصنف وخطته فی تألیفه.

ص: 290

اشاره

إنّ من غایه الصعوبه ، ومنتهی التعقید ، معرفه ما هو حقیقی وما هو مجازی من لغه العرب واستعمالاتها ، وقد کان اللغویّون یدوّنون ما یسمعونه من کلمات واستعمالات حریصین علی جمع أکبر ما یستطیعون منها ، دون أن یسجلوا وجه ذلک المنقول المستعمل ؛ أهو حقیقی أم مجازیّ؟ لأنّ غرضهم الأول کما عرفت هو التثبت من صحه الصدور عن العرب وعدم صحته ، دون عنایه بوجهه وکیفیته. حتّی أنّ جمیع معاجم العربیه لم تذکر المجاز فی موادّها ، أی انها حینما تنقل لغه أو استعمالا ما عن العرب ، لا تشیر إلی کونه حقیقیّا أو مجازیّا ، بل إنّ الزمخشری المتوفی سنه 538 ه - والذی یعدّ أوّل من فصل بین الحقیقه والمجاز - رماه بعضهم بأنّه لم یشخص الحقیقه عن المجاز تماما لعدم استقرار المعنی الاصطلاحی للمجاز.

قال الاستاذ أمین الخولی فی مقدمته علی الاساس : لکن کاتب هذه الکلمات [ یعنی نفسه ] لا یسایر القوم کثیرا فی التسلیم بهذه الخصیصه [ أی افراده الحقیقه عن المجاز ] والاهتمام بتلک المیزه فی اساس البلاغه ، لاسباب ، منها : ان المعنی الاصطلاحی المستقر للمجاز اللغوی لم یکن قد بلغ مداه عند ما کتب جار الله کتاب اساس البلاغه.

ص: 291

ولیس المهم هنا مناقشه رأی الاستاذ المذکور ، بقدر ما یهمّنا القول بأنّ فصل المجاز عن الحقیقه ، وتشخیصه وتعیینه ، مهمه صعبه جدا شاقه ، وأنّ اللغویین القدامی - وکقدر متیقن حتّی عصر الزمخشری - ما کانوا یفصلونهما عن بعضهما ، مما جعل القیام بهذه المهمه أمرا غایه فی الصعوبه ، فلا یستطیعها إلاّ الأوحدی من اللغویین وأرباب الادب.

هذا وقد کتب الأصولیون فی مباحث الألفاظ بحوثا قیمه جدّا جدیر بالأدباء أن لا یغفلوها وان یضعوها نصب أعینهم ، فی کیفیه التفریق بین الحقیقه والمجاز ، وما هو المصحح للمجاز من العلاقات أو علی نحو الحقیقه الادعائیه وهو المجاز الذی أصّله السکاکی ، أو لغیره من الوجوه المصحّحه للمجاز (1) ، بصرف النظر عن الرأی البعید القائل بعدم وجود المجاز أصلا فی کلام العرب وان کل ما استعملوه فهو علی نحو الحقیقه.

وفی زحمه هذا الخلاف ، والاختلاف فی تعریف المجاز رأینا أن نثبت ما عرّف به السّد المصنف المجاز ، فی ماده « جوز » فقال :

المجاز : ما عدل به من اللفظ عما یوجبه أصل اللغه ، وهو ما استعمل فی غیر ما وضع له لمناسبه بینهما ، فإن کانت العلاقه المصحّحه له غیر المشابه فهو مرسل ؛ کالید فی النعمه ، لانها مصدرها ، وإلاّ فاستعاره ؛ کالأسد فی الشجاع.

والمجاز العقلی : إسناد الفعل إلی غیر ما حقّه أن یسند إلیه ، ک « بنی الأمیر المدینه » ، أو إیقاعه علی غیر ما حقّه ان یوقع علیه

ص: 292


1- 1. انظر علی سبیل المثال وقایه الاذهان : 101 - 119.

ک « أجریت النهار » ، أو إضافه المضاف إلی غیر ما حقّه أن یضاف إلیه ک « سارق اللیله » ؛ کل ذلک لملابسه مّا ، ویسمّی مجازا حکیما وإسنادا مجازیّا.

والمجاز اللغوی : هو الکلمه المستعمله فی غیر ما وضعت له بالتحقیق لا بالتأویل فی اصطلاح به التخاطب مع قرینه مانعه عن ارادته ، أی إراده معناها فی ذلک الاصطلاح ، ولا یکون إلاّ فی المفرد.

والمجاز المرکّب : هو اللفظ المستعمل فیما شبّه بمعناه الأصلی ، أی بالمعنی الذی یدل علیه ذلک اللفظ بالمطّابقه للمبالغه فی التشبیه ؛ کما یقال للمتردد فی أمر : أراک تقدم رجلا وتؤخّر أخری.

وفی باب المجاز من الطراز وجدنا ثلاث میزات مهمّه - مضافا إلی أصل میزه إفراده المجاز عن الحقیقه - نستعرض هنا بعض نماذجها لیقف القارئ علیها :

أ - ذکره لمجازات لم تذکر فی عامه المعاجم.

وهذه المیزه تضارع أختها المذکوره فی میزات اللغه العامه ، وهی نتیجه طبیعه لسعه اطلاعه ، وعنایته بالمجاز ، ولذلک ذکر من المجازات ما لیس متداولا فی معاجم اللغه المتداوله.

* ففی ماده « فیأ » ، قال : جاءنا فیء من جراد : طائفه. وهذا المجاز لم نجده فی المعاجم المتداوله ، وإنما اقتصروا علی أنّه یقال للقطعه من الطیر : فیء.

ص: 293

* وفی ماده « هذأ » ، قال : ومن المجاز : هذأ لیله سیرا وسهرا : قطعه ؛ قال :

ولیله ما تری کواکبها

قد بت بالراسمات اهذؤها

وهذا المعنی لم یذکروه أصلا لا فی الحقیقه ولا فی المجاز ، استدرکه السیّد المصنف علیهم ونبه علی انه من المجاز ، وهذا الشاهد نقله السرقسطی فی کتابه الافعال نقلا عن ابی عثمان بن جنی ، ولم یوقف له علی قائل ، وإنّما قرّره المصنف فی المجاز لأنّ اصل الهذء هو القطع ، یقال : هذأته بالسیف هذءا ، أی قطعته ، فیکون قطع اللیل بالسیر مجازاً.

* وقال فی ماده « رجح » : ومن المجاز : وقد ترجّحت به الأرجوحه ، ومنه ترجّحت به الأمانیّ : إذا لعبت به أرته حصول ما لیس بحاصل.

وفی ماده « شیخ » ذکر عدّه مجازات لم یذکروها فی هذه الماده ، وهی شائعه مستعمله متناثره فی بطون الکتب ، وربّما ذکروا بعضها فی المعاجم لکن لا فی مظانّها ، قال :

ومن المجاز : هو شیخ القوم : کبیرهم قدراً.

وهو شیخ فلان : استاذه الذی قرأ علیه.

وهو من مشایخ الحنفیه : من علمائهم المتبحرین.

وشیخ الإسلام : أطلقه السلف علی المتّبع لکتاب الله وسنّه رسوله من المتبحرین فی العلوم العقلیه والنقلیه ، وربما وصف به من طال عمره فی الإسلام ، ثمّ صار لقبا لمن ولی القضاء الأکبر ، ولمن یؤتی منصب الفتوی.

وقد ذکر فی القاموس واللسان والتاج فی ماده « قبب » أنّ القبّ من المجاز بمعنی شیخ القوم ، وهو مأخوذ من القبّ بالفتح بمعنی الرئیس ، والراس الأکبر. ولم یذکروا البواقی.

ص: 294

وإنّما عد کل ذلک مجازا لأنّ حقیقه الشیخ هو من أسنّ وانتهی شبابه ، وابتداء الشیخوخه من اربعین أو خمسین أو احدی وخمسین إلی الثمانین ، أو إلی آخر العمر ، فاستعماله فی الکبیر قدرا والاستاذ والعلماء والقضاه وغیرها ، کل ذلک یکون من المجاز.

* وقال فی ماده « فأد » : « ومن المجاز : أنشدنا من بنیات فؤاده ، أی من شعره ». وهذا المجاز لم یذکروه فی مظنه ، أی فی ماده « فأد » وهو مذکور فی قول عمر : دعوا أبا عبد الله [ خوات بن جبیر ] یتغنّی من بنیات فؤاده (1) ، یعنی من شعره.

* وفی ماده « حذر » قال : « ومن المجاز : نزل به حذره ، ما کان یحذره ویخافه ».

* وفی ماده « حصر » ذکر عده مجازات فقال : « حصرت الشیء : استوعبته ضبطا فلم أغفل منه شیئاً.

وحصرت الغرماء فی المال : أصله حصرت قسمه المال فی الغرماء ؛ لان المنع لا یقع علیهم ، بل علی غیرهم من مشارکیهم لهم فی المال ، ولکنه جاء علی طریق القلب ؛ کما یقال : ادخلت القلنسوه فی رأسی (2).

وعدد محصور : معلوم الکمیه. وهو کثیر یتجاوز الحصر : أی لا یمکن ضبطه عدّا ».

* وفی ماده « صدر » ذکر استعمالات عدیده مجازیه لمعنی الصدر ، منها ما ذکروه غیر منبهین علی أنّه من المجاز ، مثل قوله : الصدر من الکتاب والکلام : مقدمه ، ومن النهار وغیره : أوله ، وذهب صدر من الشیء : طائفه منه.

ومنها ما لم یذکروه اصلا فذکره السیّد فی المجاز ، مثل قولهم : الصدر الاول ،

ص: 295


1- 1. تاریخ دمشق 25 : 483 ، والسنن الکبری 5 : 69.
2- 2. فإن أصله « أدخلت رأسی فی القلنسوه » ولاحظ ما قلناه من إفاداته وآرائه الخاصّه.

وفی صدر الإسلام. وهی أمثالها استعمالات شائعه مبثوثه فی الکتب ، لکنهم فی معاجمهم لم یذکروها فی مظانّها ومواضعها ، أعنی « صدر ».

ومثل هذه المجازات التی ذکرها کثیره فی الطراز ، تعلم من خلال ملاحظه أبواب الکتاب وفصوله ، ولو جمعت وقورنت بما فی الاساس للزمخشری ، وغراس الاساس لابن حجر العسقلانی ، وما فی المصادر اللغویه عامه من المجازات التی لم یصرّحوا بمجازیتها ، أو صرّح المتأخرون بها کالزبیدی لجاء عملا ضخما ، یسدّ الفراغ الذی ما زال قائما فی فرز وفصل المجاز عن الحقیقه فی لغه العرب.

ب - شرحه لعبارات الأساس.

لم یخف علی السیّد المصنف ما فی الاساس من غزاره الماده ، لکنه بنفس الوقت لم یکن لیقنع بما صنعه الزمخشری من نقله رکاما من الاستعمالات المجازیه غیر شارح ومبین لها ، اعتمادا علی استنباط العربی معانیها وتفسیراتها مما قدّمه من استعمالات حقیقیه فی الماده ، أو اتکالا علی مجاز مشابه آخر مذکور فی الماده ، أو لمعروفیه الاستعمال وشهرته.

ویبدو أنّ صنیع الزمخشری هذا لم یرق السیّد المصنف ، لما فیه من تضییع جانب من التفهیم وتبسیط تناول اللغه ، ولما فیه من تشویش محتمل قد یحصل فی کثیر من موارده ، فلذلک عمد المصنف إلی شرح هذه المواطن ، وذکر معانیها ، فجاء صنعه هذا میزه وأضحه فی المجاز ، إذ کلّ من رأیناه نقل عن الزمخشری عباراته رأیناه قد نقلها بعینها دون شرح ولا إیضاح ، والوحید الذی فک غوامضها وشرح معانیها وبسّط فهمها هو السیّد المصنف.

ص: 296

* ففی ماده « بأبأ » قال فی المجاز من الاساس ، هو ابن بجدتها ، وبؤبؤها. فترک السیّد المصنف هنا « هو ابن بجدتها » وشرحها فی ماده « بجد » شرحا وافیا ، لکنه قال هنا ، وهو محل استشهادنا : « هو ابن بؤبؤ هذا الأمر عالم به خبیر ». ففسّر العباره وأوضحها ، عطفا علی « بجدتها » مع أنّ الموجود فی الاساس المطبوع « وبؤبؤها » بالرفع ، وهذا یقتضی أن تکون العباره « هو بؤبؤها » ، فصحّحها السیّد المصنف - أو لعلها کانت فی نسخته صحیحه - وشرحها.

* وقال الزمخشری فی المجاز من ماده « بکأ » : ( ورکیّ بکیّ ) ولم یذکر معناها اعتمادا علی ما ذکره قبلها من قولهم ( بکؤت العین : قلّ ماؤها ). لکن السیّد لم یقتنع بذلک فقال : رکیّ بکیء : قلیله الماء. وترک کلمه « بکئ » علی حالها من الهمز ، مع أنّها قد نقلت بالیاء المشدّده حیث قلبت همزتها للإتباع کما صرحوا بذلک ، فترکها علی أصلها لانها من ماده « بکأ » ، وشرح عباره الاساس ولم یترکها علی إهمالها.

* وقال الزمخشری فی المجاز من ماده « جشأ » : وجشأ البحر بأمواجه.

فقال السیّد المصنف : جشأ البحر بأمواجه : قذف.

