بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الأطهار المجلد 5

هوية الكتاب

بطاقة تعريف: مجلسي محمد باقربن محمدتقي 1037 - 1111ق.

عنوان واسم المؤلف: بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار المجلد 5: تأليف محمد باقربن محمدتقي المجلسي.

عنوان واسم المؤلف: بيروت داراحياء التراث العربي [ -13].

مظهر: ج - عينة.

ملاحظة: عربي.

ملاحظة: فهرس الكتابة على أساس المجلد الرابع والعشرين، 1403ق. [1360].

ملاحظة: المجلد108،103،94،91،92،87،67،66،65،52،24(الطبعة الثالثة: 1403ق.=1983م.=[1361]).

ملاحظة: فهرس.

محتويات: ج.24.كتاب الامامة. ج.52.تاريخ الحجة. ج67،66،65.الإيمان والكفر. ج.87.كتاب الصلاة. ج.92،91.الذكر و الدعا. ج.94.كتاب السوم. ج.103.فهرست المصادر. ج.108.الفهرست.-

عنوان: أحاديث الشيعة — قرن 11ق

ترتيب الكونجرس: BP135/م3ب31300 ي ح

تصنيف ديوي: 297/212

رقم الببليوغرافيا الوطنية: 1680946

ص: 1

الخطبة من المؤلف رحمه اللّٰه

الحمد للّٰه الذی أمر عباده بالعدل و هو تعالی أولی به من المأمورین، و زجرهم فبیّن أنّه لا یظلم المزجورین، و كلّف الخلق بعد استطاعتهم لیكونوا بطاعته فی جنّاته متنعمین، و بمعصیته فی نیرانه معذّبین و الصلاة علی شافع المذنبین و فخر المرسلین، محمّد خاتم النبیین، و علی وصیّه رافع لواء الحمد، یوم الدین، و الساقی من حوض أخیه شیعته المرحومین، و علی أوصیائهما الأطهرین، و ذرّیتهما الأكرمین ما أظلّت السماوات علی الأرضین.

أمّا بعد فهذا هو المجلّد الثالت من كتاب بحار الأنوار المشتمل علی أخبار العدل و المعاد، و علل تكلیف العباد، مما ألّفه الراجی لرحمة ربّه و شفاعة نبیّه یوم التناد محمّد باقر بن محمّد تقی رزقه اللّٰه سلوك سبیل الرشاد، و غفر له و لوالدیه یوم المعاد.

كتاب العدل و المعاد

أبواب العدل

باب 1 نفی الظلم و الجور عنه تعالی و إبطال الجبر و التفویض و إثبات الأمر بین الأمرین و إثبات الاختیار و الاستطاعة

الآیات؛

آل عمران: «ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَیْدِیكُمْ وَ أَنَّ اللَّهَ لَیْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِیدِ»(182)

النساء: «إِنَّ اللَّهَ لا یَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً یُضاعِفْها وَ یُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِیماً»(40) (و قال): «وَ لا یُظْلَمُونَ فَتِیلًا»(49) (و قال): «ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَیِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ»(79) (و قال): «ما یَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَ آمَنْتُمْ وَ كانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِیماً»(147)

الأنعام: «ذلِكَ أَنْ لَمْ یَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُری بِظُلْمٍ وَ أَهْلُها غافِلُونَ* وَ لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا یَعْمَلُونَ»(131-132)

الأعراف: «إِنَّا جَعَلْنَا الشَّیاطِینَ أَوْلِیاءَ لِلَّذِینَ لا یُؤْمِنُونَ* وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَیْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا یَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ»(27-28)

الأنفال: «ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَیْدِیكُمْ وَ أَنَّ اللَّهَ لَیْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِیدِ»(51)

التوبة: «فَما كانَ اللَّهُ لِیَظْلِمَهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ یَظْلِمُونَ»(70)

یونس: «إِنَّ اللَّهَ لا یَظْلِمُ النَّاسَ شَیْئاً وَ لكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ یَظْلِمُونَ»(44) (و قال تعالی): «قُلْ یا أَیُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدی فَإِنَّما یَهْتَدِی لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما یَضِلُّ عَلَیْها وَ ما أَنَا عَلَیْكُمْ بِوَكِیلٍ»(108)

النحل: «وَ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ یَظْلِمُونَ* فَأَصابَهُمْ سَیِّئاتُ ما عَمِلُوا»(33-34)

الحج: «ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ یَداكَ وَ أَنَّ اللَّهَ لَیْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِیدِ»(10)

ص: 2

المؤمنون: «وَ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وَ لَدَیْنا كِتابٌ یَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَ هُمْ لا یُظْلَمُونَ»(62)

النور: «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ»(11)

سبأ: «قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَ لا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ»(25)

فاطر: «وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْری وَ إِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلی حِمْلِها لا یُحْمَلْ مِنْهُ شَیْ ءٌ وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبی»(18)

ص: «أَمْ نَجْعَلُ الَّذِینَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِینَ فِی الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِینَ كَالْفُجَّارِ»(28)

الزمر: «إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِیٌّ عَنْكُمْ وَ لا یَرْضی لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَ إِنْ تَشْكُرُوا یَرْضَهُ لَكُمْ وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْری»(7)

المؤمن: «وَ مَا اللَّهُ یُرِیدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ»(31) (و قال تعالی): «مَنْ عَمِلَ سَیِّئَةً فَلا یُجْزی إِلَّا مِثْلَها»(40) (و قال تعالی): «الْیَوْمَ تُجْزی كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْیَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِیعُ الْحِسابِ»(17)

السجدة: «مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَیْها وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِیدِ»(46)

الزخرف: «وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِینَ»(76)

ق: «لا تَخْتَصِمُوا لَدَیَّ وَ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَیْكُمْ بِالْوَعِیدِ* ما یُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَیَّ وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِیدِ»(28-29)

الطور: «إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»(16) (و قال تعالی): «كُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِیئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»(19) (و قال سبحانه): «كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِینٌ»(21)

النجم: «وَ لِلَّهِ ما فِی السَّماواتِ وَ ما فِی الْأَرْضِ لِیَجْزِیَ الَّذِینَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ یَجْزِیَ الَّذِینَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَی (إلی قوله تعالی): أَمْ لَمْ یُنَبَّأْ بِما فِی صُحُفِ مُوسی* وَ إِبْراهِیمَ الَّذِی وَفَّی* أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْری *وَ أَنْ لَیْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعی* وَ أَنَّ سَعْیَهُ سَوْفَ یُری* ثُمَّ یُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفی»(31-41)

ص: 3

الواقعة: «جَزاءً بِما كانُوا یَعْمَلُونَ»(24)

تفسیر: المبالغة فی قوله تعالی: بِظَلَّامٍ إما غیر مقصودة أو هی لكثرة العبید أو لبیان أن ما ینسبون إلیه تعالی من جبرهم علی المعاصی و تعذیبهم علیها غایة الظلم أو لبیان أنه لو اتصف تعالی به لكان صفة كمال فیجب كماله فیه و الفتیل الخیط الذی فی شق النواة (1)و فی تفسیر علی بن إبراهیم هی القشرة التی علی النواة.

قوله تعالی وَ إِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلی حِمْلِها أی إن تدع نفس أثقلتها الأوزار لحمل بعض أوزارها لم تجب لحمل شی ء منه و لو كان المدعو ذا قرابتها.

«1»-لی، الأمالی للصدوق أَبِی عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ یَزِیدَ عَنِ ابْنِ أَبِی عُمَیْرٍ عَنْ صَبَّاحِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِیدِ وَ هِشَامٍ وَ حَفْصٍ وَ غَیْرِ وَاحِدٍ قَالُوا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقُ علیه السلام إِنَّا لَا نَقُولُ جَبْراً وَ لَا تَفْوِیضاً (2).

«2»-ید، التوحید ن، عیون أخبار الرضا علیه السلام لی، الأمالی للصدوق السِّنَانِیُّ عَنِ الْأَسَدِیِّ عَنْ سَهْلٍ عَنْ عَبْدِ الْعَظِیمِ الْحَسَنِیِّ عَنِ الْإِمَامِ عَلِیِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِیهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِیٍّ عَنْ أَبِیهِ الرِّضَا عَلِیِّ بْنِ مُوسَی علیهما السلام قَالَ: خَرَجَ أَبُو حَنِیفَةَ ذَاتَ یَوْمٍ مِنْ عِنْدِ الصَّادِقِ علیه السلام فَاسْتَقْبَلَهُ مُوسَی بْنُ جَعْفَرٍ علیهما السلام فَقَالَ لَهُ یَا غُلَامُ مِمَّنِ الْمَعْصِیَةُ فَقَالَ علیه السلام لَا تَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةٍ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَیْسَتْ مِنْهُ فَلَا یَنْبَغِی لِلْكَرِیمِ أَنْ یُعَذِّبَ عَبْدَهُ بِمَا لَمْ یَكْتَسِبْهُ- (3)وَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مِنَ الْعَبْدِ فَلَا یَنْبَغِی لِلشَّرِیكِ الْقَوِیِّ أَنْ یَظْلِمَ الشَّرِیكَ الضَّعِیفَ وَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ الْعَبْدِ وَ هِیَ مِنْهُ فَإِنْ عَاقَبَهُ اللَّهُ فَبِذَنْبِهِ وَ إِنْ عَفَا عَنْهُ فَبِكَرَمِهِ وَ جُودِهِ (4).

«3»-ب، قرب الإسناد ابْنُ حُكَیْمٍ عَنِ الْبَزَنْطِیِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ علیه السلام قَالَ فَقَالَ لِی اكْتُبْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَی یَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِیَّتِی كُنْتَ أَنْتَ الَّذِی تَشَاءُ وَ بِنِعْمَتِی أَدَّیْتَ إِلَیَ

ص: 4


1- مأخوذ من الفتیل، لكونه علی هیئته، یضرب به المثل فی الشی ء الحقیر.
2- فی المصدر: انا لا أقول جبرا و لا تفویضا م.
3- فی أكثر المصادر: بما لا یكتسبه. م.
4- سیأتی الحدیث مفصلا من الاحتجاج تحت رقم 33.

فَرَائِضِی وَ بِقُدْرَتِی قَوِیتَ عَلَی مَعْصِیَتِی خَلَقْتُكَ سَمِیعاً بَصِیراً أَنَا أَوْلَی بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ وَ أَنْتَ أَوْلَی بِسَیِّئَاتِكَ مِنِّی لِأَنِّی لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ وَ هُمْ یُسْئَلُونَ قَدْ نَظَمْتُ جَمِیعَ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ (1).

«4»-ب، قرب الإسناد أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْبَزَنْطِیِّ عَنِ الرِّضَا علیه السلام قَالَ: كَانَ عَلِیُّ بْنُ الْحُسَیْنِ علیهما السلام إِذَا نَاجَی رَبَّهُ قَالَ یَا رَبِّ قَوِیتُ عَلَی مَعْصِیَتِكَ بِنِعْمَتِكَ قَالَ وَ سَمِعْتُهُ یَقُولُ فِی قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی إِنَّ اللَّهَ لا یُغَیِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّی یُغَیِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَ إِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ فَقَالَ إِنَّ الْقَدَرِیَّةَ یَحْتَجُّونَ بِأَوَّلِهَا وَ لَیْسَ كَمَا یَقُولُونَ أَ لَا تَرَی أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی یَقُولُ وَ إِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَ قَالَ نُوحٌ عَلَی نَبِیِّنَا وَ آلِهِ وَ عَلَیْهِ السَّلَامُ وَ لا یَنْفَعُكُمْ نُصْحِی إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ یُرِیدُ أَنْ یُغْوِیَكُمْ قَالَ الْأَمْرُ إِلَی اللَّهِ یَهْدِی مَنْ یَشاءُ.

بیان: اعلم أن لفظ القدری یطلق فی أخبارنا علی الجبری و علی التفویضی و

ص: 5


1- فی قرب الإسناد المطبوع: قد نظمت جمیع ما تسأل عنه. أقول: أخرجه ثقة الإسلام فی كتابه الكافی فی باب الجبر و القدر أتم من هذا، و اللفظ هكذا: محمّد بن أبی عبد اللّٰه و غیره، عن سهل بن زیاد، عن أحمد بن محمّد بن أبی نصر قال: قلت لابی الحسن الرضا علیه السلام: إن بعض أصحابنا یقول بالجبر، و بعضهم یقول بالاستطاعة، قال: فقال لی: اكتب: بسم اللّٰه الرّحمن الرّحیم قال علیّ بن الحسین: قال اللّٰه عزّ و جلّ: یا بن آدم بمشیتی كنت أنت الذی تشاء، و بقوتی أدیت إلی فرائضی، و بنعمتی قویت علی معصیتی، جعلتك سمیعا بصیرا، ما أصابك من حسنة فمن اللّٰه، و ما أصابك من سیئة فمن نفسك، و ذلك أنی أولی بحسناتك منك، و أنت أولی بسیئاتك منی، و ذلك لا اسأل عما أفعل و هم یسألون، قد نظمت لك كل شی ء ترید. انتهی. و أخرجه أیضا فی باب المشیة و الإرادة بصورة أخصر من هذا و یأتی بالاسناد تحت رقم 93 و یأتی أیضا تحت رقم 88 بسند آخر مع اختلاف. قوله: بقوتی أدیت إلی فرائضی ای بقوتی التی أعطیتك و بتوفیقی الذی وفقتك أدیت فرائضی، و لو وكلتك إلی نفسك و خذلتك لاسقطتك نفسك إلی هویة الضلال؛ و أدخلتك مداخل السوء و الفحشاء، و ذلك أنی جعلتك سمیعا لاستماع ما نطقت به أنبیائی و أدلة رشادی من شرائعی و معالم دینی، و وفقتك للاستماع، و جعلتك بصیرا لتبصر آثار صنعی، و آیات توحیدی و ألوهیتی، فما أصابك من حسنة فمن ناحیتی و من عندی، و لتوفیقی و قوتی، و ما أصابك من سیئة فمن سوء اختیارك، و غوایة نفسك، و اغتیال سوء سریرتك.

المراد فی هذا الخبر هو الثانی و قد أحال كل من الفریقین ما ورد فی ذلك علی الآخر قَالَ شَارِحُ الْمَقَاصِدِ لَا خِلَافَ فِی ذَمِّ الْقَدَرِیَّةِ

وَ قَدْ وَرَدَ فِی صِحَاحِ الْأَحَادِیثِ لَعَنَ اللَّهُ الْقَدَرِیَّةَ عَلَی لِسَانِ سَبْعِینَ نَبِیّاً.

و المراد بهم القائلون بنفی كون الخیر و الشر كله بتقدیر اللّٰه و مشیته سموا بذلك لمبالغتهم فی نفیه و قیل لإثباتهم للعبد قدرة الإیجاد و لیس بشی ء لأن المناسب حینئذ القدری بضم القاف و قالت المعتزلة القدریة هم القائلون بأن الخیر و الشر كله من اللّٰه و بتقدیره و مشیته لأن الشائع نسبة الشخص إلی ما یثبته و یقول به كالجبریة و الحنفیة و الشافعیة لا إلی ما ینفیه وَ رُدَّ بِأَنَّهُ صَحَّ عَنِ

النَّبِیِّ صلی اللّٰه علیه و آله قَوْلُهُ الْقَدَرِیَّةُ مَجُوسُ أُمَّتِی.

وَ قَوْلُهُ إِذَا قَامَتِ الْقِیَامَةُ نَادَی مُنَادٍ أَهْلَ الْجَمْعِ أَیْنَ خُصَمَاءُ اللَّهِ فَتَقُومُ الْقَدَرِیَّةُ.

و لا خفاء فی أن المجوس هم الذین ینسبون الخیر إلی اللّٰه و الشر إلی الشیطان و یسمونهما یزدان و أهرمن و أن من لا یفوض الأمور كلها إلی اللّٰه تعالی و یفرز بعضها فینسبه إلی نفسه یكون هو المخاصم لله تعالی و أیضا من یضیف القدر إلی نفسه و یدعی كونه الفاعل و المقدر أولی باسم القدری ممن یضیفه إلی ربه انتهی.

و قال العلامة رحمه اللّٰه فی شرحه علی التجرید قال أبو الحسن البصری و محمود الخوارزمی وجه تشبیهه علیه السلام المجبرة بالمجوس من وجوه أحدها أن المجوس اختصوا بمقالات سخیفة و اعتقادات واهیة معلومة البطلان و كذلك المجبرة.

و ثانیها أن مذهب المجوس أن اللّٰه تعالی یخلق فعله ثم یتبرأ منه كما خلق إبلیس ثم انتفی عنه و كذلك المجبرة قالوا إنه تعالی یفعل القبائح ثم یتبرأ منه (1).

و ثالثها أن المجوس قالوا إن نكاح الأخوات و الأمهات بقضاء اللّٰه و قدره و إرادته و وافقهم المجبرة حیث قالوا إن نكاح المجوس لأخواتهم و أمهاتهم بقضاء اللّٰه و قدره و إرادته.

و رابعها أن المجوس قالوا إن القادر علی الخیر لا یقدر علی الشر و بالعكس

ص: 6


1- فی شرح التجرید: ثم یتبرأ منها. م.

و المجبرة قالوا إن القدرة موجبة للفعل غیر متقدمة علیه فالإنسان القادر علی الخیر لا یقدر علی ضده و بالعكس انتهی.

أقول سیتضح لك أن كلا منهما ضال صادق فیما نسب إلی الآخر و أن الحق غیر ما ذهبا إلیه و هو الأمر بین الأمرین.

«5»-ب، قرب الإسناد بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ قَالَ سَمِعْتُ الرِّضَا علیه السلام یَقُولُ كَانَ عَلِیُّ بْنُ الْحُسَیْنِ علیهما السلام إِذَا نَاجَی رَبَّهُ قَالَ اللَّهُمَّ یَا رَبِّ إِنَّمَا قَوِیتُ عَلَی مَعَاصِیكَ بِنِعَمِكَ (1).

«6»-فس، تفسیر القمی قَوْلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا یَسْتَحْیِی أَنْ یَضْرِبَ مَثَلًا إِلَی قَوْلِهِ یُضِلُّ بِهِ كَثِیراً وَ یَهْدِی بِهِ كَثِیراً قَالَ الصَّادِقُ علیه السلام إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنَ اللَّهِ رَدٌّ عَلَی مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی یُضِلُّ الْعِبَادَ ثُمَّ یُعَذِّبُهُمْ عَلَی ضَلَالَتِهِمْ.

بیان: الظاهر أنه علیه السلام جعل قوله تعالی یُضِلُّ بِهِ كَثِیراً وَ یَهْدِی بِهِ كَثِیراً من جملة قول الذین كفروا علی خلاف ما ذهب إلیه المفسرون من أنه من كلامه تعالی جوابا لقولهم (2).

«7»-ل، الخصال الْخَلِیلُ بْنُ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ مَنِیعٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ عَنْ عَلِیِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ إِسْمَاعِیلَ بْنِ أَبِی إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ أَبِی لَیْلَی عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِی لَیْسَ لَهُمَا فِی الْإِسْلَامِ نَصِیبٌ الْمُرْجِئَةُ وَ الْقَدَرِیَّةُ.

«8»-كَنْزُ الْكَرَاجُكِیِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِیِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّخْرِ الْبَصْرِیِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَیْفٍ (3)عَنْ عَلِیِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَهْرَوَیْهِ الْقَزْوِینِیِّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ سُلَیْمَانَ عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ علیهم السلام مِثْلَهُ.

بیان: قال الكراجكی ظنت المعتزلة أن الشیعة هم المرجئة لقولهم إنا نرجو من اللّٰه تعالی العفو عن المؤمن إذا ارتكب معصیة و مات قبل التوبة و هذا غلط

ص: 7


1- أقول: غیر خفی أنّه و الخبر المتقدم تحت رقم 4 قطعتان من الخبر الثالث.
2- و لعلّ الحدیث مربوط بآخر الآیة، و هو قوله: و ما یضل به إلّا الفاسقین الآیة. ط.
3- فی المصدر: یوسف. م.

منهم فی التسمیة لأن المرجئة مشتق من الإرجاء و هو التأخیر (1)بل هم الذین أخروا الأعمال و لم یعتقدوا من فرائض الإیمان ثم قال إن المعتزلة لها من الزلات الفظیعة ما یكثر تعداده و قد صنف ابن الراوندی كتاب فضائحهم فأورد فیه جملا من اعتقاداتهم و آراء شیوخهم مما ینافر العقول و یضاد شریعة الرسول

وَ قَدْ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ بِذَمِّهِمْ عَنْ أَهْلِ الْبَیْتِ علیهم السلام وَ لَعَنَهُمْ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ علیهما السلام فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْمُعْتَزِلَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَوَحَّدَتْ فَأَلْحَدَتْ وَ رَامَتْ أَنْ تَرْفَعَ التَّشْبِیهَ فَأَثْبَتَتْ

«9»- ل، الخصال مُحَمَّدُ بْنُ عَلِیِّ بْنِ بَشَّارٍ الْقَزْوِینِیُّ عَنِ الْمُظَفَّرِ بْنِ أَحْمَدَ وَ عَلِیِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَیْمَانَ عَنْ عَلِیِّ بْنِ جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِیِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ الْكُوفِیِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ عَلِیِّ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِیهِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ علیهما السلام أَدْنَی مَا یَخْرُجُ بِهِ الرَّجُلُ مِنَ الْإِیمَانِ أَنْ یَجْلِسَ إِلَی غَالٍ وَ یَسْتَمِعَ إِلَی حَدِیثِهِ وَ یُصَدِّقَهُ عَلَی قَوْلِهِ إِنَّ أَبِی حَدَّثَنِی عَنْ أَبِیهِ عَنْ جَدِّهِ علیه السلام أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله قَالَ صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِی لَا نَصِیبَ لَهُمَا فِی الْإِسْلَامِ الْغُلَاةُ وَ الْقَدَرِیَّةُ.

«10»-عد، العقائد اعْتِقَادُنَا فِی الِاسْتِطَاعَةِ مَا قَالَهُ مُوسَی بْنُ جَعْفَرٍ علیهما السلام حِینَ قِیلَ لَهُ أَ یَكُونُ الْعَبْدُ مُسْتَطِیعاً قَالَ نَعَمْ بَعْدَ أَرْبَعِ خِصَالٍ أَنْ یَكُونَ مُخَلَّی السَّرْبِ صَحِیحَ الْجِسْمِ سَلِیمَ الْجَوَارِحِ لَهُ سَبَبٌ وَارِدٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَإِذَا تَمَّتْ هَذِهِ فَهُوَ مُسْتَطِیعٌ فَقِیلَ لَهُ مِثْلُ أَیِّ شَیْ ءٍ فَقَالَ یَكُونُ الرَّجُلُ مُخَلَّی السَّرْبِ صَحِیحَ الْجِسْمِ سَلِیمَ الْجَوَارِحِ لَا یَقْدِرُ أَنْ یَزْنِیَ إِلَّا أَنْ یَرَی امْرَأَةً فَإِذَا وَجَدَ الْمَرْأَةَ فَإِمَّا أَنْ یَعْصِمَ فَیَمْتَنِعَ كَمَا امْتَنَعَ یُوسُفُ وَ إِمَّا أَنْ یُخَلِّیَ بَیْنَهُ وَ بَیْنَهَا فَیَزْنِیَ وَ هُوَ زَانٍ وَ لَمْ یُطِعِ اللَّهَ بِإِكْرَاهٍ وَ لَمْ یَعْصِ بِغَلَبَةٍ (2).

ص: 8


1- قال فی الكنز بعد ذلك ص 50: یقال لمن أخر أمرا: أرجأت الامر یا رجل، فأنت مرجئ قال اللّٰه: «أَرْجِهْ وَ أَخاهُ»* أی أخره، و قال تعالی: «وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ» أی مؤخرون إلی مشیته، و أمّا الرجاء فانما یقال: منه رجوت فأنا راج، فیجب أن تكون الشیعة راجیة لا المرجئة و المرجئة هم الذین أخروا الاعمال، و لم یعتقدوا من فرائض الایمان، و قد لعنهم النبیّ فیما وردت به الاخبار. انتهی. ثم ذكر الحدیث المتقدم.
2- سیوافیك الحدیث مسندا عن الرضا علیه السلام تحت رقم 54.

«11»-وَ سُئِلَ الصَّادِقُ علیه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَدْ كانُوا یُدْعَوْنَ إِلَی السُّجُودِ وَ هُمْ سالِمُونَ قَالَ مُسْتَطِیعُونَ لِلْأَخْذِ بِمَا أُمِرُوا بِهِ وَ التَّرْكِ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَ بِذَلِكَ ابْتُلُوا (1).

«12»-وَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ علیه السلام فِی التَّوْرَاةِ مَكْتُوبٌ مَسْطُورٌ یَا مُوسَی إِنِّی خَلَقْتُكَ وَ اصْطَفَیْتُكَ وَ قَوَّیْتُكَ- (2)وَ أَمَرْتُكَ بِطَاعَتِی وَ نَهَیْتُكَ عَنْ مَعْصِیَتِی فَإِنْ أَطَعْتَنِی أَعَنْتُكَ عَلَی طَاعَتِی وَ إِنْ عَصَیْتَنِی لَمْ أُعِنْكَ عَلَی مَعْصِیَتِی وَ لِیَ الْمِنَّةُ عَلَیْكَ فِی طَاعَتِكَ وَ لِیَ الْحُجَّةُ عَلَیْكَ فِی مَعْصِیَتِكَ.

«13»-فس، تفسیر القمی فِی رِوَایَةِ أَبِی الْجَارُودِ (3)

قَوْلُهُ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِیقاً هَدی وَ فَرِیقاً حَقَّ عَلَیْهِمُ الضَّلالَةُ قَالَ خَلَقَهُمْ حِینَ خَلَقَهُمْ مُؤْمِناً وَ كَافِراً وَ شَقِیّاً وَ سَعِیداً وَ كَذَلِكَ یَعُودُونَ یَوْمَ الْقِیَامَةِ مُهْتَدٍ وَ ضَالٌّ یَقُولُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّیاطِینَ أَوْلِیاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ یَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ وَ هُمُ الْقَدَرِیَّةُ الَّذِینَ یَقُولُونَ لَا قَدَرَ وَ یَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَی الْهُدَی وَ الضَّلَالَةِ وَ ذَلِكَ إِلَیْهِمْ إِنْ شَاءُوا اهْتَدَوْا وَ إِنْ شَاءُوا ضَلُّوا وَ هُمْ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ كَذَبَ أَعْدَاءُ اللَّهِ الْمَشِیَّةُ وَ الْقُدْرَةُ لِلَّهِ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ مَنْ خَلَقَهُ اللَّهُ شَقِیّاً یَوْمَ خَلَقَهُ كَذَلِكَ یَعُودُ إِلَیْهِ- (4)وَ مَنْ خَلَقَهُ سَعِیداً یَوْمَ خَلَقَهُ كَذَلِكَ یَعُودُ إِلَیْهِ سَعِیداً قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله الشَّقِیُّ مَنْ شَقِیَ فِی بَطْنِ أُمِّهِ وَ السَّعِیدُ مَنْ سَعِدَ فِی بَطْنِ أُمِّهِ.

«14»-ل، الخصال الْفَامِیُّ وَ ابْنُ مَسْرُورٍ عَنْ ابْنِ بُطَّةَ عَنِ الصَّفَّارِ وَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِیِّ بْنِ مَحْبُوبٍ (5)عَنِ ابْنِ عِیسَی عَنِ الْحُسَیْنِ بْنِ سَعِیدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِیسَی عَنْ حَرِیزٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: النَّاسُ فِی الْقَدَرِ عَلَی ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ رَجُلٍ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَجْبَرَ النَّاسَ عَلَی الْمَعَاصِی فَهَذَا قَدْ ظَلَّمَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِی حُكْمِهِ وَ هُوَ كَافِرٌ وَ رَجُلٍ یَزْعُمُ أَنَّ الْأَمْرَ

ص: 9


1- سیأتی الحدیث مسندا عن الصادق علیه السلام تحت رقم 41 و 56.
2- فی الأصل: و هدیتك و قویتك و فی آخر الحدیث: فی معصیتك لی.
3- فی تفسیر القمّیّ بعد ذلك: عن أبی جعفر علیه السلام. م.
4- و فیه ایضا: یعود إلیه شقیا. م.
5- فی التوحید بعد ذلك: و محمّد بن حسین بن عبد العزیز، عن ابن عیسی. م.

مُفَوَّضٌ إِلَیْهِمْ فَهَذَا وَهَّنَ اللَّهَ فِی سُلْطَانِهِ فَهُوَ كَافِرٌ وَ رَجُلٍ یَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ كَلَّفَ الْعِبَادَ مَا یُطِیقُونَ وَ لَمْ یُكَلِّفْهُمْ مَا لَا یُطِیقُونَ فَإِذَا أَحْسَنَ حَمِدَ اللَّهَ وَ إِذَا أَسَاءَ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ فَهَذَا مُسْلِمٌ بَالِغٌ.

ید، التوحید الْوَرَّاقُ عَنِ ابْنِ بُطَّةَ مِثْلَهُ.

«15»-ل، الخصال أَبِی عَنْ عَلِیٍّ عَنْ أَبِیهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْفَارِسِیِّ عَنْ سُلَیْمَانَ بْنِ جَعْفَرٍ الْبَصْرِیِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَیْنِ بْنِ زَیْدِ بْنِ عَلِیِّ بْنِ الْحُسَیْنِ بْنِ عَلِیِّ بْنِ أَبِی طَالِبٍ عَنْ أَبِیهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِیٍّ علیه السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمَّا خَلَقَ الْجَنَّةَ خَلَقَهَا مِنْ لَبِنَتَیْنِ لَبِنَةٍ مِنْ ذَهَبٍ وَ لَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ جَعَلَ حِیطَانَهَا الْیَاقُوتَ وَ سَقْفَهَا الزَّبَرْجَدَ وَ حَصْبَاءَهَا اللُّؤْلُؤَ- (1)وَ تُرَابَهَا الزَّعْفَرَانَ وَ الْمِسْكَ الْأَزْفَرَ فَقَالَ لَهَا تَكَلَّمِی فَقَالَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْحَیُّ الْقَیُّومُ قَدْ سَعِدَ مَنْ یَدْخُلُنِی فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَّ بِعِزَّتِی وَ عَظَمَتِی وَ جَلَالِی وَ ارْتِفَاعِی لَا یَدْخُلُهَا مُدْمِنُ خَمْرٍ وَ لَا سِكِّیرٌ وَ لَا قَتَّاتٌ (2)وَ هُوَ النَّمَّامُ وَ لَا دَیُّوثٌ وَ هُوَ الْقَلْطَبَانُ وَ لَا قَلَّاعٌ وَ هُوَ الشُّرْطِیُّ وَ لَا زَنُّوقٌ وَ هُوَ الْخُنْثَی وَ لَا خَیُّوفٌ (3)وَ هُوَ النَّبَّاشُ وَ لَا عَشَّارٌ وَ لَا قَاطِعُ رَحِمٍ وَ لَا قَدَرِیٌّ.

توضیح: السكیر بالكسر و تشدید الكاف: الكثیر السكر و الفرق بینه و بین المدمن إما بكون المراد بالخمر ما یتخذ من العنب و بالسكیر من یسكر من غیره أو بكون المراد بالمدمن أعم ممن یسكر و شرط السلطان نخبة أصحابه الذین یقدمهم علی غیرهم من جنده و النسبة إلیهم شرطی كتركی و لم أجد اللغویین فسروا الزنوق و الخیوف بما فسرا به فی الخبر.

«16»-ل، الخصال أَبِی وَ ابْنُ الْوَلِیدِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِیسَ وَ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ الْأَشْعَرِیِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَیْنِ بِإِسْنَادٍ لَهُ یَرْفَعُهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله لَا یَدْخُلُ الْجَنَّةَ مُدْمِنُ

ص: 10


1- فی نسخة: و حصاها اللؤلؤ.
2- من القت و هو الكذب، و سمی النمام قتاتا لانه یزور الحدیث و یحسّنها و یبلغها علی جهة الكذب و الفساد.
3- فی نسخة من الكتاب: و لا خنوف. و فی الخصال المطبوع: و لا خیوق فی الموضعین.

خَمْرٍ وَ لَا سِكِّیرٌ وَ لَا عَاقٌّ وَ لَا شَدِیدُ السَّوَادِ وَ لَا دَیُّوثٌ وَ لَا قَلَّاعٌ وَ هُوَ الشُّرْطِیُّ وَ لَا زَنُّوقٌ وَ هُوَ الْخُنْثَی وَ لَا خَیُّوفٌ وَ هُوَ النَّبَّاشُ وَ لَا عَشَّارٌ وَ لَا قَاطِعُ رَحِمٍ وَ لَا قَدَرِیٌّ.

قال الصدوق رحمه اللّٰه: یعنی بشدید السواد الذی لا یبیض شی ء من شعر رأسه و لا من شعر لحیته مع كبر السن و یسمی الغربیب (1).

«17»-ن، عیون أخبار الرضا علیه السلام السِّنَانِیُّ عَنِ الْأَسَدِیِّ عَنْ سَهْلٍ عَنْ عَبْدِ الْعَظِیمِ الْحَسَنِیِّ عَنْ إِبْرَاهِیمَ بْنِ أَبِی مَحْمُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا علیه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ تَرَكَهُمْ فِی ظُلُماتٍ لا یُبْصِرُونَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی لَا یُوصَفُ بِالتَّرْكِ كَمَا یُوصَفُ خَلْقُهُ وَ لَكِنَّهُ مَتَی عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا یَرْجِعُونَ عَنِ الْكُفْرِ وَ الضَّلَالِ مَنَعَهُمُ الْمُعَاوَنَةَ وَ اللُّطْفَ وَ خَلَّی بَیْنَهُمْ وَ بَیْنَ اخْتِیَارِهِمْ قَالَ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ خَتَمَ اللَّهُ عَلی قُلُوبِهِمْ وَ عَلی سَمْعِهِمْ قَالَ الْخَتْمُ هُوَ الطَّبْعُ عَلَی قُلُوبِ الْكُفَّارِ عُقُوبَةً عَلَی كُفْرِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَی بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَیْها بِكُفْرِهِمْ فَلا یُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِیلًا قَالَ وَ سَأَلْتُهُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ هَلْ یُجْبِرُ عِبَادَهُ عَلَی الْمَعَاصِی فَقَالَ بَلْ یُخَیِّرُهُمْ (2)وَ یُمْهِلُهُمْ حَتَّی یَتُوبُوا قُلْتُ فَهَلْ یُكَلِّفُ عِبَادَهُ مَا لَا یُطِیقُونَ فَقَالَ كَیْفَ یَفْعَلُ ذَلِكَ وَ هُوَ یَقُولُ وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِیدِ ثُمَّ قَالَ علیه السلام حَدَّثَنِی أَبِی مُوسَی بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِیهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ علیهما السلام أَنَّهُ قَالَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ یُجْبِرُ عِبَادَهُ عَلَی الْمَعَاصِی أَوْ یُكَلِّفُهُمْ مَا لَا یُطِیقُونَ فَلَا تَأْكُلُوا ذَبِیحَتَهُ وَ لَا تَقْبَلُوا شَهَادَتَهُ وَ لَا تُصَلُّوا وَرَاءَهُ وَ لَا تُعْطُوهُ مِنَ الزَّكَاةِ شَیْئاً.

ج، الإحتجاج مُرْسَلًا عَنِ الْحَسَنِیِّ مِثْلَهُ.

«18»-ن، عیون أخبار الرضا علیه السلام تَمِیمٌ الْقُرَشِیُّ عَنْ أَبِیهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِیٍّ الْأَنْصَارِیِّ عَنْ یَزِیدَ بْنِ عُمَیْرِ بْنِ مُعَاوِیَةَ الشَّامِیِّ (3)قَالَ: دَخَلْتُ عَلَی عَلِیِّ بْنِ مُوسَی الرِّضَا علیهما السلام بِمَرْوَ فَقُلْتُ لَهُ یَا ابْنَ

ص: 11


1- وزان عفریت.
2- فی الاحتجاج: لا بل یخیرهم. م.
3- الموجود فی العیون: «زید بن عمیر بن معاویة الشامیّ» و حكی فیه عن نسخة اخری «یزید بن عمیر، عن معاویة الشامیّ».

رَسُولِ اللَّهِ رُوِیَ لَنَا عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ علیهما السلام أَنَّهُ قَالَ لَا جَبْرَ وَ لَا تَفْوِیضَ بَلْ أَمْرٌ بَیْنَ أَمْرَیْنِ فَمَا مَعْنَاهُ فَقَالَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ یَفْعَلُ أَفْعَالَنَا ثُمَّ یُعَذِّبُنَا عَلَیْهَا فَقَدْ قَالَ بِالْجَبْرِ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَوَّضَ أَمْرَ الْخَلْقِ وَ الرِّزْقِ إِلَی حُجَجِهِ علیهم السلام فَقَدْ قَالَ بِالتَّفْوِیضِ فَالْقَائِلُ بِالْجَبْرِ كَافِرٌ وَ الْقَائِلُ بِالتَّفْوِیضِ مُشْرِكٌ فَقُلْتُ لَهُ یَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَمَا أَمْرٌ بَیْنَ أَمْرَیْنِ فَقَالَ وُجُودُ السَّبِیلِ إِلَی إِتْیَانِ مَا أُمِرُوا بِهِ وَ تَرْكِ مَا نُهُوا عَنْهُ فَقُلْتُ لَهُ فَهَلْ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَشِیَّةٌ وَ إِرَادَةٌ فِی ذَلِكَ فَقَالَ أَمَّا الطَّاعَاتُ فَإِرَادَةُ اللَّهِ وَ مَشِیَّتُهُ فِیهَا الْأَمْرُ بِهَا وَ الرِّضَا لَهَا وَ الْمُعَاوَنَةُ عَلَیْهَا وَ إِرَادَتُهُ وَ مَشِیَّتُهُ فِی الْمَعَاصِی النَّهْیُ عَنْهَا وَ السَّخَطُ لَهَا وَ الْخِذْلَانُ عَلَیْهَا قُلْتُ فَلِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِیهَا الْقَضَاءُ- (1)قَالَ نَعَمْ مَا مِنْ فِعْلٍ یَفْعَلُهُ الْعِبَادُ مِنْ خَیْرٍ وَ شَرٍّ إِلَّا وَ لِلَّهِ فِیهِ قَضَاءٌ قُلْتُ فَمَا مَعْنَی هَذَا الْقَضَاءِ قَالَ الْحُكْمُ عَلَیْهِمْ بِمَا یَسْتَحِقُّونَهُ عَلَی أَفْعَالِهِمْ مِنَ الثَّوَابِ وَ الْعِقَابِ فِی الدُّنْیَا وَ الْآخِرَةِ.

ج، الإحتجاج رواه مرسلا مثله.

«19»-ن، (2)عیون أخبار الرضا علیه السلام الدَّقَّاقُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الطَّائِیِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِیَادٍ عَنْ عَلِیِّ بْنِ جَعْفَرٍ الْكُوفِیِّ قَالَ سَمِعْتُ سَیِّدِی عَلِیَّ بْنَ مُحَمَّدٍ علیهما السلام یَقُولُ حَدَّثَنِی أَبِی مُحَمَّدُ بْنُ عَلِیٍّ عَنْ أَبِیهِ الرِّضَا عَلِیِّ بْنِ مُوسَی عَنْ أَبِیهِ مُوسَی بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِیهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِیهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِیٍّ عَنْ أَبِیهِ عَلِیِّ بْنِ الْحُسَیْنِ عَنْ أَبِیهِ علیه السلام وَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ الْبَغْدَادِیُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَلَوِیِّ عَنْ أَبِیهِ عَنْ سُلَیْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِیِّ عَنْ إِسْمَاعِیلَ بْنِ أَبِی زِیَادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِیهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِیٍّ علیه السلام وَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَیْنِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِیمَ بْنِ إِسْحَاقَ الْفَارِسِیُّ الْغَرَائِمِیُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ رُمَیْحٍ النَّسَوِیِّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِیزِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عِیسَی

ص: 12


1- فی العیون المطبوع: فهل عزّ و جلّ فیها القضاء؟.
2- أورده الإمام علیّ بن محمّد العسكریّ علیه السلام ملخصا فی رسالته إلی أهل الأهواز فی معنی الجبر و التفویض، و سیوردها المصنّف قدّس سرّه فی الباب الآتی. و یأتی عن كتاب الاحتجاج أیضا فی الباب الثالث تحت رقم 19 و عن الإرشاد تحت رقم 75 و عن النهج تحت رقم 79.

الْمَرْوَزِیِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِیِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَلَوِیِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَجِیحٍ عَنْ أَبِیهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِیهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِیهِ علیه السلام وَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَطَّانُ عَنِ السُّكَّرِیِّ عَنِ الْجَوْهَرِیِّ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ بَكَّارٍ الضَّبِّیِّ عَنْ أَبِی بَكْرٍ الْهُذَلِیِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالُوا لَمَّا انْصَرَفَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ عَلِیُّ بْنُ أَبِی طَالِبٍ علیهما السلام مِنْ صِفِّینَ قَامَ إِلَیْهِ شَیْخٌ مِمَّنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ مَعَهُ فَقَالَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ أَخْبِرْنَا عَنْ مَسِیرِنَا هَذَا أَ بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَ قَدَرٍ.

وَ قَالَ الرِّضَا فِی رِوَایَتِهِ عَنْ آبَائِهِ عَنِ الْحُسَیْنِ بْنِ عَلِیٍّ علیهما السلام دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَی أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام فَقَالَ أَخْبِرْنَا عَنْ خُرُوجِنَا إِلَی أَهْلِ الشَّامِ أَ بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَ قَدَرٍ فَقَالَ لَهُ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام أَجَلْ یَا شَیْخُ فَوَ اللَّهِ مَا عَلَوْتُمْ تَلْعَةً وَ لَا هَبَطْتُمْ بَطْنَ وَادٍ إِلَّا بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَ قَدَرٍ فَقَالَ الشَّیْخُ عِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ عَنَائِی یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ- (1)فَقَالَ مَهْلًا یَا شَیْخُ لَعَلَّكَ تَظُنُّ قَضَاءً حَتْماً وَ قَدَراً لَازِماً لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَ الْعِقَابُ وَ الْأَمْرُ وَ النَّهْیُ وَ الزَّجْرُ وَ لَسَقَطَ مَعْنَی الْوَعْدِ وَ الْوَعِیدِ وَ لَمْ تَكُنْ عَلَی مُسِی ءٍ لَائِمَةٌ وَ لَا لِمُحْسِنٍ مَحْمَدَةٌ وَ لَكَانَ الْمُحْسِنُ أَوْلَی بِاللَّائِمَةِ مِنَ الْمُذْنِبِ وَ الْمُذْنِبُ أَوْلَی بِالْإِحْسَانِ مِنَ الْمُحْسِنِ تِلْكَ مَقَالَةُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَ خُصَمَاءِ الرَّحْمَنِ وَ قَدَرِیَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ مَجُوسِهَا یَا شَیْخُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ كَلَّفَ تَخْیِیراً وَ نَهَی تَحْذِیراً وَ أَعْطَی عَلَی الْقَلِیلِ كَثِیراً وَ لَمْ یُعْصَ مَغْلُوباً وَ لَمْ یُطَعْ مُكْرِهاً وَ لَمْ یَخْلُقِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَیْنَهُما باطِلًا- (2)ذلِكَ ظَنُّ الَّذِینَ كَفَرُوا فَوَیْلٌ لِلَّذِینَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ قَالَ فَنَهَضَ الشَّیْخُ وَ هُوَ یَقُولُ:

ص: 13


1- الظاهر كما یستفاد من الكافی سقوط جملة من هنا إمّا من الصدوق أو من النسّاخ و من روی الحدیث عنه، و هی فی الكافی هكذا: فقال له: مه یا شیخ فو اللّٰه لقد عظم اللّٰه الاجر فی مسیركم و أنتم سائرون، و فی مقامكم و أنتم مقیمون، و فی منصرفكم و أنتم منصرفون، و لم تكونوا فی شی ء من حالاتكم مكرهین، و لا إلیه مضطرین. فقال له الشیخ: و كیف لم نكن فی شی ء من حالاتنا مكرهین و لا إلیه مضطرین و كان بالقضاء و القدر مسیرنا و منقلبنا و منصرفنا؟ فقال له: و تظن أنه كان قضاء حتما إه و أورد مثله العلامة فی شرح التجرید فی باب القضاء و القدر بإسناده عن الأصبغ مع اختلاف نشیر إلیه بعد ذلك. و فیه أیضا بعد قوله: یا أمیر المؤمنین قوله: ما أری لی من الاجر شیئا. و یاتی نحوه أیضا فی خبر 19 من الباب الثالث مع زیادة.
2- یوجد فی الكافی هنا أیضا زیادة و هی: و لم یبعث النبیین مبشرین و منذرین عبثا.

أَنْتَ الْإِمَامُ الَّذِی نَرْجُو بِطَاعَتِهِ***یَوْمَ النَّجَاةِ مِنَ الرَّحْمَنِ غُفْرَاناً

أَوْضَحْتَ مِنْ دِینِنَا مَا كَانَ مُلْتَبِساً ***جَزَاكَ رَبُّكَ عَنَّا فِیهِ إِحْسَاناً

فَلَیْسَ مَعْذِرَةٌ فِی فِعْلِ فَاحِشَةٍ ***قَدْ كُنْتُ رَاكِبَهَا فِسْقاً وَ عِصْیَاناً

لَا لَا وَ لَا قَابِلًا نَاهِیهِ أَوْقَعَهُ ***فِیهَا عَبَدْتُ إِذاً یَا قَوْمِ شَیْطَاناً

وَ لَا أَحَبَّ وَ لَا شَاءَ الْفُسُوقَ وَ لَا ***قَتْلَ الْوَلِیِّ لَهُ ظُلْماً وَ عُدْوَاناً

أَنَّی یُحِبُّ وَ قَدْ صَحَّتْ عَزِیمَتُهُ*** ذُو الْعَرْشِ أَعْلَنَ ذَاكَ اللَّهُ إِعْلَاناً

لَمْ یَذْكُرْ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ فِی آخِرِ هَذَا الْحَدِیثِ مِنَ الشِّعْرِ إِلَّا بَیْتَیْنِ مِنْ أَوَّلِهِ (1) (ص 79)

ید، التوحید زَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِی حَدِیثِهِ فَقَالَ الشَّیْخُ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ الْقَضَاءُ وَ الْقَدْرُ اللَّذَانِ سَاقَانَا وَ مَا هَبَطْنَا وَادِیاً وَ مَا عَلَوْنَا تَلْعَةً إِلَّا بِهِمَا فَقَالَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام الْأَمْرُ مِنَ اللَّهِ وَ الْحُكْمُ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآیَةَ وَ قَضی رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِیَّاهُ وَ بِالْوالِدَیْنِ إِحْساناً

بیان: التلعة ما ارتفع من الأرض.

قوله عند اللّٰه أحتسب عنائی أی لما لم نكن مستحقین للأجر لكوننا مجبورین فأحتسب أجر مشقتی عند اللّٰه لعله یثیبنی بلطفه و یحتمل أن یكون استفهاما علی سبیل الإنكار و قال الجزری الاحتساب من الحسب كالاعتداد من العد و إنما قیل لمن ینوی بعمله وجه اللّٰه احتسبه لأن له حینئذ أن یعتد عمله و الاحتساب فی الأعمال الصالحات و عند المكروهات هو البدار إلی طلب الأجر و تحصیله بالتسلیم و الصبر أو باستعمال أنواع البر و القیام بها علی الوجه المرسوم فیها طلبا للثواب المرجو منها انتهی.

قوله علیه السلام و لكان المذنب أولی بالإحسان أقول لأنه حمله علی ما هو قبیح عقلا و شرعا و صیره بذلك محلا للائمة الناس فهو أولی بالإحسان لتدارك ذلك و أیضا لما حمل المحسن علی ما هو حسن عقلا و شرعا و صار بذلك موردا لمدح الناس فإن

ص: 14


1- كالكلینی فی الكافی إلّا أنّه قال: أوضحت من أمرنا ما كان ملتبسا*** جزاك ربك بالاحسان إحسانا

عاقبه و أضر به تداركا لما أحسن إلیه كان أولی من جمع الإضرارین علی المسی ء و قیل إنما كان المذنب أولی بالإحسان لأنه لا یرضی بالذنب كما یدل علیه جبره علیه و المحسن أولی بالعقوبة لأنه لا یرضی بالإحسان لدلالة الجبر علیه و من لا یرضی بالإحسان أولی بالعقوبة من الذی یرضی به.

و یحتمل أن یكون هذا متفرعا علی ما مر أی إذا بطل الثواب و العقاب و الأمر و النهی و الوعد و الوعید لكان المذنب أولی إلخ و وجهه أنه لم یبق حینئذ إلا الإحسان و العقوبة الدنیویة و المذنب فی الدنیا متنعم بأنواع اللذات و لیست له مشقة التكالیف الشرعیة و المحسن فی التعب و النصب بارتكاب أفعال لا یشتهیها و ترك ما یلتذ بها مقتر علیه لاجتناب المحرمات من الأموال فحینئذ الإحسان الواقع للمذنب أكثر مما وقع للمحسن فهو أولی بالإحسان من المحسن و العقوبة الواقعة علی المحسن أكثر مما وقع علی المذنب فهو أولی بالعقوبة من المذنب (1)و القدریة فی هذا الخبر أطلقت علی الجبریة و قوله لم یعص علی بناء المفعول و كذا قوله و لم یطع مكرها بكسر الراء و فی الفتح تكلف.

و فی الكافی بعد ذلك و لم یملك مفوضا إشارة إلی نفی التفویض التام بحیث لا یقدر علی صرفهم عنه أو بحیث لا یكون لتوفیقه و هدایته مدخل فیه.

«20»-ید، التوحید ن، عیون أخبار الرضا علیه السلام ابْنُ مَسْرُورٍ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ عَنْ مُعَلَّی بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَصْرِیِّ عَنِ

ص: 15


1- و ذكر وجهین آخرین فی كتابه المرآة أیضا، أحدهما أنّه لما اقتضی ذات المذنب أن یحسن إلیه فی الدنیا باحداث اللذات فیه فینبغی أن یكون فی الآخرة أیضا كذلك، لعدم تغیر الذوات فی النشأتین، و إذا اقتضی ذات المحسن المشقة فی الدنیا و إیلامه بالتكالیف الشاقة ففی الآخرة أیضا ینبغی أن یكون كذلك. الثانی ما قیل: لعل وجه ذلك أن المذنب بصدور القبائح و السیئات منه متألم منكسر البال، لظنه أنّها وقعت منه باختیاره و قد كانت بجبر جابر و قهر قاهر فیستحق الاحسان، و أن المحسن لفرحاته بصدور الحسنات عنه و زعمه أنّه قد فعلها بالاختیار أولی بالعقوبة من المذنب أقول: لعل قوله: و لكان المحسن أولی إه فیه تصحیف، و صحیحه كما فی شرح التجرید فی روایة الأصبغ: و لم یكن المحسن أولی بالمدح من المسی ء، و لا المسی ء أولی بالذم من المحسن. أو كما یاتی فی حدیث 19 من الباب الثالث: و لا كان المحسن أولی إه و معناه ظاهر لا یحتاج إلی شی ء من التوجیهات المذكورة، لان العبد إذا كان مجبورا علی الفعل مسلوبا عنه الاختیار كان المحسن و المسی ء كلاهما متساویین فی عدم صحة استناد الاحسان و الاساءة إلیهما فلا یكون أحدهما أولی بالمدح أو الذم من الآخر.

الْوَشَّاءِ عَنْ أَبِی الْحَسَنِ الرِّضَا علیه السلام قَالَ: سَأَلْتُهُ فَقُلْتُ اللَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إِلَی الْعِبَادِ قَالَ اللَّهُ أَعَزُّ مِنْ ذَلِكَ قُلْتُ فَأَجْبَرَهُمْ عَلَی الْمَعَاصِی قَالَ اللَّهُ أَعْدَلُ وَ أَحْكَمُ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ یَا ابْنَ آدَمَ أَنَا أَوْلَی بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ وَ أَنْتَ أَوْلَی بِسَیِّئَاتِكَ مِنِّی عَمِلْتَ الْمَعَاصِیَ بِقُوَّتِیَ الَّتِی جَعَلْتُهَا فِیكَ.

«21»-ید، التوحید ن، عیون أخبار الرضا علیه السلام الطَّالَقَانِیُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِیٍّ الْأَنْصَارِیِّ عَنِ الْهَرَوِیِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِیَّ بْنَ مُوسَی بْنِ جَعْفَرٍ علیهما السلام یَقُولُ مَنْ قَالَ بِالْجَبْرِ فَلَا تُعْطُوهُ مِنَ الزَّكَاةِ وَ لَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً- (1)إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی لَا یُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَ لَا یُحَمِّلُهَا فَوْقَ طَاقَتِهَا وَ لا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَیْها وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْری

«22»-ید، التوحید ن، عیون أخبار الرضا علیه السلام أَبِی عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْبَرْقِیِّ عَنْ أَبِیهِ عَنِ الْجَعْفَرِیِّ عَنْ أَبِی الْحَسَنِ الرِّضَا علیه السلام قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَهُ الْجَبْرُ وَ التَّفْوِیضُ فَقَالَ أَ لَا أُعْطِیكُمْ فِی هَذَا أَصْلًا لَا تَخْتَلِفُونَ فِیهِ وَ لَا یُخَاصِمُكُمْ عَلَیْهِ أَحَدٌ إِلَّا كَسَرْتُمُوهُ- (2)قُلْنَا إِنْ رَأَیْتَ ذَلِكَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ یُطَعْ بِإِكْرَاهٍ وَ لَمْ یُعْصَ بِغَلَبَةٍ وَ لَمْ یُهْمِلِ الْعِبَادَ فِی مُلْكِهِ هُوَ الْمَالِكُ لِمَا مَلَّكَهُمْ وَ الْقَادِرُ عَلَی مَا أَقْدَرَهُمْ عَلَیْهِ فَإِنِ ائْتَمَرَ الْعِبَادُ بِطَاعَتِهِ (3)لَمْ یَكُنِ اللَّهُ عَنْهَا صَادّاً وَ لَا مِنْهَا مَانِعاً وَ إِنِ ائْتَمَرُوا بِمَعْصِیَتِهِ فَشَاءَ أَنْ یَحُولَ بَیْنَهُمْ وَ بَیْنَ ذَلِكَ فَعَلَ وَ إِنْ لَمْ یَحُلْ وَ فَعَلُوهُ فَلَیْسَ هُوَ الَّذِی أَدْخَلَهُمْ فِیهِ ثُمَّ قَالَ علیه السلام مَنْ یَضْبِطْ حُدُودَ هَذَا الْكَلَامِ فَقَدْ خَصَمَ مَنْ خَالَفَهُ.

ج، الإحتجاج مرسلا مثله (4)

بیان: لعل ذكر الائتمار ثانیا للمشاكلة أو هو بمعنی الهم أو الفعل من غیر مشاورة كما ذكر فی النهایة و القاموس.

«23»-ید، التوحید مع، معانی الأخبار حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحْتَمِلُ بْنُ سَعِیدٍ السَّمَرْقَنْدِیُّ (5)الْفَقِیهُ بِأَرْضِ بَلْخٍ

ص: 16


1- فی المصدرین: و لا تقبلوا له شهادة. م.
2- فی التوحید المطبوع: و لا تخاصمون علیه أحدا إلّا كسرتموه.
3- ائتمر الامر و به: امتثله. أقول: أورد الحدیث الكلینی فی باب القضاء و القدر.
4- الا ان صدر الروایة من قوله: «فقال الا اعطیكم» الی قوله: «قلنا ان رایت ذلك» غیر مذكور فی المصدر م.
5- كذا فی النسخ و لعله تصحیف «محمد».

قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الزَّاهِدِ السَّمَرْقَنْدِیُّ بِإِسْنَادٍ رَفَعَهُ إِلَی الصَّادِقِ علیه السلام أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ إِنَّ أَسَاسَ الدِّینِ التَّوْحِیدُ وَ الْعَدْلُ وَ عِلْمُهُ كَثِیرٌ لَا بُدَّ لِعَاقِلٍ مِنْهُ فَاذْكُرْ مَا یَسْهُلُ الْوُقُوفُ عَلَیْهِ وَ یَتَهَیَّأُ حِفْظُهُ فَقَالَ أَمَّا التَّوْحِیدُ فَأَنْ لَا تُجَوِّزَ عَلَی رَبِّكَ مَا جَازَ عَلَیْكَ وَ أَمَّا الْعَدْلُ فَأَنْ لَا تَنْسُبَ إِلَی خَالِقِكَ مَا لَامَكَ عَلَیْهِ.

«24»-فس، تفسیر القمی قَوْلُهُ وَ قارُونَ وَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ لَقَدْ جاءَهُمْ إِلَی قَوْلِهِ سابِقِینَ (1)فَهَذَا رَدٌّ عَلَی الْمُجَبِّرَةِ الَّذِینَ زَعَمُوا أَنَّ الْأَفْعَالَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا صُنْعَ لَهُمْ فِیهَا وَ لَا اكْتِسَابَ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَیْهِمْ فَقَالَ فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ وَ لَمْ یَقُلْ بِفِعْلِنَا لِأَنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ یُعَذِّبَ الْعَبْدَ عَلَی فِعْلِهِ الَّذِی یُجْبِرُهُ عَلَیْهِ.

«25»-فس، تفسیر القمی مُحَمَّدُ بْنُ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُوسَی بْنِ عِمْرَانَ عَنِ النَّوْفَلِیِّ عَنِ السَّكُونِیِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام وَجَدْتُ لِأَهْلِ الْقَدَرِ أَسْمَاءً فِی كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ الْمُجْرِمِینَ فِی ضَلالٍ وَ سُعُرٍ یَوْمَ یُسْحَبُونَ فِی النَّارِ عَلی وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَیْ ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ فَهُمُ الْمُجْرِمُونَ.

«26»-ج، الإحتجاج عَنْ أَبِی حَمْزَةَ الثُّمَالِیِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ علیه السلام لِلْحَسَنِ الْبَصْرِیِّ إِیَّاكَ أَنْ تَقُولَ بِالتَّفْوِیضِ- (2)فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ یُفَوِّضِ الْأَمْرَ إِلَی خَلْقِهِ وَهْناً مِنْهُ وَ ضَعْفاً وَ لَا أَجْبَرَهُمْ عَلَی مَعَاصِیهِ (3)ظُلْماً الْخَبَرَ.

«27»-ید، التوحید الدَّقَّاقُ عَنِ الْأَسَدِیِّ عَنْ خُنَیْسِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ یَحْیَی الْخَزَّازِ عَنِ الْمُفَضَّلِ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: لَا جَبْرَ وَ لَا تَفْوِیضَ وَ لَكِنْ أَمْرٌ بَیْنَ أَمْرَیْنِ قَالَ قُلْتُ مَا أَمْرٌ بَیْنَ أَمْرَیْنِ قَالَ مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ رَأَیْتَهُ عَلَی مَعْصِیَتِهِ فَنَهَیْتَهُ فَلَمْ یَنْتَهِ فَتَرَكْتَهُ فَفَعَلَ تِلْكَ الْمَعْصِیَةَ فَلَیْسَ حَیْثُ لَمْ یَقْبَلْ مِنْكَ فَتَرَكْتَهُ كُنْتَ أَنْتَ الَّذِی أَمَرْتَهُ بِالْمَعْصِیَةِ.

«28»-عد، العقائد اعْتِقَادُنَا فِی الْجَبْرِ وَ التَّفْوِیضِ قَوْلُ الصَّادِقِ علیه السلام لَا جَبْرَ وَ لَا تَفْوِیضَ.

ص: 17


1- العنكبوت: 39.
2- لیست هذه العبارة مرویة علی استقلالها فی المصدر: بل مذكورة فی ضمن حدیث مفصل. م.
3- فی نسخة: المعاصی.

أقول: و ساق الخبر إلی آخر ما رواه المفضل و قال الشیخ المفید قدس اللّٰه روحه فی شرحه الجبر هو الحمل علی الفعل و الاضطرار إلیه بالقسر و الغلبة و حقیقة ذلك إیجاد الفعل فی الخلق من غیر أن یكون له قدرة علی دفعه و الامتناع من وجوده فیه و قد یعبر عما یفعله الإنسان بالقدرة التی معه علی وجه الإكراه له علی التخویف و الإلجاء أنه جبر و الأصل فیه ما فعل من غیر قدرة علی امتناعه منه حسب ما قدمناه و إذا تحقق القول فی الجبر علی ما وصفناه كان مذهب الجبر هو قول من یزعم أن اللّٰه تعالی خلق فی العبد الطاعة من غیر أن یكون للعبد قدرة علی ضدها و الامتناع منها و خلق فیهم المعصیة كذلك فهم المجبرة حقا و الجبر مذهبهم علی التحقیق و التفویض هو القول برفع الحظر (1)عن الخلق فی الأفعال و الإباحة لهم مع ما شاءوا من الأعمال و هذا قول الزنادقة و أصحاب الإباحات و الواسطة بین هذین القولین أن اللّٰه أقدر الخلق علی أفعالهم و مكنهم من أعمالهم و حد لهم الحدود فی ذلك و رسم لهم الرسوم و نهاهم عن القبائح بالزجر و التخویف و الوعد و الوعید فلم یكن بتمكینهم من الأعمال مجبرا لهم علیها و لم یفوض إلیهم الأعمال لمنعهم من أكثرها و وضع الحدود لهم فیها و أمرهم بحسنها و نهاهم عن قبیحها فهذا هو الفصل بین الجبر و التفویض علی ما بیناه.

«29»-ج، الإحتجاج عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: سَأَلَ الزِّنْدِیقُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام فَقَالَ أَخْبِرْنِی عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ كَیْفَ لَمْ یَخْلُقِ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ مُطِیعِینَ مُوَحِّدِینَ وَ كَانَ عَلَی ذَلِكَ قَادِراً قَالَ علیه السلام لَوْ خَلَقَهُمْ مُطِیعِینَ لَمْ یَكُنْ لَهُمْ ثَوَابٌ لِأَنَّ الطَّاعَةَ إِذَا مَا كَانَتْ فِعْلَهُمْ لَمْ تَكُنْ جَنَّةٌ وَ لَا نَارٌ وَ لَكِنْ خَلَقَ خَلْقَهُ فَأَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ وَ نَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِیَتِهِ وَ احْتَجَّ عَلَیْهِمْ بِرُسُلِهِ وَ قَطَعَ عُذْرَهُمْ بِكُتُبِهِ لِیَكُونُوا هُمُ الَّذِینَ یُطِیعُونَ وَ یَعْصُونَ وَ یَسْتَوْجِبُونَ بِطَاعَتِهِمْ لَهُ الثَّوَابَ وَ بِمَعْصِیَتِهِمْ إِیَّاهُ الْعِقَابَ قَالَ فَالْعَمَلُ الصَّالِحُ مِنَ الْعَبْدِ هُوَ فِعْلُهُ

ص: 18


1- الحظر: المنع، و ظاهره انه رحمه اللّٰه یفسر التفویض بالالحاد مع أن الظاهر ان المراد بالتفویض فی الاخبار هو ما قالت به المعتزلة فی مقابل الأشاعرة، و هو أن الافعال مخلوقة للإنسان، و إن كانت القوی و الادوات مخلوقة للّٰه خلافا لما ینسب الی الأشاعرة أن الجمیع مخلوقة للّٰه. ط.

وَ الْعَمَلُ الشَّرُّ مِنَ الْعَبْدِ هُوَ فِعْلُهُ قَالَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ الْعَبْدُ یَفْعَلُهُ وَ اللَّهُ بِهِ أَمَرَهُ وَ الْعَمَلُ الشَّرُّ الْعَبْدُ یَفْعَلُهُ وَ اللَّهُ عَنْهُ نَهَاهُ قَالَ أَ لَیْسَ فَعَلَهُ بِالْآلَةِ الَّتِی رَكِبَهَا فِیهِ- (1)قَالَ نَعَمْ وَ لَكِنْ بِالْآلَةِ الَّتِی عَمِلَ بِهَا الْخَیْرَ قَدَرَ بِهَا عَلَی الشَّرِّ الَّذِی نَهَاهُ عَنْهُ (2)قَالَ فَإِلَی الْعَبْدِ مِنَ الْأَمْرِ شَیْ ءٌ قَالَ مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْ شَیْ ءٍ إِلَّا وَ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ یُطِیقُ تَرْكَهُ وَ لَا أَمَرَهُ بِشَیْ ءٍ إِلَّا وَ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ یَسْتَطِیعُ فِعْلَهُ لِأَنَّهُ لَیْسَ مِنْ صِفَتِهِ الْجَوْرُ وَ الْعَبَثُ وَ الظُّلْمُ وَ تَكْلِیفُ الْعِبَادِ مَا لَا یُطِیقُونَ قَالَ فَمَنْ خَلَقَهُ اللَّهُ كَافِراً یَسْتَطِیعُ الْإِیمَانَ وَ لَهُ عَلَیْهِ بِتَرْكِهِ الْإِیمَانَ حُجَّةٌ قَالَ علیه السلام إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ جَمِیعاً مُسْلِمِینَ أَمَرَهُمْ وَ نَهَاهُمْ وَ الْكُفْرُ اسْمٌ یَلْحَقُ الْفِعْلَ حِینَ یَفْعَلُهُ الْعَبْدُ وَ لَمْ یَخْلُقِ اللَّهُ الْعَبْدَ حِینَ خَلَقَهُ كَافِراً إِنَّهُ إِنَّمَا كَفَرَ مِنْ بَعْدِ أَنْ بَلَغَ وَقْتاً لَزِمَتْهُ الْحُجَّةُ مِنَ اللَّهِ فَعَرَضَ عَلَیْهِ الْحَقَّ فَجَحَدَهُ فَبِإِنْكَارِهِ الْحَقَّ صَارَ كَافِراً قَالَ فَیَجُوزُ أَنْ یُقَدِّرَ عَلَی الْعَبْدِ الشَّرَّ وَ یَأْمُرَهُ بِالْخَیْرِ وَ هُوَ لَا یَسْتَطِیعُ الْخَیْرَ أَنْ یَعْمَلَهُ وَ یُعَذِّبَهُ عَلَیْهِ قَالَ إِنَّهُ لَا یَلِیقُ بِعَدْلِ اللَّهِ وَ رَأْفَتِهِ أَنْ یُقَدِّرَ عَلَی الْعَبْدِ الشَّرَّ وَ یُرِیدَهُ مِنْهُ ثُمَّ یَأْمُرَهُ بِمَا یَعْلَمُ أَنَّهُ لَا یَسْتَطِیعُ أَخْذَهُ وَ الْإِنْزَاعِ عَمَّا لَا یَقْدِرُ عَلَی تَرْكِهِ ثُمَّ یُعَذِّبَهُ عَلَی تَرْكِهِ أَمْرَهُ الَّذِی عَلِمَ أَنَّهُ لَا یَسْتَطِیعُ أَخْذَهُ الْخَبَرَ.

عد، العقائد اعتقادنا فی أفعال العباد أنها مخلوقة خلق تقدیر لا خلق تكوین و معنی ذلك أنه لم یزل اللّٰه عالما بمقادیرها.

أقول: قال الشیخ المفید قدس اللّٰه روحه فی شرح العقائد عند شرح هذا الكلام الذی ذكره أبو جعفر رحمه اللّٰه قد جاء به حدیث غیر معمول به و لا مرضی الإسناد. (3)

ص: 19


1- و هی قدرته و إرادته و مشیته.
2- أی الآلة التی جعلها اللّٰه فی العبد لا یقتضی طرفا من الفعل دون طرفه الآخر حتّی یكون العبد مقهورا لها و مجبورا علی الفعل بسببها فیستند الفعل إلی اللّٰه و ینفی عن العبد، بل الآلة و هی قدرة العبد و إرادته یقتضی طرفی الفعل من الوجود و العدم، و یمكن أن یستعملها فی الخیر و الشر، فتخصیص طرفی الفعل أو الخیر و الشر بالوجود من العبد.
3- و هو الحدیث الآتی تحت رقم 37 و 38، و فیهما عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس و لم یرو توثیقه من قدماء أهل الرجال.

و الأخبار الصحیحة بخلافه و لیس نعرف فی لغة العرب أن العلم بالشی ء هو خلق له و لو كان ذلك كما قال المخالفون للحق لوجب أن یكون من علم النبی صلی اللّٰه علیه و آله فقد خلقه و من علم السماء و الأرض فهو خالق لهما و من عرف بنفسه شیئا من صنع اللّٰه تعالی و قرره فی نفسه أن یكون خالقا له و هذا محال لا یذهب وجه الخطإ فیه علی بعض رعیة الأئمة علیهم السلام فضلا عنهم.

فأما التقدیر فهو الخلق فی اللغة لأن التقدیر لا یكون إلا بالفعل فأما بالعلم فلا یكون تقدیرا و لا یكون أیضا بالفكر و اللّٰه متعال عن خلق الفواحش و القبائح علی كل حال

وَ قَدْ رُوِیَ عَنْ أَبِی الْحَسَنِ الثَّالِثِ علیه السلام أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ أَ هِیَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَی فَقَالَ علیه السلام لَوْ كَانَ خَالِقاً لَهَا لَمَا تَبَرَّأَ مِنْهَا وَ قَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ أَنَّ اللَّهَ بَرِی ءٌ مِنَ الْمُشْرِكِینَ وَ لَمْ یُرِدِ الْبَرَاءَةَ مِنْ خَلْقِ ذَوَاتِهِمْ وَ إِنَّمَا تَبَرَّأَ مِنْ شِرْكِهِمْ وَ قَبَائِحِهِمْ.

و كتاب اللّٰه تعالی المقدم علی الأحادیث و الروایات و إلیه یتقاضی فی صحیح الأخبار و سقیمها فما قضی به فهو الحق دون ما سواه قال اللّٰه تعالی الَّذِی أَحْسَنَ كُلَّ شَیْ ءٍ خَلَقَهُ وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِینٍ فخبر بأن كل شی ء خلقه فهو حسن غیر قبیح فلو كانت القبائح من خلقه لما حكم بحسن جمیع ما خلق و قال تعالی ما تَری فِی خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فنفی التفاوت عن خلقه و قد ثبت أن الكفر و الكذب متفاوت فی نفسه و المتضاد من الكلام متفاوت فكیف یجوز أن یطلقوا علی اللّٰه تعالی أنه خالق لأفعال العباد و فی أفعال العباد من التفاوت ما ذكرناه.

«30»-ج، (1)الإحتجاج مِمَّا أَجَابَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِیُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِیُّ علیهما السلام فِی رِسَالَتِهِ إِلَی أَهْلِ الْأَهْوَازِ حِینَ سَأَلُوهُ عَنِ الْجَبْرِ وَ التَّفْوِیضِ أَنْ قَالَ اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ قَاطِبَةً لَا اخْتِلَافَ بَیْنَهُمْ فِی ذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ لَا رَیْبَ فِیهِ عِنْدَ جَمِیعِ فِرَقِهَا فَهُمْ فِی حَالَةِ الِاجْتِمَاعِ عَلَیْهِ مُصِیبُونَ وَ عَلَی تَصْدِیقِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مُهْتَدُونَ لِقَوْلِ النَّبِیِّ صلی اللّٰه علیه و آله لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِی عَلَی ضَلَالَةٍ فَأَخْبَرَ النَّبِیُّ صلی اللّٰه علیه و آله أَنَّ مَا اجْتَمَعَتْ عَلَیْهِ الْأُمَّةُ وَ لَمْ یُخَالِفْ بَعْضُهَا بَعْضاً هُوَ الْحَقُّ فَهَذَا مَعْنَی الْحَدِیثِ لَا مَا تَأَوَّلَهُ الْجَاهِلُونَ وَ لَا مَا قَالَهُ الْمُعَانِدُونَ مِنْ إِبْطَالِ

ص: 20


1- سیأتی الحدیث مفصلا فی الباب الآتی بصورة اخری عن تحف العقول.

حُكْمِ الْكِتَابِ وَ اتِّبَاعِ حُكْمِ الْأَحَادِیثِ الْمُزَوَّرَةِ (1)وَ الرِّوَایَاتِ الْمُزَخْرَفَةِ- (2)وَ اتِّبَاعِ الْأَهْوَاءِ الْمُرْدِیَةِ الْمُهْلِكَةِ الَّتِی تُخَالِفُ نَصَّ الْكِتَابِ وَ تَحْقِیقَ الْآیَاتِ الْوَاضِحَاتِ النَّیِّرَاتِ وَ نَحْنُ نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ یُوَفِّقَنَا لِلصَّوَابِ وَ یَهْدِیَنَا إِلَی الرَّشَادِ ثُمَّ قَالَ علیه السلام فَإِذَا شَهِدَ الْكِتَابُ بِتَصْدِیقِ خَبَرٍ وَ تَحْقِیقِهِ فَأَنْكَرَتْهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْأُمَّةِ وَ عَارَضَتْهُ بِحَدِیثٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِیثِ الْمُزَوَّرَةِ فَصَارَتْ بِإِنْكَارِهَا وَ دَفْعِهَا الْكِتَابَ كُفَّاراً ضُلَّالًا وَ أَصَحُّ خَبَرٍ مَا عُرِفَ تَحْقِیقُهُ مِنَ الْكِتَابِ مِثْلُ الْخَبَرِ الْمُجْمَعِ عَلَیْهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله حَیْثُ قَالَ إِنِّی مُسْتَخْلِفٌ فِیكُمْ خَلِیفَتَیْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِی مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِی وَ إِنَّهُمَا لَنْ یَفْتَرِقَا حَتَّی یَرِدَا عَلَیَّ الْحَوْضَ وَ اللَّفْظَةُ الْأُخْرَی عَنْهُ فِی هَذَا الْمَعْنَی بِعَیْنِهِ قَوْلُهُ صلی اللّٰه علیه و آله إِنِّی تَارِكٌ فِیكُمُ الثَّقَلَیْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِی أَهْلَ بَیْتِی وَ إِنَّهُمَا لَنْ یَفْتَرِقَا حَتَّی یَرِدَا عَلَیَّ الْحَوْضَ أَمَا إِنَّكُمْ إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا فَلَمَّا وَجَدْنَا شَوَاهِدَ هَذَا الْحَدِیثِ نَصّاً فِی كِتَابِ اللَّهِ مِثْلَ قَوْلِهِ إِنَّما وَلِیُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِینَ آمَنُوا الَّذِینَ یُقِیمُونَ الصَّلاةَ وَ یُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ ثُمَّ اتَّفَقَتْ رِوَایَاتُ الْعُلَمَاءِ فِی ذَلِكَ لِأَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِخَاتَمِهِ وَ هُوَ رَاكِعٌ فَشَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهُ وَ أَنْزَلَ الْآیَةَ فِیهِ ثُمَّ وَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله قَدْ أَبَانَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِیٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ وَ قَوْلِهِ صلی اللّٰه علیه و آله عَلِیٌّ یَقْضِی دَیْنِی وَ یُنْجِزُ مَوْعِدِی وَ هُوَ خَلِیفَتِی عَلَیْكُمْ بَعْدِی وَ قَوْلِهِ صلی اللّٰه علیه و آله حَیْثُ اسْتَخْلَفَهُ عَلَی الْمَدِینَةِ فَقَالَ یَا رَسُولَ اللَّهِ أَ تُخْلِفُنِی عَلَی النِّسَاءِ وَ الصِّبْیَانِ فَقَالَ أَ مَا تَرْضَی أَنْ تَكُونَ مِنِّی بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَی إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِیَّ بَعْدِی فَعَلِمْنَا أَنَّ الْكِتَابَ شَهِدَ بِتَصْدِیقِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ وَ تَحْقِیقِ هَذِهِ الشَّوَاهِدِ فَیَلْزَمُ الْأُمَّةَ الْإِقْرَارُ بِهَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ مُوَافِقَةً لِلْقُرْآنِ وَ وَافَقَ الْقُرْآنُ هَذِهِ الْأَخْبَارَ فَلَمَّا وَجَدْنَا ذَلِكَ مُوَافِقاً لِكِتَابِ اللَّهِ وَجَدْنَا كِتَابَ اللَّهِ مُوَافِقاً لِهَذِهِ الْأَخْبَارِ وَ عَلَیْهَا دَلِیلًا كَانَ الِاقْتِدَاءُ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ فَرْضاً لَا یَتَعَدَّاهُ إِلَّا أَهْلُ الْعِنَادِ وَ الْفَسَادِ

ص: 21


1- أی الأحادیث المتزینة بالكذب، أو الأحادیث الكاذبة.
2- أی الروایات المموهة بالكذب.

ثُمَّ قَالَ علیه السلام وَ مُرَادُنَا وَ قَصْدُنَا الْكَلَامُ فِی الْجَبْرِ وَ التَّفْوِیضِ وَ شَرْحُهُمَا وَ بَیَانُهُمَا وَ إِنَّمَا قَدَّمْنَا مَا قَدَّمْنَا لِكَوْنِ اتِّفَاقِ الْكِتَابِ وَ الْخَبَرِ إِذَا اتَّفَقَا دَلِیلًا لِمَا أَرَدْنَاهُ وَ قُوَّةً لِمَا نَحْنُ مُبَیِّنُوهُ مِنْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ الْجَبْرُ وَ التَّفْوِیضُ بِقَوْلِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ علیهما السلام عِنْدَ مَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَا جَبْرَ وَ لَا تَفْوِیضَ بَلْ أَمْرٌ بَیْنَ أَمْرَیْنِ وَ قِیلَ فَمَا ذَا یَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله فَقَالَ صِحَّةُ الْعَقْلِ وَ تَخْلِیَةُ السَّرْبِ وَ الْمُهْلَةُ فِی الْوَقْتِ وَ الزَّادُ مِنْ قِبَلِ الرَّاحِلَةِ وَ السَّبَبُ الْمُهَیِّجُ لِلْفَاعِلِ عَلَی فِعْلِهِ فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَشْیَاءَ فَإِذَا نَقَصَ الْعَبْدُ مِنْهَا خَلَّةً (1)كَانَ الْعَمَلُ عَنْهُ مُطَّرَحاً بِحَسَبِهِ وَ أَنَا أَضْرِبُ لِكُلِّ بَابٍ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ وَ هِیَ الْجَبْرُ وَ التَّفْوِیضُ وَ الْمَنْزِلَةُ بَیْنَ الْمَنْزِلَتَیْنِ مَثَلًا یُقَرِّبُ الْمَعْنَی لِلطَّالِبِ وَ یُسَهِّلُ لَهُ الْبَحْثَ مِنْ شَرْحِهِ وَ یَشْهَدُ بِهِ الْقُرْآنُ بِمُحْكَمِ آیَاتِهِ وَ تَحَقُّقِ تَصْدِیقِهِ عِنْدَ ذَوِی الْأَلْبَابِ وَ بِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَ التَّوْفِیقُ ثُمَّ قَالَ علیه السلام فَأَمَّا الْجَبْرُ فَهُوَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَبَرَ الْعِبَادَ عَلَی الْمَعَاصِی وَ عَاقَبَهُمْ عَلَیْهَا وَ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ فَقَدْ ظَلَّمَ اللَّهَ وَ كَذَّبَهُ وَ رَدَّ عَلَیْهِ قَوْلَهُ وَ لا یَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً وَ قَوْلَهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ یَداكَ وَ أَنَّ اللَّهَ لَیْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِیدِ مَعَ آیٍ كَثِیرَةٍ فِی مِثْلِ هَذَا فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَی الْمَعَاصِی فَقَدْ أَحَالَ بِذَنْبِهِ عَلَی اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ ظَلَّمَهُ فِی عُقُوبَتِهِ لَهُ وَ مَنْ ظَلَّمَ رَبَّهُ فَقَدْ كَذَّبَ كِتَابَهُ وَ مَنْ كَذَّبَ كِتَابَهُ لَزِمَهُ الْكُفْرُ بِاجْتِمَاعِ الْأُمَّةِ وَ الْمَثَلُ الْمَضْرُوبُ فِی ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ مَلَكَ عَبْداً مَمْلُوكاً لَا یَمْلِكُ إِلَّا نَفْسَهُ وَ لَا یَمْلِكُ عَرَضاً (2)مِنْ عُرُوضٍ الدُّنْیَا وَ یَعْلَمُ مَوْلَاهُ ذَلِكَ مِنْهُ فَأَمَرَهُ عَلَی عِلْمٍ مِنْهُ بِالْمَصِیرِ إِلَی السُّوقِ بِحَاجَةٍ یَأْتِیهِ بِهَا وَ لَا یُمَلِّكُهُ ثَمَنَ مَا یَأْتِیهِ بِهِ وَ عَلِمَ الْمَالِكُ أَنَّ عَلَی الْحَاجَةِ رَقِیباً لَا یَطْمَعُ أَحَدٌ فِی أَخْذِهَا مِنْهُ إِلَّا بِمَا یَرْضَی بِهِ مِنَ الثَّمَنِ وَ قَدْ وَصَفَ مَالِكُ هَذَا الْعَبْدِ نَفْسَهُ بِالْعَدْلِ وَ النَّصَفَةِ وَ إِظْهَارِ الْحِكْمَةِ وَ نَفْیِ الْجَوْرِ فَأَوْعَدَ عَبْدَهُ (3)إِنْ لَمْ یَأْتِهِ بِالْحَاجَةِ أَنْ یُعَاقِبَهُ فَلَمَّا صَارَ الْعَبْدُ إِلَی السُّوقِ وَ حَاوَلَ أَخْذَ الْحَاجَةِ الَّتِی بَعَثَهُ

ص: 22


1- بضم الخاء: الخصلة.
2- العرض بفتح العین و سكون الراء: المتاع و كل شی ء سوی الدراهم و الدنانیر، و الجمع: العروض.
3- أی فتهدده.

الْمَوْلَی لِلْإِتْیَانِ بِهَا وَجَدَ عَلَیْهَا مَانِعاً یَمْنَعُهُ مِنْهَا إِلَّا بِالثَّمَنِ وَ لَا یَمْلِكُ الْعَبْدُ ثَمَنَهَا فَانْصَرَفَ إِلَی مَوْلَاهُ خَائِباً بِغَیْرِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ فَاغْتَاظَ مَوْلَاهُ لِذَلِكَ وَ عَاقَبَهُ عَلَی ذَلِكَ فَإِنَّهُ كَانَ ظَالِماً مُتَعَدِّیاً مُبْطِلًا لِمَا وَصَفَ مِنْ عَدْلِهِ وَ حِكْمَتِهِ وَ نَصَفَتِهِ وَ إِنْ لَمْ یُعَاقِبْهُ كَذَّبَ نَفْسَهُ أَ لَیْسَ یَجِبُ أَنْ لَا یُعَاقِبَهُ وَ الْكَذِبُ وَ الظُّلْمُ یَنْفِیَانِ الْعَدْلَ وَ الْحِكْمَةَ تَعَالَی اللَّهُ عَمَّا یَقُولُ الْمُجَبِّرَةُ عُلُوّاً كَبِیراً ثُمَّ قَالَ الْعَالِمُ علیه السلام بَعْدَ كَلَامٍ طَوِیلٍ فَأَمَّا التَّفْوِیضُ الَّذِی أَبْطَلَهُ الصَّادِقُ علیه السلام وَ خَطَّأَ مَنْ دَانَ بِهِ فَهُوَ قَوْلُ الْقَائِلِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَی فَوَّضَ إِلَی الْعِبَادِ اخْتِیَارَ أَمْرِهِ وَ نَهْیِهِ وَ أَهْمَلَهُمْ- (1)وَ فِی هَذَا كَلَامٌ دَقِیقٌ- (2)لَمْ یَذْهَبْ إِلَی غَوْرِهِ وَ دِقَّتِهِ إِلَّا الْأَئِمَّةُ الْمَهْدِیَّةُ علیهم السلام مِنْ عِتْرَةِ آلِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَیْهِمْ فَإِنَّهُمْ قَالُوا لَوْ فَوَّضَ اللَّهُ أَمْرَهُ إِلَیْهِمْ عَلَی جِهَةِ الْإِهْمَالِ لَكَانَ لَازِماً لَهُ رِضَا مَا اخْتَارَهُ- (3)وَ اسْتَوْجَبُوا بِهِ مِنَ الثَّوَابِ وَ لَمْ یَكُنْ عَلَیْهِمْ فِیمَا اجْتَرَمُوا الْعِقَابُ- (4)إِذَا كَانَ الْإِهْمَالُ وَاقِعاً وَ تَنْصَرِفُ هَذِهِ الْمَقَالَةُ عَلَی مَعْنَیَیْنِ إِمَّا أَنْ یَكُونَ الْعِبَادُ تَظَاهَرُوا عَلَیْهِ فَأَلْزَمُوهُ قَبُولَ اخْتِیَارِهِمْ بِآرَائِهِمْ ضَرُورَةً كَرِهَ ذَلِكَ أَمْ أَحَبَّهُ فَقَدْ لَزِمَهُ الْوَهْنُ أَوْ یَكُونُ جَلَّ وَ تَقَدَّسَ عَجَزَ عَنْ تَعَبُّدِهِمْ بِالْأَمْرِ وَ النَّهْیِ عَنْ إِرَادَتِهِ فَفَوَّضَ أَمْرَهُ وَ نَهْیَهُ إِلَیْهِمْ وَ أَجْرَاهُمَا عَلَی مَحَبَّتِهِمْ إِذْ عَجَزَ عَنْ تَعَبُّدِهِمْ بِالْأَمْرِ وَ النَّهْیِ عَلَی إِرَادَتِهِ فَجَعَلَ الِاخْتِیَارَ إِلَیْهِمْ فِی الْكُفْرِ وَ الْإِیمَانِ وَ مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ مَلَكَ عَبْداً ابْتَاعَهُ لِیَخْدُمَهُ وَ یُعَرِّفَ لَهُ فَضْلَ وِلَایَتِهِ وَ یَقِفَ عِنْدَ أَمْرِهِ وَ نَهْیِهِ وَ ادَّعَی مَالِكُ الْعَبْدِ أَنَّهُ قَادِرٌ قَاهِرٌ عَزِیزٌ حَكِیمٌ فَأَمَرَ عَبْدَهُ وَ نَهَاهُ وَ وَعَدَهُ عَلَی اتِّبَاعِ أَمْرِهِ عَظِیمَ الثَّوَابِ وَ أَوْعَدَهُ عَلَی مَعْصِیَتِهِ أَلِیمَ الْعِقَابِ فَخَالَفَ الْعَبْدُ إِرَادَةَ مَالِكِهِ وَ لَمْ یَقِفْ عِنْدَ أَمْرِهِ وَ نَهْیِهِ فَأَیُّ أَمْرٍ أَمَرَهُ بِهِ أَوْ نَهْیٍ نَهَاهُ عَنْهُ لَمْ یَأْتَمِرْ عَلَی إِرَادَةِ الْمَوْلَی بَلْ كَانَ الْعَبْدُ یَتَّبِعُ إِرَادَةَ نَفْسِهِ وَ بَعَثَهُ فِی بَعْضِ حَوَائِجِهِ وَ فِیهَا الْحَاجَةُ لَهُ فَصَارَ الْعَبْدُ بِغَیْرِ تِلْكَ الْحَاجَةِ

ص: 23


1- أهمله: تركه و لم یستعمله عمدا أو نسیانا.
2- فی المصدر: و هذا الكلام دقیق. م.
3- فی المصدر: ما اختاروه و استوجبوا به الثواب. م.
4- أی لم یكن علیهم فیما اكتسبوا العقاب.

