الفقه:الرای العام و الاعلام

اشارة

نام کتاب: الفقه، الرأی العام و الإعلام
موضوع: فقه استدلالی
نویسنده: شیرازی، سید محمد حسینی
تاریخ وفات مؤلف: 1422 ه ق
زبان: عربی
قطع: وزیری
تعداد جلد: 1
ناشر: مؤسسة الوعی الإسلامی- دار العلوم
تاریخ نشر: 1427 ه ق
نوبت چاپ: اول
مکان چاپ: بیروت- لبنان
محقق/ مصحح: صاحب مهدی

فی البدء کانت کلمة

بسم اللّه الرّحمن الرّحیم الحمد للّه ربّ العالمین و الصلاة و السلام علی أشرف الخلق محمد و علی آله الطیبین.
و بعد ..
لقد أضحی الإعلام بوسائله المقروءة و المسموعة و المرئیة، الأرضیة و الفضائیة منها، الأداة الفاعلة لتلبیة ما یحتاجه الإنسان من امتلاک المعرفة بمحیطه و طبیعته، مدفوعا بحبّه للاستطلاع و البقاء، و إسهاما منه فی عملیة التغییر الثقافی و الاجتماعی و السیاسی، حیث أصبح الشریک الأوفر حظّا فی انتخاب الخیارات، و فی عملیة صنع القرار، و فی تسلیط الأضواء علی الهفوات و أماکن الفشل فی العملیة السیاسیة، و فی کیفیة استخلاص العبر و الدروس منها.
کما و أصبح للإعلام الدور المهم فی تنمیة الطاقة الفکریة و الإبداعیة لدی الأمم و الشعوب و خاصة الشباب، حیث یسعی لتغذیتهم بالأفکار و الرؤی و الحلول الواقعیة أو الوسطیة، و تنظیم قدراتهم، و تطویر مهاراتهم.
و أخذ الإعلام یلعب دورا بارزا فی الجانب الاقتصادی عبر التحکّم بالتجارة صناعة و تسویقا و استهلاکا وفق تقنیات یصعب علی المرء فهم أبعادها و خلفیاتها.
و تقاس قوة الدول فی الحال الحاضر بما تملک من علوم و تکنولوجیا
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 6
و وسائل للإعلام، لا بقدر ما تملکه من أموال و ثروات و معادن و بترول و غاز، لذا نری أنّ البلاد الغربیة تسعی جاهدة للانفراد بالتکنولوجیا و التصنیع و التطویر و التفوّق الإعلامی، و ما یسمحون للآخرین بامتلاکه هو الجزء الیسیر و ضمن خطة مدروسة و محکمة المعالم و الأهداف، فعلی سبیل المثال: أنّ شبکة الإنترنیت تسیطر علیها الولایات المتحدة الأمریکیة برمتها، مما جعلها تمتلک کل المعلومات الواردة عبر هذه الشبکة، و من خلالها تستطیع أن تحلل تلک المعلومات و تقوم بالتخطیط المناسب للتعامل مع الآخرین.
لقد استخدم الغرب الإعلام لعولمة السیاسة و الاقتصاد و السوق و الفکر و ما أشبه عبر طرح صیغة التعایش- وفق المفهوم الغربی الذی یدل علی التعایش مع شی‌ء رغم الاعتقاد بأنه شرّ و خاطئ، و لیس الإسلامی الذی یدل علی وجود أرضیة مشترکة بین الأطراف- لنشر معتقداته و مفاهیمه و ثقافته بالإعلان و الترویج و الاستهلاک و ما أشبه ذلک، فقد أنفق سنة 1997 م 790 ملیار دولار فی الجانب الإعلامی، و أنفق أکثر من 1200 ملیار دولار سنة 2002 م، و بعبارة أخری ما یزید عن الدخل السنوی ل 47% من فقراء العالم.
و هذه التحدیات تدعو الدول الإسلامیة إلی ضرورة التلاحم لبحث الحلول الکفیلة بجعل الإعلام الإسلامی بکلا قسمیه- الإیجابی و السلبی- یمارس دوره فی التربیة و التثقیف الدینی و الوطنی- وفق أسس مبتنیة علی تأصیل الوعی و إلغاء سیاسة التجهیل و منهج التقلید الذی یقود إلی التبعیة-، و نشر روح الأخوة الإسلامیة و الأمة الواحدة و الشوری، و تجذیر العلاقات الإنسانیة، و تعلیم الناس کیفیة التعبیر عن آرائهم بموضوعیة، و التطلّع لمشاکلهم و حاجاتهم و معاناتهم، لا الانشداد لمصلحة الحکام و من یدور فی فلکهم. و أن یوجّه الناس نحو الاکتفاء الذاتی و ترک النزعة الاستهلاکیة التی یسعی الاستعمار
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 7
إلی تغذیتها لتحقیق طموحاته و رغباته فی جعل العالم الإسلامی سوقا استهلاکیة لتصریف منتجاته و بالمقایضة مع البترول و الغاز. و أن یعلّم الناس کیف یحصلون علی الأموال، و کیف ینفقونها دون تبذیر و إسراف. و أن یقف أمام أمواج التضلیل و التخدیر و اللامبالاة و حالة الإحباط التی یسعی الإعلام الغربی إلی غرسها فی نفوس المسلمین، و لا یسمح له بتوظیف الأحداث الداخلیة و استخدامها کوسیلة ضغط معاکسة، و هذا یتطلب:
1- زیادة الأنشطة الإعلامیة من حیث الکم و الکیف عبر إلغاء الموانع القانونیة التی تحدّ من إیجاد وسائل إعلام مستقلة بکافة أسسها و عناصرها من صحفیین و إداریین و إعلامیین متخصصین.
2- وضع استراتیجیة تتواکب مع متطلبات العصر لمواجهة الغزو الإعلامی الغربی الذی یجیش العالم لخدمة مصالحه عبر تسلیط الأضواء علی کل من یعادی سیاسته و التمهید لإیجاد مبررات للغزو و الاحتلال.
3- الترکیز علی القیم الفکریة و العمق العلمی بدل التسطیح الفکری و الثقافی و عرض مسلسلات العنف أو العشق و الغرام التی تثیر الغریزة الجنسیة لدی الشباب و نحو ذلک.
4- الارتکاز علی إیدیولوجیة إسلامیة واضحة المعالم و المعطیات و الأهداف.
5- فتح الباب أمام المفکرین و المبدعین لیدلوا بدلوهم، فإنّ إغلاق الباب أمامهم معناه الوقوع فی فخ التقلید للغرب فی العمل الإعلامی و فی العادات و التقالید الاجتماعیة.
6- عدم تقلید الغرب بأسالیب العمل؛ لأنّ ذلک مؤداه إغلاق لباب التفکیر، و لأنّ الغرب یعلمنا أسالیب من شأنها أن تؤدی و بشکل خفی إلی وقوعنا فی
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 8
شراک التبعیة، و لأنّ تلک الأسالیب المستعملة حالیا سیتضح فشلها فی المستقبل القریب، و بعبارة أخری: إن تحسین الواقع الإعلامی یتم بالاعتماد علی النفس و السعی لتطویر الإمکانات الاقتصادیة و التکنولوجیا، و کذلک عدم تقلید الغرب من ناحیة التوجیه الإعلامی؛ لأن ذلک یؤدی إلی التبعیة فی کل شی‌ء.
7- عدم الخلط بین سیاسات الإعلام الداخلیة و الخارجیة عند التخطیط، و عدم الارتباک و التخبّط فی تحدید الأولویات.
8- ردم الهوة بین النظریة و الممارسة، و الالتزام بالمصداقیة و النزاهة فی العمل، و الاهتمام بالسیاسة الداخلیة إضافة إلی السیاسة الخارجیة. و السعی لجعل المواطن یتشوّق للإعلام الإسلامی بدلا من الانکباب علی وسائل الإعلام الغربیة.
9- تقویة التنسیق بین المؤسسات الإعلامیة الإسلامیة و مؤسسات التعلیم العالی و البحث العلمی لأجل تقویة المادة الإعلامیة.
10- وضع خطط و سیاسات إعلامیة ناظرة إلی المصلحة العامة و محافظة علی هویتنا و قیمنا الدینیة.
11- إیجاد نظام دولی جدید للإعلام مبنی علی القیم الإنسانیة.
12- التوجّه فی الإعلام المضاد إلی الخلفیة الثقافیة، و مراعاة اختلاف درجات التقدم الاجتماعی و العلمی و التکنولوجی و تباین النظم و المعتقدات السیاسیة؛ لأنّ بهذه الخلفیة تتحدد مدی انعکاسات المادة الإعلامیة، کما یجب الالتزام بالموضوعیة و المنطق و الحجج و البراهین، و تحرّی الدقة فی الإعلام المضاد، و القیام بتحلیل ما ینشره الإعلام المعادی، و النظر إلی العوامل النفسیة للمرسل إلیهم لمعرفة مدی استجابتهم و تعاطفهم و ردود
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 9
أفعالهم، لأن الإنسان بحد ذاته یشکل مجموعة أحاسیس و مشاعر و معتقدات و قیم و أفکار، کما تجب المبادرة السریعة إلی نشر المادة الإعلامیة المضادة لتعطی ثمارها المطلوبة و فی الوقت المحدد.
و نسأل الله العلیّ القدیر أن یحقق للمسلمین ما یصبون إلیه من إعلام ناجح و فعال فی سبیل خدمة قضایاهم المصیریة.
إنّه نعم المولی و نعم النصیر.
من جوار عقیلة الهاشمیین
السیدة زینب علیها السّلام
ربیع الثانی 1426 ه
صاحب مهدی
موبایل: 93272998- 00963
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 11

مقدّمة الناشر

بسم اللّه الرّحمن الرّحیم الإعلام هو موضة العصر ...
فعصرنا هو عصر الفضائیات المتطوّرة و عصر الهوائیات و عصر الإنترنیت.
فمن یمتلک هذه الوسائل فقد امتلک وسائل تغییر العالم؛ لأنّه بهذه الوسائل یستطیع أن یقتحم کلّ بیت و یدخل إلی کلّ عقل. فبالإعلام یستطیع أن یغیّر عقائد الناس و یؤثّر فی حیاتهم و یجعلهم یأکلون کما یرید أن یأکلوا، و یتکلّمون کما یرید أن یتکلّموا، و یفکرون کما یرید أن یفکروا.
و بهذا استطاع الغرب أن یغزو بلادنا فی القرن العشرین.
فهو لم یغزنا بجیوشه و لا عساکره و لا بدباباته، بل غزانا بإعلامه الواسع، بفضائیاته و بالإنترنیت، و فی عصر الفضائیات تمکّنت الولایات المتّحدة الأمریکیة أن تحتل المرتبة الأولی فی التقدم الإعلامی، حیث تمتلک أکثر من 80% من البرامج و المسلسلات و الأفلام المنتجة فی العالم، و تبلغ صادراتها سنویا أکثر من 80 ملیار دولار، و استطاعت أن تسیطر علی عقول الناس و طراز معیشتهم و أسلوبهم فی التفکیر، و بذلک احتلت الموقع الأوّل فی استعمار
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 12
العالم.
و نحن المسلمون کنّا- و إلی ما قبل قرن من الزمان- نحتل موقع الصدارة فی العالم ..
یوم کنّا نملک الإعلام، یوم کنّا أصحاب کلمة ..
نتکلّم و نحاور .. بینما کان الغرب بعلمائه و مفکریه و شعوبه یصغون إلی ما نقول.
یوم کنّا نکتب المؤلّفات فی کلّ العلوم.
یوم کنّا أمّة واحدة .. أصبحنا أصحاب کلمة واحدة، و أصحاب فکر وقّاد.
و قد شعّ هذا الفکر بإشعاعاته حتّی بلغ الآفاق و وصل إلی أعماق الحضارة الغربیة، لکن بعد أن تحوّلنا إلی أشلاء متقطعة و إلی دول صغیرة بل إلی دویلات، فقدنا کلّ شی‌ء.
فقدنا کلمتنا التی کانت تفتح طریقها إلی العالم بأسره.
و فقدنا الصولة و الجولة، و أصبح حالنا یرثی له، تلاحقنا اللعنات من کل حدب و صوب، حتّی أمسینا أضعف من الکیان الصهیونی الدخیل، و الیوم إذا أردنا أن نعید الکرّة لنصبح أسیادا لهذا العالم، لا بدّلنا من العودة إلی روح الإسلام، و روح الإسلام لیست الصلاة و الصیام و حسب بل هی الأخوة الصادقة و الإحساس بالمسئولیة لنصبح أمّة واحدة، قویّة فی الإرادة، متینة فی التحرّک،
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 13
عندها فقط سیبدأ العدّ الصحیح فی تاریخنا، و سنکون صادقین لیس فقط مع أنفسنا بل مع دیننا و مع قادتنا الأبرار الذین أرادوا منّا أن نکون مؤمنین أقویاء و نکون قبل کلّ شی‌ء صادقین مع الله سبحانه و تعالی الذی أراد منّا أن نکون دائما خیر أمّة أخرجت للناس.
و فی هذا الکتاب الذی بین یدیک عزیزی القارئ، یطرح الإمام الشیرازی قدّس سره طریق التقدّم، و هو کسائر کتب الإمام الشیرازی ینحو نحوا مرکزیا لدعوة الأمّة إلی بناء حضارتها، و العودة بالقوّة إلی الحیاة لتأخذ مکانها الطبیعی فی العالم کما أراد لها ربّها و دینها و رسولها.
و فی هذه المرّة یتناول الشیرازی قدّس سره جانبا حیویا من جوانب الحیاة الحضاریة و هو الإعلام، و الإعلام باعتباره وسیلة للوصول إلی المکانة و الدور المطلوب، و الإعلام باعتباره أحد عوامل القوة فی الأمّة.
و مع الأسف عند ما نعرض إعلامنا علی هذا الکتاب سنجد أنفسنا مفتقدین إعلاما فی مستوی التحدی الحضاری المعاصر، فإعلامنا و مع الأسف فی بعض صفحاته ما هو إلّا هذیان أو صراع أو ...
فلا بدّ من تصحیح ممارساتنا الإعلامیة قبل کلّ شی‌ء بعد معرفة الأسس السلیمة و الصحیحة للإعلام الإسلامی، و قد طرح الشیرازی قدّس سره فی هذا الکتاب القیّم هذه الأسس و الضوابط علی ضوء ما ورد فی القرآن الکریم و أقوال
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 14
و ممارسات الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم و أهل بیته الأطهار علیهم السّلام.
و لما کانت الأمّة الإسلامیة قد استیقظت من سباتها الطویل و هی تسعی الیوم للعود إلی موقعها الحضاری، کان لا بدّ من رفد المکتبة الإسلامیة بهذه الأفکار و النظریات التی عالجها الشیرازی قدّس سره فی هذا الکتاب.
و یعد هذا السفر اضافة فکریة هامة الی المکتبة الفقهیة الاسلامیة فی الوقت الراهن و لا یزال المجال فیه واسعا أمام العلماء و الفقهاء للبحث و التألیف.
مؤسسة الوعی الإسلامیّ
بیروت- لبنان
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 15

مقدمة المؤلف

بسم اللّه الرّحمن الرّحیم الحمد لله ربّ العالمین و الصلاة و السلام علی أشرف خلقه سیدنا محمد و آله الطیبین الطاهرین و اللعنة الدائمة علی أعدائهم أجمعین إلی قیام یوم الدین.
و بعد، فهذا الکتاب «الرأی العام و الإعلام» جزء من موسوعة «الفقه»، تعرضت فیه لمباحث عدّة، و للتسهیل علی القارئ قسّمته إلی أربعة فصول؛ حیث تعرضت فی الفصل الأول: للرأی العام و أقسامه، و منشئه، و أسالیبه، و خلفیاته، و القواعد التی تحکمه، و سلوکیاته، و وظائفه، و طرق الحصول علیه، و علاقته بالفطرة و العاطفة و الوراثة و الحیاة و العقل و اللغة و البیئة و الحرب و السلم و الاستطلاع، کما أشرت إلی العوامل التی تتدخل فی صنعه و معوقاته، و ما أشبه ذلک.
و تناولت فی الفصل الثانی: الإعلام و وسائله و تاریخه و علاقته بالمستقبل، و بینت فیه شروط تفعیله و الشروط التی یجب أن یتصف بها الإعلام الإسلامی، و نحو ذلک.
و ذکرت فی الفصل الثالث: تعریف الإشاعة، و أقسامها، و أنواعها، و مرتکزاتها، و أسباب انتشارها، و شواهدها من التاریخ، و موقف الدین منها.
أما فی الفصل الأخیر فقد تطرقت إلی أقسام الدعایة و شروطها و مرتکزاتها و علاقتها بالحواس الظاهرة و الباطنة.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 16
نسأل الله أن یوفقنا لما فیه رضاه، و أن یجعله ذخرا لنا لیوم لا ینفع فیه مال و لا بنون، و ما ذلک علی الله بعزیز.
قم المقدسة محمد الشیرازی
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 17

الفصل الأول الرأی العام

اشارة

الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 19

تعریف الرأی العام

مسألة: الرأی العام «1» عبارة عن ضروب من سلوک أفراد، یتضمّن التعبیر باللغة و الألفاظ الخاصّة بما یفهمه ذلک الشعب أو تلک الأمّة، و هی تمارس من جانب أفراد عدة، و تنشط و توجّه نحو موضوع معیّن أو موقف معروف علی نطاق واسع فی أمور عقدیة أو اقتصادیة أو سیاسیة أو تربویة أو غیرها «2».
______________________________
(1) یعرّف الرأی بأنه: أ- تکوین فکرة أو حکم علی موضوع أو شخص ما، أو مجموعة من المعتقدات القابلة للنقاش و بذلک تکون صحیحة أو خاطئة. ب- التعبیر عن موقف إزاء نقطة متنازع علیها قابلة للجدل.
ج- عقیدة أو اقتناعا أکثر قابلیة للإثبات و أشد قوة من مجرد إحساس أو انطباع.
و تعریف العام بأنه: أ- عبارة عن أعضاء فی جماعة أو أمة تشترک فی الرأی رغم تباینهم الطبقی أو الثقافی أو الاجتماعی، و بذلک تعترض مع الخاص الذی یشیر إلی أمور و مسائل شخصیة تتعلق بفرد واحد.
ب- المسائل و المصالح أو الشئون التی یشترک نوعا ما فی الاهتمام بها کل الأعضاء البالغین فی جماعة أو أمّة.
(2) و هذا التعریف الذی ذکره الإمام المؤلف هو أشمل مما ذکره غیره، حیث عرّف بأنه:
1- التعبیر عن آراء جماعة من الأشخاص إزاء قضایا، مسائل، أو مقترحات معینة تهمهم، سواء أ کانوا مؤیدین أو معارضین لها، بحیث یؤدی موقفهم بالضرورة إلی التأثیر السلبی أو الإیجابی علی الأحداث بطریقة مباشرة أو غیر مباشرة فی لحظة معینة من التأریخ. کما جاء فی کتاب الرأی العام و الإشاعة للمؤلف عبد المنعم سامی: ص 14.
2- مجموع معین من الأفکار و المفاهیم التی تعبّر عن مواقف مجموعة أو عدة مجموعات اجتماعیة إزاء أحداث أو ظواهر من الحیاة الاجتماعیة، إزاء نشاط الطبقات و الأفراد. کما جاء فی الموسوعة الفلسفیة العربیة: للدکتور معن زیادة.
3- الرأی المشترک خصوصا عند ما یظهر أنه رأی العامة من الناس. کما جاء فی قاموس و بستر.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 20
و الموضوع المتعلّق بالرأی العام هو موضوع یهمّ أفرادا کثیرین، و هو یمثل استعدادا للحرکة، التی قد تأتی علی شکل قبول أو رفض للموضوع المشترک بین أمّة أو شعوب أو شعب خاصّ، و هی تمارس فی حالات کثیرة فی ظلّ إدراک بأنّ الآخرین تصدر عنهم ردود أفعال بشأن الموقف ذاته، و بالطریقة ذاتها، سواء کانوا أفرادا یمارسونها، أو یزمعون ممارستها، قد یفعلون أو لا یفعلون ذلک، فی حضور شخص، أو فی حضور أشخاص آخرین، أی تتّخذ بشکل جهود، یکون الغرض منها مقاومة أو تحقیق شی‌ء ما، و الرأی
______________________________
4- و جهات النظر و الشعور السائد بین جمهور معین فی وقت معین إزاء موقف أو مشکلة من المشکلات. کما جاء فی معجم مصطلحات العلوم الاجتماعیة.
5- اتجاهات و مواقف الناس إزاء موضوع معین حین یکون هؤلاء الناس أعضاء فی نفس الجماعة المعینة. کما ذکر ذلک فی کتاب الرأی العام و تأثره بالاعلام و الدعایة: ص 46 عن لیونارد دووب.
6- الرأی الذی ینتج عن المؤثرات و ردود الأفعال المتبادلة بین أفراد أیة جماعة کبیرة من الناس. کما جاء ذلک فی المصدر السابق: ص 49 للدکتور عبد القادر حاتم.
7- عبارة عن قبول وجهة نظر واحدة من بین وجهتی نظر متعارضتین أو جهات نظر کثیرة متعارضة علی حین أنّ کل واحدة منها تصلح لأن یتقبّلها العقل الرشید بوصفها وجهة النظر الوحیدة الصادقة. کما قال بذلک لاویل.
8- اصطلاح مستخدم للتعبیر عن مجموع الآراء التی یدین بها الناس إزاء المسائل التی تؤثّر فی مصالحهم العامة و الخاصة. کما ذکر ذلک جیمس برایس فی کتابه الدیمقراطیات الحدیثة.
9- حکم عقلی یصدر من جمهور من الناس یشترکون بالشعور بالانتماء و یرتبطون بمصالح مشترکة إزاء موقف من المواقف أو تصرّف من التصرّفات أو مسألة من المسائل التی یثار حولها الجدل بعد مناقشة عقلیة. راجع کتاب العلاقات العامة و الإعلام من منظور علم الاجتماع: ص 230 للدکتور حسین عبد الحمید.
10- الرأی الغالب أو الاعتقاد السائد أو إجماع الآراء أو الاتفاق الجماعی لدی غالبیة فئات الشعب أو الجمهور تجاه أمر أو ظاهرة أو قضیة أو موضوع معین یدور حوله الجدل، و هذا الاجماع له قوة و تأثیر علی القضیة أو الموضوع الذی یتعلق به. راجع کتاب الاعلام و الرأی العام تحریر دانیل کاتز.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 21
العام فی الغالب یکون علی شکل نزاع بین أفراد و أمم یقفون علی طرفی نقیض، مثل طرفی وجود الله أو عدمه، و بین من یقول: أنّ اقتصاده جیّد، أو غیر جیّد، و هکذا.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 22

أهمیة الرأی العام

مسألة: ینبغی الانتباه إلی أهمیة دور الرأی العام فی عملیة التغییر- سواء کان التغییر جزئیا أو کلیا، أو کان من الحالة السیئة إلی الحسنة و بالعکس- لأنّه القوة الخلفیة و الأداة الفاعلة فی عملیة التغییر و النهوض، فبدونه لا تتم العملیة، و لو تمت لکانت ناقصة. و بالرغم من أنّ الرأی العام لیس أداة المعرکة لکنّه هو الذی یهیّئ للانتصار فیها «1».
______________________________
(1) فعلی سبیل المثال، استطاع الإمام السجاد علیه السّلام استعمال الرأی العام من خلال ارتقائه المنبر فی الشام و قیامه بفضح بنی أمیة و یزید بن معاویة، و به استطاع أهل البیت علیهم السّلام من الضغط علی الطاغیة یزید بن معاویة للإفراج عن أهل البیت علیهم السّلام و إقامة مجالس العزاء علی الإمام الحسین علیه السّلام و شهداء الطف.
و التاریخ یحدثنا عن شاعر أوجد رأیا عاما مضادا للخلیفة الذی کان یحب جاریة اسمها دریرة؛ حیث فوض الخلیفة أمر الحکومة إلی وزرائه و بنی خارج المدینة محلا لطیف السکن یسمی بحیرة، و ذهب إلی هناک للاصطیاف بصحبة الزمارین و المغنین؛ فهجاه هذا الشاعر ببیتین من الشعر:
ترک الناس بحیرة و بنی عند البحیرة قاعد یضرب بالطبل علی حرّ دریرة
ممّا دفع بالخلیفة إلی ترک ذلک المکان و العودة إلی البلد.
ثم إنّ نکتة ولّدت رأیا عاما ضد وزیر أمریکی، ففی سنة 1974 م روی وزیر الزراعة الأمریکی إیرل بوتز نکتة نقلت علی نطاق واسع: سئلت امرأة إیطالیة عن موقف البابا من تحدید النسل؟ فأجابت: من لا یلعب اللعبة لا یضع القواعد. فاعتقد أکثر الناس أنّ نکتة هذا الوزیر مهینة، و رأوا أنه غیر مناسب لتولی منصب عام رفیع المستوی مما فقد منصبه.
راجع کتاب صناعة الخبر فی کوالیس الصحف الأمریکیة: ص 106 للمؤلفین جون ماکسویل
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 23
فمن أدوات المعرکة الرأی العام- رأی الشعب- فإذا کان مع الحق أمکن زجّه فیها و کذلک العکس، و هکذا فی سائر التغییرات الجماهیریة، فإنّ الإنسان الذی لا یعتقد بنشاط أو عمل معین لا یقدم علیه، و إذا أجبر علی ذلک فإنه لا یعمل بکلّ طاقاته و إنّما یعمل لإرضاء ذلک الذی یخشی منه.
و لذا نشاهد فی الحال الحاضر کما شاهدنا فی القدیم أن کلّ من أراد التغییر من حالة حرب إلی حالة سلم، و من حالة إلی أخری سواء فی الاقتصاد أو السیاسة أو الاجتماع أو التربیة، یحتاج إلی حشد الرأی العام.
من هنا، جاءت ضرورة التعرّف إلی الرأی العام لنتّخذ منه وسیلة لما نرید من إحداثه من تغییر، و لمّا کان هدفنا هو تغییر واقع الأمة الإسلامیة إلی ما هو
______________________________
هاملتون، و جورج أکریمسکی.
کما أنّ الرأی العام یعدّ المخرج الأخلاقی لمنع الحروب و تأجیجها؛ و مثال علی ذلک أنه جعل من المستحیل علی الحکومة الأمریکیة أن تستخدم السلاح النووی فی الحرب الکوریة أو الحرب الفیتنامیة، کما أنه أجبر الرئیس الأمریکی ریتشارد نیکسون علی الاستقالة إثر فضیحته فی قضیة و و ترغیت.
و من الأمثلة علی بیان دور الصحافة فی صیاغة الرأی العام أن ولیام راندولف هیرست دفع بالشعب الأمریکی إلی خوض الحرب الأمریکیة- الإسبانیة عبر مقالاته التی کان ینشرها فی صحیفة نیویورک مورننغ جورنال؛ حیث أوجد تیارا داعیا إلی الحرب.
و کما یکون الرأی العام مع الحق کذلک یمکن أن یکون مع الباطل کالمظاهرات و الاحتجاجات التی أقامها جند الإمام أمیر المؤمنین فی الکوفة، عند ما حاول الإمام علیه السّلام عزل شریح القاضی عن تولیة القضاء و منع صلاة التراویح التی ابتدعها عمر بن الخطاب، حیث قال الإمام علیه السّلام فی هذا الصدد: «قد عملت الولاة قبلی اعمالا خالفوا فیها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلم متعمدین لخلافه ناقضین لعهده، مغیّرین لسنته، و لو حملت الناس علی ترکها، و حولتها إلی مواضعها و إلی ما کانت علیه فی عهد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلم لتفرّق عنی جندی حتی أبقی وحدی أو قلیل من شیعتی الذین عرفوا فضلی و فرض إمامتی من کتاب اللّه عز و جل و سنة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلم». راجع الکافی (روضة): ج 8 ص 59 ح 21.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 24
أحسن، فإنّنا بحاجة ماسّة إلی الرأی العام کوسیلة لهذا التغییر «1».
______________________________
(1) یشکک البعض بوجود الرأی العام من المنطلق التالی:
1- أن الرأی العام الموحد للجماعة لا یمکن تصوره حتی فی أوقات کفاح الشعوب من أجل مصیرها. ذلک أن الشجاعة فی إبداء الرأی تختلف من فرد إلی آخر.
2- أن الرأی العام لا وجود له فی الحقیقة، فمما لا شک فیه دائما أن هناک رأیا ظاهرا بین آراء الجمیع أو رأیا غالبا علی ما حوله من آراء الجمیع. و معنی ذلک بطریقة أخری أنه لیس هناک ما یسمی بالرأی العام، بل هناک رأی فی الجماعة، و بین العبارتین فارق لا سبیل إلی إنکاره. راجع کتاب الرأی العام و الإشاعة: ص 42 للمؤلف عبد المنعم سامی.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 25

أقسام الرأی العام

اشارة

مسألة: یجب علی العامل بالرأی العام ملاحظة أقسامه و العمل وفقها عند إرادة فهم المستقبل و أبعاده، فإن للرأی العام آثارا مستقبلیة یجب التوجه إلیها، و منها:

العفوی و التحصیلی

القسم الأول: العفوی، الذی یحصل تجاه جماعة فی وقت و مکان محدد و یتقلب للعوامل المؤثرة فیه، مثلا: عند ما یجتمع الناس حول دکان الخباز، یجمعهم شی‌ء واحد و هو الحصول علی الخبز؛ و هذا نمط من أنماط الرأی العام الذی یحدث بصورة عفویة.
القسم الثانی: التحصیلی، ما یریده الإنسان من تغییر بنیة المجتمع من سیئ إلی حسن، أو من حالة فساد إلی حالة إصلاح، و لتحقیق هذه الغایة لا بدّ من تهیئة الرأی العام، الذی یمثل أداة فاعلة و حقیقیة للوصول إلی الهدف.
و قد عمل رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم بهذه الخطوة، حیث حشّد الرأی العام عبر الآیات المتتالیة التی نزلت فی القرآن الکریم و التی نقلت الإنسان من حالة التشرذم إلی الاستواء، و کذلک فعل أمیر المؤمنین علیه السّلام و سائر القادة الأمر نفسه، سواء کانوا قادة إصلاح أو قادة إفساد.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 26

أقسام أخری

و من أقسام الرأی العام أیضا: الرأی العام الخامل، و ذلک بأن یقف الشعب موقف اللامبالاة أمام الحکومة لضعف أو خوف أو ما أشبه ذلک، و فی قبال ذلک، الرأی العام الفعّال بأن یقوم الشعب ضدّ الحکومة القائمة بثورة شعبیة تسقط الحکومة، و لکن لیس عبر الانقلابات العسکریة، فهی و إن کانت واقعیة و غیر مستندة إلی الأجنبی بشی‌ء لکنها غیر صحیحة، لأن التجربة أثبتت أنّ الانقلابات العسکریة أدت إلی تأخّر البلاد و جرّ الشعوب نحو التخلف.
ثم إنّ الرأی العام المؤقّت الذی یرتبط بموضوع أو زمان أو مکان محدود بسبب کارثة أو زلزال أو فیضان، لیس شیئا ثابتا و مستقرا و إنّما هو شی‌ء عاطفی علی الأغلب ینتهی بانتهاء الظروف التی أدت إلی وجوده، و لذا و بعد فترة قصیرة من انتهاء الخطر و ما أشبه ذلک تزول آثار هذا الرأی العام، فیرجع إلی حالته السابقة. و مثل هذا الرأی العام یحدث کذلک من أمر مروّع أو خطابة زعیم مفوّه، و هکذا الرأی العام قد یکون کلّیا «1» من جهة کلّ أفراد الشعب؛ و هو مستقر فی قبال الرأی العام اللونی الذی یسیطر علی المجتمع لسبب ما کما فی صحیفة إخباریة أو ما أشبه ذلک، ثمّ یتلاشی مثل هذا الرأی العام بعد أیّام کما رأینا شبه ذلک أیّام السید أبو الحسن الأصفهانی رحمه اللّه «2» حیث قتل ولده
______________________________
(1) و هو ما یتصل بالدین و الأخلاق العامّة و العادات و التقالید الثابتة.
(2) السید أبو الحسن بن محمد بن عبد الحمید الموسوی الأصفهانی، ولد فی مدینة أصفهان الإیرانیة سنة 1277 ه (1867 م) و قیل: 1284 ه کما عن الشیخ الطهرانی فی نقباء البشر.
فقیه و مجاهد، هاجر إلی العراق سنة 1308 ه (1890 م)، یعد من تلامیذ المیرزا حبیب
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 27
فأشاع جواسیس بریطانیا و أجهزتها أنّ القاتل من الأفغانیین و اسمه الشیخ علی الأفغانی فهاج الرأی العام ضدّهم حتّی أنّهم اختفوا فی البیوت مدّة من الزمن، و جاءت عشائر جنوب العراق إلی السید أبو الحسن الأصفهانی رحمه اللّه یریدون منه فتوی بقتل کلّ أفغانی، لکن السید الأصفهانی رحمه اللّه سارع فی تهدئة الأوضاع قائلا لهم: «إنّ الذی قتل ولدی رجل معروف اسمه علی و هو من أطراف مدینة قم المقدّسة و یغلب علیه الجنون، و لهذا لم یکن للأفاغنة دور فی قتل ابنی». و بعد ثلاثین یوما خرج الأفغان من مخابئهم بعد أن اطمأنوا أنّ الناس قد هدءوا و توقّفوا عن هیجانهم الذی سبّبه البریطانیون، و قد صرف السید الأصفهانی الأموال الطائلة و الجهود الکبیرة لإفشال خطة البریطانیین، و قد قام جواسیس بریطانیا بنفس الدور فی إیران فی إثارة الإیرانیین ضدّ الأفغان و ضدّ العراقیین المهاجرین إلی إیران، و کثیرا ما کانت تنطلی المکیدة علی السذّج و البسطاء من الناس.
______________________________
اللّه الرّشتی و الشیخ کاظم الخراسانی و الشیخ الجواهری، شارک فی ثورة العشرین و عارض تتصیب فیصل الأول من قبل الإنجلیز ملکا علی العراق، تصدّی لمهام المرجعیة بعد وفاة الشیخ محمد حسین النائینی سنة 1355 ه، کما شارک فی الحرکة الدستوریة فی إیران، له عدة مؤلفات، منها: وسیلة النجاة، منتخب المسائل، ذخیرة العباد لیوم المعاد، شرح کفایة الأصول، حاشیة علی تبصرة المتعلمین، حاشیة علی العروة الوثقی، توفی فی الکاظمیة سنة 1365 ه (1945 م) و دفن فی النجف الأشرف. راجع أعیان الشیعة: ج 2 ص 331، نقباء البشر فی القرن الرابع عشر: ص 41.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 28

الرأی الباطنی و الظاهری

ثم هناک تقسیم آخر للرأی العام و هو: الباطنی «1» و الظاهری «2»، و الباطنی عبارة عن رضی المجتمع عن شی‌ء دون أن یستطیع إظهار رأیه و التعبیر عنه جهرا فیحتفظ به فی باطنه سلبا أو إیجابا؛ و سبب عدم الإفصاح عن الرأی هو الخوف من الضرر أو فوات المنافع أو بدافع ملاحظة الأهم و المهم أو ما شابه ذلک، و أفضل نموذج لهذا الرأی العام إحساس المجتمع الإسلامی إزاء الإمام الحسین علیه السّلام فی ذلک العهد الذی اعتلی فیه یزید بن معاویة «3» منصّة
______________________________
(1) و یعبّر عنه کذلک بالخفی او الداخلی.
(2) و یعبّر عنه کذلک بالخارجی.
(3) یزید بن معاویة ثانی خلفاء بنی أمیة، رمز التسلّط و الاستبداد و الانحراف الدینی و السیاسی و الأخلاقی، ینتمی نسبا الی الشجرة الملعونة فی القرآن، اشتهر بشرب الخمور و ارتکاب الفجور و اللعب بالنرد و القرود، و اشتهر کذلک بنکاح أمهات الأولاد و البنات و الأخوات و بشرب الخمر و یدع الصلاة و الصیام؛ کما وصفه عبد اللّه بن حنظلة، غسیل الملائکة. راجع تاریخ الخلفاء للسیوطی: ص 167. ولد سنة 25 ه، و قتل سنة 64 ه، و حکم ثلاث سنوات، و فی السنة الأولی من حکمه قتل سبط الرسول، الإمام الحسین علیه السّلام و أهل بیته و أصحابه، و انشد الأشعار فی قتله قائلا:
قد قتلنا القرم من ساداتهم و عدلنا میل بدر فاعتدل لعبت هاشم بالملک فلا خبر جاء و لا وحی نزل
و فی السنة الثانیة أباح مدینة الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم لجنوده ثلاثة أیام فی واقعة الحرة بعد أن قتل و سبی الآلاف من سکانها، التی قال فی حقها الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم: (من أخاف أهل هذا الحیّ من الأنصار فقد أخاف ما بین هذین- و وضع یده علی جبینه-). و قد ذکر فی التاریخ أنه قتل سبعمائة رجل من حملة القرآن و هم خیار أمة الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم، و أنه قتل 10780 من الأنصار و المهاجرین الذین لاذوا بقبر الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم حتی أنه لم یبق بدری بعد هذه الواقعة؛ کما ذکر ذلک فی کتاب الکنی و الألقاب: ج 3 ص 83، و کذا ذکر نظیر ذلک فی الإمامة و السیاسة لابن قتیبة و تذکرة الخواص: ص 259- 261، و قد ذکر السیوطی فی کتاب تاریخ الخلفاء: ص 167 أنهم افتضّوا ألف عذراء من بنات المهاجرین و الأنصار. و أنه لم یسمع الآذان طیلة ثلاثة أیام
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 29
الخلافة، و قد عبّر الشاعر الفرزدق «1» عن هذا الرأی العام الباطنی عند ما قال
______________________________
إلا من قبر الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم کما ذکر ذلک ابن الأعثم فی الفتوح: ج 5 ص 295.
و فی السنة الثالثة ضرب الکعبة بالمنجنیق و أحرقها، فکان الجیش یرمی کل یوم عشرة آلاف صخرة علی الکعبة؛ و هذه الصخور فیها نار و نفط و مشاقات الکتان. و قال المسعودی فی هذا الصدد: و غلب علی أصحاب یزید و عماله ما کان یفعله من الفسوق، و فی أیامه ظهر الغناء بمکة و المدینة و استعملت الملاهی و أظهر الناس شرب الشراب. ثم أضاف: و سیرته سیرة فرعون بل کان فرعون أعدل منه فی رعیته و أنصف منه لخاصته و عامته. راجع الأخبار الطوال: ص 267. الإمامة و السیاسة لابن قتیبة: ج 2 ص 16.
(1) همام بن غالب بن صعصعة الأسدی التمیمی، الملقب بالفرزدق و ذلک لغلاظة وجهه، ولد فی البصرة سنة 21 ه (641 م) و توفی بذات الجنب سنة 110 ه کما عن السید المرتضی و قیل: سنة 112 ه و قیل: 114 ه (733 م)، نظم الشعر و هو صغیرا فجاء به أبوه إلی الإمام علی علیه السّلام و قال: إن ابنی هذا من شعراء مضر فاسمع منه. قال له الإمام: علمه القرآن.
و یعد من أعلام اللغة و التاریخ و الأدب و أحد الشعراء فی الصدر الأول، دارت بینه و بین الشاعر جریر حرب لسانیة دامت قرابة خمسین سنة، یتسم شعره بالمفاخرة و الجزالة و القوة و العبارات الملتویة، و له دیوان شعری، قیل فی حقه: لو لا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب، و له قصیدة فی مدح الإمام زین العابدین علیه السّلام تتألف من سبعة و عشرین بیتا، مطلعها:
هذا الذی تعرف البطحاء وطأته و البیت یعرفه و الحلّ و الحرم
و قد ارتجلها أمام هشام بن عبد الملک أیام خلافة أبیه، عند ما طاف هشام بالبیت، و جهد أن یصل إلی الحجر الأسود لیتسلمه، فلم یقدر علی ذلک لکثر الزحام، فنصب له کرسی و جلس علیه ینظر إلی الناس، و معه جماعة من أعیان الشام. فبینما هو کذلک إذ أقبل الإمام السجاد علیه السّلام فطاف بالبیت. فلما انتهی إلی الحجر تنحی له الناس حتی استلم الحجر. فقال رجل من أهل الشام لهشام بن عبد الملک؛ من هذا الذی هابه الناس هذه الهیبة؟ فقال هشام: لا أعرفه، مخافة أن یرغب فیه أهل الشام. و کان من ضمن الحضور الشاعر الفرزدق. فقال: أنا أعرفه، ثم أنشده قصیدته المیمیة. و عند ما سمع هشام القصیدة غضب و حبس الفرزدق بین مکة و المدینة. و عند ما سمع الإمام السجاد علیه السّلام أرسل إلیه اثنی عشر ألف درهم. فقال الفرزدق: مدحته للّه تعالی لا للعطاء. فقال الإمام السجاد علیه السّلام: إنّا أهل بیت اذا وهبنا شیئا لا نستعیده. فقبلها الفرزدق.
و عند ما رأی الفرزدق قافلة الإمام الحسین فی منطقة الصّفاح- موضع بین حنین و انصاب الحرم من طریق نجد و العراق یقع علی یسار الداخل الی مکة-، و قیل فی منطقة ذات عرق
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 30
للإمام الحسین علیه السّلام حین التقی به فی الطریق: «قلوب الناس معک و سیوفهم علیک» «1». و لا شکّ أنّ تأثیر هذا الرأی العام الباطنی لم یکن سریعا، لکنه کان فعالا. صحیح أنّ القلوب لم تسرع لنصرة الإمام الحسین علیه السّلام لکنها أسرعت للانتقام من بنی أمیّة بصورة سریعة و مذهلة، فلم تمض خمس سنوات حتّی قام المختار «2» و قتل الذین حضروا کربلاء مقتلة عظیمة، و قد رأیت فی أحد
______________________________
کما فی أنساب البلاذری- موضع یبعد عن مکة لیلتین و هو آخر وادی العقیق، قال: لمن هذا القطار؟ فقیل: للحسین بن علی. قال الفرزدق فأتیته و سلّمت علیه و قلت له: أعطاک اللّه سؤلک و أمّلک فی ما تحب. بأبی أنت و أمی ما أعجلک عن الحج؟ فقال الإمام الحسین علیه السّلام:
لو لم أعجل لأخذت. ثم قال لی: من أنت، و من أین أقبلت. قلت: امرؤ من العرب أقبلت من الکوفة. فلا و اللّه ما فتشنی عن أکثر من ذلک. ثم قال: أخبرنی عن الناس خلفک. فقلت:
الخبیر سألت؛ قلوب الناس معک و سیوفهم علیک، و القضاء ینزل من السماء و اللّه یفعل ما یشاء. فقال الإمام الحسین علیه السّلام: صدقت، للّه الامر، و کل یوم ربنا فی شأن، إن نزل القضاء بما نحب، فنحمد اللّه علی نعمائه و هو المستعان علی أداء الشکر، و إن حال القضاء دون الرجاء فلم یبعد من کان الحق نیته، و التقوی سریرته. راجع دیوان الفرزدق: ج 2 ص 178، الکنی و الألقاب: ج 3 ص 22، مقتل الحسین للمقرّم: ص 174، مقتل الحسین لابن مخنف الأزدی: ص 68- 69، عوالم العلوم للمحدث البحرانی: ج 17 ص 215، تاریخ الطبری: ج 4 ص 290، الکامل فی التاریخ: ج 4 ص 40، إرشاد المفید: ج 2 ص 67، البدایة و النهایة: ج 8 ص 180، تاریخ الأدب العربی لحنّا الفاخوری: ص 282، أدباء العرب لبطرس البستانی: ج 1 ص 338، بغیة الطلب فی تاریخ حلب: ج 6 ص 2613، وفیات الأعیان: ج 6 ص 95، الشعر و الشعراء لابن قتیبة: ص 289، مرآة الجنان: ج 1 ص 238.
(1) راجع مقتل الحسین للمقرّم: ص 174، مقتل الحسین لابن مخنف الأزدی: ص 68- 69، مقتل الحسین للسید محمد تقی آل بحر العلوم: ص 177، الفتوح: ج 5 ص 120.
(2) المختار بن أبی عبیدة بن مسعود الثقفی، مجاهد مقدام، ولد فی السنة الأولی للهجرة النبویة (622 م)، أحد الثوار الذین ثاروا علی الطغیان الأموی، فسجنه عبید اللّه بن زیاد و عذبه و ضربه بالقضیب حتی شتر عینه ثم نفاه للحجاز، حکم الکوفة سنة 66 ه ثم ألحق بها الموصل و إرمینیا و آذربیجان بعد أن انتصر قائد جیشه إبراهیم بن مالک الأشتر- الذی کان مسجونا فی زمن معاویة مع أربعة آلاف و خمسمائة من الشیعة و أطلق سراحهم بعد هلاک یزید- علی الجیش الأموی فی معرکة (الخازر) فی شمال العراق حیث قتل فیها من الأمویین ثمانون ألفا بمن فیهم عبید اللّه بن زیاد و الحصین بن نمیر. و تتبع قتلة الإمام
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 31
الکتب أنّ الذین قتلهم المختار الثقفی تجاوزوا الثلاثة آلاف ممّن شارکوا فی قتل الإمام الحسین علیه السّلام و حضروا کربلاء لهذه الغایة «1».
و قد هدّم الوهابیّون «2» المراقد المطهّرة فی الحجاز قبل ما یقارب المائتی
______________________________
الحسین علیه السّلام و اقتص منهم فأدخل بذلک السرور و الفرح علی قلب الإمام السجاد علیه السّلام و آل الرسول و الثکالی و الیتامی الذین استشهد آباؤهم مع الإمام الحسین علیه السّلام فی یوم عاشوراء بعد خمس سنوات من استشهاد الإمام، و أنقذ العلویین من عبد اللّه بن الزبیر عند ما أراد إحراقهم فی شعب أبی طالب حیث أرسل المختار إلیه أربعة آلاف مقاتل کما ذکر ذلک المسعودی. و قد ترحّم علیه الإمام الصادق علیه السّلام. و استشهد سنة 67 ه (687 م) فی الدفاع عن الکوفة فی الحرب التی دارت بینه و بین مصعب بن الزبیر الذی طلب الولایة لنفسه فی البصرة. راجع الأعلام للزرکلی: ج 8 ص 70، الفتوح لابن الأعثم المجلد السادس، تاریخ الیعقوبی: ج 2 ص 258، الأخبار الطوال للدینوری: ص 288، مقتل الحسین للخوارزمی: ج 2 ص 173، الکامل فی التاریخ: ج 4 ص 228، سفینة البحار: ج 2 ص 752، منتهی المقال للمازندرانی: ج 6 ص 240، مجالس المؤمنین للتستری: المجلس الثامن، رجال العلامة الحلی:
ص 168، مستدرکات أعیان الشیعة: ج 4 ص 175.
(1) راجع کتاب الفتوح لابن الأعثم: ج 6 ص 138.
(2) نسبة إلی الوهابیة، و هی من المذاهب التی ابتدعتها السیاسة البریطانیة فی نجد و ما حولها، عند ما قام الأعرابی محمد بن عبد الوهاب و بالتعاون مع آل سعود بإحیاء أفکار صاحب البدع و العقائد المنحرفة و المتعصب الحاقد السلفی النزعة ابن تیمیة الدمشقی الحنبلی فی النصف الثانی من القرن الثانی عشر الهجری، و من معتقدات ابن تیمیة الفاسدة و التی رد علیها علماء السنّة و باحثیهم فی کتبهم و أقوالهم- أمثال تقی الدین السّبکی و ولده و ابن جماعة الشافعی و أحمد بن عمر المقدسی الحنبلی و محمد بن أبی بکر المالکی و کمال الدین ابن الزملکانی- قبل علماء الشیعة، نذکر: 1- القول بالجسمیة و الترکیب فی الذات الإلهیة 2- حرمة زیارة قبر الرسول الأکرم و تعظیمه بحجة أنها تؤدی إلی الشرک 3- حرمة التوسل بالأولیاء و الصالحین 4- حرمة بناء القبور و تعمیرها 5- عدم صحة اکثر الفضائل المنقولة فی الصحاح و السنن فی حق علی بن أبی طالب و آله 6- تکفیر بقیة المذاهب و علی الخصوص المسلمین الشیعة و إراقة دمائهم و انتهاک أعراضهم و نهب أموالهم.
و بعد سقوط النظام الصدامی فی العراق سعی هؤلاء لنشر الرعب و الارهاب فی العراق خاصة و فی العالم الإسلامی عامة. و قد الف علماء المذاهب الاسلامیة اکثر من 300 کتاب و رسالة فی الرد علی الوهابیة؛ للمزید راجع کتاب الغدیر المجلد الثالث: ص 148- 217،
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 32
عام «1»، لکن لما کانت قلوب المسلمین مع هذه المراقد الشریفة، لم یمض وقت طویل حتّی تمّ بناء هذه العتبات و طردهم من الحجاز، و لکن و بعد فترة و بمساعدة الاستعمار الانجلیزی عادت الوهابیة إلی حکم الحجاز فهدموا المراقد الشریفة فی المدینة المنوّرة «2»، و بما أنّ قلوب المسلمین إلی جانب
______________________________
الدرة المضیئة فی الرد علی ابن تیمیة للسبکی، شفاء السقام فی زیارة خیر الأنام للسبکی، هذه هی الوهابیة لمحمد جواد مغنیة، البراهین الجلیة فی ضلال ابن تیمیة للسید حسن الصدر الکاظمی، ابطال فتوی الوهابیین للبلاغی، طبقات الفقهاء للسبحانی: ج 8 ص 28، رسالة فی رد الوهابیة للبلاغی، الصواعق الإلهیة فی الرد علی الوهابیة لسلیمان بن عبد الوهاب.
(1) و کان ذلک سنة 1220 ه (1805 م). عن هذا الموضوع راجع کتاب أربعة قرون من تاریخ العراق: ص 260 للکاتب لونکریک ترجمة جعفر الخیاط، غرائب الأثر فی حوادث ربع القرن الثالث عشر للکاتب یاسین العمری.
و لا یخفی أن الملک أبا الفضل سعد بن محمد بن موسی القمی شیّد القباب فی البقیع سنة 350 ه، ثم جددت فی زمن العباسیین.
(2) و کان ذلک فی 8 شوال سنة 1344 ه (21 نیسان 1925 م) و بفتوی عبد اللّه بلیهد. فقد هدم الوهابیون البقیع الغرقد و التی تقع فی الاتجاه الجنوبی الشرقی من الروضة النبویة، الذی یضم قبور أربعة أئمة و هم الإمام الحسن المجتبی سبط رسول اللّه و الإمام علی بن الحسین حفید الرسول الأکرم و الإمام محمد الباقر و الإمام جعفر الصادق علیهم آلاف التحیة و السلام. و کذلک یضم الکثیر من الصحابة الأجلاء أمثال عثمان بن مظعون و المقداد بن الأسود و سعد بن معاذ و قیس بن سعد بن عبادة و أسامة بن زید بن حارثة، و بنات الرسول الأکرم السیدة رقیة و السیدة أم کلثوم و السیدة زینب، و العباس بن عبد المطلب عم الرسول، و عمات الرسول صفیة و عاتکة بنات عبد المطلب، و محمد بن الحنفیة ابن الإمام علی، و عقیل اخی الإمام علی، و عبد اللّه بن جعفر الطیار زوج العقیلة زینب بنت الإمام علی، و ابراهیم ابن رسول اللّه، و فاطمة بنت حزام الکلابیة أم البنین زوجة الإمام علی، و اسماعیل بن الإمام الصادق، و تسعا من زوجات الرسول، و حلیمة السعدیة مرضعة الرسول، و فاطمة بنت أسد أم الإمام علی، و رقیة الکبری بنت الإمام علی. و إضافة إلی الهدم فقد سرقوا ما بها من حلی و ذهب و مجوهرات ثمینة و أحرقوا الکتب الإسلامیة، و ذکر مالک أن عشرة آلاف صحابی مدفون فی البقیع، و کان علی قبورهم علامة هدمها الوهابیون. و هدموا کذلک قبر عبد اللّه والد الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم و قبر السیدة فاطمة بنت
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 33
هذه المراقد فإنهم یتربّصون بالوهابیة الدوائر للانقضاض علیهم و تخلیص المراقد الشریفة من عدوانهم المستمر.
من هنا یمکننا القول: إنّ الرأی العام الباطنی له تأثیر أیضا، و لیس من الصحیح القول: ما فائدة أن یکون الناس إلی جانبک فی الباطن و ضدّک فی الظاهر؟!.
و فی قبال الرأی العام الباطنی هناک الرأی العام الظاهری، و هو أن یکون الشعب قد استطاع بوسائل الإعلام المختلفة أن یعبّر عن رأیه فی موضوع معیّن کتعبیر الأفراد فی المجتمعات الدیمقراطیة، و هذا الرأی العام یسمی بالحقیقی، فهو یبقی ما دامت المیول النفسیة قائمة، فإذا ذهبت المیول النفسیة لا یسمی الرأی العام حقیقیا، و إنّ الناس لا یعملون بهذا الرأی العام، نعم قد یصبح صغیرا لخوف ذهاب إصلاح أو طمع فی مال أو سلطة و ما أشبه ذلک.
و الذین یریدون تکوین الرأی العام یجب علیهم أن یعملوا بالأمرین، بمعنی:
أن یکوّنوا المیول الداخلیة الکامنة فی النفس الإنسانیة ثمّ بعد ذلک یظهروا تلک المیول إلی الخارج، و کما أنّ لکلّ شی‌ء أثر من الآثار یعرّف مستقبل تلک الأشیاء، کذلک للرأی العام آثار مستقبلیة، أی نعرف الرأی العام المستقبلی بالأسباب التی تکوّن الرأی العام، و یکون ذلک أساسا للرأی العام، فمن طریق الدراسة و التحویل و المقارنة و ما أشبه ذلک یمکن أن نفهم الرأی العام
______________________________
أسد والدة الإمام علی علیه السّلام و قبر السیدة خدیجة بنت خویلد و قبر آمنة بنت وهب و قبر ابی طالب و عبد المطلب و عبد مناف، و کذلک هدموا قبر نبی اللّه یسع فی القطیفیة و قبر السیدة حواء فی جدّة، و هدموا اکثر من اربعین مسجدا کما و هدموا الآثار الإسلامیة کباب خیبر و بیت الأحزان و البیت الذی ولد فیه الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم و بیت الإمام الصادق علیه السّلام عن هذا الموضوع راجع موسوعة العتبات المقدسة: قسم مکة: ج 2 ص 276 و قسم المدینة: ج 3 ص 253 و ص 280 و ص 289- 328 لجعفر الخلیلی و کتاب قبور أئمة البقیع قبل تهدیمها للسید عبد الحسین الحیدری.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 34
المستقبلی الذی تفرزه الأوضاع السیاسیة العامّة.
یبقی هناک فرق شاسع بین الرأی العام الذی تتبناه الطبقة المثقّفة من الأمّة، و بین الرأی العام الذی ینشده الجمهور، فالأوّل مستند إلی العقل و العلم، بینما الثانی مستند إلی العاطفة، و التی بدورها إمّا تدفع بالإیجابیة أو بالسلبیة «1».
______________________________
(1) و هناک أقسام أخری إضافة لما سبق، نذکرها بإیجاز:
1- الرأی العام العالمی: الذی یشترک فیه الجمیع رغم اختلافهم فی الجنسیات و الثقافات و اللغات و الأدیان، مثلا: التبانی علی خطورة الأمراض کمرض الإیدز أو الطاعون، أو التبانی علی الجنوح إلی السلم و نبذ الحرب، أو التبانی علی کراهیة الاستعمار و محاربته.
2- الرأی العام القار: الذی ینبعث من عوامل حضاریة و ثقافیة للمجتمع الواحد کالتربیة المنزلیة و المدرسة و الشارع و التقالید و الأعراف.
3- الرأی العام الکامن: الذی یأخذ اتجاها واحدا.
4- الرأی العام المستنیر: الذی یمثل رأی النخبة المثقفة فی المجتمع و یرتکز علی التحلیل و النقاشات العلمیة.
5- الرأی العام المنقاد: و هو رأی أغلبیة الشعب.
6- الرأی العام المسیطر: و هو رأی القادة و الزعماء و الحکام.
7- الرأی العام الدائم: الذی یرتکز علی أسس سواء کانت تاریخیة أو دینیة أو ثقافیة، و یمتاز بالاستقرار و الثبات.
8- الرأی العام الیومی: الذی یتأثر بالأحداث الیومیة و مجریات الأمور، و الاشاعات، و ما تنشره وسائل الاعلام المختلفة.
للتفصیل راجع کتاب الرأی العام و الإشاعة: ص 37 للمؤلف عبد المنعم سامی، و کتاب العلاقات العامة و الاعلام للدکتور حسین عبد الحمید: ص 236- 240.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 35

الرأی العام و السلوک الإنسانی

مسألة: إنّ الرأی العام یستند إلی السلوک الإنسانی بصورة عامّة، و السلوک الإنسانی یستند إلی حبّ البقاء، أو دفع الضرر، أو غریزة الجنس، أو القدرة علی التقلید و محاکاة الآخرین، أو إلی العلاقات الاقتصادیة السائدة فی المجتمع، أو إلی التقالید الثقافیة المتوارثة، أو إلی کیفیة التفکیر السیاسی.
و قد یرجع السلوک کما هو موجود الآن فی بعض المجتمعات البدائیة إلی عوامل خفیة غیبیة توارثوها و اعتقدوا بها منذ أزمنة بعیدة؛ کاعتقادهم بأنّ الجن و العفریت أو الملک أو ما شابههم یسیّرهم، و لا یقصد بالملک ما نعتقده بقوله سبحانه و تعالی فَالْمُدَبِّرٰاتِ أَمْراً «1»، بل اعتبار أنّ الإله و ملائکته- أی القوی الخیرة المنبعثة منهم-، توجب هذا السلوک الذی سیسلکونه.
إن القوی الاجتماعیة، و الخصائص الثقافیة، و المعتقدات و الموضوعات و المواقف و الاتجاهات، و اختلاف الناس فی واقعهم، أوجبت تکوّن الرأی العام، و معرفة هذه الأمور علی نحو الکلیة، و معرفتها علی نحو التطبیق الجزئی فی المجتمع، مثلا: من المفید للذین یریدون توجیه الرأی العام إلی هذه الجهة أو تلک أن یتبصروا بهذه الأمور، کما أنّ من ذکاء الشخصیة أو عدم ذکائها یمکن أن نتعرّف إلی الرأی العام الذی تنخرط هذه الشخصیة فیه، فاختبارات الذکاء التی تجری فی الوقت الحاضر فی بعض عواصم العالم علی
______________________________
(1) سورة النازعات: الآیة 5.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 36
الأطفال أو الممیزین منهم إنّما تسیر علی نحو یطلب فیه من الفرد حل بعض المشکلات غیر المعقدة أو بعض المشکلات المعقدة غیر المتجانسة سواء کانت مشکلات اقتصادیة أو اجتماعیة ثمّ تعطی الإجابات فی زمن محدد کیوم أو أسبوع أو ما أشبه ذلک بدون الاتّکال علی الآخرین و بدرجات متفاوتة، و عبر دراسة هذه الإجابات یعرف مقیاس قدرته، و علی أساس هذا القیاس یمکن إدراک الطریقة التی سیحل بها مسائل أو مشاکل جدیدة تواجهه فی المستقبل، مثلا: الذکی إذا عرف حل عشر مسائل حسابیة معقدة فی یوم واحد، یقاس علیه أنه سیکرر ذلک أیضا فی المستقبل بالنسبة إلی المسائل الأخری التی لم تعرض علیه الآن.
و علی کل حال: فهذه الشخصیات إذا اجتمعت یمکن لها أن تنتخب فلانا أو فلانا، مثلا: الأشخاص المتدینون الذین یسکنون کربلاء المقدسة ینتخبون رجلا متدیّنا، بینما الأشخاص العلمانیون الذین یسکنون بغداد لا بدّ و أن ینتخبوا رجلا علمانیا، فالشخصیة هی مفتاح معرفة الرأی العام، لکن الشخصیة المنفردة لا یأتی منها ذلک و إنّما الشخصیات المتعدّدة القائمة فی مدینة أو قطر أو ما شابه ذلک، أمّا الشخصیة التی هی وراء الرأی العام و التی تدفع به إلی الأمام فهی لیست علی وتیرة واحدة و إنّما تتغیّر بحسب الظروف و المواصفات و الخصوصیات و المزایا الفردیة و الاجتماعیة و الطبقیة، فمثلا یثبت الإنسان علی نحو معیّن حین یتعامل مع أعضاء طبقته لکنّه یمیل إلی السلوک علی نحو آخر مختلف تماما حین یتعامل مع شخص آخر لا ینتمی إلی طبقته، کأن یکون الفرد أرستقراطیا مع طبقاته ثمّ یصبح دیمقراطیا مع الذین یمیلون إلی الدیمقراطیة، و لیس هذا خاصا بما نذکره من الرأی العام، بل إن الأفراد یتعاملون مع الأفراد و مع الجماعات بأشکال مختلفة، مثلا الزوجة مع
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 37
زوجها غیر الزوجة مع أقرباء الزوج، و کذلک الطبیب یکون مع الغنی غیر الطبیب مع الفقیر، فالشخصیة فی شکلها الواقعی غیر الشخصیة فی شکلها المجرّد، ففی شکلها المجرّد هی هی، أمّا فی شکلها الواقعی الخارجی قد تکون هی و قد لا تکون، حسب التضمینات و التمسّکات و الترجیحات و الاتجاهات و الأشخاص و الجمعیات و ما أشبه ذلک، و کلّ هذه الأمور تتّفق أو تتناقض مع درجات مختلفة من الأهمیّة فی تکوین الرأی العام بالفرد و الفردین و الثلاثة، و کذلک فی الاجتماعات المختلفة التی یراد تحصیل الرأی العام منها و استجابة الناس حتّی تکوّن الرأی العام.
و الرأی العام بحاجة إلی قوّة الدفع، فما لم یکن المنبه أو المؤثر أو السبب قویا و ملحا إلی حجم کبیر، و ما لم یکن الدافع نشیطا و فعالا، فإنّه لا تکون هناک استجابة.
مثال علی ذلک: الناس یأکلون و یلبسون و ینامون و نحو ذلک، فإنّهم علی الأغلب یفعلون هذه الأفعال حین الاحتیاج إلیها، کونهم جائعین أو عطاشی أو بحاجة إلی النوم.
فمن الواضح أنّ الدافع یصبح قویا عند ما یشعر الفرد بالفراغ و التوتر و الفقر و المرض و الجهل و الافتقاد إلی السعادة و عدم الأمن، عندها تحسّ أنّ هذا الفرد بحاجة إلی تغییر ما حتّی یزال ذلک المنبّه الذی جعلته فی مشکلة حقیقیة؛ و لذا یقول الحکماء: الألم و اللذة هما دافعان قویان نحو أعمال خاصّة، و کلّما کان الألم أشدّ کان الاندفاع أکثر، کما أنّه کلّما کانت اللذة أکثر احتیاجا إلیها کان الدفع نحو ما یحققها أکثر، فالشخص یسعی لتخفیف حدة الدافع و هو أمر لا یمکن أن یتحقّق إلّا بتغییر السلوک، و ذلک ما یصطلح علیه قسم من العلماء بالاستجابة الهادفة، و لذا قالوا: «إنّ العلاقة بین المنبه و الدافع هی
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 38
علاقة مزدوجة ذات شقّین: المنبّه و المؤثر؛ و معا یشکلان الدافع»، و الدافع فی الطرف الآخر هو الذی یهیئ الفرد للبحث عن منبّه جدید، و هکذا دوالیک تتقدّم الحیاة إلی الأمام، أو تخطو إلی الخلف نتیجة لوجود الدافع کالجوع و العطش، فالإنسان یسعی إلی مل‌ء بطنه بالطعام، فإذا وجد لوحة کتب علیها عبارة «مطعم» فإنّه یدخل إلیه، و هذه هی الاستجابة، بینما لو لم یکن جائعا فإنّه لا یستجیب لهذه اللوحة و لا یسیل لها لعابه.
و الحیاة کما تمضی إلی الأمام فهی تمضی إلی الخلف أیضا. و یشاهد ذلک فی الأفراد و الحکومات التی تأخذ بالتراجع إلی الضعف بصورة تدریجیة حتی تنتهی و تزول. کما قال سبحانه و تعالی: اللّٰهُ الَّذِی خَلَقَکُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَیْبَةً «1».
و قانون التناقص لا یسری علی الأعمار فقط بل یسری علی حالات الإنسان فی التقدم و التأخّر، فهو یمضی من ضعف إلی آخر حتّی ینتهی أمره «2».
______________________________
(1) سورة الروم: الآیة 54.
(2) و لا بأس هنا أن نشیر إلی بعض الطرق السلمیة للتعبیر عن الرأی العام و التی تتجسد فی النقاط التالیة: أ. الإضراب العام المنظم و الخالی من الشغب. ب. المظاهرات و المسیرات، کمسیرة ماو تسی تونغ فی الصین. ج. المقاطعة کمقاطعة الشرکات الأمریکیة من قبل بعض المسلمین. د. العصیان المدنی کطریقة غاندی ضد الاستعمار الإنجلیزی فی الهند.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 39

أقسام الرأی المیدانی

مسألة: ینقسم الرأی العام فی المیدان إلی أربعة أقسام:
1- أن یکون الرأی العام مؤیّدا.
2- أن یکون الرأی العام مخالفا.
3- أن یکون الرأی العام محایدا.
4- أن یکون الرأی العام منقسما، بمعنی أنّ نصفه إلی هذا الجانب و الآخر إلی جانب آخر، و هذا فی الحقیقة لیس برأی عام و إنّما الرأی العام غیر موجود حینئذ.
و کما أنّ الرأی الشخصی یکون ظاهریا أحیانا و واقعیا أحیانا أخری، کذلک یکون فی الرأی العام، فإنّ الإنسان قد یکون له رأی واقعی لکن لا یرید أن یبدیه و إنّما یبدی رأیا ظاهریا لمحذور یراه فی إبداء ذلک الرأی، و لذا تکون هناک استطلاعات سرّیة و استطلاعات علنیة. ففی الاستطلاعات السریة یوزع المسئول عن العمل أوراقا سریة علی مائة من الأشخاص الّذین یخضعون لعملیة الاستطلاع فیکتبون أجوبتهم، فإذا جمعوا الأجوبة رأوها من جانب، أمّا إذا کان الاستطلاع علنیا فقد یکون الرأی العام إلی جانب آخر أو یکون منقسما، و لذا نجد فی کلّ باب أن التصویت السرّی کثیرا ما یخالف التصویت العلنی.
و قد یکون الرأی العام إیجابیا، و ذلک عند ما یریدون شیئا معینا، و قد یکون الرأی العام سلبیا، و ذلک عند ما لا یریدون شیئا معینا؛ مثال ذلک: عندنا ثلاثة
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 40
مرشحین، و یتکون إزاء هؤلاء المرشحین الثلاثة ثلاثة آراء عامّة، فلکلّ مرشح رأی عام إما إیجابی أو سلبی، و بتفاعل هذه الآراء فی السلب و الإیجاب یتم اختیار أحد الثلاثة للمنصب المخصّص سواء کان المنصب إدارة تنظیم أو إدارة شرکة أو إدارة حزب أو إدارة منظمة. و عند ما تنحصر المسألة فی جانبین فقط فمن المحتمل أن یکون الرأی العام إلی هذا الجانب أو ذاک الجانب أو محایدا. أمّا إذا کانت الجوانب أکثر من اثنین، فمن الممکن أن یکون الرأی العام غیر موافق لأحد الجوانب و إنّما تکون هناک آراء، و لکلّ جانب رأی.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 41

الرأی العام و الحیاة

مسألة: ینبغی تطویر وسائل الإعلام و طرق الوصول للرأی العام فی عالمنا الذی شهد تطورا هائلا فی العلوم و الفنون و الآداب، فالرأی العام المتطوّر فی عالم متغیّر هو القادر علی التأثیر، فهناک علاقة طردیة و تأثیر متبادل بین الرأی العام و الحیاة، فکلّما تقدمت الحیاة تقدّم الرأی العام أیضا، و کلّما فسدت الحیاة فسد الرأی العام أیضا.
و تتجلی هذه الحقیقة بالمثال التالی: لمّا أراد قادة الفساد و الإفساد نشر السفور و التبرج فی البلاد الإسلامیة، قاموا بتهیئة الرأی العام لهذا الأمر بمختلف الوسائل و الطرق.
ففی العراق عند ما أراد البریطانیون نشر السفور فی أوساط المجتمع العراقی، جنّدوا عددا من البریطانیات السافرات و طالبوهنّ بالسیر فی شوارع بغداد فی حالة من السفور و الإثارة، و کان الشباب یتجمّعون لمشاهدتهن، و لم یمض وقت طویل حتی أصبح السفور أمرا مألوفا بل و شائعا بین النساء العراقیات أیضا.
أضف إلی ذلک أنّهم جنّدوا الأدباء «1» و الشعراء لهذا الغرض، و منهم شاعرهم
______________________________
(1) أمثال قاسم أمین مؤلف کتاب تحریر المرأة.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 42
جمیل صدقی الزهاوی حیث نظم قصیدة مطلعها:
أسفری فالحجاب یا ابنة فهر هو داء فی الاجتماع وخیم کلّ شی‌ء إلی التجدّد ماض فلما ذا یقرّ هذا القدیم «1»
______________________________
(1) من البحر الخفیف، للشاعر جمیل صدقی بن محمد فیض بن الملا أحمد بابان الزهاوی، و الزهاوی نسبة الی «زهاو» و هی من مناطق إیران، ولد فی بغداد سنة 1279 ه (1863 م) و توفی سنة 1354 ه (1936 م) تقلد مناصب عدیدة فی الحکومة العراقیة ابتداء بعضویة مجلس المعارف فی بغداد و مرورا بمحکمة الاستئناف و انتهاء بعضویة مجلس الأعیان. له عدة مؤلفات، منها: دیوان الزهاوی، الشذرات، نزعات الشیطان، الکائنات، رباعیات الزهاوی، الجاذبیة و تعلیلها، الکلم المنظوم.
و للزهاوی قصائد ضد الحجاب تنبئ عن خبث سریرته ذکرها فی دیوانه: ص 309 تحت عنوان «هزأوا بهنّ» راجع تاریخ الأدب العربی لحنّا فاخوری: ص 1015، دراسات فی الشعر العراقی الحدیث: ص 70، دیوان الزهاوی، الأعلام للزرکلی: ج 2 ص 133.
و لا یخفی أنه قد ردّ علی الزهاوی شعراء کثیرون، منهم الشاعر معروف الرصافی فی قصیدة جاء فیها:
أنا لا أقول دعوا النساء سوافرا بین الرجال یجلن فی الأسواق یفعلن أفعال الرجال لواهیا عن واجبات نواعس الاحداق
و یقول الشاعر الأزری:
أ فلم یروا أنّ الفتاة بطبعها کالماء لم یحفظ بغیر إناء لا یخدعنک شاعر بخیاله إنّ الخیال مطیة الشعراء
و قال شاعر آخر:
صونی جمالک بالحجاب الدانی و دعی الثیاب طویلة الأردان و تحجبی أختاه إنک درّة لا تشترین بأبخس الأثمان لا تخدعی إن التبرج خدعة فینال منک فتخذلی و تهانی کونی کلؤلؤة نغوص لصیدها فی البحر عن شغف بکل تفانی
و یقول الشاعر علی الجارم کما جاء فی مجمع الحکم و الأمثال فی الشعر العربی لأحمد قبش: ص 43- ص 44:
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 43
و الغریب فی أمر المستعمرین أنّهم لم یکتفوا بهذا القدر بل أشاعوا هذه الأبیات الشعریة و جعلوها فی مناهج طلّاب المدارس حتی أصبحت علی لسان کلّ طالب و طالبة، ناهیک عن استخدام التجارة و التسویق لبضائعهم باستخدام صور النساء الخلیعات و بکیفیات مغریة.______________________________
یا ابنتی إن أردت آیة حسن و جمالا یزین جسما و عقلا فانبذی عادة التبرج نبذا فجمال النفوس اسمی و أعلی صبغة اللّه صبغة تبهر النف س، تعالی الإله عز و جلا ثم کونی کالشمس تسطع للنا س سواء من عز منهم و ذلا زینة الوجه أن تری العین فیه شرفا یسحر العین و نبلا و اجعلی شیمة الحیاء خمارا فهو بالغادة الکریمة أولی لیس للبنت فی السعادة حظ إن تناءی الحیاء عنها و ولی و البسی من عفاف نفسک ثوبا کل ثوب سواه یفنی و یبلی
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 44

حقیقة الرأی العام

مسألة: إنّ الرأی العام یتکون من ذرّات صغیرة، و تتجمّع هذه الذرّات لتصبح سیلا جارفا، فلا بدّ ألّا ییأس العاملون فی حقل الرأی العام بل علیهم ألّا یستعجلوا فی قطف الثمار، قال سبحانه و تعالی فی کتابه الکریم: فَمَنْ یَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَیْراً یَرَهُ. وَ مَنْ یَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا یَرَهُ «1».
و القرآن بهذه الآیة یضع أمامنا قاعدة هامّة، و هی: أن لا نهمل الأشیاء الحسنة حتّی لو کانت صغیرة بل حتّی لو کانت بحجم الذرّة، کما علینا أن لا نحقّر الشر حتّی لو کان صغیرا بحجم الذرّة أیضا، لذا کان أحد الغربیین یقول: «إنّ الرأی العام هو الجواد الذی یمتطیه الحاکم لیصل إلی هدفه» «2».
و یمکننا القول: إنّ الأذان بالأوقات الثلاثة أو الخمسة هو إشعار بالعبادة، و هو شکل من أشکال الرأی العام؛ حیث یبعث بالناس إلی التسابق نحو الصلاة.
______________________________
(1) سورة الزلزلة: الآیتان 7- 8.
(2) هذه المقولة تنسب للشاعر المسرحی و الممثل الإنجلیزی ولیم شکسبیر (1564- 1616 م) فی إحدی المسرحیات التی کتبها. و قد ترک هذا الشاعر عدة أعمال فنیة و مسرحیة، منها:
هاملت، الملک لیر، ماکبث، حلم لیلة منتصف الصیف، تاجر البندقیة، رومیو و جولیت، یولیوس قیصر، هنری الثامن. راجع الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة: ج 5 ص 2243.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 45

علاقة الرأی العام بالفطرة

مسألة: یجب أن ینسجم الرأی العام مع الفطرة الإنسانیة، فإذا تعاکس مع الفطرة البشریة فإنّه سیصطدم مع منهج الإنسان فی الحیاة و سیکون مصیره إلی الزوال، لأنّ الرأی العام السلیم هو المنسجم مع الفطرة البشریة؛ کما قال سبحانه و تعالی فی کتابه: فِطْرَتَ اللّٰهِ الَّتِی فَطَرَ النّٰاسَ عَلَیْهٰا لٰا تَبْدِیلَ لِخَلْقِ اللّٰهِ «1».
و الرأی العام کالماء الذی إذا أسن لا یطهر إلّا بماء طاهر. کذلک لو وجد إنسان رأیا عاما مخالفا و أراد معالجته، فعلاجه لا یتمّ إلّا برأی عام طاهر، یستطیع أن یزیح الرأی العام الأوّل لیقوم مقامه، و هکذا فعل رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم عند ما جاء برأی عام موافق للفطرة البشریة فی مقابل الرأی العام المخالف للفطرة البشریة و المطابق للجاهلیة.
و الغریب فی الأمر أنّ المفسدین ینطقون بلسان المصلحین فیردّدون کلماتهم حتّی لا یستطیع المصلحون من التکلّم، و قد أشار القرآن الکریم إلی ذلک بقوله: فَرَدُّوا أَیْدِیَهُمْ فِی أَفْوٰاهِهِمْ «2»، أی ردّ الظالمون أیدیهم فی أفواه المصلحین من الأنبیاء و الأوصیاء و من أشبههم، و هکذا کان أعداء رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم یمنعون الناس من سماع القرآن الکریم؛ لأثره فی الرأی العام فکانوا
______________________________
(1) سورة الروم: الآیة 30.
(2) سورة إبراهیم: الآیة 9.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 46
یملئون آذانهم بالقطن حتّی لا یسمعوا کلام الله سبحانه و تعالی «1» أو کانوا یدعون کهّانهم لیجلسوا بین الناس و یحکوا لهم قصص الأوّلین لإبعادهم عن رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم.
لکن الإنسان المصلح لا یبالی بهذه الأسالیب و الطرق فهدفه الاسمی هو تغییر المجتمع، و هکذا کان حال رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم فقد أصرّ علی تغییر المجتمع، و تمکّن أن یوصل کلمته إلی قلوب الناس، و أوجد ذلک الرأی العام الذی تحوّل إلی فکرة محرّکة فی المجتمع.
______________________________
(1) یحدثنا التاریخ أنّ الکفار عند ما لا یجدون القطن کانوا یملئون آذان الناس بحشائش الأرض لیمنعوهم من الاستماع إلی الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 47

حتمیة الاعتقاد

اشارة

مسألة: من مستلزمات تکوین الرأی العام أن یعتقد العاملون فی تکوین الرأی العام بمبادئهم اعتقادا جازما لا شکّ فیه؛ لذا ورد فی الدعاء: (اللهم أرنا الحق حقا حتی نتبعه، و أرنا الباطل باطلا حتی نجتنبه) «1»، و فی دعاء آخر وارد عن المعصومین علیهم السّلام: (اللهم أرنا الحقائق کما هی) «2»؛ لأنّه کثیرا ما لا یری الإنسان الشی‌ء کما هو، و إنّما یری ضدّه أو نقیضه أو علی ما یکون بینه و بین الواقع عموم من وجه، مثلا: یری کلّ إنسان أبیض أو کلّ أبیض إنسانا؛ علی اصطلاح المنطقیین، فإذا رأی الإنسان رأیا صائبا یصبح هذا الرأی قویا فی نفسه و اعتقد به و اعتمد علیه، و أخذ ینشره بین الناس، و أصبح له مؤیدون من نخبة المجتمع، و تصبح هذه النخبة هی الداعیة لهذه الفکرة، و تنتشر هذه الفکرة فی المجتمع، و هذا ما یحدث بالنسبة إلی الأفکار الإصلاحیة و الأفکار الإفسادیة علی حدّ سواء.
مثلا: کان هتلر «3» یعتقد بتفوّق الجنس الألمانی علی الجنس
______________________________
(1) رسالة حول الحدیث للشیخ المفید: ص 24. و نظیر ذلک ورد فی البلد الأمین: ص 31، مصباح الکفعمی: ص 43، مصباح المتهجد: ص 111، مفتاح الفلاح: ص 262 ب 4، فلاح السائل:
ص 254 الفصل السادس و العشرون.
(2) غوالی اللآلی: ج 4 ص 132 ح 228.
(3) أدولف هتلر، ولد فی قریة بروناو النمساویة فی 20 نیسان سنة 1889 م، عمل کرسام فی مکتب أحد المهندسین، و عند نشوب الحرب العالمیة الأولی انضم متطوعا إلی الجیش الالمانی و ترقی إلی رتبة کابورال و اشترک فی الجبهة الغربیة حتی قبل نهایة الحرب حیث
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 48
البشری «1»، و أخذ یبشّر بهذه الفکرة فأوجد تیارا فی المجتمع الألمانی یعتقد بتفوّق العنصر الألمانی، و هذا التیار هو النازیّة.
و کان اعتقاد النازی بأفکاره اعتقادا راسخا فکان علی استعداد لأن یضحی من أجل أهدافها علی الرغم من أنّها أهداف باطلة و منحرفة. و هکذا الأمر بالنسبة إلی الفاشیة؛ و الدّاعی إلیها موسیلینی «2». و کذلک الأمر بالنسبة إلی
______________________________
اصیب إصابة بالغة أدت إلی فقد بصره عدة أسابیع. بدأ بتنظیم الحزب الاشتراکی الوطنی للعمال الألمان أو ما سمّی بالحزب النازی سنة 1921 م، و دخل المعترک السیاسی سنة 1923 م، و فی سنة 1933 م أصبح برتبة مستشار و ألف حکومة ائتلافیة تضم النازیین و الیمین، و فی سنة 1934 م انفرد بالحکم بعد أن قضی علی المعارضین للحزب النازی و کانوا بالمئات و حل جمیع الأحزاب السیاسیة و ألغی النقابات. أدت سیاسته المتعجرفة إلی نشوب الحرب العالمیة الثانیة سنة 1939 م، و التی ذهب ضحیتها قرابة الخمسین ملیون إنسان، و خسر المعرکة بهجومه علی روسیا سنة 1943 م. انتحر فی قبو مبنی المستشاریة ببرلین سنة 1945 م و أحرق جثمانه بناء علی وصیته. من مؤلفاته کتاب: «کفاحی» الذی عرض فیه سیرته الذاتیة و مذهبه و رؤیته لمستقبل المانیا، و قد حرر کتابه هذا سنة 1939 م و طبع منه فی سنة 1939 م أربعة ملایین نسخة، و قد اعتبر النازیون کتابه هذا إنجیل الألمان رغم أنّ أفکاره لا تصمد أمام أی نقد عقلائی. راجع موسوعة جریدة العالم: ج 5 ص 174.
(1) یطلق علی هذه النظریة تسمیة المبدأ الجرمانی- و الجرمان هم شعب آری غزا أوربا الوسطی فی الزمان القدیم- و هی تنص علی أن توزیع الدول یجب أن یستند إلی الأجناس بمعنی أن من حق کل جماعة من جنس واحد أن تقوم کدولة مستقلة. و قد أخذ هتلر هذه النظریة من الکاتب الایطالی منشیسنی، حیث دعی هذا الکاتب إلی مبدأ الجنسیات سنة 1851 م لتوحید إیطالیا. و لا یخفی ما فی هذه النظریة من خلل حیث أنها لا تضمن استقرار العلاقات الدولیة بل تکون خطرا علی السلم العالمی لأنه یترتب علیها من ناحیة اندماج کثیر من الدول فی جماعات کبیرة یصبح وجودها مهددا لغیرها و للسلام فی العالم. و کذلک یلزم منه تقسیم عدد من الدول الحالیة التی یعیش أهلها فی وئام إلی عدة دویلات صغیرة و ضعیفة لا تستطیع الحیاة بذاتها و العیش بسلام بجانب الجماعات الکبیرة.
و قبال نظریة الجنسیات توجد نظریات اخری، و هی: أ- نظریة تدرج القواعد القانونیة، ب- نظریة المصلحة فی قیام العلاقات بین الدول، ج- نظریة التوازن السیاسی، د- نظریة الحدث الاجتماعی.
(2) بنیتو موسیلینی دیکتاتور إیطالیا، ولد سنة 1883 م، مؤسس الحزب الفاشی الإیطالی فی
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 49
الشیوعیة و الداعی إلیها لینین «1» و ستالین «2» و غیرهما. هذا فی جانب الشرّ، أمّا
______________________________
میلانو سنة 1919 م، زحفت میلیشیاته علی روما سنة 1922 م، و أسندت إلیه الوزارة من قبل الملک فکتور عمانوئیل الثالث، أصبح رئیسا لإیطالیا فی نفس السنة، أنشأ مع هتلر محور روما- برلین سنة 1936 م، تحالف مع هتلر فی الحرب العالمیة الثانیة، و أدّت هزیمة قواته إلی سقوطه. و أدت سیاسته الاستعماریة إلی إعلان الحرب علی إثیوبیا سنة 1935- 1936 م، و التدخل فی الحرب الأهلیة الإسبانیة سنة 1936- 1939 م، و ضم ألبانیا سنة 1939 م، أقصی من الحکم سنة 1943 م ثم أعاده الألمان إلی الحکم مرة أخری بعد شهرین سنة 1944 م، و عند انهیار الجیوش الهتلریة حاول الفرار إلی سویسرا، لکنه أسر و قدّم إلی المحاکمة و أعدم فی 28 نیسان 1945 م.
(1) فلادیمیر إیلیتش أولیانوف، المشهور ب (لینین) نسبة إلی اسم نهر لینا حیث کان منفیا علی ضفافه فی العهد الملکی الإمبراطوری. زعیم و کاتب روسی، ولد فی مدینة سیمیرسک سنة 1870 م و مات سنة 1924 م، دخل المعترک السیاسی بتأسیس الحزب الشیوعی فی روسیا، و قاد الثورة البلشفیة سنة 1917 م و أطاح بحکومة کیرنسکی، أسس الاتحاد السوفیتی- السابق- و أصبح رئیسا للبلاد بین سنة 1917- 1924 م اعلن دیکتاتوریة البرولیتاریة، و أمم الأراضی و وسائل الإنتاج و ما أشبه، أهم مؤلفاته: الامبریالیة أعلی مراحل الرأسمالیة، من هم أصدقاء الشعب، تطور الرأسمالیة فی روسیا، خطوة للأمام و خطوتان إلی الوراء، حق الأمم فی تقریر مصیرها، أهمیة المادیة النضالیة. راجع موسوعة السیاسة: ج 5 ص 603.
(2) جوزیف فیساریونوفیتش دجوغاشفیلی المشهور بجوزیف ستالین. الرجل الفولاذی. و اتخذ هذا الاسم بعد انخراطه فی الحرکة الثوریة، ولد سنة 1879 م فی جورجیا، اتهم فی سرقة أحد البنوک فی تفلیس سنة 1906 م التی ذهب إلیها للدراسة، و عین بدعم من لینین سنة 1912 م عضوا فی قیادة الحزب الشیوعی، و اعتقل سنة 1913 م و صدر الحکم بنفیه إلی سیبریا مدی الحیاة. و بعد الإطاحة بالنظام القیصری سنة 1917 م أصبح وزیرا للقومیات فی وزارة لینین و عضوا للمکتب السیاسی للحزب، و کلف بمهمات تنظیمیة داخلیة مکنته من السیطرة علی الحزب لذا أصبح الأمین العام للحزب سنة 1924 م، و استمر فی منصبه إلی سنة 1953 م، و أصبح رئیسا للجمهوریة بین الفترة 1941- 1953 م، اتّسم حکمه بالاستبداد و الدیکتاتوریة، و قد قضی علی خصومه فی محاکم صوریة بین سنة 1934- 1938 م عرفت بمحاکم موسکو، و قتل من الشعب أکثر من عشرین ملیونا لأجل تحویل النظام الزراعی التقلیدی إلی المزارع الجماعیة أو المزارع الحکومیة. و قد سبب هذا التحویل سحق الطبقة الوسطی فی المجتمع ممّا أدّی إلی خفض الإنتاج الزراعی، و نقص الملایین من رءوس الماشیة، و إحداث مجاعات فی البلاد و علی الخصوص فی أوکرانیا و شمال القوقاز، و مات سنة 1953 م. و بعد تولی خروشوف الحکم فی الاتحاد السوفیتی نقل جثمان ستالین من
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 50
جانب الخیر؛ فنجد موسی علیه السّلام و دعوته فی التوحید و مقاومة أقاویل فرعون «1». و نجد أیضا عیسی علیه السّلام و دعوته فی تطهیر العبادة لله سبحانه و تعالی. و نجد أیضا نبیّنا محمد صلی اللّه علیه و آله و سلم و دعوته فی توحید الخالق العظیم فی قبال الشرک و الوثنیة التی کانت منتشرة یوم ذاک.
و قد بدأت هذه الرسالات بفکرة واضحة و بداعیة یدعو إلیها، فیؤمن بها جمع من الناس، و هذا الجمع یحمل بدوره الفکرة إلی الآخرین، و هکذا حتّی تصل إلی أکبر عدد من الناس.
______________________________
الضریح الکبیر إلی مقبرة عادیة، و حطمت تماثیله و نصبه التذکاریة. راجع موسوعة السیاسة: ج 3 ص 137، الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة: ج 5 ص 1991، الأساطیر و الحقائق عن عائلة ستالین للمؤلف أ. ن کالوسلیک. و قد ناقش الإمام المؤلف قدّس سرّه النظریة الشیوعیة فی المجلد الأول من الفقه. الاقتصاد: ص 195.
(1) الولید بن مصعب، و یکنی بأبی مصعب و هو فرعون موسی، الطاغوت و الجبار و المتکبر و الظالم و الساحر و الباغی الذی قال: «أنا ربکم الأعلی»، و قد اختلف أرباب التاریخ فی نسبه فبعض قال: إنه من الیمن، و آخر: إنه من العمالقة، و ثالث: إنه من أقباط مصر کما ذکر ذلک الیعقوبی فی تاریخه: ج 1 ص 186. و کلمة «فرعون» فی اللغة المصریة القدیمة تعنی الملک المتصرّف أو الرب الذی له حق الأمر و النهی فی شعبه أو من هم تحت سلطته و قیل النبیل او الشریف و قیل البیت الکبیر او قصر الزعیم. و قد ورد اسم فرعون فی القرآن 74 مرة، و تحدث عنه الباری سبحانه و تعالی فی 27 سورة، و قد حکم مصر و فلسطین و بلاد الشام و بلاد ما بین الرافدین فی العراق و استمر حکمه علی أقل التقادیر 200 سنة و عاش 400 سنة، و قد استعان فی ترسیخ حکمه ببعض الکهنة و السحرة، و قد وصفه القرآن الکریم بما یلی: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلٰا فِی الْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَهٰا شِیَعاً یَسْتَضْعِفُ طٰائِفَةً مِنْهُمْ یُذَبِّحُ أَبْنٰاءَهُمْ وَ یَسْتَحْیِی نِسٰاءَهُمْ إِنَّهُ کٰانَ مِنَ الْمُفْسِدِینَ «سورة القصص، الآیة 4» و إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعٰالٍ فِی الْأَرْضِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِینَ «سورة یونس، الآیة 83». و إِنَّهُ کٰانَ عٰالِیاً مِنَ الْمُسْرِفِینَ «سورة الدخان، الآیة 31». أرسل اللّه سبحانه و تعالی له موسی النبی و آزره بأخیه هارون و بعث معه آیات عدیدة منها: العصا، و الجراد، و القمل، و الضفادع. لکن فرعون استکبر و لم یؤمن، فأغرقه اللّه و جنوده و البالغ عددهم ملیون شخص فی النیل.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 51
و لأجل هذا نلاحظ أنّ الیهودیة لا زالت باقیة بالرغم من انحرافها عن خطّ موسی علیه السّلام: یُحَرِّفُونَ الْکَلِمَ عَنْ مَوٰاضِعِهِ «1».
کذلک النصرانیة قائمة إلی یومنا هذا بالرغم من التحریف: تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبٰاطِلِ «2».
و هکذا بقی الإسلام کرسالة خالدة، تعتقد بها البشریة جمعاء. لأنّ یدا غیبیة تقوم برعایتها و الدفاع عنها کما قال سبحانه و تعالی: إِنّٰا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّکْرَ وَ إِنّٰا لَهُ لَحٰافِظُونَ «3». لذا لم یسجل منذ أربعة عشر قرنا أی مساس فی کتاب الله العزیز.
و ببرکة القرآن الکریم ظلّت الأحادیث النبویّة و کلمات الأئمّة المعصومین علیهم السّلام: تنیر الدرب للإنسان و تفتح له ثلاثة أبواب للتفکیر: التفکیر بنفسه، و التفکیر بغیره، و التفکیر بمصیره فی الآخرة.
أمّا غیر المسلم فلا یفکر بالأمر الثالث، إذ أن تفکیره منحصر بنفسه، کیف یستطیع أن یجلب لها الطیّبات؟ و کیف یجنّبها الشرور؟
و التفکیر بغیره، کیف یستطیع أن یتعایش مع غیره و یتلاءم معه؟.

علاقة الرأی العام بالإنسان

اشارة

و الإنسان سواء کان ذا التفکیر ثلاثی الأبعاد أو التفکیر ذی البعدین، یعیش فی محیط یفرض علیه الرأی العام حاجات و مستلزمات لا بدّ له من اتّباعها، و قلّما نجد إنسانا لا یتأثّر بالرأی العام الذی حوله کالمؤمن الواحد الذی یعیش
______________________________
(1) سورة النساء: الآیة 46، سورة المائدة: الآیة 13.
(2) سورة آل عمران: الآیة 71.
(3) سورة الحجر: الآیة 9.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 52
بین مجموعة من الکفّار، فمن المفترض أن لا یتأثّر هذا المؤمن بالرأی العام الذی یفرزه هؤلاء الکفّار.
لذا کان سبیل العقلاء هو خلق الرأی العام المطابق للناس و جعلهم ینسجمون مع الرأی العام، سواء کان هؤلاء العقلاء علی خطأ فی إیجاد الرأی العام علی اللون المعیّن أو لم یکونوا علی خطأ.
مثلا: الدیکتاتور یحاول أن یوجد رأیا عاما حول نفسه یظهره و کأنّه شخصیّة مثالیة و فوق القدرات البشریة، فیدفع بالمجتمع إلی الاستسلام لقوانینه.
أمّا الإنسان الواقعی، فهو یحاول توسیع الاستشاریة لتضمّ المجتمع بأسره و الّتی یعبّر عنها فی وقتنا الراهن بالدیمقراطیة.
و هذا الذی ذکرناه هو الذی یصفه بعض الفلاسفة الغربیین «1» بقوله: «الحیاة أشکال للإرادة العقلیة التی تضع الفرد، بوصفه شخصا یعطی و یأخذ، فی مواجهة الطبیعة بأسرها، فالإنسان یحاول السیطرة علی الطبیعة و الأخذ منها أکثر ممّا یعطیها، غیر أنه من خلال الطبیعة، یواجه الإنسان بإرادة عقلیة أخری تسعی إلی نفس الهدف أیضا، أی یواجه بفرد آخر یرید أن یکسب علی حسابه، و فی کلّ الحالات، فإنّ الشخص الذی ینتمی تفکیره إلی تفکیر المجتمع سواء أ کان یعتبر نفسه السید الآمر فی ثروته، أم السید الآمر فقط فی جهده الجسمانی و قدرته علی العمل، أو أیة قدرة أخری، هو الذی یکون دائما، طموحا و مدبرا و قادرا علی تقبّل الأفکار تقبلا انتقادیا، و قادرا علی استخدامها علی النحو الذی یحقّق أغراضه و مصالحه» «2».
______________________________
(1) و هو فردیناند تونیز المتوفی سنة 1936 م.
(2) راجع کتاب الرأی العام و تأثره بالإعلام و الدعایة: الکتاب الأول: ص 28 للدکتور محمد عبد القادر حاتم.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 53
أقول: و الذی ذکرناه هو أعمّ ممّا ذکره هذا الفیلسوف، بل یکون فی بعض فقراته و فقرات کلامنا، بینهما عموم من وجه؛ علی اصطلاح المناطقة.
ثمّ یقول هذا الفیلسوف: «إن الوظیفة الرئیسیة من وظائف الرأی العام فی تنظیم المجتمع هی اختزال أخلاقیات ذلک النمط من الحیاة بقصد تحویلها إلی قواعد و مناهج، و بالنسبة للرأی العام فإنّه یکون من الیسیر التماس القوی ذات الطغیان ضدّ الطبقات السفلی، مثلما یکون من الیسیر طلب منح الحریة للطبقات العلیا. و الصحافة هی السلاح الحقیقی للرأی العام، إنّه سلاح و أداة فی أیدی أولئک الذین یعرفون کیف یستخدمونها و یعرفون کیف یجعلونها تخدمهم. إنّ ما یسود هو المعتقدات الشعبیة الشائعة التی یجب التمییز بدقّة بینها و بین الأحکام الاجتماعیة، التی یشار إلیها بوصفها الرأی العام، ذلک أنّ الرأی العام هو ما یتّصل بالموضوعات المتنازع علیها القابلة للجدل و المناقشة بالنسبة للجماهیر المعنیة، لا تلک الضروب من الحیاة العقلیة الثابتة ثباتا نسبیا».
و قال فیلسوف آخر «1»: «إنّ الرأی العام باعتباره مجموعة من المعتقدات و القیم و التحزبات، فضلا عن التیارات التی تلتقی معا نتیجة لمناقشة الموضوعات و المسائل المتنازع علیها القابلة للجدل».
أقول: إنّ الرأی العام قد یکون مستندا إلی حقائق فی داخل الإنسان مثل العدالة و الحب و الرفاه و الحرّیة و التعاون و ما أشبه ذلک. و قد یکون الرأی العام مستندا إلی جهة طائفة، مثلا: إطاعة الناس للدیکتاتور لیست نابعة من الإنسان نفسه و إنّما هی نابعة عن الضغوطات التی تأتی من فوق، سواء من الدیکتاتور أو أتباعه، فلذا یتکون الرأی العام نتیجة السکوت علی الدیکتاتور و علی
______________________________
(1) و هو أ. ف. دایسی.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 54
جرائمه و أتباعه و إن کانوا فی داخل أنفسهم یرون ذلک باطلا، و هذا الرأی العام لیس کالأوّل، فالرأی العام الأوّل هو الذی ینمو و یظهر و ینتشر و یمتدّ علی طول الزمان إلّا أن یرتطم بمانع، أمّا الرأی العام الثانی فلا یطول.

إشکال و جواب

قد یعترض معترض علی هذا القول: کیف لا یطول الرأی العام الثانی- المستند إلی جهة طائفة- و نحن نری أنّ بنی العباس قد حکموا البلاد الإسلامیة زهاء خمسة قرون «1»، من الاستبداد و الفساد و ما أشبه ذلک؟.
فی الإجابة عن هذا الاعتراض، نقول: إنّ بنی العباس لم یکونوا حکومة واحدة بل مجموعة حکومات؛ فقد آلت الحکومة إلی الفرس ثمّ إلی الترک ثمّ إلی الدیلم ثمّ إلی العرب- و کان الحکام العباسیین مختلفین من حیث درجة الاستبداد، و هم مختلفون أیضا فی علاقاتهم مع الشعب، فهناک حاکم عباسی
______________________________
(1) حکموا خمسمائة و أربعا و عشرین سنة ابتداء من 132 ه (750 م) و إلی سقوط بغداد سنة 656 ه (1258 م) عند ما احتلها هولاکو و عدد خلفائهم سبعة و ثلاثون خلیفة هم: 1. السفاح، 2. المنصور، 3. المهدی، 4. الهادی، 5. هارون، 6. الأمین، 7. المأمون، 8. المعتصم، 9. الواثق، 10. المتوکل، 11. المنتصر، 12. المستعین، 13. المعتز، 14. المهتدی، 15. المعتمد، 16. المعتضد، 17. المکتفی، 18. المقتدر، 19. القاهر، 20. الراضی، 21. المتقی، 22. المستکفی، 23. المطیع، 24. الطائع، 25. القادر، 26. القائم، 27. المقتدی، 28. المستظهر، 29. المسترشد، 30. الراشد، 31. المقتفی، 32. المستنجد، 33. المستضی‌ء، 34. الناصر، 35. الظاهر، 36. المستنصر، 37. المستعصم.
و فی زمانهم انفصلت عنهم دول عدیدة منها الحمدانیة فی حلب و الإخشیدیة و الفاطمیة و الأیوبیة فی مصر و الغزنویة فی أفغانستان و الهند و السامانیة فی خراسان و ما وراء النهر.
و فی زمانهم انتشر الشذوذ و الخلاعة و الترف، و أصبح شرب الخمر من أبرز مظاهر الحیاة اللاهیة، و انتشرت الحانات فی طول البلاد و عرضها حتی انتشرت موجة التشکیک بحرمة الخمر، و کان رائد هذه الحملة أبو نواس و أمثاله.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 55
کان یراعی مصالح الناس نسبیا، و هناک من کان یتشدّد علیهم، و نتیجة لهذا الاختلاف وجدنا کیف أنّهم حکموا هذه المدّة الطویلة، و الأمر نفسه مع اختلاف فی التفاصیل بالنسبة إلی حکومة بنی أمیّة «1»؛ فلم تکن حکوماتهم حکومة واحدة بل کان لکلّ حاکم أسلوبه الخاصّ فی الحکم، فأسلوب
______________________________
(1) بنو أمیة نسبة إلی أمیّة و هو من الروم، استلحقه عبد شمس، حکموا اثنتین و تسعین سنة ابتداء من 40 ه (661 م) و إلی 132 ه (750 م)، و امتدّت دولتهم من شواطئ المحیط الأطلسی و جبال البرانس غربا إلی نهر السند و تخوم الصین شرقا، و عدد خلفائهم أربع عشرة خلیفة هم: 1. معاویة بن أبی سفیان، 2. یزید بن معاویة، 3. معاویة الثانی، 4. مروان بن الحکم، 5. عبد الملک بن مروان، 6. الولید بن عبد الملک، 7. سلیمان بن عبد الملک، 8. عمر بن عبد العزیز، 9. یزید بن عبد الملک، 10. هشام بن عبد الملک، 11. الولید بن یزید، 12. یزید بن الولید، 13. إبراهیم بن الولید، 14. مروان الحمار.
اتّسمت سیرتهم باللهو، و اللعب، و الغناء، و الطرب، و شرب الخمور، و إحیاء الباطل، و إماتة السنة، و إظهار البدعة، و وضع الأحادیث و العبث بأحادیث الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم، و مصادرة الأموال، و بث روح العصبیة العربیة، و إثارة النزاعات القبلیة، و إعادة المسلمین إلی الجاهلیة الأولی بالتفریق بین العرب و غیرهم من المسلمین، و قتل أهل البیت علیهم السّلام. و فی زمانهم کانوا یختمون علی أعناق الصحابة و التابعین علی أنهم عبید للخلیفة، و کانوا یسجنون النساء و یأتی من أراد الزنا فیدخل إلی السجان و یختار من النساء و یقضی وطره مقابل مبلغ من المال، و فی زمانهم کانت تبقر بطون النساء الأسری کما حصل لقبیلة تغلب حیث بقرت بطون ألفین من نسائها. و من أسباب زوال ملکهم کما جاء فی المجلد الثالث من مروج الذهب للمسعودی: ص 241 ما یلی: عند ما سئل أحد وجهاء بنی أمیة عن سبب زوال ملکهم قال: «إنا شغلنا بلذّاتنا عن تفقد ما کان تفقّد یلزمنا، فظلمنا رعیّتنا؛ فیئسوا من إنصافنا، و تمنّوا الرّاحة منّا، و تحومل علی أهل خراجنا فتخلّوا عنّا، و خرجت ضیاعنا، فخلت بیوت أموالنا، و وثقنا بوزرائنا، فآثروا مرافقهم علی منافعنا، و أمضوا أمورا دوننا أخفوا علمها عنّا، و تأخّر عطاء جندنا، فزالت طاعتهم لنا، و استدعاهم أعادینا، فتضافروا معهم علی حربنا، و طلبنا أعداءنا فعجزنا عنهم لقلة أنصارنا، و کان استتار الأخبار عنّا من أوکد أسباب زول ملکنا».
و قامت فی عهدهم عدة ثورات منها: 1. ثورة الإمام الحسین علیه السّلام، 2. ثورة أهل المدینة بقیادة عبد اللّه بن حنظلة، 3. ثورة أهل مکة بقیادة عبد اللّه بن الزبیر، 4. ثورة المختار، 5. ثورة مصعب بن الزبیر، 6. ثورة زید بن علی، 7. ثورة بنی المهلب.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 56
معاویة «1» یختلف عن أسلوب یزید، و أسلوب یزید یختلف عن
______________________________
(1) معاویة بن صخر بن حرب بن أمیة الأموی، مؤسس الدولة الأمویة فی بلاد الشام، و أمّه هند بنت عتبة، المشهورة بالزنا و قد هجاها الشاعر حسان بن ثابت بالزنا و بمحضر الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم و لم ینکر صلی اللّه علیه و آله و سلم علیه ذلک، کما ذکر الزمخشری فی ربیع الابرار و ابن أبی الحدید فی شرح النهج، و الملقبة ب «آکلة الأکباد» لأکلها کبد سیدنا حمزة علیه السّلام عم الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم، و کان ابوه من المؤلفة قلوبهم، ولد بمکة سنة 20 قبل الهجرة، أسلم یوم الفتح سنة 8 ه، لعنه الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم فی عدة احادیث، منها: (اذا رأیتم معاویة علی منبری فاقتلوه)، (اذا رایتم معاویة بن ابی سفیان یخطب علی منبری فاضربوا عنقه)، ولّاه عمر بن الخطاب الأردن ثم دمشق معها، و ولّاه عثمان بن عفّان کلّ بلاد الشام، عزله الإمام أمیر المؤمنین علیه السّلام من منصبه ثم حاربه فی واقعة صفین، التی کانت المیزان فی تشخیص الباغی لدی الصحابة، حیث قال النبی صلی اللّه علیه و آله و سلم لعمار بن یاسر: «یا عمار، تقتلک الفئة الباغیة» و قد استشهد فیها مع الإمام علیه السّلام سبعة و ثمانون رجلا من اهل بدر، أمثال عمار بن یاسر و أویس القرنی و جندب الخیر، منهم سبعة عشر رجلا من المهاجرین و سبعون من الانصار و ألف و ثمانمائة من الصحابة منهم ثمانمائة من أصحاب بیعة الرضوان، الذین عبر عنهم الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم قائلا: «أنتم خیر أهل الارض». مات معاویة فی دمشق سنة 60 ه (680 م) بعد أن حکم 20 سنة فی الخلافة و حکم 40 سنة فی الإمارة، أشهر فضائله؛ هی ما جاء عن ابن خلکان فی وفیات الأعیان فی ترجمة النسائی، عند ما سئل عن معاویة و ما روی من فضائله، قال: «ما أعرف له فضیلة إلّا (لا أشبع اللّه بطنه)»؛ و هذه الکلمة قالها الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم فی حقّه، انظر شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید: ج 4 ص 55، و أسد الغابة: ج 4 ص 386.
من مثالب معاویة أنه أول من استعمل الولاة النصاری امثال ابن آثال علی خراج حمص، و أول من استکتب النصاری، و أول من جعل التختم بالیسار نکایة بالرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم الذی سنّ التختم بالیمین، و أول من رفع الرءوس علی الرماح بعد احتزازها فی الاسلام، و اوّل من دفن المسلمین أحیاء، و أول من أتخذ الخصیان خدما له، و أول من جعل ابنه ولیا للعهد، و أول من قتل مسلما صبرا حجرا و أصحابه، و أول من اسقط البسملة عن السورة بعد الفاتحة فی الصلاة. فلما تمت الصلاة ناداه المسلمون من کل مکان. یا معاویة: اسرقت الصلاة أم نسیت؟!. و قد أشار إلی ذلک السید شرف الدین العاملی فی کتابه المسائل الفقهیة. یقول الإمام الباقر علیه السّلام: (سرقوا أکرم آیة فی کتاب اللّه، بسم اللّه الرحمن الرحیم)، و فی حدیث عن الإمام الصادق علیه السّلام: (ما أنزل اللّه کتابا إلّا و تحته بسم اللّه الرحمن الرحیم) و فی تفسیر البرهان: ج 1 ص 412 عن الإمام الباقر علیه السّلام (ما لهم قاتلهم اللّه عمدوا الی اعظم آیة فی کتاب اللّه فزعموا أنها بدعة إذا أظهروها و هی بسم اللّه الرحمن الرحیم). کما أنه فرّق الأمة الاسلامیة حیث کتب إلی عماله فی جمیع الأمصار أن
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 57
______________________________
یسبوا الصحابة أمثال علی بن أبی طالب علیه السّلام، کما أنه حوّل الحکومة إلی استبدادیة و شخصیة و جعل البلاد إرثا له و لأقربائه و أستمر علی منهج ابو بکر و عمر فی المنع من تدوین الحدیث الشریف، و جعل مقابل ذلک سرد القصص الخیالیة و الخرافیة منهجا ینوب عن الحدیث الشریف، و هذا المنهج هو الذی جعل أهل الخلاف یفتقدون إلی النصوص فی مجال التشریع، مما دعا فقهائهم الی التخبط فی البحث عن بدائل کالقیاس و الاستحسان و سد الذرائع و سنة الخلفاء و رأی أهل المدینة، و جمّد الحرکة الفکریة الإسلامیة عبر القضاء علی الصحابة؛ فقد قتل عمار بن یاسر و حجر بن عدی الکندی و أصحابه و محمد بن أبی بکر و مالک الأشتر و عمرو بن الحمق الخزاعی رضی اللّه عنه و الإمام علی و الإمام الحسن علیه السّلام و عبد الرحمن بن خالد، و قضی علی المعارضة الداخلیة بتوجیه الناس إلی الحروب الخارجیة؛ و قد أشار لعثمان بذلک حیث قال له: «رأی لک یا أمیر المؤمنین، أن تأمرهم بالجهاد یشغلهم عنک و أن تجمهرهم فی المغازی حتی یذلّوا لک فلا یکون همّ أحدهم إلّا نفسه»، و کان یأخذ علی التهمة و الظنة حتی کان الرجل یسقط بکلمة فیضرب عنقه، و استعان بمن لعنهم رسول اللّه فی توطید حکمه أمثال عمرو بن العاص و مروان بن الحکم و الولید بن عقبة و سمرة بن جندب و بسر بن أرطاة، و کتب إلی عماله و ولاته فی جمیع البلاد و الأمصار أمثال بسر بن أرطاة، والیه علی المدینة و مکة و الیمن؛ و سفیان بن عوف الغامدی والیه علی الأنبار و المدائن ألا یجیز لأحد من شیعة علی علیه السّلام و لا من أهل بیته و لا من أهل ولایته، الذین یرون فضله و یتحدثون بمناقبه شهادة، و کتب أیضا: «انظروا من یحب علیا و أهل بیته فامحوه من الدیوان و لا تجیزوا له شهادة»، و فی کتاب آخر: «من اتهمتموه- أنه محب لعلی- و لم تقم علیه بینة فاقتلوه»، فقد قتل بسر بن أرطاة ثلاثین ألف انسان و أحرق قوما بالنار. و عند ما أغار علی بنی همدان سبی النساء و عرضهن فی الأسواق، و کان یکشف عن سوقهن فأیتهن کانت أعظم ساقا أشتریت علی عظم ساقها کما ذکر ذلک فی سفینة البحار: ج 1 ص 161، و أمر سفیان بن عون الغامدی حین أرسله للعراق:
«اقتل من لقیته ممن هو لیس علی مثل رأیک و أخرب کل ما مررت به من قری»، و أخذی سفیان بقتل الناس و سبی النساء و سرقة الأموال و عرض الناس علی البراءة من الإمام علی علیه السّلام کما یفعل فی هذا الزمان سنة 1426 ه الوهابیون التکفیریون بشیعة العراق، فإنهم یقتلون الناس رجالا و نساء و أطفالا- بقطع رءوسهم أو رمیهم بالرصاص بعد تعذیبهم- علی الهویة الصادرة من أی محافظة أو علی الاسم أو طلب البراءة من أهل البیت علیهم السّلام و کل من یذبح عشرة من الشیعة یلقب بالأمیر. یقول الجاحظ ان قوما من بنی أمیة قالوا لمعاویة: «إنک قد بلغت ما أمّلت، فلو کففت عن لعن هذا الرجل- أی علی-. فقال: لا و اللّه حتی یربو علیه الصغیر و یهرم علیه الکبیر و لا یذکر له ذاکر فضلا. راجع الکنی و الألقاب:
ج 1 ص 89. و قد تفرغ معاویة لمحاربة شیعة الإمام علی علیه السّلام و تتبعهم قتلا و تشریدا حتی
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 58
أسلوب عمر بن عبد العزیز «1»، و هم یختلفون عن أسلوب الولید بن
______________________________
أصبح الشیعی فی زمن الامویین یفضّل أن یقال عنه کتابی و لا یقال عنه شیعی، کما جاء فی الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة: ج 1 ص 214- 215، للمزید راجع بحار الأنوار: ج 44 ص 125 ب 21 ح 16، الغارات: المجلد الثانی، تاریخ بغداد: ج 1 ص 207، أسد الغابة: ج 4 ص 385، الإصابة: ج 6 ص 120، شذرات الذهب: ج 1 ص 65، تهذیب التهذیب: ج 3 ص 276 و ص 472 و ج 10 ص 472، الکامل فی التاریخ: ج 3 ص 76، وفیات الأعیان: ج 1 ص 77، منهاج البراعة: ج 7 ص 142- 143، الکنی و الألقاب: ج 1 ص 214، تفسیر العیاشی: ج 1 ص 19 ح 4، تفسیر البرهان: ج 1 ص 42، النصائح الکافیة لمن تولی معاویة، لمحمد بن عقیل بن عبد اللّه، تاریخ الخلفاء للسیوطی: ص 158، البدایة و النهایة: ج 8 ص 124، السیرة النبویة: ج 3 ص 96، الاستیعاب فی معرفة الاصحاب: القسم الثالث ص 1420، شرح نهج البلاغة لابن ابی الحدید: ج 4 ص 57 و ج 11 ص 44- 47، سیر أعلام النبلاء: ج 3 ص 119، سفینة البحار: ج 1 ص 157- 162، النص و الاجتهاد: ص 319 المورد 88- 97.
(1) عمر بن عبد العزیز بن مروان بن الحکم، ثامن خلفاء بنی أمیة، ولد سنة 61 ه (681 م) و قتل فی دمشق بالسم سنة 101 ه (720 م)، حکم من سنة 99 ه (717 م) و إلی سنة 101 ه (720 م) و قد حکم سنتین و خمسة أشهر و أربعة عشر یوما، و ممّا یؤخذ علیه فی فترة حکمه تغاضیه عن بنی مروان و ما اغتصبوه و نهبوه من أموال و أراض فی أیام الحکام السابقین و التی تقدر بثلث ما بحوزة الناس من أموال، و إقراره ببقاء یزید علی ولایة العهد رغم ما عرف به من انشغال باللهو و اللذات، و ممّا یؤخذ علیه أیضا تسامحه مع الیهود و النصاری الذین سعوا فی الأرض فسادا، و لم یتمکن المظلومون فی عهده من الاحتجاج علی الأعمال التی اقترفها بنو أمیة أو ذکرهم بسوء أو کشف حقائقهم و مثالبهم و مظالمهم.
راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید: ج 17 ص 103. و قد ذکر ابن أبی الحدید فی شرحه: ج 4 ص 58- 59 قصة عمر بن عبد العزیز و نهیه عن سب الإمام أمیر المؤمنین علی علیه السّلام قائلا: «کنت غلاما أقرأ القرآن علی بعض ولد عتبة بن مسعود، فمرّ بی یوما و أنا ألعب مع الصبیان، و نحن نلعن علیا. فکره ذلک و دخل المسجد فترکت الصبیان، و جئت إلیه لأدرس علیه وردی، فلما رآنی قام فصلّی و أطال فی الصلاة- شبه المعرض عنی- حتی أحسست منه بذلک، فلما انفتل من صلاته کلح فی وجهی، فقلت له: ما بال الشیخ؟ فقال لی: یا بنی، أنت اللاعن علیا منذ الیوم؟ قلت: نعم. قال: فمتی علمت أن اللّه سخط علی أهل بدر بعد أن رضی عنهم؟ فقلت: یا أبت، و هل کان علیّ من أهل بدر؟ فقال: ویحک و هل کانت بدر کلها إلّا له؟! فقلت: لا أعود. فقال: و اللّه أنک لا تعود. قلت: نعم. فلم ألعنه بعدها، ثم کنت أحضر تحت منبر المدینة و أبی یخطب یوم الجمعة و هو حینئذ أمیر المدینة، فکنت
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 59
یزید «1»، فلم تکن لهم منهجیة واحدة بل عدّة منهجیات، و الاسم الواحد لا
______________________________
أسمع أبی یمر فی خطبه تهدر شقاشقه حتی یأتی إلی لعن علی علیه السّلام فیجمجم و یعرض له من الفهاهة و الحصر ما اللّه عالم به، فکنت أعجب من ذلک. فقلت له یوما: یا أبت، أنت أفصح الناس و أخطبهم، فما بالی أراک أفصح خطیب یوم حفلک حتی إذا مررت بلعن هذا الرجل صرت ألکن؟ فقال: یا بنی، إنّ من تری تحت منبرنا من أهل الشام و غیرهم لو علموا من فضل هذا الرجل ما یعلمه أبوک لم یتبعنا منهم أحد، فوقرت کلمته فی صدری مع ما کان قاله لی معلمی أیام صغری، فأعطیت اللّه عهدا لئن کان لی فی هذا الأمر نصیب لأغیّرنه، فلما منّ اللّه علیّ بالخلافة أسقطت ذلک، و جعلت مکانه إِنَّ اللّٰهَ یَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ وَ إِیتٰاءِ ذِی الْقُرْبیٰ وَ یَنْهیٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْکَرِ وَ الْبَغْیِ یَعِظُکُمْ لَعَلَّکُمْ تَذَکَّرُونَ و کتب به إلی الآفاق فصار سنّة. و کذا راجع الأعلام للزرکلی: ج 5 ص 209، تاریخ الیعقوبی: ج 2 ص 301، تاریخ الطبری: ج 5 ص 318.
(1) الولید بن یزید بن عبد الملک: ولد سنة 88 ه (707 م) و قیل سنة 90 ه کما عن تاریخ الخلفاء، و قتل من قبل جنده فی الحرب التی وقعت بینه و بین ابن عمه یزید بن الولید سنة 126 ه (744 م)، من حکام بنی أمیة، و یعد الحاکم الحادی عشر و حکم سنة واحدة و شهرین. أجمع أرباب التاریخ علی کفره و زندقته، و عرف باستحلاله لکل حرمة، و ارتکابه لکل بدعة، و اقترافه لکل موبقة، فقد سلّ سیف البغی علی رقاب العلویین، و شدّد الحصار علی شیعة أهل البیت و أئمتهم علیهم السّلام.
و انتشرت فی زمانه الدعارة، و المجون، فقد جاء فی التاریخ أنه أزال بکارة ابنته و زنا بجواری أبیه اللائی ولدن له أولادا، و جاء فی تاریخ الخلفاء للسیوطی: ص 201: أنه اشتهر بالتلوط حتی أنه راود ابن عمه سلیمان علی نفسه، و کان یتظاهر بالفسق، و کان مشهورا بالالحاد کما ذکر ذلک الزرکلی فی کتابه الأعلام: ج 9 ص 145. و هو أول من حمل المغنین من البلدان إلی البلاد الإسلامیة، و أظهر الشراب و الملاهی و العزف فی المجالس، حتی ذکر الطبری فی تاریخه: ج 5 ص 557: أنه شرب سبعین قدحا فی لیلة واحدة. کما أنه اتخذ فی قصره برکة فکان یملأها خمرا ثم یتعری و یدخل فیها و یشرب منها و یظل هکذا حتی یظهر النقص علیها، و فی إحدی الأیام أذّن المؤذن لصلاة الصبح و کان الولید فی حالة سکر و معه إحدی الجواری و أقسم أن تصلی الجاریة بالناس فألبسها لباس الخلافة و بعث بها إلی المسجد و هی فی حالة سکر و جنابة لتصلّی بالناس کما أنه أراد الحج لیشرب الخمر فوق ظهر الکعبة، و انتشر فی عهده المغنون أمثال ابن سریج، و معبد، و الغریض، و ابن عائشة، و ابن محرز، و دحمان. و فی مصادر التاریخ من أفعاله و أشعاره فی الفسق ما یأباه الذوق و العرف الاجتماعی، و قد عزم علی أن یبنی أعلی الکعبة فی بیت اللّه الحرام قبّة یشرب فیها الخمر، و یشرف منها سکران منتشیا علی الطائفین ببیت اللّه
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 60
یدلّ علی الحقیقة و إنّما یدلّ علی الإطار العام.