* وقال الزمخشری فی المجاز من ماده « وطأ » : وطئهم العدد وطأه منکره ... وثبّت الله وطأته. وفلان وطیء الخلق ... ودابّه وطیئه بیّنه الوطاءه ، وهو فی عیش وطیء ، وأنا أحب وطاءه العیش وهذه الاستعمالات حشدها الزمخشری حشدا دون شرح منه لمعناها ، فأخذها السیّد المصنف وقال :

ومن المجاز : وطئهم العدوّ وطأه منکره : أخذهم أخذا شدیدا وطحنهم ...

وثبّت الله وطأتک : سدّدک ونصرک.

وفلان وطیء الخلق : دمثه ...

ودابه وطیئه : سهله السیر منقاده.

ص: 297

وهو فی عیش وطیء ، ووطاءه من العیش ، کسحابه : فی خفض منه.

* وفی المجاز من ماده « فقأ » ، قال الزمخشری : « فقأ الله عنک عین الکمال ». وسکت ، ونقلها الزبیدی بعینها دون أی شرح ، لکن السیّد المصنف ، قال : فقأ الله عنه عین الکمال : صرف عنه شرّها.

وهذا الذی ذکرنا نماذج منه منهج مطّرد عند السیّد المصنف ، فهو دائما ینظر إلی ما نقله الزمخشری فی اساسه من المجازات ویشرحها ویفکّ غوامضها ، بل لا یفوتنا أن نقول أن نفس هذا المنحی قد سار به السیّد المصنف فی المعانی الحقیقه أیضاً.

* فقد قال الزمخشری فی اساسه : « فلان یتفیأ الإخبار ویستفیئها » ، وسکت ، ونقل عین هذه العباره فی التاج دون زیاده ، فأخذها السیّد المصنف وقال : « وهو یستفیء الاخبار ویتفیّأها : یتتبعها ؛ کأنّه یطلب رجوعها إلیه » ، فشرحها موضحا معنی التفعّل والاستفعال ولم یقتصر علی عباره الاساس ولا علی ما قاله الصاحب بن عباد : « وأفاؤوها أخبارا : أی جاءونا بها ».

« وتفیّأت الأخبار » فانه الآخر نقل الاستعمال ساکتا عن شرحه اعتمادا علی فهم السامع ، لکن السیّد المصنف أخذ خلاصه المعنی ، واعتمد عباره الزمخشری وشرحها.

* وقال الزمخشری فی ماده « کفأ » من اساسه : « انکفأ إلی وطنه وتکفّأت بهم الأمواج » وسکت دون شرح ، فأخذهما السیّد المدنی ، وقال :

تفکّأت بهم الأمواج : تقلبت ...

وانکفأ إلی وطنه : رجع.

* وقال الزمخشری فی ماده « مرأ » هذا مما یمرئ الطعام. وسکت علیها دون

ص: 298

شرح ، فقال السیّد المصنف : هذا مما یمرئ الطعام : أی یجعله مریئا.

وهذا العمل لم نعهد أحدا عمله قبله ولا بعده حتّی یوم کتابه هذه الاسطر ، وهو عمل ذکیّ ورائع فی تسهیل ایصال اللغه وشرحها وفک غوامضها خصوصا المجاز منها الذی یحتاج إلی دقه وتأمّل فی فهمه ، فترکه بلا شرح تساهل فی غیر محلّه ، ولیس فیه إلاّ بتر سلاسه اللغه وتعقید تناول معانیها.

ج - ذکره وجه المجاز

ومن الأمور التی عنی بها السیّد المصنف هی ذکره لوجه المجاز ، وتبیینه له فی مواطن خفائه ، ولذلک عدّ بعض ما ذکروه فی الحقیقه مجازا ، بل عدّ بعض ما ذکره الزمخشری فی الحقیقه مجازا ، فلم یعتن بصنیع الزمخشری رغم إکباره له وتأثره الخاص بآرائه ، بل حتّی بعباراته ، لکنه حین یبدی رأیه الخاص طبق خزینه العلمی وأدلته ، لا یهمه أن یخالف الزمخشری وأمثاله ، لأنّ الرأی الأمتن هو هدفه المتوخی والذی یسعی إلیه ، وفی هذا المجال نراه یذکر وجه المجازیه ویهتم به فی « المجاز » لکی لا یکون کلامه مجرّد ادّعاء ولکی یتضح للقارئ الوجه الذی سوّغ أن تعد المفرده أو الاستعمال من المجاز لا من الحقیقه.

* ففی المجاز من ماده « دفأ » ، قال : إبل مدفئه ، ومدفأه ، بضمّ اولهما وکسر الفاء وفتحها ، وتشدّدان : کثیره العدد ، وکثیره الأوبار والشحوم ؛ لأنّ بعضها یدفئ بعضا بأنفاسها ، ولأنّ شحومها وأوبارها تدفئها.

وهذا المجاز موجود فی الأساس بإضافه رفضها السیّد المصنف فلم یذکرها ، قال الزمخشری فی الاساس : ومن المجاز : إبل مدفئه ومدفّئه : کثیره ؛ لأن بعضها

ص: 299

یدفئ بعضا ، ومن تخلّلها أدفأته ، وقیل تبنی البیوت بأوبارها ... وروی بفتح الفاء ، أی تدفئها شحومها وأوبارها.

فقد رضی السیّد کل ما قاله الزمخشری فی وجه المجاز إلاّ ما ادعاه من أنّها قیل لها ذلک لأنّ من تخلّلها أدفأته ، وقیل تبنی البیوت بأوبارها ، لأنّ حاله التخلل بینها قلیله لا تصحح التسمیه المطلقه لها ، وکذلک بناء البیوت بأوبارها ، فإنه بعد ذبحها ، ونسبه التدفئه حین ذاک إلیها بوجه بعید جدّا ، لذلک أعرض عنه السیّد المصنف.

* وقال فی المجاز من ماده « سرأ » سرأت المرأه ، وسرّأت تسرئه : کثر أولادها ؛ شبّهت بالجراده فی کثره بیضها ؛ لانها تبیض تسعا وتسعین بیضه علی ما جاء فی الخبر.

وهذا الاستعمال ذکر فی المحیط (1) ، والجمهره (2) ، والتکمله والعباب عن الجمهره والقاموس ولم ینبه علی مجازیته الزبیدی ، والافعال للسرقسطی (3) ولابن القطاع (4) ، واللسان ، وغیرها دون تنبیه علی مجازیته ، ولم یذکر فی الاساس أصلا ، وذکره الخلیل فی العین مشعرا بمجازیته واختصاص الاستعمال الحقیقی ب- « سرات الجراده أی ألقت بیضها » فانه بعد أن ذکر هذا المعنی فی الجراده قال : وربّما قیل سرأت المرأه إذا کثر ولادها وولدها ، وفی الشعر أحسن (5).

وهنا ذکر السیّد المصنف هذا الاستعمال فی المرأه من المجاز ، وأوضح وجه المجازیه والوجه المسوّغ لاستعماله فی المرأه ، وهو کثره بیض الجراده ، فإذا کانت

ص: 300


1- 1. المحیط 8 : 373.
2- 2. الجمهره 2 : 1099.
3- 3. الأفعال للسرقسطی 3 : 523.
4- 4. الأفعال لابن القطاع 2 : 154.
5- 5. العین 7 : 292.

المرأه کثیره الاولاد شبهت بالجراده.

* وقال فی ماده « شنأ » : وشنئت لک هذا فلا أرجع فیه أبدا ، إذا طابت له نفسه به ؛ لأنّه إذا شنئه أعطاه لبغضه إیاه ، وإذا أحبّه منعه. ومنه شوانئ المال : لما لا یضنّ به ، کأنّها شنئت فلم تمنع.

وهذا الاستعمال لم یذکره الزمخشری فی المجاز ، وذکروه عن ابن الاعرابی بدون تفسیر ، وفسّره اللحیانی ، لکنّه لم یبین وجه المجازیه.

* وفی ماده « وطأ » قال : ومن کلامهم : أعوذ بالله من طئه الذلیل - کعده - أی من أن یطأنی ؛ لأنّ وطأته اشدّ ؛ لسوء ملکته.

وعله اختصاص هذا العیاذ بالله من خصوص وطئه الذلیل ، فذکره السیّد المصنف قال فی اللسان : قال ابن الاعرابی : دابه وطیء بیّن الطّأه بالفتح ، ونعوذ بالله من طئه الذلیل. ولم یفسره. وقال اللحیانی : معناه من أن یطأنی ویحقرنی.

وفی التاج : ونعوذ بالله من طئه الذلیل ، ومعناه من أن یطأنی ویحقرنی ؛ قاله اللحیانی.

فذکروه ولم یذکروا العله ، فذکرها السیّد المصنف بقوله ؛ لأنّ وطأته اشدّ ؛ لسوء ملکته.

* وفی ماده « هزأ » ، قال : مفازه هازئه بالرکب : أی فیها سراب ؛ کأنّ السراب بها یهزأ بالقوم. وغداه هازئه : شدیده البرد ؛ کأنّها تهزأ بالناس حین یعتریهم الانقباض والرعده.

والذی فی الاساس : مفازه هازئه بالرکب : أی فیها سراب وهزّاءه بهم ، والسراب یهزأ بالقوم ویتهزأ بهم. ولم یذکر العله « کأن السراب بها یهزأ بالقوم » فجاء بها السیّد المصنف موضحا وجه الاستعمال. وأما « غداه هازئه » فقد ذکر وجه الاستعمال

ص: 301

کالزمخشری تماما.

* وفی ماده « وکأ » قال : ضربه حتّی أتکأه ، کأضجعه : أی القاه علی هیئه المتکئ. فبین الوجه والعلاقه کما صنع الزمخشری فی الاساس.

* وقال فی ماده « جرب » : حرب جرباء : شدیده تجرب من قارفها ، أی تهلکه ، کالناقه الجرباء التی تجرب ما قارفها من الإبل. وهذا الاستعمال لم نعثر علیه فی المعاجم اللغویه المتداوله ، ولم یذکر فی الاساس ، وهو صحیح قطعا ؛ لما ذکره السیّد المصنف من وجه المجازیه.

* وقال فی ماده « برد » : اذاقک الله البردین : برد الغنی وبرد العافیه ، والأصل فی وقوع البرد عباره عن الطیب والهناءه ، أنّ الهواء والماء لمّا کان طیبهما ببردهما - خصوصا فی أرض الحجاز وتهامه - قالوا : هواء بارد ، وماء بارد علی سبیل الاستطابه ، ثمّ کثر حتّی قیل عیش بارد ، وغنیمه بارده.

وهذا الاستعمال ، والوجه المصحح له فی المجاز لم یذکر فی موضعه من المعاجم ، وهو صحیح قطعا طبق ما قرره السیّد المصنف من وجه العلّه المصححه له فی المجاز.

وقریب من هذا ما ذکره رحمه الله من قوله : وبرده کقتله زنه ومعنی. وهذا ما لم یذکروه ، بل اقتصروا علی ذکرهم برد بمعنی مات ، کأنّه عدم حراره الروح.

ومثلها قوله رحمه الله : بردت الحدید : إذا سحلته ؛ کأنّک قتلته. والمذکور فی القاموس والتاج والجمهره واللسان والصحاح وغیرها هو « بردت الحدید إذا حککته بالمبرد » دون ذکر العلّه التی ذکرها السیّد المصنف من التشبیه بالقتل ، وبالتالی وضعه فی المجاز.

* وفی ماده « جزز » قال : قطع الله جزاجزه : مذاکیره ؛ شبهت بالجزاجز من الصوف

ص: 302

تعلّق علی الهودج. وهذا الاستعمال لم یذکر فی الاساس ، وذکر فی القاموس وغیره « الجزاجز المذاکیر » فقط ، ذکروها وقالوا أنّها مذاکیر البعیر ، واضعیها فی قسم الحقیقه ، أی دون تنبیه علی أنّها من المجاز ، ودون ذکر للعله التی ذکرها السیّد المصنف التی جعلتها من المجاز.

* وقال فی ماده « لوز » : وهی ملوّزه العینین : فی شکل اللوزتین ، غیر مدوّرتین. وهذا المعنی لم نعثر علیه فی هذا الموضع من المعاجم المتداوله ، نعم ذکروا فی ماده « مسح » قولهم : المسحاء : النجفاء التی عینها ملوّزه ، ولم یشرحوا العین الملوّزه ، ولا ذکروا ما ذکره السیّد المصنف من أنّها من المجاز تشبیها بشکل اللوزه فهی لیست مدوّره.

* وقال فی ماده « بصص » : وبصبص عندی بذنبه : أی تملّق ؛ کما یبصبص الکلب طمعا.

وقد اقتصر فی الصحاح واللسان والقاموس والتاج وغیرها علی قولهم التبصبص التملّق ، وتبصبص : تملّق.

وأما الزمخشری فی الاساس فانه ذکر العلّه المصحّحه له ، فقال : وبصبص عندی بذنبه إذا تملّق. وسکت عن ذکر العلّه ، فذکرها السیّد المدنی موضحا أنّ ذلک مأخوذ من بصبصه الکلب بذنبه عند الطمع أو الخوف.

