کلمة التقوی المجلد 4

اشارة

سرشناسه : زین‌الدین، محمد امین، ۱۹۱۴ - ۱۹۹۸م.
عنوان و نام پدیدآور : کلمه‌التقوی/ المولف فتاوی المرجع الدینی محمدامین زین‌الدین دام ظله.
مشخصات نشر : قم: موسسه اسماعیلیان، ۱۴ق. = ۱۳.
مشخصات ظاهری : ج.
شابک : ۱۵۰۰ریال (ج.۳) ؛ ۱۵۰۰ ریال (ج. ۵)
یادداشت : فهرستنویسی براساس جلد سوم، ۱۴۱۳ق. = ۱۳۷۱.
یادداشت : کتاب حاضر در همین سال توسط چاپخانه مهر نیز منتشر شده است.
یادداشت : عربی.
یادداشت : ج. ۵ (چاپ اول: ۱۴۱۳ق. = ۱۳۷۱).
مندرجات : ج. ۳. کتاب الحج. بخش دوم.- ج. ۵. کتاب الشفعه
موضوع : فقه جعفری -- رساله عملیه
رده بندی کنگره : BP۱۸۳/۹/ز۹ک‌۸ ۱۳۷۱
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۳۴۲۲
شماره کتابشناسی ملی : م‌۷۱-۵۳۶۰

المعاملات

کتاب التجارة

اشارة

کلمة التقوی، ج‌4، ص: 7
کتاب التجارة استفاضت الأحادیث عن الرسول (ص) و عن الأئمة الهداة من أهل بیته (ع) فی الحث الشدید علی طلب الرزق الحلال، و علی التکسب بالطرق المباحة فی الشریعة الإسلامیة المطهرة، و فی الحث الشدید علی التجارة بالخصوص.
ففی الحدیث عن الرسول (ص): العبادة سبعون جزءا أفضلها طلب الحلال.
و عنه (ص): نعم العون علی تقوی اللّٰه الغنی.
و عن الإمام أبی جعفر محمد بن علی الباقر (ع): من طلب الرزق فی الدنیا استعفافا عن الناس و سعیا علی أهله و تعطفا علی جاره، لقی اللّٰه عز و جل یوم القیامة و وجهه مثل القمر لیلة البدر.
و عن الامام جعفر بن محمد الصادق (ع): نعم العون الدنیا علی الآخرة.
و عن الإمام أبی الحسن موسی (ع): من طلب هذا الرزق من حله لیعود به علی نفسه و عیاله کان کالمجاهد فی سبیل اللّٰه.
و فی الحدیث عن أمیر المؤمنین علی (ع): تعرضوا للتجارات فان لکم فیها غنی عما فی أیدی الناس و ان اللّٰه عز و جل یحب المحترف الأمین و عنه (ع): انه قال للموالی: اتجروا بارک اللّٰه لکم، فانی سمعت رسول اللّٰه (ص) یقول: الرزق عشرة أجزاء، تسعة أجزاء فی التجارة، و واحد فی غیرها.
و روی محمد الزعفرانی عن أبی عبد اللّٰه (ع): من طلب التجارة استغنی عن الناس، قلت و ان کان معیلا، قال و ان کان معیلا، ان تسعة أعشار الرزق فی التجارة.
و کتاب التجارة یحتوی علی عدة فصول.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 8

الفصل الأول فی بعض الموضوعات و الأعمال التی یمنع التکسب بها أو یجوز

المسألة الأولی:

لا یجوز للإنسان التکسب بالخمر و لا فی باقی المسکرات، و لا یجوز له بیع البول و لا الغائط النجسین، و لا سائر الأعیان النجسة للاستعمال المحرم، و لا یجوز له بیعها کذلک إذا لم تکن لها منفعة یعتد بها عند العقلاء، أو لم تکن منفعتها محللة فی الشریعة، و الظاهر جواز بیعها إذا کانت لها منفعة محللة یعتد بها عند العقلاء و غیر مشروطة بالطهارة شرعا و قصدت من بیعها المنفعة المذکورة، فیجوز له بیع الدم للتزریق و بیع العذرة للتسمید.

المسألة الثانیة:

کما یحرم علی الإنسان بیع المیتة فکذلک یحرم علیه بیع أجزائها النجسة و هی الأجزاء التی تحلها الحیاة فی حال الحیاة فیشملها الحکم بالتحریم بعد الموت، بل الأحوط له لزوما اجتناب بیع المیتة و أجزائها النجسة و ان وجدت لها منفعة محللة، و کذلک الخنزیر و الکلب البریان، فالأحوط للإنسان لزوما اجتناب بیعها و ان وجدت لها منفعة محللة، و یستثنی من الکلاب کلب الصید فیجوز بیعه و المعاوضة علیه کما سیأتی ان شاء اللّٰه.

المسألة الثالثة:

یحرم علی الإنسان التکسب بالمذکورات فی المسألتین السابقتین سواء وقعت ثمنا أم مثمنا فی البیع، أم أجرة فی إجارة، أم عوضا فی صلح، أم مهرا فی تزویج، أم فدیة فی خلع، أم عوضا فی أی معاملة من المعاملات، بل تحرم هبتها و الصلح عنها بلا عوض.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 9

المسألة الرابعة:

قد ذکرنا فی فصل النجاسات من کتاب الطهارة: ان عصیر العنب إذا نش و غلی بغیر النار حکم بنجاسته علی الأحوط، ثم لا یطهر الا بانقلابه خلا، و لا ینجس إذا غلی بالنار، و کذلک الحکم فی عصیر الزبیب علی الأحوط أیضا، و قد ذکرنا ذلک مفصلا.
و العصیر المذکور فی حال نجاسته مستثنی من الحکم المتقدم ذکره فی بیع أعیان النجاسة، فیجوز بیعه قبل أن ینقلب خلا، سواء کان عصیر عنب أم زبیب.
و یستثنی من ذلک أیضا الکافر، فیجوز بیعه و شراؤه و المعاوضة علیه إذا کان مملوکا، سواء کان کافرا أصلیا أم مرتدا ملیا أم فطریا، و یستثنی من ذلک کلب الصید کما تقدم فی المسألة الثانیة، و فی إلحاق کلب الماشیة و کلب الزرع و کلب البستان و کلب الدار فی الحکم بکلب الصید اشکال، نعم تجوز إجارتها و إعارتها بلا ریب.

المسألة الخامسة:

یجوز للمکلف بیع الأجزاء التی لا تحلها الحیاة من الحیوان الطاهر فی حال حیاته کشعر الحیوان و صوفه و وبره و قد تقدم ذکرها فی مبحث النجاسات من کتاب الطهارة، فإذا مات الحیوان لم یحرم علی مالکه بیع تلک الأجزاء و التکسب بأثمانها إذا کانت لها منفعة محللة تعد بها عند العقلاء مالا.
و یجوز له بیع المیتة الطاهرة کالمیتة من السمک و الجراد و سائر الحیوان الذی لیس له نفس سائلة، فیجوز بیع میتته إذا کانت لها منفعة محللة معتد بها عند العقلاء و تجوز المعاوضة علیها، نعم الأحوط له الاجتناب إذا علم ان المشتری ممن یأکلها.

المسألة السادسة:

الأرواث و الأبعار المحکومة بالطهارة شرعا، و هی التی تکون من الحیوان الذی یؤکل لحمه أو تکون من الحیوان الذی لیس له نفس سائلة، فالظاهر ان لها منفعة محللة معتدا بها بین الناس کالتسمید و شبهه
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 10
و بهذه المنافع المقصودة تکون أموالا و لذلک فیجوز للمکلف بیعها و المعاوضة علیها، و أمّا الأبوال الطاهرة فالظاهر أنها مما لیس له منفعة محللة مقصودة، و لذلک فلا یجوز له بیعها و التکسب بها، فإنها لا تعد أموالا.

المسألة السابعة:

یجوز للإنسان أن ینتفع بالأعیان النجسة فی جهات غیر محرمة شرعا، و لا مشروطة بالطهارة، فیجعل جلود المیتة مثلا ظروفا للقذارات أو لحمل النجاسات، و یطلی بدهن المیتة و شحمها بعض الأخشاب و السفن مع التوقی عن سرایة نجاستها، و یدفن بعض العذرات و المیتات النجسة فی أصول الشجر و الزرع للتسمید و نحو ذلک.

المسألة الثامنة:

لصاحب الید علی الأعیان النجسة حق اختصاص بها، فمالک الحیوان إذا مات حیوانه یبقی له حق اختصاص به، و مالک العنب إذا تحول عنبه خمرا یبقی له حق اختصاص بالخمر، و واضع الید علی بعض النجاسات إذا وضعها بقصد الحیازة یکون له نحو استیلاء علیه، و یکون له بتبع ذلک حق اختصاص به، و هذا الحق لا یزول حتی یرفع یده عن تلک العین، و هذا الحق قابل للانتقال، فإذا مات صاحب الید انتقل الحق إلی وارثه من بعده، و لذلک فیجوز لغیر صاحب الید ان یبذل له شیئا من المال لیرفع یده عن العین النجسة التی اختص بها، فیحوزها لنفسه من بعده، و هذا لیس من التعویض عن العین النجسة و لا من التعویض عن حقه فیها، بل من التعویض عن رفع الید عن ألحق.

المسألة التاسعة:

یجوز بیع الأعیان المتنجسة إذا کانت قابلة للتطهیر، و لا بد من إعلام المشتری بنجاستها لیطهرها قبل الانتفاع بها، و یجوز بیع الأعیان المتنجسة غیر القابلة للتطهیر إذا کانت لها منافع محللة مقصودة و کانت منافعها غیر متوقفة علی طهارتها، کالدهن المتنجس ینتفع به بالإسراج و طلی السفن، و کالصابون المتنجس تنظف به الثیاب و الأشیاء، ثم
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 11
تطهر بعد التنظیف، و کالصبغ المتنجس تصبغ به الأشیاء و یتوقی من ملاقاتها أو تطهر بعد الصبغ، و یجب إعلام المشتری بنجاستها.
و لا یجوز بیعها و لا المعاوضة علیها إذا لم تکن لها منفعة محللة مقصودة، أو کانت منفعتها المقصودة مشروطة بالطهارة، و هی غیر قابلة للتطهیر حسب الغرض، و لا تخرج بذلک عن ملک صاحبها.

المسألة العاشرة:

یجوز بیع السباع و شراؤها، کالأسد و النمر و الفهد و الذئب إذا کانت لها منفعة محللة فی الشریعة یعتد بها عند العقلاء، و یجوز بیع الهرة و یحل ثمنها، و یجوز بیع المسوخ و الحشرات إذا وجدت لها مثل تلک المنفعة، فیجوز بیع الفیل لینتفع بالحمل علیه و بعظمه بعد الموت أو التذکیة، و یجوز بیع الحشرات مع وجود المنفعة المذکورة، کدود القز و نحل العسل و العلق الذی یمص الدم و نحو ذلک.
و الأحوط ترک بیع القرد من المسوخ، و لا یجوز بیع ما لا منفعة له أو کانت منفعته غیر محللة.

المسألة 11:

لا یجوز التکسب بما یکون آلة للحرام بحیث یعد عرفا منها و یکون ذلک هو المقصود الغالب من اقتنائه کالعود و المزامیر و البرابط، و آلات العزف المعروفة و غیر ذلک، و آلات القمار کالنرد و الشطرنج و أوراق المقامرة، و الأصنام و الصلبان، و کالاسطوانات الغنائیة و الأشرطة التی یسجل علیها الغناء و الأنعام المحرمة.
و یجوز بیع الآلات المشترکة، و التی یشیع استعمالها فی المحلل و المحرم علی السواء بحیث ینتفی فی أنظار أهل العرف انها آلات حرام علی الخصوص، کالرادیو، و صندوق حبس الصوت و یجوز اقتناؤها للاستعمال فی الأشیاء المباحة و الراجحة کاستماع الأخبار و القرآن، و المناهج المباحة و النافعة المجدیة.
و اما التلفزیون فالحکم فیه یدور مدار صدق الاسم، فان عد فی نظر أهل العرف من آلات اللهو و الحرام علی الخصوص حرم بیعه و حرم
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 12
استعماله، و إذا شاعت فوائده المحللة و کثرت منافعه و مناهجه المجدیة و الراجحة حتی أصبح فی نظر أهل العرف من الأجهزة المشترکة العامة و غیر معدود من آلات اللهو و الحرام علی الخصوص، جاز بیعه و اقتناؤه و استعماله فی الأشیاء المباحة و اختصت الحرمة باستعماله فی النواحی المحرمة.

المسألة 12:

یجوز بیع الآلات المسجلة للصوت کما یجوز استعمالها فی ما یباح و ما یحسن و یرجح، و یجوز بیع الآلات المکبرة للصوت، و یجوز بل یحسن استعمالها فی الأمور الراجحة، کاعلان الصوت فی الأذان، و تبلیغ الصوت فی خطبة الخطیب، و موعظة الواعظ و قراءة القاری و نشر الحقائق الصحیحة.

المسألة 13:

یحرم عمل آلات اللهو و آلات الحرام المتقدم ذکرها، و یحرم إصلاحها إذا فسدت أو تعیبت، و یحرم التکسب بذلک و أخذ الأجرة أو الجعالة علیه، بل یجب إفسادها و إعدامها مع الإمکان و تغییر هیئتها علی الأقل، و له أن یبیع مادتها بعد التغییر من نحاس أو حدید أو معدن آخر، و له ان یبیع المادة قبل التغییر و الإفساد إذا اشترط علی المشتری تغییرها أو وثق بأنه یغیرها و ان لم یشترط ذلک علیه، و یشکل جواز البیع بغیر ذلک.

المسألة 14:

الأحوط لزوما للمکلف ان یجتنب الانتفاع مطلقا بأوانی الذهب و الفضة فی الحوائج و ان لم یکن الانتفاع من أنواع الاستعمال المتعارفة، و ان لا یقتنیها مع قصد أن یجعلها متاعا معدا للانتفاع به و ان لم یستعملها بالفعل بل جعلها علی الرفوف للزینة مثلا، فیجتنب بیعها و شراءها لهذه الغایة علی الأحوط، و ان یجتنب الإجارة لصیاغتها لهذه الغایة و یجتنب أخذ الأجرة علیها.
و یجوز له أن یقتنیها لغیر ذلک من الغایات کما إذا قصد بذلک حفظها
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 13
أو حفظ مالیتها بهذه الصورة، فیجوز له بیعها و شراؤها لهذه الغایة، و تجوز الإجارة لصیاغتها لذلک و یجوز أخذ الأجرة علیها.

المسألة 15:

لا تجوز المعاملة فی الدراهم الزائفة التی یضعها بعض الناس لغش الناس و سلب أموالهم، سواء کان زیفها فی أصل المعدن الذی تختلف به عن العملة الصحیحة المتداولة فی البلاد، أم کان فی خلطها بمعدن آخر تکون به مزیفة مغشوشة، فلا یجوز جعلها عوضا و لا معوضا فی المعاملات إذا کان الشخص الذی تدفع الیه جاهلا بأمرها، و اما إذا کان عالما و مطلعا علی الحقیقة فلا یصدق معه الغش لظهور الأمر لدیه، فإذا أقدم علی المعاملة مع ذلک فلا تحریم من هذه الناحیة و هو واضح.

المسألة 16:

لا یجوز بیع العنب أو التمر مثلا لیعمل خمرا، و کذلک غیرهما من الأشیاء التی یتخذ منها الخمر، فلا یجوز بیعها لهذه الغایة، و لا تصح المعاملة علیها، و لا یصح بیع الخشب أو غیره من المواد لیصنع صنما أو آلة لهو أو آلة حرام آخر، بأن یذکر المتعاملان هذه الغایة فی عقد البیع، أو یتواطئا علی ذلک بینهما و یجریا العقد علی ما تواطئا علیه، و لا یجوز اجارة المنزل أو الدکان أو المحل لیباع فیه الخمر أو یحرز فیه، أو لیکون موضعا للبغاء أو غیره من المحرمات علی النحو المتقدم من بناء العقد علی الغایة المحرمة و لو بالتواطؤ علیها، و تبطل الإجارة بذلک، و لا یجوز إجارة الدابة أو السفینة أو السیارة لحمل الخمر علی النحو المتقدم، و تبطل الإجارة بذلک، فلا یحل الثمن و لا الأجرة بذلک و لا العوض إذا کانت المعاملة بعنوان الجعالة أو الصلح.
و إذا باع العنب أو التمر ممن یعلم انه یعمله خمرا، أو باع الخشب ممن یعلم انه یصنعه آلة حرام، أو آجر المنزل أو المحل ممن یعلم انه یتخذه محرزا للخمر أو موضعا لمحرم آخر، أو آجر السفینة أو السیارة لمن یعلم انه یحمل فیها خمرا و لم یتواطئا علی ذلک و لم یذکراه فی ضمن العقد، فهو موضع اشکال فلا یترک فیه الاحتیاط.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 14

المسألة 17:

المدار فی کون الشی‌ء مالا فی نظر أهل العرف هو أن تکون لذلک الشی‌ء فائدة یرغب فیها عامة العقلاء، و یتنافسون من أجل تلک الفائدة علی اقتنائه و بذل المال بإزائه، و الفائدة المذکورة المرغوب فیها قد تکون مطلقة تشمل حال الاختیار و حال الاضطرار کأصناف المأکولات و المشروبات و الملبوسات، و قد تختص بحال الاضطرار کالعقاقیر و الأدویة و المستحضرات التی یطلبها الناس فی أوقات المرض و العلاج خاصة، فإذا کانت الحاجة إلیها عامة منتشرة بین الناس فی حال اضطرارهم کانت باعثا لهم علی التنافس و بذل المال للحصول علی ذلک الشی‌ء و ان کانت الاستفادة منه خاصة فی حال الاضطرار، و بملاحظة هذه الرغبة و التنافس یکون ذلک الشی‌ء مالا فی نظرهم، و إذا کانت تلک الفائدة محللة فی شریعة الإسلام جاز بیع الشی‌ء و شراؤه و صح التکسب به فی الشریعة الإسلامیة کما تکرر فی المسائل المتقدمة.

المسألة 18:

الأحوط لزوما عدم جواز بیع المصحف الشریف علی الکافر و عدم تمکینه منه، و یحرم بلا ریب إذا کان موجبا للزرایة و الهزء به و الاستهانة بشأنه و الهتک لحرمته، و یجوز بیعه علیه و تمکینه منه إذا کان ذلک وسیلة لهدایته، أو سببا لتعظیم أمره عنده أو عند بعض المنصفین من ذوی نحلته.

المسألة 19:

یحرم تصویر کل ذی روح سواء کان إنسانا أم حیوانا، و سواء کانت الصورة مجسمة أم غیر مجسمة، و منقوشة أم محفورة أم مطرزة.
و یستثنی من ذلک تصویر بعض الأجزاء فقط کتصویر الرأس وحده، أو الرجل أو الید خاصة فلا یحرم ذلک، إلا إذا عد تصویرا للإنسان أو الحیوان و لکنه ناقص بعض الأجزاء، کما إذا صور إنسانا أو حیوانا مقطوع الرأس، فلا یترک الاحتیاط باجتنابه.
و یحرم إذا صور إنسانا أو حیوانا مقطوع الید أو مقطوع الرجل،
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 15
و یحرم إذا کانت الصورة کاملة و لکنه علی هیئة لا یستبین منه بعض اجزائه، کما إذا صور إنسانا ملتفتا، فلا یستبین منه بعض اجزاء وجهه، أو صورة راکعا أو ساجدا أو جالسا، أو واضعا یدیه خلف ظهره، فلا یستبین منه بعض اجزائه فی الصورة، فیحرم جمیع ذلک و یحرم أخذ الأجرة علیه.
و یجوز التصویر بالآلة الفوتوغرافیة الشائعة، فإنها من حبس الظل و لیست من التصویر المحرم.
و یجوز تصویر غیر ذوات الأرواح کالشجر و الأزهار و الثمار و النخیل سواء کانت مجسمة أم غیر مجسمة و یحل أخذ الأجرة علیه.

المسألة 20:

یجوز اقتناء الصور سواء کانت من ذوات الروح أم من غیرها و سواء کانت مجسمة أم منقوشة أم مطرزة أم محفورة، نعم یکره اقتناؤها، و الکراهة فی الجمیع علی حد سواء فلیست فی الصور المجسمة أشد منها فی غیرها.

المسألة 21:

تحرم اعانة الظالمین فی ظلمهم، و تحرم اعانة کل فاعل للحرام فی فعله الحرام و ان لم یکن فی عداد الظالمین عرفا.
و اما إعانة الظالمین فی أفعالهم المباحة أو فی طاعاتهم فهی غیر محرمة، إلا إذا عد فی أعوان الظلمة و المنتسبین إلیهم أو کان ذلک موجبا لقوة شوکتهم و تمکینهم من الظلم.

المسألة 22:

یحرم اللعب بالآلات المعدة للقمار کالنرد و الشطرنج و الطاولی، و أوراق المقامرة، و نحوها من الأشیاء الخاصة المعدة لذلک، سواء کان اللعب بها مع الرهن أم بدونه، و لا یحل أخذ الرهن علیها، سواء کان الرهن من المغلوب من المتقامرین للغالب أم من شخص آخر أجنبی عنهما و سواء کان المتراهنان هما المتقامران أم غیرهما، کما إذا تقامر شخصان بمحضر شخصین آخرین، فتراهن الشخصان المشاهدان للمقامرة و قال أحدهما للآخر: ان غلب زید فی المقامرة فلک من مالی کذا دینارا، و ان
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 16
غلب عمرو فلی من مالک کذا دینارا، و اتفقا علی ذلک بینهما، فلا یجوز ذلک فی جمیع الصور و لا یحل أخذ الرهن.
و یحرم اللعب بغیر الآلات المعدة للقمار إذا کان اللعب مع الرهن کالمصارعة و صعود القمم الشاهقة و تسلق الأبنیة العالیة و حمل الحجارة الثقیلة و دخول الأمکنة المظلمة أو المخوفة، و شبه ذلک، و لا یحل أخذ الرهن علیها، و یجوز ذلک إذا کان بغیر رهن، و الأحوط استحبابا ترکه.

المسألة 23:

لا یجوز الاحتفاظ بکتب الضلال و استنساخها و قراءتها إذا لم تکن له غایة صحیحة فی ذلک، و خصوصا مع احتمال عروض الضلال بقراءتها له أو لغیره عن طریق الحق، و خصوصا للعامة من الناس و ضعفاء المعرفة الذین لا یملکون النظرة القویمة السدیدة فی أمر العقیدة، و یضاف الی ذلک مداخل الشیطان، و منافذه و وسائله التی لا تنضبط و لا تنحصر، و التی یمهد بعضها لبعض، و یأخذ بعضها بید بعض، و قد تأتی علی البناء من القواعد، و أدنی ما یؤمل منها ان تثیر الشکوک، و تلبد الجو.
و کتب الضلال مختلفة المواضیع، و کتابها متنوعو الأسالیب، و الکثرة منهم یملکون من المباهتة و المراوغة أکثر مما یملکون من النقد النزیه، و قد لا یملکون من هذا شیئا، فیجب علی القاری التوقی من المزال جهد المستطاع، و من أهم ما یقیه تجنب الکتب المضلة.
و قد تخادعه النفس أو یخادعه الشیطان فیدعی لنفسه القدرة و هو لا یقدر، لیوقعاه فی مالا یحمد أو لیکون ما یفسده أکثر مما یصلحه، فیجب التنبه قبل الوقوع فی الشبهة و الظلمة.
و یجوز الاحتفاظ بهذه الکتب لمن أمن ذلک، و کانت له النظرة الصائبة التی یفرق بها بین الحسن و القبیح و الخطأ و الصواب، و یحسن بل یجب الاحتفاظ بها لمن زوده اللّٰه بالهدی الکامل، و آتاه النور المشع الذی یکشف الظلمة، و الذی یستطیع به إحقاق الحق و ابطال الباطل، و ملکه زمام القول لیبین من تلک الکتب مواضع الزیف و یوضح للقارئین و المسترشدین معالم ألحق.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 17

المسألة 24:

الغناء هو مد الصوت و تلحینه علی الکیفیات اللهویة المعروفة فی مجالس اللهو و عند أهله سواء صحبه شی‌ء من آلات الطرب أم لا، و یمیزه أهل العرف، فما صدق علیه بین أهل العرف انه غناء فهو منه.
و لا ریب فی حرمته و حرمة الاستماع الیه و حرمة التکسب به و عدم حلیة أخذ الأجرة و العوض علیه و لا فرق فی حرمته بین ان یقع فی أغانی عامیة أو شعر عربی أو غیر عربی أو فی قراءة قرآن أو تلاوة دعاء أو خطبة أو فی مراثی أهل البیت (ع) أو غیر ذلک، و یتضاعف العقاب علیه إذا وقع فی عبادة یراد بها طاعة اللّٰه سبحانه.
و یستثنی من ذلک حداء الحادی فلا تحریم فیه، و غناء النساء فی محافل العرس، بشرط أن لا یصحبه شی‌ء من المحرمات الأخری کالضرب بالطبل و الصنج أو علی المعازف و کالرقص و الحرکات الخلیعة و التکلم فی الغناء بالکلام الباطل، و دخول الرجال علی النساء و سماعهم لأصواتهن علی نحو یثیر الشهوة و ینشر الفساد، فإذا صحبه شی‌ء من ذلک کان حراما.

المسألة 25:

السحر هو صرف الشی‌ء عن وجهه الصحیح علی سبیل الخدعة و التمویه، فیلبس الباطل لباس الحق، و یوجب الوقوع فی الوهم بالغلبة علی البصر أو السمع أو غیرهما من الحواس، و قد یؤثر فی بدن المسحور و قلبه أو عقله أو فی عواطفه، فیؤثر فیه الحب أو البغض و یمنعه و یصده عن بعض المحبوبات و المشتهیات، و یحبسه عن الوصول الی زوجته و یفرق به بینهما و غیر ذلک من الآثار المختلفة.
و لا ریب فی حرمة عمله و حرمة تعلمه و تعلیمه و حرمة التکسب به، و فی أحادیث الرسول (ص) و أهل البیت (ع) ما یدل علی شدة تحریمه و المؤاخذة علیه حتی أطلق علیه الکفر و شبه بالشرک، و عن أمیر المؤمنین علی (ع): من تعلم شیئا من السحر قلیلا أو کثیرا فقد کفر و کان آخر عهده بربه، وحده أن یقتل الا أن یتوب.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 18
و أما تسخیر الملائکة أو الجن، و إحضار الأرواح و تسخیرها، ففی عده من السحر اشکال، و یحرم منه ما کان مضرا بمن یحرم الإضرار به.

المسألة 26:

الشعوذة هی إراءة غیر الواقع واقعا لخفة الید و الحرکة السریعة التی تخرج بسرعتها عن المعتاد، و نظیرها- و لیس منها- أن یدیر الإنسان النار بیده بسرعة فیری الآخرین بعمله ذلک دائرة متصلة من النار، مع انها لیست بدائرة و لا متصلة، و لکنها و هم متصل، و أقول ان هذا المثال نظیر الشعوذة و لیس منها فالحرکة المذکورة لیست خارجة عن المعتاد.
و الشعوذة لیست من السحر، و الأحوط لزوم اجتنابها و اجتناب التکسب بها مطلقا، و خصوصا إذا هی أضرت بمؤمن، أو ترتب علیها عنوان محرم آخر.

المسألة 27:

القیافة هی أن یستند القائف إلی علامات خاصة و مشابهات بین الطفل و الرجل فی بعض الملامح أو فی أجزاء خاصة من البدن، فیلحقه به فی النسب أو یحکم بأنه أجنبی عنه علی خلاف الموازین التی وضعتها الشریعة الإسلامیة لإلحاق الولد بأبیه، و لا ریب فی تحریمها و عدم جواز التکسب بها.

المسألة 28:

الکهانة هی أن یخبر الکاهن ببعض حوادث تحصل فی مستقبل الزمان أو ببعض المغیبات عنه فی الزمن الحاضر، و یزعم أنه یتلقی هذه الإنباء عن الجان، و هی من المحرمات فی الدین.
و الظاهر أنه لا حرمة فی أن یخبر ببعض الأمور المغیبة عنه و یستند فی اخباره بها الی مقدمات و أمارات خفیة یستدل بها علی ذلک إذا اعتقد صحتها أو حصل له الاطمئنان منها.

المسألة 29:

التنجیم هو أن یخبر المنجم عن حوادث الکون و ما یجد فیه من جدب
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 19
و خصب و رخص و غلاء و حر و برد و کثرة مطر و قلة، بل و حرب و سلم و صحة و سقم و انتشار أمراض و ما یشبه ذلک و یستند فی اخباره بهذا إلی حرکة الأفلاک و أوضاع الکواکب و النجوم بعضها مع بعض و هو یعتقد ان هذه الحرکات و الأوضاع مؤثرة فی الکون و فی تسییر حوادثه.
و هو من المحرمات إذا اعتقد القائل بذلک اعتقادا یتنافی مع مقررات الإسلام.
و اما الخسوف و الکسوف و مسیر الکواکب و تقارنها و انفصالها و تولد الأهلة و ما أشبه ذلک فلها مقادیر معینة فی الحساب و قواعد رتیبة مضبوطة لا تخطئ، و لکن قد یخطئ الحاسب فی ملاحظتها، فتختلف عما یقول.

المسألة 30:

لا ریب فی حرمة الغش فی المعاملة و قد تکثرت الأدلة الواردة فی تحریمه و فی الوعید علی ارتکابه، ففی الحدیث عن الرسول (ص): و من غش مسلما فی بیع أو فی شراء فلیس منا و یحشر مع الیهود یوم القیامة، لأنه من غش الناس فلیس بمسلم، الی ان قال (ص): ألا و من غشنا فلیس منا، قالها ثلاث مرات، و من غش أخاه المسلم نزع اللّٰه برکة رزقه و أفسد علیه معیشته و وکله الی نفسه.
و معنی الغش ظاهر لا خفاء فیه، و له مراتب متفاوتة، فمنه خلط الشی‌ء المرغوب فیه بغیر المرغوب و الجید بالردی، فیبدو الجمیع مرغوبا فیه و جیدا، و منه تزییف صفة الشی‌ء الموجودة فیه و هی قبیحة لیظهر للرائی بصورة حسنة، و منه طلاء النحاس أو الحدید بماء الذهب أو بماء الفضة فیتوهم المشتری انه ذهب أو فضة، و منه إخفاء العیب فی الشی‌ء المعیب حتی یراه الرائی صحیحا، و منه غیر ذلک، و جمیعه محرم و معاقب علیه فی الإسلام.

المسألة 31:

الغش محرم و معاقب علیه کما تقدم، و لکن المعاملة التی وقع فیها الغش لا تکون باطلة، و انما یکون للمغشوش من المتعاقدین خیار فسخ المعاملة
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 20
بعد الاطلاع علی أن صاحبه قد غشه فیها، و إذا کان البیع قد وقع علی الکلی و کان الغش فی الفرد الذی دفعه البائع إلی المشتری، صح البیع، و کان للمشتری علی البائع ان یبدل الفرد المغشوش الذی دفعه الیه بفرد آخر لا غش فیه، و مثال ذلک ما إذا باعه منا من الحنطة أو من الأرز فی الذمة، و دفع الیه عند التسلیم منا مغشوشا من الجنس الذی باعه، فعلیه أن یبدل المن الذی دفعه الیه بمن من الجنس سلیم من الغش.
و إذا باعه حدیدا مموها بماء الذهب علی انه ذهب، أو حدیدا مموها بماء الفضة علی انه فضة، کان البیع فی هذه الصورة باطلا لاختلاف الجنس الذی وقع علیه البیع عن الجنس المقصود و وجب علی البائع رد الثمن إلی المشتری، و کذلک الحکم فی کل بیع یکون الغش فیه موجبا لاختلاف الجنس.

المسألة 32:

یحرم النجش، ففی الحدیث عن أبی عبد اللّٰه (ع) عن الرسول (ص) انه عند الناجش و المنجوش من الملعونین علی لسان محمد (ص)، و النجش هو أن یزید الإنسان فی ثمن الشی‌ء و هو لا یرید أن یشتریه، و انما یرید أن یسمعه غیره فیزید فی الثمن علی زیادته.
و لا فرق فی تحریم النجش بین أن یکون الناجش قد تواطأ مع البائع علی ذلک أم لا.

المسألة 33:

لا یجوز للمکلف أن یؤجر نفسه علی الإتیان بالواجبات العبادیة التی تجب علیه وجوبا عینیا، و لا یحل له أخذ الأجرة علیها، فان الظاهر من أدلة هذه الواجبات ان الشارع قد اعتبر فیها أن یأتی المکلف بها مجانا دون عوض.
و کذلک الحکم فی الواجبات العبادیة الکفائیة، و المستحبات التی اعتبر الشارع فیها المجانیة أیضا، فلا تصح الإجازة و لا یحل أخذ الأجرة للمکلف علی الصلاة الیومیة الواجبة علیه، و لا علی نوافلها و لا علی صیام شهر رمضان و لا علی سائر الواجبات و المستحبات العینیة، و لا
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 21
علی تغسیل الموتی و تکفینهم و الصلاة علیهم و لا علی الأذان و نحوه، فإن المجانیة التی اعتبرها الشارع فی امتثال هذه الواجبات و المستحبات تمنع من جواز الإجارة علیها و من صحة أخذ الأجرة علی الإتیان بها.
و کذلک الحکم علی الأقوی فی تعلیم العقائد الواجبة فی الإسلام، و تعلیم الأحکام فی شریعته مما هو محل الابتلاء للمکلفین، و الأحوط ذلک أیضا فی الأحکام التی لا تکون محل الابتلاء.
و تجوز الإجارة و یحل أخذ الأجرة علی الواجبات غیر العبادیة کدفن المیت، و کمعالجة الطبیب للمرضی و علی الواجبات التی یتوقف علیها نظام الحیاة کتعلیم علم الطب و الزراعة و غیرهما. و تجوز الإجارة علی تعلیم القرآن و القراءة و الکتابة و یحل أخذ الأجرة و الجعل علیها.
و تجوز الإجارة للنیابة عن الأموات فی الإتیان بما وجب علیهم من واجبات و مستحبات إذا کانت مما تشرع فیه النیابة و یحل أخذ الأجرة علی ذلک، و سیأتی تفصیله فی کتاب الإجارة ان شاء اللّٰه تعالی.
و تصح الإجارة عن الحی فی خصوص حج الإسلام إذا وجب علیه و عجز عن أدائه، فتصح النیابة عنه فی الحج و یحل له أخذ الأجرة علی ذلک، و تفصیل الحکم فیه فی کتاب الحج، فلیراجع.

المسألة 34:

ما لا تجوز الإجارة علی الإتیان به و لا یحل للمکلف أخذ الأجرة علیه من الواجبات العبادیة و المستحبات التی اعتبر الشارع فی امتثال الأمر بها أن یأتی المکلف بها مجانا دون عوض، فکذلک الحکم فی أخذ الجعالة علیها، فلا تجوز الجعالة علی الإتیان بهذا النوع من الأعمال الواجبة و لا یستحق العامل به عوضا علی الجاعل، لما ذکرناه من اعتبار المجانیة فیها شرعا.

المسألة 35:

یحرم نوح النائحة علی المیت إذا کان نوحها بالباطل، و هو أن تثنی علی المیت بالکذب و تذکر له من الصفات و الأفعال الحمیدة ما لیست له،
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 22
و تنزهه عن بعض الصفات و الافعال غیر المحمودة، و هی فیه، و لا یحل لها أخذ الأجرة أو الجعل علی ذلک.
و یجوز لها أن تنوح بالحق فتذکر للمیت من الصفات و الممادح ما هو له أهل، و یحل لها أخذ الأجرة و الجعل علی ذلک.

المسألة 36:

یحرم هجو المؤمن سواء کان ذکرا أم أنثی، و الهجو هو ذمه و ذکر ما به استنقاصه و عیبه من الصفات و الأعمال و النسب الدنی‌ء و شبه ذلک، سواء کان فی الشعر أم النثر.
و یجوز هجو المخالف للحق، و یجوز هجو الفاسق المبتدع لئلا یؤخذ ببدعته کما فی بعض النصوص.
و لا یجوز هجاء الفاسق غیر المبتدع و ان کان متجاهرا فی فسقه.

المسألة 37:

یحرم الفحش من القول، و هو ما یستقبح ذکره من الکلام البذی‌ء، و هو علی نحوین:
القسم الأول: ما یستقبح ذکره مع کل أحد حتی مع الزوجة، و هو محرم حتی مع الزوجة کذلک، کما إذا شبه زوجته بالبغایا و عاملات السوء، فیحرم ذلک و ان کان بقصد المزاح و التفکه معها.
القسم الثانی: ما یستقبح التصریح به مع الأجانب و لا یقبح مع الزوجة، کما إذا ذکر بعض الأعمال الخاصة بینه و بینها، فیجوز له ذلک و لا یقبح معها، و یحرم مع غیرها.

المسألة 38:

یحرم علی الإنسان ان یدفع الرشوة إلی القاضی لیحکم له، سواء کان قضاؤه له بحق أم بباطل، و یحرم علی القاضی ان یأخذ الرشوة علی الحکم سواء کان حکمه فی الواقعة بحق أم بباطل، و قد تکرر فی النصوص قول الامام جعفر بن محمد الصادق (ع): و أما الرشا فی الحکم فان ذلک هو الکفر باللّٰه العظیم جل اسمه و برسوله (ص)، و عن
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 23
أمیر المؤمنین (ع): أیما وال احتجب من حوائج الناس احتجب اللّٰه عنه یوم القیامة و عن حوائجه، و ان أخذ هدیة کان غلولا، و ان أخذ الرشوة فهو مشرک.
و یجوز للمظلوم أن یدفع الرشوة لظالمه لیستنقذ حقه منه، و یحرم علی الظالم أخذها.

المسألة 39:

یحرم علی الرجال لبس الذهب من خاتم و غیره، و تبطل صلاة الرجل بلبسه، و یحرم علیه التزین به کالسن من الذهب یجعله فی مقدم الأسنان، و أزرار الذهب توضع للقمیص، و لا تبطل الصلاة بذلک، و إذا لبس الذهب و تزین به فهو أشد تحریما، و أشد من ذلک أن یکون الذهب الذی لبسه و تزین به من مختصات النساء.

المسألة 40:

یحرم علی المکلف الکذب، و قد تکثرت الأدلة فی تحریمه و الوعید علی ارتکابه، و الکذب المحرم علی الإنسان هو أن یخبر عامدا بما یخالف الواقع، و هو قاصد لذلک، سواء کان جادا فی کذبه أم هازلا، و یتأکد التحریم و یعظم العقاب علیه إذا کان مع الاستصغار للخطیئة، و التهاون بحرمات اللّٰه سبحانه، و یتأکد التحریم کذلک إذا کان فی شهر رمضان و خصوصا للصائم فیه کما هو الشأن فی غیره من المحرمات.

المسألة 41:

قد یتکلم الإنسان بالخبر الکاذب، و هو لا یقصد الاخبار به عن الواقع، و انما یقصد التکلم بصورة الخبر فقط من غیر قصد للحکایة، و الذی یدعوه الی ذلک هو الهزل و المزاح فلا یکون ذلک محرما بل و لا یکون کذبا لعدم الحکایة، بل یکون هزلا.
و قد یقصد التوریة فلا یکون کاذبا و لا یکون اخباره محرما کذلک، بل یکون موریا.
و التوریة فی الکلام هی أن یکون للفظ معنیان، أحدهما ما هو ظاهر
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 24
فیه عند متعارف الناس، و الثانی ما هو غیر ظاهر فیه، و لکنه معنی من معانیه، فإذا تکلم الإنسان باللفظ و قصد المعنی غیر الظاهر کان موریا فی کلامه.
و مثال ذلک أن یقول کسانی عبد اللّٰه فی هذا الیوم لباسا، و لم یکن عبد اللّٰه قد أعطاه شیئا من الثیاب، و انما قصد أنه أعطاه زوجة، بملاحظة قول اللّٰه سبحانه هُنَّ لِبٰاسٌ لَکُمْ وَ أَنْتُمْ لِبٰاسٌ لَهُنَّ. أو یقول عن رجل أعمی: لقد فتحت فی هذا الیوم عین فلان، و هو یرید ان عین الماء التی یملکها ذلک الرجل قد نبع ماؤها.

المسألة 42:

یستثنی من حرمة الکذب: ان یکذب الرجل لیدفع بذلک ظلما أو ضررا عن نفسه أو عن مؤمن آخر، و یجوز له أن یحلف علی ذلک.
و ان یکذب لإصلاح ذات البین بین المؤمنین المتخاصمین، و إذا أمکن له أن یؤدی ذلک بالتوریة فی خبره فالأحوط استحبابا له ذلک، و لکن لا یتعین علیه ذلک.
و یجوز للرجل أن یعد أهله بشی‌ء و هو لا یرید أن یفی لهم بوعده، و ان کان الأحوط استحبابا له ان یجتنب ذلک، و خصوصا لذی الأطفال و الأبناء الذین یرید أن یعودهم علی الخلق الرفیع. و الوفاء بالوعد فضیلة من فضائل الأخلاق، و لا ینبغی للمؤمن أن یتهاون بها و یتأکد ذلک مع غیر أهله، فلا ینبغی أن یکذب بوعده، أو یعد و هو لا یرید الوفاء.

المسألة 43:

یحرم علی الإنسان أن یتولی المناصب و الأعمال و الوظائف من قبل السلطان الجائر و ان کان الإنسان تام الکفاءة لذلک العمل، و کان العمل فی نفسه غیر مخالف للشرع فالتحریم فیه انما هو لتولیة من قبل الجائر، و اما الأعمال غیر المشروعة فیکون تحریمها من کلتا الناحیتین، و اما المظالم فالتولی فیها من قبله یکون التحریم فیه متعدد الجوانب و کل ذلک واضح لا خفاء فیه فی الإسلام.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 25
و یستثنی من ذلک ان یتولی الإنسان الولایة و المنصب من قبله فی الأمور المشروعة التی لا مخالفة فیها لأحکام الدین و هو یقصد أن یقوم فی وظیفته بمصالح اخوانه المسلمین و المؤمنین و یحفظ بها شؤونهم و یرد بذلک العادیة و الظلم عنهم، فیجوز له الدخول فی هذه الأعمال بهذا القصد، بل یحسن و یحمد منه، فقد ورد عن الامام جعفر بن محمد (ع) کفارة عمل السلطان قضاء حوائج الاخوان. و روی عن الإمام أبی الحسن الرضا (ع): ان للّٰه تعالی بأبواب الظالمین من نور اللّٰه به البرهان و مکن له فی البلاد، لیدفع بهم عن أولیائه و یصلح اللّٰه بهم أمور المسلمین، إلیهم یلجأ المؤمن من الضرر و إلیهم یفزع ذو الحاجة من شیعتنا، و بهم یؤمن اللّٰه روعة المؤمن فی دار الظلم، أولئک هم المؤمنون حقا، الی آخر الحدیث.
و یستثنی من ذلک ما إذا أجبره الظالم علی الدخول فی العمل، بحیث یخشی مع عدم اجابته علی نفسه أو علی أهله و أقاربه و اخوانه ممن یهمه أمرهم، فیجوز له ذلک، إذا لم تکن فیه اراقة دماء محترمة أو هتک أعراض قوم مسلمین أو نهب أموالهم و إیقاع الخوف و الحرج علیهم و أشباه ذلک.

المسألة 44:

یجوز للإنسان أن یأخذ الجائزة أو الهدیة التی یدفعها الیه السلطان کما یجوز له أن یأخذ منه أو من وکیله ثمن الشی‌ء الذی یشتریه السلطان منه و یدفع الیه ثمنه من الأموال التی بیده، و ان کان یعلم علی وجه الإجمال أن بعض الأموال التی بیده من الحرام، فلا یمنع هذا العلم الإجمالی من قبول جوائزه و هدایاه و الأعواض التی یدفعها فی معاملاته من بیوع و إجارات و مصالحات و ضمانات أو تعهدات یجریها السلطان باختیاره ثم یدفع أعواضها أو یدفعها وکیله بإذنه.
إلا إذا علم المدفوع الیه ان المال الذی دفع الیه بعینه مغصوب، فیجب رده الی مالکه إذا عرفه بعینه، و إذا تردد مالک ذلک المال بین جماعة محصورین فی العدد وجب علیه استرضاؤهم جمیعا إذا أمکن، فان لم یمکن ذلک رجع فی تعیین المالک الی القرعة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 26
و إذا تردد بین جماعة غیر محصورین، فان لم ییأس من معرفة المالک منهم بعینه وجب علیه الفحص عنه، و إذا یئس من معرفته تصدق بالمال عن مالکه، و یستأذن الحاکم الشرعی بذلک علی الأحوط.

المسألة 45:

ذکرنا فی رسالتنا فی المسائل المستحدثة بعض الأحکام التی تتعلق فی معاملة البنوک و التأمین و أوراق الیانصیب، و غیر ذلک من الموضوعات المستجدة، فلیرجع إلیها من أراد الاطلاع علیها.

المسألة 46:

الأرض الخراجیة هی الأرض التی فتحها المسلمون عنوة و کانت عامرة حال الفتح و هی ملک للمسلمین عامة، و لذلک فلا یجوز بیعها کما سیأتی بیانه فی فصل شرائط العوضین. فإذا دفعها السلطان الی بعض المسلمین لیزرعها و ینتفع من ثمارها و حاصلاتها و جعل علیها ضریبة خاصة کالخراج، و هو الضریبة التی تجعل علی النقد الحاصل من نتاج الأرض، أو المقاسمة و هی الضریبة التی تجعل علی السهم من الأرض المذکورة کالنصف منها أو الثلث، و یقبض ولی المسلمین هذه الضرائب لیصرفها فی مصالحهم.
فإذا کان السلطان القائم بذلک مخالفا للشیعة فی المذهب و کانت سلطنته باسم الخلافة العامة علی المسلمین، أو باسم التولی الشرعی للأمور العامة علی المسلمین کان تصرفه نافذا فی ذلک، فإذا أخذ الضریبة من صاحب الأرض جاز شراء ما یأخذه منها و جاز التصرف فیه باذن السلطان المذکور، و إذا حولت حکومة هذا السلطان أحدا علی صاحب الأرض ان یأخذ منه الضریبة المجعولة علیه و دفعها الیه جاز للمحول أن یأخذها منه و برئت ذمة صاحب الأرض بالدفع الیه.
و کذلک الحکم فی ما یأخذه هذا السلطان باسم الزکاة علی مالکی العلات و النقدین و الأنعام، فإن ذممهم تبرأ من الزکاة الواجبة علیهم بالدفع الیه أو الی عماله المنصوبین لذلک، و یجوز للآخرین شراء أعیان الزکاة منهم إذا أرادوا بیعها.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 27
و إذا کان السلطان مسلما و لم تکن سلطنته باسم الخلافة الإسلامیة أو باسم التولی الشرعی لأمور المسلمین العامة، فیشکل جریان الأحکام المذکورة علی تصرفاته، فلا یترک الاحتیاط فیها، سواء کان السلطان شیعیا أم مخالفا لهم فی المذهب، و کذلک إذا کان غیر مسلم.

المسألة 47:

یجوز للرجل أن یتقبل من السلطان المتولی لأمور المسلمین بعض الأراضی الخراجیة بشی‌ء معین فیزرعها أو یغرسها أو یؤجرها لآخرین، لینتفعوا بها بالزراعة و الغرس و إذا أراد الزیادة فی الأجرة عما تقبلها به، فلا یترک الاحتیاط بأن یحفر فی الأرض نهرا أو یحدث فیها شیئا یعین المستأجر به، و سیأتی بیان الحکم فی کتاب الإجارة.

المسألة 48:

لا یجوز للرجل حلق اللحیة علی الأقوی، و یحرم أخذ الأجرة أو الجعالة علی حلقها، إلا إذا أصبح حلق اللحیة ضرورة یضطر إلیها الرجل لبعض الأمور التی تحتم ذلک علیه، فیجوز له حلقها حین ذاک، و یصح أخذ الأجرة و الجعالة علیه.

المسألة 49:

لا یجوز للإنسان الاحتکار، و هو أن یحبس الطعام و شبهه عنده و یمتنع عن بیعه یتربص به الغلاء و ارتفاع القیمة مع حاجة أهل البلد الیه و عدم وجود من یبذل ذلک لهم، و فی الحدیث عنه (ص): الجالب مرزوق و المحتکر ملعون، و عنه (ص) لا یحتکر الطعام الا خاطئ.
و قد ذهب جمع من الأصحاب إلی اختصاص الاحتکار بالحنطة و الشعیر و التمر و الزبیب و السمن و هو القول المشهور، و ألحق بها آخرون:
الزیت و الملح، و لا یترک الاحتیاط بإلحاق کل ما تکون الحاجة إلیه عامة من أهل البلد المسلمین من الأطعمة و الملابس و نحوها.
فإذا احتکر الإنسان بعض ذلک مع الشروط المتقدمة أجبر علی البیع و لا یحدد له السعر الذی یبیع فیه، و إذا أجحف فی الثمن الذی یطلبه
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 28
فی بیعه علی العامة أجبر علی النزول من ذلک السعر، و لا یحدد علیه أیضا. و هکذا.
و لا یختص هذا الحکم بما إذا کان المحتکر واحدا، بل یجری فی ما إذا کانوا عدة من الناس، فإذا حبسوا الحاجة لدیهم مع اضطرار عامة الناس إلیها و عدم وجود من یبذلها لهم جری فیهم الحکم المذکور سواء کانوا متواطئین علی الاحتکار لیرتفع السعر أم حصل ذلک منهم اتفاقا.

المسألة 50:

لیس من الاحتکار أن یحبس الإنسان الطعام عنده ینتظر به الغلاء، إذا وجد فی البلد من یبذل تلک الحاجة للناس بقدر کفایتهم، و إذا انتهی ما عند الباذل من الطعام و لم یف بحاجة الناس تحقق الاحتکار حین ذاک و جرت علیه أحکامه.
و لیس من الاحتکار ان یحبس أحد عنده الطعام ینتظر به الغلاء إذا لم تکن للناس حاجة الی طعامه لأنهم قد خزنوا لأنفسهم منه ما یکفیهم، أو لوجود المزارع لدیهم و هی قریبة الإنتاج، أو لوجود ما یعوض عنه من المنتوجات الأخری بحیث أصبح غیر ضروری لهم.
و لیس من الاحتکار ان یحبس الطعام و هو لا ینتظر به الغلاء، بل لیصرفه الی بعض عملائه الخاصین عند حاجتهم و لو بالسعر المقبول، فلا یکون فعله حراما و لا مکروها.

المسألة 51:

إذا دفع الإنسان إلی غیره مالا لیتولی صرفه علی فریق خاص من الناس و کان الرجل الذی دفع الیه المال من ذلک الفریق، و مثاله ما إذا أعطی زیدا مبلغا معینا من المال لیقسمه علی فقراء أهل بلده، أو علی الهاشمیین منهم أو علی أرحامه و کان زید من هذا الفریق الذین أمره بقسمة المال علیهم.
فان دلت القرائن العامة أو الخاصة من عادة و نحوها علی الأذن فی أن یأخذ من المال کغیره من افراد ذلک الفریق أو کان للفظه إطلاق و ظهور یدل علی ذلک صح للرجل أن یأخذ من المال بقدر ما دل علیه الأذن
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 29
فی الأخذ، و ان لم تدل القرائن علی تعیین قدر معین له أخذ منه أقل ما یحتمل، و هو القدر المتیقن مما أذن فیه، و ان لم تدل القرائن علی الأذن فی الأخذ لم یجز له ان یأخذ منه شیئا.
و إذا کان الرجل فقیرا فدفع إلیه انسان مبلغا من مال الزکاة لیصرفه فی مصارف الزکاة من الفقراء و غیرهم، أو کان هاشمیا محتاجا، فدفع الیه مبلغا من الخمس لیدفعه الی الهاشمیین المحتاجین، فان علم و لو من القرائن أن وکالته شاملة للدفع الی نفسه، صح له أن یأخذ منه بمقدار ما یعطی غیره و ان لم یعلم ذلک لم یجز له أن یأخذ منه شیئا.
و کذلک الحکم فی الصرف من ذلک المال علی عیاله، فلا یجوز له أن یصرف علیهم منه شیئا إلا إذا علم بأن وکالته فی صرف المال شاملة لذلک.

المسألة 52:

یکره للإنسان أن یتخذ بیع الصرف حرفة له، و قد ورد فی ذلک انه لا یسلم من الربا، و لعل المراد انه لا یسلم و لو من حب الربا لیتوفر بذلک ماله، فیهون علیه أمر هذا المحرم العظیم، و لا یکره أن یتولی بیع الصرف فی بعض الأوقات مع التحفظ عن الوقوع فی مالا یحمد، و یکره کذلک أن یتخذ بیع الأکفان حرفة له، و قد علل ذلک فی النصوص بأنه لا یسلم من أن یسره الوباء و کثرة الموتی، و لا یکره أن یبیع الکفن فی بعض الأحیان.
و یکره أن یحترف ببیع الطعام، فإنه لا یسلم من الاحتکار و حب الغلاء، و لعل المراد انه لا یسلم و لو من حب الاحتکار فیهون علیه أمر المحرم.
و یکره أن یکون نخاسا، و هو الذی یتخذ بیع العبید و الإماء صنعة له، و قد ورد ان شر الناس من باع الناس.
و یکره أن یکون جزارا و هو الذی یتخذ ذبح الحیوان و نحر الإبل حرفة له، و قد ورد ان هذه الحرفة تورث قسوة القلب و سلب الرحمة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 30
و یکره أن یکون حجاما، و تتأکد الکراهة فی هذه الحرفة إذا کان یشترط الأجرة علی عمله، و یکره التکسب بضراب الفحل، سواء آجر الفحل لذلک و ضبط ضرابه بالمرة و المرات أو المدة، أم لم یؤجره و لکنه قصد العوض، و لا کراهة فی ما إذا لم یقصد العوض بضراب الفحل إذا اعطی شیئا بعنوان الهدیة و نحوها.

المسألة 53:

یجب علی من یباشر ای نوع من أنواع التجارة أو یحترف ای وجه من وجوه التکسب أن یتعلم الأحکام الشرعیة التی تتعلق بنوع تجارته أو فی وجه تکسبه، حتی یعرف الصحیح من غیر الصحیح و یمیز المحلل من المحرم، و لیرتب الآثار کما أمر اللّٰه تعالی و کما شرع.
و المعاملة التی یرید الإنسان أن یقوم بها قد تکون مما اشتبه الحکم فیه من حیث الحل و الحرمة لا من حیث الصحة و الفساد، کما فی کل مورد یکون الشک فیه فی أن المعاملة ربویة فتحرم أم هی غیر ربویة فلا تحرم، بناء علی ما هو الأحوط فیها لزوما، و فی هذه الصورة یجب علی المکلف اجتناب المعاملة حتی یتعلم الحکم فیها أو یحتاط إذا کان الاحتیاط ممکنا.
و قد تکون المعاملة مما یدور الأمر فیه بین الصحة و الفساد، فیجب فیها کذلک معرفة الحکم المتعلق بها عن اجتهاد أو تقلید أو احتیاط، لیمیز ما هو صحیح عما هو فاسد، و لیترتب الآثار کما تقدم ذکره، و لا یلزم أن یکون التعلم قبل إیقاع المعاملة، بل یجوز له أن یوقعها أولا، ثم یسأل عن حکمها، فإذا علم بصحتها رتب آثار الصحة و النفوذ علیها، و ان علم بفسادها لم یرتب علیها أی أثر.

المسألة 54:

قد ذکرت للتکسب و التجارة آداب کثیرة، منها ما یستحب و منها ما یکره، فمن الآداب المستحبة أن یجمل الرجل فی طلب الرزق، و المراد التوسط فیه، و قد روی عن الامام جعفر بن محمد الصادق (ع): لیکن طلبک المعیشة فوق کسب المضیع و دون طلب الحریص. و عن الرسول
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 31
(ص): الا ان الروح الأمین نفث فی روعی ان لا تموت نفس حتی تستکمل رزقها، فاتقوا اللّٰه عز و جل و أجملوا فی الطلب، و لا یحملنکم استبطاء شی‌ء من الرزق أن تطلبوه بشی‌ء من معصیة اللّٰه جل و عز، فان اللّٰه تبارک و تعالی قسم الأرزاق بین خلقه حلالا و لم یقسمها حراما، فمن اتقی اللّٰه عز و جل و صبر آتاه اللّٰه رزقه من حله، و من هتک حجاب الستر و عجل فأخذه من غیر حله قص به من رزقه الحلال و حوسب علیه یوم القیامة.
و یستحب للمکتسب و التاجر أن یسوی بین المبتاعین منه فی السعر الذی یبیع به السلعة فلا یفرق بین صغیر و کبیر، و غنی و فقیر، و مماکس و غیره، و المماکس الذی یجادل البائع فی ثمن ما یشتریه، فلا یفاوت التاجر ما بین العملاء فی الثمن الذی یأخذه منهم.
و لا بأس فی أن یخص أهل التقوی و أهل الفضل فیمیزهم فی المعاملة معهم علی من سواهم.
و یستحب له أن یقیل من یطلب الإقالة منه فی بیع أو شراء، فقد روی عن أبی عبد اللّٰه (ع): أیما عبد أقال مسلما فی بیع أقاله اللّٰه عثرته یوم القیامة.
و یستحب له أن یأخذ لنفسه ناقصا و یعطی راجحا، فعن أمیر المؤمنین (ع): ان ذلک أعظم للبرکة.
و یستحب ان یکون سهل البیع و الشراء فی معاملته مع الناس، سهل القضاء فی دیونه التی علیه للناس سهل الاقتضاء فی دیونه التی تکون له علیهم، فعن الرسول (ص): ان اللّٰه تبارک و تعالی یحب العبد یکون سهل البیع، سهل الشراء، سهل القضاء، سهل الاقتضاء.

المسألة 55:

و من الآداب المکروهة فی ذلک ان یمدح البائع السلعة التی یرید بیعها و أن یذم المشتری السلعة التی یرید أن یشتریها.
و یکره للإنسان الحلف علی البیع و الشراء، فعن الامام أبی الحسن
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 32
موسی (ع): ثلاثة لا ینظر اللّٰه إلیهم أحدهم رجل اتخذ اللّٰه بضاعة، لا یشتری إلا بیمین و لا یبیع الا بیمین، و عن الامام الصادق (ع): ان اللّٰه تبارک و تعالی یبغض المنفق سلعته بالایمان.
و یکره له أن یربح علی المؤمن، إلا إذا اشتری بأکثر من مائة درهم، فلا یکره أن یربح منه قوت یومه، أو یکون شراء المؤمن للتجارة لا للقوت و شبهه، فلا یکره الربح علیه حین ذاک و یکره للرجل أن یربح علی من وعده بالإحسان الیه.
و یکره له السوم من طلوع الفجر الی ان تطلع الشمس.
و یکره له أن یکون أول الناس دخولا الی السوق و آخرهم خروجا منه، و قد یکون ذلک کنایة عن کراهة الانهماک فی طلب الدنیا و الانغماس فی حبها، و یرشد الی ذلک ما فی هذه النصوص من جعل الأسواق مقابل المساجد، و ان أحب الناس الی اللّٰه أولهم دخولا إلیها و آخرهم خروجا منها، و المراد منها الانصراف عن الدنیا و ابتغاء رضی اللّٰه و الدار الآخرة بعمله ذلک، و علی هذا فلا تشمل الکراهة ما لو اتفق ذلک فی بعض الأحیان فکان أول من دخل السوق و کان آخر من خرج منه من غیر حرص علی طلب الدنیا و حبها.
و تکره معاملة الأدنین، و قد فسر المراد منهم بالسفلة الذین لا یبالون بما قالوا و لا بما قیل لهم، و الذین لا یسرهم الإحسان و لا تسوءهم الإساءة، و الذین یحاسبون علی الشی‌ء الدنی‌ء.
و تکره مبایعة ذوی العاهات، ففی الحدیث انهم أظلم شی‌ء.
و تکره مبایعة المحارفین، و هم المحرومون الذین أدبرت عنهم الدنیا، ففی الروایة: لا تشتر من محارف، فان صفقته لا برکة فیها. و تکره مبایعة من لم ینشأ فی الخیر، و هو مستحدث النعمة، الذی لم یکن ثم کان.
و یکره للإنسان أن یطلب التنقیص من ثمن السلعة بعد ان اشتراها من صاحبه و تم العقد علیها. و یکره له أن یتعرض لکیل المکیل أو وزن الموزون أو عد المعدود أو لحساب المساحة فی المبیع و هو لا یحسن ذلک، فإنه مظنة الوقوع فی الخطأ.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 33
و المشهور أنه یکره للإنسان أن یدخل فی سوم أخیه المؤمن، و قیل بتحریم ذلک، و الأحوط فیه الترک. و الدخول فی سوم المؤمن، هو أن یبذل المؤمن للسلعة ثمنا لیشتریها من صاحبها و یرجی أن تتم المعاملة بینهما، فیبذل الرجل الآخر للبائع زیادة علی ذلک الثمن لیشتری السلعة لنفسه أو لآخر.
و مثله أن یبذل البائع المؤمن مبیعا لیشتریه المشتری منه، فیبذل الرجل الآخر للمشتری مبیعا غیره.
و لا یعم الحکم ما إذا انصرف أحد المتبایعین عن المعاملة، و لا یعم ما إذا کان البیع مبنیا علی المزایدة فلا تکون الزیادة دخولا فی السوم فی کلتا الصورتین.
و یکره أن یتوکل حاضر لباد فی المعاملة له أو معه، و المراد أن یکون بعض أهل البلد الحاضرین العارفین بسعر الشی‌ء فیه وکیلا عن بعض أهل البوادی و الأریاف و القری القادمین الی البلد، فیتولی البیع عنهم أو الشراء لهم فی البلد.
و یکره تلقی الرکبان و القوافل الذین یقدمون الی البلد و یجلبون الیه بعض السلع و المتاع لبیعها فیه أو لیشتروا من البلد بعض حاجاتهم، فیکره للحاضر فی البلد أن یستقبلهم فی خارج البلد للشراء منهم أو البیع علیهم قبل أن یصلوا الی البلد.
و تلقی الرکبان انما یتحقق بالخروج من البلد بقصد ذلک، فإذا خرج الرجل من البلد لا بقصد ذلک بل لغایة أخری، و اتفق مع الرکب فباع علیهم أو اشتری منهم، فلا کراهة فی ذلک، و لا کراهة إذا خرج إلیهم مقدار أربعة فراسخ أو أکثر من ذلک فباع علیهم أو اشتری، فان ذلک من السفر إلی التجارة لا من تلقی الرکبان. و لا تختص الکراهة بالتلقی للبیع و الشراء منهم بل تعم المعاملات الأخری کالإجارة و الصلح و غیرهما من المعاوضات فیکره تلقی الرکبان القادمین للبلد لذلک إذا استقبلهم و أجری معهم المعاملات التی یطلبونها قبل أن یصلوا الی البلد.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 34

الفصل الثانی فی البیع

المسألة 56:

البیع هو نقل مال بعوض، و قد جری دأب الفقهاء و المحققین منهم علی الخصوص علی اطالة الکلام فی ذلک فیذکرون التعریف و ما یرد علیه من وجوه الاشکال و ما یندفع به ذلک و یحاولون جهدهم أن یکون التعریف یجمع جمیع أفراد المعاملة و یمنع عن دخول ما لیس منها و یهون الأمر ان التعاریف التی تذکر للبیع أو لغیره من المعاملات انما هی من قبیل شرح الاسم، فیراد منها بیان المعرف علی وجه الاجمال و لیست تعاریف حقیقیة فیبتنی الأمر فیها علی التدقیق.

المسألة 57:

البیع عقد من العقود، فلا بد فیه من الإیجاب و القبول، سواء کانا لفظیین أم فعلیین کما سیأتی، و إذا کان الإیجاب و القبول لفظیین، فلا یعتبر فیهما أن یکونا باللغة العربیة بل یصح أن یکونا بغیرها من اللغات الأخری.
و لا یشترط أن یکون اللفظ صریحا فی المعنی المراد منه، بل یصح أن یقع العقد بأی لفظ یکون دالا فی نظر أهل العرف علی المعنی المقصود، فیکفی أن یقول البائع: بعت، أو ملکت، أو نحو ذلک، و یکفی ان یقول المشتری فی القبول قبلت، أو رضیت، أو اشتریت، أو ابتعت، و نحو ذلک.
و یصح أن یوقع العقد بلفظ المضارع، فیقول البائع للمشتری:
أملکک هذه الدار أو أبیعک إیاها بقصد إنشاء البیع و التملیک، و یقول المشتری: أقبل منک هذا البیع أو هذا التملیک، علی أن یراد منهما نقل المال بالفعل لا فی المستقبل.
و لا یضر فی صحة العقد وقوع اللحن فیه إذا کان اللحن لا یغیر المعنی عند أهل المحاورة، و لا یضر بدلالة اللفظ، و اما إذا کان مما یتغیر به المعنی أو مما یضر بدلالة اللفظ علی المقصود فالظاهر عدم صحة العقد.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 35

المسألة 58:

الأحوط لزوما عدم تقدیم القبول علی الإیجاب ان لم یکن الأقوی عدم جواز ذلک، نعم، یصح أن یکون الإیجاب من المشتری، فیقول اشتریت هذا المال بکذا، أو تملکته أو ابتعته، فیقبل البائع منه الاشتراء، أو التملک أو الابتیاع، و یصح ان ینشأ القبول بلفظ شریت، أو بعت أو ملکت.

المسألة 59:

إذا قال الشخص الذی یرید شراء السلعة لمالکها: بعنی سلعتک هذه بدینار فقال المالک بعتک السلعة بدینار لم یکف ذلک فی صحة العقد حتی یقول المشتری بعده: قبلت أو رضیت أو نحو ذلک من ألفاظ القبول، و قد ذکرنا انه لا یکفی تقدیم القبول علی الإیجاب.

المسألة 60:

انما یکون الإیجاب بلفظ ملکت فی الموارد التی یکون أثر البیع فیها تملک المبیع، فلا یجری فی الموارد التی لا یتحقق فیها هذا الأثر، کما إذا اشتری ولی الزکاة و هو الحاکم الشرعی بسهم سبیل اللّٰه من مال الزکاة دارا أو عینا أخری لتبقی فی سهم سبیل اللّٰه کذلک و یکثر الانتفاع بها فی هذا السبیل، فلا یکون الإیجاب فی هذا البیع بلفظ ملکت، و لا یکون القبول بلفظ تملکت أو بلفظ ملکت حیث لا ملکیة لأحد فی هذا الفرض، بل یکون الإیجاب و القبول فیه بألفاظ العقد الأخری.

المسألة 61:

إذا أنشأ البائع الإیجاب ثم انصرف عن البیع قبل أن یحصل القبول من المشتری لم یتحقق العقد و بطل الإیجاب و ان لم یکن الفصل بینه و بین القبول طویلا، فإذا أنشأ المشتری القبول بعد انصراف البائع لم یؤثر العقد شیئا.
و إذا أنشأ البائع الإیجاب و لم یأت المشتری بالقبول حتی طالت المدة جدا فیشکل الحکم بصحة العقد و ان لم ینصرف البائع عن البیع، بل الظاهر البطلان لخروج الإیجاب و القبول بهذا الفصل الطویل عن عنوان
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 36
المعاقدة بین المتبایعین، و هذا المقدار هو المعتبر من الموالاة اللازمة بین الإیجاب و القبول.
و لا یشترط وحدة المکان للموجب و القابل، فإذا تقابلا علی إله الهاتف مثلا و أنشأ أحدهما الإیجاب و قبل الآخر، صح العقد و ترتب الأثر و ان کان بینهما فاصل کبیر من المسافة بین البلدین أو المکانین.

المسألة 62:

یشترط فی صحة العقد التطابق بین الإیجاب و القبول فی جمیع ما یذکر فیهما من ثمن و مثمن و شرط و خصوصیة و غیر ذلک من توابع العقد، فإذا قال البائع للمشتری بعتک الدار الواقعة فی شارع کذا من مدینة النجف بألف دینار عراقیة تدفعها بعد خمسة أیام إلی وکیلی فلان و اشترطت علیک أن تخیط لی هذا الثوب فی مدة یومین، فالقبول المطابق: أن یقول المشتری: قبلت لنفسی شراء الدار الواقعة فی شارع کذا من النجف بألف دینار عراقیة أدفعها بعد خمسة أیام إلی وکیلک فلان علی أن أخیط لک هذا الثوب فی مدة یومین، و یکفی التطابق الإجمالی فی صحة العقد، فیقول قبلت شراء الدار المعینة بالثمن المذکور علی الشروط المذکورة، أو یقول: قبلت الشراء علی ما ذکرت.

المسألة 63:

و لا یصح العقد إذا اختلف القبول عن الإیجاب و لم یردا علی مورد واحد، أو اختلفا فی بعض الخصوصیات و التوابع المذکورة فیهما، کما إذا قال البائع: بعتک هذا الحمار بدینار، فقال المشتری قبلت شراء هذا الفرس بدینار، أو قال البائع: بعتک فرسی هذا بدینار عراقی فقال المشتری: قبلت شراء فرسک هذا بدینار بحرانی، و کما إذا قال:
بعتک هذه السلعة بخمسة دنانیر تدفعها نقدا فقال المشتری قبلت شراء السلعة بخمسة دنانیر أدفعها بعد شهر، أو قال البائع بعتک هذا المتاع بعشرة دنانیر علی أن تخیط له هذه الجبة، فقال المشتری قبلت شراء المتاع من غیر شرط أو قال: علی أن أخیط لک هذا الثوب، فلا یصح العقد فی جمیع هذه الفروض لعدم تطابق الإیجاب و القبول علی شی‌ء واحد.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 37
و کذلک إذا قال البائع بعتک هذا المتاع بدینار فقال المشتری قبلت شراء نصف المتاع بنصف دینار، أو قال البائع بعت هذه السلعة من موکلک فلان بکذا، فقال المشتری قبلت الشراء لنفسی بالثمن المعین، فلا یصح العقد لعدم التطابق المطلوب.

المسألة 64:

إذا قال البائع بعتک هذه الدار بألف دینار، فقال المشتری قبلت شراء کل نصف من الدار بخمسمائة دینار، صح العقد لحصول التطابق ما بین الإیجاب و القبول فان الاختلاف المذکور بینهما انما هو بالإجمال و التفصیل، و إذا قال البائع للوکیل و هو بحضور الموکل بعت هذه الدار من موکلک فلان بألف دینار، فقال الموکل نفسه قبلت الشراء لنفسی بالثمن المذکور صح العقد و ان کان المخاطب بالإیجاب هو الوکیل.
و إذا قال البائع لشخصین حاضرین بعتکما هذا المتاع بألف دینار فقال کل واحد منهما قبلت شراء نصف المتاع لنفسی بخمسمائة، فالظاهر الصحة، نعم إذا قبل أحد الشخصین شراء النصف بخمسمائة لنفسه و لم یقبل الآخر لم یصح العقد لعدم التطابق.

المسألة 65:

إذا تعذر النطق علی الإنسان لخرس أو مرض أو شدة ضعف أو نحو ذلک فلم یستطع إنشاء الإیجاب أو القبول باللفظ کفاه ان ینشئ ذلک بالإشارة التی تفهم المقصود، و الظاهر کفایة الإشارة له و ان تمکن من التوکیل علی الإنشاء.
و إذا تمکن العاجز عن النطق من الکتابة جاز له أن ینشئ الإیجاب أو القبول بالإشارة أو بالکتابة مع القدرة علیهما معا فیکون مخیرا فی إنشاء العقد بأیهما أراد، و إذا عجز عن النطق و عن الإشارة کفاه أن ینشئ العقد بالکتابة.
و إذا کان الإنسان قادرا علی النطق ففی جواز إنشاء الإیجاب أو
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 38
القبول بالکتابة إشکال و لا یبعد القول بالصحة و لا ینبغی ترک الاحتیاط.

المسألة 66:

یصح إنشاء البیع بالمعاطاة، و هی أن یدفع البائع عین المال المبیع إلی المشتری و یقصد بدفعه المال إنشاء بیع ذلک المال للمشتری بالعوض فیکون ذلک منه إیجابا للبیع بالفعل کالإیجاب باللفظ، و یدفع المشتری عین الثمن للبائع بقصد إنشاء القبول بدفعه، فیتم العقد بالإیجاب و القبول الفعلیین و یصح البیع علی الأقوی و تترتب آثاره من غیر فرق بین المبیع الحقیر و الخطیر.
و تصح المعاطاة أیضا بدفع الشی‌ء المبیع من قبل البائع، و تسلمه من قبل المشتری، فیقصد البائع بدفع المال المبیع إلی المشتری إنشاء البیع علیه بالثمن المعلوم بینهما، و یقصد المشتری بقبضه الشی‌ء و تسلمه من البائع إنشاء قبول التملک لذلک الشی‌ء بالعوض المعلوم فیتم الإیجاب و القبول بذلک و یصح البیع و تترتب آثاره علی الأقوی و ان لم یعط المشتری شیئا، و یتحقق هذا النوع من المعاطاة فی المواضع التی یکون الثمن فیها کلیا فی الذمة.
و تصح المعاطاة کذلک بدفع المشتری الثمن المعین للبائع و قبضه من قبل البائع، فیقصد المشتری بدفع الثمن المعین إلی البائع إنشاء ابتیاعه للشی‌ء المبیع و تملکه من البائع بالثمن المعین الذی دفعه الیه، و یقصد البائع بقبضه الثمن من المشتری إنشاء قبول الابتیاع و التملک الذی أنشأه المشتری بالثمن المعین، فیتم الإیجاب و القبول بهذا الفعل منهما و یصح البیع و تترتب آثاره و ان لم یعط البائع منه شیئا، و یتحقق هذا النوع من المعاطاة فی المواضع التی یکون المبیع فیها کلیا فی الذمة.

المسألة 67:

المعاطاة بیع من البیوع فیشترط فیه جمیع ما یشترط فی البیع من الشروط الآتی ذکرها، سواء کانت من شرائط العقد أم من شرائط العوضین أم من شرائط المتعاقدین فإذا فقد منها بعض تلک الشروط
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 39
لم یصح البیع کما فی البیع العقدی، و کذلک فتجری فی المعاطاة أحکام بیع الصرف، و بیع السلم، و بیع النسیئة و شرائطها، و حرمة الربا و أحکام سائر البیوع الأخری و شرائطها، إذا تحققت فی المعاطاة مواضیع تلک البیوع.

المسألة 68:

الأقوی أن بیع المعاطاة کالبیع العقدی لازم من الطرفین، فلا یجوز لأحدهما فسخ البیع إلا إذا وجدا أحد الخیارات التی تذکر فی مباحث الخیار فی البیع، أو تحصل الإقالة من الطرفین، و لا یتوقف لزوم المعاطاة علی وجود احد الملزمات التی یذکرها القائلون بأنها تفید الملک الجائز.

المسألة 69:

لا یختص جریان المعاطاة فی البیع، بل تجری علی الأقوی فی جمیع المعاملات حتی الإیقاعات منها کالرهن و الوقف، نعم لا تجری المعاطاة فی النکاح و لا فی الطلاق و لا العتق، و لا فی تحلیل الأمة و لا فی النذر و الیمین.

المسألة 70:

الأقوی أن بیع المعاطاة قابل للشرط فیه کالبیع العقدی، سواء کان المراد شرط خیار الفسخ فی مدة معینة أم شرط فعل أم أی شرط آخر یصح جعله فی العقد، فإذا حصل التعاطی بین المتبایعین بقصد إنشاء البیع کما تقدم، و قال أحدهما فی ضمن تعاطیهما: جعلت لی خیار فسخ المعاملة إلی مدة سنة مثلا و قبل الثانی بذلک صح شرط الخیار و لزم العمل به و کذا غیره من الشروط التی یراد ذکرها فیه.

المسألة 71:

التعلیق فی البیع قد یکون علی شی‌ء غیر حاصل فی حین العقد، و هذا یقع علی نحوین فقد یکون الشی‌ء الذی علق علیه البیع معلوم الحصول فی ما بعد ذلک، و قد یکون مجهول الحصول فقد یحصل فی ما بعد و قد لا یحصل، و مثال الأول أن یقول البائع، و هو فی شهر رمضان بعتک
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 40
هذا المتاع إذا هل هلال شوال، فان هلال شوال غیر حاصل حین العقد، و لکنه معلوم التحقق فی ما بعد ذلک، و مثال الثانی، أن یقول للمشتری بعتک هذا المتاع إذا وضعت زوجتک ولدا ذکرا، فان الولد الذکر الذی علق البیع علی وضعه لیس موجودا حال العقد حسب الفرض، و هو مشکوک التحقق فی ما یأتی، فقد لا تضع الزوجة شیئا، و قد تضع أنثی، و قد تضع ذکرا، و الأحوط لزوما عدم صحة تعلیق البیع فی کلتا الصورتین، فلا یصح البیع فیهما.
الصورة الثالثة أن یعلق البیع علی وجود شی‌ء قد یکون حاصلا حین العقد، و قد یکون غیر حاصل و لکن البائع و المشتری یجهلان حصوله حین العقد، و مثال ذلک أن یقول البائع لصاحبه بعتک المتاع إذا کان هذا الیوم هو أول الشهر، و کان الطرفان یجهلان ذلک، و الأحوط لزوما عدم صحة التعلیق فی هذه الصورة أیضا، فلا یصح البیع کما فی الصورتین السابقتین.
الصورة الرابعة ان یعلق البیع علی وجود شی‌ء و هو حاصل حین العقد، و الطرفان معا یعلمان بحصوله، کما إذا قال له بعتک المتاع إذا کان هذا الیوم هو أول الشهر، أو إذا کان الیوم هو یوم الجمعة، و هما معا یعلمان بأنه أول الشهر و انه یوم الجمعة، و الظاهر الصحة فی هذه الصورة فیکون البیع صحیحا فیها.

المسألة 72:

إذا وقع العقد فاسدا، و قبض المشتری المال المبیع، فان کان المشتری یعلم بأن مالک المال و هو البائع یرضی له بأن یتصرف فی ماله و ان کان العقد فاسدا، جاز له التصرف فیه بمقدار ما یعلم رضی المالک به من التصرف.
و ان کان لا یعلم بذلک لم یکن له التصرف فیه، و وجب علیه رد المال الی مالکه علی الأحوط ان لم یکن هو الأقوی، و إذا تلف المال وجب علیه رد عوضه الی مالکه، فیرد الیه مثله إذا کان المال مثلیا و یرد له
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 41
قیمته إذا کان قیمیا، سواء کان المشتری عالما بهذا الحکم أم جاهلا به، و سواء کان التلف بآفة سماویة أم بغیرها من أسباب التلف.
و کذلک حکم البائع إذا قبض الثمن بالعقد الفاسد، و إذا باع المشتری أو البائع ما قبضه بالعقد الفاسد کان بیعه فضولیا، فإذا أجاز المالک بیعه صح، و ان لم یجزه بطل و سیأتی تفصیل أحکام البیع الفضولی فی الفصل الآتی ان شاء اللّٰه تعالی، و سیأتی فیه أیضا بیان الفارق ما بین المثلی و القیمی من المال.

الفصل الثالث فی شرائط المتعاقدین

المسألة 73:

لا یصح عقد البیع من البائع و لا من المشتری إلا مع وجود الشروط الآتی بیانها. و هی عدة أمور: الأول أن یکون کل من البائع و المشتری بالغا، فلا یصح أن یبیع الصغیر ماله، سواء کان ممیزا أم غیر ممیز إذا کان بیعه بغیر اذن ولیه، و کذا لا یصح شراؤه لنفسه.
و لا یصح بیعه و لا شراؤه لنفسه إذا کان باذن ولیه، و کان الصغیر مستقلا فی إیقاع المعاملة فلا یکون البیع و لا الشراء صحیحا منه.
و إذا قام الولی بالمعاملة فی مال الصبی، ثم وکل الولی الصبی نفسه فی أن ینشئ صیغة البیع فالأقوی صحة هذه المعاملة إذا کان الصبی ممیزا، و مثله الحکم فی توکیله علی قبول الشراء إذا أتم الولی المعاملة، و هذا کله فی الأمور الخطیرة، و اما فی الأمور غیر الخطیرة فلا یبعد الحکم بصحة معاملة الصبی الممیز فیها مع اذن الولی و ان کان مستقلا فیها، و قد جرت علی ذلک سیرة المتشرعة بل سیرة العقلاء من الناس، فیتولی الصبی الممیز شراء بعض الحاجات الصغیرة و یتولی بیعها بلا نکیر.

المسألة 74:

الظاهر صحة معاملة الصبی غیر البالغ فی مال غیره إذا کان ممیزا و کانت معاملته بالوکالة من مالک المال و اذنه، فیصح له بیع مال الغیر
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 42
إذا وکله فی بیعه، و یصح شراؤه له إذا وکله فی الشراء و ان لم یأذن ولی الصبی له بذلک.

المسألة 75:

الثانی من الشروط ان یکون کل من البائع و المشتری عاقلا، فلا یصح بیع المجنون و لا شراؤه، سواء حصل منه قصد إنشاء البیع فی إیجابه و قصد إنشاء الرضا فی قبوله أم لم یحصل، و سواء کان جنونه مطبقا أم أدوارا إذا کان مجنونا غیر مفیق فی حال إجراء المعاملة، و سواء کانت المعاملة فی ماله أم فی مال غیره، و سواء أذن له ولیه بالمعاملة أم لا.

المسألة 76:

الثالث من الشروط أن یکون کل من البائع و المشتری قاصدا للمعاملة حین إجرائها، فلا یصح الإیجاب و لا القبول من غیر القاصد کما إذا کان هازلا فی قوله أو غالطا أو ساهیا فأوقع الإیجاب أو القبول کذلک.

المسألة 77:

الرابع من الشروط ان یکون کل من البائع و المشتری مختارا فی إجراء المعاملة بینه و بین صاحبه فلا یصح بیع المکره علی البیع و لا یصح شراء المکره علی الشراء.
و المکره هو من یرغمه غیره علی إیقاع البیع أو علی الشراء، و یخشی من وقوع إضرار المتوعد به إذا هو خالف قوله فلم یبع أو لم یشتر، سواء کان الإضرار المترقب وقوعه علی المخالفة فی نفس المکره أم فی شأنه أم فی عرضه أم فی ماله أم فی أحد متعلقیه الذین یکون الإضرار بهم إضرارا به نفسه.
و لیس من الإکراه ان یأمره الظالم بالبیع، فیبیع و هو غیر کاره لذلک.
و لیس من الإکراه ان یرغمه الظالم علی دفع مبلغ من المال أو علی إنفاذ مشروع یتطلب إنفاذه صرف مبلغ من المال، أو علی بناء موضع یفتقر الی ذلک، فیضطر الی بیع داره للقیام بذلک فیصح البیع فی جمیع هذه الصور.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 43

المسألة 78:

إذا أمکن للرجل أن یتخلص من الضرر الذی توعده به المکره بأن یوقع صورة البیع مثلا من دون قصد للمعنی الحقیقی من البیع أو یأتی بصیغة البیع بنحو التوریة بأن یرید بقوله بعت داری الاخبار عن بیع سابق لداره، أو یستعین ببعض الناس ممن یمکنهم دفع المکروه الذی توعده به الظالم أو نحو ذلک مما یتیسر له و یمکن به دفع الظلم، فالظاهر عدم صدق الإکراه مع ذلک، فإذا هو لم یفعل شیئا من هذه الأمور مع التفاته الیه و تمکنه منه و باع داره وقع البیع صحیحا لأنه غیر مکره علیه کما ذکرناه.

المسألة 79:

إذا أکرهه الظالم الذی یخشی إضراره علی بیع أحد شیئین یملکهما و جعل له الخیار فی بیع أیهما شاء، فباع أحد الشیئین باختیاره کان مکرها علیه و بطل بیعه، فإذا کان یملک سیارة لحاجاته أو لاکتسابه، و یملک دکانا للإجارة أو للعمل فیه، فأکرهه علی بیع أحدهما، فباع السیارة أو الدکان و هو کاره لبیعهما بطل البیع لتحقق الإکراه، و تخییره فی بیع أیهما شاء لا یرفع الإکراه، و إذا باع الثانی بعده لم یکن مکرها علیه فیصح البیع فیه، و إذا باعهما معا دفعة واحدة فالظاهر بطلان البیع فیهما جمیعا.

المسألة 80:

إذا أکرهه علی بیع عبده فباع العبد المکره علیه مع زوجته، أو باعه مع ولده، بطل البیع فی العبد المکره علیه، و صح بیع الأمة زوجة العبد فی المثال الأول و صح بیع ولد العبد فی المثال الثانی لعدم الإکراه فیهما.

المسألة 81:

انما یکون الشی‌ء مکرها علی بیعه إذا کان المالک کارها لبیعه و انما باعه مرغما لخوف الضرر الذی توعده به الظالم کما تقدم، فإذا أکرهه علی بیع سیارته أو دکانه و خیره بینهما، و کان المالک کارها لبیع السیارة و غیر کاره لبیع الدکان مثلا، و الظالم یری انه کاره لبیعهما
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 44
معا فالظاهر عدم تحقق الإکراه إذا باع أحدهما، أما الدکان فلانه غیر کاره لبیعه کما هو المفروض، و اما السیارة، فلانه یمکنه التخلص من الضرر الذی توعد به المکره علی بیعها بأن یبیع الدکان بدلا عنها و هو غیر کاره لبیعه کما ذکرنا، فلا یصدق معه الإکراه علی بیع السیارة و قد تقدم ذلک فی المسألة الثامنة و السبعین و نتیجة لذلک فإذا باع أحدهما فی الفرض المذکور صح البیع.

المسألة 82:

إذا أکره الظالم زیدا و عمرا علی بیع مال أحدهما، و خیرهما فی ذلک و توعدهما بالمکروه ان هما خالفا قوله و لم یبیعا جمیعا، فإذا باع أحدهما ماله کان مکرها علی فعله و وقع بیعه باطلا إلا إذا علم قبل بیعه بأن صاحبه الآخر مقدم علی بیع ماله، فسبقه هو الی البیع، فإنه لا یکون مکرها علی البیع فی هذه الصورة.
و إذا باع أحد الرجلین ماله مکرها علی النهج المتقدم، ثم باع صاحبه ماله بعده کان بیع الثانی صحیحا غیر مکره علیه.

المسألة 83:

إذا باع الإنسان ماله مکرها علی بیعه بطل بیعه کما ذکرناه، فإذا زال الإکراه بعد ذلک و أمن من وعید الظالم و رضی بالبیع السابق الذی أوقعه صح البیع و کان لازما.
فبطلان بیع المکره انما هو کبطلان بیع الفضولی الذی سیأتی بیان حکمه فی المسائل الآتی ذکرها، ان لحقته اجازة المالک و رضاه بعد زوال الإکراه صح و نفذ، و ان لم تلحقه الإجازة کان فاسدا.
بل یکفی فی صحة البیع و نفوذه ان یجیزه المالک و یرضی به و ان کانت حالة الإکراه لا تزال موجودة و کان الظالم لا یزال مخشی الوعید، و لکن المالک ترجح له أن یجیز البیع لأمور طارئة کما إذا أراد النزوح من ذلک البلد مثلا أو شبه ذلک من المرجحات الطارئة.

المسألة 84:

الخامس من الشروط ان یکون کل من البائع و المشتری جائز التصرف
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 45
فی المال، و لذلک فلا بد و ان یکون هو المالک للمال أو یکون وکیلا عنه أو مأذونا من قبله أو ولیا علیه، و إذا کان هو المالک فلا بد و ان یکون غیر محجور عن التصرف فیه لطروء أحد أسباب الحجر، کما إذا کان عبدا مملوکا أو صغیرا أو سفیها أو مفلسا، فلا یصح بیع البائع و لا قبول المشتری إذا کان غیر جائز التصرف و یسمونه عقد الفضولی و المراد بعدم الصحة فیه هو عدم النفوذ فی العقد، فإذا لحقته الإجازة ممن بیده أمر التصرف شرعا صح البیع و نفذ و لزم، و ان لم تلحقه الإجازة منه کان فاسدا.

المسألة 85:

إذا باع الفضولی مال غیره، و لما بلغ ذلک صاحب المال رد البیع أولا ثم بدا له فأجاز البیع بعد الرد، فذهب المشهور من العلماء قدس اللّٰه أسرارهم إلی بطلان الإجازة و فی الحکم ببطلان الإجازة و بطلان البیع اشکال، و لا بد من الاحتیاط بالتخلص بالصلح فی المال و فی النماءات.
و إذا بلغ المالک بیع الفضولی لماله، فأجاز البیع أولا ثم بدا له فرد البیع بعد أجازته، فلا أثر للرد المتأخر بعد الإجازة، فیکون البیع صحیحا.

المسألة 86:

إذا منع صاحب المال الفضولی عن أن یبیع ماله، فباعه الفضولی بعد المنع، لم یختلف حکمه عما تقدم، فإذا علم المالک بالبیع و أجازه صح، و لم یؤثر المنع السابق شیئا.

المسألة 87:

إذا علم الفضولی ان صاحب المال یرضی ببیعه له، فباعه، لم یکف ذلک فی صحة البیع و لم یختلف الحکم عما سبق، فلا یصح البیع الذی أوقعه إلا بالإجازة، و کذلک حکم المشتری فلا یجوز له التصرف فی المال الا بعد الإجازة لبیع الفضولی أو لشراء الفضولی.

المسألة 88:

قد یقصد الفضولی حینما یبیع مال الغیر انه یبیع المال لمالکه، فإذا أجاز المالک البیع صح کذلک، فیکون المبیع ملکا للمشتری و یکون
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 46
الثمن ملکا لصاحب المال عوضا عن ماله. و قد یقصد حینما یبیع المال انه یبیعه لنفسه، لأنه یعتقد انه هو مالک المال کما فی الغاصب و شبهه، أو لأنه یبنی علی ذلک اما علی توهم أو علی تشریع، فإذا أجاز المالک البیع، صح البیع للمالک أیضا کما فی الصورة الأولی و کان الثمن له لا للفضولی، لأنه بدل عن ماله، لا عن مال الفضولی. و کذلک الأمر فی المشتری إذا کان هو الفضولی فاشتری بمال الغیر، فلا یختلف حکمه عن البائع الفضولی، سواء اشتری للمالک أم لنفسه.

المسألة 89:

الإجازة هی اللفظ الدال علی رضا المالک بالتصرف الذی أوقعه الفضولی فی ماله و علی إنفاذ تصرفه، و لذلک فیعتبر أن یکون اللفظ ظاهر الدلالة علی ذلک بحسب متفاهم أهل المحاورة، کما إذا قال بعد اطلاعه علی بیع الفضولی أمضیت البیع أو العقد أو أجزته، أو أنفذته، أو رضیت به و أمثال ذلک، و یکفی ان یدل علی ذلک بالکنایة کما إذا قال لمشتری المال بارک اللّٰه لک فیه، أو تصرف فیه کما ترید.
و یصح ان یدل علی ذلک بالفعل الکاشف عن رضاه بالعقد، فإذا أخذ الثمن أو باعه أو أذن لأحد فی بیعه أو أجاز العقد الذی أوقعه البائع علیه، أو وهبه لأحد، أو وفی به دینار أو دفعه صداقا کفی ذلک و کان اجازة منه للبیع.
و لا یکفی مجرد الرضا النفسی بالبیع ما لم یدل علیه بقول أو فعل.

المسألة 90:

إذا أجاز مالک المال البیع الفضولی صح البیع کما تقدم و کانت الإجازة کاشفة عن صحة العقد من حین وقوعه کشفا انقلابیا، و المراد بالکشف الانقلابی أن عقد الفضولی قبل أن تتحقق الإجازة له من المالک لا یکون له أی أثر فی نظر الشارع و لا تترتب علیه الملکیة، و لکنه حینما تتحقق الإجازة له من مالک المال بعد ذلک تشمله أدلة نفوذ العقود و عمومات وجوب الوفاء بها فیکون موجبا للملکیة الشرعیة للمشتری من حین صدور العقد من الفضولی لا من حین وقوع الإجازة
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 47
من المالک فان ذلک هو مضمون العقد الذی تعلقت به الإجازة، و إذا تحققت الملکیة الشرعیة بذلک للمشتری من حین وقوع العقد وجب ترتیب آثارها و أحکامها منذ ذلک الحین، فیکون المشتری هو المالک الشرعی للنماءات التی تجددت للمبیع فی هذه المدة، و یکون البائع و هو مالک المال هو المالک الشرعی للنماءات التی تجددت للثمن کذلک.

المسألة 91:

إذا اعتقد الرجل أنه ولی علی مالک المال أو اعتقد أنه وکیل عنه فباع المال بالولایة أو الوکالة عنه، ثم علم بعد البیع انه أجنبی عن صاحب المال و لیس ولیا علیه و لا وکیلا عنه کان فضولیا فإن أجاز مالک المال بیعه صح، و ان لم یجزه کان باطلا.
و إذا باع المال و هو یعتقد أنه فضولی لا صلة له بصاحب المال ثم علم بعد اجراء البیع أنه ولی علی المالک أو انه وکیل عنه فی بیع المال، فالأقوی صحة بیعه و لا حاجة فی نفوذه إلی إجازة منه.
و إذا باع المال و هو یعتقد انه فضولی کذلک، ثم علم بعد ما أجری البیع انه هو مالک المال، ففی صحة البیع اشکال، و لعل الأقوی فی هذه الصورة توقف صحة البیع علی أجازته نفسه بعد ما علم بأنه هو المالک.

المسألة 92:

إذا باع الرجل مال غیره بالعقد الفضولی و لم یجز المالک البیع، ثم اشتری البائع الفضولی المال من مالکه الأول، أو انتقل الی ملکه بهبة من المالک أو بصلح أو بغیر ذلک من المعاملات الشرعیة الأخری، فلا یصح بیعه الذی أجراه علی المال فضولا بذلک، بل یکون البیع باطلا، و لا یصح إذا أجازه البائع بعد ما ملکه.
و إذا باع المال فضولا، ثم انتقل المال الی ملکه بالإرث من مالکه الأول، فللصحة وجه، و خصوصا إذا أجاز البیع بعد ما ملک المال، و لا یترک الاحتیاط بالمصالحة بینه و بین المشتری عن المال و عن النماء المتجدد.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 48

المسألة 93:

إذا باع الرجل مال غیره بالعقد الفضولی و لم یجز المالک البیع، ثم انتقل المال الی مالک آخر، جری فیه التفصیل الآنف ذکره فی المسألة المتقدمة، فإذا انتقل المال الی المالک الآخر بسبب اختیاری کالبیع و الهبة و غیرهما من الأسباب الاختیاریة الموجبة للملک، فالظاهر بطلان البیع الفضولی السابق، و لا تصححه اجازة المالک الجدید له إذا هو أجازه، و إذا انتقل المال الی المالک الجدید بالإرث من المالک الأول فللصحة وجه و خصوصا مع الإجازة، و لا یترک الاحتیاط کما تقدم.

المسألة 94:

إذا باع الفضولی مال غیره و کان المالک حین العقد غیر نافذ التصرف فی المال لأحد الأسباب المانعة من جواز التصرف، کما إذا کان عبدا مملوکا أو صغیرا، أو مجنونا أو سفیها أو غیر ذلک من الموانع، ثم ارتفع عنه المانع، فالظاهر صحة البیع إذا أجازه المالک بعد ارتفاع الحجر عنه.

المسألة 95:

لا ریب فی ان المال المبیع لا یزال مملوکا لمالکه الأول، و لا یخرج عن ملکه إلا إذا تحققت أجازته للعقد الفضولی کما تقدم ذکر ذلک مرارا، ثم أن هاهنا صورا تجب مراعاتها لتطبیق بقیة أحکام المال المذکور.
(الصورة الأولی): أن یکون المال المبیع لا یزال بید مالکه، فلم یقبضه البائع الفضولی و لم یدفعه إلی المشتری، و لا إشکال فی الحکم فی هذه الصورة، فالبیع یکون باطلا، فان المفروض ان المالک لم یجز البیع، و المال لصاحبه، و هو بیده و لا حق فیه لأحد سواه.
(الصورة الثانیة): أن یکون البائع الفضولی قد قبض المال المبیع من مالکه و لم یدفعه إلی المشتری، و لا ریب فی انه یجوز لمالک المال ان یرجع علی البائع الفضولی بماله فیأخذ منه عین ماله إذا کانت موجودة، و یرجع علیه ببدلها إذا کانت تالفة فیأخذ منه مثلها إذا کانت العین مثلیة، و قیمتهما إذا کانت قیمیة. و سیأتی بیان المیزان فی ذلک.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 49
(الصورة الثالثة): أن یکون البائع الفضولی قد قبض المال المبیع و دفعه الی المشتری، فإذا کانت عین المال لا تزال موجودة تخیر المالک بین أن یطالب البائع الفضولی بردها الیه و أن یطالب بها المشتری و إذا کانت عین المال تالفة جاز له أن یرجع ببدلها من المثل أو القیمة علی أیهما شاء، و کذلک الحکم إذا تعددت الأیدی التی استولت علی المال و تعاقبت، فللمالک أن یرجع بالبدل علی أیهم أراد.
و إذا رجع المالک بالبدل علی صاحب الید السابقة علی ماله کان لهذا أن یرجع بما غرمه للمالک علی صاحب الید اللاحقة، إذا لم یکن هذا اللاحق مغرورا من قبله، و إذا کان مغرورا منه لم یرجع علیه، و إذا رجع علی صاحب الید اللاحقة رجع هذا علی لاحقه کذلک الی أن یستقر الضمان علی من تلف عنده المال و إذا رجع المالک علی صاحب الید اللاحقة لم یرجع هذا علی السابق علیه الا إذا کان السابق قد غره، فیرجع علیه.
و یجوز للمالک أن یرجع ببدل ماله علی أصحاب الأیدی جمیعهم بالتساوی أو بالتفاوت.

المسألة 96:

کما یجوز لمالک المال أن یرجع علی البائع الفضولی إذا هو استولی علی ماله، و علی کل من استولت یده علی المال، فله أن یأخذ عین ماله منه إذا کانت موجودة و له أن یأخذ منه مثلها أو قیمتها إذا کانت العین تالفة کما ذکرناه فی المسألة المتقدمة. فکذلک الحکم فی منافع ماله التی استوفیت فی هذه المدة، فیجوز له أن یرجع بها علی من استوفاها، و إذا تعددت الأیدی التی استولت علی المال و تعاقبت کان للمالک الرجوع بعین المال أو ببدلها و بمنافعها المستوفاة علی أیهم أراد علی نهج ما سبق، و إذا رجع المالک علی صاحب الید السابقة منهم جاز لهذا أن یرجع علی صاحب الید من بعده بما غرمه للمالک، حتی یستقر الضمان علی من استوفی المنفعة، إلا إذا کان اللاحق مغرورا من السابق، فإذا کان مغرورا منه فلیس له الرجوع علیه.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 50
و کذلک الحکم فی الزیادات العینیة للمال، التی استولی علیها صاحب الید بتبع استیلائه علی العین کاللبن و الصوف و الوبر و الشعر و البیض و غیر ذلک مما تکون له مالیة فی نظر أهل العرف، فهی مضمونة کذلک علی صاحب الید العادیة.
و أما المنافع الفائتة غیر المستوفاة ففی ضمانها اشکال، فلا یترک فیها الاحتیاط.

المسألة 97:

إذا دفع المشتری الثمن أو بعضه إلی البائع الفضولی، و لم یجز المالک البیع، جاز للمشتری ان یأخذ عین ماله من البائع إذا کانت موجودة، سواء کان عالما بأن البائع فضولی باعه مال غیره أم کان جاهلا بذلک، و کذلک إذا تلفت عین الثمن و کان المشتری جاهلا مغرورا من البائع فیرجع علیه بمثل الثمن التالف إذا کان مثلیا، و بقیمته إذا کان قیمیا، و یشکل الحکم إذا کان المشتری عالما بالحال، و ان کان الأقوی ان له الرجوع علی البائع بمثل الثمن أو قیمته حتی فی هذه الصورة.

المسألة 98:

المشتری الفضولی کالبائع الفضولی فی الأحکام، فإذا اشتری الإنسان بمال غیره فضولا، لم یصح منه الشراء إلا بإجازة مالک الثمن، فإن أجاز العقد صح، و الا کان لغوا لا أثر له، و جرت فیه جمیع الأحکام و الفروض التی تقدم بیانها فی البیع الفضولی و لا ضرورة لتکرارها.

المسألة 99:

المراد بالمثلی هو الجنس الذی تتساوی أجزاؤه فی القیمة السوقیة لأن أجزاءه تتقارب فی الصفات و الخواص التی تکون موضعا للرغبة بین الناس فی ذلک الجنس، کالحنطة، و الأرز، و الشعیر، و السمسم، و العدس، و الماش، و سائر أنواع الحبوب، و الأدهان و العقاقیر، و المراد بالقیمی ما یکون بخلاف ذلک من الأجناس، فلا تتساوی أجزاء
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 51
الجنس فی القیمة السوقیة، لأنها لا تتقارب فی الصفات، کالغنم و البقر و الإبل، و الخیل و البغال و الحمیر، و سائر أنواع الحیوان، و العبید و الإماء، و الأشجار و النخیل و الأرض و الدور، و الجواهر الأصلیة و أنواع المصوغات و المأکولات المعمولة.
و الظاهر أن من المثلی ما تنتجه المعامل و المصانع الحدیثة من أدوات و آلات و أقمشة و أثاث، بل و أجهزة و وسائل تبرید و تدفئة و إنارة و أمثال ذلک إذا کانت من إخراج مصانع و معامل متماثلة الإخراج لتقاربها فی الصفات المرغوبة و الموجبة لتساویها فی القیمة، فهی مثلیة، و ان کان ما تنتجه الأیدی و المعامل القدیمة من أشباهه مما یعد من القیمیات لعدم تساوی الأجزاء فی الصفات، کالمنسوجات القدیمة و البسط و الفرش.

المسألة 100:

إذا تلف الشی‌ء القیمی، فالمدار فی الضمان علی قیمته فی یوم تلفه علی الأقوی، لا علی قیمته فی زمان قبضه و لا فی زمان الأداء.

المسألة 101:

إذا وضع الإنسان یده علی مال لا یملکه هو و لا یملکه غیره أیضا، کالزکاة المعزولة قبل أن یدفعها الی المستحق، و کمال الوقف الذی جعله الواقف مصرفا یصرف فی بعض الجهات العامة أو الخاصة أو علی أن یصرف فی مصلحة معینة أو غیر معینة لشخص أو أشخاص، کبعض أوقاف الذریة التی توقف کذلک.
أقول: إذا وضع الإنسان یده علی بعض هذه الأموال فاستولی علیها من غیر حق، جاز لولی ذلک المال أن یرجع علیه بما أخذ، فینتزع المال منه إذا کان موجودا و یرجع علیه بمثله أو قیمته إذا کان تالفا علی النهج الآنف ذکره فی المسائل المتقدمة، و یرجع علیه کذلک بالمنافع التی استوفاها، و بالزیادات العینیة التی استولی علیها باستیلائه علی العین کما تقدم.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 52

المسألة 102:

إذا جمع الإنسان بین ما یملکه هو و ما یملکه غیره فباعهما معا صفقة واحدة، صح البیع فی المال الذی یملکه هو بحصته من الثمن، و توقفت صحة البیع فی مال غیره علی اجازة مالکه، فان أجازه صح، و ان لم یجزه کان باطلا، و کان للمشتری خیار تبعض الصفقة، فیجوز له أن یفسخ البیع فی ما یملکه البائع إذا أراد ذلک.
و کذلک الحکم إذا باع الإنسان مالا مشترکا بینه و بین غیره، و لم یجز الشریک البیع فی حصته من ذلک المال، فیصح البیع فی حصة البائع من المال بما یخصها من الثمن، و یبطل فی حصة شریکه، ثم یکون للمشتری خیار تبعض الصفقة، فیجوز له فسخ البیع فی حصة البائع نفسه.

المسألة 103:

إذا أرید معرفة ما یخص حصة البائع من الثمن و ما یخص حصة المالک الآخر منه فی المسألة المتقدمة، قوم کل واحد من المالین علی انفراده عند الثقات من أهل الخبرة تقویما صحیحا ثم نسبت کل واحدة من القیمتین علی انفرادها الی مجموع القیمتین، فیکون للحصة الواحدة منهما من الثمن بنسبة قیمتها الی مجموع القیمتین.
و مثال ذلک أن یقوم الخبراء الموثوقون مال البائع خاصة بمائة دینار مثلا، و یقوموا مال المالک الآخر خاصة بمائتی دینار، فیکون مجموع القیمتین ثلاثمائة دینار، و نسبة المائة دینار و هی قیمة مال البائع خاصة إلی مجموع القیمتین هی الثلث منه، و نسبة المائتین و هی قیمة مال المالک الآخر الی مجموع القیمتین هی الثلثان منه، و نتیجة لذلک فتثبت لکل واحد من المالین تلک النسبة نفسها من الثمن.
فإذا کان الثمن الذی باع به جمیع المال هو أربعمائة و خمسین دینارا کانت الحصة التی تخص مال البائع من الثمن هی مائة و خمسین دینارا و هی ثلث الثمن، و کانت الحصة التی تخص مال المالک الآخر من الثمن هی ثلاثمائة دینار، و هی ثلثا الثمن.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 53
و إذا کان لاجتماع المالین دخل فی زیادة القیمة و نقصها وجب أن یقوم کل واحد من المالین فی حال انضمامه الی الآخر، ثم تنسب قیمة کل واحد من المالین الی مجموع قیمتیهما، و یؤخذ من الثمن بتلک النسبة.
فإذا باع الرجل داره و هی تحتوی علی ما یصلح للسکنی الداخلیة فقط، و ضم إلیها بالبیع ملک رجل آخر تکمل به منفعة الدار لأنه یشتمل علی ما یصلح لمجلس الرجال و استقرار الضیوف منهم، أو لأنه یحتوی علی حدیقة منزلیة و ملعب للأطفال مما تزید به قیمة الدار و قیمة الحدیقة معا، و شبه ذلک، فلمعرفة نصیب المالین من الثمن یجب اتباع الطریق الآنف ذکره.

المسألة 104:

إذا کانت دار أو أرض أو بستان مشترکة بین مالکین علی السواء، فباع أحد الشریکین نصف الدار أو الأرض أو البستان، فظاهر العقد أن المراد بیع نصفه الذی یملکه من المبیع فیحمل علیه و ینفذ بیعه، و إذا دلت القرائن الخاصة علی أن المراد بیع النصف الذی یملکه شریکه کان من البیع الفضولی فلا ینفذ الا مع اجازة الشریک، و إذا دلت القرائن علی ان المراد بیع النصف مما یملکه هو و مما یملکه شریکه، صح البیع فی نصف حصته خاصة و کان فی نصف حصة شریکه من الفضولی فتتوقف صحته فیه علی الإجازة.