ضریبة الرأی العام

لیس هناک أحد إلّا فیما ندر من الأطفال أو السفهاء یستطیع أن یعتبر ما یفعله عملا سائغا عادلا مطابقا للواقع إذا ما اعتبره الآخرون عملا خاطئا منحرفا، و کذلک ما من أحد إلّا فیما ندر یمکن أن یعتبر نفسه بطلا إذا کان العالم یعتبره جبانا، أو یعتبر نفسه نزیها إذا کان العالم یعتبره شریرا، فإنّ الإسلام دائما ینسجم مع الاتجاه العام إلّا فی الحالات التی ینبغی السیر فی اتجاه آخر لبطلان الاتجاه السابق، و إلّا النادر من السفهاء الذین یرون صحّة
______________________________
الحرام.
و فی إحدی المرات، رأی آیات فی المصحف الشریف، تتحدث عن الحساب و الجزاء، فرمی المصحف بسهام و هو ینشد:
تذکرنی الحساب و لست أدری أ حقا ما تقول من الحساب فقل للّه یمنعنی طعامی و قل للّه یمنعنی شرابی
و مرة فتح القرآن فوجد ورقة فیها قول اللّه سبحانه و تعالی: وَ اسْتَفْتَحُوا وَ خٰابَ کُلُّ جَبّٰارٍ عَنِیدٍ. مِنْ وَرٰائِهِ جَهَنَّمُ وَ یُسْقیٰ مِنْ مٰاءٍ صَدِیدٍ، فمزق المصحف بسهمه و أنشد:
تهددنی بجبار عنید فها أنا ذاک جبار عنید إذا ما جئت ربک یوم حشر فقل یا رب مزّقنی الولید
کما ذکر ذلک فی کتاب حیاة الحیوان: ج 1 ص 103، و کتاب مروج الذهب: ج 3 ص 225- 228.
کما و اعتبر المسلمین عبیدا له، فیحدثنا التاریخ أنه کان یبیع الولایات الإسلامیة بما فیها، من الناس، و الموظفین، و الإمکانات، و الثروات؛ فعلی سبیل المثال: باع ولایة خراسان لنصر بن سیار، ثم بدا له أن یبیعها مرّة ثانیة لمن یدفع أکثر، فباعها بما فی ذلک والیها و عمّاله إلی یوسف بن عمر. للمزید راجع تاریخ الطبری و تاریخ السیوطی و الأغانی و المستطرف و مروج الذهب و حیاة الحیوان و عیون أخبار الرضا و العقد الفرید الجزء الرابع.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 61
أعمالهم أو فسادها، فإنّ السفیه کثیرا ما یکون منحرفا لکن یعتبر نفسه مصیبا، یقول الله سبحانه و تعالی: سَیَقُولُ السُّفَهٰاءُ مِنَ النّٰاسِ مٰا وَلّٰاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِی کٰانُوا عَلَیْهٰا «1»، و قال سبحانه و تعالی: وَ مَنْ یَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرٰاهِیمَ إِلّٰا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ «2»، إلی غیر ذلک ممّا نجده الآن منطبقا فی مجتمعاتنا و سائر المجتمعات التی تصل أخبارها إلینا، فإنّ أوّل قوة یملکها الناس هی قدرتهم علی توجیه السفیه أو الخارج عن التیار ضدّ نفسه و وضعه وفق طریق الآراء التی یعتنقونها بصرف النظر عن مدی مطابقتها للواقع؛ إذ الإنسان مهما کان علی صحّة أو بطلان، و المجتمع مهما کان علی سداد الرأی أو فساده فإنّه یعاقب المخالف؛ لذا کانوا یقتلون الأنبیاء کما قال سبحانه و تعالی: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِیٰاءَ اللّٰهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ کُنْتُمْ مُؤْمِنِینَ «3»، و حاولوا قتل نبی الله عیسی علیه السّلام لکن الله نجّاه و ألقی شبهه علی حاخام من الحاخامات فقتلوه، متصورین أنّه عیسی علیه السّلام؛ کما قال سبحانه و تعالی: وَ لٰکِنْ شُبِّهَ لَهُمْ «4»، و هذه هی ضریبة الرأی العام عند ما یکون مخالفا له.
و من أنواع الضریبة التی یدفعها المصلحون هی السخریة المکشوفة التی تحدّث عنها القرآن الکریم، یقول الله سبحانه و تعالی: یٰا حَسْرَةً عَلَی الْعِبٰادِ مٰا یَأْتِیهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلّٰا کٰانُوا بِهِ یَسْتَهْزِؤُنَ «5»، فکلّ الرّسل حسب هذا النص القرآنی کانوا یستهزأ بهم، کما و أن کلّ الرسل کانوا هدفا للقتل أو السجن و التعذیب
______________________________
(1) سورة البقرة: الآیة 142.
(2) سورة البقرة: الآیة 130.
(3) سورة البقرة: الآیة 91.
(4) سورة النساء: الآیة 157.
(5) سورة یس: الآیة 30.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 62
أو النفی کما قال سبحانه و تعالی: وَ هَمَّتْ کُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِیَأْخُذُوهُ وَ جٰادَلُوا بِالْبٰاطِلِ لِیُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ «1»، و فی آیة أخری: وَ اتَّخَذُوا آیٰاتِی وَ مٰا أُنْذِرُوا هُزُواً «2».
و کذلک النظرة إلی المنفرد- سواء کان منفردا نادرا أو منفردا شاذا- بازدراء بإبداء إشارات غیر مؤدّبة أو مؤذیة.
هکذا یعتبر الرأی العام المحور الأساسی فی الأخذ و العطاء بالاستحسان و الازدراء فی شکل انتقام اقتصادی أو اجتماعی أو سیاسی أو عنف جسمانی أو ما أشبه ذلک.
ثم إنّ الرأی العام المخالف لفرد أو جماعة قد یکون ظاهر الازدراء بالخارج، و قد یکون مخفی الازدراء بالخارج علی موازینه، أی لا یشعر الخارج بهذا الازدراء، فحاله حال الإکراه الأجوائی الذی یأتی الإنسان به فی غایة التسلیم و الرضی، فالعبید علی الأسلوب الغربی الذی ذکرناه فی کتاب العتق «3» و غیره، کانوا راضین بما یفعل بهم السادة من الإذلال و الاحتقار، و قد رأینا أنّ الحکومات الدیکتاتوریة فی بلاد الإسلام تقسّم الناس إلی طبقتین طبقة تسمّی ب (الألف) و طبقة تسمّی ب (الباء)، و فی العراق؛ قسّموا الناس إلی خمس طبقات: ألف، باء، جیم، دال، هاء، بالنسبة إلی شهادة الجنسیة؛ فهذا عراقی أصیل، و هذا عراقی من التبعیة الخارجیة، و هذا عربی غیر عراقی، و هذا من الدرجة الرابعة مثلا إیرانی فی الأصل أو باکستانی فی الأصل و ما أشبه ذلک، و علی رغم فداحة هذا التقسیم إلّا أنّ الغالب کانوا مجبرین علی هذا
______________________________
(1) سورة غافر: الآیة 5.
(2) سورة الکهف: الآیة 56.
(3) راجع موسوعة الفقه: کتاب العتق: ج 72 ص 317.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 63
التصنیف الذی صنفته الحکومة رغما علی أنوفهم «1».
______________________________
(1) و لا یخفی أن هذا التقسیم أوجده الاستعمار الإنجلیزی فی العراق سنة 1923 م لمعاقبة الشعب العراقی لموقفه من الاستعمار البریطانی و قیامه بثورة العشرین التحرریة، و استمرارا لسیاسته التی یحکم بها الشعوب، و هی: «فرّق تسد». إضافة لتحکیم سلطة الأقلیة للسیطرة علی الأکثریة.
و قد أشرف علی تنفیذ هذا القانون المیجر ویلنکنز مدیر التحقیقات الجنائیة و بیرسی کوت مفتش الشرطة، فقسم الشعب العراقی إلی طائفتین عثمانیة و غیر عثمانیة- التبعیة- فإذا حصل العراقی علی شهادة الجنسیة، فکان یکتب بالخط الأحمر علی الشهادة تبعیة أی أن أصله إیرانی. و وفق هذا القانون اعتبر الجورجی أو الترکی و من أشبه ممن یحملون الجنسیة العثمانیة مواطنین عراقیین و إن لم یروا العراق فی حیاتهم. أما ابن العراق المولود فیه و الساکن فیه و لا یحمل جنسیة المحتل العثمانی فلا یعتبر عراقیا. و وفق هذا القانون منحت الجنسیة العراقیة للأرمن و الآثوریین فی حین حرم المسلم الشیعی منها. و قد وضعت قیود جدیدة لقانون الجنسیة فی العهد الجمهوری سنة 1963 م و سنة 1972 م و سنة 1977 م، و علی الخصوص فی عهد صدام التکریتی. و نتیجة لهذه القیود فقد:
أ- حرم ملایین العراقیین من امتلاک الجنسیة و طردهم البعث العراقی من بلد آبائهم و أجدادهم عبر تهجیرهم إلی إیران.
ب- خلق فی المجتمع العراقی روح الطائفیة و المذهبیة.
ج- أدی إلی تفکیک الوضع العائلی و تشتیت الأسرة العراقیة. یقول الشاعر محمد مهدی الجواهری فی مذکراته: ج 1 ص 145: طفت بکل البلدان العربیة، و سألت فی بلدان عدیدة أخری عما إذا کان یوجد فی أی مجتمع نظیر لمثل هذه الفضیحة- الجنسیة-، أن یکون اهل البلد بعد انحسار الاحتلال الأجنبی- العثمانی- أجانب فی التبعیة إذا لم یثبت تمتعهم بجنسیة الأجنبی المحتل، فلم أجده، و لا أعتقد أنّ هناک من یقدر أنّ یردّ علیّ و یورد مثالا لذلک فی کل ما وجدته قبل و هذا.
و یلزم علی العراقیین و المنظمات الحقوقیة أن یقوموا برفع دعوی ضد هذا القانون الجائر و المطالبة بتعویضات قانونیة و مالیة لمن تضرر جراء تطبیقه. علما أنه فی البلاد المتقدمة کأمریکا و الدول الغربیة یحق لمن ولد فی تلک البلدان أن یرشح نفسه للرئاسة، و یمنح من ولدته أمه فی طائرة تحلّق فی سماء و تحط فیها فی بعض بلدان الغرب یعتبر مواطن بحکم دستورها. و من المفارقات أن وزیر الخارجیة الأمریکی الأسبق هنری کسنجر من موالید ألمانیا و التحق بنفسه لا بأبیه و لا بأمه لیصبح وزیرا لأهم وزارة فی موطنه الجدید.
عن قانون الجنسیة العراقی راجع کتاب: من هو العراقی للدکتور عبد الحسین شعبان.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 64

الهند و تعدد الطبقات

و هکذا صارت الهند مقسّمة مشتتة، حتی أنّ المنبوذین قبلوا لأنفسهم أن یکونوا أنجاسا و من المخلوقات الدانیة المنبوذة.
و فی التاریخ یذکر أنّ المجتمع الهندوسی کان مقسما إلی أربع طبقات، و یعتقدون أنّ هذه الطبقات لا یمکن إزالتها؛ لأنّها تقسیمات أبدیة من خلق الله سبحانه و تعالی.
و هذه الطبقات کما ورد فی قوانین «مانو» «1»:
الطبقة الأولی: البراهمة «2»؛ الذین خلقهم الإله «براهما» من فمه، فمنهم الکاهن و المعلم و القاضی، و لا یجوز تقدیم القرابین إلّا فی حضرتهم، فهم المتعلّقون بالإله مباشرة؛ لأنّهم خلقوا من أعلی جسمه، من الجزء الشریف من جسده؛ و هو الفم.
الطبقة الثانیة: الکاشتر؛ المخلوقون من وراء الإله فی اعتقادهم، و هم حملة السلاح، المحاربون الذین یحفظون البلاد من اعتداء المعتدین، فإذا أراد معتد أن یعتدی علی بلادهم فإنهم یدافعون عنها.
______________________________
(1) المانو: معناه الأب الإلهی للجنس البشری. و تطلق علی القوانین التی ألفت بین 200 ق. م إلی 200 ب. م. و هی عبارة عن اثنی عشر جزءا، و تعالج الأجزاء الستة الأولی منها: خلق العالم و طبقة البراهمانیین، و یتناول الجزء السابع الملک و واجبته، و الثامن و التاسع القوانین سواء کانت قوانین تتعلق بالمسائل القضائیة أو القروض و التعاقد و التجارة و السرقة و الجروح و الزواج و الطلاق و الزنا و المیراث و المسئولیة و واجبات الطبقة و الخلافات الطبقیة، و یتناول الجزء العاشر الطبقات، و الحادی عشر الطقوس التفکیریة، و الثانی عشر التناسخ و الخلاص.
(2) و هی مشتقة من جذر «بره» و معناها النزوع للقوی، و تطلق علی الطبقة المتفوقة.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 65
الطبقة الثالثة: الویش «1»، و خلقوا من فخذ الإله بزعمهم و هم المزارعون و التجّار و من أشبههم من الکسبة و الحرفیون.
الطبقة الرابعة: الشدر أو الشودرا، و هم المخلوقون من رجل الإله، و هم الخدم الذین یطلق علیهم طبقة الأنجاس و المنبوذین، و هم أصحاب المهن الحقیرة، و هؤلاء بزعمهم جمیعا و حتّی بزعم أنفسهم خلقوا لخدمة الطوائف الثلاث السابقة.
و کلّ الطوائف الأربع تعتقد أنّ هذا النظام المقدّس ینتهی بهم بعد موتهم إلی الإله فی زعمهم، و کلّما ظهر مصلح کغاندی «2» و غیره و أراد أن یحسّن
______________________________
(1) و تسمی کذلک بطبقة فایشیاس.
(2) موهانداس کرمشند غاندی الملقب بالمهاتما- صاحب الروح العظیمة-، ولد فی «بور باندار» الهندیة سنة 1286 ه (1869 م)، ینتمی إلی طبقة لویش- و هم الحرفیون و الفلاحون- درس فی الهند حتی سن الثامنة عشرة ثم ذهب إلی لندن لدراسة الحقوق.
و فی سنة 1889 م سافر إلی جنوب إفریقیا بعد ان ارسله بیت تجاری الی هناک لتسویة قضیة ما، و أخذ یتعرّف علی الحالة السیئة للمهاجرین الهنود، فاستقر محامیا هناک و أخذ یطالب بحقوق الهنود ثم عاد الی الهند سنة 1915 م، و بدأ کفاحه السلمی لتحریر الهند من الإنجلیز سنة 1337 ه (1919 م) و حکم علیه بالسجن مدة ست سنوات باعتباره محرّضا علی الثورة و لکن عفی عنه سنة 1924 م. تزعم حزب المؤتمر الهندی لعدة دورات، وسعت جهوده إلی تحریر الهند من الاستعمار البریطانی عبر وسیلة المقاومة السلبیة- اللاعنف- و العصیان المدنی و عدم دفع الضرائب و مقاطعة البضائع الأجنبیة و سیاسة عدم التعاون بالامتناع عن العمل و الصوم، و قد استعمله کوسیلة سیاسیة و اجتماعیة لمدة ثلاثة عقود للتحرر من الهیمنة الإنجلیزیة و إلغاء التمییز الداخلی بین طبقات الشعب الهندی، و التوفیق بین الهندوس و المسلمین، و قد کلّفه صراعه أن یدخل السجن عدّة مرات، و اغتیل سنة 1367 ه (1948 م) من قبل هندوسی متشدد عند ما وضع نهایة لآلام بقرة طویلة و شاقة بتجریعها سما سریع المفعول، و کان هذا بنظر مریدیه من الهندوس فضیحة مما سبب اغتیاله. من مؤلفاته: «قصة تجاربی مع الحقیقة» عن تجربة الهند و یومیاتها و أحداثها و وقائعها راجع الکتب التالیة: عند قدمی غاندی للمؤلف براسات، و لمحات من تاریخ العالم لنهرو.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 66
أوضاع الطبقة الرابعة أو یجعل التساوی بین الطبقات بأن یکونوا سواسیة کأسنان المشط علی التعبیر الإسلامی. فإنهم یأبون هذا الإصلاح، و یصرّون علی تعدّدیة الطبقات بینهم، و هذا الاعتقاد منهم کاعتقادهم بتقدیس البقرة و احترامها و التبرّک بأبوالها و حرمة ذبحها و شرب بعض قطرات البول فی العید الوطنی لهم.
و قد سئل نهرو «1» و هو رجل مثقّف تخرج من الغرب: کیف تشرب البول فی هذا العید، و أنت رجل مثقّف و تعلم أنّ البقرة لیست إلها؟
أجاب: «إنّ هذه تقالید یجب أن نحترمها»، أی إنّ الرأی العام إذا قرّر شیئا، فاللازم علینا أن نتّبع هذا الرأی العام إمّا طوعا أو کرها أجوائیا.

الرأی العام و القوالب الجاهزة

و الرأی العام قد یکون نابعا من النفس و مستندا إلی حقائق نفسیة کما تقدّم، و قد یکون بسبب صبّ جماعة و طائفة من الصالحین و المفسدین قوالب خاصّة للرأی الموحّد عند العموم، فإنّه کما أنّ الطباعة العالیة تقوم بصبّ حروف خاصّة فی صفحة معیّنة ثمّ تستخدم نسخا متکرّرة و مطبوعة من النسخة الأصلیة التی هی القالب المأخوذ بدوره من الحروف المکتوبة و المسکوبة، کذلک عقول الناس تصبّ فی قوالب خاصّة جاهزة، و هذه العقول لا تنتج إلّا نفس الآراء العامة المصبوبة فیها علی النمط التی صبّت علیه، و هذا هو الحال
______________________________
(1) جواهر لال نهرو بن موتیلال، ولد سنة 1889 م و مات سنة 1964 م، اشترک مع المهاتما غاندی فی استقلال الهند، سجنه البریطانیون أکثر من مرة، أصبح رئیسا للوزراء من سنة 1947 م إلی سنة 1964 م، شارک فی تأسیس دول عدم الانحیاز. راجع موسوعة المورد:
ج 7 ص 112، الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة: ج 8 ص 3518.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 67
فی آراء الشیوعیین و البعثیین و القومیین، و کذلک الاستخبارات فإنّهم یصبّون فی قوالب معیّنة، و هذه القوالب المعیّنة یکرّرها من أصغر أفرادهم إلی أکبر أفرادهم، و حیث أنّ الناس غیر معتادین علی التفکیر إلّا فی أمورهم الشخصیة المعاشیة کالمأکل و المشرب و المنکح و المسکن و المرکب و ما أشبه ذلک، و لا یتعبون أنفسهم فی التفکیر فیما عدا ذلک، فإن بعض الناس یستغلون هذه البساطة فی عقول الناس سواء کان ذلک البعض من الصالحین أو الفاسدین.
فیملئونها بما یریدون من حقّ أو باطل، و نور أو ظلام، و عدالة أو ظلم. و قد استغل هتلر هذه البساطة فی إفساد شعبه و فی إشعال فتیل الحرب العالمیة الثانیة، فمن أقواله المنقولة: «علیک بإعادة القصّة مرّات و مرّات و مرّات، ذلک أنّ الجماهیر لا تعلق بآذانها و ذاکرتها إلّا أکثر الأفکار بساطة، التی تتردّد و تتکرّر ألوف المرّات». فرتّب هتلر علی ذلک القول هدم الکنیسة التی کانت من أکثر العوامل تصدیقا، ذلک بأنّه ما دامت جماهیر الشعب فاسدة حتی قاع قلوبها، فإنّها بسبب بساطة و بدائیة عقولها تکون أکثر استعدادا للوقوع ضحیة للکذبة الکبری دون الکذبة الصغری، و ذلک لأنّ هذه الجماهیر ذاتها ربّما تکذب أیضا فیما یتعلّق بوقائع صغیرة و لکنها بکلّ تأکید تخجل خجلا أکثر ممّا ینبغی حین تطلق کذبة أکبر ممّا ینبغی «1».
و کان وزیر الإعلام الهتلری غوبلز «2» یقول الکذب المتکرّر فیلقی هذا
______________________________
(1) للمزید راجع کتاب «کفاحی» لهتلر.
(2) جوزیف غوبلز: سیاسی و صحفی و عضو فی البرلمان الألمانی، ولد سنة 1897 م، أصبح وزیرا للدعایة و الأنباء فی عهد هتلر، و له الفضل الکبیر فی إدخال النظم الدعائیة الحدیثة، حیث استخدم التکتیکات الحدیثة، و کانت دعایته مبتنیة علی العاطفة و إثارة المشاعر و التنویم المغناطیسی، فجعلت دعایته الناس یفقدون الإرادة ثم القدرة علی الفهم و القدرة علی الکراهیة، کما جاء فی کتاب الاعلام و الاتصال فی مجتمعاتنا: ص 204. و یری البعض
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 68
الأسلوب تصدیقا من النازیین حتّی کبارهم و الخریجین منهم من المعاهد العالیة، فیؤمنون بکلّ حرف ممّا یذکره هتلر، حتّی إنّ هتلر أحیانا کان یسحر بهذا السحر الغوبلزی.
و أذکر أن هتلر قال مرة بعد خطبة طویلة استغرقت ثلاث ساعات، سلط فیها الضوء علی ما یرید بطریقة خاصة: «إنّ الجمیع هم الآن تحت إبطی؛ لأنّی أخذت بمشاعرهم السمعیة و البصریة و استعداداتهم النفسیة، و الخطبة التی استغرقت منّی ثلاث ساعات، جعلت الناس کشمع العسل بیدی».
______________________________
أن دعایته مبتنیة علی برامج مبلّدة للذهن، اعتباطیة، و الهدف منها هو انقیاد الشعب الألمانی إلی العنف. و یری البعض الاخر أن دعایته مبتنیة علی نظریة غوستاف لوبون التی طرحها فی کتابه سیکولوجیة الجماهیر، و الذی صدر سنة 1895 م و ترجم إلی أکثر من عشر لغات عالمیة، و تنص هذه النظریة علی استخدام الفکرة المجازیة و الصور الموحیة و لغة الشعارات البسیطة أو القاطعة- التی تفرض نفسها دون مناقشة- التی تعتمد علی قوانین الذاکرة و الخیال التحریضی، فالدعایة عنده ذات أساس عاطفی- غیر عقلائی و منطقی- باعتبار أن الناس لا یقتنعون إلّا بالصور الإیحائیة و الشعارات الحماسیة للأوامر المفروضة من سلطة علیا. و کان غوبلز یقضی علی خصومه فی الصحافة بعنف فی ظل الحصانة البرلمانیة. و له کتاب یتحدّث فیه عن مذکراته الشخصیة. انتحر فی الأول من أیار سنة 1945 م مع زوجته و أولاده فی برلین خلال الساعات الأخیرة من تاریخ الرایخ الثالث. و من مقولاته. اکذب ثم اکذب ثم اکذب حتی یصدقک الآخرون، باعتبار أن الکذب المتکرر علی الناس سیدفعهم إلی تصدیقها.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 69

الرأی العام فی سیاقه التاریخی

اشارة

مسألة: إنّ الرأی العام لیس ولید أزمات هذا العصر، أو عصر الثورة الصناعیة أو ما قبل ذلک بقلیل، بل إنّ الرأی العام موضع احترام الجمیع من قدیم الزمان «1»؛ حیث أنّ الإنسان بفطرته یرغب فی موافقة العموم، و لهذا فمنذ القدم راج مصطلح صوت الشعب و الشئون العامّة و المصلحة العامّة «2» و ما أشبه ذلک.
و هو یطلق علی الرأی العام سواء کان بصدق و حق أو بسبب تستر الدیکتاتور وراء هذه الأمور، مثلا: الدیکتاتور رأیه کذا، فیقول:
إنّ الرأی العام کذا، أو الشعب رأیه کذا، أو المصلحة العامة تقتضی کذا أو ما أشبه ذلک، فمن راجع تاریخ الأدیان و الحضارات و القوانین، یری لفظ الرأی العام أو ما یرادفه موجودا فی الکثیر من أدبیات الشعوب.
______________________________
(1) یری البعض أنّ انطلاقة الرأی العام ترجع إلی بدایة ظهور الأدیان السماویة، کما یری البعض أنه جاء فی أدبیات الیونانیین و الرومانیین و کانت تتجلی صوره فی السحر و الشعوذة، و قد عبر المصریون عنه بتألیه الفرعون الحاکم و تقدیس الکهنة و تشیید المعابد الفاخرة و إقامة الأهرام و المسلات الشاهقة و ابتداع الطقوس الدینیة و ارتداء التیجان الذهبیة.
للمزید راجع کتاب: الرأی العام و تاثره بالإعلام و الدعایة الکتاب الأول: ص 58 للدکتور محمد عبد القادر حاتم.
(2) استخدم هذه المصطلحات الإغریق و الرومان کما استخدم الیونانیون صوت الجمهور، و یقال أن المفکر جان جاک روسو أول من استخدم تعبیر الرأی العام.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 70
و لا فرق هنا بین کون الرأی العام دینیا صحیحا أو مزیفا، کرأی الکنیسة فی إحراق العلماء فی القرون الوسطی، أو أن یکون دنیویا کرأی مکیافیللی «1» فی کتابه «الأمیر»، بقوله: «هذا صوت الشعب»، و الذی لا یعدو أن یکون لفظا بدیلا عن الرأی العام أو المصلحة العامّة أو ما أشبه ذلک، و قد یبدّل لفظ الرأی العام بأنّه بمقتضی الحکمة أو السلوک القویم أو العدل أو نحو ذلک من الألفاظ.
و وسائل الإعلام منذ القدم کانت أمرا فاعلا فی تکوین الرأی العام، و لهذا نجد کل من یعتقد بمبدإ یری من الضروری أن تکون له صحیفة ناطقة باسمه أو أیة وسیلة إعلامیة أخری کالمذیاع و التلفاز.

الغرب و الرأی العام

و فی القرن الثامن عشر المسیحی «2» حقق الرأی العام أمورا فی غایة
______________________________
(1) نیکولا مکیافیللی، أدیب و سیاسی و کاتب مسرحی و مؤرخ إیطالی، ولد سنة 1469 م و مات سنة 1527 م، دخل سلک الحکومة الإیطالیة بضع سنوات، فتولی فیها مناصب إداریة و دبلوماسیة و عسکریة، و یعدّ من منظری البرجوازیة، و هو صاحب فکرة الجیوش المجنّدة الدائمة، إذ کان وراء قانون سنة 1506 م الذی فرض الخدمة الإلزامیة علی الأفراد الذین تتراوح أعمارهم بین الثامنة عشر و الثلاثین سنة. و قد اعتبر المکیافیللی الرأی العام عنصرا یجب أن یؤخذ بالحسبان فی عملیة الصراع من أجل السلطة. من مؤلفاته: فن الحرب، تاریخ فلورنسا، الأمیر، و الذی ألّفه سنة 1513 م و أهداه إلی حاکم فلورنسا، و سوغ فیه للحاکم اتخاذ کل وسیلة تکفل استقرار حکمه و استمراره و لو کانت منافیة للدین و الأخلاق و القیم الإنسانیة علی أساس «الغایة تبرر الوسیلة».
(2) الذی یسمی بعصر التنویر، و یتمیز بخصائص، منها: 1- الإیمان بالتقدم المستمرّ نحو الغایة الأصلیة للإنسانیة 2- جعل العقل الحکم المطلق فی کل شی‌ء 3- إخضاع کل العقائد و التقالید الموروثة لحکم العقل 4- النزعة الفردیة التی تجعل من الفرد من حیث حریته و استقلاله الأساس لکل تقویم سواء کان ذلک فی الفن أو الأخلاق أو العلم أو الدین.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 71
الأهمیّة بالنسبة إلی الغرب، مثل قیام الثورتین الفرنسیة و الأمریکیة، اللّتین حققتا رغبات الناس الذین کانوا فی ضیق و حرج من الحکومات المستبدّة، و قد ظهر فی الغرب قبل القرن الثامن و بعده مفکّرون یسمّونهم بالأحرار، وافقوا علی هذا الرأی العام و قاموا بنشره، و من هؤلاء الفلاسفة: مونتسکیو «1»، و فولتیر «2»، و روسو «3»،
______________________________
(1) شارل لوی دی سیکوندا، بارون دی لا یرید و دی المشهور ب «مونتسکیو»، ولد سنة 1689 م، و مات سنة 1755 م عن عمر یناهز 66 سنة، کاتب، و مؤرخ، و فیلسوف فرنسی، له باع فی تنظیر إیدیولوجیة الملکیة الدستوریة، تولی منصب رئیس مجلس النواب فی مدینة بوردو. له عدة مؤلفات، منها: «روح القوانین» و یحلل فیه مختلف أشکال الحکومة، و یمیز فیه بین السلطات الثلاثة- التنفیذیة و التشریعیة و القضائیة- و یظهر فیه أن هذه السلطات ینبغی أن تکون منفصلة تماما بعضها عن بعض من أجل المحافظة علی الحریة فی الدولة و أن تجمیع السلطات الثلاثة فی ید واحدة یضاعف خطر الاستبداد. و قام علی أساس کتابه هذا دستور أمریکا سنة 1789 م، و منها «رسائل فارسیة» و هو نقد للمجتمع الأوربی، «نظرات فی أسباب عظمة الرومان و انحطاطهم». راجع الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة:
ج 7 ص 3402.
(2) فرانسوا ماری أرویه و مشهور ب «فولتیر»، ولد سنة 1694 م فی باریس، و مات سنة 1778 م، کاتب و مؤرخ و فیلسوف، عمل جاهدا ضد أفکار الکنیسة و حکمها المطلق، سجن فی الباستیل أحد عشر شهرا، و فی مرة أخری سنتین، و یعد المفکر الإیدیولوجی للثورة الفرنسیة. من أقواله: «إن الکتب تحکم العالم أو علی الأقل تحکم الأمم ذوات اللغات المکتوبة، أما ما سواها فلا تدخل فی الحساب». و کان یعتقد «أن ثلاثة عوامل تؤثر فی الفکر البشری: المناخ و نوع الحکم و الدین. و عبر هذه الأمور نستطیع أن نفسّر لغز العالم». من مؤلفاته:
رسائل فلسفیة، تاریخ شارل الثانی عشر، و قد جمعت آثاره فی سبعین مجلدا. راجع:
عظماء و مشاهیر معاقون: ص 177.
(3) جان جاک روسو، کاتب و فیلسوف و عالم اجتماع و منظّر سیاسی فی عصر التنویر، ولد فی جنیف سنة 1712 م، عمل معلما ثم سکرتیرا بسفارة فینیسیا، و مات سنة 1778 م، مهدت مؤلفاته لاندلاع الثورة الفرنسیة و انبثاق الحرکة الرومانتیکیة فی آن واحد، من اعتقاداته: أن المجتمع یفسد الإنسان الصالح بفطرته. کما کان یعتقد بالمذهب التجریدی، و أن المساواة الاجتماعیة تحتاج إلی المساواة فی الحقوق و الواجبات السیاسیة و احترام
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 72
و دیدرو «1»، و توماس بین «2»، و جون لوک «3»، و من
______________________________
الإرادة العامة و أن یسود المجتمع نظام تعلیم عام. له عدة مؤلفات، منها: «فی العقد الاجتماعی» الذی ألّفه سنة 1762 م و حلل فیه المجتمع البشری و أبدی رأیه فی الاستبداد، و ذکر بأنّ الحریة هی جزء من تکوین الإنسان و بدون الحریة یتحول الانسان إلی جماد، «أصل التعاون بین البشر»، «الاعترافات»، «أحلام المتنزه المتوحد»، «إمیل». راجع: «موسوعة السیاسة»: ج 2 ص 844، «الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة»: ج 4 ص 1867، عظماء و مشاهیر معاقون: ص 131.
(1) دنیس دیدرو، کاتب موسوعی و ناقد أدبی و فیلسوف فرنسی، ولد سنة 1713 م فی مدینة لانجرز، و مات سنة 1784 م، درس الحقوق، أصبح سنة 1747 م رئیسا لتحریر الأنسیکلوبیدیة التی اشترک فی تصنیفها أهم کتّاب ذلک العصر. سجن بجریمة الإلحاد نکایة من المخالفین له. من مؤلفاته: خواطر فلسفیة، رسالة عن المکفوفین، ربّ الأسرة، الراهبة. راجع: موسوعة السیاسة: ج 2 ص 738، عظماء و مشاهیر معاقون:
ص 110.
(2) توماس بین، فیلسوف و سیاسی و کاتب أمریکی، ولد سنة 1737 م فی إنجلترا و شغل عدة مناصب إداریة فیها، ثم هاجر إلی أمریکا سنة 1774 م حیث اشتغل فی الصحافة، و کان لمقاله الذی کتبه سنة 1766 م عن الأزمة الأمریکیة الأثر الفعال فی رفع الروح المعنویة فی نفوس الثوار. عاد إلی إنجلترا سنة 1787 م و حکم علیه بالسجن نتیجة دفاعه عن الثورة الفرنسیة فی کتابه حقوق الإنسان. عاد إلی فرنسا سنة 1792 م و انضم إلی المؤتمر الوطنی، و لکنه لم یلبث أن سجن فی باریس و لم یفرج عنه إلّا بوساطة أمریکیة، کما هاجم المسیحیة فی کتابه عصر العقل. من مؤلفاته الأخری: الذوق العام. توفی سنة 1809 م. راجع «موسوعة السیاسة»: ج 1 ص 659.
(3) جون لوک، طبیب و عالم نفسی و فیلسوف و سیاسی انجلیزی، ولد سنة 1632 م و مات سنة 1704 م. یعد المؤسّس للتیار الفلسفی ذی النزعة الاختباریة و الحسیة، و یعتقد لوک أن إحساساتنا هی مصدر أفکارنا و قیمنا و حقائقنا. دعا فی بریطانیا إلی مبدأ فصل السلطات، و قد أخذت الثورة الأمریکیة مبادئها عنه. و کان یعتقد «أن الفرد یجب أن یستمتع بکافة حقوقه کحقّ الحیاة و الملکیة و الفردیة، و هذه الحقوق قائمة علی الإنتاج و لیست منحة من الحکام و الملوک. و کل فلسفة تنادی بالفرد تقتضی الحریة، لأنّ الحریة هی الشخصیة، و الشخصیة هی أساس الفردیة». من مؤلفاته: الحکم المدنی، رسالة حول التسامح، آراء فی التربیة، بحث فی ملکة الفهم البشری، و فیه یطرح المنهج التجریبی فی المعرفة، و یری أن الانسان فی الواقع هو کائن عقلانی، و أن الحریة لا تنفصل عن السعادة. کما أن غایة السیاسة و غایة الفلسفة واحدة، بمعنی أن البحث عن السعادة یکمن فی السلام و الانسجام
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 73
أشبههم «1»؛ ممن لاذوا بالعقل للتخلّص من الدیکتاتوریین و أنصارهم و إن کانوا وقعوا فی أسر الإفراط کما یحدّثنا التاریخ، فإنّ العقل مهما کان قویا لا یتمکّن من الوصول إلی الواقع إلّا بمؤازرة الشرع، کما و أنّ الشرع ممّا یؤیّده العقل، و لذا قال العلماء: «کلّما حکم به العقل حکم به الشرع، و کلّما حکم به الشرع حکم به العقل» علی تفسیر للجملتین، و قد ذکرنا ذلک فی کتابنا «الأصول» و ذکره أیضا سائر الأصولیین ممّا لا مجال إلی تکراره، فالجاهل إمّا مفرط أو مفرّط، و الجاهل الذی یمشی علی الخط الوسط هو قلیل جدا و أمر نادر حیث أثبتت الثورة الصناعیة فی الغرب أنّ الرأی العام هو سید الموقف، و ساعد علی ذلک إطلاق الحرّیات و الاکتشافات العلمیة و الاختراعات الواسعة للاتّصالات الجدیدة، فإنّ کلّ تلک الأمور هی مجموعة أسباب تسوّغ العلاقات الاجتماعیة و الدینیة و الثقافیة و السیاسیة و الاقتصادیة و التربویة و العائلیة و ما أشبه ذلک، لذا کان من عوامل دعم الرأی العام انتشار أفکار الدیمقراطیة و التعدّدیة و المؤسّسات الدستوریة و ما أشبه ذلک حیث تمکّن کل إنسان من أن یبدی رأیه و یقول کلمته.
و من الواضح أنّ الناس بطبیعتهم میالون إلی العدل و الحقّ، و إن کانوا فی الوقت نفسه میّالین إلی الشهوات و الأهواء، لکن میلهم إلی الشهوات و الأهواء دون میلهم للعدل و الحقّ و الحرّیة. و من الواضح أیضا أنّ القرن العشرین الذی ظهر فیه المذیاع و التلفاز و السینما و الأقمار الصناعیة سبّب فی دعم الرأی العام
______________________________
و الأمان، فلا سعادة بدون ضمانات سیاسیة و لا سیاسة لا تعمل علی نشر سعادة عقلانیة.
راجع: موسوعة السیاسة: ج 5 ص 508، عظماء و مشاهیر معاقون: ص 202.
(1) أمثال: کوندیاک، و بودان صاحب نظریة السیادة، و توماس هویز الذی کتب عناصر القانون و کتاب المواطن، و جون‌لند صاحب النظریة اللیبرالیة الحدیثة و المؤلف لعدة کتب منها:
محاولة فی الإدراک البشری، المسیحیة المعقولة، بحث فی الحکم المدنی.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 74
و جدارته و تقدّمه، لأن وسائل الإعلام المتطوّرة و الدعایة المبتکرة و نحو ذلک تؤید الرأی العام إیجابا أو سلبا، فالأمم المتّحدة «1» بنشوئها و إرادة مؤسسیها أمر ظاهر لسیادة الرأی العام، لکن من الواضح أنّ تلاعب القوی العظمی، و خصوصا إقرار حقّ النقض- الفیتو- و حصره فیهم، أدی إلی أن یقع الرأی العام الحاصل فی الأمم المتّحدة ضحیة للقدرة الظاهرة بالقسر و الغلبة،
______________________________
(1) الأمم المتحدة: اصطلاح صاغه الرئیس الامریکی فرانکلن روزفلت للمنظمة الدولیة التی شکلت علی أنقاض عصبة الأمم- بعد الحرب العالمیة الثانیة- فی مؤتمر سان فرانسیسکو سنة 1945 م، و الهدف من تشکیلها ضمان السلام العالمی و وضع نهایة للحروب و ضمان حقوق الإنسان و تنمیة العلاقات بین الدول علی أساس المساواة فی الحقوق و تعزیز التعاون الاقتصادی و الاجتماعی بین أفراد الأسرة الدولیة، و کان عدد أعضائها عند إنشائها خمسین عضوا، و حالیا ینتمی إلیها مائة و واحد و تسعون دولة. و یقع نظامها فی مائة و إحدی عشرة مادة، تتقدمها دیباجة تتضمن إعلان الامم المتحدة نیتها عن: ضم قواها و توحید جهودها لتحقیق الغایات المثلی التی تسعی إلیها وفقا للمبادئ المقررة فی المیثاق. لغاتها الرسمیة الإنجلیزیة و الفرنسیة و الروسیة و الصینیة و الإسبانیة. و تتألف الأمم المتحدة من ستة أجهزة إداریة رئیسیة، و هی کالتالی: الجمعیة العامة، مجلس الأمن، المجلس الاقتصادی و الاجتماعی، مجلس الوصایة، محکمة العدل الدولیة، الأمانة العامة. و یتکون الأعضاء الدائمون فی مجلس الأمن من خمسة أعضاء، و هم الولایات المتحدة الأمریکیة و بریطانیا و فرنسا و الصین و روسیا، بإضافة أعضاء عشرة من دول أخری تحتل مقعدا للعضویة بالانتخاب مرة کل سنتین. و یتبع الأمم المتحدة عدد من الوکالات المتخصصة یربو عددها علی الثلاثین، کمنظمة العدل الدولیة، و منظمة الأغذیة و الزراعة، و منظمة الصحة العالمیة، و منظمة التربیة و العلوم و الثقافة- الیونسکو-، و منظمة العمل الدولیة، و البنک الدولی للإنشاء و التعمیر، و صندوق النقد الدولی، و الوکالة الدولیة للطاقة الذریة. و قد أشکل الإمام المؤلف قدس سره علی الأمم المتحدة بإشکالات منها: أ- وجود حق النقض- الفیتو- الذی یتناقض مع العدالة البشریة و الروح الإنسانیة. ب- عدم دفاعها عن الحقوق الإنسانیة للشعوب کحق الفرد فی الحیاة و الحریة علما أن تصرف الحکومات مع شعوبها بظلم و إجحاف یتعارض مع المبادئ الإنسانیة و قواعد الأخلاق. عن مقاصد الامم المتحدة و مبادئها و أعضائها و اختصاصاتها و فروعها راجع کتاب: الأمم المتحدة فی نصف قرن للدکتور حسن نافعة، و کتاب القانون الدولی العام للدکتور علی صادق أبو هیف: ص 615- 674، و کتاب: موسوعة السیاسة: ج 1 ص 315 و ج 7 ص 200.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 75
أو القدرة غیر الظاهرة الأجوائیة و الدعائیة و نحو ذلک مما یکوّن الأرضیة للرأی العام، فإنّ کل رأی عام له أرضیة خاصّة.
و ینشأ الفرد ضمن محیط یکوّن لدیه رأیا عاما، فالمحیط الثقافی و العقیدی یوجد للأفراد بصورة عامّة رأیا عاما. و قد یکون هذا الرأی مقتصرا علی مدینة کبغداد أو البصرة أو ما أشبه ذلک. کما تساهم اللغة بصورة کبیرة فی إیجاد الرأی العام؛ لأنّ اللغة هی وسیلة للترابط فی المجتمع.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 76

عناصر الرأی العام

اشارة

مسألة: ینبغی ملاحظة خلفیات الرأی العام عند السعی لإیجاده، و من هذه الخلفیات المفردات التالیة: الناس، المعرفة، القیم المشترکة، السّلوک، الأحداث و الوقائع، المعتقدات، العقیدة الإسلامیة، الأرض، العادات، الاتجاهات و المیول و المواقف، الأسرة، المدارس، الخرافات و الأساطیر، القادة. و إلیک التفصیل:

أولا: الناس

حیث یحاول الفرد أن یفهم نفسه و القوی التی تؤثّر علیه بما یعلم من أنّه إذا لم یکن نفسه لم یتمکّن من العمل اللائق به، و کذلک إذا لم تکن القوی التی تدفعه لأن ینفّذ ما ینفعه و یدفع ما یضرّه، فکلّ فرد یحاول أن یفهم: من أین و کیف یستخدم الموادّ الخام و الوقود للأکل و الشرب؟ و کیف یرتدی ملابسه و من أین؟ و کیف یهیئ لنفسه مسکنا؟ و کیف یحمی نفسه من البرد أو الحرّ؟.
و إذا عرف هذه الأمور یبدأ بمعرفة کیف یستثمرها علی النحو الأصلح، مثلا کیف یستخدم الغسالة أو الثلاجة؟، و کیف تعمل الکهرباء؟ و ما هی السبل التی تمکّنه من السیطرة علی الطبیعة؟.
فالإنسان فی المناطق الیابسة یحاول أن یتعلّم کیفیة استخراج الماء من باطن
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 77
الأرض بحفر الآبار و العیون.
و إذا کان الإنسان یعیش فی منطقة الزلزال یحاول أن یتکیّف بطریقة لا تؤثّر معها الزلزلة کثیرا.
و هکذا یتعلّم الإنسان کیفیة السیطرة علی الطبیعة.
و ثمة مثال یکشف کیفیة سیطرة الإنسان علی الطبیعة، حیث وقعت زلزلتان متساویتان فی القوّة تقریبا فی کلّ من إیران و الیابان فکانت خسائر الیابانیین جرّاء الزلزال جزءا من ألف جزء مما أصاب الإیرانیین. و الفارق هو فی مقدار سیطرة الإنسان الیابانی علی آثار الزلزال و الذی فاق سیطرة الإنسان الإیرانی.
و الشی‌ء نفسه حدث فی أمریکا و بنغلادش، عند ما وقع سیل فی البلدین، فکانت الخسائر فی بنغلادش بصورة مضاعفة لعشرات المرّات.
و یعود هذا التمایز إلی تحذّر الناس و إلی قدرة الرأی العام فی خلق الاحتیاطات و الحذر الشعبی، فهناک رأی عام قوی یترک أثره فی استعداد الشعب، و رأی عام ضعیف یجعل الشعب ضعیفا فی مواجهة الکوارث.
و قد یکون ما یحصل علیه الإنسان من محیطه جهلا، بدلا من أن یکون معرفة، فیسلک سلوکا مخالفا لفطرته البشریة و ینتهج نهجا مغایرا للواقع، فیقع فریسة الجهل.
و قد تمضی به المعرفة التی یستمدها من محیطه إلی الانهیار و الدمار، فهذه الحروب التی شهدتها البشریة کان أکثرها ناجما عن سوء التقدیر و سوء المعرفة.
و إذا تحرّک الإنسان بدافع الغریزة العمیاء یصبح کالحیوان، فالحیوانات تتحرّک وفق الغریزة و لا تدرک شیئا غیر تلک الدوافع التی تدفعها بقوّة، فهناک حیوان یتقدّم بدافع الغریزة لیبحث عن طعامه، و فی طریقه إلی طعامه
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 78
سیصادفه حیوان آخر لیفترسه، و هکذا الإنسان الذی یندفع بالغریزة و لا ینتفع من نعمة العقل.
و الرأی العام النابع من الأهواء و الذی لا یرکن إلی العقل، هو أیضا لا یختلف عن الغریزة التی تدفع بالإنسان إلی حیث هی ترید، لا حیث یرید عقله.

ثانیا: المعرفة

اشارة

المعرفة عبارة عن المعلومات التی یحصل علیها الإنسان بنفسه نتیجة الأمور الخارجیة، و بها یختلف الإنسان عن الحیوان، و دائما ما یسعی الإنسان إلی إضافة معارف جدیدة إلی معارفه القدیمة؛ و إذا قدّر للإنسان أن یضیف إلی معارفه معرفة حتّی لو کانت ضئیلة، یفرح بها فرحا شدیدا، مثلا أنا نری أن الشخص المریض یحاول أن یعرف کیفیة تجنب استفحال المرض، کما و أنه یحاول أن یعرف طریقة مقاومة و إزالة المرض، فإذا قیل له: إنّ الدواء الفلانی ینفع مرضک، تهللت أساریره و سعی لتحصیل ذلک الدواء.
فالمعارف بطبیعتها تحدّ بعض الشی‌ء من المشکلات التی یواجهها الإنسان فی مختلف أبعاد حیاته السیاسیة و الاقتصادیة و الاجتماعیة و التربویة، فعلم أی شی‌ء أفضل من الجهل به، و من هذه الجهة نجد أن رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم مع أنّه فی قمة العلم، یقول: رَبِّ زِدْنِی عِلْماً «1».
فالإنسان منذ الخلیقة الأولی مندفع لاکتساب العلم، و بالرغم من أنّ هذه الرغبة قدیمة إلّا أنّنا نجده علی رغم هذا الزمن المدید ما زال یقرّ
______________________________
(1) سورة طه: الآیة 114.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 79
بنقصه و عجزه عن الوصول إلی مرحلة الکمال العلمی. لذا نجد بعض کبار العلماء من أمثال ابن سینا «1»،
______________________________
(1) الشیخ الرئیس أبو علی الحسین بن عبد اللّه بن سینا البلخی، من أعظم الفلاسفة و المتکلمین الذین ظهروا فی الشرق، ولد فی بخاری فی صفر سنة 370 ه (981 م)، فیلسوف، و طبیب، و شاعر، و عالم بالمنطق و الطبیعیات و الإلهیات، یعرف بالغرب باسم (آفیسین)، درس العلوم الشرعیة و العقلیة و حفظ القرآن و العدید من الکتب الدینیة و لم یتجاوز العاشرة من عمره و أتم دراسته و هو فی الثامنة عشرة، تقلّد منصب وزیر الدولة، و کان کثیر الاهتمام بالدرس و البحث و التألیف رغم مشاغله بالوزارة، و کان له تضلع بالتحلیل النفسی و العصبی، فکان یری أنّ للعوامل النفسیة و العقلیة کالحزن، و الخوف، و القلق، و الفزع، و ما أشبه تأثیرا علی أعضاء الجسم و وظائفه. و یعد أول من وصف التهاب السحایا الحاد و الثانوی، و السکتة الدماغیة عن کثرة الدم، و هو أول من أشار بوضع کیس الثلج فی قطعة من القماش و تغطیة الرأس به، و هو أول من فرّق بین الحصی الکلویة و الحصی فی المثانة، و هو أول من فرّق بین النقرس و الروماتیزم، و هو أول من فرّق بین وصف تشعب الأعصاب فی القصب الصدری، و هو أول من اکتشف أن سرطانا موضعیا یعطی عوارض السرطان العام فی الجسم، و هو أول من فرّق بین عوارض المغص المعوی و المغص الکلوی، و له الفضل فی نقل الکثیر من الکتب الإغریقیة إلی اللغة الفارسیة. تزید مؤلفاته عن المائتین فی حقول الطب، و الفلسفة، و الریاضیات، و النفس، و المنطق، و الإلهیات، و الفلک، و الطبیعیات، و علم طبقات الأرض، و له نظریات مهمة فی الفلسفة، و لا زالت کتبه تدرّس فی الجامعات الغربیة، من أشهر کتبه الطبیة: «القانون». و قد ذکر فیه ما ینیف علی سبعمائة و ستین عقارا دخلت کلها فی علم النبات و علم الصیدلة و کذلک حذر فیه من تعریض الطفل إلی غضب أو خوف أو غم شدید، لئلا یضطرب مزاجه و تفسد أخلاقه تبعا لذلک. و هو ینصح بعدم اللجوء إلی الضرب، إلّا إذا فشلت وسائل التأدیب الاخری. و یشترط ألّا یکون العقاب مذلا للصبی، ماسا بکرامته. و یجب الاستماع إلیه، و ألا یحمل علی ملازمة الکتاب کرّة واحدة، و أن یبدأ بالقرآن، ثم یختار له الشعر السهل المهذب و یدعو کذلک إلی ملاحظة میول الأطفال بعد المرحلة الأولی من التعلیم، و توجیه کل منهم حسب میوله و استعداداته.
کما یطالب بمراعاة الناحیة العملیة فی التربیة، و إعداد الناشئین لکسب المعاش. و من کتبه أیضا «الشفاء»، «النجاة»، «أسرار الحکمة المشرقیة»، «الإشارات و التنبیهات»، «أسرار الصلاة»، «جامع البدائع»، و له قصیدة فی «النفس». توفی سنة 428 ه (1037 م) عن عمر یناهز 57 سنة و دفن بهمذان. راجع: أعیان الشیعة: ج 6 ص 69، مستدرکات أعیان الشیعة:
ج 1 ص 23، موسوعة المورد: ج 1 ص 223، الکنی و الألقاب: ج 1 ص 320، موسوعة السیاسة:
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 80
و الرازی «1»، و من أشبههما، کانوا یقولون: «کلما ازددنا علما ازددنا جهلا»؛ لأنّه کلّما ازدادت دائرة المعرفة توسّعت آفاق جدیدة أمام الإنسان، و تکشفت له أمور ما زال یجهلها.
و هناک نوع من المعرفة یتوقّف علیه تطبیق المعرفة الأصلیة، فتطبیق الکلیات علی الجزئیات لیس أمرا سهلا مهما کان العالم غزیرا بالعلم، و لذا نشاهد علماء الفقه یختلفون اختلافا بینا مع أنّ الأدلّة التی بأیدیهم أدلّة واحدة، هی الکتاب و السنّة و الإجماع و العقل، و یجتهدون غایة الجهد حتّی یصلوا إلی الواقع، لأنهم یخافون الله سبحانه و تعالی.
و علی أی حال: فمعرفة الإنسان لنفسه و للمجتمع و للطبیعة أمر ضروری و مهمّ؛ لأنّ الناس هم العنصر الأول من عناصر الرأی العام و لو ظاهریا؛ لأنّ الرأی العام أیضا هکذا، فقد یکون علی نحو الجزئیة، و قد یکون علی نحو الإنذار.
فبالنسبة إلی الجزئیة: قد ینتخب الرأی العام زیدا لیکون حاکما، و قد
______________________________
ج 1 ص 22، الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة: ج 1 ص 84، وفیات الأعیان: ج 2 ص 157، خزانة الأدب: ج 4 ص 466، مرآة الجنان: ج 3 ص 47، الأعلام للزرکلی: ج 2 ص 261.
(1) محمد بن محمد الرازی البویهی المشهور بقطب الدین، عالم نحریر، و فقیه لامع، و فیلسوف إلهی، ولد سنة 694 ه (1295 م) و توفی فی ذی القعدة سنة 766 ه (1395 م)، تتلمذ عند العلامة الحلی، ثم هاجر إلی دمشق سنة 763 ه و ذاع صیته هناک، قال عنه الشهید الأول: «بأنه البحر الذی لا ینزف». و وصفه العلامة: «العالم الفاضل المحقق زبدة العلماء و الأفاضل قطب الملة و الدین»، له عدة مؤلفات منها: لوامع الاسرار فی شرح مطالع الأنوار، تحریر القواعد المنطقیة فی شرح الرسالة الشمسیة، رسالة فی النفس الناطقة، حاشیة علی الکشاف، المحاکمات بین الإمام و النصیر. تجد ترجمته فی:
النجوم الزاهرة: ج 11 ص 87، أمل الامل: ج 2 ص 300، شذرات الذهب: ج 6 ص 207، ریاض العلماء: ج 5 ص 168، أعیان الشیعة: ج 9 ص 413، الکنی و الألقاب: ج 3 ص 70، الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة: ج 4 ص 1788، منتهی المقال للمازندرانی:
ج 6 ص 175.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 81
لا ینتخب مثل هذا الانتخاب الشخصی، بل ینتخب العالم العادل الشجاع الکفوء، أما بالنسبة إلی الإنذار فإن جماعة من العلماء یقولون إنّ الناس بصفتهم أصحاب مصلحة لا بدّ أن یدرکوا أمورا ثلاثة:
الأمر الأوّل: فهم أنفسهم.
الأمر الثانی: إدراک فهم الناس.
الأمر الثالث: إدراک فهم الطبیعة.
و الناس فی العادة بین متدیّن و غیر متدیّن، أمّا المتدیّن فهو بحاجة إلی إدراک رابع، و هو فهم أنّ هذا الکون مخلوق لله، العلیم، القدیر، الحکیم، السمیع، البصیر، المسیطر علی الکون، أی مهیمن لا تخفی علیه خافیة، فإنّ هذا أیضا له مدخلیة فی تکوین الرأی العام.

أقسام المعرفة

و المعرفة تنقسم إلی قسمین:
الأول: المعرفة الذاتیة، حیث إنّ الإنسان ینظر و یسمع و یری و یکسب من خلال الحواس المعروفة فی مختلف الأبعاد الحسّیة و النفسیة. فإنّ النفس تعرف بالمعادلات أشیاء کثیرة، لذا فإنّ الذی یعیش فی المجتمع أو فی الغابة یمتلک تلک المعرفة التی یکتسبها من خلال حواسه عن العوامل الخارجیة. و هذه المعرفة بدورها تؤثّر فی الرأی العام؛ لأنّ الناس یذهبون وراء معارفهم.
الثانی: المعرفة عبر الخبرة، فهی التی یکتسبها الإنسان بالتجربة، فهناک مثلا طبیبان درسا تحت ظرف واحد، لکن أحد الطبیبین یمتاز بخبرته الجیدة فی ممارسة الطب، لذا نری الناس یتوجهون إلیه و یستفیدون من خبرته فی علاج مرضاهم و لا یتوجهون إلی الآخر.
و ینشأ الرأی العام نتیجة الاختلاف فی المعارف، مثلا: هناک حزبان فی بلد
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 82
واحد، أحدهما یری أهمیّة الصناعات الخفیفة، و الآخر یری أهمیّة الصناعات الثقیلة، فإذا جاء الحزب الأول إلی السلطة قدّم الصناعات الخفیفة، و إذا جاء الثانی قدم الصناعات الثقیلة.
و قد یکون لدینا حزبان أحدهما یدعو إلی الزراعة و الآخر یدعو إلی الصناعة، فإذا وصل أحدهما إلی السلطة نری الرأی العام ینحاز إلی الجهة المعروفة للحزب الذی حکم البلاد، و هکذا یقال فی سائر الأمور التی یرغب بها الإنسان و یریدها.
و العنف و اللاعنف یؤثّران أیضا فی الرأی العام، فمن کان یؤمن باللاعنف یستطیع أن یؤثّر بالرأی العام أکثر ممن یؤمن بالعنف؛ لأنّ الناس فی طبیعتهم یمیلون إلی السلم و الأمن.

ثالثا: القیم المشترکة

الإنسان یبدأ من فرد ثمّ أسرة ثمّ قوم ثم عشیرة ثمّ قریة ثمّ مدینة ثمّ مدن ثمّ دولة.
و من المؤکّد أن لکلّ فرد رأیه، و قد یخالف رأیه رأی الآخرین، و الناس لیسوا سواسیة فی کل شی‌ء، فهم یختلفون فی أشکالهم حتی فی بصمات أصابعهم، لکنّهم یشترکون فی بعض الأمور المعنویة، فهم یشترکون فی العیش داخل دولة واحدة، و تکون الدولة بالنسبة لهم قوّة و منعة و عاملا لجلب المنافع و دفع المضار، و هذا ما أشار إلیه أفلاطون «1» عند ما قال: «إنّ الشخص
______________________________
(1) أفلاطون، فیلسوف و مصلح و مفکر و سیاسی مثالی، ولد سنة (427 ق. م) فی أثینا، و مات سنة (347 ق. م)، و کان یعتبر التحلیل الریاضی طریقة فعالة للتوصل عبر فصل الأفکار إلی معرفة الکون، و مثل هذه المعرفة فی تقدیره لا یمکن اکتسابها بالحواس وحدها، معلّلا
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 83
المنعزل عن الدولة لا یعتبر شخصا علی الإطلاق، کما و أن الذراع المنعزل عن الجسم لا یستطیع أن یؤدّی وظیفة و إن کان له شکله».
و لا تتشکّل الجماعة إلّا ضمن القیم «1»، فالقیم هی الإطار العام للجماعة التی ترید جلب المنافع و دفع المضار، و هکذا نجد فی الدول الحدیثة کألمانیا التی تشکّلت من مجموعة من الولایات، أنّ المجتمع ینضوی تحت لواء دولة واحدة و إن اختلف الشعب فی العقائد و المذاهب و الآراء. و مثل الهند ذات الألف ملیون نسمة، حیث یوجد فیها المسلم جنبا إلی جنب المشرک، و المسیحی إلی جنب البوذی، و الهندوسی إلی جنب الیهودی؛ إذ یشترکون فی قیم خاصّة بهم، قیم اقتصادیة و سیاسیة و اجتماعیة، کما یشترکون فی حدود و أحکام واحدة تحکمهم جمیعا.
إذا الشعب الواحد قد یتکون من تجمّعات بشریة متناقضة، لکن تجمعهم قواسم مشترکة حتّی لو اختلفوا فی المعتقد، و هذه القواسم المشترکة هی التی تکوّن الرأی العام، فتجد فی الهند الجمیع یفتخر بهندیته سواء کان مسلما
______________________________
ذلک أن ثمة وراء ظواهر الأشیاء حقیقة علیا، معرفتها هی هدف الفلسفة الحقیقی، و فی اعتقاده أن العقل وحده یتیح لنا تجاوز عالم الحواس و بلوغ الحقیقة التی یعکسها بطریقة غیر مثالیة، و فی رأیه کذلک أن الإنسان السعید هو الإنسان الفاضل، فلا بدّ من معرفة الطریق المؤدیة إلی الفضیلة، و یعدّ من تلامذة سقراط فقد سجل مناقشاته، و أدی حبه للدراسة و التعلیم إلی تأسیس أکادیمیة بأثینا سنة (387 ق. م) لتدریس الریاضیات و الفلسفة، و یعد معلما لأرسطو طالیس، و قد بلغت مؤلفاته الثلاثین منها: «الجمهوریة»، «القوانین»، «المأدبة»، «فیدون»، «المحاورات»، «السیاسی»، «تیمه»، «الاعتذار»، «الشرائع».
راجع موسوعة السیاسة: ج 1 ص 232، الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة: ج 1 ص 503.
(1) و هی الصفات الانسانیة التی یفضّلها الناس و یرغبون فیها، و التی تشمل الموضوعات و الظروف و المبادی التی اصبحت ذات معنی خلال تجربة الانسان الطویلة کالشجاعة و القوة و الاحتمال و الایثار و المهارة النفسیة و ضبط النفس. راجع العلاقات العامة و الاعلام:
ص 370 للدکتور حسین عبد الحمید.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 84
أو هندوسیا، و قد تکون القیم المشترکة لأمّة واحدة خاصّة فی جمیع خصوصیاتها و عقائدها و مذاهبها و طرق تفکیرها و ما أشبه ذلک.

رابعا: السّلوک «1»

اشارة

نشاهد فی المجتمعات أفرادا کثیرین یخالفون المجتمع، فتظهر التیارات علی خلاف الحالة الاجتماعیة، و التی تضطر علی إثر عوامل ضغط التیار أن تتحوّل من حالة اجتماعیة إلی حالة اجتماعیة أخری، و الأمر لیس علی نحو الکلیة و إنّما علی نحو القضیة الطبیعیة کما هو الشائع فی العلوم؛ حیث إنّ القضایا فیها غالبا علی نحو القضایا الطبیعیة لا علی نحو القضایا الکلیة، نعم فی الریاضیات، فالقضایا غالبا علی نحو القضایا الکلیة، مثل قواعد الجمع و الضرب و الطرح و القسمة و الجبر و ما أشبه ذلک. و لذا، فالواجب علی الإنسان إذا أراد ملاحظة التأثیر علی الرأی العام أن یلاحظ قوّة و نمط أی تقلید من التقالید قبل أن یصدر أحکاما عامة فی هذا الشأن، فإنّ صفات الناس تتغیّر بتغیر الأحوال و الأوضاع و الخصوصیات و المزایا فی مجتمعاتهم، فإن سلوک الأفراد فی وقت معین لا یدلّ علی الدوام و إنّما فی الغالب.
و ینبثق السلوک من التقالید الثقافیة التی یتلقاها الفرد فی حالة طفولته إلی کهولته، و لذا ورد: (العلم فی الصغر کالنقش فی الحجر) «2».
______________________________
(1) یعرف السلوک بعدّة تعریفات، منها: 1- ارتکاسات فرد من الأفراد، منظورا إلیه فی وسط و فی وحدة من الزمن معیّنة، علی إثارة أو مجموعة من التنبیهات. 2- وظیفة بیولوجیة من وظائف العضویة الإنسانیة و الحیوانیة تتحقق فی تعدیل فاعل إجمالی، أو استجابة بکیفیة.
راجع المعجم الموسوعی فی علم النفس: ج 3 ص 1347.
(2) کنز الفوائد: ج 1 ص 319، کشف الخفاء: ج 2 ص 66 ح 1757. و فی بحار الأنوار: ج 1 ص 224 ب 7 ح 13 (العلم من الصغر کالنقش فی الحجر).
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 85
و یضطر الإنسان أن یتقیّد بثقافة محیطه فی سلوکه و منهجه التفکیری و أدائه الاجتماعی. لذا فالتقلید الثقافی کثیرا ما یرافق الرأی العام لکن لا علی نحو الکلیة و الدقّة. و هذا المرافق للرأی العام قد یتّصف بالدوام، فیقال: «الرأی العام الدائم» و قد یتصف بعدم الدوام، فیقال له: «رأی عام مؤقت»، أمّا أنّه لیس کلیا فلأنه کثیرا ما لا یکون دائما بل مؤقتا.
و من الرأی العام الدائم محاربة الاستعمار و کراهته؛ لأنّ ذلک یستمدّ جذوره من تقلید ثقافی قدیم کان یمارسه الآباء و الأجداد، بالإضافة إلی ما یشاهده الإنسان من أنّ المستعمرین علی خلاف ظاهر اللفظ، یخربون البلاد و لا یستعمرونها أی لا یعمّرونها لذات الأمر الکلّی، و أمّا فی الأمر الجزئی؛ فالأمر بنفس ذلک النمط، مثلا: إذا احترق بیت مع ساکنیه، فإنّه یولّد الرأی العام المؤقّت، و هذا الرأی العام المؤقّت أیضا یستمدّ جذوره من تقالیدنا السابقة و عواطفنا المشبوبة، لذا، فإنّه یسمّی مؤقّتا؛ لأنّه خاص بهذا الوقت الذی احترق فیه البیت و أهله، و لیس مستمرا.
و من الواضح أنّ الآراء العامّة تختلف من جماعة إلی جماعة، و من جنس إلی آخر، مثلا: النساء یملن غالبا إلی آراء عامة بالنسبة إلیهن، و هکذا الرجال یمیلون غالبا إلی حالة عامة، مثلا: میل النساء نحو الخیاطة و حضور حفلات الزواج و التجمیل و ما أشبه، بینما الرجال یمیلون غالبا إلی الریاضة و الشهرة و الرجولة و الفتوة و نحو ذلک. فهناک رأی عام یشمل الجمیع، و هناک رأی عام یشمل طائفة من الناس- کالنساء و الرجال و الأطفال- أو أمّة خاصّة، کالرأی العام عند الیهود و الرأی العام عند المسیحیین اللذین یعیشان فی مکان واحد کبغداد مثلا.
و بما أنّ العوامل المختلفة تؤثّر فی الرأی العام، نشاهد فی مثال جزئی: أنّ
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 86
فردین یعیشان فی دکان واحد، قد یمیل أحدهما إلی السفر و التجمّل و ما أشبه ذلک، بینما یمیل الفرد الآخر إلی الانطواء و عدم السفر و ما أشبه ذلک. و قد ذکر العلماء وجود الاختلاف بین توأمین ولدا فی ظروف مشابهة و کانا متشابهین، لکنهما عاشا فی بیئتین ثقافیتین مختلفتین، فکان لکل واحد منهما شخصیته الثقافیة المتمیّزة عن الآخر.
و قد یحدث الاختلاف نتیجة العامل الثقافی فی أبناء العائلة الواحدة، فحبیب بن مظاهر الأسدی «1» و حرملة بن کاهل الأسدی «2»، کانا فی کربلاء
______________________________
(1) أبو القاسم حبیب بن مظهّر- بضم المیم و فتح الظاء المعجمة و تشدید الهاء و الراء أخیرا کما عن الشیخ الأمینی- أو مظاهر- کما عن رجال ابن داود- بن رئاب بن الأشتر بن حجوان بن فقعس بن طریف بن عمرو بن قیس بن حارث بن ثعلبة بن دوران الأسدی الکندی، یعد من أصحاب الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم کما یعد من أصحاب الإمام علی علیه السّلام- و صحبه فی کل حروبه- و الإمام الحسن علیه السّلام و الإمام الحسین علیه السّلام و من أعیان الکوفة و وجهائها. و کان حافظا للقرآن و یختمه فی کل لیلة من بعد صلاة العشاء إلی طلوع الفجر، و من الذین أخذوا البیعة للإمام الحسین علیه السّلام فی الکوفة و کاتبوه للمجی‌ء إلی العراق، و أرسل الکتب له مع سلیمان بن صرد و رفاعة بن شداد البجلی و المسیّب بن نجبة. خرج إلی نصرة الإمام الحسین من الکوفة لیلا و کان یکمن نهارا حتی وصل إلی کربلاء المقدسة. شارک فی واقعة الطف و کان عمره آنذاک خمسا و سبعین سنة، فجعله الإمام علی المیسرة، و کان فرحا فی ساحة الوغی، قال له سید القراء بریر بن خضیر: یا أخی لیست هذه بساعة ضحک، قال:
فأی موضع أحق من هذا بالسرور؟، و اللّه ما هو إلّا أن تمیل علینا هذه الطغاة بسیوفهم، فنعانق الحور العین. و عند بروزه للقتال کان یقول: لا عذر لنا عند رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلم إن قتل الحسین وفینا عین تطرف.
قتل واحدا و ثلاثین رجلا و استشهد. قال الإمام الحسین علیه السّلام فی حقه، کما عن مقتل أبی مخنف: عند اللّه أحتسب نفسی و حماة أصحابی. راجع عوالم العلوم للمحدث البحرانی:
ج 17 ص 169، أعیان الشیعة: ج 4 ص 553، مقتل الحسین للخوارزمی: ج 2 ص 18، مقتل الحسین للوط بن یحیی الأزدی: ص 145، الفتوح لابن الأعثم: ج 5 ص 197، مجالس المؤمنین للتستری: ص 62 المجلس الرابع.
(2) حرملة بن کاهل الأسدی، شارک فی قتل الإمام الحسین علیه السّلام و أهل بیته سنة 61 ه (680 م). و من جرائمه: أ- ذبح عبد اللّه الرضیع و هو فی حجر أبیه الإمام الحسین علیه السّلام
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 87
أثناء واقعة الطف، و هما من عشیرة واحدة، لکن الأول کان مع الإمام الحسین علیه السّلام و کان الثانی فی معسکر عمر بن سعد، فالمشترکات القبلیة و التنشئة الاجتماعیة و المدینة الواحدة کانتا فی خانة واحدة، لکن العامل الثقافی فرّق بینهما «1». و لا شکّ هنا أنّ التنشئة الاجتماعیة تتأثّر کثیرا بالعامل الثقافی «2».

سلوک الشباب

سلوک الشباب فی الحال الحاضر ینتج عن تجارب الماضی فی الجملة، کما
______________________________
حیث رماه بسهم فذبحه من الورید إلی الورید. ب- شارک فی قتل العباس علیه السّلام. ج- قتل عبد اللّه بن الحسن الزکی، و هو لم یبلغ الحلم، حیث رماه بسهم. د. شارک فی قتل الإمام الحسین علیه السّلام حیث رماه بسهم مسموم ذی ثلاث شعب. ه. شارک فی إضرام النار فی خیام أهل البیت علیه السّلام مما سبب فی احتراق الخیام و نشوب النار إلی بعض النساء و الأطفال.
و- حمل رأس الإمام الحسین علیه السّلام تارة و رأس العباس علیه السّلام تارة أخری من کربلاء إلی الکوفة و منها إلی بقیة الأمصار ثم إلی الشام. دعا علیه الإمام السجاد علیه السّلام- عند ما سأل منهال بن عمرو عن حرملة- قائلا: اللهم أذقه حرّ الحدید، اللهم أذقه حرّ النار. قتله المختار عند ما ألقی علیه القبض فی الکوفة. راجع مقتل أبی مخنف، الأمالی للطوسی، بحار الانوار: ج 45، جزاء أعداء و قتلة سید الشهداء للسید هاشم الجزائری.
(1) و هکذا کان حال أصحاب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلم کأبی ذر الغفاری و زید بن ثابت؛ حیث أن کلیهما عاشرا الرسول الأکرم و سمعا قوله و شارکاه فی جملة من المواقف، لکن أبا ذر مات جائعا و زید بن ثابت عند موته قسم ورثته ما خلّفه من الذهب بالفئوس.
(2) التنشئة الاجتماعیة عبارة عن سیرة بطیئة و مستمرة یتمثّل الفرد بها أنماط الفکر، و قیم المجتمع الذی ینتمی إلیه و السلوکیات التی تمیّزه. و قوام التنشئة الاجتماعیة سلوکیات ثلاث: القبول و السکینة، الرفض و التجنّب، الإغراء و التهدید. ثم إنّ ملاک التنشئة الاجتماعیة هی تربیة الأبوین للأولاد و تقالید العائلة، و ملاک التنشئة الثقافیة الأسس العلمیة و المدارس و المؤسسات الدینیة و المعاهد و الجامعات و التجمعات المهنیة، فعلاج الطبیب للمریض ناشئ من الأسس العلمیة دون الاجتماعیة.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 88
ینتج عن ثمرات الطفولة بالذات، فکلا الأمرین- تجارب الماضی و الطفولة- یؤثّران فی سلوک الشباب بصورة مشترکة.
فمواقف الشباب تقوم فی الأساس علی تفاعل عوامل التنشئة المتنوّعة التی اشترکت فی تکوینهم النفسی و الاجتماعی منذ الطفولة.
فمثلا: ینشأ الطفل فی حال الرفاه أو الفساد الاکتسابیین أو حال الضرر العام أو الصحّة العامة أو حال الحرب أو السّلام أو ما أشبه ذلک، فمثل هذه الأزمات و الحالات فی کلا طرفیها التی یشهدها المجتمع تؤثّر علی الأطفال الذین یعیشون فی ظلّها، و قد شاهدنا الذین اشترکوا فی ثورة العشرین و عایشوا أحداثها کیف کانت نفوسهم مشحونة بروح البسالة و الجهاد، فکانوا أشدّ إقداما و شجاعة من الآخرین، و أکثر استعدادا للتضحیة فی سبیل الحقّ و الاستقلال. بینما لم یکن الجیل الذی جاء من بعدهم بهذه الصورة. فالجیلان و إن عاصرا فی جملة من زمانهما نهایات الجیل السابق و أوائل الجیل اللاحق إلّا أن خلفیة أولئک کانت الثورة التحرریة، بینما تضحیة هؤلاء لم تکن کذلک، فقد قال بعض العلماء الغربیین بهذا الصدد: «إن هناک علاقة هامّة و مستمرة بین التنشئة الاجتماعیة و التراث الثقافی، و هی علاقة أشبه بالمشکلة الفلسفیة فی کون الأسبقیة للدجاجة أم للبیضة». و الدجاجة هنا هی الأطفال الذین تتم تنشئتهم فی المجتمع، فالقیم الاجتماعیة و التراث الثقافی هی التی تحدد وسائل و أسالیب التربیة، و هی التی تجعل تصرفات الأبناء شبیهة بتصرفات الآباء، مثلما تجعل تصرفات الآباء شبیهة بتصرفات الأجداد، و الحال أنّ تصرفات الأبناء أقل شبها بتصرفات الأجداد.
و الخلاصة: إنّ الرأی العام یتطور عند ما تتغیّر وسائل و أسالیب التنشئة لا علی نحو الکلیة و إنّما علی ما ذکرناه من تأثیر التیارات الوافدة و الأفکار
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 89
المتفرّقة أو المستقیمة فی هذه التنشئة، کما أنّ الظروف و المناسبات یجب أن توضع فی الحسبان؛ لأنّها مؤثّرة فی المستقبل.
________________________________________
شیرازی، سید محمد حسینی، الفقه، الرأی العام و الإعلام، در یک جلد، مؤسسة الوعی الإسلامی - دار العلوم، بیروت - لبنان، اول، 1427 ه ق

الفقه، الرأی العام و الإعلام؛ ص: 89

خامسا: الأحداث و الوقائع

تنقسم الأحداث إلی: خاصّة و عامّة.
فالأحداث الخاصّة، کتعلیم الأم ولدها آداب السلوک أو الطعام أو الثقافة الدینیة، أو ما یعرضه الأستاذ علی تلامیذه من مواضیع یطرحها بآداب و قیم خاصّة، أو ما یفعله القائد العسکری فی جیشه حینما یشرع فی بث آداب الجندیة الخاصّة، فالحدث الخاص هو نتاج قوی تفعل فعلها داخل المجتمع الصغیر أو المتوسّط أو الکبیر.
أمّا الحدث العام، فهو مثل الأعیاد الوطنیة و الأعیاد الدینیة و المواکب و المسیرات و المجالس و الندوات الدینیة، مثل قضایا الإمام الحسین علیه السّلام، و قد یتحدّث الخطیب فی هذه الأمور بالإشارة إلی الحدث الذی ینبّه المجتمع أو الفرد إلی جهة خاصّة بدون ذکر التفاصیل.
و من الأحداث العامة: الأحداث الکونیة مثل الحرارة الشدیدة و الفیضان و الزلزلة و ما أشبه ذلک ممّا یستجیب الإنسان لها استجابة خاصّة، فإذا حدث مثل هذا الحدث یکون الناس متسامحین بعضهم مع بعض و ینسون الخلافات التی کانت بینهم فی السابق، کما و أن الناس فی مثل هذه الأحداث یکونون محتاجین سریعی الاندفاع؛ لأنّ الحدث یوجب سلسلة خاصّة من التحرّکات و السکنات و ما أشبه ذلک، مثلا: إذا هاجمت موجة حرّ البلد هرع الناس إلی المصایف و المناطق ذات الطقس المعتدل، بما یتسبب فی ارتفاع أسعار البیوت فی تلک المناطق و انخفاض أسعار البیوت فی المدینة، و هکذا حال الإعصار
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 90
أو الفیضان أو الزلازل أو ما أشبه ذلک، فإنّ کلّ واحد من هذه الأحداث یؤثّر أثرا معیّنا و یتطلب استجابة خاصّة من الناس، و هذه الأمور تکوّن رأیا عاما مؤقّتا- کما ذکرنا فی بحث سابق-، و قد یکون الرأی العام دائما عند ما یتکرّر الفیضان أو الزلزال، حیث یستعدّ الناس لمثلها فی المستقبل بصنع البیوت التی تقاوم الأعاصیر و السیول و الزلازل و ما شابه ذلک.
و الحدث فی الغالب یکون تأثیره أشدّ علی الضعفاء کالأطفال و المرضی و العجزة و کبار السن و النساء، و أمثال هذه الأحداث لا تؤثّر فی القادة فقط بل فی عموم الناس أیضا، أی أنّ الناس یشارکون القادة فی سلوک خاصّ تجاه ذلک الحدث.
إنّ الحدث قد یکون من هذا القبیل، و قد یکون من قبیل أنّ الحاکم المستبدّ یأمر بتهجیر العراقیین من العراق بدعوی أنّهم إیرانیون و لیسوا مواطنین عراقیین، و هذا الحدث أثّر تأثیرا کبیرا علی قسم من الناس، لکن الأقسام الأخری تأثرت بالحدث بصور مختلفة، فهناک طائفة ممن لم یرضوا بهذه الأعمال باعتبار أنّ هذه الأعمال مخالفة لحق المواطنة و الموازین الإسلامیة و المعاییر الإنسانیة فقاموا بمساعدة المهجّرین فی بیع بیوتهم و إیوائهم فی بیوتهم الخاصة، و هناک طائفة من المهادنین للسلطة کانوا ینقلون للسلطات الأخبار عن أمکنة تواجد هؤلاء حتّی یتمّ إلقاء القبض علیهم و تهجیرهم.
و هکذا، فالحدث قد یکون شخصیا، و قد یکون فی جماعة خاصّة، و قد یکون عاما، کما و أنّه ینقسم إلی سماوی أو أرضی، و قد یکون بالأوامر الحکومیة و نحوها. و بذلک یتبیّن أنّ الرأی العام قد یکون لعموم الناس و قد یکون بالنسبة إلی بعضهم، فینقسم الناس حیاله إلی طرفین متناقضین: طرف ینحاز إلی جانبها و طرف ینحاز إلی الجانب الآخر.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 91

سادسا: المعتقدات

إنّ معتقدات الناس تؤثّر فی الرأی العام سواء کانت مطابقة للواقع أو لم تکن مطابقة، فمن الضروری أنّ الاعتقادین المختلفین لا یمکن أن یطابق کلاهما الواقع کما ثبت فی علم الکلام و الفلسفة.
مثلا: أن یکون الإله واحدا أو اثنین أو ما أشبه ذلک؛ لوضوح أنّه لا یمکن أن لا یکون إلها، لا واحدا و لا اثنین و لا أکثر، کما لا یمکن أن یکون هناک إله واحد و اثنان فی حال واحد، و کذلک بالنسبة إلی کلّ شی‌ء من العقائد، بالنسبة إلی الله و النبوة و المعاد و العدل و الإمامة و الجبر و التفویض و ما أشبه ذلک من العقائد، کما أنّه لا یمکن أن یکون الله إلها واحدا و الصنم أیضا إلها، و هکذا.
فهذه المعتقدات سواء کانت واقعیة أو غیر واقعیة تؤثّر فی الرأی العام، مثلا الرأی العام المکّی إلی قیام الدعوة الإسلامیة کان مشرکا، و إن کان هناک بعض الأفراد من غیر المشرکین کأبی طالب و زوجته، بینما تحوّل هذا الرأی العام مع مجی‌ء الإسلام إلی الوحدانیة الإسلامیة، و إن بقی بعض أهل مکّة علی شرکهم.
و هذا الرأی العام المستند إلی الاعتقاد قد یکون فی مجتمع واحد و موحّد، و قد یکون فی مجتمع متعدد و کبیر، مثل: مجتمع الهند؛ حیث هناک من یعتقد بالإله الواحد، و من لا یعتقد به، و کلاهما فی مدینة واحدة.
و هکذا، فالمعتقدات الدینیة و الإلحادیة، تؤثّر فی الرأی العام، فلیس الاعتقاد خاصا بالقلب و إنّما یؤثّر فی السلوک أیضا «1»، فالمسیحی یذهب إلی
______________________________
(1) لأنّ العقیدة الدینیة تتجلی فی ثلاث مظاهر:
1. الدین الذی ینظر إلی علاقة الانسان بخالقه. 2. فیه مجموعة من العقائد تخص الواجبات و الالتزامات بین الخالق و المخلوق. 3. فیه انماط من السلوک تعبر عن إرادة الخالق و رضا ضمیر المخلوق.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 92
الکنیسة یوم الأحد، بینما المسلم فی الغرب لا یذهب إلی الکنیسة بل یذهب إلی المسجد و فی یوم الجمعة، بینما المسیحی لا یذهب إلی المسجد.
و إذا انقسم المجتمع الواحد إلی معتقدین متناقضین، فإنّ الاختلاف سیظهر فی سلوک ذلک المجتمع، إذ سیحاول کلّ فریق اتّهام الفریق الآخر بأنّه علی ضلال. فقد کان الجاهلیون یقولون عن رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم أَسٰاطِیرُ الْأَوَّلِینَ اکْتَتَبَهٰا فَهِیَ تُمْلیٰ عَلَیْهِ بُکْرَةً وَ أَصِیلًا «1». بینما الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم یقول عنهم: وَ مَنْ یَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرٰاهِیمَ إِلّٰا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ «2».
و الغالب فی مثل هذه الانقسامات الاعتقادیة أن یکون أحدهما علی حقّ و الآخر علی باطل، أمّا أن یکون کلاهما علی حقّ فلا یمکن کما ذکرناه.
نعم، یمکن أن یکون کلاهما علی باطل؛ کما قال سبحانه و تعالی: وَ قٰالَتِ الْیَهُودُ لَیْسَتِ النَّصٰاریٰ عَلیٰ شَیْ‌ءٍ وَ قٰالَتِ النَّصٰاریٰ لَیْسَتِ الْیَهُودُ عَلیٰ شَیْ‌ءٍ «3»، فإنّ کلا من الیهودیة و النصرانیة قد نسخت بمجی‌ء الإسلام، فمن الممکن أن یکون هکذا الأمر بالنسبة إلی من یعبد اللات ضدّ العزی، أو من یعبد العزی ضد اللات، إلی غیر ذلک.
و لا نقصد هنا بالمعتقدات، المعتقدات الدینیة أو المذهبیة فقط، و إن کان ذلک مثالا ظاهرا للمعتقدات، و إنّما نقصد الأعم من ذلک الذی یشمل القومیة و الوطنیة، فبعض الناس یعتقدون بالوطنیة و إنّ الحدود الجغرافیة لهذه الدولة أو اللغة المعیّنة أو القوم المعینین هی التی یجب علی الإنسان اتخاذها وسیلة إلی الکرامة و العزّة و الألفة و المجتمع الأفضل، و بعض الناس لا یعتقدون بذلک
______________________________
(1) سورة الفرقان: الآیة 5.
(2) سورة البقرة: الآیة 130.
(3) سورة البقرة: الآیة 113.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 93
کما فی الإسلام؛ فالإسلام لا یؤمن بالحدود الجغرافیة المصطنعة کما لا یعتقد بالقومیة سواء کانت فارسیة أو عربیة أو کردیة أو هندیة أو غیر ذلک من القومیات، کما لا یؤمن بالتصنیف علی أساس اللغة، و إنّما فضّل اللغة العربیة لتوحید الأمّة الإسلامیة فی بوتقة لغویة واحدة، و هذا لا یعنی إجبار الناس علی اللغة العربیة أو عدم الاعتراف باللغات الأخری، و إنّما أنزل الکتاب بلسان عربی؛ لعلة ذکرها علماء الکلام فی کتبهم، و قد فرض الإسلام اللغة العربیة فی صلاتهم و أدعیتهم و مناجاتهم و بعض معاملاتهم، و هذا من المعتقد الذی یؤثّر فی الرأی العام.

سابعا: العقیدة الإسلامیة

نحن نعتقد بأنّ الإسلام هو الدین الصحیح المبرهن علیه، و المأخوذ من الکتاب و السنّة و الإجماع و العقل، و بعض المسلمین یرون القیاس و الاستحسان و المصالح المرسلة کمصادر للتشریع إلی جانب القرآن و السنّة، و هذا أیضا یؤثّر فی الرأی العام.
فالدین الإسلامی له أثر کبیر علی طبیعة الشعوب الإسلامیة. و نستطیع أن نلاحظ تأثیر ذلک عند ما نقارن بین دولة إسلامیة فی شهر رمضان و بین دولة أوربیة، فکم سنجد الفارق کبیرا بین حالة الناس فی الدولة الإسلامیة و حالتهم فی الدولة غیر الإسلامیة. و للتعالیم الدینیة أثر کبیر فی طبیعة الإنسان، فالدین یجعله غیر عنیف؛ یقول سبحانه و تعالی: فَبِمٰا رَحْمَةٍ مِنَ اللّٰهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ کُنْتَ فَظًّا غَلِیظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِکَ «1».
______________________________
(1) سورة آل عمران: الآیة 159.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 94
و قد قال رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم لذلک الشاب الذی کان یکثر من العبادة: (إنّ هذا الدین متین فأوغل فیه برفق، و لا تبغضن إلی نفسک عبادة الله، فإنّ المنبتّ «1» لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقی) «2».
و الدین الإسلامی خاصة یستوعب الإنسان فی کافّة مراحله، من قبل الولادة بل و قبل الزواج؛ حیث یقول الرسول الأعظم صلی اللّه علیه و آله و سلم: (فاختاروا لنطفکم فإنّ العرق دساس) «3»، ثم أیام الحمل، و هکذا یسیر مع الإنسان إلی أن یموت و یلحد فی القبر.
و الدین یشمل المعاملات و العبادات و الأحوال الشخصیة و المواریث و القضاء و الدیات و الحدود و القصاص و غیر ذلک ممّا هو معروف، و کلّ هذه الأمور تؤثّر فی الإنسان تأثیرا کبیرا، و قد رافق هذا التأثیر المسلمین منذ ظهور
______________________________
(1) المنبتّ: المنقطع عن أصحابه فی السفر، یقال للرجل إذا انقطع به فی سفره و عطبت راحلته: «قد انبتّ»، من البت: القطع و منه رجل منبت أی منقطع. «بتّ»: یقال بته و أبته. یرید أنّه بقی فی طریقه عاجزا عن مقصده لم یقض وطره و قد أعطب ظهره، راجع مجمع البحرین: ج 2 ص 190، لسان العرب: ج 2 ص 6 و ص 8، العین: ج 8 ص 110. و إن عبارة: «فإن المنبتّ لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقی». یضرب به المثل لمن یبالغ فی طلب الشی‌ء و یفرط حتی ربما یفوّته علی نفسه. کما ذکر ذلک المیدانی فی مجمع الأمثال: ج 1 ص 7 الرقم 2.
(2) راجع بحار الأنوار: ج 68 ص 218 ب 16 ح 23 و نظیر هذا الحدیث ورد فی الکافی (أصول):
ج 2 ص 87 ح 6، و وسائل الشیعة: ج 1 ص 110 ب 26 ح 270، و الکافی (أصول): ج 2 ص 86 ح 1، و المجازات النبویة للشریف الرضی: ص 195، و الجامع الصغیر للسیوطی: ج 1 ص 384 ح 2509، و السنن الکبری للبیهقی: ج 3 ص 18، و الدر المنثور للسیوطی: ج 1 ص 193، و تاج العروس: ج 8 ص 158.
(3) ورد عن الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم: (اختاروا لنطفکم فإن الخال أحد الضجیعین) الکافی (فروع):
ج 5 ص 332 ح 2، دعائم الإسلام: ج 2 ص 194، تهذیب الأحکام: ج 7 ص 402 ب 34 ح 12، کشف اللثام للفاضل الهندی: ج 7 ص 88 ب 2.
و ورد عن الإمام الصادق علیه السّلام: (تزوجوا فی الحجر الصالح فإن العرق دساس) مکارم الأخلاق: ص 197 ب 8 الفصل الأول.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 95
الإسلام إلی یومنا هذا، و لم یأت فی التاریخ دین له سلطة علی النفوس کالإسلام، أمّا بعض البلدان غیر الإسلامیة مثل الغربیة فلا نجد فیها مثل هذه السلطة الکبیرة للدین علی أفراد المجتمع، فیشربون الخمرة و یأکلون لحم الخنزیر و یفعلون المنکرات و ما أشبه ذلک.
و سلطة الدین المسیحی و الدین الیهودی علی معتنقیهما ضعیفة لا سیّما الطبقة المثقّفة من المنتمین لهاتین الدیانتین، و یعود السبب فی ذلک لکثرة الخرافات فی الدیانتین المحرفتین، و لأنّهما لا یلبیان حاجات الإنسان المتطوّرة، لکن قسما من المؤمنین بالدیانتین أخذوا بهذه الخرافات، و أصبحت هی السبیل لتمسّکهم بالدیانتین.

ثامنا: الأرض

الأرض الموحّدة بعلائمها الخاصّة من جبال أو حدود جغرافیة أو ما یستقی من الأنهر الخاصّة تکون سببا للرأی العام، کأرض الرافدین التی تضم دجلة و الفرات، و أرض مصر التی تضمّ نهر النیل. فالموقع الجغرافی یلعب دورا هاما فی بروز الرأی العام و اتجاهه حول موضوع معین فی مکان دون آخر، و بما أنّ الأرض واحدة و هی مشترکة بین الجمیع، فیجب أن یتعامل الناس بعضهم مع البعض الآخر تحت قیم واحدة أو قیم خاصّة. لکن بشرط أن لا تتصادم تلک القیم بعضها مع البعض الآخر؛ لأنّ الصدام یوجب عدم تحقق منافعهم و توجّه الضرر إلیهم.
و الإنسان بسبب احتیاجه للأرض و عیشه فیها یختار قیما خاصّة به سواء کانت تلک القیم موحدة أو قیما متعدّدة و إن کانت متناقضة؛ و ذلک لقاعدة «الأهم و المهم». فإنّ هذه القاعدة مسلمة عند العقلاء، فلو خیّر الإنسان بین
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 96
قطع یده و قطع رقبته لقدّم قطع یده علی قطع رقبته.
و قد أشار فرعون إلی هذا الأمر قائلا: أَ لَیْسَ لِی مُلْکُ مِصْرَ وَ هٰذِهِ الْأَنْهٰارُ تَجْرِی مِنْ تَحْتِی «1»، ففی زعمه أنه یستحقّ أن یکون إلها؛ حیث الأرض واحدة، و النیل یجری تحت قصره، و إن کان هذا الأمر علی الأغلب مغالطة، لکن کلامنا الآن فی أنّه مما یکوّن الرأی العام، و الذی یؤثّر فی السلوک و الحیاة بالنسبة إلی الذین هم فی تلک الأرض یعیشون و علیها یترعرعون و علیها یموتون أیضا، فمن الطبیعی أنّه إذا کانت الأرض واحدة کان مستوی المدن المختلفة و القری المختلفة متساویا من حیث القانون العام، و من حیث الاقتصاد، و لو فی الجملة، مثلا: الشعب البنغلادشی هو شعب متأخّر اقتصادیا بجمیع طبقاته و إن کان هناک تفاوت، کما و أنّه لیس من کلّی إلّا و له شواذ، کما أشرنا إلیه سابقا، أمّا الشعب الکویتی فکلّهم مرفهون اقتصادیا و إن کان بینهم اختلاف أیضا. فالأرض من الأسباب التی تکوّن الرأی العام.
و لا یخفی أنّ الإمام علیا علیه السّلام قال عن الناس أنهم: (صنفان: إما أخ لک فی الدین أو نظیر لک فی الخلق) «2». و هکذا کان الدین و الخلقة معیارین للعطف علی الناس و إعطائهم حقّهم، و قد قال سبحانه و تعالی: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ «3»، و هی إخوة موجودة حتّی بین المسلم و الکافر، قال سبحانه و تعالی: وَ إِلیٰ عٰادٍ أَخٰاهُمْ هُوداً «4»،
______________________________
(1) سورة الزخرف: الآیة 51.
(2) نهج البلاغة: ص 426 الکتاب 53 من کتابه علیه السّلام لمالک الأشتر النخعی، شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید: ج 17 ص 132، تحف العقول: ص 127، بحار الأنوار: ج 33 ص 600 ب 30 ح 744، مستدرک الوسائل: ج 13 ص 160 ب 42 ح 15018.
(3) سورة الحجرات: الآیة 10.
(4) سورة الأعراف: الآیة 65، سورة هود: الآیة 50.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 97
فجعل هودا أخا لعاد مع أن «عاد» کانت قبیلة کافرة.
و قال سبحانه و تعالی أیضا: وَ إِخْوٰانُ لُوطٍ «1»، مع أنّ «لوط» کان فی قمّة الفضیلة و التقوی، و قومه کانوا فی قمّة الانحطاط.
و الأخوة فی القرآن الکریم لها بعدان: الأخوة البشریة، و الأخوة الحیاتیة، و الثانیة أوسع من الأولی، فکلّ الکائنات مرتبطة برباط الخلقة الحیاتیة. و هذه الأخوة یشترک فیها الإنسان مع الأشجار و الطیور؛ کما قال بذلک بعض الفلاسفة. و هناک إخوة بالمعنی الأخصّ و هی الأخوة الدینیة، و هناک إخوة أخص منها و هی الأخوة الرحمیة التی هی الأخوة الواقعیة.
و علی أی حال: فإنّ الإنسان منشأ العلاقة بین الرأی العام و الأرض، فتأتی هذه العلاقة من انعکاس الأرض علی الإنسان، و هو ما یظهر علی شکل عادة، فالإنسان یعتاد علی أمور کثیرة فی حیاته من التدخین و التکلّم الکثیر و ما شابه ذلک، فان بعض هذه العادات ترتبط بنفس الإنسان و بعضها ترتبط ببدن الإنسان، فالحدث یولّد الاستجابة، فإذا ما تکرّرت الاستجابة عدّة مرّات فإنّ ذلک سیکون عادة.
و اللازم أن تکون العادة لها خلفیات أو جذور سواء کانت فی الأمّة أو فی الفرد أو فی المنطقة أو غیرهم من غیر فرق بین أن تکون العادة إحداثا أو استئصالا أو إضعافا أو تقویة أو ما أشبه ذلک.
و الاستجابات التی تنتج عبر العادة، تسمی اتجاها أو موقفا أو میلا أو معرفة أو ما أشبه ذلک من الألفاظ التی تشیر کلّها إلی معنی واحد.
و من الواضح أیضا أنّ العادة تؤثّر فی الرأی العام تأثیرا کبیرا، فمثلا: عند ما
______________________________
(1) سورة ق: الآیة 13.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 98
تکون من عادة البلد أنه إذا وقع فیه زلزال تقوم جماعات بعملیات إنقاذ إنسانی و اقتصادی، فهذه عادة تؤثّر فی الرأی العام، بمعنی أنّ الزلزال یؤثّر فی الرأی العام بهذا الاتجاه الخاص. أو مثلا: إذا اقترب اندلاع الحرب، ففی العادة تلتحق الجیوش المختلفة بوحداتها للدفاع عن البلد.
إنّ العادة غیر العرف؛ لأنّ العرف یمکن أن یکون عادة و یمکن أن لا یکون عادة، مثلا: عند ما وصلت السیارة أوّل مرّة إلی بلداننا نصبوا العلائم لتحدید اتجاه السیارات ذات الیمین و ذات الشمال أو الوقوف، فإنّ هذا عرف و لیس بعادة؛ لأنّه لم یکن سابقا حتّی تسمّی بعادة.
و الاستجابة التی تشکّل عنصرا مهما للعادة لا یشترط أن تکون متماثلة، فالإنسان قد یأخذ إناء الماء بیده فیشرب و قد یأخذ إبریقا و یشرب، و قد یدخن النوع الفلانی من السجائر، و قد یدخن نوعا آخر، و هکذا فالمجموع یسمّی عادة، و إن کانت مفردات هذا المجموع لا یشبه بعضها الآخر إلّا فی الإطار العام، مثلا: نقول فلان عنده عادة التدخین، أو فلان عنده عادة أکل الطعام فی الوقت المحدّد، علما بأنّ الأطعمة متنوّعة و مختلفة، و قد تزید العادة أو تنقص فی الأکل أو فی التدخین، کما أنّه لا یلزم أن تکون العادة دائمة، فمن الممکن أن تکون عادة الإنسان التدخین لکنه لا یدخّن أحیانا، أو الأکل فی وقت الظهر لکنه لا یأکل أحیانا، و هکذا، فالعادة بهذا المعنی العام تشمل کلّ ذلک.

تاسعا: العادات

العادة «1» هی ما تکرر من فعل الإنسان، و هی من الأسباب التی تکوّن الرأی
______________________________
(1) تعرّف العادة بأنها: 1- استعداد دائم ناشئ من تمرین مدید. و العادات علی أقسام، منها:
حرکیة، معرفیة، اجتماعیة، اقتصادیة 2- معیار للسلوک الجمعی بفضل التکرار المستمر
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 99
العام. فالأمم لها عادات، سواء عادات النفع أو عادات دفع الضرر، ففی الأولی یجلب الإنسان لنفسه النفع مثل الکسب و التجارة و الزراعة و الصناعة، و فی الثانیة یدفع الإنسان عن نفسه الضرر مثل ضرر البرد و الألم و ما أشبه ذلک.
و العادات تکتسب إمّا بالتکرار، عند ما یجد الإنسان صفة محمودة عند الناس فیحاول أن یتّصف بها و یکرّرها فتتحوّل إلی عادة متأصّلة، أو أن تکون هناک عادة ضارّة تعوّد علیها الإنسان فی فترة من حیاته کان یعتقد بأنّها تنفعه کالخمرة، ففی فترة من حیاته نجده یشرب الخمر معتقدا بأنّه نافع؛ لأنّه یخرجه من مشاکله ثمّ یعتاد علیه، و عند ما یعتاد علیه لا یستطیع أن ینفکّ عنه.
و للعادة أثر کبیر فی صنع الرأی العام، فلو کان لدینا مرشحان فی بلد واحد، و کان أحدهما مدمنا علی التدخین، فهو یحاول أن ینتصر للمدخنین بإعطاء بعض الامتیازات لهم بالرغم من علمه الجازم بضرره و علم الناس بضرر التدخین، فإنّ العادة لها مدخلیة فی الانتخاب و عدمه.
و کذا الأمر بالنسبة إلی التجارة، بین أن تکون حرّة أو تکون غیر حرّة، فالناس فی العادة یقفون إلی جانب من یمنحهم الحرّیة.
و ربّما کانت العادة مضرّة بل أکثر الأشیاء ضررا و مع ذلک نجد الإصرار علیها عند البعض، فلما حرّر لنکولن «1» العبید- و العبید هنا بالمفهوم
______________________________
للسلوک الفردی و تتطور لتصبح عادة اجتماعیة أو سلوکا جمعیا و من ثم تتحول إلی قانون تنفذه الدولة.
و إنّ العادات مهّدت لظهور بعض القوانین التجاریة مثل مهلة الأیام الثلاثة لتسدید الحساب المطلوب فی بعض الدول، أو إدخال التسعیرة فی القانون.
(1) إبراهام لنکولن ولد فی ولایة کنتاکی الإمریکیة سنة 1809 م، مارس المحاماة سنة 1837 م، و اعتبرها فرصة للدفاع عن الرقیق. أصبح عضوا فی نقابة المحامین و هو فی الثامنة و العشرین من عمره. تزعم الحرکة التی تدعو إلی إلغاء الرقیق. أصبح عضوا فی مجلس النوّاب سنة 1847 م، دخل المعترک السیاسی و تزعم الحزب الجمهوری و قاتل الولایات
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 100
الأمریکی و لیس بالمفهوم الإسلامی؛ لأنّ العبید الأمریکیین الذین جی‌ء بهم من إفریقیا للاستعباد بینما الإسلام یلاحظ العبید و یعتبرهم بشرا محترمین و لهم حقوقهم- تظاهر قسم منهم مطالبین بإیقاف عملیة التحرر، أی أنّهم فضّلوا العبودیة؛ لأنّهم اعتادوا علیها و لم یقبلوا التحرر.
و لا فرق هنا بین قول الفلاسفة: «اللذة ضد الألم أو اللذة لدفع الألم»، و إنّها- أی اللذة لدفع الألم- و إن کنا نری فی المسألة أنّ اللذة غیر دفع الألم، فالألم و اللذة صفتان متضادتان تطرءان علی النفس بسبب الحواس أو غیر ذلک فیکون منشؤهما داخل النفس.

عاشرا: الاتجاهات و المیول و المواقف

إنّ الفرد الاجتماعی یمیل إلی الأشیاء سلبا و إیجابا، و قد یمیل إلی شی‌ء و قد یمیل إلی ضدّه، و میول الإنسان کثیرة لا یمکن إحصاؤها لعددها الکثیر و إن کان لها جامع یسمّی بالاتّجاه، فقد یمیل الفرد إلی مصادقة أهل العلم، و فی ذات الوقت یمیل إلی المطالعة الکثیرة، کما یمیل أیضا إلی مشاهدة حلقات التدریس، فهذه المیول بمجموعها تشکّل اتجاها موحّدا لهذا الفرد و هو الاتجاه العلمی.
و المیل هو دافع موجود فی داخل النفس یظهر علی المشاعر عینا و أذنا
______________________________
الجنوبیة فی الحرب الأهلیة فانتصر علیها، أصبح الرئیس السادس عشر للولایات المتحدة الأمریکیة فی الفترة 1860- 1865 م، ألغی الاسترقاق رسمیا و أعلن حق الأمریکیین المسترقّین فی الحریة و کان ذلک سنة 1863 م. أعید انتخابه للرئاسة سنة 1864 م و اغتیل من قبل ممثل مسرحی هو جون و ایلکزبوث فیما کان یشهد إحدی الحفلات فی مسرح بواشنطن فی الرابع عشر من نیسان سنة 1865 م. من مقولاته: «إننی لا أراقب الأحداث و إنّما الأحداث هی التی تراقبنی». راجع عظماء و مشاهیر معاقون: ص 24.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 101
و لسانا و جنسا أو ما أشبه ذلک. و لهذا عرّفه بعض العلماء بأنه «استجابات داخلیة ذات شکل ممیّز»، فهی حین تثار تفرض علی المرء مسلکا خاصّا فی اتّخاذ الاستجابات سواء کانت تلک الاستجابات علی نحو الکلیة أو علی نحو الجزئیة، فذلک یکون میلا فی الداخل یظهر أثره فی الخارج، مثلا: الطفل الذی یتألّم عند لمس المدفأة الکهربائیة، یدرک أن المدفأة شی‌ء غیر ملائم له، فعلیه أن یبتعد إذا أراد الأمان، و الطفل الذی تقدّم له حلوی یمیل إلیها سریعا، و إذا رأی حیوانا خاف منه، و ستکون لدیه خبرة فیتجنّب هذا الحیوان کلّما رآه من بعید.
و المیل قد یکون شدیدا و قد یکون ضعیفا، و قد یکون إقبالا و قد یکون إدبارا و نفورا.
و المیل إذا دام طویلا یسمّی اتجاها، و إذا کان فی أوقات خاصّة یسمّی موقفا.
و اتجاهات الأفراد و میولهم و مواقفهم تؤثّر فی الرأی العام أیضا، فإذا کان میل الإنسان إلی الظلم التفّ حول الظالم، بینما إذا کان میله إلی العبادة التفّ حول العابد، و هذه الالتفافات سواء فی هذا الجانب أو فی الجانب الآخر تکوّن الرأی العام لتلک الطوائف التی تمیل إلی هذا أو إلی ذاک.
هذا، و قد تکون میول الرأی العام مع السلام، و قد تکون مع الحرب عند ما یصبح البلد هدفا لهجوم غادر، فیکون رد الفعل هو الحرب.

حادی عشر: الأسرة

الأسرة «1» هی عماد المجتمع و هی الوعاء الذی ینهل من خلاله الأطفال ألف
______________________________
(1) اصطلاح یطلق علی الزوج و الزوجة و أولادهما غیر المتزوجین الذین یقیمون فی مسکن
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 102
باء الحیاة و ینهلون الثقافة و العمل و الحبّ و العاطفة، و هی المدرسة الأولی فی حیاة الطفل حیث تجیب علی استفساراته المتنوّعة. و هی مدرسة الأخلاق و الفضیلة، فالأطفال یستقون منها المثل و القیم. و الأسرة مسئولة عن تربیة الطفل عاطفیا و عقلیا و تعلیما، و هی تتکون علی أساس من الحب و الاحترام المتبادل. و هکذا تصبح الأسرة هی الأساس فی بناء الرأی العام سواء کان صالحا أو طالحا.
و قد قامت الحضارة الحدیثة بإهمال الأسرة متأثّرة بعاملین:
الأوّل: الشیوعیة؛ حیث تری الشیوعیة أنها تناقض الأسرة.
الثانی: الرأسمالیة؛ حیث استطاعت أن تفرّق بین أبناء الأسرة، فجعلت الأب یعمل فی مکان و الأمّ فی مکان آخر، و هکذا فرّقت بینهما، ثمّ فرقت بینهما و بین الأولاد عند ما جعلت ارتباط الأولاد بمدارسهم و معلمیهم أقوی من ارتباطهم ببیوتهم و بآبائهم. و عند ما تفککت الأسرة اضطرب الأبناء و تحولوا إلی أشخاص سلبیین، تتقاذف بهم الجریمة نحو السجون.