وبعد کل ما ذکرنا من میزات الطراز الأول فی اللغه العامه والمجاز ، یظهر واضحا أثر السیّد المصنف فی اغناء اللغه العربیه وذکر مفرداتها واستعمالاتها ، الحقیقیه والمجازیه ، کما یتضح أثره ودقته فی تطویر العمل المعجمی للّغه العربیه ، وهو بنفس الوقت یدلنا بما لا یقبل الشک علی أنّ اللغه العربیه بحر لا یدرک ساحله فضلا عن عمقه وعبابه ، وعلی أنّ الحاجه ما زالت قائمه للقیام بعمل معجمی ضخم

ص: 303

شامل یجمع اکبر قدر ممکن من لغات العرب ومفرداتها وألفاظها واستعمالاتها ، فإن هناک الکثیر الکثیر مما لم تحوه الاسفار والکتب المختصه بالعمل المعجمی حسبما عرفناه من نهج السیّد المصنف ، إذ استدرک قدس سره ، قسما کبیرا وحظا وافرا منها ، فحقّ بعد هذا أن یعدّ هذا الامام من مجدّدی اللغه ومطوّری العمل المعجمی للغه العربیه.

ص: 304

أ - إنّ المؤلف لم یقتصر فی منهجه علی محض التفسیر اللغویّ

ولم یقف عند ما قاله الفراء والنحاس والزجاج وابن جنی وغیرهم من أساطین اللغه ، بل راح یعتنی ببیان الوجه المراد من الآیه ، فصبّ جلّ اهتمامه علی التفاسیر المعتبره ، وأخذ الزبده منها ، وانتخاب ما یراه هو ; أقرب إلی معنی الآیه ، فلذا یذکر تاره ما فی تفسیر الکشاف ، وأخری ما فی تفسیر أبی السعود ، و و و ...

* ففی الکتاب من ماده « بوأ » ذکر قوله تعالی : ( إِنِّی أُرِیدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِی وَإِثْمِکَ ) أی تتحمل إثم قتلی وإثمک الذی کان قبل قتلی ، أو ترجع إلی الله بإثم قتلی وإثمک الذی من أجله لم یتقبل قربانک.

والمراد بإراده تحمل الإثم عقوبته ؛ لأنّ المظلوم یرید عقاب الظالم ، فلا یرد « کیف جاز ان یرید معصیه أخیه وکونه فی النار »؟

وهذا التفسیر مأخوذ من کشاف الزمخشری بأدنی تفاوت (1).

ص: 305


1- 1. الکشاف 1 : 625.

* وأخذ من الزمخشری فی نفس الماده تفسیر قوله تعالی : ( وَالَّذِینَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِیمانَ ) اتخذوا المدینه والإیمان مباءه وتمکنوا فیهما اشدّ تمکّن ، علی تنزیل الحال منزله المکان ، أو ضمّن التبوّء معنی اللزوم ، أو تبوّءوا الدار وأخلصوا الإیمان ، علی حد :

علفتها تبنا وماء بارداً

أو تبوّءوا دار الهجره ودار الإیمان ، فحذف المضاف من الثانی والمضاف إلیه من الأوّل وعوّض عنه اللام ، أو تسمّی المدینه بالإیمان لانها مظهره ومصیره (1).

* وصرّح فی ماده « جیأ » بأخذه عن الزمخشری ، فقال فی قوله تعالی : ( فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ ) ألجأها واضطرّها الطلق ، قال جار الله : هو منقول من « جاء » إلاّ أن استعماله قد تغیر بعد النقل إلی معنی الإلجاء (2).

* وقال فی ماده « قرأ » : ( ثَلاثَهَ قُرُوءٍ ) قال الأصمعی : جاء هذا علی غیر قیاس ، والقیاس وثلاثه اقرؤ ، لأنّ القروء للجمع الکثیر ، ولا یجوز ان یقال ثلاثه فلوس ، بل ثلاثه أفلس ، فإذا کثرت فهی الفلوس.

وأجیب بأن المراد ثلاثه من القروء ، أو لمّا کانت کل مطلّقه یلزمها الکثره ، فالقروء کثیره وإن کانت فی القسمه ثلاثه ، أو هو من إیراد جمع الکثره فی مقام جمع القلّه بطریق الاتساع ، فإن ایراد کلّ من الجمعین مکان الآخر شائع ذائع.

والزمخشری فی کشافه لم یذکر الا الوجه الأخیر ، فلم یقتصر السیّد المصنف علی صنیعه ، ورآه - والحق معه - ناقصا ، فجاء بالأوجه الثلاثه ، وهی مذکوره فی

ص: 306


1- 1. الکشاف 4 : 504 - 505.
2- 2. الکشاف 3 : 11.

کتاب الإملاء لأبی البقاء العکبری (1).

* وقال فی ماده « ذنب » : ( ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِکَ وَما تَأَخَّرَ ) جمیع ما فرط منک ممّا تعدّه ذنبا ؛ فإن حسنات الأبرار سیئات المقربین ، أو ذنب أمتک بشفاعتک ، وإضافته إلیه للاتصال بینه وبینهم ، أو ذنبک عند المشرکین حیث دعوت إلی التوحید فیما تقدّم وتأخّر.

وهذه الوجوه التفسیریه مأخوذ بعضها بتلخیص من تفسیر مجمع البیان (2) ، أو نراها موجوده فی مجمع البحرین (3) وأضاف الرأی الأول إلیها ، وقد ذهب السیّد إلی هذا التفسیر لأنّه یمثّل الوجه الشیعی الإمامی الصحیح فی تفسیر هذه الأیه الکریمه ، لأنّ رسول الله صلی الله علیه و آله سید البشر ، معصوم ، لیس له شیء من الذنوب ، ولذلک احتج إلی شرح هذه الآیه المبارکه ، وهذا ما لم یصنعه اللغویون لأنّهم یفسرون الذنب طبق اللغه فقط دون ملاحظه المنسوب إلیه هذا الذنب ، وهو الرسول المطهر من الرجس والذنب.

* وقال فی ماده « ردد » فی تفسیر قوله تعالی : ( ثُمَّ رُدُّوا إِلَی اللهِ ) أی حکمه وجزائه ، وفی الردّ إشاره إلی ان الروح کانت موجوده قبل البدن فتعلقت به زمانا ثمّ ردّت إلی موضعها الاصلی من عالم الارواح بحکم : ( ارْجِعِی إِلی رَبِّکِ ) .

وهذا التفسیر مأخوذ معناه من التفسیر الکبیر للرازی (4).

* وقال فی نفس الماده فی تفسیر قوله تعالی : ( وَنُرَدُّ عَلی أَعْقابِنا ) ، أنرجع إلی الشرک والکفر بإضلال المضلین ، والتعبیر عنه بالردّ علی الاعقاب ؛ لزیاده تقبیحه

ص: 307


1- 1. املاء ما منّ به الرحمن 1 : 69.
2- 2. مجمع البیان 5 : 110 - 111.
3- 3. مجمع البحرین 2 : 59.
4- 4. التفسیر الکبیر 13 : 17.

بتصویره بصوره ما هو علم فی القبح ؛ اذ کان إدبارا بعد الإقبال مع ما فیه من الاشاره إلی ان الکفر حاله قد نبذت ظهریّا. ومثله : ( لا تَرْتَدُّوا عَلی أَدْبارِکُمْ ) . وهذا التفسیر مأخوذ من تفسیر أبی السعود (1).

هذا ، والحقّ هو ان السیّد المصنف أکثر من الأخذ من الزمخشری فی کشافه ، والطبرسی فی مجمع بیانه ، والاعتماد علیهما ، وإن أخذ عن غیرهما الکثیر أیضا ، وأضاف هو من بنیّات أفکاره وأبکارها ، ما استقاه من تفاسیر آل محمّد صلی الله علیه و آله .

وقد اعتنی السیّد المصنف أیضا فی خلال فصله ل- « الکتاب » بأراء أهل التأویل والباطن ، فذکر شیئا لا یستهان به من آرائهم وتفسیراتهم.

* ففی ماده « برأ » صرّح بالأخذ عن الغزالی ، وذلک فی تفسیر قوله تعالی : ( هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ ) . قال : قال الغزالی :

قد یظنّ أنّ هذه الثلاثه مترادفه. راجعه إلی الخلق والاختراع ، والأولی أن یقال : ما یخرج من العدم إلی الوجود یحتاج اوّلا إلی التقدیر ، وثانیا إلی الایجاد علی وفق التقدیر ، وثالثا إلی التصویر والتزیین ، کالبناء ، یقدّره المهندس ، ثمّ یبنیه البانی ، ثمّ یزیّنه النقاش ، فالله سبحانه خالق من حیث أنّه مقدّر ، وبارئ من حیث إنه موجد ، ومصوّر من حیث إنه یرتب صور المخترعات أحسن ترتیب ویزیّنها أکمل تزیین.

* وقال فی ماده « فأد » فی شرح قوله تعالی : ( الَّتِی تَطَّلِعُ عَلَی الْأَفْئِدَهِ ) تعلوها وتشتمل علیها ، وتخصیصها بالذکر لما انّ الفؤاد الطف شیء فی البدن واشدّه تألّما بأدنی اذی یمسّه ، فکیف إذا علته نار جهنم وغشیته ؛ لأنّه محل الکفر والعقائد الفاسده والنیّات الخبیثه ، فهو اشدّ تعذیبا من سائر الجسد.

ص: 308


1- 1. تفسیر أبی السعود 3 : 149.

وعند أهل التأویل : إذا کانت النار أمرا معنویا فلا ریب انه لا یتألّم بها إلاّ الفؤاد ، الذی هو محل الادراکات والعقائد.

فلاحظ نقله لآرائهم وعنایته بها ، مع أنّها قد لا تکون من اللغه فی شیء. بل هی خلاف الظاهر قطعا ، وإلاّ فکیف ساغ ان تکون النار معنویه غیر مادیه. ومثل هذه النقول تجدها متناثره فی الکتاب ، یوردها السیّد فی مناسباتها ، فهو فی الکتاب یفسّر المعنی اللغوی ، ثمّ المعنی المراد من خلال آراء المفسّرین وعقائد الفرقه الحقه ، کما أنّه یذکر آراء أهل الباطن والتأویل فی تفسیر بعض الآیات.

ب - وفی جانب ثان لاحظنا عنایه السیّد المصنف بالقراءات القرآنیه

وإیراده بعض القراءات طبق الماده اللغویه المبحوث فیها الکتاب العزیز ، وإن کانت قراءه المصحف الیوم لا تناسب وضعها فی الماده المبحوث عنها.

* ففی الکتاب من ماده « ربأ » قال :

« اهتزّت وربأت » ، هکذا قرأ أبو جعفر بالهمز فی السورتین الحج وفصّلت ، أی ارتفعت ؛ لأنّ النبت إذا دنا أن یظهر ارتفعت له الأرض.

فهنا نراه یذکر الآیه الشریفه فی « ربأ » بناء علی قراءه من القراءات ، ویشرحها بمعنی الارتفاع ، وهی طبق قراءه المصحف ( اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ* ) فهی من المقصور « ربا » لا من المهموز « ربأ » ، قال الراغب فی مفرداته : ( فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَیْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ* ) أی زادت زیاده المتربّی.

* وفی ماده « رجأ » قال فی قوله تعالی :

( قالوا أرجئه وأخاه ) أخّر أمره وأمر أخیه ولا تعجل بقتلهما ، وعن الکلبی : احبسه وأخاه ، وهو خلاف اللغه ، إلاّ أن یقال « حبس المره نوع من التأخیر فی أمره ».

ص: 309

ففسر الآیه من خلال قراءه « أرجئه » ولذلک جاء بها « رجأ » وفسّرها من الإرجاء بمعنی التأخیر ، مع انها فی قراءه المصحف بترک الهمز « أَرْجِهْ » فی اللسان : أرجأ الأمر : أخّره ، وترک الهمزلغه. وقال ابن السکیت : أرجأت الأمر وأرجیته : إذا أخّرته. وقرئ : أَرْجِهْ وأرجئه. فالآیه علی قراءه المصحف لا بد أن تفسر فی « رجا » المقصور (1).

* ومثل ذلک قوله تعالی :

( وآخرون مرجوون لامر الله ) مؤخرون موقوفون لما یرد من الله فیهم من عذاب أو توبه. وقراءه المصحف : ( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ ) .

* ومثل ذلک قوله تعالی :

( ترجئ من تشاء منهن وتؤوی إلیک من تشاء ) تؤخر من تشاء منهن وتضمّ الیک من تشاء ، أی تترک مضاجعه من تشاء منهن وتضاجع من تشاء ، أو تطلّق من تشاء وتمسک من تشاء ، أو لا تقسم لأیّتهنّ شئت وتقسم لمن شئت ، وکان علیه السلام یقسم بین أزواجه فابیح له ذلک ، أو تترک تزویج من شئت من نساء أمّتک وتتزوج من تشاء ، وکان علیه السلام إذا خطب امرأه لم یکن لغیره ان یخطبها حتّی یدعها.

* وفی ماده « نوأ » قال :

( وَنَأی بِجانِبِهِ ) قرأ أبو جعفر « وناء » کجاء ، وهو إمّا من النوء بمعنی النهوض مستثقلا ، فیکون عباره عن الاستکبار ، کما یقال « شمخ بأنفه » ، وإما مقلوب « نأی » أی بعد بنفسه عن شکر النعمه. فهی علی

ص: 310


1- 1. انظر ماده « رجا » من اللسان.

قراءه المصحف وعلی القلب تکون من ماده « نأی » ، وعلی معنی النهوض تکون من « نوأ » وعلی هذا التفسیر والمعنی ذکرها السیّد المصنف فی « نوأ ».