المسألة 105:

یجوز لأب الصبی غیر البالغ و لجدة أبی أبیه أن یتصرفا فی ماله بالبیع و الشراء و الإجارة و الصلح و المضاربة و أمثال ذلک من المعاملات فی ماله و ینفذ تصرفهما فیه، إذا لم تکن فی تصرفهما فیه مفسدة، و یستثنی من ذلک صورة واحدة، و هی ما إذا کان فی تصرفهما تفریط فی مصلحة الصغیر فلا ینفذ التصرف منهما فی هذه الصورة.
و مثال ذلک أن یضطر الأب أو الجد الی بیع مال الصغیر، فلا یجوز لهما فی هذه الحال أن یبیعا ماله بثمن المثل إذا أمکن لهما أن یبیعاه بأکثر من ثمن المثل، و لا یجوز لهما أن یبیعاه بأکثر من ثمن المثل بدرهم
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 54
مثلا إذا أمکن لهما بیعه بأکثر من ثمن المثل بدرهمین، و لو فی مکان آخر أو فی وقت آخر أو عند دلال آخر أو بمراجعة مشتر آخر، إذا عد ذلک تسامحا فی مصلحة الصغیر و تفریطا فیها فی نظر أهل العرف.

المسألة 106:

الأب و الجد أبو الأب و ان ارتفع بواسطتین أو أکثر ولیان شرعیان علی الصغیر و علی التصرف فی ماله کما تقدم، و کل واحد منهما ولی مستقل فی ولایته سواء وجد معه الآخر أم لم یوجد و سواء أذن له الآخر فی التصرف أم لا، و لا یشترط فی ولایتهما علی الصغیر أن یکون الأب و الجد عدلا، و لا یشترط فی صحة تصرفهما فی ماله وجود مصلحة فی التصرف، بل یکفی عدم المفسدة، عدا الصورة التی تقدم ذکرها فی المسألة المتقدمة.

المسألة 107:

لا تختص ولایة الأب و الجد أبی الأب علی الصغیر بماله فقط، بل لهما الولایة کذلک علیه نفسه، فلهما ان یؤجراه للعمل أو للخدمة أو یجعلاه أجیرا فی معمل أو دکان مدة معینة، و لهما أن یزوجاه و یتولیا عقد النکاح له، سواء کان ذکرا أم أنثی، و کذلک فی سائر شؤونه، و یستثنی من ذلک الطلاق، فلیس لهما ان یطلقا زوجته المعقودة له بالنکاح الدائم، و لا یطلقها الا هو بعد بلوغه و رشده، و هل یجوز للأب أو الجد أن یتولیا فسخ عقد النکاح عنه إذا حصل أحد أسبابه، فیه اشکال، و لا بد فی ذلک من مراعاة الاحتیاط، و کذلک الاشکال و لزوم مراعاة الاحتیاط فی أن یهبا مدة النکاح المنقطع لزوجته المتمتع بها.

المسألة 108:

لا ولایة لأحد من الأقارب علی مال الصغیر و لا فی شی‌ء من شؤونه لغیر الأب و الجد للأب، سواء کان أما أم جدا لأم، أم أخا کبیرا أم عما، أم غیرهم، و إذا تصرف أحد هؤلاء فی مال الطفل، أو فی نفسه، فباع أو اشتری أو آجر أو عقد له عقد نکاح لم یصح ذلک و کان فضولیا،
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 55
لا یصح الا بإجازة ولیه الشرعی أو اجازة الصغیر نفسه بعد بلوغه و رشده، إذا لم یرد العقد، علی ما تقدم فی أحکام العقد الفضولی.

المسألة 109:

یجوز للأب و للجد أبی الأب أن ینصب قیما علی الصغیر بعد وفاته، فیکون القیم المنصوب من أحدهما ولیا شرعیا عند اجتماع الشرائط فیه، و تنفذ منه جمیع التصرفات التی کانت تنفذ من الأب و الجد نفسهما فی مال الصغیر و فی شؤونه، فیجوز للقیم اجراء المعاملات فی مال الطفل من بیع و شراء و صلح و مضاربة و غیرها علی نهج ما سبق فی ولایة الأب و الجد، و یصح له أن یؤجر الطفل نفسه للعمل أو للخدمة أو لغیرهما علی حسب ما تقدم هناک، و یصح له أن یزوج الطفل إذا نص الموصی علی ذلک فی وصیته الیه.
و یشترط فی القیم الذی یجعله الأب أو الجد علی الطفل أن یکون رشیدا، و أن یکون أمینا، بل یشترط فیه أن یکون عدلا علی الأحوط.
و هل یصح أن ینصب الأب قیما علی ولده الصغیر من بعده، مع وجود الجد أبی الأب، أو ینصب الجد قیما علی أطفال ابنه بعد موته هو مع وجود أبیهم، فیه اشکال، و الأحوط عدم نصب القیم من أحدهما مع وجود الآخر منهما.

المسألة 110:

یشترط وجود المصلحة فی تصرف القیم الموصی إلیه من الأب أو الجد، و لا یکفی عدم المفسدة کما فی ولایة الأب و الجد نفسهما.
و المیزان فی کون تصرف الولی مشتملا علی المصلحة کما هو الشرط هنا، أن یکون کذلک فی نظر العقلاء من الناس، و لا یکفی أن یعتقد الولی نفسه بوجود المصلحة إذا کان العقلاء یجدونه مخالفا لذلک فلا یصح تصرفه فی هذه الصورة.
و إذا اعتقد هو وجود المصلحة فی تصرفه، فتصرف کما یعتقد، ثم استبان أن اعتقاده مطابق للواقع کان تصرفه صحیحا، و ان کان مخالفا لنظر العقلاء حین التصرف.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 56

المسألة 111:

إذا لم یکن للصغیر أب، و لا جد لأب، و لا وصی قیم علیه من أحدهما، فالولایة علیه فی التصرف فی أمواله و اجراء المعاملات فیها، للحاکم الشرعی، و هو الفقیه العادل، و التصرف منوط برأیه، من جهة لزوم مراعاة المصلحة فی ذلک و عدمه، و الأحوط استحبابا أن یقتصر فی ذلک علی ما یکون فی ترکه الضرر و الفساد.

المسألة 112:

إذا فقد الحاکم الشرعی أو تعذر الرجوع إلیه فی أمر أموال الصغیر، یرجع فی ذلک الی العدول من المؤمنین، فیجوز لهم التصرف فی أموال الطفل و اجراء المعاملات فیها، و الأحوط لزوما أن یقتصر فی ذلک علی ما إذا لزم الضرر من ترک التصرف، کما إذا خیف التلف علی مال الطفل، فیجوز للمؤمن العادل بیع العادل حذرا من ذلک.
و إذا تعذر وجود العدول المؤمنین فی هذه الحالة رجع الی الثقات منهم.

المسألة 113:

یجوز للمکلف الدخول الی دار الأیتام القاصرین بإذن الولی أو القیم المنصوب علیهم و عند تعذر الاستیذان منه، إذا کان فی الدخول إلیهم و الجلوس علی فراشهم و الأکل من طعامهم مصلحة لهم، و ان لم یدفع عن ذلک عوضا.
و إذا احتاج هو الی ذلک، و لا مصلحة لهم فی دخوله علیهم و أکله من طعامهم و لا ضرر علیهم بذلک و لم یتمکن من استیذان الولی، فالأحوط له ان یعوضهم عن ذلک بالقیمة، و الأحوط ترکه.

المسألة 114:

قد تعرضنا فی کتاب الحجر الی بیان الحکم فی الولایة علی أموال السفیه و المجنون، و التصرف فیها، فلیرجع إلیها من أراد الاطلاع علی ذلک فی تعلیقنا علی کتاب الحجر من وسیلة النجاة، للفقیه المعظم السید أبی الحسن الأصبهانی قدس اللّٰه سره.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 57

الفصل الرابع فی شروط العوضین

المسألة 115:

العوضان هما الشیئان اللذان یقع التبدیل بینهما فی عقد البیع، فینتقل کل واحد منهما بعد تمامیة البیع الی موضع الآخر و یکون بدلا عنه، أحدهما ما ینقله البائع إلی المشتری بالعوض، و هو المبیع، و الثانی ما یدفعه المشتری بدلا عن المبیع، و هو الثمن، و یشترط فی العوضین عدة أمور، و بعض هذه الأمور مما یشترط فی المبیع، و بعضها مما یشترط فی الثمن، و بعضها مما یشترط فیهما، کما سیأتی بیانه.

المسألة 116:

یشترط فی المبیع أن یکون عینا، سواء کان عینا خارجیة، کما إذا باعه هذه الدار المعینة، أو هذا الحیوان الخاص، أو هذه السیارة المشخصة، أم کان عینا فی الذمة، کما إذا باعه منا من الحنطة فی ذمته هو، أو باعه منا من الحنطة یملکه فی ذمة شخص آخر قد اشتغلت له ذمته به، و سواء کانت العین الخارجیة فی الفرض الأول شیئا مشخصا کالأمثلة المتقدمة، أو کانت کلیا فی المعین کما إذا باعه منا من هذه الصبرة المشاهدة، أو کسرا مشاعا من هذا الشی‌ء الخارجی، کما إذا باعه نصفا من هذه الدار، أو ثلثا من هذه السفینة، و نحو ذلک، فیصح البیع فی جمیع هذه الصور.
و یراد بالعین التی ذکرناها شرطا فی المبیع ما یقابل المنفعة کسکنی الدار و إجارتها، و رکوب السیارة أو السفینة و امتلاک منفعتهما مدة معینة، و ما یقابل العمل کخیاطة الثوب، و بناء المنزل، و کتابة الکتاب، و ما یقابل الحق کحق الخیار، و الاختصاص و التحجیر، فلا یصح بیع هذه الأشیاء و أشباهها لأنها لیست أعیانا.

المسألة 117:

یجوز فی الثمن أن یکون عینا خارجیة أو ذمیة کما تقدم فی المبیع، و یجوز أن یکون منفعة معلومة کما إذا باعه المتاع المعین بسکنی الدار
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 58
یوما أو یومین مثلا أو برکوب السیارة و إیصاله إلی البلد المعین، و یجوز أن یکون عملا خاصا تکون له مالیة فی نظر أهل العرف کما إذا باعه الشی‌ء المعلوم بکتابة هذا الکتاب أو بالإتیان بالعمل المعین ثمنا له.
و یجوز کذلک أن یکون الثمن حقا من الحقوق القابلة للنقل و الانتقال و التی تعد من الأموال فی نظر أهل العرف کحق التحجیر و حق الاختصاص، فیصح ان یجعل أحدهما ثمنا لمبیع، و لا یصح ذلک إذا کان الحق غیر قابل للنقل، و ان کان قابلا للإسقاط کحق الخیار، فإنه لا ینتقل لغیر ذی الخیار، و لا ینتقل إلا بالإرث لوارث ذی الخیار، و کحق الشفعة، فإنه لا ینتقل لغیر الشریک، و إذا لم یصح نقله لم یمکن جعله ثمنا کما هو واضح.
نعم یجوز أن یجعل إسقاط الحق المذکور ثمنا للمبیع، فإن إسقاط الحق عمل من الأعمال، فیصح ان یکون ثمنا، کما ذکرنا فی أول المسألة.

المسألة 118:

یشترط فی المبیع أن یکون مما یعد مالا فی نظر أهل العرف، و قد ذکرنا ان المدار فی ذلک هو کون الشی‌ء مما یکثر له الطلب من العقلاء و تتحقق الرغبة و التنافس فی اقتنائه و بذل المال فی الحصول علیه، لأنه یشتمل علی بعض الخصائص و الفوائد التی یرغبون فیها أو یحتاجون إلیها سواء کانت الخصائص و المشتهیات مما تتحقق فی غالب الأحوال و الأوقات المعتادة أم کانت مما لا تتحقق إلا فی حالات الحاجة و الاضطرار، و قد ذکرنا هذا فی المسألة السابعة عشرة.
و نتیجة لذلک فلا یصح البیع إذا کان المبیع مما لا یعد مالا، کبعض الحشرات، و الخبائث و السقطات التی لا فائدة فی الحصول علیها و لا رغبة للناس فی اقتنائها.

المسألة 119:

إذا ثبت للإنسان شی‌ء من الحقوق فی شی‌ء من الأشیاء، و کان الحق قابلا للإسقاط، کحق الخیار، و حق الشفعة، و حق الرهانة، و حق
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 59
الجنایة، و حق الزوجة فی قسمتها من لیالی الزوج، جاز للآخر أن یدفع له شیئا من المال لیرفع یده عن حقه الثابت له شرعا فی ذلک الشی‌ء، و لیس ذلک من البیع، بل یکون من المصالحة علی إسقاط الحق أو من التعویض عنه، و ان لم یکن الحق قابلا للنقل أو لم یکن قابلا للانتقال، کما ذکرنا فی حق الخیار و حق الشفعة.

المسألة 120:

یشترط فی کل واحد من العوضین: المبیع و الثمن أن یکون معین المقدار عند المعاملة فلا یکون بیعه و لا شراؤه موجبا للغرر، فإذا کان الشی‌ء مما یتعارف تقدیره عند المعاملة بالکیل أو بالوزن أو بالعد، أو بحساب المساحة، وجب أن یعتبر بما یتعارف تقدیره به بین الناس فی معاملاتهم علی الخصوص، و لا یکفی عنه غیره، فلا یکتفی بکیل الموزون أو المعدود، و لا بوزن المکیل أو المعدود و لا بعد الموزون أو المکیل و هکذا.
نعم یصح أن یکال ما یتعارف فیه التقدیر بالعدد، ثم یعد ما فی أحد المکاییل و یحسب الباقی بحسابه إذا کان التفاوت المحتمل مما یتسامح فیه عند أهل العرف، و یصح ان یکال ما یتعارف فیه التقدیر بالوزن ثم یوزن ما فی أحد المکاییل و یحسب الباقی بحسابه کذلک إذا کان التفاوت مما یتسامح به عرفا، و هو لیس من تقدیر المعدود أو الموزون بالکیل و انما هو من جعل الکیل طریقا لمعرفة العدد أو الوزن، و تقدیر الأول انما کان بالعدد و تقدیر الثانی انما کان بالوزن، و کذلک إذا جعل الوزن طریقا لتقدیر الکیل فی المکیل و العدد فی المعدود علی النهج المتقدم.

المسألة 121:

تکفی المشاهدة فی بیع بعض الأشیاء، حیث تعارف بیعها بالمشاهدة کذلک، کالثمر حینما یباع و هو علی الشجر، فإنه یکتفی فی تقدیره بالمشاهدة، و کالحطب حینما یباع و هو محمول علی الدابة أو فی السیارة التی تنقل الحمولة، و کالثیاب المخیطة و بعض الفرش و الحصر،
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 60
و کالحیوان المذبوح قبل أن یسلخ عنه جلده، فان هذه الأمور مما تعارف بیعها بالمشاهدة، و لا یجری فیها التقدیر بالکیل أو الوزن أو غیرهما من وسائل التقدیر فی المبیع.

المسألة 122:

قد تختلف الحال فی بعض الأشیاء، فیکون فی بعض حالاته مما یتعارف فیه التقدیر بالمشاهدة کبعض الأمور التی ذکرناها فی المسألة المتقدمة، و یکون فی بعض الحالات الأخری مما یحتاج فی تقدیره الی الوزن أو الکیل، فالحطب فی حال حمله علی الدابة أو فی السیارة مما یکتفی فی تقدیره بالمشاهدة، فیباع کذلک، و إذا وضع فی الدکان أو المخزن احتاج فی تقدیره الی الوزن کالخشب أو الی تقدیره بالحزم التی تشتمل کل حزمة علی مقدار معین من سعف النخیل و نحوه، و کثمر الشجر و تمر النخیل فإذا بیع و هو علی الشجر أو علی النخیل اکتفی فی تقدیره بالمشاهدة، و إذا جذ منها کان تقدیره بالوزن، و کالحیوان المذبوح، فان بیعه قبل أن یسلخ عنه جلده یکون بالمشاهدة، فإذا سلخ عنه الجلد کان من الموزون فلا یباع الا بالوزن.
و الاعتبار یکون علی الحال التی یکون المبیع علیها حین البیع فإذا کان فی الحالات الأولی صح بیعه بالمشاهدة و إذا کان فی الحالات الأخری لم تکف المشاهدة فی بیعه و احتاج الی تقدیره بالوزن أو الکیل حسب ما یتعارف فیه فی تلک الحال.

المسألة 123:

إذا اختلفت البلاد فی تقدیر الشی‌ء، فکان مما یتعارف تقدیره بالوزن فی بلد و مما یتعارف تقدیره بالکیل فی بلد آخر أو کان من الموزون فی بلد و من المعدود فی بلد آخر، فالمدار علی البلد الذی تقع فیه المعاملة، فیجب وزنه إذا کان المتعارف فی بلد المعاملة ذلک، و ان کان مکیلا أو معدودا فی بلد البائع أو فی بلد المشتری.
و یشکل جواز البیع بالتقدیر الآخر إذا کان غیر متعارف فی بلد المعاملة، نعم یصح ذلک إذا أوقع المعاملة صلحا لا بیعا.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 61

المسألة 124:

إذا کان الشی‌ء مما یکتفی العقلاء و أهل العرف فی بیعه بالمشاهدة صح بیعه کذلک کما فی بیع الدور و بعض الفرش، و ان کان تقدیره بمعرفة مقدار الطول و العرض و المساحة أبلغ فی رفع الغرر فی المعاملة، و الأحوط استحبابا تقدیره بذلک.

المسألة 125:

یجوز للمشتری أن یعتمد فی معرفة مقدار الشی‌ء الذی یشتریه علی اخبار البائع بقدره سواء کان البائع عدلا أم لا إذا هو ائتمنه علی ذلک، و الأحوط اعتبار حصول الاطمئنان للمشتری بصدق قوله، فیصح له ان یشتری الشی‌ء اعتمادا علی ما أخبر به البائع سواء کان المبیع موزونا أم مکیلا أم معدودا.
و إذا تبین نقص المبیع فی المقدار عما قاله البائع، بطل البیع بالنسبة إلی المقدار الناقص، فیجب علی البائع أن یرد علی المشتری ثمن تلک النقیصة، و یکون للمشتری حق الخیار فی الباقی، فیجوز له أن یفسخ البیع و یرد علیه البائع جمیع الثمن، و یجوز له أن یمضی البیع فی الباقی، و یرد علیه البائع ثمن النقیصة وحدها کما ذکرناه.
و إذا تبینت زیادة المقدار عما أخبر به البائع کان الزائد للبائع، و کان للمشتری الخیار بین أن یفسخ البیع فیرد البائع علیه الثمن، و بین أن یمضی البیع بالمقدار الذی وقع علیه العقد بتمام الثمن.

المسألة 126:

إذا کان من المتعارف فی السوق أن تشتمل الطاقة أو الطول من الأقمشة و الثیاب المنسوجة علی عدد معین من الأذرع أو الأمتار، جاز للبائع و للمشتری ان یعتمدا فی بیعها و شرائها علی هذا الأمر المتعارف، إذا حصل لهما الاطمئنان بذلک، و یصح البیع و الشراء إذا لم یتبین الخلاف و إذا تبینت النقیصة أو الزیادة فی المبیع، جری فیها الحکم السابق فی المسألة المتقدمة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 62

المسألة 127:

یشترط فی کل واحد من العوضین معرفة جنسه و معرفة أوصافه التی یوجب اختلافها اختلاف القیمة و الرغبة فی ذلک الشی‌ء کالطعم و اللون و الجودة و الرداءة و أمثال ذلک من الصفات التی تکون محطا لأنظار الراغبین فی ذلک الشی‌ء، فلا بد من معرفة ذلک اما بالمشاهدة حین البیع، و اما بالوصف الرافع للجهالة.
و لا یکتفی بالرؤیة السابقة للشی‌ء إذا کانت العادة تقتضی أن یتغیر الشی‌ء عن صفاته السابقة، و إذا شک فی انه قد تغیر عن صفاته الأولی التی رآها سابقا أو لم یتغیر، جاز له أن یکتفی بالرؤیة السابقة لأصالة بقاء الصفات الأولی، الا أن تقوم امارة تدل علی خلاف ذلک.

المسألة 128:

یشترط فی کل واحد من العوضین أن یکون مملوکا لصاحبه الذی یراد نقله عنه، و هذا الشرط هو الواقع فی غالب البیوع التی تجری بین الناس، و قد یکتفی عنه شرعا بما ینزله الشارع منزلة الملک فی ذلک فی بعض الموارد فیحکم بصحة بیعه، کمن یشتری بسهم سبیل اللّٰه من مال الزکاة دارا أو عینا أخری لتبقی فی سهم سبیل اللّٰه کذلک و یکثر الانتفاع بها فی هذا السبیل، کما ذکرناه فی المسألة الستین، فلا یکون المبیع و لا الثمن فی هذه الصورة ملکا و لکنه بمنزلة الملک شرعا و کما إذا باع ولی الزکاة بعض أعیانها لیشتری به علفا لأنعام الزکاة و هو کسابقه بمنزلة الملک شرعا فلا یجوز بیع مالا یکون مملوکا و لا بمنزلة المملوک، کما إذا باع السمک أو الطیر أو الوحش قبل اصطیاده و امتلاکه و کما إذا باع العشب و الکلاء و الماء قبل حیازته، و کما إذا باع الأرض الموات قبل إحیائها، و یصح بعد الحیازة و التملک، فإذا حفر بئرا أو فجر عینا أو شق نهرا فجری فیها الماء و ملکه جاز له بیعه.

المسألة 129:

یجوز للمالک الراهن أن یبیع عینه المرهونة إذا کان البیع باذن الشخص الذی ارتهنها، و إذا باعها الراهن من غیر اذنه ثم فک الرهن
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 63
صح بیعه کذلک و لم یفتقر إلی اجازة و لا الی تجدید عقد البیع، و إذا باعها من غیر اذن المرتهن و لم یفک الرهن جری فی البیع حکم الفضولی، فإن أجاز المرتهن البیع صح و ان لم یجزه کان باطلا.

المسألة 130:

لا یجوز بیع الوقف و لا تصح المعاوضة علیه الا فی مواضع.
(الموضع الأول): أن یخرب الوقف بحیث لا تبقی له أی منفعة یمکن استیفاؤها مع بقاء عینه، و قد شاع بین الفقهاء التمثیل لهذه الصورة بالحیوان الموقوف إذا ذبح، و بالجذع الموقوف إذا بلی، و بالحصیر الموقوف إذا تخرق و تمزق، فإن منفعة الوقف فی هذه الأمثلة تنحصر بإتلاف عینه، و لذلک فیبطل وقفه و یصح بیعه و المعاوضة علیه.
(الموضع الثانی): أن یخرب الوقف بحیث تذهب جمیع منافعه المعتد بها بین الناس، و ان بقیت له منفعة یسیرة ملحقة بالمعدوم فی نظر أهل العرف، و مثال ذلک ما إذا انهدمت الدار الموقوفة أو خرب البستان الموقوف، و جف ماؤه و ماتت أشجاره، و لم تبق من الدار أو البستان سوی عرصة فارغة یمکن إجارتها لبعض الغایات بقلیل من الدراهم.
و الحکم فی هذه الصورة کذلک هو بطلان الوقف و صحة بیع العین الموقوفة و المعاوضة علیها.
(الموضع الثالث): أن یعلم بأن بقاء الوقف یؤدی الی خرابه و ذهاب منفعته أصلا، کما فی الصورة الأولی، أو یعلم بأن بقاءه یؤدی الی ذهاب منافعه المعتد بها بحیث لا تبقی له الا منفعة قلیلة تلحق بالمعدوم کما فی الصورة الثانیة، أو یظن ظنا عقلائیا یعتمد علیه العقلاء فی ما بینهم بأن بقاء الوقف یؤدی الی ذلک.
و الحکم فی هذه الصورة هو جواز بیع الوقف کذلک، و لکن لا بد من تأخیر البیع فیها الی آخر الأزمنة التی یمکن فیها بقاء الوقف و استیفاء منافعه.
(الموضع الرابع): أن یلاحظ الواقف فی أصل وقفه عنوانا خاصا فی العین الموقوفة، یجعله قواما لوقفها و مناطا لاستیفاء منفعتها،
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 64
و مثال ذلک أن یلاحظ الواقف فی العین الموقوفة أن تکون حماما مثلا أو تکون بستانا أو شبه ذلک من العناوین و تکون هی المدار فی الوقف و فی الانتفاع به، و لذلک فإذا زال العنوان الملحوظ قواما بطل وقف العین، و صح بیعها و المعاوضة علیها، و ان کانت لها منافع أخری یمکن أن تستوفی مع زوال ذلک العنوان.
(الموضع الخامس): أن یشترط الواقف فی أصل وقفه بیع العین الموقوفة عند حدوث طارئ معین، کقلة منفعة الوقف، أو حاجة الموقوف علیهم أو غیر ذلک من الطواری، بحیث یکون وقفه منوطا بعدم حدوث ذلک الأمر، فإذا طرأ ذلک الشی‌ء بطل الوقف و صح بیع العین.

المسألة 131:

لا یجری الاستثناء المذکور فی المساجد، فلا یجوز بیع المسجد و ان خرب و ذهبت منافعه و بقی عرصة فارغة.
نعم یجری الاستثناء فی انقاض بناء المسجد و أجزائه إذا انهدم، فإذا أمکن الانتفاع بعین هذه الانقاض و الأجزاء فی المسجد نفسه وجب ذلک و تعین، و إذا لم یمکن ذلک، و أمکن الانتفاع بعینها فی مسجد آخر تعین ذلک و لم یجز بیعها، و إذا لم یمکن الانتفاع بها کذلک جاز بیعها و المعاوضة، و وجب صرف ثمنها فی حاجات المسجد نفسه علی الأحوط، و إذا استغنی المسجد عن ذلک صرف الثمن فی حاجات غیره من المساجد.

المسألة 132:

إذا جاز بیع الوقف لبعض المسوغات الآنف ذکرها فالمرجع فی بیعه و المعاوضة علیه هو الحاکم الشرعی، سواء کان من الأوقاف العامة أم کان وقفا علی اقامة بعض الشعائر أم کان وقفا علی ائمة المسلمین أم علی جهة من الجهات کقراءة القرآن أو الصلاة و غیرها.
و إذا کان وقفا علی اشخاص معینین کالوقف علی الذریة، فالأحوط فی هذا أن یرجع فی بیعه الی کل من الحاکم الشرعی و الموقوف علیهم.

المسألة 133:

إذا باع الوقف لبعض المسوغات المتقدم ذکرها، فالأحوط لزوما
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 65
ان یشتری بثمنه ملکا و یقفه علی نهج الوقف الأول المبیع، و إذا خرب بعض الوقف جاز بیع ذلک البعض و صرف ثمنه فی إصلاح البعض العامر منه، و إذا خرب الوقف کله، حتی ذهبت منافعه و أمکن أن یباع بعضه و یعمر الباقی بثمنه فالأحوط لزوما الاقتصار علی ذلک، فیباع البعض منه و یعمر بثمنه الباقی، و لا یصار الی بیع الجمیع.

المسألة 134:

لا یجوز بیع الأمة المملوکة إذا کانت أم ولد لمالکها، سواء وضعت ولدها منه أم کان حملا فی بطنها، و سواء کان ذکرا أم أنثی، و واحدا أم متعددا، و کما لا یجوز بیعها، فکذلک لا یجوز نقلها عن ملکه الی غیره بهبة أو صلح أو غیرهما من النوافل الشرعیة.
و انما یمنع من بیعها و نقلها الی ملک غیره إذا کان ولدها من السید موجودا، فإذا مات ولدها و لم یبق له ولد منها و ان کان حملا جاز بیعها.
و للمسألة مستثنیات ذکرها العلماء و أطالوا البحث فی تحقیقها، و حسبنا الإشارة بهذا المقدار، فالمسألة نادرة الوقوع و الابتلاء بها فی غایة القلة.

المسألة 135:

الأرض الخراجیة هی الأرض التی فتحها المسلمون، و أخذوها بالقوة من أیدی الکفار، و کانت عامرة حین الفتح، و هی ملک للمسلمین کافة، یشترک فیه من وجد منهم بالفعل و من یوجد منهم فی المستقبل، و لذلک فلا یجوز بیعها، و ان کانت فیها آثار مملوکة لمن یرید بیعها، من بناء أو نخیل أو شجر، أو غیر ذلک.
بل و لا یجوز التصرف فیها، إلا بالإذن، فإذا کانت فی سلطان من یدعی الخلافة علی المسلمین أو یحکم فی أمورهم العامة باسم الإسلام، فیکفی الاستئذان منه فی القیام بأمر هذه الأرض فیستأجرها أو یتقبلها منه، و یقوم بزرعها و تعمیرها، و یدفع الیه خراجها لیصرف فی مصالح المسلمین، و إذا لم یوجد ذلک السلطان، استأذن فی ذلک من الحاکم
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 66
الشرعی و تولی أمرها و دفع إلیه أجرتها أو الضریبة التی یجعلها علیه لتصرف فی مصالح المسلمین.

المسألة 136:

إذا کانت الأرض عامرة حین الفتح، ثم ماتت بعد ذلک، فالظاهر انها لا تزال ملکا للمسلمین علی النهج الآنف ذکره، و لا تکون بسبب موتها من الأنفال و لا تملک بالاحیاء، بل یجری فیها الحکم المتقدم فی المسألة السابقة.

المسألة 137:

إذا کانت الأرض میتة فی زمان الفتح، فهی من الأنفال، و هی ملک لإمام المسلمین (ع)، و إذا أحیاها أحد ملکها بإحیائه و صحت له جمیع التصرفات فیها، سواء کان المحیی لها مسلما أم کافرا.

المسألة 138:

و إذا کانت الأرض معمورة و هی لیست من الأرض الخراجیة التی تقدم ذکرها، ثم خربت بعد عمارتها، فان کان لها مالک، و قد ملکها بالإرث من مالکها الأول أو بالشراء منه أو بأحد الأسباب الناقلة للملک، فهی لا تزال ملکا لصاحبها و لوارثه من بعده، و لا تکون بخرابها من الأنفال.
و إذا کانت فی أصلها من الأنفال التی تقدم ذکرها فی المسألة المائة و السابعة و الثلاثین و تملکها صاحبها بالاحیاء، ثم ترکها حتی أصبحت بعد العمارة خرابا عادت بذلک من الأنفال، و جرت علیها أحکامها، فیجوز للآخرین تملکها بالإحیاء.

المسألة 139:

إذا شک فی أرض انها کانت معمورة فی حال الفتح، فتکون من الأرض الخراجیة، أو کانت میتة فی حین الفتح فتکون من الأنفال، بنی علی انها میتة فی ذلک الحال، و لذلک فیجوز تملکها بالأسباب الشرعیة إذا کانت محیاة بالفعل، و یجوز إحیاؤها إذا کانت میتة بالفعل، و یجوز التصرف فیها بعد التملک و لو بالاحیاء فیصح له بیعها و شراؤها و سائر التصرفات التی تصح فی الملک.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 67

المسألة 140:

یشترط علی الأحوط لزوما فی کل واحد من العوضین أن یکون تسلیمه مقدورا، فلا یصح بیع مالا یقدر علی تسلیمه، و قد شاع التمثیل لذلک بما إذا باع جمله الشارد منه فی البادیة أو طیره الطائر منه فی الجو أو سمکته المنطلقة منه فی الماء، فلا یکون بیعها صحیحا لعدم قدرته علی تسلیمها للمشتری سواء کان البائع أو المشتری عالما بذلک حین البیع أم جاهلا به.
نعم إذا کان الجمل أو الطیر أو السمکة مما اعتاد علی الرجوع بعد انطلاقه لم یحکم ببطلان بیعه حتی ییأس من عودته.

المسألة 141:

یکفی فی تحقق هذا الشرط أن یکون المشتری قادرا علی قبض المبیع فیصح البیع بذلک و ان لم یکن البائع بنفسه قادرا علی تسلیمه، فإذا باعه الجمل الشارد أو الطیر الطائر أو السمکة المرسلة فی الماء و کان المشتری قادرا علی الاستیلاء علیه صح البیع، و کذلک إذا کان المشتری غیر قادر علی تسلیم الثمن و کان البائع قادرا علی قبضه و الاستیلاء علیه فیصح البیع.
و إذا باعه عینا مغصوبة لا یقدر علی أخذها من الغاصب، و کان المشتری قادرا علی ذلک صح البیع و إذا باع العین المغصوبة علی الغاصب نفسه صح بیعه علیه و ان کان البائع لا یقدر علی أخذ العین من الغاصب ثم دفعها إلیه.

المسألة 142:

سیأتی فی فصل بیع الحیوان أن الرجل لا یملک أباه و لا أمه إذا کانا عبدین، و لا یملک أحدا من أجداده و جداته و ان ارتفع عنه بأکثر من واسطة، و لا أحدا من أولاده أو بناته و ان نزل عنه بواسطة أو أکثر، و لا احدی محارمه من النساء اللاتی یحرمن علیه فی النکاح، و إذا ملک أحد هؤلاء ببیع أو إرث أو بغیرهما من الأسباب المملکة انعتق علیه قهرا.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 68
و نتیجة لما ذکر، فإذا باع البائع علی المشتری أحد الممالیک المذکورین الذین ینعتقون علیه بمجرد البیع صح بیعه و انعتق علیه، و ان کان البائع غیر قادر علی تسلیمه إیاه لأن المشتری لا یستحق ذلک شرعا.
________________________________________
بصری بحرانی، زین الدین، محمد امین، کلمة التقوی، 7 جلد، سید جواد وداعی، قم - ایران، سوم، 1413 ه ق

کلمة التقوی؛ ج‌4، ص: 68

المسألة 143:

إذا باع الرجل مالا یقدر علی تسلیمه بالفعل للمشتری، و لکنه یعلم بأنه یقدر علی تسلیمه له بعد ذلک، فالظاهر صحة البیع فی هذه الصورة، سواء کانت المدة التی لا یستطیع تسلیم المبیع فیها قصیرة أم طویلة، و إذا کان المشتری عالما بذلک من أول الأمر صح البیع و ان طالت المدة، و لا خیار للمشتری، و إذا کان جاهلا بالأمر صح البیع کذلک، و یثبت للمشتری خیار الفسخ مع طول المدة.
و هذا کله إذا کانت المدة التی لا یستطیع البائع فیها تسلیم المبیع مضبوطة المقدار، و اما إذا کانت المدة غیر مضبوطة فالظاهر بطلان البیع.

المسألة 144:

المدار فی هذا الشرط علی تحققه فی واقع الأمر و عدم تحققه، و لا اثر لاعتقاد البائع أو المشتری، فإذا اعتقد البائع انه قادر علی تسلیم المبیع، فباعه، ثم ظهر له بعد البیع انه غیر قادر علی التسلیم کان البیع باطلا، و إذا اعتقد انه عاجز عن تسلیمه و باعه، ثم ظهر له بعد ذلک انه غیر عاجز عن تسلیمه فالظاهر صحة البیع.

المسألة 145:

إذا کان البائع هو مالک المال نفسه، فالمدار فی وجود هذا الشرط علی قدرته هو علی تسلیم المبیع، فیصح البیع مع وجودها و یبطل مع عدمها، و کذلک إذا کان البائع ولیا علی مال الصغیر أو المجنون، فالمدار علی قدرة البائع الولی علی التسلیم.
و کذلک إذا کان البائع وکیلا عن المالک فی إجراء الصیغة، فالمدار علی قدرة المالک نفسه، و لا اعتبار بقدرة الوکیل، نعم إذا کان وکیلا فی إجراء المعاملة کعامل المضاربة و نحوه، فالمدار یکون علی قدرة
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 69
الوکیل أو المالک، فإذا تحققت القدرة من أحدهما علی تسلیم المبیع صح البیع، و ان عجز کلاهما عن تسلیمه بطل البیع.

المسألة 146:

إذا أبق العبد المملوک من سیده أو أبقت الأمة المملوکة من سیدها، لم یجز للسید ان یبیعهما منفردین، و یجوز البیع إذا ضم الی الآبق منهما ضمیمة ذات قیمة معتد بها، و انما یصح بیع الآبق مع الضمیمة إذا کان مما یرجی عوده، و إذا یئس من عودته فالظاهر عدم صحة بیعه حتی مع الضمیمة.

الفصل الخامس فی الخیارات

المسألة 147:

الخیار حق مجعول من قبل الشارع أو من قبل المتعاقدین، یتسلط بموجبه صاحب الحق المذکور علی فسخ العقد الذی أوقعه المتبایعان بینهما، فله أن یختار حل العقد و رفع مضمونه.
و للخیار أقسام کثیرة، و المذکور فی هذا الفصل هو المشهور الشائع منها.

(الأول: خیار المجلس):

المسألة 148:

إذا وقع البیع بین المتبایعین، سواء حصل بعقد لفظی أم بمعاطاة، کان لکل من البائع و المشتری حق الخیار ما داما فی مجلس العقد، فیجوز لأی منهما فسخ العقد الذی حصل بینهما، و حل مضمونه ما لم یفترقا، فإذا هما افترقا و لم یفسخا لزم البیع و سقط الخیار.

المسألة 149:

المراد بالمجلس هو الموضع الذی أجریا فیه العقد، فقد یکون مجلسا کانا مجتمعین فیه و قد یکون غیره کما إذا کانا واقفین فی سوق أو غیره، و کما إذا کانا سائرین معا الی مکان، و قد لا یکونان فی موضع واحد کما
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 70
إذا أجریا البیع بینهما بوسیلة الهاتف و کل واحد منهما فی موضعه من السوق أو من المدینة أو فی مدینتین.
و افتراقهما الذی یلزم به البیع و یسقط الخیار هو ما یصدق معه الافتراق بینهما عرفا، فقد یتحقق بمفارقة أحدهما الآخر، و قد یکون بانقطاع الاتصال الهاتفی بینهما بعد أن یتم البیع، و قد یکون بشی‌ء آخر، و إذا فارقا المجلس و هما مصطحبان، أو أوقعا معاملة البیع و هما مصطحبان فی سیارة أو وسیلة نقل أخری، بقی الخیار لهما حتی یحصل الافتراق.

المسألة 150:

إذا وکل المالک غیره فی إجراء صیغة البیع عنه أو فی قبول الشراء له، فخیار المجلس یثبت للمالک الأصیل لا للوکیل فی الإیجاب أو فی القبول، فلیس للوکیل ان یفسخ البیع بالوکالة عن المالک، و الخیار الثابت للمالک فی هذه الصورة یثبت له ما دام وکیله الذی أجری عنه الصیغة مجتمعا مع صاحبه الذی أجری معه العقد، و قبل افتراقهما، فإذا افترقا سقط حق المالک من الخیار.
و إذا وکل المالک غیره فی معاملة البیع و تولی جمیع شؤونها، کان لهذا الوکیل حق الفسخ بخیار المجلس بالوکالة عن المالک، و کذلک الحکم فی وکیل المشتری إذا وکله علی جمیع المعاملة، و قد عرفت ان خیار المجلس لهما یثبت ما دام اجتماع المباشرین للعقد، و لا اثر لاجتماع المالکین.

المسألة 151:

یجوز لأحد المتبایعین أن یشترط علی صاحبه سقوط خیار المجلس له، فإذا اشترط علیه ذلک فی عقد البیع و قبل الآخر ذلک سقط خیاره، و کذلک إذا اشترط کل منهما ذلک علی الآخر، فیسقط خیارهما معا.
و یجوز لأحدهما أن یسقط خیاره بعد العقد باختیاره، و یجوز ذلک لکلیهما فیسقط خیارهما معا.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 71

المسألة 152:

لا یثبت خیار المجلس فی غیر البیع من العقود و المعاوضات، فلا یکون لأحد المتعاقدین بغیر البیع خیار قبل الافتراق و لا بعده إلا إذا ثبت بسبب آخر.

(الثانی خیار الحیوان):

المسألة 153:

إذا اشتری أحد حیوانا کان للمشتری الخیار فی فسخ العقد من حین وقوع البیع علیه إلی مدة ثلاثة أیام تامة، سواء کان الحیوان الذی اشتراه إنسانا أم غیره من أنواع الحیوان، فإذا کان العقد فی أول النهار، فمدة الخیار من أول ذلک الیوم الی آخر الیوم الثالث، و دخلت اللیلتان المتوسطتان فی مدة الخیار، و إذا وقع العقد فی أثناء النهار، فمبدأ مدة الخیار من ذلک الوقت الذی وقع فیه العقد الی مثل تلک الساعة من الیوم الرابع، و دخلت اللیالی الثلاث المتوسطة فی مدة الخیار کذلک، و إذا وقع العقد فی أول اللیلة أو فی أثنائها لم تعد ساعات تلک اللیلة من مدة الخیار بل تکون المدة من أول النهار الأول إلی آخر النهار الثالث.

المسألة 154:

الظاهر عدم اختصاص خیار الحیوان بالمشتری، فیثبت کذلک للبائع إذا کان الثمن الذی انتقل الیه بالبیع حیوانا، و تجری فیه أحکامه.

المسألة 155:

یسقط خیار الحیوان إذا اشترط البائع فی ضمن العقد علی مشتری الحیوان سقوط خیاره. و قبل المشتری بذلک، و کذلک الحکم إذا اشترط المشتری ذلک علی البائع حینما یکون الثمن حیوانا، و یسقط کذلک إذا اختار صاحب الخیار فأسقط حقه بعد العقد باختیاره.
و یسقط کذلک إذا تصرف صاحب الخیار فی الحیوان الذی انتقل الیه تصرفا یدل علی انه قد أمضی البیع و اختار عدم فسخه، و لا یکفی
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 72
مطلق التصرف کما إذا علف الدابة أو سقاها أو رکبها لیجرب سیرها، و کما إذا أطعم العبد أو استخدمه فی بعض الحاجات.

المسألة 156:

لا یثبت خیار الحیوان فی غیر البیع من المعاوضات و العقود، فإذا آجر الإنسان داره من أحد لیسکنها و جعل عوض إجارتها حیوانا، لم یثبت للمؤجر خیار الفسخ، و کذلک إذا ملکه الحیوان بصلح أو هبة معوضة، أو جعل الحیوان عوضا عن شی‌ء آخر فی الصلح أو الهبة أو فی غیرهما من المعاوضات.

المسألة 157:

إذا تلف الحیوان المبیع قبل قبضه فهو من مال البائع، و کذلک إذا تلف بعد القبض فی زمان خیار الحیوان الذی یثبت للمشتری، فیکون تلفه فی هذه المدة من مال البائع، فإذا کان البائع قد قبض ثمن الحیوان وجب علیه رده الی المشتری فی الصورتین.

المسألة 158:

إذا حدث فی الحیوان عیب، و لم یکن ذلک بتفریط من المشتری لم یمنع ذلک من أن یأخذ المشتری بخیاره، فیجوز له فسخ البیع ورد الحیوان إذا شاء.

(الثالث من أقسام الخیار: خیار الشرط)

المسألة 159:

المراد بخیار الشرط: أن یشترط البائع أو المشتری لنفسه خیار فسخ العقد فی مدة خاصة یعینها، فیقبل الآخر بذلک، و یکون الشرط المذکور و القبول به فی ضمن العقد الواقع بینهما، أو یشترط الجانبان خیار فسخ العقد لکل واحد منهما علی النحو المتقدم ذکره، أو یشترط أحدهما أو کلاهما خیار الفسخ لشخص ثالث غیرهما فیتم الاتفاق و القبول علی ذلک، و یتم الشرط و یثبت الخیار لمن یجعل له الخیار فی المدة المعینة حسب ما یتفقان.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 73

المسألة 160:

لا یصح خیار الشرط إذا لم تکن له مدة خاصة، و لا بد من ان یعین مبدأ المدة و یحدد أمدها، و یجوز أن تجعل المدة قصیرة أو طویلة کما یرید المتعاقدان، و یجوز أن تکون المدة متصلة بالعقد أو منفصلة عنه، فیصح أن یشترط البائع مثلا أن له الخیار فی الفسخ و الإمضاء من حین العقد إلی مدة شهر، فتکون المدة متصلة بالعقد، و یصح لهما أن یوقعا العقد فی شهر رجب مثلا، و یشترط أحدهما أن له الفسخ فی شهر رمضان، فتکون المدة منفصلة عن العقد، و لا یجوز ان یجعل مدة الخیار غیر محدودة، أو یجعلها قابلة للزیادة و النقصان، و یشکل أن یجعل مدة الخیار له ما دام العمر.

المسألة 161:

إذا اشترط البائع أو المشتری الخیار لنفسه مدة شهر کامل و لم یعین ذلک، فالظاهر ان المراد الشهر المتصل بالعقد، و کذلک إذا جعل المدة أسبوعا أو عشرین یوما أو شهرین، فالظاهر هو ذلک، فیکون له الخیار من حین العقد الی آخر المدة التی ذکرها.
و إذا اشترط ان له الخیار فی شهر من الشهور بحیث تردد المراد بین جمیع الشهور و لم یحصل التعیین فالظاهر البطلان، الا ان تقوم قرینة علی ان المراد ان له الخیار فی کل واحد من تلک الشهور أو أن له الفسخ علی رأس أی شهر منها.

المسألة 162:

لا یختص خیار الشرط بعقد البیع، بل یصح جریانه فی العقود اللازمة کعقد الإجازة و عقد المزارعة، و المساقاة و الصلح، نعم: الظاهر عدم جریانه فی الصلح الذی تکون فائدته إبراء الذمة أو إسقاط الدعوی، و لا یصح جریانه فی عقد النکاح، و یشکل جریانه فی الضمان، و فی الهبة اللازمة، و فی الصدقة.
و لا یصح اشتراطه فی العقود الجائزة کالعاریة و الودیعة و المضاربة، و لا یصح اشتراطه فی الإیقاعات کالطلاق و العتق و نحوهما.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 74

المسألة 163:

یجوز للبائع أن یشترط لنفسه الاستشارة فی أمر الفسخ و عدمه، فیشترط علی المشتری فی ضمن العقد ان له أن یستشیر فلانا فی فسخ العقد، فان رجح له الفسخ فسخه، و ان رجح له إمضاءه أمضاه، فینفذ الشرط المذکور، و لا بد من ان یعین لذلک مدة محددة کما تقدم. فإذا هو استشار صاحبه فی الأمر، و رجح له إمضاء العقد، وجب علیه إمضاؤه و الالتزام به، و إذا رجح له الفسخ، کان له الخیار فی أن یفسخ العقد أو یمضیه، و لا یتعین علیه الفسخ و لا یجوز له أن یفسخ العقد إذا لم یستشر صاحبه، و لا یجوز له الفسخ إذا استشاره فلم یشر علیه بشی‌ء أو أشار علیه بإمضاء العقد کما ذکرناه.
و کذلک الحکم فی المشتری فیجوز له ان یشترط لنفسه ذلک و یجری فیه التفصیل الآنف ذکره، و یجوز أیضا للمتبایعین معا فیشترط کل واحد منهما علی الآخر فإذا رضیا بذلک نفذ الشرط لکل منهما و جرت علیه أحکامه علی النهج المذکور.

المسألة 164:

یجوز للإنسان أن یبیع داره المعلومة أو بستانه المعلوم بثمن معین و یشترط فی ضمن العقد علی المشتری انه إذا رد الثمن علیه أورد بدله إذا کان تالفا فی المدة المعلومة بینهما یکون له الخیار فی ان یفسخ العقد و یرد المبیع، و یسمی ذلک ببیع الخیار، فإذا أجریت الصیغة علی ذلک و تم القبول، صح البیع، و نفذ الشرط و ترتبت أحکامه.
فإذا هو رد الثمن أو رد بدله مع تلفه علی المشتری فی المدة المعینة بینهما، جاز له فسخ البیع کما اشترط، و إذا انقضت مدة الخیار و لم یرد البائع الثمن أو بدله إذا کان تالفا، سقط خیاره و کان البیع لازما.
و لا یصح الفسخ من البائع إذا فسخ قبل أن یرد الثمن أو بدله، و ان کان فسخه فی المدة المعینة، و لا یصح منه الفسخ إذا فسخ قبل حلول المدة المعینة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 75

المسألة 165:

یجوز للبائع بعد أن یرد الثمن علی المشتری فی الوقت المعین أو یرد بدله، ان ینشئ الفسخ بعد ذلک، فیقول: فسخت البیع أو فسخت العقد، أو رددته، و یجوز له أن ینشئ الفسخ بنفس الفعل، و هو رد الثمن فیقصد بالرد الخارجی الحاصل منه إنشاء الفسخ و یکون ذلک من الفسخ بالفعل لا بالقول.

المسألة 166:

رد الثمن الذی یصح للبائع معه أن یفسخ البیع، هو أن یحضره للمشتری بنفسه أو یحضر له بدله إذا کان تالفا، و یمکنه من قبضه و الاستیلاء علیه تمکینا تاما، بحیث لا یبقی من قبل البائع أی مانع للمشتری عن قبضه، فإذا أحضره لدیه و مکنه من قبضه کذلک، فقد حصل الرد و جاز للبائع ان یفسخ البیع إذا کان ذلک فی الوقت المعین للخیار، و ان امتنع المشتری عن القبض باختیاره، فلا یکون ذلک مضرا بصدق الرد، و تحقق الحکم.

المسألة 167:

قد یشترط البائع علی المشتری ان له خیار الفسخ فی جمیع المبیع، إذا هو رد الثمن کله فی المدة المعینة بینهما، و قد یشترط علیه أن له خیار الفسخ فی المبیع بمقدار ما یرده من الثمن، فإذا هو رد الجمیع جاز له الفسخ فی جمیع المبیع، و إذا هو رد نصف الثمن مثلا أو ثلثه جاز له أن یفسخ بمقدار ما یرد، فإذا اشترط علیه شیئا من ذلک نفذ الشرط علی حسب ما عین.

المسألة 168:

إذا وقع البیع الخیاری بین البائع و المشتری علی الوجه المتقدم بیانه، کان المشتری مالکا للمبیع من حین صدور العقد، فتکون جمیع نماءاته و فوائده التی تحصل له منذ ذلک الوقت و التی تتجدد له فی مدة الخیار ملکا للمشتری، و کان البائع مالکا للثمن فتکون نماءاته و فوائده منذ ذلک الوقت ملکا له کذلک، فإذا رد الثمن بعد ذلک و فسخ البیع، فلا
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 76
یرد مع الثمن نماءاته التی تجددت فی مدة الخیار فإنها ملک للبائع و لا حق فیها للمشتری، و لا یرد مع المبیع نماءاته فی تلک المدة، فإنها ملک للمشتری و لا حق فیها للبائع.

المسألة 169:

إذا کان للمشتری وکیل خاص یتولی التصرف عنه فی تلک المعاملة الخاصة أو کان له وکیل عام یتولی التصرف عنه فی مطلق معاملاته، صح للبائع أن یرد الثمن علیه، فإذا دفع الثمن الیه أو مکنه من قبضه و الاستیلاء علیه تمکینا تاما، تحقق الرد و ترتب علیه جواز فسخ البیع کما ذکرنا فی المسألة المائة و السادسة و الستین، سواء کان المشتری حاضرا أم غائبا.
و إذا کان المشتری غائبا لا یمکن الوصول الیه، و لم یکن له وکیل خاص و لا عام یتولی القبض عنه، أو کان مجنونا، کفی البائع ان یرد الثمن علی ولیه، فان لم یکن له ولی خاص رجع فی ذلک الی الحاکم الشرعی أو الی وکیله إذا کانت وکالته مطلقة، فإذا رد علیه الثمن جاز له فسخ البیع، إلا إذا کان الشرط المأخوذ فی ضمن العقد أن یرد الثمن علی المشتری بنفسه و ان یوصل الثمن بیده، فلا یکفی الوصول الی غیره.

المسألة 170:

الأحوط لزوما أن لا یتصرف المشتری فی المبیع قبل انتهاء مدة الخیار تصرفا ینقل به العین الی ملک غیره، فلا یصح له بیعها و لا هبتها، و لا المصالحة علیها صلحا مملکا للعین علی الأحوط فی جمیع ذلک.

المسألة 171:

إذا تلف المبیع فی مدة الخیار کان ضمانه علی المشتری، و لکن تلفه لا یوجب سقوط حق البائع من الخیار الذی اشترطه فی العقد، فإذا هو رد الثمن علی المشتری فی المدة المعینة جاز له فسخ البیع، فإذا فسخه رجع علی المشتری بمثل العین التالفة إذا کانت مثلیة، و بقیمتها إذا کانت قیمیة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 77

المسألة 172:

الثمن الذی تجری علیه المعاملة الخاصة بین البائع و المشتری، قد یکون عینا خاصة بید المشتری فیجعلها ثمنا للمبیع و یحصل الاتفاق بینه و بین البائع علی ذلک و یدفعها الیه ثمنا، و رد الثمن فی هذه الصورة انما یکون برد تلک العین الخاصة التی قبضها من المشتری إذا کانت موجودة، فإذا ردها البائع إلی المشتری فی الوقت المعین ثبت له خیار الفسخ.
و إذا تلفت العین المذکورة، فالظاهر عدم تحقق رد الثمن، إلا إذا علم من القرائن ان المراد من رد الثمن المذکور فی الشرط، ما یعم رد العین إذا کانت موجودة، و یعم رد بدلها إذا کانت تالفة، فإذا رد البدل ثبت له الخیار.
و قد یکون الثمن الذی تجری علیه المعاملة بینهما شیئا کلیا یستحقه البائع فی ذمة المشتری، و إذا تم العقد بینهما دفع المشتری الی البائع فردا خاصا من الکلی و جعله وفاء عما فی ذمته.
و یحصل رد الثمن فی هذه الصورة بأن یرد البائع إلی المشتری نفس الفرد الخاص الذی دفعه إلیه فی المعاملة و جعله وفاء لما فی ذمته، فإذا أرجعه إلیه جاز له الفسخ.
و الظاهر انه یکفی فی حصول الرد أیضا أن یدفع الی المشتری فردا آخر من أفراد الکلی المستحق فی ذمته إذا کان الثمن من النقود، و لا یکفی فی الرد أن یدفع الیه فردا آخر منها إذا کان الثمن من غیر النقود و قد یکون الثمن الذی تجری علیه المعاملة بین البائع و المشتری شیئا کلیا فی ذمة البائع نفسه و مثال ذلک أن یکون الرجل مدینا لصاحبه بمبلغ من المال، فیبیع داره علی صاحبه بالمبلغ الذی یستحقه صاحبه فی ذمته من المال.
و یحصل رد الثمن بأن یدفع الی المشتری فردا مما کان فی ذمته.

المسألة 173:

یجوز لولی الطفل أو المجنون أو غیرهما من الأشخاص المحجور علیهم
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 78
أن یشتری لهم ببعض أموالهم بالبیع الخیاری، و تصح المعاملة مع توفر شروط الصحة فیها، و یتولی الولی شؤون المعاملة ما دام الطفل أو المجنون محجورا علیهما.
فإذا اشترط البائع لنفسه خیار فسخ المعاملة إذا هو رد الثمن، کان له ذلک، و یکون رد الثمن علی الولی لا علی المولی علیه، و إذا بلغ الطفل الحلم و أفاق المجنون من جنونه و ارتفعت عنهما الولایة تولیا بأنفسهما بقیة شؤون المعاملة، فیکون رد الثمن علیهما لا علی الولی، و یکون فسخ العقد معهما و جمیع ذلک واضح.

المسألة 174:

إذا تولی الأب أو الجد أبو الأب المعاملة عن الطفل فاشتری له بماله ببیع الخیار صحت المعاملة کما تقدم، و إذا اشترط البائع لنفسه الخیار إذا رد الثمن، کان له ذلک، و الظاهر ان له رد الثمن علی أی الولیین شاء، و یکون له الخیار و ان کان رده علی الولی الذی لم یباشر الشراء، إلا إذا اشترط الرد علیه بالخصوص.

المسألة 175:

إذا ثبت للبائع خیار الشرط، ثم مات، انتقل هذا الخیار الی ورثته من بعده، فیجوز لهم أن یردوا الثمن علی المشتری فی المدة المعینة، و إذا أرادوا رد الثمن وزع علیهم علی حسب حصصهم من المیراث فیرد کل واحد منهم مقدار ما یصیبه من المیراث، و إذا هم ردوا الثمن علی المشتری کذلک، جاز لهم فسخ العقد، و إذا فسخوا العقد رجع إلیهم المبیع علی حسب حصصهم من المیراث.

المسألة 176:

إذا اشترط البائع لنفسه الخیار إذا هو رد الثمن علی المشتری، ثم مات المشتری قبل ان یرد البائع علیه الثمن، کان للبائع ان یرد الثمن علی ورثة المشتری، ثم یأخذ بالخیار کما اشترط لنفسه.

المسألة 177:

لا یختص خیار الشرط بالبائع، فیصح للمشتری أن یشترط لنفسه
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 79
خیار الفسخ إذا هو رد المثمن إلی البائع فی مدة معینة و یثبت له الخیار إذا تحقق الشرط.
و الظاهر ان المراد برد المثمن هو رد العین نفسها، فلا یکفی رد بدلها، إلا إذا علم من القرائن ان المراد رد العین مع وجودها و رد بدلها مع تلفها، فیکون ذلک هو المتبع.
و یجوز لکل من المتبایعین أن یشترطا لکل منهما الخیار إذا رد الی صاحبه ما انتقل الیه بالبیع منه و المتبع فی جمیع ذلک هو ما یتفقان علیه من الشرط فی ضمن العقد.

المسألة 178:

یسقط خیار الشرط إذا انقضت المدة المضروبة و لم یرد البائع فیها الثمن علی المشتری، فلا یکون له حق الخیار لعدم تحقق الشرط.
و کذلک إذا انقضت المدة و لم یرد المشتری المثمن علی البائع إذا کان المشتری هو الذی شرط لنفسه الخیار.
و یسقط الخیار کذلک إذا أسقطه صاحب الحق باختیاره بعد العقد.

(الرابع من أقسام الخیار، خیار الغبن).

المسألة 179:

إذا باع الإنسان سلعته بأقل من ثمن مثلها، و هو یجهل مقدار قیمة السلعة المتعارفة لها فی السوق، کان له حق خیار فسخ العقد، إذا کان التفاوت فی القیمة مما لا یتسامح به عند أهل العرف، و کذلک إذا اشتری الإنسان المتاع بأکثر من ثمنه بما لا یتسامح به و هو یجهل ذلک و یسمی هذا الحق خیار الغبن، و لا یثبت له هذا الخیار إذا کان عالما بالحال.

المسألة 180:

قد یبیع الإنسان حاجته بأقل من ثمن مثلها، و لا یعد فی نظر أهل العرف مغبونا فی بیعه، کما إذا باع الحاجة و اشترط لنفسه الخیار إذا هو رد الثمن فی مدة معینة، فإنه لا یعد فی هذه المعاملة مغبونا فی
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 80
نظر أهل العرف، لتعارف البیع بأقل من ثمن المثل فی البیع الخیاری.
و لا یثبت خیار الغبن للبائع أو المشتری فی غیر البیع الخیاری، إذا کان التفاوت فی القیمة یسیرا لا یعتد به لقلته، و المدار فی ثبوت الحکم أن یکون مقدار التفاوت بین القیمتین مما لا یتسامح به عند أهل العرف فإذا اشتری الأرض بمائة ألف دینار أو أکثر من ذلک، و کان مقدار الغبن فی الثمن خمسة آلاف دینار، فان هذا المقدار من التفاوت مما لا یتسامح به عند أهل العرف، فیثبت للمغبون به حق الخیار و یجوز له فسخ البیع و ان کان نصف عشر الثمن أو أقل منه.

المسألة 181:

لا یحق للمغبون أن یطالب الغابن بمقدار التفاوت بین القیمتین و یترک الفسخ، بل یتخیر بین أن یفسخ البیع و یمضیه بتمام الثمن الذی وقع علیه البیع، و لا یجب علیه القبول إذا بذل الغابن له مقدار التفاوت.
نعم یجوز للغابن و المغبون أن یتصالحا علی إسقاط حق الخیار بمقدار من المال، فإذا تصالحا علی ذلک سقط الخیار و لزم الغابن أن یدفع للمغبون المال الذی صالحه به، سواء کان بمقدار التفاوت أم أقل من ذلک أم أکثر.

المسألة 182:

یثبت الخیار للمغبون من حین العقد الصادر بینهما، لا من حین ظهور الغبن له، و نتیجة لذلک فإذا فسخ المغبون العقد قبل أن یظهر الغبن و صادف ذلک وجود الغبن من حین صدور العقد انفسخ العقد من حین اعمال الخیار.

المسألة 183:

لا تجب المبادرة علی المغبون فی الأخذ بخیار الغبن، و لا یسقط حق الخیار إذا هو أخر إنشاء الفسخ، و ان کان عالما عامدا فی تأخیره، کما إذا کان منتظرا لحضور الغابن، أو کان منتظرا لحضور من یستشیره فی فسخ العقد، أو لغیر ذلک من الأغراض العقلائیة فی التأخیر، و کذلک
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 81
إذا کان جاهلا بالغبن، أو جاهلا بثبوت حق الخیار للمغبون، أو کان ناسیا لذلک أو غافلا عنه فلا یسقط حقه من الخیار بذلک، فیجوز له أن یفسخ العقد بعد علمه و التفاته، و کذلک إذا بنی فی أول الأمر علی إمضاء العقد، ثم بدا له بعد ذلک أن یفسخ العقد، فیجوز له ذلک و لا یسقط حقه من الخیار، نعم لیس له التأخیر عامدا بحیث یؤدی الی الضرر أو الحرج علی الغابن من غیر غرض صحیح.

المسألة 184:

إذا ثبت الغبن للبائع أو للمشتری فی حال صدور العقد فکان التفاوت بین القیمتین مما لا یتسامح به عرفا کما ذکرنا فی ما تقدم، ثم زادت قیمة المبیع بعد ذلک حتی زال الغبن، و خصوصا إذا کان ذلک قبل اطلاع المغبون علی النقصان حال العقد، أشکل الحکم بالخیار، فلا یترک الاحتیاط فی هذه الصورة بعدم اعمال الخیار أو بالمصالحة بین المتبایعین.

المسألة 185:

یسقط خیار الغبن إذا أسقطه المغبون بعد العقد، سواء کان إسقاطه له قبل ظهور الغبن له أم بعد ظهوره له، و سواء کان إسقاطه للخیار علی نحو التفصیل و بعد ما علم بمقدار الغبن أم کان علی سبیل الاجمال کما إذا قال أسقطت حقی من الخیار سواء کان مقدار الغبن قلیلا أم کثیرا.

المسألة 186:

إذا أسقط المغبون خیاره و هو یعتقد ان مقدار التفاوت بین القیمتین قلیل فظهر له بعد ذلک ان التفاوت کثیر لم یشمله الاسقاط، و مثال ذلک ان یسقط حقه من الخیار و هو یحسب ان التفاوت بین القیمتین بمقدار عشرة، فاستبان له بعد ذلک ان التفاوت بمائة، فالظاهر عدم السقوط بذلک.
و علی سبیل الإجمال إذا تردد الأمر فی عبارة المغبون التی أسقط بها خیار الغبن بین الأقل و الأکثر أخذ فیها بالأقل، فلا یسقط الخیار
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 82
إذا کان التفاوت أکثر من ذلک، إلا إذا علم أو قامت قرینة عرفیة تدل علی ارادة ذلک.
و کذلک الحکم إذا صالح الغابن المغبون عن حقه بمال، فأسقط بذلک حقه من الخیار، فیجری فیه القول المتقدم علی التفصیل الذی ذکرناه فی الأقل و الأکثر.

المسألة 187:

الثانی من مسقطات خیار الغبن أن یشترط الغابن علی المغبون سقوط حقه من الخیار فی متن العقد، و یجری فی هذا المسقط کل ما ذکرناه فی المسقط الأول، فلا یسقط الخیار إذا کان الفرق بین القیمتین کبیرا، الا مع العلم أو القرینة التی تدل علی السقوط مطلقا.

المسألة 188:

الثالث من مسقطات خیار الغبن، أن یتصرف المغبون فی العین التی انتقلت الیه تصرفا یدل علی التزامه بالعقد الذی صدر بینهما و إسقاطه للخیار، سواء کان المغبون هو البائع أم المشتری، و سواء کان تصرفه فی العین التی انتقلت الیه بعد علمه بالغبن الذی حصل له فیها أم کان قبل علمه بذلک، إذا کان التصرف کاشفا فی نظر العقلاء، و أهل العرف عن التزامه بالعقد و عن إسقاطه للخیار علی فرض کونه مغبونا.
و لا یسقط الخیار بتصرف المغبون فی العین إذا لم یکن التصرف دالا علی التزامه بالعقد و إسقاطه للخیار.

المسألة 189:

إذا ثبت للبائع المغبون حق الخیار، فأخذ بحقه و فسخ البیع، فان وجد المبیع عند المشتری باقیا علی حاله، استرد المبیع منه. و ان وجده تالفا عند المشتری رجع علیه بمثله إذا کان المبیع مثلیا، و بقیمته إذا کان قیمیا، سواء کان تلفه بفعل المشتری نفسه أم بغیر فعله، و قد ذکرنا الفارق بین المثلی و القیمی فی المسألة التاسعة و التسعین، فلیلاحظ ذلک.
و ان رأی فی المبیع عیبا قد حدث عند المشتری، بفعله أو بآفة سماویة
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 83
أخذ المبیع، و أخذ معه أرش العیب، و سیأتی بیان المراد من العیب و بیان کیفیة أخذ الأرش، فی مبحث خیار العیب.
و ان وجد المشتری قد أخرج المبیع عن ملکه، فأعتق العبد المبیع مثلا أو وقف البستان المبیع أو نقل العین المبیعة إلی ملک غیره ببیع أو صلح أو هبة لازمة أو بعقد آخر لازم کان المبیع بحکم التالف، فیرجع البائع المغبون علی المشتری بالمثل إذا کان المبیع مثلیا و بقیمته إذا کان قیمیا.
و کذلک الحکم إذا وجد المشتری قد اخرج المبیع عن ملکه بعقد غیر لازم، کما إذا وجده قد باع المبیع بخیار أو وهبه هبة غیر لازمة، فإذا فسخ المغبون بخیاره رجع علی المشتری الغابن بالمثل أو القیمة، و لیس له إلزام الغابن بفسخ الهبة التی وهبها أو البیع الخیاری الذی وقع منه، بل و لا یجب علی الغابن رد العین الی المغبون إذا اتفق رجوعها الی الغابن بفسخ أو إقالة أو شراء جدید أو میراث بعد دفعه البدل الی المغبون کما فی النقل اللازم سواء بسواء.
نعم إذا رجعت العین الی الغابن قبل أن یدفع البدل الی المغبون وجب علیه ان یردها الی المغبون، و أولی من ذلک إذا رجعت العین الیه قبل فسخ المغبون.

المسألة 190:

إذا أراد البائع المغبون فسخ عقد البیع، فوجد المشتری قد آجر الدار مثلا علی غیره، اجارة لازمة أو جائزة، لم تکن الإجارة مانعة للبائع عن فسخ العقد، و إذا هو فسخ البیع لم تنفسخ الإجارة بذلک، بل ترجع العین إلی البائع المغبون بعد فسخه مسلوبة المنفعة، و علی المشتری أن یرد العین الی المغبون، و ان یدفع الیه معها أرش النقصان الحاصل للعین من جهة کونها مسلوبة المنفعة مدة الإجارة، فتقوم العین مرة بوصف کونها ذات منفعة فی تلک المدة، و تقوم بوصف کونها مسلوبة المنفعة فی تلک المدة مرة أخری، و یرجع المغبون علی المشتری بالعین و بالتفاوت ما بین القیمتین.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 84

المسألة 191:

إذا أخذ البائع المغبون بحقه من الخیار ففسخ عقد البیع، و کان المبیع موجودا فی ید المشتری، و لکنه قد تصرف فی العین تصرفا مغیرا لها، فهنا صور مختلفة تجب ملاحظتها، لتطبیق أحکامها.
(الصورة الأولی): أن یکون المشتری قد تصرف فی عین المبیع تصرفا أوجب نقیصتها، و قد تقدم منا فی المسألة المائة و التاسعة و الثمانین:
ان البائع المغبون إذا وجد فی المبیع عیبا، حدث عند المشتری بفعله أو بآفة سماویة أخذ عین المبیع من المشتری، و أخذ معها أرش النقیصة.
و إذا کانت النقیصة التی حدثت فی المبیع، نقص صفة کمال یوجب فقدها اختلافا فی القیمة، فلا یترک الاحتیاط بالمصالحة علیها بین الغابن و المغبون.

المسألة 192:

الصورة الثانیة ان یکون المشتری قد تصرف فی المبیع تصرفا أوجب الزیادة فیه و تکون الزیادة الحاصلة صفة محضة من صفاته، کما إذا طحن الحنطة المبیعة أو صاغ الفضة أو غزل القطن أو الصوف.
فإذا لم تکن للصفة الحاصلة مالیة، من حیث انها لم توجب زیادة فی قیمة العین و مالیتها، فالظاهر ان المبیع کله للبائع المغبون، و لا حق للمشتری فیه. و کذلک الحکم إذا کانت للزیادة التی حصلت فی المبیع مالیة، و لم یکن حصولها بفعل المشتری، کما إذا باعه خلا قلیل الحموضة، فزادت حموضته بسبب بقائه أیاما و زادت قیمته لذلک، فإذا فسخ البائع العقد لخیار الغبن، أخذ المبیع و لم یکن للمشتری فیه حق.
و کذلک الحکم إذا حصلت فی المبیع بسبب تصرف المشتری زیادة صفة مشوبة بالعین، کما إذا صبغ المشتری الثوب، و لم تکن لهذه الزیادة الحاصلة مالیة، فیکون المبیع للبائع وحده و لاحق للمشتری فیه.

المسألة 193:

الصورة الثالثة أن تحصل فی المبیع بسبب تصرف المشتری فیه زیادة
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 85
صفة مشوبة بالعین، کما إذا صبغ الثوب، و ان تکون لهذه الزیادة مالیة قد حصلت بفعل المشتری.
و الأحوط ان لم یکن هو الأقوی فی هذه الصورة أن یکون المشتری شریکا فی القیمة، فیجوز أن تباع العین و یقسم ثمنها بین البائع و المشتری علی النسبة، و یجوز للبائع أن یأخذ المبیع و یؤدی ما للمشتری بالنسبة، و یجوز للبائع و المشتری أن یتصالحا بینهما بغیر ذلک من الوجوه.

المسألة 194:

الصورة الرابعة أن یکون المشتری قد تصرف فی المبیع تصرفا أوجب الزیادة فیه زیادة عینیة، و الزیادة العینیة التی حصلت فی المبیع قد تکون غیر قابلة للانفصال عنه، کما إذا باعه المغبون حیوانا فسمن الحیوان بفعل المشتری، أو باعه شجرا فنما الشجر بفعله کذلک.
فإذا فسخ البائع المغبون البیع، فلا یترک الاحتیاط فی هذه الصورة بالمصالحة بین البائع و المشتری إذا کان سمن الحیوان و نمو الشجر بفعل المشتری کما ذکرنا، و إذا کان السمن و النمو فی المبیع بغیر فعل المشتری، فلا شی‌ء له فیها.

المسألة 195:

الصورة الخامسة ان تکون الزیادة التی حصلت فی المبیع بسبب تصرف المشتری زیادة عینیة کما ذکرناه، و تکون قابلة للانفصال عن عین المبیع، کالصوف و الوبر و الشعر و اللبن، و الثمر، و البناء فی الأرض، و الزرع و الغرس فیها.
و الظاهر ان للمغبون فی هذه الصورة إلزام المشتری بأحد أمرین یخیره بینهما، اما بفصل الزیادة عن العین و ان أوجب فصلها الضرر علیه، و اما بإبقائها مع دفع اجرة المثل للعین.
و إذا کان فصل الزیادة یوجب نقصا فی الأرض، فعلی المشتری أن یتلافی ذلک بتسویة الأرض بعد قلع الشجر و البناء منها و طم حفرها.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 86
و إذا اختار المشتری أحد الأمرین فلیس للبائع منعه، و لا فرق فی الحکم بین الغرس و الزرع.

المسألة 196:

الصورة السادسة أن یمزج المشتری المبیع بغیر جنسه حتی یعد مستهلکا تالفا فی نظر أهل العرف، کما إذا باعه ماء ورد، فخلطه المشتری بالماء حتی استهلک فیه، و حکمه فی هذه الصورة حکم التالف، فیضمن المشتری المبیع للبائع بمثله إذا کان مثلیا و بقیمته إذا کان قیمیا.
الصورة السابعة أن یمزجه المشتری بغیر جنسه و لا یعد مستهلکا تالفا، بل یعد موجودا ممزوجا کما إذا باعه خلا، فخلطه المشتری بالعسل أو بالسکر، و الظاهر ان الحکم فی هذه الصورة حصول الشرکة فی العین بین البائع و المشتری بنسبة المالیة فی الخلیطین، فإذا کان المبیع هو الخل و کانت قیمته قبل مزجه دینارا، و کانت قیمة العسل الذی خلطه المشتری به دینارین، کان للبائع الثلث من العین الموجودة بعد الخلط إذا هو فسخ العقد، و للمشتری الثلثان منها. و کذلک الحکم إذا خلطه المشتری بجنسه، و کان الممزوج به أردأ أو أجود، فیکون شریکا فی العین بنسبة المالیة، کما إذا خلط الخل المبیع بخل أردأ منه أو أجود، فتلاحظ النسبة فی المالیة بین الخلیطین علی النهج الذی تقدم ذکره.
و إذا خلطه المشتری بجنسه و کان مثله فی الرداءة و الجودة کان شریکا فی العین بحسب نسبة مقدار ماله الی المجموع، فإذا باعه حقة واحدة من الخل و خلطه المشتری بحقتین منه و کانا متساویین فی الرداءة و الجودة، فللبائع الثلث من مقدار المجموع و للمشتری الثلثان منه.
و الأحوط استحبابا المصالحة بین البائع و المشتری فی جمیع الصور، و خصوصا فی الصورتین الأولیین.

المسألة 197:

إذا ثبت خیار الغبن للمشتری ففسخ عقد البیع، و کان البائع قد
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 87
تصرف فی الثمن، فقد یکون تصرفه فی الثمن لا یوجب تغییرا فی العین لا فی نقص فیها و لا زیادة، و قد یکون تصرفه موجبا للنقص فی العین، و قد یکون موجبا للزیادة فیها، و قد یوجب مزج العین بجنسها أو بغیر جنسها، فتجری فیه جمیع الصور المتقدمة و تترتب علیها الأحکام و الآثار التی بیناها فی المسائل السابقة.
و کذلک إذا ثبت الخیار للمشتری، ففسخ العقد، و کان المشتری نفسه قد تصرف فی المبیع تصرفا لا یوجب سقوط خیاره، فتجری فیه الصور المتقدمة و تترتب علیها أحکامها، و کذلک إذا ثبت خیار الغبن للبائع، و کان البائع نفسه قد تصرف فی الثمن تصرفا لا یوجب سقوط خیاره، فیجری فیه کل ما تقدم من صور و أحکام.

المسألة 198:

إذا باع الإنسان علی غیره سلعتین صفقة واحدة و کان لکل واحدة من السلعتین ثمن معین، و ظهر بعد العقد ان البائع مغبون ببیع احدی السلعتین، ثبت له خیار الغبن، فیجوز له فسخ البیع فی السلعتین معا و یرد علی المشتری ثمنهما، و یجوز له إمضاء البیع فی الجمیع بالثمن المسمی لهما فی العقد، و یشکل الحکم بجواز التبعیض فی الفسخ بأن یفسخ بیع احدی السلعتین دون الأخری.
و کذلک الحکم إذا اشتری الإنسان سلعتین صفقة واحدة، کل واحدة منهما بثمن معین، و ظهر بعد العقد ان المشتری مغبون فی شراء احدی السلعتین، فیجوز للمشتری المغبون ان یفسخ العقد فی الجمیع أو یرضی به فی الجمیع، و یشکل الحکم بالتبعیض.

المسألة 199:

لا یختص خیار الغبن بعقد البیع، بل یجری فی کل معاملة عرفیة تبتنی علی المماکسة فی العوضین، فتجری فی الإجارة و الصلح و غیرهما، فإذا آجر الإنسان داره من أحد بأقل من أجرة المثل أو استأجرها منه بأکثر منها ثبت للمغبون منهما خیار الغبن و جرت أحکام الخیار المتقدمة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 88

المسألة 200:

إذا ثبت الخیار للمغبون ففسخ العقد، و وجد ماله الذی کان بید الغابن تالفا، و کان تلفه بفعل الغابن نفسه أو بآفة سماویة رجع علی الغابن ببدله، و هو مثله إذا کان مثلیا و قیمته فی یوم التلف إذا کان قیمیا، و إذا کان تلفه بفعل شخص أجنبی رجع المغبون بالمثل أو بالقیمة علی الغابن، و رجع الغابن بما غرمه للمغبون علی الأجنبی المتلف، و إذا کان تلف المال بفعل المغبون نفسه لم یرجع علی الغابن بشی‌ء.
و إذا تلف العوض الآخر و هو مال الغابن الذی کان فی ید المغبون، ثم فسخ المغبون العقد فان کان تلفه بفعل المغبون نفسه أو کان تلفه بآفة سماویة رجع الغابن به علی المغبون فأخذ منه مثله إذا کان مثلیا، و أخذ قیمته فی یوم التلف إذا کان قیمیا، و إذا کان تلف المال بفعل شخص أجنبی، رجع به الغابن علی المغبون علی الوجه المتقدم، ثم رجع المغبون بما غرمه له علی الأجنبی الذی أتلفه و إذا کان تلف مال الغابن بفعل الغابن نفسه لم یرجع به علی المغبون.
و إذ تلف من أحد العوضین وصف یوجب تلفه الأرش فحکمه حکم تلف العین فی جمیع ما تقدم بیانه.

(الخامس من أقسام الخیار، خیار التأخیر):

المسألة 201:

مورد هذا القسم من الخیار هو ان یبیع الإنسان علی غیره سلعة معینة من ماله و لا یقبض من المشتری ثمنها، و لا یدفع البائع السلعة إلی المشتری حتی یجیئه المشتری بالثمن فان البیع فی هذا المورد یکون لازما ثلاثة أیام، فإن دفع المشتری ثمن السلعة قبل انقضاء الأیام الثلاثة نفذ البیع، و ان لم یدفع المشتری الثمن حتی انقضی الأجل المذکور جاز للبائع أن یفسخ العقد، و ان یمضیه بالثمن المسمی فیه.

المسألة 202:

یثبت للبائع خیار التأخیر فی المورد المذکور و ان قبض من المشتری بعض الثمن أو دفع هو الی المشتری بعض المثمن، فإذا هو لم یقبض من
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 89
المشتری جمیع ثمن السلعة، و لم یدفع هو الی المشتری جمیع المثمن حتی انقضت الأیام الثلاثة جاز له فسخ البیع و إمضاؤه.

المسألة 203:

المراد بالأیام الثلاثة و هی الأجل لثبوت هذا الخیار هو المراد بالأیام الثلاثة فی خیار الحیوان، و قد ذکرناها فی المسألة المائة و الثالثة و الخمسین، فإذا کان العقد فی أول النهار فمدة الأجل تبدأ من أول ذلک النهار الی آخر النهار الثالث، و تدخل فیه اللیلتان المتوسطتان و إذا وقع العقد فی أثناء النهار، فمبدأ الأجل من ذلک الوقت الذی وقع فیه العقد الی مثل تلک الساعة من نهار الیوم الرابع، الی آخر ما بیناه فی المسألة التی أشرنا إلیها.

المسألة 204:

لا یثبت خیار التأخیر إذا اشترط أحد المتبایعین علی الآخر فی ضمن العقد تأخیر تسلیم أحد العوضین مدة معینة أو اشترط تأخیر التسلیم فی کلیهما.

المسألة 205:

یختص خیار التأخیر بالبیع و لا یجری فی غیره من المعاملات و المعاوضات، حتی فی الصلح الذی یفید فائدة البیع، و حتی فی الإجارة و الهبة المعوضة.

المسألة 206:

یثبت خیار التأخیر إذا کان المبیع عینا شخصیة فی ید البائع أو فی ید وکیله أو ولیه مثلا، و یشکل الحکم بثبوت الخیار له إذا کان المبیع کلیا فی ذمته، و الأحوط لزوما ان لا یکون الفسخ فی هذه الصورة إلا برضی الطرفین.

المسألة 207:

إذا تلفت السلعة التی وقع علیها عقد البیع و لم یدفع المشتری ثمنها فی الأیام الثلاثة کان تلفها من مال البائع، سواء کان تلفها فی الأیام الثلاثة أم بعدها، و سواء کان فی حال ثبوت الخیار للبائع أم فی حال سقوطه بأحد المسقطات، بل و ان أسقط الخیار باختیاره.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 90

المسألة 208:

لا یجب الفور فی خیار التأخیر علی الأقوی، فلا یسقط إذا أخر البائع الفسخ عن الثلاثة أیام و ان کان عامدا فی ذلک، إلا إذا حصل أحد المسقطات.

المسألة 209:

یسقط خیار التأخیر إذا أسقطه البائع باختیاره بعد تحقق شرطه و هو انقضاء الأیام الثلاثة، و یشکل الحکم بسقوطه إذا أسقطه البائع قبل انتهاء الأیام الثلاثة، و یشکل الحکم بسقوطه کذلک إذا اشترط المشتری علی البائع سقوط الخیار فی ضمن العقد، فلا بد من الاحتیاط فی کلا هذین الفرضین.

المسألة 210:

لا یسقط خیار البائع إذا بذل المشتری له الثمن بعد انقضاء الأیام الثلاثة، فیجوز له فسخ البیع و ان کان المشتری باذلا للثمن بعد مضی الأجل، و لا یسقط خیار البائع إذا طالب المشتری بدفع الثمن و ان کانت مطالبته به بعد الأیام الثلاثة.
نعم إذا دفع المشتری الثمن بعد الثلاثة، فأخذه البائع منه بقصد استیفاء ثمن المبیع و الجری علی المعاملة الصادرة بینهما، سقط خیاره بذلک، و یکفی فی تحقق ذلک القصد منه ان تدل القرائن علیه، و لا یسقط الخیار إذا أخذ المال من المشتری بقصد العاریة أو الودیعة أو نحوهما.

المسألة 211:

إذا باع الإنسان السلعة علی غیره، و کان المبیع مما یسرع الیه الفساد کالبقول و الخضروات التی یفسدها المبیت، و کاللحوم و الفواکه التی تنتنها أو تتلفها حرارة الوقت، و لم یقبض المشتری المبیع و لم یدفع ثمنه إلی البائع، ثبت الخیار للبائع قبل أن یعرض الفساد علی المبیع، فیجوز له أن یفسخ البیع أو یمضیه، فإذا کان الشی‌ء مما یفسده المبیت کان له الخیار عند دخول اللیل، و إذا کان مما یسرع الیه الفساد قبل ذلک کان له الفسخ و الإمضاء قبل عروض الفساد علیه.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 91

المسألة 212:

یختص الحکم المذکور فی المبیع إذا کان شخصیا، و لا یجری فی ما إذا کان کلیا فان المبیع الکلی لیس مما یسرع الیه الفساد أو یفسده المبیت، و الفرد الشخصی منه لا یکون للمشتری الا بعد التعیین و القبض، و إذا حصل القبض فیه لم یشمله الفرض فی المسألة، و إذا عینه البائع لم یتعین للمشتری فیجوز للبائع ابداله اختیارا و لا یجوز له الفسخ.

(السادس من أقسام الخیار خیار الرؤیة):

المسألة 213:

مورد خیار الرؤیة هو أن یری الإنسان شیئا، ثم یشتریه من مالکه اعتمادا علی رؤیته لذلک الشی‌ء، و یجده بعد ما اشتراه ناقصا عن الأوصاف التی رآها للشی‌ء، أو یشتریه من غیر مشاهدة، اعتمادا علی وصف البائع أو علی وصف غیره ممن رأی الشی‌ء و وصفه له، و یجده بعد ما اشتراه ناقصا عن الأوصاف التی ذکرت له، فیکون للمشتری الخیار بین أن یفسخ العقد فیرد المبیع و ان یمضی العقد فیمسک المبیع لنفسه بالثمن المسمی بینه و بین البائع.

المسألة 214:

و یثبت خیار الرؤیة کذلک للبائع، إذا هو باع الشی‌ء اعتمادا علی رؤیته السابقة لذلک الشی‌ء، و یجده بعد ما باعه زائدا فی الصفات علی رؤیته الأولی، أو یبیع الشی‌ء اعتمادا علی وصف غیره من غیر رؤیة من البائع، ثم یجده بعد البیع زائدا علی الوصف الذی ذکره الواصف له فیکون له الخیار بین الفسخ و الإمساک بالثمن المسمی.
و یثبت خیار الرؤیة کذلک للبائع إذا وجد الثمن الذی صار الیه ناقصا عما وصف له أو عما رآه فی الثمن فی رؤیته السابقة له، و یثبت خیار الرؤیة للمشتری إذا وجد الثمن المعین الذی وقع علیه البیع زائدا عما وصفه له الواصف حین العقد، أو زائدا عما وجده له من الأوصاف فی رؤیته السابقة له، فیکون لهما الخیار المذکور.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 92

المسألة 215:

یتخیر البائع أو المشتری حینما یثبت له خیار الرؤیة بین أن یفسخ العقد و یرد المبیع و أن یمضی البیع بالثمن الذی وقع علیه العقد، کما ذکرناه أکثر من مرة، و لا یحق له إذا ترک الفسخ و أمضی العقد أن یطالب صاحبه بالأرش، و هو التفاوت ما بین القیمتین إذا کان الشی‌ء الذی انتقل الیه ناقصا فی الوصف، أو یطالبه بقیمة الوصف الزائد إذا کان الشی‌ء الذی انتقل منه لصاحبه زائدا.
و لا یسقط خیار صاحب الخیار منهما إذا بذل له صاحبه أرش النقصان أو بذل له قیمة الوصف الزائد، و لا یسقط خیاره کذلک إذا أبدل له صاحبه العین بعین أخری واجدة للوصف الذی ذکره فی العقد.

المسألة 216:

الوصف الذی یوجب تخلفه الخیار، قد یکون وصفا له دخل فی صحة الشی‌ء، فیکون فقده عیبا یوجب خیار العیب، و هو الذی سیأتی تفصیل الکلام فیه ان شاء اللّٰه تعالی فی القسم السابع من أقسام الخیار.
و قد یکون وصفا له دخل فی کمال الشی‌ء، و هذا یقع علی نحوین، أحدهما أن یکون الوصف موجبا للرغبة العامة بین الناس، و لذلک فیکون موجبا لزیادة مالیته، و مثال ذلک أن یکون العبد کاتبا و مفکرا یعتمد علیه فی إنجاز المهمات، أو یکون أمینا یوثق بصدقه و صحة أعماله، و نحو ذلک من الأوصاف، الثانی أن یکون الوصف محطا لرغبة المشتری أو البائع بالخصوص، فتزید لذلک قیمته عنده، و ان کانت مخالفة للرغبة العامة، و مورد البحث فی خیار الرؤیة هو وصف الکمال فی الشی‌ء سواء کان من النحو الأول الذی یوجب الرغبة العامة أم من النحو الثانی الذی یوجب الرغبة الخاصة.

المسألة 217:

یختص خیار الرؤیة فی ما إذا کان المبیع عینا شخصیة فإنها هی التی یتصور فیها تخلف الوصف عما رآه فیها سابقا أو عما ذکره الواصف من صفاتها فتزید أو تنقص، و اما إذا کان المبیع کلیا موصوفا فالواجب
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 93
علی البائع أن یدفع للمشتری فردا توجد فیه أوصاف الکلی المبیع و إذا دفع له فردا تنقص فیه بعض الأوصاف فللمشتری أن یطالبه بفرد توجد فیه صفات المبیع، و لیس له الخیار فی ان یفسخ العقد.

المسألة 218:

إذا باع الإنسان علی غیره کلیا موصوفا فی المعین، ثم تخلف الوصف، کما إذا باع علیه صاعا جیدا من هذه الصبرة، و حینما دفع الیه الصاع وجده من غیر الجید، فذلک مما یتصور وقوعه علی نحوین:
أحدهما أن یبیعه صاعا کلیا من هذه الصبرة الجیدة، فتکون الجودة وصفا للصبرة جمیعها، و لما دفع الیه الصاع وجده و وجد الصبرة کلها من غیر الجید، و الظاهر أن للمشتری الخیار فی هذا الفرض و یکون بحکم بیع العین الشخصیة فی المسألة المتقدمة.
الثانی: أن یبیعه صاعا جیدا من هذه الصبرة، و لما دفع الیه الصاع وجده من غیر الجید، و لکن الصبرة نفسها فیها الجید و غیر الجید، و الظاهر ان للمشتری فی هذا الفرض مطالبة البائع، بصاع جید من الصبرة کما وقع علیه العقد بینهما و لیس له حق الخیار، و یکون الحکم فی هذا الفرض حکم بیع الکلی الموصوف فی المسألة المتقدمة.

المسألة 219:

لا یصح بیع العین الشخصیة الغائبة- کما هو مورد خیار الرؤیة- إلا إذا اعتمد فیه علی رؤیة سابقه للعین المبیعة، و انما تکفی الرؤیة السابقة فی صحة بیع البائع لها أو فی شراء المشتری إذا کان الرائی واثقا بأن صفات العین التی رآها باقیة الی حین البیع، أو یعتمد فیه علی وصف رافع للجهالة و الغرر فی المبیع و الثمن بذکر جنسهما و نوعهما و صفاتهما التی تختلف باختلافها الرغبات العامة و الخاصة، و تتفاوت بسببها المالیة و الأعواض، و انما یکفی الوصف للعین الغائبة إذا حصل منه الاطمئنان بأن العین فی حال العقد علی النحو الموصوف.

المسألة 220:

القول المشهور بین الأصحاب قدس اللّٰه أرواحهم: انه یجب الفور
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 94
فی خیار الرؤیة، فإذا لم یبادر صاحبه الی الفسخ سقط خیاره، و هو مشکل فلا بد فیه مع التأخیر من الاحتیاط.

المسألة 221:

یسقط خیار الرؤیة إذا أسقطه صاحبه باختیاره، سواء کان إسقاطه له بعد رؤیة العین أم قبلها، و یسقط خیاره کذلک إذا تصرف فی العوض الذی انتقل الیه تصرفا یدل علی التزامه بالبیع، سواء کان تصرفه قبل الرؤیة أم بعدها.
و یشکل الحکم بسقوط خیاره إذا اشترط علیه سقوطه فی ضمن العقد، و یشکل الحکم بسقوطه کذلک إذا هو تأخر فلم یبادر للفسخ کما نقلناه عن المشهور، فلا یترک الاحتیاط فی الفرضین الأخیرین.

(السابع من أقسام الخیار: خیار العیب):

المسألة 222:

إذا اشتری الإنسان شیئا فوجد فی الشی‌ء عیبا کان للمشتری الخیار بین أن یفسخ العقد فیرد المبیع علی صاحبه و یسترد منه الثمن، و ان یمضی البیع بالثمن المسمی، و أن یمسک المبیع و یطالب بائعه بالأرش، و هو التفاوت ما بین قیمتی الصحیح و المعیب، فیتخیر ما بین الأمور الثلاثة المذکورة.
و کذلک الحکم فی ما إذا باع الإنسان سلعته بثمن شخصی معین، فوجد فی الثمن المعین الذی دفعه إلیه المشتری عیبا فیکون للبائع الخیار بین الأمور الثلاثة المتقدم ذکرها، فیجوز له أن یفسخ العقد فیرد الثمن علی صاحبه و یسترد منه المبیع، و یجوز له أن یمضی العقد بالثمن المسمی، و یجوز له أن یمسک الثمن المعیب المدفوع الیه و یطالب المشتری بأرش النقصان فیه.
و إذا باع السلعة بثمن کلی، و وجد الفرد الذی دفعه إلیه المشتری معیبا لم یثبت له الخیار المذکور فیه بل تجوز له مطالبة المشتری بفرد صحیح لا عیب فیه من الثمن الکلی.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 95

المسألة 223:

العیب الذی یثبت به الخیار هو ما کان علی خلاف الخلقة الأصلیة فی الشی‌ء، سواء کان نقصا فی العین أم زیادة، فالعمی و الصمم و البکم و العرج و الإقعاد و العور و فقد بعض الأعضاء و الشلل فی بعضها عیب یثبت به الخیار، و زیادة الید أو الرجل أو الکف أو القدم أو الإصبع أو أحد الأعضاء الأخری عیب یثبت به الخیار کذلک، و انتشار بعض السموم و العناصر الغریبة فی تربة الأرض المبیعة التی تمنع نمو الزرع فیها أو تضعف الغرس أو تقلل الإنتاج عیب یثبت به الخیار، و هکذا فعیب کل شی‌ء هو النقص أو الزیادة اللذان یعدان خللا فی الخلقة الأصلیة بالنسبة الی ذلک الشی‌ء سواء کان الناقص منه أو الزائد فیه جزءا من أجزائه أو صفة من صفاته.
بل حتی بعض الطواری التی تعرض علی الشی‌ء و تلازمه حتی تعد عرفا عیبا من عیوبه کنزول الجیش فی الأرض أو بالقرب منها، و کوجود بعض الضواری و السباع فیها، حتی یمتنع المالک من الإفادة من أرضه و التصرف فیها کما یرید، فالظاهر ثبوت حکم العیب کذلک.

المسألة 224:

ذکر جماعة من الفقهاء ان العیب إذا کان موجودا فی أکثر أفراد الصنف لا یجری علیه حکم العیب، فلا یوجب وجوده الخیار، و مثلوا لذلک بالثیبوبة فی الإماء فلا تعد فیهن عیبا، و الظاهر أن ما ذکروه انما هو فی الإماء الکبیرات، فان الغالب فیهن ذلک فیتم فیهن ما أفادوه. و أما الإماء الصغیرات غیر المدرکات أو فی أول ادراکهن، فالأقوی ان الثیبوبة فیهن عیب فیجری فیها حکم العیب.

المسألة 225:

الظاهر ان الحمل فی الجواری المبیعة من العیوب فیهن، فإذا وجد المشتری الأمة التی اشتراها حاملا کان له الخیار فیها، و لیس الحکم کذلک فی الحیوانات.

المسألة 226:

لا یعتبر فی العیب الذی یثبت به الخیار أن یکون موجبا لنقص المالیة
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 96
فی الشی‌ء فإذا اشتری الإنسان الشی‌ء فوجده معیبا، و کان العیب مما لا تنقص به المالیة، کان له الخیار بین ان یفسخ العقد، و یمضیه بالثمن المسمی، نعم لا یجوز له أن یمسک الشی‌ء المبیع و یطالب البائع بأرش النقصان فیه، الا إذا کان العیب الموجود فیه یوجب النقص فی المالیة، و سیأتی التعرض لذلک فی ما یسقط به الأرش دون الرد فی المسألة المائتین و السادسة و الثلاثین.

المسألة 227:

قد بینا فی ما تقدم ان البائع أو المشتری إذا وجد فی العوض الذی انتقل الیه عیبا، کان له الخیار بین أمور ثلاثة، فیجوز له أن یفسخ البیع، فیرجع بسبب ذلک کل واحد من العوضین الی مالکه الأول، و یجوز له أن یرضی بالبیع و یمضیه بالثمن المسمی الذی وقع علیه العقد بینه و بین صاحبه، و یجوز له أن یمسک بالعوض المعیب الذی انتقل الیه بالبیع، و یطالب مالکه الأول بأرش العیب الذی وجده فیه.
و هنا مواضع خاصة یخرج فیها الحکم عن هذه القاعدة، فیکون له الخیار فیها بین أمرین فقط، فیجوز له أن یمضی البیع بالثمن المسمی و یرضی بالمعیب، و یجوز له أن یمسک بالعوض المعیب الذی انتقل الیه بالبیع، و یطالب صاحبه بأرش النقصان فیه، و لا یثبت له الشق الثالث من الخیار، و هو أن یفسخ العقد، فیرد کلا من العوضین الی مالکه الأول.
و یثبت هذا الاستثناء فی عدة موارد نفصلها فی المسائل الآتی بیانها ان شاء اللّٰه تعالی.

المسألة 228:

المورد الأول: ان یلتزم صاحب الخیار بالعقد الصادر بینه و بین صاحبه، و من الواضح ان التزامه بالعقد انما یدل علی رضاه بالبیع، و لا یدل علی رضاه بالعوض المعیب، و لا یکون موجبا لسقوط حقه من الأرش، و نتیجة لذلک فیکون له الخیار بین أن یبقی البیع بالثمن المسمی و أن یمسک بالعوض المعیب الذی انتقل الیه و یطالب مالکه الأول بأرش النقصان فیه کما ذکرناه فی المسألة المتقدمة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 97

المسألة 229:

المورد الثانی: أن یتصرف صاحب الخیار فی العوض المعیب الذی انتقل الیه تصرفا یدل علی التزامه بالعقد و اختیاره عدم فسخه، فیطأ الجاریة المبیعة أو یقبلها أو یلمسها لمسا یحرم علی غیر المالک، و هو کالمورد الأول انما یدل علی رضاه بالعقد و لا یدل علی رضاه بالعیب، فلا یسقط به حقه من الأرش و نتیجة لذلک فیکون مخیرا بین الأمرین الآنف ذکرهما.

المسألة 230:

المورد الثالث: ان تتلف العین المعیبة التی انتقلت الیه فلا یمکن له ردها الی مالکها الأول، و لا یحق له أن یختار فسخ العقد، بل یکون مخیرا بین الأمرین الآخرین الأنف ذکرهما.

المسألة 231:

المورد الرابع: أن یخرج صاحب الخیار العین المذکورة عن ملکه بسبب شرعی ناقل فیبیع العین علی غیره أو یهبها له أو یقفها، أو یعتق العبد المملوک أو الأمة المملوکة.

المسألة 232:

المورد الخامس: ان یتصرف صاحب الخیار فی العین تصرفا خارجیا یوجب تغیرها فلا یصدق معه ان العین باقیة قائمة بحالها، و مثال ذلک أن یفصل الثوب المبیع أو یخیطه أو یطحن الحنطة، أو یغزل القطن أو الصوف أو ینسجهما.

المسألة 233:

المورد السادس: أن یتصرف فی العین تصرفا شرعیا اعتباریا بحیث لا یصدق معه ان العین قائمة بحالها، و مثال ذلک ان یؤجر الدار من غیره أو یرهنها عنده.

المسألة 234:

المورد السابع: ان یحدث فی الشی‌ء المعیب الذی انتقل الیه عیب
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 98
جدید بعد ما قبضه من مالکه الأول، فلا یحق له بعد حدوث العیب الجدید أن یفسخ البیع بسبب العیب السابق.
و نتیجة لکل ما تقدم فلا یجوز لصاحب الخیار أن یفسخ البیع فی جمیع هذه الموارد، و یکون فی کل واحد منها مخیرا بین أن یرضی بالعقد فیمضیه بالثمن المسمی و یرضی بالمعیب، و ان یمسک بالعوض المعیب الذی صار الیه و یطالب صاحبه بأرش النقیصة فیه.

المسألة 235:

إذا اشتری الإنسان شیئا، و کان له فی ذلک العقد خیاران، أحدهما خیار عیب، و الثانی خیار حیوان مثلا أو غیره من أقسام الخیار، ثم حدث فی المبیع عیب جدید بعد ما قبضه من البائع، فإن هذا العیب الحادث انما یمنعه من أن یفسخ العقد بخیار العیب السابق، و لا یمنعه من أن یفسخ العقد بخیاره الآخر.

المسألة 236:

و یستثنی أیضا من القاعدة الآنف ذکرها فی المسألة المائتین و السابعة و العشرین مورد واحد آخر یسقط فیه الأرش و لا یسقط فیه الرد، فیکون صاحب الخیار فی هذا المورد مخیرا بین أن یفسخ البیع فیرد کلا من العوضین الی مالکه الأول، و ان یرضی بالبیع فیمضیه بالثمن المسمی، و المورد المشار الیه هو ما إذا کان العیب الموجود فی الشی‌ء لا یوجب نقصا فی مالیته فی نظر أهل العرف کزیادة الإصبع الواحد فی العبد المملوک و خصوصا إذا کان فی القدم، و لذلک فلا یوجب بیعه أرشا للمشتری لعدم التفاوت فی القیمة و المالیة بین الصحیح منه و المعیب، نعم یکون من أجل وجود العیب مخیرا بین الأمرین الآنف ذکرهما.
قالوا: و من هذا النوع من العیب الخصاء فی العبید إذا اتفق تعلق غرض نوعی به بین عامة الناس کما نقل عن بعض فترات التأریخ، فکانت قیمة العبد الخصی من أجل هذه الغایة تساوی قیمة الفحل.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 99

المسألة 237:

قال جماعة من الفقهاء، و هنا مورد آخر یسقط فیه الأرش کذلک و لا یسقط فیه الرد، فیجری فیه الاستثناء المذکور فی المسألة الماضیة، و هو ما إذا اشتری الإنسان شیئا ربویا بعوض من جنسه من غیر تفاضل، فظهر فی أحد العوضین عیب، فلا یجوز لصاحب الخیار أن یأخذ أرش النقصان من الآخر حذرا من الربا المحرم فی المعاملة، و لذلک فیکون مخیرا بین رد البیع و إمضائه بالثمن المسمی.
و لکن الأقوی جواز أخذ الأرش، فإن دفع أرش النقصان من أجل العیب لا یوجب زیادة فی العوض فی المعاملة فلا یلزم منه الربا.

المسألة 238:

لا خیار للمشتری إذا اشتری السلعة و هو یعلم قبل عقد البیع بوجود العیب فیها و لا خیار کذلک للبائع إذا باع سلعته بالثمن الشخصی المعین و هو یعلم قبل العقد بوجود العیب فی الثمن، فلا یجوز لهما فسخ البیع، و لا حق لهما فی المطالبة بالأرش.

المسألة 239:

إذا تبرأ البائع فی عقد البیع من العیوب فی الشی‌ء المبیع، فاشترط فیه أن لا یرجع المشتری علیه بالثمن و لا یطالبه بالأرش إذا ظهر الشی‌ء معیبا، و قبل المشتری بشرطه، لم یثبت للمشتری خیار إذا ظهر کونه معیبا، فلا یجوز له رد البیع و لا المطالبة بالأرش.
و کذلک الحکم إذا تبرأ المشتری فی ضمن العقد من عیوب الثمن الشخصی و قبل البائع بشرطه فلا خیار للبائع إذا ظهر الثمن معیبا، فلا حق له فی الرد و لا فی الأرش.

المسألة 240:

یسقط خیار العیب للمشتری إذا أسقطه هو باختیاره بعد أن ظهر له وجود العیب فی الشی‌ء المبیع، فلا یحق له بعد ذلک رد البیع و لا المطالبة بالأرش، و کذلک الحکم إذا أسقط هو حقه من خیار العیب قبل أن یظهر له وجود العیب فی الشی‌ء و کان موجودا فیه حین العقد، فلا یجوز
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 100
له ان یرد البیع أو یطالب بالأرش، و یسقط خیار العیب للبائع إذا أسقطه هو باختیاره قبل أن یظهر له وجود العیب فی الثمن الشخصی أو بعد ما ظهر له إذا کان العیب موجودا فیه حین العقد، فلا یجوز له رد البیع و لا المطالبة بالأرش فی الصورتین.

المسألة 241:

و یسقط خیار العیب کذلک إذا اشترط البائع علی المشتری فی ضمن العقد و إذا اشترط المشتری علی البائع فی ضمن العقد سقوط خیاره، إذا کان العوض الذی انتقل الیه من صاحبه معیبا، و قبل الآخر بشرطه، فلا یجوز للمشترط علیه رد البیع و لا مطالبة صاحبه بالأرش إذا وجد الشی‌ء معیبا.

المسألة 242:

إذا اشترط احد المتبایعین علی الآخر فی ضمن العقد سقوط الأرش وحده، أو سقوط رد البیع وحده إذا کان الشی‌ء معیبا، و قبل الآخر بالشرط، اتبع الشرط المجعول بینهما و لم یسقط الخیار من أصله، بل یسقط حق المطالبة بالأرش وحده فی الصورة الأولی، و یکون صاحب الخیار مخیرا بین رد العقد و إمضائه بالثمن المسمی، و یسقط الرد وحده فی الصورة الثانیة، و یکون صاحب الخیار مخیرا بین إمضاء العقد بالثمن المسمی، و إمساک الشی‌ء المعیب و مطالبة صاحبه بالأرش.

المسألة 243:

ذهب جماعة من العلماء الی وجوب الفور و المبادرة فی خیار العیب فإذا تأخر صاحب الخیار فلم یفسخ و لم یطالب بالأرش سقط خیاره، و ذهب آخرون الی عدم وجوب المبادرة فإذا تأخر و لم یبادر لإعمال خیاره لم یسقط خیاره، و هو مشکل، فإذا تأخر صاحب الخیار فی اختیار الفسخ أو الإمساک بالأرش، فلا یترک الاحتیاط بالرجوع إلی المصالحة.

المسألة 244:

إذا کان الشی‌ء معیبا فی حین وقوع العقد علیه ثم زال عیبه بعد ذلک و قبل ان یعلم به المشتری، فالظاهر عدم سقوط الخیار بذلک، فیتخیر
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 101
صاحبه بین ان یفسخ العقد و ان یمسک المعیب بالأرش، و له أن یرضی بالبیع بالثمن المسمی، و الأحوط استحبابا أن یختار رد البیع مع إمکانه فان لم یمکن الرد أمسک بالمعیب و طالب صاحبه بأرشه.

المسألة 245:

العیوب التی تحدث فی الشی‌ء تقع علی عدة أنحاء، فلا بد من ملاحظتها فإنها مختلفة الآثار.
النحو الأول: العیب الذی یکون موجودا فی الشی‌ء حین وقوع عقد البیع، و هذا هو الموضوع الذی یثبت عند تحققه الخیار للمشتری إذا کان العیب فی المبیع، و للبائع إذا کان العیب فی الثمن الشخصی المعین أو ما هو بحکمه و قد سبق تفصیل ذلک فی المسائل المتقدمة.
و المدار علی وجود العیب فی الشی‌ء حال العقد کما ذکرناه سواء کان حدوثه فیه مقارنا للعقد أیضا أم کان سابقا علیه و ان لم یعلم به صاحب الخیار الا بعد ذلک، بل و ان زال العیب قبل أن یعلم به، و قد تقدم منا بیان جمیع ذلک.
النحو الثانی: العیب الذی یحدث فی الشی‌ء بعد قبضه من بائعه، و هو لا یوجب خیارا للمشتری أو للبائع، و لکنه یمنع صاحب الخیار من الرد بالعیب السابق، و قد تقدم بیان ذلک فی المسألة المائتین و الرابعة و الثلاثین.
النحو الثالث: العیب الذی یحدث فی الشی‌ء بعد وقوع العقد علیه و قبل قبضه من مالکه الأول، و هل یکون حدوث هذا العیب موجبا للخیار لمن انتقل الیه ذلک الشی‌ء الذی حدث به العیب و لم یکن فیه عیب سابق، و هل یمنع من الرد و الفسخ بسبب العیب السابق إذا کان معیبا سابقا؟؟
و هو موضع إشکال فی جمیع فروضه، فلا یترک الاحتیاط بالرجوع إلی المصالحة فی جمیعها.
نعم إذا کان حدوث هذا العیب بفعل المشتری نفسه لم یکن له أثر، فیکون بیع البائع علیه لازما، و لا خیار للمشتری فیه.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 102

المسألة 246:

یرجع فی معرفة قیمة الشی‌ء الصحیح و المعیب الی أهل الخبرة بتقویم ذلک الشی‌ء و تمییز مراتب الصحة و العیب فیه و مقادیر تفاوتها فی القیم، و لا ریب فی ان أهل الخبرة فی بعض الأشیاء غیر أهل الخبرة فی البعض الآخر منها، فالخبیر بتقویم الدور و المنازل غیر الخبیر بالبساتین و الأراضی، و هو غیر الخبیر بتقویم السیارات و أدوات النقل، و هم غیر أهل الخبرة بالامتعة و الأثاث، و هکذا فی الأدوات و الأجهزة بعضها مع بعض و الأطعمة بعضها مع بعض، و الخبرة فی کثیر مما ذکر تفتقر إلی ممارسة و مران و طول مزاولة و تثبت، و ذلک واضح جدا و نحن نذکره للتنبیه، و علی أی حال فلا بد فی تقویم أی شی‌ء من الرجوع الی الخبراء بقیمة نوع ذلک الشی‌ء و أصنافه و أفراده و صحیحه و معیبه و التمییز بین مراتب العیوب فی النقص و فی القیمة.
و یکفی فی المقوم من أهل الخبرة الواحد بشرط أن یکون أمینا موثوقا علی الأقوی و ان کان الأحوط استحبابا ان یرجع الی مقومین عدلین و لا سیما فی ما کان مظنة للغبن و مثارا للنزاع.