ثانی عشر: المدارس

یتلقی الطلاب تعلیمهم داخل المدارس، و یبدأ الطالب مواجهته للحیاة من داخل المدرسة حیث سیجد له رفاقا و یتّخذ لنفسه أصدقاء، و حیث یتعلّم فی
______________________________
واحد. و تختلف عن العائلة باعتبار أن العائلة تطلق علی الجماعة التی تقوم فی مسکن واحد و تتکون من الزوج و الزوجة و أولادهما الذکور و الإناث غیر المتزوجین و الأولاد المتزوجین و أبنائهم و غیرهم من الأقارب کالعم و العمة و ابنة الأرمل الذین یقیمون فی نفس المسکن و یعیشون فی حیاة اجتماعیة و اقتصادیة واحدة تحت إشراف رئیس العائلة. و تعرّف الاسرة لغة: الدرع الحصینة، و إن أسرة الرجل عشیرته و رهطه الأدنون لأنه یتقوی بهم. راجع لسان العرب: ج 4 ص 20، معجم البحرین: ج 3 ص 207.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 103
المدرسة کلّ شی‌ء من علوم و فنون و أخلاق و قیم؛ لذا کان للمدرسة تأثیر کبیر علی الرأی العام، و هی التی تصنع مزاج الرأی العام. فالمدارس الصینیة مثلا تقدّم نموذجا لإنسان صینی، یمتاز بثقافة معیّنة و بآراء معیّنة فی الحیاة. و کذا الحال بالنسبة للمدارس الأمریکیة، حیث تصنع أشخاصا یمتازون بکونهم ینتمون إلی الثقافة الأمریکیة. و قد یکون هنا جامع فی جمیع هذه المدارس، کما فی التوقّف عند الإشارة الضوئیة، فجمیع أرباب السیارات من عادتهم أن یقفوا عند الإشارة الضوئیة لکن الرجل الصینی یقف عند الإشارة الخضراء بینما الآخرون یقفون عند الإشارة الحمراء. فوقوف الجمیع هو قاسم مشترک بین الجمیع لکن الاختلاف فی نوعیة الوقوف.
و المدارس بصورة عامّة تبنی عند الأطفال احترام الشخص و احترام المجتمع و التأکید علی العمل و المثابرة و النجاح، کما تبنی البناء الدینی و الخلقی الرفیع، و تدرّبهم علی الشجاعة و الإیثار و الالتزام بالدین و الوطنیة، الوطنیة فی الإطار الإسلامی الذی یعنی الوطن الإسلامی الذی لا یؤمن بالحدود الجغرافیة أو القومیة أو الوطنیة فی الإطار القومی و لا بالحواجز النفسیة المصطنعة.
و یمکن للمدارس أن تصنع أناسا مهزومین و ساقطین خلقیا و بعیدین عن الدین و الوطنیة إذا کان المشرفون علیها أناسا طالحین.
و المدرسة تخرّج نماذج للمجتمع تؤثّر تأثیرا کبیرا فی الرأی العام، عند ما تخرج من یری أن وطنه فوق الأوطان الأخری یتحوّل إلی هتلر جدید «1»، أمّا إذا
______________________________
(1) فعلی سبیل المثال نشرت صحیفة هاآریتس فی 15/ 2/ 1995 عن الأصولیة الصهیونیة فی المدارس الإسرائیلیة مقالة جاء فیها: أثبت الأستاذ بارتال من جامعة تل‌أبیب فی دراسة قریبة العهد إلی أیّ حدّ عبئ النظام التربوی الإسرائیلی لتبریر موقف إسرائیل من الصراع العربی الإسرائیلی، و ألحّ علی ضرورة تغییر الطریقة التی یجری فیها الکلام عن العرب فی الکتب المدرسیة. إنّ التعلیم المتعلّق بالمحرقة و المذابح ساهم إلی حدّ بعید فی خلق
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 104
خرجت من یعتقد بالوطنیة فی الإطار القرآنی؛ حیث جاء فی القرآن الکریم:
إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ اللّٰهِ أَتْقٰاکُمْ «1»، یکون وطنه وطنا طبیعیا فطریا، إلی غیر ذلک من الأمور التی تبینها المدارس فی نفوس الأطفال.

ثالث عشر: الخرافات و الأساطیر

و للخرافات سلطة کبیرة علی الرأی العام، فکلّما کان الشعب أمیا و غیر مثقّف کانت سلطة الخرافة علیه ذات تأثیر کبیر.
و قد أصبحت بعض هذه الخرافات جزءا من حیاة الشعوب، و قد نجد الخرافة حتّی فی المجتمعات الإسلامیة بالرغم من أنّ الإسلام دین العقل و هو یحارب الخرافة و یقف موقفا صارما من المتأثّرین بها.
و هناک فرق بین الأسطورة و الخرافة:
فالأسطورة تطلق علی الأشیاء القدیمة المغمورة فی القدم. بینما الخرافة تطلق علی کلّ ما لا یتّفق و العقل، و قد ذکر القرآن الکریم عن الکفار: وَ قٰالُوا أَسٰاطِیرُ الْأَوَّلِینَ اکْتَتَبَهٰا فَهِیَ تُمْلیٰ عَلَیْهِ بُکْرَةً وَ أَصِیلًا «2». و غالبا ما تکون الخرافة
______________________________
ذهنیة البلد المحاصر فی إسرائیل و غذّی الاعتقاد القائل بأنّ الیهود متفوّقون علی غیرهم، و أنهم دوما علی حق. و أضاف: إنّ اسرائیل استخدمت التاریخ و العلوم الأخری لفائدة الإیدیولوجیة الصهیونیة، ثم إنّ التوراة توزّع علی الجیش الإسرائیلی متضمّنة لمقدمة للحاخام «غادنافون» و مزودة بمفاهیم قومیة متطرفة تؤکد علی العداء بین الیهود و سائر الشعوب الأخری، و أنّ أرض فلسطین هی حقهم، و ألحق بالتوراة أطلسا یستطیع عبره کل جندی أن یجد خریطة إسرائیل الکبری التی تشمل الأردن، و مزودة بخریطة ثانیة تدّعی «الأرض التی وهبها اللّه للیهود». و قد ذیّلت بالعبارة: «الأرض التی تمتد من نهر مصر إلی نهر الفرات الکبیر». نقلا عن کتاب: الأساطیر المؤسسة للسیاسة الإسرائیلیة ص 348- 350 للمؤلف روجیه غارودی «بتصرف».
(1) سورة الحجرات: الآیة 13.
(2) سورة الفرقان: الآیة 5.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 105
منسوجة حول بعض الأشخاص الذین یمتازون بالشجاعة و الإقدام، و هکذا الأساطیر عند ما یکون أبطالها تاریخیین. فکلّ شعب من الشعوب یحترم رجاله الماضین؛ و هذا هو دأب العقلاء، أمّا عند الجهلاء فإنّهم یدخلون إلی جانب الاحترام التقدیس الزائد و یربطون هؤلاء الأبطال بجملة کبیرة من الأساطیر الخرافیة.
و یمکننا ملاحظة أثر الخرافة فی الرأی العام فی المجتمعات التی تؤمن بالخرافة عن تلک المجتمعات التی لا تؤمن بها. و هذا الأثر جلی و واضح فی السلوک الیومی لهذه المجتمعات و فی الفترات الحرجة التی تمر بها فی حیاتها.

رابع عشر: القادة

القادة هم أشخاص متمیّزون عن الآخرین، یقومون بقیادة الأفراد أو الجماعات دینیا أو سیاسیا أو مالیا، فیصبح لدینا قائد دینی و قائد سیاسی و قائد مالی أو غیر ذلک.
و القائد هو القادر علی تکوین الرأی العام، مثلا: القائد فی قریة لا یتجاوز عدد بیوتها المائة قد یکوّن الرأی العام لهذه القریة الصغیرة لأنّه متّبع و مطاع، و من الواضح أنّ المتّبع- بالفتح- یؤثّر فی المتّبع- بالکسر-.
و لا یخفی أنّ القیادة الدینیة الصحیحة أفضل القیادات فی التأثیر؛ حیث أنّها دین و دنیا، و الإنسان یتکوّن من جزئی: الروح و البدن. و من الواضح أنّ الروح لا تشبع إلّا بالدین المرتبط بالآخرة و بالمصیر الذی ینتظره البشر بالإضافة إلی ارتباطه بالدنیا، و لذا کان القادة غیر الدینیین بحاجة إلی القادة الدینیین لتسهیل أمورهم، و لا فرق هنا فی هذه الفکرة أن یکون القائد الدینی قائدا حقیقیا
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 106
و واقعیا أو دینیا مزیفا، فملوک بنی العبّاس و بنی أمیّة و من أشبههم هم قادة دینیون مزیفون.
و علی أی حال: فالقادة بأجمعهم سواء کانوا فی مصاف الجیدین أو فی مصاف المزیفین لهم تأثیر کبیر علی الرأی العام «1».
______________________________
(1) و یری البعض أنّ هناک عوامل أخری مؤثرة فی تکوین الرأی العام، منها: 1- طبیعة النظام السیاسی. 2- نوعیة وسائل الإعلام و الاتصال. 3- الحالة الاجتماعیة و الاقتصادیة للفرد، باعتبار أنّ هذه الحالة تؤثر فی أفکاره و آرائه تجاه المشاکل أو المواضیع المطروحة للبحث و النقاش فی فترة زمنیة معینة. 4- قوة الشائعات و ضعفها. 5- التحدیات. 6- الإمکانیات.
7- الحاجات.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 107

قواعد الرأی العام

اشارة

مسألة: یجب التوجه للقواعد التی تحکم الرأی العام، و من تلک القواعد:
1- أنه الموقف الاختیاری الذی یتّخذه المرء إزاء شی‌ء معیّن، من عقیدة أو عمل متنازع علیه قابل للجدل و الأخذ و العطاء، أمّا المسلّمات فلا تسمّی رأیا عاما، فإذا کان هناک أناس یقولون بأنّ الشمس شمس و لیست بقمر فإنّ ذلک لا یسمّی رأیا عاما.
2- هناک فرق بین الجماعة و الجمهور، فالجماعة عبارة عن أناس خاصین و یقل عددهم عن الجمهور، و قد یعبّر عن الجماهیر لإفادة جانب عملی و مهنی مثل جمهور الحدّادین و جمهور النجارین و جمهور البنائین.
3- یشترط لقیام الرأی العام أن یکون شعبیا لا برجوازیا. نعم، یصحّ أن یخصّص الرأی العام البرجوازی، أمّا الرأی العام بالصیغة المطلقة فالمراد به:
الشعبی.
4- هناک رأی خاصّ فی قبال الرأی العام مثل رأی الأدباء، و هنا یصحّ بأن نقول «الرأی العام عند الأدباء»، لکن الرأی العام المطلق إنّما یشتمل علی الجمیع.
5- الرأی العام هو اجتماع الآراء فی مسألة أو قضیة اقتصادیة أو سیاسیة أو اجتماعیة أو غیر ذلک من المسائل التی تحتمل الجانبین، فیقف البعض إلی هذا الجانب و البعض الآخر إلی الجانب الآخر، و معنی هذا أنّ الرأی العام هو العموم بشرط أن یکون نافذا عن اختیار و إقناع بدون إکراه فردی أو إکراه
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 108
أجوائی.
6- الآراء التی تفرضها التنظیمات و الأحزاب و الهیئات و الجماعات ذات السلطة علی الأفراد بالقهر و القسر لا تسمّی رأیا عاما، مهما کانت درجة الاتّفاق فی تلک الآراء، فالاتّفاق فی الآراء لیس اتّفاقا بقدر ما هو إملاء من الغیر قسرا، سواء کان القسر یشعر به الناس أو قسرا لا یشعر به الناس لحبّ، أو لخوف من عدو أو نحو ذلک.
7- الرأی العام الذی یصنع من الهیجان و الإثارة و التخویف و الترغیب و ما أشبه ذلک نتیجة لظروف خاصّة، مثلا قبل حدوث السیل أو الحرب أو هجوم العدو أو ما أشبه ذلک، من شأنه أنه لا یدوم طویلا؛ لأنّه لم یکن نابعا من القلب و الاعتقاد و الرأی، و إنّما هو رأی جاء به هؤلاء فی ظرف خاص و معیّن. نعم، یصحّ أن نقول: إنّ الرأی العام العالمی ضد هتلر، فإنّ هذا الرأی العام طارئ لکنه غیر عادی.
8- الرأی العام شی‌ء، و وسائل تصویر هذا الرأی العام أخذا و عطاء شی‌ء آخر، مثلا المذیاع و التلفاز و ما أشبه ذلک تکوّن الرأی العام، لا أنّها رأی عام، بل هی وسائل سمعیة و بصریة لإیجاد الرأی العام، أو الاستفادة منه.
9- لا فرق فی الرأی العام أن یکون سلبیا أو إیجابیا، مثلا الرأی العام الحربی؛ فیما إذا اتجهت دولة إلی الحرب، أو الرأی العام السلمی؛ فیما إذا اتجهت دولة نحو السلم.
10- التوافق و التخالف فی السلطة الدیکتاتوریة لا یشکّل رأیا عاما بقول مطلق، بل هو انصیاع و اتباع للسلطة المفروضة فرضا.
11- الأفکار الثابتة و البدیهیة لا تعتبر رأیا عاما کما أشرنا فیما سبق، فالقول بأنّ التوقّی فی فصل الشتاء لازم لا یعتبر رأیا عاما اصطلاحیا، و إن کان الجمیع
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 109
یتّفقون علی هذا الرأی.
12- لا یلزم فی الرأی العام أن تجتمع عنده کلّ الآراء، بل الرأی العام هو الذی تکفی فیه الشهرة أی هو الذی یمثّل الأکثریة المطلقة لا الأکثریة المقیّدة، مثلا إذا کان 90% رأیهم هکذا فهذا یسمّی رأیا عاما و لا یعتنی بالباقی و هو 10% من الذین لا رأی لهم فی الموضوع أو ذوی الرأی المخالف.
13- الرأی العام من الناحیة الفعلیة هو حصیلة معرفة الفرد، فکلّما کانت معرفة الفرد عینیة و حرّة کان رأیه انتقائیا و حرّا، أمّا هل أنّه مطابق للواقع أو لیس بمطابق فهو شی‌ء آخر. و الکلام الآن لیس فی الحقّ و الصدق و إنّما فی الرأی العام بمیزاته و صفاته و خصوصیاته.
14- الرأی العام الناتج عن الخوف و ما أشبه ذلک بسبب الدیکتاتور المتسلط بالاستخبارات و التهدید و الرعب لا یسمّی رأیا عاما، بل هو رأی ظاهری فی الناس تقف وراءه السلطة الطاغیة، و مثل هذا و إن کان رأیا عاما صوریا لکنه رأی عام مخادع و لیس رأیا عاما حقیقیا.
15- الرأی العام قد یکون یقظا و قد یکون نائما، مثلا الرأی العام الذی هو فی معرض العمل و الدینامیکیة هو رأی عام قائم، أمّا أنه لو کان کذا لکان الرأی العام کذا علی نحو التعلیق. فلیس هو برأی عام علی الاصطلاح الذی نصطلح علیه فی هذا الکتاب.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 110

الثبات

مسألة: من أسباب تکوّن الرأی العام الثبات فی الثابتات و التلوّن فی المتغیرات، فإن الأصل هو الثبات فی غالب الأشیاء إلّا ما خرج. و الإنسان بطبیعته ثابت فی أغلب الأحیان و فی أکثر أموره إلّا إذا کان هناک دافع یزیحه عن الثبات إلی عدم الثبات، کالثبات فی الأکل فی أوقات خاصّة و الثبات فی ارتداء الملابس بألوان خاصّة فی کل الأوقات. فالغالب أنّ الناس لا یحبّون الألوان الصارخة فی اللباس أو الألوان البیضاء کاملا أو الخضراء کاملا أو السوداء کاملا إلّا فی أوقات خاصّة، کما أنهم ثابتون فی اختیار المنازل الجمیلة ذات النافورات و الأحواض و الحدائق النضرة، إلی غیر ذلک من الأمثلة الکثیرة، و هذه الأمور الثابتة هی بطبیعتها تصنع الرأی العام.
فالرأی العام هو المسئول عن اختیار البیوت ذات السعة المعیّنة و ذات الحدائق و ما أشبه ذلک.
نعم، کثیر من الأشیاء لا یریدها الإنسان ثابتة کعدم الثبات فی أشکال الملابس؛ و لذا نجدهم یغیّرونها أسبوعا بعد آخر سواء من حیث التفصیل أو من حیث اللون، و هکذا فی کیفیة الأکل، فهم لا یعتادون أ کلّ لون واحد علی طیلة الأیّام و إنّما یلوّنون فی مواده و خصوصیاته، و غالب النساء یردن الثبات علی زوج یقتصر علی زوجة واحدة و لا یرغبن بالزوج الذی یقدم علی الزواج من زوجة ثانیة أو أکثر. و عکس الأمر نجده عند الرجال؛ فهم یحبّون النساء اللاتی یعطین الحرّیة لأزواجهن فی الزواج مرّة ثانیة.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 111
لذا نجد فی بلاد الإسلام، فی الوقت الحاضر یتزوّج الرجل زوجة واحدة.
بینما کانت العادة عند المسلمین فی الأزمنة الغابرة الزواج من عدّة زوجات، فالأمر یتأثّر کثیرا بالرأی العام و بالقوانین الوضعیة و بالظروف المحیطة بالمجتمع کالظروف الاقتصادیة و الاجتماعیة.
و إذا أردنا أن نعطی المزید من الأمثلة علی أثر الثبات فی الرأی العام، ضربنا مثلا بالمرشح الذی یجبر الناس علی لبس زی موحد، فإنّ کثیرا منهم سوف یبتعد عن هذا المرشح و یختارون من یمنحهم حرّیة اختیار الملابس.
و قد تنقلب الصورة الثابتة عند بعض الأفراد إلی صورة أخری، مثلا:
ینتخب الناس رئیسا لأنّهم أحبّوه و تصوّروه قادرا علی حلّ مشکلاتهم و یخلصهم من معضلاتهم، ثمّ بعد تولیه أربع سنوات أو أقل تراهم یرفضونه بشدّة؛ لأنّهم لم یروه کما زعم من قبل فیختارون بدیلا عنه.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 112

التوازن بین الأهمّ و المهم

مسألة: ینشأ الرأی العام من التدبیرات التی توازن بین الأهم و المهم، فقد نجد الإنسان لا یرید الشی‌ء لکنه یطلبه لأنّ أمره دائر بین الأهم و المهم، کما لو کان الرأی العام مع الحرب بالرغم من أن الإنسان لا یریده؛ لأنّه یراه أهم من عدم الحرب، فالرأی العام حینئذ یکون مع الحرب مع أنّ الواقع و کوامن النفوس لا رغبة لها فیها، لأنّ الحرب معناها نشوء المشاکل و المعوقات.
لکن المحاربین یحاولون أن یبرروا الحرب، لا من أجل توضیح الواقع بل من أجل تبریر مواقفهم مستندین بذلک إلی قاعدة «الأهم و المهم».
و قد أشرنا- فی بعض کتبنا- إلی مسألة «الأهم و المهم» و أنّها قاعدة عقلیة قبل أن تکون قاعدة شرعیة.
و نری فی القرآن الکریم إشارة إلی قاعدة «الأهم و المهم»- کما أوردنا ذلک فی کتاب القواعد الفقهیة- و هو قوله سبحانه و تعالی: وَ مٰا کٰانَ النّٰاسُ إِلّٰا أُمَّةً وٰاحِدَةً «1»، و هکذا کان رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم فی مختلف مواقفه و کذلک کان أمیر المؤمنین علیه السّلام فی انتهاج سیاسة «الأهم و المهم».
و قد یکون الرأی العام بسبب نقص فی جانب من جوانب حیاة الأمّة، مثلا
______________________________
(1) سورة یونس: الآیة 19، و عن قاعدة الأهم و المهم راجع کتاب القواعد الفقهیة للإمام المؤلف قدس سره إصدار معهد التعالیم الإسلامیة، طهران سنة 1414 ه.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 113
الدولة الضعیفة؛ حیث تکون ضعیفة فی ذاتها و تشعر بالنقص و الألم من هذه الناحیة، فتمیل إلی التعویض عن ذلک بالمیل الشدید إلی الاعتزاز بالعظمة و الوطنیة و السیادة الشخصیة و التاریخ المجید و ما أشبه ذلک، و لذا نجد أنّ الحکومات الدیکتاتوریة التی تعمل علی نفض الناس من حولها تمیل إلی إظهار نفسها بمظهر القوّة فی المناسبات و فی الأزمنة المختلفة کالأعیاد الوطنیة، فالناس یبررون مواقف بعضهم بهذه الأشکال، و هذا أمر حاکم فی الفرد، کما و أنّه حاکم فی الشعب أو الأمّة أو ما أشبه ذلک.
فغالبا نجد الفرد أنّه عند ما یکون علی نقص فی جانب کالفقر و المرض و الغربة، فیعوّض عن ذلک بشی‌ء آخر کالانغماس فی الفرح و اللعب و ما أشبه ذلک.
و إنّ التبدیل قد یجری من الداخل إلی الخارج، مثلا: الجماعة التی تعانی من مشاکل داخلیة تحاول أن تنقل هذه المشاکل إلی الخارج نحو عدوّ و همّی، زاعمة بأنّ هذا العدو یرید القضاء علیهم، فینقل العداء الداخلی إلی عداء الخارجی، أو العکس، أی عند ما یکون هناک عدوّ خارجی و لا تقف الأمّة بوجهه یتحوّل الصراع معه إلی صراع داخلی. فالرغبة فی الصراع کامنة فی نفوسهم، و إذا لم یصرفوها فی مکانها اللائق فإنهم یصرفونها فی مکان غیر لائق. و هکذا کانت أوربا أیّام الحرب العالمیة الثانیة، فقد کانت الدول الأوربیة علی عداء مستحکم، و قد وجدت هذه الدول فی النازیة مبررا لنقل العداء الداخلی فیما بینها إلی الخارج لتصبح فی مواجهة هتلر، و هکذا الأمر بالنسبة إلی موسیلینی، و کذلک فی عهد ستالین و من أشبههم. فالرأی العام فی الداخل یتکون بسبب إرادة التبدیل و نقل الشی‌ء من مکانه الواقعی إلی مکان آخر، و کذلک قد یکون الرأی العام علی العکس من ذلک تماما،
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 114
و فی قبال هذا المثل الذی ضربناه بحالة أوربا فی الحرب العالمیة الثانیة، نجد الحالة المعاکسة عند الدول الإسلامیة التی لم تقف بوجه عدوها المشترک و هو العدو الصهیونی فانتقل هذا الصراع من الخارج إلی الداخل.
و النتیجة: إنّ الرأی العام یحصل بأحد أمور أربعة: إمّا بتمثیل النفس بالآخرین، أو بتمثیل الآخرین بالنفس فی طرف الإیجاب، أو فی الطرف السلبی من الناخبین. و کل هذه الأمور الأربعة إنّما تنشأ للتخفیف عن الألم و لجلب المنافع، و کذلک للحصول علی التوافق النوعی أی أن یوافق الإنسان نفسه مع الآخرین، فإذا عمّ هذا الأمر فی المجتمع یکون ذلک سببا من أسباب الرأی العام؛ إذ الإنسان بطبیعته یشعر باحتیاجه للأمن و الأمان و الوصول إلی حوائجه و أهدافه الواقعیة، و حیث یعرف الإنسان أنّه لا یستطیع أن یکون متوافقا دائما مع الآخرین لکن میله إلی التوافق هو الأمر الغالب علیه، لأنّ مصلحته فی التوافق أهمّ من مصلحته فی الانفراد بنظریاته الشخصیة، فالناس یتعلّمون فائدة التوافق و مزایاه منذ صغرهم.
فابتداء ینطلقون فی التوافق مع أسرهم ثمّ مجتمعاتهم الصغیرة ثمّ مجتمعاتهم الکبیرة.
إنّ الأفراد بطبیعتهم یفضلون الوصول إلی الهدف الأهم علی الوصول إلی الهدف المهم، أمّا ما یستشکل علی الحکومات الدیمقراطیة بأنها تجعل الشعب إمّعة للقادة، فهم کالغنم الذین یتبعون الراعی الذی یتقدّمهم، فهو أمر غیر صحیح، فالدیمقراطیة فی قبال الدیکتاتوریة، و الدیکتاتوریة هی أسوأ بکثیر من الدیمقراطیة؛ حیث یتبع کلّ الناس قائدا واحدا هو الدیکتاتور، بینما فی الدیمقراطیة یتّبع کلّ جماعة قائدا هو أمیل إلی أهوائهم، مثلا القائد الدیکتاتور یرید تقویة الصناعات الخفیفة بینما الناس علی قسمین: قسم منهم
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 115
یرید تقویة الصناعات الخفیفة و قسم منهم یرید تقویة الصناعات الثقیلة، و هکذا بالنسبة إلی الزراعة و التجارة، فیعطی الحقّ للرأی العام فی الدیمقراطیة أکثر ممّا یعطی الحقّ فی الدیکتاتوریة.
و علی أی حال: فالرأی العام إنّما یتکون فیما یتکوّن من إرادة التوافق بین الآراء المختلفة و ملاحظة قانون الأهم و المهم.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 116

التبسیط

مسألة: ینبغی التوجّه إلی قاعدة التبسیط فی صنع الرأی العام، و التبسیط عبارة عن إرجاع شی‌ء تؤثر فیه مؤثّرات متعدّدة إلی مؤثّر واحد؛ و ذلک لسهولة هذا الأمر و الارتقاء إلی عدّة عوامل، فهو شی‌ء صعب بالنسبة إلی عامّة الناس؛ لأنّهم لا یتمکّنون أو لا یریدون التفکیر فی المؤثر الحقیقی من کلّ جوانبه، فالغالب أنّ الناس یردّون أمورهم بین ضدین بلا ملاحظة أنّ هناک أضدادا أخری. فمثلا یتصوّرون أنّ الأشیاء بین أبیض و أسود، أو أنّ الإنسان فقیر أو غنی، أو عالم أو جاهل، فلا یتصوّرون ما عدا الأبیض و الأسود من الألوان الأخری کالأحمر و الأخضر و الأصفر، و لا یتصوّرون أنّ الغنی و الفقیر هما لفظان متضایفان، فالفقیر ذو مراتب و الغنی فیه مراتب، و هکذا بالنسبة إلی سائر الأضداد، نعم إذا دار الأمر بین الوجود و العدم یکون للنقیضین اللذین لا ثالث لهما، مثل أنّ الإنسان إنّما هو موجود أو معدوم، و هکذا.
نعم، هناک أضداد لا ثالث لها مثل النور و الظلمة بناء علی القول بأنّهما ضدان. و لا شکّ أنّ فی النور أیضا أقساما و فی الظلمة أقساما، و لهذا قال سبحانه و تعالی بالنسبة إلی الظلمة الشدیدة التی فیها الکفار: أَوْ کَظُلُمٰاتٍ فِی بَحْرٍ لُجِّیٍّ یَغْشٰاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحٰابٌ ظُلُمٰاتٌ بَعْضُهٰا فَوْقَ بَعْضٍ إِذٰا أَخْرَجَ یَدَهُ لَمْ یَکَدْ یَرٰاهٰا وَ مَنْ لَمْ یَجْعَلِ اللّٰهُ لَهُ نُوراً فَمٰا لَهُ مِنْ نُورٍ «1»، مثلا یقال: «إنّ المرشح الفلانی
______________________________
(1) سورة النور: الآیة 40.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 117
إنسان رءوف بالناس» و کلّهم یردّدون أنّه رءوف بالناس؛ و لذلک ینتخبونه فی وقت الانتخابات، و إذا کانت صفة الرأفة غیر کافیة لانتخاب صاحبها من قبل الناس، فهناک الحزم، و هناک إدارة البلاد، و هناک تحسین أوضاع الناس، إلی غیر ذلک من الأمور. فإنّ التبسیط یوجب الانسیاق وراء ذلک السبب المبسط، بینما الأسباب المتعدّدة هی التی تتدخّل فی الانتخابات، و غالبا ما تساعد اللغة علی هذا الشی‌ء؛ إذ تساعد الفرد علی أن ینظر إلی شی‌ء أو إلی شخص أو إلی موقف علی أساس غیر واقعی، بنظرة أنّه أبیض أو أسود، بینما الأبیض له مراتب و الأسود له مراتب، فلیس بینهما کل البعد و إنّما بعض البعد، هذا بالنسبة إلی غالب الناس، أمّا الرأی العام المطّلع علی ما ذکرناه، فإنّه یستند فی قراراته إلی واقع المعرفة لا إلی القبول أو الردّ البسیطین بل یستند بالإضافة إلی ذلک إلی التفهّم و الإدراک و التمحیص و تحقّق أکبر عدد ممکن من العوامل الواردة المتعلّقة بهذا الموضوع؛ فلذا یکون أقرب إلی الواقع؛ لأنّ الأسباب لیست کلّها ظاهرة عندنا و إنّما الظاهر ممکن فحصه و تمحیصه.
و بهذا الصدد یقال: إنّ المرض المحدد یضره اللبن ضررا مطلقا. و قد جی‌ء بطبیب حاذق، و هو أخ المجدد الشیرازی- و اسمه السید أسد الله- إلی مریض ابتلی بمرض، فوصف له اللبن فقالوا له: إنّه یضر و لا ینفع و أحیانا یقتل المریض. قال: «هل تعلمون أنّ هذا المرض له ثلاثون قسما: تسع و عشرون من الأقسام یقتله اللبن أما القسم الأخیر و هو الذی ابتلی به المریض فإنّما شفاؤه فی اللبن» و بالفعل فقد برئ من مرضه. و هکذا القول بأنّ کلّ مریض ینفعه الإسبرین، بینما اللازم علی الطبیب أن یفحص المریض لیعرف إذا کان هذا الدواء ینفعه أو لا ینفعه، و کذلک فی العلوم الاقتصادیة و السیاسیة و الاجتماعیة و التربویة و غیرها، و لذا قال بعض علماء الغرب بهذا الصدد: «إنّ القضایا
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 118
و المقولات اللفظیة، و کذا التعاریف الموجزة للفعل أو الإجراء، تکون هامّة إلی أقصی حدّ عند ما لا یکون الرأی محدّد المعالم، و عند ما یکون الناس علی استعداد لقبول ما یوحی إلیهم من مصدر موثوق به یسعون إلیه لیزودهم بتفسیر ما أو آخر» «1». و لذا ورد فی الحدیث: (أعقل الناس من جمع عقول الناس إلی عقله) «2»، فالواضح أنّ من یجمع العقول إلی عقله یقلّب وجوه الآراء و یعرف الضارّ و النافع و یعرف الضار و الأضر و النافع و الأنفع، و لهذا یصیب الهدف أفضل من غیره.
و من اللازم علی الحکومات الصحیحة أن تربّی الناس علی التحقیق و الفحص و التمحیص حتّی یصلوا إلی الهدف أو إلی ما قبل الهدف بشی‌ء قلیل، و لا یکونوا بعیدین عن الهدف بأمیال.
و الحاصل: أنّه یجب علی الإنسان الذی یرید إصابة الواقع أو قریبا من الواقع أن یجمع ألوانا من المعرفة بالإضافة إلی السمو الروحی و الاستشفاف النفسی حتّی یتمکّن من الوصول إلی الهدف أو یتمکّن من قرب الوصول، و کمثال علی ذلک نقول إنّ الحرکة الجزائریة و الحرکة الهندیة کلتیهما کانتا حرکتین تهدفان إلی الاستقلال، لکن إنّ حرکة الجزائر کانت أعنف، و لذا قتل تسعة ملایین جزائری ملیون و نصف ناهیک عن انهدام الاقتصاد و کثرة المشوهین و المعافین إلی غیر ذلک. حتّی تمکّنوا من النجاة من الاستعمار الفرنسی «3»، بینما حرکة
______________________________
(1) راجع الرأی العام و تأثیره بالإعلام و الدعایة: الکتاب الأول: ص 152 للدکتور محمد عبد القادر حاتم.
(2) جاء فی کتاب الانتصار: ص 254 عن علی علیه السّلام: (رحم اللّه من ضمّ عقول الناس إلی عقله).
و فی شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید: ج 18 ص 382: (أعقل الناس من شارک الرجال فی عقولها).
(3) احتلت فرنسا الجزائر فی الخامس من تموز سنة 1830 م و دام هذا الاحتلال 132 سنة،
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 119
الهند التقلیدیة بقیادة حزب المؤتمر الهندی «1» کانت حرکة لم تنتهج العنف و قد تمکّنت من تحریر الهند ذات الأربعمائة و خمسین ملیون نسمة فی سنة ألف و تسعمائة و سبع و أربعین میلادیة بدون خسائر فادحة، و إنّما کانت الخسارة التی وقعت و هی أربعة ملایین قد وقعت حین انفصال الهند عن الباکستان «2»، فکان ذلک خطا من الأخطاء؛ حیث أنّ بعض زعماء حزب المؤتمر الهندی کانوا یطالبون بإعطاء الأکثریة من الأقلّیة المسلمة حقوقها حتّی لا یضطروا للانفصال، بینما أکثریة أعضاء حزب المؤتمر کانوا یطالبون بعدم إعطاء الأکثریة من الأقلّیة المسلمة حقوقها، ممّا اضطر المسلمین إلی طلب الانفصال، هذا بالإضافة إلی ما وقع من المآسی التی لا زالت تحدث إلی یومنا
______________________________
و قامت ثورات عدیدة ضد هذا الاحتلال، أبرزها ثورة عبد القادر الجزائری، و ثورة إخوان الطیبة، و ثورة أبو خضرة، و ثورة أولاد سیدی الشیخ، و ثورة الحاج محمد المقراتی. و قد واجه الاستعمار الفرنسی هذه الثورات و غیرها بکل قسوة و عنف، حتی أنهم قتلوا فی الیوم الثامن من أیار سنة 1945 م أکثر من خمسة و أربعین ألف مواطن جزائری. و شکلت الحکومة المؤقتة الجزائریة فی 19 أیلول سنة 1958 م برئاسة فرحات عباس معلنة انتهاء الاستعمار الفرنسی، و تحقق الاستقلال فی آذار سنة 1962 و عین أحمد بن بیلا اوّل رئیس للجزائر.
(1) حزب المؤتمر: أسّسه مجموعة من المفکرین الهنود، فی مجتمع یتکون من مائة و خمسین مذهبا و سبعمائة لغة و ثلاثة آلاف قومیة و ستمائة حکومة لمقاومة الاستعمار البریطانی سنة 1303 ه (1885 م) و عقد مؤتمره التأسیسی فی بومبای من نفس السنة، و قد تناوب علی رئاسته عدّة زعماء، منهم: دادابیه ناروجی، و کوخال، و کرفال میها و بیلاک، و غاندی، و نهرو، و شاستری، و أندیرا غاندی، و قد حقّق الحزب مکاسب جمّة للشعب الهندی و علی رأسها استقلال البلاد سنة 1366 ه (1947 م)، و فی سنة 1977 م حدث انشقاق فی الحزب، فجناح تزعمته أندیرا غاندی و آخر تزعمه سردار سینغ وی شافان، و من بعد أندیرا غاندی تزعم ابنها راجیف ثم ب ف ناراسیمهاراو. راجع موسوعة السیاسة: ج 2 ص 519 و «عند قدمی غاندی» لبراسات، و «قصتی مع الحقیقة» لغاندی، و «لمحات من تاریخ العالم» لنهرو.
(2) حدث ذلک فی سنة 1947 م عند ما أعلن محمد علی جناح قیام دولة إسلامیة اسمها الباکستان.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 120
هذا، و قرابة خمسین سنة من مأساة کشمیر أولا، و مأساة انفصال بنغلادش «1»- الباکستان الشرقیة- عن الباکستان الغربیة ثانیا، و فی الحرب بین الهند و الباکستان قتل أکثر من ثلاثة ملایین.
______________________________
(1) کانت بنغلادش قبل آذار سنة 1971 م تدعی باکستان الشرقیة، و کانت تشکل إحدی المقاطعات الخمس التی تؤلف باکستان بعد انفصالها عن الهند سنة 1947 م، و انفصلت بنغلادش فی عهد مجیب الرحمن و بتشجیع من الهند ضد الباکستان. راجع موسوعة السیاسة: ج 1 ص 571.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 121

علاقة التفکیر بالتناقض و التضادّ

مسألة: من أسس الرأی العام أنّ الأمر إمّا هذا و إمّا ذاک، و هذه حقیقة بالنسبة إلی التناقض- و هو إمّا وجود أو عدم-، و من المحال جمعهما، کما و أنّه من المحال رفعهما، و هذا المنطق ینسب إلی أرسطو، أمّا منطق الدیالکتیک فلیس أکثر من مغالطة صریحة، و قد أشرنا إلی هذا الأمر فی بعض کتبنا «1»، کما ألمعنا إلیه سابقا.
نعم، کون الأمر إمّا هذا أو ذاک لا یمکن جمعهما و لا یمکن نفیهما خاصا بالتناقض. أمّا فی غیر التناقض فلا یصحّ هذا التردید؛ لإمکان أن یکون وجودین و لإمکان أن یکون عدمین، فلا یصح عند العقلاء أن یقال: اللون إمّا أبیض أو أسود؛ لإمکان عدمهما بأن یکون أصفر، کما لا یصح أن یقال: هذا إمّا إنسان و إمّا حیوان؛ لإمکان أن یکون کلاهما و هو الإنسان؛ حیث أنّه حیوان و إنسان، و لذا فاللازم فی الحصر أن یعرض علی أنّه من التناقض أوّلا فإن کان من التناقض صح الحصر بین هذا أو ذاک، و إذا لم یکن من التناقض لم یصح ذلک، فقول بعضهم: «الأشیاء دائما بین هذا و هذا» غیر صحیح. مثلا: یقول بعضهم اللون إما أبیض أو أسود، و الناس إما أخیار و إما أشرار، و الشخص إما غنی أو فقیر، و المعتمد إما خائن أو أمین، و الحکومة إما دیمقراطیة أو غیر دیمقراطیة، فإنّ هناک فرقا بین أن یقال: هکذا، و هو صحیح. و بین أن یقال:
______________________________
(1) راجع کتاب: نقد النظریة الدیالکتیکیة للمؤلف قدس سره.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 122
الحکومة إما دیمقراطیة أو دیکتاتوریة، و هکذا بالنسبة إلی کلّ تردیدین. أمّا ظهور القضایا فاللازم أن تقاس بالمنطق، و لذا یقال للمنطق: نظام العلوم.
و حاصل المنطق یرجع إلی الأشکال الأربعة بشرائطها المعروفة، و أن یکون فی موادها من الصناعات الخمس، و الصناعات الخمس لیست کلّها برهانیة و إنّما البرهان إحدی الصناعات الخمس کما ذکر فی المنطق.
ثم إنّ المنطق الأرسطی لیس إبداعا من أرسطو و إنّما کشفا منه، کما أنّ قانون أرخمیدس «1» لیس إبداعا منه و إنّما هو کشف.
و علی کلّ: فمن أسس الرأی العام التفکیر، إمّا هذا و إمّا هذا فی المنطق التناقضی، و عدم إمّا هذا و إما هذا فی غیر التناقض.
نعم، هناک أشیاء عقلیة أخری ترجع إلی التناقض فی استحالتها، مثلا:
التضاد، و کون الکلّ یساوی الجزء، و الدور کلّها محال؛ لأنّها ترجع إلی التناقض، و کلّ ما لا یرجع إلی التناقض فلیس محالا، حتّی وجود شریک الباری محال، لانه راجع إلی التناقض أیضا.
و لا یخفی أنّ الناس فی غیر التناقض و ما ترجع إلیها المحالات لا یکون تفکیرهم صحیحا علی الأغلب؛ لأنّ تفکیرهم یرجع إلی الإطلاق بین الأمور النسبیة، مثلا: فلان ناجح أو فاشل لیس علی إطلاقه و إنما یجب أن نعرف أنّ الفشل له درجات کما و أن النجاح له درجات.
نعم، الدرجة الأخیرة من النجاح و الدرجة الأخیرة من الفشل متقابلان، و لا یعقل جمعهما و لا یعقل رفعهما بالنسبة إلی الموضوع القابل، و إنّما ذکرنا موضوع القابل لأنّ فی غیر موضوع القابل لا یصدق لا هذا و لا ذاک.
______________________________
(1) و ینص قانون أرخمیدس علی أن کل جسم إذا ما غمر فی سائل یتلقی دفعة عمودیة من أسفل إلی أعلی توازی ثقل ما شغل مکانه من السائل. راجع المنجد فی الاعلام: ص 33.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 123
مثلا الإنسان إمّا عاقل و إمّا مجنون، أمّا الله سبحانه و تعالی فلیس بعاقل و لا بمجنون؛ لأنّ الله لیس محل ورود هاتین الصفتین، کما أنّه لا یصح أن یقال: الحائط إمّا سمیع أو أصم؛ لأنّ الحائط لیس موضعا قابلا لهاتین الصفتین؛ فالسمع و الصمم یمکن نسبتهما للإنسان و الحیوان و الملک و الجن و من أشبه. و هذه مباحث فلسفیة لیست من شأن هذا الکتاب التعرّض لها، و إنّما أردنا الإشارة إلی أنّ التفکیر بالنسبة إلی التناقض و التضاد و سائر المحالات و ما أشبه، فکذلک التفکیر النسبی هو أساس الرأی العام.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 124

العاطفة و الرأی العام

مسألة: العاطفة لها سلطة علی الإنسان غیر الحکیم حیث ترجّح عنده علی سلطة التعقّل، و هذا السلوک یطلق علیه فی الشریعة الإسلامیة بالهوی؛ و لذا قال سبحانه و تعالی: وَ أَمّٰا مَنْ خٰافَ مَقٰامَ رَبِّهِ وَ نَهَی النَّفْسَ عَنِ الْهَویٰ. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِیَ الْمَأْویٰ «1»، و إنّ الأمر یتطلب خوفا من الله سبحانه و تعالی، و الخوف من الله سبحانه و تعالی عبارة عن تقییم الأشیاء بموازینها الواقعیة، لذا نری أنّ بعض المدخنین بل أکثرهم یعترفون بأنه ضار لکنهم مع ذلک یرجحون العمل بهواهم و تقدیمه علی عقولهم فیدخنون، ثم ینتهی أمر جماعة منهم إلی الهلاک بالسرطان «2» أو أمراض أخری.
______________________________
(1) سورة النازعات: الآیتان 40- 41.
(2) ذکرت الإحصاءات أنه یموت سنویا خمسة ملایین شخص بسبب التدخین، و أن 30% من السرطانات سببها التدخین، فقد ذکرت المصادر العالمیة: أن 87% من سرطانات الرئة، و نحو 96% من سرطانات الحنجرة، و 76% من سرطانات المری‌ء، و 21% من سرطانات عنق الرحم سببها التدخین. و أنّ أربعة آلاف و سبعمائة مادة سامة توجد فی السیجارة الواحدة، و إن التدخین یولد الاکتئاب عند الإنسان، لأن النیکوتین یؤثر علی الخلایا الدماغیة المرتبطة بالاکتئاب.
علما بأنّ منطقة الشرق الأوسط وحدها تستهلک یومیا أکثر من ثمانیة ملیارات سیجارة، یقدر ثمنها ب 5، 2 ملیار دولار، و هذا المبلغ یکفی للقضاء علی الأمیة فی هذه المنطقة، و فی أمریکا وحدها أکثر من خمسین ملیون شخص یتعاطی السجائر، إن مدمنی التدخین الذین بدءوا فی سن الخامسة عشر معرّضون لخطر الوفیات بسبب سرطانات الرئة بواقع واحد من خمسین، و فی غیر أمریکا بواقع واحد من ثمانمائة. و إن الشخص الذی یدخن علبتین من السجائر فی الیوم ینقص خمس سنوات علی الأقل من عمره المتوقع.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 125

تشخیص القضایا

اشارة

مسألة: یجب التوجّه إلی التشخیصات الحقة لکل فرد و التی یستلهمها من واقعه و رؤیته للأحداث، فإن لکلّ إنسان تشخیصاته التی یأخذها من مختلف مناحی الحیاة، و هذه المناحی هی الدینیة و الاجتماعیة و الأخلاقیة و غیرها، مثل تشخیصه أنّ إله الکون هو الله أو الصنم، و أنّه من الأفضل أن یتزوّج زوجة واحدة أو أکثر، و أن تجارة الطعام أهم أنواع التجارة لاحتیاج الناس إلیها، أو أنّ تجارة القماش أفضل و أغلی من تجارة الأطعمة، و أنّ الأفضل فی عالم الصناعات التوجه إلی الصناعات الخفیفة- لا الثقیلة-، أو التوجّه إلی الصناعات الثقیلة- لا الخفیفة-، و نحو ذلک من الأمور الکثیرة.
هذا من جانب، و من جانب آخر: فإنّ المفاهیم العامّة تشخص فی أمور خارجیة کالعکس أی الأمور الخارجیة توسّع فی کلیات عقلیة، مثلا:
مشخّصیة الأخلاق الرفیعة یکمن فی سلامنا علی کلّ واحد واحد. أو مشخّصیة أنّ الشمس نجم یبزغ فی النهار، کما أنّ الحرّیة و العدالة و القانون و الدین و ألوف المفردات الأخری تشخّص فی الخارج من قضایا شخصیة، فالإنسان إنّما یعاشر القضایا الشخصیة لا الکلیة، و إنّما الکلیّات محتاجة إلیها فی التطبیقات الجزئیة الخارجیة، و بهذا الصدد یقول أحد علماء الغرب: «إنّ العاطفة التی تتحقق بواسطتها فی عقل الفرد أسرته أو نادیه أو قریته أو بلاده إنّما تنبعث من صور غامضة و شخصیة إلی حد کبیر، و إنّ الدافع الذی نحسّ به لتشخیص بلادنا أو أی شی‌ء آخر یوقظ عاطفة قویة فینا، و إنّما یدلّ علی أنّ
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 126
تصوّراتنا شخصیة جدّا إلی درجة أنّ شعورنا العمیق یربط نفسه بصورة شخصیة یتعذّر اجتنابها» «1».
و الرأی العام غالبا ما یتکوّن من هذه المشخّصات و التشخیصات، فالکلّیات و الجزئیات و التطبیقات هی التی تدفع بالإنسان إلی العمل و الحسن و القبح و الثواب و العقاب و غیر ذلک، و کلّما کانت تلک أقرب إلی الواقع یکون الرأی العام أقرب إلیه، و لذا فاللازم أن یبحث الإنسان و یفحص فی المفردات، هل هی مصادیق عن تلک الآراء الکلیة التی اتخذها قطعیا أم لا؟
کما أنّه یجب علیه أن یفحص فی الکلیات هل هذه الکلیات صحیحة أم غیر صحیحة؟ و هل هی علی الصحیح الذی یقول به المنطق الأرسطی، أم صحیح المنطق الدیالکتیکی من جهة الکلیات التی یتصوّرها کل منطق من هذین المنطقین، و إذا تحقّقت صحّة المنطق الأرسطی فهل من الصحیح أن الشکل الرابع مثلا من الأشکال الأربعة و التی شرائطها کذا و کذا أو من التی شرائطها کذا و کذا إن هذا مما یعرف بالکلیّات القطعیة أو بالاستقراءات العامّة، مثلا: «کلّ حیوان یحرّک فکّه الأسفل عند المضغ» إنّما یعرف بسبب الإحصاءات الدقیقة و الاستقراءات العامّة؛ لأنّه لا شأن للعقل و النظر فی هذا الجزئی، أمّا أنّ الضرب أو الجمع أو الجذر أو المقابلة نتائجها کذا و کذا، فإنّما تعرف بالکلیّات القطعیة فی ذهن الإنسان، و أحیانا تکون النتائج قطعیة لکن لیس من باب الحساب و الریاضیات، بل من باب البداهة، مثلا: إنّا لم نذهب إلی الصین أبدا لکنّا نعلم علم الیقین أن نیران الصین أیضا تکون حارّة کنیران العراق، و هکذا العقل و العاطفة شیئان یحسّ بهما الإنسان فی داخله و إن کانا مجهولین
______________________________
(1) راجع الرأی العام و تأثّره بالإعلام و الدعایة: الکتاب الأول: ص 209 للدکتور محمد عبد القادر حاتم.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 127
فی حقیقتهما کجهلنا لکثیر من الأشیاء و معرفتنا الضئیلة المتواضعة التی لا تتجاوز أقلّ من الذرّة بالنسبة إلی العالم الواسع، کما یعرف ذلک بالتأمّل و التفکر، و مع ذلک فإن العقل عقال یمنع الإنسان من ممارسة الأمور غیر المناسبة، سواء کانت ممارسة ذهنیة أو ممارسة خارجیة، بینما العاطفة میل إلی جانب من الجوانب من غیر تساقط العقل.
و علی سبیل المثال: فإنّ العاطفة المشهودة تقتضی بذل کلّ أموالک لتقی جائعا یرتجف من البرد هو و أطفاله علی قارعة الطریق فی شتاء قارص بینما العقل یمنع من ذلک، و هکذا نسبة العقل مع کل إفراط أو تفریط فی الجبن أو الشجاعة أو البساطة أو التدقیق أو غیر ذلک من أطراف الضد و النقیض لکن بقدر ما للعقل من فائدة فللعاطفة ذلک أیضا؛ إذ لو لا العاطفة لم یتحرّک الإنسان لنصرة المظلوم و دفع الظالم و إعطاء الحقوق، و لم تکن له لذّة فکریة فی ما یتلو من الأشعار و الأقوال و الأعمال العاطفیة إلی غیر ذلک، و لذا فکما أنّ للعقل أهمیّة کبیرة بالنسبة إلی الرأی العام فی مجالات الاقتصاد و السیاسة و الدین و التعلیم و ما أشبه ذلک، فللعاطفة نفس تلک النسبة، فهما و إن کانا فی مجالین لکن الرأی العام ینجم منهما معا، کالخطیب الذی یستعین بالعاطفة التی تؤثّر فی تعقّل الجماهیر، إذ لو لا الجذب إلی هذا الطرف لا یعتدل الشی‌ء المحمول الذی مال إلی الطرف الآخر، کما نری فیمن یسوق حیوانا فوقه شی‌ء، فإنّه إذا مال إلی جانب أخذه بشدّة و جذبه إلی الجانب الآخر حتّی یعتدل، و هکذا حال رجل الإعلان و الواعظ ممّن یقومون بعملیة الاتّصال مع الجماهیر، فالناس یریدون شیئا منهم لکن بشرط أن یکون الشی‌ء المراد علی نحو العقل لا علی نحو العاطفة، فقد فرّق أحد الفلاسفة بین الاستعمال المسموح به و الاستعمال غیر المسموح به للاتّصال لتحقیق هاتین الاستجابتین، قال هذا
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 128
الفیلسوف: «فالشعر و النثر و الخطابة العاطفیة مجالات مشروعة للأحکام العاطفیة، أمّا الأحادیث السیاسیة و الاقتصادیة و ما أشبه ذلک فیجب أن تتجنّب الألفاظ المتسمة بالعاطفة»، فاستخدام الکلمات و الإشارات فی الخطابات و الأعمال التی تتسم بالعاطفة لها موضعها، لکنها ضارة حینما نحاول التفکیر بوضوح فی موضوع یدور حوله الجدل، کالفقه و الأصول و الأدبیات و الفلسفة و السیاسة و الاجتماع و الاقتصاد و ما أشبه ذلک، و إنّما جاز فی الشعر ما لا یجوز فی غیره، و جاز فی غیره ما لا یجوز فی الشعر؛ لأنّ فی الشعر کبعض أنواع النثر الذی هو بمنزلته فی إثارة العواطف کقول المنطقیین فی التخییل.
و مثال علی ذلک هذا البیت الشعری:
ألا فاسقنی خمرا و قل لی هی الخمر و لا تسقنی سرا إذا أمکن الجهر «1»
______________________________
(1) للشاعر أبی نواس من البحر الطویل، و هو البیت الأول من قصیدة تحتوی علی 13 بیتا.
راجع دیوان أبی نواس: ص 242 و دیوان الخمریات تحقیق الدکتور أسعد ذیبان ط دار المسیرة.
و أبو نواس هو الحسن بن هانی بن عبد الأوّل بن الصباح، و أن جده کان مولی الجرّاح بن عبد اللّه الحکمی والی خراسان، فنسب إلیه؛ و إنّ أباه کان من جند مروان. ولد أبو نواس فی الأهواز سنة 145 ه (762 م) و مات سنة 198 ه (813 م)، مات أبوه و هو رضیع و انتقلت به أمه إلی البصرة و بقی فیها حتی سن الثلاثین، درس عند أبی عبیدة و خلف الأحمر و أبی زید الأنصاری و یحیی بن القطّان و أزهر السمّان، و اتصل بالبرامکة و آل الربیع و بهارون العباسی ثم قصد الخصیب فی مصر فمدحه ثم هجاه. و لما صار الأمین خلیفة جعل أبا نواس شاعره الخاص و عند ما وقع النزاع بین الأمین و المأمون علی الحکم، استغل المأمون هذا البیت الشعری لمحاربة الأمین و شاعره أبو نواس، حیث کتب المأمون کتابا فی عیوب أخیه الأمین یقرأ علی المنابر و فی المساجد، و ذکر فیه أن الأمین استجلس شاعرا ماجنا و کافرا و استخلصه لیشرب معه الخمر و یرتکب المآثم و یهتک المحارم. من آثاره: دیوانه «الندی» الذی یتضمن 12 ألف بیت من الشعر فی الخمر و المجون و الغزل و المدح و الرثاء و الهجاء. راجع: أدباء العرب: ج 2 ص 60، تاریخ الآدب العربی لحنّا فاخوری: ص 387، روضات الجنات: ج 3 ص 38، شذرات الذهب: ج 1 ص 345، خزانة الأدب: ج 1 ص 168، تاریخ
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 129
حیث فسّر أحد المعلمین هذا الشعر لتلامیذه قائلا: «إنّ الشاعر کان فی غایة المعرفة فأراد أن یستفید من الخمر بحواسه الخمسة؛ حیث إنّه یأخذ کأس الخمر فیلمسه بیده و یتذوقه بلسانه و یشمّه بأنفه و یسمعه بأذنه حیث قال: قل لی هی الخمر. أمّا العین فإذا کانت فی النور فتری الخمر و تلتذ، و إذا لم تکن فی النور لم تلتذ برؤیته، و لذا قال و لا تسقنی سرّا إذا أمکن الجهر، و المراد بالجهر و السرّ: النور و الظلام».
و قد قال الشاعر حین سمع هذا المعلّم یعلق بهذا التعلیق علی شعره: بأنّه لم یقصد هذا الأمر الجمیل الذی قاله المعلم و إنّما أضاف المعلّم جمالا إلی الشعر بذلک التفسیر.
و کیفما کان: فالمقصود الآن من کلام العقل و العاطفة أنّ هذین الأمرین صانعان للرأی العام، لأنّ الرأی العام إنّما یؤخذ من العقل و العاطفة معا، فإذا استعمل العقل فی موضعه فی ألوف المواقع، و استعملت العاطفة فی موضعها فی ألوف المواقع تکونان الرأی العام الصحیح، أمّا إذا زاد أحدهما علی الآخر کان فیه الخبال و الانحراف، فالواضح أنّه کلما تقدّم العمر و کثرت التجارب و نضجت کفاءات الإنسان، أصبح أقل عاطفة و أکثر تعقّلا، و لذا قال أمیر المؤمنین علیه السّلام (رأی الشیخ أحب إلیّ من جلد الغلام) «1»، فمواقف الشباب
______________________________
الأدب العربی لکارل بروکلمان: ج 2 ص 24، تاریخ بغداد: ج 7 ص 436، الشعر و الشعراء لابن قتیبة: ص 501، مرآة الجنان للیافعی: ج 1 ص 449، تاریخ دمشق: ج 13 ص 411، أعیان الشیعة: ج 5 ص 331، مستدرکات أعیان الشیعة: ج 1 ص 29، نوابغ الروات فی رابعة المئات: ص 103، تأسیس الشیعة لعلوم الإسلام: ص 198، الأعلام للزرکلی: ج 2 ص 240.
(1) نهج البلاغة: ص 482 قصار الحکم، الحکمة 86، شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید: ج 18 ص 327، غرر الحکم و درر الکلم: ص 41 القسم الأول ب 1 الفصل الأول ح 14، خصائص الأئمة: ص 95، بحار الأنوار: ج 71 ص 178 ب 11 ح 19، ط بیروت.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 130
و مکوناتها العاطفیة تتکرس بسبب التجارب و النضج و التقدّم، و لذا نری الفرق الکبیر بین الشباب و الشیوخ فی مختلف المواقف، مثل الرغبة فی الأمن و حبّ المال و إسقاط الامتیازات الطبقیة و العنف فی حلّ المنازعات و التعصّب العنصری و غیر ذلک، فالشباب أکثر حدّة و نشاطا و اندفاعا فی هذا الأمور من الشیوخ الذین أنضجتهم التجارب.

بین الخوف و الأمن

ثمّ من العواطف المؤثّرة فی الرأی العام عاطفة الخوف، فالخوف یدفع بالإنسان إلی أن یبادر إلی أی شی‌ء یزیله، و حیث یسیطر الخوف علی الناس یتکون الرأی العام بفعل شی‌ء یزیل ذلک الخوف من غیر فرق بین الخوف من الآخرة أو من أمور الدنیا؛ کالخوف من الفقر و الخوف من المرض و الخوف من العدوّ و الخوف من السیل و الخوف من الزلازل و من المستقبل و الشیخوخة و ألف شی‌ء و شی‌ء.
و لذا یعرف أصحاب الإعلانات کیف یتصیّدون فی الماء العکر لتأمیم سفینة أو طائرة أو سیارة أو أمتعة البیوت و حتّی الخوف علی أسنانهم من معاجین خاصّة أو مساحیق الأطفال أو المضادات الحیویة للأمراض المحتملة مثل تساقط الشعر و الإیدز و ما أشبه ذلک.
و مع تعدّد نواحی الحیاة انتشرت المخاوف الشخصیة فی الولایات المتّحدة فی نهایة الخمسینیات، و قد وجد أساتذة علم النفس فی بعض المعاهد أنّ ثمانین بالمائة من الناس یعانون من مخاوف المتاعب المالیة، و أربعا سبعین یعانون من مشاکل الأمن علی أعمالهم، و تسعا و ستین یعانون من مشکلات صحّیة حقیقیة و مشکلات صحّیة متوهّمة، و تسعا و خمسین یعانون من
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 131
مظهرهم الشخصی، و أربعا و أربعین یعانون من متاعبهم الزوجیة، و سبعا و ثلاثین یعانون من مشکلات دینیة، و أربعا و ثلاثین یعانون من سلوکهم الجنسی، و ستا و خمسین یعانون من حالات الخوف و الهلع علی سیاسة الدولة، و ثلاثا و ثلاثین یعانون من القلق علی أقربائهم.
کما إنّ الخوف قد یکون من جهة من الجهات المرتبطة بالإنسان نفسه، و قد یکون من جهة غیر مرتبطة بالإنسان مثل معسکرات الاعتقال فی الاتحاد السوفیتی سابقا، و التعذیب فی العراق فی العهد الجمهوری، و غسل الدماغ فی الحکومات الدیکتاتوریة، حیث توجب تلک الأمور ألم الإنسان، فالإنسان بالمشارکة الوجدانیة مع الأفراد الآخرین یسری إلیهم خوفهم لأنّ العالم أصبح قریة واحدة «1»، بعضها قرب بعض، و یسری الخوف من مکان إلی آخر، و لذا یدفع الخوف وسائل الإعلام و رجال السیاسة و مختلف الزعماء لرکوب الموجة تمهیدا لوصولهم إلی ما یریدون، فمن الواضح أنّ المضاد للخوف هو الأمن، و الأمن قد یحصله الإنسان بقوّته الشخصیة و هو قلیل، و قد تحصله الجماهیر بسبب إیمانها بالله و الیوم الآخر؛ حیث قال سبحانه و تعالی: أَلٰا إِنَّ أَوْلِیٰاءَ اللّٰهِ لٰا خَوْفٌ عَلَیْهِمْ وَ لٰا هُمْ یَحْزَنُونَ «2»، و قد یحصل الإنسان علی الأمن نتیجة عامل مزیل لذلک الخوف کشرکات التأمین و وسائل العلاج.
______________________________
(1) القریة الواحدة اصطلاح صاغه عالم الاجتماع الکندی ماک لوهان أثناء الحرب الأمریکیة- الفیتنامیة، عند ما تنبأ بخسارة أمریکا للحرب قائلا: «ستخسر أمریکا الحرب، لأنّ هذه الحرب تحوّلت إلی حرب تلفزیونیة، و التلفزیون بدوره قد حوّل العالم إلی قریة عالمیة، و سکان هذه القریة لن یسمحوا للولایات المتحدة فی مواصلة قصف فیتنام إلی ما لا نهایة».
(2) سورة یونس: الآیة 62.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 132

الرأی العام و قداسته

اشارة

مسألة: إنّ الرأی العام لیس مقدسا إلی ذلک الحدّ الذی یقدسه البعض، إذ المقدّس هو الموازین المنطقیة العقلیة ممّا ذکره المنطقیون من الأشکال الأربعة و الصناعات الخمس «1»، أمّا الرأی العام فیدلّ علی عدم قدسیته ما نشاهده من رأیین عامین علی طرفی نقیض فی بلدین مثل بلاد الشیوعیة و بلاد الرأسمالیة، کما نشاهد من تبدّل الرأی العام إلی رأی عام مخالف، بینما التناقض لا یمکن تحقّقه إطلاقا، و کذلک الریاضیات؛ لأنّ الریاضیات أیضا مبتنیة علی قواعد المنطق کالتناقض فی استحالة جمع و رفع و تضاد، و استحالة أن یکون الجزء مساویا للکلّ أو أعظم منه، و استحالة الکیف، إلی غیر ذلک مما ذکر فی المنطق، کما و أنّه لا یمکن للرأی العام أیضا أن یقدّم الحلول لجمیع المشکلات السیاسیة و الاجتماعیة و الاقتصادیة و ما أشبه ذلک و إن زعم بعض الناس ذلک.
و هکذا حال الإحصائیات التی تعارفنا علیها فی هذا الزمان، فإنّ الإحصائیات غالبیة لا دائمیة، مثلا یحقّق صحافی عن ألف إنسان حول أنّ فلانا أفضل من فلان حتی یرشح للانتخابات و یعطی زمام البلاد، بینما نشاهد
______________________________
(1) ملکة نفسانیة و قدرة مکتسبة، یستطیع عبرها استعمال الأمور لغرض من الأغراض صادرا ذلک الاستعمال عن بصیرة بحسب الإمکان، و هذه الأمور هی: البرهان، الجدل، الخطابة، الشعر، المغالطة.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 133
أنّه بعد ذلک إذا وصل إلی الحکم کان أسوأ النفرین، بدلیل أنّه یرشح بعد ذلک النفر الثانی و یکون أفضل للحکم، و ذلک نتیجة لما ذکرناه سابقا من وجود عوامل کثیرة تصل إلی الهدف لا عامل واحد أو عاملان أو ثلاثة، و مع ذلک فإنّ العامل العاطفی عامل بالغ القوّة و التأثیر سواء من الفرد أو الجماعة، و الغالب أنّ الفرد و الجماعة و الأمّة یحاولون الدفاع عن آرائهم الداخلیة التی تکوّنت بسبب عوامل زمنیة أو مکانیة أو تقلیدیة أو ما أشبه ذلک، و لهذا فالرأی العام محتاج إلی عدة دراسات من نواح مختلفة، و هذه الدراسات تنتج معلومات قریبة إلی الهدف.

أقسام التجمعات

جماعة من العلماء قسّم التجمّعات إلی أقسام، فقالوا: إذا کانت الروابط المشترکة التی تربط بین جماعة من الناس هی المبادئ السیاسیة و الکفاح من أجل تطبیقها، فإنّ هذه الجماعة تسمی حزبا.
و إذا کانت الروابط المشترکة التی تربط بین جماعة من الناس هی اللغة المختلفة عن لغة غالبیة الشعب، فإنّ هذه الجماعة تسمی جالیة.
و إذا کانت الروابط المشترکة التی تربط بین جماعة من الناس هی الدین المختلف عن دین غالبیة الشعب، فإنّ هذه الجماعة تسمی طائفة.
أقول: لکن بشرط أن لا یطلق لفظ الطائفة علی المعنی الأعم من ذلک، و إلّا فالطائفة تطلق علی لون خاصّ من الدین مثل الطائفة الإسلامیة الشیعیة أو الطائفة الإسلامیة السنیة.
و إذا کانت الروابط المشترکة التی تربط بین جماعة من الناس هی النشاط المؤقت، فإنّ هذه الجماعة تسمی فریقا، مثل قولهم: فریق الکشافة أو فریق
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 134
الجوالة أو فریق کرة القدم و ما أشبه ذلک.
و إذا کانت الروابط المشترکة التی تربط بین جماعة من الناس هی المهنة، فإنّ هذه الجماعة تسمی قطاعا، مثل قولهم: قطاع العمال و قطاع الموظّفین و قطاع الطلاب المهنیین و ما أشبه ذلک.
و إذا کانت الروابط المشترکة التی تربط بین جماعة من الناس هی مجرّد التجمّع فی مکان واحد، مع اختلاف المیول و الاتجاهات و المواقف، فهذه الجماعة تسمی شرذمة أو جمهرة.
و إذا کانت الروابط المشترکة التی تربط بین جماعة من الناس هی التخصص فی خبرة معینة تندرج تحت مهنة واحدة، فتسمی فئة.
و إذا کانت الروابط المشترکة التی تربط بین جماعة من الناس هی الخروج عن القانون، فإن هذه الجماعة تسمی بالعصابة.
و إذا کانت الروابط المشترکة التی تربط بین جماعة من الناس هی الولاء المشترک للدولة و ما أشبه ذلک سمی شعبا أو جمهورا عاما «1».
أقول: و هذا التبویب مع أنّ صحته بالجملة لکنّه لیس بصحیح کلیّة، و إنّما هی اصطلاحات خاصّة لبعض الجماعات و إلّا فالألفاظ تشمل ذلک و غیر ذلک، بالإضافة إلی أن ما ذکرناه إنّما هو اصطلاح، و الاصطلاح لا یسأل عنه؛ کما قال البلاغیون: «لا مشاحة فی الاصطلاح»، و إلّا فإنّ الفواصل بین هذه الجماعات لیست فواصل ثابتة، و بالتالی فإنّ جماعة صغیرة قد تتحوّل إلی جماعة کبیرة فی ظرف معیّن أو نتیجة تغییرات کمیة و کیفیة تطرأ علیها، بل کلّ المراتب هکذا، و لذا قال
______________________________
(1) راجع کتاب الرأی العام و تأثره بالإعلام و الدعایة: الکتاب الأول: ص 157 للدکتور محمد عبد القادر حاتم.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 135
الحاج السبزواری «1»:
کون المراتب فی الاشتداد أنواعا استنار للمراد «2»
لأنّ الاشتداد دائمی، بل قد یکون من الضعیف إلی القوی و الأقوی، بل و قد یکون من الأقوی إلی القوی إلی الضعیف، و قد یکون من المماثل إلی المماثل، فکما أنّ الجماعات تتحوّل من جماعة إلی جماعة، کذلک الأفراد قد یتحوّلون من جماعة إلی جماعة، و هکذا قد یقع الانشقاق فی جماعة إلی شقین، لکلّ فلسفته الخاصّة فی مدارکه و سائر خصوصیاته «3».
______________________________
(1) الشیخ هادی بن مهدی السبزواری، حکیم و فیلسوف و فقیه و شاعر و عارف، ولد فی مدینة سبزوار الإیرانیة سنة 1212 ه، ثم هاجر منها إلی أصفهان للدراسة و بقی فیها عشر سنوات، تتلمذ عند الشیخ محمد تقی؛ صاحب «هدایة المسترشدین» و الشیخ محمد إبراهیم الکلباسی؛ صاحب «إشارات الأصول»، و الملّا إسماعیل الأصفهانی، و الملّا علی نوری، ثم انتقل إلی مدینة مشهد الرضا سنة 1242 ه؛ و أخذ یدرس فیها، ثم انتقل إلی سبزوار سنة 1252 ه و طفق یدرّس فیها الفلسفة و العلوم الإلهیة 37 سنة، و کان درسه عامرا بالطلاب و الفضلاء و العلماء، توفی سنة 1289 ه و دفن فی مسقط رأسه، و من تلامذته الشیخ محمد کاظم الخراسانی؛ صاحب «کفایة الأصول»، و الملّا عبد الکریم القوجانی، و له أکثر من عشرین مؤلفا، منها: «شرح المنظومة» و هی علی قسمین: فی المنطق و الفلسفة، و کتاب «شرح الأسماء الحسنی» و «شرح علی المثنوی»؛ لجلال الدین الرومی، و «تعلیقات علی کتاب الأسفار الأربعة» و «حاشیة علی الشواهد الربوبیة» و «حواش علی رسالة المبدأ و المعاد، و مفاتیح الغیب»؛ لصدر المتألهین، و «مجموعة رسائل» و «أرجوزة فی الفقه»؛ سماها «النبراس فی أسرار الأساس» و «الجبر و الاختیار» و «شرح دعاء الصباح» و «غرر الفوائد» فی الحکمة. ترجمه المآثر و الآثار: ص 147، أعیان الشیعة: ج 10، مستدرکات أعیان الشیعة: ج 7 ص 332.
(2) شرح منظومة السبزواری قسم الفلسفة: بحث أصالة الوجود: ص 172 للمؤلف قدس سره.
و الشعر من بحر الرجز.
(3) اختلفت وجهة نظر علماء الاجتماع للجماعات، فمنهم من قسمها الی أولیة و ثانویة و آخر داخلیة و خارجیة و ثالث بسیطة و مرکبة و رابع منظمة و غیر منظمة و خامس طوعیة و تلقائیة و سادس الی التدرج الاجتماعی. للتفصیل راجع: کتاب العلاقات العامة و الاعلام من منظور علم الاجتماع: ص 330- 334 للدکتور حسین عبد الحمید.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 136

سلوکیات الرأی العام

اشارة

مسألة: سلوکیات الرأی العام تختلف حسب اختلاف علماء الغرب فی الخصوصیات و الزیادة و النقیصة، فإنّ الرأی العام أیضا نوع من الظاهرة المرتبطة بین النفس و الخارج المرتبطة بالمصالح التی یری أغلب الناس أنها فی صالحهم، و قد وضع بعضهم قواعد و سلوکیات للرأی العام لکن تلک القواعد لیس لها کلیة و شمول، و لهذا وقعت موقع النقد و التجریح من علماء آخرین، و نحن إشارة إلی ذلک نلخصها فیما ذکره بعض العلماء بقولهم: إنّ القوانین التی تتعلّق بسلوکیات الرأی العام هی:
أولا: یکون الرأی العام فی أقصی درجات الحسّاسیة بالنسبة إلی الأهداف العامة.
ثانیا: من المحتمل أن تؤدّی الأحداث ذات الجسامة غیر العادیة إلی تحویل الرأی العام من الطرف النقیض إلی الطرف الآخر و ذلک بصفة مؤقّتة، و لا یصبح الرأی العام مستقرا إلّا إذا نظر إلی ما یتعلّق بهذه الأحداث نظرة فاحصة و دقیقة.
ثالثا: من الناحیة العامة فإنّ الرأی العام یتقرّر و یتحدّد نتیجة للأحداث أکثر ممّا یتقرّر و یتحدّد نتیجة للأقوال، اللهم إلّا إذا فسرت الأقوال علی أنّها أحداث.
رابعا: تکون القضایا و المقولات الکلامیة و کذا الآثار العامة للأحداث متمتّعة بأقصی قدر من الأهمّیة عند ما یکون الناس علی استعداد لتفصیل ما یوحی
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 137
إلیهم من مصدر مطلع موثوق به یسعون إلیه لیفسّر لهم ما یغمض علیهم.
خامسا: لا یتوقّع الرأی العام سلفا الأحداث الطارئة بل یقتصر دوره علی إحداث ردّ الفعل.
سادسا: نظرا للبعد النفسی، فإنّ الرأی بصفة أساسیة یتقرّر نتیجة لقوّة الصالح الخاصّ، فالأحداث و الأقوال و غیر ذلک من المنبهات، تؤثّر فی الرأی بقدر العلاقة المتبادلة بینها و بین الصالح الخاصّ.
سابعا: ما دام الصالح الخاصّ مرتبطا بالموضوع، فإنّ الرأی لا یمکن تغییره بسهولة.
ثامنا: عند ما یکون الصالح الخاصّ مرتبطا بالموضوع فی تولی ذات النظم الدیمقراطیة، فإنّه یکون من المحتمل أن یسبق الرأی العام السیاسة الرسمیة.
تاسعا: عند ما یکون الرأی متمتعا بغالبیة بسیطة أو عند ما لا یکون واضحا فی معالمه و راسخا فی جذوره، فإن من شأن أی حدث هام ینطوی علی حقیقة واقعة، أن یحوّل الرأی إلی جانب الموافقة.
عاشرا: فی الأوقات الحرجة یصبح الناس أکثر حساسیة بالنسبة لکفاءة و قدرة قادتهم، فإذا کانوا یثقون بهؤلاء القادة فإنّهم یصبحون أکثر استعدادا للاعتماد علیهم فی تحمّل المسئولیة، أمّا إذا کانوا لا یثقون فیهم فإنّهم یصبحون أقلّ تسامحا إزاءهم، و من الفشل أن یکون الناس أقل اعتراضا علی قیام قادتهم باتّخاذ القرارات الهامّة؛ حیث یشعرون بشکل ما أنّهم یجبرون علی اتّخاذ هذه القرارات.
حادی عشر: یحتفظ الناس بآراء کثیرة و یقدرون علی تکوین الآراء بسهولة أکثر فیما یتعلّق بالأهداف، لا الأسالیب الضروریة لبلوغ هذه الأهداف.
ثانی عشر: تقوم الرغبة بتدوین الرأی العام، و شأن ذلک مثل شأن الرأی
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 138
الخاص، و حین یکون الرأی مؤسّسا بشکل رئیسی علی الرغبة أکثر من تأسیسه علی المعرفة و الإعلام، فمن المحتمل أن یتأرجح هذا الرأی تأرجحا کبیرا و خاصّة بالنسبة إلی الأحداث.
ثالث عشر: إنّ الأبعاد النفسیة المتعلقة بالرأی هی الاتجاه و الصلابة و الاتساع و العمق.
رابع عشر: بالرغم من أنّ الرأی العام لا یتّصف دائما بالثبات إلّا أن کثیرا من ضروب عدم الثبات تکون أکثر وضوحا مما هی علیه فی الحقیقة. عند ما یتمّ إدراک الآثار العامّة للمرجع و عند ما یتمّ اکتشاف المستویات الأساسیة للحکم و تمییزها عن تلک التی استمدت منها الآراء.
خامس عشر: حین یکون الناس فی الدول ذات النظم الدیمقراطیة حاصلین علی فرص التعلیم و الحصول علی المعلومات، فإنّ الرأی العام یکشف عن حسّ عام صلب المراس، و کلّما زاد الناس إدراکا لمغزی الأفکار و المقترحات المتصلة بالصالح الخاص، ازداد احتمال موافقتهم علی الآراء الموضوعیة التی تصدر من قادة واقعیین.

مناقشة الآراء

تلک هی المجموعة التی ذکرها بعض علماء الغرب بالنسبة إلی سلوکیات الرأی العام، لکن الظاهر أنّها غالبا موضع نقد و إشکال، فإنّ فی البند الثانی الذی یقول: «تحویل الرأی العام من طرف النقیض إلی الطرف الآخر» لیس ذلک کلیا و إنّما هذا یکون قلیلا دائما، و إلّا فالناس غالبا یمیلون من شی‌ء إلی درجة أرفع منه أو أنزل لا إلی الطرف النقیض.
فإذا قال الرأی العام أنّ سواد اللیل سواد غلیظ، لا ینقلب الرأی العام بعد
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 139
ذلک إلی أنه لیس بسواد بل هو بیاض، بل إذا انقلب انقلب إلی أکثر غلظة أو أقل غلظة، و کذا الحال فی الحرکة السریعة أو ما أشبه ذلک، فإنّها لا تنقلب إلی سکون.
و کذا الحال بالنسبة إلی البند الثالث فإنّ کلّ شی‌ء یثیر الناس سواء کان قولا أو کان حدثا، فإنّه من أسباب الرأی العام، و کون الرأی العام مستندا إلی أحد هذین، مرتبط بقوّة هذا أو بقوّة ذاک من غیر فرق بین الأحداث و الأقوال.
و فی البند الرابع لا یحتاج الأمر إلی أقصی قدر من الأهمّیة، بل الناس ینساقون إلی مصدر متّبع موثوق به یسعون إلیه لیفسر لهم ما غمض علیهم سواء کان ذا أهمّیة أم لا.
و بالنسبة إلی البند الخامس فإنّ الرأی العام علی قسمین: الرأی العام الذی لا یتوقّع حدثا، و الرأی العام الذی یتوقّع الحدث کما هو المشاهد، فالرأی العام إذا رأی مقدّمات أمر مهم من الأحداث الطارئة فلا یقتصر دوره علی إحداث ردّ الفعل و إرجاعها عند ما تقع، بل یکون له الدور قبل الوقوع.
و بالنسبة إلی البند السادس فالرأی العام دائما یرتبط بالصالح الخاص و لا یحتاج إلی قوّة الصالح الخاصّ من أنّ الناس یریدون مصالحهم، فکلّما وجدت المصالح فی زعمهم أرادوا التوصّل إلیه بالرأی العام، إلی غیر ذلک من الإشکالات و الانتقادات التی تتوجّه إلی ما ذکره بعض العلماء مما عددناه إلی خمسة عشر.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 140

الدوافع الأساسیة

اشارة

مسألة: الدوافع الأساسیة التی تکوّن الرأی العام هی دوافع مشترکة موجودة فی عامة الناس، و هی توجب أن یحصل الإنسان علی رأی عام متساو مع سائر الأفراد سواء کانوا من ثقافات أو أدیان أو مدن أو حضارات مختلفة بدائیة أو متحضرة، فالکلّ مشترکون فی هذه الدوافع التی إذا لم یحصلوا علیها تمسکوا بالرأی العام لتحصیلها و هی عبارة عن استنشاق الهواء و تناول الطعام لدفع الجوع، و تناول الماء لدفع العطش، و الجماع لدفع الشهوة الجنسیة، و الاستراحة لدفع تعب الحیاة الیومیة، و الحاجة إلی الإفراغ الذی یدفع إلی التبول و التبرّز، و الخوف الذی یسبّب الابتعاد عن الخطر، و الألم الذی یدفع الإنسان إلی الابتعاد عن مصدره.
و الإنسان بحاجة إلی المأوی المناسب لضمان الراحة و الحفاظ علی النسل و الحصول علی الأمان من الشرور.
و الحرکة هی ضد السکون، فالإنسان یحتاج إلی الحرکة فی وقت الحرکة، و للسکون فی وقت السکون.
و النمو الطبیعی الذی هو بحاجة إلی جری الإنسان فی مجراه الطبیعی، و الصحّة التی یحتاج إلیها الإنسان دائما حتی لا یمرض، و لترجع صحته إلی الحالة الطبیعیة إذا مرض.
بالطبع إنّ هذه الأمور کثیرة، و لا یمکن للإنسان توفیر حاجاته فی هذه الأمور إلّا فی حدود خاصّة فی الهواء النقی و مقدار من الحرارة و الرطوبة فی
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 141
الهواء، و قیام أجهزته بالعمل بسلام، و إذا تسارع النسل البشری فی التزاید بصورة سریعة، فاللازم علی الإنسان أن یهیئ الغذاء و الدواء و ما أشبه ذلک بالنسبة إلی مضاعفة النسل إلی أرقام مضاعفة.

تحدید النسل

و من الناس من یری لزوم تحدید النسل «1»، لکن هذا أمر غیر سلیم لأنه یتناقض مع رغبات المسلمین و تقالیدهم و علاقاتهم الاجتماعیة و أسسهم الدینیة، و ما دامت الظروف الحیاتیة لا تحتم ذلک فلما ذا هذا التحدید؟!.
و یمکن للخبراء أن یضعوا حسابا لهذا الأمر فیحسبوا مقدار الموارد الغذائیة التی یجب إنتاجها عند زیادة السکان. ففی الیابان لا تزید المساحة عن مساحة محافظتین من محافظات إیران و هما کیلان و مازندران و مع ذلک فإنّ عدد السکان فی الیابان ضعف عدد السکان فی إیران، و الدخل الیومی فی الیابان هو أکثر بکثیر ممّا هو فی إیران، کما أنّ معدّل العمر هناک أکبر من معدّل العمر فی إیران، بالرغم من أنّ الأراضی الإیرانیة أصلح للإنتاج لأنّها أراض متّصلة علی عکس الأراضی الیابانیة التی هی علی شکل جزر، و هذا یعنی أن لإیران القدرة علی استیعاب عدد من السکان یزید علی عدد سکان الیابان لو أخذ الإیرانیون بالأسالیب نفسها التی عمل بها
______________________________
(1) تحدید النسل: اصطلاح شائع للتحدید الإرادی للموالید، و یشمل تحدید الاتصال الجنسی الذی یمارس فی بعض المجتمعات البدائیة، باتّباع وسائل طبیعیة أو اصطناعیة لتحدید عدد أطفال الأسرة، و عادة ما تقوم بذلک الحکومات الجائرة بوسائل متنوعة و حوافز مباشرة أو غیر مباشرة، بدءا بتوفیر المعلومات و انتهاء بالتعقیم الإجباری. و انتشر تحدید النسل فی البلاد الغربیة فی بدایة القرن العشرین، و قد عارضه العلماء و المفکرون باعتباره انتهاکا لنظام الطبیعة. عن هذا الموضوع راجع کتاب: «العائلة» للإمام المؤلف قدس سره.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 142
الیابانیون «1».
و کذا الحال بالنسبة إلی کلّ العالم، و لربّما لم یستغل الیابانیون کلّ ما عندهم من الأراضی و الموارد، و معنی ذلک أنّ الفرص ستزداد أکثر و أکثر.
و لربّما سأل البعض أو شکک فی فرضیة أن الإنسان لو وصل إلی حد لا یتمکّن من الزیادة بالنسبة إلی الموارد الکونیة، کأن یقال: الکون لا یستوعب مائة ملیار من البشر حتّی إذا استخرجنا کلّ إمکاناته فلما ذا الإنتاج یکون بالنسبة إلی النسل الإنسانی مستمرا مع أنّ الإله العلیم القدیر لا یخلق شیئا اعتباطا و عبثا.
و فی الجواب نقول: إنّ الإنسان لم یخلق لهذه الحیاة الدنیا فقط، و إنما لما وراء الحیاة الدنیا أیضا من الحیاة العظمی التی عرضها کعرض السماوات و الأرض فی مثال طبیعی لا یرید التحقیق، أو المراد بالسماوات الفضاء اللامتناهی فیکون الأمر علی نحو التحقیق، و إذا کان الأمر هکذا فلا مانع أن یکون الإنتاج ظاهرا هنالک، أی مثلا أن الانتاج الطبیعی یکون بمقدار ألف ملیار من البشر، فإنّ مائة ملیار من البشر یکون فی هذه الحیاة الدنیا و البقیة الباقیة تکون فی الدار الآخرة حیث تظهر الکفاءات، و المثال الآن ما یقوله العلماء من أنّ کل طفل یولد فی هذه الحیاة الدنیا یکون أخا لمائة ملیون طفل
______________________________
(1) و قد ذکرت الإحصاءات أن بلدا کالسودان لو استثمر زراعیا فإنّ إنتاجه الزراعی و الحیوانی یکفی للوطن العربی و بعض الدول الإسلامیة و الأوربیة، و هکذا فإنّ ولایة تکساس الأمریکیة تکفی لسکنی خمسة ملیارات إنسان؛ کما قال ذلک الخبراء الأمریکیون.
ثم إنّ المشکلة لیست فی تحدید النسل و إنمّا فی عدم تحویل الطاقات البشریة إلی عامل إنتاج و عامل قوة، و کذلک فی سوء توزیع مصادر الثروة و عدم الاستفادة الصحیحة منها، و کذلک فی السیاسات التنمویة الخاطئة و فی ضیاع الفوائد و الإیداعات البترولیة فی البنوک الرأسمالیة و فی شیوع قیم الاستهلاک و تحویل المجتمع إلی مجتمع استهلاکی. و قد تطرق المؤلف قدس سره إلی مشکلة تحدید النسل فی کتابه «العائلة».
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 143
آخر تتضمّنهم قطرة المنی التی تتدفّق من الإنسان فی دفعة واحدة، و کلّ أولئک یذهبون إلی الفناء بینما الطفل الواحد یأتی إلی الحیاة الدنیا.
فلا یقال: لما ذا هذا الإسراف الکبیر فی الطبیعة مع أنّها تجری وفق سنن الله سبحانه و تعالی الذی قدّر کلّ شی‌ء تقدیرا دقیقا.
لأنّنا نقول: إنّ الحیا من التی لم تفلح و تخرج إلی الحیاة ستکون إخوة للطفل الذی ولد، فمن الممکن أن یکون أولئک من رعیة هذا الطفل الذی جاء إلی الحیاة الدنیا مع کمال الرضی منهم؛ حیث ورد أن کلّ إنسان فی هذه الحیاة الدنیا یذهب إلی الجنة یکون هناک ملکا و له أملاک و رعایا ما شاء الله.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 144

علاقة البیئة بالرأی العام

مسألة: یجب مراعاة الظروف البیئیة «1» المحیطة بالإنسان فی تهیئة الرأی العام، فإن الحضارات تعتمد علی المناخ فی تحصیل مقوّمات النجاح أو الفشل، سواء کان النجاح مائة فی مائة أو خمسین فی المائة، فإن الإنسان یستطیع أن یعیش فی أی مکان یمکن أن یحصل فیه علی الطعام و الشراب و الجو غیر الخانق؛ لأنّ النشاطات البدنیة و النسلیة و العقلیة لا تبلغ درجة عالیة من النمو المترقب إلّا فی مناطق قلیلة تتوفّر فیها کلّ الإمکانات، فحال الإنسان فی حرارته أو بیئته حال الحیوانات و الأشجار؛ فإنّها لا تتمکّن أن تعیش إلّا فی بیئات صالحة لعیشها، و لذا کانت حرکة هجرة الطیور من مناخ إلی مناخ بحثا عن المکان المناسب عند ما لا تجد البیئة الصحیحة فی محلها الأوّل.
و الإنسان بالإضافة إلی ما یحتاجه من الأشجار و الحیوانات لا یستغنی عن الحضارة و التعقّل و الأخذ و العطاء و المعاملة و ما أشبه ذلک. و لذا فبیئة الإنسان هی أصعب بکثیر من بیئة الحیوان، و بیئة الحیوان أسهل من بیئة الأشجار؛ إذ الشجر لا یتمکّن أن ینتقل من مکان إلی مکان، بینما الحیوان یتمکّن من ذلک،
______________________________
(1) مفهوم البیئة یشمل معا الوسط الکونی، الجغرافی، الفیزیائی، و الوسط الاجتماعی، بمؤسساته، و ثقافته، و قیمه، و یؤلف هذا المجموع منظومة من القوی تمارس تأثیرها علی الفرد الذی یستجیب لها علی نحو خاص، وفق اهتماماته و قدراته. و قد ذکر الدکتور ممدوح حامد عطیة فی کتابه إنهم یقتلون البیئة: ص 17- 18 عدّة مفاهیم و تعاریف. و قد تحدّث الإمام المؤلف قدس سره عن الامور التی تتعلق بالبیئة فی موسوعة الفقه کتاب البیئة. علما أن نسبة 25% من الوفیات فی العالم ناشئة عن التلوث البیئی.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 145
و هکذا بالنسبة إلی سرعة النمو و بطئه فإنه یتوقّف کثیرا علی طبیعة البیئة، فالإنسان فی المناطق الحارّة یبلغ أسرع من الإنسان فی المناطق الباردة.
و نستطیع أن نعتبر الاستعمار مفسدا للبیئة سواء کان سببه جهل الشعوب أو سببه خبث الاستعمار و أطماعه، فالاستعمار ینهب موارد الشعوب، فهو بالنتیجة یعبث بالبیئة فیجعلها بیئة غیر صالحة للعیش من حیث الموارد، و من جانب آخر غیر صالحة للعیش من حیث المناخ السیاسی.
إن البیئة تتدخل فی تکوین الرأی العام سواء کان الرأی العام سدیدا أو غیر سدید، و مثال ذلک: البیئة الجافة تدفع بالرأی العام لأجل تحسین البیئة و إنقاذها من الجفاف، و البیئة الحارّة تدفع بالرأی العام إلی تشجیع عملیات التشجیر حتّی تصبح بیئة صالحة لبقاء الإنسان فیها فی حالة مریحة إلی غیر ذلک من الآراء العامّة التی تتولّد من البیئة، و کذلک بالنسبة إلی سائر الشئون، و من ذلک: البیئة الحارة جدّا فهی لا تصلح لتحصیل العلوم، لذا نری فی کثیر من البلاد ذات الحرارة العالیة هبوط مستوی التعلیم فیها، بینما المناطق المعتدلة یزدهر فیها العلم و التعلیم.
و إذا أردنا أن نعیش بسلام و أمان فلا بدّ من تبدیل جهل الجاهلین إلی العلم و الرشد، و أنّ نبدّل خبث الخبیثین إلی الصلاح، إمّا بتبدیلهم إلی الصلاح، أو بعزلهم عن الحیاة، حتّی تتحوّل القیادة إلی أناس صالحین لا خبث فیهم.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 146

علاقة العقل بالرأی العام

اشارة

مسألة: و مما یکوّن الرأی العام: العقل، فالعقل جوهرة لم تعرف حقیقتها إلی الآن، و لعلّها لا تعرف إلی أن یزول الإنسان من الکرّة الأرضیة، أو أنّها ستعرف فی العالم الآخر، فإنّ کثیرا من قوتنا تتکشف هناک کما دلّ علی ذلک بعض الأدلّة الواردة عن أهل البیت علیهم السّلام.
فالعقل یکوّن الرأی العام، لأنّه مصدر للخیر و الشر، و نتیجة لهذا الخیر و الشر یتکوّن الرأی العام فی التوجه إلی الخیرات و الدفع للشرور.
و لا یخفی أنّ هذه الفائدة للعقل إنّما هی فائدة طریقیة لا فائدة هدفیة، إذ أن الفائدة الهدفیة هی عبارة عن توجیه الإنسان إلی طاعة الله سبحانه و تعالی حتّی یکون فی الآخرة فی خیر و سلام دائمیین، و لذا ورد فی الحدیث الشریف: (العقل ما عبد به الرحمن و اکتسب به الجنان) «1».
و فی حدیث آخر: إنّ الله سبحانه و تعالی خاطب العقل بقوله (ما خلقت خلقا أحبّ إلیّ منک، بک أعطی و بک أمنع و بک أثیب و بک أعاقب) «2»، فالظاهر أنّ العقاب و الثواب سیکونان فی الآخرة، أمّا الثواب و العقاب فی الدنیا فهما طریقیان
______________________________
(1) المحاسن: ج 1 ص 195 ب 1 ح 15، الکافی (أصول): ج 1 ص 11 ح 3، معانی الأخبار: ص 239 ح 1، وسائل الشیعة: ج 15 ص 205 ب 8 ح 20288.
(2) أعلام الدین: ص 172، کنز الفوائد: ج 1 ص 57.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 147
فقط؛ و لذا ورد عن علی علیه السّلام: (الدنیا دار ممر لا دار مقر) «1»، و قال عیسی علیه السّلام: (إنما الدنیا قنطرة فاعبروها و لا تعمروها) «2»، و المراد ب «لا تعمروها» عمارة مرید البقاء و إلّا فالعمارة ضروریة للإنسان، و قد قال سبحانه و تعالی:
وَ اسْتَعْمَرَکُمْ فِیهٰا «3» أی طلب منکم عمرانها.
نعم، یمکن أن یکون المراد: «بک أثیب و بک أعاقب» حتّی فی هذه الدنیا، فإنّ الثواب و العقاب فی هذه الدنیا بانتشار الخیر و الشر، و هما من نتائج العقل کما قال سبحانه و تعالی: وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُریٰ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنٰا عَلَیْهِمْ بَرَکٰاتٍ مِنَ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ وَ لٰکِنْ کَذَّبُوا فَأَخَذْنٰاهُمْ بِمٰا کٰانُوا یَکْسِبُونَ «4» و من تلک البرکات العقل.

أقسام العقل

و العقل ینقسم إلی قسمین: الأول طبیعی، و الثانی غیر طبیعی. و الطبیعی کالأرض التی هی قابلة للإنبات فإذا أنبتنا فیها أتت بکلّ زوج بهیج، و کذلک إذا علّمنا العقل و وجهناه الوجهة الصحیحة ینتج نتائج باهرة لا نعرف منها إلّا جزءا صغیرا جدّا، کما و أنّ للإنسان صفات باطنة لم نعرف أیّا منها حتّی الآن و نعبّر عنها بالعقل و النفس و الروح، و حالات طارئة مثل الغضب و الفرح و الألم
______________________________
(1) نهج البلاغة: ص 493 قصار الحکم، الحکمة 133. و ورد نظیره فی إرشاد القلوب: ج 1 ص 19 ب 2، غرر الحکم و درر الکلم: ص 149 القسم الأول ب 6 الفصل الثالث ح 2718، مجموعة ورام: ج 2 ص 218.
(2) الخصال: ج 1 ص 65 ح 95، الأمالی للمفید: ص 43 المجلس السادس ح 1، التحصین لابن فهد: ص 30، روضة الواعظین: ج 2 ص 441، مجموعة ورام: ج 1 ص 147، بحار الأنوار: ج 70 ص 119 ب 122 ح 111.
(3) سورة هود: الآیة 61.
(4) سورة الأعراف: الآیة 96.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 148
و الشدّة لا نعرف کنهها. و قد قال بعض العلماء بأنّ من أسباب العقل الذی هو مخفیّ علی الإنسان غایة الاختفاء ما نشاهده فی المنام؛ حیث أنّه جانبا من جوانب العقل و یسمّی بالعقل الباطن «1».
فما هو المنام و ما حقیقته؟. إن ما قاله فروید «2» و غیره من السیکولوجیین لا
______________________________
(1) قسّم البعض الرؤیا إلی أربعة أقسام: أ- انها حدیث النفس بالشی‌ء و التفکّر فیه. ب- أنها ألطاف من اللّه لبعض خلقه من تنبیه و تیسیر و إعذار و إنذار ج- وسوسة الشیطان یفعلها للانسان و یذکّره بها د- أضغاث أحلام الذی لا تأویل له و لا خیر فیه. و قد أشار الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم لأقسام ثلاثة بحدیث: (الرؤیا ثلاثة: رؤیا بشری من اللّه، و رؤیا مما یحدّث به الرجل نفسه، و رؤیا من تخزین الشیطان).
و ذکر الشیخ عباس القمی فی سفینة البحار: ج 3 ص 245: إن الرؤیا علی أربعة أقسام: رؤیا من اللّه تعالی و لها تأویل، و رؤیا من وساوس الشیطان، و رؤیا من غلبة الأخلاط، و رؤیا من الأفکار، و کلها أضغاث أحلام إلّا الأولی منها.
للتفصیل عن المنامات راجع: روضات الجنات: ج 6 ص 171- 173.
(2) سیغموند فروید، طبیب أعصاب و عالم نفسانی، یهودی الأصل، ولد فی النمسا سنة 1856 م، و مات فی لندن إثر مرض السرطان سنة 1939 م عن عمر یناهز 83 سنة، تخرج من کلیة الطب سنة 1881 م، له نظریة فی التحلیل النفسی عرضها فی کتابه «عالم الأحلام». اشترک مع جوزیف برویر فی علاج الهستیریا بالنوام او الاسترخاء، مفسرا أعراضها بأنها تعبیرات عضویة عن صدمات مکبوتة، و صراعات نفسیة لا شعوریة ترجع إلی الطفولة. ثم عمل بمفرده، و ترک النوام مستعیضا عنه بالتداعب الحر، مؤکدا أن الطاقة المسببة لأعراض الهستیریا التحولیة طاقة جنسیة.
أثارت نظریته فی تطور الغریزة الجنسیة منذ الطفولة الاولی، و فی عقدة أودیب ضجة فی الوسط العلمی.
اسس سنة 1910 م جمعیة عالمیة للتحلیل النفسی، مارس التنویم المغناطیسی و الایحاء فی فیینا. له عدة مؤلفات، منها: المدخل إلی التحلیل النفسی، ثلاث محاولات فی نظریة الجنس، محاولات فی التحلیل النفسی، مقدمة عامة للتحلیل النفسانی، حیاتی، الذات و الغرائز، موسی و التوحید. و لا یخفی أن فروید یرجع کل المیول و الآداب الدینیة و الخلقیة و الأسریة إلی الغریزة الجنسیة؛ کی یبطل قداستها و یخجل الإنسان منها و یسلبه إیمانه بسموها ما دامت راجعة إلی أدنی ما یری فی نفسه. و قد ردّ الإمام المؤلف قدس سره نظریات فروید فی کتابه الموسوم: نقد نظریات فروید.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 149
دلیل علیه «1».

آثار العقل

و من آثار العقل التنویم المغناطیسی «2» حیث بإمکان المنوّم أن یکتشف
______________________________
(1) و یقوم تفسیر فروید للحلم علی ما یلی: إننا نستطیع أن نملک الدوافع و الأحاسیس و الرغبات التی تحرّض أفعالنا، و مع ذلک لا نملک ادراکا لها. و قد سمّی هذه الدوافع «اللاشعور» و به لم یقصد أننا غیر مدرکین لها و حسب بل کذلک أن «رقیبا» قویا یحمینا من أن نصبح مدرکین لها. و لأیّ عدد من الأسباب، التی أهمها خشیة فقدان الاستحسان من أهلنا و أصدقائنا. نحن نکبت هذه الدوافع، التی یجعلنا ادراکنا لها نشعر بالذنب أو نخاف من العقاب. و مهما یکن، فإن کبتنا لهذه الدوافع عن ادراکنا لا یعنی أنها لم تعد موجودة.
فالحقیقة أنها تظل موجودة بقوة و تجد تعبیرها فی أشکال متعددة، و لکن فی مثل هذه الحال لا ندرک أنّها دخلت من الباب الخلفی، إن جاز التعبیر. و یعتقد نظامنا الشعوری أنه قد تخلّص من مثل هذه المشاعر و الرغبات غیر المستحبة و ترهبه فکرة أنها قد تکون فی داخلنا، و حین تعود و تظهر حضورها، تکون محرّفة و متنکّرة إلی حدّ أنّ تفکیرنا الشعوری یخفق فی أن یتبین ما هی.
نقلا عن کتاب اللغة المنسیة: ص 78 للمؤلف إریک فروم. ترجمة محمود منقذ الهاشمی الصادر عن اتحاد الکتّاب العرب.
ثم إنّ الإمام المؤلف قدس سره رأی تفسیرا آخر لکلام فروید. یقول فی هذا الصدد: «فإنّ فروید یری أنّ الأحلام بقیة وراثة فی النفس، کما أن الزائدة الدودیة بقیة وراثة فی الجسم. یقول فی هذا الصدد أنّ أسلافنا القردة کانت تعیش فوق الأشجار، فکانت تخاف السقوط، کما کان یتفق أن یسقط أطفالنا من أعلی الشجرة، و هذا الخوف هو الذی ورثه أطفالنا، و لذا کثیرا ما یری الطفل فی المنام أنه یسقط من مکان عال أو هو مشرف علی السقوط ..
فالطفل ورث الأفکار، و تظهر الوراثة فی المنام. راجع کتاب نقد نظریات فروید: ص 49 للإمام المؤلف قدس سره. کما فصل المؤلف قدس سره الحدیث عن ذلک فی موسوعة الفقه کتاب علم النفس.
(2) یعرف التنویم المغناطیسی: بانه حالة من النوم الجزئی یثار اصطناعیا، یظل الفرد خلاله قادرا علی ان یطیع بعض الایحاءات التی یصنعها المنوّم المغناطیسی. و یعرف کذلک: انه شلل الإرادة او ضرب من خدر الشعور.
فی التنویم المغناطیسی یصبح الدماغ و وعیه مشلول الحرکة، فالمریض یصبح مطیعا لکل
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 150
عوالم غریبة لا توجد فیها المسافات و لا یلاحظ فیها الألم و لا اللذّة المادیة.
کما و أنّ التنویم المغناطیسی باستطاعته أن یکشف للإنسان عن أشیاء لا سابقة لها و لا لا حقة له بها، فیکتشف أمورا لا یعلمها فی السابق و لا فی اللاحق.
و البحث فی کون التنویم المغناطیسی هو جزء من العقل أو سلطة أعلی من سلطة العقل: فهو خارج عن مجال بحثنا. و قد قال سبحانه و تعالی: وَ مٰا أُوتِیتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلّٰا قَلِیلًا «1».
______________________________
فعالیاته اللاواعیة التی یوجهها المنوّم المغناطیسی، و عندئذ تصبح عواطف المنوّم و أفکاره موجهة فی الاتجاه الذی یحدده المنوّم. راجع الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة: ج 3 ص 1227، معجم علم النفس: ج 6 ص 2640.
(1) سورة الإسراء: الآیة 85.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 151

الإدراک و الرأی العام

مسألة: الرأی العام تابع للإدراک، فالإدراک الذی یبلغه الإنسان هو الذی یسیّره علی شاکلته، سواء کان واقعا أو غیر واقع، فإذا أدرک الناس أنّ فلانا عدو لهم و إن کان فی الواقع صدیقا لهم، عملوا حسب عداوته المزعومة بمحاربته، و إن أدرکوا أنّه صدیق لهم، عملوا حسب صداقته، سواء کانت واقعا أو غیر واقع، فکذلک بالنسبة إلی إدراکهم أنّ الشی‌ء الفلانی یضرّ اقتصادهم أو ینفعه، أو یضرّ سیاستهم أو ینفعها، أو له ضرر فی جهة من الجهات أو نفع من جهة من الجهات، فإنّهم یمشون وراء ذلک الإدراک إذا کان بحدّ المنع من النقیض؛ لأنّ الإدراک قد یکون بحدّ المنع من النقیض و قد لا یکون بذلک الحدّ، فإذا کان بحد المنع من النقیض سلکوا سلوکا واجبا فی نظرهم، و إذا لم یکن بحد المنع من النقیض أمکن أن یسلکوا إلی ذلک المدرک لکن علی سبیل الفضیلة و الاستحباب عندهم، أما من زعم من الغربیین ک (فروید)؛ حیث اعتبر العامل الجنسی هو الأساس فی أفعال الإنسان و تصرفاته «1»، و ک (مارکس) «2» الذی اعتبر الاقتصاد هو الأساس فی الحیاة،
______________________________
(1) و لذا استشکل بعض العلماء علی النظریة التجزیئیة التی دعی إلیها فروید و غیره فی مجال التحلیل النفسی و اعتبروها أضافت إلی المشکلة مشکلة أخری و أنهم بکلامهم قد تجاوزوا الحدود و القیم العلمیة.
(2) کارل مارکس الألمانی، مؤسس الحرکة الاشتراکیة و فیلسوف الشیوعیة، ولد بمدینة «تریر» سنة 1818 م، من أبوین یهودیین، و مات فی لندن سنة 1883 م، دخل العمل السیاسی و الاجتماعی سنة 1841 م؛ فأبعد من ألمانیا إلی فرنسا و منها إلی لندن؛ فعمل بالصحافة
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 152
و هکذا من زعم غیر ذلک من المزاعم، فإنّ جمیعهم أخذوا بشی‌ء من خلفیات الإدراک؛ لوضوح أنّ الإدراک إنّما یکون عن مجموع أشیاء کالسیاسة و الثقافة و الاقتصاد و التربیة و الجنس و الفردیة و ما أشبه ذلک.
و علی أی حال: فالإدراک ملخصا یکون هو المسیّر للناس و المکوّن لآرائهم العامّة، لکن من الواضح أنّ الإدراک إنّما یراد به فی هذا المقام الإدراک المعدّل «1» أی مع ملاحظة التناقضات و المضادات و الزوائد و النقائص و ملاحظة الأهمّ و المهم و الضرر و الإضرار و غیر ذلک من الأمور.
و من هذه النقطة تبیّن لنا وهن نظریة دیکارت «2»؛ حیث نشر مقالا عن
______________________________
فیها سنة 1848 م، و کتب مع فردریک إنجلز البیان الشیوعی فی نفس السنة، و الذی حددا فیه مبادئ الشیوعیة الحدیثة و وجها فیه نداء إلی عمال العالم یدعوهم إلی الاتحاد و التعاون. و قد أصبح هذا البیان أحد الرکائز الرئیسیة التی قامت علیها الأحزاب الاشتراکیة و الشیوعیة، و خلال تواجده فی لندن دوّن الکتب التالیة: «الصراع الطبقی فی فرنسا/ 1850 م» و کتاب «مساهمة فی نقد الاقتصاد السیاسی/ سنة 1859 م»، و کتاب «نداء إلی الطبقات العاملة فی أوربا/ سنة 1864 م»، و کتاب «رأس المال/ سنة 1867 م». راجع موسوعة السیاسة: ج 5 ص 635، الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة: ج 7 ص 3088.
(1) غیر المتساوی.
(2) رینیه دیکارت، فیلسوف و عالم الریاضیات و الهندسة التحلیلیة و الطبیعیات الفرنسی، ولد فی لاهای سنة 1596 م، و مات بمرض التهاب الرئة سنة 1650 م. حصل علی الحقوق سنة 1616 م. یعد مؤسس العقلانیة ذات التوجه العلمی، کما أنه رفض الأخذ بالتقلید المدرسی، فأقام فلسفته علی الشک المنهجی، فشک فی معارفه جمیعا، حسیة کانت أو عقلیة، لاحتمال أن یکون مخدوعا فیها، لکنّه وجد ثمة شیئا لا یقبل الشک، و هو حقیقة کونه یشک.
و لم یکن لیستطیع الشک لو لم یکن موجودا. اذن فهو موجود لأنه یشک. و لما کان الشک تفکیرا. فهو موجود لأنّه یفکر. و بهذا انتهی إلی مقولته المأثورة: «أنا أفکر. إذن فأنا موجود». و من هذه البدایة الیقینیة، انتقل إلی اثبات وجود اللّه، ثم إثبات وجود العالم.
اخترع المحاور الکارتیزیة فی الهندسة التحلیلیة و التی تستخدم فی التمثیل البیانی، و استطاع أن یعالج الجذور السالبة، و أن ینسق رموز الجبر، و ان ینشئ الإحداثیات المعروفة باسمه، و حاول تطبیق المنهج الریاضی علی الفلسفة. من مؤلفاته: انفعالات
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 153
المنهج، فکتب قائلا: «إنّ الإدراک السلیم موزّع توزیعا متساویا بین الناس، فکلّ إنسان یعتقد أنّه مزوّد بقدر کبیر من الإدراک الصحیح، إلی حدّ أنّ أشدّ الناس صعوبة فی کسب رضاهم حول أی شی‌ء لا یرغبون فی زیادة ما لدیهم من إدراک».
أقول: من الواضح أن هذا غیر تام؛ لأنّ الناس قد یکونون علی طرفی نقیض، فهل من الممکن أن یکون الشی‌ء الواحد موجودا أو معدوما؟! کما أنّ من الناس من یکون علی طرفی نقیض و أن من الممکن أن یکون الشی‌ء أبیض و أسود، و هذا فی الحقیقة ناشئ من عدم إدراک موازین التناقض، و التضاد، و الخلف، و الدور، و فساد تساوی الکلّ و الجزء، و ما أشبه ذلک؛ ممّا أشرنا إلیه سابقا.
ثم إنّ أصحاب هذه النظریات «1» فسروا بیاناتهم فی صورة مفاهیم مفکّکة غیر متماسکة أحیانا، و فی صورة غامضة و فجة أحیانا أخری، و فی کلّ الحالات فإنّهم یرجعون نزعة الشذوذ إلی فترات الطفولة و یعتقدون بأشیاء تخالف الفطرة البشریة، و یعتقدون بالعلاج من هذا الأساس المتهافت.
و نحن لا ننکر قیمة التحلیل النفسی فی الکشف عن بعض الأمراض النفسیة لکن لا نری أنّه قادر علی إعطاء العلاج الشافی و الکامل للمرضی.
و نحن لا ننکر أنّ خبرات الطفولة ذات أثر کبیر فی حیاة الناس، لکن أن تکون هی الأساس فی بناء الشخصیة الإنسانیة فهذا ما لا یتّفق و النظرة الواقعیة.
و قد أثبت العلماء- فیما بعد- بعض المصادیق الجزئیة لنظریة فروید
______________________________
النفس، علم انکسار الأشعة، تأملات فی الفلسفة الأولی. راجع موسوعة السیاسة: ج 2 ص 747، الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة: ج 4 ص 1750.
(1) کفروید و مارکس و آدمز و یونج و غیرهم.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 154
و مارکس، لکن فی الجملة استمرت هذه النظریات عرضة للنقد العلمی.
و علی أی حال: فللإدراک الإنسانی دخل فی تکوّن الرأی العام لأفراد کثیرین، یشکّلون الرأی العام إمّا لهذا الجانب أو لجانب آخر أو إلی أحد الجانبین.
و لذا یقول أحد العلماء «1»: «لقد کثر اعتماد الباحثین علی جمع المعلومات عما یعتقدها الناس أو یتصورون أنه لا بد من الاعتقاد بها بدلا من دراسة العوامل العاطفیة من وراء تفکیرهم و مع أن استطلاعات الرأی لها قیمتها فی بعض الأعراض. و إنّنا بحاجة لأن نعرف أکثر؛ لأنّ الاستطلاعات لیست الأداة الفاعلة لفهم العوامل التی تعمل تحت سقف الرأی، و بدون معرفة هذه العوامل لا نستطیع التکهن بالطریقة التی یتصرّف بها الأفراد فی المواقف الحرجة، و فی الآراء التی یعترفون بأنّهم یؤمنون بها، و فی المذاهب و الإیدیولوجیات الجدیدة التی یرفضونها، فمن ناحیة القوی المحرّکة للمجتمع یکون لکلّ رأی قیمته بمقدار الرصید العاطفی الذی تمتد جذور هذا الرأی فیه».
أقول: إنّ للعاطفة مدخلیة کبری فی صناعة الرأی العام، کما و أنّ للعقل مدخلیة أیضا، و کلّ من العقل و العاطفة له جذوره فی البناء الثقافی و الاجتماعی و الاقتصادی و السیاسی و التربوی و العائلی و الجغرافی و ما أشبه ذلک، و من هذا المجموع یتکوّن العقل و العاطفة، و منهما یتکوّن الرأی العام.
کما و أنّ للوراثة مدخلیة لا علی نحو الکلیّة و إنّما علی نحو الجزئیة، فلو فرضنا أنّ إنسانا ولد فی بغداد لأبوین بغدادیین ثمّ انتقل إلی النجف الأشرف، فإنّه بعد کبره یصبح متّصفا بصفات النجفیین، و إن کان لولادته فی بغداد تأثیر وارد فی التفکیر و السلوک أیضا.
______________________________
(1) و هو عالم النفس الأمریکی الألمانی الاصل إریک فروم.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 155
من هنا، فلیس من السلیم حصر الأمر فی جهة أو فی جهتین و لیس من السلیم حصر الصفات بناحیة معیّنة، بل الصواب أنّ مجموعة الجهات هی التی تکوّن الرأی لدی الأشخاص؛ إذ من الآراء الشخصیة یتکوّن الرأی العام.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 156