وذکر القراءات کثیر فی فصل الکتاب ، لکنّ الحقّ ان القراءات أکثر بکثیر مما ذکره السیّد المصنف ، وقد فاته أن یذکر الکثیر منها ، کما فی ماده « فرأ » حیث قال : « وأمر فریء : عظیم ؛ لغه فی المعتل » ، وهنا کان من الأنسب أن یذکر فی الکتاب قوله تعالی ( لقد جئت شیئا فریئا ) ، فإنّ ابن حیوه قرأ بها فی سوره مریم (1).


1- 1. انظر معجم القراءات القرانیه 4 : 43.
ج - وفی الکتاب من الطراز تظهر میزه جمیله جدّاً

ومنهجیه جدیده فی تناول تفاسیر « الآیات » التی تخصّ أهل البیت علیهم السلام .

دون الاقتصار علی شرحها بمجرّد اللغه ، بل یتناول المراد من الآیه أو الآیات المبارکه ، طبق ما ورد عن السنّه الشریفه ، وأقوال الأئمّه علیهم السلام ، وذلک ما أغفلته کتب اللغه أو تغافلت عنه (1).

* ففی الکتاب من ماده « نبأ » قال :

( عَمَّ یَتَساءَلُونَ* عَنِ النَّبَإِ الْعَظِیمِ ) هو القرآن ؛ لإنبائه بالغیب ، أو بناء البعث والقیامه ، أو ما اختلفوا فیه من إثبات الصانع وصفاته وسائر آیاته ونبوه محمّد صلی الله علیه و آله وفی اخبار أهل البیت هو علیّ علیه السلام ، وفی ذلک یقول القائل :

ص: 311


1- 2. یستثنی من ذلک مجمع البحرین الذی عنی عنایه فائقه بذلک ، لکنّه لیس معجما لغویّا ، بل هو کتاب مختص موضوعه بغریب الکتاب والأثر.

هو النبأ العظیم وفلک نوح

وباب الله وانقطع الخطاب

وبکلّ من ذلک فسّر قوله تعالی : ( قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِیمٌ ) ، أو هو هنا ما أنبأ به من قوله قبله ( قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) .

وهذا التفسیر وارد عن أهل البیت علیهم السلام ، وموجود متناقل فی کتب الفریقین ، وقد أنشد فیه الشعراء فأکثروا ، وقذ ذکر السیّد المصنف قول الناشئ الصغیر المتوفی 365 ولم یعزه لقائل لأنّ من المصادر القدیمه ما ذکر هذا الشعر لعمرو بن العاص (1) ، ولم تذکر هذا التفسیر کتب اللغه ، إخلالا منها بما هو الحق الیقین ، ولکنّ الحقیقه لا تهتضم ، فإذا اهتضمت انتصرت لنفسها.

* وفی ماده « دبب » قال فی الکتاب :

( أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّهً مِنَ الْأَرْضِ تُکَلِّمُهُمْ ) هی من اشراط الساعه ینشق لها الصفا فتخرج منه ، أو من المسجد الحرام ، أو من شعب جیاد ، أو شعب أبی قبیس ، أو الطائف ، لیله الجمعه ، والناس سائرون إلی منی ، معها عصا موسی ، وخاتم سلیمان ، فتضرب المؤمن بالعصا بین عینیه فتنکت نکته بیضاء ، فتفشو تلک النکته حتّی یضئ لها وجهه ، وتکتب بین عینیه « مؤمن » وتنکت الکافر بالخاتم فی أنفه ، فتفشو النکته حتّی یسودّ لها وجهه ، وتکتب بین عینیه « کافر ».

وروی عن علیّ علیه السلام : انها لیست بدابه لها ذنب ، ولکن لها لحیه ، کأنه

ص: 312


1- 1. انظر الغدیر 4 : 28. ونسب أیضا فی بعض المصادر إلی ابن الفارض.

یشیر إلی أنّها رجل.

وعن ابن عباس : انها دابه من دواب الارض لها زغب وریش واربع قوائم.

وهذا المروی عن أمیر المؤمنین علیّ علیه السلام غیر موجود فی کتب اللغه ، وهو موجود فی کتب التفسیر الشیعیه ، وهذا المروی من ادله الرجعه ، ورجوع أمیر المؤمنین علیه السلام عند ظهور الحجه عجل الله فرجه.

* وفی ماده « قلب » قال فی الکتاب :

( وَتَقَلُّبَکَ فِی السَّاجِدِینَ ) ترددک فی تصفّح أحوال المتهجدین من أصحابک ، روی أنه لما نسخ فرض التهجّد طاف صلی الله علیه و آله علی بیوت أصحابه یتصفح ما هم علیه ، فوجدها کبیوت الزنابیر ذکرا وتلاوه.

أو تصرّفک فی المصلّین بالقیام والرکوع والسجود إذا أقمتهم.

أو تنقل روحک من ساجد إلی ساجد ؛ لقوله علیه السلام : « لم ازل انتقل من أصلاب الطاهرین إلی أرحام الطاهرات ».

وهذا الرأی الأخیر ، هو الذی علیه شیعه آل محمّد أخذا عن ائمتهم ، وهو معنی تواتر عندهم فی الروایات والادعیه والزیارات ، مثل ما ورد فی زیارات الحسین علیه السلام : اشهد أنک کنت نورا فی الاصلاب الشامخه والارحام المطهره ، لم تنجّسک الجاهلیه بأنجاسها ، ولم تلبسک من مدلهمات ثیابها.

وقد استدل الامامیه بهذه الآیه والاحادیث الوارده فی شأنها ، علی طهاره آباء وامهات النبیّ والأئمّه ، من الرجس والفواحش والزنا والکفر والشرک ، وانهم کانوا جمیعا مسلمین مؤمنین ، خلافا لما ذهب إلیه من الرّشد فی خلافهم من کفر عبد الله والد النبی صلی الله علیه و آله وأبی طالب والد علیّ علیه السلام ، وغیرهما من آبائهما الکرام.

ص: 313

* وفی ماده « شهد » قال فی الکتاب :

( أَفَمَنْ کانَ عَلی بَیِّنَهٍ مِنْ رَبِّهِ وَیَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ ) المراد ب- « من کان » محمّد صلی الله علیه و آله ، والبینه : القرآن ، ویتلوه شاهد من الله هو جبرئیل ؛ نزل بأمر الله ، أو شاهد من محمّد هو لسانه ، أو شاهد هو بعض محمّد صلی الله علیه و آله هو علیّ بن أبی طالب علیه السلام ... إلی آخر ما قاله فی تفسیرها.

وهذا الوجه الأخیر هو الذی علیه ائمه أهل البیت علیهم السلام ، وهو المروی عنهم بلا خلاف ، وقد رواه الأعلام من أبناء العامه فی کتبهم وتفاسیرهم ومجامیعهم الحدیثیه ، لکن کتب اللغه لم تذکر ذلک ، لما أسّسه الاولون ، فتلاقفه الآخرون ، غافلین أو متغافلین عما ورد فی شان آل محمّد من الآیات الکریمه.

* وفی ماده « عهد » قال فی الکتاب :

( قالَ لا یَنالُ عَهْدِی الظَّالِمِینَ ) هو العهد بالامامه المطلوبه ، أی من کان ظالما من ذریتک لا یناله عهدی إلیه بها ، وانما ینال من لیس بظالم ، وهذا لیس ردّا لدعوته علیه السلام بل إجابه لها ، وإسعاف لطلبته بأبلغ معنی ، وذلک انه طلب الامامه لأولاده المؤمنین لا محاله ؛ لعلمه بأنّها لا تصلح للکفره والظلمه ، فأجیب بانها لا تتعداهم إلی غیرهم ، کما إذا قیل لمن اشرف علی الموت : أوص لابنک بشیء ، فیقول : لا یرث منی اجنبی ، أی کل ما یبقی منّی فهو لابنی ، فکیف أوصی لهم بشیء.

وفیه دلیل علی عصمه الأنبیاء ، وعدم صلاحیه الظالم للإمامه. انتهی.

ص: 314

وهذا الذی ذکره السیّد المصنف هو خلاصه رای الإمامیه فی الآیه الشریفه ، وجماع ما أتی عن أهل البیت فی تفسیرها ، وفی استدلالهم بها علی وجوب عصمه الإمام ، وأنّ من تلبس بالظلم ولو آنا ما فإنّه لا یصلح للإمامه ولا یناله العهد.

ففی الکافی مثلا ، بسنده عن الرضا علیه السلام فی حدیث طویل ، قال : فقال تعالی : ( إِنِّی جاعِلُکَ لِلنَّاسِ إِماماً ) فقال الخلیل علیه السلام سرورا بها ( وَمِنْ ذُرِّیَّتِی ) ، قال الله تبارک وتعالی : ( لا یَنالُ عَهْدِی الظَّالِمِینَ ) فأبطلت هذه الآیه إمامه کل ظالم إلی یوم القیامه (1).

* وفی ماده « کثر » قال فی الکتاب :

( إِنَّا أَعْطَیْناکَ الْکَوْثَرَ ) هو الکثیر من الخیر ، أو نهر فی الجنه لا یظمأ من شرب منه ابدا ، أو نهر فیها تتفجر منه الانهار ، أو نهر فیها أعطاه الله نبیه صلی الله علیه و آله عوضا عن ابنه ، أو حوضه الذی ترد علیه امته یوم القیامه ، أو النبوه ، أو الکتاب ، أو الشفاعه ، أو کثره الأصحاب والاتباع ، أو کثره النسل والذریه ؛ فقد ظهرت الکثره فی نسله من ولد ابنته فاطمه علیهاالسلام ، حتّی لا یحصی عددهم ، واتصل إلی یوم القیامه مددهم ، وکلّ داخل فی الخیر الکثیر.

فشرحه للآیه بکثر النسل والذریه یوافق ما عن أهل البیت خصوصا بملاحظه تعبیر قریش إیاه بانه أبتر لا عقب له ، فعوّضه الله بالذریه من الزهراء علیهاالسلام ، وقد قال صلی الله علیه و آله : « کل نسب وسبب منقطع إلی یوم القیامه الا نسبی وسببی ». وهذا التفسیر موافق للغه والاحادیث وشان النزول. وقد اغفلته کتب اللغه ، مقتصره علی ذکر باقی

ص: 315


1- 1. الکافی 1 : 199. وانظر الکافی 2 : 600 کذلک.

المعانی.

* وفی ماده « عبس » قال فی الکتاب :

( عَبَسَ وَتَوَلَّی ) ذهب اکثر المفسرین علی أنّ الذی عبس هو الرسول صلی الله علیه و آله ، والأعمی هو ابن ام مکتوم ، وذلک أنه اتی النبیّ صلی الله علیه و آله وعنده صنادید قریش یدعوهم إلی الإسلام ، فقال : یا رسول الله أقرئنی وعلّمنی مما علّمک الله ، وکرّر ذلک وهو لا یعلم شغله بالقوم ، فکره النبیّ صلی الله علیه و آله قطعه لکلامه ، وعبس وأعرض عنه ، فنزلت.

وقیل : انها نزلت فی رجل من بنی امیه کان عند النبی صلی الله علیه و آله ، فجاء ابن ام مکتوم ، فلما رآه تقذّر منه وعبس وأعرض بوجهه عنه ، فحکی الله سبحانه ذلک وأنکر علیه.

والتفسیر الاول هو ما اطبقت علیه تفاسیر العامه ، والثانی ما اطبقت علیه تفاسیر الإمامیه ، وقد روی عن الصادق علیه السلام ان الآیه نزلت فی رجل من بنی امیه کان عند النبیّ فجاء ابن ام مکتوم فلما رآه تقذر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه ، فحکی الله سبحانه ذلک وأنکر علیه (1).

فقد ذکر السیّد الرأی الصائب لأهل البیت علیهم السلام ، آخذا العباره من حدیث جعفر بن محمّد الصادق علیهم السلام ، فی حین ان الکتب اللغویه لم تتطرق إلی هذا التفسیر ولا أشارت إلیه.

ص: 316


1- 1. انظر مجمع البیان 5 : 437.
د - وتظهر إلی جانب هذه المیزات المذکوره میزه أخری

وهی تدقیقه فی تفسیر بعض الآیات التی أشکل تفسیرها ، وطرحه رأیه هو مستندا إلی ما عنده من ادلّه وشواهد.

ففی ماده « لألأ » ذکر رأیا انفرد به من بین المفسرین فی تفسیر قوله تعالی : ( یَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ) ، حیث ذکر الآراء المطروحه فی تفسیر الآیه الکریمه ، ثمّ لم یرتض ذلک حتّی طرح رأیه الذی حققه هو بنفسه رحمه الله ، قال :

( یَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ) أی من البحرین الملح والعذب ، قالوا : نسبه خروجهما إلی البحرین - مع أنهما لا یخرجان إلاّ من الملح - لأنهما انما یخرجان من ملتقی الملح والعذب ، أو لأنّهما لمّا التقیا وصارا کالشیء الواحد صحّ نسبته إلیهما ، وقیل هو علی حذف المضاف ، أی من أحدهما (1).