خِلَافاً عَلَی مَوْلَاهُ وَ قَصَدَ إِرَادَةَ نَفْسِهِ وَ اتَّبَعَ هَوَاهُ فَلَمَّا رَجَعَ إِلَی مَوْلَاهُ نَظَرَ إِلَی مَا أَتَاهُ فَإِذَا هُوَ خِلَافُ مَا أَمَرَهُ فَقَالَ الْعَبْدُ اتَّكَلْتُ عَلَی تَفْوِیضِكَ الْأَمْرَ إِلَیَّ فَاتَّبَعْتُ هَوَایَ وَ إِرَادَتِی لِأَنَّ الْمُفَوَّضَ إِلَیْهِ غَیْرُ مَحْظُورٍ عَلَیْهِ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ التَّفْوِیضِ وَ التَّحْصِیرِ ثُمَّ قَالَ علیه السلام فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ فَوَّضَ قَبُولَ أَمْرِهِ وَ نَهْیِهِ إِلَی عِبَادِهِ فَقَدْ أَثْبَتَ عَلَیْهِ الْعَجْزَ وَ أَوْجَبَ عَلَیْهِ قَبُولَ كُلِّ مَا عَمِلُوا مِنْ خَیْرٍ أَوْ شَرٍّ وَ أَبْطَلَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَی وَ نَهْیَهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ بِقُدْرَتِهِ وَ مَلَّكَهُمْ اسْتِطَاعَةَ مَا تَعَبَّدَهُمْ بِهِ مِنَ الْأَمْرِ وَ النَّهْیِ وَ قَبِلَ مِنْهُمُ اتِّبَاعَ أَمْرِهِ وَ رَضِیَ بِذَلِكَ مِنْهُمْ وَ نَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِیَتِهِ وَ ذَمَّ مَنْ عَصَاهُ وَ عَاقَبَهُ عَلَیْهَا وَ لِلَّهِ الْخِیَرَةُ فِی الْأَمْرِ وَ النَّهْیِ یَخْتَارُ مَا یُرِیدُ وَ یَأْمُرُ بِهِ وَ یَنْهَی عَمَّا یَكْرَهُ وَ یُثِیبُ وَ یُعَاقِبُ بِالاسْتِطَاعَةِ الَّتِی مَلَّكَهَا عِبَادَهُ لِاتِّبَاعِ أَمْرِهِ وَ اجْتِنَابِ مَعَاصِیهِ لِأَنَّهُ الْعَدْلُ وَ مِنْهُ النَّصَفَةُ وَ الْحُكُومَةُ بَالَغَ الْحُجَّةَ بِالْإِعْذَارِ وَ الْإِنْذَارِ وَ إِلَیْهِ الصَّفْوَةُ یَصْطَفِی مَنْ یَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ اصْطَفَی مُحَمَّداً صلی اللّٰه علیه و آله وَ بَعَثَهُ بِالرِّسَالَةِ إِلَی خَلْقِهِ وَ لَوْ فَوَّضَ اخْتِیَارَ أُمُورِهِ إِلَی عِبَادِهِ لَأَجَازَ لِقُرَیْشٍ اخْتِیَارَ أُمَیَّةَ بْنِ الصَّلْتِ وَ أَبِی مَسْعُودٍ الثَّقَفِیِّ إِذْ كَانَا عِنْدَهُمْ أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ لِمَا قَالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلی رَجُلٍ مِنَ الْقَرْیَتَیْنِ عَظِیمٍ یَعْنُونَهُمَا بِذَلِكَ فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ بَیْنَ الْقَوْلَیْنِ لَیْسَ بِجَبْرٍ وَ لَا تَفْوِیضٍ بِذَلِكَ أَخْبَرَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام حِینَ سَأَلَهُ عَبَایَةُ بْنُ رِبْعِیٍّ الْأَسَدِیُّ عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام تَمْلِكُهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْ مَعَ اللَّهِ فَسَكَتَ عَبَایَةُ بْنُ رِبْعِیٍّ (1)فَقَالَ لَهُ قُلْ یَا عَبَایَةُ قَالَ وَ مَا أَقُولُ قَالَ إِنْ قُلْتَ تَمْلِكُهَا مَعَ اللَّهِ قَتَلْتُكَ وَ إِنْ قُلْتَ تَمْلِكُهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ قَتَلْتُكَ قَالَ وَ مَا أَقُولُ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ قَالَ تَقُولُ تَمْلِكُهَا بِاللَّهِ الَّذِی یَمْلِكُهَا مِنْ دُونِكَ فَإِنْ مَلَّكَكَهَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَطَائِهِ وَ إِنْ سَلَبَكَهَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ بَلَائِهِ وَ هُوَ الْمَالِكُ لِمَا مَلَّكَكَ وَ الْمَالِكُ لِمَا عَلَیْهِ أَقْدَرَكَ أَ مَا سَمِعْتَ النَّاسَ یَسْأَلُونَ الْحَوْلَ وَ الْقُوَّةَ حَیْثُ یَقُولُونَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَقَالَ الرَّجُلُ وَ مَا تَأْوِیلُهَا یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ قَالَ لَا حَوْلَ لَنَا عَنْ مَعَاصِی اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ وَ لَا قُوَّةَ لَنَا عَلَی طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ قَالَ فَوَثَبَ الرَّجُلُ وَ قَبَّلَ یَدَیْهِ وَ رِجْلَیْهِ

ص: 24


1- بالعین المهملة المفتوحة و الباء الموحدة.

ثُمَّ قَالَ علیه السلام فِی قَوْلِهِ تَعَالَی وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّی نَعْلَمَ الْمُجاهِدِینَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِینَ وَ نَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ وَ فِی قَوْلِهِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَیْثُ لا یَعْلَمُونَ وَ فِی قَوْلِهِ أَنْ یَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا یُفْتَنُونَ وَ فِی قَوْلِهِ وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَیْمانَ وَ فِی قَوْلِهِ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِیُّ وَ قَوْلِ مُوسَی إِنْ هِیَ إِلَّا فِتْنَتُكَ وَ قَوْلِهِ لِیَبْلُوَكُمْ فِی ما آتاكُمْ وَ قَوْلِهِ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِیَبْتَلِیَكُمْ وَ قَوْلِهِ إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ وَ قَوْلِهِ لِیَبْلُوَكُمْ أَیُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَ قَوْلِهِ وَ إِذِ ابْتَلی إِبْراهِیمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ وَ قَوْلِهِ وَ لَوْ یَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَ لكِنْ لِیَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ إِنَّ جَمِیعَهَا جَاءَتْ فِی الْقُرْآنِ بِمَعْنَی الِاخْتِبَارِ ثُمَّ قَالَ علیه السلام فَإِنْ قَالُوا مَا الْحُجَّةُ فِی قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَی یُضِلُّ مَنْ یَشاءُ وَ یَهْدِی مَنْ یَشاءُ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ قُلْنَا فَعَلَی مَجَازِ هَذِهِ الْآیَةِ یَقْتَضِی مَعْنَیَیْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ كَوْنِهِ تَعَالَی قَادِراً عَلَی هِدَایَةِ مَنْ یَشَاءُ وَ ضَلَالَةِ مَنْ یَشَاءُ وَ لَوْ أَجْبَرَهُمْ عَلَی أَحَدِهِمَا لَمْ یَجِبْ لَهُمْ ثَوَابٌ وَ لَا عَلَیْهِمْ عِقَابٌ عَلَی مَا شَرَحْنَاهُ وَ الْمَعْنَی الْآخَرُ أَنَّ الْهِدَایَةَ مِنْهُ التَّعْرِیفُ كَقَوْلِهِ تَعَالَی وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَیْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمی عَلَی الْهُدی وَ لَیْسَ كُلُّ آیَةٍ مُشْتَبِهَةً فِی الْقُرْآنِ كَانَتِ الْآیَةُ حُجَّةً عَلَی حُكْمِ الْآیَاتِ اللَّاتِی أُمِرَ بِالْأَخْذِ بِهَا وَ تَقْلِیدِهَا وَ هِیَ قَوْلُهُ هُوَ الَّذِی أَنْزَلَ عَلَیْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آیاتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِینَ فِی قُلُوبِهِمْ زَیْغٌ فَیَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِیلِهِ الْآیَةِ وَ قَالَ فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِینَ یَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَیَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِینَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَ إِیَّاكُمْ لِمَا یُحِبُّ وَ یَرْضَی وَ یُقَرِّبُ لَنَا وَ لَكُمُ الْكَرَامَةَ وَ الزُّلْفَی وَ هَدَانَا لِمَا هُوَ لَنَا وَ لَكُمْ خَیْرٌ وَ أَبْقَی إِنَّهُ الْفَعَّالُ لِمَا یُرِیدُ الْحَكِیمُ الْجَوَادُ الْمَجِیدُ.

«31»-ج، الإحتجاج عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَبِیصَةَ (1)قَالَ سَمِعْتُ الرِّضَا علیه السلام یَقُولُ سُئِلَ أَبِی ع

ص: 25


1- هكذا فی نسخ الكتاب و الاحتجاج المطبوع و هو غیر مذكور فی التراجم و لكن الظاهر انه تصحیف «دارم بن قبیصة» المترجم فی ص 117 من رجال النجاشیّ بقوله: دارم بن قبیصة بن نهشل ابن مجمع أبو الحسن التمیمی الدارمیّ السائح، روی عن الرضا علیه السلام، و له عنه كتاب الوجوه و النظائر، و كتاب الناسخ و المنسوخ إه و قال العلامة فی القسم الثانی من الخلاصة: یروی عن الرضا علیه السلام قال ابن الغضائری: لا یؤنس بحدیثه و لا یوثق به. انتهی، أقول: دارم بفتح الدال و كسر الراء وزان فاعل، و قبیصة كسفینة، و نهشل بفتح النون و سكون الهاء و فتح الشین، و مجمع بالمیم المضمومة و الجیم المفتوحة و المیم المشددة المكسورة وزان محدث.

هَلْ مَنَعَ اللَّهُ عَمَّا أَمَرَ بِهِ وَ هَلْ نَهَی عَمَّا أَرَادَ وَ هَلْ أَعَانَ عَلَی مَا لَمْ یُرِدْ فَقَالَ علیه السلام أَمَّا مَا سَأَلْتَ هَلْ مَنَعَ اللَّهُ عَمَّا أَمَرَ بِهِ فَلَا یَجُوزُ ذَلِكَ وَ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَكَانَ قَدْ مَنَعَ إِبْلِیسَ عَنِ السُّجُودِ لآِدَمَ وَ لَوْ مَنَعَ إِبْلِیسَ لَعَذَرَهُ (1)وَ لَمْ یَلْعَنْهُ وَ أَمَّا مَا سَأَلْتَ هَلْ نَهَی عَمَّا أَرَادَ فَلَا یَجُوزُ ذَلِكَ وَ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَكَانَ حَیْثُ نَهَی آدَمَ عَنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ أَرَادَ مِنْهُ أَكْلَهَا وَ لَوْ أَرَادَ مِنْهُ أَكْلَهَا مَا نَادَی عَلَیْهِ صِبْیَانُ الْكَتَاتِیبِ- (2)وَ عَصی آدَمُ رَبَّهُ فَغَوی وَ اللَّهُ تَعَالَی لَا یَجُوزُ عَلَیْهِ أَنْ یَأْمُرَ بِشَیْ ءٍ وَ یُرِیدَ غَیْرَهُ وَ أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ قَوْلِكَ هَلْ أَعَانَ عَلَی مَا لَمْ یُرِدْ فَلَا یَجُوزُ ذَلِكَ وَ جَلَّ اللَّهُ تَعَالَی عَنْ أَنْ یُعِینَ عَلَی قَتْلِ الْأَنْبِیَاءِ وَ تَكْذِیبِهِمْ وَ قَتْلِ الْحُسَیْنِ بْنِ عَلِیٍّ وَ الْفُضَلَاءِ مِنْ وُلْدِهِ وَ كَیْفَ یُعِینُ عَلَی مَا لَمْ یُرِدْ وَ قَدْ أَعَدَّ جَهَنَّمَ لِمُخَالِفِیهِ وَ لَعَنَهُمْ عَلَی تَكْذِیبِهِمْ لِطَاعَتِهِ وَ ارْتِكَابِهِم لِمُخَالَفَتِهِ وَ لَوْ جَازَ أَنْ یُعِینَ عَلَی مَا لَمْ یُرِدْ لَكَانَ أَعَانَ فِرْعَوْنَ عَلَی كُفْرِهِ وَ ادِّعَائِهِ أَنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِینَ أَ فَتَرَی أَرَادَ اللَّهُ مِنْ فِرْعَوْنَ أَنْ یَدَّعِیَ الرُّبُوبِیَّةَ یُسْتَتَابُ قَائِلُ هَذَا فَإِنْ تَابَ مِنْ كَذِبِهِ عَلَی اللَّهِ وَ إِلَّا ضُرِبَ عُنُقُهُ.

«32»-ج، الإحتجاج وَ رُوِیَ عَنْ عَلِیِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِیِّ علیهما السلام (3)أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ مُوسَی بْنَ جَعْفَرٍ علیهما السلام قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فَعَلِمَ مَا هُمْ إِلَیْهِ صَائِرُونَ فَأَمَرَهُمْ وَ نَهَاهُمْ فَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ شَیْ ءٍ فَقَدْ جَعَلَ لَهُمُ السَّبِیلَ إِلَی الْأَخْذِ بِهِ وَ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ شَیْ ءٍ فَقَدْ جَعَلَ لَهُمُ السَّبِیلَ إِلَی تَرْكِهِ وَ لَا یَكُونُونَ آخِذِینَ وَ لَا تَارِكِینَ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَ مَا جَبَرَ اللَّهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ عَلَی مَعْصِیَتِهِ بَلِ اخْتَبَرَهُمْ بِالْبَلْوَی كَمَا قَالَ تَعَالَی لِیَبْلُوَكُمْ أَیُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا(ص 210)

قوله علیه السلام: و لا یكونون آخذین و لا تاركین إلا بإذنه أی بتخلیته و علمه.

ص: 26


1- عذره یعذره علی ما صنع: دفع عنه اللوم و الذنب أو قبل عذره.
2- جمع الكتاب- بضم الكاف و تشدید التاء-: موضع التعلیم.
3- فی المصدر: عن الحسن بن علیّ بن محمّد العسكریّ. م.

«33»-ج، الإحتجاج وَ رُوِیَ أَنَّهُ دَخَلَ أَبُو حَنِیفَةَ الْمَدِینَةَ وَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ فَقَالَ لَهُ یَا أَبَا حَنِیفَةَ إِنَّ هَاهُنَا جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ مِنْ عُلَمَاءِ آلِ مُحَمَّدٍ علیهم السلام فَاذْهَبْ بِنَا إِلَیْهِ نَقْتَبِسْ مِنْهُ عِلْماً فَلَمَّا أَتَیَا إِذَا هُمَا بِجَمَاعَةٍ مِنْ شِیعَتِهِ یَنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ أَوْ دُخُولَهُمْ عَلَیْهِ فَبَیْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ خَرَجَ غُلَامٌ حَدَثٌ- (1)فَقَامَ النَّاسُ هَیْبَةً لَهُ فَالْتَفَتَ أَبُو حَنِیفَةَ فَقَالَ یَا ابْنَ مُسْلِمٍ مَنْ هَذَا قَالَ هَذَا مُوسَی ابْنُهُ قَالَ وَ اللَّهِ لَأَجْبَهَنَّهُ (2)بَیْنَ یَدَیْ شِیعَتِهِ قَالَ مَهْ لَنْ تَقْدِرَ عَلَی ذَلِكَ قَالَ وَ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّهُ- (3)ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَی مُوسَی علیه السلام فَقَالَ یَا غُلَامُ أَیْنَ یَضَعُ الْغَرِیبُ حَاجَتَهُ فِی بَلْدَتِكُمْ هَذِهِ قَالَ یَتَوَارَی خَلْفَ الْجِدَارِ وَ یَتَوَقَّی أَعْیُنَ الْجَارِ وَ شُطُوطَ الْأَنْهَارِ وَ مَسْقَطَ الثِّمَارِ وَ لَا یَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَ لَا یَسْتَدْبِرُهَا فَحِینَئِذٍ یَضَعُ حَیْثُ شَاءَ- (4)ثُمَّ قَالَ یَا غُلَامُ مِمَّنِ الْمَعْصِیَةُ قَالَ یَا شَیْخُ لَا تَخْلُو مِنْ ثَلَاثٍ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ اللَّهِ وَ لَیْسَ مِنَ الْعَبْدِ شَیْ ءٌ فَلَیْسَ لِلْحَكِیمِ أَنْ یَأْخُذَ عَبْدَهُ بِمَا لَمْ یَفْعَلْهُ وَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ الْعَبْدِ وَ مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ أَقْوَی الشَّرِیكَیْنِ فَلَیْسَ لِلشَّرِیكِ الْأَكْبَرِ أَنْ یَأْخُذَ الشَّرِیكَ الْأَصْغَرَ بِذَنْبِهِ وَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ الْعَبْدِ وَ لَیْسَ مِنَ اللَّهِ شَیْ ءٌ فَإِنْ شَاءَ عَفَا وَ إِنْ شَاءَ عَاقَبَ قَالَ فَأَصَابَتْ أَبَا حَنِیفَةَ سَكْتَةٌ كَأَنَّمَا أُلْقِمَ فُوهُ الْحَجَرَ- (5)قَالَ فَقُلْتُ لَهُ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَتَعَرَّضْ لِأَوْلَادِ رَسُولِ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله.

ص: 27


1- الحدث: الشاب.
2- أی لانسكن رأسه،وفی نسخة:لاهجبنه لعله من الهجب:السوق والسرعة؛الضرب بالعصا.وفی الاحتجاج المطبوع واللّٰه اخجله.
3- یعرف من هذا نفسیات إمام السنة و رزانته و عفافه فی الحجاج! هبه لم یكن یری لسلالة النبوّة قداسة و حرمة فبم كان یری إباحة تخجیل امرئ مسلم، و هو یراه غلاما حدّثنا؟ لم یكن بینه و بینه عداوة و لا خصام؛ كما یعرف تبحر الإمام علیه السلام فی الأصول و الفروع و قوة حجاجه و هو غلام حدث.
4- أقول: أخرج الكلینی صدر الحدیث من قوله: «یا غلام أین یضع الغریب ببلدكم» فی المجلد الأول من فروع الكافی ص 6 عن علیّ بن إبراهیم رفعه، و فیه زیادة و هو هكذا: فقال: اجتنب أفنیة المساجد، و شطوط الأنهار، و مساقط الثمار، و منازل النزال، و لا تستقبل القبلة بغائط و لا بول، و ارفع ثوبك، وضع حیث شئت. و أورده الشیخ بإسناده عن الكلینی فی التهذیب ج 1 ص 9.
5- مثل سائر یضرب لمن تكلم فاجیب بمسكتة.

و فی ذلك یقول الشاعر هذه الأبیات:

لم تخل أفعالنا اللاتی نذم بها***إحدی ثلاث معان حین نأتیها.

إما تفرد بارینا بصنعتها***فیسقط اللوم عنا حین ننشیها.

أو كان یشركنا فیها فیلحقه***ما سوف یلحقنا من لائم فیها.

أو لم یكن لإلهی فی جنایتها***ذنب فما الذنب إلا ذنب جانیها

.فس، تفسیر القمی وَ أَمَّا الرَّدُّ عَلَی الْمُجَبِّرَةِ الَّذِینَ قَالُوا لَیْسَ لَنَا صُنْعٌ وَ نَحْنُ مُجْبَرُونَ یُحْدِثُ اللَّهُ لَنَا الْفِعْلَ عِنْدَ الْفِعْلِ وَ إِنَّمَا الْأَفْعَالُ هِیَ مَنْسُوبَةٌ إِلَی النَّاسِ عَلَی الْمَجَازِ لَا عَلَی الْحَقِیقَةِ وَ تَأَوَّلُوا فِی ذَلِكَ آیَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ یَعْرِفُوا مَعْنَاهَا مِثْلَ قَوْلِهِ وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ یَشاءَ اللَّهُ وَ قَوْلِهِ فَمَنْ یُرِدِ اللَّهُ أَنْ یَهْدِیَهُ یَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ یُرِدْ أَنْ یُضِلَّهُ یَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَیِّقاً حَرَجاً وَ غَیْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآیَاتِ الَّتِی تَأْوِیلُهَا عَلَی خِلَافِ مَعَانِیهَا وَ فِیمَا قَالُوهُ إِبْطَالُ الثَّوَابِ وَ الْعِقَابِ وَ إِذَا قَالُوا ذَلِكَ ثُمَّ أَقَرُّوا بِالثَّوَابِ وَ الْعِقَابِ نَسَبُوا اللَّهَ إِلَی الْجَوْرِ وَ أَنَّهُ یُعَذِّبُ عَلَی غَیْرِ اكْتِسَابٍ وَ فِعْلٍ تَعَالَی اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِیراً أَنْ یُعَاقِبَ أَحَداً عَلَی غَیْرِ فِعْلٍ وَ بِغَیْرِ حُجَّةٍ وَاضِحَةٍ عَلَیْهِ وَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ رَدٌّ عَلَیْهِمْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی لا یُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَیْها مَا اكْتَسَبَتْ فَقَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهَا وَ عَلَیْهَا هُوَ عَلَی الْحَقِیقَةِ لِفِعْلِهَا وَ قَوْلُهُ فَمَنْ یَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَیْراً یَرَهُ وَ مَنْ یَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا یَرَهُ وَ قَوْلُهُ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِینَةٌ وَ قَوْلُهُ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَیْدِیكُمْ وَ قَوْلُهُ وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَیْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمی عَلَی الْهُدی وَ قَوْلُهُ إِنَّا هَدَیْناهُ السَّبِیلَ یَعْنِی بَیَّنَّا لَهُ طَرِیقَ الْخَیْرِ وَ طَرِیقَ الشَّرِّ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً وَ قَوْلُهُ وَ عاداً وَ ثَمُودَ وَ قَدْ تَبَیَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَ زَیَّنَ لَهُمُ الشَّیْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِیلِ وَ كانُوا مُسْتَبْصِرِینَ وَ قارُونَ وَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ لَقَدْ جاءَهُمْ مُوسی بِالْبَیِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِی الْأَرْضِ وَ ما كانُوا سابِقِینَ فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَلَمْ یَقُلْ بِفِعْلِنَا فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَیْهِ حاصِباً وَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّیْحَةُ وَ مِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَ مِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَ ما كانَ اللَّهُ لِیَظْلِمَهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ یَظْلِمُونَ وَ مِثْلُهُ كَثِیرٌ.

ص: 28

أَقُولُ: سَیَأْتِی مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ بِوَجْهٍ أَبْسَطَ فِی كِتَابِ الْقُرْآنِ فِی تَفْسِیرِ النُّعْمَانِیِّ فِیمَا رَوَاهُ عَنْ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام.

«34»-ید، التوحید الْمُفَسِّرُ بِإِسْنَادِهِ إِلَی أَبِی مُحَمَّدٍ علیه السلام قَالَ قَالَ الرِّضَا علیه السلام مَا عَرَفَ اللَّهَ مَنْ شَبَّهَهُ بِخَلْقِهِ وَ لَا وَصَفَهُ بِالْعَدْلِ مَنْ نَسَبَ إِلَیْهِ ذُنُوبَ عِبَادِهِ- (1)الْخَبَرَ.

«35»-ن، عیون أخبار الرضا علیه السلام ابْنُ عُبْدُوسٍ عَنِ ابْنِ قُتَیْبَةَ عَنْ حَمْدَانَ بْنِ سُلَیْمَانَ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَی الرِّضَا علیه السلام أَسْأَلُهُ عَنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ أَ مَخْلُوقَةٌ أَمْ غَیْرُ مَخْلُوقَةٍ فَكَتَبَ علیه السلام أَفْعَالُ الْعِبَادِ مُقَدَّرَةٌ فِی عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَبْلَ خَلْقِ الْعِبَادِ بِأَلْفَیْ عَامٍ.

«36»-ید، التوحید ل، الخصال ن، عیون أخبار الرضا علیه السلام أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلِیٍّ الْبَصْرِیُّ عَنْ عَلِیِّ بْنِ الْحَسَنِ الْمِیثَمِیِّ عَنْ عَلِیِّ بْنِ مَهْرَوَیْهِ الْقَزْوِینِیِّ عَنْ أَبِی أَحْمَدَ الْغَازِی عَنْ عَلِیِّ بْنِ مُوسَی الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ عَنِ الْحُسَیْنِ بْنِ عَلِیٍّ علیهما السلام قَالَ سَمِعْتُ أَبِی عَلِیَّ بْنَ أَبِی طَالِبٍ علیهما السلام یَقُولُ الْأَعْمَالُ عَلَی ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ فَرَائِضُ وَ فَضَائِلُ وَ مَعَاصِی فَأَمَّا الْفَرَائِضُ فَبِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَی وَ بِرِضَی اللَّهِ وَ بِقَضَائِهِ وَ تَقْدِیرِهِ وَ مَشِیَّتِهِ وَ عِلْمِهِ وَ أَمَّا الْفَضَائِلُ فَلَیْسَتْ بِأَمْرِ اللَّهِ- (2)وَ لَكِنْ بِرِضَی اللَّهِ وَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَ بِقَدَرِ اللَّهِ وَ بِمَشِیَّةِ اللَّهِ وَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَ أَمَّا الْمَعَاصِی فَلَیْسَتْ بِأَمْرِ اللَّهِ- (3)وَ لَكِنْ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَ بِقَدَرِ اللَّهِ وَ بِمَشِیَّةِ اللَّهِ وَ بِعِلْمِهِ ثُمَّ یُعَاقِبُ عَلَیْهَا.

ید، التوحید ن، عیون أخبار الرضا علیه السلام قال (4)مصنف هذا الكتاب المعاصی بقضاء اللّٰه معناه بنهی اللّٰه لأن حكمه عز و جل فیها علی عباده الانتهاء عنها (5)و معنی قوله بقدر اللّٰه أی بعلم اللّٰه بمبلغها

ص: 29


1- هذا صریح فی انه من قول الرضا علیه السلام، و فی المصدر: صریح فی انه من كلام رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله.
2- أی الامر الوجوبی.
3- و لا برضاه، لان اللّٰه لا یرضی بالكفر و المعاصی.
4- فی التوحید: قال مصنف هذا الكتاب قضاء اللّٰه عزّ و جلّ فی المعاصی حكمه فیها، و مشیته فی المعاصی نهیه عنها، و قدره فیها علمه بمقادیرها و مبالغها. م.
5- هذا علی أحد معانی القضاء و هو الحكم و الالزام كما قال اللّٰه تعالی: وَ قَضی رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِیَّاهُ وَ بِالْوالِدَیْنِ إِحْساناً، و قوله: وَ اللَّهُ یَقْضِی بِالْحَقِّ، أی یحكم. أقول: و یمكن أن یكون بمعنی الفصل و القطع و تحتم الامر، لوقوعه قبال القدر و هو التقدیر، و إسناد ذلك إلی اللّٰه تعالی بحیث لا یستلزم الجبر إمّا بواسطة علمه تعالی بحصول ذلك الفعل عند وجود سببه و علته التامة و منها إرادة الإنسان و اختیار فاعله، أو بواسطة جعله الإنسان مختارا، و عدم ردعه التكوینی و كفه عن الفعل مع قدرته علیه، أو لصحة إسناد الفعل إلی أحد علله الطولیة.

و مقدارها و معنی قوله بمشیة اللّٰه فإنه عز و جل شاء أن لا یمنع العاصی إلا بالزجر و القول و النهی و التحذیر دون الجبر و المنع بالقوة و الدفع بالقدرة.

«37»-مع، معانی الأخبار ن، عیون أخبار الرضا علیه السلام ابْنُ عُبْدُوسٍ عَنِ ابْنِ قُتَیْبَةَ عَنْ حَمْدَانَ (1)عَنِ الْهَرَوِیِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا علیه السلام یَقُولُ أَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ فَقُلْتُ یَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا مَعْنَی مَخْلُوقَةٌ قَالَ مُقَدَّرَةٌ.

«38»-ن، عیون أخبار الرضا علیه السلام ابْنُ عُبْدُوسٍ عَنِ ابْنِ قُتَیْبَةَ عَنِ الْفَضْلِ عَنِ الرِّضَا علیه السلام فِیمَا كَتَبَ لِلْمَأْمُونِ مِنْ مَحْضِ الْإِسْلَامِ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی لَا یُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ خَلْقَ تَقْدِیرٍ لَا خَلْقَ تَكْوِینٍ وَ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَیْ ءٍ وَ لَا نَقُولُ بِالْجَبْرِ وَ التَّفْوِیضِ الْخَبَرَ.

«39»-ید، (2)التوحید ابْنُ الْوَلِیدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ مَعْرُوفٍ عَنِ ابْنِ أَبِی نَجْرَانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحِیمِ الْقَصِیرِ قَالَ: كَتَبْتُ عَلَی یَدَیْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْیَنَ إِلَی أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام جُعِلْتُ فِدَاكَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِی أَشْیَاءَ قَدْ كَتَبْتُ بِهَا إِلَیْكَ فَإِنْ رَأَیْتَ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَنْ تَشْرَحَ لِی جَمِیعَ مَا كَتَبْتُ إِلَیْكَ اخْتَلَفَ النَّاسُ جُعِلْتُ فِدَاكَ بِالْعِرَاقِ فِی الْمَعْرِفَةِ وَ الْجُحُودِ فَأَخْبِرْنِی جُعِلْتُ فِدَاكَ أَ هُمَا مَخْلُوقَتَانِ وَ اخْتَلَفُوا فِی الْقُرْآنِ فَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَیْرُ مَخْلُوقٍ وَ قَالَ آخَرُونَ كَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ وَ عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ أَ قَبْلَ الْفِعْلِ أَوْ مَعَ الْفِعْلِ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا قَدِ اخْتَلَفُوا فِیهِ وَ رَوَوْا فِیهِ وَ عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی هَلْ یُوصَفُ بِالصُّورَةِ وَ بِالتَّخْطِیطِ فَإِنْ رَأَیْتَ جَعَلَنِیَ اللَّهُ فِدَاكَ أَنْ تَكْتُبَ إِلَیَّ بِالْمَذْهَبِ الصَّحِیحِ مِنَ التَّوْحِیدِ وَ عَنِ الْحَرَكَاتِ أَ هِیَ مَخْلُوقَةٌ أَوْ غَیْرُ مَخْلُوقَةٍ وَ عَنِ الْإِیمَانِ مَا هُوَ فَكَتَبَ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ عَلَی یَدَیْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْیَنَ سَأَلْتَ عَنِ الْمَعْرِفَةِ مَا هِیَ فَاعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِی الْقَلْبِ مَخْلُوقَةٌ وَ الْجُحُودَ صُنْعُ اللَّهِ فِی الْقَلْبِ

ص: 30


1- لعله حمدان بن سلیمان.
2- أقول: أخرج الكلینی قطعة من الحدیث و هی «وصف اللّٰه بالصورة و التخطیط» فی باب النهی عن الصفة، و قطعة و هی «الایمان ما هو؟» فی باب «أن الإسلام قبل الایمان» فی كتابه الكافی عن علی بن إبراهیم، عن العباس بن معروف، عن ابن أبی نجران، عن حماد بن عثمان، عن عبد الرحیم بن عتیك القصیر. فیظهر من هذا اتّحاد ابن عتیك مع عبد الرحیم القصیر.

مَخْلُوقٌ وَ لَیْسَ لِلْعِبَادِ فِیهِمَا مِنْ صُنْعٍ وَ لَهُمْ فِیهِمَا الِاخْتِیَارُ مِنَ الِاكْتِسَابِ فَبِشَهْوَتِهِمُ الْإِیمَانَ اخْتَارُوا الْمَعْرِفَةَ فَكَانُوا بِذَلِكَ مُؤْمِنِینَ عَارِفِینَ وَ بِشَهْوَتِهِمُ الْكُفْرَ اخْتَارُوا الْجُحُودَ فَكَانُوا بِذَلِكَ كَافِرِینَ جَاحِدِینَ ضُلَّالًا وَ ذَلِكَ بِتَوْفِیقِ اللَّهِ لَهُمْ وَ خِذْلَانِ مَنْ خَذَلَهُ اللَّهُ فَبِالاخْتِیَارِ وَ الِاكْتِسَابِ عَاقَبَهُمُ اللَّهُ وَ أَثَابَهُمْ وَ سَأَلْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ عَنِ الْقُرْآنِ وَ اخْتِلَافِ النَّاسِ قِبَلَكُمْ فَإِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مُحْدَثٌ غَیْرُ مَخْلُوقٍ وَ غَیْرُ أَزَلِیٍّ مَعَ اللَّهِ تَعَالَی ذِكْرُهُ وَ تَعَالَی عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِیراً كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا شَیْ ءَ غَیْرَ اللَّهِ مَعْرُوفٌ وَ لَا مَجْهُولٌ كَانَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا مُتَكَلِّمَ وَ لَا مُرِیدَ وَ لَا مُتَحَرِّكَ وَ لَا فَاعِلَ جَلَّ وَ عَزَّ رَبُّنَا فَجَمِیعُ هَذِهِ الصِّفَاتِ مُحْدَثَةٌ عِنْدَ حُدُوثِ الْفِعْلِ مِنْهُ جَلَّ وَ عَزَّ رَبُّنَا وَ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَیْرُ مَخْلُوقٍ فِیهِ خَبَرُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ خَبَرُ مَا یَكُونُ بَعْدَكُمْ- (1)أُنْزِلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَی مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله وَ سَأَلْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ لِلْفِعْلِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْعَبْدَ وَ جَعَلَ لَهُ الْآلَةَ وَ الصِّحَّةَ وَ هِیَ الْقُوَّةُ الَّتِی یَكُونُ الْعَبْدُ بِهَا مُتَحَرِّكاً مُسْتَطِیعاً لِلْفِعْلِ وَ لَا مُتَحَرِّكٌ إِلَّا وَ هُوَ یُرِیدُ الْفِعْلَ وَ هِیَ صِفَةٌ مُضَافَةٌ إِلَی الشَّهْوَةِ الَّتِی هِیَ خَلْقُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مُرَكَّبَةٌ فِی الْإِنْسَانِ فَإِذَا تَحَرَّكَتِ الشَّهْوَةُ لِلْإِنْسَانِ (2)اشْتَهَی الشَّیْ ءَ وَ أَرَادَهُ فَمِنْ ثَمَّ قِیلَ لِلْإِنْسَانِ مُرِیدٌ فَإِذَا أَرَادَ الْفِعْلَ وَ فَعَلَ كَانَ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ وَ الْحَرَكَةِ فَمِنْ ثَمَّ قِیلَ لِلْعَبْدِ مُسْتَطِیعٌ مُتَحَرِّكٌ فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ سَاكِناً غَیْرَ مُرِیدٍ لِلْفِعْلِ وَ كَانَ مَعَهُ الْآلَةُ وَ هِیَ الْقُوَّةُ وَ الصِّحَّةُ اللَّتَانِ بِهِمَا تَكُونُ حَرَكَاتُ الْإِنْسَانِ وَ فِعْلُهُ كَانَ سُكُونُهُ لِعِلَّةِ سُكُونِ الشَّهْوَةِ فَقِیلَ سَاكِنٌ فَوُصِفَ بِالسُّكُونِ فَإِذَا اشْتَهَی الْإِنْسَانُ وَ تَحَرَّكَتْ شَهْوَتُهُ الَّتِی رُكِّبَتْ فِیهِ اشْتَهَی الْفِعْلَ وَ تَحَرَّكَ بِالْقُوَّةِ الْمُرَكَّبَةِ فِیهِ وَ اسْتَعْمَلَ الْآلَةَ الَّتِی یَفْعَلُ بِهَا الْفِعْلَ فَیَكُونُ الْفِعْلُ مِنْهُ عِنْدَ مَا تَحَرَّكَ وَ اكْتَسَبَهُ فَقِیلَ فَاعِلٌ وَ مُتَحَرِّكٌ وَ مُكْتَسِبٌ وَ مُسْتَطِیعٌ أَ وَ لَا تَرَی أَنَّ جَمِیعَ ذَلِكَ صِفَاتٌ یُوصَفُ بِهَا الْإِنْسَانُ وَ سَأَلْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ عَنِ التَّوْحِیدِ وَ مَا ذَهَبَ إِلَیْهِ مَنْ قِبَلَكَ فَتَعَالَی اللَّهُ الَّذِی لَیْسَ كَمِثْلِهِ شَیْ ءٌ وَ هُوَ السَّمِیعُ الْبَصِیرُ تَعَالَی اللَّهُ عَمَّا یَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ الْمُشَبِّهُونَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی بِخَلْقِهِ الْمُفْتَرُونَ عَلَی اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَاعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِیحَ فِی التَّوْحِیدِ مَا نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ

ص: 31


1- فی نسخة: و خبر من یكون بعدكم.
2- فی التوحید المطبوع: فی الإنسان.

فَانْفِ عَنِ اللَّهِ الْبُطْلَانَ وَ التَّشْبِیهَ فَلَا نَفْیَ وَ لَا تَشْبِیهَ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الثَّابِتُ الْمَوْجُودُ تَعَالَی اللَّهُ عَمَّا یَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ وَ لَا تَعْدُ الْقُرْآنَ (1)فَتَضِلَّ بَعْدَ الْبَیَانِ وَ سَأَلْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ عَنِ الْإِیمَانِ فَالْإِیمَانُ هُوَ إِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ وَ عَقْدٌ بِالْقَلْبِ وَ عَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ فَالْإِیمَانُ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ- (2)وَ قَدْ یَكُونُ الْعَبْدُ مُسْلِماً قَبْلَ أَنْ یَكُونَ مُؤْمِناً وَ لَا یَكُونُ مُؤْمِناً حَتَّی یَكُونَ مُسْلِماً فَالْإِسْلَامُ قَبْلَ الْإِیمَانِ وَ هُوَ یُشَارِكُ الْإِیمَانَ فَإِذَا أَتَی الْعَبْدُ بِكَبِیرَةٍ مِنْ كَبَائِرِ الْمَعَاصِی أَوْ صَغِیرَةٍ مِنْ صَغَائِرِ الْمَعَاصِی الَّتِی نَهَی اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْهَا كَانَ خَارِجاً مِنَ الْإِیمَانِ وَ سَاقِطاً عَنْهُ اسْمُ الْإِیمَانِ وَ ثَابِتاً عَلَیْهِ اسْمُ الْإِسْلَامِ فَإِنْ تَابَ وَ اسْتَغْفَرَ عَادَ إِلَی الْإِیمَانِ- (3)وَ لَمْ یُخْرِجْهُ إِلَی الْكُفْرِ وَ الْجُحُودِ وَ الِاسْتِحْلَالِ- (4)وَ إِذَا قَالَ لِلْحَلَالِ هَذَا حَرَامٌ وَ لِلْحَرَامِ هَذَا حَلَالٌ وَ دَانَ بِذَلِكَ فَعِنْدَهَا یَكُونُ خَارِجاً مِنَ الْإِیمَانِ وَ الْإِسْلَامِ إِلَی الْكُفْرِ وَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ دَخَلَ الْحَرَمَ ثُمَّ دَخَلَ الْكَعْبَةَ فَأَحْدَثَ فِی الْكَعْبَةِ حَدَثاً فَأُخْرِجَ عَنِ الْكَعْبَةِ وَ عَنِ الْحَرَمِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ وَ صَارَ إِلَی النَّارِ.

قال الصدوق رحمه اللّٰه كأن المراد من هذا الحدیث ما كان فیه من ذكر القرآن و معنی ما فیه أنه غیر مخلوق أی غیر مكذوب و لا یعنی به أنه غیر محدث لأنه قد قال محدث غیره مخلوق و غیر أزلی مع اللّٰه تعالی ذكره.

بیان: قوله علی یدی عبد الملك أی أرسلت الكتاب معه قوله علیه السلام إن المعرفة من صنع اللّٰه أی أصل المعرفة أو كمالها من اللّٰه تعالی بعد اكتسابهم و تفكرهم فالمفیض للمعارف هو الرب تعالی و للتفكر و النظر و الطلب مدخل فیها و إنما یثابون و یعاقبون بفعل تلك المبادی و تركها أو المعنی أن المعرفة لیست إلا من قبله تعالی إما بإلقائها فی قلوبهم أو بیان الأنبیاء و الحجج علیهم السلام و إنما كلف العباد بقبول ذلك

ص: 32


1- أی لا تتجاوز عما فی القرآن.
2- فی الكافی هنا زیادة و هی قوله: و هو دارو كذلك الإسلام دار و الكفر دار، فقد یكون إلخ.
3- فی الكافی: الی دار الایمان.
4- فی الكافی: و لا یخرجه إلی الكفر الا الجحود و الاستحلال أن یقول للحلال اه.

و إقرارهم به ظاهرا و تخلیة النفس قبل ذلك لطلب الحق عن العصبیة و العناد و عما یوجب الحرمان عن الحق من تقلید أهل الفساد و هذا هو المراد بالاختیار من الاكتساب.

ثم بیّن علیه السلام أن لتوفیق اللّٰه و خذلانه أیضا مدخلا فی ذلك الاكتساب أیضا كما سیأتی تحقیقه و لعل المنع من إطلاق الخلق علی القرآن إما للتقیة مماشاة مع العامة أو لكونه موهما لمعنی آخر أطلق الكفار علیه بهذا المعنی فقالوا إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ كما أشار إلیه الصدوق رحمه اللّٰه(1). قوله معروف و لا مجهول أی لم یكن مع اللّٰه شی ء یعرفه الخلق أو یجهلونه.

«40»-ید، التوحید أَبِی عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِیسَی عَنْ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِیِّ عَنْ أَبِی شُعَیْبٍ الْمَحَامِلِیِّ (2)عَنْ أَبِی سُلَیْمَانَ الْجَمَّالِ (3)عَنْ أَبِی بَصِیرٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ شَیْ ءٍ مِنَ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ لَیْسَتِ الِاسْتِطَاعَةُ مِنْ كَلَامِی وَ لَا مِنْ كَلَامِ آبَائِی.

قال الصدوق رحمه اللّٰه یعنی بذلك أنه لیس من كلامی و لا من كلام آبائی أن یقول لله عز و جل إنه مستطیع كما قال الذین كانوا علی عهد عیسی علیه السلام هَلْ یَسْتَطِیعُ رَبُّكَ أَنْ یُنَزِّلَ عَلَیْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ بیان لعل منعه عن إطلاق الاستطاعة فیه تعالی لكونه استفعالا من الطاعة فلا یلیق إطلاقه بجنابه تعالی أو لأن الاستطاعة إنما تطلق علی القدرة المتفرعة علی حصول الآلات و الأدوات (4)و اللّٰه تعالی منزه عن ذلك و سیأتی تحقیق معنی الخبر.

ص: 33


1- بل الحق أن الكلام هو اللفظ لا بما انه صوت بل بما أنّه دال علی المعنی أی المعنی المدلول علیه بما انه مرتبط بالصوت الذی هو كیف مسموع، و هذا معنی اعتباری لا یتعلق به الجعل و هذا بخلاف الحدوث؛ و لتفصیل الكلام محل آخر. ط.
2- هو صالح بن خالد الكوفیّ، من رجال أبی الحسن موسی علیه السلام مولی علیّ بن الحكم بن الزبیر الأنباری، له كتاب، وثقه ثقة النجاشیّ فی باب الكنی من رجاله.
3- لم نجد ذكره فی التراجم. و فی المصدر: ابو سلمان.
4- هذا و ما ذكره الصدوق رحمه اللّٰه من عجیب التأویل. و ظاهر الروایة أن المراد بالاستطاعة قول دائر بین الناس و لیس إلّا ما كان دائرا بین المعتزلة یومئذ من القول بالاستطاعة و هو استناد الفعل إلی قدرة العبد و استطاعته من غیر أن یكون للّٰه سبحانه فیه صنع. و یمكن أن یكون إشارة إلی مسألة تحقّق الاستطاعة قبل الفعل الذی نفتها الأشاعرة و یكون الخبر وارد اعلی التقیة. ط.

«41»-ید، التوحید أَبِی وَ ابْنُ الْوَلِیدِ مَعاً عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِیسَی عَنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ أَبِی جَمِیلَةَ (1)عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِیٍّ الْحَلَبِیِّ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام فِی قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَدْ كانُوا یُدْعَوْنَ إِلَی السُّجُودِ وَ هُمْ سالِمُونَ قَالَ وَ هُمْ مُسْتَطِیعُونَ یَسْتَطِیعُونَ الْأَخْذَ بِمَا أُمِرُوا بِهِ وَ التَّرْكَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَ بِذَلِكَ ابْتُلُوا قَالَ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ مَاتَ وَ تَرَكَ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَ لَمْ یَحُجَّ حَتَّی مَاتَ هَلْ كَانَ یَسْتَطِیعُ الْحَجَّ قَالَ نَعَمْ إِنَّمَا اسْتَغْنَی عَنْهُ بِمَالِهِ وَ صِحَّتِهِ.

بیان: لیس عنه فی بعض النسخ و هو أظهر و مع وجوده یحتمل أن یكون عن بمعنی اللام كما قیل فی قوله تعالی إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ و یحتمل أن یكون الاستغناء عنه كنایة عن الترك و الباء بمعنی مع أی تركه مع وجود ماله و صحته.

«42»-ید، التوحید بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ عِیسَی عَنْ عَلِیِّ بْنِ حَدِیدٍ عَنْ جَمِیلٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام فِی قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ یُدْعَوْنَ إِلَی السُّجُودِ فَلا یَسْتَطِیعُونَ قَالَ صَارَتْ أَصْلَابُهُمْ كَصَیَاصِی الْبَقَرِ یَعْنِی قُرُونَهَا وَ قَدْ كانُوا یُدْعَوْنَ إِلَی السُّجُودِ وَ هُمْ سالِمُونَ قَالَ (2)وَ هُمْ سَالِمُونَ وَ هُمْ مُسْتَطِیعُونَ.

«43»-ید، التوحید بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ عِیسَی عَنْ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِیِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ یَحْیَی الصَّیْرَفِیِّ عَنْ صَبَّاحٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِی جَعْفَرٍ علیه السلام قَالَ: سَأَلَهُ زُرَارَةُ وَ أَنَا حَاضِرٌ فَقَالَ أَ فَرَأَیْتَ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَیْنَا فِی كِتَابِهِ وَ مَا نَهَانَا عَنْهُ جَعَلَنَا مُسْتَطِیعِینَ لِمَا افْتَرَضَ عَلَیْنَا مُسْتَطِیعِینَ لِتَرْكِ مَا نَهَانَا عَنْهُ فَقَالَ نَعَمْ.

«44»-ید، التوحید بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ عِیسَی عَنْ سَعِیدِ بْنِ جَنَاحٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِیِّ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ وَ قَدْ فَعَلُوا فَقُلْتُ نَعَمْ زَعَمُوا أَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا عِنْدَ الْفِعْلِ وَ إِرَادَةٍ فِی حَالِ الْفِعْلِ (3)لَا قَبْلَهُ فَقَالَ أَشْرَكَ الْقَوْمُ.

ص: 34


1- هو المفضل بن صالح الأسدی النخاس ضعیف.
2- فی المصدر: قال: و هم مستطیعون. م.
3- فی التوحید المطبوع: واردة فی حال الفعل.

بیان: قوله علیه السلام و قد فعلوا أی نفوا الاستطاعة أیضا بعد ما نفوا سائر ضروریات الدین أو المعنی أنهم فعلوا الفعل باختیارهم فكیف لا یستطیعون.

«45»-ید، التوحید بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ عِیسَی عَنْ عَلِیِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ أَبِی عُمَیْرٍ عَنْ أَبِی الْحَسَنِ الْحَذَّاءِ (1)عَنِ الْمُعَلَّی بْنِ خُنَیْسٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام مَا یُعْنَی بِقَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَدْ كانُوا یُدْعَوْنَ إِلَی السُّجُودِ وَ هُمْ سالِمُونَ قَالَ وَ هُمْ مُسْتَطِیعُونَ.

«46»-ید، التوحید ابْنُ الْوَلِیدِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِیسَی وَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِیدِ وَ ابْنِ أَبِی الْخَطَّابِ جَمِیعاً عَنِ الْبَزَنْطِیِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: لَا یَكُونُ الْعَبْدُ فَاعِلًا وَ لَا مُتَحَرِّكاً إِلَّا وَ الِاسْتِطَاعَةُ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ إِنَّمَا وَقَعَ التَّكْلِیفُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بَعْدَ الِاسْتِطَاعَةِ فَلَا یَكُونُ مُكَلَّفاً لِلْفِعْلِ إِلَّا مُسْتَطِیعاً.

«47»-ید، التوحید عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْفَضْلِ (2)عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (3)عَنْ عَلِیِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ أَبِی الْخَطَّابِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِی الْحُسَیْنِ (4)عَنْ سَهْلٍ الْمَصِّیصِیِّ (5)عَنْهُ علیه السلام مِثْلَهُ.

«48»-ید، التوحید أَبِی عَنْ سَعْدٍ (6)عَنِ ابْنِ بَزِیعٍ عَنِ ابْنِ أَبِی عُمَیْرٍ عَمَّنْ رَوَاهُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ سَمِعْتُهُ یَقُولُ لَا یَكُونُ الْعَبْدُ فَاعِلًا إِلَّا وَ هُوَ مُسْتَطِیعٌ وَ قَدْ یَكُونُ مُسْتَطِیعاً غَیْرَ فَاعِلٍ وَ لَا یَكُونُ فَاعِلًا أَبَداً حَتَّی یَكُونَ مَعَهُ الِاسْتِطَاعَةُ.

«49»-ید، التوحید أَبِی وَ ابْنُ الْوَلِیدِ مَعاً عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِیسَی عَنْ عَلِیِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ

ص: 35


1- لم نعرف اسمه و لا حاله. و فی بعض النسخ: «الخزاعیّ» بدل «الحذاء».
2- فی التوحید: أحمد بن الفضل بن المغیرة. أقول: لم نجد له ذكرا فی الرجال.
3- فی التوحید: منصور بن عبد اللّٰه بن إبراهیم الأصفهانیّ. أقول: هو كسابقه.
4- فی التوحید: محمّد بن أبی الحسین القریضی. أقول هو أیضا كسابقه.
5- فی التوحید: سهل «بن خ ل» أبی محمّد المصیصی. أقول: هو أیضا كسابقه.
6- فی التوحید: أبی، عن سعد، عن یعقوب بن یزید، عن محمّد بن أبی عمیر.

عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِیِّ (1)عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام فِی قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَی وَ سَیَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ یُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ اللَّهُ یَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ قَالَ أَكْذَبَهُمْ اللَّهُ فِی قَوْلِهِمْ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ وَ قَدْ كَانُوا مُسْتَطِیعِینَ لِلْخُرُوجِ.

«50»-ید، التوحید بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِی عِیسَی عَنِ الْحَجَّالِ عَنْ ثَعْلَبَةَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَی بْنِ أَعْیَنَ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام فِی هَذِهِ الْآیَةِ لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِیباً وَ سَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَ لكِنْ بَعُدَتْ عَلَیْهِمُ الشُّقَّةُ وَ سَیَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ یُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ اللَّهُ یَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ إِنَّهُمْ كَانُوا یَسْتَطِیعُونَ لِلْخُرُوجِ وَ قَدْ كَانَ فِی الْعِلْمِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِیباً وَ سَفَراً قَاصِداً لَفَعَلُوا.

«51»-ید، التوحید أَبِی وَ ابْنُ الْوَلِیدِ عَنْ سَعْدٍ وَ الْحِمْیَرِیُّ هُمَا عَنْ ابْنِ عِیسَی عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِیِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ أَبِی جَمِیلَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ الْحَلَبِیِّ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: مَا أُمِرَ الْعِبَادُ إِلَّا بِدُونِ سَعَتِهِمْ فَكُلُّ شَیْ ءٍ أُمِرَ النَّاسُ بِأَخْذِهِ فَهُمْ مُتَّسِعُونَ لَهُ وَ مَا لَا یَتَّسِعُونَ لَهُ فَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنْهُمْ وَ لَكِنَّ النَّاسَ لَا خَیْرَ فِیهِمْ.

«52»-ید، التوحید ابْنُ الْوَلِیدِ عَنِ ابْنِ أَبَانٍ عَنِ الْحُسَیْنِ بْنِ سَعِیدٍ (2)عَنْ عُبَیْدِ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ فَلَمْ یُجِبْنِی فَدَخَلْتُ عَلَیْهِ دَخْلَةً أُخْرَی فَقُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِی قَلْبِی مِنْهَا شَیْ ءٌ لَا یُخْرِجُهُ إِلَّا شَیْ ءٌ أَسْمَعُهُ مِنْكَ قَالَ فَإِنَّهُ لَا یَضُرُّكَ مَا كَانَ فِی قَلْبِكَ قُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ فَإِنِّی أَقُولُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَی لَمْ یُكَلِّفِ الْعِبَادَ إِلَّا مَا یَسْتَطِیعُونَ وَ إِلَّا مَا یُطِیقُونَ فَإِنَّهُمْ لَا یَصْنَعُونَ شَیْئاً مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ وَ مَشِیَّتِهِ وَ قَضَائِهِ وَ قَدَرِهِ قَالَ هَذَا دِینُ اللَّهِ الَّذِی أَنَا عَلَیْهِ وَ آبَائِی أَوْ كَمَا قَالَ.

ص: 36


1- لا یعرف الرجل فی أصحاب الصادق علیه السلام.
2- أقول: أخرج الحدیث ثقة الإسلام فی باب الاستطاعة من كتابه الكافی عن محمّد بن یحیی عن أحمد بن محمّد بن عیسی، عن الحسین بن سعید، عن بعض أصحابنا، عن عبید بن زرارة. و الظاهر أنه الصحیح لبعد روایة الحسین بن سعید عن عبید بن زرارة بلا واسطة.

قال الصدوق رحمه اللّٰه مشیة اللّٰه و إرادته فی الطاعات الأمر بها و فی المعاصی النهی عنها و المنع منها بالزجر و التحذیر.

«53»-ید، التوحید الْعَطَّارُ عَنْ أَبِیهِ عَنِ ابْنِ عِیسَی عَنْ عَلِیِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنِ ابْنِ بُكَیْرٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام إِنَّ لَنَا كَلَاماً نَتَكَلَّمُ بِهِ قَالَ هَاتِهِ قُلْتُ نَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَمَرَ وَ نَهَی وَ كَتَبَ الْآجَالَ وَ الْآثَارَ لِكُلِّ نَفْسٍ بِمَا قَدَّرَ لَهَا وَ أَرَادَ وَ جَعَلَ فِیهِمْ مِنَ الِاسْتِطَاعَةِ لِطَاعَتِهِ مَا یَعْمَلُونَ بِهِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ فَإِذَا تَرَكُوا ذَلِكَ إِلَی غَیْرِهِ كَانُوا مَحْجُوجِینَ بِمَا صَیَّرَ فِیهِمْ مِنَ الِاسْتِطَاعَةِ وَ الْقُوَّةِ لِطَاعَتِهِ فَقَالَ هَذَا هُوَ الْحَقُّ إِذَا لَمْ تَعْدُهُ إِلَی غَیْرِهِ.

«54»-ید، التوحید ابْنُ الْوَلِیدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ أَبِی الْخَطَّابِ عَنِ ابْنِ أَسْبَاطٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا علیه السلام عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ یَسْتَطِیعُ الْعَبْدُ بَعْدَ أَرْبَعِ خِصَالٍ أَنْ یَكُونَ مُخَلَّی السَّرْبِ صَحِیحَ الْجِسْمِ سَلِیمَ الْجَوَارِحِ لَهُ سَبَبٌ وَارِدٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَسِّرْهَا لِی قَالَ أَنْ یَكُونَ الْعَبْدُ مُخَلَّی السَّرْبِ صَحِیحَ الْجِسْمِ سَلِیمَ الْجَوَارِحِ یُرِیدُ أَنْ یَزْنِیَ فَلَا یَجِدُ امْرَأَةً ثُمَّ یَجِدُهَا فَإِمَّا أَنْ یَعْصِمَ فَیَمْتَنِعَ كَمَا امْتَنَعَ یُوسُفُ علیه السلام أَوْ یُخَلِّیَ بَیْنَهُ وَ بَیْنَ إِرَادَتِهِ فَیَزْنِیَ فَیُسَمَّی زَانِیاً وَ لَمْ یُطِعِ اللَّهَ بِإِكْرَاهٍ وَ لَمْ یَعْصِ بِغَلَبَةٍ.

بیان: السبب الوارد من اللّٰه هو العصمة أو التخلیة.

«55»-ید، التوحید ابْنُ الْوَلِیدِ عَنِ ابْنِ أَبَانٍ عَنِ الْحُسَیْنِ بْنِ سَعِیدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِیسَی عَنِ الْحُسَیْنِ بْنِ الْمُخْتَارِ عَنْ إِسْمَاعِیلَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْخَلْقَ فَعَلِمَ مَا هُمْ صَائِرُونَ إِلَیْهِ وَ أَمَرَهُمْ وَ نَهَاهُمْ فَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ شَیْ ءٍ فَقَدْ جَعَلَ لَهُمُ السَّبِیلَ إِلَی الْأَخْذِ بِهِ وَ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ فَقَدْ جَعَلَ لَهُمُ السَّبِیلَ إِلَی تَرْكِهِ وَ لَا یَكُونُونَ فِیهِ آخِذِینَ وَ لَا تَارِكِینَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.

قال (1)الصدوق رحمه اللّٰه یعنی بعلمه.

ص: 37


1- لیست فی النسخ الثلاثة المطبوعة من التوحید جملة «قال الصدوق» و لعلّ العلّامة المجلسیّ استظهر ان جملة «یعنی بعلمه» من الصدوق رحمه اللّٰه. م.

«56»-ید، التوحید بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ الْحُسَیْنِ عَنْ فَضَالَةَ عَنْ أَبَانٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّیَّارِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَدْ كانُوا یُدْعَوْنَ إِلَی السُّجُودِ وَ هُمْ سالِمُونَ قَالَ مُسْتَطِیعُونَ یَسْتَطِیعُونَ الْأَخْذَ بِمَا أُمِرُوا بِهِ وَ التَّرْكَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَ بِذَلِكَ ابْتُلُوا ثُمَّ قَالَ لَیْسَ شَیْ ءٌ مِمَّا أُمِرُوا بِهِ وَ نُهُوا عَنْهُ إِلَّا وَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِیهِ ابْتِلَاءٌ وَ قَضَاءٌ.

سن، المحاسن ابن فضال عن أبی جمیلة عن محمد الحلبی مثله (1)

«57»-ید، التوحید أَبِی عَنْ سَعْدٍ (2)عَنِ الْحُسَیْنِ بْنِ سَعِیدٍ عَنِ ابْنِ أَبِی عُمَیْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: مَا كَلَّفَ اللَّهُ الْعِبَادَ كُلْفَةَ فِعْلٍ وَ لَا نَهَاهُمْ عَنْ شَیْ ءٍ حَتَّی جَعَلَ لَهُمُ الِاسْتِطَاعَةَ ثُمَّ أَمَرَهُمْ وَ نَهَاهُمْ فَلَا یَكُونُ الْعَبْدُ آخِذاً وَ لَا تَارِكاً إِلَّا بِاسْتِطَاعَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ قَبْلَ الْأَمْرِ وَ النَّهْیِ وَ قَبْلَ الْأَخْذِ وَ التَّرْكِ وَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَ الْبَسْطِ.

«58»-ید، التوحید ابْنُ الْوَلِیدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِیسَی عَنْ عَلِیِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ سُلَیْمَانَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام یَقُولُ لَا یَكُونُ مِنَ الْعَبْدِ قَبْضٌ وَ لَا بَسْطٌ إِلَّا بِاسْتِطَاعَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ لِلْقَبْضِ وَ الْبَسْطِ.

«59»-ید، التوحید أَبِی عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِی الْخَطَّابِ عَنْ الْمَحَامِلِیِّ وَ صَفْوَانَ بْنِ یَحْیَی مَعاً عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِی بَصِیرٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: سَمِعْتُهُ یَقُولُ وَ عِنْدَهُ قَوْمٌ یَتَنَاظَرُونَ فِی الْأَفَاعِیلِ وَ الْحَرَكَاتِ فَقَالَ الِاسْتِطَاعَةُ قَبْلَ الْفِعْلِ لَمْ یَأْمُرِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِقَبْضٍ وَ لَا بَسْطٍ إِلَّا وَ الْعَبْدُ لِذَلِكَ مُسْتَطِیعٌ.

ص: 38


1- و زاد فی المحاسن بعد قوله علیه السلام: و لذلك ابتلوا: و قال لیس فی العبد قبض و لا بسط ممّا امر اللّٰه به او نهی عنه الا و من اللّٰه فیه ابتلاء و قضاء. م
2- فی التوحید المطبوع: سعد، عن أحمد بن محمّد بن عیسی، عن الحسن بن سعید. و هو الصحیح لان سعد لا یروی عن الحسن أو الحسین إلّا بواسطة و هی أحمد بن محمّد بن عیسی، نص علی ذلك الكاظمی فی المشتركات، و أمّا الحسین بن سعید فهو شریك أخیه الحسن فی روایاته و مشایخه إلّا فی زرعة بن محمّد و فضالة بن أیوب، فان الحسین یروی عنهما بواسطة أخیه الحسن، فعلی ذلك یصحّ أن یكون ما فی السند الحسین أو الحسن كما فی التوحید المطبوع.

«60»-ید، التوحید أَبِی عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ یَزِیدَ عَنْ مَرْوَكِ بْنِ عُبَیْدٍ (1)عَنْ عَمْرٍو رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَمَّنْ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام فَقَالَ لَهُ إِنَّ لِی أَهْلَ بَیْتٍ قَدَرِیَّةً یَقُولُونَ نَسْتَطِیعُ أَنْ نَعْمَلَ كَذَا وَ كَذَا وَ نَسْتَطِیعُ أَنْ لَا نَعْمَلَ قَالَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قُلْ لَهُ هَلْ تَسْتَطِیعُ أَنْ لَا تَذْكُرَ مَا تَكْرَهُ وَ أَنْ لَا تَنْسَی مَا تُحِبُّ فَإِنْ قَالَ لَا فَقَدْ تَرَكَ قَوْلَهُ وَ إِنْ قَالَ نَعَمْ فَلَا تُكَلِّمْهُ أَبَداً فَقَدْ ادَّعَی الرُّبُوبِیَّةَ.

«61»-ید، التوحید أَبِی عَنْ سَعْدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِی حَمَّادٍ (2)عَنْ أَبِی خَالِدٍ السِّجِسْتَانِیِّ (3)عَنْ عَلِیِّ بْنِ یَقْطِینٍ عَنْ أَبِی إِبْرَاهِیمَ علیه السلام قَالَ: مَرَّ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام بِجَمَاعَةٍ بِالْكُوفَةِ وَ هُمْ یَخْتَصِمُونَ بِالْقَدَرِ (4)فَقَالَ لِمُتَكَلِّمِهِمْ أَ بِاللَّهِ تَسْتَطِیعُ أَمْ مَعَ اللَّهِ أَمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَسْتَطِیعُ فَلَمْ یَدْرِ مَا یَرُدُّ عَلَیْهِ فَقَالَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام إِنْ زَعَمْتَ أَنَّكَ بِاللَّهِ تَسْتَطِیعُ فَلَیْسَ إِلَیْكَ (5)مِنَ الْأَمْرِ شَیْ ءٌ وَ إِنْ زَعَمْتَ أَنَّكَ مَعَ اللَّهِ تَسْتَطِیعُ فَقَدْ زَعَمْتَ أَنَّكَ شَرِیكٌ مَعَهُ فِی مِلْكِهِ وَ إِنْ زَعَمْتَ أَنَّكَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَسْتَطِیعُ فَقَدِ ادَّعَیْتَ الرُّبُوبِیَّةَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَی فَقَالَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ لَا بَلْ بِاللَّهِ أَسْتَطِیعُ فَقَالَ أَمَا إِنَّكَ لَوْ قُلْتَ غَیْرَ هَذَا لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ (6).

ص: 39


1- بفتح المیم و سكون الراء و فتح الواو هو صالح بن عبید بن زیاد أبی حفصة.
2- أبی النخیر الرازیّ، و اسم أبی حماد سلمة، قال النجاشیّ: و كان أمره ملبسا، یعرف و ینكر، له كتب: منها كتاب خطب أمیر المؤمنین علیه السلام و كتاب نوادر.
3- لم نقف علی اسمه إلّا أن الفاضل المامقانی قال: لا یبعد أن اسمه سالم بن سلمة الكندی السجستانیّ، و لكنی لم أقف علی من كناه بأبی خالد. م.
4- فی نسخة من التوحید: فی القدر. م.
5- فی المصدر: فلیس لك.
6- لا ریب ان أسباب الفعل و الآلات و القوی كلها من اللّٰه و لا خلاف فیه من معتزلی و لا أشعری و لا إمامی و انما الكلام فی أن استطاعة الفعل هل هی قبل الفعل أو معه؟ الثانی للاشعری و غیره لغیرهم. ثم اختلف فی الاستطاعة قبل الفعل هل العبد مستقل بها بحیث یتصرف فی الأسباب و آلات الفعل من غیر أنّ یرتبط شی ء من تصرفه باللّٰه أم للّٰه فیه صنع بحیث ان القدرة للّٰه مضافة إلی سائر الأسباب و إنّما یقدر العبد بتملیك اللّٰه إیاه شیئا منها؟ المعتزلة علی الأول و المتحصل من أخبار أهل البیت علیهم السلام هو الثانی، إذا عرفت ذلك ظهر لك ما فی تفسیر المصنّف رحمه اللّٰه لمعنی الحدیث فقد أوله تاویلا عجیبا مع أن الروایات صریحة فی خلافه. ط.

بیان: لعلّه أراد علیه السلام بقوله باللّٰه تستطیع أن اللّٰه یجبره علی الفعل فلذا قال فلیس إلیك من الأمر شی ء و لمّا نفی المتكلّم الثلاثة و قال باللّٰه أستطیع علم أن مراده أنی مستطیع قادر بما ملّكنی اللّٰه من الأسباب و الآلات فلذا لم یردّ علیه السلام كلامه و قبل منه و یحتمل علی بُعد أن یكون اختار الشقّ الأوّل فقوله علیه السلام لیس إلیك من الأمر شی ء أی لا تستقلّ فی الفعل بأن تقدر علی تحصیل جمیع ما یتوقّف علیه الفعل و الحاصل أنه لما كان قدریا تفویضیا قال علیه السلام إن اخترت هذا فقد أقررت ببطلان ما تعتقده من استقلال العبد و لا بدّ لك من اختیاره.

«62»-ن، عیون أخبار الرضا علیه السلام ید، التوحید تَمِیمٌ الْقُرَشِیُّ عَنْ أَبِیهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِیٍّ عَنِ الْهَرَوِیِّ قَالَ: سَأَلَ الْمَأْمُونُ الرِّضَا علیه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الَّذِینَ كانَتْ أَعْیُنُهُمْ فِی غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِی وَ كانُوا لا یَسْتَطِیعُونَ سَمْعاً فَقَالَ إِنَّ غِطَاءَ الْعَیْنِ لَا یَمْنَعُ مِنَ الذِّكْرِ وَ الذِّكْرُ لَا یُرَی بِالْعُیُونِ وَ لَكِنَّ اللَّهَ شَبَّهَ الْكَافِرِینَ بِوَلَایَةِ عَلِیِّ بْنِ أَبِی طَالِبٍ علیهما السلام بِالْعُمْیَانِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا یَسْتَثْقِلُونَ قَوْلَ النَّبِیِّ صلی اللّٰه علیه و آله فِیهِ وَ كَانُوا لَا یَسْتَطِیعُونَ سَمْعاً فَقَالَ الْمَأْمُونُ فَرَّجْتَ عَنِّی فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ.

«63»-ف، تحف العقول كَتَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِیُّ إِلَی أَبِی مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِیٍّ علیهما السلام أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكُمْ مَعْشَرَ بَنِی هَاشِمٍ الْفُلْكُ الْجَارِیَةُ فِی اللُّجَجِ الْغَامِرَةِ وَ الْأَعْلَامُ النَّیِّرةُ الشَّاهِرَةُ أَوْ كَسَفِینَةِ نُوحٍ علیه السلام الَّتِی نَزَلَهَا الْمُؤْمِنُونَ وَ نَجَا فِیهَا الْمُسْلِمُونَ كَتَبْتُ إِلَیْكَ یَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ عِنْدَ اخْتِلافِنَا فِی الْقَدَرِ وَ حَیْرَتِنَا فِی الِاسْتِطَاعَةِ فَأَخْبِرْنَا بِالَّذِی عَلَیْهِ رَأْیُكَ وَ رَأْیُ آبَائِكَ علیهم السلام فَإِنَّ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عِلْمَكُمْ وَ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ عَلَی النَّاسِ وَ اللَّهُ الشَّاهِدُ عَلَیْكُمْ ذُرِّیَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمٌ فَأَجَابَهُ الْحَسَنُ علیه السلام بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ وَصَلَ إِلَیَّ كِتَابُكَ وَ لَوْ لَا مَا ذَكَرْتَهُ مِنْ حَیْرَتِكَ وَ حَیْرَةِ مَنْ مَضَی قَبْلَكَ إِذاً مَا أَخْبَرْتُكَ أَمَّا بَعْدُ فَمَنْ لَمْ یُؤْمِنْ بِالْقَدَرِ خَیْرِهِ وَ شَرِّهِ أَنَّ اللَّهَ یَعْلَمُهُ فَقَدْ كَفَرَ وَ مَنْ أَحَالَ الْمَعَاصِیَ عَلَی اللَّهِ فَقَدْ فَجَرَ إِنَّ اللَّهَ لَمْ یُطَعْ مُكْرِهاً وَ لَمْ یُعْصَ مَغْلُوباً وَ لَمْ یُهْمِلِ الْعِبَادَ سُدًی مِنَ الْمَمْلَكَةِ (1)بَلْ هُوَ الْمَالِكُ لِمَا مَلَّكَهُمْ وَ

ص: 40


1- أهمله: تركه و لم یستعمله عمدا أو نسیانا. و سدی أی باطلا و مهملا.

الْقَادِرُ عَلَی مَا عَلَیْهِ أَقْدَرَهُمْ بَلْ أَمَرَهُمْ تَخْیِیراً وَ نَهَاهُمْ تَحْذِیراً فَإِنِ ائْتَمَرُوا لِلطَّاعَةِ لَمْ یَجِدُوا عَنْهَا صَادّاً وَ إِنِ انْتَهَوْا إِلَی الْمَعْصِیَةِ فَشَاءَ أَنْ یَمُنَّ عَلَیْهِمْ بِأَنْ یَحُولَ بَیْنَهُمْ وَ بَیْنَهَا فَعَلَ وَ إِنْ لَمْ یَفْعَلْ فَلَیْسَ هُوَ الَّذِی حَمَلَهُمْ عَلَیْهَا جَبْراً وَ لَا أُلْزِمُوهَا كَرْهاً بَلْ مَنَّ عَلَیْهِمْ بِأَنْ بَصَّرَهُمْ وَ عَرَّفَهُمْ وَ حَذَّرَهُمْ وَ أَمَرَهُمْ وَ نَهَاهُمْ لَا جَبْلًا لَهُمْ عَلَی مَا أَمَرَهُمْ بِهِ فَیَكُونُوا كَالْمَلَائِكَةِ وَ لَا جَبْراً لَهُمْ عَلَی مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ وَ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِینَ وَ السَّلامُ عَلی مَنِ اتَّبَعَ الْهُدی

أقول سیأتی فی كتاب الاحتجاجات بسند آخر أبسط من هذا.

«64»-سن، المحاسن عَلِیُّ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ یُكَلِّفَ النَّاسَ مَا لَا یُطِیقُونَ وَ اللَّهُ أَعَزُّ مِنْ أَنْ یَكُونَ فِی سُلْطَانِهِ مَا لَا یُرِیدُ.

«65»-سن، المحاسن أَبِی عَنْ حَمَّادٍ عَنِ الْحُسَیْنِ بْنِ الْمُخْتَارِ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ قَالَ: قُلْتُ لَهُ إِنَّا نَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لَمْ یُكَلِّفِ الْعِبَادَ إِلَّا مَا آتَاهُمْ وَ كُلُّ شَیْ ءٍ لَا یُطِیقُونَهُ فَهُوَ عَنْهُمْ مَوْضُوعٌ وَ لَا یَكُونُ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَ قَضَی وَ قَدَّرَ وَ أَرَادَ فَقَالَ وَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا لَدِینِی وَ دِینُ آبَائِی (1)

«66»-سن، المحاسن عَلِیُّ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: مَا كَلَّفَ اللَّهُ الْعِبَادَ إِلَّا مَا یُطِیقُونَ وَ إِنَّمَا كَلَّفَهُمْ فِی الْیَوْمِ وَ اللَّیْلَةِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ وَ كَلَّفَهُمْ مِنْ كُلِّ مِائَتَیْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَ كَلَّفَهُمْ صِیَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ فِی السَّنَةِ وَ كَلَّفَهُمْ حَجَّةً وَاحِدَةً وَ هُمْ یُطِیقُونَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَ إِنَّمَا كَلَّفَهُمْ دُونَ مَا یُطِیقُونَ وَ نَحْوَ هَذَا.

«67»-سن، المحاسن أَبِی عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ یَحْیَی الْخَثْعَمِیِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحِیمِ الْقَصِیرِ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: سَأَلَهُ حَفْصٌ الْأَعْوَرُ وَ أَنَا أَسْمَعُ جَعَلَنِیَ اللَّهُ فِدَاكَ قَوْلُ اللَّهِ (2)وَ لِلَّهِ عَلَی النَّاسِ حِجُّ الْبَیْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَیْهِ سَبِیلًا قَالَ ذَلِكَ الْقُوَّةُ فِی الْمَالِ أَوِ الْیَسَارُ قَالَ فَإِنْ كَانُوا مُوسِرِینَ فَهُمْ مِمَّنْ یَسْتَطِیعُ إِلَیْهِ السَّبِیلَ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ لَهُ

ص: 41


1- تقدم الحدیث عن التوحید تحت رقم 52 و فیه زیادة.
2- فی المصدر: فقال جعلنی اللّٰه فداك ما قول اللّٰه. م.

ابْنُ سَیَابَةَ بَلَغَنَا عَنْ أَبِی جَعْفَرٍ علیه السلام أَنَّهُ كَانَ یَقُولُ یُكْتَبُ وَفْدُ الْحَاجِّ فَقَطَعَ كَلَامَهُ فَقَالَ كَانَ أَبِی یَقُولُ یُكْتَبُونَ فِی اللَّیْلَةِ الَّتِی قَالَ اللَّهُ فِیها یُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِیمٍ قَالَ فَإِنْ لَمْ یُكْتَبْ فِی تِلْكَ اللَّیْلَةِ یَسْتَطِیعُ الْحَجَّ قَالَ لَا مَعَاذَ اللَّهِ فَتَكَلَّمَ حَفْصٌ (1)فَقَالَ لَسْتُ مِنْ خُصُومَتِكُمْ فِی شَیْ ءٍ هَكَذَا الْأَمْرُ.

«68»-ضا، فقه الرضا علیه السلام أَرْوِی أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ الْعَالِمَ ع- فَقَالَ یَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَ لَیْسَ أَنَا مُسْتَطِیعٌ لِمَا كُلِّفْتُ فَقَالَ لَهُ علیه السلام مَا الِاسْتِطَاعَةُ عِنْدَكَ قَالَ الْقُوَّةُ عَلَی الْعَمَلِ قَالَ لَهُ علیه السلام قَدْ أُعْطِیتَ الْقُوَّةَ إِنْ أُعْطِیتَ الْمَعُونَةَ قَالَ لَهُ الرَّجُلُ فَمَا الْمَعُونَةُ قَالَ التَّوْفِیقُ قَالَ فَلِمَ إِعْطَاءُ التَّوْفِیقِ قَالَ لَوْ كُنْتَ مُوَفَّقاً كُنْتَ عَامِلًا وَ قَدْ یَكُونُ الْكَافِرُ أَقْوَی مِنْكَ وَ لَا یُعْطَی التَّوْفِیقَ فَلَا یَكُونُ عَامِلًا ثُمَّ قَالَ علیه السلام أَخْبِرْنِی عَنْكَ مَنْ خَلَقَ فِیكَ الْقُوَّةَ قَالَ الرَّجُلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی قَالَ الْعَالِمُ هَلْ تَسْتَطِیعُ بِتِلْكَ الْقُوَّةِ دَفْعَ الضَّرِّ عَنْ نَفْسِكَ وَ أَخْذَ النَّفْعِ إِلَیْهَا بِغَیْرِ الْعَوْنِ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی قَالَ لَا قَالَ فَلِمَ تَنْتَحِلُ مَا لَا تَقْدِرُ عَلَیْهِ ثُمَّ قَالَ أَیْنَ أَنْتَ عَنْ قَوْلِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ (2)وَ مَا تَوْفِیقِی إِلَّا بِاللَّهِ.

«69»-وَ أَرْوِی أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ أَ تَسْتَطِیعُ أَنْ تَعْمَلَ مَا لَمْ یَكُنْ قَالَ لَا قَالَ أَ تَسْتَطِیعُ أَنْ تَنْتَهِیَ عَمَّا یَكُونُ قَالَ لَا قَالَ فَفِیمَا أَنْتَ مُسْتَطِیعٌ قَالَ الرَّجُلُ لَا أَدْرِی فَقَالَ الْعَالِمُ علیه السلام إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ خَلْقاً فَجَعَلَ فِیهِمْ آلَةَ الْفِعْلِ ثُمَّ لَمْ یُفَوِّضْ إِلَیْهِمْ فَهُمْ مُسْتَطِیعُونَ لِلْفِعْلِ فِی وَقْتِ الْفِعْلِ مَعَ الْفِعْلِ قَالَ لَهُ الرَّجُلُ فَالْعِبَادُ مَجْبُورُونَ فَقَالَ لَوْ كَانُوا مَجْبُورِینَ كَانُوا مَعْذُورِینَ قَالَ الرَّجُلُ فَفَوَّضَ إِلَیْهِمْ قَالَ لَا قَالَ فَمَا هُوَ قَالَ الْعَالِمُ علیه السلام عَلِمَ مِنْهُمْ فِعْلًا فَجَعَلَ فِیهِمْ آلَةَ الْفِعْلِ فَإِذَا فَعَلُوا كَانُوا مُسْتَطِیعِینَ (3).

ص: 42


1- فی المصدر: حفص بن سالم. م.
2- أی شعیب علی نبیّنا و آله و علیه السلام حیث قال: «إِنْ أُرِیدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَ ما تَوْفِیقِی إِلَّا بِاللَّهِ عَلَیْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَیْهِ أُنِیبُ». هود: 88.
3- أقول: أخرج الكلینی قدس اللّٰه روحه الحدیث فی باب الاستطاعة عن كتابه الكافی، عن محمّد بن یحیی و علیّ بن إبراهیم جمیعا، عن أحمد بن محمّد، عن علیّ بن الحكم، و عبد اللّٰه ابن یزید جمیعا، عن رجل من أهل البصرة، عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام. و فیه زیادة علی ما فی الكتاب فلیراجعه.

بیان: ما ورد فی هذا الخبر من عدم تقدم الاستطاعة علی الفعل موافقا لأخبار أوردها الكلینی فی ذلك یحتمل وجوها الأول التقیة لموافقته لما ذهب إلیه الأشاعرة من أن للعبد قدرة و كسبا مقارنة للفعل غیر مؤثرة فیه و لمخالفته لما سبق من الأخبار الكثیرة الدالة علی تقدم الاستطاعة و أن من لا یقول به فهو مشرك.

الثانی أن یكون المراد بالاستطاعة فی أمثال هذا الخبر الاستقلال بالفعل بحیث لا یمكن أن یمنعه عنه مانع و لا یكون هذا إلا فی حال الفعل إذ یمكن قبل الفعل أن یزیله اللّٰه عن الفعل و لو بإعدامه و إزالة عقله أو شی ء آخر مما یتوقف علیه الفعل.

الثالث أن یكون المعنی أن فی حال الفعل یظهر الاستطاعة و یعلم أنه كان مستطیعا قبله بأن أذن اللّٰه له فی الفعل كما ورد أن بعد القضاء لا بداء و الأول أظهر.

جا، المجالس للمفید عَلِیُّ بْنُ مَالِكٍ النَّحْوِیُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْكَاتِبِ عَنْ یَمُوتَ بْنِ الْمُزَرِّعِ عَنْ عِیسَی بْنِ إِسْمَاعِیلَ عَنِ الْأَصْمَعِیِّ عَنْ عِیسَی بْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ ذُو الرُّمَّةِ الشَّاعِرُ (1)یَذْهَبُ إِلَی النَّفْیِ فِی الْأَفْعَالِ وَ كَانَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ (2)إِلَی الْإِثْبَاتِ فِیهَا فَاجْتَمَعَا فِی یَوْمٍ مِنْ أَیَّامِهِمَا عِنْدَ بِلَالِ بْنِ أَبِی بُرْدَةَ وَ هُوَ وَالِی الْبَصْرَةِ وَ بِلَالٌ یَعْرِفُ مَا بَیْنَهُمَا مِنَ الْخِلَافِ فَحَضَّهُمَا عَلَی الْمُنَاظَرَةِ فَقَالَ رُؤْبَةُ وَ اللَّهِ مَا یَفْحَصُ طَائِرٌ أُفْحُوصاً وَ لَا یُقَرْمِصُ سَبُعٌ قُرْمُوصاً إِلَّا كَانَ ذَلِكَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَ قَدَرِهِ فَقَالَ لَهُ ذُو الرُّمَّةِ وَ اللَّهِ مَا أَذِنَ اللَّهُ لِلذِّئْبِ أَنْ یَأْخُذَ حَلُوبَةَ عَالَةٍ عَیَایِلَ ضَرَائِكَ فَقَالَ لَهُ رُؤْبَةُ أَ فَبِمَشِیَّتِهِ أَخَذَهَا أَمْ بِمَشِیَّةِ اللَّهِ فَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ بَلْ بِمَشِیَّتِهِ وَ إِرَادَتِهِ فَقَالَ رُؤْبَةُ هَذَا وَ اللَّهِ الْكَذِبُ عَلَی الذِّئْبِ فَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ وَ اللَّهِ الْكَذِبُ عَلَی الذِّئْبِ أَهْوَنُ مِنَ الْكَذِبِ عَلَی

ص: 43


1- اسمه غیلان بن عقبة، و كنیته أبو الحارث، أورد ذكره و أخباره و من أشعاره أبو الفرج فی الأغانی ج 16 ص 110 توفی فی خلافة هشام بن عبد الملك و له أربعون سنة.
2- و اسم الحجاج عبد اللّٰه بن رؤبة، یتصل نسبه بزید بن مناة الراجز المشهور من مخضرمی الدولتین و من اعراب البصرة، سمع من أبی هریرة و النسابة البكری، و عداده فی التابعین، روی عنه معمر بن المثنی و النضر بن شمیل، مات فی زمن المنصور سنة 145 قاله یاقوت فی ارشاد الاریب ج 4 ص 214.

رَبِّ الذِّئْبِ فَقَالَ وَ أَنْشَدَنِی أَبُو الْحَسَنِ عَلِیُّ بْنُ مَالِكٍ النَّحْوِیُّ فِی أَثَرِ هَذَا الْحَدِیثِ لِمَحْمُودٍ الْوَرَّاقِ

أَ عَاذِلُ لَمْ آتِ الذُّنُوبَ عَلَی جَهْلٍ***وَ لَا أَنَّهَا مِنْ فِعْلِ غَیْرِی وَ لَا فِعْلِی

وَ لَا جُرْأَةٍ مِنِّی عَلَی اللَّهِ جِئْتُهَا***وَ لَا أَنَّ جَهْلِی لَا یُحِیطُ بِهِ عَقْلِی

وَ لَكِنْ بِحُسْنِ الظَّنِّ مِنِّی بِعَفْوِ مَنْ***تَفَرَّدَ بِالصُّنْعِ الْجَمِیلِ وَ بِالْفَضْلِ

فَإِنْ صَدَقَ الظَّنُّ الَّذِی قَدْ ظَنَنْتُهُ*** فَفِی فَضْلِهِ مَا صَدَّقَ الظَّنَّ مِنْ مِثْلِی

وَ إِنْ نَالَنِی مِنْهُ الْعِقَابُ فَإِنَّمَا*** أَتَیْتُ مِنَ الْإِنْصَافِ فِی الْحُكْمِ وَ الْعَدْلِ

أقول: روی السید المرتضی فی الغرر هذا الخبر بسند آخر عن أبی عبیدة.

بیان: قال الجزری أُفحوص القطاة موضعها الذی تجثم فیه (1)و تبیض كأنها تفحص عنه التراب أی تكشفه و الفحص البحث و الكشف و قال فی مناظرة ذی الرمة و رؤبة ما تقرمص سبع قرموصا إلا بقضاء القرموص حفرة یحفرها الرجل یكتنّ فیها من البرد یأوی إلیها الصید و هی واسعة الجوف ضیّقة الرأس و قرمص و تقرمص إذا دخلها و تقرمص السبع إذا دخلها للاصطیاد.

و قال فی قصّة ذی الرمة و رؤبة عالة ضرائك الضرائك جمع ضریك و هو الفقیر سیّئ الحال و قیل الهزیل.

و قال السید فی الغرر العیایل جمیع عیل و هو ذو العیال و الضرائك جمیع ضریك و هو الفقیر و فی روایة السید هذا كذب علی الذئب ثان فالمعنی أنه كذب ثان علی الذئب بعد ما كذب علیه فی قصّة یوسف.

«70»-كش، رجال الكشی حَمْدَوَیْهِ وَ إِبْرَاهِیمُ ابْنَا نُصَیْرٍ عَنِ الْعُبَیْدِیِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ إِبْرَاهِیمَ الْمَشْرِقِیِّ قَالَ: قَالَ لِی أَبُو الْحَسَنِ الْخُرَاسَانِیُّ (2)كَیْفَ تَقُولُونَ فِی الِاسْتِطَاعَةِ بَعْدَ یُونُسَ فَذَهَبَ فِیهَا مَذْهَبَ زُرَارَةَ (3)وَ مَذْهَبُ زُرَارَةَ هُوَ الْخَطَأُ فَقُلْتُ لَا وَ لَكِنَّهُ بِأَبِی أَنْتَ وَ أُمِّی

ص: 44


1- تجثم الطائر أو الحیوان: تلبد بالارض و أقام فیه.
2- فی المصدر: أبو الحسن الخراسانیّ علیه السلام. و الظاهر أنّه هو الرضا علیه السلام. م.
3- فی الكشّیّ المطبوع: تذهب فیها مذهب زرارة؟.

مَا یَقُولُ زُرَارَةُ فِی الِاسْتِطَاعَةِ وَ قَوْلُ زُرَارَةَ هُمْ قُدَّرٌ (1)وَ نَحْنُ مِنْهُ بُرَآءُ وَ لَیْسَ مِنْ دِینِ آبَائِكَ قَالَ فَبِأَیِّ شَیْ ءٍ تَقُولُونَ قُلْتُ بِقَوْلِ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام وَ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لِلَّهِ عَلَی النَّاسِ حِجُّ الْبَیْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَیْهِ سَبِیلًا مَا اسْتِطَاعَتُهُ قَالَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام صِحَّتُهُ وَ مَالُهُ فَنَحْنُ بِقَوْلِ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام نَأْخُذُ قَالَ صَدَقَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام هَذَا هُوَ الْحَقُّ(2).

بیان: قوله ما یقول زرارة فی الاستطاعة و قول زرارة فیمن قدر كذا فی بعض النسخ فلعل المعنی أن زرارة لا یقول بالاستطاعة بل إنما یقول بها فیمن قدر علی الفعل بإذنه و توفیقه تعالی و نحن من القول بالاستطاعة المحضة برآء فكلمة ما نافیة و یحتمل أن یكون استفهاما للإنكار و التحقیر أی أی شی ء قول زرارة فنقول به ثم بین أنه قوله بالاستطاعة فیمن قدر علی الفعل و فی أكثر النسخ هم قدّر فیحتمل الوجه الثانی و یكون قدّر بضم القاف و تشدید الدال جمع قادر أی یقول هم قادرون بالاستقلال و فی بعض النسخ قذر بالذال المعجمة و ربما قرأ قوم زرارة و قد یقرأ هیّم قذر و الهیّم بالكسر الإبل العطاش و أثر التصحیف و التحریف فیه ظاهر.