المشترکات اللفظیة و الرمزیة

مسألة: الإنسان بما هو إنسان یرید أکبر قدر من المصلحة، و المصلحة فی کلامنا هذا عبارة عن جلب أکبر قدر من اللذّة الجسدیة و العقلیة و النفسیة و دفع حتّی القدر القلیل من الضرر العقلی و الجسدی و النفسی، فالجسد عبارة عن الحواس الخمس، و النفس لها ملائماتها و منافراتها کالأوهام، و العقل له ملائماته و منافراته، و ذلک لا یتیسّر إلّا باللغة المشترکة من ناحیة و جعل الرموز أو الالتفاف حولها فیما هو رمز طبیعی، فالرمز المجعول کالعلم بالنسبة إلی الجیش حیث یجعلونه رمزا للتقدیر و الاحترام و الالتفاف حوله و الانضواء تحته، و أمّا الرموز التی هی مجعولة و إنّما تحتاج إلی الالتفاف حولها قبل الالتفاف حول عالم قدیر فإنّه رمز بذاته، أو کاتب شهیر أو خطیب مصقع أو شاعر مبدع أو من شابه ذلک، فهؤلاء فی أنفسهم شخصیات بارزة و الالتفاف حولهم یوجب المصلحة، مثلا تقدیس العلامة الحلّی «1» یوجب حثّ الطلاب
______________________________
(1) أبو منصور الحسن بن یوسف بن علی بن المطهر الأسدی الحلی و المشهور بالعلامة الحلی، فقیه و أصولی جمع المعقول و المنقول، ولد فی مدینة الحلة فی 29 رمضان سنة 647 ه (1250 م) کما عن أعیان الشیعة. و قیل 648 ه (1251 م) کما عن خلاصة الأقوال فی معرفة الرجال للحلی: ص 45، و توفی فی 21 محرم سنة 726 ه (1325 م) و دفن فی النجف الأشرف. تتلمذ عند والده و خاله المحقق الحلی و الخواجة نصیر الدین الطوسی و القزوینی صاحب کتاب الشمسیة و الشیخ نجیب الدین یحیی بن سعید و السید ابن طاوس و ابن میثم البحرانی. نال درجة الاجتهاد و لم یبلغ سن التکلیف الشرعی. له اکثر من مائة کتاب، منها:
تحریر الأحکام، مختلف الشیعة فی أحکام الشریعة، تبصرة المتعلمین فی أحکام الدین، قواعد الأحکام فی معرفة الحلال و الحرام، تذکرة الفقهاء، مصابیح الأنوار، تهذیب
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 157
إلی طلب العلم أکثر، و هذا من الدوافع المهمّة فی صنع الرأی العام، فالرأی العام له خلفیة الاستفادة من المصلحة، و الاستفادة من المصلحة بمعناها الإیجابی أو السلبی یوجب اللغة المشترکة؛ إذ بدونها لا یمکن التعلیم و لا التعلّم حتّی یصل الإنسان إلی مصلحته، مثلا: من المصلحة الجسدیة إذا لم یکن هناک لفظ الماء لم یتمکّن الطالب من أن یطلبه من شخص یخدمه، و کذلک لم یتمکّن الخادم من الاستفادة من ماله و حفظه و ما أشبه ذلک، فالرموز الطبیعیة کلّما کانت أکثر تکون سببا لارتفاع الناس فی مختلف الأبعاد التی تشیر إلیها الرموز أکثر فأکثر، کما أنّ الرموز المجعولة إنّما تکون کثیرة، حیث المهام کثیرة، مثلا: إنّ الرموز الفاسدة توجب التنفیر الکثیر من کلّ شی‌ء، هذا الرمز الفاسد رمز له، کما أنّ الرموز الصالحة إذا کانت کثیرة توجب الاندفاع الأکثر إلی الإمام، فإنّ هذه الرموز هی محل احترام الناس فیدافع الناس عنها عاطفیا أو عقلیا أو نفسیا أو جسدیا، فالعلم الذی هو رمز للجیش و الوطن، و المواقع التاریخیة کقصر جمشید مثلا فی إیران بالنسبة إلی القومیة الفارسیة و مأذنة سامراء کرمز للخلافة العباسیة، و أماکن العبادة کالأضرحة المقدّسة و الأقوال المأثورة عن الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم و علی علیه السّلام و الأئمّة
______________________________
الوصول فی علم الأصول، الجوهر النضید فی شرح التجرید، أنوار الملکوت فی شرح الیاقوت، نهج الإیمان فی تفسیر القرآن، تسلیک النفس إلی حضیرة القدس، منتهی المطلب فی تحقیق المذهب، مدارک الأحکام، کشف المراد فی شرح تجرید الاعتقاد، خلاصة الأقوال فی معرفة الرجال. ترجمه: أعیان الشیعة: ج 5 ص 396، روضات الجنات: ج 2 ص 269، تنقیح المقال: ج 1 ص 314، مرآة الجنان: ج 4 ص 276، النجوم الزاهرة: ج 9 ص 267، جامع الرواة: ج 1 ص 230، ریاض العلماء: ج 1 ص 358، مصفی المقال: ص 131، معجم المؤلفین: ج 3 ص 303، الذریعة إلی تصانیف الشیعة: ج 4 ص 180، أمل الآمل: ج 2 ص 81، موسوعة طبقات الفقهاء: ج 8 ص 77 رقم 2712، الأعلام للزرکلی: ج 2 ص 244، مجالس المؤمنین للتستری: المجلس السابع.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 158
الطاهرین علیهم السّلام، کلّها رموز تدفع الإنسان باتجاه الخیر فی رموز الخیر، و تدفع باتجاه الشر فی رموز الشر.
و لا یشترط فی الرمز أن یکون للأمّة بأجمعها، بل یمکن أن یکون خاصا لجماعة من الأمّة، فلکلّ جماعة من المجتمع سواء کان حزبا أو جیشا أو فریقا ریاضیا أو اتحادا أو نحو ذلک، له رموز خاصّة، و هم یحترمون هذه الرموز و یقدّسونها، و لا یختلف أن یکون الرمز لفظا «1» أو جسما أو إنسانا سیئا أو شخصا محترما، فالأوّل لفظ و الثانی أمر خارجی.
و من المعلوم أنّ الناس لا یستعملون الرموز إلّا بقدر مصلحتهم و إرادتهم الواعیة أو الإرادة التی قضوا بها من غیر وعی فارتکزت فی لاوعیهم، و قد یکون الرمز فکرة مجرّدة تنتهی إلی مصالح یریدها الإنسان من بعد من أبعاده النفسیة أو العقلیة أو الوهمیة، مثلا: معنی الحرّیة مع أنّه لا یمکن رؤیة الحرّیة بالعین و لا سماعها بالأذن و لا تذوّقها باللسان و لا شمّها بالأنف و لا لمسها بالید، و مع ذلک فهی رمز یلتف الناس حوله؛ حتی یصلوا إلی أهدافهم الملائمة لذواتهم فی جلب المنفعة و دفع المضرّة، فلذا یجعلونها رمزا لفظیا کقولهم: «الحرّیة»، أو رمزا مادیا کجعل نصب الحرّیة الموجود فی نیویورک رمزا للحرّیة. فالرمز هو نقطة الجذب التی تدفع بالناس لیلتفوا حول الحرّیة و یعملوا من أجلها فی سبیل تثبیتها و تبسیطها حتّی یحقّقوا أهدافهم سواء کانت أهدافا خیرة مثل الاستشاریة و الدیمقراطیة، أو أهدافا شریرة مثل الدیکتاتوریة و الاستبداد.
و لا یخفی ما لهذه الرموز من أثر کبیر فی صنع الرأی العام، و کما
______________________________
(1) و لا یخفی أنّ الانسان هو المخلوق الوحید الذی یستعمل الرموز للدلالة علی المعانی و التعبیر عن عواطفه و أفکاره و ما یختلج فی نفسه.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 159
المصلحون یستفیدون من هذه الرموز کذلک الأشرار یستفیدون منها للوصول إلی أغراضهم الشریرة. و هنا، یمکن لنا أن نلاحظ کیف یسوّغ الأشرار الألفاظ لتأتی معبّرة عن أهدافهم الشریرة، لتوجیهها نحو مقاصدهم الشریرة، ف «ستالین» کان ینادی بالسلام و هو فی الوقت نفسه یقتل الأبریاء، و کان الحزب الشیوعی فی العراق قد حمل رمز «حمامة السلام» و هو فی الوقت نفسه کان ینصب أعواد المشانق لغیر الشیوعیین.
و الأمریکیون کانوا یدّعون الدیمقراطیة و السلام و یقتلون مئات الألوف من البشر فی فیتنام أثناء الحرب «1»، و الفرنسیون کانوا یدّعون السّلام و الحرّیة و الدیمقراطیة و قد قتلوا ملیونا و نصف ملیون إنسان فی الجزائر، و هکذا بالنسبة إلی بقیّة المتلاعبین بالألفاظ للوصول إلی أهدافهم.
و لا یخفی: أنّه لا یلزم أن یکون المنحرف عالما بانحرافه، لأنّ الانحراف انحراف، سواء علم المنحرف أم لم یعلم بأن کان جاهلا جهلا مرکبا، و أحیانا یضع المنحرف نفسه و حیاته فی سبیل الرمز المنحرف، مثل رمز رقیّ الدم الألمانی علی سائر الدماء و اختیار الصلیب المعقوف «2» کرمز للنازیة حیث
______________________________
(1) الحرب التی شنها الرئیس الأمریکی جونسون، بعد انتخابه سنة 1964 م، حیث بدء بتصعید التدخل فی فیتنام و نشطت عناصر مخابراته، و أطاحت بکل الحکومات التی لم تکن امریکا راضیة عنها فی سایغون. و بحجة مواجهة القوات الشیوعیة المدعومة من جمهوریة فیتنام الدیمقراطیة شنت الحرب علیها. و قد توقفت هذه الحرب فی عهد نیکسون، إثر توقیع معاهدة باریس فی کانون الثانی سنة 1973 م، و التی نصت علی انسحاب القوات الأمریکیة فی غضون شهرین و إطلاق سجناء الحرب و التعهّد بالتزام استقلال فیتنام الجنوبیة.
(2) و هو من أقدم الأساطیر الشمسیة، و أضحی هذا رمزا للتهدید یثیر بطریقة لا شعوریة- علی حد تعبیر تشاخونین صاحب کتاب اغتصاب الجماهیر بالدعایة السیاسیة-، الأفکار التالیة: هتلر هو القوة، القوة الوحیدة الحقیقیة .. و ما دام کل الناس معه، فینبغی أن أکون أنا أیضا، أنا رجل الشارع، معه .. معه .. إن کنت أرغب فی الحیاة.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 160
ضحی هتلر بکثیر من شعبه من أجل تطبیق هذه العقیدة فی العالم.
و قد قتل جماعة کبیرة من المنحرفین فی النزاع حول مسجد بابری و المعبد الذهبی فی الهند لأجل انحراف عقیدة، تصوّروا أنّها عقیدة صحیحة، إلی غیر ذلک من الأمثلة القدیمة و الحدیثة و المستقبلیة. و نحن لا نرید من ذلک إلّا الإشارة إلی خلفیات الرأی العام، و أمّا الخصوصیّات و المصادیق و التطبیقات فهی خارجة عن الحدّ و العدّ، و هی منتشرة فی کلّ الأمم و الأمصار و الأعصار.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 161

القوالب الفکریة

مسألة: القوالب الفکریة تکمن وراء الرأی العام؛ حیث یعتاد الإنسان علی أن یجعل لکلّ مجتمع أو مجموعة قالبا فکریا، و ذلک القالب الفکری یحرّکه نحو ذلک المجتمع أو المجموع سلبیا و إیجابیا، فمثال المجموع هو کالقالب الفکری الذی یطبع علی مجموعة من المسائل المرتبطة باللسان؛ حیث إنّ القالب الفکری هو عبارة عن لفظ الأدب، و مثال المجتمع هو القالب الفکری الذی یطبع علی مجموعة أفراد من قوم أو شعب أو أمّة أو أمثال ذلک، فإذا کان القالب للمجتمع نحو کون زید کریما التفّ الناس حوله لحصول الرأی العام و إذا کان بخیلا تنفّر الناس عنه. کما أنّ اللسان ینفع و یضر کالأخلاق الحسنة أو السیئة حسب الرأی العام فی تعلّمه أو الابتعاد عنه. و قد قامت منظمة الیونسکو «1» بدراسة أسلوب أفراد أیة أمة فی تقدیم تصوّراتهم عن الأمم
______________________________
(1) و هی الوکالة المتخصصة للتربیة و العلوم و الثقافة التابعة لهیئة الأمم المتحدة، و اسمها المختصر الیونسکو و مقرها باریس و لها فروع فی العالم فی مائة و عشرین دولة، أنشئت نتیجة المؤتمر الذی عقد فی لندن سنة 1945 م و باشرت أعمالها فی 4 تشرین الثانی سنة 1946 م بهدف الإسهام فی توطید السلام و الأمن فی العالم بتشجیع التعاون بین الأمم فی میادین التربیة و العلوم و الثقافة، بحیث یؤدی ذلک إلی احترام العدالة فی أنحاء العالم و احترام سیادة القانون و حقوق الإنسان و حریاته الأساسیة دون التفرقة بسبب العنصر أو الجنس أو اللغة أو الدین، و حث الشعوب علی محو الأمیة و التعلیم و نشر الثقافة و تشجیع البحث العلمی لتحسین ظروف المعیشة. و تحقیقا لهذه الأهداف تقوم بالتعاون علی تبادل المعرفة و زیادة التفاهم بین الشعوب مستعینة بوسائل الاتصال بین الجماهیر کالکتب و الدوریات و الإذاعة و التلفاز و السینما و المسرح و المعارض و المتاحف، و تقوم ببذل المعونة
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 162
الأخری، حیث وجّهت الأسئلة التالیة إلی عینة من ثمانی قومیات من قائمة الکلمات المبینة علی البطاقة:
صف الشعب الأمریکی، أعط وصفا دقیقا للشعب الأمریکی.
تخیّر من الکلمات کما ترید.
اختر الحروف أو الکلمات التی تتماشی معها.
و إذا لم یکن لدیک شی‌ء خاص نحو کلمة أو أخری فاذکر ذلک
و کانت الکلمات التی أدرجت هی:
الشعب الأمریکی: شعب مجتهد فی عمله، أو ذکی فی فکره، أو عملیّ فی تحرّکه، أو مغرور فی صفته. کریم فی تعامله، أو عنیف بالنسبة إلی الشعب الذی یوصف باللاعنف، أو متخلّف عن رکب الحضارة، أو شجاع فی الإقدام، أو یضبط نفسه و أعصابه عند الاهتزازات، أو مسیطر علی ذاته بحیث لا تبدر منه البوادر، أو تقدّمی یرید التقدّم فی کلّ شی‌ء و یعمل لأجل ذلک، أو محبّ للسلام فی قبال حبّ الحرب و تجارة الحروب، أو یستحیل وصفه حیث لا وصف خاص له من هذه الصفات التی ذکرناها. ثمّ تکرّرت العملیة
______________________________
المالیة للهیئات الثقافیة.
و تعمل المنظمة من خلال فروعها الرئیسیة الثلاثة، و هی: المؤتمر العام و یتألف من مندوبین عن جمیع الدول الأعضاء، و ینعقد مرة کل سنتین لإقرار سیاسة المنظمة و برامجها و میزانیتها فی السنتین القادمتین. و المجلس التنفیذی و ینتخبه المؤتمر العام، و یتألف من 24 عضوا، و یجتمع مرتین علی الأقل فی السنة لتنفیذ البرنامج الذی یضعه المؤتمر العام.
و الأمانة العامة و یرأسها مدیر عام یعینه المؤتمر العام، بناء علی ترشیح المجلس التنفیذی، و یعاونه جهاز دولی من الموظفین. و تصدر الیونسکو عدّة دوریات، منها: المتحف، صحیفة العلوم الاجتماعیة، الیونسکو الشهریة، نشرة التربیة الأساسیة و تربیة الکبار، نشرة حقوق التألیف، نشرة الیونسکو للمکتبات. و عادة ما تصدر أغلبها باللغتین الانجلیزیة و الفرنسیة.
راجع موسوعة السیاسة: ج 1 ص 323 و: ج 7 ص 484، الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة:
ج 7 ص 3349، القانون الدولی العام: ص 657 للدکتور علی صادق أبو هیف.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 163
بإحلال الشعب الروسی محل الشعب الأمریکی، ثمّ إحلال شعب آخر من الشعوب حتّی من القومیات العرقیة.
و کانت النتیجة باعثة علی العجب و الدهشة؛ لأنّها خلعت علی شعب من تلک الشعوب نعوتا من صنع القالب الفکری الجماهیری السائد، و لهذا نسمع من یقول: إنّ الأمّة الفلانیة کریمة، و الأمّة الفلانیة لئیمة، و الأمّة الفلانیة شجاعة، و الأمّة الفلانیة جبانة، و الأمّة الفلانیة ذکیّة، و الأمّة الفلانیة قویّة، و هکذا فهذا مثال القالب الفکری بالنسبة إلی المجتمع. و هناک القالب الفکری بالنسبة إلی المجموعة، مثلا: هل الأفضل إذا أردنا الدراسة فی الجامعة دراسة الریاضیات أو الآداب أو الإدارة أو ما أشبه ذلک، فإنّ الإنسان یأخذ من مجموع المسائل المتعلّقة بالعلوم و الفنون قالبا فکریا، و هنا القالب الفکری یکون وراء الرأی العام إیجابا أو سلبا بأن یتقدّم الإنسان إلیه أو لا یتقدّم إلیه.
و علی کل حال: فالرأی العام من أسسه القوالب الفکریة التی تکتسبها الشعوب و الأمم بالنسبة إلی مجتمع ما أو مجموعة من المسائل.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 164

اللغة و الرأی العام

مسألة: اللغة «1» عنصر أساسی فی حیاة الشعوب، فهی من أدوات التواصل و نقل المعلومات و تبادل الآراء و الأفکار و التعامل بین البشر بل تقوم بدور فعال فی تماسک المجتمع و الجماعات، و بالتالی فهی من الأرکان المهمّة للرأی العام؛ حیث إنّ الإنسان جعل لغة التفاهم للوصول بنفسه أو بجماعته أو بالناس أجمعین إلی حاجاته و حاجاتهم، فاللغة رمز لذلک، مثلا لفظ الوعی
______________________________
(1) اللغة: هی کلمات و عبارات تحدد الأشیاء المادیة و العلاقات و الآراء و المفاهیم و القیم التی تعنی بها الثقافة، کما أن أنماط السلوک و طرق الحیاة و الأفکار و العملیات الاجتماعیة و القیم و المستویات تنعکس فی صورة اللغة. و قیل: إن اللغة عبارة عن وعاء و أداة تتسع و تتضیّق بحسب مستوی ثقافة المتحدثین بها. و قیل: أنها وسیلة للتفاهم و التوصل و هی حلقة فی سلسلة النشاط الانسانی المنظم. و قد ذکرت منظمة الیونسکو أنه هناک ستة آلاف لغة فی العالم و لا تدخل اللهجات فی إطار هذا العدد، و أوسع هذه اللغات فی الوقت الحاضر هی الصینیة، و هناک أکثر من 19 لغة یتکلّم بکل منها ما یربو عن خمسین ملیون إنسان.
و لا یتفق العلماء علی رؤیة واضحة بشأن کیفیة بدء اللغة فی حیاة البشر، و لا یتوفّر تاریخ کامل لمراحل تطور اللغة و تفرعها. فبعض العلماء یدعی أن اللغات لها وحدة فی الأصل و هی عبارة عن عائلات لغویة، و ذلک لوجود اسس عامة بین اللغات کالأسس الصوتیة و النحویة و الدلالیة المشترکة بین جمیع اللغات. و العائلات هذه هی مجموعة من اللغات المترابطة لانها نشأت بصورة بطیئة من لغة واحدة موغلة فی القدم، و عند ما یصبح المتکلمون بلغة ما، منقسمین الی مجموعات، لا یتصل بعضها ببعض، تستمر لغة کل مجموعة بالتغیر بطریقتها الخاصة، و بعد عدّة قرون تتکلم تلک المجموعات بشکل مختلف الی درجة بعیدة، بحیث انها لا تفهم بعضها بعضا. و ثمة علماء آخرون یرون ان هناک اختلافا فی اصل اللغات. کما اختلف العلماء فی منشأ اللغات، فقسم یری أنها وحی إلهی، و قسم آخر یری أنها تابعة لنظریة التواطؤ و الاختراع، و قسم ثالث یری أن منشأها الغریزة، و قسم رابع یری أنها خاضعة للتطور التدریجی بمعنی مبنیة علی النمو الفکری.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 165
الاجتماعی أو التکافل الاجتماعی أو المصالح العامّة أو الأمن العام، کل لفظ منها یحتوی علی مساحة من الحاجات و المفاهیم، فإذا لم تکن هذه الألفاظ لم تکن إشارات لما یریده الإنسان، فإذا قال حزب أو جماعة: «إنّی أمنح التکافل الاجتماعی إذا وصلت إلی الحکم» هرع الناس إلیه، مع أنّ اللفظ غامض الدلالة لا یعرف حدودها.
و من الأمثلة: إذا قال حزب ما أو جماعة من العاملین: «نحن نرید تطبیق الإسلام»، فالشعب الذی هو مسلم بالأساس سیلتف حول هذه الجماعة، بالرغم من أنّ هذا الشعب لا یعرف نوع الإسلام الذی یراد تطبیقه هل هو إسلام رسول الله أم إسلام الحجاج أم إسلام الولید أم إسلام معاویة؟ ذلک لأنّ الإسلام کل واحد فی اللفظ، لکن فی الممارسة قد یختلف إسلام مع إسلام آخر أو بالأحری من یدّعی الإسلام مع الإسلام الحقیقی.
و لما کان الإسلام فیه دلالة علی حرّیة الرأی و العدالة، نجد الناس یلتفون حول کلّ من ینادی بهذا اللفظ؛ لذا کان لا بدّ ألّا یغتر الناس بالألفاظ البراقة؛ لأنّها قد تخفی وراءها أهدافا خاصّة، و علی غرار ذلک لفظا التأمین الاجتماعی و التکافل الاجتماعی اللذان یتضمنان معنی جمیلا لکن قد یخفیان أهدافا مبیّتة.
و غالبا ما یأتی ذوو الأغراض السیاسیة أو الاقتصادیة أو الاجتماعیة بألفاظ فضفاضة قابلة للتطبیق هنا و هناک مستغلین عواطف الناس نحو بعض الألفاظ الجمیلة الدالة علی معان جمیلة. فاللفظ و اللغة سواء کانت لغة خاصّة أو لغة عامّة، تصبح عاملا مهما من عوامل الرأی العام و قیم المجتمع.
و کثیر من المشاکل یعبّر عنها بالألفاظ اللغویة الشائعة الاستعمال بین أعضائها، فحدیث رجال القانون و حدیث الأطبّاء و حدیث رجال التعلیم و الاصطلاحات الاقتصادیة و لغة العلم و ما أشبه ذلک، کلّها مفردات خاصّة تختلف عن لغة حدیث الجمهور العام، فانّ اللفظ قد یکون لفظا عاما للجمیع،
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 166
و قد یکون لفظا خاصا بجماعة دینیة أو دنیویة، مثلا لفظ: «الیهود» له دلالة خاصّة، و کذلک لفظ: «النصاری» له دلالة خاصّة، و کذا «الإسلام» و «الشیعة» و «السنة» و «الوهابیة»، کلّها ألفاظ عامّة أو خاصّة، تمارس نوعا من السلطة علی الفکر و الإرادة.
و من المعلوم أنّ الرأی العام یکون وراءه الفکر و الإرادة. نعم، اللفظ الخاص بجماعة یکون وراء الرأی العام فی تلک الجماعة، و اللفظ العام للجمیع یکون وراء الرأی العام للجمیع، و کثیر من الألفاظ الفضفاضة تصبح من أسباب التلاعب بالأفکار و الآراء، و کثیرا ما یختلط الأمر علی کثیر من الناس، مما یوجب إغفال الجماهیر مثل: «الأراضی العربیة» أو «أراض عربیة»؛ فزیادة اللام و نقصها توجب تغییرا أساسیا فی الواقع کما حدث بین العرب و إسرائیل عند تفسیر قرار مجلس الأمن، حیث ورد اللفظ بشکلین مختلفین فی النسخة الإنجلیزیة عن النسخة الفرنسیة، فتمسّکت إسرائیل بالنسخة الفرنسیة التی ورد فیها لفظ أراض عربیة، و معنی ذلک بعض الأراضی التی احتلتها إسرائیل فی «حرب حزیران» سنة 1967 م «1».
و فی الأدب العربی قصّة مشهورة فی هذا المجال هی: أنّ الحجاج غضب علی أحد أصحابه و هو القبعثری-، فقال له: لأحملنّک علی الأدهم و الأبیض.
فقال له القبعثری: مثل الأمیر یحمل علی الأدهم و الأشهب.- فعرف الحجّاج أن صاحبه لعب باللفظ- فقال: انه حدید. فقال له صاحبه: لأن یکون حدیدا
______________________________
(1) اشارة الی القرار 242 الصادر عن الأمم المتحدة بتاریخ 22 تشرین الثانی سنة 1967 و ینص علی ضرورة انسحاب القوات الاسرائیلیة من الاراضی العربیة المحتلة بعد حرب الأیام الستة.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 167
خیر من أن یکون بلیدا «1».
و فی قصة ثانیة قیل للخلیفة: «لا، یرحمک الله» بجعل فاصلة بین «لا» و «یرحمک الله» مما یدل علی أنه لا ترتبط «لا» ب «یرحمک الله». فقال له الخلیفة: قل: «لا و یرحمک الله»، حتی لا یزعم أن «لا» ترتبط ب «یرحمک الله» «2» فتکون نفیا لما هو إثبات.
و فی قصّة أخری، قال خالد بن الولید «3» بعد أن سجن مالک بن
______________________________
(1) راجع بحار الأنوار: ج 72 ص 200 ح 62 ط بیروت.
(2) جاء فی وفیات الأعیان: ج 3 ص 69: رأی أبو بکر رجلا بیده ثوب فقال: أ هو للبیع؟ قال:
لا أصلحک اللّه، فقال: هلا قلت: لا، و أصلحک اللّه، لئلا یشتبه الدعاء لی بالدعاء علی؟.
(3) خالد بن الولید بن المغیرة المخزومی، ابن خالة عمر بن الخطاب، أسلم برفقة عمرو بن العاص سنة 8 ه (629 م)، شهد مع کفار قریش الحروب إلی غزوة الحدیبیة، أسلم فی السنة السابعة، أرسله أبو بکر إلی العراق سنة 12 ه (633 م) لفتح الحیرة، ثم عینه قائدا فی الشام، و قد خلعه عمر بن الخطاب من منصبه. مات بحمص سنة 21 ه (642 م). ارتکب عدة جرائم؛ ففی عهد الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم قتل الکثیر من بنی جذیمة من بنی المصطلق المسالمین بعد أن کتّفهم و سرق أموالهم، و عند ما أخبر الرسول بذلک، رفع یدیه إلی السماء قائلا:
اللّهم إنی أبرأ إلیک ممّا صنع خالد بن الولید، ثم أرسل الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم الإمام علی علیه السّلام لبنی جذیمة قائلا له: یا علی، اخرج إلی هؤلاء القوم فانظر فی أمرهم و اجعل أمر الجاهلیة تحت قدمیک. فخرج الإمام علی علیه السّلام حتی جاءهم و معه مال قد بعث به رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلم فودی لهم الدماء و ما أصیب لهم من الأموال حتی أنه لیدی لهم میلغة الکلب، إذ لم یبق شی‌ء من دم و لا مال إلّا وداه، و بقیت معه بقیة من المال. فقال لهم علی علیه السّلام حین فرغ منهم: هل بقی لکم دم أو مال لم یود لکم؟ قالوا: لا. قال: فإنی أعطیکم هذه البقیة من هذا المال احتیاطا لرسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلم مما لا یعلم و لا تعلمون. ففعل، ثم رجع إلی رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلم فأخبره الخبر. فقال الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم: أصبت و أحسنت. ثم قام رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلم فاستقبل القبلة قائما شاهرا یدیه حتی إنه لیری ما تحت منکبیه، یقول: اللهم إنی أبرأ إلیک مما صنع خالد بن الولید. ثلاث مرات. و فی زمن أبی بکر هجم خالد علی بنی سلیم الذین لم یقبلوا بخلافة أبی بکر، و جمع رجالهم فی الحضائر و أحرقهم بالنار. و کذلک هجم علی مالک بن نویرة و عشیرته- الذی یعد من الأشراف فی الجاهلیة و الإسلام و کان فارسا و شاعرا. و قد عاشر الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم و أحسن معاشرته و استعمله الرسول لبرهة من الزمن علی
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 168
نویرة «1» و جمعا من قبیلته، قال للسجان: «أدفئوا أسراکم» و کان لیل و بارد، ففهم السجّان من کلام خالد أن اقتلوا القوم؛ لأنّ اللفظ فی عشیرتهم یعنی القتل، فقتلهم فأقرّ خالد أمام عمر بن الخطّاب أنّه لم یرد قتلهم بل تدفئتهم «2».
______________________________
صدقات قومه- بعد أن رفض مالک إعطاء الزکاة لأبی بکر ممّا حدا بخالد أن یقتل مالکا و الکثیر من أصحابه، و زنا بزوجته أم تمیم، و سبی الکثیر من النساء، و نهب الأموال، ثم أمر بحزّ رءوس القتلی لتجعل أثفیة للقدور، فما من رأس إلّا وصلت النار إلی بشرته ما عدا مالکا، فإن القدر نضجت و ما نزح رأسه من کثرة شعره، و قد وقی الشعر البشرة حرها أن یبلغ منه ذلک. و قال عمر بن الخطاب لخالد بعد هذه الفجیعة: قتلت امرأ مسلما ثم نزوت علی امرأته، و اللّه، لأرجمنک بأحجارک. ثم عند ما نکح خالد بن الولید ابنة مجاعة بن مرارة قسرا، کتب إلیه أبو بکر: یا ابن أم خالد، إنک لفارغ، تنکح النساء و بفناء بیتک دم ألف و مائتی رجل من المسلمین لم یجف بعد. للمزید راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید: ج 4 ص 187، الغدیر للأمینی: ج 7 ص 155- 169، الموسوعة الإسلامیة: ج 5 ص 174- 175 للباحث حسن الأمین، الکامل فی التاریخ: ج 2 ص 255، الکنی و الألقاب: ج 1 ص 41، سفینة البحار: ج 2 ص 663.
(1) مالک بن نویرة بن حمزة الیربوعی التمیمی: شاعر و فارس، أسلم هو و أخوه متمّم مع قومه، و کان هو و أخوه عاملین للرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم علی صدقات قومهما. فلما انتقل الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم إلی جوار ربه امتنعا عن إرسال أموال الزکاة إلی ابی بکر، لأنّ العرب و المسلمین من غیر أهل المدینة لم یکن لهم رأی فی انتخاب أبی بکر. فاتهم مالک بالردّة. و واقع الأمر أنّ مالکا بن نویرة و قومه قاموا بعصیان سیاسی، و ترک الطاعة لمن لم یکن أهلا للخلافة بنظرهم. فوجّه أبو بکر جیشا بقیادة خالد بن الولید لقتالهم.
و قتل مالک مع کثیر من قومه و أحرق جسده و زنی خالد بامرأته و أسر کثیر من نسائهم، و کان ذلک سنة 12 ه (634 م). راجع النص و الاجتهاد: ص 136، مجالس المؤمنین للتستری:
ص 53، منتهی المقال للمازندرانی: ج 5 ص 277، شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید: ج 1 ص 179.
(2) جاء فی أسد الغابة: ج 4 ص 295: فلما فرغ خالد من بنی أسد و غطفان، سار إلی مالک و قدم البطاح فلم یجد به أحدا کان مالک قد فرّقهم و نهاهم عن الاجتماع، فلما قدم خالد البطاح بث سرایاه فأتی بمالک بن نویرة و نفر من قومه فاختلفت السریة فیهم، و کان فیهم أبو قتادة و کان فیمن شهد أنهم أذّنوا و أقاموا و صلّوا، فحبسهم فی لیلة باردة، و أمر خالد فنادی: أدفئوا أسراکم- و هی فی لغة کنانة القتل- فقتلوهم. فسمع خالد الواعیة، فخرج و قد قتلوا، فتزوج خالد امرأته، فقال عمر لأبی بکر: سیف خالد
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 169
أقول: هذا نوع من التلاعب فی الألفاظ، لأنّ خالد کان یعرف معنی اللفظ عند السجان.
______________________________
فیه رهق. و أکثر علیه. فقال أبو بکر: تأوّل فأخطأ ... و قدم خالد علی أبی بکر فقال له عمر:
یا عدو اللّه قتلت امرأ مسلما ثم نزوت علی امرأته لأرجمنک. و کذا راجع النص و الاجتهاد:
ص 140.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 170

الأمثال و الأقوال

مسألة: إنّ أمثال «1» السابقین و أقوالهم تروّج فی أوساط المجتمع و تتحوّل إلی شبه قانون، و هذه الأقوال تختزن فی طیاتها القیم و المعارف، و تجمع خبرات
______________________________
(1) الأمثال: جمع مثل، و المثل مأخوذ من المثال، و هو قول سائر یشبّه به حال الثانی بالأول، و الأمثل فیه التشبیه. راجع أمثال القرآن للمبرّد.
و عرفه المرزوقی فی الأمثال العربیة القدیمة: ص 25: جملة- من القول مقتضبة- من أصلها، أو مرسلة بذاتها، فتتسم بالقول و تشتهر بالتداول، فتنقل عمّا وردت فیه، إلی کل ما یصحّ قصده بها، من غیر تغییر یلحقها فی لفظها و عمّا یوجبه الظاهر إلی أشباهه من المعانی، فلذلک تضرب و إن جهلت أسبابها التی خرجت علیها.
و عرّفه الفارابی فی کتابه دیوان الأدب، کما نقل عنه العبدری فی تمثال الأمثال: ج 1 ص 100:
«المثل ما تراضاه العامة و الخاصة فی لفظه و معناه، حتی ابتذلوه فیما بینهم، و فاهوا به فی السرّاء و الضرّاء فلیستدرّوا به الممتنع من الدرّ، و توصّلوا به إلی المطالب القصیّة، و تفرجوا به من الکرب المکربة، و هو من أبلغ الحکمة، لأنّ الناس لا یجتمعون علی ناقص أو مقصّر فی الجودة أو غیر مبالغ فی بلوغ المدی فی النفاسة».
و قال محمد الغروی فی الأمثال النبویة: ج 1 ص 7- 8: یطلق المثل علی معان ثلاثة: 1- اسم واقع علی المثل السائر و هو کلمة موجزة قیلت فی مناسبة تناقلها الأجیال بدون تبدیل 2- لما یقصده البیانیون من مثل قیاسی متشکل من أی وصف أو قصة أو تصویر رائع، لتوضیح فکرة عن طریق تشبیه یسمیه البلاغیون التمثیل المرکب لتقریب أمر معقول من محسوس یجمع بذلک بین عمق الفکرة و جمال التصویر و لم یقصر فیه علی سماع أو نقل 3- مطلق ما یسمی بالمثل سواء فیه المثل السائر، و المثل القیاسی، و المثل الفرضی، المعروف بالرومان و بالخیالیات، التی صنعت للاعتبار و الموعظة، کفرضیات کتاب کلیلة و دمنة.
ثم إنّ الأمثال و تطورها و البحث عن أصولها خلال العصور و الأجیال یحتاج إلی تدوین کتب مطولة، تکشف عن غوامض الأمثال من شأن نزولها و مواطن الحکمة فیها و وجوه الاستعارة و غریب کلماتها و مصطلحاتها و ما أشبه ذلک. و إنّ الأمثال العربیة إمّا جمعت وفق حروف التهجی أو الأوزان الخاصة أو حسب المواضیع- کما فعله الرازی-.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 171
الأمّة و تجارب أبنائها؛ لذا فهی ذات تأثیر کبیر علی الحاضر و علی أجیال الأمّة المستقبلیة. «1»
و کلّما تعلّقت الأمّة بهذه الأقوال و الأمثال کان تأثیرها شدیدا، کأن تحفظ هذه الأمثال و تستشهد بها فی مواطن الاستشهاد، فهی تتحوّل بمرور الزمن إلی قانون للحیاة؛ تختصر کثیرا من العبارات و تختزن کثیرا من القصص.
و لا شکّ أنّ الأمثال تعکس طبیعة المجتمع، فالعرب قبل الإسلام کانوا یقولون: «القتل أنفی للقتل» «2»، و قد جاء القرآن الکریم بعبارة أبلغ و أجمل و أکثر إنسانیة و حضاریة من عبارة العرب فی الجاهلیة و هی: وَ لَکُمْ فِی الْقِصٰاصِ حَیٰاةٌ یٰا أُولِی الْأَلْبٰابِ «3».
و فی الوقت الراهن یقولون: «الدم یغسل الدم»، و هو نظیر: «القتل أنفی للقتل»، و إن کان الاختلاف فی قوّة الألفاظ و سعتها أو عدم قوّتها، فالعبارة القرآنیة فیها من القوّة ما لیس فی الکلمتین الاخیرتین؛ أی أن القصاص یشمل قصاص البدن کلیا بالقتل، أو جزئیا بقطع الید و الرجل أو القصاص بالنسبة إلی المال أو السب أو ما أشبه ذلک، ذلک لأنّ الحیاة فیها ألوف الفنون و المشکلات و الحلول، و الإنسان لا یتمکّن أن یحتفظ بکلّ ذلک عن أدلّتها و خصوصیّاتها، فالحکماء فی کلّ الأمم و الأنبیاء و الأئمّة و المصلحون یطلقون کلمات صغیرة قابلة للحفظ و تختزن الحکمة، و الإنسان یحتاج إلیها بلا تفکّر فی السعة و الضیق و العمق و السطح، ممّا یرهق الذهن إرهاقا کبیرا. و من الواضح أنّ کلا
______________________________
(1) إضافة الی کون الأمثال تذکرة و تبصرة و اعتبار و انتباه للناس و تربیة لهم، فهی تزید فی عقولهم و حصافتهم و تنمّی قواهم الروحیة و الجسمیة.
(2) راجع مجمع الأمثال للمیدانی: ج 1 ص 105 رقم 529، المنجد فی اللغة و الأعلام، قسم فرائد الأدب: ص 1004 حرف القاف.
(3) سورة البقرة: الآیة 179.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 172
من المثال و الشعر و الحکمة و نحو ذلک من هذا القبیل.
نعم، قد یکون المثال دائمیا؛ حیث أخذ من الکثرة، و قد لا یکون دائمیا؛ حیث أخذ من طرف خاص، زمانا أو مکانا أو شعبا، فقول أمیر المؤمنین علیه السّلام: (کلمة حقّ یراد بها باطل) «1»، تحوّلت إلی شعار لکل من یحاول أن یظهر بمظهر الإخلاص لکن قلبه یحمل نوایا معاکسة، و هو مثال لا یعرف حدود الزمان و المکان، لکن «نبح الکلاب» «2»؛ للدلالة علی الاستعداد لإکرام الضیف مرتبط بظرف زمانی، کان فیه الکلب هو کل شی‌ء فی البادیة، أما الیوم فمع تطوّر الحیاة فی المدن لم تعد هذه العادة جاریة إلّا اللهم فی بعض الأریاف و القری. فالأمثال ذات قیمة أساسیة فی بناء الرأی العام، و هی تجعل المجتمع فی حالة تأهب و تضعه فی مجال التطبیق العملی، فکلام رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم: (ردّ الحجر من حیث أتی) «3»، تحوّل إلی مثل و أصبح المثل قانونا حیاتیا جعل المسلمین دائما فی حالة استعداد کامل لمواجهة الخطر و الرد علی الکیل بکیل مواز له، و من المعلوم أنّ الأمثال و الحکم المتبعة تجری فیها قوانین المنطق و أشکاله الأربعة و صناعاته الخمس؛ إذ هناک تعارض و تفاوت، و هناک تزاحم، و هناک عموم مطلق، و هناک عموم من وجه، و هناک تباین، کما و أنّ
______________________________
(1) قالها الإمام علی علیه السّلام فی بعض خطبه فی الکوفة و فی وقعة صفین لما رفع أهل الشام المصاحف علی الرماح و لما سمع اعتراض الخوارج قائلین: «لا حکم إلّا للّه». راجع: دعائم الإسلام: ج 1 ص 393، المناقب: ج 3 ص 188، فقه القرآن: ج 1 ص 375، وقعة صفین:
ص 489، نهج البلاغة: ص 82 باب الخطب الخطبة الرابعة، و ص 504، قصار الحکم، الحکمة 198، خصائص الأئمة: ص 113.
(2) راجع المنجد فی اللغة و الأعلام، قسم فرائد الأدب: ص 1009 حرف النون.
(3) قال الإمام علی علیه السّلام: (ردّ الحجر من حیث جاءک، فإنه لا یرد الشر إلّا بالشر). غرر الحکم و درر الکلم: ص 334 القسم الأول ب 1 الفصل الثانی ح 7695. جاء فی المنجد فی اللغة و الأعلام، قسم فرائد الأدب: ص 988 حرف الراء: «ردّ الحجر من حیث جاءک».
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 173
المحتویات فیها البرهان، و فیها الشعر و الخطابة و السفسطة و الجدل و ما أشبه ذلک، و کما أنّ القانون و إن وضع علی ید جهابذة العلم و الفن، فإنه بحاجة إلی التفسیر و التأویل و الجمع و الطرح و ما أشبه ذلک، و کذلک حال الأمثال و الحکم و نحوهما، فلیس هذا من نقائص الأمثال بشی‌ء حتی یقال للأمثال: «لیست مستحکمة»؛ لما فیها من هذا النقص و إلّا قیل لمثل ذلک فی القانون و نحوه.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 174

الشعار و الرأی العام

مسألة: إنّ الشعارات «1» قد تکون إیجابیة و قد تکون سلبیة، و مثال الأول «جوّع کلبک یتبعک» «2»، و مثال الثانی «أیّهما أقدم الدجاجة أم البیضة؟»، و کما یجری هذا الأمر فی الشعار یجری فی الحکمة و المثل و الشعر و نحو ذلک.
و الشعار شائع منذ القدم إلی الیوم، و لهذا اتّخذه رجال الدعایة و الأعمال التجاریة و الجماعات الریاضیة و المنظمات الدینیة أو الاجتماعیة و المصلحون و ما أشبه ذلک وسیلة للإغراء نحو شی‌ء خاص یقصدونه، و لا فرق بین أن یکون متّخذ الشعار محقّا أو مبطلا، و قد رأیت فی زماننا فی أیّام الشیوعیین و البعثیین فی العراق أنّ شعارهم فی قمع المعارضة هو الحبال بمعنی شنقهم.
و ذلک یرمز إلی شی‌ء یهدف إلیه من الأهداف الشیوعیة أو البعثیة، و کان شعار النساء الشیوعیات «بعد شهر ماکو مهر»؛ إشارة إلی بطلان العقد و النکاح حین تسلّط الشیوعیون أیّام عبد الکریم قاسم «3»، و قد یکون مطلق الشعار انتهازیا
______________________________
(1) الشعارات جمع شعار، و الشعار مأخوذ من الشعر، و هو فی الأصل اللباس الذی یلبس تحت الألبسة؛ حیث یکون ملاصقا للجلد، فیقال: الشعار بالنسبة إلی شی‌ء یراد به أنّه ملاصق بجلد الشی‌ء المقصود.
(2) و ضد هذا الشعار: سمن کلبک یأکلک. راجع العقد الفرید: ج 3 ص 117.
(3) عبد الکریم قاسم: ولد فی بغداد سنة 1332 ه (1914 م)، التحق بکلیة الأرکان سنة 1940 م، تسلم الحکم فی العراق سنة 1377 ه (1958 م) بعد أن أطاح بالنظام الملکی، و أعلن النظام الجمهوری، و شکل مجلس السیادة لإدارة البلاد، استمر فی الحکم لسنة 1382 ه (1963 م)، و أعدم إثر تعرضه لانقلاب عسکری؛ قاده عبد السلام عارف، فی 8 شباط 1963 م. و من طرائف حکمه أنه اختار الیوم الأول من شهر تموز- و شهر تموز هو الشهر
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 175
یرید تحقیق شی‌ء ما، مثل شعارات المرأة الداعیة لإطلاق حریتها، حیث أرادوا منها أن تخرج من البیت کما فعلوا بها فی البلاد الغربیة و الشرقیة، ثم إنّ الشعار قد یکون فی مقابل شی‌ء، و قد یکون فی الأصل و الابتداء مثل شعار:
«الله أکبر»، و هو أوّل شعار کان للمسلمین ابتدائیا لا فی قبال شی‌ء.
و هناک شعارات علّمها رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم للمسلمین فی حرب أحد، التی حدثت فی السنة الثالثة للهجرة، فکان شعار المقابل «اعل هبل، اعل هبل» بعد أن أرکب المشرکون هبل علی جمل، فقال المسلمون: «الله أعلی و أجل»، کما أنّ الکفّار أرکبوا العزّی علی جمل و جعلوا یطوفون حوله قائلین:
«لنا العزّی و لا عزّی لکم». فقال المسلمون بناء علی توجیه الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم: (الله مولانا و لا مولی لکم) «1».
و میزة شعارات المسلمین أنّها أبدیة؛ لأنّها قائمة علی مبادئ راسخة و ثابتة،
______________________________
الذی تسلم فیه الحکم- لجمیع العراقیین الذین کانوا یجهلون تواریخ موالیدهم.
(1) رفع هذا الشعار أبو سفیان عند ما انصرف من غزوة أحد التی حدثت فی شهر شوال سنة 3 ه، و قد أشرف علی الجبل ثم صرخ بأعلی صوته: انعمت فعالا، إنّ الأیام دول، و ان الحرب سجال، یوم بیوم بدر. فقال الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم الا تجیبونه؟ قالوا: یا رسول اللّه ما نقول؟ قال: قولوا: قتلانا فی الجنة و قتلاکم فی النار. فقال أبو سفیان: لنا العزّی و لا عزی لکم. فقال الرسول الأکرم: ألا تجیبونه. قالوا: یا رسول اللّه ما نقول؟ قال قولوا: اللّه مولانا و لا مولی لکم. فقال ابو سفیان اعل هبل. فقال الرسول: ألا تجیبونه؟
قالوا: اللّه اعلی و أجلّ. راجع مجمع الأمثال للمیدانی: ج 1 ص 214 رقم 1148، شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید: ج 15 ص 31، الاحتجاج: ج 1 ص 274، بحار الانوار: ج 20 ص 23 ب 12.
و لا یخفی: کان للکفار ثلاثة إلهات متمیزة هی: اللات و العزی و مناة، و کان کل واحد منها لمصر من الأمصار، فاللات: لأهل الطائف، و العزی: لأهل مکة، و مناة: لأهل المدینة. و أن هبل عند العرب هو إله الحظ، و هو عبارة عن صنم من عقیق أحمر علی صورة إنسان مکسور الید الیمنی، ادرکته قریش فجعلت له یدا من ذهب، و کان الکفار یقدّمون له القرابین و یستخیرونه فی أمورهم و أعمالهم بالقرعة.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 176
بینما شعارات الکفّار شعارات وقتیة و خاصّة بمرحلة الکفر؛ لأنّها متعلّقة بمن یؤمن بهبل و العزی و قد تحطمتا علی أیدی المسلمین فی فتح مکّة.
و الشعار الناجح هو الشعار الذی یتّصف بقلّة الألفاظ و باحتوائه علی معنی کبیر، و لذا قال العلماء المتخصّصون فی هذا الموضوع: «یجب أن یکون الشعار بسیطا بحیث یمکن فهمه، سهلا بحیث یمکن تذکره، و ممتعا فی تکراره، و لما کان نجاح الشعار یعتمد علی تردیده إلی حد کبیر، فمن الواجب أن تتوفّر فیه مواصفات الإیجاز و الذکاء و الأصالة»، و قد ابتکر فی علم الحدیث شعار الشکل عوض شعار اللفظ، مثل أن یجعل من یبیع المقص مقصا من الحدید فوق محل بیعه کما یجعل بائع الببغاوات طائر الببغاء داخل القفص أمام المحل.
و قد یوضع شعار فی قبال شعار آخر؛ لأنّ الشعارات أیضا تتعارض و تتنافی، کما أنّها أحیانا تتلاءم و تتوافق.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 177

التنابز بالألقاب

مسألة: من مکوّنات الرأی العام التنابز بالألقاب و الألفاظ الحقیرة و التشهیر و الهمز «1» و اللّمز «2» و ما أشبه ذلک، ثم إنّ کیفیة تأثیر التنابز بالألقاب غیر کیفیة تأثیر السحر «3»، لأنّ للسحر ألفاظا خاصّة و نفسیات تکمن وراءها، تؤثّر فی
______________________________
(1) الهمزة: الذی یخلف الناس من ورائهم و یأکل لحومهم و الذی یهمز أخاه فی قفاه من خلفه.
الهمز: الغمز و الوقیعة فی الناس و ذکر عیوبهم. و الهمّاز من یغمز أخاه فی قفاه من خلفه بعیب. همز رأسه یهمزه همزا .. غمزه. راجع: مجمع البحرین: ج 4 ص 41، کتاب العین: ج 4 ص 17، لسان العرب: ج 5 ص 426. و جاء فی إحیاء علوم الدین للغزالی: ج 3 ص 135، الهمزة:
الطّعان فی الناس.
(2) اللّمزة: رجل لمزة: یعیبک فی وجهک لا من خلفک. و فی مجمع البحرین: ج 4 ص 34 أن الهمزة هو الذی یعیبک بوجهک. و اللّمزة الذی یعیبک بالغیب. و قیل اللمزة ما یکون باللسان و العین و الإشارة. و الهمز لا یکون إلّا بلسان. اللّمز الکلام الخفی، اللّمز کالغمز فی الوجه تلمزه بفیک بکلام خفی. رجل لمزة: یعیبک فی وجهک لا من خلفک. راجع: کتاب العین: ج 7 ص 372، لسان العرب: ج 5 ص 406، و جاء فی إحیاء علوم الدین للغزالی: ج 3 ص 135، اللّمزة: الذی یأکل لحوم الناس.
(3) السّحر، لغة: ما لطف مأخذه و دقّ أو صرف الشی‌ء عن وجهه أو الخداع أو اخراج الباطل بصورة الحق.
و فی اصطلاح الشرع: 1- کل أمر یخفی سببه و یخیّل علی غیر حقیقته و یجری مجری التمویه و الخداع.
2- عبارة عن کلام أو کتابة أو رقیة أو عقد أو أقسام أو عزائم أو تدخین أو تصویر أو نفث أو عمل شی‌ء یؤثّر فی بدن أو قلب أو عقل المسحور لأجل الإضرار به.
3- ملکة نفسانیة یقتدر بها علی أفعال غریبة بأسباب خفیة.
و السحر حرام فی الجملة خاصة إذا أدی إلی انحراف المسلمین فی عقائدهم أو إهانة مقدساتهم أو الإضرار بأنفسهم أو إبطال الحق و إحقاق الباطل أو الإیقاع فی
________________________________________
شیرازی، سید محمد حسینی، الفقه، الرأی العام و الإعلام، در یک جلد، مؤسسة الوعی الإسلامی - دار العلوم، بیروت - لبنان، اول، 1427 ه ق

الفقه، الرأی العام و الإعلام؛ ص: 178
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 178
ذلک الطرف، و لذا قال رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم: (إنّ العین حق) «1»؛ و إنّها (تنزل البعیر القدر و الرّجل القبر) «2»، أمّا توهّم أنّ السحر و السخریة و التنابز بالألقاب بمنزلة واحدة و من منبع واحد فهو غیر تام، فللنفس و الریاضة البدنیة و النفسیة تأثیر یعطی أمورا سحریة أو أمورا خارقة، بینما الاستهزاء و التحقیر و التشهیر و ما أشبه ذلک من قبیل الألفاظ و الإشارات و اللغة فلا یرتبط أحدها بالآخر.
و إنّما یکون الهمز و اللمز و الاستهزاء من خلفیات الرأی العام؛ لأنّ الرأی العام یتجنّب ما یجتنبه المجتمع، و ذلک ممنوع شرعا إلّا فی المواضع
______________________________
الأثم و العصیان.
قال الشهید الثانی: السحر هو کلام أو کتابة أو رقیة أو أقسام و عزائم و نحوها یحدث بسببها ضرر علی الغیر. و منه عقد الرجل عن زوجته بحیث لا یقدر علی وطیها و إلقاء البغضاء بینهما، و منه استخدام الملائکة و الجن و استنزال الشیاطین فی کشف الغائبات و علاج المصاب و استحضارهم و تلبسهم ببدن صبی أو امرأة و کشف الغائب علی لسانه.
فتعلّم ذلک و أشباهه و عمله و تعلیمه کلّه حرام و التکسب به سحت و یقتل مستحلّه، و لو تعلّمه لیتوقی به أو لیدفع به المتنبی بالسحر فالظاهر جوازه و ربما وجب علی الکفایة کما هو خیره الدروس. للتفصیل راجع: بحار الأنوار: ج 60 ص 31 ب 1.
و إن السحر یختلف عند الشعوب و الأمم فمثلا عند الهنود یتم عبر تصفیة النفس، و عند الیونان تسخیر الروحانیات و الأفلاک و الکواکب، و عند المصرین القدماء عمل أشیاء و الرقیة و الدخنة بعزیمة و التماثیل و النقوش، و عند الیهود و العرب الاعتماد علی ذکر أسماء مجهولة المعانی کأنها أقسام عزائم بترتیب خاص یخاطبون بها حاضرا.
(1) غوالی اللآلی: ج 1 ص 169 ح 188، و ورد فی نهج الفصاحة: ج 2 ص 704 (العین حقّ و لو کان شی‌ء سابق القدر سبقته العین)، و ورد عن الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم: (إن العین حق و أنها تدخل الجمل و الثور التنور) بحار الأنوار: ج 60 ص 17 ب 1 ح 3. و ورد عنه أیضا: (إن العین حق تستنزل الحالق) بحار الأنوار: ج 60 ص 6 ب 1.
(2) ورد فی نهج الفصاحة: ج 2 ص 705 و جامع الأخبار: ص 157 الفصل 149 و کنز العمال:
ج 6 ص 744 ح 17600 الحدیث التالی: (إنّ العین لتدخل الرّجل القبر و تدخل الجمل القدر). و شبیهه فی مکارم الأخلاق: ص 386 ب 11 الفصل الثانی.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 179
الصحیحة مثل استحقاق المشهّر به؛ کأن یکون دیکتاتورا مستبدا أو فاعلا للمحرمات الفاحشة أو ما أشبه ذلک. أو یکون مردّ الاعتداء بالاعتداء فی موازینه العقلیة و الشرعیة لا صورة له، کأن یفعل مجرم بزوجة رجل آخر فیفعل المفعول به ذلک بزوجة المجرم أو ما أشبه ذلک کما ذکرنا تفصیله فی کتاب «القواعد الفقهیة»، و غالبا ما یکون التنابز بالألقاب بین نفرین عدوین أو طائفتین أو قطاعین من الجماعات السیاسیة أو الاجتماعیة أو الاقتصادیة.
کما أنّ الغالب أن یکون التنابز بین المدینة و الریف، و بین الذکور و الإناث، و بین الزوجین أحدهما بالنسبة إلی الآخر، و کذا الجارین و الزمیلین و ما أشبه ذلک. لکن ذلک أیضا خلاف الآداب و الأخلاق و الموازین الإنسانیة و الشرعیة، قال سبحانه و تعالی: وَ لٰا تَنٰابَزُوا بِالْأَلْقٰابِ «1».
ثم إنّ من یقذف الآخرین بما لا یستحقّ یردّ بمثل ذلک، کما ورد منذ أربعة آلاف سنة (کما تدین تدان) «2».
و قد قیل:
کما یدین الفتی یوما یدان به من یزرع الثوم لم یحصده ریحانا «3»
______________________________
(1) سورة الحجرات: الآیة 11.
(2) الکافی (أصول): ج 2 ص 138 ح 4، من لا یحضره الفقیه: ج 4 ص 21 ح 4981 و ص 21 ح 4986، وسائل الشیعة: ج 16 ص 39 ب 21 ح 15584، غوالی اللآلی: ج 3 ص 546 ح 5، المحاسن: ج 2 ص 601 ب 3 ح 16. کما تدین تدان معناه کما تفعل یفعل بک و کما تجازی تجازی. التوحید:
ص 216، قصص الراوندی: ص 162 ب 8 ح 182. و عن هذا المثل راجع مجمع الأمثال للمیدانی: ج 2 ص 155 رقم 3093، جمهرة الأمثال لأبی هلال العسکری: ج 2 ص 168 رقم 1460، تمثال الأمثال للعبدری: ج 2 ص 528، الأمثال النبویة للغروی: ج 2 ص 53.
(3) و البیت من البحر البسیط.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 180
و قد قال عیسی علیه السّلام: (أحبوا أعداءکم) «1»، قال المفسّرون: إنّه أراد خیرکم أوّلا و خیر عدوّکم ثانیا؛ لأنّک إذا أحببت عدوّک فسیکون ذلک سببا لأن یحبّک عدوّک أیضا و فی ذلک لک راحة فکریة و عملیة. و قد أشیع هذا الوصف فی الجاهلیة، فقال شاعرهم:
و لو أنّ برغوثا علی ظهر قملة یکرّ علی صفّی تمیم لولّت «2»
و الحاصل: أنّ الرأی العام یکون من ورائه التشهیر و التنابز بالألقاب، و قد یسمّی أیضا بالتوریة، إذا کان یقول شیئا و یرید شیئا آخر، کما قیل:
لا یجتنی الجانی من الشوک العنب و لا من الحنظل یجتنی الرّطب «3»
______________________________
(1) شرح نهج البلاغة لابن ابی الحدید: ج 10 ص 159، تاریخ الیعقوبی: ج 1 ص 70.
(2) و هو البیت 46 من قصیدة عدد أبیاتها 53 بیتا من البحر الطویل. مطلعها:
ألا إنّ سلمی عن هوانا تسلت و بتت قوی ما بیننا و أدلّت
و هی قصیدة للشاعر الطّرمّاح بن حکیم، الذی ولد فی الشام و نشأ فیها و انتقل إلی الکوفة مع جیوش أهل الشام عند ما دخلتها و أصبح معلّما فیها. و یعد من أعوان الأمویین و علی الخصوص الطاغیة خالد القسری. توفی الطّرمّاح سنة 125 ه (743 م). راجع: تاریخ الأدب العربی لحنّا فاخوری: ص 306، تاریخ آداب اللغة العربیة لجرجی زیدان: ج 1 ص 263، تاریخ الأدب العربی لکارل بروکلمان: ج 1 ص 244، الشعر و الشعراء لابن قتیبة:
ص 371.
(3) و البیت من البحر الرجز، و الشطر الأول مأخوذ من المثل العربی لأکثم بن الصیفی بن رباح التمیمی المتوفی سنة 9 ه: إنک لا تجنی من الشّوک العنب. أی انک لا تجد عند ذی المنبت السوء جمیلا. و قیل بمعنی اذا ظلمت فالحذر الانتصار، فان الظلم لا یکسبک خیرا إلا مثل فعلک، قال الشاعر:
إذا وترت امرأ فاحذر عداوته من یزرع الشوک لا یحصد به عنبا
راجع مجمع الامثال للمیدانی: ج 1 ص 52 رقم 209 و جمهرة الامثال لابی هلال العسکری:
ج 1 ص 105 رقم 93.
و قال الشاعر صالح بن عبد القدّوس فی دیوانه ص 136 من البحر البسیط:
إذا ظلمت امرأ فاحذر عداوته من یزرع الشوک لا یحصد به العنبا
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 181
و یحتاج ذلک إلی ضبط أعصاب قویّة حتّی یتمکّن من عدم الانسیاق وراء المیول و الغضب و الحقد و نحو ذلک، قال الصادق علیه السّلام: (و إن عیّرک بما لیس فیک فلا تعیّره بما فیه) «1».
______________________________
راجع الأمثال و الحکم لمحمد الرازی: ص 73 الرقم 256.
(1) ورد عن الإمام الصادق علیه السّلام: (إذا وقع بینک و بین أخیک هنّة فلا تعیّره بذنب) الاختصاص:
ص 229. و ورد عن الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم: (إن عیّرک أخوک المسلم بما یعلم فیک فلا تعیّره بما تعلم فیه یکون لک أجرا و علیه إثم. اسمع الخیر تؤجر) مجموعة ورام: ج 2 ص 155.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 182

التغییر فی شکل الکلمات

مسألة: إنّ التغییر الذی یحدث فی شکل الکلمات و الجمل سواء کان هذا التغییر واقعیا أو غیر واقعی فإنّه یؤثّر بالرأی العام فی کثیر من الأحیان. فإنّ التغییر قد یحصل بسبب تغییر أحسن مثل تبدیل کلمة المیت بالراحل، أو کلمة الملک بخادم الأمّة، و ما أشبه ذلک، أو من جهة أنّ الناس قد ترکوا تلک الکلمات و أظهروا البراءة منها کما غیّر عبد الکریم قاسم فی العراق کلمة الفخامة و السعادة و ما أشبه ذلک إلی کلمة السیادة. و قال شاعرهم فی هذا الصدد:
مشت السیادة فی البلاد فطوّحت بفضیلة و فخامة و معالی «1»
و التغییر علی قسمین: تغییر الحقیقة کتغییر الملوکیة إلی الشعبیة، أو تغییر اللفظ، و لذا قال أحد العلماء المرتبطین بالرأی «2»: «حین تصل الجماهیر نتیجة انقلابات سیاسیة أو تغیرات فی العقیدة إلی کراهیة فطریة للصور التی تدلّ علیها ألفاظ معیّنة، فإنّ من أوّل واجبات السیاسی الصادق أن یغیّر الألفاظ دون أن یمسّ الأشیاء نفسها بطبیعة الحال».
أقول: و لذلک إذا کره الناس الملک و تمرّدوا علیه فیجب أن لا یدعوهم إلی سماع «خطبة الملک» و إنّما یدعوهم إلی سماع «خطبة الزعیم الشعبی» أو ما
______________________________
(1) و البیت من البحر الکامل.
(2) و هو العالم لیبون.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 183
أشبه ذلک، بل قد یغیّر الملک نفسه هذا اللفظ بلفظ آخر محبّب إلی قلوب الجماهیر.
و فی زماننا غیّر أحد الملوک لفظ الملک إلی لفظ الشریف طمعا فی تبوّؤ مکان آبائه الذین کانوا یسمون بالشرفاء، فالحقیقة هی الحقیقة إلّا أنّ اللفظ تغیّر، و قد یکون تغیّر اللفظ من جهة تغیر المسمّی و المحتوی، فقد سمّی ملک إیران- محمد رضا «1»- نفسه بملک الملوک؛ لأنّه إمبراطور ینفذ أوامره جملة من الملوک و یسیطر علی جملة من الممالک، و لما تقلصت الإمبراطوریة الإیرانیة نتیجة الاحتلال المتکرّر اضطر شاه إیران إلی تسمیة نفسه بالملک، بدلا من ملک الملوک.
______________________________
(1) محمد رضا شاه: من ملوک إیران فی القرن العشرین، عینه الإنجلیز بعد أن خلعوا والده سنة 1359 ه (1941 م)، ولد سنة 1337 ه (1919 م)، و تسلم الحکم فی إیران سنة 1359 ه (1941 م). اعتمدت سیاسته علی خرق تعالیم الإسلام و تفشی الانحلال الأخلاقی و القتل و السلب فقد قتل فی عهده أکثر من سبعین ألف شخص کما أسند المناصب الحساسة للمقربین إلیه من بعض الأقلیات الدینیة و القومیة، کالیهود و الأرمن و البهائیین.
و نتیجة لسیاسته الاقتصادیة الخاطئة تفاقمت البطالة و أزمة السکن و الهجرة من الریف إلی المدن، و حولت سیاسته الزراعیة الخاطئة إیران من بلد مصدر للمحاصیل الزراعیة إلی بلد مستورد لمعظم المحاصیل الزراعیة. عارض تأمیم النفط الذی أقدم علیه مصدّق فی الخمسینیات، و أطیح به سنة 1399 ه (1979 م)، و مات فی المنفی سنة 1400 ه (1980 م)، و دفن فی مصر.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 184

الرأی العام فی الحرب و السّلم

مسألة: ینبغی ملاحظة الرأی العام فی الحرب و السلم، فلا شکّ أنّ السلاح وضع لأجل ردّ العدوان سواء کان اعتداء أمّة علی أمّة، أو اعتداء حاکم علی أمّته، أو اعتداء فرد علی فرد کاللص علی المال، أو اعتداء القاتل علی المقتول، أو المختطف علی المختطف، أمّا استعمال السلاح للأطماع و المآرب الجسدیة کالاستعلاء أو سلب المال أو انتهاک العرض أو إراقة الدماء أو سیطرة الاستعمار علی الآخرین؛ فالسلاح لم یوضع لأجل ذلک و إنّما هی شهوات نفسیة و أهواء و میول معتدیة، تکون سببا لذلک، و حیث أنّ السلاح وضع لما ذکرناه، فاللازم أن یقدّر بقدر محدود، و هو أقلّ قدر ممکن کحالة الاضطرار، فإنّ الضرورات تقدّر بقدرها، و قد یکون هناک کلّ واحد من الطرفین یتصوّر نفسه مخلصا و أنّه معتدی علیه و أنّه یجب أن یشهر السلاح علی المعتدی، فهنا یجب أن یتولّی قضاة عدول أمر الفصل بینهما، هل الحقّ مع هذا أو مع ذلک؟ کما قال سبحانه و تعالی: وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَیْنَهُمٰا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدٰاهُمٰا عَلَی الْأُخْریٰ فَقٰاتِلُوا الَّتِی تَبْغِی حَتّٰی تَفِی‌ءَ إِلیٰ أَمْرِ اللّٰهِ «1»، لکن البشر کما قالت الملائکة نتیجة علم أو سابق خبر أَ تَجْعَلُ فِیهٰا مَنْ یُفْسِدُ فِیهٰا وَ یَسْفِکُ الدِّمٰاءَ «2»، و من الطبیعة البشریة سفک الدماء؛ حتّی أنّ المتنبی
______________________________
(1) سورة الحجرات: الآیة 9.
(2) سورة البقرة: الآیة 30.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 185
قال بیتا شعریا:
و الظّلم من شیم النّفوس فإن تجد ذا عفّة فلعلّة لا یظلم «1»
و فی تحلیل لأحد علماء الغرب، وجد أن تاریخ البشر من قبل میلاد عیسی ابن مریم علیه السّلام بخمسة عشر قرنا و حتّی الیوم، و هی دورة زمنیة طولها ثلاثة آلاف و أربعمائة سنة، لم ینعم العالم فیها بالسلام إلّا مائتین و أربعا و ثلاثین سنة، و تعاقبت خلال الفترة أمم کثیرة، واحدة بعد أخری، فی تشابه مملّ من
______________________________
(1) للشاعر أبی الطیب، أحمد بن الحسین بن الحسن بن عبد الصمد الجعفیّ المشهور بالمتنبی، ولد فی الکوفة سنة 303 ه (915 م)، هرب من الکوفة من جرائم القرامطة سنة 312 ه (925 م) إلی بادیة السماوة ثم إلی الشام، و جال فی أقطاره، و جالس ابن السّراج و الأخفش الأصغر و ابن درید و أبا علی الفارسی و أخذ عنهم، و اشتغل بفنون الأدب، وفد علی سیف الدولة أبی الحسن بن حمدان حاکم حلب سنة 337 ه، و کان سیف الدولة محبا للأدب و عارفا بالأشعار، فحظی عنده بوجاهة کبیرة، و صار شاعره و صدیقه و عاش معه تسع سنوات. ثم انتقل إلی مصر فمدح حاکمها کافور الإخشیدی ثم هجاه. و عرف المتنبی بقوة الذاکرة و شدة النباهة و الذکاء و الجدّ فی النظر إلی الحیاة.
و البیت المذکور یعدّ الثالث عشر من قصیدة عدد أبیاتها 36 بیتا من البحر الکامل، و مطلعها:
لهوی النّفوس سریرة لا تعلم عرضا نظرت و خلت أنی أسلم
و للمتنبی دیوان شعری یحتوی علی 5490 بیت شعری، کما أحصاه علی بن أحمد الواحدی، و قد شرح أکثر من أربعین شرحا، منهم: أبو العلاء المعری و الواحدی و الیرقوقی و العکبریّ و الیازجی، و له کتاب الأمثال السائرة و الحکم البالغة و المعانی المبتکرة. قتل سنة 354 ه (965 م) راجع شرح دیوان المتنبی: ج 2 ص 383 للمؤلف عبد الرحمن أبو قوتی، الأمثال و الحکم لمحمد بن أبی بکر الرازی: ص 47، محاضرات الأدباء لأبی القاسم حسین الراغب الأصبهانی: ج 1 ص 221، الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة: ج 7 ص 3137، وفیات الأعیان:
ج 1 ص 120، تاریخ الأدب العربی لحنّا فاخوری: ص 594، أدباء العرب: ج 2 ص 309، روضات الجنات: ج 1 ص 121، تاریخ الأدب العربی لکارل بروکلمان: ج 2 ص 81، تاریخ بغداد: ج 4 ص 102، شذرات الذهب: ج 3 ص 13، خزانة الادب للبغدادی: ج 1 ص 382، کشکول البحرانی: ج 1 ص 270، الکنی و الألقاب: ج 3 ص 139، تأسیس الشیعة لعلوم الإسلام: ص 218، مرآة الجنان: ج 2 ص 351، الأعلام للزرکلی: ج 1 ص 110.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 186
حیث قیامها و انحرافها و سقوطها، فکل منها أقامها مهندسون کانوا قادة، و بناءون کانوا جنودا، و من أحجار کانت أنقاض دول انهارت، و کانت سنون عظمتها تنطلق من قوّتها العسکریة الفائقة، و علی التوسّع المترتّب علیها.
أقول: لکن ما ذکره هذا العالم من استثناء مائتین و أربع و ثلاثین سنة، أیضا مشکوک فیه؛ لأنّ التاریخ لیس دقیقا، کما أنّ الاکتشافات لیست کما ینبغی حتی توجب قطع الإنسان بالاستثناء المذکور، و الغریب أنّ الکثیر یدّعون حبّهم للسلام لکنّهم یستعدّون للحرب لا الدفاعیة بل الهجومیة و الانتقامیة، حتّی أن الأمریکیین یدّعون أنّهم محبّو السلام، و مع ذلک یقول الرئیس الأمریکی الأسبق روزفلت «1»- بعد أن تحدّث عن الحروب الأوربیة المتتابعة- علّق علیها ساخرا بقوله: «إنّا لا نغالی فی مدیح أنفسنا، أ لیس کذلک؟، لقد کانت هناک الثورة أی ما سمّی بالحرب مع فرنسا فی سنة ألف و ثمانمائة، و حرب سنة ألف و ثمانمائة و اثنی عشر، و الحرب المکسیکیة سنة ألف و ثمانمائة و ثمان و أربعین، و الحرب بین الولایات المتّحدة فی سنة ألف و ثمانمائة و ستین، و ما بعدها، و الحرب الإسبانیة- الأمریکیة سنة ألف و ثمانمائة و ثمان و تسعین، ثمّ الحرب العالمیة سنة ألف و تسعمائة و سبعة عشر، حقّا إنّنا شعب محب جدّا للسلام، ألسنا کذلک؟» «2».
أقول: و غرضنا من هذا البحث لیس البحث فی صلب الحرب و السلام و إنّما موضوع الرأی العام، فالرأی العام هو الذی یهیّئ للحرب، کما و أنّ الحرب تهیّئ الرأی العام أیضا، ففی الدول الدیمقراطیة إذا لم یکن رأی عام لا یقدمون
______________________________
(1) فرانکلین روزفلت، حکم الولایات المتحدة الأمریکیة فی الفترة 1933- 1945 م.
(2) راجع کتاب الرأی العام و تأثره بالإعلام و الدعایة الکتاب الأول: ص 239 للدکتور محمد عبد القادر حاتم.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 187
علی الحرب، أمّا فی الدول الدیکتاتوریة، فإنّ الحرب إنّما تکون بسبب إرادة سیّد، و الأتباع عبید له، و هذا ممّا یکوّن الرأی العام أیضا؛ إذ الرأی العام قد یکون بسبب رأی کلّ فرد فرد، و قد یکون بسبب رأی تابع لرأی جماعة خاصّة من الناس، کما أنّه إذا وقعت الحرب کوّنت الرأی العام أیضا فی المسار الذی تریده الحرب و فی الهدف الذی تختاره.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 188

السّلام و الرأی العام

اشارة

مسألة: یلزم مراعاة السلام مع الجمیع، شعوبا و معارضة و أعداء و دولا و حکومات و طوائف و أدیانا، و فی جمیع الأبعاد، لأنّ السّلام هو الأصل الأوّل فی الطبیعة البشریة، فکلّ إنسان بفطرته یرید السّلام لنفسه و لذویه، و هناک قلّة ممن یریدون الحرب من أجل جلب أکبر قدر من النفع و دفع أکبر قدر من الضرر، فالحرب طبیعة ثانیة فی الإنسان، و یدلّ علی ذلک رغبة أکثریة الناس فی السّلام، سواء کانت الرغبة عالمیة أو دولیة أو فردیة، فالأصل هو الأساس، و الاستثناء هو الفرع، و بهذا ظهر أنّ طبیعة الإنسان هی السّلام، و لذا نری أن الکلّ یسعی إلی السّلام و یمنع بعض منافعه الظاهریة أو بعض منافعه الواقعیة أن تکون فی الحرب.
و الأدیان السماویة جمیعها تدعو إلی السّلام، أمّا زعم الیهود أنّ الله هو «إله الحرب و إله السّلام» ضمن عباراتهم الظاهریة؛ فهو لیس أکثر من زعم و افتراء، کما أنّ الحکم بالعنف و بالقسوة الموجود فی التوراة من صنع أنفسهم لا من صنع الله سبحانه و تعالی، لأنّهم حرّفوا الکلم عن مواضعه، و لذا فالإسلام یؤکّد علی السّلام، و عیسی علیه السّلام قبل ذلک قال: (و إن لطم أحد خدّک الأیمن فأعطه الأیسر) «1»، و هناک عبارات أخری تؤکد علی السّلام، ففی القرآن الحکیم:
______________________________
(1) روضة الواعظین: ج 2 ص 470، تحف العقول: ص 499، مشکاة الأنوار: ص 174، الأمالی للصدوق: ص 366 المجلس الثامن و الخمسون ح 12.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 189
هُوَ الْمَلِکُ الْقُدُّوسُ السَّلٰامُ «1»، و فی آیة أخری: یٰا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِی السِّلْمِ کَافَّةً وَ لٰا تَتَّبِعُوا خُطُوٰاتِ الشَّیْطٰانِ «2»، فکلّ من لم یدخل فی السلم هو متّبع لخطوات الشیطان. و إنّما کانت خطوات؛ لأنّ الحرب مجموعة خطوات، کلّ خطوة تجلب مأساة، و لذا جی‌ء بلفظ الجمع، نعم لا شکّ فی أنّ بعض الأفراد أو بعض الشعوب یجنح إلی الانتقام و الحرب و نهب الأموال و إکراه الناس، لکنّ ذلک أیضا استثناء کالاستثناءات الأخری فی غالب کلیات الحیاة.
و الرأی العام هو وراء السّلام؛ حیث أنّ کلّ واحد یرید الاحتفاظ بماله و عرضه و دمه و ذویه، فإذا اجتمعت الآراء صار الجمیع مشارکا فی صنع الرأی العام و دافعا إیّاه نحو السّلام، و لذا نشاهد الذین یقعون فی الحروب یتمنّون السّلام، و یبرّرون حروبهم بأنّها حرب تحریر أو حرب مقدّسة، و حتّی الطاغیة هتلر و جماعته النازیون کانوا یبرّرون حروبهم بقولهم: «إنّهم یریدون بقاء التفوّق للدم الأزرق حتّی لا یختلط بغیره من الدماء»، و قد کان کلامهم غطاء لمقاصدهم العدوانیة.
یقول أحد علماء الغرب فی تحلیل هذه القضیة: «إنّ معظم ما یقوم من سوء تفاهم شخصی أو من صراعات دولیة، إنّما ینشأ من أن کل إنسان یصر علی أن یفکر الغیر کما یفکر هو. و من أکثر الکلیشیهات السیکولوجیة الشائعة ضررا، أنّ طبیعة الإنسان واحدة فی کل مکان، فلو کان صحیحا لما کانت هناک إلّا حالات طلاق قلیلة و حالات حروب أقل. و قد یبدو أنّ النصف الأول من هذه العبارة أمر مبالغ فیه، لکن شیئا من التأمل کفیل بتبریره بالنسبة للوقت الحاضر (فی أثناء الحرب العالمیة الثانیة). إنّنا رفضنا فی عناد أن نصدّق أنّ
______________________________
(1) سورة الحشر: الآیة 23.
(2) سورة البقرة: الآیة 208.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 190
الألمان قد أعدّوا برنامجا ثانیا لغزو العالم، و أنّهم شعب مثلنا، و الألمان من الناحیة الأخری، اعتقدوا أنّنا منغمسون فی ملذّاتنا فی الوقت الذی یستعدّون هم فیه للحرب، و أنّه لو کانت لنا طبیعتهم و فلسفتهم لکان هذا الکسل یعنی- التحلّل-، و علی ذلک فإنّهم و اعتقادا منهم بأننا سنظل کسالی إلی الأبد أو ننهار أمام الضربة الأولی، کرّسوا أنفسهم فی یقین و ثقة لحرب عالمیة ثانیة» «1».
أقول: إنّ مقولة الطبیعة البشریة الواحدة فیها کثیر من المغالطات لأننا نشاهد أن حالات الطلاق أقل من النکاح و الحروب أقل من السلم.
و علی أی حال: فالسّلم هو الأصل فی نظر الناس لا فی نظر العدوانیین ذوی الطبیعة الشریرة، فالحرب سواء کانت بین قوم و قوم أو بین بلد و بلد أو بین دولة و دولة إنّما تشبه الحالات المرضیة التی یصاب بها الإنسان «2»، و من هذه الناحیة فإنّه إذا وقعت الحرب کما لاحظنا فی الحرب العالمیة الثانیة، و کما شاهدنا فی حرب الجزائر و حرب فیتنام و ما أشبه ذلک من الحروب نری أن الناس یمیلون نحو السّلم، و ینبذون العنف، و لأجل ذلک علت صیحات
______________________________
(1) راجع کتاب الرأی العام و تأثره بالإعلام و الدعایة: الکتاب الأول: ص 245 للدکتور محمد عبد القادر حاتم.
(2) یری الإمام المؤلف قدس سره لزوم قطع جذور الحرب، و التی هی عبارة عن حرمان الشعوب من حقوقها الناشئة من الاستعمار أو الاستغلال أو الاستبداد فی الحکم أو الاستبداد فی المال او الاستبداد فی العلم. و لا یتم قطع تلک الجذور الّا بمنح الحریات و نشر الوعی السیاسی و الاقتصادی و الاجتماعی و الالتزام بالإعلان العالمی لحقوق الإنسان و بکافة بنوده و قراراته التی لا تتنافی مع الشریعة المحمدیة، إضافة إلی تطبیق العدالة و المساواة و نشر الوعی و التعددیة السیاسیة و الالتزام بالانتخابات الحرة و المؤسسات الدستوریة و نشر ثقافة السلام و أن العنف لیس الوسیلة المثلی لتحقیق المطالب و إنما استخدام الضغوط الإعلامیة و الدبلوماسیة و القوانین العامة و الموازین الدستوریة و إبعاد شرکات الأسلحة عن مصادر القرار فی الدول الکبری و أمثال هذه الأمور.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 191
المصلحین و الحقوقیین من کلّ مکان فی ترک الحرب العالمیة الثانیة و التخفیف منها و إضعاف أطراف الحرب حتّی یبرءوا من حالتهم، و لم تدخل أمریکا فی الحرب العالمیة الثانیة إلّا بعد أن ضربت الیابان قواها العسکریة فی قصّة مشهورة ثمّ دخلت الحرب بقدر لا مطلقا. و کان من عذرهم فی استعمال القنبلة الذریة أنّ استعمالها یوجب قلّة القتلی من عدم استعمالها، و لسنا بصدد أن نقیّم فعلهم من حیث الصحة و الفساد و إنما نحن بصدد القول: أنّ الرأی العام دائما مع السلام سواء قبل الحرب أو أثناء الحرب أو بعد الحرب.

الأمم المتحدة و الرأی العام

و تهیئة السلاح بقدر معین دائما أمر معقول؛ لأنّ السلاح نوع من أنواع الردع، و الأمّة التی لا تستعد للحرب تکون لقمة سائغة للذین استعدوا لها؛ و لذا قال سبحانه و تعالی: وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِبٰاطِ الْخَیْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللّٰهِ وَ عَدُوَّکُمْ «1»، و من الواضح أنّ «الإرهاب» الوارد فی القرآن غیر الحرب «2».
و قد حاولت عصبة الأمم «3»- و التی علی أنقاضها بنیت الأمم المتحدة-
______________________________
(1) سورة الأنفال: الآیة 60.
(2) للمزید من التفصیل راجع الفقه السلم و السلام للمؤلف قدس سره. إصدار دار العلوم بیروت سنة 2005 م.
(3) عصبة الأمم، منظمة دولیة شکلها الحلفاء الذین کسبوا الحرب العالمیة الأولی و هم:
أمریکا و فرنسا و بریطانیا و إیطالیا و الیابان سنة 1920 م بموجب میثاق؛ شکل جزءا من معاهدة فرسای، و التی کانت مهمتها تنظیم الأوضاع الدولیة بعد الحرب، و یتکون برنامج عصبة الأمم من مقدمة و ست و عشرین مادة، أعلن فیها أولا عن أغراض العصبة، و هی:
توثیق التعاون بین الأمم- عبر عقد مؤتمرات إصلاحیة و الاهتمام بالشئون الاقتصادیة و المالیة و الصحة و البیئة و تحسین ظروف العمل و القضاء علی الفقر و البؤس و مقاومة المخدرات- و ضمان السلم و الأمن الدولی. عبر تخفیض التسلیح و الضمان المتبادل و فضّ
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 192
تدعیم الرأی العام استنادا لمیثاقها؛ حیث جاء فیها: «من الطبیعی أن تعتمد عصبة الأمم علی الرأی العام» «1».
فمن هذه الجهة قال بعضهم: إنّ عصبة الأمم بالنسبة لکلّ دولة علی الرغم من اختلاف المقاصد و الأهداف هی حکومة تلک الدولة مسترشدة برأیها العام أو قائدة له.
إنّ من الثمار المفیدة للأمم المتّحدة التی هی إحدی وسائل الاستقرار فی العالم تشکیل محکمة العدل الدولیة. و إن کان لنا ملاحظات علی أداء الأمم المتّحدة حیث وقعت فی أخطاء ذکرناها فی بعض کتبنا ممّا لیس هنا محلّ الکلام حولها مثل قضیّة منح حق النقض- الفیتو- لبعض الحکومات «2».
______________________________
النزاعات بالطرق السلمیة و إجراءات الجزاءات عند المخالفة و الإفصاح عن المعاهدات.
و یتألف أعضاء العصبة من الحلفاء- الذین کسبوا الحرب، و الدول المؤیدة لهم و أعضاء مدعوین من الدول المحایدة التی استشیرت عند مناقشة النصوص و البالغ عددها 13 دولة و دول أخری تنتمی إلیها- لاحقا- بموافقة ثلثی الأعضاء. و تتکون العصبة من ثلاث هیئات:
أ. الجمعیة العامة ب. مجلس و أمانة دائمة. ج. هیئة قضائیة دولیة للفصل بین المنازعات الدولیة القانونیة تعرف بمحکمة العدل الدولیة. و قد ضلت تمارس دورها زهاء ربع قرن لکنها لم توفق لأداء مهامها فتصدع بنیانها و عصفت بها الحرب العالمیة الثانیة. و مما یؤخذ علیها أنها کرّست هیمنة مؤسسیها علی الدول الأخری و غرست فیهم روح التبعیة للغرب، إضافة إلی عدم تحمّل مؤسسیها لمسئولیاتهم و التزاماتهم تجاه الشعوب، و إخفاقها فی المیدان السیاسی و تقاذفتها الأهواء الدولیة المتضاربة، فلم تستطع أن توقف العدوان الإیطالی علی الحبشة سنة 1935 م، و التردد فی اتخاذ المواقف الحازمة إزاء الأحداث الخطیرة، و ضعف الرقابة علی تنفیذ برامج تحدید التسلیح، و قلة أعمالها بالقیاس للجهود التی بذلت لها و تکریسها لنظام الانتداب و هیمنة العقلیة الغربیة و اتباعها لمصالحها الخاصة. راجع موسوعة السیاسة: ج 4 ص 112 د. عبد الوهاب الکیالی، القانون الدولی العام للدکتور علی صادق أبو هیف: ص 605.
(1) للمزید راجع بنود معاهدة عصبة الامم.
(2) و قد أشار المؤلف قدس سره إلی ذلک فی کتابه: الفقه المستقبل.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 193
و من الأدلّة علی دعم الأمم المتحدة للسلام العالمی هو حیلولتها دون استعمال القنبلة الذریة فی النصف الأخیر من القرن العشرین؛ حیث وقعت حروب کثیرة بالوکالة مثل الحرب الباردة و القریبة من الحارة أحیانا بین الاتحاد السوفیتی- السابق- «1» و أمریکا، و الحرب الخفیّة بین بریطانیا و أمریکا، و أحیانا کلاهما یدخل الحرب بالوکالة کالحرب بین العرب و إسرائیل.
و إنّما ذکرنا لفظ العرب؛ لأنّهم حاربوا إسرائیل تحت لواء العروبة، فلم تکن حربا إسلامیة فی مواجهة إسرائیل، و لو کانت حربا دینیة لانتصر المسلمون علی إسرائیل؛ قال سبحانه و تعالی: وَ لٰا تَهِنُوا وَ لٰا تَحْزَنُوا وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ کُنْتُمْ مُؤْمِنِینَ «2»، و قال سبحانه و تعالی: کُلَّمٰا أَوْقَدُوا نٰاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّٰهُ «3».
______________________________
(1) انهار الاتحاد السوفیتی فی کانون الأول سنة 1991 م بعد إعلان سیاسة إعادة البناء- البرسترویکا- التی أعلنها میخائیل غورباتشوف بعد أن تولی إدارة الحزب الشیوعی و سعی إلی تجدید أطره و کوادره عبر إصلاحات ترمی إلی فعالیة اقتصادیة أکبر، و إلی إضفاء الدیمقراطیة علی المؤسسات. فکانت الفوضی الاقتصادیة التی أثّرت فی فعالیة الإصلاحات الرامیة إلی إقامة اقتصاد السوق و التی أسهمت بالإضافة إلی التوترات الناشبة بین الحکم المرکزی و الجمهوریات الاتحادیة فی القضاء علی الاتحاد السوفیتی.
(2) سورة آل عمران: الآیة 139.
(3) سورة المائدة: الآیة 64.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 194

الحرب النّفسیة و الرأی العام

اشارة

مسألة: من الحروب التی تستهدف النفوس و الأرواح بدل الأبدان هی الحرب النفسیة «1»، فهی تصنع المناخ الملائم للحرب أو الانسحاب من الحرب و بالتالی فهی المکوّنة للرأی العام.
و تقوم هذه الحرب فی فترات الحرب و فی فترات السلم أیضا. و قد تکون هذه الحرب وقایة ضد الحرب المدمرة أو أنّها تعقب الحرب المدمرة. و قد تکون هذه الحرب علی شکل تدمیر ما تحتاجه الدول من البضائع و الوقود و ما شابه ذلک.
و کان أوّل عمل یجب القیام به لفضح الحرب النفسیة هو محاولة الکشف عنها بغیة تشخیصها و فضحها أمام الملأ.
و قد رعی الإسلام هذه الحرب أشدّ رعایة سواء فی القول أو العمل أو فی السلب أو فی الإیجاب، قال سبحانه و تعالی: إِذْ یُرِیکَهُمُ اللّٰهُ فِی مَنٰامِکَ قَلِیلًا وَ لَوْ أَرٰاکَهُمْ کَثِیراً لَفَشِلْتُمْ وَ لَتَنٰازَعْتُمْ فِی الْأَمْرِ وَ لٰکِنَّ اللّٰهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِیمٌ بِذٰاتِ الصُّدُورِ. وَ إِذْ
______________________________
(1) الحرب النفسیة: مفهوم اصطلاحی ظهر فی الولایات المتحدة الأمریکیة خلال الحرب العالمیة الثانیة کجزء من الإستراتیجیة السیاسیة و العسکریة، و قام علی أسس علم نفس التعلم الاجتماعی و الدعایة و الأعماق. و تشمل الحرب النفسیة موضوعات الدعایة و الشائعات و تستخدم وسائل الاتصال الجمعی فی شن عملیات الهجوم علی الأعداء و الدفاع عن الوطن بإطلاق بالونات الاختبار و الدعایة ضد العدو و تأمین سلامة المواطنین. راجع الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة: ج 4 ص 1500.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 195
یُرِیکُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَیْتُمْ فِی أَعْیُنِکُمْ قَلِیلًا وَ یُقَلِّلُکُمْ فِی أَعْیُنِهِمْ لِیَقْضِیَ اللّٰهُ أَمْراً کٰانَ مَفْعُولًا وَ إِلَی اللّٰهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ «1».
و العدو فی الحروب النفسیة یفضّل أن یکون مخفیا لا یکشف عن نفسه، متواریا خلف الشعارات البرّاقة کالحقّ و الوطنیة و العدالة و ما شابه ذلک.
و قد استخدم أعداء الإسلام الحرب النفسیة بکثرة؛ فقد ذکرت بعض الصحف أنّ إسرائیل استخدمت سبعین عالما نفسیا مهمتهم الإشراف علی محطّة الإذاعة الإسرائیلیة و صنع الأخبار التی تخدم مصالحهم.
و لا شکّ أنّ هناک أهمّیة للحرب النفسیة، لکن لا بدّ أن یکون هدفها فی الخیر و لیس فی الشر؛ لأنّ الشر لا ینبت إلّا شرّا. کما قیل: لا ینبت الشر سوی الشر، و لا الخیر سوی الخیر.
و قال سبحانه و تعالی: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِکُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهٰا «2»، و قال سبحانه و تعالی أیضا: إِنَّمٰا تُجْزَوْنَ مٰا کُنْتُمْ تَعْمَلُونَ «3»، أی أنّ العمل نفسه یردّ إلیکم بصورة مجسّمة، کما فسرت الآیة المبارکة بذلک من قبل بعض المفسّرین.
و الذی یقوم بدور الحرب النفسیة یجب أن یکون علی مستوی رفیع من الذکاء، و قد شاهدنا غوبلز فی الحرب العالمیة الثانیة فی جبهة ألمانیا، و کما سمعنا یونس بحری من صوت ألمانیا و هو یشهر سلاح الحرب النفسیة ضدّ الحلفاء، و أحمد سعید فی عهد جمال عبد الناصر، و هؤلاء هم أساطین الحرب النفسیة، فهم ساهموا فی الحرب کما ساهموا فی السلام، و کان لهم دور حتّی فی الاقتصاد و التجارة.
______________________________
(1) سورة الأنفال: الآیتان 43- 44.
(2) سورة الإسراء: الآیة 7.
(3) سورة الطور: الآیة 16.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 196
و مع انتشار التلفاز أرفقت بالصوت الصورة، فدخلت الصورة کوسیلة فی الحرب النفسیة و الدعایة؛ ففی مجال الحرب النفسیة کانت مناظر تکدس الجثث فی حرب فیتنام و التی کانت تعرض فی الصحف و الشاشات الأمریکیة خیر وسیلة لإیجاد رأی عام ضدّ التدخّل الأمریکی فی فیتنام.
کما و أنّ الصورة لها تأثیر فی الدعایة؛ حیث استخدمت علی نطاق واسع، فمثلا تمت الاستعانة بالأشخاص الذین تعجب بهم الجماهیر کالممثّلین فی تدخین سیجارة معیّنة لدفع الناس إلی اختیار ذلک النوع من السجائر.

الصینیون و الحرب النفسیة

و من أسالیب الحرب النفسیة فی الحرب الصینیة- الیابانیة، أن الصینیین کانوا یتعاملون مع الأسری معاملة حسنة حتّی أنّهم کانوا یعتنون بالأسیر و یعاملونه فی طعامه و شرابه و مکانه و ملبسه أفضل من معاملة الضابط الصینی، و کانوا یأتون بالأسیر إلی جبهة القتال لیتکلّم مع رفاقه الذین لا زالوا فی الجیش الیابانی، و کان ذلک مدعاة لدفعهم إلی تفضیل الأسر علی البقاء فی جبهة القتال.
ثمّ استخدم الصینیون اللاسلکی و التلفاز فی مناقشة آراء الیابانیین.
و قبل هؤلاء تعامل رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم مع سفانة بنت حاتم الطائی «1»
______________________________
(1) و کان ذلک فی السنة التاسعة للهجرة، عند ما بعث الرسول الأعظم صلی اللّه علیه و آله و سلم الإمام علی علیه السّلام بسریة قوامها مائة و خمسین فارسا علی طیّ لهدم أصنامهم، فشن الإمام الغارة علیهم لیلا، لئلا یقع قتال کثیر، فاستطاع هدم أصنامهم بمقاومة ضعیفة، و أسر الباقون و کان من بینهم سفانة. فعند ما جاء بها الإمام للرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم. قالت للرسول: یا محمد مات الوالد، و غاب الوافد، فإن رأیت أن تخلّی عنی و لا تشمت بی الأعداء، فإنی ابنة سید قوم و إن أبی کان یحب مکارم الأخلاق و کان یطعم الجائع و یفک القانی و یکسوا العاری، و ما أتاه
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 197
بالرفق عند ما کانت أسیرة لدیه، و کان ذلک مدعاة لدخول عشیرتها فی الإسلام.
و عند ما أسرت صفیة «1» بنت حییّ بن أخطب زعیم الیهود، عاملها رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم معاملة حسنة و تزوّجها، و کان ذلک مدعاة لتغییر رأی الیهود فی رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم، و سار أمیر المؤمنین علیه السّلام علی هذا النهج؛ ففی وقعة الجمل «2» أکرم
______________________________
طالب حاجة إلّا و ردّه بها. فقال الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم: یا جاریة هذه صفات المؤمنین حقا، لو کان أبوک مسلما لترحمنا علیه. ثم أضاف الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم: أطلقوها کرامة لأبیها. فقالت أنا و من معی؟ قال الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم: أطلقوا من معها کرامة لها. ثم قال الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم: ارحموا ثلاثا، و حق لهم أن یرحموا، عزیزا ذل من بعد عزة، و غنیا افتقر من بعد غناه، و عالما ضاع ما بین جهال. ثم قالت سفانة: یا رسول اللّه أ تأذن لی بالدعاء لک؟ قال الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم: نعم.
فقالت: أصاب اللّه ببرک مواقعه، و لا جعل لک إلی لئیم حاجة، و لا سلب نعمة قوم إلّا جعلک سببا لردها. فقال الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم: آمین. ثم أمر الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم لها بإبل و غنم سدت ما بین الجبلین، فعجبت من ذلک. و قالت: یا رسول اللّه هذا عطاء من لا یخاف الفقر. راجع شجرة طوبی: ج 2 ص 400. و نظیره فی السیرة النبویة لابن هشام: ج 4 ص 225.
(1) صفیّة بنت حییّ بن أخطب، و هی من نسل لاوی بن یعقوب، و أمها برّة بنت سموأل من بنی قریظة. تزوجت بسلام بن مشکم القرظی، ثم فارقها و تزوجها کنانة بن الربیع بن أبی الحقیق النضری. و عند ما استولی الرسول الأعظم صلی اللّه علیه و آله و سلم علی خیبر قتل زوجها و أباها و أخاها، و هی من سبایا خیبر. عرض الرسول الأکرم الإسلام علیها، فقبلت و أسلمت، فأعتقها الرسول و تزوجها و جعل عتقها مهرها. و خیّرها الرسول بین البقاء و الرجوع إلی أهلها، فاختارت البقاء، و کانت تقول: ما من الناس أحد أحبّ إلیّ من رسول اللّه، و ما رأیت قط أحسن خلقا من رسول اللّه. توفیت سنة خمسین للهجرة و قیل اثنتین و خمسین، و دفنت بالبقیع. راجع الاستیعاب فی معرفة الأصحاب: القسم الرابع: ص 1871، الأعلام للزرکلی:
ج 3 ص 296.
(2) واقعة الجمل، حدثت سنة 36 ه (656 م)، بعد أن نکث طلحة بن عبد اللّه و الزبیر بن العوام بیعتهما للإمام أمیر المؤمنین علیه السّلام، و بعد أن رفض الإمام طلبهما فی تولیهما الکوفة و البصرة، خرجا من المدینة إلی مکة بحجة أداء العمرة، و کان فیها عائشة و عبد اللّه بن عامر والی البصرة من قبل عثمان، و کان الذی هرب من البصرة بعد بیعة الناس للإمام
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 198
أمیر المؤمنین علیه السّلام عائشة «1» غایة الإکرام، و عفا عن عبد
______________________________
أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب علیه السّلام. و فی مکة التقی عبد اللّه بن عامر بالثلاثة، فأعطاهم الأموال التی سرقها من بیت المال. و أهدی جملا لعائشة اشتراه من الیمن بمائتی دینار.
فتحرکوا تجاه البصرة، فمروا بماء یقال له ماء الحوأب. فنبحتهم کلابه، فقالت عائشة:
ما هذا الماء؟ قال بعضهم ماء الحوأب. قالت: إنا للّه و إنا إلیه راجعون، ردّونی ردّونی هذا الماء الذی قال لی رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلم لا تکونی التی تنبحک کلاب الحوأب، فأتاها القوم بأربعین و قیل بخمسین رجلا فأقسموا باللّه إنه لیس بماء الحوأب. فقدموا إلی البصرة و هاجموا باللیل والی الإمام الذی عینه و هو عثمان بن حنیف- و یعد من أفاضل المسلمین- بعد أن أعطوه الأمان، فأسروه و ضربوه حتی فارق الحیاة بعد أن نتفوا شعر رأسه و لحیته و شاربه و أشفار عینیه و حاجبیه. و نهبوا بیت المال و أخذوا ما فیه، و قتلوا سبعین من أهل البصرة، خمسین منهم صبرا بأمر عائشة، و لما بلغ الإمام علی علیه السّلام مسیرهم خرج مبادرا إلیهم، و استنفر أهل الکوفة ثم سار بهم نحو البصرة. و دارت الحرب و قتل من الباغین عشرون ألفا علی رأسهم طلحة و الزبیر. أمّا عائشة فقد احترمها الإمام، و أمر أخاها محمد بن أبی بکر و کان من أصحابه بالخروج معها و إرجاعها الی المدینة بعد أن جهزها باثنی عشر ألف درهم. و استشهد من أنصار الإمام خمسة آلاف شخص. راجع الفتوح لابن الأعثم: ج 2 ص 269، انساب الأشراف للبلاذری: ص 221- 268، کتاب جمل من أنساب الأشراف: ج 3 ص 21، العقد الفرید: ج 4 ص 313.
(1) عائشة بنت أبی بکر بن أبی قحافة من بنی تیم، و أمها زینب أم رومان بنت عامر بن عویمر الکنانیة، و قیل اسم أمها دعد. و کنیتها أم عبد اللّه. تزوجها الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم بعد وفاة السیدة خدیجة بثلاث سنوات أی فی السنة الثانیة للهجرة، و هی فی السابعة و العشرین من عمرها. بلغ عدد الأحادیث التی روتها عن الرسول ألفین و مائتی و عشرة أحادیث- و اتفق لها البخاری و مسلم علی مائة و أربعة و سبعین حدیثا، و انفرد البخاری بأربعة و خمسین، و انفرد مسلم بتسعة و ستین، کما ذکر ذلک سیر أعلام النبلاء: ج 2 ص 139. لعبت دورا سیاسیا فی زمن عثمان فقد جاء فی کتاب موسوعة طبقات الفقهاء: ج 1 ص 136 ما نصه: قال أصحاب السیر و الأخبار أنها أرجفت بعثمان، و أنکرت علیه کثیرا من أفعاله، و کانت تثیر الناس علیه بإخراج شعر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلم أو ثوبه، و تحثهم علی مقته، و لم تعدل عن رأیها هذا حتی بعد الإجهاز علیه، و لکنها غیرت رأیها لما انفلت الأمر عن طلحة- و کانت تحرّض علی تأمیره-، و بویع أمیر المؤمنین الذی لم یکن لها معه هوی، فبکت علی عثمان، و أظهرت الأسف علی قتله، و رجعت إلی مکة بعد ما خرجت منها، و نهضت ثائرة تطلب بدمه، و لحق بها طلحة و الزبیر و مروان بن الحکم، و توجهوا نحو البصرة.
و خاضت حرب الجمل ضد الإمام علی علیه السّلام سنة 36 ه (656 م). و عند ما انتصر علیها
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 199
الله بن الزبیر «1».
______________________________
الإمام فی حرب الجمل أرجعها معزّزة و مکرّمة إلی المدینة مع أخیها محمد بن أبی بکر و أعطاها اثنی عشر الفا کما ذکر ذلک فی سیر أعلام النبلاء: ج 2 ص 178. و جاء فی التاریخ: أن أم الأفعی العبدیة دخلت علی عائشة، فقالت: یا أم المؤمنین ما تقولین فی امرأة قتلت ابنا لها صغیرا؟ قالت: وجبت لها النار. قالت: فما تقولین فی امرأة قتلت من أولادها الکبار عشرین ألفا. قالت عائشة: خذوا بید عدوة اللّه. ماتت عائشة سنة 57 ه (676 م) و قیل 58 ه (678 م) و صلی علیها أبو هریرة و دفنت فی البقیع. و مما شوه تاریخها: نزول الآیة الرابعة من سورة التحریم فی حقها و فی حق حفصة إِنْ تَتُوبٰا إِلَی اللّٰهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُکُمٰا وَ إِنْ تَظٰاهَرٰا عَلَیْهِ فَإِنَّ اللّٰهَ هُوَ مَوْلٰاهُ وَ جِبْرِیلُ وَ صٰالِحُ الْمُؤْمِنِینَ وَ الْمَلٰائِکَةُ بَعْدَ ذٰلِکَ ظَهِیرٌ، و أنها افترت علی الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم بأحادیث کاذبة کما ذکر بعضها فی الطبقات الکبری: ج 8 ص 58 و سیر أعلام النبلاء: ج 2 ص 141، و أنها کانت ترفع صوتها علی النبی و کانت تحسد و تغار و لم تضبط لسانها، و أنها کانت تجتهد فی ما تراه مصلحة لها دون مصلحة المسلمین. راجع الاستیعاب: القسم الرابع ص 1885، أسد الغابة: ج 5 ص 501، وفیات الأعیان: ج 3 ص 16، سیر أعلام النبلاء: ج 2 ص 135 و 139 و 141، البدایة و النهایة: ج 8 ص 99، الإصابة: ج 8 ص 231، کنز العمال: ج 13 ص 693، موسوعة طبقات الفقهاء: ج 1 ص 135، الطبقات الکبری: ج 8 ص 58، الأعلام للزرکلی: ج 4 ص 5، شذرات الذهب: ج 1 ص 9، تهذیب التهذیب: ج 12 ص 384، النص و الاجتهاد: ص 290 المورد 73- 85 و ص 296، حلیة الأولیاء: ج 2 ص 43.
(1) عبد اللّه بن الزبیر بن العوام، ولد فی السنة الأولی للهجرة (623 م)، و فی زمن عثمان شهد فتح إفریقیا. شهد واقعة الجمل مع أبیه و خالته عائشة و هو الذی زین لها المسیر إلی البصرة، عرف ببخله و سوء خلقه و إیذائه لبنی هاشم، حیث سجن محمد ابن الحنفیة مع خمسة عشر رجلا من بنی هاشم، و قال لهم: لتبایعنی أو لأحرقنّکم، فهمّ بإحراقهم فی النار فی منطقة الشعب، لو لا أن أنقذهم المختار بأربعة آلاف فارس، کما ذکر ذلک المسعودی. حکم مصر و الحجاز و الیمن و العراق و خراسان و قسم من بلاد الشام بعد هلاک یزید بن معاویة سنة 64 ه (683 م). حاربه عبد الملک بن مروان بجیش قاده الحجاج بن یوسف الثقفی بعد أن عجز عنه من قبله. و قطع الحجاج رأسه فی 17 جمادی الثانیة سنة 73 ه (692 م) فی مکة، و صلبه مقلوبا، و ظل مصلوبا سنة کاملة. و من مثالبه أنه خطب أربعین خطبة جمعة، و لم یذکر فیها الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم، و کان یقول: ما یمنعنی من ذکره إلّا أن تشمخ رجال بآنافها. و کان یقول أیضا: إنی لأکتم بغضکم أهل البیت منذ أربعین سنة کما ذکر فی مروج الذهب: ج 3 ص 89. راجع أسد الغابة: ج 3 ص 161، الکامل فی التاریخ:
ج 4 ص 348، وفیات الأعیان: ج 3 ص 71، سیر أعلام النبلاء: ج 3 ص 363، البدایة و النهایة:
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 200
ثم إن الاضراب عن الطعام فی السجون أحد وسائل الحرب النفسیة، فإنه یؤثر علی الطرف المقابل مهما کان قاسیا أو طاغیا.