والحقّ أنّ اللؤلؤ یخرج من البحر الملح ، ومن الأمکنه التی فیها عیون عذبه فی مواضع من البحر الملح ، کما شوهد ، ویؤیّده قوله تعالی : ( وَمِنْ کُلٍّ تَأْکُلُونَ لَحْماً طَرِیًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْیَهً تَلْبَسُونَها ) . بل قال یحیی بن ماسویه فی کتاب الجواهر : مغاص الصین فی الماء العذب فی خور الصین ، وهو مغاص کبیر یخرج منه متاع کثیر ، ویقع فیه اللؤلؤ الکبار. فلا حاجه إلی هذه التکلّفات.

ص: 317


1- 1. هذه الآراء الثلاثه ، ذکر الزمخشری فی کشّافه الاثنین الأولین منها انظر الکشاف 4 : 445 - 446 ، وذکرهما الطبرسی أیضا فی ممع البیان 5 : 201. وأمّا الرأی الأخیر فهو رای أبی علیّ الفارسی کما فی تفسیر القرطبی 16 : 29.

وهنا تظهر عبقریه السیّد المصنف ، وضلوعه فی علم التفسیر ، غیر مقتصر علی مجرّد النقل دون التحقیق والتدقیق ، بل جامعا بین النقل والتحقیق ، والمعنی اللغوی والمرویّ ، مع عنایته بالقراءات وجمعه لأقوال المفسرین حتّی أهل التاویل والباطن منهم ، ومع کل ذلک کان رحمه الله یتحف کل ذلک بارائه القیمه وتحقیقاته الرشیقه التی ینفرد بها ، معرضا عن التکلف والابعاد فی التفسیر ، مع وجود حقائق ملموسه علی صحه ما یذهب إلیه.

ص: 318

الأثر

کان النزاع محتدما منذ أقدم العصور بین اللغویین والنحویین فی صحّه الاحتجاج بالحدیث النبوی ، وعدم صحّته ، وذهب بعضهم إلی عدم صحه الاحتجاج به ، معللّین ذلک بأنّ الرواه ربّما نقلوا بالمعنی ، ومنهم رواه أعاجم مضافا إلی أنّ منهم اللحّانین ، إلی غیر هذه الوجوه ممّا حاول المعلّلون لعدم الاحتجاج بالحدیث النبوی التمسّک به.

وکان أوّل من أثار هذه الزوبعه ، هو سیبویه الذی لم یحتج فی کتابه « الکتاب » بالحدیث النبوی ، بل لم نجد فی فهرست أحادیث کتابه الضخم إلا سبعه أحادیث نبویه ، وقد أثّرت عظمه هذا الکتاب علی اللاحقین فراحوا یتّبعون أثره ویصطنعون المعاذیر لسیبویه والتبریرات لصنیعه ذاک.

وادعی ابن الضائع الأندلسی المتوفی سنه 680 ه وأبو حیان الأندلسی المتوفی سنه 745 ه أنّ أئمه المصرین البصره والکوفه لم یحتجوا بشیء من الحدیث النبوی.

قال الدکتور مهدی المخزومی : « أما الحدیث فلم یجوّز اللغویون والنحاه الأوّلون کأبی عمرو بن العلاء ، وعیسی بن عمر ، والخلیل بن أحمد ، وسیبویه من البصریین ، وکالکسائی والفراء وغیرهما

ص: 319

من الکوفیین الاستشهاد به » (1).

وسواء کانت هذه النقول صحیحه علی إطلاقها ، أم کان ابن الضائع وأبو حیّان هما المدّعیین لها لحاجتهم إلی ردّ ابن مالک الذی اطلق الاحتجاج بالحدیث ، فإن مما لا شک فیه أنّ بعض اللغویین والنحاه لم یکونوا یحتجون بالحدیث النبوی الشریف ؛ وإذا ذکروه فعلی وجه التبرّک والاستظهار ، فکان ذلک من أکبر الخلل عندهم (2).

وقد سارت اللغه عکس التیار الذی أراده ذلک البعض ، فیتصدی لهم الأئمّه فی اللغه والنحو ، وفتحوا باب الاستشهاد بالحدیث النبوی الشریف ، وکان علی رأسهم فی زمن بروز هذه الدعوی ابن مالک المتوفی سنه 672 ه حیث اعتمد الحدیث النبوی أصلا من أصول اللّغه والنحو.

وذکر الدمامینی المتوفی سنه 827 ه أن کثیرا من الأئمّه قبل ابن مالک کانوا یعتمدون الحدیث بلا تردّد ، وعدّ منهم ابن جنی ( ت 392 ه ) وابن فارس ( ت 395 ه ) والجوهری ( ت 398 ه ) ، وابن سیده ( ت 458 ه ) والسهیلی ( ت 581 ه ) وابن بری ( ت 582 ه ) وابن خروف ( ت 609 ه ) ، وقال : إنّ أحدا من علماء العربیه لم یخالف ذلک الا ابا حیان وابن الضائع وتابعهما من بعد جلال الدین السیوطی (3).

وفی عسر هذا المخاض ، لم نجد لهم کلاما واضحا صریحا فی مدی الاحتجاج بکلام أئمّه أهل البیت علیهم السلام ، سوی ما ذهب إلیه الرضی الاسترابادی المتوفّی سنه

ص: 320


1- 1. الخلیل بن أحمد الفراهیدی : 79. للدکتور المخزومی.
2- 2. انظر کتاب مدرسه الکوفه : 58. للمخزومی.
3- 3. انظر الاستشهاد بالحدیث فی اللغه : مقال لمحمد الخضر حسین ، مجله مجمع اللغه العربیه 3 : 199.

686 ه بعد فراغه عن الاحتجاج بالحدیث النبویّ الشریف ، حیث ذهب إلی الاحتجاج والاستدلال بکلام أهل البیت علیهم السلام .

قال الدکتور محمد ضاری حمادی : وتمیّز الرضیّ بأمر آخر ، هو الأخذ بکلام أهل البیت علیهم السلام حجّه لا تشکیک فیها من حیث الفصاحه والسلامه اللغویه.

وفی ذلک یقول البغدادی ( المتوفی سنه 1093 ه ) : وأما الاستدلال بحدیث النبیّ صلی الله علیه و آله فقد جوّزه ابن مالک ، وتبعه الشارح المحقق فی ذلک ، وزاد علیه بالاحتجاج بکلام أهل البیت علیهم السلام (1).

وهذا ما جعل یوهان فک یقول : وتوسع الاسترابادی - الذی کتب حوالی سنه 683 ه شرحه علی متن الکافیه لابن الحاجب - فی صحه الاستشهاد فی أمور اللغه حتّی بأهل البیت ، وبهذا طرأ علی العربیه تحوّل حاسم (2).

وبذل الشیخ الطریحی المتوفی سنه 1085 ه جهودا لا یستهان بها فی کتابه « مجمع البحرین » فی ذکر غریب کلام الأئمّه : ، فذکر من کلماتهم وأحادیثهم ما لا یستهان به ، لکنّه والحقّ یقال لم یتم منهجه ذلک ، إذ کان رحمه الله نوی أن یذکر کلّ أو جلّ الغریب فی کلمات الأئمّه علیهم السلام ، کما نقل لنا ذلک عن معاصریه عنه شفاها لکنّه لم یسر علی ذلک المنهج إلاّ بمقدار قلیل نسبه إلی ضخامه المرویّ المعتبر عنهم علیهم السلام .

ص: 321


1- 1. خزانه الادب 1 : 9.
2- 2. العربیه لیوهان فک : 227. وانظر الحدیث النبوی الشریف وأثره فی الدراسات اللغویه والنحویه للدکتور محمد ضاری حمادی : 339.

وفی هذا المسار یبرز السیّد علیّ خان المدنی لغویّا فذّا ، یدفع بعجله هذا المسلک إلی الأمام. فهو - بعد الفراغ عن حجیه الکتاب - یعقد « الأثر » لیذکر فیه الأحادیث النبویّه ، وکلام أئمّه أهل البیت المعصومین علیهم السلام ، فهم أرباب الفصاحه والبلاغه ومنابع الحکمه ، ولباب قریش.

ولعلّ من التجنی علی اللغه أن یترک فیها الاستدلال بفصاحه مثل الإمام علیّ والحسن والحسین وسید الساجدین زین العابدین ، والباقر والصادق - وباقی الأئمّه الاثنی عشر ، وهم أبناء الوحی والتنزیل ، وأبناء الرسول الذی هو أفصح من نطق بالضاد - ویستشهد ویستدل بکلام من عرفوا بالوضع والافتعال اللغوی ، کابان بن عبد الحمید اللاحقی (1) ، ومن عرفوا بالأعجمیه کأبی عطاء السندی (2) ، ومن عرفوا بالافتعال اللغوی والأعجمیه معا کخلف الأحمر (3).

وحسبک أنهم یستدلون فی اللغه بمثل ما فعله سیبویه حیث قال : « وحدثنا من یوثق به أنّ بعض العرب قیل له ... » (4).

أو ما نقله عن الخلیل « انه سمع أعرابیّا یقول ... » (5).

أو مثل قوله « وحدثنی من لا أتّهم ، عن رجل من أهل المدینه موثوق به ، أنّه سمع عربیّا یتکلّم ... » (6) ، وغیر ذلک مما تجده مبثوثا فی کتب اللغه جمیعاً.

ص: 322


1- 1. انظر الکتاب لسیبویه 1 : 113. وخزانه الادب 1 : 457.
2- 2. انظر خزانه الادب 4 : 170.
3- 3. انظر المعارف لابن قتیبه 1 : 544. وقد احتج به سیبویه فی کتابه.
4- 4. الکتاب لسیبویه 1 : 255.
5- 5. الکتاب لسیبویه 1 : 279.
6- 6. الکتاب 1 : 475. طبعه بولاق.

فمن هو « الذی یوثق به »؟.

« ومن هو الأعرابی »؟.

ومن هو « من لا أتّهم »؟.

ومن هو « الرجل من اهل المدینه »؟ و و و.

إن صنیعهم ذاک لیعدّ حقّا تضییعا للغه العربیه وأصولها ، فإن مثل خطب وکلمات ورسائل وکتب أمیر المؤمنین علیّ بن أبی طالب ثابته النقل صحیحه فی مصادر المسلمین ، ومثل کلمات الإمام الحسن بن علیّ وخطبه عند خلافته وعند الصلح وبعده ممّا نقل نقلا یکاد یکون متواترا ، لا یمکن اغفاله ، ومثله القول فی خطب وکلمات الإمام الحسین بن علیّ قبل خروجه من المدینه المنوّره وبعدها عند مکّه ، وفی طریقه إلی کربلاء ، وفی عرصه کربلاء ، کل تلک الجواهر اللغویه ثابته صحیحه مبثوثه فی امهات مصادر المسلمین فما هو المسوّغ لإغفالها؟!

وحسبک من ذلک قوله علیه السلام قبیل خروجه من مکّه فی خطبه له « کأنی بأوصالی هذه تقطعها عسلان الفلا بین النواویس وکربلا » (1) ، حیث تکلم علیه السلام بکلمه « عسلان » بمعنی « ذؤبان الفلا ».

وقول اخته وشقیقته عقیله آل ابی طالب ، ربیبه بیت الفصاحه والبلاغه ، زینب بنت علیّ علیه السلام ، حیث قالت علیهاالسلام فی خطبتها عند یزید : فهذه الایدی تنطف من دمائنا ، وهذه الافواه تتحلب من لحومنا ، وتلک الجثث الزواکی یعتامها عسلان الفلوات ... (2)

ص: 323


1- 1. مثیر الاحزان : 29 ، شرح الاخبار 3 : 146 ، ذوب النضار : 30.
2- 2. بلاغات النساء لابن طینور : 22.

ولا تجد هذا الجمع فی کتاب من کتب اللغه العربیه ومعاجمها ، وفی مقابل ذلک تراهم ینقلون کل شارده ووارده تکلم بها من لا تعرف فصاحته ولا السند إلی کلامه ، وینقلون الشواهد الشعریه التی لا تغری لقائل ولا یعرف لها صاحب ، کنقلهم کلمه الخنبشار حیث انشد علی البدیهه فیها :

لقد عقدت محبتها بقلبی

کما عقد الحلیب الخنبشار (1)

وکانشادهم البیت :

إن اباها وابا اباها

قد بلغا فی المجد غایتاها

واثبتا فی الأول لغه الخنبشار ، وبالثانی لغه البناء فی « اباها » وشاع ذلک وذاع هذا فی کتب اللغه والنحو. ولو أردنا الاستقصاء فی استعراض مثل هذه الشواهد فی اللغه والنحو لطال بنا المقام.

والذی نستخلصه من کل ما قدّمنا ، هو صحه ما تکلم به الأئمّه بل ضروره التمسک بالصادر عنهم ، فی إغناء اللغه العربیه وعلومها أجمع ، ولذلک نحی السیّد المصنف هذا المنحی ، واستدل بکلام النبیّ والأئمّه علیهم السلام ، وأکثر من کلمات وخطب أمیر المؤمنین علیّ علیه السلام ، والصحیفه السجادیه الصحیحه الاسناد إلی الإمام علیّ بن الحسین علیه السلام ، کما اکثر من الاستدلال والاستشهاد بزیارات وأدعیه أهل البیت علیهم السلام .

والذی أغنی هذا الجانب عند السیّد المصنف فی طرازه ، هو تألیفه لهذا الکتاب بعد فراغه من شرح الصحیفه السجادیه المبارکه ، مما یعنی أنّه کان مستحضرا عیون لغاتها وفصاح کلماتها ، ولذلک أکثر من ذکر النصوص عنها فی فصل « الأثر ».