المسألة 247:

أرش العیب هو مقدار التفاوت ما بین قیمة الشی‌ء معیبا و قیمته صحیحا، فإذا أریدت معرفة ذلک، رجع الی أهل الخبرة کما ذکرناه، فقوموا الشی‌ء المبیع صحیحا، تقویما عادلا لا غبن فیه ثم قوموه معیبا کذلک، ثم لوحظت نسبة قیمة المعیب إلی قیمة الصحیح، فأخذ من الثمن المسمی الذی وقع علیه العقد بتلک النسبة، و نقص منه بسبب وجود العیب فیه بتلک النسبة.
فإذا اشتری الإنسان المتاع بعشرین دینارا فوجده معیبا، و کانت قیمة ذلک المتاع عند أهل الخبرة خمسة و عشرین دینارا فی حال صحته، و کانت قیمته عشرین دینارا فی حال وجود العیب فیه و نسبة القیمة المذکورة للمعیب إلی قیمة الصحیح هی أربعة أخماسها و التفاوت ما بین القیمتین بخمسة دنانیر و هی خمس قیمة الصحیح، فإذا أراد المشتری من البائع أرش العیب کان للمشتری خمس الثمن الذی وقع علیه العقد
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 103
فیرجع علی البائع بأربعة دنانیر فی المثال و هی خمس الثمن، و یکون للبائع منه ستة عشر دینارا و هی أربعة أخماسه.

المسألة 248:

إذا اختلف أهل الخبرة فی تقویم الشی‌ء الصحیح أو فی تقویم المعیب أو فی تقویم کلیهما فان اتفقت النسبة بین قیمتی الصحیح و المعیب فی کلا التقویمین عمل بها، و مثال ذلک أن یقوم بعض أهل الخبرة الشی‌ء فی حال صحته بعشرة دنانیر و یقومه فی حال وجود العیب فیه بخمسة دنانیر، و یقوم بعضهم الصحیح بثمانیة دنانیر، و یقوم المعیب بأربعة دنانیر، فان التفاوت بین القیمتین فی کلا التقویمین بالنصف، فالخمسة نصف العشرة فی التقویم الأول کما ان الأربعة نصف الثمانیة فی التقویم الثانی، فیؤخذ نصف الثمن المسمی.
و إذا اختلفت النسبة ما بین قیمتی الصحیح و المعیب فی التقویمین فکانت النسبة بینهما هی النصف مثلا فی أحد التقویمین و کانت النسبة هی الثلث فی التقویم الثانی أو أقل من ذلک أو أکثر، فلا یترک الاحتیاط بالمصالحة حتی فی ما إذا کان بعض المقومین أقوی خبرة أو أکثر عددا، و کذلک الحکم إذا کان المقومون أکثر من اثنین، فان اتفقوا علی النسبة بین قیمة الصحیح و قیمة المعیب عمل علیها و ان اختلفوا فی ذلک رجع الی الاحتیاط بالمصالحة.

المسألة 249:

إذا باع الإنسان علی غیره متاعین فی عقد واحد و کان لکل واحد من المتاعین ثمن مستقل عن الآخر، فوجد المشتری فی أحد المتاعین المبیعین عیبا، کان للمشتری الخیار فی المتاع المعیب، فیجوز له أن یفسخ البیع فیه فیرد المتاع علی بائعه و یسترد منه ثمنه، و یجوز له أن یمضی البیع فیه و یرضی به بالثمن المسمی، و یجوز له ان یمسک المتاع المعیب و یطالب البائع بأرشه، و إذا اختار أن یرد المعیب ففسخ بیعه، کان للبائع أن یفسخ البیع فی المتاع الثانی الصحیح لتبعض الصفقة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 104

المسألة 250:

إذا باع الإنسان علی غیره متاعین فی عقد واحد بثمن واحد، فوجد المشتری فی أحد المتاعین عیبا، کان للمشتری الخیار فی العقد، فیجوز له أن یفسخ البیع فیرد المتاعین معا علی بائعهما و یسترد منه ثمنهما، و یجوز له أن یرضی بالبیع فیمضیه فی المتاعین معا بالثمن المسمی، و یجوز له أن یمسک المتاعین و یطالب البائع بأرش المعیب منهما، و لیس له ان یرد المتاع المعیب وحده.

المسألة 251:

إذا اشترک رجلان فاشتریا من شخص شیئا واحدا، فوجدا الشی‌ء معیبا، ثبت لکل واحد منهما الخیار فی حصته من المبیع، فیجوز لأحدهما أن یفسخ البیع فی حصته و یردها علی بائعها و یسترد منه ثمنها و ان لم یوافقه المشتری الآخر علی ذلک، فإذا فسخ فی حصته من المبیع کان للبائع الخیار فی أن یفسخ العقد مع المشتری الآخر لتبعض الصفقة.

المسألة 252:

إذا اشتری الإنسان عبدا أو أمة ثبت للمشتری خیار العیب متی أصاب العبد أو الأمة جنون أو جذام أو برص أو قرن، فیجوز له فسخ البیع، و یجوز له إمساک المملوک و المطالبة بالأرش علی نهج ما تقدم، و ان حدث فیه أحد هذه العیوب بعد العقد إلی مدة سنة من یوم العقد، و من أجل ذلک سمیت هذه العیوب فی بعض النصوص بأحداث السنة.
و إذا جعل العبد أو الأمة ثمنا شخصیا لمبیع، ثبت الخیار للبائع کذلک الی انتهاء السنة، و الجذام و البرص مرضان معروفان، و یرجع فیهما عند الاشتباه الی أهل الخبرة الثقات من أطباء و غیرهم، و القرن، و یقال له العفل أیضا لحم أو عظم أو غدة تنبت فی فرج المرأة تمنع الزوج من الوطء أو توجب تنفره عند المجامعة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 105

الفصل السادس فی بعض أحکام الشرط و الخیار

المسألة 253:

إذا شرط البائع علی المشتری أو شرط المشتری علی البائع شیئا فی ضمن عقد البیع وجب علی المشروط علیه منهما الوفاء بذلک الشی‌ء إذا کان جامعا للشرائط الآتی ذکرها. و مثال ذلک أن یبیع الرجل دارا علی شخص آخر بثمن معین، و یشترط البائع علی المشتری فی ضمن عقد البیع ان یسکن البائع الدار المبیعة شهرا أو شهرین مثلا، فیجب علی المشتری أن یفی للبائع بما شرط علیه فیمکنه من سکنی الدار المدة المعلومة.
و کذلک الحکم إذا شرط أحد المتعاقدین علی الآخر شرطا فی ضمن عقد لازم آخر غیر البیع کالنکاح و الإجازة و الصلح و الهبة اللازمة أو أی عقد لازم آخر، فیجب علی المشروط علیه الوفاء بالشرط المأخوذ فی ضمن العقد اللازم کما یجب الوفاء بالعقد اللازم نفسه و لا یختص الحکم بالبیع.

المسألة 254:

لا ینفذ الشرط و لا یجب الوفاء به إذا کان مخالفا للکتاب و السنة، و المراد بما یخالف الکتاب و السنة أن یکون الشی‌ء المشروط فعله أو المشروط ترکه غیر جائز فی حکم شریعة الإسلام، فلا ینفذ الشرط و لا یجب الوفاء به إذا شرط علیه ترک واجب ثبت وجوبه بحجة شرعیة فی الإسلام أو شرط علیه فعل محرم ثبت تحریمه بحجة شرعیة کذلک، سواء کان المحرم صغیرا أم کبیرا.
و مثال ذلک ان یبیع الرجل علی غیره شیئا أو یؤجره دارا أو یزوجه امرأة و یشترط علیه فی ضمن العقد الجاری بینهما أن یترک صلاة واجبة أو صوما واجبا أو أی شی‌ء واجب ثبت وجوبه علی الإنسان بحجة شرعیة، أو یشترط علیه أن یفعل محرما قد ثبت تحریمه کذلک و ان کان المحرم صغیرا کما ذکرناه.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 106
و تحصل مخالفة الکتاب و السنة کذلک إذا اشترط علیه أن تتحقق نتیجة أو یثبت شی‌ء لم یشرع وجوده فی الإسلام، أو اشترط علیه أن تنتفی نتیجة أو أمر یعلم بثبوته و تحققه فی الإسلام، و مثال ذلک أن یبیعه شیئا أو یؤجره دارا أو یزوجه امرأة، و یشترط علیه أن یکون ماله بعد موته میراثا لغیر وارثه الشرعی، أو یشترط علیه ان لا یرجع میراثه من بعده الی ورثته الشرعیین، أو یزوج الحر ابنته أو أمته و یشترط علیه فی عقد التزویج أن تکون أولاده منها أرقاء ممالیک فلا یصح الشرط و لا یجب الوفاء به فی جمیع هذه الموارد.

المسألة 255:

لا ینفذ الشرط و لا یجب الوفاء به إذا کان منافیا لمقتضی العقد الذی أخذ فی ضمنه، و مثال ذلک أن یشتری الإنسان من غیره شیئا و یشترط علی البائع ان البیع من غیر ثمن، أو یستأجر منه داره و یشترط علیه أن الدار بلا أجرة، أو یزوجه امرأة معینة و یشترط أحد المتعاقدین علی صاحبه ان تکون الزوجة غیر المعقودة، أو یشترط أن یکون الزوج غیر من عقد له، أو أن یکون المهر ملکا للزوج فلا یکون الشرط فی جمیع ذلک نافذا و لا واجب الوفاء.

المسألة 256:

یشترط فی نفوذ الشرط و فی وجوب الوفاء به أن یکون مأخوذا فی ضمن أحد العقود، و أخذه فی ضمن العقد قد یکون بذکره فی العقد ذکرا صریحا، و قد یکون بذکر الشرط أولا ثم إیقاع العقد بعده من غیر فصل طویل بینهما بحیث یفهم من ذلک أن یکون العقد مبنیا علی الشرط، و قد یکون بدلالة القرائن العامة أو الخاصة علی إرادته فی ضمن العقد.
و لا یلزم الوفاء بالشرط إذا ذکر مجردا عن عقد، و لا یلزم الوفاء به إذا ذکر قبل العقد و لم یبتن العقد علیه.

المسألة 257:

إذا شک فی أن العقد وقع مبنیا علی الشرط أم لا، فلا یترک الاحتیاط
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 107
بالتصالح بین المتعاقدین، أو بالتقایل ثم تجدید العقد مع الشرط أو بدونه کما یریدان.

المسألة 258:

الظاهر وجوب الوفاء بالشرط إذا اشترط فی ضمن أحد العقود الجائزة ما دام العقد الذی أخذ فیه موجودا، فإذا فسخ العقد بین المتعاقدین سقط وجوب الوفاء بالشرط بتبعه.

المسألة 259:

یشترط فی لزوم الشرط و وجوب الوفاء به أن یکون مقدورا علیه فی وقت تسلیمه إذ لا لزوم و لا وجوب لغیر المقدور، بل قال بعض الاساتذة الأکابر: لو علم عدم القدرة علی الشرط لم یمکن إنشاء الالتزام به.

المسألة 260:

یعتبر- علی الأحوط لزوما، فی الشرط- أن یکون غیر مجهول، سواء کانت الجهالة فیه توجب أن یکون عقد البیع الذی وقع فیه ذلک الشرط غرریا، أم لم توجب ذلک، فلا یذکر المتعاقدان فی العقد الذی یجریانه بینهما شرطا مجهولا، و إذا هما ذکرا فی ضمنه شرطا مجهولا، و کانت الجهالة فی الشرط توجب الجهالة فی عقد البیع نفسه کان العقد فاسدا، و فسد بتبعه الشرط و إذا کانت الجهالة فی الشرط لا توجب جهالة فی البیع رجعا الی الاحتیاط فی الشرط نفسه بالمصالحة عنه.

المسألة 261:

الظاهر صحة الشرط و نفوذه حتی إذا وقع معلقا، فلا یشترط فی صحته التنجیز، و مثال ذلک ان یبیع النجفی دارا یملکها فی کربلاء، و یشترط البائع علی المشتری ان له السکنی فی الدار شهرا إذا اتفق له فسافر الی کربلاء فی شهر ذی الحجة أو فی شهر محرم، فیصح الشرط و یجب علی المشتری الوفاء به فیمکنه من سکنی الدار إذا حصل الأمر الذی علق شرطه علیه.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 108

المسألة 262:

یجوز للإنسان ان یبیع مالا علی غیره، ثم یبیع المشتری ذلک المال علی بائعه الأول بعد ان اشتراه منه إذا لم یشترط البائع أو المشتری ذلک فی البیع الأول، سواء کان الثمن الثانی مثل الثمن الأول أم أقل منه أم أکثر.
و إذا باع الإنسان علی غیره مالا، و شرط البائع علی المشتری فی ضمن العقد أن یبیعه منه بعد شرائه أو شرط المشتری علی البائع فی ضمن العقد ان یشتریه منه، فلا یترک الاحتیاط باجتنابه، سواء کان فی الشرط أن یکون البیع الثانی بأقل من الثمن الأول أم بأکثر منه أم بمثله أم لم یشترط فی الثمن شیئا.

المسألة 263:

إذا شرط أحد المتعاقدین علی صاحبه شرطا فی ضمن أحد العقود، و فسد الشرط لاختلال بعض شروط الصحة فیه لم یفسد أصل العقد بفساد الشرط، بل یلغی الشرط خاصة و یجب الوفاء بالعقد.

المسألة 264:

إذا توفرت الشروط فی الشرط المأخوذ فی ضمن العقد صح و وجب علی المشروط علیه ان یفی به، فإذا هو امتنع من فعله، جاز للمشروط له ان یجبره علی فعله، فإذا تعذر علیه ان یجبره علی فعل الشرط کان للمشروط له الخیار فی فسخ العقد، و الأحوط لزوما ان لا یأخذ المشروط له بالخیار الا بعد تعذر إجبار صاحبه علی فعل الشرط.

المسألة 265:

إذا کان فعل الشرط مقدورا علیه حین اشتراطه فی ضمن العقد، ثم تعذر علی المشروط علیه فلم یستطع الوفاء به کما إذا مرض فلم یتمکن من أداء الصوم الذی شرط علیه أداءه أو تلف الثوب فلم یستطع خیاطته أو صبغه الذی شرطه علیه، ثبت للمشروط له الخیار فی أصل العقد فیجوز له فسخه و إمضاؤه.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 109

المسألة 266:

إذا ثبت حق الخیار لإنسان ثم مات قبل أن یأخذ بخیاره، و لم یسقط بأحد السقطات انتقل خیاره بعد موته الی ورثته، و جرت علیه أحکام المواریث، فلا یرث منه القاتل و لا الکافر و لا العبد المملوک کما لا یرثون من سائر أموال الترکة، و یمنع الأقرب من الوارثین الا بعد منهم فی إرث حق الخیار کما یمنعه فی إرث الأموال، و یحجب الوارث عن إرثه من حق الخیار ما یحجبه عن إرث سائر المال، و تقسم السهام فیه علی أصحاب السهام کما تقسم فیها.

المسألة 267:

إذا کان المال الذی تعلق به الخیار مما یحرم منه بعض الورثة، فهل یحرم ذلک الوارث من ارث الخیار کما یحرم من ارث ذلک المال أو لا یحرم منه؟ و مثال ذلک أن یشتری الإنسان أرضا و یکون له حق الخیار فی شرائها، لغبن أو وجود عیب أو شرط، أو یبیع أرضا و یکون له الخیار فی بیعها کذلک ثم یموت صاحب الخیار فهل ترث زوجته من خیاره فی الأرض أو تحرم منه کما تحرم من إرث الأرض؟
و مثال ذلک أیضا أن یبیع الرجل من أمواله أعیان الحبوة التی یختص بها ولده الذکر الأکبر و لا یرث منها غیره، و یکون له الخیار فی بیعها، أو یشتریها و یکون له الخیار فی شرائها ثم یموت الرجل قبل أن یأخذ بخیاره فهل یحرم غیر الولد الذکر الأکبر من میراث الخیار کما یحرم من إرث الحبوة أو لا یحرم منه؟ الأقرب حرمان ذلک الوارث من ارث الخیار إذا کان المال الذی تعلق به الخیار منتقلا عن المیت، و لا یحرم من ارث الخیار إذا کان المال منتقلا الیه، فإذا باع الرجل أرضه و کان له الخیار فی بیعها ثم مات لم ترث زوجته من خیاره فی بیعها، و إذا اشتری أرضا من غیره و کان له الخیار فی شرائها ورثت الزوجة من خیاره فی شرائها کسائر الورثة.
و کذلک الحکم إذا باع الرجل أعیان الحبوة أو اشتراها مع الخیار ثم مات، فلا یرث غیر الولد الذکر الأکبر من الخیار فی الصورة الأولی، و یرث منه فی الصورة الثانیة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 110

المسألة 268:

إذا مات صاحب الخیار و کان له ورثة متعددون ثبت لکل واحد منهم الخیار مستقلا فی حصته خاصة، و قد تقدم قریبا ان سهام الورثة فی إرثهم من الخیار تکون علی مقادیر سهامهم فی میراث المال، و نتیجة لذلک فیجوز لکل فرد من الورثة أن یفسخ العقد فی حصته، و یجوز له ان یمضی العقد فیها.
و لا یؤثر فسخه العقد فی حصته شیئا إلا إذا رضی من علیه الخیار بذلک، فینفسخ العقد حین ذاک فی حصته خاصة، و لا ینفسخ العقد فی الجمیع حتی یتفق جمیع الورثة فیفسخ کل فرد منهم فی حصته، فینفسخ العقد فی الجمیع سواء رضی من علیه الخیار أم لم یرض.

المسألة 269:

إذا اتفق الورثة ففسخوا البیع الذی عقده مورثهم، وجب علیهم ان یردوا الثمن علی المشتری، فإذا کانت عین الثمن موجودة وجب علیهم دفع العین الیه و إذا کانت تالفة أو منتقلة عن ملکهم بناقل شرعی وجب علیهم رد بدلها و هو المثل أو القیمة من ترکة المیت، فان الثمن بعد الفسخ بعض دیونه، و إذا فسخ بعض الورثة فی حصته و لم یفسخ الآخرون منهم و رضی المشتری بذلک، وجب علی الفاسخ بل علی الورثة أیضا ان یدفعوا ثمن الحصة من العین إذا کانت موجودة و إذا کانت العین تالفة أو منتقلة عن ملکهم فالأحوط الرجوع الی المصالحة فی إخراج ثمن الحصة من الترکة أو من حصة الفاسخ خاصة.

المسألة 270:

إذا جعل المتعاقدان الخیار فی العقد لشخص آخر غیرهما أو شرط أحد المتعاقدین ذلک و قبل به الآخر- کما ذکرناه فی المسألة المائة و التاسعة و الخمسین، ثم مات الشخص الأجنبی الذی جعل له الخیار لم ینتقل حق الخیار منه الی وارثه من بعده، إلا إذا علم أن الخیار فی العقد قد جعل حقا لذلک الأجنبی علی کل حال سواء کان حیا أم میتا، فإذا علم ذلک انتقل الخیار بعد موته الی وارثه و ان کان الفرض بعیدا.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 111

المسألة 271:

إذا تلف الشی‌ء المبیع فی مدة الخیار و قبل انتهائها، فإن کان الخیار الذی حصل فیه التلف هو خیار الحیوان، فالظاهر ان تلف المبیع فیه یکون من مال البائع، و کذلک الحکم إذا کان الخیار الذی وقع التلف فیه هو خیار الشرط للمشتری، فیکون تلف المبیع من مال البائع أیضا.
و إذا کان الخیار هو خیار الشرط للبائع، فالظاهر ان تلف المبیع فی زمانه یکون من مال المشتری.
و إذا کان الخیار هو خیار المجلس، فهل یکون تلف المبیع فی زمانه بعد القبض من مال المشتری أیضا؟. فیه اشکال.

الفصل السابع فی ما یدخل فی المبیع

المسألة 272:

إذا باع الإنسان علی غیره شیئا و أطلق المتعاقدان اسم ذلک المبیع بینهما و لم یذکرا ما یدل علی عموم أو خصوص، دخل فی البیع کل ما یدل علیه اسم ذلک الشی‌ء بحسب المتفاهم العرفی بین الناس، و ما تدل القرائن العامة أو الخاصة بینهم علی دخوله فیه من أجزاء أو توابع أو غیر ذلک، مما جری التعارف أو العادة علی شمول الاسم أو البیع له، و هذا هو ما یقصده المتعاقدان بحسب ارتکازهما الإجمالی عند اجراء المعاملة علی الشی‌ء و ان لم یلتفتا الیه علی وجه التفصیل.

المسألة 273:

إذا باع الرجل علی غیره بستانا، دخلت فی المبیع أرض البستان و ما فیه من نخیل و شجر و فسیل، و ما حوطه من جدار أو خص أو اسلاک أو غیر ذلک مما جرت به العادة فی تسویر البساتین و ما یکون للسور المحیط به من أبواب و منافذ و إغلاق للأبواب، و ما فی البستان من بئر أو عین خاصة أو نهر أو ساقیة أو حوض أو مجاری لإخراج المیاه التی تنفصل من الأرض و الأشجار، و کالناعور و وسائل السقی و أدواتها
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 112
إذا جرت العادة بدخولها فی اسم المبیع، و الأبنیة التی تنشأ فی البستان لبعض مرافقه و مصالحه و العرائش التی تجعل للکرم و بعض الأشجار المتسلقة، و الحضیرة و هو الموضع الذی یعد لجمع التمر و تشمیسه و تصفیته و قد یستعمل لغیر التمر من الثمار، و ما أشبه ذلک من التوابع و المرافق التی تلحق بالبستان عرفا أو عادة، و قد تختلف البلاد أو العادات فی ذلک فیلحق کلا حکمه.

المسألة 274:

إذا باع الرجل علی غیره أرضا، فالظاهر ان النخیل و الشجر الذی یوجد فی الأرض لا یدخل فی اسم المبیع عرفا و لا یکون له تابعا فلا یشمله البیع الا مع اشتراط دخوله، و إذا باعه دابة أو بقرة أو غیرهما من إناث الحیوان و کانت حاملا، أو باعه شجرة و کانت مثمرة، فلعل المتعارف بین الناس أن یدخل الحمل فی بیع الأم و ان تدخل الثمرة فی بیع الشجرة، فإذا ثبت هذا التعارف کان قرینة علی دخولهما فی المبیع، و الا فلا یشملهما البیع، فلا بد من الملاحظة.

المسألة 275:

إذا باع الرجل علی غیره نخلا و علیه ثمر، فان کان ثمر النخل قد أبر أی لقح فهو للبائع و ان لم یلقح بعد فالثمر للمشتری، و هذا التفصیل یختص ببیع النخل، فإذا باع غیر النخل من أنواع الشجر و کان له ثمر، فثمره للبائع سواء أبر أم لم یؤبر، و کذلک الحکم إذا نقل النخل الی ملک غیره بغیر البیع من النواقل الشرعیة کالصلح و الهبة، فإن ثمر النخل یکون للناقل سواء لقح أم لم یلقح، و إذا دلت القرینة العامة أو الخاصة علی دخول الثمر فی البیع شمله و کان للمشتری و قد ذکرنا هذا فی المسألة المتقدمة.

المسألة 276:

إذا باع الرجل علی غیره نخیلا أو شجرا و بقی الثمر ملکا للبائع، و احتاج الثمر إلی السقی، جاز للبائع أن یسقیه، سواء کان قد اشترط فی العقد علی المشتری أن تبقی الثمرة علی أصولها أم لم یشترط علیه
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 113
ذلک، و لیس للمشتری ان یمنعه من السقی فی کلتا الصورتین، و إذا احتاجت الأصول إلی السقی، جاز للمشتری أن یسقیها، و لیس للبائع منعه، هذا إذا لم یتضرر الآخر بالسقی.
و إذا کان السقی مضرا بأحدهما و ترک السقی مضرا بالآخر، فان کان البائع قد شرط علی المشتری فی ضمن العقد أن تبقی الثمرة علی أصولها إلی أوان جذاذها، و قبل المشتری بشرطه، فالظاهر تقدیم حق البائع، و ان لم یشترط علیه ذلک، فالأحوط إیقاع المصالحة بینهما و لو بالمعاوضة عن بعض الإضرار.

المسألة 277:

إذا باع الشخص علی غیره بستانا، و استثنی لنفسه من البستان نخلة أو نحوها، فللبائع حق المرور الی نخلته و الخروج منها، و له من أرض البستان مدی جرائد النخلة و مسری عروقها فیها، و لا یجوز للمشتری أن یمنعه عن شی‌ء من ذلک، فیصد الجرائد أو العروق عن أخذ مداها، أو یمنع الرجل عن الدخول الی نخلته و الخروج منها.

المسألة 278:

إذا باع الإنسان علی أحد دارا، دخل فی اسم المبیع أرض الدار و بناؤها، ما علا من البناء و ما سفل، الا ان تدل الامارات علی استقلال أحدهما عن الآخر و عدم التبعیة له فلا یدخل أحدهما فی بیع الآخر حین ذاک.
و مثال ذلک أن تکون الدار المبیعة فی الطابق الأسفل من البنایة، و یکون الطابق الأعلی دارا أخری مستقلة بمدخلها و مخرجها و مرافقها، أو یکون فندقا للنزلاء، أو شققا معدة للإجارة، أو محلات معدة للتجارة.
أو تکون الدار المبیعة فی الطابق الأعلی، و یکون الطابق الأدنی دکاکین و حوانیت و مواضع للإجارة أو فندقا أو ما یشبه ذلک.
و یدخل فی بیع الدار السرداب و النفق الذی یوجد فیها، و الأبواب و الشبابیک و الرواشن و السلالم المثبتة، و الأخشاب و الحدید الذی یستدخل فی البناء أو یجعل دعائم تعتمد علیها السقوف، و یدخل فی
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 114
بیعها ما یوجد فیها من نخیل أو شجر، و الحدیقة التابعة للدار، المتعارف وجودها فی المنازل الغربیة الوضع، و المجالس التی تعد لاستقبال الضیوف و الزوار الرجال، و تدخل فی بیعها الاسلاک الکهربائیة و أنابیب الماء و الحنفیات و المغاسل المثبتة، و نحو ذلک من التوابع، الا ان تدل القرینة علی الاستقلال و عدم التبعیة فی بعض ما ذکر، أو یشترط البائع عدم دخوله فی البیع.

المسألة 279:

لا تدخل فی بیع الأرض الأحجار التی توجد مدفونة فیها و لا الکنوز التی قد توجد مستودعة فیها، و لا یشمل بیعها المعادن الجوفیة التی توجد فی أعماق الأرض و لا تعد من توابع الأرض فی نظر أهل العرف، نعم یشمل بیع الأرض ما یتکون فیها من أحجار و معادن إذا کانت من توابع الأرض فی نظر أهل العرف.

الفصل الثامن فی التسلیم و القبض

المسألة 280:

إذا تم عقد البیع بین البائع و المشتری وجب علیهما تسلیم العوضین اللذین وقعت المبادلة بینهما، فیجب علی البائع تسلیم المبیع إلی المشتری، و یجب علی المشتری تسلیم الثمن إلی البائع، إلا إذا شرط أحدهما علی صاحبه أن یؤخر تسلیم العوض الیه، فینفذ له شرطه.
و لا یجوز للبائع و لا للمشتری أن یؤخر التسلیم مع عدم الشرط إلا إذا رضی له صاحبه بالتأخیر، أو کان معذورا فی ذلک.

المسألة 281:

إذا امتنع المتبایعان عن تسلیم العوضین من غیر شرط و لا عذر أجبرا علی التسلیم، و إذا امتنع أحدهما عن التسلیم من غیر شرط و لا عذر، مع بذل صاحبه العوض الذی عنده اجبر الممتنع.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 115

المسألة 282:

إذا شرط أحد المتبایعین علی صاحبه فی ضمن العقد أن یؤخر التسلیم مدة، و قبل الآخر بذلک ثبت له شرطه و جاز له التأخیر کما تقدم، و لا بد و أن تکون مدة التأخیر المشترطة معینة معلومة عند الطرفین، و إذا هو أخر التسلیم من قبله مع الشرط، فلیس للآخر ان یمتنع عن تسلیم ما لدیه.

المسألة 283:

إذا انقضت المدة التی اشترط البائع أو المشتری فیها تأخیر التسلیم من قبله، و استمر علی عدم التسلیم بعد انقضاء مدة شرطه من غیر عذر، جاز للآخر أن یمتنع عن تسلیم العوض الذی عنده إذا لم یکن قد سلمه إیاه من قبل.

المسألة 284:

یجوز للبائع ان یشترط لنفسه علی المشتری ان ینتفع بالمبیع مدة، فیسکن الدار المبیعة مثلا أو یزرع الأرض المبیعة، أو یرکب الدابة أو السیارة المبیعة، أو یستخدم المملوک المبیع فإذا قبل المشتری بشرطه نفذ و وجب علی المشتری الوفاء به، و لا بد و أن تکون مدة الانتفاع المشترطة معینة معلومة عند الطرفین.
و إذا کان الثمن فی المعاملة شخصیا معینا و کانت له منافع معلومة، جاز للمشتری کذلک ان یشترط لنفسه علی البائع ان ینتفع بالثمن مدة معلومة علی نهج ما تقدم فی المبیع.

المسألة 285:

القبض یعنی استیلاء القابض علی الشی‌ء و وضع یده علیه، و لا فرق فی ذلک بین المنقول من الأشیاء و غیر المنقول منها، و ان اختلف الأمر فی الأفراد باختلاف الشی‌ء المستولی علیه، فالاستیلاء علی الثوب أو علی الحیوان مثلا یحصل بأخذه بالید أو أخذ زمامه أو إمساک حبله، و کذلک الاستیلاء علی الدینار أو علی الکتاب أو علی السیارة، أو علی سائر المنقولات. و الاستیلاء علی الدار أو علی الحانوت أو البستان یتحقق بالتسلط الخارجی علی التصرف فیها. هذا من ناحیة القابض.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 116
و أما من ناحیة الدافع، فالتسلیم أو الإقباض یعنی دفع الشی‌ء الی صاحبه، من غیر فرق کذلک بین المنقول من الأشیاء و غیر المنقول، و دفع الشی‌ء الی صاحبه قد یحصل فی بعض الأشیاء بتسلیمه إلیه بالید کما فی الثوب و الحیوان و الکتاب و الدینار و السیارة و نحو ذلک، و قد یتحقق بتسلیط صاحب الشی‌ء علیه تسلیطا خارجیا، بأن یرفع الدافع یده عن الشی‌ء و یأذن للقابض فی التصرف فیه کیف یرید، و یرفع عنه المنافیات الآخری حتی یصبح فی نظر العقلاء مستولیا علی الشی‌ء استیلاء کاملا و متسلطا علی التصرف فیه، و هذا فی الأشیاء غیر المنقولة کالدار و البستان و الحانوت و أمثالها، و هذا هو المقدار المعتبر من التخلیة فی تحقق معنی الإقباض و التسلیم، و لا یکفی من التخلیة ما یکون أقل من ذلک. و من هذا التفصیل قد اتضح المراد من التسلیم الواجب علی المتبایعین فی المنقول من الأشیاء و غیر المنقول منها.

المسألة 286:

إذا تم عقد البیع بین البائع و المشتری ملک کل منهما المال الذی انتقل الیه بالبیع، فیصبح المال المبیع ملکا للمشتری و یملک جمیع نمائه و نتاجه الذی یتجدد بعد البیع، سواء قبض الأصل من البائع أم لم یقبضه، بل و ان تلف الأصل قبل أن یقبضه من البائع.
و کذلک الحکم فی الثمن فیصبح بعد ان یتم البیع ملکا للبائع، و یملک جمیع نتاجه و نمائه، فإذا کان الثمن شخصیا معینا و تجدد له بعد البیع نماء أو نتاج فهو ملک للبائع سواء قبض أصل الثمن من المشتری أم لم یقبضه، و سواء تلف أصل الثمن بعد النمو و النتاج أم لم یتلف، بل و ان تلف الأصل قبل قبضه من المشتری، و إذا کان الثمن کلیا فی الذمة فلا یتعین الفرد الخارجی للمشتری الا بعد التعیین، فإذا تعین و قبضه المشتری ملک ما یتجدد بعد ذلک من نمائه و نتاجه.

المسألة 287:

إذا تلف المال المبیع قبل أن یقبضه المشتری من البائع انفسخ عقد البیع و رجع کل من المالین الی ملک مالکه الأول، فیرجع المبیع الی ملک
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 117
البائع و یکون تلفه علیه، و یرجع الثمن إلی المشتری و لا یرجع معهما النماء الذی تجدد لهما قبل انفساخ العقد فنماء المبیع الذی حصل منه فی تلک الفترة لا یزال ملکا للمشتری و لا یرجع مع أصل المبیع الی ملک البائع، و نماء الثمن الذی حصل منه فی تلک الآونة لا یزال ملکا للبائع و لا یرجع بعد انفساخ البیع مع أصل الثمن الی ملک المشتری.
و کذلک الحکم فی ما إذا تعذر الوصول الی المال المبیع قبل قبضه من البائع کما إذا سرقه سارق أو غصبه غاصب أو غرق فی بحر و کما إذا شرد الجمل أو أبق العبد أو أفلت الطائر فلا یمکن العثور علیه، فینفسخ البیع و یکون فی حکم التلف من مال البائع.

المسألة 288:

إذا کان الثمن شخصیا معینا و تلف قبل أن یقبضه البائع من المشتری انفسخ عقد البیع و رجع کل من الثمن و المثمن الی ملک مالکه الأول، فیعود الثمن ملکا للمشتری و یکون تلفه علیه و یجری فی هذا الفرض جمیع ما ذکرناه فی المسألة المتقدمة من الأحکام و الآثار سواء بسواء، و کذلک الحکم فی ما إذا تعذر الوصول الی الثمن الشخصی کما إذا غصب أو نهب أو غرق قبل قبضه من المشتری و قد تقدم بیانه فی المسألة السابقة أیضا.

المسألة 289:

ما ذکرناه من الأحکام فی تلف المبیع قبل قبضه من بائعه إنما تترتب فی ما إذا کان التلف بإحدی الآفات الموجبة للتلف، و لا تعم ما إذا وقع التلف بعمل البائع نفسه أو بصنع أحد أجنبی یمکن رجوع المشتری الیه و أخذ بدل الشی‌ء التالف منه، فان الظاهر صحة العقد فی هاتین الصورتین و للمشتری ان یرجع علی البائع فی الصورة الأولی، و علی المتلف الأجنبی فی الصورة الثانیة بمثل الشی‌ء التالف إذا کان مثلیا و بقیمته یوم التلف إذا کان قیمیا.
و کذلک الحکم فی الثمن الشخصی إذا أتلفه المشتری نفسه قبل قبضه منه أو أتلفه أجنبی یمکن الرجوع علیه ببدل التالف فلا ینفسخ العقد بل یصح البیع و یکون للبائع الرجوع علی من أتلف الثمن بالمثل أو القیمة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 118

المسألة 290:

إذا تحقق القبض علی الوجه الذی تقدم منا بیانه فی المسألة المائتین و الخامسة و الثمانین و حصل الاستیلاء عرفا علی الشی‌ء ترتبت أحکام القبض، و خرج به الشی‌ء عن ضمان بائعه فلا یکون تلف المبیع بعد ذلک من مال البائع، و لا یکون تلف الثمن الشخصی بعد ذلک من مال المشتری.
و یکفی فی تحقق القبض أیضا ان یسلم البائع المال المبیع الی الوکیل المفوض من قبل المشتری، و ان یسلم المشتری الثمن الی الوکیل المفوض من قبل البائع، و یکفی أن یأمره المشتری بأن یسلم المال الی رجل معین، فإذا دفع البائع المال الی ذلک الشخص فقد حصل القبض، و برئت ذمة البائع، و یکفی کذلک ان یأمره المشتری بأن یرسل المال الی موضع معین، متجر، أو مصرف، أو بنک فی البلد، أو الی موضع معین فی بلد آخر، فإذا أرسل البائع المال أو أرسله وکیله المفوض منه الی الموضع الخاص و اطمأن بوصوله فقد حصل القبض، و کذلک الحکم فی قبض البائع الثمن.

المسألة 291:

إذا باع الشخص علی غیره شیئین أو عدة أشیاء و تلف بعض الأشیاء المبیعة قبل قبضها و لم یتلف الباقی منها، تبعض العقد، فانفسخ البیع فی خصوص الشی‌ء التالف، و رجعت حصة ذلک التالف من الثمن إلی المشتری، و کان تلف ذلک المبیع من مال بائعه، و صح البیع فی الأشیاء الباقیة التی لم تتلف بما یخصها من الثمن، و ثبت للمشتری فیها الخیار، لتبعض الصفقة، فیجوز له أن یفسخ العقد، فیرد الأشیاء المذکورة غیر التالفة علی بائعها، و یسترد منه حصتها من الثمن، و یجوز له ان یرضی بالبیع فی هذه الأشیاء غیر التالفة بحصتها من الثمن.

المسألة 292:

إذا حدث فی المال المبیع احد العیوب بعد العقد و قبل أن یقبضه المشتری من بائعه فقد ذکرنا فی المسألة المائتین و الخامسة و الأربعین ان
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 119
الحکم فی هذا العیب مشکل فی جمیع فروض المسألة فلا یترک الاحتیاط بالرجوع إلی المصالحة فی جمیعها.
و یستثنی من ذلک فرض واحد، و هو ما إذا کان حدوث العیب فی المال بفعل المشتری نفسه، فلا یکون للعیب أثر، فیکون بیع البائع لازما و لا خیار فیه للمشتری.

المسألة 293:

یجب علی البائع أن یخلی المبیع عند تسلیمه من أثاثه و أمتعته، و من أی شی‌ء یمنع المشتری أو یزاحمه فی تصرفاته فی المبیع، فعلیه أن یفرغ الدار المبیعة و الحانوت المبیع و الفندق المبیع مما فیها من أثاث و أمتعة و فرش و أجهزة و أدوات و آلات و حوائج لا تدخل فی المبیع و لا یشملها البیع. و إذا کانت الدار أو المحل مبلطا بحجارة و اشترط البائع عدم دخولها فی المبیع وجب علیه قلعها و إخراجها و تسویة الأرض، و کذلک إذا کان له فی الأرض شی‌ء مدفون، حجارة أو حدید أو غیر ذلک مما یمنع من الزراعة أو البناء فیها أو یمنع الانتفاع بها بوجه آخر أو کان البائع قد اشترط عدم شمول البیع له فیجب علیه إخراجه و تسویة الأرض و طم حفرها.

المسألة 294:

إذا احتاج البائع فی إخراج بعض الأثاث أو الأشیاء من المنزل أو المحل المبیع الی هدم بعض جدرانه، هدمه و اخرج أثاثه و وجب علیه بعد ذلک تعمیر البناء و إصلاح ما استهدم.

المسألة 295:

إذا کان البستان المبیع مشغولا بزرع للبائع، فإن کان قد حل أوان حصاد الزرع وجب علی البائع حصاده و اخلاء الموضع منه، و إذا کانت للغرس أو الزرع جذور تضر بزراعة البستان و الانتفاع به بعد ذلک وجب علی البائع استیصال الجذور و تنقیة الأرض منها و تسویة الأرض بعد ذلک.
و ان لم یحن وقت حصاد الزرع، فان اشترط البائع علی المشتری
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 120
بقاء الزرع فی الأرض مع الأجرة أو بدونها وجب العمل بما شرط، و ان لم یشترط علیه شیئا، فلا یترک الاحتیاط بالمصالحة بینهما و خصوصا إذا کان المشتری جاهلا بوجود الزرع فی البستان أو کان جاهلا بحاجة الزرع الی البقاء.

المسألة 296:

یجوز للرجل أن یبیع المال الذی اشتراه و لم یقبضه من بائعه علیه إذا کان الشی‌ء المبیع غیر مکیل و لا موزون، سواء أراد بیعه علی مالکه الأول أم علی غیره، و سواء باعه برأس ماله أم بربح.
و إذا کان الشی‌ء المبیع مما یکال أو مما یوزن، فالظاهر جواز بیعه أیضا قبل قبضه إذا کان بیعه تولیة ای برأس ماله، و الأحوط لزوما المنع إذا کان البیع مرابحة، سواء أراد بیعه علی بائعه الأول أم علی غیره فی کلا الحکمین.
و هذا فی غیر مال السلف إذا أراد بیعه علی بائعه أو علی غیره، قبل حلول الأجل أو بعد حلوله و قبل القبض، و سیأتی التعرض ان شاء اللّٰه تعالی لبیان الحکم فی ذلک فی فصل بیع السلف.

الفصل التاسع فی النقد و النسیئة

المسألة 297:

إذا باع الرجل علی أحد شیئا بثمن معلوم، فقد لا یجعل المتعاقدان للثمن أجلا، فیکون الثمن حالا، سواء أطلقا العقد بینهما فلم یذکرا للثمن أجلا، أم صرحا فی العقد بعدم التأجیل و یسمی نقدا باعتبار حلول الثمن و جواز مطالبة البائع به بعد إتمام العقد، و النقد هو تعجیل الثمن، فإذا دفع المشتری الثمن إلی البائع معجلا فقد نقده کما یقول اللغویون، و یوصف به البیع باعتبار نقد الثمن فیه، فیقال باع الرجل الشی‌ء نقدا أی بثمن معجل.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 121
و قد یشترط المشتری أو البائع تأجیل الثمن، فیسمی ذلک نسیئة، و النسیئة بمعنی التأخیر و التأجیل و یوصف به البیع کذلک باعتبار تأجیل الثمن فیه، فیقول المتعاملون باع الرجل متاعه نسیئة، أی بثمن مؤجل.

المسألة 298:

إذا باع الرجل علی غیره متاعا، و لم یشترط البائع أو المشتری علی صاحبه فی العقد ان یکون الثمن مؤجلا کان الثمن حالا، فیجوز للبائع بعد ان یتم العقد بینه و بین المشتری، و بعد ان یدفع الیه المبیع: ان یطالبه بالثمن فعلا و فی أی وقت أراد، و إذا طالب البائع المشتری بالثمن وجب علی المشتری دفعه الیه، و لم یجز له الامتناع عنه الا إذا امتنع البائع عن تسلیم المبیع الیه من غیر عذر و لا شرط، و إذا دفع المشتری الی البائع الثمن بعد انتهاء العقد وجب علی البائع أخذه، و لم یجز له أن یمتنع من قبضه.

المسألة 299:

إذا شرط المشتری فی ضمن العقد تأجیل الثمن کان نسیئة، فلا یجوز للبائع أن یطالب المشتری بالثمن قبل حلول الأجل المعین بینهما، وفاء بالشرط، و لا یجب علی المشتری ان یدفع الثمن للبائع قبل حلول الأجل و ان طالبه به البائع.

المسألة 300:

إذا اشترط المشتری علی البائع تأجیل الثمن، ثم دفع الیه الثمن قبل حضور أجله فالظاهر وجوب أخذه علی البائع الا أن تکون علی البائع فی أخذه منه قبل الأجل منة لا یتحملها، أو تدل القرائن علی ان تأجیل الثمن فی المقام حق من حقوق البائع کما هو حق للمشتری، فلا یجب علیه أخذ الثمن حین ذلک.

المسألة 301:

إذا اشترط فی العقد تأجیل الثمن، فلا بد من ان یعین له أجلا، و لا بد من ان یکون الأجل محددا مضبوطا من الزیادة و النقصان، فلا یصح ان یشترط التأجیل و لا یعین له أجلا، و لا یصح ان یعین أجلا
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 122
یتردد بین الزیادة و النقصان، و مثال ذلک ان یؤجل دفع الثمن الی ان یقدم زید من سفره، أو الی یوم حصاد الزرع أو الی حین بیع التمر أو الی وقت جذاذ الثمرة، و لا یکفی ان یذکر أجلا معینا فی نفسه الا ان المتعاقدین یجهلان موعده، و مثال ذلک ان یشترط تأجیل الثمن إلی أول یوم من برج الحمل أو الی أول یوم من برج المیزان أو الی أول یوم من السنة المیلادیة فلا یصح إذا جهل المتعاقدان موعد ذلک، بل و لا یصح إذا جهله أحدهما.

المسألة 302:

الظاهر صحة البیع إذا اشترط فیه تأجیل دفع الثمن إلی أول یوم من الشهر القادم و کان الشهر الحاضر مرددا بین التمام و النقصان، بل الظاهر صحة البیع إذا جعل الأجل أول یوم من شهر رمضان المقبل و هما فی شهر رمضان الحاضر، و تردد الناقص من أیام السنة بین الأقل و الأکثر.

المسألة 303:

إذا باع الإنسان علی غیره شیئا بثمن معین یدفعه الیه نقدا، و بثمن أکثر منه یدفعه إلیه نسیئة إلی أجل مسمی و جری الإیجاب و القبول بین المتبایعین علی ذلک، فالظاهر صحة البیع بالثمن الأقل إلی المدة المعینة، و مثال ذلک ان یبیعه داره مثلا بألف دینار یدفعه الیه معجلا، و بألفی دینار یدفعها الیه بعد مضی سنة من یوم وقوع البیع بینهما، و یقبل المشتری منه البیع علی هذه الصورة، فیصح بیع الدار بألف دینار مؤجلة إلی مضی سنة من الیوم المعین، و ان کان الأحوط ان یتقایل المتبایعان من العقد الذی أوقعاه بینهما ثم ینشئا بیعا جدیدا حسب ما یریدان.

المسألة 304:

إذا باع الرجل علی غیره شیئا بثمن معین یدفعه الیه بعد مدة معینة، و بثمن معین آخر أکثر من الأول یدفعه الیه بعد مدة معینة هی أطول من المدة الأولی، و جری الإیجاب و القبول بین المتبایعین علی ذلک کما
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 123
فی المسألة المتقدمة، فالظاهر عدم صحة البیع، و مثال ذلک أن ینشئ الرجل بیع داره علی المشتری بألف دینار یدفعه المشتری إلیه بعد مضی شهر من یوم العقد، و بألفی دینار یدفعهما الیه بعد مضی سنة کاملة من یوم العقد، و یقبل المشتری منه الإیجاب علی هذه الصورة، فلا یصح البیع کما قلناه.

المسألة 305:

إذا کان الثمن الذی اشتری الإنسان به المبیع حالا، أو کان نسیئة فحل بعد ذلک أجله، و أراد المشتری ان یزید البائع علی الثمن مبلغا آخر من المال لیؤخره فی الجمیع إلی أجل فالظاهر عدم جواز ذلک، و کذلک الحکم فی کل دین حال، و مثال ذلک أن یکون الثمن الحال أو الدین الحال ألف دینار، فیزید المدین علی المبلغ المذکور مائة دینار لیؤجله صاحب الدین بالجمیع إلی ستة أشهر أو الی سنة، فلا یجوز ذلک، سواء أجری المعاملة علی نحو البیع أم علی نحو الصلح.

المسألة 306:

إذا کان الثمن الذی اشتری الإنسان به الشی‌ء المبیع مؤجلا إلی أمد معین و أراد المشتری أن یزید للبائع فی مقدار الثمن لیزید البائع له فی مقدار الأجل فلا یجوز له ذلک، و کذلک الحکم فی کل دین مؤجل، و مثال ذلک أن یکون الثمن الذی اشتری به المبیع ألف دینار یدفعه إلی البائع بعد ستة أشهر أو یکون مدینا لأحد بالمبلغ المذکور إلی الأجل المذکور، فیزید للبائع أو للدائن علی مقدار دینه مائة دینار أخری لیؤجله فی الجمیع إلی مدة سنة، فلا یجوز له ذلک فی کلتا الصورتین.

المسألة 307:

إذا کان الثمن الذی اشتری الإنسان به الشی‌ء المبیع مؤجلا إلی مدة معینة، جاز للمشتری ان یصالح البائع عن الثمن المؤجل الذی له فی ذمته بمبلغ هو أقل من الثمن یدفعه الیه معجلا فإذا صالحه کذلک و دفع الیه المبلغ المعین برئت ذمته من الثمن، و یجوز للبائع ان یأخذ من المشتری المدین له مقدارا من الثمن المذکور نقدا و یبرئ ذمته عن الباقی منه، و کذلک الحکم فی کل دین مؤجل فیصح فیه ذلک.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 124

المسألة 308:

إذا کان المشتری مدینا للبائع بالثمن إلی أجل معین لم یجز له أن یدفع للبائع بعض الثمن المذکور نقدا لیؤخر البائع له بقیة الثمن إلی أجل آخر هو أطول مدة من الأجل الأول، و کذلک الحکم فی کل دین مؤجل فلا یصح فیه ذلک.

المسألة 309:

إذا کان للرجل دین مؤجل علی احد و أراد الدائن بیع ذلک الدین المؤجل بثمن من جنسه نقدا، و الثمن المذکور أقل من الدین المبیع، لم یصح ذلک إذا کان مما یکال أو یوزن لأنه ربا و جاز بیعه إذا کان غیر مکیل و لا موزون، سواء کان البیع علی المدین نفسه أم علی غیره فی کلتا الصورتین.

المسألة 310:

إذا اشتری الإنسان الشی‌ء نسیئة، أی بثمن قد اشترط تأخیره إلی أجل مسمی کان الشی‌ء ملکا له، فیجوز له بیع ذلک الشی‌ء، و یجوز للأخرین شراؤه منه، سواء أراد المشتری بیعه قبل حضور الأجل المسمی لثمنه أم بعد حلوله، و سواء أراد بیعه علی مالکه السابق الذی اشتراه منه أم علی غیره، و سواء کان الثمن فی البیع الثانی من جنس الثمن الأول الذی اشتراه به أم من غیر جنسه، و سواء کان مساویا للثمن الأول فی المقدار أم زائدا علیه أم ناقصا عنه، و سواء کان الثمن الثانی حالا أم مؤجلا، فیصح البیع و الشراء له فی جمیع الصور.

المسألة 311:

إذا باع الإنسان علی غیره شیئا، و اشترط البائع علی المشتری فی ضمن العقد ان یبیع علیه ذلک الشی‌ء بعد أن یملکه منه بالشراء، أو اشترط المشتری علی البائع فی ضمن العقد کذلک أن یشتری منه ذلک الشی‌ء بعد أن یملکه المشتری منه بالبیع، فلا یترک الاحتیاط باجتنابه سواء کان فی الشرط أن یکون البیع الثانی بأقل من الثمن الأول أم بمثله أم بأکثر منه أم لم یشترط فی الثمن شیئا، و قد تقدم ذکر هذا الحکم فی المسألة المائتین و الثانیة و الستین.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 125

الفصل العاشر فی المرابحة و أخواتها

المسألة 312:

ما تجری علیه المعاملات بین الناس فی البیع و الشراء یکون علی احد أنواع.
(النوع الأول):
أن یعرض البائع سلعته للبیع، فإذا ورد علیه المشتری و سأله عن ثمن السلعة ذکر له القیمة التی یرغب فی بیع السلعة بها، فیتساومان فی ذلک، فإذا هما اتفقا علی مقدار الثمن جری بینهما عقد البیع علی ذلک، و یسمی هذا النوع بالمساومة، و هو الطریقة الغالبة فی التعامل بین الناس و ذکر بعض الفقهاء، أنه أفضل الأنواع، و لعل المراد فی النصوص التی استدل بها علی ذلک أن المساومة أبعد الأنواع عن الشبهة و أسلمها عما یکره.
(الثانی): أن یذکر البائع للمشتری المبلغ الذی اشتری به السلعة، و یذکر له مقدار الربح الذی یطلبه من بیعها، و یتفاهما علی ذلک، فإذا هما اتفقا علی مقدار ما یأخذه البائع من الربح علی السلعة جری العقد بینهما علی ذلک، و یسمی هذا النوع بالمرابحة.
(الثالث): أن یذکر البائع للمشتری المبلغ الذی اشتری به السلعة، و یذکر له انه لا یطلب من بیع السلعة ربحا لبعض الغایات التی یریدها، فإذا اتفق مع المشتری علی الثمن جری العقد و باع علیه السلعة برأس مالها، و یسمی هذا النوع بالتولیة.
(الرابع): ان یذکر البائع للمشتری المبلغ الذی اشتری به السلعة، و یتفقا بعد التفاهم علی أن یضع البائع للمشتری من ثمن السلعة الذی اشتراها به شیئا و یجری العقد بینهما علی ذلک و یسمی هذا النوع بالمواضعة.

المسألة 313:

لا یکون البیع بیع مرابحة و لا مواضعة و لا تولیة، و لا یصدق علی المعاملة أحد هذه العناوین الثلاثة حتی یعلم مقدار رأس المال و هو
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 126
الثمن الذی اشتری البائع به السلعة، و یحصل العلم بذلک للمشتری اما بإخبار البائع نفسه بمقدار الثمن، و اما بالعلم به من الخارج، و اما بشهادة البینة المعتبرة به، و حتی یذکر البائع فی العقد مقدار الربح الذی اتفقا علیه فی عقد بیع المرابحة و مقدار الوضیعة التی ینقصها من الثمن للمشتری فی بیع المواضعة، فیقول للمشتری: بعتک هذا الشی‌ء برأس ماله أو بالثمن الذی اشتریت الشی‌ء به، و هو مائة دینار مثلا، و زیادة خمسة دنانیر، فی صورة بیع المرابحة، و یقبل المشتری منه ذلک کما أنشأ، و یقول بعتک الشی‌ء بالثمن الذی اشتریته به و هو مائة دینار، و نقیصة خمسة دنانیر من الثمن المذکور، فی صورة بیع المواضعة، و یقبل المشتری کذلک و یقول له: بعتک الشی‌ء بما اشتریته به و هو مائة دینار من غیر زیادة و لا نقیصة فی صورة بیع التولیة، و یکفی ان یقول له فی هذه الصورة بعتک الشی‌ء بما اشتریته به و هو مائة دینار، و یقبل المشتری منه ما أنشأ و لا یکفی أن یقول له بعتک الشی‌ء برأس ماله (من غیر تعیین للمقدار) مع زیادة خمسة دنانیر أو مع نقیصتها أو بدون زیادة و لا نقیصة، إلا إذا علم بمقدار رأس المال من الخارج أو شهدت البینة بمقداره کما ذکرناه.

المسألة 314:

کما یعتبر علم المشتری بمقدار رأس المال تفصیلا، فکذلک یعتبر علم بائع السلعة به فإذا اشتری السلعة وکیل البائع المفوض منه، و البائع نفسه لا یعلم مبلغ ثمنها، ثم أراد البائع بیعها من أحد مرابحة أو مواضعة أو تولیة، فلا بد من أن یعلم بمقدار الثمن، و لا یکفی ان یقول للمشتری بعتک السلعة بما اشتراها به وکیلی مع زیادة کذا أو مع نقیصته أو بدون زیادة و لا نقصان.

المسألة 315:

الظاهر أنه یکفی علم الوکیل المفوض من قبل البائع بثمن السلعة إذا کان هو الذی یتولی بیعها علی المشتری مرابحة أو مواضعة أو تولیة و کانت وکالته مطلقة شاملة لذلک، و لا یعتبر فی هذه الصورة علم المالک نفسه بمقدار الثمن، فإذا أنشأ الوکیل المطلق الوکالة عقد البیع
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 127
و قبل المشتری مع علمهما برأس المال صح البیع کما أرادا مع اجتماع بقیة الشروط و ان لم یعلم المالک بمقدار الثمن، و لا یکفی ذلک إذا کان وکیلا فی إجراء الصیغة خاصة، أو کان وکیلا فی المعاملة الأولی دون المعاملة الثانیة.

المسألة 316:

إذا قال البائع للمشتری فی عقد المرابحة: بعتک هذا الشی‌ء بما اشتریته به و هو مائة دینار و ربح دینار واحد فی کل عشرة دنانیر من الثمن، فان عرف المشتری من هذا القول حین العقد ان الثمن قد بلغ علیه مائة و عشرة دنانیر، و قبل ذلک، صح البیع، و ان لم یتنبه المشتری لذلک حال العقد و احتاج فی علمه بذلک إلی تأمل فی الحساب، فان کانت مدة التأمل قلیلة لا یصدق معها عرفا انه جاهل بالثمن، فالظاهر صحة البیع أیضا، و ان احتاج الی مدة یصدق معها انه جاهل بمقدار الثمن لم یصح البیع.
و کذلک الحکم إذا قال له فی صورة بیع المواضعة: بعتک الشی‌ء برأس ماله و هو مائة دینار مع نقصان دینار فی کل عشرة من الثمن فیصح البیع إذا علم المشتری حین العقد ان الثمن یکون تسعین دینارا، أو علم بذلک بعد تأمل یسیر لا یصدق معه انه جاهل بقدر الثمن، و یبطل البیع فی الصورة الأخیرة.

المسألة 317:

________________________________________
بصری بحرانی، زین الدین، محمد امین، کلمة التقوی، 7 جلد، سید جواد وداعی، قم - ایران، سوم، 1413 ه ق

کلمة التقوی؛ ج‌4، ص: 127
إذا کان البائع قد اشتری السلعة بثمن مؤجل و أراد بیعها مرابحة وجب علیه أن یخبر المشتری بأجل الثمن، فان هو ذکر له مقدار الثمن و لم یخبره بالأجل، فالظاهر صحة البیع و یکون للمشتری من الأجل فی الثمن مثل ما کان للبائع، و لا یترک الاحتیاط بالتصالح و التراضی.

المسألة 318:

إذا تعددت النقود التی تنفق فی البلد، فان دلت القرینة علی النقد المراد کان العمل علیه، فإذا قال البائع للمشتری- و هما فی العراق مثلا-: بعتک الشی‌ء بمائة دینار، انصرف العقد الی ان المراد الدینار
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 128
العراقی، و کذلک إذا کانا فی الکویت أو فی البحرین، فیکون التعامل فی البلد قرینة علی ان المراد الثمن من عملة ذلک البلد.
و إذا تعدد النقد الذی ینفق فی البلد و لم تدل القرینة علی تعیین المراد، وجب علی البائع ذکر النقد، و ذکر مقدار صرفه، و یجب علیه کذلک ذکر الشروط التی أخذت علیه فی بیع السلعة أو التی أخذها هو علی بائعها حینما اشتراها منه، و ذکر أی شی‌ء من ملابسات ذلک إذا کان مما یؤثر فی اختلاف الثمن.

المسألة 319:

إذا کان البائع قد اشتری جملة من الأمتعة و السلع صفقة واحدة بثمن واحد، جاز له ان یبیع الجمیع مرابحة بعقد واحد، فیعرض علی المشتری جمیع السلع و الأمتعة المبیعة و یخبره بمقدار الثمن الذی اشتراها به و یعین له مقدار الربح و یجری معه العقد علی ذلک، و لا یجوز له أن یفرد بعض السلع المبیعة عن بعض فی التقویم، و نسبة قیمة البعض إلی قیمة المجموع و یبیعها مرابحة کذلک، الا أن یعلم المشتری بذلک و یرضی به.

المسألة 320:

إذا اشتری الإنسان أرضا أو دارا أو شیئا آخر بثمن معین، و لم یحدث فی المبیع شیئا أو عملا یوجب زیادة قیمته، فلم یزد فی الدار بناء و لم یزرع فی الأرض و لم یغرس فیها و لم یصغ الذهب أو الفضة، فالثمن الذی اشتری به المبیع هو رأس ماله، فیجوز له إذا أراد بیعه مرابحة أو مواضعة أو تولیة أن یقول للمشتری: اشتریت المال بکذا دینارا، أو یقول: رأس مالی فیه کذا: أو یقول هو علی بکذا أو یقول تقوم علی بکذا، ثم یذکر الربح الذی یطلبه من المشتری، أو النقیصة التی یضعها له من الثمن، أو یذکر انه یبیعه إیاه برأس المال دون ربح أو خسران.

المسألة 321:

إذا اشتری الإنسان سلعة بثمن معین، ثم عمل فیها عملا، فصاغ الذهب أو الفضة أو طحن الحنطة أو خاط الثوب أو نسج الغزل،
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 129
و کان العمل بأجرة للغیر أو جعالة أو صلح، فلا یجوز له أن یجعل الأجرة التی دفعها للعامل أو الجعالة أو بدل الصلح جزءا من الثمن، فإذا کان ثمن الشی‌ء مائة دینار و کانت أجرة العمل عشرة دنانیر، فلا یجوز له عند بیع المرابحة أن یقول للمشتری بعتک الشی‌ء بما اشتریته به و هو مائة و عشرة دنانیر، و الأحوط إذا لم یکن هو الأقوی ان لا یقول له أیضا: بعتک الشی‌ء برأس ماله و هو مائة و عشرة دنانیر، بل یقول له بعتک الشی‌ء بما تقوم به علی، أو یقول بعتک الشی‌ء بما هو علی، و هو کذا دینارا.
و إذا کان بعمل نفسه و لم یدفع فیه اجرة أو غیرها لم یجز له جمیع ما تقدم، بل یقول للمشتری اننی اشتریت الشی‌ء بمائة دینار و عملت فیه عملا یساوی عشرة دنانیر، ثم یقول: بعتک الشی‌ء بمجموع ما اشتریته به و ما یساوی قیمة عملی، و هو مائة دینار و عشرة دنانیر، و بربح کذا أو نقیصة کذا، أو من غیر ربح و لا نقیصة.

المسألة 322:

إذا اشتری الرجل الشی‌ء بمال معین، فوجد الشی‌ء معیبا و رجع علی البائع بأرش العیب الموجود فیه، ثم أراد بیع ذلک الشی‌ء مرابحة، لم یجز له ان یخبر المشتری بالثمن الأول و لا یسقط منه أرش النقصان، بل یجب علیه أن یخبر المشتری بالأمر الواقع فیقول قد اشتریت الشی‌ء بمائة دینار مثلا و وجدت فیه عیبا، و أخذت من بائعه علی عشرة دنانیر مثلا أرش العیب الموجود فیه فیکون الباقی من الثمن تسعین دینارا، و یجوز له أن یسقط الأرش من الثمن الأول، و یجعل الباقی هو الثمن أو رأس المال فیقول للمشتری: بعتک الشی‌ء بما اشتریته به أو برأس ماله، و هو تسعون دینارا مع ربح خمسة دنانیر، أو وضیعة أربعة دنانیر مثلا.

المسألة 323:

إذا اشتری الرجل المتاع بثمن معین، ثم أسقط البائع له مقدارا من ثمن المتاع إحسانا منه للمشتری أو مکافأة له علی عمل، جاز للمشتری إذا أراد بیع المتاع مرابحة أن یخبر المشتری بالثمن الأول
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 130
و لا یخبره بما أسقطه البائع له من الثمن، بل یجوز له ذلک و ان أسقط له الثمن کله بعد أن تم بینهما البیع.

المسألة 324:

إذا أخبر البائع بأنه اشتری المتاع بمائة دینار، و باع المتاع علی المشتری مرابحة بمائة و عشرة دنانیر، ثم ثبت بعد ذلک کذب البائع فی اخباره بالثمن، فالظاهر صحة البیع المذکور، و یکون للمشتری بعد ثبوت کذب البائع حق الخیار، فیجوز له أن یفسخ بیع المرابحة و یرد المتاع علی بائعه و یسترد منه الثمن إذا کان دفعه الیه، و یجوز له ان یمضی العقد بما وقع علیه من الثمن و هو مائة و عشرة دنانیر فی المثال.
و لا فرق فی الحکم بین أن یکون البائع کاذبا فی مقدار الثمن و أن یکون کاذبا فی أصل دعوی البیع و مثال ذلک ان یعلم أو یثبت بالبینة انه اشتری المتاع من بائعه علیه بتسعین دینارا أو بثمانین، لا بمائة دینار کما أخبر، أو انه لم یملک المتاع من مالکه الأول بشراء و ثمن، بل ملکه منه بالهبة بدون ثمن، سواء کان متعمدا فی کذبه أم غالطا أم ناسیا.

المسألة 325:

إذا دفع المالک الی الدلال متاعا و وکله علی بیعه له، و فرض له ثمنا معینا فقال له مثلا، ثمن المتاع عشرون دینارا، فإن أنت زدت فی بیعه علی العشرین فالزائد لک، فلا یجوز للدلال أن یبیع المتاع مرابحة و یعتبر القیمة التی فرضها المالک للمتاع و هی العشرون دینارا رأس مال له و یجعل الزائد علی ذلک ربحا یأخذه من مشتری المتاع، بل یجوز له أن یبیع المتاع مساومة من غیر أن یخبر المشتری بشی‌ء، و یجوز له أن یخبر المشتری بالأمر الواقع، فیقول له ان المالک فرض قیمة المتاع عشرین دینارا و انا أرید النفع زیادة علی ذلک، فإذا باع المتاع بزیادة علی العشرین دینارا کان الزائد للدلال کما شرط له المالک و ان باعه بعشرین دینارا من غیر زیادة کانت للمالک و لم یستحق الدلال منها شیئا کما اتفقا علیه، و الأحوط إرضاؤه بشی‌ء.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 131

المسألة 326:

إذا اشتری الرجل دارا أو أرضا أو شیئا غیرهما بثمن معلوم جاز له أن یشرک معه غیره فی ذلک الشی‌ء المبیع، فیملکه نصف الشی‌ء مثلا علی وجه الإشاعة بنصف الثمن الذی اشتراه به، أو ثلثه بثلث الثمن، أو ربعه بربع الثمن، و هکذا، فیقول له بعد أن یخبره بمقدار الثمن:
بعتک نصف الشی‌ء الذی اشتریته بنصف ثمنه، فیقول المشتری قبلت، و کذلک إذا شرکه معه فی الثلث أو غیره من الکسور المشاعة، فیتم التشریک، سواء کان الشی‌ء المبیع قابلا للقسمة أم لا.
و یکفی فی إنشاء المعاملة بینهما بعد العلم بالمبیع و مقدار الثمن، أن یقول له شرکتک فی المبیع نصفه بنصف الثمن، أو یقول ثلثه بثلث الثمن، و هکذا حسب ما یتفقان علیه.

المسألة 327:

إذا قال الرجل لصاحبه فی المسألة المتقدم ذکرها: شرکتک فی المبیع و لم یذکر النصف و لا غیره من الکسور فلا یبعد انصراف العقد إلی المناصفة بینهما.

الفصل الحادی عشر فی الربا

المسألة 328:

حرمة الربا ثابتة فی صریح آیات الکتاب الکریم و متواتر السنة المطهرة و إجماع فرق المسلمین، بل قال بعض الفقهاء لعل تحریمه من ضروریات الدین، و لا ریب فی أنه من أکبر الکبائر فی الإسلام.
و فی الخبر عن أمیر المؤمنین (ع): لعن رسول اللّٰه (ص) الربا و آکله و موکله و بائعه و مشتریه و کاتبه و شاهدیه. و فیه عن الإمام أبی جعفر محمد بن علی الباقر (ع) أخبث المکاسب کسب الربا و فی الصحیح عن الإمام أبی عبد اللّٰه جعفر بن محمد الصادق (ع): درهم الربا أشد عند اللّٰه من سبعین زنیة کلها بذات محرم.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 132
و یقع الربا علی قسمین: الأول الربا فی المعاملة، و هذا القسم هو الذی یبحث عنه و عن أحکامه فی هذا الفصل من کتاب البیع. و الثانی:
الربا فی القرض، و هذا هو الذی یبحث عنه و عن أحکامه فی کتاب الدین.

المسألة 329:

الربا فی المعاملة هو أن یبیع البائع علی المشتری شیئا مما یکال أو یوزن بعوض من جنسه مع زیادة فی أحد العوضین علی الآخر، سواء کانت الزیادة المذکورة زیادة عینیة أم زیادة حکمیة.
و المراد بالزیادة العینیة هی ما یکون للشی‌ء الزائد وجود خارجی مستقل فی نفسه متمیز عن الموجودات الأخری، و الزیادة الحکمیة هی التی لا یکون للشی‌ء الزائد وجود مستقل یتمیز عن الموجودات الخارجیة الأخری و ان کان خارجیا أیضا، کسکنی الدار فان کون زید فی الدار لیس له وجود مستقل فی نفسه یتمیز عن وجود زید و الدار و انما هو إضافة خاصة بینهما و تابع فی خارجیته لهما.
و مثال الزیادة العینیة فی أحد العوضین: أن یبیع زید علی خالد منا من الحنطة الحمراء بمن و نصف من الحنطة البیضاء، أو یبیع علیه منا من الحنطة بمن من الحنطة و درهم، فان نصف المن من الحنطة فی الفرض الأول، و الدرهم فی الفرض الثانی زیادة عینیة فی أحد العوضین علی الآخر فیکون من الربا.
و مثال الزیادة الحکمیة: أن یبیع زید علی خالد منا من الحنطة یدفعه للمشتری نقدا، بمن من الحنطة، یدفعه المشتری له نسیئة بعد مضی شهر، فإن تأجیل الثمن زیادة حکمیة علی المبیع المنقود، فیکون من الربا المحرم.
و لا یختلف الحکم بین أن تکون الزیادة العینیة أو الزیادة الحکمیة فی أحد العوضین آتیة فی صریح المقابلة بین العوضین فی نفس العقد کما فی الأمثلة المتقدم ذکرها، أم تکون آتیة من قبل شرط یذکر فی العقد، و مثال هذا ان یبیع زید علی عمرو منا من الحنطة بمن من الحنطة نقدا
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 133
بنقد، و یشترط أحدهما علی الآخر أن یدفع له مع من الحنطة دینارا فیکون من الزیادة العینیة، أو یشترط علیه ان یسکن داره أسبوعا أو شهرا، أو یشترط علیه أن یعمل له عملا له قیمة فی نظر أهل العرف کبناء جدار أو خیاطة جبة أو أن یطحن له الحنطة فیکون من الزیادة الحکمیة و یکون من الربا المحرم فی جمیع ذلک.

المسألة 330:

لا یختص تحریم الربا بالبیع وحده، بل یجری تحریمه فی جمیع المعاملات التی تشتمل علی معاوضة بین عینین ربویتین إذا زاد أحد العوضین فیها علی الآخر، کما إذا صالح زید عمرا عن من من الحنطة الحمراء، بمن و نصف من الحنطة البیضاء علی النهج المتقدم بیانه فی البیع، و کما إذا صالحه عن هذه الصبرة من الشعیر التی یملکها هو، المعلوم کیلها أو وزنها، بهذه الصبرة من الشعیر التی یملکها الآخر المعلوم قدرها أیضا، مع زیادة إحدی الصبرتین علی الأخری فی المقدار، فلا یصح الصلح لأنه من الربا المحرم.
و لا یجری التحریم إذا کانت المقابلة بین مصالحتین تتعلق واحدة منهما بأحد العوضین و تتعلق الأخری بالعوض الآخر و کان أحدهما أکثر من الآخر، و مثال ذلک: أن یصالح زید خالدا بمن من الحنطة مما یملکه هو، علی شرط أن یصالحه خالد بمن و نصف من الحنطة التی یملکها خالد، فلا معاوضة بین المالین فی العقد الواقع و انما المقابلة بین مصالحتین، لکل واحدة متعلقها الخاص بها و کذلک، إذا وهب الرجل صاحبه منا من الحنطة بشرط أن یهبه صاحبه منا و نصفا من الحنطة أیضا، أو أبرأ ذمة صاحبه من دینه الثابت له علیه بشرط أن یبرئ صاحبه ذمته من دینه و کان الدینان ربویین من جنس واحد و مختلفین فی المقدار فلا یکون ذلک من الربا و لا تشمله أدلة التحریم.

[لا یثبت الربا فی المعاملة إلا مع وجود شرطین:]

[الأول: أن یکون العوض و المعوض عنه فی المعاملة من جنس واحد،]

المسألة 331:

لا یثبت الربا فی المعاملة إلا مع وجود شرطین:
الأول: أن یکون العوض و المعوض عنه فی المعاملة من جنس واحد،
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 134
و المدار فی ذلک علی وحدتهما فی الجنس فی نظر أهل العرف، بحیث یصدق اسم ذلک الجنس الواحد علی کل منهما صدقا حقیقیا، فیکون صدق الاسم الواحد علیهما کاشفا عن وحدتهما فی الحقیقة النوعیة، و لا ینافی ذلک اختلاف الفردین فی بعض الصفات و الخواص، فالحنطة مثلا جنس واحد و ان اختلفت أصنافه فی الرداءة و الجودة و الطعم، و المشخصات الأخری، و کل واحد من العنب و التمر و الأرز و الماش و الذرة و العدس جنس مستقل عن الغلات و الحبوب الأخری و ان اختلفت أصناف الجنس الواحد منها بعضها عن بعض فی الصفات و الخواص.
فإذا کان العوضان من جنس واحد فی نظر أهل العرف لم یجز بیع أحدهما بالآخر مع الزیادة فی أحدهما، و مع وجود الشرط الثانی الآتی ذکره. فلا یجوز بیع الحنطة بالحنطة مع الزیادة المذکورة و لا بیع التمر بالتمر، و لا بیع الأرز بالأرز و لا العدس بالعدس مع التفاوت بین العوضین و ان اختلف أحدهما عن الآخر فی الصفة، بل و ان اختلفا فی القیمة، و یجوز ذلک إذا کان الجنس متعددا، فیجوز بیع من من الحنطة بمن و نصف من الأرز أو بمنین من التمر أو من الماش أو العدس و بالعکس.

المسألة 332:

ذکرنا فی الشرط الأول المتقدم ان المدار فیه علی وحدة العوضین فی الجنس عرفا، بحیث یصدق اسم ذلک الجنس علیهما صدقا حقیقیا، و قد یتوهم بعض الناس من ذلک ان اسم الغلة مثلا أو اسم الطعام یطلق عرفا علی کل من الحنطة و الأرز و التمر و العنب، و یصدق علیها صدقا حقیقیا، و اسم الحب کذلک یطلق عرفا علی الحنطة و الأرز و الذرة و العدس و أمثالها و ذلک یقتضی أن یحرم بیع الحنطة بالتمر أو العنب مع زیادة أحد العوضین لأنهما من الغلة و یحرم بیع الحنطة بالأرز أو بالماش أو العدس کذلک لأنهما من الحب.
و هذا التوهم واضح الفساد، فان کلمة الغلة أو الحب أو الطعام لیست اسما لحقیقة نوعیة واحدة فی نظر أهل العرف لتدخل فی الضابطة المتقدم ذکرها، و انما هی ألفاظ عامة یراد بها عند استعمالها الإشارة
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 135
إلی تلک الأنواع المختلفة فی حقائقها، و نظیرها فی ذلک کلمة الشی‌ء أو کلمة الأمر أو کلمة المبیع حینما تستعمل فی فروض المسائل فهی انما یراد بها مجرد الإشارة، و التوهم واضح الفساد کما قلنا و نحن نذکر هذا للتنبیه.

[الشرط الثانی لتحقق الربا فی المعاملة: أن یکون العوضان فیها مما یعتبر فی تقدیره عند بیعه الکیل أو الوزن،]

المسألة 333:

الشرط الثانی لتحقق الربا فی المعاملة: أن یکون العوضان فیها مما یعتبر فی تقدیره عند بیعه الکیل أو الوزن، فلا یتحقق الربا فی المعاملة إذا کان العوضان فیها أو کان أحدهما مما یعتبر تقدیره بالعد أو بالذرع أو بحساب المساحة أو کان مما یباع بالمشاهدة، فیجوز بیع البیض بالبیض و ان کان أحد العوضین أکثر من الآخر عددا، و کذلک الجوز، إلا إذا کان المتعارف تقدیره بالوزن، فیحرم مع تفاوت العوضین، و یجوز بیع الأقمشة و الأرض بعضها ببعض، و ان تفاوت العوضان فی عدد الأذرع و حساب المساحة، و کذلک فی ما یکتفی فیه بالمشاهدة.

المسألة 334:

الحنطة و الشعیر فی باب الربا جنس واحد، فلا یجوز بیع أحدهما بالآخر مع زیادة أحد العوضین علی الأخر، فیبیع من حنطة بمن و نصف أو منین من الشعیر، و هذا الحکم خاص فی باب الربا کما قلنا و لا یجری فی غیره من الأبواب، فالحنطة و الشعیر فی الزکاة جنسان مختلفان ینفرد کل واحد منهما بحکمه و نصابه، فلا یجب علی المکلف زکاة الحنطة إذا کانت الحنطة التی یملکها لا تبلغ مقدار النصاب و ان کان یملک من الشعیر ما یکمل نصاب الحنطة أو یزید، و لا یتبع أحدهما الآخر فی وجوب الزکاة إذا کان نصاب الثانی تاما و نصاب الأول ناقصا، و لا یجزی دفع أحدهما عن الآخر إلا إذا کان دفعه عنه من باب القیمة، و هکذا.

المسألة 335:

لا یلحق السلت بالحنطة و الشعیر علی الأقوی فقد دل بعض النصوص علی انه غیرهما، فیجوز بیعه بالحنطة و بالشعیر مع الزیادة فی أحد العوضین، و لا یترک الاحتیاط فی العلس، فلا یباع بالحنطة أو بالشعیر
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 136
إذا زاد أحد العوضین علی الآخر، و یجوز بیع العلس بالسلت و ان زاد أحدهما علی الآخر.

المسألة 336:

الظاهر ان اللحم لا یعد جنسا واحدا، بل یختلف باختلاف الحیوان المذبوح، فلحم الغنم جنس مستقل یختلف عن لحم البقر، و هما یختلفان عن لحم الإبل، فیجوز بیع أی واحد منها بالآخر مع الزیادة فی أحد العوضین، و کذلک الحکم فی لحم الغزال و فی لحم الدجاج و فی سائر لحوم الحیوان المأکول لحمه، فیجوز بیع کل واحد منها بالآخر مع اختلاف الحیوان، و یحرم مع وحدة الحیوان، فلا یحل بیع لحم الغنم بلحم الغنم و لا بیع لحم البقر بلحم البقر و لا لحم الإبل بلحم الإبل، و لا لحم الدجاج بلحم الدجاج، مع التفاوت بین العوضین فی المقدار.
و کذلک الحکم فی بیع البان الحیوان، فجواز بیع بعضها ببعض و حرمته تابع لاختلاف الحیوان المنتج لها و وحدته، فإذا اختلف الحیوان جاز البیع فی اللبن بعضه ببعض مع تفاوت العوضین، و إذا اتحد الحیوان کان محرما.
و مثلهما الحکم فی الأدهان المأخوذة من الحیوان، فلا یجوز بیع دهن البقر بدهن البقر، و لا دهن الغنم بدهن الغنم، و لا دهن الإبل بدهن الإبل و یجوز بیع دهن البقر بدهن الغنم أو الإبل، لأنها أجناس مستقلة، و هکذا.

المسألة 337:

التمر بجمیع أنواعه و أصنافه جنس واحد، فلا یحل بیع بعضها ببعض مع الزیادة فی أحد العوضین، و ان تفاضلت أنواعه و أصنافه فی القیمة السوقیة، و کذلک العنب، و کل واحد من الحبوب فهی أجناس مستقلة کما ذکرنا من قبل.

المسألة 338:

الفلزات و المعادن الأصلیة کالذهب و الفضة و النحاس و الحدید کل
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 137
واحد منها جنس مستقل عن الآخر، فیجوز البیع مع التفاوت إذا اختلف العوضان فی الجنس و یحرم مع وحدته.

المسألة 339:

لحم الغنم جنس واحد شامل لجمیع أصنافه فالضأن العربی و الاسترالی و البربری و المعز و أشباهها کلها جنس واحد لا یجوز بیع لحمه بعضه ببعض مع التفاوت.
و لحم البقر بجمیع أصنافه جنس واحد کذلک، فالبقر الأهلی الموجود فی البلاد، و الأصناف الأخری المستوردة من بلاد شرقیة أو غربیة أخری و الجاموس کلها جنس واحد یجری الحکم المذکور فی لحمها إذا ذبحت.
و لحم الإبل العراب و البخاتی ذات السنام و السنامین و سائر أنواعها الأخری کلها جنس واحد کذلک.
و الدجاج جنس واحد شامل لجمیع أصنافه الموجودة فی البلد أو التی تستورد بیوضها من بلاد أخری و تستفرخ و تنشأ هنا و ان اختلف بعضها عن بعض فی الصفات، فیجری الحکم المتقدم فی بیع لحمها إذا ذبحت.

المسألة 340:

کل صنف من أصناف الطیر یختص به اسم یدل علیه و ینفرد به عن الأصناف الأخری منه فهو جنس مستقل له حکم الجنس الواحد، فالحباری من الطیر مثلا جنس برأسه، و الحجل، و الدراج و الکرکی، و القطا، کل واحد منها جنس مستقل برأسه، و کذلک الإوز، ما یطیر منه و ما لا یطیر، و البط، و نحوها، فلحم کل واحد من هذه الطیور جنس واحد یحرم بیع بعضه ببعض مع تفاوت العوضین، و یجوز بیعه بلحوم الطیور الأخری التی تختص بها أسماء أخری، و ان تفاوت العوض و المعوض عنه فی المقدار.
و علی هذا، فالحمام أجناس متعددة، فالقماری منها جنس غیر
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 138
الدباسی، و هما غیر الورشان و غیر الرواعب و غیر الفواخت، فکل واحد منها جنس برأسه.

المسألة 341:

ذهب جماعة من العلماء الی ان السمک جنس واحد، و الأقوی انه أجناس متعددة فکل نوع منه یکون له اسم خاص یدل علیه و ینفرد به عن غیره من أنواع السمک فهو جنس مستقل لا یحل بیعه بمثله مع زیادة أحد العوضین علی الآخر، و یجوز بیعه بغیره من أنواع السمک، سواء تفاوت العوضان فی المقدار أم تساویا.

المسألة 342:

إذا کان الحیوان منه وحشی و منه أهلی، فالوحشی منه جنس برأسه مستقل عن الأهلی، و علی هذا فلا یحرم بیع لحم البقر الأهلی بلحم البقر الوحشی، و لا یحرم بیع لحم الغنم الأهلی بلحم الغنم الوحشی، و لا لحم الحمار الوحشی بلحم الحمار الأهلی، و ان تفاوت العوضان فی المقدار، و یحرم بیع کل واحد منها بجنسه مع التفاوت.
و المراد بالوحشی و الأهلی النوعان المعروفان من الحیوان، فإذا تأهل الوحشی المعروف أو توحش الأهلی المعروف لم یتغیر حکمه.

المسألة 343:

إذا بیع الفرع بأصله أو بالعکس، کما إذا بیع الدقیق بالحنطة أو بیع الخبز بالحنطة أو بیعت الهریسة بالحنطة، و کما إذا بیع المخیض أو الجبن بالحلیب، أو بیع التمر بالبسر، فهل هما من جنس واحد؟
فیمنع من بیع أحدهما بالآخر مع التفاوت فی المقدار، أو هما جنسان مختلفان فیحل ذلک؟.
الظاهر أن الحکم فی ذلک یدور مدار کیفیة تفرع الفرع علی ذلک الأصل، و هو یقع علی عدة أنحاء، فلا بد من ملاحظة ذلک لیعلم منه وحدة الجنس بینهما أو تعدده، و نحن نذکرها فی عدة مسائل.

المسألة 344:

إذا کان تفرع الفرع علی أصله یحصل بتبدل بعض صفات الأصل بصفات
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 139
أخری کالدقیق بالنسبة إلی الحنطة، و کالخبز و السویق بالنسبة إلی الحنطة، فإن تفرع هذه الفروع علی الحنطة انما حصل بتبدل صفة الحنطة بصفات أخری، فأصبحت الحنطة بنفسها دقیقا و خبزا و سویقا، و عدت بسبب ذلک فروعا علی الحنطة.
و کالمخیض و الجبن و اللبأ، و الأقط بالنسبة إلی الحلیب، فان الحال فیها نظیر ما تقدم فی الحنطة و فروعها المتقدم ذکرها، و کذلک فی الرطب و التمر بالنسبة إلی البسر، و فی الدبس بالنسبة إلی التمر، و فی الراشی بالنسبة إلی السمسم، و هکذا.
و الظاهر ان کل واحد من هذه الفروع بالنسبة إلی أصله المذکور یعد جنسا واحدا، فلا یصح بیعه به مع التفاوت بین العوضین.

المسألة 345:

إذا کان تفرع الفرع علی أصله من قبیل خروج شی‌ء من شی‌ء، کالزید بالنسبة إلی الحلیب فان تفرعه علیه من هذا القبیل، و لیس من تبدل صفات الحلیب بصفات أخری کما فی المسألة المتقدمة و کذلک الحال فی الدهن بالنسبة إلی الحلیب، و فی الشیرج بالنسبة إلی السمسم، فهما شی‌ء یستخرج من شی‌ء، و الأظهر ان کل واحد من هذه الفروع بالنسبة إلی أصله المذکور تعدان جنسین مستقلین و لذلک فیجوز بیع أحدهما بالآخر مع تفاوت العوضین.

المسألة 346:

إذا کان تفرع الفرع علی أصله یحصل بترکیب الأصل مع أشیاء أخری و خلطها علی نحو مخصوص کالهریسة بالنسبة إلی الحنطة، و کالخل بالنسبة إلی التمر أو الی العنب و کالنیکل و الشبه و سائر الفروع المرکبة من الفلزات و المعادن بالنسبة إلی أصولها، و الظاهر ان هذه الفروع أجناس مستقلة عن أصولها فیجوز بیع الأصل بالفرع و الفرع بالأصل و ان تفاوت العوضان فی المقدار.

المسألة 347:

إذا أرید بیع الفروع بعضها ببعض، فان کان العوض و المعوض
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 140
عنه فی المعاملة فرعین لا یلتقیان فی أصل واحد، فلا ریب فی أنهما جنسان و مثال ذلک ان یبیع الرجل بعض فروع الحنطة ببعض فروع الأرز أو فروع الحبوب الأخری، أو فروع التمر أو العنب، فیجوز البیع فی ذلک و ان تفاوت العوضان فی المقدار، و کذلک إذا کان العوضان فی المعاملة فرعین یلتقیان فی أصل واحد، و لا یتفرع أحدهما علی الآخر، فهما جنسان أیضا، و مثال هذا أن یبیع الرجل سویق الحنطة بخبزها، أو یبیع الهریسة بدقیق الحنطة أو بخبزها أو بسویقها، فان العوضین فی هذه الأمثلة لا یتفرع أحدهما علی الآخر و ان کان الجمیع فروعا لأصل واحد و هو الحنطة، فهما جنسان مستقلان کالسابق، فیجوز بیع أحدهما بالآخر و ان تفاوتا فی المقدار، و یجوز بیع خل التمر بدبس التمر، و بیع خل العنب بعصیر العنب و هکذا.
و إذا کان العوضان فرعین عن أصل واحد، و یتفرع أحدهما عن الآخر لوحظ فی أمرهما المقیاس الذی تقدم ذکره فی المسائل المتقدمة، فإذا کان تفرع العوض عن صاحبه قد حصل بتبدل بعض صفاته، و مثال ذلک أن یبیع الخبز بالدقیق، فان الخبز فرع عن الدقیق و تفرعه علیه قد حصل بتبدل بعض صفاته، و نتیجة لذلک فالخبز و الدقیق جنس واحد فلا یجوز بیع أحدهما بالآخر مع التفاوت، و کذلک الحال فی الدقیق و السویق.
و إذا کان أحد الفرعین یتفرع علی الآخر بنحو یکون مستخرجا منه أو مرکبا منه و من غیره فهما جنسان کما تقدم فلا یحرم بیع أحدهما بالآخر مع التفاوت، فیجوز بیع الزبد بالمخیض، و یجوز بیع الدهن بالمخیض لأنهما من هذا القبیل.

المسألة 348:

المدار فی کون الشی‌ء مکیلا أو موزونا علی ملاحظة العوض الذی جرت علیه المعاملة بنفسه لا علی ملاحظة أصله، فإذا کان بنفسه مما یکال أو یوزن فهو ربوی لا یجوز بیعه بجنسه مما یکال أو یوزن أیضا مع التفاوت بین العوضین فی المقدار، و ان کان أصله غیر مکیل و لا موزون و إذا کان العوض بنفسه غیر مکیل و لا موزون لم یجر فیه حکم الربا
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 141
و ان کان أصله مکیلا أو موزونا فیجوز بیع الثوب بثوبین لأنه غیر مکیل و لا موزون و ان کان أصله و هو القطن أو الکتان أو الصوف موزونا، بل یجوز بیع الثوب بأصله و هو القطن أو الکتان أو الصوف لأن أحد العوضین و هو الثوب غیر مکیل و لا موزون، و یجوز بیع المسکوکات الفضیة و النحاسیة و النیکلیة بعضها ببعض و ان تتفاوت فی المقدار لأنها معدودة و لبست موزونة و ان کان أصلها و هو الفضة أو النحاس أو النیکل موزونا، و یجوز بیعها بأصلها نفسه و هو الأجناس الثلاثة لأن أحد العوضین و هو المسکوک غیر موزون.

المسألة 349:

الأحوط لزوما عدم جواز بیع لحم الحیوان بالحیوان الحی، سواء کان من جنسه أم من غیر جنسه، فلا یباع لحم الغنم بشاة حیة، و لا یباع لحم الغنم ببقرة حیة، و لا یباع لحم البقر ببقرة حیة أو بشاة حیة.

المسألة 350:

ما تکون من الأجناس المبیعة له حالتان، حالة رطوبة و حالة جفاف، کالرطب یجف فیکون تمرا، و کالعنب یجف فیکون زبیبا، و کاللحم الطری یجفف فیکون قدیدا، و کالخبز الغض اللین یجفف فیکون یابسا، و کالسمک الطری یشرح و ینشر فی الشمس لیکون یابسا، یجوز بیع الرطب من الجنس بالرطب منه، و بیع الجاف منه بالجاف مع تساوی العوضین فی المقدار، و یحرم بیع الرطب بالرطب منه و الجاف بالجاف مع تفاوتهما فی المقدار، و یحرم بیع الرطب بالرطب منه و الجاف التساوی و ان کان الجواز فیه علی کراهة، و یحرم بیع الرطب منه بالجاف منه مع التفاوت، و ان کان التفاوت بمقدار ما فی العوض الرطب من الزیادة بحیث إذا جف یساوی العوض الجاف.

المسألة 351:

قد ذکرنا أن تفاوت العوضین فی الجودة و الرداءة إذا کانا من جنس واحد لا یسوغ للمتعاقدین بیعهما مع التفاوت بینهما فی المقدار، فلا یحل للإنسان أن یبیع مثقالا من الذهب الجید بمثقال و نصف من الذهب
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 142
المتوسط أو بمثقالین من الذهب الردی، و کذلک الأمر فی الفضة و فی سائر الأجناس.
و مثله الحکم فی تفاوت نوعی العوضین فی الرغبة بین الناس و القیمة السوقیة، فلا یحل للإنسان ان یبیع منا من التمر البرحی بمنین من التمر الخضراوی، و ان کانت قیمة المن البرحی تساوی قیمة المنین من الخضراوی، و کلاهما من الجید.

المسألة 352:

إذا اختلفت البلاد فی جنس من المبیعات فکان فی بعض البلاد مما یکتفی فی بیعه بالمشاهدة أو کان فیه من المعدود، و کان فی بعضها الآخر من المکیل أو الموزون، کان لکل بلد حکمه، فیجری فی ذلک الجنس حکم الربا فی البلد الذی یعده مکیلا أو موزونا لوجود شرط الربا فیه، و لا یجری فیه حکمه فی البلد الآخر، لعدم الشرط.
و إذا غلب فی أکثر البلاد اعتبار الجنس مکیلا أو موزونا، فالأحوط لزوما عموم حکم الربا فیه فی جمیع البلاد و ان اتفق وجود بلد نادر یعتبر ذلک الجنس غیر مکیل و لا موزون.

[مسائل]

المسألة 353:

یمکن للمتبائعین أن یتخلصا من الربا فی بیع المتجانسین مع الزیادة:
بأن یضیفا الی العوض الناقص شیئا من غیر جنسه له مالیة فیبیع العوض الناقص مع الضمیمة بالعوض الآخر مع الزیادة أو بالعکس، و مثال ذلک أن یبیع الرجل علی صاحبه منا من التمر و حقة من السکر بمنین من التمر، أو یبیع صاحبه علیه منین من التمر بمن من التمر مع حقة من السکر، فتصح المعاملة إذا قصد المتعاملان البیع الحقیقی لا مجرد إجراء الصورة.
و یمکن لهما أن یتخلصا من الربا بأن یضیفا الی کل واحد من العوضین شیئا من غیر جنسه له مالیة فیبیع العوض الناقص مع الضمیمة بالعوض الآخر مع الزیادة و الضمیمة أو بالعکس و مثال ذلک أن یبیع الرجل علی الآخر منا من الأرز و دینارا بمنین من الأرز و دینارین أو یبیع الآخر
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 143
علیه منین من الأرز و دینارین بمن من الأرز و دینار واحد، فتصح المعاملة إذا هما قصدا البیع الحقیقی کما تقدم.

المسألة 354:

الأقوی کما هو المشهور بین الفقهاء أنه لا یحرم الربا بین الوالد و ولده، فیجوز للأب أن یبیع الشی‌ء الربوی علی ولده بعوض من جنسه مع زیادة أحد العوضین، و یجوز للولد کذلک ان یبیع الشی‌ء الربوی علی أبیه سواء کانت الزیادة للأب أم للولد، و سواء کان الولد ذکرا أم أنثی، و سواء کان ولده بلا واسطة أم ولد ولده، و لا یجری هذا الحکم بین الأم و ولدها و لا یحرم الربا بین السید و عبده، فیجوز البیع کذلک مع التفاوت.
و لا یحرم الربا بین الرجل و زوجته، فیجری الحکم فی المعاملة علی نهج ما تقدم، نعم، الأحوط ان یقتصر فی الحکم علی الزوجة الدائمة دون الزوجة المتمتع بها.
و لا ربا بین المسلم و الکافر الحربی إذا کان المسلم هو الذی یأخذ الزیادة، فلا یحرم علی المسلم اجراء المعاملة معه و لا أخذ الزیادة منه، و لا یجوز ذلک إذا کان الکافر هو الذی یأخذ الزیادة من المسلم.

المسألة 355:

الأحوط عدم جواز الربا بین المسلم و الکافر الذمی، فلا تحل المعاملة الربویة بینهما نعم إذا وقعت المعاملة الربویة بینهما و کانت الزیادة للمسلم، و کان دین الذمی یبیح له ذلک جاز للمسلم أن یأخذ منه الربا إلزاما للذمی بما ألزم به نفسه، و لا یجوز دفع الربا من المسلم له.

المسألة 356:

لا تعم حرمة الربا بیع الأوراق النقدیة بعضها ببعض مع الزیادة لأنها لیست من المکیل و لا الموزون، فتصح المعاملة، سواء کانت الأوراق من عملة واحدة أم من عملتین أو أکثر، و سواء کان العوضان فی المعاملة شخصیین خارجیین، کما إذا باع زید علی خالد هذه الدنانیر العشرة المعینة التی یملکها البائع بهذه الدنانیر الأحد عشر المعینة کذلک التی
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 144
یملکها المشتری، أم کان العوضان کلیین فی الذمة، علی أن یتمیز العوض و المعوض عنه فی قصد المتعاملین و یجریا المعاملة علی حسب ما عینا و قصدا، فالمبیع المعوض عنه مثلا هو عشرة دنانیر فی ذمة البائع، و الثمن احد عشر دینارا فی ذمة المشتری و هو مدخول باء العوض، و قد تعرضنا لمسائل تتصل بذلک فی رسالتنا فی المسائل المستحدثة فلیرجع إلیها من شاء.

الفصل الثانی عشر فی بیع الصرف

المسألة 357:

بیع الصرف هو بیع الذهب بالذهب و بیع الفضة بالفضة، و بیع أحدهما بالآخر سواء کانا مسکوکین للمعاملة بهما أم غیر مسکوکین، و هو المراد حین یقول الفقهاء فی هذا الباب هو بیع النقدین، و حین یقولون إذا باع النقد، أو أحد النقدین، فیعنون ما یعم المسکوک منهما و غیر المسکوک.

المسألة 358:

یشترط فی صحة بیع الصرف أن یتقابض المتعاقدان العوضین قبل أن یفترقا، فلا یصح البیع إذا افترق المتبایعان و لم یحصل التقابض من کلا الطرفین، و لا یصح البیع إذا افترقا و قد قبض أحد العوضین و لم یقبض الآخر، و إذا حصل التقابض بینهما فی بعض العوضین و لم یتقابضا فی الباقی حتی افترقا، صح البیع فی ما تقابضا من العوضین، و بطل فی ما لم یتقابضا فیه منهما.

المسألة 359:

إذا ضم الرجل الی الذهب أو الی الفضة غیرهما، و باع المجموع علی غیره بذهب أو فضة، و لم یحصل التقابض بینهما حتی افترقا، بطل البیع فی الذهب أو الفضة و ما یقابله من الثمن، لأنه بیع صرف لم یحصل فیه التقابض، و صح فی المبیع الآخر، و مثال ذلک أن یبیع الرجل علی غیره خمسة مثاقیل من الذهب و ثوبا بستة مثاقیل من الذهب، فإذا
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 145
لم یحصل التقابض حتی افترق المتبایعان بطل البیع فی الذهب و ثمنه و هو خمسة مثاقیل، و صح البیع فی الثوب و ما یقابله من الثمن و هو دینار واحد.

المسألة 360:

لا یبطل بیع الصرف إذا فارق المتبایعان المجلس الذی أوقعا فیه المعاملة و هما مصطحبان فی الطریق مثلا، فإذا تقابضا قبل أن یفارق أحدهما صاحبه کان البیع صحیحا.

المسألة 361:

لا یشترط التقابض قبل الافتراق فی الصرف إذا جرت المعاملة بین المتعاقدین علی وجه الصلح أو علی وجه الهبة المعوضة أو علی وجه آخر من المعاملات غیر البیع، کما إذا صالح الرجل صاحبه عن خمسة مثاقیل من الذهب یملکها صاحبه بخمسة مثاقیل من الذهب أو بعشرین مثقالا من الفضة یملکها هو، و کما إذا وهب صاحبه المعوض بشرط أن یهبه صاحبه العوض، فلا تبطل معاملة الصرف بینهما إذا هما افترقا قبل أن یحصل التقابض بینهما.
فشرط قبض العوضین قبل الافتراق فی معاملة الصرف انما هو فی بیع الصرف خاصة، و لا یشترط فی غیره من المعاملات.

المسألة 362:

لیست الأوراق النقدیة التی تجری فیها المعاملات بین الناس فی هذا العصر ذهبا و لا فضة، فإذا بیع بعضها ببعض لم یجر علیها حکم بیع الصرف، و لم یجب فیها التقابض قبل الافتراق، سواء اتحدت العملة فی العوضین أم اختلفت.
نعم، لا یترک الاحتیاط فی بعض العملات التی یظن أن الدولة التی أصدرتها قد اعتبرت الذهب و الفضة عوضا للاوراق و لیس مجرد اعتماد، فإذا وقع البیع فی هذه العملة بعضها ببعض فالأحوط أن یحصل التقابض قبل افتراق المتبایعین، کما ان الأحوط أن لا یباع بعض هذه العملة ببعض مع الزیادة فی أحد العوضین، و قد ذکرنا هذا
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 146
فی المسألة الثالثة و الأربعین و ما بعدها من المسائل المستحدثة فلیرجع إلیها فی ذلک.

المسألة 363:

إذا کان للرجل دین فی ذمة شخص آخر و کان الدین من الذهب أو الفضة، فباع الرجل الدائن ما فی ذمة الشخص المدین علیه بنقد آخر غیر ما فی ذمته، و قبض البائع الدائن الثمن من المشتری المدین قبل أن یتفرقا کان البیع صحیحا و لم یحتج الی أن یقبض المشتری المدین ما فی ذمة نفسه و هو النقد المبیع.
و مثال ذلک أن یکون لزید فی ذمة بکر دین خمسة مثاقیل من الذهب مثلا، فیبیع زید دینه هذا علی المدین نفسه و هو بکر بیع الصرف، بعشرین مثقالا من الفضة فإذا قبض زید منه مثاقیل الفضة و هی الثمن قبل التفرق صح البیع بذلک و ان لم یقبض بکر ما فی ذمة نفسه و هی مثاقیل الذهب التی اشتراها.

المسألة 364:

إذا کان لزید دین من ذهب أو من فضة فی ذمة بکر، فباع زید دینه هذا بیع الصرف علی شخص ثالث و هو خالد بنقد آخر، و قبض زید الثمن من المشتری لم یصح البیع حتی یقبض المشتری النقد الذی اشتراه من زید و هو ما فی ذمة بکر، فان قبضه قبل التفرق صح العقد، و ان لم یقبضه کان البیع باطلا، و إذا وکل المشتری بکرا و هو الذی فی ذمته النقد المبیع أن یقبض له ما فی ذمة نفسه بالوکالة عنه، فلا یبعد عدم کفایة ذلک حتی یعین بکر النقد الذی فی ذمة نفسه فی مصداق معین خارجی ثم یقبضه بالوکالة عن المشتری قبل التفرق.

المسألة 365:

إذا باع الرجل علی غیره دراهم معینة بیع صرف، فلا یجوز للمشتری أن یبیع هذه الدراهم المعینة قبل أن یقبضها من البائع، سواء أراد بیعها علی بائعها الأول أم علی غیره، فإذا باعها قبل قبضها کان البیع
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 147
الثانی باطلا، لأن المشتری لم یملک الدراهم بعد لعدم حصول التقابض و هو شرط فی صحة بیع الصرف کما تقدم.
و إذا قبض المشتری الدراهم المبیعة بعد أن أجری البیع الثانی و قبل التفرق من البیع الأول، صح البیع الأول لتحقق شرطه و أصبحت الدراهم ملکا للمشتری.
و المسألة فی صحة البیع الثانی من صغریات المسألة المعروفة، و هی من باع مال غیره فضولا ثم ملکه بعد ذلک، و قد ذکرناها فی مبحث بیع الفضولی فی المسألة الثانیة و التسعین، و قد تقدم منا المنع من صحة هذا البیع و ان لحقته الإجازة من البائع الفضولی بعد ما ملک المال، إلا إذا انتقل المبیع إلی البائع الفضولی بالإرث من مالکه الأول.

المسألة 366:

إذا کانت للإنسان دراهم من الفضة فی ذمة شخص فقال الدائن للمدین حول ما فی ذمتک من دراهم الی دنانیر ذهب، فقبل المدین ذلک، صح، و تحول الدین الذی فی ذمة المدین من الدراهم الی دنانیر بسبب هذه المعاملة، و ان لم یحصل بینهما تقابض، و کذلک إذا کان ماله فی ذمة المدین دنانیر ذهب، فقال له حولها الی دراهم فضة، فقبل المدین، صح، و تحول ما فی ذمته من الدنانیر الی دراهم بسبب هذه المعاملة، و شرط صحة ذلک أن تکون قیمة الدنانیر بالدراهم و قیمة الدراهم بالدنانیر معلومة عند المتعاملین، فلا تصح مع جهلهما أو جهل أحدهما بذلک.
و الظاهر جریان هذا الحکم أیضا فی الأوراق النقدیة، فإذا کان للرجل فی ذمة الآخر مقدار من الأوراق النقدیة من عملة معینة فقال الدائن للمدین حولها الی دراهم فضة، أو الی دنانیر ذهب، أو الی أوراق نقدیة أخری و قبل المدین صح ذلک، و مثله ما إذا کان فی ذمة المدین دراهم أو دنانیر فقال له الدائن حولها إلی أوراق نقدیة من عملة معینة و قبل المدین فیصح فی جمیع ذلک بسبب هذه المعاملة بینهما و ان لم یحصل التقابض، إذا کان الطرفان یعلمان بالقیمة کما تقدم.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 148
و هذا کله إذا کان الشخص الثانی مدینا للشخص الأول بالمبلغ الذی أرید تبدیله من نقد الی نقد، و یشکل جریان الحکم فی غیر المدین، فإذا کان الرجل الآخر ودعیا و کان صاحب المال قد استودعه مبلغا من أحد النقدین، و قال له حولها الی نقد آخر أو الی عملة أخری و قبل الودعی ذلک، و الظاهر عدم الصحة إلا إذا أجریت بینهما معاملة صرف تامة الشروط.

المسألة 367:

إذا کانت النقود مغشوشة، و کانت رائجة بین الناس فی المعاملة و فی الأخذ و العطاء علی ما یوجد فیها من غش، جاز التعامل بها مع الناس.
فیجوز إنفاقها و أخذها و دفعها قیمة و أعواضا فی المعاملات، سواء علم المتعاملون بما فیها من الغش أم جهلوا.
و إذا کانت النقود المغشوشة غیر رائجة بین الناس فی المعاملة، فإن بین الإنسان حال هذه النقود للأشخاص الذین یرید التعامل بها معهم، فالظاهر جواز المعاملة بها معهم إذا هم علموا حالها و قبلوا بها، و إذا کانت النقود المغشوشة مما یضربه بعض المحتالین لغش الناس و سلب أموالهم فالأحوط وجوب کسرها.

المسألة 368:

وجوب اقباض المبیع و اقباض الثمن فی بیع الصرف انما هو شرط فی صحة البیع کما ذکرنا من قبل فلا یصح البیع إذا لم یحصل التقابض بین المتبایعین حتی یفترقا، و لیس وجوبه تکلیفیا علیهما، و لذلک فلا اثم علیهما أو علی أحدهما إذا ترک التقابض عامدا.