«71»-كش، رجال الكشی مُحَمَّدُ بْنُ قُولَوَیْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِی الْقَاسِمِ مَاجِیلَوَیْهِ عَنْ زِیَادِ بْنِ أَبِی الْحَلَّالِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام إِنَّ زُرَارَةَ رَوَی عَنْكَ فِی الِاسْتِطَاعَةِ شَیْئاً فَقَبِلْنَا مِنْهُ وَ صَدَّقْنَاهُ وَ قَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَعْرِضَهُ عَلَیْكَ فَقَالَ هَاتِهِ فَقُلْتُ زَعَمَ أَنَّهُ سَأَلَكَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لِلَّهِ عَلَی النَّاسِ حِجُّ الْبَیْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَیْهِ سَبِیلًا فَقُلْتُ مَنْ مَلَكَ زَاداً وَ رَاحِلَةً فَقَالَ كُلُّ مَنْ مَلَكَ زَاداً وَ رَاحِلَةً فَهُوَ مُسْتَطِیعٌ لِلْحَجِّ وَ إِنْ لَمْ یَحِجَّ فَقُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ لَیْسَ هَكَذَا سَأَلَنِی وَ لَا هَكَذَا قُلْتُ كَذَبَ عَلَیَّ وَ اللَّهِ كَذَبَ عَلَیَّ وَ اللَّهِ

ص: 45


1- فی الكشّیّ: ما تقول فی الاستطاعة، و قول زرارة فیمن قدر.
2- أقول: حمله الاصحاب و أمثاله ممّا ورد فی ذمّ زرارة و نظرائه من أجلاء الاصحاب علی التقیة حفظا لهم و حقنا لدمائهم، و یدلّ علی صحة هذا الحمل ما ورد من الروایات، من الاعتذار عن ذمهم مثل قول الصادق علیه السلام لعبد اللّٰه بن زرارة: أقرئ منی علی والدك السلام، و قل له انی انما أعیبك دفاعا منی عنك، فان الناس و العدو یسارعون الی كل من قربناه و حمدنا مكانه لادخال اذی فیمن نحبه و نقربه، و یذمونه لمحبتنا له، و قربه و دنوه منا. و الحدیث طویل فلیراجعه.

لَعَنَ اللَّهُ زُرَارَةَ لَعَنَ اللَّهُ زُرَارَةَ إِنَّمَا قَالَ لِی مَنْ كَانَ لَهُ زَادٌ وَ رَاحِلَةٌ فَهُوَ مُسْتَطِیعٌ لِلْحَجِّ قُلْتُ وَ قَدْ وَجَبَ عَلَیْهِ قَالَ فَمُسْتَطِیعٌ هُوَ قُلْتُ لَا حَتَّی یُؤْذَنَ لَهُ قُلْتُ فَأُخْبِرُ زُرَارَةَ بِذَلِكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ زِیَادٌ فَقَدِمْتُ الْكُوفَةَ فَلَقِیتُ زُرَارَةَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام وَ سَكَتُّ عَنْ لَعْنِهِ قَالَ أَمَا إِنَّهُ قَدْ أَعْطَانِی الِاسْتِطَاعَةَ مِنْ حَیْثُ لَا یَعْلَمُ وَ صَاحِبُكُمْ هَذَا لَیْسَ لَهُ بَصِیرَةٌ بِكَلَامِ الرَّجُلِ (1).

«72»-كش، رجال الكشی مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِیسَی عَنْ حَرِیزٍ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَی فَارِسَ وَ خَرَجَ مَعَنَا مُحَمَّدٌ الْحَلَبِیُّ إِلَی مَكَّةَ فَاتَّفَقَ قُدُومُنَا جَمِیعاً إِلَی حُنَیْنٍ فَسَأَلْتُ الْحَلَبِیَّ فَقُلْتُ لَهُ أَطْرِفْنَا بِشَیْ ءٍ (2)قَالَ نَعَمْ جِئْتُكَ بِمَا تَكْرَهُ قُلْتُ لِأَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام مَا تَقُولُ فِی الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ لَیْسَ مِنْ دِینِی وَ لَا مِنْ دِینِ آبَائِی فَقُلْتُ الْآنَ ثَلِجَ عَنْ صَدْرِی وَ اللَّهِ لَا أَعُودُ لَهُمْ مَرِیضاً وَ لَا أُشَیِّعُ لَهُمْ جَنَازَةً وَ لَا أُعْطِیهِمْ شَیْئاً مِنْ زَكَاةِ مَالِی قَالَ فَاسْتَوَی أَبُو عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام جَالِساً وَ قَالَ لِی كَیْفَ قُلْتَ فَأَعَدْتُ عَلَیْهِ الْكَلَامَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام كَانَ أَبِی علیه السلام یَقُولُ أُولَئِكَ قَوْمٌ حَرَّمَ اللَّهُ وُجُوهَهُمْ عَلَی النَّارِ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَ كَیْفَ قُلْتَ لِی لَیْسَ مِنْ دِینِی وَ لَا مِنْ دِینِ آبَائِی قَالَ إِنَّمَا أَعْنِی بِذَلِكَ قَوْلَ زُرَارَةَ وَ أَشْبَاهِهِ.

ص: 46


1- حكی عن ابن طاوس مناقشة فی سند هذا الخبر بقوله: الذی یظهر أن الروایة غیر متصلة لان محمّد بن أبی القاسم كان معاصرا لابی جعفر محمّد بن بابویه، و مات محمّد بن بابویه سنة احدی و ثمانین و ثلاثمائة، و مات الصادق علیه السلام سنة مائة و ثمان و أربعین، و یبعد أن یكون زیاد بن أبی الحلال عاش من زمان الصادق علیه السلام حتّی لقی محمّد بن أبی القاسم معاصر أبی جعفر محمّد بن بابویه، بل ذكر شیخنا فی الرجال أن زیاد بن أبی الحلال من رجال الباقر علیه السلام و مات الباقر علیه السلام سنة مائة و أربع عشرة، و هذا آكد فی كون السند مقطوعا انتهی. أقول: المعروف المتكرر فی الأسانید روایة الصدوق عن محمّد بن أبی القاسم بوساطة محمّد بن علی ماجیلویه أو غیره، و نجد روایته عنه بلا واسطة، و لكن مع ذلك روایة ابن أبی الحلال عنه بعید جدا؛ و یمكن أن یقال: ان المعاصرة أعم من الملاقاة و نقل الروایة عنه. قلت: هذا و ان كان حقا الا أن النجاشیّ صرّح بأن محمّد بن أبی القاسم هذا كان صهرا لأحمد بن أبی عبد اللّٰه البرقی الذی توفّی سنة 274 أو 280 و هذا یبعد ادراك ابن بابویه عصره فتأمل، و مع هذا كله ما قرب ابن طاوس من انقطاع الحدیث قوی جدا.
2- أطرف: أتی بالطرفة أی الحدیث الجدید المستحسن.

بیان: قوله لا أعود لهم مریضا أی للقائلین بالاستطاعة من الشیعة فعرف علیه السلام أن مراده مطلق القائلین بالاستطاعة فردّ علیه بأن ما نفیته هو ما ینسب إلی زرارة موافقا لمذهب التفویض بل الحقّ الأمر بین الأمرین كما مر و هذا هو معنی الخبر لا ما حمله علیه الصدوق رحمه اللّٰه سابقا.

«73»-یف، الطرائف رَوَی جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ عَنْ نَبِیِّهِمْ صلی اللّٰه علیه و آله أَنَّهُ قَالَ: لُعِنَتِ الْقَدَرِیَّةُ عَلَی لِسَانِ سَبْعِینَ نَبِیّاً قِیلَ وَ مَنِ الْقَدَرِیَّةُ یَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ قَوْمٌ یَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدَّرَ عَلَیْهِمُ الْمَعَاصِیَ وَ عَذَّبَهُمْ عَلَیْهَا.

«74»-وَ رَوَی صَاحِبُ الْفَائِقِ وَ غَیْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِیٍّ الْمَكِّیِّ بِإِسْنَادِهِ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَی النَّبِیِّ صلی اللّٰه علیه و آله فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله أَخْبِرْنِی بِأَعْجَبِ شَیْ ءٍ رَأَیْتَ قَالَ رَأَیْتُ قَوْماً یَنْكِحُونَ أُمَّهَاتِهِمْ وَ بَنَاتِهِمْ وَ أَخَوَاتِهِمْ فَإِذَا قِیلَ لَهُمْ لِمَ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ قَالُوا قَضَاءُ اللَّهِ تَعَالَی عَلَیْنَا وَ قَدَرُهُ فَقَالَ النَّبِیُّ صلی اللّٰه علیه و آله سَیَكُونُ مِنْ أُمَّتِی أَقْوَامٌ یَقُولُونَ مِثْلَ مَقَالَتِهِمْ أُولَئِكَ مَجُوسُ أُمَّتِی.

«75»-وَ رَوَی صَاحِبُ الْفَائِقِ وَ غَیْرُهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِیِّ صلی اللّٰه علیه و آله أَنَّهُ قَالَ: یَكُونُ فِی آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ یَعْمَلُونَ الْمَعَاصِیَ وَ یَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَدَّرَهَا عَلَیْهِمْ الرَّادُّ عَلَیْهِمْ كَشَاهِرِ سَیْفِهِ فِی سَبِیلِ اللَّهِ.

«76»-كش، رجال الكشی مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ الْوَشَّاءِ عَنِ ابْنِ خِدَاشٍ (1)عَنْ عَلِیِّ بْنِ إِسْمَاعِیلَ عَنْ رِبْعِیٍّ عَنِ الْهَیْثَمِ بْنِ حَفْصٍ الْعَطَّارِ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام یَقُولُ زُرَارَةُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ یُكَلِّفِ الْعِبَادَ إِلَّا مَا یُطِیقُونَ وَ إِنَّهُمْ لَمْ یَعْمَلُوا إِلَّا أَنْ یَشَاءَ اللَّهُ وَ یُرِیدَ وَ یَقْضِیَ قَالَ هُوَ وَ اللَّهِ الْحَقُّ وَ دَخَلَ عَلَیْنَا صَاحِبُ الزُّطِّیِّ فَقَالَ لَهُ یَا مُیَسِّرُ أَ لَسْتَ عَلَی هَذَا قَالَ عَلَی أَیِّ شَیْ ءٍ

ص: 47


1- بكسر الخاء المعجمة كما فی تقریب ابن حجر و ضوابط الأسماء للطریحی رحمه اللّٰه، و اسمه عبد اللّٰه بن خداش أبو خداش المهری، قال النجاشیّ: ضعیف جدا و فی مذهبه ارتفاع انتهی. و حكی الكشّیّ عن محمّد بن مسعود أنّه قال: قال أبو محمّد عبد اللّٰه بن محمّد بن خالد: أبو خداش عبد اللّٰه بن خداش المهری- و مهر محلة بالبصرة- و هو ثقة.

أَصْلَحَكَ اللَّهُ أَوْ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ فَأَعَادَ هَذَا الْقَوْلَ عَلَیْهِ كَمَا قُلْتُ لَهُ ثُمَّ قَالَ هَذَا وَ اللَّهِ دِینِی وَ دِینُ آبَائِی (1).

«77»-كش، رجال الكشی عَلِیُّ بْنُ الْحُسَیْنِ بْنِ قُتَیْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِیسَی عَنْ إِبْرَاهِیمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِیدِ عَنِ الْوَلِیدِ بْنِ صَبِیحٍ قَالَ: مَرَرْتُ فِی الرَّوْضَةِ بِالْمَدِینَةِ فَإِذَا إِنْسَانٌ قَدْ جَذَبَنِی فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِزُرَارَةَ فَقَالَ لِیَ اسْتَأْذِنْ لِی عَلَی صَاحِبِكَ قَالَ فَخَرَجْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَ دَخَلْتُ عَلَی أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ فَضَرَبَ بِیَدِهِ عَلَی لِحْیَتِهِ ثُمَّ قَالَ لَا تَأْذَنْ لَهُ ثَلَاثاً فَإِنَّ زُرَارَةَ یُرِیدُنِی عَلَی الْقَدَرِ عَلَی كِبَرِ السِّنِّ وَ لَیْسَ مِنْ دِینِی وَ لَا دِینِ آبَائِی.

«78»-ما، الأمالی للشیخ الطوسی الْحُسَیْنُ بْنُ إِبْرَاهِیمَ الْقَزْوِینِیُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَهْبَانَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِیمَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِیٍّ الزَّعْفَرَانِیِّ عَنِ الْبَرْقِیِّ عَنْ أَبِیهِ عَنِ ابْنِ أَبِی عُمَیْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: فِی قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَی وَ قالَتِ الْیَهُودُ یَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ فَقَالَ كَانُوا یَقُولُونَ قَدْ فَرَغَ مِنَ الْأَمْرِ.

«79»-ید، التوحید عَلِیُّ بْنُ أَحْمَدَ الْأَسْوَارِیُّ عَنْ مَكِّیِّ بْنِ أَحْمَدَ الْبَرْدَعِیِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَشْرَسَ عَنْ بَشِیرِ بْنِ الْحَكَمِ وَ إِبْرَاهِیمَ بْنِ أَبِی نَصْرٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هَارُونَ عَنْ غِیَاثِ بْنِ الْمُجِیبِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِیِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِیِّ صلی اللّٰه علیه و آله قَالَ قَالَ: سَبَقَ الْعِلْمُ وَ جَفَّ الْقَلَمُ وَ تَمَّ الْقَضَاءُ بِتَحْقِیقِ الْكِتَابِ وَ تَصْدِیقِ الرِّسَالَةِ وَ السَّعَادَةُ مِنَ اللَّهِ وَ الشَّقَاوَةُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ

ص: 48


1- لم نجد الحدیث بهذه الصورة فی رجال الكشّیّ، و الموجود فیه هكذا: محمّد بن مسعود، قال: حدّثنی عبد اللّٰه بن محمّد بن خالد، قال: حدّثنی الوشاء، عن ابن خداش، عن علیّ بن إسماعیل، عن ربعی، عن الهیثم بن حفص العطّار قال: سمعت حمزة بن حمران یقول:- حین قدم من الیمن- لقیت أبا عبد اللّٰه علیه السلام فقلت له: بلغنی أنك لعنت عمی زرارة، قال فرفع یده حتّی صك بها صدره، ثمّ قال: لا و اللّٰه ما قلت، و لكنكم تأتون عنه بالفتیا فأقول: من قال هذا فأنا منه بری ء؛ قال: قلت: و أحكی لك ما تقول؟ قال: نعم؛ قال: قلت: إن اللّٰه عزّ و جلّ لم یكلف العباد إلّا ما یطیقون إه أقول: قوله: و احكی لك ما تقول لعله تصحیف ما یقول: أو ما نقول.

ص كَانَ یَرْوِی حَدِیثَهُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ قَالَ اللَّهُ یَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِیَّتِی كُنْتَ أَنْتَ الَّذِی تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ وَ بِإِرَادَتِی كُنْتَ أَنْتَ الَّذِی تُرِیدُ لِنَفْسِكَ مَا تُرِیدُ وَ بِفَضْلِ نِعْمَتِی عَلَیْكَ قَوِیتَ عَلَی مَعْصِیَتِی وَ بِعِصْمَتِی وَ عَفْوِی وَ عَافِیَتِی أَدَّیْتَ إِلَیَّ فَرَائِضِی فَأَنَا أَوْلَی بِإِحْسَانِكَ مِنْكَ وَ أَنْتَ أَوْلَی بِذَنْبِكَ مِنِّی فَالْخَیْرُ مِنِّی إِلَیْكَ بِمَا أَولَیْتُ بَدْأً وَ الشَّرُّ مِنِّی إِلَیْكَ بِمَا جَنَیْتَ جَزَاءً وَ بِسُوءِ ظَنِّكَ بِی قَنَطْتَ مِنْ رَحْمَتِی فَلِیَ الْحَمْدُ وَ الْحُجَّةُ عَلَیْكَ بِالْبَیَانِ وَ لِیَ السَّبِیلُ عَلَیْكَ بِالْعِصْیَانِ وَ لَكَ الْجَزَاءُ الْحُسْنَی عِنْدِی بِالْإِحْسَانِ لَمْ أَدَعْ تَحْذِیرَكَ وَ لَمْ أَخْذُلْ عِنْدَ عِزَّتِكَ وَ لَمْ أُكَلِّفْكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ وَ لَمْ أُحَمِّلْكَ مِنَ الْأَمَانَةِ إِلَّا مَا قَدَرْتَ عَلَیْهِ رَضِیتُ مِنْكَ لِنَفْسِی مَا رَضِیتُ بِهِ لِنَفْسِكَ مِنِّی قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَنْ أُعَذِّبَكَ إِلَّا بِمَا عَمِلْتَ.

بیان: قال الجزری فیه جفّت الأقلام و طویت الصحف یرید ما كتب فی اللوح المحفوظ من المقادیر و الكائنات و الفراغ منها تمثیلا بفراغ الكاتب من كتابته و یبس قلمه انتهی قوله تعالی بدأ كفعل أو كفعال أی ابتدأ من غیر استحقاق و فی بعض النسخ یدا أی نعمة.

أقول قول عبد الملك بن هارون فی آخر الخبر تفسیر للفقرة الأخیرة أی رضیت بسیبك أو من الأمور المتعلقة بك لنفسی أن أعذبك كما رضیت لنفسك بفعل ما یوجبه فیرجع حاصله إلی أنه لن أعذبك إلا بما عملت.

«80»-ید، التوحید تَمِیمٌ الْقُرَشِیُّ عَنْ أَبِیهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِیٍّ الْأَنْصَارِیِّ عَنِ الْهَرَوِیِّ قَالَ: سَأَلَ الْمَأْمُونُ یَوْماً عَلِیَّ بْنَ مُوسَی الرِّضَا علیهما السلام فَقَالَ لَهُ یَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا مَعْنَی قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِی الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِیعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّی یَكُونُوا مُؤْمِنِینَ وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَقَالَ الرِّضَا علیه السلام حَدَّثَنِی أَبِی مُوسَی بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِیهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ- عَنْ أَبِیهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِیٍّ عَنْ أَبِیهِ عَلِیِّ بْنِ الْحُسَیْنِ- عَنْ أَبِیهِ الْحُسَیْنِ بْنِ عَلِیٍّ عَنْ أَبِیهِ عَلِیِّ بْنِ أَبِی طَالِبٍ علیهما السلام أَنَّ الْمُسْلِمِینَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله لَوْ أَكْرَهْتَ یَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ قَدَرْتَ عَلَیْهِ مِنَ النَّاسِ عَلَی الْإِسْلَامِ لَكَثُرَ عَدَدُنَا وَ قَوِینَا عَلَی عَدُوِّنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله مَا كُنْتُ لِأَلْقَی اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بِبِدْعَةٍ لَمْ یُحْدِثْ إِلَیَّ فِیهَا شَیْئاً وَ ما أَنَا مِنَ

ص: 49

الْمُتَكَلِّفِینَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی یَا مُحَمَّدُ وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِی الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِیعاً عَلَی سَبِیلِ الْإِلْجَاءِ وَ الِاضْطِرَارِ فِی الدُّنْیَا كَمَا یُؤْمِنُونَ عِنْدَ الْمُعَایَنَةِ وَ رُؤْیَةِ الْبَأْسِ فِی الْآخِرَةِ وَ لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِهِمْ لَمْ یَسْتَحِقُّوا مِنِّی ثَوَاباً وَ لَا مَدْحاً لَكِنِّی أُرِیدُ مِنْهُمْ أَنْ یُؤْمِنُوا مُخْتَارِینَ غَیْرَ مُضْطَرِّینَ لِیَسْتَحِقُّوا مِنِّیَ الزُّلْفَی وَ الْكَرَامَةَ وَ دَوَامَ الْخُلُودِ فِی جَنَّةِ الْخُلْدِ أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّی یَكُونُوا مُؤْمِنِینَ وَ أَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَلَیْسَ ذَلِكَ عَلَی سَبِیلِ تَحْرِیمِ الْإِیمَانِ عَلَیْهَا وَ لَكِنْ عَلَی مَعْنَی أَنَّهَا مَا كَانَتْ لِتُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ إِذْنُهُ أَمْرُهُ لَهَا بِالْإِیمَانِ مَا كَانَتْ مُكَلَّفَةً مُتَعَبِّدَةً وَ إِلْجَاؤُهُ إِیَّاهَا إِلَی الْإِیمَانِ عِنْدَ زَوَالِ التَّكْلِیفِ وَ التَّعَبُّدِ عَنْهَا فَقَالَ الْمَأْمُونُ فَرَّجْتَ عَنِّی یَا أَبَا الْحَسَنِ فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ.

بیان: قال الطبرسی رحمه اللّٰه فی قوله تعالی وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ (1)معناه الإخبار عن قدرة اللّٰه تعالی و أنه یقدر علی أن یكره الخلق علی الإیمان كما قال إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَیْهِمْ مِنَ السَّماءِ آیَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِینَ (2)و لذلك قال بعد ذلك أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّی یَكُونُوا مُؤْمِنِینَ و معناه أنه لا ینبغی أن ترید إكراههم علی الإیمان مع أنك لا تقدر علیه لأن اللّٰه تعالی یقدر علیه و لا یریده لأنه ینافی التكلیف و قوله تعالی وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ معناه أنه لا یمكن أحدا أن یؤمن إلا بإطلاق اللّٰه له فی الإیمان و تمكینه منه و دعائه إلیه بما خلق فیه من العقل الموجب لذلك و قیل إن إذنه هاهنا أمره كما قال یا أَیُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَیْراً لَكُمْ (3)و قیل إن إذنه هاهنا علمه أی لا تؤمن نفس إلا بعلم اللّٰه من قولهم أذنت لكذا إذا سمعته و علمته و آذنته أعلمته فتكون خبرا عن علمه تعالی بجمیع الكائنات و یجوز أن یكون معناه إعلام اللّٰه تعالی المكلفین بفضل الإیمان و ما یدعوهم إلی فعله و یبعثهم علیه.

ص: 50


1- یونس: 99.
2- الشعراء: 4.
3- النساء: 170.

«81»-ید، التوحید أَبِی وَ ابْنُ الْوَلِیدِ مَعاً عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ وَ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِیسَ هُمَا عَنِ الْأَشْعَرِیِّ عَنِ ابْنِ هَاشِمٍ عَنِ ابْنِ مَعْبَدٍ عَنْ دُرُسْتَ عَنِ الْفُضَیْلِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام یَقُولُ شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَكُونَ مُسْتَطِیعاً لِمَا لَمْ یَشَأْ أَنْ أَكُونَ فَاعِلَهُ قَالَ وَ سَمِعْتُهُ یَقُولُ شَاءَ وَ أَرَادَ وَ لَمْ یُحِبَّ وَ لَمْ یَرْضَ شَاءَ أَنْ لَا یَكُونَ فِی مُلْكِهِ شَیْ ءٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَ أَرَادَ مِثْلَ ذَلِكَ وَ لَمْ یُحِبَّ أَنْ یُقَالَ لَهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَ لَمْ یَرْضَ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ.

«82»-ید، التوحید ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ السَّعْدَآبَادِیِّ عَنِ الْبَرْقِیِّ عَنْ أَبِیهِ عَنْ یُونُسَ عَنْ غَیْرِ وَاحِدٍ عَنْ أَبِی جَعْفَرٍ وَ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیهما السلام قَالا إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَرْحَمُ بِخَلْقِهِ مِنْ أَنْ یُجْبِرَ خَلْقَهُ عَلَی الذُّنُوبِ ثُمَّ یُعَذِّبَهُمْ عَلَیْهَا وَ اللَّهُ أَعَزُّ مِنْ أَنْ یُرِیدَ أَمْراً فَلَا یَكُونَ قَالَ فَسَأَلَا علیهما السلام هَلْ بَیْنَ الْجَبْرِ وَ الْقَدَرِ مَنْزِلَةٌ ثَالِثَةٌ قَالا نَعَمْ أَوْسَعُ مِمَّا بَیْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ.

«83»-ید، التوحید الْوَرَّاقُ عَنْ سَعْدٍ عَنْ إِسْمَاعِیلَ بْنِ سَهْلٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِیسَی عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام فَوَّضَ اللَّهُ الْأَمْرَ إِلَی الْعِبَادِ قَالَ اللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ یُفَوِّضَ إِلَیْهِمْ قُلْتُ فَأَجْبَرَ اللَّهُ الْعِبَادَ عَلَی أَفْعَالِهِمْ فَقَالَ اللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ یُجْبِرَ عَبْداً عَلَی فِعْلٍ ثُمَّ یُعَذِّبَهُ عَلَیْهِ.

«84»-ید، التوحید أَبِی عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ یَزِیدَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِیسَی عَنْ إِبْرَاهِیمَ بْنِ عُمَرَ الْیَمَانِیِّ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْخَلْقَ فَعَلِمَ مَا هُمْ صَائِرُونَ إِلَیْهِ وَ أَمَرَهُمْ وَ نَهَاهُمْ فَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ شَیْ ءٍ فَقَدْ جَعَلَ لَهُمُ السَّبِیلَ إِلَی الْأَخْذِ بِهِ وَ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ شَیْ ءٍ فَقَدْ جَعَلَ لَهُمُ السَّبِیلَ إِلَی تَرْكِهِ وَ لَا یَكُونُونَ آخِذِینَ وَ لَا تَارِكِینَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (1).

«85»-ید، التوحید أَبِی عَنْ عَلِیِّ بْنِ إِبْرَاهِیمَ عَنِ الْیَقْطِینِیِّ عَنْ یُونُسَ عَنْ حَفْصِ بْنِ قُرْطٍ (2)عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَی یَأْمُرُ بِالسُّوءِ

ص: 51


1- تقدم مثله عن الإمام موسی بن جعفر علیه السلام مع زیادة تحت رقم 32 و أورده الكلینی رضی اللّٰه عنه فی باب الجبر و القدر من الكافی بإسناده عن إبراهیم بن عمر الیمانیّ، و فی متنه نقصان.
2- بضم القاف و سكون الراء.

وَ الْفَحْشَاءِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَی اللَّهِ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَیْرَ وَ الشَّرَّ بِغَیْرِ مَشِیَّةِ اللَّهِ فَقَدْ أَخْرَجَ اللَّهَ مِنْ سُلْطَانِهِ (1)وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَعَاصِیَ بِغَیْرِ قُوَّةِ اللَّهِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَی اللَّهِ وَ مَنْ كَذَبَ عَلَی اللَّهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ یَعْنِی بِالْخَیْرِ وَ الشَّرِّ الصِّحَّةَ وَ الْمَرَضَ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَیْرِ فِتْنَةً

«86»-نهج، نهج البلاغة سُئِلَ علیه السلام عَنِ التَّوْحِیدِ وَ الْعَدْلِ فَقَالَ التَّوْحِیدُ أَنْ لَا تَتَوَهَّمَهُ وَ الْعَدْلُ أَنْ لَا تَتَّهِمَهُ (2).

«87»-ید، التوحید ابْنُ الْوَلِیدِ عَنِ ابْنِ مَتِّیلٍ (3)عَنِ الْبَرْقِیِّ عَنْ عَلِیِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: اللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ یُكَلِّفَ النَّاسَ مَا لَا یُطِیقُونَ وَ اللَّهُ أَعَزُّ مِنْ أَنْ یَكُونَ فِی سُلْطَانِهِ مَا لَا یُرِیدُ.

«88»-ن، عیون أخبار الرضا علیه السلام ید، التوحید الْفَامِیُّ عَنِ الْحِمْیَرِیِّ عَنْ أَبِیهِ عَنِ ابْنِ هَاشِمٍ عَنِ ابْنِ مَعْبَدٍ عَنِ الْحُسَیْنِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِی الْحَسَنِ عَلِیِّ بْنِ مُوسَی الرِّضَا علیهما السلام قَالَ: قُلْتُ لَهُ یَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنَّ النَّاسَ یَنْسُبُونَنَا إِلَی الْقَوْلِ بِالتَّشْبِیهِ وَ الْجَبْرِ لِمَا رُوِیَ مِنَ الْأَخْبَارِ فِی ذَلِكَ عَنْ آبَائِكَ الْأَئِمَّةِ علیهم السلام فَقَالَ یَا ابْنَ خَالِدٍ أَخْبِرْنِی عَنِ الْأَخْبَارِ الَّتِی رُوِیَتْ عَنْ آبَائِی علیهم السلام فِی التَّشْبِیهِ وَ الْجَبْرِ أَكْثَرُ أَمِ الْأَخْبَارُ الَّتِی رُوِیَتْ عَنِ النَّبِیِّ صلی اللّٰه علیه و آله فِی ذَلِكَ فَقُلْتُ بَلْ مَا رُوِیَ عَنِ النَّبِیِّ صلی اللّٰه علیه و آله فِی ذَلِكَ أَكْثَرُ قَالَ علیه السلام فَلْیَقُولُوا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله كَانَ یَقُولُ بِالتَّشْبِیهِ وَ الْجَبْرِ إِذاً قُلْتُ لَهُ إِنَّهُمْ یَقُولُونَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله لَمْ یَقُلْ مِنْ ذَلِكَ شَیْئاً وَ إِنَّمَا رُوِیَ عَلَیْهِ قَالَ علیه السلام فَلْیَقُولُوا فِی آبَائِی علیهم السلام:

ص: 52


1- فان من زعم استقلال الخلق و عدم قدرته تعالی علی صرفهم عن أفعالهم و عدم مدخلیته سبحانه فی أعمالهم بوجه فقد أخرج اللّٰه من سلطانه و عزله عن التصرف فی ملكه، قاله المصنّف فی المرآة. أقول: أورده الكلینی فی الكافی إلی قوله: «أدخله اللّٰه النار» و الظاهر أن ما بعده من كلام الصدوق.
2- یأتی مصدرا عن الصادق علیه السلام تحت رقم 106.
3- بالمیم المفتوحة، و التاء المشددة، قاله الطریحی فی الضوابط، و حكی عن ابن داود أنه ضبطه بالمیم المضمومة، و تضعیف التاء المفتوحة و الیاء المثناة من تحت، هو الحسن بن متیل، قال النجاشیّ: وجه من وجوه أصحابنا، كثیر الحدیث له كتاب نوادر.

إِنَّهُمْ لَمْ یَقُولُوا مِنْ ذَلِكَ شَیْئاً وَ إِنَّمَا رُوِیَ عَلَیْهِمْ ثُمَّ قَالَ علیه السلام مَنْ قَالَ بِالتَّشْبِیهِ وَ الْجَبْرِ فَهُوَ كَافِرٌ وَ مُشْرِكٌ وَ نَحْنُ مِنْهُ بُرَآءُ فِی الدُّنْیَا وَ الْآخِرَةِ یَا ابْنَ خَالِدٍ إِنَّمَا وَضَعَ الْأَخْبَارَ عَنَّا فِی التَّشْبِیهِ وَ الْجَبْرِ الْغُلَاةُ الَّذِینَ صَغَّرُوا عَظَمَةَ اللَّهِ فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَقَدْ أَبْغَضَنَا وَ مَنْ أَبْغَضَهُمْ فَقَدْ أَحَبَّنَا وَ مَنْ وَالاهُمْ فَقَدْ عَادَانَا وَ مَنْ عَادَاهُمْ فَقَدْ وَالانَا وَ مَنْ وَصَلَهُمْ فَقَدْ قَطَعَنَا وَ مَنْ قَطَعَهُمْ فَقَدْ وَصَلَنَا وَ مَنْ جَفَاهُمْ فَقَدْ بَرَّنَا وَ مَنْ بَرَّهُمْ فَقَدْ جَفَانَا وَ مَنْ أَكْرَمَهُمْ فَقَدْ أَهَانَنَا وَ مَنْ أَهَانَهُمْ فَقَدْ أَكْرَمَنَا وَ مَنْ قَبِلَهُمْ فَقَدْ رَدَّنَا وَ مَنْ رَدَّهُمْ فَقَدْ قَبِلَنَا وَ مَنْ أَحْسَنَ إِلَیْهِمْ فَقَدْ أَسَاءَ إِلَیْنَا وَ مَنْ أَسَاءَ إِلَیْهِمْ فَقَدْ أَحْسَنَ إِلَیْنَا وَ مَنْ صَدَّقَهُمْ فَقَدْ كَذَّبَنَا وَ مَنْ كَذَّبَهُمْ فَقَدْ صَدَّقَنَا وَ مَنْ أَعْطَاهُمْ فَقَدْ حَرَمَنَا وَ مَنْ حَرَمَهُمْ فَقَدْ أَعْطَانَا یَا ابْنَ خَالِدٍ مَنْ كَانَ مِنْ شِیعَتِنَا فَلَا یَتَّخِذَنَّ مِنْهُمْ وَلِیّاً وَ لَا نَصِیراً (1).

«89»-ید، التوحید أَبِی عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِیسَ عَنِ الْأَشْعَرِیِّ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِیِّ عَنِ اللُّؤْلُؤِیِّ عَنِ ابْنِ سِنَانٍ عَنْ مِهْزَمٍ (2)قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام أَخْبِرْنِی عَمَّا اخْتَلَفَ فِیهِ مَنْ خَلَّفْتَ مِنْ مَوَالِینَا قَالَ فَقُلْتُ فِی الْجَبْرِ وَ التَّفْوِیضِ قَالَ فَاسْأَلْنِی قُلْتُ أَجْبَرَ اللَّهُ الْعِبَادَ عَلَی الْمَعَاصِی قَالَ اللَّهُ أَقْهَرُ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ قَالَ قُلْتُ فَفَوَّضَ إِلَیْهِمْ قَالَ اللَّهُ أَقْدَرُ عَلَیْهِمْ مِنْ ذَلِكَ قَالَ قُلْتُ فَأَیُّ شَیْ ءٍ هَذَا أَصْلَحَكَ اللَّهُ قَالَ فَقَلَّبَ یَدَهُ مَرَّتَیْنِ أَوْ ثَلَاثاً ثُمَّ قَالَ لَوْ أَجَبْتُكَ فِیهِ لَكَفَرْتَ.

بیان: قوله علیه السلام اللّٰه أقهر لهم من ذلك لعل المعنی أن جبرهم علی المعاصی ثم تعذیبهم علیها هو الظلم و الظلم فعل العاجزین

كَمَا قَالَ سَیِّدُ السَّاجِدِینَ علیه السلام إِنَّمَا یَحْتَاجُ إِلَی الظُّلْمِ الضَّعِیفُ وَ اللَّهُ أَقْهَرُ مِنْ ذَلِكَ.

أو المعنی أنه تعالی لو أراد تعذیبهم و لم یمنعه عدله من ذلك لما احتاج إلی أن یكلفهم ثم یجبرهم علی المعاصی ثم یعذبهم علیها فإن هذا تلبیس یفعله من لا یقدر علی التعذیب ابتداء و هو أقهر لهم من ذلك و الظاهر أنه تصحیف أرأف أو نحوه و إنما امتنع علیه السلام عن بیان الأمر بین الأمرین

ص: 53


1- تقدم الخبر فی باب نفی التشبیه تحت رقم.
2- بفتح المیم أو كسرها و سكون الهاء و فتح الزای المعجمة، هو والد إبراهیم بن مهزم، لم نجد فی التراجم ما یفید وثاقته أو مدحه.

لأنه كان یعلم أنه لا یدركه عقل السائل فیشك فیه أو یجحده فیكفر.

«90»-ضا، فقه الرضا علیه السلام سَأَلْتُ الْعَالِمَ علیه السلام أَجْبَرَ اللَّهُ الْعِبَادَ عَلَی الْمَعَاصِی فَقَالَ اللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ ذَلِكَ فَقُلْتُ لَهُ فَمُفَوِّضٌ إِلَیْهِمْ فَقَالَ هُوَ أَعَزُّ مِنْ ذَلِكَ فَقُلْتُ لَهُ فَصِفْ لَنَا الْمَنْزِلَةَ بَیْنَ الْمَنْزِلَتَیْنِ فَقَالَ الْجَبْرُ هُوَ الْكُرْهُ فَاللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی لَمْ یُكْرِهْ عَلَی مَعْصِیَتِهِ وَ إِنَّمَا الْجَبْرُ أَنْ یُجْبَرَ الرَّجُلُ عَلَی مَا یَكْرَهُ وَ عَلَی مَا لَا یَشْتَهِی كَالرَّجُلِ یُغْلَبُ عَلَی أَنْ یُضْرَبَ أَوْ یُقْطَعَ یَدُهُ أَوْ یُؤْخَذَ مَالُهُ أَوْ یُغْصَبَ عَلَی حُرْمَتِهِ أَوْ مَنْ كَانَتْ لَهُ قُوَّةٌ وَ مَنَعَةٌ فَقُهِرَ فَأَمَّا مَنْ أَتَی إِلَی أَمْرٍ طَائِعاً مُحِبّاً لَهُ یُعْطِی عَلَیْهِ مَالَهُ لِیَنَالَ شَهْوَتَهُ فَلَیْسَ ذَلِكَ بِجَبْرٍ إِنَّمَا الْجَبْرُ مَنْ أكرهه [أُكْرِهَ عَلَیْهِ أَوْ أُغْضِبَ حَتَّی فَعَلَ مَا لَا یُرِیدُ وَ لَا یَشْتَهِیهِ وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی لَمْ یَجْعَلْ لَهُمْ هَوًی وَ لَا شَهْوَةً وَ لَا مَحَبَّةً وَ لَا مَشِیَّةً إِلَّا فِیمَا عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ وَ إِنَّمَا یُجْرَوْنَ فِی عِلْمِهِ وَ قَضَائِهِ وَ قَدَرِهِ عَلَی الَّذِی فِی عِلْمِهِ وَ كِتَابِهِ السَّابِقِ فِیهِمْ قَبْلَ خَلْقِهِمْ وَ الَّذِی عَلِمَ أَنَّهُ غَیْرُ كَائِنٍ مِنْهُمْ هُوَ الَّذِی لَمْ یَجْعَلْ لَهُمْ فِیهِ شَهْوَةً وَ لَا إِرَادَةً.

«91»-وَ أَرْوِی عَنِ الْعَالِمِ علیه السلام أَنَّهُ قَالَ: مَنْزِلَةٌ بَیْنَ مَنْزِلَتَیْنِ فِی الْمَعَاصِی وَ سَائِرِ الْأَشْیَاءِ فَاللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ الْفَاعِلُ لَهَا وَ الْقَاضِی وَ الْمُقَدِّرُ وَ الْمُدَبِّرُ.

«92»-وَ قَدْ أَرْوِی أَنَّهُ قَالَ: لَا یَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً حَقّاً حَتَّی یَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ یَكُنْ لِیُخْطِئَهُ وَ مَا أَخْطَأَهُ لَمْ یَكُنْ لِیُصِیبَهُ.

«93»-وَ أَرْوِی عَنِ الْعَالِمِ علیه السلام أَنَّهُ قَالَ: مَسَاكِینُ الْقَدَرِیَّةِ أَرَادُوا أَنْ یَصِفُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بِعَدْلِهِ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ قُدْرَتِهِ وَ سُلْطَانِهِ.

«94»-وَ رُوِیَ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْ لَا یُعْصَی مَا خَلَقَ إِبْلِیسَ.

«95»-وَ أَرْوِی أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ الْعَالِمَ علیه السلام أَ كَلَّفَ اللَّهُ الْعِبَادَ مَا لَا یُطِیقُونَ فَقَالَ كَلَّفَ اللَّهُ جَمِیعَ الْخَلْقِ مَا لَا یُطِیقُونَ إِنْ لَمْ یُعِنْهُمْ عَلَیْهِ فَإِنْ أَعَانَهُمْ عَلَیْهِ أَطَاقُوهُ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ لِنَبِیِّهِ صلی اللّٰه علیه و آله وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ.

«96»-قُلْتُ وَ رُوِیتُ عَنِ الْعَالِمِ علیه السلام أَنَّهُ قَالَ: الْقَدَرُ وَ الْعَمَلُ بِمَنْزِلَةِ الرُّوحِ وَ الْجَسَدِ فَالرُّوحُ بِغَیْرِ الْجَسَدِ لَا یَتَحَرَّكُ وَ لَا یُرَی وَ الْجَسَدُ بِغَیْرِ الرُّوحِ صُورَةٌ لَا حِرَاكَ لَهُ

ص: 54

فَإِذَا اجْتَمَعَا قَوِیَا وَ صَلُحَا وَ حَسُنَا وَ مَلُحَا كَذَلِكَ الْقَدَرُ وَ الْعَمَلُ فَلَوْ لَمْ یَكُنِ الْقَدَرُ وَاقِعاً عَلَی الْعَمَلِ لَمْ یُعْرَفِ الْخَالِقُ مِنَ الْمَخْلُوقِ وَ لَوْ لَمْ یَكُنِ الْعَمَلُ بِمُوَافَقَةٍ مِنَ الْقَدَرِ لَمْ یَمْضِ وَ لَمْ یَتِمَّ وَ لَكِنْ بِاجْتِمَاعِهِمَا قَوِیَا وَ صَلُحَا وَ لِلَّهِ فِیهِ الْعَوْنُ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِینَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآیَةَ وَ لكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَیْكُمُ الْإِیمانَ وَ زَیَّنَهُ فِی قُلُوبِكُمْ الْآیَةَ ثُمَّ قَالَ علیه السلام وَجَدْتُ ابْنَ آدَمَ بَیْنَ اللَّهِ وَ بَیْنَ الشَّیْطَانِ فَإِنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ خَلَّصَهُ وَ اسْتَخْلَصَهُ (1)وَ إِلَّا خَلَا بَیْنَهُ وَ بَیْنَ عَدُوِّهِ.

«97»- وَ قِیلَ لِلْعَالِمِ علیه السلام إِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا یَقُولُ بِالْجَبْرِ وَ بَعْضَهُمْ یَقُولُونَ بِالاسْتِطَاعَةِ قَالَ فَأَمَرَ أَنْ یُكْتَبَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ یَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِیَّتِی كُنْتَ أَنْتَ الَّذِی تَشَاءُ وَ سَاقَ إِلَی آخِرِ مَا سَیَأْتِی فِی خَبَرِ الْبَزَنْطِیِّ (2).

«98»-شی، تفسیر العیاشی عَنِ الْحَسَنِ (3)بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَمَّالِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا قَالَ: بَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ إِلَی عَامِلِ الْمَدِینَةِ أَنْ وَجِّهْ إِلَیَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِیِّ بْنِ الْحُسَیْنِ وَ لَا تُهَیِّجْهُ وَ لَا تُرَوِّعْهُ وَ اقْضِ لَهُ حَوَائِجَهُ وَ قَدْ كَانَ وَرَدَ عَلَی عَبْدِ الْمَلِكِ رَجُلٌ مِنَ الْقَدَرِیَّةِ فَحَضَرَ جَمِیعُ مَنْ كَانَ بِالشَّامِ فَأَعْیَاهُمْ جَمِیعاً فَقَالَ مَا لِهَذَا إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِیٍّ فَكَتَبَ إِلَی صَاحِبِ الْمَدِینَةِ أَنْ یَحْمِلَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِیٍّ إِلَیْهِ فَأَتَاهُ صَاحِبُ الْمَدِینَةِ بِكِتَابِهِ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ علیه السلام إِنِّی شَیْخٌ كَبِیرٌ لَا أَقْوَی عَلَی الْخُرُوجِ وَ هَذَا جَعْفَرٌ ابْنِی یَقُومُ مَقَامِی فَوَجَّهَهُ إِلَیْهِ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَی الْأُمَوِیِّ أَزْرَاهُ لِصِغَرِهِ وَ كَرِهَ أَنْ یَجْمَعَ بَیْنَهُ وَ بَیْنَ الْقَدَرِیِّ مَخَافَةَ أَنْ یَغْلِبَهُ وَ تَسَامَعَ النَّاسُ بِالشَّامِ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ لِمُخَاصَمَةِ الْقَدَرِیَّةِ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ بِخُصُومَتِهِمَا فَقَالَ الْأُمَوِیُّ لِأَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام إِنَّهُ قَدْ أَعْیَانَا أَمْرُ هَذَا الْقَدَرِیِّ وَ إِنَّمَا كَتَبْتُ إِلَیْهِ لِأَجْمَعَ بَیْنَهُ وَ بَیْنَهُ فَإِنَّهُ لَمْ یَدَعْ عِنْدَنَا أَحَداً إِلَّا خَصَمَهُ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ یَكْفِینَاهُ قَالَ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا قَالَ الْقَدَرِیُّ لِأَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام سَلْ عَمَّا شِئْتَ فَقَالَ لَهُ اقْرَأْ سُورَةَ الْحَمْدِ قَالَ فَقَرَأَهَا وَ قَالَ الْأُمَوِیُّ وَ أَنَا مَعَهُ مَا فِی سُورَةِ الْحَمْدِ غُلِبْنَا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَیْهِ راجِعُونَ قَالَ فَجَعَلَ الْقَدَرِیُ پ

ص: 55


1- بتوفیقه و تسدیده و تأییده و عدم إیكاله علی نفسه، و توجیه الأسباب له نحو مطلوب الخیر و إلّا فتركه بحاله، و لم ینصره علی عدوه، و هذا معنی التوفیق و الخذلان، و الهدایة و الاضلال.
2- الآتی تحت رقم 104.
3- فی نسخة: الحسین.

یَقْرَأُ سُورَةَ الْحَمْدِ حَتَّی بَلَغَ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی إِیَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِیَّاكَ نَسْتَعِینُ فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ قِفْ مَنْ تَسْتَعِینُ وَ مَا حَاجَتُكَ إِلَی المئونة [الْمَعُونَةِ] إِنَّ الْأَمْرَ إِلَیْكَ فَبُهِتَ الَّذِی كَفَرَ وَ اللَّهُ لا یَهْدِی الْقَوْمَ الظَّالِمِینَ.

«99»-شی، تفسیر العیاشی عَنْ صَفْوَانَ بْنِ یَحْیَی عَنْ أَبِی الْحَسَنِ علیه السلام قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی ابْنَ آدَمَ بِمَشِیَّتِی كُنْتَ أَنْتَ الَّذِی تَشَاءُ وَ تَقُولُ وَ بِقُوَّتِی أَدَّیْتَ إِلَیَّ فَرَائِضِی وَ بِنِعْمَتِی قَوِیتَ عَلَی مَعْصِیَتِی مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ مَا أَصَابَكَ مِنْ سَیِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَ ذَاكَ أَنِّی أَوْلَی بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ وَ أَنْتَ أَوْلَی بِسَیِّئَاتِكَ مِنِّی وَ ذَاكَ أَنِّی لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ وَ هُمْ یُسْئَلُونَ

«100»-وَ فِی رِوَایَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِیٍّ الْوَشَّاءِ عَنِ الرِّضَا علیه السلام وَ أَنْتَ أَوْلَی بِسَیِّئَاتِكَ مِنِّی عَمِلْتَ الْمَعَاصِیَ بِقُوَّتِیَ الَّتِی جَعَلْتُ فِیكَ.

«101»-شی، تفسیر العیاشی عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَمَّنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام فِی قَوْلِ اللَّهِ وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَیْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّیْطانَ إِلَّا قَلِیلًا فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام إِنَّكَ لَتَسْأَلُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْقَدَرِ وَ مَا هُوَ مِنْ دِینِی وَ لَا دِینِ آبَائِی وَ لَا وَجَدْتُ أَحَداً مِنْ أَهْلِ بَیْتِی یَقُولُ بِهِ.

«102»-شی، تفسیر العیاشی عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِیٍّ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ سَمِعْتُهُ یَقُولُ وَیْحَ هَذِهِ الْقَدَرِیَّةِ إِنَّمَا یَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآیَةَ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِینَ وَیْحَهُمْ مَنْ قَدَّرَهَا إِلَّا اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی.

«103»- مِنْ كِتَابِ مَطَالِبِ السَّئُولِ، لِمُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ الْبَیْهَقِیِّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الشَّافِعِیِّ عَنْ یَحْیَی بْنِ سُلَیْمٍ عَنِ الْإِمَامِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ رَضِیَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ الْجَمِیعِ عَنْ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام أَنَّهُ قَالَ یَوْماً أَعْجَبُ مَا فِی الْإِنْسَانِ قَلْبُهُ فِیهِ مَوَادُّ مِنَ الْحِكْمَةِ وَ أَضْدَادٌ لَهَا مِنْ خِلَافِهَا فَإِنْ سَنَحَ لَهُ الرَّجَاءُ وَلَّهَهُ الطَّمَعُ وَ إِنْ هَاجَ بِهِ الطَّمَعُ أَهْلَكَهُ الْحِرْصُ وَ إِنْ مَلَكَهُ الْیَأْسُ قَتَلَهُ الْأَسَفُ وَ إِنْ عَرَضَ لَهُ الْغَضَبُ اشْتَدَّ بِهِ الْغَیْظُ وَ إِنْ أُسْعِدَ بِالرِّضَا نَسِیَ التَّحَفُّظَ وَ إِنْ نَالَهُ الْخَوْفُ شَغَلَهُ الْحُزْنُ وَ إِنْ أَصَابَتْهُ مُصِیبَةٌ قَصَمَهُ

ص: 56

الْجَزَعُ (1)وَ إِنْ وَجَدَ مَالًا أَطْغَاهُ الْغِنَی وَ إِنْ عَضَّتْهُ فَاقَةٌ (2)شَغَلَهُ الْبَلَاءُ وَ إِنْ أَجْهَدَهُ الْجُوعُ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ وَ إِنْ أَفْرَطَ بِهِ الشِّبَعُ كَظَّتْهُ الْبِطْنَةُ (3)فَكُلُّ تَقْصِیرٍ بِهِ مُضِرٌّ وَ كُلُّ إِفْرَاطٍ لَهُ مُفْسِدٌ فَقَامَ إِلَیْهِ رَجُلٌ مِمَّنْ شَهِدَ وَقْعَةَ الْجَمَلِ فَقَالَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ أَخْبِرْنَا عَنِ الْقَدَرِ فَقَالَ بَحْرٌ عَمِیقٌ فَلَا تَلِجْهُ فَقَالَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ أَخْبِرْنَا عَنِ الْقَدَرِ فَقَالَ بَیْتٌ مُظْلِمٌ فَلَا تَدْخُلْهُ فَقَالَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ أَخْبِرْنَا عَنِ الْقَدَرِ فَقَالَ سِرُّ اللَّهِ فَلَا تَبْحَثْ عَنْهُ فَقَالَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ أَخْبِرْنَا عَنِ الْقَدَرِ فَقَالَ لَمَّا أَبَیْتَ فَإِنَّهُ أَمْرٌ بَیْنَ أَمْرَیْنِ لَا جَبْرَ وَ لَا تَفْوِیضَ فَقَالَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ إِنَّ فُلَاناً یَقُولُ بِالاسْتِطَاعَةِ وَ هُوَ حَاضِرٌ فَقَالَ عَلِیٌّ علیه السلام عَلَیَّ بِهِ فَأَقَامُوهُ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ لَهُ الِاسْتِطَاعَةَ تَمْلِكُهَا مَعَ اللَّهِ أَوْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ إِیَّاكَ أَنْ تَقُولَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا فَتَرْتَدَّ فَقَالَ وَ مَا أَقُولُ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ قَالَ قُلْ أَمْلِكُهَا بِاللَّهِ الَّذِی أَنْشَأَ مَلْكَتَهَا.

«104»-ب، قرب الإسناد ابْنُ حُكَیْمٍ عَنِ الْبَزَنْطِیِّ قَالَ: قُلْتُ لِلرِّضَا علیه السلام إِنَّ أَصْحَابَنَا بَعْضُهُمْ یَقُولُ بِالْجَبْرِ وَ بَعْضُهُمْ یَقُولُ بِالاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ لِیَ اكْتُبْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی یَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِیَّتِی كُنْتَ أَنْتَ الَّذِی تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ وَ بِقُوَّتِی أَدَّیْتَ إِلَیَّ فَرَائِضِی وَ بِنِعْمَتِی قَوِیتَ عَلَی مَعْصِیَتِی جَعَلْتُكَ سَمِیعاً بَصِیراً قَوِیّاً مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ مَا أَصَابَكَ مِنْ سَیِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَ ذَلِكَ أَنِّی أَوْلَی بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ وَ أَنْتَ أَوْلَی بِسَیِّئَاتِكَ مِنِّی وَ ذَلِكَ أَنِّی لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ وَ هُمْ یُسْئَلُونَ فَقَدْ نَظَمْتُ لَكَ كُلَّ شَیْ ءٍ تُرِیدُ (4).

ید، التوحید ن، عیون أخبار الرضا علیه السلام أَبِی وَ ابْنُ الْوَلِیدِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِیسَی عَنِ الْبَزَنْطِیِّ مِثْلَهُ.

ص: 57


1- أی هلكه الجزع.
2- أی إن اشتدت علیه الفاقة.
3- كظ الطعام فلانا: ملأه حتّی لا یطیق التنفس: و كظ الامر فلانا. غمه و كربه و بهظه، و المناسب للحدیث المعنی الثانی.
4- تقدم ذیل الخبر الواقع تحت رقم 3 ما یناسب هذا الخبر فراجعه.

«105»-أَعْلَامُ الدِّینِ لِلدَّیْلَمِیِّ، رُوِیَ أَنَّ طَاوُساً الْیَمَانِیَّ (1)دَخَلَ عَلَی جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ علیهما السلام وَ كَانَ یَعْلَمُ أَنَّهُ یَقُولُ بِالْقَدَرِ فَقَالَ لَهُ یَا طَاوُسُ مَنْ أَقْبَلُ لِلْعُذْرِ مِنَ اللَّهِ مِمَّنِ اعْتَذَرَ وَ هُوَ صَادِقٌ فِی اعْتِذَارِهِ فَقَالَ لَهُ لَا أَحَدَ أَقْبَلُ لِلْعُذْرِ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ مَنْ أَصْدَقُ مِمَّنْ قَالَ لَا أَقْدِرُ وَ هُوَ لَا یَقْدِرُ فَقَالَ طَاوُسٌ لَا أَحَدَ أَصْدَقُ مِنْهُ فَقَالَ الصَّادِقُ علیه السلام لَهُ یَا طَاوُسُ فَمَا بَالُ مَنْ هُوَ أَقْبَلُ لِلْعُذْرِ لَا یَقْبَلُ عُذْرَ مَنْ قَالَ لَا أَقْدِرُ وَ هُوَ لَا یَقْدِرُ فَقَامَ طَاوُسٌ وَ هُوَ یَقُولُ لَیْسَ بَیْنِی وَ بَیْنَ الْحَقِّ عَدَاوَةٌ اللَّهُ أَعْلَمُ حَیْثُ یَجْعَلُ رِسالَتَهُ فَقَدْ قَبِلْتُ نَصِیحَتَكَ.

«106»-وَ قَالَ الصَّادِقُ علیه السلام لِهِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ أَ لَا أُعْطِیكَ جُمْلَةً فِی الْعَدْلِ وَ التَّوْحِیدِ قَالَ بَلَی جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ مِنَ الْعَدْلِ أَنْ لَا تَتَّهِمَهُ وَ مِنَ التَّوْحِیدِ أَنْ لَا تَتَوَهَّمَهُ (2)

«107»- یف، الطرائف رَوَی كَثِیرٌ مِنَ الْمُسْلِمِینَ عَنِ الْإِمَامِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ علیهما السلام أَنَّهُ قَالَ یَوْماً لِبَعْضِ الْمُجَبِّرَةِ هَلْ یَكُونُ أَحَدٌ أَقْبَلَ لِلْعُذْرِ الصَّحِیحِ مِنَ اللَّهِ فَقَالَ لَا فَقَالَ فَمَا تَقُولُ فِیمَنْ قَالَ مَا أَقْدِرُ وَ هُوَ لَا یَقْدِرُ أَ یَكُونُ مَعْذُوراً أَمْ لَا فَقَالَ الْمُجَبِّرُ یَكُونُ مَعْذُوراً قَالَ لَهُ فَإِذَا كَانَ اللَّهُ یَعْلَمُ مِنْ عِبَادِهِ أَنَّهُمْ مَا قَدَرُوا عَلَی طَاعَتِهِ وَ قَالَ لِسَانُ حَالِهِمْ أَوْ مَقَالُهُمْ یَوْمَ الْقِیَامَةِ یَا رَبِّ مَا قَدَرْنَا عَلَی طَاعَتِكَ لِأَنَّكَ مَنَعْتَنَا مِنْهَا أَ مَا یَكُونُ قَوْلُهُمْ وَ عُذْرُهُمْ صَحِیحاً عَلَی قَوْلِ الْمُجَبِّرَةِ فَقَالَ بَلَی وَ اللَّهِ فَقَالَ فَیَجِبُ عَلَی قَوْلِكَ أَنَّ اللَّهَ یَقْبَلُ هَذَا الْعُذْرَ الصَّحِیحَ وَ لَا یُؤَاخِذُ أَحَداً أَبَداً وَ هَذَا خِلَافُ قَوْلِ أَهْلِ الْمِلَلِ كُلِّهِمْ فَتَابَ الْمُجَبِّرُ مِنْ قَوْلِهِ بِالْجَبْرِ فِی الْحَالِ.

«108»- یف، الطرائف رُوِیَ أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ یُوسُفَ كَتَبَ إِلَی الْحَسَنِ الْبَصْرِیِّ وَ إِلَی عَمْرِو بْنِ عُبَیْدٍ وَ إِلَی وَاصِلِ بْنِ عَطَاءٍ وَ إِلَی عَامِرٍ الشَّعْبِیِّ أَنْ یَذْكُرُوا مَا عِنْدَهُمْ وَ مَا وَصَلَ إِلَیْهِمْ

ص: 58


1- هو طاوس بن كیسان الیمانیّ، أبو عبد الرحمن الحمیری مولاهم الفارسیّ، یقال: اسمه ذكوان و طاوس لقب، مات سنة 106 و قیل بعد ذلك، قاله ابن حجر فی ص 241 من التقریب و وثقه و قال: فقیه فاضل من الثالثة انتهی. أقول: أورده الشیخ أبو جعفر الطوسیّ فی رجاله فی أصحاب السجّاد علیه السلام، و یستفاد من بعض الأخبار كونه محبا للامام السجّاد علیه السلام، و من بعض آخر كونه متعنتا ممتحنا للباقر علیه السلام، و سیوافیك ذلك فی كتاب الاحتجاجات، و المسلم أن الرجل من العامّة و زهادهم.
2- مأخوذ ممّا تقدم تحت رقم 86 من كلام علیّ علیه السلام.

فِی الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ فَكَتَبَ إِلَیْهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِیُّ أَنَّ أَحْسَنَ مَا انْتَهَی إِلَیَّ مَا سَمِعْتُ أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ عَلِیَّ بْنَ أَبِی طَالِبٍ علیهما السلام أَنَّهُ قَالَ أَ تَظُنُّ أَنَّ الَّذِی نَهَاكَ دَهَاكَ وَ إِنَّمَا دَهَاكَ أَسْفَلُكَ وَ أَعْلَاكَ وَ اللَّهُ بَرِی ءٌ مِنْ ذَاكَ وَ كَتَبَ إِلَیْهِ عَمْرُو بْنُ عُبَیْدٍ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِی الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ قَوْلُ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ عَلِیِّ بْنِ أَبِی طَالِبٍ علیهما السلام لَوْ كَانَ الزُّورُ (1)فِی الْأَصْلِ مَحْتُوماً كَانَ الْمُزَوَّرُ فِی الْقِصَاصِ مَظْلُوماً وَ كَتَبَ إِلَیْهِ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِی الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ قَوْلُ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ عَلِیِّ بْنِ أَبِی طَالِبٍ علیهما السلام أَ یَدُلُّكَ عَلَی الطَّرِیقِ وَ یَأْخُذُ عَلَیْكَ الْمَضِیقَ وَ كَتَبَ إِلَیْهِ الشَّعْبِیُّ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِی الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ قَوْلُ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ عَلِیِّ بْنِ أَبِی طَالِبٍ علیهما السلام كُلُّ مَا اسْتَغْفَرْتَ اللَّهَ مِنْهُ فَهُوَ مِنْكَ وَ كُلُّ مَا حَمِدْتَ اللَّهَ عَلَیْهِ فَهُوَ مِنْهُ فَلَمَّا وَصَلَتْ كُتُبُهُمْ إِلَی الْحَجَّاجِ وَ وَقَفَ عَلَیْهَا قَالَ لَقَدْ أَخَذُوهَا مِنْ عَیْنٍ صَافِیَةٍ.

أَقُولُ رَوَی الْكَرَاجُكِیُّ مِثْلَهُ وَ فِیهِ مَنْ وَسَّعَ عَلَیْكَ الطَّرِیقَ لَمْ یَأْخُذْ عَلَیْكَ الْمَضِیقَ.

و فی القاموس دهاه أصابه بداهیة و هی الأمر العظیم.

«109»- یف، الطرائف رُوِیَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ علیهما السلام عَنِ الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ فَقَالَ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلُومَ الْعَبْدَ عَلَیْهِ فَهُوَ مِنْهُ وَ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَلُومَ الْعَبْدَ عَلَیْهِ فَهُوَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ یَقُولُ اللَّهُ تَعَالَی لِلْعَبْدِ لِمَ عَصَیْتَ لِمَ فَسَقْتَ لِمَ شَرِبْتَ الْخَمْرَ لِمَ زَنَیْتَ فَهَذَا فِعْلُ الْعَبْدِ وَ لَا یَقُولُ لَهُ لِمَ مَرِضْتَ لِمَ قَصُرْتَ لِمَ ابْیَضَضْتَ لِمَ اسْوَدَدْتَ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَی.

«110»- یف، الطرائف رُوِیَ أَنَّ الْفَضْلَ بْنَ سَهْلٍ سَأَلَ الرِّضَا علیه السلام بَیْنَ یَدَیِ الْمَأْمُونِ فَقَالَ یَا أَبَا الْحَسَنِ الْخَلْقُ مَجْبُورُونَ فَقَالَ اللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ یُجْبِرَ خَلْقَهُ ثُمَّ یُعَذِّبَهُمْ قَالَ فَمُطْلَقُونَ قَالَ اللَّهُ أَحْكَمُ مِنْ أَنْ یُهْمِلَ عَبْدَهُ وَ یَكِلَهُ إِلَی نَفْسِهِ.

یف، الطرائف وَ مِنَ الْحِكَایَاتِ مَا رُوِیَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعَدْلِ وَقَفَ عَلَی جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُجَبِّرَةِ فَقَالَ لَهُمْ أَنَا مَا أَعْرِفُ الْمُجَادَلَةَ وَ الْإِطَالَةَ لَكِنِّی أَسْمَعُ فِی الْقُرْآنِ قَوْلَهُ تَعَالَی كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَ مَفْهُومُ هَذَا الْكَلَامِ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ أَنَّ الْمُوقِدَ لِلنَّارِ غَیْرُ اللَّهِ وَ أَنَّ الْمُطْفِئَ لِلنَّارِ هُوَ اللَّهُ وَ كَیْفَ تَقْبَلُ الْعُقُولُ أَنَّ الْكُلَّ مِنْهُ وَ أَنَ

ص: 59


1- فی المصدر: لو كان الوزر فی الأصل محتوما اه. م.

الْمُوقِدَ لِلنَّارِ هُوَ الْمُطْفِئُ لَهَا فَانْقَطَعُوا وَ لَمْ یَرُدُّوا جَوَاباً وَ مِنَ الْحِكَایَاتِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْیَهُودِ اجْتَمَعُوا إِلَی أَبِی بَحْرٍ الْخَاقَانِیِّ فَقَالُوا لَهُ مَا مَعْنَاهُ أَنْتَ سُلْطَانٌ عَادِلٌ مُنْصِفٌ وَ مِنَ الْمُسْلِمِینَ فِی بَلَدِكَ الْمُجَبِّرَةُ وَ هُمُ الَّذِینَ یُعَوَّلُونَ عَلَیْهِمْ فِی الْأَقْوَالِ وَ الْأَفْعَالِ وَ هُمْ یَشْهَدُونَ لَنَا أَنَّنَا لَا نَقْدِرُ عَلَی الْإِسْلَامِ وَ لَا الْإِیمَانِ فَكَیْفَ تَأْخُذُ الْجِزْیَةَ مِنْ قَوْمٍ لَا یَقْدِرُونَ عَلَی الْإِسْلَامِ وَ لَا الْإِیمَانِ فَجَمَعَ الْمُجَبِّرَةَ وَ قَالَ لَهُمْ مَا تَقُولُونَ فِیمَا قَدْ ذَكَرَهُ الْیَهُودُ مِنِ احْتِجَاجِهِمْ عَلَیْكُمْ فَقَالُوا كَذَا نَقُولُ إِنَّهُمْ لَا یَقْدِرُونَ عَلَی الْإِسْلَامِ وَ الْإِیمَانِ فَطَالَبَهُمْ بِالدَّلِیلِ عَلَی قَوْلِهِمْ فَلَمْ یَقْدِرُوا عَلَیْهِ فَنَفَاهُمْ وَ مِنَ الْحِكَایَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِی ذَلِكَ مَا رُوِیَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ زِیَادٍ الدِّمَشْقِیِّ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ فِی حَرَسِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِیزِ فَدَخَلَ غَیْلَانُ فَقَالَ یَا عُمَرُ إِنَّ أَهْلَ الشَّامِ یَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَعَاصِیَ قَضَاءُ اللَّهِ وَ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ فَقَالَ وَیْحَكَ یَا غَیْلَانُ أَ وَ لَسْتَ تَرَانِی أُسَمِّی مَظَالِمَ بَنِی مَرْوَانَ ظُلْماً وَ أَرُدُّهَا أَ فَتَرَانِی أُسَمِّی قَضَاءَ اللَّهِ ظُلْماً وَ أَرُدُّهُ.

أقول أورد السید فی الطرائف فصلا مشبعا فی الردّ علی المجبّرة تركنا إیراده لئلا یطول الكتاب مع كونه خارجا عن مقصودنا فمن أراد الاطلاع علیه فلیراجع إلی الكتاب المذكور و قد مرّ خبر الحسین بن خالد فی ذلك فی باب نفی التشبیه (1).

«111»- وَ قَالَ الْكَرَاجُكِیُّ فِی كَنْزِ الْفَوَائِدِ، قَالَ الصَّادِقُ علیه السلام لِزُرَارَةَ بْنِ أَعْیَنَ یَا زُرَارَةُ أُعْطِیكَ جُمْلَةً فِی الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ قَالَ نَعَمْ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ إِذَا كَانَ یَوْمُ الْقِیَامَةِ وَ جَمَعَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ سَأَلَهُمْ عَمَّا عَهِدَ إِلَیْهِمْ وَ لَمْ یَسْأَلْهُمْ عَمَّا قَضَی عَلَیْهِمْ.

«112»- وَ رُوِیَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ الْقُمِّیِّ عَنِ الصَّدُوقِ عَنْ أَبِیهِ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَیُّوبَ بْنِ نُوحٍ عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ علیهم السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله خَمْسَةٌ لَا تَطْفَأُ نِیرَانُهُمْ وَ لَا تَمُوتُ أَبْدَانُهُمْ رَجُلٌ أَشْرَكَ وَ رَجُلٌ عَقَّ وَالِدَیْهِ وَ رَجُلٌ سَعَی بِأَخِیهِ إِلَی السُّلْطَانِ فَقَتَلَهُ وَ رَجُلٌ قَتَلَ نَفْساً بِغَیْرِ نَفْسٍ وَ رَجُلٌ أَذْنَبَ وَ حَمَلَ ذَنْبَهُ عَلَی اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.

ص: 60


1- و تقدم فی هذا الباب أیضا تحت رقم 88.

فائدة قال السید المرتضی قدس اللّٰه روحه إن سأل سائل فقال بم تدفعون من خالفكم فی الاستطاعة و زعم أن المكلف یؤمر بما لا یقدر علیه و لا یستطیعه إذا تعلق بقوله تعالی انْظُرْ كَیْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا یَسْتَطِیعُونَ سَبِیلًا (1)فإن الظاهر من هذه الآیة یوجب أنهم غیر مستطیعین للأمر الذی هم غیر فاعلین له و أن القدرة مع الفعل و إذا تعلق بقوله تعالی فی قصة موسی إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِیعَ مَعِیَ صَبْراً (2)و إنه نفی أن یكون قادرا علی الصبر فی حال هو فیها غیر صابر و هذا یوجب أن القدرة مع الفعل و بقوله تعالی ما كانُوا یَسْتَطِیعُونَ السَّمْعَ وَ ما كانُوا یُبْصِرُونَ (3).

یقال له أول ما نقوله إن المخالف لنا فی هذا الباب من الاستطاعة لا یصح له فیه التعلق بالسمع لأن مذهبه لا تسلم معه صحة السمع و لا یتمكن مع المقام علیه من معرفة السمع بأدلته و إنما قلنا ذلك لأن من جوز تكلیف اللّٰه تعالی الكافر بالإیمان و هو لا یقدر علیه لا یمكنه العلم بنفی القبائح عن اللّٰه عز و جل و إذا لم یمكنه ذلك فلا بد من أن یلزمه تجویز القبائح علی اللّٰه فی أفعاله و أخباره و لا یأمن من أن یرسل كذابا و أن یخبرهم بالكذب تعالی عن ذلك فالسمع إن كان كلامه قدح فی حجته تجویز الكذب علیه و إن كان كلام رسوله قدح فیه ما یلزمه من تجویز تصدیق الكذاب و إنما طرق ذلك تجویز بعض القبائح علیه و لیس لهم أن یقولوا إن أمره تعالی الكافر بالإیمان و إن لم یقدر علیه یحسن من حیث أتی الكافر فیه من قبل نفسه لأنه تشاغل بالكفر فترك الإیمان و إنما كان یبطل تعلقنا بالسمع لو أضفنا ذلك إلیه تعالی علی وجه یقبح و ذلك لأن ما قالوه إذا لم یؤثر فی كون ما ذكرناه تكلیفا لما لا یطاق لم یؤثر فی نفی ما ألزمناه عنهم لأنه یلزم علی ذلك أن یفعل الكذب و سائر القبائح و تكون حسنة منه بأن یفعلها من وجه لا یقبح منه و لیس قولهم إنا لم نضفه إلیه من وجه یقبح بشی ء یعتمد بل یجری مجری قول من جوز علیه أن یكذب و یكون الكذب منه حسنا و یدعی مع ذلك صحة معرفة السمع بأن یقول إننی لم أضف إلیه قبیحا فیلزمنی إفساد

ص: 61


1- الإسراء: 48.
2- الكهف: 67.
3- هود: 20.

طریقة السمع فلما كان من ذكرناه لا عذر له فی هذا الكلام لم یكن للمخالف فی الاستطاعة عذر بمثله.

و نعود إلی تأویل الآی أما قوله انْظُرْ كَیْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا یَسْتَطِیعُونَ سَبِیلًا فلیس فیه ذكر للشی ء الذی لا یقدرون علیه و لا بیان له و إنما یصح ما قالوه لو بین لهم أنهم لا یستطیعون سبیلا إلی أمر معین فأما إذا لم یذكر ذلك كذلك فلا متعلق لهم.

فإن قیل فقد ذكر تعالی من قبل ضلالهم فیجب أن یكون المراد بقوله فَلا یَسْتَطِیعُونَ سَبِیلًا إلی مفارقة الضلال.

قلنا إنه تعالی كما ذكر الضلال فقد ذكر ضرب المثل منهم فیجوز أن یرید أنهم لا یستطیعون سبیلا إلی تحقیق ما ضربوه من الأمثال و ذلك غیر مقدور علی الحقیقة و لا مستطاع و الظاهر أن هذا الوجه أولی لأنه تعالی حكی عنهم أنهم ضربوا له الأمثال و جعل ضلالهم و أنهم لا یستطیعون السبیل متعلقا بما تقدم ذكره و ظاهر ذلك یوجب رجوع الأمرین جمیعا إلیه و أنهم ضلوا بضرب المثل و أنهم لا یستطیعون سبیلا إلی تحقیق ما ضربوه من المثل علی أنه تعالی قد أخبر عنهم بأنهم ضلوا و ظاهر ذلك الإخبار عن ماضی فعلهم فإن كان قوله فَلا یَسْتَطِیعُونَ سَبِیلًا یرجع إلیه فیجب أن یدل علی أنهم لا یقدرون فی المستقبل علی ترك الماضی و هذا مما لا یخالف فیه و لیس فیه ما نأباه من أنهم لا یقدرون فی المستقبل أو فی الحال علی مفارقة الضلال و الخروج عنه و تعذر تركه و بعد (1)فإذا لم یكن للآیة ظاهر فلم صاروا بأن یحملوا نفی الاستطاعة علی أمر كلفوه بأولی منا إذا حملنا ذلك علی أمر لم یكلفوه أو علی أنه أراد الاستثقال و الخبر عن عظم المشقة علیهم و قد جرت عادة أهل اللغة بأن یقولوا لمن یستثقل شیئا إنه لا یستطیعه و لا یقدر علیه و لا یتمكن منه أ لا تری أنهم یقولون فلان لا یستطیع أن یكلم فلانا و لا ینظر إلیه و ما أشبه ذلك و إنما غرضهم الاستثقال و شدة الكلفة و المشقة.

ص: 62


1- فی الأمالی المطبوع: و تعذر تركه بعد مضیه.

فإن قیل فإذا كان لا ظاهر للآیة یشهد بمذهب المخالف فما المراد بها عندكم قلنا قد ذكر أبو علی أن المراد أنهم لا یستطیعون إلی بیان تكذیبه سبیلا لأنهم ضربوا الأمثال ظنا منهم بأن ذلك یبین كذبه فأخبر تعالی أن ذلك غیر مستطاع لأن تكذیب صادق و إبطال حق مما لا تتعلق به قدرة و لا تتناوله استطاعة و قد ذكر أبو هاشم أن المراد بالآیة أنهم لأجل ضلالهم بضرب المثل و كفرهم لا یستطیعون سبیلا إلی الخیر الذی هو النجاة من العقاب و الوصول إلی الثواب و لیس یمكن علی هذا أن یقال كیف لا یستطیعون سبیلا إلی الخیر و الهدی و هم عندكم قادرون علی الإیمان و التوبة و متی فعلوا ذلك استحقوا الثواب لأن المراد أنهم مع التمسك بالضلال و المقام علی الكفر لا سبیل لهم إلی خیر و هدی و إنما یكون لهم سبیل إلی ذلك بأن یفارقوا ما هم علیه و قد یمكن أیضا فی معنی الآیة ما تقدم ذكره من أن المراد بنفی الاستطاعة عنهم أنهم مستثقلون للإیمان فقد یخبر عمن یستثقل شیئا بأنه لا یستطیعه علی ما تقدم ذكره كذا فی كتاب الغرر للسید رحمه اللّٰه.

فأما قوله تعالی فی قصة موسی علیه السلام إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِیعَ مَعِیَ صَبْراً فظاهره یقتضی أنك لا تستطیع ذلك فی المستقبل و لا یدل علی أنه غیر مستطیع للصبر فی الحال أن یفعله فی الثانی و قد یجوز أن یخرج فی المستقبل من أن یستطیع ما هو فی الحال مستطیع له غیر أن الآیة تقتضی خلاف ذلك لأنه قد صبر عن المسألة أوقاتا و إن لم یصبر عنها فی جمیع الأوقات فلم تنتف الاستطاعة للصبر عنه فی جمیع الأحوال المستقبلة.

علی أن المراد بذلك واضح و إنه تعالی خبر عن استثقاله الصبر عن المسألة عما لا یعرف و لا یقف علیه لأن مثل ذلك یصعب علی النفس و لهذا یجد أحدنا إذا جری بین یدیه ما ینكره و یستبدعه تنازعه نفسه إلی المسألة عنه و البحث عن حقیقته و یثقل علیه الكف عن الفحص عن أمره فلما حدث من صاحب موسی علیه السلام ما یستنكر ظاهره استثقل الصبر عن المسألة عن ذلك و یشهد لهذا الوجه قوله تعالی وَ كَیْفَ تَصْبِرُ عَلی ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً فبین أن العلة فی قلة صبره ما ذكرناه دون غیره و لو كان الأمر علی ما ظنوا لوجب أن یقول و كیف تصبر و أنت غیر مطیق للصبر.

ص: 63

و أما قوله تعالی ما كانُوا یَسْتَطِیعُونَ السَّمْعَ وَ ما كانُوا یُبْصِرُونَ فلا تعلق لهم بظاهره لأن السمع لیس بمعنی فیكون مقدورا لأن الإدراك علی المذهب الصحیح لیس بمعنی و لو ثبت أنه معنی علی ما یقوله أبو علی لكان أیضا غیر مقدور للعبد من حیث اختص القدیم تعالی بالقدرة علیه هذا إن أرید بالسمع الإدراك و إن أرید به نفس الحاسة فهی أیضا غیر مقدورة للعباد لأن الجواهر و ما تخصص به الحواس من البینة و المعانی لیصح به الإدراك مما ینفرد القدیم تعالی بالقدرة علیه (1)فالظاهر لا حجة لهم فیه. فإن قالوا و لعل المراد بالسمع كونهم سامعین كأنه نفی عنهم استطاعة أن یسمعوا قلنا هذا خلاف الظاهر و لو ثبت أن المراد ذلك لحملنا نفی الاستطاعة هاهنا علی ما تقدم ذكره من الاستثقال و شدة المشقة كما یقول القائل فلان لا یستطیع أن یرانی و لا یقدر علی أن یكلمنی و ما أشبه ذلك و هذا بین لمن تأمله. (2)و قال رضی اللّٰه عنه إن سأل سائل عن قوله تعالی قالَ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ (3)فقال أ لیس ظاهر هذا القول یقتضی أنه خالق لأعمال العباد لأن ما هاهنا بمعنی الذی فكأنه قال خلقكم و خلق أعمالكم.

قلنا قد حمل أهل الحق هذه الآیة علی أن المراد بقوله وَ ما تَعْمَلُونَ أی و ما تعملون فیه من الحجارة و الخشب و غیرهما مما كانوا یتخذونه أصناما و یعبدونها قالوا و غیر منكر أن یرید بقوله وَ ما تَعْمَلُونَ ذلك كما أنه قد أراد ما ذكرناه بقوله أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ لأنه لم یرد أنكم تعبدون نحتكم الذی هو فعل لكم بل أراد ما تفعلون فیه النحت كما قال تعالی فی عصا موسی علیه السلام تَلْقَفُ ما یَأْفِكُونَ (4)و تَلْقَفْ ما

ص: 64


1- هكذا فی النسخ و لكن الصحیح كما فی الأمالی المطبوع: لا یصحّ بها الإدراك فانه ممّا ینفرد به القدیم تعالی بالقدرة علیه.
2- یوجد ذلك كله فی كتابه الأمالی المسمی بالغرر، فی ج 4 ص 71- 74 و یوجد بعده فی ص 143- 146 من هذا المجلد.
3- الصافّات: 94 و 95.
4- الأعراف: 117.

صَنَعُوا(1) وإنما أراد أن العصا تلقف الحبال التی أظهروا سحرهم فیها ، وهی التی حلتها صنعتهم وإفكهم فقال : « مَا صَنَعُوا وَ مَا یَأفكون » وأراد ما صنعوا فیه ، وما یأفكون فیه ، ومثله قوله تعالی : «یَعْمَلُونَ لَهُ مَا یَشَاءُ مِنْ مَحَارِیبَ وَتَمَاثِیلَ وَجِفَانٍ» (2) وإنما أراد المعمول فیه دون العمل _ وهذا الاستعمال أیضا سائع شائع _ لانهم یقولون : هذا الباب عمل النجار ؛ وفی الخلخال : هذا من عمل الصائغ ؛ وإن كانت الاجسام التی أشیر إلیها لیست أعمالا لهم ، وإنما عملوا فیها فحسن إجراء هذه العبارة.

فإن قیل كل الذی ذكرتموه و إن استعمل فعلی وجه المجاز و الاتساع لأن العمل فی الحقیقة لا یجری إلا علی فعل الفاعل دون ما یفعل فیه و إن استعیر فی بعض المواضع قلنا لیس نسلم لكم أن الاستعمال الذی ذكرناه علی سبیل المجاز بل نقول هو المفهوم الذی لا یستفاد سواه لأن القائل إذا قال هذا الثوب عمل فلان لم یفهم منه إلا أنه عمل فیه و ما رأینا أحدا قط یقول فی الثوب بدلا من قوله هذا من عمل فلان هذا مما حله عمل فلان فالأول أولی بأن یكون حقیقة و لیس ینكر أن یكون الأصل فی الحقیقة ما ذكروه ثم انتقل بعرف الاستعمال إلی ما ذكرناه و صار أخص به و مما لا یستفاد من الكلام سواه كما انتقلت ألفاظ كثیرة علی هذا الحد و لا اعتبار بالمفهوم من الألفاظ إلا بما استقر علیه استعمالها دون ما كانت علیه فی الأصل فوجب أن یكون المفهوم.

و الظاهر من الآیة ما ذكرناه علی أنا لو سلمنا أن ذلك مجاز لوجب المصیر إلیه من وجوه فمن ذلك (3)أنه تعالی أخرج الكلام مخرج التهجین لهم و التوبیخ لأفعالهم و الإزراء علی مذاهبهم فقال أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ و متی لم یكن قوله وَ ما تَعْمَلُونَ المراد به تعملون فیه لیصیر تقدیر الكلام أ تعبدون الأصنام التی تنحتونها و اللّٰه خلقكم و خلق هذه الأصنام التی تفعلون فیها التخطیط و التصویر لم یكن للكلام معنی و لا مدخل فی باب التوبیخ و یصیر علی ما یذكره المخالف كأنه

ص: 65


1- طه : 69 أقول : لقف الشئ : تناوله بسرعة.
2- سبا : ١٣
3- فی الأمالی المطبوع هكذا: منها ما یشهد به ظاهر الآیة و یقتضیه و لا یسوغ سواه، و منها ما تقتضیه الأدلة القاطعة الخارجة عن الآیة، فمن ذلك أنّه تعالی أخرج. إه.

قال أ تعبدون ما تنحتون و اللّٰه خلقكم و خلق عباداتكم فأی وجه للتقریع و هذا إلی أن یكون عذرا أقرب من أن یكون لوما و توبیخا لأنه إذا خلق عبادتهم للأصنام فأی وجه للومهم علیها (1)علی أن قوله تعالی وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ بعد قوله أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ إنما خرج مخرج التعلیل للمنع من عبادة غیره تعالی فلا بد أن یكون متعلقا بما تقدم من قوله أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ و مؤثرا فی المنع من عبادة غیر اللّٰه فلو أفاد قوله ما تَعْمَلُونَ نفس العمل الذی هو النحت دون المعمول فیه لكان لا فائدة فی الكلام لأن القوم لم یكونوا یعبدون النحت و إنما كانوا یعبدون محله و أنه كان لا حظ فی الكلام للمنع من عبادة الأصنام و كذلك إن حمل قوله تعالی ما تَعْمَلُونَ علی أعمال أخر لیست نحتهم و لا هی ما عملوا فیه لكان أظهر فی باب اللغو و العبث و البعد عن التعلق بما تقدم فلم یبق إلا أنه أراد أنه خلقكم و ما تعملون فیه النحت فكیف تعبدون مخلوقا مثلكم.

فإن قیل لم زعمتم أنه لو كان الأمر علی ما ذكرناه لم یكن للقول الثانی حظ فی باب المنع من عبادة الأصنام و ما تنكرون أن یكون لما ذكرناه وجه فی المنع من ذلك علی أن ما ذكرتموه أیضا لو أرید لكان وجها و هو أن من خلقنا و خلق الأفعال فینا لا یكون إلا الإله القدیم الذی تحق له العبادة و غیر القدیم تعالی كما یستحیل أن یخلقنا یستحیل أن یخلق فینا الأفعال علی الوجه الذی یخلقها القدیم علیه فصار لما ذكرناه تأثیر.

قلنا معلوم أن الثانی إذا كان كالتعلیل للأول و المؤثر فی المنع من العبادة فلأن یتضمن أنكم مخلوقان و ما تعبدونه أولی من أن ینصرف إلی ما ذكرتموه مما لا یقتضی أكثر من خلقهم دون خلق ما عبدوه فإنه لا شی ء أدل علی المنع من عبادة الأصنام من كونها مخلوقة كما أن عابدها مخلوق و یشهد بما ذكرناه قوله تعالی فی موضع آخر أَ یُشْرِكُونَ ما لا یَخْلُقُ شَیْئاً وَ هُمْ یُخْلَقُونَ وَ لا یَسْتَطِیعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَ لا أَنْفُسَهُمْ یَنْصُرُونَ (2)

ص: 66


1- أضاف فی الأمالی المطبوع: و تقریعهم بها.
2- الأعراف: 191- 192.

فاحتج تعالی علیهم فی المنع من عبادة الآلهة دونه بأنها مخلوقة لا تخلق شیئا و لا تدفع عن أنفسها ضرا و لا عنهم و هذا واضح علی أنه لو ساوی ما ذكروه ما ذكرناه فی التعلق بالأول لم یسغ حمله علی ما ادعوه لأن فیه عذرا لهم فی الفعل الذی عنفوا به و قرعوا من أجله و قبیح أن یوبخهم بما یعذرهم و یذمهم بما ینزههم علی ما تقدم علی أنا لا نسلم أن من یفعل أفعال العباد و یخلقها یستحق العبادة لأن من جملة أفعالهم القبائح و من فعل القبائح لا یكون إلها و لا تحق العبادة له فخرج ما ذكروه من أن یكون مؤثرا فی انفراده بالعبادة علی أن إضافته العمل إلیهم بقوله تعالی تَعْمَلُونَ یبطل تأویلهم هذه الآیة لأنه لو كان خالقا له لم یكن عملا لهم لأن العمل إنما یكون عملا لمن یحدثه و یوجده فكیف یكون عملا لهم و اللّٰه خلقه و هذه مناقضة لهم فثبت بهذا أن الظاهر شاهد لنا أیضا علی أن قوله وَ ما تَعْمَلُونَ یقتضی الاستقبال و كل فعل لم یوجد فهو معدوم و محال أن یقول تعالی إنی خالق للمعدوم.

فإن قالوا اللفظ و إن كان للاستقبال فالمراد به الماضی فكأنه قال و اللّٰه خلقكم و ما عملتم قلنا هذا عدول منكم عن الظاهر الذی ادعیتم أنكم متمسكون به و لیس أنتم بأن تعدلوا عنه بأولی منا بل نحن أحق لأنا نعدل عنه بدلالة و أنتم تعدلون بغیر حجة.

فإن قالوا فأنتم تعدلون عن هذا الظاهر بعینه علی تأویلكم و تحملون لفظ الاستقبال علی لفظ الماضی قلنا نحن لا نحتاج فی تأویلنا إلی ذلك لأنا إذا حملنا قوله وَ ما تَعْمَلُونَ علی الأصنام المعمول فیها و معلوم أن الأصنام موجودة قبل عملهم فیها فجاز أن یقول تعالی إنی خلقتها و لا یجوز أن یقول إنی خلقت ما سیقع من العمل فی المستقبل علی أنه لو أراد بذلك أعمالهم لا ما عملوا فیه علی ما ادعوه لم یكن فی الظاهر حجة علی ما یریدون لأن الخلق هو التقدیر و التدبیر و لیس یمتنع فی اللغة أن یكون الخالق خالقا لفعل غیره إذا قدره و دبره أ لا تری أنهم یقولون خلقت الأدیم و إن لم یكن الأدیم فعلا لمن یقول ذلك فیه و یكون معنی خلقه لأفعال العباد أنه مقدر لها و معرف لنا مقادیرها و مراتبها و ما به نستحق علیها من الجزاء.

ص: 67

باب 2 آخر و هو من الباب الأول

و فیه رسالة أبی الحسن الثالث صلوات اللّٰه علیه فی الردّ علی أهل الجبر و التفویض و إثبات العدل و المنزلة بین المنزلتین بوجه أبسط مما مر.