فالسیّد المصنف إذن ، أفرد الأثر تسهیلا للتناول ، وذکر الحدیث النبوی وسائر

ص: 324


1- 1. انظر نفح الطیب 4 : 82.

الآثار ، صابّا مزید العنایه علی کلام الأئمّه علیهم السلام وادعیتهم وزیاراتهم ، وهذه أهمّ میزه یمکن ملاحظتها هنا ، ویضاف إلی ذلک أخذه کتب غریب الأثر ، وعرضه للوجوه المحتمله فی شرح الأثر إن وجدت بعباره سلسله مختصره ، منقّحا المراد منها.

وإلیک نماذج مما جاء به من کلمات الأئمّه علیهم السلام

* ففی الأثر من ماده « بدأ » قال : « إنما فرق بینهم مادئ طیَنِهم » جمع مبدأ ، بمعنی السبب والعله ، وهو إشاره إلی السبب المادیّ ، لاختلاف الناس فی الصور والاخلاق ؛ إذ کانت طینهم - وهی جمع طینه - مجموعه من حزن الارض وسهلها ، وعذبها وسبخها.

وقیل : هی کنایه عن النفوس المدبره للابدان ، فالمبادئ النفوس ، والطین الابدان ، وهو إشاره إلی اختلاف ماهیات النفوس فی الزکاء والخبث والعفه والفجور إلی غیر ذلک.

وقد أخذ السیّد المصنف هذا الأثر من کلمات من کلامه دون کلام الخالق وفوق کلام المخلوق ، وهو فی نهج البلاغه من کلام له علیه السلام فی ذکر عله اختلاف الناس (1).

* وفی نفس الماده ذکر أثرا أخذه من کتاب الکافی للکلینی حیث روی عن الصادق علیه السلام خطبه لأمیر المؤمنین علیه السلام خطبها یوم الجمعه ، وفیها قوله فی توحید الله وعظمته « اوصیکم عباد الله وأوصی نفسی بتقوی الله الذی ابتدأ بدء الأمور بیده » (2) ، حیث أخذ السیّد هذا المقطع منها ( ابتدأ بدء الامور بیده ) فقال : أی أحدث أوائل الأمور بقدرته (3).

* وفی نفس الماده أخذ قول أمیر المؤمنین علیه السلام « سبق الابتداء أزله » فقال : أی

ص: 325


1- 1. نهج البلاغه 2 : 255 / الخطبه 229.
2- 2. الکافی 8 : 174.
3- 3. انظر مجمع البحرین 1 : 7.

سبق عدم أوّلیته وابتدائه ، ابتداء وجود ماله وجود من الممکنات ، لأنّ الأزل عباره عن عدم الاوّلیّه والابتداء.

وهذا الکلام مأخوذ من خطبه له علیه السلام فی التوحید ، وهی خطبه تجمع من أصول العلم ما لا تجمعه خطبه غیرها. وفیها قوله علیه السلام فی توحید الله : « سبق الاوقات کونه ، والعدم وجوده والابتداء أزله » (1) ، فاخذ منها « سبق الابتداء ازله » وشرحها أحسن شرح ، ربما لا یوجد فی کتاب آخر.

* وفی نفس الماده ، أخذ أثرا من خطبه الأشباح التی خطبها أمیر المؤمنین علیه السلام حین سأله سائل أن یصف الله عزّ وجلّ حتّی کأنه یراه عیانا ، فقال علیه السلام فی ضمنها : « بدایا خلق أحکم صنعها » (2) ، أخذ السیّد هذا المقطع من الخطبه فقال : جمع بدیئه بالهمز - کخطیئه وخطایا - بمعنی عجیبه ، أی عجائب مخلوقات أتقن صنعها.

* وفی ماده « برأ » وفی حدیث علیّ علیه السلام : « ألا وإنّه سیأمرکم بسبّی والبراءه منی ، فاما السبّ فسبونی فإنه لی زکاه ولکم نجاه ، وأما البراءه فلا تتبرءوا منی ، فإنّی ولدت علی الفطره وسبقت إلی الإیمان والهجره » (3).

الضمیر لمعاویه بن أبی سفیان ، أو لزیاد بن أبیه ، أو للمغیره بن شعبه ، أو للحجّاج ... ثمّ شرح الحدیث شرحا وافیا ، مبیّنا وجه نهیه علیه السلام عن البراءه منه ، وتجویزه السبّ له ، ثمّ ذکر وجهی تعلیل الإمام علیه السلام فاوعب واختصر بما قد لا یوجد مثله فی کتب اللغه.

* وفی نفس الماده أخذ قول أمیر المؤمنین علیه السلام عند لقائه اهل الشام : « أیّها

ص: 326


1- 1. نهج البلاغه 2 : 143 / الخطبه 181.
2- 2. نهج البلاغه 1 : 165 / الخطبه 87.
3- 3. نهج البلاغه 1 : 101 / الخطبه 56.

المؤمنون ، إنّه من رأی عدوانا یعمل به ومنکرا یدعی إلیه فأنکره بقلبه فقد سلم وبرئ ... » (1)، فقال : أی سلم من عذاب الله وبرئ من مشارکتهم فیه ، لما ورد انّ الراضی بفعل قوم کالداخل معهم فیه ، من حیث اشتراکهم فی الرضا به.

* وفی ماده « جسأ » أخذ مقطعا من الصحیفه السجادیه فی دعاء ختم القرآن ، وهو قوله علیه السلام : ( وسهّلت جواسئ ألسنتنا بحسن عبارته ) (2) فشرحه قائلا : یرید بجسوء الالسنه توقّفها ، وعدم انطلاقها ، قال الجاحظ : اللسان إذا أکثرت تقلیبه لان ورقّ ، وإذا أطلت إسکاته جسأ وغلظ.

وهذا الشرح لباب ما شرح به هذه الفقره فی ریاض السالکین حیث قال : وسهل الشیء بضم العین سهوله : لان ، وسهّله تسهیلا لیّنه.

والجواسئ : جمع جاسئ ؛ فاعل من جسأ یجسؤ - من باب منع - جسوءا ، بالضم : إذا یبس وصلب وغلظ ، واضافتها إلی الألسنه من باب إضافه الصفه إلی الموصوف ، أی لیّنت ما یبس وصلب من السنتنا بحسن عبارته ، والمراد بجسوء الالسن تلعثمها وعدم انطلاقها ، وبتسهیلها بحسن عبارته تمرینها وتثقیفها به.

قال الجاحظ فی کتاب البیان والتبیین : اللسان إذا أکثرت تقلیبه رقّ ولان ، وإذا أطلت إسکاته جسأ وغلظ. وقال حکیم : إن اللسان إذا اکثرت حرکته رقّت عذبته (3) ... وهذا ما قلناه من أنّه استفاد فی الأثر من الطراز من خلال شرحه للصحیفه السجادیه المبارکه.

* وفی ماده « حلأ » أخذ مقطعا من الزیاره الرجبیه التی یزار بها أمیر المؤمنین

ص: 327


1- 1. نهج البلاغه 4 : 243 / 373 ، أخذا عن الطبری فی تاریخه 5 : 163.
2- 2. الصحیفه السجادیه ، الدعاء : 42.
3- 3. ریاض السالکین 5 : 419 - 420.

وسائر المشاهد المشرفه فی شهر رجب ، والتی رویت عن أبی القاسم الحسین بن روح ، وفیها : « غیر محلّئین عن ورد » (1) ، قال السیّد فی شرحها : غیر مطرودین عنه (2).

* وفی ماده « خبأ » نقل عن نهج البلاغه قول أمیر المؤمنین علیه السلام : المسالمه خبء العیوب (3) ، وقال : أی مسالمه الرجل الناس توجب ستر معایبه لسکوتهم عنه ، کما قیل : من سالم الناس سلم منهم.

* وقال فی نفس الماده : وفی الدعاء ( أو مخبأه من المخابئ ) (4) هی موضع الخبء ، کمدرسه ومدارس. وهذا النص مأخوذ من دعاء الجوشن الصغیر الذی دعا به الإمام موسی الکاظم حین اهلک الله موسی الهادی العباسی حین أراد بالإمام شراً.

* وفی ماده « دوأ » قال : وفی حدیث علیّ علیه السلام ( قد ملّت الأطبّاء هذا الداء الدویّ ) (5) ، هو من باب ظلّ ظلیل ، وداهیه دهیاء ، غیر أنّ الدویّ هنا فعیل من الدوی مقصورا ، وهو المرض أیضا ، یقال : دوی یدوی - کرضی یرضی - فهو دویّ کرضیّ ، والغرض المبالغه فی الوصف ، وعنی بالداء ما منی به من مخالفه أصحابه لأمره.

* وفی ماده « ذرأ » ذکر فی الاثر ( من شرّ ما ذرأ ومن شرّ ما برأ ) أی بثّه فی الأرض واوجده بریئا من التفاوت. وهذا المقطع من الأثر مذکور فی کتب الامامیه عن الباقر أو

ص: 328


1- 1. مصباح المتهجد : 756.
2- 2. انظر مجمع البحرین 1 : 107.
3- 3. نهج البلاغه نسخه حجریه مطبوعه فی زمان ناصر الدین شاه : 268.
4- 4. مهج الدعوات : 222 « دعاء الجوشن الصغیر ».
5- 5. نهج البلاغه 1 : 234 / الخطبه 117. وفیه « قد ملت أطبّاء هذا الداء الدویّ ».

الصادق علیهماالسلام . کما فی الکافی (1) والفقیه (2) والتهذیب (3) ومکارم الاخلاق (4) ، وذلک فی ضمن کلمات من « قرأهن لم تصبه عقرب ولا هامه حتّی یصبح » ، کما أنه مذکور عن أبی الحسن الکاظم علیه السلام حین قال : إذا امسیت فنظرت إلی الشمس فی غروب وادبار فقل : بسم الله ... الدعاء وفیه المقطع المذکور ، کما فی الکافی (5) والمحاسن (6).

ومهما یکن من شیء ، فإنّ الآثار المزبوره لم تذکر شروحها فی کتب الأثر وغریبه ، ذکرها السیّد المصنف وشرحها ، عنایه منه بکلمات الأئمّه وأقوالهم.

* وذکر فی ماده « رزأ » ذکر قولا لأمیر المؤمنین - رواه الکلینی فی الکافی - (7) من خطبه له علیه السلام لمّا ولّی ، حیث صعد المنبر فحمد الله وأثنی علیه ثمّ قال : إنی والله لا أرزؤکم من فیئکم درهما ... الخ ، فأخذ السیّد المصنف هذا القول وقال : لا أنقص منه شیئا ، ولا درهما ، وعین هذا الشرح ذکره الطریحی فی مجمع البحرین (8) من قبله.

* وأخذ فی الأثر من ماده « ضبأ » قول الإمام السجاد علیه السلام فی الدعاء التاسع والاربعین من صحیفته - وهو دعاؤه علیه السلام فی دفاع کید الأعداء وردّ بأسهم - أخذ قوله

ص: 329


1- 1. الکافی 2 : 571.
2- 2. الفقیه 1 : 471.
3- 3. التهذیب 2 : 117.
4- 4. مکارم الأخلاق : 290.
5- 5. الکافی 2 : 532.
6- 6. المحاسن 2 : 369.
7- 7. الکافی 8 : 182 / 204.
8- 8. مجمع البحرین 1 : 183.

« وأضبأ إلیّ إضباء السّبع لطریدته » من جمله قوله علیه السلام : « وکم من باغ بغانی بمکائده ، ونصب لی شرک مصائده ، وکّل بی تفقّد رعایته ، وأضبأ إلیّ إضباء السبع لطریدته » ، أخذ ذلک المقطع وشرحه قائلا : أی اختبأ لیختلنی کاختباء السبع لیختل طریدته ، وعدّاه ب- « إلی » لتضمینه معنی القصد ، أی قصد إلیّ ، أو هی بمعنی اللام ، نحو « الأمر إلیک ».

وشرحه لهذه الفقره هنا أمتن وأتمّ بکثیر من شرحه لها فی ریاض السالکین ، حیث اقتصر هناک علی قوله : ضبأ یضبأ - من باب منع مهموز اللام - ضبأ وضبوءا : لصق بالأرض یستتر بها لیختل ، کأضبأ إضباء ، وباللغتین وردت الروایه فی الدعاء ، والسبع - بفتح السین وضم الباء وتکسر - کل ذی ناب یعدو به ویفترس ، کالأسد والذئب والفهد والنمر ، والطریده : فعیله بمعنی مفعوله ، من طردت الصید طردا ، من باب قتل ، إذا أثرته واخرجته من مکانه ، والاسم الطّرد بفتحتین (1) ... الخ ، وهذا یؤکد ما قلناه من أنّ عمله فی الصحیفه وشرحها أثری عنده اللغه - وخصوصا الأثر - بشکل کبیر فی تألیفه الطراز.

* وفی ماده « ضوأ » قال : وفی حدیث علیّ علیه السلام : « وإنی من أحمد بمنزله الضوء من الضوء » : قیل یشیر إلی أن کمالات نفسه المقدسه مقتبسه من کمالات نفس النبی ؛ کشعله مصباح اقتبست من شعله مصباح أکبر ، علی ما جرت به العاده والعرف فی تمثیل النفوس المقدسه والعلوم الإلهیه بالاضواء والأنوار.