شاهد آخر

و من أمثلة الحرب النفسیة أیّام الحرب العالمیة الثانیة «1»: أنّ أمریکا نشرت بیانا عمّم علی کلّ الأفراد سواء فی الداخل أو الخارج، صادرا عن مکتب استعلامات الحرب «2»، یقول البیان: «إنّ هذه الحرب هی حرب الشعب، و لکی نکسبها یجب أن نعرف أقصی ما یمکن معرفته عنها، و سیبذل هذا المکتب جهده فی أن یقول الصدق و لا شی‌ء غیر الصدق سواء فی داخل البلاد أو خارجها ... أمّا المعلومات العسکریة التی قد تساعد العدو فیجب الامتناع عن نشرها، و مع ذلک سنحاول فی حدود هذا القید أن نعطی للشعب صورة کاملة واضحة ... إنّ مکتب استعلامات الحرب لا یرید أن یوصد، و لن یوصد سیاسة الباب المفتوح التی سادت دائما علی تقیید الحکومة للصحافة و الإذاعة و غیرهما من وسائل الإعلام، علی أنّ الأمل یراودنا فی أنّنا سنستطیع أن نضع
______________________________
ج 8 ص 367، النجوم الزاهرة: ج 1 ص 189، الإصابة: ج 4 ص 78، شذرات الذهب: ج 1 ص 79، الأعلام للزرکلی: ج 4 ص 218، الأخبار الطوال: ص 309، معجم رجال الحدیث: ج 11 ص 199 ترجمة 6870، الخصال: ج 1 ص 157 ح 199، موسوعة طبقات الفقهاء:
ج 1 ص 160، العقد الفرید: ج 4 ص 414، حلیة الأولیاء: ج 1 ص 329، منتهی المقال للمازندرانی: ج 4 ص 185.
(1) الحرب العالمیة الثانیة: ابتدأت سنة 1939 م بین دول ألمانیا و إیطالیا و الیابان من جانب، و فرنسا و إنجلترا و روسیا و أمریکا و الصین من جانب آخر، و انتهت سنة 1945 م، و قتل فیها ما یقارب خمسین ملیون إنسان ناهیک عن الجرحی و المعوقین البالغ عددهم ثمان و عشرون ملیون و سیل من الأرامل و الأیتام و الخسائر المادیة، و من إفرازاتها الحرب الباردة.
(2) و هی منظمة حکومیة تأسست بأمر من ألمر دیفز فی 20 تموز سنة 1942 م فی أمریکا خلال الحرب العالمیة الثانیة.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 201
حدّا للبیانات المتضاربة التی تشوّش عقل الجمهور، و اعتقادی أنّ ذلک ممکن إذا أعطینا الحقیقة الکاملة بأسرع ما یمکن للجمهور، و بمحاولة وضع الإجراءات التی تکفل لکلّ الهیئات المختلفة أن تصل إلی اتّفاق قبل أن تنشر أیة بیانات ... إنّکم تفهمون الحالة، لکن علیکم أن تتأکّدوا من إذاعتها بالصورة المفهومة».
و أنشأ مکتب الاستعلامات الخاصّة بالحرب فروعا له، مثل فرع الکتب و المجلّات و فرع الخرائط و فرع السینما و فرع الأخبار و فرع الإذاعة و فرع الخدمات الخاصّة إلی غیر ذلک، و قد أثّر هذا المکتب أثره البلیغ فی الجمهور، فکانت الأقوال التی ترید أمریکا إیصالها إلی داخل جماهیرها تصل إلیهم کلّ صباح و عصر و مساء، و قد وضعوا لهذه الغایة ستة عشر ألف دار للعرض فی طول البلاد و عرضها، کما أنّها جهّزت کلّ أصدقائها فی الخارج عبر سفاراتها لهذا الأمر.
و أذکر أنّی کنت أتابع أخبار الحرب العالمیة الثانیة لیل نهار بکلّ دقّة؛ لأنّ العراق کان طرفا فی هذه الحرب. و قد تکرّر الأمر نفسه عند دخول صدام «1» إلی
______________________________
(1) الطاغوت الذی صاغه الأمریکان و البریطانیون وفق متطلبات منطقة الخلیج و ظروفها السیاسیة- کما بیّن ذلک حردان التکریتی عضو مجلس قیادة الثورة و رئیس أرکان الجیش و قائد سلاح الطیران فی مذکراته، و کما أشار إلی ذلک أمین سرّ القیادة القطریة و وزیر الداخلیة و نائب رئیس الوزراء علی صالح السعدی، و کما بیّنه زبیر سلطان قد روی فی کتابه:
«بغداد علی خط الصفر»، و أضحی الید الطولی فی تنفیذ مخططات الغربیین بعد أن قدموا له کل وسائل الدعم المادی و السیاسی و العسکری و التقنی، و حافظوا علی أمنه الشخصی فی أدق الظروف و أحلک اللحظات، و هذا ما أکده عضو قیادة حزب البعث و وزیر الإعلام السابق صلاح عمر العلی. و هذا ما أثبتته الانتفاضة الشعبانیة التی قادها الشعب العراقی سنة 1991 م.
ولد صدام سنة 1939 م فی قریة العوجة جنوب تکریت و التی تبعد مائة میل شمال بغداد، ولدته أمه «صبحة» و لا تزال بنتا غیر متزوجة من رجل مجهول، فهو نتاج علاقة
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 202
الکویت و قیام قوّات التحالف بطرد صدّام من هذه البلاد «1».
______________________________
غیر شرعیة، کما ذکر ذلک صاحب کتاب «شخصیة الطاغوت»، و قیل: کان أبوه یعمل «فرّاشا» فی السفارة البریطانیة، و بعد موت أبیه تزوجت أمّه من أربعة أزواج ثالثهم إبراهیم الحسن، و رابعهم زبن الحسن، و کان صدام یتنقل معها من بیت زوج إلی آخر. بدأ عملیات القتل و هو ابن السابعة عشرة، حیث قتل راعیا من آلبو عجیل- قرب قریة تکریت- و هرب إلی خاله خیر اللّه طلفاح فی مدینة بغداد، ثم أعقبها بقتل ثان سنة 1959 م، عند ما قتل مدیر الثانویة اللیلیة بخنجر. انضم إلی حزب البعث عبر عبد الخالق السامرائی، و اشترک فی انقلاب 17 تموز سنة 1968 م، و أصبح نائبا لمجلس قیادة الثورة و نائبا لرئیس الجمهوریة سنة 1970 م، و رئیسا للجمهوریة بعد إزاحة البکر من الحکم سنة 1979 م، و خلال فترة حکمه لم یسلم منه الشعب العراقی، فقد قتل خمسة ملایین و ثمانمائة ألف من شیعة العراق صبرا- و هذا ما تشهد له المقابر الجماعیة و البالغ عددها ثلاثمائة مقبرة- ما عدا الحروب الثلاثة التی زج بها الشعب العراقی، ففی سنة 1980 شنّ حربا علی إیران و استمرت ثمان سنوات، ثم هاجم الکویت فی 2 آب 1990 بجیش قوامه مائة ألف جندی مزودین ب 350 دبابة و احتلها خلال ثمان ساعات و ضمها إلی العراق و اعتبرها المحافظة التاسعة عشرة و عین ابن عمه حسن المجید حاکما علیها، و دخل حربا مع امریکا سنة 1998 بعد ان لم یحترم الرقابة الدولیة علی نزع سلاحه. و قد حوّل الشعب العراقی إلی أیتام و أرامل، حیث بلغ عدد الأرامل الملیونین و عدد الأیتام خمسة ملایین. کما لم تسلم من إیذائه و طغیانه أیة دولة لها حدود مع العراق. و قد صرف معظم میزانیة العراق فی بناء مؤسسات مخابراتیة و تجسسیة و عسکریة لشن الحروب الداخلیة و الإبادة الجماعیة، و استخدم مادة الثالیوم فی استحداث سرطان الدم فی جسم السجناء و هذا من مختصات نظامه، و رسخ العنف و الحرب کحالة ثقافیة و علمیة و تکنولوجیة و مؤسساتیة یتعایش معها الناس، و استخدم أحدث ما اخترعته الدول الأوربیة و الشیوعیة من وسائل و تقنیات و خبرات للسیطرة و المراقبة و قمع النهوض و التطور. أطیح به فی 9/ 4/ 2003 م من قبل الجیوش البریطانیة و الأمریکیة. و قد أصبح صدام سابع أغنی رجل فی العالم. للاطلاع التفصیلی عن صدام راجع «شخصیة الطاغوت» للسید هادی المدرسی، «بغداد علی خط الصفر» زبیر سلطان قدوری، «فندق السعادة» جلیل العطیة، «حکومة القریة» طالب الحسن، «نواطیر الغرب» حسن سعید، «العراق دولة المنظمة السریة» و «دولة الاستعارة القومیة» حسن العلوی، «الهروب إلی الحریة» د. حسین الشهرستانی، «جمهوریة الخوف» سمیر الخلیل، «أوکار الهزیمة» هانی الفکیکی، «من مذکرات حردان عبد الغفار التکریتی»، «شبیه صدام» میخائیل- مخلف- رمضان.
(1) شن صدام الحرب علی الکویت بذریعة النفط و الدیون العراقیة و کونها جزءا من العراق فی
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 203
و قد زجّ العراق بخیرة قواته فی هذه الحرب، و قتل من جنوده و أبناء شعبه زهاء ربع ملیون نسمة، أمّا قتلی الأمریکیین فلم یتجاوز مائة و ثمانیة و ثلاثین جندیا حسب أدق الإحصائیات. و قد استخدمت قوّات التحالف وقتها أسالیب الحرب النفسیة بأقصی ما یمکن.
______________________________
2 آب 1990 م، و أخرج من قبل الأمریکان و القوات الاخری سنة 1991 م. بلغت خسائر العراق نتیجة لهذه الحرب 240 ملیار دولار و خسائر الکویت 237 ملیار و خسائر الدول العربیة جراء هذا الغزو 676 ملیار.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 204

الرتل الخامس و الرأی العام

مسألة: یقوم الرتل الخامس «1» بدور کبیر فی الحرب النفسیة و فی إیصال صوت المحاربین إلی أسماع جماهیر الطرف الآخر، الأمر الذی یتسبّب فی إیجاد الرأی العام، فمن مهمات المحاربین أن یوصلوا صوتهم حتّی إلی النساء و الأطفال و العجائز و الشیوخ، فإنّ لکلّ فرد دورا کبیرا فی إشاعة الأمن و الرعب أو التنفّر و التقریب، و هذا ما یقوم به الرتل الخامس.
و فی قتل عثمان بن عفّان «2» استخدم المناوئون له الحرب النفسیة و کان من
______________________________
(1) الرتل الخامس: هو تعبیر یرمز إلی إیصال الأصوات من داخل المجتمع لصالح طرف آخر فی حالة عداء أو حرب. و نظیر هذا التعبیر ما استخدمه فرانسیسکو فرانکو الذی أعلن إبان الحرب الأهلیة الإسبانیة سنة 1935- 1939 م. و قصد به آنذاک بعض مؤیدی الجنرال فرانکو المتواجدین فی مدرید الخاضعة لسیطرة الحکومة الجمهوریة، و الذین کان یتوقع منهم أن یثوروا علی تلک الحکومة، حالما تصبح فرق فرانکو العسکریة الأربع- طوابیره الأربعة- الزاحفة لاحتلال العاصمة علی مقربة منها. و قیل عبارة عن جماعة من أنصار العدو السریین یقومون بأعمال التجسس أو التخریب ضمن خطوط الدفاع او حدود البلاد، راجع الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة: ج 4 ص 1812.
(2) عثمان بن عفان بن أبی العاص بن أمیة الأموی، ولد بمکة و أسلم بعد البعثة، هاجر إلی أرض الحبشة ثم عاد إلی مکة و من ثم هاجر الی المدینة. شهد أحد و هرب منها، و تخلّف عن بدر. أحد الستة الذین رشحهم عمر للخلافة من بعده ففاز بها سنة 23 ه لقبوله بالشرط الذی اشترطه عبد الرحمن بن عوف فی التحکیم و هو سنّة الشیخین.
و مما یؤخذ علیه: أ- اجتهد مقابل النص فی کثیر من الأحکام، و یذکر لنا التاریخ أنه عند ما دحض عبد الرحمن بن عوف حجج عثمان فی الإتمام فی السفر، قال عثمان: هذا رأی رأیته. ب- اختص أقاربه من بنی أمیة بالمناصب و الولایات، فقد عیّن معاویة علی بلاد الشام و سعید بن العاص علی البصرة و عبد اللّه بن سعد علی مصر و عبد اللّه بن عامر علی
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 205
المحرضین علیه عمرو بن العاص «1»، فقد نقل ابنه عنه بأنه قال له: أنا أبوک
______________________________
خراسان و الولید بن عقبة علی الکوفة. قال ابن قتیبة فی المعارف: و کان مما نقموا علی عثمان أنه آوی الحکم بن أبی العاص و أعطاه مائة الف درهم و قد سیّره رسول اللّه ثم لم یؤوه أبو بکر و لا عمر. ج- إعطاؤه فدک لمروان بن الحکم و هی صدقة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلم، و فی هذا یقول العلامة الأمینی فی کتابه الغدیر: «ج 8 ص 237»: أنا لا أعرف کنه هذا الإقطاع و حقیقة هذا العمل، فإن فدک إن کان فی‌ء للمسلمین کما ادعاه أبو بکر، فما وجه تخصیصه بمروان، و إن کان میراثا لآل رسول اللّه کما احتجت له الصدیقة الطاهرة فی خطبتها و احتج له أئمة الهدی من العترة الطاهرة و فی مقدمهم سیدهم أمیر المؤمنین علیه و علیهم السلام. فلیس مروان منهم و لا کان للخلیفة فیه رفع و وضع و إن کان نحلة من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلم لبضعته الطاهرة فاطمة المعصومة علیها السّلام کما ادعته و شهد لها أمیر المؤمنین و ابناها الإمامان السبطان و أمّ أیمن المشهود لها بالجنة فردت شهادتهم بما لا یرضی اللّه و لا رسوله، و إذا ردت شهادة أهل آیة التطهیر فبأی شی‌ء یعتمد؟ و علی أی حجة یعوّل؟.
د- بعد فتح إفریقیا أعطی خمسها إلی مروان. ه- نفیه للصحابی أبی ذر الغفاری- الذی کان ینکر علی الولاة و بطانة عثمان استئثارهم بأموال المسلمین و عدم إنفاقها فی وجوهها الشرعیة- إلی الشام ثم استقدمه إلی المدینة لما اشتکی منه معاویة، ثم نفاه الی الربذة. و- یعد أول من أقطع الإقطاعات فی الإسلام کما ذکر السیوطی فی تاریخه: ص 18.
س- کل أرض ترکها أهلها کان یعطیها للعرب دون غیرهم کما ذکر ذلک الزرکلی فی کتابه الأعلام: ج 4 ص 371.
و نتیجة لفساد ولاته سارت إلی عثمان الوفود من مصر و البصرة و الکوفة و معهم أهل المدینة یطلبون منه أن یردّ المظالم و یعزل کل عامل کرهوه، فأعطاهم الرضی، فانصرف القوم، فلمّا کان المصریون ببعض الطریق وجدوا کتابا مع غلام عثمان إلی عامله علی مصر عبد اللّه بن أبی سرح أن یضرب أعناق رؤساء المصریین، فرجعوا إلی المدینة و حاصروه مدّة أربعین یوما ثم قتلوه، و کان ذلک فی ذی الحجة سنة 35 ه (655 م) و دفن فی مقابر الیهود. راجع تاریخ الیعقوبی: ج 2 ص 162- 177، الاستیعاب: القسم الثالث ص 1044، أسد الغابة: ج 3 ص 376، الکامل فی التاریخ: ج 3 ص 168، النجوم الزاهرة: ج 1 ص 92، شذرات الذهب: ج 1 ص 40، الإصابة: ج 4 ص 377 و ص 379، أعیان الشیعة: ج 1 ص 437، الأعلام للزرکلی: ج 4 ص 371، موسوعة طبقات الفقهاء للسبحانی: ج 1 ص 196، تاریخ الخلفاء للسیوطی: ص 118، تهذیب التهذیب: ج 7 ص 127، النص و الاجتهاد: ص 284، العقد الفرید: ج 4 ص 283، مجالس المؤمنین للتستری: ص 56 المجلس الرابع.
(1) عمرو بن العاص، و العاص قد استلحقه وائل السهمی- الأبتر شانئ رسول اللّه-، ولد قبل الهجرة و بالتحدید سنة (573 م) و مات سنة 43 ه (663 م) و دفن فی المقطم من ناحیة الفج
عن عمر یناهز التسعین سنة. اشتهرت أمّه، نابغة بنت حرملة بالغناء و البغاء؛ فقد زنا بها أبو لهب و أمیة بن خلف الذی نزلت فی حقه وَیْلٌ لِکُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ و هشام بن المغیرة والد أبو جهل و أبو سفیان بن حرب و العاص بن وائل و کلهم فی طهر واحد؛ فحملت بعمرو فتنافسوا جمیعا علی مولودها و أرجعوا الحکم إلیها، فاختارت العاص، فقالوا لها: ابنک أشبه بأبی سفیان فلما ذا اخترت العاص؟ فقالت: بخل أبی سفیان، و العاص أقدر علی دفع النفقة.
و قد قال له الإمام الحسن علیه السّلام تعریضا به: (تحاکمت فیک رجال قریش، فغلب علیک جزارها، ألأمهم حسبا، و أعظمهم لؤما، فإیاک عنی فإنک رجس). راجع شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید: ج 16 ص 28 و نظیر ذلک فی کتاب الاحتجاج: ج 1 ص 269- 275.
و قد هجاه حسان بن ثابت قائلا:
أبوک أبو سفیان لا شک قد بدت لنا فیک منه بینات الدلائل ففاخر به أما فخرت و لا تکن تفاخر بالعاص الهجین ابن وائل و إن التی فی ذاک یا عمرو حکمت فقالت رجاء عند ذلک لنائل من العاص عمرو تخبر الناس کلما تجمعت الأقوام عند المحافل
عرف بالمکر و الدهاء و الخدیعة و الغدر حتی ضرب به المثل، عادی رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلم و کان یؤذیه و یضع فی طریقه الحجارة، و قد هجاه بسبعین بیتا و کان یعلمها للصبیان فإذا مرّ بهم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلم رفعوا أصواتهم، فلعنه الرسول بعدد کل بیت لعنة بعد صلاته فی الحجر، و فی مکان آخر لعنه الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم قائلا: «اللهم العن عمرو بن العاص». روّع زینب بنت الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم عند ما خرجت مهاجرة من مکة إلی المدینة و أسقط جنینها. و کان مبعوث قریش إلی الحبشة لتحریض النجاشی علی قتل المسلمین و طردهم منها أو تسلیمهم لقریش. قاتل المسلمین فی بدر و أحد و الخندق، أسلم سنة 8 ه (629 م) مع خالد بن الولید، شهد فتح الشام، ولّاه عمر بن الخطاب فلسطین ثم مصر، عزله عثمان عن مصر و عین مکانه أخوه بالرضاعة عبد اللّه بن سعد، و أضحی یؤلب الناس فی مصر علی عثمان، و عند ما قتل عثمان قال ابن العاص: «أنا أبو عبد اللّه إذا نکأت قرحة أدمیتها، قتلته و أنا بوادی السباع».
و قال لولده: «لقد حرّضت علی عثمان حتی الراعی فی الصحراء»، و لکنه شارک معاویة فی الطلب بدم عثمان. و فی حکومة معاویة أضحی من المقربین و المناصرین له، و قد ناصره فی حروبه ضد الإمام علی علیه السّلام کحرب صفین و التی نجی منها بکشف عورته، ولاه معاویة مصر و أطلق له خراجها ست سنین. و قال لابنه حین وفاته: «أصلحت لمعاویة دنیاه، و أفسدت دینی، آثرت دنیای و ترکت آخرتی، عمّی علیّ رشدی حتی حضرنی أجلی، کأنی بمعاویة قد حوی مالی و أساء فیکم خلافتی»، ذکر أبو العباس المبرّد فی کتاب الکامل: ج 1
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 207
لقد کنت أحرّض علیه حتی الراعی فی الصحراء، فکنت أمرّ علیه و أقول له کیف خلیفتک فإذا مدحه قلت له: لیس هکذا. و إنّما هو خلیفة جائر یضع الأموال و المناصب فی أیدی أقربائه و یحرمهما عن المسلمین الأکفاء، و إنّه لو لم یکن هکذا لکنت أنت الراعی أحسن حظّا بهذا المال.
بهذه الأسالیب و الطرق کان عمرو بن العاص و غیره من المناوئین لحکم عثمان، یحاربون هذا الحکم، فکانوا یستغلون نقاط ضعفه و یثیرون ضدّه حتّی الراعی فی الصحراء، کما کانت عائشة تفعل ذلک و هی عدوّة لعثمان أیضا.
فقد شهرت بوجهه الحرب الدعائیة و کانت تقول: «اقتلوا نعثلا فقد کفر» «1»،
______________________________
ص 267، أن عمرو بن العاص لما حضرته الوفاة دخل علیه ابن عباس فقال له:
یا أبا عبد اللّه کنت أسمعک کثیرا ما تقول وددت لو رأیت رجلا عاقلا حضرته الوفاة حتی أسأله عما یجد، فکیف تجد؟ فقال: أجد کأنّ السماء مطبقة علی الأرض و کأنی بینهما، و کأنّما أتنفس من خرّت ابرة. و خلّف عند موته ثلاثمائة ألف دینار و خمسة و عشرین ألف دینار و من الورق ألف درهم. و غلة مائتی ألف دینار بمصر وضیعة قیمتها عشرة ألاف ألف درهم،
و من جرائمه أنه شارک فی قتل العبد الصالح محمد بن أبی بکر والی الإمام علی علیه السّلام علی مصر، بعد أن جعل جثته فی جیفة حمار و أحرقها فی النار، و هذا الأسلوب البشع یدل علی انسلاخه من أبسط المعانی الإنسانیة.
راجع شذرات الذهب: ج 1 ص 53، تهذیب التهذیب: ج 8 ص 49، أسد الغابة: ج 4 ص 115، سیر أعلام النبلاء: ج 3 ص 54، مروج الذهب: ج 3 ص 32، تذکرة الخواص: ص 186، تاریخ الیعقوبی: ج 2 ص 221- 222، السیرة النبویة: ج 3 ص 270، وقائع الأیام: ص 69، تاریخ مدینة دمشق: ج 46 ص 108- 202، وفیات الأعیان: ج 7 ص 215، الأعلام للزرکلی: ج 5 ص 248، ربیع الأبرار: ج 4 ص 275.
(1) کان ذلک أیام خلافة عثمان، إذ کانت تخرج قمیص الرسول الأعظم صلی اللّه علیه و آله و سلم مؤلبة علی عثمان قائلة: هذا قمیصه و شعره لم یبل، و کذلک کانت تقول: هذا ثوب رسول اللّه لم یبل و عثمان قد أبلی. راجع الکامل فی التاریخ: ج 3 ص 206، بحار الأنوار: ج 32 ص 142 ب 1 ح 116، الفتوح لابن الأعثم: ج 2 ص 248 و ص 282، تاریخ الطبری: ج 3 ص 477، المختصر فی أخبار
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 208
و نعثل هو شخصیة یهودیة له لحیة طویلة تشبه لحیة عثمان بن عفّان، و کان لهذا التحریض أثر حاسم فی مقتل عثمان «1».
______________________________
البشر: ج 1 ص 172، الغدیر للأمینی: ج 9 ص 80، النص و الاجتهاد: ص 293 المورد 83 و ص 298.
(1) و قیل أن نعثل هو لقب أطلقته أم عثمان علیه لکثرة الشعر فی وجهه و جسمه.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 209

الظاهرة الإعلامیة و الرأی العام

مسألة: للإعلام و بکافة وسائله أثر بالغ فی تکوین الرأی العام و فی التأثیر علی الآراء و الأفکار و تشکیلها و فی توجیه المجتمع، و قد لخّص بعض علماء الغرب «1» ذلک قائلا: «إنّ عادات تکوین الرأی العام هی أعنف العادات و أصلبها عودا، فهی تصبح طبیعة ثانیة، فإذا افترضنا أنّنا قد قذفنا بها من النافذة فإنّها تزحف إلینا ثانیة متلصصة کما تزحف الطبیعة الأولی، و إذا عدّلناها فإنّ التغییر یکشف عن نفسه أوّلا بصورة سالبة فی تفکّک معتقداتنا، لتحلّ محلّها آراء عائمة طائرة، مخطوفة عرضا من هنا و هناک. صحیح أنّه حدثت زیادة ضخمة فی مقدار المعرفة التی اکتسبها الإنسان، لکن هذه الزیادة قد لا تعدل الزیادة التی حدثت فی مقدار الأخطاء و أنصاف الحقائق التی تداولها بین الناس .. ففی المسائل الاجتماعیة و الإنسانیة بصفة خاصّة، کان نمو الشعور بالنقد و أسالیب الحکم غیر المتمیّز أبطأ من نمو الإعلام غیر المسئول، و من نمو الدوافع لتشویه الحقائق قصدا».
أقول: من الضروری لمن یرید إثارة الرأی العام أن یکون له راصد یعرف به
______________________________
(1) و هو: جون دیوی، المولود فی مدینة فرمونت الأمریکیة سنة 1859 م، و حصل علی شهادة الدکتوراه فی الفلسفة سنة 1883 م. یعد أحد مؤسسی اتحاد الحریات المدنیة فی أمریکا، و أحد مؤسسی جمعیة أساتذة الجامعات. توفی سنة 1952 م. من مؤلفاته: الطبیعة البشریة و السلوک الانسانی، و الذی ترجمه للعربیة محمد لبیب النجمی، و طبع فی القاهرة سنة 1963 م.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 210
مدی تأثیره فی الرأی العام، سلبا و إیجابا، سعة و ضیقا، صحة و خطا، فإنّه ربّما یکون الطریق غیر صحیح و لم ینجز الأثر الذی یریده، فإذا وجّه الرأی العام لجهة ما و لموضوع ما، فیجب علی خصمه فی الجهة الأخری أن یواجه تلک الأجهزة فی طرف خصمه و إلّا وقع ضحیة الرأی العام الذی یثار علیه من طرف خصمه، و کلّما کثرت الکمیة فی جانب و تحسّنت النوعیة یجب علی الطرف الآخر سلوک نفس الطریقین و إلّا وقع ضحیة من حیث لا یشعر «1»، و من الواضح أنّ الإثارة تحتاج إلی الاستمرار، فإنّه بدون الاستمرار لا تحصل الإثارة الکافیة.
______________________________
(1) و مثال ذلک أن إسرائیل استغلت حظر البترول الذی مارسته بعض الدول العربیة بعد حرب تشرین سنة 1973 م لتحمیل العرب تبعات أزمة الطاقة و أزمة التضخم المالی الذی أعقب الحظر، و کذا ما تفعله الدول الغربیة حالیا بتحمیل الدول المصدرة للبترول أزمة ارتفاع أسعار الوقود فی الغرب.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 211

التعرّف إلی الرأی العام

مسألة: یجب التعرّف إلی الرأی العام حتّی یتّبع الحاکمون ذلک الرأی لئلّا یقعوا فی سخط الشعب ممّا یسبّب تمرّدهم علی الحاکم و بالتالی عزله عن السلطة أو إسقاطه بالقوّة، و قد ذکر بعض الغربیین «1»: «إنّ المسئولین عن الحکم یتّبعون نفس اتجاهات الرأی فی الصحف الیومیة، فهم یطالعون رسائل الشکاوی و الطروحات و التأییدات التی تصل کلّ یوم إلی مکاتبهم و یصغون لأقوال مستشاریهم الذین یطوفون بهم، کما یصغون أیضا لأعضاء الهیئات التشریعیة و ممثلی أصحاب المصالح الخاصّة ثمّ یتمسّکون بآرائهم اعتقادا منهم بأنهم قد نشئوا من الشعب و یعرفون ما یریده الشعب».
أقول: و علی هذا فالمهم أوّلا أن یتبعوا ما عاهدوا الناس علیه قبل وصولهم إلی الحکم من العمل وفق آراء الشعب فی صغائر الأمور و کبائرها، و لا یراد بذلک الأفراد، و إنّما الغالب أنّ الشعوب تشکل تجمّعات سیاسیة و اقتصادیة و اجتماعیة و دینیة و تربویة و عسکریة و غیرها، فإذا اطّلعوا علی أغلب هذه الآراء فهم مطّلعون علی رأی الشعب ممّا ینبغی أن یفعل أو یترک، هذا بالإضافة إلی ما ذکرناه من الوسائل السمعیة و البصریة التی تقوم مکاتبهم باکتسابها. و أحیانا یکون للشعب رأیان و لا یمکن الجمع بینهما، فاللازم أن یکون الفیصل فی ذلک أهل الحل و العقد أو الهیئات القضائیة العلیا، أمّا إذا أمکن التصالح بین
______________________________
(1) و هو دیفید ترومان.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 212
الرأیین فی الأخذ بأحدهما فی هذا الجانب من الحیاة و الأخذ بالآخر فی الیوم الآخر و الأخذ بأحدهما فی هذا الزمان و الأخذ بأحدهما الآخر فی زمان آخر، کان تلفیقا حسنا، و لکن هذه الأمور إنّما تتحقّق فی الحکومات الدیمقراطیة، أمّا الحکومات الاستبدادیة فهی تفعل حسب ما تشاء بدون الرجوع إلی الشعب أو بدون استشارة منه، و من الواضح أنّ فهم المواطنین تابع لاختلاف أمزجتهم، کما أنّ فهم رأیهم فی السیاسات الحکومیة فی مختلف مناحیها و أبعادها ضروریان للعملیة الإداریة تماما و إلّا لم یکن الحاکم شعبیا، و حتّی إذا کان شعبیا ثمّ لم یأخذ بذلک سقط کسقوطه نتیجة جرم أو جنحة کما سقط نیکسون «1» فی فضیحة و و ترغیت «2».
______________________________
(1) ریتشارد میلهوس نیکسون، ولد فی کالیفورنیا سنة 1913 م، و مات فی نیویورک سنة 1994 م.
سیاسی أمریکی، تزعم الحزب الجمهوری، و أصبح نائب رئیس الجمهوریة سنة 1953 م- 1961 م، ثم رئیسا للجمهوریة سنة 1968 م، و یعدّ الرئیس رقم 37. أعید انتخابه سنة 1972 م. أنهی حرب فیتنام سنة 1973 م. استقال فی 9 آب سنة 1974 م؛ إثر فضیحة ووترغیت السیاسیة، فخلفه نائبه جیر الدفورد. له عدة مؤلفات کتبها خلال الثمانینات من القرن العشرین، و نشر مذکراته سنة 1978 م.
(2) و و ترغیت: فضیحة سیاسیة أمریکیة، حدثت عند قیام الحزب الجمهوری بالتجسس علی الحزب الدیمقراطی المناوئ بواسطة تسلل خمسة رجال لمبنی و و ترغیت مقر اللجنة القومیة للحزب الدیمقراطی فی واشنطن سنة 1972 م إبان الحملة الانتخابیة الرئاسیة و انکشاف أمر هذه المحاولة.
إن جریدة واشنطن بوست و عبر الصحفی بوب و ودورد الذی عثر علی مصدر معلومات داخل البیت الابیض و هو «ماک فلت» الذی کان یشغل منصب نائب مدیر MBF. نشرت هذه الفضیحة و أثارت الشکوک حول البیت الأبیض و الرئیس الامریکی نیکسون، و فی البدایة حاول نیکسون تغطیة المسألة علی أنها حادث بسیط، و لکن بعد فترة اضطر إلی الإعلان عن تورط مساعدیه فی الفضیحة ثم عمد الی إقالة عدد من کبار مستشاریه فی البیت الأبیض کالکاتب العام للبیت الأبیض و المستشار القانونی للرئیس و وزیر العدل و المدیر العام للجنة اعادة انتخاب الرئیس فی الحزب الجمهوری کوسیلة للتنصل من مسئولیته الشخصیة و لاحتواء الأزمة و لکن الاستقالة طالته. عند ما اعترف رسمیا بتورطه
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 213
إنّ عدم أخذ الحکومة للرأی العام سواء کان عن عمد أو عن اشتباه یوجب تخدش السمعة و سقوط الشخصیة، فالشعوب تمثل تیارا واسعا کالنهر الجاری، بینما الحکومات لا تمثل إلّا جزءا صغیرا، فمهما کانت الحکومات قویّة فإنّها لا تصل لمستوی الشعوب فی قوّتها، فإذا تعارض الأمران کان السقوط من نصیب الحکومة؛ و لذا نشاهد حتّی الحکومات الدیکتاتوریة مهما کانت انحرافاتها فإنها تسعی لیل نهار إلی اکتساب رضی الشعوب من کلّ قلوبها، أمّا إذا کان تحصیلها بالقوّة فیصعب الاحتفاظ بها فی الظروف المعاصرة؛ لأنّ الظروف المعاصرة هی ظروف الشعوب، و لذا نشاهد أنّ الحکومات الدیکتاتوریة تتساقط الواحدة تلو الأخری، مثلا سقطت حکومة الاتّحاد السوفیتی علی سعتها و قوّتها و کثرة تجاربها و شدّة أجهزة المخابرات فیها؛ لأنّ شعوبها لم تکن راضیة عنها، و هکذا سقط من قبل نوری السعید «1»
______________________________
بالقضیة، و قدم استقالته فی آب 1974 م خوفا من مسائلته القانونیة. و مجریات الفضیحة کالتالی: فی البدایة اعتقل خمسة أشخاص بتهمة سرقة وثائق و وضع آلات تنصت هاتفیة لصالح الحزب الجمهوری، حیث دخل هؤلاء الأشخاص بحجة إصلاح مجاری المیاه، و هم من عناصر المخابرات الداخلیة IBF و المرکزیة AIC. و فی التحقیق اعترف بعضهم، بأنه قبض اموالا من الحزب الجمهوری للقیام بذلک العمل.
(1) نوری سعید صالح السعید، من تلامیذ لورنس، ضابط فی الأرکان البریطانیة، حیث کان معه منذ صباه و اشترک معه فی الحرب ضد العثمانیین، بعد أن کان ضابطا فی الجیش العثمانی، و یعد من رکائز بریطانیا فی الشرق الأوسط کما وصفه الرئیس المصری جمال عبد الناصر بذلک، و مؤیدا و مخلصا للعلاقات مع بریطانیا؛ کما وصفه السیر موریس بیترس السفیر البریطانی فی العراق بین عام 1938- 1939 م فی کتابه «جانبا الستار»، ولد فی بغداد سنة 1306 ه (1888 م) و قتل سنة 1377 ه (1958 م)، درس فی المدرسة الإعدادیة العسکریة و التی تخرّج منها سنة 1902 م، ثم سافر إلی اسطنبول للدراسة فی الکلیة الحربیة. و فی سنة 1906 م عین ملازما ثانیا فی الجیش العثمانی، و فی سنة 1911 م عین فی کلیة الأرکان فی اسطنبول و تخرج منها بعد سنتین، و نقل إلی المشارکة فی حرب البلقان فی منطقة اسکوبیا الیوغسلافیة. شارک مع الشریف حسین بعد أن ذهب إلی جدة، حیث عینه
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 214
______________________________
وکیلا للقائد العام للجیش العربی ثم رئیسا للأرکان. و فی سنة 1917 م سافر إلی القاهرة للعلاج من إصابة قدمه خلال إحدی المعارک ضد العثمانیین ثم ذهب إلی العقبة للاتصال بفیصل الذی کان قائدا للقوات النظامیة فی تلک المنطقة. و أصبح معاونا له. و قبل الحرب العالمیة الأولی بقلیل تولی نوری السعید قیادة جیش فیصل و دخل الشام منتصرا سنة 1918 م. ثم عین بعد ذلک بمنصب رئیس مرافقی فیصل. و فی الثانی و العشرین من تشرین الثانی بعد معرکة میسلون و تقدم الجیش الفرنسی علی بلاد الشام انهزم الملک فیصل و جیشه إلی خارج الشام. ثم بعد ذلک سافر إلی العراق برفقة فیصل الذی عینه الإنجلیز حاکما علی العراق. أصبح رئیسا للوزراء بین سنة 1349 ه- 1377 ه (1930 م- 1958 م) لأربع عشرة دورة و وزیرا للدفاع لخمس عشرة دورة و وزیرا للخارجیة فی إحدی عشرة دورة و وزیرا للداخلیة فی دورتین، وضع إمکانات العراق و قدراته تحت تصرف البریطانیین عبر التحالف معهم، و قد جعل العراق ضمن التکتلات الدولیة و التبعیة الاقتصادیة و سوقا لمنتجات الدول الاستعماریة، یقول عنه فیصل الأول: «إن نوری السعید کان یعتمد علی الوحی الذی یأتیه من الخارج أکثر من اعتماده علی رأیه أو رأی إخوانه». و یقول أحمد مختار بابان آخر رئیس وزراء فی العهد الملکی فی مذکراته ص 55: «کان- نوری- متمسکا بصداقة الإنجلیز اعتقادا منه بأن بلادهم هی الدولة الوحیدة التی یجب أن یرکن لها العراق». و یقول ولدمار غولمان السفیر الإمریکی فی العراق من سنة 1954- 1959 م فی کتابه «العراق فی عهد الجنرال نوری» عن علاقة نوری بإسرائیل: «إن تصریحات نوری السعید العلنیة عن إسرائیل کانت تختلف اختلافا شدیدا عما کان یقوله فی مجالسه الخاصة. کان نوری یقول فی مجالسه الخاصة: «إن وجود دولة إسرائیل حقیقة یجب أن تقبل».
و کان نوری السعید یکره المعارضة و لا یتحمل تأسیس الأحزاب، یقول بابان فی مذکراته ص 58 فی هذا الصدد: «یکره المعارضة ... و لا یتحمل تأسیس الأحزاب المعارضة ... و ما کان یمیل إلی حریة الصحافة».
و فی مکان آخر من نفس الصفحة یقول: «علیّ أن أقر أیضا کان نوری السعید ارتکب خطأ سیاسیا آخر حین أقدم علی غلق الأحزاب السیاسیة فإن الأحزاب المذکورة بقیت تمارس أعمالها فی الخفاء، فیما کان وجودها العلنی أضمن لصیانة الأمن و النظام». و یقول الدکتور صالح البصّام عن نوری السعید فی کتابه مذکرات و أسرار هروب نوری السعید: ص 144:
«کان شدید الحساسیة، سریع الانفعال، بل إنّ البعض وصفه بعصبیة المزاج»
راجع «للحیطان آذان و للشوارع ألسنة» للنشاشیبی ص 18، «العراق صفحات من التاریخ السیاسی» للدکتور کاظم الموسوی ص 15، «مذکرات أحمد بابان» لأحمد بابان ص 55، 58.
و «أعمدة الحکمة السبعة» للورنس، «العراق فی مذکرات الدبلوماسیین الأجانب» لنجدة فتحی صفوة، «أسرار هروب نور السعید» للدکتور صالح البصّام.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 215
و بعده سقط عبد الکریم قاسم و بعده سقط عبد السّلام عارف «1» و بعده سقط عبد الرحمن عارف «2» ثم أحمد حسن البکر «3»، فی مدّة لا تتجاوز العقد و نصف العقد من الزمن، و الآن آل الدور لصدام الذی هو الآن علی وشک السقوط «4»، هذا ما جری فی العراق.
أمّا ما جری فی مصر؛ فقد سقطت حکومة فاروق «5» و حکومة
______________________________
(1) عبد السلام عارف: ولد سنة 1339 ه (1921 م)، شارک مع عبد الکریم قاسم فی انقلاب 1958 م، و أذاع البلاغ الأول للانقلاب بنفسه، و کان آنذاک برتبة ضابط رکن. عین نائبا لرئیس الوزراء و وزیر للداخلیة، و نحی من منصبه بعد شهرین، و قدّم للمحاکمة و حکم علیه بالإعدام و لکن الحکم لم ینفذ و أطلق سراحه سنة 1961 م. تسلم الحکم فی العراق إثر انقلاب عسکری فی 14 رمضان سنة 1382 ه (8 شباط 1963 م)، قتل مع عدد من وزرائه فی 23 ذی الحجة سنة 1385 ه (13 نیسان 1966 م) إثر سقوط طائرته فی جنوب العراق، و فی عهده اشتدت اللعبة الطائفیة فی العراق و استهدف إفراغ العراق من أبنائه من المسلمین الشیعة قدر الإمکان. اتسم حکمه بالدیکتاتوریة و الکبت و الإرهاب و إسناد المناصب الحکومیة لأقربائه و أبناء عشیرته و قریته بغض النظر عن المؤهلات و الکفاءات.
(2) عبد الرحمن عارف: ولد سنة 1334 ه (1916 م)، عین قائدا للفرقة الخامسة سنة 1963 م بعد تولی أخیه منصب الرئاسة، ثم عین رئیسا للأرکان، و أصبح رئیسا للعراق سنة 1385 ه (1966 م)، بعد مقتل أخیه عبد السلام فی 13 نیسان 1966 م، نحی عن السلطة سنة 1388 ه (1968 م)؛ إثر انقلاب دبّره أحمد حسن البکر، و نفی إلی ترکیا.
(3) أحمد حسن البکر: ولد فی تکریت سنة 1333 ه (1914 م)، تسلم الحکم فی العراق 1388 ه (1968 م)؛ إثر انقلاب عسکری دبّره ضد عبد الرحمن عارف، و استمر فی الحکم إحدی عشرة سنة، و أقصی سنة 1399 ه (1979 م)؛ إثر انقلاب دبّره صدام التکریتی.
و قتله صدام سنة 1402 ه (1982 م) بحقنة سبّبت ارتفاع نسبة السّکر لدیه بواسطة الدکتور صادق علوش. و قیل الدکتور فاروق کما عن کتاب جمهوریة العراق الدیکتاتوری:
ص 145.
(4) و قد تحققت نبوءة الإمام المؤلف قدس سره فی 9/ 4/ 2003 عند ما أطیح بنظامه من قبل أسیاده الأمریکیین.
(5) فاروق بن فؤاد بن اسماعیل الخدیوی، ولد سنة 1920 م، و مات فی روما سنة 1965 م.
أرسله أبوه فی صباه إلی فرنسا و إنجلترا للتعلّم، و عاد إلی مصر بعد وفاة أبیه سنة 1936 م، حکم مصر بین 1937 م- 1952 م، أطیح به إثر انقلاب عسکری قاده الضباط
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 216
عبد الناصر «1» و حکومة السادات «2»، و هکذا بقیة الحکومات و الأنظمة فی البلاد الدیکتاتوریة التی کتبت علیها سنة السقوط.
و بعض الحکام سقطوا بصورة مشینة و ذلیلة؛ فنوری السعید سحبوه فی الطرقات و الشوارع بعد أن قتلوه شر قتلة، و شاه إیران- محمد رضا- أخرج من البلاد بصورة مهینة، و لم یجد من یقبل إیواءه علی الرغم من کثرة أصدقائه و من أغدق علیهم الأموال الطائلة ثم آل أمره إلی القتل.
هذه دروس و عبر لکلّ الحکام، بأنّ مصیر الاستبداد و الظلم أوّل من ینال منه الحاکم نفسه. ثم إنّ الاستقرار لا یتحقّق فی ظل الحکام المستبدّین، بل طریق الاستقرار هو وجود الحکم الصالح من جانب و وجود تفاعل من قبل الشعب من جانب آخر. قال أمیر المؤمنین علیه السّلام: (من استبدّ برأیه هلک) «3»، و لم یأت
______________________________
الأحرار فی 23 تموز سنة 1952 م، حیث أجبر علی التنحی عن العرش، و بذلک أطیح بالملکیة فی مصر و قیام الجمهوریة.
(1) جمال عبد الناصر، ولد فی الإسکندریة سنة 1336 ه (1918 م)، و توفی سنة 1390 ه (1970 م)، التحق بالکلیة الحربیة سنة 1937 م، و عین أستاذا فیها بعد ذلک، قادة انقلاب 23 تموز 1952 م، تولّی رئاسة الوزراء سنة 1373 ه (1954 م)، و اتّخذ الاشتراکیة کنظام لإدارة البلد، و تولّی رئاسة الجمهوریة سنة 1375 ه (1956 م)، و استمر حکمه إلی سنة 1390 ه (1970 م)، من مؤلفاته: فلسفة الثورة.
(2) محمد أنور السادات، ولد سنة 1918 م فی المنوفیة المصریة، و تخرّج من الکلیة العسکریة سنة 1938 م. شارک فی الانقلاب علی الملک فاروق سنة 1952 م مع الضباط الأحرار حیث اسندت إلیه مهمة قطع الاتصالات الهاتفیة و احتلال دار الاذاعة. أصبح عضوا فی مجلس قیادة الثورة الذی تولی السلطة بعد طرد الملک فاروق، و عین سنة 1954 م عضوا فی محکمة الشعب التی تولت محاکمة أعضاء حرکة الإخوان المسلمین. اصبح رئیسا لمجلس الأمة المصری بین سنة 1961- 1968 م و نائبا لرئیس الجمهوریة سنة 1969 م و رئیسا للجمهوریة سنة 1970 م. اغتیل فی السادس من تشرین الأول سنة 1981 م من قبل الشعب المصری إثر توقیعه هزیمة العار و المصالحة مع إسرائیل.
(3) نهج البلاغة: ص 500 قصار الحکم، الحکمة 161، غرر الحکم و درر الکلم: ص 443 القسم
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 217
النص ب «و أهلک»؛ لوضوح أنّ فاقد الشی‌ء لا یعطیه.
و الادّعاء بأنّ الحاکم الفلانی مؤیّد من قبل الشعب مائة بالمائة هو نوع من الخداع، و هو خداع للحاکم نفسه قبل أن یکون خداعا للشعب.
و إذا زعم الحاکم أنّه یستند إلی الرأی العام ثمّ تبیّن له أنّه لم یکن کذلک، فلا بدّ له أن یرجع عن الطریق الذی سلکه، فالسیر بعد الوضوح یکون سببا لقرب السقوط أو السقوط الحتمی، و لذا اشتهر المثل القائل: «الرجوع عن الباطل حق، و الرجوع عن الخطأ فضیلة»، و سابقا کان الحکام من فرط إنسانیتهم یتجوّلون متخفّین بین رعایاهم لیتعرّفوا علی مشاکلهم و لیعرفوا سیرة موظّفیهم و جنودهم مع الشعب. فقد کان رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم و أمیر المؤمنین علیه السّلام یتفقدان الرعیة فی النهار و اللیل، و کان الإمام علی علیه السّلام علی استعداد دائم لسماع الشکاوی، فکان بیته مفتوحا للشارد و الوارد بل لم یکن لبیته فی الکوفة- حسب ما ذکره بعض المؤرخین- بواب و حجّاب مما اعتاد علیه الحکام و الملوک و القیاصرة حتّی یسهل الدخول إلیه. و کان یتجوّل فی الأسواق و الأزقّة یأمر بالمعروف و ینهی عن المنکر.
و فی إحدی المرّات دخلت علیه امرأة، و قالت له: «أنصفنی من زوجی» فأخذها إلی بیتها و طرق الباب علی الزوج و أخذ ینصح الزوج، و کاد الزوج یهین الإمام علیا علیه السّلام لتدخّله بینه و بین زوجته لو لا سماعه طارقا یسلّم علی الإمام بإمرة المؤمنین، فعرف أن ذلک الشخص هو أمیر المؤمنین علیه السّلام «1».
______________________________
السادس ب 4 الفصل الأول ح 10111، خصائص الأئمة: ص 108، وسائل الشیعة: ج 12 ص 40 ب 21 ح 15587، بحار الأنوار: ج 72 ص 104 ب 48 ح 38 ط بیروت، شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید: ج 18 ص 382.
(1) عن سیرة الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم و الإمام علی علیه السّلام. راجع کتاب: و لأول مرة فی تاریخ العالم، الفقه السیاسة، باقة عطرة، السبیل إلی إنهاض المسلمین، حکومة الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم و الإمام
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 218
و علی الحاکم أن یکتشف رغبات الناس أو باصطلاح الیوم: الرأی العام.
و فی البلدان المتقدمة یجرون عملیّات استطلاع للآراء، فهی الوسیلة المثلی لمعرفة رغبات الشعوب، فقد قال إبراهام لنکولن: «إن ما أریده هو ما یریده الناس، لکن لا أعلم کیف أعرف ما یریدون علی وجه الدقة؟» «1».
أقول: کان صادقا فی قوله و کان زعیما مخلصا لشعبه، لکنّ عصره لم یکن عصر تقدّم حتّی یکتشفوا طرق الاستطلاع، و من أجل معرفة الرأی العام بدقّة لا بدّ من وضع رقابة علی أجهزة الاستخبارات، فلا بدّ من وجود جهاز ضدّ الاستخبارات لمراقبة أعمال أجهزة الاستخبارات، و هذه هی الوسیلة المثلی لتقصی الحقیقة، و قد نقل لی أحد الأشخاص الذین کانوا معتقلین فی سجون أحد الحکام المستبدّین أن أمره کان علی و شکّ الحکم علیه بالإعدام فکتب رسالة إلی الملک یوضح فیه حکایته، و لم تمض إلّا أیّام حتّی وصل مبعوث الملک و هو یطلب منه أن یرتدی ملابسه لإطلاق سراحه من السجن، لم یکن لیمر بخلده ذلک لأنّ أقصی ما کان یتوقّعه هو الحکم علیه بالمؤبّد. و بعد استقصائه عرف أنّ الملک بعث عنصرا من استخباراته الخاصّة للتحقیق فی أمر السجین و بعد التدقیق فی ملفاته تبیّن له أنّه إنسان بری‌ء فقام بإطلاق سراحه من السجن.
و مشکلة الحاکم المستبدّ أنّه لا یستطیع التوصل إلی الحقائق و معرفة الرأی العام؛ لأنّ الأجهزة المرتبطة به کلّها مصبوغة بصبغة الدیکتاتوریة و الاستبداد،
______________________________
علی علیه السّلام للإمام الراحل قدس سره.
(1) و قد ذکرت العبارة بصیغة أخری، و هی: «إن ما أریده هو إنجاز ما یرغب الشعب فی إنجازه، و تتمثل المسألة بالنسبة لی فی کیفیة التعرف علی وجه الدقة» راجع کتاب الرأی العام، استطلاعات الرأی و الدیمقراطیة: ص 11 للمؤلف إیرفنغ کرسبی.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 219
فلا یقدر أن یصل إلی الحقائق من خلال هذه الأجهزة، فأجهزة الإعلام لا تنقل إلّا ما یریده الحاکم المستبدّ المتسلّط علی الرقاب.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 220

کیف نحصل علی الرأی العام؟

مسألة: بما أن الرأی العام أمر اکتسابی، فیجب أن نعرف کیفیة تحصیله «1»؟
فالرأی العام لیس خاصا بالمدن و لا بالشخصیات الکبار و لا بذوی النفوذ أو من أشبه. و إنّما یعم القری أیضا و الأشخاص المتوسّطین و الدرجة الثالثة فی المرتبة الاجتماعیة، فالرأی العام إنّما یکون بأخذ آراء هؤلاء جمیعا، فمن الواضح أنّ ذوی النفوذ و الحلّ و العقد و من أشبههم تعرف آراؤهم بسرعة، و إذا تمکن الإنسان من الوصول إلی جمیع طبقات الشعب، فلیس المعیار هو أهل الحلّ و العقد فقط؛ فإنّ أهل الحل و العقد إنّما کان لهم اعتبار، لأنّ رأی الناس إلی جانب آرائهم، مثل شیخ العشیرة؛ فهو الذی یعطی الرأی لعشیرته و یکون أفراد العشیرة تابعین لرأیه، أمّا فی الوقت الحاضر فالإنسان یتمکّن من الوصول
______________________________
(1) یری البعض أنّ تحصیل الرأی العام یتم عبر: 1- إثارة المشکلة أو الموضوع. 2- مناقشة المشکلة أو الموضوع. 3- الوصول إلی الاتفاق الجماعی حول الحل. بمعنی إثارة المشکلة أو الموضوع و إیصالها إلی عامة الناس عبر وسائل الاتصال ثم یتبلور رأی الناس عبر المقترحات، فیحدث عندهم ردّ فعل یکون بمثابة التعبیر عن موقفهم.
و یری الإمام المؤلف قدس سره أن تحصیل الرأی العام لإقامة حکومة دینیة یحتاج الی أربعة أمور:
1- طبع مئات الملایین من الکتب التوعویة الداعیة إلی الشوری و التعددیة الحزبیة و إطلاق الحریات الإسلامیة و الداعیة إلی الأخوة و إلی إزالة الحدود الجغرافیة و ما أشبه.
2- التمسک بالأخلاق الحمیدة التی دعی و عمل بها الأنبیاء علیهم السّلام.
3- قضاء حوائج الناس مادیا و معنویا عبر إنشاء مؤسسات تقوم بهذا الغرض.
4- دخول رجال الدین فی کل مرافق الحیاة کما کان إبّان الحکم الإسلامی. راجع کتاب الحریة الإسلامیة: ص 32- 34 للمؤلف قدس سره «باختصار».
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 221
إلی جمیع الآراء بسهولة، فلا مورد للعمل برأی أهل الحل و العقد دون سائر الآراء، لأنّ العمل وفق رأی الحل و العقد فی ظرف یمکن الوصول فیه إلی جمیع الآراء یکون انحرافا عن الرأی العام.
و من الواضح أنّ الوسائل السمعیة و البصریة بل و اللمسیة لفاقدی البصر و من أشبههم إنّما تعطی جملة من الرأی لا الرأی کلّه؛ فلذا من عادة البلاد الدیمقراطیة أنّ کثیرا من الصحافیین و الإذاعیین و من أشبههم، یتّصلون بالفرد فی الشارع سواء کان بقالا أو عطارا أو حمالا أو رجلا أو امرأة؛ صغیرا و کبیرا، ممّا یکوّن عینة من عینات الرأی العام.
ثم یدرجون ذلک فی إذاعاتهم و تلفزیوناتهم و صحفهم و ما أشبه ذلک، فاللازم أخذ الرأی العام أوّلا ثم صبّه ثانیا، لأنّ أخذ الرأی العام لا یحکمه اتجاه واحد أو کیفیة واحدة حتّی یکون أخذ الرأی العام کافیا.
مثلا: البلاد الشیوعیة تحوّلت من الشیوعیة لکنّها لا تعلم أنّ الاقتصاد الصحیح هو الاقتصاد الإسلامی، فالمفترض أن یتعرّف المنظّرون و الموجّهون من المخطّطین و المنفذین علی الاقتصاد الإسلامی لیتمکّنوا من تحقیق أمانی شعوبهم و ما یطمحون إلیه فی الاقتصاد السلیم.
و ربّما کان هناک اقتصادان تحت جامع واحد لکن أحدهما أفضل من الآخر؛ إذ الحقّ إذا کان فی الجامع کان کل جزئیاته داخلا فی الحقّ، لکنّه هل یرجح هذا الحقّ علی ذلک أو ذلک علی هذا، کما ذکرناه فی کتاب القضاء؛ حیث قال سبحانه و تعالی: وَ دٰاوُدَ وَ سُلَیْمٰانَ إِذْ یَحْکُمٰانِ فِی الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِیهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَ کُنّٰا
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 222
لِحُکْمِهِمْ شٰاهِدِینَ. فَفَهَّمْنٰاهٰا سُلَیْمٰانَ وَ کُلًّا آتَیْنٰا حُکْماً وَ عِلْماً «1»، فلم یکن الأمر علی سبیل التناقض و التضاد، و إنّما کان علی سبیل جزءین داخلین تحت کلّی واحد، لکن کان رأی سلیمان أفضل؛ و لذا قال سبحانه و تعالی: فَفَهَّمْنٰاهٰا سُلَیْمٰانَ «2»، علی قصة مذکورة فی التفاسیر و التواریخ و کتب الأحادیث.
و علی کلّ حال: ففی المرتبة الثانیة یحتاج الرأی العام إلی التخطیط، و فی المرتبة الثالثة یحتاج إلی التطبیق و التنفیذ؛ لأنّه لا یکفی التخطیط فقط و إنما ینبغی معرفة سبل التنفیذ؟.
فلو کان الرأی العام إلی جانب الصناعات الثقیلة، یکون السؤال کیف یتم تنفیذ الصناعات الثقیلة فی هذه المدینة أو تلک أو کیف یتمّ التقسیم بینهما.
و من الأمثلة علی الصناعات الثقیلة: سباکة الحدید و استخراج المعادن، و الجامع أنّه یجب أوّلا أن یعرف الکلّی ثمّ یجب أن یعرف الجزئی الذی تحت هذا الکلّی، و أنّه ما هو الأفضل هل هذا الجزئی أم ذاک؟ و إلی ذلک أشار أحد العلماء الذین عالجوا الأمر من هذه الناحیة قائلا: «علی الحاکم الذی یضع برنامجا من أی نوع کان؛ سواء کان إعلامیا أو تنمویا أو استثماریا، علیه أن یفتح عینیه علی الجمهور أثناء تنفیذ البرنامج، فهو لا یستطیع أن یستخدم أجهزة الاتّصال القویة دون أن یفتح عینیه علی استجابات الجمهور، فکل فرد من هذا الجمهور یرید أن یتحدّث عبر وسائل الاتّصال، فعلی المسئولین علی الإعلام أن یراعوا هذه الحقیقة؛ لأنّ الجمهور مستعدّ لأن یسمع الوسیلة المعنیة بمشکلاته، ذلک أنّ قلیلا من المسئولین عن الإعلام هم الذین یزورون
______________________________
(1) سورة الأنبیاء: الآیتان 78- 79.
(2) سورة الأنبیاء: الآیة 79.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 223
القری و التجمّعات السکانیة النائیة فی محاولة للتعرّف علی مشاکل المواطنین أو لالتقاط أفلام عمّا یجری فی تلک المناطق النائیة، و جمع الآراء من رجل الشارع، و لئن کانت هذه اللقاءات السریعة کافیة لمعرفة بعض الآراء لکنها لیست کافیة للتقییم العلمی»، ثمّ لما کانت الدنیا فی تطوّر دائم من الحسن إلی الأحسن، فالمفترض مراعاة هذه الجهة أیضا بالنسبة إلی المعنیین فی الأمر، فالأمر لیس علی وتیرة واحدة حتی تبقی إذا وضعت صحیحة؛ لأنّ الجمهور قد یتحوّل من حال إلی حال، فإذا لم یؤدّ المسئول وظیفته حسب نظر الجمهور سقط عن الاعتبار بالإضافة إلی أنه لم یتمکّن أن یخدم الشعب خدمة صحیحة، و إلی هذا أشار أحد الغربیین «1» من الذین اهتمّوا بهذا الأمر و قال: «لقد وجد الحاکم فی دراسة الرأی العام وسیلة ممتازة لاتّصاله بالشعب، فالإحصاءات هی التی تساعد الحکّام علی التعرّف إلی احتیاجات البرامج الناشئة عن احتیاجات الشعب، و من ثمّ فإنّهم یجرون تغییرات فی البرامج تبعا للتغیرات فی سلوک الجماهیر، کما یتعلّمون علی الفرص المناسبة لوضع إجراءات أفضل نتیجة فهم أکبر للجمهور».
لقد أشار هذا العالم إلی جزئی واحد من جزئیات الأمر؛ لأنّ تغییر الأجزاء قد یکون نتیجة فهم أفضل للجمهور، و قد یکون نتیجة تحوّل الجمهور من حال إلی حال مثل حال الفقر إلی الغنی أو حال الضعف إلی القوّة أو حال المرض إلی الصحّة أو بالعکس أو حال فقدان العداء للحاکم إلی حال وجود العداء للحاکم، و لعلّه تبعا لهذا الواقع الخارجی، قال سبحانه و تعالی: کُلَّ یَوْمٍ هُوَ فِی
______________________________
(1) و هو مارتن کرایز برج.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 224
شَأْنٍ «1»، و إن کان قوله سبحانه و تعالی أعم مما ذکرناه؛ لأنّه یشمل سائر الشئون التی نحن لسنا بصددها الآن، و لعل الحدیث المروی عن الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم (لو استقبلت من أمری ما استدبرت لفعلت کما أمرتکم) «2»، و هذا لیس من جهة تغییر علم الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم و إنّما من جهة تغییر المتعلّق؛ إذ التغییر قد یکون فی العلم، و قد یکون فی المتعلّق، مثلا: قد یکون لدینا نور لکن الإنسان لا یستطیع رؤیته فیحکم علی حسب وجود الظلام ثم یری النور، و هذا من تغییر العلم، و قد یکون من تغییر المعلوم مثلا: لم یکن هنا نور، فإذا تغیّر الظلام إلی النور کان له حکم آخر، و فی وجود النور قد یکون شیئا منوّرا بهذا النور ثمّ یذهب ذلک الشی‌ء و یجی‌ء شی‌ء آخر فیکون منوّرا بهذا النور، فالتغییر لم یحصل فی النور، و إنّما حصل فی متعلّق النور ممّا ذکره الفلاسفة و الحکماء و المتکلّمون فی باب علم الله سبحانه و تعالی.
______________________________
(1) سورة الرحمن: الآیة 29.
(2) من لا یحضره الفقیه: ج 2 ص 236 ح 2288، الکافی (فروع): ج 4 ص 249 ح 6، وسائل الشیعة: ج 11 ص 222 ب 2 ح 14657، و قریب منه فی الکافی (فروع): ج 4 ص 246 ح 4، تهذیب الأحکام: ج 5 ص 25 ب 4 ح 3، و ص 454 ب 26 ح 234، وسائل الشیعة: ج 11 ص 214 ب 2 ح 14647.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 225

الرأی العام و مختلف القوی

مسألة: لا شکّ أنّ فی الاجتماع قوی مختلفة سیاسیة و اقتصادیة و اجتماعیة و مالیة و زراعیة و غیرها، و هذه القوی غالبا ما تتعارض مصالح بعضها مع البعض الآخر، و الرأی العام إنّما یتضح عند ما یعرف الإنسان نسبة هذه القوی بعضها ببعض، و یستنتج آراء هذه القوی فمثلا القطاع الزراعی یرید تخصیص أکثر میزانیة الدولة للزراعة بینما یعمل القطاع الصناعی علی إحلال أکثر هذه التخصیصات للصناعة، کما أنّ المشرّعین ینظرون إلی صحّة و سلامة القانون حسب عقولهم و دراساتهم الحقوقیة و القانونیة، بینما الاقتصادیون یرون ما ینفعهم فی عالم الاقتصاد سواء روعیت الموازین القانونیة و الحقوقیة أم لم تراع، و لذا فالرأی العام یجب أن یکون مستوعبا للجمیع حتّی لرجال القانون و للقواعد الفقهیة العامّة و الحقوق و ما أشبه ذلک لکی یکون الرأی العام شیئا معتدلا بین جمیع القوی و أقرب إلی الأکثریة، و مع ذلک فالإنسان الذی یستطلع الرأی العام بحاجة إلی إرضاء الجمیع، فهناک ثلاثة أمور لا بدّ من ملاحظتها:
1- آراء کل فئة.
2- النسبة بین هذه الآراء.
3- إمکانیة إرضاء الجمیع أو قریب منه.
و هی ضروریة لمن یرید أخذ زمام المجتمع، و لذا فاللازم فی التوجیه السیاسی التوجه الکافی نحو الحاجات و إلی جمع الأفکار و المفاضلة بینها، و لذا قال أحد الساسة الغربیین فی الحملة الانتخابیة لسنة ألف و تسعمائة
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 226
و اثنتین و ستین: «یبدو أن أکثر من ثلثی المرشحین لمجلس الشیوخ الأمریکی کلفوا من یستطلع لهم الرأی العام، و واحد من کل عشرة مرشحین، استخدم مسحا إحصائیا فی حملته الانتخابیة. علی أن التباین بین استخدام مرشحی الشیوخ و بین استخدام مرشحی الکونغرس راجع إلی القدرات المالیة أکثر من الرغبة».
و یضیف هذا السیاسی: «و فی نفس العام تجاوز عدد الاستعلامات التی تلقیناها من مرشحی الکونغرس عن الاستفتاء لهم، جملة من الاستفتاءات التی قمنا بها للمرشحین طوال مدّة عملنا فی میدان الاستفتاء» «1».
أقول: من هنا یتبیّن لنا أنّ الرأی العام المعتدل الذی هو معیار الانحطاط و الارتفاع بحاجة إلی مهارة و دقّة فی الاستطلاع و المسح. هذا، و بعد ذلک، یجب أن یعلم أنّ کلّ سنة تختلف الأمور فیها عن السنة السابقة بالنسبة إلی الرأی العام؛ ارتفاعا أو انخفاضا، و أحیانا یؤدی خطا واحد من الرئیس إلی ارتفاع کفّة الطرف الآخر کما حدثت حوادث کثیرة فی هذا المضمار «2»، و علی اصطلاح الأصولیین: «الاستصحاب غیر مساغ فی أمثال هذه الأمور»، و إن کان الأصحّ أنّه لا وحدة للموضوع فی الحالین السابق و اللاحق، بینما یشترط فی الاستصحاب وحدة الموضوع عرفا، فالمهم ملاحظة الرأی العام بالقیاس إلی ما ذکرناه.
______________________________
(1) راجع کتاب: الرأی العام و تأثره بالإعلام و الدعایة: الکتاب الأول: ص 279 للدکتور محمد عبد القادر حاتم.
(2) أمثال فضیحة و و ترغیت فی أمریکا، التی کونت رأیا عاما ضاغطا علی الساحة السیاسیة، و أدت إلی استقالة الرئیس الأمریکی نیکسون عن الحکم سنة 1973 م، و کذا مساءلة الرئیس بیل کلنتون عن علاقته غیر المشروعة مع الموظفة السابقة فی البیت الأبیض مونیکا لونیسکی.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 227

الرأی العام فی الدول الدیکتاتوریة

مسألة: لا یمکن تحصیل الرأی العام الواقعی فی الدول الدیکتاتوریة إطلاقا؛ لأنّ الدیکتاتور یحاول أن یجیر کل شی‌ء لصالحه، و قد رأینا فی بعض أنظمة الحکم کیف أنّ أجهزة الاستخبارات کانت توجّه الرأی العام لانتخاب الحاکم المفروض علی الشعب.
و من کان یخالف ذلک کان جزاؤه السجن و التعذیب و الإعدام و مصادرة الأموال و التشرید و هتک الأعراض و ما أشبه ذلک.
و أذکر فی هذا الصدد ما کتبته مجلة البعث الإسلامی، التابعة لجمعیة العلماء فی الهند، فی أحد أعدادها: «أنّ جمال عبد الناصر و جماعته قرروا أنواعا من التعذیب و التی منها هتک العرض لکلّ من لا یؤیّد الثورة»، و معنی من لا یؤیّد الثورة هو من لا یؤیّد عبد الناصر بالذات.
و هکذا کان فی عهد تشاوشسکو «1» فی رومانیا المثل المشهور عند الناس:
«التفکیر ممنوع و النطق یساوی الإعدام».
و فی عهد عبد الکریم قاسم سنّ قانونا أنّ من یتطاول علی المقدّسات
______________________________
(1) نیقولای تشاو تشاوشسکو: سیاسی رومانی، ولد سنة 1918 م فی سکورنیسشتی، أصبح أمینا عاما للحزب الشیوعی الرومانی سنة 1965 م، و رئیسا للدولة سنة 1967 م، و رئیسا للجمهوریة سنة 1974 م. عرف باستبداده و بطشه و قتله للناس. تخلّص منه الشعب الرومانی سنة 1989 م حیث أطیح بحکمه، و قتل مع زوجته فی تیرغوفیشتی. راجع ملحق موسوعة السیاسة: ص 253.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 228
الإسلامیة بالسب و ینال من الخالق المتعالی أو من الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم فإنّ عقوبته هی ربع دینار، أما من یسب عبد الکریم قاسم فجزاؤه السجن عشر سنوات، و هذا الأمر نجده فی أکثر بلدان العالم الثالث.
و من الطبیعی فی مثل هذه الأوضاع الاستبدادیة لا ینمو الرأی العام و لا یزدهر. بعکس ما هو الحال إذا کانت الدولة تعیش نظاما دیمقراطیا «1»- فی الاصطلاح الغربی-، أو نظاما استشاریا- حسب الاصطلاح الإسلامی- علی ما هو موجود من فروق بینهما «2»؛
______________________________
(1) الدیمقراطیة: کلمة یونانیة مرکبة من: «دیمس» و «قراطیس» أی حکم الشعب لصالح الشعب، و هو نظام سیاسی یحکم الشعب فیه نفسه بنفسه، و قوامه الحریة و المساواة و المشارکة الجماعیة فی الحکم عبر التمثیل و إبداء الرأی و المعارضة و فصل الدین عن الدولة و غیرها، بصورة رسمیة او غیر رسمیة. و الدیمقراطیة لدی اللاتین: امحاء الإرادة و حسن المبادرة لدی الفرد لکی یصبح تابعا للدولة، فالدولة هی المسئولة عن القیادة و تطبیق المرکزیة و احتکار تیسیر الأمور و التصنیع. و الدیمقراطیة لدی الأمریکان: بمعنی التنمیة المکثّفة للإرادة و للفرد أی امحاء الدولة و ضعف دورها فی تیسیر الأمور ما عدا الجیش و الدبلوماسیة. راجع الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة: ج 4 ص 1755.
(2) إنّ المؤلف قدس سره ذکر الدیمقراطیة و جعلها مرادفة للاستشاریة من باب التماشی مع البحث أو للاشتراک الإجمالی، و إلّا فإنه یری وجود فوارق عدیدة ذکرها فی کتابه الشوری فی الإسلام: ص 77، و الفقه- السیاسة، و الفقه- فلسفة التاریخ: ص 190. و من جملة الفروق الأخری:
1- السیادة فی النظام الدیمقراطی هی للشعب، بمعنی أن الشعب هو سید نفسه و لیس هناک قوة أعلی من الشعب. بینما السیادة فی نظام الشوری للقانون: «القرآن الکریم و السنة النبویة» فحتی الحاکم لا بد أن یخضع للقانون الإلهی: بل و حتی الأنبیاء و الأئمة علیهم التقیّد بهذه القوانین.
2- الشعب هو الذی یسن القوانین فی النظام الدیمقراطی، بینما فی الإسلام لا حق لأحد فی سن القوانین، فالأحکام هی من اللّه سبحانه، و اللّه کشف عنها فی کتابه أو جعلها مخفیة لحکمة، و طلب من العلماء الکشف عنها و استنباطها.
3- یأخذ النظام الدیمقراطی بالأکثریة علی أنه الحق بینما یأخذ الإسلام بهذا المبدأ من باب الترجیح فقط، فرأی الأکثریة لا یمثل الحق فی النظام الإسلامی، فقد یکون الحق مع
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 229
حیث إنّ الحریات الإسلامیة أکثر من الحریات الغربیة علی ما ذکرنا ذلک فی کتاب «ممارسة التغییر» و کتاب «الصیاغة الجدیدة» و غیرهما.
______________________________
الأقلیة.
و مما یؤخذ علی الدیمقراطیة فقدان الارتباط بین الحریة الفردیة و الحکم الدیمقراطی، و هذا ما تجلی بوضوح فی روسیا فی عهد فردریک الأکبر، حیث وجدت الحریات الفردیة و انعدمت الدیمقراطیة، و کذا فی عهد جوزیف الثانی فی النمسا حیث حافظت علی الحریة الفردیة و الحقوق الذاتیة أکثر من الدیمقراطیة الفعلیة، و مما یؤخذ کذلک ان الدیمقراطیة الأمریکیة قائمة علی التصویت الانتخابی دون التصویت الشعبی.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 230

من معوقات الرأی العام

مسألة: ینبغی التوجه للعوامل التی تتدخل سلبا فی صنع الرأی العام، و من هذه العوامل عدم المسح الجغرافی للمدن و القری و عدم وجود الاستشاریة و انتشار الأمّیة، فالأمیة مؤداها إعاقة حریة التعبیر و بالتالی أفول الرأی العام. فإنّ الناس فی تلک الحالة یتحولون إلی إمّعات لا یجعلون لأنفسهم قدرا و لا وزنا، و إنّما یقول أحدهم: أنّا مع رئیس العشیرة الفلانیة، و إنا مع رئیس الحزب الفلانی، أو مع القوم الفلانی، أو أنا مع القوی، هؤلاء الذین شعارهم «حشر مع الناس عید»، و الذین قال فیهم أمیر المؤمنین علیه السّلام: (همج رعاع أتباع کل ناعق) «1».
و کذا من العوامل التی تتدخّل فی الرأی العام سلبا أو إیجابا: العادات المحلّیة و أنظمة العائلة و التقالید العشائریة أو ما أشبه ذلک، فلا بدّ أن یعی مهندسو الرأی العام هذه العادات و التقالید؛ حتی لا یصطدموا بها.
______________________________
(1) نهج البلاغة: ص 495 قصار الحکم، الحکمة 147، الإرشاد: ج 1 ص 227، اعلام الدین:
ص 85، الأمالی للطوسی: ص 20 المجلس الأول ح 23، الأمالی للمفید: ص 247 المجلس التاسع و العشرون ح 3، الخصال: ج 1 ص 186 ح 257، روضة الواعظین: ج 1 ص 10، الغارات:
ج 1 ص 89، کمال الدین: ج 1 ص 293 ب 26 ح 2.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 231

المواقف و علاقتها بالرأی العام

اشارة

مسألة: الموقف عبارة عن مجموعة أنماط من الاستجابات علی شکل سلوک أو قول حول حادثة معیّنة. مثلا: موقف الشخص الفلانی من الاعتداء علی صدیقه، أو موقف الحکومة المعیّنة من حرب البوسنة و الهرسک، أو موقف الحزب الفلانی من التصالح و التحارب مع الجماعة الفلانیة، أو الحکومة الفلانیة «1».
و بالمواقف المشترکة بین الأفراد یصنع الرأی العام، ثم إنّ الموقف قد یحرّکه عامل واحد أو عدة عوامل، کأن یقف زید من عمرو موقفا عدائیا؛ و ذلک لأنّ عمرا فی المکان المعیّن أقدم علی الاستهانة بزید فولّد عند زید ردّ فعل معیّنا؛ إمّا حبّا أو بغضا أو خوفا أو اطمئنان أو ما أشبه ذلک، سواء کان العامل واحدا کعامل الحبّ أو بسبب متعدّد کعامل الحبّ و الخوف مما سبب هذا الموقف لهذا الإنسان أو لهذه المنظّمة أو لهذا الحزب أو لهذه الحکومة.
و الموقف إنّما یقال له: موقف، إذا کان نابعا عن الحقیقة لا عن الصورة؛ لأنّه قد یکون موقف فلان من فلان موقف الحب لکنّه لا یظهر هذا الحب بل أحیانا یظهر الکره و البراءة لجهة أهم، فیکون موقفه الظاهری مخالفا لموقفه
______________________________
(1) و عرفه بعضهم علی أنه: عملیة وعی الفرد الذی یحدد النشاط الحقیقی أو المحتمل لنظره فی القیمة الاجتماعیة و التصرف بأی شکل من الأشکال هو الرباط الذی یربط بینهما.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 232
الباطنی، و الموقف الموحّد من جماعة لا یلزم أن یکون وراءه شی‌ء واحد بل یمکن أن یکون وراءه أشیاء مختلفة، مثلا: هناک عدد کبیر یذهب إلی البحر لکن البعض یذهب لصید الأسماک و البعض الآخر یذهب للسباحة و واحد یذهب للاستفادة من ملح البحر أو ما أشبه ذلک، فالموقف واحد بالنسبة إلی الذهاب إلی البحر لکن ما وراء الموقف یکون مختلفا.
کما و أنّ الموقف الواحد لا یلزم أن یکون متساویا کما و لا کیفا؛ إذ قد تختلف المواقف فی الکم و الکیف علی حسب الظروف الداخلیة و العوامل الخارجیة، فإنّ الذین حضروا کربلاء لقتل الإمام الحسین علیه السّلام کانت دوافعهم مختلفة من طلب المال أو الجاه أو المنصب، و بعض من حضر کان إمّعة أو همجا رعاعا أتباع کلّ ناعق- علی المثل الذی ذکرناه- «حشر مع الناس عید»، و إن اختلفت الأهداف و الغایات و الدوافع فإنّ الموقف واحد فی جمیع هؤلاء.
و المواقف بطبیعتها متحرّکة غیر جامدة، بل أحیانا تنمو کنمو الشجر، و أحیانا تتأثّر و تتغیّر بصورة بطیئة أو بصورة سریعة، أو یظهر التغییر بدون هذه الأمور بل لعامل هام هو أنّ الأمّة عند ما تتحوّل إلی «إمّعة»، یتغیّر رأیها بتغیّر رأی قادتها، فمثلا: نجد أن سوریا و مصر اتّحدتا فی عهد جمال عبد الناصر حتّی انبثقت الجمهوریة العربیة المتّحدة، لکن لم یمض وقت طویل حتّی تغیّر هذا الموقف فوقف جمال عبد الناصر و خطب فی إحدی المرات منددا بسوریا و حکامها و مطالبا بضربهم و قتلهم، و أخذت الجماهیر الملیونیة المحتشدة تقول: «اقتل اقتل. اضرب اضرب. حق حق»، و یقولون بأنّ جمال عبد الناصر هو رجل الحرب و رجل الإنقاذ و ما أشبه ذلک من الألفاظ، و لم یمر علی هذا الکلام وقت طویل حتّی أعلن جمال عبد الناصر قائلا: «إنّی فکرت أن
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 233
لا أضرب الدم العربی بالدم العربی و لذا أفضل أن أتریث فأکون رجل السّلام حتّی یتبین الموقف الصحیح». و إذا بالجماهیر الملیونیة تغیّر موقفها تبعا لذلک و أخذت تردّد بدل «القتال القتال»، «السّلام السّلام، الأخوة الأخوة» و ما أشبه ذلک. فالموقف قد تغیّر رأسا علی عقب بعد فترة وجیزة؛ لأنّهم إمّعات لا یفکّرون بالاستقلال.
إنّ مثل هذه الأمور تحدث فی الدول الدیکتاتوریة، أمّا الدول الدیمقراطیة فلا تحدث فیها مثل هذه الأمور إطلاقا، نعم یمکن تغییر المواقف بسبب تغییر الأسباب الواقعیة أو بسبب نمو المواقف أو ما أشبه ذلک، و المجتمعات الراکدة المنعزلة یکون عدد المسائل الخلافیة فیها قلیل جدّا، أمّا فی المجتمعات الدیمقراطیة و المتحرّکة المواقف؛ فکثیرا ما تتغیّر لتغیّر أسبابها فتتغیّر فیها المواقف کما یتغیّر الطقس من البرودة إلی الحرارة أو بالعکس، و من الرطوبة إلی الیبوسة أو بالعکس حسب تغییر الأسباب التکوینیة، فإنّ الأسباب التشریعیة کالأسباب التکوینیة فی التغیّر و النمو و أیضا فی الجمود.
و من هنا یتبیّن أنّ رأی أفلاطون فی مسألة التغییر لیس علی نحو الموجبة الکلّیة و إنّما علی نحو بعض الجزئیّات، فإنّ رأیه هو «أنّ التغییرات فی الرأی تفرض بالقوّة تحت تأثیر شدّة الألم أو الحزن الجسمی أو النفسی، فالبسطاء هم الذین یغیّرون آراءهم تحت تأثیر السرور أو تحت تأثیر الخوف الحاد أو تحت تأثیر اللذّة المترقّبة».

أسباب التغییر فی الرأی العام

و قد ذکر أحد علماء الغرب «1» أنّ التغییر المفاجئ فی الرأی لدی الجماهیر
______________________________
(1) و هو العالم أ. ه. باجیت.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 234
الکبیرة، یکون للأسباب التالیة:
1- أنّ رأی الجماعة، الذی لا یقوم علی أساس من الفهم الدقیق بنقاط البحث، و لا تدعمه ارتباطات قویة بحکم مسبق ثابت، هو رأی سهل التقلّب أو التفکک.
2- أنّ کثیرا من تعبیرات الرأی العام لیست إلّا تمسّکا فارغا بالشکلیات، و قد یبدو أنّ التغیّرات فی الرأی قد تحدث عرضا عند تغییر الخطاب من أسلوب إلی آخر.
3- قد یتغیّر رأی الجماعة بسرعة بسبب عدم الحکمة و سوء التصرف عند أولئک الذین یحاولون توجیه الرأی، فالقادة قد یغالون فی ثقة الشعب فیهم و مسایرتهم لهم و من ثمّ یحاولون المغالاة فی إحداث التغییرات.
4- أنّ الرغبة العامّة عند أعضاء الجمهور الکبیر فی الاستجابة إیجابیا، عبر التصویت بنعم علی المقترحات، فی حین أنهم یظلّون محتفظین بشکوکهم، و من ثمّ قد تغیّر الغالبیة رأیها بسرعة کبیرة، و قد تأکّد ذلک الأمر بالتجربة.
5- أنّ الجمهور عامّة یعترض علی المواقف لا علی المبادئ، و من ثمّ قد تحدث التغییرات الفجائیة فی الرأی إذا تعدّل الموقف.
6- أنّ دخول قوّة شخصیة جدیدة تمثل بوضوح مسألة من المسائل، هو مما قد یحدث تغیّرا مفاجئا فی الرأی، أمّا الحقائق و الأسباب و البراهین فقلّما کان لها سیطرة ثابتة علی عقول معظم الناس.
إذا التغییر فی الرأی إنّما یکون بسبب ما یطرأ علی الرأی السابق شکلیا أو واقعیا، فشکلیا هو أن یکون الإنسان إمّعة یتّبع من فوقه بلا مناقشة، و إنّما یکون کذلک إمّا من خوف أو رغبة أو حبّ أو ما أشبه ذلک، أمّا إذا کان عن واقعیة؛ إنّما یکون کذلک لأنّه إذا اشتهی الإنسان شیئا غیر الشی‌ء الذی یرغب
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 235
فیه، تکوّن لدیه فی الأوّل الرؤیة ثمّ العاطفة ثمّ الشکّ ثمّ الظنّ ثمّ الیقین حتّی ینقلب الرأی السابق إلی رأی لاحق، و هکذا یکون حال جمیع الأمور حتّی الدین. مثلا: الولد الجاهلی الذی یولد فی مجتمع یعبد الأصنام، أولا یری هذا الولد الصنم و بعد ذلک یعطف علیه ثم یدخل مرحلة الشک و إثارة الأسئلة، هل هو صحیح أو غیر صحیح؟ و بعد ذلک یصل شکّه إلی الظن بصحّته، و من ثم یتیقّن، و لذا جاء الأنبیاء لیمهدوا للإنسان خطو هذه الخطوات للمضی فی هذه المراحل حتّی تتبدّل نظرتهم و تتغیّر آراؤهم. و هکذا حتّی بالنسبة إلی المفردات، و لذا اشتهر بین المفسّرین أنّ الخمر منع علی شکل ثلاث مراحل لتجذّره فی أعماق المجتمع، و قد أشار القرآن الکریم إلی ذلک فی آیات ثلاث «1».
و أحیانا یغیّر الناس مواقفهم تحت ضغط عامل خارجی، ثمّ إذا ارتفع ذلک العامل رجع الناس إلی مواقفهم السابقة، و لا یلزم أن یکون التغیّر من رأی إلی رأی کلّیا؛ لأنّه من الممکن أن یکون التغیّر جزئیا علی نحو العموم المطلق أو علی نحو العموم من وجه علی اصطلاح المنطقیین. ثمّ إنّه کلّما کثرت اتّصالات بعض الناس ببعضهم کثر تغیّر المواقف کلّیا أو جزئیا؛ لأنّ الرأی الجدید الآتی من مکان غیر مکان الجماهیر قد یکون له من القوة و الواقعیة ما یسبب التغییر، و لهذا نشاهد أنّ الذین یسافرون من البلاد الصغیرة إلی البلاد الکبیرة یغیّرون آراءهم، و کذلک العکس؛ المسافر من البلد الکبیر إلی البلد
______________________________
(1) و هکذا فی إتیان الواجبات، مثلا أن اللّه سبحانه و تعالی أخّر وجوب الصلاة إلی لیلة الإسراء لأنه لو أوجبها فی ابتداء الإسلام لنفروا من ثقلها علیهم، و أخّر وجوب الزکاة إلی ما بعد الهجرة النبویة الشریفة. للتفصیل عن هذا الموضوع راجع کتاب: لما ذا تأخر المسلمون؟: ص 144 و کتاب الوصول إلی حکومة واحدة اسلامیة للإمام المؤلف قدس سره.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 236
الصغیر یتغیّر رأیه بحسب مفاهیم البلد المنقول إلیه، و یشیر إلی هذا ما ورد عن أفلاطون من أنه عرّف حدود المدینة بأنّها مقدار ما یصل إلیه صوت الإنسان، و هذه إشارة إلی أهمّیة الاتصال فی بناء المدینة و المجتمع.
و کما أنّ الرأی الجدید یسبّب تغییر الرأی السابق و تبعا لذلک یتغیّر الموقف، کذلک البیئة و الحالات الاقتصادیة و الحالات الاجتماعیة، مثلا البیئة الحارّة تفرز آراء لیست کذلک فیما إذا کان هؤلاء فی البیئة الباردة، و کذلک البیئة ذات الدخل الاقتصادی المرتفع تختلف عن البیئة ذات الدخل الاقتصادی المنخفض.
و بناء علی هذا، فالرأی العام أیضا ظاهرة من ظواهر الإنسان، حاله حال اللغة و التشبیهات و الاستعارات و الکنایات و المحسنات اللفظیة و البدیعیة و ما أشبه ذلک، کما سبقت الإشارة إلی ذلک عند الحدیث حول الحقائق الفطریة الثابتة فی أیة بیئة أو مکان أو زمان أو اقتصاد أو ارتفاع أو انخفاض أو جبل أو سهل، أمّا غیرها فتتأثّر بمختلف البیئات و الاجتماعات، و قد ذکر علماء الکلام أنّ المعاجز أیضا کذلک، فنبی الله موسی علیه السّلام لما کان فی عصر السحرة أتی بشی‌ء من المعجزات التی تشابه عمل السحرة، حیث إنهم کانوا یصنعون الحبال و العصی لیخیّل للناس أنّها تسعی، و موسی جاء بالعصا التی تنقلب حیّة بإذن الله سبحانه و تعالی حقیقة، فهم یسحرون أعین الناس، أمّا موسی فیعمل الحقیقة.
و نبی الله عیسی علیه السّلام کان فی زمن انتشر فیه الطبّ و الأطبّاء المهرة الذین یعالجون الأمراض الممیتة و یدفعون الموت مهما أمکن عن المریض الذی یشرف علی الموت، و لذا جاء بمعجزات إبراء الأکمه و الأبرص و إحیاء الموتی و ما أشبه ذلک. و رسول الإسلام صلی اللّه علیه و آله و سلم و إن کثرت معاجزه کما ورد فی کتب
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 237
السیر «1» إلّا إن أهمّ معجزاته القرآن الحکیم الذی هو من جنس الفصاحة و البلاغة التی کانت دارجة عند عرب الجاهلیة، و لیس معنی ذلک أنّ إعجاز القرآن خاص فی هذه الناحیة، بل هذه هی الناحیة البارزة من إعجاز القرآن و إلّا فإعجاز القرآن بأسباب متنوّعة؛ و لذا یعتقد بإعجازه حتّی فی عالم الذرّة بل و ما بعد الذرّة و إلی یوم یبعثون، و إلی هذا أیضا یشیر قوله سبحانه و تعالی: کٰانَ النّٰاسُ أُمَّةً وٰاحِدَةً فَبَعَثَ اللّٰهُ النَّبِیِّینَ مُبَشِّرِینَ وَ مُنْذِرِینَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْکِتٰابَ بِالْحَقِّ لِیَحْکُمَ بَیْنَ النّٰاسِ فِیمَا اخْتَلَفُوا فِیهِ وَ مَا اخْتَلَفَ فِیهِ إِلَّا الَّذِینَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَتْهُمُ الْبَیِّنٰاتُ بَغْیاً بَیْنَهُمْ فَهَدَی اللّٰهُ الَّذِینَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِیهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللّٰهُ یَهْدِی مَنْ یَشٰاءُ إِلیٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِیمٍ «2»، قوله «اختلفوا» بسبب أنّ جماعة منهم یظنّون أنّه لیس بحق من جهة إما تقلیدا أو عدم التفات أو ما أشبه ذلک، فیبتعدون عنه و إلّا فقبل ذلک کان الناس أمّة واحدة، لها شأنها و خصوصیّاتها الجامعة المشترکة.
______________________________
(1) أمثال انشقاق القمر، و نبوع الماء بین أصابعه، و إشباع أربعین شخصا من بنی هاشم من الطعام القلیل عند نزول آیة: وَ أَنْذِرْ عَشِیرَتَکَ الْأَقْرَبِینَ، و تسبیح الحصی فی کفّه، و حنین الجذع، و إقبال الشجرة إلیه، و عبوره مع الجیش علی الماء، و تکلیمه الذئب و الثعبان و الجانّ و الضّب و الظبیة و الطیر و الناقة و الحمار، و التصاق الحجر بید أبی جهل حین هم أن یرمی الرسول بها، و شهادة الحجر و المدر برسالته، و تسلیم الرکن المغربی علیه، و إدرار شاة أم معبد حین مسّها بیده و لم تکن قبله بسنة قد درّت. و قد أحصی بعض العلماء معاجز الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم فبلغت أربعة آلاف معجزة.
(2) سورة البقرة: الآیة 213.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 238

مظاهر الرأی العام

اشارة

مسألة: من الأرکان المهمة فی تجمیع الرأی العام هو استخدام اللغة و التی تتجسد عبر الإیماء و الکلام و اللمس المثبتین و الصورة، و إلیک تفصیل هذه الأمور:

الإیماء

و هی إیماء الحرکات البدنیة من الید و الرجل و العین و الرأس بإشارة نعم أو لا أو ما أشبه ذلک، و کل ما یطلق علیه «الإیماء» هو شکل من أشکال التعبیر عن الآراء، و للدلالة علی موقف الإنسان سواء کانت مطابقة للواقع أو لم تکن مطابقة للواقع، و المطابقیة و عدمها لیستا من بحثنا الآن، و إنّما البحث فی المظهر، فهی لغة الإشارة الصامتة، و الغالب أنّه یستعملها عمّال السکک الحدیدیة و عمّال البناء و طلبة الکشافة و الاستخبارات و رجال الجیش فی حال الحرب و غیرهم، و قد تکون تلک الإشارات طبیعیة فی اتّصالات الأطفال أو حرکات وجوههم، و قد لا تکون طبیعیة بل بالتعلیم عبر الإشارات، و قد تکون من دلالات الجماعات الثقافیة المشترکة.

الکلام

ممّا یدلّ علی الرأی العام أیضا هو الکلام، و الکلام هو التلفظ سواء کان
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 239
کلاما اصطلاحیا بین نفرین أو جماعة أو کلاما عاما بین قطاعات کبیرة ممّا یسمّی باللغة، و اللغات جزء من ثقافات کلّ الشعوب سواء کانت شعوبا بدویة أو شعوبا حضریة.
و الطفل أوّل ما یولد یکون مزوّدا بالإشارات الطبیعیة ثمّ یتعلّم اللغة تدریجا لفظا و معنی، بأن یعرف أنّ هذا اللفظ لهذا المعنی، و هذا اللفظ لذاک المعنی.
و الکلام کالإیماء یدلّ علی الرأی إذا کان إنشائیا، أمّا الکلام المقروء فلا یدلّ علی الرأی العام.
و لا یخفی أنّ المحسنات البدیعیة ممّا ذکرها علماء البلاغة إنّما هی لکثرة تمکن المتمکّن من جمال الکلام لیؤثّر فی السامع أحسن تأثیر سواء کان المقصود منه تفهما مباشرا و لو بالملازمة، و مما یذکر أنّ رجلا أراد قتل رجل فی الصحراء، فقال له الرجل المقتول: إذا قتلتنی فإنّی أرجو منک رجاء واحدا هو أن تذهب إلی بیتنا و تقرأ هذا الشطر من البیت الشعری علی ابنتی:
ألا أیّها البنتان إنّ أباکما
و بعد أن ارتکب الرجل جریمة القتل ذهب فعلا إلی بیت الرجل المقتول، و أنشد شطر البیت، فلمّا سمعتا البنتان منه ذلک أخذتا بتلابیبه و قلن له: أنت القاتل. لأنّهما أدرکا مراد والدهما من شطر البیت:
ألا أیّها البنتان إنّ أباکما قتیل، خذا بالثأر ممّن أتاکما «1»
______________________________
(1) راجع المستطرف: ج 1 ص 126، کشکول البهائی: ج 2 ص 90، و نظیر هذا الشعر جاء فی موت الشاعر أبو لیلی عدیّ بن ربیعة التغلبی المشهور بالمهلهل:
حیث کان مریضا و له عبدان یخدمانه فملّا منه، فلمّا أحسّ أنّ العبدین یریدان قتله أوصاهما أن ینشدا ابنته سلمی بیتا من الشعر، و هو:
من مبلغ الأقوام أنّ مهلهلا للّه درّکما و درّ أبیکما
فلمّا أنشداها البیت أوثقت العبدین و قالت: ما أراد أبی إلّا أن یقول:
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 240
و لا فرق بین القراءة و الکلام فی إظهار الرأی سواء کان مثیرا أو غیر مثیر کما یستعمله دعاة الحروب و السّلام و ما أشبه ذلک، کما أنّ اختلاف اللغات و اللهجات یحول دون جمع الناس فی نسق واحد؛ لذا اتفق عقلاء العالم علی توحید اللغة بین الأقوام المختلفة، و من هذا المنطلق جعل القرآن الحکیم اللغة العربیة هی لغة المسلمین بصورة عامّة فی صلاتهم و غیر ذلک، و قد اندفع المسلمون من غیر العرب علی تعلّم اللغة العربیة تحت لواء الإسلام فجعلوها لغتهم الرئیسیة، و البعض جعلها لغته الثانیة بعد لغته الأمّ، فشعوب العراق و مصر و سوریا و بلاد الخلیج و المغرب و السودان و لیبیا جعلوا اللغة العربیة لغة الأم، أمّا فی إیران و ترکیا و باکستان فقد جعلوها اللغة الثانیة بالإضافة إلی لغتهم الأصلیة.

اللّمس

و اللّمس یقوم مقام الکتابة عند فاقدی البصر و نحوهم، فالحواس الخمس هی الطریق إلی الذهن الباطن، و الطریق إذا سدّت تعوّض بطریق أخری کالعین و اللّمس، و قد لا یکون کذلک الذوق فإنّه لا یمکن تبدیله إلی شی‌ء آخر بحیث یؤدّی الرسالة نفسها، و اللمس هو وسیلة الاتّصال الطبیعیة عند طبقة واسعة من المجتمع، و بالتالی هو إحدی وسائل تکوین الرأی العام.______________________________
من مبلغ الأقوام أنّ مهلهلا أضحی قتیلا فی الفلاة مجدّلا للّه درّکما و درّ أبیکما لا یبرح العبدان حتی یقتلا
راجع: أدباء العرب: ج 1 ص 90.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 241

الصورة

تساهم الصورة مساهمة کبیرة فی الترویج للرأی العام، فهی خیر معبّر عمّا یرید صنّاع الرأی العام «1»، و الیوم أصبحت الأفلام السینمائیة هی الوسیلة المثلی للترویج و الدعایة و تکوین الرأی العام، و لأهمّیة الأفلام و أثرها الحاسم قام بعض الإیرانیین فی أیّام رضا بهلوی بصنع فیلم عن ملوک إیران السابقین الذین نشروا فی طول البلاد و عرضها اللوعة و الأسی. و قد أثّر هذا الفیلم تأثیرا کبیرا فی الجماهیر الإیرانیة؛ حیث أظهر ارتباط الشاه بالدوائر الاستعماریة، فأمر رضا بهلوی بإعدام من کان وراء الفیلم، فأعدم العدید من صناع الفیلم جراء عملهم المؤثّر.
و فی مثال آخر قام الجیش الأمریکی بصنع مجموعة من الأفلام تحت عنوان «لما ذا نحارب؟» برّر فیها دوافع الجیش الأمریکی فی شن القتال، الأمر الذی أقنع الشعب الأمریکی بالأهداف الحربیة، و قد قام فریق بدراسة نتائج هذه الأفلام فتوصّل إلی النتیجة التالیة: إنّ هذه الأفلام کانت فعالة فی تغییر الآراء فی بعض الموارد؛ لأنّها أعطت تفسیرا خاصا لبعض الحقائق.
و الیوم تقوم الولایات المتّحدة بشن هجماتها علی الدول و الشعوب تحت ذریعة مکافحة الإرهاب، فهی ترتکب الإرهاب تحت هذه التسمیة، و هی تستخدم فی هذا الأمر کافّة وسائلها الإعلامیة، و منها بالطبع التصویر السینمائی و التلفازی.
و لا ریب أنّ الصهاینة تفنّنوا کثیرا فی توجیه الرأی العام نحو مصالحهم
______________________________
(1) فالصورة تقوم بوظیفة: 1- التأطیر بإظهار الحجة و العاطفة 2- التحریر بالتلبیس و المغالطة 3- التوصیل لأجل الاستشهاد و الإثبات.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 242
الخاصّة عند ما استخدموا الشریط السینمائی «1» فی بث الدعایة الصهیونیة، و قد حقّقوا إنجازات إعلامیة کبیرة عند ما استطاعوا تغییر الصورة عن أنفسهم و الظهور بمظهر المظلوم، بینما هم الذین غصبوا الأراضی الفلسطینیة. فقد رکّزوا علی قتل الیهود بید النازیین فی معسکرات الأسر و صنعوا کثیرا من الأفلام فی هذا المضمار و استطاعوا تغییر النظرة العامّة إلی الیهود من الکراهیة إلی الحیادیة أو الإیجابیة، لأنّ من طبیعة الإنسان الوقوف إلی جانب المظلوم، ففی أعماق الإنسان شحنة کبیرة من العواطف، تنجذب نحو المظلوم، و قد استطاع الیهود استدرار عواطف العالم إلی جانبهم، و أخذوا یروّجون لقصص کاذبة لا أساس لها امثال محرقة الیهود «2».
______________________________
(1) و من تلک الأفلام: لیل و ضباب، لا ترمان، المحرقة، الموت مهنتی، الشواه الحدیدی و الذی خصّص مناحیم بیغن 850 ألف دولار من أجله.
(2) و قد فضح تلک الأکاذیب الکاتب و المفکر الفرنسی روجیه غارودی فی کتابه الأساطیر المؤسّسة للسیاسة الإسرائیلیة. حیث کشف فیه ما فعلته الصهیونیة العالمیة و لسنوات طوال من الهرطقة السیاسیة و احتلال العقول و المصادرة للمفاهیم.
و ذکر غارودی فی کتابه: إن ما أشاعه الیهود من الإبادة الجماعیة فی معسکرات الاعتقال فی زمن هتلر لا یستند إلی حقائق واقعیة، و ذلک للأسباب التالیة: أ- إن الأرقام التی ذکروها لا تستند الی تحقیق تاریخی، حیث ذکروا ستة ملایین- استنادا إلی أقوال شخصین فقط هما ولهام هوثل و فیلیسنی- ثم تراجعوا إلی أربعة ملایین ثم إلی ملیون و ربع الملیون ثم إلی أقل من ملیون. علما أن عدد الیهود الذین کانوا یعیشون فی ألمانیا لم یتجاوز نصف العدد الذی ذکروه، لأن حق المواطنة یشترط فیه عنصر الدم الألمانی. ب- أن الأرقام التی ذکروها لا تستند إلی تحقیق علمی، فإنه لا توجد أی وثیقة موقّعة من قبل هتلر أو أحد اعضاء حکومته بإبادة الیهود، خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار المدة التی حکم فیها هتلر، و هی عشر سنوات، أربع منها لجمیع أوربا. بل العکس أن الیهود ظلّوا یعیشون فی أوربا و أن بعضهم تعاون مع هتلر ضد بریطانیا بما فیهم منظمة مجموعة لیحی- المحاربین من أجل إسرائیل- التی کان یرأسها لجنة ثلاثیة من بینهم إسحاق شامیر، و التاریخ یحدّثنا عن ذلک التعاون عبر اتفاقات الهعفراه- التی تسمح بموجبها للیهود و أصحاب الرسامیل بنقل رءوس أموالهم من ألمانیا إلی فلسطین، و عبر مقترحات التعاون العسکری، و هی
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 243
و الأفلام التی من هذا القبیل قد تؤثّر بصورة سریعة أو قد لا تؤثّر بتلک السرعة. و عمل الصور کعمل النبتة، فبعض النباتات تثمر بعد ثلاثة أشهر، و بعضها یثمر بعد ستة أشهر، و بعضها یثمر بعد سنة أو أکثر.
و لا فرق هنا بین کون الصورة علی شکل تمثیلیة أو فلم أو لوحة أو بوستر، و قد ذکر فی التاریخ أنّ الصینیین اشتهروا بمقولة: «صورة واحدة خیر من ألف کتاب».
و الغالب أنّ الرأی العام یکون تجمیعا کمیا للآراء المرتبطة، مع وضوح أنّ التجمّع فی الآراء المختلفة للأفراد المختلفین لا یمثّل إلّا الکم، و لیس المهم فی هذا الباب الکم فقط، بل لا بدّ من رعایة الکیف أیضا.
و الإحصاء الکیفی أمر یحتاج إلی المزید من الدقّة و الملاحظة، مثلا أساتذة الجامعات و علماء الدین و المفکرون و أمثالهم من الشخصیات المتفوقة فکریا لا یمکن أن یعدّ رأیهم مثل رأی البقّالین و الحمّالین و طلاب المدارس الثانویة
______________________________
مقترحات قدّمها إسحاق شامیر للسلطات الهتلریة سنة 1941 م، و عبر مقترحات الوکالة الیهودیة من أجل تقدیم عشرة آلاف شاحنة لهتلر بشرط أن تستخدم ضد السوفیات-. ج- أن المعلومات التی اعتمد علیها خلافا للقواعد المتّبعة فی المحاکم، حیث لم یتحقق أحد من سلامة النصوص و الشهود- خصوصا بناء شهادتهم علی السماع دون المشاهدة و الاعترافات تحت التعذیب- و لا نوع سلاح الجریمة- أ هی ناقلات خانقة أم غرف غاز-. د- لم یتوصل الخبراء و المحققین إلی غرف الغاز فی معسکرات الاعتقال، إذ أعلنوا أن الإبادة غیر ممکنة تقنیا، هذا إضافة إلی أن بعض المعسکرات التی ذکرها الیهود لم یکن لها وجود أصلا. ه- أن الاکثریة الساحقة من المنفیین فی معسکرات الاعتقال لم یکونوا من الیهود، فقد کان هناک أربعمائة ألف جندی سوفیتی و مائة و خمسون ألف مجری و ما بین ستمائة ألف إلی سبعمائة ألف بولونی و مائتان و خمسون ألف فرنسی، و من بین هؤلاء الفرنسیین خمسة و عشرون ألف جندی یهودی، فقد عاد من الجنود الفرنسیین بین ثمانین ألف إلی مائة ألف- بما فیهم خمسة عشر الف یهودی- فلو کان هناک معسکرات إبادة لذکروا هؤلاء.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 244
و ما أشبه ذلک، لأن الرأی الحصیف لا یقاس بغیره.
و قد یعترض معترض علی هذا الکلام بقوله: إنّ الإسلام ینظر إلی البشریة نظرة متساویة فی الحدود و القصاص و الدیات، و هو ینظر إلی المجاهدین نظرة متساویة فی أمر تقسیم الغنائم إلی غیر ذلک من الأمثلة، فکیف لا تقبلون بتساوی الآراء؟
و فی الجواب نقول: هذا أمر صحیح لا نقاش فیه لکن تقسیمات المجتمع علی أساس التقوی و العلم أمر موضوعی لا یقبل النقاش أیضا، کما لیس هناک منافاة بین الأمرین بین موضوع الدیات و الحدود و القصاص و بین موضوع التقسیم الطبیعی للمجتمع. فالإسلام یقرّ باختلاف المراتب بناء علی التقوی و العلم، کما أنّه یقرّ بالمساواة أیضا، و قد ورد الدلیل فی الدعاء الشریف: (یا من فی المیزان قضاؤه) «1»، فإنّ القضاء العادل لا یمکن تحقّقه فی هذه الدنیا؛ حیث لا توجد موازین دقیقة للمفاضلة، و حتّی فی القوانین الغربیة التی تفرّق بین فرد و فرد فی العمد أو الخطأ، فإنّ ذلک جزئی من جزئیات القوانین؛ حیث إنّ أکثر القوانین لا تتمکّن من الفروق، و منها عدّ الآراء فی مسألة الدیمقراطیة، فالغرب یعطی الحکم لمن له أکثر الآراء مع وضوح أنّ الآراء مرتبطة کیفا لا کما فحسب؛ و لذا یقول غاندی: «نحن لا نعرف أحسن من الدیمقراطیة فی الحکم لا لأنّ الدیمقراطیة هی الصیغة الحسنة فحسب بل فی التفکیر صیغ أحسن منها لکن لا علاج لنا إلّا بها».
و یقول أحد علماء الغرب إشارة إلی ذلک: «إنّ القصور الکامن فی استقصاء
______________________________
(1) البلد الأمین: ص 406 دعاء الجوشن الکبیر، مصباح الکفعمی: ص 252 الفصل الثامن و العشرون، بحار الأنوار: ج 91 ص 389 ب 52 ح 3 ط بیروت، الدعاء و الزیارة: ص 196 للمؤلف قدس سره.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 245
الرأی العام کما یحدث الآن إنّما یقع فی طریقة أخذ العینات، فطریقة أخذه للعینات حالیا تضطره إلی التعامل مع المجتمع کأنّه مجتمع متکوّن من أفراد متنافرین، و بالتالی فإنّ الرأی العام بدوره یعتبر حصیلة کمیة لآراء المجتمع بأسره، و هذا الأسلوب فی الواقع لا یمکن الرکون إلیه؛ لأنّ رأی أفراد محدودین لا یمثل رأی المجتمع بأسره، فأفراد العینة لا یمکن أن یمثلوا إلّا ذلک الجزء من المجتمع و لا یمثلون المجتمع المتماسک فی هیکل واحد و الذی یشکل الجزء المکوّن للرأی العام حول مسألة معیّنة.
و کون العینة تضم عددا منهم أو حتّی عددا کبیرا منهم أمر محتمل جدّا، لکن فی مدی لا یمکن تحدیده، و لیس فی استقصاء الرأی العام فی الطریقة التی یجری بها حالیا ما یفید بشی‌ء فی هذا الشأن، و هناک ما هو أهم، فحتی مع فرض أنّ العینة تضمّ أفرادا یشترکون فی تکوین رأی عام معیّن فلیس لدینا بیانات عن دورهم فی العملیة، فإنّنا باختصار لا نعرف شیئا عن قیمة أو أهمّیة الفرد فی العینة أو أهمّیة رأیه فی الرأی العام الذی یتجمع أو الذی یعبّر عن نفسه فی عملیّة المجتمع».
و الحاصل: لا موازین دقیقة عندنا فی هذا العالم حسب ما نفهمه؛ للفرق بین الأفراد سواء فی الأمور الاجتماعیة أو الاقتصادیة أو السیاسیة أو ما أشبه ذلک. فی الامتحانات- مثلا- یکون میزان الإجابة عن عشرة أسئلة من عشرین سؤالا؛ لیعبر هذا الشخص اختبار النجاح، لکن من الواضح أنّ الأفراد مختلفون و إن أجاب کلهم علی الأسئلة العشرة لا أنّهم مختلفون فی مقدار الذکاء و القدرة علی الحفظ فقط، بل لأنهم مختلفون فی سائر الخصوصیات کحدّة الذهن أو تقدیم المجتمع إلی الأمام إذا وصل إلی مرحلة الإنتاج و غیر ذلک، فالإنسان کما هو مجهول فی ذاته؛ کما یقول ألکسیس کارل صاحب
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 246
کتاب «الإنسان ذلک المجهول»، کذلک مجهول فی مقاییسه و موازینه و سائر خصوصیاته، و إنّما الموازین المجعولة تکون مشترکة فی الغالب و هی علی الاصطلاح «جهة المقل» لا أکثر من ذلک، و حتّی إذا فرضنا أنّنا میّزنا بین الطبقات بمختلف الامتیازات- مثلا فی الإرث میّزنا بین العالم و الجاهل- فهل العلماء کلّهم متساوون و الجهال کلهم متساوون؟!، أو فرضا أنّا میّزنا فی العدول بین عدول العلماء و عدول الجهّال، فهل عدول العلماء فی مرتبة واحدة و عدول الجهّال فی مرتبة واحدة حتّی نقول مثلا العادل إذا کان عالما کان له ضعف رأی العادل الجاهل؛ و لذا قال أحد علماء الغرب: «إنّ الرأی العام له وضع فی المجتمع و هو وظیفة من وظائف هذا المجتمع فی سیره، هذا أوّلا.
و ثانیا: إنّ المجتمع له نظامه و تنظیمه و لیس مجرّد تجمّع من أفراد متنافرین.
و ثالثا: إنّ الجماعات الوظیفیة تعمل بالطرق المسموحة فی المجتمع.
و رابعا: إنّ الأفراد الذین یتّخذون القرارات یواجهون ضرورة تقدیر مختلف المؤثّرات و المزاعم و الطلبات و الإلحاحات و الظروف التی تعترضهم.
و خامسا: إنّ تکوین الرأی العام یحدث بقدر کبیر عن طریق التفاعل بین الجماعات.
و سادسا: إنّ الرأی العام بالمعنی الحقیقی یتکون من نمط الآراء المختلفة و المواقف بالنسبة للمسائل التی تعرض للأفراد الذین علیهم أن یتصرّفوا استجابة للرأی العام».
و النتیجة: لا علاج إلّا من التساوی بین الآراء من غیر فرق بین آراء أهل المدینة و أهل البادیة و القریة و بین آراء العلماء و الجهلاء و بین آراء الخبراء من العلماء و غیر الخبراء منهم، و هکذا إلی فروق کثیرة، و لعلّه إلی هذا کان یشیر رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم فی القسم بین زوجاته؛ حیث کان یقول: (اللهم هذا قسمی
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 247
فیما أملک فلا تؤاخذنی فیما تملک و لا أملک) «1».

الدقة فی استخدام اللغة

و یأتی الکلام أخیرا فی الألفاظ التی تکون بین السائل و المجیب ممّن یرید جمع الرأی العام، فیجب أن یکون ذا دلالات قاطعة لا اختلاف فیها بین السائل و المجیب، بأن یفهم المجیب من السؤال القصد نفسه الذی یکون عند السائل و إلّا سأل شیئا و أجیب بشی‌ء آخر، مما لا تتطابق الأجوبة مع الأسئلة تطابقا تماما، و قد تعرّض الأصولیون و الفقهاء إلی أمثال هذه المباحث فی مثل مبحث الإنشاء و الإخبار، و من باب المثال لا من باب التطبیق علی محلّ الکلام أنّ ما ذکروه فی بحث الإنشاء و الإخبار من جواب المصلّی للسّلام علیه، فإنّ بعضهم قال: «یجیب المصلّی إجابة قرآنیة لا إجابة إنشائیة؛ فرارا من المحذور، کون جواب الکلام کلاما من آدمی فی الصلاة و هو مبطل»، و البعض قال: «إنّ الشارع هو الذی خصّص مبطلیة کلام الآدمی فی الصلاة بالجواب عن السّلام فلا محذور فی قصد الإنشاء»، هذا بالإضافة إلی أنه کثیرا ما یختلط الجدّ بالتهکّم و التوریة باللغز، و لذا نشاهد أنّ کثیرا من الناس یقولون شیئا ثمّ یقولون: إنّی أعنی ما أقول، یریدون بذلک تأکید أنّه علی نحو الجدّ لا علی نحو التهکّم و اللغز و الکتابة و الإشارة و ما أشبه ذلک.
و الحاصل: أنّ الرأی العام إنّما یکون رأیا عاما واقعیا فی هذا الموضوع الذی ذکرناه أخیرا فیما إذا کان السائل و المجیب یفهمان الألفاظ علی نحو فهم واحد لا علی نحو أفهام مختلفة من الجدّ و غیر الجد، و حتّی أفهام مختلفة علی نحو
______________________________
(1) غوالی اللآلی: ج 2 ص 134 ح 364. و نظیر ذلک فی المبسوط: ج 4 ص 155، مسالک الأفهام:
ج 12 ص 429، السنن الکبری للبیهقی: ج 7 ص 298.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 248
العموم و الخصوص المطلق أو العموم و الخصوص من وجه.
و قد ورد فی السنة المطهّرة أنّ فقیرا تکفّف من النبی صلی اللّه علیه و آله و سلم فقال لأحد أصحابه: قم و اقطع لسانه، فأخذ بیده الصحابی؛ حیث لم یفهم کلام رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم و حمله علی معناه اللغوی، فأراد قطع لسانه، لکن أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب علیه السّلام تدارک الموقف، و قال: إنّ کلام الرسول کنایة عن إعطائه شیئا حتّی لا یتکلّم، لا أن تقطع لسانه بالسکین «1».
قال بعض الکتّاب: «قد ثبت أنّ عددا کبیرا من الناس الناطقین باللغة الإنجلیزیة ینطقون باللفظ الإنجلیزی بعکس ما یعنون، کأن: یتلفّظون بلفظ
______________________________
(1) عند ما رجع الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم من غزوة الطائف سنة ثمان الی الجعرانة، بمن معه من الناس و تقسیم ما أصاب من الغنائم یوم حنین بها فی المؤلّفة قلوبهم، و لم یکن فی الأنصار منها قلیل و لا کثیر، قال: و قد کان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلم اعطی العباس بن مرداس بن أبی عامر أربعة من الإبل، فسخطها و اراد أن یکون عطاءه بمقدار الأقرع بن حابس و عیینة بن حصن و هو مائة من الإبل و أنشأ یقول:
أ تجعل نهبی و نهب العبید بین عیینة و الأقرع فما کان حصن و لا حابس یفوقان شیخی فی المجمع و ما کنت دون امرئ منهما و من تضع الیوم لا یرفع
فبلغ الرسول الأعظم صلی اللّه علیه و آله و سلم قوله هذا. فقال الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم لعلی علیه السّلام: قم یا علی و اقطع لسانه.
قال العباس بن مرداس: فو اللّه لهذه الکلمة کانت أشدّ علیّ من یوم خثعم حین أتونا فی دیارنا، فأخذ بیدی علی بن ابی طالب، فانطلق بی و لو ادری أن أحدا یخلصنی منه لدعوته.
فقلت: یا علی إنّک لقاطع لسانی. قال: إنی لممض فیک ما أمرت، فما زال بی حتی أدخلنی الحظائر، فقال لی: اعتد ما بین أربع إلی مائة، فقلت بأبی أنت و أمی ما أکرمکم و أحکمکم و أعلمکم. فقال علی علیه السّلام: إن رسول اللّه أعطاک أربعا و جعلک من المهاجرین، فإن شئت فخذها، و إن شئت فخذ المائة و کن مع أهل المائة. قلت: أشر علیّ. قال: فإنی آمرک أن تأخذ ما أعطاک رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلم و ترضی. قلت فإنی أفعل. راجع الإرشاد للمفید: ج 1 ص 146، سفینة البحار: ج 6 ص 135، أعلام الوری: ص 118 ب 4، کشف الغمة: ج 1 ص 225، بحار الأنوار: ج 21 ص 160 ب 28 ح 6، الإمام جعفر الصادق: ص 29 ب 1.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 249
جمیل و هم یقصدون العکس أو یتلفّظون بلفظ حسن و هم یقصدون الردی‌ء، و هو نوع من الکلام یسمح للصدیق أو أحد الأقرباء بأن یعرف العاطفة التی یعبّر عنها، لکنّه یمنع الشخص الغریب من أن یعرف ما یعتقده المتکلّم فعلا، هذا إضافة إلی أنه یسمح بقلب الوضع دون حاجة إلی عکس اللغة».
أقول: إنّی لا أعلم هل هذا الکلام المنسوب إلی هذا الکاتب صحیح أو لیس بصحیح، و لعلّ أولئک الذین یتلفظون ببعض الکلمات الإنجلیزیة علی عکس معانیها یکونون من قبیل ما نصطلح علیه من تسمیة المکفوف بصیرا، أو الزنجی کافورا، أو ما أشبه ذلک. فالدقّة فی استخدام اللغة من الأرکان المهمّة فی تجمیع الرأی العام، و هذا باب واسع، یرتبط بعلم البلاغة و التحسینات اللفظیة، و إنّما کان قصدنا فقط الإشارة إلی هذه الملاحظة فی تجمیع الرأی العام.
و من هذا القبیل الاستقصاء فی جوانب السؤال و الدقّة أثناء طرح الأسئلة؛ لأنّ الإنسان کثیرا ما یکون لفظه غیر واقع لإرادته، کأن یقول: «جئنی بإنسان» و هو یرید إنسانا أبیض لا مطلق الإنسان ممّا یعرف ذلک بالقرائن، أو یقول: «اشتر لحما» و لا یرید إلّا لحم الغنم، فیقول العام و هو یرید الخاصّ، کما أنّه قد یکون العکس؛ بأن یقول الخاصّ و هو یرید العام، کأن یقول الطبیب للمریض:
«یجب علیک أن تأکل الحامض»، و حیث لا یعرف أنّ الحامض أعم من اللیمون الحامض، فیقول: «أعطنی اللیمون الحامض»؛ و هو یرید مطلق الحامض و إن کان رمّانا.
ثمّ لا یخفی أنّ الرأی العام المجموع نافذ و إن کان بین الرأی العام و بین نتیجة الانتخابات فاصلة زمنیة، بحیث یصبح من الممکن أنّ بعض المدلین بآرائهم تتغیّر آراؤهم فی هذه الفترة، مثلا: قبل ستة أشهر أعطوا رأیهم لزید،
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 250
بینما فی هذه الأشهر الستة تغیر رأیهم من زید إلی عمرو، إلی غیر ذلک من الأمثلة.
و قد قال الفقهاء فی باب الوکالة: إنّه لو أعطی إنسان لإنسان و کالة فی نکاح أو طلاق أو بیع أو ما أشبه ذلک من المعاملات أو الإیقاعات فإنّ هذه الوکالة نافذة و ساریة، فإذا وکّله شخص فی أن یبرئ مدیونیته أو یعتق عبده أو نحو ذلک ثمّ تغیّر رأی الموکّل إلی خلاف ذلک أصلا أو شرطا بأن زاد شرطا فی النکاح أو أنقص شرطا من النکاح أو ما أشبه ذلک و لم یصل إلی الوکیل الرأی المغیّر فأجری الوکیل العقد أو الإیقاع علی طبق الوکالة التی سمعها، فإنّ ذلک لا یوجب بطلان العقد أو الإیقاع مع أنّ رأی الموکّل لم یکن حین الإجراء مطابقا و لم یکن له مرضیا بل لعلّه أشدّ کرها، لکن ذلک من باب الدلیل الخاصّ الشرعی و إلّا فمقتضی القاعدة الأوّلیة أنّ الرضی یجب أن یکون مقارنا بالعقد أو الإیقاع، و إنّما ذکرنا هذا کمثال للمسألة التی نحن فیها لا أنّ المسألة من صغریات ما ذکرناه.