«1»-ف، (1)تحف العقول مِنْ عَلِیِّ بْنِ مُحَمَّدٍ سَلامٌ عَلَیْكُمْ وَ عَلی مَنِ اتَّبَعَ الْهُدی وَ رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ فَإِنَّهُ وَرَدَ عَلَیَّ كِتَابُكُمْ وَ فَهِمْتُ مَا ذَكَرْتُمْ مِنِ اخْتِلَافِكُمْ فِی دِینِكُمْ وَ خَوْضِكُمْ فِی الْقَدَرِ وَ مَقَالَةِ مَنْ یَقُولُ مِنْكُمْ بِالْجَبْرِ وَ مَنْ یَقُولُ بِالتَّفْوِیضِ وَ تَفَرُّقِكُمْ فِی ذَلِكَ وَ تَقَاطُعِكُمْ وَ مَا ظَهَرَ مِنَ الْعَدَاوَةِ بَیْنَكُمْ ثُمَّ سَأَلْتُمُونِی عَنْهُ وَ بَیَانَهُ لَكُمْ وَ فَهِمْتُ ذَلِكَ كُلَّهُ اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّا نَظَرْنَا فِی الْآثَارِ وَ كَثْرَةِ مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ فَوَجَدْنَاهَا عِنْدَ جَمِیعِ مَنْ یَنْتَحِلُ الْإِسْلَامَ (2)مِمَّنْ یَعْقِلُ عَنِ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ لَا تَخْلُو مِنْ مَعْنَیَیْنِ إِمَّا حَقٌّ فَیُتَّبَعُ وَ إِمَّا بَاطِلٌ فَیُجْتَنَبُ وَ قَدِ اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ قَاطِبَةً لَا اخْتِلَافَ بَیْنَهُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ لَا رَیْبَ فِیهِ عِنْدَ جَمِیعِ أَهْلِ الْفِرَقِ وَ فِی حَالِ اجْتِمَاعِهِمْ مُقِرُّونَ بِتَصْدِیقِ الْكِتَابِ وَ تَحْقِیقِهِ مُصِیبُونَ مُهْتَدُونَ وَ ذَلِكَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِی عَلَی ضَلَالَةٍ فَأَخْبَرَ أَنَّ جَمِیعَ مَا اجْتَمَعَتْ عَلَیْهِ الْأُمَّةُ كُلُّهَا حَقٌّ هَذَا إِذَا لَمْ یُخَالِفْ بَعْضُهَا بَعْضاً وَ الْقُرْآنَ حَقٌّ لَا اخْتِلَافَ بَیْنَهُمْ فِی تَنْزِیلِهِ وَ تَصْدِیقِهِ فَإِذَا شَهِدَ الْقُرْآنُ بِتَصْدِیقِ خَبَرٍ وَ تَحْقِیقِهِ وَ أَنْكَرَ الْخَبَرَ طَائِفَةٌ مِنَ الْأُمَّةِ لَزِمَهُمُ الْإِقْرَارُ بِهِ ضَرُورَةً حِینَ (3)اجْتَمَعَتْ فِی الْأَصْلِ عَلَی تَصْدِیقِ الْكِتَابِ فَإِنْ هِیَ جَحَدَتْ وَ أَنْكَرَتْ لَزِمَهَا الْخُرُوجُ مِنَ الْمِلَّةِ فَأَوَّلُ خَبَرٍ یُعْرَفُ تَحْقِیقُهُ مِنَ الْكِتَابِ وَ تَصْدِیقُهُ وَ الْتِمَاسُ شَهَادَتِهِ عَلَیْهِ خَبَرٌ وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله وَ وُجِدَ بِمُوَافَقَةِ الْكِتَابِ وَ تَصْدِیقِهِ بِحَیْثُ لَا تُخَالِفُهُ أَقَاوِیلُهُمْ حَیْثُ قَالَ إِنِّی مُخَلِّفٌ فِیكُمُ الثَّقَلَیْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِی أَهْلَ بَیْتِی لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا وَ إِنَّهُمَا لَنْ یَفْتَرِقَا حَتَّی یَرِدَا

ص: 68


1- أورد شطرا من الحدیث عن الاحتجاج فی الباب المتقدم تحت رقم 30.
2- أی من ینتسب إلیه.
3- فی نسخة: حیث.

عَلَیَّ الْحَوْضَ (1)فَلَمَّا وَجَدْنَا شَوَاهِدَ هَذَا الْحَدِیثِ فِی كِتَابِ اللَّهِ نَصّاً مِثْلَ قَوْلِهِ جَلَّ وَ عَزَّ إِنَّما وَلِیُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِینَ آمَنُوا الَّذِینَ یُقِیمُونَ الصَّلاةَ وَ یُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ وَ مَنْ یَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِینَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (2).

وَ رَوَتِ الْعَامَّةُ فِی ذَلِكَ أَخْبَاراً لِأَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِخَاتَمِهِ وَ هُوَ رَاكِعٌ فَشَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهُ وَ أَنْزَلَ الْآیَةَ فِیهِ فَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله قَدْ أَتَی بِقَوْلِهِ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِیٌّ مَوْلَاهُ وَ بِقَوْلِهِ أَنْتَ مِنِّی بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَی إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِیَّ بَعْدِی وَ وَجَدْنَاهُ یَقُولُ عَلِیٌّ یَقْضِی دَیْنِی وَ یُنْجِزُ مَوْعِدِی وَ هُوَ خَلِیفَتِی عَلَیْكُمْ مِنْ بَعْدِی.

فالخبر الأول الذی استنبط منه هذه الأخبار خبر صحیح مجمع علیه لا اختلاف فیه عندهم و هو أیضا موافق للكتاب فلما شهد الكتاب بتصدیق الخبر و هذه الشواهد الأخر لزم علی الأمة الإقرار بها ضرورة إذ كانت هذه الأخبار شواهدها من القرآن ناطقة و وافقت القرآن و القرآن وافقها ثم وردت حقائق الأخبار عن رسول اللّٰه صلی اللّٰه علیه و آله عن الصادقین علیهما السلام نقلها قوم ثقات معروفون فصار الاقتداء بهذه الأخبار فرضا واجبا علی كل مؤمن و مؤمنة لا یتعداه إلا أهل العناد و ذلك أن أقاویل آل رسول اللّٰه صلی اللّٰه علیه و آله متصلة بقول اللّٰه و ذلك مثل قوله فی محكم كتابه إِنَّ الَّذِینَ یُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِی الدُّنْیا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِیناً

وَ وَجَدْنَا نَظِیرَ هَذِهِ الْآیَةِ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله مَنْ آذَی عَلِیّاً فَقَدْ آذَانِی وَ مَنْ آذَانِی فَقَدْ آذَی اللَّهَ وَ مَنْ آذَی اللَّهَ یُوشِكُ أَنْ یَنْتَقِمَ مِنْهُ.

وَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ صلی اللّٰه علیه و آله مَنْ أَحَبَّ عَلِیّاً فَقَدْ أَحَبَّنِی وَ مَنْ أَحَبَّنِی فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ.

وَ مِثْلُ قَوْلِهِ صلی اللّٰه علیه و آله فِی بَنِی وَلِیعَةَ (3)لَأَبْعَثَنَّ إِلَیْهِمْ رَجُلًا كَنَفْسِی یُحِبُّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ یُحِبُّهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ قُمْ یَا عَلِیُّ فَسِرْ إِلَیْهِمْ وَ قَوْلُهُ صلی اللّٰه علیه و آله یَوْمُ خَیْبَرَ لَأَبْعَثَنَّ إِلَیْهِمْ غَداً رَجُلًا یُحِبُّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ یُحِبُّهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ كَرَّاراً غَیْرَ فَرَّارٍ لَا یَرْجِعُ حَتَّی یَفْتَحَ اللَّهُ عَلَیْهِ فَقَضَی

ص: 69


1- سیوافیك الحدیث و ما یأتی بعدها من الأحادیث الواردة فی أمیر المؤمنین علیه السلام بأسنادها المتفقة علیها عند جمهور المسلمین فی كتاب الإمامة.
2- سیأتی كلام المفسرین من العامّة و الخاصّة حول الآیة و غیرها ممّا نزلت فی أمیر المؤمنین علیه السلام فی كتاب الإمامة.
3- قال الفیروزآبادی فی القاموس: بنو ولیعة كسفینة: حی من كندة.

رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله بِالْفَتْحِ قَبْلَ التَّوْجِیهِ فَاسْتَشْرَفَ لِكَلَامِهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ دَعَا عَلِیّاً علیه السلام فَبَعَثَهُ إِلَیْهِمْ فَاصْطَفَاهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ (1)وَ سَمَّاهُ كَرَّاراً غَیْرَ فَرَّارٍ فَسَمَّاهُ اللَّهُ مُحِبّاً لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ فَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ یُحِبَّانِهِ.

و إنما قدمنا هذا الشرح و البیان دلیلا علی ما أردنا و قوة لما نحن مبینوه من أمر الجبر و التفویض و المنزلة بین المنزلتین و باللّٰه العون و القوة و علیه نتوكل فی جمیع أمورنا فإنا نبدأ من ذلك بقول

الصَّادِقِ علیه السلام لَا جَبْرَ وَ لَا تَفْوِیضَ وَ لَكِنْ مَنْزِلَةٌ بَیْنَ الْمَنْزِلَتَیْنِ.

و هی صحة الخلقة و تخلیة السرب و المهلة فی الوقت و الزاد مثل الراحلة و السبب المهیج للفاعل علی فعله فهذه خمسة أشیاء جمع بها الصادق علیه السلام جوامع الفضل فإذا نقص العبد منها خلة (2)كان العمل عنه مطروحا بحسبه فأخبر الصادق علیه السلام بأصل ما یجب علی الناس من طلب معرفته و نطق الكتاب بتصدیقه فشهد بذلك محكمات آیات رسوله لأن الرسول صلی اللّٰه علیه و آله و آله علیهم السلام لا یعدو شی ء من قوله و أقاویلهم حدود القرآن فإذا وردت حقائق الأخبار و التمست شواهدها من التنزیل فوجد لها موافقا و علیها دلیلا كان الاقتداء بها فرضا لا یتعداه إلا أهل العناد كما ذكرنا فی أول الكتاب و لما التمسنا تحقیق ما قاله الصادق علیه السلام من المنزلة بین المنزلتین و إنكاره الجبر و التفویض وجدنا الكتاب قد شهد له و صدق مقالته فی هذا

وَ خُبِّرَ عَنْهُ أَیْضاً مُوَافِقاً لِهَذَا أَنَّ الصَّادِقَ علیه السلام سُئِلَ هَلْ أَجْبَرَ اللَّهُ الْعِبَادَ عَلَی الْمَعَاصِی فَقَالَ الصَّادِقُ علیه السلام هُوَ أَعْدَلُ مِنْ ذَلِكَ فَقِیلَ لَهُ فَهَلْ فَوَّضَ إِلَیْهِمْ فَقَالَ علیه السلام هُوَ أَعَزُّ وَ أَقْهَرُ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ.

وَ رُوِیَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: النَّاسُ فِی الْقَدَرِ عَلَی ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ رَجُلٍ یَزْعُمُ أَنَّ الْأَمْرَ مُفَوَّضٌ إِلَیْهِ فَقَدْ وَهَّنَ اللَّهَ فِی سُلْطَانِهِ فَهُوَ هَالِكٌ وَ رَجُلٍ یَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ أَجْبَرَ الْعِبَادَ عَلَی الْمَعَاصِی وَ كَلَّفَهُمْ مَا لَا یُطِیقُونَ فَقَدْ ظَلَّمَ اللَّهَ فِی حُكْمِهِ فَهُوَ هَالِكٌ وَ رَجُلٍ یَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ كَلَّفَ الْعِبَادَ مَا یُطِیقُونَ وَ لَمْ یُكَلِّفْهُمْ مَا لَا یُطِیقُونَ فَإِذَا أَحْسَنَ حَمِدَ اللَّهَ وَ إِذَا أَسَاءَ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ فَهَذَا

ص: 70


1- فی نسخة: المنقیة.
2- بضم الخاء و فتحها: خصلة.

مُسْلِمٌ بَالِغٌ.

فأخبر علیه السلام أن من تقلد الجبر و التفویض و دان بهما فهو علی خلاف الحق فقد شرحت الجبر الذی من دان به یلزمه الخطاء و أن الذی یتقلد التفویض یلزمه الباطل فصارت المنزلة بین المنزلتین بینهما ثم قال و أضرب لكل باب من هذه الأبواب مثلا یقرب المعنی للطالب و یسهل له البحث عن شرحه تشهد به محكمات آیات الكتاب و تحقق تصدیقه عند ذوی الألباب و باللّٰه التوفیق و العصمة فأما الجبر الذی یلزم من دان به الخطاء فهو قول من زعم أن اللّٰه جل و عز أجبر العباد علی المعاصی و عاقبهم علیها و من قال بهذا القول فقد ظلم اللّٰه فی حكمه و كذبه و رد علیه و قوله وَ لا یَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً و قوله ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ یَداكَ وَ أَنَّ اللَّهَ لَیْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِیدِ و قوله إِنَّ اللَّهَ لا یَظْلِمُ النَّاسَ شَیْئاً وَ لكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ یَظْلِمُونَ مع آی كثیرة فی ذكر هذا فمن زعم أنه مجبر علی المعاصی فقد أحال بذنبه علی اللّٰه و قد ظلمه فی عقوبته و من ظلم اللّٰه فقد كذب كتابه و من كذب كتابه فقد لزمه الكفر باجتماع الأمة و مثل ذلك مثل رجل ملك عبدا مملوكا لا یملك نفسه و لا یملك عرضا من عروض الدنیا و یعلم مولاه ذلك منه فأمره علی علم منه بالمصیر إلی السوق لحاجة یأتیه بها و لم یملكه ثمن ما یأتیه به من حاجته و علم المالك أن علی الحاجة رقیبا لا یطمع أحد فی أخذها منه إلا بما یرضی به من الثمن و قد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل و النصفة و إظهار الحكمة و نفی الجور و أوعد عبده إن لم یأته بحاجته أن یعاقبه علی علم منه بالرقیب الذی علی حاجته أنه سیمنعه و علم أن المملوك لا یملك ثمنها و لم یملكه ذلك فلما صار العبد إلی السوق و جاء لیأخذ حاجته التی بعثه المولی لها وجد علیها مانعا یمنع منها إلا بشراء و لیس یملك العبد ثمنها فانصرف إلی مولاه خائبا بغیر قضاء حاجته فاغتاظ مولاه من ذلك و عاقبه علیه أ لیس یجب فی عدله و حكمته أن لا یعاقبه و هو یعلم أن عبده لا یملك عرضا من عروض الدنیا و لم یملكه ثمن حاجته فإن عاقبه عاقبه ظالما متعدیا علیه مبطلا لما وصف من عدله و حكمته و نصفته و إن لم یعاقبه كذب نفسه فی وعیده إیاه حین أوعده بالكذب و الظلم اللذین ینفیان العدل و الحكمة تعالی عما یقولون علوا كبیرا فمن دان بالجبر أو بما یدعو

ص: 71

إلی الجبر فقد ظلم اللّٰه و نسبه إلی الجور و العدوان إذ أوجب علی من أجبر العقوبة و من زعم أن اللّٰه أجبر العباد فقد أوجب علی قیاس قوله إن اللّٰه یدفع عنهم العقوبة و من زعم أن اللّٰه یدفع عن أهل المعاصی العذاب فقد كذب اللّٰه فی وعیده حیث یقول بَلی مَنْ كَسَبَ سَیِّئَةً وَ أَحاطَتْ بِهِ خَطِیئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِیها خالِدُونَ و قوله إِنَّ الَّذِینَ یَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْیَتامی ظُلْماً إِنَّما یَأْكُلُونَ فِی بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَیَصْلَوْنَ سَعِیراً و قوله إِنَّ الَّذِینَ كَفَرُوا بِآیاتِنا سَوْفَ نُصْلِیهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَیْرَها لِیَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِیزاً حَكِیماً مع آی كثیرة فی هذا الفن فمن كذب وعید اللّٰه یلزمه فی تكذیبه آیة من كتاب اللّٰه الكفر و هو ممن قال اللّٰه أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ یَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْیٌ فِی الْحَیاةِ الدُّنْیا وَ یَوْمَ الْقِیامَةِ یُرَدُّونَ إِلی أَشَدِّ الْعَذابِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بل نقول إن اللّٰه عز و جل جازی العباد علی أعمالهم و یعاقبهم علی أفعالهم بالاستطاعة التی ملكهم إیاها فأمرهم و نهاهم بذلك و نطق كتابه مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّیِّئَةِ فَلا یُجْزی إِلَّا مِثْلَها وَ هُمْ لا یُظْلَمُونَ و قال جل ذكره یَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَیْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَیْنَها وَ بَیْنَهُ أَمَداً بَعِیداً وَ یُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ و قال الْیَوْمَ تُجْزی كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْیَوْمَ فهذه آیات محكمات تنفی الجبر و من دان به و مثلها فی القرآن كثیر اختصرنا ذلك لئلا یطول الكتاب و باللّٰه التوفیق فأما التفویض الذی أبطله الصادق علیه السلام و خطأ من دان به و تقلده فهو قول القائل إن اللّٰه جل ذكره فوض إلی العباد اختیار أمره و نهیه و أهملهم و فی هذا كلام دقیق لمن یذهب إلی تحریره و دقته و إلی هذا ذهبت الأئمة المهتدیة من عترة الرسول علیهم السلام فإنهم قالوا لو فوض إلیهم علی جهة الإهمال لكان لازما له رضی ما اختاروه و استوجبوا به الثواب و لم یكن علیهم فیما جنوه العقاب إذا كان الإهمال واقعا و تنصرف هذه المقالة علی معنیین إما أن یكون العباد تظاهروا علیه فألزموه قبول اختیارهم بآرائهم ضرورة كره ذلك أم أحب فقد لزمه الوهن أو یكون جل و عز عجز عن تعبدهم بالأمر و النهی علی إرادته كرهوا أو أحبوا ففوض أمره و نهیه إلیهم

ص: 72

و أجراهما علی محبتهم إذ عجز عن تعبدهم بإرادته فجعل الاختیار إلیهم فی الكفر و الإیمان و مثل ذلك مثل رجل ملك عبدا ابتاعه لیخدمه و یعرف له فضل ولایته و یقف عند أمره و نهیه و ادعی مالك العبد أنه قاهر عزیر حكیم فأمر عبده و نهاه و وعده علی اتباع أمره عظیم الثواب و أوعده علی معصیته ألیم العقاب فخالف العبد إرادة مالكه و لم یقف عند أمره و نهیه فأی أمر أمره به أو أی نهی نهاه عنه لم یأته علی إرادة المولی بل كان العبد یتبع إرادة نفسه و اتباع هواه و لا یطیق المولی أن یرده إلی اتباع أمره و نهیه و الوقوف علی إرادة ففوض اختیار أمره و نهیه إلیه و رضی منه بكل ما فعله علی إرادة العبد لا علی إرادة المالك و بعثه فی بعض حوائجه و سمی له الحاجة فخالف علی مولاه و قصد لإرادة نفسه و اتبع هواه فلما رجع إلی مولاه نظر إلی ما أتاه به فإذا هو خلاف ما أمره به فقال له لم أتیتنی بخلاف ما أمرتك فقال العبد اتكلت علی تفویضك الأمر إلی فاتبعت هوای و إرادتی لأن المفوض إلیه غیر محظور علیه فاستحال التفویض أو لیس یجب علی هذا السبب إما أن یكون المالك للعبد قادرا یأمر عبده باتباع أمره و نهیه علی إرادته لا علی إرادة العبد و یملكه من الطاقة بقدر ما یأمره به و ینهاه عنه فإذا أمره بأمر و نهاه عن نهی عرفه الثواب و العقاب علیهما و حذره و رغبه بصفة ثوابه و عقابه لیعرف العبد قدرة مولاه بما ملكه من الطاقة لأمره و نهیه و ترغیبه و ترهیبه فیكون عدله و إنصافه شاملا له و حجته واضحة علیه للإعذار و الإنذار فإذا اتبع العبد أمر مولاه جازاه و إذا لم یزدجر عن نهیه عاقبه أو یكون عاجزا غیر قادر ففوض أمره إلیه أحسن أم أساء أطاع أم عصی عاجز عن عقوبته و رده إلی اتباع أمره و فی إثبات العجز نفی القدرة و التأله و إبطال الأمر و النهی و الثواب و العقاب و مخالفة الكتاب إذ یقول وَ لا یَرْضی لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَ إِنْ تَشْكُرُوا یَرْضَهُ لَكُمْ و قوله عز و جل اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ و قوله وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِیَعْبُدُونِ ما أُرِیدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ ما أُرِیدُ أَنْ یُطْعِمُونِ و قوله اعْبُدُوا اللَّهَ وَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَیْئاً و قوله وَ أَطِیعُوا اللَّهَ وَ أَطِیعُوا الرَّسُولَ وَ لا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَ أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ فمن زعم أن اللّٰه تعالی فوض أمره

ص: 73

و نهیه إلی عباده فقد أثبت علیه العجز و أوجب علیه قبول كل ما عملوا من خیر و شر و أبطل أمر اللّٰه و نهیه و وعده و وعیده لعلة ما زعم أن اللّٰه فوضها إلیها لأن المفوض إلیه یعمل بمشیته فإن شاء الكفر أو الإیمان كان غیر مردود علیه و لا محظور فمن دان بالتفویض علی هذا المعنی فقد أبطل جمیع ما ذكرنا من وعده و وعیده و أمره نهیه و هو من أهل هذه الآیة أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ یَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْیٌ فِی الْحَیاةِ الدُّنْیا وَ یَوْمَ الْقِیامَةِ یُرَدُّونَ إِلی أَشَدِّ الْعَذابِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ تعالی اللّٰه عما یدین به أهل التفویض علوا كبیرا لكن نقول إن اللّٰه عز و جل خلق الخلق بقدرته و ملكهم استطاعة تعبدهم بها فأمرهم و نهاهم بما أراد فقبل منهم اتباع أمره و رضی بذلك لهم و نهاهم عن معصیته و ذم من عصاه و عاقبه علیها و لله الخیرة فی الأمر و النهی یختار ما یرید و یأمر به و ینهی عما یكره و یعاقب علیه بالاستطاعة التی ملكها عباده لاتباع أمره و اجتناب معاصیه لأنه ظاهر العدل و النصفة و الحكمة البالغة بالغ الحجة بالإعذار و الإنذار و إلیه الصفوة یصطفی من یشاء من عباده لتبلیغ رسالته و احتجاجه علی عباده اصطفی محمدا صلی اللّٰه علیه و آله و بعثه برسالاته إلی خلقه فقال من قال من كفار قومه حسدا و استكبارا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلی رَجُلٍ مِنَ الْقَرْیَتَیْنِ عَظِیمٍ یعنی بذلك أمیة بن أبی الصلت و أبا مسعود الثقفی فأبطل اللّٰه اختیارهم و لم یجز لهم آراءهم حیث یقول أَ هُمْ یَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَیْنَهُمْ مَعِیشَتَهُمْ فِی الْحَیاةِ الدُّنْیا وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِیَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِیًّا وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَیْرٌ مِمَّا یَجْمَعُونَ و لذلك اختار من الأمور ما أحب و نهی عما كره فمن أطاعه أثابه و من عصاه عاقبه و لو فوض من اختیار أمره إلی عباده لأجاز لقریش اختیار أمیة بن الصلت و أبی مسعود الثقفی إذ كانا عندهم أفضل من محمد صلی اللّٰه علیه و آله فلما أدب اللّٰه المؤمنین بقوله وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَی اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ یَكُونَ لَهُمُ الْخِیَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ فلم یجز لهم الاختیار بأهوائهم و لم یقبل منهم إلا اتباع أمره و اجتناب نهیه علی یدی من اصطفاه فمن أطاعه رشد و من عصاه ضل و غوی و لزمته الحجة بما ملكه من الاستطاعة لاتباع أمره و اجتناب

ص: 74

نهیه فمن أجل ذلك حرمه ثوابه و أنزل به عقابه وَ هَذَا الْقَوْلُ بَیْنَ الْقَوْلَیْنِ لَیْسَ بِجَبْرٍ وَ لَا تَفْوِیضٍ وَ بِذَلِكَ

أَخْبَرَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَیْهِ عَبَایَةَ بْنَ رِبْعِیٍّ الْأَسَدِیَّ حِینَ سَأَلَهُ عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ الَّتِی بِهَا یَقُومُ وَ یَقْعُدُ وَ یَفْعَلُ فَقَالَ لَهُ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ سَأَلْتَ عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ تَمْلِكُهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْ مَعَ اللَّهِ فَسَكَتَ عَبَایَةُ فَقَالَ لَهُ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ قُلْ یَا عَبَایَةُ قَالَ وَ مَا أَقُولُ قَالَ علیه السلام إِنْ قُلْتَ إِنَّكَ تَمْلِكُهَا مَعَ اللَّهِ قَتَلْتُكَ وَ إِنْ قُلْتَ تَمْلِكُهَا دُونَ اللَّهِ قَتَلْتُكَ قَالَ عَبَایَةُ فَمَا أَقُولُ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام قَالَ علیه السلام تَقُولُ إِنَّكَ تَمْلِكُهَا بِاللَّهِ الَّذِی یَمْلِكُهَا مِنْ دُونِكَ فَإِنْ یُمَلِّكْهَا إِیَّاكَ كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَطَائِهِ وَ إِنْ یَسْلُبْكَهَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ بَلَائِهِ هُوَ الْمَالِكُ لِمَا مَلَّكَكَ وَ الْقَادِرُ عَلَی مَا عَلَیْهِ أَقْدَرَكَ أَ مَا سَمِعْتَ النَّاسَ یَسْأَلُونَ الْحَوْلَ وَ الْقُوَّةَ حِینَ یَقُولُونَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ قَالَ عَبَایَةُ وَ مَا تَأْوِیلُهَا یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ قَالَ علیه السلام لَا حَوْلَ عَنْ مَعَاصِی اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ وَ لَا قُوَّةَ لَنَا عَلَی طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ قَالَ فَوَثَبَ عَبَایَةُ فَقَبَّلَ یَدَیْهِ وَ رِجْلَیْهِ.

وَ رُوِیَ عَنْ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام حِینَ أَتَاهُ نَجْدَةُ یَسْأَلُهُ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ قَالَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ بِمَا ذَا عَرَفْتَ رَبَّكَ قَالَ علیه السلام بِالتَّمْیِیزِ الَّذِی خَوَّلَنِی (1)وَ الْعَقْلِ الَّذِی دَلَّنِی قَالَ أَ فَمَجْبُولٌ أَنْتَ عَلَیْهِ قَالَ لَوْ كُنْتُ مَجْبُولًا مَا كُنْتُ مَحْمُوداً عَلَی إِحْسَانٍ وَ لَا مَذْمُوماً عَلَی إِسَاءَةٍ وَ كَانَ الْمُحْسِنُ أَوْلَی بِاللَّائِمَةِ مِنَ الْمُسِی ءِ فَعَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ قَائِمٌ بَاقٍ وَ مَا دُونَهُ حَدَثٌ حَائِلٌ زَائِلٌ وَ لَیْسَ الْقَدِیمُ الْبَاقِی كَالْحَدَثِ الزَّائِلِ قَالَ نَجْدَةُ أَجِدُكَ أَصْبَحْتَ حَكِیماً یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ قَالَ أَصْبَحْتُ مُخَیَّراً فَإِنْ أَتَیْتُ السَّیِّئَةَ بِمَكَانِ الْحَسَنَةِ فَأَنَا الْمُعَاقَبُ عَلَیْهَا.

وَ رُوِیَ عَنْ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ سَأَلَهُ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الشَّامِ فَقَالَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ أَخْبِرْنَا عَنْ خُرُوجِنَا إِلَی الشَّامِ بِقَضَاءٍ وَ قَدَرٍ قَالَ نَعَمْ یَا شَیْخُ مَا عَلَوْتُمْ تَلْعَةً وَ لَا هَبَطْتُمْ وَادِیاً إِلَّا بِقَضَاءٍ وَ قَدَرٍ مِنَ اللَّهِ فَقَالَ الشَّیْخُ عِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ عَنَائِی یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ فَقَالَ مَهْ یَا شَیْخُ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَظَّمَ أَجْرَكُمْ فِی مَسِیرِكُمْ وَ أَنْتُمْ سَائِرُونَ وَ فِی مُقَامِكُمْ وَ أَنْتُمْ مُقِیمُونَ وَ فِی انْصِرَافِكُمْ وَ أَنْتُمْ مُنْصَرِفُونَ وَ لَمْ تَكُونُوا فِی شَیْ ءٍ مِنْ أُمُورِكُمْ

ص: 75


1- خوله الشی ء: أعطاه إیاه متفضلا، أو ملكه إیاه.

مُكْرَهِینَ وَ لَا إِلَیْهِ مُضْطَرِّینَ لَعَلَّكَ ظَنَنْتَ أَنَّهُ قَضَاءٌ حَتْمٌ وَ قَدَرٌ لَازِمٌ وَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَ الْعِقَابُ وَ لَسَقَطَ الْوَعْدُ وَ الْوَعِیدُ وَ لَمَا أُلْزِمَتِ الْأَشْیَاءُ أَهْلَهَا عَلَی الْحَقَائِقِ ذَلِكَ مَقَالَةُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَ أَوْلِیَاءِ الشَّیَاطِینِ (1)إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ أَمَرَ تَخْیِیراً وَ نَهَی تَحْذِیراً وَ لَمْ یُطَعْ مُكْرِهاً وَ لَمْ یُعْصَ مَغْلُوباً وَ لَمْ یَخْلُقِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَیْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِینَ كَفَرُوا فَوَیْلٌ لِلَّذِینَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ فَقَامَ الشَّیْخُ فَقَبَّلَ رَأْسَ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام وَ أَنْشَأَ یَقُولُ:

أَنْتَ الْإِمَامُ الَّذِی نَرْجُو بِطَاعَتِهِ***یَوْمَ النَّجَاةِ مِنَ الرَّحْمَنِ غُفْرَاناً

أَوْضَحْتَ مِنْ دِینِنَا مَا كَانَ مُلْتَبِساً ***جَزَاكَ رَبُّكَ عَنَّا فِیهِ رِضْوَاناً

فَلَیْسَ مَعْذِرَةٌ فِی فِعْلِ فَاحِشَةٍ ***عِنْدِی لِرَاكِبِهَا ظُلْماً وَ عِصْیَاناً

.فقد دل قول أمیر المؤمنین علیه السلام علی موافقة الكتاب و نفی الجبر و التفویض اللذین یلزمان من دان بهما و تقلدهما الباطل و الكفر و تكذیب الكتاب و نعوذ باللّٰه من الضلالة و الكفر و لسنا ندین بجبر و لا تفویض لكنا نقول بمنزلة بین المنزلتین و هو الامتحان و الاختیار بالاستطاعة التی ملكنا اللّٰه و تعبدنا بها علی ما شهد به الكتاب و دان به الأئمة الأبرار من آل الرسول صلوات اللّٰه علیهم و مثل الاختبار بالاستطاعة مثل رجل ملك عبدا و ملك مالا كثیرا أحب أن یختبر عبده علی علم منه بما یئول إلیه فملكه من ماله بعض ما أحب و وقفه علی أمور عرفها العبد فأمره أن یصرف ذلك المال فیها و نهاه عن أسباب لم یحبها و تقدم إلیه أن یجتنبها و لا ینفق من ماله فیها و المال یتصرف فی أی الوجهین فصرف المال أحدهما فی اتباع أمر المولی و رضاه و الآخر صرفه فی اتباع نهیه و سخطه و أسكنه دار اختبار أعلمه أنه غیر دائم له السكنی فی الدار و أن له دارا غیرها و هو مخرجه إلیها فیها ثواب و عقاب دائمان فإن أنفذ العبد المال الذی ملكه مولاه فی الوجه الذی أمره به جعل له ذلك الثواب الدائم فی تلك الدار التی أعلمه أنه مخرجه إلیها و إن أنفق المال فی الوجه الذی نهاه عن إنفاقه فیه جعل له ذلك العقاب الدائم فی دار الخلود

ص: 76


1- فی المصدر: الشیطان. م.

و قد حد المولی فی ذلك حدا معروفا و هو المسكن الذی أسكنه فی الدار الأولی فإذا بلغ الحد استبدل المولی بالمال و بالعبد علی أنه لم یزل مالكا للمال و العبد فی الأوقات كلها إلا أنه وعد أن لا یسلبه ذلك المال ما كان فی تلك الدار الأولی إلا أن یستتم (1)سكناه فیها فوفی له لأن من صفات المولی العدل و الوفاء و النصفة و الحكمة أو لیس یجب إن كان ذلك العبد صرف ذلك المال فی الوجه المأمور به أن یفی له بما وعده من الثواب و تفضل علیه بأن استعمله فی دار فانیة و أثابه علی طاعته فیها نعیما دائما فی دار باقیة دائمة و إن صرف العبد المال الذی ملكه مولاه أیام سكناه تلك الدار الأولی فی الوجه المنهی عنه و خالف أمر مولاه كذلك یجب علیه العقوبة الدائمة التی حذره إیاها غیر ظالم له لما تقدم إلیه و أعلمه و عرفه و أوجب له الوفاء بوعده و وعیده بذلك یوصف القادر القاهر و أما المولی فهو اللّٰه جل و عز و أما العبد فهو ابن آدم المخلوق و المال قدرة اللّٰه الواسعة و محنته إظهار الحكمة و القدرة و الدار الفانیة هی الدنیا و بعض المال الذی ملكه مولاه هو الاستطاعة التی ملك ابن آدم و الأمور التی أمر اللّٰه بصرف المال إلیها هو الاستطاعة لاتباع الأنبیاء و الإقرار بما أوردوه عن اللّٰه جل و عز و اجتناب الأسباب التی نهی عنها هی طرق إبلیس و أما وعده فالنعیم الدائم و هی الجنة و أما الدار الفانیة فهی الدنیا و أما الدار فهی الدار الباقیة و هی الآخرة و القول بین الجبر و التفویض هو الاختبار و الامتحان و البلوی بالاستطاعة التی ملك العبد و شرحها فی خمسة الأمثال التی ذكرها الصادق علیه السلام أنها جمعت جوامع الفضل و أنا مفسرها بشواهد من القرآن و البیان إن شاء اللّٰه تفسیر صحة الخلقة أما قول الصادق علیه السلام فإن معناه كمال الخلق للإنسان بكمال (2)الحواس و ثبات العقل و التمییز و إطلاق اللسان بالنطق و ذلك قول اللّٰه وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِی آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ فِی الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّیِّباتِ وَ فَضَّلْناهُمْ عَلی كَثِیرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِیلًا

ص: 77


1- فی المصدر: الی ان یستتم. م.
2- فی المصدر: و كمال الحواس. م.

فقد أخبر عز و جل عن تفضیله بنی آدم علی سائر خلقه من البهائم و السباع و دواب البحر و الطیر و كل ذی حركة تدركه حواس بنی آدم بتمییز العقل و النطق و ذلك قوله لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِی أَحْسَنِ تَقْوِیمٍ و قوله یا أَیُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِیمِ الَّذِی خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِی أَیِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ و فی آیات كثیرة فأول نعمة اللّٰه علی الإنسان صحة عقله و تفضیله علی كثیر من خلقه بكمال العقل و تمییز البیان و ذلك أن كل ذی حركة علی بسیط الأرض هو قائم بنفسه بحواسه مستكمل فی ذاته ففضل بنی آدم بالنطق الذی لیس فی غیره من الخلق المدرك بالحواس فمن أجل النطق ملّك اللّٰه ابن آدم غیره من الخلق حتی صار آمرا ناهیا و غیره مسخّر له كما قال اللّٰه كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلی ما هَداكُمْ و قال وَ هُوَ الَّذِی سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِیًّا وَ تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْیَةً تَلْبَسُونَها و قال وَ الْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِیها دِفْ ءٌ وَ مَنافِعُ وَ مِنْها تَأْكُلُونَ وَ لَكُمْ فِیها جَمالٌ حِینَ تُرِیحُونَ وَ حِینَ تَسْرَحُونَ وَ تَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلی بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِیهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ فمن أجل ذلك دعا اللّٰه الإنسان إلی اتباع أمره و إلی طاعته بتفضیله إیاه باستواء الخلق و كمال النطق و المعرفة بعد أن ملّكهم استطاعة ما كان تعبدهم به بقوله فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَ اسْمَعُوا وَ أَطِیعُوا و قوله لا یُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها و قوله لا یُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها و فی آیات كثیرة فإذا سلب العبد حاسة من حواسه رفع العمل عنه بحاسته كقوله لَیْسَ عَلَی الْأَعْمی حَرَجٌ وَ لا عَلَی الْأَعْرَجِ حَرَجٌ الآیة فقد رفع عن كل من كان بهذه الصفة الجهاد و جمیع الأعمال التی لا یقوم إلا بها و كذلك أوجب علی ذی الیسار الحج و الزكاة لما ملكه من استطاعة ذلك و لم یوجب علی الفقیر الزكاة و الحج قوله تعالی وَ لِلَّهِ عَلَی النَّاسِ حِجُّ الْبَیْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَیْهِ سَبِیلًا و قوله فی الظهار وَ الَّذِینَ یُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ یَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِیرُ رَقَبَةٍ إلی قوله فَمَنْ لَمْ یَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّینَ مِسْكِیناً كل ذلك دلیل علی أن اللّٰه تبارك و تعالی لم یكلف عباده إلا ما ملكهم استطاعته بقوة العمل به و نهاهم عن مثل ذلك فهذه صحة الخلقة

ص: 78

و أما قوله تخلیة السرب فهو الذی لیس علیه رقیب یحظر علیه و یمنعه العمل بما أمره اللّٰه به و ذلك قوله فی من استضعف و حظر علیه العمل فلم یجد حیلة و لم یهتد سبیلا (1)مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ لا یَسْتَطِیعُونَ حِیلَةً وَ لا یَهْتَدُونَ سَبِیلًا فأخبر أن المستضعف لم یخل سربه و لیس علیه من القول شی ء إذا كان مطمئن القلب بالإیمان و أما المهلة فی الوقت فهو العمر الذی یمتع به الإنسان (2)من حد ما یجب علیه المعرفة إلی أجل الوقت و ذلك من وقت تمییزه و بلوغ الحلم إلی أن یأتیه أجله فمن مات علی طلب الحق و لم یدرك كماله فهو علی خیر و ذلك قوله وَ مَنْ یَخْرُجْ مِنْ بَیْتِهِ مُهاجِراً إِلَی اللَّهِ وَ رَسُولِهِ الآیة و إن كان لم یعمل بكمال شرائعه لعلة ما لم یمهله فی الوقت إلی استتمام أمره و قد حظر علی البالغ ما لم یحظر علی الطفل إذا لم یبلغ الحلم فی قوله تعالی وَ قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ یَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ الآیة فلم یجعل علیهن حرجا فی إبداء الزینة للطفل و كذلك لا تجری علیه الأحكام و أما قوله الزاد فمعناه الجدة و البلغة (3)التی سیتعین بها العبد علی ما أمره اللّٰه به و ذلك قوله ما عَلَی الْمُحْسِنِینَ مِنْ سَبِیلٍ الآیة أ لا تری أنه قبل عذر من لم یجد ما ینفق و ألزم الحجة كل من أمكنته البلغة و الراحلة للحج و الجهاد و أشباه ذلك كذلك قبل عذر الفقراء و أوجب لهم حقا فی مال الأغنیاء بقوله لِلْفُقَراءِ الَّذِینَ أُحْصِرُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ الآیة فأمر بإعفائهم و لم یكلفهم الإعداد لما لا یستطیعون و لا یملكون و أما قوله فی السبب المهیج فهو النیة التی هی داعیة الإنسان إلی جمیع الأفعال و حاستها القلب فمن فعل فعلا و كان بدین لم یعقد قلبه علی ذلك لم یقبل

ص: 79


1- فی المصدر: و لا یهتدی سبیلا كما قال اللّٰه تعالی «إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِینَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ لا یَسْتَطِیعُونَ حِیلَةً وَ لا یَهْتَدُونَ سَبِیلًا» م.
2- فی التحف المطبوع: یبلغ به الإنسان.
3- الجدة بكسر الجیم و فتح الدال المخففة كعدة: الغنی. البلغة بضم الباء و سكون اللام: ما یكفی من العیش.

اللّٰه منه عملا إلا بصدق النیة كذلك (1)أخبر عن المنافقین بقوله یَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَیْسَ فِی قُلُوبِهِمْ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما یَكْتُمُونَ ثم أنزل علی نبیه صلی اللّٰه علیه و آله توبیخا للمؤمنین یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ الآیة فإذا قال الرجل قولا و اعتقد فی قوله دعته النیة إلی تصدیق القول بإظهار الفعل و إذا لم یعتقد القول لم یتبین حقیقة و قد أجاز اللّٰه صدق النیة و إن كان الفعل غیر موافق لها لعلة مانع یمنع إظهار الفعل فی قوله إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِیمانِ و قوله لا یُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِی أَیْمانِكُمْ الآیة فدل القرآن و أخبار الرسول صلی اللّٰه علیه و آله أن القلب مالك لجمیع الحواس یصحح أفعالها و لا یبطل ما یصحح القلب شی ء فهذا شرح جمیع الخمسة الأمثال التی ذكرها الصادق علیه السلام أنها تجمع المنزلة بین المنزلتین و هما الجبر و التفویض فإذا اجتمع فی الإنسان كمال هذه الخمسة الأمثال وجب علیه العمل كملا لما أمر اللّٰه عز و جل به و رسوله و إذا نقص العبد منها خلة كان العمل عنه مطروحا بحسب ذلك فأما شواهد القرآن علی الاختبار و البلوی بالاستطاعة التی تجمع القول بین القولین فكثیرة و من ذلك قوله وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّی نَعْلَمَ الْمُجاهِدِینَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِینَ وَ نَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ و قال سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَیْثُ لا یَعْلَمُونَ و قال الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ یُتْرَكُوا أَنْ یَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا یُفْتَنُونَ و قال فی الفتن التی معناها الاختبار وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَیْمانَ الآیة و قال فی قصة قوم موسی فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِیُّ و قول موسی إِنْ هِیَ إِلَّا فِتْنَتُكَ أی اختبارك فهذه الآیات یقاس بعضها ببعض و یشهد بعضها لبعض و أما آیات البلوی بمعنی الاختبار قوله لِیَبْلُوَكُمْ فِی ما آتاكُمْ و قوله ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِیَبْتَلِیَكُمْ و قوله إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ و قوله خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَیاةَ لِیَبْلُوَكُمْ أَیُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا و قوله وَ إِذِ ابْتَلی إِبْراهِیمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ و قوله وَ لَوْ یَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَ لكِنْ لِیَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ و كل ما فی القرآن من بلوی هذه الآیات التی شرح أولها فهی اختبار و أمثالها فی القرآن كثیرة فهی إثبات الاختبار و البلوی إن اللّٰه جل و عز لم یخلق الخلق عبثا و لا أهملهم

ص: 80


1- فی المصدر: و لذلك. م.

سدی و لا أظهر حكمته لعبا بذلك أخبر فی قوله أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً فإن قال قائل فلم یعلم اللّٰه ما یكون من العباد حتی اختبرهم قلنا بلی قد علم ما یكون منهم قبل كونه و ذلك قوله وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ و إنما اختبرهم لیعلمهم عدله و لا یعذبهم إلا بحجة بعد الفعل و قد أخبر بقوله وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَیْنا رَسُولًا و قوله وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِینَ حَتَّی نَبْعَثَ رَسُولًا و قوله رُسُلًا مُبَشِّرِینَ وَ مُنْذِرِینَ فالاختبار من اللّٰه بالاستطاعة التی ملكها عبده و هو القول بین الجبر و التفویض بهذا نطق القرآن و جرت الأخبار عن الأئمة من آل الرسول فإن قالوا ما الحجة فی قول اللّٰه یُضِلُّ مَنْ یَشاءُ وَ یَهْدِی مَنْ یَشاءُ و ما أشبهها قیل مجاز هذه الآیات كلها علی معنیین أما أحدهما فإخبار عن قدرته أی إنه قادر علی هدایة من یشاء و ضلالة من یشاء و إذا أجبرهم بقدرته علی أحدهما لم یجب لهم ثواب و لا علیهم عقاب علی نحو ما شرحنا فی الكتاب و المعنی الآخر أن الهدایة منه تعریفه كقوله وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَیْناهُمْ أی عرفناهم فَاسْتَحَبُّوا الْعَمی عَلَی الْهُدی فلو جبرهم علی الهدی لم یقدروا أن یضلوا و لیس كلما وردت آیة مشتبهة كانت الآیة حجة علی محكم الآیات اللواتی أمرنا بالأخذ بها من ذلك قوله مِنْهُ آیاتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِینَ فِی قُلُوبِهِمْ زَیْغٌ فَیَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِیلِهِ الآیة و قال فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِینَ یَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَیَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أی أحكمه و أشرحه أُولئِكَ الَّذِینَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ وفقنا اللّٰه و إیاكم من القول و العمل لما یحب و یرضی و جنبنا و إیاكم معاصیه بمنه و فضله و الحمد لله كثیرا كما هو أهله و صلی اللّٰه علی محمد و آله الطیبین و حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِیلُ ظلم اللّٰه علی بناء التفعیل أی نسبه إلی الظلم قوله علیه السلام و من زعم أن اللّٰه یدفع عن أهل المعاصی العذاب أی عموما بحیث لا یعاقب أحدا منهم كما هو مقتضی الجبر فلا ینافی سقوط بعضها بالعفو أو الشفاعة قوله علیه السلام و لما لزمت

ص: 81

الأشیاء أی الخطایا و الذنوب و فی بعض النسخ الأسماء و هو أوفق بما روی عنه علیه السلام فی موضع آخر أی لا یصح إطلاق المؤمن و الكافر و الصالح و الطالح و أشباهها علی الحقیقة.

فذلكة اعلم أن الذی استفاض عن الأئمة علیهم السلام هو نفی الجبر و التفویض و إثبات الأمر بین الأمرین و قد اعترف به بعض المخالفین أیضا قال إمامهم الرازی حال هذه المسألة عجیبة فإن الناس كانوا مختلفین فیها أبدا بسبب أن ما یمكن الرجوع فیها إلیها متعارضة متدافعة فمعول الجبریة علی أنه لا بد لترجیح الفعل علی الترك من مرجح لیس من العبد و معول القدریة علی أن العبد لو لم یكن قادرا علی فعل لما حسن المدح و الذم و الأمر و النهی و هما مقدمتان بدیهیتان ثم من الأدلة العقلیة اعتماد الجبریة علی أن تفاصیل أحوال الأفعال غیر معلومة للعبد و اعتماد القدریة علی أن أفعال العباد واقعة علی وفق تصورهم و دواعیهم و هما متعارضتان و من الإلزامات الخطابیة أن القدرة علی الإیجاد صفة كمال لا یلیق بالعبد الذی هو منبع النقصان و أن أفعال العباد تكون سفها و عبثا فلا یلیق بالمتعالی عن النقصان و أما الدلائل السمعیة فالقرآن مملو بما یوهم بالأمرین و كذا الآثار فإن أمة من الأمم لم تكن خالیة من الفرقتین و كذا الأوضاع و الحكایات متدافعة من الجانبین حتی قیل إن وضع النرد علی الجبر و وضع الشطرنج علی القدر إلا أن مذهبنا أقوی بسبب أن القدح فی قولنا لا یترجح الممكن إلا بمرجح یوجب انسداد باب إثبات الصانع و نحن نقول الحق ما قال بعض أئمة الدین أنه لا جبر و لا تفویض و لكن أمر بین أمرین و ذلك أن مبنی المبادی القریبة لأفعال العبد علی قدرته و اختیاره و المبادی البعیدة علی عجزه و اضطراره فالإنسان مضطر فی صورة مختار كالقلم فی ید الكاتب و الوتد فی شق الحائط و فی كلام العقلاء قال الحائط للوتد لم تشقنی فقال سل من یدقنی انتهی.

و أما معنی الجبر فهو ما ذهبت إلیه الأشاعرة من أن اللّٰه تعالی أجری الأعمال علی أیدی العباد من غیر قدرة مؤثرة لهم فیها و عذبهم علیها.

ص: 82

و أما التفویض فهو ما ذهب إلیه المعتزلة من أنه تعالی أوجد العباد و أقدرهم علی تلك الأفعال و فوض إلیهم الاختیار فهم مستقلون بإیجادها علی وفق مشیتهم و قدرتهم و لیس لله فی أفعالهم صنع.

و أما الأمر بین الأمرین فالذی ظهر مما سبق من الأخبار هو أن لهدایاته و توفیقاته تعالی مدخلا فی أفعال العباد بحیث لا یصل إلی حد الإلجاء و الاضطرار كما أن سیدا أمر عبده بشی ء یقدر علی فعله و فهمه ذلك و وعده علی فعله شیئا من الثواب و علی تركه شیئا من العقاب فلو اكتفی من تكلیف عبده بذلك و لم یزد علیه مع علمه بأنه لا یفعل الفعل بمحض ذلك لم یكن ملوما عند العقلاء لو عاقبه علی تركه و لا یقول عاقل بأنه أجبره علی ترك الفعل و لو لم یكتف السید بذلك و زاد فی ألطافه و الوعد بإكرامه و الوعید علی تركه و أكد ذلك ببعث من یحثه علی الفعل و یرغبه فیه ثم فعل بقدرته و اختیاره ذلك الفعل فلا یقول عاقل بأنه جبره علی ذلك الفعل و أما فعل ذلك بالنسبة إلی جماعة و تركه بالنسبة إلی آخرین فیرجع إلی حسن اختیارهم و صفاء طویتهم أو سوء اختیارهم و قبح سریرتهم فالقول بهذا لا یوجب نسبة الظلم إلیه تعالی بأن یجبرهم علی المعاصی ثم یعذبهم علیها كما یلزم الأولین و لا عزله تعالی عن ملكه و استقلال العباد بحیث لا مدخل لله فی أفعالهم فیكونون شركاء لله فی تدبیر عالم الوجود كما یلزم الآخرین و قد مرت شواهد هذا المعنی فی الأخبار

وَ یُؤَیِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْكُلَیْنِیُّ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ أَجْبَرَ اللَّهُ الْعِبَادَ عَلَی الْمَعَاصِی قَالَ لَا فَقَالَ فَفَوَّضَ إِلَیْهِمُ الْأَمْرَ قَالَ لَا قَالَ فَمَا ذَا قَالَ لُطْفٌ مِنْ رَبِّكَ بَیْنَ ذَلِكَ (1).

و یظهر من (2)

ص: 83


1- أورده الكلینی فی باب الجبر و القدر من الكافی بإسناده عن محمّد بن یحیی، عن أحمد بن محمّد بن الحسن زعلان، عن أبی طالب القمّیّ، عن رجل، عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام.
2- و مرجع الخبرین فی مؤداهما واحد، و هو الذی یشاهده كل إنسان من نفسه عیانا و هو أنه مع قطع النظر عن سائر الأسباب من الموجبات و الموانع یملك اختیار الفعل أو الترك فله أن یفعل و له أن یترك، و أمّا كونه مالكا للاختیار فانما ملكه إیاه ربّه سبحانه كما فی الاخبار؛ و من أحسن الامثلة لذلك مثال المولی إذا ملك عبده ما یحتاج إلیه فی حیاته من مال یتصرف فیه و زوجة یأنس إلیها و دار یسكنها و أثاث و متاع فان قلنا أن هذا التملیك یبطل ملك المولی كان قولا بالتفویض، و إن قلنا أن ذلك لا یوجب للعبد ملكا و المولی باق علی مالكیته كما كان قولا بالجبر، و ان قلنا ان العبد یملك بذلك و المولی مالك لجمیع ما یملكه فی عین ملكه و أنّه من كمال ملك المولی كان قولا بالامر بین الامرین. ط.

بعض الأخبار أن المراد بالتفویض المنفی هو كون العبد مستقلا فی الفعل بحیث لا یقدر الرب تعالی علی صرفه عنه و الأمر بین الأمرین هو أنه جعلهم مختارین فی الفعل و الترك مع قدرته علی صرفهم عما یختارون و منهم من فسر الأمر بین الأمرین بأن الأسباب القریبة للفعل یرجع إلی قدرة العبد و الأسباب البعیدة كالآلات و الأسباب و الأعضاء و الجوارح و القوی إلی قدرة الرب تعالی فقد حصل الفعل بمجموع القدرتین و فیه أن التفویض بهذا المعنی لم یقل به أحد حتی یرد علیه و منهم من قال الأمر بین الأمرین هو كون بعض الأشیاء باختیار العبد و هی الأفعال التكلیفیة و كون بعضها بغیر اختیاره كالصحة و المرض و النوم و الیقظة و الذكر و النسیان و أشباه ذلك و یرد علیه ما أوردناه علی الوجه السابع و اللّٰه تعالی یعلم و حججه علیهم السلام و بسط القول فی تلك المسألة و إیراد الدلائل و البراهین علی ما هو الحق فیها و دفع الشكوك و الشبه عنها لا یناسب ما هو المقصود من هذا الكتاب و اللّٰه یهدی من یشاء إلی الحق و الصواب.

باب 3 القضاء و القدر و المشیة و الإرادة و سائر أسباب الفعل

باب 3 القضاء و القدر (1)و المشیة و الإرادة و سائر أسباب الفعل

الآیات؛

البقرة: «وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَ لكِنَّ اللَّهَ یَفْعَلُ ما یُرِیدُ»(253)

آل عمران: «وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا»(145)

الأنعام: «وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا»(107) (و قال تعالی): «وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ ما یَفْتَرُونَ»(137) (و قال تعالی): «سَیَقُولُ الَّذِینَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَ لا آباؤُنا وَ لا حَرَّمْنا مِنْ شَیْ ءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِینَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّی ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ* قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِینَ»(148-149)

ص: 84


1- مسألة القضاء و القدر من العقائد التی جاءت بها جمیع الأدیان، و لیست خاصّة بالمسلمین، و لكثرة استعمال هاتین اللفظتین ظنّ بعض الناس أن فیهما معنی الاكراه و الاجبار و لیس كما ظنّ، و سیوافیك الاخبار و الروایات و كلمات الاعلام فی ذلك فتعلم أنهما لا ینافیان الاختیار.

الأعراف: «قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِی نَفْعاً وَ لا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ»(187)

أنفال: «وَ لكِنْ لِیَقْضِیَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا»(42)

التوبة: «قُلْ لَنْ یُصِیبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَ عَلَی اللَّهِ فَلْیَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ»(51) (و قال تعالی): «فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ إِنَّما یُرِیدُ اللَّهُ لِیُعَذِّبَهُمْ بِها فِی الْحَیاةِ الدُّنْیا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كافِرُونَ»(55)

یونس: «وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِی الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِیعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّی یَكُونُوا مُؤْمِنِینَ* وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ یَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَی الَّذِینَ لا یَعْقِلُونَ»(99-100)

الأحزاب: «وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا»(37) (قال): «وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً»(38)

فاطر: «وَ ما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثی وَ لا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَ ما یُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا یُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِی كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَی اللَّهِ یَسِیرٌ»(11)

السجدة: «وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِیَ بَیْنَهُمْ»(45)

حمعسق: «وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ یُدْخِلُ مَنْ یَشاءُ فِی رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِیٍّ وَ لا نَصِیرٍ»(8) (و قال تعالی): «وَ لَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِیَ بَیْنَهُمْ»(21)

الزخرف: «وَ قالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا یَخْرُصُونَ»(20)

القمر: «إِنَّا كُلَّ شَیْ ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ»(49) (و قال): «وَ كُلُّ شَیْ ءٍ فَعَلُوهُ فِی الزُّبُرِ *وَ كُلُّ صَغِیرٍ وَ كَبِیرٍ مُسْتَطَرٌ»(52-53)

الحدید: «ما أَصابَ مِنْ مُصِیبَةٍ فِی الْأَرْضِ وَ لا فِی أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِی كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَی اللَّهِ یَسِیرٌ»(22)

الحشر: «ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِینَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلی أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ»(5)

التغابن: «ما أَصابَ مِنْ مُصِیبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ»(11)

الطلاق: «یَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَیْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلی كُلِّ شَیْ ءٍ قَدِیرٌ وَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَیْ ءٍ عِلْماً»(12)

ص: 85

المدثر: «كَذلِكَ یُضِلُّ اللَّهُ مَنْ یَشاءُ وَ یَهْدِی مَنْ یَشاءُ»(31) (و قال تعالی): «وَ ما یَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ یَشاءَ اللَّهُ»(56)

الدهر: «وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ یَشاءَ اللَّهُ»(30) (و قال تعالی): «یُدْخِلُ مَنْ یَشاءُ فِی رَحْمَتِهِ»(31)

كُوِّرَت: «وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ یَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِینَ»(29)

تفسیر: وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا أی لو شاء أن یجبرهم و یلجئهم علی ترك الاقتتال لفعل لكنه مناف للتكلیف فلذا وكلهم إلی اختیارهم فاقتتلوا و إذن اللّٰه أمره و تقدیره و قیل علمه من أذن بمعنی علم.

و قال الطبرسی فی قوله تعالی فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِینَ أی لو شاء لألجأكم إلی الإیمان و هذه المشیة تخالف المشیة المذكورة فی الآیة الأولی لأن اللّٰه سبحانه أثبت هذه و نفی تلك فالأولی مشیة الاختیار و الثانیة مشیة الإلجاء و قیل إن المراد به لو شاء لهداكم إلی نیل الثواب و دخول الجنة ابتداء من غیر تكلیف.

قوله تعالی قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِی نَفْعاً وَ لا ضَرًّا أی مطلقا لأن ما یتوقف علیه الفعل من الأسباب و الآلات إنما هو بقدرته تعالی و هو لا ینافی الاختیار أو فیما لیس باختیار العبد من دفع البلایا و جلب المنافع و یؤیده قوله تعالی بعد ذلك وَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَیْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَیْرِ وَ ما مَسَّنِیَ السُّوءُ قوله تعالی لِیَقْضِیَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا أی قدر اللّٰه التقاءكم مع المشركین فی بدر علی غیر میعاد منكم لیقضی أمرا كان كائنا لا محالة أو من شأنه أن یكون هو إعزاز الدین و أهله و إذلال الشرك و أهله و معنی لِیَقْضِیَ لیفعل أو لیظهر قضاؤه.

قوله تعالی فِی الزُّبُرِ أی فی الكتب التی كتبتها الحفظة أو فی اللوح المحفوظ و كل صغیر و كبیر مستطر أی و ما قدموه من أعمالهم من صغیر و كبیر مكتوب علیهم أو كل صغیر و كبیر من الأرزاق و الآجال و نحوها مكتوب فی اللوح.

قوله تعالی وَ ما یَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ یَشاءَ اللَّهُ أی إلا أن یشاء أن یجبرهم علی ذلك بقرینة قوله سابقا إِنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ و قیل إلا أن یشاء اللّٰه من حیث

ص: 86

أمر به و نهی عن تركه فكانت مشیته سابقة أی لا یذكرون إلا و اللّٰه قد شاء ذلك.

«1»-ب، قرب الإسناد ابْنُ طَرِیفٍ عَنِ ابْنِ عُلْوَانَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِیهِ قَالَ: قِیلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله یَا رَسُولَ اللَّهِ رُقًی (1)یُسْتَشْفَی بِهَا هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ فَقَالَ إِنَّهَا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ.

«2»-ل، الخصال الْخَلِیلُ بْنُ أَحْمَدَ السَّنْجَرِیُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَیْمَةَ عَنْ عَلِیِّ بْنِ حُجْرٍ عَنْ شَرِیكٍ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ (2)عَنْ رِبْعِیِّ بْنِ خِرَاشٍ (3)عَنْ عَلِیٍّ علیه السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله لَا یُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّی یُؤْمِنَ بِأَرْبَعَةٍ حَتَّی یَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِیكَ لَهُ وَ أَنِّی رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِی بِالْحَقِّ وَ حَتَّی یُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَ حَتَّی یُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ.

«3»-ل، الخصال أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْبُنْدَارُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُوحٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ عَنْ یَزِیدَ بْنِ زُرَیْعٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ نُمَیْرٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِی أُمَامَةَ (4)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله أَرْبَعَةٌ لَا یَنْظُرُ اللَّهُ إِلَیْهِمْ یَوْمَ الْقِیَامَةِ عَاقٌّ وَ مَنَّانٌ وَ مُكَذِّبٌ بِالْقَدَرِ وَ مُدْمِنُ خَمْرٍ.

«4»-ل، الخصال حَمْزَةُ الْعَلَوِیُّ عَنْ أَحْمَدَ الْهَمْدَانِیِّ عَنْ یَحْیَی بْنِ الْحَسَنِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ

ص: 87


1- جمع الرقیة بالضم: العوذة.
2- قال العلامة فی القسم الثانی من الخلاصة: منصور بن معتمر من أصحاب الباقر علیه السلام تبری انتهی. و قال ابن حجر فی تقریب التهذیب: منصور بن المعتمر بن عبد اللّٰه السلمی، أبو عتاب- بمثلثة ثقیلة ثمّ موحدة- الكوفیّ، ثقة، ثبت، و كان لا یدلس، من طبقة الأعمش، مات سنة 132.
3- ربعی بكسر الراء و سكون الباء، و العین المهملة، خراش بالخاء المعجمة المكسورة و الراء و السین المعجمة، ضبطه كذلك المیرزا فی هامس الوسیط، و حكی ذلك أیضا عن ابن داود، و ضبطه ابن حجر فی التقریب بكسر المهملة و آخره معجمة و قال: أبو مریم العبسی الكوفیّ ثقة، عابد، مخضرم، من الثانیة، مات سنة مائة، و قیل: غیر ذلك انتهی. أقول: و أرخ وفاته فی الوسیط و فی المحكی عن مختصر الذهبی سنة 101 و حكی عن البرقی و غیره أنّه و أخاه مسعود من خواص أمیر المؤمنین علیه السلام من مضر.
4- لعله صدی- بالتصغیر- ابن عجلان أبو امامة الباهلی الصحابیّ المشهور سكن الشام و مات بها سنة 86 و قیل 81.

مُحَمَّدِ بْنِ مَیْمُونٍ الْخَزَّازِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَیْمُونٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِیهِ عَنْ عَلِیِّ بْنِ الْحُسَیْنِ علیهما السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله سِتَّةٌ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَ كُلُّ نَبِیٍّ مُجَابٍ الزَّائِدُ فِی كِتَابِ اللَّهِ وَ الْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ وَ التَّارِكُ لِسُنَّتِی وَ الْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِی مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَ الْمُتَسَلِّطُ بِالْجَبَرُوتِ لِیُذِلَّ مَنْ أَعَزَّهُ اللَّهُ وَ یُعِزَّ مَنْ أَذَلَّهُ اللَّهُ وَ الْمُسْتَأْثِرُ بِفَیْ ءِ الْمُسْلِمِینَ الْمُسْتَحِلُّ لَهُ.

«5»-ل، الخصال ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِی الْقَاسِمِ الْكُوفِیِّ عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْأَنْصَارِیِّ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله إِنِّی لَعَنْتُ سَبْعَةً لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَ كُلُّ نَبِیٍّ مُجَابٍ قَبْلِی فَقِیلَ وَ مَنْ هُمْ یَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ الزَّائِدُ فِی كِتَابِ اللَّهِ وَ الْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ وَ الْمُخَالِفُ لِسُنَّتِی وَ الْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِی مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَ الْمُتَسَلِّطُ بِالْجَبْرِیَّةِ (1)لِیُعِزَّ مَنْ أَذَلَّ اللَّهُ وَ یُذِلَّ مَنْ أَعَزَّ اللَّهُ وَ الْمُسْتَأْثِرُ عَلَی الْمُسْلِمِینَ (2)بِفَیْئِهِمْ مُسْتَحِلًّا لَهُ وَ الْمُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ.

«6»-ل، الخصال مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَیْنِ الْخَثْعَمِیِّ عَنْ ثَابِتِ بْنِ عَامِرٍ السِّنْجَارِیِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْوَلِیدِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِیَادٍ عَنْ زَیْدِ بْنِ عَلِیٍّ عَنْ أَبِیهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِیٍّ علیه السلام قَالَ قَالَ النَّبِیُّ صلی اللّٰه علیه و آله سَبْعَةٌ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَ كُلُّ نَبِیٍّ مُجَابٍ الْمُغَیِّرُ لِكِتَابِ اللَّهِ وَ الْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ وَ الْمُبَدِّلُ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ وَ الْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِی مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ الْمُتَسَلِّطُ فِی سُلْطَانِهِ لِیُعِزَّ مَنْ أَذَلَّ اللَّهُ وَ یُذِلَّ مَنْ أَعَزَّ اللَّهُ وَ الْمُسْتَحِلُّ لِحُرُمِ اللَّهِ (3)وَ الْمُتَكَبِّرُ عِبَادَةَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.

«7»-ل، الخصال أَبِی عَنْ سَعْدٍ عَنْ إِبْرَاهِیمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِیِّ عَنْ زَكَرِیَّا بْنِ عِمْرَانَ عَنْ أَبِی الْحَسَنِ الْأَوَّلِ علیه السلام قَالَ: لَا یَكُونُ شَیْ ءٌ فِی السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا بِسَبْعَةٍ بِقَضَاءٍ وَ قَدَرٍ وَ إِرَادَةٍ وَ مَشِیَّةٍ وَ كِتَابٍ وَ أَجَلٍ وَ إِذْنٍ فَمَنْ قَالَ غَیْرَ هَذَا فَقَدْ كَذَبَ عَلَی اللَّهِ أَوْ رَدَّ عَلَی اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.

ص: 88


1- المتسلط بالجبریة أو بالجبروت أی بالقدرة و السلطة و العظمة.
2- استأثر بالشی ء علی الغیر أی استبد به و خص به نفسه.
3- الحرم بضم الحاء و الراء جمع الحرام: ضد الحلال.

«8»-فس، تفسیر القمی أَبِی عَنِ ابْنِ أَبِی عُمَیْرٍ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ (1)عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: إِنَّ مُوسَی علیه السلام سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ یَجْمَعَ بَیْنَهُ وَ بَیْنَ آدَمَ علیه السلام فَجَمَعَ فَقَالَ مُوسَی یَا أَبَتِ أَ لَمْ یَخْلُقْكَ اللَّهُ بِیَدِهِ وَ نَفَخَ فِیكَ مِنْ رُوحِهِ وَ أَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ وَ أَمَرَكَ أَنْ لَا تَأْكُلَ مِنَ الشَّجَرَةِ فَلِمَ عَصَیْتَهُ قَالَ یَا مُوسَی بِكَمْ وَجَدْتَ خَطِیئَتِی قَبْلَ خَلْقِی فِی التَّوْرَاةِ قَالَ بِثَلَاثِینَ سَنَةً (2)قَالَ فَهُوَ ذَلِكَ قَالَ الصَّادِقُ علیه السلام فَحَجَّ آدَمُ مُوسَی علیه السلام (3).

بیان: من أصحابنا من حمل هذا الخبر علی التقیة إذ قد ورد ذلك فی كتبهم بطرق كثیرة و قد رواه السید فی الطرائف من طرقهم و رده و یمكن أن یقال إن المراد أنه كتب فی التوراة أن اللّٰه وكل آدم إلی اختیاره حتی فعل ما فعل لمصلحة إهباطه إلی الدنیا و أما كونه قبل خلقه علیه السلام فلأن التوراة كتب فی الألواح السماویة فی ذلك الوقت و إن وجده موسی علیه السلام بعد بعثته و یحتمل اطلاع روح موسی علی ذلك قبل خلق جسد آدم و اللّٰه یعلم.

«9»-ع أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِیهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ یَعْقُوبَ عَنْ عُمَرَ بْنِ بِشْرٍ الْبَزَّازِ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِیٍّ الْبَاقِرُ علیهما السلام مَا یَسْتَطِیعُ أَهْلُ الْقَدَرِ أَنْ یَقُولُوا وَ اللَّهِ لَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ لِلدُّنْیَا وَ أَسْكَنَهُ الْجَنَّةَ لِیَعْصِیَهُ فَیَرُدَّهُ إِلَی مَا خَلَقَهُ لَهُ.

بیان: قوله لیعصیه أی عالما بأنه یخلیه مع اختیاره فیعصیه فیكون اللام لام العاقبة أی لیخلیه فیعصی بذلك مختارا و اللّٰه یعلم.

«10»-مع، معانی الأخبار أَبِی عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِیهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِیسَی عَنْ

ص: 89


1- قد عرفت سابقا عدم ثبوت روایة ابن مسكان عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام بلا واسطة ممّا ذكرنا عن النجاشیّ، فانه قال: إنّه روی عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام و لیس بثبت انتهی، و ممّا نقلنا عن الكشّیّ من أنّه لم یسمع عنه علیه السلام إلّا حدیث من أدرك المشعر فقد أدرك الحجّ، فعلی هذا فالروایة مرسلة.
2- فی المصدر: بثلاثین ألف سنة.
3- أی غلب آدم موسی بالحجة.

شُعَیْبٍ عَنْ أَبِی بَصِیرٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام شَاءَ وَ أَرَادَ وَ لَمْ یُحِبَّ وَ لَمْ یَرْضَ قُلْتُ كَیْفَ قَالَ شَاءَ أَنْ لَا یَكُونَ شَیْ ءٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَ أَرَادَ مِثْلَ ذَلِكَ وَ لَمْ یُحِبَّ أَنْ یُقَالَ لَهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَ لَمْ یَرْضَ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ (1).

«11»-عد، العقائد اعتقادنا فی الإرادة و المشیة قول الصادق علیه السلام شاء اللّٰه و أراد و لم یحب و لم یرض شاء أن لا یكون شی ء إلا بعلمه و أراد مثل ذلك و لم یحب أن یقال له ثالث ثلاثة و لم یرض لعباده الكفر و قال اللّٰه عز و جل إِنَّكَ لا تَهْدِی مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ یَهْدِی مَنْ یَشاءُ (2)و قال عز و جل وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ یَشاءَ اللَّهُ (3)و قال عز و جل وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِی الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِیعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّی یَكُونُوا مُؤْمِنِینَ (4)و قال عز و جل وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (5)كما قال وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا (6)كما قال یَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَیْ ءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِی بُیُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِینَ كُتِبَ عَلَیْهِمُ الْقَتْلُ إِلی مَضاجِعِهِمْ (7)و قال عز و جل وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ ما یَفْتَرُونَ (8)و قال عز و جل وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَ ما جَعَلْناكَ عَلَیْهِمْ حَفِیظاً (9)و قال عز و جل وَ لَوْ شِئْنا لَآتَیْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها (10)و قال عز و جل فَمَنْ یُرِدِ اللَّهُ أَنْ یَهْدِیَهُ یَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ یُرِدْ أَنْ یُضِلَّهُ یَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَیِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما یَصَّعَّدُ فِی السَّماءِ (11)و قال عز و جل یُرِیدُ اللَّهُ لِیُبَیِّنَ لَكُمْ وَ یَهْدِیَكُمْ سُنَنَ الَّذِینَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ یَتُوبَ عَلَیْكُمْ (12)و قال اللّٰه عز و جل یُرِیدُ اللَّهُ أَلَّا یَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِی الْآخِرَةِ (13)و قال عز و جل یُرِیدُ اللَّهُ

ص: 90


1- تقدم مسندا تحت رقم 11 و یأتی بسند آخر تحت رقم 34.
2- القصص: 56.
3- الدهر: 30.
4- یونس: 99.
5- یونس: 100.
6- آل عمران: 145.
7- آل عمران: 154.
8- الأنعام: 112.
9- الأنعام: 107.
10- الم السجدة: 13.
11- الأنعام: 125.
12- النساء: 26.
13- آل عمران: 176.

أَنْ یُخَفِّفَ عَنْكُمْ (1)و قال یُرِیدُ اللَّهُ بِكُمُ الْیُسْرَ وَ لا یُرِیدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (2)و قال عز و جل وَ اللَّهُ یُرِیدُ أَنْ یَتُوبَ عَلَیْكُمْ وَ یُرِیدُ الَّذِینَ یَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِیلُوا مَیْلًا عَظِیماً (3)و قال عز و جل وَ مَا اللَّهُ یُرِیدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (4)فهذا اعتقادنا فی الإرادة و المشیة و مخالفونا یشنعون علینا فی ذلك و یقولون إنا نقول إن اللّٰه عز و جل أراد المعاصی و أراد قتل الحسین علیه السلام و لیس هكذا نقول و لكنا نقول إن اللّٰه عز و جل أراد أن یكون معصیة العاصین خلاف طاعة المطیعین و أراد أن تكون المعاصی غیر منسوبة إلیه من جهة الفعل و أراد أن یكون موصوفا بالعلم بها قبل كونها و نقول أراد اللّٰه أن یكون قتل الحسین علیه السلام معصیة له خلاف الطاعة و نقول أراد أن یكون قتله منهیا عنه غیر مأمور به و نقول أراد اللّٰه أن یكون مستقبحا غیر مستحسن و نقول أراد اللّٰه عز و جل أن یكون قتله سخطا لله غیر رضاه و نقول أراد اللّٰه عز و جل أن لا یمنع من قتله بالجبر و القدرة كما منع منه بالنهی و نقول أراد اللّٰه أن لا یدفع القتل عنه كما دفع الحرق عن إبراهیم علیه السلام حین قال عز و جل للنار التی ألقی فیها یا نارُ كُونِی بَرْداً وَ سَلاماً عَلی إِبْراهِیمَ (5)و نقول لم یزل اللّٰه عالما بأن الحسین علیه السلام سیقتل و یدرك بقتله سعادة الأبد و یشقی قاتله شقاوة الأبد و نقول ما شاء اللّٰه كان و ما لم یشأ لم یكن هذا اعتقادنا فی الإرادة و المشیة دون ما نسب إلینا أهل الخلاف و المشنعون علینا من أهل الإلحاد أقول قال الشیخ المفید نور اللّٰه ضریحه الذی ذكره الشیخ أبو جعفر رحمه اللّٰه فی هذا الباب لا یتحصل و معانیه تختلف و تتناقض و السبب فی ذلك أنه عمل علی ظواهر الأحادیث المختلفة و لم یكن ممن یری النظر فیمیز بین الحق و الباطل و یعمل علی ما توجب الحجة و من عول فی مذهبه علی الأقاویل المختلفة و تقلید الرواة كانت حاله فی الضعف ما وصفناه و الحق فی ذلك أن اللّٰه تعالی لا یرید إلا ما حسن من الأفعال و لا

ص: 91


1- النساء: 27.
2- البقرة: 185.
3- النساء: 27.
4- النساء: 31.
5- الأنبیاء: 69.

یشاء إلا الجمیل من الأعمال و لا یرید القبائح و لا یشاء الفواحش تعالی اللّٰه عما یقول المبطلون علوا كبیرا قال اللّٰه تعالی وَ مَا اللَّهُ یُرِیدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ و قال یُرِیدُ اللَّهُ بِكُمُ الْیُسْرَ وَ لا یُرِیدُ بِكُمُ الْعُسْرَ و قال یُرِیدُ اللَّهُ لِیُبَیِّنَ لَكُمْ وَ یَهْدِیَكُمْ سُنَنَ الَّذِینَ مِنْ قَبْلِكُمْ الآیة وَ اللَّهُ یُرِیدُ أَنْ یَتُوبَ عَلَیْكُمْ وَ یُرِیدُ الَّذِینَ یَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِیلُوا مَیْلًا عَظِیماً یُرِیدُ اللَّهُ أَنْ یُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَ خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِیفاً فخبر سبحانه أنه لا یرید لعباده العسر بل یرید بهم الیسر و أنه یرید لهم البیان و لا یرید لهم الضلال و یرید التخفیف عنهم و لا یرید التثقیل علیهم فلو كان سبحانه مریدا لمعاصیهم لنا فی ذلك إرادة البیان لهم أو التخفیف عنهم و الیسر لهم فكتاب اللّٰه تعالی شاهد بضد ما ذهب إلیه الضالون المفترون علی اللّٰه الكذب تعالی اللّٰه عما یقول الظالمون علوا كبیرا.

فأما ما تعلقوا به من قوله تعالی فَمَنْ یُرِدِ اللَّهُ أَنْ یَهْدِیَهُ الآیة فلیس للمجبرة به تعلق و لا فیه حجة من قبل أن المعنی فیه من أراد اللّٰه تعالی أن ینعمه و یثیبه جزاء علی طاعته شرح صدره للإسلام بالألطاف التی یحبوه بها فییسر له بها استدامة أعمال الطاعات و الهدایة فی هذا الموضع هی التعظیم قال اللّٰه تعالی فیما خبر به عن أهل الجنة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی هَدانا لِهذا (1)الآیة أی نعمنا به و أثابنا إیاه و الضلال فی هذه الآیة هو العذاب قال اللّٰه تعالی إِنَّ الْمُجْرِمِینَ فِی ضَلالٍ وَ سُعُرٍ (2)فسمی العذاب ضلالا و النعیم هدایة و الأصل فی ذلك أن الضلال هو الهلاك و الهدایة هی النجاة.

قال اللّٰه تعالی حكایة عن العرب أَ إِذا ضَلَلْنا فِی الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِی خَلْقٍ جَدِیدٍ (3)یعنون إذا هلكنا فیها و كأن المعنی فی قوله فَمَنْ یُرِدِ اللَّهُ أَنْ یَهْدِیَهُ ما قدمناه وَ مَنْ یُرِدْ أَنْ یُضِلَّهُ ما وصفناه و المعنی فی قوله یَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَیِّقاً حَرَجاً یرید سلبه التوفیق عقوبة له علی عصیانه و منعه الألطاف جزاء له علی إساءته فشرح الصدر ثواب الطاعة بالتوفیق و تضییقه عقاب المعصیة بمنع التوفیق و لیس فی هذه الآیة علی ما بیناه شبه لأهل الخلاف فیما ادعوه من أن اللّٰه تعالی یضل عن الإیمان و یصد

ص: 92


1- الأعراف: 43.
2- القمر: 47.
3- الم السجدة: 10.

عن الإسلام و یرید الكفر و یشاء الضلال و أما قوله تعالی وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِی الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِیعاً فالمراد به الإخبار عن قدرته و أنه لو شاء أن یلجئهم إلی الإیمان و یحملهم علیه بالإكراه و الاضطرار لكان علی ذلك قادرا لكنه شاء تعالی منهم الإیمان علی الطوع و الاختیار و آخر الآیة یدل علی ما ذكرناه و هو قوله أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّی یَكُونُوا مُؤْمِنِینَ (1)یرید أن اللّٰه قادر علی إكراههم علی الإیمان لكنه لا یفعل ذلك و لو شاءه لتیسر علیه و كل ما یتعلقون به من أمثال هذه الآیة فالقول فیه ما ذكرناه أو نحوه علی ما بیناه و فرار المجبرة من إطلاق القول بأن اللّٰه یرید أن یعصی و یكفر به و یقتل أولیاؤه إلی القول بأنه یرید أن یكون ما علم كما علم و یرید أن یكون معاصیه قبائح منهیا عنها وقوع فیما هربوا منه و تورط فیما كرهوه (2)و ذلك أنه إذا كان ما علم من القبیح كما علم و كان تعالی مریدا لأن یكون ما علم من القبیح كما علم فقد أراد القبیح و أراد أن یكون قبیحا فما معنی فرارهم من شی ء إلی نفسه و هربهم من معنی إلی عینه فكیف یتم لهم ذلك مع أهل العقول و هل قولهم هذا إلا كقول إنسان أنا لا أسب زیدا لكنی أسب أبا عمرو و زید هو أبو عمرو و كقول الیهود إذ قالوا سخریة بأنفسهم نحن لا نكفر بمحمد صلی اللّٰه علیه و آله لكنا نكفر بأحمد فهذا رعونة (3)و جهل ممن صار إلیه.

«12»-ن، عیون أخبار الرضا علیه السلام أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِیمَ بْنِ بَكْرٍ الْخُورِیُّ عَنْ إِبْرَاهِیمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِیَادٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُوَیْبَارِیِّ عَنْ عَلِیِّ بْنِ مُوسَی الرِّضَا عَنْ أَبِیهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِیٍّ علیه السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَدَّرَ الْمَقَادِیرَ وَ دَبَّرَ التَّدَابِیرَ قَبْلَ أَنْ یَخْلُقَ آدَمَ بِأَلْفَیْ عَامٍ.

ن، عیون أخبار الرضا علیه السلام بالأسانید الثلاثة عنه علیه السلام مثله- صح، صحیفة الرضا علیه السلام عنه علیه السلام مثله.

«13»-فس، تفسیر القمی أَبِی عَنِ النَّوْفَلِیِّ عَنِ السَّكُونِیِّ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِیهِ ص

ص: 93


1- قد أشرنا قبیل ذلك إلی موضع الآیة و إلی مواضع سائر الآیات.
2- تورط الرجل: وقع فی الورطة أو فی أمر مشكل.
3- الرعونة: الحمق و الهوج فی الكلام.

قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله سَبَقَ الْعِلْمُ وَ جَفَّ الْقَلَمُ وَ مَضَی الْقَضَاءُ وَ تَمَّ الْقَدَرُ بِتَحْقِیقِ الْكِتَابِ وَ تَصْدِیقِ الرُّسُلِ وَ بِالسَّعَادَةِ مِنَ اللَّهِ لِمَنْ آمَنَ وَ اتَّقَی وَ بِالشَّقاءِ لِمَنْ كَذَّبَ وَ كَفَرَ وَ بِالْوَلَایَةِ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِینَ وَ بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُ لِلْمُشْرِكِینَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله إِنَّ اللَّهَ یَقُولُ یَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِیَّتِی كُنْتَ أَنْتَ الَّذِی تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ وَ بِإِرَادَتِی كُنْتَ أَنْتَ الَّذِی تُرِیدُ لِنَفْسِكَ مَا تُرِیدُ وَ بِفَضْلِ نِعْمَتِی عَلَیْكَ قَوِیتَ عَلَی مَعْصِیَتِی وَ بِقُوَّتِی وَ عِصْمَتِی وَ عَافِیَتِی أَدَّیْتَ إِلَیَّ فَرَائِضِی وَ أَنَا أَوْلَی بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ وَ أَنْتَ أَوْلَی بِذَنْبِكَ مِنِّی الْخَیْرُ مِنِّی إِلَیْكَ [وَاصِلٌ بِمَا أَوْلَیْتُكَ بِهِ (1)وَ الشَّرُّ مِنِّی إِلَیْكَ بِمَا جَنَیْتَ جَزَاءٌ وَ بِكَثِیرٍ مِنْ تَسَلُّطِی لَكَ انْطَوَیْتَ عَنْ طَاعَتِی وَ بِسُوءِ ظَنِّكَ بِی قَنَطْتَ مِنْ رَحْمَتِی فَلِیَ الْحَمْدُ وَ الْحُجَّةُ عَلَیْكَ بِالْبَیَانِ وَ لِیَ السَّبِیلُ عَلَیْكَ بِالْعِصْیَانِ وَ لَكَ الْجَزَاءُ الْحَسَنُ عِنْدِی بِالْإِحْسَانِ لَمْ أَدَعْ تَحْذِیرَكَ بِی وَ لَمْ آخُذْكَ عِنْدَ عِزَّتِكَ وَ هُوَ قَوْلُهُ وَ لَوْ یُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلی ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ لَمْ أُكَلِّفْكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ وَ لَمْ أَحْمِلْكَ مِنَ الْأَمَانَةِ إِلَّا مَا أَقْرَرْتَ بِهَا عَلَی نَفْسِكَ وَ رَضِیْتُ لِنَفْسِی مِنْكَ مَا رَضِیتُ بِهِ لِنَفْسِكَ مِنِّی.

«14»-ید، التوحید أَبِی وَ ابْنُ الْوَلِیدِ مَعاً عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ وَ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِیسَ مَعاً عَنِ الْأَشْعَرِیِّ عَنِ ابْنِ یَزِیدَ عَنْ عَلِیِّ بْنِ حَسَّانَ عَنِ السَّكُونِیِّ عَنْ ثَوْرِ بْنِ یَزِیدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعْدَانَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنِ النَّبِیِّ صلی اللّٰه علیه و آله مِثْلَهُ.

بیان: قوله صلی اللّٰه علیه و آله بتحقیق الكتاب أی جنس الكتاب فالمراد كل كتاب منزل أو القرآن أو اللوح قوله تعالی بمشیتی كنت أنت الذی تشاء أی شئت أن أجعلك شائیا مختارا و أردت أن أجعلك مریدا فجعلتك كذلك و فی ید الخیر منی بما أولیت بدءا فیمكن أن یقرأ أولیت علی صیغة الخطاب و التكلم.

قوله تعالی و بكثیر من تسلطی لك أی من التسلط الذی جعلت لك علی الخلق و علی الأمور و انطوی عن الشی ء أی هاجره و جانبه و فی التوحید مكان تلك الفقرة و بإحسانی إلیك قویت علی طاعتی.

ص: 94


1- فی المصدر: الخیر منی إلیك واصل بما اولیتك.

قوله تعالی و لم آخذك عند عزتك أی لم أعذبك عند غفلتك بل وعظتك و نبهتك و حذرتك و قوله و هو قوله إلی قوله من دابة لیس فی التوحید و لا یبعد كونه كلام علی بن إبراهیم.

«15»-فس، تفسیر القمی وَ الَّذِی قَدَّرَ فَهَدی قَالَ قَدَّرَ الْأَشْیَاءَ فِی التَّقْدِیرِ الْأَوَّلِ ثُمَّ هَدَی إِلَیْهَا مَنْ یَشَاءُ.

«16»-ج، الإحتجاج رُوِیَ أَنَّهُ سُئِلَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام عَنِ الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ فَقَالَ لَا تَقُولُوا وَكَلَهُمُ اللَّهُ إِلَی أَنْفُسِهِمْ فَتُوَهِّنُوهُ وَ لَا تَقُولُوا جَبَرَهُمْ (1)عَلَی الْمَعَاصِی فَتُظَلِّمُوهُ وَ لَكِنْ قُولُوا الْخَیْرُ بِتَوْفِیقِ اللَّهِ وَ الشَّرُّ بِخِذْلَانِ اللَّهِ وَ كُلٌّ سَابِقٌ فِی عِلْمِ اللَّهِ.

«17»-قَالَ الرِّضَا علیه السلام ثَمَانِیَةُ أَشْیَاءَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَ قَدَرِهِ النَّوْمُ وَ الْیَقَظَةُ وَ الْقُوَّةُ وَ الضَّعْفُ وَ الصِّحَّةُ وَ الْمَرَضُ وَ الْمَوْتُ وَ الْحَیَاةُ (2).

«18»-وَ قَالَ النَّبِیُّ صلی اللّٰه علیه و آله یَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَنْ لَمْ یَرْضَ بِقَضَائِی وَ لَمْ یَشْكُرْ لِنَعْمَائِی وَ لَمْ یَصْبِرْ عَلَی بَلَائِی فَلْیَتَّخِذْ رَبّاً سِوَائِی (3).

«19»-ج، الإحتجاج رُوِیَ عَنْ عَلِیِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِیِّ علیهما السلام فِی رِسَالَتِهِ إِلَی أَهْلِ الْأَهْوَازِ فِی نَفْیِ الْجَبْرِ وَ التَّفْوِیضِ أَنَّهُ قَالَ رُوِیَ عَنْ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الشَّامِ فَقَالَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ أَخْبِرْنَا عَنْ خُرُوجِنَا إِلَی الشَّامِ أَ بِقَضَاءٍ وَ قَدَرٍ فَقَالَ لَهُ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ نَعَمْ یَا شَیْخُ مَا عَلَوْتُمْ تَلْعَةً وَ لَا هَبَطْتُمْ بَطْنَ وَادٍ إِلَّا بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَ قَدَرِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ عِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ عَنَائِی وَ اللَّهِ مَا أَرَی لِی مِنَ الْأَجْرِ شَیْئاً فَقَالَ عَلِیٌّ علیه السلام بَلَی فَقَدْ عَظَّمَ اللَّهُ لَكُمُ الْأَجْرَ فِی مَسِیرِكُمْ وَ أَنْتُمْ ذَاهِبُونَ وَ عَلَی مُنْصَرَفِكُمْ وَ أَنْتُمْ مُنْقَلِبُونَ وَ لَمْ تَكُونُوا فِی شَیْ ءٍ مِنْ حَالاتِكُمْ مُكْرَهِینَ (4)فَقَالَ الرَّجُلُ وَ كَیْفَ لَا نَكُونُ مُضْطَرِّینَ وَ الْقَضَاءُ وَ الْقَدْرُ سَاقَانَا وَ عَنْهُمَا كَانَ مَسِیرُنَا فَقَالَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ

ص: 95


1- فی المصدر: اجبرهم. م.
2- لم نجده فی الاحتجاج. م.
3- لم نجده أیضا فیه. م.
4- فی المصدر: من حالاتكم مكرهین و لا إلیه مضطرین. م.