المسألة 369:

إذا أراد الإنسان ان یبیع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة، فلا بد و ان یراعی أحکام الربا فی البیع لیجتنبها، کما یجب ان یراعی أحکام بیع الصرف، فلا یجوز البیع مع الزیادة فی أحد العوضین کما بیناه فی فصل الربا، فان الذهب و الفضة من الموزون، فإذا اتحد الجنس فی العوضین وجبت مراعاة أحکام الربا فی المعاملة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 149

المسألة 370:

قد أشرنا فی المسألة الثلاثمائة و الثامنة و الأربعین الی ان المسکوکات من الفضة أو النحاس أو النیکل و أمثالها لیست من الموزونات و ان کان أصلها و هو الفضة و النحاس و النیکل مما یوزن فإن عامة الناس فی عامة بلادهم و أقطارهم و دولهم انما یضبطون هذه المسکوکات عند معاملاتهم فیها بالعدد فقیمة الأشیاء التی یشترونها أو یبیعونها أو یضمنونها أو یغرمونها عشرون ریالا مثلا أو روبیة، أو مائة، أو ألف، أو عشرة آلاف من هذه المسکوکات المتنوعة، و لا یلتفتون أبدا إلی الوزن، و یجهل أکثرهم وزن الروبیة و وزن الریال العراقی أو الفرنسی أو السعودی الذی یتعاملون به و یجهل جمیعهم وزن جمیع الثمن الذی یبیع به البائع منهم أو یشتری به المشتری.
و نتیجة لذلک فلا یجری علی هذه المسکوکات أحکام الربا حینما تصرف إلی أبعاضها أو تباع بسکة أخری من جنسها، فیجوز البیع و الصرف و ان اختلف العوض و المعوض فی المقدار.
نعم تجب مراعاة أحکام الربا فی المسکوکات الذهبیة إذا صرفت إلی أبعاضها و کانت الأبعاض من الذهب أیضا و إذا بیعت بعملة ذهبیة أخری، و ذلک لأن المسکوکات الذهبیة فی نظر عامة الناس من الموزون لا من المعدود، فإنهم یتعاملون باللیرة و الباون و غیرهما من المسکوکات الذهبیة بمقدار ما تزنه من مثاقیل، و غرامات و غیرها.

المسألة 371:

ذکرنا فی المسألة الثلاثمائة و الثالثة و الخمسین انه یمکن التخلص من حرمة الربا بأن یضم الی العوض الناقص ضمیمة ذات مالیة فیبیع العوض مع الضمیمة بالعوض الزائد، و یمکن التخلص من حرمته أیضا بأن یضم ضمیمة ذات مالیة کذلک الی کل واحد من العوضین المتفاوتین فی المقدار.
و علی هذا فإذا باع الرجل الذهب بالذهب مع زیادة أحد العوضین علی الآخر و کان الذهب مغشوشا بشی‌ء له مالیة کفی ان یکون الشی‌ء الذی غش به الذهب ضمیمة فی البیع یتخلص بها من حرمة الربا،
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 150
فیبیع العوض الناقص مع ضمیمته و هو الغش بالعوض الآخر مع الزیادة إذا کان هذا العوض خالصا، و یبیع العوض الناقص مع الضمیمة بالعوض الآخر مع الزیادة و الضمیمة کلیهما إذا کان هذا العوض مغشوشا أیضا، فیصح البیع فی کلتا الصورتین. نعم یشترط أن یکون الشی‌ء الذی غش به الذهب مما له قیمة فی حال کونه غشا، فلا یکفی إذا کان مستهلکا أو لیست له قیمة، و لا یکفی أن تکون له قیمة علی تقدیر تصفیته، و کذلک الحال فی الفضة إذا کانت مغشوشة بشی‌ء له مالیة مع کونه غشا کما هو الحال فی الذهب.
و نتیجة لذلک فإذا بیع ذهب مغشوش بذهب مغشوش بمثل هذا الغش المتقدم ذکره صح البیع فیه مع تساوی العوضین و مع التفاوت بینهما فی المقدار، و إذا بیع ذهب مغشوش کذلک بذهب خالص فلا بد و أن یکون الذهب الخالص زائدا علی الذهب الموجود فی العوض الآخر المغشوش، لتکون هذه الزیادة فیه مقابلة للغش فی العوض المغشوش، و الا حرم البیع لأنه ربا، و کذلک الحکم فی بیع الفضة المغشوشة بالفضة المغشوشة، و بالفضة الخالصة.

المسألة 372:

إذا کان الذهب مغشوشا بشی‌ء له قیمة و لم یعلم بمقدار غشه، و أراد مالکه بیعه بذهب خالص، فلا بد و أن یکون العوض الخالص الذی یباع فیه زائدا بمقدار یعلم ان الذهب قد زاد علی الذهب الموجود فی العوض الآخر المغشوش، و ان لم یعلم بمقدار الزیادة علی وجه التفصیل، لتکون هذه الزیادة فی مقابل الغش الموجود فی العوض کما بینا من قبل، أو یباع بجنس آخر غیر الذهب.
و مثله الحکم فی الفضة المغشوشة إذا لم یعلم بمقدار الغش الموجود فیها، و أراد المالک بیعها بفضة خالصة.

المسألة 373:

السیوف و الخناجر و غیرها إذا کانت محلاة بالذهب و أراد مالکها أن یبیعها بالذهب فلا بد و أن یکون عوضها الذی تباع به من الذهب
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 151
زائدا علی مقدار الحلیة الموجودة فی المبیع لتکون الزیادة فی مقابلة غیر الحلیة من المبیع، أو تباع بجنس آخر غیر الذهب.
و یجوز أن یباع السیف المحلی بالذهب بسیف محلی بالذهب أو بخنجر محلی به، و ان اختلفا فی مقدار الحلیة، و کذلک فی الأشیاء الأخری المحلاة بالذهب.
و مثله الحکم فی الأشیاء المحلاة بالفضة من غیر فرق بینهما.

المسألة 374:

الکلبتون، و هو نسیج من إبریسم و ذهب أو فضة تصنع منه ملابس لبعض المترفین إذا کان مصنوعا من الذهب و أرید بیعه بالذهب، فلا بد و أن یکون ذهب الثمن أکثر وزنا من ذهب الکلبتون لتکون الزیادة فی مقابلة ما فیه من شی‌ء آخر، و لا یشترط أن یکون ذهب الثمن مساویا لوزن الکلبتون کله أو زائدا علیه. و کذلک الحکم فی الکلبتون المصنوع من الفضة إذا أرید بیعه بالفضة.

المسألة 375:

إذا اشتری الرجل من غیره ذهبا بذهب أو فضة بفضة، و کان المبیع الذی اشتراه شخصیا معینا و قبضه قبل التفرق، فوجد المبیع من جنس آخر. نحاسا مموها، أو رصاصا أو نیکلا أو غیر ذلک کان البیع باطلا، و لیس للمشتری أن یطالب البائع بإبدال المبیع، و لا یصح البیع إذا أبدله البائع له.
و إذا وجد المشتری بعض المبیع من الجنس، و بعضه من غیر الجنس، صح البیع فی ما کان من الجنس، و بطل فی غیر الجنس، و کان للمشتری خیار تبعض الصفقة، فیجوز له ان یفسخ العقد فیرد الجمیع علی البائع و یسترد منه الثمن، و یجوز له ان یأخذ الباقی الذی صح فیه البیع بحصته من الثمن، و إذا اختار المشتری ذلک فأخذ الباقی کما بینا، کان للبائع خیار تبعض الصفقة إذا کان جاهلا بالعیب فیجوز له فسخ البیع ورد الجمیع.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 152

المسألة 376:

إذا اشتری الرجل من أحد ذهبا بذهب أو فضة بفضة و کان المبیع شخصیا معینا و قبضه قبل التفرق، فوجد فی العین التی اشتراها عیبا، ثبت للمشتری خیار العیب کما فی سائر موارد وجود العیب فی المبیع، فیجوز له أن یفسخ العقد و یرد المبیع علی بائعه و یسترد منه الثمن، و یجوز له أن یمضی البیع بالثمن المسمی، و یجوز له أن یمسک المبیع و یطالب البائع بأرش العیب کما ذکرنا فی خیار العیب و إذا اختار المشتری المطالبة بالأرش، فله أخذ الأرش من البائع سواء کان قبل التفرق أم بعده، و سواء کان الأرش من النقدین أم من غیرهما.
و لا یختص هذا الحکم و هو ثبوت الخیار بالعیب بما إذا کان الثمن من جنس المبیع بل یشمل ما إذا اشتراه بغیر جنسه کما إذا اشتری الذهب بالفضة أو اشتری الفضة بالذهب أو بغیرهما من الأجناس نعم إذا هو اشتری الذهب أو الفضة المعینین بجنسهما، فالعیب الذی یوجب للمشتری الخیار المذکور ما یکون من قبیل خشونة الجوهر فی العین المبیعة، و اللین فیه أکثر من المتعارف، و اضطراب السکة و نحو ذلک، و المراد باضطراب السکة أن یجدها تخالف السکة الرائجة فی البلاد، فیحتمل عدم جریانها فی المعاملة، أو یحدث قلق علی اعتبار السکة عند الدولة بحیث یحتمل إسقاط الدولة لها عن الاعتبار، و اما وجود الغش الزائد عن المتعارف فی الذهب أو الفضة المعینین فهو داخل فی المسألة المتقدمة، فإن الغش من غیر الجنس و قد مر فی المسألة المتقدمة أن المشتری إذا وجد بعض المبیع من الجنس و بعضه من غیر الجنس صح البیع فی الجنس و بطل فی غیر الجنس.

المسألة 377:

إذا اشتری الإنسان من احد ذهبا بذهب أو فضة بفضة و کان المبیع کلیا فی ذمة البائع، و حین قبضه منه قبل التفرق وجد ما دفعه الیه جنسا آخر غیر الجنس الذی وقع علیه البیع، نحاسا مموها أو رصاصا أو غیرهما، فان لم یتفرق المتبایعان بعد، جاز للبائع إبدال ما دفعه الی
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 153
المشتری و جاز للمشتری مطالبة البائع بابداله، فإذا قبض المشتری البدل الصحیح قبل ان یتفرقا صح البیع، و الا کان باطلا.
و إذا قبض المشتری الشی‌ء المبیع بعد العقد، و لما افترق المتبایعان بعد القبض وجد المشتری جمیع ما دفعه إلیه البائع جنسا آخر غیر جنس المبیع، بطل البیع، و لا یصححه أن یبدل البائع الشی‌ء الذی دفعه الی المشتری فیدفع الیه بدلا صحیحا.
و إذا وجد المشتری بعد التفرق بعض ما دفعه البائع إلیه من الجنس و بعضه من غیر الجنس، بطل البیع فی غیر الجنس و صح فی البعض الذی وجده من الجنس، و تخیر المشتری کما تقدم فی نظیر ذلک بین أن یفسخ البیع فیرد الجمیع، و ان یأخذ البعض الذی صح فیه البیع بحصته من الثمن، فإذا اختار المشتری الثانی، کان للبائع أن یفسخ البیع فی الجمیع إذا کان جاهلا بالحال، لتبعض الصفقة علیه.

المسألة 378:

إذا اشتری الإنسان من غیره ذهبا بذهب أو فضة بفضة، و کان المبیع کلیا فی ذمة البائع کما تقدم و حین قبضه المشتری منه قبل التفرق وجد ما دفعه إلیه البائع معیبا بأحد العیوب التی تقدمت الإشارة إلیها قریبا.
تخیر المشتری- علی الأقوی- بین ان یرد علی البائع الفرد المعیب الذی قبضه منه و یستبدله بفرد صحیح، أو یرضی بالفرد المعیب الذی دفعه الیه من غیر أرش، سواء کان العوضان من جنس واحد أم کان المبیع ذهبا بفضة أو فضة بذهب، و سواء ظهر العیب للمشتری قبل التفرق أم بعده، و سواء کان العیب فی جمیع المبیع أم فی بعضه.

المسألة 379:

إذا أراد الإنسان أن یشتری من الصائغ خاتما أو قرطا أو قلادة أو غیرها من المصوغات من الذهب أو الفضة، و أراد الصائغ أن یضیف أجرة الصیاغة إلی قیمة الذهب أو الفضة فلا یجوز أن یکون البیع بجنسه للزوم الربا، بل یکون البیع بغیر جنسه، أو مع إضافة ضمیمة إلی الشی‌ء المبیع من غیر جنسه تخلصه من الربا، و یکفی فص الخاتم
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 154
و الفصوص التی تجعل فی القرط أو القلادة إذا کانت ذات مالیة، ان تجعل هی الضمیمة، فتجوز الزیادة فی الثمن لذلک و ان کان من الجنس، أو یباع الشی‌ء المصوغ بأقل من مقداره من الجنس و یجعل باقی الثمن مع الزیادة من غیر الجنس، أو یشتری المشتری من الصائغ مقدارا غیر مصوغ من الذهب أو الفضة بجنسه مثلا بمثل ثم یؤجره لصیاغته بأجرة معینة.

المسألة 380:

إذا کان للرجل فی ذمة غیره دین من نقود ذهبیة، لیرات عثمانیة أو باونات مثلا و کان الدائن یأخذ من المدین فی کل شهر نقودا من الفضة ریالات أو دراهم من سکة معینة، فإن کان ما یأخذه الدائن من المدین بقصد استیفاء دینه، و کانت قیمة النقد الذهبی الذی یستحقه الدائن بالریال الفضی الذی یأخذه من المدین معینة مضبوطة و لو فی تلک الفترة، فقیمة اللیرة أو الباون تساوی عشرین ریالا فی جمیع تلک المدة، فلا إشکال.
فإذا أخذ من المدین عشرة ریالات فقد استوفی من دینه نصف باون، و إذا أخذ منه عشرین ریالا فقد استوفی باونا، و هکذا حتی یستکمل جمیع دینه.
و إذا اختلفت قیمة النقد الذی یستحقه، لوحظت قیمته فی وقت الأخذ، فإذا أخذ منه عشرین ریالا فی الشهر الأول، و کانت قیمة الباون فیه تساوی عشرین ریالا، فقد استوفی من دینه باونا واحدا، و إذا أخذ منه فی الشهر الثانی عشرین ریالا أیضا و کانت قیمة الباون فیه تساوی خمسة عشر ریالا، فقد استوفی من دینه باونا و ثلثا، و إذا أخذ منه عشرین ریالا فی الشهر الثالث، و کانت قیمة الباون فیه تساوی ثمانیة عشر ریالا، فقد استوفی من دینه باونا و تسعا، و هکذا حتی یستوفی جمیع دینه.
و إذا کان ما یأخذه من المدین بقصد الاقتراض منه، بقیت النقود الذهبیة جمیعها دینا فی ذمة المدین، و کان ما یأخذه الدائن من النقود
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 155
الفضیة دینا فی ذمة الدائن، و یشکل ان یبیع أحدهما دینه بدین الآخر، و یشکل أن یحتسبا أحد الدینین وفاء للآخر.
و یجوز لکل واحد منهما ان یصالح صاحبه عن دینه بما لصاحبه من دین فی ذمته، فیصالح الأول الثانی عن النقد الفضی الذی أخذه منه بالنقد الذهبی الذی یستحقه فی ذمته، أو بالعکس، و یجوز لهما ان یبرئ کل منهما ذمة الآخر عن دینه.
و إذا کان ما یأخذه من المدین بقصد ان یبقی امانة لدیه الی وقت الحساب بینهما، بقی المبلغ امانة عنده و بقی الدین فی ذمة صاحبه حتی یتم الحساب بینهما و یحصل الاستیفاء.

المسألة 381:

إذا اشتغلت ذمة الشخص لغیره بمبلغ من نقود معینة من الذهب أو الفضة أو غیرهما، لزمه أداء المبلغ من ذلک النقد المعین، سواء بقیت قیمة النقد علی حالها عند اشتغال الذمة به أم تغیرت بارتفاع أم بهبوط، و سواء دفعه الدائن له قرضا أم کان ثمنا لمبیع أو عوضا فی مصالحة أو فی معاملة أخری أو صداقا لامرأة أم اشتغلت ذمته به من أی سبب آخر.

المسألة 382:

لا یجوز للرجل أن یبیع علی الصائغ أو علی غیره من العمال فضة بفضة أو ذهبا بذهب مثلا بمثل، و یشترط علیه أن یصوغ له خاتما، أو یخیط له ثوبا، أو ینجر له بابا، أو یعمل له عملا آخر، فان الشرط المذکور زیادة فی أحد العوضین، فیکون من الربا المحرم.
و یجوز أن یقول للصائغ صغ لی خاتما من فضة أو یقول للخیاط أو لغیره اعمل لی کذا و یذکر عملا معینا و انا أبیعک عشرة مثاقیل من الفضة الخالصة بعشرة مثاقیل من الفضة المغشوشة إذا قصد أن یکون بیع المثاقیل المذکورة علیه اجرة له علی عمله أو جعالة له علیه.

المسألة 383:

إذا صاغ الرجل حلیا أو شیئا غیره من الذهب و الفضة جمیعا و أراد بیعه جاز له ان یبیعه بالذهب مع زیادة الذهب فی الثمن علی الذهب
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 156
الموجود فی المبیع، لتکون الزیادة مقابلة للفضة الموجودة فیه، و یجوز له ان یبیعه بالفضة مع الزیادة فی فضة الثمن کما ذکرنا فی الذهب، و یجوز له أن یبیعه بالجنسین معا، أو یبیعه بجنس آخر غیرهما، و لا یجوز له ان یبیعه بمقدار ما فیه من الذهب وحده أو بمقدار ما فیه من الفضة وحدها و لا یزید فی الثمن علی ذلک.

المسألة 384:

ما یجتمع عند الصائغ من برادة الذهب و الفضة المتساقطة فی موضع عمله من الذهب و الفضة اللذین یصوغهما للناس، فتختلط و لا یعلم بمالکها علی الخصوص و لا بمقدار ما یملکه کل واحد منهم من برادة ماله، الظاهر تحقق الأعراض من المالکین عن هذه الأجزاء المتساقطة من أموالهم عند صیاغتها، و لذلک فیجوز للصائغ أن یتملکها.
و لکن الأحوط استحبابا أن یبیعها و یتصدق بأثمانها عن مالکیها، و إذا عرف صاحب المال فالأحوط أن یستأذنه فی ذلک، و کذلک ما یتساقط من قصاصات الثیاب و الخشب عند الخیاط و النجار، و أجزاء الأشیاء الأخری عند العمال الآخرین.

الفصل الثالث عشر فی بیع السلف

المسألة 385:

بیع السلف هو أن یبیع الإنسان علی غیره شیئا کلیا فی ذمته مؤجلا إلی أجل مسمی، بثمن حاضر، فالسلف من حیث حضور الثمن و تأجیل المبیع معاکس للنسیئة، و یقال له بیع السلم أیضا و من کلمة السلم تؤخذ المشتقات الأخری الملابسات له، فالمشتری فی هذه المعاملة یسمی (مسلما) بکسر اللام، و البائع فیها مسلم الیه بفتح اللام، و الثمن الحاضر فیها مسلم بالفتح أیضا، و المبیع المؤجل مسلم فیه بالفتح کذلک.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 157

المسألة 386:

یصح فی هذه المعاملة أن یکون إیجاب العقد من البائع، فیقول للمشتری: بعتک طنا مثلا من الأرز العراقی العنبر الموصوف بصفة کذا أدفعه إلیک بعد مضی شهرین من هذا الیوم بثلاثمائة دینار عراقی حاضرة، فیقول المشتری قبلت أو رضیت.
و یصح ان یکون الإیجاب من المشتری، فیقول للبائع: أسلمت إلیک أو أسلفتک ثلاثمائة دینار عراقی حاضرة فی طن من الأرز العراقی العنبر الموصوف بصفة کذا المؤجل إلی أجل کذا، فیقول البائع قبلت

المسألة 387:

إذا کان المبیع و الثمن کلاهما من غیر الذهب و الفضة، یصح أن یباع أحدهما بالآخر بیع السلف إذا کان العوضان مختلفین فی الجنس، و یصح ان یباع أحدهما بالآخر کذلک إذا کان العوضان من جنس واحد، و کان کلاهما أو کان أحدهما غیر مکیل و لا موزون.
و لا یصح ان یباع أحدهما بالآخر سلفا إذا کانا من جنس واحد، و کانا جمیعا من المکیل أو الموزون، للزوم الربا علی کل حال، الا مع الضمیمة، و إذا أضیفت إلی العوضین أو الی أحدهما ضمیمة من غیر جنسهما خرج ذلک عن الفرض فی المسألة.
و إذا کان المبیع و الثمن کلاهما من الذهب و الفضة، لم یصح بیع أحدهما بالآخر سلفا، سواء اتحد الجنس فی العوضین أم اختلف، و سواء کانا معا أو کان أحدهما من الموزون أم من غیره، فلا یجوز بیع الذهب بالذهب سلفا و لا بیع الفضة بالفضة، و لا بیع الذهب بالفضة و لا العکس سواء کان النقد مما یوزن أم مما یعد کالمسکوکات من الفضة، و وجه عدم الصحة ان بیع النقدین بعضهما ببعض بیع صرف یشترط فی صحته التقابض قبل الافتراق کما تقدم، فلا یصح مع تأجیل المثمن کما هو معنی بیع السلف.
و إذا کان أحد العوضین من الذهب أو الفضة، و کان العوض الآخر من غیرهما صح ان یباع أحدهما بالآخر بیع سلف، سواء کان الذهب
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 158
أو الفضة ثمنا أم مثمنا، و سواء کان العوضان أو أحدهما مما یوزن أم کانا من غیر المکیل و لا الموزون.

المسألة 388:

یشترط فی صحة بیع السلف ان یکون المبیع مما یمکن ضبط أوصافه التی یکون بسببها موضعا للرغبة أو قلتها، و التی تختلف باختلافها قیمة الشی‌ء بین الناس، کالجودة و الرداءة و اللون و الطعم و الرائحة، و النوع، و الصنف، و کل ماله دخل فی توجه الطلب للشی‌ء عند العقلاء.
و ذلک کالحبوب علی اختلاف أجناسها و أنواعها، و کالأقمشة و الثیاب و سائر المنسوجات، و کالخضر و الفواکه و المشروبات، و الأدویة و العقاقیر، و الأثاث، و الأمتعة، و الأجهزة و الآلات، و الأدوات التی یحتاج إلیها فی المنازل أو فی المعامل، و وسائل النقل، و الحیوان، و الإنسان المملوک فیصح بیع السلف فی ذلک کله، لإمکان ضبط أوصافه المطلوبة فیه.
و لا یصح فی ما یتعذر أو یتعسر ضبط أوصافه، کالجواهر و اللئالی و الأرضین و البساتین و سائر العقارات و شبهها، فإن الجهالة فی هذه و أمثالها لا ترتفع بالوصف، و لا یرتفع الغرر و الجهالة فیها إلا بالمشاهدة.

المسألة 389:

یجب فی بیع السلف ذکر جنس المبیع و ذکر ممیزاته التی ترفع الجهالة و توضح المراد منه فإذا کان المبیع من الحبوب ذکر أوصافه الخاصة، فیذکر فی الحنطة انها حمراء أو بیضاء، و انها من الجید أو المتوسط أو الردی و انها من إنتاج ای البلاد و من أی الأنواع إذا کان لذلک دخل فی تحدید المقصود منها، و کذلک فی الأرز، فیذکر انه من إنتاج أی البلاد و من أی الأنواع، و إذا کان من العنبر العراقی مثلا و کان العنبر أصنافا ذکر صنفه الذی یمیزه عن غیره، و هکذا فی بقیة الحبوب و فی الفواکه و الخضر، و کذلک فی الأقمشة و المنسوجات فیذکر النوع و الصنف و انه من نسیج ای البلاد و ای المعامل، إذا کان لذلک دخل فی الوصف الکامل، و مثله الأجهزة و الأدوات و الوسائل الأخری
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 159
فیذکر ممیزاتها و موضحاتها حتی لا تبقی جهالة فی المبیع و لا تؤدی الی ندرة وجوده أو انعدامه.

المسألة 390:

نسب الی القول الأشهر بین العلماء انه یشترط فی صحة بیع السلف ان یقبض الثمن قبل تفرق المتعاقدین من مجلس العقد، و فی اعتبار هذا الشرط اشکال، و لذلک فلا یترک الاحتیاط بأن یحصل القبض قبل تفرقهما، و إذا تفرق المتعاقدان و لم یحصل القبض فی جمیع الثمن، أو حصل القبض فی بعضه دون بعض، احتاطا بالتقایل من المعاملة ثم جددا المعاملة بینهما مع قبض الثمن جمیعه قبل التفرق، أو احتاطا بالمصالحة بینهما علی وجه یرتفع به الإشکال فی المعاملة.

المسألة 391:

إذا کان الشخص مدینا لغیره بمبلغ معین من النقود أو من غیرها، فهل یصح للدائن أن یجعل دینه هذا ثمنا فی بیع السلف، و مثال ذلک أن یکون علی مدینا لعبد اللّٰه بألف دینار مثلا، ثم یبدو لعلی و هو المدین أن یبیع علی دائنه و هو عبد اللّٰه أربعین وزنة من الأرز یدفعها له بعد مضی شهرین بالمبلغ الذی لعبد اللّٰه فی ذمته و هو الألف دینار.
فان کان الدین المذکور الذی لعبد اللّٰه مؤجلا لم یصح أن یجعل ثمنا فی بیع السلف، و ان کان الدین حالا غیر مؤجل فالأقوی صحة ذلک، و ان لم یخل من اشکال.
و إذا اشتری عبد اللّٰه المبیع بألف دینار فی ذمته، ثم حاسب علیا عن الدین الأول فجعله وفاء لما فی ذمته من الثمن، أو تسالما فابرأ کل واحد منهما ذمة صاحبه عن دینه، فلا إشکال.

المسألة 392:

یجب أن یقدر المبیع فی بیع السلف بما یتعارف تقدیره به فی المعاملات الجاریة بین الناس فیقدر المکیل منه بالکیل، و الموزون بالوزن، و المعدود بالعد، و ما یضبط بالأذرع و الأمتار یقدر بها، و مالا یجری فیه ذلک کالسیارات و الأجهزة اکتفی فیها بالوصف المحدد للشی‌ء، و قد
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 160
یحتاج الی ذکر مقدار حجمه أو مقدار طاقته و نحو ذلک مما تختلف فیه القیم أو یتوقف علیه التعیین.

المسألة 393:

یجب أن یکون أجل المبیع فی بیع السلف محددا مضبوطا فیحدده المتعاملان بالأیام مثلا أو بالشهور أو السنین، و لهما أن یعینا الأجل بالشهور العربیة و بالشهور الافرنجیة و غیرها إذا کانت معلومة عند الطرفین، و کذلک السنین.
و لا یصح أن یجعل الأجل إلی وقت جذاذ التمر أو قطاف العنب أو الفاکهة الأخری أو الی حصاد الزرع أو دیاسه، و نحو ذلک من الأوقات غیر المضبوطة، و إذا حدد الأجل بذلک بطل البیع.
و یصح أن یعین للمبیع أجلا قصیرا کیوم أو یومین، و أن یجعله طویلا کخمس سنین أو أکثر.

المسألة 394:

یجب أن یکون وجود الشی‌ء المبیع ممکنا بحسب العادة فی وقت حلول أجله و فی البلد الذی اشترط علی البائع ان یسلم المبیع فیه، و معنی ذلک أن یکون البائع قادرا بحسب العادة علی تسلیم المبیع إلی المشتری فی الوقت المعلوم و فی البلد المعلوم، و ان کان ذلک بالنقل الیه من مکان آخر.
و نتیجة لذلک، فلا تصح المعاملة إذا کان البائع غیر قادر علی تسلیم المبیع فی وقته و ان کان الشی‌ء موجودا فی البلد، کما إذا کان البائع مسجونا لا یستطیع و هو فی سجنه الحصول علی المبیع و تسلیمه، أو کان فی مفازة بعیدة لا یمکنه الوصول الی البلد لیحصل فیه علی ذلک.

المسألة 395:

لا یبعد أن إطلاق العقد فی البیع یقتضی أن یسلم البائع المال المبیع الی مشتریه فی مکان المطالبة به بعد حلول أجله، الا أن تقوم قرینة عامة أو خاصة علی تعیین بلد المتعاقدین أو بلد العقد أو غیرهما أو یکون العقد منصرفا عن المکان الذی طالبه المشتری فیه، و مثال ذلک
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 161
ان یطالبه المشتری بتسلیم المبیع فی موضع بعید عن وطنهما، فلا یجب علی البائع التسلیم فی ذلک الموضع.
و الأحوط لزوما أن یعین فی العقد موضع التسلیم، و خصوصا إذا اختلفت الأمکنة فی صعوبة نقل المال إلیها و التسلیم فیها و احتیاج ذلک الی بذل المال.

المسألة 396:

إذا جعل المتبایعان أجل المال المبیع شهرا أو شهرین أو أکثر من الشهور العربیة، و اتفق ان المعاملة بینهما وقعت فی أول الشهر وجب أن یتم الأجل فی المعاملة بالأشهر الهلالیة سواء کانت تامة أم ناقصة.
و إذا کان وقوع المعاملة بینهما فی أثناء الشهر العربی، لفقاه فعدا من الشهر الأخیر مقدار ما مضی من الشهر الأول، فإذا کانت المعاملة فی العاشر من شهر رجب مثلا، و کان الأجل شهرا واحدا عدا من شهر شعبان مقدار ما مضی من رجب، فیحل الأجل فی العاشر من شعبان، سواء کان رجب ناقصا أم تاما، و إذا کان أجل المبیع شهرین أتما شهر رجب الی الهلال، و عدا شهر شعبان ما بین الهلالین ثم عدا من شهر رمضان مقدار ما مضی من شهر رجب، فیحل الأجل فی العاشر من شهر رمضان، سواء کان رجب و شعبان تامین أم ناقصین أم مختلفین، و کذلک إذا کان الأجل ثلاثة أشهر فیحل الأجل فی العاشر من شهر شوال سواء کانت الأشهر المتوسطة تامة أم ناقصة أم مختلفة.
و الأحوط ان یتم الشهر الأول المنکسر و هو شهر رجب ثلاثین یوما، و أحوط من ذلک ان یقع التصالح بین المتعاقدین عن ذلک.

المسألة 397:

إذا جعل أجل المال المبیع شهرا أو شهرین أو أکثر من الشهور الافرنجیة، وجب أن یتم أیام الشهر بما یکمل عدته، سواء کانت عدته ثلاثین یوما أم أقل من ذلک أم أکثر، و سواء کان وقوع المعاملة فی ابتداء الشهر أم فی أثنائه، و کذلک الشهور الشمسیة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 162

المسألة 398:

إذا حدد المتعاقدان الأجل بمجی‌ء أحد الشهور، فقالا الی شهر رجب أو الی شهر شعبان حل الأجل بأول جزء من لیلة هلال ذلک الشهر، و کذا إذا قالا فی أول رجب أو فی شهر رجب.
و إذا قالا فی آخر شهر رجب، حل الأجل فی آخر جزء منه.
و إذا قالا الی شهر ربیع أو الی شهر جمادی و لم یذکرا أی الربیعین أو أی الجمادیین حمل علی أولهما من هذه السنة، فإذا کانا قد مضیا من هذه السنة، کما إذا کان بیع السلف فی شهر رجب حمل علی أول الربیعین و أول الجمادیین من السنة الآتیة.
و إذا قالا إلی الجمعة أو الی السبت مثلا فالمراد أقرب جمعة أو أقرب سبت إلیهما، و حل الأجل فی أول جزء من نهار الجمعة أو السبت المذکورین.
و إذا قالا إلی أول جمعة من الشهر أو الی آخر جمعة منه و کان الشهر المعین غیر معلوم الأول أشکل الحکم بالصحة، فلا یترک الاحتیاط و لو بالتقایل فی المعاملة ثم تجدیدها مع الأجل المعین أو المصالحة بینهما عن ذلک.

المسألة 399:

لا یجوز للمشتری أن یبیع المال الذی اشتراه ببیع السلف إذا کان الثمن الذی یرید بیعه به من جنس المال المبیع و کان العوضان کلاهما من المکیل أو الموزون مع زیادة أحد العوضین علی الآخر فی المقدار للزوم الربا المحرم.
و مثال ذلک ان یشتری الرجل من أحد عشر وزنات من الحنطة مؤجلة إلی أجل مسمی، ثم یرید أن یبیع الحنطة المذکورة التی اشتراها بعشر وزنات و نصف من الحنطة کذلک، فیکون ذلک محرما لاجتماع شروط الربا فی هذا البیع، و هو واضح. سواء کان البیع قبل أن یحل أجل المال أم بعد حلوله، و سواء کان البیع الثانی علی بائعه الأول أم علی غیره، و سواء کان الثمن فی البیع الثانی حالا أم مؤجلا.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 163

المسألة 400:

الأحوط لزوما ان یجتنب المشتری بیع المال الذی اشتراه سلفا قبل أن یحل أجله فی غیر المکیل و الموزون أیضا، و مثال ذلک أن یشتری الرجل ببیع السلف خمسین مترا من قماش مخصوص مؤجلة إلی أجل معین، ثم یرید ان یبیع ما اشتراه قبل ان یحل أجله، فلا یجوز له ذلک علی الأحوط، سواء أراد بیعه علی بائعه الأول أم علی غیره، و سواء کان الثمن فی البیع الثانی من جنس المال المبیع أم من غیر جنسه، و سواء کان الثمن المذکور حالا أم مؤجلا، و سواء کان العوضان فی البیع الثانی متساویین أم متفاوتین فی المقدار.

المسألة 401:

إذا حل أجل المال الذی اشتراه الرجل ببیع السلف، جاز له بیعه، سواء کان المبیع مما یکال أو یوزن أم کان من غیرهما، و سواء أراد المشتری بیع المال علی بائعه الأول أم علی غیره و سواء کان الثمن الذی یبیعه به من جنس المال المبیع أم من غیر جنسه، فیجوز له جمیع ذلک و یصح منه، الا إذا کان المال مما یکال أو یوزن و أراد بیعه بثمن من جنسه مع التفاوت بین العوضین فی المقدار، فیحرم ذلک للزوم الربا و قد ذکرنا ذلک آنفا.

المسألة 402:

إذا حل أجل المال الذی اشتراه الإنسان سلفا و لم یقبض المال بعد من بائعه، و کان المال من المکیل أو الموزون، و رغب فی أن یبیعه مرابحة، جاز له أن یبیعه مرابحة کذلک علی بائعه الأول، و لا یترک الاحتیاط باجتناب بیعه مرابحة علی غیر بائعه.

المسألة 403:

إذا حل الأجل الذی حدده المتبایعان للمال المبیع و دفع البائع المال علی حسب ما عیناه فی العقد من الجنس و الأوصاف و المقدار وجب علی المشتری قبول ما دفعه الیه، و إذا دفعه الیه علی حسب ما ذکراه من الجنس و دون ما عیناه من الصفة لم یجب علی المشتری قبول ما دفعه الیه، و إذا رضی المشتری به و ان کان ناقص الصفة و قبضه منه راضیا
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 164
به عن حقه أجزأ و برئت ذمة البائع، و إذا رضی المشتری به و لم یقبضه لم تبرأ ذمة البائع علی الظاهر.
و کذلک الحکم إذا دفع البائع المال للمشتری ناقصا عن المقدار المعین، فلا یجب علی المشتری قبول الناقص و إذا قبضه راضیا به عن حقه و ان کان أقل منه أجزأ و برئت ذمة البائع، و لا تبرأ ذمته إذا رضی المشتری بالمدفوع و لم یقبضه.

المسألة 404:

إذا دفع البائع المال المسلم فیه الی المشتری فوق الصفة التی اشترطها له فی العقد، فان کان مراد المشتری من اشتراط الصفة فی المال ان لا یکون ما یدفعه البائع إلیه دون الصفة فالظاهر وجوب القبول علی المشتری إذا دفعه الیه فوق الصفة المشترطة، و ان کان مراد المشتری أن یکون ما یدفعه البائع الیه علی هذه الصفة المعینة لا دونها و لا فوقها، لم یجب علی المشتری القبول، و إذا دفع البائع المال إلی المشتری زائدا علی ما عیناه فی العقد من المقدار لم یجب علیه القبول.

المسألة 405:

إذا حل الأجل المعین لدفع المال المسلم فیه و لم یقدر البائع علی أدائه لأحد الأعذار التی أوجبت له العجز عن ذلک، کان المشتری مخیرا بین أن یفسخ البیع فیرجع علی البائع بالثمن الذی دفعه الیه، و أن یصبر الی أن تحصل القدرة للبائع علی أداء المال، و لیس له أن یطالب البائع بقیمة المبیع فی وقت حلول أجله إذا کانت القیمة أکثر من الثمن المسمی بینهما فی المعاملة.
و إذا تمکن البائع من أداء بعض المبیع و عجز عن أداء بعضه، کان المشتری مخیرا فی الباقی الذی عجز البائع عن أدائه بین أن یفسخ البیع فیه فیسترد من البائع حصته من الثمن، و أن یصبر الی ان تحصل القدرة للبائع علی تحصیل ذلک البعض و أدائه، و یشکل الحکم بجواز الفسخ له فی الجمیع.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 165
و إذا اختار المشتری الفسخ فی البعض الذی عجز عنه البائع ففسخ العقد فیه، ثبت للبائع جواز الفسخ فی الجمیع.

المسألة 406:

إذا لم یوجد المبیع فی البلد الذی وجب علی البائع التسلیم فیه و کان موجودا فی بلد آخر فإن أمکن للبائع أن ینقل المال الی بلد التسلیم و یدفعه للمشتری فیه وجب علیه ذلک وفاء بالعقد، و ان لم یقدر البائع علی ذلک أو کان نقل المال من البلد الذی یوجد فیه الی موضع التسلیم موجبا للحرج أو الضرر علی البائع تخیر المشتری بین فسخ العقد، فیسترد الثمن من البائع و ان ینتظر حتی تحصل القدرة للبائع علی نقل المال و لهما أن یتراضیا علی تسلیم المال المبیع فی الموضع الذی یوجد فیه أو فی موضع آخر یمکنه نقله الیه.

الفصل الرابع عشر فی بیع الثمار و الزرع

المسألة 407:

لا یجوز- علی الأحوط- للمالک أن یبیع ثمرة عام واحد من النخیل و الشجر قبل أن تظهر الثمرة فیها إذا لم یضم إلی الثمرة التی یرید بیعها ضمیمة أخری، و ان کان لجواز البیع وجه قوی، و لکن الاحتیاط فی الامتناع عن بیعها کذلک لا یترک، و یجوز له ان یبیعها عاما واحدا إذا أضاف إلی الثمرة ضمیمة غیرها فباع الثمرة مع الضمیمة معا، و یجوز له أن یبیع ثمرة عامین أو أکثر من ذلک، و ان لم تظهر الثمرة، و لم یضم إلیها ضمیمة، و سیأتی بیان المراد من الضمیمة المقصودة فی المقام و الشروط المعتبرة فیها.

المسألة 408:

إذا ظهرت الثمرة فی النخیل و الشجر، و بدا صلاح الثمرة، جاز للمالک أن یبیعها عاما واحدا و عامین، و أکثر من ذلک، و لم یفتقر فی صحة البیع و جوازه الی ضم ضمیمة معها. و إذا ظهرت الثمرة فیها
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 166
و لم یبد صلاح الثمرة جاز للمالک أن یبیعها إذا کان المبیع ثمرة عامین أو أکثر، و یجوز له أن یبیع ثمرة عام واحد إذا ظهرت الثمرة و لم یبد صلاحها، إذا ضم إلی الثمرة المبیعة ضمیمة أخری، فباع الثمرة مع الضمیمة.
و نتیجة لما ذکرنا فی المسألة، فیجوز للمالک بیع الثمرة بعد ظهورها، إذا بدا صلاح الثمرة، أو أراد المالک بیع ثمرة عامین أو أکثر، أو أراد بیعها مع الضمیمة، و لا إشکال فی الجواز فی هذه الموارد.
و إذا ظهرت الثمرة، و لم یبد صلاحها، و أراد المالک بیع ثمرة عام واحد من غیر ضمیمة، فالظاهر جواز بیعها أیضا، و ان کان الأحوط الترک فی هذه الصورة.

المسألة 409:

یبدو صلاح الثمرة فی النخیل إذا اصفرت الثمرة أو احمرت، و یبدو صلاح الثمرة فی غیر النخیل من الشجر إذا انعقد الحب فیها بعد تناثر ورده، و لا اعتبار فی أن یکون الثمر قابلا للأکل بحسب العادة و عدم ذلک.

المسألة 410:

یشترط فی الضمیمة التی یجوز معها بیع الثمرة قبل ظهورها أو بعد ظهورها و قبل بدو الصلاح فیها: أن تکون الضمیمة مما یصح بیعها منفردة، و أن تکون مملوکة لمالک الثمرة، و أن یکون الثمن فی البیع ثمنا للضمیمة و الثمرة التی یراد بیعها معها علی نحو الإشاعة بینهما.
و لا فرق بین أن تکون الضمیمة مستقلة أو تابعة أو متبوعة، و مثال الضمیمة المستقلة أن یحتاج البائع إلی بیع الثمرة قبل ظهورها، و یحتاج کذلک الی بیع وزنتین أو أکثر من الحنطة، فیبیعهما معا بعقد واحد و ثمن واحد، فتکون الحنطة مبیعا مقصودا بالبیع بالأصالة، کما هی ضمیمة مصححة لبیع الثمرة فی الوقت نفسه، و مثال الضمیمة التابعة أن یحتاج البائع إلی بیع الثمرة فیضم إلیها شیئا آخر مما یملکه لیصحح به بیع الثمرة، حقة أو حقتین من السکر مثلا، فالضمیمة
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 167
المذکورة غیر مقصودة بالأصالة و انما یبیعها بتبع الثمرة، فهی تابعة غیر مستقلة، و مثال الضمیمة المتبوعة ان یرید المالک بیع الثمر و لما احتاج الی الضمیمة باع الشجر مع الثمرة معا، فالأصول ضمیمة متبوعة، و یصح بیع الثمرة فی جمیع ذلک.

المسألة 411:

یصح لمالک النخیل أو مالک الشجر أن یبیع الثمرة قبل ظهورها أو بعد ظهورها و قبل بدو صلاحها، و یجعل نفس أصول النخیل أو الشجر ضمیمة مع الثمرة فیبیعهما معا، کما أشرنا إلیه فی المسألة المتقدمة.

المسألة 412:

إذا أراد الإنسان بیع ثمرة نخیله و احتاج فی بیعها إلی ضمیمة، فله أن یجعل السعف الیابس و الکرب الموجودین فی النخل ضمیمة فی البیع، فیصح له بیع الثمرة معها، و کذلک إذا أراد بیع ثمرة الشجر، فله أن یضم إلی الثمرة ما فی الشجر من غصون یابسة أو ما فی البستان من شجر یابس.

المسألة 413:

إذا ظهر ثمر بعض الشجر فی البستان، و لم یظهر فی البعض الآخر، جاز للمالک ان یبیع جمیع الثمرة فی البستان ما ظهر منها و ما یتجدد منها بعد ذلک، لعام واحد أو أکثر، و لم یحتج فی جواز البیع إلی الضمیمة، سواء کان الثمر من جنس واحد أم من جنس مختلف.
و کذلک الحکم فی الشجرة الواحدة إذا ظهر بعض ثمرتها، فیجوز لمالکها أن یبیع جمیع ثمرتها ما ظهر منها و ما یتجدد بعد ذلک لسنة واحدة أو أکثر، و إذا ظهرت ثمرة بستان جاز لمالکه ان یبیع ثمرة هذا البستان مع ثمرة بستان آخر له لم تظهر ثمرته بعد، سواء أراد بیع الثمرة لعام واحد أم أکثر.

المسألة 414:

إذا کان الشجر مما یثمر فی العام مرتین و أراد مالکه أن یبیع الثمرتین معا لعام واحد قبل ظهورهما فالأحوط أن لا تباع کذلک الا مع الضمیمة،
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 168
و لا یجری فیه حکم بیع الثمر لعامین، و قد ذهب بعض الأکابر إلی جریان هذا الحکم فیه، فأجاز فیه بیع الثمرتین معا لعام واحد من غیر ضمیمة، و هو غیر بعید، و لکن الاحتیاط فیه مما لا یترک.

المسألة 415:

إذا باع المالک ثمرة النخیل أو ثمرة الشجر عاما أو عامین أو أکثر من ذلک علی الوجوه التی تقدم بیانها ملکها المشتری، فإذا باع المالک بعد ذلک أصول النخیل أو الشجر علی شخص آخر انتقلت الأصول إلی مشتریها مسلوبة هذه المنفعة، و لم یبطل بیع الثمرة بذلک، و إذا کانت للأصول منافع أخری غیر الثمرة المبیعة کالسعف و الغصون الیابسة و نحو ذلک فهی ملک لمشتری الأصول، فإذا انقضت الثمار المبیعة، و أثمرت الأصول بعد ذلک ثمارا جدیدة کانت ملکا لمشتری الأصول.

المسألة 416:

إذا باع مالک النخیل أو الشجر ثمرتها علی أحد کما تقدم ثم باع أصولها علی شخص آخر، و کان مشتری الأصول جاهلا ببیع الثمرة علی غیره کان له الخیار، فیجوز له أن یفسخ بیع الأصول و یسترد ثمنها من البائع إذا کان قد دفعه إلیه.

المسألة 417:

إذا باع مالک النخیل أو مالک الشجر ثمرتها علی النهج المتقدم ذکره، ثم مات البائع لم یبطل البیع بموته، و بقیت الثمرة ملکا لمشتریها، و انتقلت أصول النخیل و أصول الشجر إلی ورثة مالکها مسلوبة المنفعة مدة الثمار المبیعة، و لا خیار لهم فی بیع الثمرة، فإذا انقضت الثمار المبیعة ملکوا الثمرة التی تتجدد بعدها، و إذا مات مشتری الثمرة قبل استیفائها انتقلت الثمرة إلی ورثته من بعده.

المسألة 418:

لا یجوز لمالک الأصول أن یتصرف فی الأصول بما ینافی ملک الثمرة، کما إذا أراد ان یقلع الأصول فلا تثمر، أو یمنعها من السقی فلا تبلغ الثمرة، أو یتصرف فیها تصرفا یتلف الثمرة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 169

المسألة 419:

إذا باع المالک الثمرة، فأصابتها احدی الآفات و تلفت قبل أن یقبضها المشتری من بائعها انفسخ البیع و رجعت الثمرة إلی بائعها و کان تلفها من ماله، و استرد المشتری ثمنها إذا کان قد دفعه للبائع، کما فصلنا القول فیه فی المسألة المائتین و السابعة و الثمانین و ما بعدها فی فصل التسلیم و القبض، و قد تقدم هناک بیان معنی القبض أیضا.
و کذلک الحکم إذا سرق الثمرة سارق أو نهبها قبل أن یقبضها المشتری، فینفسخ البیع و یرجع کل مال من العوضین الی مالکه الأول فیکون تلف الثمرة من مال بائعها.
و لا یعم هذا الحکم ما إذا أتلف البائع بنفسه الثمرة أو أتلفها شخص آخر یمکن للمشتری ان یرجع علیه و یأخذ بدل التالف منه، فان البیع لا ینفسخ فی هاتین الصورتین، و یرجع المشتری بمثل التالف أو قیمته علی البائع فی الصورة الأولی، و یرجع بهما علی الشخص المتلف للثمرة فی الصورة الثانیة، و قد فصلنا القول فی هذا فی المسألة المائتین و التاسعة و الثمانین فلیرجع إلیها من أراد.

المسألة 420:

إذا باع المالک الثمرة و قبضها المشتری، ثم اصابتها بعد ذلک احدی الآفات فتلفت، أو سرقها منه سارق أو نهبها، فهی من مال المشتری و لا شی‌ء له علی البائع.

المسألة 421:

یصح لمالک البستان أن یبیع ثمرته علی المناهج التی تقدم بیانها و یستثنی لنفسه أو لغیره ثمرة نخلة أو نخلات معینة و شجرة أو شجرات معینة، فلا تدخل فی المبیع، فإذا طرأت علی النخلات أو الشجرات التی استثناها أو علی بعضها آفة فأفسدت ثمرتها خاصة لم ینقص بسبب ذلک من الثمرة المبیعة شی‌ء فهی جمیعها لمشتریها، و کذلک الحکم فی العکس، فإذا أصابت ثمرة البستان آفة فأفسدت جمیعها بعد القبض أو أفسدت بعضها و لم یفسد من ثمرة النخلات أو الشجرات المستثنیات
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 170
شی‌ء فهی جمیعا لمالکها و لا نقص علیه بسبب فساد ثمرة البستان، و مثله الحکم إذا غصب الثمرة غاصب أو سرقها سارق فی کلا الفرضین.

المسألة 422:

یجوز لمالک النخیل و الشجر ان یبیع ثمرتها علی المناهج التی تقدم ذکرها و یستثنی لنفسه حصة مشاعة من الثمرة: الثلث منها أو الربع مثلا، و یجوز له أن یستثنی لنفسه مقدارا معینا من الوزن: منا أو منین من التمر أو من العنب علی سبیل الإشاعة، و یجوز له ان یستثنی لنفسه مقدارا معینا من الوزن کذلک، منا أو منین، بنحو الکلی فی المعین.
و الفارق بین الصورتین الأخیرتین هو قصد المتبایعین، فإذا قصدا أن للبائع حصة من الثمرة مقدارها منان شائعة فی مجموع الثمرة بحیث یکون کل جزء من الثمرة مشترکا بین البائع و المشتری، کان من الصورة الأولی، و إذا قصد أن للبائع منین مرددین بین مجموع الأمنان المعینة الموجودة من الثمرة کان من الصورة الثانیة.

المسألة 423:

إذا أصابت البستان احدی الآفات فأفسدت بعض ثمرته و بقی بعضها اختلف الأثر فی المسألة المتقدمة باختلاف فروضها، فان کان المستثنی للبائع حصة مشاعة من الثمرة وزع الباقی من الثمرة علی المشتری و البائع بحسب مالهما من الحصص فی الثمرة، و لم یحتج الی تخمین مقدار التالف منها، فإذا کانت حصة البائع من الثمرة هی الربع مثلا، وزع الباقی کذلک فکان الربع من الباقی للبائع و ثلاثة أرباعه للمشتری و إذا کانت الحصة المستثناة للبائع من الثمرة هی الثلث کان له الثلث من الباقی و الثلثان للمشتری، و هکذا.
و إذا کان ما استثناه البائع لنفسه من الثمرة مقدارا معینا من الوزن علی سبیل الإشاعة فی مجموع الثمرة، کان الطریق إلی معرفة النقص هو التخمین من أهل الخبرة، فإذا کان التالف فی نظر أهل الخبرة بسبب الآفة هو ربع الثمرة مثلا، سقط من المقدار المعین للبائع ربعه،
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 171
فإذا کان المقدار المعین له منین من التمر أو من العنب، سقط منه ربع المنین، و إذا کان التالف فی نظر أهل الخبرة هو ثلث الثمرة سقط من المنین ثلثهما و کان الباقی للمشتری.
و إذا کان المستثنی للبائع من الثمرة مقدارا معینا من الوزن بنحو الکلی فی المعین، فالأحوط المصالحة بین البائع و المشتری فی تحدید ما یصیبهما من الخسارة.

المسألة 424:

بیع الثمار و هی علی النخیل و الأشجار إذا اجتمعت شروطه و مناهجه المتقدمة کسائر البیوع و المبیعات الأخری، فیجوز بیعها بکل ما یصح أن یکون ثمنا لغیرها من الأشیاء، فتباع بالنقود و الأمتعة، و الحبوب و الحیوان و سائر الأعیان المملوکة و المنافع و الأعمال، و الحقوق القابلة للنقل و الانتقال و التی تعد أموالا فی نظر العقلاء کما فصلناه فی المسألة المائة و السابعة عشرة.
نعم، لا یجوز أن یباع التمر علی النخل بالتمر من النخل المبیع نفسه، و الظاهر عدم التحریم إذا کان الثمن من تمر غیره سواء کان فی الذمة أم فی الخارج، و الأحوط استحبابا ترکه، و لا یجوز بیع الثمر علی الشجر إذا کان الثمن من ثمر ذلک الشجر المبیع و لا یحرم إذا کان من غیره.

المسألة 425:

إذا اشتری الإنسان الثمرة و هی علی أصولها، مع أحد الوجوه المصححة لبیعها، جاز له أن یبیعها علی غیره، سواء کان قد قبضها من مالکها أم لم یقبضها بعد، و سواء کان الثمن الذی یرید ان یبیعها به بمقدار الثمن الذی اشتراها به أم أقل منه أم أکثر.

المسألة 426:

إذا بذر المالک الأرض و لم یظهر الزرع بعد، فلا یجوز له أن یبیعه قبل ظهوره، و تجوز له المصالحة علیه، و یجوز له أن یبیع الأرض و یبیع الزرع معها المبذور فیها بتبعها، سواء أراد بیعهما کذلک بثمن
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 172
واحد لهما معا، أم جعل لکل واحد منهما ثمنا غیر ثمن الآخر، و إذا ظهر الزرع، و بدت خضرته، جاز لمالکه أن یبیعه قصیلا، و جاز له أن یبیع جمیع الزرع: القدر الظاهر منه مع جذوره و أصوله الثابتة فی الأرض.

المسألة 427:

إذا ظهر الزرع فباعه مالکه قصیلا- و القصیل هو ما یقطع منه و هو أخضر لعلف الحیوان- فان کان قد بلغ أو ان قصله، أو لم یبلغ ذلک، و لکن المشتری قد اشترط علی بائعه ان یبقی قائما فی الأرض إلی أو ان قصله، أو کانت بین الزراع عادة متبعة أن یبقی الزرع المبیع قائما إلی أوان القصل، اتبع ذلک، و إذا اشترط البائع علی المشتری أن یقطعه قبل ذلک اتبع شرطه، فإذا قطعه المشتری کذلک فقد استوفی حقه، فإذا نما الزرع بعد ذلک فالناتج الجدید ملک للبائع و إذا سنبل فالسنبل ملک له و إذا بلغ أوان قصله فلم یقطعه المشتری کان للبائع إلزامه بالقطع، و یجوز له إبقاؤه و مطالبة المشتری بأجرة الأرض مدة بقائه فیها، و إذا أبقاه حتی سنبل الزرع أشکل الحکم فی السنبل، هل یکون ملکا للمشتری أو یکون ملکا للبائع أو مشترکا بینهما، و لا یترک الاحتیاط بالمصالحة.

المسألة 428:

إذا ظهر الزرع فباعه المالک مع أصوله الثابتة فی الأرض کان الزرع کله ملکا للمشتری، فیجوز له أن یقطعه قصیلا، و یجوز له أن یترکه حتی ینمو و یسنبل إذا أذن له البائع بإبقائه فی الأرض، أو کان المشتری قد اشترط علی البائع أن یبقی الزرع قائما فیها، و علی المشتری أجرة الأرض لمالکها مدة بقاء الزرع علیها، إلا إذا اشترط علیه أن یبقی الزرع قائما فی أرضه بدون أجرة حتی یسنبل، فیتبع شرطه، فإذا سنبل الزرع کان السنبل ملکا للمشتری.
و إذا قطع المشتری الزرع قصیلا، ثم نمت أصوله بعد القطع و سنبلت کان النمو المتجدد و السنبل ملکا للمشتری و علیه أجرة الأرض لمالکها علی الأحوط.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 173

المسألة 429:

لا یصح بیع السنبل قبل أن یظهر فی الزرع و ینعقد حبة، فإذا ظهر السنبل و انعقد الحب فیه جاز بیعه، فیصح للمالک حین ذاک ان یبیع السنبل وحده، و أن یبیعه مع أصوله، قائما علی الأرض أو محصودا، و یکتفی فی بیعه فی هذه الحالات بالمشاهدة، فلا یشترط فیه معرفة مقداره بالکیل أو الوزن، فإذا دیس و صفیت الغلة منه و أرید بیعها بعد ذلک فلا بد من الکیل أو الوزن.

المسألة 430:

لا یجوز بیع سنبل الحنطة بحنطة من نفس السنبل المبیع، و لا بیع سنبل الشعیر بشعیر من ذلک السنبل نفسه، لاتحاد الثمن و المثمن، و یسمی ذلک بالمحاقلة، و لا یحرم بیع سنبل الحنطة بحنطة أخری من غیر ذلک السنبل سواء کان الثمن حنطة فی الذمة أم فی الخارج، و کذلک سنبل الشعیر فلا یحرم بیعه بشعیر آخر.
و یجری الحکم المذکور فی جمیع الحبوب، فلا یصح بیع سنبل الأرز و الدخن و الذرة و الماش و العدس و غیرها بحب من نفس السنبل المبیع، و یجوز إذا کان الثمن حبا من جنسه من غیر السنبل المبیع.

المسألة 431:

لا یجری حکم الربا فی المعاملة فی البیع المذکور لأن السنبل غیر مکیل و لا موزون کما ذکرنا آنفا، فیجوز البیع و ان تفاوت العوضان فی المقدار.

المسألة 432:

لا یجوز بیع الخضر قبل ظهورها، سواء کانت الخضرة مما یلقط کالخیار و الباذنجان أم مما یقلع کالفجل و البصل، أم مما یجز کالکراث و النعناع و الریحان، و کذلک الحکم فی القت و شبهه مما یزرع لعلف الدواب، فإذا ظهرت الخضر جاز بیعها کما سنذکره ان شاء اللّٰه تعالی.

المسألة 433:

إذا ظهرت الخضرة جاز بیعها، فإذا کانت مما یلقط کالخیار
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 174
و الباذنجان و الطماطه و الیقطین و البطیخ، صح بیعها و هی فی شجرها:
لقطة واحدة، و لقطات معینة العدد، و یرجع فی تحدید اللقطة إلی عرف الزراع و عادتهم المتعارفة بینهم فی ذلک، فبعض الخضر یلقط یوما و یترک یوما، و بعضها یترک أکثر من ذلک، و بعض نتاج الخضرة لا یلقط فی المرة الأولی لصغره فیترک للمرة الثانیة، و قد لا یعدون ما تنتجه المزرعة فی باکورتها لقطة، لقلته، أو لعزته و غلاء ثمنه.

المسألة 434:

انما یصح بیع ما یلتقط من الخضرة- و هو فی شجرة کما ذکرنا- إذا کان النتاج مشاهدا، لترتفع بذلک الجهالة فی المبیع، فیشکل الحکم بصحة البیع إذا کان النتاج غیر مشاهد، و تکفی مشاهدة ما تمکن مشاهدته من النتاج من خلال ورق الشجر، بحیث یرتفع معظم الجهالة بذلک، و لا ینافی ذلک ان لا یشاهد بعضها الذی یستره الورق أو یکون بین المدر، و إذا باعه لقطتین أو أکثر فلا یضر فی صحة البیع ان ما عدا اللقطة الأولی منها غیر موجود حین البیع، لأنه مبیع بضمیمة اللقطة الأولی.

المسألة 435:

إذا کانت الخضرة المقصودة بالشراء مستورة فی الأرض غیر مشاهدة کالجزر و الشلجم و الثوم، أشکل الحکم بجواز بیعها حتی تقلع، و یصح الصلح علیها.

المسألة 436:

إذا کانت الخضرة مما تجز ثم تنمو کالکراث و الریحان و النعناع و الکرفس جاز بیعها بعد ظهورها جزة واحدة و جزات معینة العدد، و القول فی تحدید الحد و الجزات هو القول فی تحدید اللقطة و اللقطات، فیرجع فیه الی ما یتعارف بین أهل الزراعة، و تضم الجزات المتأخرة و ان کانت معدومة حین البیع إلی الجزة الموجودة فیصح بیعها معا کما تضم ثمرات السنین الآتیة إلی الثمرة الموجودة فی العام الحاضر فیصح بیعها.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 175
و یباع ما یتعارف بیع ورقه کالحناء بعد ظهور الورق فیه خرطة واحدة أو خرطات، و المرجع فی الخرطة أیضا هو المتعارف بین أهل ذلک العرف الخاص، و کذلک ورق التوت إذا تعارف بیعه کذلک لدود القز، فیباع خرطة و خرطات.

المسألة 437:

إذا کانت ثمرة النخیل مشترکة بین مالکین، جاز لأحد الشریکین أن یتقبل حصة شریکه الآخر من الثمرة، فیخرص مجموع ثمرة النخیل المشترکة بمقدار معلوم، و یتقبل حصة شریکه من ثمرة النخیل بمقدار حصته من مقدار الخرص، فیملک حصة شریکه بذلک، سواء زاد الخرص علی مقدار الحصة فی الواقع أم کان مساویا لها أم انقص منها.
و مثال ذلک أن یکون زید و عمرو مشترکین فی الثمرة علی وجه المناصفة بینهما، فیخرص زید مجموع الثمرة المشترکة بعشرین وزنة من التمر، و یتقبل حصة شریکه من الثمرة بعشر وزنات و هو نصف مجموع الثمرة بحسب الخرص، فتکون حصة عمرو من الثمرة ملکا لزید بسبب هذه المعاملة و یجب علیه ان یدفع لعمرو عشر وزنات من التمر سواء کان ذلک زائدا علی نصف الثمرة فی الواقع أم مساویا أم ناقصا عنها.
و لا فرق فی الحکم بین أن تکون الثمرة مشترکة بین شریکین فقط أو أکثر، و سواء تساوت حصص الشرکاء فی الثمرة أم تفاوتت، فإذا خرص الشریک مجموع الثمرة، و تقبل حصص شرکائه بمقدار حصصهم من الخرص ملک حصصهم، سواء تساوت أم تفاوتت، و علیه ان یؤدی لکل واحد منهم مقدار حصته من الخرص المعلوم.

المسألة 438:

یجوز أن یجعل المقدار الذی یتقبل به حصة الشریک کلیا ثابتا فی ذمته، و یجوز أن یجعله مقدارا من الثمرة نفسها، فإذا تلفت الثمرة بحدوث بعض الآفات فان کان ما تقبل به الحصة کلیا فی ذمته لم یسقط عنه ضمان حصة شریکه بتلف الثمرة فیجب علیه دفع المقدار الذی
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 176
تقبل الحصة به، و ان کان ما تقبل به الحصة مقدارا من الثمرة نفسها فلا ضمان علیه إذا تلفت الثمرة.

المسألة 439:

یجری الحکم المتقدم بیانه فی ثمر الشجر و فی الزرع أیضا إذا کان الثمر أو الزرع مشترکا بین الرجل و بین غیره، فیجوز له أن یتقبل حصة شریکه من ثمر الشجر و من نتاج الزرع، سواء کان الشریک واحدا أم أکثر، و سواء تساوت حصص الشرکاء أم تفاوتت، علی النهج الذی تقدم ذکره فی تقبل ثمرة النخیل من غیر فرق بینها فی الآثار و الأحکام.

المسألة 440:

الظاهر أن تقبل حصة الشریک من الثمرة و من الزرع معاملة مستقلة بنفسها و لیست بیعا و لا صلحا، و یصح إیقاعها بلفظ الصلح و بکل لفظ یکون ظاهرا فی المعنی المقصود و دالا علیه فی متفاهم الناس العقلاء و لیس لها صیغة خاصة.

المسألة 441:

یجوز للإنسان إذا مر بنخل أو شجر مثمر أن یأکل من الثمر بمقدار شبعه، سواء کانت به ضرورة عرفیة إلی الأکل منه أم لم تکن، فله أن یأکل مما علی النخل أو الشجر من الثمرة أو مما تساقط منه، بشرط أن لا یحمل من الثمرة شیئا، و أن لا یفسد للثمر أو للأغصان أو للأرض أو لشی‌ء من ممتلکات صاحب المال، و الظاهر انه یجوز له الأکل منها و ان کان قاصدا من أول الأمر أن یأکل من ثمرة النخل أو الشجر إذا مر به، و إذا حمل معه شیئا من الثمرة، حرم علیه ما حمل منها و لم یحرم علیه ما أکل.

المسألة 442:

الأحوط لزوما اختصاص هذا الحکم بثمرة النخل و الشجر، فلا یتعدی الی الزرع و الخضر.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 177

المسألة 443:

الأحوط لزوما عدم شمول الحکم للشجر النادر و النخل الذی یعتز مالکه بثمرته فلا یجوز التناول منه إذا مر الإنسان به بل المنع منه هو الأقوی.

المسألة 444:

إذا کان للرجل الی مقصده طریقان فاختار المرور من أحدهما لأنه یمر بالنخل أو بالشجر فیأکل من ثمره، أشکل الحکم بالجواز، و کذلک إذا مر الرجل بالنخل أو الشجر و لم تکن له غایة و لا مقصد من سلوک الطریق إلا الأکل من الثمرة، و کذلک إذا کان للبستان سیاج من جدار أو حضار أو شرک یحیط به، أو علم بکراهة المالک للأکل من ثمره، فالأحوط المنع فی جمیع هذه الفروض.

المسألة 445:

إذا کانت للإنسان نخلة فی دار غیره أو فی بستانه بحیث یشق علی صاحب الدار أو البستان دخول مالک النخلة إلیها، یصح لمالک النخلة أن یبیع ثمرتها علی صاحب الدار أو البستان بمقدار خرصها تمرا من غیرها أو من تمرها أو کلیا فی ذمة المشتری، و یسمی هذا بیع العریة، و هو مستثنی من حرمة بیع ثمرة النخیل بتمر من النخیل نفسه و قد تقدم ذکره فی المسألة الأربعمائة و الرابعة و العشرین و یسمی بیع المزابنة.

الفصل الخامس عشر فی بیع الحیوان

المسألة 446:

یجوز أن یسترق الکافر الأصلی إذا لم یعتصم بدخوله فی ذمة الإسلام أو بدخوله فی معاهدة بینه و بین المسلمین، سواء کان فی دار الکفر أم فی دار الإسلام، و سواء کان صغیرا أم کبیرا، و ذکرا أم أنثی، و سواء حصل الاستیلاء علیه بالحرب و الاغتنام أم بغیر ذلک من أسالیب القهر و الغلبة، و لو بالسرقة و نحوها، و إذا وقع الرق علیه سری فی أعقابه
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 178
و ان أسلم بعد الاسترقاق و أسلمت أعقابه، و یرتفع الرق عنه بالعتق إذا حصل أحد أسبابه التی وضعها الإسلام.

المسألة 447:

إذا قهر الکافر الحربی کافرا حربیا آخر فباعه علی مسلم، و کان هذا البیع صحیحا فی دین ذلک الکافر ألزم بما ألزمه به دینه، و ملکه المسلم بذلک، و کان ذلک بیعا، و ترتبت علیه أحکام البیع، سواء کان الکافر المستولی علیه أجنبیا عن الکافر البائع أم قریبا له، و ان کان أباه أو أخاه أو ولده أو أمه أو زوجته أو ممن ینعتق علیه فی دین الإسلام، و إذا لم یکن البیع صحیحا فی دینهم لم تجر علیه أحکام البیع، و لکن المسلم یتملکه بالاستنقاذ، و کذلک الحکم إذا قهره فباعه علی کافر آخر ثم باعه الکافر علی المسلم، فیجری فیه ما ذکرناه فی المسألة.

المسألة 448:

لا یجوز أن یسترق المرتد الفطری و لا المرتد الملی، سواء کان ذکرا أم أنثی، و لا یجوز أن یسترق الکافر الأصلی إذا کان ذمیا أو معاهدا فی الإسلام، و ولد المرتد الذمی و المعاهد بحکم آبائهم.

المسألة 449:

إذا ملک الإنسان مملوکا بأحد الأسباب التی توجب تملکه و کان ممن یستقر ملکه إیاه، جاز له بیعه علی غیره و نقله الی ملکه بأحد المملکات الشرعیة الاختیاریة کالصلح و الهبة و جعله عوض إجارة أو جعالة أو صداق زوجة أو غیر ذلک من المملکات، و جاز له بیع بعضه أو نقل بعضه الی ملک غیره بأحد المملکات.

المسألة 450:

یصح للرجل أن یتملک ای مملوک أراد من الناس إذا حصل له أحد الأسباب التی توجب ملکه، و یثبت بذلک ملکه إیاه، و یستثنی من ذلک عدة أشخاص، لا یصح للرجل أن یتملکهم، و لا یستقر علیهم ملکه إذا ملکهم، و هم: (1) الأب و (2) الأم، و (3) الجد، و هو أبو الأب و أبو الأم، و ان کان أبا لأحدهما بواسطة واحدة أو أکثر، و (4)
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 179
الجدة، و هی أم الأب و أم الأم، و ان کانت أما لأحدهما بواسطة واحدة أو أکثر، و (5) الولد سواء کان ذکرا أم أنثی، و کذلک ولد الولد سواء کان بواسطة واحدة أم أکثر، و (6) الأخت، سواء کانت للأبوین أم لأحدهما، و (7) العمة و ان علت، و (8) الخالة و ان علت، علی ما سیأتی بیانه فیها و فی العمة، و (9) بنت الأخ، و ان کانت بنت ابنه أو بنت بنته، بواسطة واحدة أو أکثر، و (10) بنت الأخت و ان کانت بواسطة واحدة أو أکثر کما فی بنت الأخ، سواء کانت صلة الرجل بهم من النسب أم من الرضاع.

المسألة 451:

العمة هی أخت رجل أولد الإنسان، کأخت أبیه، و أخت أحد أجداده من قبل أبیه، و ان کان جدا له بواسطة أو أکثر، و أخت أحد أجداده من قبل أمه و ان کان جدا بواسطة أو أکثر، سواء کانت أخت الرجل الوالد للأبوین أم لأحدهما فی الجمیع.
و الخالة هی أخت امرأة أولدت الإنسان، کأخت أمه، و أخت إحدی جداته من قبل أبیه و لو بواسطة أو أکثر، و أخت إحدی جداته من قبل أمه و ان کانت بواسطة واحدة أو أکثر، سواء کانت أخت المرأة الوالدة للأبوین أم لأحدهما فی جمیع من ذکر.

المسألة 452:

إذا اشتری الرجل أحد هؤلاء المذکورین أو ملکه بسبب آخر، اختیاری کالهبة و الصلح و غیرهما أو غیر اختیاری، کالإرث انعتق المملوک قهرا، و هذا هو المراد من عدم تملک الرجل لهم.

المسألة 453:

یصح للمرأة أن تتملک ای مملوک أرادت إذا حصل لها أحد الأسباب المملکة، و ثبت ملکها إیاه عدا (1) الأب (2) الأم (3) الجد (4) الجدة (5) الولد علی النهج الذی سبق بیانه فیهم جمیعا فی الرجل سواء کانت صلة المرأة بهم من النسب أم من الرضاع.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 180

المسألة 454:

إذا ملک الرجل زوجته أو ملکت المرأة زوجها بعد التزویج بطل النکاح بینهما، و استقر ملک المالک منهما لصاحبه فلم ینعتق المملوک، و کذلک الحکم إذا ملک أحدهما بعض الآخر، کما إذا اشتری الرجل نصف زوجته أو ربعها من مالکها أو اشترت المرأة نصف زوجها أو ربعه من مالکه، فینفسخ نکاحهما و یستقر ملک البعض.

المسألة 455:

یکره للرجل أن یتملک غیر من تقدم ذکرهم من أقاربه و أرحامه کأخیه و عمه و خاله و أولادهم و لو بالواسطة ذکورا و إناثا و ان کن ممن یحل له التزویج بهن.

المسألة 456:

لا یملک الکافر عبدا مسلما بشراء و لا بغیره من الأسباب الاختیاریة للملک، و إذا کان للکافر عبد کافر، فأسلم العبد أجبر الکافر علی بیع العبد من مسلم، و دفع الیه ثمنه، و إذا ملک المسلم عبدا مسلما بمیراث أو غیره، فارتد المولی اجبر علی بیع العبد من مسلم، إذا کان المرتد ملیا، و انتقل الی الوارث المسلم فی ما ینتقل الیه من الأموال إذا کان المرتد فطریا.

المسألة 457:

إذا أقر الشخص علی نفسه بأنه عبد مملوک، و کان المقر بالغا عاقلا مختارا غیر مکره و لا مضطر اضطرارا یوجب سلب اختیاره، نفذ إقراره علی نفسه و حکم علیه بالعبودیة، الا ان یعلم أو یطمئن بکذبه فلا یؤبه بقوله، و إذا حکم بعبودیته بسبب إقراره فلا یلتفت الی رجوعه عن إقراره بعد ذلک الا ان یذکر لإقراره الأول تأویلا محتملا فی حقه.

المسألة 458:

إذا اشتری الإنسان عبدا أو کانت لأحد علیه ید تقتضی انه مملوک له، فادعی أنه حر لم یسمع قوله حتی یقیم بینة شرعیة علی ما یقول.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 181

المسألة 459:

إذا وطأ المالک جاریته المملوکة له ثم أراد بیعها، وجب علیه أن یستبرئها قبل البیع، فیدعها الی ان تحیض بعد وطئه إیاها حیضة واحدة، فإذا طهرت من حیضها باعها إذا شاء، و إذا کانت لا تحیض و هی لم تبلغ سن الیأس من الحیض استبرأها بمضی خمسة و أربعین یوما بعد وطئه إیاها ثم باعها.

المسألة 460:

إذا باع المالک جاریته بعد ما وطأها و لم یستبرئها صح بیعه إیاها، و وجب علی مالکها الجدید أن یستبرئها بحیضة أو بمضی خمسة و أربعین یوما من وطء مالکها الأول إیاها، و لا یحل للمالک الجدید أن یطأها أو یحلل وطأها لأحد قبل الاستبراء، و إذا لم یعلم المالک الجدید أن بائعها استبرأها بعد الوطء و قبل البیع أم لا، وجب علیه الاحتیاط فلا یجوز له وطؤها أو تحلیل وطئها لأحد قبل الاستبراء.

المسألة 461:

إذا علم المشتری ان مالک الأمة لم یطأها، أو علم بأنه قد استبرأها قبل ان یبیعها جاز له وطؤها و تحلیلها لغیره و لم یجب علیه استبراؤها.

المسألة 462:

إذا أخبره مالکها الأول بأنه قد استبرأ الأمة بعد الوطء، و قبل البیع، أو أخبره بأنه لم یطأ الجاریة و کان أمینا صدقه المشتری و لم یجب علیه الاستبراء.

المسألة 463:

لا یجب علی المرأة إذا أرادت أن تبیع أمتها أن تستبرئها قبل البیع إلا إذا کانت موطوءة وطئا محترما، کما إذا حللتها المرأة المالکة لأحد، فوطأها بالتحلیل، فتجب علیها العدة من هذا النکاح، و لا یجب علی المشتری أن یستبرئ الأمة إذا اشتراها من امرأة إلا فی هذه الصورة إذا لم تستبرئها المالکة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 182

المسألة 464:

لا یجب الاستبراء فی الأمة إذا کانت یائسا من المحیض، و لا یجب الاستبراء فی الأمة إذا کانت حائضا فی حین البیع، و یحرم علی المشتری وطؤها فی حال الحیض، فیکون وطء هذه الجاریة محرما من جهة الحیض و محرما من حیث الاستبراء، و لا یجب الاستبراء فی الأمة إذا کانت صغیرة غیر بالغة، و ان لم یجز للمشتری و لا لغیره وطء الصغیرة قبل بلوغ التسع.

المسألة 465:

إذا کانت الجاریة حاملا لم یجب علی المالک ان یستبرئها قبل البیع، و لا یجوز للمشتری أن یطأها قبلا حتی تمضی للحمل أربعة أشهر و عشرة أیام من أول حمله، و یکره بعد ذلک، بل الأحوط له ترک جماعها حتی تضع حملها.
و هذا الحکم شامل لکل من انتقلت الی ملکه أمة و هی حامل، سواء انتقلت الیه بصلح أم بهبة أم بإرث أم بغیر ذلک من وجوه التملک.

المسألة 466:

إذا وطأ المشتری الجاریة التی اشتراها و قد استبان حملها عزل عنها عند جماعها، فان هو لم یعزل، فالأحوط له لزوما عدم جواز بیع الولد، بل یجب عتقه و ان یجعل له من ماله شیئا یعیش به.

المسألة 467:

لا یختص وجوب الاستبراء للأمة بالبائع و المشتری، بل یعم کل مالک للأمة إذا وطأها هو أو وطأها أحد بتحلیله، و أراد المالک نقلها الی ملک غیره بصلح أو هبة أو أی سبب آخر من أسباب التملیک، فیجب علیه استبراء الأمة قبل ذلک. و یعم کل من انتقلت إلیه الأمة بالملک، و قد وطئت قبل ذلک حتی إذا انتقلت إلیه بالإرث أو بالاسترقاق، فیجب علیه استبراؤها إذا هی لم تستبرأ بعد وطئها.

المسألة 468:

إذا اشتری الرجل أمة و وطأها حیث یحل له وطؤها ظاهرا، ثم علم
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 183
بعد ذلک أن مالکها غیر من باعها، وجب علی المشتری اجتنابها، و کان للمالک أن ینتزعها منه، و للمالک علی المشتری بسبب وطئها عشر قیمتها إذا کانت بکرا و نصف عشر القیمة إذا کانت ثیبا، سواء وطأها مرة واحدة أم أکثر، و إذا حملت الأمة من المشتری کان للمالک علیه قیمة الولد یوم یولد حیا، و إذا کان المشتری جاهلا بالحال رجع علی البائع بجمیع ما یأخذه المالک منه من الغرامة.

المسألة 469:

الأقوی ان العبد یملک ما ملکه مولاه إیاه من الأموال و المنافع و غیرها، و یملک ما یملکه غیر مولاه من الأشیاء إذا أذن له مولاه بذلک، و یملک ما یشتریه لنفسه و ما یربحه فی تجارته أو معاملته، و یملک مال إجارته لنفسه أو لداره أو لشی‌ء من ممتلکاته إذا أذن له مولاه بذلک، و یملک ما یحوزه لنفسه من المباحات، و یملک- علی وجه الاجمال- کلما یستفیده من الفوائد و الأموال من أنواع التکسب المحللة فی الشریعة إذا أذن له مولاه بذلک.
و لکن العبد محجور عن التصرف فی أمواله و فی ما یملک، فلا ینفذ تصرفه فیها إلا بإذن مولاه، و یکفی فی صحة تملکه و فی صحة تصرفه فی أمواله، بل و فی عامة شؤونه الأخری أن یأذن له مولاه بذلک إذنا عاما شاملا لجمیع ذلک، فإذا قال له قد أذنت لک فی جمیع أنواع التکسب المحللة فی الإسلام، و ان تتملک ما تربحه و تستفیده من أموال، و أن تتصرف فیها و فی جمیع شؤونک کما یتصرف الأحرار فی أموالهم و شؤونهم، کفاه ذلک، بل یکفیه ان یقول له أنت مأذون فی مطلق الاکتساب و التملک و التصرف فی أموالک.

المسألة 470:

لا یحل للرجل أن یطأ الأمة المشترکة بینه و بین غیره، سواء کان شریکه فیها واحدا أم أکثر، و إذا وطأها کذلک کان زانیا، و لزمه الحد بمقدار نصیب الشریک فیها، فإذا کان الشریک یملک النصف منها أقیم علی الواطئ نصف الحد، و إذا کان یملک ثلاثة أرباعها أقیم علی الواطئ ثلاثة أرباع الحد، و هکذا.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 184
و إذا حملت الجاریة من وطئه إیاها، قومت علیه الجاریة، و وجب علیه أن یدفع لکل شریک حصته من قیمتها، و انعقد الولد حرا، و علی الواطئ أن یدفع لکل شریک حصته من قیمة الولد یوم ولادته حیا، بل من المحتمل أن تقوم الجاریة علی الواطئ بمجرد وطئه إیاها إذا احتمل انها تحمل منه، و ان لم یستبن الحمل فیها بعد.

المسألة 471:

لا یقام علی الواطئ الحد فی المسألة المتقدمة إذا کان وطؤه للجاریة بشبهة باعتقاد أنها محللة له شرعا، و لا یسقط تقویم الجاریة علیه، و لا تقویم الولد بسبب ذلک.

المسألة 472:

الأحوط لزوما ان لا یفرق بین الأم و ولدها أو بنتها حتی یستغنی الولد أو البنت عن أمهما، و لعل الحکم لا یختص بالبائع و المشتری، بل یعم الواهب و المصالح و المستأجر و غیرهم ممن ینقل ملک الأمة أو الولد فیکون سببا فی التفرقة بینهما، و یجوز ذلک فی الحیوان، إلا إذا کانت تفرقة الطفل عن أمه توجب موت الطفل فیحرم ذلک لأنه إتلاف للمال المحترم.

المسألة 473:

یجوز للرجل أن یشتری بعض الحیوان مشاعا: نصفه مثلا أو ثلثه، فإذا کانت المنفعة المقصودة من الحیوان هی رکوبه و الحمل علیه و ادارة الرحی و الناعور و شبه ذلک، کالفرس و البغل و الحمار، ملک المشتری نصف منفعته أو ثلثها، و إذا استؤجر الحیوان لبعض المنافع کان له نصف الأجرة أو ثلثها، و إذا بیع کان له نصف الثمن أو ثلثه.
و إذا کان المقصود من الحیوان أکل لحمه أو بیعه ملک المشتری نصف اللحم أو ثلثه إذا ذبح الحیوان، و إذا بیع لحمه بعد الذبح أو قبله کان له نصف الثمن أو ثلثه. و کل هذا واضح غیر خفی.

المسألة 474:

لا یجوز بیع جزء معین من الحیوان کالرأس أو الفخذین أو القوائم
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 185
أو نصفه الذی فیه الرأس أو الذی فیه الذنب، إذا کان الحیوان مما یراد اقتناؤه للرکوب أو الحمل علیه و نحو ذلک، فیکون بیع الجزء المعین کذلک باطلا.
نعم قد یصح بیع جلد الحیوان و ان کان محرم الأکل إذا کان قابلا للتذکیة، فیشتری المشتری جلده قبل ان یذبح لینتفع بالجلد إذا ذبح، و إذا مرضت الفرس أو البغل أو الحمار حتی وقذها المرض و أراد المشتری ان ینتفع بجلدها لبعض الغایات فیشتریه من المالک و یذکی المالک الحیوان قبل الموت و یدفع له الجلد.
و یجوز بیع الجزء المعین من الحیوان الذی یقصد منه أکل لحمه، فإذا ذبح الحیوان أخذ المشتری الجزء الذی اشتراه لأکله أو لبیعه.

المسألة 475:

إذا اشتری الرجل الجزء المعین من الحیوان الذی یقصد منه أکل لحمه کرأس الحیوان و جلده أو بعض أجزائه المعینة الأخری، ثم بیع الحیوان و لم یذبح، کان المشتری شریکا فی الحیوان بنسبة الجزء الذی اشتراه الی مجموع الحیوان.
فیقوم الحیوان کله، و یقوم الجزء المعین الذی اشتراه المشتری، و تنسب قیمة الجزء المعین، إلی قیمة المجموع فإذا کانت قیمة الجزء تساوی ربع قیمة المجموع مثلا، فللمشتری ربع الثمن الذی یباع به الحیوان، و إذا کانت تساوی الخمس أو العشر کان للمشتری من الثمن بتلک النسبة.
فإذا کانت قیمة مجموع الحیوان عشرین دینارا و کانت قیمة الرأس و الجلد دینارین و هی عشر العشرین، فللمشتری عشر الثمن الذی یباع به الحیوان.
و کذلک الحکم إذا باع المالک الحیوان المأکول اللحم و استثنی لنفسه من الحیوان رأسه و جلده، فإذا ذبح الحیوان اختص البائع بالجزء المعین الذی استثناه لنفسه، و إذا بیع الحیوان و لم یذبح کان البائع شریکا
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 186
فیه بنسبة قیمة الجزء الذی استثناه لنفسه إلی قیمة مجموع الحیوان علی النهج الذی تقدم بیانه.

المسألة 476:

إذا اشترک شخصان أو أکثر فاشتروا حیوانا مأکول اللحم بثمن معین دفعه جمیعهم، و اشترط أحدهم علی الآخرین: أن یکون له الرأس و الجلد من الحیوان، أو أن یکون له جزء معین منه غیر ذلک، فإذا بیع الحیوان و لم یذبح، فالظاهر أن شرکة الرجل الذی اشترط أن یکون له الرأس و الجلد بنسبة ماله الذی دفعه فی الثمن الذی اشتروا به الحیوان، لا بنسبة الرأس و الجلد.
فإذا کان ثمن الحیوان الذی اشتروه به أولا عشرین دینارا، و کان الرجل الذی شرط لنفسه الرأس و الجلد، قد دفع منها أربعة دنانیر، و هی خمس العشرین دینارا، کان شریکا فی الثمن الجدید الذی یباع به الحیوان، بنسبة ماله الی الثمن الأول و هی الخمس کما ذکرنا، لا بنسبة قیمة الرأس و الجلد إلی قیمة الحیوان کما فی المسألة السابقة، و الفارق هو النص. و کذلک الحکم إذا اشتری رجل الحیوان بعشرین دینارا مثلا، ثم شرک معه فی الشراء رجلا آخر فی الرأس و الجلد بأربعة دنانیر، فإذا أرادا بیع الحیوان کان الرجل شریکا فی الثمن الجدید بنسبة ماله فی الثمن الأول لا بنسبة الرأس و الجلد.

المسألة 477:

إذا قال زید لعمرو اشتر حیوانا: شاة مثلا أو بقرة، بشرکتی معک، أو قال له و شرکنی معک فیه، فظاهر الأمر انه قد وکله علی شراء الحیوان المشترک بینهما، فیصح له أن یتولی الشراء لنفسه و للموکل و ان یتم المعاملة علیه، و ظاهر الإطلاق فی قوله بشرکتی معک أو قوله و شرکنی معک فیه ان کل جزء من اجزاء الحیوان الذی یشتریه یکون مشترکا بینهما، و ان کل جزء من أجزاء الثمن فهو علیهما، و لازم ذلک المناصفة بینهما فی الحیوان و فی ثمنه، فلکل واحد منهما من الحیوان مثل ما للآخر و علی کل واحد منهما من الثمن مثل ما علی الآخر، الا ان تقوم قرینة خاصة علی ان المراد شرکتهما علی وجه آخر.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 187
و مثال ذلک ان یعلم ان المقصود من شراء البقرة لهما هو الوفاء بحاجة الطرفین من اللبن و السمن و یعلم ان ما یحتاج الیه زید مثلا من ذلک ضعف ما یحتاج الیه عمرو لکبر بیته و کثرة عیاله و ضیوفه و قلة ذلک عند عمرو، و أن حاجة زید بسبب ذلک الی ثلثی البقرة، و حاجة عمرو الی ثلثها، فإذا دلت القرینة علی ذلک أو علی غیره عمل علیها.
و کذلک إذا قال له اشتر سیارة أو مبردة ماء مثلا، أو شیئا آخر بشرکتی، فیجری الحکم المتقدم و تتقرر دلالة الإطلاق علی المناصفة بینهما علی نهج ما سبق الا ان تقوم قرینة علی تعیین غیر ذلک.

المسألة 478:

إطلاق التوکیل فی المسألة المتقدمة انما یقتضی أن یتولی عمرو شراء الحیوان أو الشی‌ء الآخر لنفسه و لموکله زید بنحو الاشتراک و لا دلالة فیه علی توکیله علی تسلیم حصة الموکل من الثمن للبائع، فلا بد من مراجعة الموکل فی ذلک، و إذا دفع عمرو حصة موکله زید من الثمن کان متبرعا و لا حق له بالرجوع بها علیه، الا ان تدل القرینة علی توکیله فی الدفع أیضا، و مثال ذلک ان یعزم عمرو علی السفر الی بلد آخر فیطلب زید منه أن یشتری الحیوان أو الشی‌ء الآخر من ذلک البلد بشرکته معه و لا یدفع الیه مقدار حصته من الثمن و لا یمکن التأجیل فیه، فیکون التوکیل فی الشراء توکیلا فی دفع الثمن أیضا، فإذا دفعه الوکیل فی هذه الصورة کان له حق الرجوع علی الموکل بما دفع.

الفصل السادس عشر فی الإقالة

المسألة 479:

یستحب للرجل المسلم أن یقیل من طلب الإقالة منه بعد وقوع المعاملة بینهما، سواء کان المستقیل هو البائع أم المشتری، و سواء کان المستقیل نادما أم غیر نادم، و لکن بدا له ان یرد البیع و ان کانت اقالة النادم آکد استحبابا، ففی الخبر عنه (ع): أیما مسلم أقال مسلما ندامة فی البیع اقاله اللّٰه عثرته یوم القیامة. و عن أبی عبد اللّٰه (ع): أربعة
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 188
ینظر اللّٰه إلیهم یوم القیامة: من أقال نادما، أو أغاث لهفان أو أعتق نسمة أو زوج عزبا.

المسألة 480:

الإقالة هی أن یفسخ المتعاقدان العقد بعد وقوعه بینهما، و لا یشترط فیها أن یتقدم طلب للإقالة من أحدهما، فإذا قال احد المتعاقدین: البائع أو المشتری من غیر سبق طلب من صاحبه فسخت العقد بیننا فقال صاحبه قبلت أو قال: فسخت، کفی ذلک فی تحقق الإقالة، و یکفی فی تحققها أیضا ان یقول المتعاقدان معا: تفاسخنا، أو یقولا تقایلنا، أو یطلب احد المتعاقدین من صاحبه أن یقیله فیقول له صاحبه: أقلتک، أو یقول فسخت أو یقولا معا تفاسخنا.

المسألة 481:

لا یعتبر فی إنشاء الإقالة لفظ مخصوص، بل تقع بأی لفظ یدل علی المعنی المقصود و ان کان بلغة أخری غیر العربیة، و تقع بالفعل أیضا، فإذا رد البائع الثمن علی المشتری بقصد فسخ المعاملة بینهما ورد المشتری علیه المبیع کذلک فقد تحققت الإقالة. و إذا طلب احد المتعاملین من صاحبه الإقالة فرد علیه صاحبه ما فی یده بقصد الفسخ تحققت الإقالة، و لزم الآخر أن یرد علی الفاسخ الأول ما فی یده أیضا.

المسألة 482:

یصح وقوع الإقالة فی جمیع العقود اللازمة، ما عدا عقد النکاح فلا یصح وقوع الإقالة فیه، من غیر فرق بین النکاح الدائم و المنقطع، و فی جریان الإقالة فی عقد الضمان، و الهبة اللازمة، و الصدقة إشکال.

المسألة 483:

لا تصح الإقالة و الفسخ فی الإقالة نفسها بعد وقوعها، فإذا أراد المتعاقدان إمضاء العقد بعد الإقالة منه فلا بد من تجدیده مرة أخری.
________________________________________
بصری بحرانی، زین الدین، محمد امین، کلمة التقوی، 7 جلد، سید جواد وداعی، قم - ایران، سوم، 1413 ه ق

کلمة التقوی؛ ج‌4، ص: 188

المسألة 484:

إذا مات البائع أشکل الحکم فی ان یقوم وارثه مقامه فی صحة إقالة المشتری من البیع الواقع بینه و بین البائع، و إذا مات المشتری أشکل
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 189
الحکم کذلک فی قیام وارثه مقامه فی الإقالة، فلا یترک الاحتیاط فی کلا الفرضین، و أشد من ذلک اشکالا ما إذا مات المتعاقدان معا، و أراد ورثتهما الإقالة من العقد.

المسألة 485:

إذا مات أحد المتعاقدین جاز لوارثه أن یطلب الإقالة من الطرف الآخر و هو احد المتعاقدین فی الأصل، فإذا أقال الوارث صح علی الظاهر.

المسألة 486:

لا تجوز الإقالة بزیادة علی الثمن أو بنقصان منه، فیقیل المشتری البائع من العقد بشرط أن یزیده علی الثمن الذی دفعه الیه مقدارا، أو یقیل البائع المشتری من العقد بشرط أن ینقص له من الثمن مقدارا.
و لا تجوز الإقالة بزیادة فی المبیع أو بنقصان منه فیقیل البائع المشتری بشرط ان یدفع له مع المبیع شیئا غیره من جنسه أو من غیر جنسه، أو یقیل المشتری البائع بشرط ان ینقص له من المبیع شیئا فتبطل الإقالة فی جمیع هذه الفروض و یبقی العقد علی حاله و یبقی الثمن المسمی ملکا للبائع و المبیع المعین ملکا للمشتری.

المسألة 487:

إذا قال البائع للمشتری أو قال المشتری للبائع: أقلنی من البیع و لک فی ذمتی خمسة دنانیر مثلا، أو و لک هذه السلعة المعینة، فأقاله صاحبه علی ذلک، فللصحة وجه، و لا یترک الاحتیاط باجتناب ذلک أو الرجوع الی المصالحة، و کذلک إذا استقالة صاحبه، فقال له أقلتک بشرط ان تعطینی هذه السلعة أو بشرط أن تقوم لی بهذا العمل.

المسألة 488:

یصح للبائع و المشتری أن یتقایلا فی جمیع ما وقع علیه العقد من الثمن و المثمن، فإذا انفسخ العقد بینهما رجع کل عوض منهما الی مالکه الأول، و لم یرجع معه نماؤه إذا کان قد تجدد للعوض نماء بعد العقد و قبل الإقالة، بل یبقی نماء المبیع ملکا للمشتری و یبقی نماء الثمن ملکا للبائع کما تقدم فی نظائره فی الفصول السابقة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 190
و یصح لهما أن یتقایلا فی بعض ما وقع علیه العقد، فینفسخ البیع فی خصوص ما تقایلا فیه و فی قسطه من الثمن و یصح فی الباقی.

المسألة 489:

إذا تعدد البائع فی العقد الواحد، أو تعدد المشتری، أو تعددا معا صح ان تقع الإقالة من بعضهم دون بعض فی مقدار حصته مع الجمیع أو مع البعض، و لا یشترط فی صحة الإقالة من البعض ان یرضی بها الآخرون.

المسألة 490:

تصح الإقالة فی البیع و ان تلف أحد العوضین أو تلف کلاهما قبل وقوع الإقالة، فلا یکون التلف مانعا من صحتها، فإذا تقایل الطرفان و انفسخ العقد رجع المبیع الی ملک البائع و رجع الثمن الی ملک المشتری، فان کانت عین المال موجودة أخذها صاحبها، و ان کانت تالفة رجع صاحبها علی الآخر بمثلها إذا کانت العین مثلیة و رجع علیه بقیمتها یوم التلف إذا کانت قیمیة.
و کذلک الحکم إذا تلف بعض العین و بقی بعضها، فیرجع صاحبها بعد الإقالة علی الآخر بمثل ذلک البعض التالف إذا کان مثلیا و بقیمته یوم تلفه إذا کان قیمیا.

المسألة 491:

لا یمنع من وقوع الإقالة أن یخرج أحد العوضین الی ملک شخص آخر بهبة أو بیع أو صلح أو غیر ذلک، و یکون حکمه حکم التلف، فإذا وقعت الإقالة، و قد باع المشتری المبیع علی غیره رجع البائع الأول علیه بمثله أو بقیمته، و کذلک إذا وقعت الإقالة و قد نقل البائع الثمن الی ملک غیره بهبة أو صلح أو بیع، فیرجع المشتری علیه بمثل الثمن أو قیمته.

المسألة 492:

إذا وقعت الإقالة فوجد البائع فی عین المبیع عیبا حدث بها و هی فی ید المشتری رجع علی المشتری بالعین و بأرش العیب الذی وجده فیها،
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 191
و کذلک إذا کان الثمن عینا شخصیة و بعد الإقالة وجد المشتری فی عین الثمن عیبا حدث فیها و هی فی ید البائع فیرجع علی البائع بالعین و أرش العیب.
و الحمد للّٰه رب العالمین
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 193

کتاب الصلح

اشارة

کلمة التقوی، ج‌4، ص: 195
کتاب الصلح

المسألة الأولی:

الصلح هو التوافق و التسالم بین طرفین أو أکثر علی إیجاد أمر بینهما، کتملیک عین من أحد الطرفین للطرف الآخر بعوض أو بغیر عوض، أو تملیک منفعة کذلک أو نقل حق، أو إسقاط حق ثابت أو محتمل الثبوت، أو إبراء من دین ثابت أو محتمل الثبوت، و نحو ذلک.
و قد عرفه جماعة بأنه عقد شرع للتراضی و التسالم بین شخصین علی أمر، و الأول بیان للنتیجة التی تقع بین المتصالحین، و الثانی بیان للسبب الذی یؤدی الی حصول النتیجة.

المسألة الثانیة:

الصلح جائز بین المسلمین، الا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا، کما ورد عن الرسول (ص) و المراد انه ثابت و نافذ الأثر بین المسلمین الا ما استثناه (ص).
و لا یشترط فی صحة الصلح أن یسبق بین المتصالحین نزاع و خصومة أو أن یکون المورد قابلا لحدوث نزاع و خصومة، بل یصح أن یقع ابتداء، فیتسالم شخصان علی أن یملک أحدهما صاحبه شیئا معینا بعوض معلوم أو بغیر عوض، أو یملکه منفعة داره أو دابته مدة معلومة بعوض معلوم أو بغیر عوض.

المسألة الثالثة:

لا یختص الصلح بأن یقع بین شخصین أو بین طرفین فقط، بل یصح وقوعه بین أکثر من ذلک و مثال ذلک أن یتنازع زید و عمرو و بکر فی أرض مثلا فیدعی کل واحد من الثلاثة ان جمیع الأرض المتنازع فیها ملک له خاصة، فیصح لهم أن یتصالحوا بینهم، فیملکوا کل واحد منهم
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 196
قسما من الأرض بعوض أو بغیر عوض، و یصح لهم أن یملکوا الأرض کلها واحدا منهم بعوض یدفعه للآخرین.
و یصح أن یقع الصلح بین فریقین، فإذا تنازع ورثة زید و ورثة عمرو فی الدار بعد موت المورثین، فادعی کل واحد من الفریقین ان جمیع الدار ملک لمورثه، فللفریقین أن یصطلحا فیملکا الدار لأحد الفریقین بعوض معین یدفعه للفریق الثانی، فیصح الصلح، و یقتسم الفریق الذی ملک الدار دارهم بینهم بحسب سهامهم الثابتة لهم فی المواریث، و یقتسم الفریق الثانی الذی ملک العوض عوضهم کذلک.

المسألة الرابعة:

الصلح عقد شرعی مستقل یقابل سائر العقود الشرعیة الأخری و لا یکون راجعا إلی شی‌ء منها و ان کان مشابها له فی الأثر فی بعض موارده، فإذا تسالم زید و عمرو مثلا، فصالح زید عمرا عن داره المعینة بألف دینار و قبل عمرو بذلک و أخذ العوض من زید، فالمعاملة الواقعة صلح و لیست بیعا و ان أشبهت البیع فی انها تملیک عین الدار بعوض معلوم، و لذلک فلا یشترط فیه شرائط البیع و لا تلحقه أحکامه، فإذا کان العوض و المعوض فی المعاملة من الذهب أو الفضة لم یشترط فیها ان یحصل التقابض قبل الافتراق، لأن ذلک شرط فی بیع الصرف، و لیس شرطا فی الصلح، و لا یثبت فیه خیار المجلس للمتعاقدین، و لا یثبت فیه خیار الحیوان إذا کان العوض أو المعوض حیوانا، فإنهما من أحکام البیع و لیسا من أحکام الصلح، و هکذا.
و إذا صالح الرجل صاحبه فملکه الدار بغیر عوض فالمعاملة الواقعة بینهما صلح و لیست هبة و ان أشبهتها فی انها تملیک عین بغیر عوض، و لذلک فلا یشترط فیها شروط الهبة.
و إذا صالح صاحبه فملکه سکنی داره مدة سنة بعوض معین، فهو صلح کذلک و لیس اجارة و ان أفاد فائدة الإجارة، فملک المنفعة فی المدة بعوض معلوم، و لذلک فلا تجری فیه أحکام الإجارة. و إذا صالحه
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 197
عن دین له فی ذمته فأسقطه عنه بغیر عوض، فهو صلح و لیس إبراء و ان أشبهه فی النتیجة فلا تجری علیه أحکام الإبراء و هکذا.

المسألة الخامسة:

الصلح عقد من العقود کما ذکرنا أکثر من مرة، و لذلک فلا بد فیه من الإیجاب و القبول فی جمیع موارده، حتی فی مورد المصالحة علی إبراء ذمة المدین من الدین الثابت و فی مورد المصالحة علی إسقاط الحق عن من علیه الحق، فإن إبراء ذمة المدین من الإیقاعات، فیکفی فیه إنشاؤه من صاحب الدین و لا یفتقر الی قبول من علیه الدین، و کذلک إسقاط الحق فإنه من الإیقاعات، فیتحقق بإنشائه من صاحب الحق و لا یحتاج الی قبول من علیه الحق، و لکنهما حینما یؤتی بهما علی وجه الصلح، فلا بد فیهما من إیجاب صاحب الدین و صاحب الحق، و لا بد فیهما من قبول المدین و من علیه الحق، و قد أشرنا الی هذا فی المسألة المتقدمة.

المسألة السادسة:

لیس لعقد الصلح صیغة مخصوصة، فیصح إنشاؤه بأی لفظ یفید معنی التسالم و التراضی بالأمر الذی یرید المتصالحان إقراره بینهما إذا کان اللفظ دالا علی ذلک المعنی فی المتفاهم العرفی.
و اللفظ المعروف فی إنشاء هذا العقد: أن یقول الموجب لصاحبه فی تملیک العین صالحتک عن دارک المعینة مثلا بألف دینار، فیقول صاحبه: قبلت المصالحة عن الدار بألف دینار، أو رضیت بالمصالحة، أو اصطلحت عن الدار بالعوض المعلوم.
و یقول الموجب فی تملیک المنفعة: صالحتک عن سکنی دارک المعینة مدة سنة بعوض کذا، فیقبل المصالح بذلک و یقول له فی إبراء الذمة صالحتک علی إبراء ذمتک من الدین الذی استحقه علیک، فیقبل المدین، و یقول فی إسقاط الحق صالحتک علی إسقاط حقک من الشفعة مثلا الثابت لک فی بیع هذه الدار بعوض کذا أو بدون عوض، فیقبل المصالح، و هکذا.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 198

المسألة السابعة:

إذا تم عقد الصلح بین الموجب و القابل ثبت مضمونه، و کان من العقود اللازمة علی کلا الطرفین حتی فی المورد الذی تکون فائدة الصلح فیه فائدة الهبة الجائزة، فلا یجوز لأحدهما فسخه، إلا إذا تراضی المتصالحان معا بالفسخ، فأقال کل منهما صاحبه، و الا إذا شرط أحد الطرفین فی ضمن عقد الصلح أن یکون له خیار الفسخ فی مدة معینة، و قبل صاحبه بشرطه، فإذا فسخ من جعل له حق الخیار فی الوقت المعین صح و انفسخ العقد.

المسألة الثامنة:

لا یجری فی عقد الصلح خیار الحیوان إذا کان أحد العوضین حیوانا، و لا یجری فیه خیار المجلس و لا یجری فیه خیار التأخیر، و قد ذکرنا فی فصل الخیارات من کتاب التجارة ان هذه الخیارات الثلاثة تختص بالبیع و لا تجری فی ما سواه من العقود.
و تجری فی عقد الصلح بقیة الخیارات المتقدم ذکرها فی فصل الخیارات من کتاب التجارة، کخیار الغبن، و خیار الشرط و خیار العیب.
و لا یجری خیار الشرط فی عقد الصلح الذی یفید فائدة إبراء الذمة أو إسقاط الدعوی.

المسألة التاسعة:

إذا وجد المصالح فی العین التی ملکها بعقد الصلح عیبا کان له حق الفسخ کما ذکرنا و یجوز له إمضاء العقد بالعوض المسمی، و هل یجوز له أخذ الأرش و هو التفاوت ما بین قیمة الصحیح و قیمة المعیب فیه اشکال، و کذلک الحکم فی عوض العین المصالح عنها إذا کان العوض معینا و وجده مالکه بالصلح معیبا فیجوز له فسخ العقد، و یجوز له إمضاؤه بالعوض المسمی و یشکل ثبوت الأرش.
و یشکل أیضا الحکم بجواز الرد من احداث السنة الذی یثبت فی البیع الذی تقدم بیانه فی المسألة المائتین و الثانیة و الخمسین من کتاب التجارة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 199

المسألة العاشرة:

یجوز أن یتعلق عقد الصلح بالأعیان، و إذا تعلق الصلح بالعین أفاد تملیکها لمن وقع له الصلح.
و تملیک العین لأحد بعقد الصلح قد یکون بعوض، و قد یکون بغیر عوض، و الشی‌ء الذی یجعل عوضا للعین فی عقد الصلح یمکن أن یکون عینا کذلک، و مثال ذلک: ان یصالح زید عمرا عن داره المعینة بألف دینار، فتکون الدار ملکا لزید، و یکون العوض ملکا لعمرو، و یمکن ان یکون العوض منفعة من المنافع و مثال ذلک: أن یصالح زید عمرا عن الدار المعینة بملک السکنی فی دار معینة لزید مدة معلومة، فتکون الدار المعوضة ملکا لزید، و منفعة الدار الأخری فی المدة المعلومة ملکا لعمرو، و یصح أن یکون العوض دینا من الدیون، و مثال ذلک أن یصالح زید عمرا عن داره المملوکة له بدین معلوم یستحقه زید و هو الموجب فی ذمة عمرو، أو بدین معلوم یستحقه زید فی ذمة شخص ثالث، و یصح أن یکون العوض حقا من الحقوق الثابتة لمن وقع له الصلح، و مثال ذلک: ان یصالح زید عمرا عن الدار بحق التحجیر الثابت لزید علی أرض معلومة.
فیصح الصلح فی جمیع الصور الخمس و تکون فائدة الصلح فائدة البیع فی أربع صور منها، و هی ما کان مضمونه تملیک العین بعوض، و تکون فائدته فائدة الهبة فی صورة واحدة منها، و هی ما کان مضمون الصلح تملیک العین بغیر عوض، و یستثنی من الصور الخمس الموارد التی تجتمع فیها شرائط الربا، فلا یصح الصلح فیها، فلا بد من ملاحظة هذه الموارد و الاجتناب عنها، و سیأتی التنبیه علیها ان شاء اللّٰه تعالی.

المسألة 11:

یجوز أن یتعلق عقد الصلح بمنفعة معینة من المنافع المملوکة لمن یقع معه الصلح، و إذا تعلق الصلح بالمنفعة المذکورة أفاد تملیکها لمن وقع له الصلح کما ذکرنا فی الصلح علی العین.
و تملیک المنفعة لأحد بعقد الصلح قد یکون بعوض و قد یکون بغیر
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 200
عوض، و الشی‌ء الذی یجعل عوضا للمنفعة یمکن أن یکون عینا، و مثال ذلک: أن یصالح زید عمرا علی ان یملک السکنی فی داره المعینة مدة سنة من تأریخ العقد بمائة دینار، فتکون سکنی الدار ملکا لزید فی المدة المعینة، و یکون العوض ملکا لعمرو، و یمکن أن یکون العوض منفعة معینة أخری، و مثال ذلک أن یصالح زید عمرا عن أن یملک السکنی فی داره الواقعة فی النجف مدة سنة، بملک السکنی فی دار زید الواقعة فی الکوفة مدة سنة کذلک، فتکون سکنی دار عمرو المعینة ملکا لزید و سکنی دار زید المعینة ملکا لعمرو، و قد یکون عوض المنفعة دینا، و قد یکون حقا علی نهج ما تقدم فی تملیک العین.
و یصح الصلح علی المنفعة فی الصور الخمس، و تکون فائدته فائدة عقد الإجارة فی أربع صور منها و هی ما یکون مضمون الصلح فیها تملیک المنفعة بعوض، و یکون صلحا مطلقا إذا کان تملیک منفعة بغیر عوض.