کیف نفهم المواقف؟

ثمّ إنّ بعض العلماء جعل من مبادئ قیاس الرأی العام أساسا فی فهم المواقف، و یری بعض العلماء أنّ جمع الضدّین فی الوعی الباطن ممکن کقوانین الجاذبیة إلّا أنّه لا ضرورة لاقتصاره علی الوعی الباطن، فلیس هناک عواطف غیر مشحونة و خاصّة فی مجاری العلاقات الاجتماعیة، فمواقفنا تکون أحیانا مرکبة ترکیبا قریبا من مشاعر متناقضة.
أقول: لکن هذا الکلام خلط بین التردّد و بین الجمع، فالإنسان کثیرا ما یتردّد بین الجمع بین الضدّین أو النقیضین، لکنّه لا یعقل الجمع بینهما و إن
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 251
أمکن عدمهما فی الضدّین علی ما قرّر فی المنطق. نعم، الموقف إنّما یکون تابعا لأحدهما، أی موقفا سلبیا أو إیجابیا، أی موقف هذا الضدّ أو موقف ذاک الضدّ، أو موقف هذا النقیض أو موقف ذاک النقیض إلی غیر ذلک، لکن من الممکن أن یکون موقف الإنسان فی یوم مثلا مع زید و فی یوم آخر لیس معه أو مع عمرو، و فی یوم تجده مع الوجود و فی یوم آخر مع العدم، أمّا الجمع بینهما فی آن واحد مع اجتماع شرائط التناقض المشهورة، فلیس ذلک بممکن.
و فی الأضداد یمکن أن ینحو الإنسان نحوا ثالثا، یختلف عن المنحی الأوّل و الثانی.
و تقوم الدول الغربیة بتقویم المواقف الجدیدة فی ضوء الخبرة الماضیة، و تتوقّع أن تکون استجابة مناسبة قبل أن یسلک سلوکا صریحا، و هذا ما ذکرناه من أنّ الإنسان یسیر فی مواقفه من الیمین إلی الیسار و من الیسار إلی الیمین و من أحدهما إلی الوسط، و المواقف لیست کالجاذبیة الدائمة فی المدار الداخلی و لا الجاذبیة فی المدار الخارجی، و إنّما یتردّد الإنسان لیرجح هذا علی ذاک تارة، و یرجح ذاک علی هذا تارة أخری، و تارة الشی‌ء الثالث إذا کانت هناک ثلاثة أشیاء، و لا فرق فیما ذکرناه أن تکون أسباب المواقف و القرارات من الخارج أو من الداخل أو من الخلیط بینهما، فهو مثل ما ذکره أطبّاء البدن من أنّ المرض قد یکون مرضا من الداخل کالتعفّن، و قد یکون مرضا من الخارج کضربة الشمس أو نزلة البرد أو ما أشبه ذلک، فعلی هذا قال بعض العلماء: «إنّ المجتمع لا یتسع إلّا بمقدار انتشار الإعلام فعلا، و من الممکن فی هذا الصدد وضع نوع مختصّ بهذا الأمر عن طریق مقارنة حدود القرارات التی تنفذ إلی جماعة من الخارج بعدد القرارات التی یضعها المجتمع داخل ذاته، و بذلک نستطیع قیاس ذاتیة المجتمع أو ذاتیته، و قیاس الحجم الفعّال للمجتمع و هو
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 252
ما یمکن أن یستنبطه من الحجم الذی یصل إلی المجتمع عند درجة معیّنة من الشخصیة الذاتیة».
و من الواضح أنّ الرأی العام إنّما یتکون من أفراد متعدّدین، و أنه کثیرا ما یکون معلوم الأفراد المتعددین أکثر من معلوم الفرد الواحد. نعم، اللهم إلّا فی أمثال النار؛ حیث یکون رأی فرد أکثر من رأی مجتمع، و الکلام الآن فی الغالب، فاللازم أن یلاحظ فی الرأی العام الغالب من الأفراد و إن کان من اللازم أن لا یترک رأی الفرد، لکن من اللازم ملاحظة عدم تغلب القلّة أو الفرد أو الأجهزة علی الرأی العام الموجب لإفساد الرأی العام بما یمتلکه من الأجهزة، و لذا یقول بعض علماء الغرب: إنّ جماعة ما قد یکون لدیها من المعلومات أکثر أو أقلّ ممّا یکون لدی فرد معیّن من أعضائها، لکنّ المجتمع الإنسانی یتضمّن- دون شکّ- معلومات أکثر ممّا لدی أی فرد فیه، عبر طریق السیطرة علی أجهزة الاتّصال کالصحافة و الإذاعة و السینما و الوسائل الإعلامیة الأخری من جانب القلّة من أصحاب المصالح باحتکار مصادر المعرفة و إبعاد الجمهور عنها، و ذلک بجعل أجهزة الاتّصال فی ید أعداء المجتمع، حیث یقومون فی استخدامها ضدّ مصالح الأمّة، فالدیکتاتوریون علی قلّتهم یحتکرون القسم الأعظم من وسائل الإعلام، و یقومون بتحریف الرأی العام إمّا خوفا أو طمعا و بالتالی یفسدون المجتمع، و کذا حال الرأسمالیین القلّة فی المجتمع الواسع؛ حیث یسیطرون علی أجهزة الاتّصالات و الإعلام، و یحرفون القوانین و المجتمع نحو مصالحهم الشخصیة، و قد تبدو هذه الظواهر أیضا فی الدول الدیمقراطیة أو الحکومات الدیکتاتوریة المتلبّسة بلباس الدیمقراطیة.
و من المفترض أن یکون الرأی العام فی مواجهة الدیکتاتوریة بکافة صنوفها
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 253
و أنواعها و أن یعمل علی التصدّی لأیّ شکل من أشکال السیطرة و الاستبداد، و أن یفضح الدیکتاتوریة المتلبّسة بلباس الدیمقراطیة. لذا جاء اهتمام الحکومات المستبدّة بوسائل الاتّصال للسیطرة علی الرأی العام و توجیه الجمهور بواسطة هذه الوسائل الإعلامیة إلی ما ترنو إلیه، فیصبح أمر الجمهور کالطیور المحبوسة فی الأقفاص.
و هذا نوع من أنواع الإکراه، و قد ذکرنا هذا النوع- و هو الإکراه الأجوائی فی بحوثنا الاقتصادیة و غیرها ضمن سلسلة الفقه و غیره، فإنّ الإکراه قد یکون طردیا- أی بسلب الإرادة- و قد یکون أجوائیا، و کلا القسمین یعدّ من التلاعب و التحایل علی القانون من غیر فرق فی ذلک بین السیاسة أو الاجتماع أو الاقتصاد أو التربیة أو غیر ذلک، و هذا ما فعله الغربیون الذین یخضعون لسیطرة قوی رأس المال، أمّا الدیمقراطیة التی یتبجّحون بها فهی وسیلة من وسائل حفظ المصالح و لیست حبا فی الرأی العام.
من هنا، فالرأی العام قد یکون سلیما، و قد یکون مریضا إلی حدّ الموت، و قد یکون مریضا بنسب متفاوتة فی المرض.
و من مسئولیة مراکز الدراسات و المحقّقین و حقوق الإنسان و أهل الإنصاف أن یزیلوا الموت و یبدلوه بالحیاة و أن یقلبوا المرض إلی صحّة أو یخففوا من المرض حتّی یکون الرأی العام واقعیا لا صوریا، فإنّ مراکز التحقیق و أمثالها تمیّز بین الواقع و غیره.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 254

الاستطلاع و الرأی العام

اشارة

مسألة: تتوقّف معرفة الرأی العام سواء فی النظم الدیمقراطیة أو فی النظام الإسلامی علی البیانات و التحقیقات و المقابلات الشخصیة مع أکبر قدر من الجماهیر رجالا و نساء، مثقّفین و غیر مثقّفین؛ لیعرفوا کم هی الآراء التی تقول فی الاستفتاء: نعم؟ و کم هی الآراء التی تقول: لا؟ و کم هی الآراء التی تقع بین الأمرین فیما إذا لم یکن هناک تناقض فی شی‌ء؟، و تسمی هذه العملیة بالاستطلاع «1». فإذا کانت هناک احتمالات، و قال الحاکم لشعبه: قولوا لهذا
______________________________
(1) الاستطلاع: مأخوذة من کلمة انجلیزیة قدیمة هی: LOP أو elloP و معناها «رأس»، ففی العصور الوسطی کان الإنجلیز یجرون الانتخابات بعدّ الرءوس. عن کتاب «دلیل الصحفی إلی استطلاعات الرأی العام» ص 33 للمؤلفین شیلدون آرحاوایزر، و جی إیفانزویت.
و یعرّف الاستطلاع بعدة تعریفات، منها:
1- قیام مجموعة متخصصة بطرح أسئلة معینة علی مجموعة مختارة من الناس باستخدام أسس علمیة سواء فی اختیار الناس أو فی کتابة الأسئلة لأجل الحصول علی معلومات نافعة أو دفع قضیة معیّنة أو خدمة عمل معیّن.
2- عبارة عن وضع قائمة من الأسئلة وفق طریقة خاصة، و من قبل أفراد لهم مهارات فنیة معینة و مطلعین علی علم الإحصاء و النفس و السیاسة و الأحداث الجاریة ثم توجیه هذه الأسئلة إلی عدد من الناس یتم انتخابهم بطریقة خاصة ثم القیام بتفریغ الإجابات علی هیئة جداول لاستخلاص النتائج.
3- مجموعة التدابیر التی تتخذ لجمع المعلومات الدقیقة عن تحرکات العدو و اکتشاف مواقعه المتقدّمة و الخلفیة بقصد مساعدة القائد علی اتخاذ قرار سلیم بناء علی معلومات دقیقة ما أمکن، و تجنیب قواته خطر التعرّض لمفاجأة ما من قبل العدو.
و الاستطلاع فی البعد السیاسی یعتبر سلاحا استراتیجیا و تکتیکیا للسیاسیین حیث یساعدهم علی فهم ما یحفّز الناخبین و ما یبغضهم و ما یرضیهم.
و قد ذکر بعض المتخصصین فی الاستطلاع: أن بدایة نشوئه یرجع لأجل الحصول علی المعلومات عما یجول فی أذهان الناس، حیث کانت تطرح أسئلة معینة و بطریقة نسقیة علی مجموعة مختارة من الناس. و قیل أنّ بدایته ترجع لأبحاث السوق. عبر تطویر الوسائل و تدریب الرواد لطرق أبحاث السوق، و کانت تجری نتیجة ردود الفعل علی عینات من المنتجات لمعرفة إمکانیة تسویقها، فبیع المنتجات یدفع إلی إنتاجها، و التجار یشترون ما یمکن بیعه. ثم تطور إلی الجانب السیاسی لأجل التنبؤ بالانتخابات.
و بدأت عملیات الاستطلاع فی أمریکا سنة 1824 م، عشیة انتخاب الجنرال اندزو جاکسون للرئاسة الأمریکیة، و استمرت بمسیرتها عبر الجرائد و المجلات التی کانت تقوم بمقابلات تتم علی قارعة الطرق مع أشخاص یتم اختیارهم عشوائیا أو کانت تقوم بعملیات مسح بریدیة لقوائم متیسرة من الناس کالمشترکین فی المجلات لتکملة التغطیة الإخباریة التقلیدیة للانتخابات، ثم توسعت فی أواسط الثلاثینات من القرن الماضی عند ما قام جورج غالوب- و هو أستاذ جامعی سابق للصحافة فی أیوا سنة 1935 م- بتأسیس برنامج الرأی العام «استطلاعات غالوب» و هو أحد الأبواب التی تباع للصحف لنشرها بصورة متزامنة.
و یقوم علی جمع عینات دوریة للرأی العام الوطنی، و قد قام غالوب باستطلاع سنة 1936 م حول انتخاب فرانکلین روزفلت للرئاسة الأمریکیة-.
و تقوم بعملیات الاستطلاع الوکالات الحکومیة و جماعات المصالح الخاصة- کالنقابات المهنیة و المؤسسات الفردیة و مجموعات العمل السیاسی لأغراض الاستخبارات و معرفة المعلومات- و المجالس البلدیة و وسائل الإعلام و منظمات دراسات مسحیة تجاریة. و هناک المئات من مراکز الاستطلاع فی أمریکا من أهمها: غالوب، هاریس، نیویورک تایمز، واشنطن بوست، وول ستریت جورنال، لوس‌آنجلس تایمز روبر، غوردن بلاک. و تنفق هذه المراکز مئات الملایین من الدولارات سنویا.
و هناک أنواع کثیرة من الاستطلاعات بعضها یسبق الانتخابات و فی أثنائها، قسمه البعض إلی ثلاثة اقسام باعتبار القائمین به: 1- استطلاع بحری. 2- استطلاع جوی. 3- استطلاع إلکترونی.
و باعتبار الهدف إلی: 1- استطلاع تکتیکی 2- استطلاع استراتیجی. راجع الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة: ج 1 ص 404.
و أول من استخدم الاستطلاعات فی رصد الدعم الجماهیری الرئیس الأمیرکی روزفلت لتتبع رد فعل الناس إزاء سیاسته الرامیة إلی تقدیم معونة لبریطانیا بموجب قانون الإعارة و التأجیر قبل أن تدخل الولایات المتحدة الحرب العالمیة الثانیة. و أصبح لکل رئیس أمریکی
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 256
الشی‌ء نعم أو لا، فإنّ ذلک یثیر السخط عند أولئک الذین لا یریدون أن یقولوا نعم أو لا، فهم أصحاب رأی و لو بصورة جزئیة فی ذلک الشی‌ء المراد الاستفتاء علیه.
و هنا ندلی بقول أحد المتخصّصین المصریین، إذ قال: «فی المسح المیدانی، یجب بذل العنایة الکافیة عند استجواب الجمهور، ففی مسح المشاعر ازاء الحقوق السیاسیة للمرأة مثلا، ذکر المستجوبون- فی زیاراتهم المیدانیة الأولی- أن نسبة مئویة عالیة من المجیبین انفعلوا انفعالا غیر ملائم، حین طلب إلیهم ذکر أسمائهم» «1».
أقول: و لیس خافیا أنّ الناس فی الدول الدیکتاتوریة تنظر بریبة شدیدة إلی الحکام، فهم متیقنون أن الحاکم لا یسألهم عن شی‌ء إن لم یکن وراءه مضرّة لهم و فائدة للدولة. و قد لاحظنا ذلک فی العراق؛ فعند ما کان الفلاح یقول الصدق و یقول بأنی أملک هذا المقدار من الأراضی أو الأغنام کانوا یفرضون علیه الضرائب. و حتّی لو کانت الأسئلة بریئة إلّا أنّ الناس یشکون فی کلّ شی‌ء یرتبط بالحاکم. و هذه الظاهرة کانت تشکل علی الدوام معوّقا لاستطلاعات
______________________________
و منذ عهد جون کنیدی مساعد مختص بالاستطلاعات مقرّبا منه، و مهمته هی الحفاظ علی اتصاله بالشعب عبر تزویده بالمعلومات عن وجهة نظر الشعب تجاه القضایا و الأحداث، و عما یفکر به الناس و ما یتطلّعون له فی المستقبل إضافة إلی کون الاستطلاع من العوامل المساعدة لدعم السیاسة التی تنتهجها الحکومة.
و قد استخدم الاستطلاع فی بریطانیا سنة 1824 م حیث طبعت قسائم فی الصحف آنذاک و طلب من القرّاء مراجعة خیاراتهم و إعادة القسائم إلی الصحف.
(1) راجع کتاب الرأی العام و تأثّره بالاعلام و الدعایة: الکتاب الأول: ص 298 للدکتور محمد عبد القادر حاتم.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 257
الرأی العام.
إضافة إلی ذلک أنّ النفوس تأبی أن تدلی بکامل خصوصیاتها؛ لذا کان لا بدّ من مراعاة هذا الأمر عند الاستطلاع.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 258

الأسس المنهجیة للاستطلاع

اشارة

مسألة: ینبغی التوجه للاستطلاعات باعتبارها الوسیلة الموضوعیة لمعرفة آراء الناس و اهتماماتهم، حیث تقوم بدراسة و تحلیل المواقف و الاتجاهات و الآراء، و معرفة ما یفکر به الناس و ما یختلج فی وجدانهم و مشاعرهم.
فللاستطلاع قیمة واقعیة فی تحدید الرأی العام و فی تطویر الاستراتیجیات و فی إثراء النقاش العام، بالإضافة إلی أنه یمنح الفرد حریة التعبیر عن رأیه، و یوسّع من قدرته علی المشارکة فی الحیاة السیاسیة و ما أشبه ذلک «1».
______________________________
(1) و هناک فوائد أخری نذکرها لتتمیم الفائدة هی: 1- أنه أحد السبل للتعرف علی أشیاء عن طبیعة الرأی العام کانت ستظل مجهولة لو لا تلک الاستطلاعات. 2- أنها تساعد فی الإسهام فی تحقیق اتصال وثیق بین المحکومین و الحاکمین. و یکون ذلک الاتصال متجاوبا مع احتیاجات الکیان السیاسی و مطالبه و مسئولا أمامه. 3- أنه وسیلة لتتبع حرکة الرأی العام و الذی بدوره یصبح قوة فاعلة إذا توفرت لدی الرأی العام إمکانیة التعبیر عن نفسه.
و قد أشکل علماء الاجتماع علی عملیات الاستطلاع بعدة إشکالات نورد بعضها: یقول ایرفنج کرسبی فی کتابه الرأی العام، استطلاعات الرأی و الدیمقراطیة: ص 15 ما لفظه:
«یأتی قسط وافر من النقد الموجّه إلی الاستطلاعات من علماء الاجتماع الذین یرمونها بالخطإ لسببین واضحین أولهما: أن کثیرا من علماء الاجتماع یحاجون بالقول أن افتراضات المستطلعین التی تقوم علیها طبیعة الرأی العام افتراضات خاطئة، إذ یؤکد هؤلاء النقاد الحاجة إلی منحنی مختلف کلیا لدراسة الرأی العام. أما ثانیهما فیجادل علماء الاجتماع بأنّ الأسالیب التی یتبعها منظمو الاستطلاعات- و هی طرائقهم فی جمع العینات و صیاغة الأسئلة و الأسالیب التحلیلیة- أسالیب ناقصة أو سطحیة أو الأمران معا.
و یطالب موجهو هذا الانتقاد بتغییر شامل لمنهجیة استطلاعات الرأی، و باتباع أسالیب بالغة الاتقان طوّرها علماء الاجتماع.
ثمة أمر ثالث یعبّر عنه الکثیرون من الساسة و المحللین السیاسیین و صانعی السیاسة،
و بعض أفراد الجمهور عامة، و یتعلق بکیفیة تأثر الحیاة السیاسیة باستطلاعات الرأی، و تتمثل القضیة عند هؤلاء النقاد فی أسالیب استخدام الاستطلاعات، و کیفیة إعادة هذه الأسالیب تشکیل السیاسة. و تتجاوز انتقاداتهم قضایا النظریات و المنهجیة إلی السؤال الجوهری حول ما إذا کانت الاستطلاعات تقوی الدیمقراطیة أو تضعفها».
ثم هناک إشکالات أخری ذکرها آخرون، منها:
1- أن الاستطلاعات تؤثر فی الأسلوب الذی یتبعه الناخبون فی متابعة الحملة الانتخابیة.
2- انّها تسهّل تعرّض الرأی العام للتلاعب من جانب المصالح المتنافسة- علی تحدید البرامج السیاسیة بدلا من تذکیر السیاسیین بالحقیقة الأساسیة المتمثلة فی حساسیات الجماهیر و مشاعرها.
3- وجود آثار متبادلة بین الاستطلاعات و السیاسة و وسائل الإعلام، و هذه تنعکس علی مصداقیة الناخب.
4- أنّها تحرّف المفاهیم التقلیدیة للدیمقراطیة.
5- أنّها تسهم فی التلاعب بالجمهور أکثر مما تلبی احتیاجاته و مطالبه.
6- أن بعض الاستطلاعات هدفها التبریر لسیاسة معینة و لیس المساعدة فی صیاغتها.
7- تستخدمها الحکومات لأجل تدعیم سیاساتها الموجودة أو المقترحة، و لیس من أجل تجاوب الحکومة مع الرأی العام الشعبی، و بعبارة أخری استخدام الاستطلاعات لأجل إفساد الرأی بدلا من التجاوب معه.
8- أنّها مفتقرة إلی الإلهام و إلی المعرفة و بعیدة عن الإبداع و لا تفضی إلّا إلی نتائج مؤقتة.
9- أنّها تحدث تأثیرا فی الانتخابات، مثلا دون أن تقدّم أفکارا ثاقبة تدخل إلی عواطف الناخبین.
10- أنّها تسهم فی المخزون السیاسی فی مجال الاستغلال أکثر مما تسهم فی تجاوبهم المسئول مع الجماهیر.
11- أنّها غیر موزونة التقنیة لأنّ الناس یختلفون فی مدی حسن اطلاعهم علی مختلف القضایا أو أهمیتها.
و یری بعض العلماء أنّ هناک طرقا لتقویة الاستطلاع، منها:
أ- یجب أن یقوم بنیان الاستطلاع علی فهم صحیح لطبیعة الرأی العام، ثم نقل هذه الاستطلاعات بطریقة تعزز الحوار العام بدلا من أن تحل مکانه.
ب- یجب أن تکون الاستطلاعات قادرة علی تحلیل الرأی العام مع نقل نتائج هذه التحلیلات إلی الناس نقلا موضوعیا.
ج- یجب أن تستخدم الاستطلاعات وفق منهجیة قادرة علی الإسهام الإیجابی بحیث تزود صانعی السیاسة بالفهم الأفضل لتفکیر الجماهیر و تجعلهم أکثر حساسیة و شعورا
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 260
و تتوقف عملیة الاستطلاع الدقیق و الناجح و المثمر علی عشرة مرتکزات، نذکرها تباعا:
الأول: اختیار الموضوع الذی یشمله الاستطلاع.
الثانی: اختیار الوسط الذی یجری فیه الاستطلاع.
الثالث: تحدید العینات.
الرابع: إعداد الأسئلة التی تکوّن الاستطلاع.
الخامس: إجراء اختبار تجریبی قبل التنفیذ الفعلی للاستطلاع.
السادس: إجراء المقابلة.
السابع: استخلاص و إعداد النتائج.
الثامن: عرض النتائج.
التاسع: ملاحظة ردّ فعل النتائج.
العاشر: القرار حسب ردّ الفعل المذکور، فإنّ فی هذه الأمور- علی الاصطلاح المنطقی- سببا و مسبّبا و نتیجة، و زیادة وعی بالنسبة إلی المستقبل.
و تفصیل هذه المرتکزات علی النحو التالی:

الأول: اختیار الموضوع

إنّ الموضوعات التی یشملها الاستطلاع هی مسبّبات عن أوضاع و أخلاق مجتمع معیّن، سواء کان بالنسبة إلی عامّة الشعب أو إلی طائفة خاصّة، ففی
______________________________
باحتیاجات الجمهور و تطلعاته.
د- یجب أن تقوم الاستطلاعات بتحلیل ما یفکر به الرأی العام من حیث العناصر.
و- یجب قیاس المزاج الجماهیری فی فترات زمنیة محدودة لأجل فهم ما یدور فی تفکیر الناس حول قضیة من القضایا.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 261
المجتمعات المتقدّمة صناعیا یکون الاستطلاع شاملا لکلا الأمرین، بینما فی المجتمعات المتخلّفة ضمن العالم الثالث أو البلاد الشیوعیة، حیث لا وجود للدیمقراطیة بل تنتشر ظاهرة الاستبداد و الدیکتاتوریة، إنّما یکون الاستطلاع علی نوع واحد، ففی العالم الثالث یقتصر موضوع الاستطلاع العام علی الأمور التی یتوقّف علیها حسن العلاقة بین الحاکمین و المحکومین، و مدی سطوة الدیکتاتوریة من الحاکمین ضدّ المحکومین، و مدی مقاربة المحکومین بمسائلهم الخاصّة للحاکمین مثل السیاسة المحلّیة، فالدیکتاتوریة لا تنجب إلّا الدیکتاتوریة، فبعد الدیکتاتور لن یأتی إلی الحکم سوی أولاده و أحفاده من الدیکتاتوریین، و هکذا حال السیاسات الخارجیة أو حال العلاقات الدولیة و مشکلات السلم و الحرب.
و یزول أثر الاستطلاع فی الدول الدیکتاتوریة التی یفکّر فیها الناس کما یفکّر الحاکم و ینفذون ما یرید و یقولون ما یرید أن یقوله، أمّا فی الدول الصناعیة المتقدّمة- فی جملة من أبعاد الحیاة- فالاستطلاع یشمل کلا الأمرین «1».
و یستطیع استطلاع الآراء فی الدول المتقدمة بأن یکتشف رئیس الجمهوریة القادم مثلا: هل هو من الحزب الجمهوری أو الحزب الدیمقراطی أو أی حزب آخر.
کما أنّ الاستطلاع یشمل الأمور الخاصّة و الجزئیة کقیاس الرأی العام بالنسبة إلی تعیین موظّف فی منصب ما.
و فی المیدان الاجتماعی یتناول القیاس نمطا معیّنا من أنماط التعلیم و التربیة
______________________________
(1) علاقة الحاکم مع المحکومین و علاقة المحکومین مع الحاکم، سواء کانت بالنسبة لعامة الشعب أو إلی طائفة خاصة.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 262
و أنماط التطبیب المختلفة کالطبّ الحدیث و الطب الیونانی و الطبّ الهندی القدیم و الطب الصینی. و قیاس الرأی العام إزاء الصناعات، مثل: الصناعات الثقیلة و الصناعات الخفیفة بمختلف أقسامها، و کذلک فی المیدان العسکری:
أهمّیة الطائرة علی البارجة أو العکس و هکذا «1»، و السبب أنّ الرأی العام سواء کان شاملا أو محدودا هو الذی یحدّد رغبات الناس، تلک الرغبات التی تتکون فی جوّ من الحرّیة و السلام، یقول أحد مفکری الغرب «2»: «إنّ علی الحکّام أن یقیسوا بدقّة مشاعر الجمهور نحو الحکومة، علی أمل جعل الحکومة أکثر تعبیرا أو استجابة لتوصیات الجمهور»، و یقول عالم آخر: «إنّ الاستطلاع حتّی فی الأمور الصغیرة فی قریة تحتوی علی ألف بیت، یصبح من أسباب قوّة و متانة و دیمومة نتائج الاستطلاع العملیة»، و یقول عالم آخر: «یهتمّ العاملون بقیاس الرأی العام عن طریق الاستطلاع باختیار الموضوعات التی یعالجها الاستطلاع؛ و ذلک حرصا منهم علی أن تکون هذه الموضوعات داخلة فی نطاق الأمور التی تهتم بها غالبیة الشعب أو غالبیة تلک الفئة المعیّنة، و حرصا منهم علی أن تؤدّی النتائج المستخلصة من الاستطلاعات إلی تحقیق ما تطمح إلیه هذه الغالبیة علی نحو تحقّق اشتراک المحکومین اشتراکا حقیقیا فعّالا فی تسییر دفة الحکم أو اشتراک الراغبین فیما یریدون من هذه البضاعة أو هذا النوع من التعلیم أو هذا القسم من الصناعة إلی غیر ذلک، فهناک استطلاع لما یطلب من الجماهیر الکبیرة أو الصغیرة من الغرض حتّی تبنی الجهة المعیّنة
________________________________________
شیرازی، سید محمد حسینی، الفقه، الرأی العام و الإعلام، در یک جلد، مؤسسة الوعی الإسلامی - دار العلوم، بیروت - لبنان، اول، 1427 ه ق

الفقه، الرأی العام و الإعلام؛ ص: 262
______________________________
(1) أمثال معرفة معدلات البطالة، أو عملیة التسویق، أو مؤشرات السعر للمستهلک، أو معرفة مخاطر التدخین و الأوبئة و الدهون علی صحة و سلامة الناس، أو العلاقة بین صفات الناس و عاداتهم و الأمراض، أو معرفة سلوک الجماهیر و توجهاتها و کیف یبدو المستقبل بالنسبة إلیهم، أو معرفة المزاج العام بالنسبة لقضیة معینة أو حادثة ما.
(2) و هو روبین.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 263
بالاستطلاع ما تریده الجماهیر الکبیرة أو الصغیرة، فیکون النجاح من نصیب تلک الجهة المعیّنة».

الثانی: اختیار الوسط

الاستطلاع و إن کان بنفسه صحیحا «1» سواء کان فی الوسط الملائم أو غیر الملائم، إلّا أنه إنّما یکون موافقا بالنسبة إلی الوسط الخاص و الموقع الخاص فیما إذا کان ینفع ذلک الموقع، و إلّا فالاستطلاع یبقی فی فراغ و بعیدا عن الهدف و ینفع المواقع البعیدة التی لا ترتبط بموضوع الاستطلاع، مثلا: إجراء الاستطلاع عن مدی ما یتمتّع به العمّال من التأمین الاجتماعی؛ لا فائدة له فی وسط لا توجد فیه نتائج إطلاقا، و کذلک استطلاع تلوّث البحر؛ فإنه غیر منتج فی الوسط الذی لا بحر فیه، و تکون أمثال هذه الاستطلاعات مضیعة للوقت أو مفیدة بالنسبة إلی غیر موضع الاستطلاع، و لذا یری القائمون علی دراسة الرأی العام و تحریره- سواء کان رأیا عاما لکلّ الشعب مثل انتخابات رئیس الجمهوریة أو لموضوع خاص حربی أو غیر حربی حسب اختیار هذا الوسط- أن یحدد الوسط، فإنّ الاستطلاع لزیادة إنتاج الطاقة الکهربائیة و المیاه النقیّة فی زمن لا إمکانیة للناس بالنسبة إلی هذین الأمرین، حیث أنهم یعیشون علی ماء المطر و حرارة الحطب لا فائدة فیه، بل یکون مضیعة للوقت، فالاستطلاع المتعلّق بالعمال یجب أن تراعی فیه الأوساط العمّالیة، و کذلک الاستطلاع
______________________________
(1) باعتبار أنه یطلعنا علی ما یفکر به کل شخص حول مختلف القضایا. و أنه أفضل وسیلة لمقارنة الفرد بین رأیه و سلوکه و آراء و سلوکیات الأغلبیة، و باعتبار أنه یعزز و جهات النظر التی یشترک فیها الناس، و باعتبار أنه یعکس فکرة الناس عن القضایا و المشاکل و النتائج، و باعتبار أنه یقوّم مواقف السیاسیین لتتناسب مع رأی الشعب.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 264
المرتبطة بعدم تلوّث البحر أو بالأمور المرتبطة بالدیمقراطیین فی أجواء الدیکتاتوریین.
نعم، قد یجری مثل هذا الاستطلاع لأجل أمر مستقبلی کما لو کانت البلاد علی و شکّ الأخذ بالدیمقراطیة، أو بالنسبة إلی أماکن بعیدة، کما تقوم الحکومات الاستعماریة باستطلاع الآراء حول الدول المستعمرة الواقعة تحت نفوذها أو التی ترید استعمارها.

الثالث: تحدید العینات

یجب أن تحدّد العینة «1» أوّلا ثمّ یجری الاستطلاع علیها، و یجب اختیار
______________________________
(1) العینة: الفئة المختارة لإجراء البحث علیها، بمعنی أن یؤخذ جزء من شی‌ء ما، لبیان نوع باقی الأجزاء، کأخذ الطبیب عینة من دم المریض لمعرفة ما به من مرض، أو اختیار شرکة ما عینة من انتاجها لضمان النوعیة، أو تناول الطاهی ملعقة من الطعام لتذوق طعم الطعام المطبوخ.
و کلّما کانت طریقة اختیار العینات دقیقة، تکون صحة الاستقراء أقرب إلی الواقع. و من طرق اختیار العینة:
1- تقییم مقاییس التوزیع الإجمالی بالاستناد إلی حسابات تقدّمها العینة مثل: المتوسط، الانحراف المعیاری، الارتباط، التناسب.
و هناک عدّة تقنیات لاختیار العینة، تعتمد کل واحدة علی شروط خاصة، و فی مجالات خاصة، منها:
1- التقنیات التی تلجأ إلی الاستدلال الاحتمالی، و تسمی بالعشوائیة.
2- التقنیات التی تبنی علی طرائقیة اختیاریة، و تسمی بالقیاسیة أو المراقبة.
3- اختیار العینة الاصطفائی، و یتکون من وحدات إحصائیة تختار قصدا بغیة تحقیق نموذج من الملاحظة أو نموذج أو تجربة معینة. مثال ذلک: أفضل التلامیذ. و لاختیار العینة الاصطفائی سمة أحادیة الموضوع بصورة بارزة، بالنظر إلی أن العینة، هی الممثلة لفئة من السکان مجردة، مطابقة قبلیا للعینة.
4- اختیار العینة العرضی، و یکون عکس الاصطفائیة و خاضعة للظروف، و مثاله المارة من منفذ المترو.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 265
عینات صحیحة عبر الوسائل العلمیة و الطرق المحسنة و الخالیة عن المیول الخاصة و الأهواء و ما أشبه «1»، و من العینة ینتهی الباحث إلی القانون العام، فقد فرض الله سبحانه و تعالی قوانین و سننا فی الأرض قد لا نعرفها لکثرتها، أمّا عدم معرفتنا لها- عینا و شخصا- فهو شی‌ء معلوم، و فی الحدیث عن علی علیه السّلام:
(علّمنی رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم ألف باب من العلم یفتح لی من کلّ باب ألف باب) «2»؛ بتکرار الألف أی ملیون، و لعل هذا العدد المحدد علی نحو النموذج لا علی نحو الحقیقة؛ لأنّه من الواضح أنّ أبواب العلم أکثر و أکثر من ذلک، و قوانین الله سبحانه و تعالی لا تعد و لا تحصی وَ مٰا یَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّکَ إِلّٰا هُوَ «3».
و علی أیّ حال: فالعینة تعطی قانونا عاما حسب انتقال الذهن من العینة إلی
______________________________
راجع المعجم الموسوعی فی علم النفس: ج 1 ص 110- 113 للمؤلف نوربیر سیلامین.
(1) تتجلی أخطاء العینة فیما یلی: أ- إتاحة الفرصة للبعض لاختیارهم، أکثر مما تتاح للبعض الآخر. ب- کون القائمین بإجراء المقابلات من ذوی التدریب الردی‌ء و الأغلاط التی ترتکب فی معالجة البیانات. ج- عدم إجراء المقابلات مع الفئات الصحیحة من الناس، بمعنی الاختلاف بین من أجریت معهم المقابلات مع من لم تجر معهم المقابلات.
و هناک أمور أربعة لها مدخلیة فی تحدید خطأ العینة: أ- أخذ حجم العینة بالحسبان. ب- مدی رغبة المستطلع فی التأکد من النتائج. ج- مدی انعدام التجانس فی مجموعة الأشخاص التی یقوم المستطلع باختیار العینة منها. د- تصمیم العینة. راجع کتاب الرأی العام، و استطلاعات الرأی و الدیمقراطیة: ص 65 للمؤلف ایرفنج کرسبی.
(2) المناقب لابن شهرآشوب: ج 1 ص 237، و ورد کذلک عن الإمام علی علیه السّلام: (أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلم علمنی ألف باب من الحلال و الحرام مما کان و مما هو کائن إلی یوم القیامة، کل باب منها یفتح ألف باب فذلک ألف ألف باب حتی علمت علم المنایا و البلایا و فصل الخطاب) الاختصاص: ص 283، بصائر الدرجات: ص 305 ب 16 ح 11، الخصال: ج 2 ص 643 ح 22.
و ورد عن ابن مسعود قال: استدعی رسول اللّه علیا فخلا به، فلما خرج إلینا سألناه ما الذی عهد إلیک فقال: (علمنی ألف باب من العلم فتح لی من کل باب ألف باب) الإرشاد:
ج 1 ص 34، أعلام الوری: ص 159 ب 2.
(3) سورة المدثر: الآیة 31.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 266
قانونها العام، فإذا رأینا أنّ الثلج یبرّد الماء فی مدینة ما، علمنا أنّ الثلج یبرّد فی کلّ مکان، و هکذا النار إذا کانت حارة فی مدینة ما، فإنّها تصبح حارة فی کلّ مکان، إلی غیر ذلک من الأمثلة، و یأتی هذا البحث بالنسبة إلی کلّ جزئیّات الحیاة.
و علی سبیل المثال: أنّ الجمعیّات التعاونیة التی تزود الفلّاحین بأقسام الحنطة لا تحلّل کل حبّة قبل تسلیمها للفلاحین، و إنّما تحلّل و لو خمس حبات من بغداد و خمس حبّات من دمشق؛ حتّی یمکن القول: أنّ حنطة دمشق أفضل من حنطة بغداد أو العکس، أو هما متساویان. و هکذا شأن الأطبّاء؛ فإنّهم لا یفحصون جمیع دم المریض بل یفحصون قطرات محددة من دمه، و إنّهم لا یفحصون کلّ أجزاء الشعر حتی یعرفوا أسباب الصلع بل یفحصون عدة شعرات، و هذا المقدار القلیل یسمّی «بالعینّة».
و یمکن أن تکون العینة صغیرة بالغة فی الصغر؛ حیث یستخلص منها الکلّیات التی فیها هذا الجزء المشترک مع الجزئیات الأخری فی تکوین هذا الکلّی، و لذا یقول أحد مفکری الغرب: «إنّنا نعیش فی عالم لا توجد فیه صفات مختلفة اختلافا کبیرا، و لا توجد فیه إلّا فوارق محدودة و معروفة، و لهذا السبب نستطیع أن نختار جزءا صغیرا من السکان، و نظلّ مع ذلک متأکّدین من حصولنا علی صورة دقیقة بالنسبة لهؤلاء السکان، فهذا القول یصدق علی الناس، مثلما یصدق علی الأشیاء، و إن کان الإنسان بحکم کبریائه یتردد کثیرا فی التسلیم بامکانیة قیاسه قیاسا إحصائیا، ذلک أنّه یعتبر کلّ خلل یصیب الطریقة الإحصائیة دلیلا علی عدم إمکانیة تطبیق العملیّات الإحصائیة علی الإنسان، و قد أصبحنا نعترف بأنّها علم»، و قال خبیر آخر: «إنّ النتائج
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 267
النهائیة لأدق و أحکم التحالیل إنّما تتحدّد بنوع العینة، و لا تتوقّف علی شی‌ء آخر إلّا علی العینة، ذلک أنّ التحلیل الإحصائی لیس طاحونة سحریة، نضع فیها الرمل أو الشعیر، لنحصل علی أکداس الذهب الخالص أو القمح الجید».
أقول: لهذا؛ فالمفترض علی مجری الاستطلاع أن یلاحظ القدر الجامع لا القدر الکلّی و لا الأخصّ من الکلّی، فإذا أراد الکلّی أخذ من الکلّی الجامع کما أخذ من الکلّی العینة، و إذا أراد الأخصّ من ذلک الکلّی أخذ من ذلک الأخصّ العینة أیضا، مثلا: من یرید الاطّلاع علی أحوال الشباب لا یتمکّن أن یأخذ العینة من الشیوخ أو عینة مختلطة من الشیوخ و الشباب، أمّا من یرید الإحصاء بالنسبة إلی المدینة فی الانتخابات، فاللازم أن یأخذ عینة من الشباب و الشیوخ معا، فمن الضروری الملاءمة بین العینة و المهمّة التی ترید الجهة الاستطلاعیة استطلاعها، فاذا فعلنا ذلک فإنّنا قد اقتربنا من الواقع أو وصلنا إلیه بعینه، کمن یرید استطلاع أحوال الناس فی الهند- مثلا- أخذ من کلّ بلد و دین و عمر و جنسیة، أمّا من یرید استطلاع أحوال المسلمین فقط فإنّه یأخذ عینات من المسلمین فقط باختلاف مذاهبهم «1».
______________________________
(1) و لا یخفی: ضرورة معرفة أساسیات اختیار العینة فی عملیة الاستطلاع، و التی منها: أ- معرفة الغرض من اختیار العینة. ب- معرفة الحجم الکمی للعینة.
ج- معرفة نظام اختیار العینة. د- اختیار العینة بدون میول و رغبات و أهواء و تحیز.
ه- معرفة المخطط المیدانی لأخذ العینة. و اختیار عینة شاملة للجمیع و لیست مقتصرة علی آراء الذین یبدون قدرا من الاطلاع أو المشارکة بقضیة معیّنة.
ثم إنه لیس هناک طریقة لحساب أقصی خطأ ممکن بالنسبة للعینة فی أی استطلاع، لأنّ کل ما یتعامل معه مجرد احتمالات.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 268

الرابع: صیاغة الأسئلة و تسلسلها

یجب التوجه إلی إعداد الأسئلة، لأنها جوهر الاستطلاعات و مادته الأساسیة، و یجب أن تدور هذه الأسئلة حول موضوع معین و تکون واضحة و دقیقة و مفهومة و مصممة بشکل تکون حدودها ذات رؤی و ذات مغزی.
و یجب أن تستخرج آراء و مشاعر الناس و عواطفهم و یجب أن تکون سهلة الفهم للجمیع، فالانحیاز فی صیاغة الأسئلة و الرداءة فی تصمیمها و طریقة ترتیبها یؤثر علی نتائج الاستطلاع، خاصة إذا کان الاستطلاع لأجل بیان موقف معین أو نیة مستقبلیة.
فالأسئلة یجب أن تکون بدون سعة أو ضیق کما فی العموم من وجه، فإذا کان السؤال ضیقا لا یفی بالمقصود، و إذا کان واسعا کان أکثر من المقصود، و إذا کان بینه و بین الواقع عموم من وجه کان زائدا و ناقصا، مثل أن یجاب عن الإنسان بأنّه حیوان الذی هو أعمّ، أو یجاب بأنّه ضاحک الذی هو أخصّ، أو یجاب بأنّه أبیض الذی هو أخصّ و أعم، فکیف إذا کان الجواب متباینا؟
و یری بعض الخبراء الغربیین أنّ المشکلات الخاصّة بإعداد الأسئلة یمکن تصنیفها علی النحو التالی:
1- غموض السؤال.
2- افتقار السؤال إلی معنی محدّد.
3- الصیاغة المبالغة فی هذا السؤال.
4- اشتمال السؤال علی کلمات مألوفة و غیر مألوفة.
5- اشتمال السؤال علی أحداث غیر معلومة بقدر خاصّ.
6- افتقار السؤال إلی بدایة کافیة.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 269
7- اشتمال السؤال علی بدایة کبیرة جدّا أو مفرطة فی التفاصیل.
8- اعتبار السؤال غیر ذی هدف معین.
9- کون السؤال لا یؤدّی إلّا إلی إثارة التفکیر السطحی.
10- کون السؤال علی النوع الذی لا یتوقّع له إلّا إجابات تقلیدیة.
و یری خبیر آخر «1»: أنّ الأسئلة بحاجة إلی ما هو أکثر من مجرّد التعبیر عنها بألفاظها، فمثلا: هناک الترتیب الذی یجب أن یراعی فی توجیه الأسئلة فیما یتعلّق بهذا الترتیب الذی یجب فیه السیر علی النحو التالی:
1- إنّ السؤال الأوّل، یجب أن یوجد الصلة بین المستجوب و المجیب.
2- الأسئلة القلیلة الأولی، یجب أن تکون بسیطة.
3- الأسئلة القلیلة الأولی، یجب أن تکون من النوع الذی تکون الإجابات عنها کافیة لتمکین المجیب من التعبیر عن نفسه.
4- الأسئلة الشخصیة، یجب أن توضع فی صلب الاستطلاع.
5- الأسئلة التی تعکس ذکاء المجیب، یجب أن توضع فی صلب الاستطلاع أیضا.
6- الأسئلة التی لا تهمّ المجیب إلی حد کبیر، یجب أن توضع أیضا فی صلب الاستطلاع.
7- الأسئلة برمتها، یجب أن ترتّب ترتیبا مناسبا مع مراعاة تجنّب الأسئلة غیر المترابطة.
8- إنّ تتابع الأسئلة قد یحرّف إجابات بعض الأسئلة اللاحقة «2».
______________________________
(1) و هو بلانکنشب.
(2) و یری بعض المتخصصین، أنّ هناک بعض المعوّقات التی تواجه صیاغة الأسئلة، منها:
1- أنّ التغییر فی صیاغة الأسئلة یؤثر علی النتائج و تضاربها تبعا للکیفیة التی تبلورت بها
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 270
إذا عرفت هذا، فلا بدّ من الابتعاد عن الأسئلة الخاطئة أو المنحازة و التابعة لمصلحة معینة، و یجب معرفة اتجاهات المستطلعین، لأنّها مؤثرة فی الإجابات و خاصة فی الاستطلاعات الشفویة، و یجب مراعاة الأمانة التامّة أثناء صیاغة الأسئلة إذا أردنا حقّا أن تکون کلّها موجّهة إلی الهدف الواقعی لا إلی الهدف الذی یریده المحقق سلفا. ثمّ الأسئلة إذا لم تکن مرتبطة بحیاة الإنسان ارتباطا مباشرا تختلط علیه أوّلا و ثانیا و ثالثا، و هذا ما یفعله المحققون مع الذین وقعوا تحت نظرهم فی مسائل الأجرام و نحوها؛ إذ قد یکون السؤال بین السلب و الإیجاب، و قد یکون بین الضدّین، و قد لا یکون کذلک، فإذا سئل:
ما ذا ترید؟ حکومة ملکیّة أم حکومة جمهوریة؟ فالجواب واضح و هو: إمّا
______________________________
آراء المحللین کأفراد، مثال ذلک فی فضیحة «و و ترغیت» جری استطلاع، و کانت نتائجه متفاوتة:
أ- هل تفضل بقاء «نیکسون» فی منصبه، أو أن یتخذ قرارا بالاستقالة، أو یوجّه إلیه اتهام بالتقصیر؟
ب- هل تعتقد أنّ من الواجب توجیه الاتهام بالتقصیر ل «نیکسون» و إجباره علی الاستقالة أم لا؟
2- جعل الأسئلة مفردة متوازیة الصیاغة، بحیث تعطی وزنا متساویا لجانبی قضیة ما من أجل أن لا تجعل الردود تنحاز إلی هذا الجانب أو ذاک. بمعنی طرح الأسئلة بصیغة غیر منحازة لأحد الجانبین اللذین أحدهما سلبی و الآخر إیجابی، و بعبارة أخری أن لا یوحی السؤال بأنه ینطوی علی ما إذا کان الشخص یؤید هذا الجانب أو ذاک.
3- یجب أن تتوافق صیاغة السؤال مع القضیة المطروحة.
4- هل الصیاغة ترکز علی عواطف الناس أو عقولهم؟
5- یجب أن تتم الصیاغة للأسئلة بعد أن تفسر المصطلحات الفنیة الخاصة بلغة عادیة متداولة.
6- یجب عدم توجیه أی أسئلة خلافیة قبل السؤال عن النوایا التصویتیة.
7- إنّ صیاغة الأسئلة یمکن أن تؤدی إلی الخطأ أو التحیز فی النتائج.
8- وجود عیوب غیر مکشوفة، حیث إمکان صیاغة سؤالین بطرق مختلفة دون أن یکون أحدهما صحیحا و الآخر خطأ.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 271
جمهوریة أو ملکیة.
أمّا إذا کان السؤال عن حال المجرم وقت وقوع الجریمة، هل هو فی المساء أو فی النهار؟، أول النهار أو وسطه أو آخره؟، أوّل اللیل أو وسطه أو آخره؟، و هل لا بس لباسا أبیض أو أزرق أو أسود؟ و من الواضح أنه قد تختلف الإجابات، و هذه هی الطریقة التی بها یکتشف المحقّق أنّ المجیب صادق أم کاذب، و لأجل ذلک تحرص الهیئات و المنظّمات التی تتولّی قیاس الرأی العام و تحلیله علی تدریب القائمین علی الاستطلاع، و علی صیاغة الأسئلة تدریبا واسع النطاق، و لا یتمکن من إعداد السؤال الصحیح إلّا إذا کان ذا علم و معرفة تامّة بکیفیة الصیاغة، و قد یکون هناک مثلا: جواب واحد یصاغ بهذه الصیاغة أو تلک الصیاغة ممّا تختلف الصیاغات فی بعض الخصوصیات و إن کان جمیعها یهدف إلی شی‌ء واحد، و قد ذکروا أنّ الخلیفة المنصور العباسی «1»
______________________________
(1) عبد اللّه بن محمد بن علی بن العباس، ثانی خلفاء بنی العباس و أخو أبی العباس السفاح، ولد سنة 95 ه (714 م) و مات سنة 158 ه (775 م)، حکم أکثر من عشرین سنة من 13 ذی الحجة سنة 136 ه (754 م) و إلی 6 ذی الحجة سنة 158 ه (775 م) و عاش 63 سنة، عرف بظلمه و قتله للناس و قتل خلقا کثیرا کما قال بذلک السیوطی فی تاریخه: ص 208؛ قمع ثورة العلویین و سجن أولاد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلم من أبناء الإمام الحسن علیه السّلام فی المدینة أربع سنوات من 140 ه و إلی 144 ه و کان عددهم عشرین شخصا، ثم نقلهم إلی الکوفة ثم الأنبار و علی رأسهم عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علی بن أبی طالب علیه السّلام و حبسهم فی سجون لا یمیزون اللیل من النهار و کانوا یحددون أوقات صلاتهم بقراءة خمسة أجزاء من القرآن و إذا مات أحدهم فی السجن کان المنصور الدوانیقی یترکه معهم و یبقی جسده مربوطا بالأغلال و الأصفاد، و عند ما ماتوا جمیعا هدم علیهم السجن، کما أنه ضیّق علی الإمام الصادق علیه السّلام مرارا و تکرارا و حمله إلی العراق و أخیرا قتله بالسم سنة 148 ه، و قد ذکر الصدوق فی عیون أخبار الرضا أن المنصور لما بنی الأبنیة فی بغداد و دام ذلک البناء أربع سنوات، جعل یطلب العلوی طلبا شدیدا و یجعل من ظفر به منهم فی أسطوانات، مجوفة، مبنیة من الجص و الآجر. للمزید راجع: منتهی الآمال: ج 2 ص 231، أعیان الشیعة: ج 1 ص 28 لمحسن الأمین، تاریخ الطبری: ج 6 ص 121، تاریخ بغداد: ج 10 ص 53، الکامل فی
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 272
سأل عن تعبیر منامه إذ رأی فی المنام أنّ أسنانه قد سقطت. فقال له المعبّر:
«إنّ أقرباء الخلیفة سیموتون»، فأمر بعقابه. ثمّ جاءوا بمعبّر ثان، فقال المعبّر:
«إنّ عمر الخلیفة سیکون أطول من عمر أقربائه». فأعطاه الجائزة.
أقول: و الجوابان و إن کان لهما مفهوم واحد إلّا أنهما یختلفان فی الأسلوب، فالأسلوب الأوّل کان مثیرا، أمّا الثانی فکان مرغوبا.
و حدث الشی‌ء نفسه عند ما أراد المرجع الکبیر السید حسین القمی قدس سره «1» العودة إلی إیران من العراق لأجل إصلاح مفاسد رضا بهلوی الأوّل «2»، فعیّن
______________________________
التاریخ: ج 5 ص 461، الأخبار الطوال: ص 385، الأعلام للزرکلی: ج 4 ص 259، تاریخ الیعقوبی: ج 2 ص 364.
(1) السید حسین بن محمود بن محمد بن علی الطباطبائی القمیّ، ولد فی مدینة قم المقدسة سنة 1282 ه و درس فیها المقدمات و کذلک درس فی طهران ثم انتقل إلی النجف الأشرف سنة 1311 ه لحضور درس الشیخ حبیب اللّه الرشتی و الشیخ علی النهاوندی و الشیخ محمد کاظم الخراسانی و السید محمد کاظم الیزدی، ثم هاجر إلی سامراء سنة 1321 ه لحضور درس الشیخ محمد تقی الشیرازی و بقی هناک عشر سنوات. و فی سنة 1331 ه انتقل إلی مشهد الرضا علیه السّلام و بدأ بالبحث و التدریس. یقول عنه الشیخ آغا بزرک الطهرانی الذی عاشره مدة من الزمن: «کان معروفا بالصلاح و التقی و النسک و الزهد و کثرة العبادة ...
و کان کیسا حلیما کثیر الرزانة و الوقار و التروی فی الأمور». من مواقفه السیاسیة: تصدی لرضا شاه- البهلوی- سنة 1354 ه الذی أهان العلماء و نشر الخمور و أجبر النساء علی التبرج و السفور و منع إقامة الشعائر الدینیة. رشّح للزعامة الدینیة بعد وفاة السید أبو الحسن الأصفهانی، و رجع الناس إلیه فی التقلید و نشرت رسالته العملیة فی أرجاء إیران ثم هاجر إلی کربلاء المقدسة، و زادت وجاهته و عظم شأنه ثم هاجر إلی النجف الأشرف و توفی بعد عدّة شهور فی بغداد و ذلک فی 14 ربیع الأول سنة 1366 ه عن عمر یناهز الرابعة و الثمانین سنة. من مؤلفاته: مجمع المسائل، الذخیرة الباقیة فی العبادات و المعاملات، مختصر الأحکام، طریق النجاة، منتخب الأحکام، مناسک الحج، هدایة الأنام.
ترجمه نقباء البشر فی القرن الرابع عشر: ص 653.
(2) میر بنج بن عباس قلی خان المسمی برضا خان: من ملوک إیران فی القرن العشرین، أصبح وزیرا للحربیة- الدفاع- فی حکومة القاجار ثم أطاح بهم، و لقب نفسه ب «بهلوی» إحیاء للفارسیة القدیمة، ولد فی کرجستان سنة 1295 ه (1878 م)، و یعد من أعوان
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 273
من سأل الناس هذا السؤال: «هل أنتم راغبون فی إصلاح ما أفسده البهلوی الأوّل؟»، فکان عدد الإجابات أکثر من السؤال الثانی الذی هو «هل ترغب بمجی‌ء السید القمی إلی إیران لإصلاح الأوضاع؟»، فقلّت الأجوبة عن هذا السؤال مع أنّ الإجابة واحدة فی کلا السؤالین، لکن تخوّف الناس علی حیاة السید القمی من طغیان رضا بهلوی قلّلت الأجوبة عن السؤال الثانی؛ لأنّ فیه مطالبة بمجی‌ء السید القمی إلی إیران؛ لذا لا بدّ من الاهتمام کثیرا فی صیاغة
______________________________
الإنجلیز فی الشرق الأوسط، حکم إیران سنة 1343 ه (1925 م) بعد أن أطاح بأحمد شاه القاجاری، و استمرّ فی الحکم لسنة 1359 ه (1941 م)، نفاه الإنجلیز إلی جزیرة موریس فی المحیط الهندی بعد ان رفض التعاون معهم فی الحرب العالمیة الثانیة ثم إلی جوهانسبورغ فی إفریقیا الجنوبیة، و عیّنوا ولده محمد رضا مکانه، و أصابه فی منفاه فی جوهانسبورغ لوث من الجنون؛ فکان یقف کلّ یوم أمام مرآة فی غرفته و یعدد ألقابه ثم یضحک بهستیریة علی نفسه، و کان یقضی أکثر أوقاته بهذه الکیفیة، ثم قتله الإنجلیز هناک سنة 1363 ه (1944 م) و نقل جثمانه إلی القاهرة ثم منه إلی طهران سنة 1950 م.
اتّسم حکمه بإحیاء القومیة الفارسیة و نشر المذهب البهائی و القضاء علی مظاهر الإسلام و معاییره و مبادیه و هدّم المساجد و المدارس و الحسینیات و منع العلماء و رجال الدین من ممارسة أدوارهم فی الحیاة، فقد سجن العلماء الکبار و نفی عدد منهم و دس السم لآخرین کما ذکر ذلک الطهرانی فی نقباء البشر: ص 1161، و أشاع الزنا و الخمر و القمار فی أوساط المجتمع الإسلامی، و قیّد الصحافة و حلّ الأحزاب و النقابات و ألغی الحریات الفردیة، و منع النساء المسلمات من ارتداء الحجاب الذی فرضته الشریعة و منع رجال الدین من ارتداء الزی الدینی لذا ترک هذا الزی ما یقارب مائة ألف شخص، و قضی علی خصومة و علی الخصوص رجال الدین و رؤساء العشائر إما بنفیهم مع أسرهم أو عن طریق إعدامهم، و حطم اقتصاد البلاد و علی الخصوص قنوات الری. و أصدر سنة 1934 م مرسوما بتغییر اسم فارس إلی ایران معتبرا أن لفظة فارس رمز کریه للماضی و یذکّر بالتراث الإسلامی للبلاد. و قتل فی ثورة مسجد «کوهرشاد» فی مدینة مشهد الإیرانیة سنة 1344 ه ما یقارب أربعة آلاف من العلماء و السادة الأشراف و الزوار الغرباء، حیث و جهت المدافع علیهم فدفنتهم تحت الأنقاض کما ذکر ذلک الطهرانی فی نقباء البشر: ص 1165 و الزنجانی فی حدائق الأنس، و عند ما أخبر رضا شاه بقتل هذا العدد قال: أن المسجد یسع لعشرة آلاف شخص فأین البقیة؟.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 274
الأسئلة، و لا بدّ من ملاحظة طبیعة السؤال «1» و طبیعة السائل و طبیعة الذی سیجیب عن السؤال.
و من المفترض أیضا منح مسئولیة صیاغة الأسئلة إلی أشخاص متخصّصین ذوی إلمام بالنواحی النفسیة و الإعلامیة، فالسؤال یجب أن یکون واقعیا، کما أنّ السائل یجب أن یکون غیر مغرض، ثمّ إنّه قد یکون السؤال مثیرا بحیث لا یستطیع المجیب ضبط أعصابه، و یذکر أن ابن المقفّع «2» قتل لأجل جعل
______________________________
(1) و یجب أن یکون السؤال متوازنا و أن یوضع فی سیاقه الصحیح، و یجب استخدام الکلمات الجیدة فی صیاغة السؤال لئلا تختلط العواطف مع وجهات النظر، فالناس عادة یحبون فکرة إعطاء الحریات دون منعها، و یجب تتمیم کل سؤال للتأکد من أن السؤال نفسه لم یتسبب فی تحریف النتائج. مثلا یجب التأکید علی الأسئلة ذات النهایات المغلقة، و التی تتضمن إجاباتها مثل «أصادق أو لا أصادق»، «ممتاز، جید، حسن»، «أفضل، أسوأ، سیان» «أوافق، أعارض» و نحو ذلک، و یجب عدم تناول الموضوع مباشرة لکشف معلومات عن موضوع یتحاشی الناس مناقشته و فی نفس الوقت الأخذ بعین الاعتبار أنّ السؤال غیر المباشر یؤدی إلی تزییف الإجابة، و یجب التوجه إلی طریقة صیاغة الأسئلة و طریقة ترتیبها و طریقة طرحها و الأجواء المکتنفة فی الطرح، فإنّ لهذه الأمور مدخلیة فی نتائج الاستطلاع، فأی خطأ فی ترتیب الأسئلة أو الاختلافات الوقتیة فی صیاغة الأسئلة أو عدم اتضاح خلفیة الأسئلة عند الناس معناه أن شریحة من الناس تعبّر عن رأیها دون معرفة أو إدراک حقیقی للأمور.
(2) أبو محمد، عبد اللّه روزبه بن داذویه المشهور ب «ابن المقفّع»، کاتب و مترجم، استطاع أن یتخذ طریقة فنیة فی الکتابة أثّرت کثیرا فی أدباء زمانه و من بعدهم، ولد حوالی سنة 106 ه (724 م) فی قریة جور، فیروزآباد الحالیة فی بلاد فارس، درس عند أبیه ثم انتقل إلی البصرة للدراسة و عاش عند آل الأهتم ممن اشتهروا بالفصاحة و البیان و الإنشاء و الأدب و الکتابة. و ارتاء الترجمة فی المنطق و الحکمة. ثم ارتبط مع الأمراء و الولاة، عبر الکتابة و الإجابة علی الرقاع التی تأتیهم و تربیة أولادهم، أمثال عمر بن هبیرة فی دواوینه علی کرمان، و ابنه یزید و داود بن هبیرة ولاة العراق فی عهد الأمویین. و عیسی حاکم الأهواز عم السفاح و المنصور خلیفتی الدولة العباسیة- ثم عین فی الوزارة و قتل فی زمن المنصور العباسی حرقا و ذلک سنة 142 ه (759 م).
من مؤلفاته: الدرّة الیتیمة فی طاعة الملوک، الأدب الکبیر، الأدب الصغیر، رسالة الصحابة،
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 275
صیغة یمین الخلیفة بحیث أثارت الخلیفة ضدّه فی قصّة مذکورة فی التواریخ «1». و کثیرا ما یحاول بعض مراجع التقلید الأذکیاء الإجابة عن الأسئلة
______________________________
المقولات العشر، العبارة، تحلیل القیاس. و من مؤلفاته الفارسیة: آیین‌نامه، خدای‌نامه.
و من کتبه المترجمة: کلیلة و دمنة، الذی ترجم من الهندیة الی البهلویة ثم العربیة، و ابتغی ابن المقفّع من ترجمتها إرشاد المنصور العباسی إلی ما یجب أن یتمسک به، و قد ترجمت کلیلة و دمنة أکثر من ثلاثین مرة و لأکثر من عشرین لغة، و معظم هذه الترجمات عن العربیة. راجع: أدباء العرب: ج 2 ص 136، الأعلام للزرکلی: ج 4 ص 283.
(1) قتل ابن المقفّع نتیجة الأمان الذی کتبه لعبد اللّه بن علی عمّ المنصور العباسی الذی کان والیا علی بلاد الشام، حینما ثار علی المنصور سنة 137 ه (754 م) و فشل، فطلبه المنصور فخشی أن یقتله رغم وعده بأن لا یفعل ذلک. فطلب عبد اللّه من ابن المقفّع أن یکتب له أمانا یوقّعه المنصور، ففعل، و کتب فی الأمان: «و متی غدر أمیر المؤمنین بعمه عبد اللّه بن علی، فنساؤه طوالق، و دوابه حبس، و عبیده احرار، و المسلمون فی حلّ من بیعته». فلما وقف المنصور علی الکتاب عظم ذلک علیه و قال: من کتب هذا؟ فقالوا له: رجل یقال له عبد اللّه ابن المقفّع یکتب لأعمامک- سلیمان و عیسی ابنا علی- فکتب المنصور إلی سفیان بن معاویة بن یزید المهلبی و إلیه فی البصرة، و کان الأخیر شدید العداء لابن المقفّع. فاستأذن ابن المقفّع یوما علی سفیان المهلبی، فأخّر إذنه حتی خرج من کان عنده، ثم أذن له فدخل، فعدل به إلی حجرة فقتل فیها. بعد أن قطّعت اعضاءه عضوا عضوا و ألقاها فی التنور المستعرة و هو ینظر إلیها، حتی أتی علی جمیع جسده ثم أطبق علیه التنور. و یری البعض مقتله کانت نتیجة سیاسة اتبعها المنصور العباسی لحمایة حکمه و إنّ سفیان المهلبی لم یکن إلّا واسطة فی التنفیذ، و إنّ المنصور اغتاله لأسباب ثلاثة: 1- ارتباط ابن المقفع بأعمام المنصور المنافسین له و ذلک بکتابة الأمان للثائر عبد اللّه بن علی. 2- دفاع ابن المقفع عن أعداء الدولة العباسیة و انتقاده سیاسة الخلافة بصراحة تظهرها رسالته فی الصحابة. 3- دعوته لتقلید و اقتباس النمط الفارسی و الحضاری، و هی دعوة لم تکن تتفق مع سیاسة المنصور العباسی کما ذکر ذلک محسن الأمین فی مستدرکات أعیان الشیعة: ج 7 ص 145.
و یری بعض المحققین أنّ ابن المقفع کان ینظر إلی مثل أعلی لم یجده عند الأمویین، کما أنه لم یقع علیه عند العباسیین و لکنه عند بعض جماعات لم یتسلموا مقالید الحکم و هو علی بن أبی طالب علیه السّلام کما ذکر ذلک محسن الأمین فی مستدرکات أعیان الشیعة: ج 7 ص 146.
راجع کتاب سیر اعلام النبلاء للذهبی: ج 6 ص 209 و کتاب شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید: ج 18 ص 269، و کتاب کلیلة و دمنة: ص 9 تحقیق المنفلوطی. عن ترجمته راجع:
الکنی و الألقاب: ج 1 ص 421، موسوعة السیاسة: ج 1 ص 23، الموسوعة العربیة المیسرة
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 276
المثیرة بأجوبة غیر مثیرة، و ینقل عن المرحوم الشیخ عبد الکریم الحائری «1» قدّس سرّه أنّه أجاب جوابا حکیما عند ما سئل عن حکومة بهلوی الأوّل، و کان الجواب صعبا سواء کان سلبیا أو إیجابیا، فأجاب بهذه العبارة: «إنّ إطاعة ولی أمر المسلمین الذی یرید مصلحة المسلمین أمر واجب».
إذن: فإنّ السؤال و الجواب لا یختلفان فی لزوم صیاغتهما صیاغة واقعیّة غیر مثیرة لا فضفاضة و لا ضیقة، و لا یکون بینهما عموم من وجه.
و قد تبیّن ممّا تقدّم ما ذکره بعض العلماء فی هذا الصدد بأن «اختیار الأسئلة و صیاغتها علی نحو ملائم تکشف عن الهدف علی نحو الواقعیّة، یشکلان مسألة کمیّة تستلزم مهارة و حکمة بالغتین بأن یکون الصائغ للأسئلة ماهرا
______________________________
و الموسعة: ج 1 ص 132، أدباء العرب: ج 2 ص 137، الفتوح لابن الأعثم: ج 8 ص 218، وفیات الأعیان: ج 2 ص 150، البدایة و النهایة: ج 10 ص 102.
(1) الشیخ عبد الکریم الیزدی الحائری، فقیه لامع، أصولی متبحّر، ولد فی مهرجرد من قری یزد سنة 1276 ه و توفی سنة 1355 ه عن عمر یناهز 83 سنة، اشتهر بالإیثار و الزهد، حتی أنه لیلة وفاته لم یمتلک عیاله ما یأکلونه، و کان صادقا فی علاقاته مع أصدقائه و تلامذته و کل من عاشره. أنهی دراسة المقدمات الفقهیة فی إیران ثم هاجر إلی العراق و استوطن سامراء و درس عند الشیخ فضل اللّه النوری و المیرزا ابراهیم المحلاتی ثم انتقل إلی النجف الأشرف لإتمام دراسته. تتلمذ عند المجدد الشیرازی و الشیخ محمد تقی الشیرازی- قائد ثورة العشرین- و الشیخ محمد کاظم الخراسانی و السید کاظم الیزدی و السید محمد الفشارکی. رجع إلی إیران سنة 1333 ه قاصدا مدینة أراک ملبیا دعوة علمائها، و بقی هناک ثمانی سنین، ثم انتقل الی مدینة قم سنة 1340 ه، و بدأ بتوسیع الحوزة العلمیة فیها کما تصدی للمهام المرجعیة. من تلامذته السید المرعشی النجفی و السید محمد رضا الکلبایکانی. من مواقفه السیاسیة احتجاجه علی ما اقترفه محمد رضا شاه حاکم إیران من منع الحجاب، و قد استنکر ذلک الفعل و بقی جلیس الدار لمدة ستة أشهر إلی أن وافاه الأجل کمدا و حزنا. من مؤلفاته: درر الفوائد، الصلاة، النکاح، الرضاع، المواریث.
راجع: نقباء البشر فی القرن الرابع عشر: ص 1158، کفاح علماء الإسلام للدکتور العقیقی:
ص 323.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 277
و حکیما»، و معنی الحکمة وضع الشی‌ء فی محلّه، و معنی المهارة أن یکون خبیرا بالخصوصیات، فلذا لا یلیق بأن یعهد باختیار الأسئلة و صیاغتها إلی شخص غیر متمرس فی هذا النوع من العمل، أو ترکه إلی أخصائی اجتماعی بسیط لم یکن ذکیّا غایة الذکاء، أو إلی خریج لم یتلق التجربة الدقیقة فی هذا المجال؛ و ذلک لأنّ استطلاع الرأی لجماعة واقعیّة بهذه الصفات هو الذی ینتج النتیجة المطلوبة، بینما إذا کانت الجماعة مغرضة سواء عن قصد أو غیر قصد، فقد یؤدی إلی نتائج خطرة، تلحق الضرر بالصالح العام أو بمصالح تلک الجماعة التی ترید التقدّم إلی الأمام سواء کانت جماعة اقتصادیة أو سیاسیة أو اجتماعیة أو تربویة أو عسکریة أو غیرها، فاللازم ألّا تکون هناک محسوبیة أو منسوبیة أو وصول الشخص إلی النتائج المطلوبة عبر رشوة أو ما أشبه ذلک «1».
______________________________
(1) و هناک نقطة لا بد من التنویه إلیها، و هی ترتیب الأسئلة، لأنّ لها أثر فی المواقف و فی الانعکاس علی نتائج الاستطلاع، فإنّ قلب ترتیب الأسئلة قد یؤدی إلی التضارب و الاختلاف فی النتائج، مثلا قامت صحیفتا «نیویورک تایمز» و «هارتفورد کوارنت» معا فی أوائل تشرین الأول سنة (1982 م) بإجراء استطلاع للرأی حول انتخابات ذلک العام لمنصب ولایة «کونیکتکت» و عضویة مجلس الشیوخ لتلک الولایة، و تطابق الاستطلاعان بشکل شبه کامل حول المواقف المتعلقة بمنصب الحاکم، لکنهما اختلافا من حیث التنافس علی الانتخابات لعضویة مجلس الشیوخ. و لما کانت عملیتا الاستطلاع قد أجریت قبل أربعة أسابیع من الانتخابات، فإن مقارنة نتائج الاستطلاعین بنتائج الانتخابات ستکون غیر صحیحة، لأغراض البت فی الدقة، فقد جرت مراجعة لمنهجیتی الاستطلاعین بدلا من ذلک و کشفت هذه المراجعة من بین أشیاء أخری عن أنّ صحیفة «نیویورک تایمز» قد سألت أولا عن الأفضلیة المتعلقة بالتنافس علی منصب الحاکم، بینما وجهت صحیفة «هارتفورد کوارنت» أسئلتها حول التنافس علی عضویة مجلس الشیوخ أولا. و قد خامرت صحیفة «نیویورک تایمز» شکوک من أن قلب ترتیب الأسئلة ربما کان مسئولا عن التضارب، فعمدت إلی إجراء استطلاع ثان للرأی، تحتل فیه نصف العینة السؤال المتعلق بمنصب الحاکم أولا، و وجه للنصف الآخر السؤال المتعلق بانتخابات مجلس الشیوخ أولا، و فی ذلک
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 278

الخامس: الاختبار التجریبی

إنّ التنفیذ یجب أن یکون بعد الاختبار التجریبی، و ذلک لقیاس مدی ثبات الاستطلاع، شأن ذلک شأن کلّ الأمور التی تحتاج إلی التجربة قبل التنفیذ، و من الممکن إجراء الاختبار التجریبی عن طریق الاستعانة بالخبراء و المستشارین «1» أو عن طریق إجراء اختبار تنفیذی عام أو عن طریق اختبار عینة محدودة.
ثم إنّه لو لم یستعن بالخبراء و عهد بالتنفیذ إلی أشخاص غیر مؤهّلین بذلک تمام التأهیل، ستکون النتائج عکسیة تماما فی بعض الأحیان، و أمّا إجراء الاختبار التنفیذی العام، فإنّه حقّ ثابت لا بأس به إذا کان هناک خبراء متخصّصون یتراوح عددهم ما بین ثلاثة و عشرة، أو عشرة و مائة و ما أشبه ذلک؛ ممّا یکفی فی إجراء اختبار تنفیذی عام کون المراد بالاختبار بالنسبة إلی القطر أو المدینة أو الجمعیة الخاصّة علی ما ذکرناه سابقا، و أمّا اختبار العینة المحدودة فإنّه لا یحقّق الأهداف المقصودة إلّا إذا قام به خبراء متخصّصون فی أسالیب الاستطلاع و من لهم سابق درایة و تجربة بالإضافة إلی العلم. و من الواضح أنّ کلّ واحد من العلم و الخبرة شی‌ء غیر الآخر، و کلاهما معا یمکنهما
______________________________
الاستطلاع الثانی کان لترتیب الأسئلة أثره فی المواقف ذات الصلة بانتخابات مجلس الشیوخ. و لیس بانتخاب الحاکم. کما أنّ لترتیب ذکر أسماء المرشحین ضمن أی سؤال قد یؤثر فی نتائج الاستطلاع مثلما حدث للاستطلاع الذی أجری فی أیلول سنة (1988 م) حول المفاضلة بین جورج بوش و مایکل دوکاکیس، فعند ما ورد اسم دوکاکیس أولا تقدم علی بوش بمقدار اثنتی عشرة نقطة، و لکن عند ما ورد اسم بوش قبل دوکاکیس تقلص تفوق دوکاکیس علیه إلی أربع نقاط فقط. راجع کتاب: الرأی العام، و استطلاعات الرأی و الدیمقراطیة للمؤلف ایرفنج کرسبی: ص 87- 88.
(1) و یعرف هؤلاء بما أداروه من مشاریع سابقة أو المهام الاستطلاعیة التی أنجزوها سابقا.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 279
أن یأتیا بالنتیجة المطلوبة «1».

السادس: إجراء المقابلات

یجب علی من یجری المقابلات و المستجوب الاسترشاد بالقواعد التی وضعها القائمون بعملیة الاستطلاع فی کیفیتها و خصوصیاتها و مزایاها، و قد طبع فی الغرب کتاب صغیر یسترشد به المستجوبون بإجراء المقابلة؛ حیث ذکر الکتاب عدّة قواعد عامّة، لخّصها بعض الباحثین بقوله:
1- یجب علی المستجوب أن یکون علی درایة بمبادئ علم النفس الاجتماعی.
2- یجب علی المستجوب أن یکون علی درایة بالعادات و التقالید السائدة.
3- یجب علی المستجوب أن یکون علی درایة بالاستطلاع و موضوع الاستطلاع.
4- یجب علی المستجوب أن یکون حسن المظهر و حسن السلوک و صادقا فی الحدیث.
5- یجب علی المستجوب أن یجید تصنیف المجیبین من حیث مستواهم الاقتصادی، فإذا ما ساوره الشک فی مستوی المجیب، وجب علیه أن یصنفه فی المستوی الأعلی من المستویین محل التشکیک.
6- یجب علی المستجوب أن یتفادی إجراء المقابلة فی أوقات غیر ملائمة
______________________________
(1) و من التقاط المهمة فی هذا الحقل، معرفة من الذی أنفق علی الاستطلاع، لأنّه ربما مول المشروع جهات لها مصالح خاصة لأجل حشد التأیید لأجل مشروع ما أو الحصول علی مناقصة اقتصادیة أو تأیید سیاسی، لأنه من الثابت أنّ فی وسع أی شخص یملک رصیدا مالیا أن یحدد وجهة نظر معینة حول موضوع معین ثم یجری استطلاعا لإثباتها.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 280
للمجیب.
7- یجب علی المستجوب أن یترک المکان فورا بعد انتهاء المقابلة «1».
و أخیرا: فاللازم أن یکون ظرف الزمان و المکان و ظرف المستجوب (بالفتح) ظروفا ملائمة للاستجواب و إلّا فإذا کان هناک نقص فی المستجوب و فی المجیب تکون النتائج عکسیة أحیانا أو تکون ناقصة نقصا مشینا ممّا لا یوصل إلی الهدف المطلوب، و کثیرا ما یکون المستجوب أفضل فهما من المجیب؛ لذا فاللازم علی المستجوب أن یضع التفسیر الدقیق بذکائه للأجوبة حتی یصل إلی النتیجة المطلوبة «2».
و من الواضح أنّ مظهر المستجوب و لباقته و حسن استقباله و احترامه للمجیب و ما أشبه ذلک من قواعد المعاشرة، کلّها تؤثّر فی الجواب الصحیح المنتج لما یهم الرأی العام أو الرأی الخاص، کلّا فی موضعه، و قد ذکر جمع من الفقهاء فی کتاب القضاء، شرائط القاضی و آدابه، و الغالب أنّ هذا الباب و ذلک الباب من باب واحد؛ و لذا إذا روعیت تلک الشرائط و الآداب المذکورة فی کتاب القضاء فی هذا الباب، کان حسنا جدّا «3».
______________________________
(1) راجع کتاب الرأی العام و تأثّره بالإعلام و الدعایة: الکتاب الأول: ص 352 للدکتور محمد عبد القادر حاتم.
(2) و أضاف بعض العلماء: یجب علی المستجوب الابتعاد عن التحریف و التزویر، و یجب أن یطرح المستجوب الأسئلة بشکل بعید عن الخطأ فی التلفظ أو فی نمط الانتقال من موضوع إلی آخر، و یجب علی المستجوب أن لا یقوم بتعقید خیارات المستجوب.
(3) و یری البعض أنه یجب الأخذ بنظر الاعتبار الأحداث التی تقع منذ إجراء المقابلات، فإنها قد تغیّر الآراء الواردة فی المقابلات، و یجب تحدید وقت المقابلات بأن لا یزید عن عشرین دقیقة، و ذلک لتخفیض التکلفة المالیة و لضمان تعاون الناس إذا ما أجریت المقابلات بزمن أقل، و کذا یجب توقیت الاستطلاع بالقرب من الحدث باعتباره یعطی الدقة فی الاستطلاع، و یعطی فرصة للمترددین أن تتبلور أفکارهم و آراؤهم. یقول أحد العلماء بهذا الصدد: «إننا باستطاعتنا أن نقول کیف یفکر الناس و ما ذا یقولون حول ما یعتزمون القیام به و ذلک قبل
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 281

السابع: استخلاص النتائج

إنّ الفاعل القائم بتحلیل الإجابات إذا کان فی خطأ من أیة جهة من الجهات فإنه سیئول إلی استخلاص نتائج غیر صحیحة المائة فی مائة أو بأیة نسبة مئویة أخری، و لذا فجماعة من الباحثین فی شئون قیاس الرأی العام عن طریق الاستطلاع جعلوا عدّة قواعد عامّة ذکرها بعض العلماء علی نحو ما نذکره الآن:
1- یجب علی القائم بإعداد نتائج الاستطلاع أن یلاحظ أنّ الإجابات التی یقوم بتحلیلها هی فی الواقع ولیدة اللحظة التی أجریت فیها المقابلة، إذ أنّ الإنسان یتغیّر من وقت لوقت آخر، فقد تکون لحظة الإجابة لحظة خاصّة، لتتغیّر الإجابات فی لحظات و مناسبات أخری، مثلا: لحظة الضیق و لحظة الحرج و لحظة الهمّ و لحظة الضجر و لحظة دفع الأخبثین و ما أشبه ذلک، و هذه لحظات لیس للإنسان أن یجیب فیها سواء فی وقت الاستجابة أو فی وقت آخر حیث یری أنّ الإجابات السابقة لم تکن علی حالة صحیحة.
2- یجب علی القائم بإعداد نتائج الاستطلاع أن یذکر الإجابات التی یقوم بتحلیلها و التی هی فی الواقع ولیدة الطریقة التی أجری بها الاستطلاع، فالإجابات المقتصرة علی مجرد الاختیار بین لا و نعم و نحو ذلک قد تختلف و تتغیّر إذا تغیّرت طریقة الاستطلاع، و قد ذکرنا سابقا أنّ مجرّد لا و نعم إنّما
______________________________
الحدث بعشرة أیام. و لکننا لا نستطیع معرفة کیف یغیر الناس رأیهم بعد عشرة أیام من الآن». و مثال ذلک أن مؤسسة «غالوب» للاستطلاع فسرت خطأها البالغ سبعة عشرة نقطة فی المائة فی الانتخابات الأولیة للحزب الجمهوری فی ولایة «نیوهامشیر» سنة (1988 م) بأنه یعود إلی کونها قد أجرت الاستطلاع فی وقت مبکر أکثر مما ینبغی.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 282
یصح بین النقیضین لا بین الضدین أو ما أشبه ذلک، فاللازم مراعاة المستطلع هذه الخصوصیة.
3- یجب علی القائم بإعداد نتائج الاستطلاع أن یفطن إلی أنّ الإجابات التی یقوم بتحلیلها هی فی الواقع ولیدة الإیحاءات أو التحیزات التی تتضمّنها الأسئلة أو طریقة تداعی هذه الأسئلة؛ إذ الجواب قد یکون مستقیما و قد یکون متحیّزا. و من الواضح أنّ الجواب المتحیّز لا یصل إلی الهدف مائة فی المائة، و أحیانا یکون ضدّ الهدف مائة فی المائة أو بنسبة مئویة أقل.
4- یجب علی القائم بإعداد نتائج الاستطلاع أن یفطن إلی أنّ الإجابات التی یقوم بتحلیلها هی فی الواقع حصیلة المعلومات المختزنة فی عقل المجیب، و قد تکون هذه المعلومات خاطئة أو متخلّفة أو مشوّشة، و کلّ ذلک لا یوصل إلی النتیجة المطلوبة.
5- یجب علی القائم بإعداد نتائج الاستطلاع أن یفطن إلی أنّ الإجابات التی یقوم بتحلیلها هی فی الواقع ولیدة السمات الشخصیة للمجیب، فالشخص الذی یتّصف بالتردّد- بوجه عام- یدلی بإجابات متردّدة؛ لأنّ فاقد الشی‌ء لا یعطیه، کما أنّ الشخص الذی یتّصف بالحرص- بوجه عام- یدلی بإجابات معیّنة عن أسئلة معیّنة، هی ولیدة الحرص أو ولیدة الجبن أو ولیدة الحسد أو ما أشبه ذلک، فإنّ النتائج النفسیة کالنتائج السببیة تکون مناسبة للنفس کما تکون مناسبة للسبب، فالحرارة لا تنتج البرودة، کما أنّ البرودة لا تنتج الحرارة، و هکذا فی سائر الأسباب و المسبّبات الکونیة الخارجیة أو النفسیة الداخلیة.
6- ما ذکرناه فی النقطة الخامسة، «أنّ القائم بإعداد النتائج یجب أن یفطن إلی أنّ الإجابات التی یقوم بتحلیلها» هی فی الواقع ولیدة البیئة و العادات
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 283
و التقالید السائدة و الأدیان المختلفة، أی أنّ المجیب قد یدلی بإجابات منسجمة مع البیئة و العادات و التقالید و الأدیان و الأعراف أکثر ممّا یحدث، علی أن تکون هذه الإجابات ممثّلة لرأیه الحقیقی؛ و ذلک لأنّ المجیبین غالبا یریدون ألّا یکونوا فی نظر المجتمع شاذّین، و إن کانت آراؤهم خلاف المجتمع و یدلون بآراء لیست من آرائهم الواقعیة، و إنّما ممّا یقبله الجمهور الذی یعیش فی بیئته أو قومیته أو جغرافیته أو ما أشبه ذلک.
7- یجب علی القائم بإعداد نتائج الاستطلاع أن یفطن إلی أنّ الإجابات التی یقوم بتحلیلها هی فی الواقع ضروب من السلوک الإنسانی لا یمکن أن یعبّر عنها بالأرقام الإحصائیة تعبیرا صادقا إلّا إذا تحقّق هذا السلوک، فقد یعرب المجیب- فی الاستطلاع فی موضوع أشخاص مرشحین للانتخابات العامّة أو الانتخابات الخاصّة فی الجمعیات و المنظّمات و الأحزاب و ما أشبه ذلک- عن تأییده لمرشح معین سواء کان ذلک بالنسبة إلی مجالس البرلمان أو بالنسبة إلی البلدیة أو ما أشبه ذلک، و لکن هذا المجیب لا تتاح له فرصة الإدلاء بصوته حین تجری الانتخابات بالفعل، فیترتب علی ذلک أنّ تصنیفه إحصائیا ضمن المؤیّدین لهذا المرشح عند إعداد نتائج الاستطلاع، سیکون تصنیفا خاطئا، و لهذا یرجّح أن یکون بین وقت الاستطلاع و وقت الانتخاب مدّة قلیلة لا تتیح للمجیب فرصة الرجوع عن رأیه السابق لئلّا ینتج ذلک تناقص الأصوات التی کانت مؤیّدة لانتخاب فلان «1»، و هکذا قد یکون المرشح المنتخب حین الاستطلاع قد فعل شیئا سبّب سقوطه أو أنّ معارضه فعل شیئا سبّب صعوده؛ و إلی هذا یشیر المثل المشهور- لا فی مثل هذا المقام و حسب
______________________________
(1) فإنّ للأحداث التی تقع بعد اجراء المقابلات تأثیرا درامیا علی النتائج، فإذا أصاب الأسواق المالیة انهیار، أو حدث فی المجتمع جریمة ما، أو انتشر فی البلاد حدث ما، فإنّ هذه الأمور و أشباهها تؤثر علی تغییر الآراء و بالتالی علی النتائج.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 284
بل فی کلّ مقام- «فی التأخیر آفات»، و فی الحدیث یقول الإمام علی علیه السّلام:
(لا تؤخر عمل الیوم إلی غد) «1»، و بالرغم من أنّ الحدیث لیس بهذا الصدد و إنّما فیه إشارة واضحة إلی ذلک، فالإنسان لا یدری ما ذا سیجری علیه غدا، فالزلازل و الصواعق و السیول و الفیضانات و المشاکل تهاجم البشریة دون إنذار مسبق، و هی قادرة علی تغییر الآراء فی کثیر من الأحیان.

الثامن: عرض النتائج

من المفترض عرض نتائج الاستطلاع بسرعة عبر وسائل الاعلام و بأسلوب فعال یثری الحوار العام و یکون خاضعا للتحلیل «2» و لیس للإبلاغ فقط، و ذلک عبر تحویل النتائج من أمور مقولة داخل الذهن إلی أشیاء محسوسة خارج الذهن، حتّی یعرف مدی النجاح و السقوط و تعرف مهمّة القائمین بالاستطلاع، و هذا جزئی من جزئیات کلّ مورد یراد منه معرفة صحّة الشی‌ء أو عدم صحته سواء فی الأمور المادیة أو فی الأمور المعنویة، فالقماش الذی یخرج من المعمل هو الدلیل علی صحة المعمل أو عدم صحّته، فإذا کان ممزقا أو ملونا بألوان غیر متّسقة، دلّ علی وجود خلل فی المعمل، أمّا إذا کان صحیحا مائة فی المائة، دلّ علی عدم وجود الخلل، و کذلک الحال فی الأمور المعنویة؛ فإن الخطیب إذا خطب بمستوی الطموح دلّ ذلک علی صحّة مقدّماته من الحفظ و صحّة التنسیق للموضوع و ما أشبه ذلک «3».
______________________________
(1) ورد عن علی علیه السّلام: (لا تؤخر عمل الیوم إلی غد و امض لکل یوم عمله) مستدرک الوسائل:
ج 12 ص 150 ب 14 ح 13753.
(2) بمعنی الربط بین استطلاع الرأی و الخصائص الاجتماعیة و الاقتصادیة و السیاسیة و الشخصیة.
(3) أما کیف تتعامل وسائل الإعلام مع نتائج الاستطلاع، فیری بعض الخبراء أنه یتم عبر
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 285

التاسع: انعکاس النتائج

إن الله سبحانه و تعالی جعل علاقة خاصّة بین الأسباب و المسبّبات، فإذا صحّت الأسباب صحّت المسبّبات، و إلّا فلا یصح المسبّب سواء کان من جهة أنّ السبب لیس بسبب و إنّما هو سبب لشی‌ء آخر، کمن یشرب دواء الکلیة لأجل تصحیح کبده، أو کان السبب غیر واجد للشرائط أو غیر فاقد للموانع؛ فإنّ القطن إذا لم یحترق فی النار دلّ ذلک علی عدم جامعیة القطن لشرائط الاحتراق؛ لکونه رطبا، و المقام بالنسبة إلی الرأی العام کذلک؛ لأنّه نوع من الأسباب و المسبّبات من غیر فرق أن یکون الاستطلاع فی جهة اقتصادیة أو اجتماعیة أو تربویة أو عسکریة أو غیرها من الجهات الخاصّة أو من جهة قیاسیة خاصّة کانتخاب رئیس البلدیة أو أعضائها أو جهة عامّة کالانتخاب العام لکلّ المدینة أو لکلّ قطر. فیجب وضع النتائج فی سیاقها الصحیح و أن لا نسی‌ء لتلک النتائج عبر إساءة تفسیرها أو تضخیم إساءة تفسیرها.
______________________________
التقییم المتوازن لکیفیة نشر نتائج استطلاعات الرأی بالاعتراف بعدد الطرق التی استفادت بها استطلاعات الرأی من روابطها الوثیقة بالصحافة. و تشمل هذه الطرق:
1- القیمة الکبری للتوثیق الواقعی فی نقل الأخبار الجادة الهامة، و ذلک تمییزا لها عن کتابة الافتتاحیات. 2- الاهتمام بالرأی العام من حیث العلاقة بالقضایا الجوهریة و الأحداث الجاریة، أکثر من الالتفات إلی النواحی التجریدیة. عن کتاب الرأی العام و استطلاعات الرأی و الدیمقراطیة: ص 134.
و هناک موانع تعترض نتائج الاستطلاع منها: 1- بلادة الاحصاءات. 2- قیود المیزانیة، و الحیز و الوقت المتاحین للإبلاغ عن النتائج. 3- الحاجة إلی وقوعها فی الوقت المناسب.
4- سوء التفسیر أو الخطأ فی استخدام النتائج.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 286

العاشر: اتخاذ القرارات

ثم یأتی فی المرحلة النهائیة، تقییم النتائج و اتخاذ القرار حسب ردود الأفعال «1»، و کیف نتعامل مع نتائج الاستطلاع، و یکمن ذلک فی کتابة موضوع
______________________________
(1) ثم هناک نقطة لا بد من أخذها بنظر الاعتبار، و هی أنه یجب توخی الحذر و عدم إعطاء جمیع الاستطلاعات القدر نفسه من الثقة، بل یجب التأکد من طریقة جمع المعلومات و معرفة المنهجیة فی کل استطلاع و ما أشبه ذلک، حتی یتمیز الصالح من الطالح. ثم إنّ کثرة الاستطلاعات و اختلاف نتائجها الناشئ من اختلاف التقنیات المنبعثة و أطر اختلاف العینات لا تؤثر فی أصل موضوع الاستطلاع. و بهذه الحالة لأجل الجمع بین الاستطلاعات، إما أن نعتبر کل استطلاع کعینة و نجمع العینات و نستخرج المعدل بینها، أو نستخدم الاستطلاعات الأخری المتعلقة بالموضوع ذاته أو بموضوعات مماثلة لإبراز النتائج المهمة لإعطاء بنیة لشکل الرأی العام علی مر الزمن.
و لا یخفی أن هناک استطلاعات مزیفة و مضللة تقوم بها بعض القنوات الفضائیة، منها:
1- الاتصال بالهاتف بالإعلان عن رقم للاتصال به للإعراب عن موقف معین خاص بقضیة ما، و إعطاء رقم آخر للإعراب عن موقف معارض، أو الإعلان عن عدة أرقام للاتصال للإعراب عن المواقف، و تتم إذاعة النتائج بعد ذلک. و زیف هذه الاستطلاعات یکمن فی أنه لا سبیل لمعرفة خصوصیات من أجاب عبر الهاتف أو تقریر نوع التحریفات التی حدثت بفعل من اختاروا الاتصال بالهاتف.
2- الاستطلاعات عبر الفاکس أو الانترنیت أو القسیمة الذی تجریه المجلات و الصحف، و فی هذه الحالة تتضمن النشرة استبیانا أو قسیمة تعاد للناشر بعد الإجابة علی الأسئلة التی تتضمنها.
و زیفها یظهر إضافة لما سبق من أننا لا نعرف من لم یجیبوا أو ما الذی یفکرون به و ما أشبه ذلک.
3- الاستطلاعات المزیفة التی لا تقوم علی انتخاب العینات بالطریقة العلمیة مثلا ینتخبون شریحة من الناس لا تعکس آراؤهم بدقة رأی الشعب کله، أو أن تکون الجهة القائمة بالاستطلاع غیر مؤهلة و غیر کفأة.
و قد ذکر المؤلفان «شیلدون آر. آرحاوایزر» و «جی ایفانزویت» تقریرا عن کیفیة تحلیل الاستطلاعات فی کتابهما دلیل الصحفی إلی استطلاعات الرأی العام: ص 221 و لأهمیته نذکره هنا:
1- من قام بالاستطلاع؟- أی معرفة مؤهلاته من تخصص و تدریب و إشراف و تحلیل عبر
الخدمة السابقة أو النتائج السابقة لأنه المؤشر علی نوعیة عمله-. 2- من دفع نفقات الاستطلاع و ما الهدف منه؟- لأن مراکز الاستطلاع لا تدار عادة من أجل خیر العالم، و إنما لأجل الحصول علی معلومات نافعة أو دفع قضیة معینة لأجل مصلحة خاصة أو خدمة عمل معین. 3- کم عدد الأشخاص الذین جرت مقابلتهم لهذا المسح؟. 4- کیف تم اختیار هؤلاء الأشخاص؟. 5- من أیة منطقة- أو أمة، أو ولایة، أو أقلیم- أو من أیة مجموعة- مدرسین، أم محامین، أم ناخبین دیمقراطیین ... الخ- جری اختیار هؤلاء الأشخاص؟ 6- هل تعتمد النتائج علی أجوبة جمیع الأشخاص الذین جرت مقابلتهم؟
7- من هم الأشخاص الذین یجب أن تتم مقابلتهم و لم تتم؟ 8- متی أجری الاستطلاع؟- فالاستطلاع خاضع للوقت الذی أجری فیه-. 9- کیف أدیرت المقابلات؟ 10- هل تم هذا الاستطلاع عن طریق الاتصال بالهاتف، أم بالبرید، أم عن طریق قسائم الاشتراک؟
11- ما هو مقدار الخطأ فی اختیار العینات فی نتائج الاستطلاع؟ 12- ما هو نوع الأخطاء الأخری التی قد تشوه نتائج الاستطلاع؟ 13- ما هی الأسئلة التی طرحت؟ 14- حسب أی ترتیب جری طرح الأسئلة؟ 15- هل هناک استطلاعات أخری أجریت حول الموضوع نفسه؟ و هل قالت الشی‌ء نفسه؟ إن کانت نتائجها مختلفة، فما سبب اختلافها؟. 16- یقول الاستطلاع أن السباق قد انتهی، فما العمل الآن؟ 17- هل کان الاستطلاع جزءا من مجهود لجمع الأموال؟ 18- لقد طرحت کل الأسئلة و تبدو الإجابات جیدة. معنی ذلک أنّ الاستطلاع صحیح، أ لیس کذلک؟ 19- مع کل المشاکل المحتملة، هل یجدر بنا قط أن نبلّغ عن نتائج الاستطلاع؟ 20- هل یستحق هذا الاستطلاع کتابة تقریر عنه؟
و هناک خصائص للاستطلاعات یجب أخذها فی الحسبان. فی أیة مناقشة تدور حول الکیفیة و المدی اللذین یستطیع الرأی العام أن یقدّم من خلالهما إسهاما إیجابیا فی الحیاة السیاسیة للأمة. و هی بإیجاز:
1- رغم الآمال التی راودت أوائل المستطلعین و المخاوف التی ساورت نقادهم، فإنّ استطلاعات الرأی العام لم تقم بدور کبیر فی تحدید مسار السیاسة الجماهیریة، و تستعمل استطلاعات الرأی علی نطاق واسع من قبل السیاسیین و أرباب المناصب و مجموعات المصالح الخاصة من أجل تطویر الحملات الانتخابیة، و حملات تهدف إلی تأیید سیاسات معینة، و لکن نادرا ما تستخدم هذه الاستطلاعات لصیاغة السیاسة بشکل عام.
2- رغم اهتمام کل من وسائل الإعلام و السیاسیین باستطلاعات الرأی التی تسبق الانتخابات، یوصف هذه الاستطلاعات تنبؤات عن الکیفیة التی سیقترع بها الناس، فإنّ لتلک الاستطلاعات- لا سیما التی تجری قبل الانتخابات بوقت طویل- قیمة محدودة من حیث ذلک الغرض، و لا یجوز بناء القرارات المتعلّقة بالأشخاص الذین سیقتصر الدعم
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 288
أو مقالة و فیها انتقاد أو اقتراح لمعالجة الواقع، أو اتخاذ موقف معین حتی یتسنی لمن یهمه الأمر أن یتخذ الإجراءات اللازمة لحل المشاکل، سواء کانت سیاسیة أو اقتصادیة أو اجتماعیة أو فکریة أو ما أشبه ذلک.
______________________________
علیهم، أو الذین یجب أن یحظوا بأولویة فی الدعم، علی أوضاع المرشحین فی استطلاعات الرأی المبکرة.
3- إنّ حساسیة استطلاعات الرأی إزاء صیاغة الأسئلة و تتابعها، تبرهن بوضوح علی القیمة المحدودة لاستخدام سؤال واحد فقط مهما کان موضوعیا و غیر منحاز فی صیاغته، من أجل تقصّی الرأی العام و تحلیله بالنسبة لإحدی القضایا، و عند ما نضیف إلی ذلک انعدام الدقة المتأصل فی أیة دراسة مسحیة لعینة ما، فلا مندوحة لنا عن الاستنتاج بأنه لا یمکن معاملة استطلاعات الرأی، بل و یجب عدم معاملتها، علی أنها استفتاءات للرأی العام.
4- إن الرأی العام عملیة دینامیة متحرکة غیر ساکنة، تتغیر متجاوبة مع عالم دائم التغیّر.
و من أجل فهم الرأی العام، لا بد لنا من أن نفهم کیف یتجاوب مع الأحداث. و کیف تولد تلک الاستجابات اتجاهات طویلة المدی فی المناخ الذی یسود الآراء، و لا تزودنا اللقطات السریعة غیر المنتظمة للرأی بالمعلومات المطلوبة لفهم کامل للرأی العام. راجع کتاب الرأی العام و استطلاعات الرأی و الدیمقراطیة: ص 111- 112.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 289

العلاقة بین التنبؤ المستقبلی و الرأی العام

مسألة: من خلفیات الرأی العام التنبؤ بالمستقبل، و لا یراد به التنبؤ الناشئ من الوحی و الإلهام کما فی الأنبیاء و من إلیهم، و لا من شفافیة النفس کما فی المرتاضین، بل من قرائن الماضی بسبب الموازین العلمیة الدقیقة، ذلک لأنّ الله سبحانه و تعالی جعل للماضی آثارا، و للمستقبل علائم، و لذا یحدّد العلم عمر المدینة المکتشفة، و یستطیع أن یحدّد عمر الصخرة التی یراد معرفة عمرها و عمر السمکة التی فی الماء، و کذلک معرفة عمر الشجرة، و بمقدور العلم أیضا أن یتنبأ بکثیر من موارد المستقبل کالکسوف و الخسوف، و قد یتنبأ الطبیب بموت مریضه بعد أسبوع أو بعد شهر کما فی المبتلی بالسرطان. و قد یتنبأ الاقتصادیون بالوضع المالی للدولة بعد سنة أو سنتین فیذکرون أنّ الدخل القومی و الدخل الفردی للمجتمع سیکون بهذا المقدار- مثلا-، و قد یتنبأ السیاسیون بأنّ فلانا سیفوز فی الانتخابات العامّة أو فی الانتخابات المحلیة.
و هناک التنبؤات العسکریة مثل التنبؤ بأنّ هذه الدولة ستنهزم عسکریا و أنّ هذا الجیش لا یستطیع المقاومة أمام عناصر المقاومة.
و یمکن التنبؤ بالأحداث الاجتماعیة التی تتضمّن التنبؤ بالنمو السکانی و الهجرة و التغیّرات فی الهیکلیة السکانیة و التطوّرات الدیمقراطیة، و کذا التنبؤ العرقی، أی التطوّر المحتمل فی الشعوب و اللغات المکتوبة و العادات و الأعراف المرتبطة بالأمزجة و التنبؤات المرتبطة بالمستقبل، مستقبل توافق
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 290
الفرد و المجتمع أحدهما مع الآخر، و التنبؤات الخاصّة بالترتیب الاجتماعی للمجتمع کالتنبؤات فی الثقافة المستقبلیة و التعلیم و القانون و النتائج الاجتماعیة للتقدّم العلمی إلی غیر ذلک.
و هذه التنبؤات مفیدة جدّا فی حقل التجارة من جهة الربح و الخسارة؛ حیث أنّ الإنسان إذا تنبأ بأن البضاعة الفلانیة سترتفع قیمتها سارع إلی شرائها و ادّخارها، و إذا تنبأ بأن البضاعة المعینة ستنخفض قیمتها سارع فی بیعها لیتخلّص منها، و هکذا شأن القائمین علی البورصة، فإذا تنبأ الإنسان بأنّ فلانا سیموت بعد أسبوع لارتفاع ضغط الدم عنده، سارع لمعالجة مرضه، و إذا تنبأ بأنّ جیش الحاکم الفلانی سینهزم استعدّ استعدادا کافیا خشیة الهزیمة إلی غیر ذلک من الفوائد التی لا تعدّ و لا تحصی سواء کانت فوائد بدنیة أو فوائد مالیة أو فوائد اعتباریة، و قد ورد فی الحدیث: (العالم بزمانه لا تهجم علیه اللوابس) «1»، و لیس المراد بالزمان الآن فقط بل یشمل الزمان المستقبلی و الزمان الماضی؛ إذ نواة الحاضر تعقد فی الماضی و نواة المستقبل تعقد فی الحاضر.
و لا یخفی أنّ التنبؤ العلمی لا یشمل الاکتشافات العلمیة التی لا یمکن التنبؤ بها و إلّا لم تکن اکتشافات، لأنّ الاکتشاف مأخوذ من الکشف و هو عبارة عن شی‌ء مجهول کشف بسبب العلم. و هذا الذی نذکره لیس من ذلک، و لذا لا یسمّی التنبؤ کالکسوف و الخسوف اکتشافا.
و إذا تنبأ الإنسان تمکن بواسطة التنبؤ تنظیم البحث العلمی بجوانبه المختلفة من اللازم و الملزوم و الملازمة؛ لأنّ کلّ شی‌ء تحفّ به هذه الأمور الثلاثة، فالحرارة تلازم الضوء و هذا من اللازم، و الشمس تلازم النهار و هذا من الملزوم، کما و أن النهار یکشف عن وجود الشمس و هذا من الملازمة،
______________________________
(1) الکافی (أصول): ج 1 ص 27 ح 29، تحف العقول: ص 356.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 291
فقوانین النجوم من جوانبها الثلاثة- لازم و ملزوم و ملازمة- تکون اکتشافات؛ و لذا بالتنبؤ ینظم البحث العلمی فی الجوانب الثلاثة التی ذکرناها، کما و أنّ الإنسان بسبب التنبؤ یخصّص رأس المال اللازم و الأدوات اللازمة لنجاح خططه و أعماله؛ مثلا: من یعرف أنّ فصل الشتاء المقبل سیکون باردا جدّا تراه یخصّص المال اللازم للوقایة من البرد لشراء الملابس و التدفئة حتّی لا یفاجأ بذلک، کما و أنّ التنبؤ العلمی یتألّف من تنبؤات مختلفة فی مناحی مختلفة من الحیاة و یتناول الجوانب الاجتماعیة فی مختلف فروعها و فروع التکنولوجیا أیضا و هندسة القوی و الموادّ الخام و المواد الأساسیة و الزراعة و الصناعة و الإنشاءات و النقل و المواصلات، و الفروع التی ترتبط بکلّ علم من هذه العلوم.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 292

تدعیم المثل

مسألة: من آثار الرأی العام تدعیم المثل الاجتماعیة و الخلقیة و رفع الروح المعنویة فی الأمّة، فالرأی العام هو الذی یحرّم تعدّی الإنسان علی غیره فی مال أو عرض أو دم، و کذلک رفع روح المعنویات و الأخلاق و الفضیلة و صیاغة المثل و القیم فی المجتمع، و الرأی العام هو الذی یوجب ابتعاد المجتمع عن التفرّق و التمزّق، و قد بین التاریخ أن انهیار حقوق المجتمعات إنّما هو بسبب فقدان الرأی العام الأخلاقی.
و قد قال الشاعر:
و إنّما الأمم الأخلاق ما بقیت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا «1»
و لذا حرّم الله سبحانه و تعالی الخمر؛ لأنّها توجب فقدان سیطرة الإنسان علی نفسه و عدم رعایته للأخلاق الرفیعة، فإنّ مدمن الخمر یقتل و یزنی حتّی بمحارمه، و تصبح المرأة و الولد عرضة للبیع بسبب الخمرة، و قد ذکر أنّ الأندلس «2»
______________________________
(1) للشاعر أحمد بن علی بن أحمد شوقی، المولود فی القاهرة فی باب إسماعیل سنة 1285 ه (1868 م) و مات سنة 1351 ه (1932 م) درس فی مصر و حصل علی شهادة الحقوق و الترجمة، و أتم دراسته فی أوربا سنة 1891 م و عاد إلی مصر، و نفی إلی إسبانیا سنة 1915 م، و عاد إلی مصر أواخر 1919 م، لقّب بأمیر الشعراء، و تقلد عدّة مناصب. له دیوان شعری باسم الشوقیات فی أربعة أجزاء، و من أثاره الأخری: دول العرب و عظماء الإسلام، خمس مآس، ملهاة الست هدی، أسواق الذهب، الشوقیات المجهولة. عن حیاة أحمد شوقی راجع تاریخ الأدب العربی لحنّا فاخوری: ص 970، الأعلام للزرکلی: ج 1 ص 133.
(2) حکم المسلمون الاندلس قرابة 800 سنة، فبنو عباد فی إشبیلیة، و بنو نصر فی غرناطة، و الأمویین فی قرطبة، و قد بلغت حدود الأندلس من الشمال الجبل الحاجز و من الغرب
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 293
ضاعت بسبب القمار و الخمر و الجنس، و کذلک ضاعت فلسطین فی الوقت الراهن بسبب ذلک، و قد استطاع المسیحیون أن ینشروا فی صفوف المسلمین الخمور و القمار و الزنا بشکل فضیع مما آل إلی إضعاف الروح المعنویة عند المسلمین.
و فی الحرب العالمیة الثانیة سقطت فرنسا بسرعة أمام هتلر، و قد ذکروا أنّ سبب سقوطها یرجع إلی میوعة الشعب الفرنسی، إذ لم یمتلک الروح المعنویة المطلوبة لمقاومة الغزو.
و ربما یتساءل البعض لما ذا نشاهد المجتمعات الغربیة متوحدة بالرغم من انغماسها فی اللّذات و الجنس؟.
و فی الجواب نقول: إنّ المجتمع الأوربی مجتمع متفسّخ إلّا أنّ الماسکین بقیادة هذا المجتمع لیسوا الخمّارین و لا القمارین بل العقلاء و الحکماء، و إنّ رئیس الجمهوریة فی هذه الدول لیس إلّا منفذا لتعالیم المراکز العلمیة.
صحیح أنّ الرئیس الأمریکی بیل کلنتون مثلا لا یختلف عن أیّ فرد فی المجتمع الأمریکی بعد أن انکشفت فضائحه الجنسیة مع المتدربة فی البیت
______________________________
بحر الظلمات أو البحر الغربی و من الشرق بحر الروم أو البحر الشرقی و من الجنوب بحر الزقاق أو مضیق جبل طارق. و قد أسس الدولة الأمویة فی الأندلس عبد الرحمن بن معاویة بن هشام «الداخل»، الذی حکم قرابة ثلاثا و ثلاثین سنة من سنة 148 ه (756 م) حتی 172 ه (788 م) ثم اعقبه هشام بن عبد الرحمن «الاول» حکم 7 سنوات و 10 أشهر، ثم الحکم بن هشام حکم قرابة 27 سنة، ثم عبد الرحمن بن الحکم «الثانی» حکم 31 سنة و 5 أشهر، ثم محمد بن عبد الرحمن «الاول» حکم 34 سنة، ثم المنذر بن محمد حکم سنتین، ثم عبد اللّه بن محمد حکم 25 سنة، ثم عبد الرحمن بن محمد «الثالث» ثم الحکم الثانی المستنصر ثم هشام الثانی ثم تبعه ستة آخرهم هشام الثالث ثم تبعه ملوک الطوائف و المرابطون و الموحدون و بنی الأحمر. سقطت الأندلس سنة 1492 م عند ما رفع الصلیب علی قصر الحمراء. راجع: تاریخ التمدن الإسلامی لجرجی زیدان.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 294
الأبیض «مونیکا» «1»، لکن قیادة الدولة الأمریکیة لیست بید الرئیس الأمریکی بل بید الجامعات و المراکز العلمیة و مراکز البحث العلمی، و یوم کان الغرب یعانی من التفسّخ و الانحلال حتّی فی قیاداته انهار أمام الزحف الإسلامی فی القرن الخامس الهجری.
جاء فی التاریخ: لما أراد السلطان العثمانی محمّد الفاتح «2» فتح القسطنطینیة «3»، و هی عاصمة مستعصیة علی المسلمین لأکثر من ألف سنة، أحاط محمد الفاتح أسوار المدینة بجیشه و أرسل الجواسیس إلی داخل المدینة
______________________________
(1) مونیکا بیرنی جورج لیونسکی التی تنتمی إلی أبوین یهودیین، ذکرت قصة ارتباطها الجنسی مع الرئیس الأمریکی ولیم جیفرسون کلینتون فی کتابها «حکایتی» و هو عرض و تلخیص حسین عبد الواحد- محمد رجب، و کانت مهمتها فی البیت الأبیض کما تقول فی الصفحة 63 هی: «رصد التیارات السیاسیة و الاجتماعیة التحتیة»، و بعد فضیحتها انتقلت من البیت الأبیض إلی العمل ضمن فریق عمل مع وزیر الدفاع الأمریکی فی البنتاغون، حیث قامت بمهام عدیدة فی بقاع عدیدة من العالم مثل البوسنة و الهرسک و إسبانیا و الیابان و الصین، و هذا یعزز ما اعتبره البعض أنها جزء من مؤامرة سیاسیة یهودیة لأجل السیطرة علی الرئیس الأمریکی لتحقیق أهداف ذات طابع سیاسی. و من نافلة القول: أن الرئیس الأمریکی السابق فرانکلین دی روزفلت کانت له عشیقة اسمها لوسی میرسر.
(2) محمد الثانی بن مراد الثانی، ثامن خلفاء الدولة العثمانیة، و الملقب ب (الفاتح) لفتحه القسطنطینیة سنة 1453 م، و قد اعتبر سقوطها نهایة العصور الوسطی و الذی کان یتوخی منه تحقیق الاتصال بین شطری دولته فی المشرق و المغرب. احتل الفاتح بلاد الصرب سنة 1459 م و طرابزون سنة 1461 م و البوشناق سنة 1463 م و شبه جزیرة القرم سنة 1475 م ثم تبعها بألبانیا و أقالیم آسیا الصغری. ولد الفاتح سنة 833 ه (1429 م) و تولّی الحکم بعد أبیه سنة 856 ه (1451 م) و هو شاب لم یتجاوز الثانیة و العشرین من العمر، حکم إحدی و ثلاثین سنة. مات سنة 886 ه (1481 م). من مهازل حکمه أنه قتل إخوانه بحجة عدم تکرار قصة الأمویین و العباسیین و الأمین و المأمون، و قتل جرّاء هذا القانون أربعمائة شخص.
(3) القسطنطینیة: و هی إسطنبول الترکیة، أسسها الإغریق و جعلها قسطنطین من عواصم الإمبراطوریة الرومانیة بعد أن أسماها باسمه، و افتتحها محمد الفاتح سنة 857 ه (1453 م) بعد حصار دام خمسین یوما و أعدّ لها أعظم مدافع عرفها العالم فی ذلک الحین.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 295
لینقلوا له أخبار ما یجری، فذکروا أنّ الأسواق عامرة بالبیع و الشراء، و أنّ المسیحیین فی الأسواق یتباحثون حول السهم الذی أصاب السید المسیح هل أصاب جهته الإلهیة أم جهته البشریة، کما و أنّ أسواق الفسق و الدعارة و الخمر و ما أشبه ذلک قائمة علی قدم و ساق، و أنّ الناس لا یعیرون أهمیة لوجود الجیش الإسلامی من حولهم؛ و لذا قال محمد الفاتح: إنّ أفضل وقت لفتحها هو هذا الوقت، فدخل الجیش الإسلامی و فتحها و جعلها من البلاد الإسلامیة.
و بذلک سقطت القسطنطینیة الإسلامیة بعد مدّة طویلة من الانغماس فی اللهو و اللعب و الفسق و الفجور.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 296

الرأی القوی و الرأی الضعیف

اشارة

مسألة: من الضروری العمل وفق الرأی العام القوی و المتعدی، لأن ذلک یمنح الشخص البصیرة فی الاقتداء بالعظماء و العلماء، فالرأی العام قد یکون قویا و قد یکون ضعیفا، و قد یکون متعدیا و قد یکون لازما، و الرأی القوی هو الرأی المندفع اندفاعا کبیرا نحو الشی‌ء الذی یریده صاحب الرأی، و عکسه الضعیف، و الرأی المتعدّی هو الرأی الذی یتعدّی إلی غیره کمن یرید إصلاح أمّة؛ حیث یبدأ الأمر بفرد ثم یتعداه إلی ثان و ثالث و رابع کما نشاهد أمثال ذلک فی الأنبیاء و المصلحین العظام من غیر فرق فی قوّة الرأی و ضعفه و تعدیه و لزومه سواء کانت الحرکة دینیة أو قومیة أو عنصریة أو وطنیة أو جغرافیة أو قبلیة، فکلّ إنسان یؤمن بشی‌ء قد یکون إیمانه قویا، و قد یکون إیمانه ضعیفا، و قد یکون إیمانه خاصا بنفسه لا یتعدّاه إلی غیره مثل دین الیهود القومی کما یقولون، حیث إنّهم لا یقبلون التبشیر بدینهم، بخلاف المسیحیین و المسلمین، الذین بالإضافة إلی اعتقادهم بدینهم فهم یبشرون بهذا الدین لمن لا یدین دینهم، و لذا أصبح هذان الدینان دینین عالمیین قویین. و لما کان التبلیغ عند المسلمین أعمق و أکثر اندفاعا و أدلتهم أقوی، کانوا أکثر عددا من غیرهم؛ حیث ذکر أنّ عدد المسلمین الیوم بلغ ملیاری نسمة بینما لا یتعدّی عدد المسیحیین ملیارا واحدا. و القوة تأتی من هذه الخلفیات، و قوّة الرأی لیست خاصّة بالقوّة الإیجابیة بل بالقوّة السلبیة أیضا، بمعنی معارضة أمر ما، و إذا کان الرأی قویا جمع صاحب الرأی حول رأیه ما یسبّب له القوّة، فالرأی
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 297
یأخذ بالمصلحة إلی المعرفة، و المصلحة تأخذ بالاهتمام و الاعتناء، و الاهتمام و الاعتناء یوجبان الاندفاع الکثیر، فالمندفع دائما یفکر بالذی یقوّی رأیه أکثر فأکثر و بما یوصله إلی هدفه أسرع و أسرع، و إذا صادفت الإنسان ضعیف الرأی أو قوی الرأی مشکلات أو ظروف خاصّة أثّر ذلک فی تطویر قوّة رأیه کمّا و کیفا، مما یوجب زیادة الاهتمام و العنایة و الاندفاع و التقدّم، کما نلاحظ ذلک فی الانتخابات، فإنّ الشخص الذی یری أحقیة الحزب المعین علی الحزب الآخر یزداد قوّة و اندفاعا نحو تأیید الحزب الذی یراه أصلح، فإذا جاءت ظروف خاصّة أو مشکلات معقدة حول حزبه و خاف تقدّم الحزب الآخر صار اهتمامه و عنایته أکثر فأکثر، و المسلمون الأولون الذین ازدادوا بالإسلام عقیدة کانوا یتقاتلون فی سبیل قوّته و تقدّمه، و لذا کان للأنصار من أهل المدینة أثر کبیر فی تقدم الإسلام بسبب اندفاعهم الشدید، فکانوا یتشارکون مع أهل مکة دورهم و کسبهم، و قد طلّق سعد بن الربیع إحدی زوجتیه؛ لیتزوجها أحد المهاجرین بعد انتهائها من العدّة «1».
و کان الإمام الرضا علیه السّلام یقرأ فی شهر رمضان أربعین ختمة من القرآن الکریم؛ کما ورد فی الروایة «2»، کما و أنّ بعضهم عدّ له خلال عمره الشریف
______________________________
(1) سعد بن الربیع بن عمرو الخزرجی الذی استشهد یوم أحد، و قد آخی الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم بینه و بین عبد الرحمن بن عوف. راجع کتب العامة: فتح الباری: ج 9 ص 190، فضائل الصحابة لابن حنبل: ص 65، صحیح البخاری: ج 3 ص 3 و ج 4 ص 222، سنن النسائی: ج 6 ص 137، السنن الکبری للبیهقی: ج 7 ص 258. علما بأن آیة الحجاب الآیة «59» من سورة الأحزاب لم تکن قد نزلت بعد.
(2) و إن الإمام علیه السّلام کان فی غیر شهر رمضان المبارک یختمه فی کل ثلاث، و کان یقول: (لو أنی أردت أن أختمه فی أقرب من ثلاث لختمت، و لکنی ما مررت بآیة قط إلّا فکرت فیها و فی أی شی‌ء أنزلت و فی أی وقت، فلذلک صرت أختمه فی کل ثلاث). راجع: أعلام الوری:
ص 327 ب 7 الفصل الرابع، الأمالی للصدوق: ص 660 المجلس الرابع و التسعون ح 14.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 298
ستة آلاف ختمة، و کلّما طالت فترة تمسّک الإنسان برأیه ازدادت درجة قوّة شعوره بالارتباط بهذا الرأی، من غیر فرق بین أن یکون الرأی دینیا أو اقتصادیا أو ما أشبه ذلک، و قد لاحظنا بعض التجار یتفانون فی التجارة و فی جمع المال لیل نهار، حتّی أنّه یقتنع بالنوم القلیل و یقتنع بالأکل القلیل.