علیه السلام لَعَلَّكَ أَرَدْتَ قَضَاءً لَازِماً وَ قَدَراً حَتْماً لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَ الْعِقَابُ وَ سَقَطَ الْوَعْدُ وَ الْوَعِیدُ وَ الْأَمْرُ مِنَ اللَّهِ وَ النَّهْیُ وَ مَا كَانَتْ تَأْتِی مِنَ اللَّهِ لَائِمَةٌ لِمُذْنِبٍ وَ لَا مَحْمَدَةٌ لِمُحْسِنٍ وَ لَا كَانَ الْمُحْسِنُ أَوْلَی بِثَوَابِ الْإِحْسَانِ مِنَ الْمُذْنِبِ وَ لَا الْمُذْنِبُ أَوْلَی بِعُقُوبَةِ الذَّنْبِ مِنَ الْمُحْسِنِ تِلْكَ مَقَالَةُ إِخْوَانِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَ جُنُودِ الشَّیْطَانِ وَ خُصَمَاءِ الرَّحْمَنِ وَ شُهَدَاءِ الزُّورِ وَ الْبُهْتَانِ وَ أَهْلِ الْعَمَی (1)وَ الطُّغْیَانِ هُمْ قَدَرِیَّةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ مَجُوسِهَا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَی أَمَرَ تَخْیِیراً وَ نَهَی تَحْذِیراً وَ كَلَّفَ یَسِیراً وَ لَمْ یُعْصَ مَغْلُوباً وَ لَمْ یُطَعْ مُكْرِهاً وَ لَمْ یُرْسِلِ الرُّسُلَ هَزْلًا وَ لَمْ یُنْزِلِ الْقُرْآنَ عَبَثاً وَ لَمْ یَخْلُقِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَیْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِینَ كَفَرُوا فَوَیْلٌ لِلَّذِینَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ قَالَ ثُمَّ تَلَا عَلَیْهِمْ وَ قَضی رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِیَّاهُ قَالَ فَنَهَضَ الرَّجُلُ مَسْرُوراً وَ هُوَ یَقُولُ

أَنْتَ الْإِمَامُ الَّذِی نَرْجُو بِطَاعَتِهِ***یَوْمَ النُّشُورِ مِنَ الرَّحْمَنِ رِضْوَاناً

وَ سَاقَ الْأَبْیَاتَ إِلَی قَوْلِهِ

أَنَّی یُحِبُّ وَ قَدْ صَحَّتْ عَزِیمَتُهُ ***عَلَی الَّذِی قَالَ أَعْلِنْ ذَاكَ إِعْلَاناً

.20- وَ رُوِیَ أَنَّ الرَّجُلَ قَالَ فَمَا الْقَضَاءُ وَ الْقَدَرُ الَّذِی ذَكَرْتَهُ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ قَالَ الْأَمْرُ بِالطَّاعَةِ وَ النَّهْیُ عَنِ الْمَعْصِیَةِ وَ التَّمْكِینُ مِنْ فِعْلِ الْحَسَنَةِ وَ تَرْكِ الْمَعْصِیَةِ وَ الْمَعُونَةُ عَلَی الْقُرْبَةِ إِلَیْهِ وَ الْخِذْلَانُ لِمَنْ عَصَاهُ وَ الْوَعْدُ وَ الْوَعِیدُ وَ التَّرْغِیبُ وَ التَّرْهِیبُ كُلُّ ذَلِكَ قَضَاءُ اللَّهِ فِی أَفْعَالِنَا وَ قَدَرُهُ لِأَعْمَالِنَا أَمَّا غَیْرُ ذَلِكَ فَلَا تَظُنَّهُ فَإِنَّ الظَّنَّ لَهُ مُحْبِطٌ لِلْأَعْمَالِ فَقَالَ الرَّجُلُ فَرَّجْتَ عَنِّی یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ.

«21»-فَوَائِدُ الْكَرَاجُكِیِّ، عَنِ الْمُفِیدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْحَافِظِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَلَوِیِّ عَنْ أَبِی جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِیٍّ عَنْ سُلَیْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِیِّ عَنِ السَّكُونِیِّ عَنِ الصَّادِقِ علیه السلام عَنْ أَبِیهِ عَنْ جَدِّهِ علیه السلام قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَی أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام فَقَالَ أَخْبِرْنَا عَنْ خُرُوجِنَا إِلَی أَهْلِ الشَّامِ إِلَی آخِرِ الْخَبَرَیْنِ.

ص: 96


1- فی المصدر: و أهل الغی. م.

«22»-عد، العقائد اعْتِقَادُنَا فِی الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ قَوْلُ الصَّادِقِ علیه السلام لِزُرَارَةَ حِینَ سَأَلَهُ فَقَالَ مَا تَقُولُ فِی الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ قَالَ أَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إِذَا جَمَعَ الْعِبَادَ یَوْمَ الْقِیَامَةِ سَأَلَهُمْ عَمَّا عَهِدَ إِلَیْهِمْ وَ لَمْ یَسْأَلْهُمْ عَمَّا قَضَی عَلَیْهِمْ (1)وَ الْكَلَامُ فِی الْقَدَرِ مَنْهِیٌّ عَنْهُ كَمَا قَالَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام لِرَجُلٍ قَدْ سَأَلَهُ عَنِ الْقَدَرِ فَقَالَ بَحْرٌ عَمِیقٌ فَلَا تَلِجْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ ثَانِیَةً فَقَالَ طَرِیقٌ مُظْلِمٌ فَلَا تَسْلُكْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ ثَالِثَةً فَقَالَ سِرُّ اللَّهِ فَلَا تَتَكَلَّفْهُ(2).

«23»-وَ قَالَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام فِی الْقَدَرِ أَلَا إِنَّ الْقَدَرَ سِرٌّ مِنَ سِرِّ اللَّهِ (3)وَ حِرْزٌ مِنْ حِرْزِ اللَّهِ مَرْفُوعٌ فِی حِجَابِ اللَّهِ مَطْوِیٌّ عَنْ خَلْقِ اللَّهِ مَخْتُومٌ بِخَاتَمِ اللَّهِ سَابِقٌ فِی عِلْمِ اللَّهِ وَضَعَ اللَّهُ عَنِ الْعِبَادِ عِلْمَهُ وَ رَفَعَهُ فَوْقَ شَهَادَاتِهِمْ (4)لِأَنَّهُمْ لَا یَنَالُونَهُ بِحَقِیقَةِ الرَّبَّانِیَّةِ وَ لَا بِقُدْرَةِ الصَّمَدَانِیَّةِ وَ لَا بِعَظَمَةِ النُّورَانِیَّةِ وَ لَا بِعِزَّةِ الْوَحْدَانِیَّةِ لِأَنَّهُ بَحْرٌ زَاخِرٌ مَوَّاجٌ خَالِصٌ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عُمْقُهُ مَا بَیْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ عَرْضُهُ مَا بَیْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ أَسْوَدُ كَاللَّیْلِ الدَّامِسِ كَثِیرُ الْحَیَّاتِ وَ الْحِیتَانِ تَعْلُو مَرَّةً وَ تَسْفُلُ أُخْرَی فِی قَعْرِهِ شَمْسٌ تُضِی ءُ لَا یَنْبَغِی أَنْ یَطَّلِعَ عَلَیْهَا إِلَّا الْوَاحِدُ الْفَرْدُ فَمَنْ تَطَلَّعَ عَلَیْهَا فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِی حُكْمِهِ وَ نَازَعَهُ فِی سُلْطَانِهِ وَ كَشَفَ عَنْ سِرِّهِ وَ سِتْرِهِ وَ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِیرُ (5)

«24»-وَ رُوِیَ أَنَّ أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام عَدَلَ مِنْ عِنْدِ حَائِطٍ مَائِلٍ إِلَی مَكَانٍ آخَرَ فَقِیلَ لَهُ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ تَفِرُّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ فَقَالَ علیه السلام أَفِرُّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ إِلَی قَدَرِ اللَّهِ (6)وَ سُئِلَ

ص: 97


1- سیأتی الحدیث مسندا تحت رقم 38 و تقدم مرسلا عن زرارة فی الباب السابق تحت رقم 111 نحوه.
2- سیأتی مسندا تحت رقم 35.
3- فی المصدر: سر من سر اللّٰه و ستر من ستر اللّٰه. م.
4- فی المصدر: و رفعه فوق شهاداتهم و مبلغ عقولهم. م.
5- أورده مسندا فی ص 392 من التوحید، و السند هكذا: محمّد بن موسی المتوكل، عن السعدآبادی، عن البرقی، عن أبیه، عن محمّد بن سنان، عن زیاد بن المنذر، عن ابن طریف، عن الأصبغ، عن أمیر المؤمنین علیه السلام. فلیراجعه.
6- انظر الحدیث مسندا تحت رقم 41.

الصَّادِقُ علیه السلام عَنِ الرُّقَی هَلْ تَدْفَعُ مِنَ الْقَدَرِ شَیْئاً فَقَالَ هِیَ مِنَ الْقَدَرِ (1).

أقول: قال الشیخ المفید رحمه اللّٰه فی شرح هذا الكلام عمل أبو جعفر فی هذا الباب علی أحادیث شواذّ لها وجوه تعرفها العلماء متی صحّت و ثبت أسنادها و لم یقل فیه قولا محصلا و قد كان ینبغی له لما لم یعرف للقضاء معنی أن یهمل الكلام فیه و القضاء معروف فی اللغة و علیه شواهد من القرآن فالقضاء علی أربعة أضراب أحدها الخلق و الثانی الأمر و الثالث الإعلام و الرابع القضاء بالحكم فأما شاهد الأول فقوله تعالی فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ (2)و أما الثانی فقوله تعالی وَ قَضی رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِیَّاهُ (3)و أما الثالث فقوله تعالی وَ قَضَیْنا إِلی بَنِی إِسْرائِیلَ (4)و أما الرابع فقوله وَ اللَّهُ یَقْضِی بِالْحَقِّ (5)یعنی یفصل بالحكم بالحق بین الخلق (6)و قوله وَ قُضِیَ بَیْنَهُمْ بِالْحَقِّ و قد قیل إن للقضاء معنی خامسا و هو الفراغ من الأمر و استشهد علی ذلك بقول یوسف علیه السلام قُضِیَ الْأَمْرُ الَّذِی فِیهِ تَسْتَفْتِیانِ (7)یعنی فرغ منه و هذا یرجع إلی معنی الخلق.

و إذا ثبت ما ذكرناه فی أوجه القضاء بطل قول المجبرة أن اللّٰه تعالی قضی بالمعصیة علی خلقه لأنه لا یخلو إما أن یكونوا یریدون به أن اللّٰه خلق العصیان فی خلقه فكان یجب أن یقولوا قضی فی خلقه بالعصیان و لا یقولوا قضی علیهم لأن الخلق فیهم لا علیهم مع أن اللّٰه تعالی قد أكذب من زعم أنه خلق المعاصی بقوله سبحانه الَّذِی

ص: 98


1- تقدم الحدیث مسندا تحت رقم 1 عن كتاب قرب الإسناد، و أورده الصدوق فی ص 390 من التوحید بإسناد آخر و هو هكذا: الدقاق، عن محمّد بن أبی عبد اللّٰه الكوفیّ، عن موسی بن عمران النخعیّ، عن عمه الحسین بن یزید النوفلیّ، عن علیّ بن سالم، عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام قال: سألته عن الرقی أ تدفع من القدر شیئا؟ فقال: هی من القدر، و قال علیه السلام: إن القدریة مجوس هذه الأمة، و هم الذین أرادوا أن یصفوا اللّٰه بعدله فأخرجوه من سلطانه، و فیهم نزلت هذه الآیة: «یَوْمَ یُسْحَبُونَ فِی النَّارِ عَلی وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَیْ ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ»
2- حم السجدة: 12.
3- اسری: 23.
4- اسری: 4.
5- المؤمن: 10.
6- الزمر: 69.
7- یوسف: 41.

أَحْسَنَ كُلَّ شَیْ ءٍ خَلَقَهُ (1)كما مر و لا وجه لقولهم قضی المعاصی علی معنی أمر بها لأنه تعالی قد أكذب مدعی ذلك بقوله تعالی إِنَّ اللَّهَ لا یَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَی اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (2)و لا معنی لقول من زعم أنه قضی بالمعاصی علی معنی أنه أعلم الخلق بها إذ كان الخلق لا یعلمون أنهم فی المستقبل یطیعون أو یعصون و لا یحیطون علما بما یكون منهم فی المستقبل علی التفضیل و لا وجه لقولهم إنه قضی بالذنوب علی معنی أنه حكم بها بین العباد لأن أحكام اللّٰه تعالی حق و المعاصی منهم و لا لذلك فائدة و هو لغو باتفاق فبطل قول من زعم أن اللّٰه تعالی یقضی بالمعاصی و القبائح.

و الوجه عندنا فی القضاء و القدر بعد الذی بیناه أن لله تعالی فی خلقه قضاء و قدرا فی أفعالهم أیضا قضاء و قدرا معلوما و یكون المراد بذلك أنه قد قضی فی أفعالهم الحسنة بالأمر بها و فی أفعالهم القبیحة بالنهی عنها و فی أنفسهم بالخلق لها و فیما فعله فیهم بالإیجاد له و القدر منه سبحانه فیما فعله إیقاعه فی حقه و موضعه و فی أفعال عباده ما قضاه فیها من الأمر و النهی و الثواب و العقاب لأن ذلك كله واقع موقعه و موضوع فی مكانه لم یقع عبثا و لم یصنع باطلا.

فإذا فسر القضاء فی أفعال اللّٰه تعالی و القدر بما شرحناه زالت الشبهة منه و ثبتت الحجة به و وضح القول فیه لذوی العقول و لم یلحقه فساد و لا اختلال.

فأما الأخبار التی رواها فی النهی عن الكلام فی القضاء و القدر فهی تحتمل وجهین أحدهما أن یكون النهی خاصا بقوم كان كلامهم فی ذلك یفسدهم و یضلهم عن الدین و لا یصلحهم إلا الإمساك عنه و ترك الخوض فیه و لم یكن النهی عنه عاما لكافة المكلفین و قد یصلح بعض الناس بشی ء یفسد به آخرون و یفسد بعضهم بشی ء یصلح به آخرون فدبر الأئمة علیهم السلام أشیاعهم فی الدین بحسب ما علموه من مصالحهم فیه.

و الوجه الآخر أن یكون النهی عن الكلام فیهما النهی عن الكلام فیما خلق اللّٰه تعالی و عن علله و أسبابه و عما أمر به و تعبد و عن القول فی علل ذلك إذ كان طلب علل الخلق و الأمر محظورا لأن اللّٰه تعالی سترها من أكثر خلقه أ لا تری أنه لا یجوز لأحد

ص: 99


1- الم السجدة: 7.
2- الأعراف: 28.

أن یطلب لخلقه جمیع ما خلق عللا مفصّلات فیقول لم خلق كذا و كذا حتی یعدّ المخلوقات كلها و یحصیها و لا یجوز أن یقول لم أمر بكذا و تعبد بكذا و نهی عن كذا إذ تعبّده بذلك و أمره لما هو أعلم به من مصالح الخلق و لم یطلع أحدا من خلقه علی تفصیل ما خلق و أمر به و تعبد و إن كان قد أعلم فی الجملة أنه لم یخلق الخلق عبثا و إنما خلقهم للحكمة و المصلحة و دل علی ذلك بالعقل و السمع فقال سبحانه وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَیْنَهُما لاعِبِینَ (1)و قال أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً (2)و قال إِنَّا كُلَّ شَیْ ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (3)یعنی بحق و وضعناه فی موضعه و قال وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِیَعْبُدُونِ (4)و قال فیما تعبد لَنْ یَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ یَنالُهُ التَّقْوی مِنْكُمْ (5)و قد یصح أن یكون تعالی خلق حیوانا بعینه لعلمه تعالی بأنه یؤمن عند خلقه كفار أو یتوب عند ذلك فساق أو ینفع به مؤمنون أو یتعظ به ظالمون أو ینتفع المخلوق نفسه بذلك أو یكون عبرة لواحد فی الأرض أو فی السماء و ذلك یغیب عنا و إن قطعنا فی الجملة أن جمیع ما صنع اللّٰه تعالی إنما صنعه لأغراض حكمیة و لم یصنعه عبثا و كذلك یجوز أن یكون تعبدنا بالصلاة لأنها تقربنا من طاعته و تبعدنا عن معصیته و تكون العبادة بها لطفا لكافة المتعبدین بها أو لبعضهم.

فلما خفیت هذه الوجوه و كانت مستورة عنا و لم یقع دلیل علی التفصیل فیها و إن كان العلم بأنها حكمة فی الجملة كان النهی عن الكلام فی معنی القضاء و القدر إنما هو عن طلب علل لها مفصلة فلم یكن نهیا عن الكلام فی معنی القضاء و القدر.

هذا إن سلمت الأخبار التی رواها أبو جعفر رحمه اللّٰه فإما إن بطلت أو اختل سندها فقد سقط عنا عهدة الكلام فیها و الحدیث الذی رواه عن زرارة حدیث صحیح من بین ما روی و المعنی فیه ظاهر لیس به علی العقلاء خفاء و هو مؤید للقول بالعدل

ص: 100


1- الأنبیاء: 16.
2- المؤمنون: 115.
3- القمر: 49.
4- الذاریات: 56.
5- الحجّ: 37.

أ لا تری إلی مَا رَوَاهُ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام مِنْ قَوْلِهِ إِذَا حَشَرَ اللَّهُ تَعَالَی الْخَلَائِقَ سَأَلَهُمْ عَمَّا عَهِدَ إِلَیْهِمْ وَ لَمْ یَسْأَلْهُمْ عَمَّا قَضَی عَلَیْهِمْ (1).

و قد نطق القرآن بأن الخلق مسئولون عن أعمالهم انتهی كلامه رحمه اللّٰه.

و أقول من تفكر فی الشبه الواردة علی اختیار العباد و فروع مسألة الجبر و الاختیار و القضاء و القدر علم سر نهی المعصوم عن التفكر فیها فإنه قل من أمعن النظر فیها و لم یزل قدمه إلا من عصمه اللّٰه بفضله.

«25»-ید، التوحید الْمُفَسِّرُ بِإِسْنَادِهِ إِلَی أَبِی مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِیِّ علیه السلام قَالَ قَالَ الرِّضَا علیه السلام فِیمَا یَصِفُ بِهِ الرَّبَّ لَا یَجُورُ فِی قَضِیَّتِهِ الْخَلْقُ إِلَی مَا عَلِمَ مُنْقَادُونَ وَ عَلَی مَا سَطَرَ فِی كِتَابِهِ مَاضُونَ لَا یَعْمَلُونَ خِلَافَ مَا عَلِمَ مِنْهُمْ وَ لَا غَیْرَهُ یُرِیدُونَ الْخَبَرَ (2).

«26»-ید، التوحید فِی خَبَرِ الْفَتْحِ بْنِ یَزِیدَ عَنْ أَبِی الْحَسَنِ علیه السلام إِنَّ لِلَّهِ إِرَادَتَیْنِ وَ مَشِیَّتَیْنِ إِرَادَةَ حَتْمٍ وَ إِرَادَةَ عَزْمٍ یَنْهَی وَ هُوَ یَشَاءُ وَ یَأْمُرُ وَ هُوَ لَا یَشَاءُ أَ وَ مَا رَأَیْتَ أَنَّ اللَّهَ نَهَی آدَمَ وَ زَوْجَتَهُ أَنْ یَأْكُلَا مِنَ الشَّجَرَةِ وَ هُوَ شَاءَ ذَلِكَ وَ لَوْ لَمْ یَشَأْ لَمْ یَأْكُلَا وَ لَوْ أَكَلَا لَغَلَبَتْ مَشِیَّتُهُمَا مَشِیَّةَ اللَّهِ وَ أَمَرَ إِبْرَاهِیمَ بِذَبْحِ ابْنِهِ وَ شَاءَ أَنْ لَا یَذْبَحَهُ وَ لَوْ لَمْ یَشَأْ أَنْ لَا یَذْبَحَهُ لَغَلَبَتْ مَشِیَّةُ إِبْرَاهِیمَ مَشِیَّةَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.

أقول: أوردنا الخبر بإسناده و تمامه فی باب جوامع التوحید قال الصدوق رحمه اللّٰه بعد إیراد هذا الخبر إن اللّٰه تعالی نهی آدم و زوجته عن أن یأكلا من الشجرة و قد علم أنهما یأكلان منها لكنه عز و جل شاء أن لا یحول بینهما و بین الأكل منها بالجبر و القدرة كما منعهما عن الأكل منها بالنهی و الزجر فهذا معنی مشیته فیهما و لو شاء عز و جل منعهما من الأكل بالجبر ثم أكلا منها لكان مشیتهما قد غلبت مشیة اللّٰه كما قال العالم تعالی اللّٰه عن العجز علوا كبیرا.

بیان: قیل المراد بالمشیة فی تلك الأخبار هو العلم و قیل هی تهیئة أسباب الفعل بعد إرادة العبد ذلك الفعل و قیل إرادة بالعرض یتعلق بفعل العبد و الأصوب

ص: 101


1- یأتی الحدیث مسندا تحت رقم 38 و فیه: إبراهیم بن هاشم و علیّ بن معبد.
2- تقدم الحدیث بتمامه فی باب نفی الجسم و الصورة.

أنها عبارة عن منع الألطاف و الهدایات الصارفة عن الفعل و الداعیة إلیه لضرب من المصلحة أو عقوبة لما صنع العبد بسوء اختیاره كما مر بیانه (1).

«27»-ید، التوحید الدَّقَّاقُ عَنِ الْكُلَیْنِیِّ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ عَنِ الْمُعَلَّی قَالَ: سُئِلَ الْعَالِمُ علیه السلام كَیْفَ عَلِمَ اللَّهُ قَالَ عَلِمَ وَ شَاءَ وَ أَرَادَ وَ قَدَّرَ وَ قَضَی وَ أَمْضَی فَأَمْضَی مَا قَضَی وَ قَضَی مَا قَدَّرَ وَ قَدَّرَ مَا أَرَادَ فَبِعِلْمِهِ كَانَتِ الْمَشِیَّةُ وَ بِمَشِیَّتِهِ كَانَتِ الْإِرَادَةُ وَ بِإِرَادَتِهِ كَانَ التَّقْدِیرُ وَ بِتَقْدِیرِهِ كَانَ الْقَضَاءُ وَ بِقَضَائِهِ كَانَ الْإِمْضَاءُ فَالْعِلْمُ مُتَقَدِّمٌ عَلَی الْمَشِیَّةِ وَ الْمَشِیَّةُ ثَانِیَةٌ وَ الْإِرَادَةُ ثَالِثَةٌ وَ التَّقْدِیرُ وَاقِعٌ عَلَی الْقَضَاءِ بِالْإِمْضَاءِ فَلِلَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی الْبَدَاءُ فِیمَا عَلِمَ مَتَی شَاءَ وَ فِیمَا أَرَادَ لِتَقْدِیرِ الْأَشْیَاءِ فَإِذَا وَقَعَ الْقَضَاءُ بِالْإِمْضَاءِ فَلَا بَدَاءَ فَالْعِلْمُ بِالْمَعْلُومِ قَبْلَ كَوْنِهِ وَ الْمَشِیَّةُ فِی الْمُشَاءِ قَبْلَ عَیْنِهِ وَ الْإِرَادَةُ فِی الْمُرَادِ قَبْلَ قِیَامِهِ وَ التَّقْدِیرُ لِهَذِهِ الْمَعْلُومَاتِ قَبْلَ تَفْصِیلِهَا وَ تَوْصِیلِهَا عِیَاناً وَ قِیَاماً (2)وَ الْقَضَاءُ بِالْإِمْضَاءِ هُوَ الْمُبْرَمُ مِنَ الْمَفْعُولَاتِ ذَوَاتِ الْأَجْسَامِ الْمُدْرَكَاتِ بِالْحَوَاسِّ مِنْ ذِی لَوْنٍ وَ رِیحٍ وَ وَزْنٍ وَ كَیْلٍ وَ مَا دَبَّ وَ دَرَجَ مِنْ إِنْسٍ وَ جِنٍّ وَ طَیْرٍ وَ سِبَاعٍ وَ غَیْرِ ذَلِكَ مِمَّا یُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ فَلِلَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی فِیهِ الْبَدَاءُ مِمَّا لَا عَیْنَ لَهُ فَإِذَا وَقَعَ الْعَیْنُ الْمَفْهُومُ الْمُدْرَكُ فَلَا بَدَاءَ وَ اللَّهُ یَفْعَلُ مَا یَشَاءُ وَ بِالْعِلْمِ عَلِمَ الْأَشْیَاءَ قَبْلَ كَوْنِهَا وَ بِالْمَشِیَّةِ عَرَفَ صِفَاتِهَا وَ حُدُودَهَا وَ أَنْشَأَهَا قَبْلَ إِظْهَارِهَا وَ بِالْإِرَادَةِ مَیَّزَ أَنْفُسَهَا فِی أَلْوَانِهَا وَ صِفَاتِهَا وَ حُدُودِهَا وَ بِالتَّقْدِیرِ قَدَّرَ أَقْوَاتَهَا (3)وَ عَرَّفَ أَوَّلَهَا وَ آخِرَهَا وَ بِالْقَضَاءِ أَبَانَ لِلنَّاسِ أَمَاكِنَهَا وَ دَلَّهُمْ عَلَیْهَا وَ بِالْإِمْضَاءِ شَرَحَ عِلَلَهَا وَ أَبَانَ أَمْرَهَا ذلِكَ تَقْدِیرُ الْعَزِیزِ الْعَلِیمِ.

بیان: قوله علیه السلام قبل تفصیلها و توصیلها أی فی لوح المحو و الإثبات أو فی الخارج قوله علیه السلام فإذا وقع العین المفهوم المدرك أی فصل و میز فی اللوح أو أوجد فی الخارج و لعل تلك الأمور عبارة عن اختلاف مراتب تقدیرها فی لوح المحو و

ص: 102


1- ما تضمنه الخبر هی الإرادة التشریعیة، و الإرادة التكوینیة المتعلقة بأفعال العباد من طریق اختیارهم و إرادتهم، و الذی ذكره المصنّف رحمه اللّٰه بقوله: و الاصوب إلخ من لوازم تعلق الإرادة من طریق الاختیار. ط.
2- فی الكافی: عیانا و وقتا.
3- فی المصدر: فی ألوانها و صفاتها و بالتقدیر قدر اوقاتها. م.

الإثبات قد جعلها اللّٰه من أسباب وجود الشی ء و شرائطه لمصالح و قد مر بیانها فی باب البداء فالمشیة كتابة وجود زید و بعض صفاته مثلا مجملا و الإرادة كتابة العزم علیه بتا مع كتابة بعض صفاته أیضا و التقدیر تفصیل بعض صفاته و أحواله لكن مع نوع من الإجمال أیضا و القضاء تفصیل جمیع الأحوال و هو مقارن للإمضاء أی الفعل و الإیجاد و العلم بجمیع تلك الأمور أزلی قدیم فقوله و بالمشیة عرف علی صیغة التفعیل و شرح العلل كنایة عن الإیجاد.

و قال بعض الأفاضل الظاهر من السؤال أنه كیف علم اللّٰه أ بعلم مستند إلی الحضور العینی فی وقته و الشهود لموجود عینی (1)أو فی موجود عینی كما فی علومنا أو بعلم مستند إلی الذات سابق علی خلق الأشیاء فأجاب علیه السلام بأن العلم سابق علی وجود المخلوق بمراتب فقال علم و شاء و أراد و قدر و قضی و أمضی فالعلم ما به ینكشف الشی ء و المشیة ملاحظته بأحوال مرغوب فیها یوجب فینا میلا دون المشیة له سبحانه لتعالیه عن التغیر و الاتصاف بالصفة الزائدة و الإرادة تحریك الأسباب نحوه بحركة نفسانیة فینا بخلاف الإرادة فیه سبحانه و القدر التحدید و تعیین الحدود و الأوقات و القضاء هو الإیجاب و الإمضاء هو الإیجاد فوجود الخلق بعد علمه سبحانه بهذه المراتب و قوله فأمضی ما قضی أی فأوجد ما أوجب و أوجب ما قدر و قدر ما أراد ثم استأنف البیان علی وجه أوضح فقال بعلمه كانت المشیة و هی مسبوقة بالعلم و بمشیته كانت الإرادة و هی مسبوقة بالمشیة و بإرادته كان التقدیر و التقدیر مسبوق بالإرادة و بتقدیره كان القضاء و الإیجاب و هو مسبوق بالتقدیر إذ لا إیجاب إلا للمحدد الموقوف و بقضائه و إیجابه كان الإمضاء و الإیجاد و لله تعالی البداء فیما علم متی شاء فإن الدخول فی العلم أول مراتب السلوك إلی الوجود العینی و له البداء فیما علم متی شاء أن یبدو و فیما أراد و حرك الأسباب نحو تحریكه متی شاء قبل القضاء و الإیجاب فإذا وقع القضاء و الإیجاب متلبسا بالإمضاء و الإیجاد فلا بداء فعلم أن فی المعلوم العلم قبل كون المعلوم و حصوله فی الأذهان و الأعیان و فی المشاء المشیة قبل عینه و وجوده

ص: 103


1- فی بعض النسخ هكذا: أ بعلم مستند إلی الحضور العینی فی وقته و الشهود فی وقته بموجود.؟.

العینی و فی أكثر النسخ المنشأ و لعل المراد به الإنشاء قبل الإظهار كما فی آخر الحدیث و فی المراد الإرادة قبل قیامه و التقدیر لهذه المعلومات قبل تفصیلها و توصیلها و حضورها العینی فی أوقاتها و القضاء بالإمضاء هو المبرم الذی یلزمه وجود المقضی فبالعلم علم الأشیاء قبل كونها و أصل العلم غیر مرتبط بنحو من الحصول للمعلوم و لو فی غیره بصورته المتحددة و لا یوجب نفس العلم و الانكشاف بما هو علم و انكشاف للأشیاء إنشاءها و بالمشیة و معرفتها بصفاتها و حدودها أنشأها إنشاء قبل الإظهار و الإدخال فی الوجود العینی و بالإرادة و تحریك الأسباب نحو وجودها العینی میز بعضها عن بعض بتخصیص تحریك الأسباب نحو وجود بعض دون بعض و بالتقدیر قدرها و عین و حدد أقواتها و أوقاتها و آجالها و بالقضاء و إیجابها بموجباتها أظهر للناس أماكنها و دلهم علیها بدلائلها فاهتدوا إلی العلم بوجودها حسب ما یوجبه الموجب بعد العلم بالموجب و بالإمضاء و الإیجاد أوضح تفصیل عللها و أبان أمرها بأعیانها.

«28»-ید، التوحید الْقَطَّانُ عَنْ أَحْمَدَ الْهَمْدَانِیِّ عَنْ عَلِیِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ أَبِیهِ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ الثُّمَالِیِّ عَنِ ابْنِ طَرِیفٍ عَنِ الْأَصْبَغِ قَالَ قَالَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام أَوْحَی اللَّهُ تَعَالَی إِلَی دَاوُدَ یَا دَاوُدُ تُرِیدُ وَ أُرِیدُ وَ لَا یَكُونُ إِلَّا مَا أُرِیدُ فَإِنْ أَسْلَمْتَ لِمَا أُرِیدُ أَعْطَیْتُكَ مَا تُرِیدُ وَ إِنْ لَمْ تُسْلِمْ لِمَا أُرِیدُ أَتْعَبْتُكَ فِیمَا تُرِیدُ ثُمَّ لَا یَكُونُ إِلَّا مَا أُرِیدُ.

«29»-ید، التوحید أَبِی عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِی الْخَطَّابِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِیرٍ عَنِ الْعَرْزَمِیِّ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: كَانَ لِعَلِیٍّ علیه السلام غُلَامٌ اسْمُهُ قَنْبَرُ وَ كَانَ یُحِبُّ عَلِیّاً علیه السلام حُبّاً شَدِیداً فَإِذَا خَرَجَ عَلِیٌّ علیه السلام خَرَجَ عَلَی أَثَرِهِ بِالسَّیْفِ فَرَآهُ ذَاتَ لَیْلَةٍ فَقَالَ یَا قَنْبَرُ مَا لَكَ قَالَ جِئْتُ لِأَمْشِیَ خَلْفَكَ فَإِنَّ النَّاسَ كَمَا تَرَاهُمْ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ فَخِفْتُ عَلَیْكَ قَالَ وَیْحَكَ أَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ تَحْرُسُنِی أَمْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ قَالَ لَا بَلْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ قَالَ إِنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ لَا یَسْتَطِیعُونَ بِی شَیْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِنَ السَّمَاءِ فَارْجِعْ فَرَجَعَ.

«30»-كا، الكافی عَلِیٌّ عَنْ أَبِیهِ عَنِ ابْنِ أَبِی عُمَیْرٍ عَنْ زَیْدٍ الشَّحَّامِ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ ع

ص: 104

قَالَ: إِنَّ أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام جَلَسَ إِلَی حَائِطٍ مَائِلٍ یَقْضِی بَیْنَ النَّاسِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَقْعُدْ تَحْتَ هَذَا الْحَائِطِ فَإِنَّهُ مُعْوِرٌ (1)فَقَالَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ حَرَسُ امْرِئٍ أَجَلُهُ فَلَمَّا قَامَ سَقَطَ الْحَائِطُ قَالَ وَ كَانَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام یَفْعَلُ هَذَا وَ أَشْبَاهَهُ وَ هَذَا الْیَقِینُ.

«31»-كا، الكافی مُحَمَّدُ بْنُ یَحْیَی عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِی حَمْزَةَ عَنْ سَعِیدِ بْنِ قَیْسٍ الْهَمْدَانِیِّ قَالَ: نَظَرْتُ یَوْماً فِی الْحَرْبِ إِلَی رَجُلٍ عَلَیْهِ ثَوْبَانِ فَحَرَّكْتُ فَرَسِی فَإِذَا هُوَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام فَقُلْتُ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ فِی مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَقَالَ نَعَمْ یَا سَعِیدَ بْنَ قَیْسٍ إِنَّهُ لَیْسَ مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حَافِظٌ وَ وَاقِیَةٌ مَعَهُ مَلَكَانِ یَحْفَظَانِهِ مِنْ أَنْ یَسْقُطَ مِنْ رَأْسِ جَبَلٍ أَوْ یَقَعَ فِی بِئْرٍ فَإِذَا نَزَلَ الْقَضَاءُ خَلَّیَا بَیْنَهُ وَ بَیْنَ كُلِّ شَیْ ءٍ.

بیان: یمكن أن یكون هذه الأمور من خصائصهم علیهم السلام لعلمهم بعدم تضرّرهم بهذه الأمور و بوقت موتهم و سببه و لذا فرّ علیه السلام من حائط كما سیأتی و لم یفرّ من حائط كما مرّ لعلمه بسقوط الأول و عدم سقوط الثانی و یحتمل أن یكون المقصود من تلك الأخبار عدم المبالغة فی الفرار عن البلایا و المصائب و عدم ترك الواجبات للتوهّمات البعیدة. (2)

وَ یُؤَیِّدُهُ مَا رَوَاهُ الصَّدُوقُ فِی الْخِصَالِ عَنِ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِیٍّ الْكُوفِیِّ وَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَیْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمَّادٍ الْحَارِثِیِّ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله خَمْسَةٌ لَا یُسْتَجَابُ لَهُمْ أَحَدُهُمْ رَجُلٌ مَرَّ بِحَائِطٍ مَائِلٍ وَ هُوَ یُقْبِلُ إِلَیْهِ وَ لَمْ یُسْرِعِ الْمَشْیَ حَتَّی سَقَطَ عَلَیْهِ الْخَبَرَ

ص: 105


1- أی مخوف لا حافظ له.
2- قوله علیه السلام فی آخر الروایة الأولی: «و هذا الیقین» الظاهر فی المدح و التعظیم ینفی الاحتمال الأول إذ لا فضل لمن لا یتقی مكروها لعلمه بعدم وجوده أو عدم تأثیره، و كذا قوله علیه السلام: حرس امرأ أجله یدفع الاحتمال الثانی إذ لا یعتد بالتوهمات البعیدة عند العقلاء فلا حاجة إلی دفعه بأن الأجل حارس. و الذی ینبغی أن یقال: أن الیقین بأن الامر بید اللّٰه لا یدع احتمالا لتأثیر مؤثر غیره حتّی یتقی آثار المكاره و مع ذلك فالعادة الجاریة بین العقلاء من الإنسان أن یتقی ما یعد عادة أثرا مكروها و لمن فاز بدرجة الیقین من أولیاء اللّٰه أن یعمل علی طبق یقینه، و أن یجری علی ما یجری علیه العقلاء فكان علیه السلام یتفنن فی سیرته فتارة هكذا و تارة كذلك. ط.

«32»-ید، التوحید ابْنُ الْوَلِیدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْقَدَّاحِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِیهِ علیه السلام قَالَ: قِیلَ لِعَلِیٍّ علیه السلام إِنَّ رَجُلًا یَتَكَلَّمُ فِی الْمَشِیَّةِ فَقَالَ ادْعُهُ لِی فَقَالَ فَدُعِیَ لَهُ فَقَالَ یَا عَبْدَ اللَّهِ خَلَقَكَ اللَّهُ لِمَا شَاءَ أَوْ لِمَا شِئْتَ قَالَ لِمَا شَاءَ قَالَ فَیُمْرِضُكَ إِذَا شَاءَ أَوْ إِذَا شِئْتَ قَالَ إِذَا شَاءَ قَالَ فَیَشْفِیكَ إِذَا شَاءَ أَوْ إِذَا شِئْتَ قَالَ إِذَا شَاءَ قَالَ فَیُدْخِلُكَ حَیْثُ یَشَاءُ أَوْ حَیْثُ شِئْتَ فَقَالَ حَیْثُ یَشَاءُ قَالَ فَقَالَ عَلِیٌّ علیه السلام لَوْ قُلْتَ غَیْرَ هَذَا لَضَرَبْتُ الَّذِی فِیهِ عَیْنَاكَ.

«33»-ید، التوحید وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: دَخَلَ عَلَی أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام أَوْ أَبِی جَعْفَرٍ علیه السلام رَجُلٌ مِنْ أَتْبَاعِ بَنِی أُمَیَّةَ فَخِفْنَا عَلَیْهِ فَقُلْنَا لَهُ لَوْ تَوَارَیْتَ وَ قُلْنَا لَیْسَ هُوَ هَاهُنَا قَالَ بَلَی ائْذَنُوا لَهُ (1)فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ عِنْدَ لِسَانِ كُلِّ قَائِلٍ وَ یَدِ كُلِّ بَاسِطٍ فَهَذَا الْقَائِلُ لَا یَسْتَطِیعُ أَنْ یَقُولَ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَ هَذَا الْبَاسِطُ لَا یَسْتَطِیعُ أَنْ یَبْسُطَ یَدَهُ إِلَّا بِمَا شَاءَ اللَّهُ فَدَخَلَ عَلَیْهِ فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْیَاءَ آمَنَ بِهَا وَ ذَهَبَ.

«34»-ید، التوحید أَبِی عَنْ عَلِیٍّ عَنْ أَبِیهِ عَنِ ابْنِ مَعْبَدٍ عَنْ دُرُسْتَ عَنِ الْفُضَیْلِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام یَقُولُ شَاءَ وَ أَرَادَ وَ لَمْ یُحِبَّ وَ لَمْ یَرْضَ شَاءَ أَنْ لَا یَكُونَ فِی مُلْكِهِ (2)شَیْ ءٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَ أَرَادَ مِثْلَ ذَلِكَ وَ لَمْ یُحِبَّ أَنْ یُقَالَ لَهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَ لَمْ یَرْضَ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ.

ید، التوحید إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی قَدْ قَضَی جَمِیعَ أَعْمَالِ الْعِبَادِ وَ قَدَّرَهَا وَ جَمِیعَ مَا یَكُونُ فِی الْعَالَمِ مِنْ خَیْرٍ وَ شَرٍّ.

و القضاء قد یكون بمعنی الإعلام كما قال اللّٰه عز و جل وَ قَضَیْنا إِلی بَنِی إِسْرائِیلَ فِی الْكِتابِ (3)یرید أعلمناهم و كما قال اللّٰه عز و جل وَ قَضَیْنا إِلَیْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِینَ (4)یرید أخبرناه و أعلمناه فلا ینكر أن یكون اللّٰه عز و جل یقضی أعمال العباد و سائر ما یكون من خیر و شر علی هذا المعنی لأن اللّٰه عز و جل عالم بها أجمع و یصح أن یعلمها عباده و یخبرهم عنها و قد یكون القدر أیضا فی معنی

ص: 106


1- فی المصدر: بل ائذنوا له. م.
2- لیست فی المصدر كلمة «فی ملكه» كما فی الكافی «ج 1 ص 151».
3- اسری: 2.
4- الحجر: 66.

الكتاب و الأخبار كما قال اللّٰه عز و جل إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِینَ (1)یعنی كتبنا و أخبرنا و قال العجاج.

و اعلم بأن ذا الجلال قد قدر. فی الصحف الأولی التی كان سطر.

و قدر معناه كتب و قد یكون القضاء بمعنی الحكم و الإلزام قال اللّٰه عز و جل وَ قَضی رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِیَّاهُ وَ بِالْوالِدَیْنِ إِحْساناً (2)یرید حكم بذلك و ألزمه خلقه فقد یجوز أن یقال إن اللّٰه عز و جل قد قضی من أعمال العباد علی هذا المعنی ما قد ألزمه عباده و حكم به علیهم و هی الفرائض دون غیرها و قد یجوز أیضا أن یقدر اللّٰه عز و جل أعمال العباد بأن یبین مقادیرها و أحوالها من حسن و قبح و فرض و نافلة و غیر ذلك و یفعل من الأدلة علی ذلك ما یعرف به هذه الأحوال لهذه الأفعال فیكون عز و جل مقدرا لها فی الحقیقة و لیس یقدرها لیعرف مقدارها و لكن لیبین لغیره ممن لا یعرف ذلك حال ما قدره بتقدیره إیاه و هذا أظهر من أن یخفی و أبین من أن یحتاج إلی الاستشهاد علیه أ لا تری أنا قد نرجع إلی أهل المعرفة بالصناعات فی تقدیرها لنا فلا یمنعهم علمهم بمقادیرها من أن یقدروها لنا لیبینوا لنا مقادیرها و إنما أنكرنا أن یكون اللّٰه عز و جل حكم بها علی عباده و منعهم من الانصراف عنها أو أن یكون فعلها و كونها فأما أن یكون عز و جل خلقها خلق تقدیر فلا ننكره.

و سمعت بعض أهل العلم یقول إن القضاء علی عشرة أوجه فأول وجه منها العلم و هو قول اللّٰه عز و جل إِلَّا حاجَةً فِی نَفْسِ یَعْقُوبَ قَضاها (3)یعنی علمها.

و الثانی الإعلام و هو قوله عز و جل وَ قَضَیْنا إِلی بَنِی إِسْرائِیلَ فِی الْكِتابِ (4)و قوله وَ قَضَیْنا إِلَیْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ (5)أی أعلمناه.

و الوجه الثالث الحكم و هو قوله عز و جل و یقضی ربك بالحق یعنی یحكم بالحق. (6)

ص: 107


1- النمل: 57.
2- اسری: 23.
3- یوسف: 68.
4- اسری: 4.
5- الحجر: 66.
6- فی المصدر: و هو قوله عزّ و جلّ «وَ اللَّهُ یَقْضِی بِالْحَقِّ» ای یحكم بالحق، و الرابع القول و هو قوله عزّ و جلّ «و هو یَقْضِی بِالْحَقِّ» ای یقول بالحق. م.

و الرابع القول و هو قوله عز و جل وَ اللَّهُ یَقْضِی بِالْحَقِّ (1)أی یقول الحق و الخامس الحتم و هو قوله عز و جل فَلَمَّا قَضَیْنا عَلَیْهِ الْمَوْتَ (2)یعنی حتمنا فهو القضاء الحتم.

و السادس الأمر و هو قوله عز و جل وَ قَضی رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِیَّاهُ (3)یعنی أمر ربك.

و السابع الخلق و هو قوله عز و جل فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِی یَوْمَیْنِ (4)یعنی خلقهن.

و الثامن الفعل و هو قوله عز و جل فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ (5)أی افعل ما أنت فاعل.

و التاسع الإتمام و هو قوله عز و جل فَلَمَّا قَضی مُوسَی الْأَجَلَ (6)و قوله عز و جل حكایة عن موسی أَیَّمَا الْأَجَلَیْنِ قَضَیْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَیَّ وَ اللَّهُ عَلی ما نَقُولُ وَكِیلٌ (7)أی أتممت.

و العاشر الفراغ من الشی ء و هو قوله عز و جل قُضِیَ الْأَمْرُ الَّذِی فِیهِ تَسْتَفْتِیانِ (8)یعنی فرغ لكما منه و قول القائل قد قضیت لك حاجتك یعنی فرغت لك منها فیجوز أن یقال إن الأشیاء كلها بقضاء اللّٰه و قدره تبارك و تعالی بمعنی أن اللّٰه عز و جل قد علمها و علم مقادیرها و له عز و جل فی جمیعها حكم من خیر أو شر فما كان من خیر فقد قضاه بمعنی أنه أمر به و حتمه و جعله حقا و علم مبلغه و مقداره و ما كان من شر فلم یأمر به و لم یرضه و لكنه عز و جل قد قضاه و قدره بمعنی أنه علمه بمقداره و مبلغه و حكم فیه بحكمه.

و الفتنة علی عشرة أوجه فوجه منها الضلال.

ص: 108


1- المؤمن: 20.
2- سبأ: 34.
3- اسری: 23.
4- حم السجدة: 12.
5- طه: 72.
6- القصص: 28.
7- القصص: 28.
8- یوسف: 41.

و الثانی الاختبار و هو قوله عز و جل وَ فَتَنَّاكَ فُتُوناً (1)یعنی اختبرناك اختبارا و قوله عز و جل الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ یُتْرَكُوا أَنْ یَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا یُفْتَنُونَ (2)یعنی لا یختبرون.

و الثالث الحجة و هو قوله عز و جل ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِینَ (3)و الرابع الشرك و هو قوله عز و جل وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ (4)و الخامس الكفر و هو قوله عز و جل أَلا فِی الْفِتْنَةِ سَقَطُوا (5)یعنی فی الكفر.

و السادس الإحراق بالنار و هو قوله عز و جل إِنَّ الَّذِینَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِینَ وَ الْمُؤْمِناتِ (6)الآیة یعنی أحرقوا.

و السابع العذاب و هو قوله عز و جل یَوْمَ هُمْ عَلَی النَّارِ یُفْتَنُونَ (7)یعنی یعذبون و قوله عز و جل ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِی كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (8)یعنی عذابكم و قوله عز و جل وَ مَنْ یُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ یعنی عذابه فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَیْئاً (9)و الثامن القتل و هو قوله عز و جل إِنْ خِفْتُمْ أَنْ یَفْتِنَكُمُ الَّذِینَ كَفَرُوا (10)یعنی إن خفتم أن یقتلوكم و قوله عز و جل فَما آمَنَ لِمُوسی إِلَّا ذُرِّیَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلی خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِمْ أَنْ یَفْتِنَهُمْ (11)یعنی أن یقتلهم.

و التاسع الصد و هو قوله تعالی وَ إِنْ كادُوا لَیَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِی أَوْحَیْنا إِلَیْكَ (12)یعنی لیصدونك.

و العاشر شدة المحنة و هو قوله عز و جل رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِینَ كَفَرُوا (13)

ص: 109


1- طه: 40.
2- العنكبوت: 29- 30.
3- الأنعام: 23.
4- البقرة: 191.
5- التوبة: 50.
6- المجادلة: 10.
7- الحجر: 13.
8- الحجر: 14.
9- المائدة: 41.
10- النساء: 101.
11- یونس: 83.
12- اسری: 73.
13- الممتحنة: 5.

و قوله عز و جل رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِینَ (1)أی محنة فیفتنوا بذلك و یقولوا فی أنفسهم لم نقتلهم إلا و دینهم الباطل و دیننا الحق فیكون ذلك داعیا لهم إلی النار علی ما هم علیه من الكفر و الظلم و قد زاد علی بن إبراهیم بن هاشم علی هذه الوجوه العشر وجها آخر فقال فی الوجوه من الفتنة ما هو المحبة و هو قوله عز و جل إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ (2)أی محبة و الذی عندی فی ذلك أن وجوه الفتنة عشرة و أن الفتنة فی هذا الموضع أیضا المحنة بالنون لا المحبة بالباء

وَ تَصْدِیقُ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِیِّ صلی اللّٰه علیه و آله الْوَلَدُ مَجْهَلَةٌ مَجْبَنَةٌ مَبْخَلَةٌ.

وَ قَدْ أَخْرَجْتُ هَذَا الْحَدِیثَ مُسْنَداً فِی كِتَابِ مَقْتَلِ الْحُسَیْنِ بْنِ عَلِیٍّ علیهما السلام.

بیان: قوله صلی اللّٰه علیه و آله مجهلة أی یحملون آباءهم علی الجهل مجبنة أی یحملونهم علی الجبن مبخلة أی یحملونهم علی البخل.

أقول هذه الوجوه من القضاء و الفتنة المذكورة فی تفسیر النعمانی فیما رواه عن أمیر المؤمنین علیه السلام و قد أثبتناه بإسناده فی كتاب القرآن.

«35»-ید، التوحید أَبِی عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِیسَی عَنْ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِیِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَنْتَرَةَ الشَّیْبَانِیِّ (3)عَنْ أَبِیهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَی أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام فَقَالَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ أَخْبِرْنِی عَنِ الْقَدَرِ فَقَالَ بَحْرٌ عَمِیقٌ فَلَا تَلِجْهُ فَقَالَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ أَخْبِرْنِی عَنِ الْقَدَرِ قَالَ طَرِیقٌ مُظْلِمٌ فَلَا تَسْلُكْهُ قَالَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ أَخْبِرْنِی عَنِ الْقَدَرِ قَالَ سِرُّ اللَّهِ فَلَا تَتَكَّلَفْهُ قَالَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ أَخْبِرْنِی عَنِ الْقَدَرِ قَالَ فَقَالَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام أَمَّا إِذَا أَبَیْتَ فَإِنِّی سَائِلُكَ أَخْبِرْنِی أَ كَانَتْ رَحْمَةُ اللَّهِ لِلْعِبَادِ قَبْلَ أَعْمَالِ الْعِبَادِ أَمْ كَانَتْ أَعْمَالُ الْعِبَادِ قَبْلَ رَحْمَةِ اللَّهِ قَالَ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ بَلْ كَانَتْ رَحْمَةُ اللَّهِ لِلْعِبَادِ قَبْلَ أَعْمَالِ الْعِبَادِ فَقَالَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ

ص: 110


1- یونس: 85.
2- التغابن: 15.
3- عنترة بفتح العین المهملة و سكون النون و فتح التاء و الراء المهملة و الهاء، و الظاهر أنّه عبد الملك بن هارون بن عنترة الشیبانی المترجم فی ص 167 من رجال النجاشیّ بقوله: عبد الملك بن هارون بن عنترة الشیبانی كوفیّ، ثقة، عین، روی عن أصحابنا و رووا عنه، و لم یكن متحققا بأمرنا إه. و أورد ابن حجر ترجمة جده عنترة فی التقریب، قال: عنترة بن عبد الرحمن الكوفیّ ثقة من الثانیة، و هم من زعم أن له صحبة، و هو جد عبد الملك بن هارون بن عنترة الكوفیّ. أقول: حكی عن رجال البرقی أن جد عبد الملك بن هارون بن عنترة یكون صیفی بن فسیل الذی سیره زیاد بن أبیه الی معاویة مع حجر بن عدی و قتله معاویة مع حجر و أصحابه.

علیه السلام قُومُوا فَسَلِّمُوا عَلَی أَخِیكُمْ فَقَدْ أَسْلَمَ وَ قَدْ كَانَ كَافِراً قَالَ وَ انْطَلَقَ الرَّجُلُ غَیْرَ بَعِیدٍ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَیْهِ فَقَالَ لَهُ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ أَ بِالْمَشِیَّةِ الْأُولَی نَقُومُ وَ نَقْعُدُ وَ نَقْبِضُ وَ نَبْسُطُ فَقَالَ لَهُ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام وَ إِنَّكَ لَبَعِیدٌ فِی الْمَشِیَّةِ أَمَا إِنِّی سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا یَجْعَلُ اللَّهُ لَكَ فِی شَیْ ءٍ مِنْهَا مَخْرَجاً أَخْبِرْنِی أَ خَلَقَ اللَّهُ الْعِبَادَ كَمَا شَاءَ أَوْ كَمَا شَاءُوا فَقَالَ كَمَا شَاءَ قَالَ فَخَلَقَ اللَّهُ الْعِبَادَ لِمَا شَاءَ أَوْ لِمَا شَاءُوا فَقَالَ لِمَا شَاءَ قَالَ یَأْتُونَهُ یَوْمَ الْقِیَامَةِ كَمَا شَاءَ أَوْ كَمَا شَاءُوا قَالَ یَأْتُونَهُ كَمَا شَاءَ قَالَ قُمْ فَلَیْسَ إِلَیْكَ مِنَ الْمَشِیَّةِ شَیْ ءٌ.

بیان: لعل المراد المشیة المستقلة التی لا یحتاج معها إلی عون اللّٰه و توفیقه (1).

«36»-ید، التوحید أَبِی عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ یَزِیدَ عَنِ ابْنِ أَبِی عُمَیْرٍ عَنْ جَمِیلٍ عَنْ زُرَارَةَ

ص: 111


1- كل واحد من آحاد الخلق محدود بحدود یتعین بها فی وجوده كالطول و العرض و اللون و سائر الأوصاف و الروابط التی یرتبط بغیره بواسطتها ككون الإنسان ابن فلان و أخا فلان و أبا فلان و فی زمان كذا و مكان كذا و هكذا. و إذا أمعنت النظر فی ذلك وجدت أن جمیع أسباب وجود الشی ء ذوات دخل فی حدود وجوده سائر ما یتعلق بوجوده و انها هی التی یتقدر بها الشی ء غیر أن كلا من الأسباب أیضا یتقدر بما یتقدمه من المقدرات، و لا محالة تنتهی إلیه سبحانه فعنده تعالی حقیقة ما یتقدر به كل شی ء و یتحدد به كل أمر. و الأشیاء إنّما ترتبط به تعالی من جهة صفاته الفعلیة التی بها ینعم علیها و یقیم صلبها و یدبر أمرها كالرحمة و الرزق و الهدایة و الاحیاء و الحفظ و الخلق و غیرها و ما یقابلها فلله سبحانه من جهة صفات فعله دخل فی كل شی ء مخلوق و ما یتعلق به من أثر و فعل إذ لا معنی لاثبات صفة فیه تعالی متعلقة بالاشیاء و هی لا تتعلق بها. و لذلك فانه علیه السلام سأل الرجل عن تقدم صفة الرحمة علی الاعمال، و لا معنی لتقدمها مع عدم ارتباطها بها و تأثیرها فیها فقد نظم اللّٰه الوجود بحیث تجری فیه الرحمة و الهدایة و المثوبة و المغفرة و كذا ما یقابلها و لا یوجب ذلك بطلان الاختیار فی الافعال فان تحقّق الاختیار نفسه مقدّمة من مقدمات تحقّق الامر المقدر إذ لو لا الاختیار لم یتحقّق طاعة و لا معصیة فلم یتحقّق ثواب و لا عقاب و لا امر و لا نهی و لا بعث و لا تبلیغ. و من هنا یظهر وجه تمسك الإمام علیه السلام بسبق صفة الرحمة علی العمل ثمّ بیانه علیه السلام أن للّٰه مشیة فی كل شی ء و أنّها لا تلغو و لا تغلبه مشیة العبد فالفعل لا یخطئ مشیته تعالی و لا یوجب ذلك بطلان تأثیر مشیة العبد فان مشیة العبد إحدی مقدمات تحقّق ما تعلقت به مشیته تعالی فان شاء الفعل الذی یوجد بمشیة العبد فلا بد لمشیة العبد من التحقّق و التأثیر فافهم ذلك، و هذه الروایة الشریفة علی ارتفاع مكانتها و لطف مضمونها یتضح به جمیع ما ورد فی الباب من مختلف الروایات، و كذا الآیات المختلفة من غیر حاجة الی أخذ بعض و تأویل بعض آخر. ط.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَیْمَانَ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ سَمِعْتُهُ یَقُولُ إِنَّ الْقَضَاءَ وَ الْقَدَرَ خَلْقَانِ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَ اللَّهُ یَزِیدُ فِی الْخَلْقِ ما یَشاءُ

«37»-فس، تفسیر القمی النَّضْرُ عَنْ هِشَامٍ وَ عُبَیْدٍ عَنْ حُمْرَانَ عَنْهُ علیه السلام مِثْلَهُ (1).

بیان: خلقان من خلق اللّٰه بضم الخاء أی صفتان من صفات اللّٰه أو بفتحها أی هما نوعان من خلق الأشیاء و تقدیرها فی الألواح السماویة و له البداء فیها قبل الإیجاد فذلك قوله یَزِیدُ فِی الْخَلْقِ ما یَشاءُ أو المعنی أنهما مرتبتان من مراتب خلق الأشیاء فإنها تتدرج فی الخلق إلی أن تظهر فی الوجود العینی.

«38»-ید، التوحید ابْنُ الْوَلِیدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ هَاشِمٍ عَنِ ابْنِ مَعْبَدٍ عَنْ دُرُسْتَ عَنِ ابْنِ أُذَیْنَةَ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا تَقُولُ فِی الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ قَالَ أَقُولُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَی إِذَا جَمَعَ الْعِبَادَ یَوْمَ الْقِیَامَةِ سَأَلَهُمْ عَمَّا عَهِدَ إِلَیْهِمْ وَ لَمْ یَسْأَلْهُمْ عَمَّا قَضَی عَلَیْهِمْ.

بیان: هذا الخبر یدل علی أن القضاء و القدر إنما یكون فی غیر الأمور التكلیفیة كالمصائب و الأمراض و أمثالها فلعل المراد بهما القضاء و القدر الحتمیان (2).

«39»-ید، التوحید أَبِی عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْأَصْبَهَانِیِّ عَنِ الْمِنْقَرِیِّ عَنْ سُفْیَانَ بْنِ عُیَیْنَةَ عَنِ الزُّهْرِیِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِعَلِیِّ بْنِ الْحُسَیْنِ علیهما السلام جَعَلَنِیَ اللَّهُ فِدَاكَ أَ بِقَدَرٍ یُصِیبُ النَّاسَ مَا أَصَابَهُمْ أَمْ بِعَمَلٍ فَقَالَ إِنَّ الْقَدَرَ وَ الْعَمَلَ بِمَنْزِلَةِ الرُّوحِ وَ الْجَسَدِ فَالرُّوحُ بِغَیْرِ جَسَدٍ لَا یُحَسُّ وَ الْجَسَدُ بِغَیْرِ رُوحٍ صُورَةٌ لَا حَرَاكَ بِهَا فَإِذَا اجْتَمَعَا قَوِیَا وَ صَلُحَا كَذَلِكَ الْعَمَلُ وَ الْقَدَرُ فَلَوْ لَمْ یَكُنِ الْقَدَرُ وَاقِعاً عَلَی الْعَمَلِ لَمْ یُعْرَفِ الْخَالِقُ مِنَ الْمَخْلُوقِ وَ كَانَ

ص: 112


1- ما وجدناه فی تفسیر القمّیّ. م.
2- الروایة تدلّ علی أن التكالیف و الاحكام أمور اعتباریة غیر تكوینیة، و مورد القضاء و القدر بالمعنی الدائر هو التكوینیات فأعمال العباد من حیث وجودها الخارجی كسائر الموجودات متعلقات القضاء و القدر، و من حیث تعلق الامر و النهی و الاشتمال علی الطاعة و المعصیة أمور اعتباریة وضعیة خارجة عن دائرة القضاء و القدر إلّا بالمعنی الآخر الذی بینه أمیر المؤمنین علیه السلام للرجل الشامیّ عند منصرفه من صفّین كما فی الروایات و محصله التكلیف لمصالح تستدعی ذلك فالقدر فی الاعمال ینشأ من المصالح التی تستدعی التكلیف الكذائی و القضاء هو الحكم بالوجوب و الحرمة مثلا بامر أو نهی. ط.

الْقَدَرُ شَیْئاً لَمْ یُحَسَّ وَ لَوْ لَمْ یَكُنِ الْعَمَلُ بِمُوَافَقَةٍ مِنَ الْقَدَرِ لَمْ یَمْضِ وَ لَمْ یَتِمَّ وَ لَكِنَّهُمَا بِاجْتِمَاعِهِمَا قَوِیَا وَ لِلَّهِ فِیهِ الْعُیُونُ (1)لِعِبَادِهِ الصَّالِحِینَ ثُمَّ قَالَ أَلَا إِنَّ مِنْ أَجْوَرِ النَّاسِ مَنْ رَأَی جَوْرَهُ عَدْلًا وَ عَدْلَ الْمُهْتَدِی جَوْراً أَلَا إِنَّ لِلْعَبْدِ أَرْبَعَةَ أَعْیُنٍ عَیْنَانِ یُبْصِرُ بِهِمَا أَمْرَ آخِرَتِهِ وَ عَیْنَانِ یُبْصِرُ بِهِمَا أَمْرَ دُنْیَاهُ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِعَبْدٍ خَیْراً فَتَحَ لَهُ الْعَیْنَیْنِ اللَّتَیْنِ فِی قَلْبِهِ فَأَبْصَرَ بِهِمَا الْعَیْبَ وَ إِذَا أَرَادَ غَیْرَ ذَلِكَ تَرَكَ الْقَلْبَ بِمَا فِیهِ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَی السَّائِلِ عَنِ الْقَدَرِ فَقَالَ هَذَا مِنْهُ هَذَا مِنْهُ.

بیان: أی فتح عینی القلب و تركهما من القدر.

«40»-ید، التوحید الْقَطَّانُ عَنِ ابْنِ زَكَرِیَّا عَنِ ابْنِ حَبِیبٍ عَنْ عَلِیِّ بْنِ زِیَادٍ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِیَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنِ ابْنِ حَیَّانَ التَّیْمِیِّ (2)عَنْ أَبِیهِ وَ كَانَ مَعَ عَلِیِّ بْنِ أَبِی طَالِبٍ علیهما السلام یَوْمَ صِفِّینَ وَ فِیمَا بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: بَیْنَمَا عَلِیُّ بْنُ أَبِی طَالِبٍ علیهما السلام یُعَبِّئُ الْكَتَائِبَ (3)یَوْمَ صِفِّینَ وَ مُعَاوِیَةُ مُسْتَقْبِلَةٌ عَلَی فَرَسٍ لَهُ یَتَأَكَّلُ تَحْتَهُ تَأَكُّلًا وَ عَلِیٌّ علیه السلام عَلَی فَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله الْمُرْتَجِزِ وَ بِیَدِهِ حَرْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله وَ هُوَ مُتَقَلِّدٌ سَیْفَهُ ذَا الْفَقَارِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ احْتَرِسْ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ فَإِنَّا نَخْشَی أَنْ یَغْتَالَكَ هَذَا الْمَلْعُونُ فَقَالَ عَلِیٌّ علیه السلام لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ إِنَّهُ غَیْرُ مَأْمُونٍ عَلَی دِینِهِ وَ إِنَّهُ لَأَشْقَی الْقَاسِطِینَ وَ أَلْعَنُ الْخَارِجِینَ عَلَی الْأَئِمَّةِ الْمُهْتَدِینَ وَ لَكِنْ كَفَی بِالْأَجَلِ حَارِساً لَیْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا وَ مَعَهُ مَلَائِكَةٌ حَفَظَةٌ یَحْفَظُونَهُ مِنْ أَنْ یَتَرَدَّی فِی بِئْرٍ (4)أَوْ یَقَعَ عَلَیْهِ حَائِطٌ أَوْ یُصِیبَهُ سُوءٌ فَإِذَا حَانَ أَجَلُهُ (5)خَلَّوْا بَیْنَهُ وَ بَیْنَ مَا یُصِیبُهُ فَكَذَلِكَ أَنَا إِذَا حَانَ أَجَلِی انْبَعَثَ

ص: 113


1- فی المصدر: و للّٰه فیه العون. م.
2- لم نجد فی كتب التراجم من أصحابنا ترجمته و لا ترجمة أبیه، و الظاهر هو یحیی بن سعید بن حیان، أبو حیان التیمی الكوفیّ، أورد ترجمته ابن حجر فی ص 549 من التقریب قال: ثقة من السادسة مات سنة خمس و أربعین. و أورد ترجمة أبیه فی ص 185 قال: سعید بن حیان التیمی الكوفیّ والد یحیی، وثقه ثقة العجلیّ، من الثالثة.
3- عبی تعبیة الكتائب أی هیأها و جهزها. و الكتائب جمع الكتیبة: القطعة من الجیش.
4- أی یحفظونه من أن یسقط فی بئر.
5- أی قرب أجله.

أَشْقَاهَا فَخَضَبَ هَذِهِ مِنْ هَذَا وَ أَشَارَ إِلَی لِحْیَتِهِ وَ رَأْسِهِ عَهْداً مَعْهُوداً وَ وَعْداً غَیْرَ مَكْذُوبٍ وَ الْحَدِیثُ طَوِیلٌ أَخَذْنَا مِنْهُ مَوْضِعَ الْحَاجَةِ.

«41»-ید، التوحید الْوَرَّاقُ وَ ابْنُ مُغِیرَةَ مَعاً عَنْ سَعْدٍ عَنِ النَّهْدِیِّ عَنِ ابْنِ عُلْوَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ عَنِ ابْنِ طَرِیفٍ عَنِ ابْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: إِنَّ أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام عَدَلَ مِنْ عِنْدِ حَائِطٍ مَائِلٍ إِلَی حَائِطٍ آخَرَ فَقِیلَ لَهُ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ تَفِرُّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ قَالَ أَفِرُّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ إِلَی قَدَرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.

بیان: أی إن الفرار أیضا من تقدیره تعالی فلا ینافی كون الأشیاء بقضاء اللّٰه الفرار من البلایا و السعی فی تحصیل ما یجب السعی فیه فإن كل ذلك داخل فی علمه و قضائه و لا ینافی شی ء من ذلك اختیار العبد كما مر و یحتمل أن یكون المراد بقدر اللّٰه هنا حكمه و أمره أی إنما أفر من القضاء بأمره تعالی.

«42»-ید، التوحید أَبِی وَ ابْنُ الْوَلِیدِ مَعاً عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ وَ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِیسَ مَعاً عَنِ الْأَشْعَرِیِّ عَنِ ابْنِ هَاشِمٍ عَنِ ابْنِ مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ أُذَیْنَةَ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام یَقُولُ كَمَا أَنَّ بَادِئَ النِّعَمِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَدْ نَحَلَكُمُوهُ كَذَلِكَ الشَّرُّ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ جَرَی بِهِ قَدَرُهُ.

«43»-ید، التوحید أَبِی عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِیسَ عَنِ الْأَشْعَرِیِّ عَنْ یُوسُفَ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَرْزَمِیِّ عَنْ أَبِیهِ رَفَعَهُ إِلَی مَنْ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ یَقُولُ قَدَّرَ اللَّهُ الْمَقَادِیرَ قَبْلَ أَنْ یَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ بِخَمْسِینَ أَلْفَ سَنَةٍ.

«44»-فس، تفسیر القمی مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّیَّارِیِّ عَنْ فُلَانٍ (1)عَنْ أَبِی الْحَسَنِ علیه السلام قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ قُلُوبَ الْأَئِمَّةِ مَوْرِداً لِإِرَادَتِهِ فَإِذَا شَاءَ اللَّهُ شَیْئاً شَاءُوهُ وَ هُوَ قَوْلُهُ وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ یَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِینَ

«45»-فس، تفسیر القمی جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَی عَنِ ابْنِ الْبَطَائِنِیِّ (2)عَنْ أَبِیهِ

ص: 114


1- لم نجد ذكره فی كتب الرجال، و یوجد فی ج 2 ص 86 من فروع الكافی فی باب الأسماء و الكنی روایة ابن میاح عن فلان حمید، عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام.
2- هو الحسن بن علیّ بن أبی حمزة سالم البطائنی، هو و أبوه من الواقفة، بل أبوه من عمدها ضعفهما أصحابنا، و وردت روایات فی ذمهما. و كان علی قائد أبی بصیر یحیی بن القاسم.

عَنْ أَبِی بَصِیرٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: قُلْتُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَی وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ یَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِینَ قَالَ لِأَنَّ الْمَشِیَّةَ إِلَیْهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی لَا إِلَی النَّاسِ.

بیان: لعل المراد أن المشیة إنما هی مما خلقها اللّٰه فی العبد و جعله شائیا فلا یشاؤن إلا بعد أن جعلهم اللّٰه بحیث یقدرون علی المشیة أو أن المشیة المستقلة التی لا یعارضها شی ء إنما هی لله تعالی و أما مشیة العباد فهی مشوبة بالعجز یمكن أن یصرفهم اللّٰه تعالی عنها إذا شاء فهم لا یشاءون إلا بعد أن یهیئ اللّٰه لهم أسباب الفعل و لم یصرفهم عن مشیتهم فالمعنی أن المشیة المستقلة إلیه تعالی أو أن أسباب المشیة و نفوذها بقدرته تعالی.

و فی الآیة وجه آخر ذكر فی الخبر السابق و حاصله أن اللّٰه تعالی بعد أكمل أولیاءه و حججه علیهم السلام لا یشاءون شیئا إلا بعد أن یلهمهم اللّٰه تعالی و یلقی المشیة فی قلوبهم فهو المتصرف فی قلوبهم و أبدانهم و المسدد لهم فی جمیع أحوالهم فالآیة خاصة غیر عامة و قال الطبرسی رحمه اللّٰه فیه أقوال أحدها أن معناه و ما تشاءون الاستقامة إلا أن یشاء اللّٰه ذلك من قبل حیث خلقكم لها و كلفكم بها فمشیته تعالی بین یدی مشیتكم.

و ثانیها أنه خطاب للكفار و المراد لا تشاءون الإسلام إلا أن یشاء اللّٰه أن یجبركم علیه و یلجئكم إلیه و لكنه لا یفعل لأنه یرید منكم أن تؤمنوا اختیارا لتستحقوا الثواب.

و ثالثها أن المراد و ما تشاءون إلا أن یشاء اللّٰه أن یلطف لكم فی الاستقامة (1).

ص: 115


1- قال الشیخ فی التبیان: أی و لیس یشاءون شیئا من العمل بطاعته و بما یرضاه و یوصلكم إلی ثوابه إلّا و اللّٰه یشاؤه و یریده، لانه یرید من عباده أن یطیعوه، و لیس المراد أن یشاء كل ما یشاؤه العبد من المعاصی و المباحات، لان الحكیم لا یجوز أن یرید القبائح و لا المباح، لان ذلك صفة نقص و تعالی اللّٰه عن ذلك و قد قال اللّٰه تعالی: «یُرِیدُ اللَّهُ بِكُمُ الْیُسْرَ وَ لا یُرِیدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» و المعصیة و الكفر من أعظم العسر، فكیف یكون اللّٰه تعالی شائیا له؟ و هل ذلك إلّا تناقض ظاهر؟ انتهی. أقول: النظر فی الآیة و سابقتها و هی قوله تعالی: «إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلی رَبِّهِ سَبِیلًا» و لاحقتها و هی قوله تعالی: «إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِیماً حَكِیماً یُدْخِلُ مَنْ یَشاءُ فِی رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمِینَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِیماً» یعطی المراد و یفید المغزی، و هو أن اللّٰه تعالی أثبت لهم المشیئة و أثبت أن وقوع مشاهم انما یكون فی صورة مشیئته، فلو كان أراد ذلك حقیقة لم یكن لاستناد الظلم الیهم معنی، لانهم كانوا فیما ظلموا كارهین غیر مختارین، بل كان استناد ذلك إلیه تعالی أقوی و أولی، كما أن الآیات أیضا لم تكن لهم تذكرة فی مشیئتهم اتخاذ السبیل، بل لم یكن لنسبة الحكمة الی ذاته أیضا معنی محصل، لان فعل القبائح و الظلم و اجبار العبد علیهما و العقاب بهما مع ذلك ینافی الحكمة، فالظاهر غیر مراد، بل المراد بیان أن لتوفیقه و تأییده أیضا دخلا فی أفعالهم، بحیث لو تركهم و أنفسهم و لم یؤیدهم و یسددهم لكانت أنفسهم تدخلونهم مداخل السوء و تخرجونهم عن الصراط السوی و طریق المعروف.

«46»-فس، تفسیر القمی قَالَ عَلِیُّ بْنُ إِبْرَاهِیمَ وَ أَمَّا الرَّدُّ عَلَی الْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّ الرَّدَّ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَیْهِمْ كَثِیرٌ وَ ذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ قَالُوا نَحْنُ نَخْلُقُ أَفْعَالَنَا وَ لَیْسَ لِلَّهِ فِیهَا صُنْعٌ وَ لَا مَشِیَّةٌ وَ لَا إِرَادَةٌ وَ یَكُونُ مَا شَاءَ إِبْلِیسُ وَ لَا یَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ وَ احْتَجُّوا أَنَّهُمْ خَالِقُونَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَی فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِینَ فَقَالُوا فِی الْخَلْقِ خَالِقُونَ غَیْرَ اللَّهِ فَلَمْ یَعْرِفُوا مَعْنَی الْخَلْقِ وَ عَلَی كَمْ وَجْهٍ هُوَ فَسُئِلَ الصَّادِقُ علیه السلام أَ فَوَّضَ اللَّهُ إِلَی الْعِبَادِ أَمْراً فَقَالَ اللَّهُ أَجَلُّ وَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ فَقِیلَ فَأَجْبَرَهُمْ عَلَی ذَلِكَ فَقَالَ اللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ یُجْبِرَهُمْ عَلَی فِعْلٍ ثُمَّ یُعَذِّبَهُمْ عَلَیْهِ فَقِیلَ لَهُ هَلْ بَیْنَ هَاتَیْنِ الْمَنْزِلَتَیْنِ مَنْزِلَةٌ قَالَ نَعَمْ مَا بَیْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ (1).

«47»-وَ فِی حَدِیثٍ آخَرَ قَالَ: سُئِلَ هَلْ بَیْنَ الْجَبْرِ وَ الْقَدَرِ مَنْزِلَةٌ قَالَ نَعَمْ فَقِیلَ مَا هُوَ فَقَالَ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ.

«48»-وَ فِی حَدِیثٍ آخَرَ قَالَ: هَكَذَا أُخْرِجَ إِلَیْنَا (2).

«49»-قَالَ وَ حَدَّثَنِی مُحَمَّدُ بْنُ عِیسَی بْنِ عُبَیْدٍ عَنْ یُونُسَ قَالَ قَالَ الرِّضَا علیه السلام یَا یُونُسُ لَا تَقُلْ بِقَوْلِ الْقَدَرِیَّةِ فَإِنَّ الْقَدَرِیَّةَ لَمْ یَقُولُوا بِقَوْلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ لَا بِقَوْلِ أَهْلِ

ص: 116


1- تقدم ما فی معناه مسندا تحت رقم 82 و 83 فی الباب السابق.
2- لعله الخبر الآتی تحت رقم 66.

النَّارِ وَ لَا بِقَوْلِ إِبْلِیسَ فَإِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ قَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِیَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ وَ لَمْ یَقُولُوا بِقَوْلِ أَهْلِ النَّارِ فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ قَالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَیْنا شِقْوَتُنا وَ قَالَ إِبْلِیسُ رَبِّ بِما أَغْوَیْتَنِی فَقُلْتُ یَا سَیِّدِی وَ اللَّهِ مَا أَقُولُ بِقَوْلِهِمْ وَ لَكِنِّی أَقُولُ لَا یَكُونُ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَ قَضَی وَ قَدَّرَ (1)فَقَالَ لَیْسَ هَكَذَا یَا یُونُسُ وَ لَكِنْ لَا یَكُونُ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَ أَرَادَ وَ قَدَّرَ وَ قَضَی أَ تَدْرِی مَا الْمَشِیَّةُ یَا یُونُسُ قُلْتُ لَا قَالَ هُوَ الذِّكْرُ الْأَوَّلُ وَ تَدْرِی مَا الْإِرَادَةُ قُلْتُ لَا قَالَ الْعَزِیمَةُ عَلَی مَا شَاءَ وَ تَدْرِی مَا التَّقْدِیرُ قُلْتُ لَا قَالَ هُوَ وَضْعُ الْحُدُودِ مِنَ الْآجَالِ وَ الْأَرْزَاقِ وَ الْبَقَاءِ وَ الْفَنَاءِ (2)وَ تَدْرِی مَا الْقَضَاءُ قُلْتُ لَا قَالَ هُوَ إِقَامَةُ الْعَیْنِ (3)وَ لَا یَكُونُ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ فِی ذِكْرِ الْأَوَّلِ.

بیان: الظاهر أن المراد بالقدریة هنا من یقول إن أفعال العباد و وجودها لیست بقدرة اللّٰه و بقدره بل باستقلال إرادة العبد به و استواء نسبة الإرادتین إلیه و صدور أحدهما عنه لا بموجب غیر الإرادة كما ذهب إلیه بعض المعتزلة لا یقول بقول أهل الجنة من إسناد هدایتهم إلیه سبحانه و لا بقول أهل النار من إسناد ضلالتهم إلی شقوتهم و لا بقول إبلیس من إسناد الإغواء إلیه سبحانه و الفرق بین كلامه علیه السلام و كلام یونس إنما هو فی الترتیب فإن فی كلامه علیه السلام التقدیر مقدّم علی القضاء كما هو الواقع و فی كلام یونس بالعكس و الذكر هو الكتابة مجملا فی لوح المحو و الإثبات أو العلم القدیم.

«50»-ثو، ثواب الأعمال عَلِیُّ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِی الْقَاسِمِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِیمَ عَنْ عَلِیِّ بْنِ مُوسَی الْبَصْرِیِّ عَنْ سُلَیْمَانَ بْنِ عِیسَی عَنْ إِسْرَائِیلَ عَنْ أَبِی إِسْحَاقَ

ص: 117


1- فی الكافی عن علیّ بن إبراهیم «إلا ما شاء اللّٰه أراد و قضی و قدّر». م.
2- فی الكافی: قال هو الهندسة و وضع الحدود من البقاء و الفناء.
3- فی الكافی: قال: و القضاء هو الإبرام و اقامة العین. أقول: اقامة العین أی اقامته فی الأعیان و الوجود الخارجی، و هو فی أفعاله بمعنی الخلق و الایجاد علی وفق الحكمة، و فی أفعالنا ترتب الثواب و العقاب علیها علی وجه الجزاء. و قال المنصف: اقامة العین أی ایجاده، و فی أفعال العباد اقدار العبد و تمكینه و رفع الموانع عنه انتهی. و یأتی الحدیث بإسناد آخر مع تفاوت فی ألفاظه تحت رقم 69.

عَنِ الْحَارِثِ عَنْ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام قَالَ: إِنَّ أَرْوَاحَ الْقَدَرِیَّةِ یُعْرَضُونَ عَلَی النَّارِ غُدُوّاً وَ عَشِیّاً حَتَّی تَقُومَ السَّاعَةُ فَإِذَا قَامَتِ السَّاعَةُ عُذِّبُوا مَعَ أَهْلِ النَّارِ بِأَلْوَانِ الْعَذَابِ فَیَقُولُونَ یَا رَبَّنَا عَذَّبْتَنَا خَاصَّةً وَ تُعَذِّبُنَا عَامَّةً فَیَرُدُّ عَلَیْهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَیْ ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ

بیان: قال الطبرسی رحمه اللّٰه أی خلقنا كل شی ء خلقناه مقدرا بمقدار توجبه الحكمة لم نخلقه جزافا فخلقنا العذاب أیضا علی قدر الاستحقاق و كذلك كل شی ء خلقناه فی الدنیا و الآخرة خلقناه مقدّرا بمقدار معلوم و قیل معناه خلقنا كل شی ء علی قدر معلوم فخلقنا اللسان للكلام و الید للبطش و الرجل للمشی و العین للنظر و الأذن للسماع و المعدة للطعام و لو زاد أو نقص عما قدرناه لما تمّ الغرض و قیل معناه جعلنا لكل شی ء شكلا یوافقه و یصلح له كالمرأة للرجل و الأتان للحمار و ثیاب الرجال للرجال و ثیاب النساء للنساء و قیل خلقنا كل شی ء بقدر مقدر و قضاء محتوم فی اللوح المحفوظ.

«51»-ثو، ثواب الأعمال عَلِیُّ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِی بِشْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِیسَی الدَّامَغَانِیِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْبَرْقِیِّ عَنْ یُونُسَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآیَاتِ إِلَّا فِی الْقَدَرِیَّةِ إِنَّ الْمُجْرِمِینَ فِی ضَلالٍ وَ سُعُرٍ یَوْمَ یُسْحَبُونَ فِی النَّارِ عَلی وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَیْ ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ

«52»-ثو، ثواب الأعمال عَلِیُّ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ سُلَیْمَانَ عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ علیهم السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِی لَیْسَ لَهُمَا فِی الْإِسْلَامِ نَصِیبٌ- الْمُرْجِئَةُ وَ الْقَدَرِیَّةُ.

«53»-ثو، ثواب الأعمال الْعَطَّارُ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِیسَی عَنِ الْأَهْوَازِیِّ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ عَلِیِّ بْنِ أَبِی حَمْزَةَ عَنْ أَبِیهِ عَنْ أَبِی جَعْفَرٍ علیه السلام قَالَ: یُحْشَرُ الْمُكَذِّبُونَ بِقَدَرِ اللَّهِ مِنْ قُبُورِهِمْ قَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وَ خَنَازِیرَ.

«54»-ثو، ثواب الأعمال ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ الْحِمْیَرِیِّ عَنِ ابْنِ أَبِی الْخَطَّابِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ زُرَارَةَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِی جَعْفَرٍ علیه السلام قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآیَةُ

ص: 118

فِی الْقَدَرِیَّةِ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَیْ ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ

«55»-شی، تفسیر العیاشی عَنْ زُرَارَةَ وَ حُمْرَانَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِی جَعْفَرٍ وَ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام فِی قَوْلِهِ وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِی عُنُقِهِ قَالَ قَدَّرَهُ الَّذِی قَدَّرَهُ عَلَیْهِ.

«56»-وَ فِی رِوَایَةِ أَبِی الْجَارُودِ عَنْ أَبِی جَعْفَرٍ علیه السلام قَالَ: خَیْرُهُ وَ شَرُّهُ مَعَهُ حَیْثُ كَانَ لَا یَسْتَطِیعُ فِرَاقَهُ حَتَّی یُعْطَی كِتَابَهُ یَوْمَ الْقِیَامَةِ بِمَا عَمِلَ.

بیان: قال الطبرسی رحمه اللّٰه معناه و ألزمنا كل إنسان عمله من خیر أو شر فی عنقه أی جعلناه كالطوق فی عنقه لا یفارقه و قیل طائره یمنه و شؤمه و هو ما یطیر به و قیل طائره حظه من الخیر و الشر و خص العنق لأنه محل الطوق الذی یزین المحسن و الغل الذی یشین المسی ء و قیل طائره كتابه و قیل معناه جعلنا لكل إنسان دلیلا من نفسه لأن الطائر یستدل به عندهم علی الأمور الكائنة فیكون معناه كل إنسان دلیل نفسه و شاهد علیها إن كان محسنا فطائره میمون و إن أساء فطائره مشوم (1).

«57»-ثو، ثواب الأعمال ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ النَّخَعِیِّ عَنِ النَّوْفَلِیِّ عَنِ السَّكُونِیِّ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ صلوات اللّٰه علیهم أجمعین قَالَ: یُجَاءُ بِأَصْحَابِ الْبِدَعِ یَوْمَ الْقِیَامَةِ فَتَرَی الْقَدَرِیَّةَ مِنْ بَیْنِهِمْ كَالشَّامَةِ الْبَیْضَاءِ فِی الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ فَیَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَا أَرَدْتُمْ فَیَقُولُونَ أَرَدْنَا وَجْهَكَ فَیَقُولُ قَدْ أَقَلْتُكُمْ عَثَرَاتِكُمْ وَ غَفَرْتُ لَكُمْ زَلَّاتِكُمْ إِلَّا الْقَدَرِیَّةَ فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا فِی الشِّرْكِ مِنْ حَیْثُ لَا یَعْلَمُونَ.

ص: 119


1- قال السیّد الرضیّ فی مجازات القرآن: و هذه استعارة و المراد بالطائر هاهنا- و اللّٰه أعلم ما یعمله الإنسان من خیر و شر، و نفع و ضر، و ذلك مأخوذ من زجر الطائر علی مذهب العرب، لانهم یتبركون بالطائر المعترض من ذات الیمین، و یتشاءمون بالطائر المعترض من ذات الشمال، و معنی ذلك أنّه سبحانه یجعل عمل الإنسان من الخیر و الشر كالطوق فی عنقه بالزامه إیّاه و الحكم علیه به، و قال بعضهم: معنی ذلك انا جعلنا لكل إنسان دلیلا من نفسه علی ما بیناه له و هدیناه إلیه و العرب تقیم العنق و الرقبة مقام نفس الإنسان و جملته، فنقول: لی فی رقبة فلان دم، ولی فی رقبته دین أی عنده، و فلان قد اعتق رقبة إذا أعتق عبدا أو أمة، و یقول الداعی فی دعائه: اللّٰهمّ أعتق رقبتی من النار، و لیس یرید العتق المخصوص و انما یرید الذات و الجملة، و جعل سبحانه الطائر مكان الدلیل التی یستدل به علی استحقاق الثواب و العقاب علی عادة العرب التی ذكرناها فی التبرك بالسانح و التشاؤم بالبارح.

بیان: المراد بأصحاب البدع من لم ینته به بدعته إلی الكفر فضلوا من حیث لا یعلمون.

«58»-ثو، ثواب الأعمال بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام قَالَ: لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسٌ وَ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّذِینَ یَقُولُونَ لَا قَدَرَ.

«59»-ثو، ثواب الأعمال بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: دَخَلَ مُجَاهِدٌ مَوْلَی عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَلَی عَلِیٍّ علیه السلام فَقَالَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ مَا تَقُولُ فِی كَلَامِ أَهْلِ الْقَدَرِ وَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ فَقَالَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام مَعَكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَوْ فِی الْبَیْتِ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَالَ مَا تَصْنَعُ بِهِمْ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ قَالَ أَسْتَتِیبُهُمْ فَإِنْ تَابُوا وَ إِلَّا ضَرَبْتُ أَعْنَاقَهُمْ.

«60»-ثو، ثواب الأعمال بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ عَنِ السَّكُونِیِّ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ شُجَاعٍ عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ عَنْ سَعِیدِ بْنِ جُبَیْرٍ قَالَ قَالَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ صلوات اللّٰه علیهم أجمعین مَا غَلَا أَحَدٌ فِی الْقَدَرِ إِلَّا خَرَجَ مِنَ الْإِیمَانِ (1).

«61»-ثو، ثواب الأعمال ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَاصِمِیِّ عَنْ عَلِیِّ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ یَحْیَی بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِی جَعْفَرٍ علیه السلام قَالَ: مَا اللَّیْلُ بِاللَّیْلِ وَ لَا النَّهَارُ بِالنَّهَارِ أَشْبَهَ مِنَ الْمُرْجِئَةِ بِالْیَهُودِیَّةِ وَ لَا مِنَ الْقَدَرِیَّةِ بِالنَّصْرَانِیَّةِ.