المسألة 12:

إذا تعلق الصلح بدین و کانت المصالحة علی الدین مع المدین نفسه أفاد عقد الصلح سقوط الدین عنه، سواء کان الصلح عنه بعوض أم بغیر عوض، و سواء کان العوض عن الدین عینا أم منفعة، أم دینا مثله، أم حقا من الحقوق، و ینتقل العوض الی ملک الدائن المصالح بدلا عن دینه الذی سقط بالمصالحة إذا کان العوض عینا أو منفعة أو حقا أو دینا علی شخص ثالث.
و إذا کان العوض دینا علیه سقط أیضا بالمصالحة، و مثال ذلک أن یکون زید مدینا لعمرو مائة دینار مثلا، و یکون عمرو مدینا لزید عشرین وزنة من الحنطة، فیصالح زید عمرا عن دینه الذی یستحقه فی ذمته و هو المائة دینار بالدین الذی یستحقه زید فی ذمة عمرو و هو العشرون وزنة من الحنطة، فیصح الصلح و یسقط الدینان معا، و تستثنی من ذلک الموارد التی یحصل فیها الربا لاجتماع شرائطه، فلا یصح الصلح فیها.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 201

المسألة 13:

یجوز أن یتعلق الصلح بدین للمصالح علی الغیر، و مثال ذلک أن یصالح زید خالدا عن دین لزید نفسه فی ذمة عمرو، فإذا تم الصلح علی ذلک ملک خالد الدین المعین الذی وقع الصلح علیه و کان خالد هو الدائن لعمرو بدل زید، سواء کانت المصالحة علی الدین المذکور بعوض أم بغیر عوض، و یصح أن یکون العوض عنه عینا، و یصح أن یکون منفعة، و أن یکون حقا و أن یکون دینا، و تلاحظ المسألة الآتیة.
و یملک المصالح و هو زید فی المثال المتقدم: العین أو المنفعة أو الحق الذی جعله فی عقد الصلح عوضا له عن دینه، و یملک الدین أیضا إذا کان العوض المجعول له دینا علی شخص آخر، و إذا کان العوض دینا لخالد علی زید نفسه سقط هذا الدین عن زید بالمصالحة.

المسألة 14:

لا یصح الصلح إذا تحققت فی المورد شروط الربا فی المعاملة، فإذا أراد الإنسان الصلح مع غیره عن عین بعوض، و کانت العین و العوض من جنس واحد و هو من المکیل أو من الموزون لم تصح المصالحة إذا کان العوض و المعوض فی العقد متفاوتین فی المقدار سواء کان العوض عن العین عینا مثلها، أم کان دینا من جنسها.
و نتیجة لذلک، فإنما یصح الصلح علی العین بالعین أو بالدین إذا کان العوضان مختلفین فی الجنس، أو کانا من غیر المکیل و لا الموزون، أو کان العوضان متساویین فی المقدار.
و إذا أراد الصلح عن دین بعوض، و کان الدین و عوضه المجعول له فی الصلح من جنس واحد و هو من المکیل أو من الموزون لم تصح المصالحة إذا کان الدین و عوضه متفاوتین فی المقدار، سواء کان العوض دینا فی الذمة مثله أم کان عینا، و سواء کانت المصالحة مع المدین نفسه أم مع شخص غیره.
و نتیجة لذلک، فإنما یصح الصلح علی الدین بالدین أو بالعین إذا
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 202
کان العوضان مختلفین فی الجنس، أو کان جنسهما غیر مکیل و لا موزون، أو کان العوضان متساویین فی المقدار.

المسألة 15:

إذا کان لزید دین علی عمرو بمبلغ من الفضة أو الذهب، فصالحه عن المبلغ ببعضه، فان کان المقصود من المصالحة بینهما إسقاط المقدار الزائد عن المدین و إبراء ذمته منه، کان الصلح صحیحا و برئت بذلک ذمة عمرو عن بقیة الدین، و إن کان المقصود من الصلح إیقاع المعاوضة بین الزائد و الناقص من المبلغ کان الصلح باطلا و لم تبرأ ذمة عمرو من بقیة الدین.
و إذا کان الدین من غیر المکیل و لا الموزون کالأوراق النقدیة صح الصلح علیه بأقل منه، و صح بیعه کذلک، سواء کان البیع أو الصلح مع المدین نفسه أم مع غیره.

المسألة 16:

إذا تعلق الصلح بحق من الحقوق، فان کان الحق المصالح علیه قابلا للنقل الی الغیر، کحق التحجیر و حق الاختصاص، صح الصلح علیه و انتقل الحق الی من وقع له الصلح، سواء کان الصلح عن الحق بعوض أم بغیر عوض، و سواء کان العوض المجعول له عینا أم منفعة أم دینا أم حقا، علی التفصیلات التی تقدم بیانها فی المسائل السابقة، و یملک الذی وقع معه الصلح العوض.
و إذا کان الحق الذی تعلق الصلح به غیر قابل للنقل الی الغیر، و لکنه قابل للإسقاط، کحق الشفعة، فإنها لا تنتقل لغیر الشریک، و کحق الخیار فإنه لا ینتقل لغیر من اشترط أو ثبت له الخیار، أفاد عقد الصلح سقوط هذا الحق عمن علیه الحق، سواء کانت المصالحة عنه بعوض أم بغیر عوض.

المسألة 17:

قد اتضح مما تقدم أن الصلح انما یصح تعلقه بالحق إذا کان الحق قابلا للنقل الی الغیر، فإذا تعلق به الصلح أفاد نقله الی من وقع له
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 203
الصلح، أو کان قابلا للإسقاط و ان لم یکن قابلا للنقل، فإذا تعلق به الصلح أفاد سقوطه عمن علیه الحق.
و من الحقوق القابلة للنقل و للإسقاط کلیهما حق الزوجة فی قسمة لیالی الزوج بین زوجاته، فإنه قابل للإسقاط من الزوجة، و لذلک فیصح للرجل أن یصالح زوجته عن حقها هذا بمبلغ من المال، فإذا صالحها کذلک سقط عنه هذا الحق فلم یجب علیه أن یجعل لها لیلة من اللیالی الأربع.
و هو کذلک قابل للنقل إلی إحدی زوجات الرجل الأخری، و لذلک فیصح لبعض زوجات الرجل أن تصالح زوجته الأخری عن الحق المذکور فتکون اللیلة الخاصة بتلک الزوجة للزوجة التی صالحتها.
و لا یجری الصلح فی المجعولات الشرعیة التی لا تقبل الاسقاط، و ان سمیت فی بعض الإطلاقات حقا، کحق الأب علی ولده، و حق الولد علی أبیه، و حق مطالبة الدائن بدینه إذا کان حالا، و حق الموکل فی أن یعزل وکیله عن وکالته، و حق الزوج المطلق فی أن یرجع بمطلقته الرجعیة، و حق المرأة فی أن ترجع ببذلها فی طلاق الخلع أو المبارأة، و الظاهر ان هذه المذکورات جمیعا و أمثالها انما هی أحکام شرعیة و لیست من الحقوق، و لذلک فلا تکون موردا للصلح، و اما الحقوق فلا بد و أن تکون قابلة للإسقاط.

المسألة 18:

یجوز للشخص أن یصالح مالک بعض الأشیاء علی أن ینتفع الشخص ببعض هذه الأشیاء من غیر ان یملک منها شیئا أو یملک شیئا من منافعها، فیسکن بیت المالک أو یتجر فی دکانه، أو یتنقل فی سیارته أو یخرج لمنزله جناحا فی فضاء ملکه أو یجعل سقفه معتمدا علی جداره أو علی دعامة فی بیته، أو یشق فی أرض المالک نهرا یجری فیه الماء إلی أرض المصالح، و نحو ذلک من الانتفاعات للمصالح مع ان الملک لمالکه، فیجوز لهما اجراء عقد الصلح علی ذلک بعوض و بغیر عوض.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 204

المسألة 19:

یشترط فی کل واحد من المتصالحین أن یکون بالغا، و أن یکون عاقلا، و ان یکون قاصدا للمعاملة، و أن یکون مختارا، علی النحو الذی تقدم اشتراطه فی المتبایعین، و تجری فی جمیع ذلک التفاصیل التی تقدم بیانها فی مسائل شروط المتعاقدین، و یعتبر فی کل واحد من المتصالحین أن لا یکون محجورا علیه لسفه أو لفلس.

المسألة 20:

إذا أوقع الإنسان الصلح علی المال أو علی الحق أو علی الدین الذی لا یملک التصرف فیه کان فضولیا، فان أجازه مالک الأمر فیه صح، و الا کان باطلا، کما هو الحال فی البیع و بقیة العقود.

المسألة 21:

إذا أوقع الفضولی عقد الصلح الذی یفید فائدة إبراء ذمة المدین من الدین، أو الذی یفید فائدة إسقاط الحق عمن علیه الحق، أو الذی یفید فائدة إسقاط الدعوی من المدعی، جری فیه حکم الفضولی کما ذکرناه فی المسألة المتقدمة، و کانت صحة العقد موقوفة علی اجازة من بیده أمر العقد، فإذا أجازه صح و ان لم یجزه بطل، و لا یکون حکمه حکم إبراء الذمة و إسقاط الحق أو الدعوی فان المذکورات من الإیقاعات التی یشکل الحکم بصحة الفضولی فیها.

المسألة 22:

یجوز للمالک أن یجری عقد الصلح علی ثمرة نخیله و علی ثمرة شجرة قبل ظهور الثمرة فیملکها لأحد عاما واحدا أو عامین أو أکثر، و لا یشترط فی صحة المصالحة علیها لعام واحد أن یضم إلیها ضمیمة کما یشترط ذلک فی صحة البیع، و یجوز له أن یجری عقد الصلح کذلک علی الخضر قبل ظهورها فی الشجر و علی البقول و علی الزرع قبل بروزه من الأرض، و لا یجری علیها حکم البیع الذی ذکرناه فی فصل بیع الثمار.

المسألة 23:

قد یتعذر علی المتصالحین أو علی أحدهما معرفة مقدار المال الذی
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 205
یریدان المصالحة علیه تعذرا تاما، کما إذا اختلط مال أحدهما بمال الآخر حتی لم یتمیز و لم یعلما بقدر کل واحد من المالین بوجه من الوجوه، و أرادا التخلص من ذلک بالصلح بینهما.
و کما إذا علم زید بأن لعمرو فی ذمته مبلغا من الدین و هو لا یعرف قدره، و قد نسی عمرو الدین، أو نسی مقداره، و أراد زید براءة ذمته من الدین بالمصالحة.
و کما إذا علم زید بأن إحدی الدارین اللتین فی یده ملک لعمرو و لم یعلم هو و لا عمرو بها علی التعیین، و لا دلیل لهما علی تعیینها، و أراد المصالحة علیها.
و لا ریب فی صحة الصلح علی ذلک فی هذه الصورة، و اغتفار الجهالة بالمال فی مثل ذلک، فإذا صالح أحد الشخصین صاحبه- فی المثال الأول- عن ماله الواقعی بنصف المال المختلط أو بثلثه مثلا، أو بمال آخر من أمواله الخاصة، و قبل صاحبه بذلک، صح الصلح و ملک کل واحد منهما ما اختص به بعقد الصلح، و لم تضر بذلک جهالتهما بالمقدار.
و إذا صالح زید عمرا- فی المثال الثانی- عن دینه الذی یستحقه فی ذمته بمقدار یعینانه من المال أو بعین معلومة من أموال زید أو بشی‌ء آخر مما یملکه: منفعة أو دینا أو حقا، و قبل عمرو بذلک، صح الصلح بینهما و برئت ذمة زید من الدین و لم تضر الجهالة بمقداره.
و إذا صالح زید عمرا- فی المثال الثالث- عن داره المملوکة له فی الواقع بإحدی الدارین أو بمبلغ معین من المال أو بشی‌ء آخر یصح أن یکون عوضا للدار و قبل عمرو بالمصالحة صحت بینهما و لم تضرها الجهالة بعین الدار.

المسألة 24:

قد یتعذر علی المتصالحین أو علی أحدهما معرفة مقدار المال فی الوقت، و هما یریدان المصالحة فیه علی المال، کما إذا علم زید بأن لصاحبه نصف هذه الصبرة من الطعام أو ربعها، و هما لا یعلمان مقدار مجموع الصبرة من الوزن أو الکیل، لیعلما مقدار ما یملکه منها أحدهما علی
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 206
الخصوص، و لیس لدیهما بالفعل مکیال و لا میزان یقدران فیه المال، و هما یریدان المصالحة علیه فی الوقت الحاضر.
و کما إذا علم زید بأن لعمرو عنده مبلغا من المال أو أن له علیه مقدارا من الدین و هما لا یعلمان بالفعل مقدار ذلک المال أو الدین، لبعدهما عن البلد الذی توجد فیه المثبتات للمال أو الدین المبینات لمقداره، و لا یمکنهما تأخیر المصالحة الی ان یعرفا مقدار المال.
و الظاهر جواز المصالحة فی هذه الصورة أیضا، و اغتفار الجهالة بالمقدار کما فی الصورة المتقدمة، فیصالح أحد الشخصین صاحبه عن ماله- فی المثال الأول- بمقدار من الصبرة أو بمبلغ یعینانه من المال، أو بشی‌ء معین یتراضیان به عوضا عن المال المصالح علیه، و یصالح زید عمرا- فی المثال الثانی- عن ماله الواقعی أو عن دینه بمقدار یتراضیان به أو بشی‌ء آخر یتفقان علیه.

المسألة 25:

إذا لم یعلم المتصالحان بمقدار المال المصالح علیه بالفعل، و أمکن لهما أن یعلما بمقداره بأن یزنا المال أو یکیلاه، أو بأن یرجعا الی الدفاتر و الأوراق المثبتة للمال و المعینة لمقداره، فالأحوط لهما عدم اجراء عقد الصلح علی المال حتی یعلما بمقداره.

المسألة 26:

إذا کان لزید عند عمرو مقدار من المال أو کان له علیه مبلغ من الدین، و کان عمرو یعلم بمقدار المال أو الدین الذی لزید علیه، و زید نفسه لا یعلم بمقداره، فصالح عمرو زیدا عن المال أو الدین المذکور بأقل منه، لم تبرأ ذمة عمرو بهذه المصالحة إلا بمقدار ما أدی من الدین و بقیت ذمته مشغولة بالباقی منه و لا یحل له الزائد من المال، إلا إذا علم زید بذلک و رضی بما حصل، أو کان زید فی حال إجراء المصالحة راضیا بها علی کل حال سواء کان المقدار الذی صولح به بمقدار حقه أم أقل منه، فتصح المصالحة و تبرأ ذمة عمرو من بقیة الدین، و یحل له الزائد من المال.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 207
و کذلک الحکم إذا کان عمرو لا یعلم بمقدار ما لزید من المال أو الدین علی وجه التفصیل، و لکنه یعلم علی وجه الإجمال ان المقدار الذی صالح زیدا به أقل من القدر الواجب علیه، فلا یحل له الزائد و لا تبرأ ذمته من بقیة الدین إذا کان زید لا یعلم بذلک.

المسألة 27:

قد تقدم هاهنا و فی فصل الربا من کتاب التجارة: ان حرمة الربا فی المعاملة لا تختص بالبیع بل تجری فی الصلح و فی غیره من المعاوضات إذا اجتمعت فیها شروط حرمته، فإذا أراد أحد الصلح مع غیره عن مال بعوض، و کان العوض من جنس المال المصالح علیه، و کانا من المکیل أو الموزون، فلا بد و أن یکون العوضان متساویین فی المقدار، فان زاد أحد العوضین علی الآخر کان الصلح باطلا للزوم الربا.
نعم إذا کان الصلح الجاری بینهما مقابلة بین مصالحتین مستقلتین تتعلق إحداهما بأحد المالین و تتعلق المصالحة الثانیة بالمال الآخر، و لیس مبادلة بین عوضین، کان صحیحا.
و مثال ذلک ان یکون لزید عشرون منا من الحنطة الحمراء، و یکون لعمرو خمسة و عشرون منا من الحنطة الصفراء فیصالح زید عمرا عن العشرین منا التی کانت لزید و یملکه إیاها بغیر عوض، علی شرط ان یصالحه عمرو عن الخمسة و العشرین منا التی کانت لعمرو فیملکه إیاها بغیر عوض، فإذا جری العقدان بینهما کذلک کانا صحیحین، و ملک کل واحد من المتصالحین ما انتقل الیه بالصلح و لم یلزم الربا فی المعاملة.

المسألة 28:

انما یلزم الربا فی المعاملة و یکون محرما، و تکون المعاملة باطلة إذا کان المتعاقدان یعلمان بزیادة أحد العوضین المتجانسین علی الآخر، فلا یکون من الربا المحرم و لا تبطل المعاملة إذا کانت زیادة أحد العوضین علی الآخر محتملة و لیست معلومة.
و مثال ذلک ان یکون لزید عند عمرو مقدار من الأرز، و یکون
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 208
لعمرو عند زید مقدار من الأرز أیضا و هما لا یعلمان بقدر مال زید عند عمرو و لا بقدر مال عمرو عند زید، فیحتمل تساوی المالین فی المقدار و یحتمل تفاوتهما، فیجوز لهما أن یتصالحا بینهما فیملک کل واحد منهما ما عنده عوضا عن ماله عند صاحبه و لا یضر بذلک احتمال زیادة أحد العوضین علی الآخر.

المسألة 29:

قد اتضح مما بیناه فی ما سبق انه یصح للإنسان أن یصالح غیره عن دین بدین، سواء کان الدین المعوض عنه و الدین العوض حالین أم مؤجلین، أم کان أحدهما حالا و الآخر مؤجلا، و سواء کان العوضان من جنس واحد أم کانا مختلفین فی الجنس، و سواء کان المدین بهما شخصا واحدا أم شخصین، فیصح لزید أن یصالح خالدا فیملکه دینه علی بکر بدین خالد علی عمرو، و یصح لزید أن یصالح خالدا فیملکه دینه علی عمرو، بدین خالد علی عمرو نفسه، فتصح المصالحة عنه فی جمیع الصور إلا إذا کان الدینان من جنس واحد و هو من المکیل أو الموزون، فلا یصح الصلح علیهما إذا کانا متفاوتین فی المقدار.

المسألة 30:

إذا أراد الشریکان فسخ عقد الشرکة بینهما أو کانا قد فسخا العقد و بقی المال مشترکا بینهما، جاز لأحد الشریکین أن یصطلح مع الآخر علی أن یکون له رأس مال الشرکة، و یکون الربح و الخسران فیها للشریک الآخر، و إذا کانت الشرکة بینهما باقیة لا یریدان فسخها أشکل جواز هذا الصلح بینهما، و الأحوط ترکه.

المسألة 31:

یجوز للمدعی و المدعی علیه أن یصطلحا بعد ترافعهما فی الدعوی فیجعلا لکل واحد منهما شیئا من المدعی به، أو یتراضیا عنه بمال أخر، و لا ینافی ذلک ان المدعی قد ادعی انه یملک جمیع المال، و لا ینافیه إنکار المنکر حق المدعی، فإذا اصطلحا بینهما ببعض صور الصلح، سقطت دعوی المدعی، و سقط حقه الذی کان له قبل الصلح
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 209
فی یمین المنکر، و لیس له أن یجدد المرافعة عند الحاکم الأول أو یجدد الدعوی عند حاکم آخر.

المسألة 32:

ما ذکر من الأحکام فی المسألة السابقة إذا اصطلح المتداعیان انما هو فصل تنقطع به دعوی المدعی فی ظاهر الشریعة، و لکنه لا یحل به المحرم الواقعی و لا یثبت به غیر الحق، و نتیجة لذلک، فإذا ادعی المدعی دینا علی المدعی علیه و کان صادقا فی دعواه، و أنکره المنکر، ثم صالحه بنصف الدین، فقد وصل الی الدائن نصف حقه و لم تبرأ ذمة المنکر من بقیة الدین بالمصالحة المذکورة، و وجب علیه التخلص منه، و هو آثم بإنکاره حق المحق، إلا إذا کان محقا فی إنکاره بحسب اعتقاده، فلا اثم علیه فی الإنکار، و لکن المال باق فی ذمته، فإذا تبین له خطأ اعتقاده بعد ذلک وجب علیه التخلص من الدین و لم یکفه الصلح الأول، الا إذا علم بأن المدعی قد رضی بالصلح عن جمیع حقه.
و إذا ادعی المدعی الدین و کان مبطلا فی قوله أثم بذلک و حرم علیه ما یأخذه من المدعی علیه بالصلح، إلا إذا علم بأن المدعی علیه قد رضی بالمصالحة و طابت نفسه بدفع ما دفع الیه من المال.

المسألة 33:

إذا تنازع شخصان فی ملکیة شی‌ء، فادعی أحدهما ملکیة الشی‌ء و أنکر الآخر، ثم طلب المدعی علیه من المدعی أن یصالحه عن ذلک الشی‌ء، فلا یعد طلبه المصالحة من المدعی إقرارا منه بحقه فان الصلح یصح مع الإقرار و الإنکار.
و إذا قال المدعی علیه للمدعی بعنی الشی‌ء الذی تدعی به، أو قال له ملکنی إیاه، کان هذا القول من المدعی علیه إقرارا منه بأنه لا یملک الشی‌ء المدعی به، و فی دلالة قوله هذا علی ان الشی‌ء المدعی به ملک للمدعی إشکال.

المسألة 34:

إذا ملک شخص ثوبا قیمته عشرة دنانیر مثلا، و ملک شخص آخر
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 210
ثوبا قیمته خمسة عشر دینارا ثم اشتبه أحد الثوبین بالآخر حتی لا یعرف ثوب أحد الرجلین من ثوب الآخر، فیجوز لأحد الرجلین ان یجعل لصاحبه الخیرة فی أن یأخذ أی الثوبین شاء، فإذا اختار صاحبه ثوبا منهما کان له أخذه و التصرف فیه، و کان الثوب الثانی للآخر، و یکون هذا التخییر مصالحة بینهما فیملک کل واحد من الرجلین الثوب الذی صار الیه.
و إذا تعاسرا و کان مقصدهما من شراء الثوبین بیعهما و التکسب بهما، بیع الثوبان، و قسم ثمنهما علی الرجلین بنسبة قیمة کل ثوب منهما الی مجموع القیمتین، فیدفع لمالک الثوب الذی قیمته عشرة دنانیر خمسان من الثمن، و یدفع لمالک الثوب الذی قیمته خمسة عشر دینارا ثلاثة أخماسه.
و إذا کان مقصدهما من الشراء اقتناء الثوبین و لبسهما، رجعا فی تعیین المشتبه إلی القرعة، فیدفع لکل واحد من المالکین الثوب الذی عینته له القرعة. و کذلک إذا اختلف الرجلان فی المقصد فکان مقصد أحدهما من الشراء بیع الثوب و کان مقصد الثانی لبسه، فیرجع الی القرعة.

المسألة 35:

إذا کان الثوبان المذکوران متساویین فی النوع و فی المالیة، و انما اختلفت قیمتهما فی الشراء لاختلاف القیمة فی السوق یوم شراء الرجل الأول منهما لثوبه عن یوم شراء الثانی لثوبه، لم یجر فیهما التفصیل المتقدم بل یرجع فی التعیین إلی القرعة.

المسألة 36:

لا یتعدی الحکم المتقدم ذکره الی غیر الثوب من الأشیاء و المبیعات، فإذا ملک رجل متاعا قیمته عشرة دنانیر و ملک رجل آخر متاعا قیمته خمسة عشر دینارا ثم اشتبه احد المتاعین بالآخر فلم یعرف مال أحد الرجلین من مال الآخر لم یجر فیه ما تقدم، بل یرجع فی التعیین إلی القرعة. فیعطی لکل واحد من المالکین المتاع الذی تعینه له القرعة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 211

المسألة 37:

إذا استودع أحد مقدارا من ماله عند ثقة، و استودع رجل آخر مقدارا من ماله عند ذلک الثقة أیضا ثم تلف مما فی ید الثقة مقدار من غیر تعد و لا تفریط، و لم یدر ان التالف من أی المالین، فهاهنا صور تجب ملاحظتها للتعرف علی أحکامها.
(الصورة الأولی): أن تکون ودیعة أحد الرجلین مساویة لودیعة الرجل الآخر فی المقدار و مثال ذلک ان تکون ودیعة الرجل الأول عشرة دنانیر و ودیعة الرجل الثانی عشرة دنانیر کذلک و الحکم فی هذه الصورة أن یکون تلف التالف من کلا المستودعین، و یقسم الباقی من مال الودیعتین بینهما بالمناصفة، فإذا کان التالف من المال فی المثال خمسة دنانیر فهو من کلیهما و الباقی منه و هو خمسة عشر دینارا یکون بینهما علی التنصیف لکل واحد منهما سبعة دنانیر و نصف.

المسألة 38:

(الصورة الثانیة): ان تکون الودیعتان مختلفتین فی المقدار، و یکون التالف بقدر احدی الودیعتین و أقل من الثانیة، و مثال ذلک أن تکون ودیعة الرجل الأول خمسة دنانیر، و تکون ودیعة الرجل الثانی عشرة دنانیر و یکون التالف من البین خمسة دنانیر بمقدار الودیعة الأولی و أقل من الثانیة، و الحکم فی هذه الصورة ان یدفع لصاحب الودیعة الکبری ما زاد علی المقدار التالف من مقدار ودیعته، و یقسم ما بقی من المال علی المالکین بالتنصیف، فیدفع للرجل الثانی فی المثال و هو صاحب الودیعة الکبری خمسة دنانیر فان ذلک هو المقدار الزائد من ودیعته علی المقدار التالف، و یبقی من المال خمسة دنانیر فتقسم بین الرجلین بالمناصفة فیکون لصاحب الودیعة الأولی و هی الصغری دیناران و نصف، و لصاحب الودیعة الثانیة و هی الکبری سبعة دنانیر و نصف، و یصیب کل واحد منهما من التلف دیناران و نصف.
و إذا کانت الودیعة الأولی درهما، و کانت الودیعة الثانیة درهمین- کما هو المورد المنصوص- ثم تلف درهم اعطی صاحب الدرهمین درهما و هو الزائد من ودیعته علی مقدار التالف، ثم قسم الدرهم الباقی بین
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 212
المالکین نصفین فیکون لصاحب الدرهم نصف درهم و لصاحب الدرهمین درهم و نصف، و یصیب الواحد منهما من التلف نصف درهم.

المسألة 39:

(الصورة الثالثة): ان تکون الودیعتان مختلفتین فی المقدار، و یکون التالف أقل من کل واحدة من الودیعتین، و مثال ذلک ان تکون ودیعة الرجل الأول أربعة دنانیر و ودیعة الرجل الثانی ستة دنانیر، ثم یتلف من البین دیناران، و الحکم فی هذه الصورة أن یدفع لکل واحد من الرجلین ما زاد من ودیعته علی المقدار التالف، ثم یقسم الباقی من المال بینهما نصفین. فیدفع للرجل الأول فی المثال، دیناران، و هما الزائد من ودیعته علی مقدار التالف، و یدفع للرجل الثانی أربعة دنانیر، و هی الزائد من ودیعته کذلک علی مقدار التالف، ثم یقسم الباقی و هو دیناران بین الرجلین بالمناصفة، فیکون مجموع ما یحصل لصاحب الودیعة الأولی ثلاثة دنانیر و یکون مجموع ما یحصل لصاحب الودیعة الثانیة خمسة دنانیر، و یصیب کل واحد منهما من التلف دینار واحد.
و ما ذکرناه من الأحکام فی الصور الثلاث المتقدم ذکرها یجری فی المال إذا کان مثلیا کالدراهم و الدنانیر و الحبوب و غیرها و لم یمتزج بعضه ببعض حتی ینتفی التمییز بین المالین و تحصل الشرکة بین المالکین کما هو المفروض فی الصور المتقدمة جمیعا.

المسألة 40:

(الصورة الرابعة): إذا کانت الودیعتان الآنف ذکرهما فی المسائل المتقدمة من المال المثلی و امتزج المالان امتزاجا تاما حتی انتفی التمییز بین المالین و أصبح مالا واحدا و حصلت الشرکة بین المالکین ثم تلف من المال الممتزج مقدار، و الحکم فی هذه الصورة ان یکون التلف علی المالکین بنسبة المالین و مثال ذلک: أن یستودع احد الرجلین عند الثقة منین من الدهن، و یستودعه الرجل الآخر منا واحدا من الدهن أیضا، ثم یمتزج المالان عند الودعی من غیر تعد و لا تفریط من الأمین- حتی یحصل الاشتراک بین المالکین فی المال، ثم یتلف من واحد من المجموع، فیقسم
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 213
الباقی بین المالکین أثلاثا ثلث منه لصاحب المن الواحد، و ثلثان لصاحب المنین، و یصیب کل واحد منهما من التلف بتلک النسبة فثلث علی صاحب المن و ثلثان علی صاحب المنین.

المسألة 41:

(الصورة الخامسة): إذا کان المال فی الودیعتین قیمیا کالحیوان و الثیاب و الأمتعة الأخری ثم تلف بعضه، فلا بد من المصالحة بین المالکین أو تعیین التالف بالقرعة، فیکون تلفه علی مالکه.

المسألة 42:

یجوز للإنسان أن یتصرف فی فضاء ملکه ما یشاء، فله أن یخرج فیه جناحا لمنزله أو روشنا أو شباکا مطلا أو ما شاء، و له أن یعلی بناءه کما یرید و لو بإقامة عدة طبقات و ان أشرف البناء علی منزل غیره.
نعم یشکل ان یفتح فیه شباکا أو نافذة تطل علی منزل غیره، و تطلع علی ما یستقبح العقلاء و المتدینون الاطلاع علیه من أمورهم و شؤونهم و لا یرضون به، و الأحوط لزوما ترکه، و لا یخلو من قوة فی بعض مراتبه، بل یشکل ذلک و ان رضی به الجار نفسه، و لا تصححه المصالحة مع الجار علی إخراج الشباک أو النافذة علی عورة بیته، بعوض أو بغیر عوض.
و انما یشکل ذلک أو یمنع إذا کان هناک من یطلع، و اما إذا أمن الطرفان من المطلع، و انما کان فتح النافذة أو الشباک لمجرد التهویة أو الاستضاءة فلا منع و لا اشکال، و یصح ذلک مع المصالحة و بدونها.

المسألة 43:

یجوز للإنسان ان یخرج لمنزله جناحا أو روشنا أو نافذة أو شباکا فی الشارع العام و علی الطریق النافذ إذا کان الجناح أو الروشن الذی یخرجه عالیا لا یزاحم المارة و وسائل النقل و ناقلات الأحمال التی تمر بالشارع أو الطریق و لا یضر بها، و لیس لأحد أن یمنعه من ذلک، و ان کان الجناح الذی یرید أن یجعله لمنزله یستوعب عرض الطریق، فلیس لصاحب الدار التی تقابله فی الطریق ان یمنعه من ذلک، الا ان
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 214
یسبقه فیخرج له روشنا أو جناحا فیمنعه بمقدار عرض جناحه أو روشنه الذی أخرجه لمنزله و بمقدار ما یحتاج الیه من الفضاء للتهویة و الشمس و شبه ذلک من الضرورات التی لا بد منها.
و لا یجوز للإنسان أن یجعل الجناح أو الروشن أو الساباط الذی یخرجه لمنزله معتمدا علی جدار غیره أو علی بنائه إلا برضاه أو مصالحته، و إذا کان إخراج الجناح أو الروشن الذی یجعله فی الطریق النافذ علی نحو یوجب کونه مشرفا علی دار غیره أشکل الحکم بجوازه من غیر رضی ذلک الغیر، فلا یترک الاحتیاط باجتنابه.

المسألة 44:

إذا کان لمنزل الرجل جناح أو روشن علی الشارع أو علی الطریق فانهدم أو هدمه هو عامدا و کان من قصده أن یجدد بناء الجناح أو الروشن فی موضعه أو یشغل الموضع بشی‌ء آخر کبناء غرفة مثلا، لم یجز لغیره أن یشغل ذلک الفضاء ببناء جناح أو غیره. و ان لم یقصد الأول ذلک جاز لغیره أن یشغل الموضع بما یرید مما لا یضر بالمارة، و لم یفتقر فی جواز ذلک الی الاستیذان من البانی الأول أو الی مصالحته.

المسألة 45:

إذا جعل الرجل لمنزله جناحا أو روشنا فی الطریق النافذ و لم یستوعب عرض الطریق لم یمنع ذلک صاحب الدار المقابلة له فی ذلک الطریق من أن یحدث له روشنا أو جناحا إذا کان لا یمنع الأول مما یحتاج إلیه فی روشنه أو جناحه من الشمس أو التهویة و غیرها من الضرورات التی لا بد منها، و یشکل بل یمنع إذا منعه من ذلک.

المسألة 46:

یجوز للإنسان أن یفتح له بابا جدیدا علی الشارع العام، أو علی الطریق النافذ، و ان کان له باب آخر علی الشارع نفسه أو علی غیره، و یجوز له ان یفتح علیه شباکا أو أکثر، و نافذة أو أکثر، و ان یجعل علی الطریق میزابا لماء المطر و غیره، و أن یفتح علیه بعض المجاری لفضلات الماء و الغسالات إذا لم تضر بالمارة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 215
و یجوز بل یحسن للإنسان أن یحفر فی الطریق بالوعة لتصریف میاه الأمطار و غیرها فیه إذا هو أحکم الأسس و الجدر و السقف و لم یضر ذلک بمرور وسائط النقل و غیرها، بل و یجوز له أن یحفر فیه بالوعة لمنزله إذا هو أحکم أسسها و جدرانها و سقفها کذلک و لم تضر بالمارة.

المسألة 47:

الطریق غیر النافذ، و هو الذی تحیط به الدور من جوانبه الثلاثة، فلا یسلک فیه من طریق الی طریق آخر، و یسمی بالسکة المرفوعة، و یسمی بالدریبة، و قد ذهب جماعة من العلماء إلی انه ملک مشترک بین أصحاب الدور التی تفتح أبوابها إلی الطریق نفسه دون غیرهم و ان کان حائط داره الیه.
و یشکل الحکم بملکیة هذا الطریق الخاص إذا لم یکن له سبب مملک آخر، بل یمنع ذلک، و انما هو حق خاص بأصحاب الدور المذکورة فی بعض الشؤون و لیس حقا مطلقا لهم، و نتیجة لذلک فلا یجب علی غیرهم أن یستأذنوا من أرباب الدور إذا أرادوا الدخول الی الدریبة، أو أرادوا الوقوف فیه لبعض المقاصد إذا لم یزاحموا بذلک أهل الدور، و ان کان فیهم الأیتام و القاصرون.
و نتیجة لذلک فإذا سد بعض أصحاب الدور بابه من الدریبة و فتح بابا الی غیرها سقط حقه منها و أصبح من غیر أهلها، و لم یحتج الی ناقل شرعی لملکیته.
و نتیجة لذلک فإذا فتح بعض المجاورین بابا الی الدریبة باذن أصحاب الدور فیها أصبح شریکا لهم فیها کبقیتهم فتشمله أحکامهم و خصوصا مع طول الدریبة، و کثرة الدور فیها، الی غیر ذلک من اللوازم التی تدل علی انها حق و لیست ملکا.

المسألة 48:

لا یجوز لأحد من غیر أصحاب الدور فی الطریق غیر النافذ أن یفتح فیه بابا أو یحدث فیه جناحا أو یبنی فیه ساباطا أو ینصب فیه میزابا أو یحفر فیه بالوعة أو سردابا أو یحدث فیه أی شی‌ء آخر إلا بإذن أصحاب
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 216
الحق فیه، و هم أصحاب الدور التی تفتح أبوابها فی الطریق النافذ کما تقدم، سواء کان ما یحدثه مضرا بهم أم لا، و لا یکفیه الاذن من بعضهم، و یجوز له الصلح معهم علی جمیع ذلک أو علی شی‌ء منه، و لا یکفیه الصلح مع بعضهم إذا لم یأذن له الباقون.

المسألة 49:

إذا أذن أصحاب الحق فی الدریبة للمجاور بفتح باب فیها أو صالحهم علی ذلک بعوض أو بدون عوض، ففتح الباب کان من أهلها و أصبح شریکا لهم فی الحق کما ذکرنا آنفا، و إذا أذنوا له فی ما سوی ذلک أو صالحهم علیه فأحدث له جناحا أو حفر بالوعة أو سردابا أو أحدث ساباطا أو غیره لم یصبح بذلک من أهل الدریبة و لم یشارکهم فی الحق، و لم یجز لهم أو لبعضهم أن یمنعه مما فعله بإذنهم أو بالمصالحة معهم و تلاحظ المسألة الرابعة و الخمسون الآتیة.

المسألة 50:

لا یجوز لبعض أصحاب الدور فی الدریبة ان یحدث فیها شیئا مما تقدم ذکره الا برضی بقیة شرکائه فیها، فلا یبنی روشنا أو جناحا أو ساباطا أو یحفر بالوعة أو سردابا، بل و لا یفتح له بابا آخر إلا بإذنهم أو بالمصالحة معهم، و یجوز له أن یسد الباب الأول و یفتح له بابا آخر فیها، و إذا أذنوا له بشی‌ء من ذلک أو صالحهم علیه، فأحدثه لم یجز لهم و لا لبعضهم ان یمنعه منه بعد ذلک و لا یکفیه الاذن من بعضهم أو الصلح معه إذا لم یأذن الباقون.

المسألة 51:

إذا باع بعض أصحاب الدور داره فی الطریق غیر النافذ علی رجل آخر أصبح المشتری هو صاحب الحق فی الطریق، سواء علم الشرکاء الباقون بالبیع أم لم یعلموا، و سواء اذن من یعلم منهم بالبیع أم لم یأذن.

المسألة 52:

إذا أحدث المجاور جناحا أو ساباطا أو غیره فی الطریق غیر النافذ
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 217
باذن أصحاب الحق فیه أو بمصالحتهم ثم باع داره علی رجل آخر أصبح المشتری هو مالک الدار و الجناح المستحدث فیها و لم یجز لأهل الدریبة منعه من جناحه أو ساباطه.

المسألة 53:

یجوز لکل واحد من أصحاب الدور فی الدریبة أن یستطرق فیها إلی منزله دخولا و خروجا، هو و أولاده و عائلته و ضیوفه و أصدقاؤه و من یرغب فی زیارته و دوابه، و له أن یعقد فی بیته بعض المجالس التی یعقدها أمثاله لذکریات بعض المعصومین (ع) أو لغیر ذلک من المناسبات التی یعتادها نظراؤه فی المجتمع، و یحل لمن یرغب فی حضور المجالس أن یدخل الیه فیها و لا یفتقر فی جمیع ذلک الی الاستیذان من شرکائه فی الدریبة، و ان کان فیهم الیتامی و القاصرون، بل یجوز له الجلوس فیها إذا لم یزاحم حقوق الآخرین، کما إذا کان جلوسه فیها مانعا من خروج بعض العائلات الی حاجاتهن.

المسألة 54:

إذا صالح الرجل جاره علی أن یبنی علی حائطه بناء، أو علی ان یجعل سقفه معتمدا علی جدار الجار، فیضع علیه أخشابه أو جذوعه أو حدیدة، أو استأجر منه الجدار لذلک أو شرط علیه ذلک فی عقد لازم، وجب علی الجار أن یفی بذلک و لم یجز له أن یمنعه من ذلک لا قبل البناء و لا بعده.
و إذا استأذن الرجل جاره لشی‌ء من ذلک، من غیر صلح و لا اجارة و لا شرط، فأذن له جاز للجار أن یرجع فی أذنه قبل البناء، أو قبل أن یضع السقف علی الجدار.
و یشکل الحکم جدا فی جواز رجوع الجار عن اذنه بعد البناء، أو بعد ان یضع السقف علی الجدار، و لا یترک الاحتیاط بالمصالحة بینهما أما بإبقاء البناء أو السقف مع الأجرة، أو بهدمه مع الأرش.
و لا یجوز للرجل أن یبنی علی جدار جاره بناء أو یجعل سقفه معتمدا علیه من غیر اذن و لا صلح و لا اجارة، و لا شرط فی ضمن عقد، فإذا
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 218
هو فعل ذلک وجب علیه هدمه أو التخلص من حرمته ببعض الصور الممکنة.

المسألة 55:

لا یجوز لأحد المالکین أن یتصرف فی الجدار المشترک بینهما فیبنی علیه بناء أو یجعل علیه سقفا أو یدخل فیه خشبة أو وتدا، أو یخرج فیه کوة أو روزنة، إلا بإذن شریکه أو بإحرازه رضاه بشاهد الحال أو بعض القرائن، و تجوز له الاستعمالات الیسیرة کالاتکاء علیه و الاستناد له و تعلیق الثوب علیه و شبه ذلک، و ان لم یستأذن منه فی ذلک و لم یحرز رضاه، و إذا صرح الشریک بالمنع أو أظهر الکراهة لم یجز ذلک.
و یجوز الاستظلال بظله و الاستضاءة بنوره و ان صرح بالمنع فان مثل ذلک لا یعد تصرفا فی ماله، فلا یکون محرما.

المسألة 56:

إذا احتاج النهر المشترک بین مالکین إلی التنقیة أو احتاج البئر المشترک أو العین المشترکة إلی التعمیر لم یجبر الشریک علی الاشتراک فی التنقیة و التعمیر، و إذا أراد أحد الشریکین تنقیة النهر و تعمیر العین أو البئر من ماله و لم یأذن له شریکه بالتصرف رفع الأمر إلی الحاکم فخیره بین بیع حصته من شریکه أو من غیره و المشارکة مع شریکه فی التعمیر و التنقیة أو الاذن له فی ذلک. و إذا أنفق الشریک علی النهر أو علی العین من ماله فجری الماء و نبع کان الماء مشترکا بین المالکین و لم یختص به الشریک المنفق، و لم یجز له منع الآخر منه.

المسألة 57:

إذا اشتری الإنسان دارا أو ملکها بسبب آخر من هبة أو إرث أو غیر ذلک، و وجد ان جاره قد وضع سقفه علی جدار منزله الذی اشتراه و لم یعلم ان وضع السقف علی جداره کان بحق أو بغیر حق، حکم بأنه عن حق، فلا یجوز لمالک الدار أن یطالب جاره برفع سقفه عن الجدار، و إذا انهدم السقف لم یجز له أن یمنع الجار من تجدید بنائه و إعادته
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 219
إلی وضعه الأول، الا إذا علم بأن الجار کان عادیا فی فعله فوضع السقف من غیر اذن المالک الأول للدار أو ثبت ذلک ببینة شرعیة، فیجوز ذلک.

المسألة 58:

إذا صالح الإنسان غیره علی مال، فملکه إیاه بعوض أو بغیر عوض و اشترط علیه فی عقد الصلح أن یجعل ذلک المال وقفا عند موته إذا لم یکن له وارث من بعده، صح الصلح و لزم الشرط، و وجب علی المصالح أن یفی بذلک.

المسألة 59:

إذا کبرت الشجرة فی منزل الإنسان أو فی بستانه حتی خرجت أغصانها إلی فضاء دار غیره أو بستانه، و لم یرض جاره ببقائها کذلک لزم مالک الشجرة أن یعطف أغصانها من حد ملکه أو یقطعها، و خصوصا إذا زاحمت شجر الجار أو بناءه، و یجوز له أن یصالح الجار فی ذلک علی أن یبقی أغصان الشجرة فی فضاء ملکه و یأکل ثمارها الموجودة فی تلک الأغصان، فإذا قبل الجار صح الصلح و نفذ.
و إذا صالحه کذلک ثم ماتت تلک الشجرة أو یبست أغصانها تلک، أو قطع مالکها الأغصان عامدا، ثم نمت شجرة اخری و خرجت أغصانها إلی فضاء دار ذلک الجار أو بستانه لم یشملها الصلح الأول، و وجب علی مالک الشجرة استیذان الجار فی إبقاء الأغصان أو مصالحته، فان لم یفعل وجب علیه عطف أغصان الشجرة أو قطعها من حد ملکه.

المسألة 60:

إذا أفاد الصلح فائدة الهبة فصالح الرجل صاحبه و ملکه عینا بغیر عوض، لم یجر علیه حکم الهبة فلا یشترط فی صحته القبض کما یشترط ذلک فی صحة الهبة، و لا یجوز لمالک العین الأول ابطال الصلح، و الرجوع بعینه کما یجوز للواهب أن یرجع فی هبته.
و الحمد للّٰه رب العالمین
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 221

کتاب الهبة

اشارة

کلمة التقوی، ج‌4، ص: 223
کتاب الهبة

المسألة الأولی:

الهبة المبحوث عنها فی هذا الکتاب هی ما قابلت الوصیة الی أحد بشی‌ء بعد الموت، و قابلت الصدقة علیه فی حال الحیاة، و قابلت وقف الشی‌ء علی أحد بنحو التملیک، و شبه ذلک مما یتضمن تملیک الشی‌ء مجانا من غیر عوض، و قد عرف الهبة جماعة من الفقهاء بأنها تملیک عین مجانا، و هذا التعریف فی ظاهره عام یشمل جمیع المذکورات فإنها تملیک عین مجانا و من غیر عوض، فهو تعریف للهبة بالمعنی العام الشامل للجمیع و لیس تعریفا للهبة الخاصة التی هی موضع البحث فی هذا الکتاب، و قد یتکلف لإخراج بعض المذکورات عن التعریف بأن المقصود فیه ان الهبة تملیک عین مجانا تملیکا منجزا بالفعل و علیه فلا یشمل الوصیة فإن التملیک فیها معلق بعد الموت، و ان المراد انها تملیک غیر مشروط بالقربة و علیه فلا یعم الصدقة فإنها تملیک مشروط بالقربة، و الأمر سهل بعد وضوح المعنی المقصود.

المسألة الثانیة:

الهبة المبحوث عنها هنا هی ما یرادف المنحة و النحلة فی المعنی، و الظاهر انها أخص فی معناها من کلمة العطیة، فإن العطیة تشمل الصدقة، و قد تستعمل بالمعنی العام فتشمل الوصیة الی الرجل بعد الموت فهی عطیة أیضا، و تشمل الوقف علی نحو التملیک للذریة أو لغیرهم فإنه عطیة کذلک.
و من الهبة الخاصة: الهدیة، و هی ما یدفع الی الغیر علی سبیل التجلة و التکریم، و لا یعتبر فی صدق معنی الهدیة أن یبعث بالشی‌ء الی المهدی الیه بید رسول، فإذا دفع المالک الشی‌ء الی الرجل بیده علی نحو التکریم
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 224
فهو هدیة و تختص الهدیة بالمنقولات، فإذا أعطاه دارا أو عقارا یقال وهبه الدار و لا یقال أهدی إلیه دارا أو عقارا.
و من الهبة الخاصة: الجائزة، و هی ما یدفع الی السابق، تقدیرا له علی سبقه فی بعض المجالات، و ما یدفع الی المجید فی شی‌ء تقدیرا له علی إجادته فی الشی‌ء، و قد تستعمل الجائزة بمعنی الهبة فتکون أعم من المعنی الخاص لکلمة الجائزة.
و الواهب هو دافع الهبة، و الموهوب له هو من تدفع الیه، و قد یقال له المتهب، و الموهوب هو الشی‌ء المدفوع.

المسألة الثالثة:

الهبة المبحوث عنها عقد من العقود، و لذلک فهی تحتاج إلی الإیجاب من الواهب أو من وکیله و الی القبول من الموهوب له أو من وکیله.
و یحصل الإیجاب فی عقد الهبة بأی لفظ یکون دالا علی تملیک الشی‌ء الموهوب، و من ألفاظه التی یتعارف اجراء الإیجاب بها، و هبتک، و ملکتک المال المعین، و هذا المال لک، و یحصل القبول کذلک بأی لفظ یدل علی الرضا بالتملیک المذکور، و من ألفاظه المعروفة: قبلت الهبة، و رضیت بها، و تملکت الشی‌ء.
و لا یشترط فی عقد الهبة أن یکون إنشاؤه باللغة العربیة، فیصح أن یقع إیجابه و قبوله بأی لغة أخری یعرفها المتعاقدان، و یصح إیقاعه بالمعاطاة الدالة علی المعنی المراد، فإذا دفع الواهب أو وکیله الشی‌ء بقصد إنشاء التملیک لصاحبه، و قبض الموهوب له أو وکیله الشی‌ء بقصد التملک صح العقد و نفذ.

المسألة الرابعة:

یشترط فی الواهب أن یکون بالغا، و أن یکون عاقلا، و أن یکون قاصدا للمعنی فی إنشاء العقد، و أن یکون مختارا فی فعله، علی النحو الذی تقدم بیانه فی عقد البیع فی الشروط المذکورة. و یشترط فی الواهب أن یکون غیر محجور علیه لسفه فیه أو لفلس، و یشترط فیه ان یکون مالکا للشی‌ء الموهوب، فلا یصح ان یهب الرجل ملک غیره،
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 225
الا ان یأذن له المالک قبل اجراء العقد فیکون وکیلا عنه، أو یجیز عقده بعد ان یوقعه فیکون من الفضولی الذی تصححه الإجازة، و لا یصح أن یهب ما لا یملکه مثله فلا یهب المسلم خمرا و لا خنزیرا، لأن المسلم لا یملکهما فلا یصح أن یهبهما و ان کان الشخص الموهوب له ذمیا.

المسألة الخامسة:

یشترط فی الموهوب له ان یکون بالغا و أن یکون عاقلا إذا کان هو الذی یتولی إنشاء قبول العقد من الواهب، و تصح الهبة للصغیر و للمجنون إذا کان الولی هو الذی یقبل عنهما عقد الهبة، و تصح الهبة للصغیر الممیز إذا قبل إنشاء العقد من الواهب بالوکالة عن الولی، بعد أن أتم الولی المعاملة بنفسه کما تقدم فی أول فصل شرائط المتعاقدین من کتاب التجارة.
و یشترط فی الموهوب له إذا کان بالغا عاقلا ان یکون قاصدا للمعنی الذی یتولی إنشاءه فی العقد، و ان یکون مختارا فی فعله علی النحو الذی تقدم فی نظائره.
و یشترط فی الموهوب له أن یکون ممن یصح له تملک الشی‌ء الموهوب، و لذلک فلا تصح هبة المصحف و لا العبد المسلم للکافر و ان کان ذمیا أو معاهدا، و لا تصح هبة الخمر أو الخنزیر للمسلم و ان کان الواهب ذمیا.

المسألة السادسة:

یشترط فی الواهب و فی الموهوب له أن یکون حرا، فلا تصح الهبة من العبد المملوک إذا لم یأذن له سیده بالهبة و ان کان الشی‌ء الموهوب ملکا له، و لا تصح الهبة له کذلک إذا لم یأذن له مولاه و إذا أذن له مولاه فی أن یهب لغیره صح له ذلک سواء کان المأذون فیه أن یهب من ماله أم من مال سیده أم من مال غیرهما إذا رضی مالک المال.
و إذا وهب له مولاه شیئا من ماله صح له قبولها، بل الظاهر أنه یملک المال بهبة سیده و لا یحتاج الی قبوله و إذا أذن له مولاه فی قبول الهدیة من الآخرین صح له أن یقبل الهدیة منهم و نفذت الهبة إذا قبلها،
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 226
و یکفیه الاذن العام فی أن یتولی جمیع ذلک. فیصح له أن یهب من ماله و ان یقبل الهبة من غیره.

المسألة السابعة:

تصح الهبة من المریض و ان کانت هبته فی مرض موته و ان کان ما وهبه یزید علی مقدار ثلثه من جمیع ترکته، و قد ذکرنا فی کتاب الحجر ان منجزات المریض فی مرض موته تصح و تخرج من الأصل.

المسألة الثامنة:

المعروف بین الفقهاء ان الهبة هی تملیک الأعیان، و بذلک عرفها جماعة منهم، و هذه هی الهبة المصطلحة، و لا یبعد القول بصحة الهبة فی المنافع أیضا و صحة هبة الحقوق القابلة للنقل، و ان لم تکن من الهبة المعروفة بین الفقهاء، و یدل علی صحتهما و نفوذهما عموم أدلة الوفاء بالعقود، و علی هذا فیصح للرجل أن یهب صاحبه سکنی داره المعینة مدة ستة أشهر من یوم الهبة أو مدة سنة أو أکثر، و یصح له أن یهبه حقه من التحجیر فی یوم الأرض المعینة، و یصح للمرأة أن تهب حقها من قسمة لیالی الزوج بین زوجاته لإحدی زوجاته الأخریات فینتقل ملک منفعة الدار الی الموهوب له فی المثال الأول و ینتقل الیه حق التحجیر فی المثال الثانی و ینتقل إلی الزوجة الأخری حق القسم فی المثال الأخیر.

المسألة التاسعة:

الأقوی صحة هبة الدین الذی یملکه الإنسان فی ذمة غیره مطلقا، فتصح هبة الدین للمدین نفسه، فإذا وهبه الدین الذی فی ذمته أفادت الهبة له فائدة إبراء الذمة، فیملک المدین الدین الذی فی ذمته و یترتب علی ذلک سقوط الدین عنه و براءة ذمته منه، و لا بد فی صحة هذه الهبة من قبول المدین أیضا کسائر عقود الهبة، و ان لم یعتبر القبول فی الإبراء، و هی فی ذلک نظیرة بیع الدین علی المدین نفسه و نظیره مصالحة المدین علی الدین الذی فی ذمته، فلا بد فیهما من قبول المدین و ان أفادا فائدة إبراء الذمة، و قد تقدم ذکرهما فی کتاب التجارة و فی کتاب الصلح.
و تصح کذلک هبة الدین لغیر من علیه الدین، و یکون قبض الموهوب
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 227
المعتبر فی صحة الهبة بقبض مصداق الدین و لو بعد حین، فإذا قبل الموهوب له و قبض مصداق الدین صحت الهبة و ملک الموهوب له المال.

المسألة العاشرة:

یشترط فی صحة الهبة قبض الموهوب له المال الموهوب، و لا یشترط فی قبضه الفوریة، بل یصح القبض و تصح الهبة به و ان تأخر عن العقد مدة طویلة، و سنذکره فی ما یأتی ان شاء اللّٰه تعالی.

المسألة 11:

القبض المعتبر فی صحة الهبة هو استیلاء القابض علی الشی‌ء المقبوض و وضع یده علیه سواء کان من المنقول أم من غیره، و قد أوضحناه فی المسألة المائتین و الخامسة و الثمانین من کتاب التجارة و أشرنا إلیه فی مواضع أخری.
و یحصل قبض الدین بقبض مصداقه، فإذا وهب زید خالدا دینه الذی یستحقه فی ذمة عمرو و هو مائة دینار أو عشرون منا من الحنطة، مثلا، و قبض خالد مصداق الدین من عمرو و لو بعد مدة صحت الهبة و ملک خالد المال الموهوب و یحصل قبض التحجیر الموهوب بقبض الأرض المحجرة، و یحصل قبض حق القسم الموهوب للزوجة بوصول الزوج إلیها فی اللیلة المعینة لها. و سیأتی بیان ما یتحقق به قبض المنفعة فی کتاب الإجارة ان شاء اللّٰه تعالی.

المسألة 12:

یشترط- علی الأحوط لزوما- فی صحة القبض فی الهبة أن یکون القبض باذن الواهب، فلا یکفی قبض الموهوب له المال إذا لم یأذن به الواهب، کما إذا خرج الموهوب له الی المال فی موضعه، فاستولی علیه من غیر علم الواهب و لا اذنه، فلا بد من تجدید القبض بعد الاذن علی الأحوط.

المسألة 13:

إذا وهب المالک لأحد شیئا، و کان الشی‌ء الموهوب فی ید الموهوب له فی حال الهبة، فإن دلت القرائن الحافة علی إقرار الواهب لهذا القبض
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 228
الموجود و اعتباره قبضا مصححا للهبة، کفی ذلک فی تحقق الشرط، و لم یحتج معه الی قبض آخر، و لا الی مضی زمان بعد العقد و المال فی ید الموهوب له و ان لم تدل القرائن علی ذلک، فالأحوط لزوما اعتبار الاذن بعد العقد و مضی زمان یکون فیه المال فی ید الموهوب له لیتحقق الشرط بذلک.

المسألة 14:

إذا وهب الأب ولده الصغیر شیئا، و کان الشی‌ء الموهوب فی ید الأب، فالأحوط لزوما أن یقصد الأب القبض عن الطفل بعد اجراء عقد الهبة، و لا یکتفی بالقبض الموجود، لأنه قبض لنفسه، لا للطفل الموهوب له، و کذلک إذا وهب الجد أبو الأب شیئا لولد ولده، و الشی‌ء الموهوب فی ید الجد الواهب فعلیه أن یقصد بعد الهبة القبض عن الطفل لیتحقق الشرط بذلک، و مثلهما الوصی القیم علی الصغیر المنصوب من الأب أو من الجد إذا وهب للصغیر المولی علیه شیئا مما فی ید القیم، فیجری فیه الحکم المذکور علی الأحوط بل و لا یترک الاحتیاط فی هذه الصورة بأن یقبض الحاکم الشرعی أو من یعینه عن الطفل أیضا مع قبض القیم المذکور عنه.
و إذا وهب غیر الولی للطفل شیئا فلا بد من قبض الشی‌ء الموهوب و یتولی ولی الطفل قبول الهبة و القبض بالولایة علیه. و بحکم الطفل المجنون الذی یتصل جنونه بصغره فتکون الولایة علیه للأب و الجد أبی الأب و للقیم المنصوب من أحدهما بعد موتهما، فتجری فیه الفروض المتقدمة و أحکامها.

المسألة 15:

تصح هبة الحصة المشاعة من الشی‌ء کما إذا وهب الرجل صاحبه نصف داره المعینة أو نصف بستانه المعین، و یحصل قبض الحصة المشاعة الموهوبة بأن یأذن الواهب للرجل الموهوب له فی ان یقبض الشی‌ء بأجمعه، فإذا قبضه کذلک فقد قبض فی ضمنه الحصة المشاعة الموهوبة منه.
و یتحقق قبض الموهوب له الحصة الموهوبة کذلک بأن یجعل الواهب
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 229
وکیلا فی قبض الحصة عنه، فإذا قبضها الواهب بالوکالة عنه صح ذلک و کفی فی تحقق الشرط.

المسألة 16:

إذا کانت عین الشی‌ء مشترکة بین مالکین، فوهب أحدهما حصته من الشی‌ء لشخص ثالث، أمکن للشخص الموهوب أن یقبض مجموع الشی‌ء بإذن الشریک، فیتحقق بذلک قبض الحصة الموهوبة فی ضمن قبضه للمجموع، فإذا قبض الموهوب له جمیع الدار المشترکة، و کان قبضه بإذن الشریک فقد قبض نصفها، و هو الحصة الموهوبة له حسب الفرض.
و إذا قبض المجموع بغیر اذن الشریک، تحقق قبض الحصة المشاعة الموهوبة له فی ضمنه، فتصح الهبة بذلک لتحقق شرطها و ان کان متعدیا و آثما فی قبض حصة الشریک بغیر إذنه.

المسألة 17:

إذا وهب الرجل لغیره شیئا کلیا فی الذمة أو کلیا فی المعین، کما إذا وهبه وزنة من الحنطة فی ذمة الواهب، أو وهبه وزنة من الحنطة فی هذه الصبرة المعینة، صحت الهبة و أمکن للموهوب له قبض الکلی الموهوب بقبض مصداقه، فإذا دفع الیه الواهب وزنة من الحنطة و قبضها منه تحقق القبض فی المثال الأول، و إذا دفع الیه وزنة حنطة من الصبرة المعینة و قبضها تحقق القبض فی المثال الثانی، و یتحقق القبض أیضا فی مثال الصبرة بقبض جمیع الصبرة بإذن مالکها، و بتوکیله فی أن یقبض المقدار الموهوب منها بالوکالة عن الموهوب له.

المسألة 18:

لا تشترط المبادرة فی قبض الشی‌ء الموهوب فی صحة عقد الهبة، فإذا تأخیر القبض لم تبطل الهبة بذلک، و ان تأخر عن العقد مدة طویلة، سواء کان التراخی عن عمد أم عن غفلة أم عن نسیان أم عن غیبة الواهب أو الموهوب له أو المال، فمتی تحقق القبض صحت الهبة إذا لم یفسخ العقد و لم یمت أحد المتعاقدین.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 230

المسألة 19:

لا تنفذ الهبة و لا یترتب علیها الأثر إلا بعد تحقق الشرط و هو القبض، فإذا تأخر القبض مدة و حصل للمال الموهوب نماء قبل القبض فهو للواهب، و إذا حصل القبض و لو بعد مدة تحقق ملک الموهوب له المال من حینه، فإذا تجدد له نماء بعد ذلک فهو للموهوب له.

المسألة 20:

إذا مات الواهب قبل أن یقبض الموهوب له المال بطل عقد الهبة، و کان المال من ترکة الواهب، فینتقل الی ورثته من بعده میراثا، و لیس للموهوب له أن یطالب ورثة الواهب بتسلیم المال الیه لیقبضه، و لا یقوم الورثة مقام مورثهم الواهب فی ذلک إذا أرادوه، فإذا رغبوا فی ذلک أوقعوا له هبة جدیدة و مکنوه من قبض المال.
و إذا مات الموهوب له قبل أن یقبض المال من الواهب بطلت الهبة کذلک و لم یصح لورثته أن یطالبوا الواهب بإقباض المال، و لیس للواهب أن یقبضهم لهبة مورثهم، و إذا رغب فی ذلک أنشأ لهم هبة جدیدة و دفع لهم المال.

المسألة 21:

إذا وهب الرجل شیئین من أمواله لشخصین بعقد واحد، لکل واحد منهما شی‌ء معین خصه به، فقبل أحد الشخصین الهبة، و قبض الشی‌ء الموهوب له، و لم یقبل الآخر العقد، أو قبل العقد و لم یقبض المال الموهوب حتی مات هو أو مات الواهب، صحت الهبة فی حصة الأول و نفذت، و بطلت فی حصة الموهوب له الثانی.
و کذلک الحکم إذا وهبهما شیئا واحدا من ماله: دارا أو بستانا، فقبل أحدهما و قبض حصته من المال الموهوب و لم یقبل الآخر أو قبل العقد و لم یقبض حصته حتی مات هو أو مات الواهب، فتصح الهبة فی حصة الأول و تبطل فی حصة الثانی.

المسألة 22:

إذا وقع عقد الهبة بین الواهب و الموهوب و حصل القبض صحت الهبة
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 231
کما ذکرنا أکثر من مرة، و هاهنا صور تختلف أحکامها بعد ذلک من حیث لزوم الهبة و عدم لزومها.
(الصورة الأولی): أن یکون الموهوب له من أرحام الواهب و ذوی قرباه: أبا أو أما له، أو ولدا، أو أخا، أو قریبا له، و الحکم فی هذه الصورة أن تکون الهبة له لازمة من جهة الواهب، فلا یجوز له بعد العقد و القبض أن یرجع فی هبته و یسترد المال الموهوب من قریبه.
و یشمل الحکم المذکور من کان بعیدا فی قرابته إذا کان ممن یعد رحما للواهب فی نظر أهل العرف کابن ابن العم و ابن ابن الخال، فضلا عن جد الجد أو جد الأب، و ابن ابن الأخ أو الأخت، فالرحم شامل لهم جمیعا سواء کان الرحم کبیرا أم صغیرا و مسلما أم کافرا، و ذکرا أم أنثی.
و لا یشمل الحکم المذکور من یتصل بالواهب بالمصاهرة کأبی الزوجة و أمها و أخیها، و کأبی الزوج و أمه و أخیه.

المسألة 23:

إذا وهب الرجل زوجته شیئا من المال أو وهبت المرأة زوجها لم یشملهما الحکم المذکور فیجوز للواهب منهما ان یرجع فی هبته للآخر علی کراهة، إلا إذا کانا من الأرحام، فلا یجوز للواهب الرجوع.

المسألة 24:

(الصورة الثانیة): ان تکون الهبة معوضا عنها، سواء کان العوض الذی دفعه الموهوب له کثیرا أم قلیلا، و سواء اشترط علیه فی الهبة أن یعوض عنها بشی‌ء أم لم یشترط علیه ذلک و لکنه أثاب الواهب علی هبته فدفع له عوضا عنها. و الحکم فی هذه الصورة أن تکون الهبة لازمة من جهة الواهب کذلک، فلا یجوز له الرجوع فی الهبة.
و یعتبر فی الفرض الأخیر من هذه الصورة- و هو ما یدفع فیه الموهوب له الی الواهب عوضا من غیر شرط- ان یکون ما یدفعه بقصد التعویض عن الهبة، فلا یکفی ما یدفعه الی الواهب بدون قصد التعویض،
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 232
و یعتبر فیه أیضا ان یرضی الواهب بذلک، فلا یکفی إذا دفع الموهوب له عوضا و لم یرض به الواهب.

المسألة 25:

(الصورة الثالثة): ان یقصد الواهب فی هبته وجه اللّٰه تعالی و التقرب بالهبة الیه و الحکم فی هذه الصورة کذلک ان تکون الهبة لازمة علی الواهب فلا یجوز له الرجوع فیها.

المسألة 26:

(الصورة الرابعة): أن تنتفی الحالات الثلاث عن الهبة، فلیست هبة لذی قرابة و لیست ذات عوض، و لم یقصد الواهب بها التقرب الی اللّٰه، و الحکم فی هذه الصورة انه یجوز للواهب ان یرجع فی هبته فیسترد المال الذی وهبه، إذا کان المال الموهوب قائما بعینه کما فی النصوص.
و یستثنی من الحکم بجواز الرجوع فی الهبة فی الصورة المذکورة عدة موارد یأتی ذکرها.

المسألة 27:

إذا تلفت عین المال الموهوب، فلیس للواهب ان یرجع فی هبته إیاها و یسترد من الموهوب له مثلها أو قیمتها، و کذلک إذا تلف بعض المال بحیث صدق مع تلف ذلک البعض ان المال الموهوب لیس قائما بعینه فی نظر أهل العرف، فلا یجوز للواهب ان یرجع بالهبة.

المسألة 28:

إذا تصرف الموهوب له فی المال الموهوب فنقله عن ملکه ببیع علی غیره أو هبة أو صلح، أو وقف المال علی بعض المصالح أو علی بعض الناس، أو أعتق العبد الموهوب، فهو فی حکم التالف، فلا یجوز للواهب أن یرجع فی هبته بعد هذا التصرف الناقل، و کذلک إذا نقل بعض المال عن ملکه بحیث یصدق معه ان المال لیس قائما بعینه فلا یجوز له الرجوع فی الهبة.

المسألة 29:

إذا تصرف الموهوب له فی المال الموهوب تصرفا یغیر عین المال و مثال ذلک ان یطحن الحنطة الموهوبة له أو یخبز الدقیق أو یقطع الثوب
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 233
و یفصله، أو یمزج المال بغیره مزجا ینتفی معه التمییز بین المالین سواء مزجه بنجسة أم بغیر جنسه، فلا یجوز للواهب أن یرجع فی هبته بعد هذا التصرف المغیر للعین، و کذلک إذا کان التصرف المغیر فی بعض المال بحیث صدق معه ان العین لیست قائمة فلا یجوز له الرجوع بها.

المسألة 30:

إذا تصرف الموهوب له فی المال تصرفا لا تتغیر به العین کما إذا لبس الثوب أو غسله و کما إذا رکب الدابة أو علفها أو سقاها أو رکب السیارة أو سکن الدار لم یمنع ذلک من ان یرجع الواهب بهبته، فله ان یسترد المال إذا لم یکن الموهوب له ذا رحم و لم تکن الهبة ذات عوض، و لم یقصد بها التقرب الی اللّٰه کما تقدم بیانه.

المسألة 31:

إذا تصرف الموهوب له فی الثوب الموهوب فصبغه أو صبغ السیارة ففی کون ذلک من التصرف المغیر للعین اشکال، فلا یترک الاحتیاط بعدم رجوع الواهب فی الهبة، و بالمصالحة بین الطرفین إذا هو رجع فی هبته.

المسألة 32:

إذا جاز للواهب أن یرجع فی هبته، صح له أن یرجع بهبته کلها فیسترد جمیع المال الموهوب من الشخص الموهوب له، و صح له ان یرجع ببعض هبته فإذا کان قد وهب للشخص شیئین بعقد واحد فله أن یرجع بهبة أحد الشیئین، و یبقی الهبة فی الشی‌ء الثانی، و إذا کان قد وهبه شیئا واحدا فله أن یرجع بهبة بعضه مشاعا و معینا فإذا کان قد وهبه دارا، فله ان یرجع بهبة نصف الدار مشاعا و له أن یرجع بهبة نصفها المحاذی لدار فلان مثلا.
و إذا وهب شیئین لرجلین بعقد واحد و قبضا ما وهب لهما و کانت الهبة جائزة، جاز له أن یرجع فی هبة أحد الرجلین دون الآخر.

المسألة 33:

تطلق الهبة علی نوعین: معوضة و غیر معوضة، و المعوضة من الهبة علی نحوین: الأولی هی ما شرط الواهب فیها علی الشخص الموهوب له
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 234
أن یعوضه عن هبته بعوض معین أو غیر معین، سواء و فی الموهوب له بشرطه أم لم یف و لم یعوض، و تسمی هذه بالهبة المشروطة.
و الثانیة هی ما دفع الموهوب له للواهب عوضا عن هبته، قلیلا أم کثیرا، سواء شرط الواهب علیه ذلک أم دفع الموهوب له العوض من غیر شرط. و تلاحظ المسألة الرابعة و العشرون. و الهبة غیر المعوضة هی التی لم یشترط الواهب فیها العوض، و لم یدفع الموهوب له للواهب عنها عوضا.

المسألة 34:

إذا أطلق الواهب هبته و لم یشترط فیها علی الشخص الموهوب له أن یدفع الیه عن الهبة عوضا، لم یجب علی الموهوب له ان یدفع إلیه شیئا علی الأقوی، سواء کان الواهب أدنی منزلة من الموهوب له أم کان مساویا له فی المنزلة أم ارفع، و ان کان الأحوط استحبابا أن یدفع الموهوب له عوضا للواهب إذا کان الواهب ادنی منه منزلة.
و إذا دفع الموهوب له الی الواهب عوضا عن هبته من غیر شرط لم یجب علی الواهب أن یقبل العوض المدفوع الیه، و إذا أخذ العوض لزمت الهبة، و لم یجز للواهب ان یرجع بها کما تقدم فی المسألة الرابعة و العشرین، و لم یجز للموهوب له ان یرجع بالعوض الذی دفعه علی الأحوط بل علی الأقوی.

المسألة 35:

إذا شرط الواهب علی الشخص الموهوب له فی العقد أن یدفع الیه عوضا عن هبته و تم العقد و وقع القبض علی ذلک لزم علی الموهوب له أن یدفع للواهب العوض المشترط علیه، و یجوز له أن یرد الهبة فإذا هو ردها لم یجب علیه التعویض عنها، و إذا هو لم یرد الهبة و لم یدفع العوض الذی اشترطه الواهب جاز للواهب أن یرجع فی هبته کما تقدم بیانه.

المسألة 36:

إذا اشترط الواهب علی الموهوب له ان یدفع عن الهبة عوضا، و عین
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 235
العوض الذی یدفعه و تم علی ذلک الإیجاب و القبول و وقع علیه القبض، تعین علی الموهوب له دفع العوض المعین، إذا هو لم یرد الهبة علی الواهب.
و إذا أطلق الواهب و لم یعین عوضا خاصا، أجزأ الموهوب له أن یدفع للواهب شیئا یسیرا عوضا عن هبته، الا أن تقوم قرینة خاصة أو عامة من عادة و نحوها علی أن یکون العوض المدفوع بمقدار المال الموهوب مثلا أو قیمة أو أکثر منه، فیتعین علی الموهوب له ذلک، و یجوز له ان یرد الهبة کما تقدم فلا یجب علیه دفع العوض.

المسألة 37:

إذا أراد الواهب أن یشترط فی عقد الهبة علی الموهوب له أن یدفع له عوضا عن هبته، فیمکن له أن یشترط علیه ان یدفع العوض علی وجه الهبة، فیقول له مثلا: وهبتک هذه الدار المعینة، بشرط أن تهبنی دارک المعینة فی الکوفة عوضا عن ذلک، فیکون مضمون العقد هبة فی مقابلة هبة، فإذا قبل صاحبه بالشرط و وهب له داره فی الکوفة فقد دفع الیه العوض المشترط علیه، و یشترط القبض فی صحة الهبة الثانیة کما یشترط فی صحة الهبة الأولی.
و یصح للواهب ان یشترط علی الموهوب له ان یبیع علیه شیئا معینا بثمن معین أو بثمن مثله، فیقول له مثلا وهبتک هذه الدار المعلومة بشرط أن تبیعنی بستانک الواقع فی کربلاء بألف دینار، أو یقول له بشرط أن تبیعنی البستان بالثمن الذی یقومه به أهل الخبرة، فیکون المضمون هبة مشروطة ببیع، فإذا قبل الموهوب له بذلک، ثم باعه البستان بالثمن المحدد فقد وفی له بالشرط و دفع الیه عوض الهبة.
و یجوز له ان یشترط علی الموهوب له ان یملکه شیئا معینا بالصلح، أو یصالحه علی أمر، فیقول له مثلا وهبتک هذه السلعة بشرط أن تصالحنی عن سیارتک المعینة بسیارتی هذه، أو یقول له: بشرط ان تصالحنی عن حقک فی الشفعة فی البستان الذی اشتریته فی الکوفة، فیکون المضمون هبة مشروطة بصلح، فإذا قبل صاحبه العقد المشروط ثم صالحه کما طلب فقد وفی بشرطه و أعطاه عوض هبته.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 236
و یجوز له أن یشترط علی الموهوب له أن یبرئه من دین له فی ذمته، أو یسقط له حقا ثبت له علیه، فیقول له وهبتک هذا المتاع بشرط ان تبرئ ذمتی من دینک الذی تستحقه علی، أو من نصفه، أو بشرط ان تؤجلنی به الی سنة، أو یقول له بشرط أن تسقط خیارک فی الدار التی اشتریتها منک، فیکون مضمون العقد هبة مشروطة بإبراء ذمة أو بإسقاط حق، فإذا قبل الموهوب له العقد و أبرأ ذمة الواهب من الدین أو أجله فیه أو أسقط له الخیار فقد وفی له بما اشترط و دفع له عوض الهبة.
و یصح له ان یشترط علی الموهوب له أن یعمل له عملا فیبنی له داره أو یقوم له بعمل خاص، فیقول له: وهبتک هذا الشی‌ء بشرط ان تتجر لی فی بضاعتی مدة شهر، أو بشرط أن تدافع عنی فی مرافعتی مع فلان، فیکون مضمون العقد هبة مشروطة بعمل، فإذا قبل الموهوب له العقد و قام للواهب بالعمل الذی طلب منه فقد وفی بالشرط و دفع الیه العوض. و هکذا.

المسألة 38:

إذا وهب رجل امرأة دارا له أو عقارا، و اشترط علی المرأة فی عقد الهبة أن تزوجه نفسها و قبلت المرأة الهبة منه و الشرط، و قبضت المال الموهوب علی ذلک، لزم علیها أن تفی للواهب بالشرط سواء کان قد عین لها مقدار الصداق فی اشتراطه التزویج بها أم ترک الخیار لها فی تقدیره، فقال لها- مثلا- وهبتک الدار المعینة، بشرط أن تزوجینی نفسک علی صداق قدره ألف دینار، أو قال بشرط أن تزوجینی نفسک علی ما تعینین من الصداق.
فإذا قبلت بذلک و قبضت الدار الموهوبة، صحت الهبة و صح الشرط، و کان مضمون العقد هبة فی مقابلة عقد نکاح، فإذا هی زوجته نفسها، فقد دفعت الیه عوض الهبة الذی اشترطه علیها، فلا یحق للرجل أن یرجع فی هبته إیاها، و یجوز للمرأة أن ترد الهبة علی الرجل فلا یجب علیها دفع العوض المشترط کما ذکرنا مرارا، و إذا هی لم ترد الهبة علی الرجل و لم تزوجه نفسها جاز للرجل أن یرجع فی هبته.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 237

المسألة 39:

إذا وهب الرجل رجلا آخر دارا أو عقارا مثلا و اشترط علیه فی عقد الهبة أن یزوجه بنته الصغیرة، و قبل الموهوب له الهبة منه و الشرط و حصل القبض علی ذلک، و کانت شروط تزویج الواهب بالصغیرة متوفرة فشروط الولایة علی البنت تامة فی أبیها الموهوب له، و لا مفسدة فی تزویج الواهب بها.
أقول: إذا تحقق فی الفرض جمیع ذلک صحت الهبة و صح الشرط، و وجب علی الأب الموهوب له ان یزوج بنته الصغیرة من الواهب، و یجوز له أن یرد الهبة، فلا یجب علیه الوفاء بالشرط.
و إذا زوجه الصغیرة کما اشترط لزمت الهبة علی الواهب فلا یجوز له ان یرجع بها، و إذا لم یرد الموهوب له الهبة و لم یف للواهب بالشرط، کان للواهب ان یرجع بالهبة، و الأمر فی الصداق کما تقدم.

المسألة 40:

إذا اشترط الواهب علی الرجل الموهوب له فی العقد أن یزوجه بنته الرشیدة، و کانت البنت قد أوکلت أمر تزویجها إلی أبیها، بحیث کان أبوها الموهوب له مستجمعا لشروط الولایة علی البنت و الوکالة منها، کان له أن یقبل الشرط، و إذا هو قبل الهبة و قبل الشرط جری فیه الحکم المتقدم فی المسألة السابقة سواء بسواء.

المسألة 41:

إذا اشترط الرجل الواهب علی الموهوب له فی العقد أن یزوجه أخته أو بنته التی لا ولایة له علیها لم یکن له أن یقبل الشرط من الواهب لعدم قدرته علی الوفاء به و کانت الهبة باطلة لعدم قبول الموهوب له.

المسألة 42:

إذا وهبت المرأة لرجل شیئا من مالها و اشترطت علیه فی عقد الهبة ان یتزوج بها، جاز للموهوب له أن یقبل الهبة و یقبل الشرط إذا لم یکن له مانع شرعی من التزوج بها، و إذا قبل الهبة و الشرط و قبض
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 238
المال الموهوب وجب علیه الوفاء بالشرط علی النحو المتقدم و تترتب علیها الآثار المتقدم بیانها.

المسألة 43:

إذا وهب الرجل غیره شیئا من ماله و اشترط علیه فی عقد الهبة شیئا یعود نفعه الی شخص ثالث، و مثال ذلک أن یهبه سلعة، و یشترط علی الموهوب له ان یهب زیدا و هو غیرهما عینا مخصوصة من مال الموهوب له، أو یبرئ زیدا من دین یستحقه فی ذمته أو یسقط له حقا من حقوقه، أو یشترط علیه ان یبیع علی الشخص المذکور شیئا معینا من ماله أو أن یصالحه فی شی‌ء أو أن یزوجه بنته، فهل یکون ذلک من التعویض المتقدم بیانه و تترتب علیه لوازمه؟.
قد یقال بذلک، فان الوفاء بالشرط الذی یشترطه الواهب غایة من غایاته، و قد یترتب علیه غرض لاحظه أو مثوبة یرجوها، و ان لم یعد الیه نفع الشرط بحسب الظاهر، و لکن المسألة مشکلة، فلا یترک فیها الاحتیاط، و أشد من ذلک اشکالا ما إذا کان الشرط الذی یشترطه الواهب مما یعود نفعه الی الشخص الموهوب له بنفسه، فلا تترک فیه مراعاة الاحتیاط.

المسألة 44:

إذا تم الإیجاب و القبول فی عقد الهبة، و قبض الشخص الموهوب له المال، صحت الهبة، و ترتب أثرها، فملک الموهوب له المال، و ملک کل نماء یتجدد للمال بعد العقد و القبض، فإذا کان المورد مما یجوز للواهب فیه أن یرجع فی هبته، فرجع فی الهبة و استرد المال الموهوب، لم یسترجع معه نماءه المنفصل الذی تجدد بعد العقد و القبض، کالولد، و اللبن الذی انفصل عن الضرع، و الثمر الذی جذ من النخیل أو قطف من الشجر، و لم یسترجع معه النماء الذی یکون فی حکم المنفصل کالحمل فی بطن الدابة، و اللبن فی الضرع و الثمر علی النخیل أو علی الشجر قبل جذاذه و قطافه.
و اما النماء المتصل کالطول و الکبر فی الحیوان و الشجر، و کالسمن
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 239
فی الحیوان، و کالنمو و بلوغ الثمرة فی الشجر، و نحو ذلک، فهو تابع للعین، فإذا استرد الواهب عین المال استرد معها هذه النماءات المتصلة.

المسألة 45:

إذا کان السمن فی الحیوان أکثر مما یتعارف فی مثله، فالأحوط المصالحة عنه بین الموهوب له و الواهب إذا هو رجع فی هبته و استرد المال.
و کذلک فی الصوف و الوبر و الشعر فی الحیوان، و نحو ذلک من النماءات المتصلة و لکنها تصلح للانفصال، فالأحوط المصالحة عنها بین الموهوب له و الواهب إذا هو رجع فی الهبة و استرد المال الموهوب.

المسألة 46:

إذا رجع الواهب فی هبته حیث یجوز له ذلک و وجد المال الموهوب معیبا، استرد العین القائمة و لم یستحق أرشا علی العیب الذی وجده فیها.

المسألة 47:

إذا تم عقد الهبة و قبض الموهوب له المال ثم مات الواهب، لزمت الهبة و لم یجز لورثة الواهب الرجوع فیها و ان کانت الهبة لأجنبی و غیر معوضة، أو کانت مشروطة و لم یف الموهوب له بالشرط فلا یقوم ورثة الواهب مقام أبیهم فی جواز الرجوع بالهبة.
و إذا مات الشخص الموهوب له- فی مثل الفرض المذکور- لزمت الهبة کذلک، و انتقل المال الموهوب الی ورثته، و لم یجز للواهب أن یرجع فی الهبة و یسترد المال، و أولی من ذلک بالحکم ما إذا مات المتعاقدان کلاهما و بقی ورثتهما، فلا یجوز الرجوع بالهبة.

المسألة 48:

إذا وهب الإنسان لغیره شیئا، و قبض الشخص الموهوب له المال، و کانت الهبة لازمة، لأن الرجل الموهوب له ذو قرابة من الواهب، أو لأن الهبة قد عوض عنها، أو لأن الواهب قد قصد بها التقرب الی اللّٰه، لم یجز للواهب أن یتصرف فی المال الموهوب ببیع أو صلح أو إجارة أو رهن أو غیر ذلک، فإذا باع العین الموهوبة کان البیع فضولیا، فان أجازه الموهوب له صح و الا کان باطلا، و کذلک إذا صالح علیه أحدا
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 240
أو آجره إیاه أو رهنه عنده کان تصرفه فضولیا لا یصح الا بإجازة الموهوب له.

المسألة 49:

إذا وهب الإنسان شیئا لغیره کذلک و کانت الهبة غیر لازمة، ثم باع الواهب عین المال فان کان حینما باع المال الموهوب ذاکرا لهبته غیر غافل عنها و لا ناس لها، فالظاهر صحة بیعه و یکون بیعه المال رجوعا منه فی الهبة.
و إذا کان حینما باع المال ناسیا لهبته أو غافلا عنها، ففی کون البیع فی هذه الحال رجوعا فی الهبة إشکال، و لا بد فی هذا الفرض من مراعاة الاحتیاط و لو بالمصالحة من الطرفین.

المسألة 50:

إذا کانت الهبة غیر لازمة، و أراد الواهب أن یرجع بها، فیمکن له أن ینشئ الرجوع بالقول، فیقول: رجعت بهبتی لفلان، أو فسخت عقد الهبة بینی و بینه، أو غیر ذلک من الألفاظ التی تؤدی المعنی المراد.
و یمکن له أن ینشئ الرجوع بالفعل، فیأخذ عین المال الموهوب من ید الموهوب له بقصد فسخ العقد، أو یبیع العین علی غیره بقصد الرجوع بالهبة، أو یؤجر العین، أو یرهنها أو یملکها لغیره بالمصالحة أو یوقف العین أو یعتق العبد الموهوب، و یقصد فی جمیع هذه الأفعال الرجوع بالهبة.

المسألة 51:

لا یشترط فی صحة رجوع الواهب فی هبته ان یعلم الموهوب له برجوعه فیها، فإذا أنشأ الرجوع فیها بالقول أو بالفعل صح ذلک و ان لم یعلم الموهوب له برجوعه.

المسألة 52:

قد ذکرنا فی المسألة الخامسة و العشرین: ان من الهبات اللازمة التی لا یجوز للواهب الرجوع فیها: الهبات التی یقصد الواهب بها وجه اللّٰه سبحانه و یتقرب بها الیه، و ذکرنا فی أول کتاب الهبة: ان الهبة المبحوث
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 241
عنها فی هذا الکتاب و التی تذکر فیه أحکامها تخالف الصدقة فی المعنی و الفرق بین المعنیین واضح لا ینبغی ان یخفی.
فالصدقة فی واقع أمرها إحسان من المعطی الی الفقیر علی وجه القربة، فقد تکون إحسانا إلیه بتملیک المال له و مواساته به، و قد تکون إحسانا إلیه بصرف المال علیه بإطعام أو اکساء أو إسکان أو شبه ذلک من غیر تملیک، و قد تکون إحسانا إلیه بإبراء ذمته من دین أو حق، و کلها إعطاء و إحسان و مواساة تختلف فی لب معناها المقصود عن نوع الإعطاء و نوع الإحسان و نوع المواساة فی الهبة.
و الهبات التی یتقرب بها الی اللّٰه سبحانه و یقصد بها وجهه الکریم کثیرة، و هی متفاوتة فی الفضل و تحصیل الزلفی لدیه.
فالهبة للأبوین و الهدیة لهما من أفضل ما یتقرب به الولد الی اللّٰه و یقصد به وجهه، فهی صلة لهما و من أجلی مظاهر البر و الرحمة بهما و الإحسان إلیهما، و قد تواترت الأدلة فی فضل ذلک و الأمر به و البحث الشدید علیه، و خصوصا البر بالأم و صلتها و الإحسان إلیها.
و کذلک الهبة للأولاد: البنین و البنات، فقد تکثرت الأدلة و تنوعت فی الدلالة علی الرأفة بهم، و الرفق بهم فی شؤونهم، و الإحسان إلیهم و لا سیما الضعفاء المحتاجون منهم.
و صلة الأرحام و البر بهم و التکریم لهم و القیام بتسدید حوائجهم و اعوازهم، فهی من کبیر ما یتقرب به العبد الی اللّٰه، و عظیم ما یوجب الزلفة عنده، و الأدلة علی ذلک کثیرة وفیرة.
و فی أحادیث العترة الطاهرة من أهل البیت (ع): ان صلة الرحم أعجل الطاعات ثوابا، و معنی ذلک أن من وصل رحمه ینال ثواب صلته فی الدنیا قبل الآخرة، کما ان قطیعة الرحم من اعجل الخطیئات عقوبة.
فقد ورد عن الامام محمد بن علی الباقر (ع) عن کتاب علی (ع): ان أعجل الطاعة ثوابا لصلة الرحم، و ان القوم لیکونون فجارا، فیتواصلون فتنمی أموالهم و یثرون، و ان الیمین الکاذبة و قطیعة الرحم لیذران الدیار بلاقع من أهلها.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 242
و من عظیم القربات الی اللّٰه الصلة و البر بالإخوان فی اللّٰه من المؤمنین و ان لم یکونوا أرحاما و أقرباء، و خصوصا أهل العلم و التقوی منهم، المقربون عند اللّٰه و ذوو المنزلة لدیه و الذین یکون التقرب منهم تقربا الی اللّٰه، و إدخال السرور علیهم إدخالا للسرور علی المعصومین ساداتهم.
و من القربات الکبیرة الی اللّٰه: الصلة و الهدایا للذریة الطیبة من ولد الرسول (ص) و أبناء الأئمة الهداة (ع) من المؤمنین المتقین الذین تکون صلتهم صلة لأجدادهم الطاهرین صلوات اللّٰه و سلامه علیهم أجمعین.

المسألة 53:

یجوز للأب أن یخص بعض أولاده بالهبة أو العطیة، و لا یهب و لا یعطی الآخرین منهم إذا کان لمن وهب له أو أعطاه مزیة فی العلم أو التقوی أو إحدی الممیزات الشرعیة الأخری، لا توجد فی غیره منهم، و یجوز له أن یهب للجمیع و یعطیهم، و یفضل صاحب المزیة بزیادة علی من سواه، بل الظاهر انه یجوز له ان یخصه بالهبة أو یفضله علی غیره إذا کانت له احدی الممیزات المحمودة بین العقلاء و ان لم تکن شرعیة و یجوز له أن یخص بعضهم کذلک بالعطیة، أو یفضله علی غیره، مع التساوی و عدم المزیة، علی کراهة فی ذلک و لعل الکراهة تکون أشد إذا کان غیر المخصوص أو المفضل هو صاحب المزیة.
و یحرم التخصیص أو التفضیل إذا کان ذلک یوجب وقوع البغضاء و الحقد و العداء و الفتنة بینهم، و الأحوط لزوما اجتنابه إذا کان مظنة لوقوع ذلک، أو کان سببا لانحراف الآخرین منهم و وقوعهم فی الضلال بل الظاهر التحریم فی الفرض الأخیر إذا علم بوقوع ذلک.

المسألة 54:

إذا کانت الهبة مما یجوز للواهب أن یرجع بها، ثم اشترط الشخص الموهوب له علی الواهب فی ضمن احد العقود اللازمة ان لا یرجع فی هبته، و قبل الواهب بذلک، وجب علی الواهب أن یفی له بالشرط فلا یجوز له ان یرجع بالهبة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 243

المسألة 55:

یکره للواهب أن یرجع فی هبته حیث تکون الهبة جائزة یصح له الرجوع فیها، فقد ورد عن الإمام أبی عبد اللّٰه (ع) قال قال رسول اللّٰه (ص) من رجع فی هبته کالراجع فی قیئه.

المسألة 56:

لا یشترط فی صحة الهبة ان یعلم الواهب و الموهوب له بمقدار المال الموهوب، فإذا وهبه ما فی الکیس، أو وهبه هذه الصبرة من الطعام و هما لا یعلمان مقدار ما فی الکیس من المال، و ما تحتوی علیه الصبرة من الطعام، صحت الهبة، و کذا إذا وهبه نصف الصبرة أو ربعها، و هما لا یعرفان بمقدارها حتی یعرفا مقدار النصف أو الربع الموهوب منها، أو وهبه ما فی ذمته من الدین و قد نسی الطرفان مقدار الدین، فتصح الهبة فی جمیع هذه الفروض.
نعم لا بد من تعیین الجزء إذا وهبه جزءا مشاعا من الشی‌ء، فلا یصح ان یهبه جزءا من الدار و لا یعین أن الجزء الموهوب هو ثلث الدار أو ربعها. و لا بد من تعیین المقدار إذا وهبه کلیا فی ذمة الواهب، فلا یصح أن یهبه مقدارا کلیا من الحنطة فی الذمة من غیر أن یعین المقدار، منا واحدا أو عشرة أمنان.

المسألة 57:

إذا وهب الرجل غیره شیئا معینا، و قبض الموهوب له المال الموهوب، ثم استبان بعد ذلک ان المال الموهوب ملک غیر الواهب، بطلت الهبة، و جاز لمالک المال ان یأخذ ماله حیث وجده، و إذا کان المال تالفا، جاز لمالکه ان یرجع بمثله إذا کان مثلیا و بقیمته إذا کان قیمیا.
و یتخیر فی أن یرجع بذلک علی الواهب أو علی الموهوب له، و إذا رجع المالک به علی الموهوب له، جاز لهذا أن یرجع علی الواهب بما غرم للمالک. لأنه مغرور من قبله.

المسألة 58:

إذا وهب الرجل غیره شیئا کلیا، و دفع الی الموهوب له فردا خاصا من الکلی، و بعد أن قبضه الموهوب له ظهر ان الفرد المدفوع الیه ملک
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 244
غیر الواهب، جاز للمالک أن یأخذ ما یملکه و هو الفرد المدفوع، و جاز للواهب أن یدفع للموهوب له فردا غیره، و إذا دفعه الیه تحقق بذلک القبض، و صحت الهبة، و یجوز له ان لا یدفع إلیه شیئا لعدم تحقق القبض بالدفع الأول فلم تصح الهبة لعدم شرطها.

المسألة 59:

إذا وهب أحد غیره مالا معینا، فأتلف الشخص الموهوب له عین المال الموهوب، فالظاهر بطلان الهبة، لعدم تحقق شرط صحتها و هو القبض، و إتلاف الشخص الموهوب له المال لا یعد قبضا له لتصح الهبة بذلک، و علی الموهوب له ضمان المال الذی أتلفه لمالکه و هو الواهب، فیدفع له مثله إذا کان مثلیا، و قیمته إذا کان قیمیا.

المسألة 60:

إذا دفع الشخص الموهوب له الی الواهب عوضا عن هبته و قبضه الواهب ثم ظهر ان العوض مملوک لغیر دافعه، جاز لمالکه أن یأخذ عین ماله حیث وجدها إذا کانت موجودة، و إذا کان المال تالفا جاز لمالکه أن یرجع بمثله أو قیمته، و یتخیر فی ان یرجع بذلک علی الواهب أو علی الموهوب له و إذا رجع به علی الواهب رجع الواهب علی الموهوب له بما اغترم، و صارت الهبة غیر معوضة.
و الحمد للّٰه رب العالمین
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 245

کتاب الإجارة

اشارة

کلمة التقوی، ج‌4، ص: 247
کتاب الإجارة و هو یحتوی علی عدة فصول:

الفصل الأول فی العقد و ما یعتبر فیه و فی صحته

المسألة الأولی:

الإجارة هی المعاوضة علی المنفعة، سواء کانت المنفعة عملا أم غیره من الفوائد التی ینتفع بها من الشی‌ء، کسکنی الدار، و عرض المبیعات، و التکسب بالبیع و الشراء فی الحانوت أو المحل، و رکوب الدابة أو السیارة أو السفینة.
و الإجارة قد تتعلق بأعیان أموال یملکها الشخص المؤجر، فتوجب نقل ملک المنفعة المقصودة لتلک الأعیان لمن استأجرها بالعوض المعین، و قد تتعلق بنفس انسان حر أو عبد، فتوجب ملکیة عمله المعین المقصود لمن استأجره بالعوض المعین، و علی وجه الاجمال، فوضوح مفهوم الإجارة بین الناس و عند أهل العرف و العقلاء منهم یغنی عن الإطالة فی شرح مفهومها و بیان تعریفها، و انها عقد من العقود، فکل ذلک واضح لا خفاء فیه.

المسألة الثانیة:

لا بد فی عقد الإجارة من الإیجاب و القبول، و الإیجاب فیها هو اللفظ الدال علی إنشاء العلاقة بین الشخص المستأجر و العین المستأجرة، أو النفس المؤجرة بالعوض المعین، و هذه العلاقة المنشئة تستتبع تملیک المنفعة المقصودة للمستأجر فی إجارة العین، و تستتبع تملیک العمل المعین للشخص فی إجارة النفس و اللفظ الصریح فی هذا المعنی، هو أن یقول
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 248
الموجب للمستأجر: آجرتک هذه الدار أو هذا الدکان أو هذا البستان مدة شهر مثلا بعشرین دینارا، أو یقول: أکریتک الدار أو العقار، أو یقول له: آجرتک نفسی مدة شهر، لبناء الدار المعینة بمائة دینار.
و القبول هو اللفظ الدال علی الرضا بما أنشأه الموجب من العلاقة و ما یتبعها من تملک منفعة أو تملک عمل بالعوض المعین، و اللفظ الصریح فی هذا المعنی، هو أن یقول المستأجر: قبلت، أو رضیت، أو استأجرت أو استکریت و لیس من العبارة الصریحة أن یقول الموجب للمستأجر: ملکتک سکنی الدار مدة شهر بعشرین دینارا مثلا، فیقول المستأجر تملکت المنفعة أو یقول قبلت تملکها بالعوض المعلوم، و ان کان الظاهر صحة العقد بذلک، و یشکل الحکم بالصحة إذا قال المؤجر: بعتک منفعة الدار أو قال بعتک سکناها مدة شهر بعشرین دینارا، و الأحوط ترکه.

المسألة الثالثة:

یصح إنشاء عقد الإجارة بأی لفظ یکون دالا علی المعنی المذکور بحسب المتفاهم العرفی بین الناس و ان کان بلغة غیر عربیة، و یکتفی من الأخرس و من یتعذر علیه النطق بالإشارة المفهمة للمعنی، فتکون الإشارة قائمة مقام اللفظ فی ذلک و یصح بها العقد فی الإیجاب و القبول.

المسألة الرابعة:

الأقوی کفایة المعاطاة فی عقد الإجارة، فإذا دفع مالک العین داره المعینة أو دکانه أو أی عین أخری ذات منفعة إلی المستأجر بقصد إنشاء العلاقة المذکورة بین المستأجر و العین المستأجرة، و یقصد تملیک منفعتها المعینة بالعوض المعلوم، و تسلم المستأجر منه العین بقصد إنشاء القبول صح العقد.
و کذلک فی إجارة النفس للعمل، فإذا شرع العامل فی العمل المستأجر علیه و جعل نفسه تحت اختیار المستأجر للخدمة مثلا أو للعمل المعین، و استولی المستأجر علیه لاستیفاء العمل منه وقعت المعاطاة و صحت الإجارة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 249

المسألة الخامسة:

الأحوط لزوما ان لا یتقدم القبول علی الإیجاب فی عقد الإجارة- ان لم یکن ذلک هو الأقوی- و قد تقدم فی صیغة البیع نظیر ذلک.
و یصح ان یقع الإیجاب من المستأجر للعین و القبول من المؤجر، فیقول مستأجر الدار لمالکها: استأجرت دارک المعینة للسکنی فیها مدة شهر بعشرین دینارا، فیقول صاحب الدار قبلت ذلک أو رضیت به، و یقول المستأجر للمؤجر، آجرتک مدة شهر لتعمل لی العمل المعین بعوض کذا فیقول المؤجر: قبلت أو رضیت بذلک أو آجرتک نفسی لذلک.

المسألة السادسة:

یشترط فی صحة عقد الإجارة أن یکون المتعاقدان- و هما المؤجر و المستأجر- بالغین، فلا یصح العقد إذا کانا صغیرین غیر ممیزین، أو کان أحدهما صغیرا غیر ممیز، فلا تصح الإجارة إذا وقع العقد منهما و هما کذلک، و لم یوقعها الولی عنهما، و ان بعد الفرض، و لا یصح العقد کذلک- علی الأحوط لزوما- إذا کانا معا صغیرین ممیزین، أو کان أحدهما صغیرا ممیزا.
و یشترط فی صحة العقد أن یکونا عاقلین، فلا یصح إذا کانا معا مجنونین غیر ممیزین، أو کان أحدهما کذلک، و لا یصح- علی الأحوط لزوما- إذا کانا مجنونین و کان جنونهما غیر رافع للتمییز، أو کان أحد المتعاقدین کذلک.

المسألة السابعة:

إذا کان الصبی ممیزا، و قام ولیه بالمعاملة فی إجارة دار یملکها الصبی مثلا، حتی أتم مقدمات المعاملة بینه و بین المستأجر، ثم وکل الولی الصبی فی إنشاء صیغة الإجارة، فأجراها الصبی بالوکالة عن الولی علی الوجه الصحیح، فالظاهر صحة الإجارة.
و یصح أن یتولی الصبی الممیز اجراء عقد الإجارة علی مال غیره إذا
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 250
و کله مالک المال فأجری العقد بالوکالة عنه علی الوجه الصحیح، و ان لم یأذن له الولی بذلک، و قد تقدم نظیر ذلک فی کتاب التجارة.

المسألة الثامنة:

یشترط فی کل واحد من المؤجر و المستأجر أن یکون قاصدا للمعنی المراد حین إنشائه عقد الإجارة، فإذا أنشأ الموجب اللفظ و هو غیر قاصد لإیجاد المعنی المقصود فی المعاملة- کما إذا نطق باللفظ و هو هازل فی قوله أو ساه أو غالط- وقع باطلا، و کذلک القابل، فإذا نطق بلفظ القبول و هو غیر قاصد المعنی وقع باطلا.

المسألة التاسعة:

یشترط فی کل واحد من المتعاقدین أن یکون مختارا فی إجراء المعاملة، فلا تصح الإجارة إذا کان کلا المتعاقدین أو کان أحدهما مکرها علی فعله، و قد تقدم بیان معنی الإکراه فی فصل شرائط المتعاقدین من کتاب التجارة، فلتراجع، و لتراجع المسائل المتعلقة بذلک فإن أکثرها جاریة هنا.

المسألة العاشرة:

إذا أنشأ الموجب الإجارة و هو مکره علی فعله، ثم ارتفع عنه الإکراه بعد ذلک، و رضی بإجارته الأولی و أجاز عقده فیها مختارا صح العقد و ترتب علیه أثره، و کذلک القابل إذا أنشأ القبول مکرها ثم أجاز العقد بعد ان ارتفع الإکراه عنه، فینفذ العقد و یترتب علیه أثره، و من ذلک یتضح ان الاختیار شرط للنفوذ.

المسألة 11:

إذا أنشأ المؤجر أو المستأجر عقد الإجارة مکرها علی الفعل، و کان الإکراه بحق، فالإجارة صحیحة نافذة، و مثال ذلک أن یکون زید قد اشترط علی عمرو فی ضمن عقد لازم أن یؤجره داره مدة سنة مثلا، و قبل عمرو بالشرط، ثم امتنع بعد ذلک عن الوفاء بالشرط، فأجبره الحاکم الشرعی علی الوفاء، فیصح العقد و ان کان المؤجر مکرها علی الفعل، و کذلک إذا کان الشرط علی المستأجر فامتنع عن الاستیجار و أجبره الحاکم علی الوفاء بالشرط.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 251

المسألة 12:

إذا اضطر الرجل إلی إجارة داره مثلا، کما إذا کان مدینا أو أجبره متسلط علی دفع مبلغ ظلما، فاضطر بسبب ذلک الی إجارة داره أو عقاره لتسدید المبلغ للدائن أو للمتسلط، فالإجارة صحیحة، و قد سبق نظیر ذلک فی کتاب التجارة.

المسألة 13:

یشترط فی صحة عقد الإجارة أن یکون المؤجر أو المستأجر غیر محجور علیه لسفه، فلا یصح للسفیه المحجور علیه ان یؤجر داره أو شیئا من أمواله، و إذا آجره و هو کذلک، وقعت الإجارة باطلة، إلا إذا أذن له الولی، فأوقع الإجارة بإذنه، أو أوقع الإجارة ثم أجاز الولی إجارته بعد العقد، و کذلک فی المستأجر إذا کان سفیها محجورا علیه، فلا یصح عقده إلا بإذن ولیه قبل العقد أو بإجازته بعد العقد.
و الأحوط لزوما أن لا یؤجر السفیه نفسه لعمل یکتسب به، الا إذا أذن له الولی بذلک قبل العقد، أو أجاز إجارته نفسه بعد العقد.

المسألة 14:

یشترط فی صحة عقد الإجارة أن لا یکون أحد المتعاقدین محجورا علیه لفلس، فلا یصح للمفلس المحجور علیه أن یؤجر داره أو شیئا من أمواله إلا بإذن الغرماء، أو إجازتهم لمعاملته بعد وقوع العقد، و یصح له أن یؤجر نفسه لعمل عند أحد أو لخدمة.

المسألة 15:

یشترط فی صحة عقد الإجارة أن لا یکون أحد المتعاقدین عبدا مملوکا فلا یصح للعبد ان یؤجر شیئا من أمواله أو یؤجر نفسه لخدمة أو لعمل، أو یؤجر مال سیده أو یؤجر مال غیر سیده إلا إذا أذن له سیده بذلک قبل العقد أو أجاز معاملته بعد وقوع العقد، و إذا کانت المعاملة علی مال غیر سیده فلا بد من اذن مالک المال أو إجازته مضافا الی إذن سیده أو إجازته.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 252

المسألة 16:

یشترط فی العین المستأجرة أن تعین فی عقد الإجارة إذا کانت الأفراد التی یراد اجارة أحدها مختلفة فی الصفات التی یرغب فیها المستأجرون، فإذا قال المالک للمستأجر: آجرتک احدی هاتین الدارین أو أحد هذین الدکانین، فان کانت الداران أو الدکانان اللذان یعینهما مختلفین فی الصفات المرغوبة، فلا بد من تعیین الدار أو الدکان فی عقد الإجارة و إذا لم یعین الفرد الذی تراد إجارته کانت الإجارة باطلة.
و إذا کان الفردان اللذان یعینهما متساویین فی الصفات المرغوبة فی الإجارة، فالظاهر الصحة و یتخیر المستأجر بین الدارین أو الدکانین، و کذلک الحکم إذا آجره احدی السیارتین أو أحد العبدین و غیر ذلک.

المسألة 17:

یشترط فی العین المستأجرة أن تکون معلومة عند کلا المتعاقدین، اما بالمشاهدة إذا کانت العین حاضرة، و اما بذکر أوصافها التی یرتفع بذکرها الجهل، و التی تکون وجودها و نقصها موجبا لاختلاف رغبة الناس فی إجارتها، و هذا إذا کانت العین غائبة أو کانت کلیة، فلا تصح اجارة دار أو دکان مثلا، و هو غیر مشاهد و لا موصوف.

المسألة 18:

یشترط فی العین المستأجرة أن تکون مقدورا علی تسلیمها للمستأجر، فلا تصح إجارة دابة شاردة أو سیارة مسروقة، أو عبد آبق، إلا إذا استطاع المؤجر تسلیمه للمستأجر بحیث لا تفوته المنفعة المقصودة.
و لا تصح اجارة العبد الآبق مع الضمیمة- علی الأحوط لزوما- بل لعله هو الأقوی.

المسألة 19:

یشترط فی العین التی یراد استیجارها أن تکون مما یمکن الانتفاع بها مع بقائها.
و هذا الشرط ینحل فی حقیقته الی شرطین، الأول: أن تکون العین ذات منفعة ممکنة الحصول، فلا تصح اجارة العین إذا انعدمت منها
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 253
المنفعة المقصودة و مثال ذلک ان تستأجر أرض للزراعة فیها، و هی مما یتعذر وصول الماء إلیها، و لا یوجد الماء الکافی لسقیها من مطر و غیره، أو تکون مما یتعذر نمو الزرع فیها لغلبة الملح علیها و کثرة السبخ فیها، و مثال ذلک أیضا ان تستأجر دار للسکنی فیها و هی مما ینعدم وجود الماء فیها و فی ما حولها للشرب و الاستعمال و لا یمکن نقل الماء إلیها و لا خزنه فیها أو تکون مما تنعدم فیها احدی الضرورات الأخری للحیاة.
الشرط الثانی ان تکون، العین مما ینتفع بها مع بقائها، فلا یصح ان یستأجر الشی‌ء الذی لا ینتفع به الا بإذهاب عینه کالخبز لا ینتفع به الا بأکله و ماء الشرب لا ینتفع به الا بشربه، و الحطب و النفط و الغاز لا ینتفع به الا بوقده و اشعاله و حرقه.