بین التطرف و الاعتدال

و لا یخفی أنّ هناک فرقا بین قوّة الرأی و بین التطرّف، فقوّة الرأی تلتقی مع الاعتدال، بینما التطرّف یخالف الاعتدال، و علی اصطلاح المنطقیین: «بینهما عموم من وجه»، فمن الممکن أن تکون قوّة الرأی و لا یکون اعتدال، کما أنّ من الممکن أن یکون العکس، و یمکن أن یجمع بینهما، فالمعتدل یکون قویّ الرأی.
ثم إنّ الرأی العام إنّما یؤثّر بشرط أن یستند إلی أدلّة محکمة و إلی مناقشة مستفیضة حول الموضوع الذی یریدون استخلاصه کرأی عام.
و الرأی الذی یؤازره هذا الاتجاه هو الذی یشقّ طریقه کرأی عام، فالقضیّة المتدارکة لا یؤیّدها الرأی العام إلّا بعد حین.
و من الواضح أنّ الرأی العام لا یتّصف بشی‌ء یخالف معتقدات عامّة الناس مثل العقائد الدینیة و الوطنیة و الجغرافیة و اللغویة، مع وجود الفارق الکبیر بین العقیدة الدینیة و غیرها من العقائد، لأنّ العقیدة الدینیة هی العقیدة التی تنفذ إلی أعماق القلوب، و لذا نشاهد أنّ العقیدة الدینیة تبقی ما بقی الشعب، کما حدث فی البوسنة و الهرسک حیث ظلّت العقیدة الإسلامیة مترسّخة فی نفوس المسلمین و لم یستطع الإرهاب الشیوعی و القتل الصربی أن یزعزعها.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 299

وظائف الرأی العام

اشارة

مسألة: من أهمّ وظائف الرأی العام سنّ القوانین أو إلغاؤها، و فی الإسلام المراد بسنّ القوانین التأطیر لا التشریع؛ کما ذکرنا ذلک فی بعض کتبنا، فالإسلام له أصول و مبادئ ثابتة، منزلة من الله سبحانه و تعالی. و إنّما یقع الاختلاف فی التأطیر، و کمثال لذلک إنارة المسجد، فهی مستحبّة، لکن بأیّة وسیلة تتم الإنارة بالشمع أو بالنفط أو بالطاقة الذریة أو بغیر ذلک؟!.
أمّا القانون فیکون له نصیب من النجاح عند ما یکون انتخاب أعضاء البرلمان أو مجلس الأعیان أو ما أشبه ذلک انتخابا صادقا، و یصبح أعضاء المجلسین ممثلین حقیقیین عن الشعب، فالقوانین التی یصدرها مثل هذا المجلس ستکون مقبولة لدی الشعب إذا تمّ التمهید لها من قبل الرأی العام، و لذا فالقانون الذی لم یمهّد له لا یبقی و إن فرض أنّ الرأی العام سانده، و ربّما کان القانون من وضع الدیکتاتور، و یصبح مثل هذا القانون هشا خالیا من محتوی، کما لاحظنا ذلک فی العراق فی قانون الأحوال الشخصیة الذی أصدره عبد الکریم قاسم و الذی تمت بموجبه المساواة بین الرجل و المرأة فی الإرث، و فی قوانین عبد السّلام عارف التی کانت کالورقة فی مهب الریاح، أو البنود الست التی وضعها شاه إیران فی ثورته السوداء، أو الاشتراکیة التی سعی لتطبیقها جمال عبد الناصر، و غیر ذلک من القوانین الفارغة المحتوی، فاللازم أوّلا: أن یکون البرلمان حقیقیا، و ثانیا: أن یمهّد الطریق لقبول القانون، و ثالثا: أن یعرض القانون للرأی العام، ثمّ یأخذ القانون طریقه إلی التنفیذ العملی.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 300

الرأی العام و الأحکام الإلهیة

ثم إنّ الرأی العام یصبح صحیحا و سلیما إذا لم یخالف أحکام الله سبحانه و تعالی، و الواضح أنّ الرأی العام من حیث تأثیره أقوی من القانون، بل هو أقوی حتّی من البرلمان؛ إذ بإمکان الرأی العام إلغاء البرلمان و إلغاء القوانین، لذا کان من المفترض لنجاح التطبیق أن یمهّد للقوانین بحیث یصنع لها رأی عام، و لا یکفی إصدار القوانین من قبل مجلس الأعیان أو البرلمان؛ إذ لا قیمة للقوانین إذا لم یشفعها الرأی العام، و تحسن هنا المقارنة بین تحریم الخمر فی الإسلام و تحریمه فی القوانین الوضعیة الأمریکیة، فعند ما حرّم الإسلام الخمر سارع المسلمون إلی تحطیم أوانی الخمر و هدم أماکن صنعه، و تجنّب أغلب المسلمون هذه الآفة إلی یومنا هذا؛ حیث یمرّ علی التحریم أکثر من أربعة عشر قرنا، و السبب أنّ الإسلام مهد لتطبیق التحریم و أشفعه بإیجاد الرأی العام.
أمّا فی القانون الوضعی الأمریکی حیث لم یمهّد له و لم یکن الرأی العام مطابقا للتحریم فإنّ القانون لم ینفّذ بالصورة المطلوبة؛ حیث عاد الناس یعاقرون الخمور بعد فترة قصیرة من التحریم، و یعود السبب فی فشل التحریم إلی الرأی العام الذی یتعلّق بالدین المسیحی السائد فی المجتمعات الأمریکیة و الأوربیة، حیث أنه یحلّل الخمور، و قد جاء فی کتابهم المقدّس أنّ المسیح علیه السّلام قدّم الخمر فی العشاء الأخیر إلی أصحابه!، و کما للرأی العام القدرة علی إلغاء القوانین، له القدرة أیضا علی تعضید الأفکار و القادة و الأشخاص من مفکّرین و مثقفین. فالرأی العام یقوم بدور مهم فی مساندة
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 301
الأفکار الاجتماعیة و السیاسیة و الاقتصادیة و العسکریة و غیرها. بل إنه الأساس فی تأیید أیّة فکرة من الأفکار، و ربّما أیّد الرأی العام فکرة ما ثمّ بعد ذلک ألغاها، کما و أنّه قد یلغی فکرة ثمّ یؤیّدها؛ و ذلک بسبب الظروف السیاسیة و الفکریة.
و نجد أثر الرأی العام حتّی عند رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم؛ فقد ألغی عقوبة القتل علی من یستحقّها حتّی لا یقول الکفّار «إنّ محمدا استعان بأصحابه ثم قتلهم» «1»، و نجد أیضا أثر الرأی العام فی قوله صلی اللّه علیه و آله و سلم لعائشة: (لو لا أن قومک حدیثو عهد بالإسلام لهدمت الکعبة و لجعلت لها بابین) «2»، إلی غیر ذلک من الروایات و الحوادث الواردة فی هذا الشأن، علما أنّ الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم علی حق و هو أمر لا یشک به أحد، و کان له من القوّة الخارجیة و الذاتیة ما یمکّنه من تنفیذ ما یرید لکنّه مع ذلک کان یلاحظ الرأی العام.
لذا کان لا بدّ للأحزاب و المنظمات و الهیئات و غیرها ملاحظة الرأی العام بکلّ دقّة و عمق، فإذا أرادوا سنّ قانون أو لائحة فلا بدّ من مراعاة الرأی العام و إلّا فإنّ قانونهم سوف یضرب به عرض الحائط.
______________________________
(1) إشارة إلی الحدیث الوارد عن زرارة عن أحدهما- الباقر أو الصادق علیه السّلام: قال: قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلم: (لو لا أنی أکره أن یقال إنّ محمدا استعان بقوم حتی إذا ظفر بعدوه قتلهم لضربت أعناق قوم کثیر) الکافی (روضة): ج 8 ص 345 ح 544، وسائل الشیعة: ج 28 ص 333 ب 5 ح 34887.
(2) ورد أن الرسول الاعظم صلی اللّه علیه و آله و سلم قال لعائشة: (یا عائشة لو لا أنّ قومک حدیثو عهد بجاهلیة.
و فی روایة أخری: «حدیثو عهد بکفر» و فی روایة: «حدیثو عهد بشرک» فأخاف أن تنکر قلوبهم لأمرت بالبیت فهدم فأدخلت فیه ما أخرج منه و ألزقتها بالأرض و جعلت لها بابین بابا شرقیا و بابا غربیا فبلغت به أساس إبراهیم). الطرائف: ج 2 ص 390، نهج الحق:
ص 320.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 303

الفصل الثانی الإعلام

اشارة

الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 305

الإعلام ضرورة إصلاحیة

مسألة: الإعلام «1» أمر ضروری لکلّ مبدأ و دین و رسالة إصلاحیة، بل و حتّی المفسدون هم بحاجة إلیه، کما رأینا إعلام هتلر و موسیلینی، و حتّی من کان أقدم منهم کنابلیون بونابرت «2» و من أشبه.
______________________________
(1) یعرف الإعلام بعدّة تعریفات، نذکر بعضها علی نحو الإجمال:
1- عملیة نقل وقائع و أحداث أو تفسیر لحالة معینة أو إرشاد إلی قضیة ما أو ما أشبه ذلک، و نقلها عبر وسائل مکتوبة أو مسموعة أو مرئیة. و قوامه: الإنسان و التقنیة و الفکرة و المجتمع المتلقی و حریة تداول الحقائق.
2- الوسیلة التی یتم عبرها نقل المعرفة و صیاغة الأفکار و القیم و المفاهیم و نشرها فی الأوساط، و تکوین المواقف و الوعی الذاتی. و للإعلام دور فی تکوین المعرفة و الوعی الاجتماعی و فی تغییر و تطویر المجتمع، و له دور أیضا فی تکوین المعارف لدی الناس ثم تحویلها إلی مواقف و سلوک و عادات یتبعها الناس فی حیاتهم الیومیة.
3- العملیات التی یترتب علیها نشر المعلومات و أخبار معیّنة تقوم علی أساس الصدق و الصراحة و احترام قول الجماهیر و تکوین الرأی العام عن طریق تنویره کما ذکر ذلک الدکتور حسین عبد الحمید فی کتابه العلاقات العامة و الإعلام: ص 235.
4- نشر الحقائق الثابتة الصحیحة و الأخبار و المعلومات السلیمة الصادقة، و الأفکار و الآراء، و الإسهام فی تنویر الرأی العام، و تکوین الرأی الصائب لدی الجمهور أو جماهیر المؤسسة الداخلیة و الخارجیة فی الوقائع و القضایا و الموضوعات و المشکلات المثارة و المطروحة. المصدر السابق: ص 244.
5- التعبیر الموضوعی لعقلیة الجماهیر و لروحها و میولها و اتجاهاتها فی نفس الوقت. و هذا ما عرفه أوتوجراف نقلا عن کتاب الإعلام له تاریخه و مذهبه: ص 23 للدکتور عبد اللطیف حمزة.
(2) نابلیون بونابرت، ولد فی 15 آب سنة 1769 م فی جزیرة أجاکسیو من عائلة بونابرت، أحد أبرز القادة العسکریین فی فرنسا، تخرج ضابطا فی المدفعیة سنة 1785 م. استمر فی حملة
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 306
لذا یجب علی المسلمین إذا أرادوا إعادة الإسلام إلی الحیاة أن یستفیدوا من هذا العلم، خاصة المصلحین الذین یریدون إصلاح بلاد الغرب و غیرها علیهم الاستعانة بالإعلام. لذا ارتأینا أن نخصّص فصلا لدراسة الإعلام من جهتین: من جهة الإسلام کیف یجب أن یکون الإعلام فیه، و من جهة الإصلاح العام، حیث إنّ الإسلام هو السبیل للإصلاح العام الذی لو أخذ الناس به لأصلحوا أمور دینهم و دنیاهم و آخرتهم.
و کشاهد علی أهمیة دور الإعلام نذکر ما یلی:
1- دور الإعلام الغربی إزاء فلسطین قبل اغتصاب الیهود لهذه الأرض الإسلامیة. فقد کان الإعلام یرکّز بأنّ فلسطین أرض بلا شعب و الیهود شعب بلا أرض، فاللازم أن تعطی هذه الأرض لمن لا أرض له، و علی هذا الشعار احتلوا أرض فلسطین «1»، و استباحوا الحرمات و لا زال المسلمون یعانون منهم
______________________________
ایطالیا الاولی سنة 1794 م و الثانیة سنة 1796 م، قاد الحملة الفرنسیة علی مصر سنة 1798 م، و استطاع أن یحتل الإسکندریة بعد معارک دامیة ثم احتل القاهرة فی 27 تموز سنة 1798 م، ثم احتل الشام فی شباط 1799 م ثم مدینة «یافا»، التی أحدث فیها مجازر مروعة ثم حاصر «عکا» فی 19 آذار 1799 م، و لم یستطع أن یحتلها، کما خاض حروبا مع العثمانیین سنة 1799 م فی «تل طابور» و «أبو قیر»، حکم سنة 1804 م و استمر فی الحکم إلی سنة 1814 م، و غزا روسیا 1812، و قد ضحی بثلاثة ملایین فرنسی من أجل طموحاته فی السلطة. تنازل عن العرش سنة 1814 م؛ إثر حربه مع روسیا و بریطانیا و السوید و النمسا الذین شکلوا تحالفا ضده و انتصروا علیه فی معرکة «الأمم» سنة 1813 م، و نفی إلی جزیرة «إلبا» ثم إلی «سانت هیلانة» التی مات فیها فی 5 أیار سنة 1821 م. راجع الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة: ج 8 ص 3438، المنجد فی الأعلام: ص 703.
(1) إنّ منشأ هذه الخرافة هو سفر التکوین الذی جاء فیه من وصیة الاله لإبراهیم: لنسلک أعطی هذه الأرض من نهر مصر إلی النهر الکبیر، نهر الفرات. إنّ العبارة الصحیحة و التی تعکس الواقع، هی إعادة شعب لا وجود له لأرض لا یملکها بل یملکها غیره. فإنّ أرض فلسطین قد سکنها العرب منذ القدم.
عن کیفیة اغتصاب اسرائیل للأراضی الفلسطینیة راجع کتاب: الأساطیر المؤسّسة
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 307
الأمرّین.
2- کان البریطانیون یکررون القول بأنّ قناة السویس «1» شریان حیوی للإمبراطوریة البریطانیة التی لا تغیب عنها الشمس- علی حدّ قولهم-، فهی تؤمّن لهم مصالحهم فی القارتین الآسیویة و الإفریقیة؛ لذا سارعوا لاحتلال القناة ظانین أنّهم أضافوا جوهرة إلی التاج البریطانی فی الهند، لکنّنا شاهدنا بعد مدّة أنه لا القناة بقیت لهم و لا الهند ظلّت ضمن مستعمراتهم؛ لأنّ الحقّ کالشمس مهما حجبتها السحب فهی ستظهر فی یوم من الأیّام.
3- کان الغربیون یقولون فی إعلامهم: إنّ منطقة الشرق الأوسط منطقة حیویة لهم، الأمر الذی دفع القوّات البریطانیة و الفرنسیة لاحتلال المنطقة بأسرها و تقسیمها فیما بینهم فی اتفاقیة مشینة هی اتفاقیة سایکس بیکو «2».
______________________________
للسیاسیة الإسرائیلیة: ص 192 لروجیه غارودی
(1) أممت قناة السویس فی 26 تموز سنة 1956 م، إثر انسحاب البنک الدولی و أمریکا و إنجلترا من تمویل بناء السد العالی بتاریخ 19 تموز سنة 1956 م. و تمتد هذه القناة من بور سعید حتی بور توفیق بالقرب من السویس، و تربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر. و یبلغ طولها 190 کم، و متوسط عرضها 60 م، و عمقها 13 م. احتلت بریطانیا القناة سنة 1875 م، و اقترح فکرة شق القناة سان‌سیمونیّین، و نفذها فردینان دی لیسبس. و رفعت مصر الحظر الذی فرضته علی السفن الاسرائیلیة بالقناة سنة 1979 م.
(2) تفاهم سری استعماری بین بریطانیا و فرنسا متمم لاتفاق رئیسی بین بریطانیا و فرنسا و روسیا، لتقسیم الخلافة العثمانیة و الاستیلاء علی بلاد الشام و زرع الصهیونیة فی فلسطین، فی أعقاب دخول الدولة العثمانیة الحرب إلی جانب ألمانیا، و کان ذلک سنة 1916 م. و هذا التفاهم جری بین المسیو جورج بیکو القنصل الفرنسی العام فی بیروت و المندوب البریطانی السیر مارک سایکس عضو مجلس العموم البریطانی. و هذه الاتفاقیة سمیت باسم المتفاوضین و جری التوقیع علیها سرا فی القاهرة بتاریخ 16 آیار سنة 1916 م.
و الخطوط العامة لهذه الاتفاقیة تتمثل فی القضاء علی مبدأ تقریر المصیر الذی دعا الحلفاء إلی الالتزام به و تمزیق المشرق العربی و خداع العالم الإسلامی عبر تقسیم العراق و سوریا باستثناء فلسطین إلی أربع مناطق، أشیر لمنطقتین منهما بالأحرف ألف و باء، و للمنطقتین الباقیتین باللونین الأزرق و الأحمر. و بقیت اتفاقیة سایکس بیکو علی سریتها
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 308
و استقلت دول الشرق الأوسط من الوجود الفرنسی و البریطانی، و ولی الاحتلال العسکری، إلّا أن الاحتلال الواقعی ظلّ جاثما علی الأرض فی صورة استعمار ثقافی و استعمار فکری بعد أن هدموا الشرق الأوسط، بنیة تحتیة، مؤسسات، إنسانا، هدما کاملا.
4- أنّ الحاکم العسکری الذی جاء إلی بغداد محتلا قبل ثورة العشرین، قال حین رأی نهری دجلة و الفرات و کیف یتلألأ فیهما الماء: «سأعمل ما بوسعی حتّی لا یتمکّن العراق من الاستفادة من هذین النهرین»، و قد شاهدنا ذلک بأمّ أعیننا ما حدث فی عهد عمیلهم صدام التکریتی الذی قضی علی الحرث و النسل و بدّد إمکانات العراق حتّی لم یعد لنهری دجلة و الفرات ذلک الأثر فی حیاة الشعب العراقی لما وصله من ضنک المجاعة و الفقر، بعد أن کان العراق البلد الغنی الذی یمدّ الولایات الإسلامیة الأخری بالصادرات و الثروة «1».
5- کان الغربیون یقولون بأن منطقة الشرق الأوسط منطقة فراغ، بمعنی:
لیس فیها نظام و لا حکومة و لا حاکم، فلا بدّ للغرب من التعجیل لمل‌ء هذا الفراغ، و کأنّ هذه المنطقة لم تشهد أعظم حضارة فی التاریخ الإنسانی.
و لا شکّ أنّ ضعف الحکم العثمانی و فساده أدّیا إلی ضعف هذه الأمّة فی هذه المنطقة، إلّا أنّ الضعف لا یعنی الفراغ. فإذا لم یقدر صاحب الدار علی حمایة
______________________________
إلی أن تسلم البلاشفة الحکم فی روسیا فی تشرین الثانی سنة 1917 م، فسارعوا إلی إعلانها. عن بنود هذه الاتفاقیة نحیل القارئ إلی موسوعة السیاسة: ج 3 ص 121.
(1) و یکفینا مثال واحد: أن العراق سنة 1959 م کان یملک من النخیل 400، 000، 34 نخلة و أن 13 ملیون نخلة منها فی مدینة البصرة. و أن العراق کان ینتج 650 نوعا من التمور. و قد أباد صدام معظم هذه النخیل نتیجة الحروب التی شنها علی الدول المجاورة و نتیجة سوء الزراعة، و أوصل عددها إلی أقل من خمسة ملایین. راجع مجلة ألف باء العراقیة العدد 1364.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 309
داره فهل معنی ذلک أنّ علینا أن نأخذ منه الدار عنوة و قسوة؟! و هذا المنطق یشبه إلی حد کبیر منطق الیهود الذین کانوا یقولون بوجود أرض بلا شعب، نسبة إلی فلسطین، و فی المثل العربی: «ما أشبه اللّیلة بالبارحة» «1».
6- و من أقوالهم أیضا: قولهم فی الأحلاف العسکریة، حیث کانوا یقولون:
إنّ الأحلاف العسکریة ضروریة للغرب فأسّسوا الأحلاف و قیدوا ترکیا و إیران و الباکستان و العراق بحلف بغداد «2»، و لم یکن مردّ هذه الأحلاف تقویة الدول الإسلامیة بإیجاد روح التعاون و التآزر فیما بینها، و إنما کان الهدف تقویة الغرب علی حساب إضعاف العالم الإسلامی.
7- و طورا آخر قالوا بأنّ منطقة الشرق الأوسط و جنوب شرق آسیا منطقة حیویة للغرب لمنع الاتحاد السوفیتی- السابق- من الوصول إلی المیاه الدافئة،
______________________________
(1) راجع بحار الأنوار: ج 28 ص 7 ب 1 ح 10، مجمع الأمثال للمیدانی: ج 2 ص 275 رقم 3831، جمهرة الأمثال لأبی هلال العسکری: ج 2 ص 247، تمثال الأمثال للعبدری: ج 2 ص 550 رقم 382. و یضرب المثل فی تشابه الشیئین من غیر نسب، و فی تساوی الناس فی الشر و الخدیعة. و المثل مأخوذ من قول طرفة بن العبد فی دیوانه ص 15 من البحر السریع:
کلّهم أروغ من ثعلب ما أشبه اللّیلة بالبارحة
(2) حلف بغداد أو منظمة الحلف المرکزی و سمیت بعد ذلک السنتو. و هی اتفاقیة تعاون عسکری و أمنی أبرمت بین العراق و ترکیا فی 24 شباط 1955 م بإشراف الولایات المتحدة الأمریکیة و بریطانیا، و قد مثّل العراق فی توقیعها نوری سعید و مثّل ترکیا عدنان مندرس، یتکون المیثاق من ثمانی مواد نظمت العلاقات الاقتصادیة و السیاسیة و العسکریة و الأمنیة بین البلدین، و ترک الباب مفتوحا لانضمام أی دولة أخری، فانضمت إلیه إیران فی تشرین الأول و الباکستان فی أیلول بالإضافة إلی بریطانیا فی العام نفسه، و عقد أول اجتماع رسمی لممثلی الدول الموقعة علیه فی الحادی و العشرین من تشرین الثانی سنة 1955 م فی بغداد. و الهدف من تشکیله تأمین مصالح الدول الغربیة فی الشرق الأوسط، و الوقوف أمام المدّ الشیوعی القادم من الاتحاد السوفیتی آنذاک، و حمایة الحکومات الموالیة للمعسکر الغربی، و تأمین الغطاء السیاسی و القانونی لتواجد قوات الغرب فی منطقة الشرق الأوسط. انسحب العراق من الحلف رسمیا سنة 1959 م و نقل مقره من بغداد إلی أنقرة، و غیر اسمه إلی السنتو. و بعد سقوط شاه ایران سنة 1979 م انسحبت إیران من الحلف ثم تبعتها باکستان و ترکیا مما أدی إلی فقدان الحلف مبرر وجوده، و اعتبر فی حکم المحلول.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 310
فعبر هذه الذریعة کثفوا کلّ جهودهم و رکّزوها لاحتلال هذه المنطقة، و لم یکن ذلک سوی دعایة رخیصة؛ حیث کان المسلمون ألدّ الأعداء للشیوعیة، و الغرب هو الذی آزر الأحزاب الشیوعیة فی البلاد الإسلامیة، فکان یعمل تحت غطاء الشیوعیة بغیة الحصول علی أی موطئ قدم فی البلاد الإسلامیة.
8- و بعد سقوط المدّ الشیوعی أخذوا یروّجون لدعایة أخری مفادها أن منطقة الشرق الأوسط حیویة للغرب؛ لأنّها مصدر مهم للطاقة، و أنّ الطاقة هی عماد الاقتصاد الغربی، فأنشئوا قوّات التدخّل السریع تحت ذریعة حمایة مصادر الطاقة «1».
و علی هذا المنوال استمر المستعمرون من ساسة الغرب فی ترویج الأکاذیب و إطلاق الدعایات، و هدفهم من ذلک هو الاحتلال و نهب الثروات و القضاء علی المقدسات الإسلامیة «2». فلا بدّ لنا من التمسّک بکتابنا الذی أنزله ربّنا سبحانه و تعالی علی سیّدنا و نبیّنا محمّد صلی اللّه علیه و آله و سلم لنتمسّک بوحدتنا؛ کما قال سبحانه و تعالی: إِنَّ هٰذِهِ أُمَّتُکُمْ أُمَّةً وٰاحِدَةً «3».
و نتمسّک بحریتنا کما قال سبحانه و تعالی: یَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلٰالَ الَّتِی کٰانَتْ عَلَیْهِمْ «4».
______________________________
(1) حتی ان کسنجر صرّح قائلا: ان العرب لا یستطیعوا حمایة البترول الذی هو ضروری للغرب، و أن للنفط أولویة وطنیة لهم، و معنی کلامه أنه یجب السیطرة علی البلاد النفطیة عبر تغییر حکامها بآخرین أکثر ولاء و طاعة للغرب، حتی لو اقتضی ذلک استخدام القوة المفرطة.
(2) و الیوم یسعی الغرب لربط الإرهاب بأسلحة الدمار الشامل تارة لضرب بعض الدول الإسلامیة، و ربطه بالإسلام کدین تارة أخری لتلویث سمعة الإسلام بغیة تحجیمه، و بالشرق الأوسط تارة أخری للقضاء علی اقتصادیاته و نهب ثرواته.
(3) سورة الأنبیاء: الآیة 92.
(4) سورة الأعراف: الآیة 157.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 311
و نتمسّک بأخوّتنا الإسلامیة کما قال سبحانه و تعالی: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ «1».
و نتمسّک بحقّنا فی الأرض کما قال رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم: (الأرض لله و لمن عمّرها) «2» و (من سبق إلی ما لا یسبق إلیه مسلم فهو أحقّ به) «3».
لقد کان التزام المسلمین بالمبادئ و الأرض سببا فی قوّتهم و عظمتهم.
و بتصوّری لو استطاع المسلمون أن یعرضوا هذه المبادئ و القیم عرضا مناسبا للغرب لأسلم الغربیون عن بکرة أبیهم.
لکن المشکلة فی طریقة و أسلوب العرض أو اقتران العرض بشی‌ء من العنف، فالعنف یوجب فرار الناس من مستخدمیه حتّی لو کانوا أصحاب الحقّ؛ فقد قال سبحانه و تعالی: ادْخُلُوا فِی السِّلْمِ کَافَّةً وَ لٰا تَتَّبِعُوا خُطُوٰاتِ الشَّیْطٰانِ «4».
______________________________
(1) سورة الحجرات: الآیة 10.
(2) الکافی (فروع): ج 5 ص 279 ح 2، تهذیب الأحکام: ج 7 ص 152 ب 22 ح 21، الاستبصار: ج 3 ص 108 ب 72 ح 3، و فی وسائل الشیعة: ج 25 ص 414 ب 3 ح 32245 عن الإمام الصادق علیه السّلام.
(3) غوالی اللآلی: ج 3 ص 480 ح 4 باب إحیاء الموات، مستدرک الوسائل: ج 17 ص 111 ب 1 ح 20905.
(4) سورة البقرة: الآیة: 208. و یری بعض المتخصصین فی الحقل الإعلامی، أن من مقاییس النجاح و الفشل فی الإعلام ما یلی:
1- مدی القدرة علی التصدی للإعلام المضاد الموجه لنفس الساحة الإعلامیة.
2- مدی القدرة علی انتزاع المبادرة من الإعلام المضاد و التوجه إلی الناس بشکل أکثر مما علیه فی المواضیع المطروحة.
3- مدی القدرة علی الانفراج أو خلق الأزمات فی العلاقات الدولیة.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 312

الإعلام و المستقبل

اشارة

مسألة: إن مهمة الإعلام فی العصر الحدیث لا تقتصر علی إیصال المعلومات أو تصحیحها و مل‌ء الفراغ و الترفیه بل و یتعداها إلی التأثیر علی الأفکار و الآراء، و تشکیل تصورات الشعوب و الثقافات، و التحکم بالسوق صناعة و تسویقا، و التحکم بالتقنیة إنتاجا و بالتنبؤ المستقبلی، قال بعض العلماء فی صدد التنبؤ بالمستقبل: «للإعلام أهمیّة خاصّة فی مقام التنبؤ المستقبلی؛ إذ أصبح للإعلام مجال أوسع کثیرا من مجرّد مشکلة الاتّصال کما کانت تفهم فی الماضی، و لهذا فإنّ الإعلام یتطلّب عنایة خاصّة به؛ لأنّنا نواجه أزمة حقیقیة و یجب أن نجد أسالیب جدیدة أکثر فاعلیة و کفاءة لجمع المعلومات و تحلیلها و تخزینها و تردیدها، کما أنّ الرأی العام یبنی علی التنبؤات المستقبلیة، فإذا تنبأ أهل الأرصاد و الأحوال الجویة بأنّ أمطارا غزیرة ستهطل فی الشهر القادم، حصل الرأی العام علی وجوب تعیین خبیر بالری موظفا فی هذا المیدان لکی یتمکّن من حلّ هذه المعضلة، فیقوم بخزن المیاه خلف السدود، أو إنشاء السدود قرب المدن لوقایتها من الفیضانات».
أقول: و التنبؤ المستقبلی قد یکون محدّدا و قد یکون تقریبیا، فعند ما یری موجة البرد التی تأتی إلی مکان ما من سیبریا قد یحدّد وقت وصول البرد إلی المکان الفلانی بیوم کذا؛ و ذلک لأنّ الریاح تسیر فی کلّ یوم بمقدار مائة کیلومتر، و قد لا یحدّد بل یقول: سیکون البرد فی الشهر القادم قارصا فی المکان المعین؛ حیث أنّ قدوم البرد لیس علی حالة واحدة.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 313
و التنبؤات المستقبلیة المتعلّقة بالمال فی أکثر الأحیان تزید المال فی المستقبل المتنبأ فیه زیادة کبیرة، و لذا ذکرت بعض الصحف الغربیة أنّ عددا من الشرکات قد زادت أرباحها زیادة کبیرة نتیجة استخدامها الفعال للمعلومات التی وصلت إلیها بالتنبؤ، و لأجل هذا الأمر قد کثرت التنبؤات المستقبلیة فی استخدام الأرض للمستقبل کالصحاری و المناطق الدائمة الانجماد و الغابات و الأحراش و مناطق المستنقعات و الأقالیم و المرتفعات المتجمّدة و المحیطات و قاع البحار، و کذلک یشمل المشکلات القدیمة المرتبطة بالحدّ من تلوّث الهواء و الماء و تآکل التربة و تنظیم فیضانات الأنهار الداخلیة و موارد المیاه العذبة بصفة عامّة و تنظیم حیاة النباتات و الحیوانات فی البحار، و التنبؤ بثورات البراکین و السیطرة علی السحب و تطویعها و المناخ و الجو بصورة عامة، کذلک التنبؤ بالانفجارات السکانیة فی بعض المناطق و قلّة السکان فی مناطق أخری و سرعة تزاید تلوّث الهواء و الماء و التهدید بنضوب الماء العذب، و نقص الأراضی الزراعیة بدرجة کبیرة نتیجة تآکل التربة و ما یرتبط بذلک من تنفیذ المشروعات القائمة بتنمیة الأرض علی مستوی کلّ قارّة، و من هذا الباب: التنبؤ بسقوط الدولة الدیکتاتوریة الفلانیة عن قریب؛ لأنّ الإنسان إذا رأی أعداء الدولة فی کثرة و أنّ الدولة فی ضعف، علم أو ظن ظنا قویا أنّ الدولة فی حالة سقوط، و کذلک التنبؤ بأنّ المرشح الفلانی ینجح أو المرشح الفلانی لا ینجح أو أنّ الأسعار فی حالة ارتفاع أو حالة انخفاض، و قد تنبأ الناس قبل غزو هتلر العالم بأنّه مستعدّ للغزو حیث رأوا نمو القومیة النازیة بشکل غریب و الحالة العدائیة التی کانت عند هتلر و جماعته النازیین و کثرة الأسلحة التی کان یمتلکها، ممّا لا یمکن أن یکون للدفاع و حسب، و کذلک تنبأ الناس بقرب انتهاء الحرب بین العراق
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 314
و إیران فی الأیّام الأخیرة للحرب؛ حیث رأوا أنّ الطرفین یراوحان فی مکانهما دون غالب أو مغلوب و هی الحالة التی تؤدّی بالتالی إلی السّلام، و قد تنبأ کثیر من الناس فی العراق بسقوط جمال عبد الناصر نتیجة خسارة مصر فی حرب حزیران سنة 1967 م؛ حیث رأینا جمال عبد الناصر کیف خسر أصدقاءه واحدا تلو الآخر، بینما کانت إسرائیل تجمع أصدقاءها واحدا بعد الآخر.
و بینما کانت إسرائیل قد تدرّبت علی ما تمتلک من أسلحة، کان جمال عبد الناصر یتبجح بما یملک من الطائرات و الدبابات التی تمّ القضاء علیها فی الدقائق الأولی من الحرب.
ثم إنّ التنبؤ لیس قطعیا دائما بل هو غالبی، و لهذا لا یصیب التنبؤ فی بعض الأحیان، و من الواضح أنّ المبادئ الاقتصادیة و السیاسیة و الاجتماعیة تبنی علی التنبؤات الغالبة المبنیة علی أساس التنبؤ المستقبلی.

هکذا تنبأت

قبل عشر سنوات من سقوط الاتّحاد السوفیتی- السابق- تنبأت بسقوط المارکسیة فی العالم مستندا فی ذلک إلی علائم کانت بادیة، و قد کتبت فی حینه کتابا تحت عنوان «مارکس ینهزم» «1».
و بعد سقوط المارکسیة کتبت کتابا عن الغرب تحت عنوان «الغرب یتغیّر» «2»، ذکرت فیه أنّ الغرب متجه نحو التغییر؛ لأنّه لا یستطیع أن یبقی
______________________________
(1) مارکس ینهزم، طبع سنة 1410 ه (1990 م) فی ایران، و کان تنبؤ الإمام المؤلف قدس سره بسقوط الاتحاد السوفیتی قبل عشر سنوات من تحقق ذلک، و الجدیر بالذکر أنه حدّد زمانها بعشر سنوات، و بالفعل حصل ذلک التنبؤ. و قد ترجم الکتاب إلی اللغة الفارسیة.
(2) طبع الکتاب سنة 1414 ه (1994 م) و ترجم إلی اللغة الفارسیة، و ذکر فیه بعض المؤاخذات علی النظم الغربیة.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 315
علی حاله، و ذکرت فی هذا الکتاب أنّ الغرب لا یسقط کما سقطت المارکسیة بل سیغیّر من أوضاعه، و ذکرت الأدلّة المؤکّدة علی ذلک، و هناک کتاب ثالث کتبته حول المستقبل «1»، ذکرت فیه أنّ مستقبل العالم یتّجه نحو توکید الإسلام الحقیقی لا الإسلام الادّعائی الذی تدّعیه بعض الدول الإسلامیة، فالبشریة تتّجه نحو المطالبة بالقیم التی جاء بها الإسلام من العدالة و الأخوة و الوحدة، و هی القیم التی لا تتحقّق إلّا بوجود الإسلام.
کما و أنّ البشریة تتّجه نحو الأخذ بقانون: (الأرض لله و لمن عمّرها) «2» و قانون: (من سبق إلی ما لا یسبق إلیه مسلم فهو أحق به) «3»، و هذه کلّها هی متطلبات الإنسان الفطریة، و رغم الظروف الغربیة و الجهل الداخلی و حبّ الاستبداد و السیطرة التی تعمّ العالم الإسلامی بأکمله لکنه متحفّز للنهوض بإذن الله سبحانه و تعالی برفع هذه الحجب و تقشّع هذه الظلمات حتّی یرجع الأمر لله وحده، و هذا التنبؤ یحدث قبل ظهور الإمام المهدی عجّل اللّه فرجه الشریف، أمّا ظهور الإمام؛
______________________________
(1) و هو کتاب الفقه. المستقبل.
(2) راجع الکافی (فروع): ج 5 ص 279 ح 2، الاستبصار: ج 3 ص 108 ب 72 ح 3، تهذیب الأحکام:
ج 7 ص 152 ب 22 ح 21، وسائل الشیعة: ج 25 ص 414 ب 3 ح 32245.
(3) و هذا القانون مصطید من الروایات التالیة: فقد ورد عن الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم: (من سبق إلی ما لا یسبقه إلیه مسلم فهو أحق به) غوالی اللآلی: ج 3 ص 480 ح 4، مستدرک الوسائل: ج 17 ص 111 ب 1 ح 20905.
و ورد عن الإمام علی علیه السّلام: (فمن سبق إلی مکان فهو أحق به إلی اللیل) الکافی (فروع): ج 5 ص 155 ح 1، من لا یحضره الفقیه: ج 3 ص 199 ح 3752، تهذیب الأحکام: ج 7 ص 9 ب 1 ح 31، وسائل الشیعة: ج 5 ص 278 ب 56 ح 6542.
و ورد عن الإمام الصادق علیه السّلام: (من سبق إلی موضع فهو أحق به یومه و لیلته) الکافی (فروع): ج 4 ص 547 ح 33، تهذیب الأحکام: ج 6 ص 110 ب 52 ح 11، وسائل الشیعة: ج 5 ص 278 ب 56 ح 6541، مستدرک الوسائل: ج 3 ص 425 ح 3922، کامل الزیارات: ص 330 ب 180 ح 4.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 316
فهو أمر حتمی قطعی، لیس من باب التنبؤ بل من باب الآیات و الروایات التی دلّت علی ذلک «1»، و قد قال دعبل الخزاعی «2» فی حضور الإمام
______________________________
(1) إنّ ظهور الإمام عجّل اللّه فرجه الشریف مما اتفق علیه المسلمون و تواترت به أخبارهم من حیث المعنی، و ان اختلفت فی بعض التفاصیل. و مما ورد فی خروجه من طرق العامة:
1- روایة أحمد بإسناده عن النبی صلی اللّه علیه و آله و سلم: (إن اللّه اطّلع علی أهل الأرض اطّلاعة فاختارنی منها، ثم اطّلع ثانیة فاختار منها علیا و أمرنی أن اتخذه أخا و وصیا، فهو منّی و أنا منه، و هو زوج ابنتی و أبو سبطیّ الحسن و الحسین، ألا و إنّ اللّه تبارک و تعالی جعلنی و ایاهم حججا علی عباده، و جعل من صلب الحسین أئمة یقومون بأمری و یحفظون وصیتی، التاسع منهم قائم أهل بیتی و مهدی أمتی، أشبه الناس بی فی شمائله و أقواله و أفعاله، یظهر بعد غیبة طویلة و حیرة مظلة فیعلن أمر اللّه و یؤیّد دین اللّه، و یؤیّد بنصر اللّه، و ینصر بملائکة اللّه، و یملأ الأرض قسطا و عدلا کما ملئت ظلما و جورا.
2- روی الترمذی و أبو داود کلّ منهم بسنده فی صحیحه یرفعه إلی أبی سعید الخدری: قال:
سمعت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلم یقول: المهدیّ منی أجلی الجبهة، أقنی الأنف، یملأ الأرض قسطا و عدلا کما ملئت ظلما جورا، و یملک سبع سنین.
3- فی سنن أبی داود عن علی علیه السّلام قال: قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلم: لو لم یبق من الدّهر إلّا یوم واحد لبعث اللّه رجلا من أهل بیتی یملؤها عدلا کما ملئت جورا.
4- روی أحمد بن محمد الثعلبی بإسناده عن أنس بن مالک قال: قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلم: نحن ولد عبد المطلّب سادة أهل الجنة، أنا و حمزة و جعفر و علی و الحسن و الحسین و المهدی.
(2) أبو علی دعبل و قیل محمد بن علی بن رزین بن عثمان بن عبد اللّه الخزاعی، کما عن أبی العباس النجاشی و الخطیب البغدادی و ابن عساکر، و قیل بن «سلیمان» بدل «عثمان» کما عن ابن خلکان فی وفیات الأعیان، ینتهی نسبه إلی قحطان. و دعبل فی اللغة: الجبل القویّ.
عالم و متکلم و شاعر یتصف شعره بسهولة الألفاظ و وضوح المعانی و قوة الانسجام، عرف بمواقفه البطولیة فی مقارعة ظلم الحکام- أمثال هارون و المأمون و المعتصم و الواثق و المتوکل- و مناصرت أهل البیت، لذلک عاش طریدا. ولد فی الکوفة سنة 148 ه (765 م) و نشأ فیها، و ولی علی مدینة سمنجاق من اتباع طخارستان سنة 173- 175 ه ثم ولی أسوان المصریة فی زمن المطلّب بن عبد اللّه الخزاعی و قتل عند ما قام أعداء دعبل بصنع بیتین من الشعر فی هجاء ملک بن طوق و نسبها إلی دعبل لیغری بدمه فأرسل إلیه ملک بن طوق شخصا لیقتله بعکازة مسمومة و ذلک سنة 246 ه (860 م)، و قیل قبل ذلک بسنة أو سنتین، و بلغ من العمر 98 سنة، کثر تنقله بین العراق و فارس و الشام و مصر و الحجاز. و من مقولاته کما عن وفیات الأعیان: ج 1 ص 179: «لی خمسون سنة أحمل خشبتی علی کتفی
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 317
الرضا علیه السّلام:
خروج إمام لا محالة خارج یقوم علی اسم الله و البرکات یمیّز فینا کل حق و باطل و یجری علی النّعماء و النّقمات «1»
______________________________
أدور علی من یصلبنی علیها، فما أجد من یفعل ذلک». و قد اکتتب هذه القصیدة فی ثوب و أحرم فیه، ثم أوصی بأن یکون فی أکفانه کما ذکر ذلک صاحب الأغانی.
من مؤلفاته: دیوانه الشعری الذی یحتوی علی 1176 بیتا شعریا و یسمی طبقات الشعراء، و کتاب الواحدة فی مثالب العرب و مناقبها.
و عن ترجمة دعبل الخزاعی راجع: أعیان الشیعة: ج 6 ص 400، دیوان دعبل الخزاعی: ص 143، تحقیق عبد الصاحب عمران، دیوان دعبل الخزاعی شرح ضیاء الأعلمی، تاریخ بغداد: ج 8 ص 382، معجم الأدباء لیاقوت الحموی: ج 11 ص 99، مرآة الجنان لعبد اللّه بن أسعد الیمنی: ج 2 ص 145، مجالس المؤمنین للتستری المجلس التاسع، تأسیس الشیعة لعلوم الإسلام للسید الصدر ص 193 و ص 257، تاریخ الأدب العربی لکارل بروکلمان: ج 2 ص 39، خلاصة الأقوال فی معرفة الرجال للحسن بن یوسف الحلی ص 70، الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة: ج 4 ص 1685، أدباء العرب فی الأعصر العباسیة: ج 2 ص 113، تاریخ الأدب العربی لحنّا فاخوری: ص 499، وفیات الأعیان: ج 2 ص 266 و ص 271، شذرات الذهب: ج 2 ص 110، الشعر و الشعراء لابن قتیبة: ص 539، تاریخ دمشق: ج 17 ص 245، الأعلام للزرکلی: ج 3 ص 18.
(1) و هما بیتان من القصیدة التائیة من البحر الطویل، و عدد أبیاتها مائة و عشرون بیتا، و فی کتاب شرح قصیدة دعبل التائیة للمیرزا محمد کمال الدین عدد أبیاتها مائة و واحد و عشرین بیتا، و فی الذریعة انها مائة و ثلاثة و عشرون بیتا. و مطلع القصیدة:
تجاوبن بالأرنان و الزّفرات نوائح عجم اللّفظ و النّطقات
و قال یاقوت الرومی الحموی فی معجم الأدباء أنّ مطلعها:
مدارس آیات خلت من تلاوة و منزل وحی مقفر العرصات
و یمکن الجمع بین القولین أن دعبل عند ما أنشد قصیدته ابتدأ من البیت الثلاثین (مدارس آیات ...) و هذا ما یؤیده ابن شهرآشوب فی المناقب: ج 3 ص 450 و ابن الفتال النیسابوری فی روضة الواعظین: ص 194.
و البیتان اللذان ذکرهما المؤلف قدس سره هما البیت 102 و 103 من القصیدة.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 318
نسأل الله تبارک و تعالی أن یرینا طلعته المبارکة و یوفقنا لخدمته و نکون جنودا بین یدیه: (اللهمّ إنّا نرغب إلیک فی دولة کریمة تعزّ بها الإسلام و أهله و تذلّ بها النّفاق و أهله و تجعلنا فیها من الدّعاة إلی طاعتک و القادة إلی سبیلک و ترزقنا بها کرامة الدّنیا و الآخرة) «1».
______________________________
و ذکر دعبل فی قصیدته ما جری علی أهل البیت علیهم السّلام من ظلم و فظائع و ما أصابهم من تعسف. و بعض مقاطع هذه القصیدة أبکت الإمام الرضا علیه السّلام حتی الإغماء ثلاث مرات، و عند ما انتهی دعبل من هاتین البیتین قال الإمام الرضا علیه السّلام: یا خزاعی نطق روح القدس علی لسانک. ثم خلع علیه الإمام قمیص خزّ أصفر قد صلی فیه ألف لیلة ألف رکعة و ختم فیه القرآن و خاتما فضة عقیق و دفع إلیه مائة دینار رضویة.
و هذه قصیدة شرحها جملة من العلماء أمثال العلامة محمد باقر المجلسی و المیرزا محمد کمال الدین بن محمد الفارسی و السید نعمة اللّه الجزائری و المیرزا حسن الزنوزی و علی العلیاری التبریزی.
عن هذه القصیدة راجع: بحار الأنوار: ج 49 ص 250 ب 17 ح 13، روضة الواعظین: ج 2 ص 268، العدد القویة: ص 291، کشف الغمة: ج 2 ص 327، کشکول البحرانی: ج 3 ص 379، أعیان الشیعة: ج 6 ص 418.
(1) الإقبال: ص 60، البلد الأمین: ص 195، المصباح للکفعمی: ص 581 المجلس الخامس و الأربعون، مصباح المتهجد: ص 581، مفاتیح الجنان: ص 277 دعاء الافتتاح.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 319

وسائل التبلیغ

مسألة: إنّ الدعایة و الإعلام و التبلیغ و الإرشاد وسائل تزود الإنسان بالعلم إذا کانت صحیحة، و تمنح الخیر إذا کانت واقعیة، و بالعکس فانها تنشر الجهل إذا کانت مضلّة و تدفع إلی الشر إذا کانت منحرفة.
فمن طبیعة الإنسان أن یتلقی من غیره ما یقول له، فإذا کان الإنسان المتلقی له قدرة علی التفکیر و التمییز و القیاس و نحو ذلک، تمیّز عنده الصحیح من الفاسد، و أخذ بالصحیح و ترک الفاسد سواء کان القائم بالتبلیغ و الإرشاد عالما بفساد ما یقول، أو لم یکن عالما، فالحقیقة هی المؤثرة لا اعتقاد الإنسان بأنّ ما یقوله عین الحقیقة و لیس بحقیقة، فالبیئة الواقعیة، هی التی تنبت الحنطة الواقعیة و هی التی تنبت سواء زعم المالک لها أنها حقیقة أو أنها غیر حقیقة.
و لو سبرنا غور التاریخ لرأینا وجود الدعایة و الإعلام و التبلیغ. و نقرأ فی القرآن الحکیم: إِذْ قٰالَ رَبُّکَ لِلْمَلٰائِکَةِ إِنِّی جٰاعِلٌ فِی الْأَرْضِ خَلِیفَةً «1»، و کذلک نجد فی القرآن الحکیم التبلیغ و الدعایة و الإرشاد و الهدایة بالنسبة إلی کلّ نبیّ نبی، کما نجد ذلک بالنسبة إلی المجرمین مثل قول فرعون لجماعته: إِنِّی أَخٰافُ أَنْ یُبَدِّلَ دِینَکُمْ أَوْ أَنْ یُظْهِرَ فِی الْأَرْضِ الْفَسٰادَ «2».
______________________________
(1) سورة البقرة: الآیة 30.
(2) سورة غافر: الآیة 26.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 320

وسائل الإعلام و مراحل تطورها

اشارة

مسألة: تطوّر الإعلام منذ العهود البدائیة إلی العهود المتوسّطة ثمّ إلی عصرنا الحاضر عبر المراحل التالیة: عصر العلامات و الإشارات ثم التخاطب و اللغة ثم الکتابة ثم الطباعة ثم المعلوماتیة، فکان الإعلام یتم عبر الاتصال بالإشارة و العلامة و الکتابة التصویریة و الرسوم الجداریة و الدق علی الطبول و الاتصال من شخص إلی شخص و أحیانا من جماعة إلی جماعة، و کان للاستجابات الموروثة و الغریزیة دور هام فی تحقیق هذا الاتصال.
کما قام الشعراء بدور إعلامی، فلما قتل الإمام الحسین علیه السّلام جاء بشر بن حذلم إلی المدینة ینعی الإمام الحسین علیه السّلام علی الناس فی شعره المعروف:
یا أهل یثرب لا مقام لکم بها قتل الحسین فأدمعی مدرار الجسم منه بکربلاء مضرّج و الرأس منه علی القناة یدار «1»
______________________________
(1) قال بشر بن حذلم: لما قربنا من المدینة نزل علی بن الحسین و حطّ رحله و ضرب فسطاطه و انزل نساءه، و قال: یا بشر رحم اللّه أباک لقد کان شاعرا، فهل تقدر علی شی‌ء منه؟ قلت:
بلی یا ابن رسول اللّه إنی لشاعر، فقال علیه السّلام: ادخل المدینة و انع أبا عبد اللّه علیه السّلام. قال بشر:
فرکبت فرسی حتی دخلت المدینة، فلما بلغت مسجد النبی صلی اللّه علیه و آله و سلم رفعت صوتی بالبکاء و أنشأت:
یا أهل یثرب لا مقام لکم بها قتل الحسین فأدمعی مدرار الجسم منه بکربلاء مضرّج و الرأس منه علی القناة یدار
و قلت: هذا علی بن الحسین مع عماته و اخواته قد حلّوا بساحتکم و أنا رسوله إلیکم أعرّفکم مکانه، فخرج الناس یهرعون و لم تبق مخدرة الّا برزت تدعو بالویل و الثبور، و ضجّت
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 321
کما کان الحمام الزاجل و النار و الدخان فی المرتفعات وسائل إعلامیة؛ کما یذکر لنا ذلک التاریخ، فقد کانت تبنی المنائر بین المدن المتباعدة، الفاصل بین منارة و أخری مسافة معقولة، فإذا حدث شی‌ء فی المدینة المعیّنة و أرادوا إخبار أهل المدینة الثانیة، کانوا یشعلون فی اللیل النار علی المنائر، فکانت المنارة الثانیة تنتبه لهذا الأمر فیشعلون النار فوقها، و هکذا المنارة الثالثة و الرابعة و الخامسة حتّی تصل إلی المدینة الأخری. و فی النهار حیث لا تعطی النار هذا الأثر کانوا یستبدلون النار بالدّخان، فالتبلیغ کان بین شخص و آخر أو جماعات منتظمة، و فی العصر الحدیث وصل التبلیغ مرحلة متطوّرة بسبب الاتّصال الجماهیری بین الصحافة و الإذاعة و التلفاز و السینما و الأشرطة و الفاکس و التلکس و ما أشبه سواء فی سبیل الحروب العدوانیة کما کان یفعله هتلر و ستالین و موسیلینی و من أشبه، أو فی الأغراض السلمیة کالتجارة و الصناعة و العلم و غیره من فنون المعرفة، فإنّ وسائل الإعلام تنشر المعرفة و تعمّم للناس المعلومات و الحقائق بتوسیع آفاقهم، کما أنّها أحیانا تزیّف الحقائق.
و الرواة الصادقون و الحافظون عن رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم و عن الأئمّة الطاهرین:
غیر منحرفین عن هذا المسلک، إذ کانوا وسائل الإعلام و الإرشاد لما قالوه أو فعلوه؛ حیث إنّهم علیهم السّلام الأسوة، و الناس یریدون الاقتداء بأفعالهم و أقوالهم، و الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم کان یقرأ القرآن صباحا و مساء فی المسجد الحرام أو فی داره
______________________________
المدینة بالبکاء، فلم یر باک أکثر من ذلک الیوم، و اجتمعوا علی زین العابدین یعزونه، فخرج من الفسطاط و بیده خرقة یمسح بها دموعه و خلفه مولی معه کرسی، فجلس علیه و هو لا یمتلک من العبرة، و ارتفعت الأصوات بالبکاء و الحنین ... الخ. راجع مقتل الحسین للمقرّم:
ص 374، و نظیر ذلک فی بحار الأنوار: ج 45 ص 147 ب 39، اللهوف: ص 197، مقتل الحسین لأبی مخنف: ص 222.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 322
المبارکة أو فی أماکن أخری، و لذا قالت الصدّیقة الزهراء علیها السّلام فی خطبتها:
(فی ممساکم و مصبحکم) «1».
و من المعلوم أنّ الکتب الدینیة المحفوظة منذ ألوف السنوات سواء کانت کتبا دینیة صحیحة أو مزیفة هی من وسائل الإعلام و الهدایة و الإرشاد من شخص إلی شخص و من جیل إلی جیل کتوراة موسی علیه السّلام التی نزلت قبل أربعة آلاف سنة و إنجیل عیسی علیه السّلام الذی نزل قبل ألفی سنة و من قبلهما کتاب نوح علیه السّلام، کلّها من وسائل الإعلام و الهدایة و الإرشاد. و قد کانت العادة فی قدیم الزمان أن الخطیب الذی یخطب فی جماهیر کثیرة حیث لا یصل صوته إلیهم، یوقف بین الناس أشخاصا، یأخذون کلمة کلمة ثم یعلنونها علی الناس، کما ورد فی التاریخ أنّ رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم فی قصة غدیر خمّ التی حضرها مائة و ثمانون ألف إنسان علی ما ذکره بعض المؤرّخین، أوقف بین الناس أربعین شخصا، یأخذ القریب منهم من رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم الکلمة ثم یلقیها إلی إنسان ثان من الواقفین، و منه إلی إنسان ثالث، و هکذا حتّی یصل صوت الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم إلی آخر نفر منهم «2».
و کان الإعلام موجودا فی نطاق محدود عند سائر القبائل و المدن، فکان ذلک یتجسد بالمعلّم الذی یتولّی تعلیم الأطفال؛ حیث کان من واجبه تربیة الأطفال علی الصلاح؛ لکی یصبحوا جزءا من جسد القبیلة الصالحة مهما کانت هذه القبیلة بدائیة، و کلّ مدینة و قریة مهما کانت صغیرة ترید أن تنشئ
______________________________
(1) من خطبة السیدة الزهراء علیها السّلام للأنصار عند ما اغتصب أبو بکر منها فدکا. راجع بلاغات النساء لابن طیفور: ص 26 تحقیق الدکتور یوسف البقاعی.
(2) ذکر العلامة الأمینی فی کتابه: الغدیر فی الکتاب و السنة: ج 1 ص 14- 157، إن حدیث الغدیر متواتر بین العلماء الخاصة و العامة، فقد رواه 110 صحابی و 84 تابعی، و من الرواة ابتداءً من القرن الثانی حتی القرن الرابع عشر 360 شخصا.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 323
أطفالها علی غرار خاص من عبادة الله أو عبادة الصنم أو عبادة الآلهة المزیفة أو الآلهة الخیالیة کإله البحر و إله الحرب و إله الجمال و ما أشبه ذلک، کما کان الإعلام متنفّذا فی الشخص الذی یکون مستشارا للقبیلة أو المدینة، و قد قیل إنّ قبیلة فی الجاهلیة کانت تصیب فی أکثر أمورها من الزواج و الطلاق و الحرب و الاقتصادیات البدائیة و ما أشبه ذلک، قیل لهم: کیف أنتم تصیبون علی الأغلب بینما نشاهد سائر القبائل أحیانا مصیبة و أحیانا غیر مصیبة؟! فأجابوا: إنّ لنا حکیما قائما فی السلم، مجربا للأمور، ذکیا، فطنا، نستشیره فی کلّ شئوننا، فإذا أردنا السفر أو الحرب أو الزراعة أو النکاح أو معالجة المریض أو ما أشبه ذلک، استشرناه، و هو یشیر علینا بما یراه صلاحا حسب تجاربه و أفکاره و مقاییسه، و لهذا نصیب فی أکثر أفعالنا، بینما سائر القبائل یقومون بأعمالهم عشوائیا و اعتباطیا، و لذا ینجحون حینا و لا یصیبون النجاح أحیانا أخری.
و هکذا کان الإعلام من جهة الاستطلاع علی تقصّی الأمور، کیف یصح الزرع و کیف لا یصح؟ و کیف یصح الرعی و کیف لا یصح؟ و هکذا حتّی یعرفوا الصلاح من عدمه بتجنّبهم کوارث الطبیعة و مواقع الخطأ، أمّا إذا کان هناک حکم و لو بقدر صغیر لعمّم، فقد کان الإعلام یستخدم من أجل استقطاب الحکم حسب نظر الحاکم؛ ممّا یوجب للجماعة السّلام و اجتناب الحرب و نشر الرفاهیة، و کلّ هذه الأمور طبیعیة للإنسان، فمهما وجد الإنسان وجدت هذه الأمور الطبیعیة. و لمّا انتقل البشر إلی عصر الحکومات الکبیرة کحکومة الصین و الهند و الفرس و الفراعنة سنّوا قوانین و دساتیر لحکمهم، و کانوا ینشرون هذه القوانین عبر الإعلام؛ إذ کانوا یسجلون القوانین المتعلّقة بالغرامات و الرّی و إجراءات التقاصی و العقوبات و الزواج و الموت و نحو ذلک،
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 324
و کثیرا ما کانوا یکتبون تلک القوانین علی الصخور کما عند حمورابی «1» أو فی أوراق یصنعونها من قصب البردی أو کتف الحیوان أو جلد الغزال و یجعلونها فی مواضع خاصّة لیقرأها الذین یریدون الاطّلاع علی الأمور، و أحیانا کانت لهم مکتبات کما فی مصر أیّام الفراعنة؛ حیث کانت توضع هذه التعلیمات و تلک الأوامر و النواهی فی المحلّات و فی المکتبات و نحوها من غیر فرق بین أن یکونوا نزیهین کما فی قوانین بعضهم المانعة من الدعارة و السلوک السیئ، أو غیر نزیهین کما فی قوانین مصر أیام الفراعنة؛ حیث کانت لهم القوانین المتعلقة بحدود الدعارة و ضرائبها، و کان لهم أیضا قوانین متعلّقة بالاستعراضات و الأعیاد و مراسم الأحزان «2»، فکثیرا ما رسموا الدعایات علی شکل نقوش تزیّن جدران المعابد القدیمة و داخل الکهوف التی اکتشفت فی
______________________________
(1) حمورابی: من أشهر الحکام البابلیین الذین حکموا الشرق الأوسط بعد سقوط السومریین من سنة 1894 ق. م و إلی 1595 ق. م، و استمرت دولتهم فی العراق ثلاثمائة سنة باسم بابل الأولی، و کان عددهم أحد عشر ملکا، أولهم سموابوم و آخرهم شمودیتانا. و یعدّ حمورابی من أشهرهم، مات سنة 1750 ق. م. و حکم من سنة 1792- 1750 ق. م. و یعدّ عصره العصر الذهبی لبابل، فقد اتخذ بابل عاصمة له. وسع البلاد عبر شن حروب علی بلاد سومر الجنوبیة و ضمها إلی مملکته، و أسرع فی إخضاع دویلات ما بین النهرین المهمة مبتدأ بدولة آشور فی الشمال فاستولی علیها ثم ألحق بمملکته ماری و تقدم شمالا إلی الفرات و افتتح المدن القریبة من بلاد الشام و سواحلها. و لم تقتصر شهرته علی أعماله الحربیة بل امتدت إلی الإصلاحات التی قام بها، فقام بمشاریع الری، و کانت شرعته تتضمن أنظمة صارمة فی ما یتعلق بشئون الری و الزراعة. و اشتهر برسائله السیاسیة و الاجتماعیة و الجزائیة التی وصلنا منها خمس و خمسون رسالة و تحتوی علی 280 مادة تسبقها دیباجة، یوضح فیها الملک عظمته و أهدافه التی یراعی فیها سیادة العدل، و هذه المواد شملت مجالات الحیاة کالزواج و التجارة و الإرث و التبنی و العقوبات، و هی منقوشة علی قطعة کبیرة من الحجر الدیوریت الأسود المصقول فی 3600 سطر بالخط المسماری، راجع موسوعة السیاسة: ج 1 ص 453 و ج 2 ص 586 و ملحقها: ص 342، الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة: ج 4 ص 1574.
(2) للتفصیل راجع کتاب کلیوباترا.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 325
العصر الحدیث، و کذلک کانوا یجعلون اسم المیّت المحترم عندهم علی لوحة القبر حتّی یعرف القرّاء من هو المیت و متی مات؟، کما أنّهم کانوا یجعلون للأموات الکبار مقابر خاصّة بکیفیات مخصوصة کما نشاهد ذلک فی أهرام مصر، و أخیرا وجد فی النواویس قرب مدینة کربلاء مقابر للنصاری، و قد احتفظوا بالأموات فی توابیت صخریة أو قطع من الحجر أو فی توابیت حیث کانوا یکتبون اسم الشخص و مکانته الاجتماعیة علی نحو بدائی بالرغم من أنّ هذا الأمر هو شی‌ء جدید حیث بدأ العمل به منذ العهد المسیحی، فالخطوط القدیمة المرسومة لم تکن خطوطا بالمعنی المتداول الیوم بل أشکالا خاصّة، کل شکل یتجه إلی جهة من الجهات و نحو غایة من الغایات، فقد کانوا یجعلون صورة العقاب رمزا للقوّة، و صورة الحمام رمزا للسلام إلی غیر ذلک.

الإعلام فی العصر الفرعونی

ذکر المؤرّخون أنّ الحروف الأبجدیة المصریة قد ظهرت فی القرن الثالث و الثلاثین قبل المیلاد علی أربع و عشرین حرفا، و بعضهم یری أنّها أقدم أبجدیة عرفها الإنسان، لکن ذلک غیر محقّق فإنّ من المسلّم به أنّ الکتب السماویة مثل کتاب نوح و غیره کان قبل هذا التاریخ و إن کان ضد المذکور نقضا علی الادّعاء المتقدّم.
فقد ظهر القلم و الورق و الحبر و الحروف فی زمان الفراعنة. فالورق کان ورق البردی القوی الذی لا یخرق بسهولة، و کان لونه شبیها باللون الأبیض أو الأصفر الفاتح، بل ذکر بعضهم أنّ الفراعنة عرفوا الصحافة منذ ما یقارب أربعة آلاف سنة، فکانوا یکتبون الصحیفة علی أوراق البردی.
و من الجرائد التی ظهرت فی عهدهم جریدة «القصر»، و کانت هزلیة علی
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 326
الأغلب و دعائیة نادرا، و هی دوریة أیضا و بین الفینة و الأخری، تتناول أوامر الملوک و تصرّفات الحکّام، و کانت الغایة من إصدار هذه الصحیفة إلهاء الشعب تارة و إصدار الأوامر إلیه تارة أخری، و تنظیمه بحیث یصبح الغرض الأصلی هو بقاؤه موالیا للحاکم من ناحیة، و الترفیه عنه من ناحیة أخری، و ضبط الأمن من جهة أخری.

الإعلام فی العصر الیونانی

أمّا العصر الیونانی فقد شاعت فیه الخطابة و الدرایة و الإعلام، و احتمل البعض أن یکون أفلاطون و سقراط «1»- من رجالات الیونان- من الأنبیاء؛ لأنّ أعمالهم أعمال الأنبیاء و أفکارهم أفکار الأنبیاء، و إن کانت الأخطاء فی أفکارهم و أعمالهم المنقولة إلینا أیضا موجودة، و ربّما دخلت هذه الأخطاء الفکریة إلینا من طریق التحریف، کما دخلت فی کتابیّ موسی و عیسی علیه السّلام، التوراة و الإنجیل، الرائجین فی الوقت الحاضر. کما أنّ بعضهم احتمل أن
______________________________
(1) سقراط، فیلسوف مثالی، ولد فی أثینا سنة (470 ق. م)، و قتل بالسم بعد أن سجن- و کان فی سن السبعین- بتهمة ازدراء الآلهة و إفساد الشباب و التألیب ضد الحکم بعد هزیمة أثینا من قبل اسبارطة سنة (399 ق. م)، لم یترک أثرا مکتوبا، لکن سجّل حیاته و تعالیمه تلمیذه أفلاطون فی «محاوراته» واکسنافون فی «مذکراته».
من مبادیه أنه نادی بمعرفة النفس من النفس، و کان یقول عن نفسه: «أنا لا أعرف إلّا شیئا واحدا و هو أنّنی لا أعرف شیئا»، و کان یدعو إلی نشر الفضیلة و نبذ الخرافات و الأفکار الاعتباطیة، و کان من دأبه التجول فی الشوارع و الأسواق؛ لیتحدث مع الشباب و الشعراء و السیاسیین عن الخیر و الشر و العدل و التقوی، و کان ینادی بالأخلاقیة المطلقة القائمة علی الخیر و الصالحة للإنسان کجزء من الإنسانیة الکونیة. و کان یری أن السیاسة هی رعایة روح المواطن و إیصاله إلی أعلی نقطة ممکنة فی سلّم الخیر، و بالتالی فإنّ معرفة الخیر تصبح ینبوع قیادة الدولة. راجع جریدة العالم: ج 1 ص 151، موسوعة السیاسة: ج 3 ص 207.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 327
یکون کونفوشیوس «1» و بوذا «2» من الأنبیاء أیضا، و دخلت فی دینهم و شریعتهم آلاف الأخطاء و الانحرافات.
و بکلمة: ما من قریة إلّا خلا فیها نذیر، و نحن لا نعلم أسماء أولئک
______________________________
(1) کونفوشیوس فیلسوف و مصلح اجتماعی و منظر سیاسی عاش فی الصین فی مقاطعة شانتونج فی أواخر القرن السادس قبل المیلاد، و کانت أفکاره تعتمد علی الجانب الخلقی کاحترام الآخرین و الوفاء و ما أشبه، و قد أسس مدرسة لنشر أفکاره، و کان أعضاء مدرسته مرتبطین به عاطفیا أشد ارتباط. اقتباس من کتاب موجز تاریخ الأدیان: ص 108 ل «فیلسیان شالی».
و یقال: إنه ولد فی «تسیو» فی مملکة «لو» سنة 551 ق. م.، و مات سنة 479 ق. م.، و کان عدد تلامذته و مریدیه 3000 شخص، و کان یعلم الناس أن کنزهم هو ضمن حکمتهم الشخصیة، و یعلم الحکام أنه من أجل النجاح ینبغی أولا کسب حب الشعب، و من مقولاته «إن جسدنا موروث عن و الدینا، فکیف نستطیع حمل هذا الإرث دون احترام»، اقتباس من کتاب جریدة العالم المعرّبة من قبل سمیر شیخانی.
(2) و هو الأمیر سیدهارتا غوتاما ابن رئیس قبیلة ساکیاس التی کانت تقطن شمال الشرقی من الهند، و کان أبوه ملکا علی مدینة کابیلا فاستو، ولد بوذا سنة 566 ق. م. و مات فی کوسینارا التی تسمی الیوم کاسیا فی مقاطعة غورا خبور سنة 486 ق. م، و قیل ولد سنة 568 ق. م و مات سنة 488 ق. م کما عن جریدة العالم: ج 2 ص 320. دعا للبوذیة و هو فی التاسعة و العشرین من عمره، و قضی سبع سنوات فی الصوم و ممارسة الترکیز الروحانی و التبلیغ و الدعوة إلی اللاعنف علی أساس الرحمة. و لیس علی أساس اللانشاط- باعتباره وسیلة لإنقاذ البشر من الیأس و الألم، و خلال خمس و أربعین سنة جال فی مختلف أرجاء الهند ممارسا نکران الأنا و البحث عن الخلاص، یتبعه فی تجواله حشد متزاید باطّراد من التلامیذ و الأنصار.
و إن حیاة بوذا موجودة فی السلال الثلاث، الأولی تسمی قواعد النظام، و الثانیة تسمی مواعظ بوذا، و الثالثة التی تعرض فیها مذهبه. و کان بوذا یتکلم لغة المغاذیی، و هی لهجة بلاد معاذا و ترتبط بلهجة البالی.
و البوذیة معناها باللغة السنسکریتیة: العالم الذی وصل للحصول علی البوذة- العلم الکامل- کما جاء ذلک فی کتاب «کمال الدین و تمام النعمة»: ص 584. و قیل المتنور و المستنیر و قیل الملهم. و یطلق لقب بوذا علی کل شخص یتوصل إلی المعرفة المطلقة. راجع موسوعة السیاسة: ج 1 ص 592.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 328
المنذرین و الأنبیاء.
و قد تجسد الإعلام فی العصر الیونانی فی خطابة الخطباء السیاسیین و أشعار الشعراء الحماسیین، و من جملتها إلیاذة «هومیروس» «1» التی نقلت إلی العربیة «2»، کما أنّ أفلاطون وضع کتابه «الجمهوریة» للدلالة علی تعلیمات تفصیلیة حول ما ینبغی ممّا لا ینبغی بالنسبة إلی الحکّام و المحکومین، و ما ینبغی أن یقال للأهالی صغیرهم و کبیرهم، حاکمهم و محکومهم، غنیهم و فقیرهم، ضعیفهم و قویهم.
و یری أفلاطون أنّ الإعلام و التعلیم وسیلة مهمّة لاستتباب الأمن و لسعادة الإنسان إذا اتّبع المنهج المذکور؛ و لذا ینقل عن سقراط أنّه قال: «کانت الخطابة صاحبة الأمر فی الجمهوریة القدیمة»، فقد کان کلّ شی‌ء فی أیدی الشعب و کان الشعب فی أیدی الخطباء. و أمّا أرسطو «3» فإنّ کتابه «البلاغة» بهذا الاسم
______________________________
(1) ولد فی آسیا الصغری و مات بجزیرة آیوس، عاش فی أواخر القرن التاسع قبل المیلاد بعد انتهاء حرب طروادة و قبل ازدهار الشعر الغنائی بقرون. سجل للیونانیین حیاتهم فیما بین القرن الثانی عشر و أوائل القرن الثامن من قبل المیلاد، و عرضها فی قالب قصصی و أسلوب روائی یجمع بین الحقیقة و الخیال، کان هومیروس مصابا بداء «النقطة»- الصرع- راجع عظماء و مشاهیر معاقون: ص 246.
(2) الإلیاذة: و هی قصیدة شعریة ملحمیة تتألف من ستة عشر ألف بیت موزعة علی أربعة و عشرین نشیدا، مصدرها من القرن الثامن قبل المیلاد و تنسب إلی هومیروس- أشهر شعراء الیونان و إلیه تنسب الأودیسة- التی تروی فصلا من حرب طروادة. و قد نقل الإلیاذة إلی العربیة الشاعر اللبنانی سلیمان البستانی. راجع ملحق موسوعة السیاسة:
ص 52، تاریخ الأدب العربی لحنّا فاخوری: ص 109.
(3) أرسطو: فیلسوف و مفکر و سیاسی ولد سنة 384 ق. م بمدینة «ستاجیرا»، التی تقع عند الطرف الشمالی لبحر إیجا، و کان والده طبیبا للبلاط الملکی، لجدّ الاسکندر الأکبر، و فی سنة 367 ق. م ذهب إلی أثینا و هو فی سن الثامنة عشر و درس فیها علی ید أفلاطون مدّة عشرین سنة، و تنقّل بین الدول لمدة أربع سنوات، و درّس ثلاثة عشر عاما، و اهتم بالأخلاق، و المنطق، و کان مولعا بالمعرفة، و کان یمیل للملموس و الممکن، و قد ألّف أکثر من 400 کتاب. تشتمل کتبه
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 329
الذی وضعه، یعتبر أوّل کتاب فی دعایة الإغراء و هی الدعایة القائمة علی الحدیث و الخطابة. و قد ظهر فی ذلک العصر حکماء کبار اشتغلوا بمختلف فنون العلم کجالینوس «1» و أرخمیدس «2» و السفسطائیون «3» قبل ألفین و خمسمائة
______________________________
علی فروع واسعة من النشاط العلمی، و هو أول من قام بتشریح الحیوانات، و کشف بذلک بعض الاختلافات فی التکوین الداخلی. توفی سنة 322 ق. م من مؤلفاته: «الجدل»، «السیاسة»، «النفس»، «الخطابة»، «ما وراء الطبیعة»، «أقسام الحیوانات»، «البلاغة». راجع موسوعة السیاسة: ج 1 ص 148، الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة: ج 1 ص 349.
(1) جالینوس: طبیب و فیلسوف یونانی، ولد سنة 130 م و مات 201 م، أتم دراسته فی الیونان و آسیا الصغری و الإسکندریة، و أقام بروما و اختاره مرقص أوریلیسون طبیبا لبلاطه.
و ینسب إلیه خمسمائة مؤلّف أغلبها فی الطب و الفلسفة، و بقی من مؤلفاته الطبیة ثلاثة و ثمانون. منها: منهج الطب، فی الطب، الفصد، الشفاء، شروح علی أبقراط، التعلیم المنطقی، التاریخ الفلسفی. راجع الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة: ج 3 ص 1311.
(2) عالم الریاضیات و الفیزیاء و الفلسفة و المخترع الشهیر، ولد بصقلیة فی مدینة «سیراقوسه» قرابة سنة (287 ق. م)، و قتل من قبل جنود الرومان أثناء المعارک التی حدّدت نهایة حصار سیراقوسه من جانب الرومان بالسکین سنة (212 ق. م)، درس فی الإسکندریة، توصل إلی فکرة الوزن النوعی و التی تسمّی بقاعدة أرخمیدس و هی ان کل جسم إذا ما غمر فی سائل یتلقی دفعة عمودیة من الأسفل إلی الأعلی توازی ثقل ما شغل مکانه من السائل، و توصل کذلک إلی اختراع جهاز لرفع الماء یسمّی ب «لولب أرخمیدس»- و کذلک توصل إلی مبدأ أرخمیدس و هو قانون ینص علی أنه حین یغمر جسم فی سائل ما، فإنّ ما یفقده من وزنه یکون معادلا لوزن السائل المزاح.، و توصّل إلی المبادئ الریاضیة الناجمة عن استعمال الرافعة، فالقوة المطلوبة عند نهایتی الرافعة لتحریک ثقل فی النهایة الأخری تتوقف علی بعد النهایتین من المحور الموضوع علیه الرافعة، و توصل إلی المضخة ذات البرغی المستخدمة لرفع المیاه، کما اکتشف أن الجسم الذی ینغمس فی الماء یفقد وزنا یساوی وزن حجم الماء الذی حلّ محله. و یروی فی هذا الصدد: کان ارخمیدس یستحم فی الحوض، فی اللحظة التی تم له فیها اکتشاف القانون المشار إلیه، فخرج من فوره عاریا إلی الشارع و توجه إلی القصر الملکی منادیا «یوریکا، یوریکا» بمعنی وجدته، وجدته، ذلک أنه باستخدام السوائل استطاع أن یحدّد ما إذا کان تاج الملک قد صنع من الذهب الخالص أو من خلیط من الذهب و الفضة. راجع جریدة العالم: ج 1 ص 219، المنجد فی الاعلام: ص 33.
(3) السفسطائیون: اسم اطلق فی النصف الثانی من القرن الخامس قبل المیلاد علی جماعة
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 330
سنة تقریبا، و هم جماعة یتعلّمون الجدل و یشکّکون فی کلّ شی‌ء و یسمون
______________________________
من الرجال استوطنوا أثینا الیونانیة و اشتغلوا بمهنة التعلیم للترویج لمعتقداتهم و کسب عیشهم معتمدین علی الخطابة و الجدل الکلامی و الإقناع و ما یملیه الحس و الظن دون البرهان العلمی و المنطقی. فابتدءوا بتدریس أبناء الطبقة الأرستقراطیة و الطبقة الحاکمة و الطبقة المؤهلة لتولی المناصب الرفیعة، معتبرین أنّ الخطابة هی اساس العلوم، و لا یمکن تحقق اغراض العلوم الّا باقترانها مع الخطابة. تألّق نجمهم فی عهد برکلیس و اعتمدوا فی نشر آرائهم الفلسفیة و المعرفیة و الاخلاقیة و السیاسیة و القیمیة علی مبدأ الشک، معتبرین أنّ الشک فی الموجودات و فی الوجود بالذات. و مدعین بنسبیة المعرفة بمعنی انه لا حقیقة ثابتة و موضوعیة و مطلقة فی الکون، لأنّ الإنسان الفرد هو معیار الحقیقة و طریقه إلی ذلک الإحساس أو جملة الإدراکات التی تقدّمها القوی الحسیة. و بما أنّ هذه تختلف من شخص لآخر فلا یمکن التحدّث عن حقیقة ثابتة ناهیک عن الحقیقة الموضوعیة و المطلقة.
یقول السفسطائی جورجیاس: أن لا شی‌ء موجود. و یستند فی ذلک إلی مبادئ الفلسفة الإیلیة التی لا تعتبر فی الموجودات إلّا صفة الوجود باعتبار أن الوجود إما نشأ من العدم و هذا مستحیل و إما أن الموجودات تتسلسل عن موجودات سابقة قبلها، و بذلک تنتفی صفة البدایة عن الوجود- و اذا وجد فلیس من السهل معرفته- و یستند إلی مبدأ الفلسفة السفسطائیة بالذات، و هی أنّ معرفتنا بالشی‌ء لا تتعدی الإدراک الحسی له فما غاب عن الحس لا یدرک فبذلک تقتصر المعرفة علی بعض جوانب الشی‌ء و لا تصل إلی ماهیته. و اذا عرف فلیس من السهل إیصال هذه المعرفة أو تمریرها من فرد إلی آخر. و یستند إلی مبدأ سفسطائی ینص علی اعتبار أنّ الإدراک الحاصل بطریق الحس إنّما یخص الفرد الذی توصل و لا یعتبر ذلک حقیقة مطلقة یمکن أن تنقل من شخص إلی آخر .. و فی البعد الأخلاقی و السیاسی و العدالة و القانون و القضاء یری السفسطائی التنافی بین الطبیعة و القانون، و یرکّز علی الانفلات من القیم و الروابط المقدسة، معتبرا أن لکل فرد الحریة فی التصرف علی هواه و بما یرتضیه. و أن القانون وجد لحمایة الضعفاء من الأقویاء فلا ضرورة للانصیاع لسلطة القانون. و یرکّز علی عدم الإیمان بالخوارق فلا یؤمن بوجود حقیقة عالیة علی الطبیعة بل یصوّر الأشیاء فی صورة الطبیعة و لأجل ذلک هاجموا الأدیان باعتبارها تؤمن بالخوارق.
و من أشهر دعاة السفسطائیة: بروتاغوراس، جورجیاس، بولوس، هیبیاس، هیجل.
و قد تصدی لأفکارهم المنحرفة کلّ من سقراط- الذی کشف عیوبهم و بیّن خطر أفکارهم علی الأخلاق، خاصة جیل الشباب مما کلفه حیاته- و أفلاطون و أرسطو. للمزید راجع موسوعة الفلسفة: ج 1 ص 586 للدکتور عبد الرحمن بدوی، الموسوعة الفلسفیة العربیة:
ص 479 للدکتور معن زیادة.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 331
أنفسهم بالسفسطائی بمعنی محب الحکمة و هی مرکبة من کلمة «سوفا» و «أسطا»، فکانوا یریدون التأثیر علی الجماهیر فی التشکیک فی عقائدهم و آرائهم و أنماط سلوکهم، و کلّ ینال مقصده من طریق الخطابة و الدعایة و الإعلام و کتابة الشعر و النثر.
و من الواضح أنّ موسی و عیسی علیه السّلام کانا ینشران الإعلام و الدعایة و یبشران الناس و ینذرانهم عبر التوراة و الإنجیل، و کان المبشرون المسیحیون الأوائل یتّصفون بنشاط کبیر داخل القری و الأریاف و مختلف المدن للتبشیر بالإنجیل و تعلیم الناس الحب و السلام و المعاشرة الحسنة و ما أشبه ذلک، کما کانوا ینذرونهم بالعقاب الذی ینتظر الناس إذا خالفوا أوامر الله سبحانه و تعالی؛ حیث یکونون معاقبین فی هذه الدنیا بنتائج أعمالهم و فی النهایة ینتظرون مرّة ثانیة العقاب الألیم.

الإعلام فی العصر الرومانی

کما تطور الإعلام فی أیّام یولیوس قیصر «1»، فقد کانوا یصدّرون صحیفة تسمّی ب «الحوادث الیومیة» فیها کثیر من الأخبار المختلفة من الأمور السیاسیة أو الاقتصادیة أو الفکاهیة و غیرها.
______________________________
(1) یولیوس قیصر: قائد عسکری و سیاسی و مؤرخ و خطیب رومانی، ولد سنة 101 ق. م. و قتل فی مجلس الشیوخ سنة 44 ق. م.، بدأ نشاطه السیاسی بمناوأة مجلس الشیوخ- الناتو- و مناصرة الشعب، حکم روما من سنة 49 ق. م. و إلی 44 ق. م.، تدرّج فی المناصب السیاسیة و العسکریة فتولی القنصلیة سنة 59 ق. م.، قام بحملته الشهیرة فی بلاد الغال سنة 58- 49 ق. م.، قام بحملات عسکریة ضد إیطالیا و الیونان و مصر و إسبانیا فاحتلّ هذه الدول.
اختلفت الآراء فیه فبعضهم یری أنه کان انتهازیا و یسعی للسلطة، بینما یری البعض الآخر أنه کان یناصر الضعفاء، فقد کان هدفه إعادة مجد روما و سیطرتها. راجع موسوعة السیاسیة: ج 7 ص 472، موسوعة المورد: ج 2 ص 147.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 332

الإعلام فی العصر المجوسی

و فی إیران ظهر نبی المجوس الذی کان مبعوثا من قبل الله سبحانه و تعالی کما فی بعض الروایات الواردة عن أمیر المؤمنین علیه السّلام ذکرها صاحب الجواهر «1»، و کان لهذا النبی کتاب کبیر، لکنّهم قتلوه و أحرقوا کتابهم و لم یبق منه شی‌ء إلّا ما فی أیدی المجوس فی الحال الحاضر من کتاب تغلب علیه الأخلاقیات و یسمّی الکتاب ب (أوستا) «2»، و لا یبعد أن یکون بعض هذا الکتاب من بقایا ذلک الکتاب الأصلی المنزل من عند الله سبحانه و تعالی؛ لأنّ بعض جمله یشبه عبارات الکتب السماویة المنزلة.

الإعلام فی العصر الجاهلی

و فی العصر الجاهلی کان من عادتهم الإشارة بالصور إلی وقائع خاصّة:
فلما کانت قبیلة ما ترید غزو قبیلة أخری بحیث لا تبقی منهم أحدا کانوا یصطلحون لذلک بقولهم: «لا تذروا لهم نافخ نار و لا عامر دار و لا طالب ثار»، أی: اقتلوهم جمیعا حتّی الصغار لکی لا یکون لهم فی المستقبل من یطالبهم بالثأر، فإذا علم إنسان مصلح مثل ذلک جاء إلی القبیلة الثانیة التی یراد غزوها و هو عار تماما عن الملابس فیؤشّر بیده نحو القبیلة التی ترید الغزو دلالة منه
______________________________
(1) راجع جواهر الکلام: ج 21 ص 229، و فی الکافی (فروع): ج 3 ص 567 ح 4 ج 7 ص 4 ح 6، أنهم من أهل الکتاب، و کذا فی التهذیب للطوسی: ج 4 ص 113 ب 20 ح 1، أنّ المجوس من أهل الکتاب. و کذا فی وسائل الشیعة: ج 15 ص 126 ب 49 ح 20131 و غوالی اللآلی: ج 2 ص 99 ح 273.
(2) و قیل الآفستا، بمعنی المعرفة الحقیقیة، و هو کتاب یضم خمسة مواضیع، و محوره الفکری بوجود إلهین، أحدهما إله الخیر و یسمی آهورامزدا، و الثانی إله الشر و یسمی أهریمان.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 333
علی توجیه الإنذار إلی القبیلة المراد غزوها، علی أنّ القبیلة الساکنة فی هذا الجانب المشار إلیه من الشمال أو الیمین أو الشرق أو الغرب ترید غزوکم هکذا، و لهذا قال الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم فیما یحکی عندنا: (أنا النّذیر العریان) «1»، أی: أنتم مقبلون علی أخطار فی الدنیا و الآخرة لا تبقی و لا تذر، فاسمعوا کلامی لتنجوا من هذه المشکلة. کما و أنّ القبائل التی کانت تنذر فی الجاهلیة بهذا النمط من الإنذار کانت تستعجل فی جعل خلفاء لها تمنعهم عن الکارثة إن تمکنوا من الخلفاء و إلّا رحلوا عن تلک المنطقة إلی محلّة بعیدة لا تتمکّن القبیلة الغازیة من الوصول إلیهم. ثم فی العهد الجاهلی و فی الجزیرة العربیة بالذات، کانت تعقد الأسواق کسوق «عکاظ» «2» لأجل المبایعة و المزاوجة و الإعلام و المناقشة، ففی سوق عکاظ کانت القبائل العربیة ترسل بضاعتها
______________________________
(1) کان الرجل إذا أراد إنذار قومه و إعلامهم بما یوجب المخافة نزع ثوبه و أشار به إلیهم إذا کان بعیدا منهم لیخبرهم بما داهمهم. و اکثر ما یقوم به طلیعة القوم. و قیل أن معناه: أنا النذیر الذی ادرکنی جیش العدو فأخذ ثیابی فأنا انذرکم عریانا. فقد ورد فی کتب العامة عن الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم: مثلی و مثل ما بعثنی اللّه به کمثل رجل أتی قوما. فقال: یا قوم أنی رأیت الجیش بعینی و إنی أنا النذیر العریان فالنجاء النجاء! فأطاعته طائفة من قوم فأدلجوا و انطلقوا علی مهلهم فنجوا. و کذبته طائفة طائفة منهم فأصبحوا مکانه فصبحهم الجیش فأهلکهم و اجتاحهم، فذلک مثل من أطاعنی و اتّبع ما جئت به، و مثل من عصانی و کذّب بما جئت به من الحق. و أصبح یضرب به المثل فی تحقیق الخبر و شدة الخطر و لکل أمر تخاف مفاجأته و لکل أمر لا شبهة فیه. راجع کتاب مجمع الأمثال للمیدانی: ج 1 ص 48 رقم 186، أمثال الحدیث: ص 110، الأمثال النبویة للغروی: ج 1 ص 184 رقم 116، لسان العرب: ج 15 ص 48، کنز العمال: ج 1 ص 180 ب 1 ح 914.
(2) سوق عکاظ: من أسواق العرب فی الجاهلیة، موضعه بین نخلة و الطائفة و ذی المجاز، کانت تجتمع فیه القبائل مدة عشرین یوما، من هلال ذی القعدة إلی العشرین منه فی کل سنة، یتبایعون فیه و یتاجرون و یتفادون الأسری و یتحاکمون فی الخصومات و ما أشبه، کما کان الشعراء یحضرون السوق لینشدوا ما أحدثوا من أشعار للتفاخر و الحماس و المجادلة. راجع الموسوعة العربیة المیسرة و الموسّعة: ج 5 ص 2109.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 334
و خطباءها و شعراءها من أجل بیع البضائع و الافتخار بالآباء و العشائر و حتّی بأبسط الأشیاء عندنا الآن مثل ملبس جیّد أو فرس أصیل أو زوجة جمیلة، و ما یحفظ من ذلک الشی‌ء الکثیر.

الإسلام و الإعلام

و التطور فی الکتاب و الإعلام ظهر بعد ظهور الإسلام، فبعد أن کان فی مکّة علی قول بعض المؤرّخین عشرة کتّاب فقط، لم یمر زمان حتّی صار فی نیسابور «1» أربعة و عشرون ألفا من رواة الحدیث و کتّابه حین استقبلوا الإمام الرضا علیه السّلام فی قصة السلسلة الذهبیة المشهورة «2»، و قد کان رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم أحیانا یطلق سراح الأسیر إمّا مقابل أربعة آلاف درهم أو مقابل أن یعلّم الأسیر عشرة من المسلمین القراءة و الکتابة، فصار انفجار النور انفجارا عظیما لا سابق له فی التاریخ علی ما نعرفه من تاریخ هذه الکرة الأرضیة، و کان للکتابة أکبر الأثر فی حفظ القرآن الحکیم و السنّة المطهّرة، و کان کلّ شی‌ء قید التدوین من الغزوات و الحرکات و السکنات و الأسفار و الأحداث و المنازعات و المخاصمات و الحروب و غیرها، و کان للإمام الصادق علیه السّلام دور کبیر فی نشر الوعی، و قد رأیت فی بعض الکتب أنّ تلامیذ الإمام کانوا عشرین ألفا «3»، فإذا
______________________________
(1) و هی من توابع مدینة خراسان التی تقع شمال شرق إیران.
(2) و هو قول الإمام الرضا علیه السّلام: کلمة لا إله الّا اللّه حصنی فمن قالها دخل حصنی و من دخل حصنی أمن من عذابی. راجع عیون أخبار الرضا علیه السّلام: ج 2 ص 134 ب 37 ح 4، معانی الأخبار: ص 370 ح 1، التوحید: ص 25 ب 1 ح 23، بشارة المصطفی: ص 269، الأمالی للصدوق: ص 235 المجلس الحادی و الأربعون ح 8، سفینة البحار: ج 2 ص 114، ثواب الأعمال: ص 7.
(3) ذکر الشیخ الطوسی فی رجاله ثلاثة آلاف راو من تلامذة الإمام الصادق علیه السّلام، و ترجم أبو العباس بن عقدة أربعة آلاف تلمیذ للإمام الصادق علیه السّلام، و ترجم باقر شریف القرشی فی
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 335
کان کل واحد منهم علی الفرض المذکور أخذ مائة حدیث صار الرقم کبیرا جدّا، بینما ذکر المؤرّخون أنّ أحد تلامیذ الإمام حفظ سبعین ألف حدیثا، و آخر حفظ مائة و أربعین ألف حدیثا، و کانت لهم أصول أربعمائة، کلّ واحد منها کتاب کامل «1»، و علی مثل الإمام الصادق علیه السّلام یقاس الأئمّة الآخرون مع تفاوت سعة زمانهم أو ضیقها بحیث لم یسمح لهم نشر کثیر علومهم، و کان الإمام السجاد علیه السّلام- علی ما ذکر فی التاریخ- قد أعتق خمسین ألف عبد بعد أن علّمهم الشرائع و السنن و الآداب و الأخلاق و الفضائل، فانتشروا فی أصقاع العالم و نشروا العلم الغزیر.
و ینقل عن أحد تلامیذ الإمام الصادق علیه السّلام و هو جابر بن حیّان الکوفی «2»
______________________________
موسوعته حیاة الإمام الصادق المجلد السادس ل 3652 تلمیذ من تلامذة الإمام الصادق علیه السّلام.
و قد ترجمت حیاة بعض تلامذة الإمام الصادق علیه السّلام من قبل بعض العلماء، للتفصیل راجع سیر أعلام النبلاء، رجال الطوسی، تذکرة الحفّاظ، النجوم الزاهرة، رجال الکشی، رجال النجاشی، رجال بحر العلوم، رجال المامقانی، خلاصة العلامة، معجم رجال الحدیث، حلیة الأولیاء، فهرست ابن الندیم، موسوعة حیاة الإمام الصادق للقریشی، موسوعة الإمام الصادق للقزوینی.
(1) کتب أربعمائة فقیه من تلامذة الإمام الصادق علیه السّلام أجوبة مسائلهم فی أربعمائة مصنّف، سمیت بالأصول الأربعمائة و قد جمعت فی الکتب الأربعة- الکافی و الفقیه و التهذیب و الاستبصار- و غیرها.
(2) جابر بن حیان الأزدی الکوفی، سمی بجابر لأنه جبر العلم و أعاد تنظیمه، ولد فی العراق و عاش فی الکوفة، قتل أبوه لحب آل البیت علیه السّلام فتکفله الإمام الباقر علیه السّلام و شمله بألطافه و رعایته و رباه و فقهه. ثم من بعد شهادة الإمام الباقر رباه الإمام الصادق علیه السّلام و زوده بعلم الطب و الطبیعة و الکیمیاء، و بما یحتاجه لیقوم بتطبیق ما علّمه إیاه. سعی هارون العباسی لاعتقاله فاختفی حتی أیام المأمون.
یعدّ جابر مفخرة من مفاخر الإسلام لأنه أول المسلمین المشتغلین فی علم الکیمیاء و الطبیعة، و لا زالت نظریاته موضع اهتمام الباحثین و الدارسین فی العالم، فإنّ جامعات اوربا و حتی القرن الخامس عشر کانت لا تدرس الّا کتبه، و کان اسم جابر فی الغرب یعد ضمانا ضد الانتقادات و التهم، و سلطة علمیة تفرض نفسها علی الجمیع. فقد ألّف 1500
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 336
أنّه ألّف ثلاثة آلاف کتاب فی مختلف العلوم و الفنون.
و کتابا نهج البلاغة و الصحیفة السجادیة کتابان شهیران، و فیهما من العلم و الأخلاق و العقیدة و التوحید و مختلف فنون الحیاة السلمیة و الحربیة و ما أشبه ذلک الکثیر مما یصلح لإدارة العالم سلمیا و حربیا و أخلاقیا و عائلیا و غیر ذلک، و من الواضح أنّ السیاسة کان لها الدور الکبیر أیضا فی باب الإعلام
______________________________
رسالة فی الکیمیاء و مثلها فی الطب. و ترجمت أغلب مؤلفاته إلی اللغات الأجنبیة.
یعدّ جابر أول من أشار إلی طبقات العین، و أول من أثبت إمکان تحویل المعدن الخسیس إلی الذهب و الفضة. حیث قال بالطبائع الأربعة: الحرارة و البرودة و الیبوسة و الرطوبة، و هذه الأربعة، اذا اجتمعت الحرارة و الیبوسة یکونان النار، و اذا اجتمعت الحرارة مع الرطوبة یکونان الهواء، و اذا اجتمعت البرودة و الیبوسة یکونان الأرض، و اذا اجتمعت البرودة و الرطوبة یکوّنان الماء، و لیس فی الطبیعة کائن یخلو ترکیبه من أن یکون واحدا من هذه الأجسام أو مزیجا مرکبا منها، و لا فرق فی ذلک بین الجماد و النبات و الحیوان الّا فی نوع المرکب و درجة الترکیب. و من هذا المنطلق نستطیع أن نحوّل المعادن بعضها إلی بعض، لانّ المعادن فیها مقوّمین، هما: الکبریت و الزئبق و هما یتکونان من النار و الهواء.
و قد وصف ابن خلدون براعة جابر فی علم الکیمیاء فی مقدمته: ص 447 قائلا: «إمام المدوّنین فیها جابر بن حیان حتی إنهم یخصّونها به، فیسمونها علم جابر».
و قال عنه برتلّو: «إن اسم جابر ینزل فی تاریخ الکیمیاء منزلة أرسطو فی تاریخ المنطق».
یقول جابر بن حیان عن الإمام الصادق علیه السّلام الذی علّمه الکیمیاء: لو لا أنّ هذه الکتب باسم سیدی صلوات اللّه علیه لما وصلت إلی حرف من ذلک إلی آخر الأبد، لا أنت و لا غیرک إلّا فی کل برهة عظیمة من الزمن.
من مؤلفاته: الخواص الکبیر، الأرکان، البیان، النور، التدابیر، الدرّة المکنونة، الخالص، المیزان الصغیر، سر الأسرار، الإیضاح، الروضة، الأحجار، الزئبق، شرح المجسطی، الرحمة، خواص إکسیر الذهب، السبعین، السموم، الحاصل، إخراج ما بالقوة إلی الفعل، أسرار الکیمیاء، علم الهیئة، البستان.
عن جابر راجع الإمام الصادق ملهم الکیمیاء لمحمد یحیی الهاشمی، الإمام الصادق کما عرفه علماء الغرب لجماعة من المستشرقین، الإمام الجعفر الصادق للدکتور محمد حسین الصغیر، جابر بن حیان للمؤلف زکی نجیب محمود، جریدة العالم: ج 2 ص 192.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 337
و نشر العلم و الثقافة، و کمثال لذلک أن الفاطمیین «1» نشروا الدعوة نشرا غریبا، و کان منهم شیعة إمامیة و شیعة غیر إمامیة کما یری المطالع فی التاریخ، و کثیر منهم کانوا من النزاهة و الفضیلة فی مرتبة رفیعة و قد أخذوا لفظ «الداعی» الذی
______________________________
(1) الدولة الفاطمیة، مهّد لقیامها أبو عبد اللّه الحسین بن أحمد بن محمد، المعروف بأبی عبد اللّه الشیعی، المولود فی صنعاء، حکمت من 297 ه (909 م)، و استمرّ حکمها إلی 567 ه (1171 م)، و کان عدد حکّامها أربع عشرة خلیفة؛ ابتداء بعبد اللّه «المهتدی باللّه» و مرورا بابنه محمد «القائم بأمر اللّه» و إسماعیل «المنصور باللّه» و معد «المعز لدین اللّه» و نزار «العزیز باللّه» و المنصور «الحاکم بأمر اللّه» و علی «الظاهر لإعزاز اللّه» و معد «المستنصر باللّه» و أحمد «المستعلی باللّه» و المنصور «الآمر بأحکام اللّه» ثم ابن عمه عبد المجید «الحافظ لدین اللّه» و ابنه اسماعیل «الظافر باللّه» ثم عیسی «الفائز بنصر اللّه» و انتهاء بعبد اللّه «العاضد لدین اللّه»،- و یری المحقق حسن الأمین فی کتابه صلاح الدین الأیوبی بین العباسیین و الفاطمیین و الصلیبیین أن الخلافة الفاطمیة انهارت فی زمن المستنصر باللّه عند ما استولی بدر الجمالی أمیر الجیش سنة 466 ه علی البلاد و أصبح الخلیفة محکوما علیه بالإقامة الجبریة، ثم عین بدر الجمالی بعده الأفضل ثم الحافظ .. و ابتدأ سلطانهم بأن حکموا تونس و اتخذوا قیروان عاصمة لها ثم أخضعوا الشمال الإفریقی کلّه ثم مصر؛ فی عهد الخلیفة المعز لدین اللّه، الذی مدّ حدود حکمه إلی شواطئ المحیط الأطلسی، و أنشأ مدینة القاهرة و بسط نفوذه علی سوریة و فلسطین و لبنان. و مجموع خلافتهم مائتا سنة و اثنتان و سبعون و بضعة أیام، منها مائتان و ثمان سنین فی القاهرة، ففی عهدهم أنشئت المدارس و المکاتب و اقتنیت الکتب النفیسة، و بنی مرصد جبل المقطم. و من إنجازاتهم: إیجاد وحدة التکامل السیاسی بین المغرب و المشرق؛ فأصبح المغرب و ملحقاته: صقلیة و قوصرة و فلوریة، و مصر و ملحقاتها: و هی الشام و الحجاز و الیمن؛ وحدة سیاسیة قاعدتها القاهرة، بعد أن کانت کیانات مجزأة، و من إنجازاتهم أیضا: وقوفهم بوجه الدولة البیزنطیة و الصلیبیین، کما أسّسوا جامع الأزهر و جامع الحاکم و دار الحکمة. و لهم الفضل فی تعریب القسم الإفریقی و فی حمایة الشواطئ الإفریقیة الشمالیة من الغزو الصلیبی، و بنوا لأجل ذلک قاعدة عسکریة قویة، تضم خمسة آلاف ربان و 200 سفینة، و أضحت المهدیة وسوسة و مرافئ صقلیة مرکزا لهذه السفن، و کان لهما أسطولان فی البحر المتوسط و البحر الأحمر و لهم موانئ علی البحر المتوسط هی:
الإسکندرونة و دمیاط فی مصر، و عسقلان و عکا و صور و صیدا فی الشام، و عیذاب علی البحر المتوسط. راجع «المجالس و المسایرات» للقاضی النعمان، «أعیان الشیعة» لمحسن الأمین، «اتعاظ الخلفاء بأخبار الأئمة الفاطمیین الخلفاء» للمقریزی، «شمس العرب تسطع علی الغرب» للمؤلفة زیغرید هونکة.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 338
کانوا ینعتون به دعاتهم مقتبسا من قوله سبحانه و تعالی: یٰا أَیُّهَا النَّبِیُّ إِنّٰا أَرْسَلْنٰاکَ شٰاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِیراً. وَ دٰاعِیاً إِلَی اللّٰهِ بِإِذْنِهِ وَ سِرٰاجاً مُنِیراً «1»، و قبل نصف العالم الإسلامی دعوة الفاطمیین فی مصر و سوریا و غیرهما حتّی بدّلها صلاح الدین الأیّوبی «2» بقوّة السیف و إحراق الکتب و قتل ملیون إنسان إلی دعوة أخری،
______________________________
(1) سورة الأحزاب: الآیتان: 45- 46.
(2) صلاح الدین یوسف بن نجم الدین بن شاذی الأیوبی، ینحدر من سلالة فرنسیة من جهة الأم؛ کما صرح بذلک الدکتور الفرنسی لویس بوزیه فی محاضرة ألقاها فی مؤتمر صلاح الدین الأیوبی فی نیسان من سنة 1994 م، هاجر جدّه شاذی مع ولدیه نجم الدین و أسد الدین إلی بغداد و عیّن علی قلعة تکریت، و یعد مؤسس الدولة الأیوبیة و التی أسماها باسم عائلته و استمر حکمها من سنة 564 ه (1169 م) و إلی 648 ه (1250 م)، و أطیح بها من قبل الممالیک، و قد حکموا مصر و بلاد الشام و بعض بلاد العراق و الجزء الجنوبی من شبه جزیرة العرب- الیمن-، و عدد حکامها ثمانیة أشخاص، أولهم: صلاح الدین و آخرهم نوران شاه. ولد صلاح الدین فی تکریت سنة 532 ه (1137 م) و هو من أصل کردی، و عاش فی الشام عشر سنوات فی عهد نور الدین محمود بن عماد الدین زنکی سلطان السلاجقة، ثم ذهب مع عمه أسد الدین شیرکوه إلی مصر مع ثمانیة آلاف فارس حیث أرسلهم نور الدین زنکی استجابة لدعوة الخلیفة الفاطمی- العاضد- الذی طلب مساعدته مرارا للردّ علی الصلیبیین، الذین زحفوا علی عسقلان حتی وصلوا إلی «بلیس» و هددوا القاهرة ثم تقهقروا عنها دون قتال، و قد قبل نور الدین مساعدة العاضد بشرط أن یمتلک ثلث مصر، و عند ما وصل شیرکوه إلی القاهرة، عهد إلیه العاضد بمنصب الوزارة فبقی فیها مدة شهرین و خمسة أیام، حیث وافاه الأجل، ثم عهد من بعده لصلاح الدین، و لکن صلاح الدین سعی للتخلص من العاضد، فانقلب علی الحکم و قضی علی الدولة الفاطمیة و خطب للعباسیین و اعترف بسلطة الخلیفة العباسی صوریا سنة 566 ه (1171 م)، و قد حکم مصر أربعا و عشرین سنة من 564 ه (1169 م)، و مات سنة 589 ه (1193 م) عن عمر یناهز السابعة و الخمسین. اشتهر صلاح الدین بالإدمان علی الخمر و ارتکاب الفواحش؛ و هذا ما صرح به أحد أعوانه و هو ابن شدّاد فی کتابه النوادر السلطانیة، و کذا ذکره سیر أعلام النبلاء ج 1 ص 279 و زبدة الحلب فی تاریخ حلب المجلد الثانی، اتّسم حکمه بالدیکتاتوریة و الاستبداد و أجبر الناس علی اعتناق المذهب الشافعی، و حارب مذهب الشعب المصری و هو مذهب التشیع، و حبس علماءهم و کان یتتبع آثارهم لقتلهم، فقد قتل ملیون مسلم شیعی و سجن عشرة آلاف شخص منهم ذکورا و إناثا و بکافة الأعمار بعد أن
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 339
و إلی الآن تجد آثار الدعوة الفاطمیة فی هذین البلدین و أطرافهما، و کمثال
______________________________
صادر ما یملکون؛ حیث سجن الذکور کهولا و شبابا و أطفالا فی سجن مدی الحیاة، مصفّدین بالسلاسل و القیود، و سجن النساء عجائز و فتیات فی سجن آخر و بنفس الصفة و الطریقة، و منعوهم من التناسل؛ لتنقطع ذریة الشیعة، و استمر هذا الحال بالمساجین سنوات متتالیة حتی انقرضت الدولة الأیوبیة.، کما أنه قتل الفیلسوف السهروردی، و عزل قضاة الشیعة و صلب بعضهم، أمثال: هبة اللّه بن کامل و عبد الصمد الکاتب و داعی الدعاة بن عبد القوی، و کان یقتل کل من یمدح أهل البیت علیهم السّلام أو یذکر فضائلهم فیقطع لسانه و یدیه ثم یرجمه، کما قتل الشاعر عمارة الیمنی، و کان یأخذ الضرائب و المکوس من الشیعة لتشیعهم و أقلها خمسمائة ألف درهم، و قد أحرق المکتبات سنة 574 ه بعد أن أضرم النار فیها. و ألقی بعضها الآخر فی نهر النیل و ترک قسما منها فی صحراء سیناء فسفت علیها الریاح حتی صارت تلالا، عرفت بتلال الکتب، کما أن حمّامات القاهرة بقیت ستة أشهر تحرق الکتب لتسخین المیاه فی مراجلها و بعض هذه الکتب بیع و بعضها أخذه العبید و الإماء متّخذینها أحذیة لهم!. و من المکتبات التی أحرقها «خزانة الکتب» التی أنشأها «العزیز باللّه» سنة 365 ه؛ و کانت تحتوی علی ملیونین و ستمائة ألف کتاب فی جمیع العلوم، یقول جرجی زیدان فی تأریخ التمدن الإسلامی: ج 2 ص 229: «کانت تحتوی علی ثمانیة عشر ألف کتاب فی العلوم القدیمة و ستة آلاف و خمسمائة جزء من کتب النجوم و الهندسة و الفلسفة، و کان فیها 340 ختمة قرآن بخطوط منسقة مزینة بالذهب و مجلدة بشکل نفیس و کان فیها 1200 نسخة من تأریخ الطبری»، و أحرق «دار الحکمة» التی أنشأها «الآمر باللّه» سنة 395 ه و کانت تضم أکثر من مائة ألف کتاب. و یقول الدکتور ألکسندر ستیفیتش فی کتابه تاریخ الکتاب القسم الأول: ص 143 ما نصه: «و قد سجلت نهایة العصر الفاطمی بدایة انهیار المکتبات الکبری فی القاهرة فقد أدی النهب و الحرائق و اللامبالاة إلی القضاء علی قسم کبیر من ثروة المکتبات التی کان الخلفاء الفاطمیون و هم من محبی الکتب قد أنفقوا علیها الکثیر من اهتمامهم و ثروتهم»، و من الجرائم التی تفرد بها أنه فرق بین رجال الشیعة و نسائهم بعد أن سجنهم مصفدین بالسلاسل و القیود حتی لا یتناسلوا، و جعل یوم العاشر من المحرم- یوم استشهاد سبط الرسول الأکرم صلی اللّه علیه و آله و سلم- یوم عید، نکایة بالإمام الحسین علیه السّلام، و منع ذکر «حیّ علی خیر العمل» فی الأذان و صادر أموال الناس و أعطاها لجنده و غیر ذلک ممّا یندی له جبین کل صاحب شرف و غیرة و دین و إنسانیة، لمزید من التفصیل راجع کتاب صلاح الدین الأیوبی بین العباسیین و الصلیبیین و الفاطمیین للباحث حسن الأمین، مستدرکات أعیان الشیعة: ج 2 ص 356 و ج 4 ص 243، شذرات الذهب: ج 4 ص 298، الخطط للمقریزی: ج 1 ص 408 و ص 496.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 340
علی ما ذکرناه من قوّة دعوتهم، ما ذکره المعز لدین الله الفاطمی «1» قائلا:
«ما من جزیرة فی الأرض و لا إقلیم إلّا و لنا فیه حجج و دعاة یدعون لنا و یأخذون ببیعتنا و یذکرون رجعتنا و ینشرون علومنا و ینذرون بأسنا و یبشرون بأیامنا مع تصاریف اللغات و اختلاف الألسن، و فی کلّ جزیرة و إقلیم رجال یفهمون و عنهم یأخذون حسب قول الله عزّ و جلّ: وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ رَسُولٍ إِلّٰا بِلِسٰانِ قَوْمِهِ لِیُبَیِّنَ لَهُمْ «2». یرید المعزّ بقوله: «و یذکرون رجعتنا» رجعة الإمام المهدی عجّل اللّه تعالی فرجه و آبائه، کما دلّ علی ذلک متواتر الروایات الواردة عن الرسول و الأئمّة الطاهرین علیه السّلام، فمع أنّ الفاطمیین کانوا مهددین من قبل الدولة العباسیة بمختلف أنواع التهدید حتّی أنّ ابن خلدون «3» ذکر قائلا: «و کان أبواق
______________________________
(1) معد بن إسماعیل المشهور بالمعز لدین اللّه، رابع خلفاء الدولة الفاطمیة، ولد سنة 319 ه (931 م) و مات سنة 365 ه (975 م)، تربّع علی العرش فی المغرب سنة 341 ه (952 م) و إلی سنة 361 ه (972 م)، عرف بتدبیره و حسن إدارته و سیاسته العادلة و ثقافته الواسعة و إنشاده للشعر. توسعت فی عهده الدولة الفاطمیة لتشمل مصر و بلاد الشام و مکة و المدینة و إفریقیا و طرابلس و صقلیة. و فی عهده أنشئت القاهرة و اتخذها عاصمة له و ذلک سنة 362 ه (972 م) و بنی جامع الأزهر و أسس دار الحکمة. راجع: وفیات الأعیان: ج 5 ص 224، الموسوعة التاریخیة للخلفاء الفاطمیین: ج 4 للدکتور عارف تامر.
(2) سورة إبراهیم: الآیة 4.
(3) عبد الرحمن بن محمد الکندی، الملقب بولی الدین نسبة إلی تولیه منصب قاضی القضاة فی مصر، و المشهور بابن خلدون، فیلسوف و مؤرخ، له باع فی علم الاجتماع، ولد فی تونس رمضان سنة 732 ه (أیار 1332 م)، و توفی فی القاهرة رمضان سنة 808 ه (آذار 1406 م) و له من العمر 78 سنة، تنقل فی بلاد المغرب و الأندلس ثم أقام بتلمسان ثم عاد إلی تونس و منها انتقل إلی مصر، شغل مناصب رفیعة فی دولة بنی مرین، فشغل منصب القضاء علی المذهب المالکی فی عهد السلطان أبی سالم الظاهر برقوق، نزح إلی الأندلس سنة 776 ه و أخذ یمتهن الخطابة و التدریس، و کان من المقرّبین لثالث ملوک بنی الأحمر، أبی عبد اللّه؛ و الذی کلفه بالانکباب علی کتابة التاریخ، کما استأثر بعدّة وظائف حکومیة و قضائیة فی الأندلس خلال خمس و عشرین سنة، له عدة مؤلفات، منها: «العبر و دیوان المبتدأ و الخبر فی أیام العرب و العجم و البربر و من عاصرهم من ذوی السلطان الأکبر» التی انتهی من
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 341
الدولة العباسیة یطعنون بالنسب الفاطمی، و یؤولون أعمال الحاکم الحسنة تأویلا سیئا، فیقولون: منع النزهة عن ضفاف النیل، و قطع رزق المنجمین، و هدم بیوتا، و قتل کلابا و خنازیر، و أراق خمورا، و نحی بعض الموظّفین، و قطع إحسانه عن قوم عوّدهم الإحسان و جازی بعض التجّار» إلی آخر ما ذکره ابن خلدون، إلّا أنّهم تمکنوا من الاستیلاء علی بلاد شاسعة و نشروا الدعوة و أقاموا العدل فی حدود تصوّرهم و نشروا العلم و فتحوا المکتبات و احترموا العلماء، و لهم آثار حسنة جلیلة باقیة إلی الآن فی تلک البلاد. و قد قامت الدول الشیعیة منذ صدر الإسلام هنا و هناک حتی أن القرن الرابع الهجری کان فیه کثیر من البلدان الإسلامیة تحکمها حکومات شیعیة، فتجد الحکّام الشیعة فی مثل إیران کالصفویین «1» و غیرهم ممّا أحصی جملة منها السید محسن الأمین
______________________________
کتابتها سنة 779 ه، و الذی اشتهر ب «مقدمة ابن خلدون»، و له کتاب فی الحساب، و رسالة فی المنطق. للتفصیل راجع المجلد السابع من مقدمة ابن خلدون، ابن خلدون لتیسیر شیخ الأرض، الأعلام للزرکلی: ج 4 ص 106، الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة: ج 1 ص 62.
(1) الصفویون سلالة إسلامیة شیعیة، تأسست علی أنقاض الحکم المغولی التیموری، و تنسب إلی «صفی الدین الأردبیلی»، المولود سنة 650 ه (1252 م) و المتوفی سنة 735 ه (1334 م)؛ و قد قام اسماعیل بن حیدر الصفوی المولود سنة 893 ه (1488 م) حفید صفی الدین بالقضاء علی «الآق‌قویونلو» الحاکم فی أذربیجان و العراق و اتخذ «تبریز» عاصمة له، و لقّب بشاه، و حکمت هذه السلالة إیران مدة مائتین و خمس و ثلاثین سنة منذ سنة 905 ه (1500 م) و إلی 1140 ه (1728 م)، و قد حکم اسماعیل من سنة 905 ه (1500 م) و استمر إلی 930 ه (1524 م)، و قد خاض حروبا متعددة مع العثمانیین؛ و الذین هزموه فی معرکة «جالدران» قرب مدینة «تبریز» سنة 920 ه (1514 م)، ثم حکم من بعده ابنه «طهماسب الأول»، الذی اتّخذ «قزوین» عاصمة له سنة 962 ه (1555 م)، و الذی حکم 54 سنة، ثم جاء بعده «إسماعیل الثانی» و حکم سنتین، ثم من بعده «محمد خدابنده بن طهماسب الأول» و حکم عشر سنوات، ثم «شاه عباس الأول ابن محمد»، الذی نقل العاصمة إلی «أصفهان» سنة 1001 ه (1593 م)، و حکم أربعا و أربعین سنة، ثم جاء بعده «شاه سلیمان»، حفید شاه عباس الأول. و کان آخر ملوکهم «شاه حسین»، الذی حدثت فی عهده فتنة «الأفغان»؛ عند ما احتلّ ملکها «شرف الأفغانی» أصفهان، و اعتقل «شاه حسین» و قتله سنة
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 342
فی أعیان الشیعة و الشیخ محمد جواد مغنیة فی کتابه الدول الإسلامیة إلی غیر ذلک.
و قد عرف نابلیون أثر الصحافة و الإعلام و الرأی العام، فکان یقول: «أربع جرائد ترهبنی أکثر من مائة ألف بندقیة»، و قد اهتم بإصدار الصحف فی البلاد التی یحتلها سواء فی أوربا أو البلاد الإسلامیة لتعزیز موقفه و لیصنع لنفسه هالة و شهرة عسکریة و سیاسیة، کما کان هارون العباسی «1» یقول ما یشبه ذلک
______________________________
1140 ه (1728 م) و ترکه ثلاثة أیام بدون غسل و لا کفن، و أمر ملک الأفغان بهدم المدارس و المساجد و المکتبات فی إیران حتی قیل: إن حمّامات و أفران العاصمة أصفهان کانت تسخن لأکثر من شهر بواسطة کتب مکتبات الصفویین.
(1) هارون بن محمد المهدی بن عبد اللّه المنصور، خامس خلفاء بنی العباس و أوسعهم شهرة، و البالغ عددهم 37 خلیفة، ولد فی مدینة الری الإیرانیة. و تقع فی أطراف طهران الحالیة.
سنة 148 ه (765 م)، و مات فی جمادی الأولی سنة 193 ه (809 م) فی قریة سناباد عند ما ذهب إلی خراسان لقمع ثورة رافع بن اللیث حفید نصر بن سیار عن عمر یناهز 47 سنة، قال الصولی: خلّف الرشید مائة ألف ألف دینار و من الأثاث و الجواهر و الورق و الدواب ما قیمته مائة ألف ألف دینار و خمسة و عشرون ألف دینار.
و حکم هارون سنة 170 ه (786 م)، و امتد حکمه 23 سنة و شهرا و تسعة عشر یوما، و خلف عشرین ولدا نصفهم ذکور و نصفهم إناث، و اتّسم حکمه بالظلم و الاستبداد و علی الخصوص لأئمة أهل البیت علیهم السّلام و أتباعهم، فقد قتل الإمام الکاظم علیه السّلام بالسم بعد أن سجنه عشر مرات فی البصرة و بغداد، و آذی الإمام الرضا علیه السّلام و أراد قتله و تصفیته جسدیا عدّة مرات، و کذا قتل الطالبیین. و کان هارون یسعی دائما إلی طمس المذهب الشیعی، و الآثار الإسلامیة، و بالأخص العتبات المقدسة فی مدینة کربلاء فقد هدّم قبر الإمام الحسین علیه السّلام و حرث الحرم و قطع شجرة السدرة التی کانت معلما لإرشاد الزائرین و ذلک سنة 193 ه، و قد أضحی العلماء فی عهده یتحامقون أمثال بهلول بن عمرو و علیان و عیناوة، و من وسائل قتله للأبریاء بناء الأعمدة المجوّفة و وضع الإنسان فیها ثم سد فوهة العمود فیبقی المعذب فیه حتی یأتیه الموت بتلک الحالة، و بنی سیاسته ضد خصومه علی أسلوب خلق الفتن و التآمر و الاغتیال و الدعایة فی طعن النسب و فی الإیدیولوجیة و فی الهجوم العسکری إن تسنی له ذلک، و اهتم بالغناء و المغنین و قرّب الکثیر منهم و أجزل العطاء علیهم، فقد أعطی سفیان بن عیینة مائة ألف دینار، و إسحاق الموصلی مائتی ألف دینار،
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 343
لهشام بن الحکم و هو شاب لم تنبت له لحیة؛ إذ کان یقول: «إنّ لسان هذا أحدّ علیّ من مائة ألف سیف».