«62»-یر، بصائر الدرجات أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ جَمِیلٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ فَقَالَ هُمَا خَلْقَانِ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَ اللَّهُ یَزِیدُ فِی الْخَلْقِ ما یَشاءُ وَ أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ فِی الْمَشِیَّةِ فَنَظَرَ إِلَیَّ فَقَالَ یَا جَمِیلُ لَا أُجِیبُكَ فِی الْمَشِیَّةِ (2).

«63»-سن، المحاسن أَبِی عَنْ إِسْمَاعِیلَ بْنِ إِبْرَاهِیمَ وَ ابْنِ أَبِی عُمَیْرٍ عَنِ ابْنِ بُكَیْرٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ حُمْرَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ علیه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ هَلْ أَتی عَلَی الْإِنْسانِ حِینٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ یَكُنْ شَیْئاً مَذْكُوراً فَقَالَ كَانَ شَیْئاً وَ لَمْ یَكُنْ مَذْكُوراً قُلْتُ فَقَوْلُهُ

ص: 120


1- فی نسخة: الإسلام.
2- روی الحدیث فی مختصر بصائر الدرجات «ص 134» بإسناد آخر عن جمیل عن زرارة عن عبد اللّٰه بن سلیمان، عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام. م.

أَ وَ لا یَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ یَكُ شَیْئاً قَالَ لَمْ یَكُنْ شَیْئاً فِی كِتَابٍ وَ لَا عِلْمٍ.

بیان: و لا علم أی علم أحد من المخلوقین و الخلق فی هذه الآیة یحتمل التقدیر و الإیجاد قوله علیه السلام كان شیئا أی مقدرا كما روی الكلینی عن مالك الجهنی مكان شیئا مقدرا (1)غیر مذكور أی عند الخلق أی غیر موجود لیذكر عند الخلق أو كان مقدرا فی اللوح لكن لم یوح أمره إلی أحد من الخلق.

«64»-سن، المحاسن عَنِ ابْنِ أَبِی عُمَیْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ شَیْئاً قَدَّرَهُ فَإِذَا قَدَّرَهُ قَضَاهُ فَإِذَا قَضَاهُ أَمْضَاهُ.

«65»-سن، المحاسن أَبِی عَنْ فَضَالَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ حَرِیزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ علیه السلام لَا یَكُونُ شَیْ ءٌ فِی الْأَرْضِ وَ لَا فِی السَّمَاءِ إِلَّا بِهَذِهِ الْخِصَالِ السَّبْعَةِ بِمَشِیَّةٍ وَ إِرَادَةٍ وَ قَدَرٍ وَ قَضَاءٍ وَ إِذْنٍ وَ كِتَابٍ وَ أَجَلٍ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ یُقَدِّرُ عَلَی نَقْصِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَقَدْ كَفَرَ.

«66»-سن، المحاسن النَّضْرُ عَنْ هِشَامٍ وَ عُبَیْدِ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: (2)كُنْتُ أَنَا وَ الطَّیَّارُ جَالِسَیْنِ فَجَاءَ أَبُو بَصِیرٍ فَأَفْرَجْنَا لَهُ فَجَلَسَ بَیْنِی وَ بَیْنَ الطَّیَّارِ فَقَالَ فِی أَیِّ شَیْ ءٍ أَنْتُمْ فَقُلْنَا كُنَّا فِی الْإِرَادَةِ وَ الْمَشِیَّةِ وَ الْمَحَبَّةِ فَقَالَ أَبُو بَصِیرٍ قُلْتُ لِأَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام شَاءَ لَهُمُ الْكُفْرَ وَ أَرَادَهُ فَقَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَأَحَبَّ ذَلِكَ وَ رَضِیَهُ فَقَالَ لَا قُلْتُ شَاءَ وَ أَرَادَ مَا لَمْ یُحِبَّ وَ لَمْ یَرْضَ قَالَ هَكَذَا خَرَجَ إِلَیْنَا (3).

ص: 121


1- أقول: أورده فی كتابه الكافی فی باب البداء بإسناده عن أحمد بن مهران، عن عبد العظیم الحسنی، عن علیّ بن أسباط، عن ابن مسكان، عن مالك الجهنیّ قال سألت أبا عبد اللّٰه علیه السلام عن قول اللّٰه تعالی: «أ و لم یر الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ یَكُ شَیْئاً» قال: فقال: لا مقدرا و لا مكونا. قال: و سألته عن قوله: «هَلْ أَتی عَلَی الْإِنْسانِ حِینٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ یَكُنْ شَیْئاً مَذْكُوراً» فقال: كان مقدرا غیر مذكور.
2- الظاهر أن ضمیر «قال» یرجع الی حمران، و أن لفظة «عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام» زائدة من النسّاخ.
3- فی المصدر: هكذا اخرج الینا. م.

«67»-سن، المحاسن أَبِی عَنِ ابْنِ أَبِی عُمَیْرٍ عَنِ ابْنِ أُذَیْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: الْمَشِیَّةُ مُحْدَثَةٌ.

«68»-سن، المحاسن أَبِی عَنْ یُونُسَ عَنْ أَبِی الْحَسَنِ الرِّضَا علیه السلام قَالَ: قُلْتُ لَا یَكُونُ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَ أَرَادَ وَ قَدَّرَ وَ قَضَی (1)قُلْتُ فَمَا مَعْنَی شَاءَ قَالَ ابْتِدَاءُ الْفِعْلِ قُلْتُ فَمَا مَعْنَی أَرَادَ قَالَ الثُّبُوتُ عَلَیْهِ قُلْتُ فَمَا مَعْنَی قَدَّرَ قَالَ تَقْدِیرُ الشَّیْ ءِ مِنْ طُولِهِ وَ عَرْضِهِ قُلْتُ فَمَا مَعْنَی قَضَی قَالَ إِذَا قَضَی أَمْضَاهُ فَذَلِكَ الَّذِی لَا مَرَدَّ لَهُ.

بیان: ابتداء الفعل أی أول الكتابة فی اللوح أو أول ما یحصل من جانب الفاعل و یصدر عنه مما یؤدی إلی وجود المعلول.

«69»-سن، المحاسن أَبِی عَنِ ابْنِ أَبِی عُمَیْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ علیه السلام لِیُونُسَ مَوْلَی عَلِیِّ بْنِ یَقْطِینٍ یَا یُونُسُ لَا تَتَكَلَّمْ بِالْقَدَرِ قَالَ إِنِّی لَا أَتَكَلَّمُ بِالْقَدَرِ وَ لَكِنْ أَقُولُ لَا یَكُونُ إِلَّا مَا أَرَادَ اللَّهُ وَ شَاءَ وَ قَضَی وَ قَدَّرَ فَقَالَ لَیْسَ هَكَذَا أَقُولُ وَ لَكِنْ أَقُولُ لَا یَكُونُ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَ أَرَادَ وَ قَدَّرَ وَ قَضَی ثُمَّ قَالَ أَ تَدْرِی مَا الْمَشِیَّةُ فَقَالَ لَا فَقَالَ هَمُّهُ بِالشَّیْ ءِ أَ وَ تَدْرِی مَا أَرَادَ قَالَ لَا قَالَ إِتْمَامُهُ عَلَی الْمَشِیَّةِ فَقَالَ أَ وَ تَدْرِی مَا قَدَّرَ قَالَ لَا قَالَ هُوَ الْهَنْدَسَةُ مِنَ الطُّولِ وَ الْعَرْضِ وَ الْبَقَاءِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ إِذَا شَاءَ شَیْئاً أَرَادَهُ وَ إِذَا أَرَادَ قَدَّرَهُ وَ إِذَا قَدَّرَهُ قَضَاهُ وَ إِذَا قَضَاهُ أَمْضَاهُ یَا یُونُسُ إِنَّ الْقَدَرِیَّةَ لَمْ یَقُولُوا بِقَوْلِ اللَّهِ وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ یَشاءَ اللَّهُ وَ لَا قَالُوا بِقَوْلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِیَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ وَ لَا قَالُوا بِقَوْلِ أَهْلِ النَّارِ رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَیْنا شِقْوَتُنا وَ كُنَّا قَوْماً ضالِّینَ وَ لَا قَالُوا بِقَوْلِ إِبْلِیسَ رَبِّ بِما أَغْوَیْتَنِی وَ لَا قَالُوا بِقَوْلِ نُوحٍ وَ لا یَنْفَعُكُمْ نُصْحِی إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ یُرِیدُ أَنْ یُغْوِیَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَ إِلَیْهِ تُرْجَعُونَ ثُمَّ قَالَ قَالَ اللَّهُ یَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِیَّتِی كُنْتَ أَنْتَ الَّذِی تَشَاءُ وَ بِقُوَّتِی أَدَّیْتَ إِلَیَّ فَرَائِضِی وَ بِنِعْمَتِی قَوِیتَ عَلَی مَعْصِیَتِی وَ جَعَلْتُكَ سَمِیعاً بَصِیراً قَوِیّاً فَمَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنِّی وَ مَا أَصَابَكَ مِنْ سَیِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَ ذَلِكَ أَنِّی لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ وَ هُمْ یُسْئَلُونَ ثُمَّ قَالَ قَدْ نَظَمْتُ لَكَ كُلَّ شَیْ ءٍ تُرِیدُهُ.

ص: 122


1- فی المصدر: و أراد و قضی، فقال: لا یكون الا ما شاء اللّٰه و أراد و قدر و قضی، قال: قلت اه. م.

«70»-ضا، فقه الرضا علیه السلام سُئِلَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَیْهِ عَنِ الْقَدَرِ قَالَ فَقِیلَ لَهُ أَنْبِئْنَا عَنِ الْقَدَرِ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ فَقَالَ سِرُّ اللَّهِ فَلَا تُفَتِّشُوهُ فَقِیلَ لَهُ الثَّانِیَ أَنْبِئْنَا عَنِ الْقَدَرِ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ قَالَ بَحْرٌ عَمِیقٌ فَلَا تَلْحَقُوهُ (1)فَقِیلَ لَهُ [الثَّالِثَ أَنْبِئْنَا عَنِ الْقَدَرِ فَقَالَ ما یَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَ ما یُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ (2)فَقَالَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ إِنَّمَا سَأَلْنَاكَ عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ الَّتِی بِهَا نَقُومُ وَ نَقْعُدُ فَقَالَ اسْتِطَاعَةً تَمْلِكُ مَعَ اللَّهِ أَمْ دُونَ اللَّهِ قَالَ فَسَكَتَ الْقَوْمُ وَ لَمْ یُحِرُوا جَوَاباً فَقَالَ علیه السلام إِنْ قُلْتُمْ إِنَّكُمْ تَمْلِكُونَهَا مَعَ اللَّهِ قَتَلْتُكُمْ وَ إِنْ قُلْتُمْ دُونَ اللَّهِ قَتَلْتُكُمْ فَقَالُوا كَیْفَ نَقُولُ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ قَالَ تَمْلِكُونَهَا بِالَّذِی یَمْلِكُهَا دُونَكُمْ (3)فَإِنْ أَمَدَّكُمْ بِهَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَطَائِهِ وَ إِنْ سَلَبَهَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ بَلَائِهِ إِنَّمَا هُوَ الْمَالِكُ لِمَا مَلَّكَكُمْ وَ الْقَادِرُ لِمَا عَلَیْهِ أَقْدَرَكُمْ أَ مَا تَسْمَعُونَ مَا یَقُولُ الْعِبَادُ وَ یَسْأَلُونَهُ الْحَوْلَ وَ الْقُوَّةَ حَیْثُ یَقُولُونَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَسُئِلَ عَنْ تَأْوِیلِهَا فَقَالَ لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِیَتِهِ إِلَّا بِعِصْمَتِهِ وَ لَا قُوَّةَ عَلَی طَاعَتِهِ إِلَّا بِعَوْنِهِ.

«71»-قَالَ الْعَالِمُ كَتَبَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِی الْحَسَنِ الْبَصْرِیُّ إِلَی الْحُسَیْنِ بْنِ عَلِیِّ بْنِ أَبِی طَالِبٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَیْهِمَا یَسْأَلُهُ عَنِ الْقَدَرِ وَ كَتَبَ إِلَیْهِ فَاتَّبِعْ مَا شَرَحْتُ لَكَ فِی الْقَدَرِ مِمَّا أُفْضِیَ إِلَیْنَا أَهْلَ الْبَیْتِ فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ یُؤْمِنْ بِالْقَدَرِ خَیْرِهِ وَ شَرِّهِ فَقَدْ كَفَرَ وَ مَنْ حَمَلَ الْمَعَاصِیَ عَلَی اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَدِ افْتَرَی عَلَی اللَّهِ افْتِرَاءً عَظِیماً إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی لَا یُطَاعُ بِإِكْرَاهٍ وَ لَا یُعْصَی بِغَلَبَةٍ وَ لَا یُهْمِلُ الْعِبَادَ فِی الْهَلَكَةِ لَكِنَّهُ الْمَالِكُ لِمَا مَلَّكَهُمْ وَ الْقَادِرُ لِمَا عَلَیْهِ أَقْدَرَهُمْ فَإِنِ ائْتَمَرُوا بِالطَّاعَةِ لَمْ یَكُنِ اللَّهُ صَادّاً عَنْهَا مُبْطِئاً وَ إِنِ ائْتَمَرُوا بِالْمَعْصِیَةِ

ص: 123


1- فی نسخة: فلا تلجوه. و فی فقه الرضا المطبوع هنا زیادة و هی قوله: فقیل له الثالث: أنبئنا عن القدر یا أمیر المؤمنین، فقال: طریق معوج فلا تسلكوه، ثمّ قیل له الرابع أنبئنا إه.
2- الآیة تدلّ علی سبق وجود الرحمة علی إیتائها و افاضتها فان الفتح نوع كشف و اظهار یحتاج الی وجود المكشوف عنه و سبقه علی الكشف فتدل علی تقدم الرحمة الإلهیّة علی أعمال العباد التی تفتح لهم الرحمة فیها و بها، و حینئذ یعود مضمون الكلام الی ما تقدم فی الخبر الذی تحت رقم 35 عن أمیر المؤمنین علیه السلام فراجع. ط.
3- فی المطبوع هكذا: تملكونها بالذی یملككم بملكها دونكم.

فَشَاءَ أَنْ یَمُنَّ عَلَیْهِمْ فَیَحُولَ بَیْنَهُمْ وَ بَیْنَ مَا ائْتَمَرُوا بِهِ فَعَلَ وَ إِنْ لَمْ یَفْعَلْ فَلَیْسَ هُوَ حَمَلَهُمْ عَلَیْهَا قَسْراً وَ لَا كَلَّفَهُمْ جَبْراً بَلْ بِتَمْكِینِهِ إِیَّاهُمْ بَعْدَ إِعْذَارِهِ وَ إِنْذَارِهِ لَهُمْ وَ احْتِجَاجِهِ عَلَیْهِمْ طَوَّقَهُمْ وَ مَكَّنَهُمْ وَ جَعَلَ لَهُمُ السَّبِیلَ إِلَی أَخْذِ مَا إِلَیْهِ دَعَاهُمْ وَ تَرْكِ مَا عَنْهُ نَهَاهُمْ جَعَلَهُمْ مُسْتَطِیعِینَ لِأَخْذِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ شَیْ ءٍ غَیْرِ آخِذِیهِ وَ لِتَرْكِ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ شَیْ ءٍ غَیْرِ تَارِكِیهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی جَعَلَ عِبَادَهُ أَقْوِیَاءَ لِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ یَنَالُونَ بِتِلْكَ الْقُوَّةِ وَ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ وَ جَعَلَ الْعُذْرَ لِمَنْ یَجْعَلُ لَهُ السَّبِیلَ حَمْداً مُتَقَبَّلًا (1)فَأَنَا عَلَی ذَلِكَ أَذْهَبُ وَ بِهِ أَقُولُ وَ اللَّهِ وَ أَنَا وَ أَصْحَابِی أَیْضاً عَلَیْهِ وَ لَهُ الْحَمْدُ.

«72»-نهج، نهج البلاغة قَالَ علیه السلام وَ قَدْ سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِ طَرِیقٌ مُظْلِمٌ فَلَا تَسْلُكُوهُ وَ بَحْرٌ عَمِیقٌ فَلَا تَلِجُوهُ وَ سِرُّ اللَّهِ فَلَا تَتَكَلَّفُوهُ.

«73»-ضا، فقه الرضا علیه السلام سُئِلَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَیْهِ عَنْ مَشِیَّةِ اللَّهِ وَ إِرَادَتِهِ فَقَالَ صلی اللّٰه علیه و آله إِنَّ لِلَّهِ مَشِیَّتَیْنِ مَشِیَّةَ حَتْمٍ وَ مَشِیَّةَ عَزْمٍ وَ كَذَلِكَ إِنَّ لِلَّهِ إِرَادَتَیْنِ إِرَادَةَ حَتْمٍ وَ إِرَادَةَ عَزْمٍ إِرَادَةُ حَتْمٍ لَا تُخْطِئُ وَ إِرَادَةُ عَزْمٍ تُخْطِئُ وَ تُصِیبُ وَ لَهُ مَشِیَّتَانِ مَشِیَّةٌ یَشَاءُ وَ مَشِیَّةٌ لَا یَشَاءُ یَنْهَی وَ هُوَ یَشَاءُ وَ یَأْمُرُ وَ هُوَ لَا یَشَاءُ مَعْنَاهُ أَرَادَ مِنَ الْعِبَادِ وَ شَاءَ (2)وَ لَمْ یُرِدِ الْمَعْصِیَةَ وَ شَاءَ وَ كُلُّ شَیْ ءٍ بِقَضَائِهِ وَ قَدَرِهِ وَ الْأُمُورُ تَجْرِی مَا بَیْنَهُمَا فَإِذَا أَخْطَأَ الْقَضَاءُ لَمْ یُخْطِئِ الْقَدَرُ وَ إِذَا لَمْ یَخُطَّ الْقَدَرُ لَمْ یَخُطَّ الْقَضَاءُ وَ إِنَّمَا الْخَلْقُ مِنَ الْقَضَاءِ إِلَی الْقَدَرِ (3)وَ إِذَا یُخْطِئُ وَ مِنَ الْقَدَرِ إِلَی الْقَضَاءِ وَ الْقَضَاءُ عَلَی أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ فِی كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ النَّاطِقِ عَلَی لِسَانِ سَفِیرِهِ الصَّادِقِ صلی اللّٰه علیه و آله مِنْهَا قَضَاءُ الْخَلْقِ وَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَی فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِی یَوْمَیْنِ مَعْنَاهُ خَلَقَهُنَ

ص: 124


1- إلی هنا أنهی الحدیث فی فقه الرضا المطبوع و لیست فیه جملة «فأنا علی ذلك» إلی قوله: «و له الحمد» بل أثبت الجملة عقیب قوله: «و عظم شانه» فی الخبر الآتی تحت رقم 74.
2- فی فقه الرضا المطبوع: أراد العبادة و شاء.
3- فی فقه الرضا المطبوع: فاذا اضطر القضاء لم یخطئ القدر، و إذا لم یخطئ القدر لم یخطئ القضاء، و انما الخلق من القضاء الی القدر، فإذا أخطأ القدر لم یخطئ القضاء، و انما الخلق من القدر الی القضاء، و للقضاء أربعة أوجه اه.

وَ الثَّانِی قَضَاءُ الْحُكْمِ وَ هُوَ قَوْلُهُ وَ قُضِیَ بَیْنَهُمْ بِالْحَقِّ مَعْنَاهُ حُكِمَ وَ الثَّالِثُ قَضَاءُ الْأَمْرِ وَ هُوَ قَوْلُهُ وَ قَضی رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِیَّاهُ مَعْنَاهُ أَمَرَ رَبُّكَ وَ الرَّابِعُ قَضَاءُ الْعِلْمِ وَ هُوَ قَوْلُهُ وَ قَضَیْنا إِلی بَنِی إِسْرائِیلَ فِی الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِی الْأَرْضِ مَرَّتَیْنِ مَعْنَاهُ عَلِمْنَا مِنْ بَنِی إِسْرَائِیلَ قَدْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْمَعْصِیَةَ وَ مَا أَرَادَ وَ شَاءَ الطَّاعَةَ وَ أَرَادَ مِنْهُمْ لِأَنَّ الْمَشِیَّةَ مَشِیَّةُ الْأَمْرِ وَ مَشِیَّةُ الْعِلْمِ وَ إِرَادَتَهُ إِرَادَةُ الرِّضَا وَ إِرَادَةُ الْأَمْرِ أَمَرَ بِالطَّاعَةِ وَ رَضِیَ بِهَا وَ شَاءَ الْمَعْصِیَةَ یَعْنِی عَلِمَ مِنْ عِبَادِهِ الْمَعْصِیَةَ وَ لَمْ یَأْمُرْهُمْ بِهَا فَهَذَا مِنْ عَدْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی فِی عِبَادِهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَ عَظُمَ شَأْنُهُ.

أقول: كانت النسخة سقیمة فأوردناه كما وجدناه.

قوله علیه السلام إذا أخطأ القضاء یمكن أن یقرأ بغیر همز و المعنی إذا جاوز أمر من الأمور التی شرع فی تهیئة أسباب وجوده القضاء و لم یصر مقضیا فلا یتجاوز عن القدر و لا محالة یدخل فی التقدیر و إنما یكون البداء بعد التقدیر و إذا لم یَخُطَّ من المضاعف بمعنی الكتابة أی إذا لم یكتب شی ء فی لوح القدر لا یكتب فی لوح القضاء إذ هو بعد القدر و إنما الخلق من القضاء أی إذا لوحظت علل الخلق و الإیجاد ففی الترتیب الصعودی یتجاوز من القضاء إلی القدر و التخطی و البداء إنما یكون بعد القدر قبل القضاء و الأظهر أنه كان و إذا أخطأ القدر مكان و إذا لم یخط القدر و یكون من الخطاء لا من الخط فالمعنی أن كل ما یوجد من الأمور إما موافق للوح القضاء أو للوح القدر علی سبیل منع الخلو فإذا وقع البداء فی أمر و لم یقع علی ما أثبت فی القدر یكون موافقا للقضاء و لعل ظاهر هذا الخبر تقدم القضاء علی القدر و یحتمل أن یكون القضاء فی الأولی بمعنی الأمر و فی الثانیة بمعنی الحتم فیستقیم ما فی الروایة من النفی.

«74»-شا، الإرشاد رَوَی الْحَسَنُ بْنُ أَبِی الْحَسَنِ الْبَصْرِیِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَی أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ حَرْبِ صِفِّینَ فَقَالَ لَهُ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ خَبِّرْنِی عَمَّا كَانَ بَیْنَنَا وَ بَیْنَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مِنَ الْحَرْبِ أَ كَانَ بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَ قَدَرٍ فَقَالَ لَهُ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام مَا

ص: 125

عَلَوْتُمْ تَلْعَةً وَ لَا هَبَطْتُمْ وَادِیاً إِلَّا وَ لِلَّهِ فِیهِ قَضَاءٌ وَ قَدَرٌ فَقَالَ الرَّجُلُ فَعِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ عَنَائِی یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ فَقَالَ لَهُ وَ لِمَ قَالَ إِذَا كَانَ الْقَضَاءُ وَ الْقَدْرُ سَاقَانَا إِلَی الْعَمَلِ فَمَا الثَّوَابُ لَنَا عَلَی الطَّاعَةِ وَ مَا وَجْهُ الْعِقَابِ عَلَی الْمَعْصِیَةِ فَقَالَ لَهُ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام أَ وَ ظَنَنْتَ یَا رَجُلُ إنِهُ قَضَاءٌ حَتْمٌ وَ قَدَرٌ لَازِمٌ لَا تَظُنَّ ذَلِكَ فَإِنَّ الْقَوْلَ بِهِ مَقَالَةُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَ حِزْبِ الشَّیْطَانِ وَ خُصَمَاءِ الرَّحْمَنِ وَ قَدَرِیَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ مَجُوسِهَا إِنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ أَمَرَ تَخْیِیراً وَ نَهَی تَحْذِیراً وَ كَلَّفَ یَسِیراً وَ لَمْ یُطَعْ مُكْرِهاً وَ لَمْ یُعْصَ مَغْلُوباً وَ لَمْ یَخْلُقِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَیْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِینَ كَفَرُوا فَوَیْلٌ لِلَّذِینَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ فَقَالَ الرَّجُلُ فَمَا الْقَضَاءُ وَ الْقَدَرُ الَّذِی ذَكَرْتَهُ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ قَالَ الْأَمْرُ بِالطَّاعَةِ وَ النَّهْیُ عَنِ الْمَعْصِیَةِ وَ التَّمْكِینُ مِنْ فِعْلِ الْحَسَنَةِ وَ تَرْكِ السَّیِّئَةِ وَ الْمَعُونَةُ عَلَی الْقُرْبَةِ إِلَیْهِ وَ الْخِذْلَانُ لِمَنْ عَصَاهُ وَ الْوَعْدُ وَ الْوَعِیدُ وَ التَّرْغِیبُ وَ التَّرْهِیبُ كُلُّ ذَلِكَ قَضَاءُ اللَّهِ فِی أَفْعَالِنَا وَ قَدَرُهُ لِأَعْمَالِنَا فَأَمَّا غَیْرُ ذَلِكَ فَلَا تَظُنَّهُ فَإِنَّ الظَّنَّ لَهُ مُحْبِطٌ لِلْأَعْمَالِ فَقَالَ الرَّجُلُ فَرَّجْتَ عَنِّی یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكَ وَ أَنْشَأَ یَقُولُ

أَنْتَ الْإِمَامُ الَّذِی نَرْجُو بِطَاعَتِهِ

إِلَی آخِرِ الْبَیْتَیْنِ (1).

«75»-الدُّرَّةُ الْبَاهِرَةُ، قَالَ الرِّضَا علیه السلام الْمَشِیَّةُ الِاهْتِمَامُ بِالشَّیْ ءِ وَ الْإِرَادَةُ إِتْمَامُ ذَلِكَ الشَّیْ ءِ.

«76»-نهج، نهج البلاغة قَالَ علیه السلام وَ قَدْ سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِ طَرِیقٌ مُظْلِمٌ فَلَا تَسْلُكُوهُ وَ بَحْرٌ عَمِیقٌ فَلَا تَلِجُوهُ وَ سِرُّ اللَّهِ فَلَا تَتَكَلَّفُوهُ.

«77»-وَ قَالَ علیه السلام یَغْلِبُ الْمِقْدَارُ عَلَی التَّقْدِیرِ حَتَّی تَكُونَ الْآفَةُ فِی التَّدْبِیرِ.

بیان: المقدار القدر.

«78»-نهج، نهج البلاغة مِنْ كَلَامِهِ علیه السلام لِلشَّامِیِّ لَمَّا سَأَلَهُ أَ كَانَ مَسِیرُهُ إِلَی الشَّامِ بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَ قَدَرِهِ بَعْدَ كَلَامٍ طَوِیلٍ مُخْتَارُهُ وَیْحَكَ لَعَلَّكَ ظَنَنْتَ قَضَاءً لَازِماً وَ قَدَراً حَاتِماً وَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَ الْعِقَابُ وَ سَقَطَ الْوَعْدُ وَ الْوَعِیدُ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ عِبَادَهُ تَخْیِیراً وَ نَهَاهُمْ تَحْذِیراً وَ كَلَّفَ یَسِیراً وَ لَمْ یُكَلِّفْ عَسِیراً وَ أَعْطَی عَلَی الْقَلِیلِ

ص: 126


1- تقدم الحدیث باسناد متعدّدة تحت رقم 19 من الباب الأوّل.

كَثِیراً وَ لَمْ یُعْصَ مَغْلُوباً وَ لَمْ یُطَعْ مُكْرِهاً وَ لَمْ یُرْسِلِ الْأَنْبِیَاءَ لَعِباً وَ لَمْ یُنْزِلِ الْكُتُبَ لِلْعِبَادِ عَبَثاً وَ لَا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَیْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِینَ كَفَرُوا فَوَیْلٌ لِلَّذِینَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ.

«79»-شی، تفسیر العیاشی عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ یَأْمُرُ بِالسُّوءِ وَ الْفَحْشَاءِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَی اللَّهِ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَیْرَ وَ الشَّرَّ بِغَیْرِ مَشِیَّتِهِ فَقَدْ أَخْرَجَ اللَّهَ مِنْ سُلْطَانِهِ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَعَاصِیَ عُمِلَتْ بِغَیْرِ قُوَّةِ اللَّهِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَی اللَّهِ وَ مَنْ كَذَبَ عَلَی اللَّهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ.

تتمیم قال العلامة رحمه اللّٰه فی شرحه علی التجرید یطلق القضاء علی الخلق و الإتمام قال اللّٰه تعالی فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِی یَوْمَیْنِ (1)أی خلقهن و أتمّهن و علی الحكم و الإیجاب كقوله تعالی وَ قَضی رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِیَّاهُ (2)أی أوجب و ألزم.

و علی الإعلام و الإخبار كقوله تعالی وَ قَضَیْنا إِلی بَنِی إِسْرائِیلَ فِی الْكِتابِ (3)أی أعلمناهم و أخبرناهم و یطلق القدر علی الخلق كقوله تعالی وَ قَدَّرَ فِیها أَقْواتَها (4)و الكتابة كقول الشاعر.

و اعلم بأن ذا الجلال قد قدر فی الصحف الأولی التی كان سطر.

و البیان كقوله تعالی إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِینَ (5)أی بیّنّا و أخبرنا بذلك إذا ظهر هذا فنقول للأشعری ما تعنی بقولك إنه تعالی قضی أعمال العباد و قدرها إن أردت به الخلق و الإیجاد فقد بینا بطلانه و أن الأفعال مستندة إلینا و إن عنی به الإلزام لم یصح إلا فی الواجب خاصة و إن عنی به أنه تعالی بیَّنها و كتبها و علم أنهم سیفعلونها فهو صحیح لأنه تعالی قد كتب ذلك أجمع فی اللوح المحفوظ و بیَّنه لملائكته و هذا المعنی الأخیر هو المتعین للإجماع علی وجوب الرضا بقضاء اللّٰه تعالی و قدره و لا یجوز الرضا بالكفر و غیره من القبائح و لا ینفعهم الاعتذار

ص: 127


1- السجدة: 12.
2- اسری: 23.
3- اسری: 4.
4- السجدة: 11.
5- النمل: 57.

بوجوب الرضا به من حیث إنه فعله و عدم الرضا به من حیث الكسب لبطلان الكسب أولا و ثانیا نقول إن كان كون الكفر كسبا بقضائه تعالی و قدره وجب الرضا به من حیث هو كسب و هو خلاف قولكم و إن لم یكن بقضاء و قدر بطل إسناد الكائنات بأجمعها إلی القضاء و القدر انتهی.

و قال شارح المواقف اعلم أن قضاء اللّٰه عند الأشاعرة هو إرادته الأزلیة المتعلقة بالأشیاء علی ما هی علیه فیما لا یزال و قدره إیجاده إیاها علی وجه مخصوص و تقدیر معین فی ذواتها و أحوالها و أما عند الفلاسفة فالقضاء عبارة عن علمه بما ینبغی أن یكون علیه الوجود حتی یكون علی أحسن النظام و أكمل الانتظام و هو المسمی عندهم بالعنایة التی هی مبدأ لفیضان الموجودات من حیث جملتها علی أحسن الوجوه و أكملها و القدر عبارة عن خروجها إلی الوجود العینی بأسبابها علی الوجه الذی تقرر فی القضاء و المعتزلة ینكرون القضاء و القدر فی الأفعال الاختیاریة الصادرة عن العباد و یثبتون علمه تعالی بهذه الأفعال و لا یسندون وجودها إلی ذلك العلم بل إلی اختیار العباد و قدرتهم انتهی.

و قال السید المرتضی رضی اللّٰه عنه فی كتاب الغرر و الدرر إن قال قائل ما تأویل قوله تعالی وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ یَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَی الَّذِینَ لا یَعْقِلُونَ (1)فظاهر هذا الكلام یدل علی أن الإیمان إنما كان لهم فعله بإذنه و أمره و لیس هذا مذهبكم فإن حمل الإذن هاهنا علی الإرادة اقتضی أن من لم یقع منه الإیمان لم یرد اللّٰه تعالی منه و هذا أیضا بخلاف قولكم ثم جعل الرجس الذی هو العذاب علی الذین لا یعقلون و من كان فاقدا عقله لا یكون مكلفا فكیف یستحق العذاب

وَ هَذَا بِالضِّدِّ مِنَ الْخَبَرِ الْمَرْوِیِّ عَنِ النَّبِیِّ صلی اللّٰه علیه و آله أَنَّهُ قَالَ: أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ.

الجواب یقال له فی قوله إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وجوه منها أن یكون الإذن الأمر و یكون معنی الكلام أن الإیمان لا یقع من أحد إلا بعد أن یأذن اللّٰه فیه و یأمر به و لا یكون معناه ما ظنه السائل من أنه لا یكون للفاعل فعله إلا بإذنه

ص: 128


1- یونس: 100.

و یجری هذا مجری قوله تعالی وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (1)و معلوم أن معنی قوله لیس لها فی هذه الآیة هو ما ذكرناه و إن كان الأشبه فی الآیة التی فیها ذكر الموت أن یكون المراد بالإذن العلم.

و منها أن یكون الإذن هو التوفیق و التیسیر و التسهیل و لا شبهة فی أن اللّٰه تعالی یوفق لفعل الإیمان و یلطف فیه و یسهل السبیل إلیه.

و منها أن یكون الإذن العلم من قولهم أنت أذنت لكذا و كذا إذا سمعته و علمته و أذنت فلانا بكذا و كذا إذا أعلمته فتكون فائدة الآیة الإخبار عن علمه تعالی بسائر الكائنات و أنه مما لا تخفی علیه الخفیات و قد أنكر بعض من لا بصیرة له أن یكون الإذن بكسر الألف و تسكین الذال عبارة عن العلم و زعم أن الذی هو العلم الأذن بالتحریك و استشهد بقول الشاعر إن همی فی سماع و أذن و لیس الأمر علی ما توهمه هذا المتوهم لأن الإذن هو المصدر و الأذن هو اسم الفعل و یجری مجری الحذر فی أنه مصدر و الحذر بالتسكین الاسم علی أنه لو لم یكن مسموعا إلا الأذن بالتحریك لجاز التسكین مثل مثل و مثل و شبه و شبه و نظائر ذلك كثیرة.

و منها أن یكون الإذن العلم و معناه إعلام اللّٰه المكلفین بفضل الإیمان و ما یدعو إلی فعله فیكون معنی الآیة و ما كان لنفس أن تؤمن إلا بإعلام اللّٰه تعالی لها ما یبعثها علی الإیمان و یدعوها إلی فعله فأما ظن السائل دخول الإرادة فی محتمل اللفظ فباطل لأن الإذن لا یحتمل الإرادة فی اللغة و لو احتملها أیضا لم یجب ما توهمه لأنه إذا قال إن الإیمان لم یقع إلا و أنا مرید له لم ینف أن یكون مریدا لما لم یقع و لیس فی صریح الكلام و لا فی دلالته شی ء من ذلك. (2)

ص: 129


1- آل عمران: 145.
2- قال الشیخ قدّس سرّه فی التبیان و معنی قوله: «و ما كان لنفس أن تؤمن إلّا باذن اللّٰه» أنه لا یمكن لاحد أن یؤمن إلّا باطلاق اللّٰه له فی الایمان و تمكینه منه و دعاؤه إلیه بما خلق فیه من العقل الموجب لذلك. و قال الحسن و أبو علیّ الجبّائیّ: إذنه هاهنا: أمره، و حقیقة إطلاقه فی الفعل بالامر و قد یكون الاذن بالإطلاق فی الفعل برفع التبعیة. و قیل: معناه: و ما كان لنفس أن تؤمن إلّا بعلم اللّٰه، و أصل الاذن: الإطلاق فی الفعل، فأما الاقدار علی الفعل فلا یسمی إذنا فیه، لان النهی ینافی الإطلاق. انتهی.

و أما قوله تعالی وَ یَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَی الَّذِینَ لا یَعْقِلُونَ فلم یعن به الناقصی العقول و إنما أراد تعالی الذین لم یعقلوا و لم یعلموا ما وجب علیهم علمه من معرفة خالقهم تعالی و الاعتراف بنبوة رسله علیهم السلام و الانقیاد إلی طاعتهم و وصفهم بأنهم لا یعقلون تشبیها كما قال اللّٰه تعالی صُمٌّ بُكْمٌ عُمْیٌ (1)و كما یصف أحدنا من لم یفطن لبعض الأمور أو لم یعلم ما هو مأمور بعلمه بالجنون و فقد العقل فأما الحدیث الذی أورده السائل شاهدا له فقد قیل فیه إنه صلی اللّٰه علیه و آله لم یرد بالبله ذوی الغفلة و النقص و الجنون و إنما أراد البله عن الشر و القبیح و سماهم بلها عن ذلك من حیث لا یستعملونه و لا یعتادونه لا من حیث فقد العلم به و وجه تشبیه من هذه حاله بالأبله ظاهر (2)ثم قال رحمه اللّٰه إن سأل سائل عن قوله تعالی حاكیا عن شعیب علیه السلام قَدِ افْتَرَیْنا عَلَی اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِی مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَ ما یَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِیها إِلَّا أَنْ یَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا (3)فقال أ لیس هذا تصریحا منه بأن اللّٰه تعالی یجوز أن یشاء الكفر و القبیح لأن ملة قومه كانت كفرا و ضلالا و قد أخبر أنه لا یعود فیها إلا أن یشاء اللّٰه.

الجواب قیل له فی هذه الآیة وجوه أولها أن تكون الملة التی عناها اللّٰه تعالی إنما هی العبادات الشرعیّات التی كانت قوم شعیب متمسكین بها و هی منسوخة عنهم و لم یعن بها ما یرجع إلی الاعتقادات فی اللّٰه و صفاته. (4)

ص: 130


1- البقرة: 18.
2- قال بعد ذلك: فان الابله عن الشی ء هو الذی لا یعرض له و لا یقصد إلیه فإذا كان المتنزّه عن الشر معرضا عنه هاجرا لفعله جاز أن یوصف بالبله للفائدة التی ذكرناها، و یشهد بصحة هذا التأویل قول الشاعر: و لقد لهوت بطفلة میالة بلهاء تطلعنی علی اسرارها أراد بالبلهاء ما ذكرناه؛ الی آخر كلامه. و من شاء الاطلاع علیه فلیراجع ج 1 ص 31 من أمالیه.
3- الأعراف: 89.
4- قال بعد ذلك: مما لا یجوز أن تختلف العبادات فیه و الشرعیات یجوز فیها اختلاف العبادة من حیث تبعت المصالح و الالطاف و المعلوم من أحوال المكلفین، فكانه قال: ان ملتكم لا نعود فیها مع علمنا بان اللّٰه قد نسخها و أزال حكمها الا أن یشاء اللّٰه ان یتعبدنا بمثلها فنعود إلیها، و تلك الافعال التی كانوا متمسكین بها مع نسخها عنهم و نهیهم عنها و ان كانت ضلالا و كفرا فقد كان یجوز فیما هو مثلها أن یكون ایمانا و هدی، بل فیها أنفسها قد كان یجوز ذلك، و لیس تجری هذه الافعال مجری الجهل باللّٰه تعالی الذی لا یجوز أن یكون إلّا قبیحا، و قد طعن بعضهم علی هذا الجواب فقال: كیف یجوز أن یتعبدهم اللّٰه تعالی بتلك الملّة مع قوله: «قَدِ افْتَرَیْنا عَلَی اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِی مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها»؟ فیقال له: لم ینف عودهم إلیها علی كل حال، و انما نفی العود إلیها مع كونها منسوخة منهیا عنها، و الذی علقه بمشیة اللّٰه تعالی من العود إلیها هو بشرط أن یأمر بها و یتعبد بمثلها، و الجواب مستقیم لا خلل فیه انتهی. یوجد ذلك فی ج 2 ص 64.

و ثانیها أنه أراد أن ذلك لا یكون أبدا من حیث علقه بمشیة اللّٰه تعالی لما كان معلوما أنه لا یشاؤه و كل أمر علق بما لا یكون فقد نفی كونه علی أبعد الوجوه و تجری الآیة مجری قوله تعالی وَ لا یَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّی یَلِجَ الْجَمَلُ فِی سَمِّ الْخِیاطِ و ثالثها ما ذكره قطرب من أن فی الكلام تقدیما و تأخیرا و أن الاستثناء من الكفار وقع لا من شعیب فكأنه تعالی قال حاكیا عن الكفار لَنُخْرِجَنَّكَ یا شُعَیْبُ وَ الَّذِینَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْیَتِنا إلا أن یشاء اللّٰه أن تعود فی ملتنا ثم قال حاكیا عن شعیب وَ ما یَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِیها علی كل حال.

و رابعها أن تعود الهاء التی فی قوله تعالی فِیها إلی القریة لا إلی الملة لأن ذكر القریة قد تقدم كما تقدم ذكر الملة و یكون تلخیص الكلام أنا سنخرج من قریتكم و لا نعود فیها إلا أن یشاء اللّٰه بما ینجزه لنا من الوعد فی الإظهار علیكم و الظفر بكم فنعود إلیها.

و خامسها أن یكون المعنی إلا أن یشاء اللّٰه أن یردكم إلی الحق فنكون جمیعا علی ملة واحدة غیر مختلفة لأنه لما قال تعالی حاكیا عنهم أَوْ لَتَعُودُنَّ فِی مِلَّتِنا كان معناه أو لتكونن علی ملة واحدة غیر مختلفة فحسن أن یقول من بعد إلا أن یشاء اللّٰه أن یجمعكم معنا علی ملة واحدة فإن قیل الاستثناء بالمشیة إنما كان بعد قوله و ما یكون لنا أن نعود فیها فكأنه قال لیس نعود فیها إلا أن یشاء اللّٰه فكیف یصح هذا الجواب قلنا هو كذلك إلا أنه لما كان معنی أن نعود فیها هو أن تصیر ملتنا واحدة غیر

ص: 131

مختلفة جاز أن یوقع الاستثناء علی المعنی فیقول إلا أن یشاء اللّٰه أن نتفق فی الملة بأن ترجعوا أنتم إلی الحق.

فإن قیل و كان اللّٰه ما شاء أن ترجع الكفار إلی الحق قلنا بلی قد شاء ذلك إلا أنه ما شاء علی كل حال بل من وجه دون وجه و هو أن یؤمنوا و یصیروا إلی الحق مختارین لیستحقوا الثواب الذی أجری بالتكلیف إلیه و لو شاءه علی كل حال لما جاز أن لا یقع منهم. (1)و سادسها أن یكون المعنی إلا أن یشاء اللّٰه أن یمكنكم من إكراهنا و یخلی بینكم و بینه فنعود إلی إظهارها مكرهین و یقوی هذا الوجه قوله تعالی أَ وَ لَوْ كُنَّا كارِهِینَ و سابعها أن یكون المعنی إلا أن یشاء اللّٰه أن یتعبدنا بإظهار ملتكم مع الإكراه لأن إظهار كلمة الكفر قد یحسن فی بعض الأحوال إذا تعبد اللّٰه تعالی بإظهاره و قوله أَ وَ لَوْ كُنَّا كارِهِینَ یقوی هذا الوجه أیضا.

فإن قیل فكیف یجوز من نبی من أنبیاء اللّٰه تعالی أن یتعبد بإظهار الكفر و خلاف ما جاء به من الشرع قلنا یجوز أن یكون لم یرد بالاستثناء نفسه بل قومه فكأنه قال و ما یكون لی و لا لأمتی أن نعود فیها إلا یشاء اللّٰه أن یتعبد أمتی بإظهار ملتكم علی سبیل الإكراه و هذا جائز غیر ممتنع. و قال طیّب اللّٰه رمسه إن سأل سائل عن تأویل قوله تعالی فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ إِنَّما یُرِیدُ اللَّهُ لِیُعَذِّبَهُمْ بِها فِی الْحَیاةِ الدُّنْیا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كافِرُونَ (2)فقال كیف یعذبهم بالأموال و الأولاد و معلوم أن لهم فیها سرورا و لذة و ما تأویل

ص: 132


1- و فیه بعد ذلك زیادة و هی قوله: فكان شعیبا علیه السلام قال: ان ملتنا لا تكون واحدة أبدا الا أن یشاء اللّٰه أن یلجئكم الی الاجتماع معنا علی دیننا و موافقتنا فی ملتنا، و الفائدة فی ذلك واضحة، لانه لو اطلق أنا لا نتفق أبدا و لا تصیر ملتنا واحدة لتوهم متوهم أن ذلك ممّا لا یمكن علی حال من الأحوال فافاد بتعلیقه له بالمشیة هذا الوجه، و یجری قوله تعالی: «إِلَّا أَنْ یَشاءَ اللَّهُ» مجری قوله تعالی: «وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِی الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِیعاً» ج 2 ص 65.
2- التوبة: 55.

قوله ماتُوا وَ هُمْ كافِرُونَ فظاهره یقتضی أنه أراد كفرهم من حیث أراد أن تزهق أنفسهم فی حال كفرهم لأن القائل إذا قال أرید أن یلقانی فلان و هو لابس أو علی صفة كذا و كذا فالظاهر أنه أراد كونه علی هذه الصفة.

قلنا أما التعذیب بالأموال و الأولاد ففیه وجوه.

أحدها ما روی عن ابن عباس و قتادة و هو أن یكون فی الكلام تقدیم و تأخیر و یكون التقدیر فلا تعجبك یا محمد و لا تعجب المؤمنین معك أموال هؤلاء الكفار و المنافقین و أولادهم فی الحیاة الدنیا إنما یرید اللّٰه لیعذبهم بها فی الآخرة عقوبة لهم علی منعهم حقوقها و استشهد علی ذلك بقوله تعالی اذْهَبْ بِكِتابِی هذا فَأَلْقِهْ إِلَیْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا یَرْجِعُونَ (1)فالمعنی فألقه إلیهم فانظر ما ذا یرجعون ثم تول عنهم.

و ثانیها أن یكون المعنی ما جعله للمؤمنین من قتالهم و غنیمة أموالهم و سبی أولادهم و استرقاقهم و فی ذلك لا محالة إیلام لهم و استخفاف بهم. (2)و ثالثها أن یكون المراد بتعذیبهم بذلك كل ما یدخله فی الدنیا علیهم من الغموم و المصائب بأموالهم و أولادهم التی هی لهؤلاء الكفار و المنافقین عقاب و جزاء و للمؤمنین محنة و جالبة للنفع و العوض و یجوز أیضا أن یراد به ما ینذر به الكافر قبل موته و عند

ص: 133


1- النمل: 28.
2- قال بعد ذلك: و انما أراد اللّٰه تعالی بذلك إعلام نبیه صلّی اللّٰه علیه و آله و المؤمنین أنه لم یرزق الكفّار الأموال و الاولاد و لم یبقها فی أیدیهم كرامة لهم و رضی عنهم، بل للمصلحة الداعیة إلی ذلك، و أنهم مع هذه الحالة معذبون بهذه النعم من الوجه الذی ذكرناه، فلا یجب أن یغبطوا بها و یحسدوا علیها، اذ كانت هذه عاجلتهم، و العقاب الالیم آجلتهم، و هذا جواب أبی علی الجبّائیّ و قد طعن علیه بعض من لا تأمل له فقال: كیف یصحّ هذا التأویل مع أنا نجد كثیرا من الكفّار لا تنالهم أیدی المسلمین، و لا یقدرون علی غنیمة أموالهم، و نجد أهل الكتاب أیضا خارجین عن هذه الجملة، لمكان الذمّة و العهد؟ و لیس هذا الاعتراض بشی ء، لانه لا یمتنع أن تختص الآیة بالكفار الذین لا ذمة لهم و لا عهد ممن أوجب اللّٰه تعالی محاربته، فاما الذین هم بحیث لا تنالهم الأیدی، أو هم من القوّة علی حدّ لا یتم معه غنیمة أموالهم فلا یقدح الاعتراض بهم فی هذا الجواب، لانهم ممن أراد اللّٰه أن یسبی و یغنم و یجاهد و یغلب، و ان لم یقع ذلك، و لیس فی ارتفاعه بالتعذر دلالة علی أنه غیر مراد. انتهی ج 2 ص 153.

احتضاره و انقطاع التكلیف عنه مع أنه حی من العذاب الدائم الذی قد أعد له و إعلامه أنه صائر إلیه.

و رابعها أن یكون المراد بذلك ما ألزمه هؤلاء الكفار من الفرائض و الحقوق فی أموالهم لأن ذلك یؤخذ منهم علی كره و هم إذا أنفقوا فیه أنفقوا بغیر نیة و لا عزیمة فتصیر نفقتهم غرامة و عذابا من حیث لا یستحقون علیها أجرا و فی هذا الوجه نظر. (1)

ص: 134


1- قال قدس اللّٰه روحه: و هذا وجه غیر صحیح، لان الوجه فی تكلیف الكافر اخراج الحقوق من ماله، كالوجه فی تكلیف المؤمن ذلك، و محال أن یكون انما كلف اخراج هذه الحقوق علی سبیل العذاب و الجزاء، لان ذلك لا یقتضی وجوبه علیه، و الوجه فی تكلیف الجمیع هذه الأمور هو المصلحة و اللطف فی التكلیف، و لا یجری ذلك مجری ما قلناه فی الجواب الذی قبل هذا من أن المصائب و الغموم تكون للمؤمنین محنة و للكافرین عقوبة، لان تلك الأمور ممّا یجوز أن یكون وجه حسنها للعقوبة و المحنة جمیعا، و لا یجوز فی هذه الفرائض أن یكون لوجوبها علی المكلف إلّا وجه واحد و هو المصلحة فی الدین، فافترق الامران، و لیس لهم أن یقولوا: لیس التعذیب فی إیجاب الفرائض علیهم، و إنّما هو فی إخراجهم لاموالهم علی سبیل التكره و الاستثقال، و ذلك أنّه إذا كان الامر علی ما ذكروه خرج الامر من أن یكون مرادا للّٰه تعالی، لانه جل و عزّ ما أراد منهم اخراج المال علی هذا الوجه بل علی الوجه الذی هو طاعة و قربة، فإذا أخرجوها متكرهین مستثقلین لم یرد ذلك، فكیف یقول: إِنَّما یُرِیدُ اللَّهُ لِیُعَذِّبَهُمْ بِها؟ و یجب أن یكون ما یعذبون به شیئا یصحّ أن یریده اللّٰه تعالی. أقول: أورد شیخ الطائفة فی التبیان وجوها أخر، أولها ما حكی عن ابن زید أن المعنی: انما یرید اللّٰه لیعذبهم بحفظها و المصائب فیها مع حرمان المنفعة بها. ثانیها: أن مفارقتها و تركها و الخروج عنها بالموت صعب علیهم شدید، لانهم یفارقون النعم، لا یدرون الی ما ذا یصیرون بعد الموت، فیكون حینئذ عذابا علیهم، بمعنی أن مفارقتها غم و عذاب؛ و معنی تزهق أنفسهم أی تهلك و تذهب بالموت، یقال: زهق بضاعة فلان أی ذهبت أجمع. و أورد وجوها أخر متقاربة مع ما ذكره السیّد رحمه اللّٰه و قال بعد ذلك: و لیس فی الآیة ما یدل علی ان اللّٰه تعالی أراد الكفر علی ما یقوله المجبرة، لان قوله: «وَ هُمْ كافِرُونَ» فی موضع الحال، كقولك: أرید أن نذمه فهو كافر، و أرید أن نضربه و هو عاص، و أنت لا ترید كفره و لا عصیانه، بل ترید ذمه فی حال كفره و عصیانه، و تقدیر الآیة: انما یرید اللّٰه عذابهم و ازهاق أنفسهم، أی أی اهلاكها فی حال كونهم كافرین. «التبیان ج 1 ص 837».

ثم اعلم أن جمیع الوجوه التی حكیناها فی هذه الآیة إلا جواب التقدیم و التأخیر مبنیة علی أن الحیاة الدنیا ظرف للعذاب و ما یحتاج عندنا إلی جمیع ما تكلفوه إذا لم نجعل الحیاة ظرفا للعذاب بل جعلناها ظرفا للفعل الواقع بالأموال و الأولاد المتعلق بهما لأنا قد علمنا أولا أن قوله لیعذبهم بها لا بد من الانصراف عن ظاهره لأن الأموال و الأولاد أنفسهما لا تكون عذابا فالمراد علی سائر وجوه التأویل الفعل المتعلق بها و المضاف إلیها سواء كان إنفاقها أو المصیبة بها و الغم علیها أو إباحة غنیمتها و إخراجها عن أیدی مالكیها و كان تقدیر الآیة إنما یرید اللّٰه لیعذبهم بكذا و كذا مما یتعلق بأموالهم و أولادهم و یتصل بها و إذا صح هذا جاز أن تكون الحیاة الدنیا ظرفا لأفعالهم القبیحة فی أموالهم و أولادهم التی تغضب اللّٰه و تسخطه كإنفاقهم الأموال فی وجوه المعاصی و حملهم الأولاد علی الكفر فتقدیر الكلام إنما یرید اللّٰه لیعذبهم بفعلهم فی أموالهم و أولادهم الواقع ذلك فی الحیاة الدنیا و أما قوله تعالی وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كافِرُونَ فمعناه تبطل و تخرج أی أنهم یموتون علی الكفر لیس یجب إذا كان مریدا لأن تزهق أنفسهم و هم علی هذه الحال أن یرید الحال نفسها علی ما ظنوه (1)و قد ذكر فی ذلك وجه آخر و هو أن لا یكون قوله وَ هُمْ كافِرُونَ حالا لزهوق أنفسهم بل یكون كأنه كلام مستأنف و التقدیر فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ إِنَّما یُرِیدُ اللَّهُ لِیُعَذِّبَهُمْ بِها فِی الْحَیاةِ الدُّنْیا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ مع ذلك كله كافِرُونَ صائرون إلی النار و تكون الفائدة أنهم مع عذاب الدنیا قد اجتمع علیهم عذاب الآخرة و یكون معنی تزهق أنفسهم المشقة الشدیدة و الكلفة الصعبة.

أقول قد مضی بعض الأخبار فی معنی القدر و القضاء فی باب البداء.

ص: 135


1- قال: لان الواحد منا قد یامر غیره و یرید منه أن یقاتل أهل البغی و هم محاربون، و لا یقاتلهم و هم منهزمون، و لا یكون مریدا لحرب أهل البغی للمؤمنین و ان أراد قتلهم علی هذه الحالة، و كذلك قد یقول لغلامه: أرید أن تواظب علی المصیر الی فی السجن و أنا محبوس، و للطبیب: صر الی و لازمنی و أنا مریض و هو لا یرید المرض و لا الحبس، و ان كان قد أراد ما هو متعلق بهاتین الحالتین.

باب 4 الآجال

الآیات؛

آل عمران: «وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا»(145) (و قال تعالی): «یَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَیْ ءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِی بُیُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِینَ كُتِبَ عَلَیْهِمُ الْقَتْلُ إِلی مَضاجِعِهِمْ»(154)

الأنعام: «هُوَ الَّذِی خَلَقَكُمْ مِنْ طِینٍ ثُمَّ قَضی أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّی عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ»(3)

الأعراف: «وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا یَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا یَسْتَقْدِمُونَ»(34)

یونس: «لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا یَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا یَسْتَقْدِمُونَ»(34)

الحجر: «وَ ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْیَةٍ إِلَّا وَ لَها كِتابٌ مَعْلُومٌ* ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَ ما یَسْتَأْخِرُونَ»(4-5)

النحل: «وَ لَوْ یُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَیْها مِنْ دَابَّةٍ وَ لكِنْ یُؤَخِّرُهُمْ إِلی أَجَلٍ مُسَمًّی فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا یَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا یَسْتَقْدِمُونَ»(61)

مریم: «فَلا تَعْجَلْ عَلَیْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا»(84)

طه: «وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَ أَجَلٌ مُسَمًّی»(129)

العنكبوت: «وَ لَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّی لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَ لَیَأْتِیَنَّهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لا یَشْعُرُونَ»(53)

فاطر: «وَ ما یُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا یُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِی كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَی اللَّهِ یَسِیرٌ»(11)

حمعسق: «وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلی أَجَلٍ مُسَمًّی لَقُضِیَ بَیْنَهُمْ»(14)

المنافقین: «وَ لَنْ یُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها»(11)

ص: 136

نوح: «وَ یُؤَخِّرْكُمْ إِلی أَجَلٍ مُسَمًّی إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا یُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ»(4)

تفسیر: قال الرازی فی تفسیره: اختلفوا فی تفسیر الإذن:

الأول: أن یكون الإذن هو الأمر أی یأمر ملك الموت بقبض الأرواح فلا یموت أحد إلا بهذا الأمر.

الثانی: أن المراد به الأمر التكوینی كقوله تعالی أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَیَكُونُ و لا یقدر علی الحیاة و الموت أحد إلا اللّٰه.

الثالث: أن یكون الإذن هو التخلیة و الإطلاق و ترك المنع بالقهر و الإجبار و به فسر قوله تعالی وَ ما هُمْ بِضارِّینَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أی بتخلیته فإنه تعالی قادر علی المنع من ذلك بالقهر.

الرابع: أن یكون الإذن بمعنی العلم و معناه أن نفسا لا تموت إلا فی الوقت الذی علم اللّٰه موتها فیه.

الخامس: قال ابن عباس الإذن هو قضاء اللّٰه و قدره فإنه لا یحدث شی ء إلا بمشیة اللّٰه و إرادته و الآیة تدل علی أن المقتول میت بأجله و أن تغییر الآجال ممتنع انتهی.

قوله: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَیْ ءٌ أی من الظفر الذی وعدنا النبی صلی اللّٰه علیه و آله أو لو كنا مختارین لما خرجنا باختیارنا.

قوله تعالی: لَبَرَزَ الَّذِینَ كُتِبَ عَلَیْهِمُ الْقَتْلُ إِلی مَضاجِعِهِمْ قال الطبرسی رحمه اللّٰه فیه قولان أحدهما أن معناه لو لزمتم منازلكم أیها المنافقون و المرتابون لخرج إلی البراز المؤمنون الذین فرض علیهم القتال صابرین محتسبین فیقتلون و یقتلون و لما تخلفوا بتخلفكم.

و الثانی أن معناه لو كنتم فی منازلكم لخرج الذین كتب علیهم القتل أی كتب آجالهم و موتهم و قتلهم فی اللوح المحفوظ فی ذلك الوقت إلی مصارعهم و ذلك أن ما علم اللّٰه كونه فإنه یكون كما علمه لا محالة و لیس فی ذلك أن المشركین غیر قادرین علی

ص: 137

ترك القتال من حیث علم اللّٰه ذلك منهم و كتبه لأنه كما علم أنهم لا یختارون ذلك علم أنهم قادرون و لو وجب ذلك لوجب أن لا یكون تعالی قادرا علی ما علم أنه لا یفعله و القول بذلك كفر.

و قال رحمه اللّٰه فی قوله تعالی ثُمَّ قَضی أَجَلًا أی كتب و قدر أجلا وَ أَجَلٌ مُسَمًّی عِنْدَهُ قیل فیه أقوال أحدها أنه یعنی بالأجلین أجل الحیاة إلی الموت و أجل الموت إلی البعث و روی ابن عباس قال قَضی أَجَلًا من مولده إلی مماته وَ أَجَلٌ مُسَمًّی عِنْدَهُ من الممات إلی البعث لا یعلم أحد میقاته سواه فإذا كان الرجل صالحا واصلا لرحمه زاد اللّٰه له فی أجل الحیاة من أجل الممات إلی البعث و إذا كان غیر صالح و لا واصل نقصه اللّٰه من أجل الحیاة و زاد فی أجل المبعث قال و ذلك قوله وَ ما یُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا یُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِی كِتابٍ و ثانیها أنه الأجل الذی یحیی به أهل الدنیا إلی أن یموتوا وَ أَجَلٌ مُسَمًّی عِنْدَهُ یعنی الآخرة لأنها أجل ممدود دائم لا آخر له.

و ثالثها أن أَجَلًا یعنی به أجل من مضی من الخلق وَ أَجَلٌ مُسَمًّی عِنْدَهُ یعنی به آجال الباقین.

و رابعها أن قوله قَضی أَجَلًا عنی به النوم یقبض الروح فیه ثم یرجع عند الیقظة و الأجل المسمی هو أجل الموت و الأصل فی الأجل هو الوقت فأجل الحیاة هو الوقت الذی یكون فیه الحیاة و أجل الموت أو القتل هو الوقت الذی یحدث فیه الموت أو القتل و ما یعلم اللّٰه تعالی أن المكلف یعیش إلیه لو لم یقتل لا یسمی أجلا حقیقة و یجوز أن یسمی ذلك مجازا و ما جاء فی الأخبار من أن صلة الرحم تزید فی العمر و الصدقة تزید فی الأجل و أن اللّٰه تعالی زاد فی أجل قوم یونس و ما أشبه ذلك فلا مانع من ذلك و قال فی قوله تعالی وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ أی لكل جماعة و أهل عصر وقت لاستیصالهم و قیل المراد بالأجل أجل العمر الذی هو ملة الحیاة.

قوله لا یَسْتَأْخِرُونَ أی لا یتأخرون ساعة من ذلك الوقت و لا یتقدمون ساعة.

و قیل معناه لا یبطلون التأخر عن ذلك الوقت للإیاس عنه و لا یطلبون التقدم و معنی

ص: 138

جاء أجلهم قرب أجلهم كما یقال جاء الصیف إذا قارب وقته.

قوله تعالی وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ أی فی تأخیر العذاب عن قومك و أنه لا یعذبهم و أنت فیهم لَقُضِیَ بَیْنَهُمْ أی لفرغ من عذابهم و استیصالهم و قیل معناه لو لا حكم سبق من ربك بتأخیرهم إلی وقت انقضاء آجالهم لقضی بینهم قبل انقضاء آجالهم.

«1»-فس، تفسیر القمی أَبِی عَنِ النَّضْرِ عَنِ الْحَلَبِیِّ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: الْأَجَلُ الْمَقْضِیُّ هُوَ الْمَحْتُومُ الَّذِی قَضَاهُ اللَّهُ وَ حَتَمَهُ وَ الْمُسَمَّی هُوَ الَّذِی فِیهِ الْبَدَاءُ یُقَدِّمُ مَا یَشَاءُ وَ یُؤَخِّرُ مَا یَشَاءُ وَ الْمَحْتُومُ لَیْسَ فِیهِ تَقْدِیمٌ وَ لَا تَأْخِیرٌ.

فس، تفسیر القمی إِلَّا وَ لَها كِتابٌ مَعْلُومٌ أَیْ أَجَلٌ مَكْتُوبٌ

. 2- فس، تفسیر القمی أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِیسَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَیْنِ بْنِ سَعِیدٍ عَنِ النَّضْرِ عَنْ یَحْیَی الْحَلَبِیِّ عَنْ هَارُونَ بْنِ خَارِجَةَ عَنْ أَبِی بَصِیرٍ عَنْ أَبِی جَعْفَرٍ علیه السلام فِی قَوْلِ اللَّهِ وَ لَنْ یُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها قَالَ إِنَّ عِنْدَ اللَّهِ كُتُباً مَوْقُوفَةً یُقَدِّمُ مِنْهَا مَا یَشَاءُ وَ یُؤَخِّرُ فَإِذَا كَانَ لَیْلَةُ الْقَدَرِ أَنْزَلَ فِیهَا كُلَّ شَیْ ءٍ یَكُونُ إِلَی مِثْلِهَا (1)فَذَلِكَ قَوْلُهُ وَ لَنْ یُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها إِذَا أَنْزَلَهُ وَ كَتَبَهُ كُتَّابُ السَّمَاوَاتِ وَ هُوَ الَّذِی لَا یُؤَخِّرُهُ.

«3»-شی، تفسیر العیاشی عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام فِی قَوْلِهِ تَعَالَی ثُمَّ قَضی أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّی عِنْدَهُ قَالَ الْأَجَلُ الَّذِی غَیْرُ مُسَمًّی مَوْقُوفٌ یُقَدِّمُ مِنْهُ مَا شَاءَ وَ یُؤَخِّرُ مِنْهُ مَا شَاءَ وَ أَمَّا الْأَجَلُ الْمُسَمَّی فَهُوَ الَّذِی یُنْزِلُ مِمَّا یُرِیدُ أَنْ یَكُونَ مِنْ لَیْلَةِ الْقَدْرِ إِلَی مِثْلِهَا مِنْ قَابِلٍ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا یَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا یَسْتَقْدِمُونَ

«4»-ما، الأمالی للشیخ الطوسی وَ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: الْمُسَمَّی مَا سُمِّیَ لِمَلَكِ الْمَوْتِ فِی تِلْكَ اللَّیْلَةِ وَ هُوَ الَّذِی قَالَ اللَّهُ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا یَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا یَسْتَقْدِمُونَ وَ الْآخَرُ لَهُ فِیهِ الْمَشِیَّةُ إِنْ شَاءَ قَدَّمَهُ وَ إِنْ شَاءَ أَخَّرَهُ.

«5»-ما، الأمالی للشیخ الطوسی الْغَضَائِرِیُّ عَنِ التَّلَّعُكْبَرِیِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَمَّامٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِیِّ بْنِ

ص: 139


1- فی المصدر: أنزل اللّٰه فیها كل شی ء یكون الی لیلة مثلها. م.

الْحُسَیْنِ الْهَمَذَانِیِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْبَرْقِیِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَی لَمْ یَجْعَلْ لِلْمُؤْمِنِ أَجَلًا فِی الْمَوْتِ یُبْقِیهِ مَا أَحَبَّ الْبَقَاءَ فَإِذَا عَلِمَ مِنْ أَنَّهُ سَیَأْتِی بِمَا فِیهِ بَوَارُ دِینِهِ (1)قَبَضَهُ إِلَیْهِ تَعَالَی مُكْرَهاً.

«6»-قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامٍ فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِیثَ لِأَحْمَدَ بْنِ عَلِیِّ بْنِ حَمْزَةَ مَوْلَی الطَّالِبِیِّینَ وَ كَانَ رَاوِیَةً لِلْحَدِیثِ (2)فَحَدَّثَنِی عَنِ الْحُسَیْنِ بْنِ أَسَدٍ الطُّفَاوِیِّ (3)عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ فُضَیْلِ بْنِ یَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: مَنْ یَمُوتُ بِالذُّنُوبِ أَكْثَرُ مِمَّنْ یَمُوتُ بِالْآجَالِ وَ مَنْ یَعِیشُ بِالْإِحْسَانِ أَكْثَرُ مِمَّنْ یَعِیشُ بِالْأَعْمَارِ.

«7»-دَعَوَاتُ الرَّاوَنْدِیِّ، قَالَ الصَّادِقُ علیه السلام یَعِیشُ النَّاسُ بِإِحْسَانِهِمْ أَكْثَرَ مِمَّا یَعِیشُونَ بِأَعْمَارِهِمْ وَ یَمُوتُونَ بِذُنُوبِهِمْ أَكْثَرَ مِمَّا یَمُوتُونَ بِآجَالِهِمْ.

«8»-النهج، نهج البلاغة قَالَ علیه السلام إِنَّ مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ مَلَكَیْنِ یَحْفَظَانِهِ فَإِذَا جَاءَ الْقَدَرُ خَلَّیَا بَیْنَهُ وَ بَیْنَهُ وَ إِنَّ الْأَجَلَ جُنَّةٌ (4)حَصِینَةٌ.

«9»-شی، تفسیر العیاشی عَنْ حُمْرَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ قَضی أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّی عِنْدَهُ قَالَ هُمَا أَجَلَانِ أَجَلٌ مَوْقُوفٌ یَصْنَعُ اللَّهُ مَا یَشَاءُ وَ أَجَلٌ مَحْتُومٌ.

«10»-شی، تفسیر العیاشی عَنْ حُصَیْنٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام فِی قَوْلِهِ قَضی أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّی عِنْدَهُ قَالَ الْأَجَلُ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِی نَبَذَهُ إِلَی الْمَلَائِكَةِ وَ الرُّسُلِ وَ الْأَنْبِیَاءِ وَ الْأَجَلُ الْمُسَمَّی عِنْدَهُ هُوَ الَّذِی سَتَرَهُ عَنِ الْخَلَائِقِ.

بیان: ظاهر بعض الأخبار كون الأجل الأول محتوما و الثانی موقوفا و بعضها بالعكس و یمكن الجمع بأن المعنی أنه تعالی قضی أجلا أخبر به أنبیاءه و حججه علیهم السلام و أخبر بأنه محتوم فلا یتطرق إلیه التغییر و عنده أجل مسمی أخبر بخلافه غیر محتوم فهو الذی إذا أخبر بذلك المسمی یحصل منه البداء فلذا قال تعالی

ص: 140


1- أی هلاك دینه. أقول: متن الحدیث لا یخلو عن غرابة.
2- الراویة: الذی یروی الحدیث و التاء فیه للمبالغة.
3- قال الفیروزآبادی فی القاموس: الطفاوة بالضم: حی من قیس عیلان.
4- بضم الجیم: السترة، و كل ما وقی من السلاح.

عِنْدَهُ أی لم یطلع علیه أحدا بعد و إنما یطلق علیه المسمی لأنه بعد الإخبار یكون مسمی فما لم یسم فهو موقوف و منه یكون البداء فیما أخبر لا علی وجه الحتم و یحتمل أن یكون المراد بالمسمی ما سمی و وصف بأنه محتوم فالمعنی قضی أجلا محتوما أی أخبر بكونه محتوما و أجلا آخر وصف بكونه محتوما عنده و لم یخبر الخلق بكونه محتوما فیظهر منه أنه أخبر بشی ء لا علی وجه الحتم فهو غیر المسمی لا الأجل الذی ذكر أولا و حاصل الوجهین مع قربهما أن الأجلین كلیهما محتومان أخبر بأحدهما و لم یخبر بالآخر و یظهر من الآیة أجل آخر غیر الأجلین و هو الموقوف و یمكن أن یكون الأجل الأول عاما فیرتكب تكلف فی خبر ابن مسكان بأنه قد یكون محتوما و ظاهر أكثر الأخبار أن الأول موقوف و المسمی محتوم.

«11»-شی، تفسیر العیاشی عَنْ حَمَّادِ بْنِ مُوسَی عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ یَمْحُوا اللَّهُ ما یَشاءُ وَ یُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ قَالَ إِنَّ ذَلِكَ كِتَابٌ یَمْحُو اللَّهُ فِیهِ مَا یَشَاءُ وَ یُثْبِتُ فَمِنْ ذَلِكَ الَّذِی یَرُدُّ الدُّعَاءُ الْقَضَاءَ وَ ذَلِكَ الدُّعَاءُ مَكْتُوبٌ عَلَیْهِ الَّذِی یُرَدُّ بِهِ الْقَضَاءُ حَتَّی إِذَا صَارَ إِلَی أُمِّ الْكِتَابِ لَمْ یُغْنِ الدُّعَاءُ فِیهِ شَیْئاً.

بیان: لعل المراد بكونه مكتوبا علیه أن هذا الحكم ثابت له حتی یوافق ما فی اللوح من القضاء الحتمی فإذا وافقه فلا ینفع الدعاء و یحتمل أن یكون المعنی أن ذلك الدعاء الذی یرد به القضاء من الأسباب المقدرة أیضا فلا ینافی الدعاء القدر و القضاء.

«12»-شی، تفسیر العیاشی عَنِ الْحُسَیْنِ بْنِ زَیْدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِیهِ علیه السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله إِنَّ الْمَرْءَ لَیَصِلُ رَحِمَهُ وَ مَا بَقِیَ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا ثَلَاثُ سِنِینَ فَیَمُدُّهَا اللَّهُ إِلَی ثَلَاثٍ وَ ثَلَاثِینَ سَنَةً وَ إِنَّ الْمَرْءَ لَیَقْطَعُ رَحِمَهُ وَ قَدْ بَقِیَ مِنْ عُمُرِهِ ثَلَاثٌ وَ ثَلَاثُونَ سَنَةً فَیَقْصِرُهَا اللَّهُ إِلَی ثَلَاثِ سِنِینَ أَوْ أَدْنَی قَالَ الْحُسَیْنُ وَ كَانَ جَعْفَرٌ علیه السلام یَتْلُو هَذِهِ الْآیَةَ یَمْحُوا اللَّهُ ما یَشاءُ وَ یُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ

«13»-نهج، نهج البلاغة مِنْ كَلَامِهِ علیه السلام لَمَّا خُوِّفَ مِنَ الْغِیلَةِ وَ إِنَّ عَلَیَّ مِنَ اللَّهِ جُنَّةً

ص: 141

حَصِینَةً فَإِذَا جَاءَ یَوْمِی انْفَرَجَتْ عَنِّی وَ أَسْلَمَتْنِی فَحِینَئِذٍ لَا یَطِیشُ السَّهْمُ وَ لَا یَبْرَأُ الْكَلْمُ (1)

بیان: الغیلة القتل علی غفلة و طاش السهم انحرف عن الغرض.

«14»-نهج، نهج البلاغة قَالَ علیه السلام كَفَی بِأَجَلٍ حَارِساً.

تذنیب؛ أقول: الأخبار الدالة علی حقیقة الأجلین و تحقیقهما قد مر فی باب البداء من كتاب التوحید و قال المحقق الطوسی رحمه اللّٰه فی التجرید أجل الحیوان الوقت الذی علم اللّٰه بطلان حیاته فیه و المقتول یجوز فیه الأمران لولاه و یجوز أن یكون الأجل لطفا للغیر لا للمكلف.

و قال العلامة رحمه اللّٰه فی شرحه اختلف الناس فی المقتول لو لم یقتل فقالت المجبرة إنه كان یموت قطعا و هو قول أبی هذیل العلاف و قال بعض البغدادیین إنه كان یعیش قطعا و قال أكثر المحققین إنه كان یجوز أن یعیش و یجوز أن یموت ثم اختلفوا فقال قوم منهم إن كان المعلوم منه البقاء لو لم یقتل له أجلان و قال الجبائیان و أصحابهما و أبو الحسین البصری إن أجله هو الوقت الذی قتل فیه لیس له أجل آخر لو لم یقتل فما كان یعیش إلیه لیس بأجل له الآن حقیقی بل تقدیری و احتج الموجبون لموته بأنه لولاه لزم خلاف معلوم اللّٰه تعالی و هو محال و احتج الموجبون لحیاته بأنه لو مات لكان الذابح غنم غیره محسنا و لما وجب القود لأنه لم یفوت حیاته.

و الجواب عن الأول ما تقدم من أن العلم یؤثر فی المعلوم و عن الثانی بمنع الملازمة إذ لو ماتت الغنم استحق ما لها عوضا زائدا علی اللّٰه تعالی فیذبحه فوته الأعواض الزائدة و القود من حیث مخالفة الشارع إذ قتله حرام علیه و إن علم موته و لهذا لو أخبر الصادق بموت زید لم یجز لأحد قتله ثم قال رحمه اللّٰه و لا استبعاد فی أن یكون أجل الإنسان لطفا لغیره من المكلفین و لا یمكن أن یكون لطفا للمكلف نفسه لأن الأجل یطلق علی عمره و حیاته و یطلق علی أجل موته أما الأول فلیس بلطف لأنه

ص: 142


1- بفتح الكاف و سكون اللام أی لا یشفی الجرح.

تمكین له من التكلیف و اللطف زائد علی التمكین و أما الثانی فهو قطع للتكلیف فلا یصح أن یكلف بعده فیكون لطفا له فیما یكلفه من بعد و اللطف لا یصح أن یكون لطفا فیما مضی انتهی.

أقول لا یخفی ما فی قوله رحمه اللّٰه العلم لا یؤثر فإنه غیر مرتبط بالسؤال بل الجواب هو أنه یلزم خلاف العلم علی هذا الفرض علی أی حال فإن من علم اللّٰه أنه سیقتل إذا مات بغیر قتل كان خلاف ما علمه تعالی و أما علمه بموته علی أی حال فلیس بمسلم و أما قوله و اللطف لا یصح أن یكون لطفا فیما مضی فیمكن منعه بأنه یمكن أن یكون لطفا من حیث علم المكلف بوقوعه فیردعه عن ارتكاب كثیر من المحرمات إلا أن یقال اللطف هو العلم بوقوع أصل الموت فأما خصوص الأجل المعین فلعدم علمه به غالبا لا یكون لطفا من هذه الجهة أیضا و یمكن تطبیق كلام المصنف علی هذا الوجه من غیر تكلف.

باب 5 الأرزاق و الأسعار

باب 5 الأرزاق و الأسعار (1)

الآیات؛

البقرة: «وَ اللَّهُ یَرْزُقُ مَنْ یَشاءُ بِغَیْرِ حِسابٍ»(212)

آل عمران: «إِنَّ اللَّهَ یَرْزُقُ مَنْ یَشاءُ بِغَیْرِ حِسابٍ»(37)

هود: «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِی الْأَرْضِ إِلَّا عَلَی اللَّهِ رِزْقُها»(6)

الرعد: «اللَّهُ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشاءُ وَ یَقْدِرُ»(26)

الأسری: «إِنَّ رَبَّكَ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشاءُ وَ یَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِیراً بَصِیراً»(30)

ص: 143


1- الارزاق جمع الرزق، و هو كل ما صح انتفاع الحیوان به بالتغذی أو غیره و لیس لاحد منعه منه؛ و أمّا إطلاق الرزق علی الممنوع و المحرم فسیأتی الكلام فیه مفصلا من المصنّف؛ و أمّا الاسعار فهو جمع السعر بالكسر و هو الذی یقوم علیه الثمن، و هو قد یرخص و قد یغلو، و یأتی الكلام فی أنهما مستندان إلی اللّٰه مطلقا أو فی بعض الاحیان.

الحج: «لَیَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَیْرُ الرَّازِقِینَ»(58)

المؤمنین: «وَ هُوَ خَیْرُ الرَّازِقِینَ»(72)

النور: «وَ اللَّهُ یَرْزُقُ مَنْ یَشاءُ بِغَیْرِ حِسابٍ»(38)

العنكبوت: «وَ كَأَیِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ یَرْزُقُها وَ إِیَّاكُمْ وَ هُوَ السَّمِیعُ الْعَلِیمُ»(6) (و قال تعالی): «اللَّهُ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ یَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَیْ ءٍ عَلِیمٌ»(62)

الروم: «أَ وَ لَمْ یَرَوْا أَنَّ اللَّهَ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشاءُ وَ یَقْدِرُ إِنَّ فِی ذلِكَ لَآیاتٍ لِقَوْمٍ یُؤْمِنُونَ»(37)

سبأ: «قُلْ مَنْ یَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ»(34) (و قال تعالی): «قُلْ إِنَّ رَبِّی یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشاءُ وَ یَقْدِرُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا یَعْلَمُونَ»(36) (و قال تعالی): «قُلْ إِنَّ رَبِّی یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ یَقْدِرُ لَهُ وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَیْ ءٍ فَهُوَ یُخْلِفُهُ وَ هُوَ خَیْرُ الرَّازِقِینَ»(39)

الزمر: «أَ وَ لَمْ یَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشاءُ وَ یَقْدِرُ إِنَّ فِی ذلِكَ لَآیاتٍ لِقَوْمٍ یُؤْمِنُونَ»(52)

حمعسق: «لَهُ مَقالِیدُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشاءُ وَ یَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَیْ ءٍ عَلِیمٌ»(12) (و قال تعالی): «وَ لَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِی الْأَرْضِ وَ لكِنْ یُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما یَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِیرٌ بَصِیرٌ»(27)

الزخرف: «أَ هُمْ یَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَیْنَهُمْ مَعِیشَتَهُمْ فِی الْحَیاةِ الدُّنْیا»(32)

الذاریات: «وَ فِی السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ* فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ»(22-23)

تفسیر: قال الطبرسی رحمه اللّٰه فی قوله تعالی: وَ اللَّهُ یَرْزُقُ مَنْ یَشاءُ بِغَیْرِ حِسابٍ قیل فیه أقوال أحدها أن معناه یعطیهم الكثیر الواسع الذی لا یدخله الحساب من كثرته.

ص: 144

و ثانیها أنه لا یرزق الناس فی الدنیا علی مقابلة أعمالهم و إیمانهم و كفرهم فلا یدل بسط الرزق علی الكفار علی منزلتهم عند اللّٰه و إن قلنا إن المراد به فی الآخرة فمعناه أن اللّٰه لا یثیب المؤمنین فی الآخرة علی قدر أعمالهم التی سلفت منهم بل یزیدهم تفضلا.

و ثالثها أنه یعطیه عطاء لا یأخذه بذلك أحد و لا یسأله عنه سائل و لا یطلب علیه جزاء و لا مكافاة.

و رابعها أنه یعطیه من العدد الشی ء الذی لا یضبط بالحساب و لا یأتی علیه العدد لأن ما یقدر علیه غیر متناه و لا محصور فهو یعطی الشی ء لا من عدد أكثر منه فینقص منه كمن یعطی الألف من الألفین و العشرة من المائة.

و خامسها أن معناه یعطی أهل الجنة ما لا یتناهی و لا یأتی علیه الحساب.

و قال البیضاوی فی قوله تعالی وَ فِی السَّماءِ رِزْقُكُمْ أی أسباب رزقكم أو تقدیره و قیل المراد بالسماء السحاب و بالرزق المطر لأنه سبب الأقوات وَ ما تُوعَدُونَ من الثواب لأن الجنة فوق السماء السابعة أو لأن الأعمال و ثوابها مكتوبة مقدرة فی السماء و قیل إنه مستأنف خبره فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ و علی هذا فالضمیر لما و علی الأول یحتمل أن یكون له و لما ذكر من أمر الآیات و الرزق و الوعید مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ أی مثل نطقكم كما أنه لا شك لكم فی أنكم تنطقون ینبغی أن لا تشكوا فی تحقق ذلك انتهی.

و قال الوالد العلامة رحمه اللّٰه یحتمل أن یكون التشبیه من حیث اتصال النطق و فیضان المعانی من المبدإ بقدر الحاجة من غیر علم بموضعه و محل وروده فیكون التشبیه أكمل.

«1»-ب، قرب الإسناد ابْنُ طَرِیفٍ عَنِ ابْنِ عُلْوَانَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِیهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله إِنَّ الرِّزْقَ لَیَنْزِلُ (1)مِنَ السَّمَاءِ إِلَی الْأَرْضِ عَلَی عَدَدِ قَطْرِ الْمَطَرِ إِلَی كُلِّ نَفْسٍ بِمَا قُدِّرَ لَهَا وَ لَكِنْ لِلَّهِ فُضُولٌ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ.

ص: 145


1- فی المصدر: ینزل. م.

«2»-ن، عیون أخبار الرضا علیه السلام مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْمُفَسِّرُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْحُسَیْنِیِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِیٍّ عَنْ أَبِیهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ الرِّضَا عَنْ أَبِیهِ مُوسَی بْنِ جَعْفَرٍ علیهما السلام قَالَ: سَأَلَ الصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ علیهما السلام عَنْ بَعْضِ أَهْلِ مَجْلِسِهِ فَقِیلَ عَلِیلٌ فَقَصَدَهُ عَائِداً وَ جَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَوَجَدَهُ دَنِفاً (1)فَقَالَ لَهُ أَحْسِنْ ظَنَّكَ بِاللَّهِ قَالَ أَمَّا ظَنِّی بِاللَّهِ فَحَسَنٌ وَ لَكِنْ غَمِّی لِبَنَاتِی مَا أَمْرَضَنِی غَیْرُ غَمِّی بِهِنَّ فَقَالَ الصَّادِقُ علیه السلام الَّذِی تَرْجُوهُ لِتَضْعِیفِ حَسَنَاتِكَ وَ مَحْوِ سَیِّئَاتِكَ فَارْجُهُ لِإِصْلَاحِ حَالِ بَنَاتِكَ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله قَالَ لَمَّا جَاوَزْتُ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَی (2)وَ بَلَغْتُ أَغْصَانَهَا وَ قُضْبَانَهَا رَأَیْتُ بَعْضَ ثِمَارِ قُضْبَانِهَا أَثْدَاءً مُعَلَّقَةً یَقْطُرُ مِنْ بَعْضِهَا اللَّبَنُ وَ مِنْ بَعْضِهَا الْعَسَلُ وَ مِنْ بَعْضِهَا الدُّهْنُ وَ یَخْرُجُ عَنْ بَعْضِهَا شِبْهُ دَقِیقِ السَّمِیذِ وَ عَنْ بَعْضِهَا الثِّیَابُ (3)وَ عَنْ بَعْضِهَا كَالنَّبِقِ- (4)فَیَهْوِی ذَلِكَ كُلُّهُ نَحْوَ الْأَرْضِ فَقُلْتُ فِی نَفْسِی أَیْنَ مَقَرُّ هَذِهِ الْخَارِجَاتِ عَنْ هَذِهِ الْأَثْدَاءِ وَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ یَكُنْ مَعِی جَبْرَئِیلُ لِأَنِّی كُنْتُ جَاوَزْتُ مَرْتَبَتَهُ وَ اخْتَزَلَ دُونِی فَنَادَانِی رَبِّی عَزَّ وَ جَلَّ فِی سِرِّی یَا مُحَمَّدُ هَذِهِ أَنْبَتُّهَا مِنْ هَذَا الْمَكَانِ الْأَرْفَعِ لِأَغْذُوَ مِنْهَا بَنَاتِ الْمُؤْمِنِینَ مِنْ أُمَّتِكَ وَ بَنِیهِمْ فَقُلْ لِآبَاءِ الْبَنَاتِ لَا تَضِیقَنَّ صُدُورُكُمْ عَلَی فَاقَتِهِنَّ فَإِنِّی كَمَا خَلَقْتُهُنَّ أَرْزُقُهُنَّ.

بیان: السمیذ بالذال المعجمة و المهملة الدقیق الأبیض و الاختزال الانفراد و الاقتطاع.

«3»-شی، تفسیر العیاشی عَنْ إِسْمَاعِیلَ بْنِ كَثِیرٍ رَفَعَ الْحَدِیثَ إِلَی النَّبِیِّ صلی اللّٰه علیه و آله قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآیَةُ وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ قَالَ فَقَالَ أَصْحَابُ النَّبِیِّ صلی اللّٰه علیه و آله مَا هَذَا الْفَضْلُ أَیُّكُمْ

ص: 146


1- بفتح الدال و كسر النون: من لازمه المرض.
2- هی فی السماء السابعة، قیل: هی شجرة فی أقصی الجنة، إلیها ینتهی علم الاولین و الآخرین و لا یتعداها. و قیل: شجرة نبق عن یمین العرش، و فی الحدیث: سمیت سدرة المنتهی لان أعمال أهل الأرض تصعد بها الملائكة الحفظة إلی محل السدرة و الحفظة الكرام البررة دون السدرة یكتبون ما یرفع الیهم الملائكة من أعمال العباد فی الأرض فینتهون بها الی محل السدرة.
3- فی المصدر: النبات. م.
4- النبق: حمل شجر السدر.

یَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله عَنْ ذَلِكَ قَالَ فَقَالَ عَلِیُّ بْنُ أَبِی طَالِبٍ علیهما السلام أَنَا أَسْأَلُهُ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ الْفَضْلِ مَا هُوَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ وَ قَسَّمَ لَهُمْ أَرْزَاقَهُمْ مِنْ حِلِّهَا وَ عَرَضَ لَهُمْ بِالْحَرَامِ فَمَنِ انْتَهَكَ حَرَاماً نَقَصَ لَهُ مِنَ الْحَلَالِ بِقَدْرِ مَا انْتَهَكَ مِنَ الْحَرَامِ وَ حُوسِبَ بِهِ.

«4»-نهج، نهج البلاغة قَالَ علیه السلام الرِّزْقُ رِزْقَانِ رِزْقٌ تَطْلُبُهُ وَ رِزْقٌ یَطْلُبُكَ فَإِنْ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ فَلَا تَحْمِلْ هَمَّ سَنَتِكَ عَلَی هَمِّ یَوْمِكَ كَفَاكَ كُلَّ یَوْمٍ مَا فِیهِ فَإِنْ تَكُنِ السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَی جَدُّهُ سَیُؤْتِیكَ فِی كُلِّ غَدٍ جَدِیدٍ مَا قَسَمَ لَكَ وَ إِنْ لَمْ تَكُنِ السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَمَا تَصْنَعُ بِالْهَمِّ لِمَا لَیْسَ لَكَ وَ لَنْ یَسْبِقَكَ إِلَی رِزْقِكَ طَالِبٌ وَ لَنْ یَغْلِبَكَ عَلَیْهِ غَالِبٌ وَ لَنْ یُبْطِئَ عَنْكَ مَا قَدْ قُدِّرَ لَكَ.