وکلام أمیر المؤمنین هذا موجود فی أقدم المصادر وأوثقها کأمالی الصدوق (2)

ص: 330


1- 1. ریاض السالکین 7 : 271.
2- 2. أمالی الصدوق : 604.

وعلل الشرایع (1) ومعانی الأخبار (2) ونهج البلاغه (3) ، ولم یتناوله اللغویون بالشرح ، مع أنه من فصیح الکلام وبلیغه ، ومما یحتاج إلی بیان ، وذلک ما فعله السیّد المصنف دون غیره من اللغویین ، علی أنّ هذا الشرح قد سبقه إلیه المولی محمد صالح المازندرانی المتوفی 1081 ه فی شرحه علی أصول الکافی والروضه (4).

* وفی ماده « طفأ » ذکر فی الأثر ما رواه الصدوق فی الفقیه (5) ، والشیخ الطوسی فی التهذیب (6) ، من قول رسول الله صلی الله علیه و آله « ما من صلاه یحضر وقتها الا نادی ملک بین یدی الناس : أیّها الناس ، قوموا إلی نیرانکم التی أوقدتموها علی ظهورکم فأطفئوها بصلاتکم ». فاخذ السیّد المصنف قوله « قوموا إلی نیرانکم ... إلخ » وقال فی شرحه : أی ذنوبکم التی اکتسبتموها وحملتموها ، فکفروها بالصلاه ، وهو اما استعاره بتشبیه الذنوب بالنار فی إهلاک الواقع فیها ، أو مجاز مرسل من باب تسمیه الشیء باسم ما یؤول إلیه ، علی القول بتجسیم الأعمال فی النشأه الآخره. وهذان الوجهان البلاغیان اللذان ذکرهما السیّد لم یذکر إلاّ الأول منهما الشیخ الطریحی فی مجمع البحرین (7).

ص: 331


1- 1. علل الشرایع 1 : 174.
2- 2. معانی الاخبار : 351.
3- 3. نهج البلاغه / الکتاب 45.
4- 4. شرح اصول الکافی والروضه 8 : 27.
5- 5. من لا یحضره الفقیه 1 : 133 / 624.
6- 6. تهذیب الأحکام 1 : 203.
7- 7. مجمع البحرین 1 : 276.

* وفی ماده « فثأ » قال : وفی الدعاء : « یا من یفثأ به حدّ الشدائد » (1) أی یکسر سورتها وحدّتها. وهو فی الدعاء السامع من أدعیه الإمام السجاد فی صحیفته المبارکه ، وهو دعاؤه الذی کان یدعو به إذا عرضت له مهمه أو نزلت به ملمّه.

وقال السیّد رحمه الله فی ریاض السالکین : فثأ الغضب ونحوه - من باب منع - سکّنه وکسره ، وحدّ کل شیء : حدّته وسورته ، والشدائد ما اشتد من الخطوب ، والباء .. للاستعانه (2).

* وفی ماده « فقأ » قال : وفی حدیث علیّ علیه السلام : « أنا فقأت عین الفتنه » هو کنایه عن تسکینها وإخمادها ، یرید فتنه أهل البصره وغیرها. وهذا القول لأمیر المؤمنین علیه السلام فی نهج البلاغه (3) ، أخذه السیّد المدنی فی الأثر وشرحه.

* وفی ماده « قمأ » أخذ من الکافی قول الإمام الکاظم علیه السلام فی صفه البغله : تطأطأت عن سموّ الخیل ، وتجاوزت قمء العیر ، وخیر الأمور أوسطها (4). فشرح السیّد المصنف قوله علیه السلام « تجاوزت قمء العیر » فقال : هو بالضمّ کقفل : صغره وحقارته فی الأعین. ومن قرأه « قموء العیر » علی فعول فقد صحّف.

وکأنّه رحمه الله أشار إلی الشیخ الطریحی حیث قال : وحدیث أبی الحسن علیه السلام وقد رکب بغله « تطأطأت عن سواء الخیل وتجاوزت قموء العیر وخیر الأمور أوسطها » (5). فذکرها بلفظ « قموء » علی فعول.

ص: 332


1- 1. الصحیفه السجادیه : الدعاء 7.
2- 2. ریاض السالکین 2 : 310. وانظر شرحها فی مجمع البحرین 1 : 326.
3- 3. نهج البلاغه 1 : 182 / الخطبه 89.
4- 4. الکافی 6 : 541 / الحدیث 16.
5- 5. مجمع البحرین 1 : 350.

* وفی ماده « کفأ » قال : وفی الدعاء : « وجعل ما امتنّ به علی عباده کفاء لتأدیه حقّه » هو ککتاب ، أی جعل ما أنعم به علیهم - من إعدادهم للطاعه والهامهم الشکر - مطیقا لاداء ما یجب له علیهم من حیث رضاه بذلک.

وهذا المقطع وارد فی أدعیه أهل البیت علیهم السلام ، فقد رواه السیّد ابن طاووس فی جمال الاسبوع (1) عن جدّه الشیخ الطوسی ضمن دعاء یدعی به سحر لیله الجمعه ، ورواه المجلسی فی البحار (2) عن مصباح الکفعمی ضمن دعاء علّمه النبی صلی الله علیه و آله لأحد أصحابه ، وهو دعاء الفرج ، وهی عباره متردده متکرره فی أدعیه آل محمّد ، أخذها السیّد المصنف وشرحها فی الأثر ، فاثراه أیّما إثراء.

* وفی ماده « لجأ » ذکر قول المعصوم علیه السلام : ألجأت ظهری إلیک (3) ، وشرحه قائلا : أی جعلته لاجئا إلیک ومعتصما بک ، والمعنی اعتمدت وتوکّلت علیک فی کلّ أمری.

وقال الطریحی فی شرح هذا الأثر : اعتمدت فی أموری کما یعتمد الإنسان بظهره إلی ما یستند إلیه (4).

* وذکر فی ماده « ملأ » قول علیّ علیه السلام فی قصار حکمه : الحق ثقیل مریء (5) فقال : أی تحمد عاقبته.

ص: 333


1- 1. جمال الاسبوع : 219.
2- 2. بحار الانوار 92 : 204.
3- 3. انظر علی سبیل المثال مکارم الاخلاق 2 : 43. وهذه العبارات متکرره فی أدعیتهم وزیاراتهم.
4- 4. مجمع البحرین 1 : 373.
5- 5. نهج البلاغه 3 : 244 / الحکمه 376.

* وفی ماده « مرأ » ذکر قول الإمام السجاد علیه السلام فی دعائه یوم الفطر : « وأنت ملیء بالمبادره » (1) ، فقال : أی قادر علیها مطبق لها.

وقال فی ریاض السالکین : فلان ملیء بکذا ، أی قادر علیه مضطلع به ، وقد ملؤ به - بضم العین - ملاءه بالفتح والمد ، وهم ملیئون به ، وملاء کعلماء. وبادر إلیه مبادره وبدارا : اسرع ومنه قوله تعالی ( وَلا تَأْکُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً ) (2).

* وفی ماده « هیأ » ذکر آثارا من الکتب الشیعیه وشرحها ، مثل « التهیئه مما یزید الله به فی عفه النساء » و « هیأ لحیته بین اللحیتین » و « التهیئه وضدها البغی » و « أولاد المدبّر مدبّرون کهیئته » ، حیث إنها مرویه فی الفقیه والکافی ، ومذکوره فی مجمع البحرین ، فلاحظها وقارن.

هذه بعض الأمثله من عنایته واحتجاجه بکلام الأئمّه علیهم السلام ، والنصوص الوارده فی مصادر الإمامیه ، فی الادعیه والزیارات ، وغیرها ، وهذه المیزه لا توجد فی معجم من معاجم اللغه إطلاقاً.

علی أنّه رحمه الله فوق هذا وذاک ، لم یقتصر علی ما فی کتب غریب الأثر ، بل کان لطول باعه وسعه اطلاعه علی کتب الحدیث النبوی ، یذکر آثارا لم تذکر فی کتب الغریب ، مصرّحا احیانا بالمصدر الآخذ عنه.

* ففی الأثر من مادّه « برأ » صرّح بالأخذ عن معجم الطبرانی ، فقال : الطبرانی ، عن جریر : « برئت الذمه ممن أقام مع المشرکین فی دیارهم » ، أی انقطع عنه العهد والأمان. وهذا الأثر موجود فی المعجم الکبیر للطبرانی (3). ولم یذکر فی کتب

ص: 334


1- 1. الصحیفه السجادیه / الدعاء 46.
2- 2. ریاض السالکین 6 : 237.
3- 3. المعجم الکبیر 2 : 303 / 2262.

الغریب ، ولا فی کتب اللغه ، وهذا ما یدل علی اهتمام السیّد المصنف بالأثر ، مضافا لما فی کتب الغریب واللغه ، فکان هو یتتبع الآثار. ویذکر ما یراه ضروریا منها.

* ومثل ذلک ما ذکره فی ماده « خرأ » من قول أبی هریره عن النبی صلی الله علیه و آله قال : لینتهینّ أقوام یفتخرون بآبائهم الذین ماتوا ، إنما هم فحم جهنم ، أو لیکونن أهون علی الله من الجعل الذی یدهده الخراء بأنفه ...

فاخذ السیّد المقطع الاخیر « یدهده الخرا بأنفه » أی یدحرج الغائط.

کتب بالالف علی قلب الهمزه ألفا بنقل الحرکه إلی ما قبلها ، فصار کعصا. وهذا الأثر مرویّ فی کتب العامه بروایه « الخراء » أو « الخرء » کما فی سنن ابی داود (1) من الصحاح السته ، وغیره من المعاجم کمصنف عبد الرزاق وکشف الخفاء للعجلونی (2) وأخبار مکّه للفاکهی (3) ، وعون المعبود (4) ، وتحفه الاحوذی (5) وغیرهما من المعاجم والشروح ، ولم نر من ذکر ما ذکره السیّد المصنف من روایه « الخرا » وانقلابها عن « الخرء ».

ومن میزاته فی الأثر استقصاؤه فی الشرح فی المواطن التی تحتاج إلی بیان الوجوه فیها ، دون الاقتصار علی بعضها.

* ففی ماده « وذح » ذکر فی الأثر قول امیر المؤمنین علیه السلام فی الحجاج الثقفی : « إیه أبا وذحه » فقال : أراد بها الخنفساء تشبیها لها بالواحده من وذح الشاه.

ص: 335


1- 1. سنن أبی داود 5 : 390.
2- 2. کشف الخفاء 2 : 433.
3- 3. اخبار مکه 4 : 149.
4- 4. عون المعبود 14 : 17.
5- 5. تحفه الاحوذی 10 : 316.

1 - والخطاب للحجاج بن یوسف ، کناه بذلک لأنه کان اذا رأی خنفساء تدب قریبا منه یأمر بابعادها ویقول هذه وذحه من وذح الشیطان.

2 - أولا لأنه رأی خنفساوات مجتمعات ، فقال : قاتل الله قوما یزعمون أن هذه من خلق الله ، فقیل : إن لم تکن من خلق الله فمن خلقها؟ فقال : الشیطان ، إنّ ربکم لأعظم شانا من أن یخلق هذه الوذح ، فنقل قوله إلی الفقهاء فأکفروه واعتقدوا أنّه ثنوی.

3 - أو لانه کان مأبونا ، فکان یاخذ الخنفساء فیضعها علی مقعده لتعضه فیسکن بذلک بعض ما به.

4 - أو لأنه رأی خنفساء تدب إلی مصلاه فقال : نحوا هذه فانها وذحه من وذح إبلیس ، فنحّوها فعادت ، فاخذها بیده لیحذف بها فقرصته قرصه ورمت منها یده فکان بها هلاکه.

5 - أو کناه بذلک لدمامته فی نفسه وحقاره منظره وتشویه خلقته ، فانه کان قصیرا دمیما نحیفا أخفش العینین معوجّ الساقین قصیر الساعدین مجدور الوجه اصلع الراس ، فکناه باحقر الأشیاء ، وهو البعره.

6 - أو لتلبّسه بدنس الذنوب ونجاسه المعاصی التی لو شوهدت بالبصر لکانت بمنزله البعر الملتصق بشعر الشاه.

فهذه وجوه ذکرها السیّد المدنی فی شرح هذا الأثر ، ولا تراها مجموعه کلها فی مکان واحد.

ص: 336

فقد ذکر ابن هیثم البحرانی فی شرح المائه کلمه بعض الوجه الرابع (1) ، وذکر ابن الأثیر فی نهایته بعض الوجه الثانی (2) ، ومثله صنع الزمخشری فی الفائق (3) ، وابن منظور فی لسانه.

وذکر الطریحی الوجهین الأول والثالث (4).

فالسیّد المصنف لم یکتف بنقل هذه الوجوه المقتضبه ، فنقل سته وجوه فی شرح هذا الأثر ، ذکرها ابن ابی الحدید کلها فی شرح النهج (5) ، أخذها السیّد مع إیضاحه لشرح الوجه السادس منها.

فهو إذن لم یقتصر علی ما فی کتب غریب الأثر واللغه ، بل کانت موسوعیته وجامعیته هی المیزه الواضحه فی الأثر.