الإعلام فی العصر الحدیث

أمّا الإعلام فی العصر الحدیث الذی یعنی بتقویة الرأی العام فی احتضان الحکومة و فی تقدیم حزب علی حزب و فی إجراء الانتخابات و ما أشبه ذلک، فقد أصبح جزءا من حیاة الناس فی شتی أنحاء العالم و لم یعد الاهتمام بالرأی العام مقصورا علی الرأی العام المحلّی و علی کلّ دولة بالنسبة إلی رعایاها بل
______________________________
و مروان بن أبی حفصة خمسة آلاف دینار، و کان یجمعهم فی مجلس واحد و یقترح علیهم فی الأصوات لیطرب هو و من معه، و قد اختار له إسحاق الموصلی من الغناء مائة صوت، عرفت بالأصوات المائة المختارة، التی وضع أبو الفرج الأصفهانی فیها کتاب الأغانی. و کان أخو هارون، إبراهیم، المعروف بابن شکلة قد بلغ منزلة بالغناء و العزف و المنادمة حتی اشتهر بشیخ المغنین، و قد ذکر فی التاریخ أنه لما عجز إبراهیم عن توزیع عطاء الناس؛ لصرفها فی ملذاته، قال قوم من أهل بغداد هازئین مستهزئین: «أخرجوا لنا خلیفتنا یغنی لأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات و لأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات فتکون عطاء للجمیع»، و کانت أخت هارون، علیه، تغنی و أخوها الآخر، یعقوب، یزمّر لها علی الغناء. و قد قال الشاعر أبو فراس الحمدانی مقارنا بین أفعال العباسیین و العلویین قائلا:
منکم علیة أم منهم و صاحبکم شیخ المغنین إبراهیم أم لهم تبدو التلاوة من أبیاتهم سحرا و من بیوتکم الأوتار و النغم لیس الرشید کموسی فی القیاس و لا مأمونکم کالرضا إن أنصف الحکم
راجع: الأعلام للزرکلی: ج 8 ص 62.
ثار علیه یحیی بن عبد اللّه بن أبی طالب فی بلاد الدیلم سنة 176 ه (792 م).
و قد عدّ بعض المؤرخین هارون أول من جعل للمغنین و المغنیات مراتب و طبقات، اقتداء ب «أردشیر و کسری» حکام فارس، و أول خلیفة لعب بالکرة و الصولجان و هی لعبة فارسیة، کما ذکر ذلک السیوطی فی تاریخ الخلفاء: ص 237 و الزرکلی فی الأعلام: ج 9 ص 43. و قد شاعت فی زمانه لعبتا الشطرنج و النرد.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 344
اتّسع نطاق هذا الاهتمام حتّی أصبح یشمل الرأی العام العالمی، فالحکومتان العالمیتان الشرقیة الشیوعیة و الغربیة الرأسمالیة کانتا و لا زالتا تخصّصان رصیدا کبیرا جدّا لنشر أفکارهم فی طول البلاد و عرضها.
و قد عقد مؤتمر المائدة المستدیرة الثانی لرؤساء تحریر الصحف الآسیویة تحت رعایة منظمة الیونسکو، و جاء فیه: «هناک دور هام یتعیّن علی وسائل الإعلام الجماهیری أن تضطلع به، و هی تستطیع بالفعل الاضطلاع بهذا الدور، و هو التعجیل بالتطوّر الاجتماعی و الاقتصادی فی آسیا. ذلک أنّ مشروعات التنمیة لا تستطیع أن تنجح إلّا بواسطة المشارکة من جانب الشعوب، الأمر الذی لا یتحقّق إلّا بمساعدة من جانب وسائل الإعلام، أی الصحافة المطّلعة التی تتدفّق حیویة، و برامج الإذاعة و التلفزیون المناسبة» «1».
أقول: لکن لا یخفی أنّ هذه التوصیات بقیت حبرا علی ورق؛ لأنّه لیس وراءها القوّة الکافیة، فإنّ هذه الدول إما دول دیکتاتوریة، هم عملاء الغرب، یقولون ما لا یفعلون بل یفعلون ضدّ ما یقولون، أو دیمقراطیة صوریة، لا حقّ لها فی اجتیاز الخطّ الأحمر الموضوع من قبل الدول الغربیة حتّی لا تتمکن أن تنهض هذه الدول، و لذا تری کل شی‌ء فی هذه الدول فی أیدی الغربیین و أحیانا فی أیدی الشرقیین قبل التدهور الذی أصاب البلاد الشیوعیة، أمّا بعد التدهور فقد استبدّ النظام العالمی الجدید بالأمر کله، فقد قال أحد الأساتذة:
«شهدت السنوات الثمانون من القرن العشرین أزمات خانقة امتدت إلی کلّ مجالات الحیاة، و بعد الانتعاش النسبی الذی شمل عددا لا یستهان به من البلاد
______________________________
(1) راجع کتاب الرأی العام و تأثره بالإعلام و الدعایة: الکتاب الثانی: ص 35 للدکتور محمد عبد القادر حاتم.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 345
النامیة نتیجة الثورة الصناعیة و اتساع ناتج العالم الثالث فی المحافل الدولیة و تقوی شوکة إسرائیل و تأثیر کلّ ذلک علی معنویات شعوب الجنوب، دارت الأیّام و أتی ردّ الفعل بأشدّ ما یکون، فإذا بالأزمة الاقتصادیة تعصف بالمکاسب الهشة و تدفع بها فی مهب الریاح، ناشرة المجاعة و الإفلاس بدون أدنی اعتبار، و إذا بالقوی العظمی تسعی بکل أمانیها إلی استرجاع ما فاتها و السیطرة علی ما تجاوزها مشعرة بذلک العالم النامی بأنّ استقلاله السیاسی و الاقتصادی و الثقافی مقیّد بمصالحها قبل کلّ شی‌ء، و قد انعکست کلّ هذه العناصر من المنظّمات الدولیة حیث تجلّت النزاعات الدفینة بکلّ وضوح حتّی أصبحت هذه الهیاکل المحدثة لخدمة الانفراج مهدّدة بالانفجار، و کان فی مقدّمتها بطبیعة الحال قلعة التربیة و العلوم و الثقافة، الیونسکو التی سقطت فی نظر الدول الکبری فی أیدی الجنوب و حرکة عدم الانحیاز، فدخلت أکثر من غیرها فی دوامة الاهتزاز و الأزمة التی تتخبط فیها هذه المنظمة لها فی مفهوم رجل الشارع الغربی مبررات کثیرة، و لکن لیس لها علاقة بما ذکر فهی تعدو أساسا إلی سوء التصرّف الإداری و التبذیر و المبالغة فی الاهتمام بما لا یعنی المنظّمة من مجالات النشاط، و مهما یکن الأمر فإنّ من المسلم به الیوم أن منطق الأزمة یعود أولا و بالذات إلی مطالبة العالم النامی بإقرار نظام عالمی جدید للإعلام و الاتّصال، و هذا استنتاج مبنی علی التقاریر الرسمیة و المقالات الصحافیة. و قد أیّد هذه النظرة ما ورد فی کتاب أمریکی صدر فی بدایة ألف و تسعمائة و أربع و ثمانین تحت عنوان «المسابقة العجیبة»، و جاء فیه: إنّ الولایات المتّحدة الأمریکیة عزمت علی مغادرة الیونسکو بتعاطف هذه المنظمة مع العالم الثالث حول هذا الموضوع ... إلی آخر کلامه. و قد قال أحد العلماء المعاصرین: «إنّ بناء الدولة اقتصادیا و اجتماعیا و سیاسیا یتطلب الاستعانة بشتّی الوسائط
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 346
و وسائل الإعلام سواء أ کان ذلک عن طریق التبلیغ بالإعلام لشخص إلی شخص أو عن طریق تبادل الإعلام بین جماعات منظمة أو عن طریق الإعلام الجماهیری عبر المتنفّذین فی الصحافة و المطبوعات و الإذاعة و التلفاز و السینما و الفنون الأخری».
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 347

العلاقات العامة فی العصر الحدیث

اشارة

مسألة: ینبغی التوجه للعلاقات العامة «1» لإزالة الالتباس و سوء التفاهم
______________________________
(1) العلاقات العامة: مصطلح شاع استعماله فی نهایة القرن التاسع عشر المیلادی، و یعتمد علی حقیقة علمیة مفادها أنّ الإنسان کائن اجتماعی بطبیعته فلا یمکن له أن یعیش بمعزل عن الآخرین.
و اختلف العلماء فی تعریف العلاقات العامة مثلما اختلفوا فی تحدید طبیعتها، و قد جمع أحد الباحثین الأمریکیین تلک التعاریف و أوصلها إلی مائتی تعریف. و نحن نذکر بعضها بغضّ النظر عن الملاحظات و النقاشات حولها:
1- علم یدرس سلوک الأفراد و الجماعات دراسة موضوعیة بغیة تنظیم العلاقات الإنسانیة علی أسس من التعاون و المحبة و الوعی 2- الجهود المتصلة الواعیة الموجهة التی تستهدف إیجاد صلات و دیة، تقوم علی الفهم المتبادل بین هیئة و جمهورها 3- الجهود التی یبذلها فریق ما، لإقامة العلاقات الطیبة و استمرارها بین أعضائه، و بینه و بین مختلف قطاعات الرأی العام 4- الجهود التی یبذلها فریق ما، لإقامة علاقات الثقة و استمرارها بین اعضائه، و بین الفریق و بین الجماهیر المختلفة التی تنتفع بصورة مباشرة أو غیر مباشرة من الخدمات الاقتصادیة و الاجتماعیة التی تحققها المؤسسة 5- وظیفة إدارة دائمة و منظمة، تحاول المؤسسة العامة أو الخاصة عن طریقها أن تحقق مع من تتعامل أو یمکن ان تتعامل معهم، التفهم و التأیید و المشارکة.
راجع کتاب مبادئ فی العلاقات العامة: ص 9- 12 للمؤلف حسن الحلبی 6- إعلام یعطی للجمهور، و إقناع یوجّه إلیه لتعدیل مشاعره و تصرفاته، و مجهود لخلق تکامل بین المشاعر و الأفعال 7- الترویج لإیجاد التفاهم و الصلات القویة بین المنظمة و أفرادها و أی مجموعة من المجموعات أو الأفراد أو المنظمات. و ما ینتج عن هذا التفاهم من إقامة سمعة طیبة و علاقة مستمرة 8- وظیفة إداریة تقیّم اتجاهات الجمهور و تحقق سیاسات و تصرفات الفرد أو التنظیم مع المصلحة العامة، و تضع و تنفّذ برنامج عمل للفوز بثقة الجمهور و تقبّله للمؤسسة راجع کتاب العلاقات العامة: ص 117 للدکتور عادل حسن.
و قد اختلف العلماء فی تحدید تاریخ العلاقات العامة، فبعضهم أرجأها إلی بدایة النشاط
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 348
و الجهل و نقص المعلومات، و لأجل خلق التوافق و الانسجام و فهم المصالح بین الأشخاص و الأشیاء سواء فی نطاق المؤسسة أو المجتمع أو الدولة، فإنّ العلاقات العامّة فی العصر الحدیث أصبحت من الصعوبات بمکان؛ إذ الدعایات المضادة و کثرة توقّعات الجماهیر- بکثرة الصناعات فی البلاد- و الحالة المادیة التی طغت علی المعنویات، سبّبت أن تکون العلاقات العامّة صعبة سواء علاقات الحاکم برعیته أو علاقات الشعب بالحاکم أو علاقات الشعب بعضهم مع البعض الآخر، فإنّ المجتمع الذی یسیر حکمه فی یسر و سهولة هو المجتمع الذی تکون فیه هذه الأمور الثلاثة، أی علاقات بعض الناس ببعض حسنة و علاقات الحاکم بالشعب حسنة و علاقات الشعب بالحاکم حسنة، فإنّ هذه الأمور مع صعوبتها فی نفسها تلاقی مقاومة شدیدة من قبل الدعایات المضادة، مثلا: الدیمقراطیة أو الاستشاریة فی الاصطلاح الإسلامی هی الحکومة ذات الحزبین أو الأحزاب المتعدّدة و ذات الصحافة
______________________________
الإنسانی، و آخر مع بدایة الحیاة الاجتماعیة فی المجتمعات، و ثالث مع بدایة النهضة الصناعیة فی أوربا.
و تقوم أهداف العلاقات علی مبدأ احترام القیم الإنسانیة، عبر إیجاد الثقة و تحقیق واقع یؤدی إلی قیام العلاقات، و نقل الحقائق بعیدا عن الکذب و المعلومات الخاطئة أو المشوّهة، و الابتعاد عن الضغوط و التأثیرات و الإثارات، و الالتزام بالواجبات و المواثیق فی التعامل.
و قد جمع أسبلی و هوتن المبادئ الاساسیة للعلاقات العامة فی المؤسسة التی تهدف الربح فی کتاب له و أحصاها فی ثلاث و خمسین وسیلة عن هذا الموضوع راجع کتاب العلاقات العامة و الإعلام من منظور علم النفس: ص 129- 137 للدکتور حسین عبد الحمید. و أصول العلاقات العامة من الناحیتین النظریة و التطبیقیة للدکتور حسن محمد خیر الدین، العلاقات العامة فن للمؤلف أدوارد ل. بیرنیز ترجمة الدکتور ودیع و حسنی خلیفة، العلاقات العامة للدکتور عادل حسن، العلاقات العامة مبادئها و تطبیقاتها للدکتور محمد طلعت عیسی، العلاقات العامة الناجحة إصدار جمعیة تعلم الکبار الأمریکیة ترجمة مصطفی حسن علی.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 349
الحرة و ذات المؤسّسات الدستوریة، فمن الواضح أنّ الحاکم إذا کان من أحدهما أو أحدهم، یقاوم من قبل الآخرین. أمّا الحکومات الدیکتاتوریة فهی من باب «السالبة بانتفاء الموضوع»، و قد قال بعضهم: «إنّ عمل الحکومة لا یکفی بالأداء الجید، و إنّما یجب أن یقتنع الشعب بأنّه یؤدّی جیدا» «1» فمهما کان المؤدی صادقا فی تصرفاته، فإنّ له معارض من جانب الآخر؛ حیث یقول:
________________________________________
شیرازی، سید محمد حسینی، الفقه، الرأی العام و الإعلام، در یک جلد، مؤسسة الوعی الإسلامی - دار العلوم، بیروت - لبنان، اول، 1427 ه ق

الفقه، الرأی العام و الإعلام؛ ص: 349
إنّه لا یؤدّی جیدا، فإنّا لا نشک مثلا: أنّ عمل الرسول الأعظم صلی اللّه علیه و آله و سلم و الإمام علی علیه السّلام کان فی غایة الجودة التی لیس فوقها جودة لکن مع ذلک المنافقون منتشرون فی زمان الرسول الأکرم، و المخالفون فی زمان الإمام علی علیه السّلام کانوا ینتقدون الحکم مهما عمل الحاکم العادل أمثال الرسول الأکرم و الإمام علی علیه السّلام، و أضیفت إلی ذلک فی زماننا وسائل کثیرة یحتاج إلیها الشعب من الصناعات کالثلاجة و الغسالة و التلفاز و السیارة و الهاتف و ما أشبه ذلک، و حیث أنّ هذه الأمور لیست متوفّرة لکل الشعب مهما کان متطورا فی الصناعة کشعوب أوربا و أمریکا فلا یکون الرضی عند جمیع طبقات الشعب.
و قد قرأت فی تقریر أنّ فی أمریکا ثلاثین ملیونا تحت خطّ الفقر، فهل یمکن أن یرضی هؤلاء من أی حاکم جاء حتّی لو کان فی أقوی مراتب العدالة فی نظرهم؟، نعم لا شکّ أنّ هذا الفقر إنّما هو نتیجة الانحراف الرأسمالی- کما ذکرناه فی بعض کتبنا مفصلا-، هذا من ناحیة الآلة و الصناعة ثمّ هناک ناحیة أخری و هی ناحیة الروح و تبدّلها إلی المادیة، فإنّ الناس کانوا سابقا یعرفون معانی الفضیلة و القناعة و ما قدّر الله سبحانه و تعالی لهم فی معانیه الصحیحة،
______________________________
(1) و نظیر هذا الکلام ینسب لنابلیون: انه لا یکفی لکی تکون عادلا أن تفعل الخیر، و انما یقتضی تحقیق إقناع الناس بأن ما تقوم به هو الخیر و بأنک عادل. راجع کتاب مبادئ فی العلاقات العامة: ص 7- 8 للمؤلف حسن الحلبی.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 350
لکن الآن أبعد الناس عن هذه المعنویات؛ و لذا تری أغلب الناس یسعون للمزید من المادیة فتقع الصدامات؛ لأنّ المادّة مهما بلغت، فمقدارها محدود، فإذا توارد إنسانان علی مادّة واحدة وقع بینهما الشجار و التخاصم، بینما المعنویات وسیعة فی محلّها، و لذا لا یقع الفساد ما بینهم، و إنّی لأذکر قبل خمسین سنة حیث کنّا فی العراق کان الرضی و القناعة و ما أشبه ذلک من المعانی السامیة الإنسانیة التی تسود المجتمع، و الآن و بعد نصف قرن فقد تغلبت المادیة علی الجمیع إلّا من خرج بالدلیل، و لذا فالرضی و ما أشبه ذلک نادر ندرة کبیرة، ثم إنّ من أسباب کثرة الطلاق فی الحال الحاضر هو ذلک أیضا- فی تفصیل ذکرناه فی کتاب العائلة-، هذا بالإضافة إلی ما ذکره بعضهم بأن المجتمع الحدیث بکل تعقیداته یتطلب معرفة و فهم الجماهیر لمشکلات عصرنا، إذ کان علی المواطنین أن یقرروا مشکلات السیاسة العامّة تقریرا وافیا، فلا بد أن یکون هناک جسر من التفاهم بینهم و بین الحکومة مع وضوح أنّ الفهم الجماهیری لمشکلات العصر أصبح صعبا جدّا، و من جانب رابع فإنّ ترابط العالم بعضه ببعض و الفقر و الانقلابات العسکریة و ما أشبه ذلک فی بعض جوانب العالم تؤثّر فی الجوانب الخالیة من الفقر و الانقلابات؛ حیث إنّ الإنسان بما هو إنسان مزوّد بالعاطفة، فکما لا یتمکّن أن یری نفسه مریضا لا یستطیع أن یری صدیقه مریضا أیضا، و هکذا بالنسبة إلی سائر النواقص التی ابتلی بها الإنسان، و بالرغم من وجود هذه الظاهرة فی السابق أیضا لکن انعدام الاتّصالات بین أجزاء العالم کان سببا لعدم علم بعض الناس ببعض، فإذا حدث مثلا زلزال فی الصین و قتل ملیون إنسان، لا یکون ذلک بلاء فی البلاد القریبة من الصین.
و علی هذا؛ فاللازم علی الحاکم أن یفهم الشعب خیر فهم، و أن یحسن
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 351
الظن بینه و بین شعبه، و أن یتطابق الواقع مع المعرفة فی فهم الشعب، لأنّ عدم المعرفة المتبادلة تسبب سوء الظن فی الأول و حسن الیقین فی الثانی مع أنّ الواقعیة إذا لم تکن فی هذا أو فی ذلک لم ینفع الإخفاء، فإنّه کما قال الشاعر:
و مهما تکن عند امرئ من خلیقة و إن خالها تخفی علی النّاس تعلم «1»
کما لاحظنا ذلک فی الحکومات الدیکتاتوریة، فإنّها مهما عملت فی تلمیع وجهها یکون ظن الناس بها سیئا، و أحیانا یفوق السوء الموجود فی نفس الحاکم و حاشیته، فقد قال القرآن الحکیم: وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَیَرَی اللّٰهُ عَمَلَکُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ «2»، و ذکره سبحانه و تعالی للمؤمنین مع أنّ هذه صفة عامّة لکلّ إنسان بما هو إنسان من جهة أنّ المؤمنین أزکی کما قال سبحانه و تعالی بالنسبة إلی المنافقین، وَ لٰکِنَّ الْمُنٰافِقِینَ لٰا یَفْقَهُونَ «3»، و قال بالنسبة للکافرین بَلِ ادّٰارَکَ عِلْمُهُمْ فِی الْآخِرَةِ «4» بَلْ هُمْ فِی شَکٍّ مِنْهٰا بَلْ هُمْ مِنْهٰا
______________________________
(1) للشاعر الجاهلی زهیر بن أبی سلمی، من البحر الطویل، قصیدة عدد أبیاتها 62 بیتا، و هو البیت رقم 58. و هی من المعلقات السبع، مطلعها:
أ من أمّ أوفی دمنة لم تکلّم بحومانة الدّرّاج فالمتثلّم
یعد زهیر أحد الشعراء الثلاثة المتقدمین علی شعراء الجاهلیة- و هم امرؤ القیس و النابغة الذبیانی و زهیر- بالاتفاق، ولد فی نجد و تزوج کبشة و أنجبت له شاعرین أحدهما کعب صاحب قصیدة «بانت سعاد» و الآخر بجیر. ینتمی إلی عائلة تجید الشعر، فقد کان أبوه شاعرا، و خاله شاعرا، و اختاه سلمی و الخنساء شاعرتین، و حفیده شاعرا، توفی سنة 14 قبل الهجرة، و له من العمر 97 سنة. له دیوان شعری مطبوع. راجع دیوان زهیر بن أبی سلمی: ص 74 شرح و تحقیق کرم البستانی، شرح المعلقات السبع لحسین بن أحمد الزوزنی: ص 65، تاریخ الأدب العربی لحنّا الفاخوری: ص 148، أدباء العرب: ج 1 ص 128، تاریخ الأدب العربی: لکارل بروکلمان: ج 1 ص 95.
(2) سورة التوبة: الآیة 105.
(3) سورة المنافقون: الآیة 7.
(4) سورة النمل: الآیة 66.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 352
عَمُونَ «1»، فإنّ من یری نصف الدار لیس کمن یری کلّ الدار، و المؤمنون یرون الدنیا و الآخرة شیئا واحدا، هذه مرحلة، و تلک مرحلة بینما الکفّار لا یعرفون من الآخرة شیئا فهم کمن یری نصف الدار فقط، و قد أشار إلی بعض ما ذکرناه بعض کتّاب الغرب «2» قائلا: «إنّ العلاقات العامّة تمثل استجابة ضروریة لحاجة المجتمع الذی یبلغ درجة عالیة من التصنیع و التحضر و اعتماد بعضه علی بعض». و قال عالم آخر «3»: «إنّ العلاقات العامّة کمهنة و إن کانت ما تزال فی طور التجربة و الخطأ، هی ثمرة حتمیة لکلّ مجتمع صناعی معقّد، فالجماهیر قد تضاعفت أعدادها و انتشرت إلی حدّ یحتم الوصول إلیها الاستعانة بالخبراء».

أسباب تعقّد العلاقات

و قد ذکر بعض العلماء «4»: أنّ هناک خمسة عوامل هامّة أسهمت فی جعل العلاقات العامّة عملیّة هامّة و متخصّصة.
أمّا هذه العوامل فهی:
أولا: الهیکل المتزاید التعقید فی الصناعة و زیادة ابتعادها عن الاتّصال المباشر بالجمهور.
ثانیا: ظهور شبکة واسعة معقّدة من وسائل الاتّصال بالجماهیر.
ثالثا: ظهور مصالح المنشآت الکبیرة و ما یترتب علیها من نتائج.
رابعا: ظهور تنافس، تتزاید حدته، مما فرض احتراما للرأی العام بحاجة
______________________________
(1) سورة النمل: الآیة 66.
(2) و هو سکوت کاتلیب.
(3) و هو کیرتیس ماکدوجال.
(4) و هو تشارلز شتاینبرج.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 353
إلی التأیید الجماهیری.
خامسا: اشتداد الطلب علی الحقائق و المعلومات من جانب الجمهور نتیجة لانتشار التعلیم و المعرفة.
أقول: ما ذکر إنّما هو بعض الأمر، و إلّا فاللازم أن یضاف إلی الخمسة السابقة أمور أخری:
أولا: الفراغ من الروحیات و المعنویات و التکالب علی المادّة.
ثانیا: الرأسمالیة المنحرفة التی أوجبت اختلاف الأفراد فی الارتفاع و الانخفاض المادّی.
ثالثا: التظاهر بالتجمّل عند الأغنیاء ممّا یثیر حسد الفقراء و تحریک شهیتهم بخلاف الزمان السابق؛ حیث لم یکن الأمر کذلک؛ فقد شاهدت قبل نصف قرن فی العراق أنّ الأغنیاء کانوا یخفون غناهم عن الفقراء فی ظاهر ألبستهم و سلوکهم، بل و ظواهر منازلهم التی تشاهد من الخارج.
رابعا: کثرة وسائل السمع و البصر؛ ممّا أعلن للناس عامّة بارتفاع الجماعة المرتفعة مادّیا و صناعیا.
خامسا: تفرّق المجتمع إلی أحزاب؛ حیث یرید کلّ نقد الآخر لیسحب الحکم من تحته و یکون الحاکم هو.
لا یقال: إنّ هذه مساوئ الأحزاب.
فإنّه یقال: هذا صحیح، لکن الأمر دائر بین السیئ و الأسوأ، و الدیکتاتوریة أسوأ من الأحزاب.
و قد ذکرنا فی بعض کتبنا السیاسیة «1» أنّ الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم قسّم الناس أیضا إلی
______________________________
(1) أمثال کتاب الشوری فی الإسلام، و کتاب الفقه- السیاسة، و کتاب تعدد الاحزاب.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 354
المهاجرین و الأنصار کما قسّم المؤمنین فی نفس المدینة إلی أحزاب؛ کما یدل علی ذلک ما ذکره العلماء من قصّة ابن الأدرع «1» إلی غیر ذلک ممّا یمکن أن یعدّ سببا لتعقّد العلاقات العامّة.

الرضی شرط أساسی

و من الواضح أنّ الإدراک لا یکون فعالا إلّا إذا قام علی أساس المعرفة الدقیقة للرأی العام و وضع فی حساباته رغبة الناس حتّی یصل الحکم إلی سلطانه، و لعلنا لا نبالغ إن قلنا أنّ الحکومات تستمدّ سلطاتها من رضی المحکومین.
و قد کان کسب رضی العام أمرا مرغوبا فیه حتّی فی زمان الرسول الأعظم صلی اللّه علیه و آله و سلم و الإمام علی علیه السّلام کما تدلّ علی ذلک جملة من القضایا منها: أنّ الرسول صلی اللّه علیه و آله و سلم أرضی ذلک الفقیر ثمّ قال له: (اذهب و قل لأصحابی أنّک رضیت منّی). و قال الإمام علی علیه السّلام للبقال الذی أهانه: (ما أرضانی عنک إذا و فیتهم- أی الناس- حقوقهم) «2»، و حیث أنّ الناس فی الحکومة الدیمقراطیة
______________________________
(1) و هو محجن بن الأدرع الأسلمی عاش أواخر حیاته فی البصرة، حیث قال الرسول الأعظم صلی اللّه علیه و آله و سلم: (أنا فی الحزب الذی فیه ابن الأدرع). راجع مستدرک الوسائل: ج 14 ص 79 ب 2 ح 16142، غوالی اللآلی: ج 3 ص 266 ح 5، و قد ذکرت الروایة کذلک فی کتاب مسالک الإفهام للشهید الثانی و جامع المقاصد للشیخ الکرکی و جواهر الکلام للشیخ الجواهری.
(2) جاء فی کتاب الغارات للثقفی و فی بحار الأنوار: ج 40 ص 332 ب 98 ح 14: أتی- الإمام علی علیه السّلام- أصحاب التمر فإذا خادمة تبکی فقال: ما یبکیک؟ قالت: باعنی هذا الرجل تمرا بدرهم فرده مولای، و أبی أن یقبله. فقال له: خذ تمرک و أعطها درهمها فإنها خادم لیس لها أمر. فدفعه- البائع-، فقلت: أ تدری من هذا؟ قال: لا، قلت: هذا علی بن أبی طالب أمیر المؤمنین. فصبّ تمره و أعطاها درهمها. و قال له: أحب أن ترضی عنی، قال:
ما أرضانی عنک .. إذا وفیتهم حقوقهم.
و ورد نظیر ذلک فی کشف الغمة: ج 1 ص 164، مناقب آل أبی طالب لابن شهرآشوب: ج 2
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 355
مشارکون للحاکم فی الحکم و هم شدیدو النقد، و کثیرا ما تجد جماعة منهم جاهلین بهذا النقد، تکون العلاقة العامّة من أشکل ما یکون، و لذا ینقل عن أرسطو أنّه قال: «إنّ الکثرة تشکل قضاة أفضل ممّا یشکل فرد واحد؛ لأنّ البعض یفهم جزءا و البعض الآخر یفهم جزءا آخر، و هکذا فیما بینهم جمیعا یفهمون کلّ شی‌ء؛ کمعرفة سکان البیت الذی یحکم علیه من البنّاء الذی بناه، کما أنّ الملاح أصدق حکما علی الدّفة من النجار الذی صنعها، و الضیف أصدق حکما علی الولیمة من الطاهی الذی قام بالطهو».
أقول: لکن ربّما لا یکون هکذا؛ لأنّ الشخص الذی یحکم کالضیف لا یعرف مشکلات الطاهی، و هکذا بالنسبة إلی غیرهما.
إذن، فالعلاقات العامّة علم جدید فی المجتمعات الاستشاریة التی تستهدف الإقناع؛ إذ لو لا الإقناع لم یتمکّن الحاکم الدیمقراطی من الوصول إلی الحکم، و قد لا یکون الإقناع واقعیا لکنه علی کلّ حال أفضل من عدم الإقناع، و کشاهد لذلک: أنّ الشعب یری زیدا و عمرا المرشحین للرئاسة أحدهما أسوأ من الآخر فیختار السیئ اقتناعا به عن الأسوأ لا أنّه قانع بأنّه الحاکم الخیّر.
نعم، فی مثل هذه الحالة یجب علی الشعب تحرّی الصالح المطلق بالإضافة إلی تحرّی الأفضل من الموجودین، و لا یکفی فهم الجماهیر فقط فی الوصول إلی الحکم، فإنّ الواصل إلی الحکم قد یصل إلیه لکنّه یسقط فی وسط الطریق؛ لأنّه لا یحسن المعاملة، و قد یکون غیر صالح فی نفسه لکن الجماهیر یغفلون حتّی وصوله إلی الحکم، فإذا انکشفت سوأته أثناء الطریق أسقطوه.
______________________________
ص 112، مناقب أمیر المؤمنین لمحمد بن سلیمان الکوفی: ج 2 ص 602.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 356
فالعلاقات العامّة ضروریة الفهم و التطبیق؛ إن أرادت استقامة الحکم، ثمّ العلاقات العامّة لیست ضروریة للحاکم فقط بل للأحزاب نفسها و للمنظّمات و الشرکات و الهیئات؛ لأنّ حجم کلّ واحد من هذه المؤسّسات سعة و ضیقا یتوقّف علی العلاقات العامّة فی الفهم و التفاهم مع الجماهیر، فإنّ الحاکم إذا کان غیر متفهم للشعب أسقطه الشعب بالقوة کما فی الدیکتاتوریین، و بسحب الرأی منه کما فی الدیمقراطیین، و کذلک حال المنظّمة و الهیئة و الحزب و الشرکة، فإنّهم إذا لم تکن لهم علاقات عامّة بالمستوی المطلوب سحب الناس اعتمادهم عنهم، و إذا سحب اعتماد الناس لم تتمکّن الهیئة و المنظّمة و الحزب من الاستمرار فی رسالته التی أخذها علی عاتقه.
فالجماهیر هم کلّ شی‌ء، نجد ذلک فی الحکومات الدینیة و غیرها، فی الدیکتاتوریة و الدیمقراطیة، و قد قتل الناس الخلیفة الثالث کما قتلوا جملة من الخلفاء الأمویین و العباسیین و العثمانیین، و هکذا الأمر فی الغرب إذ نجد أنّ الغربیین قتلوا جملة من حکّامهم، و فی القرن الأخیر قتل فی العراق الملک غازی «1» و الملک فیصل الثانی «2» و عبد الکریم قاسم، کما قتلوا فی مصر أنور
______________________________
(1) غازی بن فیصل الأول، ولد فی مکة سنة 1331 ه (1912 م)، دخل العراق و هو فی السن السادسة من عمره برفقة والده الذی نصّب ملکا علی العراق، حکم العراق بعد موت والده سنة 1352 ه (1933 م) و استمر فی الحکم إلی سنة 1358 ه (1939 م)، قتل من قبل الإنجلیز؛ إثر اصطدام سیارته التی کان یقودها بنفسه بعمود کهربائی بالقرب من قصر الحارثة لیلا.
(2) فیصل بن غازی و المشهور بفیصل الثانی، ولد فی بغداد سنة 1354 ه (1935 م)، عین ملکا بعد وفاة أبیه، ابتدأ حکمه سنة 1358 ه (1939 م) و کان عمره آنذاک خمس سنوات؛ و نتیجة لعدم بلوغه الرشد القانونی «18 سنة»؛ عین خاله عبد الإله وصیا علیه لإدارة شئون البلاد حتی سنة 1953 م حیث تسلم الحکم بمفرده، قتل مع أغلب أعضاء العائلة الملکیة سنة 1377 ه (1958 م) إثر انقلاب عسکری دبّره عبد الکریم قاسم.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 357
السادات و حاولوا اغتیال غیر واحد من الحکام الذین عاشوا أو ماتوا، کما حاولوا اغتیال جمال عبد الناصر و اغتیال شاه إیران و ضیاء الحق «1» فی باکستان إلی غیر ذلک، و لا أرید القول أن کلّ تلک الاغتیالات أو المحاولات کانت علی صواب؛ لأنّ بعضها کانت بسبب استعمار أو ما أشبه ذلک، إلّا أنّ الجامع هو أنّ الحکومة التی لا یؤیّدها الشعب، تکون فی معرض السقوط و الزوال.

سلوکیات العلاقات العامة

و العلاقات العامّة التی یجب علی الإدارة الحکومیة مراعاتها مشتملة علی الأخذ و العطاء و الإقناع من الجماهیر، ما ذا یریدون؟ و کیف یریدون؟ و کم یریدون؟ و الإعطاء للجماهیر من أعمال الحکومة و ما أشبه ذلک، فأوّلا یجب فی العلاقات العامّة تعریف الشعب بالأحداث الجاریة فی البلد من الحرب و السلم أو التأمیم أو الاشتراکیة أو الرأسمالیة أو غیر ذلک، و تزویدهم ببیانات دقیقة عن الشئون المختلفة حتّی یکون الشعب علی علم کامل بمجریات الأوضاع مع أدلّتها و خصوصیاتها، و توضیح و شرح النشاط الحکومی و النشاط المتعلّق بمؤسّسات القطاع العام و القطاع الخاصّ المرتبطة بالحکومة أیضا؛ إذ القطاعات الخاصّة أیضا ترتبط بالحکومة ارتباطا ما، و إجراء الاستفتاءات
______________________________
(1) محمد ضیاء الحق، ولد سنة 1924 م، عین ضابطا فی سلاح الخیالة سنة 1945 م أیام الاحتلال البریطانی للهند. تخرج من کلیة الأرکان سنة 1955 م و عاد إلی الکلیة کمدرّس فیما بعد. شارک فی الحرب الهندیة الباکستانیة سنة 1965 م. أطاح بنظام ذو الفقار علی بوتو إثر انقلاب عسکری فی الخامس من تموز سنة 1977 م، و أصبح الحاکم العرفی العام للباکستان. و فی الرابع عشر من أب سنة 1978 م أصبح رئیسا للباکستان. قتل إثر تفجیر طائرته.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 358
و الإحصاءات الاستطلاعیة للتعرّف علی رغبات الشعب و حاجاته، و أنّ الشعب ما ذا یرغب؟ و لما ذا یرغب؟ و إذا کان الشعب علی خلاف مع الحکومة. فاللازم أن تبیّن الحکومة للشعب وجهة نظرها عبر الوسائل السمعیة و البصریة و المنظّمات و الأحزاب الموالیة لها، و إن کان هذا شأن کلّ فرد فی الدولة؛ لأنّ کلّ ما یصیب الدولة یصیب المجموع من خیر أو شر؛ فإن الدولة المحبوبة کلّ أفرادها محبوبون، و الدولة المکروهة کلّ أفرادها مکروهون.
و من الضروری أن یکون هناک جهاز خاص فی الوزارات و نحوها، شأنه العلاقات العامّة مع التوافق بین هذه الأجهزة المتعدّدة فی مختلف الوزارات و التنسیق بینها.
و اللازم أیضا أن یجری تدریب هؤلاء الموظّفین فی العلاقات العامّة تدریبات دوریة حتّی یکونوا خبراء بما ینبغی لهم أن یفعلوه من الأخذ و العطاء و الإقناع و ما أشبه ذلک «1»، کما أنّ اللازم علی إدارات العلاقات العامة أن تشکّل الندوات الجماهیریة بین السائل و المجیب، إذ یسأل الجماهیر أسئلتهم و یکتشفون إشکالاتهم ثم یجیب الوزراء و المدراء و من أشبههم- من الذین هم
______________________________
(1) و قد ذکر البعض أنه یجب أن یتحلی اختصاصی و العلاقات العامة بالصفات و المؤهلات التالیة: 1- الصفات الذاتیة- کحسن السیرة و حب المهنة و الانفتاح و الثقة بالنفس و الدبلوماسیة فی التصرف- و الفکریة- کاللیاقة الفکریة و القدرة علی التعبیر و الإقناع و الموضوعیة و التجرّد و رؤیة الأمور علی واقعها و حسن الدّرایة فی تحلیل الوقائع و الأحداث-.
2- المؤهلات کالثقافة الواسعة و الإحاطة بالعلوم الإنسانیة و معرفة تقنیات الإعلام.
راجع کتاب مبادئ فی العلاقات العامة: ص 70- 72.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 359
مسئولون عن العلاقات العامّة- بالتی هی أحسن «1».

شاهد من التاریخ

و لنذکر مثالا واحدا فی مصر حینما أدرک المصریون من خلال العاصفة التی أثارتها الحکومتان البریطانیة و الفرنسیة حول تأمیم قناة السویس احتمال وقوع تدخّل عسکری «2»، فأوعزت الحکومة المصریة إلی معهد الرأی العام و الإعلام و الموظّفین فی العلاقات العامّة أن یجمعوا بیانات حول الموضوعات التالیة- حسب ما ذکر بعض علماء مصر المرتبطین بالرأی العام-:
أوّلا: مشاعر الجماهیر حول تأمیم قناة السویس.
ثانیا: الإجراءات الدفاعیة الاحتیاطیة إذا ما قررت بریطانیا و فرنسا أن تستعملا القوة.
ثالثا: مشاعر الدول التی یحتمل أن تؤیّد مصر فی حالة وقوع أی عدوان.
و کشفت هذه البیانات التی استنبطت من عشرین تقریرا، بالنسبة لتأمیم قناة
______________________________
(1) ذکر بعض المتخصصین أنّ أسس العلاقات یعتمد علی الأداء الناجح و الإخبار الصادق و کسب ودّ الناس و ضمان التفاهم بین المؤسسات و الجماهیر. کما ذکر أنّ تنفیذ العلاقات یعتمد علی ما یلی: 1- وضع خطة متکاملة یتم عبرها معرفة الإمکانات و القدرات مع تعیین رصید مالی محدد، و تعیین مسئول تنفیذی للخطة یتعاون الجمیع فی رسمها و التوافق علیها 2- جمع المعلومات و الحقائق و الوقائع المتعلّقة بالموضوع 3- تحدید الجمهور 4- تحدید الأهداف و موضوع الخطة و العمل علی المشترکات 5- تقریر الطرق التی یسلکها فی مخاطبة الجمهور 6- مباشرة التنفیذ 7- مراقبة النتائج و تقییمها.
(2) و بالفعل فقد هاجمت القوات الإسرائیلیة و الفرنسیة و الإنجلیزیة- صاحبة أکثریة أسهم شرکة القنال- مصر فی تشرین الأول سنة 1956 م کردّ فعل لتأمیم القناة، فاستهدفت الإسکندریة عبر إنزال جوی و زحف بریّ من لیبیا، و انتهت نتائج هذا العدوان لغیر صالح مصر باعتبار تعهد مصر بعدم قیام بأی عمل عدائی ضد إسرائیل و ضمان حریة الملاحة فی خلیج العقبة.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 360
السویس عن النتائج التالیة:
فقد أیّد الرأی العام المصری هذا الإجراء بنسبة أکثر من تسعین فی المائة و عارضه بأقلّ من أربعة من المائة و التزم الحیاد أقل من أربعة فی المائة. و لقد بنی الرأی العام تأییده علی أساس أسباب مختلفة منها: القضاء علی آثار التبعیة و الاستغلال و السیطرة، و القضاء علی التدخّل الأجنبی فی الحیاة القومیة للبلاد، و رغبة الجمهور فی اتّخاذ موقف رافع للرأس أمام الغرب فی مواجهة هذا التحدّی، و تمکین مصر من الحصول علی الرسوم التی کانت تفرض علی البواخر و السفن التی تعبر قناة السویس، و هی رسوم یمکن استخدامها فی إنشاء السد العالی.
أمّا الذین عارضوا إجراء التأمیم؛ فقد ذکروا الأسباب التالیة:
یجب علی الحکومة أن تنتظر حتّی سنة 1968 م- و هو تاریخ انتهاء عقد الامتیاز من عائدات الأسهم- بدلا من تعویض حملة الأسهم، و قد تسحب الدول الغربیة مرشدیها من القنال، و بذلک تصبح مصر فی وضع یتعذر علیها فیه إدارة القنال، و قد تتحوّل السفن الغربیة عن القنال و یفقد العمّال المصریین وظائفهم، و تفقد الدولة عائداتها من القنال، و قد تساعد دول الغرب إسرائیل علی حفر قناة أخری موازیة للقناة المصریة بین إیلات و البحر الأبیض المتوسّط، و أخیرا، فإنّ الإذعان سیجنّب البلاد الضغوط السیاسیة و الاقتصادیة من جانب الدول الغربیة.
أمّا الحیادیون فکانوا متحیّرین بین هذا الرأی و ذاک، کما کانت هناک نسبة مئویة صغیرة تتجه إلی أخذ الأمر بین الأمرین، فلا یکون الانتظار إلی ألف و تسعمائة و ثمانیة و ستین و إنّما یکون الانتظار إلی ما بعد سنتین مثلا.
و أمّا الإجراءات الدفاعیة الاحتیاطیة فقد اقترح الرأی العام ما یلی:
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 361
أولا: یجب أن تقسم البلاد إلی مناطق إقلیمیة، یرأس کل منطقة منها قائد یضطلع بمسئولیة محاربة المعتدین، من قریة إلی قریة، و من شارع إلی شارع دون استسلام، و یجب إنشاء مواقع تدریب للحرس الوطنی و للفدائیین.
ثانیا: یجب ردم القناة من بور سعید إلی السویس إذا ما قررت بریطانیا و فرنسا غزو مصر؛ ذلک أنّه یجب أن یتعلّم المصریون من تجارب أحمد عرابی الماضیة حین رفض نصیحة قوّاده بردم الممر المائی، و ما ترتب علی ذلک من سهولة غزو مصر فی سنة ألف و ثمانمائة و اثنتین و ثمانین.
ثالثا: یجب الاستیلاء بسرعة علی مرکز القیادة البریطانیة فی منطقة القنال لتستخدمها مصر.
رابعا: یجب تفجیر أجزاء من خطّ أنابیب البترول، و تدمیر بعض محطّات الضخ فی العالم العربی لمنع تدفق البترول إلی المعتدین.
و أمّا بالنسبة للدول التی قد تؤیّد مصر أثناء العدوان فقد رتّبها الرأی العام کما یلی: سوریا، السعودیة، الأردن، لیبیا، الکتلة الإفریقیة فی الأمم المتحدة، الهند، أندونیسیا، الباکستان، سیلان، و دول شرق أوربا، الاتحاد السوفیتی- السابق-، الصین، و الولایات المتحدة الأمریکیة، الأمم المتحدة و لکن دون ثقة فی فعالیتها، فقد عانی العرب من العلاقات غیر المتکافئة من قبل الأمم المتحدة منذ احتدام مشکلة فلسطین «1».
أقول: و لا یخفی أنّ العنصر الأساسی الذی أعطی الثقة لمصر فی حال العدوان هو الولایات المتحدة الأمریکیة؛ لأنّ الأمریکیین کانوا بصدد إبعاد بریطانیا و فرنسا من المواقع الاستراتیجیة فی کافة البلاد العربیة، و قد رأینا
______________________________
(1) راجع کتاب الرأی العام و تأثره بالإعلام و الدعایة: الکتاب الثانی: ص 62- 65 للدکتور محمد عبد القادر حاتم.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 362
کیف عملوا جاهدین حتّی أبعدوا کثیرا من البریطانیین و الفرنسیین من مواقع نفوذهم، و کان ذلک مقدّمة للنظام العالمی الجدید، و قبل ذلک کان من أسباب أن یکون العالم ذا قطبین فقط- الاتحاد السوفیتی السابق و أمریکا-، أمّا الدول التی هی صغیرة فی نظرهم مثل بریطانیا و فرنسا فلا حقّ لها إلّا شی‌ء ضئیل جدّا، و کذا الولایات المتحدة الأمریکیة أبعدت بریطانیا و فرنسا عن المیدان و تفرّغت لتحطیم الکتلة الشرقیة کما رأینا، و إنّ حکام مصر لارتباطهم المباشر بأمریکا لم یسعوا لاستقلال مصر، فهم أبدلوا استعمارا باستعمار آخر، لذا فإنّنا نری مصر الیوم و هی ترزح فی قیود الفقر و الفاقة و الذلّة و التبعیة للغرب و التبعیة لإسرائیل، و ما السادات و غیره من حکام مصر إلّا إفراز لعبد الناصر، فالشعب المسلّط علیه الدیکتاتور لا ینمو، و الشعب الذی لا ینمو لا یقدر علی مقابلة الشعوب المتّحدة الراقیة، و قد دلّ الوضع الذی شاهدناه فی الهند مقارنة بمصر، أنّ الهند کانت ترزح تحت الاستعمار البریطانی ثلاثمائة سنة و لم یمض خمسون سنة من خروج الاستعمار إلّا و قد استقلوا فی کلّ شی‌ء من صناعة و زراعة و تجارة و اقتصاد و غیر ذلک، أمّا مصر ففی ظلّ ثورة عبد الناصر و إلی الیوم لم تتقدّم إلی الأمام، و إنما تأخر فی تأخر، إذ تحوّلت البلاد إلی مرمی لأطماع و أهداف استعماریة بمختلف أشکاله، و حتّی أنّ السادات جرّ مصر إلی الاستعمار الإسرائیلی فی بعض نواحی الحیاة، و فی نظرنا أنّ الإخوان المسلمین و الأحزاب الحرّة المصریة لو انتهجت سبیل اللاعنف لأمکن لهم النجاح الواقعی لمدّة عقد من الزمان، فالواضح أنّ العنف إنّما یکون مع الأکثر عدّة و عددا، هذا بالإضافة إلی احتیاج المعارضین للحکومة لروح عالیة من ناحیة الکیف، و ذلک لا یکون إلّا بالإیمان بالإیدیولوجیة الإسلامیة أو الوطنیة إیمانا کاملا یضحون من أجلّه بالغالی و النفیس، فالمسلمون فی أوّل الإسلام
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 363
کانوا من ذوی المعنویات العالیة من جهة الإیمان بالله و الیوم الآخر، کما أنّ حزب المؤتمر فی الهند کان یمتاز بروح عالیة من الإیمان بالوطنیة، فاللازم للنصر النهائی و استقلال بلاد الإسلام أن نأخذ بقوله سبحانه و تعالی: وَ لْتَکُنْ مِنْکُمْ أُمَّةٌ یَدْعُونَ إِلَی الْخَیْرِ وَ یَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ یَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْکَرِ وَ أُولٰئِکَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «1»، فالواضح أنّ هذه الآیة المبارکة لیست بصدد بیان الجزئیات فقط؛ کأن تأمر زیدا بالصلاة أو تنهی عمرا عن شرب الخمر أو إرشاده إلی المسائل الشرعیة من طهارة و صلاة و آداب الصیام و ما أشبه ذلک، فإنّ ذلک صحیح مائة بالمائة و لکن الصحیح أیضا أن یربّوا أنفسهم علی القوة و المنعة لینقذوا المسلمین جمیعا من الاستعمار و الاستغلال و التبعیة، و قد أمرنا الله سبحانه و تعالی بالجهاد بالمال و النفس فقال: جٰاهِدُوا بِأَمْوٰالِکُمْ وَ أَنْفُسِکُمْ فِی سَبِیلِ اللّٰهِ «2»، فاللازم أن نثیر الرأی العام فی جمیع جوانب حیاة المسلمین، و قد روی عن رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم أنّه قال: (لا تکن إمّعة) «3» و الإمّعة هو الذی یقول: أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت و إن أساءوا أسأت، فهو لیس صاحب رأی و إنّما منطقه: «حشر مع الناس عید».
______________________________
(1) سورة آل عمران: الآیة 104.
(2) سورة التوبة: الآیة 41.
(3) ورد فی الحدیث الشریف: (اغد عالما أو متعلّما و لا تکن إمّعة). بحار الأنوار: ج 2 ص 22 ب 8 بیان.
و الإمعة- بکسر الهمزة و تشدید المیم و الهاء للمبالغة- و هو الذی لا رأی له، و قیل الذی یقول للآخر أنا معک. و بناء علی هذا یکون أمّعة بفتح الهمزة باعتبار أنا معک. و فی کتاب الاختصاص للصدوق: ص 343 ورد حدیث عن الإمام الکاظم علیه السّلام: (أبلغ خیرا و قل خیرا، و لا تکونن أمّعة، قلت: و ما الإمّعة، قال تقول: أنا مع الناس، و أنا کواحد من الناس، إنّ رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله و سلم قال: أیها الناس إنهما نجدان، نجد خیر و نجد شر، فما بال نجد الشر أحبّ إلیکم من نجد الخیر).
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 364
و الواضح أنّ هذه الروح الوثّابة القویة، و التی تفهم الظروف الحاضرة، و التی تسیر فی سبیل العمل، و تفهم الحضارة الغربیة و الشرقیة؛ هی التی تتمکّن من الإنقاذ، و قد جرّبت البلاد الإسلامیة شعر الشاعر رشید سلیم الخوری حیث قال:
سلام علی کفر یوحّد بیننا و أهلا و سهلا بعده بجهنم «1»
فالکفر سواء وحّد بیننا أو فرّق بیننا تفریقا کبیرا، إنّما کان ذلک نتیجة لرجوعنا معنویا إلی الآلهة المتعدّدة التی قال عنها الکفّار عند ظهور نور الرسالة أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلٰهاً وٰاحِداً إِنَّ هٰذٰا لَشَیْ‌ءٌ عُجٰابٌ «2»، و کانوا یقولون لنا کذا مائة من الآلهة و لا نتمکّن من المضی فی شی‌ء و إنّما نحن بحاجة إلی آلهة أخری حتّی نتمکّن من المضی فی أمورنا و تتحسن أحوالنا، فهل هذا النبی الذی یجعل الآلهة إلها واحدا یتمکّن من هذا الشی‌ء؟! لکنّ الکفار رأوا کیف أن النبی صلی اللّه علیه و آله و سلم تمکّن من کلّ شی‌ء بعد تحطیمه لآلهتهم، و قد جرّب حکّام البلاد الإسلامیة مبادئ الشیوعیة و البعثیة و القومیات المختلفة الأشکال و الجغرافیات و الأسوار و الحواجز التی صنعوها فی بلادهم و بعض القوانین التی لا تمت إلی الکتاب و السنّة بصلة، فلم یجدوا إلّا أکثریة الشرّ و قوّة تغلّب الشرق و الغرب علیهم و اشعالهم للحروب و الفتن و الانقلابات طیلة نصف قرن ممّا أذکره.
فلنرجع إلی الحدیث حول مصر، فمصر و بعد أکثر من عهد من الزمن من
______________________________
(1) و هو من البحر الطویل. راجع دیوان رشید سلیم الخوری، الذی یشتمل علی ثمانیة أناشید. ولد الشاعر فی بلدة بربارة اللبنانیة سنة 1887 م و توفی فیها سنة 1984 م، و قد کتب أکثر دیوانه الشعری فی الغربة و علی الخصوص فی البرازیل حیث هاجر إلیها سنة 1913 م.
(2) سورة ص: الآیة 5.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 365
جمع السلاح و مصادقة الحکومات و ما أشبه ذلک لم تصمد أمام إسرائیل الضعیفة إلّا أیاما قلیلة؛ هذا علی أحسن الأحوال، بینما کان الواقع أنّها لم تصمد إلّا ساعات، و هل کان ذلک من معاجز التاریخ أو أنّه من معاجز الدیکتاتوریة التی مارسها عبد الناصر علی أسوأ صورة، فحارب المصریین فی عقیدتهم الإسلامیة و جعل من عقیدتهم الشیوعیة، حتی أنّ الصحافی الهندی لمّا قابله قال: «إنّی أمرت بابعاد الإسلام عن المعرکة»، و لذا اشتهر فی کلّ البلاد الإسلامیة أنّ عبد الناصر هو المسئول عن الخطر الذی داهم مصر؛ لأنّ عبد الناصر هو المتهم فیما جری علی الخط المصری الإسرائیلی. أنّ عبد الناصر هو هتلر العرب الذی سبّب الکراهیة لبلاده بسبب دیکتاتوریته.
و لا یمکن ضمان استقلال مصر و عزّتها إلّا بالعودة إلی الإسلام العملی فی جمیع جوانب الحیاة، و لا یمکن رجوع مصر إلی السیادة و السعادة إلّا بالحرّیة الکاملة حسب التقریر الإسلامی إلی غیر ذلک ممّا یجده المتتبّع للشأن المصری و الکتب المصریة التی کتبت بعد الهزیمة، و النکسة أو النکبة- علی اصطلاحهم-.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 366

دیمقراطیة الإعلام

مسألة: من الضروری فی الإعلام و العلاقات العامّة إقرار دیمقراطیة الإعلام و العلاقات، و ذلک بأن یکون الفرد شریکا واقعیا فی کلا الأمرین لا مجرّد هدف سلبی للإعلام و آلة لانصباب إعلام الدولة و أجهزتها الدیکتاتوریة فی الشعب، کما یجب أن یکون التنوّع فی العلاقات و التعدّد الإعلامی أمرا منتشرا بین أفراد الشعب، و أن تکون المساهمة الاجتماعیة هی رائدة الموقف، و حتّی لو لم نعرف هذه الأمور معرفة علمیة مع أنها علمیة مائة فی المائة، فلننظر إلی الدول الدیمقراطیة کیف تقدّمت هذا التقدّم الهائل بعد أن أخذت بما ذکرناه من شراکة کلّ فرد و التنوّع و المساهمة، فالحوار و النقاش و المشارکة فی إصدار الأحکام و المساهمة فیها، کلها من حتمیات الدولة التقدمیة الدیمقراطیة، فالواضح أنّ التدفّق العمودی و فی الاتجاه الواحد من فوق نحو الأسفل یحدّ من إمکانات الفرد و یجعل منه مجرّد آلة استقبال سلبیة بسبب انصراف اهتماماته إلی الأمور الشخصیة و لا یهتم بعد ذلک بطموحاته و مطالبه الحتمیة، کما أنّه لا یهتم بالدولة ککلّ و لا بالشعب ککلّ و لا بالتقدّم و الصناعة و الزراعة و التجارة و التربیة العسکریة و المستقبل؛ کما نجد مثل ذلک فی کلّ البلاد الإسلامیة، و مثل هذا الأمر یوجب حجب الشعب و سقوط الحاکم، و لا ینفع بعد ذلک کلّ صیّاح و نیّاح للدیکتاتور الذی یزعم أنّه یرید تقدّم البلاد و ما أشبه ذلک من الألفاظ، فلا یستقبل الشعب هذه الشعارات إلّا بالسخریة، فالوحدة فی هذا الجانب تتضارب و طموح الأمّة و تطلعاتها، إذ التعدّدیة بمؤسّساتها الدستوریة
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 367
الواقعیة هی الشرط الأساسی و الضروری للحریات و التقدم الواقعی فی مختلف مناحی الحیاة، و لو لا ذلک لضاعت الحریات المحدودة، و آل أمر المجتمع إلی الخراب و الانهیار حتّی تصبح الأمور بید الحکّام الدیکتاتوریین و الغربیین الذین من ورائهم کما نشاهد ذلک فی عراق صدام؛ حیث أضحت تلک الدولة الغنیة القویّة المرفوعة الرأس ضعیفة فقیرة تعانی من جمیع مشکلات الحیاة الثقافیة و الاقتصادیة و السیاسیة، فالأمر کلّه بید دیکتاتور واحد هو صدام و من قبله البکر و من قبله عبد الرحمن عارف و من قبله عبد السّلام عارف و من قبله عبد الکریم قاسم و من قبله نوری السعید و من أشبههم. لقد قتل صدام من الشعب العراقی ثلاثة ملایین فی حربین عدوانیتین و شرّد أربعة ملایین، عدا عن أکثر من ملیون مهدّد بالمجاعة و الموت البطی‌ء نتیجة عدم توفر الطعام و الدواء، و قد أصبح العراق بلدا خربا و أرضا صحراویة و شعبه مشردا فی فیافی الدول و القارات.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 368

مقوّمات رجل الإعلام

مسألة: یجب أن یکون رجل الإعلام فی غایة الذکاء، و أن یکون متعلّما و مثقّفا بثقافة عالیة، و أن یکون متمیّزا بالاحترام و الخبرة المتزایدة، و أن یکون عارفا بطبیعة الإعلام و وسائله و أسالیبه و طبیعة الأرضیة التی تتقبّل الإعلام، و أن یعرف الکلام المناسب ثم یضعه فی الموضع المناسب، و أن یکون لینا، و حتّی لو أراد أن یمارس إعلاما کاذبا یجب أن یعرف کیف یتفنن فی صیاغة الخبر الکاذب؛ لأنّ بعض الأکاذیب تفضح نفسها بنفسها، و إذا عرف الناس أنّ الخبر الذی نقله کان خبرا کاذبا لن یثقوا به بعد ذلک أبدا و إن کان صادقا فی المرات الأخری، و إذا عرف بالصدق فإنهم یقبلون علی أخباره و تحالیله و إن کان فی واقعه کاذبا، کذلک علیه أن یتعلّم فن الاستقامة؛ فالناس لا یصغون لکلام المتلوّنین الذین یغیّرون اتجاهاتهم السیاسیة کما یغیّرون ملابسهم، و لذا ورد فی الحدیث: (من مدح و ذم کذب مرتین) «1»، فإن کان کلامه صادقا فهو محمول علی الکذب أیضا، کذلک علیه أن یکون عارفا بعلم النفس، لأنّ العارف بخلجات النفس یعرف کیف یصوغ کلامه بحیث یتقبله السامع «2».
______________________________
(1) راجع نفحات الأزهار للسید علی المیلانی: ج 6 ص 242، محاکمات الخلفاء و أتباعهم للدکتور جواد الخلیلی: ص 219.
(2) و یری البعض أن الإعلامی الناجح من یستطیع ان یرصد الواقع و یعید انتاجه و یحدّد اولویاته اعتمادا علی الربط العمیق بین النظرة المتجددة و امتداداتها فی مجال الإعلام و بین المبادئ السیاسیة و الانفتاح الاقتصادی مقرونا بالعدالة الاجتماعیة.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 369

عناصر الاتصال

اشارة

مسألة: یجب التوجه إلی عناصر الاتصال «1»- المرسل و وسیلة الاتصال
______________________________
(1) تکمن أهمیة الاتصال باعتباره وسیلة للإمداد بالمعلومات و التقریب لوجهات النظر و التنظیم للوقت و مشجّعة لانجاز الأعمال، و باعتباره یقوم بعملیة التنشئة الاجتماعیة و یساعد الإنسان علی التکیّف و ایجاد التوافق بینه و بین تحقیق ذاته. فقد ذکرت الاحصاءات أنّ الإنسان یقضی 70% من حیاته مستخدما لوسائل الاتصال سواء عن طریق الاستماع أو التحدث أو القراءة أو الکتابة. و قد ذکر بعض العلماء أنّ أرکان الاتصال أربعة:
من یتحدث مع من، فی أی شی‌ء یتحدث، أین، کیف.
و عرّف الاتصال بتعاریف عدّة نذکر بعضها:
1- انفتاح الذات علی الآخر فی علاقة حیة لا تنقطع حتی تعود من جدید، و هذا التعریف ذکره الدکتور عنان یعقوب و الدکتور جوزیف طبش فی کتاب سیکولوجیا الاتصال و العلاقات الانسانیة.
2- عبارة عن تفاعل الأفراد أو الجماعات. و هذا التعریف ذکره الدکتور زیدان عبد الباقی فی کتاب وسائل و أسالیب الاتصال.
3- عملیة یتم بمقتضاها توصیل فکرة أو خبرة لدی شخص آخر حیث تصیر مشترکة بینهما أو مشاعة. راجع الاتصال و وسائله فی الخدمة الاجتماعیة: ص 7 للدکتور محمد بهجت کشک.
4- عملیة تتضمن تبادل الحقائق و الأفکار و الآراء و المفاهیم و الاتجاهات بین شخصین أو أکثر باستخدام صیغة أو أکثر من صیغ التعبیر بحیث یفهم کل طرف ما یعنیه الطرف الآخر. راجع السلوک الإنسانی فی التنظیم: ص 71 للدکتور رفاعی محمد رفاعی.
5- النشاط الذی یستهدف تحقیق العمومیة أو الذیوع أو الانتشار أو الشیوع أو المألوفیة لفکرة أو موضوع أو منشأة أو قضیة، عن طریق انتقال المعلومات و الأفکار و الآراء و الاتجاهات من شخص أو جماعة إلی أشخاص أو جماعات باستخدام رموز ذات معنی موحد. راجع کتاب العلاقات العامة و الإعلام: ص 256 للدکتور حسین عبد الحمید.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 370
______________________________
6- عملیة یتم من خلالها تبادل المفاهیم بین الأفراد، و ذلک باستخدام نظام الرموز المتعارف علیها.
7- مجموعة الوسائل التی تربط بین البشر ببعضهم و تحقق التفاعل و العلاقات الانسانیة.
8- عمل لتغییر المفاهیم باستعمال اللغة أو أی من الوسائل الأخری المتیسرة. و التعاریف الثلاثة الأخیرة ذکرت فی کتاب العولمة و التبادل الاعلامی الدولی: ص 105 للدکتور صابر فلحوط و الدکتور محمد البخاری.
9- عملیة مشارکة فی الخبرة و جعلها مألوفة بین اثنین أو أکثر من الأفراد. راجع العلاقات العامة و الاعلام من منظور علم الاجتماع: ص 254 للدکتور حسین عبد الحمید.
10- وسیلة یستخدمها الإنسان لتنظیم و استقرار و تغییر حیاته الاجتماعیة، و نقل أشکالها و معناها من جیل إلی جیل عن طریق التعبیر و التسجیل و التعلم. راجع العلاقات العامة و الاعلام من منظور علم الاجتماع: ص 378 للدکتور حسین عبد الحمید.
إنّ کلمة الاتصال مشتقة من الأصل اللاتینی )SINUMMOC أو ERACINUMMOC( أی ما هو عام أو مألوف أو شائع أو مشترک. و یمتد تاریخ علم الاتصال إلی زمن أرسطو الذی وضع أسسا علمیة لعملیة الاتصال، فقد قسم الموقف الاتصالی إلی الخطیب و الخطبة و الجمهور. أما ابن خلدون فقد قسّمها إلی المرسل و الرسالة و المستقبل. أما کولن فقد قسمها إلی المرسل و الرسالة و التغذیة العکسیة. و ستیفنسون ألزم المرسل بإیدیولوجیة المجتمع و صیاغة الرسالة فی اسلوب شیّق و اتاحت الفرصة للمستقبل للدخول فی حوار مع المرسل، فأضاف شیئا رابعا و هو الإمتاع باعتبار أن مستقبل الرسالة یشعر بالمتعة.
و قسم الدکتور حسین عبد الحمید فی کتابه العلاقات العامة و الإعلام: ص 260 عناصر الاتصال إلی خمسة، و هی: 1- المصدر أو المرسل الذی تکون مهمته تحدید الفکرة و توضیحها و اختیار الأسلوب الناجح. 2- الرسالة. 3- وسیلة الاتصال و التی تکون إما رمزا أو شکلا أو لغة مکتوبة أو مقبولة. 4- المستقبل. 5- رد الفعل أو الاستجابة
و أضاف آخرون الإعداد الجید للرسالة عبر معرفة الجمهور و رغباته و اتجاهات سلوکیاته، و الإرسال فی الوقت المناسب، و الصراحة و الوضوح و عدم التحریف، و اختیار الوسیلة المناسبة التی یستطیع الجمهور استیعابها، و تذلیل المعوّقات الناشئة من اختلاف قدرة الناس علی ادراک معانی الاتصال خاصة إذا عرفنا أنّ هذا الإدراک له علاقة بالشعور و الإحساس، عدم التحریف.
و قسم ایفیریت روجرز- الحائز علی جائزة أفضل کتاب فی الجمعیة الأمریکیة للتاریخ و الکمبیوتر لسنة 1998 م- التاریخ الخاص بتطویر طرق الاتصال البشری إلی أربع حقبات.
الحقبة الأولی: سادت فیها طرق اتصال تعتمد الکتابة الیدویة، و یعود تاریخها إلی القرن الرابع قبل المیلاد، و بدأت مع السومریین.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 371
و الخبر أو الفکرة و لغة الارسال و المرسل إلیه و التغذیة العکسیة أو ردود الأفعال- عند صیاغة الفکرة أو الخبر بما یتناسب مع الهدف، ففی بحث الفکرة یجب التوجه إلی نوعیة الفکرة «1»، و مثاله الذی لا یتمکّن أن یأتی بالفکرة الاقتصادیة و هو یرید الفکرة السیاسیة أو بالعکس، و هکذا فی الموضوعات الاجتماعیة و الاقتصادیة و العسکریة و التربویة و العائلیة و ما أشبه ذلک. فالفکرة تکون سیاسیة إذا أراد صیاغة فکرة مرتبطة بالحزب أو المنظّمة أو أیّة دعایة أو رد علی عدو أو ما أشبه ذلک ممّا یدور حول السیاسة سواء فی السلب أو الإیجاب، فإذا أراد صیاغة فکرة عسکریة کالتمهید لحرب أو مرحلة من الحروب دفاعا أو هجوما أو انسحابا أو استقامة أو ما أشبه ذلک، صاغها بالصورة المرتبطة بالعسکریة، و کذلک حال الفکرة الاقتصادیة أو الفکرة الاجتماعیة أو غیر ذلک، و کثیرا ما نری کلّ واحد یقوم بنشر الفکرة فی باب واحد بردّ نفسه بنفسه بمعنی أن تتحول الدعایة ضده، أو یقول ما ینفع العدو لا الصدیق. و مثاله فی الحرب العالمیة الثانیة حیث کان الألمان یمنعون اللحم
______________________________
الحقبة الثانیة: نمت فیها طرق اتصال تعتمد علی تقنیات الطباعة، و یعود تاریخها إلی مطبعة غوتنبرغ سنة 1456 م و ما سبقها من مساهمات صینیة سنة 1041 م ثم کوریة سنة 1241 م.
الحقبة الثالثة: شهدت ولادة الاتصالات السلکیة و اللاسلکیة مع استخدام صموئیل مورس التلغراف سنة 1844 م.
الحقبة الرابعة: عرفت بحقبة الاتصال التفاعلی مع دخول أول کومبیوتر عالم التشغیل سنة 1946 م و استخدامه الفعلی کوسیلة اتصال مع ظهور الکمبیوتر الشخصی سنة 1975 م.
نقلا عن کتاب الإعلام و الاتصال فی مجتمعاتنا: ص 529. لمجموعة من الباحثین.
(1) و الأفکار علی قسمین، الأول: الأفکار الطارئة و الآنیة العابرة التی تتشکل تحت تأثیر اللحظة کالانبهار بفرد ما أو بعقیدة ما.
الثانی: الأفکار الأساسیة التی تقدّم لها البیئة و الوراثة و الرأی العام استقرارا کبیرا کالأفکار الدینیة.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 372
عن الشعب أربعة أیّام فی الأسبوع توفیرا له. و قد قام البریطانیون بمنع اللحم یوما واحدا فی الأسبوع فاستغل الألمان ذلک استغلالا إعلامیا، لکن الإعلام انعکس علی أعقابهم؛ حیث قال الجمیع بأنّ البریطانیین یأکلون اللحم أکثر من الألمان؛ لأنّ منع اللحم یوما واحدا أفضل من منعه أربعة أیّام.
و فی عهد جمال عبد الناصر استوردت الحکومة لحوما من الصین، و قد رافق هذا الخبر خبر آخر مفاده أنّ الصین صدّرت إلی مصر لحوم القردة بدلا من لحوم الغنم؛ فسبّب ذلک تجنب الناس عن أکل اللحوم المستوردة، و هکذا أخفقت الدعایة المصریة فی إقناع الناس بشراء اللحوم المستوردة.

شروط الفکرة

و قد ذکر أحد المتخصّصین فی الإعلام و الدعایة شروطا للفکرة- سواء کانت سیاسیة او اجتماعیة أو اقتصادیة أو عسکریة- یجب أن تکون متّصفة بها علی النحو التالی:
1- یجب وضع الفکرة و ما یتعلق بها علی أساس من الدراسة العلمیة بعد تحلیل اتجاهات و میول الرأی العام.
2- یجب اختیار أحسن وسیلة اتّصال جماهیری لتوصیل الفکرة إلی المرسل إلیه.
3- یجب أن تکون الفکرة واضحة و مفهومة عند المرسل إلیه.
4- یجب أن تتمکن الفکرة من تحقیق الفعل و التأثیر و الاستجابة و السلوک المطلوب.
5- یجب أن یکون التأثیر و الاستجابة و السلوک المطلوب من المرسل إلیه ممّا یمکن أن ینفذه.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 373
6- یجب أن تخدم الفکرة مصالح المرسل إلیه، و أن یکون فی حاجة إلیها.
7- یجب التأکّد من أنّ التأثیر و الاستجابة و السلوک المطلوب فی جانب الصالح العام، و لذلک یجب أن تکون وسائل الإعلام قد وضعت الفکرة، لتدفعها إلی عقول الجماهیر إمّا لتقتنع بها الجماهیر أو لتنزع من عقولها فکرة أخری، و محصّلة کلّ هذا هی الوصول إلی سلوک معیّن علی نحو الإیجاب أو السلب.
8- یجب أن تکون الفکرة المعروضة قد درست و ناقشت الآراء المعارضة لها، بأن یعرض المرسل إلیه هذه الأفکار و الآراء المعارضة أول الأمر مع تنفیذها و إظهار خطتها، و بذلک یتحصن المرسل إلیه ضدّ أیّ فکرة.
9- یأمل المرسل إلیه أن تکون الفکرة المرسلة إلیه ملائمة أو متّفقة مع أفکاره أو تؤیّدها، أمّا إذا کانت الفکرة لا تتماشی مع أفکاره فقد تجد هذه الفکرة صعوبة لدی عقل المرسل إلیه لیصدقها.
10- یجب أن تکون الفکرة المعروضة غیر مصاغة فی صیغة أمر أو تظهر الفوقیة فی التعامل مع المرسل إلیه. فالمرسل إلیه یجب أن یشارک دائما فی صنع حیاته بنفسه و أن یأخذ القرار بنفسه و یستجیب طواعیة بعد الاقتناع.
11- یجب أن تکون الفکرة متّفقة مع المجتمع کلّه إن أمکن ذلک؛ لأنّ المرسل إلیه یرید عادة أن یحقّق أفکاره بشرط أن یسلک السلوک الذی ترضی عنه الجماعة التی یعیش فیها.
12- یجب أن تکون الفکرة التی ترسل إلی جماعة مختلفة الأذواق و المفاهیم؛ بحیث یقبلها الجمیع بصورة مطلقة أو بصورة جزئیة، و مثل ذلک الخطیب الذی یرید أن یخاطب الجماهیر و فیهم الکبیر و الصغیر و المثقّف و الجاهل و الغنی و الفقیر و من أشبه، فإنّه إذا صاغ الفکرة وفق بعضهم لا یقبله
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 374
غیرهم. أمّا إذا صاغها علی نحو فضفاض، یمکن قبول الجمیع لها و یعدّ هذا خطیبا ناجحا؛ و لذا فاللازم أن یقنع العموم لا الخصوص فقط، و من هنا قالوا:
إنّ عظمة القرآن تکمن فی شموله لمختلف الأذواق، مثلا قوله سبحانه و تعالی: الَّذِی جَعَلَ لَکُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نٰاراً «1»؛ یفهم منه کل ما یناسب مدارکه و خصوصیاته العلمیة و الثقافیة، فقد فهم العرب یوم نزول هذه الآیة نوعا من الشجر ینبت فی صحراء الجزیرة العربیة یسمی المرخ و الفنار یستفاد منهما کحطب، و من ثمّ فهم من الآیة المبارکة کلّ شجر قابل للاحتراق، و أخیرا فهم من الآیة المبارکة کلّ عود یختزن فی داخله حرارة الشمس القابلة للإرجاع عند توفر الشرائط المناسبة، و هکذا قالوا فی قوله سبحانه و تعالی عن النّار: الَّتِی وَقُودُهَا النّٰاسُ وَ الْحِجٰارَةُ «2»، و کذا فی الآیة المبارکة: وَ إِذَا الْبِحٰارُ فُجِّرَتْ «3»، إلی غیر ذلک ممّا ذکره جماعة من علماء التفسیر فی کتبهم، و من الاطّراد و الاستزادة ما ذکره بعض المحدّثین أنّ الإمام الصادق علیه السّلام کتب إلی ثلاثة من تلامیذه حرف (ج)؛ ففهم أحدهم الجلاء من الوطن و هو أن یسافر من مکانه إلی مکان آخر حیث أنّ الخلیفة و جلاوزته کانوا یریدون إلقاء القبض علیه و سجنه أو قتله. و فهم الثانی من حرف (ج) کلمة الجبل أی: اذهب إلی الجبال حتّی تکون فی حصن حصین. و فهم الثالث لفظ (ج) الجنون أی: تجنن نفسک حتّی یقال عنک عند الخلیفة إنّه مجنون فتأمن شرّه و شرّ جلاوزته. و هکذا نفذوا الأوامر کل علی فهمه فنجوا من بطش الحاکم الفاسد «4».
______________________________
(1) سورة یس: الآیة 80.
(2) سورة البقرة: الآیة 24.
(3) سورة الانفطار: الآیة 3.
(4) ذکر غوستاف لوبون فی کتابه سیکولوجیة الجماهیر: ص 81 و ما بعدها شروطا لإیصال الفکرة إلی الناس، و نوجز ذلک بما یلی: أن یکون طرح الفکرة علی هیئة بسیطة و لغة واضحة یفهمها الناس، و أن ننظر إلی عامل الزمن فی نشر الأفکار، و أن ندخل الفکرة إلی
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 375

وسائل تنفیذ الاتصال

ثمّ إنّه لا فرق فی تنفیذ الاتّصال بین أن تکون وسائل الاتّصال و الإرسال و الدعایة و الإعلام وسائل عامة أو وسائل شخصیة- عبر المقابلات الفردیة- سواء کانت من نفرین أو جماعة منظّمة أو هیئة أو حزب أو وسائل مقروءة کالصحف و المجلّات و الکتب و النشرات أو وسائل سمعیة کالإذاعة و الخطابات المنبریة أو وسائل بصریة کاللوحات الفنّیة و التماثیل أو الوسائل السمعیة البصریة کالتلفاز و المسرح و السینما أو وسائل لمسیة کالعمیان الذین یعرفون الموضوعات بسبب اللمس بطریقة «بیل» أو وسائل بالأمواج کما یحدث فی الوقت الراهن حیث تتم المخاطبة عبر الأمواج، فقد ثبت فی العلم الحدیث أنّ أمواج القلب تصل إلی قلوب الآخرین بأسالیب خاصّة، و لعل من هذا الباب ما ورد فی الحدیث من أنّ: (المؤمن ینظر بنور الله) «1»، و ما ورد من أنّ (القلب یهدی إلی القلب) «2»، و قدیما قالوا: «قلبک شاهد علی حبّی لک».

القابلیة شرط فی التحقق

أمّا ما ذکرناه سابقا من لزوم أن یکون المرسل إلیه موضعا قابلا للدعایة و الإعلام لوضوح أنّ لکلّ فرد أو جماعة أو منظّمة أو حزب أو شعب له تطلعاته الخاصّة و بیئته الخاصّة و معتقداته الخاصة و مفاهیمه الخاصة و أعرافه
______________________________
النفوس بشکل هیئة صور، و أن تدخل هذه الصور فی لا وعی الانسان لتتحول إلی عاطفة متماسکة و متینة، و من ثم ینتج عنها سلسلة من الانعکاسات و النتائج.
(1) ورد عن الرسول الأعظم صلی اللّه علیه و آله و سلم: (المؤمن ینظر بنور اللّه و یسمع بسمع آخر) عیون أخبار الرضا علیه السّلام: ج 2 ص 61 ب 31 ح 250، بحار الأنوار: ج 7 ص 323 ب 16 ح 16.
(2) مستدرک سفینة البحار: ج 8 ص 568.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 376
و تقالیده الخاصة و ذوقه الخاص و ثقافته الخاصّة إلی غیر ذلک من الظروف المکتنفة به زمانا أو مکانا أو اجتماعا أو ما أشبه ذلک من الحالات المتنوّعة، و ربّما تتبدّل هذه الحالات عند سفر الإنسان من مکان إلی مکان، أو یکون الزمان الثانی غیر الزمان الأوّل فی الخصوصیات إلی غیر ذلک، و فی الحدیث:
ثلاثة سألوا الإمام علیه السّلام عن سؤال واحد فی مجلس واحد فأجابهم الإمام بثلاثة أجوبة مختلفة «1».

سلوک المتلقی

و لا یخفی أنّ سلوک المرسل إلیه أو تقبّله للفکرة قد یتطابقان، و قد یتخالفان کما قال سبحانه و تعالی: وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَیْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ «2». فالکفّار کانوا متیقنین بصدق رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم و صحّة نبوته فی قلوبهم، لکن کانوا یسلکون سلوکا آخر، و قد یحدث العکس کالذین هم مع جماعة یتقون منهم فإنّهم یسلکون سلوک الجماعة بینما قلوبهم منکرة لهذا السلوک. و قد یتطابق العقل و السلوک کما یحدث للمؤمن؛ و هذه الحالة الثالثة، أمّا فی الحالة الرابعة فهم الذین لا یؤمنون و لا یسلکون سلوک المؤمنین کالکافر الذی لا یؤمن بالإسلام و لا یسلک سلوکه.
و هنا فذلکة منطقیة هی أنّ المنطقیین قسموا القضیة إلی ثلاثة أقسام بینما هی أربعة- کما ذکرنا-.
و الجواب: أنّ السلبیین لیسا مطروحین فی هذا المقام، و قد ذکرنا تفصیل
______________________________
(1) ثم إنّ البعض وضعوا مقاییس لصدی الخبر منها: 1- کمیة الخبر المقاسة بعدد الکلمات المستعملة للتعبیر عن الخبر. 2- مضمون الخبر. 3- کیفیة تقدیم الخبر. 4- لغة الخبر.
5- قیمة الخبر. 6- الفترة الزمنیة التی یبقی فیها الخبر متداولا.
(2) سورة النمل: الآیة 14.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 377
ذلک فی حاشیة علی کتاب الملا عبد الله مما لا نحتاج إلی تفصیل ذلک هنا؛ لأنّه لا یتعلّق بموضوعنا.
ثمّ لا یخفی أنّه کلّما ألح رجل الدعایة أو الإعلام أو التبلیغ فی إعلامه علی الفکرة التی یعتقد بها یکون التأثیر أقوی؛ کما قال الشاعر:
أ ما تری الحبل بتکراره فی الصخرة الصماء قد أثّرا «1»
و لا فرق فی ذلک بین الواقع و غیر الواقع، و قد حدّثنی بعض العاملین فی الحقل الاجتماعی أنّه أراد إدخال شخص کعضو فی منظّمته، فطلب منه مرّة و مرّتین و ثلاث مرّات إلی أربعین مرّة مطالبا إیّاه بالانضمام إلی المنظّمة، و أخیرا و بعد هذا الإلحاح دخل فی المنظّمة.

التغذیة الارتجاعیة

إنّ تکرار الإعلام قد یکون سببا لقبول الشخص المرسل إلیه للفکرة بکل رضی و طمأنینة خاطر، و قد یکون الأسلوب أسلوبا إرهابیا یسبّب القبول الإرهابی لکنّ هذا الثانی لا یدوم، فإذا انقشع الإرهاب رجع إلی فکرته الأساسیة و عقیدته الذاتیة من غیر فرق بین أن یکون الإرهاب إرهابا بدنیا مثل الحرمان من الطعام و النوم، أو عزله عن الحیاة کوضعه فی زنزانة أو جزیرة نائیة، أو التهدید بأعمال العنف أو استخدامه کالضرب المبرح، أو الخیانة الزوجیة بزوجته أو هتک عرض ولده أو بنته، أو تسقیطه مثل إذلاله و الاستهزاء به، أو تعصیب عینه بقطعة من القماش و ما أشبه ذلک، أو غسل الدماغ وفق الطرق المعروفة فی غسله کما کانت تفعله محاکم التفتیش فی أوربا فی القرون الوسطی و ما تفعله محاکم التفتیش فی البلاد المتخلّفة فی العالم
______________________________
(1) من البحر السریع.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 378
الثالث، و ذلک بفرض مؤثّرات معیّنة خاصّة حسب أسالیب مخصوصة علی مخ الإنسان بدرجات متفاوتة زائدة أو ناقصة حتّی یصل الإنسان إلی درجة الانهیار، فیتوقّف النطق عن العمل، و یری الإنسان نفسه فی ضیاع تام و یصبح مستعدا لتقبل أیّة فکرة وردت علیه، کما شاهدنا المئات من الأمثلة علی ذلک فی سجون نظام البعث فی العراق و فی سجون الشیوعیین و القومیین و من شابههم، و قد یکون غسیل الدماغ بسبب التنویم المغناطیسی فیلقن المنوّم (بالکسر) المنوّم (بالفتح) ما یلقی علیه من الأفکار و الصور الباطلة و الآراء المنحرفة، إلی غیر ذلک من وسائل الإعلام و الدعایة الإرهابیة.
بالطبع أنّ العقاب غیر الإرهاب، فقد یعاقب شخص عقوبات بدنیة أو نفسیة أو ما أشبه ذلک لأنّه ارتکب جرما، و قد یرهب فکریا لأجل تغییر فکره؛ مثال علی ذلک قوله سبحانه و تعالی: وَ عَلَی الثَّلٰاثَةِ الَّذِینَ خُلِّفُوا حَتّٰی إِذٰا ضٰاقَتْ عَلَیْهِمُ الْأَرْضُ بِمٰا رَحُبَتْ وَ ضٰاقَتْ عَلَیْهِمْ أَنْفُسُهُمْ «1»، إلی آخر الآیة فی قصّة مشهورة، و کان هذا الجزاء عقابا و لم یکن إرهابا فکریا، و الفرق بین العقاب و الإرهاب هو الفرق بین ضرب شخص عدوانا بلا حقّ، و ضرب شخص قصاصا و استحقاقا «2».
______________________________
(1) سورة التوبة: الآیة 118.
(2) و من نافلة القول: أن المناهج المستخدمة لقیاس التغذیة العکسیة علی أنواع، منها:
أولا: المناهج الاستقرائیة، و تعتمد علی:
1- القائم بالاتصال: حیث یزداد تأثیر الرسالة الإعلامیة إذا کان القائم بالاتصال ینقل مواقف تتماشی و مواقف مستقبل الرسالة. و إنّ المستقبل یبدأ بنسیان مصدر الرسالة الإعلامیة، أو القائم بالاتصال بعد مدة وجیزة، و هو ما یطلق علیه اسم «الأثر النائم»، و أنه هناک عوامل مساعدة أخری لزیادة التأثیر الذی یمارسه القائم بالاتصال علی مستقبل الرسالة الإعلامیة کالسن و الجنس و المظهر الخارجی للقائم بالاتصال.
2- الرسالة الإعلامیة: کالقیم السائدة و المواقف الفکریة و الآراء و المعتقدات، فإنّ لها تأثیرا علی المستقبل، و إن العرض الجزئی للمشاکل ضروری إذا کان المستقبل محدود التعلیم
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 379
______________________________
و الثقافة، و إنّ العرض الکلی للمشاکل ضروری إذا کان المستقبل علی مستوی رفیع من التعلیم و الثقافة.
3- الوسیلة الإعلامیة: فإنّ طریقة عرض الرسالة مرتبط بالتأثیر الإعلامی، فیجب مراعاة مدی انتشار کل وسیلة إعلامیة فی الأوساط المستقبلة قبل استخدامها و اختیار الوسیلة التی یمکن أن تعطی أکبر قدر ممکن من التأثیر و الفاعلیة.
4- مستقبل الرسالة: معرفة خصائص المستقبل من النواحی الثقافیة و الفکریة و المعتقدات و المواقف السیاسیة و أنماط السلوک و السن و الجنس و الوضع التعلیمی و الوضع الاجتماعی و الاقتصادی.
ثانیا: المناهج الاستنباطیة المعتمدة علی النظریة السلوکیة، التی ترکز علی تغییر المواقف و تکوینها و تعدیلها و التنبؤ بأثر عملیة الاتصال، و الترکیز علی تعدیل المواقف من خلال معتقدات و عواطف الفرد، و تحقیق التوافق المنطقی لمعارف الفرد، تعتمد کلها علی عملیة الاتصال. للمزید راجع کتاب العولمة و التبادل الإعلامی الدولی: ص 104- 105 للمؤلفین الدکتور صابر فلحوط و الدکتور محمد البخاری. و نقلناها بتصرف.
ثم إنّ الناس تختلف ردود أفعالهم تجاه الاتصال، و ذلک یرجع إلی عدّة عوامل: أنّ الأثر الذی یمکن أن یحدثه الاتصال یعتمد إلی حدّ کبیر علی المشاعر و الاتجاهات التی یکوّنها کل طرف حیال الطرف الآخر أو یتوقف علی مدی التوافق بین أهداف و اهتمامات أطراف الاتصال أو یتوقف علی درجة الثقة بین أطرافه أو یتوقف علی مقدار التعضید و التأیید الذی یحصل علیه الفرد من جماعته فی العمل. نقلا عن کتاب العلاقات العامة و الإعلام:
ص 263- 264 «باختصار».
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 380

شروط المخاطبة

مسألة: یلزم أن یخاطب الإعلام الحسّ أو العقل أو النفس، و الفرق بین الثلاثة أنّ الحسّ عبارة عن الحواس الخمس و هی: البصر و السمع و الشمّ و الذوق و اللمس، و من الواضح أنّ اللمس قد یکون شهوانیا متعلّقا بغیره کقضایا الجنس، و قد یکون غیر متعلّق و إنّما یحسّ باللامسة، و هذه الحواس الخمس إنّما ترید ما یلائمها بأن تنظر العین إلی المناظر البهیجة، و تسمع الأذن الکلام الذی یحب الإنسان سماعه، و کذلک الذوق و الشمّ و اللمس علی قسمیه.
و قد یخاطب الإعلام العقل، و خطاب العقل مرتبط بالعلم و الحکمة و الصفات الحسنة کالصدق و الأمانة و الوفاء و الحیاء و المروءة و الشجاعة و الکرم و ما أشبه ذلک.
و کنموذج علی اتّباع العقل قول أمیر المؤمنین علیه السّلام: (إنّ إمرتکم هذه لأهون عندی من شسع نعل إلّا أن أقیم حقا أو أدفع باطلا) «1»، أمّا معاویة الذی کان یتّبع شهواته فإنّه و بعد إقراره بأنّ الخلافة حقّ لعلی علیه السّلام، سأله أحد الحاضرین: إذا لما ذا حاربته إذا کنت تعلم بأنّ الحقّ معه، قال معاویة: بأنّی
______________________________
(1) قال الإمام علی علیه السّلام لابن عباس فی ذی قار و هو یخصف نعله: ما قیمة هذا النعل؟. قال ابن عباس: لا قیمة لها. فقال الإمام: و اللّه لهی أحبّ إلیّ من أمرتکم إلّا أن أقیم حقا أو أدفع باطلا. راجع: نهج البلاغة: ص 76 باب الخطب الخطبة 32، الإرشاد: ج 1 ص 247، شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید: ج 2 ص 185، مجموعة ورام: ج 2 ص 9.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 381
أحببت أن یوضع خاتمی تحت الأوراق لا خاتمه. و قد یخاطب الإعلام النفس، فإنّ النفس ترغب بالخیال المرتبط بها کالتخیّل فی کسب المناصب الرفیعة و الارتفاع و العلو للحصول علی السلطة و القدرة و ما أشبه ذلک.
و کثیر من الناس لا ینظرون إلی النفس و العقل، و إنما یکونون تابعین للملذات المتعلّقة بالحواس کما قال سبحانه و تعالی عنهم: یَأْکُلُونَ کَمٰا تَأْکُلُ الْأَنْعٰامُ وَ النّٰارُ مَثْویً لَهُمْ «1».
______________________________
(1) سورة محمد: الآیة 12.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 382

الأهداف من وراء الأسئلة

مسألة: هناک أهداف محدّدة ینبغی للإعلامیین الوصول إلیها من خلال الأسئلة التی یطرحونها علی الناس، و قد جمع أحد العلماء هذه الأسئلة و کان من ورائها أکثر من ستین هدفا، فقد یکون السائل یقصد الاستهلال أو التمهید أو التذکیر أو التوجیه أو التهدئة أو الاستثارة أو التحقیر أو التوکید أو الإحراج أو التنفیر أو الوفاء بالجمیل أو المقاطعة أو التمنی أو التعقید أو التعجیز أو التشجیع أو تحریک الذهن أو التحیید أو التمویه أو الترکیز أو المجادلة أو الملاحقة أو التهیئة أو الاستطلاع أو الإیحاء أو التطمین أو التحدی أو التعظیم أو النفی أو الإثبات أو الإرباک أو التشویق أو اللوم أو الاستدلال أو الاسترسال أو الإحباط أو التبسیط أو التبلیغ أو التثبیط أو تحریک العاطفة أو التفریغ أو التنبیه أو الکشف أو التشتیت أو المباغتة أو الإلحاح أو الممانعة أو التهدید أو التراجع أو التشفی أو إنهاء الحدیث أو قیاس العاطفة أو قیاس الغرائز أو قیاس الذاکرة- أی بقصد اختبار عواطف الناس أو غرائزهم أو ذاکرتهم- أو التلاعب أو الحفز أو الاستیفاء أو التنفیس أو التکیّف أو تضییع الوقت أو قیاس العقل أو قیاس الأعصاب أو إثارة الذکریات أو الترفیه أو التنبیه أو فرض الذات «1» أو قیاس العلم أو قیاس الفضیلة
______________________________
(1) راجع کتاب الرأی العام و تأثّره بالإعلام و الدعایة: الکتاب الثانی: ص 131- 132 للدکتور محمد عبد القادر حاتم.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 383
أو قیاس قوّة الرأی و ضعفه أو الاستعلام عن الدین أو القومیة أو العصبیة أو القبیلة أو الجغرافیة إلی غیر ذلک من الأمور الکثیرة التی تکون مقصد السائل فی سؤاله.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 384

هنا یکمن الداء

اشارة

مسألة: یجب إزالة الدیکتاتوریة من العالم و نشر الإسلام الواقعی الذی دعا إلیه الرسول الأعظم و الأئمة الکرام علیهم السّلام، و لا یتم ذلک إلّا بتوعیة الشعوب عبر الوسائل المقروءة و المسموعة بما ینبغی و ما لا ینبغی و بفصل السلطات الثلاثة فی الجانب الإداری و ما اشبه ذلک.
لا شکّ أنّ کثیرا من الدول اتجهت نحو الدیمقراطیة بسبب کتّابها و مفکّریها؛ حیث إنّ الکتّاب و المفکرین من علماء الغرب فکروا فیما وصل إلیه حالهم من التّشتت و القتل و الدمار فتوصّلوا إلی أنّ السبب هو تمرکز القوّة فی أیدی فرد أو جماعة قلیلة، یفعلون ما یشاءون، فإذا جاءت السلطة الدینیة کالکنیسة إلی الحکم، قامت بقتل الناس و هتک أعراضهم و سلب أموالهم و تعذیبهم بمختلف أنواع التعذیب باسم الله، و إذا ما أزیل ملکهم و جاء من بعدهم الملوک و القیاصرة قاموا بالشی‌ء نفسه فقتلوا الناس و هتکوا أعراضهم و عذبوهم و سلبوا أموالهم باسم الوطن، و إنّ هذه الحالة من الاستبداد الدینی أو الدنیوی هی التی سببت تلک المشاکل و الانتهاکات. و بعد استقراء الأوضاع توصّل أولئک المفکرون و الکتّاب إلی أن تقسیم القوّة السیاسیة بین عدد متعدّد من القوی هو الحلّ الأمثل للمشکلات فإذا انحرفت قوّة جابهتها القوّة المعارضة، و إذا أرادت إحدی القوی الاستئثار بالسلطة واجهتها القوی الأخری.
و أخذ هؤلاء العلماء یکتبون فی هذا المضمار، فألّفوا عشرین ألفا من الدراسات و الکتب التی نشروها بصورة واسعة، و کان من بین تلک الکتب
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 385
«روح القوانین» لمونتسکیو الذی بلور نظریة الفصل بین السلطات الثلاث:
التنفیذیة و التشریعیة و القضائیة. و استطاعت هذه الکتب أن توجد وعیا عاما ضدّ الاستبداد و الدیکتاتوریة.
و هذا الحلّ لیس بجدید، فقد قام به رسول الله صلی اللّه علیه و آله و سلم؛ حیث شجع المهاجرین علی التکتل، و شجّع الأنصار علی التکتل أیضا، و کان هناک تنافس فی الخیر بین المهاجرین و الأنصار، و انتقل هذا الأسلوب فی الحکم إلی الدول الغربیة التی بدأت تأخذ بنظریة التعدّدیة السیاسیة.
یقول الخبیر الغربی و ولتر لیبمان «1» فی کتابه فلسفة الجماهیر: «إنّ اتجاه الحکومات إلی الشعوب لتعطیها المزید من الجهد و التضحیة حتّی تقوی علی الاستمرار فی الحرب، تلک هی نقطة البدء، حین تنازلت الحکومات الغربیة للشعوب عن بعض سلطاتها فی اتّخاذ القرارات الخاصّة فیما یتعلّق بشئون الحرب و السلام، و قد لازم تلک السیاسة انحراف رجال السیاسة فی الدول الدیمقراطیة عن اتباع المبادئ القویمة و محاولة إرضاء الجماهیر علی حساب المصلحة العامة لیضمن الواحد منهم البقاء فی مرکزه، کلّ ذلک ساعد علی زیادة تسلّط الجماهیر، و من ثمّ حدث نوع من التداخل بین السلطات فأدی
______________________________
(1) صحفی و کاتب سیاسی أمریکی، و أحد أبرز صانعی الرأی العام فی القرن العشرین، ولد فی نیویورک سنة 1889 م من عائلة یهودیة و توفی سنة 1974 م. عمل سنة 1917 م مع هاوس مستشار الرئیس ویلسون، فکان یجمع له المعلومات و یرفع له مذکرات حول الأوضاع العامة فی أمریکا و خارجها. اقترن اسمه بثلاث صحف أساسیة: صحیفة نیوربوبلیک و صحیفة نیویورک هیرالد تریبون و مجلة نیوزویک. من مؤلفاته: الولایات المتحدة فی القضایا الدولیة، المجتمع الصالح، سیاسة الولایات المتحدة الخارجیة، العالم الشیوعی و عالمنا نحن- الحرب الباردة-، الوحدة الغربیة و السوق المشترکة، الرأی العام، فلسفة الجماهیر- فلسفة الحیاة العامة-. راجع موسوعة السیاسة: ج 5 ص 547، الموسوعة العربیة المیسرة و الموسعة: ج 6 ص 3048
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 386
إلی اضطرابها و استغل الساسة و رؤساء الأحزاب تلک السیاسة لمصلحتهم الخاصّة بعد أن تخلّت الحکومات عن معظم سلطاتها للمجالس النیابیة و مجموع الناخبین، ممّا أدی إلی انحراف میزان القوی و ساعد علی ذلک حداثة عهد الشعوب بحقوقها المدنیة و الانتخابیة و کثرة جماعات الناخبین و قلّة وعیهم ممّا أدی إلی التفریط فی الحرّیة و المصلحة العامّة، و ظهرت ثورات انقلابیة نتیجة لفشل الغرب فی القضاء علی البؤس و الشقاق و القلق الذی ألمّ بالشعوب فی القرن العشرین».
أقول: و بقی العالم الثالث و العالم الثانی الذی انهار بانهیار الشیوعیة، یرزحان تحت نیر حکم الدیکتاتوریین لعدم وجود الوعی الکافی لدیهما، و هما لا یعرفان من أین أتتهما المشکلة، و المشکلة تتمثّل فی تمرکز القدرة، فإذا وعیا هذه الحقیقة و جعل القدرة مقسّمة بین الأحزاب بانتخابات حرّة مستندة إلی المؤسّسات الدستوریة انتهت المشکلة. و المراد بانتهاء المشکلة هنا مشکلة الدیکتاتور و إلّا فالدنیا هی دار مشاکل مهما کانت حسنة؛ و لذا قال أمیر المؤمنین علیه السّلام عن الدنیا: (دار بالبلاء محفوفة و بالغدر معروفة لا تدوم أحوالها و لا یسلم نزّالها) «1»، و لا یخفی أنّ المشکلة حتی لو تحققت الدیمقراطیة، قائمة أیضا، ما دامت الروح مفقودة، و ما دام النظام نظاما لیس مرتبطا بالسماء، و لذا نشاهد أنّ الغرب أیضا بعد الدیمقراطیة غارق فی المشکلات و کذلک حال الشرق فی کیانات، فالإنسان روح و جسد، فإذا روعی جانب الجسد فقط لم یتمکّن من الاستمرار لنقصان جانب الروح، کما و أن جانب الروح لا یمکن ملؤه بسبب الکنیسة التی هی فاقدة للروح، و الفاقد للشی‌ء لا یعطیه کما تقول
______________________________
(1) نهج البلاغة: ص 348 الخطبة 226، شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید: ج 11 ص 257، إرشاد القلوب: ج 1 ص 30 ب 4، بحار الأنوار: ج 70 ص 82 ب 122 ح 45 ط بیروت.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 387
القاعدة؛ حیث إنّ الکنیسة تستند إلی أمثال التوراة و الإنجیل المحرّفین اللذین یحتویان علی مجموعة کبیرة من الانحرافات و الخرافات.

التجربة الیابانیة

و فی الیابان أوجب القانون الإمبراطوری «1» علی طلبة المدارس و العمال فی المصانع و الفلاحین فی المزارع و من أشبههم اتّخاذ الأسلوب التالی:
أوّلا: إنّنی أعبد والدی فی البیت.
ثانیا: إنّنی أعبد الإمبراطور لأنّه والد الشعب کلّه.
ثالثا: إنّنی أعبد المنظّمة التی أنا فیها سواء کانت مدرسة أو مصنعا أو معملا أو ما أشبه ذلک.
رابعا: إنّنی أعبد قریتی، و أعبد مدینتی، و أعبد وطنی.
خامسا: إنّنی أحترم کلّ من هو أکبر منّی سنا.
سادسا: إنّنی أحترم کل أصدقائی و أبناء وطنی و أکون طیبا معهم جمیعا.
أقول: من الواضح أنّ بهذه الطریقة لا یمکن مقابلة الإنسان بما هو إنسان، فالإنسان له جوانب متعدّدة أکثر من هذه الأمور الستة بمئات المرات، فکیف یمکن بإصلاح جزء- علی فرض أنّ هذه الأمور الستة بمثابة إصلاحات- أن یصلح الکلّ؟
______________________________
(1) و هذا القانون تابع للدیانة الشنتویة البوذیة التی تطالب المواطنین أن یحترموا الأجداد و الإمبراطور و الأمة.
و دیانة الشنتو أو طریق الآلهة: تقوم علی عبادة و تقدیس روح الأرز و أرواح الأسلاف و إیمانها بتناسخ الأرواح فی کثیر من عناصر الطبیعة. و من أهم تلک الأرواح هی المحصولات الحبوبیة. و یعتقد الشنتو بتحویل الأرواح بعد موت أصحابها إلی آلهة. و فی الیابان یوجد ثمانیة آلاف معبد للشنتو و سبعة آلاف و خمسمائة معبد للبوذیة.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 388
و أمّا وجه قوّة الیابان- بغض النظر عن خرافة مثل هذه العقیدة- هو الاهتمام بالتعلیم «1» و الاستفادة من الغرب فی الدیمقراطیة؛ حیث بعث الإمبراطور ألوف الشباب إلی الخارج لیتعلّموا مختلف فنون العلم ثمّ یرجعوا إلی بلادهم لیغرسوا العلم و الحضارة و التکنولوجیا فی أوساطهم، و هکذا نجحت الیابان فی الاقتصاد بینما فشلت فی الجیش و نحوه بعد الحرب العالمیة الثانیة. و إذا أرادت بقیة دول العالم النهوض، فاللازم أن تتّخذ من الإسلام منهجا مع الاستشاریة الإسلامیة التی هی أفضل بکثیر من الدیمقراطیة الغربیة بل و حتّی
______________________________
(1) ففی نهایة القرن الثامن عشر المیلادی قامت الیابان بإرسال وفود إلی البلاد الغربیة و لمدة سنتین لهدف دراسة النظم و الثقافات لکی تستفید من عناصرها الحدیثة، و کانت تضم البعثة أفرادا من کل المقاطعات و من کل الوزارات و السمات العسکریة إضافة إلی أربعین شخصا من کبار الموظفین غیر الرسمیین. و قبل إرسال الوفد تدرّب هؤلاء علی العادات الثقافیة الیابانیة حتی تکون لهم الحصانة ضد التغرّب. و عند انتهاء مهام هذه البعثة أعدت تقریرا مکونا من مائة مجلد فی خمسة فصول، نشر سنة 1878 م و ضمّنته کل مشاهداتها حول المدارس و المجالس و المصانع و الجیش و السجون. و هذا الوفد شکل فی ما بعد نواة حرکة من أجل المطالبة بالدیمقراطیة. و بعد الحرب العالمیة الثانیة اعتمد الیابانیون النظام التعلیمی الامریکی کما بحثوا عن سبل الرقی فی التعلیم، و وضعوا خطة لتقییم التحصیل التعلیمی لاختبار مدی الاستیعاب فی مجال الریاضیات و العلوم الأخری، و وضعوا خطة لنشر التعلیم الثانوی بصورة واسعة، و اعتمدوا علی نظریة إمکانیة تحسین مکانة الإنسان فی المجتمع من خلال الارتقاء العلمی و التهذیب الأخلاقی، و جعلوا قوام التعلیم یعتمد علی أصول دینیة، و اهتموا بالهندسة کمادة أساسیة فی الجامعات دون العلوم الأخری، و وضعوا خطة یصعب بمقتضاها الالتحاق بالجامعة نسبیا و یسهل التخرّج منها، و قاموا بالاستخدام الذکی للطاقات الثقافیة المتجمّعة من تقالید الماضی، و بادروا إلی جمع أکبر قدر من المعلومات عن الضغوط الغربیة، و استخدموا العناصر الحضاریة الغربیة التی تتناسب مع الثقافة الیابانیة و اختاروا الطریق الصائب للتوسعة الوطنیة عبر التعلّم من الأسلوب الذی اتخذه بسمارک فی بروسیا إلی التوسع فی ألمانیا، و أوجدوا صیغة للتفاعل بین عقدتین، عقدة النقص أمام الغربیین و عقدة التفوق أمام الآسیویین. للمزید راجع کتاب خفایا المعجزة الیابانیة تألیف مجموعة من الکتاب الیابانیین.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 389
إذا أراد الغرب التخلّص من مشاکله یجب أن ینتحی منحی الإسلام، أمّا مجرّد الکنیسة الخاویة و الدعایات القائمة علی الکذب و الرأسمالیة المنحرفة بسبب الخطب الملتهبة و البلاغات الکاذبة و الأحادیث الشاعریة فلا تؤدّی فی النهایة إلی رفع عطش الشعوب و إقناعها بالأمر الواقع، و فی تصوّری أنّ الغرب لا بدّ أن ینتحی منحی الإسلام، إمّا باسم الإسلام أو باسم الإصلاح، و قد کتبت کتابا حول هذا الموضوع اسمه «الغرب یتغیّر» «1»، و الله هو العالم بالمستقبل، لکن الکلام فی الظواهر التی تؤدی إلی نتائج خاصّة، فکما أنّ الله سبحانه و تعالی جعل للأمراض علامات، کذلک جعل للاجتماع و الاقتصاد و السیاسة و غیرها علامات فإذا تمکن الإنسان من معرفتها وفّق إلی نتائج تلک العلامات.

بین الکتاب و المقال السیاسیین

و من الوسائل المهمة فی توعیة الشعوب و المجتمعات هو الکتاب، و قد ذکر بعض الکتّاب: «إنّ الکتاب السیاسی یختلف فی تأثیره عن المقال السیاسی، فإنّ المقالات السیاسیة مهما بلغت فی عمقها فهی تنسی بمجرّد أن یلقی القارئ الجریدة أو المجلة جانبا. و قلیل من القراء من یتذکّر ما قرأه فی الصحف و المجلات. و لذا ارتأی بعض کتّاب الصحف أن یجمع مقالاته فی کتاب و ینشره لیبقی علی آثاره»، و قد قال الإمام الصادق علیه السّلام: (احتفظوا بکتبکم فإنّکم سوف تحتاجون إلیها) «2»، و لذا نشاهد أنّ الدولة الدیکتاتوریة
______________________________
(1) یقع الکتاب فی 96 صفحة من القطع المتوسط طبع سنة 1414 ه و قد ترجم الی اللغة الفارسیة.
(2) الکافی (الأصول): ج 1 ص 52 ح 10، منیة المرید: ص 341 ب 4، وسائل الشیعة: ج 27 ص 81 ب 8 ح 33262 و ص 323 ب 8 ح 33845، بحار الأنوار: ج 2 ص 152 ب 19 ح 40.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 390
لا تحتکر الإذاعة و التلفاز و الصحف و حسب بل تحتکر الکتب، فإذا صدر کتاب لیس فی نفعها فإنّها إمّا أن تحرقه أو تحوّله إلی عجینة أو تلقی به فی البحر، و فی الوقت نفسه تمنع هذه الدول دخول الکتاب إلی بلادها، أو عرضه فی معارضها إن کانت من الدول التی تقیم المعارض، و المعارض فی البلاد الدیکتاتوریة ضعیفة و باهتة.
و قد عقد معرضان للکتاب أحدهما فی بلد إسلامی شرقی و الآخر فی بلد غربی مسیحی، و کان عدد الکتب فی معرض هذا البلد الغربی قد تجاوز الثمانین ملیون کتاب، بینما لم یزد عدد الکتب فی البلد الإسلامی علی ملیونی کتاب بحسب ادّعاء تلک الدولة. هذا فی جانب عدد الکتب، أمّا عن عناوین الکتب فعددها فی البلد الغربی یتجاوز الخمسة ملایین عنوان، بینما لا یزید عدد عناوین الکتب فی الدولة الإسلامیة عن ستّین ألف عنوان. و السبب فی ذلک هو أجواء الحرّیة التی تتوفّر فی الدولة الغربیة، و تنعدم فی البلد الإسلامی، الأمر الذی أثر علی مستوی الثقافة و النشر.
و المفترض أن ینحو الکتاب منحیین: الأول منحی الدعایة، و الثانی منحی مقاومة الدعایة.
و المعروف أنّ الغزاة و المحتلین و الدیکتاتوریین یرهبون الکتاب کما یرهبون السیف، فصلاح الدین الأیوبی أحرق ملیونین و ستمائة ألف کتاب من کتب الفاطمیین کانت من أثمن الذخائر، و أکثر هذه الکتب کانت خطیة للمئات من العلماء و المفکّرین «1».
______________________________
(1) ذکر فی التاریخ أن الأیوبی أحرق مبانی المکتبات التی کانت فی أرجاء الدولة الفاطمیة، و أحرق بعض الکتب و ألقی بعضها الآخر فی نهر النیل و ترک بعضها فی صحراء سیناء فسفت علیها الریاح حتی صارت تلالا عرفت بتلال الکتب، کما أن حمامات القاهرة و علی وسعة انتشارها بقیت ستة أشهر تحرق کتب الشیعة لتسخین المیاه فی مراجلها.
الفقه، الرأی العام و الإعلام، ص: 391
و علی الذین یرون صلاح الدین بغیر صورته الواقعیة و یعتقدون أنّه قائد فذ أن یراجعوا المصادر التاریخیة و منها تاریخ الطبری، لیکتشفوا بأنفسهم حقیقة هذا الرجل، و قد کتب السید الأمین کتابا حول صلاح الدین ذکر فیه من الحقائق شیئا مذهلا «1».
______________________________
(1) راجع کتاب صلاح الدین الأیوبی بین العباسیین و الفاطمیین و الصلیبیین للسید حسن الأمین، و کتاب لکیلا تتنازعوا للإمام المؤلف قدس سره.
و ممّا یؤخذ أیضا علی صلاح الدین الأیوبی:
1- أنه جنی علی التاریخ و الأدب و الثقافة العربیة و الإسلامیة، بهدمه لدور العلم و المعرفة و إحراقه للکتب و قتله للعلماء و الفلاسفة و الشعراء.
2- بعد استرداده للقدس فی معرکة حطین، أصدر مرسوما سنة 586 ه (1190 م)، یدعو فیه الیهود لاستیطان القدس الذی کان محظورا علیهم من قبل المسیحیین.
3- إن تصرفاته بعد استرداد القدس، أبطلت نتائج الانتصار؛ لأنه أعاد للصلیبیین المدن الفلسطینیة جمیعا باستثناء القدس، و بهذا العمل جعل دماء المقاتلین الشرفاء و ثروات المسلمین تذهب سدی.
4- عقده للهدنة مع قلب الأسد، الزعیم الصلیبی، و التی لا مبرر لها سوی تکریسه لمصالحه الشخصیة علی حساب مصالح الأمة الإسلامیة، حیث منح بموجبها الصلیبیین مدینة حیفا و یافا و عکا و صور و طرابلس و أنطاکیا و قیساریا.
و بموجب هذه الهدنة، اعترف ضمنیا بسلطة الصلیبیین علی البلاد الإسلامیة التی کانت فی أیدیهم، کما أدت إلی تثبیط عزائم المسلمین فی محاربة الصلیبیین و تحریر أراضیهم.
5- حال دون قیام دولة إسلامیة موحدة، تتجلی فیها قوة المسلمین علی غیرهم. یقول ال