المسألة 20:

یشترط فی العوضین فی عقد الإجارة، و هما المنفعة التی یطلبها المستأجر، و بدل الإجارة الذی یطلبه المؤجر: أن یکونا مملوکین، فلا تصح الإجارة إذا کانت المنفعة أو الأجرة ملکا للغیر، الا علی نحو العقد الفضولی و سیأتی بیانه ان شاء اللّٰه تعالی.
و یتحقق ملک المنفعة بتبع ملک العین المستأجرة، فمن ملک الدار مثلا أو الأرض ملک منفعتهما بالتبع، و یتحقق ملک المنفعة أیضا باستئجار العین، فمن استأجر دار زید منه مدة سنة مثلا، ملک سکنی الدار فی تلک المدة المحدودة، فإذا لم یشترط المؤجر علیه أن یستوفی سکنی الدار بالمباشرة و لم یکن ذلک هو الذی ینصرف إلیه إطلاق العقد، جاز له أن یملک سکنی الدار لغیره بإجارة أو هبة أو صلح أو غیر ذلک.
و یحصل ملک المنفعة بالوقف کما إذا وقف المالک داره أو أرضه علی ذریته أو علی طائفة معینة أو أفراد مخصوصین، علی نحو تکون منفعة الدار أو الأرض ملکا للموقوف علیهم، لا علی نحو السکنی أو استیفاء المنفعة بالمباشرة، فیجوز لولی الوقف إجارتها لهم.
و یحصل ملک المنفعة بأحد أسباب التملیک الأخری للمنفعة کما إذا وهب الرجل سکنی داره لأحد مدة معینة، بناء علی المختار من صحة هبة
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 254
المنافع کما ذکرناه فی کتاب الهبة فی المسألة الثامنة، و کما إذا ملکه المنفعة بالصلح، أو جعلها ثمنا فی عقد البیع أو صداقا فی عقد التزویج أو جعلتها المرأة عوضا للخلع أو المباراة و غیر ذلک من الأسباب المملکة، فإذا ملکها الشخص بأحد هذه الأسباب جاز له ان یملکها غیره بالإجارة.
و تصح الإجارة إذا کانت المنفعة بمنزلة المملوکة شرعا، کما إذا آجر الحاکم الشرعی أو وکیله بعض الموقوفات عند طروء بعض الحالات المبیحة لاجارة أعیانها، لتصرف منافعها من الإجارة فی المصاریف التی عینها الواقف.
و کما إذا آجر الحاکم الشرعی أو وکیله الدار التی یشتریها بمال الزکاة من سهم سبیل اللّٰه عند اقتضاء الأمر شراءها، و قد ذکرنا ذلک فی فصل شرائط العوضین من کتاب التجارة، فإذا اشتری الدار کذلک صحت له إجارتها لینفق مال الإجارة فی سبیل اللّٰه کذلک.
و یتحقق ملک عوض الإجارة بأحد الأنحاء التی یتحقق بها ملک الأعواض الأخری فی البیع و الصلح و بقیة المعاوضات.

المسألة 21:

یشترط فی کل واحد من العوضین أن یکون مالا عند العقلاء، و قد ذکرنا فی المسألة السابعة عشرة، و المسألة المائة و الثامنة عشرة: من کتاب التجارة المعیار الذی یکون به الشی‌ء مالا فی نظر أهل العرف فلتراجع المسألتان.

المسألة 22:

یشترط فی المنفعة أن تکون محللة فی الإسلام، فلا تجوز الإجارة و لا تکون صحیحة إذا کانت المنفعة محرمة و مثال ذلک أن یؤجر المالک منزله أو محله أو دکانه لیعمل فیه المسکر، أو لیحرز فیه، أو لیکون موضعا لبیعه أو لشربه، أو لیکون موضعا للبغاء أو الفسوق أو لشی‌ء من المحرمات، أو یؤجر الإنسان نفسه أو سیارته أو سفینته أو دابته لحمل الخمر أو لحمل غیره من المسکرات، أو یستأجر الجاریة للغناء و الرقص و شبه ذلک من المحرمات أو یؤجرها لذلک.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 255
و قد یستغنی عن هذا الشرط بالشرط المتقدم فی المسألة العشرین، و هو اشتراط کون المنفعة مملوکة فإن المنفعة المحرمة لیست مملوکة.

المسألة 23:

إذا کانت للعین التی یراد استیجارها منافع عدیدة یمکن ان تستوفی منها، فلا بد فی عقد الإجارة من أن تعین المنفعة المقصودة فی العقد و التی یبذل المستأجر بإزائها المال، فإذا کانت الدار یمکن أن تکون للسکنی فیها، و یمکن أن تتخذ مخزنا لبعض الأموال، و یمکن أن یجعل معرضا لبعض البضائع فی التجارة، و یمکن أن تستعمل معملا لبعض المنتوجات، و یمکن أن تتخذ موضعا لنزول المسافرین، فلا تصح اجارة الدار حتی یعین المستأجر فی العقد ای منافع الدار یرید تملکها.
و کذلک العقار و الأرض و سائر الأعیان المملوکة إذا کانت المنفعة فیها تقع علی أنواع، فیجب تعیین المنفعة المقصودة و یصح للمستأجر أن یستأجر العین بجمیع منافعها، فتکون جمیع منافع العین المستأجرة ملکا له یستوفی منها ما یشاء.

المسألة 24:

یعتبر فی المنفعة التی یراد تملکها بعقد الإجارة أن تکون معلومة المقدار، و یحصل العلم بمقدار المنفعة فی مثال استیجار الدار للسکنی فیها، و استیجار الدکان أو المحل للبیع و الشراء فیه، و نحو ذلک بتقدیر المدة فیستأجر الدار مدة سنة مثلا أو مدة شهر، و کذلک حینما یستأجر الدکان أو المحل أو الأرض و نحوها، و لا بد فی جمیع ذلک من تعیین الزمان، فیقول المؤجر مثلا: آجرتک الدار لتسکنها أو الدکان لتتجر فیه مدة شهر من حین صدور العقد، أو من أول یوم من شهر رجب.
و یکفی فی تعیین زمان الإجارة أن تدل القرینة علی تعیینه، و إذا أطلق العقد و لم یذکر فیه زمانا خاصا، فالإطلاق یدل علی التعجیل، و ینتج من ذلک ان أول مدة الإجارة هو حین صدور العقد.
و یحصل العلم بمقدار المنفعة فی مثال استیجار الدابة أو السیارة للرکوب بتحدید المسافة، فیؤجره الدابة، أو السیارة للرکوب فیها خمسة فراسخ أو عشرین کیلومترا مثلا، و لا بد فیها من تعیین الزمان
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 256
کما تقدم و یمکن أن یحددها بالمدة أیضا، فیستأجر الرجل الدابة أو السیارة من مالکها للرکوب و التنقل علیها مدة ساعتین مثلا أو مدة یوم، أو یستأجر منه الدابة أو السیارة مدة أسبوع أو أکثر لتبقی تحت ارادته و تصرفه فی هذه المدة یتنقل فیها متی شاء و این شاء، و لا بد فیها من تعیین الزمان، و إذا لم یعین الزمان فی ما تحدد المنفعة فیه بالمدة أو بالمسافة و لم تدل القرائن علی التعیین کانت الإجارة باطلة.
و یحصل العلم بمقدار المنفعة فی مثال البناء و خیاطة الثوب بتقدیر موضوع العمل المستأجر علیه، فإذا عین الثوب الذی یرید خیاطته و مقدار طوله و عرضه، و نوع الخیاطة التی یریدها من الخیاط، و عین الجدار أو البیت أو الدار التی یرید بناءها أو تعمیرها و نوع البناء الذی یریده من العامل، کفی ذلک، و الظاهر اعتبار تعیین الزمان فیه علی النهج السابق فی نظائره.

المسألة 25:

الظاهر أنه یکفی فی صحة إجارة السیارة و نحوها من وسائل النقل إلی مکة أو إلی المدینة أو الی غیرهما من البلدان، العلم بین البلدین من المسافة علی وجه الاجمال، و ان جهل مقدارها علی نحو التفصیل، فان الجهل به کذلک و بمقدار ما یتطلبه السیر من الزمان لا یوجب غررا علی احد المتعاقدین.
و هذا هو المتعارف عند عامة العقلاء، فیکفی هذا المقدار من العلم بالمنفعة فی صحة هذه الإجارة و أمثالها إذا کان رافعا للجهالة فی نظر أهل العرف و رافعا للغرر، و هی بسبب ذلک لا تعد معاوضة علی منفعة مجهولة، نعم لا بد من تعیین زمان السفر، و لو بالقرائن التی تدل علی تعیین الزمان، کما إذا کان لسفر القافلة موعد محدد، أو کانت لإجازة الدولة للسفر تأریخ معین، و أشباه ذلک من القرائن العامة أو الخاصة الدالة علی التعیین.
و نظیر ما تقدم أن یستأجر الرجل السیارة للسفر فیها إلی مکة ثم للعود فیها الی بلده بعد أداء الحج أو العمرة، أو یستأجرها للسفر فیها إلی مکة ثم إلی المدینة أو بالعکس، ثم الی وطنه، أو یستأجرها للسفر
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 257
فیها کذلک، و لتکون معدة له فی جمیع تنقلاته فی المواضع و المشاعر أیام حجه و زیارته حتی یعود الی وطنه، فان العرف یکتفی بالمقدار المتقدم ذکره فی تحدید المنفعة المستأجر علیها و لا یعدها من المجهول.

المسألة 26:

یشترط فی الأجرة، و هی العوض الذی یدفعه المستأجر بدلا عن المنفعة التی یتملکها بالإجارة، أن تکون معلومة المقدار، فان کانت مما یعرف مقداره بالکیل أو بالوزن، أو بالعدد أو کانت مما یذرع أو مما یقدر بضبط المساحة، وجب أن تعتبر کذلک بما یعلم به مقدارها من ذلک، و ان کانت مما یکتفی فیه بالمشاهدة أو بالوصف الرافع للجهالة و الغرر کفی ذلک فی صحة الإجارة علیها کما یکتفی به فی البیع و غیره من المعاوضات.

المسألة 27:

یصح فی بدل الإجارة أن یکون عینا شخصیة، و یجوز أن یکون أمرا کلیا فی الذمة، حالا أم مؤجلا إلی أجل مسمی، و یجوز أن یکون کلیا فی مال معین، فیقول المؤجر لصاحبه، آجرتک الدار المعینة شهرا بعشرین دینارا فی ذمتک أو یقول: بعشرین دینارا من هذا المال المعین، و یجوز أن یکون کسرا مشاعا من مال معین، فیقول: آجرتک الدار شهرا بنصف هذه السلعة أو ربعها، و یصح أن تکون الأجرة عملا من الأعمال، و أن تکون منفعة من المنافع، و أن تکون حقا من الحقوق القابلة للنقل علی التفصیل الذی تقدم بیانه فی الثمن من کتاب التجارة فی فصل شرائط العوضین.
و یقدر العمل و المنفعة و الحق الذی یجعل عوضا فی الإجارة بما تقدر به هذه الأمور فی ثمن المبیع و حین تجعل أعواضا فی المعاملات الأخری.

المسألة 28:

إذا کانت المنفعة المقصودة بالإجارة مما تقدر بالزمان کسکنی الدار، و استئجار الرجل لیکون سائقا له فی سیارته أو عاملا له فی متجره أو معمله، فلا بد و أن تضبط المدة فی العقد علی وجه لا تقبل الزیادة و النقص،
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 258
فتضبط بعدد الأیام مثلا أو بعدد الأسابیع أو الشهور أو السنین، و لا یصح أن تجعل المدة إلی مقدم زید من سفره، أو الی أوان جذاذ التمر أو قطاف الثمرة أو حصاد الزرع.

المسألة 29:

إذا استأجر الرجل صاحبه لعمل معین و قدر له مدة معینة علی نحو یطبق فیها اجزاء العمل علی اجزاء المدة شیئا فشیئا، حتی ینتهی العمل المستأجر علیه بانتهاء المدة، و مثال ذلک ان یستأجره لصیام ثلاثین یوما فی شهر رجب مثلا، أو یستأجره لبناء مسجد معین المقدار فی عشرین یوما معینة فیبدأ بالبناء فی أول المدة و ینجز منه فی کل یوم شیئا حتی یتم البناء مع تمام الأمد.
فإن علم ان المدة المعینة تتسع لانجاز العمل المستأجر علیه فیها، کانت الإجارة صحیحة نافذة، و مثال ذلک أن یستأجره لصیام عشرین یوما من شهر رجب من أول الشهر الی یوم العشرین منه فتصح الإجارة و یجب الوفاء بها، و ان علم ان الزمان المعین لا یتسع للعمل المستأجر علیه کانت الإجارة باطلة، و إذا احتمل کل من الأمرین کما فی المثال الأول، فقد یتم شهر رجب فیتسع لصیام ثلاثین یوما، و قد ینقص، فلا یتسع لذلک، أشکل الحکم بالصحة.
________________________________________
بصری بحرانی، زین الدین، محمد امین، کلمة التقوی، 7 جلد، سید جواد وداعی، قم - ایران، سوم، 1413 ه ق

کلمة التقوی؛ ج‌4، ص: 258

المسألة 30:

إذا استأجر الإنسان من المکاری دابة لحمل بعض الأثقال، و کانت الأجناس التی یراد حملها مختلفة فی أجرة حملها، أو کان بعضها مما یضر حمله بالدابة أو کان بعضها مما یمنع حمله من قبل الدولة مثلا و نحو ذلک، فلا بد فی صحة الإجارة من تعیین الجنس الذی یرید المستأجر حمله علی الدابة، و إذا کانت الأغراض لا تختلف فی ذلک لم یشترط ذکر الجنس.
و لا بد أیضا من تعیین مقدار ما یحمل علی الدابة إذا کان المقدار مما تختلف فیه الأجرة أو کان بعض المقادیر مضرا بالدابة، و إذا لم تختلف الأغراض فی ذلک لم یجب تعیین المقدار، و یکفیه ان یعین المقدار بما یرتفع به الغرر من مشاهدة أو وصف.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 259
و کذلک الحکم إذا استأجر من غیره سیارة أو حاملة أثقال لحمل بعض الأجناس و نقلها، فلا بد من ذکر الجنس و المقدار إذا کان مما تختلف فیه الأجرة أو تختلف فیه الأغراض و إذا لم تختلف الأجرة و لا الأغراض الأخری لم یشترط ذکرهما.

المسألة 31:

إذا استأجر الإنسان من المکاری دابة للسفر علیها الی بلد معین، و کان الطریق الی ذلک مختلفا، فلا بد من تعیین الطریق الذی یرید سلوکه فی السفر، و الزمان الذی یرید أن یکون السیر فیه، أ هو اللیل أم النهار، و إذا أراد السفر فی النهار، أ فی أطرافه أم فی عامة النهار، لاختلاف الأغراض بین الناس فی کل ذلک، فلا بد من تعیین المراد، و إذا اختلفت الأغراض باختلاف الراکب فلا بد من تعیینه، فقد لا یرغب المکاری فی صحبته، و قد یجد فی ذلک حرجا أو خوفا، و علی وجه الاجمال، فلا بد من التعیین عند اختلاف الغایات و الأغراض فی الراکب و المرکوب و الطریق و الوقت و غیر ذلک.
و کذلک الحکم إذا أراد أن یستأجر من غیره سیارة للسفر فیها، فلا بد من التعیین عند اختلاف الغایات و الأغراض فی شی‌ء من ذلک، سواء أراد أن یستأجر السیارة وحدها، أم یستأجر السیارة و السائق و لا یجب التعیین فی مالا تختلف الأغراض فیه.

المسألة 32:

إذا أراد الإنسان أن یستأجر دابة لحراثة أرض، فلا بد و أن تکون الأرض التی یرید حرثها معلومة المقدار و المساحة، جریبا مثلا أو جریبین أو أکثر، فلا تصح الإجازة إذا کانت الأرض مجهولة المقدار و لا بد أیضا من مشاهدة الأرض المقصودة أو وصفها بما یرفع الغرر إذا کانت الأرضون حولها مختلفة فی صعوبة الحرث و سهولته، فان ذلک مما یوجب الاختلاف فی مقادیر الأجرة، أو فی الأغراض الأخری التی یبتغیها المتعاملون فی ما بینهم، فیکون عدم التعیین موجبا للغرر و الجهالة.
و إذا کانت الأرض متساویة، بحیث لا یوجب اختلافها اختلافا فی
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 260
الأجرة أو فی الأغراض الأخری بین المتعاملین، فلا یجب التعیین و المشاهدة للأرض المقصودة إذا کانت معلومة المقدار.
و کذلک فی الحکم ما إذا استأجر الإنسان احدی الآلات الحدیثة لحراثة أرضه، فتجری فیها الفروض و الأحکام المتقدمة، سواء استأجر الآلة وحدها أم استأجر الآلة و الحارث.

المسألة 33:

إذا قال صاحب الدار لمن یرید أن یستأجرها منه: آجرتک الدار الی شهر واحد، أو قال له: آجرتک إیاها إلی شهرین، صحت الإجارة فی المثالین إذا قبل المستأجر العقد، و کان مبدأ مدة الإجارة من حین العقد.
و إذا قال له آجرتک الدار الی شهر أو الی شهرین علی نحو التردید بین مدتین فی عقد الإجارة کانت الإجارة باطلة.

المسألة 34:

إذا قال مالک الدار لمن یرید أن یستأجرها منه: آجرتک الدار کل شهر بخمسة دنانیر مثلا و کان المقصود من هذا العقد: أنه آجره الدار اجارة واحدة مدة غیر محددة، و أن عوض الإجارة عن کل شهر یسکن فیه الدار خمسة دنانیر، فلا ریب فی بطلان الإجارة، لعدم تعیین المدة، و عدم معلومیة مقدار الأجرة.
و إذا کان المقصود أنه آجره الدار إجارات متعددة، لکل شهر علی انفراده اجارة مستقلة بخمسة دنانیر، مهما بقی ساکنا فی الدار، فالظاهر صحة الإجارة فی الشهر الأول بالأجرة المعینة و بطلان العقد فی بقیة الشهور.

المسألة 35:

إذا أجریت المعاملة بین المالک و المستأجر علی النحو الأخیر فی المسألة المتقدمة، فیمکن تصحیح المعاملة فی الشهور الباقیة، بأن تجری الإجارة فی کل شهر منها بنحو المعاطاة بین الطرفین علی النحو السابق فی الشهر الأول، فیسکن المستأجر الدار و یدفع للمؤجر خمسة دنانیر فی کل شهر بقصد إنشاء الإجارة فیه بهذه المعاطاة، و هکذا، و هذا هو المتعارف فی
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 261
إجارة الفنادق للنزلاء فیها، و فی إجارة البیوت المعدة للإجارة شهریا أو سنویا، و اجارة الدکاکین و المحلات المعدة للإجارة، فتجری الإجارة بنحو المعاطاة فی الأشهر اللاحقة علی النهج الذی جرت علیه الإجارة فی الشهر الأول.

المسألة 36:

إذا قال صاحب الثوب للخیاط: ان خطت ثوبی هذا بدرز واحد فلک درهم واحد، و ان خطته بدرزین فلک درهمان، و قصد بعبارته اجارة الخیاط علی ذلک، فالظاهر صحة الإجارة- إذا قبل الخیاط العقد- و تکون اجارة له علی الإتیان بأحد العملین علی نحو التخییر بینهما، و هو فی ذلک نظیر الواجب التخییری فی الواجبات الشرعیة، و نتیجة لذلک فیجب علی الخیاط أن یأتی بأی العملین شاء، و إذا أتی به استحق علی المستأجر ما عین له من الأجرة فی العقد.
و إذا قصد بقوله المذکور إنشاء الجعالة، صحت جعالة کما قصد، فإذا أتی الخیاط بأحد العملین استحق علی الجاعل ما عین له من العوض.
و مثله فی الحکم ما إذا قال للخیاط: ان خطت ثوبی هذا فی هذا الیوم فلک درهمان، و ان خطته غدا فلک درهم واحد، فان قصد الإجارة صحت اجارة علی وجه التخییر، و ان قصد الجعالة صحت جعالة علی نهج ما سبق.
و الفارق بین الإجارة و الجعالة: ان الإجارة عقد من العقود، و لذلک فلا بد فیها من قبول الخیاط فی الفرض المذکور، و إذا تم العقد اشتغلت ذمة العامل و هو الخیاط للمستأجر بالعمل من حین العقد، و اشتغلت ذمة المستأجر و هو صاحب الثوب بالعوض للخیاط من حین العقد کذلک.
و اما الجعالة فهی إیقاع، و لذلک فلا تفتقر الی القبول من العامل، و لا تشتغل ذمة صاحب الثوب بالعوض قبل أن یأتی العامل بالعمل، و لا تشتغل ذمة العامل بالعمل، و إذا هو أتی به باختیاره استحق العوض المجعول علی صاحب الثوب.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 262

المسألة 37:

إذا استأجر الإنسان المکاری و دابته لیوصله علیها الی بلد معین فی وقت معین أو استأجر السائق و سیارته لذلک علی وجه یکون إیصاله إلی الموضع فی الوقت المعین قیدا فی العمل الذی استأجره علیه، فلم یوصله الأجیر إلی الموضع فی الوقت المحدد.
فان کان عدم إیصاله فی الوقت لضیق الزمان عن ذلک، کانت الإجارة باطلة لعدم القدرة علی الوفاء بها.
و إذا کان الزمان یسع ذلک و لکن الأجیر تباطأ فلم یوصله فی الوقت، فإن أمکن للأجیر أن یأتی بالعمل فی الوقت المحدد، من حیث أن الزمان لا یزال یتسع لذلک، وجب علیه أن یأتی بالعمل فی الوقت فیوصل المستأجر إلی البلد المعین فی الوقت المحدد، و إذا قام بالعمل کذلک فأوصله فی الوقت استحق علیه الأجرة المعینة، و ان لم یمکنه أن یأتی بالعمل المستأجر علیه فی الوقت لم یستحق من الأجرة شیئا.
و نظیر ذلک فی الحکم ما إذا أخذ المستأجر إیصاله إلی المکان فی الوقت المعین شرطا فی عقد الإجارة لا قیدا فی العمل المستأجر علیه، و قبل الأجیر بالشرط و لم یوصله فی الوقت کما شرط فتجری فیه الفروض المتقدم ذکرها فی القید و تنطبق علیها أحکامها، فتبطل الإجارة فی الفرض الأول، و هو ما إذا ضاق الزمان عن الإتیان بمتعلق الإجارة و یجب علی الأجیر الإتیان بالعمل المشروط فی الفرض الثانی و هو ما کان الوقت لا یزال یتسع للإتیان بالعمل.
و إذا أتی به کذلک استحق الأجرة المعینة، و إذا لم یتسع الوقت و لم یمکن ذلک لم یستحق من الأجرة شیئا، فالشرط المذکور بحکم القید فی جمیع ذلک.

المسألة 38:

لا تختص الأحکام المذکورة فی المسألة المتقدمة بالفروض الخاصة التی ذکرت فیها، بل تجری فی کل عمل یستأجر علیه الأجیر، و یقید العمل فی الإجارة بقید معین، من زمان خاص أو مکان خاص أو وصف خاص، و شبه
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 263
ذلک من القیود، ثم یأتی الأجیر بالعمل بغیر قیده المعین، فتأتی فیه الفروض الآنف ذکرها فی المسألة المتقدمة و یجری فی کل فرض منها حکمه الذی بیناه له، فتبطل الإجارة فی الفرض الأول، و یجب علی الأجیر أن یأتی بالعمل مع قیده فی الفرض الثانی، فان لم یمکنه ذلک لم یستحق من الأجرة شیئا، و هو الفرض الأخیر.
و قد ذکرنا أن شرط الإتیان بالعمل فی الزمان المعین، بحکم القید فی جمیع الفروض، و هو کذلک فی سائر الأعمال التی یشترط ذلک فیها علی الأجیر.

المسألة 39:

إذا استأجر الإنسان أجیرا لعمل معین، و اشترط علیه فی عقد الإجارة شرطا، و قبل الأجیر بالشرط، و لکنه لم یف للمستأجر به، فأتی بالعمل المستأجر علیه و لم یأت بالشرط، و مثال ذلک أن یستأجر زیدا لبناء داره، و یشترط علیه فی عقد الإجارة أن یجعل عمرا عاملا معه فی البناء، و قبل زید بالعقد مع الشرط، ثم بنی الدار و لم یدخل عمرا معه فی العمل.
و الحکم فی ذلک أنه یثبت للمستأجر خیار فسخ الإجارة لتخلف شرطه الذی اشترطه علی الأجیر، فیکون مخیرا بین أن یفسخ عقد الإجارة، فلا یدفع لزید الأجرة المسماة له فی العقد، و أن یمضی الإجارة فیدفع له الأجرة المسماة، و إذا اختار الوجه الأول ففسخ العقد لزمه أن یدفع لزید أجرة المثل لعمله الذی أتی به.

المسألة 40:

إذا استأجر الرجل السیارة و السائق لیوصله بها الی کربلاء، و کان من مقصده أن یزور الحسین (ع) فی یوم عرفة، أو استأجره لیوصله إلی مکة، و کان من مقصده أن یعتمر فی شهر رجب، فلم یوصله السائق إلی کربلاء حتی فات یوم عرفة، أو لم یوصله إلی مکة حتی انسلخ شهر رجب، لم تبطل الإجارة بذلک و استحق علیه صاحب السیارة جمیع الأجرة المسماة الا ان یکون العمل الذی استأجره علیه مقیدا بإیصاله
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 264
فی الوقت أو یکون ذلک مشترطا علیه فی عقد الإجارة کما تقدم فی المسألة السابعة و الثلاثین.
و یکفی فی الاشتراط أن یتبانی المتعاقدان علی ذلک بحیث یجری العقد علی ما تبانیا علیه و ان لم یذکراه صریحا فی العقد.

المسألة 41:

إذا استأجر الإنسان السائق و سیارته أو المکاری و دابته لیوصله بها الی موضع معین، و قال له: ان اوصلتنی الی الموضع فی یوم الجمعة، فلک خمسة دراهم مثلا، و ان اوصلتنی الیه بعد ذلک فلک ثلاثة دراهم، و هو یقصد إجارته علی أحد العملین، فالظاهر صحة الإجارة، و یکون من قبیل الواجب التخییری علی العامل، فإذا اختار أحد الفردین المستأجر علیهما و أتی به صح و استحق علی المستأجر الأجرة التی عینها لذلک الفرد و قد تقدم نظیره.

المسألة 42:

إذا استأجر السائق و سیارته أو المکاری و دابته لیوصله الی مکان معین بخمسة دنانیر مثلا، و اشترط علیه فی عقد الإجارة أن یوصله الی المکان فی یوم معین، فان هو لم یوصله فی ذلک الیوم نقص من کراه عن کل یوم یؤخره فیه عن الوقت المعین نصف دینار مثلا، صح الشرط إذا قبل به و وجب العمل علیه، فإذا أخره عن الیوم المعین نقص من أجرته حسب ما اشترطه علیه ما لم یحط بجمیع الکراء.

المسألة 43:

یصح أن تکون مدة الإجارة متصلة بالعقد، و یصح أن تکون منفصلة عنه، و مثال الأول: أن یؤجر المالک زیدا داره لیسکنها من حین العقد الی ثلاثین یوما مثلا أو الی ستة أشهر، و هذا هو الواقع فی غالب المعاملات، و مثال الثانی أن یؤجره الدار- و هما فی شهر محرم أو فی شهر صفر أو قبلهما- لیسکنها من هلال شهر ربیع الأول إلی نهایته، فتصح الإجارة فی کلتا الصورتین.
و إذا آجره الدار أو المحل مدة معینة، و لم یذکر فی العقد ابتداء
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 265
المدة، انصرفت الی المتصل بالعقد، الا أن تدل قرینة خاصة أو عامة علی غیر ذلک فتتبع دلالة القرینة.
و من القرائن أن تکون العین مستأجرة فی الزمان الأول بعد العقد، فإذا آجرها المالک ثانیا مدة شهر مثلا و لم یعین ابتداء هذه المدة کان ذلک دلیلا علی ان المراد اجارة شهر بعد انتهاء مدة الإجارة الأولی، سواء کان المستأجر الثانی هو المستأجر الأول أم غیره.

المسألة 44:

إذا استأجر السائق أو المکاری لیوصله الی کربلاء بخمسة دنانیر مثلا، و اشترط له فی ضمن العقد انه ان أوصله إلیها قبل الزوال من یوم الجمعة أعطاه ستة دنانیر صح الشرط و لزم العمل علیه، و إذا استأجره لیوصله الی کربلاء قبل الزوال من یوم الجمعة بخمسة دنانیر، و اشترط علیه فی ضمن العقد، انه یعطیه أربعة دنانیر فقط إذا هو تباطأ فأخر وصوله الی ما بعد الزوال، صح کذلک، و وجب العمل علیه و قد تقدم هذا الحکم قبل مسألتین.

الفصل الثانی الإجارة عقد لازم

المسألة 45:

الإجارة عقد من العقود اللازمة علی کل واحد من المتعاقدین، فإذا تم العقد بینهما، و توفرت جمیع شروطه المتقدم ذکرها وجب علی کل واحد منهما إنفاذ العقد و ترتیب آثاره و أحکامه و لم یجز لهما فسخه، إلا إذا تقایل الطرفان ففسخا العقد برضاهما معا، أو کان لأحدهما أو لکلیهما حق الخیار فی العقد لوجود أحد أسبابه الموجبة لثبوته له ففسخ العقد أخذا بحقه.
و کذلک الحکم إذا أجریت الإجارة بینهما بنحو المعاطاة علی الأقوی، فهی لازمة لا یجوز فسخها الا بالتقایل أو فسخ صاحب الخیار.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 266

المسألة 46:

إذا آجر المالک داره أو عقاره مدة معینة، ثم باع العین المستأجرة بعد ما آجرها، لم تبطل الإجارة بالبیع، و لم ینفسخ عقدها، بل تنتقل العین بالبیع إلی المشتری مسلوبة المنفعة مدة الإجارة، و تبقی المنفعة ملکا للمستأجر حتی تنتهی مدة الإجارة، فإذا انقضت کانت منافعها التی تتجدد بعد ذلک ملکا للمشتری تبعا للعین.
و إذا کان الشخص الذی اشتری العین جاهلا بأن العین مستأجرة، ثبت له حق الخیار فی أن یفسخ البیع فیسترد الثمن من البائع إذا کان قد دفعه الیه، أو یمضی البیع بالثمن المسمی، و لیس له حق فی ان یمضی البیع و یطالب البائع بالأرش، و هو التفاوت بین قیمة العین و هی ذات منفعة، و قیمتها و هی مسلوبة المنفعة.
و کذلک الحکم إذا کان المشتری یعلم بأن العین التی اشتراها مستأجرة، و لکنه یعتقد ان مدة إجارتها قلیلة ثم ظهر له أن المدة أطول مما کان یعتقد، فیثبت له الخیار بین فسخ البیع و إمضائه بالثمن المسمی و لا یحق له أن یمضی البیع و یطالب البائع بالأرش.
و إذا کان المشتری عالما بإجارة العین التی اشتراها، و بمدة إجارتها لم یثبت له خیار الفسخ.

المسألة 47:

إذا باع المالک العین بعد أن آجرها کما هو الفرض المتقدم ذکره، فانتقلت العین إلی المشتری مسلوبة المنفعة کما بیناه فی المسألة المتقدمة، ثم فسخ المستأجر عقد الإجارة، لثبوت حق الخیار له فی عقد الإجارة، أو للتقایل من المتعاقدین، رجعت المنفعة إلی المشتری تبعا للعین علی الأقوی، و لا حق للبائع فیها.
و کذلک، إذا اعتقد البائع و المشتری أن مدة الإجارة لا تزال بعد باقیة، و ان العین مسلوبة المنفعة فباع المالک العین و اشتراها المشتری و هما یعتقدان ذلک، ثم ظهر لهما بعد البیع ان مدة الإجارة قد انتهت
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 267
قبل البیع، فإن المنفعة بعد البیع تکون للمشتری یملکها بتبع العین علی الأقوی.

المسألة 48:

إذا آجر المالک داره أو عقاره علی زید مدة سنة مثلا، ثم باع العین المستأجرة علی زید نفسه فی أثناء مدة الإجارة لم ینفسخ عقد الإجارة بالبیع علی الأقوی، فیجب علی زید دفع الأجرة للمالک إذا لم یکن قد دفعها له من قبل، کما یجب علیه دفع ثمن العین، و إذا انفسخ عقد البیع بینهما بأحد أسباب الفسخ من خیار أو غیره، بقیت الإجارة بحالها و بقیت المنفعة ملکا للمستأجر، و هو المشتری، و إذا انفسخ عقد الإجارة لحدوث بعض أسباب الفسخ فیها من خیار و نحوه، رجعت المنفعة ملکا للمشتری و ملکها تبعا للعین.

المسألة 49:

إذا باع الإنسان عینا یملکها علی أحد، و آجر وکیله المفوض تلک العین نفسها علی شخص آخر مدة معینة، فقد یسبق بیع المالک العین علی اجارة الوکیل إیاها فی الزمان، و قد تسبق اجارة الوکیل العین علی بیع المالک إیاها، و قد یقترن البیع و الإجارة فی الزمان.
الصورة الأولی أن یکون بیع المالک العین سابقا فی الزمان علی إجارتها من قبل الوکیل، و لا ریب فی صحة البیع و بطلان الإجارة فی هذه الصورة.
الصورة الثانیة ان تکون اجارة الوکیل العین سابقه فی الزمان علی بیعها من قبل المالک، و الظاهر صحة الإجارة و البیع کلیهما، فیملک المستأجر المنفعة بإجارة الوکیل له، و تنتقل العین من المالک الی المشتری مسلوبة المنفعة، و یثبت للمشتری خیار الفسخ إذا کان جاهلا بإجارة العین علی نهج ما ذکر فی المسألة السادسة و الأربعین.
الصورة الثالثة: أن یکون بیع المالک العین و اجارة الوکیل إیاها مقترنین فی الزمان، و الظاهر صحة البیع و الإجارة معا کما فی الصورة الثانیة فیملک المستأجر المنفعة بالإجارة، و تنتقل العین إلی المشتری مسلوبة المنفعة و یکون للمشتری خیار فسخ البیع مع جهله بالإجارة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 268

المسألة 50:

إذا آجر المالک غیره بعض الأعیان التی یملکها من دار أو عقار أو غیر ذلک الی مدة معینة، أو آجرها عنه وکیله المفوض، ثم مات المالک فی أثناء مدة الإجارة، لم ینفسخ عقد الإجارة بموته، و بقیت المنفعة ملکا للمستأجر حتی تنتهی المدة المعینة، و یلزمه أن یدفع لورثة المالک الأجرة المسماة إذا لم یکن دفعها لمورثهم فی حیاته، و لا تنفسخ الإجارة کذلک بموت المستأجر إذا مات فی أثناء المدة بل تبقی المنفعة ملکا لورثته من بعده و علیهم أن یدفعوا الأجرة المسماة لمالک العین المستأجرة من ترکة المستأجر إذا لم یکن قد دفعها فی حیاته. و تستثنی من الحکم صورة واحدة یأتی بیانها فی المسألة اللاحقة.

المسألة 51:

إذا آجر المالک داره علی زید مدة معلومة، علی أن یسکن المستأجر الدار بنفسه علی نحو التقیید بذلک، أو علی نحو الاشتراط فی ضمن العقد، ثم مات المستأجر و هو زید فی أثناء المدة، فالظاهر بطلان الإجارة فی بقیة المدة، و یسترد ورثة المستأجر من المالک أو من ورثته إذا کان میتا ما قابل ذلک من الأجرة، و کذلک إذا آجره الدکان مثلا علی ان یکون المستأجر هو الذی یبیع فیه بنحو المباشرة فإذا مات المستأجر بطلت الإجارة فی بقیة المدة و استرد ورثته حصتها من الأجرة.

المسألة 52:

إذا استأجر زید الدار من مالکها مدة معلومة و لم یشترط المالک علیه أن یسکنها بنفسه بنحو المباشرة، ملک المنفعة بهذه الإجارة، و جاز له أن یؤجر الدار المعینة علی غیره بقدر مدته أو أقل منها، و إذا آجر الدار کذلک علی أحد، ثم مات المؤجر أو المستأجر الثانی فی أثناء المدة، لم تنفسخ الإجارة الثانیة بذلک، کما تقدم فی إجارة مالک الدار.

المسألة 53:

إذا ملک الإنسان المنفعة ملکا محدودا بزمان حیاته فقط، و مثال ذلک ان یوصی له مالک الدار بمنفعتها بعد موت المالک ما دام الموصی له فی قید الحیاة، فإذا مات المالک الموصی، جاز للموصی له ان یسکن
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 269
الدار الموصی بها ما دام حیا، و جاز له أن یؤجرها علی غیره و یملک أجرتها، و إذا آجر الدار المذکورة علی غیره مدة معلومة ثم مات المؤجر الموصی له فی أثناء المدة بطلت الإجارة بموته فی بقیة المدة، و لم یستحق ورثته من أجرة بقیة المدة شیئا، و یجوز لورثة مالک الدار أن یجیزوا عقد الإجارة فی بقیة المدة لأن المنفعة رجعت ملکا لهم بعد موت الموصی له، فإذا أجازوا العقد ملکوا اجرة بقیة المدة.
و لا تنفسخ الإجارة بموت المستأجر إذا کان المؤجر الموصی له لا یزال حیا.

المسألة 54:

إذا وقف الرجل داره أو أرضه أو إحدی الأعیان التی یملکها علی ذریته أو علی طائفة أخری لتکون منفعة الوقف ملکا لهم بطنا بعد بطن، ملک الموقوف علیهم منفعة العین الموقوفة ما داموا أحیاء، فإذا آجر البطن السابق منهم العین الموقوفة صحت إجارته و ملک الأجرة ما دام موجودا، فإذا مات فی أثناء مدة الإجارة بطلت إجارته، و احتاج البطن اللاحق الی تجدید الإجارة مع المستأجر أو مع غیره إذا شاء، و لا یکفی أن یجیز البطن اللاحق اجارة البطن السابق علی الأظهر، لأنه لم یکن مالکا حین الإجارة.

المسألة 55:

إذا آجر المتولی الشرعی للوقف العین الموقوفة، و کانت إجارته لمصلحة البطون، أو لمصلحة الوقف علی العموم نفذت إجارته و لم تبطل بموت المتولی نفسه و لا بموت البطن الموجود فی حال الإجارة من الموقوف علیهم، بل و لا بموت البطن اللاحق له و ما بعده إذا کانت مدة إجارة المتولی لا تزال مستمرة، سواء کان المتولی المؤجر من الموقوف علیهم أم لا.
و إذا آجر المتولی العین الموقوفة لمصلحة البطن اللاحق، فالظاهر نفوذ إجارته علی البطن اللاحق إذا کان ولیا علیهم، و إذا لم یکن ولیا علیهم توقفت صحة إجارته علی إجازتهم علی الأحوط.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 270

المسألة 56:

إذا آجر الشخص نفسه لبعض الأعمال، من خیاطة، أو کتابة، أو بناء، أو غیر ذلک علی أن یتولی الإتیان بالعمل بنفسه للمستأجر و لا یستأجر و لا یستنیب فیه غیره، ثم مات الأجیر قبل أن یتمکن من الإتیان بالعمل المستأجر علیه، بطلت الإجارة لعدم بقاء محلها، و هو الأجیر.
و إذا آجر نفسه لمثل ذلک، و مضی علیه من الوقت ما یمکنه فیه أن یأتی بالعمل المستأجر علیه و لکنه تأخر و لم یأت بالعمل، ثم مات بعد ذلک، اشتغلت ذمة الأجیر للمستأجر بأجرة مثل العمل، و استحق هو علی المستأجر أن یدفع له الأجرة المسماة فی العقد.

المسألة 57:

إذا آجر الشخص نفسه لأن یقوم للمستأجر بخیاطة ثوبه أو بکتابة کتابه، أو بناء داره أو بغیر ذلک من الأعمال المعینة، علی أن یکون العمل المستأجر علیه فی ذمة الأجیر سواء أتی بالعمل بنفسه أم استناب فیه غیره، و مات الأجیر و لم یأت بالعمل، لم تبطل الإجارة بموته، بل یبقی دینا فی ذمته، و یستوفی من ترکته، و تثبت له الأجرة المسماة فی العقد علی المستأجر تدفع لورثته.

المسألة 58:

إذا استأجر الإنسان شخصا لبعض الأعمال المعینة، علی أن یکون العمل المستأجر علیه للمستأجر نفسه خاصة لا لغیره، فیقوم الأجیر بخدمته مثلا، أو بمعالجته من بعض الأمراض، أو بتقویم خطه أو بتعلیمه بعض المعلومات الخاصة، و نحو ذلک مما یختص بالمستأجر نفسه و لا یتعدی الی سواه، ثم مات المستأجر قبل أن یتمکن الأجیر من الوفاء بالعمل الذی استأجره علیه، بطلت الإجارة لعدم بقاء محلها و هو المستأجر.
و إذا استأجره لمثل ذلک، و مضی من الوقت ما یمکن الأجیر أن یأتی فیه بالعمل المستأجر علیه، و لکنه تأخر، و لم یقم بالعمل حتی مات المستأجر، اشتغلت ذمة الأجیر للمستأجر بأجرة مثل العمل، فیدفعها
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 271
لورثته، و ثبتت للأجیر الأجرة المسماة فی العقد علی المستأجر، فتستوفی له من ترکته.
و إذا استأجره کذلک لیقوم له بعمل معین یکون فی ذمة الأجیر، سواء کان المستأجر هو الذی یستوفی منه العمل أم غیره، ثم مات المستأجر لم تبطل الإجارة بموته، و انتقل الملک إلی ورثة المستأجر فیکونون هم المالکین لعمل الأجیر بعد موت مورثهم.

المسألة 59:

یجوز للولی الشرعی علی الصغیر أن یؤجر أملاکه فی أیام صغره و عدم رشده إذا اقتضت مصلحة الصغیر إیجارها، و تصح الإجارة بذلک و تترتب أحکامها، و اشتراط وجود المصلحة انما هو فی غیر الأب و الجد للأب من الأولیاء، و اما فیهما فیکفی فی صحة تصرفهما فی مال الطفل عدم المفسدة و قد تقدم ذلک فی کتاب التجارة، و نتیجة لذلک، فإذا آجر الولی دار الصبی مع وجود الشرط المذکور، صحت الإجارة و لم تبطل بموت ذلک الولی المؤجر إذا مات فی أثناء المدة، و لا یجوز للولی من بعده ان ینقض إجارته، فلا ینقض الجد إذا کان هو الباقی اجارة الأب التی أوقعها فی حیاته، و کذلک العکس، و لا ینقض الوصی المنصوب علی الطفل من أبیه أو من جدة اجارة الولی السابق علیه لمال الصبی إذا أوقعها الولی الأول فی حیاته و کانت المصلحة تقتضی ذلک.

المسألة 60:

یجوز للولی الشرعی أن یؤجر أملاک الصبی مدة معینة إذا اقتضت المصلحة ذلک و کانت من التی هی أحسن، سواء کانت المدة قصیرة أم طویلة، و ان کانت المدة التی آجرها الولی تستمر الی زمان بلوغ الصبی و رشده، و لیس للصبی بعد بلوغه و رشده أن ینقض اجارة ولیه المتقدمة.

المسألة 61:

یجوز لولی الصبی أن یؤجر الصبی نفسه عند بعض الثقات لبعض الأعمال فی أیام صغره و عدم رشده إذا اقتضت المصلحة ذلک، و تصح
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 272
هذه الإجارة و لا تبطل بموت الولی المؤجر، و لا یجوز نقضها للولی الآخر من بعده کما تقدم فی إجارة أملاکه.
و إذا آجر الصبی ولیه کذلک مدة تستمر الی زمان بلوغه و رشده جاز علی الأقوی للصبی بعد بلوغه و رشده أن ینقض الإجارة المذکورة فی بقیة المدة.
و إذا اقتضت ضرورة الصبی أن یؤجره ولیه مدة تستمر الی زمان بلوغه و رشده، فالأحوط لزوما الرجوع فیها الی الحاکم الشرعی.

المسألة 62:

یجوز للمرأة الخلیة من الزوج أن تؤجر نفسها للخدمة أو لبعض الأعمال الأخری مدة معینة و إذا هی آجرت نفسها کذلک ثم تزوجت لم تبطل الإجارة بالتزویج، فیجب علیها القیام بالعمل الذی استؤجرت علیه و ان کان منافیا لحق الزوج من الاستمتاع و غیره.
و یجوز للمرأة المتزوجة أن تؤجر نفسها للأعمال غیر المنافیة لحق الزوج، و لا یجوز لها أن تؤجر نفسها لإعمال تنافی حق الزوج إلا بإذن الزوج، و إذا هی آجرت نفسها لإعمال تنافی حقه توقفت صحة الإجارة علی إجازته فإن أجاز العقد صحت و الا کانت باطلة.

المسألة 63:

إذا آجر السید عبده أو أمته للخدمة عند أحد أو لبعض الأعمال الأخری مدة معینة صحت إجارته و وجب علی العبد أو الأمة أن یقوم بالأعمال التی استؤجر علیها، و إذا أعتقهما مالکهما بعد أن آجرهما للعمل لم تبطل الإجارة بالعتق.
و لا یجب علی المستأجر أن یقوم بالإنفاق علیهما إلا إذا اشترط المالک علیه ذلک فی عقد الإجارة کما لا تجب نفقتهما علی المالک بعد العتق، و الأوجه أن نفقتهما فی بقیة المدة تکون من کسبهما إذا أمکن لهما الاکتساب أو من مالهما إذا کان لهما مال، فان لم یکن لهما مال و لم یمکن لهما الاکتساب، فنفقتهما من بیت المال إذا عد الإنفاق علیهما
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 273
من المصالح العامة للمسلمین، و ان لم یتحقق ذلک وجبت نفقتهما علی المسلمین وجوبا کفائیا.

المسألة 64:

إذا علم المستأجر بأن فی العین التی یرید أن یستأجرها عیبا، و استأجرها من مالکها مع علمه بوجود العیب فیها، فلا خیار له فی عقد الإجارة، و کذلک إذا علم بوجود العیب فیها فی حال إجراء المعاملة، ثم أتم العقد مع علمه بالعیب، فلا خیار له بعد ذلک.
و إذا وجد المستأجر العیب فی العین بعد ما استأجرها، و کان العیب سابقا فی وجوده علی عقد الإجارة، و لکن المستأجر یجهل بوجوده حینما أجری المعاملة علی العین. فقد یکون العیب الذی وجده مما تنقص به منفعة العین، و یکون مما تتجزأ به الأجرة فی نظر العقلاء، مثل خراب بعض البیوت من الدار المستأجرة، و خراب بعض مرافقها، و قد یکون مما تنقص به منفعة العین و لا یکون کذلک، و قد یکون مما لا تنقص به المنفعة و لکنه مما تختلف معه الرغبة من الناس فی إجارة العین و تتفاوت به أجرتها، ففی المسألة صور:
(الصورة الأولی): أن یجد المستأجر فی العین المستأجرة عیبا یوجب النقص فی منفعة العین، و یکون مما تتجزأ معه أجرة العین، و قد مثلنا لذلک بخراب بعض مساکن الدار المستأجرة و بیوتها و بعض المرافق فیها.
و الحکم فی هذه الصورة أنه یثبت للمستأجر بهذا العیب حق الخیار فی إجارة العین، فیجوز له أن یفسخ العقد فیرد العین المستأجرة علی مالکها، و یسترد منه الأجرة المسماة إذا کان قد دفعها الیه، و یجوز له أن یمضی عقد الإجارة و یقسط الأجرة المسماة، فتقدر أجرة المثل للدار المعینة مع خراب البعض من بیوتها و مرافقها، و تقدر أجرة مثلها مع کونها عامرة البیوت و المرافق، و تنسب القیمة الأولی الی الثانیة، و یسترد من الأجرة المسماة بنسبة التفاوت ما بین الأجرتین، و یجوز للمستأجر أن یرضی بالإجارة فیمضی عقدها بالأجرة المسماة، من غیر تقسیط، و إذا بادر المؤجر فأصلح خراب البیوت و المرافق من الدار
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 274
بحیث لم یفت علی المستأجر شی‌ء من المنفعة فی نظر أهل العرف، ففی ثبوت الخیار المذکور له تأمل بل لا یبعد عدم ثبوته، و لا یترک الاحتیاط.
(الصورة الثانیة): أن یکون العیب الذی وجده المستأجر فی العین مما تنقص به منفعتها، و لا یکون مما تتجزأ به الأجرة عند العقلاء کالعرج فی الدابة المستأجرة للرکوب، و کالخروق فی بعض سقوف الدار و التکسر فی بعض شبابیکها بنحو لا تکون مانعة من وقوع المطر أو لا تکون واقیة من البرد أو الحر، و الحکم فی هذه الصورة انه یثبت للمستأجر بهذا العیب حق الخیار فی الإجارة، فیجوز له أن یفسخها فیرد العین علی مالکها و یسترد منه الأجرة المسماة إذا کان قد دفعها الیه، و یجوز له أن یمضی العقد بالأجرة المسماة، و یشکل الحکم بجواز مطالبة المؤجر بأرش النقصان.
و إذا بادر المؤجر فأصلح العیب بحیث لم یفت علی المستأجر شی‌ء من المنفعة فی نظر أهل العرف، ففی ثبوت الخیار له تأمل بل لا یبعد عدم ثبوته کما سبق فی نظیره، و لا یترک الاحتیاط.
(الصورة الثالثة): أن یکون العیب الذی وجده المستأجر فی العین المستأجرة مما لا تنقص به منفعتها، و لکنه مما تختلف مع وجوده رغبة الناس فی استیجار العین و تتفاوت به أجرتها، کما إذا آجره المکاری دابة للرکوب فوجدها مقطوعة الأذن أو مبتورة الذنب، و کما إذا استأجر من أحد دارا للسکنی فیها فوجدها مجاورة لشخص لا یرغب اشراف البلد فی مجاورته، أو وجدها فی محلة لا یحسن لأمثاله السکنی فیها و الحکم فی هذه الصورة أنه یثبت للمستأجر أیضا الخیار بالعیب، فیجوز له أن یفسخ الإجارة و یرد العین علی صاحبها و یسترد منه الأجرة، و یجوز له أن یمضی عقد الإجارة بالأجرة المسماة، و لا أرش.
(الصورة الرابعة): أن یجد المستأجر فی العین التی استأجرها عیبا لا یوجب نقصا فی منفعة العین و لا یوجب نقصا فی الأجرة، و لا خیار للمستأجر فی هذه الصورة و لا أرش.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 275

المسألة 65:

إذا حدث فی العین التی استأجرها الإنسان عیب بعد ان تم عقد الإجارة علیها و قبل أن یقبض العین، أو حدث فیها بعد العقد و القبض کلیهما، أشکل الحکم بثبوت الخیار للمستأجر فلا یترک الاحتیاط لزوما فی کلا الفرضین، و خصوصا فی الفرض الثانی و قد استوفی المستأجر بعض منفعة العین و مضی بعض المدة.

المسألة 66:

إذا استأجر الرجل من المالک عینا کلیة غیر مشخصة، و دفع المالک له فردا معینا من الکلی لیقبضه و یستوفی منفعته، فوجد الفرد الذی دفعه المالک الیه معیبا، کما إذا استأجر منه دابة کلیة لیرکبها فدفع إلیه دابة من دوابه فرآها معیبة و کما إذا استأجر منه دارا کلیة موصوفة، لیسکنها و کانت للمالک عدة دور یملکها و هی علی نسق واحد من الوصف و دفع المالک إلیه احدی الدور فوجدها معیبة، جاز للمستأجر أن یطالب المالک بإبدال الفرد المعیب بفرد آخر صحیح لا عیب فیه، و لا یثبت للمستأجر خیار العیب، و لا یجوز له فسخ الإجارة، فإذا تعذر علی المالک أن یدفع البدل ثبت للمستأجر الخیار حین ذاک و جاز له فسخ الإجارة.

المسألة 67:

إذا استأجر الرجل من صاحبه بعض أملاکه و جعل عوض الإجارة عینا شخصیة و جری العقد علی ذلک، و مثال ذلک أن یستأجر منه داره أو دکانه بعشرة أمنان معینة من الحنطة، فقال له المؤجر آجرتک الدار المعینة مدة شهرین مثلا بهذه الأمنان العشرة الخاصة من الحنطة، و قبل المستأجر و دفع الیه الأمنان، و لما قبض المؤجر الأجرة المعینة وجدها معیبة، فیجری فی الأجرة المعینة فی هذا الفرض التفصیل السابق ذکره فی العین المستأجرة إذا وجدها المستأجر معیبة، فإذا کان المؤجر عالما بوجود العیب فی عین الأجرة قبل المعاملة، و اجری العقد مع علمه بالعیب فی الأجرة المعینة، صحت الإجارة و لم یثبت للمؤجر خیار العیب، و کذلک إذا علم بوجود العیب حین المعاملة، فأتم العقد مع علمه بالعیب.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 276
و إذا کان المؤجر جاهلا بوجود العیب فی عین الأجرة و کان وجود العیب فیها سابقا علی العقد، ثبت للمؤجر الخیار، فیجوز له أن یفسخ عقد الإجارة و یرد الأجرة المعیبة علی المستأجر، و یسترد منه العین المستأجرة و یجوز له أن یرضی بالإجارة فیمضی العقد بالأجرة المسماة المعیبة، و یشکل الحکم بجواز مطالبة المؤجر للمستأجر بأرش النقصان فی الأجرة، کما تقدم الإشکال فی نظیره فی المسألة الرابعة و الستین فی الصورة الثانیة منها.

المسألة 68:

إذا استأجر الرجل من غیره شیئا، و کان مال الأجرة الذی وقع علیه العقد بین الطرفین منفعة خاصة لعین من الأعیان الشخصیة، کما إذا استأجر من صاحبه دارا لیسکنها مدة ستة أشهر و جعل العوض لذلک منفعة دکان یملکه المستأجر مدة سنة کاملة، و حین قبض المؤجر الدکان لیستوفی منفعته و هی عوض اجارة داره وجد الدکان معیبا، و هو یجهل وجود العیب، فیجری فیه التفصیل المتقدم ذکره فی عیب العین المستأجرة، و تجری فیه فروضها و تنطبق علی الفروض أحکامها، و تراجع المسألة الرابعة و الستون.

المسألة 69:

إذا کانت الأجرة فی عقد الإجارة أمرا کلیا، و دفع المستأجر للمؤجر منه فردا خاصا، و قبضه عوضا عن إجارته، و بعد القبض وجد المؤجر الفرد المدفوع الیه معیبا، جاز للمؤجر أن یطالب المستأجر بإبدال الفرد المدفوع الیه بفرد صحیح لا عیب فیه، و لا یثبت له خیار الفسخ کما تقدم نظیر ذلک فی العین المستأجرة فی المسألة السادسة و الستین.

المسألة 70:

إذا استأجر الشخص من غیره شیئا یملکه مدة معینة بعوض معلوم، أو استأجره لعمل معین بعوض معلوم، ثم ظهر للمستأجر أنه مغبون فی الإجارة، ثبت له خیار الغبن فیها، و جاز له أن یفسخ العقد و یرد العین المستأجرة و یسترد منه الأجرة المسماة، و أن یرضی بالعقد بالأجرة المسماة، إلا إذا شرط المؤجر علیه فی ضمن العقد سقوط حقه من الخیار
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 277
إذا کان مغبونا، و قبل هو بالشرط، فلا یثبت له الخیار حین ذاک.
و کذلک إذا ظهر للمؤجر أنه مغبون فی الأجرة، فیثبت له الخیار علی نهج ما تقدم إلا إذا اشترط علیه المستأجر فی ضمن العقد سقوط الخیار إذا کان مغبونا.

المسألة 71:

لا یحق للمغبون منهما أن یطالب الغابن بالتفاوت ما بین الأجرتین، و لا یجب علیه القبول إذا بذل الغابن له التفاوت المذکور.

المسألة 72:

لا یثبت الخیار للمستأجر و لا للمؤجر إذا کان عالما بالغبن قبل العقد، أو علم به حین اجراء عقد الإجارة بینهما، فأتم العقد مع علمه بالغبن.

المسألة 73:

یجوز للغابن أن یصالح المغبون علی إسقاط حقه من الخیار، فإذا صالحه علی ذلک بمقدار من المال، و قبل المغبون بالمصالحة سقط حقه من الخیار، و لم یجز له أن یفسخ العقد، و وجب علی الغابن أن یدفع له العوض الذی جری علیه الصلح، إلا إذا ظهر له انه مغبون فی عقد الصلح أیضا، فیجوز له فسخ الصلح ثم فسخ الإجارة.

المسألة 74:

إذا استوفی المستأجر منفعة العین المستأجرة فی جمیع المدة المعینة فی عقد الإجارة أو فی بعضها، ثم ظهر الغبن للمغبون من المتعاقدین، لم یسقط بذلک حقه من الخیار، فیجوز له ان یفسخ الإجارة و یرد العین المستأجرة و الأجرة المسماة فی العقد الی مالکهما، و تثبت لمالک العین المستأجرة أجرة المثل عن منفعتها التی استوفاها المستأجر.
و کذلک الحکم فی الإجارة علی العمل، فإذا أتم الأجیر العمل الذی استؤجر علیه أو أتم بعضه، ثم ظهر الغبن للمغبون، فیجوز له فسخ الإجارة ورد الأجرة المسماة إلی مالکها، و تکون للعامل أجرة المثل عن عمله الذی أتی به للمستأجر.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 278

المسألة 75:

یجوز للمؤجر أن یشترط لنفسه علی المستأجر الخیار فی ضمن عقد الإجارة فی مدة معینة، فإذا شرط ذلک لنفسه و قبل المستأجر بذلک، ثبت له الخیار فی الوقت الذی عینه، و جاز له أن یفسخ عقد الإجارة فیه، و یجوز ذلک للمستأجر أیضا، فإذا شرط الخیار لنفسه فی ضمن العقد فی وقت معین، و قبل المؤجر بذلک ثبت له الخیار کما شرط، و جاز له الفسخ.
و یجوز اشتراط ذلک لهما معا، بل یجوز لهما و لأحدهما أن یشترط الخیار فی العقد لشخص ثالث غیرهما، فیکون الشخص الثالث هو صاحب الخیار، فیجوز له أن یفسخ الإجارة فی الوقت المعین، کما سبق نظیره فی فصل الخیارات من کتاب التجارة.
و یجوز لمالک العین المستأجرة ان یشترط لنفسه خیار فسخ الإجارة إذا هو رد الأجرة المسماة علی المستأجر فی وقت معین، و یجوز للأجیر أن یشترط ذلک لنفسه إذا هو رد العوض علی مستأجرة فی وقت معلوم، فإذا رد المشترط منهما العوض فی الوقت الذی عینه جاز له ان یفسخ الإجارة کما شرط و قد سبق نظیره فی البیع.
و یجوز لکل واحد من المتعاقدین أن یشترط علی صاحبه أنه یستشیر شخصا ثالثا فی أمر الفسخ فی وقت معین فان رجح له الفسخ فسخ العقد، و ان رجح له إبقاء العقد أبقاه، فإذا قبل صاحبه بالشرط نفذ و لزم العمل به.

المسألة 76:

إذا استوفی المستأجر المنفعة التی استأجر العین لها فی بعض المدة، ثم حل الوقت الذی اشترط فیه أحد المتعاقدین الخیار لنفسه، لم یمنعه ذلک من أن یأخذ بخیاره، فیجوز له بعد حضور الوقت المعین و بعد رد العوض إذا اشترط الخیار بذلک: أن یفسخ العقد و یرد العین المستأجرة إلی مالکها، و یرد الأجرة المسماة إلی دافعها، و تثبت لمالک العین المستأجرة أجرة المثل عن منفعتها التی استوفاها المستأجر، و کذلک الحکم
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 279
فی الفرض الأخیر، فإذا قام الأجیر ببعض العمل الذی استؤجر علیه، ثم حضر وقت الخیار لصاحب الخیار و کمل شرطه، جاز له أن یفسخ العقد، و کانت للأجیر أجرة المثل للعمل الذی قام به للمستأجر.

المسألة 77:

إذا شرط المؤجر أو المستأجر فی عقد الإجارة علی صاحبه شرطا و قبل به صاحبه ثم لم یف له بالشرط، ثبت للمشترط خیار تخلف الشرط، علی النحو الذی فصلناه فی مبحث الخیارات من کتاب التجارة.
و هکذا یجری فی الإجارة جمیع الخیارات التی تقدم بیانها فی مبحث الخیارات عدا ما استثنی منها، فیجری فی الإجارة خیار تبعض الصفقة، و خیار تعذر التسلیم، و خیار تخلف الوصف، و خیار الشرکة، و لا یجری فیها خیار المجلس، و لا خیار الحیوان، و لا خیار التأخیر ثلاثة أیام، و قد ذکرنا فی فصل الخیارات و فی کتاب الصلح ان هذه الخیارات الثلاثة تختص بالبیع وحده، و لا تجری فی ما سواه من المعاملات، و اما خیار ما یفسد لیومه فیشکل الأمر فیه، و لعله من أفراد خیار التأخیر فیکون مما یختص بالبیع.

المسألة 78:

إذا أفلس المستأجر و حجر علیه الحاکم الشرعی لقصور أمواله عن الوفاء بجمیع دیونه الحالة علیه، و کانت الأجرة المسماة أحد دیونه التی حجر علیه من أجلها، تخیر المالک بین أن یفسخ الإجارة فیسترد العین المستأجرة و منفعتها التی ملکها للمستأجر فی مدة الإجارة، و أن یبقی الإجارة بحالها، و یضرب بدینه و هو الأجرة المسماة فی أموال المفلس مع بقیة الغرماء.
و هذا الخیار هو خیار التفلیس الذی یذکره الفقهاء فی کتاب البیع، و فی کتاب الحجر، و نظیره أیضا الخیار الذی یثبت للبائع إذا وجد عین ماله الذی باعه علی المفلس فی جملة أمواله المحجورة، و کان ثمن المال المبیع أحد الدیون التی حجر علی المفلس من أجلها، فیتخیر البائع فی هذه الصورة بین أن یفسخ البیع فیأخذ عین ماله و لا یشارکه فیه احد من
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 280
الغرماء، و ان یمضی البیع و یضرب بدینه و هو الثمن مع سائر الغرماء فی أموال المفلس.

المسألة 79:

إذا ثبت الخیار للمؤجر أو للمستأجر، ففسخ العقد فی أول المدة المعینة للإجارة، رجعت العین المستأجرة و منفعتها کاملة إلی مالکها و هو المؤجر، و رجعت الأجرة المسماة کاملة إلی مالکها و هو المستأجر، و لا شبهة فی ذلک.
و إذا فسخ صاحب الخیار بعد مضی شطر من المدة و قد استوفی المستأجر بعضا من المنفعة، أو قام الأجیر ببعض العمل المستأجر علیه، و کان سبب الخیار الذی أخذ به و فسخ من أجله ثابتا من حین العقد کما إذا کان المستأجر مغبونا من حین العقد و لم یعلم بالغبن الا بعد ذلک، و کما إذا کان فی العین المستأجرة عیب حین العقد أو قبله و لم یعلم به المستأجر إلا بعد ذلک، و کما إذا اشترط لنفسه خیار الفسخ بعد شهر من العقد مثلا أو إذا هو رد العین علی المالک بعد شهر، ففی مثل هذه الصور یتخیر صاحب الخیار بین ان یفسخ العقد من أصله فیرجع الیه تمام الأجرة المسماة، و تثبت للمؤجر أجرة المثل بالنسبة الی ما مضی، و أن یفسخ العقد من ذلک الحین فتقسم الأجرة المسماة بین المؤجر و المستأجر، فیکون للمؤجر منها بنسبة ما مضی من المدة إلی مجموعها، و یرجع الی المستأجر منها بنسبة ما بقی. و إذا کان سبب الخیار طارئا فی أثناء المدة، کما إذا انهدمت الدار المستأجرة فی أثناء المدة، ففسخ صاحب الخیار بموجب خیاره، قسمت الأجرة المسماة بینهما کما تقدم فی الشق الثانی، فکان للمؤجر من الأجرة بنسبة ما مضی من المدة و رجع الی المستأجر منها بنسبة ما بقی منها.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 281

الفصل الثالث یملک العوضان فی الإجارة بنفس العقد

المسألة 80:

إذا تم عقد الإجارة بین المتعاملین، ملک المستأجر منفعة العین المستأجرة بنفس العقد ملکا تاما مستقرا، و لم یتوقف تحقق ملکه لها و لا استقراره علی حصول أمر آخر، و ملک المؤجر الأجرة المسماة بنفس العقد کذلک ملکا تاما مستقرا، و لم یتوقف تحقق ملکه لها و لا استقراره علی حصول أمر آخر، و وجب علی کل واحد منهما تسلیم العوض الذی عینه، لصاحبه الذی ملکه بالعقد، و لکن لا یحق لأحدهما أن یطالب بالعوض الذی ملکه من صاحبه، حتی یسلم هو لصاحبه العوض الآخر الذی ملکه لصاحبه فلا یطالب المستأجر المالک بتسلیم المنفعة حتی یسلمه هو الأجرة، و لا یطالب المالک المستأجر بدفع الأجرة، حتی یسلمه هو المنفعة.
و کذلک الحال فی الإجارة علی العمل، فیملک المستأجر العمل المعین علی الأجیر، و یملک الأجیر الأجرة المسماة علی المستأجر بنفس العقد ملکا مستقرا، فیجب علی کل واحد منهما أن یسلم صاحبه عوضه الذی صار الیه، و لا یحق لأحدهما أن یطالب بعوضه حتی یسلم هو ما وجب علیه.

المسألة 81:

یتحقق تسلیم المنفعة بتسلیم العین ذات المنفعة، فإذا آجر المالک غیره دارا لیسکنها، أو دکانا لیبیع فیه و یشتری، أو دابة لیرکبها، و سلم الیه العین المستأجرة، فقد سلمه منفعتها، و جاز له أن یطالب المستأجر بالأجرة المسماة له بالعقد إذا لم یکن دفعها الیه.
و یتحقق تسلیم العمل المستأجر علیه بإتمام العمل، سواء کان العمل مما یتعلق بالنفس، کالصلاة و الصوم و الحج و العمرة و الزیارة، أم کان مما یتعلق بمال للمستأجر و هو فی ید الأجیر و تحت استیلائه کخیاطة ثوب المستأجر و صیاغة خاتمه و نسخ کتابه، أم لم یکن تحت
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 282
استیلاء الأجیر کبناء منزل المستأجر و زرع بستانه، أو حفر بئر أو استخراج عین فیه، أو إصلاح جهاز أو آلة فی منزله.
و الظاهر أنه یجوز للعامل أن یطالب المستأجر بأجرة ما أنجز له من العمل الذی استأجره علیه و لا یتوقف جواز المطالبة علی إتمام العمل کله، و خصوصا إذا کان العمل ینحل إلی إعمال، کالصلاة و الصوم و شبههما، و یتضح ذلک جلیا إذا کان العمل المستأجر علیه طویلا جدا، کما إذا استأجر الشخص لخدمة عدة من السنین، أو لصوم أشهر کثیرة نعم لا یحق للأجیر أن یطالب المستأجر بأجرة غیر ما أنجز له من العمل.
و یتحقق تسلیم الأجرة بإقباضها إذا کانت معینة شخصیة، و بإقباض مصداقها الذی یتحقق وجودها به إذا کانت کلیة، و بتسلیم العین التی تستوفی منها إذا کانت منفعة.

المسألة 82:

إذا اشترط المؤجر أو المستأجر فی العقد تأجیل التسلیم فی المنفعة أو فی الأجرة المسماة، إلی أجل مسمی نفذ الشرط و لزم العمل بموجبه، و لم یجز للآخر المطالبة به حتی یحل أجله، و إذا اشترط المؤجر فی عقد الإجارة تقدیم تسلیم الأجرة علی تسلیم المنفعة أو العکس لزم الوفاء بالشرط، و کذلک إذا اشترط الأجیر تقدیم تسلیم الأجرة علی العمل فیجب اتباع الشرط، و إذا کان المتعارف بین الناس أو کانت العادة المعروفة بین أصحاب البلد أو أصحاب العمل ان تسلیم الأجرة قبل تسلیم المنفعة أو قبل تسلیم العمل کان ذلک بحکم الشرط فیلزم اتباعه.

المسألة 83:

إذا تراضی المتعاقدان فسلم کل واحد منهما ما وجب علیه تسلیمه من عوض لصاحبه دفعة واحدة أو ابتدأ أحدهما بتسلیم ما لدیه أولا ثم سلمه الآخر من بعده، أو قبل بتأخیر التسلیم من صاحبه مدة، أو تراضیا فجعل أحدهما العوض الذی عنده بید أمین، و سلم الآخر العوض الذی عنده لصاحبه، أو تراضیا بغیر ذلک من الصور صح لهما ما تصالحا علیه و رتبا أثر العقد حسب اتفاقهما، و إذا تعاسرا و لم
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 283
یتفقا علی وجه من الوجوه أجبرهما الحاکم الشرعی علی إنفاذ العقد فی صورة من الصور.

المسألة 84:

إذا امتنع مؤجر العین من تسلیمها للمستأجر، و کان المستأجر باذلا لعوض الإجارة غیر ممتنع من تسلیمه، أو کان قد اشترط علی المؤجر تأجیل تسلیم الأجرة إلی أجل مسمی، جاز للمستأجر أن یجبر المؤجر علی تسلیم العین المستأجرة، و ان لم یمکن له أن یجبره علی ذلک، ثبت للمستأجر خیار الفسخ، فیجوز له أن یفسخ الإجارة، و یسترد من صاحبه الأجرة المسماة إذا کان قد دفعها الیه، و یجوز له أن یمضی الإجارة و یطالب المؤجر بعوض ما فاته من المنفعة، و کذلک الحکم إذا امتنع المستأجر من تسلیم الأجرة، و کان المؤجر باذلا للعین المستأجرة أو کان قد شرط علی المستأجر تأجیل تسلیمها إلی أجل مسمی، فیجوز للمؤجر أن یجبره علی تسلیم الأجرة، فان لم یمکن له إجباره ثبت للمؤجر الخیار المذکور.

المسألة 85:

إذا سلم المؤجر العین المستأجرة للمستأجر، ثم أخذها منه بعد التسلیم بلا فاصلة، أو ترکها عنده بعض المدة ثم أخذها منه، جری فیه الحکم المتقدم فی المسألة السابقة، فیجوز للمستأجر أن یجبره علی التسلیم، فان لم یمکن له إجباره ثبت للمستأجر الخیار المتقدم ذکره، و إذا هو اختار فسخ الإجارة و کان فسخه فی ابتداء المدة کما هو الفرض الأول رجع علی المؤجر بجمیع الأجرة المسماة، و ان کان فسخه فی أثناء المدة کما هو الفرض الثانی رجع علی المؤجر بما یقابل بقیة المدة من الأجرة المسماة، و له أن یمضی الإجارة و یطالب المؤجر بعوض ما فاته من المنفعة، و هو الشق الثانی من الخیار الذی ثبت له.

المسألة 86:

إذا استأجر الرجل عینا و سلمه المؤجر العین فی ابتداء مدة الإجارة و بقیت العین فی یده الی ان انقضت المدة استقرت علیه الأجرة و ان لم یستوف المنفعة من العین إذا کان عدم استیفائه المنفعة باختیاره، کما
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 284
إذا استأجر من المالک دارا معینة، فاستلمها من المالک و لم یسکنها باختیاره، و کما إذا استأجر منه محلا أو حانوتا معینا، فقبضه منه و لم یتجر فیه باختیاره، و کما إذا استأجر منه سیارة معینة لتکون تحت تصرفه فی تنقلاته، فقبضها و لم یستوف منفعتها کذلک حتی انقضت المدة، فیجب علی المستأجر دفع الأجرة المسماة للمؤجر، و مثله فی الحکم ما إذا بذل المؤجر العین المستأجرة فلم یقبضها المستأجر و لم یتسلمها منه باختیاره حتی انقضت مدة الإجارة، فتستقر الأجرة المسماة علی المستأجر بذلک و یجب علیه دفعها الی المؤجر.
و کذلک الحکم إذا استأجر الإنسان عینا کلیة، و سلم إلیه المؤجر فردا خاصا من ذلک الکلی بقصد الوفاء بالعقد، کما إذا استأجر منه دارا کلیة موصوفة، و کانت لدی المالک عدة من الدور کما وصف، و سلم إلیه احدی الدور وفاء بعقده و بقیت الدار فی یده حتی انقضت مدة الإجارة، فیجب علیه دفع الأجرة المسماة للمؤجر و ان لم یسکن الدار التی استلمها باختیاره، و مثله ما إذا بذل له المؤجر الفرد الذی عینه من الکلی فلم یتسلمه المستأجر باختیاره حتی انقضی الأجل، فیجب علیه دفع الأجرة للمؤجر.

المسألة 87:

إذا استأجر الإنسان أجیرا لیعمل له عملا معینا فی وقت معین، بأجرة معینة، کما إذا استأجره لینسخ له کتابا فی أیام معلومة، أو استأجره لیخیط ثوبه المعین، أو یصلح له سیارته الخاصة فی وقت معین و هیأ الأجیر و بذل نفسه للعمل المستأجر علیه، و لم یعطه المستأجر الکتاب المعین لیکتبه، و لم یسلمه الثوب أو السیارة، و هو مختار فی ذلک حتی انقضت المدة المضروبة لذلک العمل، وجب علی المستأجر أن یدفع للأجیر أجرته المسماة، سواء شغل الأجیر نفسه فی تلک المدة بعمل آخر أم لا، و سواء کان العمل الذی قام به لنفسه أم لشخص غیره.

المسألة 88:

إذا استأجر الإنسان عینا و سلمه المؤجر العین المستأجرة و لم یستوف
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 285
المستأجر المنفعة منها حتی انقضت مدة الإجارة و کان معذورا فی عدم استیفاء المنفعة فهاهنا صور.
(الصورة الأولی): أن یکون عذر المستأجر فی عدم استیفاء المنفعة عاما له و لغیره، کما إذا حدثت حرب منعت من الوصول الی الدار المستأجرة أو الحانوت لیسکن فی الدار و یکتسب فی الحانوت، و کما إذا منعت الدولة السفر الی البلد فلم یمکنه الوصول الی الدار أو الحانوت لینتفع بهما و لو بالإجارة من غیره و کما إذا منعه مطر شدید أو نزول ثلج کثیر من رکوب السیارة المستأجرة و استعمالها حتی انقضی الوقت، و الظاهر بطلان الإجارة فی هذه الصورة، و لا تلزم المستأجر الأجرة.
و إذا استوفی المستأجر المنفعة فی بعض المدة، ثم منعه العذر العام من استیفاء المنفعة فی بقیة المدة صحت الإجارة فی بعض المدة الذی استوفی فیه منفعة العین، فتکون للمؤجر حصة ذلک البعض من الأجرة المسماة، و بطلت الإجارة فی الباقی الذی لم یتمکن فیه من استیفاء المنفعة، فلا یکون للمؤجر فیه شی‌ء من الأجرة.

المسألة 89:

(الصورة الثانیة): أن یکون عذر المستأجر عن استیفاء المنفعة خاصا به، کما إذا سجن فلم یستطع سکنی الدار المستأجرة أو التکسب فی الحانوت، أو الرکوب فی السیارة، أو مرض فلم یتمکن من ذلک، و هذا الفرض یقع علی أنحاء.
النحو الأول: أن یکون المؤجر قد اشترط علی المستأجر فی ضمن العقد علی نحو التقیید، أن یکون هو الذی یستوفی منفعة العین بنفسه، و المراد بالتقیید أنه خص الإجارة به، فلا تشمل الإجارة ما إذا استوفی المنفعة غیره، و یکون الشرط بنحو وحدة المطلوب کما یقول بعض الفقهاء.
النحو الثانی: أن یکون المؤجر قد اشترط علی المستأجر ذلک، علی نحو لا یقید الإجارة به، و یکون من الشرط فی ضمن العقد بنحو تعدد المطلوب.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 286
النحو الثالث: أن یطلق المؤجر عقد الإجارة فلا یشترط علی المستأجر أن یستوفی المنفعة بنفسه.
فإذا کان الفرض علی النحو الأول، و هو أن یکون المؤجر قد قید إجارته بأن یکون المستأجر هو المستوفی للمنفعة بنفسه لا بغیره، فالظاهر بطلان الإجارة إذا سجن المستأجر أو مرض أو طرأ له عذر خاص آخر، فلم یتمکن من استیفاء المنفعة بنفسه، لتعذر المنفعة الخاصة المقصودة بالإجارة، و لا تثبت الأجرة للمؤجر.

المسألة 90:

الصورة الثالثة: ان یکون عذر المستأجر عن استیفاء المنفعة خاصا به کالمرض و السجن، و یکون المؤجر قد شرط علیه أن یستوفی منفعة العین بنفسه علی نحو الاشتراط فی ضمن العقد و تعدد المطلوب فالإجارة غیر مقیدة بالشرط، و لکن الالتزام بالشرط مطلوب أیضا، فإذا مرض المستأجر أو سجن فلم یستوف المنفعة لذلک لم تبطل الإجارة لعدم تعذر المنفعة فیمکن له أن یستوفیها بإجارة الدکان أو الدار من غیره، و لکن یثبت الخیار فی الفسخ أو الإمضاء للمؤجر، بسبب تخلف شرطه الذی شرطه علی المستأجر.

المسألة 91:

الصورة الرابعة: أن یکون عذر المستأجر فی عدم استیفائه منفعة العین المستأجرة خاصا به کما تقدم، و یکون المؤجر قد أطلق عقد الإجارة و لم یشترط علی المستأجر فی استیفاء المنفعة شیئا، فإذا مرض المستأجر أو سجن و لم یستوف المنفعة بنفسه، لم تبطل الإجارة بذلک و ثبتت للمؤجر الأجرة المسماة فی العقد و لا خیار له.

المسألة 92:

إذا سلم المؤجر العین المستأجرة، و قبضها المستأجر منه و لم یستوف منفعتها فی بعض المدة جرت فی هذه المسألة جمیع الفروض المتقدم ذکرها، فقد یکون المستأجر مختارا فی عدم استیفاء المنفعة فی بعض المدة، و قد یکون معذورا فی ذلک، و إذا کان معذورا فیه، فقد یکون
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 287
العذر عاما له و لغیره و قد یکون خاصا به الی آخر ما قدمنا ذکره من الفروض فی المسألة السابقة، و ینطبق علی کل فرض منها حکمه الذی تقدم بیانه فلا فرق بین ما إذا کان عدم استیفاء المنفعة فی جمیع المدة و فی بعضها.
و کذلک إذا کانت الإجارة علی العمل فلم یستوف المستأجر بعض العمل المستأجر علیه فتجری الفروض کلها و تبطل الإجارة فی مورد البطلان منها، و تصح حیث تصح، و یثبت الخیار حیث یثبت هناک.

المسألة 93:

إذا استأجر الإنسان أجیرا حرا لعمل من الأعمال أو لمنفعة من المنافع المحللة، ملک المستأجر منه عمله و منفعته المستأجر علیهما، و أصبحا مضمونین علیه، فإذا هیأ الأجیر نفسه و بذلها لتوفیة العمل و المنفعة المستأجر علیهما، و لم یستوفهما المستأجر باختیاره، ضمن للأجیر عمله و منفعته و وجب علیه دفع الأجرة المسماة، کما تقدم فی المسألة السابعة و الثمانین.
و کذلک إذا ملک منه العمل و المنفعة بصلح أو هبة، أو جعله ثمنا فی بیع أو عوضا فی معاملة شرعیة صحیحة فیکون العمل و المنفعة مملوکین له و مضمونین علیه بعوضهما.
و لا یضمن عمل الحر و لا منفعته بمجرد التفویت من غیر أن یملکهما بعقد أو معاملة، کما إذا شغله بشی‌ء حتی فات منه العمل أو المنفعة، بل و حتی إذا حبسه بحق أو بغیر حق، و کان کسوبا.
و یضمن الرجل عمل العبد المملوک و منفعته إذا استأجره لهما من سیده و لم یستوف المستأجر المنفعة أو العمل باختیاره، فیلزمه دفع الأجرة المسماة، و کذلک إذا آجر العبد نفسه باذن مولاه.
و یملک الرجل أعمال العبد و منافعه إذا ملکهما إیاه مولاه أو وکیل المولی بصلح أو معاملة شرعیة صحیحة أو جعلهما عوضا فی بعض المعاملات، و یملک أعماله و منافعه کذلک إذا ملکهما العبد نفسه إیاه بإذن مولاه.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 288

المسألة 94:

إذا استأجر الرجل من غیره دابة فشردت بحیث لا یمکن للمستأجر العثور علیها و استیفاء المنفعة المعلومة منها، و کان شرودها قبل التسلیم أو بعده و قبل أن یتمکن المستأجر من استیفاء منفعتها کانت الإجارة باطلة، و رجعت الأجرة المسماة إلی المستأجر، و إذا کان شرود الدابة فی أثناء المدة، بطلت الإجارة فی ما بقی من المدة، و تقسطت الأجرة المسماة بین المؤجر و المستأجر بالنسبة، فیثبت للمؤجر منها بنسبة ما مضی من المدة و یرجع الی المستأجر منها بنسبة ما بقی، فإذا مضی من المدة ثلثها مثلا کان للمؤجر ثلث الأجرة المسماة و للمستأجر ثلثاها، و إذا مضی نصف المدة کان لکل واحد منهما نصف الأجرة، و کذلک الحکم إذا استأجر الرجل العبد من مالکه، فأبق العبد بحیث لا یقدر علی استیفاء منفعته، أو استأجر السیارة فسرقت و لم یمکن العثور علیها، فیجری فیها التفصیل المذکور.

المسألة 95:

إذا غصب العین المستأجرة أحد قبل أن یقبضها المستأجر، فلم یستطع أن یستوفی منها شیئا من منفعتها، تخیر المستأجر بین أن یفسخ عقد الإجارة، فیرجع علی المؤجر بالأجرة المسماة إذا کان قد دفعها الیه، و أن یبقی الإجارة و یرجع علی الغاصب بأجرة المثل للعین المغصوبة مدة الإجارة.
و إذا کان الغصب بعد أن قبض المستأجر العین المستأجرة، لم یجز له أن یفسخ الإجارة، و کان له ان یرجع علی الغاصب بأجرة المثل، سواء کان الغصب فی أول مدة الإجارة أم فی أثنائها.
و کذلک الحکم إذا لم یغصب المتسلط العین، و لکنه منع المستأجر من استیفاء المنفعة، فإن کان ذلک قبل قبض العین تخیر المستأجر بین أن یفسخ الإجارة و یرجع علی مؤجرها بالأجرة، و أن یمضی الإجارة و یرجع علی الظالم بأجرة المثل، و ان کان منعه بعد قبض العین لم یجز للمستأجر أن یفسخ الإجارة و کان له الرجوع علی الظالم بأجرة المثل.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 289
و إذا غصب الغاصب العین المستأجرة قبل قبضها، ثم أرجعها إلی المستأجر فی أثناء المدة لم یسقط بذلک خیار المستأجر، و إذا أراد الفسخ فالأحوط له لزوما ان لم یکن هو الأقوی: ان لا یفسخ إلا فی الجمیع.
و کذلک الحکم إذا منعه قبل القبض عن استیفاء المنفعة من غیر غصب للعین، ثم رفع منعه فی أثناء المدة.

المسألة 96:

إذا استأجر الرجل عینا شخصیة، فتلفت العین المستأجرة قبل أن یقبضها المستأجر من صاحبها بطلت إجارتها، و کذلک إذا تلفت العین بعد قبضها بلا فاصلة من الزمان، أو تلفت قبل حلول مدة الإجارة فی ما إذا کانت المدة منفصلة عن زمان العقد، فتبطل الإجارة فی هذه الفروض الثلاثة، و لا یستحق المؤجر شیئا من الأجرة.
و إذا تلفت العین بعد مضی بعض المدة بطلت الإجارة فی بقیة المدة، و رجع المستأجر علی المؤجر بما قابل بقیة المدة من الأجرة المسماة، فإذا کان الباقی نصف المدة رجع المستأجر بنصف الأجرة، و إذا کان الباقی ثلث المدة رجع بثلث الأجرة، و هکذا.
و إذا تفاوتت أجزاء المدة فی مقادیرها من الأجرة، کما إذا کانت أجرة العین فی أیام الصیف أکثر أو أقل من أجرتها فی أیام الشتاء، و کما إذا کانت أجرتها فی أیام الموسم أغلی من سائر الأیام، لوحظت النسبة ما بین الأیام و رجع بما قابل بقیة المدة بنسبتها إلی أجرة مجموع المدة.

المسألة 97:

إذا تلف بعض العین التی استأجرها، بطلت الإجارة فی ذلک البعض التالف بنسبته الی مجموع العین، فإذا کان التالف نصف العین مثلا بطل العقد فی نصف الإجارة، و إذا کان التالف ربع العین بطل العقد فی ربع الإجارة، و هکذا، و توجه التفصیل الذی تقدم ذکره فی تلف جمیع
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 290
العین، فإذا کان تلفه قبل القبض أو بعده بلا فاصل من الزمان أو قبل حضور مدة الإجارة، بطلت الإجارة فی ذلک البعض التالف، و لم یستحق المؤجر من أجرته شیئا، و إذا کان تلفه بعد مضی بعض المدة، بطلت اجارة البعض التالف فی بقیة المدة، و رجع المستأجر علی المؤجر بما قابل بقیة المدة من الأجرة المسماة، و کان للمستأجر خیار تبعض الصفقة فی إجارة البعض الباقی من العین غیر التالف.

المسألة 98:

ما ذکرناه فی المسألتین المتقدمتین فی تلف جمیع العین المستأجرة و فی تلف بعضها من الأحکام انما هو فی التلف السماوی الذی لا یستند الی سبب اختیاری من الإنسان، و منه ما إذا أتلف العین حیوان أو أتلف بعضها، و کان الإتلاف یستند الی الحیوان نفسه، کما إذا صال الحیوان علی الدابة المستأجرة فقتلها، أو ضرب الآنیة المستأجرة برجله فکسرها.
و إذا کان إتلاف الحیوان للعین مستندا الی فعل الإنسان و تحریضه مثلا لحقه حکم ذلک الإنسان تقدیما للسبب علی المباشر.

المسألة 99:

إذا أتلف المستأجر العین المستأجرة بعد أن قبضها من المؤجر، فلا ریب فی صحة الإجارة، فیجب علی المستأجر دفع الأجرة المسماة للمؤجر، و یجب علیه دفع قیمة العین التالفة.
و إذا هو أتلف العین المستأجرة قبل أن یقبضها من المؤجر، فقد ذکر جماعة من الأکابر ان إتلاف المستأجر للعین بمنزلة قبضها، فتصح الإجارة کما فی الفرض السابق.
و هذا الحکم علی إطلاقه ممنوع، فان القبض هو الاستیلاء علی العین، و إتلاف المستأجر للعین لا یکون قبضا لها حتی یکون معه نحو استیلاء من المستأجر علی العین، کما إذا استولی علی الآنیة فکسرها، أو علی الحیوان فقتله أو علی الفرش و الثیاب فأحرقها، فإذا تحقق منه استیلاء علی العین المستأجرة تحقق القبض و صحت الإجارة، و لزم المستأجر دفع الأجرة المسماة للمؤجر، و وجب علیه دفع قیمة العین التالفة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 291
و إذا لم یتحقق الاستیلاء علی العین لم یحصل القبض، فإذا تلفت العین بطلت الإجارة، و وجب علی المستأجر أن یدفع قیمة العین لإتلافها.

المسألة 100:

إذا أتلف المؤجر العین المستأجرة قبل أن یقبضها المستأجرة منه، فالظاهر بطلان الإجارة بذلک، و لا شی‌ء لکل من المستأجر و المؤجر علی الآخر، و إذا هو أتلفها بعد القبض تخیر المستأجر بین أن یفسخ الإجارة فیسترد الأجرة المسماة من المؤجر إذا کان قد دفعها الیه، و أن یمضی الإجارة و یرجع علی المؤجر بقیمة المنفعة التی أتلفها مع العین.

المسألة 101:

إذا أتلف العین المستأجرة شخص آخر غیر المؤجر و المستأجر کان ضامنا لما أتلفه، فإن کان قد أتلف العین بعد أن تمت الإجارة و قبض المستأجر العین، ضمن المتلف للمستأجر قیمة المنفعة التی ملکها بالإجارة، و ضمن لمالک العین قیمة العین و هی مسلوبة المنفعة، و إذا کان قد أتلف العین قبل أن یقبضها المستأجر بطلت الإجارة بذلک، فلا شی‌ء للمستأجر علی المتلف، و ضمن المتلف قیمة العین و المنفعة معا لمالکهما و هو المؤجر.

المسألة 102:

إذا استأجر أحد من غیره عینا کلیة، و دفع المالک المؤجر له فردا معینا من الکلی، ثم تلف الفرد الذی عینه المؤجر و سلمه الیه لم تبطل الإجارة بذلک، و مثاله أن یستأجر الرجل من المالک آنیة موصوفة لوضع الطعام و الشراب فیها، فیدفع الیه مالک الأوانی آنیة معینة کما وصف، أو یستأجر منه دابة للرکوب، أو بقرة للحلب فیدفع الیه المالک دابة أو بقرة یعینها له کما وصف فی عقد الإجارة، فإذا تلف الفرد الخاص الذی عینه المالک و دفعه للمستأجر، لم تبطل الإجارة بتلفه، و وجب علی المؤجر أن یدفع له فردا غیر التالف، سواء کان الفرد التالف مضمونا علی المستأجر أو علی غیره أم لا.

المسألة 103:

إذا استأجر أحد أجیرا لیعمل له عملا فی عین یملکها، بأن یخیط له
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 292
ثوبا أو یصلح له آلة أو جهازا معینا، أو یجلد له کتابا، و دفع المستأجر إلیه العین التی استأجره للعمل فیها، ثم تلفت العین المذکورة بطلت الإجارة، فإذا کان تلف الثوب أو الجهاز أو الکتاب قبل ابتداء العمل به، رجعت الأجرة المسماة کلها الی مالک العین و هو المستأجر، و إذا کان التلف بعد أن قام الأجیر بشی‌ء من العمل و أنجزه رجع الی المستأجر ما قابل بقیة العمل من الأجرة المسماة، و یستحق الأجیر منها ما قابل العمل الذی أنجزه، سواء کان تلف العین المذکورة سماویا أم کان بإتلاف أحد، و لا ینافی ذلک أن تکون العین مضمونة علی المتلف فی بعض الصور، و سیأتی التعرض لذلک ان شاء اللّٰه تعالی.

المسألة 104:

إذا دفع المستأجر إلی الأجیر العین التی استأجره للعمل فیها، فسلم الیه الثوب لیخیطه أو الجهاز لیصلحه، أو الکتاب لیجلده، ثم أتلف المستأجر نفسه العین التی دفعها الی الأجیر قبل العمل أو فی أثنائه لم تبطل الإجارة بذلک علی الأقوی، و قد تقدم فی المسألة السابعة و الثمانین و فی المسألة الثالثة و التسعین: ان الرجل إذا استأجر أجیرا لیعمل له عملا، و هیأ الأجیر نفسه و سلمها للمستأجر لیقوم له بالعمل، و لم یستوف المستأجر منه منفعته و عمله، و هو مختار فی عدم استیفائه استحق علیه الأجیر الأجرة المسماة.
و نتیجة لذلک فإذا کان الأجیر قد سلم نفسه لیقوم بالعمل فی الفرض المذکور فی المسألة استحق علی المستأجر الأجرة و لم یسقط استحقاقه بإتلاف المستأجر للعین المذکورة.
و إذا أتلف المستأجر الثوب أو الجهاز أو الکتاب قبل أن یسلم الأجیر نفسه و یهیئها للعمل فالظاهر بطلان الإجارة فی هذه الصورة فلا یستحق الأجیر علی المستأجر شیئا.

المسألة 105:

إذا استأجر إنسان من غیره دارا فانهدمت الدار أو انهدم بعض
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 293
بیوتها، ففی هذا الفرض صور نتعرض لها و لبیان أحکامها فی ضمن مسائل.
(الصورة الأولی): ان ینهدم جمیع الدار المستأجرة حتی تسقط بسبب انهدامها عن أن ینتفع بها أصلا فی الجهة المقصودة بالإجارة، و الحکم فی هذه الصورة هو بطلان الإجارة، و ان أمکن الانتفاع بالدار فی جهة أخری غیر الجهة المقصودة.
فإن حدث انهدام الدار کذلک قبل أن یقبضها المستأجر من مالکها رجعت الأجرة المسماة کلها إلی المستأجر و کذلک الحکم إذا انهدمت الدار بعد أن قبضها المستأجر و قبل أن یمضی علیها شی‌ء من المدة و هی فی یده لیسکن فیها، أو قبل أن یصل الزمان الذی حدد للسکنی فی العقد حین تکون مدة السکنی منفصلة عن حین العقد، فتبطل الإجارة و ترجع الأجرة المسماة إلی المستأجر فی هذه الفروض.
و إذا کان انهدام الدار بعد أن مضی شی‌ء من مدة الإجارة و هی فی ید المستأجر بطلت الإجارة و رجع الی المستأجر من الأجرة المسماة بنسبة الباقی من المدة إلی مجموعها، فإذا کان الباقی نصف المدة مثلا رجع الی المستأجر نصف الأجرة، و إذا کان الباقی ثلاثة أرباع المدة رجع إلیه ثلاثة أرباع الأجرة و هکذا.

المسألة 106:

(الصورة الثانیة): أن تنهدم الدار و لا تخرج بسبب انهدامها عن الانتفاع أصلا، فیمکن أن ینتفع بها بعد انهدامها فی الجهة المقصودة بالإجارة و لکن بمرتبة ناقصة، فلا تبطل الإجارة بانهدام الدار فی هذه الصورة، بل یثبت للمستأجر الخیار بین أن یفسخ الإجارة، و ان یمضیها بالأجرة المسماة و إذا هو اختار ففسخ الإجارة، فالحکم فی الأجرة هو ما ذکرناه فی المسألة التاسعة و السبعین، فلتراجع.

المسألة 107:

(الصورة الثالثة): أن ینهدم بعض بیوت الدار بحیث یسقط ذلک البعض المنهدم منها عن الانتفاع به مطلقا فی الجهة المقصودة بالإجارة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 294
و یأتی فی هذه الصورة الفرضان المتقدم ذکرهما فی المسألة المائة و الخامسة، فی انهدام جمیع الدار، فقد یکون انهدام بعض بیوت الدار علی النحو المذکور، قبل أن یقبضها المستأجر، أو بعد القبض بغیر فاصلة من الزمان، أو قبل أن یأتی الزمان المعین للسکنی فی عقد الإجارة، و قد یکون انهدام بعض بیوت الدار بعد مضی شی‌ء من مدة الإجارة، و لکن الفرضین هنا لا یختلفان فی المهم من الحکم.
فإذا کان انهدام بعض بیوت الدار علی أحد الوجوه الثلاثة الأولی، بطلت الإجارة فی البعض المنهدم من الدار، و صحت فی البعض الباقی غیر المنهدم منها، بنسبة هذا البعض الباقی الی مجموع الدار، فإذا کان الباقی غیر المنهدم نصف الدار صحت الإجارة فیه بنصف الأجرة المسماة، و إذا کان الباقی ثلثی الدار صحت الإجارة فیه بتلک النسبة من الأجرة، و یثبت للمستأجر خیار تبعض الصفقة فی إجارة البعض الباقی غیر المنهدم من الدار، فیجوز له فسخ هذه الإجارة و إمضاؤها بحصة هذا البعض من الأجرة.
و إذا کان انهدام بعض بیوت الدار فی أثناء مدة الإجارة، بطلت فیه کذلک، و رجع الی المستأجر من حصة البعض المنهدم من الأجرة بنسبة الباقی من المدة إلی مجموع المدة، فإذا کانت حصة البعض المنهدم من الأجرة المسماة تساوی نصفها، و کان الباقی من المدة هو نصف المدة، رجع الی المستأجر نصف الحصة المذکور، و هو ربع الأجرة المسماة، و یثبت للمستأجر خیار تبعض الصفقة فی إجارة البعض الباقی غیر المنهدم من الدار.

المسألة 108:

(الصورة الرابعة): أن ینهدم بعض بیوت الدار، و لا یخرج ذلک البعض المنهدم عن الانتفاع به بل یکون مما یمکن الانتفاع به فی الجهة المقصودة من الإجارة و لکن بمرتبة ناقصة، و لا تبطل الإجارة فی هذه الصورة، و یکون للمستأجر الخیار بین أن یفسخ الإجارة و ان یمضیها بالأجرة المسماة و تراجع المسألة التاسعة و السبعون فی ما یتعلق بالأجرة إذا هو فسخ العقد.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 295

المسألة 109:

انما یکون انهدام الدار أو انهدام بعض بیوتها موجبا لبطلان الإجارة فی الجمیع أو فی البعض کما فصلناه فی المسائل المتقدمة، إذا کان الانهدام سببا لانعدام المنفعة المقصودة فی نظر أهل العرف فإذا بادر مؤجر الدار بعد انهدامها أو انهدام بعضها الی تعمیر ما انهدم منها، علی نحو لا یفوت بسبب مبادرته علی المستأجر شی‌ء من المنفعة المقصودة أصلا، أو علی نحو لا یفوت علیه شی‌ء یعتد به من المنفعة، فالظاهر عدم بطلان الإجارة فی هذه الصورة، و عدم جواز الفسخ إذا کان المنهدم هو البعض.
و من أمثلة ذلک أن یستأجر زید الدار من مالکها فی شهر محرم أو صفر لیسکنها ستة أشهر من أول شهر ربیع الأول، ثم تنهدم الدار أو ینهدم بعض بیوتها، و یبادر مالک الدار الی عمارتها و إصلاح ما انهدم منها قبل أن یأتی أول مدة الإجارة و هو شهر ربیع الأول، فلا یفوت علی المستأجر شی‌ء من المنفعة المقصودة، و من أمثلة ذلک ان یستأجر من المالک حانوتا أو محلا مدة معینة فینهدم الحانوت المستأجر أو المحل فی اللیل، و یبادر مالکه الی تعمیره قبل أن یصبح الصبح، فلا یفوت علی المستأجر شی‌ء من المنفعة، و من أمثلة ذلک أن یستأجر الدار و فیها بیوت یحتاج إلیها فی الصیف خاصة أو یحتاج إلیها فی الشتاء خاصة فینهدم فی أیام الشتاء البیت الذی یحتاج إلیه فی الصیف أو بالعکس، و یسارع مالک الدار فیعمر البیت المنهدم قبل أن یصل زمان الحاجة الیه، و لا یفوت علی المستأجر شی‌ء من المنفعة، فلا تبطل الإجارة فی جمیع هذه الصور و لا یثبت للمستأجر حق الخیار.
و کذلک الحکم إذا بادر المالک بعمارة ما انهدم من الدار فی هذه الصور و أمثالها، و فات بسبب ذلک من المنفعة شی‌ء قلیل لا یعتد به فی نظر العقلاء، فلا تبطل الإجارة و لا یکون للمستأجر حق الخیار.
و إذا کان انهدام الدار أو انهدام بعضها یوجب فوت جمیع المنفعة بالفعل علی المستأجر، أو یوجب فوت شی‌ء معتد به من المنفعة بالفعل، کانت الإجارة باطلة فی الجمیع أو فی البعض من حین انعدام المنفعة،
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 296
و لا یجدی نفعا فی تصحیح الإجارة أن یبادر المؤجر الی تعمیر المنهدم بعد ان تحقق انعدام المنفعة و تحقق البطلان.

المسألة 110:

إذا وقع عقد الإجارة بین المالک و المستأجر، ملک المستأجر منفعة العین التی استأجرها ملکا مستقرا من حین العقد، و ملک المؤجر الأجرة المسماة ملکا مستقرا من حین العقد کما ذکرنا فی المسألة الثمانین، فإذا تلفت العین المستأجرة أو تلف بعضها بطلت الإجارة بذلک، و رجعت الأجرة کلها أو رجع بعضها إلی المستأجر حسب ما فصلناه فی المسائل المتقدمة، و رجوع الأجرة أو رجوع بعضها إلی المستأجر یکون من حین بطلان الإجارة لا من أول الأمر، و قد تعرضنا لذلک و لدفع الاشکال عنه فی تعلیقتنا علی کتاب الإجارة من العروة الوثقی.

المسألة 111:

إذا أوقع الرجلان بینهما احدی صور الإجارات الدارجة بین الناس و جرت علی ذلک معاملتهما فاستوفی المستأجر المنفعة و استلم المؤجر مال الإجارة، ثم انکشف لهما ان الإجارة التی أوقعاها بینهما فاسدة وجب علی المؤجر أن یرجع الأجرة التی قبضها إلی المستأجر، و ثبتت للمؤجر أجرة المثل عن جمیع ما استوفاه المستأجر من المنفعة، و عن کل منفعة للعین فاتت تحت یده و کانت مضمونة علیه بتعد أو تفریط أو إتلاف أو غیر ذلک من موجبات الضمان.
و کذلک الحکم إذا کانت الإجارة علی عمل من الأعمال ثم استبان فسادها، فترجع الأجرة المسماة إلی مالکها و هو المستأجر، و تکون للعامل علیه أجرة المثل عن عمله، و لا فرق فی الحکم فی الموردین بین أن یکون المؤجر و المستأجر عالمین ببطلان الإجارة بینهما أو جاهلین به أو کان أحدهما عالما و کان الآخر جاهلا.
و إذا علم بأن المالک متبرع بالمنفعة، أو بأن المستأجر متبرع بالأجرة، أو بأن الأجیر متبرع بالعمل، فلا ضمان علی صاحبه باستیفائها.
و إذا کان فساد المعاملة من حیث انهما قد أوقعا الإجارة بینهما بلا
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 297
عوض أو من حیث انهما جعلا الأجرة فیها ما لا مالیة له عرفا کالخنفساء، فلا یترک الاحتیاط فی هذه الصورة بالتصالح بینهما.

المسألة 112:

یجوز لمالک العین أن یؤجر جزءا مشاعا منها علی أحد، فیؤجره نصف داره المعینة أو نصف دکانه المعلوم، و یکون قبض الجزء المشاع بقبض العین کلها باذن المالک، و یکون المستأجر بعد العقد شریکا مع المالک فی منفعة العین، و یجوز لأحد الشریکین فی العین أن یؤجر حصته المشاعة منها، و إذا آجرها علی أحد لم یجز له أن یسلم العین للمستأجر إلا بإذن شریکه فیها.
و إذا سلمه إیاها بغیر اذن الشریک عصی بذلک و أثم و ترتبت علی التسلیم آثاره، و إذا آجره المالک حصته المشاعة من العین المشترکة کان المستأجر شریکا مع المالک الآخر فی منفعة العین.

المسألة 113:

یجوز أن یستأجر اثنان عینا شخصیة واحدة، فیکونان شریکین فی منفعتها، سواء کانت العین لمالک واحد فیؤجرها لهما معا بعقد واحد و أجرة واحدة، أو یؤجر أحدهما حصة مشاعة منها بعقد و أجرة، ثم یؤجر الثانی الحصة الثانیة بعقد آخر و أجرة أخری، أم کانت لمالکین فیؤجرانها علیهما بعقد واحد أو بعقدین.

المسألة 114:

إذا استأجر رجلان دارا مثلا، فاشترکا فی منفعتها علی أحد الوجوه، جاز لهما أن یسکنا الدار معا بالتراضی بینهما، فیخصصا لکل واحد منهما بعض بیوت الدار أو بعض الطبقات منها، أو یسکناها علی نحو الاشتراک فی البیوت إذا أمکن لهما ذلک و صح کما إذا کانت عائلة کل کل منهما من محارم الآخر، و یجوز لهما أن یقتسما الدار بالتعدیل فی المساکن و القرعة کما یقتسم الشریکان الدار و العقارات المشترکة بینهما، و یجوز لهما أن یقتسما المنفعة بالمهاباة، فیسکن أحدهما فی الدار شهرا أو شهرین مثلا، ثم یسکن الآخر من بعده بقدر ما سکن الأول
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 298
و هکذا، و یجوز لهما إذا کانت الإجارة مطلقة أن یؤجر أحدهما حصته للآخر فتکون المنفعة کلها خالصة للمستأجر، و یجوز لهما أن یؤجرا الدار علی شخص آخر و یقتسما أجرتها بینهما بنسبة ما لکل واحد من الحصة فی منفعة الدار.
و إذا کانا قد استأجرا دابة للرکوب و لم یمکن الترادف أو لم یصح، أمکن لهما أن یقتسما المنفعة بالمهایاة فیرکبها أحد المستأجرین یوما أو یومین مثلا، ثم یرکبها الآخر بقدر ما رکبها الأول، و یمکن ان یقتسماها بالمناوبة فی الرکوب فیرکبها أحدهما فرسخا ثم یرکبها الآخر فرسخا.

المسألة 115:

إذا آجر المالک الدار کلها لأحد مدة معینة، ثم تبین للمستأجر أن نصف الدار التی استأجرها مملوکة لغیر المؤجر، و لم یجز المالک الآخر عقد الإجارة فی حصته من الدار ثبت للمستأجر خیار الفسخ إذا کان جاهلا بأن الدار مشترکة، فیجوز له أن یفسخ العقد و یسترد الأجرة و یجوز له أن یمضی الإجارة فی نصف الدار بنصف الأجرة المسماة.

المسألة 116:

إذا آجره المالک نصف الدار مدة معینة، فقبل المستأجر و هو یعتقد ان النصف الآخر من الدار ملک للمالک نفسه فهو شریکه فی المنفعة، ثم علم ان النصف الآخر من الدار لمالک آخر، لم یثبت للمستأجر بذلک خیار الشرکة، و لیس له حق الفسخ، إلا إذا کانت الشرکة مع ذلک المالک الآخر نقصا علی المستأجر یوجب مهانته أو کانت توجب له غبنا أو حرجا، فیجوز له الفسخ حین ذاک.

المسألة 117:

یجوز أن تکون مدة الإجارة منفصلة عن زمان العقد کما ذکرناه فی المسألة الثالثة و الأربعین فیستأجر الرجل الدار من مالکها لیسکنها فی شهر رمضان المقبل، و هما فی شهر رمضان الحاضر مثلا، و لا یمنع من صحة ذلک طول المدة الفاصلة بین العقد و مدة الإجارة، و لا یمنع من صحة
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 299
ذلک أن تکون الدار المستأجرة بالفعل لشخص آخر، إذا کان تسلیم الدار مقدورا فی الوقت المعین للسکنی.