ویضاف إلی جمیع ما قلناه حسن انتقائه وانتخابه وایصال المطالب أقرب عباره واخصرها وأوضحها ، کما صنعه فی شرحه الأثر « کل مولود یولد علی الفطره حتّی یکون أبواه هما اللذان یهوّدانه وینصرانه ویمجّسانه » حیث أعرض عن تطویلات مثل التهذیب (6) ولسان العرب (7) والتاج وبعثرتها ، کما أعرض عن اختصار مثل

ص: 337


1- 1. شرح المائه کله : 241.
2- 2. النهایه 5 : 170.
3- 3. الفائق 4 : 53.
4- 4. مجمع البحرین 2 : 423.
5- 5. شرح النهج 7 : 279.
6- 6. تهذیب اللغه 13 : 326 - 330.
7- 7. لسان العرب 5 : 56 و 57 و 58.

الجمهره (1) ، والمحیط (2) ، وشرح الأثر شرحا علمیّا دقیقا موافقا لما ورد عن أهل البیت ، معرضا عن التکلفات والتمحّلات فی شرحه.

وخلاصه القول : انه رحمه الله اتبع فی منهجیه الأثر إفراده عن غیره ، ثمّ احتجاجه واعتماده علی الأثر النبوی ، وصبّ عنایته علی کلمات واقوال وخطب وأدعیه وزیارات ائمّه آل محمّد علیهم السلام ، وخصوصا الإمام علیّ بن أبی طالب علیه السلام فی نهج بلاغته ، والإمام السجاد علیه السلام فی صحیفته المعروفه بزبور آل محمد.

وفوق کل ذلک لم یقتصر علی ما ورد فی کتب غریب الأثر وکتب اللغه ، بل تتبع هو مصادر الحدیث الإسلامیه وأثبت منها ما یحتاج إلی شرح کل فی موضعه ، وکان قد أولی لکتب الشیعیه الإمامیه جل أهتمامه کالکافی والفقیه والتهذیب وغیرها ، فنقل عنها آثارا وشرحها بما قد لا یوجد فی مکان آخر ، أو قل ما لا یوجد بتاتا فی معجم من معاجم اللغه. وهو بعد کل ذلک یستقصی الوجوه بأحسن عباره واسلسها.

ص: 338


1- 1. جمهره اللغه 2 : 755.
2- 2. 9 : 163.

المصطلح

قال السیّد المدنی فی ماده « صلح » من طرازه : الاصطلاح اتفاق قوم علی تسمیه شیء باسم ما ینقل عن موضوعه الأول.

وقال الجرجانی فی تعریفاته : الاصطلاح : عباره عن اتفاق قام علی تسمیه الشیء باسم ما ینقل عن موضعه الأول ، قال : والاصطلاح أیضا : إخراج اللفظ من معنی لغوی إلی آخر لمناسبه بینهما.

وقیل : الاصطلاح اتفاق طائفه علی وضع اللفط بإزاء المعنی.

وقیل : الاصطلاح اخراج الشیء عن معنی لغوی إلی معنی آخر لبیان المراد.

وقیل : الاصطلاح لفظ معین بین قوم معینین (1).

وفی هامش الشرح الکبیر :

الاصطلاح فی الأصل مصدر اصطلح : اتفق مطلقا ، ثمّ خصّ فی العرف باتفاق قوم مخصوصین علی أمر بینهم ، والمراد به فی کلام الشارح المصطلح علیه ، فهو مجاز مرسل ، علاقته التعلق

ص: 339


1- 1. التعریفات للجرجانی : 5.

الاشتقاقی (1).

وقد وقع النزاع فی المصطلح والاصطلاح ، هل أنّه یجب أن یکون له أصل لغویّ صحیح ، أم أنّه یجوز أن یصطلح علی لفظ بدون لحاظ الأصل اللغویّ؟

والتحقیق هو أنّه لا بد أن یکون للمصطلح أصل لغوی ، وإلاّ لکان وضعا جدیدا ، ولذلک انتخب السیّد المصنف التعبیر الذی ذکرناه ، وفیه لحاظ نقله عن موضوعه الأوّل ، ولذلک صحّ تدوین المصطلح فی اللغه ، لأنّها أصله وجذره ، وببیان المصطلح یتبین وجه العلاقه التی سوّغت هذا الاصطلاح أو ذاک.

وقد أغنی السیّد المصنّف العمل المعجمیّ بذکره الاصطلاحات وإفراده « المصطلح » بالذکر ، وتوسّع فذکر المصطلحات المتعلقه بشتی العلوم ، العربیه والمنطق والفلسفه والتصوف والعرفان و و و ... ولم یقتصر علی مصطلحات علوم العربیه کما هو دأب باقی المعاجم.

* ففی ماده « بدأ » ذکر الاصطلاحات الفلسفیه ، والمنطقیه ، وعند الصوفیه ، کما ذکر مصطلحات النحو والعروض ، فقال :

المصطلح :

المبدأ الأوّل : هو الله سبحانه وتعالی ، وهو بمعنی السبب ؛ إذ کان تعالی هو السبب الأوّل فی وجود الممکنات ، ومنه ابتداؤها.

والمبدأ القریب : هو الفاعل المؤثّر بلا واسطه.

ومبادئ الأمور : أسبابها وعللها.

ومبدأ الشّیء : ما یترکّب منه ، وما منه یکون ؛ فالحروف مبدأ

ص: 340


1- 1. الشرح الکبیر 1 : 21 لأبی البرکات سیدی أحمد الدردیر.

الکلم ، والنواه مبدأ النخل.

ومبادئ المطالب : ما یؤدّی إلیها وینتقل عنها إلی المطالب ، وهی الأمور المعلومه التی یرتّبها الفکر ؛ لیتأدّی بها إلی المجهوله.

ومبادئ العلم : ما یبدأ به قبل المقصود لذاته ؛ لتوقّف ذات المقصود علیه.

والمبدئیّه عند الصّوفیّه : إضافه محضه تلی الأحدیّه ؛ باعتبار تقدّم الحضره الأحدیّه علی الحضره الواحدیّه التی هی منشأ التعیّنات والنسب الأسمائیّه والصفاتیّه ، والاضافات اعتبارات عقلیّه.

ومبادئ النهایات عندهم : هی فروض العبادات ، أی الصلاه والزکاه والصوم والحجّ ؛ لأنّها وضعت للتوصّل بها إلی قربه تعالی ورضاه.

والابتداء فی عرف النحاه : تجرید الاسم عن العوامل ؛ لإسناده إلی شیء.

وقیل : جعل الاسم فی صدر الکلام تحقیقا أو تقدیرا ؛ للإسناد إلیه ، أو لإسناده ..

و - فی العروض : هو أوّل جزء من المصراع الثّانی.

والابتداء العرفیّ : جعل الشّیء قبل المقصود ، فیتناول الحمدله بعد البسمله.

والمبتدأ فی النحو : هو الاسم المجرّد عن عامل لفظیّ مسندا إلیه ؛ نحو : زید قائم ، أو الصفه بعد نفی أو استفهام رافعه لظاهر أو ضمیر منفصل ؛ نحو : أقائم الزیدان؟ أو أقاعد أنتما؟

ص: 341

* وفی ماده « برأ » ذکر الاصطلاح الفقهی وصرح بالاخذ عن الرافعی ثمّ ذکر المصطلح عند المحدثین ، ثمّ ذکر المصطلح عند النحاه ، فقال :

الاستبراء : التربّص لبراءه الرحم إذا تعلق بملک الیمین ، فإن تعلق بالنکاح أو وطء الشبهه سمّی عدّه. قال الرافعی : هو التربّص الواجب بسبب ملک الیمین حدوثا أو زوالا ؛ خص بهذا الاسم لان هذا البیاض مقدّر بأقل ما یدل علی البراءه من غیر تکرر ، وخصّ التربص الواجب بسبب النکاح باسم العده اشتقاقا من العدد ؛ لما فیه من التعدد.

والمبارأه : أن یقول الرجل لامرأته : بارأتک علی کذا فانت طالق ، أو نحو ذلک من الالفاظ (1).

والبراءه : الصک ؛ لأن من کتب له برئ من التّهمه ، وتسمی لیله النصف من شعبان لیله البراءه ، ولیله الصّک ؛ لما اشتهر من أنّ ملک الموت یعطی فیها صکاکا مکتوبا فیها اسم من یقبض روحه فی تلک السنه.

و « لا » التبرئه عند النحاه : هی النافیه للجنس ، کأنّها تدل علی البراءه منه ، وهو من باب الوصف بالمصدر ، أو إضافه العلم.

* وذکر فی ماده « جزأ » الاصطلاح الفلسفی ، والمنطقی ، والعروضی ، ثمّ الفقهی ، فقال :

ص: 342


1- 1. هذا التعریف ناقص ، فإنّ المبارأه مفاعله ، ولا بدّ فیها من قبول المرأه ، فحق العباره أن یضاف إلیها « وتقبله هی » انظر تعریفات الجرجانی : 249.

الجزء : ما یترکب الشیء منه ومن غیره.

والجزء الذی لا یتجزأ : جوهر ذو وضع لا یقبل الانقسام أصلا ، لا بحسب الخارج ولا بحسب الوهم.

والجزئی الحقیقی : ما یمنع نفس تصوّره عن وقوع الشرکه فیه ، کزید.

والجزئی الاضافی : کل أخصّ تحت الأعم ، کالإنسان بالاضافه إلی الحیوان.

والجزء فی العروض : ما من شأنه أن یکون الشعر مقطعا به ، وهی عشره أجزاء ، أربعه أصول وسته فروع (1).

والمجزوء : بیت ذهب جزءا عروضه وضربه.

والإجزاء : هو الأداء الکافی لسقوط المتعبّد به ، وقیل : سقوط القضاء.

* وقال فی ماده « شیأ » :

المشیئه : توجّه النفس إلی معلوم بملاحظه صفاته وأحواله المرغوب فیها الموجبه لحرکه النفس لتحصیله وهذه الحرکه النفسانیه وانبعاثها هی الإراده ، فنسبه المشیئه إلی الاراده کنسبه الظن إلی الجزم.

ومشیئه الله تعالی : عباره عما یترتب علیه أثر هذا التوجّه ، ویکون بمنزلته.

ص: 343


1- 1. انظر التعریفات للجرجانی : 107 - 108.

وقیل : عباره عن تجلی الذات والعنایه السابقه لإیجاد معدوم أو إعدام موجود ، فهی أعم من الإراده ؛ إذ هی عباره عن تجلّیه لإیجاد معدوم ، فهی لا تتعلق دائما إلا به ، فکانت صفه تخصص أمرا بحصوله ووجوده. ومن تتبع مواضع استعمال المشسیئه والإراده فی القرآن یعلم ذلک ، وإن کان بحسب اللغه یستعمل کل منهما مقام الآخر (1).

والشیء عند الحکماء : اسم لما هو حقیقه الشیئیه ، ولا یقع علی المعدوم ولا المحال.

وعند أکثر الأشاعره : هو الموجود لا غیر (2).

وقیل : هو المعلوم.

وقیل : هو حقیقه فی الموجود مجاز فی المعدوم الممکن.

وقیل : هو القدیم.

وقیل : هو الحادث دون القدیم.

وقیل : هو الجسم ، ولا شیء فی الحقیقه سواه.

والشیئیه عند المتکلمین : التقرر والثبوت فی الخارج منفکّا عن صفه الوجود.

* وفی ماده « ضوأ » قال :

الضوء عند الحکماء : ما یکون للشیء من ذاته ، کما للشمس ،

ص: 344


1- 1. انظر التعریفات للجرجانی : 270. ولم یرتضه السیّد المصنف وضعّفه ب- « قیل ».
2- 2. وهذا ما ذهب إلیه الجرجانی فی تعریفاته : 170.

والنور ما یکون له من غیره ، کما للقمر ، وحملوا علیه قوله تعالی ( جَعَلَ الشَّمْسَ ضِیاءً وَالْقَمَرَ نُوراً ) .

والضیاء عند الصوفیه : رؤیه الاشیاء بعین الحق.

وقد ذکر الجرجانی التعریف الصوفی للضیاء وأطال فیه (1) ، فأخذ السیّد خلاصته وذکره ، بعد أن ذکر مصطلح « الضوء » الذی لم یذکره الجرجانی.

* وفی ماده « قرأ » ذکر القرآن الکریم فی المصطلح ، فقال :

القرآن مجموع کتاب الله المنزل علی محمّد صلی الله علیه و آله ، وقد یطلق علی القدر المشترک بینه وبین بعض أجزائه الذی له نوع اختصاص به ...

والقرآن عند أهل الحق هو العلم اللدنی الإجمالی الجامع للحقائق کلها.

وقد ذکر الجرجانی التعریف الأول ، دون ان یشیر إلی أن القرآن قد یطلق علی القدر المشترک کما هو الحق. ثمّ أن السیّد ذکر معنی القرآن عند أهل الحق ، وهو الذی ذهب إلیه الجرجانی (2).

* وقال فی ماده « مرأ » :

المروءه : آداب نفسانیه تحمل مراعاتها الإنسان علی الوقوف عند محاسن الآداب.

وقیل : هی قوّه للنفس تکون مبدأ لصدور الأفعال الجمیله عنها المستتبعه للمدح شرعا وعقلا وعرفاً.

ص: 345


1- 1. التعریفات للجرجانی : 180 - 181.
2- 2. التعریفات : 223.

وهذا الثانی الذی ذکره ب- « قیل » هو الذی اقتصر علیه الجرجانی (1) ، فذکر السیّد ا