«5»-شی، تفسیر العیاشی عَنِ ابْنِ الْهُذَیْلِ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَسَّمَ الْأَرْزَاقَ بَیْنَ عِبَادِهِ وَ أَفْضَلَ فَضْلًا كَبِیراً لَمْ یُقَسِّمْهُ بَیْنَ أَحَدٍ قَالَ اللَّهُ وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ

«6»-شی، تفسیر العیاشی عَنْ إِبْرَاهِیمَ بْنِ أَبِی الْبِلَادِ عَنْ أَبِیهِ عَنْ أَبِی جَعْفَرٍ علیه السلام أَنَّهُ قَالَ: لَیْسَ مِنْ نَفْسٍ إِلَّا وَ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَهَا رِزْقَهَا حَلَالًا یَأْتِیهَا فِی عَافِیَةٍ وَ عَرَضَ لَهَا بِالْحَرَامِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَإِنْ هِیَ تَنَاوَلَتْ مِنَ الْحَرَامِ شَیْئاً قَاصَّهَا بِهِ مِنَ الْحَلَالِ الَّذِی فَرَضَ اللَّهُ لَهَا وَ عِنْدَ اللَّهِ سِوَاهُمَا فَضْلٌ كَبِیرٌ.

«7»-شی، تفسیر العیاشی عَنِ الْحُسَیْنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِی جَعْفَرٍ علیه السلام قَالَ: قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّهُمْ یَقُولُونَ إِنَّ النَّوْمَ بَعْدَ الْفَجْرِ مَكْرُوهٌ لِأَنَّ الْأَرْزَاقَ تُقَسَّمُ فِی ذَلِكَ الْوَقْتِ فَقَالَ الْأَرْزَاقُ مَوْظُوفَةٌ مَقْسُومَةٌ وَ لِلَّهِ فَضْلٌ یَقْسِمُهُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَی طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ثُمَّ قَالَ وَ ذِكْرُ اللَّهِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَبْلَغُ فِی طَلَبِ الرِّزْقِ مِنَ الضَّرْبِ فِی الْأَرْضِ.

«8»-كا، الكافی الْعِدَّةُ عَنْ سَهْلٍ عَنِ ابْنِ یَزِیدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِالسِّعْرِ مَلَكاً فَلَنْ یَغْلُوَ مِنْ قِلَّةٍ وَ لَا یَرْخُصُ مِنْ كَثْرَةٍ (1).

ص: 147


1- غلا السعر: ارتفع الثمن و زاد عما جرت به العادة. و رخص: انحط عما جرت به العادة.

«9»-كا، الكافی مُحَمَّدُ بْنُ یَحْیَی عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ مَعْرُوفٍ عَنِ الْحَجَّالِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنِ الثُّمَالِیِّ عَنْ عَلِیِّ بْنِ الْحُسَیْنِ علیهما السلام قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَكَّلَ مَلَكاً بِالسِّعْرِ یُدَبِّرُهُ بِأَمْرِهِ.

«10»-كا، الكافی الْعِدَّةُ عَنْ سَهْلٍ عَنِ ابْنِ یَزِیدَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ مَلَكاً بِالْأَسْعَارِ یُدَبِّرُهَا.

«11»-نهج، نهج البلاغة وَ قَدَّرَ الْأَرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا وَ قَلَّلَهَا وَ قَسَّمَهَا عَلَی الضِّیقِ وَ السَّعَةِ فَعَدَلَ فِیهَا لِیَبْتَلِیَ مَنْ أَرَادَ بِمَیْسُورِهَا وَ مَعْسُورِهَا وَ لِیَخْتَبِرَ بِذَلِكَ الشُّكْرَ وَ الصَّبْرَ مِنْ غَنِیِّهَا وَ فَقِیرِهَا ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِیلَ فَاقَتِهَا وَ یفرج [بِفُرَجِ أفراجها [أَفْرَاحِهَا] غُصَصَ أَتْرَاحِهَا وَ خَلَقَ الْآجَالَ فَأَطَالَهَا وَ قَصَّرَهَا وَ قَدَّمَهَا وَ أَخَّرَهَا وَ وَصَلَ بِالْمَوْتِ أَسْبَابَهَا وَ جَعَلَهُ خَالِجاً لِأَشْطَانِهَا وَ قَاطِعاً لِمَرَائِرِ أَقرَانِهَا.

بیان: العقابیل بقایا المرض واحدها عقبول و الأتراح الغموم و الخلج الجذب و الشطن الحبل و المرائر الحبال المفتولة علی أكثر من طاق و الأقران الحبال.

«12»-عدة، عدة الداعی رُوِیَ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام فِی قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی وَ ما یُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ قَالَ هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ لَوْ لَا فُلَانٌ لَهَلَكْتُ وَ لَوْ لَا فُلَانٌ لَمَا أَصَبْتُ كَذَا وَ كَذَا وَ لَوْ لَا فُلَانٌ لَضَاعَ عِیَالِی أَ لَا تَرَی أَنَّهُ قَدْ جَعَلَ لِلَّهِ شَرِیكاً فِی مُلْكِهِ یَرْزُقُهُ وَ یَدْفَعُ عَنْهُ قُلْتُ فَنَقُولُ لَوْ لَا أَنَّ اللَّهَ مَنَّ عَلَیَّ بِفُلَانٍ لَهَلَكْتُ قَالَ نَعَمْ لَا بَأْسَ بِهَذَا وَ نَحْوِهِ.

«13»-كا، الكافی مُحَمَّدُ بْنُ یَحْیَی عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِیَادٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِی حَمْزَةَ الثُّمَالِیِّ عَنْ أَبِی جَعْفَرٍ علیه السلام قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله فِی حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَلَا إِنَّ الرُّوحَ الْأَمِینَ نَفَثَ فِی رُوعِی أَنَّهُ لَا تَمُوتُ نَفْسٌ حَتَّی تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَجْمِلُوا فِی الطَّلَبِ وَ لَا یَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ شَیْ ءٍ مِنَ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِشَیْ ءٍ مِنْ مَعْصِیَةِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَی قَسَّمَ الْأَرْزَاقَ بَیْنَ خَلْقِهِ حَلَالًا وَ لَمْ یُقَسِّمْهَا حَرَاماً فَمَنِ اتَّقَی اللَّهَ وَ صَبَرَ أَتَاهُ رِزْقُهُ مِنْ حِلِّهِ وَ مَنْ هَتَكَ حِجَابَ سِتْرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَخَذَهُ مِنْ

ص: 148

غَیْرِ حِلِّهِ قُصَّ بِهِ مِنْ رِزْقِهِ الْحَلَالِ وَ حُوسِبَ عَلَیْهِ.

بیان: أقول سیأتی أكثر الآیات و الأخبار المتعلقة بهذا الباب فی كتاب المكاسب و النفث النفخ و الروع بالضم العقل و القلب و الإجمال فی الطلب ترك المبالغة فیه (1)أی اتقوا اللّٰه فی هذا الكد الفاحش أو المعنی أنكم إذا اتقیتم اللّٰه لا تحتاجون إلی هذا الكد و التعب لقوله تعالی وَ مَنْ یَتَّقِ اللَّهَ یَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ یَرْزُقْهُ مِنْ حَیْثُ لا یَحْتَسِبُ (2)و هتك الستر تمزیقه و خرقه.

ثم الظاهر من هذا الخبر و غیره من الأخبار أن اللّٰه تعالی قدر فی الصحف السماویة لكل بشر رزقا حلالا بقدر ما یكفیه بحیث إذا لم یرتكب الحرام و طلب من الحلال سبب له ذلك و یسره له و إذا ارتكب الحرام فبقدر ذلك یمنع مما قدر له. (3)

ص: 149


1- و الاعتدال و عدم الافراط فیه.
2- الطلاق: 3.
3- لا شك أن ما نشاهده من الموجودات أعم من الجماد و النبات و الحیوان و الإنسان لا یكفیها أصل الوجود للبقاء بل تستمد فی بقائها بأمور أخر خارجة من وجودها اما بضمها الی أنفسها بالاقتیات و و الاغتذاء أو بوجه آخر بالایواء و اللبس و التناسل و نحوها. و هذا المعنی فی الإنسان و سائر أقسام الحیوان أوضح، و هو الرزق الذی علیه یتوقف بقاء أقسام الحیوان من غیر فرق فی ذلك بینها أصلا، و قد قال تعالی: «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِی الْأَرْضِ إِلَّا عَلَی اللَّهِ رِزْقُها» الآیة، فالرزق ممّا لا یستغنی عنه موجود فی بقائه، و اذ خلق اللّٰه هذه الأشیاء لبقاء ما فقد خلق لها رزقا، فاستناد البقاء إلیه تعالی یوجب استناد الرزق إلیه من غیر شك قال تعالی: «فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ» الآیة، و كون الرزق بهذا المعنی أمرا تكوینیا غیر مربوط بعالم التكلیف كالشمس فی رائعة النهار فان الحدوث و البقاء و لوازم كل منهما أمور تكوینیة بلا ریب. ثمّ ان الإنسان لما تعلق التكلیف ببعض أفعاله المتعلقة بالارزاق كالاكل و الشرب و النكاح و اللباس و نحوها، و الرزق ممّا یضطر إلیه تكوینا كان لازم ذلك أن لا یتعلق الحرمة و المنع الا بما له مندوحة و الا كان تكلیفا بما لا یطاق قال تعالی: «وَ ما جَعَلَ عَلَیْكُمْ فِی الدِّینِ مِنْ حَرَجٍ» الآیة، و قال: إِنَّ اللَّهَ لا یَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ الآیة، و كان لازم ذلك أن فی موارد المحرمات أرزاقا الهیة محللة هی المندوحة للعبد و هی الأرزاق المنسوبة إلیه تعالی بحسب النظر التشریعی دون المحرمات. فتحصل أن الرزق رزقان رزق تكوینی و هو كل ما یستمد به موجود فی بقائه كیف كان، و رزق تشریعی، و هو الحلال الذی یستمد به الإنسان فی الحیاة دون الحرام فانه لیس برزق منه تعالی؛ هذا هو الذی یتحصل من الكتاب و السنة بعد التدبر فیهما. ط.

قال الشیخ البهائی قدس اللّٰه روحه فی شرح هذا الحدیث الرزق عند الأشاعرة كل ما انتفع به حی سواء كان بالتغذی أو بغیره مباحا كان أو لا و خصه بعضهم بما تربی به الحیوان من الأغذیة و الأشربة و عند المعتزلة هو كل ما صح انتفاع الحیوان به بالتغذی أو غیره و لیس لأحد منعه منه فلیس الحرام رزقا عندهم و قال الأشاعرة فی الرد علیهم لو لم یكن الحرام رزقا لم یكن المغتذی طول عمره بالحرام مرزوقا و لیس كذلك لقوله تعالی وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِی الْأَرْضِ إِلَّا عَلَی اللَّهِ رِزْقُها (1)و فیه نظر فإن الرزق عند المعتزلة أعم من الغذاء و هم لم یشرطوا الانتفاع بالفعل فالمغتذی طول عمره بالحرام إنما یرد علیهم لو لم ینتفع مدة عمره بشی ء انتفاعا محللا و لو بشرب الماء و التنفّس فی الهواء بل و لا تمكن من الانتفاع بذلك أصلا و ظاهر أن هذا مما لا یوجد و أیضا فلهم أن یقولوا لو مات حیوان قبل أن یتناول شیئا محللا و لا محرما یلزم أن یكون غیر مرزوق فما هو جوابكم فهو جوابنا هذا و لا یخفی أن الأحادیث المنقولة فی هذا الباب متخالفة و المعتزلة تمسكوا بهذا الحدیث و هو صریح فی مدعاهم غیر قابل للتأویل

وَ الْأَشَاعِرَةُ تَمَسَّكُوا بِمَا رَوَوْهُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَیَّةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله إِذْ جَاءَ عُمَرُ بْنُ قُرَّةَ فَقَالَ یَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَیَّ الشِّقْوَةَ فَلَا أَرَانِی أُرْزَقُ إِلَّا مِنْ دَفِّی بِكَفِّی فَأْذَنْ فِی الْغِنَاءِ مِنْ غَیْرِ فَاحِشَةٍ فَقَالَ صلی اللّٰه علیه و آله لَا آذَنُ لَكَ وَ لَا كَرَامَةَ وَ لَا نِعْمَةَ أَیْ عَدُوَّ اللَّهِ لَقَدْ رَزَقَكَ اللَّهُ طَیِّباً فَاخْتَرْتَ مَا حَرَّمَ عَلَیْكَ مِنْ رِزْقِهِ مَكَانَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ مِنْ حَلَالِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ قُلْتَ بَعْدَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ ضَرَبْتُكَ ضَرْباً وَجِیعاً.

و المعتزلة یطعنون فی سند هذا الحدیث تارة و یؤولونه علی تقدیر سلامته أخری بأن سیاق الكلام یقتضی أن یقال فاخترت ما حرم اللّٰه علیك من حرامه مكان ما أحل اللّٰه لك من حلاله و إنما قال صلی اللّٰه علیه و آله من رزقه مكان من حرامه فأطلق علی الحرام اسم الرزق بمشاكلة قوله فلا أرانی أرزق و قوله صلی اللّٰه علیه و آله لقد رزقك اللّٰه و تمسك المعتزلة أیضا بقوله تعالی وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ یُنْفِقُونَ (2)قال الشیخ فی التبیان

ص: 150


1- هود: 6.
2- البقرة: 3.

ما حاصله أن هذه الآیة تدل علی أن الحرام لیس رزقا لأنه سبحانه مدحهم بالإنفاق من الرزق و الإنفاق من الحرام لا یوجب المدح و قد یقال إن تقدیم الظرف یفید الحصر و هو یقتضی كون المال المنفق علی ضربین ما رزقه اللّٰه و ما لم یرزقه و إن المدح إنما هو علی الإنفاق مما رزقهم و هو الحلال لا مما سولت لهم أنفسهم من الحرام و لو كان كل ما ینفقونه رزقا من اللّٰه سبحانه لم یستقم الحصر فتأمل انتهی كلامه رفع اللّٰه مقامه.

أقول إن كان المراد بقولهم رزقهم اللّٰه الحرام أنه خلقه و مكنهم من التصرف فیه فلا نزاع فی أن اللّٰه رزقهم بهذا المعنی و إن كان المعنی أنه المؤثر فی أفعالهم و تصرفاتهم فی الحرام فهذا إنما یستقیم علی أصلهم الذی ثبت بطلانه و إن كان الرزق بمعنی التمكین و عدم المنع من التصرف فیه بوجه فظاهر أن الحرام لیس برزق بهذا المعنی علی مذهب من المذاهب و إن كان المعنی أنه قدر تصرفهم فیه بأحد المعانی التی مضت فی القضاء و القدر أو خذلهم و لم یصرفهم جبرا عن ذلك فبهذا المعنی یصدق أنه رزقهم الحرام و أما ظواهر الآیات و الأخبار الواردة فی ذلك فلا یریب عاقل فی أنها منصرفة إلی الحلال كما أومأنا إلی معناه سابقا.

و أما الأسعار فقد ذهبت الأشاعرة إلی أنه لیس المسعر إلا اللّٰه تعالی بناء علی أصلهم من أن لا مؤثر فی الوجود إلا اللّٰه و أما الإمامیة و المعتزلة فقد ذهبوا إلی أن الغلاء و الرخص قد یكونان بأسباب راجعة إلی اللّٰه و قد یكونان بأسباب ترجع إلی اختیار العباد و أما الأخبار الدالة علی أنهما من اللّٰه فالمعنی أن أكثر أسبابهما راجعة إلی قدرة اللّٰه أو أن اللّٰه تعالی لما لم یصرف العباد عما یختارونه من ذلك مع ما یحدث فی نفوسهم من كثرة رغباتهم أو غناهم بحسب المصالح فكأنهما وقعا بإرادته تعالی كما مر القول فیما وقع من الآیات و الأخبار الدالة علی أن أفعال العباد بإرادة اللّٰه تعالی و مشیته و هدایته و إضلاله و توفیقه و خذلانه و یمكن حمل بعض تلك الأخبار علی المنع من التسعیر و النهی عنه بل یلزم الوالی أن لا یجبر الناس علی السعر و یتركهم و اختیارهم فیجری السعر علی ما یرید اللّٰه تعالی.

ص: 151

قال العلامة رحمه اللّٰه فی شرحه علی التجرید السعر هو تقدیر العوض الذی یباع به الشی ء و لیس هو الثمن و لا المثمن و هو ینقسم إلی رخص و غلاء فالرخص هو السعر المنحط عما جرت به العادة مع اتحاد الوقت و المكان و الغلاء زیادة السعر عما جرت به العادة مع اتحاد الوقت و المكان و إنما اعتبرنا الزمان و المكان لأنه لا یقال إن الثلج قد رخص سعره فی الشتاء عند نزوله لأنه لیس أوان سعره و یجوز أن یقال رخص فی الصیف إذا نقص سعره عما جرت عادته فی ذلك الوقت و لا یقال رخص سعره فی الجبال التی یدوم نزوله فیها لأنها لیست مكان بیعه و یجوز أن یقال رخص سعره فی البلاد التی اعتید بیعه فیها و اعلم أن كل واحد من الرخص و الغلاء قد یكون من قبله تعالی بأن یقلل جنس المتاع المعین و یكثر رغبة الناس إلیه فیحصل الغلاء لمصلحة المكلفین و قد یكثر جنس ذلك المتاع و یقلل رغبة الناس إلیه تفضلا منه و إنعاما أو لمصلحة دینیة فیحصل الرخص و قد یحصلان من قبلنا بأن یحمل السلطان الناس علی بیع جمیع تلك السلعة بسعر غال ظلما منه أو لاحتكار الناس أو لمنع الطریق خوف الظلمة أو لغیر ذلك من الأسباب المستند إلینا فیحصل الغلاء و قد یحمل السلطان الناس علی بیع السلعة برخص ظلما منه أو یحملهم علی بیع ما فی أیدیهم من جنس ذلك المتاع فیحصل الرخص.

باب 6 السعادة و الشقاوة و الخیر و الشر و خالقهما و مقدرهما

الآیات؛

هود: «فَمِنْهُمْ شَقِیٌّ وَ سَعِیدٌ* فَأَمَّا الَّذِینَ شَقُوا فَفِی النَّارِ لَهُمْ فِیها زَفِیرٌ وَ شَهِیقٌ* (إلی قوله تعالی): وَ أَمَّا الَّذِینَ سُعِدُوا فَفِی الْجَنَّةِ خالِدِینَ فِیها»(105-108)

المؤمنین: «أَ لَمْ تَكُنْ آیاتِی تُتْلی عَلَیْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ* قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَیْنا شِقْوَتُنا وَ كُنَّا قَوْماً ضالِّینَ»(105-106)

الزمر: «وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ یَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ یَتْلُونَ عَلَیْكُمْ آیاتِ رَبِّكُمْ

ص: 152

وَ یُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ یَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلی وَ لكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَی الْكافِرِینَ»(71)

التغابن: «هُوَ الَّذِی خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ»(3)

تفسیر: قال البیضاوی: فَمِنْهُمْ شَقِیٌّ وجبت له النار بمقتضی الوعید وَ سَعِیدٌ وجبت له الجنة بموجب الوعد.

و قال الطبرسی رحمه اللّٰه: غَلَبَتْ عَلَیْنا شِقْوَتُنا أی شقاوتنا و هی المضرّة اللاحقة فی العاقبة و السعادة المنفعة اللاحقة فی العاقبة و المعنی استعلت علینا سیئاتنا التی أوجبت لنا الشقاوة.

و قال الزمخشری قالوا بلی أتونا و تلوا علینا و لكن وجبت علینا كلمة اللّٰه بسوء أعمالنا كما قالوا غَلَبَتْ عَلَیْنا شِقْوَتُنا فذكروا عملهم الموجب لكلمة العذاب و هو الكفر و الضلال.

«1»-لی، الأمالی للصدوق أَبِی عَنْ عَلِیٍّ عَنْ أَبِیهِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ یَحْیَی عَنِ الْكِنَانِیِّ عَنِ الصَّادِقِ علیه السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله الشَّقِیُّ مَنْ شَقِیَ فِی بَطْنِ أُمِّهِ الْخَبَرَ.

«2»-ب، قرب الإسناد مُحَمَّدُ بْنُ عِیسَی عَنِ الْقَدَّاحِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِیهِ علیه السلام قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله قَابِضاً عَلَی (1)شَیْئَیْنِ فِی یَدِهِ فَفَتَحَ یَدَهُ الْیُمْنَی ثُمَّ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ كِتَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِیمِ فِی أَهْلِ الْجَنَّةِ بِأَعْدَادِهِمْ وَ أَحْسَابِهِمْ وَ أَنْسَابِهِمْ مُجْمَلٌ (2)عَلَیْهِمْ لَا یَنْقُصُ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَ لَا یُزَادُ فِیهِمْ أَحَدٌ ثُمَّ فَتَحَ یَدَهُ الْیُسْرَی فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ كِتَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِیمِ فِی أَهْلِ النَّارِ بِأَعْدَادِهِمْ وَ أَحْسَابِهِمْ وَ أَنْسَابِهِمْ مُجْمَلٌ (3)عَلَیْهِمْ إِلَی یَوْمِ الْقِیَامَةِ لَا یُنْقَصُ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَ لَا یُزَادُ فِیهِمْ أَحَدٌ وَ قَدْ یُسْلَكُ بِالسُّعَدَاءِ طَرِیقَ الْأَشْقِیَاءِ حَتَّی یُقَالَ هُمْ مِنْهُمْ هُمْ هُمْ مَا أَشْبَهَهُمْ بِهِمْ ثُمَّ یُدْرِكُ أَحَدَهُمْ سَعَادَتُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ وَ لَوْ بِفُوَاقِ نَاقَةٍ وَ قَدْ یُسْلَكُ بِالْأَشْقِیَاءِ طَرِیقَ أَهْلِ السَّعَادَةِ حَتَّی یُقَالَ هُمْ مِنْهُمْ هُمْ هُمْ مَا أَشْبَهَهُمْ بِهِمْ ثُمَّ یُدْرِكُ أَحَدَهُمْ شِقَاهُ وَ لَوْ قَبْلَ مَوْتِهِ وَ لَوْ بِفُوَاقِ نَاقَةٍ فَقَالَ النَّبِیُّ صلی اللّٰه علیه و آله الْعَمَلُ بِخَوَاتِیمِهِ الْعَمَلُ بِخَوَاتِیمِهِ (4)الْعَمَلُ بِخَوَاتِیمِهِ.

ص: 153


1- فی المصدر: قابضا شیئین بدون علی.
2- فی نسخة: یجمل.
3- فی نسخة: یجمل.
4- سیأتی الحدیث بألفاظ اخری تحت رقم 13 و 15.

بیان: قال الجزری فی حدیث القدر كتاب فیه أسماء أهل الجنة و أهل النار أجمل علی آخرهم تقول أجملت الحساب إذا جمعت آحاده و كملت أفراده أی أحصوا فلا یزاد فیهم و لا ینقص و قال الفیروزآبادی الفواق كغراب ما بین الحلبتین من الوقت و یفتح أو ما بین فتح یدك و قبضها علی الضرع.

«3»-ب، قرب الإسناد ابْنُ عِیسَی عَنِ الْبَزَنْطِیِّ قَالَ: سَأَلْتُ الرِّضَا علیه السلام أَنْ یَدْعُوَ اللَّهَ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِنَا بِهَا حَمْلٌ فَقَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ علیه السلام الدُّعَاءُ مَا لَمْ یَمْضِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّمَا لَهَا أَقَلُّ مِنْ هَذَا فَدَعَا لَهَا ثُمَّ قَالَ إِنَّ النُّطْفَةَ تَكُونُ فِی الرَّحِمِ ثَلَاثِینَ یَوْماً وَ تَكُونُ عَلَقَةً ثَلَاثِینَ یَوْماً وَ تَكُونُ مُضْغَةً ثَلَاثِینَ یَوْماً وَ تَكُونُ مُخَلَّقَةً وَ غَیْرَ مُخَلَّقَةٍ ثَلَاثِینَ یَوْماً وَ إِذَا تَمَّتِ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بَعَثَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی إِلَیْهَا مَلَكَیْنِ خَلَّاقَیْنِ یُصَوِّرَانِهِ وَ یَكْتُبَانِ رِزْقَهُ وَ أَجَلَهُ شَقِیّاً أَوْ سَعِیداً.

بیان: قال البیضاوی فی قوله تعالی مُخَلَّقَةٍ وَ غَیْرِ مُخَلَّقَةٍ مسواة لا نقص فیها و لا عیب و غیر مسواة أو تامة و ساقطة أو مصورة و غیر مصورة انتهی.

أقول لعل المراد بالخبر أن فی ثلاثین یوما بعد المضغة إما أن یبتدأ فی تصویره بخلق عظامه أو یسقط أو إما أن یسوی بحیث لا یكون فیه عیب أو یجعل حیث یكون فیه عیب ثم اعلم أن هذا الخبر یمكن أن یكون تفسیرا لقوله صلی اللّٰه علیه و آله الشقی من شقی فی بطن أمه أی یكتب شقاوته و ما یؤول إلیه أمره علیه فی ذلك الوقت.

«4»-ب، قرب الإسناد بِالْإِسْنَادِ قَالَ سَمِعْتُ الرِّضَا علیه السلام یَقُولُ جَفَّ الْقَلَمُ بِحَقِیقَةِ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ بِالسَّعَادَةِ لِمَنْ آمَنَ وَ اتَّقَی وَ الشَّقَاوَةِ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی لِمَنْ كَذَّبَ وَ عَصَی.

«5»-ل، الخصال مَاجِیلَوَیْهِ عَنْ عَمِّهِ عَنِ الْبَرْقِیِّ عَنْ أَبِیهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِیهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِیٍّ علیه السلام أَنَّهُ قَالَ: حَقِیقَةُ السَّعَادَةِ أَنْ یُخْتَمَ الرَّجُلُ عَمَلُهُ بِالسَّعَادَةِ وَ حَقِیقَةُ الشَّقَاءِ أَنْ یُخْتَمَ الْمَرْءُ عَمَلُهُ بِالشَّقَاءِ.

«6»-ع، علل الشرائع الْمُظَفَّرُ الْعَلَوِیُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِیهِ عَنْ عَلِیِّ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ عَلِیِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِیهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ

ص: 154

صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَیْهِ قَالَ: تَعْتَلِجُ النُّطْفَتَانِ (1)فِی الرَّحِمِ فَأَیَّتُهُمَا كَانَتْ أَكْثَرَ جَاءَتْ تُشْبِهُهَا فَإِنْ كَانَتْ نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ أَكْثَرَ جَاءَتْ تُشْبِهُ أَخْوَالَهُ وَ إِنْ كَانَتْ نُطْفَةُ الرَّجُلِ أَكْثَرَ جَاءَتْ تُشْبِهُ أَعْمَامَهُ وَ قَالَ تَحَوَّلُ النُّطْفَةُ فِی الرَّحِمِ أَرْبَعِینَ یَوْماً فَمَنْ أَرَادَ أَنْ یَدْعُوَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَفِی تِلْكَ الْأَرْبَعِینَ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ ثُمَّ یَبْعَثُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَلَكَ الْأَرْحَامِ فَیَأْخُذُهَا فَیَصْعَدُ بِهَا إِلَی اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَیَقِفُ مِنْهُ مَا شَاءَ اللَّهُ (2)فَیَقُولُ یَا إِلَهِی أَ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَی فَیُوحِی اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ (3)مِنْ ذَلِكَ مَا یَشَاءُ وَ یَكْتُبُ الْمَلَكُ ثُمَّ یَقُولُ إِلَهِی أَ شَقِیٌّ أَمْ سَعِیدٌ فَیُوحِی اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ ذَلِكَ مَا یَشَاءُ وَ یَكْتُبُ الْمَلَكُ فَیَقُولُ اللَّهُمَّ كَمْ رِزْقُهُ وَ مَا أَجَلُهُ ثُمَّ یَكْتُبُهُ وَ یَكْتُبُ كُلَّ شَیْ ءٍ یُصِیبُهُ فِی الدُّنْیَا بَیْنَ عَیْنَیْهِ ثُمَّ یَرْجِعُ بِهِ فَیَرُدُّهُ فِی الرَّحِمِ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ما أَصابَ مِنْ مُصِیبَةٍ فِی الْأَرْضِ وَ لا فِی أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِی كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها

«7»-ن، عیون أخبار الرضا علیه السلام الْمُفَسِّرُ بِإِسْنَادِهِ إِلَی أَبِی مُحَمَّدٍ علیه السلام قَالَ قَالَ الرِّضَا علیه السلام قِیلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله یَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ فُلَانٌ یَعْمَلُ مِنَ الذُّنُوبِ كَیْتَ وَ كَیْتَ (4)فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله بَلْ قَدْ نَجَا وَ لَا یَخْتِمُ اللَّهُ تَعَالَی عَمَلَهُ إِلَّا بِالْحُسْنَی وَ سَیَمْحُو اللَّهُ عَنْهُ السَّیِّئَاتِ وَ یُبَدِّلُهَا لَهُ حَسَنَاتٍ إِنَّهُ كَانَ مَرَّةً یَمُرُّ فِی طَرِیقٍ عَرَضَ لَهُ مُؤْمِنٌ قَدِ انْكَشَفَ عَوْرَتُهُ وَ هُوَ لَا یَشْعُرُ فَسَتَرَهَا عَلَیْهِ وَ لَمْ یُخْبِرْهُ بِهَا مَخَافَةَ أَنْ یَخْجَلَ ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ الْمُؤْمِنَ عَرَفَهُ فِی مَهْوَاةٍ فَقَالَ لَهُ أَجْزَلَ اللَّهُ لَكَ الثَّوَابَ (5)وَ أَكْرَمَ لَكَ الْمَآبَ (6)وَ لَا نَاقَشَكَ الْحِسَابَ (7)

ص: 155


1- اعتلجت الوحش: تضاربت، و اعتلج القوم: اقتتلوا و اصطرعوا. أقول: فیه ایعاز منه علیه السلام الی وجود الحیوانات الصغار الحیة فی النطفة.
2- فی المصدر: حیث یشاء اللّٰه. م.
3- بفتح التاء و قد یكسر: یكنی بها عن الحدیث و الخبر، و تستعملان بدون الواو أیضا و لا تستعملان الا مكررتین.
4- فی نسخة: فیوحی اللّٰه عزّ و جلّ إلیه.
5- أی أكثره و أوسعه.
6- المآب: المرجع و المنقلب.
7- ناقشه الحساب و فی الحساب: استقصی فی حسابه.

فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ فِیهِ فَهَذَا الْعَبْدُ لَا یُخْتَمُ لَهُ إِلَّا بِخَیْرٍ بِدُعَاءِ ذَلِكَ الْمُؤْمِنِ فَاتَّصَلَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله بِهَذَا الرَّجُلِ فَتَابَ وَ أَنَابَ وَ أَقْبَلَ إِلَی طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَلَمْ یَأْتِ عَلَیْهِ سَبْعَةَ أَیَّامٍ حَتَّی أُغِیرَ عَلَی سَرْحِ الْمَدِینَةِ (1)فَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله فِی أَثَرِهِمْ (2)جَمَاعَةً ذَلِكَ الرَّجُلُ أَحَدُهُمْ فَاسْتُشْهِدَ فِیهِمْ.

«8»-ید، التوحید الدَّقَّاقُ عَنِ الْكُلَیْنِیِّ عَنْ عَلِیِّ بْنِ مُحَمَّدٍ رَفَعَهُ عَنْ شُعَیْبٍ الْعَقَرْقُوفِیِّ عَنْ أَبِی بَصِیرٍ قَالَ: كُنْتُ بَیْنَ یَدَیْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام جَالِساً وَ قَدْ سَأَلَهُ سَائِلٌ فَقَالَ جُعِلْتُ فِدَاكَ یَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ أَیْنَ لَحِقَ الشَّقَاءُ أَهْلَ الْمَعْصِیَةِ حَتَّی حَكَمَ لَهُمْ فِی عِلْمِهِ بِالْعَذَابِ عَلَی عَمَلِهِمْ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام أَیُّهَا السَّائِلُ عَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ لَا یَقُومُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ بِحَقِّهِ فَلَمَّا عَلِمَ بِذَلِكَ وَهَبَ لِأَهْلِ مَحَبَّتِهِ (3)الْقُوَّةَ عَلَی مَعْصِیَتِهِمْ لِسَبْقِ عِلْمِهِ فِیهِمْ وَ لَمْ یَمْنَعْهُمْ إِطَاقَةَ الْقَبُولِ مِنْهُ لِأَنَّ عِلْمَهُ أَوْلَی بِحَقِیقَةِ التَّصْدِیقِ فَوَافَقُوا مَا سَبَقَ لَهُمْ فِی عِلْمِهِ وَ إِنْ قَدَرُوا (4)أَنْ یَأْتُوا خِلَالًا یُنْجِیهِمْ عَنْ مَعْصِیَتِهِ وَ هُوَ مَعْنَی شَاءَ مَا شَاءَ وَ هُوَ سِرٌّ.

بیان: هذا الخبر مأخوذ من الكافی و فیه تغییرات عجیبة تورث سوء الظن بالصدوق و إنه إنما فعل ذلك لیوافق مذهب أهل العدل (5)و فی الكافی هكذا أیها السائل حكم اللّٰه عز و جل لا یقوم أحد من خلقه بحقه فلما حكم بذلك وهب لأهل محبته القوة علی معرفته و وضع عنهم ثقل العمل بحقیقة ما هم أهله و وهب لأهل المعصیة القوة علی معصیتهم لسبق علمه فیهم و منعهم إطاقة القبول منه فوافقوا ما سبق لهم فی علمه و لم یقدروا أن یأتوا حالا تنجیهم من عذابه لأن علمه أولی بحقیقة التصدیق و هو معنی شاء ما شاء و هو سره.

قوله علیه السلام لا یقوم أحد أی تكالیفه تعالی شاقّة لا یتیسر الإتیان بها إلا بهدایته

ص: 156


1- أغار علیهم: هجم و أوقع بهم. سرح المدینة: فنائها.
2- بفتح الهمزة و كسرها: بعدهم.
3- الموجود فی التوحید المطبوع هكذا: وهب لاهل محبته القوّة علی معرفته، و وضع عنهم ثقل العمل بحقیقة ما هم أهله، و وهب لاهل المعصیة القوّة علی معصیتهم إه. فالظاهر أنّها كانت ساقطة عن نسخته قدّس سرّه.
4- فی نسخة كما فی التوحید المطبوع: و لم یقدروا.
5- هذا البیان ناش عن سقوط سطر من نسخة المؤلّف- رحمه اللّٰه- و الصدوق رحمه اللّٰه أثبت و أضبط.

تعالی أو كیفیة حكم اللّٰه و قضائه فی غایة الغموض لا تصل إلیها عقول أكثر الخلق قوله علیه السلام و منعهم إطاقة القبول قیل هو مصدر مضاف إلی الفاعل أی منعوا أنفسهم إطاقة القبول و الظاهر أنه علی صیغة الماضی أی منع اللّٰه منهم غایة الوسع و الطاقة بالألطاف و الهدایات التی یستحقها أهل الطاعة بنیاتهم الحسنة لا أنه سلبهم القدرة علی الفعل و اللّٰه یعلم.

«9»-ید، التوحید ابْنُ الْوَلِیدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ أَبِی الْخَطَّابِ عَنِ ابْنِ أَسْبَاطٍ عَنِ الْبَطَائِنِیِّ عَنْ أَبِی بَصِیرٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام فِی قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَیْنا شِقْوَتُنا قَالَ بِأَعْمَالِهِمْ شَقُوا.

«10»-ید، التوحید مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَلَوِیُّ عَنِ ابْنِ قُتَیْبَةَ عَنِ الْفَضْلِ عَنِ ابْنِ أَبِی عُمَیْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُوسَی بْنَ جَعْفَرٍ علیهما السلام عَنْ مَعْنَی قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله الشَّقِیُّ مَنْ شَقِیَ فِی بَطْنِ أُمِّهِ وَ السَّعِیدُ مَنْ سَعِدَ فِی بَطْنِ أُمِّهِ فَقَالَ الشَّقِیُّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ (1)وَ هُوَ فِی بَطْنِ أُمِّهِ أَنَّهُ سَیَعْمَلُ أَعْمَالَ الْأَشْقِیَاءِ وَ السَّعِیدُ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ وَ هُوَ فِی بَطْنِ أُمِّهِ أَنَّهُ سَیَعْمَلُ أَعْمَالَ السُّعَدَاءِ قُلْتُ لَهُ فَمَا مَعْنَی قَوْلِهِ صلی اللّٰه علیه و آله اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُیَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ لِیَعْبُدُوهُ وَ لَمْ یَخْلُقْهُمْ لِیَعْصُوهُ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِیَعْبُدُونِ فَیَسَّرَ كُلًّا لِمَا خَلَقَ لَهُ فَالْوَیْلُ لِمَنِ اسْتَحَبَّ الْعَمَی عَلَی الْهُدَی.

«11»-ید، التوحید ابْنُ الْوَلِیدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ یَزِیدَ عَنْ صَفْوَانَ عَنِ ابْنِ حَازِمٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ السَّعَادَةَ وَ الشَّقَاوَةَ قَبْلَ أَنْ یَخْلُقَ خَلْقَهُ فَمَنْ عَلِمَهُ اللَّهُ (2)سَعِیداً لَمْ یُبْغِضْهُ أَبَداً وَ إِنْ عَمِلَ شَرّاً أَبْغَضَ عَمَلَهُ وَ لَمْ یُبْغِضْهُ وَ إِنْ عَلِمَهُ شَقِیّاً لَمْ یُحِبَّهُ أَبَداً وَ إِنْ عَمِلَ صَالِحاً أَحَبَّ عَمَلَهُ وَ أَبْغَضَهُ لِمَا یَصِیرُ إِلَیْهِ فَإِذَا أَحَبَّ اللَّهُ شَیْئاً لَمْ یُبْغِضْهُ أَبَداً وَ إِذَا أَبْغَضَ شَیْئاً لَمْ یُحِبَّهُ أَبَداً.

سن، المحاسن أبی عن صفوان مثله

ص: 157


1- فی المصدر: من علمه اللّٰه و كذا فی قوله علیه السلام: و السعید من علم اللّٰه. م.
2- فی المحاسن فمن خلقه اللّٰه. م.

بیان: خلق السعادة و الشقاوة أی قدّرهما بتقدیر التكالیف الموجبة لهما قوله علیه السلام فمن علمه اللّٰه سعیدا فی الكافی فمن خلقه اللّٰه أی قدره بأن علمه كذلك و أثبت حاله فی اللوح أو خلقه حالكونه عالما بأنه سعید.

«12»-ید، التوحید ابْنُ الْوَلِیدِ عَنِ الصَّفَّارِ وَ سَعْدٍ مَعاً عَنْ أَیُّوبَ بْنِ نُوحٍ عَنِ ابْنِ أَبِی عُمَیْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام فِی قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ یَحُولُ بَیْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ قَالَ یَحُولُ بَیْنَهُ وَ بَیْنَ أَنْ یَعْلَمَ أَنَّ الْبَاطِلَ حَقٌّ وَ قَدْ قِیلَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَی یَحُولُ بَیْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ بِالْمَوْتِ (1)وَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام إِنَّ اللَّهَ یَنْقُلُ الْعَبْدَ مِنَ الشَّقَاءِ إِلَی السَّعَادَةِ وَ لَا یَنْقُلُهُ مِنَ السَّعَادَةِ إِلَی الشَّقَاءِ.

«13»-یر، بصائر الدرجات إِبْرَاهِیمُ بْنُ هَاشِمٍ عَنِ الْحُسَیْنِ بْنِ سَیْفٍ عَنْ أَبِیهِ عَنْ أَبِی الْقَاسِمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ یَقُولُ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله النَّاسَ ثُمَّ رَفَعَ یَدَهُ الْیُمْنَی قَابِضاً عَلَی كَفِّهِ فَقَالَ أَ تَدْرُونَ مَا فِی كَفِّی قَالُوا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ فَقَالَ فِیهَا أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ أَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَ قَبَائِلِهِمْ إِلَی یَوْمِ الْقِیَامَةِ ثُمَّ رَفَعَ یَدَهُ الْیُسْرَی فَقَالَ أَیُّهَا النَّاسُ أَ تَدْرُونَ مَا فِی یَدِی قَالُوا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ فَقَالَ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَ أَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَ قَبَائِلِهِمْ إِلَی یَوْمِ الْقِیَامَةِ ثُمَّ قَالَ حَكَمَ اللَّهُ وَ عَدَلَ وَ حَكَمَ اللَّهُ وَ عَدَلَ فَرِیقٌ فِی الْجَنَّةِ وَ فَرِیقٌ فِی السَّعِیرِ (2).

«14»-سن، المحاسن أَبِی عَنِ النَّضْرِ عَنِ الْحَلَبِیِّ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنِ ابْنِ حَازِمٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام أَ یُحِبُّ اللَّهُ الْعَبْدَ ثُمَّ یُبْغِضُهُ أَوْ یُبْغِضُهُ ثُمَّ یُحِبُّهُ فَقَالَ مَا تَزَالُ تَأْتِینِی بِشَیْ ءٍ فَقُلْتُ هَذَا دِینِی وَ بِهِ أُخَاصِمُ النَّاسَ فَإِنْ نَهَیْتَنِی عَنْهُ تَرَكْتُهُ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ هَلْ أَبْغَضَ اللَّهُ مُحَمَّداً صلی اللّٰه علیه و آله عَلَی حَالٍ مِنَ الْحَالاتِ فَقَالَ لَوْ أَبْغَضَهُ عَلَی حَالٍ مِنَ الْحَالاتِ لَمَا أَلْطَفَ لَهُ حَتَّی أَخْرَجَهُ مِنْ حَالٍ إِلَی حَالٍ فَجَعَلَهُ نَبِیّاً فَقُلْتُ أَ لَمْ تُجِبْنِی مُنْذُ سِنِینَ عَنِ الشَّقَاوَةِ وَ السَّعَادَةِ أَنَّهُمَا كَانَا قَبْلَ أَنْ یَخْلُقَ اللَّهُ الْخَلْقَ قَالَ بَلَی وَ أَنَا السَّاعَةَ أَقُولُهُ قُلْتُ فَأَخْبِرْنِی عَنِ السَّعِیدِ هَلْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ عَلَی حَالٍ مِنَ الْحَالاتِ فَقَالَ لَوْ أَبْغَضَهُ عَلَی حَالٍ مِنَ

ص: 158


1- الظاهر أن جملة «و قد قیل ان اللّٰه إلخ» من كلام الصدوق مدرجة بین الحدیثین.
2- تقدم الحدیث بألفاظ اخری تحت رقم 2 و یأتی بعد أیضا.

الْحَالاتِ لَمَا أَلْطَفَ لَهُ حَتَّی یُخْرِجَهُ مِنْ حَالٍ إِلَی حَالٍ فَیَجْعَلَهُ سَعِیداً قُلْتُ فَأَخْبِرْنِی عَنِ الشَّقِیِّ هَلْ أَحَبَّهُ اللَّهُ عَلَی حَالٍ مِنَ الْحَالاتِ فَقَالَ لَوْ أَحَبَّهُ عَلَی حَالٍ مِنَ الْحَالاتِ مَا تَرَكَهُ شَقِیّاً وَ لَاسْتَنْقَذَهُ مِنَ الشَّقَاءِ إِلَی السَّعَادَةِ قُلْتُ فَهَلْ یُبْغِضُ اللَّهُ الْعَبْدَ ثُمَّ یُحِبُّهُ أَوْ یُحِبُّهُ ثُمَّ یُبْغِضُهُ فَقَالَ لَا.

«15»-سن، المحاسن النَّضْرُ عَنْ یَحْیَی الْحَلَبِیِّ عَنْ مُعَلًّی أَبِی عُثْمَانَ عَنْ عَلِیِّ بْنِ حَنْظَلَةَ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: اخْتَصَمَ رَجُلَانِ بِالْمَدِینَةِ قَدَرِیٌّ وَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَجَعَلَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام بَیْنَهُمَا فَأَتَیَاهُ فَذَكَرَا كَلَامَهُمَا فَقَالَ إِنْ شِئْتُمَا أَخْبَرْتُكُمَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله فَقَالا قَدْ شِئْنَا فَقَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَی عَلَیْهِ ثُمَّ قَالَ كِتَابٌ كَتَبَهُ اللَّهُ بِیَمِینِهِ وَ كِلْتَا یَدَیْهِ یَمِینٌ فِیهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِأَسْمَائِهِمْ وَ أَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَ عَشَائِرِهِمْ وَ یُجْمَلُ عَلَیْهِمْ (1)لَا یَزِیدُ فِیهِمْ رَجُلًا وَ لَا یَنْقُصُ مِنْهُمْ رَجُلًا (2)وَ قَدْ یُسْلَكُ بِالسَّعِیدِ فِی طَرِیقِ الْأَشْقِیَاءِ حَتَّی یَقُولَ النَّاسُ كَانَ (3)مِنْهُمْ مَا أَشْبَهَهُ بِهِمْ بَلْ هُوَ مِنْهُمْ ثُمَّ تَدَارَكُهُ السَّعَادَةُ وَ قَدْ یُسْلَكُ بِالشَّقِیِّ طَرِیقَ السُّعَدَاءِ حَتَّی یَقُولَ النَّاسُ مَا أَشْبَهَهُ بِهِمْ بَلْ هُوَ مِنْهُمْ ثُمَّ یَتَدَارَكُهُ الشَّقَاءُ مَنْ كَتَبَهُ اللَّهُ سَعِیداً وَ لَوْ لَمْ یَبْقَ مِنَ الدُّنْیَا (4)إِلَّا فُوَاقُ نَاقَةٍ خَتَمَ اللَّهُ لَهُ بِالسَّعَادَةِ.

ید، التوحید أَبِی عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْبَرْقِیِّ عَنْ أَبِیهِ عَنِ النَّضْرِ عَنِ الْحَلَبِیِّ عَنْ مُعَلًّی أَبِی عُثْمَانَ عَنِ ابْنِ حَنْظَلَةَ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: یُسْلَكُ بِالسَّعِیدِ طَرِیقَ الْأَشْقِیَاءِ إِلَی آخِرِ الْخَبَرِ

«16»- سن، المحاسن ابْنُ فَضَّالٍ عَنْ مُثَنًّی الْحَنَّاطِ عَنْ أَبِی بَصِیرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ قَوْماً لِحُبِّنَا وَ خَلَقَ قَوْماً لِبُغْضِنَا فَلَوْ أَنَّ الَّذِینَ خَلَقَهُمْ

ص: 159


1- فی المصدر: مجمل علیهم، بدون الواو.
2- فی المصدر: و لا ینقص منهم أحدا أبدا. و كتاب كتبه اللّٰه فیه أسماء أهل النار باسمائهم و أسماء آبائهم و عشائرهم مجمل علیهم لا یزید فیهم رجلا و لا ینقص منهم رجلا. م.
3- فی المصدر: كانه منهم. م.
4- فی المصدر: من الدنیا شی ء. م.

لِحُبِّنَا خَرَجُوا مِنْ هَذَا الْأَمْرِ إِلَی غَیْرِهِ لَأَعَادَهُمْ إِلَیْهِ وَ إِنْ رَغِمَتْ آنَافُهُمْ وَ خَلَقَ قَوْماً لِبُغْضِنَا فَلَا یُحِبُّونَنَا أَبَداً (1).

«17»-سن، المحاسن الْوَشَّاءُ عَنْ مُثَنًّی عَنْ أَبِی بَصِیرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام یَقُولُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فَخَلَقَ خَلْقاً لِحُبِّنَا لَوْ أَنَّ أَحَداً خَرَجَ مِنْ هَذَا الرَّأْیِ لَرَدَّهُ اللَّهُ إِلَیْهِ وَ إِنْ رَغِمَ أَنْفُهُ وَ خَلَقَ قَوْماً لِبُغْضِنَا فَلَا یُحِبُّونَنَا أَبَداً.

«18»-سن، المحاسن ابْنُ مَحْبُوبٍ وَ عَلِیُّ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ مُعَاوِیَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام یَقُولُ إِنَّ مِمَّا أَوْحَی اللَّهُ إِلَی مُوسَی وَ أَنْزَلَ فِی التَّوْرَاةِ أَنِّی أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا خَلَقْتُ الْخَلْقَ وَ خَلَقْتُ الْخَیْرَ وَ أَجْرَیْتُهُ عَلَی یَدَیْ مَنْ أُحِبُّ فَطُوبَی لِمَنْ أَجْرَیْتُهُ عَلَی یَدَیْهِ وَ أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا خَلَقْتُ الْخَلْقَ وَ خَلَقْتُ الشَّرَّ وَ أَجْرَیْتُهُ عَلَی یَدَیْ مَنْ أُرِیدُ فَوَیْلٌ لِمَنْ أَجْرَیْتُهُ عَلَی یَدَیْهِ.

«19»-سن، المحاسن أَبِی عَنِ ابْنِ أَبِی عُمَیْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِیمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ علیه السلام یَقُولُ إِنَّ فِی بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِی كُتُبِهِ إِنِّی أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا خَلَقْتُ الْخَیْرَ وَ خَلَقْتُ الشَّرَّ فَطُوبَی لِمَنْ أَجْرَیْتُ عَلَی یَدَیْهِ الْخَیْرَ وَ وَیْلٌ لِمَنْ أَجْرَیْتُ عَلَی یَدَیْهِ الشَّرَّ وَ وَیْلٌ لِمَنْ قَالَ كَیْفَ ذَا وَ كَیْفَ ذَا.

«20»-سن، المحاسن مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ عَنْ حُسَیْنِ بْنِ أَبِی عُبَیْدٍ وَ عَمْرٍو الْأَفْرَقِ الْخَیَّاطِ (2)وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِی عُبَیْدَةَ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِی جَعْفَرٍ علیه السلام قَالَ: إِنَّ اللَّهَ یَقُولُ أَنَا إِلَهٌ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا خَالِقُ الْخَیْرِ وَ الشَّرِّ وَ هُمَا خَلْقَانِ مِنْ خَلْقِی فَطُوبَی لِمَنْ قَدَّرْتُ لَهُ الْخَیْرَ وَ وَیْلٌ لِمَنْ قَدَّرْتُ لَهُ الشَّرَّ وَ وَیْلٌ لِمَنْ قَالَ كَیْفَ ذَا.

ص: 160


1- اتّحاده مع ما قبله ظاهر. و لیس فی المصدر: إلیه.
2- أورده الشیخ فی كتابه الفهرست و استظهر المیرزا كونه عمرو بن خالد الحناط الافرق المترجم فی رجال النجاشیّ بقوله: عمرو بن خالد الحناط، لقبه الافرق، مولی، ثقة، عین، روی عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام، له كتاب اه و أمّا الحسین بن أبی عبید فلم نظفر بترجمته.

«21»-سن، المحاسن الْحَسَنُ بْنُ عَلِیٍّ (1)عَنْ دَاوُدَ بْنِ سُلَیْمَانَ الْجَمَّالِ (2)قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام وَ ذُكِرَ عِنْدَهُ الْقَدَرُ وَ كَلَامُ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ هَذَا كَلَامٌ خَبِیثٌ أَنَا عَلَی دِینِ آبَائِی لَا أَرْجِعُ عَنْهُ الْقَدَرُ حُلْوُهُ وَ مُرُّهُ مِنَ اللَّهِ وَ الْخَیْرُ وَ الشَّرُّ كُلُّهُ مِنَ اللَّهِ.

«22»-سن، المحاسن أَبُو شُعَیْبٍ الْمَحَامِلِیُّ (3)عَنْ أَبِی سُلَیْمَانَ الْحَمَّارِ (4)عَنْ أَبِی بَصِیرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنْ شَیْ ءٍ مِنَ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ یَا أَبَا مُحَمَّدٍ الْخَیْرُ وَ الشَّرُّ حُلْوُهُ وَ مُرُّهُ وَ صَغِیرُهُ وَ كَثِیرُهُ مِنَ اللَّهِ.

بیان: المراد بخلق الخیر و الشر إما تقدیرهما كما مر أو المراد خلق الآلات و الأسباب التی بها یتیسر فعل الخیر و فعل الشر كما أنه تعالی خلق الخمر و خلق فی الناس القدرة علی شربها أو كنایة عن أنهما إنما یحصلان بتوفیقه و خذلانه فكأنه خلقهما أو المراد بالخیر و الشر النعم و البلایا أو المراد بخلقهما خلق من یعلم أنه یكون باختیاره مختارا للخیر و مختارا للشر و اللّٰه یعلم.

«23»-سن، المحاسن الْبَزَنْطِیُّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِی بَصِیرٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ یَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَی اللَّهِ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَیْرَ وَ الشَّرَّ إِلَیْهِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَی اللَّهِ (5).

شی، تفسیر العیاشی عن أبی بصیر مثله.

ص: 161


1- فی المصدر: الحسین بن علی. م.
2- فی المحاسن المطبوع أیضا الجمال و كذا فیما یأتی بعده، و الصحیح فیما الحمار و نقل عن خطّ الشهید ضبطه بالحاء المهملة، و المیم المشددة، و الراء أخیرا، قال النجاشیّ فی 115 من رجاله: داود بن سلیمان، أبو سلیمان الحمار، كوفیّ ثقة، روی عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام إه أقول: الحدیث لا یخلو عن شبهة الإرسال، لظهور اتّحاده مع الآتی بعده.
3- كنیة صالح بن خالد المحاملی.
4- كنیة داود بن سلیمان المتقدم.
5- الخیر موجود مخلوق من غیر شك و أمّا الشر فلیس بموجود و لا مخلوق بالاصالة و إنّما یتحقّق بالعرض و بمقایسة شی ء إلی شی ء نحوا من المقایسة، و الدلیل علی ذلك قوله تعالی: «وَ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَیْ ءٍ» الآیة و قوله: «الَّذِی أَحْسَنَ كُلَّ شَیْ ءٍ خَلَقَهُ» الآیة حیث عد كل شی ء خلقا لنفسه ثمّ عده حسنا غیر سیئ، و قال تعالی: ما أَصابَكَ مِنْ سَیِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ الآیة فعد بعض الأشیاء كالبلایا و الأمراض سیئات و ذكرها بالمساءة، مع أنّها من حیث وجودها و خلقها حسنة فلیست مساءتها إلا من جملة العرض و المقایسة. فالاشیاء أعم من الخیرات و الشرور من حیث وجودها و خلقها مستندة إلیه تعالی كما ذكر فی خبر المحاسن رقم 21 و كذلك مع المقایسة إذا كان الاستناد أعم ممّا بالذات و بالعرض و الشرور من حیث هی شرور لا تستند إلیه تعالی بالاصالة كما ذكر فی هذا الخبر. ط.

باب 7 الهدایة و الإضلال و التوفیق و الخذلان

الآیات؛

الفاتحة: «إِیَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِیَّاكَ نَسْتَعِینُ*اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِیمَ»(5-6)

البقرة: «إِنَّ الَّذِینَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَیْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا یُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلی قُلُوبِهِمْ وَ عَلی سَمْعِهِمْ وَ عَلی أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِیمٌ»(6-7) (و قال تعالی): «یُضِلُّ بِهِ كَثِیراً وَ یَهْدِی بِهِ كَثِیراً وَ ما یُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِینَ»(26) (و قال تعالی): «فَهَدَی اللَّهُ الَّذِینَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِیهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللَّهُ یَهْدِی مَنْ یَشاءُ إِلی صِراطٍ مُسْتَقِیمٍ* أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا یَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِینَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتَّی یَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذِینَ آمَنُوا مَعَهُ مَتی نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِیبٌ»(213-214) (و قال تعالی): «اللَّهُ وَلِیُّ الَّذِینَ آمَنُوا یُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَی النُّورِ»(257) (و قال): «وَ اللَّهُ لا یَهْدِی الْقَوْمَ الظَّالِمِینَ»(258) (و قال): «وَ اللَّهُ لا یَهْدِی الْقَوْمَ الْكافِرِینَ»(264)

آل عمران: «قُلْ إِنَّ الْهُدی هُدَی اللَّهِ»(73) (و قال تعالی): «كَیْفَ یَهْدِی اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِیمانِهِمْ وَ شَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَ جاءَهُمُ الْبَیِّناتُ وَ اللَّهُ لا یَهْدِی الْقَوْمَ الظَّالِمِینَ»(86)

النساء: «وَ لَهَدَیْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِیماً»(68)

المائدة: «وَ مَنْ یُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَیْئاً أُولئِكَ الَّذِینَ لَمْ یُرِدِ اللَّهُ أَنْ یُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ»(41) (و قال تعالی): «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما یُرِیدُ اللَّهُ أَنْ یُصِیبَهُمْ

ص: 162

بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ»(49) (و قال تعالی): «ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ یُؤْتِیهِ مَنْ یَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِیمٌ»(54) (و قال تعالی): «إِنَّ اللَّهَ لا یَهْدِی الْقَوْمَ الْكافِرِینَ»(67) (و قال تعالی): «وَ اللَّهُ لا یَهْدِی الْقَوْمَ الْفاسِقِینَ»(108)

الأنعام: «وَ مِنْهُمْ مَنْ یَسْتَمِعُ إِلَیْكَ وَ جَعَلْنا عَلی قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ یَفْقَهُوهُ وَ فِی آذانِهِمْ وَقْراً»(25) (و قال تعالی): «وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَی الْهُدی فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِینَ»(35) (و قال تعالی): «وَ كَذلِكَ جَعَلْنا فِی كُلِّ قَرْیَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِیها لِیَمْكُرُوا فِیها»(123) (و قال تعالی): «مَنْ یَشَأِ اللَّهُ یُضْلِلْهُ وَ مَنْ یَشَأْ یَجْعَلْهُ عَلی صِراطٍ مُسْتَقِیمٍ»(39) (و قال تعالی): «وَ كَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِیَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَیْهِمْ مِنْ بَیْنِنا»(53) (و قال تعالی): «وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ كَما لَمْ یُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ نَذَرُهُمْ فِی طُغْیانِهِمْ یَعْمَهُونَ* وَ لَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَیْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ الْمَوْتی وَ حَشَرْنا عَلَیْهِمْ كُلَّ شَیْ ءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِیُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ یَشاءَ اللَّهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ یَجْهَلُونَ* وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِیٍّ عَدُوًّا شَیاطِینَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ یُوحِی بَعْضُهُمْ إِلی بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ ما یَفْتَرُونَ* وَ لِتَصْغی إِلَیْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِینَ لا یُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ لِیَرْضَوْهُ وَ لِیَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ»(110-113) (و قال تعالی): «فَمَنْ یُرِدِ اللَّهُ أَنْ یَهْدِیَهُ یَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ یُرِدْ أَنْ یُضِلَّهُ یَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَیِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما یَصَّعَّدُ فِی السَّماءِ كَذلِكَ یَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَی الَّذِینَ لا یُؤْمِنُونَ»(125) (و قال تعالی): «إِنَّ اللَّهَ لا یَهْدِی الْقَوْمَ الظَّالِمِینَ»(144) (و قال تعالی): «فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِینَ»(149)

الأعراف: «إِنَّا جَعَلْنَا الشَّیاطِینَ أَوْلِیاءَ لِلَّذِینَ لا یُؤْمِنُونَ»(27) (و قال تعالی): «مَنْ یَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِی وَ مَنْ یُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ* وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِیراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا یَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْیُنٌ لا یُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا یَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ»(178-179) (و قال تعالی): «فَرِیقاً هَدی وَ فَرِیقاً حَقَّ عَلَیْهِمُ الضَّلالَةُ»(30) (و قال تعالی): «سَأَصْرِفُ عَنْ آیاتِیَ الَّذِینَ یَتَكَبَّرُونَ فِی الْأَرْضِ بِغَیْرِ الْحَقِّ وَ إِنْ یَرَوْا كُلَّ آیَةٍ لا یُؤْمِنُوا بِها وَ إِنْ یَرَوْا سَبِیلَ الرُّشْدِ لا یَتَّخِذُوهُ سَبِیلًا وَ إِنْ یَرَوْا سَبِیلَ الغَیِّ یَتَّخِذُوهُ سَبِیلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآیاتِنا وَ كانُوا عَنْها

ص: 163

غافِلِینَ»(146) (و قال تعالی): «مَنْ یُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِیَ لَهُ وَ یَذَرُهُمْ فِی طُغْیانِهِمْ یَعْمَهُونَ»(186)

الأنفال: «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَ ما رَمَیْتَ إِذْ رَمَیْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمی»(17) (و قال تعالی): «وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ یَحُولُ بَیْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ»(24) (1)

التوبة: «وَ اللَّهُ لا یَهْدِی الْقَوْمَ الظَّالِمِینَ»(19) (و قال تعالی): «وَ اللَّهُ لا یَهْدِی الْقَوْمَ الْفاسِقِینَ»(24) (و قال تعالی): «وَ طُبِعَ عَلی قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا یَفْقَهُونَ»(87) (و قال تعالی): «صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا یَفْقَهُونَ»(127)

یونس: «وَ اللَّهُ یَدْعُوا إِلی دارِ السَّلامِ وَ یَهْدِی مَنْ یَشاءُ إِلی صِراطٍ مُسْتَقِیمٍ»(25) (و قال تعالی): «كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَی الَّذِینَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا یُؤْمِنُونَ»(33) (و قال تعالی): «وَ مِنْهُمْ مَنْ یَسْتَمِعُونَ إِلَیْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَ لَوْ كانُوا لا یَعْقِلُونَ* وَ مِنْهُمْ مَنْ یَنْظُرُ إِلَیْكَ أَ فَأَنْتَ تَهْدِی الْعُمْیَ وَ لَوْ كانُوا لا یُبْصِرُونَ* إِنَّ اللَّهَ لا یَظْلِمُ النَّاسَ شَیْئاً وَ لكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ یَظْلِمُونَ»(42-43) (و قال تعالی): «إِنَّ الَّذِینَ حَقَّتْ عَلَیْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا یُؤْمِنُونَ* وَ لَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آیَةٍ حَتَّی یَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِیمَ»(96-97)

هود: «وَ ما تَوْفِیقِی إِلَّا بِاللَّهِ عَلَیْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَیْهِ أُنِیبُ»(88) (و قال تعالی): «وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَ لا یَزالُونَ مُخْتَلِفِینَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِینَ»(118-119) (و قال تعالی): «وَ لا یَنْفَعُكُمْ نُصْحِی إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ یُرِیدُ أَنْ یُغْوِیَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَ إِلَیْهِ تُرْجَعُونَ»(34) (2)

ص: 164


1- قال الرضی رحمه اللّٰه: هذه استعارة علی بعض التأویلات المذكورة فی هذه الآیة، و المعنی: أن اللّٰه أقرب إلی العبد من قلبه، فكأنّه حائل بینه و بینه من هذا الوجه، أو یكون المعنی أنّه قادر علی تبدیل قلب المرء من حال إلی حال، إذ كان سبحانه موصوفا بأنّه مقلب القلوب، و المعنی أنّه ینقلها من حال الامن إلی حال الخوف، و من حال الخوف إلی حال الامن، و من حال المساءة إلی حال السرور، و من حال المحبوب إلی حال المكروه.
2- الإغواء: هو الدعاء إلی الغی و الضلال، و ذلك غیر جائز علی اللّٰه سبحانه لقبحه، و ورود أمره بضده، فهو من قبیل الاستعارة، و المراد هنا تخییبه سبحانه لهم من رحمته لكفرهم به، و ذهابهم عن أمره، و خذلانهم عن سبیل الرشاد، و یجوز أن یكون بمعنی الهلاك، كما یجوز أن یكون بمعنی الحكم بالغوایة علیهم.

الرعد: «قُلْ إِنَّ اللَّهَ یُضِلُّ مَنْ یَشاءُ وَ یَهْدِی إِلَیْهِ مَنْ أَنابَ»(27) (و قال تعالی): «أَ فَلَمْ یَیْأَسِ الَّذِینَ آمَنُوا أَنْ لَوْ یَشاءُ اللَّهُ لَهَدَی النَّاسَ جَمِیعاً»(31) (و قال تعالی): «وَ مَنْ یُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ»(33)

إبراهیم: «فَیُضِلُّ اللَّهُ مَنْ یَشاءُ وَ یَهْدِی مَنْ یَشاءُ»(4) (و قال تعالی): «یُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِینَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِی الْحَیاةِ الدُّنْیا وَ فِی الْآخِرَةِ وَ یُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِینَ وَ یَفْعَلُ اللَّهُ ما یَشاءُ»(27)

النحل: «وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ یُضِلُّ مَنْ یَشاءُ وَ یَهْدِی مَنْ یَشاءُ وَ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»(93) (و قال تعالی): «وَ أَنَّ اللَّهَ لا یَهْدِی الْقَوْمَ الْكافِرِینَ* أُولئِكَ الَّذِینَ طَبَعَ اللَّهُ عَلی قُلُوبِهِمْ وَ سَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ»(107-108)

الأسری: «وَ مَنْ یَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ یُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِیاءَ مِنْ دُونِهِ»(97) (و قال تعالی): «وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْیَةً أَمَرْنا مُتْرَفِیها فَفَسَقُوا فِیها فَحَقَّ عَلَیْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِیراً»(16)

الكهف: «مَنْ یَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ یُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِیًّا مُرْشِداً»(17)

مریم: «قُلْ مَنْ كانَ فِی الضَّلالَةِ فَلْیَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا»(75) (و قال تعالی): «وَ یَزِیدُ اللَّهُ الَّذِینَ اهْتَدَوْا هُدیً»(76) (و قال تعالی): «أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّیاطِینَ عَلَی الْكافِرِینَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا»(83)

النور: «وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَیْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ ما زَكی مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَ لكِنَّ اللَّهَ یُزَكِّی مَنْ یَشاءُ وَ اللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمٌ»(21) (و قال تعالی): «وَ مَنْ لَمْ یَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ»(40) (و قال تعالی): «وَ اللَّهُ یَهْدِی مَنْ یَشاءُ إِلی صِراطٍ مُسْتَقِیمٍ»(46)

الفرقان: «وَ لكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَ آباءَهُمْ حَتَّی نَسُوا الذِّكْرَ وَ كانُوا قَوْماً بُوراً»(18)

الشعراء: «كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِی قُلُوبِ الْمُجْرِمِینَ* لا یُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّی یَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِیمَ»(200-201)

النمل: «إِنَّ الَّذِینَ لا یُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَیَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ یَعْمَهُونَ»(4)

القصص: «وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً یَدْعُونَ إِلَی النَّارِ»(41) (و قال تعالی): «إِنَّكَ لا تَهْدِی

ص: 165

مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ یَهْدِی مَنْ یَشاءُ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِینَ»(56)

الروم: «فَمَنْ یَهْدِی مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِینَ»(29) (و قال سبحانه): «كَذلِكَ یَطْبَعُ اللَّهُ عَلی قُلُوبِ الَّذِینَ لا یَعْلَمُونَ »(59)

التنزیل: «وَ لَوْ شِئْنا لَآتَیْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّی لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِینَ»(13)

سبأ: «قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلی نَفْسِی وَ إِنِ اهْتَدَیْتُ فَبِما یُوحِی إِلَیَّ رَبِّی إِنَّهُ سَمِیعٌ قَرِیبٌ»(50)

فاطر: «أَ فَمَنْ زُیِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ یُضِلُّ مَنْ یَشاءُ وَ یَهْدِی مَنْ یَشاءُ»(8) (و قال سبحانه): «إِنَّ اللَّهَ یُسْمِعُ مَنْ یَشاءُ وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِی الْقُبُورِ»(22)

یس: «لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلی أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا یُؤْمِنُونَ* إِنَّا جَعَلْنا فِی أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِیَ إِلَی الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ* وَ جَعَلْنا مِنْ بَیْنِ أَیْدِیهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَیْناهُمْ فَهُمْ لا یُبْصِرُونَ* وَ سَواءٌ عَلَیْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا یُؤْمِنُونَ»(7-10)

الزمر: «إِنَّ اللَّهَ لا یَهْدِی مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ»(3) (و قال تعالی): «ذلِكَ هُدَی اللَّهِ یَهْدِی بِهِ مَنْ یَشاءُ وَ مَنْ یُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ»(23) «وَ مَنْ یَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ»(37) (و قال تعالی): «أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِی لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِینَ»(57)

المؤمن: «وَ مَنْ یُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ»(33) (و قال تعالی): «كَذلِكَ یُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ»(34) (و قال تعالی): «كَذلِكَ یَطْبَعُ اللَّهُ عَلی كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ»(35) (و قال تعالی): «كَذلِكَ یُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِینَ»(74)

السجدة: «وَ قَیَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَیَّنُوا لَهُمْ ما بَیْنَ أَیْدِیهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ حَقَّ عَلَیْهِمُ الْقَوْلُ فِی أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِینَ»(25)

حمعسق: «اللَّهُ یَجْتَبِی إِلَیْهِ مَنْ یَشاءُ وَ یَهْدِی إِلَیْهِ مَنْ یُنِیبُ»(13) (و قال تعالی): «وَ مَنْ یُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِیٍّ مِنْ بَعْدِهِ»(44) (و قال تعالی): «وَ مَنْ یُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِیلٍ»(46)

ص: 166

الزخرف: «وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِیَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِیًّا»(32) (و قال تعالی): «وَ مَنْ یَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَیِّضْ لَهُ شَیْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِینٌ»(36) (و قال تعالی): «أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِی الْعُمْیَ وَ مَنْ كانَ فِی ضَلالٍ مُبِینٍ»(40)

الجاثیة: «أَ فَرَأَیْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلی عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلی سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلی بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ یَهْدِیهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ»(23)

محمد: «أُولئِكَ الَّذِینَ طَبَعَ اللَّهُ عَلی قُلُوبِهِمْ وَ اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ»(14) (و قال تعالی): «وَ الَّذِینَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدیً وَ آتاهُمْ تَقْواهُمْ»(17) (و قال تعالی): «أُولئِكَ الَّذِینَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَ أَعْمی أَبْصارَهُمْ»(23)

الصف: «وَ اللَّهُ لا یَهْدِی الْقَوْمَ الظَّالِمِینَ»(7)

المنافقین: «فَطُبِعَ عَلی قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا یَفْقَهُونَ»(3)

الدهر: «إِنَّا هَدَیْناهُ السَّبِیلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً»(3)

تفسیر: قوله تعالی: خَتَمَ اللَّهُ عَلی قُلُوبِهِمْ ،قال البیضاوی الختم الكتم سمی به الاستیثاق من الشی ء بضرب الخاتم علیه لأنه كتم له و البلوغ آخره نظرا إلی أنه آخر فعل یفعل فی إحرازه و الغشاوة فعالة من غشاه إذا غطاه بنیت لما یشتمل علی الشی ء كالعصابة و العمامة و لا ختم و لا تغشیة علی الحقیقة و إنما المراد بهما أن یحدث فی نفوسهم هیئة تمرنهم علی استحباب الكفر و المعاصی و استقباح الإیمان و الطاعات بسبب غیّهم و انهماكهم فی التقلید و إعراضهم عن النظر الصحیح فیجعل قلوبهم بحیث لا ینفذ فیها الحق و أسماعهم تعاف استماعه فتصیر كأنها مستوثق منها بالختم و أبصارهم لا تجتلی لها الآیات المنصوبة فی الآفاق و الأنفس كما تجتلیها أعین المستبصرین فتصیر كأنها غطی علیها و حیل بینها و بین الأبصار و سماه علی الاستعارة ختما و تغشیة أو مثل قلوبهم و مشاعرهم المئوفة بأشیاء ضرب حجاب بینها و بین الاستنفاع بها ختما و تغطیة و قد عبر عن إحداث هذه الهیئة بالطبع فی قوله تعالی أُولئِكَ الَّذِینَ طَبَعَ اللَّهُ عَلی قُلُوبِهِمْ وَ سَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ (1)و بالإغفال فی قوله تعالی

ص: 167


1- النحل: 108.

وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ (1)و بالإقساء فی قوله تعالی وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِیَةً (2)و هی من حیث إن الممكنات بأسرها مستندة إلی اللّٰه واقعة بقدرته استندت إلیه و من حیث إنها مسببة مما اقترفوه بدلیل قوله بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَیْها بِكُفْرِهِمْ (3)و قوله تعالی ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلی قُلُوبِهِمْ (4)وردت الآیة ناعیة علیهم (5)شناعة صفتهم و وخامة عاقبتهم و اضطرت المعتزلة فیه فذكروا وجوها من التأویل:

الأول أن القول لما أعرضوا عن الحق و تمكن ذلك فی قلوبهم حتی صار كالطبیعة لهم شبه بالوصف الخلقی المجبول علیه.

الثانی أن المراد به تمثیل حال قلوبهم بقلوب البهائم التی خلقها اللّٰه تعالی خالیة عن الفطن أو قلوب مقدر ختم اللّٰه علیها و نظیره سال به الوادی إذا هلك و طارت به العنقاء إذا طالت غیبته.

الثالث أن ذلك فی الحقیقة فعل الشیطان أو الكافر لكن لما كان صدوره عنه بإقداره تعالی إیاه أسنده إلیه إسناد الفعل إلی السبب.

الرابع أن أعراقهم لما رسخت فی الكفر و استحكمت بحیث لم یبق طریق إلی تحصیل إیمانهم سوی الإلجاء و القسر ثم لم یقسرهم إبقاء علی غرض التكلیف عبر عن تركه بالختم فإنه سد لإیمانهم و فیه إشعار علی ترامی أمرهم فی الغی و تناهی انهماكهم فی الضلال و البغی.

الخامس أن یكون حكایة لما كانت الكفرة یقولون مثل قُلُوبُنا فِی أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَیْهِ وَ فِی آذانِنا وَقْرٌ وَ مِنْ بَیْنِنا وَ بَیْنِكَ حِجابٌ (6)تهكما و استهزاء بهم كقوله تعالی لَمْ یَكُنِ الَّذِینَ كَفَرُوا (7)الآیة.

ص: 168


1- الكهف: 28.
2- المائدة: 13.
3- النساء: 155.
4- المنافقون: 3.
5- نعی علیه شهواته: عابه بها. و نعی علیه ذنوبه: ظهرها و شهرها.
6- حم السجدة: 5 أقول: أكنة جمع الكن، و هو وقاء كل شی ء و ستره، قال الشیخ الطوسیّ فی التبیان: و انما قالوا: ذلك لیؤیسوا النبیّ صلّی اللّٰه علیه و آله من قبولهم دینه، فهو علی التمثیل فكأنهم شبهوا قلوبهم بما یكون فی غطاء فلا یصل إلیه شی ء ممّا وراءه، و فیه تحذیر من مثل حالهم فی كل من دعی الی أمر لا یمتنع أن یكون هو الحق، فلا یجوز أن یدفعه بمثل هذا الدفع، «وَ فِی آذانِنا وَقْرٌ» أی ثقل عن استماع هذا القرآن «وَ مِنْ بَیْنِنا وَ بَیْنِكَ حِجابٌ» قیل: الحجاب: الخلاف الذی یقتضی أن نكون بمعزل عنك، قال الزجاج: معناه: حاجز فی النحلة و الدین، أی لا نوافقك فی مذهب.
7- البینة: 1.

السادس أن ذلك فی الآخرة و إنما أخبر عنه بالماضی لتحققه و تیقن وقوعه و یشهد له قوله تعالی وَ نَحْشُرُهُمْ یَوْمَ الْقِیامَةِ عَلی وُجُوهِهِمْ عُمْیاً وَ بُكْماً وَ صُمًّا (1)السابع أن المراد بالختم وسم قلوبهم بسمة تعرفها الملائكة فیبغضونهم و یتنفرون عنهم و علی هذا المنهاج كلامنا و كلامهم فیما یضاف إلی اللّٰه تعالی من طبع و إضلال و نحوهما انتهی.

أقول بعد قیام البرهان علی امتناع أن یكلف الحكیم أحدا ثم یمنعه عن الإتیان بما كلفه به ثم یعذبه علیه و شهادة العقل بقبح ذلك و أنه تعالی منزه عنه لا بد من الحمل علی أحد الوجوه التی ذكرها.

و زاد الشیخ الطبرسی رحمه اللّٰه علی ما ذكر وجهین آخرین أحدهما ما سیأتی نقلا عن تفسیر العسكری علیه السلام و قد مرت الإشارة إلیه أیضا و هو أن المراد بالختم العلامة و إذا انتهی الكافر من كفره إلی حالة یعلم اللّٰه تعالی أنه لا یؤمن فإنه یعلم علی قلبه علامة و قیل هی نكتة سوداء تشاهدها الملائكة فیعلمون بها أنه لا یؤمن بعدها فیذمونه و یدعون علیه كما أنه تعالی یكتب فی قلب المؤمن الإیمان و یعلم علیه علامة تعلم الملائكة بها أنه مؤمن فیمدحونه و یستغفرون له فقوله تعالی بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَیْها بِكُفْرِهِمْ یحتمل أمرین أحدهما أنه طبع اللّٰه علیها جزاء للكفر و عقوبة علیه و الآخر أنه طبع علیها بعلامة كفرهم كما یقال طبع علیه بالطین و ختم علیه بالشمع.

و ثانیهما أن المراد بالختم علی القلوب أن اللّٰه شهد علیها و حكم بأنها لا تقبل الحق كما یقال أراك أنك تختم علی كل ما یقوله فلان أی تشهد به و تصدقه و قد ختمت علیك بأنك لا تفلح أی شهدت و ذلك استعارة قوله تعالی یُضِلُّ بِهِ كَثِیراً قال الطبرسی رحمه اللّٰه فیه وجهان أحدهما حكی عن الفراء أنه قال حكایة عمن قال ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا أی یضل به قوم و یهدی به قوم ثم قال اللّٰه تعالی وَ ما یُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِینَ فبین تعالی أنه لا یضل إلا فاسقا ضالا و هذا وجه حسن.

ص: 169


1- اسری: 97.

و الآخر أنه كلامه تعالی ابتداء و كلاهما محتمل و إذا كان محمولا علی هذا فمعنی قوله یضل به كثیرا أن الكفار یكذبون به و ینكرونه و یقولون لیس هو من عند اللّٰه فیضلون بسببه و إذا حصل الضلال بسببه أضیف إلیه و قوله وَ یَهْدِی بِهِ كَثِیراً یعنی الذین آمنوا به و صدقوه و قالوا هذا فی موضعه فلما حصلت الهدایة بسببه أضیف إلیه فمعنی الإضلال علی هذا تشدید الامتحان الذی یكون عنده الضلال فالمعنی أن اللّٰه یمتحن بهذه الأمثال عباده فیضل بها قوم كثیر و یهدی بها قوم كثیر و مثله قوله رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِیراً مِنَ النَّاسِ (1)أی ضلوا عندها و هذا مثل قولهم أفسدت فلانة فلانا و أذهبت عقله و هی ربما لم تعرفه و لكن لما ذهب عقله و فسد من أجلها أضیف الفساد إلیها و قد یكون الإضلال بمعنی التخلیة علی وجه العقوبة و ترك المنع بالقهر و منع الألطاف التی تفعل بالمؤمنین جزاء علی إیمانهم و هذا كما یقال لمن لا یصلح سیفه أفسدت سیفك أرید به أنك لم تحدث فیه الإصلاح فی كل وقت بالصقل و الإحداد.

و قد یكون الإضلال بمعنی التسمیة بالضلال و الحكم به كما یقال أضله إذا نسبه إلی الضلال و أكفره إذا نسبه إلی الكفر قال الكمیت و طائفة قد أكفرونی بحبكم.

و قد یكون الإضلال بمعنی الإهلاك و العذاب و التدمیر و منه قوله تعالی إِنَّ الْمُجْرِمِینَ فِی ضَلالٍ وَ سُعُرٍ (2)و منه قوله تعالی أَ إِذا ضَلَلْنا فِی الْأَرْضِ (3)أی هلكنا و قوله وَ الَّذِینَ قُتِلُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ فَلَنْ یُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (4)أی لم یبطل فعلی هذا یكون المعنی أن اللّٰه تعالی یهلك و یعذب بالكفر به كثیرا بأن یضلهم عن الثواب و طریق الجنة بسببه فیهلكوا و یهدی إلی الثواب و طریق الجنة بالإیمان به كثیرا عن أبی علی الجبائی قال و یدل علی ذلك قوله وَ ما یُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِینَ لأنه لا یخلو من أن یكون أراد العقوبة علی التكذیب كما قلناه أو یكون أراد به التحییر و التشكیك فإن أراد الحیرة فقد ذكر أنه لا یفعل إلا بالفاسق المتحیر الشاك فیجب أن لا تكون الحیرة المتقدمة التی بها صاروا فساقا من فعله إلا إذا وجدت حیرة قبلها أیضا و هذا یوجب وجود

ص: 170


1- إبراهیم: 36.
2- القمر: 47.
3- الم السجدة: 10.
4- محمّد: 4.

ما لا نهایة له من حیرة قبل حیرة لا إلی أول أو ثبوت إضلال لا إضلال قبله و إذا كان ذلك من فعله فقد أضل من لم یكن فاسقا و هو خلاف قوله وَ ما یُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِینَ و علی هذا الوجه فیجوز أن یكون حكم اللّٰه علیهم بالكفر و براءته منهم و لعنته علیهم إهلاكا لهم و یكون إهلاكه إضلالا و كل ما فی القرآن من الإضلال المنسوب إلی اللّٰه تعالی فهو بمعنی ما ذكرناه من الوجوه و لا یجوز أن یضاف إلی اللّٰه سبحانه الإضلال الذی أضافه إلی الشیطان و إلی فرعون و السامری بقوله وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِیراً (1)و قوله وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ (2)و قوله وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِیُّ (3)و هو أن یكون بمعنی التلبیس و التغلیط و التشكیك و الإیقاع فی الفساد و الضلال و غیر ذلك مما یؤدی إلی التظلیم و التجویر إلی ما یذهب إلیه المجبرة تعالی اللّٰه عن ذلك علوا كبیرا.

و إذ قد ذكرنا أقسام الإضلال فلنذكر أقسام الهدایة التی هی ضده اعلم أن الهدایة فی القرآن تقع علی وجوه:

أحدها أن تكون بمعنی الدلالة و الإرشاد یقال هداه الطریق و للطریق و إلی الطریق إذا دله علیه و هذا الوجه عام لجمیع المكلفین فإن اللّٰه تعالی هدی كل مكلف إلی الحق بأن دله علیه و أرشده إلیه لأنه كلفه الوصول إلیه فلو لم یدله علیه لكان قد كلفه ما لا یطیق و یدل علیه قوله تعالی وَ لَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدی (4)و قوله إِنَّا هَدَیْناهُ السَّبِیلَ (5)و قوله أُنْزِلَ فِیهِ الْقُرْآنُ هُدیً (6)و قوله وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَیْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمی عَلَی الْهُدی (7)و قوله وَ إِنَّكَ لَتَهْدِی إِلی صِراطٍ مُسْتَقِیمٍ (8)و قوله وَ هَدَیْناهُ النَّجْدَیْنِ (9)و ما أشبه ذلك من الآیات.

و ثانیها أن یكون بمعنی زیادة الألطاف التی بها یثبت علی الهدی و منه قوله تعالی وَ الَّذِینَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدیً (10)

ص: 171


1- یس: 62.
2- طه: 79.
3- طه: 85.
4- النجم: 23.
5- الدهر: 3.
6- البقرة: 185.
7- حم السجدة: 17.
8- الشوری: 52.
9- البلد: 10.
10- محمّد: 17.

و ثالثها أن تكون بمعنی الإثابة و منه قوله تعالی یَهْدِیهِمْ رَبُّهُمْ بِإِیمانِهِمْ تَجْرِی مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِی جَنَّاتِ النَّعِیمِ (1)و قوله تعالی وَ الَّذِینَ قُتِلُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ فَلَنْ یُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَیَهْدِیهِمْ وَ یُصْلِحُ بالَهُمْ (2)و الهدایة التی تكون بعد قتلهم هی إثابتهم لا محالة.

و رابعها الحكم بالهدایة كقوله تعالی وَ مَنْ یَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ (3)و هذه الوجوه الثلاثة خاصة بالمؤمنین دون غیرهم لأنه تعالی إنما یثیب من یستحق الإثابة و هم المؤمنون و یزیدهم ألطافا بإیمانهم و طاعتهم و یحكم لهم بالهدایة لذلك أیضا.

و خامسها أن تكون الهدایة بمعنی جعل الإنسان مهتدیا بأن یخلق الهدایة فیه كما یجعل الشی ء متحركا بخلق الحركة فیه و اللّٰه تعالی یفعل العلوم الضروریة فی القلوب فذلك هدایته منه تعالی و هذا الوجه أیضا عام لجمیع العقلاء كالوجه الأول فأما الهدایة التی كلف اللّٰه تعالی العباد فعلها كالإیمان به و بأنبیائه و غیر ذلك فإنها من فعل العباد و لذلك یستحقون علیها المدح و الثواب و إن كان اللّٰه سبحانه قد أنعم علیهم بدلالتهم علی ذلك و إرشادهم إلیه و دعاهم إلی فعله و تكلیفهم إیاه و أمرهم به فهو من هذا الوجه نعمة منه سبحانه علیهم و منة منه واصلة إلیهم و فضل منه و إحسان لدیهم فهو مشكور علی ذلك محمود إذ فعله بتمكینه و ألطافه و ضروب تسهیلاته و معوناته.

و قال رحمه اللّٰه فی قوله تعالی وَ اللَّهُ یَهْدِی مَنْ یَشاءُ إِلی صِراطٍ مُسْتَقِیمٍ (4)إن المراد به البیان و الدلالة و الصراط المستقیم هو الإسلام أو المراد به یهدیهم باللطف فیكون خاصا بمن علم من حاله أنه یصلح به أو المراد به یهدیهم إلی طریق الجنة و قال فی قوله تعالی مَتی نَصْرُ اللَّهِ (5)قیل هذا استعجال للموعود كما یفعله الممتحن و إنما قاله الرسول استبطاء للنصر علی جهة التمنی و قیل إن معناه الدعاء لله بالنصر و قیل إنه ذكر كلام الرسول و المؤمنین جملة و تفصیلا قال المؤمنون مَتی نَصْرُ اللَّهِ و قال الرسول أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِیبٌ

ص: 172


1- یونس: 9.
2- محمّد: 4 و 5.
3- اسری: 97.
4- النور: 46.
5- البقرة: 214.

و قال فی قوله تعالی یُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَی النُّورِ (1)أی من ظلمات الضلال و الكفر إلی نور الهدی و الإیمان بأن هداهم إلیه و نصب الأدلة لهم علیه و رغبهم فیه و فعل بهم من الألطاف ما یقوی دواعیهم إلی فعله.

و قال فی قوله تعالی وَ اللَّهُ لا یَهْدِی الْقَوْمَ الظَّالِمِینَ (2)أی بالمعونة علی بلوغ البغیة من الفساد و قیل لا یهدیهم إلی المحاجة كما یهدی أنبیاءه و قیل لا یهدیهم بألطافه و تأییده إذا علم أنه لا لطف لهم و قیل لا یهدیهم إلی الجنة.

و قال فی قوله تعالی كَیْفَ یَهْدِی اللَّهُ قَوْماً (3)معناه كیف یسلك اللّٰه بهم سبیل المهتدین بالإثابة لهم و الثناء علیهم أو أنه علی طریق التبعید كما یقال كیف یهدیك إلی الطریق و قد تركته أی لا طریق یهدیهم به إلی الإیمان إلا من الوجه الذی هداهم به و قد تركوه أو كیف یهدیهم اللّٰه إلی طریق الجنة و الحال هذه.