المسألة 118:

یجوز للزوجة أن تؤجر نفسها للعمل عند أحد إذا کان العمل لا ینافی حقوق الزوج الواجبة علیها، کحق الاستمتاع، و ان لا تخرج من بیته إلا باذنه، و لا یجوز لها أن تؤجر نفسها لما ینافی شیئا من حقوقه إلا باذنه، و إذا هی آجرت نفسها لشی‌ء من ذلک بغیر اذنه توقفت صحة الإجارة علی اجازة الزوج فإن أجازها صحت و ان لم یجزها بطلت.

المسألة 119:

إذا أذن الرجل لزوجته أن تؤجر نفسها للعمل فی ما ینافی بعض حقوقه، فآجرت نفسها کذلک أو هی آجرت نفسها للعمل فأجاز الزوج إجارتها، فلیس للزوج ان یرجع فی اذنه أو یمنعها من العمل الذی آجرت له نفسها ما دامت مدة الإجارة، فإذا انتهت المدة لم یجز لها العمل بعد ذلک و لم یجز لها تجدید الإجارة علیه الا بإذن الزوج أو إجازته.

المسألة 120:

لا یجوز للزوج أن یؤجر نفسه للعمل إذا کان منافیا لحق الزوجة الواجب علیه فی قسمة اللیالی، و لا تصح الإجارة إلا بإذن الزوجة قبل العقد أو إجازتها بعد العقد، و إذا هی أذنت له فآجر نفسه کذلک أو أجازت إجارته بعد وقوعها لم یصح لها أن ترجع فی اذنها أو إجازتها فتطالب الزوج بحقها من اللیالی ما دامت مدة الإجارة، فإذا انقضت المدة لم یکن له البقاء فی العمل أو تجدید الإجارة له الا برضی الزوجة، إلا إذا کانت قد أسقطت له حقها.

الفصل الرابع العین المستأجرة امانة فی ید المستأجر

المسألة 121:

إذا استأجر أحد من المالک عینا و استلمها منه لیستوفی منفعتها فالعین
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 300
أمانة فی ید المستأجر لا یضمنها إذا تلفت فی یده أو تلف بعضها أو حدث فیها عیب، إلا إذا تعدی المستأجر فتصرف فی الأمانة بأکثر مما یقتضیه الإذن الشرعی من التصرف، أو فرط فلم یصنها بما تصان به الأمانة، فیکون ضامنا حین ذاک لما یحدث علیها من تلف أو عیب.
و مع عدم التعدی و لا التفریط منه، فلا ضمان علیه فی شی‌ء من ذلک، سواء حدث التلف أو العیب فی العین فی أیام مدة الإجارة، أم قبلها إذا کان قبضه إیاها باذن مالکها، أم حدث بعد انقضاء مدة الإجارة إذا هو لم یفرط فی تسلیم العین الی مالکها، بل کان معذورا فی تأخیر التسلیم الیه، أو کان قد أدی العین الی مالکها بعد انتهاء مدة الإجارة فأبقاها المالک فی ید المستأجر فترة لبعض الأغراض.

المسألة 122:

إذا شرط المالک علی المستأجر فی ضمن العقد ان یکون ضامنا للعین المستأجرة إذا تلفت أو تلف بعضها أو حدث فیها عیب و هی فی یده و ان لم یتعد و لم یفرط فیها، فهل یصح من المالک هذا الشرط؟ یشکل الحکم بصحته، فلا یترک الاحتیاط بعدم اشتراط ذلک.
و یصح للمالک ان یشترط علی المستأجر أن یدفع له مقدارا معینا من المال إذا تلفت العین فی یده أو عابت و لا یکون هذا من اشتراط الضمان، بل هو من اشتراط التعویض عن الخسارة.

المسألة 123:

إذا سلم المالک العین إلی المستأجر فقبضها منه و کانت الإجارة باطلة لعدم توفر شروط الصحة فیها، و المستأجر لا یعلم ببطلان الإجارة، ثم تلفت العین فی ید المستأجر أو عابت، فالظاهر عدم ضمانه تلفها و عیبها إذا هو لم یتعد و لم یفرط کما فی الإجارة الصحیحة، سواء کان المالک المؤجر عالما ببطلان الإجارة أم لا.

المسألة 124:

إذا استأجر المالک أجیرا لیعمل له عملا فی عین یملکها، فدفع الیه ثوبا لیخیطه أو دفع الیه آلة لیصلحها أو دفع إلیه فضة أو ذهبا لیصوغهما،
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 301
کانت العین المدفوعة إلی الأجیر أمانة فی یده کالعین المستأجرة فلا ضمان علی الأجیر إذا تلفت تلک العین فی یده أو حدث فیها عیب إلا إذا تعدی الأجیر أو فرط فی الأمانة أو کان هو المتلف للعین أو العائب لها.

المسألة 125:

یجوز للمستأجر أن یشترط فی ضمن العقد علی الأجیر أن یکون ضامنا للعین التی دفعها الیه لیعمل فیها إذا هی تلفت فی یده أو حدث فیها عیب و ان لم یتعد و لم یفرط، فیشترط علی الخیاط أن یکون ضامنا للثوب و علی العامل أن یکون ضامنا للآلة التی أعطاه إیاها لیصلحها و علی الصائغ أن یکون ضامنا للذهب و الفضة اللذین دفعهما الیه لیصوغهما فیجوز له هذا الشرط و یجب العمل به إذا اشترطه علی الأجیر و قبل به، و لیست هذه العین کالعین المستأجرة فی الاشکال فی هذا الحکم.

المسألة 126:

یتحقق تسلیم العمل بإتمامه کما ذکرنا ذلک فی المسألة الحادیة و الثمانین، فیجوز للعامل بعد إتمام العمل أن یطالب المستأجر بأجرة عمله، و ان لم یدفع الیه العین التی أتم العمل فیها، فلم یدفع الیه الثوب الذی خاطه له و الآلة التی أصلحها و الخاتم أو القرط الذی صاغه، بل و ان تلفت العین بعد إتمام العمل فیها من غیر تعد و لا تفریط من الأجیر و لم یکن هو المتلف لها.

المسألة 127:

إذا أتلف الخیاط الثوب بعد أن أکمل خیاطته، أو أتلف الأجیر الکتاب بعد أن أتم تجلیده أو أتلف الآلة بعد ان أتم إصلاحها، ضمن للمالک المستأجر قیمة الثوب مخیطا و قیمة الکتاب مجلدا، و قیمة الآلة صالحة، و استحق هو علی المستأجر الأجرة المسماة لعمله الذی أتمه له.

المسألة 128:

إذا أتلف العین المذکورة شخص ثالث بعد أن أتم الأجیر عمله فیها ضمن الشخص المتلف للمالک قیمة العین بعد العمل، فیضمن
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 302
للمالک قیمة الثوب تام الخیاطة، و قیمة الکتاب مجلدا و قیمة الآلة صالحة، کما تقدم فی ضمان الأجیر، و لم تسقط بذلک الأجرة المسماة عن المستأجر فیلزمه دفعها للعامل وفاء بالإجارة، و قد تقدم فی المسألة التاسعة و التسعین حکم ما إذا أتلف المستأجر العین بعد أن أتم العامل عمله فیها.

المسألة 129:

الأقوی ان المدار فی ضمان العین المضمونة علی قیمتها یوم تلفها، لا علی قیمتها یوم الأداء و لا علی أعلی القیم بین الیومین.

المسألة 130:

إذا استأجر الشخص أحدا لحمل متاع علی ظهره أو علی دابته أو فی سیارته الی مکان معین بأجرة معینة، فحمل الأجیر المتاع الی المکان المعین، ثم أتلفه بعد وصوله أو تلف المتاع و قد تعدی الأجیر أو فرط فی الأمانة، کان الأجیر ضامنا للمستأجر قیمة المتاع فی ذلک المکان، و استحق الأجیر علی المستأجر أجرته المسماة له فی حمل المتاع.

المسألة 131:

إذا استأجر أحد أجیرا لعمل من الأعمال، فأفسد الأجیر فی عمله کان ضامنا لما أفسده إذا کان قد تجاوز الحد المأذون فیه. و مثال ذلک أن یستأجر خیاطا لیخیط له ثوبا أو لیفصله، فیفسد الخیاط الثوب، أو یستأجر نجارا لیصنع له بابا فیفسد النجار الباب، أو یستأجر عاملا لیصلح له بعض الأدوات أو الآلات أو الأجهزة فیفسد العامل ذلک الشی‌ء، و کما إذا جنی الحجام فی حجامته و البیطار فی معالجته الدابة، و هکذا کل عامل یستأجر لعمل معین، فیفسد فی عمله، یکون ضامنا لما أفسده، إذا هو تجاوز الحد المأذون فیه فی ذلک العمل.
و الحد المأذون فیه هو القدر المتعارف و المتبع بین أهل الخبرة و أهل المعرفة بذلک الأمر، فإذا تجاوز العامل هذا القدر کان ضامنا لما یحدث فی عمله من فساد، و إذا لم یتجاوز الحد المأذون فیه لم یبعد القول بعدم ضمانه لذلک.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 303

المسألة 132:

إذا استأجر الشخص أحدا لیذبح له حیوانا، فذبحه علی وجه أوجب تحریم لحمه، کان الذابح ضامنا لقیمة الحیوان حیا، سواء کان الذابح قصابا أم لا، و کذلک إذا تبرع له أحد فذبح الحیوان و حرم لحمه، فإنه یکون ضامنا و المتبرع کالأجیر للعمل فی الحکم المذکور، فإذا أفسد المتبرع فی عمله کان ضامنا لما أفسده إذا کان قد تجاوز الحد المأذون فیه فی جمیع الفروض المتقدمة و الآتیة.

المسألة 133:

إذا استأجر الإنسان خاتنا لیختن ولده، فأفسد الخاتن فی ختانه، فقطع الحشفة مثلا أو قطع بعضها، أو تعدی عن موضع القطع، کان ضامنا لما أفسد مع تجاوزه عن الحد المأذون فیه فی الختان و إذا هو لم یتجاوز فی عمله عن الحد المأذون فیه فتحرک الطفل مثلا أو اضطرب من غیر تقصیر من الخاتن أو المساعد فلا یبعد عدم ضمانه کما تقدم فی نظائره.
و هذا فی غیر الفساد المؤدی إلی تلف النفس، و إذا أدی الی ذلک فالظاهر هو الضمان.
بل الظاهر الضمان فی الختان مع عدم التجاوز عن الحد المأذون فیه، إذا کان الخاتن جراحا بصیرا یعتمد علیه فی إجراء هذه العملیات و فی تمییز ما یضر منها مما لا یضر، فیکون هذا الجراح ضامنا لما یحدث فی ختانه من فساد و ان لم یبلغ إفساده إلی تلف النفس، کما إذا قطع الحشفة أو بعضها، أو جرح الطفل جرحا مضرا أو سبب له حدوث قرحة، و نحو ذلک، الا مع التبرؤ من الضمان علی النحو الذی سنذکره فی تبرؤ الطبیب من الضمان، و المتبرع کالأجیر فی کل ذلک.

المسألة 134:

الظاهر ان الطبیب و ان کان حاذقا یضمن ما یفسده إذا کان فی مقام العلاج للمریض و لو بالتسبیب، و کان أقوی فی التأثیر من المباشر فی حدوث الفساد، سواء باشر علاج المریض بنفسه، فزرق الإبرة فی بعض أوردته مثلا أو أجری له بعض العملیات، أو سلط علیه بعض
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 304
الأجهزة، أم لم یباشر ذلک بنفسه فأمره بشرب الدواء أم وصفه له أم قال له و هو فی مقام العلاج و بعد ان شخص الداء، الجرعة المعینة من الدواء الفلانی نافعة من هذا المرض، أو قال له: لا أرجح علی استعمال هذا المستحضر شیئا، أو قال لو کنت مریضا أو کان بعض أهلی مصابا بهذا المرض لعالجته باستعمال هذه الجرعة، أو غیر ذلک مما یعین فیه الداء و یرجح له تناول الدواء المعین و یذکر له مقادیره و مواعیده، فإذا حصل الفساد بشی‌ء من ذلک کان الطبیب ضامنا لما حصل، و المتبرع کالأجیر فی کل ذلک.

المسألة 135:

لا یضمن الطبیب ما یحدث، إذا لم یکن فی مقام المعالجة للمریض و الکشف عن دایة، فذکر دواء لمرض یشبه مرضه، فاستعمله المریض و أوجب له مضاعفة فی المرض أو تلفا، و لا یضمن الطبیب ما یحدث إذا شخص داء المریض و عین له الدواء، فأخذ المریض منه أکثر من المقدار الذی وصفه الطبیب، أو استعمل معه دواء آخر لم یصفه الطبیب، و لا یضمن الطبیب ما یحدث إذا عین للمریض دواء خاصا، فأعطاه الصیدلانی دواء غیره ذکر انه عوض عن ذلک الدواء أو أنه أنفع منه فی معالجة المرض، فاستعمله و لم یرجع الی الطبیب.

المسألة 136:

إذا تبرأ الطبیب قبل المعالجة من الضمان، و قبل المریض إذا کان رشیدا مختارا، أو قبل ولی المریض إذا کان قاصرا، ببراءة الطبیب، و لم یقصر الطبیب فی بذل جهده و طاقته فی الکشف و فی المعالجة فإنه یبرأ من التبعة بذلک، فلا ضمان علیه فی ما یحدث بمعالجته من فساد أو تلف.
و کذلک الحکم فی البیطار إذا تبرأ مما یحدث فی معالجة الحیوان، و فی الخاتن الجراح إذا تبرأ من التبعة فی ختان المختون، فلا یکون علیهما ضمان إذا أفسدا فی عملهما.

المسألة 137:

إذا حمل الحمال المتاع أو الشی‌ء علی ظهره أو علی رأسه، فعثر فی
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 305
طریقه و سقط ما یحمله علی الأرض و انکسر کان الحمال ضامنا للشی‌ء الذی أتلفه، و إذا وقع ما یحمله علی شی‌ء آخر فکسره أو أتلفه کان له ضامنا، و إذا تلفا معا ضمنهما معا.

المسألة 138:

إذا حمل الحمال المتاع أو الشی‌ء علی ظهر دابته، فعثرت الدابة فی مسیرها و وقع الشی‌ء المحمول علی الأرض فتحطم و تلف أو حدث به عیب، لم یضمن صاحب الدابة شیئا من ذلک. و إذا کان صاحبها هو السبب فی عثرتها کما إذا ساقها بعنف أو ضربها أو نخسها أو حملها علی السیر فی مزلق أو فی طریق کثیر الحفر و العقبات، فعثرت لذلک و تحطم ما علی ظهرها کان ضامنا لما حدث، و إذا کان السبب فی عثرة الدابة و وقوع المتاع انسان آخر کان ذلک الإنسان هو الضامن، و إذا کان السبب حیوان آخر فلا ضمان.

المسألة 139:

إذا أتی الرجل الی الخیاط بقطعة من القماش، و قال له: ان کانت هذه القطعة تکفینی قمیصا، ففصلها لی قمیصا، فقطعها الخیاط و فصلها، ثم ظهر ان القطعة لا تکفی لذلک، فالظاهر ان الخیاط ضامن للمال بهذا التصرف، فان المالک انما أذن له بتفصیل القطعة إذا کانت کافیة للقمیص فیکون اذنه له بالتصرف مقیدا بذلک، و إذا لم تکف لذلک فلا اذن من المالک، و یکون الخیاط ضامنا بتصرفه.
و إذا سأله المؤجر: هل تکفی هذه القطعة لی قمیصا، فقال الخیاط نعم، فقال له ففصلها لی قمیصا، ففصلها الخیاط ثم ظهر انها لا تکفی، فالحکم بالضمان أو بعدمه فی هذا الفرض موضع اشکال و تردد، و لا بد فیه من مراعاة الاحتیاط.

المسألة 140:

إذا آجر المالک عبده المملوک له لبعض الأعمال فأفسد العبد فی عمله، فالظاهر أن الضمان یکون علی العبد فی کسبه، سواء کان إفساده بتفریط منه أم بغیر تفریط، فإذا لم یف کسب العبد بذلک اتبع به بعد
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 306
أن یعتق، و لا ضمان علی مولاه. و کذلک الحکم إذا آجر العبد نفسه باذن مولاه لبعض الأعمال، فأفسد فی عمله.
و هذا کله انما هو فی ضمان الأموال و الأعیان إذا أتلفها العبد أو أحدث فیها نقصا أو عیبا، و إذا کانت جنایة العبد علی انسان فقتله أو جرحه أو جنی علیه فی عضو من أعضائه أو جارحة من جوارحه، فللمسألة تفاصیل تذکر فی مواضعها من کتاب الدیات و کتاب القصاص، و لم نتعرض لها هنا لکونها لیست موضعا للابتلاء و ان کان أصل المسألة کذلک.

المسألة 141:

إذا استأجر الشخص من أحد سفینة أو دابة أو سیارة، فحملها مالا الی مکان معین، فسرق المال المحمول فیها أو تلف کله أو بعضه، فلا ضمان علی صاحب السفینة أو الدابة أو السیارة إذا هو لم یتعد و لم یفرط فی أمانته.
و یجوز للمستأجر أن یشترط علیه فی ضمن العقد ضمان المال إذا سرق منه شی‌ء أو تلف أو نقص، فإذا شرط علیه ذلک و قبل بالشرط وجب الوفاء به، فإذا تلف من المال شی‌ء أو سرق أو حدث فیه عیب، وجب علی المؤجر أن یؤدی للمستأجر قیمة ما نقص أو سرق، و أرش ما عاب.

المسألة 142:

لا یجوز للمستأجر الدابة للحمل، أن یحمل علیها أکثر مما یتعارف حمله علی أمثالها، و إذا اشترط مؤجر الدابة علیه فی ضمن العقد أن لا یزید فی حملها علی مقدار معین من الأمتعة، لم یجز له أن یتجاوز عن ذلک المقدار و إذا زاد فی حملها علی المقدار المتعارف فی الصورة الأولی، و علی المقدار المشترط فی الصورة الثانیة وجب علیه أن یدفع للمؤجر الأجرة المسماة بدلا للمقدار المتعارف الذی حملها إیاه، و أجرة المثل للزیادة التی أضافها و وجب علیه أن یدفع للمؤجر مع ذلک قیمة الدابة إذا عطبت، و أرش النقصان إذا حدث فیها عیب بسبب ذلک، و قد تقدم ان المدار علی القیمة فی یوم التلف.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 307

المسألة 143:

إذا استأجر الرجل دابة لیحمل متاعه علیها الی مکان معین، أو لیرکبها الی ذلک المکان فلا یجوز له أن یتجاوز بها الی أبعد من موضع الإجارة، و إذا هو فعل ذلک وجب علیه أن یدفع للمؤجر الأجرة المسماة إلی المکان المعین، و وجب علیه أن یدفع له أجرة المثل للمقدار الزائد من المسافة، و وجب علیه مع ذلک أن یدفع للمؤجر قیمة الدابة إذا عطبت بسبب ذلک، و أن یدفع له أرش النقصان إذا عابت.

المسألة 144:

یجوز لمستأجر الدابة للرکوب أو للحمل أن یضربها إذا وقفت أو تباطأت فی سیرها أو حرنت و یجوز له أن یکبحها باللجام و نحوه إذا أسرعت، إذا کان الضرب أو الکبح بالمقدار المتعارف فی سوق الدابة و زجرها، و لا تجوز له الزیادة علی ذلک، و إذا زاد فی ضربها أو کبحها علی المقدار المتعارف کان ضامنا لما یحدث علی الدابة بسبب ذلک، و إذا هو لم یزد علی المتعارف، فاتفق أن حدث للدابة بسبب الضرب أو الکبح المتعارف تلف أو نقص، فلا ضمان فیه علی الأقوی.
و إذا شرط مالک الدابة علی المستأجر فی ضمن العقد أن لا یضربها و لا یکبحها حتی علی النحو المتعارف لم یجز له ذلک، فإذا خالف الشرط فضربها أو کبحها علی النحو المتعارف کان ضامنا لما یحدث علیها بسبب ذلک و إذا منعه المالک عن الضرب و الکبح المتعارف و لم یشترطه فی العقد فالظاهر انه لا یکون بذلک محرما و لا سببا للضمان.
و إذا استأجر السیارة للرکوب و التنقل فیها، علی أن یکون المستأجر أو سائقه هو الذی یتولی قیادتها، لم یجز له أن یتعدی عن الحد المتعارف فی سرعة السیر و فی حمل الأمتعة فیها الا مع اشتراط ذلک أو رضی المالک به، و إذا تجاوز عن الحد من غیر شرط منه و لا رضی من المالک کان ضامنا لما یحدث فیها و کذلک فی طول فترة المسیر إذا کان ذلک مما یضر بالسیارة، فلا یجوز الخروج عن المتعارف فیها الا مع الشرط من المستأجر أو رضی المالک.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 308

المسألة 145:

یجوز للإنسان أن یستأجر أحدا لحراسة أمواله أو مکتبه أو متجره أو حراسة داره أو بستانه عن السرقة أو التعدی من الآخرین، و لحراسة نفسه و عائلته من بعض المخاوف الأخری التی یمکن الاحتراز عنها، و یطلب فیها الأمن.
و یجوز أن یستأجر الشخص أو الأشخاص حراسا لجملة من الدور و المحلات و الحوانیت و المتاجر، فی شارع أو سوق أو محلة أو منطقة، و لا بد من تعیین حدود الحراسة و موضعها و مواقیتها، و مدة الإجارة و الأجرة و أقساطها إذا کانت مقسطة.

المسألة 146:

لا یضمن الحارس إذا سرق المال أو الدار أو البستان الذی استؤجر لحفظه، أو حدثت سرقة أو تعد فی الموضع الذی استؤجر لحراسته، الا مع التقصیر فی الحراسة و الحفظ، و الظاهر أن غلبة النوم علی الحارس من التقصیر، فإذا غلبه النوم فحدثت السرقة کان ضامنا.
و کذلک إذا اشترط المستأجر علی الحارس فی ضمن عقد الإجارة أن یکون ضامنا لما یحدث فی موضع حراسته و فی أوقاتها من سرقة و نحوها، فإذا قبل بالشرط کان ضامنا لما یحدث من ذلک، أو اشترط علیه کذلک ان یؤدی من ماله قیمة ما یسرق من الأموال التی استؤجر لحفظها، فإذا قبل بالشرط وجب علیه الوفاء به.

المسألة 147:

إذا استؤجر الرجل لحفظ المال و حراسة الدار أو الدور فحدثت السرقة فی مجال حراسته فالظاهر انه لا یستحق الأجرة المسماة له فی عقد الإجارة، لعدم حصول العمل الذی استؤجر علیه و هو الحفظ و الحراسة سواء کان مقصرا فی عمله أم لا.

المسألة 148:

إذا استناب الحارس غیره لیقوم بدوره فی الحراسة، فحدثت السرقة فی أثناء ذلک، فان کان المستأجر قد اشترط علیه فی ضمن العقد أن
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 309
یتولی الحراسة بنفسه کان ضامنا للمال المسروق لتقصیره و عدم وفائه بالشرط، و کذلک إذا کان الذی استنابه فی الحراسة ممن لا یوثق بقیامه بالدور فیکون ضامنا و إذا کانت إجارته مطلقة سواء باشر الحراسة بنفسه أم استناب فیها و کان من استنابه ممن یوثق بحراسته، جاز له ذلک و لا یکون ضامنا مع عدم التقصیر.

المسألة 149:

الثیاب التی ینزعها أهلها فی المسلخ عند دخولهم الی الحمام لا تکون ودیعة عند صاحب الحمام و لذلک فلا یکون صاحب الحمام ضامنا لها إذا سرقت أو تلفت أو أصابها عیب أو سرق ما فیها من مال أو غیره، الا إذا کان حدوث ذلک بفعل منه أو تسبیب. و إذا أودعها أصحاب الثیاب عند صاحب الحمام و قبل الودیعة أصبحت امانة عنده، و لا یضمنها إذا سرقت أو سرق ما فیها أو تلفت أو عابت، إلا إذا تعدی أو فرط فی الامانة، و إذا اشترط أصحاب الثیاب علیه ضمانها و قبل بالشرط، ففی نفوذ هذا الشرط و ثبوت الضمان علیه إشکال إذا هو لم یتعد و لم یفرط فی الودیعة.

المسألة 150:

إذا استؤجر صاحب الحمام لحفظ الثیاب المتروکة من أهلها فی المنزع و قبل الإجارة کانت الثیاب أمانة فی یده، فیضمنها إذا تعدی أو فرط أو قصر فی حراستها، و یضمنها کذلک إذا شرط علیه فی عقد الإجارة أن یکون ضامنا لها عند التلف أو السرقة أو حدوث العیب، و قبل الشرط.

الفصل الخامس مدار الإجارة أن یملک المؤجر المنفعة و ان لم یملک العین

المسألة 151:

تصح الإجارة من الشخص إذا کان مالکا للمنفعة و ان لم یکن مالکا للعین ذات المنفعة، و من أمثلة ذلک أن یملک منفعة العین بإجارة مطلقة، أو یملکها بصلح، أو هبة، بناء علی ما هو المختار من صحة هبة المنافع،
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 310
و من أمثلة ذلک أن یملک المنفعة ثمنا لمبیع قد باعه، و ان تملک المرأة المنفعة صداقا لها فی زواجها، و أن یملکها الرجل من زوجته عوضا فی خلع أو مباراة، و أن یملکها الشخص بوصیة من أحد له بالمنفعة أو وقف علی أن تکون منفعة العین الموقوفة ملکا له، فإذا ملک المنفعة بأحد هذه الوجوه أو غیرها و لم یملک العین، جاز له أن یؤجر تلک المنفعة لغیره مدة معینة فیملکها إیاه و تصح الإجارة منه إذا تمت شروطها، سواء کان المستأجر منه هو المؤجر الأول الذی ملکه المنفعة أم غیره.

المسألة 152:

الواجب فی الإجارة هو تسلیم المنفعة المقصودة للمستأجر لیستوفیها بعد ما ملکها بالعقد، و اما العین المستأجرة فإنما یجب علی المؤجر تسلیمها للمستأجر إذا توقف علیه استیفاء المنفعة، کما إذا آجره الدار للسکنی، فان سکنی الدار لا یمکن أن یتحقق بدون تسلیم الدار المعینة للمستأجر للکون و الإقامة فیها، و کما إذا آجره الحانوت و المخزن لحفظ البضائع، و عرضها و البیع و الشراء فیهما، فان استیفاء هذه المنافع لا یکون الا بعد تسلم الحانوت و المخزن من مالکهما و استعمالهما فی الوجه المقصود، و کما إذا استأجر الرجل أدوات الخیاطة أو آلات النساجة أو النجارة أو الحدادة للانتفاع بها فی عمله، فان استیفاء منفعة هذه الأدوات و الآلات لا یمکن أن یکون الا بعد تسلیم المؤجر الیه هذه الأعیان لیدیر بها عمله، فیکون تسلیم العین المستأجرة واجبا علی المؤجر فی هذه الفروض و أمثالها.
و إذا لم یتوقف استیفاء المنفعة علی تسلیم العین، و أمکن أن یستوفی المستأجر منفعته المقصودة و العین المستأجرة بید مالکها أو بید من ینوب عنه، لم یجب علی المؤجر تسلیم العین الیه، کما إذا استأجر السیارة أو السفینة، أو الدابة للرکوب، فان من الممکن ان یرکب المستأجر السیارة و ینتقل فیها و هی بید مالکها أو من ینوب عنه و یکون هو المتولی لقیادتها کما هو المتعارف، و کذلک السفینة و الدابة و وسائل النقل الأخری، و کما إذا استأجر الدار لمنفعة یمکن استیفاؤها و الدار بید مالکها، کما یستأجر النزلاء و المسافرون الفندق للنزول و المبیت، و الاستراحة
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 311
فیه، و هو فی ید مالکه، فلا یجب علی المؤجر تسلیم العین المستأجرة فی هذه الفروض و أمثالها إلا إذا اشترط المستأجر علی المالک تسلیم العین، فیجب علیه تسلیمها عملا بالشرط.

المسألة 153:

إذا استأجر زید العین من مالکها مدة معینة، و ملک المنفعة، و کانت الإجارة مطلقة فلم تقید الإجارة بأن یکون المستأجر هو الذی یستوفی منفعة العین بنفسه، جاز للمستأجر- و هو زید- ان یؤجر العین علی غیره و یملکه المنفعة التی ملکها بالإجارة الأولی، کما تقدم بیانه، فإذا آجرها علی عمرو مثلا وجب علیه ان یسلم المنفعة التی آجرها الی عمرو بعد ان ملکه إیاها.
فإن کان استیفاء المنفعة یتوقف علی تسلیم العین المستأجرة کما فی مثال اجارة الدار للسکنی، وجب علی المؤجر الثانی و هو زید أن یسلم العین المستأجرة إلی عمرو لیستوفی المنفعة التی ملکها، و ان لم یأذن له مالک الدار بتسلیمها الیه، و لا یکون بسبب ذلک ضامنا للعین إذا تلفت أو حدث فیها عیب.
نعم لا یجوز لزید ان یسلم العین الی عمرو إلا إذا کان أمینا، و إذا فرط زید فی ذلک فسلم العین إلی المستأجر الثانی و لم یکن أمینا کان ضامنا للعین بسبب هذا التفریط فیجب علیه دفع قیمتها لمالکها إذا تلفت و یجب علیه دفع أرش نقصانها إذا حدث فیها عیب.

المسألة 154:

إذا استأجر زید العین من مالکها إجارة مطلقة، ثم آجرها زید علی مستأجر غیره، و کان استیفاء المنفعة من العین لا یتوقف علی تسلیم العین، و قد مثلنا لذلک بإجارة السیارة و السفینة و الدابة للرکوب، صحت الإجارة الثانیة کما تقدم و وجب علی زید تسلیم المنفعة الی من استأجرها منه، و لم یجز له ان یسلم العین الیه، بل یستوفی المستأجر الثانی المنفعة من العین و هی بید مالکها أو من ینوب عنه کما ذکرنا.
و إذا کان المستأجر الأول و هو زید قد اشترط علی المالک أن یسلمه
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 312
العین، وجب علی المالک ان یسلمها الی زید کما شرط له، و لم یجز لزید أن یسلمها بعد أن یقبضها الی من استأجرها منه الا برضی المالک و اذنه و إذا سلمها الیه بغیر اذن المالک کان ضامنا.
و إذا اشترط المستأجر الثانی علی مؤجره و هو زید أن یسلمه العین کان هذا الشرط باطلا.
و إذا کان زید قد اشترط علی المالک فی الإجارة الأولی أن یسلمه العین و یسلمها لمن یستأجرها منه صح الشرط و وجب العمل به.

المسألة 155:

إذا استأجر زید العین من مالکها مدة معینة و کانت الإجارة مقیدة بأن یکون زید هو الذی یستوفی منفعة العین بنفسه، فلا یجوز فی هذه الصورة لزید أن یؤجر العین من غیره و إذا آجرها منه کانت هذه الإجارة باطلة، و لا تصح إلا إذا أجازها مالک العین.
فإذا آجر زید العین- فی هذه الصورة- علی عمرو، و لم یجز مالک العین إجارته، و استوفی عمرو، و هو المستأجر من زید منفعة العین، فالظاهر وجوب دفع الأجرة المسماة لمالک العین علی زید و هو الذی استأجر العین منه، و ذلک بمقتضی عقد الإجارة بینهما، و یجب علی عمرو و هو المستأجر الثانی للعین، ان یدفع لزید- و هو المستأجر الأول لها- قیمة المثل للمنفعة التی استوفاها فأتلفها علیه، فان زیدا قد استحق المنفعة بالإجارة من المالک، فیلزم عمرا ضمانها، و إذا کان ما استوفاه عمرو من المنفعة أکثر مما استحقه زید بإجارته الأولی من المالک، وجبت للمالک أجرة المثل عن هذه الزیادة، فإذا أخذها المالک من عمرو و هو الذی استوفاها، و کان عمرو جاهلا مغرورا من المستأجر الأول و هو زید رجع علیه بما غرمه للمالک و هو أجرة المثل للزیادة.

المسألة 156:

إذا آجر المالک عینا یملکها من شخص، و قید الإجارة بأن یکون مستأجر العین هو الذی یستوفی منفعتها بنفسه، لم یجز للمستأجر أن
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 313
یؤجر العین من غیره، و إذا هو آجرها کذلک کانت هذه الإجارة باطلة کما ذکرناه فی المسألة المتقدمة.
و الحکم ببطلان الإجارة الثانیة فی هذه الصورة یختص بما إذا کانت هذه الإجارة علی الغیر منافیة للقید المأخوذ فی عقد الإجارة الأولی، فإذا کانت الإجارة الثانیة لا تنافی قید الإجارة الأولی فهی صحیحة.
و مثال ذلک کما أفاده بعض الأکابر أن یؤجر المالک داره علی امرأة، و یقید إجارته بأن تکون المرأة هی التی تسکن الدار المستأجرة بنفسها، ثم تتزوج المرأة المذکورة بعد استئجارها الدار، فیکون إسکانها واجبا علی زوجها لأنه من نفقتها الواجبة علیه، فإذا احتاج الزوج الی دار لإسکان زوجته المذکورة فیها، جاز للمرأة أن تؤجر زوجها الدار المتقدم ذکرها لتسکنها بنفسها و تصح الإجارة علیه لأنها لا تنافی قید الإجارة الأولی من المالک.
و یجری مثل ذلک فی بقیة الأفراد الذین تجب نفقتهم علی الشخص، فإذا استأجر الرجل دارا لیسکنها بنفسه و قید المالک الإجارة بذلک، و کان الرجل المستأجر للدار واجب النفقة علی ولده، و أراد الولد دارا یسکن فیها أباه، صح للأب ان یؤجر ولده الدار المتقدم ذکرها لاسکانه بنفسه، و هکذا فی الأم و الولد.

المسألة 157:

إذا آجر المالک العین من أحد، و اشترط علیه فی ضمن العقد ان لا یؤجر العین من آخر، و قبل المستأجر بالشرط، لم یجز للمستأجر أن یؤجر العین من غیره، و إذا خالف الشرط فآجرها من احد کانت هذه الإجارة باطلة، و إذا استوفی المستأجر الثانی منفعة العین، فالحکم فی الضمان نظیر ما تقدم فی المسألة المائة و الخامسة و الخمسین.
و کذلک إذا اشترط المالک علی المستأجر فی ضمن العقد أن یستوفی المنفعة بنفسه لنفسه و مثله ما إذا انصرف العقد الی اعتبار المباشرة فی استیفاء المنفعة لقرینة عامة أو خاصة تقتضی ذلک، فیکون هذا الانصراف بحکم الشرط فی ضمن العقد، فلا یجوز للمستأجر ان یؤجر العین من غیره
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 314
و إذا آجرها کانت هذه الإجارة باطلة، و یجری الحکم المشار إلیه فی المنفعة إذا استوفاها المستأجر الثانی.

المسألة 158:

إذا استأجر الإنسان عینا خاصة من مالکها إجارة مطلقة علی النحو المتقدم بیانه و لم یشترط المالک علیه فی العقد أن یستوفی المنفعة بنفسه و لم ینصرف العقد الی اعتبار المباشرة فی ذلک بقرینة عامة أو خاصة تدل علیه، جاز للمستأجر أن یؤجر العین المستأجرة بما یساوی الأجرة المسماة التی استأجر العین بها، و بأقل منها، و یجوز أن یؤجرها بأکثر منها علی الأقوی، سواء کان قد أحدث فی العین حدثا کما إذا بیض الدار أو صبغها أو أنشأ فیها بعض المرافق أو المجاری أم لم یحدث فیها شیئا، و سواء کانت الأجرة التی یطلبها من جنس الأجرة الأولی أم من غیر جنسها، فیجوز له ذلک فی الجمیع عدا ما یأتی استثناؤه فی المسألة الآتیة ان شاء اللّٰه تعالی.

المسألة 159:

إذا استأجر الإنسان من المالک بیتا أو دارا أو دکانا، أو استأجر أجیرا، و کانت الإجارة مطلقة کما تقدم فی المسألة السابقة جاز له أن یؤجرها بما یساوی الأجرة السابقة، و بأقل منها، و لا یجوز له أن یؤجرها بأکثر منها، و ان کانت الأجرة من غیر جنس الأجرة السابقة، و الأحوط لزوما إلحاق الرحی و السفینة بالأعیان الأربع المذکورة فی الحکم، فلا یؤجرهما بأکثر من أجرتهما السابقة.
و الأحوط استحبابا ان لا یؤجر مطلق الأعیان بأکثر من الأجرة المسماة التی استأجرها بها إلا إذا أحدث فیها حدثا.

المسألة 160:

إذا استأجر أرضا و کانت الإجارة مطلقة کما تقدم، جاز له ان یؤجر الأرض بأقل مما استأجرها به و بما یساویه علی الأقوی و یجوز أیضا بأکثر منه علی کراهة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 315

المسألة 161:

إذا استأجر الإنسان بیتا أو دارا أو دکانا أو أجیرا بأجرة معینة علی النحو المتقدم، جاز له ان یؤجر بعض البیت أو بعض الدار أو بعض الدکان، بأقل من الأجرة المعینة و بما یساویها، فإذا کان قد آجر الدار بعشرة دنانیر مثلا جاز له أن یؤجر بعض الدار من غیره بعشرة دنانیر، و بأقل منها و لم یجز له ان یؤجر البعض بأکثر من العشرة، إلا إذا کان قد أحدث فی العین المستأجرة حدثا، و هکذا إذا آجر الدار أو البیت أو الدکان بعشرة دنانیر فسکنها بعض المدة ثم أراد أن یؤجرها فی بقیة المدة، فیجوز له ان یؤجرها بأقل من الأجرة المسماة و بما یساویها و لا یجوز له ان یؤجرها بأکثر منها الا إذا أحدث فیها شیئا.
و کذلک الحکم فی الأجیر، فإذا أراد أن یؤجره للعمل عند غیره فی بعض المدة أو لبعض العمل، فیجوز له ان یؤجره بالأقل و بالمساوی و لا یجوز بالأکثر، و الأحوط لزوما إلحاق السفینة بالمذکورات فی هذا الحکم.

المسألة 162:

إذا استأجر الرجل أحدا لعمل معین بأجرة معینة، و لم یشترط علیه فی ضمن العقد أن یکون هو المباشر للعمل بنفسه، و لم ینصرف العقد الی اعتبار مباشرة الأجیر للعمل بقرینة عامة أو خاصة تدل علی ذلک، جاز للأجیر أن یستأجر شخصا غیره للإتیان بذلک العمل، إذا کانت أجرة الشخص الذی یستأجره مساویة لأجرته هو المسماة له من المالک، أو أکثر منها، و لا یجوز له ان یؤجره بأقل منها، الا إذا قام الأجیر الأول ببعض العمل و ان کان قلیلا، فیجوز له فی هذه الصورة أن یستأجر غیره لیتم العمل بأقل من الأجرة المسماة له من المالک، و کذلک إذا غرم الأجیر الأول من ماله شیئا علی العمل، فیجوز له ذلک أیضا.
و مثال الأول أن یستأجر المالک الخیاط لخیاطة ثوبه، فیفصل الخیاط الثوب أو یخیط منه قلیلا ثم یستأجر غیره لیتم خیاطة الثوب بأقل من الأجرة التی دفعها له المالک، فیصح له ذلک.
و مثال الثانی ان یشتری الخیاط من ماله أو یستأجر بعض اللوازم
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 316
التی یحتاج إلیها فی خیاطة الثوب فی المثال المتقدم ذکره ثم یستأجر غیره لیقوم بخیاطة الثوب بأقل من الأجرة فیصح له ذلک إذا دفع ما اشتراه أو استأجره بماله الی أجیره لیخیط به الثوب و کان مما یصدق معه الغرامة عرفا.

المسألة 163:

إذا استؤجر الأجیر للقیام بعمل معین بأجرة معینة، و لم یشترط علیه المباشرة للعمل، و لا انصرف العقد الی ذلک، جاز للأجیر ان یستنیب فی العمل أحدا غیره، فیوکله الی ولده مثلا أو الی أحد العاملین عنده أو الی صدیقه ممن یعتمد علیه فی إتمام العمل علی الوجه المطلوب، فإذا استؤجر لصلاة ستة أشهر مثلا أو لصیام شهر، جاز له أن یوکله الی أحد المذکورین، فإذا أتی به علی الوجه المطلوب کفی فی الوفاء بالإجارة و استحق الأجرة المسماة علی المستأجر.
و إذا کان العمل المستأجر علیه یتعلق بعین خاصة للمالک کخیاطة ثوب دفعه الیه، و تجلید کتاب و إصلاح جهاز لم یجز للأجیر أن یدفع العین الی أحد المذکورین الا برضی مالک العین و اذنه، و إذا دفعها الی أحد من غیر اذن المالک کان ضامنا للعین إذا أصابها تلف أو نقصان أو عیب.
و یکفی أن تقوم قرینة علی رضی المالک و اذنه بالدفع إلیهم من عادة أو تعارف أو غیرهما.

المسألة 164:

إذا استؤجر زید للإتیان بعمل معین بأجرة معینة و لم یشترط المستأجر علیه ان یباشر العمل بنفسه فبادر شخص آخر و أتی بالعمل الذی استؤجر علیه زید حتی أنجزه، فإن قصد هذا العامل التبرع عن زید فی الإتیان بالعمل المطلوب منه کفی ذلک عن زید و استحق الأجرة المسماة له من المستأجر، و ان لم یقصد العامل التبرع بالعمل عن زید بطلت اجارة زید لحصول العمل المستأجر علیه فلا یستحق زید الأجرة المسماة له و لا یستحق العامل نفسه شیئا لکونه متبرعا بالعمل من غیر اجارة و لا طلب من المالک.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 317

المسألة 165:

إذا استؤجر زید للعمل المعین بأجرة معینة و اشترط المستأجر علیه فی العقد ان یباشر العمل بنفسه، فبادر شخص و أتی بالعمل المطلوب قبل أن یتمکن الأجیر زید من مباشرته بطلت اجارة زید کذلک فلا یستحق الأجرة المسماة، و لم یستحق العامل شیئا کما تقدم.

المسألة 166:

إذا استأجر أحد زید العمل معین و اشترط علیه أن یأتی بالعمل بنفسه کما هو الفرض السابق، و سلم الأجیر نفسه للمستأجر و هیأها للعمل، ثم أمر المستأجر شخصا آخر أن یأتی بذلک العمل المعین أو استأجره لذلک بإجارة جدیدة، فسبق هذا الشخص زیدا و أتی بالعمل المعین قبله، فالظاهر أن زیدا و هو الأجیر الأول قد استحق الأجرة المسماة علی المستأجر، فإن تفویت منفعته علی المستأجر کان باختیار المستأجر فلا یسقط بذلک حق الأجیر و یستحق العامل الثانی علی المستأجر أجرة المثل لعمله بأمره و کذلک إذا کان قد استأجره للعمل لأن هذه الإجارة باطلة بعد الإجارة الأولی فیستحق العامل أجرة المثل علی العمل لا الأجرة المسماة فیها.

المسألة 167:

إذا آجر الشخص نفسه لأحد مدة معینة لیقوم له ببعض الأعمال فیها، و کانت للأجیر عدة من المنافع و الأعمال یمکن له أن یقوم بها لنفسه أو لمستأجره، فقد تکون الإجارة متعلقة بعمل الأجیر الخارجی من غیر أن یشغل ذمته بشی‌ء، کما یؤجر صاحب الدار داره المعینة لأحد لیسکنها مدة معینة، فإن مستأجر الدار انما ملک بعقد الإجارة سکنی الدار فی المدة، و لم یملک فی ذمة صاحب الدار شیئا، و کذلک الأجیر فی الصورة المتقدم ذکرها، فهو یؤجر نفسه لعمل معین أو أعمال معینة من أعماله الخارجیة علی وجه یکون ذلک العمل أو تلک الأعمال الخارجیة ملکا المستأجر، من غیر ان تشتغل ذمة الأجیر له بشی‌ء، و هذه الصورة تقع علی وجهین:
الوجه الأول: أن یؤجر الشخص نفسه لعمل واحد معین، أو أعمال
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 318
معلومة معینة فی مدة الإجارة علی الوجه المذکور، کما إذا آجر نفسه لأحد، لیکون له کاتبا فی المدة المعینة، أو لیکون له کاتبا و حاسبا و مترجما، فی تلک المدة.
الوجه الثانی: أن یؤجر نفسه لتکون جمیع منافعه و أعماله الخارجیة ملکا للمستأجر مدة معینة علی النحو المتقدم ذکره.
و قد تکون الإجارة متعلقة بعمل أو أعمال تکون فی ذمة الأجیر و دینا من دیونه یقوم بالوفاء بها فی مدة الإجارة، و هذه الصورة تقع علی وجوه:
الوجه الأول: أن یقید المستأجر الإجارة بأن یقوم الأجیر بالعمل أو الأعمال التی استأجره علیها و یباشر الإتیان بها بنفسه.
الوجه الثانی: ان یشترط المستأجر ذلک علی الأجیر فی ضمن العقد بنحو تعدد المطلوب.
الوجه الثالث: أن لا یشترط المستأجر علیه المباشرة لا بنحو التقیید و وحدة المطلوب، و لا بنحو تعدد المطلوب فللفرض صور، و لکل صورة منها أحکامها کما سیأتی تفصیله ان شاء اللّٰه تعالی.

المسألة 168:

الصورة الأولی: أن یؤجر الشخص نفسه لتکون جمیع منافعه و أعماله الخارجیة ملکا للمستأجر مدة معینة، من غیر ان تشتغل ذمة الأجیر له بشی‌ء، و من الواضح جدا أن فرض تملیک أعماله الخارجیة یعنی ان المملوک للمستأجر هی أعمال الأجیر بنحو المباشرة فلا یکفی عمل غیره فی الوفاء بالإجارة.
فإذا آجر الشخص نفسه کذلک، لم یجز له فی مدة الإجارة أن یعمل لنفسه و لا لغیره أی عمل له مالیة و یعد منفعة من المنافع، سواء کان عمله للغیر بإجارة أم بجعالة أم تبرعا، فان جمیع ذلک مما ینافی حق المستأجر، فلا یجوز إلا باذنه.
و یجوز للأجیر فی هذا الفرض أن یأتی بالأعمال التی لا تنافی حق
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 319
المستأجر و التی یکون عقد الإجارة منصرفا عنها، فلم تدخل فی ملک المستأجر، کقراءة بعض السور فی أثناء عمله، و کما إذا کان العمل الذی وقعت علیه الإجارة هو عمل النهار، فلا یشمل العمل فی اللیل، أو هو منصرف عنه، فیجوز للأجیر ان یعمل لنفسه أو لغیره فی اللیل تبرعا أو بإجارة أو بجعالة، و إذا أوجب ذلک له ضعفا عن العمل المستحق علیه فی النهار لم یجز له، و یکون منافیا لحق المستأجر.

المسألة 169:

إذا خالف الأجیر الحکم فی المسألة المتقدمة، فأتی بجمیع الأعمال التی وقعت علیها الإجارة أو أتی ببعض تلک الأعمال لغیر المستأجر الذی ملکها، فان کان قد استوفی العمل لنفسه ثبت للمستأجر الخیار، فیجوز له أن یفسخ الإجارة، فیسترجع جمیع الأجرة المسماة التی دفعها للأجیر، و یجوز له أن یبقی الإجارة، و یطالب بأکثر الأمرین من عوض ما فاته من الأعمال و المنافع بسبب تعدی الأجیر و مخالفته لعقد الإجارة، و عوض المنفعة أو المنافع التی استوفاها الأجیر لنفسه، و إذا اختار المستأجر الوجه الأول ففسخ الإجارة و استرجع تمام الأجرة المسماة، و کان الأجیر قد أتی له ببعض العمل قبل الفسخ کانت للأجیر أجرة المثل لما أتی به من عمل أو أعمال.
و ان کان الأجیر قد خالف و أتی بجمیع الأعمال أو ببعضها تبرعا منه لغیره، جری فیه الحکم المتقدم ذکره فی ما إذا استوفی العمل لنفسه، فیثبت للمستأجر الخیار بین فسخ الإجارة و إمضائها علی التفصیل و الأحکام التی مر بیانها هنا، و إذا کان تبرع الأجیر للغیر بأمر ذلک الغیر أو استدعائه، جاز للمستأجر مضافا الی ذلک إذا هو أبقی الإجارة و لم یفسخ العقد أن یرجع علی ذلک الغیر المتبرع له بقیمة ما استوفاه من المنفعة.
و ان کان الأجیر قد خالف و أتی بجمیع الأعمال أو ببعضها لغیره بإجارة أخری بینه و بین ذلک الغیر أو بجعالة منه، جاز للمستأجر الأول أن یجیز هذه الجعالة أو الإجارة الثانیة التی وقعت بین الأجیر و ذلک
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 320
الغیر فإذا أجازها کانت له الأجرة المسماة فی تلک المعاملة بین الأجیر و ذلک الغیر، و یجوز للمستأجر الأول ان یفسخ الإجارة الأولی التی وقعت بینه و بین الأجیر، فیسترد منه جمیع الأجرة المسماة بینهما، و یجوز له کذلک أن یبقی الإجارة الأولی فلا یفسخها و یطالب بأکثر الأمرین من عوض المقدار الذی فاته من أعمال الأجیر و منافعه بسبب مخالفة الأجیر و تعدیه، و من عوض الأعمال أو العمل الذی أتی به الأجیر للغیر إجارة أو جعالة، و یتخیر المستأجر فی ان یرجع فی ذلک علی الأجیر نفسه أو علی ذلک الغیر فان العمل قد استوفی بأمره و استدعائه.
و إذا اختار المستأجر فسخ الإجارة الأولی و کان الأجیر قد أتی له ببعض الأعمال قبل الفسخ وجب علی المستأجر ان یدفع للأجیر أجرة المثل عما أتی به من العمل.

المسألة 170:

الصورة الثانیة: أن یؤجر الشخص نفسه لعمل معین أو لإعمال معینة خارجیة، علی أن یکون العمل أو الأعمال التی آجر نفسه للقیام بها ملکا للمستأجر فی المدة المحدودة للإجارة، من غیر أن تشتغل ذمته للمستأجر بشی‌ء، کما أوضحناه فی المسألة المائة و السابعة و الستین، و قد مثلنا لهذه الصورة فی ما تقدم بأن یؤجر الشخص نفسه لیکون کاتبا للمستأجر مدة شهر مثلا، أو لیکون کاتبا و حاسبا و مترجما له فی المدة المعینة، فإذا آجر الشخص نفسه لذلک، لم یجز له أن یأتی بذلک العمل المعین أو بتلک الأعمال فی المدة المعینة لنفسه و لا لغیر المستأجر من الناس، لا تبرعا و لا بإجارة و لا بجعالة، و لم یجز له ان یشتغل بشی‌ء آخر ینافی حق المستأجر بحیث لا یستطیع مع اشتغاله بهذا المنافی ان یأتی بالعمل الذی استحقه علیه المستأجر کما إذا استأجره للکتابة فی وقت فاشتغل فی الوقت نفسه بالخیاطة أو بالنسج أو بالنجارة.
و کذلک إذا لم یذکر فی الإجارة مدة معینة و لکنه عین فیها أول زمان العمل علی أن یبتدئ الأجیر بالعمل فی ذلک الوقت، ثم لا یتماهل و لا ینصرف حتی یتم العمل، فلا یجوز للأجیر ان یأتی فی ذلک الوقت بذلک
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 321
العمل لغیر المستأجر، و لا یجوز له أن یشتغل بما ینافیه، و یجوز له أن یأتی بعمل آخر لا ینافیه کما إذا استؤجر للکتابة، فصام لنفسه أو لغیره تبرعا أو بالإجارة إذا لم یوجب ضعفه عن القیام بحق المستأجر.

المسألة 171:

إذا خالف الأجیر الحکم فی المسألة السابقة، فأتی بالعمل المعین فی الوقت المعین لنفسه أو لغیره و غیر المستأجر، تبرعا لذلک الغیر أو بإجارة منه أو بجعالة، جرت علیه نظائر الأحکام المتقدم ذکرها فی مخالفة الصورة الأولی فی المسألة المائة و التاسعة و الستین.
فإذا هو خالف، فأتی بالعمل لنفسه فی الوقت الذی ملک المستأجر فیه العمل، تخیر المستأجر بین أن یفسخ عقد الإجارة بینه و بین الأجیر، فیسترد منه جمیع الأجرة المسماة إذا کان قد دفعها الیه، و کانت للأجیر علیه أجرة المثل إذا کان الأجیر قد أتی له ببعض العمل قبل مخالفته و فسخ المستأجر، و أن یمضی الإجارة الواقعة بینهما، فتکون للأجیر أجرته المسماة له، و یطالبه المستأجر بأکثر الأمرین، و هما عوض ما فات المستأجر من العمل بسبب مخالفة الأجیر، و عوض العمل الذی استوفاه الأجیر لنفسه.
و مثله الحکم فی ما إذا خالف الأجیر فأتی بالعمل المعین فی الوقت تبرعا منه لغیر المستأجر، فیکون المستأجر مخیرا بین الفسخ و الإمضاء علی نهج ما سبق بیانه فی فرض إتیان الأجیر بالعمل لنفسه، و إذا کان تبرع الأجیر للغیر بأمر ذلک الغیر و استدعائه، و اختار المستأجر أن یبقی الإجارة، جاز له أن یرجع علی ذلک الغیر المتبرع له بقیمة المثل للعمل الذی استوفاه من الأجیر.
و إذا خالف الأجیر فأتی بالعمل فی الوقت المعین لغیر المستأجر الأول بإجارة ثانیة أو بجعالة منه، تخیر المستأجر الأول کما فصلناه فی المسألة المائة و التاسعة و الستین، فیصح له أن یجیز الإجارة الثانیة أو الجعالة فإذا أجازها کان له العوض المسمی فیها للأجیر، و یجوز له أن یفسخ الإجارة الأولی و یسترد الأجرة المسماة من الأجیر و علی المستأجر فی هذا الفرض
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 322
ان یدفع للأجیر أجرة المثل إذا کان قد أتی له ببعض العمل قبل المخالفة و الفسخ، و یجوز للمستأجر أن یبقی الإجارة الأولی و یدفع للأجیر أجرته المسماة له، و یطالبه بأکثر الأمرین، و هما عوض ما فاته من العمل بسبب مخالفة الأجیر، و عوض العمل الذی قام به الأجیر للمستأجر الثانی أو الجاعل، و یصح له ان یرجع فی ذلک علی هذین فان الاستیفاء قد حصل بأمرهما و استدعائهما.
و إذا خالف الأجیر، فاشتغل فی الوقت المعین بما ینافی العمل المستأجر علیه، کان للمستأجر الخیار بین أن یفسخ الإجارة فیسترد الأجرة المسماة من الأجیر إذا کان قد دفعها الیه، و أن یمضی الإجارة فیدفع للأجیر أجرته المسماة له و یطالبه بعوض العمل الذی فوته علیه بفعل المنافی.

المسألة 172:

الصورة الثالثة: أن یؤجر الشخص نفسه للمستأجر لیقوم له بعمل واحد أو بأعمال تشتغل بها ذمة الأجیر و تکون دینا علیه من دیونه یلزمه الوفاء بها فی مدة الإجارة المعینة، و الإجارة مقیدة بأن یکون الأجیر نفسه هو الذی یأتی بالعمل مباشرة.
فإذا آجر الشخص نفسه کذلک لم تحرم علیه الأعمال إذا کانت لا تنافی الوفاء بالإجارة و لا تمنع منه، فیجوز له أن یأتی بمثل العمل المستأجر علیه و بغیره مما لا ینافیه، سواء أتی بالعمل لنفسه أم لشخص آخر و سواء أتی به للغیر متبرعا به أم مستأجرا علیه، و لا یجوز له أن یأتی بأی عمل ینافی وفاءه بالإجارة و یمنع منه، و إذا خالف الأجیر ذلک فأتی بعمل لا یمکنه معه أن یفی بالإجارة و یأتی بالعمل المستأجر علیه، کان المستأجر مخیرا بین أن یفسخ الإجارة فیسترجع الأجرة المسماة من الأجیر إذا کان قد دفعها الیه، و أن یمضی الإجارة فتکون للأجیر أجرته المسماة له و یثبت للمستأجر حق مطالبته بقیمة العمل المستأجر علیه و الذی فوته الأجیر علیه بسبب المخالفة.
و إذا خالف الأجیر فآجر نفسه لعمل ینافی الوفاء بالإجارة الأولی
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 323
ثبت للمستأجر التخییر المتقدم ذکره فی الفرض السابق، فیجوز له أن یفسخ الإجارة الأولی فیسترد الأجرة و ان یبقیها و یطالب الأجیر بقیمة العمل المستأجر علیه.
و هل تصح الإجارة الثانیة إذا أجازها المستأجر الأول، أو أسقط حقه فی الإجارة الأولی، فیه اشکال فلا یترک الاحتیاط فیه و فی فروعه، بل الظاهر العدم فی الفرض الثانی فان الحق فی الإجارة لا یسقط بالإسقاط.

المسألة 173:

الصورة الرابعة: أن یؤجر الشخص نفسه للمستأجر لعمل أو أعمال تکون فی ذمة الأجیر، علی النهج الذی ذکرناه فی الصورة الثالثة، و یشترط المستأجر فی ضمن العقد علی الأجیر أن یأتی بالعمل المستأجر علیه بنحو المباشرة، و یکون الاشتراط بنحو تعدد المطلوب لا بنحو تقیید الإجارة بذلک.
فإذا آجر الشخص نفسه للعمل علی هذا الوجه جاز للأجیر أن یأتی بأی عمل شاء إذا کان لا ینافی الوفاء بالإجارة و بالشرط و لا یمنع منه، و لا یجوز أن یقوم بعمل ینافی ذلک، و إذا خالف الأجیر هذا الحکم فأتی بالعمل المنافی له ثبت للمستأجر الخیار الذی تقدم بیانه فی الصورة الثالثة و بیان لوازمه.
و إذا خالف الأجیر فآجر نفسه لعمل ینافی الوفاء بالإجارة الأولی و بشرطها ثبت للمستأجر ذلک الخیار أیضا مع لوازمه المذکورة، و أمکن للمستأجر أن یسقط شرطه للمباشرة فإذا أسقط الشرط وجب علی الأجیر ان یفی بکلتا الاجارتین، فیفی بالإجارة الأولی للمستأجر الأول و یأتی بالعمل له لا بنحو المباشرة، و یفی بالإجارة الثانیة للمستأجر الثانی و یأتی بالعمل له بنحو المباشرة، و یستحق بذلک کلتا الأجرتین.
و هل یصح للمستأجر الأول أن یجیز الإجارة الثانیة؟ یشکل الحکم بصحة ذلک، و لا تترک مراعاة الاحتیاط فیه.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 324

المسألة 174:

الصورة الخامسة: ان یؤجر الشخص نفسه للمستأجر لعمل أو أعمال تکون فی ذمة الأجیر علی نهج ما تقدم، و تکون الإجارة مطلقة فلا یشترط المستأجر فیها علی الأجیر مباشرة العمل بنفسه لا بنحو وحدة المطلوب و لا بنحو تعدد المطلوب، و إذا آجر الشخص نفسه کذلک جاز له أن یأتی بأی عمل شاء لنفسه أو لغیره، و جاز له أن یؤجر نفسه لغیر المستأجر الأول لمثل ذلک العمل و لغیره، و وجب علیه أن یفی بعقد الإجارة فی الوقت المحدد إذا کان موقتا، سواء أتی بالعمل مباشرة أم باستنابة غیره تبرعا أم بإجارة أم بجعالة.

المسألة 175:

إذا استأجر الإنسان من أحد سیارة أو سفینة أو دابة للرکوب فیها الی مکان معین، فحملها متاعا أو طعاما الی الموضع نفسه أو الی غیره، وجب علی المستأجر أن یدفع للمالک أکثر الأمرین من الأجرة المسماة له فی عقد الإجارة، و من أجرة المثل للمنفعة التی استوفاها.
و کذلک الحکم إذا استأجر منه دارا لیسکنها مدة معلومة فاستعملها فندقا لنزول المسافرین، أو استأجر المحل أو الدکان لیستعمله مخزنا، فاتخذه متجرا أو معملا.
و مثله ما إذا استأجر دابة أو سیارة لحمل متاع معین، و قید المالک الإجارة بذلک، فحملها المستأجر بعد ما قبضها غیر ذلک المتاع عامدا أو مشتبها، فیکون للمالک فی هذه الفروض و ما أشبهها، أکثر الأمرین من الأجرة المسماة و من أجرة المثل للمنفعة التی استوفاها المستأجر.
و نظیره فی الحکم ما إذا استأجر الرجل أجیرا لعمل معین من الأعمال، فحمله المستأجر علی غیر ذلک العمل و استوفاه منه و کان العامل غافلا أو جاهلا کما إذا آجره وکیله أو ولیه و هو لا یعلم، فیثبت للأجیر أکثر الأمرین.

المسألة 176:

إذا استأجر الإنسان رجلا لیعمل له عملا معینا فی وقت معین، فعمل
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 325
الأجیر للمستأجر عملا آخر غیر العمل الذی استأجره له لم یستحق الأجیر علیه شیئا، و مثال ذلک أن یستأجر زید خالدا لیکون له کاتبا مدة شهر مثلا، فشغل خالد نفسه بالخیاطة أو النساجة لزید حتی أتم شهر الإجارة، فلا یستحق الأجیر خالد علی زید شیئا، لا أجرة المثل لخیاطته أو نساجته له لأنه لم یستأجره لذلک، و لا الأجرة المسماة لأنه لم یأت بالکتابة، سواء کان عامدا فی فعله أم مخطئا.
و یجوز للمستأجر أن یمضی الإجارة بینه و بین الأجیر، فإذا أمضاها استحق الأجیر علیه الأجرة المسماة له فی العقد و استحق المستأجر علی الأجیر أجرة المثل للمنفعة التی ملکها و فاتت منه و هی الکتابة فی المثال.

المسألة 177:

إذا آجر المالک دابته أو سیارته لزید لیحمل متاعه الی موضع معین فاشتبه المالک، و حمل متاع عمرو، لم یستحق صاحب الدابة أو السیارة شیئا علی زید، لأنه لم یقم له بالعمل المستأجر له، و لا علی عمرو، لأنه لم یستأجر لحمل متاعه.
و یجوز للمستأجر و هو زید أن یمضی الإجارة، فإذا أمضاها استحق صاحب الدابة أو السیارة علیه الأجرة المسماة، و استحق المستأجر زید أجرة المثل عن المنفعة التی ملکها و فاتت علیه و هی حمل متاعه الی الموضع المعین کما ذکرنا فی المسألة المتقدمة.

المسألة 178:

إذا استأجر الرجل من المالک سیارة معینة أو دابة معینة لیرکبها الی موضع معین، و سلمه المالک السیارة أو الدابة الخاصة التی عینها فی العقد، و مکنه منها مدة یمکنه فیها استیفاء المنفعة المقصودة، ثم اشتبه المستأجر فأخذ سیارة أو دابة أخری للمالک و رکبها الی المکان المعین، وجب علی المستأجر أن یدفع للمالک الأجرة المسماة للسیارة أو الدابة المعینة، و أجرة المثل للسیارة أو الدابة الأخری التی رکبها و استوفی منفعتها، و کذلک الحکم إذا استأجر الدابة منه و مکنه منها کما تقدم، ثم اشتبه المستأجر و رکب دابة لعمرو، فتجب الأجرة المسماة لدابة زید و اجرة المثل لدابة عمرو.
________________________________________
بصری بحرانی، زین الدین، محمد امین، کلمة التقوی، 7 جلد، سید جواد وداعی، قم - ایران، سوم، 1413 ه ق

کلمة التقوی؛ ج‌4، ص: 326
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 326
و لا تجب الأجرة المسماة بمجرد الإجارة إذا لم یمکنه المالک من الدابة أو السیارة، أو مکنه و لم تمض مدة یمکن المستأجر استیفاء المنفعة فیها.

المسألة 179:

إذا استأجر الرجل السیارة من مالکها لیحمل فیها طعاما أو متاعا أو شیئا آخر مما یحل حمله و سلمه المالک السیارة لذلک فحمل فیها خمرا، وجب علی المستأجر ان یدفع الأجرة المسماة لصاحب السیارة و حل لصاحب السیارة أخذها، لأنها أجرة عن المنفعة المحللة المقصودة، و لیست أجرة لحمل الخمر.
و إذا حملها المستأجر بعد ما قبضها خلا و خمرا وجبت علیه الأجرة المسماة لحمل الخل، و یشکل الحکم بوجوب أجرة المثل لحمل الخمر، و إذا غصب السیارة من مالکها کان ضامنا لها و لمنافعها المحللة و ان لم یستوفها الغاصب فإذا أرجع السیارة إلی مالکها وجب علیه ان یدفع الیه أجرة المثل عن منفعتها المحللة فی مدة الغصب و ان لم یستوفها الغاصب و إذا حملها خمرا أشکل الحکم بوجوب أجرة المثل لحمل الخمر.

المسألة 180:

إذا آجر الإنسان نفسه للصوم فی یوم معین أو فی أیام معینة عن شخص، ثم آجر نفسه للصوم فی ذلک الیوم أو فی تلک الأیام المعینة عن شخص آخر، فالظاهر عدم صحة الإجارة الثانیة، سواء کان عامدا أم مخطئا أم ناسیا للإجارة الأولی حین إیقاع الإجارة الثانیة.
و إذا فسخت الإجارة الأولی بخیار من الأجیر أو من المستأجر، أو بإقالة منهما، ثم أجاز الأجیر إجارته الثانیة قبل وصول موعد الصوم لم یبعد الحکم بصحتها.
و کذلک الحکم إذا آجر نفسه للصوم فی الأیام المعینة ثم آجر نفسه لسفر یوجب القصر و الإفطار فی تلک الأیام فتبطل الإجارة الثانیة إلا إذا فسخت الأولی بخیار أو إقالة ثم أجاز الثانیة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 327

المسألة 181:

لا تصح اجارة العین المملوکة إلا بإذن مالکها أو اذن ولیه قبل اجراء العقد أو إجازته أو اجازة ولیه بعد وقوع العقد، سواء کانت العین المستأجرة دارا أم عقارا أم غیرهما، و لا یصح بقاء المستأجر بعد انتهاء أمد الإجارة فی الدار أو الدکان أو المحل إلا بإذن المالک و رضاه أو اذن وکیله المفوض أو اذن ولیه إذا کان قاصرا أو محجورا علیه. و یستثنی من ذلک ما إذا اشترط ذلک علی المالک فی عقد الإجارة أو فی عقد لازم آخر، و یراجع فی ذلک و فی المسائل المتعلقة بالسرقفلیة ما کتبناه فی مبحث السرقفلیة من رسالتنا فی المسائل المستحدثة، فإن ما ذکرناه هناک یغنینا عن تکراره هنا.

الفصل السادس فی إجارة الأرض و بعض أحکام الإجارة

المسألة 182:

یجوز للمالک أن یؤجر الأرض التی یملکها لغیره لاستیفاء منفعة معینة منها کالزرع و الغرس فیها أو جعلها مراحا أو مسرحا أو مرعی للحیوانات، أو اتخاذها محلات لتربیة الدواجن و حفظها و عرضها و بیعها أو موضعا لتجمیع التمر و تشمیسه، أو لتصفیة الطعام و إعداده للنقل و البیع، و شبه ذلک من المنافع المقصودة و لا بد و ان تکون الأرض التی یراد استئجارها معلومة الوصف و المقدار و الموضع، و لو بالمشاهدة الرافعة للجهالة و الغرر فی کل أولئک، لاختلاف الأغراض باختلاف کل واحد منها، و لا بد و أن تکون مدة الإجارة محددة معلومة، فلا یصح أن یکون الموعد فیها قابلا للزیادة و النقصان، کما إذا آجره الأرض من أول ابتداء الزراعة إلی نهایة دوس الحبوب، أو من ابتداء جذاذ التمر إلی أوان بیعه.

المسألة 183:

یجوز للمالک أن یؤجر حصة مشاعة من الأرض إذا کانت الأرض معلومة و لو بالمشاهدة کما ذکرنا فی المسألة المتقدمة، فیؤجر غیره نصف
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 328
هذه الأرض المعلومة أو ثلثها أو ربعها مدة شهرین بعشرین دینارا، فإذا آجر الحصة کذلک و ملک المستأجر منفعتها اقتسمها مع مالک الأرض أو مع الشریک فی المنفعة کما یقتسم الشرکاء الأموال المشترکة بینهم، أو کما تقدم فی المسألة المائة و الرابعة عشرة.
و یجوز أن یؤجره مقدارا من الأرض علی نحو الکلی فی المعین، فیؤجره جریبا من هذه الأرض المعینة أو قفیزا منها مثلا، ثم یتفقان فی استیفاء المنفعة علی أحد الوجوه و لو بالتراضی و المصالحة علی جعل الجریب المستأجر فی موضع معین من الأرض.

المسألة 184:

الظاهر أنه یصح للمالک أن یؤجر غیره مقدارا کلیا فی الذمة من الأرض، فیؤجره جریبا من أرض أو قفیزا و یکون الجریب المستأجر أو القفیز دینا فی ذمة المؤجر، و لا بد من أن یکون موصوفا علی وجه لا یکون معه غرر و لا جهالة فی العین المستأجرة، و لا تصح الإجارة بدون ذلک.

المسألة 185:

لا یجوز للمالک أن یؤجر الأرض من أحد للزراعة فیها بمقدار معین من الحنطة أو الشعیر اللذین ینتجان من زراعة تلک الأرض، و مثال ذلک أن یؤجر المالک أرضه المعینة من زید لیزرعها حنطة أو شعیرا بعشرین منا من الحنطة أو من الشعیر الذی ینتج من زراعته لهذه الأرض نفسها، فتبطل هذه الإجارة و لا تصح.
و لا یختص الحکم بالبطلان بما إذا استأجر الأرض بمقدار مما یحصل منها من الحنطة أو الشعیر خاصة، بل تبطل الإجارة أیضا إذا استأجر الأرض لزراعة الحنطة أو الشعیر أو لزراعة غیرهما من الحبوب بمقدار معین من الحبوب التی تحصل من زراعة الأرض نفسها سواء کانت حنطة أم شعیرا أم أرزا أم عدسا أم غیرها من الحبوب التی تنتج من زراعتها بعد الإجارة، و لا تصح إجارة الأرض للزراعة بما یحصل من زراعة أرض معینة أخری بعد الإجارة کذلک.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 329
و لا تصح إجارتها بالحنطة أو الشعیر أو بغیرهما من الحبوب إذا اشترط فی عقد الإجارة أن یکون الأداء من حاصل زراعة الأرض بعد الإجارة.
و أولی بالحکم بالبطلان من جمیع ذلک ما إذا آجره الأرض للزراعة بحصة معینة من حاصلها فیؤجره الأرض بربع ما یحصل من زراعتها من الحبوب أو بثلثه مثلا.
و لا تبطل الإجارة إذا آجر المالک الأرض للزراعة بعشرین منا من الحنطة مثلا أو من الشعیر أو من غیرهما من الحبوب التی حصلت من زراعة الأرض نفسها قبل الإجارة، و لا تبطل الإجارة کذلک إذا آجر الأرض للزراعة بعشرین منا من الحنطة أو الشعیر ثم أدی المستأجر مال الإجارة من حاصل زراعته فی الأرض من غیر اشتراط من المالک و لا تقیید بذلک.

المسألة 186:

إذا استأجر الإنسان من المالک أرضا للزراعة مدة معینة فحدثت آفة أفسدت الزراعة فی الأرض أو أوجبت نقص النتاج منها، لم تبطل الإجارة بذلک، و لم یوجب ذلک نقصا فی الأجرة المعینة فی العقد، و لم یثبت بسبب ذلک خیار للمستأجر فی فسخ الإجارة.
و إذا شرط المستأجر علی المالک فی ضمن العقد أن یبرئه من الأجرة بمقدار ما ینقص من حاصل الزراعة بسبب الآفة إذا حدثت، و قبل المالک بالشرط، نفذ الشرط و لزم العمل به، فإذا نقص من حاصل زراعة الأرض نصفه بسبب الآفة وجب علی المالک أن یبرئ المستأجر من نصف الأجرة، و إذا نقص من الحاصل الربع وجب أن یبرئه من الربع، و هکذا، و المرجع فی تقدیر النقص من حاصل الزراعة، إلی تعیین أهل الخبرة و المعرفة بذلک.

المسألة 187:

یجوز أن یتقبل الشخص الأرض من مالکها، لینتفع بها بزراعة أو غرس أو غیر ذلک من وجوه الانتفاع المقصودة مدة معلومة، و یجعل
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 330
العوض عن ذلک تعمیر الأرض بستانا مثلا بحرثها و شق أنهارها و إخراج بئر أو عین ماء فیها و غرسها نخیلا و شجرا و نحو ذلک، أو بتعمیرها دارا أو بنائه أو دکاکین معلومة المقادیر و الصفات.
و الظاهر ان ما دلت علیه النصوص فی ذلک معاملة خاصة، و لیست اجارة و لا جعالة، فتصح کذلک إذا کانت الأرض المتقبلة معلومة الحدود و الفوائد، و کان التعمیر و الأعمال المشترطة بین المتعاملین معینة غیر مجهولة.

المسألة 188:

إذا التزم الإنسان بعض الأرض الخراجیة من ولی أمرها علی ما فصلناه فی المسألة السادسة و الأربعین من کتاب التجارة، و ذکرناه فی المسألة المائة و الخامسة و الثلاثین، فی فصل شرائط العوضین، کان مالکا لمنفعتها، و کان هو المکلف بدفع ما علیها من الخراج و الضریبة، فإذا استأجرها أحد من ذلک الإنسان لیزرعها و ینتفع بها فلا شی‌ء علیه من الخراج و الضریبة الا أن یشترط مالک المنفعة علیه ذلک فی عقد الإجارة بینهما.

المسألة 189:

إذا استأجر الرجل الأرض من مالکها لبعض المنافع المقصودة مدة معینة، فغرس المستأجر فی الأرض المستأجرة أو زرع فیها ما یحتاج فی إدراکه إلی مدة أطول، فإذا انقضت مدة الإجارة جاز لمالک الأرض أن یأمر المستأجر بقلع ما غرس أو زرع فی الأرض.
و کذلک إذا استأجر الأرض من مالکها للغرس أو للزرع مدة معینة، و غرس فی الأرض أو زرع فیها ما لا یدرک فی تلک المدة التی عینها فی الإجارة، کما إذا استأجرها للغرس مدة سنتین، فغرس فیها شجرا أو نخیلا لا یثمر الا بعد ست سنین أو أکثر، و کما إذا استأجرها للزراعة فیها مدة شهرین، و زرع فیها مالا یبلغ أوان قطعه أو جزه الا بعد ثلاثة أشهر، فإذا انقضت مدة الإجارة جاز للمالک أن یأمر المستأجر بقلع ما غرس أو زرع.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 331
و لا یجوز للمستأجر أن یبقی غرسه و زرعه ثابتا فی الأرض الا بإذن المالک و رضاه و ان بذل أجرة المثل للمدة التی یبقی فیها الغرس و الزرع ثابتا فی الأرض، و لیس له أن یطالب المالک بأرش الشجر أو الزرع إذا قلعه.

المسألة 190:

إذا انتهت مدة الإجارة و لم یستأصل المستأجر جذور ما زرعه فی الأرض التی استأجرها، فنمت الجذور و الزرع، فإن أعرض المستأجر عن زرعه و اباحه للآخرین لیتملکوه، جاز لمن شاء من الناس ان یسبق الیه و یتملکه من غیر فرق بین مالک الأرض و غیره، و ان لم یعرض المستأجر عن زرعه أو لم یبحه للآخرین فهو ملک له.
و لا یجوز لغیر مالک الأرض أن یدخلها الی ذلک الزرع إلا بإذن المالک سواء کان هو المستأجر سابقا أم غیره لیسبق الی الزرع.
و لا یکفی مجرد اعراض المستأجر فی صحة تملک الناس الآخرین للزرع بعد إعراضه حتی تقوم معه قرینة عامة أو خاصة علی إباحته لأن یتملکه الآخرون، و لا یکفی فی التملک مجرد القصد حتی یستولی علی الزرع بقصد تملکه أو بقصد الحیازة لنفسه.

المسألة 191:

لا یصح للإنسان أن یستأجر أرضا مدة طویلة لیوقفها مسجدا و ان کانت المدة طویلة جدا، و لا تصح المسجدیة إذا هو استأجرها کذلک و وقفها، و لا تثبت للأرض آثار المسجدیة و أحکامها، فلا یحرم تلویثها بالنجاسة و لا یحرم دخول الجنب و الحائض و النفساء فیها و لا تکون لها فضیلة الصلاة فی المسجد.
و یصح أن تجعل مصلی یصلی فیه الناس و یتعبدون فیه ما دامت المدة المعینة فی الإجارة فإذا انقضت المدة عادت الأرض إلی حالها الأولی.

المسألة 192:

قد اتضح مما بیناه فی المسألة التاسعة عشرة و غیرها من المسائل المتعلقة بشرائط العوضین فی عقد الإجارة ان کل عین مملوکة یمکن الانتفاع
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 332
بها مع بقاء عینها، فهی مما تصح إجارتها بشرط أن تکون المنفعة محللة فی الإسلام، و مقصودة عند العقلاء بحیث تعد فی نظرهم مالا، و ان کان وجود تلک المنفعة نادرا فلا یضر فی صحة إجارة العین أن تکون المنفعة المقصودة منها نادرة الوقوع، إذا کانت مما یرغب فیه الناس فی حال وقوعه و یبذلون المال للحصول علیه.
و کذلک کل عمل محلل فی الإسلام و مقصود عند العقلاء و یعد فی نظرهم مالا، فهو مما تصح الإجارة علیه و ان کانت الحاجة إلیه نادرة الوقوع علی نهج ما تقدم فی منفعة العین، عدا ما استثنی من الأعمال التی لا تصح الإجارة علیها کالواجبات العبادیة و نحوها علی ما سیأتی بیانه.

المسألة 193:

یصح للإنسان أن یستأجر البستان من مالکه للتنزه فیه مدة معینة، أو لإقامة ضیوفه فیه أیاما، أو لإقامة مریض فیه أیام نقاهته و إبلاله من المرض، و لا یجوز التصرف فی ثمار البستان و ازهاره و أشجاره إلا بإذن المالک و رضاه.

المسألة 194:

یجوز أن یستأجر الشجر للانتفاع به فی الاستظلال بفیئة و ربط الحیوان و الدواب فیه و شد الحبال فیه لنشر الثیاب و غیرها لأهل المغاسل و غیرهم و شبه ذلک من المنافع.

المسألة 195:

یجوز أن یستأجر الرجل أو المرأة لکنس المنزل أو المسجد أو المشهد، و فرشه، و تنظیف فرشه و أدواته، و تطهیره من النجاسة إذا حدثت فیه، و إشعال السرج فیه، و تحریک وسائل التدفئة و التبرید فیه و ما أشبه ذلک.

المسألة 196:

الظاهر أن حیازة المباحات مما تقبل النیابة فیها، و لذلک فالأقوی صحة الإجارة علیها، فیجوز للإنسان أن یستأجر عاملا لیحوز له بعض
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 333
المباحات کالحطب و الحشیش و الماء و الرمل و الحصی و الحجر و الجص من مواضعها المباحة، فإذا استأجر العامل لذلک علی أن یکون المستأجر مالکا للحیازة و قصد الطرفان ذلک، ملکا المستأجر الحیازة بمقتضی العقد و ملک الشی‌ء المحاز بتبع ملکه للحیازة.
و هذه النتیجة تتحقق قهرا و ان قصد الأجیر بحیازته تملیک نفسه، أو قصد بها تملیک شخص ثالث غیره و غیر المستأجر، و ذلک لأن الأجیر لما أوقع الإجارة علی النهج المتقدم بیانه قد اخرج ذلک عن ملکه باختیاره، فیکون قصده تملیک نفسه أو تملیک الشخص الآخر لغوا لا أثر له.
و لا فرق فی ذلک بین ان تکون الإجارة بینهما واقعة علی جمیع منافع الأجیر الخارجیة فیکون جمیعها ملکا للمستأجر و منها المنفعة الخاصة و هی أن یحوز المباح أو تکون الإجارة واقعة علی المنفعة الخاصة المذکورة منه فتکون هذه المنفعة بعینها ملکا للمستأجر مدة معینة.

المسألة 197:

إذا استأجر الشخص عاملا لیحوز له بعض المباحات کما تقدم، علی أن تکون الحیازة للمستأجر فی ذمة العامل الأجیر مدة معینة، أصبحت المنفعة المذکورة دینا علیه، و وجب علیه أن یفی بالعقد و بالدین فی المدة التی عینها، و لکن الحیازة الخارجیة لا تتعین للمستأجر و لا تکون وفاء بالعقد حتی یقصد الأجیر ذلک بحیازته، فإذا نوی بحیازته الخارجیة أنها للمستأجر وفاء بالعقد، کانت الحیازة الخاصة ملکا للمستأجر و کان الشی‌ء المحاز ملکا له أیضا تبعا لملکه للحیازة کما سبق فی نظیره.
و إذا نوی الأجیر الحیازة لنفسه أو لشخص ثالث، لم یملکها المستأجر، و کان مخیرا بین أن یفسخ الإجارة فیسترجع الأجرة المسماة من الأجیر إذا کان قد دفعها الیه، و أن یبقی الإجارة فیجب علیه أن یدفع الأجرة للأجیر إذا کان لم یدفعها الیه و یستحق هو علی الأجیر أجرة المثل للمنفعة التی فاتت علیه.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 334

المسألة 198:

إرضاع المرأة للطفل عمل من إعمالها، فهی تأخذ الطفل و تضعه فی حجرها أو الی جانبها و هی نائمة و تضع ثدیها فی فمه مدة، ثم تنقله إلی الثدی الآخر حتی یرتوی و قد تصحب ذلک إعمال أخری من المرأة، و لذلک فیصح للمرأة أن تؤجر نفسها للإرضاع مدة معینة، و لا ریب فی صحة ذلک.
و کذلک یصح لها أن تؤجر نفسها للرضاع، و هو منفعة من منافعها، فتؤجر نفسها لولی الطفل لینتفع الطفل بلبنها مدة معینة، و ان لم یتحقق منها أی فعل کما إذا سعی الطفل بنفسه إلیها و التقم الثدی بفمه، و کما إذا وضع احد الطفل فی حجرها أو الی جانبها و هی نائمة و جعل ثدی المرضعة فی فم الرضیع، فتصح الإجارة فی جمیع الصور.
و یعتبر فی صحة الإجارة لذلک أن تشاهد المرأة الطفل الرضیع أو یوصف لها وصفا یرتفع معه الغرر و الجهالة و ان تشاهد المرأة المرضعة أو توصف للمستأجر وصفا یرتفع معه الغرر و الجهالة.

المسألة 199:

یجوز للمرأة المتزوجة ان تؤجر نفسها للإرضاع أو الرضاع و ان لم یأذن لها زوجها بذلک نعم لا یجوز لها ان تؤجر نفسها لذلک إذا کان منافیا لحق الزوج من الاستمتاع بالزوجة أو لحقه فی عدم خروج المرأة من المنزل إلا باذنه، و إذا آجرت نفسها لذلک بغیر اذن الزوج لم تصح الإجارة إلا بإجازته.

المسألة 200:

لا یملک الرجل لبن زوجته و لذلک فیجوز لها ان تؤجر نفسها للزوج لإرضاع ولده سواء کان الولد منها أو من غیرها و تملک الأجرة منه إذا دفعها إلیها.

المسألة 201:

إذا کانت المرأة خلیة من الزوج و هی ذات لبن، فآجرت نفسها لرضاع طفل ثم تزوجت فی مدة الإجارة وجب علیها الوفاء بالعقد و ان کان منافیا
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 335
لحق الزوج، و کذلک إذا آجرت نفسها لغیر الرضاع من الأعمال الأخری قبل التزویج ثم تزوجت کما تقدم ذلک فی المسألة الثانیة و الستین و إذا کان وطؤ الزوج لها فی الفرض المذکور مضرا بالولد الرضیع منع الزوج منه مدة الإجارة.

المسألة 202:

یملک السید لبن أمته، سواء کان اللبن منه أم من غیره، حرا کان ذلک الغیر أم مملوکا، و سواء کانت الأمة قنة أم مدبرة، أم أم ولد، فیجوز للسید أن یؤجر أمته لرضاع أی طفل یرید، و یجوز له أن یتبرع بإرضاعها لأی طفل، سواء رضیت الأمة بالإجارة و التبرع أم لا، و ان کانت ذات طفل یحتاج الی الرضاع فیرضع طفلها من لبن أخری.
و لا یجوز للسید أن یؤجر أمته المکاتبة المطلقة و لا المشروطة و لا المبعضة لإرضاع طفل أو یتبرع بإرضاعها لطفل الا برضاها.

المسألة 203:

إذا استأجر أحد مرضعة لإرضاع طفل معین مدة معینة، و مات الطفل انفسخت الإجارة بموت الطفل، فان کان موته قبل حلول المدة، أو بعد حلولها و قبل أن تتمکن المرأة من إرضاعه، استرد المستأجر منها جمیع الأجرة إذا کان قد دفعها إلیها، و ان کان موت الطفل فی أثناء المدة و قد أرضعته فی بعضها، استحقت المرضعة من الأجرة المسماة بنسبة الفترة التی أرضعته فیها الی مجموع المدة، فإن کانت أرضعته نصف المدة استحقت نصف الأجرة، و ان أرضعته ربع المدة استحقت ربع الأجرة، و أرجعت إلی المستأجر الباقی.
و إذا استأجر المرضعة لإرضاع طفل غیر معین، و دفع إلیها طفلا، فأرضعته بعض المدة ثم مات الطفل المدفوع إلیها لم تنفسخ الإجارة بموته، فیجوز للمستأجر أن یدفع إلیها طفلا آخر لتتم المدة بإرضاعه، و إذا تعذر وجود الطفل بطلت الإجارة، و جری التفصیل المتقدم ذکره فی الأجرة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 336

المسألة 204:

إذا استأجر أحد مرضعة لإرضاع طفل، و اشترط المستأجر علی المرضعة أن یکون رضاع الطفل بلبنها لا بلبن غیرها، ثم ماتت المرضعة، انفسخت الإجارة بموتها.
فان کان موتها قبل حلول مدة الإجارة أو بعد حلولها و قبل أن تتمکن المرأة من إرضاعه، استرجع المستأجر من ورثة المرضعة جمیع الأجرة إذا کان قد دفعها إلیها، و ان کان موت المرضعة فی أثناء المدة و قد أرضعت الطفل فی بعضها کان لها من الأجرة بالنسبة کما تقدم، و استرد المستأجر الباقی من الورثة، إذا کان قد دفعه الی المرضعة.
و إذا استأجرها علی أن یکون إرضاع الطفل دینا فی ذمتها تقوم بوفائه فی المدة، و لو بإرضاع غیرها من المرضعات لم تبطل الإجارة بموت المرضعة، و وجب الوفاء علی ورثتها و لو باستئجار مرضعة أخری لتقوم بإرضاع الطفل و إذا تعذر وجود مرضعة غیرها بطلت الإجارة، و جری التفصیل المتقدم بیانه فی الأجرة.

المسألة 205:

لا ینبغی الریب فی ان لبن الشاة أو البقرة أو الناقة یعد فی نظر أهل العرف من منافعها، و نتیجة لذلک، فیجوز علی الأقوی أن یستأجر الرجل الشاة أو البقرة أو الناقة من مالکها مدة معلومة لینتفع بلبنها و منتوجاته من جبن أو مخیض أو زبد أو غیرها، من غیر فرق بین لبنها الذی یتجدد بعد الإجارة و الموجود منه بالفعل.
و کذلک شأن الثمر بالنسبة إلی الشجر و الماء بالنسبة إلی البئر أو العین فإنها فی نظر أهل العرف منافع لها، فیصح علی الأقوی أن یستأجر الشجرة أو الشجر لینتفع المستأجر بثمارها مدة معینة، و یستأجر البئر أو العین لینتفع بمائها، و ان کان اللبن و الثمر و الماء من الأعیان، و الانتفاع بها لا یکون إلا بإتلاف العین، و الاشکال فی صحة استئجارها لهذه الجهة ضعیف، و لا فرق فی الماء و الثمر بین ما یتجدد فی العین و الشجرة بعد الإجارة و الموجود منه بالفعل.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 337

المسألة 206:

إذا أمر الرجل أحدا بأن یعمل له عملا، فأتی المأمور بالعمل کما طلب، فان کان المأمور قد قصد التبرع بعمله للآمر، لم یستحق علیه أجرة، و ان کان من عزم الآمر أن یدفع له الأجرة حینما طلب منه العمل له.
و کذلک إذا دلت القرینة الخاصة أو العامة علی أن الآمر قد قصد المجانیة فی العمل حینما أمره به، و مثال ذلک أن یکون العمل المأمور به مما یعمل مجانا و بدون أجرة بحسب العادة المتبعة بین الناس، أو یکون الشخص المأمور ممن لا یطلب الأجرة علی ذلک العمل إذا أتی به لغیره.
و إذا کان المأمور لم یقصد التبرع بعمله، و لم تدل القرائن علی أن الآمر قد قصد المجانیة فی طلبه لما أمره بالعمل له، استحق المأمور أجرة المثل علی العمل الذی أتی به.

المسألة 207:

إذا اعتقد العامل أن زیدا قد استأجره للعمل المعین، فأتی بالعمل بقصد الوفاء بالإجارة ثم ظهر أن زیدا لم یستأجره لذلک و لم یأمره بالعمل، لم یستحق علیه أجرة.

المسألة 208:

یصح للإنسان أن یستأجر شخصا لیقوم له بکل ما یرید منه من الأعمال و الحاجات المقدورة له، و التی یتعارف بین الناس قیام مثل هذا الأجیر بها، فتکون جمیع منافع الأجیر ملکا للمستأجر فی المدة المعینة بینهما، و لا بد من أن یعین فی العقد الأوقات التی یقوم الأجیر فیها بوظیفته المذکورة، أ هی فی النهار وحده، أم فی اللیل و النهار فی أی ساعة یطلبه المستأجر للعمل، أم فی ساعات محددة.

المسألة 209:

الظاهر أن نفقة الأجیر الآنف ذکره تکون علی نفسه، و لا تجب علی المستأجر، إلا إذا اشترط الأجیر علیه ذلک فی ضمن العقد فیلزم الوفاء
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 338
بالشرط، أو کانت العادة المتعارفة بین الناس أن یقوم المستأجر بنفقة هذا الأجیر، أو دلت القرائن علیه، فیکون ذلک بحکم الشرط فی ضمن العقد.
و إذا اشترط الأجیر نفقته علی المستأجر فی ضمن العقد، فلا بد من تحدید مقدار النفقة و نوعها بما یرفع الجهالة و الغرر بینهما، و إذا کان ذلک هو مقتضی العادة الجاریة بین الناس اتبعت العادة فی تحدید النفقة.

المسألة 210:

یجوز للشخص أن یأمر العامل بالعمل و یستعمله فی بعض أعماله و یستوفی بعض منافعه من غیر أن یسمی له أجرة معینة، و لکن یکره ذلک، و یثبت للعامل بذلک أجرة المثل علی الشخص لأنه قد استوفی منفعة العامل، و لا یکون من الإجارة علی الأصح.

المسألة 211:

إذا استأجر الرجل عاملا للکتابة أو للخیاطة، أو لغیرهما من الأعمال، فهل یکون المداد الذی یحتاج الیه الکاتب فی کتابته علی الأجیر أو علی المستأجر؟ و کذلک الخیوط التی یحتاج الخیاط فی خیاطته و المواد الأخری التی یفتقر إلیها العامل فی إنجاز عمله و فی توفیة المستأجر منفعته التی ملکها بالإجارة؟.
الأقوی وجوب التعیین فی ذلک علی المتعاملین، الا أن تکون قرینة عامة أو خاصة تدل علی شی‌ء فیکون ذلک الظهور هو المتبع.

المسألة 212:

لا یجوز للمکلف أن یؤجر نفسه للإتیان بالعبادات الواجبة علیه، و مثال ذلک أن یؤجر زید نفسه لعمرو مثلا لیؤدی الفرائض الواجبة التی افترضها اللّٰه علی زید نفسه، فان اللّٰه سبحانه قد أوجب هذه الأعمال علی العبد المکلف علی أن یأتی بها تعبدا له، و طاعة و امتثالا لأمره، و لا یبتغی علیها أجرا و مثوبة من أحد سواه، فلا تصح الإجارة علیها من أحد و لا یحل أخذ الأجرة علی الإتیان بها، سواء کانت الواجبات
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 339
عینیة أم کفائیة، و کذلک الحکم فی المستحبات التی یکون لها هذا الوصف، کالنوافل الراتبة و غیر الراتبة من الصلوات.
فلا تصح إجارة الإنسان نفسه لفعل الصلوات الیومیة الواجبة علیه أو غیر الیومیة مما یکون له هذا الشأن کصلاة الطواف الواجب علیه و صلاة الآیات و غیرها، و لا لصیام شهر رمضان و نحوه من أفراد الصیام الواجب علیه، و لا للإتیان بنوافل الصلاة أو نوافل الصوم، و لا لغیر ذلک من واجب العبادات و مستحبها، و لا لتغسیل الموتی أو تکفینهم أو الصلاة علیهم و لا علی الأذان و نحو ذلک.
و لا تصح الإجارة لتعلیم العقائد الواجبة، و تعلیم مسائل الحلال و الحرام و الواجبات الشرعیة و غیرها فی ما یکون محل الابتلاء، بل و فی ما لا یکون محلا للابتلاء من ذلک علی الأحوط لزوما، و لا تصح الإجارة علی القضاء الواجب الشرعی و لا الفتوی.

المسألة 213:

تصح الإجارة للواجبات غیر العبادیة کدفن المیت، و معالجة الطبیب للمرضی و الواجبات التی یتوقف علیها نظام المجتمع کتعلیم الطب و الصیدلة و تعلیم الزراعة و نحو ذلک، و تصح الإجارة للمستحبات غیر العبادیة کوضع الحبرة و الجریدتین للمیت، و تعلیم العلوم الأدبیة، بل و لتعلیم القرآن فی غیر المقدار الواجب منه، و لتعلیم علم الحدیث و الرجال و شرح الحدیث، و التفسیر و أمثال ذلک.
و تصح الإجارة لتعلیم العلوم الحیاتیة غیر الواجبة و لا المستحبة، و یحل أخذ الأجرة علی جمیع ذلک.

المسألة 214:

یجوز أن یرتزق القاضی و المفتی و المؤذن من بیت المال، و لیس ذلک من الإجارة بل لأن ارتزاق هؤلاء و أمثالهم و الإنفاق علیهم من مصالح المسلمین العامة و قد وضع بیت المال لذلک.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 340

المسألة 215:

لا تشرع النیابة عن الأحیاء فی الواجبات العبادیة، و لذلک فلا تصح الإجارة للصلوات الواجبة نیابة عن الإنسان الحی سواء کانت الصلاة یومیة أم غیرها، و سواء کان الإنسان المنوب عنه قادرا أم عاجزا، و لا تصح الإجارة للصیام الواجب و لا لسائر الواجبات العبادیة الأخری نیابة عنه.
و یستثنی من ذلک الحج الإسلامی الواجب بالاستطاعة، فإذا وجبت علی المسلم حجة الإسلام و اجتمعت له شروط وجوبها و لکنه عجز عن الإتیان بالحج مباشرة لکبر سن أو مرض لا یرجی زواله وجب علیه ان یستأجر من یحج عنه، و لا یجری ذلک فی غیر حجة الإسلام، فإذا وجب علی الرجل حج نذر أو شبهه، و عجز عن الإتیان به مباشرة للأعذار المذکورة، لم یصح له أن یستأجر من یحج عنه و هو حی، بل یسقط عنه وجوب الحج إذا حصل له العجز عن الأداء فی عام النذر أو العهد نفسه، و إذا کان قادرا علی المباشرة فی عام النذر و لم یف بما أوجبه علی نفسه، و تجدد له العجز عن الأداء بعد عام أو أکثر، قضی عنه بعد موته و وجبت علیه الکفارة.
و تصح الإجارة للنیابة عن الحی فی الصلوات المستحبة و فی الحج المندوب و الزیارات.

المسألة 216:

تصح الإجارة للنیابة عن الموتی فی قضاء الصلوات الواجبة علیهم من الیومیة و غیرها، و فی قضاء الصوم الواجب، و سائر الواجبات التی اشتغلت بها ذممهم فی حیاتهم، و تصح الإجارة للنیابة عنهم فی المستحبات، کالحج المندوب و العمرة المندوبة و الزیارة، و یصح کذلک أن یستأجر الأجیر لیأتی بالعمل المندوب ثم یهدی ثوابه الی المیت أو الی الحی.

المسألة 217:

یجوز لولی المیت أن یستأجر شخصین أو أکثر لقضاء الصیام الواجب عن میتة، فإذا کان الواجب فی ذمة المیت قضاء صوم شهر، أمکن للولی
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 341
أن یستأجر عن المیت ثلاثة أشخاص، لیصوم کل واحد منهم عنه عشرة أیام، أو مع التفاوت، حسب ما یتفقون علیه فی عقد الإجارة.

المسألة 218:

الأقوی- کما ذکرناه فی مبحث قضاء الصلوات- عدم وجوب الترتیب فی قضاء الفوائت من الصلوات الواجبة، إلا فی الفریضتین اللتین یجب الترتیب بینهما فی الأداء، کالظهر و العصر إذا کانتا من یوم واحد، و کالمغرب و العشاء إذا کانتا من لیلة واحدة، فیجب الترتیب بینهما فی القضاء إذا فاتتا من یوم واحد و نتیجة لذلک، فیجوز لولی المیت أن یستأجر شخصین أو أکثر لقضاء الصلوات الفائتة من المیت، مع مراعاة الترتیب فی کل فریضتین مترتبتین فی أدائهما، فإذا کان الواجب فی ذمة المیت قضاء صلاة شهر: ثلاثین یوما أمکن للولی أن یستأجر عنه ثلاثة أشخاص، یصلی کل واحد منهم عن المیت صلاة عشرة أیام، و ان اتفقوا فی زمان القضاء.

المسألة 219:

لا تشرع النیابة عن شخصین فی عمل واجب واحد، فلا یصح أن یأتی الرجل بصلاة واجبة واحدة نیابة عن رجلین میتین، أو یصوم یوما واحدا واجبا عن شخصین، سواء کان متبرعا بالنیابة عنهما أم مستأجرا لذلک، و لا تصح الإجارة له و لا یستحق الأجیر علیه اجرة، و لا یصح أن یستأجر شخص واحد للنیابة عن شخصین فی حجة واحدة واجبة، فیأتی بالحجة الواحدة عنهما معا.

المسألة 220:

لا یصح ان یستأجر شخص واحد للنیابة فی حجتین فی عام واحد إذا اشترطت علیه المباشرة فی کلتا الحجتین، سواء کانت الحجتان عن شخص واحد أم عن شخصین، و سواء کان الاستیجار لهما بعقد واحد أم بعقدین، و إذا کانتا بعقدین صحت الإجارة الأولی و وجب الوفاء بها و بطلت الثانیة.
و تصح الإجارة إذا کانت الحجتان فی عامین، و إذا استؤجر کذلک وجب علی
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 342
الأجیر أن یأتی بالحجتین علی الترتیب الذی استؤجر علیه، فیقدم الحجة التی استؤجر للإتیان بها فی العام الأول و ان کانت الإجارة لها متأخرة فی التأریخ، و یؤخر الحجة الثانیة و ان کانت الإجارة لها متقدمة.
و تصح الإجارة لحجتین فی عام واحد إذا لم تشترط علی الأجیر المباشرة فی العمل، فیمکن له أن یأتی بإحدی الحجتین بنفسه و یستأجر للثانیة غیره، و یمکن له أن یستأجر لکل واحدة من الحجتین أجیرا.

المسألة 221:

تشرع النیابة عن شخصین فی عمل واحد مستحب، فیصح للرجل أن یأتی بحجة مندوبة أو بعمرة مندوبة أو بزیارة نیابة عن شخصین، سواء کان متبرعا بالعمل لهما أم مستأجرا له، و یصح کذلک ان یستأجر لحجة مستحبة واحدة أو لعمرة مندوبة واحدة، أو لزیارة واحدة ثم یهدی ثواب العمل للشخصین.

المسألة 222:

إذا استأجر زید دارا معینة أو عینا أخری مدة معلومة من مالکها، ثم اشتری العین المستأجرة بعد ذلک لم تنفسخ الإجارة السابقة بالبیع اللاحق، فیجب علیه أن یدفع للبائع ثمن العین و عوض الإجارة إذا لم یکن دفعها من قبل کما تقدم بیانه فی المسألة الثامنة و الأربعین.
فإذا باع العین علی أحد فی أثناء مدة الإجارة، فلا یترک الاحتیاط بأن یشترط التبعیة إذا أراد ضم المنفعة إلی العین فی التملیک، و لا یکتفی بمجرد قصد التبعیة لها، و أن یشترط عدم التبعیة إذا أراد عدم ضم المنفعة إلی العین، و إذا لم یشترط شیئا منهما رجع الی المصالحة.

المسألة 223:

إذا استأجر الرجل العین من مالکها ملک منفعتها المقصودة فی أیام الإجارة، کما تقدم مرارا، و هذا ملک للمنفعة و لیس بحق فی العین، و لذلک فلا یسقط بإسقاط حقه من العین المستأجرة، و لا تخرج المنفعة عن ملکه بذلک، و یمکن للمستأجر ان یملک المنفعة غیره بإجارة أو
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 343
صلح أو غیرها من النوافل الشرعیة و قد بینا ذلک فی ما تقدم و هذا غیر إسقاط الحق.

المسألة 224:

إذا وجب أن یقضی الحج عن المیت من بلده، و أرید استئجار أحد لذلک، فلا بد من أن یستأجر الأجیر لیسافر من بلد المیت إلی مکة بقصد الحج حتی یؤدی فریضة الحج عن المنوب عنه، و لا یکفی أن یستأجر شخص مثلا لیسافر من بلد المیت الی المیقات، ثم یستأجر شخص آخر لیحرم من المیقات و یسافر إلی مکة حتی یتم الحج.

المسألة 225:

تصح الإجارة لذکر مصائب المعصومین (ع) و شهاداتهم و تأریخهم، و التعریف بفضائلهم و مناقبهم و علو مقامهم، و قراءة خطبهم (ع) و کلماتهم و مواعظهم، و نحو ذلک مما یثبت الایمان و یرسخ العقیدة و یبعث علی اکتساب الخلق الرضی و العمل الصالح و علی الاستباق الی الخیرات و التنافس فی المکرمات بل تحسن و تستحب المواظبة علی ذلک، و الإجارة له، و یحل أخذ الأجرة علیه.

المسألة 226:

یصح للإنسان أن یجمع بین اجارة و بیع فی عقد واحد، و أن یجمع بین اجارة و صلح فی عقد واحد، فینحل العقد الواحد الی عقدین، و تترتب علی کل واحد من العقدین لوازمه، و تشترط فی صحة کل واحد منهما شروطه المعتبرة فیه، و تلحقه آثاره و أحکامه.
فإذا قال الموجب: بعتک هذا الفرس، و آجرتک هذا الدکان مدة شهر بمائة دینار، و قبل الآخر، صح بیع الفرس بحصته من العوض المذکور فی العقد، و صحت اجارة الدکان بحصته منه.
و طریق معرفة مقدار الحصة هو النسبة بحسب تقدیر أهل الخبرة، فیقدر أهل الخبرة القیمة لمثل هذا الفرس المعین، و یقدرون أجرة المثل للدکان المعلوم فی المدة المعینة، و یضبط مجموع القیمتین، ثم تنسب قیمة الفرس وحدها الی المجموع، و تنسب أجرة مثل الدکان
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 344
وحدها الی المجموع أیضا، و تکون حصة کل واحد منهما من العوض المقرر فی العقد بتلک النسبة.
فإذا کانت قیمة الفرس فی نظر الخبراء ستین دینارا مثلا، و کانت أجرة المثل للدکان فی المدة المعینة عشرین دینارا، فمجموع القیمتین فی نظر أهل الخبرة هو ثمانون دینارا، و نسبة قیمة الفرس وحدها الی الثمانین، هی ثلاثة أرباعها، فتکون حصة الفرس من العوض المذکور فی العقد و هو المائة دینار هی ثلاثة أرباعها کذلک، و تکون نسبة أجرة الدکان الی الثمانین هی ربعها، فتکون حصة الدکان من المائة دینار هی ربعها أیضا، و هکذا فیصح بیع الفرس فی المثال بخمسة و سبعین دینارا من العوض المقرر فی العقد، و تصح اجارة الدکان بخمسة و عشرین دینارا منه.
و إذا صح العقدان ترتبت علیهما أحکامهما، فیکون للبائع و للمشتری خیار المجلس فی بیع الفرس، و یثبت للمشتری فیه أیضا خیار الحیوان مدة ثلاثة أیام، و لا یثبت الخیاران المذکوران فی إجارة الدکان لأنهما مما یختص بالبیع و لا یجریان فی غیره من العقود، و هکذا فی بقیة الأحکام.
و إذا جمع بین بیع و اجارة فی عقد واحد، و کان البیع ربویا، لوجود تفاوت فی المقدار بین الثمن و المثمن و هما من جنس واحد مما یکال أو یوزن، کان البیع باطلا، و صحت الإجارة لعدم لزوم الربا فیها، و إذا کان البیع بیع صرف، اشترط فی صحته أن یقبض المشتری المبیع و یقبض البائع الثمن قبل التفرق، و لم یشترط ذلک فی صحة الإجارة.
و کذلک إذا قال الموجب آجرتک هذه الدار مدة شهر و صالحتک عن هذا المتاع بخمسین دینارا، صح العقدان و وزع العوض بینهما بالنسبة، و ترتبت علی کل عقد منهما آثاره و لوازمه الخاصة به، و مثله ما إذا جمع بین اجارة و هبة معوضة، أو بینها و بین أی معاوضة أخری.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 345

الفصل السابع فی بقیة من أحکام الإجارة

المسألة 227:

یصح أن یستأجر القاری لتلاوة القرآن و ترتیله فی بعض المحافل أو المآتم أو المناسبات الأخری کالمجالس التی تعقد فی لیالی شهر رمضان أو التی تقام لتأبین الموتی و أمثال ذلک، و لا بد من علم المستأجر بکیفیة قراءة القاری الذی یرید أن یستأجره و بأوصافها من الصحة و الجودة و الألحان المحللة التی تناسب عظمة القرآن و جلالة شأنه، اما بالاستماع الی قراءة القاری أو الی الآلة المسجلة لصوته، أو بالوصف الذی یرفع الجهالة و الغرر و لا بد فی إجارته من تحدید الفرصة أو الفرص التی یأتی فیها بالعمل المستأجر علیه، أ هو مجلس واحد، أم أکثر و إذا کان فی شهر رمضان أ هو فی کل لیلة من الشهر أم فی لیال مخصوصة منه، و فی أی یوم یقام المجلس و فی أی مکان، و فی أی ساعة یبتدئ، و لا بد من تقدیر العمل اما بذکر مدة القراءة کالساعة و الساعتین، و نحو ذلک، و أما بتحدید مقدارها کالحزب و الحزبین مثلا و یکفی التعارف إذا کانت هناک عادة متبعة فی تحدید المقدار و الزمان.

المسألة 228:

إذا استؤجر الأجیر لیختم القرآن کله وجب علیه أن یقرأ القرآن مرتبا فی السور من فاتحته الی آخر سورة منه، و مرتبا کذلک فی آیات کل سورة، فلا یقدم سورة علی موضعها من المصحف الکریم و لا یؤخرها عنه و لا یقدم آیة علی موضعها من السورة و لا یؤخرها عنه و ان استوعب جمیع الآیات و جمیع السور فی التلاوة، فإن هذا هو الذی ینصرف إلیه الإطلاق من ختم القرآن، فیجب علی الأجیر العمل کذلک، الا ان تدل قرینة خاصة علی ان مراد المستأجر تلاوة مجموع الکتاب کیفما اتفق و ان خالف الترتیب.
و وجب علیه أیضا أن یقرأ القرآن علی الوجه العربی الصحیح من حیث الاعراب و البناء و المادة و النطق الصحیح بالحروف، فان ذلک هو الذی
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 346
ینصرف إلیه الإطلاق کذلک، سواء شرط المستأجر علی الأجیر مراعاة الترتیب و مراعاة الصحة أم لم یشترط علیه ذلک.
نعم إذا نسی قراءة سورة أو نسی قراءة آیة من السورة، کفاه أن یقرأ السورة أو الآیة التی نسی قراءتها وحدها و لم یجب علیه أن یعید قراءة القرآن کله، و کذلک الحکم إذا أخطأ فقرأ السورة أو الآیة علی غیر الوجه العربی الصحیح ثم تذکر، کفاه أن یعید قراءة السورة أو الآیة المعینة التی وقع الغلط أو الخطأ فیها.

المسألة 229:

إذا أتم الأجیر قراءة القرآن، ثم علم إجمالا بعد أن ختم القرآن، انه أخطأ فی قراءته بعض الآیات من حیث الأعراب أو من حیث مبنی الکلمات أو من حیث تبدیل مخارج بعض الحروف، فلا بد له من الإعادة علی الوجه الصحیح، و إذا لم یعین المواضع المحتملة من الآیات أو السور فلا بد له من إعادة قراءة القرآن، الا أن تکون الإجارة علی ما یحسنه.

المسألة 230:

إذا استؤجر الکاتب لکتابة قرآن أو کتاب أو نحوهما فأتم الکتابة استحق الأجرة المسماة و ان وجد المستأجر ان الأجیر قد أسقط کلمة أو حرفا أو أکثر من ذلک أو کتبهما غلطا و لا یسقط حقه من الأجرة بذلک، و لا یقاس هذا علی القراءة و لا تقاس القراءة علیه.

المسألة 231:

تصح إجارة الصبی الممیز لقراءة القرآن و ترتیله فی المحافل و المناسبات، و للقراءة فی المجالس و المآتم الحسینیة، و لقراءة الأدعیة و الزیارات، و نحو ذلک، إذا کان المؤجر له هو ولیه الشرعی، و لا تصح إجارته للنیابة عن الأموات فی قضاء الصلاة و الصیام عنهم، و ان قلنا بأن عبادات الصبی الممیز شرعیة، و لا ملازمة بین کون عباداته شرعیة و جواز نیابته عن الغیر فی أداء الواجبات عنه و إسقاط التکلیف الثابت علیه.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 347

المسألة 232:

تصح اجارة الطبیب لعلاج المریض و مداواته، سواء کانت بالفحص عن الداء و وصف الدواء، أم کانت بالمباشرة للعلاج کتضمید الجراح و تجبیر الکسور و زرق الأبر و اجراء العملیات، و لا تصح الإجارة مع عدم تعیین المدة، و لا بقید البرء و ان کان مظنونا، و لا مع اشتراط شی‌ء یؤدی الی الجهالة و الغرر أو التقیید به کما إذا قید المستأجر إجارته بأن یکون الدواء علی الطبیب مع عدم التعیین، و یصح جمیع ذلک إذا کانت المعاملة بنحو الجعالة.

المسألة 233:

إذا آجر الإنسان نفسه للصیام أو الصلاة عن عبد اللّٰه مثلا، و حینما أتی بالعمل المستأجر علیه قصد النیابة به عن خالد، فان کان الأجیر قد قصد النیابة عن الشخص الذی استؤجر للعمل له، و لکنه أخطأ فتوهم انه خالد، صحت نیابته عن عبد اللّٰه و أجزأ العمل عنه و استحق الأجیر الأجرة المسماة له، و ان قصد بعمله النیابة عن خالد علی وجه التقیید به، لم یجز العمل عن عبد اللّٰه، و لم یستحق الأجرة المسماة فی العقد، و أجزأ العمل عن خالد إذا کان میتا و مشغول الذمة بمثل ذلک العمل و لم یستحق علی ولیه شیئا.
و کذلک الحکم فی کل عمل یستأجر له الأجیر نائبا عن احد و کان العمل مما یفتقر إلی النیة کالحج و العمرة و الزیارة و غیرها.

المسألة 234:

یصح للمالک ان یؤجر داره لزید مثلا مدة معینة بأجرة معینة، ثم یوکل زیدا نفسه علی أن یجدد عقد اجارة الدار لنفسه مدة أخری بعد انتهاء المدة الأولی بمثل تلک الأجرة أو بغیرها حسب ما یتفقان علیه، فإذا أراد زید أن یجدد اجارة الدار لنفسه بالوکالة عن المالک و کل غیره فی القبول لیتخلص من الإشکال فی وحدة الموجب و القابل، و یجوز للمالک أن یعزل المستأجر عن وکالته بعد ذلک، و إذا عزله عن الوکالة فلیس له ان یجدد الإجارة بعد أن یبلغه خبر عزل المالک إیاه و إذا جدد الإجارة
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 348
فی هذا الحال کانت باطلة إلا إذا أجازها المالک، و إذا جدد الوکیل الإجارة بعد أن عزله المالک و قبل أن یبلغه خبر العزل صحت إجارته و نفذت و لم یجز للمالک فسخها.

المسألة 235:

إذا آجر المالک داره لزید مدة معینة کما تقدم، و اشترط المستأجر زید علی المالک فی ضمن عقد الإجارة أن یکون وکیلا عن المالک فی تجدید الإجارة عند انتهاء المدة، أشکل الحکم بنفوذ الشرط و صحة هذه الوکالة عنه، لأنها من شرط النتیجة، و نفوذ مثل هذا الشرط مشکل.
و إذا أنشأ المالک عقد الوکالة للمستأجر بنفس اشتراط ذلک فی ضمن العقد صح الشرط و صحت الوکالة، و مثال ذلک أن یقول مالک الدار لزید فی الإیجاب: آجرتک الدار مدة سنة بمائة دینار و اشترطت لک علی نفسی انک وکیلی من هذا الوقت علی أن تجدد عقد الإجارة إذا انقضت المدة سنة أخری بمثل الأجرة الأولی مثلا، فإذا قال المالک فی إیجابه ذلک و قصد إنشاء الوکالة للمستأجر بنفس هذا الاشتراط و قبل المستأجر ذلک نفذ العقد و صح الشرط و التوکیل، و جاز للمالک عزل الوکیل بعد ذلک إذا شاء، و إذا شرط فی ضمن العقد أن لا یعزله، فقال الموجب فی ضمن العقد بعد العبارة المتقدمة، و اشترطت لک علی نفسی أن لا أعزلک عن هذه الوکالة: نفذ الشرط و الوکالة و لم یجز له عزله بعد ذلک.

المسألة 236:

إذا اشتری الرجل دارا أو أرضا أو عینا أخری، و اشترط البائع لنفسه خیار فسخ البیع إذا هو رد الثمن علی المشتری فی مدة معینة، جاز للمشتری أن یؤجر الدار أو الأرض أو العین المذکورة علی أحد مدة لا تزید علی مدة الخیار للبائع.
و هل یجوز له أن یؤجرها مدة تزید علی ذلک؟ فیه تأمل و اشکال.
و یرتفع الاشکال المذکور إذا أذن البائع للمشتری فی أن یؤجرها و ان زادت مدة الإجارة علی مدة الخیار، فأوقع المشتری الإجارة باذنه،
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 349
و یرتفع الإشکال أیضا إذا أوقع المشتری عقد الإجارة علی ذلک، و أجاز البائع العقد بعد وقوعه من المشتری، و یرتفع الاشکال کذلک إذا أوقع المشتری عقد الإجارة علیها، و اشترط علی المستأجر فی العقد ان للبائع أو للمشتری نفسه الخیار فی فسخ الإجارة إذا حضر وقت خیار البائع، فتصح الإجارة بلا ریب فی هذه الفروض.

المسألة 237:

تقدم فی المسألة المائتین و التاسعة انه یصح أن یشترط علی المستأجر فی ضمن العقد أن تکون علیه نفقة الأجیر أیام إجارته، و إذا اشترط علیه ذلک، فلا بد من تعیین مقدار النفقة المشترطة و نوعها، و کذلک یصح أن یشترط علی الأجیر أن تکون علیه نفقة المستأجر أیام الإجارة، و إذا اشترط علیه ذلک، فلا بد من تعیین النفقة المشترطة علی الأجیر بما یرفع الغرر و الجهالة.
و من ذلک ما تعارف بین المقاولین الذین یحملون الحجاج أو الزوار فی أیام الحج أو العمرة أو الزیارة إلی الأمکنة المقدسة، فیؤجر المقاول نفسه للمسافرة بالحجاج أو المعتمرین أو الزوار من البلد إلی مکة و الی المشاعر و الی المدینة ثم الی البلد، و للقیام بما یحتاجون إلیه فی سفرهم و إقامتهم و عودهم من وسائل نقل و تهیئة أمور، و طعام و شراب و خدمة و مواضع اقامة و وسائل راحة و إرشاد فی اعمال و غیر ذلک، فتصح الإجارة لذلک إذا عینت الأعمال و الوسائل و النفقات و المنازل و الأجرة و المدة و جمیع ما یقوم به الأجیر علی وجه یرتفع به الغرر.
و من ذلک ما تعارف فی بعض المستشفیات الخاصة، فیؤجر القائم بأعمال المستشفی نفسه و موظفیه للقیام بما یحتاج إلیه المستأجر المریض من فحوص و کشوف و تحلیلات و أدویة و من تهیئة أمکنه و أطباء و ممرضین، و وسائل علاج و وسائل راحة و من طعام و شراب و وسائل تغذیة أخری و خدمة، حسب حاجة المریض و إرشاد الطبیب و نحو ذلک، فتصح الإجارة إذا عینت الأعمال و النفقات و الوسائل و الأماکن و الأجرة و المدة علی وجه ترتفع به الجهالة و الغرر.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 350

المسألة 238:

إذا اکتری صاحب المال أجیرا لیوصل ماله الی بلد معین فی مدة معینة، فسافر الأجیر بالمال و حدث فی أثناء سفره ما یمنعه من إیصال المال الی المقصد المعین، فالظاهر بطلان الإجارة بذلک لتعذر حصول العمل المستأجر علیه، أو لتعذر إتمامه.
فإذا کان متعلق الإجارة هو أن یوصل الأجیر المال الی البلد المقصود، و لا مقصد للمستأجر من سفر الأجیر بالمال سوی أنه وسیلة لإیصاله الی ذلک البلد، لم یستحق الأجیر شیئا من الأجرة المسماة، لعدم حصول العمل المستأجر علیه.
و إذا کان متعلق الإجارة هو أن یسافر الأجیر بالمال حتی یوصله الی البلد المعین بحیث کان قطع المسافة جزءا من مجموع العمل المستأجر علیه، استحق الأجیر من الأجرة المسماة بنسبة ما قطعه من المسافة فی سفره الی مجموع المسافة و إیصال المال الی المقصد، فإذا کان ما قطعه من المسافة نصف ما تعلقت به الإجارة، استحق الأجیر نصف الأجرة، و إذا کان ربعه استحق ربع الأجرة.
و إذا اتفق- و ان کان نادر الوقوع- أن یکون متعلق الإجارة هو مجموع السفر بالمال و إیصاله إلی البلد علی سبیل الانضمام و وحدة المطلوب، بحیث لا مقصد للمستأجر فی سفر الأجیر إذا لم یوصل المال، و لا مقصد له فی إیصال المال إذا لم یسافر به، فالظاهر عدم استحقاق الأجیر من الأجرة شیئا.

المسألة 239:

إذا استأجر الرجل أجیرا لعمل مرکب من أجزاء، و اشترط علیه أن یأتی بالعمل بنفسه، و ابتدأ الأجیر فی العمل المستأجر علیه ثم حدث له ما یمنع من إتمام العمل، بطلت الإجارة کما تقدم فی المسألة المتقدمة.
فإن کانت أجزاء العمل المرکب المستأجر علیه فی حال انفراد بعضها عن بعض یکون کل جزء منها علی انفراده موضوعا للغرض، و للمالیة فی نظر العقلاء من الناس، وزعت الأجرة المسماة علی اجزاء العمل،
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 351
و نتیجة لذلک فیستحق الأجیر فی الصورة المذکورة من الأجرة بنسبة ما أتی به من أجزاء العمل، و یسقط حقه من الباقی و مثال ذلک أن یستأجر الأجیر لصیام ثلاثین یوما، فیصوم من عمله المستأجر علیه عشرة أیام، و یتعذر علیه إتمام الباقی، فیستحق ثلث الأجرة المسماة، فان صیام کل یوم موضوع یحقق بعض الغرض المقصود و هو کذلک موضوع للمالیة فی نظر العقلاء، و کذلک إذا استؤجر لخیاطة ثوبین فخاط أحدهما و لم یتمکن من خیاطة الثانی و ان کانت اجزاء العمل المستأجر علیه مترابطة فی الوفاء بالغرض المقصود بحیث لا تکون فی حال انفراد بعضها عن بعض محققة للغرض و لا موضوعا للمالیة فی نظر أهل العرف لم یستحق الأجیر شیئا من الأجرة فی الصورة المذکورة، و مثال ذلک أن یستأجر الأجیر لقضاء صوم یوم واحد، فیصوم نصف النهار و لا یتمکن من إتمامه، أو یستأجر لصلاة فریضة واحدة فیصلی منها رکعة أو رکعتین و لا یمکنه إتمام الصلاة، فلا یستحق من الأجرة شیئا، فإن صیام نصف النهار و أداء نصف الصلاة لا یتحقق غرضا و لا یعد مالا.
و إذا استأجر الرجل أجیرا للعمل المرکب و لم یشترط علیه المباشرة فی العمل، و شرع الأجیر فیه ثم حدث له ما یمنعه من إتمامه لم تبطل الإجارة و استحق الأجیر الأجرة المسماة و وجب علیه فی الصورة الأولی أن یستأجر أجیرا غیره لإتمام العمل من حیث انقطع عمله، و وجب علیه فی الصورة الثانیة أن یستأجر أجیرا لیقوم بالعمل کله من أوله.

المسألة 240:

إذا اکتری الإنسان أجیرا لعمل مرکب ذی أجزاء کما تقدم و کان للأجیر حق الخیار، فان فسخ الإجارة قبل شروعه فی العمل، انفسخت الإجارة و لم یستحق من الأجرة شیئا، و ان فسخ الأجیر الإجارة بعد أن أتم العمل کله انفسخت الإجارة کذلک، و استحق هو أجرة المثل لعمله الذی اتی به، و استوفاه المستأجر منه، و إذا فسخ الأجیر الإجارة فی أثناء العمل، و کانت اجزاء العمل مترابطة علی ما أوضحناه فی المسألة المتقدمة، انفسخت الإجارة و لم یستحق من الأجرة شیئا.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 352
و إذا فسخ الإجارة فی أثناء العمل و کانت اجزاء العمل غیر مترابطة فی الوفاء بالغرض، بحیث کان کل جزء من الأجزاء فی حال انفراده عن بقیة الأجزاء محققا لبعض الغرض المقصود فی الإجارة و موضوعا للمالیة فی نظر العقلاء و أهل العرف، جری فیه التفصیل الذی ذکرناه فی المسألة التاسعة و السبعین.
فإذا کان سبب الخیار الذی أخذ به الأجیر و فسخ من أجله عقد الإجارة ثابتا من حین صدور العقد، کما إذا کان مغبونا من حین العقد و لم یعلم بالغبن فی ذلک الحال ثم علم به فی أثناء العمل، و کما إذا کان فی عین الأجرة المعینة التی جری علیها العقد عیب موجود حین العقد أو قبله و لم یعلم به الأجیر إلا فی أثناء العمل، و کما إذا اشترط الأجیر لنفسه خیار الفسخ فی مدة معلومة، ففی هذه الصور و نحوها، یتخیر الأجیر بین أن یفسخ عقد الإجارة من أصله، فإذا فسخه کذلک لم یستحق من الأجرة المسماة شیئا، و تثبت له أجرة المثل لما جاء به من أجزاء العمل و یجوز له أن یفسخ الإجارة من ذلک الحین لا من حین صدور العقد، فإذا فسخ الإجارة کذلک استحق من الأجرة المسماة بنسبة ما جاء به من أجزاء العمل الی مجموع العمل المستأجر علیه، فإذا کان ما أتی به نصف الأجزاء استحق علیها نصف الأجرة، و ان کان ثلثها أو ربعها استحق منها بتلک النسبة و رد الباقی علی المستأجر.
و إذا کان سبب الخیار للأجیر طارئا فی أثناء المدة ففسخ بموجب خیاره الطاری قسمت الأجرة المسماة کما تقدم، فاستحق الأجیر منها بنسبة ما أتی به من اجزاء العمل الی المجموع ورد الباقی منها إلی المستأجر.

المسألة 241:

إذا آجر المالک داره المعینة لشخص و ملکه بالإجارة جمیع منافعها مدة معینة، لم یجز للمالک أن یؤجر الدار لغیر المستأجر الأول فی المدة المعینة، و إذا آجرها لغیره کذلک کانت الإجارة الثانیة فضولیة فلا تصح إلا بإجازة مستأجر الدار الأول، و إذا هو أجازها صحت الإجارة له و لم تصح لمالک الدار.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 353
و کذلک الحکم إذا آجر المالک الدار لشخص و ملکه بالإجارة منفعتها الخاصة و هی السکنی مثلا، فلا یجوز للمالک أن یؤجرها للسکنی أیضا لغیر المستأجر الأول، و إذا أجاز المستأجر الأول إجارته صحت الإجارة للمستأجر لا للمالک.
و إذا کان مالک الدار قد اشترط فی الإجارة علی المستأجر الأول أن یسکن الدار بنفسه ثم آجرها المالک لآخر، أشکل الحکم بصحة الإجارة للمستأجر الأول إذا أجازها، لأنه إنما ملک سکناها بنفسه و لم یملک أن یؤجرها لغیره.

المسألة 242:

إذا آجر المالک داره المعینة لشخص لیسکنها سنة کاملة مثلا، یصح للمالک أن یؤجر الدار لشخص آخر فی سنة ثانیة، و قد تقدم ان مدة الإجارة لا یجب أن تکون متصلة بالعقد.
و إذا آجرها لأحد للسکنی سنة کاملة من حین العقد، ثم آجرها لشخص غیره سنتین من حین العقد، فالظاهر صحة إجارة المالک للثانی فی السنة الثانیة، و لا تصح إجارته للثانی فی السنة الأولی، إلا إذا أجازها المستأجر الأول، و إذا هو أجازها صحت الإجارة له و لم تصح للمالک کما تقدم، و إذا لم یجزها المستأجر الأول بطلت کما ذکرنا و کان للمستأجر خیار الفسخ فی إجارة السنة الثانیة لتبعض الصفقة إذا کان جاهلا.

المسألة 243:

إذا استؤجر الشخص للصلاة عن میت و أطلق المستأجر الإجارة فلم یعین فی العقد شیئا من حیث اشتمال الصلاة علی المستحبات انصرف العقد الی المتعارف، فیجب علی الأجیر أن یأتی بالصلاة علی الوجه المتعارف فی المستحبات، و إذا أصبح المتعارف بین الناس فی صلاة الاستیجار أن یترک فیها بعض المستحبات أو أکثرها جاز للأجیر ترکها و ان کانت من المتعارف فی غیرها من الصلوات.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 354

المسألة 244:

إذا نسی الأجیر فترک فی صلاته عن المیت بعض المستحبات التی اشترط علیه فی عقد الإجارة أن یأتی بها فی عمله، أو التی یقتضی إطلاق عقد الإجارة لزوم الإتیان بها، أو نسی فترک فی صلاته بعض الأجزاء الواجبة غیر الأرکان، فللمسألة صور و لکل صورة حکمها، و قد تعرضنا لتفصیلها فی المسألة الألف و السابعة و العشرین من کتاب الصلاة فی رسالتنا کلمة التقوی فلیرجع إلیها من أحب.

المسألة 245:

إذا استؤجر الشخص للحج عن میت، فأحرم الأجیر نیابة عن المیت بعمرة التمتع أو بحج الأفراد أو القران و دخل الحرم، ثم مات، برئت ذمة المیت المنوب عنه من التکلیف المتوجه الیه بالحج. فان کانت إجارة الأجیر علی إبراء ذمة المیت من التکلیف بالحج استحق الأجیر جمیع الأجرة المسماة، و ان کانت إجارته علی أن یأتی بأعمال الحج المخصوصة، استحق من الأجرة بنسبة ما أتی به من الأعمال إلی مجموعة الأعمال المستأجر علیها، و إذا مات قبل الإحرام لم یستحق من الأجرة شیئا، و إذا کانت الإجارة لحجة بلدیة فالظاهر بمعونة القرائن دخول السیر و قطع المسافة إلی الحج فی متعلق الإجارة علی نحو الجزئیة و نتیجة لذلک فإذا مات الأجیر قبل الإحرام استحق من الأجرة ما یقابل سفره من البلد الی حین موته، و إذا کانت الإجارة لحجة میقاتیة لم یستحق علی سفره قبل المیقات و الإحرام منه شیئا.

المسألة 246:

إذا مات الأجیر للحج عن الغیر بعد الإحرام و قبل الدخول فی الحرم، أشکل الحکم باجزاء عمله عن المنوب عنه، فقد یستفاد من إطلاق بعض الأدلة فی المقام اجزاء عمل الأجیر عن المنوب عنه حتی فی هذه الصورة، و نتیجة لذلک فإذا کانت إجارة الأجیر علی إفراغ ذمة المیت من التکلیف کان الأجیر مستحقا لجمیع الأجرة المسماة، و الحکم فی هذه الصورة مشکل، فلا بد من مراعاة الاحتیاط فی کل من الحکم بفراغ ذمة المنوب عنه، و الحکم باستحقاق الأجیر جمیع الأجرة.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 355
و إذا کانت الإجارة علی الإتیان بأعمال الحج المخصوصة استحق الأجیر من الأجرة بنسبة ما أتی به من الأعمال و من السیر من البلد و قطع المسافة إلی حین موته إذا کانت الإجارة لحجة بلدیة کما تقدم.

المسألة 247:

إذا استوفی الرجل منفعة العین المملوکة لغیره، ثم اختلف هو مع مالک العین، فادعی هو انه کان قد استأجر العین من المالک بأجرة معینة، و أنکر المالک وقوع الإجارة.
و المتعارف فی مثل هذا التنازع أن تکون أجرة المثل لتلک المنفعة التی استوفاها الرجل أکثر من الأجرة المسماة، و لذلک أنکر المالک الإجارة لتکون له أجرة المثل، فإذا أنکر المالک الإجارة کان القول قوله مع یمینه، فإذا أحلف المالک کانت علی الرجل أجرة المثل لأنه قد استوفی المنفعة.
و إذا اتفق ان الأمر بعکس ذلک، فکانت الأجرة المسماة التی یعترف بها الرجل أکثر من أجرة المثل، استحق المالک أجرة المثل فقط لاعتراف الجمیع بأن المالک یستحق هذا المقدار اما لأنه أجرة المثل کما یقول المالک أو لأنه بعض الأجرة المسماة کما یقول مستوفی المنفعة، و لا موجب لتوجه الیمین علی المالک، لأن الدعوی غیر ملزمة، و لا یجوز للمالک أن یأخذ الزیادة التی یعترف بها مستوفی المنفعة لأنه یعترف بعدم استحقاقها، و ان وجب علی الرجل أن یوصلها الی المالک إذا کان یعلم ان المالک یستحق علیه الأجرة المسماة کما اعترف له بها.

المسألة 248:

إذا ادعی مالک العین انه قد آجر العین علی المدعی علیه مدة معینة بأجرة مسماة، و أنکر المدعی علیه وقوع هذه الإجارة، و قد استوفی المدعی علیه منفعة العین.
و المتعارف فی مثل هذا الاختلاف أن تکون أجرة المثل أقل من الأجرة المسماة و لذلک ینکر المدعی علیه وقوع الإجارة لیدفع للمالک أجرة المثل، فإذا أنکر المدعی علیه الإجارة قدم قوله مع یمینه، فإذا أحلف
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 356
المدعی علیه سقطت دعوی المالک و استحق علی المدعی علیه أجرة المثل لاستیفائه المنفعة.
و إذا اتفق الأمر بعکس ذلک فکانت أجرة المثل أکثر من الأجرة المسماة، استحق المالک علی المستوفی الأجرة المسماة فقط و لم یستحق الزیادة بمقتضی إقراره، و لم تتوجه الیمین علی المنکر کما فی المسألة السابقة، و ان وجب علی المدعی علیه إیصال الزیادة التی اعترف بها الی المالک إذا کان یعلم أنه قد استحقها علیه.

المسألة 249:

إذا اختلف المالک و المستأجر فی مقدار ما استأجره منه، فقال أحدهما ان المستأجر هو جمیع الدار، و قال الآخر المستأجر هو نصف الدار، أو قال أحد المتعاقدین المستأجر جریب واحد من هذه الأرض، و قال الثانی هو جریب و نصف منها، فالقول قول من یدعی الأقل مع یمینه.
و کذلک الحکم فی ما إذا اختلف المستأجر و الأجیر فی العمل المستأجر علیه، فقال أحدهما هو صلاة شهر واحد، و قال الآخر هو صلاة شهرین، أو قال أحدهما انه خیاطة ثوب و قال الثانی انه خیاطة ثوبین فیقدم قول من یدعی الأقل مع یمینه.

المسألة 250:

إذا استأجر الرجل من المالک دابة أو سیارة أو غیرهما مدة معینة، و انقضت المدة ثم اختلفا فقال أحدهما قد ردت العین المستأجرة إلی مالکها، و أنکر الآخر الرد، فالقول قول من ینکر الرد مع یمینه، و کذلک إذا اختلفا فی رد الجمیع أو البعض، فقال أحدهما قد رددت السیارتین معا و قال الآخر ردت سیارة واحدة و لم ترد الأخری.

المسألة 251:

إذا استأجر الشخص ملاحا أو سائقا أو مکاریا لینقل له متاعا الی مکان معین، و سلمه المتاع، ثم ادعی الأجیر ان المتاع قد تلف من غیر تعد و لا تفریط، و أنکر المستأجر تلف المتاع أو ادعی علی الأجیر التعدی أو التفریط، فالقول قول الأجیر مع یمینه، و کذلک إذا استأجر الصائغ
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 357
لصیاغة خاتم أو قرط أو غیرهما و سلم إلیه الفضة أو الذهب، فادعی الصائغ تلف المال و أنکره المالک أو ادعی علیه التعدی أو التفریط فالقول قول الصائغ مع یمینه، و هکذا الحکم فی کل عامل یؤتمن علی مال.

المسألة 252:

إذا اختلف المالک و المستأجر فی مقدار الأجرة المسماة فقال المالک انه آجر الدار علی المستأجر مدة شهر بمائة دینار، و قال المستأجر بل کانت الأجرة سبعون دینارا، فالقول قول من ینکر الزیادة، و هو المستأجر فی المثال المذکور مع یمینه، و هکذا إذا اختلف المستأجر و الأجیر فی مقدار الأجرة.

المسألة 253:

إذا تنازع المؤجر و المستأجر، فادعی أحدهما انه اشترط علی صاحبه شرطا فی ضمن العقد و أنکر الآخر هذا الاشتراط، فالقول قول من ینکر الشرط مع یمینه.

المسألة 254:

إذا آجر المالک الدار أو البستان لأحد مدة بأجرة معلومة، ثم اختلفا فی مقدار المدة فقال أحدهما مدة الإجارة شهران، و قال الثانی بل هی شهر واحد، فالقول قول من ینکر الزیادة مع یمینه.

المسألة 255:

إذا وقعت الإجارة بین المؤجر و المستأجر، ثم اختلفا، فادعی احد المتعاقدین صحة المعاملة، و ادعی الآخر فسادها، فالقول قول من یدعی الصحة مع یمینه.

المسألة 256:

إذا اختلف المالک و المستأجر فقال المالک انی آجرتک الدکان المعین مدة شهر بمائة دینار، و قال المستأجر انک آجرتنی الدار المعینة مدة شهر بمائة دینار، أو بالعکس، کان ذلک من التداعی و رجعا الی
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 358
التحالف، فیحلف کل واحد منهما علی نفی دعوی الآخر و تسقط الدعویان.
و کذلک الحکم إذا اختلفا فقال أحدهما ان الأجرة المسماة هی مائة دینار بحرانی، و قال الآخر انها مائة دینار کویتی، فیتحالف الطرفان و تسقط الدعویان بالتحالف.

المسألة 257:

إذا استأجر الرجل أجیرا لیحمل له متاعا، فحمل الأجیر المتاع إلی الکوفة مثلا، فقال له المستأجر إنما استأجرتک لتحمل متاعی إلی کربلاء، و نازعه الأجیر فقال إنک استأجرتنی لأحمل المتاع إلی الکوفة و قد حملته إلیها، کان ذلک من التداعی بینهما، فیلزم تحالفهما، فیحلف کل واحد منهما علی نفی مدعی الآخر و تسقط بذلک کل من الدعویین، و لا یستحق الأجیر شیئا.
و إذا حمل الأجیر المتاع إلی الکوفة و ادعی أن الإجارة کانت الی ذلک البلد و أنکر المستأجر الإجارة إلی الکوفة و لم یدع الإجارة إلی بلد آخر کان منکرا، فیکون القول قوله مع یمینه، فإذا أحلف المستأجر لم یستحق الأجیر الأجرة المسماة التی یدعیها.
و إذا طلب المستأجر من الأجیر بعد الحلف أن یرد المتاع الی المکان الأول الذی نقله منه وجب علیه ذلک، و لا یجوز للأجیر أن یرد المتاع الی ذلک المکان إذا لم یرض المستأجر بالرد، و إذا تلف المال أو حدث فیه عیب کان الأجیر ضامنا لذلک.

المسألة 258:

إذا خاط الخیاط القماش قباء، فادعی المستأجر انه انما استأجر الخیاط لیخیطه قمیصا، و ادعی الخیاط أنه استأجره لیخیطه قباء کما فعل، کان ذلک من التداعی فیلزم تحالف المتداعیین، و إذا تحالفا سقطت الدعویان و لم یستحق الخیاط علی عمله شیئا.
و إذا خاط الخیاط القماش قباء، و ادعی ان المستأجر أمره بذلک
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 359
و طالبه بأجرة عمله، و أنکر المستأجر انه اذن له بما صنع، کان المستأجر منکرا، فیقدم قوله مع یمینه، فإذا أحلف لم یستحق الأجیر علی عمله شیئا و ضمن للمستأجر أرش النقص الذی حصل فی القماش بسبب فعله.

المسألة 259:

إذا ادعی الأجیر تلف المال بیده من غیر تعد منه و لا تفریط، فأقام المستأجر بینة علی ان الأجیر قد أتلف المال أو أقام البینة علی انه قد تعدی أو فرط کان الأجیر ضامنا لتلف المال، و کذلک إذا توجه علیه الیمین فی دعوی التلف من غیر تعد أو تفریط فنکل عن الیمین، فیکون الأجیر ضامنا فی هذه الموارد، و لکن یکره تضمینه فیها، بل یکره تضمینه فی جمیع الموارد التی یحکم فیها بضمانه شرعا.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 361

کتاب المضاربة

اشارة

کلمة التقوی، ج‌4، ص: 363
کتاب المضاربة و هو یحتوی علی عدة فصول.

الفصل الأول فی عقد المضاربة و شرائطها

المسألة الأولی:

المضاربة معاقدة بین شخصین یکون رأس المال من أحدهما، و العمل و الاتجار برأس المال من الآخر، بحصة معینة للعامل من الربح الحاصل بینهما، فیقال: ضارب زید عمرا، یعنی أنه اتجر لعمرو بماله بحصة من ربح المال، فالعامل و هو زید مضارب بصیغة اسم الفاعل، و مالک المال و هو عمرو مضارب له بصیغة اسم المفعول، و تسمی المضاربة فی لغة أهل الحجاز قراضا، فمالک المال مقارض بصیغة اسم الفاعل و العامل مقارض بصیغة اسم المفعول، و لا یطلق المضارب بصیغة اسم الفاعل علی مالک المال، و لا یطلق المقارض بصیغة اسم الفاعل علی العامل.

المسألة الثانیة:

المضاربة عقد من العقود، و لذلک فلا بد فیها من الإیجاب و القبول، و یکون الإیجاب من مالک المال و القبول من العامل، و یکفی فی الإیجاب و القبول کل ما یدل علی إنشاء المعنی المقصود فی المعاملة و یکون ظاهرا فیه ظهورا عرفیا من لفظ أو فعل.
و من أمثلة ذلک أن یقول المالک للعامل: ضاربتک أو قارضتک أو عاملتک أو عاقدتک علی ان تتجر لی برأس المال المعین، و یکون لک نصف الربح الحاصل من التجارة أو الثلث منه مثلا، فیقول العامل قبلت أو رضیت، و لا یعتبر فی اللفظ أن یکون بصیغة الفعل الماضی أو یکون باللغة العربیة، فیصح إنشاء العقد بأی صیغة من اللغة العربیة، و بأی لغة غیرها یحسنها المتعاقدان، و تجری فیها المعاطاة علی الأقوی فیصح إنشاء العقد بالفعل کما یصح إنشاؤه بالقول.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 364

المسألة الثالثة:

إذا دفع الإنسان إلی غیره مالا لیتجر به و اشترط المالک أن یکون ربح المال مشترکا بینه و بین العامل علی التساوی أو علی التفاوت لکل منهما حصة معینة، صح ذلک مضاربة، و کان ذلک من إنشاء العقد بالفعل، فیقصد المالک إنشاء المضاربة بدفع المال الی العامل، و یقصد العامل إنشاء قبول المضاربة بقبضه المال من المالک، و یکون من المعاطاة فی المضاربة.

المسألة الرابعة:

إذا دفع الإنسان إلی غیره مالا لیتجر له به، و اشترط علی العامل أن یکون جمیع الربح الذی یحصل من التجارة لمالک المال، کان ذلک بضاعة لا مضاربة، و کذلک إذا دفع الی العامل المال لیتجر له به و لم یشترط علیه شیئا، فإن ربح المال یکون لمالک المال عند إطلاق المعاملة علیه، فإذا اتجر العامل بالمال فالربح یکون جمیعه للمالک فی کلتا الصورتین، و لا یستحق العامل من الربح شیئا، بل یستحق علی المالک اجرة المثل لعمله و منفعته التی استوفاها المالک منه.
و إذا قصد العامل التبرع بعمله لم یستحق علیه أجرة المثل، و کذلک إذا اشترط المالک علیه عدم الأجرة و قبل العامل بالشرط و مثله ما إذا دلت القرائن الخاصة أو العامة علی عدم الأجرة فیکون ذلک بحکم الشرط.

المسألة الخامسة:

إذا دفع الإنسان إلی غیره مالا لیتجر لنفسه بالمال، و اشترط أن یکون ربح المال کله للعامل کان ذلک بحکم القرض، و لم یستحق المالک من الربح شیئا، سواء قصد المالک بذلک إقراض العامل أم لم یقصد ذلک، نعم یشکل الحکم إذا قصد بذلک إنشاء المضاربة فتکون مضاربة فاسدة، و یشکل عدم استحقاق المالک من الربح شیئا فی هذه الصورة و ان اشترط المالک ذلک.

المسألة السادسة:

یشترط فی کل واحد من المتعاقدین أن یکون بالغا، و أن یکون
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 365
عاقلا، و ان یکون مختارا، و ان یکون قاصدا علی النهج الذی سبق بیانه فی کتاب التجارة و فی کتاب الإجارة، فلا تصح مضاربة المالک، و لا مضاربة العامل إذا کان صبیا، أو کان مجنونا أو کان مکرها، أو کان هازلا فی معاملته أو غالطا.
و یشترط فی کل واحد منهما أن یکون غیر محجور علیه لسفه، فلا تصح المضاربة إذا کان أحدهما ممن حجر علیه لذلک، و یشترط فی المالک أن یکون غیر محجور علیه لفلس، و لا یشترط ذلک فی العامل علی الأقوی.

المسألة السابعة:

الأحوط لزوما ان لا یکون رأس المال فی المضاربة منفعة من المنافع، فلا تصح المضاربة إذا کان رأس المال منفعة دار أو بستان أو غیرهما من الأعیان علی الأحوط، الا إذا عاوض علی المنفعة المملوکة له بمال و أجریت المضاربة علی المال بعد قبضه و الأقوی عدم صحة المضاربة إذا کان رأس المال دینا، إلا إذا قبض الدین و أجری المضاربة علی المال بعد قبضه.
و نتیجة لذلک فیشترط فی رأس المال فی المضاربة أن یکون عینا، لا منفعة و لا دینا، من غیر فرق بین أن یکون الدین علی العامل أو علی غیره.

المسألة الثامنة:

لا یشترط فی صحة المضاربة أن یکون رأس المال فیها من الذهب أو الفضة المسکوکین خاصة فتصح المضاربة علی الظاهر إذا کان رأس المال فیها من الأوراق النقدیة المتداولة بین الناس، أو کان من المسکوکات الأخری النحاسیة أو النیکلیة أو غیرها إذا کانت متداولة فی التعامل بها و الأخذ و العطاء بین الناس.

المسألة التاسعة:

یشترط فی المضاربة ان یکون رأس المال فیها معلوما فی مقداره و فی وصفه، فلا تصح المضاربة إذا کان المال مجهول القدر أو مجهول الوصف و ان کان مشاهدا، و یستثنی من ذلک ما إذا کانت الجهالة به تؤول إلی
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 366
العلم، و مثال ذلک ان یشیر المالک الی کیس أو صندوق فیه مال و یقول للعامل ضاربتک بما فی هذا الکیس أو بما فی هذا الصندوق من المال، ثم یدفعه المالک الی العامل، فیعدان معا ما فیه من المال و یعلمان بقدره و وصفه، فتصح المضاربة، و لا تقدح فیها هذه الجهالة.

المسألة العاشرة:

یشترط علی الأحوط لزوما فی رأس المال أن یکون معینا، فلا تصح المضاربة علی الأحوط إذا کان للمالک مالان معینان فقال للعامل:
قارضتک بأحد هذین المالین، أو قال قارضتک بأی هذین المالین شئت، و تصح المضاربة إذا کان رأس المال مشاعا و کان معلوم المقدار و الوصف، فإذا کان للمالک ألف دینار معین و قال للعامل ضاربتک بنصف هذا المال، صحت المضاربة، و کذلک إذا کان الألف مشترکا بینه و بین غیره علی التنصیف مثلا فقال للعامل قارضتک بحصتی من هذا الألف، و هما یعلمان بمقدار الحصة.

المسألة 11:

یعتبر فی صحة المضاربة ان تکون حصة کل من العامل و المالک معینة المقدار من الربح نصفا منه أو ثلثا أو غیرهما، و یکفی فی التعیین أن تکون عادة عامة متبعة فی المضاربات بتعیین حصة خاصة من الربح، فیکون ذلک قرینة ینصرف إلیها العقد.
و قد یقال بالصحة مع التعیین الإجمالی، و مثال ذلک أن یجعل للعامل من الربح مثل حصة عامله الآخر و هو زید، إذا علما بمقدار حصة زید بعد العقد، و لکن لا یترک الاحتیاط بعدم الاکتفاء بذلک فیعینان الحصة فی العقد تفصیلا.

المسألة 12:

یشترط فی المضاربة أن یکون الربح بین المالک و العامل دون غیرهما، فإذا شرطا فی عقد المضاربة أو شرط أحدهما أن یعطی شی‌ء من الربح لأحد أجنبی لم تصح مضاربة، إلا إذا کان لذلک الأجنبی عمل یتعلق بتجارتهما، فتصح مضاربة حین ذلک لأنه عامل أیضا.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 367
و لا فرق فی الحکم بین أن یکون الأجنبی حرا أو عبدا مملوکا لأحد المتعاقدین أو لغیرهما، و الظاهر ان المعاملة المذکورة إذا شرط فیها جزء من الربح للأجنبی لا تصح مضاربة کما ذکرنا و لکنها تصح معاملة مستقلة بنفسها و تشملها العمومات و أدلة الوفاء بالشرط، فتکون نافذة.

المسألة 13:

یشترط فی المضاربة أن یکون العمل و طلب الربح فیها بمتاجرة العامل بالمال، فلا تصح المضاربة إذا دفع المالک رأس المال الی عامل ذی صنعة لیعمل به فی صنعته، فیدفعه الی نجار لیعمل بالمال فی نجارته أو الی زارع لیعمل به فی زراعته أو الی ذی حرفة أخری لیصرفه فی حرفته و یکون الربح الحاصل من ذلک مشترکا بینهما، و الظاهر ان المعاملة المذکورة و ان کانت لا تصح مضاربة و لکنها تصح معاملة مستقلة تدل علی صحتها العمومات و قد تقدم نظیرها.

المسألة 14:

لا تجوز المضاربة فی الدراهم المغشوشة التی لا یقبلها الناس فی التعامل ما بینهم، و لا یرضون بها فی الأخذ و العطاء لغشها، و لا تصح المضاربة بها کما لا تجوز أی معاملة فیها إذا کان الشخص الذی تدفع الیه جاهلا بأمرها، و لیرجع إلی المسألة الخامسة عشرة من کتاب التجارة من الرسالة.

المسألة 15:

لا یشترط فی صحة المضاربة أن یکون رأس المال بید العامل، فتصح المعاملة إذا کان العامل متسلطا علی التصرف فی رأس المال حسب ما تراضی علیه المتعاقدان فی مضاربتهما و ان لم یکن المال بیده، بل کان بید المالک أو بید أمین آخر أو فی مصرف أو بنک أو متجر، و یمکن للعامل أن یأخذ منه ما شاء متی شاء.

المسألة 16:

یشترط فی العامل أن یکون قادرا علی العمل الذی یضاربه المالک
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 368
علیه، فإذا کان المقصود من المضاربة هو أن یتجر العامل بالمال بأی وجه اتفق من وجوه التجارات المباحة، اشترط فی العامل أن یکون قادرا علی الاتجار و لو فی نوع مخصوص منها، فیکفی فی الصحة أن یکون قادرا علی المتاجرة بالحبوب أو بالأقمشة مثلا، و لا تصح المضاربة إذا کان العامل عاجزا عن الاتجار فی جمیع وجوه التجارات، و کذلک إذا قید المالک المضاربة بنوع خاص من أنواع التجارة و کان العامل لا یقدر علی الاتجار بذلک النوع، کما إذا قید المالک المضاربة بالمتاجرة بالجواهر و کان العامل غیر قادر علی ذلک فلا تصح المضاربة، و هذا کله إذا کان المالک قد قید المضاربة مع العامل بأن یباشر الاتجار بالمال بنفسه.
و إذا ضاربه و اشترط علیه أن یباشر التجارة بنفسه و کان الشرط لا بنحو التقیید، و کان العامل عاجزا عن الاتجار لم یبطل عقد المضاربة و ثبت للمالک خیار تخلف الشرط، فیجوز له أن یفسخ المضاربة و یجوز له ان یبقی المضاربة فیستأجر العامل عاملا آخر یتجر لهما بالمال.
و إذا ضارب المالک العامل للتجارة و لم یشترط علیه المباشرة بنفسه و لم یقید المضاربة بذلک صحت المضاربة فإذا کان العامل عاجزا عن الاتجار بنفسه أمکن له أن یتخذ عاملا غیره یقوم بالتجارة أو یتخذ معینا یعینه فیها، و تجری الأحکام المذکورة فی ما إذا طرأ العجز للعامل عن الاتجار بعد ان کان قادرا فی أول الأمر.

المسألة 17:

إذا دفع المالک الی العامل مبلغا کبیرا من المال لیتجر به، و کان العامل قادرا علی المتاجرة فی البعض، و لکنه یعجز عن الاتجار بذلک المبلغ من المال کله، فان قید المالک مضاربته بأن یتجر العامل بجمیع المال جرت فی هذا الفرض الأحکام التی ذکرناها فی المسألة السابقة.
فإذا کان المالک قد قید عقد المضاربة أیضا بأن یباشر العامل المتاجرة بالمال بنفسه کانت المضاربة باطلة لعدم القدرة، و إذا کان قد شرط علی العامل مباشرة الاتجار بنفسه و لم یقید المضاربة بذلک صحت المضاربة و کان للمالک خیار تخلف الشرط علی النهج الآنف ذکره.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 369
و إذا لم یشترط المالک المباشرة علی العامل و لم یقید المضاربة بها صحت المضاربة، و جاز للعامل أن یستأجر غیره ممن یقوم بالتجارة أو یعینه فیها، و هذا کله فی ما إذا قید المالک المضاربة بأن یتجر العامل بجمیع المال.
و إذا ترک المالک الأمر فی ذلک الی مشیئة العامل، فالظاهر صحة المضاربة فی المقدار الذی یمکن للعامل الاتجار به من المال، فإذا اتجر به استحق حصته من ربحه، و تبطل المضاربة فی المقدار الزائد الذی یعجز عن الاتجار به، و فرض انه غیر قادر علی الاتجار بالمقدار الزائد، یعنی انه لم یعمل به، و لذلک فلا یستحق منه شیئا، و الظاهر أیضا عدم ضمان العامل إذا تلف المال.
و إذا کان العامل قادرا فی ابتداء الأمر علی الاتجار بالجمیع، ثم طرأ له العجز وجب علیه ان یرد الزائد علی المالک فإذا هو لم یرده مع إمکان الرد کان ضامنا له إذا تلف أو حدث فیه عیب.

المسألة 18:

لا تصح المضاربة إذا کان رأس المال دینا کما ذکرنا فی المسألة السابعة، سواء کان الدین علی العامل نفسه أم علی غیره، فإذا عین المدین الدین و قبضه المالک أو وکیله أو ولیه إذا کان قاصرا صحت المضاربة به، و إذا کان للمالک مال شخصی فی ید انسان قد أودعه المالک إیاه أو ائتمنه علیه بأحد أنواع الائتمان، جاز للمالک أن یضارب أحدا بذلک المال ثم یوکل العامل فی قبضه سواء کان بید العامل نفسه أم بید غیره.
و یجوز للمالک أن یوکل العامل فی قبض دینه فی ذمة المدین، فإذا قبضه العامل من المدین کان أمانة بیده و صح للمالک أن یجعله رأس مال و یضارب العامل به.
نعم، الأحوط لزوما أن لا یتولی العامل طرفی العقد فی المضاربة، فیوکله المالک علی اجراء العقد علی الأمانة التی بیده أو علی الدین الذی
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 370
فی ذمته بعد أن یعینه للمالک، فیوجب العامل عقد المضاربة فیه بالوکالة عن المالک ثم یقبلها لنفسه.

المسألة 19:

إذا کان للمالک مال معین بید العامل قد استولی علیه غاصبا، ثم أجری المالک مع العامل عقد المضاربة بذلک المال المغصوب صحت المضاربة به، فإذا اذن المالک للعامل فی قبض المال بعد عقد المضاربة و سلطه علی التصرف فیه فی شؤون المضاربة ارتفع عنه الحکم بالضمان و أصبحت یده علی المال ید أمانة، و کذلک إذا اشتری العامل بعد العقد بعض السلع فی الذمة للمضاربة فیها، و اذن المالک له فی دفع المال المغصوب ثمنا لها، فیرتفع الضمان عنه بذلک، و لا یرتفع الضمان بغیر ذلک.
و کذلک الحکم فی کل مال للمالک یوجد بید العامل و هو مضمون علیه و ان لم یکن مغصوبا کالمقبوض بالمساومة أو بالعقد الفاسد أو فی موارد الاشتباه و الجهل.

المسألة 20:

إذا دفع المالک الی أحد مالا لیشتری به أرضا أو نخیلا أو دارا أو أغناما، فیکون نتاج الأرض أو النخیل أو الدار أو الغنم مشترکا بینهما، فان کان المقصود من المعاملة أن یبیع العامل هذه الأعیان التی یشتریها، و یحصل لهما الربح بزیادة قیمتها، صحت المعاملة مضاربة و ترتبت علیها أحکامها، و ان کان المقصود أن یشتری العامل هذه الأعیان لینتفع المالک و العامل بنماء الأرض من زرعها أو غرسها أو إجارتها، و بنماء النخیل من رطب و تمر و غیرهما، و نماء الدار من اجارة للسکنی و نحوها و نماء الغنم من لبن و دهن و صوف و شبه ذلک، فالظاهر البطلان إذا قصد بها المضاربة، فإذا اشتری العامل الأعیان کان نماؤها للمالک خاصة، و لیس للعامل فیه حصة، و یستحق العامل أجرة المثل علی المالک لعمله الذی استوفاه.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 371
و إذا لم یقصد بها المضاربة، فلا یبعد الحکم بصحتها معاملة مستقلة بنفسها، و تترتب علیها الآثار حسب ما اتفق علیه المتعاملان.

المسألة 21:

إذا دفع المالک الی العامل سلعا و أمتعة أو حبوبا أو نحو ذلک، و أمره أن یبیع هذه الأعیان و یجعل ثمنها مال مضاربة بینهما، لم تصح المضاربة بذلک حتی یبیع العامل الأعیان و ینشئ المالک عقد المضاربة علی الثمن بعد قبضه.

المسألة 22:

إذا دفع المالک الی العامل شبکة لصید السمک أو لصید الطیر، علی أن یکون ما یصطاده العامل بها من السمک أو الطیر مشترکا بینهما بالمناصفة مثلا أو بالتثلیث، فثلث منه لمالک الشبکة و ثلثان للعامل، فالظاهر فساد المعاملة، و لا یترک الاحتیاط بالتصالح فی کل من الصید الذی یقع فی الشبکة و أجرة المثل لها و یمکن للمالک أن یؤجر شبکته للعامل مدة معینة بأجرة معینة و یشترط علیه فی ضمن عقد الإجارة ان یحوز للمالک نصف ما یقع فی الشبکة من الصید أو ربعه، فإذا قبل العامل الإجارة و الشرط صح ذلک و لزم العمل به.

المسألة 23:

إذا أنشأ أحد عقد المضاربة مع العامل بمال غیره کان العقد فضولیا، فان اجازه مالک المال صحت المضاربة بین المالک و العامل، و ان لم یجزه کان العقد باطلا، و إذا أنشأ المالک العقد مع شخص آخر غیر العامل، وقع فضولیا کذلک، فان اجازه العامل صح و الا کان باطلا.

المسألة 24:

إذا قال مالک المال للعامل ضاربتک بهذا المبلغ المعین علی أن یکون الربح بینی و بینک فقبل العامل، صح العقد مضاربة، فإذا اتجر العامل بالمال و ربح کان الربح بینهما بالمناصفة، و کذلک إذا قال له ضاربتک بهذا المال علی أن یکون لک نصف الربح منه، أو قال له علی أن یکون لی نصف الربح، فان جمیع هذه العبارات ظاهرة عرفا فی تنصیف الربح بین المالک و العامل.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 372

المسألة 25:

إذا قال المالک للعامل ضاربتک بهذا الألف علی أن یکون لک نصف ربحه، أو قال له علی أن یکون لک ربح نصفه، فالعبارتان کلتاهما دالتان علی إنشاء المضاربة عرفا، و علی الاشتراک بین المالک و العامل فی الربح بالمناصفة، فإذا قبل العامل ذلک، فلا ریب فی صحة المضاربة و وجوب ترتیب آثارها.

الفصل الثانی المضاربة من العقود الجائزة

المسألة 26:

المضاربة من العقود الجائزة لکل من المتعاقدین، المالک و العامل، فیجوز لکل واحد منهما أن یفسخ العقد، سواء قبض العامل رأس المال أم لم یقبضه، و سواء شرع العامل فی المتاجرة بالمال أم کان قبل شروعه أم بعده، و سواء ظهر الربح فی المعاملة أم لم یظهر، و نض المال أم لم ینض، و نض المال صیرورته نقودا بعد أن کان عروضا:
أمتعة و سلعا و حبوبا و نحوها، و لا فرق بین ان یجعل المتعاقدان للمضاربة أجلا معینا أو لا.

المسألة 27:

إذا أنشأ المتعاملان عقد المضاربة بینهما و اشترطا فی ضمن العقد نفسه أن لا یفسخا العقد إلی أجل معین لم ینفذ هذا الشرط و لم یجب الوفاء به، و لا یبطل العقد بذلک، و إذا اشترطا ذلک فی ضمن عقد آخر، و هو من العقود الجائزة، نفذ الشرط و وجب الوفاء به ما دام العقد الذی ذکر الشرط فی ضمنه موجودا، فلا یجوز لهما فسخ المضاربة فی ذلک الحال، و إذا اتفق ان انفسخ ذلک العقد سقط الشرط المذکور فی ضمنه و جاز لهما فسخ المضاربة بعد ذلک.
و إذا اشترطا أن لا یفسخا عقد المضاربة بینهما إلی أجل مسمی فی ضمن عقد آخر لازم: بیع أو صلح أو إجارة أو غیرها من العقود
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 373
اللازمة، وجب الوفاء بالشرط و لم یجز لهما فسخ المضاربة الی أن ینقضی الأجل المعین.

المسألة 28:

إذا أنشأ المالک و العامل عقد المضاربة بینهما و اشترط أحدهما أو اشترطا معا فی ضمن العقد نفسه أن لا یفسخا العقد مطلقا، فان کان المقصود من ذلک اشتراط اللزوم فی المضاربة و ان لا یملک أحدهما فسخها، فالأقوی بطلان الشرط المذکور، و کذلک إذا اشترطاه فی ضمن عقد آخر جائز أو لازم، فان الشرط المذکور مخالف للکتاب و السنة فلا یکون نافذا، علی ان اللزوم فی العقود مما لا یقبل الاشتراط، فإنه من الأحکام الشرعیة التابعة لدلالة دلیلها و لا یمکن ان تثبت باشتراط المتعاقدین، و بطلان الشرط لا یوجب بطلان العقد الذی وقع الشرط فی ضمنه.
و ان کان المقصود من الاشتراط أن یلتزم المتعاقدان بعدم فسخ المضاربة بینهما مطلقا، و کان اشتراط ذلک فی ضمن عقد المضاربة نفسه، لم ینفذ الشرط و لم یجب الوفاء به کما تقدم فی اشتراط عدم الفسخ إلی أجل معین.
و إذا وقع اشتراط ذلک فی ضمن عقد آخر من العقود اللازمة، فقد یقال بصحة الشرط و وجوب الوفاء به و مثله ما إذا وقع الاشتراط فی ضمن عقد آخر من العقود الجائزة، فقد یقال بنفوذ الشرط و وجوب الوفاء به ما دام العقد الذی وقع الشرط فی ضمنه موجودا، و لکن الحکم فی کلا الفرضین موضع اشکال، فلا یترک الاحتیاط بعدم اشتراط ذلک، و بالرجوع إلی المصالحة أو التقایل بینهما إذا هما اشترطاه، و علی أی حال فبطلان الشرط أو التوقف فیه لا یوجب بطلان العقد.

المسألة 29:

إذا اشترط المالک أو العامل علی صاحبه فی ضمن عقد المضاربة ان ینشئ معه مضاربة ثانیة برأس مال آخر، و قبل صاحبه بالشرط، وجب العمل به ما دامت المضاربة الأولی التی وقع الشرط فی ضمنها
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 374
موجودة، فإذا فسخت المضاربة سقط الشرط المذکور فی ضمنها و لم یجب العمل به إذا لم یعمل به من قبل، و کذلک إذا اشترط أن یأخذ منه بضاعة، أو یعمل له عملا معینا، أو یقرضه قرضا، فیجب الوفاء بالشرط ما دامت المضاربة موجودة.

المسألة 30:

العامل فی المضاربة أمین، و لذلک فلا یکون علیه ضمان إذا تلف المال فی یده أو نقص منه شی‌ء، أو حدث فیه عیب، إلا إذا تعدی عن الحد المأذون فیه، أو فرط فی حفظ الامانة، و إذا حدثت فی التجارة خسارة فلا یتحمل منها شی‌ء، بل یکون جمیعها علی مالک المال.
و إذا اشترط المالک علی عامل المضاربة فی ضمن العقد، أن یکون ضامنا لرأس المال إذا تلف فی یده، أو اشترط علیه أن الخسارة التی قد تحدث فی التجارة تکون علیهما معا، کما ان الربح الذی یحصل منها یکون لهما معا، فالأقوی عدم صحة الشرط.
نعم یجوز للمالک أن یشترط علی العامل أن یتدارک بعض الخسارة التی تصیب المالک إذا اتفق حدوثها فی التجارة، فیدفع العامل من ماله مقدار نصف الخسارة مثلا، بل یصح له أن یشترط علیه أن یدفع من ماله ما یتدارک جمیع الخسارة، فإذا قبل العامل بالشرط صح و وجب العمل به، و هذا شی‌ء غیر الضمان الذی تقدم منعه.

المسألة 31:

کل شرط یشرطه المالک أو العامل فی ضمن عقد المضاربة یکون نافذا إذا کان الشرط جامعا لشرائط الصحة المعتبرة فی الشروط، و ان کانت المضاربة من العقود الجائزة، فیجب الوفاء بالشرط المذکور ما دام عقد المضاربة، فإذا فسخت المضاربة سقط وجوب الشرط فلا یجب الوفاء به بعد ذلک إذا لم یکن و فی به من قبل، کما ذکرناه فی المسألة المائتین و الثامنة و الخمسین من کتاب التجارة.
و لذلک فیمکن للمالک و للعامل إذا اشترط علیه صاحبه بعض الشروط التی قد یصعب علیه الوفاء بها فی ضمن عقد المضاربة أن یفسخ المضاربة فیسقط عنه وجوب الوفاء بالشرط.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 375
و یستثنی من الحکم المذکور اشتراط عدم فسخ المضاربة مطلقا أو الی أجل معین، فإذا شرط ذلک فی ضمن عقد المضاربة نفسه لم ینفذ الشرط، کما تقدم قریبا، و ذلک لأن وجوب الوفاء بالشرط مشروط بوقوعه فی ضمن العقد، و من المعلوم ان الواجب المشروط لا یقتضی حفظ شرطه.

المسألة 32:

إذا شرط المالک علی العامل فی المضاربة شرطا أو حدد له شیئا، لم یجز للعامل ان یتعدی عما حدد له أو شرط علیه، فإذا شرط علیه مثلا أن یتجر بالحبوب فقط، لم یجز له أن یتجر بغیرها، و إذا شرط علیه ان لا یتجر بالأقمشة، لم یجز له أن یتجر بها، و إذا شرط علیه أن لا یسافر بتجارته، أو أن لا یسافر بها فی البحر، أو أن لا یسافر بها فی أیام الشتاء، وجب علیه أن لا یخالف، و إذا حدد له نوعا من التجارة أو نوعا من البیع، أو زمانا معینا أو مکانا معینا، فقال له لا تبع الا نقدا، أو إلا فی سوق معین أو لا تشتر الا من بلد معین، وجب علیه أن یتبع ما شرطه علیه و لا یتجاوز.
فإذا خالف العامل ما عین له المالک أو شرط علیه، کان ضامنا للمال إذا تلف کله أو تلف بعضه و کان ضامنا للخسارة إذا حصلت، و إذا ربح مع ذلک فی تجارته کان الربح مشترکا بینه و بین المالک حسب ما اتفقا علیه فی العقد.

المسألة 33:

لا یجوز للعامل أن یخلط رأس المال المدفوع الیه بمال آخر، سواء کان المال الآخر لنفسه أم لغیره، بل و ان کان للمالک نفسه، إلا إذا رضی المالک له بخلطه، و إذا خلطه من غیر اذن المالک کان ضامنا للمال إذا تلف جمیعه أو تلف بعضه أو حدث فیه عیب، و لا تنفسخ المضاربة بذلک، فإذا ضارب به بعد الخلط فربح، کان الربح بین المالین بالنسبة، فإذا کان رأس المال ألف دینار و خلطه بألف دینار آخر، و تاجر بالألفین فربح مائتی دینار، فالربح الحاصل بین المالین بالمناصفة، و هکذا.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 376
و یکفی فی اذن المالک أن یخوله ذلک علی وجه العموم، فیقول له:
اعمل فی المال حسب ما تری، أو حسب ما تجده مصلحة، و إذا شرط اذنه بوجود المصلحة لم یجز له خلط المال بدونها.

المسألة 34:

إذا أطلق المالک عقد المضاربة و لم یشترط فیه علی العامل شرطا، و کان بین الناس نوع متعارف من البیع، أو من السلع، أو من الأمکنة و الأحوال و الأوقات ینصرف إلیه الإطلاق فی مضارباتهم و معاملاتهم الدارجة بینهم، کان هذا الانصراف و التعارف الشائع قرینة عامة علی أن ذلک هو المراد فی العقد، و کان کالشرط الصریح المذکور فی العقد، فیجب اتباعه، و إذا خالفه العامل کان ضامنا لرأس المال إذا تلف أو نقص أو عاب، و ضامنا للخسارة إذا حصلت، و إذا حصل من التجارة ربح مع ذلک کان مشترکا بین المالک و العامل علی النحو الذی تقدم بیانه فی المسألة الثالثة و الثلاثین.
و إذا کان بین الناس نوع من البیع أو من المبیعات أو من الأمکنة و غیرها ینصرف عنه الإطلاق و لا یشمله الاذن فی المضاربات و المعاملات الشائعة کان هذا الانصراف عنه قرینة عامة علی عدم ارادة ذلک فی العقد، فیکون خارجا عن عقد المضاربة، و إذا خالف العامل ذلک لم تجز معاملته لعدم الاذن من المالک فیها، و لا تصح إلا بإجازة المالک و إمضائه للمعاملة التی أجراها العامل، فإن أجازها صحت و کان الربح فیها للمالک، و ان لم یجزها کانت باطلة، سواء کان العامل قد استوفی الثمن قبل أن یطلع المالک أم بعده.

المسألة 35:

إذا أطلق المالک عقد المضاربة و لم یشترط علی العامل فیه شیئا، و لم یعین له الانصراف و التعارف بین الناس أمرا، جاز للعامل أن یتصرف فی بیعه و شرائه و فی تعامله مع الناس و اختیاره الأمکنة و الأزمنة و الأجناس المبیعة حسب ما یراه و یعتقد بجدواه فی معاملته و تحصیل الربح فی تجارته إلا إذا التبس علیه الأمر فی بعض الجهات، فیرجع الی المالک أو یستشیر بعض الخبراء فی ذلک الأمر.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 377

المسألة 36:

لا یجوز للعامل أن یسافر فی تجارته الی بلد آخر إلا بإذن المالک أو یکون السفر فی التجارة من العادات الشائعة بین أهل العرف و التی ینصرف إلیها الإطلاق، فیجوز له السفر حین ذاک، و إذا هو سافر بالتجارة بدون اذن المالک، و بدون دلالة العرف العام علی الرخصة فیه یکون ضامنا للمال إذا تلف أو عاب و ضامنا للخسارة إذا حصلت کما تقدم ذکره، و إذا اتجر فی سفره فربح کان الربح مشترکا بینه و بین المالک علی الوجه الذی قرراه فی عقدهما، و کذلک الحکم إذا أذن المالک له فی السفر الی بلد فسافر الی بلد آخر أو عین له جهة فسافر إلی جهة أخری.

المسألة 37:

لا یجوز للعامل أن یبیع فی مضاربته نسیئة إلا إذا اذن له المالک بالبیع کذلک أو دل الانصراف علی الرخصة فیه أو دلت القرائن الخاصة علیه، و إذا جاز له بیع النسیئة فلا بد له من الاستیثاق للمال و التأکد من حفظه، و إذا خالف العامل فباع نسیئة من غیر اذن و لا دلالة قرینة علی الرخصة، أو باع کذلک من غیر استیثاق لمال المضاربة کان ضامنا کما تقدم فی نظائره، و إذا ربح کان الربح مشترکا بینه و بین المالک.

المسألة 38:

لا یجوز للعامل أن یشتری الشی‌ء للمضاربة بأکثر من ثمن مثله، و لا یجوز له أن یبیع الشی‌ء بأقل من ثمن مثله، إلا إذا اذن له المالک، أو کان المالک قد خوله أن یعمل حسب ما یجده مصلحة و کانت المصلحة تقتضی ذلک، و إذا اشتری بأکثر من ثمن المثل أو باع بأقل من ثمن المثل من غیر اذن و لا تخویل فی ما تقتضیه المصلحة کان الشراء و البیع باطلین.

المسألة 39:

إذا أطلق المالک عقد المضاربة مع العامل جاز للعامل أن یشتری المعیب إذا کان شراؤه و بیعه معیبا موردا للربح، و إذا أمکن له إصلاح
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 378
المعیب ثم بیعه صحیحا بثمن تتحقق به الفائدة، الی غیر ذلک من وجوه المصلحة فی شرائه و بیعه.
و لا یجوز له شراؤه مع العلم بالعیب إذا کان مظنة للخسارة من غیر مصلحة تقابلها، و إذا اشتری العامل المعیب جاهلا جاز له أن یفسخ البیع و یسترد الثمن و أن یبقی البیع فیأخذ أرش العیب و یرجح منهما ما تقتضیه المصلحة.

المسألة 40:

یجوز للعامل أن یبیع الأجناس بالأجناس، فیبیع الحنطة بالأرز أو بالعکس أو بغیر ذلک من الأمتعة و السلع و الحبوب، و لا یتعین علیه أن یبیع بالنقود، و لا یجوز له أن یبیع بجنس لا یرغب فی شرائه إلا إذا علم أو اطمأن بوجود المصلحة و لو بنقله الی بلد یکون فیه موضعا للرغبة و موردا للربح أو حفظه الی وقت یتحقق فیه ذلک.

المسألة 41:

إذا تم عقد المضاربة بین المالک و العامل، وجب علی العامل أن یقوم بما یعتاد قیام أمثاله به من الأعمال فی مثل تلک التجارة فی زمانها و مکانها و مشخصاتها الأخری من سعة و ضیق و کثرة عملاء و قلتهم، فیتولی العامل بنفسه ما یتولی التجار لأنفسهم من الأعمال من اعداد نفسه لمراجعة المتعاملین معه بالمساومة و تحدید الأسعار و الاشراف علی سیر الأمور وفق ما یرام فی البیع و الشراء و الأخذ و العطاء و القبض و التسلیم، و شراء أو استئجار الأثاث و الأمتعة و الأدوات و المعدات و اللوازم و الأجهزة التی یفتقر إلیها فی تنظیم المکتب أو المکاتب و توجیه العمل فیها و فی المتجر و استئجار الکتاب و الوکلاء و الأجراء الذین تحتاج ادارة المتجر إلیهم و استئجار المحال و المخازن اللائقة و مواضع عرض الأجناس و مواضع بیعها، و إخراج النفقات التی یحتاج إلیها فی ذلک و شبهه من وسط المال، و ضبط جمیع ذلک فی سجلات خاصة تکون مرجعا عند الحاجة و غیر ذلک مما یقوم به التاجر فی إدارة تجارته و عمله.
و إذا کانت التجارة خاصة تولی العامل کذلک ما یتولاه التاجر فیها
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 379
لنفسه من الأعمال، فإذا کانت تجارة أقمشة کان علیه أن یحضر القماش للمشتری إذا طلبه و یخبره بالسعر إذا سأل و یساومه إذا ساوم و أن ینشر الطاقة بین یدیه إذا رغب و یقیس له المقدار الذی یرید بالمتر أو بالذراع، و علیه طی القماش بعد النشر و قبض الثمن. و علیه عرض النماذج المطلوبة فی تجارة الحبوب، و تحدید السعر للنموذج الذی یرغب فیه المشتری و وزن المقدار الذی یطلب، و قبض ثمنه، و هکذا فی التجارات الأخری.
و یجوز له أن یستأجر من تجری العادة باستئجاره لیقوم ببعض الشؤون، کالصانع و الوزان و الدلال و الحمال یحمل البضاعة من موضع شرائها الی مخزن التجارة و من المخزن الی موضع العرض و البیع، و یدفع أجرة عامله من مال التجارة.
و إذا استأجر العامل أجیرا للأعمال التی یلزمه القیام بها بنفسه وجب علیه أن یدفع أجرة هذا الأجیر من ماله الخاص لا من مال المضاربة، و إذا قام بنفسه ببعض الأعمال التی تکون من وظائف غیره، و أراد أن یأخذ الأجرة علی ذلک، فلا یترک الاحتیاط بالمصالحة بینه و بین المالک عنها.

المسألة 42:

لا یتعین علی العامل إذا أراد أن یشتری شیئا للمضاربة أن یشتریه بمال شخصی معین من مال المضاربة نفسه، بل یصح له أن یشتریه بثمن کلی و یقصد کونه فی ذمة المالک من حیث المضاربة. و یصح له أن یشتریه بثمن کلی و یقصد انه فی ذمة نفسه من حیث انه وکیل عن المالک فی أمر المضاربة، و یصح له أن یشتری الشی‌ء بثمن کلی من مال المضاربة الذی بیده، فیکون بنحو الکلی فی المال المعین لا فی ذمة المالک و لا فی ذمة العامل، ثم یعین فردا للکلی من مال المضاربة و یدفعه للبائع وفاء فی الصور الثلاث، و لا مانع من ذلک کله، فإن إطلاق عقد المضاربة یقتضی الإذن له فی جمیع ذلک.
و کذلک الحکم إذا أراد العامل أن یبیع شیئا من مال المضاربة، فلا
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 380
یتعین علیه أن یجری البیع علی شی‌ء شخصی معین من أموال المضاربة، بل یجوز له أن یبیع شیئا کلیا فی ذمة المالک من حیث المضاربة أو فی ذمة نفسه من حیث انه وکیل عن المالک فی أمر المضاربة، و أن یبیع شیئا کلیا من مال المضاربة ثم یدفع فردا للکلی من مال المضاربة للمشتری وفاء بحقه فی الصور الثلاث.

المسألة 43:

إذا اشتری العامل شیئا للمضاربة بثمن کلی فی ذمة المالک أو فی ذمة نفسه من حیث انه وکیل عن المالک فی أمر المضاربة ثم تلف مال المضاربة قبل وفاء الثمن منه، لم یجب علی المالک أن یفی الثمن من أمواله الأخری، بل یکون الشراء باطلا علی الأقوی.
و ذلک لأن إطلاق عقد المضاربة انما اقتضی الاذن للعامل فی أن یشتری فی ذمة المالک من حیث المضاربة کما ذکرنا، أو فی ذمة العامل نفسه من حیث وکالته عن المالک فی أمر المضاربة، و أن یکون وفاء ذلک من مال المضاربة، و اما أن یکون الوفاء علی المالک من أمواله الأخری غیر المضاربة، فلا اذن فیه و لا یقتضیه الإطلاق و نتیجة لذلک فیکون الشراء باطلا، إلا إذا أجازه المالک، و إذا أجاز المالک الشراء و دفع الثمن من أمواله الأخری، فلا یدخل هذا المال فی مال المضاربة إلا بعقد جدید.

المسألة 44:

إذا اشتری العامل الشی‌ء لنفسه و جعل ثمن البیع فی ذمته، و لم یقصد عند الشراء ان یفی ما فی ذمته من مال المضاربة، ثم بدا له فدفع الثمن من مالها، فلا ریب فی صحة شرائه لنفسه، و لا یدخل الشی‌ء الذی اشتراه فی مال المضاربة، فإذا باعه و ربح فیه کان الربح له خاصة، و ان کان غاصبا و آثما فی دفع الثمن من مال المضاربة، إلا إذا أخذه مقترضا، و کان المالک قد أذن له فی الاقتراض من مال المضاربة.

المسألة 45:

إذا اشتری العامل شیئا و قصد ان ثمن المبیع فی ذمته، و لکنه لم
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 381
یلتفت عند الشراء أن شراءه لنفسه أو للمالک، فالظاهر أن المبیع یکون له لا من مال المضاربة، فإذا باعه و ربح فیه یکون الربح له خاصة، و إذا دفع الثمن من مال المضاربة کان عاصیا. و إذا علم من حالته الوجدانیة بحسب ارتکازه الإجمالی فی نفسه و عادته التی یجری علیها فی غالب أحواله من حیث کونه عاملا یتجر بمال غیره انه یشتری للمالک و ان لم یلتفت الی ذلک تفصیلا کان الشراء و الربح من مال المضاربة، و صح له أن یدفع الثمن من مال المضاربة.

المسألة 46:

عامل المضاربة أمین، فلا ضمان علیه، الا إذا خان أمانته أو تعدی أو فرط فیها، و قد بینا هذا فی المسألة الثلاثین و أشرنا إلیه فی عدة مسائل أخری و الخیانة هی أن یفعل ما یخالف الأمانة شرعا أو ینافیها شرعا و عرفا، و من أمثلة ذلک أن یأکل بعض مال المضاربة بغیر عذر أو سبب شرعی یحل له ذلک، أو یتصرف فیه تصرفا غیر سائغ، کما إذا وطأ الجاریة المشتراة للمضاربة بغیر سبب أو عذر یبیح له الوطء أو استمتع بها بغیر الوطء مما لا یجوز الا بسبب محلل، و کما إذا استخدم الفرش و الأمتعة من مال المضاربة فی منزله بغیر اذن أو سبب مجوز.
و التفریط أن یهمل أو یتسامح فی حفظ ما یجب حفظه من الأموال، و التعدی أن یتجاوز ما حدد له الشارع أو اذن له المالک أو شرطه علیه فی عقد المضاربة شرطا صریحا، أو دلت القرائن العامة أو الخاصة علی اشتراطه فی العقد.
فإذا خان العامل أمانته أو تعدی أو فرط فیها کان ضامنا لرأس المال، فإذا تلف جمیعه أو تلف بعضه أو حدث فیه عیب کان علیه ضمانه، و ان کان حدوث التلف أو العیب بسبب حدوث آفة سماویة أوجبت ذلک.
و إذا کان تعدی العامل بمخالفته لما أمره به المالک أو لما نهاه عنه
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 382
أو لما اشترطه علیه فی العقد و لو بدلالة القرائن الخاصة أو العامة علی اشتراطه، کان ضامنا للمال کما تقدم و کان ضامنا للخسارة إذا حدثت.

المسألة 47:

إذا خان العامل أو تعدی فی أمانته أو فرط فی حفظها، ثم رجع عن خیانته و تعدیه و تفریطه، حتی عادت له صفة الأمانة فی نظر أهل العرف و العقلاء من الناس، فالأقوی ارتفاع الضمان عنه، فلا یضمن ما یحدث من تلف أو عیب أو خسارة بعد رجوع صفة الامانة له، و لا یرتفع عنه الضمان فی ما حدث قبل ذلک، من غیر فرق بین ضمان رأس المال و ضمان الخسارة، علی النهج المتقدم.

المسألة 48:

إذا دعت المصلحة أن یبیع العامل جنس المضاربة فی وقت فلم یبع، و هو یعلم بوجود المصلحة الداعیة و لا عذر له فی ترک البیع، و کان المالک قد شرط علیه مراعاة المصلحة أو دلت القرائن الخاصة أو العامة علی لزوم مراعاتها، کان العامل ضامنا للخسارة إذا حصلت بعد ذلک، بل و کان ضامنا لرأس المال إذا تلف أو عاب.

المسألة 49:

إذا نوی العامل الخیانة و التعدی فی المضاربة أو نوی التفریط فی حفظها، و لم یفعل ذلک فلا ضمان علیه بمجرد النیة، سواء عزم علی ارتکاب ذلک بالفعل أم نوی أن یرتکبه فی ما بعد.

المسألة 50:

إذا کان الرجل عاملا للمالک فی مضاربتین تستقل إحداهما عن الأخری برأس مالها و بعملها، و خان العامل أو تعدی أو فرط فی إحدی المضاربتین کان ضامنا فیها، و لم تزل أمانته فی المضاربة الثانیة، فلا ضمان علیه فیها.
و إذا کانت المضاربة واحدة و خان العامل أو تعدی أو فرط فیها کان ضامنا فیها جمیعا و ان تعددت فروعها و نواحیها، و مواضعها.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 383

الفصل الثالث فی نفقة العامل فی سفر المضاربة

المسألة 51:

لیس لعامل المضاربة و هو فی الحضر أن ینفق علی نفسه أو علی شؤونه من مال المضاربة قلیلا و لا کثیرا، سواء کانت النفقة فی منزله أم فی المتجر، کما إذا زاره فی المتجر بعض أصدقائه و أراد تکریمه، و لا یجوز له الإنفاق منه کذلک علی معاملیه و مراجعیه فی المتجر، إلا إذا اذن المالک له بذلک أو شرطه العامل علی المالک أو کان تعارف عام یدل علی الرخصة فی تکریم المعاملین و المراجعین فی مثله، فیجوز حین ذاک و یتبع فیه مقدار ما یدل علیه الاذن و ما یدل العرف علی الرخصة فیه، فی کل من نوع الإنفاق و مقداره.

المسألة 52:

إذا سافر العامل بتجارة المضاربة و کان سفره باذن المالک، فنفقته فی السفر من مال المضاربة و تخرج من جمیع المال، و یراد بالنفقة ما یحتاج الیه العامل من مأکول و مشروب و ملبوس، و أجرة وسائل نقل و أجرة مسکن و أثاث و أمتعة و أدوات یحتاج إلیها فی سفره و فی موضع اقامته فی البلد الذی یتجر فیه، و أو ان یحتاج إلیها فی طعامه و شرابه، و وسائل راحة، و غیر ذلک مما یصدق علیه النفقة علی النحو اللائق بشأنه و بشرفه و منزلته فی المجتمع، و فی موضع الإقامة.
و لیس من نفقته التی تخرج من مال المضاربة عطایاه و مصانعاته الخاصة، و الإنفاق علی ضیوفه و زواره، أو الإنفاق علی أهله إذا صحبهم معه فی سفره.
و أما ما ینفقه علی التجارة نفسها من أجرة نقل و أجرة مخزن و محل للعرض و البیع، و رسوم و ضرائب و مصارف أخری لا بد منها، و أجرة حراس و دلالین و حمالین و شبه ذلک فهو من مال المضاربة من غیر فرق بین السفر و الحضر، و کذلک العطایا و المصانعات التی تتوقف علیها التجارة فی متفاهم أهل العرف و أهل المعاملات.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 384

المسألة 53:

یجب علی العامل أن یقتصر فی النفقة علی المقدار الذی یفی بحاجته بحسب منزلته کما ذکرناه من غیر سرف و لا تقتیر، فإذا أسرف فی الإنفاق لم یجز له ذلک و کان للمالک ان یرجع علیه بما زاد علی الحاجة منه، و إذا قتر علی نفسه لم یحسب له ما نقص، و کذلک إذا ضیفه صدیق أو غیره، فلا تحسب له النفقة.

المسألة 54:

یراد بالسفر هنا مطلق قطع المسافة و ان لم یبلغ المسافة الشرعیة التی یجب فیها قصر الصلاة، فمتی صدق علی العامل انه مسافر فی تجارته صح له ان یأخذ نفقته من مال المضاربة و ان کان سفره فرسخین أو ثلاثة فراسخ، و کذلک إذا نوی الإقامة عشرة أیام أو أکثر فی موضع وصوله، بل و ان امتدت إقامته أیاما کثیرة ما دام یصدق علیه أنه مسافر و کان مشغولا بالتجارة أو بشؤونها.

المسألة 55:

إذا سافر العامل بمال المضاربة لیتجر به فی بلد معین، و احتاج فی أثناء سفره الی البقاء فی بلد آخر مدة، لشؤون تتعلق بالسفر أو بالتجارة، کما إذا أرهقه عناء السفر فاحتاج الی الراحة أیاما فی ذلک البلد، أو لینتظر رفقة یتم سفره معهم، أو لانتظار بعض وسائل النقل التی تنقل له البضائع، أو لقضاء قوانین حکومیة خاصة بالمکث هناک فترة للکشف علی المال، أو لتسجیل الأجناس أو لدفع بعض الضرائب، فنفقة العامل مدة بقائه فی ذلک البلد تکون من مال المضاربة أیضا.

المسألة 56:

إذا أقام عامل المضاربة فی البلد الذی سافر الیه، فاتجر فیه حتی أتم العمل، ثم عزم علی الإقامة فیه فترة أخری، فإن کانت إقامته الثانیة لإعمال تعود إلی التجارة أیضا، کتحصیل دیون للمضاربة من بعض العملاء، و توفیة حقوق لأصحاب المخازن و المحلات التی استأجرها
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 385
فی تلک المدة، و کاستیجار محلات و لوازم جدیدة لسفرة أخری مقبلة فی المضاربة نفسها، و نحو ذلک، فنفقة العامل فی هذه المدة من مال المضاربة أیضا.
و ان کانت إقامته الجدیدة لإعمال تعود له خاصة، کزیارة بعض الأصدقاء أو التنزه فی ضواحی البلد و الاطلاع علی مناظرة، و کعقد صفقات لنفسه مع بعض الشرکات أو بعض التجار، و هی لا تتصل بتجارة المضاربة، فنفقته فی تلک المدة من مال خاصة لا من مال المضاربة.
و ان کانت إقامته الجدیدة لإعمال تتعلق بالتجارة الأولی، و لإعمال أخری، تکون لغیرها، و هذا الفرض یمکن وقوعه علی صورتین.
الصورة الأولی أن تکون أعمال التجارة بخصوصها سببا تاما لإقامته فی البلد تلک المدة، و أن تکون الأعمال الأخری أیضا سببا تاما للإقامة، بحیث لو انفردت أیة واحدة منهما عن الأخری لأقام العامل بسببها فی البلد و لم یسافر منه حتی یتمها، و الأقوی فی هذه الصورة أن نفقة العامل فی مدة بقائه کلها من مال التجارة لشمول النص له فی هذا الحال.
الصورة الثانیة: ان یکون السبب التام لإقامته الثانیة فی البلد هو مجموع العملین، بحیث لو کان الداعی له هو عمل التجارة خاصة، أو کان هو العمل الآخر خاصة، لما أقام العامل فی البلد بسببه، و لکن اجتماع السببین أوجب له أن یقیم حتی ینجزهما معا، و الأقوی و الأحوط فی هذه الصورة کون النفقة فی مدة بقاء العامل علیه نفسه لا من مال المضاربة و لا بالتوزیع.

المسألة 57:

إذا سافر العامل من بلده لبعض شؤون المضاربة و مقدماتها و لم یکن سفره للتجارة نفسها کما فرضناه فی المسائل المتقدمة، و مثال ذلک أن یسافر من وطنه الی البلد الذی یعزم علی الاتجار فیه فی ما بعد، لیتفاهم مع بعض التجار و العملاء بشؤون تتعلق بتجارته المقبلة، أو لیستأجر بعض المنازل و المخازن، أو لیشتری بعض الأثاث و الأدوات مما یحتاج الیه أو تحتاج الیه تجارته المقبلة، فالظاهر ان نفقته فی هذا السفر
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 386
من ماله لا من مال المضاربة، و ان کان سفره باذن المالک، و الأحوط المصالحة بین العامل و المالک عنها أو اشتراط کون النفقة علی أحدهما.

المسألة 58:

إذا سافر العامل بمال المضاربة لیتجر به فی سفره و لم یأذن له المالک بالسفر، فنفقته فی السفر من مال خاصة لا من مال المضاربة، و کذلک الحکم إذا أذن له المالک فی السفر بتجارته الی بلد معین، فسافر العامل الی بلد غیره، أو اشترط علیه فی السفر شرطا فخالف ما شرط المالک علیه، کما إذا اشترط علیه أن یتجر فی سفره بالأقمشة، فاتجر بالحبوب، أو شرط علیه ان یتجر فی البلد نفسه، فاتجر فی القری التابعة له، فتکون نفقة العامل من ماله لا من مال المضاربة.

المسألة 59:

إذا کان الرجل عاملا لشخصین فی مضاربتین مستقلتین، فسافر بهما باذن المالکین کانت نفقته علی المالکین بالتوزیع، فإذا تساوی المالان و تساوی العملان فالنفقة بینهما بالمناصفة، و إذا اختلف مقدار المالین و اختلف مقدار العمل فیهما، فالأحوط أن یتصالح المالکان و العامل فی مقدار توزیع النفقة، و کذلک الحکم إذا کان أرباب المال أکثر من اثنین، فیجری فی النفقة البیان المتقدم.
و إذا سافر العامل بمضاربة لغیره و بتجارة لنفسه، وزعت النفقة کذلک علی الأحوط، و یکون التوزیع علی النهج المتقدم أیضا.

المسألة 60:

إذا سافر العامل لیتجر بمال المضاربة و کان سفره باذن المالک استحق النفقة من مال المضاربة و ان لم یظهر الربح فی المال بعد، فینفق من رأس المال سواء ربح المال أم لم یربح.
و إذا حصل للمال ربح بعد أخذ النفقة منه احتسبت النفقة جمیعا حتی الماضی منها من الربح، و یدفع الی المالک رأس ماله تاما، و قسم الباقی من الربح بین المالک و العامل بعد إخراج جمیع نفقة العامل منه، فإذا لم یبق من الربح شی‌ء بعد النفقة فلا شی‌ء لهما من الربح.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 387

المسألة 61:

إذا مرض العامل فی أثناء سفره، و لم یمنعه المرض من عمله فی السفر و فی التجارة، لم یسقط بذلک حقه من النفقة، و لا یعد من النفقة ما یحتاج الیه العامل فی علاج مرضه من أجرة طبیب أو قیمة کشف أو دواء أو غیر ذلک علی الأحوط فیخرجها من ماله لا من مال المضاربة.
و إذا منعه المرض من الاستمرار فی عمله، فالأحوط له کذلک أن یأخذ نفقته فی حال مرضه من ماله لا من مال المضاربة.

المسألة 62:

رجوع العامل من سفره للمضاربة و ذهابه فیه کلاهما من شؤون المضاربة عرفا، و ان اختلفا فی الوضوح و الخفاء فی ذلک، فإذا کان السفر مأذونا فیه من المالک، استحق العامل النفقة من مال المضاربة فی رجوعه الی أن یصل الی بلده، کما استحقها فی ذهابه الی أن یصل الی مقصده، فیأخذ من المال أجرة الوسائط و المراکب التی تنقله فی رجوعه و بقیة نفقاته، سواء کان عازما علی السفر للمضاربة مرة أخری أم لا.
و إذا کان رجوعه لغایة خاصة له کزیارة الأهل أو لقضاء بعض الحاجات له أو بعض الواجبات علیه، ثم یعود لإتمام عمل المضاربة، فنفقته من ماله لا من مال المضاربة.

المسألة 63:

إذا فسخ المالک أو العامل عقد المضاربة فی أثناء سفر العامل، أو انفسخ العقد لبعض الطواری، و أراد العامل الرجوع الی بلده، فان کان أصل سفر العامل بتسبیب من المالک، و کان رجوعه من شؤون سفر المضاربة و ان کانت مفسوخة، فلا یترک الاحتیاط بالمصالحة بین العامل و المالک فی أمر النفقة، و إذا کان الرجوع لا یعد من شؤون سفر المضاربة عرفا، أو لم یکن سفر العامل بتسبیب من المالک فنفقة العامل فی رجوعه علی نفسه.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 388

المسألة 64:

إذا دفع صاحب المال للعامل مبلغا من المال و قال له خذ هذا المبلغ و اعمل به مضاربة و جمیع ربح المال لی خاصة، فمقتضی تصریح صاحب المال بأن جمیع الربح له وحده ان المعاملة بضاعة لا مضاربة و ان أنشأها بلفظ المضاربة، و قد تقدم فی أول الکتاب ان هذه هی الخاصة التی تفترق البضاعة بها عن المضاربة، فالربح یکون جمیعه للمالک فی البضاعة، و یکون مشترکا بین المالک و العامل فی المضاربة.
و نتیجة لذلک فیکون العقد المذکور ابضاعا صحیحا لا مضاربة فاسدة، و یکون جمیع الربح لصاحب المال کما اشترط، فإذا عمل العامل استحق علی المالک أجرة المثل لاستیفائه منفعة العامل، إلا إذا علم بأن العامل قد قصد التبرع بعمله أو دلت القرائن علی ذلک، أو اشترطه المالک علیه، فلا یستحق العامل علی عمله شیئا.

المسألة 65:

إذا دفع صاحب المال للعامل مبلغا من المال، و قال له خذ هذا المبلغ و اعمل به مضاربة و جمیع ربح المال لک خاصة، فمقتضی تصریح مالک المال بأن جمیع ربح المال للعامل: ان العقد لا یکون مضاربة فقد علمت أن المضاربة هی ما کان الربح فیها مشترکا بین المالک و العامل، لا خاصا بأحدهما، و لا یکون بضاعة فقد تقدم ان البضاعة ما یکون ربح المال فیها للمالک خاصة لا للعامل.
و إذا لم یکن العقد مضاربة و لا بضاعة، فإن علم من القرائن ان المالک قد قصد بهذا العقد تملیک المال للعامل بالعوض صح ذلک قرضا، فیملک العامل المال و علیه عوضه بعد ذلک و یکون ربح المال له خاصة و ان لم یعلم ذلک، فظاهر عبارة العقد المذکور ان المالک قد ملک العامل ربح المال الذی دفعه الیه قبل وجود الربح، و من المعلوم انه لا أثر لهذا التملیک.
و نتیجة لذلک فلا یصح العقد قرضا و لا مضاربة و لا بضاعة، و یرجع المال لمالکه، و یکون ربح المال له خاصة و لا یستحق العامل علی المالک
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 389
شیئا، فإنه إنما عمل لنفسه لا للمالک، و الأحوط لزوما الرجوع الی المصالحة فیه.

المسألة 66:

إذا دفع صاحب المال للعامل مبلغا معلوما من المال، و قال له خذ هذا المبلغ و اتجر به و الربح کله لی، کان ذلک بضاعة، و إذا علم بأن المالک قد قصد به المضاربة، کان مضاربة فاسدة و إذا ربح فالربح کله للمالک أیضا، و یستحق العامل علی المالک أجرة المثل لعمله فی کلتا الصورتین ما لم یقصد التبرع بعمله.
و إذا قال للعامل خذ المبلغ و اتجر به و الربح کله لک، کان ذلک قرضا، فإذا ربح فالربح للعامل، و إذا علم بأن المالک قد قصد به المضاربة، کان مضاربة فاسدة، و الربح کله للمالک، و فی استحقاق العامل أجرة المثل لعمله اشکال، و الأحوط المصالحة عنها.

المسألة 67:

یجوز لمالک المال أن یضارب عاملین مضاربة واحدة، برأس مال واحد، یشترکان فی الاتجار به، و یجوز له أن یخصص لکل واحد من العاملین حصة من رأس المال یتجر فیها، فیقول للعاملین: ضاربتکما بهذا المال، علی أن یکون لکل واحد منکما نصف المال، مثلا، لیتجر به، و یجوز للمالک أن یعین مبلغین محددین من المال، یدفع کل واحد من المبلغین لأحد العاملین، و یعد المبلغین کلیهما رأس مال واحدا للمضاربة الواحدة، و یختلف الحکم ما بین هذه الصورة.
فإذا کان ما بید العاملین من رأس المال، مالا واحدا غیر متمیز، کما فی الصورة الأولی، اشترکا فی الربح، و کانت مضاربتهما واحدة یجبر ربح إحداهما خسارة الأخری إذا حصلت.
فإذا اتجر أحد العاملین و ربح، و اتجر الثانی و لم یربح، أو اتجر و خسر، اشترکا فی الربح الحاصل فی الفرض الأول، و جبر الربح الخسارة فی الفرض الثانی، و ذلک هو مقتضی اشتراکهما فی المضاربة، و إذا کان ما بید أحد العاملین من مال المضاربة متمیزا عما بید الآخر،
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 390
کما فی الصورة الثانیة و الثالثة، اختص کل واحد من العاملین بربحه و خسارته، فلا یشارکه العامل الآخر بربحه إذا ربح و لا تجبر بربح الآخر خسارته إذا خسر، و تکون مضاربة المالک معهما بحکم مضاربتین و عقدهما بمنزلة عقدین، و کذلک الحکم إذا ضارب المالک أکثر من عاملین، فیجری فیه هذا التفصیل.

المسألة 68:

یجوز للمالک الواحد أن یضارب عاملین علی الوجوه التی بیناها فی المسألة المتقدمة، و یشترط المالک علی العاملین ان الربح الذی یحصل من مضاربتهما یکون بینه و بینهما بالمناصفة مثلا، فیقول لهما:
ضاربتکما بهذا المبلغ لتتجرا به، أو لیتجر کل واحد منکما بالحصة التی عینت له من المال، علی أن یکون لی نصف الربح من المضاربة، و لکما نصف الربح.
فإذا کان ما بید العاملین من رأس المال مالا واحدا غیر متمیز کما فی الصورة الأولی من المسألة السابقة، کان نصف الربح للمالک، و کان النصف الثانی منه للعاملین یقتسمانه بینهما بالمناصفة.
و إذا کان ما بید أحد العاملین من المال متمیزا عما بید العامل الآخر، کما فی الصورة الثانیة و الثالثة، کان للمالک نصف الربح، و لکل واحد من العاملین نصف الربح من مضاربته فی المقدار الذی عین له من المال، و لا یشارک أحدهما الآخر فی ربحه.
و یجوز للمالک أن یجعل حصة أحد العاملین أوفر من حصة الآخر، فیجعل لنفسه نصف الربح من مضاربة زید و الثلثین من مضاربة عمرو و باقی الربح للعامل.

المسألة 69:

یجوز للمالکین أن یضاربا عاملا واحدا بمال مشترک بینهما، فیقول الوکیل المفوض منهما للعامل: ضاربناک بهذا المال المشترک لتتجر به، علی أن یکون الربح بیننا و بینک بالمناصفة فإذا اتجر العامل بالمال و ربح کان نصف الربح للعامل، و کان النصف الآخر منه بین المالکین
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 391
بالمناصفة و یجوز لهما أن یشترطا علی العامل التفاوت فی استحقاقه من الربح فی حصتیهما من المال فیقول له الوکیل ضاربناک بهذا المبلغ، علی أن یکون لک نصف الربح من حصتی، و ثلث الربح من حصة شریکی فإذا قبل العامل صح العقد إذا کان مقدار الحصتین من المال معلوما.
و کذلک الحکم فی المالکین اللذین لا شرکة بینهما، فیجوز لهما أن یضاربا عاملا واحدا مضاربة واحدة علی الوجه المتقدم ذکره، فیدفع للعامل کل واحد منهما مبلغا معینا من ماله، و یأذنا له فی أن یخلط المالین، و یجریا معه عقد المضاربة، و یعینا له مقادیر الحصص من الربح علی النحو المتقدم فی المالکین الشریکین.

المسألة 70:

إذا ضارب الشریکان عاملا بالمال المشترک بینهما لیتجر به، ثم فسخ أحد الشریکین مضاربة العامل فی حصته من المال، فالظاهر بقاء عقد المضاربة مع الشریک الآخر فی حصته و لا ینفسخ بفسخ شریکه، فإذا کان رأس مال المضاربة ألف دینار مثلا، و هو مشترک بین زید و عمرو بالمناصفة، ثم فسخ زید المضاربة فی نصفه، بقیت مضاربة العامل مع عمرو فی نصفه من المال، فإذا اتجر بالخمسمائة و ربح، استحق من الربح حصته المعینة له فی عقد المضاربة، سواء کان المال متمیزا أم مشاعا.

المسألة 71:

إذا تم عقد المضاربة بین المالک و العامل، و قبض العامل رأس المال، فلا یجوز له أن یترک الاتجار به إذا هو لم یفسخ العقد، و لا یجوز له أن یؤخره بمقدار یعطل به مال المالک أو یعد متسامحا فی حقه، و إذا أخر الاتجار بالمال کذلک من غیر عذر کان عاصیا لتعطیله مال الغیر، و إذا تلف المال أو نقص منه شی‌ء أو حدث فیه عیب، کان العامل ضامنا لذلک، و لیس للمالک أن یطالبه بالربح الذی یحصل له لو أن العامل اتجر بالمال.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 392

المسألة 72:

إذا کان المال مشترکا بین مالکین و عملا به أو عمل به غیرهما، فمقتضی القاعدة ان حصة کل من الشریکین من الربح بنسبة حصته من المال، فإذا کان المال مشترکا بینهما بالمناصفة، فالربح الحاصل لهما یکون بالمناصفة بینهما کذلک، و إذا کان لأحدهما ثلث المال و للآخر الثلثان منه، قسم الربح بینهما کذلک، إلا إذا کان أحدهما عاملا، فیصح أن تشترط له زیادة من الربح علی ما یستحقه بنسبة ماله، فإذا کان المال مشترکا بینهما بالمناصفة، و اشترط للعامل نصف الربح الحاصل، استحق الشریک العامل من الربح ثلاثة أرباعه، و کان ربعه للشریک الآخر غیر العامل، و هذا من الشرکة لا من المضاربة.

المسألة 73:

إذا ضارب زید و عمرو عاملا بمال مشترک بینهما بالمناصفة، و اشترطا أن یکون لعامل المضاربة نصف الربح، و أن یکون النصف الآخر منه للمالکین بالمفاضلة ما بینهما لا بالمناصفة کما هو مقتضی القاعدة، فثلثان منه لزید و ثلث لعمرو.
فان کان قصد المالکین من ذلک أن یکون نصف العامل من الربح فی حصة عمرو أکثر من نصیبه من الربح فی حصة زید بهذه النسبة، و من أجل ذلک دخل النقص علی نصیب عمرو من الربح، و کان زید أوفر منه نصیبا مع تساویهما فی مقدار المال، فالظاهر صحة المضاربة، و نفوذها علی حسب ما اشترط بینهم فی العقد سواء أجری ذلک بعقد واحد للمضاربة فی مجموع المال ذکر فیه الشرطان معا، أم أجری فی مضاربتین مستقلتین ذکر کل واحد من الشریکین شرطه مع العامل فی مضاربة خاصة فی حصته.
و ان کان المراد أن العامل اشترط فی عقد المضاربة علی عمرو أن یکون مقدار من ربحه الخاص به لشریکه الآخر و هو زید، و لذلک کان زید أوفر من عمرو نصیبا من الربح مع تساویهما فی المال، و مقتضی القاعدة أن یکون نصیب کل من المالکین من الربح بنسبة حصته من المال.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 393
فالظاهر عدم صحة ذلک مضاربة، فقد تقدم فی المسألة الثانیة عشرة انه لا یصح أن یشترط دفع مقدار من الربح لغیر عامل فیها، و یصح ذلک إذا قصد به معاملة أخری غیر المضاربة یشترط العامل فیها ذلک، فإذا قبل بها الطرفان صحت و نفذت علی حسب ما ذکر فیها من الشرط.

المسألة 74:

لیس لعامل المضاربة أن یوکل أحدا أو یستأجر أجیرا فی أصل التجارة و فی الأعمال التی تخصه من أعمال المضاربة إلا بإذن المالک، و یجوز له أن یوکل أو یستأجر أحدا فی الأمور التی تعارف بین الناس التوکیل أو الاستئجار لها من عامل المضاربة، و هی مقدمات الأعمال و نحوها، فیکون التعارف المذکور بین العقلاء و أهل العرف قرینة علی الاذن بالتوکیل و الاستیجار فی تلک الأمور، و قد سبق التعرض لبعض ذلک فی المسألة الحادیة و الأربعین، و لا یجوز للعامل أن یضارب غیره فی نفس مضاربته، إلا إذا أذن له المالک بها.

المسألة 75:

إذا أذن المالک للعامل فی أن یضارب أحدا غیره لیعمل بمال مضاربته نفسها فهاهنا صور تختلف أحکامها.
الصورة الأولی: أن یکون العامل الثانی عاملا للمالک أیضا، و ان یکون العمل المقصود فی کلتا المضاربتین الأولی و الثانیة، عملا واحدا لا تعدد فیه، و الحکم فی هذه الصورة أن تنفسخ المضاربة الأولی بین المالک و العامل الأول، من حیث ان العمل الواحد لا یقبل الصدور من عاملین مستقلین، و لذلک فتکون المضاربة الثانیة التی أوقعها العامل باذن المالک موجبة لفسخ المضاربة الأولی، و لازم ذلک أن یکون الربح الذی یحصل من العمل فی المضاربة الثانیة مشترکا بین المالک و العامل الثانی علی الوجه الذی عین له فی المضاربة الثانیة، و لا شی‌ء للعامل الأول منه.
و إذا کان العامل الأول قد عمل فی المضاربة الأولی و ربح فی عمله
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 394
قبل إنشاء المضاربة الثانیة کانت له حصته من ذلک الربح، و لیس للعامل الثانی منه شی‌ء.

المسألة 76:

إذا ضارب العامل المأذون عاملا غیره علی الوجه الذی ذکرناه فی المسألة السابقة، و اشترط علی العامل الثانی فی العقد أن تکون له حصة معینة فی ربحه، لم یصح له هذا الشرط، لأن المفروض أن مضاربته تنفسخ بذلک، و لا عمل له فی المضاربة الثانیة، فیکون الشرط له شرطا لأجنبی غیر عامل.

المسألة 77:

إذا کانت حصة العامل المأذون فی المضاربة هی نصف الربح مثلا، و ضارب العامل علی الوجه المتقدم ذکره، و اشترط علی العامل الثانی فی مضاربته أن للعامل الثانی الثلث من الربح أو الربع منه صحت المضاربة و صح الشرط و کانت الزیادة للمالک، و لا یستحق العامل الأول منها شیئا.

المسألة 78:

الصورة الثانیة: أن یکون المقصود من المضاربة الثانیة المأذون فیها إنشاء مضاربة للعامل الثانی لعمل آخر مستقل غیر عمل العامل الأول فی مضاربته، و ان کان رأس المال فی المضاربتین واحدا، و یکون کل واحد من العاملین الأول و الثانی عاملا مستقلا للمالک فی مضاربة مستقلة لعمل مستقل.
________________________________________
بصری بحرانی، زین الدین، محمد امین، کلمة التقوی، 7 جلد، سید جواد وداعی، قم - ایران، سوم، 1413 ه ق

کلمة التقوی؛ ج‌4، ص: 394
و الظاهر صحة کلتا المضاربتین فی هذه الصورة، و لا مانع منهما و لا تنافی بینهما لاختلاف العمل، فإذا عمل أحد العاملین بالمال فی الأسبوع الأول مثلا و ربح فی عمله استحق حصته من الربح بمقتضی العقد معه، و إذا عمل الآخر بالمال فی الأسبوع الثانی و ربح کذلک استحق حصته من ربحه بمقتضی عقده و لم یشارک أحدهما الآخر فی الربح الخاص به، و هکذا، و علی العاملین أن یتوافقا بینهما فی مواعید العمل أو فی مجالاته.
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 395

المسألة 79:

الصورة الثالثة: ان یضارب العامل المأذون العامل الثانی فیجعله شریکا معه فی عمله و فی حصته المعینة له من الربح، و الظاهر الصحة أیضا فی هذه الصورة، فیفسخ المضاربة الأولی الخاصة به و ینشئ عقد مضاربة جدیدة بین المالک و العاملین، و تکون الحصة المعینة من الربح فی المضاربة الأولی مشترکة بین العاملین حسب ما یتفقان علیه من تحدید، و لهما أن یتفقا مع المالک علی حصة أخری من الربح أکثر من الأولی أو أقل منها.

المسألة 80:

الصورة الرابعة: أن یضارب العامل المأذون العامل الثانی فیجعله عاملا لنفسه لا للمالک بنصیب معین من حصته التی عینت له فی المضاربة الأولی، و الظاهر عدم صحة ذلک مضاربة، و للعامل أن یتخذ أجیرا أو شریکا إذا کان باذن المالک و المفروض هو ذلک.

المسألة 81:

إذا ضارب العامل فی المضاربة عاملا آخر، لیتجر بالمال الذی بیده و کان غیر مأذون من المالک فی أن یضارب غیره، کان عقده مع العامل الثانی فضولیا، فإن أجاز المالک عقدهما کان صحیحا و نفذت المضاربة الثانیة، و جرت فیها الصور الأربع التی تقدم تفصیلها و بیان أحکامها فی المسائل المتقدمة، و ان لم یجز المالک عقدهما کان باطلا و لم تنفذ المضاربة الثانیة.
و إذا اتجر العامل الثانی بالمال و لم یجز المالک مضاربته، کانت معاملاته بالمال فضولیة أیضا، فإن أجاز المالک هذه المعاملات صحت بإجازته، و إذا ربحت کان ربحها کله للمالک و لم یستحق العامل الأول من الربح شیئا، و استحق العامل الثانی علی المالک أجرة المثل علی عمله من حیث ان المالک قد استوفی منه منفعة عمله، سواء کان العامل الثانی عالما أم جاهلا بالحال.
و ان لم یجز المالک معاملات العامل الثانی فی ماله کانت باطلة فترد
کلمة التقوی، ج‌4، ص: 396
المبیعات الی مالکها و ترد الأثمان إلی أصحابها، و لا یتحقق فی المعاملات ربح لینظر فی من یستحقه، و ذلک واضح غیر خفی.
و لا فرق فی هذه الأحکام بین أن یکون العامل الأول قد ضارب الثانی علی أن یکون عاملا للمالک أو یکون عاملا لنفسه.
و هذا کله إذا کان المالک قد اشترط علی العامل الأول فی مضاربته الأولی ان یباشر عمل المضاربة بنفسه، و ان کان هذا الشرط مما دلت علیه القرائن العامة أو الخاصة.
و إذا لم یشترط المالک علیه مباشرة العمل بنفسه، فقد یقال بصحة المعاملات التی أجراها العامل الثانی علی المال، و ان لم یجز المالک مضاربته من العامل الأول، و لم یجز معاملاته التی أجراها علی المال، من حیث ان هذه المعاملات قد وقعت باذن العامل الأول و قد استحقها المالک علیه بمضاربته و لم یشترط علیه المباشرة، فتکون المعاملات له و یستحق بها حصته المعینة له من ربحها، و یستحق علیه العامل الثانی أجرة المثل و لکن المسألة موضع تردد و اشکال، فلا یترک فیها الاحتیاط.

المسألة 82:

إذا رد المالک مضاربة العامل الأول للعامل الثانی و لم یجزها، و کان المال بید العامل الثانی و لم یتجر به، جاز للمالک أن یطالبه به، و یجب علی العامل رده الیه، و إذا تلف المال أو نقص منه شی‌ء أو حدث فیه عیب، تخیر المالک بین أن یرجع فی ذلک علی العامل الأول، و علی العامل الثانی، فإذا رجع بالغرامة علی العامل الذی أوقع المضاربة لم یرجع