أقول الأظهر أن المعنی أنهم حرموا أنفسهم بما اختاروه الألطاف الخاصة من ربهم تعالی.

و قال فی قوله تعالی وَ مَنْ یُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ (4)قیل فیه أقوال أحدها أن المراد بالفتنة العذاب أی من یرد اللّٰه عذابه كقوله تعالی عَلَی النَّارِ یُفْتَنُونَ (5)أی یعذبون و قوله ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ (6)أی عذابكم.

و ثانیها أن معناه من یرد اللّٰه إهلاكه.

و ثالثها أن المراد به من یرد اللّٰه خزیه و فضیحته بإظهار ما ینطوی علیه.

ص: 173


1- البقرة: 257.
2- البقرة: 258.
3- آل عمران: 86.
4- المائدة: 41 قال الشیخ فی التبیان:- بعد نقل الأقوال الثلاثة الاولة- و أصل الفتنة: التخلیص من قولهم: فتنت الذهب فی النار أی خلصته من الغش، و الفتنة: الاختبار، و یسمی بذلك لما فیها من تخلیص الحال لمن أراد الاضلال، و إنّما أراد الحكم علیه بذلك بایراد الحجج ففیه تمییز و تخلیص لحالهم من حال غیرهم من المؤمنین، و من فسره علی العذاب فلانهم یحرقون كما یحرق خبث الذهب فهم خبث كلهم، و من فسره علی الفضیحة فلما فیها من الدلالة علیهم التی یتمیزون بها من غیرهم.
5- الذاریات: 13.
6- الذاریات: 14.

و رابعها أن المراد من یرد اللّٰه اختباره بما یبتلیه من القیام بحدوده فیدع ذلك و یحرفه.

و الأصح الأول فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَیْئاً أی فلن تستطیع أن تدفع لأجله من أمر اللّٰه الذی هو العذاب أو الفضیحة أو الهلاك شیئا أُولئِكَ الَّذِینَ لَمْ یُرِدِ اللَّهُ أَنْ یُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ معناه أولئك الیهود لم یرد اللّٰه أن یطهر من عقوبات الكفر التی هی الختم و الطبع و الضیق قلوبهم كما طهر قلوب المؤمنین منها بأن كتب فی قلوبهم الإیمان و شرح صدورهم للإسلام و قیل معناه لم یرد أن یطهرها من الكفر بالحكم علیها بأنها بریئة منه ممدوحة بالإیمان.

قال القاضی و هذا لا یدل علی أنه سبحانه لم یرد منهم الإیمان لأن ذلك لا یعقل من تطهیر القلب إلا علی جهة التوسع و لأن قوله لَمْ یُرِدِ اللَّهُ أَنْ یُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ یقتضی نفی كونه مریدا و لیس فیه بیان الوجه الذی لم یرد ذلك علیه و المراد بذلك أنه لم یرد تطهیر قلوبهم مما یلحقها من الغموم بالذم و الاستخفاف و العقاب و لذا قال عقیبه لَهُمْ فِی الدُّنْیا خِزْیٌ وَ لَهُمْ فِی الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِیمٌ و لو كان أراد ما قاله المجبرة لم یجعل ذلك ذما لهم و لا عقبه بالذم و لا جعله فی حكم الجزاء علی ما لأجله عاقبهم و أراد ذلك فیهم.

أقول: رَوَی النُّعْمَانِیُّ فِی تَفْسِیرِهِ فِیمَا رَوَاهُ عَنْ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَیْهِ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنِ الْمُتَشَابِهِ فِی تَفْسِیرِ الْفِتْنَةِ فَقَالَ مِنْهُ فِتْنَةُ الِاخْتِبَارِ وَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَی الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ یُتْرَكُوا أَنْ یَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا یُفْتَنُونَ (1)وَ قَوْلُهُ لِمُوسَی وَ فَتَنَّاكَ فُتُوناً (2)وَ مِنْهُ فِتْنَةُ الْكُفْرِ وَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَی لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَ قَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّی جاءَ الْحَقُّ وَ ظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ (3)وَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ فِی الَّذِینَ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله فِی غَزْوَةِ تَبُوكَ أَنْ یَتَخَلَّفُوا عَنْهُ مِنَ الْمُنَافِقِینَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَی فِیهِمْ وَ مِنْهُمْ مَنْ یَقُولُ ائْذَنْ لِی وَ لا تَفْتِنِّی أَلا فِی الْفِتْنَةِ سَقَطُوا (4)یَعْنِی ائْذَنْ لِی وَ لَا تُكْفِرْنِی فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَّ أَلا فِی الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِیطَةٌ بِالْكافِرِینَ (5)

ص: 174


1- العنكبوت: 1 و 2.
2- طه: 40.
3- التوبة: 48.
4- التوبة: 49.
5- التوبة: 49.

وَ مِنْهُ فِتْنَةُ الْعَذَابِ وَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَی یَوْمَ هُمْ عَلَی النَّارِ یُفْتَنُونَ (1)أَیْ یُعَذَّبُونَ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِی كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (2)أَیْ ذُوقُوا عَذَابَكُمْ وَ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَی إِنَّ الَّذِینَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِینَ وَ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ یَتُوبُوا (3)أَیْ عَذَّبُوا الْمُؤْمِنِینَ وَ مِنْهُ فِتْنَةُ الْمَحَبَّةِ لِلْمَالِ وَ الْوَلَدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَی إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ (4)وَ مِنْهُ فِتْنَةُ الْمَرَضِ وَ هُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ أَ وَ لا یَرَوْنَ أَنَّهُمْ یُفْتَنُونَ فِی كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَیْنِ ثُمَّ لا یَتُوبُونَ وَ لا هُمْ یَذَّكَّرُونَ (5)أَیْ یَمْرَضُونَ وَ یُقْتَلُونَ.

انتهی.

و قال الطبرسی رحمه اللّٰه فی قوله تعالی فَاعْلَمْ أَنَّما یُرِیدُ اللَّهُ أَنْ یُصِیبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ قیل فی معناه أقوال أحدها معناه فاعلم یا محمد أنما یرید اللّٰه أن یعاقبهم ببعض أجرامهم و ذكر البعض و المراد به الكل كما یذكر العموم و یراد به الخصوص.

و الثانی أنه ذكر البعض تغلیظا للعقاب و المراد أنه یكفی أن یؤخذوا ببعض ذنوبهم فی إهلاكهم و التدمیر علیهم.

و الثالث أنه أراد تعجیل بعض العقاب مما كان من التمرد فی الأجرام لأن عذاب الدنیا مختص ببعض الذنوب دون بعض و عذاب الآخرة یعم.

قوله تعالی وَ جَعَلْنا عَلی قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً قال الزمخشری الأكنة علی القلوب و الوقر فی الآذان مثل فی نبو قلوبهم و مسامعهم عن قبوله و اعتقاد صحته و وجه إسناد الفعل إلی ذاته و هو قوله وَ جَعَلْنا للدلالة علی أنه أمر ثابت فیهم لا یزول عنهم كأنهم مجبولون علیه أو هی حكایة لما كانوا ینطقون به من قولهم وَ فِی آذانِنا وَقْرٌ وَ مِنْ بَیْنِنا وَ بَیْنِكَ حِجابٌ و قال الطبرسی رحمه اللّٰه قال القاضی أبو عاصم العامری أصح الأقوال فیه

ما روی أن النبی صلی اللّٰه علیه و آله كان یصلی باللیل و یقرأ القرآن فی الصلاة جهرا رجاء أن یستمع إلی قراءته إنسان فیتدبر معانیه و یؤمن به فكان المشركون إذا سمعوه آذوه و منعوه عن الجهر بالقراءة.

و كان اللّٰه تعالی یلقی علیهم النوم أو یجعل

ص: 175


1- الذاریات: 13.
2- الذاریات: 14.
3- البروج: 10.
4- التغابن: 15.
5- التوبة: 126.

فی قلوبهم أكنة لیقطعهم عن مرادهم و ذلك بعد ما بلغهم ما تقوم به الحجة و تنقطع به المعذرة و بعد ما علم اللّٰه تعالی أنهم لا ینتفعون بسماعه و لا یؤمنون به فشبه إلقاء النوم علیهم بجعل الغطاء علی قلوبهم و بوقر آذانهم لأن ذلك كان یمنعهم من التدبر كالوقر و الغطاء و هذا معنی قوله تعالی وَ إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَیْنَكَ وَ بَیْنَ الَّذِینَ لا یُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً و یحتمل ذلك وجها آخر و هو أنه تعالی یعاقب هؤلاء الكفار الذین علم أنهم لا یؤمنون بعقوبات یجعلها فی قلوبهم تكون موانع من أن یفقهوا ما یستمعونه و یحتمل أیضا أن یكون سمی الكفر الذی فی قلوبهم كنا تشبیها و مجازا و إعراضهم عن القرآن وقرا توسعا لأن مع الكفر و الإعراض لا یحصل الإیمان و الفهم كما لا یحصلان مع الكن و الوقر و نسب ذلك إلی نفسه لأنه الذی شبه أحدهما بالآخر كما یقول أحدنا لغیره إذا أثنی علی إنسان و ذكر مناقبه جعلته فاضلا و بالضد إذا ذكر مقابحه و فسقه یقول جعلته فاسقا (1)و قال الزمخشری فی قوله تعالی وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَی الْهُدی أی بأن یأتیهم بآیة ملجئة و لكنه لا یفعل لخروجه عن الحكمة.

و قوله تعالی لِیَمْكُرُوا فِیها قال الطبرسی رحمه اللّٰه اللام لام العاقبة و قال الزمخشری معناه خلیناهم لیمكروا و ما كففناهم عن المكر و كذا قال اللام لام العاقبة فی قوله تعالی لِیَقُولُوا أی عاملناهم معاملة المختبر لیشكروا أو یصبروا فآل أمرهم إلی العاقبة. و قال الطبرسی رحمه اللّٰه فی قوله تعالی وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ وجهین:

ص: 176


1- أوردنا قبلا معنی الآیة عن التبیان. و لنذكر هنا ما عن الرضی رحمه اللّٰه فی كتابه مجازات القرآن قال: و هذه استعارة و لیس هناك علی الحقیقة شی ء ممّا أشاروا إلیه، و إنّما أخرجوا هذا الكلام مخرج الدلالة علی استثقالهم ما یسمعونه من قوارع القرآن و بواقع البیان فكأنهم من قوة الزهادة فیه و شدة الكراهیة له قد وقرت أسماعهم عن فهمه، و أكنت قلوبهم دون علمه، و ذلك معروف فی عادة الناس أن یقول القائل منهم لمن یشنأ كلامه و یستثقل خطابه: ما أسمح قولك و لا أعی لفظك و إن كان صحیح حاسة السمع، الا أنّه حمل الكلام علی الاستثقال و المقت، و علی هذا قول الشاعر: و كلام سیئ قد وقرت اذنی عنه و ما بی من صمم.

أحدهما أنه یقلبهما فی جهنم علی لهب النار و حر الجمر كما لم یؤمنوا به أول مرة فی الدنیا و الآخر أن المعنی یقلب أفئدتهم و أبصارهم بالحیرة التی تغم و تزعج النفس.

و قال الزمخشری وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ نَذَرُهُمْ عطف علی لا یُؤْمِنُونَ داخل فی حكم و ما یشعركم أنهم لا یؤمنون و ما یشعركم أنا نقلب أفئدتهم و أبصارهم أی نطبع علی قلوبهم و أبصارهم فلا یفقهون و لا یبصرون الحق كما كانوا عند نزول آیاتنا أولا لا یؤمنون بها لكونهم مطبوعا علی قلوبهم و ما یشعركم أنا نذرهم فی طغیانهم أی نخلیهم و شأنهم لا نكفهم عن الطغیان حتی یعمهوا فیه. (1)و قال فی قوله تعالی إِلَّا أَنْ یَشاءَ اللَّهُ أی مشیة إكراه و اضطرار.

و قال الطبرسی رحمه اللّٰه فی قوله كَذلِكَ جَعَلْنا وجوه أحدها أن المراد كما أمرناك بعداوة قومك من المشركین فقد أمرنا من قبلك بمعاداة أعدائهم من الجن و الإنس و متی أمر اللّٰه رسوله بمعاداة قوم من المشركین فقد جعلهم أعداء له.

و ثانیها أن معناه حكمنا بأنهم أعداء و أخبرنا بذلك لیعاملوهم معاملة الأعداء فی الاحتراز عنهم و الاستعداد لدفع شرهم و هذا كما یقال جعل القاضی فلانا عدلا و فلانا فاسقا إذا حكم بعدالة هذا و فسق ذاك.

و ثالثها أن المراد خلینا بینهم و بین اختیارهم العداوة لم نمنعهم علی ذلك كرها و لا جبرا لأن ذلك یزیل التكلیف.

و رابعها أنه سبحانه إنما أضاف ذلك إلی نفسه لأنه سبحانه لما أرسل إلیهم الرسل و أمرهم إلی دعائهم إلی الإسلام و الإیمان و خلع ما كانوا یعبدونه من الأصنام و الأوثان نصبوا عند ذلك العداوة لأنبیائه و مثله قول نوح علیه السلام فلم یزدهم دعائی إلا فرارا و قال و العامل فی قوله وَ لِتَصْغی قوله یُوحِی و لا یجوز أن یكون العامل

ص: 177


1- و هذه استعارة، لان تقلیب القلوب و الابصار علی الحقیقة بازالتها عن مواضعها و إقلاقها عن مناصبها لا یصحّ، و البنیة صحیحة و الجملة حیة متصرفة، و إنّما المراد- و اللّٰه أعلم- أنا نرمیها بالحیرة و المخافة جزاء علی الكفر و الضلالة فتكون الافئدة مسترجعة لتعاظم أسباب المخاوف و تكون الابصار منزعجة لتوقع طلوع المكاره. و قد قیل: إن المراد بذلك تقلیبهما علی مرامض الجمر فی نار جهنم و ذلك یخرج الكلام عن حیز الاستعارة إلی حیز الحقیقة؛ قاله الرضی رضی اللّٰه عنه.

فیه جَعَلْنا لأن اللّٰه سبحانه لا یجوز أن یرید إصغاء القلوب إلی الكفر و وحی الشیاطین إلا أن نجعلها لام العاقبة و قال البلخی اللام فی وَ لِتَصْغی لام العاقبة و ما بعده لام الأمر الذی یراد به التهدید.

و قال رحمه اللّٰه فی قوله تعالی فَمَنْ یُرِدِ اللَّهُ أَنْ یَهْدِیَهُ فیه وجوه:

أحدها أن معناه فَمَنْ یُرِدِ اللَّهُ أَنْ یَهْدِیَهُ إلی الثواب و طریق الجنة یَشْرَحْ صَدْرَهُ فی الدنیا لِلْإِسْلامِ بأن یثبت عزمه علیه و یقوی دواعیه علی التمسك به و إنما یفعل ذلك لطفا له و منا علیه و ثوابا علی اعتدائه بهدی اللّٰه و قبوله إیاه و من یرد أن یضله عن ثوابه و كرامته یجعل صدره فی كفره ضیقا حرجا عقوبة له علی تركه الإیمان من غیر أن یكون سبحانه مانعا له عن الإیمان بل ربما یكون ذلك داعیا إلیه فإن من ضاق صدره بالشی ء كان ذلك داعیا إلی تركه.

و ثانیها أن معناه فمن یرد اللّٰه أن یثبته علی الهدی یشرح صدره من الوجه الذی ذكرناه جزاء له علی إیمانه و اهتدائه و قد یطلق الهدی و یراد به الاستدامة و من یرد أن یضله أی یخذله و یخلی بینه و بین ما یریده لاختیاره الكفر و تركه الإیمان یَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَیِّقاً حَرَجاً بأن یمنعه الألطاف التی هو ینشرح لها صدره لخروجه من قبولها بإقامته علی كفره.

و ثالثها أن معناه فَمَنْ یُرِدِ اللَّهُ أَنْ یَهْدِیَهُ زیادة الهدی التی وعدها المؤمن یَشْرَحْ صَدْرَهُ لتلك الزیادة لأن من حقها أن یزید المؤمن بصیرة وَ مَنْ یُرِدْ أَنْ یُضِلَّهُ عن تلك الزیادة بمعنی یذهبه عنها من حیث أخرج هو نفسه من أن تصح علیه یَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَیِّقاً حَرَجاً لمكان فقد تلك الزیادة لأنها إذا اقتضت فی المؤمن ما قلناه أوجب فی الكافر ما یضاده و الرجس العذاب.

و قال فی قوله تعالی إِنَّا جَعَلْنَا الشَّیاطِینَ أی حكمنا بذلك لأنهم یتناصرون علی الباطل كما قال وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِینَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً و قال فی قوله وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ یعنی خلقناهم علی أن عاقبتهم المصیر إلی

ص: 178

جهنم بكفرهم و إنكارهم و سوء اختیارهم و یدل علیه قوله سبحانه وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِیَعْبُدُونِ و قال الزمخشری جعلهم فی أنهم لا یلقون أذهانهم إلی معرفة الحق و لا ینظرون بعیونهم إلی ما خلق اللّٰه نظر اعتبار و لا یسمعون ما یتلی علیهم من آیات اللّٰه سماع تدبر كأنهم عدموا فهم القلوب و أبصار العیون و استماع الآذان و جعلهم لإغراقهم فی الكفر و شدة شكائمهم فیه و أنهم لا یتأتی منهم إلا أفعال أهل النار مخلوقین للنار دلالة علی توغلهم فی الموجبات و تمكنهم فیما یؤهلهم لدخول النار.

و قال الطبرسی رحمه اللّٰه فی قوله تعالی فَرِیقاً هَدی أی جماعة حكم لهم بالاهتداء بقبولهم للهدی أو لطف لهم بما اهتدوا عنده أو هداهم إلی طریق الثواب وَ فَرِیقاً حَقَّ أی وجب عَلَیْهِمُ الضَّلالَةُ إذ لم یقبلوا الهدی أو حق علیهم الخذلان لأنه لم یكن لهم لطف تنشرح لهم صدورهم أو حق علیهم العذاب أو الهلاك بكفرهم.

و قال الزمخشری فی قوله تعالی وَ لكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ أی إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم وَ لكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ لأنه هو الذی أنزل الملائكة و ألقی الرعب فی قلوبهم و شاء النصر و الظفر و قوی قلوبكم و أذهب عنها الفزع و الجزع وَ ما رَمَیْتَ أنت یا محمد إِذْ رَمَیْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمی یعنی أن الرمیة التی رمیتها لم ترمها أنت علی الحقیقة لأنك لو رمیتها لما بلغ أثرها إلا ما یبلغ أثر رمی البشر و لكنها كانت رمیة اللّٰه حیث أثرت ذلك الأثر العظیم فأثبت الرمیة لرسول اللّٰه صلی اللّٰه علیه و آله لأن صورتها وجدت منه و نفاها عنه لأن أثرها الذی لا تطیقه البشر فعل اللّٰه فكان اللّٰه هو فاعل الرمیة علی الحقیقة و كأنها لم توجد من الرسول أصلا.

و قال الطبرسی رحمه اللّٰه فی قوله تعالی ثُمَّ انْصَرَفُوا أی انصرفوا عن المجلس و قیل انصرفوا عن الإیمان به صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ عن الفوائد التی یستفیدها المؤمنون و السرور بها و حرموا الاستبشار بتلك الحال و قیل معناه صرف اللّٰه قلوبهم عن رحمته و ثوابه عقوبة لهم علی انصرافهم عن الإیمان بالقرآن و عن مجلس رسول اللّٰه صلی اللّٰه علیه و آله و قیل إنه علی وجه الدعاء علیهم أی خذلهم اللّٰه باستحقاقهم ذلك و دعاء اللّٰه علی عباده وعید لهم و إخبار بلحاق العذاب بهم.

ص: 179

قوله تعالی كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ قال الزمخشری أَنَّهُمْ لا یُؤْمِنُونَ بدل من الكلمة أی حق علیهم انتفاء الإیمان و علم اللّٰه منهم ذلك أو حق علیهم كلمة اللّٰه أنهم من أهل الخذلان و أن إیمانهم غیر كائن أو أراد بالكلمة العدة بالعذاب و أَنَّهُمْ لا یُؤْمِنُونَ تعلیل بمعنی لأنهم لا یؤمنون.

و قال فی قوله تعالی إِنَّ الَّذِینَ حَقَّتْ عَلَیْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ أی ثبت علیهم قول اللّٰه الذی كتبه فی اللوح و أخبر به الملائكة أنهم یموتون كفارا فلا یكون غیره فتلك كتابة معلوم لا كتابة مقدر و مراد تعالی اللّٰه عن ذلك.

و قال السید المرتضی رضی اللّٰه عنه إن سأل سائل فقال ما عندكم فی تأویل قوله تعالی وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَ لا یَزالُونَ مُخْتَلِفِینَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ یقال له أما قوله تعالی وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ فإنما عنی به المشیة التی ینضم إلیها الإلجاء و لم یعن المشیة علی سبیل الاختیار و إنما أراد تعالی أن یخبرنا عن قدرته و أنه ممن لا یغالب و لا یعصی مقهورا من حیث كان قادرا علی الإلجاء و الإكراه علی ما أراده من العباد فأما لفظة ذلك فی الآیة فحملها علی الرحمة أولی من حملها علی الاختلاف لدلیل العقل و شهادة اللفظ فأما دلیل العقل فمن حیث علمنا أنه تعالی كره الاختلاف و الذهاب عن الدین و نهی عنه و توعد علیه فكیف یجوز أن یكون شائیا له و مجریا بخلق العباد إلیه و أما شهادة اللفظ فلأن الرحمة أقرب إلی هذه الكنایة من الاختلاف و حمل اللفظ علی أقرب المذكورین أولی فی لسان العرب فأما ما طعن به السائل من تذكیر الكنایة فباطل لأن تأنیث الرحمة غیر حقیقی و إذا كنی عنها بلفظ التذكیر كانت الكنایة علی المعنی لأن معناها هو الفضل و الإنعام كما قالوا سرنی كلمتك یریدون سرنی كلامك و قال اللّٰه تعالی هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّی و لم یقل هذه و إنما أراد هذا فضل من ربی و فی موضع آخر إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِیبٌ مِنَ الْمُحْسِنِینَ و لم یقل قریبة.

أقول ثم استشهد رحمه اللّٰه لذلك بكثیر من الأشعار تركناها حذرا من الإطناب ثم قال و قال زیاد الأعجم.

إن الشجاعة و المروة ضمنا. قبرا بمرو علی الطریق الواضح.

ص: 180

و یروی أن السماحة و الشجاعة فقال ضمّنا و لم یقل ضمنتا قال الفراء لأنه ذهب إلی أن السماحة و الشجاعة مصدران و العرب تقول قصارة الثوب یعجبنی لأن تأنیث المصادر یرجع إلی الفعل و هو مذكر علی أن قوله تعالی إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ كما یدل علی الرحمة یدل أیضا علی أن یرحم فإذا جعلنا الكنایة بلفظة ذلك عن أن یرحم كان التذكیر فی موضعه لأن الفعل مذكر و یجوز أیضا أن یكون قوله تعالی وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ كنایة عن اجتماعهم علی الإیمان و كونهم فیه أمة واحدة لا محالة أنه لهذا خلقهم و یطابق هذه الآیة قوله تعالی وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِیَعْبُدُونِ و قد قال قوم فی قوله تعالی وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً معناه أنه لو شاء أن یدخلهم أجمعین الجنة فیكونوا فی وصول جمیعهم إلی النعیم أمة واحدة و أجری هذه الآیة مجری قوله تعالی وَ لَوْ شِئْنا لَآتَیْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها فی أنه أراد هداها إلی طریق الجنة فعلی هذا التأویل یمكن أن ترجع لفظة ذلك إلی إدخالهم أجمعین إلی الجنة لأنه تعالی إنما خلقهم للمصیر إلیها و الوصول إلی نعیمها فأما قوله وَ لا یَزالُونَ مُخْتَلِفِینَ فمعناه الاختلاف فی الدین و الذهاب عن الحق فیه بالهوی و الشبهات و ذكر أبو مسلم محمد بن بحر فی قوله تعالی وَ لا یَزالُونَ مُخْتَلِفِینَ وجها غریبا و هو أن یكون معناه أن خلف هؤلاء الكافرین یخلف سلفهم فی الكفر لأنه سواء قولك خلف بعضهم بعضا و قولك اختلفوا كما سواء قولك قتل بعضهم بعضا و اقتتلوا و منه قولهم لا أفعل كذا ما اختلف العصران و الجدیدان أی جاء كل واحد منهما بعد الآخر فأما الرحمة فلیست رقة القلب لكنها فعل النعم و الإحسان یدل علی ذلك أن من أحسن إلی غیره و أنعم علیه یوصف بأنه رحیم و إن لم تعلم منه رقة قلبه علیه.

فإن قیل إذا كانت الرحمة هی النعمة و عندكم أن نعم اللّٰه تعالی شاملة للخلق أجمعین فأی معنی للاستثناء مَنْ رَحِمَ من جملة المختلفین إن كانت الرحمة هی النعمة و كیف یصح اختصاصها بقوم دون قوم و هی عندكم شاملة عامة.

قلنا لا شبهة فی أن نعم اللّٰه سبحانه شاملة للخلق أجمعین غیر أن فی نعمه أیضا ما

ص: 181

یختص بها بعض العباد إما لاستحقاق أو لسبب یقتضی الاختصاص فإذا حملنا قوله إلا من رحم ربك علی النعمة بالثواب فالاختصاص ظاهر لأن النعمة به لا تكون إلا مستحقة فمن استحق الثواب بأعماله وصل إلی هذه النعمة و من لم یستحقه لم یصل إلیها و إن حملنا الرحمة فی الآیة علی النعمة بالتوفیق للإیمان و اللطف الذی وقع بعده فعل الإیمان كانت هذه النعمة أیضا مختصة لأنه تعالی إنما لم ینعم علی سائر المكلفین بها من حیث لم یكن فی معلومه أن لهم توفیقا و أن فی الأفعال ما یختارون عنده الإیمان فاختصاص هذه النعمة ببعض العباد لا یمنع من شمول نعم آخر لهم كما أن شمول تلك النعم لا یمنع من اختصاص هذه انتهی كلامه رفع اللّٰه مقامه.

و قال الزمخشری ذلك إشارة إلی ما دل علیه الكلام الأول و تضمنه یعنی و لذلك التمكین و الاختیار الذی كان عنه الاختلاف خلقهم لیثیب مختار الحق بحسن اختیاره و یعاقب مختار الباطل بسوء اختیاره وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ و هی قوله للملائكة لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِینَ لعلمه بكثرة من یختار الباطل. (1)و قال فی قوله تعالی أَ فَلَمْ یَیْأَسِ الَّذِینَ آمَنُوا أَنْ لَوْ یَشاءُ اللَّهُ یعنی مشیة الإلجاء و القسر لَهَدَی النَّاسَ جَمِیعاً و معنی أَ فَلَمْ یَیْأَسِ أ فلم یعلم قیل هی لغة قوم من النخع و قیل إنما استعمل الیأس بمعنی العلم لتضمنه معناه لأن الیائس عن الشی ء عالم بأنه لا یكون كما استعمل الرجاء فی معنی الخوف و النسیان فی معنی الترك لتضمن ذلك و یدل علیه أن علیا و ابن عباس و جماعة من الصحابة و التابعین قرءوا أ فلم یتبین و هو تفسیر أَ فَلَمْ یَیْأَسِ و یجوز أن یتعلق أَنْ لَوْ یَشاءُ بآمنوا أی أ و لم یقنط عن إیمان هؤلاء الكفرة الذین آمنوا بأن لَوْ یَشاءُ اللَّهُ لَهَدَی النَّاسَ جَمِیعاً و لهداهم.

و قال السید المرتضی رضی اللّٰه عنه فی كتاب الغرر و الدرر قال اللّٰه جل من قائل وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْیَةً الآیة فی هذه الآیة وجوه من التأویل كل منها یبطل الشبهة

ص: 182


1- قال السیّد الرضیّ فی تلخیص البیان فی قوله تعالی: «وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ»: هذه استعارة و المراد هاهنا بتمام كلمة اللّٰه سبحانه صدق وعیده الذی تقدم الخبر به و تمامه وقوع مخبره مطابقا لخبره.

الداخلة علی بعض المبطلین فیها حتی عدلوا بتأویلها عن وجهه و صرفوه عن بابه.

أولها أن الإهلاك قد یكون حسنا و قد یكون قبیحا فإذا كان مستحقا أو علی سبیل الامتحان كان حسنا و إنما یكون قبیحا إذا كان ظلما فتعلق الإرادة لا یقتضی تعلقها به علی الوجه القبیح و لا ظاهر الآیة یقتضی ذلك و إذا علمنا بالأدلة العقلیة تنزه القدیم تعالی عن القبائح علمنا أن الإرادة لم یتعلق إلا بالإهلاك الحسن و قوله تعالی أَمَرْنا مُتْرَفِیها المأمور به محذوف و لیس یجب أن یكون المأمور به هو الفسق و إن وقع بعده الفسق و یجری هذا مجری قول القائل أمرته فعصی و دعوته فأبی و المراد أننی أمرته بالطاعة و دعوته إلی الإجابة و القبول و یمكن أن یقال علی هذا الوجه لیس موضع الشبهة ما تكلمتم علیه و إنما موضعها أن یقال أی معنی لتقدم الإرادة فإن كانت متعلقة بإهلاك مستحق بغیر الفسق المذكور فی الآیة فلا معنی لقوله تعالی إِذا أَرَدْنا ... أَمَرْنا لأن أمره بما یأمر به لا یحسن إرادته للعقاب المستحق بما تقدم من الأفعال و إن كانت الإرادة متعلقة بالإهلاك المستحق بمخالفة الأمر المذكور فی الآیة فهذا هو الذی تأبونه لأنه یقتضی أنه تعالی مرید لإهلاك من لم یستحق العقاب.

و الجواب عن ذلك أنه تعالی لم یعلق الإرادة إلا بالإهلاك المستحق بما تقدم من الذنوب و الذی حسن قوله تعالی وَ إِذا أَرَدْنا ... أَمَرْنا هو أن فی تكرر الأمر بالطاعة و الإیمان إعذارا إلی العصاة و إنذارا لهم و إیجابا و إثباتا للحجة علیهم حتی یكونوا متی خالفوا و أقاموا علی العصیان و الطغیان بعد تكرر الوعید و الوعظ و الإنذار ممن یحق علیه القول و تجب علیه الحجة و یشهد بصحة هذا التأویل قوله تعالی قبل هذه الآیة وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِینَ حَتَّی نَبْعَثَ رَسُولًا و الثانی أن یكون قوله تعالی أَمَرْنا مُتْرَفِیها من صفة القریة و صلتها و لا یكون جوابا لقوله وَ إِذا أَرَدْنا و یكون تقدیر الكلام و إذا أردنا أن نهلك قریة من صفتها أنا أَمَرْنا مُتْرَفِیها فَفَسَقُوا فِیها و یكون إذا علی هذا الجواب لم یأت له جواب ظاهر فی الآیة للاستغناء عنه بما فی الكلام من الدلالة علیه و نظیر هذا قوله تعالی فی صفة الجنة.

ص: 183

حَتَّی إِذا جاؤُها وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها إلی قوله فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِینَ و لم یأت لإذا جواب فی طول الكلام للاستغناء عنه.

و الثالث أن یكون ذكر الإرادة فی الآیة مجازا و اتساعا و تنبیها علی المعلوم من حال القوم و عاقبة أمرهم و أنهم متی أمروا فسقوا و خالفوا و یجری ذكر الإرادة هاهنا مجری قولهم إذا أراد التاجر أن یفتقر أتته النوائب من كل جهة و جاءه الخسران من كل طریق و قولهم إذا أراد العلیل أن یموت خلط فی مأكله و تسرع إلی كل ما تتوق إلیه نفسه و معلوم أن التاجر لم یرد فی الحقیقة شیئا و لا العلیل أیضا لكن لما كان المعلوم من حال هذا الخسران و من حال ذاك الهلاك حسن هذا الكلام و استعمل ذكر الإرادة لهذا الوجه مجازا و كلام العرب وحی و إشارات و استعارة و مجازات و لهذه الحال كان كلامهم فی المرتبة العلیا من الفصاحة فإن الكلام متی خلا من الاستعارة و جری كله علی الحقیقة كان بعیدا من الفصاحة بریئا من البلاغة و كلام اللّٰه تعالی أفصح الكلام.

الرابع أن تحمل الآیة علی التقدیم و التأخیر فیكون تلخیصها و إذا أمرنا مترفی قریة بالطاعة فعصوا و استحقوا العقاب أردنا إهلاكهم و التقدیم و التأخیر فی الشعر و كلام العرب كثیر و مما یمكن أن یكون شاهدا بصحة هذا التأویل من القرآن قوله تعالی یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَی الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (1)و الطهارة إنما تجب قبل القیام إلی الصلاة و قوله تعالی وَ إِذا كُنْتَ فِیهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ (2)و قیام الطائفة معه یجب أن یكون قبل إقامة الصلاة لأن إقامتها هو الإتیان بجمیعها علی الكمال فأما قراءة من قرأ بالتشدید فقال أمرنا و قراءة من قرأ بالمد و التخفیف فقال آمرنا فلن یخرج معنی قراءتهما عن الوجوه التی ذكرناها إلا الوجه الأول فإن معناه لا یلیق إلا بأن یكون ما تضمنته الآیة هو الأمر الذی یستدعی به الفعل انتهی.

و قال الطبرسی رحمه اللّٰه و قرأ یعقوب آمرنا بالمد و هو قراءة علی بن أبی طالب

ص: 184


1- المائدة: 7.
2- النساء: 102.

و الحسین علیهما السلام و جماعة و قرأ أمرنا بالتشدید ابن عباس و النهدی و أبو جعفر محمد بن علی علیهما السلام بخلاف و قرأ أمرنا بكسر المیم بوزن عمرنا الحسن و یحیی بن یعمر و أرجع الجمیع إلی معنی كثرنا

كَقَوْلِهِ صلی اللّٰه علیه و آله خَیْرُ الْمَالِ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ وَ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ.

أی كثیرة النتاج.

و قال الزمخشری وَ إِذا أَرَدْنا أی و إذا دنا وقت إهلاك قوم و لم یبق من زمان إهلاكهم إلا قلیلا أمرناهم فَفَسَقُوا أی أمرناهم بالفسق ففعلوا و الأمر مجاز لأن حقیقة أمرهم بالفسق أن یقول لهم افسقوا و هذا لا یكون فبقی أن یكون مجازا و وجه المجاز أنه صب علیهم النعمة صبا فجعلوها ذریعة إلی المعاصی و اتباع الشهوات فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب إبلاء النعمة فیه و إنما خولهم إیاها لیشكروا و یعملوا فیها بالخیر و یتمكنوا من الإحسان و البر كما خلقهم أصحاء أقویاء و أقدرهم علی الخیر و الشر و طلب منهم إیثار الطاعة علی المعصیة فآثروا الفسوق فلما فسقوا حق علیهم القول و هو كلمة العذاب فدمرهم و قد فسر بعضهم أمرنا بكثرنا و جعل أمرته فأمر من باب فعلته ففعل كثبرته فثبر. و قال فی قوله تعالی فَلْیَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا یعنی أمهله و أملی له فی العمر فأخرج علی لفظ الأمر إیذانا بوجوب ذلك و أنه مفعول لا محالة كالمأمور به الممتثل لتقطع معاذیر الضال و یقال له یوم القیامة أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما یَتَذَكَّرُ فِیهِ مَنْ تَذَكَّرَ (1)أو كقوله إِنَّما نُمْلِی لَهُمْ لِیَزْدادُوا إِثْماً (2)أو مَنْ كانَ فِی الضَّلالَةِ فَلْیَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا فی معنی الدعاء بأن یمهله اللّٰه و ینفس فی مدة حیاته.

و قال الطبرسی رحمه اللّٰه فی قوله تعالی أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّیاطِینَ عَلَی الْكافِرِینَ أی خلینا بینهم و بین الشیاطین إذا وسوسوا إلیهم و دعوهم إلی الضلال حتی أغووهم و لم یخل بینهم بالإلجاء و لا بالمنع (3)و عبر عن ذلك بالإرسال علی سبیل المجاز و التوسع

ص: 185


1- فاطر: 37.
2- آل عمران: 178.
3- قال الشیخ فی التبیان: أی یمدهم و یحلم عنهم فلا یعاجلهم بالعقوبة كما قال: «وَ یَمُدُّهُمْ فِی طُغْیانِهِمْ یَعْمَهُونَ» و یجوز أن یكون أراد فلیمدد له الرحمن مدا فی عذابهم فی النار، كما قال: وَ نَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا»

كما یقال لمن خلی بین الكلب و غیره أرسل كلبه علیه تَؤُزُّهُمْ أَزًّا أی تزعجهم إزعاجا من الطاعة إلی المعصیة و قیل تغریهم إغراء بالشی ء.

و فی قوله تعالی وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَیْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ بأن لطف لكم و أمركم بما تصیرون به أزكیاء ما صار منكم أحد زكیا أو ما طهر أحد من وسوسة الشیطان و ما صلح وَ لكِنَّ اللَّهَ یُزَكِّی أی یطهر بلطفه مَنْ یَشاءُ و هو من له لطیف یفعله سبحانه به لیزكو عنده.

و فی قوله تعالی وَ مَنْ لَمْ یَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً أی نجاة و فرجا أو نورا فی القیامة و فی قوله سبحانه وَ لكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَ آباءَهُمْ أی طولت أعمارهم و أعمار آبائهم و أمددتهم بالأموال و الأولاد بعد موت الرسل حتی نسوا الذكر المنزل علی الأنبیاء و تركوه و كانوا قوما هلكی فاسدین و فی قوله كَذلِكَ سَلَكْناهُ أی القرآن و فی قوله تعالی زَیَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ أی أعمالهم التی أمرناهم بها و قیل بأن خلقنا فیهم شهوة القبیح لیجتنبوا المشتهی.

قوله تعالی وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً یَدْعُونَ إِلَی النَّارِ قال البیضاوی قیل بالتسمیة كقوله وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِینَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أو بمنع الألطاف الصارفة عنه. (1)و قال الطبرسی رحمه اللّٰه فی قوله تعالی إِنَّكَ لا تَهْدِی مَنْ أَحْبَبْتَ أی هدایته أو من أحببته لقرابته و المراد بالهدایة هنا اللطف الذی یختار عنده الإیمان فإنه لا یقدر علیه إلا اللّٰه تعالی لأنه إما أن یكون من فعله خاصة أو بإعلامه و لا یعلم ما یصلح المرء فی دینه إلا اللّٰه تعالی فإن الهدایة التی هی الدعوة و البیان قد أضافه سبحانه إلیه فی قوله وَ إِنَّكَ لَتَهْدِی إِلی صِراطٍ مُسْتَقِیمٍ (2)و قیل إن المراد بالهدایة فی الآیة الإجبار علی الاهتداء أی أنت لا تقدر علی ذلك و قیل معناه لیس علیك اهتداؤهم و قبولهم الحق.

ص: 186


1- قال الشیخ: قیل: فی معناه قولان: أحدهما إنا عرفنا الناس أنهم كانوا كذلك كما یقال جعله رجل شر بتعریفنا حاله، و الثانی إنا حكمنا علیهم بذلك، كما قال: «ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِیرَةٍ وَ لا سائِبَةٍ» و الجعل علی أربعة أقسام: أحدها بمعنی الاحداث، كقوله: «وَ جَعَلْنَا اللَّیْلَ وَ النَّهارَ آیَتَیْنِ» الثانی بمعنی قلبه من حال إلی حال، كجعل النطفة علقة. الثالث بمعنی الحكم أنّه علی صفة. الرابع بمعنی اعتقد أنّه علی حال، كقولهم: جعل فلان فلانا راكبا إذا اعتقد فیه ذلك اه.
2- الشوری: 52.

و قال فی قوله تعالی وَ لَوْ شِئْنا لَآتَیْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها أی بأن نفعل أمرا من الأمور یلجئهم إلی الإقرار بالتوحید و لكن ذلك یبطل الغرض بالتكلیف قال الجبائی و یجوز أن یكون المراد به و لو شئنا لأجبناهم إلی ما سألوا من الرد إلی دار التكلیف لیعملوا بالطاعات وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّی أن أجازیهم بالعقاب و لا أردهم و قیل معناه و لو شئنا لهدیناهم إلی الجنة وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّی أی الخیر و الوعید لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِینَ أی من كلا الصنفین بكفرهم.

و قال فی قوله تعالی إِنَّ اللَّهَ یُسْمِعُ مَنْ یَشاءُ أی ینفع بالإسماع من یشاء أی یلطف له و یوفقه وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِی الْقُبُورِ أی إنك لا تقدر علی أن تنفع الكفار بإسماعك إیاهم إذ لم یقبلوا كما لا یسمع من فی القبور من الأموات.

و قال فی قوله تعالی لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلی أَكْثَرِهِمْ أی وجب الوعید و استحقاق العقاب علیهم فَهُمْ لا یُؤْمِنُونَ و یموتون علی كفرهم و قد سبق ذلك فی علم اللّٰه و قیل تقدیره لقد سبق القول علی أكثرهم أنهم لا یؤمنون و ذلك أنه سبحانه أخبر ملائكته أنهم لا یؤمنون فحق قوله علیهم إِنَّا جَعَلْنا فِی أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِیَ إِلَی الْأَذْقانِ یعنی أیدیهم كنی عنها و إن لم یذكرها لأن الأعناق و الأغلال یدلان علیهما و اختلف فی معنی الآیة علی وجوه أحدها أنه سبحانه إنما ذكره ضربا للمثل و تقدیره مثل هؤلاء المشركین فی إعراضهم عما تدعوهم إلیه كمثل رجل غلت یداه إلی عنقه لا یمكنه أن یبسطهما إلی خیر و رجل طامح برأسه لا یبصر موطئی قدمیه.

و ثانیها أن المعنی كان هذا القرآن أغلالا فی أعناقهم یمنعهم عن الخضوع لاستماعه و تدبره لثقله علیهم و ذلك أنهم لما استكبروا عنه و أنفوا من اتباعه و كان المستكبر رافعا رأسه لاویا عنقه شامخا بأنفه لا ینظر إلی الأرض صاروا كأنما غلت أیدیهم إلی أعناقهم و إنما أضاف ذلك إلی نفسه لأن عند تلاوة القرآن علیهم و دعوته إیاهم صاروا بهذه الصفة.

و ثالثها أن المعنی بذلك أناس من قریش هموا بقتل النبی صلی اللّٰه علیه و آله فغلت أیدیهم إلی أعناقهم فلم یستطیعوا أن یبسطوا إلیه أبدا.

ص: 187

و رابعها أن المراد به وصف حالهم یوم القیامة فهو مثل قوله إِذِ الْأَغْلالُ فِی أَعْناقِهِمْ فَهُمْ مُقْمَحُونَ أراد أن أیدیهم لما غلت إلی أعناقهم و رفعت الأغلال أذقانهم و رءوسهم صعدا فهم مرفوع الرأس برفع الأغلال إیاها و المقمح الغاض بصره بعد رفع رأسه وَ جَعَلْنا مِنْ بَیْنِ أَیْدِیهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَیْناهُمْ فَهُمْ لا یُبْصِرُونَ (1)هذا علی أحد الوجهین تشبیه لهم بمن هذه صفته فی إعراضهم عن الإیمان و قبول الحق و ذلك عبارة عن خذلان اللّٰه إیاهم لما كفروا فكأنه قال و تركناهم مخذولین فصار ذلك

ص: 188


1- قال الرضی رحمه اللّٰه: و هاتان استعارتان، و من أوضح الأدلة علی ذلك أن الكلام كله فی أوصاف القوم المذمومین، و هم فی أحوال الدنیا دون الآخرة، ألا تری قوله تعالی بعد ذلك: «سَواءٌ عَلَیْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا یُؤْمِنُونَ» و إذا كان الكلام محمولا علی أحوال الدنیا دون الآخرة و قد علمنا أن هؤلاء القوم الذین ذهب الكلام الیهم كان الناس یشاهدونهم غیر مقمحین بالاغلال و لا مضروبا علیهم بالاسداد علمنا أن الكلام خرج مخرج قوله سبحانه: «خَتَمَ اللَّهُ عَلی قُلُوبِهِمْ» الخ فكان ذلك وصف لما كان علیه الكفّار عند سماع القرآن من تنكیس الأذقان ولی الاعناق ذهابا عن الرشد، و استكبارا عن الانقیاد للحق، و ضیق صدورهم بما یرد علیهم من صوادع البیان و قوارع القرآن؛ و قد اختلف فی معنی الاقماح فقال قوم: هو غض الابصار و استشهدوا بقول بشر بن أبی حازم فی ذكر السقیفة: و نحن علی جوانبها قعود نغض الطرف كالابل القماح . و قال قوم: المقمح الرافع رأسه صعدا فكان هؤلاء المذمومین شبهوا علی المبالغة فی وصف تكارههم للایمان، و تضایق صدورهم لسماع القرآن بقوم عوقبوا فجذبت أعناقهم بالاغلال إلی صدورهم مضمومة إلیها أیمانهم ثمّ رفعت لیكون ذلك أشدّ لإیلامهم و أبلغ فی عذابهم. و قیل: إن المقمح: الغاض بصره بعد رفع رأسه، فكانه جامع بین الصفتین جمیعا. و قیل: إن قوله تعالی: «فَهِیَ إِلَی الْأَذْقانِ» یعنی به أیمانهم المجموعة بالاغلال الی أعناقهم، فاكتفی بذكر الاعناق من الایمان، لان الاغلال تجمع بین الایمان و الاعناق، و كذلك معنی السد المجعول بین أیدیهم و من خلفهم انما هو تشبیه بمن قصر خطوه، و اخذت علیه طرقه، و لما كان ما یصیبهم من هذه المشاق المذكورة و الأحوال المذمومة انما هو عقیب تلاوة القرآن علیهم، و نفث قوارعه فی أسماعهم حسن أن یضیف سبحانه الی نفسه فیقول: انا جعلناهم علی تلك الصفات. و قد قرئ سدا بالفتح و سدا بالضم، و قیل: إن السد بالفتح ما یصنعه الناس، و بالضم: ما یصنعه اللّٰه تعالی. و قال بعضهم: المراد بذكر السد هاهنا الاخبار عن خذلان اللّٰه ایاهم و تركه نصرهم و معونتهم، كما تقول العرب فی صفة الضال المتحیر: فلان لا ینفذ فی طریق یسلكه، و لا یعلم أمامه أم وراءه خیر له. و أمّا قوله سبحانه: «فَأَغْشَیْناهُمْ فَهُمْ لا یُبْصِرُونَ» فهو أیضا فی معنی الختم و الطبع، و واقع علی الوجه الذی یقعان علیه، و قد تقدم ایماؤنا إلیه.

من بین أیدیهم سدا و من خلفهم سدا و إذا قلنا إنه وصف حالهم فی الآخرة فالكلام علی حقیقته و یكون عبارة عن ضیق المكان فی النار بحیث لا یجدون متقدما و لا متأخرا إذ سد علیهم جوانبهم و إذا حملنا علی صفة القوم الذین هموا بقتل النبی صلی اللّٰه علیه و آله فالمراد جعلنا بین أیدی أولئك الكفار منعا و من خلفهم منعا حتی لم یبصروا النبی صلی اللّٰه علیه و آله و قوله فَأَغْشَیْناهُمْ فَهُمْ لا یُبْصِرُونَ أی أغشیناهم أبصارهم فهم لا یبصرون النبی صلی اللّٰه علیه و آله و قیل أی فأعمیناهم فهم لا یبصرون الهدی و قیل فأغشیناهم بالعذاب فهم لا یبصرون فی النار و قیل معناه أنهم لما انصرفوا عن الإیمان و القرآن لزمهم ذلك حتی لا یكادوا یتخلصون منه بوجه كالمغلول و المسدود علیه طرقه.

و قال فی قوله تعالی وَ مَنْ یُضْلِلِ اللَّهُ أی عن طریق الجنة فَما لَهُ مِنْ هادٍ أی لا یقدر علی هدایته أحد و قیل من ضل عن اللّٰه و رحمته فلا هادی له یقال أضللت بعیری إذا ضل و قیل معناه من یضلله عن زیادة الهدی و الألطاف لأن الكافر لا لطف له.

و قال فی قوله تعالی أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِی لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِینَ أی كراهة أن تقول لو أراد اللّٰه هدایتی لكنت ممن یتقی معاصیه و قیل إنهم لما لم ینظروا فی الأدلة و اشتغلوا بالدنیا توهموا أن اللّٰه لم یهدهم فرد اللّٰه علیهم بقوله بَلی قَدْ جاءَتْكَ آیاتِی الآیة و قال الزمخشری وَ قَیَّضْنا لَهُمْ و قدرنا لهم یعنی لمشركی مكة قُرَناءَ أخدانا (1)من الشیاطین من جمع قرین كقوله وَ مَنْ یَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَیِّضْ لَهُ شَیْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِینٌ (2)فإن قلت كیف جاز أن یقیض لهم القرناء من الشیاطین و هو ینهاهم عن اتباع خطواتهم قلت معناه أنه خذلهم و منعهم التوفیق لتصمیمهم علی الكفر فلم یبق لهم قرناء سوی الشیاطین و الدلیل علیه و من یعش نقیض.

ما بَیْنَ أَیْدِیهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ ما تقدم من أعمالهم و ما هم عازمون علیها أو ما بین أیدیهم

ص: 189


1- جمع الخدن بكسر الخاء و سكون الدال: الحبیب و الصاحب.
2- الزخرف: 36.

من أمر الدنیا و اتباع الشهوات و ما خلفهم من أمر العاقبة و أن لا بعث و لا حساب وَ حَقَّ عَلَیْهِمُ الْقَوْلُ یعنی كلمة العذاب فِی أُمَمٍ فی جملة أمم إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِینَ تعلیل لاستحقاقهم العذاب.

و قال الطبرسی رحمه اللّٰه فی قوله لِیَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِیًّا معناه أن الوجه فی اختلاف الرزق بین العباد فی الضیق و السعة زیادة علی ما فیه من المصلحة أن فی ذلك تسخیرا من بعض العباد لبعض بإحواجهم إلیه یستخدم بعضهم بعضا فینتفع أحدهم بعمل الآخر له فینتظم بذلك قوام أمر العالم و قیل معناه لیملك بعضهم بعضا بما لهم فیتخذونهم عبیدا و ممالیك.

و قال فی قوله تعالی وَ مَنْ یَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ أی یعرض عنه نُقَیِّضْ لَهُ شَیْطاناً أی نخلی بینه و بین الشیطان الذی یغویه فیصیر قرینه عوضا عن ذكر اللّٰه و قیل معناه نقرن به شیطانا فی الآخرة یلزمه فیذهب به إلی النار كما أن المؤمن یقرن به ملك فلا یفارقه حتی یصیر به إلی الجنة.

و قال السید المرتضی رضی اللّٰه عنه فیما مر فی سورة الأعراف من قوله تعالی سَأَصْرِفُ عَنْ آیاتِیَ الآیة فیه وجوه أولها أن یكون تعالی عنی بذلك صرفهم عن ثواب اللّٰه النظر فی الآیات و عن العز و الكرامة اللذین یستحقهما من أدی الواجب علیه فی آیات اللّٰه تعالی و أدلته و تمسك بها و الآیات علی هذا التأویل یحتمل أن تكون سائر الأدلة و یحتمل أن تكون معجزات الأنبیاء علیهم السلام خاصة و هذا التأویل یطابقه الظاهر لأنه تعالی قال ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآیاتِنا وَ كانُوا عَنْها غافِلِینَ فبین أن صرفهم من الآیات یستحق بتكذیبهم و لا یلیق ذلك إلا بما ذكرناه.

و ثانیها أن یصرفهم عن زیادة المعجزات التی یظهرها علی الأنبیاء بعد قیام الحجة بما تقدم من آیاتهم و معجزاتهم لأنه تعالی إنما یظهر هذا الضرب من المعجزات إذا علم أنه یؤمن عنده من لم یؤمن بما تقدم من الآیات فإذا علم خلاف ذلك لم یظهرها و صرف الذین علم من حالهم أنهم لا یؤمنون بها عنها و یكون الصرف علی أحد وجهین إما بأن لا یظهرها جملة أو بأن یصرفهم عن مشاهدتها و یظهرها بحیث ینتفع بها غیرهم.

ص: 190

و ثالثها أن یكون معنی سَأَصْرِفُ عَنْ آیاتِیَ أی لا أوتیها من هذه صفته و إذا صرفهم عنها فقد صرفها عنهم و كلا اللفظین یفید معنی واحدا.

و رابعها أن یكون المراد بالآیات العلامات التی یجعلها اللّٰه فی قلوب المؤمنین لیدل بها الملائكة علی الفرق بین المؤمن و الكافر فیفعلوا بكل واحد منها ما یستحقه من التعظیم أو الاستخفاف كما تأول أهل الحق الطبع و الختم اللذین ورد بهما القرآن علی أن المراد بهما العلامة الممیزة بین الكافر و المؤمن و یكون معنی سأصرفهم عنها أی أعدل بهم عنها و أخص بها المؤمنین المصدقین بآیاتی و أنبیائی.

و خامسها أن یرید تعالی أنی أصرف من رام المنع من أداء آیاتی و تبلیغها لأن من الواجب علی اللّٰه أن یحول بین من رام ذلك و بینه و لا یمكن منه لأنه ینقض الغرض فی البعثة.

و سادسها أن یكون الصرف هنا الحكم و التسمیة و الشهادة و معلوم أن من شهد علی غیره بالانصراف عن شی ء جاز أن یقال له صرفه عنه كما یقال له صرفه عنه كما یقال أكفره و كذبه و فسقه.

و سابعها أنه تعالی لما علم أن الذین یتكبرون فی الأرض بغیر الحق سینصرفون عن النظر فی آیاته و الإیمان بها إذا أظهرها علی أیدی رسله جاز أن یقول سأصرف عن آیاتی فیرید سأظهر ما ینصرفون بسوء اختیارهم عنه و یجری ذلك مجری قولهم سأبخل فلانا أی أسأله ما یبخل ببذله و الآیات إما المعجزات أو جمع الأدلة.

و ثامنها أن یكون الصرف هاهنا المنع من إبطال الآیات و الحجج و القدح فیها بما یخرجها عن أن تكون أدلة و حججا فیكون تقدیر الكلام إنی بما أؤیده من حججی و أحكمه من آیاتی و بیناتی سأصرف المبطلین و المكذبین عن القدح فی الآیات و الدلالات.

و تاسعها أن اللّٰه عز و جل لما وعد موسی علیه السلام و أمته لهلاك عدوهم قال سَأَصْرِفُ عَنْ آیاتِیَ الَّذِینَ یَتَكَبَّرُونَ فِی الْأَرْضِ بِغَیْرِ الْحَقِّ فأراد عز و جل أنه یهلكهم و یصطلمهم و یحتاجهم علی طریق العقوبة لهم بما قد كان منهم من التكذیب بآیات اللّٰه

ص: 191

تعالی و الرد لحججه و هو تعالی إذا أهلك هؤلاء الجبارین فقد صرفهم عن آیاته من حیث اقتطعهم عن مشاهدتها و النظر فیها.

و فی قوله تعالی یَتَكَبَّرُونَ فِی الْأَرْضِ بِغَیْرِ الْحَقِّ وجهان أحدهما أن یكون ذلك علی سبیل التأكید و التغلیظ و البیان عن أن التكبر لا یكون إلا بغیر الحق.

و الثانی أن فی التكبر ما یكون ممدوحا لأن من تكبر و تنزه عن الفواحش و تباعد عن فعلها و تجنب أهلها یكون مستحقا للمدح و إنما التكبر المذموم هو الواقع علی وجه النخوة و البغی و الاستطالة علی ذوی الضعف و الفخر علیهم و المباهاة لهم.

ثم المراد بالغفلة فی الآیة التشبیه لا الحقیقة و وجه التشبیه أنهم لما أعرضوا عن تأمل آیات اللّٰه تعالی و الانتفاع بها اشتبهت حالهم حال من كان ساهیا غافلا عنها كما قال تعالی صُمٌّ بُكْمٌ عُمْیٌ علی هذا المعنی انتهی ملخص كلامه رحمه اللّٰه و قد بسط الكلام فیها بما لا مزید علیه.

و قال رضی اللّٰه عنه فی قوله تعالی یُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَی النُّورِ أما النور و الظلمة المذكوران فی الآیة فجائز أن یكون المراد بهما الإیمان و الكفر و جائز أیضا أن یراد بهما الجنة و النار و الثواب و العقاب و قد تصح الكنایة عن الثواب و النعیم فی الجنة بأنه نور و عن العقاب فی النار بأنه ظلمة و إذا كان المراد بهما الجنة و النار ساغ إضافة إخراجهم من الظلمات إلی النور إلیه تعالی لأنه لا شبهة فی أنه جل و عز هو المدخل للمؤمن الجنة و العادل به عن طریق النار و الظاهر بما ذكرناه أشبه لأنه یقتضی أن المؤمن الذی ثبت كونه مؤمنا یخرج من الظلمة إلی النور فلو حمل علی الإیمان و الكفر لتناقض المعنی و لصار تقدیر الكلام أنه یخرج المؤمن الذی تقدم كونه مؤمنا من الكفر إلی الإیمان و ذلك لا یصح علی أنا لو حملنا الكلام علی الإیمان و الكفر لصح و لم یكن مقتضیا لما توهموه و یكون وجه إضافة الإخراج إلیه و إن لم یكن الإیمان من فعله من حیث دل و بین و أرشد و لطف و سهل و قد علمنا أنه لو لا هذه الأمور لم یخرج المكلف من الكفر إلی الإیمان فتصح إضافة الإخراج إلیه لكون ما عددناه من جهته و علی هذا یصح من أحدنا إذا أشار علی غیره

ص: 192

بدخول بلد من البلدان و رغبة فی ذلك و عرفه ما فیه من الصلاح أو بمجانبة فعل من الأفعال أن یقول أنا أدخلت فلانا البلد الفلانی و أنا أخرجته من كذا و كذا أ لا تری أنه تعالی قد أضاف إخراجهم من النور إلی الظلمات إلی الطواغیت و إن لم یدل ذلك علی أن الطاغوت هو الفاعل للكفر للكفار بل وجه الإضافة ما تقدم لأن الشیاطین یغوون و یدعون إلی الكفر و یزینون فعله فكیف اقتضت الإضافة الأولی أن الإیمان من فعل اللّٰه فی المؤمن و لم تقتض الإضافة الثانیة أن الكفر من فعل الشیاطین فی الكفار لو لا بله المخالفین و غفلتهم و بعد فلو كان الأمر علی ما ظنوه لما صار اللّٰه ولیا للمؤمنین و ناصرا لهم علی ما اقتضته الآیة و الإیمان من فعله لا من فعلهم و لما كان خاذلا للكفار و مضیفا لولایتهم إلی الطاغوت و الكفر من فعله بهم و لم فصل بین الكافر و المؤمن فی باب الولایة و هو المتولی لفعل الأمرین فیهما و مثل هذا لا یذهب علی أحد و لا یعرض عنه إلا معاند مغالط لنفسه.

و قال رضی اللّٰه عنه فی قوله تعالی رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا فیه وجوه أولها أن یكون المراد بالآیة ربنا لا تشدد علینا المحنة فی التكلیف و لا تشق علینا فیه فیفضی بنا إلی ضیق قلوبنا بعد الهدایة و لیس یمتنع أن یضیفوا ما یقع من زیغ قلوبهم عند تشدیده تعالی المحنة علیهم إلیه كما قال تعالی فی السورة أنها فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَی رِجْسِهِمْ (1)فإن قیل كیف یشدد المحنة علیهم قلنا بأن یقوی شهواتهم لما فی عقولهم (2)و نفورهم عن الواجب علیهم فیكون التكلیف علیهم بذلك شاقا و الثواب المستحق علیهم عظیما متضاعفا و إنما یحسن أن یجعله شاقا تعریضا لهذه المنزلة.

و ثانیها أن یكون ذلك دعاء بالتثبیت علی الهدایة و إمدادهم بالألطاف التی معها یستمرون علی الإیمان.

فإن قیل و كیف یكون مزیغا لقلوبهم بأن لا یفعل اللطف قلنا من حیث كان المعلوم أنه متی قطع إمدادهم بألطافه و توفیقاته زاغوا و انصرفوا عن الإیمان و یجری

ص: 193


1- التوبة: 125.
2- فی الأمالی المطبوع هكذا: بأن یقوی شهواتهم لما قبحه فی عقولهم.

هذا مجری قولهم اللّٰهم لا تسلط علینا من لا یرحمنا معناه لا تخل بیننا و بین من لا یرحمنا فیتسلط علینا فكأنهم قالوا لا تخل بیننا و بین نفوسنا و تمنعنا ألطافك فنزیغ و نضل.

و ثالثها ما ذكره الجبائی و هو أن المعنی لا تزغ قلوبنا عن ثوابك و رحمتك و معنی هذا السؤال أنهم سألوا اللّٰه أن یلطف لهم فی فعل الإیمان حتی یقیموا علیه و لا یتركوه فی مستقبل عمرهم فیستحقوا بترك الإیمان أن تزیغ قلوبهم عن الثواب و أن یفعل بهم بدلا منه العقاب.

و رابعها أن تكون الآیة محمولة علی الدعاء بأن لا یزیغ القلوب عن الیقین و الإیمان و لا یقتضی ذلك أنه تعالی سئل ما كان لا یحب أن یفعله و ما لو لا المسألة لجاز فعله لأنه غیر ممتنع أن ندعوه علی سبیل الانقطاع إلیه و الافتقار إلی ما عنده بأن یفعل ما نعلم أنه لا بد من أن یفعله و بأن لا یفعل ما نعلم أنه واجب أن لا یفعله إذا تعلق بذلك ضرب من المصلحة كما قال تعالی حاكیا عن إبراهیم وَ لا تُخْزِنِی یَوْمَ یُبْعَثُونَ (1)و كما قال تعالی فی تعلیمنا ما ندعو به قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَ رَبُّنَا الرَّحْمنُ (2)و كقوله تعالی رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ (3)و قال رضی اللّٰه عنه فی قول نوح علیه السلام لا یَنْفَعُكُمْ نُصْحِی إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ یُرِیدُ أَنْ یُغْوِیَكُمْ لیس فی هذه الآیة ما یقتضی خلاف مذهبنا لأنه تعالی لم یقل إنه فعل الغوایة أو أرادها و إنما أخبر أن نصح النبی علیه السلام لا ینفع إن كان اللّٰه یرید غوایتهم و وقوع الإرادة لذلك أو جواز وقوعها لا دلالة علیهم فی الظاهر علی أن الغوایة هاهنا الخیبة و حرمان الثواب و یشهد بصحة ما ذكرناه فی هذه اللفظة قول الشاعر:

فمن یلق خیرا یحمد الناس أمره***و من یغو لا یعدم علی الغی لائما.

فكأنه قال إن كان اللّٰه یرید أن یخیبكم و یعاقبكم بسوء عملكم و كفركم و یحرمكم ثوابه فلیس ینفعكم نصحی ما دمتم مقیمین علی ما أنتم علیه إلا أن تقلعوا و تتوبوا

ص: 194


1- الشعراء: 87.
2- الأنبیاء: 112.
3- البقرة: 286.

و قد سمی اللّٰه تعالی العقاب غیا فقال فَسَوْفَ یَلْقَوْنَ غَیًّا (1)و ما قبل هذه الآیة یشهد لما ذكرناه و أن القوم استعجلوا عقاب اللّٰه تعالی فقالوا یا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِینَ قالَ إِنَّما یَأْتِیكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِینَ وَ لا یَنْفَعُكُمْ نُصْحِی الآیة فأخبر أن نصحه لا ینفع من یرید اللّٰه أن ینزل به العذاب و لا یغنی عنه شیئا.

و قال جعفر بن حرب إن الآیة تتعلق بأنه كان فی قوم نوح طائفة تقول بالجبر فنبههم اللّٰه تعالی بهذا القول علی فساد مذاهبهم و قال لهم علی طریق الإنكار علیهم و التعجب من قولهم إن كان القول كما تقولون من أن اللّٰه یفعل فیكم الكفر و الفساد فما ینفعكم نصحی فلا تطلبوا منی نصحا فأنتم علی قولكم لا تنتفعون به و هذا جید.

و روی عن الحسن فی هذه الآیة وجه صالح و هو أنه قال المعنی فیها إن كان اللّٰه یرید أن یعذبكم فلیس ینفعكم نصحی عند نزول العذاب بكم و إن قبلتموه و آمنتم به لأن من حكم اللّٰه تعالی أن لا یقبل الإیمان عند نزول العذاب و كل هذا واضح فی زوال الشبهة فی الآیة.

أقول إنما بسطنا الكلام فیما نقلناه عن الأفاضل الأعلام فی تفسیر تلك الآیات من كلام الملك العلام لتحیط خبرا بما ذكره أهل العدل فیها لدفع شبه المخالفین و سنتلو علیك ما ورد فی تأویلها نقلا عن أئمة الدین صلوات اللّٰه و سلامه علیهم أجمعین ما تتخلص به من شبه المبطلین.

«1»-كا، الكافی عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِی نَصْرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِی عُبَیْدَةَ الْحَذَّاءِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ علیه السلام عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ وَ قَوْلِ النَّاسِ فَقَالَ وَ تَلَا هَذِهِ الْآیَةَ وَ لا یَزالُونَ مُخْتَلِفِینَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ یَا أَبَا عُبَیْدَةَ النَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِی إِصَابَةِ الْقَوْلِ وَ كُلُّهُمْ هَالِكٌ قَالَ قُلْتُ قَوْلُهُ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ قَالَ هُمْ شِیعَتُنَا وَ لِرَحْمَةٍ خَلَقَهُمْ (2)وَ هُوَ قَوْلُهُ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ یَقُولُ لِطَاعَةِ الْإِمَامِ.

ص: 195


1- مریم: 59.
2- فی المصدر: و لرحمته. م.

عد، العقائد اعتقادنا فی الفطرة و الهدایة أن اللّٰه عز و جل فطر جمیع الخلق علی التوحید و ذلك قوله عز و جل فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِی فَطَرَ النَّاسَ عَلَیْها

«2»-وَ قَالَ الصَّادِقُ علیه السلام فِی قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ ما كانَ اللَّهُ لِیُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّی یُبَیِّنَ لَهُمْ ما یَتَّقُونَ قَالَ حَتَّی یُعَرِّفَهُمْ مَا یُرْضِیهِ وَ مَا یُسْخِطُهُ.

«3»-وَ قَالَ: فِی قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها قَالَ بَیَّنَ لَهَا مَا تَأْتِی وَ مَا تَتْرُكُ (1).

«4»-وَ قَالَ: (2)فِی قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِنَّا هَدَیْناهُ السَّبِیلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً قَالَ عَرَّفْنَاهُ إِمَّا آخِذاً وَ إِمَّا تَارِكاً.

«5»-وَ فِی قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَیْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمی عَلَی الْهُدی قَالَ وَ هُمْ یَعْرِفُونَ.

«6»-وَ سُئِلَ (3)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ هَدَیْناهُ النَّجْدَیْنِ قَالَ نَجْدَ الْخَیْرِ وَ نَجْدَ الشَّرِّ.

«7»-وَ قَالَ علیه السلام مَا حَجَبَ اللَّهُ عِلْمَهُ عَنِ الْعِبَادِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنْهُمْ.

«8»-وَ قَالَ علیه السلام إِنَّ اللَّهَ احْتَجَّ عَلَی النَّاسِ بِمَا آتَاهُمْ وَ عَرَّفَهُمْ.

«9»-ما، الأمالی للشیخ الطوسی الْحُسَیْنُ بْنُ إِبْرَاهِیمَ الْقَزْوِینِیُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَهْبَانَ (4)عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِیمَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِیٍّ الزَّعْفَرَانِیِّ عَنِ الْبَرْقِیِّ عَنْ أَبِیهِ عَنِ ابْنِ أَبِی عُمَیْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام فِی قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ هَدَیْناهُ النَّجْدَیْنِ قَالَ نَجْدَ الْخَیْرِ وَ الشَّرِّ (5)

ص: 196


1- فی المصدر: و ما تترك من المعاصی. م.
2- فی المصدر: و قال تعالی: «إِنَّا هَدَیْناهُ» الآیة. م.
3- فی المصدر: و سئل عن الصادق علیه السلام. م.
4- بفتح الواو و سكون الهاء، ترجمه النجاشیّ فی ص 282 من رجاله و قال: إنّه ثقة من أصحابنا، واضح الروایة، قلیل التخلیط، له كتب إه.
5- النجد: المكان الغلیظ الرفیع، و قوله: «هَدَیْناهُ النَّجْدَیْنِ» مثل لطریقی الحق و الباطل فی الاعتقاد، و الصدق و الكذب فی المقال، و الجمیل و القبیل فی الفعال، قاله الراغب فی المفردات.

«10»-نهج، نهج البلاغة قَالَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ علیه السلام عَرَفْتُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ وَ حَلِّ الْعُقُودِ (1).

«11»-فس، تفسیر القمی فِی رِوَایَةِ أَبِی الْجَارُودِ عَنْ أَبِی جَعْفَرٍ علیه السلام فِی قَوْلِهِ تَعَالَی قُلْ أَ رَأَیْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَ أَبْصارَكُمْ وَ خَتَمَ عَلی قُلُوبِكُمْ یَقُولُ أَخَذَ اللَّهُ مِنْكُمُ الْهُدَی مَنْ إِلهٌ غَیْرُ اللَّهِ یَأْتِیكُمْ بِهِ

«12»-فس، تفسیر القمی فِی رِوَایَةِ أَبِی الْجَارُودِ عَنْ أَبِی جَعْفَرٍ علیه السلام فِی قَوْلِهِ وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ یَقُولُ وَ نَنْكُسُ قُلُوبَهُمْ فَیَكُونُ أَسْفَلُ قُلُوبِهِمْ أَعْلَاهَا وَ نُعْمِی (2)أَبْصَارَهُمْ فَلَا یُبْصِرُونَ الْهُدَی.

«13»-فس، تفسیر القمی فِی رِوَایَةِ أَبِی الْجَارُودِ عَنْ أَبِی جَعْفَرٍ علیه السلام فِی قَوْلِهِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا یَفْقَهُونَ بِها یَقُولُ (3)طَبَعَ اللَّهُ عَلَیْهَا فَلَا تَعْقِلُ وَ لَهُمْ أَعْیُنٌ عَلَیْهَا غِطَاءٌ عَنِ الْهُدَی لا یُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا یَسْمَعُونَ بِها جَعَلَ فِی آذَانِهِمْ وَقْراً فَلَمْ یَسْمَعُوا الْهُدَی.

«14»-فس، تفسیر القمی أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ كَثِیرِ بْنِ عَیَّاشٍ عَنْ أَبِی الْجَارُودِ عَنْ أَبِی جَعْفَرٍ علیه السلام فِی قَوْلِهِ وَ الَّذِینَ كَذَّبُوا بِآیاتِنا صُمٌّ وَ بُكْمٌ یَقُولُ صُمٌّ عَنِ الْهُدَی وَ بُكْمٌ لَا یَتَكَلَّمُونَ بِخَیْرٍ فِی الظُّلُماتِ یَعْنِی ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ مَنْ یَشَأِ اللَّهُ یُضْلِلْهُ وَ مَنْ یَشَأْ یَجْعَلْهُ عَلی صِراطٍ مُسْتَقِیمٍ وَ هُوَ رَدٌّ عَلَی قَدَرِیَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ یَحْشُرُهُمُ اللَّهُ یَوْمَ الْقِیَامَةِ مَعَ الصَّابِئِینَ وَ النَّصَارَی وَ الْمَجُوسِ فَیَقُولُونَ وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِینَ یَقُولُ اللَّهُ انْظُرْ كَیْفَ كَذَبُوا عَلی أَنْفُسِهِمْ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا یَفْتَرُونَ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله أَلَا إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوساً وَ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّذِینَ یَقُولُونَ لَا قَدَرَ وَ یَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَشِیَّةَ وَ الْقُدْرَةَ إِلَیْهِمْ وَ لَهُمْ.

ص: 197


1- العزائم جمع العزیمة: الإرادة المؤكدة. و فسخها نقضها. و العقود جمع العقد بمعنی النیة تنعقد علی فعل أمر، و بهذا النقض و الحل یعرف أن هناك قدرة سامیة قاهرة فوق إرادة البشر و مشیئته تحول بین الإنسان و إرادته، و هی قدرة اللّٰه تعالی، و لو لا هالكان الإنسان أمضی ما عزم، و فعل ما عقد.
2- فی المصدر: و یعمی ابصارهم. م.
3- فی المصدر: ای طبع اللّٰه. م.

«15»-فس، تفسیر القمی مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُوسَی بْنِ عِمْرَانَ عَنِ النَّوْفَلِیِّ عَنِ السَّكُونِیِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَی أَبِی عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَیْهِ وَ أَنَا عِنْدَهُ فَقَالَ یَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ یَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِیتاءِ ذِی الْقُرْبی وَ یَنْهی عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْیِ یَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَ قَوْلُهُ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِیَّاهُ فَقَالَ نَعَمْ لَیْسَ لِلَّهِ فِی عِبَادِهِ أَمْرٌ إِلَّا الْعَدْلُ وَ الْإِحْسَانُ فَالدُّعَاءُ مِنَ اللَّهِ عَامٌّ وَ الْهُدَی خَاصٌّ مِثْلُ قَوْلِهِ یَهْدِی مَنْ یَشاءُ إِلی صِراطٍ مُسْتَقِیمٍ وَ لَمْ یَقُلْ وَ یَهْدِی جَمِیعَ مَنْ دَعَاهُ (1)إِلَی صِرَاطٍ مُسْتَقِیمٍ.

«16»-لی، الأمالی للصدوق أَبِی عَنْ عَلِیِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُتَیْبَةَ عَنْ حَمْدَانَ بْنِ سُلَیْمَانَ عَنْ نُوحِ بْنِ شُعَیْبٍ عَنِ ابْنِ بَزِیعٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَضْرَمِیِّ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِیهِ عَنْ آبَائِهِ علیهم السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی اللّٰه علیه و آله قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ عِبَادِی كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَیْتُهُ وَ كُلُّكُمْ فَقِیرٌ إِلَّا مَنْ أَغْنَیْتُهُ وَ كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلَّا مَنْ عَصَمْتُهُ.

«17»-ب، قرب الإسناد ابْنُ سَعْدٍ (2)عَنِ الْأَزْدِیِّ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَیْراً أَخَذَ بِعُنُقِهِ فَأَدْخَلَهُ (3)فِی هَذَا الْأَمْرِ إِدْخَالًا.

«18»-ب، قرب الإسناد الْیَقْطِینِیُّ عَنْ نُبَاتَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ سَمِعْتُهُ یَقُولُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَیْراً وَكَّلَ بِهِ مَلَكاً فَأَخَذَ بِعَضُدِهِ فَأَدْخَلَهُ فِی هَذَا الْأَمْرِ.

«19»-ب، قرب الإسناد هَارُونُ عَنِ ابْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام أَنَّهُ قَالَ: كُونُوا دُعَاةَ النَّاسِ بِأَعْمَالِكُمْ وَ لَا تَكُونُوا دُعَاةً بِأَلْسِنَتِكُمْ فَإِنَّ الْأَمْرَ لَیْسَ حَیْثُ یَذْهَبُ إِلَیْهِ النَّاسُ إِنَّهُ مَنْ أَخَذَ مِیثَاقَهُ أَنَّهُ مِنَّا فَلَیْسَ بِخَارِجٍ مِنَّا وَ لَوْ ضَرَبْنَا خَیْشُومَهُ بِالسَّیْفِ وَ مَنْ لَمْ یَكُنْ مِنَّا ثُمَّ حَبَوْنَا (4)لَهُ الدُّنْیَا لَمْ یُحِبَّنَا.

ص: 198


1- فی المصدر: جمیع من دعا. م.
2- لم نجد الحدیث فی المصدر بهذا السند، و فیه: عنه، عن بكر بن محمّد، عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام. م.
3- فی نسخة من المصدر: فیدخله. م.
4- الحبوة: العطیة.

بیان: قوله علیه السلام لیس حیث یذهب إلیه الناس أی أنهم یقدرون علی هدایة الناس بالاحتجاج علیهم و لعل المقصود فی تلك الأخبار زجر الشیعة عن المعارضات و المجادلات مع المخالفین بحیث یتضررون بها فإنهم كانوا یبالغون فی ذلك ظنا منهم أنهم یقدرون بذلك علی هدایة الخلق و لیس الغرض منع الناس عن هدایة الخلق فی مقام یظنون النفع و لم یكن مظنة ضرر فإن ذلك من أعظم الواجبات.

«20»-ب، قرب الإسناد أَحْمَدُ عَنِ الْبَزَنْطِیِّ قَالَ: قُلْتُ لَهُ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی إِنَّ عَلَیْنا لَلْهُدی قَالَ اللَّهُ (1)یَهْدِی مَنْ یَشَاءُ وَ یُضِلُّ مَنْ یَشَاءُ فَقُلْتُ لَهُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ إِنَّ قَوْماً مِنْ أَصْحَابِنَا یَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ مُكْتَسَبَةٌ وَ أَنَّهُمْ إِذَا نَظَرُوا مِنْهُ (2)وَجْهَ النَّظَرِ أَدْرَكُوا فَأَنْكَرَ علیه السلام ذَلِكَ وَ قَالَ فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا یَكْتَسِبُونَ الْخَیْرَ لِأَنْفُسِهِمْ لَیْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا وَ هُوَ یُحِبُّ أَنْ یَكُونَ خَیْراً مِمَّنْ هُوَ خَیْرٌ مِنْهُ هَؤُلَاءِ بَنِی هَاشِمٍ مَوْضِعُهُمْ مَوْضِعُهُمْ وَ قَرَابَتُهُمْ قَرَابَتُهُمْ وَ هُمْ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ أَ فَتَرَوْنَ (3)أَنَّهُمْ لَا یَنْظُرُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَ قَدْ عَرَفْتُمْ وَ لَمْ یَعْرِفُوا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ علیه السلام لَوِ اسْتَطَاعَ النَّاسُ لَأَحَبُّونَا.

«21»-ید، التوحید مع، معانی الأخبار الْوَرَّاقُ وَ السِّنَانِیُّ (4)عَنِ ابْنِ زَكَرِیَّا الْقَطَّانِ عَنِ ابْنِ حَبِیبٍ عَنِ ابْنِ بُهْلُولٍ عَنْ أَبِیهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَیْمَانَ الْبَصْرِیِّ عَنِ الْهَاشِمِیِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ علیهما السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَنْ یَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ یُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِیًّا مُرْشِداً فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی یُضِلُّ الظَّالِمِینَ یَوْمَ الْقِیَامَةِ عَنْ دَارِ كَرَامَتِهِ وَ یَهْدِی أَهْلَ الْإِیمَانِ وَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ إِلَی جَنَّتِهِ كَمَا قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ یُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِینَ وَ یَفْعَلُ اللَّهُ ما یَشاءُ وَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِنَّ الَّذِینَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ یَهْدِیهِمْ رَبُّهُمْ بِإِیمانِهِمْ تَجْرِی مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِی جَنَّاتِ النَّعِیمِ قَالَ فَقُلْتُ فَقَوْلُهُ وَ ما تَوْفِیقِی إِلَّا بِاللَّهِ وَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِنْ یَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ یَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِی

ص: 199


1- فی المصدر: فقلت له قول اللّٰه تبارك و تعالی: «إِنَّ عَلَیْنا لَلْهُدی قال: ان اللّٰه. م.
2- فی المصدر: إذا نظروا من وجه النظر. م.
3- فی المصدر: افتری. م.
4- فی التوحید و المعانی: الوراق و السنانی و الدقاق قالوا: حدّثنا القطان. م.

یَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ فَقَالَ إِذَا فَعَلَ الْعَبْدُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ مِنَ الطَّاعَةِ كَانَ فِعْلُهُ وِفْقاً لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ سُمِّیَ الْعَبْدُ بِهِ مُوَفَّقاً وَ إِذَا أَرَادَ الْعَبْدُ أَنْ یَدْخُلَ فِی شَیْ ءٍ مِنْ مَعَاصِی اللَّهِ فَحَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَی بَیْنَهُ وَ بَیْنَ تِلْكَ الْمَعْصِیَةِ فَتَرَكَهَا كَانَ تَرْكُهُ لَهَا بِتَوْفِیقِ اللَّهِ تَعَالَی وَ مَتَی خُلِّیَ بَیْنَهُ وَ بَیْنَ الْمَعْصِیَةِ فَلَمْ یَحُلْ بَیْنَهُ وَ بَیْنَهَا حَتَّی یَرْتَكِبَهَا فَقَدْ خَذَلَهُ وَ لَمْ یَنْصُرْهُ وَ لَمْ یُوَفِّقْهُ.

«22»-ید، التوحید مع، معانی الأخبار ن، عیون أخبار الرضا علیه السلام ابْنُ عُبْدُوسٍ عَنِ ابْنِ قُتَیْبَةَ عَنْ حَمْدَانَ بْنِ سُلَیْمَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِیَّ بْنَ مُوسَی الرِّضَا علیهما السلام (1)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَمَنْ یُرِدِ اللَّهُ أَنْ یَهْدِیَهُ یَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ قَالَ مَنْ یُرِدِ اللَّهُ أَنْ یَهْدِیَهُ بِإِیمَانِهِ فِی الدُّنْیَا إِلَی جَنَّتِهِ وَ دَارِ كَرَامَتِهِ فِی الْآخِرَةِ یَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلتَّسْلِیمِ لِلَّهِ وَ الثِّقَةِ بِهِ وَ السُّكُونِ إِلَی مَا وَعَدَهُ مِنْ ثَوَابِهِ حَتَّی یَطْمَئِنَّ إِلَیْهِ وَ مَنْ یُرِدْ أَنْ یُضِلَّهُ عَنْ جَنَّتِهِ وَ دَارِ كَرَامَتِهِ فِی الْآخِرَةِ لِكُفْرِهِ بِهِ وَ عِصْیَانِهِ لَهُ فِی الدُّنْیَا یَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَیِّقاً حَرَجاً حَتَّی یَشُكَّ فِی كُفْرِهِ وَ یَضْطَرِبَ مِنِ اعْتِقَادِهِ قَلْبُهُ حَتَّی یَصِیرَ كَأَنَّما یَصَّعَّدُ فِی السَّماءِ كَذلِكَ یَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَی الَّذِینَ لا یُؤْمِنُونَ.

ج، الإحتجاج مرسلا عنه علیه السلام مثله.

«23»-مع، معانی الأخبار أَبِی عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِیسَی عَنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام فِی قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مَنْ یُرِدْ أَنْ یُضِلَّهُ یَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَیِّقاً حَرَجاً فَقَالَ قَدْ یَكُونُ ضَیِّقاً وَ لَهُ مَنْفَذٌ یَسْمَعُ مِنْهُ وَ یُبْصِرُ وَ الْحَرَجُ هُوَ الْمُلْتَامُ الَّذِی لَا مَنْفَذَ لَهُ یَسْمَعُ بِهِ وَ لَا یُبْصِرُ مِنْهُ.

«24»-م، تفسیر الإمام علیه السلام ج، الإحتجاج بِالْإِسْنَادِ إِلَی أَبِی مُحَمَّدٍ علیه السلام قَالَ: فِی قَوْلِهِ تَعَالَی خَتَمَ اللَّهُ عَلی قُلُوبِهِمْ وَ عَلی سَمْعِهِمْ وَ عَلی أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِیمٌ أَیْ وَسَمَهَا بِسِمَةٍ (2)یَعْرِفُهَا مَنْ یَشَاءُ مِنْ مَلَائِكَتِهِ إِذَا نَظَرُوا إِلَیْهَا بِأَنَّهُمُ الَّذِینَ لَا یُؤْمِنُونَ وَ عَلی سَمْعِهِمْ كَذَلِكَ بِسِمَاتٍ وَ عَلی أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا أَعْرَضُوا عَنِ النَّظَرِ فِیمَا كُلِّفُوهُ وَ قَصَّرُوا فِیمَا

ص: 200


1- فی التوحید و المعانی: سألت ابا الحسن علیّ بن موسی الرضا علیه السلام بنیسابور. م.
2- السمة كعدة: العلامة و أثر الكی، و الجمع سمات، ای جعل له علامة یعرف بها من یشاء.

أُرِیدَ مِنْهُمْ وَ جَهِلُوا مَا لَزِمَهُمُ الْإِیمَانُ بِهِ فَصَارُوا كَمَنْ عَلَی عَیْنَیْهِ غِطَاءٌ لَا یُبْصِرُ مَا أَمَامَهُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ یَتَعَالَی عَنِ الْبَعْثِ وَ الْفَسَادِ وَ عَنِ مُطَالَبَةِ الْعِبَادِ بِمَا مَنَعَهُمْ بِالْقَهْرِ مِنْهُ فَلَا یَأْمُرُهُمْ بِمُغَالَبَتِهِ وَ لَا بِالْمَصِیرِ إِلَی مَا قَدْ صَدَّهُمْ عَنْهُ بِالْقَسْرِ عَنْهُ (1)ثُمَّ قَالَ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِیمٌ یَعْنِی فِی الْآخِرَةِ الْعَذَابُ الْمُعَدُّ لِلْكَافِرِینَ وَ فِی الدُّنْیَا أَیْضاً لِمَنْ یُرِیدُ أَنْ یَسْتَصْلِحَهُ بِمَا یَنْزِلُ بِهِ مِنْ عَذَابِ الِاسْتِصْلَاحِ لِیُنَبِّهَهُ لِطَاعَتِهِ وَ مِنْ عَذَابِ الِاصْطِلَامِ (2)لِیُصَیِّرَهُ إِلَی عَدْلِهِ وَ حِكْمَتِهِ.

قال الطبرسی رحمه اللّٰه و روی أبو محمد العسكری علیه السلام مثل ما قال هو فی تأویل هذه الآیة من المراد بالختم علی قلوب الكفار عن الصادق علیه السلام بزیادة شرح لم نذكره مخافة التطویل لهذا الكتاب.

«25»-ن، عیون أخبار الرضا علیه السلام تَمِیمٌ الْقُرَشِیُّ عَنْ أَبِیهِ عَنِ الْأَنْصَارِیِّ عَنِ الْهَرَوِیِّ قَالَ قَالَ الرِّضَا علیه السلام فِی قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لَیْسَ ذَلِكَ عَلَی سَبِیلِ تَحْرِیمِ الْإِیمَانِ عَلَیْهَا وَ لَكِنْ عَلَی مَعْنَی أَنَّهَا مَا كَانَتْ لِتُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ إِذْنُهُ أَمْرُهُ لَهَا بِالْإِیمَانِ مَا كَانَتْ مُكَلَّفَةً مُتَعَبَّدَةً وَ إِلْجَاؤُهُ إِیَّاهَا إِلَی الْإِیمَانِ عِنْدَ زَوَالِ التَّكْلِیفِ وَ التَّعَبُّدِ عَنْهَا.

«26»-ن، عیون أخبار الرضا علیه السلام السِّنَانِیُّ عَنْ مُحَمَّدٍ الْأَسَدِیِّ عَنْ سَهْلٍ عَنْ عَبْدِ الْعَظِیمِ الْحَسَنِیِّ عَنْ إِبْرَاهِیمَ بْنِ أَبِی مَحْمُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ الرِّضَا علیه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ خَتَمَ اللَّهُ عَلی قُلُوبِهِمْ وَ عَلی سَمْعِهِمْ قَالَ الْخَتْمُ هُوَ الطَّبْعُ عَلَی قُلُوبِ الْكُفَّارِ عُقُوبَةً عَلَی كُفْرِهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَی بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَیْها بِكُفْرِهِمْ فَلا یُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِیلًا.

«27»-فس، تفسیر القمی قَوْلُهُ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ یَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَیِّئَةٌ یَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ یَعْنِی الْحَسَنَاتِ وَ السَّیِّئَاتِ ثُمَّ قَالَ فِی آخِرِ الْآیَةِ ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ ما أَصاب